######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000082 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله #META# 011.AuthorBORN :: 691 #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن القيم :: مجموعة ابن القيم في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 2*1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مفتاح دار السعادة #META# 030.LibURI :: JK_000082 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي سهل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلا واوضح لهم طرق ~~الهداية وجعل اتباع الرسول عليها دليلا واتخذهم عبيدا له فأقروا له ~~بالعبودية ولم يتخذوا من دونه وكيلا وكتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح ~~منه لما رضوا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا والحمد لله الذي أقام ~~في أزمنة الفترات من يكون ببيان سنن المرسلين كفيلا واختص هذه الامة بأنه ~~لا تزال فيها طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي ~~امره ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلا يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون ~~منهم على الاذى ويبصرون بنور الله أهل العمى ويحيون بكتابه الموتى فهم احسن ~~الناس هديا وأقومهم قيلا فكم من قتيل لابليس قد احيوه ومن ضال جاهل لا يعلم ~~طريق رشده قد هدوه ومن مبتدع في دين الله بشهب الحق قد رموه جهادا في الله ~~وابتغاء مرضاته وبيانا 4 لحججه على العالمين وبيناته وطلبا للزلفى لديه ~~ونيل رضوانه وجناته فحاربوا في الله من خرج عن دينه القويم وصراطه المستقيم ~~الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلعوا اعنة الفتنة وخالفوا الكتاب واختلفوا في ~~الكتاب واتفقوا على مفارقة الكتاب ونبذوه وراء ظهورهم وارتضوا غيره منه ~~بديلا احمده وهو المحمود على كل ما قدره وقضاه واستعينه استعانة من يعلم ~~انه لا رب له غيره ولا إله له سواه واستهديه سبل الذين انعم عليهم ممن ~~اختاره لقبول الحق وارتضاه واشكره والشكر كفيل بالمزيد من عطاياه واستغفره ~~من الذنوب التي تحول بين القلب وهداه وأعوذ بالله من شر نفسي وسيئات عملي ~~استعاذة عبد فار إلى ربه بذنوبه وخطاياه واعتصم به من الاهواء المردية ~~والبدع المضلة فما خاب من اصبح به معتصما وبحماه نزيلا واشهد ان لا اله الا ~~الله وحده لا شريك له شهادة اشهد بها مع الشاهدين واتحملها عن الجاحدين ~~وأدخرها عند الله عدة ليوم الدين واشهد ان الحلال ما حلله والحرام ما حرمه ~~والدين ما شرعه وان الساعة آتية لا ريب فيها وان ms001 الله يبعث من في القبور ~~واشهد ان محمدا عبده المصطفى ونبيه المرتضى ورسوله الصادق المصدوق الذي لا ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ارسله رحمة للعالمين وحجة للسالكين وحجة ~~على العباد اجمعين ارسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق ~~واوضح السبل وافترض على العباد طاعته وتعظيمه وتوفيره وتبجيله والقيام ~~بحقوقة وسد اليه جميع الطرق PageV01P002 فلم يفتح لاحد الا من طريقه فشرح ~~له صدره ورفع له ذكره وعلم به من الجهالة وبصر به من العمى وارشد به من ~~الغي وفتح به اعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فلم يزل قائما بأمر الله ~~لا يرده عنه راد داعيا إلى الله لا يصده عنه صاد إلى ان اشرقت برسالته ~~الأرض بعد ظلماتها وتالفت القلوب بعد شتاتها وسارت دعوته سير الشمس في ~~الاقطار وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار فلما أكمل الله به الدين وأتم به ~~النعمة على عباده المؤمنين استأثر به ونقله إلى الرفيق الاعلى من كرامته ~~والمحل الارفع الاسنى من أعلى جناته ففارق الامة وقد تركها على المحجة ~~البيضاء التي لا يزيغ عنها الا من كان من الهالكين فصلى الله عليه وعلى آله ~~الطيبين الطاهرين صلاة دائمة بدوام السموات والارضين مقيمة عليهم أبدا لا ~~تروم انتقالا عنهم ولا تحويلا # أما بعد فإن الله سبحانه لما اهبط آدم أبا البشر من الجنة لما له في ذلك ~~من الحكم التي تعجز العقول عن معرفتها والالسن عن صفتها فكان إهباطه منها ~~عين كماله ليعود اليها على احسن احواله فأراد سبحانه ان يذيقه وولده من نصب ~~الدنيا وغمومها وهمومها وأوصا بها ما يعظم به عندهم مقدار دخولهم اليها في ~~الدار الاخرة فإن الضد يظهر حسنه الضد ولو تربوا في دار النعيم لم يعرفوا ~~قدرها وأيضا فإنه سبحانه اراد أمرهم ونهيهم وابتلاءهم واختبارهم وليست ~~الجنة دار تكليف فاهبطهم إلى الأرض وعرضهم بذلك لافضل الثواب الذي لم يكن ~~لينال بدون الامر والنهي وايضا فإنه سبحانه أراد ان يتخذ منهم انبياء ورسلا ~~وأولياء ms002 وشهداء يحبهم ويحبونه فخلى بينهم وبين اعدائه وامتحنهم بهم فلما ~~آثروه وبذلوا نفوسهم واموالهم في مرضاته ومحابه نالوا من محبته روضوانه ~~والقرب منه ما لم يكن لينال بدون ذلك اصلا فدرجة الرسالة والنبوة والشهادة ~~والحب فيه والبغض فيه وموالاة اوليائه ومعاداة اعدائه عنده من افضل الدرجات ~~ولم يكن ينال هذا الا على الوجه الذي قدره وقضاه من إهباطه إلى الأرض وجعل ~~معيشته ومعيشة اولاده فيها وايضا فإنه سبحانه له الاسماء الحسنى فمن اسمائه ~~الغفور الرحيم العفو الحليم الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت ~~الوارث الصبور ولا بد من ظهور آثار هذه الاسماء فاقتضت حكمته سبحانه ان ~~ينزل آدم وذريته دارا يظهر عليهم فيها اثر اسمائه النى فيغفر فيها لمن يشاء ~~ويرحم من يشاء ويخفض من يشاء ويرفع من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ~~وينتقم ممن يشاء ويعطى ويمنع ويبسط إلى غير ذلك من ظهور اثر اسمائه وصفاته ~~وأيضا فإنه سبحانه الملك الحق المبين والملك هو الذي يأمر وينهى ويثيب ~~ويعاقب ويهين ويكرم ويعز ويذل فاقتضى ملكه سبحانه ان انزل آدم وذريته دارا ~~تجرى عليهم فيها احكام الملك ثم ينقلهم الى PageV01P003 # دار يتم عليهم فيها ذلك وايضا فإنه سبحانه أنزلهم إلى دار يكون إيمانهم ~~فيها بالغيب والايمان بالغيب هو الايمان النافع وأما الايمان بالشهادة فكل ~~أحد يؤمن يوم القيامة يوم لا ينفع نفسا إلا ايمانها في الدنيا فلو خلقوا في ~~دار النعيم لم ينالوا درجة الايمان بالغيب واللذة والكرامة الحاصلة بذلك لا ~~تحصل بدونه بل كان الحاصل لهم في دار النعيم لذة وكرامة غير هذه وايضا فإن ~~الله سبحانه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض والأرض فيها الطيب ~~والخبيث والسهل والحزن والكريم واللئيم فعلم سبحانه ان في ظهره من لا يصلح ~~لمساكنته في داره فأنزله إلى دار استخرج فيها الطيب والخبيث من صلبه ثم ~~ميزهم سبحانه بدارين فجعل الطيبين اهل جواره ومساكنته في داره وجعل الخبيث ~~اهل دار الشقاء دار الخبثاء قال الله تعالى @QB@ ليميز الله الخبيث ms003 من ~~الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم ~~الخاسرون @QE@ فلما علم سبحانه ان في ذريته من ليس بأهل لمجاورته انزلهم ~~دارا استخرج منها اولئك والحقهم بالدار التي هم لها اهل حكمة بالغة ومشيئة ~~نافذة ذلك تقدير العزيز العليم وايضا فإنه سبحانه لما قال للملائكة @QB@ ~~إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك @QE@ اجابهم بقوله @QB@ إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ ثم ~~اظهر سبحانه علمه لعباده ولملائكته بما جعله في الأرض من خواص خلقه ورسله ~~وأنبيائه وأوليائه ومن يتقرب اليه ويبذل نفسه في محبته ومرضاته مع مجاهدة ~~شهوته وهواه فيترك محبوباته تقربا الي ويترك شهواته ابتغاء مرضاتي ويبذل ~~دمه ونفسه في محبتي وأخصه بعلم لا تعلمونه يسبح بحمدي آناء الليل وأطراف ~~النهار ويعبدني مع معارضات الهوى والشهوة والنفس والعدو إذ تعبدوني أنتم من ~~غير معارض يعارضكم ولا شهوة تعتريكم ولا عدو أسلطه عليكم بل عبادتكم لي ~~بمنزلة النفس لاحدهم وأيضا فإني اريد ان اظهر ما خفى عليكم من شأن عدوي ~~ومحاربته لي وتكبره عن أمري وسعيه في خلاف مرضاتي وهذا وهذا كانا كامنين ~~مستترين في أبي البشر وأبي الجن فأنزلهم دارا اظهر فيها ما كان الله سبحانه ~~منفردا بعلمه لا يعلمه سواه وظهرت حكمته وتم امره وبدا للملائكة من علمه ما ~~لم يكونوا يعلمون وايضا فإنه سبحانه لما كان يحب الصابرين ويحب المحسنين ~~ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب ~~الشاكرين وكانت محبته اعلى انواع الكرامات اقتضت حكمته ان أسكن آدم وبنيه ~~دارا يأتون فيها بهذه الصفات التي ينالون بها أعلى الكرامات من محبته فكان ~~إنزالهم إلى الأرض من اعظم النعم عليهم @QB@ والله يختص برحمته من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم @QE@ وأيضا فإنه سبحانه أراد ان يتخذ من آدم ذرية ~~يواليهم ويودهم ويحبهم ويحبونه فمحبتهم له هي غاية كمالهم ونهاية شرة ~~PageV01P004 # ولم يمكن تحقيق هذه المرتبة السنية الا بموافقة رضاه وأتباع امره ms004 وترك ~~إرادات النفس وشهواتها التي يكرهها محبوبهم فأنزلهم دارا امرهم فيها ونهاهم ~~فقاموا بأمره ونهيه فنالوا درجة محبتهم له فأنالهم درجة حبه إياهم وهذا من ~~تمام حكمته وكمال رحمته وهو البر الرحيم وايضا فإنه سبحانه لما خلق خلقه ~~اطوارا وأصنافا وسبق في حكمه تفضيله آدم وبنيه على كثير من مخلوقاته جعل ~~عبوديته افضل درجاتهم اعنى العبودية الاختيارية التي يأتون بها طوعا ~~واختيارا لا كرها واضطرارا وقد ثبت ان الله سبحانه ارسل جبريل إلى النبي ~~يخيره بين ان يكون ملكا نبيا أو عبدا نبيا فنظر إلى جبريل كالمستشير له ~~فاشار اليه ان تواضع فقال بل ان اكون عبدا نبيا فذكره سبحانه باسم عبوديته ~~في أشرف مقاماته في مقام الاسراء ومقام الدعوة ومقام التحدي فقال في مقام ~~الاسراء @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ ولم يقل برسوله ولا نبيه ~~إشارة إلى انه قام هذا المقام الاعظم بكمال عبوديته لربه وقال في مقام ~~الدعوة @QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا @QE@ وقال ~~في مقام التحدي وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وفي الصحيحين في حديث الشفاعة وتراجع الانبياء فيها وقول المسيح اذهبوا إلى ~~محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فدل ذلك على انه نال ذلك ~~المقام الاعظم بكمال عبوديته لله وكمال مغفرة الله له وإذا كانت العبودية ~~عند الله بهذه المنزلة اقتضت حكمته ان اسكن آدم وذريته دارا ينالون فيها ~~هذه الدرجة بكمال طاعتهم لله وتقربهم اليه بمحابه وترك مألوفاتهم من اجله ~~فكان ذلك من تمام نعمته عليهم وإحسانه اليهم وأيضا فإنه سبحانه أراد ان ~~يعرف عباده الذين انعم عليهم تمام نعمته عليهم وقدرها ليكونوا اعظم محبة ~~وأكثر شكرا واعظم التذاذا بما اعطاهم من النعيم فأراهم سبحانه فعله بأعدائه ~~وما اعد لهم من العذاب وانواع الالام واشهدهم تخليصهم من ذلك وتخصيصهم ~~بأعلى انواع النعيم ليزداد سرورهم وتكمل غبطتهم ويعظم فرحهم وتتم لذتهم ~~وكان ذلك من إتمام الانعام عليهم ومحبتهم ولم ms005 يكن بد في ذلك من إنزالهم إلى ~~الأرض وامتحانهم واختبارهم وتوفيق من شاء منهم رحمة منه وفضلا وخذلان من ~~شاء منهم حكمة منه وعدلا وهو العليم الحكيم ولا ريب ان المؤمن إذا رأى عدوه ~~ومحبوبه الذي هو أحب الاشياء اليه في أنواع العذاب والالام وهو يتقلب في ~~انواع النعيم واللذة ازداد بذلك سرورا وعظمت لذته وكملت نعمته وأيضا فإنه ~~سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته وهي الغاية منهم قال تعالى وما خلقت الجن ~~والانس الا ليعبدون ومعلوم ان كمال العبودية المطلوب من الخلق لا يحصل في ~~دار النعيم والبقاء إنما يحصل في دار المحنة والابتلاء وأما دار البقاء ~~فدار لذة ونعيم لا دار ابتلاء وامتحان وتكليف PageV01P005 # وايضا فإنه سبحانه اقتضت حكمته خلق آدم وذريته من تركيب مستلزم لداعي ~~الشهوة والفتنة وداعي العقل والعلم فإنه سبحانه خلق فيه العقل والشهوة ~~ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتم مراده ويظهر لعباده عزته في حكمته وجبروته ~~ورحمته وبره ولطفه في سلطانه وملكه فاقتضت حكمته ورحمته ان أذاق أباهم وبيل ~~مخالفته وعرفه ما يجنى عواقب إجابة الشهوة والهوى ليكون اعظم حذرا فيها ~~واشد هروبا وهذا كحال رجل سائر على طريق قد كمنت الاعداء في جنباته وخلفه ~~وأمامه وهو لا يشعر فإذا اصيب منها مرة بمصيبة استعد في سيره وأخذ اهبة ~~عدوه وأعد له ما يدفعه ولولا انه ذاق ألم اغارة عدوه عليه وتبييته له لما ~~سمحت نفسه بالاستعداد والحذر واخذ العدة فمن تمام نعمة الله على آدم وذريته ~~ان اراهم ما فعل العدو بهم فاستعدوا له واخذوا اهبته فإن قيل كان من الممكن ~~ان لا يسلط عليهم العدو قيل قد تقدم انه سبحانه خلق آدم وذريته على بنية ~~وتركيب مستلزم لمخالطتهم لعدوهم وابتلائهم به ولو شاء لخلقهم كالملائكة ~~الذين هم عقول بلا شهوات فلم يكن لعدوهم طريق اليهم ولكن لو خلقوا هكذا ~~لكانوا خلقا آخر غير بني آدم فإن بنى آدم قد ركبوا على العقل والشهوة وأيضا ~~فإنه لما كانت محبة الله وحده هي غاية كمال العبد وسعادته ms006 التي لا كمال له ~~ولا سعادة بدونها اصلا وكانت المحبة الصادقة إنما تتحقق بغيثار المحبوب على ~~غيره من محبوبات النفوس واحتمال اعظم المشاق في طاعته ومرضاته فبهذا تتحقق ~~المحبة ويعلم ثبوتها في القلب اقتضت حكمته سبحانه اخراجهم إلى هذه الدار ~~المحفوفة بالشهوات ومحاب النفوس التي بإيثار الحق عليها والاعراض عنها ~~يتحقق حبهم له وإيثارهم إياه على غيره ولذلك يتحمل المشاق الشديدة وركوب ~~الاخطار واحتمال الملامة والصبر على دواعي الغي والضلال ومجاهدتها يقوى ~~سلطان المحبة وتثبت شجرتها في القلب وتطعم ثمرتها على الجوارح فإن المحبة ~~الثابتة اللازمة على كثرة الموانع والعوارض والصوارف هي المحبة الحقيقية ~~النافعة واما المحبة المشروطة بالعافية والنعيم واللذة وحصول مراد المحب من ~~محبوبه فليست محبة صادقة ولا ثبات لها عند المعارضات والموانع فإن المعلق ~~على الشرط عدم عند عدمه ومن ودك لأمر ولي عند انقضائه وفرق بين من يعبد ~~الله على السراء والرخاء والعافية فقط وبين من يعبده على السراء والضراء ~~والشدة والرخاء والعافية والبلاء وايضا فإن الله سبحانه له الحمد المطلق ~~الكامل الذي لا نهاية بعده وكان ظهور الاسباب التي يحمد عليها من مقتضى ~~كونه محمودا وهي من لوازم حمده تعالى وهي نوعان فضل وعدل إذ هو سبحانه ~~المحمود على هذا وعلى هذا فلا بد من ظهور أسباب العدل واقتضائها لمسمياتها ~~ليترتب عليها كمال الحمد الذي هو أهله فكما انه سبحانه محمود على إحسانه ~~وبره وفضله وثوابه فهو محمود على عدله وانتقامه وعقابه إذ يصدر ذلك كله عن ~~عزته وحكمته ولهذا نبه سبحانه على هذا كثيرا كما في سورة الشعراء حيث يذكر ~~في آخر كل قصة من قصص الرسل وأممهم إن في ذلك لاية PageV01P006 # وما كان اكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم فأخبر سبحانه ان ذلك ~~صادر عن عزته المتضمنة كمال قدرته وحكمته المتضمنة كمال علمه ووضعه الاشياء ~~مواضعها اللائقة بها ما وضع نعمته ونجاته لرسله ولاتباعهم ونقمته وإهلاكه ~~لاعدائهم الا في محلها اللائق بها لكمال عزته وحكمته ولهذا قال سبحانه عقيب ~~إخباره عن قضائه ms007 بين اهل السعادة والشقاوة ومصير كل منهم إلى ديارهم التي ~~لا يليق بهم غيرها ولا تقتضى حكمته سواها وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله ~~رب العالمين وأيضا فإنه سبحانه اقتضت حكمته وحمده ان فاوت بين عباده اعظم ~~تفاوت وابينه ليشكره منهم من ظهرت عليه نعمته وفضله ويعرف انه قد حبى ~~بالانعام وخص دون غيره بالاكرام ولو تساووا جميعهم في النعمة والعافية لم ~~يعرف صاحب النعمة قدرها ولم يبذل شكرها إذ لا يرى احدا إلا في مثل حاله ومن ~~أقوى أسباب الشكر وأعظمها استخرجا له من العبد ان يرى غيره في ضد حاله الذي ~~هو عليها من لاكمال والفلاح وفي الاثر المشهور ان الله سبحانه لما أرى آدم ~~ذريته وتفاوت مراتبهم قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني احب ان اشكر ~~فاقتضت محبته سبحانه لان يشكر خلق الاسباب التي يكن شكر الشاكرين عندها ~~اعظم وأكمل وهذا هو عين الحكمة الصادرة عن صفة الحمد وايضا فإنه سبحانه لا ~~شيء احب اليه من العبد من تذلله بين يديه وخضوعه وافتقاره وإنكساره وتضرعه ~~اليه ومعلوم ان هذا المطلوب من العبد إنما يتم بأسبابه التي تتوقف عليها ~~وحصول هذه الاسباب في دار النعيم المطلق والعافية الكاملة يمتنع إذ هو ~~مستلزم للجمع بين الضدين وأيضا فإنه سبحانه له الخلق والامر والامر هو شرعه ~~وأمره ودينه الذي بعث به رسله وانزل به كتبه وليست الجنة دار تكليف تجرى ~~عليهم فيها أحكام التكليف ولوازمها وإنما هي دار نعيم ولذة واقتضت حكمته ~~سبحانه استخراج آدم وذريته إلى دار تجرى عليهم فيها احكام دينه وأمره ليظهر ~~فيهم مقتضى الامر ولوازمه فإن الله سبحانه كما ان افعاله وخلقه من لوازم ~~كمال اسمائه الحسنى وصفاته العلى فكذلك امره وشرعه وما يترتب عليه من ~~الثواب والعقاب وقد ارشد سبحانه إلى هذا المعنى في غير موضع من كتابه فقال ~~تعالى ايحسب الانسان ان يترك سدى أي مهملا معطلا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ~~ولا يعاقب وهذا يدل على ان هذا مناف ms008 لكمال حكمته وان ربوبيته وعزته وحكمته ~~تأبى ذلك ولهذا اخرج الكلام مخرج الانكار على من زعم ذلك وهو يدل على ان ~~حسنه مستقر في الفطر والعقول وقبح تركه سدا معطلا ايضا مستقر في الفطر فكيف ~~ينسب إلى الرب ما قبحه مستقر في فطركم وعقولكم وقال تعالى أفحسبتم انما ~~خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله الا هو ~~رب العرش الكريم نزه نفسه سبحانه عن هذا الحسبان الباطل المضاد لموجب ~~اسمائه وصفاته وانه لا يليق بجلاله نسبته اليه ونظائر هذا في القرآن كثيرة ~~وايضا فإنه سبحانه يحب من عباده PageV01P007 # امورا يتوقف حصولها منهم على حصول الاسباب المقتضية لها ولا تحصل الا في ~~دار الابتلاء والامتحان فإنه سبحانه يحب الصابرين ويحب الشاكرين ويحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا ويحب التوابين ويحب المتطهرين ولا ريب ان حصول هذه ~~المحبوبات بدون اسبابها ممتنع كامتناع حصول الملزوم بدون لازمه والله ~~سبحانه أفرح بتوبة عبده حين يتوب اليه من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه ~~وشرابه في ارض دوية مهلكة إذا وجدها كما ثبت في الصحيح عن النبي انه قال ~~لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل من فيارض دوية مهلكة معه راحلته ~~عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال ~~ارجع إلى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت ~~فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه فالله اشد فرحا بتوبة العبد ~~المؤمن من هذا براحلته وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث وذكر سر ~~هذا الفرح بتوبة العبد والمقصود ان هذا الفرح المذكور إنما يكون بعد التوبة ~~من الذنب فالتوبة والذنب لا زمان لهذا الفرح ولا يوجد الملزوم بدون لازمه ~~وإذا كان هذا الفرح المذكور إنما يحصل بالتوبة المستلزمة للذنب فحصوله في ~~دار النعيم التي لا ذنب فيها ولا مخالفة ممتنع ولما كان هذا الفرح احب إلى ~~الرب سبحانه من عدمه اقتضت محبته له خلق الاسباب المفضية اليه ليترتب ms009 عليها ~~المسبب الذي هو محبوب له وأيضا فإن الله سبحانه جعل الجنة دار جزاء وثواب ~~وقسم منازلها بين اهلها على قدر اعمالهم وعلى هذا خلقها سبحانه لما له في ~~ذلك من الحكمة التي اقتضتها اسماؤه وصفاته فان الجنة درجات بعضها فوق بعض ~~وبين الدرجتين كما بين السماء والأرض كما في الصحيح عن النبي انه قال ان ~~الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وحكمة الرب سبحانه ~~مقتضية لعمارة هذه الدرجات كلها وإنما تعمر ويقع التفاوت فيها بحسب الاعمال ~~كما قال غير واحد من السلف ينجون من النار بعفو الله ومغفرته ويدخلون الجنة ~~بفضله ونعمته ومغفرته ويتقاسمون المنازل بأعمالهم وعلى هذا حمل غير واحد ما ~~جاء من إثبات دخول الجنة بالاعمال كقوله تعالى وتلك الجنة التي اورثتموها ~~بما كنتم تعملون وقوله تعالى @QB@ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون @QE@ قالوا ~~وأما نفي دخلوها بالاعمال كما في قوله لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا ولا ~~انت يا رسول الله قال ولا انا فالمراد به نفي اصل الدخول واحسن من هذا ان ~~يقال الباء المقتضية للدخول غير الباء التي نفى معها الدخول فالمقتضية هي ~~باء السببية الدالة على ان الاعمال سبب للدخول مقتضية له كاقتضاء سائر ~~الاسباب لمسبباتها والباء التي نفى بها الدخول هي باء المعاوضة والمقابلة ~~التي في نحو قولهم اشتريت هذا بهذا فأخبر النبي ان دخول الجنة ليس في ~~مقابلة عمل أحد وانه لولا تغمد الله سبحانه لعبده برحمته لما أدخله الجنة ~~فليس عمل العبد وان تناهى PageV01P008 موجبا بمجرده لدخول الجنة ولا عوضا ~~لها فإن اعماله وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه فهي لا تقاوم ~~نعمة الله التي انعم بها عليه في دار الدنيا ولا تعادلها بل لو حاسبه لوقعت ~~اعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه وتبقى بقية النعم مقتضية لشكرها فلو ~~عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له ولو رحمه لكانت رحمته خيرا له من ~~عمله كما في السنن من حديث زيد بن ms010 ثابت وحذيفة وغيرهما مرفوعا إلى النبي ~~انه قال ان الله لو عذب أهل سمواته وأهل ارضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو ~~رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من اعمالهم والمقصود ان حكمته سبحانه اقتضت خلق ~~الجنة درجات بعضها فوق بعض وعمارتها بآدم وذريته وإنزالهم فيها بحسب ~~اعمالهم ولازم هذا إنزالهم إلى دار العمل والمجاهدة وأيضا فإنه سبحانه خلق ~~آدم وذريته ليستخلفهم في الأرض كما اخبر سبحانه في كتابه بقوله @QB@ إني ~~جاعل في الأرض خليفة @QE@ وقوله @QB@ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض @QE@ وقال ~~@QB@ ويستخلفكم في الأرض @QE@ فأراد سبحانه ان ينقله وذريته من هذا ~~الاستخلاف إلى توريثه جنة الخلد وعلم سبحانه بسابق علمه انه لضعفه وقصور ~~نظره قد يختار العاجل الخسيس على الاجل النفيس فإن النفس مولعة بحب العاجلة ~~وإيثارها على الاخرة وهذا من لوازم كونه خلق من عجل وكونه خلق عجولا فعلم ~~سبحانه ما في طبيعته من الضعف والخور فاقتضت حكمته ان ادخله الجنة ليعرف ~~النعيم الذي اعد له عيانا فيكون اليه اشوق وعليه احرص وله اشد طلبا فإن ~~محبة الشيء وطلبه والشوق اليه من لوازم تصوره فمن باشر طيب شيء ولذته وتذوق ~~به لم يكد يصبر عنه وهذا لان النفس ذواقة تواقة فإذا ذاقت تاقت ولهذا إذا ~~ذاق العبد طعم حلاوة الايمان وخالطت بشاشته قلبه رسخ فيه حبه ولم يؤثر عليه ~~شيئا ابدا وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضى الله عنه المرفوع ان الله عز ~~وجل يسأل الملائكة فيقول ما يسألني عبادي فيقولون يسألونك الجنة فيقول وهل ~~رأوها فيقولون لا يا رب فيقول كيف لو رأوها فيقولون لو رأوها لكانوا أشد ~~لها طلبا فاقتضت حكمته ان اراها أباهم وأسكنه إياها ثم قص على بنيه قصته ~~فصاروا كأنهم مشاهدون لها حاضرون مع ابيهم فاستجاب من خلق لها وخلقت له ~~وسارع اليها فلم يثنه عنها العاجلة بل يعد نفسه كانه فيها ثم سباه العدو ~~فيراها وطنه الاول فهو دائم الحنين إلى وطنه ولا يقر له قرار حتى يرى نفسه ~~فيه كما قيل ms011 : # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى % ما الحب إلا للحبيب الاول كم منزل في الأرض ~~يألفه الفتى % وحنينه ابدا لاول منزل ولي من ابيات تلم بهذا المعنى : # وحى على جنات عدن فإنها % منازلك الاولى وفيها المخيم % PageV01P009 # ولكننا سبي العدو فهل ترى % نعود إلى اوطاننا ونسلم # فسر هذه الوجوه انه سبحانه وتعالى سبق في حكمه وحكمته ان الغايات ~~المطلوبة لا تنال الا باسبابها التي جعلها الله اسبابا مفضية اليها ومن تلك ~~الغايات اعلى انواع النعيم وافضلها وأجلها فلا تنال الا باسباب نصبها مفضية ~~اليها وإذا كانت الغايات التي هي دون ذلك لاتنال لا باسبابها مع ضعفها ~~وانقطاعها كتحصيل المأكول والمشروب والملبوس والولد والمال والجاه في ~~الدنيا فكيف يتوهم حصول اعلى الغايات واشرف المقامات بلا سبب يفضى اليه ولم ~~يكن تحصيل تلك الاسباب الا في دار المجاهدة والحرث فكان اسكان آدم وذريته ~~هذه الدار التي ينالون فيها الاسباب الموصلة إلى أعلى المقامات من إتمام ~~انعامه عليهم وسرها ايضا انه سبحانه جعل الرسالة والنبوة والخلة والتكليم ~~والولاية والعبودية من اشرف مقامات خلقه ونهايات كمالهم فأنزلهم دارا اخرج ~~منهم الانبياء وبعث فيها الرسل واتخذ منهم من اتخذ خليلا وكلم موسى تكليما ~~واتخذ منهم اولياء وشهداء وعبيدا وخاصة يحبهم ويحبونه وكان إنزالهم إلى ~~الأرض من تمام الانعام والاحسان وايضا انه اظهر لخلقه من آثار اسمائه ~~وجريان احكامها عليهم ما اقتضته حكمته ورحمته وعلمه وسرها ايضا انه تعرف ~~إلى خلقه بافعاله واسمائه وصفاته وما احدثه في اوليائه واعدائه من كرامته ~~وانعامه على الاولياء واهانته واشقائه للاعداء ومن اجابته دعواتهم وقضائه ~~حوائجهم وتفريج كرباتهم وكشف بلائهم وتصريفهم تحت أقداره كيف يشاء وتقليبهم ~~في أنواع الخير والشر فكان في ذلك اعظم دليل لهم على انه ربهم ومليكهم وانه ~~الله الذي لا إله الا هو وأنه العليم الحكيم السميع البصير وأنه الاله الحق ~~وكل ما سواه باطل فتظاهرت ادلة ربوبيته وتوحيده في الأرض وتنوعت وقامت من ~~كل جانب فعرفه الموفقون من عباده وأقروا بتوحيده إيمانا واذعانا وجحده ~~المخذولون على ms012 خليقته واشركوا به ظلما وكفرانا فهلك من هلك عن بينة وحيي من ~~حى بينة والله سميع عليم ومن تأمل آياته المشهودة والمسموعة في الأرض ورأى ~~آثارها علم تمام حكمته في اسكان آدم وذريته في هذه الدار إلى أجل معلوم ~~فالله سبحانه إنما خلق الجنة لآدم وذريته وجعل الملائكة فيها خدما لهم ولكن ~~اقتضت حكمته ان خلق لهم دارا يتزودون منها إلى الدار التي خلقت لهم وأنهم ~~لاينالونها الا بالزاد كما قال تعالى في هذه الدار @QB@ وتحمل أثقالكم إلى ~~بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم @QE@ فهذا شأن ~~الانتقال في الدنيا من بلد إلى بلد فكيف الانتقال من الدنيا إلى دار القرار ~~وقال تعالى @QB@ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى @QE@ فباع المغبونون ~~PageV01P010 منازلهم منها بأبخس الحظ وأنقص الثمن وباع الموفقون نفوسهم ~~واموالهم من الله وجعلوها ثمنا للجنة فربحت تجارتهم ونالوا الفوز العظيم ~~قال الله تعالى @QB@ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة @QE@ فهو سبحانه ما اخرج آدم منها الا وهو يريد ان يعيده اليها اكمل ~~اعادة كما قيل على لسان القدر يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك ~~خلقتها فإني انا الغني عنها وعن كل شيء وانا الجواد الكريم وانا لا اتمتع ~~فيها فإني اطعم ولا اطعم وانا الغني الحميد ولكن انزل إلى دار البذر فإذا ~~بذرت فاستوى الزرع على سوقه وصار حصيدا فحينئذ فتعال فاستوفه احوج ما انت ~~اليه الحبة بعشر امثالها إلى سبعمائة ضعف إلى اضعاف كثيرة فإني اعلم ~~بمصلحتك منك وانا العلي الحكيم فإن قيل ما ذكرتموه من هذه الوجوه وأمثالها ~~إنما يتم إذا قيل إن الجنة التي اسكنها آدم وأهبط منها جنة الخلد التي اعدت ~~للمتقين والمؤمنين يوم القيامة وحينئذ يظهر سر اهباطه واخراجه منها ولكن قد ~~قالت طائفة منهم أبو مسلم ومنذر بن سعيد البلوطي وغيرهما انها انما كانت ~~جنة في الأرض في موضع عال منها لا انها جنة المأوى التي اعدها الله لعباده ~~المؤمنين يوم القيامة ms013 وذكر منذر بن سعيد هذا القول في تفسيره عن جماعة فقال ~~وأما قوله لادم اسكن انت وزوجك الجنة فقالت طائفة اسكن الله تعالى آدم جنة ~~الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة وقال آخرون هي جنة غيرها جعلها ~~الله له واسكنه اياها ليست جنة الخلد قال وهذا قول تكثر الدلائل الشاهدة له ~~والموجبة للقول به لان الجنة التي تدخل بعد القيامة هي من حيز الاخرة وفي ~~اليوم الاخر تدخل ولم يأت بعد وقد وصفها الله تعالى لنا في كتابه بصفاتها ~~ومحال ان يصف الله شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي التي ~~وصفها به والقول بهذا دافع لما اخبر الله به قالوا وجدنا الله تبارك وتعالى ~~وصف الجنة التي اعدت للمتقين بعد قيام القيامة بدار المقامة ولم يقم آدم ~~فيها ووصفها بأنها جنة الخلد ولم يخلد آدم فيها ووصفها بأنها دار جزاء ولم ~~يقل انها دار ابتلاء وقد ابتلى آدم فيها بالمعصية والفتنة ووصفها بأنها ليس ~~فيها حزن وان الداخلين اليها يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وقد حزن ~~فيها آدم ووجدناه سماها دار السلام ولم يسلم فيها آدم من الافات التي تكون ~~في الدنيا وسماها دار القرار ولم يستقر فيها آدم وقال فيمن يدخلها وما هم ~~منها بمخرجين وقد اخرج منها آدم بمعصيته وقال لايمسهم فيها نصب وقد ند آدم ~~فيها هاربا فارا عند اصابته المعصية وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا ~~النصب بعينه الذي نفاه الله عنها وأخبر انه لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم وقد ~~اثم فيها آدم واسمع فيها ما هو اكبر من اللغو وهو انه امر فيها بمعصية ربه ~~وأخبر انه لا يسمع فيها لغو ولا كذب وقد اسمعه فيها ابليس الكذب وغره ~~وقاسمه عليه ايضا بعد ان اسمعه PageV01P011 اياه # وقد شرب آدم من شرابها الذي سماه في كتابه شرابا طهورا أي مطهرا من جميع ~~الافات المذمومة وآدم لم يطهر من تلك الافات وسماها الله تعالى مقعد صدق ~~وقد كذب ابليس ms014 فيها آدم ومقعد الصدق لا كذب فيه وعليون لم يكن فيه استحالة ~~قط ولا تبديل ولا يكون باجماع المصلين والجنة في اعلى عليين والله تعالى ~~انما قال اني جاعل في الأرض خليفة ولم يقل اني جاعله في جنة الماوى فقالت ~~الملائكة اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء والملائكة اتقى لله من ان ~~تقول مالا تعلم وهم القائلون لاعلم لنا الا ما علمتنا وفي هذا دلالة على ان ~~الله قد كان اعلمهم ان بني آدم سيفسدون في الأرض والا فكيف كانوا يقولون ~~مالا يعلمون والله تعالى يقول وقوله الحق لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعلمون والملائة لا تقول ولا تعمل الا بما تؤمر به لا غير قال الله تعالى ~~ويفعلون ما يؤمرون والله تعالى أخبرنا ان ابليس قال لادم هل ادلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى فإن كان قد اسكن الله جنة الخلد والملك الذي لا يبلى ~~فكيف لم يرد عليه نصيحته ويكذبه في قول فيقول وكيف تدلني على شيء انا فيه ~~قد اعطيته واخترته بل كيف لم يحث التراب في وجهه ويسبه لان ابليس لئن كان ~~يكون بهذا الكلام مغويا له انما كان يكون زاريا عليه لانه إنما وعده على ~~معصية ربه بما كان فيه لا زائدا عليه ومثل هذا لا يخاطب به الا المجانين ~~الذين لا يعقلون لان العوض الذي وعده به بمعصية ربه قد كان احرزه وهو الخلد ~~والملك الذي لا يبلى ولم يخبر الله آدم إذ اسكنه الجنة انه فيها من ~~الخالدين ولو كان فيها من الخالدين لما ركن إلى قول ابليس ولا قبل نصيحته ~~ولكنه لما كان في غير دار خلود غره بما اطمعه فيه من الخلد فقبل منه ولو ~~اخبر الله آدم انه في دار الخلد ثم شك في خبر ربه لسماه كافرا ولما سماه ~~عاصيا لان من شك في خبر الله فهو كافر ومن فعل غير ما امره الله به وهو ~~معتقد للتصديق بخبر ربه فهو عاص وإنما سمى الله آدم عاصيا ms015 ولم يسمه كافرا ~~قالوا فإن كان آدم اسكن جنة الخلد وهي دار القدس التي لا يدخلها الا طاهر ~~مقدس فكيف توصل اليها إبليس الرجس النجس الملعون المذموم المدحور حتى فتن ~~فيها آدم وابليس فاسق قد فسق عن امر ربه وليست جنة الخلد دار الفاسقين ولا ~~يدخلها فاسق البتة إنما هي دار المتقين وابليس غير تقي فبعد ان قيل له اهبط ~~منها فما يكون لك ان تتكبر فيها انفسح له ان يرقى إلى جنة المأوى فوق ~~السماء السابعة بعد السخط والابعاد له بالعتو والاستكبار هذا مضاد لقوله ~~تعالى اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فإن كانت مخاطبته آدم بما خاطبه ~~به وقاسمه عليه ليس تكبرا فليس تعقل العرب التي انزل القرآن بلسانها ما ~~التكبر ولعل من ضعفت رويته وقصر بحثه ان يقول PageV01P012 ان ابليس لم يصل ~~اليها ولكن وسوسته وصلت فهذا قول يشبه قائله ويشاكل معتقده وقول الله تعالى ~~حكم بيننا وبينه وقوله تعالى وقاسمهما يرد ما قال لان المقاسمة ليست وسوسة ~~ولكنها مخاطبة ومشافهة ولا تكون الا من اثنين شاهدين غير غائبين ولا احدهما ~~ومما يدل على ان وسوسته كانت مخاطبة قول الله تعالى فوسوس اليه الشيطان قال ~~يا آدم هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأخبر انه قال له ودل ذلك على ~~انه انما وسوس اليه مخاطبة لا انه اوقع ذلك في نفسه بلا مقاولة فمن ادعى ~~على الظاهر تاويلا ولم يقم عليه دليلا لم يجب قبول قوله وعلى ان الوسوسة قد ~~تكون كلاما مسموعا أو صوتا قال رؤية # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق % وقال الاعشى : # تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت % كما استعان بريح كشرق زجل # قالوا وفي قول ابليس لهما ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة دليل على ~~مشاهدته لهما وللشجرة ولما كان آدم خارجا من الجنة وغير ساكن فيها قال الله ~~الم انهكما عن تلكما ما الشجرة ولم يقل عن هذه الشجرة كما قال له ابليس لان ~~آدم لم يكن حينئذ في الجنة ms016 ولا مشاهدا للشجرة مع قوله عز وجل اليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فقد اخبر سبحانه خبرا محكما غير مشتبه انه ~~لا يصعد اليه الا كلم طيب وعمل صالح وهذا مما قدمنا ذكره انه لا يلج المقدس ~~المطهر الا مقدس مطهر طيب ومعاذ الله ان تكون وسوسة ابليس مقدسة أو طاهرة ~~أو خيرا بل هي شر كلها وظلمة وخبث ورجس تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وكما ~~ان اعمال الكافرين لا تلج القدس الطاهر ولا تصل اليه لانها خبيثة غير طيبة ~~كذلك لا تصل ولم تصل وسوسة ابليس ولا ولجت القدس قال تعالى كلا ان كتاب ~~الفجار لفي سجين وقد روى عن النبي ان آدم نام في جنته وجنة الخلد لا نوم ~~فيها باجماع من المسلمين لان النوم وفاة وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب ~~حال ودار السلام مسلمة من تقلب الاحوال والنائم ميت أو كالميت قالوا وقد ~~روى عنه انه قال لام حارثة لما قالت له يا رسول الله ان حارثة قتل معك فإن ~~كان صار إلى الجنة صبرت واحتسبت وان كان صار إلى ما سوى ذلك رأيت ما افعل ~~فقال لها رسول الله أو جنة واحدة هي انما هي جنان كثيرة فاخبر ان لله جنات ~~كثيرة فلعل آدم اسكنه الله جنة من جنانه ليست هي جنة الخلد قالوا وقد جاء ~~في بعض الاخبار ان جنة آدم كانت بأرض الهند قالوا وهذا وأن كان لا يصححه ~~رواة الاخبار ونقلة الاثار فالذي تقبله الالباب ويشهد له ظاهر الكتاب ان ~~جنة آدم ليست جنة الخلد PageV01P013 # ولا دار البقاء وكيف يجوز ان يكون الله اسكن آدم جنة الخلد ليكون فيها من ~~الخالدين وهو قائل للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة وكيف اخبر الملائكة ~~انه يريد ان يجعل في الأرض خليفة ثم يسكنه دار الخلود ودار الخلود لا ~~يدخلها الا من يخلد فيها كما سميت بدار الخلود فقد سماها الله بالاسماء ~~التي تقدم ذكرنا لها تسمية مطلقة لا خصوص فيها فإذا قيل ms017 للجنة دار الخلد لم ~~يجزان ينقص مسمى هذا الاسم بحال فهذا بعض ما احتج به القائلون بهذا المذهب ~~وعلى هذا فاسكان آدم وذريته في هذه الجنة لا ينافي كونهم في دار الابتلاء ~~والامتحان وحينئذ كانت تلك الوجوه والفوائد التي ذكرتموها ممكنة الحصول في ~~الجنة فالجواب ان يقال هذا فيه قولان للناس ونحن نذكر القولين واحتجاج ~~الفريقين ونبين ثبوت الوجوه التي ذكرناها وأمثالها على كلا القولين ونذكر ~~أولا قول من قال انها جنة الخلد التي وعدها الله المتقين وما احتجوا به ~~ومانقضوا به حجج من قال انها غيرها ثم نتبعها مقالة الاخرين وما احتجوا به ~~وما أجابوا به عن حجج منازعيهم من غير انتصاب لنصرة أحد القولين وابطال ~~الاخر إذ ليس غرضنا ذلك وإنما الغرض ذكر بعض الحكم والمصالح المقتضية ~~لاخراج آدم من الجنة واسكانه في الأرض في دار الابتلاء والامتحان وكان ~~الغرض بذلك الرد على من زعم ان حكمة الله سبحانه تأبى ادخال آدم الجنة ~~وتعريضه للذنب الذي اخرج منها به وانه أي فائدة في ذلك والرد على ان من ~~ابطل ان يكون له في ذلك حكمة وإنما هو صادر عن محض المشيئة التي لا حكمه ~~الحكمة وراءها ولما كان المقصود حاصلا على كل تقدير سواء كانت جنة الخلد أو ~~غيرها بينا الكلام على التقديرين ورأينا ان الرد على هؤلاء بدبوس السلاق لا ~~يحصل غرضا ولا يزيل مرضا فسلكنا هذا السبيل ليكون قولهم مردودا على كل قول ~~من اقوال الامة وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة الا بالله ~~فنقول اما ما ذكرتموه من كون الجنة التي اهبط منها آدم ليست جنة الخلد ~~وإنماهي جنة غيرها فهذا مما قد اختلف فيه الناس والاشهر عند الخاصة والعامة ~~الذي لا يخطر بقلوبهم سواه انها جنة الخلد التي اعدت للمتقين وقد نص غير ~~واحد من السلف على ذلك واحتج من نصر هذا بما رواه مسلم في صحيحه من حديث ~~أبي مالك الاشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة وابو مالك عن ربعي ms018 بن حراش عن ~~حذيفة قالا قال رسول الله # يجمع الله عز وجل الناس حتى يزلف لهم الجنة فيأتون آدم عليه السلام ~~فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل اخرجكم من الجنة الا خطيئة ~~ابيكم آدم وذكر الحديث قالوا فهذا يدل على ان الجنة التي اخرج منها آدم هي ~~بعينها التي يطلب منه PageV01P014 # ان يستفتحها لهم قالوا ويدل عليه ان الله سبحانه قال يا آدم اسكن انت ~~وزوجك الجنة إلى قوله اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى ~~حين عقيب قوله اهبطوا فدل على انهم لم يكونوا اولا في الأرض وأيضا فإنه ~~سبحانه وصف الجنة التي اسكنها آدم بصفات لا تكون في الجنة الدنيوية فقال ~~تعالى إن لك الا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لاتظمأ فيها ولا تضحى وهذا لا ~~يكون في الدنيا اصلا ولو كان الرجل في اطيب منازلها فلا بد ان يعرض له ~~الجوع والظمأ والتعرى والضحى للشمس وايضا فإنها لو كانت الجنة في الدنيا ~~لعلم آدم كذب ابليس في قوله هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فإن آدم ~~كان يعلم ان الدنيا منقضية فانية وان ملكها يبلى وايضا فإن قصة آدم في ~~البقرة ظاهرة جدا في ان الجنة التي اخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال ~~وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من ~~الكافرين وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه ~~وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فتلقى آدم ~~من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم فهذا اهباط آدم وحواء وابليس ~~من الجنة ولهذا اتى فيه بضمير الجمع وقيل انه خطاب لهم وللحية وهذا يحتاج ~~إلى نقل ثابت إذ لا ذكر للحية في شيء من قصة آدم وإبليس وقيل خطاب لآدم ~~وحواء وأتى فيه بلفظ الجمع كقوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين ms019 وقيل لادم وحواء ~~وذريتهما وهذه الاقوال ضعيفة غير الاول لانها بين قول لا دليل عليه وبين ما ~~يدل ظاهر الخطاب على خلافه فثبت ان ابليس داخل في هذا الخطاب وانه من ~~المهبطين من الجنة ثم قال تعالى قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني ~~هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذا الاهباط الثاني لا بد ~~ان يكون غير الاول وهو اهباطه من السماء إلى الأرض وحينئذ فتكون الجنة التي ~~اهبطوا منها الاول فوق السماء وهي جنة الخلد وقد ذهبت طائفة منهم الزمخشري ~~إلى ان قوله اهبطوا منها جميعا خطاب لادم وحواء خاصة وعبر عنهما بالجمع ~~لاستتاباعهما ذرياتهما قال والدليل عليه قوله تعالى قال اهبطا منها جميعا ~~بعضكم لبعض عدو فاما ياتينكم مني هدى وقال ويدل على ذلك قوله فمن تبع هداي ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب ~~النار هم فيها خالدون وما هو الا حكم يعم الناس كلهم ومعنى بعضكم لبعض عدو ~~ما عليه الناس من التعادى والتباغض وتضليل بعضهم لبعض وهذا الذي اختاره ~~اضعف الاقوال في الاية فإن العداوة التي ذكرها الله انما هي بين آدم وابليس ~~وذرياتهما كما قال تعالى ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا @QB@ وأما @QE@ ~~PageV01P015 # آدم وزوجه فإن الله سبحانه اخبر في كتابه انه خلقها منه ليسكن اليها وقال ~~سبحانه ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم ~~مودة ورحمة فهو سبحانه جعل المودة بين الرجل وزوجه وجعل العداوة بين آدم ~~وابليس وذرياتهما ويدل عليه ايضا عود الضمير اليهم بلفظ الجمع وقد تقدم ذكر ~~آدم وزوجه وابليس في قولهم فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما فهؤلاء ثلاثة آدم ~~وحواء وإبليس فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور مع منافرته لطريق الكلام ~~ولايعود على جميع المذكور مع انه وجه الكلام فإن قيل فما تصنعون بقوله في ~~سورة طه : قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو وهذا خطاب لادم وحواء وقد ~~اخبر بعداوة بعضهم بعضا قيل اما ms020 ان يكون الضمير في قوله اهبطا راجعا إلى ~~آدم وزوجه أو يكون راجعا إلى آدم وابليس ولم يذكر الزوجة لانها تبع له وعلى ~~الثاني فالعداوة المذكورة للمخاطبين بالاهباط وهما آدم وابليس وعلى الاول ~~تكون الاية قد اشتملت على أمرين احدهما امره لادم وزوجه بالهبوط والثاني ~~جعله العداوة بين آدم وزوجه وابليس ولا بد ان يكون ابليس داخلا في حكم هذه ~~العداوة قطعا كما قال تعالى إن هذا عدو لك ولزوجك وقال لذريته ان الشيطان ~~لكم عدو فاتخذوه عدوا وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها العداوة على ضمير ~~الجمع دون التثنية وأما ذكر الاهباط فتارة ياتي بلفظ ضمير الجمع وتارة بلفظ ~~التثنية وتارة يأتي بلفظ الافراد لابليس وحده كقوله تعالى في سورة الاعراف ~~قال ما منعك ان لا تسجد اذ امرتك قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فهذا الاهباط لابليس وحده ~~والضمير في قوله منها قيل انه عائد إلى الجنة وقيل عائد إلى السماء وحيث ~~اتى بصيغة الجمع كان لادم وزوجه وابليس اذ مدار القصة عليهم وحيث اتى بلفظ ~~التثنية فاما ان يكون لادم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الاكل من الشجرة ~~واقدما على المعصية واما ان يكون لادم وابليس اذ هما ابوا الثقلين فذكر ~~حالهما وما آل اليه امرهما ليكون عظة وعبرة لاولادهما والقولان محكيان في ~~ذلك وحيث اتى بلفظ الافراد فهو لابليس وحده وأيضا فالذي يوضح ان الضمير في ~~قوله اهبطا منها جميعا لادم وابليس ان الله سبحانه لما ذكر المعصية افرد ~~بها آدم دون زوجه فقال وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتابه ربه فتاب عليه وهدى قال ~~اهبطا منها جميعا وهذا يدل على ان المخاطب بالاهباط هو آدم ومن زين له ~~المعصية ودخلت الزوجة تبعا وهذا لان المقصود اخبار الله تعالى لعباده ~~المكلفين من الجن والانس بما جرى على ابويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر ~~لئلا يقتدوا بهما في ذلك فذكر أبو الثقلين ابلغ في ms021 حصول هذا المعنى من ذكر ~~ابوي الانس فقط وقد اخبر سبحانه عن الزوجة انها اكلت مع آدم وأخبر انه ~~اهبطه PageV01P016 وأخرجه من الجنة بتلك الاكلة فعلم ان هذا اقتضاه حكم ~~الزوجية وانها صارت إلى ما صار اليه آدم فكان تجريد العناية إلى ذكر ~~الابوين الذين هما اصل الذرية اولى من تجريدها إلى ذكر أبي الانس وامهم ~~والله اعلم وبالجملة فقوله اهبطوا بعضكم لبعض عدو ظاهر في الجمع فلا يسوغ ~~حمله على الاثنين في قوله اهبطا قالوا وأما قولكم انه كيف وسوس له بعد ~~اهباطه منها ومحال ان يصعد اليها بعد قوله تعالى اهبط فجوابه من وجوه ~~احدهما انه اخرج منها ومنع من دخولها على وجه السكنى والكرامة واتخاذها ~~دارا فمن اين لكم انه منع من دخولها على وجه الابتلاء والامتحان لادم وزوجه ~~ويكون هذا دخولا عارضا كما يدخل شرط دار من امروا بابتلائه ومحنته وان لم ~~يكونوا اهلا لسكنى تلك الدار الثاني انه كان يدنو من السماء فيكلمهما ولا ~~يدخل عليهما دارهما الثالث انه لعله قام على الباب فناداهما وقاسمهما ولم ~~يلج الجنة الرابع انه قد روى انه اراد الدخول عليهما فمنعته الخزنة فدخل في ~~فم الحية حتى دخلت به عليهما ولا يشعر الخزنة بذلك قالوا ومما يدل على انها ~~جنة الخلد بعينها انها جاءت معرفة بلام التعريف في جميع المواضع كقوله اسكن ~~انت وزوجك الجنة ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها الا جنة الخلد التي ~~وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة وان كان في ~~اصل الوضع عبارة عن البستان ذي الثمار والفواكه وهذا كالمدينة الطيبة ~~والنجم للثريا ونظائرها فحيث ورد اللفظ معرفا بالالف واللام انصرف إلى ~~الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما ان اريد به جنة غيرها فانها ~~تجيء منكرة كقوله جنتين من اعناب أو مقيدة بالاضافة كقوله ولولا اذ دخلت ~~جنتك أو مقيدة من السياق بما يدل على انها جنة في الأرض كقوله انا بلوناهم ~~كما بلونا اصحاب الجنة اذ اقسموا ليصرمنها مصبحين ms022 الايات فهذا السياق ~~والتقييد يدل على انها بستان في الأرض قالوا وأيضا فإنه قد اتفق اهل السنة ~~والجماعة على ان الجنة والنار مخلوقتان وقد تواترت الاحاديث عن النبي بذلك ~~كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر عن النبي انه قال إن احدكم إذا مات عرض ~~عليه مقعده بالغداة والعشى إن كان من اهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من ~~أهل النار فمن اهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة وفي ~~الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي قال اختصمت الجنة والنار فقالت ~~الجنة مالي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار مالي لا يدخلني ~~الا الجبارون والمتكبرون فقال للجنة انت رحمتي ارحم بك من أشاء وقال للنار ~~انت عذابي اعذب بك من أشاء الحديث وفي السنن عن أبي هريرة ان رسول الله قال ~~لما خلق الله الجنة والنار ارسل جبريل إلى الجنة فقال اذهب فانظر اليها ~~والى ما اعددت لاهلها قال PageV01P017 # فذهب فنظر اليها وإلى ما اعد الله لاهلها الحديث وفي الصحيحين في حديث ~~الاسراء ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا نبقها ~~مثل قلال هجر وإذا اربعة انهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت ما هذا يا ~~جبريل قال اما النهران الظاهران فالنيل والفرات وأما الباطنان فنهران في ~~الجنة وفيه ايضا ثم ادخلت الجنة فإذا جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك وفي ~~صحيح البخاري عن انس عن النبي قال # بينما انا أسير في الجنة إذا انا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف قال قلت ~~ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي اعطاك ربك فضرب الملك بيده فإذا طينه ~~مسك اذفر وفي صحيح مسلم في حديث صلاة الكسوف ان النبي جعل يتقدم ويتأخر في ~~الصلاة ثم اقبل على اصحابه فقال انه عرضت لي الجنة والنار فقربت مني الجنة ~~حتى لو تناولت منها قطفا لاخذته فلو اخذته لاكلتم منه ما بقيت الدنيا وفي ~~صحيح مسلم عن ابن مسعود في قوله تعالى ولا ms023 تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون ارواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة ~~بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل فاطلع عليهم ربك ~~اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا فقالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث ~~شئنا الحديث وفي الصحيح من حديث ابن عباس قال قال رسول الله لما اصيب ~~اخوانكم باحد جعل الله ارواحهم في اجواف طير خضر ترد انهار الجنة وتأكل من ~~ثمارها وتاوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ~~ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ عنا اخواننا انا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا ~~في الجهاد ولا يتكلوا عند الحرب فقال الله أنا ابلغهم عنكم فانزل الله عز ~~وجل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله الاية وفي الموطأ من حديث كعب بن ~~مالك ان رسول الله قال انما نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله ~~إلى جسده يوم يبعثه وفي البخاري ان إبراهيم ابن رسول الله لما توفي قال ~~رسول الله ان له مرضعا في الجنة وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين قال قال ~~رسول الله اطلعت في الجنة فرأيت اكثر اهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت ~~اكثر اهلها النساء والاثار في هذا الباب اكثر من ان تذكرا واما القول بان ~~الجنة والنار لم تخلقا بعد فهو قول اهل البدع من ضلال المعتزلة ومن قال ~~بقولهم وهم الذين يقولون ان الجنة التي اهبط منها آدم إنما كانت جنة بشرقي ~~الأرض وهذه الاحاديث وأمثالها ترد قولهم # قالوا وأما احتجاجكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة وأنها منتفية ~~في الجنة التي اسكنها آدم من اللغو والكذب والنصب والعرى وغير ذلك فهذا كله ~~حق لا ننكره نحن ولا أحد من اهل الاسلام ولكن هذا إنما هو إذا دخلها ~~المؤمنون PageV01P018 يوم القيامة كما يدل عليه سياق الكلام وهذا لا ينفى ~~ان يكون فيها بين آدم وإبليس ما حكاه الله عز وجل ms024 من الامتحان والابتلاء ثم ~~يصير الامر عند دخول المؤمنين اليها إلى ما أخبر الله عز وجل به فلا تنافي ~~بين الامرين قالوا وأما قولكم ان الجنة دار جزاء وثواب وليست دارتكليف وقد ~~كلف الله سبحانه آدم فيها بالنهي عن الشجرة فجوابه من وجهين احدهما انه ~~إنما يمتنع ان تكون دار تكليف إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة فحينئذ ينقطع ~~التكليف وأما امتناع وقوع التكليف فيها في دار الدنيا فلا دليل عليه الثاني ~~ان التكليف فيها لم يكن بالاعمال التي يكلف بها الناس في الدنيا من الصيام ~~والصلاة والجهاد ونحوها وإنما كان حجرا عليه في شجرة من جملة أشجارها وهذا ~~لا يمتنع وقوعه في جنة الخلد كما ان كل أحد محجور عليه ان يقرب أهل غيره ~~فيها فإن اردتم بان الجنة ليست دار كيف امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من ~~الاوقات فلا دليل لكم عليه وإن اردتم ان غالب التكاليف التي تكون في ~~الدنيامنتفية فيها فهو حق ولكن لا يدل على مطلوبكم قالوا وهذا كما انه موجب ~~الادلة وقول سلف الامة فلا يعرف بقولكم قائل من ائمة العلم ولا يعرج عليه ~~ولا يلتفت اليه قال الاولون الجواب عما ذكرتم من وجهين مجمل ومفصل اما ~~المجمل فإنكم لم تأتوا على قولكم بدليل يتعين المصير اليه لا من قرآن ولا ~~من سنة ولا أثر ثابت عن أحد من اصحاب رسول الله ولا التابعين لا مسندا ولا ~~مقطوعا ونحن نوجدكم من قال بقولنا هذا أحد ائمة الاسلام سفيان بن عيينة قال ~~في قوله عز وجل ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى قال يعني في الأرض وهذا عبد ~~الله بن مسلم بن قتيبة قال في معارفه بعد ان ذكر خلق الله لادم وزوجه ان ~~الله سبحانه أخرجه من مشرق جنة عدن إلى الأرض التي منها اخذ وهذا ابى قد ~~حكى الحسن عنه ان آدم لما احتضر اشتهى قطفا من قطف الجنة فانطلق بنوه ~~ليطلبوه له فلقيتهم الملائكة فقالوا اين تريدون يا بني ms025 آدم قالوا إن ابانا ~~اشتهى قطفا من قطف الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد كفيتموه فانتهوا اليه ~~فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل وبنوه خلف الملائكة ~~ودفنوه وقالوا هذه سنتكم في موتاكم وهذا أبو صالح قد نقل عن ابن عباس في ~~قوله اهبطوا منها قال هو كما يقال هبط فلان في ارض كذا وكذا وهذا وهب بن ~~منبه يذكر آن آدم خلق في الأرض وفيها سكن وفيها نصب له الفردوس وانه كان ~~بعدن وان سيحون وجيحون والفرات انقسمت من النهر الذي كان في وسط الجنة وهو ~~الذي كان يسقيها وهذا منذر بن سعيد البلوطي اختاره في تفسيره ونصره بما ~~حكيناه عنه وحكاه في غير التفسير عن أبي حنيفة فيما خالفه فيه فلم قال ~~بقوله في هذه المسألة وهذا أبو مسلم الاصبهاني صاحب التفسير وغيره أحد ~~الفضلاء المشهورين قال بهذا وانتصر له واحتج عليه بما هو معروف PageV01P019 ~~في كتابه وهذا أبو محمد عبد الحق بن عطية ذكر القولين في تفسيره في قصة آدم ~~في البقرة وهذا أبو محمد بن حزم ذكر القولين في كتاب الملل والنحل له فقال ~~وكان المنذر بن سعيد القاضي يذهب إلى ان الجنة والنار مخلوقتان الا انه كان ~~يقول انها ليست هي التي كان فيها آدم وامراته وممن حكى القولين ايضا أبو ~~عيسى الرماني في تفسيره واختار انها جنة الخلد ثم قال والمذهب الذي اخترناه ~~قول الحسن وعمرو بن واصل وأكثر اصحابنا وهو قول أبي علي وشيخنا أبي بكر ~~وعليه اهل التفسير وممن ذكر القولين أبو القاسم الراغب في تفسيره فقال ~~واختلف في الجنة التي اسكنها آدم فقال بعض المتكلمين كان بستانا جعله الله ~~له امتحانا ولم يكن جنة المأوى ثم قال ومن قال لم يكن جنة المأوى لانه لا ~~تكليف في الجنة وآدم كان مكلفا قال وقد قيل في جوابه انها لا تكون دار ~~التكليف في الاخرة ولا يمتنع ان تكون في وقت دار تكليف دون وقت كما ان ~~الانسان يكون في وقت مكلفا دون ms026 وقت وممن ذكر الخلاف في المسألة أبو عبد ~~الله بن الخطيب الرازي في تفسيره فذكر هذين القولين وقولا ثالثا وهو التوقف ~~قال لامكان الجميع وعدم الوصول إلى القطع كما سيأتي حكاية كلامه ومن ~~المفسرين من لم يذكر غير هذا القول وهو انها لم تكن جنة الخلد إنما كانت ~~حيث شاء الله من الأرض وقالوا كانت تطلع فيها الشمس والقمر وكان ابليس فيها ~~ثم اخرج قال ولو كانت جنة الخلد لما اخرج منها وممن ذكر القولين ايضا أبو ~~الحسن الماوردي فقال في تفسيره واختلف في الجنة التي اسكناها على قولين ~~احدهما انها جنة الخلد الثاني انها جنة اعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء ~~وليست جنة الخلد التي جعلها الله دار جزاء ومن قال بهذا اختلفوا فيه على ~~قولين احدهما انها في السماء لانه اهبطهما منها وهذا قول الحسن الثاني انها ~~في الأرض لانه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من ~~الثمار وهذا قول ابن يحيى وكان ذلك بعد ان أمر ابليس بالسجود لادم والله ~~اعلم بصواب ذلك هذا كلامه وقال ابن الخطيب في تفسيره اختلفوا في ان الجنة ~~المذكورة في هذه الاية هل كانت في الأرض أو في السماء وبتقدير انها كانت في ~~السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب وجنة الخلد أو جنة اخرى فقال أبو ~~القاسم البلخي وابو مسلم الاصبهاني هذه الجنة في الأرض وحملا الاهباط على ~~الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى اهبطوا مصرا القول الثاني وهو ~~قول الجبائي ان تلك كانت في السماء السابعة قال والدليل عليه قوله اهبطوا ~~ثم ان الاهباط الاول كان من السماء السابعة إلى السماء الاولى والاهباط ~~الثاني كان من السماء إلى الأرض والقول الثالث وهو قول جمهور اصحابنا ان ~~هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليههو ان الالف واللام في لفظ الجنة لا ~~يفيد العموم لان سكنى آدم جميع الجنان محال فلا بد من صرفها إلى المعهود ~~السابق والجنة المعهودة المعلومة بين المسلمين هي ms027 دار الثواب فوجب صرف ~~اللفظ اليها قال والقول الرابع ان الكل ممكن والادلة النقلية ضعيفة ~~ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع PageV01P020 # قالوا ونحن لا نقلد هؤلاء ولا نعتمد على ما حكى عنهم والحجة الصحيحة حكم ~~بين المتنازعين قالوا وقد ذكرنا على هذا القول ما فيه كفاية واما الجواب ~~المفصل فنحن نتكلم على ما ذكرتم من الحجج لينكشف وجه الصواب فنقول وبالله ~~التوفيق اما استدلالكم بحديث أبي هريرة وحذيفة حين يقول الناس لادم استفتح ~~لنا الجنة فيقول وهل اخرجكم منها الا خطيئة ابيكم فهذا الحديث لا يدل على ~~ان الجنة التي طلبوا منه ان يستفتحها لهم هي التي أخرج منها بعينها فإن ~~الجنة اسم جنس فكل بستان يسمى جنة كما قال تعالى انا بلوناهم كما بلونا ~~اصحاب الجنة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين وقال تعالى وقالوا لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب وقال تعالى ومثل ~~الذين ينفقون اموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من انفسهم كمثل جنة بربوة ~~وقال تعالى واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من اعناب وحففناهما ~~بنخل إلى قوله ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله فإن ~~الجنة اسم جنس فهم لما طلبوا من آدم ان يستفتح لهم جنة الخلد اخبرهم بأنه ~~لا يحسن منه ان يقدم على ذلك وقد اخرج نفسه وذريته من الجنة التي اسكنه ~~الله اياها بذنبه وخطيئته هذا الذي دل عليه الحديث وأما كون الجنة التي ~~اخرج منها هي بعينها التي طلبوا منه ان يستفتحها لهم فلا يدل الحديث عليه ~~بشيء من وجوه الدلالات الثلاث ولو دل عليه لوجب المصير إلى مدلول الحديث ~~وامتنع القول بمخالفته وهل مدارنا الا على فهم مقتضى كلام الصادق المصدوق ~~صلوات الله وسلامه عليه قالوا وأما استدلالكم بالهبوط وأنه نزول من علو إلى ~~سفل فجوابه من وجهين احدهما ان الهبوط قد استنقل في النقلة من ارض إلى ارض ~~كما يقال هبط فلان بلد كذا وكذا وقال ms028 تعالى اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ~~وهذا كثير في نظم العرب ونثرها قال : # إن تهبطين بلاد قو % م يرتعون من الطلاح وقد روى أبو صالح عن ابن عباس ~~رضى الله عنهما قال هو كما يقال هبط فلان ارض كذا وكذا الثاني انا لا ~~ننازعكم في ان الهبوط حقيقة ما ذكرتموه ولكن من اين يلزم ان تكون الجنة ~~التي منها الهبوط فوق السموات فإذا كانت في أعلى الأرض اما يصح ان يقال هبط ~~منها كما يهبط الحجر من اعلى الجبل إلى اسفله ونحوه وأما قوله تعالى ولكم ~~في الأرض مستقرومتاع إلى حين فهذا يدل على ان الأرض التي اهبطوا اليها لهم ~~فيها مستقر ومتاع إلى حين ولا يدل على انهم لم يكونوا في جنة عالية اعلى من ~~الأرض التي اهبطوا اليها تخالف الارض PageV01P021 في صفاتها واشجارها ~~ونعيمها وطيبها فالله سبحانه فاوت بين بقاع الأرض اعظم تفاوت وهذا مشهود ~~بالحس فمن اين لكم ان تلك لم تكن جنة تميزت عن سائر بقاع الأرض بما لا يكون ~~الا فيها ثم اهبطوا منها إلى الأرض التي هي محل التعب والنصب والابتلاء ~~والامتحان وهذا بعينه هوالجواب عن استدلالكم بقوله تعالى إن لك الا تجوع ~~فيهاولاتعرى ألى آخر ما ذكرتموه مع ان هذا حكم معلق بشرط والشرط لم يحصل ~~فإنه سبحانه إنما قال ذلك عقيب قوله ولا تقربا هذه الشجرة وقوله ان لك الا ~~تجوع فيها ولا تعرى هو صيغة وعد مرتبطة بما قبلها والمعنى ان اجتنبت الشجرة ~~التي نهيتك عنها ولم تقربها كان لك هذا الوعد والحكم المعلق بالشرط عدم عند ~~عدم الشرط فلما اكل من الشجرة زال استحقاقه لهذا الوعد قال واما قولكم انه ~~لو كانت الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب ابليس في قوله هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى إلى آخره فدعوى لا دليل عليها لانه لا دليل لكم على ان ~~الله سبحانه كان قد اعلم آدم حين خلقه ان الدنيا منقضية فانية وان ملكها ~~يبلى ويزول وعلى تقدير ms029 ان يكون آدم حينئذ قد أعلم ذلك فقول ابليس هل أدلك ~~على شجرة الخلد وملك لا يبلى لا يدل على انه اراد بالخلد مالا يتناهى فإن ~~الخلد في لغة العرب هو اللبث الطويل كقولهم قيد مخلد وحبس مخلد وقد قال ~~تعالى لثمود تبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وكذلك ~~قوله وملك لا يبلى يراد به الملك الطويل الثابت وأيضا فلا وجه للاعتذار عن ~~قول ابليس مع تحقق كذبه ومقاسمته آدم وحواء على الكذب والله سبحانه قد أخبر ~~انه قاسمهما ودلاهما بغرور وهذا يدل على انهما اغترا بقوله فغرهما بان ~~اطمعهما في خلد الابد والملك الذي لا يبلى وبالجملة فالاستدلال بهذا على ~~كون الجنة التي سكنها آدم هي جنة الخلد التي وعدها المتقون غير بين ثم نقول ~~لو كانت الجنة هي جنة الخلد التي لا يزول ملكها لكانت جميع اشجارها شجر ~~الخلد فلم يكن لتلك الشجرة اختصاص من بين سائر الشجر بكونها شجرة الخلد ~~وكان آدم يسخر من ابليس إذ قد علم ان الجنة دار الخلد فإن قلتم لعل آدم لم ~~يعلم حينئذ ذلك فغره الخبيث وخدعه بان هذه الشجرة وحدها هي شجرة الخلد قلنا ~~فاقنعوا منا بهذا الجواب بعينه عن قولكم لو كانت الجنة في الدنيا لعلم آدم ~~كذب ابليس في ذلك لان قوله كان خداعا وغرورا محضا على كل تقدير فانقلب ~~دليلكم حجة عليكم وبالله التوفيق قالوا وأما قولكم ان قصة آدم في البقرة ~~ظاهرة جدا في ان جنة آدم كانت فوق السماء فنحن نطالبكم بهذا الظهور ولا ~~سبيل لكم إلى اثباته قولكم انه كرر فيه ذكر الهبوط مرتين ولا بد ان يفيد ~~الثاني غير ما أفاد الاول فيكون الهبوط الاول من الجنة والثاني من السماء ~~فهذا فيه خلاف بين اهل التفسير فقالت طائفة هذا القول الذي ذكرتموه وقالت ~~طائفة PageV01P022 منهم النقاش وغيره ان الهبوط الثاني إنما هو من الجنة ~~إلى السماء والهبوط الاول إلى الأرض وهو آخر الهبوطين في الوقوع وان كان ~~اولهما في الذكر ms030 وقالت طائفة اتى به على جهة التغليظ والتأكيد كما تقول ~~للرجل اخرج اخرج وهذه الاقوال ضعيفة فأما القول الاول فيظهر ضعفه من وجوه ~~احدها انه مجرد دعوى لا دليل عليها من اللفظ ولا من خبر يجب المصير اليه ~~وما كان هذا سبيله لا يحمل القرآن عليه الثاني ان الله سبحانه قد اهبط ~~ابليس لما امتنع من السجود لادم اهباطا كونيا قدريا لا سبيل له إلى التخلف ~~عنه فقال تعالى اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين ~~وقال في موضع آخر فاخرج منها فانك رجيم وان عليك اللعنة إلى يوم الدين وفي ~~موضع آخر اخرج منها مذموما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم اجمعين ~~وسواء كان الضمير في قوله منها راجعا إلى السماء أو إلى الجنة فهذا صريح في ~~اهباطه وطرده ولعنه وادحاره والمدحور المبعد وعلى هذا فلو كانت الجنة فوق ~~السموات لكان قد صعد اليها بعد اهباط الله له وهذا وان كان ممكنا فهو في ~~غاية البعد عن حكمة الله ولا يقتضيه خبره فلا ينبغي ان يصار اليه وأما ~~الوجوه الاربعة التي ذكرتموها من صعوده للوسوسة فهي مع امر الله تعالى ~~بالهبوط مطلقا وطرده ولعنه ودحوره لا دليل عليها لا من اللفظ ولا من الخبر ~~الذي يجب المصير اليه وما هي الا احتمالات مجردة وتقديرات لا دليل عليها ~~الثالث ان سياق قصة اهباط الله تعالى لابليس ظاهرة في أنه اهباط إلى الأرض ~~من وجوه احدها انه سبحانه نبه على حكمة اهباطه بما قام به من التكبر ~~المقتضى غاية ذله وطرده ومعاملته بنقيض قصده وهو اهباطه من فوق السموات إلى ~~قرار الأرض ولا تقتضى الحكمة ان يكون فوق السماء مع كبره ومنافاة حاله لحال ~~الملائكة الاكرمين الثاني انه قال فاخرج منها فإنك رجيم وان عليك لعنتي إلى ~~يوم الدين وكونه رجيما ملعونا ينفى ان يكون في السماء بين المقربين ~~المطهرين الثالث انه قال اخرج منها مذؤما مدحورا وملكوت السموات لا يعلوه ~~المذموم المدحور ابدا وأما ms031 القول الثاني فهو القول الاول بعينه مع زيادة ما ~~لا يدل عليه السياق بحال من تقديم ما هو مؤخر في الواقع وتأخير ما هو مقدم ~~فيه فيرد بما رد به القول الذي قبله وأما القول الثالث وهو أنه للتأكيد فإن ~~أريد التأكيد اللفظي المجرد فهذا لا يقع في القرآن وان اريد به انه مستلزم ~~للتغليظ والتأكيد مع ما يشتمل عليه من الفائدة فصحيح فالصواب ان يقال اعيد ~~الاهباط مرة ثانية لانه علق عليه حكما غير المعلق على الاهباط الاول فإنه ~~علق على الاول عداوة بعضهم بعضا فقال اهبطوا بعضكم لبعض عدو وهذه جملة ~~حالية وهي اسمية بالضمير وحده عند الاكثرين والمعنى اهبطوا متعادين وعلق ~~على الهبوط الثاني حكمين آخرين احدهما هبوطهم جميعا والثاني PageV01P023 ~~@QB@ قوله @QE@ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم ~~يحزنون فكأنه قيل اهبطوا بهذا الشرط مأخوذا عليكم هذا العهد وهو انه مهما ~~جاءكم مني هدى فمن اتبعه منكم فلا خوف عليه ولا حزن يلحقه ففي الاهباط ~~الاول إيذان بالعقوبة ومقابلتهم على الجريمة وفي الاهباط الثاني روح ~~التسلية والاستبشاربحسن عاقبة هذا الهبوط لمن تبع هداي ومصيره إلى الامن ~~والسرور المضاد للخوف والحزن فكسرهم بالاهباط الاول وجبر من اتبع هداه ~~بالاهباط الثاني على عادته سبحانه ولطفه بعباده وأهل طاعته كما كسر آدم ~~بالاخراج من الجنة وجبره بالكلمات التي تلقاها منه فتاب عليه وهداه ومن ~~تدبر حكمته سبحانه ولطفه وبره بعباده وأهل طاعته في كسره لهم ثم جبره بعد ~~الانكسار كما يكسر العبد بالذنب ويذله به ثم يجبره بتوبته عليه ومغفرته له ~~وكما يكسره بأنواع المصائب والمحن ثم يجبره بالعافية والنعمة انفتح له باب ~~عظيم من أبواب معرفته ومحبته وعلم انه ارحم بعباده من الوالدة بولدها وان ~~ذلك الكسر هو نفس رحمته به وبره ولطفه وهو أعلم بمصلحة عبده منه ولكن العبد ~~لضعف بصيرته ومعرفته بأسماء ربه وصفاته لا يكاد يشعر بذلك ولا ينال رضا ~~المحبوب وقربه والابتهاج والفرح بالدنو منه والزلفى لديه الاعلى جسر من ~~الذلة ms032 والمسكنة وعلى هذا قام امر المحبة فلا سبيل إلى الوصول إلى المحبوب ~~الا بذلك كما قيل # تذلل لمن تهوى لتحظى بقربه % فكم عزة قد نالها العبد بالذل # إذا كان من تهوى عزيز أو لم تكن % ذليلا له فاقرا السلام على الوصل وقال ~~آخر : # اخضع وذل لمن تحب فليس في % شرع الهوى انف يشال ويقعد وقال آخر : # وما فرحت بالوصل نفس عزيزة % وما العز إلا ذلها وانكسارها قالوا وإذا علم ~~ان إبليس اهبط من دار العز عقب امتناعه وإبائه من السجود لادم ثبت ان ~~وسوسته له ولزوجه كانت في غير المحل الذي اهبط منه والله اعلم قالوا واما ~~قولكم ان الجنة إنما جاءت معرفة باللام وهي تنصرف إلى الجنة التي لا يعهد ~~بنو آدم سواها فلا ريب انها جاءت كذلك ولكن العهد وقع في خطاب الله تعالى ~~آدم لسكناها بقوله اسكن انت وزوجك الجنة فهي كانت معهودة عند آدم ثم اخبرنا ~~سبحانه عنهامعرفا لها بلام التعريف فانصرف العرف بها إلى تلك الجنة ~~المعهودة في الذهن وهي التي سكنها آدم ثم اخرج منها فمن اين في هذا ما يدل ~~على محلها وموضعها بنفي أو إثبات وأما مجيء جنة الخلد معرفة باللام فلانها ~~الجنة PageV01P024 التي اخبرت بها الرسل لاممهم ووعدها الرحمن عباده بالغيب ~~فحيث ذكرت انصرف الذهن اليها دون غيرها لانها قد صارت معلومة في القلوب ~~مستقرة فيها ولا ينصرف الذهن إلى غيرها ولا يتوجه الخطاب إلى سواها وقد ~~جاءت الجنة في القرآن معرفة باللام والمراد بها بستان في بقعة من الأرض ~~كقوله تعالى إنا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين ~~فهذا لا ينصرف الذهن فيها إلى جنة الخلد ولا إلى جنة آدم بحال قالوا وما ~~قولكم انه قد اتفق اهل السنة والجماعة على ان الجنة والنار مخلوقتان وإنه ~~لم ينازع في ذلك إلا بعض أهل البدع والضلال واستدلالكم على وجود الجنة الان ~~فحق لاننازعكم فيه وعندنا من الادلة على وجودها اضعاف ما ذكرتم ولكن أي ~~تلازم بين ان تكون ms033 جنة الخلد مخلوقة وبين ان تكون هي جنة آدم بعينها فكانكم ~~تزعمون ان كل من قال ان جنة آدم هي جنة في الأرض فلا بد له ان يقول ان ~~الجنة والنار لم يخلقا بعد وهذا غلط منكم منشؤه من توهمكم ان كل من قال بأن ~~الجنة لم تخلق بعد فإنه يقول ان جنة آدم هي في الأرض كذلك بالعكس ان كل من ~~قال ان جنة آدم في الأرض فيقول ان الجنة لم تخلق فأما الاول فلا ريب فيه ~~وأما الثاني فوهم لا تلازم بينهما لافي المذهب ولا في الدليل فأنتم نصبتم ~~دليلكم مع طائفة نحن وأنتم متفقون على انكار قولهم ورده وابطاله ولكن لا ~~يلزم من هذا بطلان هذا القول الثالث وهذا واضح قالوا وأما قولكم ان جميع ما ~~نفاه الله سبحانه عن الجنة من اللغو والعذاب وسائر الافات التي وجد بعضها ~~من ابليس عدو الله فهذا إنما يكون بعد القيامة إذا دخلها المؤمنون كما يدل ~~عليه السياق فجوابه من وجهين احدهما ان ظاهر الخبر يقتضي نفيه مطلقا لقوله ~~تعالى لا لغو فيها ولا تأثيم ولقوله تعالى لا تسمع فيها لاغية فهذا نفي عام ~~لا يجوز تخصيصه الا بمخصص بين والله سبحانه قد حكم بانها دار الخلد حكما ~~مطلقا فلا يدخلها الا خالد فيها فتخصيصكم هذه التسمية بما بعد القيامة خلاف ~~الظاهر الثاني ان ما ذكرتم إنما يصار اليه إذا قام الدليل السالم عن ~~المعارض المقاوم انها جنة الخلد بعينها وحينئذ يتعين المصير إلى ما ذكرتم ~~فأما إذا لم يقم دليل سالم على ذلك ولم تجمع الامة عليه فلا يسوغ مخالفة ما ~~دلت عليه النصوص البينة بغير موجب والله اعلم قالوا ومما يدل على انها ليست ~~جنة الخلد التي وعدها المتقون ان الله سبحانه لما خلق آدم اعلمه ان لعمره ~~اجلا ينتهي اليه وأنه لم يخلقه للبقاء ويدل على هذا ما رواه الترمذي في ~~جامعه قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبد ~~الرحمن ms034 ابن أبي زياب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضى الله ~~عنه قال قال رسول الله لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله ~~يا رب فقال له ربه يرحمك الله يا آدم إذهب إلى اولئك الملائكة إلى ملاء ~~منهم جلوس فقل السلام PageV01P025 عليكم قالوا وعليك السلام ثم رجع إلى ربه ~~فقال ان هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله له ويداه مقبوضتان اختر ~~ايتهما شئت فقال اخترت يمين ربي كلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا ~~فيها آدم وذريته قال أي رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب ~~عمره بين عينيه فإذا رجل اضوؤهم أو من اضوئهم قال يا رب من هذا قال هذا ~~ابنك داود وقد كتبت له عمرا اربعين سنة قال يا رب زد في عمره قال ذاك الذي ~~كتبت له قال أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك قال ثم ~~اسكن الجنة ما شاء الله ثم اهبط منها وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت ~~فقال له آدم قد عجلت اليس قد كتبت لي الف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك ~~داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسى فنسيت ذريته قال فمن يومئذ امر ~~بالكتاب والشهود هذا حديث حسن غريب م هذا الوجه وروى من غير وجه عن أبي ~~هريرة عن النبي قالوا فهذا صريح في أن آدم لم يكن مخلوقا في دار الخلد التي ~~لا يموت من دخلها وإنما خلق في دار الفناء التي جعل الله لها ولأهلها اجلا ~~معلوما وفيها اسكن فإن قيل فإذا كان آدم قد علم ان له عمرا ينتهي اليه وأنه ~~ليس من الخالدين فكيف لم يكذب ابليس ويعلم بطلان قوله حيث قال له هل ادلك ~~على شجرة الخلد وملك لا يبلى بل جوز ذلك واكل من الشجرة طمعا في الخلد ~~فالجواب ما تقدم من الوجهين اما ان يكون المراد بالخلد المكث الطويل إلى ~~أبد ms035 الابد أو يكون عدوه ابليس لماقاسمه وزوجه وغيرهما واطمعهما بدوامهما في ~~الجنة نسى ما قدر له من عمره قالوا والمعول عليه في ذلك قوله تعالى ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة وهذا الخليفة هو آدم باتفاق الناس ولما ~~عجبت الملائكة من ذلك وقالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك عرفهم سبحانه ان هذا الخليفة الذي هوجاعله في الأرض ~~ليس حاله كما توهمتم من الفساد بل اعلمه من علمي مالا تعلمونه فأظهر من ~~فضله وشرفه بأن علمه الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فلم يعرفوها و ~~قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم وهذا يدل على ~~ان هذا الخليفة الذي سبق به اخبار الرب تعالى لملائكته وأظهر تعالى فضله ~~وشرفه وأعلمه بما لم تعلمه الملائكة وهو خليفة مجعول في الأرض لا فوق ~~السماء فإن قيل قوله تعالى اني جاعل في الأرض خليفة إنما هو بمعنى سأجعله ~~في الأرض فهي مآله ومصيره وهذا لا ينافي ان يكون في جنة الخلد فوق السماء ~~اولا ثم يصير إلى الأرض للخلافة التي جعلها الله له واسم الفاعل هنا بمعنى ~~الاستقبال ولهذا انتصب عنه المفعول فالجواب ان الله سبحانه اعلم ملائكته ~~بانه يخلقه لخلافة الأرض لا لسكنى جنة الخلود وخبره الصدق وقوله الحق وقد ~~علمت الملائكة PageV01P026 أنه هو آدم فلو كان قد اسكنه دار الخلود فوق ~~السماء لم يظهر للملائكة وقوع المخبر ولم يحتاجوا إلى ان يبين لهم فضله ~~وشرفه وعلمه المتضمن رد قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فإنهم ~~إنما سألوا هذا السؤال في حق الخليفة المجعول في الأرض فاما من هو في دار ~~الخلد فوق السماء فلم تتوهم الملائكة منه سفك الدماء والفساد في الأرض ولا ~~كان اظهار فضله وشرفه وعلمه وهو فوق السماء رادا لقولهم وجوابا لسؤالهم بل ~~الذي يحصل به جوابهم وضد ما توهموه إظهار تلك الفضائل والعلوم منه وهو في ~~محل خلافته التي خلق لها وتوهمت الملائكة انه ms036 لا يحصل منه هناك الا ضدها من ~~الفساد وسفك الدماء وهذا واضح لمن تأمله وأما اسم الفاعل وهو فاعل وإن كان ~~بمعنى الاستقبال فلأن هذا إخبار عما سيفعله الرب تعالى في المستقبل من جعله ~~الخليفة في الأرض وقد صدق وعده ووقع ما أخبر به وهذا ظاهر في أنه من أول ~~الامر جعله خليفة في الأرض وأما جعله في السماء اولا ثم جعله خليفة في ~~الأرض ثانيا وإن كان مما لا ينافي الاستخلاف المذكور فهو ممالا يقتضيه ~~اللفظ بوجه بل يقتضى ظاهره خلافه فلا يصار اليه إلا بدليل يوجب المصير اليه ~~وحوله ندندن قالوا وايضا فمن المعلوم الذي لا يخالف فيه مسلم ان الله ~~سبحانه خلق آدم من تراب وهو تراب هذه الأرض بلا ريب كما روى الترمذي في ~~جامعه من حديث عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الاشعري رضى الله عنه قال ~~قال رسول الله ان الله تبارك وتعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ~~فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الاحمر والابيض والاسود وبين ذلك ~~والسهل والحزن والخبيث والطيب قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقد رواه ~~الامام أحمد في مسنده من طرق عدة وقد أخبر سبحانه انه خلقه من تراب وأخبر ~~انه خلقه من سلالة من طين واخبر انه خلقه من صلصال من حمأ مسنون والصلصال ~~قيل فيه هو الطين اليابس الذي له صلصلة ما لم يطبخ فإذا طبخ فهو فخار وقيل ~~فيه هو المتغير الرائحة من قولهم صل إذا انتن والحمأ الطين الاسود المتغير ~~والمسنون قيل المصبوب من سننت الماء إذا صببته وقيل المنتن المسن من قولهم ~~سننت الحجر على الحجر إذا حككته فإذا سال بينهما شيء فهو سنين ولا يكون إلا ~~منتنا وهذه كلها اطوار التراب الذي هو مبدؤه الاول كما اخبر عن خلق الذرية ~~من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وهذه احوال النطفة التي هي مبدأ الذرية ولم ~~يخبر سبحانه انه رفعه من الأرض إلى فوق السموات ms037 لا قبل التخليق ولا بعده ~~وإنما اخبر عن اسجاد الملائكة له وعن إدخاله الجنة وما جرى له مع إبليس بعد ~~خلقه فأخبر سبحانه بالأمور الثلاثة في نسق واحد مرتبطا بعضها ببعض قالوا ~~فأين الدليل الدال على إصعاد مادته واصعاده بعدخلقه إلى فوق السموات هذا ~~مما لا دليل لكم عليه اصلا ولا هو لازم من لوازم ما أخبر الله به قالوا ومن ~~المعلوم ان ما فوق PageV01P027 السموات ليس بمكان للطين الارضي المتغير ~~الرائحة الذي قد انتن من تغيره وإنما محله هذا الأرض التي هي محل المتغيرات ~~والفاسدات وأما ما كان فوق الأملاك فلا يلحقه تغير ولا نتن ولافساد ولا ~~استحاله قالوا وهذا امر لا يرتاب فيه العقلاء قالوا وقد قال تعالى وأما ~~الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ~~عطاء غير مجذوذ فأخبر سبحانه ان هذا العطاء في جنة الخلد غير مقطوع وما ~~اعطيه آدم فقد انقطع فلم تكن تلك جنة الخلد قالوا وأيضا فلا نزاع في ان ~~الله تعالى خلق آدم في الأرض كما تقدم ولم يذكر في قصته انه نقله إلى ~~السماء ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان هذا اولى بالذكر لانه من ~~اعظم انواع النعم عليه واكبر اسباب تفضيله وتشريفه وابلغ في بيان آيات ~~قدرته وربوبيته وحكمته وابلغ في بيان المقصود من عاقبة المعصية وهو الاهباط ~~من السماء التي نقل اليها كما ذكر ذلك في حق ابليس فحيث لم يجيء في القرآن ~~ولا في السنة حرف واحد أنه نقله إلى السماء ورفعه اليها بعد خلقه في الأرض ~~علم ان الجنة التي ادخلها لم تكن هي جنة الخلد التي فوق السموات قالوا ~~وأيضا فإنه سبحانه قد اخبر في كتابه انه لم يخلق عباده عبثا ولا سدى وأنكر ~~على من زعم ذلك فدل على ان هذا مناف لحكمته ولو كانتا جنة آدم هي جنة الخلد ~~لكانوا قد خلقوا في دار لا يؤمرون فيها ولا ينهون وهذا باطل بقوله أيحسب ~~الانسان ان ms038 يترك سدى قال الشافعي وغيره معطلا لا يؤمر ولا ينهى وقال ~~أفحسبتم انا خلقناكم عبثا فهو تعالى لم يخلقهم عبثا ولا تركهم سدى وجنة ~~الخلد لا تكليف فيها قالوا وأيضا فإنه خلقها جزاء للعاملين بقوله تعالى نعم ~~اجر العالمين وجزاء للمتقين بقوله ولنعم دار المتقين ودار الثواب بقوله ~~ثوابا من عند الله فلم يكن ليسكنها إلا من خلقها لهم من العاملين ومن ~~المتقين ومن تبعهم من ذرياتهم وغيرهم من الحور والولدان وبالجملة فحكمته ~~تعالى اقتضت انها لا تنال الا بعد الابتلاء والامتحان والصبر والجهاد ~~وأنواع الطاعات وإذا كان هذا مقتضى حكمته فإنه سبحانه لا يفعل الا ما ~~هومطابق لها قالوا فإذا جمع ما أخبر الله عز وجل به من انه خلقه من الأرض ~~وجعله خليفة في الأرض وأن ابليس وسوس له في مكانه الذي اسكنه فيه بعد ان ~~اهبط ابليس من السماء وأنه أخبر ملائكته انه جاعل في الأرض خليفة وأن دار ~~الجنة لا لغو فيها ولا تاثيم وان من دخلها لا يخرج منها ابدا وان من دخلها ~~ينعم لا يبؤس وانه لا يخاف ولا يحزن وان الله سبحانه حرمها على الكافرين ~~وعدو الله ابليس اكفر الكافرين فمحال ان يدخلها اصلا لا دخول عبور ولا دخول ~~قرار وانها دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان إلى غير ذلك مما ذكرناه من ~~منافاة اوصاف جنة الخلد للجنة التي اسكنها آدم إذا جمع ذلك بعضه إلى بعض ~~ونظر فيه بعين الانصاف والتجرد عن نصرة المقالات تبين الصواب من ذلك والله ~~المستعان PageV01P028 # قال الاخرون بل الجنة التي اسكنها آدم عند سلف الامة وأئمتها وأهل السنة ~~والجماعة هي جنة الخلد ومن قال انها كانت جنة في الأرض بأرض الهند أو بأرض ~~جدة أو غير ذلك فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة أو من اخوانهم ~~المتكلمين المبتدعين فإن هذا يقوله من يقوله من المتفسلفة والمعتزلة ~~والكتاب يرد هذا القول وسلف الامة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول قال ~~تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس ms039 ابى واستكبر وكان من ~~الكافرين وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما ~~كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ~~فقد أخبر سبحانه أنه أمرهم بالهبوط وان بعضهم لبعض عدو ثم قال ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين وهذا بين انهم لم يكونوا في الأرض وإنما اهبطوا ~~إلى الأرض فإنهم لو كانوا في الأرض وانتقلوا منها إلى ارض اخرى كما انتقل ~~قوم موسى من ارض إلى ارض كان مستقرهم ومتاعهم إلى حين في الأرض قبل الهبوط ~~كما هو بعده وهذا باطل قالوا وقد قال تعالى في سورة الاعراف لما قال إبليس ~~أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك ان ~~تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين يبين اختصاص الجنة التي في السماء بهذا ~~الحكم بخلاف جنة الأرض فإن ابليس كان غير ممنوع من التكبر فيها والضمير في ~~قوله منها عائد إلى معلوم وان كان غير مذكور في اللفظ لان العلم به أغنى عن ~~ذكره قالوا وهذا بخلاف قوله اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم فإنه لم يذكر هنا ~~ما اهبطوا منه وإنما ذكر ما اهبطوا اليه بخلاف اهباط ابليس فإنه ذكر مبدأ ~~هبوطه وهو الجنة والهبوط يكون من علوالى سفل وبنو اسرائيل كانوا بجبال ~~السراة المشرفة على مصر الذي يهبطون اليه ومن هبط من جبل إلى واد قيل له ~~اهبط قالوا وايضا فبنو اسرائيل كانوا يسيرون ويرحلون والذي يسير ويرحل إذا ~~جاء بلدة يقال نزل فيها لان من عادته ان يركب في مسيره فإذا وصل نزل عن ~~دوابه ويقال نزل العدو بأرض كذا ونزل القفل ونحوه ولفظ النزول كلفظ الهبوط ~~فلا يستعمل نزل وهبط الا إذا كان من علو إلى سفل وقال تعالى عقب قوله ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين قال فيها تحيون ms040 ~~وفيها تموتون ومنها تخرجون فهذا دليل على انهم لم يكونوا قبل ذلك في مكان ~~فيه يحيون وفيه يموتون ومنه يخرجون والقرآن صريح في انهم انما صاروا اليه ~~بعدالاهباط قالوا ولو لم يكن في هذه الا قصة آدم وموسى لكانت كافية فإن ~~موسى إنما لام آدم عليه السلام لما حصل له ولذريته من الخروج من الجنة من ~~النكد والمشقة فلو كانت بستانا في الأرض لكان غيره من بساتين الأرض يعوض ~~PageV01P029 عنه وموسى اعظم قدرا من ان يلومه على ان اخرج نفسه وذريته من ~~بستان في الأرض قالوا وكذلك قول آدم يوم القيامة لما يرغب اليه الناس ان ~~يستفتح لهم باب الجنة فيقول وهل اخرجكم منها الا خطيئة ابيكم فإن ظهور هذا ~~في كونها جنة الخلد وانه اعتذر لهم بانه لا يحسن منه ان يستفتحها وقد اخرج ~~منها بخطيئته من اظهر الادلة قال الاولون اما قولكم ان من قال انها جنة في ~~الأرض فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة أو من اخوانهم فقد اوجدناكم من ~~قال بهذا وليس من أحد من هؤلاء ومشاركة أهل الباطل للمحق في المسئلة لا يدل ~~على بطلانها ولا تكون اضافتها لهم موجبة لبطلانها ما لم يختص بها فإن اردتم ~~أنه لم يقل بذلك إلا هؤلاء فليس كذلك وإن اردتم ان هؤلاء من جملة القائمين ~~بهذا لم يفدكم شيئا قالوا وأما قولكم وسلف الامة وأئمتها متفقون على بطلان ~~هذا القول فنحن نطالبكم بنقل صحيح عن واحد من الصحابة ومن بعدهم من ائمة ~~السلف فضلا عن اتفاقهم قالوا ولا يوجد عن صاحب ولا تابع ولا تابع تابع خبر ~~يصح موصولا ولا شاذا ولا مشهورا ان النبي قال ان الله تعالى اسكن آدم جنة ~~الخلد التي هي دار المتقين يوم المعاد قالوا وهذا القاضي منذر بن سعيد قد ~~حكى عن غير واحد من السلف انها ليست جنة الخلد فقال ونحن نوجدكم ان أبا ~~حنيفة فقيه العراق ومن قال بقوله قد قالوا ان جنة آدم التي خلقها الله ليست ~~جنة الخلد وليسوا ms041 عند أحد من العالمين من الشاذين بل من رؤساء المخالفين ~~وهذه الدواوين مشحونة من علومهم وقد ذكرنا قول ابن عيينة وقد ذكر ابن مزين ~~في تفسيره قال سألت ابن نافع عن الجنة أمخلوقة فقال السكوت عن هذا افضل ~~قالوا فلو كان عند ابن نافع ان الحنة التي اسكنها آدم هي جنة الخلد لم يشك ~~انها مخلوقة ولم يتوقف في ذلك وقال ابن قتيبة في كتابه غريب القرآن في قوله ~~تعالى وقلنا اهبطوا منها قال ابن عباس رضى الله عنهما في رواية أبي صالح هو ~~كما يقال هبط فلان ارض كذا وكذا ولم يذكر في كتابه غيره فأين اجماع سلف ~~الامة وأئمتها قالوا واما احتجاجكم بقوله تعالى ولكم في الأرض مستقر عقيب ~~قوله اهبطوا فهذا لا يدل على انهم كانوا في جنة الخلد فان أحد الاقوال في ~~المسئلة انها كانت جنة في السماء غير جنة الخلد كما حكاه الماوردي في تفسره ~~وقد تقدم وأيضا فإن قوله ولكم في الأرض مستقر يدل على ان لهم مستقرا إلى ~~حين في الأرض المنقطعة عن الجنة ولا بد فإن الجنة ايضا لها ارض قال تعالى ~~عن اهل الجنة وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الأرض نتبوأ من ~~الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين فدل على ان قوله ولكم في الأرض مستقر ~~المراد به الأرض الخالية من PageV01P030 تلك الجنة لا كل ما يسمى ارضا وكان ~~مستقرهم الاول في ارض الجنة ثم صار في ارض الابتلاء والامتحان ثم يصير ~~مستقر المؤمنين يوم الجزاء ارض الجنة ايضا فلا تدل الاية على ان جنة آدم هي ~~جنة الخلد قالوا وهذا هو الجواب بعينه عن استدلالكم بقوله تعالى قال فيها ~~تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون فان المراد به الأرض التي اهبطوا اليها ~~وجعلت مسكنا لهم بدل الجنة وهذا تفسير المستقر المذكور في البقرة مع تضمنه ~~ذكر الاخراج منها قالوا وأما قوله تعالى لابليس اهبط منها فما يكون لك ان ~~تتكبر فيها وقولكم ان هذا انما هو في الجنة التي ms042 في السماء والا فجنة الأرض ~~لم يمنع ابليس من التكبر فيها فهو دليل لنا في المسئلة فإن جنة الخلد لا ~~سبيل لابليس إلى دخولها والتكبر فيها اصلا وقد اخبر تعالى انه وسوس لادم ~~وزوجه وكذبهما وغرهما وخانهما وتكبر عليهما وحسدهما وهما حينئذ في الجنة ~~فدل على انها لم تكن جنة الخلد ومحال ان يصعد اليها بعد اهباطه واخراجه ~~منها قالوا والضمير في قوله اهبطوا منها إما ان يكون عائدا إلى السماء كما ~~هو أحد القولين وعلى هذا فيكون سبحانه قد اهبطه من السماء عقب امتناعه من ~~السجود وأخبر انه ليس له ان يتكبر ثم تكبر وكذب وخان في الجنة فدل على انها ~~ليست في السماء أو يكون عائدا إلى الجنة على القول الاخر ولا يلزم من هذا ~~القول ان تكون الجنة التي كاد فيها آدم وغره قاسمه كاذبا في تلك التي اهبط ~~منها بل القرآن يدل على انها غيرها كما ذكرناه فعلى التقديرين لا تدل الاية ~~على ان الجنة التي جرى لادم مع ابليس ما جرى فيها هي جنة الخلد قالوا وأما ~~قولكم ان بني اسرائيل كانوا بجبال السراة المشرفة على الأرض التي يهبطون ~~وهم كانوا يسيرون ويرحلون فلذلك قيل لهم اهبطوا فهذا حق لا ننازعكم فيه وهو ~~بعينه جواب لنا فإن الهبوط يدل على ان تلك الجنة كانت اعلا من الأرض التي ~~اهبطوا اليها واما كونها جنة الخلد فلا قالوا والفرق بين قوله اهبطوامصرا ~~وقوله اهبطوا منها فإن الاول لنهاية الهبوط وغايته وهبطوا منها متضمن ~~لمبدئه وأوله لا تأثير له فيما نحن فيه فإن هبط من كذا إلى كذا يتضمن معنى ~~الانتقال من مكان عال إلى مكان سافل فأي تأثير لابتداء الغاية ونهايتها في ~~تعيين محل الهبوط بأنه جنة الخلد قالوا وأما قصة موسى ولومه لآدم على ~~إخراجهمن الجنة فلا يدل على أنها جنة الخلد وقولكم لا يظن بموسى أنه يلوم ~~آدم على إخراجه نفسه وذريته من بستان في الأرض تشنيع لا يفيد شيئا افترى ~~كان ذلك بستانا مثل ms043 آحاد هذه البساتين المقطوعة المهوعة التي هي عرضة ~~الافات والتعب والنصب والظمأ والحرث والسقي والتلقيح وسائر وجوه النصب الذي ~~يلحق هذه البساتين ولا ريب ان موسى عليه الصلاة والسلام أعلم واجل من ان ~~يلوم آدم على PageV01P031 خروجه وإخراج بنيه من بستان هذا شأنه ولكن من قال ~~بهذا وإنما كانت جنة لا يلحقها آفة ولا تنقطع ثمارها ولا تغور انهارها ولا ~~يجوع ساكنها ولا يظمأ ولا يضحى للشمس ولا يعرى ولا يمسه فيها التعب والنصب ~~والشقاء ومثل هذه الجنة يحسن لوم الانسان على التسبب في خروجه منها قالوا ~~واما اعتذار آدم عليه الصلاة والسلام يوم القيامة لأهل الموقف بأن خطيئته ~~هي التي اخرجته من الجنة فلا يحسن ان يستفتحها لهم فهذا لا يستلزم ان تكون ~~هي بعينها التي اخرج منها بل إذا كانت غيرها كان أبلغ في الاعتذار فإنه إذا ~~كان الخروج من غير جنة الخلد حصل بسبب الخطيئة فكيف يليق استفتاح جنة الخلد ~~والشفاعة فيها ثم خرج من غيرها بخطيئة فهذا موقف نظر الفريقين ونهاية أقدام ~~الطائفتين فمن كان له فضل علم في هذه المسئلة فليجد به فهذا وقت الحاجة ~~اليه ومن علم منتهى خطوته ومقدار بضاعته فليكل الامر إلى عالمه ولا يرضى ~~لنفسه بالتنقيص والازراء عليه وليكن من اهل التلول الذين هم نظارة الحرب ~~إذا لم يكن من أهل الكر والفر والطعن والضرب فقد تلاقت الفحول وتطاعنت ~~الاقران وضاق بهم المجال في حلبة هذا الميدان # إذا تلاقى الفحول في لجب % فكيف حال الغصيص في الوسط # هذه معاقد حجج الطائفتين مجتازة ببابك واليك تساق وهذه بضائع تجار ~~العلماء ينادي عليها في سوق الكساد لا في سوق النفاق فمن لم يكن له به شيء ~~من اسباب البيان والتبصرة فلا يعدم من قد استفرغ وسعه وبذل جهده منه ~~التصويب والمعذرة ولا يرضى لنفسه بشر الخطتين وابخس الحظين جهل الحق ~~وأسبابه ومعاداة اهله وطلابه وإذا عظم المطلوب وأعوزك الرفيق الناصح العليم ~~فارحل بهمتك من بين الاموات وعليك بمعلم إبراهيم فقد ذكرنا في هذه ms044 المسئلة ~~من النقول والادلة والنكت البديعة ما لعله لا يوجد في شيء من كتب المصنفين ~~ولا يعرف قدره الا من كان من الفضلاء المنصفين ومن الله سبحانه الاستمداد ~~وعليه التوكل واليه الاستناد فإنه لا يخيب من توكل عليه ولا يضيع من لاذ به ~~وفوض امره اليه وهو حسبنا ونعم الوكيل # | فصل ولما اهبطه سبحانه من الجنة وعرضه وذريته لانواع المحن والبلاء # اعطاهم افضل مما منعهم وهوعهده الذي عهد اليه وإلى بنيه وأخبر انه من ~~تمسك به منهم صار إلى رضوانه ودار كرامته قال تعالى عقب اخراجه منها قلنا ~~اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى PageV01P032 فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون وفي الاية الاخرى قال اهبطا منها جميعا فاما ياتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا نحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك ~~اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى فلما كسره سبحانه باهباطه من الجنة ~~جبره وذريته بهذا العهد الذي عهده اليهم فقال تعالى فاما يأتينكم مني هدى ~~وهذه هي ان الشرطية المؤكدة بما الدالة على استغراق الزمان والمعنى أي وقت ~~وأي حين اتاكم من يهدى وجعل جواب هذا الشرط جملة شرطية وهي قوله فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى كما تقول إن زرتني فمن بشرني بقدومك فهو حر وجواب ~~الشرط يكون جملة تامة أما خبرا محضا كقولك ان زرتني اكرمتك أو خبرا مقرونا ~~بالشرط كهذا اومؤكدا بالقسم أو بأن واللام كقوله تعالى وإن اطعتموهم انكم ~~لمشركون واما طلبا كقول النبي اذا سالت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن ~~بالله وقوله وإذا لقيتموهم فاصبروا وقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا فإذا ~~انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وأكثر ما يأتي هذا النوع ~~مع إذا التي تفيد تحقيق وقوع الشرط لسر وهو افادته تحقيقالطلب عند تحقيق ~~الشرط فمتى تحقق الشرط فالطلب متحقق فأتى بإذا الدالة على تحقيق الشرط فعلم ~~تحقيق ms045 الطلب عندها وقد يأتي مع ان قليلا كقوله تعالى وإن كذبوك فقل لي عملي ~~ولكم عملكم واما جملة انشائية كقوله لعبده الكافر ان اسلمت فانت حر ~~ولامرأته ان فعلت كذا فانت طالق فهذا انشاء للعتق والطلاق عند وجود الشرط ~~على رأي أو انشاء له حال التعليق ويتأخر نفوذه إلى حين وجود الشرط على رأي ~~آخر وعلى التقديرين فجواب الشرط جملة انشائية والمقصود ان جواب الشرط في ~~الاية المذكورة جملة شرطية وهي قوله فمن اتبع هداي فلاخوف عليهم ولا هم ~~يحزنون وهذا الشرط يقتضى ارتباط الجملة الاولى بالثانية ارتباط العلة ~~بالمعلول والسبب بالمسبب فيكون الشرط الذي هو ملزوم علة ومقتضيا للجزاء ~~الذي هو لازم فإن كان بينهما تلازم من الطرفين كان وجود كل منهما بدون دخول ~~الاخر ممتنعا كدخول الجنة بالاسلام وارتفاع الخوف والحزن والضلال والشقاء ~~مع متابعة الهوى وهذه هي عامة شروط القرآن والسنة فإنها اسباب وعلل والحكم ~~ينتفى بانتفاء علته وإن كان التلازم بينهما من أحد الطرفين كان الشرط ~~ملزوما خاصا والجزاء لازما عاما فمتى تحقق الشرط الملزوم الخاص تحقق الجزاء ~~اللازم العام ولا يلزم العكس كما يقال ان كان هذا انسانا فهو حيوان وإن كان ~~البيع صحيحا فالملك ثابت وهذا غالب ما يأتي في قياس الدلالة حيث يكون الشرط ~~دليلا على الجزاء فيلزم من وجوده وجود الجزاء لان الجزاء لازمه ووجود ~~الملزوم يستلزم وجود اللازم ولا يلزم من عدمه عدم الجزاء وان PageV01P033 ~~وقع هذا الشرط بين علة ومعلول فإن كان الحكم معللا بعلل صح ذلك وجاز ان ~~يكون الجزاء اعم من الشرط كقولك إن كان هذا مرتدا فهو حلال الدم فإن حل ~~الدم اعم من حله بالردة إلا ان يقال ان حكم العلة المعينة ينتفى بانتفائها ~~وإن ثبت الحكم بعلة اخرى فهو حكم آخر واما حكم العلة المعينة فمحال ان ينفى ~~مع زوالها وحينئذ فيعود التلازم من الطرفين ويلزم من وجود كل واحد من الشرط ~~والجزاء وجود الاخر ومن عدمه عدمه وتمام تحقيق هذا في مسئلة تعليل الحكم ms046 ~~الواحد بعلتين وللناس فيه نزاع مشهور وفصل الخطاب فيها ان الحكم الواحد ان ~~كان واحدا بالنوع كحل الدم وثبوت الملك ونقض الطهارة جاز تعليله بالعلل ~~المختلفة وإن كان واحدا بالعين كحل الدم بالردة وثبوت الملك بالبيع ~~اوالميراث ونحو ذلك لم يجز تعليله بعلتين مختلفتين وبهذا التفصيل يزول ~~الاشتباه في هذه المسألة والله اعلم ومن تأمل ادلة الطائفتين وجد كل ما ~~احتج به من رأى تعليل الحكم بعلل مختلفة إنما يدل على تعليل الواحد بالنوع ~~بها وكل من نفى تعليل الحكم بعلتين إنما يتم دليله على نفي تعليل الواحد ~~بالعين بهما فالقولان عند التحقيق يرجعان إلى شيء واحد والمقصود ان الله ~~سبحانه جعل اتباع هداه وعهده الذي عهده إلى آدم سببا ومقتضيا لعدم الخوف ~~والحزن والضلال والشقاء وهذا الجزاء ثابت بثبوت الشرط منتف بانتفائه كما ~~تقدم بيانه ونفى الخوف والحزن عن متبع الهدى نفي لجميع انواع الشرور فإن ~~المكروه الذي ينزل بالعبد متى علم بحصوله فهو خائف منه ان يقع به وإذا وقع ~~به فهو حزين على ما أصابه منه فهو دائما في خوف وحزن وكل خائف حزين فكل ~~حزين خائف وكل من الخوف والحزن يكون على فعل المحبوب وحصول المكروه ~~فالاقسام اربعة خوف من فوت المحبوب وحصول المكروه وهذا جماع الشر كله فنفى ~~الله سبحانه ذلك عن متبع هداه الذي أنزله على السنة رسله وأتى في نفي الخوف ~~بالاسم الدال على نفي الثبوت واللزوم فإن أهل الجنة لا بد لهم من الخوف في ~~الدنيا وفي البرزخ ويوم القيامة حيث يقول آدم وغيره من الانبياء نفسي نفسي ~~فأخبر سبحانه انهم وإن خافوا فلا خوف عليهم أي لا يلحقهم الخوف الذي خافوا ~~منه وأتى في نفي الحزن بالفعل المضارع الدال على نفي التجدد والحدوث أي لا ~~يلحقهم حزن ولا يحدث لهم إذا لم يذكروا ما سلف منهم بل هم في سرور دائم لا ~~يعرض لهم حزن على ما فات وأما الخوف فلما كان تعلقه بالمستقبل دون الماضي ~~نفي لحوقه لهم جملة أي ms047 الذي خافوا منه لا ينالهم ولا يلم بهم والله اعلم ~~فالحزين إنما يحزن في المستقبل على ما مضى والخائف إنما يخاف في الحال مما ~~يستقبل فلا خوف عليهم أي لا يلحقهم ما خافوا منه ولا يعرض لهم حزن على ما ~~فات وقال في الاية الاخرى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى فنفى عن متبع ~~هداه امرين الضلال والشقاء قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ~~PageV01P034 تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ان لا يضل في الدنيا ~~ولا يشقى في الاخرة ثم قرأ فأما ياتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى والاية نفت مسمى الضلال والشقاء عن متبع الهدى مطلقا فاقتضت الاية انه ~~لا يضل في الدنيا ولا يشقى ولا يضل في الاخرة ولا يشقى فيها فإن المراتب ~~اربعة هدى وشقاوة في الدنيا وهدى وشقاوة في الاخرة لكن ذكر ابن عباس رضى ~~الله عنهما في كل دار اظهر مرتبتيها فذكر الضلال في الدنيا إذ هو اظهر لنا ~~وأقرب من ذكر الضلال في الاخرة وايضا فضلال الدنيا اضل ضلال في الاخرة ~~وشقاء الاخرة مستلزم للضلال فيها فنبه بكل مرتبة على الأخرى فنبه بنفي ضلال ~~الدنيا على نفي ضلال الاخرة فإن العبد يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما ~~مات عليه قال الله تعالى في الاية الأخرى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا قال ~~كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وقال في الاية الاخرى ومن كان ~~في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى وأضل سبيلا فأخبر ان من كان في هذه الدار ~~ضالا فهو في الاخرة اضل واما نفي شقاء الدنيا فقد يقال انه لما انتفى عنه ~~الضلال فيها وحصل له الهدى والهدى فيه من برد اليقين وطمأنينة القلب وذاق ~~طعم الايمان فوجد حلاوته وفرحة القلب به وسروره والتنعيم به ومصير القلب ~~حيا بالايمان مستنيرا به قويا به قد نال ms048 به غذاؤه ورواءه وشفاءه وحياته ~~ونوره وقوته ولذته ونعيمه ما هو من اجل انواع النعيم واطيب الطيبات واعظم ~~اللذات قال الله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون فهذا خبر اصدق الصادقين ومخبره ~~عند اهله عين اليقين بل هو حق اليقين ولا بد لكل من عمل صالحا ان يحييه ~~الله حياة طيبة بحسب إيمانه وعمله ولكن يغلط الجفاة الاجلاف في مسمى الحياة ~~حيث يظنونها التنعم في أنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح أو لذة ~~الرياسة والمال وقهر الاعداء والتفنن بأنواع الشهوات ولا ريب ان هذه لذة ~~مشتركة بين البهائم بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الانسان ~~فمن لم تكن عنده لذة الا اللذة التي تشاركه فيها السباع والدواب والانعام ~~فذلك ممن ينادي عليه من مكان بعيد ولكن اين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا ~~خالط بشاشته القلوب سلى عن الابناء والنساء والاوطان والاموال والاخوان ~~والمساكن ورضى بتركها كلها والخروج منها رأسا وعرض نفسه لانواع المكاره ~~والمشاق وهو متحل بهذا منشرح الصدر به يطيب له قتل ابنه وأبيه وصاحبته ~~واخيه لا تأخذه في ذلك لومة لائم حتى ان احدهم ليتلقى الرمح بصدره ويقول ~~فزت ورب الكعبة ويستطيل الاخر حياته حتى يلقى قوته من يده ويقول انها لحياة ~~طويلة ان صبرت حتى أكلها ثم يتقدم إلى الموت فرحا PageV01P035 مسرورا ويقول ~~الاخر مع فقره لو علم الملوك وابناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا عليه ~~بالسيوف ويقول الاخر انه ليمر بالقلب اوقات يرقص فيها طربا وقال بعض ~~العارفين انه لتمر بي اوقات اقول فيها إن كان اهل الجنة في مثل هذا انهم ~~لفي عيش طيب ومن تأمل قول النبي لما نهاهم عن الوصال فقالوا انك تواصل فقال ~~اني لست كهيئتكم إني اظل عند ربي يطعمني ويسقيني علم ان هذا طعام الارواح ~~وشرابها وما يفيض عليها من أنواع البهجة واللذة والسرور والنعيم الذي رسول ~~الله في الذروة العليا منه ms049 وغيره إذا تعلق بغباره رأى ملك الدنيا ونعيمها ~~بالنسبة اليه هباء منثورا بل باطلا وغرورا وغلط من قال انه كان يأكل ويشرب ~~طعاما وشرابا يغتذى به بدنه لوجوه احدها انه قال اظل عند ربي يطعمني ~~ويسقيني ولو كان اكلا وشربا لم يكن وصالا ولا صوما الثاني ان النبي اخبرهم ~~انهم ليسوا كهيئته في الوصال فإنهم إذا واصلوا تضرروا بذلك واماهو فإنه إذا ~~واصل لا يتضرر بالوصال فلو كان يأكل ويشرب لكان الجواب وأنا ايضا لا اواصل ~~بل آكل وأشرب كما تأكلون وتشربون فلما قررهم على قولهم انك تواصل ولم ينكره ~~عليهم دل على انه كان مواصلا وانه لم يكن يأكل اكلا وشربا يفطر الصائم ~~الثالث انه لو كان اكلا وشربا يفطر الصائم لم يصح الجواب بالفارق بينهم ~~وبينه فإنه حينئذ يكون هو وهم مشتركون في عدم الوصال فكيف يصح الجواب بقوله ~~لست كهيئتكم وهذا امر يعلمه غالب الناس ان القلب متى حصل له ما يفرحه ويسره ~~من نيل مطلوبه ووصال حبيبه أو ما يغمه ويسؤوه ويحزنه شغل عن الطعام والشراب ~~حتى ان كثيرا من العشاق تمر به الايام لا يأكل شيئا ولا تطلب نفسه اكلا وقد ~~افصح القائل في هذا المعنى # لها احاديث من ذكراك تشغلها % عن الشراب وتلهيها عن الزاد # لها بوجهك نور تستضيء به % ومن حديثك في اعقابها حادى إذ اشتكت من كلال ~~السير أو عدها % روح القدوم فتحيا عند ميعاد # والمقصود ان الهدى مستلزم لسعادة الدنيا وطيب الحياة والنعيم العاجل وهو ~~أمر يشهد به الحس والوجد واما سعادة الاخرة فغيب يعلم بالايمان فذكرها ابن ~~عباس رضى الله عنهما لكونها اهم وهي الغاية المطلوبة وضلال الدنيا اظهر ~~وبالنجاة منه ينجو من كل شر وهو اضل ضلال الاخرة وشقائها فلذلك ذكره وحده ~~والله اعلم PageV01P036 # | فصل وهذان الضلالان اعني الضلال والشقاء يذكرهما سبحانه كثيرا في # كلامه ويخبر انهما حظ اعدائه ويذكر ضدهما وهما الهدى والفلاح كثيرا ويخبر ~~انهما حظ اوليائه اما الاول فكقوله تعالى ان المجرمين في ضلال وسعر فالضلال ms050 ~~الضلال والسعر هو الشقاء والعذاب وقال تعالى قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ~~وما كانوا مهتدين وأما الثاني فكقوله تعالى في أول البقرة وقد ذكر المؤمنين ~~وصفاتهم اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون وكذلك في أول لقمان وقال ~~في الانعام الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم ~~مهتدون ولما كانت سورة أم القرآن اعظم سورة في القرآن وافرضها قراءة على ~~الامة واجمعها لكل ما يحتاج اليه العبد واعمها نفعا ذكر فيها الامرين ~~فأمرنا ان نقول اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم فذكر الهداية ~~والنعمة وهما الهدى والفلاح ثم قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فذكر ~~المغضوب عليهم وهم اهل الشقاء والضالين وهم اهل الضلال وكل من الطائفتين له ~~الضلال والشقاء لكن ذكر الوصفين معا لتكن الدلالة على كل منهما بصريح لفظه ~~وايضا فإنه ذكر ماهو اظهر الوصفين في كل طائفة فإن الغضب على اليهود أظهر ~~لعنادهم الحق بعدمعرفته والضلال في النصارى اظهر لغلبة الجهل فيهم وقد صح ~~عن النبي انه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون # | فصل وقوله تعالى فاما ياتينكم مني هدى هو خطاب لمن اهبطه من الجنة # بقوله اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ثم قال فاما يأتينكم مني هدى وكلا ~~الخطابين لابوي الثقلين وهو دليل على ان الجن مامورون منهيون داخلون تحت ~~شرائع الانبياء وهذا مما لا خلاف فيه بين الامة وان نبينا بعث اليهم كما ~~بعث إلى الانس كما لا خلاف بينها ان مسيئهم مستحق للعقاب وانما اختلف علماء ~~الاسلام في المسلم منهم هل يدخل الجنة فالجمهور على ان محسنهم في الجنة كما ~~ان مسيئهم في النار وقيل بل ثوابهم سلامتهم من الجحيم واما الجنة فلا ~~يدخلها أحد من اولاد إبليس وإنماهي لبني آدم وصالحي ذريته خاصة وحكى هذا ~~القول عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى واحتج الاولون بوجوه احدها هذه الاية ~~فانه سبحانه اخبر ان من اتبع هداه فلا يخاف ولا يحزن ولا يضل ولا يشقى وهذا ~~مستلزم PageV01P037 لكمال ms051 النعيم ولا يقال ان الاية إنما تدل على نفي ~~العذاب فقط ولا خلاف ان مؤمنيهم لا يعاقبون لانا نقول لولم تدل الاية الا ~~على امر عدمي فقط لم يكن مدحا لمؤمني الانس ولما كان فيها الا مجرد امرعدمي ~~وهو عدم الخوف والحزن ومعلوم ان سياق الاية ومقصودها إنما اريد به ان من ~~اتبع هدى الله الذي انزله حصل له غاية النعيم واندفععنه غاية الشقاء وعبر ~~عن هذا المعنى المطلوب بنفي الامور المذكورة لاقتضاء الحال لذلك فإنه لما ~~اهبط آدم من الجنة حصل له من الخوف والحزن والشقاء ما حصل فاخبره سبحانه ~~انه معطيه وذريته عهدا من اتبعه منهم انتفى عنه الخوف والحزن والضلال ~~والشقاء ومعلوم انه لا ينتفى ذلك كله إلا بدخول دار النعيم ولكن المقام ~~بذكر التصريح بنفي غاية المكروهات اولى الثاني قوله تعالى وإذ صرفنا اليك ~~نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضى ولوا إلى ~~قومهم منذرين قالوا يا قومنا إناسمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا اجيبوا داعي الله وآمنوا ~~به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب اليم فأخبرنا سبحانه عن نذيرهم ~~اخبارا بقوله ان من اجاب داعيه غفر له وأجاره من العذاب ولو كانت المغفرة ~~لهم إنما ينالون بها مجرد النجاة من العذاب كان ذلك حاصلا بقوله ويجركم من ~~عذاب اليم بل تمام المغفرة دخول الجنة والنجاة من النار فكل من غفر الله له ~~فلا بد من دخوله الجنة الثالث قوله تعالى في الحور العين لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان فهذا يدل على ان مؤمني الجن والانس يدخلون الجنة وأنه لم ~~يسبق من أحد منهم طمث لاحد من الحور فدل على ان مؤمنيهم يتأنى منهم طمث ~~الحور العين بعد الدخول كما يتأتى من الانس ولو كانوا ممن لا يدخل الجنة ~~لما حسن الاخبار عنهم بذلك الرابع قوله تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ~~فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ms052 اعدت للكافرين وبشر الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ~~ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج ~~مطهرة وهم فيها خالدون والجن منهم مؤمن ومنهم كافر كما قال صالحوهم وانا ~~منا المسلمون ومنا القاسطون فكما دخل كافرهم في الاية الثانية وجب ان يدخل ~~مؤمنهم في الاولى الخامس قوله عن صالحيهم فمن اسلم فأولئك تحروا رشدا ~~والرشد هو الهدى والفلاح وهو الذي يهدى اليه القرآن ومن لم يدخل الجنة لم ~~ينل غاية الرشد بل لم يحصل له من الرشد الا مجردالعلم السادس قوله تعالى ~~سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض اعدت للذين آمنوا ~~بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ومؤمنهم ممن ~~آمن بالله ورسله فيدخل في المبشرين ويستحق البشارة السابع قوله تعالى والله ~~يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QB@ عم @QE@ ~~PageV01P038 سبحانه بالدعوة وخص بالهداية المفضية اليها فمن هداه اليها فهو ~~من دعاه اليها فمن اهتدى من الجن فهو من المدعوين اليها الثامن قوله تعالى ~~ويوم نحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال اولياؤهم من ~~الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا اجلنا الذي اجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله ان ربك حكيم عليم وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والانس الم ياتكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على انفسنا وغرتهم الحياة ~~الدنيا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا كافرين ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى ~~بظلم واهلها غافلون ولكل درجات مما عملوا وهذا عام في الجن والانس فاخبرهم ~~تعالى ان لكلهم درجات من عمله فاقتضى ان يكون لمحسنهم درجات من عمله كما ~~لمحسن الانس التاسع قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل ~~عليهم الملائكة ان لا تخافوا ولاتحزنوا وأبشروا بالجنة التي ms053 كنتم توعدون ~~وقولوه تعالى @QB@ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون @QE@ ووجه ~~التمسك بالاية من جوه ثلاثة احدها عموم الاسم الموصول فيها الثاني ترتيبه ~~الجزاء المذكورعلى المسألة ليدل على انه مستحق بها وهو قول ربنا الله مع ~~الاستقامة والحكم يعم بعموم علته فإذا كان دخول الجنة مرتبا على الاقرار ~~بالله وربوبيته مع الاستقامة على امره فمن اتى ذلك استحق الجزاء الثالث انه ~~قال فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون اولئك اصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما ~~كانوايعملون فدل على ان كل من لا خوف عليه ولا حزن فهو من اهل الجنة وقد ~~تقدم في اول الايات قوله تعالى فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~وانه متناول للفريقين ودلت هذه الاية على ان من لا خوف عليه ولا حزن فهو من ~~اهل الجنة العاشر انه إذا دخل مسيئهم النار بعدل الله فدخول محسنهم الجنة ~~بفضله ورحمته اولى فإن رحمته سبقت غضبه والفضل اغلب من العدل ولهذا لا يدخل ~~النار الا من عمل اعمال اهل النار واما الجنة فيدخلها من لم يعمل خيرا قط ~~بل ينشيء لها أقواما يسكنهم إياها من غير عمل عملوه ويرفع فيها درجات العبد ~~من غير سعي منه بل بما يصل اليه من دعاء المؤمنين وصلاتهم وصدقتهم وأعمال ~~البر التي يهدونها اليه بخلاف اهل النار فإنه لا يعذب فيها بغير عمل اصلا ~~وقد ثبت بنص القرآن واجماع الامة ان مسيء الجن في النار بعدل الله وبما ~~كانوا يكسبون فمحسنهم في الجنة بفضل الله بما كانوا يعملون لكن قيل انهم ~~يكونون في ربض الجنة يراهم اهل الجنة ولا يرونهم كما كانوا في الدنيا يرون ~~بني آدم من حيث لا يرونهم ومثل هذا لايعلم الا بتوقيف تنقطع الحجة عنده فإن ~~ثبتت حجة يجب اتباعها وإلا فهو مما يحكى ليعلم وصحته موقوفة على الدليل ~~والله أعلم PageV01P039 # | فصل ومتابعة هدى الله التي رتب عليها ms054 هذه الامور هي تصديق خبره من # غير اعتراض شبهة تقدح في تصديقه وامتثال امره من غير اعتراض شهوة تمنع ~~امتثاله وعلى هذين الاصلين مدار الايمان وهما تصديق الخبر وطاعة الامر ~~ويتبعهما امران آخران وهما نفي شبهات الباطل الواردة عليه المانعة من كمال ~~التصديق وان لا يخمش بها وجه تصديقه ودفع شهوات الغي الواردة عليه المانعة ~~من كمال الامتثال فهنا اربعة امور احدها تصديق الخبر الثاني بذل الاجتهاد ~~في رد الشبهات التي توحيها شياطين الجن والانس في معارضته الثالث طاعة ~~الامر والرابع مجاهدة النفس في دفع الشهوات التي تحول بين العبد وبين كمال ~~الطاعة وهذان الامران اعني الشبهات والشهوات اصل فساد العبد وشقائه في ~~معاشه ومعاده كما ان الاصلين الاولين وهما تصديق الخبر وطاعة الامر اصل ~~سعادته وفلاحه في معاشه ومعاده وذلك ان العبد له قوتان قوة الادراك والنظر ~~وما يتبعها من العلم والمعرفة والكلام وقوة الارادة والحب وما يتبعه من ~~النية والعزم والعمل فالشبهة تؤثر فسادا في القوة العلمية النظرية ما لم ~~يداوها بدفعها والشهوة تؤثر فسادا في القوة الارادية العملية ما لم يداوها ~~باخراجها قال الله تعالى في حق نبيه يذكر مامن به عليه من نزاهته وطهارته ~~مما يلحق غيره من ذلك @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى @QE@ فما ~~ضل دليل على كمال علمه ومعرفته وانه على الحق المبين وما غوى دليل على كمال ~~رشده وأنه أبر العالمين فهو الكامل في علمه وفي عمله وقد وصف بذلك خلفاءه ~~من بعده وأمر باتباعهم على سنتهم فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين من بعدي رواه الترمذي وغيره فالراشد ضد الغاوي والمهدي ضد الضال ~~وقد قال تعالى كالذين من قبلكم كانوا اشد منكم قوة وأكثر اموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضوا اولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والاخرة وأولئك هم ~~الخاسرون فذكر تعالى الاصلين وهما دار الاولين والاخرين احدهما الاستمتاع ~~بالخلاف وهو النصيب من الدنيا والاستمتاع به متضمن لنيل الشهوات المانعة ms055 من ~~متابعة الامر بخلاف المؤمن فإنه وان نال من الدنيا وشهواتها فإنه لا يستمتع ~~بنصيبه كله ولا يذهب طيباته في حياته الدنيا بل ينال منها ما ينال منها ~~ليتقوى به على التزود لمعاده والثاني الخوض بالشبهات الباطلة وهو قوله @QB@ ~~وخضتم كالذي خاضوا @QE@ وهذا شأن النفوس الباطلة التي لم تخلق للآخرة ~~لاتزال ساعية في نيل شهواتها فإذا نالتها فإنما هي في خوض بالباطل الذي لا ~~يجدي عليها إلا الضرر العاجل والاجل ومن تمام حكمة الله تعالى انه يبتلى ~~هذه النفوس بالشقاء والتعب في تحصيل مراداتها وشهواتها فلا تتفرغ للخوض ~~بالباطل الا قليلا ولو تفرغت هذه النفوس الباطولية PageV01P040 لكانت ائمة ~~تدعوا إلى النار وهذا حال من تفرغ منها كما هومشاهد بالعيان وسواء كان ~~المعنى وخضتم كالحزب الذي خاضوا أو كالفريق الذي خاضوا فإن الذي يكون ~~للواحد والجمع ونظيره قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم ~~المتقون لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين لكن لا يجرى على جمع ~~تصحيح فلا يجيء المسلمون الذي جاؤوا وإنا يجيء غالبا في اسم الجمع كالحزب ~~والفريق أو حيث لا يذكر الموصوف وان كان جمعا كقول الشاعر # وإن الذي جاءت تقبح دماؤهم % هم القوم كل القوم يا أم خالد # أو حيث يراد الجنس دون الواحد والعدد كقوله تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق ~~وصدق به @QE@ ثم قال @QB@ أولئك هم المتقون @QE@ ونظيره الاية التي نحن ~~منها وهي قوله @QB@ وخضتم كالذي خاضوا @QE@ أو كان المعنى على القول الاخر ~~وخضتم خوضا كالخوض الذي خاضوا فيكون صفة لمصدر محذوف كقولك اضرب كالذي ضرب ~~واحسن كالذي احسن ونظائره وعلى هذا فيكون العائد منصوبا محذوفا وحذفه في ~~مثل ذلك قياس مطرد على القولين فقد ذمه سبحانه على الخوض بالباطل واتباع ~~الشهوات واخبر ان من كانت هذه حالته فقد حبط عمله في الدنيا والاخرة وهو من ~~الخاسرين ونظير هذا قول اهل النار لاهل الجنة وقد سألوهم كيف دخلوها قالوا ~~لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب ms056 ~~بيوم الدين فذكروا الاصلين الخوض بالباطل وما يتبعه من التكذيب بيوم الدين ~~وايثار الشهوات وما يستلزمه من ترك الصلوات واطعام ذوي الحاجات فهذان ~~الاصلان هماما هما والله ولي التوفيق # | فصل والقلب السليم الذي ينجو من عذاب الله هو القلب الذي قد سلم # من هذا وهذا فهو القلب الذي قد سلم لربه وسلم لامره ولم تبق فيه منازعة ~~لامره ولا معارضة لخبره فهو سليم مما سوى الله وأمره لا يريد الا الله ولا ~~يفعل إلا ما أمره الله فالله وحده غايته وامره وشرعه وسيلته وطريقته لا ~~تعترضه شبهة تحول بينه وبين تصديق خبره لكن لا تمر عليه إلا وهي مجتازة ~~تعلم انه لا قرار لها فيه ولا شهوة تحول بينه وبين متابعة رضاه ومتى كان ~~القلب كذلك فهو سليم من الشرك وسليم من البدع وسليم من الغي وسليم من ~~الباطل وكل الاقوال التي قيلت في تفسيره فذلك يتضمنها وحقيقته انه القلب ~~الذي قد سلم لعبودية ربه حياء وخوفا وطمعا ورجاء ففنى بحبه عن حب ما سواه ~~وبخوفه عن خوف ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وسلم لامره PageV01P041 ~~ولرسوله تصديقا وطاعة كما تقدم واستسلم لقضائه وقدره فلم يتهمه ولم ينازعه ~~ولم يتسخط لاقداره فاسلم لربه انقيادا وخضوعا وذلا وعبودية وسلم جميع ~~احواله واقواله واعماله واذواقه ومواجيده ظاهرا وباطنا من مشاكة رسوله وعرض ~~ما جاء من سواها عليها فما وافقها قبله وما خالفها رده وما لم يتبين له فيه ~~موافقة ولا مخالفة وقف امره وأرجأه إلى ان يتبين له وسالم أولياءه وحزبه ~~المفلحين الذابين عن دينه وسنة نبيه القائمين بها وعادى اعداءه المخالفين ~~لكتابه وسنة نبيه الخارجين عنهما الداعين إلى خلافهما # | فصل وهذه المتابعة هي التلاوة التي اثنى الله على اهلها في قوله # تعالى ان الذين يتلون كتاب الله وفي قوله إن الذين آتيناهم الكتاب يتلونه ~~حق تلاوته اولئك يؤمنون به والمعنى يتبعون كتاب الله حق اتباعه وقال تعالى ~~اتل ما اوحى اليك من الكتاب واقم الصلاة @QB@ وقال @QE@ إنما امرت ان اعبد ms057 ~~رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت ان اكون من المسلمين وان اتلوا ~~القرآن فحقيقة التلاوة في هذه المواضع هي التلاوة المطلقة التامة وهي تلاوة ~~اللفظ والمعنى فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة وحقيقة اللفظ إنما هي ~~الاتباع يقال اتل اثر فلان وتلوت اثره وقفوته وقصصته بمعنى تبعت خلفه ومنه ~~قوله تعالى والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها أي تبعها في الطلوع بعد غيبتها ~~ويقال جاء القوم يتلو بعضهم بعضا أي يتبع وسمى تالي الكلام تاليا لانه يتبع ~~بعض الحروف بعضا لا يخرجها جملة واحدة بل يتبع بعضها بعضا مرتبة كلما انقضى ~~حرف أو كلمة اتبعه بحرف آخر وكلمة اخرى وهذه التلاوة وسيلة وطريقة والمقصود ~~التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتباعه تصديقا بخبره وائتمارا بأمره ~~وانتهاء بنهيه وائماما به حيث ما قادك انقدت معه فتلاوة القرآن تتناول ~~تلاوة لفظه ومعناه وتلاوة المعنى اشرف من مجرد تلاوة اللفظ وأهلها هم اهل ~~القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والاخرة فإنهم اهل تلاوة ومتابعة حقا # | فصل ثم قال تعالى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره # يوم القيامة اعمى لما أخبر سبحانه عن حال من اتبع هداه في معاشه ومعاده ~~اخبر عن حال من اعرض عنه ولم يتبعه فقال ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا أي عن الذكر الذي انزلته فالذكر هنا مصدر مضاف إلى الفاعل كقيامي ~~وقراءتي لا إلى المفعول وليس المعنى ومن اعرض PageV01P042 عن ان يذكرني بل ~~هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر سنذكره واحسن من هذا الوجه ان يقال ~~الذكر هنا مضاف إضافة الاسماء لا إضافة المصادر إلى معمولاتها والمعنى ومن ~~اعرض عن كتابي ولم يتبعه فإن القرآن يسمى ذكرا قال تعالى وهذا ذكر مبارك ~~انزلناه وقال تعالى ذلك نتلوه عليك من الايات والذكر الحكيم وقال تعالى وما ~~هو الا ذكر للعالمين وقال تعالى إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وانه ~~لكتاب عزيز وقال تعالى إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن وعلى هذا ms058 ~~فاضافته كاضافة الاسماء الجوامد التي لا يقصد بها اضافة العامل إلى معموله ~~ونظيره في اضافة اسم الفاعل غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب فإن هذه ~~الاضافات لم يقصد بها قصد الفعل المتجدد وإنما قصد بها قصد الوصف الثابت ~~اللازم وكذلك جرت اوصافا على اعرف المعارف وهو اسم الله تعالى في قوله ~~تعالى تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد ~~العقاب ذي الطول لا إله إلا هو اليه المصير # | فصل وقوله تعالى فإن له معيشة ضنكا فسرها غير واحد من السلف بعذاب # القبر وجعلوا هذه الاية أحد الادلة الدالة على عذاب القبر ولهذا قال ~~ونحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك ~~اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى أي تترك في العذاب كماتركت العمل ~~بآياتنا فذكر عذاب البرزخ وعذاب دار البوارونظيره قوله تعالى في حق آل ~~فرعون النار يعرضون عليها غدوا وعشيا فهذا في البرزخ ويوم تقوم الساعة ~~ادخلوا آل فرعون اشد العذاب فهذا في القيامة الكبرى ونظيره قوله تعالى ولو ~~ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا ايديهم اخرجوا انفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته ~~تستكبرون فقول الملائكة اليوم تجزون عذاب الهون المراد به عذاب البرزخ الذي ~~أوله يوم القبض والموت ونظيره قوله تعالى ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق فهذه الاذاقة هي في ~~البرزخ واولها حين الوفاة فإنه معطوف على قوله يضربون وجوههم وأدبارهم وهو ~~من القول المحذوف مقوله لدلالة الكلام عليه كنظائره وكلاهما واقع وقت ~~الوفاة وفي الصحيح عن البراء بن عازب رضى الله عنه في قوله تعالى يثبت الله ~~الذين امنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة قال نزلت في عذاب ~~القبر والاحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر والمقصود ان الله ~~سبحانه اخبر ان من اعرض عن ذكره وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضل ولا يشقى ms059 ~~فإن له معيشة ضنكا وتكفل لمن حفظ PageV01P043 عهده ان يحييه حياة طيبة ~~ويجزيه اجره في الاخرة فقال تعالى من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون فاخبر سبحانه عن ~~فلاح ما تمسك بعهده علماوعملا في العاجلة بالحياة الطيبة وفي الاخرة باحسن ~~الجزاء وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ ونسيانه في العذاب ~~بالاخرة وقال سبحانه ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ~~وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون فأخبر سبحانه ان من ابتلاه ~~بقرينه من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب اعراضه وعشوه عن ذكره الذي ~~انزله على رسوله فكان عقوبة هذا الاعراض ان قيض له شيطانا يقارنه فيصده عن ~~سبيل ربه وطريق فلاحه وهو يحسب انه مهتد حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع ~~قرينه وعاين هلاكه وافلاسه قال يا ليت بيني وبينك بعدالمشرقين فبئس القرين ~~وكل من اعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله فلا بد ان يقول هذا يوم ~~القيامة فإن قيل فهل لهذا عذر في ضلالة إذا كان يحسب انه على هدى كما قال ~~تعالى ويحسبون انهم مهتدون قيل لا عذر لهذا وامثاله من الضلال الذين منشأ ~~ضلالهم الاعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول ولو ظن انه مهتد فإنه مفرط ~~باعراضه عن اتباع داعي الهدى فإذا ضل فإنما اتى من تفريطه واعراضه وهذا ~~بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول اليها فذاك له حكم ~~آخر والوعيد في القرآن إنما يتناول الاول واما الثاني فإن الله لا يعذب ~~احدا إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا وقال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل وقال تعالى في اهل النار وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين وقال ~~تعالى ان تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ~~أو ms060 تقول لو ان الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو ان لي ~~كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين وهذا كثير في القرآن # | فصل وقوله تعالى ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني اعمى # وقد كنت بصيرا اختلف فيه هل هو من عمى البصيرة أو من عمى البصر والذين ~~قالوا هو من عمى البصيرة إنما حملهم على ذلك قوله اسمع بهم وابصر يوم ~~ياتوننا وقوله لقدكنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ~~وقوله يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين وقوله لترون الجحيم ثم ~~لترونها عين اليقين ونظائر هذا مما يثبت لهم الرؤية PageV01P044 في الاخرة ~~كقوله تعالى وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقوله ~~يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون افسحر هذا أم ~~أنتم لا تبصرون وقوله رأى المجرمون النار فظنوا انهم مواقعوها والذين رجحوا ~~انه منعمى البصر قالوا السياق لا يدل الا عليه لقوله قال رب لم حشرتني اعمى ~~وقد كنت بصيرا وهو لم يكن بصيرا في كفره قط بل قد تبين له حينئذ انه كان في ~~الدنيا في عمى عن الحق فكيف يقول وقد كنت بصيرا وكيف يجاب بقوله كذلك اتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى بل هذا الجواب فيه تنبيه على انه من عمى ~~البصر وانه جوزي من جنس عمله فإنه لما اعرض عن الذكر الذي بعث الله به ~~رسوله وعميت عنه بصيرته أعمى الله بصره يوم القيامة وتركه في العذاب كما ~~ترك الذكر في الدنيا فجازاه على عمى بصيرته عمى في الاخرة وعلى تركه ذكره ~~تركه في العذاب وقال تعالى ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم ~~اولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما وقد قيل في ~~هذه الاية ايضا انهم عمي وبكم وصم عن الهدى كما قيل في قوله ونحشره يوم ~~القيامة ms061 اعمى قالوا لانهم يتكلمون يومئذ ويسمعون ويبصرون ومن نصرانه العمى ~~والبكم والصمم المضاد للبصر والسمع والنطق قال بعضهم هو عمى وصمم وبكم مقيد ~~لا مطلق فهم عمى عن رؤية ما يسرهم وسماعه ولهذا قد روى عن ابن عباس رضى ~~الله عنهما قال لا يرون شيئا يسرهم وقال آخرون هذا الحشر حين تتوفاهم ~~الملائكة يخرجون من الدنيا كذلك فإذا قاموا من قبورهم إلى الموقف قاموا ~~كذلك ثم انهم يسمعون ويبصرون فيما بعد وهذامروى عن الحسن وقال آخرون هذا ~~إنما يكون إذا دخلوا النار واستقروا فيها سلبو الاسماع والابصار والنطق حين ~~يقول لهم الرب تبارك وتعالى اخسئوا فيها ولاتكلمون فحينئذ ينقطع الرجاء ~~وتبكم عقولهم فيصيرون بأجمعهم عميا بكما صما لا يبصرون ولا يسمعون ولا ~~ينطقون ولا يسمع منهم الا الزفير والشهيق وهذا منقول عن مقاتل والذين قالوا ~~المراد به العمى عن الحجة إنما مرادهم انهم لا حجة لهم ولم يريدوا ان لهم ~~حجة هم عمى عنها بل هم عمى عن الهدى كما كانوا في الدنيا فان العبد يموت ~~على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه وبهذا يظهر أن الصواب هو القول ~~الاخر وانه عمى البصر فإن الكافر يعلم الحق يوم القيامة عيانا ويقر بما كان ~~يجحده في الدنيا فليس هو اعمى عن الحق يومئذ وفصل الخطاب ان الحشر هو الضم ~~والجمع ويراد به تارة الحشر إلى موقف القيامة كقوله النبي انكم محشورون إلى ~~الله حفاة عراة غرلا وكقوله تعالى وإذا الوحوش حشرت وكقوله تعالى وحشرناهم ~~فلم نغادر منهم احدا ويراد به الضم والجمع إلى دار المستقر فحشر المتقين ~~جمعهم وضمهم إلى الجنة PageV01P045 وحشر الكافرين جمعهم وضمهم إلى النار ~~قال تعالى يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا وقال تعالى احشروا الذين ظلموا ~~أزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم فهذا الحشر ~~هو بعدحشرهم إلى الموقف وهو حشرهم وضمهم إلى النار لانه قد اخبر عنهم انهم ~~قالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به ms062 تكذبون ثم قال ~~تعالى احشروا الذين ظلموا وازواجهم وهذا الحشر الثاني وعلى هذا فهم ما بين ~~الحشر الاول من القبور إلى الموقف والحشر الثاني من الموقف إلى النار فعند ~~الحشر الاول يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلمون وعند الحشر الثاني يحشرون ~~على وجوههم عميا وبكما وصما فلكل موقف حال يليق به ويقتضيه عدل الرب تعالى ~~وحكمته فالقرآن يصدق بعضه بعضا ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # | فصل والمقصود ان الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج # آدم وذريته من الجنة اعاضهم افضل منها وهو ما اعطاهم من عهده الذي جعله ~~سببا موصلا لهم اليه وطريقا واضحا بين الدلالة عليه من تمسك به فاز واهتدى ~~ومن اعرض عنه شقى وغوى ولما كان هذا العهد الكريم والصراط المستقيم والنبأ ~~العظيم لا يوصل اليه ابدا إلا من باب العلم والارادة فالارادة باب الوصول ~~اليه والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحه عليه وكمال كل انسان إنما يتم ~~بهذين النوعين همة ترقيه وعلم يبصره ويهديه فإن مراتب السعادة والفلاح إنما ~~تفوت العبد من هاتين الجهتين أو من احداهما اما ان لا يكون له علم بها فلا ~~يتحرك في طلبها أو يكون عالما بها ولا تنهض همته اليها فلا يزال في حضيض ~~طبعه محبوسا وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودا منكوسا قد أسام نفسه مع ~~الانعام راعيا مع الهمل واستطاب لقيعات الراحة والبطالة واستلان فراش العجز ~~والكسل لا كمن رفع له علم فشمر اليه وبورك له في تفرده في طريق طلبه فلزمه ~~واستقام عليه قد ابت غلبات شوقه الا لهجرة إلى الله ورسوله ومقتت نفسه ~~الرفقاء الا ابن سبيل يرافقه في سبيله ولما كان كمال الارادة بحسب كمال ~~مرادها وشرف العلم تابع لشرف معلومه كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة ~~له بدونها ولا حياة له إلا بها ان تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ~~ولا يفوت وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت ولا سبيل له إلى ~~هذا ms063 المطلب الاسني والحظ الاوفى الا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله ~~وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيا وأقامه على هذا الطريق هاديا وجعله واسطة بينه ~~وبين الانام وداعيا لهم بإذنه إلى دار السلام وأبى سبحانه ان يفتح لاحد ~~منهم الاعلى يديه أو يقبل من أحد منهم سعيا الا ان يكون مبتدأ منه ومنتهيا ~~اليه PageV01P046 فالطرق كلها الا طريقة مسدودة والقلوب باسرها الا قلوب ~~اتباعه المنقادة اليه عن الله محبوسة مصدودة فحق على من كان في سعادة نفسه ~~ساعيا وكان قلبه حيا عن الله واعيا ان يجعل على هذين الاصلين مدار اقواله ~~واعماله وان يصيرهما اخبيته التي اليها مفزعة في حياته وطاء له فلا جرم كان ~~وضع هذا الكتاب مؤسسا على هاتين القاعدتين ومقصوده التعريف بشرف هذين ~~الاصلين وسميته مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية اهل العلم والارادة إذ كان ~~هذا من بعض النزل والتحف التي فتح الله بها على حين انقطاعي اليه عند بيته ~~والقائي نفسي ببابه مسكينا ذليلا وتعرض لنفحاته في بيته وحوله بكرة واصيلا ~~فما خاب من انزل به حوائجه وعلق به آماله واصبح ببابه مقيما وبحماه نزيلا ~~ولما كان العلم امام الارادة ومقدما عليها ومفصلا لها ومرشدا لها قدمنا ~~الكلام عليه على الكلام على المحبة ثم نتبعه ان شاء الله بعد الفراغ منه ~~كتابا في الكلام على المحبة واقسامها واحكامها وفوائدها وثمراتها واسبابها ~~وموانعها وما يقويها وما يضعفها والاستدلال بسائر طرق الادلة من النقل ~~والعقل والفطرة والقياس والاعتبار والذوق والوجد على تعلقها بالاله الحق ~~الذي لا إله غيره بل لا ينبغي ان تكون إلا له ومن اجله والرد على من انكر ~~ذلك وتبيين فساد قوله عقلا ونقلا وفطرة وقياسا وذوقا ووجدا فهذا مضمون هذه ~~التحفة وهذه عرائس معانيها الان تجلى عليك وخود ابكارها البديعة الجمال ~~ترفل في حللها وهي تزف اليك فاما شمس منازلها بسعد الاسعد وأما خود تزف إلى ~~ضرير مقعد فاختر لنفسك احدى الخطتين وانزلها فيما شئت من المنزلتين ولا بد ~~لكل نعمة من حاسد ولكل حق ms064 من جاحد ومعاند هذا وإنما اودع من المعاني ~~والنفائس رهن عند متأمله ومطالعه له غنمه وعلى مؤلفه غرمه وله ثمرته ~~ومنفعته ولصاحبه كله ومشقته مع تعرضه لطعن الطاعنين والاعتراض المناقشين ~~وهذه بضاعته المزجاة وعقله المدود يعرض على عقول العالمين وإلقائه نفسه ~~وعرضه بين مخالب الحاسدين وانياب البغاة المعتدين فلك ايها القارئ صفوه ~~ولمؤلفه كدره وهو الذي تجشم غراسه وتعبه ولك ثمره وها هو قد استهدف لسهام ~~الراشقين واستعذر إلى الله من الزلل والخطأ ثم إلى عباده المؤمنين اللهم ~~فعياذا بك ممن قصر في العلم والدين باعه وطالت في الجهل وآذى عبادك ذراعه ~~فهو لجهله يرى الاحسان اساءة والسنة بدعة والعرف نكرا ولظلمه يجزى بالحسنة ~~سيئة كاملة وبالسيئة الواحدة عشرا قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلما إلى ما ~~يحبه من الباطل ويرضاه ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر الا ما وافق ~~إرادته أو حالف هواه يستطيل على اولياء الرسول وحزبه باصغريه ويجالس اهل ~~الغي والجهالة ويزاحمهم بركبتيه قد ارتوى من ماء آجن ونضلع واستشرف إلى ~~مراتب PageV01P047 ورثة الانبياء وتطلع يركض في ميدان جهله مع الجاهلين ~~ويبرز عليهم في الجهالة فيظن انه من السابقين وهو عند الله ورسوله ~~والمؤمنين عن تلك الوراثة النبوية بمعزل وإذا انزل الورثة منازلهم منها ~~فمنزلته منها اقصى وابعد منزل # نزلوا بمكة في قبائل هاشم % ونزلت بالبيداء ابعد منزل # وعياذا بك ممن جعل الملامة بضاعته والعذل نصيحته فهو دائما يبدى في ~~الملامة ويعيد ويكرر على العذل فلا يفيد ولا يستفيد بل عياذا بك من عدو في ~~صورة ناصح وولى في مسلاخ بعيد كاشح يجعل عداوته واذاه حذرا وإشفاقا وتنفيره ~~وتخذيله اسعافا وإرفاقا وإذا كانت العين لا تكاد إلا على هؤلاء تفتح ~~والميزان بهم يخف ولا يرجح فما احرى اللبيب بأن لا يعيرهم من قلبه جزا من ~~الالتفات ويسافر في طريق مقصده بينهم سفره إلى الاحياء بين الاموات وما ~~احسن ما قال القائل : # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله % واجسامهم قبل القبور قبور # وارواحهم في وحشة ms065 من جسومهم % وليس لهم حتى النشور نشور اللهم فلك الحمد ~~واليك المشتكى وانت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة ~~الا بك وانت حسبنا ونعم الوكيل فلنشرع الان في المقصود بحول الله وقوته ~~فنقول الاصل الاول في العلم وفضله وشرفه وبيان عموم الحاجة اليه وتوقف كمال ~~العبد ونجاته في معاشه ومعاده عليه # | قال الله تعال شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة واولو العلم قائما # بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم استشهد سبحانه باولى العلم على اجل ~~مشهود عليه وهوتوحيده فقال شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة واولو ~~العلم قائما بالقسط وهذا يدل على فضل العلم واهله من وجوه احدها استشهادهم ~~دون غيرهم من البشر والثاني اقتران شهادتهم بشهادته والثالث اقترانها ~~بشهادة ملائكته والرابع ان في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فان الله لا يستشهد ~~من خلقه الا العدول ومنه الاثر المعروف عن النبي يحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وقال محمد ~~بن أحمد بن يعقوب بن شيبة رأيت رجلا قدم رجلا إلى اسماعيل بن إسحاق القاضي ~~PageV01P048 فادعى عليه دعوى فسأل المدعى عليه فانكر فقال للمدعى الك بينة ~~قال نعم فلان وفلان قال اما فلان فمن شهودي واما فلان فليس من شهودي قال ~~فيعرفه القاضي قال نعم قال بماذا قال اعرفه بكتب الحديث قال فكيف تعرفه في ~~كتبه الحديث قال ما علمت الا خيرا قال فان النبي قال يحمل هذا العلم من كل ~~خلف عدوله فمن عدله رسول الله اولى ممن عدلته انت فقال قم فهاته فقد قبلت ~~شهادته وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث في موضعه الخامس انه ~~وصفهم بكونهم اولى العلم وهذا يدل على اختصاصهم به وانهم اهله واصحابه ليس ~~بمستعار لهم السادس انه سبحانه استشهد بنفسه وهو اجل شاهد ثم بخيار خلقه ~~وهم ملائكته والعلماء من عباده ويكفيهم بهذا فضلا وشرفا السابع انه استشهد ~~بهم على اجل مشهود به واعظمه واكبره ms066 وهو شهادة ان لا إله إلا الله والعظيم ~~القدر انما يستشهد على الامر العظيم اكابر الخلق وساداتهم الثامن انه ~~سبحانه جعل شهادتهم حجة على المنكرين فهم بمنزلة آدلته وآياته وبراهنيه ~~الدالة على توحيده التاسع انه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة ~~لصادرة منه ومن ملائكته ومنهم ولم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته وهذا ~~يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته فكأنه سبحانه شهد لنفسه بالتوحيد على ~~السنتهم وانطقهم بهذه الشهادة فكان هو الشاهد بها لنفسه إقامة وإنطاقا ~~وتعليما وهم الشاهدون بها له إقرارا واعترافا وتصديقا وإيمانا العاشر انه ~~سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة فإذا ادوها فقد ادوا الحق ~~المشهود به فثبت الحق المشهود به فوجب على الخلق الاقرار به وكان ذلك غاية ~~سعادتهم في معاشهم ومعادهم وكل من ناله الهدى بشهادتهم واقر بهذا الحق بسبب ~~شهادتهم فلهم من الاجر مثل اجره وهذا فضل عظيم لا يدرى قدره الا الله وكذلك ~~كل من شهد بها عن شهادتهم فلهم من الاجر مثل اجره ايضا فهذه عشرة اوجه في ~~هذه الاية الحادي عشر في تفضيل العلم وأهله انه سبحانه نفي التسوية بين ~~أهله وبين غيرهم كما نفى التسوية بين اصحاب الجنة واصحاب النار فقال تعالى ~~قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون كما قال تعالى لا يستوى اصحاب ~~النار واصحاب الجنة وهذا يدل على غاية فضلهم وشرفهم الوجه الثاني عشر انه ~~سبحانه جعل اهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون فقال افمن يعلم انما ~~انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمى فما ثم الا عالم أو اعمى وقد وصف سبحانه ~~اهل الجهل بأنهم صم بكم عمي في غير موضع من كتابه الوجه الثالث عشر انه ~~سبحانه اخبر عن اولى العلم بانهم يرون ان ما انزل اليه من ربه حقا وجعل هذا ~~ثناء عليهم واستشهادا بهم فقال تعالى ويرى الذين اوتو العلم الذي انزل اليك ~~من ربك هو الحق الوجه الرابع عشر انه سبحانه امر بسؤالهم والرجوع إلى ~~أقوالهم ms067 وجعل ذلك كالشهادة منهم فقال وما ارسلنا قبلك إلا رجالا نوحي اليهم ~~فاسئلوا اهل الذكر إن PageV01P049 كنتم لا تعلمون واهل الذكر هم اهل العلم ~~بما انزل على الانبياء الوجه الخامس عشر انه سبحانه شهد لاهل العلم شهادة ~~في ضمنها الاستشهاد بهم على صحة ما انزل الله على رسوله فقال تعالى افغير ~~الله ابتغى حكما وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون انه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين الوجه السادس عشر انه ~~سبحانه سلى نبيه بايمان اهل العلم به وامره ان لا يعبأ بالجاهلين شيئا فقال ~~تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به ~~اولا تؤمنوا إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا وهذا شرف عظيم لهل العلم ~~وتحته ان اهله العالمون قد عرفوه وآمنوا به وصدقوا فسواء آمن به غيرهم اولا ~~الوجه السابع عشر انه سبحانه مدح اهل العلم واثنى عليهم وشرفهم بان جعل ~~كتابه آيات بينات في صدورهم وهذه خاصة ومنقبة لهم دون غيرهم فقال تعالى ~~وكذلك انزلنا اليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا ~~تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا ~~العلم ما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وسواء كان المعنى ان القرآن مستقر في ~~صدور الذين اوتوا العلم ثابت فيها محفوظ وهو في نفسه آيات بينات فيكون اخبر ~~عنه بخبرين احدهما انه آيات بينات الثاني انه محفوظ مستقر ثابت في صدور ~~الذين اوتوا العلم أو كان المعنى أنه آيات بينات في صدورهم أي كونه آيات ~~بينات معلوم لهم ثابت في صدورهم والقولان متلازمان ليسا بمختلفين وعلى ~~التقديرين فهو مدح لهم وثناء عليهم في ضمنه الاستشهاد بهم فتأمله الوجه ~~الثامن عشر أنه سبحانه أمر نبيه أن يسأله مزيد العلم فقال تعالى ms068 فتعالى ~~الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل ان يقضى اليك وحيه وقل رب زدني ~~علما وكفى بهذا شرفا للعلم ان امر نبيه ان يسأله المزيد منه الوجه التاسع ~~عشر أنه سبحانه اخبر عن رفعة درجات اهل العلم والايمان خاصة فقال تعالى يا ~~ايها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ~~وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات والله بماتعملون خبير وقد أخبر سبحانه في كتابه برفع الدرجات في ~~اربعة مواضع احدها هذا والثاني قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون اولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ~~ربهم ومغفرة ورزق كريم والثالث قوله تعالى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات ~~اولئك لهم الدرجات العلى والرابع قوله تعالى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين اجرا PageV01P050 عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة فهذه اربعة مواضع ~~في ثلاثة منها الرفعة بالدرجات لاهل الايمان الذي هو العلم النافع والعمل ~~الصالح والرابع الرفعة بالجهاد فعادت رفعة الدرجات كلها إلى العلم والجهاد ~~اللذين بهما قوام الدين الوجه العشرون انه سبحانه استشهد بأهل العلم ~~والايمان يوم القيامة على بطلان قول الكفار فقال تعالى ويوم تقوم الساعة ~~يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين اوتو العلم ~~والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم ~~لا تعلمون الوجه الحادي والعشرون انه سبحانه اخبر انهم اهل خشيته بل خصهم ~~من بين الناس بذلك فقال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله ~~عزيز غفور وهذا حصر لخشيته في أولى العلم وقال تعالى جزاؤهم عند ربهم جنات ~~عدن تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك ~~لمن خشى ربه وقد اخبر ان اهل خشيته هم العلماء فدل على ان هذا الجزاء ~~المذكور للعلماء بمجموع النصين وقال ابن ms069 مسعود رضى الله عنه كفى بخشية الله ~~علما وكفى بالاغترار بالله جهلا الوجه الثاني والعشرون انه سبحانه اخبر عن ~~امثاله التي يضربها لعباده يدلهم على صحة ما أخبر به ان اهل العلم هم ~~المنتفعون بها المختصون بعلمها فقال تعالى وتلك الامثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون وفي القرآن بضعة واربعون مثلا وكان بعض السلف إذا مر ~~بمثل لا يفهمه يبكي ويقول لست من العالمين الوجه الثالث والعشرون انه ~~سبحانه ذكر مناظرة إبراهيم لابيه وقومه وغلبته لهم بالحجة وأخبر عن تفضيله ~~بذلك ورفعه درجته بعلم الحجة فقال تعالى عقيب مناظرته لابيه وقومه في سورة ~~الانعام وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك ~~حكيم عليم قال زيد بن أسلم رضى الله عنه نرفع درجات من نشاء بعلم الحجة ~~الوجه الرابع والعشرون انه سبحانه أخبر انه خلق الخلق ووضع بيته الحرام ~~والشهر الحرام والهدى والقلائد ليعلم عباده أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء ~~قدير فقال تعالى الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر ~~بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما فدل ~~على ان علم العباد بربهم وصفاته وعبادته وحده هو الغاية المطلوبة من الخلق ~~والامر الوجه الخامس والعشرون ان الله سبحانه امر اهل العلم بالفرح بما ~~آتاهم وأخبر انه خير مما يجمع الناس فقال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا هو خير مما يجمعون وفسر فضل الله بالايمان ورحمته بالقرآن ~~والايمان والقرآن هما العلم النافع والعمل الصالح والهدى ودين الحق وهما ~~افضل علم وافضل عمل الوجه السادس والعشرون انه سبحانه شهد لمن آتاه العلم ~~بانه قد آتاه خيرا كثيرا فقال تعالى يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة ~~فقد اوتى خيرا كثيرا @QB@ قال @QE@ PageV01P051 ابن قتيبة والجمهور الحكمة ~~إصابة الحق والعمل به وهي العلم النافع والعمل الصالح الوجه السابع ~~والعشرون انه سبحانه عدد نعمه وفضله على رسوله وجعل من اجلها ان آتاه ~~الكتاب والحكمة وعلمه ms070 ما لم يكن يعلم فقال تعالى وأنزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما الوجه الثامن ~~والعشرون انه سبحانه ذكر عباده المؤمنين بهذه النعمة وأمرهم بشكرها وأن ~~يذكروه على إسدائها اليهم فقال تعالى كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلو ~~عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون الوجه التاسع والعشرون انه سبحانه ~~لما اخبر ملائكته بأنه يريد ان يجعل في الأرض خليفة قالوا له اتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم مالا تعلمون ~~وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء ان ~~كنتم صادقين قالوا سبحانك لاعلم لنا الا ما علتمنا كلمتناانك انت العليم ~~الحكيم إلى آخر قصة آدم وأمر الملائكة بالسجود لآدم فأبى ابليس فلعنه ~~وأخرجه من السماء وبيان فضل العلم من هذه القصة من وجوه احدها انه سبحانه ~~رد على الملائكة لما سألوه كيف يجعل في الأرض من هم اطوع له منه فقال اني ~~اعلم مالا تعلمون فأجاب سؤالهم بأنه يعلم من بواطن الامور وحقائقها مالا ~~يعلمونه وهو العليم الحكيم فظهر من هذا الخليفة من خيار خلقه ورسله ~~وأنبيائه وصالحي عباده والشهداء والصديقين والعلماء وطبقات اهل العلم ~~والايمان من هو خير من الملائكة وظهر من ابليس من هو شر العالمين فأخرج ~~سبحانه هذا وهذا والملائكة لم يكن لها علم لا بهذا ولا بهذا ولا بما في خلق ~~آدم واسكانه الأرض من الحكم الباهرة الثاني انه سبحانه لما اراد اظهار ~~تفضيل آدم وتمييزه وفضله ميزه عليهم بالعلم فعلمه الاسماء كلها ثم عرضهم ~~على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين جاء في التفسير ~~انهم قالوا لن يخلق ربنا خلقا هو اكرم عليه منا فظنوا انهم خير وافضل من ~~الخليفة الذي يجعله الله في الأرض فلما امتحنهم بعلم ما علمه لهذا الخليفة ~~اقروا بالعجز وجهل ما لم يعلموه فقالوا سبحانك لاعلم ms071 لنا إلا ما علمتنا انك ~~انت العليم الحكيم فحينئذ اظهر لهم فضل آدم بما خصه به من العلم فقال يا ~~آدم انبئهم باسمائهم فلما انبأهم بأسمائهم أقروا له بالفضل الثالث انه ~~سبحانه لما ان عرفهم فضل آدم بالعلم وعجزهم عن معرفة ما علمه قال لهم الم ~~اقل لكم اني اعلم غيب السموات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ~~فعرفهم سبحانه نفسه بالعلم وانه احاط علما بظاهرهم وباطنهم وبغيب السموات ~~والأرض فتعرف اليهم بصفة العلم وعرفهم فضل نبيه وكليمه بالعلم وعجزهم عما ~~آتاه آدم من العلم وكفى بهذا شرفا للعلم الرابع انه سبحانه جعل في آدم ~~PageV01P052 من صفات الكمال ما كان به افضل من غيره من المخلوقات وأراد ~~سبحانه ان يظهر لملائكته فضله وشرفه فأظهر لهم احسن ما فيه وهو علمه فدل ~~على ان العلم اشرف ما في الانسان وان فضله وشرفه إنما هو بالعلم ونظير هذا ~~ما فعله بنبيه يوسف عليه السلام لما أراد اظهار فضله وشرفه على اهل زمانه ~~كلهم اظهر للملك واهل مصر من علمه بتأويل رؤياه ما عجز عنه علماء التعبير ~~فحينئذ قدمه ومكنه وسلم اليه خزائن الأرض وكان قبل ذلك قد حبسه على ما رآه ~~من حسن وجهه وجمال صورته ولما ظهر له حسن صورة علمه وجمال معرفته اطلقه من ~~الحبس ومكنه في الأرض فدل على ان صورة العلم عند بني آدم ابهى واحسن من ~~الصورة الحسية ولو كانت اجمل صورة وهذا وجه مستقل في تفضيل العلم مضاف إلى ~~ما تقدم فتم به ثلاثون وجها الوجه الحادي والثلاثون انه سبحانه ذم اهل ~~الجهل في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى ولكن اكثرهم يجهلون @QB@ وقال ~~@QE@ ولكن اكثرهم لا يعلمون وقال تعالى أم تحسب ان اكثرهم يسمعون أو يعقلون ~~ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا فلم يقتصر سبحانه على تشبيه الجهال ~~بالانعام حتى جعلهم اضل سبيلا منهم وقال ان شر الدواب عند الله الصم البكم ~~الذين لا يعقلون اخبر ان الجهال شر الدواب عنده على ms072 اختلاف اصنافها من ~~الحمير والسباع والكلاب والحشرات وسائر الدواب فالجهال شر منهم وليس علي ~~دين الرسل اضر من الجهال بل اعداؤهم على الحقيقة وقال تعالى لنبيه وقد ~~اعاذه فلاتكونن من الجاهلين وقال كليمه موسى عليه الصلاة والسلام اعوذ ~~بالله ان اكون من الجاهلين وقال لأول رسله نوح عليه السلام إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين فهذه حال الجاهلين عنده والاول حال اهل العلم عنده واخبر ~~سبحانه عن عقوبته لاعدائه انه منعهم علم كتابه ومعرفته وفقهه فقال تعالى ~~وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا ~~وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقرا وأمر نبيه بالاعراض عنهم ~~فقال وأعرض عن الجاهلين واثنى على عباده بالاعراض عنهم ومتاركتهم كما في ~~قوله وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام ~~عليكم لا نبتغي الجاهلين وقال تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وكل ~~هذا يدل على قبح الجهل عنده وبغضه للجهل وأهله وهو كذلك عند الناس فإن كل ~~أحد يتبرا منه وإن كان فيهالوجه الثاني والثلاثون ان العلم حياة ونور ~~والجهل موت وظلمة والشر كله سببه عدم الحياة والنور والخير كله سببه النور ~~والحياة فإن النور يكشف عن حقائق الاشياء ويبين مراتبها والحياة هي المصححة ~~لصفات الكمال الموجبة لتسديد الاقوال والاعمال فكلما تصرف من الحياة فهو ~~خير كله كالحياء الذي سببه كمال حياة القلب وتصوره حقيقة القبح ونفرته منه ~~وضده الوقاحة PageV01P053 والفحش وسببه موت القلب وعدم نفرته من القبيح ~~وكالحياء الذي هو المطر الذي به حياة كل شيء قال تعالى أو من كان ميتا ~~فاحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها كان ميتا بالجهل قلبه فأحياه بالعلم وجعل له من الايمان نورا يمشى به ~~في الناس وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم ~~كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا ~~يعلم اهل الكتاب ان لا يقدرون ms073 على شيء من فضل الله وان الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال تعالى والله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون وقال تعالى وكذلك ~~اوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدي إلى صراط مستقيم فأخبر انه روح ~~تحصل به الحياة ونور يحصل به الاضاءة والاشراف فجمع بين الاصلين الحياة ~~والنور وقال تعالى قد جاءكم من الله نوروكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم وقال تعالى فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي انزلنا والله بما تعمل ~~ون خبير وقال تعالى يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا اليكم ~~نورا مبينا وقال تعالى قد انزل الله اليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله ~~مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور وقال تعالى ~~الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شيء عليم فضرب سبحانه مثلا لنوره الذي ~~قذفه في قلب المؤمن كما قال أبي بن كعب رضى الله عنه مثل نوره في قلب عبده ~~المؤمن وهو نور القرآن والايمان الذي اعطاه إياه كما قال في آخر الآية نور ~~على نور يعنى نور الايمان على نور القرآن كما قال بعض السلف يكاد المؤمن ~~ينطق بالحكمة وان لم يسمع فيها بالاثر فإذا سمع فيها بالاثر كان نورا على ~~نور وقد جمع الله سبحانه بين ذكر هذين النورين وهما الكتاب والايمان في غير ~~موضع من كتابه كقوله ما كنت تدرى ما الكتاب ولا ms074 الايمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا وقوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا هو خير مما يجمعون ففضل الله الايمان ورحمته القرآن وقوله تعالى ~~أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها وقد تقدمت هذه الايات وقال في آية النور نور على ~~نور PageV01P054 وهو نور الايمان على نور القرآن وفي حديث النواس بن سمعان ~~رضى الله عنه عن النبي ان الله ضرب مثلا صراطا مستقيما وعلى كتفي الصراط ~~داران لهما ابواب مفتحة على الابواب ستور وداع يدعو على الصراط وداع يدعو ~~فوقه والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والابواب ~~التي على كتفي الصراط حدود الله فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر ~~والذي يدعو من فوقه واعظ ربه رواه الترمذي وهذا لفظه والامام أحمد ولفظه ~~والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل ~~مؤمن فذكر الاصلين وهما داعي القرآن وداعي الايمان وقال حذيفة حدثنا رسول ~~الله ان الامانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من الايمان ~~ثم علموا من القرآن وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الاشعري رضى الله عنه عن ~~النبي مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الاترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل ~~المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل ~~المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي ~~لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرولا ريح لها فجعل الناس اربعة اقسام ~~اهل الايمان والقرآن وهم خيار الناس الثاني اهل الايمان الذين لا يقرءون ~~القرآن وهم دونهم فهؤلاء هم السعداء والاشقياء قسمان احدهما من اوتى قرآنا ~~بلا إيمان فهو منافق والثاني من لا اوتى قرآنا ولا إيمانا والمقصود ان ~~القرآن والايمان هما نور يجعله الله في قلب من يشاء من عباده وأنهما اصل كل ~~خير في الدنيا والاخرة ms075 وعلمهما اجل العلوم وافضلها بل لا علم في الحقيقة ~~ينفع صاحبه الا علمهما والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم الوجه الثالث ~~والثلاثون ان الله سبحانه جعل صيد الكلب الجاهل ميتة يحرم اكلها وأباح صيد ~~الكلب المعلم وهذا ايضا من شرف العلم انه لا يباح إلا صيد الكلب العالم ~~واما الكلب الجاهل فلا يحل اكل صيده فدل على شرف العلم وفضله قال الله ~~تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم الله ~~عليه واتقوا الله ان الله سريع الحساب ولولا مزية العلم والتعليم وشرفهما ~~كان صيد الكلب المعلم والجاهل سواء الوجه الرابع والثلاثون ان الله سبحانه ~~اخبرنا عن صفيه وكليمه الذي كتب له التوارة بيده وكلمه منه اليه انه رحل ~~إلى رجل عالم يتعلم منه ويزداد علما إلى علمه فقال وإذ قال موسى لفتاه لا ~~أبرح حتى ابلغ مجمع البحرين أو امضى حقبا حرصا منه على لقاء هذا العالم ~~وعلى التعلم منه فلما لقيه سلك معه مسلك المتعلم مع معلمه وقال له هل اتبعك ~~على ان تعلمن مما علمت رشدا فبدأه بعد السلام بالاستئذان على متابعته وانه ~~لا يتبعه إلا باذنه وقال على ان تعلمن مما علمت PageV01P055 رشدا فلم يجيء ~~ممتحنا ولا متعلما وإنما جاء متعلما مستزيدا علما إلى علمه وكفى بهذا فضلا ~~وشرفا للعلم فإن نبي الله وكليمه سافر ورحل حتى لقى النصب من سفره في تعلم ~~ثلاث مسائل من رجل عالم ولما سمع به لم يقر له قرار حتى لقيه وطلب منه ~~متابعته وتعليمه وفي قصتهما عبر وآيات وحكم ليس هذا موضع ذكرها الوجه ~~الخامس والثلاثون قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم ~~لعلهم يحذرون ندب تعالى المؤمنين إلى التفقه في الدين وهو تعلمه وانذار ~~قومهم إذا رجعوا اليهم وهو التعليم وقد اختلف في الاية فقيل المعنى ms076 ان ~~المؤمنين لم يكونوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم بل ينبغي ان ينفر من كل ~~فرقة منهم طائفة تتفقه تلك الطائفة ثم ترجع تعلم القاعدين فيكون النفير على ~~هذا نفير تعلم والطائفة تقال على الواحد فما زاد قالوا فهو دليل على قبول ~~خبر الواحد وعلى هذا نفير تعلم والطائفة تقال على الواحد فما زاد قالوا فهو ~~دليل على قبول خير الواحد وعلى هذا حملها الشافعي وجماعة وقالت طائفة اخرى ~~المعنى وما كان المؤمنون لينفروا إلى الجهاد كلهم بل ينبغي ان تنفر طائفة ~~للجهاد وفرقة تقعد تتفقه في الدين فإذا جاءت الطائفة التي نفرت فقهتها ~~القاعدة وعلمتها ما انزل من الدين والحلال والحرام وعلى هذا فيكون قوله ~~ليتفقهوا ولينذروا للفرقة التي نفرت منها طائفة وهذا قول الاكثرين وعلى هذا ~~فالنفير نفير جهاد على اصله فإنه حيث استعمل إنما يفهم منه الجهاد قال الله ~~تعالى @QB@ انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم @QE@ وقال النبي ~~لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا وهذا هو المعروف ~~من هذه اللفظة وعلى القولين فهو ترغيب في التفقه في الدين وتعلمه وتعليمه ~~فإن ذلك يعدل الجهاد بل ربما يكون افضل منه كما سيأتي تقريره في الوجه ~~الثامن والمائة ان شاء الله تعالى الوجه السادس والثلاثون قوله تعالى @QB@ ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر @QE@ قال الشافعي رضى الله عنه لو فكر الناس كلهم في هذه ~~السورة لكفتهم وبيان ذلك ان المراتب اربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية ~~كماله احداها معرفة الحق الثانية عمله به الثالثة تعليمه من لا يحسنه ~~الرابعة صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه فذكر تعالى المراتب الاربعة في ~~هذه السورة واقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر ان كل أحد في خسر الا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة وعملوا ~~الصالحات وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة اخرى وتواصوا بالحق ~~وصى به بعضهم بعضا تعليما وارشادا فهذه مرتبة ثالثة ms077 وتواصوا بالصبر صبروا ~~على الحق ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات فهذه مرتبة رابعة وهذانهاية ~~الكمال فإن الكمال ان يكون الشخص كاملا في نفسه مكملا لغيره وكماله باصلاح ~~قوتيه العلمية والعملية فصلاح القوة العلمية بالايمان PageV01P056 وصلاح ~~القوة العملية بعمل الصالحات وتكميله غيره بتعليمه اياه وصبره عليه وتوصيته ~~بالصبر على العلم والعمل فهذه السورة على اختصارها هي من اجمع سور القرآن ~~للخير بحذافيره والحمد لله الذي جعل كتابه كافيا عن كل ما سواه شافيا من كل ~~داء هاديا إلى كل خير الوجه السابع والثلاثون انه سبحانه ذكر فضله ومنته ~~على انبيائه ورسله واوليائه وعباده بما آتاهم من العلم فذكر نعمته على خاتم ~~انبيائه ورسله بقوله وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما وقد تقدمت هذه الاية وقال في يوسف ولما بلغ اشده ~~آتيناه حكما وعلما وكذلك تجزى المحسنين وقال في كليمه موسى ولما بلغ اشده ~~واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ولما كان الذي آتاه موسى من ~~ذلك أمرا عظيما خصه به على غيره ولا يثبت له إلا الأقوياء أولو العزم هيأه ~~له بعد أن بلغ أشده واستوى يعني تم كلمت قوته وقال في حق المسيح يا عيسى ~~ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ ايدتك بروح القدس تكلم الناس في ~~المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وقال في حقه ~~ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل فجعل تعليمه مما بشر به امه واقر ~~عينها به وقال في حق داود وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب وقال في حق الخضر ~~صاحب موسى وفتاه فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من ~~لدنا علما فذكر من نعمه عليه تعليمه وما آتاه من رحمته وقال تعالى يذكر ~~نعمته على داود وسليمان وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما فذكر ~~النبيين الكريمين وأثنى عليهما بالحكم والعلم وخص بفهم القضية احدهما وقد ms078 ~~ذكرت الحكمين الداوودي والسليماني ووجههما ومن صار من الائمة إلى هذا ومن ~~صار إلى هذا وترجيح الحكم السليماني من عدة وجوه وموافقته للقياس وقواعد ~~الشرع في كتاب الاجتهاد والتقليد وقال تعالى قل من انزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله يعني الذي انزله جعل سبحانه تعليمهم ما لم ~~يعلموا هم ولا آباؤهم دليلا على صحة النبوة والرسالة إذ لا ينال هذا العلم ~~إلا من جهة الرسل فكيف يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء وهذا من فضل ~~العلم وشرفه وأنه دليل على صحة النبوة والرسالة والله الموفق للرشاد وقال ~~تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال ~~تعالى هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~وهو العزيز الحكيم PageV01P057 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم يعني وبعث في آخرين منهم لما يلحقوا بهم وقد اختلف في هذا اللحاق ~~المنفي فقيل هو اللحاق في الزمان أي يتأخر زمانهم عنهم وقيل هو اللحاق في ~~الفضل والسبق وعلى التقديرين فامتن عليهم سبحانه بان علمهم بعد الجهل ~~وهداهم بعد الضلالة ويالها من منة عظيمة فاتت المنن وجلت ان يقدر العباد ~~لها على ثمن الوجه الثامن والثلاثون ان اول سورة انزلها الله في كتابه سورة ~~القلم فذكر فيها ما من به على الانسان من تعليمه ما لم يعلم فذكر فيها فضله ~~بتعليمه وتفضيله الإنسان بما علمه اياه وذلك يدل على شرف التعليم والعلم ~~فقال تعالى @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك ~~الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ فافتتح السورة بالامر ~~بالقراءة الناشئة عن العلم وذكر خلقه خصوصا وعموما فقال ms079 @QB@ الذي خلق خلق ~~الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم @QE@ وخص الانسان من بين المخلوقات لما ~~اودعه من عجائبه وآياته الدالة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكمال ~~رحمته وانه لا إله غيره ولا رب سواه وذكر هنا مبدا خلقه من علق لكون العلقة ~~مبدأ الاطوار التي انتقلت اليها النطفة فهي مبدأ تعلق التخليق ثم اعاد ~~الأمر بالقراءة مخبرا عن نفسه بأنه الاكرم وهو الافعل من الكرم وهو كثرة ~~الخير ولا أحد أولى بذلك منه سبحانه فإن الخير كله بيديه والخير كله منه ~~والنعم كلها هو موليها والكمال كله والمجد كله له فهو الاكرم حقا ثم ذكر ~~تعليمه عموما وخصوصا فقال الذي علم بالقلم فهذا يدخل فيه تعليم الملائكة ~~والناس ثم ذكر تعليم الانسان خصوصا فقال @QB@ علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ ~~فاشتملت هذه الكلمات على انه معطى الموجودات كلها بجميع اقسامها فان الوجود ~~له مراتب اربعة احداها مرتبتها الخارجية المدلول عليها بقوله خلق المرتبة ~~الثانية الذهنية المدلول عليها بقوله @QB@ علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ ~~المرتبة الثالثة والرابعة اللفظية والخطية فالخطية مصرح بها في قوله الذي ~~علم بالقلم واللفظية من لوازم التعليم بالقلم فإن الكتابة فرع النطق والنطق ~~فرع التصور فاشتملت هذه الكلمات على مراتب الوجود كلها وانه سبحانه هو ~~معطيها بخلقه وتعليمه فهو الخالق المعلم وكل شيء في الخارج فبخلقه وجد وكل ~~علم في الذهن فبتعليمه حصل وكل لفظ في اللسان أو خط في البنان فباقداره ~~وخلقه وتعليمه وهذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إله إلا هو الرحمن ~~الرحيم والمقصود انه سبحانه تعرف إلى عباده بما علمهم إياه بحكمته من الخط ~~واللفظ والمعنى فكان العلم أحد الادلة الدالة عليه بل من اعظمها وأظهرها ~~وكفى بهذا شرفا وفضلا له الوجه التاسع والثلاثون انه سبحانه سمى الحجة ~~العلمية سلطانا قال ابن عباس رضى الله عنه كل سلطان في القرآن فهو حجة وهذا ~~كقوله تعالى قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في ~~الأرض ان عندكم من سلطان بهذا ms080 اتقولون على الله PageV01P058 مالا تعلمون ~~يعني ما عندكم من حجة بما قلتم ان هو الا قول على الله بلا علم وقال تعالى ~~@QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ~~@QE@ يعني ما أنزل بها حجة ولا برهانا بل هي من تلقاء انفسكم وآبائكم وقال ~~تعالى @QB@ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين @QE@ يعني حجة ~~واضحة فائتوا بها إن كنتم صادقين في دعواكم إلا موضعا واحدا اختلف فيه وهو ~~قوله @QB@ ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه @QE@ فقيل المراد به القدرة ~~والملك أي ذهب عني مالي وملكي فلا مال لي ولا سلطان وقيل هو على بابه أي ~~انقطعت حجتي وبطلت فلا حجة لي والمقصود ان الله سبحانه سمى علم الحجة ~~سلطانا لانها توجب تسلط صاحبها واقتداره فله بها سلطان على الجاهلين بل ~~سلطان العلم اعظم من سلطان اليد ولهذا ينقاد الناس للحجة مالا ينقادون لليد ~~فان الحجة تنقاد لها القلوب واما اليد فإنما ينقاد لها البدن فالحجة تأسر ~~القلب وتقوده وتذل المخالف وان اظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها ذليل ~~مقهور تحت سلطانها بل سلطان الجاه ان لم يكن معه علم يساس به فهو بمنزلة ~~سلطان السباع والاسود ونحوها قدرة بلا علم ولا رحمة بخلاف سلطان الحجة فإنه ~~قدرة بعلم ورحمة وحكمة ومن لم يكن له اقتدار في علمه فهو اما لضعف حجته ~~وسلطانه واما لقهر سلطان اليد والسيف له والا فالحجة ناصرة نفسها ظاهرة على ~~الباطل قاهرة له الوجه الاربعون ان الله تعالى وصف اهل النار بالجهل واخبر ~~انه سد عيهم طرق العلم فقال تعالى حكاية عنهم @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير @QE@ ~~فأخبروا انهم كانوا لا يسمعون ولا يعقلون والسمع والعقل هما اصل العلم ~~وبهما ينال وقال تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام ms081 بل هم أضل أولئك هم الغافلون @QE@ فاخبر سبحانه انهم لم يحصل لهم ~~علم من جهة من جهات العلم الثلاث وهي العقل والسمع والبصر كما قال في موضع ~~آخر @QB@ صم بكم عمي فهم لا يعقلون @QE@ وقال تعالى افلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لاتعمى الابصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى وجعلنالهم سمعا وابصارا وافئدة فما ~~اغنى عنهم سمعهم ولا ابصارهم ولا افئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات ~~الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن فقد وصف اهل الشقاء كما ترى بعدم العلم ~~وشبههم بالانعام تارة وتارة بالحمار الذي يحمل الاسفار وتارة جعلهم اضل من ~~الانعام وتارة جعلهم شر الدواب عنده وتارة جعلهم امواتا غير احياء وتارة ~~اخبر انهم في ظلمات الجهل والضلال وتارة اخبر ان على قلوبهم اكنة وفي ~~آذانهم وقرا وعلى ابصارهم غشاوة وهذا كله يدل على قبح الجهل وذم اهله وبغضه ~~لهم كما انه يحب PageV01P059 اهل العلم ويمدحهم ويثنى عليهم كما تقدم والله ~~المستعان الوجه الحادي والاربعون ما في الصحيحين من حديث معاوية رضى الله ~~عنه قال سمعت رسول الله يقول من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وهذا يدل ~~على ان من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرا كما ان من اراد به خير افقهه في ~~دينه ومن فقهه في دينه فقد اراد به خيرا إذا اريد بالفقه العلم المستلزم ~~للعمل واما ان اريد به مجرد العلم فلا يدل على ان من فقه في الدين فقد اريد ~~به خيرا فإن الفقه حينئذ يكون شرطا لارادة الخير وعلى الاول يكون موجبا ~~والله اعلم الوجه الثاني والاربعون ما في الصحيحين ايضا من حديث أبي موسى ~~رضى الله عنه قال قال رسول الله ان مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ~~كمثل غيث اصاب ارضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب ~~الكثير وكان منها اجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا ms082 منها وسقوا ~~وزرعوا واصاب طائفة منها اخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك ~~مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع ~~بذلك راسا ولم يقبل هدى الله الذي ارسلت به شبه العلم والهدى الذي جاء به ~~بالغيث لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والنافع والاغذية والادوية وسائر ~~مصالح العباد فإنها بالعلم والمطر وشبه القلوب بالاراضي التي قع عليها ~~المطر لانها المحل الذي يمسك الماء فينبت سائر انواع النبات النافع كما ان ~~القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته ثم قسم الناس إلى ~~ثلاثة اقسام بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه واستنباط احكامه ~~واستخراج حكمه وفوائده احدها اهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه وفهموا ~~معانيه واستنبطوا وجوه الاحكام والحكم والفوائد منه فهؤلاء بمنزلة الأرض ~~التي قبلت الماء وهذا بمنزلة الحفظ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وهذا هو ~~الفهم فيه والمعرفة والاستنباط فإنه بمنزلة انبات الكلأ والعشب بالماء فهذا ~~مثل الحفاظ الفقهاء اهل الرواية والدراية القسم الثاني اهل الحفظ الذين ~~رزقوا حفظه ونقله وضبطه ولم يرزقوا تفقها في معانيه ولا استنباطا ولا ~~استخراجا لوجوه الحكم والفوائد منه فهم بمنزلة من يقرا القرآن ويحفظه ~~ويراعي حروفه واعرابه ولم يرزق فيه فهما خاصا عن الله كما قال على ابن أبي ~~طالب رضى الله عنه إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه والناس متفاوتون في ~~الفهم عن الله ورسوله اعظم تفاوت فرب شخص يفهم من النص حكما أو حكمين ويفهم ~~منه الآخر مائة أو مائتين فهؤلاء بمنزلة الأرض التي امسكت الماء للناس ~~فانتفعوا به هذا يشرب منه وهذا يسقى وهذا يزرع فهؤلاء القسمان هم السعداء ~~والاولون ارفع درجة واعلى قدرا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم القسم الثالث الذين لا نصيب لهم منه لا حفظا ولا فهما ولا رواية ولا ~~دراية بل هم بمنزلة PageV01P060 الارض التي هي قيعان لا تنبت ولا تمسك ~~الماء وهؤلاء هم الاشقياء والقسمان ms083 الاولان اشتركا في العلم والتعليم كل ~~بحسب ما قبله ووصل اليه فهذا يعلم الفاظ القرآن ويحفظها وهذا يعلم معانيه ~~واحكامه وعلومه والقسم الثالث لا علم ولا تعليم فهم الذين لم يرفعوا بهدى ~~الله راسا ولم يقبلوه وهؤلاء شر من الانعام وهم وقود النار فقد اشتمل هذا ~~الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم وعظم موقعه وشقاء ~~من ليس من اهله وذكر اقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم وتقسم ~~سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد وفيه دلالة على ان حاجة العباد إلى ~~العلم كحاجتهم إلى المطر بل اعظم وانهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض ~~التي فقدت الغيث قال الامام أحمد الناس محتاجون إلى العلم اكثر من حاجتهم ~~إلى الطعام والشراب لان الطعام والشراب يحتاج اليه في اليوم مرة أو مرتين ~~والعلم يحتاج اليه بعدد الانفاس وقد قال تعالى انزل من السماء ماء فسالت ~~اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء ~~حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل شبه سبحانه العلم الذي ~~أنزله على رسوله بالماء الذي انزله من السماء لما يحصل لكل واحد منهما من ~~الحياة ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم ثم شبه القلوب بالاودية فقلب كبير ~~يسع علما كثيرا كواد عظيم يسع ماء كثيرا وقلب صغيرا إنما يسع علما قليلا ~~كواد صغير إنما يسع ماء قليلا فقال فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا هذا مثل ضربة الله تعالى للعلم حين تخالط القلوب بشاشته فإنه يستخرج ~~منها زبد الشبهات البالطة فيطفو على وجه القلب كما يستخرج السيل من الوادي ~~زبدا يعلو فقوق الماء وأخبر سبحانه انه راب يطفو ويعلو على الماء لايستقر ~~في ارض الوادي كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم ربت فوق القلوب وطفت ~~فلا تستقر فيه بل تجفى وترمى فيستقر في القلب ما ينفع صاحبه والناس من ~~الهدى ودين الحق كما يستقر في الوادي الماء الصافي ويذهب الزبد جفاء وما ~~يعقل عن الله امثاله ms084 إلا العالمون ثم ضرب سبحانه لذلك مثلا آخر فقال ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله يعني أن مما يوقد عليه ~~بنو آدم من الذهب والفضة والنحاس والحديد يخرج منه خبثه وهو الزبد الذي ~~تلقيه النار وتخرجه من ذلك الجوهر بسبب مخالطتها فإنه يقذف ويلقى به ويستقر ~~الجوهر الخالص وحده وضرب سبحانه مثلا بالماء لما فيه من الحياة والتبريد ~~والمنفعة ومثلا بالنار لما فيها من الاضاءة والاشراف والاحراق فآيات القرآن ~~تحيي القلوب كما تحيا الأرض بالماء وتحرق خبثها وشبهاتها وشهواتها وسخائمها ~~كما تحرق النار ما يلقى فيها وتميز جيدها من زبدها كما تميز النار الخبث من ~~الذهب والفضة والنحاس ونحوه منه فهذا بعض ما في هذا المثل العظيم من العبر ~~والعلم قال الله تعالى وتلك PageV01P061 الامثال نضربها للناس وما يعقلها ~~الا العالمون الوجه الثالث والاربعون ما في الصحيحين ايضا من حديث سهل بن ~~سعد رضى الله عنه ان رسول الله قال لعلي رضى الله عنه لان يهدي الله بك ~~رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وهذا يدل على فضل العلم والتعليم وشرف ~~منزلة اهله بحيث إذا اهتدى رجل واحد بالعالم كان ذلك خيرا له من حمر النعم ~~وهي خيارها واشرفها عند أهلها فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس ~~الوجه الرابع والاربعون ما روى مسلم في صحيحيه من حديث أبي هريرة رضى الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # من دعا إلى هدى كان له من الاجر مثل اجور من تبعه لا ينقص ذلك من اجورهم ~~شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من ~~آثامهم شيئا اخبر ان المتسبب إلى الهدى بدعوته له مثل اجر من اهتدى به ~~والمتسبب إلى الضلالة بدعوته عليه مثل إثم من ضل به لان هذا بذل قدرته في ~~هداية الناس وهذا بذل قدرته في ضلالتهم فنزل كل واحد منهما بمنزلة الفاعل ~~التام وهذه قاعدة الشريعة ms085 كما هو مذكور في غير هذا الموضع قال تعالى ~~ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة ومن اوزار الذين يضلونهم بغير علم الا ~~ساء ما يزرون وقال تعالى وليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم وهذا يدل على ~~ان من دعا الامة إلى غير سنة رسول الله فهوعدوه حقا لانه قطع وصول اجر من ~~اهتدى بسنته اليه وهذا من اعظم معاداته نعوذ بالله من الخذلان الوجه الخامس ~~والاربعون ما خرجا في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في ~~الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها فاخبر انه لا ينبغي لاحد ~~ان يحسد احدا يعني حسد غبطة ويتمنى مثل حاله من غير ان يتمنى زوال نعمة ~~الله عنه إلا في واحدة من هاتين الخصلتين وهي الاحسان إلى الناس بعلمه أو ~~بماله وما عدا هذين فلا ينبغي غبطته ولا تمنى مثل حاله لقلة منفعة الناس به ~~الوجه السادس والاربعون قال الترمذي حدثنا محمد بن عبد الاعلى حدثنا سلمة ~~بن رجاء حدثنا الوليد بن حميد حدثنا القاسم عن أبي امامة الباهلي قال ذكر ~~لرسول الله رجلان احدهما عالم والآخر عابد فقال رسول الله فصل العالم على ~~العابد كفضلي على أدناكم ثم قال رسول الله ان الله وملائكته واهل السموات ~~والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس ~~الخير قال الترمذي هذا حديث حسن غريب سمعت أبا عمار الحسين ابن حريث ~~الخزاعي قال سمعت الفضيل بن عياض يقول عالم عامل معلم يدعى كبيرا في ملكوت ~~السموات وهذا مروى عن الصحابة قال ابن عباس علماء هذه الامة رجلان فرجل ~~اعطاه الله علما PageV01P062 فبذله للناس ولم يأخذ عليه صفدا ولم يشتر به ~~ثمنا اولئك يصلى عليهم طير السماء وحيتان البحر ودواب الأرض والكرام ~~الكاتبون ورجل آتاه الله علما فضن به عن عباده واخذ به صفدا واشترى به ثمنا ~~فذلك ياتي يوم القيامة يلجم بلجام من ms086 نار ذكره ابن عبد البر مرفوعا وفي ~~رفعه نظر وقوله ان الله وملائكته واهل السموات والأرض يصلون على معلم الناس ~~الخير لما كان تعليمه للناس الخير سببا لنجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم ~~جازاه الله من جنس عمله بان جعل عليه من صلاته وصلاة ملائكته واهل الأرض ما ~~يكون سببا لنجاته وسعادته وفلاحه وايضا فإن معلم الناس الخير لما كان مظهرا ~~لدين الرب واحكامه ومعرفا لهم بأسمائه وصفاته جعل الله من صلاته وصلاة أهل ~~سمواته وأرضه عليه ما يكون تنويها به وتشريفا له وإظهارا للثناء عليه بين ~~اهل السماءوالارض الوجه السابع والاربعون ما رواه أبو داود والترمذي من ~~حديث أبي الدرداء رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول من سلك طريقا يبتغي ~~فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع اجنحتها رضا لطالب ~~العلم وان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في ~~الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ان العلماء ورثة ~~الانبياء ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن ~~اخذه اخذ بحظ وافر وقد رواه الوليد بن مسلم عن خالد بن يزيد عن عثمان ابن ~~ايمن عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله يقول من غدا لعلم يتعلمه فتح الله ~~له به طريقا إلى الجنة وفرشت له الملائكة اكنافها وصلت عليه ملائكة السماء ~~وحيتان البحر وللعالم من الفضل على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب والعلماء ورثة الانبياء ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ~~إنما ورثوا العلم فمن اخذ بالعلم اخذ بحظ وافر وموت العالم مصيبة لا تجبر ~~وثلمة نسد ونجم طمس وموت قبيلة ايسر من موت عالم وهذا حديث حسن والطريق ~~التي يسلكها إلى الجنة جزاء على سلوكه في الدنيا طريق العلم الموصلة إلى ~~رضا ربه ووضع الملائكة اجنحتها له تواضعا له وتوقيرا وإكراما لما يحمله من ~~ميراث النبوة ويطلبه وهو يدل على المحبة والتعظيم فمن محبة الملائكة له ~~وتعظيمه تضع ms087 اجنحتها له لأنه طالب لما به حياة العالم ونجاته ففيه شبه من ~~الملائكة وبينه وبينهم تناسب فان الملائكة انصح خلق الله وانفعهم لبني آدم ~~وعلى ايديهم حصل لهم كل سعادة وعلم وهدى ومن نفعهم لبني آدم ونصحهم انهم ~~يستغفرون لمسيئهم ويثنون على مؤمنيهم ويعينونهم على اعدائهم من الشياطين ~~ويحرصون على مصالح العبد اضعاف حرصه على مصلحة نفسه بل يريدون له من خير ~~الدنيا والاخرة ما لا يريده العبد ولا يخطر بباله كما قال بعض التابعين ~~وجدنا الملائكة انصح خلق الله لعباده ووجدنا الشياطين اغش الخلق للعباد ~~وقال تعالى الذين يحملون PageV01P063 العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتهم ~~ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم إنك انت العزيز الحكيم وقهم السيئات ~~ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم فأي نصح للعباد مثل ~~هذا الا نصح الانبياء فإذا طلب العبد العلم فقد سعى في اعظم ما ينصح به ~~عباد الله فلذلك تحبه الملائكة وتعظمه حتى تضع اجنحتها له رضا ومحبة ~~وتعظيما وقال أبو حاتم الرازي سمعت ابن أبي اويس يقول سمعت مالك بن انس ~~يقول معنى قول رسول الله تضع اجنحتها يعني تبسطها بالدعاء لطالب العلم بدلا ~~من الايدي وقال أحمد بن مروان المالكي في كتاب المجالسة له حدثنا زكريا بن ~~عبد الرحمن البصري قال سمعت أحمد بن شعيب يقول كنا عند بعض المحدثين ~~بالبصرة فحدثنا بحديث النبي ان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم وفي ~~المجلس معنا رجل من المعتزلة فجعل يستهزئ بالحديث فقال والله لاطرقن غدا ~~نعلي بمسامير فأطأ بها أجنحة الملائكة ففعل ومشى في النعلين فجفت رجلاه ~~جميعا ووقعت فيهما الاكلة وقال الطبراني سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى ~~الساجي قال كنا نمشي في بعض ازقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فاسرعنا ~~المشي وكان معنا رجل ماجن منهم في دينه فقال ارفعوا ارجلكم عن ms088 اجنحة ~~الملائكة لاتكسروها كالمستهزيء فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط وفي ~~السنن والمسانيد من حديث صفوان ابن عسال بعسال قال قلت يا رسول الله إني ~~جئت أطلب العلم قال مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم لتحف به الملائكة ~~وتظله بأجنحتها فيركب بعضهم بعضا حتى تبلغ السماء الدنيامن حبهم لما يطلب ~~وذكر حديث المسح على الخفين قال ابوعبد الله الحاكم اسناده صحيح وقال ابن ~~عبد البر هو حديث صحيح حسن ثابت محفوظ مرفوع ومثله لا يقال بالرأي ففي هذا ~~الحديث حف الملائكة له بأجنحتها إلى السماء وفي الاول وضعها اجنحتها له ~~فالوضع تواضع وتوقير وتبجيل والحف بالاجنحة حفظ وحماية وصيانة فتضمن ~~الحديثان تعظيم الملائكة له وحبها اياه وحياطته وحفظه فلو لم يكن لطالب ~~العلم إلا هذا الحظ الجزيل لكفى به شرفا وفضلا وقوله ان العالم ليستغفر له ~~من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء فإنه لما كان العالم سببا ~~في حصول العلم الذي به نجاة النفوس من أنواع المهلكات وكان سعيه مفصورا على ~~هذا وكانت نجاة العباد على يديه جوزي من جنس عمله وجعل من في السموات ~~والأرض ساعيا في نجاته من اسباب الهلكات باستغفارهم له وإذا كانت الملائكة ~~تستغفر للؤمنين فكيف لا تستغفر لخاصتهم وخلاصتهم وقد قيل ان من في السموات ~~ومن في الأرض المستغفرين PageV01P064 للعالم عام في الحيوانات ناطقها ~~وبهيمها طيرها وغيره ويؤكد هذا قوله حتى الحيتان في الماء وحتى النملة في ~~جحرها فقيل سبب هذا الاستغفار ان العالم يعلم الخلق مراعاة هذه الحيوانات ~~ويعرفهم ما يحل منها وما يحرم ويعرفهم كيفية تناولها واستخدامها وركوبها ~~والانتفاع بها وكيفية ذبحها على احسن الوجوه وارفقها بالحيوان والعالم اشفق ~~الناس على الحيوان واقومهم ببيان ما خلق له وبالجملة فالرحمة والاحسان التي ~~خلق بهما ولهما الحيوان وكتب لهما حظهما منه إنما يعرف بالعلم فالعالم معرف ~~لذلك فاستحق ان تستغفر له البهائم والله أعلم وقوله وفضل العالم على العابد ~~كفضل القمر على سائر الكواكب تشبيه مطابق لحال القمر والكواكب ms089 فان القمر ~~يضيء الافاق ويمتد نوره في اقطار العالم وهذه حال العالم وأما الكوكب فنوره ~~لا يجاوز نفسه أو ما قرب منه وهذه حال العابد الذي يضيء نور عبادته عليه ~~دون غيره وان جاوز نور عبادته غيره فإنما يجاوزه غير بعيد كما يجاوز ضوء ~~الكوكب له مجاوزة يسيرة ومن هذا الاثر المروي إذا كان يوم القيامة يقول ~~الله للعابد ادخل الجنة فإنما كانت منفعتك لنفسك ويقال للعالم اشفع تشفع ~~فإنما كانت منفعتك للناس وروى ابن جريج عن عطاءعن ابن عباس رضى الله عنهما ~~إذا كان يوم القيامة يؤتى بالعابد والفقيه فيقال للعابد ادخل الجنة ويقال ~~للفقيه اشفع تشفع وفي التشبيه المذكور لطيفه اخرى وهو ان الجهل كالليل في ~~ظلمته وجنسه والعلماء والعباد بمنزلة القمر والكواكب الطالعة في تلك الظلمة ~~وفضل نور العالم فيها على نور العابد كفضل نور القمر على الكواكب وايضا ~~فالدين قوامه وزينته واضاءته بعلمائه وعباده فإذا ذهب علماؤه وعباده ذهب ~~الدين كما ان السماء اضاءتها وزينتها بقمرها وكواكبها فإذا خسف قمرها ~~وانتشرت كواكبها اتاها ماتوعد وفضل علماء الدين على العباد كفضل ما بين ~~القمر والكواكب فإن قيل كيف وقع تشبيه العالم بالقمر دون الشمس وهي اعظم ~~نورا قيل فيه فائدتان احداهما ان نور القمر لما كان مستفادا من غيره كان ~~تشبيه العالم الذي نوره مستفاد من شمس الرسالة بالقمر اولى من تشبيهه ~~بالشمس الثانية ان الشمس لا يختلف حالها في نورها ولا يلحقها محاق ولا ~~تفاوت في الاضاءة واما القمر فإنه يقل نوره ويكثر ويمتليء وينقص كما ان ~~العلماء في العلم على مراتبهم من كثرته وقلته فيفضل كل منهم في علمه بحسب ~~كثرته وقلته وظهوره وخفائه كما يكون القمر كذلك فعالم كالبدر ليلة تمه وآخر ~~دونه بليلة وثانية وثالثة وما بعدها إلى آخر مراتبه وهم درجات عند الله فإن ~~قيل تشبيه العلماء بالنجوم أمر معلوم كقوله اصحابي كالنجوم ولهذا هي في ~~تعبير الرؤيا عبارة عن العلماء فكيف وقع تشبيههم هنا بالقمر قيل اما تشبيه ~~العلماء بالنجوم فإن ms090 النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وكذلك العلماء ~~والنجوم زينة للسماء PageV01P065 فكذلك العلماء زينة للآرض وهي رجوم ~~للشياطين حائلة بينهم وبين استراق السمع لئلا يلبسوا بما يسترقونه من الوحي ~~الوارد إلى الرسل من الله على ايدي ملائكته وكذلك العلماء رجوم لشياطين ~~الانس والجن الذي يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فالعلماء رجوم لهذا ~~الصنف من الشياطين ولولاهم لطمست معالم الدين بتلبيس المضلين ولكن الله ~~سبحانه اقامهم حراسا وحفظه لدينه ورجوما لاعدائه واعداء رسله فهذا وجه ~~تشبيههم بالنجوم وأما تشبههم بالقمر فذلك كان في مقام تفضيلهم على اهل ~~العبادة المجردة وموازنة ما بينهما من الفضل والمعنى انهم يفضلون العباد ~~الذين ليسوا بعلماء كما يفضل القمر سائر الكواكب فكل من التشبهين لائق ~~بموضعه والحمد لله وقوله ان العلماء ورثة الانبياء هذا من اعظم المناقب ~~لاهل العلم فإن الانبياء خير خلق الله فورثتهم خير الخلق بعدهم ولما كان كل ~~موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته اذهم الذين يقومون مقامه من بعده ولم يكن بعد ~~الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما ارسلوا به الا العلماء كانوا احق الناس ~~بميراثهم وفي هذا تنبيه على انهم اقرب الناس اليهم فإن الميراث إنا يكون ~~لاقرب الناس إلى الموروث وهذا كما انه ثابت في ميراث الدينار والدرهم فكذلك ~~هو في ميراث النبوة والله يختص برحمته من يشاء وفيه ايضا ارشاد وامر للأمة ~~بطاعهم واحترامهم وتعزيزهم وتوفيرهم وإجلالهم فإنهم ورثة من هذه بعض حقوقهم ~~على الأمة وخلفاؤهم فيهم وفيه تنبيه على ان محبتهم من الدين وبغضهم مناف ~~للدين كما هو ثابت لموروثهم وكذلك معاداتهم ومحاربتهم معاداة ومحاربة لله ~~كما هو في موروثهم قال على كرم الله وجهه ورضى عنه محبة العلماء دين يدان ~~به وقال فيما يروى عن ربه عز وجل من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ~~وورثة الانبياء سادات اولياء لله عز وجل وفيه تنبيه للعلماء على سلوك هدى ~~الانبياء وطريقتهم في التبليغ من الصبر والاحتمال ومقابلة إساءة الناس ~~اليهم بالاحسان والرفق بهم واستجلابهم إلى ms091 الله باحسن الطرق وبذل ما يمكن ~~من النصيحة لهم فإنه بذلك يحصل له نصيبهم من هذا الميراث العظيم قدره ~~الجليل خطره وفيه ايضا تنبيه لاهل العلم على تربية الامة كما يربى الوالد ~~ولده فيبربونهم بالتدريج والترقي من صغار العلم إلى كباره وتحميلهم منه ما ~~يطيقون كما يفعل الاب بولده الطفل في ايصال الغذاء اليه فإن ارواح البشر ~~بالنسبة إلى الانبياء والرسل كالاطفال بالنسبة إلى آبائهم بل دون هذه ~~النسبة بكثير ولهذا كل روح لم تربها الرسل لم تفلح ولم تصلح لصالحه كما قيل # ومن لا يربيه الرسول ويسقه % لبانا له قد در من ثدي قدسه فذاك لقيط ماله ~~نسبة الولا % ولا يتعدى طور ابناء جنسه # وقوله ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم هذا من ~~كمال الانبياء وعظم PageV01P066 نصحهم للأمم وتمام نعمة الله عليهم وعلى ~~اممهم ان ازاح جميع العلل وحسم جميع المواد التي توهم بعض النفوس ان ~~الانبياء من وجنس الملوك الذين يريدون الدنيا وملكها فحماهم الله سبحانه ~~وتعالى من ذلك اتم الحماية ثم لما كان الغالب على الناس ان احدهم يريد ~~الدنيا لولده من بعده ويسعى ويتعب ويحرم نفسه لولده سد هذه الذريعة عن ~~انبيائه ورسله وقطع هذا الوهم الذي عساه ان يخالط كثيرا من النفوس التي ~~تقول فلعله ان لم يطلب الدنيا لنفسه فهو يحصلها لولده فقال نحن معاشر ~~الانبياء لا نورث ما تركنا هو صدقة فلم تورث الانبياء دينارا ولا درهما ~~وإنما ورثوا العلم واما قوله تعالى وورث سليمان داود فهو ميراث العلم ~~والنبوة لا غير وهذا باتفاق اهل العلم من المفسرين وغيرهم وهذا لان داود ~~عليه السلام كان له اولاد كثيرة سوى سليمان فلو كان الموروث هو المال لم ~~يكن سليمان مختصا به وايضا فإن كلام الله يصان عن الاخبار بمثل هذا فإنه ~~بمنزلة ان يقال مات فلان وورثه ابنه ومن المعلوم ان كل أحد يرثه ابنه وليس ~~في الاخبار بمثل هذا فائدة وايضا فإن ما قبل الاية وما بعدها يبين ان ms092 ~~المراد بهذه الوراثة وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال قال تعالى ولقد ~~آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين وورث سليمان داوود وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان وما خصه الله ~~به من كرامته وميراثه ما كان لابيه من اعلى المواهب وهو العلم والنبوة ان ~~هذا لهو الفضل المبين وكذلك قول زكريا عليه الصلاة والسلام وإني خفت ~~الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل ~~يعقوب واجعله رب رضيا فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله وإلا فلا ~~يظن بني كريم انه يخاف عصبته ان يرثوه ماله فيسأل الله العظيم ولدا يمنعهم ~~ميراثه ويكون احق به منهم وقد نزه الله انبياءه ورسله عن هذا وأمثاله فبعدا ~~لمن حرف كتاب الله ورد على رسوله كلامه ونسب الانبياء إلى ما هم برآء ~~منزهون عنه والحمد لله على توفيقه وهدايته ويذكر عن أبي هريرة رضى الله عنه ~~انه مر بالسوق فوجدهم في تجاراتهم وبيوعاتهم فقال أنتم ههنا فيما أنتم فيه ~~وميراث رسول الله يقسم في مسجده فقاموا سراعا إلى المسجد فلم يجدوا فيه الا ~~القرآن والذكر ومجالس العلم فقالوا اين ما قلت يا أبا هريرة فقال هذا ميراث ~~محمد يقسم بين ورثته وليس بمواريثكم ودنياكم أو كما قال وقوله فمن اخذه اخذ ~~بحظ وافر اعظم الحظوظ واجداها مانفع العبد ودام نفعه له وليس هذا الا حظه ~~من العلم والدين فهو الحظ الدائم النافع الذي إذا انقطعت الحظوظ لاربابها ~~فهو موصول له ابد الابدين وذلك لانه موصول بالحي الذي لا يموت فلذلك ~~لاينقطع ولا يفوت وسائر الحظوظ تعدم وتتلاشى بتلاشي متعلقاتها كما قال ~~تعالى وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءمنثورا فإن الغاية لما كانت ~~منقطعة زائلة تبعتها اعمالهم فانقطعت PageV01P067 عنهم احوج ما يكون العامل ~~إلى عمله وهذه هي المصيبة التي لا تجبر عياذا بالله واستعانة به وافتقارا ~~وتوكلا عليه ولا حول ولا قوة الا بالله وقوله موت العالم ms093 مصيبة لاتجبر ~~وثلمة لا تسد ونجم طمس وموت قبيلة ايسر من موت عالم لما كان صلاح الوجود ~~بالعلماء ولولاهم كان الناس كالبهائم بل أسوأ حالا كان موت العالم مصيبة لا ~~يجبرها الا خلف غيره له وايضا فإن العلماء هم الذين يسوسون العباد والبلاد ~~والممالك فموتهم فساد لنظام العالم ولهذا لا يزال الله يغرس في هذا الدين ~~منهم خالفا عن سالف يحفظ بهم دينه وكتابه وعباده وتأمل إذا كان في الوجود ~~رجل قد فاق العالم في الغنى والكرم وحاجتهم إلى ما عنده شديدة وهو محسن ~~اليهم بكل ممكن ثم مات وانقطعت عنهم تلك المادة فموت العالم اعظم مصيبة من ~~موت مثل هذا بكثير ومثل هذا يموت بموته أمم وخلائق كما قيل : # تعلم ما الرزية فقد مال % ولا شاة تموت ولا بعير # ولكن الرزية فقد حر % يموت بموته بشر كثير وقال آخر # فما كان قيس هلكه هلك واحد % ولكنه بنيان قوم تهدما والوجه الثامن ~~والاربعون ما روى الترمذي من حديث الوليد بن مسلم حدثنا روح بن جناح عن ~~مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله فقيه اشد على الشيطان ~~من الف عابد قال الترمذي غريب لانعرفه الا من هذا الوجه من حديث الوليد بن ~~مسلم قلت قد رواه أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي اليقطيني حدثنا عمر بن ~~سعيد بن سنان حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا روح بن جناح ~~عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال الخطيب والاول هو ~~المحفوظ عن روح مجاهد عن ابن عباس وما أرى الوهم وقع في هذا الحديث إلا من ~~أبي جعفر لان عمر بن سنان عنده عن هشام بن عمار عن الوليد عن روح عن الزهري ~~عن سعيد حديث في السماء بيت يقال له البيت المعمور حيال الكعبة وحديث ابن ~~عباس كانا في كتاب ابن سنان عن هشام يتلو احدهما الاخر فكتب أبو جعفر اسناد ~~حديث أبي هريرة رضى الله عنه ثم ms094 عارضه لسهو اوزاغ نظره فنزل إلى متن حديث ~~ابن عباس فركب متن هذا على اسناد هذا وكل واحد منهما ثقة مأمون برئ من تعمد ~~الغلط وقد رواه أبو أحمد بن عدي عن محمد بن سعيد بن مهران حدثنا شيبان أبو ~~الربيع السمان عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة رضى الله عنه قال قال ~~رسول الله لكل شيء دعامة ودعامة الاسلام الفقه في الدين والفقيه اشد على ~~الشيطان من ألف PageV01P068 عابد ولهذا الحديث علة وهو انه روى من كلام أبي ~~هريرة وهو اشبه رواه همام بن يحيى حدثنا يزيد بن عياض حدثنا صفوان بن سليم ~~عن سليمان عن يسار عن أبي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ما عبد ~~الله بشيء افضل من فقه في الدين قال وقال أبو هريرة لان افقه ساعة احب الي ~~من ان احيي ليلة اصليها حتى اصبح والفقيه اشد على الشيطان من ألف عابد ولكل ~~شيء دعامة ودعامة الدين الفقه وقد روى باسناد فيه من لا يحتج به من حديث ~~عاصم بن أبي النجودعن زر بن حبيش عن عمر بن الخطاب يرفعه ان الفقيه اشد على ~~الشيطان من الف ورع وألف مجتهد والف متعبد وقال المزني روى عن ابن عباس انه ~~قال ان الشياطين قالوا لابليس يا سيدنا مالنا نراك تفرح بموت العالم مالا ~~تفرح بموت العابد والعالم لا نصيب منه والعابد نصيب منه قال انطلقوا ~~فانطلقوا إلى عابد فاتوه في عبادته فقالوا إنا نريد ان نسألك فانصرف فقال ~~ابليس هل يقدر ربك ان يجعل الدنيا في جوف بيضة فقال لا أدري فقال اترونه ~~كفر في ساعة ثم جاؤوا إلى عالم في حلقته يضحك اصحابه ويحدثهم فقالوا إنا ~~نريد ان نسألك فقال سل فقال هل يقدر ربك ان يجعل الدنيا في جوف بيضة قال ~~نعم قالوا كيف قال يقول كن فيكون فقال أترون ذلك لا يعدو نفسه وهذا يفسد ~~على عالما كثيرا وقد رويت هذه الحكاية على وجه آخر وإنهم سألوا العابد ms095 ~~فقالوا هل يقدر ربك أن يخلق مثل نفسه فقال لاادري فقال اترونه لم تنفعه ~~عبادته مع جهله وسألوا عن ذلك فقال هذه المسألة محال لأنه لو كان مثله لم ~~يكن مخلوقا فكونه مخلوقا وهو مثل نفسه مستحيل فإذا كان مخلوقا لم يكن مثله ~~بل كان عبدا من عبيده وخلقا من خلقه فقال أترون ذلك اترون هذا يهدم في ساعة ~~ما ابنيه في سنين اوكما قال وروى عن عبد الله بن عمرو فضل العالم على ~~العابد سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس سبعين عاما وذلك ان الشيطان يضع ~~البدعة فيبصرها العالم وينهى عنها والعابد مقبل على عبادة ربه لا يتوجه لها ~~ولا يعرفها وهذا معناه صحيح فإن العالم يفسد على الشيطان ما يسعى فيه ويهدم ~~ما يبنيه فكل ما أراد إحياء بدعة وإماتة سنة حال العالم بينه وبين ذلك فلا ~~شيء اشد عليه من بقاء العالم بين ظهراني الامة ولا شيء احب اليه من زواله ~~من بين اظهرهم ليتمكن من إفساد الدين وإغواء الامة وأما العابد فغايته ان ~~يجاهده ليسلم منه في خاصة نفسه وهيهات له ذلك الوجه التاسع والاربعون ما ~~روى الترمذي من حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول ~~الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم قال ~~الترمذي هذا حديث حسن ولما كانت الدنيا حقيرة عند الله لاتساوي لديه جناح ~~بعوضة كانت وما فيها في غاية البعد منه وهذا هو حقيقة اللعنة وهو سبحانه ~~إنما خلقها مزرعة للآخرة ومعبرا اليها يتزود منها عبادة اليه فلم يكن يقرب ~~منها إلا ما كان متضمنا PageV01P069 لاقامة ذكره ومفضيا إلى محابه وهوالعلم ~~الذي به يعرف الله ويعبد ويذكر ويثنى عليه ويمجد ولهذا خلقها وخلق اهلها ~~كما قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون @QB@ وقال @QE@ الله الذي ~~خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل ~~شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما فتضمنت هاتان الايتان ms096 انه سبحانه ~~إنما خلق السموات والأرض وما بينهما ليعرف باسمائه وصفاته وليعبد فهذا ~~المطلوب وما كان طريقا اليه من العلم والتعلم فهو المستثنى من اللعنة ~~واللعنة واقعة على ما عداه إذ هو بعيد عن الله وعن محابه وعن دينه وهذا هو ~~متعلق العقاب في الاخرة فإنه كما كان متعلق اللعنة التي تضمن الذم والبغض ~~فهو متعلق العقاب والله سبحانه إنما يحب من عباده ذكره وعبادته ومعرفته ~~ومحبته ولوازم ذلك وما افضى اليه وما عداه فهو مبغوض له مذموم عنده الوجه ~~الخمسون ما رواه الترمذي من حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن انس قال قال ~~رسول الله من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع قال الترمذي هذا ~~حديث حسن غريب رواه بعضهم فلم يرفعه وإنما جعل طلب العلم من سبيل الله لان ~~به قوام الاسلام كما ان قوامه بالجهاد فقوام الدين بالعلم والجهاد ولهذا ~~كان الجهاد نوعين جهاد باليد والسنان وهذا المشارك فيه كثير والثاني الجهاد ~~بالحجة والبيان وهذا جهاد الخاصة من اتباع الرسل وهو جهاد الائمة وهو افضل ~~الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة اعدائه قال تعالى في سورة الفرقان ~~وهي مكية ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلاتطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا فهذا جهاد لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين وهو جهاد المنافقين ~~ايضا فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بل كانوامعهم في الظاهر ~~وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم ومع هذا فقد قال تعالى يا أيها النبي جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومعلوم ان جهاد المنافقين بالحجة والقرآن ~~والمقصود ان سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ودعوة الخلق به إلى الله ولهذا ~~قال معاذ رضى الله عنه عليكم بطلب العلم فإن تعلمه لله خشية ومدارسته عبادة ~~ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد ولهذا قرن سبحانه بين الكتاب المنزل ~~والحديد الناصر كما قال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب واميزان ليقوم الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع ~~للناس وليعلم الله من ms097 ينصره ورسله بالغيب ان الله قوي عزيز فذكر الكتاب ~~والحديد إذ بهما قوام الدين كما قيل : # فما هو إلا الوحي اوحدمرهف % تميل ظباه اخدعا كل ما يل % فهذا شفاء الداء ~~من كل عاقل % وهذا دواء الداء من كل جاهل % ولما كان كل من الجهاد بالسيف ~~والحجة يسمى سبيل الله فسر الصحابة رضى الله عنهم PageV01P070 @QB@ قوله ~~@QE@ اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم بالامراء والعلماء فإنهم ~~المجاهدون في سبيل الله هؤلاء بأيديهم وهؤلاء بالسنتم بألسنتهم فطلب العلم ~~وتعليمه من اعظم سبيل الله عز وجل قال كعب الاحبار طالب العلم كالغادي ~~الرايح في سبيل الله عز وجل وجاء عن بعض الصحابة رضى الله عنهم إذا جاء ~~الموت طالب العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد وقال سفيان بن عيينة من ~~طلب العلم فقد بايع الله عز وجل وقال أبو الدرداء من رأى الغدو والرواح إلى ~~العلم ليس بجهاد فقد نقص في عقله ورأيه الوجه الحادي والخمسون ما رواه ~~الترمذي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو اسامة عن الاعمش عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له ~~طريقا إلى الجنة قال الترمذي هذا حديث حسن قال بعضهم ولم يقل في هذا الحديث ~~صحيح لانه يقال دلس الاعمش في هذا الحديث لانه رواه بعضهم فقال حدثت عن أبي ~~صالح والحديث رواه مسلم في صحيحه من اوجه عن الاعمش عن أبي صالح قال الحاكم ~~في المستدرك هو صحيح على شرط البخاري ومسلم رواه عن الاعمش جماعة منهم ~~زايدة وأبو معاوية وابن نمير وقد تقدم حديث أبي الدرداء في ذلك والحديث ~~محفوظ وله اصل وقد تظاهر الشرع والقدر على ان الجزاء من جنس العمل فكما سلك ~~طريقا يطلب فيه حياة قلبه ونجاته من الهلاك سلك الله به طريقا يحصل له ذلك ~~وقد روى من حديث عائشة رواه ابن عدي من حديث محمد بن عبد الملك الانصاري عن ~~الزهري عن عروة عنها مرفوعا ولفظه اوحى ms098 الله إلى انه من سلك مسلكا يطلب ~~العلم سهلت له طريقا إلى الجنة الوجه الثاني الخمسون ان النبي دعا لمن سمع ~~كلامه ووعاه وبلغه بالنضرة وهي البهجة ونضارة الوجه وتحسينه ففي الترمذي ~~وغيره من حديث ابن مسعود عن النبي قال نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها ~~وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو افقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم ~~اخلاص العمل لله ومناصحة ائمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ~~ورائهم وروى هذا الاصل عن النبي ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وجبير ~~بن مطعم وانس بن مالك وزيد بن ثابت والنعمان بن بشير قال الترمذي حديث ابن ~~مسعود حديث حسن صحيح وحديث زيد بن ثابت حديث حسن وأخرج الحاكم في صحيحه ~~حديث جبير بن مطعم والنعمان بن بشير وقال في حديث جبير على شرط البخاري ~~ومسلم ولو لم يكن في فضل العلم الا هذا وحده لكفى به شرفا فإن النبي دعا ~~لمن سمع كلامه ووعاه وحفظه وبلغه وهذه هي مراتب العلم اولها وثانيها سماعه ~~وعقله فإذا سمعه وعاه بقلبه أي عقله واستقر في قلبه كما يستقر الشيء الذي ~~يوعى في وعائه ولا يخرج منه PageV01P071 وكذلك عقله هو بمنزلة عقل البعير ~~والدابة ونحوها حتى لا تشرد وتذهب ولهذا كان الوعي والعقل قدرا زائدا على ~~مجرد إدراك المعلوم المرتبة الثالثة تعامده وحفظه حتى لاينساه فيذهب ~~المرتبة الرابعة تبليغه وبثه في الامة ليحصل به ثمرته ومقصوده وهو بثه في ~~الامة فهو بمنزلة الكنز المدفون في الأرض الذي لا ينفق منه وهو معرض لذهابه ~~فإن العلم ما لم ينفق منه ويعلم فإنه يوشك ان يذهب فإذا انفق منه نما وزكا ~~على الانفاق فمن قام بهذه المراتب الاربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية ~~المتضمنة لجمال الظاهر والباطن فإن النضرة هي البهجة والحسن الذي يكساه ~~الوجه من آثار الايمان وابتهاج الباطن به وفرح القلب وسروره والتذاذه به ~~فتظهر هذه البهجة والسرور والفرحة نضارة على الوجه ولهذا يجمع له سبحانه ~~بين ms099 البهجة والسرور والنضرة كما في قوله تعالى فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا فالنضرة في وجوههم والسرور في قلوبهم فالنعيم وطيب ~~القلب يظهر نضارة في الوجه كما قال تعالى تعرف في وجوههم نضرة النعيم ~~والمقصود ان هذه النضرة في وجه من سمع سنة رسول الله ووعاها وحفظها وبلغها ~~فهي اثر تلك الحلاوة والبهجة والسرور الذي في قلبه وباطنه وقوله رب حامل ~~فقه إلى من هو افقه منه تنبيه على فائدة التبليغ وان المبلغ قد يكون افهم ~~من المبلغ فيحصل له في تلك المقالة ما لم يحصل للمبلغ أو يكون المعنى ان ~~المبلغ قد يكون افقه من المبلغ فإذا سمع تلك المقالة حملها على احسن وجوهها ~~واستنبط فقهها وعلم المراد منها وقوله ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إلى آخره ~~اي لايحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة فإنها تنفى الغل والغش وهو ~~فساد القلب وسخايمه فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه ويخرجه ويزيله جملة ~~لانه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه فلم يبق فيه موضع للغل ~~والغش كما قال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ~~فلما اخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء فانصرف عنه السوء والفحشاء ~~ولهذا لما علم ابليس انه لا سبيل له على اهل الاخلاص استثناهم من شرطته ~~التي اشترطها للغواية والاهلاك فقال فبعزتك لاغوينهم اجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين قال تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ~~فالاخلاص هو سبيل الخلاص والإسلام هو مركب السلامة والايمان خاتم الامان ~~وقوله ومناصحة ائمة المسلمين هذا ايضا مناف للغل والغش فإن النصيحة لا ~~تجامع الغل إذ هي ضده فمن نصح الائمة والامة فقد برئ من الغل وقوله ولزوم ~~جماعتهم هذا ايضا مما يطهر القلب من الغل والغش فإن صاحبه للزومه جماعة ~~المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لها ويسوؤه ما يسؤوهم ~~ويسره ما يسرهم وهذا بخلاف من انجاز عنهم واشتغل بالطعن ms100 PageV01P072 عليهم ~~والعيب والذم لهم كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم فإن قلوبهم ~~ممتلئة نحلا وغشا ولهذا تجد الرافضة ابعد الناس من الاخلاص اغشهم للائمة ~~والامة واشدهم بعدا عن جماعة المسلمين فهؤلاء اشد الناس غلا وغشا بشهادة ~~الرسول والامة عليهم وشهادتهم على انفسهم بذلك فانهم لايكونون قط الا ~~اعوانا وظهرا على اهل الاسلام فاي عدو قام للمسلمين كانوا اعوان ذلك العدو ~~وبطانته وهذا امر قد شاهدته الامة منهم ومن لم يشاهد فقد سمع منه ما يصم ~~الاذان ويشجي القلوب وقوله فإن دعوتهم تحيط من ورائهم هذا من احسن الكلام ~~وأوجزه وافخمه معنى شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم المانع من ~~دخول عدوهم عليهم فتلك الدعوة التي هي دعوة الاسلام وهم داخلونها لما كانت ~~سورا وسياجا عليهم اخبر ان من لزم جماعة المسلمين احاطت به تلك الدعوة التي ~~هي دعوة الاسلام كما احاطت بهم فالدعوة تجمع شمل الامة وتلم شعثها وتحيط ~~بها فمن دخل في جماعتها احاطت به وشملته الوجه الثالث والخمسون ان النبي ~~امر بتبليغ العلم عنه ففي الصحيحين من حديث عبد الله ابن عمرو قال قال رسول ~~الله بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار وقال ليبلغ الشاهد منكم الغائب روى ذلك أبو بكرة ~~ووابصة بن معبد وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس واسماء ~~بنت يزيد بن السكن وحجير وابو قريع وسرى بنت نبهان ومعاوية بن حيدة القشيري ~~وعم أبي حرة وغيرهم فأمر بالتبلغ عنه لما في ذلك من حصول الهدى بالتبلغ وله ~~اجر من بلغ عنه واجر من قبل ذلك البلاغ وكلما كثر التبلغ عنه تضاعف له ~~الثواب فله من الاجر بعدد كل مبلغ وكل مهتد بذلك البلاغ سوى ماله من اجر ~~عمله المختص به فكل من هدى واهتدى بتبليغه فله اجره لانه هو الداعي اليه ~~ولو لم يكن في تبليغ العلم عنه الا حصول ما يحبه لكفى به فضلا وعلامة المحب ~~الصادق ms101 ان يسعى في حصول محبوب محبوبه ويبذل جهده وطاقته فيها ومعلوم انه لا ~~شيء احب إلى رسول الله من ايصاله الهدى إلى جميع الامة فالمبلغ عنه ساع في ~~حصول محابه فهو اقرب الناس منه واحبهم اليه وهو نائبه وخليفته في امته وكفى ~~بهذا فضلا وشرفا للعلم واهله الوجه الرابع والخمسون ان النبي قدم بالفضائل ~~العلمية في أعلا الولايات الدينية واشرفها وقدم بالعلم بالافضل على غيره ~~فروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مسعود البدري عن النبي يؤم القوم اقرؤهم ~~لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة ~~سواء فاقدمهم إسلاما أو سنا وذكر الحديث فقدم في الامامة تفضيله العلم على ~~تقدم الاسلام والهجرة ولما كان PageV01P073 العلم بالقرآن افضل من العلم ~~بالسنة لشرف معلومه على معلوم السنة قدم العلم به ثم قدم العلم بالسنة على ~~تقدم الهجرة وفيه من زيادة العمل ماهو متميز به لكن إنما راعى التقديم ~~بالعلم ثم بالعمل وراعى التقديم بالعلم بالافضل على غيره وهذا يدل على شرف ~~العلم وفضله وإن اهله هم اهل التقدم إلى المراتب الدينية الوجه الخامس ~~والخمسون ما ثبت في صحيح البخاري من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه عن ~~النبي انه قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه وتعلم القرآن وتعليمه يتناول ~~تعلم حروفه وتعليمها وتعلم معانيه وتعليمها وهو اشرف قسمي علمه وتعليمه فإن ~~المعنى هو المقصود واللفظ وسيلة اليه فنعلم المعنى وتعليمه تعلم الغاية ~~وتعليمها وتعلم اللفظ المجرد وتعليمه تعلم الوسائل وتعليمها وبينهما كما ~~بين الغايات والوسائل الوجه السادس والخمسون ما رواه الترمذي وغيره في نسخة ~~عمرو ابن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي قال لن يشبع ~~المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب ~~وهذه نسخة معروفة رواها الناس وساق أحمد في المسند أكثرها أو كثيرا منها ~~ولهذا الحديث شواهد فجعل النبي النهمة في العلم وعدم الشبع منه من لوازم ~~الايمان واوصاف المؤمنين واخبر ان ms102 هذا لا يزال دأب المؤمن حتى دخوله الجنة ~~ولهذا كان أئمة الاسلام إذا قيل لاحدهم إلى متى تطلب العلم فيقول إلى ~~الممات قال نعيم ابن حماد سمعت عبد الله بن المبارك رضى الله عنه يقول وقد ~~عابه قوم في كثرة طلبه للحديث فقالوا له إلى متى تسمع قال إلى الممات وقال ~~الحسين بن منصور الخصاص قلت لاحمد بن حنبل رضى الله عنه إلى متى يكتب الرجل ~~الحديث قال إلى الموت وقال عبد الله بن محمد البغوي سمعت أحمد بن حنبل رضى ~~الله عنه يقول إنما اطلب العلم إلى ان ادخل القبر وقال محمد بن إسماعيل ~~الصائغ كنت اصوغ مع أبي ببغداد فمر بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في ~~يديه فأخذ أبي بمجامع ثوبه فقال يا أبا عبد الله الا تستحي إلى متى تعدو مع ~~هؤلاء قال إلى الموت وقال عبد الله بن بشر الطالقاني ارجو ان يأتيني أمر ~~أبي والمحبرة بين يدي ولم يفارقني العلم والمحبرة وقال حميد بن محمد بن ~~يزيد البصري جاء ابن بسطام الحافظ يسألني عن الحديث فقلت له ما اشد حرصك ~~على الحديث فقال أو ما احب ان اكون في قطار آل رسول الله وقيل لبعض العلماء ~~متى يحسن بالمرء ان يتعلم قال ما حسنت به الحياة وسئل الحسن عن الرجل له ~~ثمانون سنة ايحسن ان يطلب العلم قال إن كان يحسن به ان يعيش الوجه السابع ~~والخمسون ما رواه الترمذي ايضا من حديث إبراهيم بن الفضل عن المقبري عن أبي ~~هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث ~~وجدها فهو احق بها قال الترمذي هذا PageV01P074 حديث غريب لانعرفه الا من ~~هذا الوجه وإبراهيم ابن الفضل المديني المخزومي يضعف في الحديث من قبل حفظه ~~وهذا ايضا شاهد لما تقدم وله شواهد والحكمة هي العلم فإذا فقده المؤمن فهو ~~بمنزلة من فقد ضالة نفيسة من نفائسه فإذا وجدها قر قلبه وفرحت نفسه ~~بوجدانها كذلك المؤمن إذا وجد ضالة قلبه وروحه ms103 التي هو دائما في طلبها ~~ونشدانها والتفتيش عليها وهذا من احسن الامثلة فإن قلب المؤمن يطلب العلم ~~حيث وجده اعظم من طلب صاحب الضالة لها الوجه الثامن والخمسون قال الترمذي ~~حدثنا أبو كريب حدثنا خلف بن ايوب عن عوف عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضى ~~الله عنه عن النبي خصلتان لا يجتمعان في منافق حسن سمت وفقه في الدين قال ~~الترمذي هذا حديث غريب ولا يعرف هذا الحديث من حديث عوف الا من حديث هذا ~~الشيخ خلف بن أيوب العامري ولم أر احدا يروى عنه غير أبي كريب محمد بن ~~العلاء ولا أدري كيف هو وهذه شهادة بان من اجتمع فيه حسن السمت والفقه في ~~الدين فهو مؤمن واحرى بهذا الحديث ان يكون حقا وإن كان اسناده فيه جهالة ~~فان حسن السمت والفقه في الدين من اخص علامات الايمان ولن يجمعهما الله في ~~منافق فان النفاق ينافيهما وينافيانه الوجه التاسع والخمسون قال الترمذي ~~حدثنا مسلم ابن حاتم الانصاري حدثنا ابوحاتم البصري حدثنا محمد بن عبد الله ~~الانصاري عن أبيه عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال قال انس بن مالك رضى ~~الله عنه قال رسول الله يا بني ان قدرت ان تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لاحد ~~فافعل ثم قال يا بني وذلك من سنتي ومن احيا سنتي فقد احبني ومن احبني كان ~~معي في الجنة وفي الحديث قصة طويلة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا ~~الوجه ومحمد بن عبد الله الانصاري صدوق وابوه ثقة وعلي بن زيد صدوق الا انه ~~ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره سمعت محمد بن بشارة يقول قال أبو الوليد ~~قال شعبة حدثنا على بن زيد وكان رفاعا قال الترمذي ولا يعرف لسعيد من ~~السميب عن انس رواية الا هذا الحديث بطوله وقد روى عباد المنقري هذا الحديث ~~عن علي بن زيد عن انس ولم يذكر فيه عن سعيد بن المسيب وذاكرت به محمد بن ~~إسماعيل فلم يعرفه ولم ms104 يعرف لسعيد بن المسيب عن انس هذا الحديث ولا غيره ~~ومات انس سنة ثلاث وتسعين وسعيد بن المسيب سنة خمس وتسعين بعده بسنتين قلت ~~ولهذا الحديث شواهد منها ما رواه الدارمي عبد الله حدثنا محمد بن عيينة عن ~~مروان بن معاوية الفزاري عن كثير ابن عبد الله عن أبيه عن جده ان النبي قال ~~لبلال بن الحارث اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما ~~اعلم يا رسول الله قال انه من احيا سنة من سنني قد اميتت بعدي كان له من ~~الاجر مثل من عمل بها من غير ان ينقص من اجورهم شيء ومن ابتدع PageV01P075 ~~بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ~~ذلك من اوزار الناس شيئا رواه الترمذي عنه وقال حديث حسن قال ومحمد بن ~~عيينة مصيصي شامي وكثير ابن عبد الله هو ابن عمرو بن عوف المزني وفي حديثه ~~ثلاثة اقوال لاهل الحديث منهم من يصححه ومنهم من يحسنه وهما للترمذي ومنهم ~~من يضعفه ولا يراه حجة كالامام أحمد وغيره ولكن هذا الاصل ثابت من وجوه ~~كحديث من دعا إلى هدى كان له من الاجر مثل احور من اتبعه وهو صحيح من وجوه ~~وحديث من دل على خير فله مثل اجر فاعله وهو حديث حسن رواه الترمذي وغيره ~~فهذا الاصل محفوظ عن النبي فالحديث الضعيف فيه بمنزلة الشواهد والمتابعات ~~فلا يضر ذكره الوجه الستون ان النبي اوصى بطلبه العلم خيرا وما ذاك الا ~~لفضل مطلوبهم وشرفه قال الترمذي حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبو داود الحفري ~~عن سفيان عن أبي هرون قال كنا نأتي أبا سعيد فيقول مرحبا بوصية رسول الله ~~ان النبي قال ان الناس لكم تبع وان رجالا يأتونكم من اقطار الأرض يتفقهون ~~في الدين فإذا اتوكم فاستوصوا بهم خيرا حدثنا قتيبة حدثنا روح بن قيس عن ~~أبي هرون العبدي عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال يأتيكم رجال من قبل ~~المشرق ms105 يتعلمون فإذا جاؤكم فاستوصوا بهم خيرا فكان أبو سعيد إذا رآنا قال ~~مرحبا بوصية رسول الله قال الترمذي هذا حديث لانعرفه الا من حديث أبي هرون ~~العبدي عن أبي سعيد قال أبو بكر العطار قال علي ابن المديني قال يحيى بن ~~سعيد كان شعبة يضعف أبا هرون العبدي قال يحيى وما زال ابن عوف يروى عن أبي ~~هرون حتى مات وأبو هرون اسمه عمارة بن جوين الوجه الحادي والستون ما رواه ~~الترمذي من حديث أبي داود عن عبد الله بن سنحبرة عن سنحبرة عن النبي قال من ~~طلب العلم كان كفارة لما مضى هذا الاصل لم اجد فيه الا هذا الحديث وليس ~~بشيء فان أبا داود هو نفيع الاعمى غير ثقة ولكن قد تقدم ان العالم يستغفر ~~له من في السموات ومن في الأرض وقد رويت آثار عديدة عن جماعة من الصحابة في ~~هذا المعنى منها ما رواه الثوري عن عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس ان ~~ملكا موكلا بطالب العلم حتى يرده من حيث ابداه مغفورا له ومنها ما رواه قطر ~~بن خليفة عن أبي الطفيل عن علي ما انتعل عبد قط ولا تخفف ولا لبس ثوبا ~~ليغدو في طلب العلم إلا غفرت ذنوبه حيث يخطو عند باب بيته وقد رواه ابن عدي ~~مرفوعا وقال ليس يرويه عن قطر غير إسماعيل ابن يحيى التميمي قلت وقد رواه ~~إسماعيل بن يحيى هذا عن الثوري حدثنا محمد بن ايوب الجوزجاني عن مجالد عن ~~الشعبي عن الاسود عن عائشة مرفوعا من انتعل ليتعلم خيرا غفر له قبل ان ~~PageV01P076 يخطو وقد رواه عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن قطر عن أبي ~~الطفيل عن علي وهذه الاسانيد وان لم تكن بمفردها حجة فطلب العلم من افضل ~~الحسنات والحسنات يذهبن السيئات فجدير ان يكون طلب العلم ابتغاء وجه الله ~~يكفر ماضي من السيئات فقد دلت النصوص ان اتباع السيئة الحسنة تمحوها فكيف ~~بما هو من افضل الحسنات واجل الطاعات فالعمدة على ذلك لاعلى حديث ms106 أبي داود ~~والله اعلم وقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان الرجل ليخرج من منزله ~~وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة فإذا سمع العلم خاف ورجع وتاب فانصرف إلى ~~منزله وليس عليه ذنب فلاتفارقوا مجالس العلماء الوجه الثاني والستون ما ~~رواه ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما ~~قال خرج رسول الله فإذا في المسجد مجلسان مجلس يتفقهون ومجلس يدعون الله ~~تعالى ويسألونه فقال كلا المجلسين إلى خير اماهؤلاء فيدعون الله وأما هؤلاء ~~فيتعلمون ويفقهون الجاهل هؤلاء افضل بالتعليم ارسلت ثم قعد معهم الوجه ~~الثالث والستون ان الله تبارك وتعالى يباهي ملائكته بالقوم الذين يتذاكرون ~~العلم ويذكرون الله ويحمدونه على ما من عليهم به منه قال الترمذي حدثنا ~~محمد بن بشار حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار حدثنا أبو نعامة عن أبي ~~عثمان عن أبي سعيد قال خرج معاوية إلى المسجد فقال م يجلسكم قالوا جلسنا ~~نذكر الله عز وجل قال الله ما اجلسكم إلا ذلك قالوا الله ما اجلسنا إلا ذلك ~~قال أما إني لم استحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله اقل ~~حديثا عنه مني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وآله وسلم خرج على ~~حلقة من اصحابه قال ما يجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا ~~للاسلام ومن علينا بك قال الله ما اجلسكم إلا ذلك قالوا الله ما اجلسنا إلا ~~ذلك قال أما إني لم استحلفكم تهمة لكم انه اتاني جبريل فأخبرني ان الله ~~تعالى يباهي بكم الملائكة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه الا من ~~هذا الوجه وابو نعامة السعدي اسمه عمرو بن عيسى وأبو عثمان النهدي اسمه عبد ~~الرحمن بن مل فهؤلاء كانوا قد جلسوا يحمدون الله بذكر اوصافه وآلائه ويثنون ~~عليه بذلك ويذكرون حسن الإسلام ويعترفون لله بالفضل العظيم إذ هداهم له ومن ~~عليهم برسوله وهذا اشرف علم على الاطلاق ولا يعني به الا ms107 الراسخون في العلم ~~فإنه يتضمن معرفة الله وصفاته وافعاله ودينه ورسوله ومحبة ذلك وتعظيمه ~~والفرح به وأحرى بأصحاب هذا العلم ان يباهي الله بهم الملائكة وقد بشر ~~النبي الرجل الذي كان يحب سورة الاخلاص وقال احبها لانها صفة الرحمن عز وجل ~~فقال حبك اياها ادخلك الجنة وفي لفظ آخر اخبروه ان الله يحبه فدل على ان من ~~احب صفات الله احبه الله وأدخله الجنة والجهمية اشد الناس نفرة وتنفيرا عن ~~صفاته ونعوت كماله يعاقبون ويذمون من PageV01P077 يذكرها ويقرؤها ويجمعها ~~ويعتني بها ولهذا لهم المقت والذم عند الامة وعلى لسان كل عالم من علماء ~~الاسلام والله تعالى اشد بغضا ومقتا لهم جزاء وفاقا الوجه الرابع والستون ~~ان افضل منازل الخلق عند الله منزلة الرسالة والنبوة فالله يصطفى من ~~الملائكة رسلا ومن الناس وكيف لا يكون افضل الخلق عند الله من جعلهم وسائط ~~بينه وبين عباده في تبليغ رسالاته وتعريف اسمائه وصفاته وأفعاله واحكامه ~~ومراضيه ومساخطه وثوابه وعقابه وخصهم بوحيه واختصهم بتفضيله وارتضاهم ~~لرسالته إلى عباده وجعلهم ازكى العالمين نفوسا واشرفهم اخلاقا واكملهم ~~علوما واعمالا واحسنهم خلقة واعظمهم محبة وقبولا في قلوب الناس وبرأهم من ~~كل وصم وعيب وكل خلق دنيء وجعل اشرف مراتب الناس بعدهم مرتبة خلافتهم ~~ونيابتهم في اممهم فانهم يخلفونهم على منهاجهم وطريقهم من نصيحتهم للأمة ~~وارشادهم الضال وتعليمهم الجاهل ونصرهم المظلوم واخذهم على يد الظالم ~~وامرهم بالمعروف وفعله ونهيهم عن المنكر وتركه والدعوة إلى الله بالحكمة ~~للمستجيبين والموعظة الحسنة للمعرضين الغافلين والجدال بالتي هي احسن ~~للمعاندين المعارضين فهذه حال اتباع المرسلين وورثه النبيين قال تعالى قل ~~هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسواء كان المعنى أنا ~~ومن اتبعني على بصيرة وانا ادعو إلى الله أو المعنى ادعو إلى الله على ~~بصيرة والقولان متلازمان فإنه لا يكون من اتباعه حقا إلا من دعا إلى الله ~~على بصيرة كما كان متبوعه يفعل فهؤلاء خلفاء الرسل حقا وورثتهم دون الناس ~~وهم أولو العلم الذين قاموا بما جاء ms108 به علما وعملا وهداية وارشادا وصبرا ~~وجهادا وهؤلاء هم الصديقون وهم افضل اتباع الانبياء ورأسهم وإمامهم الصديق ~~الاكبر أبو بكر رضى الله عنه قال الله تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك ~~مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~اولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما فذكر مراتب السعداء وهي ~~اربعة وبدأ باعلاهم مرتبة ثم الذين يلونهم إلى آخر المراتب وهؤلاء الاربعة ~~هم اهل الجنة الذين هم اهلها جعلنا الله منهم بمنه وكرمه الوجه الخامس ~~والستون ان الانسان إنما يميز على غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان ~~وإلا فغيره من الدواب والسباع أكثر أكلا منه واقوى بطشا وأكثر جماعا ~~واولادا واطول اعمارا وإنما ميز على الدواب والحيوانات بعلمه وبيانه فإذا ~~عدم العلم بقى معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب وهي الحيوانية ~~المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم بل قد يبقى شرا منهم كما قال تعالى في هذا ~~الصنف من الناس إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون فهؤلاء ~~هم الجهال ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم أي ليس عندهم محل قابل للخير ولو ~~كان محلهم قابلا للخير لاسمعهم أي PageV01P078 لافهمهم والسمع ههنا سمع فهم ~~والا فسمع الصوت حاصل لهم وبه قامت حجة الله عليهم قال تعالى ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون وقال تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بمالا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون وسواء كان المعنى ~~ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع من الدواب إلا اصواتا ~~مجردة أو كان المعنى ومثل الذين كفروا حين ينادون كمثل دواب الذي ينعق بها ~~فلا تسمع الا صوت الدعاء والنداء فالقولان متلازمان بل هما واحد وإن كان ~~التقدير الثاني اقرب إلى اللفظ وأبلغ في المعنى فعلى التقديرين لم يحصل لهم ~~من الدعوة إلا الصوت الحاصل للأنعام فهؤلاء لم يحصل لهم حقيقة الانسانية ~~التي يميز بها صاحبها عن سائر الحيوان والسمع يراد ms109 به ادراك الصوت ويراد به ~~فهم المعنى ويراد به القبول والاجابة والثلاثة في القرآن فمن الاول قوله قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن ~~الله سميع بصير وهذا اصرح ما يكون في إثبات صفة السمع ذكر الماضي والمضارع ~~واسم الفاعل سمع ويسمع وهو سميع وله السمع كما قالت عائشة رضى الله عنها ~~الحمد لله الذي وسع سمعه الاصوات لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله ~~وأنا في جانب البيت وأنه ليخفى على بعض كلامها فأنزل الله قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها والثاني سمع الفهم كقوله ولو علم الله فيهم خيرا ~~لاسمعهم أي لافهمهم ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون لما في قلوبهم من الكبر ~~والاعراض عن قبول الحق ففيهم آفتان إحداهما انهم لا يفهمون الحق لجهلهم ولو ~~فهموه لتولوا عنه وهم معرضون عنه لكبرهم وهذا غاية النقص والعيب والثالث ~~سمع القبول والاجابة كقوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولا ~~وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم أي قابلون مستجيبون ومنه ~~قوله سماعون للكذب أي قابلون له مستجيبون لاهله ومنه قول المصلى سمع الله ~~لمن حمده أي اجاب الله حمد من حمده ودعاء من دعاه وقول النبي إذا قال ~~الامام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم أي يجيبكم ~~والمقصود ان الانسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده كان ~~الحيوان البهيم خيرا منه لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الانسان الجاهل ~~الوجه السادس والستون إن العلم حاكم على ما سواه ولا يحكم عليه شيء فكل شيء ~~اختلف في وجوده وعدمه وصحته وفساده ومنفعته ومضرته ورجحانه ونقصانه وكماله ~~ونقصه ومدحه وذمه ومرتبته في الخير وجودته ورداءته وقربه وبعده وإفضائه إلى ~~مطلوب كذا وعدم إفضائه وحصول المقصود به وعدم حصوله إلى سائر جهات ~~المعلومات فإن العلم حاكم على ذلك كله فإذا حكم العلم انقطع النزاع ووجب ~~الاتباع وهو الحاكم على الممالك والسياسات ms110 والاموال PageV01P079 والاقلام ~~فملك لا يتأيد بعلم لا يقوم وسيف بلا علم مخراق لاعب وقلم بلا علم حرمة ~~حركة عابث والعلم مسلط حاكم على ذلك كله ولا يحكم شيء من ذلك على العلم وقد ~~اختلف في تفضيل مداد العلماء على دم الشهداء وعكسه وذكر لكل قول وجوه من ~~التراجيح والادلة ونفس هذا النزاع دليل على تفضيل العلم ومرتبته فإن الحاكم ~~في هذه المسئلة هو العلم فيه واليه وعنده يقع التحاكم والتخاصم والمفضل ~~منهما من حكم له بالفضل فإن قيل فكيف يقبل حكمه لنفسه قيل وهذا ايضا دليل ~~على تفضيله وعلو مرتبته وشرفه فإن الحاكم إنما لم يسغ ان يحكم لنفسه لاجل ~~مظنة التهمة والعلم تلحقه تهمة في حكمه لنفسه فإنه إذا حكم حكم بما تشهد ~~العقول والنظر بصحته وتتلقاه بالقبول ويستحيل حكمه لتهمة فإنه إذا حكم بها ~~انعزل عن مرتبته وانحط عن درجته فهو الشاهد المزكي العدل والحاكم الذي لا ~~يجور ولا يعزل فإن قيل فماذا حكمه في هذه المسئلة التي ذكرتموها قيل هذه ~~المسئلة كثر فيها الجدال واتسع المجال وأدلى كل منهما بحجته واستعلى ~~بمرتبته والذي يفصل النزاع ويعيد المسالة إلى مواقع الاجماع الكلام في ~~أنواع مراتب الكمال وذكر الافضل منهما والنظر في أي هذين الامرين اولى به ~~واقرب اليه فهذه الاصول الثلاثة تبين الصواب ويقع بها فصل الخطاب فاما ~~مراتب الكمال فاربع النبوة والصديقية والشهادة والولاية وقد ذكرها الله ~~سبحانه في قوله ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ذلك الفضل من الله ~~وكفى بالله عليما وذكر تعالى هؤلاء الاربع في سورة الحديد فذكر تعالى ~~الايمان به وبرسوله ثم ندب المؤمنين إلى ان تخشع قلوبهم لكتابه ووحيه ثم ~~ذكر مراتب الخلائق شقيهم وسعيدهم فقال إن المصدقين والمصدقات واقرضوا الله ~~قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم اجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم ~~الصديقون والشهداءعند ربهم لهم اجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~اولئك اصحاب الجحيم وذكر المنافقين قبل ms111 ذلك فاستوعبت هذه الاية اقسام ~~العباد شقيهم وسعيدهم والمقصود انه ذكر فيها المراتب الاربعة الرسالة ~~والصديقية والشهادة والولاية فأعلا هذه المراتب النبوة والرسالة ويليها ~~الصديقية فالصديقون هم أئمة اتباع الرسل ودرجتهم اعلا الدرجات بعد النبوة ~~فإن جرى قلم العالم بالصديقية وسال مداده بها كان افضل من دم الشهيد الذي ~~لم يحلقه في رتبة الصديقية وان سال دم الشهيد بالصديقية وقطر عليها كان ~~افضل من مداد العالم الذي قصر عنها فافضلهما صديقهما فان استويا في ~~الصديقية استويا في المرتبة والله اعلم والصديقية هي كمال الايمان بما جاء ~~به الرسول علما وتصديقا وقياما فهي راجعة إلى نفس العلم فكل من كان اعلم ~~بما جاء به الرسول واكمل تصديقا له كان اتم صديقية فالصديقية شجرة اصولها ~~العلم وفروعها التصديق وثمرتها العمل فهذه كلمات PageV01P080 جامعة في ~~مسئلة العالم والشهيد وايهما افضل الوجه السابع والستون ان النصوص النبوية ~~قد تواترت بان افضل الاعمال إيمان بالله فهو رأس الامر والاعمال بعده على ~~مراتبها ومنازلها والايمان له ركنان احدهما معرفة ما جاء به الرسول والعلم ~~به والثاني تصديقه بالقول والعمل والتصديق بدون العلم والمعرفة محال فإنه ~~فرع العلم بالشيء المصدق به فإذا العلم من الايمان بمنزلة الروح من الجسد ~~ولاتقوم شجرة الايمان الا على ساق العلم والمعرفة فالعلم إذا اجل المطالب ~~واسنى المواهب الوجه الثامن والستون ان صفات الكمال كلها ترجع إلى العلم ~~والقدرة والارادة والارادة فرع العلم فإنهاتستلزم الشعور بالمراد فهي ~~مفتقرة إلى العلم في ذاتها وحقيقتها والقدرة لا تؤثر إلا بواسطة الارادة ~~والعلم لايفتقر في تعلقه بالمعلوم إلى واحدة منهما وأما القدرة وإلارادة ~~فكل منها يفتقر في تعلقه بالمراد والمقدور إلى العلم وذلك يدل على فضيلته ~~وشرف منزلته الوجه التاسع والستون ان العلم اعم الصفات تعلقا بمتعلقه ~~واوسعها فإنه يتعلق بالواجب والممكن والمستحيل والجائز والموجود والمعدوم ~~فذات الرب سبحانه وصفاته واسماؤه معلومة له ويعلم العباد من ذلك ما علمهم ~~العليم الخبير وأما القدرة والارادة فكل منهما خاص التعلق اما القدرة فإنما ~~تتعلق بالممكن خاصة لابالمستحيل ms112 ولا بالواجب فهي اخص من العلم من هذا الوجه ~~وأعم من الارادة فإن الارادة لاتتعلق الا ببعض الممكنات وهو ما أريد وجوده ~~فالعلم اوسع وأعم وأشمل في ذاته ومتعلقه الوجه السبعون ان الله سبحانه اخبر ~~عن اهل العلم بأنه جعلهم ائمة يهدون بأمره وياتم بهم من بعدهم فقال تعالى ~~وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا يآياتنا يوقنون وقال في موضع ~~آخر والذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعلنا ~~للمتقين إماما أي ائمة يقتدى بنا من بعدنا فأخبر سبحانه ان بالصبر واليقين ~~تنال الامامة في الدين وهي ارفع مراتب الصديقين واليقين هو كمال العلم ~~وغايته فبتكميل مرتبة العلم تحصل إمامة الدين وهي ولاية آلتها العلم يختص ~~الله بها من يشاء من عباده الوجه الحادي والسبعون ان حاجة العباد إلى العلم ~~ضرورية فوق حاجة الجسم إلى الغذاء لان الجسم يحتاج إلى الغذاء في اليوم مرة ~~أو مرتين وحاجة الانسان إلى العلم بعدد الانفاس لان كل نفس من انفاسه فهو ~~محتاج فيه إلى ان يكون مصاحبا لايمان أو حكمة فإن فارقه الايمان أو حكمة في ~~نفس من انفاسه فقد عطب وقرب هلاكه وليس إلى حصول ذلك سبيل إلا بالعلم ~~فالحاجة إليه فوق الحاجة إلى الطعام والشراب وقد ذكر الامام أحمد هذا ~~المعنى بعينه فقال الناس احوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب لان ~~الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين والعلم يحتاج اليه كل وقت ~~الوجه الثاني والسبعون إن صاحب العلم اقل تعبا وعملا وأكثر اجرا واعتبر هذا ~~بالشاهد فإن الصناع والإجراء يعانون PageV01P081 الاعمال الشاقة بأنفسهم ~~والاستاذ المعلم يجلس بأمرهم وينهاهم ويريهم كيفية العمل ويأخذ اضعاف ما ~~يأخذونه وقد اشار النبي إلى هذا المعنى حيث قال افضل الاعمال إيمان بالله ~~ثم الجهاد فالجهاد فيه بذل النفس وغاية المشقة والايمان علم القلب وعمله ~~وتصديقه وهو افضل الاعمال مع ان مشقة الجهاد فوق مشقته باضعاف مضاعفة وهذا ~~لان العلم يعرف مقادير الاعمال ومراتبها وفاضلها من مفضولها وراجحها من ms113 ~~مرجوحها فصاحبه لا يختار لنفسه الا افضل الاعمال والعامل بلا علم يظن ان ~~الفضيلة في كثرة المشقة فهو يتحمل المشاق وإن كان ما يعانيه مفضولا ورب عمل ~~فاضل والمفضول اكثر مشقة منه واعتبر هذا بحال الصديق فإنه افضل الامة ~~ومعلوم ان فيهم من هو اكثر عملا وحجا وصوما وصلاة وقراءة منه قال أبو بكر ~~بن عياش ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه وهذا ~~موضوع المثل المشهور # من لي بمثل سيرك المدلل % تمشى رويدا وتجي في الاول الوجه الثالث ~~والسبعون ان العلم إمام العمل وقائد له والعمل تابع له ومؤتم به فكل عمل لا ~~يكون خلف العلم مقتديا به فهو غير نافع لصاحبه بل مضرة عليه كما قال بعض ~~السلف من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح وألاعمال إنما ~~تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له فالعمل الموافق ~~للعلم هو المقبول والمخالف له هو المردود فالعلم هو الميزان وهو المحك قال ~~تعالى هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا وهو العزيز الغفور ~~قال الفضيل بن عياض هو اخلص العمل واصوبه قالوا يا أبا علي ما اخلصه واصوبه ~~قال ان العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا وصوابا فالخالص ان يكون لله والصواب ان يكون ~~على السنة وقد قال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه احدا فهذا هو العمل المقبول الذي لا يقبل الله من الاعمال سواه ~~وهو ان يكون موافقا لسنة رسول الله مرادا به وجه الله ولا يتمكن العامل من ~~الاتيان بعمل يجمع هذين الوصفين إلا بالعلم فإنه إن لم يعلم ما جاء به ~~الرسول لم يمكنه قصده وإن لم يعرف معبوده لم يمكنه إرادته وحده فلولا العلم ~~لما كان عمله مقبولا فالعلم هو الدليل على الاخلاص وهو الدليل على المتابعة ~~وقد قال الله تعالى ms114 إنما يتقبل الله من المتقين واحسن ما قيل في تفسير ~~الاية إنه إنما يتقبل الله عمل من اتقاه في ذلك العمل وتقواه فيه ان يكون ~~لوجهه على موافقة امره وهذا إنما يحصل بالعلم وإذا كان هذا منزلة العلم ~~وموقعه علم انه اشرف شيء واجله وافضله والله أعلم الوجه الرابع والسبعون ان ~~العامل بلا علم كالسائر بلا دليل ومعلوم ان عطب مثل هذا اقرب من سلامته ~~PageV01P082 وان قدر سلامته اتفاقا نادرا فهو غير محمود بل مذموم عند ~~العقلاء وكان شيخ الاسلام ابن تيمية يقول من فارق الدليل ضل السبيل ولا ~~دليل إلا بما جاء به الرسول قال الحسن العامل على غير علم كالسالك على غير ~~طريق والعامل على غير علم ما يفسد اكثر مما يصلح فاطلبوا اللم طلبا لا ~~تضروا بالعبادة واطلبوا العبادة طلبا لا تضروا بالعلم فإن قوما طلبوا ~~العبادة وتركوا العلم حى خرجوا بأسيافهم على امة محمد ولو طلبوا العلم لم ~~يدلهم على ما فعلوا والفرق بين هذا وبين ما قبله ان العلم مرتبته في الوجه ~~الاول مرتبة المطاع المتبوع المقتدى به المتبع حكمه المطاع امره ومرتبته ~~فيه فيهذا الوجه مرتبة الدليل المرشد إلى المطلوب الموصل إلى الغاية الوجه ~~الخامس والسبعون ان النبي ثبت في الصحيحين عنه انه كان يقول اللهم رب جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين ~~عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدى ~~من تشاء إلى صراط مستقيم وفي بعض السنن انه كان يكبر تكبيرة الاحرام في ~~صلاة الليل ثم يدعو بهذا الدعاء والهداية هي العلم بالحق مع قصده وإيثاره ~~على غيره فالمهتدي هو العامل بالحق المريد له وهي اعظم نعمة لله على العبد ~~ولهذا امرنا سبحانه ان نسأله هداية الصراط المستقيم كل يوم وليلة في ~~صلواتنا الخمس فإن العبد محتاج إلى معرفة الحق الذي يرضى الله في كل حركة ~~غاهرة وباطنة فإذا عرفها فهو محتاج إلى من يلهمه قصد الحق فيجعل إرادته في ms115 ~~قلبه ثم إلى من يقدره على فعله ومعلوم ان ما يجهله العبد اضعاف اضعاف ما ~~يعلمه وإن كل ما يعلم انه حق لا تطاوعه نفسه على غرادته ولو اراده لعجز عن ~~كثير منه فهو مضطر كل وقت إلى هداية تتعلق بالماضي وبالحال والمستقبل أما ~~الماضي فهو محتاج إلى محاسبة نفسه عليه وهل وقع على السداد فيشكر الله عليه ~~ويستديمه أم خرج فيه عن الحق فيتوب إلى الله تعالى منه ويتسغفره ويعزم على ~~ان لا يعود وأما الهداية في الحال فهي مطلوبة منه فإنه ابن وقته فيحتاج ان ~~يعلم حكم ما هو متلبس به من الافعال هل هو صواب أم خطأ وأما المستقبل ~~فحاجته في الهداية اظهر ليكون سيره على الطريق وإذا كان هذا شأن الهداية ~~علم ان العبد اشد شيء اضطرارا اليها وان ما يورده بعض الناس من السؤال ~~الفاسد وهي انا إذا كنا مهتدين فأي حاجة بنا ان نسأل الله ان يهدينا وهل ~~هذا الا تحصيل الحاصل افسد سؤال وابعده عن الصواب وهو دليل على ان صاحبه لم ~~يحصل معنى الهداية ولا احاط علما بحقيقتها ومسماها فلذلك تكلف من تكلف ~~الجواب عنه بان المعنى ثبتنا على الهداية وادمها لنا ومن احاط علما بحقية ~~الهداية وحاجة العبد اليها علم ان الذي لم يحصل له منها اضعاف ما حصل له ~~انه كل وقت محتاج إلى هداية متجددة لاسيما والله تعالى خالق افعال القلوب ~~والجوارح فهو كل وقت محتاج ان يخلق الله له هداية PageV01P083 خاصة ثم ان ~~لم يصرف عنه الموانع والصوارف التي تمنع موجب الهداية وتصرفها لم ينتفع ~~بالهداية ولم يتم مقصودها له فإن الحكم لا يكفي فيه وجود مقتضيه بل لا بد ~~مع ذلك من عدم مانعه ومنافيه ومعلوم ان وساوس العبد وخواطره وشهوات الغي في ~~قلبه كل منها مانع وصول اثر الهداية اليه فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتد ~~هدى تاما فحاجاته إلى هداية الله له مقرونة بانفاسه وهي اعظم حاجة للعبد ~~وذكر النبي في الدعاء العظيم القدر ms116 من اوصاف الله وربوبيته ما يناسب ~~المطلوب فان فطر السموات والأرض توسل إلى الله بهذا الوصف في الهداية ~~للفطرة التي ابتدأ الخلق عليها فذكر كونه فاطر السموات والأرض والمطلوب ~~تعليم الحق والتوفيق له فذكر علمه سبحانه بالغيب والشهادة وان من هو بكل ~~شيء عليم جدير ان يطلب منه عبده ان يعلمه ويرشده ويهديه وهو بمنزلة التوسل ~~إلى الغني بغناه وسعة كرمه ان يعطى عبده شيئا من ماله والتوسل إلى الغفور ~~بسعة مغفرته ان يغفر لعبده ويعفوه ان يعفو عنه وبرحمته ان يرحمه ونظائر ذلك ~~وذكر ربوبيته تعالى لجبريل وميكائيل وإسرافيل وهذا والله اعلم لان المطلوب ~~هدى يحيا به القلب وهؤلاء الثلاثة الاملاك قد جعل الله تعالى على ايديهم ~~اسباب حياة العباد اما جبريل فهو صاحب الوحي الذي يوحيه الله إلى الانبياء ~~وهو سبب حياة الدنيا والاخرة واما ميكائيل فهو موكل بالقطر الذي به سبب ~~حياة كل شيء واما إسرافيل فهو الذي ينفخ في الصور فيحيى الله الموتى بنفخته ~~فإذا هم قيام لرب العالمين والهداية لها اربع مراتب وهي مذكورة في القرآن ~~المرتبة الاولى الهداية العامة وهي هداية كل مخلوق من الحيوان والادمي ~~لمصالحه التي بها قام امره قال الله تعالى سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق ~~فسوى والذي قدر فهدى فذكر امورا اربعة الخلق والتسوية والتقدير والهداية ~~فسوى خلقه واتقنه وأحكمه ثم قدر له اسباب مصالحه في معاشه وتقلباته ~~وتصرفاته وهداه اليها والهداية تعليم فذكر انه الذي خلق وعلم كما ذكر نظير ~~ذلك في أول سورة انزلها على رسوله وقد تقدم ذلك وقال تعالى حكاية عن عدوه ~~فرعون انه قال لموسى فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى وهذه المرتبة اسبق مراتب الهداية وأعمها المرتبة الثانية هداية البيان ~~والدلالة التي أقام بها حجته على عباده وهذه لا تستلزم الاهتداء التام قال ~~تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى يعني بينا لهم ودللناهم ~~وعرفناهم فآثروا الضلالة والعمى وقال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم ms117 من ~~مساكنهم وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وهذه ~~المرتبة اخص من الاولى وأعم من الثانية وهي هدى التوفيق والالهام قال الله ~~تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فعم ~~بالدعوة خلقه وخص بالهداية من شاء منهم قال تعالى PageV01P084 إنك لا تهدي ~~من احببت ولكن الله يهدي من يشاء مع قوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم فاثبت ~~هداية الدعوة والبيان ونفي هداية التوفيق والامام وقال النبي في نشهد ~~الحاجة من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وقال تعالى إن تحرص ~~على هداهم فإن الله لايهدي من يضل أي من يضله الله لايهتدي أبدا وهذه ~~الهداية الثالثة هي الهداية الموجبة المستلزمة للاهتداء واما الثانية فشرط ~~لاموجب فلا يستحيل تخلف الهدى عنها بخلاف الثالثة فإن تخلف الهدى عنها ~~مستحيل المرتبة الرابعة الهداية في الاخرة إلى طريق الجنة والنار قال تعالى ~~احشرواالذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط ~~الجحيم واما قول اهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ~~ان هدانا الله فيحتمل ان يكونوا ارادوا الهداية إلى طريق الجنة وأن يكونوا ~~ارادوا الهداية في الدنيا التي اوصلتهم إلى دار النعيم ولو قيل إن كلا ~~الأمرين مراد لهم وانهم حمدوا الله على هدايته لهم في الدنيا وهدايتهم إلى ~~طريق الجنة كان احسن وابلغ وقد ضرب الله تعالى لمن لم يحصل له العلم بالحق ~~واتباعه مثلا مطابقا لحاله فقال تعالى قل اندعو من دون الله مالا ينفعنا ~~ولا يضرنا ونرد على اعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في ~~الأرض حيران له اصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى ~~وأمرنا لنسلم لرب العالمين الوجه السادس والسبعون ان فضيلة الشيء وشرفه ~~يظهر تارة من عموم منفعته وتارة من شدة الحاجة اليه وعدم الاستغناء عن ~~وتارة من ظهور النقص والشر بفقده وتارة من حصول اللذة والسرور والبهجة ~~بوجوده لكونه محبوبا ملائما ms118 فادراكه يعقب غاية اللذة وتارة من كمال الثمرة ~~المترتبة عليه وشرف علته الغائية وافضاله إلى اجل المطالب وهذه الوجوه ~~ونحوها تنشأ وتظهر من متعلقة فإذا كان في نفسه كمالا وشرفا بقطع النظر عن ~~متعلقاته جمع جهات الشرف والفضل في نفسه ومتعلقاته ومعلوم ان هذه الجهات ~~بأسرها حاصلة للعلم فإنه أعم شيء نفعا واكثره وادومه والحاجة اليه فوق ~~الحاجة إلى الغذاء بل فوق الحاجة إلى التنفس إذ غاية مايتصور من فقدهما فقد ~~حياة الجسم وأما فقد العلم ففيه فقد حياة القلب والروح فلا غنى للعبد عنه ~~طرفة عين ولهذا إذا فقد من الشخص كان شرا من الحمير بل كان شرا من الدواب ~~عند الله ولا شيء انقص منه حينئذ وأما حصول اللذة والبهجة بوجوده فلأنه ~~كمال في نفسه وهو ملائم غاية الملاءمة للنفوس فان الجهل مرض ونقص وهو في ~~غاية الايذاء والايلام للنفس ومن لم يشعر بهذه الملاءمة والمنافرة فهو لفقد ~~حسه ونفسه وما لجرح ميت إيلام فحصوله للنفس إدراك منها لغاية محبوبها ~~واتصال به وذلك غاية لذتها وفرحتها وهذا بحسب المعلوم في نفسه ومحبة النفس ~~له ولذتها بقربه والعلوم والمعلومات PageV01P085 متفاوته في ذلك اعظم ~~التفاوت وابينه فليس علم النفوس بفاطرها وباريها ومبدعها ومحبته والتقرب ~~اليه كعلمها بالطبيعة واحوالها وعوارضه وصحتها وفسادها وحركاتها وهذا بتبين ~~بالوجه السابع والسبعين وهو ان شرف العلم تابع لشرف معلومه لوثوق النفس ~~بأدلة وجوده وبراهينه ولشدة الحاجة إلى معرفته وعظم النفع بها ولا ريب ان ~~اجل معلوم وأعظمه واكبره فهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين وقيوم ~~السموات والارضين الملك الحق المبين الموصوف بالكمال كله المنزه عن كل عيب ~~ونقص وعن كل تمثيل وتشبيه في كماله ولا ريب ان العلم به وباسمائه وصفاته ~~وافعاله اجل العلوم وافضلها ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومة إلى سائر ~~المعلومات وكما ان العلم به اجل العلوم واشرفها فهو اصلها كلها كما ان كل ~~موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر اليه في تحقق ذاته ~~وأينيته ms119 وكل علم فهو تابع للعلم به مفتقر في تحقق ذاته اليه فالعلم به اصل ~~كل علم كما انه سبحانه رب كل شيء ومليكه وموجده ولا ريب ان كمال العلم ~~بالسبب التام وكونه سببا يستلزم العلم بمسببه كما ان العلم بالعلة التامة ~~ومعرفة كونها علة يستلزم العلم بمعلوله وكل موجود سوى الله فهو مستند في ~~وجوده اليه استناد المصنوع إلى صانعه والمفعول إلى فاعله فالعلم بذاته ~~سبحانه وصفاته وافعاله يستلزم العلم بما سواه فهو في ذاته رب كل شيء ومليكه ~~والعلم به اصل كل علم ومنشؤه فمن عرف الله عرف ما سواه ومن جهل ربه فهو لما ~~سواه اجهل قال تعالى ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم انفسهم فتأمل هذه ~~الاية تجد تحتها معنى شريفا عظيما وهو ان من نسى ربه انساه ذاته ونفسه فلم ~~يعرف حقيقته ولا مصالحه بل نسى ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده فصار ~~معطلا مهملا بمنزلة الانعام السائبة بل ربما كانت الانعام اخبر بمصالحها ~~منه لبقائها هداها الذي اعطاها إياه خالقها وأما هذا فخرج عن فطرته التي ~~خلق عليها فنسى ربه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكوبه وتسعد به في ~~معاشها ومعادها قال الله تعالى ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ~~وكان امره فرطا فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه امره وقلبه فلا التفات له إلى ~~مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه بل هو مشتت القلب مضيعه مفرط الامر ~~حيران لايهتدي سبيلا والمقصود ان العلم بالله اصل كل علم وهو اصل علم العبد ~~بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها ~~وكمالها وما تزكو به وتفلح به فالعلم به سعادة العبد والجهل به اصل شقاوته ~~يزيده ايضاحا الوجه الثامن والسبعون انه لا شيء اطيب للعبد ولا الذ ولا ~~اهنأ ولا انعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه ودوام ذكره والسعي في ~~مرضاته وهذا هو الكمال الذي لاكمال للعبد بدونه وله خلق الخلق ولاجله نزل ~~الوحي وارسلت الرسل ms120 وقامت السموات والأرض ووجدت الجنة والنار ولاجله شرعت ~~الشرائع PageV01P086 ووضع البيت الحرام ووجب حجه على الناس إقامة لذكره ~~الذي هو من توابع محبته والرضا به وعنه ولاجل هذا امر بالجهاد وضرب اعناق ~~من اباه وآثر غيره عليه وجعل له في الاخرة دار الهوان خالدا مخلدا وعلى هذا ~~الامر العظيم اسست الملة ونصبت القبلة وهو قطب رحى الخلق والامر الذي ~~مدارهما عليه ولاسبيل إلى الدخول إلى ذلك إلا من باب العلم فإن محبة الشيء ~~فرع عن الشعور به واعرف الخلق بالله اشدهم حبا له فكل من عرف الله احبه ومن ~~عرف الدنيا واهلها زهد فيهم فالعلم يفتح هذا الباب العظيم الذي هو سر الخلق ~~والأمر كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الوجه التاسع والسبعون ان اللذة ~~بالمحبوب تضعف وتقوى بحسب قوة الحب وضعفه فكلما كان الحب اقوى كانت اللذة ~~اعظم ولهذا تعظم لذة الظمآن بشرب الماء البارد بحسب شدة طلبه للماء وكذلك ~~الجائع وكذلك من احب شيئا كانت لذته على قدر حبه إياه والحب تابع للعلم ~~بالمحبوب ومعرفة جماله الظاهر والباطن فلذة النظر إلى الله بعد لقائه بحسب ~~قوة حبه وإرادته وذلك بحسب العلم به وبصفات كماله فإذا العلم هو اقرب الطرق ~~إلى اعظم اللذات وسيأتي تقرير هذا فيما بعد ان شاء الله تعالى الوجه ~~الثمانون ان كل ما سوى الله يفتقر إلى العلم لاقوام له بدونه فإن الوجود ~~وجودان وجود الخلق ووجود الامر والخلق والأمر مصدرهما علم الرب وحكمته فكل ~~ماضمه الوجود من خلقه وامره صادر عن علمه وحكمته فما قامت السموات والأرض ~~وما بينهما الا بالعلم ولا بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا بالعلم ولاعبد الله ~~وحده وحمد واثنى عليه ومجد إلا بالعلم ولاعرف الحلال من الحرام إلا بالعلم ~~ولاعرف فضل الاسلام على غيره الا بالعلم واختلف هنا في مسئلة وهي ان العلم ~~صفة فعلية أو انفعالية فقالت طائفة هو صفة فعليه لانه شرط أو جزء وسبب في ~~وجود المفعول فإن الفعل الاختياري يستدعي حياة الفاعل وعلمه وقدرته وإرادته ms121 ~~ولا يتصور وجوده بدون هذه الصفات وقالت طائفة هو انفعالي فإنه تابع للمعلوم ~~متعلق به على ما هو عليه فإن العالم يدرك المعلوم على ما هو به فادراكه ~~تابع له فكيف يكون متقدما عليه والصواب ان العلم قسمان علم فعلى وهو علم ~~الفاعل المختار بما يريد ان يفعله فإنه موقوف على ارادته الموقوفة على ~~تصوره المراد وعلمه به فهذا علم قبل الفعل متقدم عليه مؤثر فيه وعلم ~~انفعالي وهو العلم التابع للمعلوم الذي لا تأثير له فيه كعلمنا بوجود ~~الانبياء والامم والملوك وسائر الموجودات فإن هذا العلم لا يؤثر في المعلوم ~~ولا هو شرط فيه فكل من الطائفتين نظرت جزئيا وحكمت كليا وهذا موضع يغلط فيه ~~كثير من الناس وكلا القسمين من العلم صفة كمال وعدمه من اعظم النقص يوضحه ~~الوجه الحادي والثمانون ان فضيلة الشيء تعرف بضده فالضد يظهر حسنه الضد ~~وبضدها نتبين الاشياء ولا ريب ان الجهل اصل كل فساد وكل ضرر يلحق العبد في ~~دنياه واخراه فهو نتيجة PageV01P087 الجهل والا فمع العلم التام بان هذا ~~الطعام مثلا مسموم من اكله قطع امعاءه في وقت معين لا يقدم على اكله وان ~~قدر انه قدم عليه لغلبة جوع أو استعجال وفاة فهو لعلمه بموافقة اكله ~~لمقصوده الذي هو احب اليه من العذاب بالجوع أو بغيره وهنا اختلف في مسئلة ~~عظيمة وهي ان العلم هل يستلزم الاهتداء ولا يتخلف عنه الهدى إلا لعدم العلم ~~اونقصه والا فمع المعرفة الجازمة لا يتصور الضلال وانه لا يستلزم الهدى فقد ~~يكون الرجل عالما وهو ضال على عمد هذا مما اختلف فيه المتكلمون وارباب ~~السلوك وغيرهم فقالت فرقة من عرف الحق معرفة لا يشك فيها استحال ان لا ~~يهتدي وحيث ضل فلنقصان علمه واحتجوا من النصوص بقوله تعالى لكن الراسخون في ~~العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل اليك وما انزل من قبلك فشهد تعالى ~~لكل راسخ في العلم بالايمان وبقوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~وبقوله تعالى ويرى الذين اوتوا العلم الذي ms122 انزل اليك من ربك هو الحق وبقوله ~~تعالى شهد الله انه لا إله الا هو والملائكة واولو العلم وبقوله تعالى افمن ~~يعلم انما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمى قسم الناس قسمين احدهما ~~العلماء بان ما انزل اليه من ربه هوالحق والثاني العمى فدل على انه لا ~~واسطة بينهما وبقوله تعالى في وصف الكفار صم بكم عمي فهم لا يعقلون وبقوله ~~وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون وبقوله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة وهذه مدارك العلم الثلاث قد فسدت عليهم وكذلك ~~قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون وقوله واضله ~~الله على علم قال سعيد بن جبير على علمه تعالى فيه قال الزجاج أي على ما ~~سبق في علمه تعالى انه ضال قبل ان يخلقه وختم على سمعه أي طبع عليه فلم ~~يسمع الهدى وعلى قلبه فلم يعقل الهدى وعلى بصره غشاوة فلا يبصر اسباب الهدى ~~وهذا في القرآن كثير مما يبين فيه منافاة الضلال للعلم ومنه قوله تعالى ~~ومنهم من يستمع اليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا اللذين اوتو العلم ماذا ~~قال آنفا اولئك الذين طبع الله على قلوبهم فلو كانوا علموا ما قال الرسل لم ~~يسألوا اهل العلم ماذا قال ولما كان مطبوعا على قلوبهم وقال تعالى @QB@ ~~والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات @QE@ وقال تعالى قل آمنوا به أولا ~~تؤمنوا أن الذين اوتو العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا فهذه شهادة من الله تعالى ~~لاولى العلم بالايمان به وبكلامه وقال تعالى عن اهل النار وقالوا لو كنا ~~نسمع اونعقل ما كنا في اصحاب السعير فدل على ان اهل الضلال لاسمع لهم ولا ~~عقل وقال تعالى @QB@ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ~~@QE@ اخبر تعالى أنه لا PageV01P088 يعقل ms123 امثاله الا العالمون والكفار لا ~~يدخلون في مسمى العالمين فهم لا يعقلونها وقال تعالى @QB@ بل اتبع الذين ~~ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال ~~الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ~~هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ ولو كان الضلال بجامع العلم ~~لكان الذين لا يعلمون احسن حالا من الذين يعلمون والنص بخلافه والقرآن ~~مملوء بسلب العلم والمعرفة عن الكفار فتارة يصفهم بانهم لايعلمون وتارة ~~بأنهم لا يعقلون وتارة بانهم لا يشعرون وتارة بانهم لا يفقهون وتارة بأنهم ~~لا يسمعون والمراد بالسمع المنفي سمع الفهم وهو سمع القلب لا إدراك الصوت ~~وتارة بأنهم لا يبصرون فدل ذلك كله على ان الكفر مستلزم للجهل مناف للعلم ~~لا يجامعه ولهذا يصف سحبانه الكفار بانهم جاهلون كقوله تعالى وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقوله تعالى ~~وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم ~~لانبتغي الجاهلين وقوله تعالى خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين وقال ~~النبي لما بلغ قومه من اذاه ذلك المبلغ اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون ~~وفي الصحيحين عنه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فدل على ان الفقه ~~مستلزم لارادة الله الخير في العبد ولا يقال الحديث دل على ان من اراد الله ~~به خيرا فقهه في الدين ولا يدل على ان كل من فقهه في الدين فقد اراد به ~~خيرا وبينهما فرق ودليلكم انما يتم بالتقدير الثاني والحديث لا يقتضيه لانا ~~نقول النبي جعل الفقه في الدين دليلا وعلامة على ارادة الله بصاحبه خيرا ~~والدليل يستلزم المدلول ولا يتخلف عنه فإن المدلول لازمه ووجود الملزوم ~~بدون لازمه محال وفي الترمذي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم # خصلتان لا يجتمعان في منافق حسن سمت وفقه في الدين فجعل الفقه في الدين ~~منافيا للنفاق بل لم يكن السلف يطلقون اسم الفقه الاعلى العلم الذي يصحبه ~~العمل ms124 كما سئل سعد بن إبراهيم عن افقه اهل المدينة قال اتقاهم وسال فرقد ~~السنجي الحسن البصري عن شيء فاجابه فقال إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن ~~ثكلتك امك فريقد وهل رأيت بعينيك فقيها إنما الفقيه الزاهد في الدنيا ~~الراغب في الاخرة البصيربدينه المداوم على عبادة ربه الذي لا يهمز من فوقه ~~ولا يسخر بمن دونه ولا يبتغى على علم علمه الله تعالى اجرا وقال بعض السلف ~~ان الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم مكر الله ولم يدع ~~القرآن رغبة عنه إلى ماسواه وقال ابن مسعود رضى الله عنه كفى بخشية الله ~~علما وبالاغترار بالله جهلا قالوا فهذا القرآن والسنة واطلاق السلف من ~~الصحابة والتابعين يدل على ان العلم والمعرفة مستلزم للهداية وان عدم ~~الهداية دليل على الجهل وعدم العلم قالوا ويدل عليه ان الانسان ما دام عقله ~~معه لا يؤثر هلاك PageV01P089 نفسه على نجاتها وعذابها العظيم الدائم على ~~نعيمها المقيم والحسن شاهد بذلك ولهذا وصف الله سبحانه اهل معصيته بالجهل ~~في قوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون ~~من قريب فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما قال سفيان الثوري كل ~~من عمل ذنبا من خلق الله فهو جاهل كان جاهلا اوعالما ان كان عالما فمن اجهل ~~منه وان كان لا يعلم فمثل ذلك وقوله ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله ~~عليهم وكان الله عليما حكيما قال قبل الموت وقال ابن عباس رضى الله عنهما ~~ذنب المؤمن جهل منه قال فتادة اجمع اصحاب رسول الله ان كل شيء عصى الله فيه ~~فهو جهالة وقال السدى كل من عصى الله فهو جاهل قالوا ويدل على صحة هذا ان ~~مع كمال العلم لاتصدر المعصية من العبد فإنه لو رأى صبيا يتطلع عليه من كوة ~~لم تتحرك جوارحه لمواقعة الفاحشة فكيف يقع منه حال كمال العلم بنظر الله ~~اليه ورؤيته له وعقابه على الذنب وتحريمه له وسوء عاقبته فلا بد من غفلة ~~القلب ms125 على هذا العلم وغيبته عنه فحينئذ يكون وقومه في المعصية صادرا عن جهل ~~وغفلة ونسيان مضاد للعلم والذنب محفوف بجهلين جهل بحقيقة الاسباب الصارفة ~~عنه وجهل بحقيقة المفسدة المترتبة عليه وكل واحد من الجهلين تحته جهالات ~~كثيرة فما عصى الله إلا بالجهل وما اطيع الا بالعلم فهذا بعض ما احتجت به ~~هذه الطائفة وقالت الطائفة الاخرى العلم لا يستلزم الهداية وكثيرا ما يكون ~~الضلال عن عمد وعلم لا يشك صاحبه فيه بل يؤثر الضلال والكفر وهو عالم بقبحه ~~ومفسدته قالوا وهذا شيخ الضلال وداعي الكفر وإمام الفجرة إبليس عدو الله قد ~~علم امر الله له بالسجود لادم ولم يشك فيه فخالفه وعاند الامر وباء بلعنة ~~الله وعذابه الدائم مع علمه بذلك ومعرفته به واقسم له بعزته انه يغوى خلقه ~~اجمعين الاعباده منهم المخلصين فكان غير شاك في الله وفي وحدانيته وفي ~~البعث الآخر وفي الجنة والنار ومع ذلك اختار الخلود في النار واحتمال لعنة ~~الله وغضبه وطرده من سمائه وجنته عن علم بذلك ومعرفة لم يحصل لكثير من ~~الناس ولهذا قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون وهذا اعتراف منه بالبعث وقرار ~~به وقد علم قسم ربه ليملأن جهنم منه ومن اتباعه فكان كفره كفر عناد محض لا ~~كفر جهل وقال تعالى إخبارا عن قوم ثمود وأما ثمود فهدينهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى يعني بينا لهم وعرفناهم فعرفوا الحق وتيقنوه وآثروا العمى عليه ~~فكان كفر هؤلاء عن جهل وقال تعالى حاكيا عن موسى إنه قال لفرعون لقد علمت ~~ما انزل هؤلاء الا رب السموات والأرض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا أي ~~هالكا على قراءة من فتح التاء وهي قراءة الجمهور وضمها الكسائي وحده وقراءة ~~الجمهور احسن واوضح وافخم معنى وبها تقوم الدلالة ويتم الالزام بتحقق كفر ~~فرعون وعناده ويشهد PageV01P090 لها قوله تعالى إخبارا عنه وعن قومه فلما ~~جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما ~~وعلوا فانظر كيف كان عقابة المفسدين فاخبر سبحانه ان تكذيبهم وكفرهم ms126 كان عن ~~يقين وهو اقوى العلم ظلما منهم وعلوا لا جهلا وقال تعالى لرسوله @QB@ قد ~~نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون @QE@ يعني انهم قد عرفوا صدقك وانك غير كاذب فيما تقول ولكن عاندوا ~~وجحدوا بالمعرفة قاله ابن عباس رضى الله عنهما والمفسرون قال قتادة يعلمون ~~انك رسول ولكن يجحدون قال تعالى وجحدوا بها واستقينتها انفسهم ظلماوعلوا ~~وقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل ~~الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون @QE@ يعني تكفرون ~~بالقرآن وبمن جاء به وأنتم تشهدون بصحته وبانه الحق فكفركم كفر عناد وجحود ~~عن علم وشهود لاعن جهل وخفاء وقال تعالى عن السحرة من اليهود ولقد علموا ~~لمن اشتراه ماله في الاخرة من خلاق أي علموا من اخذ السحر وقبله لا نصيب له ~~في الاخرة ومع هذا العلم والمعرفة فهم يشترونه ويقبلونه ويتلعمونه وقال ~~تعالى الذين آتياناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم ذكر هذه المعرفة ~~عن اهل الكتاب في القبلة كما في سورة البقرة وفي التوحيد كقوله في الانعام ~~ائنكم لتشهدون انالله آلهة اخرى قل لا اشهد قل إنما هو إله واحد وانني بريء ~~مما تشركون الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وفي الكتاب ~~انه منزل من عند الله لقوله تعالى @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق @QE@ وقال تعالى @QB@ كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين ~~@QE@ قال ابن عباس رضى الله عنهما هم قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا ~~بالنبي بعد ان كانوا قبل مبعثه مؤمنين به وشهدوا له بالنبوة وإنما كفروا ~~بغيا وحسدا قال الزجاج اعلم الله عز وجل انه لاجهة لهدايتهم لانهم قد ~~استحقوا ان يضلوا بكفرهم لانهم كفروا بعد البينات ومعنى كيف يهديهم أي انه ~~لا يهديهم لان القوم عرفوا الحق وشهدوا به وتيقنوه وكفروا عمدا فمن اين ~~تأتيهم الهداية فإن الذي ترتجى هدايته من ms127 كان ضالا ولا يدرى انه ضال بل يظن ~~انه على هدى فإذا عرف الهدى اهتدى وأما من عرف الحق وتيقنه وشهد به قلبه ثم ~~اختار الكفر والضلال عليه فكيف يهدي الله مثل هذا وقال تعالى عن اليهود ~~@QB@ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين @QE@ ثم قال ~~@QB@ بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من ~~فضله على من يشاء من عباده @QE@ قال ابن عباس رضى الله عنهما لم يكن كفرهم ~~شكا ولا اشتباها ولكن بغيا منهم حيث صارت النبوة في ولد اسماعيل ثم قال بعد ~~ذلك @QB@ ولما جاءهم رسول @QE@ PageV01P091 من عند الله مصدق لمامعهم نبذ ~~فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كانهم لا يعلمون فلما ~~شبههم في فعلهم هذا بمن لا يعلم دل على انهم بنذوه عن علم كفعل من لا يعلم ~~تقول إذا خاطبت من عصاك عمدا كانك لم تعلم ما فعلت أو كانك لم تعلم بنهي ~~إياك ومنه على أحد القولين قوله تعالى @QB@ فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون @QE@ قال السدى يعنى ~~محمدا واختاره الزجاج فقال يعرفون أن امر محمد حق ثم ينكرون ذلك وأول الاية ~~يشهد لهذا القول وقال تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ~~فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد إلى الأرض ~~واتبع هواه فمثله كمثل الكلب قالوا فهل بعد هذه الاية بيان فإن هذا آتاه ~~الله آياته فانسلخ منها وآثر الضلال والغي وقصته معروفة حتى قيل إنه كان ~~اوتى الاسم الاعظم ومع هذا فلم ينفعه علمه وكان من الغاوين فلو استلزم ~~العلم والمعرفة الهداية لاستلزمه في حق هذا وقال تعالى @QB@ وعادا وثمود ~~وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا ~~مستبصرين @QE@ وهذا يدل على ان قولهم @QB@ يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن ~~بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين @QE@ إما بهت منهم ms128 وجحود وإما ~~نفي لايات الاقتراح والعنت ولا يجب الاتيان بها وقد وصف سبحانه ثمود بانها ~~كفرت عن علم وبصيرة بالحق ولهذا قال @QB@ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها @QE@ يعني بينة مضيئة وهذا كقوله تعالى @QB@ وجعلنا آية النهار مبصرة ~~@QE@ أي مضيئة وحقيقة اللفظ انها تجعل من رآها مبصرا فهي توجب له البصر ~~فتبصره أي تجعله ذا بصر فهي موضحة مبينة يقال بصر به إذا رآه كقوله تعالى ~~@QB@ فبصرت به عن جنب @QE@ وقوله @QB@ بصرت بما لم يبصروا به @QE@ واما ~~ابصره فله معنيان احدهما جعله باصرا بالشيء أي ذا بصر به كاية النهار وآية ~~ثمود والثاني بمعنى رآه كقولك ابصرت زيدا وفي حديث أبي شريح العدوى احدثك ~~قولا قال به رسول الله يوم الفتح فسمعته أذناي ووعاه قلبي وابصرته عيناي ~~حين تكلم به ومنه قوله تعالى فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوق يبصرون قيل ~~المعنى ابصرهم وما يقضى عليهم من الاسر والقتل والعذاب في الاخرة فسوف ~~يبصرونك وما يقضى لك من النصر والتأييد وحسن العاقبة والمراد تقريب المبصر ~~من المخاطب حتى كانه نصب عينيه ورأى ناظريه والمقصود ان الاية اوجبت لهم ~~البصيرة فآثروا الضلال والكفر عن علم ويقين ولهذا والله اعلم ذكر قصتهم من ~~بين قصص سائر الامم في سورة والشمس وضحاها لانه ذكر فيها انقسام النفوس إلى ~~الزكية الراشدة المهتدية والى الفاجرة الضالة الغاوية وذكر فيها الاصلين ~~القدر والشرع فقال @QB@ فألهمها فجورها @QE@ PageV01P092 @QB@ وتقواها @QE@ ~~فهذا قدره وقضاؤه ثم قال @QB@ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها @QE@ فهذا ~~امره ودينه وثمود هداهم فاستحبوا العمى على الهدى فذكر قصتهم ليبين سوء ~~عاقبة منمن آثر الفجور على التقوى والتدسية على التزكية والله اعلم بما ~~أراد قالوا ويكفى في هذا اخباره تعالى عن الكفار انهم يقولون بعد ما عاينوا ~~العذاب ووردوا القيامة وراوا ما اخبرت به الرسل يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لمانهوا عنه وإنهم لكاذبون فأبي علم ابين من ms129 علم من ورد القيامة ~~ورأى ما فيها وذاق عذاب الاخرة ثم ورد إلى الدنيا لاختار الضلال على الهدى ~~ولم ينفعه ما قد عاينه ورآه وقال تعالى ولو اننا نزلنا اليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ماكانوا ليؤمنوا الا ان يشاء الله ~~ولكن اكثرهم يجهلون فهل بعد نزول الملائكة عيانا وتكليم الموتى لهم ~~وشهادتهم للرسول بالصدق وحشر كل شيء في الدنيا عليهم من بيان وإيضاح للحق ~~وهدى ومع هذا فلا يؤمنون ولا ينقادون للحق ولا يصدقون الرسول ومن نظر في ~~سيرة رسول الله مع قومه ومع اليهود علم انهم كانوا جازمين بصدقه لا يشكون ~~انه صادق في قوله انه رسول الله ولكن اختاروا الضلال والكفر على الايمان ~~قال المسور بن مخرمة رضى الله عنه لابي جهل وكان خاله أي خال هل كنتم ~~تتهمون محمدا بالكذب قبل ان يقول مقالته التي قالها قال أبو جهل لعنه الله ~~تعالى يا ابن اخي والله لقد كان محمد فينا وهو شاب يدعى الامين ما جربنا ~~عليه كذبا قط فلما وخطه الشيب لم يكن ليكذب على الله قال يا خال فلم لا ~~تتبعونه قال يا ابن اخي تنازعنا نحن بنو هاشم الشرف فاطعموا وأطعمنا وسقوا ~~وسقينا وأجاروا وأجرنا فلم تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا ~~نبي فمتى ندرك هذه وهذا امية بن أبي الصلت كان ينتظره يوما بيوم وعلمه عنده ~~قبل مبعثه وقصته مع أبي سفيان لما سافرا معا معروفة واخباره برسول الله ثم ~~لما تيقنه وعرف صدقه قال لا اومن بنبي من غير ثقيف ابدا وهذا هرقل تيقن انه ~~رسول الله ولم يشك فيه وآثر الضلال والكفر استبقاء لملكه ولما سأله اليهود ~~عن التسع آيات البيانات فاخبرهم بها قبلوا يده وقالوا نشهد انك نبي قال فما ~~يمنعكم ان تتبعوني قالوا إن داود عليه السلام دعا ان لا يزال في ذريته نبي ~~وإنا نخشى أن اتبعناك ان تقتلنا يهود فهؤلاء قد تحققوا نبوته وشهدوا له بها ~~ومع هذا فآثروا الكفر والضلال ms130 ولم يصيروا مسلمين بهذه الشهادة فقيل لا يصير ~~الكافر مسلما بمجرد شهادة ان محمدا رسول الله حتى يشهد لله بالوحدانية وقيل ~~يصير بذلك مسلما وقيل إن كان كفره بتكذيب الرسول كاليهود صار مسلما بذلك ~~وإن كان كفره بالشرك مع ذلك لم يصر مسلما إلا بالشهادة بالتوحيد ~~PageV01P093 كالنصارى والمشركين وهذه الاقوال الثلاثة في مذهب الامام أحمد ~~وغيره وعلى هذا فانما لم يحكم لهؤلاء اليهود الذين شهدوا له بالرسالة بحكم ~~الاسلام لان مجرد الاقرار والاخبار بصحة رسالته لا يوجب الاسلام إلا ان ~~يلزم طاعته ومتابعته وإلا فلو قال انا اعلم انه نبي ولكن لا اتبعه ولا ادين ~~بدينه كان من اكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم وهذا متفق عليه بين ~~الصحابة والتابعين وائمة السنة ان الايمان لا يكفي في قول اللسان بمجرده ~~ولا معرفة القلب مع ذلك بل لا بد فيه من عمل القلب وهو حبه لله ورسوله ~~وانقياده لدينه والتزامه طاعته ومتابعة رسوله وهذا خلاف من زعم ان الايمان ~~هو مجرد معرفة القلب واقراره وفيما تقدم كفاية في إبطال هذه المقالة ومن ~~قال ان الايمان هو مجرد اعتقاد صدق الرسول فيما جاء به وإن لم يلتزم ~~متابعته وعاداه وابغضه وقاتله لزمه ان يكون هؤلاء كلهم مؤمنين وهذا إلزام ~~لامحيد عنه ولهذا اضطرب هؤلاء في الجواب عن ذلك لما ورد عليهم وأجابوا بما ~~يستحي العاقل من قوله كقول بعضهم إن إبليس كان مستهزئا ولم يكن يقر بوجود ~~الله ولا بأن الله ربه وخالقه ولم يكن يعرف ذلك وكذلك فرعون وقومه لم ~~يكونوا يعرفون صحة نبوة موسى ولا يعتقدون وجود الصانع وهذه فضائح نعوذ ~~بالله من الوقوع في أمثالها ونصرة المقالات وتقليد اربابها تحمل على أكثر ~~من هذا ونعوذ بالله من الخذلان قالوا وقد بين القرآن ان الكفر اقسام احدها ~~كفر صادر عن جهل وضلال وتقليد الاسلاف وهو كفر أكثر الاتباع والعوام الثاني ~~كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق ككفر من تقدم ذكره وغالب ما يقع هذا النوع ~~فيمن له رياسة علمية في ms131 قومه من الكفار أو رياسة سلطانية أو من له ماكل ~~واموال في قومه فيخاف هذا على رياسته وهذا على ماله ومأكله فيؤثر الكفر على ~~الايمان عمدا الثالث كفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول ولا يحبه ~~ولا يبغضه ولا يواليه ولا يعاديه بل هو معرض عن متابعته ومعاداته وهذان ~~القسمان أكثر المتكلمين ينكرونهما ولا يثبتون من الكفر إلا الاول ويجعلون ~~الثاني والثالث كفرا لدلالاته على الاول لا لأنه في ذاته كفر فليس عندهم ~~الكفر إلا مجرد الجهل ومن تأمل القرآن والسنة وسير الانبياء في أممهم ~~ودعوتهم لهم وما جرى لهم معهم جزم بخطأ اهل الكلام فيما قالوه وعلم ان عامة ~~كفر الامم عن تيقن وعلم ومعرفة بصدق انبيائهم وصحة دعواهم وما جاؤا به وهذا ~~القرآن مملوء من الاخبار عن المشركين عباد الاصنام انهم كانوا يقرون بالله ~~وانه هو وحده ربهم وخالقهم وأن الأرض وما فيها له وحده وأنه رب السموات ~~السبع ورب العرش العظيم وانه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ~~وأنه هو الذي سخر الشمس والقمر وانزل المطر واخرج النبات والقرآن منادعليهم ~~بذلك محتج بما أقروا به من ذلك على صحة ما دعتهم اليه رسله PageV01P094 ~~فكيف يقال ان القوم لم يكونوا مقرين قط بان لهم ربا وخالقا وهذا بهتان عظيم ~~فالكفر امر وراء مجرد الجهل بل الكفر الاغلظ هو ما انكره هؤلاء وزعموا انه ~~ليس بكفر قالوا والقلب عليه واجبان لا يصيره مؤمنا الا بهما جميعا واجب ~~المعرفة والعلم وواجب الحب والانقياد والاستسلام فكما لا يكون مؤمنا إذا لم ~~يأت بواجب العلم والاعتقاد لا يكون مؤمنا إذا لم يأت بواجب الحب والانقياد ~~والاستسلام بل إذا ترك هذا الواجب مع علمه ومعرفته به كان اعظم كفرا وابعد ~~عن الايمان من الكافر جهلا فإن الجاهل إذا عرف وعلم فهو قريب إلى الانقياد ~~والاتباع وأما المعاند فلا دواء فيه قال تعالى @QB@ كيف يهدي الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي ms132 القوم ~~الظالمين @QE@ قالوا فحب الله ورسوله بل كون الله ورسوله احب إلى العبد من ~~سواهما لا يكون العبد مسلما الا به ولا ريب ان الحب امر وراء العلم فما كل ~~من عرف الرسول احبه كما تقدم قالوا وهذا لحاسد يحمله بغض المحسود على ~~معاداته والسعي في اذاه بكل ممكن مع علمه بفضله وعلمه وانه لا شيء فيه يوجب ~~عداوته إلا محاسنه وفضائله ولهذا قيل الحاسد عدو للنعم والمكارم فالحاسد لم ~~يحمله على معاداة المحسود جهله بفضله وكماله وإنما حمله على ذلك إفساد قصده ~~وإرادته كما هي حال الرسل وورثتهم مع الرؤساء الذين سلبهم الرسل ووارثوهم ~~رئاستهم الباطلة فعادوهم وصدوا النفوس عن متابعتهم ظنا ان الرياسة تبقى لهم ~~وينفردون بها وسنة الله في هؤلاء ان يسلبهم رياسة الدنيا والاخرة ويصغرهم ~~في عيون الخلق مقابلة لهم بنقيض قصدهم @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ فهذا ~~موارد احتجاج الفريقين وموقف اقدام الطائفتين فاجلس ايها المنصف منهما مجلس ~~الحكومة وتوخ بعلمك وعدلك فصل هذه الخصومة فقد ادلى كل منهما بحجج لا تعارض ~~ولاتمانع وجاء ببينات لا ترد ولا تدافع فهل عندك شيء غير هذا يحصل به فصل ~~الخطاب وينكشف به لطالب الحق وجه الصواب فيرضى الطائفتين ويزول به الاختلاف ~~من البين وإلا فخل المطي وحاديها واعط النفوس باريها # دع الهوى لأناس يعرفون به % قد كابدوا الحب حتى لان اصعبه # ومن عرف قدره وعرف لذي الفضل فضله فقد قرع باب التوفيق والله الفتاح ~~العليم فنقول وبالله التوفيق # كلا الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم ولا عدلت عن سنن الحق وإنما ~~الاختلاف والتباين بينهما من عدم التوارد على محل واحد ومن اطلاق الفاظ ~~مجملة بتفصيل معانيها يزول الاختلاف ويظهر ان كل طائفة موافقة الاخرى على ~~نفس قولها وبيان هذا ان المقتضى قسمان PageV01P095 مقتض لا يتخلف عنه موجبه ~~ومقتضاه لقصوره في نفسه بل يستلزمه استلزام العلة التامة لمعلولها ومقتض ~~غير تام يتخلف عنه مقتضاه لقصوره في نفسه عن التمام أو لفوات شرط اقتضائه ~~أو قيام مانع منع تأثيره فان ms133 اريد بكون العلم مقتضيا للاهتداء والاقتضاء ~~التام الذي لا يتخلف عنه اثره بل يلزمه الاهتداء بالفعل فالصواب قول ~~الطائفة الثانية وإنه لا يلزم من العلم حصول الاهتداء المطلوب وإن اريد ~~بكونه موجبا انه صالح للاهتداء مقتض له وقد يتخلف عنه مقتضاه لقصوره أو ~~فوات شرط أو قيام مانع فالصواب قول الطائفة الاولى وتفصيل هذه الجملة ان ~~العلم بكون الشيء سببا لمصلحة العبد ولذاته وسروره قد يتخلف عنه عمله ~~بمقتضاه لاسباب عديدة السبب الاول ضعف معرفته بذلك السبب الثاني عدم ~~الاهلية وقد تكون معرفته به تامة لكن يكون مشروطا بزكاة المحل وقبوله ~~للتزكية فإذا كان المحل غير زكي ولا قابل للتزكية كان كالأرض الصلدة التي ~~لا تخالطها الماء فإنه يمتنع النبات منها لعدم اهليتها وقبولها فإذا كان ~~القلب قاسيا حجريا لا يقبل تزكية ولا تؤثر فيه النصائح لم ينتفع بكل علم ~~يعلمه كما لا تنبت الأرض الصلبة ولو اصابها كل مطر وبذر فيها كل بذر كما ~~قال تعالى في هذا الصنف من الناس @QB@ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا ~~يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم @QE@ وقال تعالى ولو اننا ~~نزلنا اليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ماكانوا ~~ليؤمنوا إلا ان يشاء الله وقال تعالى قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما ~~تغنى الايات والنذر عن قوم لا يؤمنون وهذا في القرآن كثير فإذا كان القلب ~~قاسيا غليظا جافيا لا يعمل فيه العلم شيئاوكذلك إذا كان مريضا مهينا مائيا ~~لا صلابة فيه ولا قوة ولا عزيمة لم يؤثر فيه العلم السبب الثالث قيام مانع ~~وهو إما حسد أو كبر وذلك مانع إبليس من الانقياد للأمر وهو داء الاولين ~~والاخرين الا من عصم الله وبه تخلف الايمان عن اليهود الذين شاهدوا رسول ~~الله وعرفوا صحة نبوته ومن جرى مجراهم وهو الذيمنع عبد الله بن أبي من ~~الايمان وبه تخلف الايمان عن أبي جهل وسائر المشركين فانهم لم يكونوا ~~يرتابون في صدقه وان الحق معه لكن حملهم ms134 الكبر والحسد على الكفر وبه تخلف ~~الايمان عن امية واضرابه ممن كان عنده علم بنبوة محمد السبب الرابع مانع ~~الرياسة والملك وان لم يقم بصاحبه حسد ولا تكبر عن الانقياد للحق لكن لا ~~يمكنه ان يجتمع له الانقياد وملكه ورياسته فيضن بملكه ورياسته كحال هرقل ~~واضرابه من ملوك الكفار الذين علموا نبوته وصدقه واقروا بها باطنا واحبوا ~~الدخول في دينه لكن خافوا على ملكهم وهذا داء ارباب الملك والولاية ~~والرياسة وقل من نجا منه الا من عصم الله وهو داء فرعون وقومه ولهذا قالوا ~~@QB@ أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون @QE@ انفوا ان يؤمنوا ويتبعوا ~~PageV01P096 موسى وهرون وينقادوا لهما وبنو إسرائيل عبيد لهم ولهذا قيل ان ~~فرعون لما اراد متابعة موسى وتصديقه شاور هامان وزيره فقال بينا انت اله ~~تعبد تصير عبدا تعبد غيرك فأبى العبودية واختار الرياسة والالهية المحال ~~السبب الخامس مانع الشهوة والمال وهو الذي منع كثيرا من اهل الكتاب من ~~الايمان خوفا من بطلان مأكلهم وأموالهم التي تصير اليهم من قومهم وقد كانت ~~كفار قريش يصدون الرجل عن الايمان بحسب شهوته فيدخلون عليه منها فكانوا ~~يقولون لمن يحب الزنا ان محمدا يحرم الزنا ويحرم الخمر وبه صدوا الاعشى ~~الشاعر عن الاسلام وقد فاوضت غير واحد من اهل الكتاب في الاسلام وصحته فكان ~~آخر ما كلمني به احدهم انا لا أترك الخمر واشربها امنا فإذا اسلمت حلتم ~~بيني وبينها وجلدتموني على شربها وقال آخر منهم بعد ان عرف ما قلت له لي ~~اقارب ارباب اموال وإني ان اسلمت لم يصل الي منها شيء وانا اؤمل ان ارثهم ~~أو كما قال ولا ريب ان هذا القدر في نفوس خلق كثير من الكفار فتتفق قوة ~~داعي الشهوة والمال وضعف داعي الايمان فيجيب داعي الشهوة والمال ويقول لا ~~أرغب بنفسي عن آبائي وسلفي السبب السادس محبة الاهل والاقارب والعشيرة يرى ~~انه اذا اتبع الحق وخالفهم ابعدوه وطردوه عنهم واخرجوه من بين اظهرهم وهذا ~~سبب بقاء خلف كثير على الكفر بين قومهم واهاليهم ms135 وعشائرهم السبب السابع ~~محبة الدار والوطن وان لم يكن له بها عشيرة ولا اقارب لكن يرى ان في متابعة ~~الرسول خروجه عن داره ووطنه إلى دار الغربة والنوى فيضن بوطنه السبب الثامن ~~تخيل ان في الاسلام ومتابعة الرسول إزراء وطعنا منه على آبائه وأجداده وذما ~~لهم وهذا هو الذي منع أبا طالب وامثاله عن الاسلام استعظموا آباءهم ~~واجدادهم ان يشهدوا عليهم بالكفر والضلال وان يختاروا خلاف ما اختار اولئك ~~لانفسهم ورأوا انهم ان اسلموا سفهوا احلام اولئك وضللوا عقولهم ورموهم ~~باقبح القبائح وهو الكفر والشرك ولهذا قال اعداء الله لابي طالب عند الموت ~~ترغب عن ملة عبد المطلب فكان آخر ما كلمهم به هو على ملة عبد المطلب فلم ~~يدعه اعداء الله الا من هذا الباب لعلمهم بتعظيمه اباه عبد المطلب وانه ~~انما حاز الفخر والشرف به فكيف يأتي امرا يلزم منه غاية تنقيصه وذمه ولهذا ~~قال لولا ان تكون مسبة على بني عبد المطلب لا قررت بها عينك أو كما قال ~~وهذا شعره يصرح فيه بأنه قد علم وتحقق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه ~~كقوله : # ولقد علمت بان دين محمد % من خير اديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار ~~مسبة % لوجدتني سمحا بذاك مبينا PageV01P097 وفي قصيدته اللامية # فو الله لولا ان تكون مسبة % تجر على اشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه ~~على كل حاله % من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا ان ابتنالا مكذب % ~~لدينا ولايعني بقول إلا باطل % # والمسبة التي زعم انها تجر على اشياخه شهادته عليهم بالكفر والضلال ~~وتسفيه الاحلام وتضليل العقول فهذا هو الذي منعه من الاسلام بعدتيقنه السبب ~~التاسع متابعة من يعاديه من الناس للرسول وسبقه إلى الدخول في دينه وتخصصه ~~وقربه منه وهذا القدر منع كثيرا من اتباع الهدى يكون للرجل عدو ويبغض مكانه ~~ولا يحب ارضا يمشي عليها ويقصد مخالفته ومناقضته فيراه قد اتبع الحق فيحمله ~~قصد مناقضته ومعاداته على معاداة الحق واهله وان كان لا عداوة بينه وبينهم ~~وهذا كما ms136 جرى لليهود مع الانصار فانهم كانوا اعدائهم وكانوا يتواعدونهم ~~بخروج النبي وانهم يتبعونه ويقاتلونهم معه فلما بدرهم اليه الانصار واسلموا ~~حملهم معاداتهم على البقاء على كفرهم ويهوديتهم السبب العاشر مانع الالف ~~والعادة والمنشأ فإن العادة قد تقوى حتى تغلب حكم الطبيعة ولهذا قيل هي ~~طبيعة ثانية فيربى الرجل على المقالة وينشأ عليها صغيرا فيتربى قلبه ونفسه ~~عليها كما يتربى لحمه وعظمه على الغذاء المعتاد ولا يعقل نفسه الا عليها ثم ~~يأتيه العلم وهلة واحدة يريد إزالتها وإخراجها من قلبه وان يسكن موضعها ~~فيعسر عليه الانتقال ويصعب عليه الزوال وهذا السبب وإن كان اضعف الاسباب ~~معنى فهو اغلبها على الامم وأرباب المقالات والنحل ليس مع اكثرهم بل جميعهم ~~إلا ما عسى ان يشذ الاعادة ومربي تربى عليه طفلا لا يعرف غيرها ولا يحسن به ~~فدين العوايد هو الغالب على أكثر الناس فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة ~~إلى طبيعة ثانية فصلوات الله وسلامه على انبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم ~~وافضلهم محمد كيف غيروا عوائد الامم الباطلة ونقلوهم إلى الايمان حتى ~~استحدثوا به طبيعة ثانية خرجوا بها عن عادتهم وطبيعتهم الفاسدة ولا يعلم ~~مشقة هذا على النفوس الا من زاول نقل رجل واحد عن دينه ومقالته إلى الحق ~~فجزى الله المرسلين افضل ما جزى به احدا من العالمين إذا عرف ان المقتضى ~~نوعان فالهدى المقتضى وحده لا يوجب الاهتداء والهدى التام يوجب الإهتداء ~~فالاول هدى البيان الدلالة والتعليم ولهذا يقال هدى فما اهتدى والثاني هدى ~~البيان والدلالة مع إعطاء التوفيق وخلق الارادة فهذا الهدى الذي يسلتزم ~~الاهتداء ولا يتخلف عنه موجبه فمتى وجد السبب وانتفت الموانع لزم وجود حكمه ~~وههنا دقيقة بها ينفصل النزاع وهي انه هل ينعطف من قيام المانع وعدم الشرط ~~PageV01P098 على المقتضى امر يضعفه في نفسه ويسلبه اقتصاءه وقوته أو ~~الاقتضاء بحاله وإما غلب المانع فكان التاثير له ومثال ذلك في مسئلتنا انه ~~بوجود هذه الموانع المذكورة أو بعضها هل يضعف العلم حتى لا يصير مؤثرا ~~البتة أو العلم بحاله ms137 ولكن المانع بقوته غلب فكان الحكم له هذا سر المسألة ~~وفقهها فأما الاول فلا شك فيه ولكن الشان في القسم الثاني وهو بقاء العلم ~~بحاله والتحقيق ان الموانع تحجبه وتعميه وربما قلبت حقيقته من القلب ~~والقرآن قد دل على هذا قال تعالى @QB@ وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم ~~تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ فعاقبهم سبحانه بازاغة قلوبهم عن الحق لما ~~زاغوا عنه ابتداء ونظيره قوله تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ ولهذا قيل من عرض عليه حق ~~فرده فلم يقبله عوقب بفساد قلبه وعقله ورأيه ومن هنا قيل لا رأي لصاحب هوى ~~فان هواه يحمله على رد الحق فيفسد الله عليه رأيه وعقله قال تعالى @QB@ ~~فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ~~قلوبنا غلف @QE@ اخبر سبحانه ان كفرهم بالحق بعد ان علموه كان سببا لطبع ~~الله على قلوبهم @QB@ بل طبع الله عليها بكفرهم @QE@ حتى صارت غلفا والغلف ~~جمع اغلف وهو القلب الذي قد غشيه غلاف كالسيف الذي في غلافه وكل شيء في ~~غلافه فهو اغلف وجمعه غلف يقال سيف اغلف وقوس غلفاء ورجل اغلف واقلف اذا لم ~~يختن والمعنى قلوبنا عليها غشاوة وغطاء فلا تفقه ما تقول يا محمد ولم تع ~~شيئا من قال ان المعنى انها غلف للعلم والحكمة أي اوعية لها فلا يحتاج إلى ~~قولك ولا تقبله استغناء بما عندهم لوجوه احدها ان غلف جمع اغلف كقلف واقلف ~~وحمر واحمر وجرد واجرد وغلب واغلب ونظائره والاغلف من القلوب هو الداخل في ~~الغلاف هذا هو المعروف من اللغة الثاني انه ليس من الاستعمال السائغ ~~المشهور ان يقال قلب فلان غلاف لكذا وهذا لا يكاد يوجد في شيء من نثر ~~كلامهم ولانظمه ولا نظير له في القرآن فيحمل عليه ولا هو من التشبيه البديع ~~المستحسن فلا يجوز حمل الاية عليه الثالث ان نظير قول هؤلاء ms138 قول الاخرين من ~~الكفار @QB@ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه @QE@ والاكنة هناه هي الغلف ~~التي قلوب هؤلاء فيها والاكنة كالاوعية والاغطية التي تغطى المتاع ومنه ~~الكناية لغلاف السهام الرابع ان سياق الاية لا يحسن مع المعنى الذي ذكروه ~~ولا يحسن مقابلته بقوله @QB@ بل طبع الله عليها بكفرهم @QE@ وإنما يحسن مع ~~هذا المعنى ان يسلب عنهم العلم والحكمة التي ادعوها كما قيل لهم لما ادعوا ~~ذلك @QB@ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا @QE@ وأما هنا فلما ادعوا ان ~~قلوبهم في اغطية واغشية لاتفقه قوله قوبلوا بان عرفهم ان كفرهم ونقضهم ~~ميثاقهم وقتلهم الانبياء كان سببا PageV01P099 لان طبع على قلوبهم ولا ريب ~~ان القلب اذا طبع عليه اظلمت صورة العلم فيه وانطمست وربما ذهب اثرها حتى ~~يصير السبب الذي يهتدي به المهتدون سببا لضلال هذا كما قال تعالى @QB@ يضل ~~به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم ~~الخاسرون @QE@ فاخبر تعالى ان القرآن سبب لضلال هذا الصنف من الناس وهوهداه ~~الذي هدى به رسوله وعباده المؤمنين ولهذا اخبر سبحانه إنه إنما يهتدي به من ~~اتبع رضوان الله قال تعالى @QB@ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين ~~في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون @QE@ ولا شيء اعظم ~~فسادا لمحل العلم من صيرورته بحيث يضل بما يهتدي به فنسبته إلى الهدى ~~والعلم نسبة الفم الذي قد استحكمت فيه المرارة إلى الماء العذب كما قيل : # ومن يك ذا فم مر مريض % يجد مرا به الماء الزلالا واذا فسد القلب فسد ~~إدراكه وإذا فسد الفم فسد إدراكه وكذلك اذا فسدت العين واهل المعرفة من ~~الصيارفة يقولون ان من خاف في نقده نسى النقد وسلبه فاشتبه عليه الخالص ~~بالزغل ومن كلام بعض السلف يهتف العلم بالعمل فان اجابه حل والا ارتحل وقال ms139 ~~بعض السلف كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به فترك العمل بالعلم من اقوى ~~الاسباب في ذهابه ونسيانه وايضا فإن العلم يراد للعمل فإنه يمنزلة الدليل ~~للسائر فإذا لم يسر خلف الدليل لم ينتفع بدلالته فنزل منزلة من لم يعلم ~~شيئا لان من علم ولم يعمل بمنزلة الجاهل الذي لا يعلم كما ان من ملك ذهبا ~~وفضة وجاع وعرى ولم يشتر منها ما يأكل ويلبس فهو بمنزلة الفقير العادم كما ~~قيل : # ومن ترك الانفاق عند احتياجه % مخافة فقر فالذي فعل الفقر والعرب تسمى ~~الفحش والبذاء جهلا اما لكونه ثمرة الجهل فيسمى باسم سببه وموجبه وأما لان ~~الجهل يقال في جانب العلم والعمل قال الشاعر : # الا لا يجهلن أحد علينا % فنجهل فوق جهل الحاهلينا % ومن هذا قول موسى ~~لقومه وقد قالوا @QB@ أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ~~@QE@ فجعل الاستهزاء بالمؤمنين جهلا ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف انه قال ~~@QB@ وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين @QE@ ومن هذا قوله ~~تعالى @QB@ خذ العفو وأمر @QE@ PageV01P100 @QB@ بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~@QE@ ليس المراد أعراضه عمن لا علم عنده فلا يعلمه ولا يرشده وإنما المراد ~~اعراضه عن جهل من جهل عليه فلا يقابله ولا يعاتبه قال مقاتل وعروة والضحاك ~~وغيرهم صن نفسك عن مقابلتهم على سفههم وهذا كثير في كلامهم ومنه الحديث إذا ~~كان صوم احدكم فلا يصخب ولا يجهل ومن هذاتسمية المعصية جهلا قال قتادة اجمع ~~اصحاب محمد ان كل من عصى الله فهو جاهل وليس المراد انه جاهل بالتحريم إذ ~~لو كان جاهلال لم يكن عاصيا فلا يترتب الحد في الدنيا والعقوبة في الاخرة ~~على جاهل بالتحريم بل نفس الذنب يسمى جهلا وإن علم مرتكبه بتحريمه إما انه ~~لا يصدر الا عن ضعف العلم ونقصانه وذلك جهل فسمى باسم سببه وإما تنزيلا ~~لفاعله منزلة الجاهل به الثاني انهم لما ردوا الحق ورغبوا عنه عوقبوا ~~بالطبع والرين وسلب العقل والفهم كما قال تعالى عن المنافقين @QB@ ذلك ~~بأنهم آمنوا ثم كفروا ms140 فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون @QE@ الثالث ان العلم ~~الذي ينتفع به ويستلزم النجاة والفلاح لم يكن حاصلا لهم فسلب عنهم حقيقته ~~والشيء قد ينتفى لنفي ثمرته والمراد منه قال تعالى في ساكن النار فإن له ~~نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيا نفى الحياة لانتفاء فائدتها والمراد منها ~~ويقولون لا مال إلا ما انفق ولا علم إلا ما نفع ولهذا نفى عنه سبحانه عن ~~الكفار الاسماع والابصار والعقول لما لم ينتفعوا بها وقال تعالى @QB@ ~~وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها @QE@ ولما لم يحصل لهم الهدى المطلوب ~~بهذه الحواس كانوا يمنزلة فاقديها قال تعالى @QB@ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ~~@QE@ فالقلب يوصف بالبصر والعمى والسمع والصمم والنطق والبكم بل هذه له ~~اصلا وللعين والاذن واللسان تبعا فإذا عدمها القلب فصاحبه اعمى مفتوح العين ~~اصم ولا آفة باذنه ابكم وإن كان فصيح اللسان قال تعالى فإنها لاتعمى ~~الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فلا تنافي بين قيام الحجة بالعلم ~~وبين سلبه ونفيه بالطبع والختم والقفل على قلوب من لا يعمل بموجب الحجة ~~وينقاد لها قال تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون ~~بالاخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا فأخبر سبحانه انه ~~منعهم فقه كلامه وهو الادراك الذي ينتفع به من فقهه ولم يكن ذلك مانعا لهم ~~من الادراك الذي تقوم به الحجة عليهم فانهم لو لم يفهموه جملة ما ولوا على ~~أدبارهم نفورا عند ذكر توحيد الله فلما ولوا عند ذكر التوحيد دل على انهم ~~كانوا يفهمون الخطاب وان الذي غشى قلوبهم كالذي غشى آذانهم ومعلوم انهم لم ~~يعدموا لاسمع جملة ويصيروا كالاصم ولذلك ms141 PageV01P101 ينفى سبحانه عنهم ~~السمع تارة ويثبته اخرى قال الله تعالى @QB@ ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم @QE@ ومعلوم انهم قد سمعوا القرآن وأمر الرسول باسماعهم إياه وقال ~~تعالى @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ فهذا ~~السمع المنفي عنهم سمع الفهم والفقه والمعنى ولو علم الله فيهم خيرا ~~لاسمعهم سمعا ينتفعون به وهو فقهه المعنى وعقله والا فقد سمعوه سمعا تقوم ~~به عليهم الحجة ولكن لما سمعوه مع شدة بغضه وكراهته ونفرتهم عنه لم يفهموه ~~ولم يعقلوه والرجل إذا اشتدت كراهته للكلام ونفرته عنه لم يفهم ما يراد به ~~فينزل منزلة من لم يسمعه قال تعالى @QB@ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا ~~يبصرون @QE@ نفى عنه استطاعة السمع مع صحة حواسهم وسلامتها وإنما لفرط ~~بغضهم ونفرتهم عنه وعن كلامه صاروا بمنزلة من لا يستطيع ان يسمعه ولا يراه ~~وهذا استعمال معروف للخاصة والعامة يقولون لا اطيق انظر إلى فلان ولا ~~استطيع ان اسمع كلامه من بغضه ونفرته عنه وبعض الجبرية يحتج بهذه الاية ~~وشبهها على مذهبهم ولا دلالة فيها إذ ليس المراد سلبهم السمع والبصر الذي ~~تقوم به الحجة قطعا وإنما المراد سلب السمع الذي يترتب عليه فائدته وثمرته ~~والقدر حق ولكن الواجب تنزيل القرآن منازله ووضع الايات مواضعها واتباع ~~الحق حيث كان ومثل هذا إذا لم يحصل له فهم الخطاب لا يعذر بذلك لان الافة ~~منه وهو بمنزلة من سد اذنيه عند الخطاب فلم يسمعه فلا يكون ذلك عذرا له ومن ~~هذا قولهم @QB@ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا ~~وبينك حجاب @QE@ يعنون انهم في ترك القبول منه ومحبة الاسماع لما جاء به ~~وإيثار الاعراض عنه وشدة النفار عنه بمنزلة من لا يعقله ولا يسمعه ولا يبصر ~~المخاطب لهم به فهذا هو الذي يقولون لا خلود في النار ولو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في اصحاب السعير ولهذا جعل ذلك مقدورا لهم وذنبا اكتسبوه فقال تعالى ~~@QB@ فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير @QE@ والله ms142 تعالى ينفي تارة عن ~~هؤلاء العقل والسمع والبصر فانها مدارك العلم واسباب حصوله وتارة ينفى عنهم ~~السمع والعقل وتارة ينفى عنهم السمع والبصر وتارة ينفى عنهم العقل والبصر ~~وتارة ينفى عنهم وحده فنفى الثلاثة نفي لمدارك العلم بطريق المطابقة ونفى ~~بعضها نفي له بالمطابقة والاخر باللزوم فان القلب إذا فسد فسد السمع والبصر ~~بل اصل فسادهما من فساده وإذا فسد السمع والبصر فسد القلب فإذا اعرض عن سمع ~~الحق وابغض قائله بحيث لا يحب رؤيته امتنع وصول الهدى إلى القلب ففسد وإذا ~~فسد السمع والعقل تبعهما فساد البصر فكل مدرك من هذه يصح بصحة الاخر ويفسد ~~بفساده فلهذا يجيء في القرآن نفي ذلك صريحا ولزوما وبهذا التفصيل يعلم ~~اتفاق الادلة من الجانين وفي استدلال الطائفة الثانية بقوله @QB@ الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم @QE@ ونظائرها نظر فان الله ~~تعالى حيث قال @QB@ الذين آتيناهم الكتاب @QE@ لم يكونوا إلا ممدوحين ~~مؤمنين وإذا اراد ذمهم والأخبار عنهم بالعناد وايثار الضلال اتى بلفظ ~~PageV01P102 الذين اوتوا الكتاب مبنيا للمفعول فالاول كقوله تعالى @QB@ ~~الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به ~~إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا @QE@ الايات وكقوله تعالى @QB@ أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ~~فلا تكونن من الممترين @QE@ فهذا في سياق مدحهم والاستشهاد بهم ليس في سياق ~~ذمهم والاخبار بعنادهم وجحودهم كما استشهدهم في قوله تعالى قل كفى بالله ~~شهيدا ببني وبينكم ومن عنده علم الكتاب وفي قوله فاسلألوا اهل الذكر ان ~~كنتم لا تعلمون وقال تعالى @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون @QE@ واختلف في الضمير في ~~يتلونه حق تلاوته فقيل هو ضمير الكتاب الذي اوتوه قال ابن مسعود يحلون ~~حلاله ويحرمون حرامه ويقرؤنه كما انزل ولا يحرفونه عن مواضعه قالوا وانزلت ~~في مؤمني اهل الكتاب وقيل ms143 هذا وصف للمسلمين والضمير في يتلونه للكتاب الذي ~~هو القرآن وهذا بعيد إذا عرف ان القرآن يأباه ولا يرد على ما ذكرنا قوله ~~تعالى @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا ~~منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون @QE@ بل هذا حجة لنا ايضا لما ذكرنا فإنه ~~أخبر في الاول عن معرفتهم برسوله ودينه وقبلته كما يعرفون ابناءهم استشهادا ~~بهم على من كفر وثناء عليهم ولهذا ذكر المفسرون انهم عبد الله بن سلام ~~واصحابه وخص في آخر الاية بالذم طائفة منهم فدل على ان الاولين غير مذمومين ~~وكونهم دخلوا في جملة الاولين بلفظ المضمر لا يوجب ان يقال آتيناهم الكتاب ~~عند الاطلاق فانهم دخلوا في هذا اللفظ ضمنا وتبعا فلا يلزم تناوله لهم قصدا ~~واختيارا وقال تعالى في سورة الانعام قل ائنكم لتشهدون ان مع الله آلهة ~~اخرى قل لا اشهد قل إنما هو اله واحدة وإنني برئ مما تشركون الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم قيل الرسول وصدقه وقيل المذكور هو ~~التوحيد والقولان متلازما اذ ذلك في معرض الاستشهاد والاحتجاج على المشركين ~~لافي معرض ذم الذين آتاهم الكتاب فإن السورة مكية والحجاج كان فيها مع اهل ~~الشرك والسياق يدل على الاحتجاج لاذم المذكورين من اهل الكتاب واما الثاني ~~فكقوله وان الذين اوتوا الكتاب ليعلمون انه الحق من ربهم وما الله بغافل ~~عما يعلمون ولئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية ماتبعوا قبلتك فهذا ~~شهادته سبحانه للذين اوتوا الكتاب والاول شهادته للذين آتاهم الكتاب بأنهم ~~يؤمنون وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا ~~لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم @QE@ وهذا خطاب لمن لم يسلم منهم ~~وإلا فلم يؤمر PageV01P103 ان يقول هذا لمن اسلم منهم وصدق به ولهذا لا ~~يذكر سبحانه الذين اوتوا نصيبا من الكتاب الا بالذم ايضا كقوله @QB@ ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت @QE@ الاية وقال ~~تعالى @QB@ ألم ms144 تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون ~~أن تضلوا السبيل @QE@ وقال @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون @QE@ ~~فالاقسام اربعة الذين آتيناهم الكتاب وهذا لا يذكره سبحانه إلا في معرض ~~المدح والذين اوتوا نصيبا من الكتاب لا يكون قط الا في معرض الذم والذين ~~اوتوا الكتاب اعم منه فانه قد يتناولهما ولكن لا يفرد به الممدوحون قط ويا ~~أهل الكتاب يعم الجنس كله ويتناول الممدوح منه والمذموم كقوله من اهل ~~الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله ~~واليوم الاخر الآية وقال في الذم @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين @QE@ وهذا الفصل ينتفع به جدا في أكبر مسائل اصول الاسلام ~~وهي مسئلة الايمان واختلاف اهل القبلة فيه وقد ذكرنا فيه نكتا حسانا يتضح ~~بها الحق في المسألة والله اعلم الوجه الثاني والثمانون ان الله سبحانه ~~فاوت بين النوع الانساني اعظم تفاوت يكون بين المخلوقين فلا يعرف اثنان من ~~نوع واحد بينهما من التفاوت ما بين خير البشر وشرهم والله سبحانه خلق ~~الملائكة عقولا بلا شهوات وخلق الحيوانات ذوات شهوات بلا عقول وخلق الانسان ~~مركبا من عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته كان خيرا من الملائكة ومن غلبت ~~شهوته عقله كان شرا من الحيوانات وفاوت سبحانه بينهم في العلم فجعل عالمهم ~~معلم الملائكة كما قال تعالى @QB@ يا آدم أنبئهم بأسمائهم @QE@ وتلك مرتبة ~~لا مرتبة فوقها وجعل جاهلهم بحيث لا يرضى الشيطان به ولا يصلح له كما قال ~~الشيطان لجاهلهم الذي اطاعه في الكفر @QB@ إني بريء منك @QE@ وقال لجهلتهم ~~الذين عصوا رسوله إني بريء منكم فلله ما أشد هذا التفاوت بين شخصين احدهما ~~تسجد له الملائكة ويعلمها مما الله علمه والاخر لا يرضى الشيطان به وليا ~~وهذا التفاوت العظيم إنما حصل بالعلم وثمرته ولو لم يكن في العلم الا القرب ~~من رب العالمين والالتحاق بعالم الملائكة وصحبة الملأ الاعلى ms145 لكفى به فضلا ~~وشرفا فكيف وعز الدنيا والآخرة منوط به ومشروط بحصوله الوجه الثالث ~~والثمانون ان اشرف ما في الانسان محل العلم منه وهو قلبه وسمعه وبصره ولما ~~كان القلب هو محل العلم والسمع رسوله الذي ياتيه به والعين طليعته كان ملكا ~~على سائر الاعضاء يأمرها فتاتمر لامره ويصرفها فتنقاد له طائعة بما خص به ~~من العلم دونها فلذلك كان ملكها والمطاع فيها وهكذا العالم في الناس كالقلب ~~في الاعضاء ولما كان صلاح الاعضاء بصلاح ملكها ومطاعها وفسادها بفساده كانت ~~هذه حال الناس مع علمائهم PageV01P104 وملوكهم كما قال بعض السلف صنفان إذا ~~صلحا صلح سائر الناس واذا فسدا فسد سائر الناس العلماء والامراء قال عبد ~~الله بن المبارك : # وهل افسد الدين الا الملو % ك واحبار سوء ورهبانها ولما كان للسمع والبصر ~~من الادراك ما ليس لغيرهما من الاعضاء كانا في أشرف جزء من الانسان وهو ~~وجهه وكانا من افضل ما في الانسان من الاجزاء والاعضاء والمنافع واختلف في ~~الافضل منهما فقالت طائفة منهم أبو المعالي وغيره السمع افضل قالوا لان به ~~تنال سعادة الدنيا والاخرة فانها انما تحصل بمتابعة الرسل وقبول رسالاتهم ~~وبالسمع عرف ذلك فان من لا سمع له لا يعلم ما جاؤا به وايضا فان السمع يدرك ~~به اجل شيء وافضله وهو كلام الله تعالى الذي فضله على الكلام كفضل الله على ~~خلقه وايضا فان العلوم انما تنال بالتفاهم والتخاطب ولا يحصل ذلك الا ~~بالسمع وايضا فان مدركه اعم من مدرك البصر فانه يدرك الكليات والجزئيات ~~والشاهد والغائب والموجود والمعدوم والبصر لا يدرك الا بعض المشاهدات ~~والسمع يسمع كل علم فاين احدهما من الاخر ولو فرضنا شخصين احدهما يسمع كلام ~~الرسول ولا يرى شخصه والاخر بصير يراه ولا يسمع كلامه لصممه هل كانا سواء ~~وايضا ففاقد البصر انما يفقد ادراك بعض الامور الجزئية المشاهدة ويمكنه ~~معرفتها بالصفة ولو تقريبا واما فاقد السمع فالذي فاته من العلم لا يمكن ~~حصوله بحاسة البصر ولو قريبا وايضا فان ذم الله تعالى ms146 للكفار بعدم السمع في ~~القرآن اكثر من ذمه لهم بعدم البصر بل انما يذمهم بعدم البصر تبعا لعدم ~~العقل والسمع وايضا فان الذي يورده السمع على القلب من العلوم لا يلحقه فيه ~~كلال ولا سآمة ولا تعب مع كثرته وعظمه والذي يورده البصر عليه يلحقه فيه ~~الكلال والضعف والنقص وربما خشى صاحبه على ذهابه مع قلته ونزارته بالنسبة ~~إلى السمع وقالت طائفة منهم ابن قتيبة بل البصر افضل فان اعلا النعيم ~~وافضله واعظمه لذة هو النظر إلى الله في الدار الاخرة وهذا انما ينال ~~بالبصر وهذه وحدها كافية في تفضيله قالوا وهو مقدمة القلب وطليعته ورائده ~~فمنزلته منه اقرب من منزلة السمع ولهذا كثيرا ما يقرن بينهما في الذكر ~~بقوله @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ فالاعتبار بالقلب والبصر بالعين ~~وقال تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QE@ ولم ~~يقل واسماعهم وقال تعالى @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي ~~في الصدور @QE@ وقال تعالى @QB@ قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور @QE@ وقال في حق رسوله @QB@ ~~ما كذب الفؤاد ما رأى @QE@ ثم قال @QB@ ما زاغ البصر وما طغى @QE@ هذا يدل ~~على شدة الوصلة والارتباط بين القلب والبصر ولهذا يقرأ الانسان ما في قلب ~~PageV01P105 الاخر من عينه وهذا كثير في كلام الناس نظمه ونثره وهو اكثر من ~~ان نذكره هنا ولما كان القلب اشرف الاعضاء كان اشدها ارتباطا به واشرف من ~~غيره قالوا ولهذا يأتمنه القلب مالا يأتمن السمع عليه بل إذا ارتاب من جهة ~~عرض ما يأتيه به على البصر ليزكيه أم يرده فالبصر حاكم عليه مؤتمن عليه ~~قالوا ومن هذا الحديث الذي رواه أحمد في مسنده مرفوعا ليس المخبر كالمعاين ~~قالوا ولهذا اخبر الله سبحانه موسى ان قومه افتتنوا من بعده وعبدوا العجل ~~فلم يلحقه في ذلك ما لحقه عند رؤية ذلك ومعاينته من القاء الالواح وكسرها ~~لفوت المعاينة على الخبر قالوا وهذا إبراهيم خليل الله يسأل ربه ان يريه ~~كيف يحيى ms147 الموتى وقد علم ذلك بخبر الله له ولكن طلب افضل المنازل وهي ~~طمأنينة القلب قالوا ولليقين ثلاث مراتب اولها للسمع وثانيها للعين وهي ~~المسماة بعين اليقين وهي افضل من المرتبة الاولى واكمل قالوا وايضا فالبصر ~~يؤدى إلى القلب ويؤدي عنه فان العين مرآة القلب يظهر فيها ما يحبه من ~~المحبة والبغض والموالاة والمعاداة والسرور والحزن وغيرها وأما الاذن فلا ~~تؤدى عن القلب شيئا البتة وإنما مرتبتها الايصال اليه حسب فالعين اشد تعلقا ~~به والصواب ان كلا منهما له خاصية فضل بها الاخر فالمدرك بالسمع اعم واشمل ~~والمدرك بالبصر اتم واكمل فالسمع له العموم والشمول والبصر له الظهور ~~والتمام وكمال الادراك واما نعيم اهل الجنة فشيئآن احدهما النظر إلى الله ~~والثاني سماع خطابه وكلامه كما رواه عبد الله بن أحمد في المسند وغيره كأن ~~الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن اذا سمعوه من الرحمن عز وجل ومعلوم ان ~~سلامه عليهم وخطابه لهم ومحاضرته اياهم كما في الترمذي وغيره لا يشبهها شيء ~~قط ولا يكون اطيب عندهم منها ولهذا يذكر سبحانه في وعيد اعدائه انه ~~لايكلمهم كما يذكر احتجابه عنهم ولا يرونه فكلامه اعلا نعيم اهل الجنة ~~والله اعلم الوجه الرابع والثمانون ان الله سبحانه في القرآن يعدد على ~~عباده من نعمه عليهم ان اعطاهم آلات العلم فيذكر الفؤاد والسمع والابصار ~~ومرة يذكر اللسان الذي يترجم به عن القلب فقال تعالى في سورة النعم وهي ~~سورة النحل التي ذكر فيها اصول النعم وفروعها ومتمماتها ومكملاتها فعددنعمه ~~فيها على عباده وتعرف بها اليهم واقتضاهم شكرها واخبر انه يتمها عليهم ~~ليعرفوها ويذكروها ويشكروها فاولها في اصول النعم وآخرها في مكملاتها قال ~~تعالى @QB@ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون @QE@ فذكر سبحانه نعمته عليهم بان اخرجهم ~~لا علم لهم ثم اعطاهم الاسماع والابصار والافئدة التي نالوا بها من العلم ~~مانالوه وانه فعل بهم ذلك PageV01P106 ليشكروه وقال تعالى @QB@ وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ms148 أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ~~@QE@ وقال تعالى الم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين فذكر هنا ~~العينين التي يبصر بهما فيعلم المشاهدات وذكر هداية النجدين وهما طريقا ~~الخير والشر وفي ذلك حديث مرفوع ومرسل وهو قول اكثر المفسرين وتدل عليه ~~الاية الاخرى @QB@ إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا @QE@ والهداية ~~تكون بالقلب والسمع فقد دخل السمع في ذلك لزوما وذكر اللسان والشفتين ~~اللتين هما آلة التعليم فذكر الات العلم والتعليم وجعلها من آياته الدالة ~~عليه وعلى قدرته ووحدانيته ونعمه التي تعرف بها إلى عباده ولما كانت هذه ~~الاعضاء الثلاثة التي هي اشرف الاعضاء وملوكها والمنصرفة فيها والحاكمة ~~عليها خصها سبحانه وتعالى بالذكر في السؤال عنها فقال إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا فسعادة الانسان بصحة هذه الاعضاء الثلاثة ~~وشقاوته بفسادها قال ابن عباس يسأل الله العباد فيما استعملوا هذه الثلاثة ~~السمع والبصر والفؤاد والله تعالى اعطى العبد السمع ليسمع به اوامر ربه ~~ونواهيه وعهوده والقلب ليعقلها ويفقهها والبصر ليرى آياته فيستدل بها على ~~وحدانيته وربوبيته فالمقصود باعطائه هذه الالات العلم وثمرته ومقتضاه الوجه ~~الخامس والثامنون ان انواع السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاثة سعادة خارجية ~~عن ذات الانسان بل هي مستعارة له من غيره يزول باسترداد العارية وهي سعادة ~~المال والحياة فبينا المرء بها سعيدا ملحوظا بالعناية مرموقا بالابصار إذا ~~اصبح في اليوم الواحد اذل من وتد بقاع يشج رأسه بالفهرواجي فالسعادة والفرح ~~بهذه كفرح الاقرع بحمة ابن عمه والجمال بها كجمال المرء بثيابه وبزينته ~~فاذا جاوز بصرك كسوته فليس وراء عبادان قرية ويحكى عن بعض العلماء انه ركب ~~مع تجار في مركب فانكسرت بهم السفينة فاصبحوا بعدعز الغنى في ذل الفقر ووصل ~~العالم إلى البلد فاكرم وقصد بانواع التحف والكرامات فلما ارادوا الرجوع ~~إلى بلادهم قالوا له هل لك إلى قومك كتاب أو حاجة فقال نعم تقولون لهم اذا ~~اتخدتم مالا لا يغرق اذا انكسرت السفينة فاتخذوا العلم تجارة واجتمع رجل ذو ~~هيئة حسنة ولباس جميل ms149 ورواء برجل عالم فجس المخاضة فلم ير شيئا فقالوا كيف ~~رايته فقال رأيت دارا حسنة مزخرفة ولكن ليس بها ساكن السعادة الثانية سعادة ~~في جسمه وبدنه كصحته واعتدال مزاجه وتناسب اعضائه وحسن تركيبه وصفاء لونه ~~وقوة اعضائه فهذه الصق به من الاولى ولكن هي في الحقيقة خارجة عن ذاته ~~وحقيقته فان الإنسان انسان بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه كما قيل : ~~PageV01P107 # يا خادم الجسم كم يشقى بخدمته % فأنت بالروح لا بالجسم إنسان فنسبة هذه ~~إلى روحه وقلبه كنسبة ثيابه ولباسه إلى بدنه فان البدن ايضا عارية للروح ~~وآلة لها ومركب من مراكبها فسعادتها بصحته وجماله وحسنة سعادة خارجة عن ~~ذاتها وحقيقتها السعادة الثالثة هي السعادة الحقيقية وهي سعادة نفسانية ~~روحية قلبية وهي سعادة العلم النافع ثمرته فانها هي الباقية على تقلب ~~الاحوال والمصاحبة للعبد في جميع اسفاره وفي دوره الثلاثة اعني دار الدنيا ~~ودار البرزخ ودار القرار وبها يترقى معارج الفضل ودرجات الكمال اما الاولى ~~فانها تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهه والثانية تعرضه للزوال والتبدل ~~بنكس الخلق والرد إلى الضعف فلا سعادة في الحقيقة الا في هذه الثالثة التي ~~كلما طال الامد ازدادات قوة وعلوا وإذا عدم المال والجاه فهي مال العبد ~~وجاهه وتظهر قوتها وأثرها بعد مفارقة الروح البدن اذا انقطعت السعادتان ~~الاوليتان وهذه السعادة لا يعرف قدرها ويبعث على طلبها الا العلم بها فعادت ~~السعادة كلها إلى العلم وما تقضيه والله يوفق من يشاء لا مانع لما اعطى ولا ~~معطى لما منع وانما رغب اكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها وعورة ~~طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها وانها لاتنال الا على جد من التعب ~~فانها لاتحصل الا بالجد المحض بخلاف الاوليين فانهما حظ قد يحوزه غير طالبه ~~وبخت قد يحوزه غير جالبه من ميراث أو هبة أو غير ذلك واما سعادة العلم فلا ~~يورثك اياها الا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية وقد احسن القائل في ذلك : # فقل لمرجي معالي الامور % بغير اجتهاد رجوت المحالا # وقال الآخر ms150 # لولا المشقة ساد للناس كلهم % الجود يفقر والإقدام قتال # ومن طمحت همته إلى الامور العالية فواجب عليه ان يشد على محبة اطرق ~~الدينية وهي السعادة وان كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره ~~والتأذي وانها متى اكرهت النفس عليها وسيقت طائعة وكارهة اليها وصبرت على ~~لاوائها وشدتها افضت منها إلى رياض مونقة ومقاعد صدق ومقام كريم تجد كل لذة ~~دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك فحينئذ حال صاحبها كما ~~قيل : # وكنت ارى ان قدتناهى بي الهوى % إلى غاية ما بعدها لي مذهب PageV01P108 # فلما تلاقينا وعاينت حسنها % تيقنت اني انما كنت العب % # فالمكارم منوطة بالمكارة والسعادة لا يعبر اليها الا على جسر المشقة فلا ~~تقطعمسافتها الا في سفينة الجد والاجتهاد قال مسلم في صحيحه قال يحيى بن ~~أبي كثير لاينال العلم براحة الجسم وقد قيل من طلب الراحة ترك الراحة # فيا وصل الحبيب اما اليه % بغير مشقة ابدا طريق # ولولا جهل الاكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف ~~ولكن حفت بحجاب من المكاره وحجبوا عنها بحجاب من الجهل ليختص الله لها من ~~يشاء من عباده والله ذو الفضل العظيم الوجه السادس والثمانون ان الله تعالى ~~خلق الموجودات وجعل لكل شيء منها كمالا يختص به هو غاية شرفه فإذا عدم ~~كماله انتقل إلى الرتبة التي دونه واستعمل فيها فكان استعماله فيها كمال ~~امثاله فاذا عدم تلك ايضا نقل إلى ما دونها ولا تعطل وهكذا ابدا حتى اذا ~~عدم كل فضيلة صار كالشوك وكالحطب الذي لا يصلح الا للوقود فالفرس اذا كانت ~~فيه فروسيته التامة اعد لمراكب الملوك واكرم أكرام مثله فإذا نزل عنها ~~قليلا اعد لمن دون الملك فإن ازداد تقصيره فيها اعد لاحاد الاجناد فان ~~تقاصر عنها جملة استعمل استعمال الحمار اما حول المدار واما لنقل الزبل ~~ونحوه فان عدم ذلك استعمل استعمال الاغنام للذبح والاعدام كما يقال في ~~المثل ان فرسين التقيا احدهما تحت ملك والاخر تحت الروايا فقال فرس الملك ~~اما انت ms151 صاحبي وكنت انا وانت في مكان واحد فما الذي نزل بك إلى هذه المرتبة ~~فقال ما ذاك الا انك هملجت قليلا ونعكست انا وهكذا السيف اذا نباعما هيء له ~~ولم يصلح له ضرب منه فاس أو منشار ونحوه وهكذا الدور العظام الحسان اذا ~~خرجت وتهدمت اتخذت حظائر للغنم أو الابل وغيرها وهكذا الادمي اذا كان صالحا ~~لاصطفاء الله له برسالته ونبوته اتخذه رسولا ونبيا كما قال تعالى الله اعلم ~~حيث يجعل رسالته فاذا كان جوهره قاصرا عن هذه الدرجة صالحا لخلافة النبوة ~~وميراثها رشحه لذلك وبلغه اياه فإذا كان قاصرا عن ذلك قابلا لدرجة الولاية ~~رشح لها وان كان ممن يصلح للعمل والعبادة دون المعرفة والعلم جعل من اهله ~~حتى ينتهي إلى درجة عموم المؤمنين فان نقص عن هذه الدرجة ولم تكن نفسه ~~قابلة لشيء من الخير اصلا استعمل حطبا ووقودا للنار وفي اثر اسرائيلي ان ~~موسى سأل ربه عن شان من يعذبهم من خلقه فقال يا موسى ازرع زرعا فزرعه فاوحى ~~اليه ان احصده ثم اوحى اليه ان أنسفه وذره ففعل وخلص الحب وحده والعيدان ~~والعصف وحده فاوحى اليه اني لاجعل في النار من العباد من لا خير فيه بمنزلة ~~العيدان والشوك التي لا يصلح الا للنار وهكذا الانسان يترقى في درجات ~~الكمال درجة بعد PageV01P109 درجة حتى يبلغ نهاية ما يناله امثاله منها فكم ~~بين حاله في اول كونه نطفة وبين حاله والرب يسلم عليه في داره وينظر إلى ~~وجهه بكرة وعشيا والنبي في اول امره لما جاءه الملك فقال له اقرأ فقال ما ~~أنا بقارئ وفي آخره امره بقول الله له اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم ~~نعمتي وبقوله له خاصة وانزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان ~~فضل الله عليك عظيما وحكى ان جماعة من النصارى تحدثوا فيما بينهم فقال قائل ~~منهم ما أقل عقول المسلمين يزعمون ان نبيهم كان راعي الغنم فكيف يصلح راعي ~~الغنم للنبوة فقال له آخر من بينهم اما هم ms152 فوالله اعقل منا فان الله بحكمته ~~يسترعي النبي الحيوان البهيم فاذا احسن رعايته والقيام عليه نقله منه إلى ~~رعاية الحيوان الناطق حكمة من الله وتدريجا لعبده ولكن نحن جئنا إلى مولود ~~خرج من امرأة يأكل ويشرب ويبول ويبكي فقلنا هذا الهنا الذي خلق السموات ~~والأرض فامسك القوم عنه فكيف يحسن بذي همة قد ازاح الله عنه علله وعرفه ~~السعادة والشقاوة ان يرضى بان يكون حيوانا وقد أمكنه ان يصير انسانا وبان ~~يكون إنسانا وقد امكنه ان يكون ملكا وبأن يكون ملكا وقد امكنه ان يكون ملكا ~~في مقعد صدق عند مليك مقتدر فتقوم الملائكة في خدمته وتدخل عليهم من كل باب ~~سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار وهذا الكمال إنما ينال بالعلم ~~ورعايته والقيام بموجبه فعاد الامر إلى العلم وثمرته والله تعالى الموفق ~~واعظم النقص واشد الحسرة نقص القادر على التمام وحسرته على تقويته كما قال ~~بعض السلف اذا كثرت طرق الخير كان الخارج منها اشد حسرة وصدق القائل : # ولم ار في عيوب الناس عيبا % كنقص القادرين على التمام فثبت انه لا شيء ~~اقبح بالانسان من ان يكون غافلا عن الفضائل الدينية والعلوم النافعة ~~والاعمال الصالحة فمن كان كذلك فهو من الهمج الرعاع الذين يكدرون الماء ~~ويغلون الاسعار ان عاش عاش غير حميد وان مات مات غير فقيد فقدهم راحة ~~للبلاد والعباد ولا تبكي عليهم السماء ولا تستوحش لهم الغبراء الوجه السابع ~~والثمانون ان القلب يعترضه مرضان يتواردان عليه اذا استحكما فيه كان هلاكه ~~وموته وهما مرض الشهوات ومرض الشبهات هذان اصل داء الخلق الا من عافاه الله ~~وقد ذكر الله تعالى هذين المرضين في كتابه اما مرض الشبهات وهو اصعبهما ~~واقتلهما للقلب ففي قوله في حق المنافقين في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ~~وقوله وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا وقال ~~تعالى @QB@ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم @QE@ فهذه ثلاثة مواضع المراد بمرض القلب فيها مرض الجهل والشبهة ms153 ~~واما مرض PageV01P110 الشهوة ففي قوله يانساء النبي لستن كأحد من النساء ان ~~اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض أي لا تلن في الكلام فيطمع ~~الذي في قلبه فجور وزناء قالوا والمرأة ينبغي لها اذا خاطبت الاجانب ان ~~تغلظ كلامها وتقويه ولا تلينه وتكسره فان ذلك ابعد من الريبة والطمع فيها ~~وللقلب امراض اخر من الرياء والكبر والعجب والحسد والفخر والخيلاء وحب ~~الرياسة والعلو في الأرض وهذا مرض مركب من مرض الشبهة والشهوة فإنه لا بد ~~فيه من تخيل فاسد وارادة باطلة كالعجب والفخر والخيلاء والكبر المركب من ~~تخيل عظمته وفضله وإرادة تعظيم الخلق له ومحمدتهم فلا يخرج مرضه عن شهوة أو ~~شبهة أو مركب منهما وهذه الامراض كلها متولدة عن الجهل ودواؤها العلم كما ~~قال النبي في حديث صاحب الشجة الذي افتوه بالغسل فمات قتلوه قتلهم الله الا ~~سألوا اذ لم يعلموا انما شفاء العي السؤال فجعل العي وهو عي القلب عن العلم ~~واللسان عن النطق به مرضا وشفاؤه سؤال العلماء فأمراض القلوب اصعب من امراض ~~الابدان لان غاية مرض البدن ان يفضي بصاحبه إلى الموت وأما مرض القلب فيفضي ~~بصاحبه إلى الشقاء الابدي ولا شفاء لهذا المرض الا بالعلم ولهذا سمى الله ~~تعالى كتابه شفاء لامراض الصدور وقال تعالى يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة ~~من ربكم منه وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولهذا السبب نسبة ~~العلماء إلى القلوب كنسبة الاطباء إلى الابدان وما يقال للعلماء اطباء ~~القلوب فهو لقدر ما جامع بينهما والا فالامر اعظم فان كثيرا من الامم ~~يستغنون عن الاطباء ولا يوجد الاطباء الا في اليسير من البلاد وقد يعيش ~~الرجل عمره أو برهة منه لا يحتاج إلى طبيب واما العلماء بالله وامره فهم ~~حياة الموجود وروحه ولا يستغنى عنهم طرفة عين فحاجة القلب إلى العلم ليست ~~كالحاجة إلى التنفس في الهواء بل اعظم وبالجملة فالعلم للقلب مثل الماء ~~للسمك اذا فقده مات فنسبة العلم إلى القلب كنسبة ضوء العين اليها ms154 وكنسبة ~~سمع الاذن وكنسبة كلام اللسان اليه فإذا عدمه كان كالعين العمياء والاذن ~~الصماء واللسان الاخرس ولهذا يصف سبحانه اهل الجهل بالعمى والصم والبكم ~~وذلك صفة قلوبهم حيث فقدت العلم النافع فبقيت على عماها وصممها وبكمها قال ~~تعالى @QB@ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا @QE@ ~~والمراد عمى القلب في الدنيا وقال تعالى @QB@ ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم @QE@ لانهم هكذا كانوا في الدنيا ~~والعبد يبعث على ما مات عليه واختلف في هذا العمى في الاخرة فقيل هوعمى ~~البصيرة بدليل اخباره تعالى عن رؤية الكفار ما في القيامة ورؤية الملائكة ~~ورؤية النار وقيل هو عمي البصر ورجح هذا بان الاطلاق ينصرف اليه وبقوله ~~@QB@ قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا @QE@ وهذا عمي العين فان الكافر ~~لم يكن بصيرا بحجته واجاب هؤلاء عن رؤية الكفار PageV01P111 في القيامة بأن ~~الله يخرجهم من قبورهم إلى موقف القيامة بصراء ويحشرون من الموقف إلى النار ~~عميا قاله الفراء وغيره الوجه الثامن والثمانون ان الله سبحانه بحكمته سلط ~~على العبد عدوا عالما بطرق هلاكه واسباب الشر الذي يلقيه فيه متفننا فيها ~~خبيرا بها حريصا عليها لايفتر يقظة ولا مناما ولا بد له من واحدة من ست ~~ينالها منه احدها وهي غاية مراده منه ان يحول بينه وبين العلم والايمان ~~فيلقيه في الكفر فإذا ظفر بذلك فرغ منه واستراح فان فاتته هذه وهدى للاسلام ~~حرص على تلو الكفر وهي البدعة وهي احب اليه من المعصية فان المعصية يتاب ~~منها والبدعة لا يتاب منها لان صاحبها يرى انه على هدى وفي بعض الاثار يقول ~~ابليس اهلكت بني آدم بالذنوب واهلكوني بالاستغفار وبلا اله الا الله فلما ~~رأيت ذلك بثثت فيهم الاهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لانهم يحسبون انهم ~~يحسنون صنعا فاذا ظفر منه بهذه صيره من رعاته وامرائه فان اعجزته شغله ~~بالعمل المفضول عما هو افضل منه ليرتج عليه الذي بينهما وهي الخامسة فان ~~اعجزه ذلك صار إلى السادسة وهي ms155 تسليط حزبه عليه يؤذونه ويشتمونه ويبهتونه ~~ويرمونه بالعظائم ليحزنه ويشغل قلبه عن العلم والارادة وسائر اعماله فكيف ~~يمكن ان يحترز منه من لا علم له بهذه الامور ولا بعدوه ولا بما يحصنه منه ~~فانه لا ينجو من عدوه الا من عرفه وعرف طريقه التي يأتيه منها وجيشه الذي ~~يستعين به عليه وعرفت داخله ومخارجه وكيفية محاربته وبأي شيء يحاربه وبماذا ~~يداوى جراحته وبأي شيء يستمد القوة لقتاله ودفعه وهذا كله لا يحصل الا ~~بالعلم فالجاهل في غفلة وعمى عن هذا الامر العظيم والخطب الجسيم ولهذا جاء ~~ذكر العدو وشأنه وجنوده ومكايده في القرآن كثيرا جدا لحاجة النفوس إلى ~~معرفة عدوها وطرق محاربته ومجاهدته فلولا ان العلم يكشف عن هذا لما نجا من ~~نجا منه فالعلم هو الذي تحصل به النجاة الوجه التاسع والثمانون ان اعظم ~~الاسباب التي يحرم بها العبد خير الدنيا والاخرة ولذة النعيم في الدارين ~~ويدخل عليه عدو منها هو الغفلة المضادة للعلم والكسل المضاد للارادة ~~والعزيمة هذان اصل بلاء العبد وحرمانه منازل السعداء وهما من عدم العلم اما ~~الغفلة فمضادة للعلم منافية له وقد ذم سبحانه اهلها ونهى عن الكون منهم وعن ~~طاعتهم والقبول منهم قال تعالى ولاتكن من الغافلين وقال تعالى @QB@ ولا تطع ~~من أغفلنا قلبه عن ذكرنا @QE@ وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل واولئك هم الغافلون وقال النبي في ~~وصيته لنساء المؤمنين لا تغفلن فتنسين الرحمة وسئل بعض العلماء عن عشق ~~الصور فقال قلوب غفلت عن ذكر الله فابتلاها الله بعبودية غيره فالقلب ~~الغافل مأوى PageV01P112 الشيطان فانه وسواس خناس قد التقم قلب الغافل يقرأ ~~عليه انواع الوساوس والخيالات الباطلة فاذا تذكر وذكر الله انجمع وانضم ~~وخنس وتضاءل لذكر الله فهو دائما بين الوسوسة والخنس وقال عروة بن رويم ان ~~المسيح سأل ربه ان يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلى له فاذا ms156 رأسه راس ~~الحية واضع راسه على ثمرة القلب فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا لم يذكر وضع ~~رأسه على ثمرة قلبه فمناه وحدثه وقد روى في هذا المعنى حديث مرفوع فهو ~~دائما يترقب غفلة العبد فيبذر في قلبه بذر الاماني والشهوات والخيالات ~~الباطلة فيثمر كل حنظل وكل شوك وكل بلاء ولا يزال يمده بسقيه حتى يغطى ~~القلب ويعميه واما الكسل فيتولد عنه الاضاعة والتفريط والحرمان واشد ~~الندامة وهو مناف لاراده والعزيمة التي هي ثمرة العلم فان من علم ان كماله ~~ونعيمه في شيء طلبه بجهده وعزم عليه بقلبه كله فإن كل أحد يسعى في تكميل ~~نفسه ولذته ولكن اكثرهم اخطأ الطريق لعدم علمه بما ينبغي ان يطلبه فالارادة ~~مسبوقة بالعلم والتصور فتخلفها في الغالب إنما يكون لتخلف العلم والادراك ~~وإلا فمع العلم التام بان سعادة العبد في هذا المطلب ونجاته وفوزه كيف ~~يلحقه كسل في النهوض اليه ولهذا استعاذ النبي من الكسل ففي الصحيح عنه انه ~~كان يقول اللهم اني اعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل ~~وضلع الدين وغلبة الرجال فاستعاذ من ثمانية اشياء كل شيئين منها قرينان ~~والفرق بينهما ان المكروه الوارد على القلب اما ان يكون على ما مضى أو لما ~~يستقبل فالاول هو الحزن والثاني الهم وان شئت قلت الحزن على المكروه الذي ~~فات ولا يتوقع دفعه والهم على المكروه المنتظر الذي يتوقع دفعه وتأمله ~~والعجز والكسل قرينان فان تخلف مصلحة العبد وكماله ولذته وسروره عنه اما ان ~~يكون مصدره عدم القدرة فهو العجز أو يكون قارا عليه لكن تخلف لعدم إرادته ~~فهو الكسل وصاحبه يلام عيه مالا يلام على العجز وقد يكون العجز ثمرة الكسل ~~فيلام عليه ايضا فكثيرا ما يكسل المرء عن الشيء الذي هو قادر عليه وتضعف ~~عنه ارادته فيفضي به إلى العجز عنه وهذا هو العجز الذي يلوم الله عليه في ~~قول النبي ان الله يلوم على العجز وإلا فالعجز الذي لم تخلق له قدرة على ~~دفعه ولا يدخل معجوزه ms157 تحت القدرة لا يلام عليه قال بعض الحكماء في وصيته ~~إياك والكسل والضجر فان الكسل لا ينهض لمكرمة والضجر إذا نهض اليها لا يصبر ~~عليها والضجر متولدعن الكسل والعجز فلم يفرده في الحديث بلفظ ثم ذكر الجبن ~~والبخل فان الاحسان المتوقع من العبد اما بماله واما ببدنه فالبخيل مانع ~~لنفع ماله والجبان مانع لنفع بدنه المشهور عند الناس ان البخل مستلزم الجبن ~~من غير عكس لان من بخل بماله فهو بنفسه ابخل والشجاعة تستلزم الكرم من غير ~~عكس لان من جاد بنفسه فهو بماله اسمح واجود وهذا الذي PageV01P113 قالوه ~~ليس بلازم اكثره فان الشجاعة والكرم واضدادها اخلاق وغرائز قد تجمع في ~~الرجل وقد يعطى بعضها دون بعض وقد شاهد الناس من اهل الاقدام والشجاعة ~~والبأس من هو ابخل الناس وهذا كثيرا ما يوجد في امة الترك يكون اشجع من ليث ~~وابخل من كلب فالرجل قد يسمح بنفسه ويضن بماله ولهذا يقاتل عليه حتى يقتل ~~فيبدأ بنفسه دونه فمن الناس من يسمح بنفسه وماله ومنهم من يبخل بنفسه ومنهم ~~من يسمح بماله ويبخل بنفسه وعكسه والاقسام الاربعة موجودة في الناس ثم ذكر ~~ضلع الدين وغلبة الرجال فان القهر الذي ينال العبد نوعان احدهما قهر بحق ~~وهو ضلع الدين والثاني قهر بباطل وهو غلبة الرجال فصلوات الله وسلامه على ~~من اوتي جوامع الكلم واقتبست كنوز العلم والحكمة من الفاظة والمقصود ان ~~الغفلة والكسل اللذين هما اصل الحرمان سببهما عدم العلم فعاد النقص كله إلى ~~عدم العلم والعزيمة والكمال كله إلى العلم والعزيمة والناس في هذا على ~~اربعة اضرب الضرب الاول من رزق علما واعين على ذلك بقوة العزيمة على العمل ~~وهذا الضرب خلاصة الخلق وهم الموصوفون في القرآن بقوله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقوله اولى الايدي والابصار وبقوله افمن كان ميتا فاحييناه وجعلنا ~~له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها فبالحياة ~~تنال العزيمة وبالنور ينال العلم وأئمة هذا الضرب هم اولو العزم من الرسل ~~الضرب الثاني ms158 من حرم هذا وهذا وهم الموصوفون بقوله إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لايعقلون وبقوله أم تحسب ان اكثرهم يسمعون أو يعقلون ان ~~هم الا كالانعام بل هم اضلوا سبيلا وبقوله انك لا تسمع الموتى ولا تسمع ~~الصم الدعاء وقوله @QB@ وما أنت بمسمع من في القبور @QE@ وهذا الصنف شر ~~البرية يضيقون الديار ويغلون الاسعار وعند انفسهم انهم يعلمون ولكن ظاهرا ~~من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ~~ينفعهم وينطقون ولكن عن الهوى ينطقون ويتكلمون ولكن بالجهل يتكلمون ويؤمنون ~~ولكن بالجبت والطاغوت ويعبدون ولكن يعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ~~ينفعهم ويجادلون ولكن بالباطل ليدحضوا به الحق ويتفكرون ويبيتون ولكن مالا ~~يرضى من القول يبيتون ويدعون ولكن مع الله الها آخر يدعون ويذكرون ولكن إذا ~~ذكروا لا يذكرون ويصلون ولكنهم من المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين ~~هم يراؤن ويمنعون الماعون ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يبغون ويكتبون ولكن ~~يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ~~فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما يسكبون ويقولون إنما نحن مصلحون ألا ~~انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون فهذا الضرب ناس بالصورة وشياطين بالحقيقة ~~وجلهم إذا فكرت فهم حمير أو كلاب أو ذئاب وصدق البحتري في قوله : ~~PageV01P114 # لم يبق من جل هذا الناس باقية % ينالها الوهم الا هذه الصور وقال الاخر # لا تخدعنك اللحاء والصور % تسعة اعشار من ترى بقر في شجر السدر منهم مثل ~~% لها رواء وما لها ثمر واحسن من هذا كله قوله تعالى وإذا رأيتهم تعجبك ~~اجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة عالمهم كما قيل فيه : # زوامل للأسفار لا علم عندهم % يجيدها الا كعلم الاباعر لعمرك ما يدري ~~البعير إذا غدا % باوساقه أو راح ما في الغرائر واحسن من هذا وابلغ واوجز ~~وافصح قوله تعالى كمثل الحمار يحمل اسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات ~~الله والله لا يهدي القوم الظالمين الضرب الثالث ms159 من فتح له باب العلم وأغلق ~~عنه باب العزم والعمل فهذا في رتبة الجاهل أو شر منه وفي الحديث المرفوع ~~اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ثبته أبو نعيم وغيره ~~فهذا جهله كان خيرا له واخف لعذابه من كمله فما زاده العلم إلا وبالا ~~وعذابا وهذا لا مطمع في صلاحه فإن التائه عن الطريق يرجى له العود اليها ~~إذا ابصرها فإذا عرفها وحاد عنها عمدا فمتى ترجى هدايته قال تعالى كيف يهدي ~~الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا ان الرسول حق وجاءهم البينات والله لا ~~يهدي القوم الظالمين الضرب الرابع من رزق حظا من العزيمة والارادة ولكن قل ~~نصيبه من العلم والمعرفة فهذا اذا وفق له الاقتداء بداع من دعاة الله ~~ورسوله كان من الذين قال الله فيهم @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما @QE@ رزقنا الله من فضله ولا ~~احرمنا بسوء اعمالنا انه غفور رحيم الوجه التسعون ان كل صفة مدح الله بها ~~العبد في القرآن فهي ثمرة العلم ونتيجته وكل ذم ذمه فهو ثمرة الجهل ونتيجته ~~فمدحه بالايمان وهو راس العلم ولبه ومدحه بالعمل الصالح الذي هو ثمرة العلم ~~النافع ومدحه بالشكر والصبر والمسارعة في الخيرات والحب له والخوف منه ~~والرجاء والانابة والحلم والوقار واللب والعقل والعفة والكرم والايثار على ~~النفس والنصيحة لعباده والرحمة بهم والرأفة وخفض الجناح والعفو عن مسيئهم ~~والصفح عن جانبهم وبذل الاحسان لكافتهم ودفع السيئة بالحسنة والامر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر في مواطن الصبر والرضا بالقضاء واللين ~~للأولياء والشدة على الاعداء والصدق في الوعد والوفاء بالعهد والاعراض ~~PageV01P115 عن الجاهلين والقبول من الناصحين واليقين والتوكل والطمأنينة ~~والسكينة والتواصل والتعاطف والعدل في الاقوال والافعال والاخلاق والقوة في ~~امره والبصيرة في دينه والقيام بأداء حقه واستخراجه من المانعين له والدعوة ~~اليه وإلى مرضاته وجنته والتحذير عن سبل اهل الضلال وتبيين طرق الغي وحال ~~سالكيها ms160 والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والحض على طعام المسكين وبر ~~الوالدين وصلة الارحام وبذل السلام لكافة المؤمنين إلى سائر الاخلاق ~~المحمودة والافعال المرضية التي اقسم الله سبحانه على عظمها فقال تعالى ~~@QB@ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون ~~وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ قالت عائشة رضى الله عنها وقد سئلت عن خلق رسول ~~الله فقالت كان خلقه القرآن فاكتفى بذلك السائل وقال فهمت ان اقوم ولا أسال ~~عن شيء بعدها فهذه الاخلاق ونحوها هي ثمرة شجرة العلم واما شجرة الجهل ~~فتثمر كل ثمرة قبيحة من الكفر والفساد والشرك والظلم والبغي والعدوان ~~والجزع والهلع والكنود والعجلة والطيش والحدة والفحش والبذاء والشح والبخل ~~ولهذا قيل في حد البخل جهل مقرون بسوء الظن ومن ثمرته الغش للخلق والكبر ~~عليهم والفخر والخيلاء والعجب والرياء والسمعة والنفاق والكذب واخلاف الوعد ~~والغلظة على الناس والانتقام ومقابلة الحسنة بالسيئة والامر بالمنكر والنهي ~~عن المعروف وترك القبول من الناصحين وحب غير الله ورجائه والتوكل عليه ~~وإيثار رضاه على رضا الله وتقديم امره على امر الله والتماوت عند حق الله ~~والوثوق بما عند حق نفسه والغضب لها والانتصار لها فإذا انتهكت حقوق نفسه ~~لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم بأكثر من حقه وإذا انتهكت محارم الله لم ينبض ~~له عرق غضبا لله فلا قوة في امره ولا بصيرة في دينه ومن ثمرتها الدعوة إلى ~~سبيل الشيطان وإلى سلوك طرق البغي واتباع الهوى وايثار الشهوات على الطاعات ~~وقيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ووأد البنات وعقوق الامهات وقطيعة ~~الارحام وإساءة الجوار وركوب مركب الخزي والعار وبالحملة فالخير بمجموعه ~~ثمر يجتنى من شجرة العلم والشر بمجموعه شوك يجتنى من شجرة الجهل فلو ظهرت ~~صورة العلم للأبصار لزاد حسنها على صورة الشمس والقمر ولو ظهرت صورة الجهل ~~لكان منظرها اقبح منظر بل كل خير في العالم فهو من آثار العلم الذي جاءت به ~~الرسل ومسبب عنه وكذلك كل خير يكون إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة وكل ms161 ~~شر وفساد حصل في العالم ويحصل إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة فسببه ~~مخالفة ما جاءت به الرسل في العلم والعمل ولو لم يكن للعلم اب ومرب وسائس ~~ووزير الا العقل الذي به عمارة الدارين وهو الذي ارشد إلى طاعة الرسل وسلم ~~PageV01P116 القلب والجوارح ونفسه اليهم وانقاد لحكمه وعزل نفسه وسلم الامر ~~إلى اهله لكفى به شرفا وفضلا وقد مدح الله سبحانه العقل وأهله في كتابه في ~~مواضع كثيرة منه وذم من لا عقل له وأخبر انهم اهل النار الذين لا سمع لهم ~~ولا عقل فهو آلة كل علم وميزانه الذي به يعرف صحيحه من سقيمه وراجحه من ~~مرجوحه والمرآة التي يعرف بها الحسن من القبيح وقد قيل العقل ملك والبدن ~~روحه وحواسه وحركاته كلها رعية له فإذا ضعف عن القيام عليها وتعهدها وصل ~~الخلل اليها كلها ولهذا قيل من لم يكن عقله اغلب خصال الخير عليه كان حتفه ~~في أغلب خصال الشر عليه وروى انه لما هبط آدم من الجنة اتاه جبريل فقال ان ~~الله احضرك العقل والدين والحياء لتختار واحدا منها فقال اخذت العقل فقال ~~الدين والحياء امرنا ان لا نفارق العقل حيث كان فانحاز اليه والعقل عقلان ~~عقل غريزة وهو اب العلم ومربيه ومتمره وعقل مكتسب مستفاد وهو ولد العلم ~~وثمرته ونتيجته فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واستقام ~~له امره واقبلت عليه جيوش السعادة من كل جانب وإذا فقد احدهما فالحيوان ~~البهيم احسن حالا منه واذا انفرد انتقص الرجل بنقصان احدهما ومن الناس من ~~يرجح صاحب العقل الغريزي ومنهم من يرجح صاحب العقل المكتسب والتحقيق ان ~~صاحب العقل الغريزي الذي لا علم ولا تجربة عنده آفته التي يؤتى منه الاحجام ~~وترك انتهاز الفرصة لان عقله يعقله عن انتهاز الفرصة لعدم علمه بها وصاحب ~~العقل المكتسب يؤتى من الاقدام فان علمه بالفرص وطرقها يلقيه على المبادرة ~~اليها وعقله الغريزي لا يطيق رده عنه فهو غالبا يؤتى من إقدامه والاول من ~~احجامه فإذا رزق ms162 العقل الغريزي عقلا ايمانيا مستفادا من مشكاة النبوة لا ~~عقلا معيشيا نفاقيا يظن اربابه انهم على شيء الا انهم هم الكاذبون فانهم ~~يرون العقل ان يرضوا الناس على طبقاتهم ويسالموهم ويستجلبوا مودتهم ومحبتهم ~~وهذا مع انه لا سبيل اليه فهو ايثار للراحة والدعة ومؤنة الاذى في الله ~~والموالاة فيه والمعاداة فيه وهو وان كان اسلم عاجلة فهو الهلك في الاجلة ~~فإنه ما ذاق طعم الايمان من لم يوال في الله ويعاد فيه فالعقل كل العقل ما ~~اوصل إلى رضا الله ورسوله والله الموفق المعين وفي حديث مرفوع ذكره ابن ~~عبدالبر وغيره اوحى الله إلى نبي من انبياء بني اسرائيل قل لفلان العابد ~~اما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة واما انقطاعك الي فقد اكتسبت به ~~العز فما عملت فيما لي عليك قال وما لك على قال هل واليت في وليا أو عاديت ~~في عدوا وذكر ايضا انه اوحى الله إلى جبريل ان اخسف بقرية كذا وكذا قال يا ~~رب ان فيهم فلانا العابد قال به فابدأ انه لم يتمعر وجهه في يوما قط الوجه ~~الحادي والتسعون حديث ابن عمر عن النبي اذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ~~قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة قال PageV01P117 حلق الذكر فإن لله ~~سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فاذا اتوا عليهم صفوا بهم قال عطاء ~~مجالس الذكر مجالس الحلال والحرام كيف يشترى ويبيع ويصوم ويصلي ويتصدق ~~وينكح ويطلق ويحج ذكره الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه وقد تقدم بيانه ~~الوجه الثاني والتسعون ما رواه الخطيب ايضا عن ابن عمر يرفعه مجلس فقه خير ~~من عبادة ستين سنة وفي رفعه نظر الوجه الثالث والتسعون ما رواه ايضا من ~~حديث عبدالرحمن بن عوف يرفعه يسير الفقه خير من كثير من العبادة ولا يثبت ~~رفعه الوجه الرابع والتسعون ما رواه ايضا من حديث انس يرفعه فقيه افضل عند ~~الله من ألف عابد وهو في الترمذي من حديث روح ابن جناح عن مجاهد عن ابن ~~عباس مرفوعا وفي ms163 ثبوتهما مرفوعين نظر والظاهر ان هذا من كلام الصحابة فمن ~~دونهم الوجه الخامس والتسعون ما رواه ايضا عن ابن عمر يرفعه افضل العبادة ~~الفقه الوجه السادس والتسعون ما رواه ايضا من حديث نافع عن ابن عمر يرفعه ~~ما عبد الله بشيء افضل من فقه في دين الوجه السابع والتسعون ما رواه عن علي ~~انه قال العالم اعظم اجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله الوجه ~~الثامن والتسعون ما رواه المخلص عن صاعد حدثنا القاسم بن الفضل بن بزيع ~~حدثنا حجاج بن نصير حدثنا هلال بن عبدالرحمن الجعفي عن عطاء بن أبي ميمونة ~~عن أبي هريرة وأبي ذرأنهما قالا باب من العلم يتعلمه احب الينا من الف ركعة ~~تطوعا وباب من العلم نعلمه عمل به أو لم يعمل احب الينا من مائة ركعة تطوعا ~~وقالا سمعنا رسول الله يقول إذا جاء الموت طالب العالم وهو على هذه الحال ~~مات شهيدا ورواه ابن أبي داود عن شاذان عن حجاج به قلت وشاهده ما مر من ~~حديث الترمذي عن انس يرفعه من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ~~الوجه التاسع والتسعون ما رواه الخطيب ايضا عن أبي هريرة قال لان اعلم بابا ~~من العلم في أمر أو نهي احب الي من سبعين غزوة في سبيل الله وهذا ان صح ~~فمعناه احب الي من سبعين غزوة بلا علم لان العمل بلا علم فساده اكثر من ~~صلاحه أو يريد علما يتعلمه ويعلمه فيكون له اجر من عمل به إلى يوم القيامة ~~وهذا لا يحصل في الغزو المجرد الوجه المائة ما رواه الخطيب ايضا عن أبي ~~الدرداء انه قال مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة الوجه الحادي والمائة ~~ما رواه عن الحسن قال لان العلم بابا من العلم فاعلمه مسلما احب الي من ان ~~يكون لي الدنيا في سبيل الله الوجه الثاني والمائة قال مكحول ما عبد الله ~~بأفضل من الفقه الوجه الثالث والمائة قال سعيد بن المسيب ليست عبادة ms164 الله ~~بالصوم والصلاة ولكن بالفقه في دينه وهذا الكلام يراد به امران احدهما انها ~~ليست بالصوم والصلاة الخاليين عن العلم ولكن بالفقه الذي يعلم به كيف الصوم ~~والصلاة والثاني انها ليست الصوم والصلاة PageV01P118 فقط بل الفقه في دينه ~~من اعظم عباداته الوجه الرابع والمائة قال اسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ~~اقرب الناس من درجة النبوة العلماء واهل الجهاد والعلماء دلوا الناس على ما ~~جاءت به الرسل وقد تقدم الكلام في تفضيل العالم على الشهيد وعكسه الوجه ~~الخامس والمائة قال سفيان بن عيينة ارفع الناس عند الله منزلة من كان بين ~~الله وبين عباده وهم الرسل والعلماء الوجه السادس والمائة قال محمد بن شهاب ~~الزهري ما عبدالله بمثل الفقه وهذا الكلام ونحوه يراد به انه ما يعبد الله ~~بمثل ان يتعبد بالفقه في الدين فيكون نفس التفقه عبادة كما قال معاذ بن جبل ~~عليكم بالعلم فان طلبه لله عبادة وسيأتي ان شاء الله ذكر كلامه بتمامه وقد ~~يراد به انه ما عبد الله بعبادة افضل من عبادة يصحبها الفقه في الدين لعلم ~~الفقيه في دينه بمراتب العبادات ومفسداتها وواجبا وسننها وما يكملها وما ~~ينقصها وكلا المعنيين صحيح الوجه السابع والمائة قال سهل بن عبدالله ~~التستري من أراد النظر إلى مجالس الانبياء فلينظر إلى مجالس العلماء وهذا ~~لان العلماء خلفاء الرسل في أممهم ووارثوهم في علمهم فمجالسهم مجالس خلافة ~~النبوة الوجه الثامن والمائة ان كثيرا من الائمة صرحوا بأن افضل الاعمال ~~بعد الفرائض طلب العلم فقال الشافعي ليس شيء بعد الفرائض افضل من طلب العلم ~~وهذا الذي ذكر اصحابه عنه انه مذهبه وكذلك قال سفيان الثوري وحكاه الحنفية ~~عن أبي حنيفة واما الامام أحمد فحكى عنه ثلاث روايات احداهن انه العلم فإنه ~~قيل له أي شيء احب اليك اجلس بالليل انسخ أو اصلي تطوعا قال نسخك تعلم به ~~امور دينك فهو احب الي وذكر الخلال عنه في كتاب العلم نصوصا كثيرة في تفضيل ~~العلم ومن كلامه فيه الناس إلى العلم ms165 احوج منهم إلى الطعام والشراب وقد ~~تقدم الرواية الثانية ان افضل الاعمال بعدالفرائض صلاة التطوع واحتج لهذه ~~الرواية بقوله واعلموا ان خير اعمالكم الصلاة وبقوله في حديث أبي ذر وقد ~~سأله عن الصلاة فقال خيرموضوع وبأنه اوصى من سأله موافقته في الجنة بكثرة ~~السجود وهو الصلاة وكذلك قوله في الحديث الاخر عليك بكثرة السجود فإنك لا ~~تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة وبالاحاديث الدالة ~~على تفضيل الصلاة والرواية الثالثة انه الجهاد فإنه قال لا اعدل بالجهاد ~~شيئا من ذا يطيقه ولا ريب ان اكثر الاحاديث في الصلاة والجهاد وأما مالك ~~فقال ابن القاسم سمعت مالكا يقول ان اقواما ابتغوا العبادة وأضاعوا العلم ~~فخرجوا على امة محمد بأسيافهم ولو ابتغوا العلم لحجزهم عن ذلك قال مالك ~~وكتب أبو موسى الاشعري إلى عمر بن الخطاب انه قرا القرآن عندنا عددكذا وكذا ~~فكتب اليه عمر ان افرض لهم من بيت المال فلما كان في العام PageV01P119 ~~الثاني كتب اليه انه قد قرا القرآن عندنا عدد كثير لأكثر من ذلك فكتب اليه ~~عمر ان امحهم من الديوان فاني اخاف من ان يسرع الناس في القرآن ان يتفقهوا ~~في الدين فيتأولوه على غير تأويله وقال ابن وهب كنت بين يدي مالك بن انس ~~فوضعت الواحي وقمت إلى الصلاة فقال ما الذي قمت اليه بأفضل من الذي تركته ~~قال شيخنا وهذه الامور الثلاثة التي فضل كل واحد من الائمة بعضها وهي ~~الصلاة والعلم والجهاد هي التي قال فيها عمر بن الخطاب رضى الله عنه لولا ~~ثلاث في الدنيا لما احببت البقاء فيها لولا ان احمل أو اجهز جيشا في سبيل ~~الله ولولا مكابدة هذا الليل ولولا مجالسة اقوام ينتقون اطايب الكلام كما ~~ينتقى اطايب التمر لما احببت البقاء فالاول الجهاد والثاني قيام الليل ~~والثالث مذاكرة العلم فاجتمعت في الصحابة بكمالهم وتفرقت فيمن بعدهم الوجه ~~التاسع والمائة ما ذكره أبو نعيم وغيره عن بعض اصحاب رسول الله انه قال فضل ~~العلم خير ms166 من نفل العمل وخير دينكم الورع وقد روى هذا مرفوعا من حديث عائشة ~~رضى الله عنها وفي رفعه نظر وهذا الكلام هو فصل الخطاب في هذه المسئلة فإنه ~~إذا كان كل من العلم والعمل فرضا فلا بد منهما كالصوم والصلاة فإذا كانا ~~فضلين وهما النفلان المتطوع بهما ففضل العلم ونفله خير من فضل العبادة ~~ونفلها لان العلم يعم نفعه صاحبه والناس معه والعبادة يختص نفعها بصاحبها ~~ولان العلم تبقى فائدته وعلمه بعد موته والعبادة تنقطع عنه ولما مر من ~~الوجوه السابقة الوجه العاشر بعدالمائة ما رواه الخطيب وأبو نعيم وغيرهما ~~عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه ~~عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يحسنه صدقة وبذله ~~لاهله قربة به يعرف الله ويعبد وبه يؤحد وبه يعرف الحلال من الحرام وتوصل ~~الارحام وهو الانيس في الوحده والصاحب في الخلوة والدليل على السراء ~~والمعين على الضراء والوزير عند الاخلاء والقريب عند الغرباء ومنار سبيل ~~الجنة يرفع الله به اقواما فيجعلهم في الخير قادة وسادة يقتدى بهم ادلة في ~~الخير تقتص آثارهم وترمق افعالهم وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتهم تمسحهم ~~يستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهو امه وسباع البر وانعامه ~~والسماء ونجومها والعلم حياة القلوب من العمى ونور للأبصار من الظلم وقوة ~~للآبدان من الضعف يبلغ به العبد منازل الابرار والدرجات العلى التفكر فيه ~~يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام وهو إمام للعمل والعمل تابعه يلهمه السعداء ~~ويحرمه الاشقياء هذا الاثر معروف عن معاذ وروراه أبو نعيم في المعجم من ~~حديث معاذ مرفوعا إلى النبي ولا يثبت وحسبه ان يصل إلى معاذ الوجه الحادي ~~PageV01P120 عشر بعدالمائة ما رواه يونس بن عبدالاعلى عن ابن أبي فديك ~~حدثني عمرو بن كثير عن أبي العلاء عن الحسن عن رسول الله قال من جاءه الموت ~~وهو يطلب العلم ليحيى به الاسلام فبينه وبين الانبياء في الجنة درجة النبوة ~~وقد روى من حديث علي بن زيد ms167 بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس عن ~~النبي وهذا وإن كان لا يثبت اسناده فلا يبعد معناه من الصحة فإن افضل ~~الدرجات النبوة وبعدها الصديقية وبعدها الشهادة وبعدها الصلاح وهذه الدرجات ~~الاربع التي ذكرها الله تعالى في كتابه في قوله @QB@ ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا @QE@ فمن طلب العلم ليحيى به الاسلام فهو من الصديقين ~~ودرجته بعد درجة النبوة الوجه الثاني عشر بعدالمائة قال الحسن في قوله ~~تعالى @QB@ ربنا آتنا في الدنيا حسنة @QE@ هي العلم والعبادة @QB@ وفي ~~الآخرة حسنة @QE@ هي الجنة وهذا من احسن التفسير فإن اجل حسنات الدنيا ~~العلم النافع والعمل الصالح الوجه الثالث عشر بعدالمائة قال ابن مسعودعليكم ~~بالعلم قبل ان يرفع ورفعه هلاك العلماء فوالذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا ~~في سبيل الله شهداء ان يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم وإن احدا لم ~~يولد عالما وإنما العلم بالتعلم الوجه الرابع عشر بعد المائة قال ابن عباس ~~وابو هريرة وبعدهما أحمد بن حنبل تذاكر العلم بعض ليلة احب الينا من ~~احيائها الوجه الخامس عشر بعدالمائة قال عمر رضى الله عنه ايها الناس عليكم ~~بالعلم فإن لله سبحانه رداء يحبه فمن طلب باب من العلم رداه الله بردائه ~~فإن اذنب ذنبا استعتبه لئلا يسلبه رداءه ذلك حتى يموت به قلت ومعنى استعتاب ~~الله عبدة ان يطلب منه ان يعتبه أي يزيل عتبه عليه بالتوبة والاستغفار ~~والانابة فإذا اناب اليه رفع عنه عتبة فيكون قد اعتب ربه أي ازال عتبه عليه ~~والرب تعالى قد استعتبه أي طلب منه ان يعتبه ومن هذا قول ابن مسعود وقد ~~وقعت زلزلة بالكوفة ان ربكم يستعتبكم فاعتبوه وهذا هو الاستعتاب الذين تقاه ~~سبحانه في الاخرة في قوله @QB@ فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون @QE@ ~~أي لا نطلب منهم إزالة عتبنا عليهم فإن إزالته إنما تكون بالتوبة وهي لا ~~تنفع في الاخرة وهذا غير استعتاب العبد ربه كما ms168 في قوله تعالى فإن يصبروا ~~فالنار مثوى لهم وان يستعتبوا فماهم من المعتبين فهذا معناه ان يطلبوا ~~إزالة عتبنا عليهم والعفو فماهم من المعتبين أي ماهم ممن يزال العتب عليهم ~~وهذا الاستعتاب ينفع في الدنيا دون الاخرة الوجه السادس عشر بعدالمائة قال ~~عمر رضى الله عنه موت الف عابد اهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه ~~ووجه قول عمر ان هذا العالم يهدم على إبليس كل ما يبنيه بعلمه وإرشاده واما ~~العابد فنفعه مقصور على نفسه الوجه السابع عشر بعدالمائة قول بعض السلف إذا ~~اتى على يوم PageV01P121 لا ازداد فيه علما يقربني إلى الله فلا بورك لي في ~~شمس ذلك اليوم وقد رفع هذا إلى رسول الله ورفعه اليه باطل وحسبه ان يصل إلى ~~واحد من الصحابة أو التابعين وفي مثله قال القائل إذا مربي يوم ولم استفد ~~هدى ولم اكتسب علما فما ذلك من عمري الوجه الثامن عشر بعدالمائة قال بعض ~~السلف الايمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم وقد رفع هذا ~~ايضا ورفعه باطل الوجه التاسع عشر بعدالمائة إنه في بعض الاثار بين العالم ~~والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة وقد رفع هذا ~~ايضا وفي رفعه نظر الوجه العشرون بعدالمائة ما رواه حرب في مسائله مرفوعا ~~إلى النبي يجمع الله تعالى العلماء يوم القيامة ثم يقول يا معشر العلماء ~~إني لم اضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم ولم اضع علمى فيكم لاعذبكم اذهبوا فقد ~~غفرت لكم وهذا وإن كان غريبا فله شواهد حسان الوجه الحادي والعشرون ~~بعدالمائة قول ابن المبارك وقد سئل من الناس قال العلماء قيل فمن الملوك ~~قال الزهاد قيل فمن السفلة قال الذي يأكل بدينه الوجه الثاني العشرون ~~بعدالمائة ان من ادرك العلم لم يضره ما فاته بعد ادراكه اذ هو افضل الحظوظ ~~والعطايا ومن فاته العلم لم ينفعه ما حصل له من الحظوظ بل يكون وبالاعليه ~~وسببا لهلاكه وفي هذا قال بعض السلف أي شيء ادرك من ms169 فاته العلم واي شيء ~~فاته من ادرك العلم الوجه الثالث والعشرون بعدالمائة قال بعض العارفين اليس ~~المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت قالوا بلى قالوا فكذلك القلب ~~إذا منع عنه العلم والحكمة ثلاثة ايام يموت وصدق فان العلم طعام القلب ~~وشرابه ودواؤه وحياته موقوفة على ذلك فإذا فقد القلب العلم فهو موت لو كان ~~لا يشعر بموته كما ان السكران الذي قد زال عقله والخائف الذي قد انتهى خوفه ~~إلى غايته والمحب والمفكر قد يبطل احساسهم بألم الجراحات في تلك الحال فإذا ~~صحوا وعادوا إلى حال الاعتدال ادركوا آلامها هكذا العبد إذا حط عنه الموت ~~احمال الدنيا وشواغلها اختص بهلاكه وخسرانه # فحتام لا تصحوا وقد قرب المدى % وحتام لا ينجاب عن قلبك السكر بل سوف ~~تصحو حين ينكشف الغطا % وتذكر قولي حين لا ينفع الذكر فإذا كشف الغطاء وبرح ~~الخفاء وبليت السرائر وبدت الضمائر وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ~~فحينئذ يكون الجهل ظلمة على الجاهلين والعلم حسرة على الباطلين الوجه ~~الرابع والعشرون بعدالمائة قال أبو الدرداء من رأى ان الغدو إلى العلم ليس ~~بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله وشاهد هذا قول معاذ وقد تقدم الوجه الخامس ~~والعشرون بعدالمائة قول أبي الدرداء ايضا لان اتعلم مسئلة احب الي من قيام ~~ليلة الوجه السادس والعشرون PageV01P122 بعدالمائة قوله ايضا العالم ~~والمتعلم شريكان في الاجر وسائر الناس همج لا خير فيهم الوجه السابع ~~والعشرون بعدالمائة ما رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ~~انه سمع رسول الله يقول من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان ~~كالمجاهد في سبيل الله ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له الوجه ~~الثامن والعشرون بعدالمائة ما رواه ايضا في صحيحه من حديث الثلاثة الذين ~~انتهوا إلى رسول الله وهو جالس في حلقه فأعرض احدهم واستحى الاخر فجلس ~~خلفهم وجلس الثالث في فرجة في الحلقة فقال النبي اما احدهم فأوى إلى الله ~~فآواه الله وأما الاخر ms170 فاستيحا فاستحيا الله منه وأما الاخر فاعرض فاعرض ~~الله عنه فلولم يكن لطالب العلم الا ان الله يؤويه اليه ولا يعرض عنه لكفى ~~به فضلا الوجه التاسع والعشرون بعد المائة ما رواه كميل بن زياد النخعي قال ~~اخذ علي بن أبي طالب رضى الله عنه بيدي فاخرجني ناحية الجبانة فلما اصحر ~~جعل يتنفس ثم قال يا كميل بن زياد القلوب اوعية فخيرها اوعاها احفظ عني ما ~~اقول لك الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع اتباع كل ~~ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئؤوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ~~العلم خير من المال العلم يحرسك وانت تحرس المال العلم يكزكوا على الانفاق ~~وفي رواية على العمل والمال تنقصه النفقة العلم حاكم والمال محكوم عليه ~~ومحبة العلم دين يدان بها العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل ~~الاحدوثة بعد وفاته وصنيعة المال تزول بزواله مات خزان الاموال وهم احياء ~~والعلماء باقون ما بقي الدهر اعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة هاه ~~هاه إن ههنا علما واشار بيده إلى صدره لو اصبت له حملة بل اصبته لقنا غير ~~مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا يستظهر حجج الله على كتابه وبنعمه على ~~عباده أو منقادا لاهل الحق لا بصير له في احبائه ينقدح الشك في قلبه بأول ~~عارض من شبهة لاذاو لا ذاك أو منهوما للذات سلس القياد للشهوات أو مغرى ~~بجمع الاموال والادخار ليسا من دعاة الدين اقرب شبها بهم الانعام السائمة ~~لذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بك لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته ~~لكيلا تبطل حجج الله وبنياته اولئك الاقلون عددا الاعظمون عند الله قيلا ~~بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب اشابههم ~~هجم بهم العلم على حقيقة الامر فاستلانوا ما استوعر منه المترفون وانسوا ~~بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان ارواحها معلقة بالملأ الاعلى ~~اولئك خلفاء الله في ارضه ودعاته إلى دينه هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم ms171 واستغفر ~~الله لي ولك اذا شئت فقم ذكره أبو نعيم في الحلية وغيره قال أبو بكر الخطيب ~~هذا حديث حسن من احسن الاحاديث معنى واشرفها لفظا وتقسيم امير PageV01P123 ~~المؤمنين للناس في اوله تقسيم في غاية الصحة ونهاية السداد لان الانسان لا ~~يخلو من أحد الاقسام التي ذكرها مع كمال العقل وإزاحة العلل اما ان يكون ~~عالما أو متعلما أو مغفلا للعلم وطلبه اليس بعالم ولا طالب له فالعالم ~~الرباني هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد وقد ~~دخل في الوصف له بانه رباني وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لاهله ويمنع ~~وصفه بما خالفها ومعنى الرباني في اللغة الرفيع الدرجة في العلم العالي ~~المنزلة فيه وعلى ذلك حملوا قوله تعالى @QB@ لولا ينهاهم الربانيون @QE@ ~~وقوله @QB@ كونوا ربانيين @QE@ قال ابن عباس حكماء فقهاء وقال أبو رزين ~~فقهاء علماء وقال أبو عمر الزاهد سالت ثعلبا عن هذا الحرف وهو الرباني فقال ~~سألت ابن الاعرابي فقال إذا كان الرجل عالما عاملا معلما قيل له هذا رباني ~~فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني # قال ابن الانباري عن النحويين ان الربانيين منسوبون إلى الرب وان الالف ~~والنون زيدتا للمبالغة في النسب كما تقول لحياني وجبهاني إذا كان عظيم ~~اللحية والجبهة واما المتعلم على سبيل النجاة فهو الطالب بتعلمه والقاصد به ~~نجاته من التفريط في تضييع الفروض الواجبة عليه والرغبة بنفسه عن احمالها ~~واطراحها والانفة من مجانسة البهائم ثم قال وقد نفى بعض المتقدمين عن الناس ~~من لم يكن من اهل العلم واما القسم الثالث فهم المهملون لانفسهم الراضون ~~بالمنزلة الدنية والحال الخسيسة التي هي في الحضيض الاسقط والهبوط الاسفل ~~التي لا منزلة بعدها في الجهل ولا دونها في السقوط وما احسن ما شبههم ~~بالهمج الرعاع وبه يشبه دناة الناس واراذلهم والرعاع المتبدد المتفرق ~~وللناعق الصائح وهو في هذا الموضع الراعي يقال نعق الراعي بالغنم ينعق اذا ~~صاح بها ومنه قوله تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بمالا يسمع ms172 الا ~~دعاءا ونداءا صم بكم عمي فهم لا يعقلون ونحن نشير إلى بعض ما في هذا الحديث ~~من الفوائد فقوله رضى الله عنه القلوب اوعية يشبه القلب بالوعاء والاناء ~~والوادي لانه وعاء للخير والشر وفي بعض الاثار ان لله في ارضه آنية وهي ~~القلوب فخيرها ارقها واصلبها واصفاها فهي اواني مملوءة من الخير واواني ~~مملوة من الشر كما قال بعض السلف قلوب الابرار تغلى بالبر وقلوب الفجار ~~تغلى بالفجور وفي مثل هذا قيل في المثل وكل إناء بالذي فيه ينضح وقال تعالى ~~@QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها @QE@ شبه العلم بالماء النازل ~~من السماء والقلوب في سعتها وضيقها بالاودية فقلب كبير واسع يسع علما كثيرا ~~كواد كبير واسع يسع ماءا كثيرا وقلب صغير ضيق يسع علما قليلا كواد صغير ضيق ~~يسع ماءا قليلا ولهذا قال النبي لا تسموا العنب الكرم فإن الكرم قلب المؤمن ~~فانهم كانوايسمون شجر العنب الكرم لكثرة منافعه وخيره والكرم كثيرة الخير ~~والمنافع فأخبرهم ان قلب PageV01P124 المؤمن اولى بهذه التسمية لكثرة ما ~~فيه من الخير والمنافع وقوله فخيرها اوعاها يراد به اسرعها وعيا واثبتها ~~وعيا ويراد به ايضا احسنها وعيا فيكون حسن الوعي الذي هو إيعاء لما يقال له ~~في قلبه هو سرعته وكثرته وثباته والوعاء من مادة الوعي فإنه آلة ما يوعى ~~فيه كالغطاء والفراش والبساط ونحوها ويوصف بذلك القلب والاذن كقوله تعالى ~~إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها اذن واعية ~~قال قتادة اذن سمعت وعقلت عن الله ما سمعت وقال الفراء لتحفظها كل اذن ~~فتكون عظة لمن يأتي بعد فالوعي توصف به الاذن كما يوصف به القلب يقال قلب ~~واع وأذن واعية لما بين الاذن والقلب من الارتباط فالعلم يدخل من الاذن إلى ~~القلب فهي بابه والرسول الموصل اليه العلم كما ان اللسان رسوله المؤدى عنه ~~ومن عرف ارتباط الجوارح بالقلب علم ان الاذن احقها ان توصف بالوعي وانها ~~إذا وعت وعي القلب وفي حديث جابر في المثل الذي ms173 ضربته الملائكة للنبي ~~ولأمته وقول الملك له اسمع سمعت اذنك وعقل قلبك فلما كان القلب وعاءا ~~والاذن مدخل ذلك الوعاء وبابه كان حصول العلم موقوفا على حسن الاستماع وعقل ~~القلب والعقل هو ضبط ما وصل إلى القلب وإمساكه حتى لايتفلت منه ومنه عقل ~~البعير والدابة والعقال لما يعقل به وعقل الانسان يسمى عقلا لانه يعقله عن ~~اتباع الغي والهلاك ولهذا يسمى حجرا لانه يمنع صاحبه كما يمنع الحجر ما ~~حواه فعقل الشيء اخص من علمه ومعرفته لان صاحبه يعقل ما علمه فلا يدعه يذهب ~~كما تعقل الدابة التي يخاف شرودها وللادراك مراتب بعضها اقوى من بعض فاولها ~~الشعور ثم الفهم ثم المعرفة ثم العلم ثم العقل ومرادنا بالعقل المصدر لا ~~القوة الغريزية التي ركبها الله في الانسان فخير القلوب ما كان واعيا للخير ~~ضابطا له وليس كالقلب القاسي الذي لايقبله فهذا قلب حجري ولا كالمائع ~~الاخرق الذي يقبل ولكن لا يحفظ ولا يضبط فتفهيم الاول كالرسم في الحجر ~~وتفهيم الثاني كالرسم على الماء بل خير القلوب ما كان لينا صلبا يقبل بلينه ~~ما ينطبع فيه ويحفظ صورته بصلابته فهذا تفهيمه كالرسم في الشمع وشبهه وقوله ~~الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة همج رعاع هذا تقسيم خاص ~~للناس وهو الواقع فإن العبد إما ان يكون قد حصل كماله من العلم والعمل اولا ~~فالاول العالم الرباني والثاني اما ان تكون نفسه متحركة في طلب ذلك الكمال ~~ساعية في إدراكه اولا والثاني هو المتعلم على سبيل النجاة الثالث وهو الهمج ~~الرعاج فالاول هو الواصل والثاني هو الطالب والثالث هو المحروم والعالم ~~الرباني قال ابن عباس رضى الله عنهما هو المعلم اخذه من التربية أي يربى ~~الناس بالعلم ويربيهم به كما يربى الطفل ابوه وقال سعيد بن جبير هو الفقيه ~~العليم الحكيم قال سيبويه زادوا الفا ونونا في الرباني إذا ارادوا تخصيصا ~~بعلم الرب تبارك وتعالى كما قالوا أشعر اني ولحياني ومعني قول سيبويه رحمه ~~الله ان هذا العالم لما نسب إلى ms174 علم الرب تعالى الذي بعث به رسوله ~~PageV01P125 وتخصص به نسب اليه دون سائر من علم علما قال الواحدي فالرباني ~~على قوله منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بعلم الرب أي يعلم الشريعة وصفات ~~الرب تبارك وتعالى وقال المبرد الرباني الذي يرب العلم ويرب الناس به أي ~~يعلمهم ويصلحهم وعلى قوله فالرباني من رب يرب ربا أي يربيه فهو منسوب إلى ~~التربية ويربى علمه ليكمل ويتم بقيامه عليه وتعاهده إياه كما يربى صاحب ~~المال ماله يربي الناس به كما يربى الاطفال اولياؤهم وليس هذا من قوله @QB@ ~~وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير @QE@ فالربيون هنا الجماعات باجماع ~~المفسرين قيل إنه من الربة بكسر الراء وهي الجماعة قال الجوهري الربي واحد ~~الربيين وهم الالوف من الناس قال تعالى @QB@ وكأين من نبي قاتل معه ربيون ~~كثير فما وهنوا لما أصابهم @QE@ ولا يوصف العالم بكونه ربانيا حتى يكون ~~عاملا بعمله معلما له فهذا قسم والقسم الثاني متعلم على سبيل نجاة أي قاصدا ~~بعلمه النجاة وهو المخلص في تعلمه المتعلم ما ينفعه العامل بما علمه فلا ~~يكون المتعلم على سبيل نجاة الا بهذه الامور الثلاثة فإنه إن تعلم ما يضره ~~ولاينفعه لم يكن على سبيل نجاة وإن تعلم ما ينتفع به لا للنجاة فكذلك وإن ~~تعلمه ولم يعمل به لم يحصل له النجاة ولهذا وصفه بكونه على السبيل اي على ~~الطريق التي تنجيه وليس حرف على وما عمل فيه متعلقا بمتعلم إلا على وجه ~~التضمين أي مفتش متطلع على سبيل نجاته فهذا في الدرجة الثانية وليس ممن ~~تعلمه ليمارى به السفهاء أو يجارى به العلماء أو يصرف وجوه الناس اليه فإن ~~هذا من اهل النار كما جاء في الحديث وثبته أبو نعيم ايضا قوله من تعلم علما ~~مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد رائحة ~~الجنة قال وثبت ايضا قوله اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله ~~بعلمه فهؤلاء ليس فيهم من هو على سبيل ms175 نجاة بل على سبيل الهلكة نعوذ بالله ~~من الخذلان القسم الثالث المحروم المعرض فلا عالم ولا متعلم بل همج رعاع ~~والهمج من الناس حمقاؤهم وجهلتهم واصله من الهمج جمع همجة وهو ذباب صغير ~~كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والدواب واعينها فشبه همج الناس به والهمج ~~ايضا مصدر قال الراجز : # قد هلكت جارتنا من الهمج % وان تجع تأكل عتودا أو ثلج والهمج هنا مصدر ~~ومعناه سوء التدبير في أمر المعيشة وقولهم همج هامج مثل ليل لايل والرعاع ~~من النساء الحمقى الذين لايعتد بهم وقوله اتباع كل ناعق أي من صاح بهم ~~ودعاهم تبعوه سواء دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال فانهم لا علم لهم بالذي يدعون ~~اليه احق هو أم باطل فهم مستجيبون لدعوته وهؤلاء من اضر الخلق على الاديان ~~فإنهم الاكثرون عددا الاقلون PageV01P126 عند الله قدرا وهم حطب كل فتنة ~~بهم توقد ويشب ضرامها فإنها يهتز لها اولو الدين ويتولاها الهمج الرعاع ~~وسمى داعيهم ناعقا تشبيها لهم بالانعام التي ينعق بها الراعي فتذهب معه اين ~~ذهب قال تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاءا ~~ونداءا صم بكم عمي فهم لا يعقلون وهذا الذي وصفهم به امير المؤمنين هو من ~~عدم علمهم وظلمة قلوبهم فليس لهم نور ولا بصيره يفرقون بها بين الحق ~~والباطل بل الكل عندهم سواء وقوله رضى الله عنه يميلون مع كل ريح وفي رواية ~~مع كل صائح شبه عقولهم الضعيفة بالغصن الضعيف وشبه الاهوية والاراء بالرياح ~~والغصن يميل مع الري حيث مالت وعقول هؤلاء تميل مع كل هوى وكل داع ولو كانت ~~عقولا كاملة كانت كالشجرة الكبيرة التي لاتتلاعب بها الرياح وهذا بخلاف ~~المثل الذي ضربه النبي للمؤمنين بالخامة من الزرع تفيئه الريح مرة وتقيمه ~~اخرى والمنافق كشجرة الارز التي لا تقطع حتى تستحصد فإن هذا المثل ضرب ~~للمؤمن وما يلقاه من عواصف البلاء والاوجاع والاوجال وغيرها فلا يزال بين ~~عافية وبلاء ومحنة ومنحة وصحة وسقم وأمن وخوف وغير ذلك فيقع مرة ms176 ويقوم اخرى ~~ويميل تارة ويعتدل اخرى فيكفر عنه بالبلاء ويمحص به ويخلص من كدره والكافر ~~كله خبث ولا يصلح الا للوقود فليس في إصابته في الدنيا بانواع البلاء من ~~الحكمة والرحمة ما في اصابة المؤمن فهذه حال المؤمن في الابتلاء واما مع ~~الاهواء ودعاة الفتن والضلال والبدع فكما قيل : # تزول الجبال الراسيات وقلبه % على العهد لا يلوى ولا يتغير وقوله رضى ~~الله عنه لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق بين السبب الذي ~~جعلهم بتلك المثابة وهو انه لم يحصل لهم من العلم نور يفرقون به بين الحق ~~والباطل كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ~~يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به @QE@ وقال تعالى @QB@ أو من ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ~~ليس بخارج منها @QE@ وقوله تعالى @QB@ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور @QE@ الاية وقوله @QB@ ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ فإذا عدم القلب هذا النور صار بمنزلة ~~الحيران الذي لا يدري اين يذهب فهو لحيرته وجهله بطريق مقصوده يؤم كل صوت ~~يسمعه ولم يسكن قلوبهم من العلم ما تمتنع به من دعاة الباطل فإن الحق متى ~~استقر في القلب قوى به وامتنع مما يضره ويهلكه ولهذا سمى الله الحجة ~~العلمية سلطانا وتقدم قدم ذلك فالعبد يؤتى من ظلمة بصيرته ومن ضعف قلبه ~~فاذا PageV01P127 استقر فيه العلم النافع استنارت بصيرته وقوى قلبه وهذان ~~الاصلان هما قطب السعادة اعني العلم والقوة وقد وصف بهما سبحانه المعلم ~~الاول جبريل صلوات الله وسلامه عليه فقال @QB@ إن هو إلا وحي يوحى علمه ~~شديد القوى @QE@ وقال تعالى في سورة التكوير @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي ~~قوة عند ذي العرش مكين @QE@ فوصفه بالعلم والقوة وفيه معنى احسن من هذا وهو ~~الاشبه بمراد على رضى الله عنه وهو ان هؤلاء ليسوا من اهل البصائر الذين ~~استضاؤا بنور العلم ولا لجئوا ms177 إلى عالم مستبصر فقلدوه ولا متبعين لمستبصر ~~فإن الرجل اما ان يكون بصيرا أو اعمى متمسكا ببصير يقوده أو اعمى يسير بلا ~~قائد وقوله رضى الله عنه العلم خير من المال العلم يحرسك وانت تحرس المال ~~يعني ان العلم يحفظ صاحبه ويحميه من مواردالهلكة ومواقع العطب فإن الانسان ~~لا يلقى نفسه في هلكة إذا كان عقله معه ولا يعرضها لمتلف إلا إذا كان جاهلا ~~بذلك لا علم له به فهو كمن يأكل طعاما مسموما فالعالم بالسم وضرره يحرسه ~~علمه ويمتنع به من اكله والجاهل به يقتله جهله فهذا مثل حراسة العلم للعالم ~~وكذا الطبيب الحاذق يمتنع بعلمه عن كثير ما يجلب له الامراض والاسقام وكذا ~~العالم بمخاوف طريق سلوكه ومعاطبها يأخذ حذره منها فيحرسه علمه من الهلاك ~~وهكذا العالم بالله وبامره وبعدوه ومكائده ومداخله على العبد يحرسه علمه من ~~وساوس الشيطان وخطراته والقاء الشك والريب والكفر في قلبه فهو بعلمه يمتنع ~~من قبول ذلك فعلمه يحرسه من الشيطان فكلما جاء ليأخذه صاح به حرس العلم ~~والايمان فيرجع خاسئا خائبا واعظم ما يحرسه من هذا العدو المبين العلم ~~والايمان فهذا السبب الذي من العبد والله من وراء حفظه وحراسته وكلاءته ~~فمتى وكله إلى نفسه طرفة عين تخطفه عدوه قال بعض العارفين اجمع العارفون ~~على ان التوفيق ان لا يكلك الله إلى نفسك واجمعوا على ان الخذلان ان يخلى ~~بينك وبين نفسك وقوله العلم يزكوا على الانفاق والمال تنقصه النفقة العالم ~~كلما بذل علمه للناس وانفق منه تفجرت بنابيعه فازداد كثرة وقوة وظهورا ~~فيكتسب بتعليمه حفظ ما علمه ويحصل له به علم ما لم يكن عنده وربما تكون ~~المسئلة في نفسه غير مكشوفة ولا خارجة من حيز الاشكال فإذا تكلم بها وعلمها ~~اتضحت له واضاءت وانفتح له منها علوم اخر وايضا فإن الجزاء من جنس العمل ~~فكما علم الخلق من جهالتهم جزاه الله بان كلمة من جهالته كما في صحيح مسلم ~~من حديث عياض بن حمار عن النبي انه قال في حديث ms178 طويل وان الله قال لي انفق ~~انفق عليك وهذا يتناول نفقة العلم اما بلفظه وإما بتنبيهه وإشارته وفحواه ~~ولزكاء العلم ونحوه طريقان احدهما تعليمه والثاني العمل به فإن العمل به ~~ايضا ينميه ويكثره ويفتح لصاحبه ابوابه وخباياه وقوله والمال تنقصه النفقة ~~لا ينافي قول النبي ما نقصت صدقة من مال فإن المال إذا تصدقت منه وانفقت ~~ذهب ذلك القدر PageV01P128 وخلفه غيره وأما العلم فكالقبس من النار لو ~~اقتبس منها العالم لم يذهب منها شيء بل يزيد العلم بالاقتباس منه فهو ~~كالعين التي كلما اخذ منها قوى ينبوعها وجاش معينها وفضل العلم على المال ~~يعلم من وجوه احدها ان العلم ميراث الانبياء والمال ميراث الملوك والاغنياء ~~والثاني ان العلم يحرس صاحبه وصاحب المال يحرس ماله والثالث ان المال تذهبه ~~النفقات والعلم يزكوا على النفقة الرابع ان صاحب المال إذا مات فارقه ماله ~~والعلم يدخل معه قبره الخامس ان العلم حاكم على المال والمال لا يحكم على ~~العلم السادس ان المال يحصل للمؤمن والكافر والبر والفاجر والعلم النافع لا ~~يحصل الا للمؤمن ز السابع ان العالم يحتاج اليه الملوك فمن دونهم وصاحب ~~المال إنما يحتاج اليه اهل العدم والفاقة الثامن ان النفس تشرف وتزكو بجمع ~~العلم وتحصيله وذلك من كمالها وشرفها والمال يزكيها ولا يكمله ولا يزيدها ~~صفة كمال بل النفس تنقص وتشح وتبخل بجمعه والحرص عليه فحرصها على العلم عين ~~كمالها وحرصها على المال عين نقصها التاسع ان المال يدعوها إلى الطغيان ~~والفخر والخيلاء والعلم يدعوها إلى التوضع والقيام بالعبودية فالمال يدعوها ~~إلى صفات الملوك والعلم يدعوها إلى صفات العبيد العاشر ان العلم جاذب موصل ~~لها إلى سعادتها التي خلقت لها والمال حجاب بينها وبينها الحادي عشر ان غني ~~العلم اجل من غني المال فإن غني المال غنى بأمر خارجي عن حقيقة الانسان لو ~~ذهب في ليلة اصبح فقيرا معدما وغني العلم لا يخشى عليه الفقر بل هو في ~~زايدة ابدا فهو الغني العالي حقيقة كما قيل # غنيت بلا مال عن ms179 الناس كلهم % وان الغني العالي عن الشيء لا به الثاني ~~عشر ان المال يستعبد محبه وصاحبه فيجعله عبدا له كما قال النبي تعس عبد ~~الدينار والدرهم الحديث والعلم يستعبده لربه وخالقه فهو لا يدعوه إلا إلى ~~عبودية الله وحده الثالث عشر ان احب العلم وطلبه اصل كل طاعة وحب الدنيا ~~والمال وطلبه اصل كل سيئة الرابع عشر ان قيمة الغني ماله وقيمة العالم علمه ~~فهذا متقوم بماله فإذا عدم ماله عدمت قيمته وبقي بلا قيمة والعالم لاتزول ~~قيمته بل هي فيضاعف وزيادة دائما الخامس عشر ان جوهر المال من جنس جوهر ~~البدن وجوهر العلم من جنس جوهر الروح كما قال يونس بن حبيب علمك من روحك ~~ومالك من بدنك والفرق بين الامرين كالفرق بين الروح والبدن السادس عشر ان ~~العالم لو عرض عليه بحظه من العلم الدنيا بما فيها لم يرضها عوضا من علمه ~~والغني العاقل إذا رأى شرف العلم وفضله وابتهاجه بالعلم وكماله به يود لو ~~ان له علمه بغناه اجمع السابع عشر انه ما اطاع الله أحد قط الا بالعلم ~~وعامة من يعصيه إنما يعصيه بالمال الثامن عشر ان العالم يدعو الناس إلى ~~الله بعلمه وحاله وجامع المال يدعوهم إلى الدنيا بحاله وماله التاسع عشر ان ~~غنى المال قد يكون سبب هلاك صاحبه كثيرا فإنه معشوق النفوس فإذا رأت من ~~يستأثر بمعشوقها عليها سعت في هلاكه كما هو الواقع وأما غنى PageV01P129 ~~العلم فسبب حياة الرجل وحياة غيره به والناس إذا راوا من يستأثر عليهم به ~~ويطلبه احبوه وخدموه واكرموه العشرون إن اللذة الحاصلة من غنى إما لذة ~~وهمية وإما لذة بهيمية فإن صاحبه التذ بنفس جمعه وتحصيله فتلك لذة وهمية ~~خيالية وان التذ بانفاقه في شهواته فهي لذة بهيمية واما لذة العلم فلذة ~~عقلية روحانية وهي تشبه لذة الملائكة وبهجتها وفرق ما بين اللذتين الحادي ~~والعشرون ان عقلاء الامم مطبقون على ذم الشره في جمع المال الحريص عليه ~~وتنقصه والازراء به ومطبقون على تعظيم الشره في جمع العلم ms180 وتحصيله ومدحه ~~ومحبته ورؤيته بعين الكمال الثاني والعشرون انهم مطبقون على تعظيم الزاهد ~~في المال المعرض عن جمعه الذي لا يلتفت اليه ولا يجعل قلبه عبدا له ومطبقون ~~على ذم الزاهد في العلم الذي لا يلتفت اليه ولا يحرص عليه الثالث والعشرون ~~ان المال يمدح صاحبه بتخليه منه وإخراجه والعلم إنما يمدح يتخليه به ~~واتصافه به الرابع والعشرون ان غنى المال مقرون بالخوف والحزن فهو حزين قبل ~~حصوله خائف بعد حصوله وكلما كان اكثر كان الخوف اقوى وغني العلم مقرون ~~بالامن والفرح والسرور الخامس والعشرون ان الغنى بماله لا بد ان يفارقه ~~غناه ويتعذب ويتألم بمفارقته والغنى بالعلم لا يزول ولا يتعذب صاحبه لا ~~يتألم فلذة الغنى بالماللذة زائلة منقطعة يعقبها الالم ولذة الغنى بالعلم ~~لذة باقية مستمرة لا يلحقها الم السادس والعشرون ان استلذاذ النفس وكمالها ~~بالغني استكمال بعارية مؤداة فتجملها بالمال تجمل بثوب مستعار لا بد ان ~~يرجع إلى مالكه يوما ما واما تجملها بالعلم وكمالها به فتجمل بصفة ثابتة ~~لها راسخة فيها لا تفارقها السابع والعشرون ان الغني بالمال هو عين فقر ~~النفس والغنى بالعلم هو عين فقر النفس والغنى بالعلم هو غناها بالحقيقي ~~فغناها بعلمها هو الغني غناها بمالها هو الفقر الثامن والعشرون ان من قدم ~~وأكرم لماله إذا زال ماله زال تقديمه وإكرامه ومن قدم وأكرم لعلمه لا يزداد ~~الا تقديما وإكراما التاسع والعشرون ان تقديم الرجل لماله هو عين ذمه فانه ~~نداء عليه بنقصه وانه لولا ماله لكان مستحقا للتأخر والاهانة واما تقديمه ~~وإكرامه لعلمه فإنه عين كماله إذ هو تقديم له بنفسه وبصفته القائمة به لا ~~بأمر خارج عن ذاته الوجه الثلاثون ان طالب الكمال بغنى المال كالجامع بين ~~الضدين فهو طالب مالا سبيل له اليه وبيان ذلك ان القدرة صفة كمال وصفة ~~الكمال محبوبة بالذات والاستغناء عن الغير ايضا صفة كمال محبوبة بالذات ~~فإذا مال الرجل بطبعه إلى السخاوة والجود وفعل المكرمات فهذا كمال مطلوب ~~للعقلاء محبوب للنفوس وإذا التفت إلى ان ms181 ذلك يقتضى خروج المال من يده وذلك ~~يوجب نقصه واحتياجه إلى الغير وزوال قدرته نفرت نفسه عن السخاء والكرم ~~والجود واصطناع المعروف وظن ان كماله في إمساك المال وهذه البلية امر ثابت ~~لعامة الخلق لا ينكفون عنها فلأجل ميل الطبع إلى حصول المدح والثناء ~~والتعظيم بحب الجود والسخاء PageV01P130 والمكارم ولأجل فوت القدرة الحاصلة ~~بسبب اخراجه والحاجة المنافية لكمال الغنى يحب ابقاء ماله ويكره السخاء ~~والكرم والجود فيبقى قلبه واقفا بين هذين الداعيين يتجاذبانه ويعتور ان ~~عليه فيبقى القلب في مقام المعارضة بينهما فمن الناس من يترجح عنده جانب ~~البذل والجود والكرم فيؤثره على الجانب الاخر ومنهم من يترجح عنده جانب ~~الامساك وبقاء القدرة والغني فيؤثره فهذان نظران للعقلاء ومنهم من يبلغ به ~~الجهل والحماقة إلى حيث يريد الجمع بين الوجهين فيعد الناس بالجود والسخاء ~~والمكارم طمعا منه في فوزه بالمدح والثناء على ذلك وعند حضور الوقت لا يفي ~~بما قال فيستحق الذم ويبذل بلسانه ويمسك بقلبه ويده فيقع في أنواع القبائح ~~والفضائح وإذا تأملت احوال اهل الدنيا من الاغنياء رأيتهم تحت اسر هذه ~~البلية وهم غالبا يبكون ويشكون وأما غنى العلم فلا يعرض له شيء من ذلك بل ~~كلما بذله ازداد ببذلة فرحا سرورا وابتهاجا وإن فاتته لذة اهل الغنى ~~وتمتعهم باموالهم فهم ايضا قد فاتتهم لذة اهل العلم وتمتعهم بعلومهم ~~وابتهاجهم بها فمع صاحب العلم من اسباب اللذة ما هو اعظم واقوى وادوم من ~~لذة الغنى وتعبه في تحصيله وجمعه وضبطه اقل من تعب جامع المال فجمعه والمه ~~دون المه كما قال تعالى للمؤمنين تسلية لهم بما ينالهم من الالم والتعب في ~~طاعته ومرضاته ولا تهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فانهم يألمون ~~كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما الحادي ~~والثلاثون ان اللذة الحاصلة من المال والغنى إنما هي حال تجدده فقط واما ~~حال دوامه فإما ان تذهب تلك اللذة وإما ان تنقص ويدل عليه ان الطبع يبقى ~~طالبا لغنى آخر حريصا عليه ms182 فهو يحاول تحصيل الزيادة دائما فهو في فقر مستمر ~~غير منقض ولو ملك خزائن الأرض ففقره وطلبه وحرصه باق عليه فإنه أحد ~~المنهومين اللذين لا يشبعان فهو لا يفارقه الم الحرص والطلب وهذا بخلاف غنى ~~العلم والإيمان فان لذته في حال بقائه مثلها في حال تجدده بل ازيد وصاحبها ~~وان كان لا يزال طالبا للمزيد حريصا عليه فطلبه وحرصه مستصحب للذة الحاصل ~~ولذة المرجو المطلوب ولذة الطلب وابتهاجه فرجه به الثاني والثلاثون ان غني ~~المال يستدعي الانعام على الناس والاحسان اليهم فصاحبه اما ان يسد على نفسه ~~هذا الباب واما ان يفتحه عليه فان سده على نفسه اشتهر عند الناس بالبعد من ~~الخير والنفع فأبغضوه وذموه واحتقروه وكل من كان بغيضا عند الناس حقيرا ~~لديهم كان وصول الافات والمضرات اليه اسرع من النار في الحطب اليابس ومن ~~السيل في منحدره وإذا عرف من الخلق انهم يمقتونه ويبغضونه ولا يقيمون له ~~وزنا تألم قلبه غاية التألم واحضر الهموم والغموم والاحزان وان فتح باب ~~الاحسان والعطاء فإنه لايمكنه ايصال الخير والاحسان إلى كل أحد فلا بد من ~~إيصاله إلى البعض وإمساكه عن البعض وهذا PageV01P131 يفتح عليه باب العداوة ~~والمذمة من المحروم والمرحوم اما المحروم فيقول كيف جاد على غيري وبخل علي ~~واما المرحوم فإنه يلتذ ويفرح بما حصل له من الخير والنفع فيبقى طامعا ~~مستشرفا لنظيره على الدوام وهذا قد يتعذر غالبا فيفضى ذلك إلى العداوة ~~الشديدة والمذمة ولهذا قيل اتق شر من احسنت اليه وهذه الافات لا تعرض في ~~غنى العلم فإن صاحبه يمكنه بذله للعالم كلهم واشتراكهم فيه والقدر المبذول ~~منه باق لاخذه لا يزول بل يتجربه فهو كالغني إذا اعطى الفقير رأس مال ~~يتجربه حتى يصير غنيا مثله الوجه الثالث والثلاثون ان جمع المال مقرون ~~بثلاثة انواع من الافات والمحن نوع قبله ونوع عند حصوله ونوع بعدمفارقته ~~فأما النوع الاول فهو المشاق والانكاد والالام التي لا يحصل الا بها واما ~~النوع الثاني فمشقة حفظه وحرساته حراسته وتعلق القلب به ms183 فلا يصبح الا ~~مهموما ولا يمسي الا مغموما فهو بمنزلة عاشق مفرط المحبة قد ظفر بمعشوقته ~~والعيون من كل جانب ترمقه والالسن والقلوب ترشقه فأي عيش ولذة لمن هذه حاله ~~وقد علم ان اعداءه وحساده لا يفترون عن سعيهم في التفريق بينه وبين معشوقه ~~وإن لم يظفروا هم به دونه ولكن مقصودهم ان يزيلوا اختصاصه به دونهم فإن ~~فازوا به والا استووا في الحرمان فزال الاختصاص المؤلم للنفوس ولو قدروا ~~على مثل ذلك مع العالم لفعلوه ولكنهم لما علموا انه لا سبيل إلى سلب علمه ~~عمدوا إلى جحده وانكاره ليزيلوا من القلوب محبته وتقديمه والثناء عليه فإن ~~بهر علمه وامتنع عن مكابرة الجحود والانكار رموه بالعظائم ونسبوه إلى كل ~~قبيح ليزيلوا من القلوب محبته ويسكنوا موضعها النفرة عنه وبغضه وهذا شغل ~~السحرة بعينه فهؤلاء سحرة بالسنتهم فإن عجزوا له عن شيء من القبائح الظاهرة ~~رموه بالتلبيس والتدليس والدوكرة والرياء وحب الترفع وطلب الجاه وهذا القدر ~~من معاداة اهل الجهل والظلم للعلماء مثل الحر والبرد لا بد منه فلا ينبغي ~~لمن له مسكة عقل ان يتأذى به إذ لا سبيل له إلى دفعه بحال فليوطن نفسه عليه ~~كما يوطنها على برد الشتاء وحر الصيف والنوع الثالث من آفات الغنى ما يحصل ~~للعبد بعد مفارقته من تعلق قلبه به وكونه قد حيل بينه وبينه والمطالبة ~~بحقوقه والمحاسبة على مقبوضه ومصروفه من اين اكتسبه وفيما ذا انفقه وغنى ~~العلم والايمان مع سلامته من هذه الافات فهو كفيل بكل لذة وفرحة وسرور ولكن ~~لا ينال الا على جسر من التعب والصبر والمشقة الرابع والثلاثون ان لذة ~~الغني بالمال مقرونة بخلطة الناس ولو لم يكن الا خدمه وازواجه وسراريه ~~واتابعه إذ لو انفرد الغني بماله وحده من غير ان يتعلق بخادم أو زوجه أو ~~أحد من الناس لم يكمل انتفاعه بماله ولا التذاذه به وإذا كان كمال لذته ~~بغناه موقوفا على اتصاله بالغير فذلك منشأ الافات والالام ولو لم يكن الا ~~اختلاف الناس وطبائعهم وارادتهم ms184 فقبيح هذا حسن ذاك ومصلحة ذاك مفسدة ~~PageV01P132 هذا ومنفعة هذا مضرة ذاك وبالعكس فهو مبتلى بهم فلا بد من وقوع ~~النفرة والتباغض والتعادي بينهم وبينه فان ارضاءهم كلهم محال وهو جمع بين ~~الضدين وارضاء بعضهم واسخاط غيره سبب الشر والمعاداة وكلما طالت المخالطة ~~ازدادت اسباب الشر والعداوة وقويت وبهذا السبب كان الشر الحاصل من الاقارب ~~والعشراء اضعاف الشر الحاصل من الاجانب والبعداء وهذه المخالطة انما حصلت ~~من جانب الغني بالمال اما إذا لم يكن فيه فضيلة لهم فانهم يتجنبون مخالطته ~~ومعاشرته فيستريح من اذى الخلطة والعشرة وهذه الافات معدودة في الغنى ~~بالعلم الخامس والثلاثون ان المال لا يراد لذاته وعينه فإنه لا يحصل بذاته ~~شيء من المنافع اصلا فإنه لا يشبع ولا يروى ولا يدفء ولا يمتع وإنما يراد ~~لهذه الاشياء فإنه لما كان طريقا اليها اريد ارادة الوسائل ومعلوم ان ~~الغايات اشرف من الوسائل فهذه الغايات اذا اشرف منه وهي مع شرفها بالنسبة ~~اليه ناقصة دنيئة وقد ذهب كثير من العقلاء إلى انها لا حقيقة لها وانما هي ~~دمع الالم فقط فإن لبس الثياب مثلا إنما فائدته دفع التألم بالحر والبرد ~~والريح وليس فيها لذة زائدة على ذلك وكذلك الاكل إنما فائدته دفع الم الجوع ~~ولهذا لو لم يجد الم الجوع لم يستطب الاكل وكذلك الشرب مع العطش والراحة مع ~~التعب ومعلوم ان في مزاولة ذلك وتحصيله الما وضررا ولكن ضرره وألمه اقل من ~~ضرر ما يدفع به وألمه فيحتمل الانسان اخف الضررين دفعا لاعظمهما وحكى عن ~~بعض العقلاء انه قيل له وقد تناول قدحا كريها من الدواء كيف حالك معه قال ~~اصبحت في دار بليات ادافع آفات بآفات وفي الحقيقة فلذات الدنيا من المآكل ~~والمشارب واللبس والمسكن والمنكح من هذا الجنس واللذة التي يباشرها الحس ~~ويتحرك لها الجسد وهي الغاية المطلوبة له من لذة المنكح والمأكل شهوتي ~~البطن والفرج ليس لهما ثالث البتة الا ما كان وسيلة اليهما وطريقا إلى ~~تحصيلهما وهذه اللذة منغصة من وجوه عديدة منها ms185 ان تصور زوالها وانقضائها ~~وفنائها يوجب تنغصها ومنها انها ممزوجة بالافات ومعجونة بالالام محتاطة ~~بالمخاوف وفي الغالب لاتفي الامها بطيبها كما قيل : # قايست بين جمالها وفعالها % فإذا الملاحة بالقباحة لاتفي # ومنها ان الاراذل من الناس وسقطهم يشاركون فيها كبراءهم وعقلاءهم بل ~~يزيدون عليهم فيها اعظم زيادة وافحشها فنسبتهم فيها إلى الافاضل كنسبة ~~الحيوانات البهيمة اليهم فمشاركة الاراذل وأهل الخسة والدناءة فيها زيادتهم ~~على العقلاء فيها مما يوجب النفرة والاعراض عنها وكثير من الناس حصل له ~~الزهد في المحبوب والمعشوق منها بهذه الطريق هذا كثير في أشعار الناس ~~ونثرهم كما قيل PageV01P133 # سأترك حبها من غير بغض % ولكن لكثرة الشركاء فيه إذا وقع الذباب على طعام ~~% رفعت يدي ونفسي تشتيه وتجتنب الاسود ورودماء % إذا كان الكلاب يلغن فيه # وقيل لزاهد ما الذي زهدك في الدنيا فقال خسة شركائها وقلة وفائها وكثرة ~~جفائها وقيل لاخر في ذلك فقال ما مددت يدي إلى شيء منها إلا وجدت غيري قد ~~سبقني اليه فاتركه له ومنها ان الالتذاذ بموقعها إنما هو بقدر الحاجة اليها ~~والتألم بمطالبة النفس لتناولها وكلما كانت شهوة الظفر بالشيء اقوى كانت ~~اللذة الحاصلة بوجوده اكمل فلما لم تحصل تلك الشهوة لم تحصل تلك اللذة ~~فمقدار اللذة الحاصلة في الحال مساو لمقدار الحاجة والالم والمضرة في ~~الماضي وحينئذ يتقابل اللذة الحاصلة والالم المتقدم فيتساقطان فتصير اللذة ~~كانها لم توجد ويصير بمنزلة من شق بطن رجل ثم خاطه وداواه بالمراهم أو ~~بمنزلة من ضربه عشرة اسواط واعطاه عشرة دراهم ولا تخرج لذات الدنيا غالبا ~~عن ذلك ومثل هذا لا يعد لذة ولا سعادة ولا كمالا بل هو بمنزلة قضاء الحاجة ~~من البول والغائط فإن الانسان يتضرر بثقله فإذا قضى حاجته استراح منه فاما ~~ان يعد ذلك سعادة وبهجة ولذة مطلوبة فلا ومنها ان هاتين اللذتين اللتين هما ~~اثر اللذات عند الناس ولا سبيل إلى نيلهما الا بما يقترن بهما قبلهما ~~وبعدهما من مباشرة القاذورات والتالم الحاصل عقبيهما مثل لذة الاكل فإن ~~العاقل لو نظر ms186 إلى طعامه حال مخالطته ريقه وعجنه به لنفرت نفسه منه ولو سقت ~~تلك اللقمة من فيه لنفر طبعه من اعادتها اليه ثم ان لذته به إنما تحصل في ~~مجرى نحو الاربع الاصابع فإذا فصل عن ذلك المجرى زال تلذذه به فإذا استقر ~~في معدته وخالطه الشراب وما في المعدة من الاجزاء الفضلية فإنه حينئذ يصير ~~في غاية الخسة فإن زاد على مقدار الحاجة اورث الادواء المختلفة على تنوعها ~~ولولا ان بقاءه موقوف على تناوله لكان تركه والحالة هذه اليق به كما قال ~~بعضهم : # لولا قضاءه جرى نزهت انملتي % عن ان تلم بمأكول ومشروب وأما لذة الوقاع ~~قدرها ابين من ان نذكر آفاته ويدل عليه ان اعضاء هذه اللذة هي عورة الانسان ~~التي يستحيا من رؤيتها وذكرها وسترها امر فطر الله عليه عباده ولا تتم لذة ~~المواقعة الا بالاطلاع عليها وإبرازها والتلطخ بالرطوبات المستقذرة ~~المتولدة منها ثم إن تمامها إنما يحصل بانفصال النطفة وهي اللذة المقصودة ~~من الوقاع وزمنها يشبه الان الذي لا ينقسم فصعوبة تلك المزاولة والمحاولة ~~والمطاولة والمراوضة والتعب لاجل لذة لحظة كمد الطرف فأين مقايسة بين هذه ~~اللذة وبين التعب في طريق تحصيلها وهذا يدل على ان هذه PageV01P134 اللذة ~~ليست من جنس الخيرات والسعادات والكمال الذي خلق له العبد ولا كمال له ~~بدونه بل ثم امروراء ذلك كله قد هيء له العبد وهو لا يفعلن له لغفلته عنه ~~وإعراضه عن التفتيش على طريقه حتى يصل اليه يسوم نفسه مع الانعام السائمة : # قد هيؤك لأمر لو فطنت له % فاربأ نفسك ان ترعى مع الهمل # وموقع هذه اللذات من النفس كموقع لذة البراز من رجل احتبس في موضع لا ~~يمكنه القيام إلى الخلاء وصارمضطرا اليه فإنه يجد مشقة شديدة وبلاء عظيما ~~فإذا تمكن منالذهاب إلى الخلاء وقدر على دفع ذلك الخبيث المؤذي وجد لذة ~~عظيمة عند دفعه وإرساله ولا لذة هناك الا راحته من حمل ما يؤذيه حمله فعلم ~~ان هذه اللذات إما ان تكون دفع آلام وإما ان تكون ms187 لذات ضعيفة خسيسة مقترنة ~~بآفات ترى مضرتها عليه وهذا كما يعقب لذة الوقاع من ضعف القلب وخفقان ~~الفؤاد وضعف القوى البدنية والقلبية وضعف الارواح واستيلاء العفونة على كل ~~البدن واسرع الضعف والخور اليه واستيلاء الاخلاط عليه لضعف القوة عن دفعها ~~وقهرها ومما يدل على ان هذه اللذات ليست خيرات وسعادات وكمالا ان العقلاء ~~من جميع الامم مطبقون على ذم من كانت هي نهمته وشغله ومصرف همته وإرادته ~~والإزراء به وتحقير شأنه والحاقه بالبهائم ولايقيمون له وزنا ولو كانت ~~خيرات وكمالا لكان من صرف اليها همته اكمل الناس ومما يدل على ذلك ان القلب ~~الذي قد وجه قصده وإرادته إلى هذه اللذات لا يزال مستغرقا في الهموم ~~والغموم والاحزان وما يناله من اللذات في جنب هذه الالام كقطرة في مجركما ~~قيل سروره وزن حبة وحزنه قنطار فإن القلب يجرى مجرى مرآة منصوبة على جدار ~~وذلك الجدار ممر لانواع المشتهيات والملذوذات والمكروهات وكلما مر به شيء ~~من ذلك ظهر فيه أثره فإن كان محبوبا مشتهيا مال طبعه اليه فإن لم يقدر على ~~تحصيله تألم وتعذب بفقده وإن قدر على تحصيله تالم في طريق الحصول بالتعب ~~والمشقة ومنازعة الغير له ويتألم حال حصوله خوفا من فراقه وبعد فراقه خوفا ~~على ذهابه وإن كان مكروها له ولم يقدر على دفعه تألم بوجوده وإن قدر على ~~دفعه اشتغل بدفعه ففاتته مصلحة راجحة الحصول فيتالم لفواتها فعلم ان هذا ~~القلب ابدا مستغرق في بحار الهموم والغموم والاحزان وإن نفسه تضحك عليه ~~وترضيه بوزن ذرة من لذته فيغيب بها عن شهوده القناطير من المه وعذابه فإذا ~~حيل بينه وبين تلك اللذة ولم يبق له اليها سبيل تجرد ذلك الالم واحاط به ~~واستولى عليه من كل جهاته فقل ما شئت في حال عبد قد غيب عنه سعده وحظوظه ~~وافراحه واحضر شقوته وهمومه وغمومه واحزانه وبين العبد وبين هذه الحال ان ~~ينكشف الغطاء ويرفع الستر وينجلى الغبار ويحصل PageV01P135 ما في الصدور ~~فإذا كانت هذه غاية اللذات الحيوانية التي هي ms188 غاية جمع الاموال وطلبها فما ~~الظن بقدر الوسيلة وأما غنى العلم والايمان فدائم اللذة متصل الفرحة مقتض ~~لانواع المسرة والبهجة لايزول فيحزن ولا يفارق فيؤلم بل اصحابه كما قال ~~الله تعالى فيهم @QB@ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ السادس والثلاثون ان ~~غنى المال يبغض الموت ولقاء الله فإنه لحبه لماله يكره مفارقته ويحب بقاءه ~~ليتمتع به كما شهد به الواقع وأما العلم فإنه يحبب للعبد لقاء ربه ويزهده ~~في هذه الحياة النكدة الفانية السابع والثلاثون ان الاغنياء يموت ذكرهم ~~بموتهم والعلماء يموتون ويبقى ذكرهم كما قال امير المؤمنين في هذا الحديث ~~مات خزان الاموال وهم احياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فخزان الاموال ~~احياء كاموات والعلماء بعدموتهم اموات كأيحاء الثامن والثلاثون ان نسبة ~~العلم إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن فالروح ميتة حياتها بالعلم كما ان ~~الجسد ميت حياته بالروح فالغني بالمال غايته ان يزيد في حياة البدن واما ~~العلم فهو حياة القلوب والارواح كما تقدم تقريره التاسع والثلاثون ان القلب ~~ملك البدن والعلم زينته وعدته وماله وبه قوام ملكه والملك لا بد له من عدد ~~وعدة ومال وزينة فالعلم هو مركبه وعدته وجماله واما المال فغايته ان يكون ~~زينة وجمالا للبدن إذا انفقه في ذلك فإذا خزنه ولم ينفقه لم يكن زينة ولا ~~جمالا بل نقصا ووبالا ومن المعلوم ان زينة الملك به وما به قوام ملكه اجل ~~وافضل من زينة رعيته وجمالهم فقوام القلب بالعلم كما ان قوام الجسم بالغذاء ~~الوجه الاربعون ان القدر المقصود من المال هو ما يكفي العبد ويقيمه ويدفع ~~ضرورته حتى يتمكن من قضاء جهازه ومن التزوج لسفره إلى ربه عزوجل فإذا ~~زادعلى ذلك شغله وقطعه عن السفر وعن قضاء جهازه وتعبية زاده فكان ضرره عليه ~~أكثر من مصلحته وكلما ازاداد غناه به ازداد تثبطا وتخلفا عن التجهز لما ~~امامه وأما العلم النافع فكلما ازداد منه ازداد في تعبية الزاد وقضاء ~~الجهاز واعداد عدة المسير والله الموفق وبه الاستعانة ولا حول ولا قوة الا ms189 ~~به فعدة هذا السفر هو العلم والعمل وعدة الاقامة جمع الاموال والادخار ومن ~~اراد شيئا هيأ له عدته قال تعالى @QB@ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين @QE@ قوله محبة ~~العلم أو العالم دين يدان بها لان العلم ميراث الانبياء والعلماء ورثتهم ~~فمحبة العلم واهله محبة لميراث الانبياء وورثتهم وبغض العلم وأهله بغض ~~لميراث الانبياء وورثتهم فمحبة العلم من علامات السعادة وبغض العلم من ~~علامات الشقاوة وهذا كله إنما هو في علم الرسل الذي جاؤا به وورثوه للامة ~~لا في كل ما يسمى علما وايضا فإن محبة العلم تحمل على تعلمه واتباعه وذلك ~~هو الدين وبغضه ينهى عن تعلمه واتباعه PageV01P136 وذلك هو الشقاء والضلال ~~وايضا فإن الله سبحانه عليم يحب كل عليم وإنما يضع علمه عند من يحبه فمن ~~احب العلم واهله فقد احب ما احب الله وذلك مما يدان به قوله العلم يكسب ~~العالم الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة بعد مماته يكسبه ذاك أي يجعله كسبا ~~له ويورثه إياه ويقال كسبه ذلك عزا وطاعة واكسبه لغتان ومنه حديث خديجة رضى ~~الله عنها إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم روى بفتح ~~التاء وضمها ومعناه تكسب المال والغنى هذا هو اصواب وقالت ائفة من رواه ~~بضمها فذلك من اكسبه مالا وعزا ومن رواه بفتحها فمعناه تكسب انت المال ~~المعدوم بمعرفتك وحذقك بالتجارة ومعاذ الله من هذا الفهم وخديجة اجل قدرا ~~من تكلمها بهذا في هذا المقام العظيم ان تقول لرسول الله ابشر فوالله لا ~~يخزيك الله إنك تكسب الدرهم والدينار وتحسن التجارة ومثل هذه التحريفات ~~انما تذكر لئلا يغتربها في تفسير كلام الله ورسوله والمقصود ان قوله العلم ~~يكسب العالم الطاعة في حياته أي يجعله مطاعا لان الحاجة إلى العلم عامة لكل ~~أحد للملوك فمن دونهم فكل أحد محتاج إلى طاعة العالم فإنه يامر بطاعة الله ~~ورسوله فيجب على الخلق طاعته قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول ms190 وأولي الأمر منكم @QE@ وفسر اولى الامر بالعلماء قال ~~ابن عباس هم الفقهاء والعلماء اهل الدين الذين يعلمون الناس دينهم اوجب ~~الله تعالى طاعتهم وهذا قول مجاهد والحسن والضحاك احدى الروايتين عن الامام ~~أحمد وفسروا بالامراء وهو قول ابن زيد احدى الروايتين عن ابن عباس وأحمد ~~والاية تتناولها جميعا فطاعة ولاة الامر واجبة إذا امروا بطاعة الله ورسوله ~~وطاعة العلماء كذلك فالعالم بما جاء به الرسول العامل به اطوع في اهل الأرض ~~من كل أحد فإذا مات احيا الله ذكره ونشر له في العالمين احسن الثناء ~~فالعالم بعد وفاته ميت وهو حي بين الناس والجاهل في حياته حي وهو ميت بين ~~الناس كما قيل # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله % واجسامهم قبل القبور قبور وارواحهم ~~فيوحشة من جسومهم % وليس لهم حتى النشور نشور وقال الاخر # قد مات قوم وما ماتت مكارمهم % وعاش قوم وهم في الناس اموات وقال آخر # وما دام ذكر العبد بالفضل باقيا % فذلك حى وهو في الترب هالك PageV01P137 ~~ومن تأمل احوال ائمة الاسلام كأئمة الحديث والفقه كيف هم تحت التراب وهم في ~~العالمين كانهم احياء بينهم لم يفقدوا منهم الا صورهم والا فذكرهم وحديثهم ~~والثناء عليهم غير منقطع وهذه هي الحياة حقا حتى عد ذلك حياة ثانية كما قال ~~المتنبي # ذكر الفتى عيشه الثاني وحاجته % ما فاته وفضول العيش اشغال # قوله وصنيعة المال تزول بزواله يعني ان كل صنيعة صنعت للرجل من اجل ماله ~~من إكرام ومحبة وخدمة وقضاء حوائج وتقديم واحترام وتولية وغير ذلك فإنها ~~إنما هي مراعاة لما له فإذا زال ماله وفارقه زالت تلك الضائع كلها حتى إنه ~~ربما لا يسلم عليه من كان يدأب في خدمته ويسعى في مصالحه وقد اكثر الناس من ~~هذا المعنى في اشعارهم وكلامهم وفي مثل قولهم من ودك لأمر ملك عند انقضائه ~~قال بعض العرب # ومن هذا ما قيل إذا اكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبنك ذلك فإن زوال ~~الكرامة يزوالهما ولكن ليعجبك ان اكرموك لعلم أو دين ms191 وهذا امر لا ينكر في ~~الناس حتى انهم ليكرمون الرجل لثيابه فإذا نزعها لم ير منهم تلك الكرامة ~~وهو هو قال مالك بلغني ان أبا هريرة دعى إلى وليمة فأتى فحجب فرجع فلبس غير ~~تلك الثياب فادخل فلما وضع الطعام ادخل كمه في الطعام فعوتب في ذلك فقال إن ~~هذه الثباب هي التي ادخلت فهي تأكل حكاه ابن مزين الطليطلي في كتابه وهذا ~~بخلاف صنيعة العلم فانها لا تزول ابدا بل كل مآلها في زيادة مالم يسلب ذلك ~~العالم علمه وضيعه العلم والدين اعظم من صنيعة المال لانها تكون بالقلب ~~واللسان والجوارح فهي صادرة عن حب وإكرام لاجل ما أودعه الله تعالى أياه من ~~علمه وفضله به على غيره وايضا فصنيعة العلم تابعة لنفس العالم وذاته وصنيعة ~~المال تابعة لماله المنفصل عنه وايضا فصنيعة المال صنيعة معاوضة وصنيعه ~~العلم والدين صنيعة حب وتقرب وديانة وايضا فصنيعه المال تكون مع البر ~~والفاجر والمؤمن والكافر واما صنيعة العلم والدين فلا تكون الا مع اهل ذلك ~~وقد يراد من هذا ايضا معنى آخر وهو ان من اصطنعت عنده صنيعة بمالك إذا زال ~~ذلك المال وفارقه عدمت صنيعتك عنده واما من اصطنعت اليه صنيعة علم وهدى فإن ~~تلك ا لصنيعة لا تفارقه ابدا بل ترى في كل وقت كأنك اسديتها اليه حينئذ ~~قوله مات خزان الاموال وهم احياء تقدم بيانه وكذا قوله والعلماء باقون ما ~~بقي الدهر وقوله اعيانهم مفقودة وامثالهم في القلوب موجودة المراد بامثالهم ~~صورهم العلمية ووجودهم المثالي أي وان فقدت ذواتهم فصورهم وامثالهم في ~~القلوب لا تفارقها وهذا هو الوجود الذهني العلمي لان محبة الناس لهم ~~واقتداءهم بهم وانتفاعهم بعلومهم PageV01P138 يوجب ان لا يزالوا نصب عيونهم ~~وقبلة قلوبهم فهم موجودون معهم وحاضرون عندهم وان غابت عنهم اعيانهم كما ~~قيل # ومن عجب اني احن اليهم % واسال عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في ~~سوادها % ويشتاقهم قلبي وهم بين اضلعي وقال آخر # ومن عجب ان يشكو البعد عاشق % وهل غاب عن ms192 قلب المحب حبيب خيالك في عيني ~~وذكرك في فمي % ومثواك في قلبي فأين تغيب قوله آه إن ها هنا علما واشار إلى ~~صدره يدل على جواز اخبار الرجل بما عنده من العلم والخير ليقتبس منه ~~ولينتفع به ومنه قول يوسف الصديق عليه السلام اجعلني على خزائن الأرض إني ~~حفيظ عليم فمن اخبر عن نفسه بمثل ذلك ليكثر به ما يحبه الله ورسوله من ~~الخير فهو محمود وهذا غير من اخبر بذلك ليتكثر به عند الناس ويتعظم وهذا ~~يجازيه الله بمقت الناس له وصغره في عيونهم والاول يكثره في قلوبهم وعيونهم ~~وإنما الاعمال بالنيات وكذلك إذا اثنى الرجل على نفسه ليخلص بذلك من مظلمة ~~وشر أو ليستوفى بذلك حقا له يحتاج فيه إلى التعريف بحاله أو ليقطع عنه ~~اطماع السفلة فيه اوعند خطبته إلى من لا يعرف حاله و الاحسن في هذا ان يوكل ~~من يعرف به وبحاله فإن لسان ثناء المرء على نفسه قصير وهو في الغالب مذموم ~~لما يقترن به من الفخر والتعاظم ثم ذكر اصناف حملة العلم الذين لايصلحون ~~لحمله وهم اربعة احدهم من ليس هو بمأمون عليه وهو الذي اوتى ذكاء وحفظا ~~ولكن مع ذلك لم يؤت زكاء فهو يتخذ العلم الذي هو آلة الدين آلة الدنيا ~~يستجلبها به ويتوسل بالعلم اليها ويجعل البضاعة التي هي متجر الاخرة متجر ~~الدنيا وهذا غير امين على ما حمله من العلم ولا يجعله الله إماما فيه قط ~~فإن الامين هو الذي لاغرض له ولا إرادة لنفسه الا اتباع الحق وموافقته فلا ~~يدعو إلى إقامة رياسته ولا دنياه وهذا الذي قد اتخذ بضاعة الاخرة ومتجرها ~~متجرا للدنيا قد خان الله وخان عباده وخان دينه فلهذا قال غير مأمون عليه ~~وقوله يستظهر بحجج الله على كتابه وبنعمه على عباده هذه صفة هذا الخائن إذا ~~انعم الله عليه استظهر بتلك النعمة على الناس وإذا تعلم علما استظهر به على ~~كتاب الله ومعنى استظهاره بالعلم على كتاب الله تحكيمه عليه وتقديمه ~~وإقامته دونه وهذه ms193 حال كثير ممن يحصل له علم فإنه يستغنى به ويستظهر به ~~ويحكمه ويجعل كتاب الله تبعا له يقال استظهر فلان على كذا بكذا أي ظهر عليه ~~به وتقدم وجعله وراء ظهره وليست هذه حال العلماء فإن العالم PageV01P139 ~~حقا يستظهر بكتاب الله على كل ما سواه فيقدمه ويحكمه ويجعله عيارا على غيره ~~مهيمنا عليه كما جعله الله تعالى كذلك فالمستظهر به موفق سعيد والمستظهر ~~عليه مخذول شقي فمن استظهر على الشيء فقد جعله خلف ظهره مقدما عليه ما ~~استظهر به وهذا حال من اشتغل بغير كتاب الله عنه واكتفى بغيره منه وقدم ~~غيره واخره والصنف الثاني من حملة العلم المنقاد الذي لم يثلج له صدره ولم ~~يطمئن به قلبه بل هو ضعيف البصيرة فيه لكنه منقاد لأهله وهذه حال اتباع ~~الحق من مقلديهم وهؤلاء وإن كانوا على سبيل نجاة فليسوا من دعاة الدين ~~وإنما هم من مكثري وسواد الجيش لا من امرائه وفرسانه والمنقاد منفعل من ~~قاده يقوده وهو مطاوع الثلاثي واصله منقيد كمكتسب ثم اعلت الياء الفا ~~لحركتها بعد فتحة فصارمن قادت تقول قدته فانقاد أي لم يمتنع والاحناء جميع ~~حنو بوزن علم وهي الجوانب والنواحي والعرب تقول ازجر احناء طيرك أي امسك ~~نواحي خفتك وطيشك يمينا وشمالا واماما وخلفا قال لبيد # فقلت ازدجر احناء طيرك واعلمن % بانك ان قدمت رجلك عاثر والطير هنا الخفة ~~والطيش وقوله ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة هذا لضعف علمه وقلة ~~بصيرته إذا وردت على قلبه ادنى شبهة قدحت فيه الشك والريب بخلاف الراسخ في ~~العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد امواج البحر ما ازالت يقينه ولا قدحت فيه ~~شكا لانه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات بل إذا وردت عليه ردها حرس ~~العلم وجيشه مغلولة مغلوبة والشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين ~~انكشاف الحق له فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه بل ~~يقوى علمه ويقينه بردها ومعرفة بطلانها ومتى لم يباشر حقيقة العلم ms194 بالحق ~~قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة فان تداركها والا تتابعت على قلبه امثالها ~~حتى يصير شاكا مرتابا والقلب يتوارده جيشان من الباطل جيش شهوات الغي وجيش ~~شبهات الباطل فأيما قلب صغا اليها وركن اليها تشربها وامتلأ بها فينضح ~~لسانه وجوارحه بموجبها فإن اشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك ~~والشبهات والايرادات فيظن الجاهل ان ذلك لسعة علمه وإنما ذلك من عدم علمه ~~ويقينه وقال لي شيخ الاسلام رضى الله عنه وقد جعلت اورد عليه غيرادا بعد ~~إيراد لات جعل قلبك للايرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح الا ~~بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها ~~فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته وإلا فاذا اشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار ~~مقرا للشبهات أو كما قال فما اعلم اني انتفعت بوصية في دفع الشبهات ~~كانتفاعي بذلك وإنا سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها فانها تلبس ~~ثوب الحق على جسم الباطل وأكثر الناس اصحاب حسن ظاهر فينظر الناظر فيما ~~البسته من اللباس فيعتقد صحتها واما صاحب العلم واليقين PageV01P140 فانه ~~لا يغتر بذلك بل يجاوز نظره إلى باطنها وماتحت لباسها فينكشف له حقيقتها ~~ومثال هذا الدرهم الزائف فإنه يغتر به الجاهل بالنقد نظرا إلى ما عليه من ~~لباس الفضة والناقد البصير يجاوز نظره إلى ما وراء ذلك فيطلع على زيفه ~~فاللفظ الحسن الفصيح هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضة على الدرهم الزائف ~~والمعنى كالنحاس الذي تحته وكم قد قتل هذا الاعتذار من خلق لا يحصيهم الا ~~الله وإذا تأمل العاقل الفطن هذا القدر وتدبره رأى اكثر الناس يقبل المذهب ~~والمقالة بلفظ ويردها بعينها بلفظ آخر وقد رايت انا من هذا في كتب الناس ما ~~شاء الله وكم رد من الحق بتشنيعه بلباس من اللفظ قبيح وفي مثل هذا قال ائمة ~~السنة منهم الامام أحمد وغيره لا نزيل عن الله صفة من صفاته لاجل شناعة ~~شنعت فهؤلاء الجهمية يسمون إثبات صفات الكمال لله من حياته وعلمه وكلامه ~~وسمعه وبصره وسائر ms195 ما وصف به نفسه تشبيها وتجسيما ومن اثبت ذلك مشبها فلا ~~ينفر من هذا المعنى الحق لاجل هذه التسمية الباطلة الا العقول الصغيرة ~~القاصرة خفافيش البصائر وكل اهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم احسن ما ~~يقدرون عليه من الالفاظ ومقالة مخالفيهم اقبح ما يقدرون عليه من الالفاظ ~~ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف به حقيقة ما تحت تلك الالفاظ من الحق والباطل ~~ولا تغتر باللفظ كما قيل في هذا المعنى # تقول هذا جنى النحل تمدحه % وان نشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحا وذما وما ~~جاوزت وصفهما % والحق قد يعتريه سوء تعبير # فإذا اردت الاطلاع على كنه المعنى هل هو حق أو باطل فجرده من لباس ~~العبارة وجرد قلبك عن النفرة والميل ثم اعط النظر حقه ناظرا بعين الانصاف ~~ولا تكن ممن ينظر في مقالة اصحابه ومن يحسن ظنه نظرا تاما بكل قلبه ثم ينظر ~~في مقالة خصومه وممن يسيء ظنه به كنظر الشزر والملاحظة فالناظر بعين ~~العداوة يرى المحاسن مساوئ والناظر بعين المحبة عكسه وما سلم من هذا الا من ~~اراد الله كرامته وارتضاه لقبول الحق وقد قيل : # وعين الرضا عن كل عيب كليلة % كما ان عين السخط تبدي المساويا وقال آخر # نظروا بعين عداوة لو انها % عين الرضا الاستحسنوا ما استقبحوا فإذا كان ~~هذا في نظر العين الذي يدرك الحسوسات ولا يتمكن من المكابرة فيها فما الظن ~~بنظر القلب الذي يدرك المعاني التي هي عرضة المكابرة والله المستعان على ~~معرفة الحق وقبوله ورد الباطل وعدم الاغترار به وقوله بأول عارض من شبهة ~~هذا دليل ضعف عقله ومعرفته اذ PageV01P141 تؤثر فيه البداآت ويستفز باوائل ~~الامور بخلاف الثابت التام العاقل فإنه لا تستفزه البداآت ولا تزعجه ~~وتقلقله فان الباطل له دهشة وروعة في اوله فإذا ثبت له القلب رد على عقبيه ~~والله يحب من عنده العلم والاناة فلا يعجل بل يثبت حتى يعلم ويستيقن ما ورد ~~عليه ولا يعجل بأمر من قبل استحكامه فالعلجة والطيش من الشيطان فمن ثبت عند ~~صدمة ms196 البداآت استقبل امره بعلم وجزم ومن لم يثبت لها استقبله بعجله وطيش ~~وعاقبته الندامة وعاقبة الاول حمدامره ولكن للأول آفة متى قرنت بالحزم ~~والعزم نجا منها وهي الفوت فإنه لا يخاف من التثبيت الا الفوت فإذا اقترن ~~به العزم والحزم تم امره ولهذا في الدعاء الذي وراه الامام أحمد والنسائي ~~عن النبي اللهم اني اسالك الثبات في الامر والعزيمة على الرشد وهاتان ~~الكلمتان هما جماع الفلاح وما اتى العبد الا من تضييعهما أو تضييع احدهما ~~فما اتى أحد الا من باب العجلة والطيش واستفزاز البداآت له أو من باب ~~التهاون والتمات وتضييع الفرصة بعد مواتاتها فإذا حصل الثبات اولا والعزيمة ~~ثانيا افلح كل الفلاح والله ولي التوفيق الصنف الثالث رجل نهمته في نيل ~~لذته فهو منقاد لداعي الشهوة اين كان ولا ينال درجة وراثة النبوة مع ذلك ~~ولا ولا ينال العلم الا بهجر اللذات وتطليق الراحة قال مسلم في صحيحه قال ~~يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة الجسم وقال إبراهيم الحربي اجمع ~~عقلاء كل امة ان النعيم لا يدرك بالنعم ومن آثر الراحة فاتته الراحة فما ~~لصاحب اللذات وما لدرجة وراثة الانبياء # فدع عنك الكتابة لست منها % ولو سودت وجهك بالمداد فان العلم صناعة القلب ~~وشغله فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها وله وجهة واحدة فإذا وجهت وجهته ~~إلى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم ومن لم يغلب لذة إدراكه العلم وشهوته ~~على لذة جسمه وشهوة نفسه لم ينل درجة العلم ابدا فإذا صارت شهوته في العلم ~~ولذته في كل إدراكه رجى له ان يكون من جملة اعلة ولذة العلم لذة عقلية ~~روحانية من جنس لذة الملائكة ولذة شهوات الاكل والشراب والنكاح لذة حيوانية ~~يشارك الانسان فيها الحيوان ولذة الشروالظلم والفساد والعلوى في الأرض ~~شيطانية يشارك صاحبها فيها ابليس وجنوده وسائر اللذات تبطل بمقارفة الروح ~~البدن الا لذة العلم والايمان فإنها تكمل بعد المفارقة لان البدن وشواغله ~~كان ينقصها ويقللها ويحجبها فإذا انطوت الروح عن البدن التذت لذة ms197 كاملة بما ~~حصلته من العلم النافع والعمل الصالح فمن طلب اللذة العظمى وآثر النعيم ~~والمقيم فهو في العلم والايمان اللذين بهما كمال سعادة الانسان وايضا فإن ~~تلك اللذات سريعة الزوال وإذا انقضت اعقبت هما وغما وألا يحتاج صاحبها ان ~~يداويه بمثلها دفعا للألمه وربما كان معاودته لها مؤلما له كريها اليه لكن ~~يحمله عليه مدواة ذلك الغم والهم فأين هذا من لذة العلم ولذة الايمان بالله ~~ومحبته والاقبال عليه والتنعم بذكره فهذه هي اللذة الحقيقية PageV01P142 ~~الصنف الرابع من حرصه وهمته في جمع الاموال وتثميرها وادخارها فقد صارت ~~لذته في ذلك وفتى بها عما سواه فلا يرى شيئا اطيب له مما هو فيه فمن اين ~~هذا ودرجة العلم فهؤلاء الاصناف الاربعة ليسوا من دعاة الدين ولا من ائمة ~~العلم ولا من طلبته الصادقين في طلبه ومن تعلق منهم بشيء منه فهو من ~~المتسلقين عليه المتشبهين بحملته وأهله المدعين لوصاله المبتونين من حباله ~~وفتنة هؤلاء فتنة لكل مفتون فان الناس يتشبهون بهم لما يظنون عندهم من ~~العلم ويقولون لسنا خيرا منهم ولا نرغب بأنفسنا عنهم فهم حجة لكل مفتون ~~ولهذا قال فيهم بعض الصحابة الكرام احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد ~~الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون وقوله اقرب شبها بهم الانعام السائمة ~~وهذا التشبيه مأخوذ من قوله تعالى ان هم كالأنعام بل هم اضل سبيلا فما اقصر ~~سبحانه على تشبيههم بالانعام حتى جعلهم اضل سبيلا منهم والسائمة الراعية ~~وشبه امير المؤمنين هؤلاء بها لان همتهم في سعي الدنيا وحطامها والله تعالى ~~يشبه اهل الجهل والغي تارة بالانعام وتارة بالحمر وهذا تشبيه لمن تعلم علما ~~ولم يعقله ولم يعمل به فهو كالحمار الذي يحمل اسفارا وتارة بالكلب وهذا لمن ~~انسلخ عن العلم واخلد إلى الشهوات والهوى وقوله كذلك يموت العلم بموت ~~حامليه هذا من قول النبي في حديث عبد الله بن عمر وعائشة رضى الله عنهم ~~وغيرهما ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض ~~العلم بقبض العلماء فإذا ms198 لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا ~~بغير علم فضلوا واضلوا رواه البخاري في صحيحه فذهاب العلم إنما هو بذهاب ~~العلماء قال ابن مسعود يوم مات عمر رضى الله عنه اني لاحسب تسعة اعشار ~~العلم اليوم قد ذهب وقد تقدم قول عمر رضى الله عنه موت الف عابد اهون من ~~موت عالم بصير بحلال الله وحرامه وقوله اللهم بلى لن تخلو الأرض من مجتهد ~~قائم لله بحجج الله ويدل عليه الحديث الصحيح عن النبي لا تزال طائفة من ~~امتي على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ~~ذلك ويدل عليه ايضا مارواه الترمذي عن قتيبة حدثنا حماد بن يحيى الابح عن ~~ثابت عن انس قال قال رسول الله مثل امتي مثل المطر لا يدرى اوله خير أم ~~آخره قال هذا حديث حسن غريب ويروى عن عبدالرحمن بن مهدي انه كان يثبت حماد ~~بن يحيى الابح وكان يقول هو من شيوخنا وفي الباب عن عمار وعبد الله بن عمرو ~~فلو لم يكن في اواخر الامة قائم بحجج الله مجتهد لم يكونوا موصوفين بهذه ~~الخيرية وايضا فإن هذه الامة اكمل الامم وخير امة اخرجت للناس ونبيها خاتم ~~النبيين لا نبي بعده فجعل الله العلماء فيها كلما هلك عالم خلقه عالم لئلا ~~تطمس معالم الدين وتخفى اعلامه وكان بنو اسرائيل كلما هلك نبي خلفه نبي ~~فكانت تسوسهم الانبياء والعلماء لهذه الامة كالانبياء في بني اسرائيل وأيضا ~~ففي الحيدث الاخر يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين ~~PageV01P143 وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين وهذا يدل على انه لا يزال ~~محمولا في القرون قرنا بعد قرن وفي صحيح أبي حاتم من حديث الخولاني قال قال ~~رسول الله لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته وغرس ~~الله هم اهل العلم والعمل فلو خلت الأرض من عالم خلت من غرس الله ولهذا ~~القول حجج كثيرة لها موضع آخر وزاد الكذابون في ms199 حديث على إما ظاهرا مشهورا ~~وإما خفيا مستورا وظنوا ان ذلك دليل لهم على القول بالمنتظر وكلن هذه ~~الزيادة من وضع بعض كذا بيهم والحديث مشهور عن علي لم يقل أحد عنه هذه ~~المقالة الا كذاب وحجج اله لا تقوم بخفي مستور لا يقع العالم له على خبر ~~ولا ينتفعون به في شيء اصلا فلا جاهل يتعلم منه ولا ضال يهتدي به ولا خائف ~~يأمن به ولا ذليل يتعزز به فأي حجة لله قامت بمن لا يرى له شخص ولا يسمع ~~منه كلمة ولا يعلم له مكان ولا سيما على أصول القائلين به فإن الذي دعاهم ~~إلى ذلك انهم قالوا لا بد منه في اللطف بالمكلفين وانقطاع حجتهم عن الله ~~فيالله العجب أي لطف حصل بهذا المعدوم لا المعصوم وأي حجة اثبتم للخلق على ~~ربهم باصلكم الباطل فإن هذا المعدوم إذا لم يكن لهم سبيل قط إلى لقائه ~~والاهتداء به فهل في تكليف مالا يطاق ابلغ من هذا وهل في العذر والحجة ابلغ ~~من هذا فالذي فررتم منه وقعتم في شر منه وكنتم في ذلك كما قيل : # المستجير بعمرو عند كربته % كالمستجير من الرمضاء بالنار # ولكن أبي الله الا ان يفضح من تنقص بالصحابة الاخيار وبسادة هذه الامة ~~وان يرى الناس عورته ويغريه بكشفها ونعوذ بالله من الخذلان ولقد احسن ~~القائل : # ما آن للسرداب ان يلد الذي % حملتموه بزعمكم ما آنا فعلى عقولكم العفاء ~~فانكم % ثلثتم العنقاء والغيلانا ولقد بطلت حجج استودعها مثل هذا الغائب ~~وضاعت اعظم ضياع فانتم ابطلتم حجج الله من حيث زعمتم حفظها وهذا تصريح من ~~امير المؤمنين رضى الله عنه بان حامل حجج الله في الأرض بحيث يؤديها عن ~~الله ويبلغها إلى عباده مثله رضى الله عنه ومثل إخوانه من الخلفاء الراشدين ~~ومن اتبعهم إلى يوم القيامة وقوله لكيلا تبطل حجج الله وبيناته أي لكيلا ~~تذهب من بين يدي الناس وتبطل من صدورهم والا فالبطلان محال عليها لانها ~~ملزوم ما يستحيل عليه البطلان فإن قيل فما ms200 الفرق بين الحجج والبينات قيل ~~الفرق بينهما ان الحجج هي الادلة العلمية التي يعقلها القلب وتسمع بالاذن ~~قال تعالى في مناظرة إبراهيم لقومه وتبيين بطلان ما هم عليه بالدليل العلمي ~~وتلك حجتنا آتيناهم إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء قال ابن زيد بعلم ~~الحجة وقال تعالى فان حاجوك فقل اسلمت وجهي لله ومن اتبعني وقال ~~PageV01P144 تعالى @QB@ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم ~~داحضة عند ربهم @QE@ والحجة هي اسم لما يحتج به من حق وباطل قال تعالى لئلا ~~يكون للناس علكيم حجة الا الذين ظلموا منهم فانهم يحتجون عليكم بحجة باطلة ~~@QB@ فلا تخشوهم واخشوني @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين @QE@ والحجة ~~المضافة إلى الله هي الحق وقد تكون الحجة بمعنى المخاصمة ومنه قوله تعالى ~~@QB@ فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله ~~من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا ~~حجة بيننا وبينكم @QE@ أي قد وضح الحق واستبان وظهر فلا خصومة بيننا بعد ~~ظهوره ولا مجادلة فان الجدال شريعة موضوعة للتعاون على إظهار الحق فإذا ظهر ~~الحق ولم يبق به خفاء فلا فائدة في الخصومة والجدال على بصيرة مخاصمة ~~المنكر ومجادلته عناء لا غنى فيه هذا معنى هذه الاية وقد يقع في وهم كثير ~~من الجهال ان الشريعة لا احتجاج فيها وان المرسل بها صلوات الله وسلامه ~~عليه لم يكن يحتج على خصومه ولا يجادلهم ويظن جهال المنطقيين وفروخ اليونان ~~ان الشريعة خطاب للجمهور ولا احتجاج يها فيوان الانبياء دعوا الجمهور بطريق ~~الخطابة والحجج للخواص وهم اهل البرهان يعنون نفوسهم ومن سلك طريقتهم وكل ~~هذا من جهلهم بالشريعة والقرآن فإن القرآن مملوء من الحجج والادلة ~~والبراهين في مسائل التوحيد واثبات الصانع والمعاد وإرسال الرسل وحدوث ~~العالم فلا يذكر المتكلمون وغيرهم دليلا صحيحا على ذلك الا وهو في القرآن ~~بافصح عبارة واوضح بيان وأتم معنى ms201 وابعده عن الايرادات والاسئلة وقد اعترف ~~بهذا حذاق المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين قال أبو حامد في اول الاحياء ~~فإن قلت فلم لم تورد في اقسام العلم الكلام والفلسفة وتبين انهما مذمومان ~~أو ممدوحان فاعلم ان حاصل ما يشتمل عليه الكلام من الادلة التي ينتفع بها ~~فالقرآن والاخبار مشتملة عليه وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهي من ~~البدع كما سيأتي بيانه واما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق وتطويل بنقل ~~المقالات التي اكثرها ترهات وهذا يانات تزدريها الطباع وتمجها الاسماع ~~وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين ولم يكن شيء منه مألوفا في العصر الاول ~~ولكن تغير الان حكمه إذا حدثت البدع الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة لفقت ~~لها شبها ورتبت لها كلاما مؤلفا فصار ذلك المحظور بحكم الضرورة مأذونا فيه ~~وقال الرازي في كتابه اقسام اللذات لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج ~~الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا ولا تشفى عليلا ورايت اقرب الطرق طريقة ~~القرآن اقرا في الاثبات اليه يصعدالكلم الطيب @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ واقرا في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل ~~معرفتي وهذا الذي اشار اليه بحسب مافتح له من PageV01P145 دلالة القرآن ~~بطريق الخبر وإلا فدلالته البرهانية العقلية التي يشير اليها ويرشد اليها ~~فتكون دليلا سمعيا عقليا امر تميز به القرآن وصار العالم به من الراسخين في ~~العلم وهو العلم الذي يطمئن اليه القلب وتسكن عنده النفس ويزكو به العقل ~~وتستنير به البصيرة وتقوى به الحجة ولا سبيل لاحد من العالمين إلى قطع من ~~حاج به بل من خاصم به فلجت حجته وكسر شبهة خصمه وبه فتحت القلوب واستجيب ~~لله ولرسوله ولكن اهل هذا العلم لاتكاد الاعصار تسمح منهم الا بالواحد بعد ~~الواحد فدلالة القرآن سمعية عقلية قطعية يقينية لا تعترضها الشبهات ولا ~~تتداولها الاحتمالات ولا ينصرف القلب عنها بعد فهمها ابدا وقال بعض ~~المتكلمين افنيت عمري في الكلام اطلب الدليل وانا لاأزداد الا بعدا عن ~~الدليل فرجعت إلى القرآن اتدبره واتفكر فيه واذا انا بالدليل ms202 حقا معي وانا ~~لا أشعر به فقلت والله ما مثلي الا كما قال القائل : # ومن العجائب والعجائب جمة % قرب الحبيب وما اليه وصول كالعيش في البيداء ~~يقتلها الظما % ولاماء فوق ظهورها محمول % قال فلما رجعت إلى القرآن إذا هو ~~الحكم والدليل ورأيت فيه من ادلة الله وحججه وبراهينه وبيناته ما لو جمع كل ~~حق قاله المتكلمون في كتبهم لكانت سورة من سور القرآن وافية بمضمونه مع حسن ~~البيان وفصاحة اللفظ وتطبيق المفصل وحسن الاحتراز والتنبيه على مواقع الشبه ~~والارشاد إلى جوابها وإذا هو كما قيل بل فوق ما قيل : # كفى وشفى ما في الفؤاد فلم يدع % لذي ارب في القول جدا ولا هزلا وجعلت ~~جيوش الكلام بعد ذلك تفد إلى كما كانت وتتزاحم في صدري ولا ياذن لها القلب ~~بالدخول فيه ولا تلقى منه إقبالا ولا قبولا فترجع على ادبارها والمقصود ان ~~القرآن مملوء بالاحتجاج وفيه جميع انواع الادلة والاقيسة الصحيحة وأمر الله ~~تعالى رسوله فيه بإقامة الحجة والمجادلة فقال تعالى @QB@ وجادلهم بالتي هي ~~أحسن @QE@ وقال @QB@ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن @QE@ وهذه ~~مناظرات القرآن مع الكفار موجودة فيه وهذه مناظرات رسول الله واصحابه ~~لخصومهم وإقامة الحجج عليهم لا ينكر ذلك الا جاهل مفرط في الجهل والمقصود ~~الفرق بين الحجج والبينات فنقول الحجج الادلة العلمية والبيانات جمع بينة ~~وهي صفة في الاصل يقال آية بينة وحجة بينة والبينة اسم لكل ما يبين الحق من ~~علامة منصوبة أو أمارة أو دليل علمي قال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبيانات ~~وانزلنا معهم الكتاب والميزان فالبينات الايات التي اقامها الله دلالة على ~~صدقهم من المعجزات والكتاب هو الدعوة وقال تعالى @QB@ إن أول بيت وضع للناس ~~للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم @QE@ ومقام ~~إبراهيم آية جزئية مرئية بالابصار PageV01P146 وهو من آيات الله الموجودة ~~في العالم ومنه قول موسى لفرعون وقومه @QB@ قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل ~~معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من ms203 الصادقين فألقى ~~عصاه @QE@ وكان القاء العصا وانقلابها حية هو البينة وقال قوم هود يا هود ~~ما جئتنا ببينة يريدون آية الاقتراح والا فهو قد جاءهم بما يعرفون به انه ~~رسول الله اليهم فطلب الاية بعد ذلك تعنت واقتراح لا يكون لهم عذر في عدم ~~الاجابة اليه وهذه هي الايات التي قال الله تعالى فيها وما منعنا ان نرسل ~~بالايات الا ان كذب بها الاولون فعدم اجابته سبحانه اليها إذ طلبها الكفار ~~رحمة منه واحسان فانه جرت سنته التي لا تبديل لها انهم اذا طلبوا الاية ~~واقترحوها واجيبوا ولم يؤمنوا عولجوا بعذاب الاستئصال فلما علم سبحانه ان ~~هؤلاء لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية لم يجبهم إلى ما طلبوا فلم يعمهم بعذاب ~~لما اخرج من بنيهم واصلابهم من عبادة المؤمنين وان اكثرهم آمن بعد ذلك بغير ~~الايات التي اقترحوها فكان عدم إنزال الايات المطلوبة من تمام حكمة الرب ~~ورحمته واحسانه بخلاف الحجج فانها لم تزل متتابعة يتلو بعضها بعضا وهي كل ~~يوم في مزيد وتوفي رسول الله وهي اكثر ما كانت وهي باقية إلى يوم القيامة ~~وقوله اولئك الاقلون عددا الاعظمون عند الله قدرا يعني هذا الصنف من الناس ~~اقل الخلق عددا وهذا سبب غربتهم فانهم قليلون في الناس والناس على خلاف ~~طريقهم فلهم نبأ وللناس نبأ قال النبي بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما ~~بدا فطوبى للغرباء فالمؤمنون قليل في الناس والعلماء قليل في المؤمنين ~~وهؤلاء قليل في العلماء وإياك ان تغتر بما يغتر به الجاهلون فانهم يقولون ~~لو كان هؤلاء على حق لم يكونوا اقل الناس عددا والناس على خلافهم فاعلم ان ~~هؤلاء هم الناس ومن خالفهم فمشبهون بالناس وليسوا بناس فما الناس الا اهل ~~الحق وإن كانوا اقلهم عددا قال ابن مسعود لا يكن احدكم إمعة يقول انا مع ~~الناس ليوطن احدكم نفسه على ان يؤمن ولو كفر الناس وقد ذم سبحانه الاكثرين ~~في غير موضع كقوله وان تطع اكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله @QB@ وقال ms204 ~~@QE@ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين @QB@ وقال @QE@ وقليل من عبادي ~~الشكور @QB@ وقال @QE@ وان كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض الا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وقال بعض العارفين انفرادك في طريق طلبك ~~دليل على صدق الطلب # مت بداء الهوى والا فخاطر % واطرق الحي والعيون نواظر # لا تخف وحشة الطريق اذا سر % ت وكن في خفارة الحق سائر وقوله بهم يدفع ~~الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب اشباههم وهذا لان ~~الله سبحانه ضمن حفظ حجه وبيناته واخبر رسول الله انه PageV01P147 لا تزال ~~طائفة من امته على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة ~~فلا يزال غرس الله الذين غرسهم في دينه يغرسون العلم في قلوب من اهلهم الله ~~لذلك وارتضاهم فيكونوا ورثة لهم كما كانوا هم ورثة لمن قبلهم فلا تنقطع حجج ~~الله والقائم بها من الاض وفي الاثر المشهور لا يزال الله يغرس في هذا ~~الدين غرسا يستعملهم بطاعته وكان من دعاء بعض من تقدم اللهم اجعلني من غرسك ~~الذين تستعملهم بطاعتك ولهذا ما اقام الله لهذا الدين من يحفظه ثم قبضه ~~اليه الا وقد زرع ما علمه من العلم والحكمة اما في قلوب امثاله واما في كتب ~~ينتفع بها الناس بعده وبهذا وبغيره فضل العلماء العباد فإن العالم إذا زرع ~~علمه عند غيره ثم مات جرى عليه اجره وبقي له ذكره وهو عمر ثان وحياة اخرى ~~وذلك احق ما تنافس فيه المتنافسون ورغب فيه الراغبون وقوله هجم بهم العلم ~~على حقيقة الامر فاستلانوا ما استوعره المترفون وانسوا مما استوحش منه ~~الجاهلون الهجوم على الرجل الدخول عليه بلا استئذان ولما كانت طريق الاخرة ~~وعرة على أكثر الخلق لمخالفتها لشهواتهم ومباينتها لارادتهم ومألوفاتهم قل ~~سالكوها وزاهدهم فيها قلة علمهم اوعدمه بحقيقة الامر وعاقبة العباد ومصيرهم ~~وما هيئوا له وهيء لهم فقل علمهم بذلك واستلانوا مركب الشهوة والهوى على ~~مركب الاخلاص والتقوى وتوعرت عليهم الطريق وبعدت عليهم الشقة وصعب عليهم ~~مرتقي ms205 عقابها وهبوط اوديتها وسلوك شعابها فاخلدوا إلى الدعة والراحة وآثروا ~~العاجل على الاجل وقالوا عيشنا اليوم نقد وموعودنا نسيئة فنظروا إلى عاجل ~~الدنيا واغمضوا العيون عن آجلها ووقفوا مع ظاهرها ولم يتأملوا باطنها ~~وذاقوا حلاوة مباديها وغاب عنهم مرارة عواقبها ودر لهم ثديها فطاب لهم ~~الارتضاع واشتغلوا به عن التفكر في الفطام ومرارة الانقطاع وقال مغترهم ~~بالله وجاحدهم لعظمته وربوبيته متمثلا في ذلك # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به % وأما القائمون لله بحجته خلفاء نبيه في ~~امته فانهم لكمال علمهم وقوته نفد بهم إلى حقيقة الامر وهجم بهم عليه ~~فعاينوا ببصائرهم ما عشيت عنه بصائر الجاهلين فاطمأنت قلوبهم به وعملوا على ~~الوصول اليه لما باشرها من روح اليقين رفع لهم علم السعادة فشمروا اليه ~~واسمعهم منادي الايمان النداء فاستبقوا اليه واستيقنت انفسهم ما وعدهم به ~~ربهم فزهدوا فيما سواه ورغبوا فيما لديه علموا ان الدنيا دار ممر لا دار ~~مقر ومنزل عبور لا مقعد حبور وانها خيال طيف أو سحابة صيف وان من فيها ~~كراكب قال تحت ظل شجرة ثم راح عنها وتركها وتيقنوا انها احلام نوم أو كظل ~~زائل : # ان اللبيب بمثلها لا يخدع % PageV01P148 وان وصفها صدق في وصفها اذ يقول # ارى اشقياء الناس لا يسأمونها % على انهم فيها عراة وجوع اراها وان كانت ~~تحب فإنها % سحابة صيف عن قليل تقشع % فرحلت عن قلوبهم مدبرة كما ترحلت عن ~~اهلها موليه واقبلت الآخرة إلى قلوبهم مسرعة كما اسرعت إلى الخلق مقبلة ~~فامتطوا ظهور العزائم وهجروا لذة المنام وما ليل المحب بنائم علموا طول ~~الطريق وقلة المقام في منزل التزود فسارعوا في الجهاز وجد بهم السير إلى ~~منازل الاحباب فقطعوا المراحل وطووا المفاوز وهذا كله من ثمرات اليقين فان ~~القلب إذا استيقن ما امامه من كرامة الله وما اعد لاوليائه بحيث كأنه ينظر ~~اليه من وراء حجاب الدنيا ويعلم انه إذا زال الحجاب رأى ذلك عيانا زالت عنه ~~الوحشة التي يجدها المتخلفون ولان له ما استوعره المترفون وهذه المرتبة هي ms206 ~~اول مراتب اليقين وهي علمه وتيقنه وهي الكشاف المعلوم للقلب بحيث يشاهده ~~ولا يشك فيه كانكشاف المرئي للبصر ثم يليها المرتبة الثانية وهي مرتبة عين ~~اليقين ونسبتها إلى العين كنسبة الاول إلى القلب ثم تليها المرتبة الثالثة ~~وهي حق اليقين وهي مباشرة المعلوم وإدراكه الادراك التام فالاولى كعلمك بان ~~في هذا الوادي ماء والثاني كرؤيته والثالثة كالشرب منه ومن هذا ما يروى في ~~حديث حارثة وقول النبي كيف اصبحت يا حارثة قال اصبحت مؤمنا حقا قال إن لكل ~~قول حقيقة فما حقيقة إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا وشهواتها فاسهرت ليلي ~~وأظمأت نهاري وكاني انظر إلى عرش ربي بارزا وكاني انظر إلى اهل الجنة ~~بتزاورون فيها والى اهل النار يتعاوون فيها فقال عبد نور الله قلبه فهذا هو ~~هجوم العلم بصاحبه على حقيقة الامر ومن وصل إلى هذا استلان ما يستوعره ~~المترفون وأنس مما يشتوحش منه الجاهلون ومن لم يثبت قدم إيمانه على هذه ~~الدرجة فهو إيمان ضعيف وعلامة هذا انشراح الصدر لمنازل الايمان وانفساحه ~~وطمأنينة القلب لأمر الله والانابة إلى ذكر الله ومحبته والفرح بلقائه ~~والتجافي عن دار الغرور كما في الاثر المشهور إذا دخل النور القلب انفسح ~~وانشرح قيل وما علامة ذلك قال التجافي عن دار الغرور والانابة إلى دار ~~الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله وهذه هي الحال التي كانت تحصل للصحابة ~~عند النبي إذا ذكرهم الجنة والنار كما في الترمذي وغيره من حديث الجريري عن ~~أبي عثمان النهدي عن حنظلة الاسدي وكان من كتاب النبي انه مر بأبي بكر رضى ~~الله عنه وهو يبكي فقال مالك يا حنظلة فقال نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند ~~رسول الله يذكرنا بالجنة والنار كانا رأى عين فإذا رجعنا إلى الازواج ~~والضيعة نسينا كثيرا قال فوالله إنا لكذلك انطلق بنا إلى رسول الله ~~فانطلقنا فلما رآه رسول الله قال مالك يا حنظلة قال نافق حنظلة يا رسول ~~الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا PageV01P149 رأى عين فإذا رجعنا ~~عافسنا الازواج ms207 والضيعة ونسينا كثيرا قال فقال رسول الله لو تدومون على ~~الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم ~~وعلى فرشكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ساعة وساعة قال الترمذي هذا حديث حسن ~~صحيح وفي الترمذي ايضا نحوه من حديث أبي هريرة والمقصود ان الذي يهجم ~~بالقلب على حقيقة الايمان ويلين له ما يستوعره غيره ويؤنسه بما يستوحش منه ~~سواء العلم التام والحب الخالص والحب تبع للعلم يقوى بقوته ويضعف بضعفه ~~والمحب لا يستوعر طريقا توصله إلى محبوبه ولا يستوحش فيها وقوله صحبوا ~~الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالملأ الاعلى وفي رواية بالمحل الاعلى الروح ~~في هذا الجسد بدار غربة ولها وطن غيره فلا تستقر الا في وطنها وهي جوهر ~~علوي مخلوق من مادة علوية وقد اضطرت إلى مساكنة هذا البدن الكثيف فهي دائما ~~تطلب وطنها في المحل الاعلى وتحن اليه حنين الطير إلى اوكارها وكل روح ~~ففيها ذلك ولكن لفرط اشتغالها بالبدن وبالمحسوسات المالوفة اخلدت إلى الأرض ~~ونسيت معلمها ووطنها الذي لا راحة لها في غيره فإنه لا راحة للمؤمن دون ~~لقاء ربه والدنيا سجنه حقا فلهذا تجدالمؤمن بدنه في الدنيا وروحه في المحل ~~الاعلى وفي الحديث المرفوع إذا نام العبد وهو ساجد باهي الله به الملائكة ~~فيقول انظروا إلى عبدي بدنه في الأرض وروحه عندي رواه تمام وغيره وهذا معني ~~قول بعض السلف القلوب جوالة فقلب حول الحشر وقلب يطوف مع الملائكة حول ~~العرش فأعظم عذاب الروح انغماسها وتدسيسها في أعماق البدن واشتغالها بملاذه ~~وانقطاعها عن ملاحظة ما خلقت له وهيئت له وعن وطنها ومحلها ومحل انسها ~~ومنزل كرامتها ولكن سكر الشهوات يحجبها عن مطالعة هذا الالم والعذاب فإذا ~~صحت من سكرها وافاقت من غمرتها اقبلت عليها جيوش الحسرات من كل جانب فحينئذ ~~تتقطع حسرات على ما فاتها من كرامة الله وقربه والانس به والوصول إلى وطنها ~~الذي لا راحة لها الا فيه كما قيل : # صحبتك اذ عيني عليها غشاوة % فلما انجلت قطعت نفسي الومها ولو ms208 تنقلت ~~الروح في المواطن كلها والمنازل لم تستقر ولم تطمئن الا في وطنها ومحلها ~~الذي خلقت له كما قيل : # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى % ما الحب الا للحبيب الاول كم منزل في الأرض ~~يألفه الفتى % وحنينه ابدا لاول منزل وإذا كانت الروح تحن ابدا إلى وطنها ~~من الأرض مع قيام غيره مقامه في السكنى وكثيرا ما يكون غير وطنها احسن ~~واطيب منه وهي دائما تحن اليه مع انه لا ضرر عليها ولا عذاب في مفارقته إلى ~~مثله فكيف بحنينها إلى الوطن الذي في فراقها له عذابها وآلامها وحسرتها ~~التي لاتنقضي فالعبد PageV01P150 المؤمن في هذه الدار سبي من الجنة إلى دار ~~التعب والعناء ثم ضرب عليه الرق فيها فكيف يلام على حنينه إلى داره التي ~~سبى منها وفرق بينه وبين من يحب وجمع بينه وبين عدوه فروحه دائما معلقة ~~بذلك الوطن وبدنه في الدنيا ولى من ابيات في ذلك # وحي على جنات عن فانها % منازلك الاولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو ~~فهل ترى % نعود إلى اوطاننا ونسلم وكلما اراد منه العدو نسيان وطنه وضرب ~~الذكر عنه صفحا وايلافه وطنا غيره ابت ذلك روحه وقلبه كما قيل : # يراد من القلب نسيانكم % وتأبى الطباع على الناقل ولهذا كان المؤمن غريبا ~~في هذه الدار اين حل منها فهو في دار غربة كما قال النبي كن في الدنيا كانك ~~غريب أو عابر سبيل ولكنها غربة تنقضى ويصير إلى وطنه ومنزله وانما الغربة ~~التي لا يرجى انقطاعها فهي غربة في دار الهوان ومفارقة وطنه الذي كان قد ~~هيء واعد له وامر بالتجهيز اليه والقدوم عليه فابى الا اغترابه عنه ~~ومفارقته له فتلك غربة لا يرجى ايابها ولا يجبر مصابها ولا تبادر إلى انكار ~~كون البدن في الدنيا والروح في الملأ الاعلى فللروح شأن والبدن شأن والنبي ~~كان بين اظهر اصحابه وهو عند ربه يطعمه ويسقيه فبدنه بينهم وروحه وقلبه عند ~~ربه وقال أبو الدرداء اذا نام العبدعرج بروحه إلى تحت العرش فان كان طاهرا ~~اذن ms209 لها بالسجود وان لم يكن طاهرا لم يؤذن لها بالسجود فهذه والله أعلم هي ~~العلة التي امر الجنب لاجلها ان يتوضأ إذا أراد النوم وهذا الصعود إنما كان ~~لتجرد الروح عن البدن بالنوم فإذا تجردت بسبب آخر حصل لها من الترقي ~~والصعود بحسب ذلك التجرد وقد يقوى الحب بالمحب حتى لا يشاهد منه بين الناس ~~الا جسمه وروحه في موضع آخر عند محبوبه وفي هذا من شاعار الناس وحكاياتهم ~~ما هو معروف وقوله اولئك خلفاء الله في ارضه ودعائه إلى دينه هذا حجة أحد ~~القولين في انه يجوز ان يقال فلان خليفة الله في ارضه واحتج اصحابه ايضا ~~بقوله تعالى للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة واحتجوا بقوله تعالى وهو ~~الذي جعلكم خلائف في الأرض وهذا خطاب لنوع الانسان وبقوله تعالى امن يجيب ~~المضطر اذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض وبقول موسى لقومه عسى ~~ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ويقول النبي ان ~~الله ممكن لكم في الأرض ومستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا ~~واتقوا النساء واحتجوا بقول الراعي يخاطب أبا بكر رضي الله عنه : # خليفة الرحمن انام معشر % حنفاء نسجد بكرة واصيلا PageV01P151 # عرب نرى لله في اموالنا % حق الزكاة منزلا تنزيلا # ومنعت طائفة هذا الاطلاق وقالت لا يقال لاحد انه خليفة الله فإن الخليفة ~~انما يكون عمن يغيب ويخلفه غيره والله تعالى شاهد غير غائب قريب غير بعيد ~~راء وسامع فمحال ان يخلفه غيره بل هو سبحانه الذي يخلف عبده المؤمن فيكون ~~خليفته كما قال النبي في حديث الدجال ان يخرج وانا فيكم فانا حجيجه دونكم ~~وان يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مؤمن والحديث في ~~الصحيح وفي صحيح مسلم ايضا من حديث عبد الله بن عمرو ان رسول الله كان يقول ~~اذا سافر اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الاهل والحضر الحديث وفي ~~الصحيح ان النبي قال اللهم اغفر لابي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه ~~في ms210 اهله فالله تعالى هو خليفة العبد لان العبد يموت فيحتاج إلى من يخلفه في ~~اهله قالوا ولهذا انكر الصديق رضى الله عنه على من قال له يا خليفة الله ~~قال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وحسبي ذلك قالوا وأما قوله ~~تعالى اني جاعل في الأرض خليفة فلا خلاف ان المراد به آدم وذريته وجمهور ~~اهل التفسير من السلف والخلف على انه جعله خليفة عمن كان قبله في الأرض قيل ~~عن الجن الذين كانوا سكانها وقيل عن الملائكة الذين سكنوها بعدالجن وقصتهم ~~مذكورة في التفاسير وأما قوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض فليس ~~المراد به خلائف عن الله وانما المراد به انه جعلكم يخلف بعضكم بعضا فكلما ~~هلك قرن خلفه قرن إلى آخر الدهر ثم قيل ان هذا خطاب لامة محمد خاصة أي ~~جعلكم خلائف من الامم الماضية فهلكوا وورثتم أنتم الأرض من بعدهم ولا ريب ~~ان هذا الخطاب للامة والمراد نوع الانسان الذي جعل الله اباهم خليفة عمن ~~قبله وجعل ذريته يخلف بعضهم بعضا إلى قيام الساعة ولهذا جعل هذا آية من ~~آياته كقوله تعالى امن يجيب المضطر أذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء ~~الأرض واما قول موسى لقومه ويستخلفكم في الأرض فليس ذلك استخلافا عنه وانما ~~هو استخلاف عن فرعون وقومه اهلكهم وجعل قوم موسى خلفاء من بعدهم وكذا قول ~~النبي ان الله مستخلفكم في الأرض أي من الامم التي تهلك وتكونون أنتم خلفاء ~~من بعدهم قالوا واما قول الراعي فقول شاعر قال قصيدة في غيبة الصديق لا ~~يدري ابلغت أبا بكر أم لا ولو بلغته فلا يعلم انه اقره على هذه اللفظة أم ~~لا قلت ان اريد بالاضافة إلى الله انه خليفة عنه فالصواب قول الطائفة ~~المانعة منها وان اريد بالاضافة ان الله استخلفه عن غيره ممن كان قله ~~قبلهفهذا لا يمتنع فيه الاضافة وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفا عن ~~غيره وبهذا يخرج الجواب عن قول امير المؤمنين اولئك خلفاء الله في ms211 ارضه فان ~~قيل هذا لامدح فيه لان هذا PageV01P152 الاستخلاف عام في الامة وخلافة الله ~~التي ذكرها امير المؤمنين خاصة بخواص الخلق فالجواب ان الاختصاص المذكور ~~افاد اختصاص الاضافة فالاضافة هنا للتشريف والتخصيص كما يضاف اليه عباده ~~كقوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وعباد الرحمن الذين يمشون على ~~الأرض هونا ونظائرهما ومعلوم ان كل الخلق عباد له فخلفاء الأرض كالعباد في ~~قوله والله بصير بالعباد @QB@ وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ وخلفاء الله ~~في قوله @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ ونظائره وحقيقة اللفظة ان ~~الخليفة هو الذي يخلف الذاهب أي يجيء بعده يقال خلف فلان فلانا واصلها خليف ~~بغير هاء لانها فعيل بمعنى فاعل كالعليم والقدير فدخلت التاء للمبالغة في ~~الوصف كراوية وعلامة ولهذا جمع جمع فعيل فقيل خلفاء كشريف وشرفاء وكريم ~~وكرماء ومن راعي لفظه بعد دخول التاء عليه جمعة معه على فعائل فقال خلائف ~~كعقيلة وعقائل وظريفة وظرائف وكلاهما ورد به القرآن هذا قول جماعة من ~~النحاة والصواب ان التاء إنما دخلت فيها للعدل عن الوصف إلى الاسم فإن ~~الكلمة صفة في الاصل ثم اجريت مجرى الاسماء فالحقت التاء لذلك كما قالوا ~~نطيحة بالتاء فإذا اجروها صفة قالوا شاة نطيح كماي يقولون كف خضيب والا فلا ~~معنى للمبالغة في خليفة حتى تلحقها تاء المبالغة والله اعلم وقوله ودعته ~~إلى دينه الدعاة جمع داع كقاض قضاة ورام ورماة وإضافتهم إلى اليه للاختصاص ~~أي الدعاة المخصوصون به الذين يدعون إلى دينه وعبادته ومعرفته ومحبته ~~وهؤلاءهم خواص خلق الله وافضلهم عند الله منزلة وأعلاهم قدرا يدل على ذلك ~~الوجه الثلاثون بعد المائة وهو قوله تعالى @QB@ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين @QE@ قال الحسن هو المؤمن اجاب الله ~~في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحا في إجابته ~~فهذا حبيب الله هذا ولي الله فمقام الدعوة إلى الله افضل مقامات العبد قال ~~تعالى وانه لما قام عبدالله يدعوه كادوا ms212 يكونون عليه لبدا وقال تعالى @QB@ ~~ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن @QE@ جعل ~~سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق فالمتسجيب القابل الذكي الذي لا ~~يعاندالحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر ~~يدعى بالموعظة الحسنة وهي الامر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة والمعاند ~~الجاحد يجادل بالتي هي احسن هذا هو الصحيح في معنى هذه الاية لا ما يزعم ~~اسير منطق اليونان ان الحكمة قياس البرهان وهي دعوة الخواص والموعظة الحسنة ~~قياس الخطابة وهي دعوة العوام والمجادلة بالتي هي احسن القياس الجدلي وهو ~~رد شغب المشاغب بقياس جدلي مسلم المقدمات وهذا باطل وهو مبني على اصول ~~PageV01P153 الفلسفة وهو مناف لاصول المسلمين وقواعدالدين من وجوه كثيرة ~~ليس هذا موضع ذكرها وقال تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني @QE@ قال الفراء وجماعة ومن اتبعني معطوف على الضمير في ~~ادعو يعني ومن اتبعني يدعو إلى الله كما ادعو وهذا قول الكلبي قال حق على ~~كل من اتبعه ان يدعو إلى ما دعا اليه ويذكر بالقرآن والموعظة ويقوى هذا ~~القول من وجوه كثيرة قال ابن الانباري ويجوز ان يتم الكلام عند قوله إلى ~~الله ثم يبتديء بقوله على بصيرة انا ومن اتبعني فيكون الكلام على قوله ~~جملتين اخبر في اولاهما انه يدعو إلى الله وفي الثانية بانه من اتباعه على ~~بصيرة والقولان متلازمان فلا يكون الرجل من اتباعه حقا حتى يدعو إلى ما دعا ~~اليه وقول الفراء احسن واقرب إلى الفصاحة والبلاغة واذا كانت الدعوة إلى ~~الله اشرف مقامات العبد واجلها وافضلها فهي لا تحصل الا بالعلم الذي يدعو ~~به واليه بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل اليه ~~السعي ويكفي هذا في شرف العلم ان صاحبه يحوز به هذا المقام والله يؤتي فضله ~~من يشاء الوجه الحادي والثلاثون بعدالمائة انه لو لم يكن من فوائد العلم ~~الا انه يثمر اليقين الذي هو اعظم حياة القلب وبه ms213 طمأنينه وقوته ونشاطه ~~وسائر لوازم الحياة ولهذا مدح الله سبحانه اهله في كتابه واثنى عليهم بقوله ~~@QB@ وبالآخرة هم يوقنون @QE@ وقوله تعالى كذلك نفصل الايات لقوم يوقنون ~~وقوله في حق خليله إبراهيم وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون ~~من الموقنين وذم من لا يقين عنده فقال @QB@ أن الناس كانوا بآياتنا لا ~~يوقنون @QE@ وفي الحديث المرفوع من حديث سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن ~~خيثمة عن عبد الله بن مسعوديرفعه لا ترضين احدا بسخط الله ولا تحمدن احدا ~~على فضله ولا تذمن احدا على ما لم يؤتك الله فإن رزق الله لا يسوقه حرص ~~حريص ولا يردة عنك كراهية كاره وان الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة ~~والفرح في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط فإذا باشر القلب ~~اليقين امتلأ نورا وانتفى عنه كل ريب وشك وعوفي من امراضه القاتلة وامتلأ ~~شكرا لله وذكرا له ومحبة وخوفا فحبي عن بينة واليقين والمحبة هما ركنا ~~الايمان وعليهما ينبني وبهما قوامه وهما يمدان سائر الاعمال القلبية ~~والبدنية وعنهما تصدر وبضعفهما يكون ضعف الاعمال وبقوتهما قوتها وجميع ~~منازل السائرين ومقامات العارفين إنما تفتح بهما وهما يثمران كل عمل صالح ~~وعلم نافع وهدى مستقيم قال شيخ العارفين الجيد اليقين هو استقرار العلم ~~الذي لاينقلب ولا يتحول ولا يتغير في القلب وقال سهل حرام على قلب ان يشم ~~رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله وقيل من علاماته الالتفات إلى الله في ~~كل زلة والرجوع اليه في كل امر والاستعانة به في كل حال وارادة وجهه بكل ~~حركة ويكون PageV01P154 وقال السرى اليقين السكون عند جولان الموارد في ~~صدرك ليتقنك ان حركتك فيها لاتنفعك ولا ترد عنك مقضيا قلت هذا إذا لم تكن ~~الحركة مأمورا بها فإذا كانت مأمورا بها فاليقين في بذل الجهد فيها ~~واستفراغ الوسع وقيل إذا استكمل العبد حقيقة اليقين صار البلاء عنده نعمة ~~والمحنة منحة فالعلم اول درجات اليقين ولهذا قيل العلم يستعملك واليقين ~~يحملك فاليقين افضل مواهب الرب لعبده ولا ms214 تثبت قدم الرضاء الا على درجة ~~اليقين قال تعالى اما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~قال ابن مسعود هو و العبد تصيبه المصيبة فيعلم انها من الله فيرضى ويسلم ~~فلهذا لم يحصل له هداية القلب والرضا والتسليم الا بيقينه قال في الصحاح ~~اليقين العلم وزوال الشك يقال منه يقنت الامر يقنا واستيقنت وايقنت وتيقنت ~~كله بمعنى واحد وأنا على يقين منه وإنما صارت الياء واوا فيموقن للضمة ~~قبلها وإذا صغرتها رددته لى الاصل فقلت مييقن وربما عبروا عن الظن بالقين ~~وبالظن عن اليقين قال : # تحسب هواس وأيقن اني % بها مفتد من واحد لا أغامره % يقول تشمم الاسد ~~ناقتي يظن انني افتدى بها منه وأستحيي نفسي فأتركها له ولا اقتحم المهالك ~~لمقاتلته قلت هذاموضع اختلف فيه اهل اللغة والتفسير هل يستعمل اليقين في ~~موضع الظن والظن في موضع اليقين فرأى ذلك طائفة منهم الجوهري وغيره واحتجوا ~~بسوى ما ذكر بقوله تعالى @QB@ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه ~~راجعون @QE@ ولو شكوا في ذلك لم يكونوا موقنين فضلا عن ان يمدحوا بهذا ~~المدح وبقوله @QB@ قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت ~~فئة كثيرة بإذن الله @QE@ وبقوله تعالى @QB@ ورأى المجرمون النار فظنوا ~~أنهم مواقعوها @QE@ وبقول الشاعر # فقلت لهم ظنوا بالفي مقاتل % سراتهم في الفارسي المسرد أي استيقنوا بهذا ~~العدد وأبي ذلك طائفة وقالوا لا يكون اليقين الا للعلم واما الظن فمنهم من ~~وافق على انه يكون الظن في موضع اليقين واجابوا عما احتج به من جوز ذلك بان ~~قالوا هذه المواضع التي زعمتم ان الظن وقع فيها موقع اليقين كلها على بابها ~~فإنا لم نجد ذلك الا في علم بمغيب ولم تجدهم يقولون لمن راى الشيء اظنه ~~ولمن ذاقه اظنه وإنما يقال لغائب قدعرف بالسمع والعلم فإذا صار إلى ~~المشاهدة امتنع إلى اطلاق الظن عليه قالوا وبين العيان والخبر مرتبة متوسطة ~~باعتبارها اوقع على العلم بالغائب الظن لفقد الحال التي تحصل المدركة ~~بالمشاهدة ms215 وعلى هذاخرجت سائر الادلة التي ذكرتموها ولا يرد على هذا قوله ~~@QB@ ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها @QE@ لان الظن انما وقع على ~~مواقعتها وهي غيب حال الرؤية فإذا واقعوها لم يكن ذلك ظنا بل حق يقين قالوا ~~وأما قول الشاعر وايقن انني بها مفتد فعلى بابه لانه ظن ان الاسد لتيقنه ~~شجاعته PageV01P155 وجراءته موقن بان الرجل يدع له ناقته يفتدى بها من نفسه ~~قالوا وعلى هذا يخرج معنى الحديث نحن احق بالشك من إبراهيم وفيه اجوبة لكن ~~بين العيان والخير رتبة طلب إبراهيم زوالها بقوله ولكن ليطمئن قلبي فعبرعن ~~تلك الرتبة بالشك والله اعلم الوجه الثاني والثلاثون بعد المائة ما رواه ~~أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث انس بن مالك يرفعه إلى النبي قال طلب ~~العلم فريضة على كل مسلم وهذا وان كان في سنده حفص بن سليمان وقد ضعف ~~فمعناه صحيح فأن الايمان فرض على كل واحد وهو ماهية مركبة من علم وعمل فلا ~~يتصور وجود الايمان الا بالعلم والعمل ثم شرائع الاسلام واجبة على كل مسلم ~~ولا يمكن اداؤها الا بعدمعرفتها والعلم بها والله تعالى اخرج عباده من بطون ~~امهاتهم لا يعلمون شيئا فطلب العلم فريضة على كل مسلم وهل تمكن عبادة الله ~~التي هي حقه على العباد كلهم الا بالعلم وهل ينال العلم الا بطلبه ثم إن ~~العلم بالمفروض تعلمه ضربان ضرب منه فرض عين لا يسع مسلما جهله وهو انواع ~~النوع الاول علم اصول الايمان الخمسة الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الاخر فإن من لم يؤمن بهذه الخمسة لم يدخل في باب الايمان ولايستحق ~~اسم المؤمن قال الله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين @QB@ وقال @QE@ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا ولما سأل جبريل رسول الله عن الايمان فقال ~~ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر قال صدقت فالايمان بهذه ~~الاصول فرع معرفتها والعلم بها النوع الثاني علم شرائع الاسلام واللازم ~~منها ms216 علم ما يخص العبد من فعلها كعلم الوضوء والصلاة والصيام والحج والزكاة ~~وتوابعها وشروطها ومبطلاتها النوع الثالث علم المحرمات الخمسة التي اتفقت ~~عليها الرسل والشرائع والكتب الالهية وهي المذكورة في قوله تعالى قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وان تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله مالا تعلمون فهذه محرمات ~~على كل واحد في كل حال على لسان كل رسول لا تباح قط ولهذا اتى فيها بانما ~~المفيدة للحصر مطلقا وغيرها محرم في وقت مباح في غيره كالميتة والدم ولحم ~~الخنزير ونحوه فهذه ليست محرمة على الاطلاق والدوام فلم تدخل تحت التحريم ~~المحصور المطلق النوع الرابع علم احكام المعاشرة والمعاملة التي تحصل بينه ~~وبين الناس خصوصا وعموما والواجب في هذا النوع يختلف باختلاف احوال الناس ~~ومنازلهم فليس الواجب على الامام مع رعيته كالواجب على الرجل مع اهله ~~وجيرته وليس الواجب على من نصب نفسه لانواع التجارات من تعلم احكام ~~البياعات كالواجب على من لا يبيع ولا يشتري الا ما تدعو الحاجة اليه وتفصيل ~~هذه الجملة لا ينضبط بحد لاختلاف الناس في اسباب العلم الواجب وذلك يرجع ~~PageV01P156 الى ثلاثة اصول اعتقاد وفعل وترك فالواجب في الإعتقاد مطابقته ~~للحق في نفسه والواجب في العمل معرفته وموافقة حركات العبد الظاهرة ~~والباطنة الاختيارية للشرع امرا وإباحة والواجب في الترك معرفة موافقة الكف ~~والسكون لمرضات الله وان المطلوب منه إبقاء هذا الفعل على عدمه المستصحب ~~فلا يتحرك في طلبه أو كف النفس عن فعله على الطريقتين وقد دخل في هذه ~~الجملة علم حركات القلوب والابدان وأما فرض الكفاية فلا اعلم فيه ضابطا ~~صحيحا فان كل أحد يدخل في ذلك ما يظنه فرضا فيدخل بعض الناس في ذلك علم ~~الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة والمساحة وبعضهم يزيد على ذلك علم اصول ~~الصناعة كالفلاحة والحياكة والحدادة والخياطة ونحوها وبعضهم يزيدعلى ذلك ~~علم المنطق وربما جعله فرض عين وبناه على عدم صحة إيمان المقلد وكل هذا ms217 هوس ~~وخبط فلا فرض إلا ما فرضه الله ورسوله فيا سبحان الله هل فرض الله على كل ~~مسلم ان يكون طبيبا حجاما حاسبا مهندسا أو حائكا أو فلاحا أو نجارا أو ~~خياطا فإن فرض الكفاية كفرض العين في تعلقه بعموم المكلفين وإنما يخالفه في ~~سقوطه بفعل البعض ثم على قول هذا القائل يكون الله قد فرض على كل أحد جملة ~~هذه الصنائع والعلوم فإنه ليس واحد منها فرضا على معين والآخر على معين آخر ~~بل عموم فرضيتها مشتركة بين العموم فيجب على كل أحد ان يكون حاسبا حائكا ~~خياطا نجارا فلاحا طبيبا مهندسا فان قال المجموع فرض على المجموع لم يكن ~~قولك إن كل واحد منها فرض كفاية صحيحا لان فرض الكفاية يجب على العموم واما ~~المنطق فلو كان علما صحيحا كان غايته ان يكون كالمساحة والهندسة ونحوها ~~فكيف وباطله اضعاف حقه وفساده وتناقض اصوله واختلاف مبانيه توجب مراعاتها ~~الذهن ان يزيغ في فكره ولا يؤمن بهذا الا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ~~ومناقضة كثير منه لعقل الصريح واخبر بعض من كان قد قرأه وعني به انه لم يزل ~~متعجبا من فساد اصوله وقواعده ومبانيها لصريح المعقول وتضمنها لدعاوي محضة ~~غير مدلول عليها وتفريقه بين متساوين وجمعه بين مختلفين فيحكم على الشيء ~~بحكم وعلى نظيره بضد ذلك الحكم أو يحكم على الشيء بحكم ثم يحكم على مضاده ~~أو مناقضه به قال إلى ان سالت بعض رؤسائه وشيوخ اهله عن شيء من ذلك فانكر ~~فيه ثم قال هذا علم قد صقلته الاذهان ومرت عليه من عهد القرون الاوائل أو ~~كما قال فينبغي ان نتسلمه من اهله وكان هذا من افضل ما رأيت في المنطق قال ~~إلى ان وقفت على رد متكلمي الاسلام عليه وتبيين فساده وتناقضه فوقفت على ~~مصنف لابي سعيد السيرافي النحوي في ذلك وعلى رد كثير من اهل الكلام ~~والعربية عليهم كالقاضي أبي بكر بين الطيب والقاضي عبدالجبار والجبائي ~~وابنه وابي المعالي وابي القاسم الانصاري PageV01P157 وخلق لا يحصون ms218 كثرة ~~ورايت استشكالات فضلائهم ورؤسائهم لمواضع الاشكال ومخالفتها ما كان ينقدح ~~لي كثير منه ورايت آخر من تجرد للرد عليهم شيخ الاسلام قدس الله روحه فإنه ~~اتى في كتابيه الكبير والصغير بالعجب العجاب وكشف اسرارهم وهتك استارهم ~~فقلت في ذلك : # واعجبا لمنطق اليونان % كم فيه من إفك ومن بهتان مخبط لجيد الاذهان % ~~ومفسد لفطرة الانسان مضطرب الاصول والمباني % على شفا هار بناه الباني احوج ~~ما كان اليه العاني % يخونه في السر والاعلان يمشي به اللسان في الميدان % ~~مشي مقيد على صفوان متصل العثار والتواني % كأنه السراب بالقيعان بدا لعين ~~الظميء الحيراني % فأمه بالظن والحسبان يرجو شفاء غلة الظمآن % فلم يجد ثم ~~سوى الحرمان فعاد بالخيبة والخسران % يقرع سن نادم حيران % قد ضاع منه ~~العمر في الاماني % وعاين الخفة في الميزان وما كان من هوس النفوس بهذه ~~المنزلة فهو بان يكون جهلا اولى منه بان يكون علما تعلمه فرض كفاية أو فرض ~~عين وهذا الشافعي واحمد وسائر ائمة الاسلام وتصانيفهم وسائر ائمة العربية ~~وتصانيفهم وائمة التفسير وتصانيفهم لمن نظر فيها هل راعوا فيها حدود المنطق ~~واوضاعه وهل صح لهم علمهم بدونه أم لا بل هم كانوا اجل قدرا واعظم عقولا من ~~ان يشغلو افكارهم بهذيان المنطقيين وما دخل المنطق على علم الا افسده وغير ~~اوضاعه روشوش قواعده ومن الناس من يقول ان علوم العربية من التصريف والنحو ~~واللغة والمعاني والبيان ونحوها تعلمها فرض كفاية لتوقف فهم كلام الله ~~ورسوله عليها ومن الناس من يقول تعلم اصول الفقه فرض كفاية لانه العلم الذي ~~يعرف به الدليل ومرتبته وكفية الاستدلال وهذه الاقوال وان كانت اقرب إلى ~~الصواب من القول الاول فليس وجوبها عاما على كل أحد ولا في كل وقت وإنما ~~يجيب وجوب الوسائل في بعض الازمان وعلى بعض الاشخاص بخلاف الفرض الذي يعم ~~وجوبه كل أحد وهو علم الايمان وشرائع الاسلام فهذا هو الواجب واما ما عداه ~~فإن توقفت معرفته عليه فهو من باب مالا يتم الواجب الا به ويكون الواجب منه ms219 ~~القدر الموصل اليه دون المسائل التي هي فضلة لا يفتقر معرفة الخطاب وفهمه ~~اليها فلا PageV01P158 يطلق القول بان علم العربية واجب على الاطلاق اذ ~~الكثير منه ومن مسائله وبحوثه لا يتوقف فهم كلام الله ورسوله عليها وكذلك ~~اصول الفقه القدر الذي يتوقف فهم الخطاب عليه منه يجب معرفته دون المسائل ~~المقررة والابحاث التي هي فضلة فكيف يقال ان تعلمها واجب وبالجملة فالمطلوب ~~الواجب من العبد من العلوم والاعمال إذا توقف على شيء منها كان ذلك الشيء ~~واجبا وجوب الوسائل ومعلوم ان ذلك التوقف يختلف باختلاف الاشخاص والازمان ~~والالسنة والاذهان فليس لذلك حد مقدر والله اعلم الوجه الثالث والثلاثون ~~بعدالمائة ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة يرفعه إلى النبي ~~قال سأل موسى ربه عن ست خصال كان يظن انها له خالصة والسابعة لم يكن موسى ~~يحبها قال يا رب أي عبادك اتقى قال الذي يذكر ولا ينسى قال فأي عبادك اهدى ~~قال الذي تتبع الهدى قال فأي عبادك احكم قال الذي يحكم للناس ما يحكم لنفسه ~~قال أي عبادك اعلم قال عالم لا يشبع من العلم يجمع علم الناس إلى علمه قال ~~فأي عبادك اعز قال الذي اذا قدر عفا قال فأي عبادك اغني قال الذي يرضى بما ~~اوتى قال فاي عبادك افقر قال صاحب منقوص فأخبر في هذا الحديث ان اعلم عباده ~~الذي لا يشبع من العلم فهو يجمع علم الناس إلى علمه لنهمته في العلم وحرصه ~~عليه ولا ريب ان كون العبد اعظم عباد الله من اعظم اوصاف كماله وهذا هو ~~الذي حمل موسى على الرحلة إلى عالم الأرض ليعلمه مما علمه الله هذا وهو ~~كليم الرحمن وأكرم الخلق على الله في زمانه وأعلم الخلق فحمله حرصه ونهمته ~~في العلم على الرحلة إلى العالم الذي وصف له فلولا ان العلم اشرف ما بذلت ~~فيه المهج وانفقت فيه الانفاس لاشتغل موسى عن الرحلة إلى الخضر بما هو ~~بصدده من امر الامة وعن مقاساة النصب والتعب في ms220 رحلته وتلطفه للخضر في قوله ~~هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا فلم ير اتباعه حتى استاذنه في ذلك ~~واخبره انه جاء متعلما مستفيدا فهذا النبي الكريم كان عالما بقدر العلم ~~واهله صلوات الله وسلامه عليه الوجه الرابع والثلاثون بعد المائة ان الله ~~سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته الجامعة لمحبته وإيثار مرضاته المستلزمة ~~لمعرفته ونصب للعباد علما لا كمال لهم الا به وهو ان تكون حركاتهم كلها ~~موافقة على وفق مرضاته ومحبته ولذلك ارسل رسله وانزل كتبه وشرع شرائعه ~~فكمال العبد الذي لا كمال له الا به ان تكون حركاته موافقه لما يحبه الله ~~منه ويرضاه له ولهذا جعل اتباع رسوله دليلا على محبته قال تعالى قل ان كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم فالمحب ~~الصادق يرى خيانة منه لمحبوبه ان يتحرك بحركة اختيارية في غير مرضاته وإذا ~~فعل فعلا مما ابيح له بموجب طبيعته وشهوته تاب منه كما يتوب من الذنب ولا ~~يزال هذا الأمر يقوى عنده حتى تنقلب PageV01P159 مباحاته كلها طاعات فيحتسب ~~نومه وفطره وراحته كما يحتسب قومته وصومه واجتهاده وهو دائما بين سراء يشكر ~~الله عليها وضراء يصبر عليها فهو سائر إلى الله دائما في نومه ويقظنه قال ~~بعض العلماء الاكياس عاداتهم عبادات الحمقي والحمقى عباداتهم عادات وقال ~~بعض السلف حبذا نوم الأكياس وفطرهم يغبنون به سهر الحمقى وصومهم فالمحب ~~الصادقان نطق نطق لله وبالله وان سكت سكت لله وان تحرك فبأمر الله وان سكن ~~فسكونه استعانة على مرضات الله فهو لله وبالله ومع الله ومعلوم ان صاحب هذا ~~المقام احوج خلق الله إلى العلم فإنه لا تتميز له الحركة المحبوبة لله من ~~غيرها ولا السكون المحبوب له من غيره الا بالعلم فليست حاجته إلى العلم ~~كحاجة من طلب العلم لذاته ولانه في نفسه صفة كمال بل حاجته اليه كحاجته إلى ~~ما به قوام نفسه وذاته ولهذا اشتدت وصاة شيوخ العارفين لمريديهم بالعلم ~~وطلبه وانه من لم يطلب العلم لم ms221 يفلح حتى كانوا يعدون من لا علم له من ~~السفلة قال ذو النون وقد سئل من السفلة فقال من لا يعرف الطريق إلى الله ~~تعالى ولا يتعرفه وقال أبو يزيد لو نظرتم إلى الرجل وقد اعطى من الكرامات ~~حتى يتربع في الهواء فلات تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الامر ~~والنهي وحفظ الحدود ومعرفة الشريعة وقال أبو حمزة البزاز من علم طريق الحق ~~سهل عليه سلوكه ولا دليل على الطريق الا متابعة الرسول في أقواله وأفعاله ~~واحواله وقال محمد بن الفضل الصوفي الزاهد ذهاب الاسلام على يدي اربعة ~~اصناف من الناس صنف لا يعملون بما يعلمون وصنف يعملون بما لا يعلمون وصنف ~~لا يعملون ولا يعلمون وصنف يمنعون الناس من التعلم قلت الصنف الاول من له ~~علم بلا عمل فهو اضر شيء على العامة فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومنحسة ~~والصنف الثاني العابد الجاهل فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه ~~فيقتدون به على جهله وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله ~~احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون فان ~~الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم فإذا كان العلماء فجرة والعباد جهلة ~~عمت المصيبة بهما وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة والصنف الثالث الذين لا ~~علم لهم ولا عملوإنما هم كالانعام السائمة والصنف الرابع نواب ابليس في ~~الأرض وهم الذي يثبطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين فهؤلاء اضر ~~عليهم من شياطين الجن فانهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه فهؤلاء ~~الاربعة اصناف هم الذين ذكرهم هذا العارف رحمة الله عليه وهؤلاء كلهم على ~~شفا جرف هار وعلى سبيل الهلكة وما يلقى العالم الداعي إلى الله ورسوله ما ~~يلقاه من الاذى والمحاربة الا على ايديهم والله يستعمل من يشاء في سخطه كما ~~يستعمل من يحب في مرضاته إنه بعباده خبير بصير ولا ينكشف سر هذه الطوائف ~~وطريقتهم إلا بالعلم فعاد الخير بحذافيره إلى العلم وموجبه والشر ~~PageV01P160 بحذافيره إلى الجهل وموجبه الوجه الخامس ms222 والثلاثون بعد المائة ~~ان الله سبحانه جعل العلماء وكلاء وامناء على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه ~~والقيام به والذب عنه وناهيك بها منزلة شريفة ومنقبة عظيمة قال تعالى ذلك ~~هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ~~اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين وقد قيل ان هؤلاء القوم هم الانبياء وقيل اصحاب ~~رسول الله وقيل كل مؤمن هذه امهات الاقوال بعد اقوال متفرعة عن هذه كقول من ~~قال هم الانصار أو المهاجرون والانصار أو قوم من ابناء فارس وقال آخرون هم ~~الملائكة قال ابن جرير واولى هذه الاقوال بالصواب انهم الانبياء الثمانية ~~عشر الذين سماهم في الايات قبل هذه الاية قال وذلك ان الخبر في الايات ~~قبلها عنهم مضى وفي التي بعدها عنهم ذكر فما يليها بان يكون خبرا عنهم اولى ~~واحق بان يكون خبرا عن غيرهم فالتأويل فإن يكفر قومك من قريش يا محمد ~~بآياتنا وكذبوا بها وجحدوا حقيقتها فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها ~~رسلنا وانبياءنا من قبلك الذين لا يجحدون حقيقتها ولا يكذبون بها ولكنهم ~~يصدقون بها ويؤمنون بصحتها قلت السورة مكية والاشارة بقوله هؤلاء إلى من ~~كفر به من قومه اصلا ومن عداهم تبعا فيدخل فيها كل من كفر بما جاء به من ~~هذه الامة والقوم الموكلون بها هم الانبياء اصلا والمؤمنون بهم تبعا فيدخل ~~كل من قام بحفظها والذنب عنها والدعوة اليها ولا ريب ان هذا للأنبياء اصلا ~~وللمؤمنين بهم تبعا واحق من دخل فيها من اتباع الرسول خلفاؤه في امته ~~وورثته فهم الموكلون بها وهذا ينظم في الاقوال التي قيلت في الاية واما قول ~~من قال انهم الملائكة فضعيف جدا لا يدل عليه السياق وتاباه لفظه قوما إذ ~~الغالب في القرآن بل المطرد تخصيص القوم ببني آدم دون الملائكة وأما قول ~~إبراهيم لهم قوم منكرون فإنما قاله لما ظنهم من الانس وايضا فلايقتضيه ~~فخامة المعنى ومقصوده ولهذا لو ms223 اظهر ذلك وقيل فإن يكفر بها كفار قومك فقد ~~وكلنا بها الملائكة فإنهم لا يكفرون بها لم نجد منه من التسلية وتحقير شأن ~~الكفرة بها وبيان عدم تأهلهم لها والانعام عليهم وإيثار غيرهم من اهل ~~الايمان الذين سبقت لهم الحسنى عليهم لكونهم احق بها وأهلها والله أعلم حيث ~~يضع هداه ويختص به من يشاء وايضا فإن تحت هذه الاية إشارة وبشارة يحفظها ~~وأنه لا ضيعة عليها وان هؤلاء وإن ضيعوها ولم يقبلوها فإن لها قوما غيرهم ~~يقبلونها ويحفظونها ويرعونها ويذبون عنها فكفر هؤلاء بها لا يضيعها ولا ~~يذهبها ولا يضرها شيئا فإن لها اهلا ومستحقا سواهم فتأمل شرف هذا المعنى ~~وجلالته وما تضمنه من تحريض عباده المؤمنين على المبادرة اليها والمسارعة ~~الى PageV01P161 قبولها وما تحته من تنبيههم على محبته لهم وإيثاره إياهم ~~بهذه النعمة على اعدائه الكافرين وما تحته من احتقارهم وازدرائهم وعدم ~~المبالاة والاحتفال بهم وإنكم وان تؤمنوا بها فعبادي المؤمنون بها الموكلون ~~بها سواكم كثير كما قال تعالى قل آمنوا به اولا تؤمنوا إن الذين اوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا يوقولن سبحان ربنا إن كان ~~وعد ربنا لمفعولا وإذا كان للملك عبيد قدعصوره وخالفوا امره ولم يلتفتوا ~~إلى عهده وله عبيد آخرون سامعون له مطيعون قابلون مستجيبون لامره فنظر ~~اليهم وقال ان يكفر هؤلاء نعمى ويعصوا امري ويضيعو عهدي فإن لي عبيدا سواهم ~~وهم أنتم تطيعون امري وتحفظون عهدي وتودون حقي فإن عبيده المطيعين يجدون في ~~انفسهم من الفرح والسرور والنشاط وقوة العزيمة ما يكون موجبا لهم المزيد من ~~القيام بحق العبودية والمزيد من كرامة سيدهم ومالكهم وهذا امر يشهد به الحس ~~والعيان واما توكيلهم بها فهو يتضمن توفيقهم للايمان بها والقيام بحقوقها ~~ومراعاتها والذب عنها والنصيحة لها كما يوكل الرجل غيره بالشيء ليقوم به ~~ويتعهده ويحافظ عليه وبها الاولى متعلقة بوكلنا وبها الثانية متعلقة ~~بكافرين والباء في بكافرين لتأكيد النفي فإن قلت فهل يصح ان يقال لاحد ~~هؤلاء المؤكلين انه وكيل الله ms224 بهذا المعنى كما يقال ولي الله قلت لا يلزم ~~من إطلاق فعل التوكل المقيد بأمر ما إن يصاغ منه اسم فاعل مطلق كما انه لا ~~يلزم من اطلاق فعل الاستخلاف المقيد ان قال خليفة الله لقوله ويستخلفكم في ~~الأرض وقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم فلا يوجب هذا الاستخلاف ان يقال لكل منهم ~~انه خليفة الله لانه استخلاف مقيد ولما قيل للصديق يا خليفة الله قال لست ~~بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وحسبي ذلك ولكن يسوغ ان يقال هو وكيل ~~بذلك كما قال تعالى فقد وكلنا بها قوما والمقصود ان هذا التوكيل خاص بمن ~~قام بها علما وعملا وجهادا لاعدائها وذبا عنها ونفيا لتحريف الغالين ~~وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وايضا فهو توكيل رحمة وإحسان وتوفيق ~~واختصاص لا توكيل حاجة كما يوكل الرجل من يتصرف عنه في غيبته لحاجة اليه ~~ولهذا قال بعض السلف فقد وكلنا بها قوما يقول رزقناها قوما فلهذا لا يقال ~~لمن رزقها ورحم بها انه وكيل لله وهذا بخلاف اشتقاق ولي الله من الموالاة ~~فانها المحبة والقرب فكما يقال عبدالله وحبيبه يقال وليه والله تعالى يوالي ~~عبده إحسانا اليه وجبرا له ورحمه بخلاف المخلوق فإنه يوالي المخلوق لتعززه ~~به وتكثره بموالاته لذل العبد وحاجته واما العزيز الغني فلا يوالي احدا من ~~ذل ولا حاجة قال تعالى وقل الحمد لله الذي PageV01P162 لم يتخذ ولدا ولم ~~يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا فلم ينف الولي ~~نفيا عاما مطلقا بل نفى ان يكون له ولي من الذل واثبت في موضع آخر ان له ~~اولياء بقوله الا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقوله الله ~~ولي الذين آمنوا فهذا موالاة رحمة وإحسان وجبر والموالاة المنفية موالاة ~~حاجة وذل يوضح هذا الوجه السادس والثلاثون بعدالمائة وهو ما روى عن النبي ~~من وجوه متعددة انه قال يحمل هذا العلم من كل خلف ms225 عدوله ينفون عنه تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين فهذا الحمل المشار اليه في هذا ~~الحديث هو التوكل المذكور في الاية فأخبر ان العلم الذي جاء به يحمله عدول ~~امته من كل خلف حتى لا يضيع ويذهب وهذا يتضمن تعديله لحمله العلم الذي بعث ~~به وهو المشار اليه في قوله هذا العلم فكل من حمل العلم المشار اليه لا بد ~~وان يكون عدلا ولهذا اشتهر عندالامة عدالة نقلته وحملته اشتهارا لا يقبل ~~شكا ولا امتراء ولا ريب ان من عدله رسول الله لا يسمع فيه جرح فالائمة ~~الذين اشتهروا عند الامة بنقل العلم النبوي وميراثه كلهم عدول بتعديل رسول ~~الله ولهذا لا يقبل قدح بعضهم في بعض وهذا بخلاف من اشتهر عندالامة جرحه ~~والقدح فيه كأئمة البدع ومن جرى مجراهم من المتهمين في الدين فانهم ليسوا ~~عندالامة من حملة العلم فما حمل علم رسول الله الا عدل ولكن قد يغلط في ~~مسمى العدالة فيظن ان المراد بالعدل من لا ذنب له وليس كذلك بل هو عدل ~~مؤتمن على الدين وإن كان منه ما يتوب إلى الله منه فإن هذا لا ينافي ~~العدالة كما لا ينافي الايمان والولاية # | فصل وهذا الحديث له طرق عديدة منها ما رواه ابن عدي عن موسى # ابن اسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ~~عن النبي ومنها ما رواه العوام بن حوشب عن شهر بن حوشب عن معاذ عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذكره الخطيب وغيره # ومنها ما رواه ابن عدي من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سالم ~~عن ابن عمر عن النبي ومنها ما رواه محمد بن جرير الطبري من حديث ابن أبي ~~كريمة عنم عاذ ابن رفاعة السلامي عن أبي عثمان النهدي عن اسامة بن زيد عن ~~النبي ومنها ما رواه حماد بن يزيد عن بقية بن الوليد عن معاذ بن رفاعة عن ~~إبراهيم بن عبدالرحمن العذري قال قال ms226 رسول الله قال الدارقطني حدثنا أحمد ~~بن الحسن بن زيد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا مثنى ابن بكر ومبشر وغيرهما من ~~اهل العلم كلهم يقولون حدثنا معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن ~~PageV01P163 عن النبي يعني ان المحفوظ من هذا الطريق مرسل لان إبراهيم هذا ~~لا صحبة له وقال الخلال في كتاب العلل قرأت على زهير بن صالح بن أحمد حدثنا ~~مهنا قال سالت أحمد عن حديث معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ~~قال قال رسول الله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ~~وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فقلت لاحمد كأنه موضوع قال لا هو صحيح ~~فقلت ممن سمعته انت فقال من غير واحد قلت من هم قال حدثني به مسكين الا انه ~~يقول عن معاذ عن القاسم بن عبدالرحمن قال أحمد ومعاذ بن رفاعة لا بأس به ~~ومنها ما رواه أبو صالح حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن ~~المسيب عن عبد الله بن مسعود قال سمعت النبي يقول يرث هذا العلم من كل خلف ~~عدوله ومنها مارواه أبو أحمد بن عدي من حديث زريق بن عبدالله الالهاني عن ~~القاسم بن عبدالرحمن عن أبي امامة الباهلي قال قال رسول الله رواه عنه بقية ~~ومنها ما رواه بن عدي ايضا من طريق مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن أبي ~~حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ومنها ما رواه تمام في فوائده من حديث ~~الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو ~~وابي هريرة رواه عنه خالد بن عمرو ومنها ما رواه القاضي اسماعيل من حديث ~~علي بن مسلم البلوي عن أبي صالح الاشعري عن أبي هريرة عن النبي الوجه ~~السابع والثلاثون بعدالمائة ان بقاء الدين والدنيا في بقاء العلم وبذهاب ~~العلم تذهب الدنيا والدين فقوام الدين والدنيا انما هو بالعلم قال الاوزاعي ~~قال ابن شهاب الزهري ms227 الاعتصام بالسنة نجاة والعلم يقبض قبضا سريعا فنعش ~~العلم ثبات الدين والدنيا وذهاب العلم ذهاب ذل كله وقال ابن وهب اخبرني ~~يزيد عن ابن شهاب قال بلغنا عن رجال من اهل العلم انهم كانوا يقولون ~~الاعتصام بالسنة نجاة والعلم يقبض قبضا سريعا فنعش العلم ثبات الدين ~~والدنيا وذهاب العلم ذهاب ذلك كله الوجه الثامن والثلاثون بعدالمائة ان ~~العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة مالا يرفعه الملك ولا المال ولا غيرهما ~~فالعلم يزيد الشريف شرفا ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك كما ~~ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن أبي الطفيل ان نافع بن عبدالحارث اتى عمر ~~بن الخطاب بعسفان وكان عمر استعمله على اهل مكة فقال له عمر من استخلفت على ~~اهل الوادي قال استخلفت عليهم ابن ابزي فقال من ابن ابزي فقال رجل من ~~موالينا فقال عمر استخلفت عليهم مولى فقال إنه قارئ لكتاب الله عالم ~~بالفرائض فقال عمر اما أن نبيكم قد قال إن الله يرفع بهذا الكتاب اقواما ~~ويضع به آخرين قال أبو العالية كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش ~~فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير فتغامز بي قريش ففطن لهم ابن عباس فقال ~~كذا هذا العلم يزيد الشريف شرفا ويجلس المملوك على الاسرة PageV01P164 وقال ~~إبراهيم الحربي كان عطاء ابن أبي رباح عبيدا اسود لامرأة من مكة وكان انفه ~~كأنه بالاقة قال وجاء سليمان بن عبدالملك امير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه ~~فجلسوا اليه وهو يصلي فلما صلى انفتل اليهم فما زالوا يسألونه عن مناسك ~~الحج وقد حول قفاه اليهم ثم قال سليمان لابنيه قوما فقاما فقال يا بني تنيا ~~في طلب العلم فإني لا انسى ذلنا بين يدي هذا العبد الاسود قال الحربي وكان ~~محمد بن عبد الرحمن الا وقص عنقه داخل في بدنه وكان منكباه خارجين كأنهما ~~زجان فقالت امه يا بني لا تكون في مجلس قوم الا كنت المضحوك منه المسخور به ~~فعليك بطلب العلم فإنه يرفعك فولى قضاء مكة ms228 عشرين سنة قال وكان الخصم إذا ~~جلس اليه بين يديه يرعد حتى يقوم قال ومرت به امرأة وهو يقول اللهم اعتق ~~رقبتي من النار فقالت له يا ابن اخي واي رقبة لك وقال يحيى ابن اكثم قال ~~الرشيدي ما انبل المراتب قلت ما انت فيه يا امير المؤمنين قال فتعرف اجل ~~مني قلت لا قال لكني اعرفه رجل في حلقه يقول حدثنا فلان عن فلان عن رسول ~~الله قال قلت يا أمير المؤمنين اهذا خير منك وانت ابن عم رسول الله وولي ~~عهد المؤمنين قال نعم ويلك هذا خير مني لان اسمه مقترن باسم رسول الله لا ~~يموت ابدا ونحن نموت ونفني والعلماء باقون ما بقي الدهر وقال خيثمة بن ~~سليمان سمعت أبي الخناجر يقول كنا في مجلس ابن هارون والناس قد اجتمعوا ~~إليه فمر امير المؤمنين فوقف علينا في المجلس وفي المجلس الوف فالتفت إلى ~~اصحابه وقال هذا الملك وفي تاريخ بغداد للخطيب حدثني أبو النجيب عبد الغفار ~~ابن عبدالواحد قال سمعت الحسن بن علي المقري يقول سمعت أبا الحسن بن فارس ~~يقول سمعت الاستاذ ابن العميد يقول ما كنت اظن ان في الدنيا حلاوة الذ من ~~الرياسة والوزارة التي انا فيها حتى شهدت مذاكرة سليمان ابن ايوب بن أحمد ~~الطبراني وابي بكر الجعابي بحضرتي فكان الطبراني يغلب بكثرة حفظه وكان ~~الجعابي يغلب الطبراني بفطنته وزكا اهل بغداد حتى ارتفعت اصواتهم ولا يكاد ~~احدهما يغلب صاحبه فقال الجعابي عندي حديث ليس في الدنيا الا عندي فقال ~~هاته فقال حدثنا أبو خليف حدثنا سليمان بن ايوب وحدث بالحديث فقال الطبراني ~~انبأنا سليمان بن ايوب ومني سمع أبو خليفة فاسمع مني حتى يعلو اسنادك فإنك ~~تروي عن أبي خليفة عني فخجل الجعابي وغلبه الطبراني قال ابن العميد فوددت ~~في مكاني ان الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني وفرحت مثل ~~الفرح الذي فرح الطبراني لاجل الحديث أو كما قال وقال المزني سمعت الشافعي ~~يقول من تعلم القرآن عظمت قيمته ومن ms229 نظر في الفقه نبل مقداره ومن تعلم ~~اللغة رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل رأيه ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم ~~يصن نفسه لم ينفعه علمه وقد روى هذا الكلام عن الشافعي من وجوه متعددة وقال ~~سفيان الثوري من ارادالدنيا والاخرة فعليه بطلب العلم وقال عبد PageV01P165 ~~الله بن داود سمعت سفيان الثوري يقول ان هذا الحديث عز فمن اراد به الدنيا ~~وجدها ومن اراد به الاخرة وجدها وقال النضر بن شميل من اراد ان يشرف في ~~الدنيا والاخرة فليتعلم العلم وكفى بالمرء سعادة ان يوثق به في دين الله ~~ويكون بين الله وبين عباده وقال حمزة بن سعيد المصري لما حدث أبو مسلم ~~اللخمي اول يوم حدث قال لابنه كم فضل عندنا من اثمان غلاتنا قال ثلاثمائة ~~دينار قال فرقها على اصحاب الحديث والفقراء شكرا ان أباك اليوم شهد علي ~~رسول الله فقبلت شهادته وفي كتاب الجليس والانيس لأبي الفرج المعافي بن ~~زكرياء الجريري حدثنا محمد بن الحسين بن دريد حدثنا أبو حاتم عن العتبي عن ~~أبيه قال ابتنى معاوية بالابطح مجلسا فجلس عليه ومعه ابنه قرظة فإذا هو ~~بجماعة على رحال لهم وإذا شاب منهم قد رفع عقيرته يتغنى : # من يساجلني يساجل ما جدا % يملأ الدلو إلى عقد الكرب قال من هذا قالوا ~~عبدالله بن جعفر قال خلوا له الطريق ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يتغنى : # بينما يذكرنني ابصرتني % عند قيد الميل يسعى بي الاغر قلن تعرفن الفتى ~~قلن نعم % قد عرفناه وهل يخفى القمر قال من هذا قالوا عمر بن أبي ربيعة قال ~~خلوا له الطريق فليذهب قال ثم اذا هوبجماعة وإذا فيهم رجل يسئل فيقال له ~~رميت قبل ان احلق وحلقت قبل ان ارمي في اشياء اشكلت عليهم من مناسك الحج ~~فقال من هذا قالوا عبدالله بن عمر فالتفت إلى ابنه قرظة وقال هذا وابيك ~~الشرف هذا والله شرف الدنيا والاخرة وقال سفيان بن عيينة ارفع الناس منزلة ~~عند الله من كان بين الله وبين ms230 عباده وهم الانبياء والعلماء وقال سهل ~~التستري من أراد ان ينظر إلى مجالس الانبياء فلينظر إلى مجالس العلماء يجيء ~~الرجل فيقول يا فلان ايش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا فيقول طلقت ~~امرأته ويجيء آخر فيقول حلفت بكذا وكذا فيقول ليس يحنث بهذا القول وليس هذا ~~الا لنبي أو عالم فاعرفوا لهم ذلك الوجه التاسع والثلاثون بعدالمائة ان ~~النفوس الجاهلة التي لاعلم عندها قد البست ثوب الذل والازراء عليها والتنقص ~~بها اسرع منه إلى غيرها وهذا امر معلوم عند الخاص والعام قال الاعمش اني ~~لارى الشيخ لا يروى شيئا من الحديث فاشتهى ان الطمه وقال معاوية سمعت ~~الاعمش يقول من لم يطلب الحديث اشتهى ان أضعفه بنعليوقال هشام بن علي سمعت ~~الاعمش يقول إذا رايت الشيخ لم يقرا القرآن ولم يكتب الحديث فاصفع له فإنه ~~من شيوخ القمراء قال أبو صالح قلت لابي جعفر ما شيوخ القمراء قال شيوخ ~~دهريون يجتمعون في ليالي القمر يتذاكرون أيام الناس ولا يحسن احدهم ان ~~يتوضأ للصلاة وقال المزني كان الشافعي إذا رأى شيخا سأله عن الحديث والفقه ~~فإن كان عنده شيء وإلا قال له لا جزاك الله خيرا عن نفسك ولا عن الاسلام قد ~~PageV01P166 ضيعت نفسك وضيعت الاسلام وكان بعض خلفاء بني العباس يلعب ~~بالشطرنج فاستاذن عليه عمه فاذن له وغطى الرقعة فلما جلس قال له يا عم هل ~~قرأت القرآن قال قال هل كتبت شيئا من السنة قال لا قال فهل نظرت في الفقه ~~واختلاف الناس قال لا قال فهل نظرت في العربية وايام الناس قال لا قال فقال ~~الخليفة اكشف الرقعة ثم اتم اللعب وزال احتشامه وحياؤه منه وقال له ملاعبه ~~يا أمير المؤمنين تكشفها ومعنا من تحتشم منه قال اسكت فما معنا أحد وهذا ~~لان الانسان انما تميز عن سائ الحيوانات بما خص به من العلم والعقل والفهم ~~فإذا عدم ذلك لم يبق فيه الا القدر المشترك بينه وبين سائر الحيوانات وهي ~~الحيوانية البهيمية ومثل هذا لا يستحي ms231 منه الناس ولا يمنعون بحضرته وشهوده ~~مما يستحيا منه من اولى الفضل والعلم الوجه الاربعون بعدالمائة ان كل صاحب ~~بضاعة سوى العلم إذا علم ان غير بضاعته خير منها زهد في بضاعته ورغب في ~~الاخرى وود انها له عوض بضاعته الا صاحب بضاعة العلم فإنه ليس يحب ان له ~~يحظه منها حظ اصلا وكان سفيان الثوري إذا رأى الشيخ لم يكتب الحديث قال ~~لاجزاك الله عن الاسلام خيرا قال أبو جعفر الطحاوي كنت عند أحمد بن أبي ~~عمران فمر بنا رجل من بني الدنيا فنظرت اليه وشغلت به عما كنت فيه من ~~المذاكرة فقال لي كأني بك قد فكرت فيما اعطى هذا الرجل من الدنيا قلت له ~~نعم قال هل ادلك على خلة هل لك ان يحول الله اليك ما عنده من المال ويحول ~~اليه ما عندك من العلم فتعيش انت غنيا جاهلا ويعيش هو عالما فقيرا فقلت ما ~~اختار ان يحول الله ما عندي من العلم إلى ما عنده فالعلم غنى بلا مال وعز ~~بلا عشيرة وسلطان بلا رجال وفي ذلك قيل : # العلم كنز وذخر لا نفاد له % نعم القرين إذا ما صاحب صحبا قد يجمع المرء ~~مالا ثم يحرمه % عما قليل فيلقى الذل والحربا وجامع العلم مغبوط به ابدا % ~~ولا يحاذر منه الفوت والسلبا يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه % لا تعدلن به ~~درا ولا ذهبا # الوجه الحادي والاربعون بعدالمائة ان الله سبحانه اخبر انه يجزى المحسنين ~~اجرهم باحسن ما كانواي يعملون واخبر سبحانه انه يجزى على الاحسان بالعلم ~~وهذا يدل على انه من احسن الجزاء اما المقام الاول ففي قوله تعالى والذي ~~جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء ~~المحسنين ليكفر الله عنهم اسوا الذي عملوا ويجزيهم اجرهم باحسن الذي ~~كانوايعملون وهذا يتناول الجزاءين الدنيوي والاخروي واما المقام الثاني ففي ~~قوله تعالى ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين قال الحسن ~~من احسن عبادة الله في شيبته لقاه ms232 الله الحكمة عند كبر سنه وذلك قوله ولما ~~بلغ اشده آتيناه PageV01P167 حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ومن هذا قال ~~بعض العلماء تقول الحكمة من التمسني فلم يجدني فليعمل باحسن ما يعلم وليترك ~~اقبح ما يعلم فإذا فعل ذلك فإنا معه وإن لم يعرفني الوجه الثاني والاربعون ~~بعدالمائة ان الله سبحانه جعل العلم للقلوب كالمطر للارض فكما انه لا حياة ~~للارض الا بالمطر فكذلك لا حياة للقلب الا بالعلم وفي الموطأ قال لقمان ~~لابنه يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فان الله تعالى يحيى القلوب ~~الميتة بنور الحكمة كما يحيى الأرض بوابل المطر ولهذا فإن الأرضإنا تحتاج ~~إلى المطر في بعض الاوقات فإذا تتابع عليها احتاجت إلى انقطاعه واما العلم ~~فيحتاج اليه بعدد الانفاس ولاتزيده كثرته الا صلاحا ونفعا الوجه الثالث ~~والاربعون بعد المائة ان كثيرا من الاخلاق التي لا تحمد في الشخص بل يذم ~~عليها تحمد في طلب العلم كالملق وترك الاستحياء والذل والتردد إلى ابواب ~~العلماء ونحوها قال ابن قتيبة جاء في الحديث ليس الملق من اخلاق المؤمنين ~~الا في طلب العلم وهذا اثر عن بعض السلف وقال ابن عباس ذللت طالبا فعززت ~~مطلوبا وقال وجدت عامة علم رسول الله عند هذا الحي من الانصار إن كنت لاقيل ~~عند باب احدهم ولو شئت اذن لي ولكن ابتغى بذلك طيب نفسه وقال أبو اسحاق قال ~~على كلمات لو رحلتم المطي فيهن لافنيتموهن قبل ان تدركوا مثلهن لايرجون عبد ~~الا ربه ولا يخافن الا ذنبه ولا يستحيي من لاي علم ان يتعلم ولا يستحيي إذا ~~سئل عما لا يعلم ان يقول لا أعلم واعلموا ان منزلة الصبر من الايمان كمنزلة ~~الراس من الجسد فإذا ذهب الراس ذهب الجسد وإذا ذهب البصر ذهب الايمان ومن ~~كلام بعض العلماء لاينال العلم مستحي ولا متكبر هذا يمنعه حياؤه من التعلم ~~وهذا يمنعه كبره وإنما حمدت هذه الاخلاق في طلب العلم لانها طريق إلى ~~تحصيله فكانت من كمال الرجل ومفضية إلى كماله ومن كلام الحسن ms233 من استتر عن ~~طلب العلم بالحياء لبس للجهل سرباله فاقطعوا سرابيل بالحياء فانه من رؤية ~~وجهه رق علمه وقال الخليل منزلة الجهل بين الحياء والانفة ومن كلام على رضى ~~الله تعالى عنه قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان وقال إبراهيم لمنصور ~~سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الاكياس وكذلك سؤال الناس هو عيب ونقص في الرجل ~~وذلة تنافي المروءة الا في العلم فإنه عين كماله ومروءته وعزه كما قال بعض ~~اهل العلم خير خصال الرجل السؤال عن العلم وقيل إذا جلست إلى عالم فسل ~~تفقها لاتعنتا وقال رية بن العجاج اتيت النسابة البكري فقال من انت قلت انا ~~ابن العجاج قال قصرت وعرفت لعلك كقوم ان سكت لم يسلوني وان تكلمت لم يعوا ~~عني قلت ارجو ان لا اكون كذلك قال ما اعداء المروءة قلت تخبرني قال بنوعم ~~السوء ان رأوا حسنا ستروه وإن رأوا سيئا اذاعوه ثم قال إن للعلم آفة ونكدا ~~وهجنة فآفته PageV01P168 نسيانه ونكده الكذب فيه وهجنته نشره عندغير اهله ~~وانشد ابن الاعرابي : # ما اقرب الاشياء حين يسوقها % قدروا بعدها إذا لم تقدر فسل الفقيه تكن ~~فقيها مثله % من يسع في علم بذل يمهر فتدبر العلم الذي تفتى به % لا خير في ~~علم بغير تدبر ولقد يجد المرء وهو مقصر % ويخيب جدالمرء غير مقصر ذهب ~~الرجال المقتدي بفعالهم % والمنكرون لكل امر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم ~~% بعضا ليدفع معور عن معور # وللعلم ست مراتب اولها حسن السؤال الثانية حسن الانصات والاستماع الثالثة ~~حسن الفهم الرابعة الحفظ الخامسة التعليم السادسة وهي ثمرته وهي العمل به ~~ومراعاة حدوده فمن الناس من يحرمه لعدم حسن سؤاله أما لانه لا يسال بحال أو ~~يسال عن شيء وغيره اهم اليه منه كمن يسأل عن فضوله التي لا يضر جهله بها ~~ويدع مالا غنى له عن معرفته وهذه حال كثير من الجهال المتعلمين ومن الناس ~~من يحرمه لسوء انصاته فيكون الكلام والممارات آثر عنده وأحب اليه من ~~الانصاب وهذه آفة كامنة في اكثر النفوس ms234 الطالبة للعلم وهي تمنعهم علما ~~كثيرا ولو كان حسن الفهم ذكر ابن عبدالبر عن بعض السلف انه قال من كان حسن ~~الفهم رديء الاستماع لم يقم خيره بشره وذكر عبدالله بن أحمد في كتاب العلل ~~له قال كان عروة بن الزبير يحب مماراة ابن عباس فكان يخزن علمه عنه وكان ~~عبيد الله بن عبدالله بن عتبة يلطف له في السؤال فيعزه بالعلم عزا وقال ابن ~~جريج لم أستخرج العلم الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به وقال بعض السلف ~~إذا جالست العالم فكن على ان تسمع احرص منك على ان تقول وقد قال الله تعالى ~~إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد فتأمل ما تحت هذه ~~الالفاظ من كنوز العلم وكيف تفتح مراعاتها للعبد ابواب العلم والهدى وكيف ~~ينغلق باب العلم عنه من اهمالها وعدم مراعاتها فإنه سبحانه أمر عباده ان ~~يتدبروا آياته المتلوة المسموعة والمرئية المشهودة بما تكون تذكرة لمن كان ~~له قلب فإن من عدم القلب الواعي عن الله لم ينتفع بكل آية تمر عليه ولو مرت ~~به كل آية ومرور الايات عليه كطلوع الشمس والقمر والنجوم ومرورها على من لا ~~بصر له فإذا كان له قلب كان بمنزلة البصير إذا مرت به المرئيات فإنه يراها ~~ولكن صاحب القلب لا ينتفع بقلبه الا بأمرين احدهما ان يحضره ويشهده لما ~~يلقى اليه فإن كان غائبا عنه مسافرا في الاماني والشهوات والخيالات لا ~~ينتفع به فإذا احضره اشهده لم ينتفع الا بان يلقى سمعه ويصغى بكليته إلى ~~مايوعظ به ويرشد اليه وها هنا ثلاثة PageV01P169 امور احدها سلامة القلب ~~وصحته وقبوله الثاني احضاره وجمعه ومنعه من الشرود والتفرق الثالث القاء ~~السمع وأصغاؤه والاقبال على الذكر فذكر الله تعالى الامور الثلاثة في هذه ~~الاية قال ابن عطية القلب هنا عبارة عن العقل إذ هو محله والمعنى لمن كان ~~له قلب واع ينتفع به قال وقال الشبلي قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة ~~عين وقوله ms235 أو القى السمع وهو شهيد معناه صرف سمعه إلى هذه الانباء الواعظة ~~واثبته في سمعه فذلك القاء له عليها ومنه قوله والقيت عليك محبة مني أي ~~اثبتها عليك وقوله وهو شهيد قال بعض المتأولين معناه وهو شاهد مقبل على ~~الامر غير معرض عنه ولا مفكر في غير ما يسمع قال وقال قتادة هي إشارة إلى ~~اهل الكتاب فكأنه قال ان هذه العبر لتذكرة لمن له فهم فتدبر الأمر أو لمن ~~سمعها من اهل الكتاب فشهد بصحتها لعلمه بها من كتابه التوراة وسائر كتب بني ~~اسرائيل قال فشهيد على التأويل الاول من المشاهدة وعلى التاويل الثاني من ~~الشهادة وقال الزجاج معنى من كان له قلب من شرف قلبه إلى التفهم الا ترى ان ~~قوله صم بكم عمي انهم لم يستمعوا استماع مستفهم مسترشد فجعلوا بمنزلة من لم ~~يسمع كما قال الشاعر اصم عما ساءه سميع ومعنى أو القى السمع استمع ولم يشغل ~~قلبه بغير ما يستمع والعرب تقول الق إلى سمعك أي استمع مني وهو شهيد أي ~~قلبه فيما يسمع وجاء في التفسير انه يعني به اهل الكتاب الذين عندهم صفة ~~النبي فالمعنى أو القى السمع وهو شهيد اشاهد ان صفة النبي في كتابه وهذا هو ~~الذي حكاه ابن عطية عن قتادة وذكر ان شهيدا فيه بمعنى شاهد أي مخبر وقال ~~صاحب الكشاف لمن كان له قلب واع لان من لا يعي قلبه فكانه لا قلب له والقاء ~~السمع والاصغاء وهو شهيد أي حاضر بفطنته لان من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب أو ~~هو مؤمن شاهد على صحته وانه وحي من الله وهو بعض الشهداء في قوله لتكونوا ~~شهداء على الناس وعن قتادة وهو شاهد على صدقه من اهل الكتاب لوجود نعته ~~عنده فلم يختلف في ان المراد بالقلب القلب الواعي وان المراد بالقاء السمع ~~إصغاؤه وإقباله على المذكر وتفريغ سمعه له واختلف في الشهيد على اربعة ~~اقوال احدها انه من المشاهدة وهي الحضور وهذا اصح الاقوال ولا يليق بالاية ~~غيره ms236 الثاني انه شهيد من الشهادة وفيه على هذه ثلاثة اقوال احدها انه شاهد ~~على صحة ما معه من الايقان الثاني انه شاهد من الشهداء على الناس يوم ~~القيامة الثالث انه شهادة من الله عنده على صحة نبوة رسول الله بما علمه من ~~الكتب المنزلة والصواب القول الاول فإن قوله وهو شهيد جملة حالية والواو ~~فيها واو الحال أي القى السمع في هذه الحال وهذا يقتضى ان يكون حال القائه ~~السمع شهيدا PageV01P170 وهذا هو من المشاهدة والحضور ولو كان المراد به ~~الشهادة في الاخرة أو الدنيا لما كان لتقييدها بالقاء السمع معنى اذ يصير ~~الكلام ان في ذلك لاية لمن كان له قلب أو القي السمع حال كونه شاهدا بما ~~معه في التوراة أو حال كونه شاهدا يوم القيامة ولا ريب ان هذا ليس هو ~~المراد بالاية وايضا فالاية عامة في كل من له قلب والقى السمع فكيف يدعى ~~تخصيصها بمؤمني اهل الكتاب الذين عندهم شهادة من كتبهم على صفة النبي وأيضا ~~فالسورة مكية والخطاب فيها لا يجوز ان يختص بأهل الكتاب ولا سيما مثل هذا ~~الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الاية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع ~~فكيف يقال هي في اهل الكتاب فإن قيل المختص بهم قوله وهو شهيد فهذا افسد ~~وافسد لان قوله وهو شهيد يرجع الضمير فيه إلى جملة من تقدم وهو من له قلب ~~أو القى السمع فكيف يدعى عوده إلى شيء غايته ان يكون بعض المذكور اولا ولا ~~دلالة في اللفظ عليه وأيضا فإن المشهود به محذوف ولا دلالة في اللفظ عليه ~~فلو كان المراد به وهو شاهد بكذا لذكر المشهود به إذ ليس في اللفظ ما يدل ~~عليه وهذا بخلاف ما إذا جعل من الشهود وهو الحضور فإنه لايقتضى مفعولا ~~مشهودا به ليتم الكلام بذكره وحده وايضا فإن الاية تضمنت تقسيما وترديدا ~~بين قسمين احدهما من كان له قلب والثاني من القى السمع وحضر بقلبه ولم يغب ~~فهو حاضر القلب شاهده لا غائبه وهذا ms237 والله اعلم سر الاتيان باو دون الواو ~~لأن المنتفع بالايات من الناس نوعان احدهما ذو القلب الواعي الزكي الذي ~~يكتفي بهدايته بأدنى تنبيه ولا يحتاج إلى ان يستجلب قلبه ويحضره ويجمعه من ~~مواضع شتاته بل قلبه واع زكي قابل للهدى غير معرض عنه فهذا لا يحتاج الا ~~إلى وصول الهدى اليه فقط لكمال استعداه وصحة فطرته فإذا جاءه الهدى سارع ~~قلبه إلى قبوله كانه كان مكتوبا فيه فهو قد أدركه مجملا ثم جاء الهدى ~~بتفصيل ما شهد قلبه بصحته مجملا وهذه حال أكمل الخلق استجابة لدعوة الرسل ~~كما هي حال الصديق الاكبر رضي الله عنه والنوع الثاني من ليس له هذا ~~الاستعداد والقبول فإذا ورد عليه الهدى اصغى اليه بسمعه واحضر قلبه وجمع ~~فكرته عليه وعلم صحته وحسنه بنظره واستدلاله وهذه طريقة اكثر المستجيبين ~~ولهم نوع ضرب الامثال وإقامة الحجج وذكر المعارضات والاجوبة عنها والاولون ~~هم الذين يدعون بالحكمة وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة فهؤلاء نوعا ~~المستجيبين واما المعارضون المدعون للحق فنوعان نوع يدعون بالمجادلة بالتي ~~هي احسن فان استجابوا وإلا فالمجادلة فهؤلاء لا بد لهم من جدال أو جلاد ومن ~~تأمل دعوة القرآن وجدها شاملة لهؤلاء الاقسام متناولة لها كلها كما قال ~~تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن ~~فهؤلاء المدعوون بالكلام واما اهل الجلاد فهم الذين امر الله قتالهم حتى ~~لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله واما من فسر الاية PageV01P171 بأن المراد ~~بمن كان له قلب هو المستغنى بفطرته عن علم المنطق وهو المؤيد بقوة قدسية ~~ينال بها الحد الاوسط بسرعة فهو لكمال فطرته مستغن عن مراعات اوضاع المنطق ~~والمراد بمن القى السمع وهو شهيد من ليست له هذه القوة فهو محتاج إلى تعلم ~~المنطق ليوجب له مراعاته وإصغاؤه اليه ان لا يزيغ في فكره وفسر قوله ادع ~~إلى سبيل ربك بالحكمة انها القياس البرهاني والموعظة الحسنة القياس الخطابي ~~وجادلهم بالتي هي احسن القياس الجدلي فهذا ليس من تفاسير الصحابة ولا ~~التابعين ولا أحد ms238 من ائمة التفسير بل ولا من تفاسير المسلمين وهو تحريف ~~لكلام الله تعالى وحمل له على اصطلاح المنطقية المبخوسة الحظ من العقل ~~والايمان وهذا من جنس تفاسير القرامطة والباطنية وغلاة الاسماعيلية لما ~~يفسرونه من القرآن وينزلونه على مذاهبهم الباطلة والقرآن بريء من ذلك كله ~~منزه عن هذه الاباطيل والهذيانات وقد ذكرنا بطلان ما فسر به المنطقيون هذه ~~الاية التي نحن فيها والاية الاخرى في موضع آخر من وجوه متعددة وبينا ~~بطلانه عقلا وشرعا ولغة وعرفا وأنه يتعالى كلام الله عن حمله على ذلك ~~وبالله التوفيق والمقصود بيان حرمان العلم من هذه الوجوه الستة احدها ترك ~~السؤال الثاني سوء الانصات وعدم القاء السمع الثالث سوء الفهم الرابع عدم ~~الحفظ الخامس عدم نشره وتلعيمه فإن من خزن علمه ولم ينشره ولم يعلمه ابتلاه ~~الله بنسيانه وذهابه منه جزاء من جنس عمله وهذا أمر يشهد به الحس والوجود ~~السادس عدم العمل به فإن العمل به يوجب تذكره وتدبره ومراعاته والنظر فيه ~~فإذا اهمل العمل به نسيه قال بعض السلف كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به ~~وقال بعض السلف ايضا العلم يهتف بالعمل فإن اجابه حل والا ارتحل فالعمل به ~~من اعظم اسباب حفظه وثباته وترك العمل به أضاعه له فما استدر العلم ولا ~~استجلب بمثل العمل قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به وأما قوله تعالى ~~واتقوا الله ويعلمكم الله فليس من هذا الباب بل هما جملتان مستقلتان طلبية ~~وهي الامر بالتقوى وخبرية وهي قوله تعالى ويعلمكم الله أي والله يعلمكم ما ~~تتقون وليست جوابا للأمر بالتقوى ولو أريد بها الجزاء لأتى بها مجزومة ~~مجردة عن الواو فكان يقول واتقوا الله يعلمكم أو إن تتقوه يعلمكم كما قال ~~إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا فتدبره الوجه الرابع والاربعون بعد المائة ~~ان الله سبحانه نفى التسوية بين العالم وغيره كما نفى التسوية بين الخبيث ~~والطيب وبين الاعمى والبصير وبين النور ms239 والظلمة وبين الظل والحرور وبين ~~اصحاب الجنة واصحاب النار وبين الابكم العاجز الذي لا يقدر على شيء ومن ~~يامر بالعدل وهو على صراط مستقيم وبين المؤمنين والكفار وبين الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات والمفسدين في الأرض وبين المتقين PageV01P172 والفجار فهذه ~~عشرة مواضع في القرآن نفى فيها التسوية بين هؤلاء الاصناف وهذا يدل على ان ~~منزلة العالم من الجاهل كمنزلة النور من الظلمة والظل من الحرور والطيب من ~~الخبيث ومنزلة كل واحد من هذه الاصناف مع مقابلة وهذا كاف في شرف العلم ~~وأهله بل إذا تأملت هذه الاصناف كلها ووجدت نفي التسوية بينها راجعا إلى ~~العلم وموجبه فيه وقع التفضيل وانتفت المساواة الوجه الخامس والاربعون ~~بعدالمائة ان سليمان لما توعد الهدهد بأن يعذبه عذابا شديدا أو يذبحه إنما ~~نجا منه بالعلم واقدم عليه في خطابه له بقوله احطت بما لم تحط به خبرا وهذا ~~الخطاب إنما جرأه عليه العلم وإلا فالهدهد مع ضعفه لا يتمكن من خطابه ~~لسليمان مع قوته بمثل هذا الخطاب لولا سلطان العلم ومن هذا الحكاية ~~المشهورة ان بعض اهل العلم سئل عن مسالة فقال لا اعلمها فقال أحد تلامذته ~~انا اعلم هذه المسألة فغضب الاستاذ وهم به فقال له ايها الاستاد لست اعلم ~~من سليمان بن داود ولو بلغت في العلم ما بلغت ولست انا اجهل من الهدهد وقد ~~قال لسليمان احطت بما لم تحط به فلم يعتب عليه ولم يعنفه الوجه السادس ~~والاربعون بعدالمائة إن من نال شيئا من شرف الدنيا والآخرة فإنما ناله ~~بالعلم وتامل ما حصل لادم من تميزه على الملائكة واعترافهم له بتعليم الله ~~له الاسماء كلها ثم ما حصل له من تدارك المصيبة والتعويض عن سكنى الجنة بما ~~هو خير له منها بعلم الكلمات التي تلقاها من ربه وما حصل ليوسف من التمكين ~~في الأرض والعزة والعظمة بعلمه بتعبير تلك الرؤيا ثم علمه بوجوه استخراج ~~اخيه من إخوته بما يقرون به ويحكمون هم به حتى ال الامر إلى ما آل اليه من ~~العز ms240 والعاقبة الحميدة وكمال الحال التي توصل اليها بالعلم كما اشار اليها ~~سبحانه في قوله كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ اخاه في دين الملك إلا ان ~~يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم جاء في تفسيرها نرفع ~~درجات من نشاء بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على اخوته بالعلم وقال في ~~إبراهيم وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء فهذه رفعة ~~بعلم الحجة والاول رفعة بعلم السياسة وكذلك ما حصل للخضر بسبب علمه من ~~تلمذة كليم الرحمن له وتلطفه معه في السؤال حتى قال هل اتبعك على ان تعلمن ~~مما علمت رشدا وكذلك ما حصل لسليمان من علم منطق الطير حتى وصل إلى ملك سبأ ~~وقهر ملكتهم واحتوى على سرير ملكها ودخولها تحت طاعته ولذلك قال يايها ~~الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين وكذلك ~~ما حصل لداود من علمه نسج الدروع من الوقاية من سلاح الاعداء وعدد سبحانه ~~هذه النعمة بهذا العلم على عباده فقال وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم فهل أنتم شاكرون وكذلك ما حصل للمسيح من علم الكتاب والحكمة والتوراة ~~والانجيل ما رفعه الله PageV01P173 به اليه وفضله وكرمه وكذلك ما حصل لسيد ~~ولد آدم من العلم الذي ذكره الله به نعمة عليه فقال وانزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما الوجه السابع ~~والاربعون بعدالمائة ان الله سبحانه اثنى على إبراهيم خليله بقوله تعالى إن ~~إبراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه ~~فهذه اربع انواع من الثناء افتتحها بأنه امة والامة هو القدوة الذي يؤتم به ~~قال ابن مسعود والامة المعلم للخير وهي فعلة من الائتمام كقدوة وهو الذي ~~يقتدي به والفرق بين الامة والامام من وجهين احدهما ان الامام كل ما يؤتم ~~به سواء كان بقصده وشعوره اولا ومنه سمى الطريق إماما كقوله تعالى وإن كان ~~اصحاب الايكة لظالمين ms241 فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين أي بطريق واضح لا ~~يخفى على السالك ولا يسمى الطريق امة الثاني ان الامة فيه زيادة معنى وهو ~~الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل بحيث بقي فيها فردا وحده فهو الجامع ~~لخصال تفرقت في غيره فكأنه باين غيره باجتماعها فيه وتفرقها أو عدمها في ~~غيره ولفظ الامة يشعر بهذا المعنى لما فيه من الميم المضعفة الدالة على ~~الضم بمخرجها وتكريرها وكذلك ضم اوله فإن الضمة من الواو ومخرجها ينضم عند ~~النطق بها وأتى بالتاء الدالة على الوحدة كالغرفة واللقمة ومنه الحديث إن ~~زيد بن عمرو بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده فالضم والاجتماع لازم لمعنى ~~الامة ومنه سميت الامة التي هي آحاد الامم لانهم الناس المجتمعون على دين ~~واحد أو في عصر واحد الثاني قوله قانتا لله قال ابن مسعود القانت المطيع ~~والقنوت يفسر باشياء كلها ترجع إلى دوام الطاعة الثالث قوله حنيفا والحنيف ~~المقبل على الله ويلزم هذا المعنى ميله عما سواه فالميل لازم معنى الحنيف ~~لا انه موضوعه لغة الرابع قوله شاكرا لانعمه والشكر للنعم مبني على ثلاثة ~~اركان الاقرار بالنعمة وإضافتها إلى المنعم بها وصرفها في مرضاته والعمل ~~فيها بما يجب فلا يكون العبد شاعرا إلا بهذه الاشياء الثلاثة والمقصود انه ~~مدح خليله باربع صفات كلها ترجع إلى العلم والعمل بموجبه وتعليمه ونشره ~~فعاد الكمال كله إلى العلم والعمل بموجبه ودعوة الخلق اليه الوجه الثامن ~~والاربعون بعدالمائة قوله سبحانه عن المسيح انه قال اني عبدالله آتاني ~~الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت قال سفيان بن عيينة جعلني ~~مباركا اينما كنت قال معلما للخير وهذا يدل على ان تعليم الرجل الخير هو ~~البركة التي جعلها الله فيه فإن البركة حصول الخير ونماؤه ودوامه وهذا في ~~الحقيقة ليس إلا في العلم الموروث عن الانبياء وتعليمه ولهذا سمى سبحانه ~~كتابه مباركا كما قال تعالى وهذا ذكر مبارك انزلناه @QB@ وقال @QE@ كتاب ~~انزلناه اليك مبارك ووصف رسوله بأنه مبارك كما في قول المسيح وجعلني ms242 مباركا ~~اينما كنت فبركة كتابه ورسوله هي سبب ما يحصل بهما من العلم والهدى والدعوة ~~إلى الله الوجه التاسع والاربعون PageV01P174 بعد المائة ما في الصحيح عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي انه قال إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا ~~من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له رواه مسلم في ~~الصحيح وهذا من اعظم الادلة على شرف العلم وفضله وعظم ثمرته فإن ثوابه يصل ~~إلى الرجل بعد موته ما دام ينتفع به فكأنه حي لم ينقطع عمله مع ماله من ~~حياة الذكر والثناء فجريان اجره عليه إذا انقطع عن الناس ثواب اعمالهم حياة ~~ثانية وخص النبي هذه الاشياء الثلاثة بوصول الثواب إلى الميت لانه سبب ~~لحصولها والعبد إذا باشر السبب الذي يتعلق به الامر والنهي يترتب عليه ~~مسببه وإن كان خارجا عن سعيه وكسبه فلما كان هو السبب في حصول هذا الولد ~~الصالح والصدقة الجارية والعلم النافع جرى عليه ثوابه واجره لتسببه فيه ~~فالعبد إنما يثاب على ما باشره أو على ما تولد منه وقد ذكر تعالى هذين ~~الاصلين في كتابه في سورة براءة فقال ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا بغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~الا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع اجر المسحنين فهذه الامور كلها ~~متولدات عن افعالهم غير مقدوره لهم وإنما المقدور لهم اسبابها التي باشروها ~~ثم قال ولا ينتفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا الا كتب لهم ~~ليجزيهم الله احسن ما كانوا يعملون فالنفقة وقطع الوادي افعال مقدورة لهم ~~وقال في القسم الاول كتب لهم به عمل صالح إلا ان المتولد حاصل عن شيئين ~~افعالهم وغيرها فليست افعالهم سببا مستقلا في حصول المتولد بل هي جزء من ~~اجزاء السبب فيكتب لهم من ذلك ما كان مقابلا لافعالهم وايضا فإن الظمأ ~~والنصب وغيظ العدو ليس من أفعالهم فلا يكتب لهم نفسه ولكن ms243 لما تولد عن ~~افعالهم كتب لهم به عمل صالح واما القسم الاخر وهو الافعال المقدورة نفسها ~~كالانفاق وقطع الوادي فهو عمل صالح فيكتب لهم نفسه إذ هو مقدور لهم حاصل ~~بارادتهم وقدرتهم فعاد الثواب إلى الافعال المقدورة والمتولد عنها وبالله ~~التوفيق الوجه الخمسون بعدالمائة ما ذكره ابن عبدالبر عن عبدالله بن داود ~~قال إذا كان يوم القيامة عزل الله تبارك وتعالى العلماء عن الحساب فيقول ~~ادخلوا الجنة على ما كان فيكم إني لم اجعل علمي فيكم الا لخير اردته بكم ~~قال ابن عبدالبر وزاد غيره في هذا الخبر أن الله يحبس العلماء يوم القيامة ~~في زمرة واحدة حتى يقضي بين الناس ويدخل أهل الجنة الجنة واهل النار النار ~~ثم يدعو العلماء فيقول يا معشر العلماء أني لم اضع حكمتي فيكم وانا اريد ان ~~اعذبكم قد علمت انكم تخلطون من المعاصي ما يخلط غيركم فسترتها عليكم ~~وغفرتها لكم وإنما كنت اعبد بفتياكم وتعليمكم عبادي ادخلوا الجنة بغير حساب ~~ثم قال لا معطي لما منع ولا مانع لما اعطى قال وروى نحو هذا PageV01P175 ~~المعنى باسناد متصل مرفوع وقد روى حرب الكرماني في مسائله نحوه مرفوعا وقال ~~إبراهيم بلغني انه إذا كان يوم القيامة توضع حسنات الرجل في كفه وسئياته في ~~الكفة الأخرى فتشيل حسناته فإذا يئس فظن انها النار جاء شيء مثل السحاب حتى ~~يقع من حسناته فتشيل سيئاته قال فيقال له اتعرف هذا من عملك فيقول لا فيقال ~~هذا ما علمت الناس من الخير فعمل به من بعدك فإن قيل فقواعدالشرع تقتضي ان ~~يسامح الجاهل بما لا يسامح به العالم وانه يغفر له مالا يغفر للعالم فإن ~~حجة الله عليه اقوم منها على الجاهل وعلمه بقبح المعصية وبغض الله لها ~~وعقوبته عليها اعظم من علم الجاهل ونعمة الله عليه بما اودعه من العلم اعظم ~~من نعمته على الجاهل وقد دلت الشريعة وحكم الله على ان من حبي بالانعام وخص ~~بالفضل والاكرام ثم اسام نفسه مع ميل الشهوات فارتعها في مراتع الهلكات ms244 ~~وتجرأ على انتهاك الحرمات واستخف بالتبعات والسيئات انه يقابل من الانتقام ~~والعتب بما لا يقابل به من ليس في مرتبته وعلى هذا جاء قوله تعالى يا نساء ~~النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله ~~يسيرا ولهذا كان حد الحر ضعف حدالعبد في الزنا والقذف وشرب الخمر لكمال ~~النعمة على الحر ومما يدل على هذا الحديث المشهور الذي اثبته أبو نعيم ~~وغيره عن النبي انه قال اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله ~~بعلمه قال بعض السلف يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل ان يغفر للعالم ذنب وقال ~~بعضهم ايضا إن الله يعافي الجهال مالا يعا 4 في لللعماء الجواب ان هذا الذي ~~ذكرتموه حق لا ريب فيه ولكن من قواعدالشرع والحكمة ايضا ان من كثرت حسناته ~~وعظمت وكان له في الاسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره ويعفي ~~عنه مالا يعفي عن غيره فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث ~~بخلاف الماء القليل فإنه لا يحمل ادنى خبث ومن هذا قول النبي لعمر وما ~~يدريك لعل الله اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وهذا هو ~~المانع له من قتل من حس عليه وعلى المسلمين وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم ~~فأخبر انه شهد بدرا فدل على ان مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتب اثره ~~عليه ماله من المشهد العظيم فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ماله ~~من الحسنات ولما حض النبي على الصدقة فأخرج عثمان رضى الله عنه تلك الصدقة ~~العظيمة قال ماضر عثمان ما عمل بعدها وقال لطلحة لما تطاطأ للنبي حتى صعد ~~على ظهره إلى الصخرة اوجب طلحة وهذا موسى كلم الرحمن عز وجل القى الالواح ~~التي فيها كلام الله الذي كتبه له القاها على الأرض حتى تكسرت ولطم عين ملك ~~الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة الاسراء في النبي وقال شاب بعث بعدي يدخل ~~الجنة من امته اكثر مما ms245 يدخلها من امتي واخذ بلحية PageV01P176 هارون وجره ~~اليه وهو نبي الله وكل هذا لم ينقص من قدرة شيئا عند ربه وربه تعالى يكرمه ~~ويحبه فإن الامر الذي قام به موسى والعدو الذي برز له والصبر الذي صبره ~~والاذى الذي اوذيه في الله امر لا تؤثر فيه امثال هذه الامور ولا تغير في ~~وجهه ولا تخفض منزلته وهذا امر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم ان من له ~~الوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها حتى انه ليختلج داعي ~~عقوبته على إساءته وداعي شكره على إحسانه فيغلب داعي الشكر لداعي العقوبة ~~كما قيل : # وإذا الجيب اتى بذنب واحد % جاءت محاسنه بألف شفيع وقال آخر : # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا % فافعاله اللاتي سررن كثير والله سبحانه ~~يوازن يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته فايهما غلب كان التأثير له ~~فيفعل باهل الحسنات الكثيرة والذين آثروا محابه ومراضيه وغلبتهم دواعي ~~طبعهم احيانا من العفو والمسامحة مالا يفعله مع غيرهم وايضا فان العالم إذا ~~زل فإنه يحسن اسراع الفيئة وتدارك الفارط ومداواة الجرح فهو كالطبيب الحاذق ~~البصير بالمرض وأسبابه وعلاجه فإن زواله على يده اسرع من زواله على يد ~~الجاهل وأيضا فإن معه من معرفته بأمر الله وتصديقه بوعده ووعيده وخشيته منه ~~ازرائه على نفسه بارتكابه وإيمانه بأن الله حرمه وان له ربا يغفر الذنب ~~ويأخذ به إلى غير ذلك من الامور المحبوبة للرب ما يغمر الذنب ويضعف اقتضائه ~~ويزيل اثره بخلاف الجاهل بذلك أو اكثره فإنه ليس معه الا ظلمة الخطيئة ~~وقبحها واثارها المردية فلا يستوى هذا وهذا وهذا فصل الخطاب في هذا الموضع ~~وبه يتبين ان الامرين حق وانه لا منافاة بينهما وان كل واحد من العالم ~~والجاهل إنما زاد قبح الذنب منه عى الاخر بسبب جهله وتجرد خطيئته عما ~~يقاومها ويضعف تاثيرها ويزيل اثرها فعاد القبح في الموضعين إلى الجهل وما ~~يستلزمه وقلته وضعفه إلى العلم وما يستلزمه وهذا دليل ظاهر على شرف العلم ~~وفضله وبالله التوفيق الوجه الحادي والخمسون ms246 بعدالمائة ان العالم مشتغل ~~بالعلم والتعليم لا يزال في عبادة فنفس تعلمه وتعليمه عبادة قال ابن مسعود ~~لايزال الفقيه يصلى قالوا وكيف يصلى قال ذكر الله على قلبه ولسانه ذكره ابن ~~عبدالبر وفي حديث معاذ مرفوعا وموقوفا تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة ~~وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح وقدتقدم والصواب انه موقوف وذكر ابن عبدالبر عن ~~معاذ مرفوعا لان تغدو فتتعلم بابا من ابواب العلم خير لك من ان تصلي مائة ~~ركعة وهذا لا يثبت رفعه وقال ابن وهب كنت عند مالك بن انس فحانت صلاة الظهر ~~أو العصر وانا اقرأ عليه وانظر في العلم بين يديه فجمعت كتبي وقمت لاركع ~~فقال لي مالك ما هذا فقلت اقوم إلى الصلاة فقال ان هذا لعجب ما الذي قمت ~~اليه افضل من الذي كنت فيه إذا صحت فيه النية وقال الربيع سمعت الشافعي ~~يقول طلب العلم افضل من الصلاة النافلة وقال سفيان الثوري PageV01P177 ما ~~من عمل افضل من طلب العلم إذا صحت فيه النية وقال رجل للمعافي بن عمران ~~ايما احب الليل اقوم اصلي اليك كله أو اكتب الحديث فقال حديث تكتبه احب الي ~~من قيامك من اول الليل إلى آخره وقال ايضا كتابة حديث واحد احب الي من قيام ~~ليلة وقال ابن عباس تذاكر العلم بعض ليلة احب الي من إحيائها وفي مسائل ~~اسحاق بن منصور قلت لاحمد بن حنبل قوله تذاكر العلم بعض ليلة احب الي من ~~إحيائها أي علم اراد قال هو العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم قلت في ~~الوضوء والصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا قال نعم قال اسحاق وقال لي ~~اسحاق بن راهويه هو كما قال أحمد وقال أبو هريرة لان اجلس ساعة فاتفقه في ~~ديني احب الي من احياء ليلة إلى الصباح وذكر ابن عبدالبر من حديث أبي هريرة ~~يرفعه لكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه وما عبد الله بشيء افضل من فقه ~~في الدين الحديث وقد تقدم وقال محمد بن علي الباقر ms247 عالم ينتفع بعلمه افضل ~~من الف عابد وقال ايضا رواية الحديث وبثه في الناس افضل من عبادة الف عابد ~~ولما كان طلب العلم والبحث عنه وكتابته والتفتيش عليه من عمل القلب ~~والجوارح كان من افضل الاعمال ومنزلته من عمل الجوارح كمنزله اعمال القلب ~~من الاخلاص والتوكل والمحنة والانابة والخشية والرضا ونحوها من الاعمال ~~الظاهرة فإن قيل فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له والعمل هو الغاية ~~ومعلوم ان الغاية اشرف من الوسيلة فكيف تفضل الوسائل على غاياتها قيل كل من ~~العلم والعمل ينقسم قسمين منه ما يكون وسيلة ومنه ما يكون غاية فليس العلم ~~كله وسيلة مرادة لغيرها فإن العلم بالله واسمائه وصفاته هو اشرف العلوم على ~~الاطلاق وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته قال الله تعالى الله الذي خلق سبع ~~سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير ~~وان الله قد احاط بكل شيء علما فقد اخبر سبحانه انه خلق السموات والأرض ~~ونزل الامر بينهن ليعلم عباده انه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فهذا ~~العلم هو غاية الخلق المطلوبة وقال تعالى فاعلم انه لا اله الا الله فالعلم ~~بوحدانيته تعالى وأنه لا إله الا هو مطلوب لذاته وان كان لا يكتفى به وحده ~~بل لا بد معه من عبادته وحده لا شريك له فهما امران مطلوبان لانفسهما ان ~~يعرف الرب تعالى باسمائه وصفاته وأفعاله واحكامه وان يعبد بموجبها ومقتضاها ~~فكما ان عبادته مطلوبة مرادة لذاتها فكذلك العلم به ومرفته وايضا فإن العلم ~~من افضل انواع العبادات كما تقدم تقريره فهو متضمن للغاية الوسيلة وقولكم ~~ان العمل غاية اما ان تريدوا به العمل الذي يدخل فيه عمل القلب والجوارح أو ~~العمل المختص بالجوارح فقط فإن اريد الاول فهو حق وهو يدل على ان العلم ~~غاية مطلوبة لانه من اعمال القلب كما تقدم وان اريد به الثاني وهو عمل ~~الجوارح فقط فليس بصحيح فإن اعمال القلوب مقصودة PageV01P178 ومراده لذاتها ~~بل في الحقيقة اعمال ms248 الجوارح وسيلة مرادة لغيرها فإن الثواب والعقاب والمدح ~~والذم وتوابعها هو للقلب اصلا وللجوارح تبعا وكذلك الاعمال المقصودة بها ~~اولا صلاح القلب واستقامته وعبوديته لربه ومليكه وجعلت اعمال الجوارح تابعة ~~لهذا المقصود مرادة وان كان كثير منها مرادا لاجل المصلحة المترتبة عليه ~~فمن اجلها صلاح القلب وزكاه وطهارته واستقامته فعلم ان الاعمال منها غاية ~~ومنها وسيلة وان العلم كذلك وايضا فالعلم الذي هو وسيلة إلى العمل فقط إذا ~~تجرد عن العمل لم ينتفع به صاحبه فالعمل اشرف منه وأما العلم المقصود الذي ~~تنشأ ثمرته المطلوبة منه من نفسه فهذا لا يقال ان العمل المجرد اشرف منه ~~فكيف يكون مجرد العبادة البدنية افضل من العلم بالله واسمائه وصفاته ~~وأحكامه في خلقه وامره ومن العلم بأعمال القلوب وآفات النفوس والطرق التي ~~تفسد الاعمال وتمنع وصولها من القلب إلى الله والمسافات التي بين الاعمال ~~والقلب وبين القلب والرب تعالى وبما تقطع تلك المسافات إلى غير ذلك من علم ~~الايمان وما يقويه وما يضعفه فكيف يقال ان مجرد التعبد الظاهر بالجوارح ~~افضل من هذا العلم بل من قام بالامرين فهو اكمل وإذا كان في احدهما فضل ~~ففضل هذا العلم خير من فضل العبادة فاذ كان في العبد فضلة عن الواجب كان ~~صرفها إلى العلم الموروث عن الانبياء افضل من صرفها إلى مجرد العبادة فهذا ~~فصل الخطاب في هذه المسئلة والله اعلم الوجه الثاني والخمسون بعدالمائة ما ~~رواه الامام أحمد والترمذي من حديث أبي كبشة الانماري قال قال رسول الله ~~انما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي في ماله ربه ~~ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا باحسن المنازل عند الله ورجل آتاه ~~الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول لو ان لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته ~~وهما في الاجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط في ماله ~~ولا يتقي فيه ربه ولا يصل في رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأسوا المنازل ms249 ~~عند الله ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو ان لي مالا لعملت ~~بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء حديث صحيح صححه الترمذي والحاكم ~~وغيرهما فقسم النبي اهل الدنيا أربعة اقسام خيرهم من اوتي علما ومالا فهو ~~محسن إلى الناس وإلى نفسه بعلمه وماله ويليه في المرتبة من اوتي علما ولم ~~يؤت مالا وان كان اجرهما سواء فذلك إنما كان بالنية والا فالمنفق المتصدق ~~فوقه بدرجة الانفاق والصدقة والعالم الذي لا مال له إنما ساواه في الاجر ~~بالنية الجازمة المقترن بها مقدورهما وهو القول المجرد الثالث من اوتي مالا ~~ولم يؤت علما فهذا اسوأ الناس منزلة عند الله لان ماله طريق إلى هلاكه فلو ~~عدمه لكان خيرا له فإنه اعطى ما يتزود به إلى الجنة فجعله زادا له إلى ~~النار الرابع من لم يؤت مالا PageV01P179 ولا علما ومن نيته انه لو كان له ~~مال لعمل فيه بمعصية الله فهذا يلي الغني الجاهل في المرتبة ويساويه في ~~الوزر بنيته الجازمة المقترن بها مقدورها وهو القول الذي لم يقدر على غيره ~~فقسم السعداء قسمين وجعل العلم والعمل بموجبه سبب سعادتهما وقسم الاشقياء ~~قسمين وجعل الجهل وما يترتب عليه سبب شقاوتهما فعادت السعادة بجملتها إلى ~~العلم وموجبه والشقاوة بجملتها إلى الجهل وثمرته الوجه الثالث والخمسون بعد ~~المائة ما ثبت عن بعض السلف انه قال تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة وسال ~~رجل أم الدرداء بعد موته عن عبادته فقالت كان نهاره اجمعه في بادية التفكر ~~وقال الحسن تفكر ساعة خير من قيام ليلة وقال الفضل التفكر مرآة تريك حسناتك ~~وسيئاتك وقيل لابراهيم إنك تطيل الفكرة فقال الفكرة مخ العقل وكان سفيان ~~كثيرا ما يتمثل : # إذا المرء كانت له فكرة % ففي كل شيء له عبرة وقال الحسن في قوله تعالى ~~سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق قال أمنعهم التفكر فيها ~~وقال بعض العارفين لو طالعت قلوب المتقين بفكرها إلى ما قدر في حجب الغيب ~~من ms250 خير الاخرة لم يصف لهم في الدنيا عيش ولم تقر لهم فيها عين وقال الحسن ~~طول الوحدة أتم للفكرة وطول الفكرة دليل على طريق الجنة وقال وهب ما طالت ~~فكرة أحد قط الا علم وما علم امرؤ قط الا عمل وقال عمر بن عبدالعزيز الفكرة ~~في نعم الله من افضل العبادة وقال عبد الله بن المبارك لبعض اصحابه وقد رآه ~~مفكرا اين بلغت قال الصراط وقال بشر لو فكر الناس في عظمة الله ما عصوه ~~وقال ابن عباس ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب وقال أبو ~~سليمان الفكر في الدنيا حجاب عن الاخرة وعقوبة لاهل الولاية والفكرة في ~~الاخرة تورث الحكمة وتجلي القلوب وقال ابن عباس التفكر في الخير يدعو إلى ~~العمل به وقال الحسن ان اهل العلم لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر ~~والفكر على الذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة ومن كلام الشافعي ~~استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكرة وهذا لان الفكرة عمل ~~القلب والعبادة عمل الجوارج والقلب اشرف من الجوارح فكان عمله اشرف من عمل ~~الجوارح وايضا فالتفكر يوقع صاحبه من الايمان على مالا يوقعه عليه العمل ~~المجرد فان التفكر يوجب له من انكشاف حقائق الامور وظهورها له وتميز ~~مراتبها في الخير والشر ومعرفة مفضولها من فاضلها واقبحها من قبيحها ومعرفة ~~اسبابها الموصلة اليها وما يقاوم تلك الاسباب ويدفع موجبها والتمييز بين ما ~~ينبغي السعي في تصحيله وبين ما ينبغي السعي في دفع اسبابه والفرق بين الوهم ~~والخيال المانع لاكثر النفوس من انتهاز الفرص بعد امكانها وبين السبب ~~المانع حقيقة فيشتغل به دون الاول فما قطع PageV01P180 العبد عن كماله ~~وفلاحه وسعادته العاجلة والاجلة قاطع اعظم من الوهم الغالب على النفس ~~والخيال الذي هو مركبها بل بحرها الذي لا تنفك سابحة فيه وإنما يقطع هذا ~~العارض بفكرة صحيحة وعزم صادق يميز به بين الوهم والحقيقة وكذلك إذا فكر في ~~عواقب الامور وتجاوز فكره مباديها وضعها مواضعها وعلم مراتبها فإذا ورد ~~عليه وارد الذنب ms251 والشهوة فتجاوز فكره لذته وفرح النفس به إلى سوء عاقبته ~~وما يترتب عليه من الالم والحزن الذي لا يقاوم تلك اللذة والفرحة ومن فكر ~~في ذلك فإنه لا يكاد يقدم عليه وكذلك إذا ورد على قلبه وارد الراحة والدعة ~~والكسل والتقاعد عن مشقة الطاعات وتعبها حتى عبر بفكره إلى ما يترب عليها ~~من اللذات والخيرات والافراح التي تغمر تلك الالام التي في مباديها بالنسبة ~~إلى كمال عواقبها وكلما غاص فكره في ذلك اشتد طلبه لها وسهل عليه معاناتها ~~استقبلها بنشاط وقوة وعزيمة وكذلك إذا فكر في منتهى ما يستعبده من المال ~~والجاه والصور ونظر إلى غاية ذلك بعين فكره استحى من عقله ونفسه ان يكون ~~عبدا لذلك كما قيل : # لو فكر العاشق في منتهى % حسن الذي يسبيه لم يسبه # وكذلك إذا فكر في آخر الاطعمة المفتخرة التي تفانت عليها نفوس اشباه ~~الانعام وما يصير امرها اليه عند خروجها ارتفعت همته عن صرفها إلى الاعتناء ~~بها وجعلها معبود قلبه الذي اليه يتوجه وله يرضى ويغضب ويسعى ويكدح ويوالي ~~ويعادي كما جاء في المسند عن النبي انه قال إن الله جعل طعام ابن آدم مثل ~~الدنيا وإن قزحه ملحه فإنه يعلم إلى ما يصير أو كما قال فإذا وقع فكره على ~~عاقبة ذلك وآخر امره وكانت نفسه حرة أبيه ربأبها ان يجعلها عبدا لما آخره ~~انتن شيء واخبثه وافحشه # | فصل إذا عرف هذا فالفكر هو احضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما # معرفة ثالثة ومثال ذلك إذا احضر في قلبه العاجلة وعيشها وتعيمها وما ~~يقترن به من الافات وانقطاعه وزواله ثم احضر في قلبه الاخرة ونعيمها ولذته ~~ودوامه وفضله على نعيم الدنيا وجزم بهذين العلمين اثمر له ذلك علما ثالثا ~~وهو ان الاخرة ونعيمها الفاضل الدائم أولى عند كل عاقل بايثاره من العاجلة ~~المنقطعة المنغصة ثم له في معرفة الاخرة حالتان احداهما ان يكون قد سمع ذلك ~~من غيره من غير ان يباشر قلبه برد اليقين به ولم يفض قلبه إلى مكافحة حقيقة ms252 ~~الاخرة وهذا حال أكثر الناس فيتجاذبه داعيان احدهما داعي العاجلة وايثارها ~~وهو أقوى الداعيين عنده لانه مشاهد له محسوس وداعي الاخرة وهو اضعف ~~الداعيين عنده لانه داع عن سماع PageV01P181 لم يباشر قلبه اليقين به ولا ~~كافحه حقيقته العلمية فإذا ترك العاجلة للاخرة تريه نفسه بانه قد ترك ~~معلوما لمظنون اومتحققا لموهوم فلسان الحال ينادي عليه لا ادع ذرة منقودة ~~لدرة موعودة وهذه الافة هي التي منعت النفوس من الاستعداد للاخرة وان يسعى ~~لها سعيها وهي من ضعف العلم بها وتيقنها وإلا فمع الجزم التام الذي لا ~~يخالج القلب فيه شك لا يقع التهاون بها وعدم الرغبة فيها ولهذا لو قدم لرجل ~~طعام في غاية الطيب واللذة وهو شديد الحاجة اليه ثم قيل له إنه مسموم فإنه ~~لا يقدم عليه لعلمه بأن سوء ما تجنى عاقبة تناوله تربو في المضرة على لذة ~~اكله فما بال الايمان بالاخرة لا يكون في قلبه بهذه المنزلة ماذاك الا لضعف ~~شجرة العلم والايمان بها في القلب وعدم استقرارها فيه وكذلك اذا كان سائرا ~~في طريق فقيل له إن بها قطاعا ولصوصا يقتلون من وجدوه ويأخذون متاعه فانه ~~لا يسلكها الا على أحد وجهين اما ان لا يصدق المخبر وإما ان يثق من نفسه ~~بغلبتهم وقهرهم والانتصار عليهم والاف فمع تصديقه للخبر تصديقا لا يتمارى ~~فيه وعلمه من نفسه بضعفه وعجزه عن مقاومتهم فإنه لا يسلكها ولو حصل له هذان ~~العلمان فيما يرتكبه من ايثار الدنيا وشهواتها لم يقدم على ذلك فعلم ان ~~إيثاره للعاجلة وترك استعداده للاخرة لا يكون قط مع كمال تصديقه ~~وإيمانهابدا الحالة الثانية ان يتيقن ويجزم جزما لا شك فيه بأن له دارا غير ~~هذه الدار ومعادا له خلق وان هذه الدار طريق إلى ذلك المعاد ومنزل من منازل ~~السائرين اليه ويعلم مع ذلك انها باقية ونعيمها وعذابها لا يزول ولا نسبة ~~لهذا النعيم والعذاب العاجل اليه إلا كما يدخل الرجل اصبعه في اليم ثم ~~ينزعها فالذي تعلق بها منه هو كالدنيا ms253 بالنسبة إلى الاخرة فيثمر له هذا ~~العلم ايثار الاخرة وطلبها والاستعداد التام لها وان يسعى لها سعيها وهذا ~~يسعى تفكرا وتذكرا ونظرا وتأملا واعتبارا وتدبرا واستبصارا وهذه معان ~~متقاربة تجتمع في شيء وتتفرق في آخر ويسمى تفكرا لانه استعمال الفكرة في ~~ذلك واحضاره عنده ويسمى تذكرا لانه احضار للعلم الذي يجب مراعاته بعد ذهوله ~~وغيبته عنه ومنه قوله تعالى ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون ويسمى نظرا لانه التفات بالقلب إلى المنظور فيه ~~ويسمى تأملا لانه مراجعة للنظر كرة بعدكرة حتى يتجلى له وينكشف لقلبه ويسمى ~~اعتبارا وهو افتعال من العبور لانه يعبر منه إلى غيره فيعبر من ذلك الذي قد ~~فكر فيه إلى معرفة ثالثة وهي المقصود من الاعتبار ولهذا يسمى عبرة وهي على ~~بناء الحالات كالجلسة والركبة والقتلة ايذانا بأن هذا العلم والمعرفة قد ~~صار حالا لصاحبه يعبر منه إلى المقصود به وقال الله تعالى ان في ذلك لعبرة ~~لمن يخشى @QB@ وقال @QE@ إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار ويسمى تدبرا لانه ~~نظر في ادبار الامور وهي اواخرها وعواقبها ومنه تدبر القول وقال ~~PageV01P182 تعالى افلم يدبروا القول افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وتدبر الكلام ان ينظر في اوله وآخره ثم ~~يعيد نظره مره بعد مرة ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين ~~وسمى استبصارا وهو استفعال من التبصر وهو تبين الامر وانكشافه وتجليه ~~للبصيرة وكل من التذكر والتفكر له فائدة غير فائدة الاخر فالتذكر يفيد ~~تكرار القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فيه ويثبت ولا ينمحي فيذهب اثره من ~~القلب جملة والتفكر يفيد تكثير العلم واستجلاب ما ليس حاصلا عند القلب ~~فالتفكر يحصله والتذكر يحفظه ولهذا قال الحسن ما زال اهل العلم يعودون ~~بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة ~~فالتفكر والتذكر بذار العلم وسقيه مطارحته ومذاكرته تلقيحه كما قال بعض ~~السلف ملاقاة الرجال تلقيح لالبابها فالمذاكرة بها لقاح العقل ms254 فالخير ~~والسعادة في خزانة مفتاحها التفكر فإنه لا بد من تفكر وعلم يكون نتيجته ~~الفكر وحال يحدث للقلب من ذلك العلم فإن كل من عمل شيئا من المحبوب أو ~~المكروه لا بد ان يبقى لقلبه حالة وينصبغ بصبغة من علمه وتلك الحال توجب له ~~إرادة وتلك الارادة توجب وقوع العمل فها هنا خمسة امور الفكر وثمرته العلم ~~وثمرتهما الحالة التي تحدث للقلب وثمرة ذلك الارادة وثمرتها العلم فالفكر ~~إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا يكشف لك عن فضل التفكر وشرفه ~~وانه من افضل اعمال القلب وانفعها له حتى قيل تفكر ساعة خير من عبادة سنة ~~فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة إلى حياة اليقظة ومن المكاره إلى المحاب ~~ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة ومن سجن الدنيا إلى فضاء الاخرة ومن ~~ضيق الجهل إلى سعة العلم ورحبه ومن مرض الشهوة والاخلاد إلى هذه الدار إلى ~~شفاء الانابة إلى الله والتجافي عن دار الغرور ومن مصيبة العمى والصمم ~~والبكم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه ومن امراض الشبهات ~~إلى برد اليقين وثلج الصدور وبالجملة فأصل كل طاعة إنما هي الفكر وكذلك اصل ~~كل معصية إنما يحدث من جانب الفكرة فإن الشيطان يصادف ارض القلب خالية ~~فارغة فيبذر فيها حب الافكار الردية فيتولد منه الارادات والعزوم فيتولد ~~منها العمل فإذا صادف ارض القلب مشغولة ببذر الافكار النافعة فيما خلق له ~~وفيما امر به وفيم هيء له واعد له من النعيم المقيم أو العذاب الاليم لم ~~يجد لبذره موضعا وهذا كما قيل : # اتاني هواها قبل ان اعرف الهوى % فصادف قلبا فارغا فتمكنا فان قيل فقد ~~ذكرتم الفكر ومنفعته وعظم تأثيره في الخير والشر فما متعلقه الذي ~~PageV01P183 ينبغي ان يوقع عليه ويجرى فيه فانه لا يتم المقصود منه الا ~~بذكر متعلقه الذي يقع الفكر فيه والا ففكر بغير متفكر فيه محال قيل مجرى ~~الفكر ومتعلقه اربعة امور احدها غاية محبوبة مرادة الحصول الثاني طريق ~~موصلة إلى تلك الغاية الثالث ms255 مضرة مطلوبة الاعدام مكروهة الحصول الرابع ~~الطريق المفضي اليها الموقع عليها فلا تتجاوز افكار العقلاء هذه الامور ~~الاربعة وأي فكر تخطاها فهو من الافكار الردية والخيالات والاماني الباطلة ~~كما يتخيل الفقير المعدم نفسه من اغنى البشر وهو يأخذ ويعطي وينعم ويحرم ~~وكما يتخيل العاجز نفسه من اقوى الملوك وهو يتصرف في البلاد والرعية ونظير ~~ذلك من افكار القلوب الباطولية التي من جنس افكار السكران والمحشوش والضعيف ~~العقل فالافكار الردية هي قوت الانفس الخسيسة التي هي في غاية الدناءة ~~فإنها قد قنعت بالخيال ورضيت بالمحال ثم لا تزال هذه الافكار تقوى بها ~~وتتزايد حتى توجب لها آثارا ردية ووساوس وأمراضا بطيئة الزوال وإذا كان ~~الفكر النافع لا يخرج عن الاقسام الاربعة التي ذكرناها فله ايضا محلان ~~ومنزلان احدهما هذه الدار والاخر دار القرار فأبناء الدنيا الذين ليس لهم ~~في الاخرة من خلاق عمروا بيوت افكارهم بتلك الاقسام الاربعة في هذه الدار ~~فأثمرت لهم افكارهم فيها ما اثمرت ولكن إذا حقت الحقائق وبطلت الدنيا وقامت ~~الاخرة تبين الرابح من المغبون وخسر هنالك المبطلون وأبناء الاخرة الذين ~~خلقوا لها عمروا بيوت افكارهم على تلك الاقسام الاربعة فيها ونحن نفصل ذلك ~~بعون الله وفضله فنقول كل طالب لشيء فهو محب له مؤثر لقربه ساع في طريق ~~تحصيله متوصل اليه بجهده وهذا يوجب له تعلق افكاره بجمال محبوبه وكماله ~~وصفاته التي يحب لاجلها وتعلقها بما يناله به من الخير والفرح والسرور ~~ففكره في حال محبوبه دائر بين الجمال والاجمال والحسن والاحسان فكلما قويت ~~محبته ازداد هذا الفكر وقوى وتضاعف حتى يستغرق اجزاء القلب فلا يبقى فيه ~~فضل لغيره بل يصير بين الناس بقالبه وقلبه كله في حضرة محبوبه فإن كان هذا ~~المحبوب هو المحبوب الحق الذي لا تنبغي المحبة إلا له ولا يحب غيره إلا ~~تبعا لمحبته فهو اسعد المحبين به وقد وضع الحب موضعه وتهيأت نفسه لكمالها ~~الذي خلقت له والذي لا كمال لها بدونه بوجه وان كانت تلك المحبة لغيره من ~~المحبوبات الباطلة ms256 المتلاشية التي تفنى وتبقى حزازات القلوب بها على حالها ~~فقد وضع المحبة في غير موضعها وظلم نفسه اعظم ظلم واقبحه وتهيأت بذلك نفسه ~~لغاية شقائها والمها وإذا عرف هذا عرف ان تعلق المحبة بغير الاله الحق هو ~~عين شقاء العبد وخسرانه فافكفاره المتعلقة بها كلها باطلة وهي مضرة عليه في ~~حياته وبعدموته والمحب الذي قد ملك المحبوب افكار قلبه لا يخرج فكره عن ~~تعلقه بمحبوبه أو بنفسه ثم فكره في محبوبه لا يخرج عن حالتين PageV01P184 ~~احداهما فكرته في جماله واوصافه والثانية فكرته في افعاله واحسانه وبره ~~ولطفه الدالة على كمال صفاته وان تعلق فكره بنفسه لم يخرج ايضا عن حالتين ~~اما ان نفكر في اوصافه المسخوطة التي يبغضها محبوبه ويمقته عليها ويسقطه من ~~عينه فهو دائما يتوقع بفكره عليها ليتجنبها ويبعد منها والثانية ان يفكر في ~~الصفات والاخلاق والافعال التي تقربه منه وتحببه اليه حتى يتصف بها ~~فالفكرتان الاولتان توجب له زيادة محبته وقوتها وتضاعفها والفكرتان ~~الاخرتان توجب محبة محبوبه له واقباله عليه وقربه منه وعطفه عليه وايثاره ~~على غيره فالمحبة التامة مستلزمة لهذه الافكار الاربعة فالفكرة الاولى ~~والثانية تتعلق بعلم التوحيد وصفات الاله المعبود سبحانه وأفعاله والثالثة ~~والرابعة تتعلق بالطريق الموصلة اليها وقواطعها وآفاتها وما يمنع من السير ~~فيها اليه فتفكره في صفات نفسه يميز له المحبوب لربه منها من المكروه له ~~وهذه الفكرة توجب ثلاثة امور احدها ان هذا الوصف هل هو مكروه مبغوض لله أم ~~لا الثاني هل العبد متصف به أم لا والثالث إذا كان متصفا به فما طريق دفعه ~~والعافية منه وان لم يكن متصفا به فما طريق حفظ الصحة بوقائه على العافية ~~والاحتراز منه وكذلك الفكرة في الصفة المحبوبة تستدعي ثلاثة امور احدها ان ~~هذه الصفة هل هي محبوبة لله مرضية له أم لا الثاني هل العبد متصف بها أم لا ~~الثالث انه إذا كان متصفا بها فما طريق حفظها ودوامها وان لم يكن متصفا بها ~~فما طريق اجتلائها والتخلق بها ثم فكرته في ms257 الافعال على هذين الوجهين ايضا ~~سواء ومجاري هذه الافكار ومواقعها كثيرة جدا لاتكاد تنضبط وانا يحصرها ستة ~~اجناس الطاعات الظاهرة والباطنة والمعاصي الظاهرة والباطنة والصفات ~~والاخلاق الحميدة والاخلاق والصفات الذميمة فهذه مجاري الفكرة في صفات نفسه ~~وافعالها واما الفكرة في صفات المعبود وأفعاله واحكامه فتوجب له التمييز ~~بين الايمان والكفر والتوحيد والشرك والاقرار والتعطيل وتنزيه الرب عما لا ~~يليق به ووصفه بما هو اهله من الجلال والاكرام ومجاري هذه الفكرة تدبر ~~كلامه وما تعرف به سبحانه إلى عباده على السنة رسله من اسمائه وصفاته ~~وأفعاله وما نزه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه وتدبر ايامه ~~وافعاله في اوليائه واعدائه التي قصها على عباده واشهدهم اياها ليستدلوا ~~بها على انه الههم الحق المبين الذي لا تنبغي العبادة الا له ويستدلوا بها ~~على انه على كل شيء قدير وانه بكل شيء عليم وانه شديد العقاب وانه غفور ~~رحيم وانه العزيز الحكيم وانه الفعال لما يريد وانه الذي وسع كل شيء رحمة ~~وعلما وان أفعاله كلها دائرة بين الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة لا يخرج ~~شيء منها عن ذلك وهذه الثمرة لا سبيل إلى تحصيلها إلا بتدبر كلامه والنظر ~~في آثار أفعاله وإلى هذين الاصلين ندب عباده في القرآن فقال في PageV01P185 ~~الاصل الاول @QB@ أفلا يتدبرون القرآن @QE@ افلم يدبروا القول @QB@ كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته @QE@ إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون كتاب فصلت اياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون وقال في الاصل الثاني قل ~~انظروا ماذا في السموات والأرض ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لايات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السموات والأرض ان في السموات والأرض لايات للمؤمنين وفي ~~خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل ~~الله من السماء من ماء فاحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ~~وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة ms258 الذين كانوا من قبلهم قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبل @QB@ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته ~~أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون @QE@ إلى قوله @QB@ ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره @QE@ ونوع سبحانه الايات في هذه السور فجعل خلق السموات ~~والأرض واختلاف لغات الامم والوانهم آيات للعالمين كلهم لاشتراكهم في العلم ~~بذلك وظهوره ووضوح دلالته وجعل خلق الازواج التي تسكن اليها الرجال والقاء ~~المودة والرحمة بينهم آيات لقوم يتفكرون فإن سكون الرجل إلى امرأته وما ~~يكون بينهما من المودة والتعاطف والتراحم امر باطن مشهود بعين الفكرة ~~والبصيرة فمتى نظر بهذه العين إلى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدر عنها ~~ذلك دلة فكره على انه الاله الحق المبين الذي أقرت الفطر بربوبيته والاهيته ~~وحكمته ورحمته وجعل المنام بالليل والنهار للتصرف في المعاش وابتغاء فضله ~~آيات لقوم يسمعون وهو سمع الفهم وتدبر هذه الايات وارتباطها بما جعلت آية ~~له مما اخبرت به الرسل من حياة العباد بعد موتهم وقيامهم من قبورهم كما ~~احياهم سبحانه بعد موتهم وأقامهم للتصرف في معاشهم فهذه الاية إنما ينتفع ~~بها من سمع ما جاءت به الرسل واصغى اليه واستدل بهذه الاية عليه وجعل ~~إراءتهم البرق وأنزل الماء من السماء وإحياء الأرض به آيات لقوم يعقلون فإن ~~هذه امور مرتبة بالابصار مشاهدة بالحس فإذا نظر فيها ببصر قلبه وهو عقله ~~استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته إمكان ما اخبر ~~به من حياة الخلائق بعد موتهم كما احيا هذه الأرض بعدموتها وهذه امور ~~لاتدرك إلا ببصر القلب وهو العقل فإن الحس دل على الاية والعقل دل على ما ~~جعلت له آية فذكر سبحانه الاية المشهودة بالبصر والمدلول عليه المشهود ~~بالعقل فقال ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحي به ~~الأرض بعدموتها أن في ذلك لايات لقوم يعقلون فتبارك ms259 PageV01P186 الذي جعل ~~كلامه حياة للقلوب وشفاء لما في الصدور وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من ~~قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فإنه جامع لجميع منازل السائرين واحوال ~~العاملين ومقامات العارفين وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء ~~والانابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الاحوال التي بها ~~حياة القلب وكماله وكذلك يزجر عن جميع الصفات والافعال المذمومة والتي بها ~~فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها ~~عن كل ما سواها فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاجا إليها في شفاء قلبه ~~كررها ولو مائة مرة ولو ليلة فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة ~~بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الايمان وذوق حلاوة القرآن ~~وهذه كانت عادة السلف يردد احدهم الاية إلى الصباح وقد ثبت عن النبي انه ~~قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله @QB@ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم @QE@ فقراءة القرآن بالتفكر هي اصل صلاح القلب ~~ولهذا قال ابن مسعود لاتهذوا القرآن هذا الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا ~~عند عجائبه وحركوا به القلوب لا يكن هم احدكم آخر السورة وروى أبو ايوب عن ~~أبي جمرة قال قلت لابن عباس اني سريع القراءة إني اقرا القرآن في ثلاث قال ~~لان اقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها احب الي من ان اقرأ ~~القرآن كما تقرأ والتفكر في القرآن نوعان تفكر فيه ليقع على مراد الرب ~~تعالى منه وتفكر في معاني ما دعا عباده إلى التفكر فيه فالاول تفكر في ~~الدليل القرآني والثاني تفكر في الدليل العياني الاول ففكر في آياته ~~المسموعة والثاني تفكر في آياته المشهودة ولهذا انزل الله القرآن ليتدبر ~~ويتفكر فيه ويعمل به لا لمجرد تلاوته مع الاعراض عنه قال الحسن البصري انزل ~~القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا # | فصل وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده إلى الفكر فيه # اوقعك على العلم به سبحانه وتعالى وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت ms260 جلاله من ~~عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته واحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه ~~وثوابه وعقابه فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته ونذكر لذلك ~~امثلة مما ذكرها الله سبحانه في كتابه يستدل بها على غيرها فمن ذلك خلق ~~الانسان وقدندب سبحانه إلى التفكر فيه والنظر في غير موضع من كتابه كقوله ~~تعالى @QB@ فلينظر الإنسان مم خلق @QE@ وقوله تعالى @QB@ وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون @QE@ وقال تعالى يايها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر ~~في الارحام ما نشاء إلى اجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى ارذل العمر لكيلا يعلم من بعدعلم PageV01P187 @QB@ ~~شيئا @QE@ وقال تعالى @QB@ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني ~~يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه ~~في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون @QE@ وقال @QB@ أو لم ير ~~الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين @QE@ وقال @QB@ ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه ~~خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ وهذا كثير في القرآن يدعو العبد ~~إلى النظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذ نفسه وخلقه من اعظم الدلائل ~~على خالقه وفاطره واقرب شيء إلى الانسان نفسه وفيه من العجائب الدالة على ~~عظمة الله ما تنقضي الاعمار في الوقوف على بعضه وهو غافل عنه معرض عن ~~التفكر فيه ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره قال الله ~~تعالى @QB@ قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم ~~السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا ms261 شاء أنشره @QE@ فلم يكرر سبحانه على ~~اسماعنا وعقولنا ذكر هذا لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب ولا ~~لنتكلم بها فقط ولا لمجرد تعريفنا بذلك بل لامر وراء ذلك كله هو المقصود ~~بالخطاب واليه جرى ذلك الحديث فانظر الان إلى النطفة بعين البصيرة وهي قطرة ~~من ماء مهين ضعيف مستقذر لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وانتنت كيف ~~استخرجها رب الارباب العليم القدير من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته ~~مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها واختلاف مجاريها إلى ان ساقها ~~إلى مستقرها ومجمعها وكيف جمع سبحانه بين الذكر والانثى والقى المحبة ~~بينهما وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق ~~الولد وتكوينه وكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بعد كل منهما عن صاحبه ~~وساقهما من اعماق العروق والاعضاء وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارا ~~مكينا لا يناله هواء يفسده ولا برد بحمده ولا عارض يصل اليه ولا آفة تتسلط ~~عليه ثم قلب تلك ا لنطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب إلى سواد ثم ~~جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها ثم جعله عظاما ~~مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها ~~وانظر كيف قسم تلك الاجزاء المتشابهة المتساوية إلى الاعصاب والعظام ~~والعروق والاوتار واليابس واللين وبين ذلك ثم كيف ربط بعضها ببعض اقوى رباط ~~وأشده وابعده عن الانحلال وكيف كساها لحما ركبه عليها وجعله وعاء لها وغشاء ~~وحافظا وجعلها حاملة له مقيمة له فاللحم قائم بها وهي محفوظة به وكيف صورها ~~فاحسن صورها وشق لها السمع والبصر والفم والانف وسائر PageV01P188 المنافذ ~~ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤسهما بالاصابع ثم قسم الاصابع بالانامل ~~وركب الاعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم ~~والمثانة والامعاء كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه ثم انظر الحكمة ~~البالغة في تركيب العظام قواما للبدن وعمادا له وكيف قدرها ربه وخالقها ~~بتقادير مختلفة وأشكال مختلفة فمنها الصغير والكبير والطويل والقصير ~~والمنحنى والمستدير والدقيق ms262 والعريض والمصمت والمجوف وكيف ركب بعضها في بعض ~~فمنها ما تركيبه تركيب الذكر في الانثى ومنها ما تركيبه تركيب اتصال فقط ~~وكيف اختلفت اشكالها باختلاف منافعها كالاضراس فإنها لما كانت آلة للطحن ~~جعلت عريضة ولما كانت الاسنان آلة للقطع جعلت مستدقة محددة ولما كان ~~الانسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض اعضائه للتردد في حاجته لم ~~يجعل عظامه عظما واحدا بل عظاما متعددة وجعل بينها مفاصل حتى تتيسر بها ~~الحركة وكان قدر كل واحد منها وشكله على حسب الحركة المطلوبة منه وكيف شد ~~اسر تلك المفاصل والاعضاء وربط بعضها ببعض بأوتار ورباطات انبتها من أحد ~~طرفي العظم والصق أحد طرفي العظم بالطرف الاخر كالرباط له ثم جعل في أحد ~~طرفي العظم زوائد خارجة عنه وفي الآخر نقرا غائصة فيه موافقة لشكل تلك ~~الزوائد ليدخل فيها وينطبق عليها فإذا أراد العبد ان يحرك جزء من بدنه لم ~~يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر ذلك عليه وتأمل كيفية خلق الراس وكثرة ما ~~فيه من العظام حتى قيل إنها خمسة وخمسون عظما مختلفة الاشكال والمقادير ~~والمنافع وكيف ركبه سبحانه وتعالى على البدن وجعله عاليا علو الراكب على ~~مركوبه ولما كان عاليا على البدن جعل فيه الحواس الخمس وآلات الادراك كلها ~~من السمع والبصر والشم والذوق واللمس وجعل حاسة البصر في مقدمه ليكون ~~كالطليعة والحرس والكاشف للبدن وركب كل عين من سبع طبقات لكل طبقة وصف ~~مخصوص ومقدار مخصوص ومنفعة مخصوصة لو فقدت طبقة من تلك الطبقات السبع أو ~~زالت عن هيئتها وموضعها لتعطلت العين عن الابصار ثم اركز سبحانه داخل تلك ~~الطبقات السبع خلقا عجيبا وهو إنسان العين بقدر العدسة يبصر به ما بين ~~المشرق والمغرب والأرض والسماء وجعلهمن العين بمنزلة القلب من الاعضاء ~~فهوملكها وتلك الطبقات والاجفان والاهداب خدم له وحجاب وحراس فتبارك الله ~~احسن الخالقين فانظر كيف حسن شكل العينين وهيئتها ومقدارهما ثم جملهما ~~بالاجفان غطاء لهما وسترا وحفظا وزينة فهما يتلقيان عن العين الاذى والقذا ~~والغبار ويكنانهما من البارد المؤذي والحار ms263 المؤذي ثم غرس في اطراف تلك ~~الاجفان الاهداب جمالا وزينة ولمنافع اخر وراء الجمال والزينة ثم اودعهما ~~ذلك النور الباصر والضوء الباهر الذي يخرق ما بين السماء والأرض ثم يخرق ~~السماء مجاوزا لرؤية ما فوقها من الكواكب وقد PageV01P189 اودع سبحانه هذا ~~السر العجيب في هذا المقدار الصغير بحيث تنطبع فيه صورة السموات مع اتساع ~~اكنافها وتباعد اقطارها وشق له السمع وخلق الاذن احسن خلقه وابلغها في حصول ~~المقصود منها فجعلها مجوفة كالصدفة لتجمع الصوت فتؤديه إلى الصماخ وليحس ~~بدبيب الحيوان فيها فيبادر إلى اخراجه وجعل فيها غضونا وتجاويف واعوجاجات ~~تمسك الهواء والصوت الداخل فتكسر حدته ثم تؤديه إلى الصماخ ومن حكمة ذلك ان ~~يطول به الطريق على الحيوان فلا يصل إلى الصماخ حتى يستيقظ أو ينتبه ~~لامساكه وفيه ايضا حكم غير ذلك ثم اقتضت حكمة الرب الخالق سبحانه ان جعل ~~ماء الاذن مرا في غاية المرارة فلا يجاوزه الحيوان ولا يقطعه داخلا إلى ~~باطن الاذن بل إذا وصل اليه اعمل الحيلة في رجوعه وجعل ماء العينين ملحا ~~ليحفظها فإنها شحمة قابلة للفساد فكانت ملوحة مائها صيانة لها وحفظا وجعل ~~ماء الفم عذبا حلوا ليدرك به طعوم الاشياء على ما هي عليه إذ لو كان على ~~غير هذه الصفة لاحالها إلى طبيعته كما ان من عرض لفمه المرارة استمر طعم ~~الاشياء التي ليست بمرة كما قيل # ومن يك ذا فم مر مريض % يجدمرا به الماء الزلالا # ونصب سبحانه قصبة الانف في الوجه فأحسن شكله وهيأته ووضعه وفتح فيه ~~المنخرين وحجز بينهما بحاجز واودع فيهما حاسة الشم التي تدرك بها انواع ~~الروائح الطيبة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق به الهواء فيوصله إلى ~~القلب فيتروح به ويتغذى به ثم لم يجعل في داخله من الاعوجاجات والغضون ما ~~جعل في الاذن لئلا يمسك الرائحة فيضعفها ويقطع مجراها وجعله سبحانه مصبا ~~تنحدر اليه فضلات الدماغ فتجتمع فيه ثم تخرج منه واقتضت حكمته ان جعل اعلاه ~~ادق من اسفله لان اسفله إذا كان واسعا اجتمعت فيه تلك ms264 الفضلات فخرجت بسهولة ~~ولانه يأخذ من الهواء ملأه ثم يتصاعد في مجراه قليلا حتى يصل إلى القلب ~~وصولا لا يضره ولا يزعجه ثم فصل بين المنخرين بحاجز بينهما حكمة منه ورحمة ~~فإنه لما كان قصبة ومجرى ساترا لما يتحدر فيه من فضلات الراس ومجرى النفس ~~الصاعد منه جعل في وسطه حاجزا لئلا يفسد بما يجرى فيه فيمنع نشقه للنفس بل ~~إما ان تعتمد الفضلات نازلة من أحد المنفذين في الغالب فيبقى الاخر للتنفس ~~وإما ان يجرى فيهما فينقسم فلا ينسد الانف جملة بل يبقى فيه مدخل للتنفس ~~وايضا فإنه لما كان عضوا واحدا وحاسة واحدة ولم يكن عضوين وحاستين كالاذنين ~~والعينين اللتين اقتضت الحكمة تعددهما فإنه ربما اصيبت احداهما اوعرضت لها ~~آفة تمنعها من كمالها فتكون الاخرى سالمة فلا تتعطل PageV01P190 منفعة هذا ~~الحس جملة وكان وجود انفين في الوجه شيئا ظاهرا فنصب فيه انفا واحدا وجعل ~~فيه منفذين حجز بينهما بحاجز يجرى مجرى تعدد العينين والاذنين في المنفعة ~~وهو واحد فتبارك الله رب العالمين واحسن الخالقين وشق سبحانه للعبد الفم في ~~احسن موضع واليقه به واودع فيه من المنافع وآلات الذوق والكلام وآلات الطحن ~~والقطع ما يبهر العقول عجائبه فأودعه اللسان الذي هو أحد آياته الدالة عليه ~~وجعله ترجمانا لملك الاعضاء مبينا مؤديا عنه كما جعل الاذن رسولا مؤديا ~~مبلغا اليه فهي رسوله وبريده الذي يؤدي اليه الاخبار واللسان بريده ورسوله ~~الذي يؤدي عنه ما يريد واقتضت حكمته سبحانه ان جعل هذا الرسول مصونا محفوظا ~~مستورا غير بارز مكشوف كالاذن والعين والانف لان تلك الاعضاء لما كانت تؤدي ~~من الخارج اليه جعلت بارزة ظاهرة ولما كان اللسان مؤديا منه إلى الخارج جعل ~~له سترا مصونا لعدم الفائدة في إبرازه لانه لا يأخذ من الخارج إلى القلب ~~وأيضا فلأنه لما كان اشرف الاعضاء بعدالقلب ومنزلته منه منزلة ترجمانه ~~ووزيره ضرب عليه سرادق تستره وتصونه وجعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر ~~وايضا فإنه من الطف الاعضاء والينها واشدها رطوبة وهو لا ms265 يتصرف إلا بواسطة ~~الرطوبة المحيطة به فلو كان بارزا صارعرضة للحرارة واليبوسة والنشاف المانع ~~له من التصرف ولغير ذلك من الحكم والفوائد ثم زين سبحانه الفم بما فيه من ~~الاسنان التي هن جمال له وزينة وبها قوام العبد وغذاؤه وجعل بعضها ارحاء ~~للطحن وبعضها آلة للقطع فاحكم اصولها وحدد رؤسها وبيض لونها ورتب صفوفها ~~متساوية الرؤس متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم بياضا وصفاء وحسنا واحاط ~~سبحانه على ذلك حائطين واودعهما من المنافع والحكم ما اودعهما وهما الشفتان ~~فحسن لونهما وشكلهما ووضعهما وهيأتهماوجعلهما غطاء للفم وطبقا له وجعلهما ~~إتماما لمخارج حروف الكلام ونهاية له كما جعل اقصى الحلق بداية له واللسان ~~وما جاوره وسطا ولهذا كان اكثر العمل فيها له إذ هو الواسطة واقتضت حكمته ~~ان جعل الشفتين لحما صرفا لا عظم فيه ولا عصب ليتمكن بهما من مص الشراب ~~ويسهل عليه فتحهما وطبقهما وخص الفك الاسفل بالتحريك لان تحريك الاخف احسن ~~ولانه يشتمل على الاعضاء الشريفة فلم يخاطر بها في الحركة وخلق سبحانه ~~الحناجر مختلفة الاشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة والصلابة واللين ~~والطول والقصر فاختلفت بذلك الاصوات اعظم اختلاف ولا يكاد يشتبه صوتان إلا ~~نادرا ولهذا كان الصحيح قبول شهادة الاعمى لتمييزه بين الاشخاص بأصواتهم ~~كما يميز البصير بينهم بصورهم والاشتباه العارض بين الاصوات كالاشتباه ~~العارض بين الصور وزين سبحانه الرأس بالشعر وجعله لباسا له لاحتياجه اليه ~~وزين الوجه بما PageV01P191 انبت فيه من الشعور المختلفة الاشكال والمقادير ~~فزينه بالحاجبين وجعلهما وقاية لما يتحدر من بشرة الراس إلى العينين ~~وقوسهما وأحسن خطهما وزين أجفاف العينين بالاهداب وزين الوجه ايضا باللحية ~~وجعلها كمالا ووقارا ومهابة لرجل زين الشفتين بما انبت فوقهما من الشارب ~~وتحتهما من العنفقة وكذلك خلقه سبحانه لليدين اللتين هما آلة العبد وسلاحه ~~ورأس مال معاشه فطولهما يحيث يصلان إلى ما شاء من بدنه وعرض الكف ليتمكن به ~~من القبض والبسط وقسم فيه الاصابع الخمس وقسم كل اصبع بثلاث انامل والابهام ~~باثنتين ووضع الاصابع الاربعة في جانب والابهام في ms266 جانب لتدور الابهام على ~~الجميع فجاءت على احسن وضع صلحت به للقبض والبسط ومباشرة الاعمال ولو اجتمع ~~الاولون والاخرون على ان يستنبطوا بدقيق افكارهم وضعا آخر للاصابع سوى ما ~~وضعت عليه لم يجدوا اليه سبيلا فتبارك من لو شاء لسواها وجعلها طبقا واحدا ~~كالصفيحة فلم يتمكن العبد بذلك من مصالحة وانواع تصرفاته ودقيق الصنائع ~~والخط وغير ذلك فإن بسط اصابعه كانت طبقا يضع عليه ما يريد وان ضمها وقبضها ~~كانت دبوسا وآلة للضرب وان جعلها بين الضم والبسط كانت مغرفة له يتناول بها ~~وتمسك فيها ما يتناوله وركب الاظفار على رؤسها زينة لها وعمادا ووقاية ~~وليلتقط بها الاشياء الدقيقة التي لا ينالها جسم الاصابع وجعلها سلاحا ~~لغيره من الحيوان والطير وآلة لمعاشه وليحك الانسان بها بدنه عند الحاجة ~~فالظفر الذي هو أقل الاشياء وأحقرها لو عدمه الانسان ثم ظهرت به حكة لاشتدت ~~حاجته اليه ولم يقم مقامه شيء في حك بدنه ثم هدى اليد إلى موضع الحك حتى ~~تمتد اليه ولو في النوم والغفلة من غير حاجة إلى طلب ولو استعان بغيره لم ~~يعثر على موضع الحك الا بعد تعب ومشقة ثم انظر إلى الحكمة البالغة في جعل ~~عظام اسفل البدن غليظة قوية لانها اساس له وعظام اعاليه دونها في الثخانة ~~والصلابة لانها محمولة ثم انظر كيف جعل الرقبة مركبا للرأس وركبها من سبع ~~خرزات مجوفات مستديرات ثم طبق بعضها على بعض وركب كل خرزة تركيبا محكما ~~متقنا حتى صارت كأنها خرزة واحدة ثم ركب الرقبة على الظهر والصدر ثم ركب ~~الظهر من أعلاه إلى منتهى عظم العجز من أربع وعشرين خرزة مركبة بعضها في ~~بعض هي مجمع اضلاعه والتي تمسكها ان تنحل وتنفصل ثم وصل تلك العظام بعضها ~~ببعض فوصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتفين بعظام العضدين والعضدين ~~بالذراعين والذراعين بالكف والاصابع وانظر كيف كسا العظام العريضة كعظام ~~الظهر والراس كسوة من اللحم تناسبها والعظام الدقيقة كسوة تناسبها كالاصابع ~~والمتوسطة كذلك كعظام الذراعين والعضدين فهو مركب على ثلاثمائة ms267 وستين عظما ~~مائتان وثمانية وأربعون مفاصل وباقيها صغار حشيت خلال المفاصل فلو زادت ~~عظما واحدا لكان مضرة على الانسان PageV01P192 يحتاج إلى قلعة ولو نقصت ~~عظما واحدا كان نقصانا يحتاج إلى جبره فالطبيب ينظر في هذه العظام وكيفية ~~تركيبها ليعرف وجه العلاج في جبرها والعارف ينظر فيها ليستدل بها على عظمة ~~باريها وخالقها وحكمته وعلمه ولطفه وكم بين النظرين ثم انه سبحانه ربط تلك ~~الاعضاء والاجزاء بالرباطات فشد بها اسرها وجعلها كالاوتاد تمسكها وتحفظها ~~حتى بلغ عددها إلى خمسمائة وتسعة وعشرين رباطا وهي مختلفة في الغلظ والدقة ~~والطول والقصر والاستقامة والانحناء بحسب اختلاف مواضعها ومحالها فجعل منها ~~اربعة وعشرين رباطا آلة لتحريك العين وفتحها وضمها وإبصارها لو نقضت منهن ~~رباطا واحدا اختل امر العين وهكذا لكل عضو من الاعضاء رباطات هن له كالالات ~~التي بها يتحرك ويتصرف ويفعل كل ذلك صنع الرب الحكيم وتقدير العزيز العليم ~~في قطرة ماء مهين فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين ومن عجائب خلقه انه جعل في ~~الراس ثلاث خزائن نافذا بعضها إلى بعض خزانة في مقدمه وخزانة في وسطه ~~وخزانة في آخره واودع تلك الخزائن من أسراره ما اودعها من الذكر والفكر ~~والتعقل ومن عجائب خلقه ما فيه من الامور الباطنة التي لا تشاهد كالقلب ~~والكبد والطحال والرئة والامعاء والمثانة وسائر ما في بطنه من الالات ~~العجيبة والقوى المتعددة المختلفة المنافع فأما القلب فهو الملك المستعمل ~~لجميع آلات البدن والمستخدم لها فهو محفوف بها محشود مخدوم مستقر في الوسط ~~وهو اشرف اعضاء البدن وبه قوام الحياة وهو منبع الروح الحيواني والحرارة ~~الغريزية وهو معدن العقل والعلم والحلم والشجاعة والكرم والصبر والاحتمال ~~والحب والارادة والرضا والغضب وسائر صفات الكمال فجميع الاعضاء الظاهرة ~~والباطنة وقواها انما هي جند من اجناد القلب فإن العين طليعته ورائده الذي ~~يكشف له المرئيات فإن رأت شيئا أدته اليه ولشدة الارتباط الذي بينها وبينه ~~إذا استقر فيه شيء ظهر فيها فهي مرآته المترجمة للناظر ما فيه كما ان ~~اللسان ترجمانه المؤدي للسمع ما فيه ms268 ولهذا كثيرا ما يقرن سبحانه في كتابه ~~بين هذه الثلاث كقوله @QB@ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا @QE@ وقوله @QB@ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة @QE@ وقوله @QB@ صم ~~بكم عمي @QE@ وقد تقدم ذلك وكذلك يقرن بين القلب والبصر كقوله @QB@ ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم @QE@ وقوله في حق رسوله محمد ما كذب الفؤاد وما رأى ثم ~~قال @QB@ ما زاغ البصر وما طغى @QE@ وكذلك الاذن هي رسوله المؤدى اليه ~~وكذلك اللسان ترجمانه وبالجملة فسائر الاعضاء خدمه وجنوده وقال النبي الا ~~ان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد إلا وهي القلب وقال أبو هريرة القلب ملك والاعضاء جنوده فان طاب ~~الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده وجعلت الرئة له كالمروحة تروح ~~عليه دائما لانه اشد الاعضاء PageV01P193 حرارة بل هو منبع الحرارة واما ~~الدماغ وهو المخ فإنه جعل باردا واختلف في حكمة ذاك فقالت طائفة إنما كان ~~الدماغ بارد التبريد الحرارة التي في القلب ليردها عن الافراط إلى الاعتدال ~~وردت طائفة هذا وقالت لو كان كذلك لم يكن الدماغ بعيدا عن القلب بل كان ~~ينبغي ان يحيط به كالرئة أو يكون قريبا منه في الصدر ليكسر حرارته قالت ~~الفرقة الاولى بعدالدماغ من القلب لا يمنع ما ذكرناه من الحكمة لانه لو قرب ~~منه لغلبته حرارة القلب بقوتها فجعل البعد بينهما بحيث لا يتفاسدان وتعتدل ~~كيفية كل واحد منهما بكيفية الاخر وهذا بخلاف الرئة فإنها آلة للترويح على ~~القلب لم تجعل لتعديل حرارته وتوسطت فرقة أخرى وقالت بل المخ حار لكنه فاتر ~~الحرارة وفيه تبريد بالخاصية فإنه مبدأ للذهن ولهذا كان الذهن يحتاج إلى ~~موضع ساكن قار صاف عن الاقذار والكدر خال من الجلبة والزجل ولذلك يكون جودة ~~الفكر والتذكر واستخراج الصواب عند سكون البدن وفتور حركاته وقلة شواغله ~~ومزعجاته ولذلك لم يصلح لها القلب وكان الدماغ معتدلا في ذلك صالحا له ~~ولذلك تجود هذه الافعال في الليل وفي المواضع الخالية وتفسد عند التهاب نار ~~الغضب ms269 والشهوة وعند الهم الشديد ومع التعب والحركات القوية البدنية ~~والنفسانية وهذا بحث متصل بقاعدة اخرى وهي ان الحواس والعقل هل مبدؤها ~~القلب والدماغ فقالت طائفة مبدؤها كلها القلب وهي مرتبطة به وبينه وبين ~~الحواس منافذ وطرق قالوا وكل واحد من هذه الاعضاء التي هي آلات الحواس له ~~اتصال بالقلب بأعصاب وغير ذلك وهذه الاعصاب تخرج من القلب إلى ان تأتي إلى ~~كل واحد من هذه الاجسام التي فيها هذه الحواس قالوا فالعين إذا ابصرت شيئا ~~أدته بالالة التي فيها إلى القلب لان هذه الالة متصلة منها إلى القلب ~~والسمع إذا احس صوتا اداه إلى القلب وكذلك كل حاسة ثم اوردوا على انفسهم ~~سؤالا فقالوا ان قيل كيف يجوز ان يكون عضو واحد على ضروب من الامتزاج يمده ~~عدة حواس مختلفة وأجسام هذه الحواس مختلفة وقوة كل حاسة مخالفة لقوة الحاسة ~~الاخرى واجابوا عن ذلك بأن جميع العروق التي في البدن كلها متصلة بالقلب ~~إما بنفسها وإما بواسطة فما من عرق ولا عضو الاوله اتصال بالقلب اتصالا ~~قريبا أو بعيدا قالوا وينبعث منه في تلك العروق والمجاري إلى كل عضو ما ~~بناسبه ويشاكله فينبعث منه إلى العينين ما يكون منه حس البصر وإلى الاذنين ~~ما يدرك به المسموعات وإلى اللحم ما يكون منه حس اللمس وإلى الانف ما يكون ~~به حس الشم وإلى اللسان ما يكون به حس الذوق وإلى كل ذي قوة ما يمد قوته ~~ويحفظها فهو المعد لهذه الاعضاء والحواس والقوى ولهذا كان الراي الصحيح انه ~~اول الاعضاء تكوينا قالوا ولا ريب ان مبدأ القوة العاقلة منه وإن كان قد ~~خالف في ذلك آخرون وقالوا بل العقل PageV01P194 في الرأس فالصواب ان مبدأه ~~ومنشأه من القلب وفروعه وثمرته في الراس والقرآن قد دل على هذا بقوله @QB@ ~~أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها @QE@ وقال @QB@ إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب @QE@ ولم يرد بالقلب هنا مضغة اللحم المشتركة بين ~~الحيوانات بل المراد ما فيه من العقل واللب ms270 ونازعهم في ذلك طائفة اخرى ~~وقالوا مبدأ هذه الحواس إنما هو الدماغ وانكروا ان يكون بين القلب والعين ~~والاذن والانف اعصاب أو عروف وقالوا هذا كذب على الخلقة والصواب التوسط بين ~~الفريقين وهو ان القلب تنبعث منه قوة إلى هذه الحواس وهي قوة معنوية لا ~~تحتاج في وصولها اليه إلى مجار مخصوصة واعصاب تكون حاملة لها فإن وصول ~~القوى إلى هذه الحواس والاعضاء لا يتوقف الاعلى قبولها واستعداها وامداد ~~القلب لا على مجار وأعصاب وبهذا يزول الالتباس في هذا المقام الذي طال فيه ~~الكلام وكثر فيه النزاع والخصام والله اعلم وبه التوفيق للصواب والمقصود ~~التنبيه على أقل القليل من وجوه الحكمة التي في خلق الانسان والامر اضعاف ~~اضعاف ما يخطر بالبال أو يجرى فيه المقال وإنما فائدة ذكر هذه الشذرة التي ~~هي كل شيء بالنسبة إلى ما وراءها التنبيه وإذا نظر العبد إلى غذائه فقط في ~~مدخله ومستقره ومخرجه رأى فيه العبر والعجائب كيف جعلت له آلة يتناول بها ~~ثم باب يدخل منه ثم آلة تقطعه صغارا ثم طاحون يطحنه ثم اعين بماء يعجنه ثم ~~جعل له مجرى وطريقا إلى جانب النفس ينزل هذا ويصعد هذا فلا يلتقيان مع غاية ~~القرب ثم جعل له حوايا وطرقا توصله إلى المعدة فهي خزانته وموضع اجتماعه ~~ولها بابان باب اعلى يدخل منه الطعام وباب اسفل يخرج منه تفله والباب ~~الاعلى اوسع من الاسفل إذ الاعلى مدخل للحاصل والاسفل مصرف للضار منه ~~والاسفل منطبق دائما ليستقر الطعام في موضعه فإذا انتهى الهضم فإن ذلك ~~الباب ينفتح إلى انقضاء الدفع ويسمى البواب لذلك والاعلى يسمى فم المعدة ~~والطعام ينزل إلى المعدة متكيمسا فإذا استقر فيها انماع وذاب ويحيط بالمعدة ~~من داخلها وخارجها حرارة نارية بل ربما تزيد على حرارة النار ينضج بها ~~الطعام فيها كما ينضج الطعام في القدر بالنار المحيطة به ولذلك يذيب ما هو ~~مستحجر كالحصا وغيره حتى يتركه مائعا فإذا أذابته علا صفوه إلى فوق ورس ~~كدره إلى اسفل ومن المعدة عروق ms271 متصلة بسائر البدن يبعث فيها معلوم كل عضو ~~وقوامه بحسب استعداه وقبوله فيبعث اشرف ما في ذلك والطفه واخفه إلى الارواح ~~فيبعث إلى البصر بصرا والى السمع سمعا والى الشم شما والى كل حاسة بحسبها ~~فهذا الطف ما يتولد عن الغذاء ثم ينبعث منه إلى الدماغ ما يناسبه في ~~اللطافة والاعتدال ثم ينبعث من الباقي إلى الاعضاء في تلك المجاري بحسبها ~~وينبعث منه إلى العظام والشعر والاظفار ما يغذيها PageV01P195 ويحفظها ~~فيكون الغذاء داخلا إلى المعدة من طرق ومجار وخارجا منها إلى الاعضاء من ~~طرق ومجار هذا وارد اليها وهذا صادر عنها حكمة بالغة ونعمة سابغة ولما كان ~~الغذاء إذا استحال في المعدة استحال دما ومرة سوداء ومرة صفراء وبلغما ~~اقتضت حكمته سبحانه وتعالى ان جعل لكل واحد من هذه الاخلاط مصرفا ينصب اليه ~~ويجتمع فيه ولا ينبعث إلى الاعضاء الشريفة الا أكمله فوضع المرارة مصبا ~~للمرة الصفراء ووضع الطحال مقرا للمرة السوداء والكبد تمتص اشرف ما في ذلك ~~وهو الدم ثم تبعثه إلى جميع البدن من عرق واحد ينقسم على مجار كثيرة يوصل ~~إلى كل واحد من الشعور والاعصاب والعظام والعروق ما يكون به قوامه ثم إذا ~~نظرت إلى ما فيه من القوى الباطنة والظاهرة المختلفة في انفسها ومنافعها ~~رايت العجب العجاب كقوة سمعه وبصره وشمه وزوقه ولمسه وحبه وبغضه ورضاه ~~وغضبه وغير ذلك من القوى المتعلقة بالادراك والارادة وكذلك القوى المتصرفة ~~في غذائه كالقوة المنضجة له وكالقوة الماسكة له والدافعة له إلى الاعضاء ~~والقوة الهاضمة له بعد اخذ الاعضاء حاجتها منه إلى غير ذلك من عجائب خلقته ~~الظاهرة والباطنة # | فصل فارجع الان إلى النطفة وتأمل حالها اولا وما صارت اليه ثانيا # وأنه لو اجتمع الانس والجن على ان يخلقوا لها سمعا أو بصرا أو عقلا أو ~~قدرة أو علما أو روحا بل عظما واحدا من اصغر عظامها بل عرقا من ادق عروقها ~~بل شعرة واحدة لعجزوا عن ذلك بل ذلك كله آثار صنع الله الذي اتقن كل شيء في ms272 ~~قطرة من ماء مهين فمن هذا صنعه في قطرة ماء فكيف صنعه في ملكوت السموات ~~وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها ~~وكواكبها ومقاديرها واشكالها وتفاوت مشارقها ومغاربها فلا ذرة فيها تنفك عن ~~حكمة بل هي احكم خلقا واتقن صنعا واجمع العجائب من بدن الانسان بل لا نسبة ~~لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات قال الله تعالى @QB@ أأنتم أشد خلقا ~~أم السماء بناها رفع سمكها فسواها @QE@ وقال تعالى ان في خلق السموات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ~~إلى قوله @QB@ لآيات لقوم يعقلون @QE@ فبدأ بذكر خلق السموات وقال تعالى ان ~~في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب وهذا ~~كثير في القرآن فالارض والبحار والهواء وكل ما تحت السموات بالاضافة إلى ~~السموات كقطرة في بحر ولهذا قل ان تجيء سورة في القرآن الا وفيها ذكرها إما ~~إخبارا عن عظمها وسعتها وإما اقساما بها وإما دعاء إلى النظر فيها وإما ~~ارشادا للعباد ان يستدلوا بها على عظ PageV01P196 بانيها ورافعها وإما ~~استدلالا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيمة وإما ~~استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله الا هو وإما ~~استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام اجزائها وعدم الفطور فيها على تمام ~~حكمته وقدرته وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب التي تتقاصر ~~عقول البشر عن قليلها فكم من قسم في القرآن بها كقوله @QB@ والسماء ذات ~~البروج @QE@ @QB@ والسماء والطارق @QE@ @QB@ والسماء وما بناها @QE@ @QB@ ~~والسماء ذات الرجع @QE@ @QB@ والشمس وضحاها @QE@ @QB@ والنجم إذا هوى @QE@ ~~والنجم الثاقب @QB@ فلا أقسم بالخنس @QE@ وهي الكواكب التي تكون خنسا عند ~~طلوعها جوار في مجراها ومسيرها كنسا عند غروبها فاقسم بها في أحوالها ~~الثلاثة ولم يقسم فيكتابه بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس ~~والقمر وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الايات والعجائب ~~الدالة عليه وكلما كان اعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به اكثر من ~~غيره ولهذا ms273 يعظم هذا القسم كقوله @QB@ فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم @QE@ وأظهر القولين انه قسم بمواقع هذه النجوم التي في السماء ~~فإن اسم النجوم عند الاطلاق إنما ينصرف اليها وأيضا فإنه لم تجر عادته ~~سبحانه باستعمال النجوم في آيات القرآن ولا في موضع واحد من كتابه حتى تحمل ~~عليه هذه الاية وجرت عادته باستعمال النجوم في الكواكب في جميع القرآن ~~وأيضا فإن نظير الاقسام بمواقعها هنا إقسامه بهوى النجم في قوله والنجم ~~إذاهوى وايضا فإن هذا قول جمهور اهل التفسير وايضا فإنه سبحانه يقسم ~~بالقرآن نفسه لا بوصوله إلى عباده هذه طريقة القرآن قال الله تعالى @QB@ ص ~~والقرآن ذي الذكر @QE@ @QB@ يس والقرآن الحكيم @QE@ @QB@ ق والقرآن المجيد ~~@QE@ @QB@ حم والكتاب المبين @QE@ ونظائره والمقصود انه سبحانه إنما يقسم ~~من مخلوقاتهبما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته وقد اثنى سبحانه ~~في كتابه على المتفكرين في خلق السموات والأرض وذم المعرضين عن ذلك فقال ~~@QB@ وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون @QE@ وتأمل خلق هذا ~~السقف الاعظم مع صلابته وشدته ووثاقته من دخان وهو بخار الماء قال الله ~~تعالى @QB@ وبنينا فوقكم سبعا شدادا @QE@ وقال تعالى @QB@ أأنتم أشد خلقا ~~أم السماء بناها رفع سمكها فسواها @QE@ وقال @QB@ وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا @QE@ فانظر إلى هذا البناء العظيم الشديد الواسع الذي رفع سمكه اعظم ~~ارتفاع وزينه باحسن زينة وأودعه العجائب والايات وكيف ابتدأ خلقه من بخار ~~ارتفع من الماء وهو الدخان # فسبحان من لا يقدر الخلق قدره % ومن هو فوق العرش فرد موحد # لقد تعرف إلى خلقه بأنواع التعرفات ونصب لهم الدلالات واوضح لهم الايات ~~البينات ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي بينة وان الله يسمع عليم فارجع ~~البصر إلى السماء وانظر فيها وفي كواكبها ودورانها وطلوعها وغروبها وشمسها ~~وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها PageV01P197 في الحركة على الدوام ~~من غير فتور في حركتها ولا تغير في سيرها بلت جري في منازل قد رتبت لها ~~بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص إلى ان يطويها فاطرها ms274 وبديعها وانظر إلى كثرت ~~كواكبها واختلاف الوانها ومقاديرها فبعضها يميل إلى الحمرة وبعضها إلى ~~البيضا وبعضها إلى اللون الرصاصي ثم انظر إلى مسير الشمس في فلكها في مدة ~~سنة ثم هي في كل يوم تطلع وتغرب بسير سخرها له خالقها لا تتعداه ولا تقصر ~~عنه ولولا طلوعها وغروبهالما عرف الليل والنهار ولا المواقيت ولاطبق الظلام ~~على العالم أو الضياء ولم يتميز وقت المعاش من وقت السبات والراحة وكيف قدر ~~لها السميع العليم سفرينمتباعدين احدهما سفرها صاعدة إلى اوجها والثاني ~~سفرها هابطة إلى حضيضها تنتقل في منازل هذا السفر منزلة منزلة حتى تبلغ ~~غايتها منه فاحدث ذلك السفر بقدرة الرب القادر اختلاف الفصول من الصيف ~~والشتاء والخريف والربيع فإذا انخفض سيرها عن وسط السماء برد الهواء وظهر ~~الشتاء وإذا استوت في وسط السماء اشتد القيظ وإذا كانت بين المسافتين اعتدل ~~الزمان وقامت مصالح العباد والحيوان والنبات بهذه الفصول الاربعة واختلفت ~~بسببها الاقوات واحوال النبات والوانه ومنافع الحيوان والاغذية وغيرها ~~وانظر إلى القمر وعجائب آياته كيف يبديه الله كالخيط الدقيق ثم يتزايد نوره ~~ويتكامل شيئا فشيئا كل ليلة حتى ينتهي إلى ابداره وكماله وتمامه ثم يأخذ في ~~النقصان حتى يعود إلى حالته الاولى ليظهر من ذلك مواقيت العباد في معاشهم ~~وعبادتهم ومناسكهم فتميزت به الاشهر والسنين وقام حساب العالم مع ما في ذلك ~~من الحكم والايات والعبر التي لا يحصيها الا الله وبالجملة فما من كوكب من ~~الكواكب الا وللرب تبارك وتعالى في خلقه حكم كثيرة ثم في مقداره ثم في شكله ~~ولونه ثم في موضعه من السماء وقربه من وسطها وبعده وقربه من الكوكب الذي ~~يليه وبعده منه وإذا اردت معرفة ذلك على سبيل الاجمال فقسه باعضاء بدنك ~~واختلافها وتفاوت اما بين المتجاورات منها وبعد ما بين المتباعدات وأشكالها ~~ومقاديرها وتفاوت منافعا وما خلقت له وأين نسبة ذلك إلى عظم السموات ~~وكواكبها وآياتها وقد اتفق أرباب الهيئة على ان الشمس بقدر الأرض مائة مرة ~~ونيفا وستين مرة والكواكب التي نراها كثير ms275 منها اصغرها بقدر الأرض وبهذا ~~يعرف ارتفاعها وبعدها وفي حديث أبي هريرة الذي رواه الترمذي ان بين الأرض ~~والسماء مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماءين كذلك وانت ترى الكوكب كانه لا ~~يسير وهو من اول جزء من طلوعه إلى تمام طلوعه يكون فلكه قد طلع بقدر مسافة ~~الأرض مائة مرة أو اكثر وذلك بعد لحظة واحدة لان الكوكب إذا كان بقدر الأرض ~~مائة مرة مثلا ثم سار في اللحظة من موضع إلى موضع فقد قطع بقدر مسافة الأرض ~~مائة مرة وزيادة في لحظة من اللحظات وهكذا يسير على الدوام والعبد غافل ~~PageV01P198 عنه وعن آياته وقال بعضهم إذا تلفظت بقولك لا نعم فبين ~~اللفظتين تكون الشمس قد قطعت من الفلك مسيرة خمسمائة عام ثم انه سبحانه ~~امسك السموات مع عظمها وعظم ما فيها وثبتها من غير علاقة من فوقها ولا عمد ~~من تحتها الله الذي خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي ان ~~تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل ~~زوج كريم هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال ~~مبين # | فصل والنظر في هذه الايات وامثالها نوعان نظر اليها بالبصر الظاهر # فيرى مثلا زرقة السماء ونجومها وعلوها وسعتها وهذا نظر يشارك الانسان فيه ~~غيره من الحيوانات وليس هو المقصود بالأمر الثاني ان يتجاوز هذا إلى النظر ~~بالبصيرة الباطنة فتفتح له ابواب السماء فيجول في اقطارها وملكوتها وبين ~~ملائكتها ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن ~~فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته ويرى السموات السبع والارضين السبع ~~بالنسبة اليه كحلقه ملقاة بأرض فلاة ويرى الملائكة حافين من حوله لهم زجل ~~بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير والامر ينزل من فوقه بتدبير الممالك ~~والجنود التي لا يعلمها الا ربها ومليكها فينزل الامر باحياء قوم وإماتة ~~آخرين وإعزاز قوم وإذلال آخرين واسعاد قوم وشقاوة آخرين وإنشاء ملك وسلب ~~ملك وتحويل نعمة من محل ms276 إلى محل وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها ~~وكثرتها من جبر كسر وإغناء فقير وشفاء مريض وتفريج كرب ومغفرة ذنب وكشف ضر ~~ونصر مظلوم وهداية حيران وتعليم جاهل ورد آبق وأمان خائف وإجارة مستجير ~~ومدد لضعيف وإغاثة الملهوف وإعانة لعاجز وانتقام من ظالم وكف العدوان فهي ~~مراسيم دائرة بين العدل والفضل والحكمة والرحمة تنفذ في أقطار العوالم لا ~~يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على ~~اختلافها وتباينها واتحاد وقتها ولا يتبرم بالحاح الملحين ولا تنقص ذرة من ~~خزائنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن ~~مطرقا لهيبته خاشعا لعظمته عان لعزته فيسجد بين يدي الملك الحق المبين سجدة ~~لا يرفع رأسه منها إلى يوم المزيد فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ~~ملكه وهذا من اعظم آيات الله وعجائب صنعه فياله من سفر ما أبركه واروحه ~~واعظم ثمرته وربحه واجل منفعته واحسن عاقبته سفر هو حياة الارواح ومفتاح ~~السعادة وغنيمته العقول والالباب لا كالسفر الذي هو قطعة من العذاب # | فصل وإذا نظرت إلى الأرض وكيف خلقت رأيتها من اعظم آيات فاطرها # وبديعها خلقها سبحانه فراشا ومهادا وذللها لعباده وجعل فيه ارزاقهم ~~واقواتهم ومعايشهم وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم ~~وارساها بالجبال فجعلها اوتادا تحفظها لئلا تميد PageV01P199 بهم ووسع ~~اكنافها ودحاها فمدها وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها وجعلها كفاتا ~~للاحياء تضمهم على ظهرها ما داموا احياء وكفاتا للأموات تضمهم في بطنها إذا ~~ماتوا فظهرها وطن للاحياء وبطنها وطن للاموات وقد اكثر تعالى من ذكر الأرض ~~في كتابه ودعا عباده إلى النظر اليها والتفكر في خلقها فقال تعالى @QB@ ~~والأرض فرشناها فنعم الماهدون @QE@ الله الذي جعل لكم الأرض قرارا الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا افلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت والى ~~الجبال كيف نصبت وإلى ارض كيف سطحت ان في السموات والأرض لايات للؤمنين ~~وهذا كثير في القرآن فانظر اليها وهي ميتة هامدة خاشعة فإذا انزلنا ms277 عليها ~~الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وانبتت من كل زوج بهيج فاخرجت ~~عجائب النبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت ~~الاقوات على اختلافها وتباين مقاديرها واشكالها والوانها ومنافعها والفواكه ~~والثمار وانواع الادوية ومراعي الدواب والطير ثم انظر قطعها المتجاورات ~~وكيف ينزل عليها ماء واحدا فتنبت الازواج المختلفة المتباينة في اللون ~~والشكل والرائحة والطعم والمنفعة واللقاح واحد والام واحدة كما قال تعالى ~~@QB@ وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ~~يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ~~@QE@ فكيف كانت هذه الاجنة المختلفة مودعة في بطن هذه الام وكيف كان حملها ~~من لقاح واحد صنع الله الذي اتقن كل شيء لا إله إلا هو ولولا ان هذا من ~~اعظم آياته لما نبه عليه عباده وهداهم إلى التفكير فيه قال الله تعالى @QB@ ~~وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور @QE@ فجعل النظر في ~~هذه الاية وما قبلها من خلق الجنين دليلا على هذه النتائج الخمس مستلزما ~~للعلم بها ثم انظر كيف احكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم ~~الصلاب وكيف نصبها فأحسن نصبها وكيف رفعها وجعلها اصلب اجزاء الأرض لئلا ~~تضمحل على تطاول السنين وترادف الامطار والرياح بل اتقن صنعها واحكم وضعها ~~واودعها من المنافع والمعادن والعيون ما اودعها ثم هدى الناس إلى استخراج ~~تلك المعادن منها والهمهم كيف يصنعون منها النقود والحلي والزينة واللباس ~~والسلاح وآلة المعاش على اختلافها ولولا هدايته سبحانه لهم إلى ذلك لما كان ~~لهم علم شيء منه ولا قدرة عليه ومن آياته الباهرة هذا الهواء اللطيف ~~المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحس اللمس عند هبوبه يدرك جسمه ولا يرى ~~شخصه فهو يجرى بين السماء والأرض والطير مختلفة فيه سابحة بأجنحتها في ~~أمواجه ms278 كما تسبح حيوانات البحر في الماء وتضطرب جوانبه PageV01P200 وأمواجه ~~عند هيجانه كما تضطرب امواج البحر فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة ~~الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحا للسحاب يلقحه بحمل ~~الماء كما يلقح الذكر الانثى بالحمل وتسمى رياح الرحمة المبشرات والنشر ~~والذاريات والمرسلات والرخاء واللواقع ورياح العذاب العاصف والقاصف وهما في ~~البحر والعقيم والصرصر وهما في البر وإن شاء حركه بحركة العذاب فجعله عقيما ~~وأودعه عذابا اليما وجعله نقمة على من يشاء من عباده فيجعله صرصرا ونحسا ~~وعاتيا ومفسدا لما يمر عليه وهي مختلفة في مهابها فمنها صبا ودبور وجنوب ~~وشمال وفي منفعتها وتاثيرها اعظم اختلاف فريح لينة رطبة تغذى النبات وابدان ~~الحيوان واخرى تجففه واخرى تهلكه وتعطبه وأخرى تشده وتصلبه وأخرى توهنه ~~وتضعفه ولهذا يخبر سبحانه عن رياح الرحمة بصيغة الجمع لاختلاف منافعها وما ~~يحدث منها فريح تثير السحاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذى ~~النبات ولما كانت الرياح مختلفة في مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحا ~~مقابلتها تكسر سورتها وحدتها ويبقى لينها ورحمتها فرياح الرحمة متعددة وأما ~~ريح العذاب فإنه ريح واحدة ترسل من وجه واحد لاهلاك ما ترسل باهلاكه ~~فلاتقوم لها ريح اخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها بل تكون كالجيش ~~العظيم الذي لا يقاومه شيء يدمر كل ما اتى عليه وتأمل حكمة القرآن وجلالته ~~وفصاحته كيف طرد هذا في البر وأما في البحر فجاءت ريح الرحمة فيه بلفظ ~~الواحد كقوله تعالى @QB@ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل ~~مكان @QE@ فإن السفن إنما تسير بالريح الواحدة التي تأتي من وجه واحد فإذا ~~اختلفت الرياح على السفن وتقابلت لم يتم سيرها فالمقصود منها في البحر خلاف ~~المقصود منها في البر إذ المقصود في البحر ان تكون واحدة طيبة لا يعارضها ~~شيء فأفردت هنا وجمعت في البر ثم انه سبحانه اعطى هذا المخلوق اللطيف الذي ~~يحركه اضعف ms279 المخلوقات ويخرقه من الشدة والقوة والباس ما يقلق به الاجسام ~~الصلبة القوية الممتنعة ويزعجها عن اماكنها ويفتتها ويحملها على متنه فانظر ~~اليه مع لطافته وخفته إذا دخل في الزق مثلا وامتلأ به ثم وضع عليه الجسم ~~الثقيل كالرجل وغيره وتحامل عليه ليغمسه في الماء لم يطق ويضع الحديد الصلب ~~الثقيل على وجه الماء فيرسب فيه فامتنع هذا اللطيف من قهر الماء له ولم ~~يمتنع منه القوي الشديد وبهذه الحكمة امسك الله سبحانه السفن على وجه الماء ~~مع ثقلها وثقل ما تحويه وكذلك كل مجوف حل فيه الهواء فإنه لا يرسب فيه لان ~~الهواء يمتنع من الغوس في الماء فتتعلق به السفينة المشحونة الموقرة فتأمل ~~كيف استجار هذا الجسم الثقيل العظيم بهذا اللطيف الخفيف وتعلق به حتى امن ~~من الغرق وهذا كالذي يهوى في قليب فيتعلق بذيل رجل قوي شديد يمتنع عن ~~السقوط في القليب فينجو بتعلقه به فسبحان من علق هذا PageV01P201 المركب ~~العظيم الثقيل بهذا الهواء اللطيف من غير علاقة ولاعقدة تشاهد ومن آياته ~~السحاب المسخر بين السماء والأرض كيف ينشئه سبحانه بالرياح فتثيره كسيفا ثم ~~يؤلف بينه ويضم بعضه إلى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سماها سبحانه لواقح ~~ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة اليه فإذا علاها واستوى عليها ~~اهراق ماءه عيها فيرسل سبحانه عليه الريح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا ~~يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه اقلع عنها ~~وفارقها فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح وفي الترمذي وغيره ان ~~النبي لما رأى السحاب قال هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ~~ولا يذكرونه فالسحاب حامل رزق العباد وغيرهم التي عليها ميرتهم وكان الحسن ~~إذا رأى السحاب قال في هذا والله رزقكم ولكنكم تحرموه بخطاياكم وذنوبكم وفي ~~الصحيح عن النبي قال بينا رجل بفلاة من الأرض إذ سمع صوتا في سحابة اسق ~~حديقة فلان فمر الرجل مع السحابة حتى اتت على حديقة فلما توسطتها افرغت ~~فيها ماءها ms280 فإذا برجل معه مسحاة يسحي الماء بها فقال ما اسمك يا عبد الله ~~قال فلان للاسم الذي سمعه في السحابة وبالجملة فإذا تأملت السحاب الكثيف ~~المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا كدورة فيه وكيف يخلقه الله متى شاء ~~وإذا شاء وهو مع لينه ورخاوته حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض إلى ان ~~يأذن له ربه وخالقه في ارسال ما معه من الماء فيرسله وينزله منه مقطعا ~~بالقطرات كل قطرة بقدر مخصوص اقتضته حكمته ورحمته فيرش السحاب الماء على ~~الأرض رشا ويرسله قطرات مفصلة لاتختلط قطرة منها باخرى ولا يتقدم متأخرها ~~ولا يتأخر متقدمها ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمزج بها بل تنزل كل واحدة في ~~الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه حتى تصيب الأرض قطرة قطرة قد عينت كل قطرة ~~منها لجزء من الأرض لا تتعداه إلى غيره فلو اجتمع الخلق كلهم على ان يخلقوا ~~منها قطرة واحدة أو يحصوا عدد القطر في لحظة واحدة لعجزوا عنه فتأمل كيف ~~يسوقه سبحانه رزقا للعباد والدواب والطير والذر والنمل يسوقه رزقا للحيوان ~~الفلاني في الأرض الفلانية بجانب الجبل الفلاني فيصل اليه على شدة من ~~الحاجة والعطش في وقت كذا وكذا ثم كيف اودعه في الأرض ثم اخرج به انواع ~~الاغذية والادوية والاقوات فهذا النبات يغذي وهذا يصلح الغذاء وهذا ينفذه ~~وهذا يضعف وهذا اسم قاتل وهذا شفاء من السم وهذا يمرض وهذا دواء من المرض ~~وهذا يبرد وهذا يسخن وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من اعماق العروق ~~وهذا إذا حصل فيها ولد الصفراء واستحال اليها وهذا يدفع البلغم والسوداء ~~وهذا يستحيل PageV01P202 اليهما وهذا يهيج الدم وهذا يسكنه وهذا ينوم وهذا ~~يمنع النوم وهذا يفرح وهذا يجلب الغنم إلى غير ذلك من عجائب النبات التي لا ~~تكاد تخلو ورقة منه ولاعرق ولا ثمرة من منافع تعجز عقول البشر عن الاحاطة ~~بها وتفصيلها وانظر إلى مجاري الماء في تلك العروق الرقيقة الضئيلة الضعيفة ~~التي لا يكاد البصر يدركها إلا بعد ms281 تحديقه كيف يقوى قسره واجتذابه من مقره ~~ومركزه إلى فوق ثم ينصرف في تلك المجاري بحسب قبولها وسعتها وضيقها ثم ~~تتفرق وتتشعب وتدق إلى غاية لا ينالها البصر ثم انظر إلى تكون حمل الشجرة ~~ونقلته من حال إلى حال كتنقل احوال الجنين المغيب عن الابصار ترى العجب ~~العجاب فتبارك الله رب العالمين واحسن الخالقين بينا تراها حطبا قائما ~~عاريا لا كسوة عليها إذ كاسها ربها وخالقها من الزهر احسن كسوة ثم سلبها ~~تلك السكوة وكساها من الورق كسوة هي اثبت من الاولى ثم اطلع فيها حملها ~~ضعيفا ضئيلا بعد ان اخرج ورقها صيانة وثوبا لتلك الثمرة الضعيفة لتستجب به ~~من الحر والبرد والافات ثم ساق إلى تلك الثمار رزقها وغذاها في تلك العروق ~~والمجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلبان امه ثم رباها ونماها شيئا فشيئا ~~حتى استوت وكملت وتناهى ادراكها فأخرج ذلك الجني اللذيذ اللين من تلك ~~الحطبة الصماء هذا وكم لله من آية في كل ما يقع الحس عليه ويبصره العباد ~~وما لايبصرونه تفنى الاعمار دون الاحاطة بها وجميع تفاصيلها # | فصل ومن آياته سبحانه تعالى الليل والنهار وهما من اعجب آياته # وبدائع مصنوعاته ولهذا يعيد ذكرهما في القرآن ويبديه كقوله تعالى @QB@ ~~ومن آياته الليل والنهار @QE@ وقوله وهو الذي جعل الليل لباسا والنوم سباتا ~~وجعل النهار نشورا وقوله عز وجل @QB@ وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون @QE@ وقوله عز وجل @QB@ الله الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه والنهار مبصرا @QE@ وهذا كثير في القرآن فانظر إلى هاتين ~~الايتين وما تضمنتاه من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته كيف جعل ~~الليل سكنا ولباسا يغشى العالم فتسكن فيه الحركات وتأوى الحيوانات إلى ~~بيوتها والطير إلى اوكارها وتستجم فيه النفوس وتستريح من كد السعي والتعب ~~حتى إذا اخذت منه النفوس راحتها وسباتها وتطلعت إلى معايشها وتصرفها جاء ~~فالق الاصباح سبحانه وتعالى بالنهار يقدم جيشه بشير الصباح فهزم تلك الظلمة ~~ومزقها كل ممزق وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون فانتشر ms282 الحيوان وتصرف في ~~معاشه ومصالحه وخرجت الطيور من اوكارها فياله من معاد ونشأة دال على قدرة ~~الله سبحانه على المعاد الاكبر وتكرره PageV01P203 ودوام مشاهدة النفوس له ~~بحيث صار عادة ومألفا منعها من الاعتبار به والاستدلال به على النشأة ~~الثانية وإحياء الحلق بعد موتهم ولا ضعف في قدرة القادر التام القدرة ولا ~~قصور في حكمته ولا في علمه ويوجب تخلف ذلك ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من ~~يشاء وهذا ايضا من اياته الباهرة ان يعمى عن هذه الايات الواضحة البينة من ~~شاء من خلقه فلا يهتدي بها ولا يبصرها لمن هو واقف في الماء إلى حلقه ~~وهويستغيث من العطش وينكر وجود الماء وبهذا وأمثاله يعرف الله عز وجل ويشكر ~~ويحمد ويتضرع اليه ويسأل # | فصل ومن آياته وعجائب مصنوعاته البحار المكتنفة لاقطار الأرض التي هي # خلجان من البحر المحيط الاعظم بجميع الأرض حتى ان المكشوف من الأرض ~~والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم وبقية الأرض ~~مغمورة بالماء ولولا امساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه ~~الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها هذا طبع الماء وهذا حار عقلاء الطبيعيين ~~في سبب بروز هذا الجزء من الأرض مع اقتضاء طبيعة الماء للعلو عليه وإن ~~يغمره ولم يجدوا ما يحيلون عليه ذلك إلا الاعتراف بالعناية الازلية والحكمة ~~الالهية التي اقتضت ذلك العيش الحيوان الارضي في الأرض وهذا حق ولكنه يوجب ~~الاعتراف بقدرة الله وإرادته ومشيئته وعلمه وحكمته وصفات كماله ولا محيص ~~عنه وفي مسند الامام أحمد عن النبي انه قال ما من يوم الا والبحر يستأذن ~~ربه ان يغرق بني آدم وهذا احدالاقوال في قوله عز وجل @QB@ والبحر المسجور ~~@QE@ انه المحبوس حكاه ابن عطية وغيره قالوا ومنه ساجور الكلب وهي القلادة ~~من عود أو حديد التي تمسكه وكذلك لولا ان الله يحبس البحر ويمسكه لفاض على ~~الأرض فالارض في البحر كبيت في جملة الأرض واذا تأملت عجائب البحر وما فيه ~~من الحيوانات على اختلاف اجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها ms283 ~~وألوانها حتى ان فيها حيوانا امثال الجبال لا يقوم له شيء وحتى ان فيه من ~~الحيوانات ما يرى ظهورها فيظن انها جزيرة فينزل الركاب عليها فتحس بالنار ~~إذا اوقدت فتتحرك فيعلم انه حيوان وما من صنف من اصناف حيوان البر إلا وفي ~~البحر امثاله حتى الانسان والفرس والبعير واصنافها وفيه اجناس لا يعهد لها ~~نظير في البر اصلا هذا مع ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان فترى اللؤلؤة ~~كيف اودعت في كن كالبيت لها وهي الصدفة تكنها وتحفظها ومنه اللؤلؤ المكنون ~~وهو الذي في صدفه لم تمسه الايدي وتأمل كيف نبت المرجان في قعره في الصخرة ~~الصماء تحت الماء على هيئة الشجر هذا مع ما فيه من العنبر واصناف النفائش ~~PageV01P204 التي يقذفها البحر وتستخرج منه ثم انظر إلى عجائب السفن وسيرها ~~في البحر تشقه وتمخره بلا قائد يقودها ولا سائق يسوقها وإنما قائدها ~~وسائقها الرياح التي يسخرها الله لاجرائها فإذا حبس عنها القائد والسائق ~~ظلت راكدة على وجه الماء قال الله تعالى ومن آياته الجواري في البحر ~~كالاعلام ان يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لايات لكل ~~صبار شكور وقال الله تعالى الله الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون فما اعظمها من آية وابينها من دلالة ولهذا يكرر سبحانه ذكرها في ~~كتابه كثيرا وبالجملة فعجائب البحر وآياته اعظم وأكثر من ان يحصيها الا ~~الله سبحانه وقال الله تعالى إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها ~~لكم تذكرة وتعيها اذن واعية # | فصل ومن آياته سبحانه خلق الحيوان على اختلاف صفاته واجناسه # واشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه فمنه الماشي على بطنه ومنه ~~الماشي على رجليه ومنه الماشي على اربع ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو ~~المخالب ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب ومنه ما سلاحه ~~الاسنان ومنه ما سلاحه الصياصي وهي القرون يدافع بها عن نفسه من ms284 يروم اخذه ~~ومنه ما اعطى منها قوة يدفع بها عن نفسه لم يحتج إلى سلاح كالاسد فإن سلاحه ~~قوته ومنه ما سلاحه في ذرقه وهو نوع من الطير إذا دنا منه من يريد اخذه ذرق ~~عليه فأهلكه ونحن نذكر هنا فصولا منثورة من هذا الباب مختصرة وإن تضمنت بعض ~~التكرار وترك الترتيب في هذا المقام الذي هو من اهم فصول الكتاب بل هو لب ~~هذا القسم الاول ولهذا يكرر في القرآن ذكر آياته ويعيدها ويبديها ويأمر ~~عباده بالنظر فيها مرة بعد أخرى فهو من اجل مقاصد القرآن قال الله تعالى قل ~~انظروا ماذا في السموات والأرض وقال تعالى إن في خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب وقال تعالى @QB@ أفلا ينظرون ~~إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض ~~كيف سطحت @QE@ وقال الله تعالى اولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما ~~خلق الله من شيء وقال تعالى ان الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ذلكم الله فاتى تؤفكون فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا ~~والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الايات لقوم يفقهون وهو الذي ~~انزل من السماء ماء فاخرجنا به نبات PageV01P205 كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~فنخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من اعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا اثمر وينعه فأمر ~~سبحانه بالنظر اليه وقت خروجه وإثماره ووقت نضجه وإدراكه يقال اينعت الثمار ~~إذا نضجت وطابت لان في خروجه من بين الحطب والورق آية باهرة وقدرة بالغة ثم ~~في خروجه من حدالعفوصة واليبوسة والمرارة والحموضة إلى ذلك اللون المشرق ~~الناصع والطعم الحلو اللذيذ الشهي لايات لقوم يؤمنون وقال بعض السلف حق على ~~الناس ان يخرجوا وقت إدراك الثمار وينعها فينظروا اليها ثم تلي @QB@ انظروا ~~إلى ثمره إذا أثمر وينعه @QE@ ولو اردنا نستوعب ms285 ما في آيات الله المشهورة ~~من العجائب والدلالات الشاهدة لله بان الله الذي لا إله إلا هو الذي ليس ~~كمثله شيء وإنه الذي لا أعظم منه ولا أكمل منه ولا ابر ولا ألطف لعجزنا نحن ~~والاولون والاخرون عن معرفة أدنى عشر معشار ذلك ولكن مالا يدرك جميعه لا ~~ينبغي ترك التنبيه على بعض ما يستدل به على ذلك وهذا حين الشروع في الفصول # | فصل تامل العبرة في موضع هذا العالم وتاليف أجزائه ونظمها على احسن # نظام وأدلة على كمال قدرة خالقه وكمال علمه وكمال حكمته وكمال لطفه فإنك ~~إذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما ~~يحتاج اليه فالسماء سقفه المرفوع عليه والأرض مهاد وبساط وفراش ومستقر ~~للساكن والشمس والقمر سرجان يزهران فيه والنجوم مصابيح له وزينة وأدلة ~~للمنتقل في طرق هذه الدار والجواهر والمعادنمخزونة فيه كالذخائر والحواصل ~~المعدة المهيأة كل شيء منها لشأنه الذي يصلح له وضروب النبات مهيأ لمآربه ~~وصنوف الحيوان مصروفة لمصالحه فمنها الركوب ومنها الحلوب ومنها الغذاء ~~ومنها اللباس والامتعة والالات ومنها الحرس الذي وكل بحرس الانسان يحرسه ~~وهو نائم وقاعد مما هو مستعد لاهلاكه وأذاه فلولا ما سلط عليه من ضده لم ~~يقر للانسان قرار بينهم وجعل الانسان كالملك المخول في ذلك المحكم فيه ~~المتصرف بفعله وأمره ففي هذا اعظم دلالة واوضحها على ان العالم مخلوق لخالق ~~حكيم قدير عليم قدره احسن تقدير ونظمه احسن نظام وان الخالق له يستحيل ان ~~يكون اثنين بل الاله واحد لا إله إلا هو تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون ~~علوا كبيرا وإنه لو كان في السموات والأرض إله غير الله لفسد امرهما واختل ~~نظامهما وتعطلت مصالحهما وإذا كان البدن يستحيل ان يكون المدبر له روحان ~~متكافئان متساويان ولو كان كذلك لفسد وهلك مع إمكان ان يكون تحت قهر ثالث ~~هذا من المحال في اوائل العقول وبداية الفطر فلو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ما اتخذ الله من ms286 ولدوما كان معه من ~~اله إذا لذهب PageV01P206 كل اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله ~~عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون فهذان برهانان يعجز ~~الاولون والاخرون ان يقدحوا فيهما بقدح صحيح أو ياتوا بأحسن منهما ولا ~~يعترض عليهما إلا من لم يفهم المراد منهما ولولا خشية الاطالة لذكرنا ~~تقديرهما وبيان ما تضمناه من السر العجيب والبرهان الباهر وسنفرد إن شاء ~~الله كتاب مستقلا لادلة التوحيد # | فصل فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من # اعظم الايات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوا كالنار ~~ولا تهبط نازلة كالاجسام الثقيلة ولا عمد تحتها وعلاقة فوقها بل هي ممسوكة ~~بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض ان تزولا ثم تأمل استواءها واعتدالها ~~فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا ~~اللون الذي هو احسن الالوان واشدها موافقة للبصر وتقوية له حتى ان من اصابه ~~شيء اضر ببصره يؤمر بادمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد وقال ~~الاطباء ان من كل بصره فإنه من دوائه ان يديم الاطلاع إلى اجانة خضراء ~~مملؤءة ماء فتأمل كيف جعل اديم السماء بهذا اللون ليمسك الابصار المتقلبة ~~فيه ولا ينكأ فيها بطول مباشرتها له هذا بعض فوائد هذا اللون والحكمة فيه ~~اضعاف ذلك # | فصل ثم تأمل حال الشمس والقمر في طلوعهما وغروبهما لاقامة دولتي # الليل والنهار ولولا طلوعهما لبطل امر العالم وكيف كان الناس يسعون في ~~معائشهم ويتصرفون في امورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانوا يتهنون بالعيش ~~مع فقد النور ثم تأمل الحكمة في غروبهما فإنه لولا غروبهما لم يكن للناس ~~هدوء ولا قرار مع فرط الحاجة إلى السبات وجموم الحواس وانبعاث القوى ~~الباطنة وظهور سلطانها في النوم المعين على هضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى ~~الاعضاء ثم لولا الغروب لكانت الأرض تحمي بدوام شروق الشمس واتصال طلوعها ~~حتى يحترق كل ما عليها من حيوان ونبات فصارت ms287 تطلع وقتا بمنزلة السراج يرفع ~~لاهل البيت ليقضوا حوائجهم ثم تغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدؤا وصار ضياء ~~النهار مع ظلام الليل وحر هذا مع برد هذا مع تضادهما متعاونين متظاهرين ~~بهما تمام مصالح العالم وقد اشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عباده عليه ~~بقوله عز وجل @QB@ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار @QE@ PageV01P207 @QB@ سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله ~~يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون @QE@ خص سبحانه النهار بذكر البصر لانه ~~محله وفيه سلطان البصر وتصرفه وخص الليل بذكر السمع لان سلطان السمع يكون ~~بالليل وتسمع فيه الحيوانات مالا تسمع في النهار لانه وقت هدوء الاصوات ~~وخمود الحركات وقوة سلطان السمع وضعف سلطان البصر والنهار بالعكس فيه قوة ~~سلطان البصر وضعف سلطان السمع فقوله افلا تسمعون راجع إلى قوله قل ارايتم ~~ان جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من اله غير الله يأتيكم ~~بضياء به وقوله أفلا تبصرون راجع إلى قوله قل أرايتم ان جعل الله عليكم ~~النهار سرمدا إلى يوم القيامة وقال تعالى تبارك الذي جعل في السماء بروجا ~~وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ان ~~يذكر أو أراد شكورا فذكر تعالى خلق الليل والنهار وإنهما خلفة أي يخلف ~~احدهما الاخر لا يجتمع معه ولو اجتمع معه لفاتت المصلحة بتعاقبهما ~~واختلافهما وهذا هو المراد باختلاف الليل والنهار كون كل واحد منهما يخلف ~~الاخر لا يجامعه ولا يحاذيه بل يغشى احدهما صاحبه فيطلبه حثيثا حتى يزيله ~~عن سلطانه ثم يجيء الاخر عقيبه فيطلبه حثيثا حتى يهزمه ويزيله عن سلطانه ~~فهما دائما يتطالبان ولا يدرك احدهما صاحبه # | فصل ثم تأمل بعد ذلك احوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لاقامة # هذه الازمنة والفصول وما فيها من المصالح والحكم إذ لو كان الزمان كله ~~فصلا واحدا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه فلو ms288 كان صيفا كله لفاتت منافع ~~مصالح الشتاء ولو كان شتاء لفاتت مصالح الصيف وكذلك لو كان ربيعا كله أو ~~خريفا كله ففي الشتاء تغور الحرارة في الاجواف وبطون الأرض والجبال فتتولد ~~مواد الثمار وغيرها وتبرد الظواهر ويستكثف فيه الهواء فيحصل السحاب والمطر ~~والثلج والبرد الذي به حياة الأرض وأهلها واشتداد أبدان الحيوان وقوتها ~~وتزايد القوى الطبيعية واستخلاف ما حللته حرارة الصيف من الابدان وفي ~~الربيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فيظهر النبات ويتنور ~~الشجر بالزهر ويتحرك الحيوان للتناسل وفي الصيف يحتد الهواء ويسخن جدا ~~فتنضج الثمار وتنحل فضلات الابدان والاخلاط التي انعقدت في الشتاء وتغور ~~البرودة وتهرب إلى الاجواف ولهذا تبرد العيون والابار ولا تهضم المعدة ~~الطعام التي كانت تهضمه في الشتاء من الاطعمة الغليظة لانها كانت تهضمها ~~بالحرارة التي سكنت في البطون فلما جاء الصيف خرجت الحرارة إلى ظاهر الجسد ~~وغارت البرودة فيه فإذا جاء الخريف اعتدل الزمان وصفا الهواء وبرد فانكسر ~~ذلك السموم وجعله الله بحكمته برزخا بين سموم الصيف وبرد الشتاء لئلا يتنقل ~~الحيوان وهلة واحدة من PageV01P208 الحر الشديد إلى البرد الشديد فيجد اذاه ~~ويعظم ضرره فإذا انتقل اليه بتدريج وترتب لم يصعب عليه فإنه عند كل جزء ~~يستعد لقبول ما هو اشد منه حتى تأتي جمرة البرد بعد استعداد وقبول حكمة ~~بالغة وآية باهرة وكذلك الربيع برزخ بين الشتاء والصيف ينتقل فيه الحيوان ~~من برد هذا إلى حر هذا بتدريج وترتيب فتبارك الله رب العالمين واحسن ~~الخالقين # | فصل ثم تأمل حال الشمس والقمر وما اودعاه من النور والاضاءة وكيف # جعل لهما بروجا ومنازل ينزلانها مرحلة بعد مرحلة لاقامة دولة السنة وتمام ~~مصالح حساب العالم الذي لا غناء لهم في مصالحهم عنه فبذلك يعلم حساب ~~الاعمار والاجال المؤجلة للديون والاجارات والمعاملات والعدد وغير ذلك ~~فلولا حلوك الشمس والقمر في تلك المنازل وتنقلهما فيها منزلة بعدمنزلة لم ~~يعلم شيء من ذلك وقد نبه تعالى على هذا في غير موضع من كتابه كقوله هو الذي ~~جعل الشمس ms289 ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك الا بالحق يفصل الايات لقوم يعلمون وقال تعالى وجعلنا الليل ~~والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ~~ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب # | فصل ثم تأمل الحكمة في طلوع الشمس على العالم كيف قدره العزيز # العليم سبحانه فإنها لو كانت تطلع في موضع من السماء فتقف فيه ولا تعدوه ~~لما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات لان ظل أحد جوانب كرة الأرض يحجبها عن ~~الجانب الاخر وكان يكون الليل دائما سرمدا على من لم تطلع عليهم والنهار ~~سرمدا على من هي طالعة عليهم فيفسد هؤلاء وهؤلاء فاقتضت الحكمة الالهية ~~والعناية الربانية ان قدر طلوعها من اول النهار من المشرق فتشرق على ما ~~قابلها من الافق الغربي ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى ~~الغرب فتشرق على ما استتر عنها في اول النهار فيختلف عندهم الليل والنهار ~~فتنتظم مصالحهم # | فصل ثم تأمل الحكمة في مقادير الليل والنهار تجدها على غاية # المصلحة والحكمة وان مقدار اليوم والليلة لو زاد على ما قدر عليه أو نقص ~~لفاتت المصلحة واختلفت الحكمة بذلك بل جعل مكيالها اربعة وعشرين ساعة وجعلا ~~يتقارضان الزيادة والنقصان بينهما فما يزيد في احدهما من الاخر يعود الاخر ~~فيسترده منه قال الله تعالى يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ~~وفيه قولان احدهما ان المعنى يدخل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك وضياء هذا في ~~مكان ظلمة الاخر فيدخل كل واحد منهما في موضع صاحبه وعلى هذا فهي عامة في ~~كل ليل ونهار والقول الثاني PageV01P209 انه يزيد في احدهما ما ينقصه من ~~الاخر فما ينقص منه يلج في الاخر لا يذهب جملة وعلى هذا فالاية خاصة ببعض ~~ساعات كل من الليل والنهار في غير زمن الاعتدال فهي خاصة في الزمان وفي ~~مقدار ما يلج في احدهما من الاخر وهو في الاقاليم المعتدلة غاية ما تنتهي ~~الزيادة خمس عشرة ساعة ms290 فيصير الاخر تسع ساعات فإذا زاد على ذلك انحرف ذلك ~~الاقليم في الحرارة أو البرودة إلى ان ينتهي إلى حد لايسكنه الانسان ولا ~~يتكون فيه النبات وكل موضع لا تقع عليه الشمس لا يعيش فيه حيوان ولا نبات ~~لفرط برده ويبسه وكل موضع لاتفارقه كذلك لفرط حره ويبسه والمواضع التي يعيش ~~فيها الحيوان والنبات هي التي تطلع عليها الشمس وتغيب وأعدلها المواضع التي ~~تتعاقب عليها الفصول الاربعة ويكون فيها اعتدالان خريفين وربيعين # | فصل ثم تأمل إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل والحكمة في ذلك # فإن الله تعالى اقتضت حكمته خلق الظلمة لهدو الحيوان وبرد الهواء على ~~الابدان والنبات فتعادل حرارة الشمس فيقوم النبات والحيوان فلما كان ذلك ~~مقتضى حكمته شاب الليل بشيء من الانوار ولم يجعله ظلمة داجية حندسا لا ضوء ~~فيه اصلا فكان لا يتمكن الحيوان فيه من شيء من الحركة ولا لأعمال ولما كان ~~الحيوان قد يحتاج في الليل إلى حركة ومسير وعمل لايتهيأ له بالنهار لضيق ~~النهار أو لشدة الحر أو لخوفه بالنهار كحال كثير من الحيوان جعل في الليل ~~من اضواء الكواكب وضوء القمر ما يتأتى معه اعمال كثيرة كالسفر والحرث وغير ~~ذلك من اعمال اهل الحروث والزروع فجعل ضوء القمر بالليل معونة للحيوان على ~~هذه الحركات وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض مع نقص ضوئه عن الشمس لئلا ~~يستوى الليل والنهار فتفوت حكمة الاختلاف بينهما والتفاوت الذي قدره العزيز ~~العليم فتأمل الحكمة البالغة والتقدير العجيب الذي اقتضى ان اعان الحيوان ~~على دولة الظلام بجند من النور يستعين به على هذه الدولة المظلمة ولم يجعل ~~الدولة كلها ظلمة صرفا بل ظلمة مشوبة بنور رحمة منه وإحسانا فسبحان من اتقن ~~ما صنع واحسن كل شيء خلقه # | فصل ثم تأمل حكمته تبارك وتعالى في هذه النجوم وكثرتها وعجيب خلقها # وأنها زينة للسماء وأدلة يهتدي بها في طرق البر والبحر وما جعل فيها من ~~الضوء والنور بحيث PageV01P210 يمكننا رؤيتها مع البعد المفرط ولولا ذلك لم ~~يحصل لنا الاهتداء ms291 والدلالة ومعرفة المواقيت ثم تأمل تسخيرها منقادة بأمر ~~ربها تبارك وتعالى جارية على سنن واحد اقتضتحكمته وعلمه ان لا تخرج عنه ~~فجعل منها البروج والمنازل والثوابت والسيارة والكبار والصغار والمتوسط ~~والابيض الازهر والابيض الاحمر ومنها ما يخفى على الناظر فلا يدركه وجعل ~~منطقة البروج قسمين مرتفعة ومنخفضة وقدر سيرها تقديرا واحدا ونزل الشمس ~~والقمر والسيارات منها منازلها فمنها ما يقطعها في شهر واحد وهو القمر ~~ومنها ما يقطعها في عام ومنها ما يقطعها في عدة اعوام كل ذلك موجب الحكمة ~~والعناية وجعل ذلك اسباب لما يحدثه سبحانه في هذا العالم فيستدل بها الناس ~~على تلك الحوادث التي تقارنها كمعرفتهم بما يكون مع طلوع الثريا إذا طلعت ~~وغروبها إذا سقطت من الحوادث التي تقارنها وكذلك غيرها من المنازل ~~والسيارات ثم تأمل جعله سبحانه بنات نعش وما قرب منها ظاهرة لا تغيب لقربها ~~من المركز ولما في ذلك من الحكمة الالهية وانها بمنزلة الاعلام التي يهتدي ~~بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر فهم ينظرون اليها وإلى الجدي ~~والفرقدين كل وقت ارادوا فيهتدون بها حيث شاؤا # | فصل ثم تأمل اختلاف سير الكواكب وما فيه من العجائب كيف تجد بعضها لا # يسير إلا مع رفقته لا يفرد عنهم سيره ابدا بل لا يسيرون الا جميعا وبعضها ~~يسير سيرا مطلقا غير مقيد برفيق ولا صاحب بل إذا اتفق له مصاحبته في منزل ~~وافقه فيه ليلة وفارقه الليلة الاخرى فبينا تراه ورفيقه وقرينه إذ رايتهما ~~مفترقين متابعدين كأنهما لم يتصاحبا قط وهذه السيارة لها في سيرها سيران ~~مختلفان غاية الاختلاف سير عام يسير بها فلكها وسير خاص تسير هي في فلكها ~~كما شبهوا ذلك بنملة تدب على رحى ذات الشمال والرحى تأخذ ذات اليمين ~~فللنملة في ذلك حركتان مختلفتان إلى جهتين متاينتين احداهما بنفسها والاخرى ~~مكرهة عليها تبعا للرحى تجذبها إلى غير جهة مقصدها وبذلك يجعل التقديم فيها ~~كل منزلة إلى جهة الشرق ثم يسير فلكها وبمنزلتها إلى جهة الغرب فسل ~~الزنادقة والمعطلة أي ms292 طبيعة اقتضت هذا واي فلك اوجبه وهلا كانت كلها راتبه ~~أو منتقلة أو على مقدار واحد وشكل واحد وحركة واحدة وجريان واحد وهل هذا ~~الا صنع من بهرت العقول حكمته وشهدت مصنوعاته ومتبدعاته بانه الخالق البارئ ~~المصور الذي ليس كمثله شيء احسن كل شيء خلقه واتقن كل ما صنعه وانه العليم ~~الحكيم الذي خلق فسوى وقدر فهدى وان هذه احدى آياته الدالة عليه وعجائب ~~مصنوعاته الموصلة للأفكار إذا سافرت فيها اليه وأنه خلق مسخر مربوب مدبر ان ~~ربكم الله الذي خلق السموات PageV01P211 والارض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره ~~الا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين فإن قلت فما الحكمة في كون بعض ~~النجوم راتبا وبعضها منتقلا قيل إنها لوكانت كلها راتبة لبطلت الدلالة ~~والحكم التي نشأت من تنقلها في منازلها ومسيرها في بروجها ولو كانت كلها ~~منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف بها ولا رسم يقاس عليها لانه إنما يقاس ~~مسير المتنقلة منها بالراتب كما يقاس مسير السائرين على الأرض بالمنازل ~~التي يمرون عليها فلو كانت كلها بحال واحدة لاختلط نظامها ولبطلت الحكم ~~والفوائد والدلالات التي في اختلافها ولتشبث المعطل بذلك وقال لو كان ~~فاعلها ومبدعها مختارا لم تكن على وجه واحد وأمر واحد وقدر واحد فهذا ~~الترتيب والنظام الذي هي عليه من ادل الدلائل على وجود الخالق وقدرته ~~وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته # | فصل ثم تامل هذا الفلك الدوار بشمسه وقمره ونجومه وبروجه وكيف يدور # على هذا العالم هذا الدوران الدائم إلى آخر الاجل على هذا الترتيب ~~والنظام وما في طي ذلك من اختلاف الليل والنهار والفصول والحر والبرد وما ~~في ضمن ذلك من مصالح ما على الأرض من اصناف الحيوان والنبات وهل يخفى على ~~ذي بصيرة ان هذا ابداع المبدع الحكيم وتقدير العزيز العليم ولهذا خاطب ~~الرسل امتهم مخاطبة من لا شك عنده في الله وإنما دعوهم إلى عبادته وحده لا ~~ألى الاقرار به فقالت لهم ms293 أفي الله شك فاطر السموات والأرض فوجوده سبحانه ~~وربوبيته وقدرته اظهر من كل شيء على الاطلاق فهو اظهر للبصائر من الشمس ~~للابصار وابين للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجدوده فما ينكره الا مكابر ~~بلسانه وقلبه وعقله وفطرته وكلها تكذبه قال تعالى الله الذي رفع السموات ~~بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ~~يدبر الامر يفصل الايات لعلكم بلقاء ربكم توقنون وهو الذي مد الأرض وجعل ~~فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار ~~ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات الاية وقال تعالى ان ~~في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لايات للمؤمنين وفي خلقكم ~~واما يبث من دابة إلى قوله وآياته يؤمنون وقال تعالى خلق السموات بغير عمد ~~ترونها والقى في الأرض رواسي ان تميد بكم وبث فيها من كل دابة إلى قوله في ~~ضلال مبين وقال تعالى خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين والأنعام ~~خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون إلى قوله افمن يخلق كمن لا يخلق ~~أفلا تذكرون وتأمل كيف وحد سبحانه الاية من قوله هو الذي أنزل من السماء ~~ماء لكم منه شراب إلى آخرها وختمها باصحاب الفكرة فاما PageV01P212 توحيد ~~الاية فلأن موضع الدلالة واحد وهو الماء الذي انزله من السماء فاخرج به ~~كلما ذكره من الأرض وهو على اختلاف انواعه لقاحه واحد وأمه واحدة فهذا نوع ~~واحد من آياته وأما تخصيصه ذلك بأهل الفكر فلأن هذه المخلوقات التي ذكرها ~~من الماء موضع فكر وهو نظر القلب وتامله لا موضع نظر مجرد بالعين فلا ينتفع ~~الناظر بمجرد رؤية العين حتى ينتقل منه إلى نظر القلب في حكمة ذلك وبديع ~~صنعه والاستدلال به على خالقه وباريه وذلك هو الفكر بعينه واما قوله تعالى ~~في الاية التي بعدها ان في ذلك لايات لقوم يعقلون فجمع الايات لانها تضمنت ~~الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وهي آيات متعددة مختلفة في انفسها ms294 ~~وخلقها وكيفياتها فإن إظلام الجو لغروب الشمس ومجيء الليل الذي يلبس العالم ~~كالثوب ويسكنون تحته آية باهرة ثم ورد جيش الضياء يقدمه بشير الصباح فينهزم ~~عسكر الظلام وينتشر الحيوان وينكشط ذلك اللباس بجملته آية اخرى ثم في الشمس ~~التي هي آية النهار آية أخرى وفي القمر الذي هو آية الليل آية اخرى وفي ~~النجوم آيات أخر كما قدمناه هذا مع ما يتبعها من الايات المقارنة لها من ~~الرياح واختلافها وسائر ما يحدثه الله بسببها آيات أخر فالموضع موضع جمع ~~وخص هذه الايات بأهل العقل لانها اعظم مما قبلها وأدل وأكبر والاولى كالباب ~~لهذه فمن استدل بهذه الايات واعطاها حقها من الدلالة استحق من الوصف ما ~~يستحقه صاحب الفكر وهو العقل ولأن منزله المنزلة العقل بعد منزلة الفكر ~~فلما دلهم بالاية الاولى على الفكر نقلهم بالاية الثانية التي هي اعظم منها ~~إلى العقل الذي هو فوق الفكر فتأمله فأما قوله في الاية الثالثة @QB@ إن في ~~ذلك لآية لقوم يذكرون @QE@ فوحد الاية وخصها بأهل التذكر فأما توحيدها ~~فكتوحيد الاولى سواء فإن ما ذرأ في الأرض على اختلافه من الجواهر والنبات ~~والمعادن والحيوان كله في محل واحد فهو نوع من انواع آياته وإن تعددت ~~أصنافه وانواعه واما تخصيصه اياها بأهل التذكر فطريقة القرآن في ذلك ان ~~يجعل آياته للتبصر والتذكر كما قال تعالى في سورة ق @QB@ والأرض مددناها ~~وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ~~@QE@ فالتبصرة التعقل والتذكرة التذكر والفكر باب ذلك ومدخله فإذا فكر تبصر ~~وإذا تبصر تذكر فجاء التذكير في الاية لترتيبه على العقل المرتب على الفكر ~~فقدم الفكر إذ هو الباب والمدخل ووسط العقل إذ هو ثمرة الفكر ونتيجته وأخر ~~التذكر إذ هو المطلوب من الفكر والعقل فتأمل ذلك حق التأمل فإن قلت فما ~~الفرق بين التذكر والتفكر فإذا تبين الفرق ظهرت الفائدة قلت التفكر والتذكر ~~اصل الهدى والفلاح وهما قطبا السعادة ولهذا وسعنا الكلام في التفكر في هذا ~~الوجه لعظم المنفعة وشدة ms295 الحاجة اليه قال الحسن ما زال اهل العلم يعودون ~~بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت فإذا لها ~~اسماع وابصار فاعلم ان التفكر طلب القلب ما ليس بحاصل من العلوم من امر هو ~~حاصل PageV01P213 منها هذا حقيقته فإنه لو لم يكن ثم مراد يكون موردا للفكر ~~استحال الفكر لان الفكر بغير متعلق متفكر فيه محال وتلك المواد هي الامور ~~الحاصلة ولو كان المطلوب بها حاصلا عنده لم يتفكر فيه فإذا عرف هذا ~~فالمتفكر ينتقل من المقدمات والمبادي التي عنده إلى المطلوب الذي يريده ~~فإذا ظفر به وتحصل له تذكر به وابصر مواقع الفعل والترك وما ينبغي ايثاره ~~وما ينبغي اجتنابه فالتذكر هو مقصود التفكر وثمرته فإذا تذكر عاد بتذكرة ~~على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصلا عنده فهو لا يزال يكرر بتفكره على تذكره ~~وبتذكره على تفكره ما دام عاقلا لان العلم والارادة لا يقفان على حد بل هو ~~دائما سائر بن العلم والارادة وإذا عرفت معنى كون آيات الرب تبارك وتعالى ~~تبصرة وذكرى يتبصر بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته فان المضاد للعلم ~~اما عمى القلب وزواله بالتبصر وإما غفلته وزواله بالتذكر والمقصود تنبيه ~~القلب من رقدته بالاشارة إلى شيء من بعض آيات الله ولو ذهبنا نتتبع ذلك ~~لنفذ الزمان ولم نحط بتفصيل واحدة من آياته على التمام ولكن مالا يدرك جملة ~~لا يترك جملة واحسن ما انفقت فيه الانفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه ~~والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته فلذلك عقدنا ~~هذه الكتاب على هذين الاصلين إذ هما افضل ما يكتسبه العبد في هذه الدار # | فصل فسل المعطل الجاحد ما تقول في دولاب دائر على نهر قد احكمت # آلاته وأحكم تركيبه وقدرت ادواته احسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر ~~فيه خللا في مادته ولا في صورته وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل انواع ~~الثمار والزروع يسقيها حاجتها وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ms296 ويحسن مراعاتها ~~وتعهدها والقيام بجميع مصالحها فلا يختل منها شيء ولا يتلف ثمارها ثم يقسم ~~قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم فيقسم لكل صنف ~~منهم ما يليق به ويقسمه هكذا على الدوام اترى هذا اتفاقا بلا صانع ولا ~~مختار ولا مدبر بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقا من غير ~~فاعل ولا قيم ولا مدبر أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان وما الذي يفتيك ~~به وما الذي يرشدك اليه ولكن من حكمة العزيز الحكيم ان خلق قلوبا عميا لا ~~بصائر لها فلا ترى هذه الايات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمية كما خلق ~~اعينا لا أبصار لها والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره وهي لا تراها فما ~~ذنبها ان انكرتها وجحدتها فهي تقول في ضوء النهار هذا ليل ولكن اصحاب ~~الاعين لا يعرفون شيئا ولقد احسن القائل # وهبني قلت هذا الصبح ليل % ايعمى العالمون عن الضياء PageV01P214 # | فصل ثم تأمل الممسك للسموات والأرض الحافظ لهما ان تزولا أو تقعا # أو يتعطل بعض ما فيهما افترى من الممسك لذلك ومن القيم بأمره ومن المقيم ~~له فلو تعطل بعض آلات هذا الدولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يصلحه ~~وماذا كان عند الخلق كلهم من الحيلة في رده كما كان فلو امسك عنهم قيم ~~السموات والأرض الشمس فجعل عليهم الليل سرمدا من الذي كان يطلعها عليهم ~~ويأتيهم بالنهار ولو حبسها في الافق ولم يسيرها فمن ذا الذي كان يسيرها ~~وياتيهم بالليل ولو ان السماء والأرض زالتا فمن ذا الذي كان يمسكها من بعده # | فصل ثم تأمل هذه الحكمة البالغة في الحر والبرد وقيام الحيوان # والنبات عليهما وفكر في دخول احدهما على الاخر بالتدريح والمهلة حتى يبلغ ~~نهايته ولو دخل عليه مفاجاة الأضر ذلك بالابدان وأهلكها وبالنبات كما لو ~~خرج الرجل من حمام مفرط الحرارة إلى مكان مفرط في البرودة ولولا العناية ~~والحكمة والرحمة والاحسان لما كان ذلك فإن قلت هذا التدريج والمهلة إنما ~~كان لابطاء سير الشمس في ms297 ارتفاعها وانخفاضها قيل لك فما السبب في ذلك ~~الانخفاض والارتفاع فإن قلت السبب في ذلك بعدالمسافة من مشارقها ومغاربها ~~قيل لك فما السبب في بعد المسافة ولا تزال المسالة متوجهة عليك كما عينت ~~سببا حتى تفضي بك إلى أحد امرين إما مكابرة ظاهرة ودعوى ان ذلك اتفاق من ~~غير مدبر ولا صانع وإما الاعتراف برب العالمين والاقرار بقيوم السموات ~~والارضين والدخول في زمرة اولى العقل من العالمين ولن تجد بين القسمين ~~واسطة ابدا فلا تتعب ذهنك بهذيانات الملحدين فانها عند من عرفها من هوس ~~الشياطين وخيالات المبطلين وإذا طلع فجر الهدى واشرقت النبوة فعساكر تلك ~~الخيالات والوساوس في أول المنهزمين والله متم نوره ولو كره الكافرون # | فصل ثم تأمل الحكمة في خلق النار على ما هي عليه من الكمون # والظهور فانها لو كانت ظاهرة ابدا كالماء والهواء كانت تحرق العالم ~~وتنتشر ويعظم الضرر بها والمفسدة ولو كانت كامنة لا تظهر ابدا لفاتت ~~المصالح المترتبة على وجودها فاقتضت حكمة العزيز العليم ان جعلها مخزونة في ~~الاجسام يخرجها ويبقيها الرجل عند حاجته اليها فيمسكها ويحبسها بمادة ~~يجعلها فيها من الحطب ونحوه فلا يزال حابسها ما احتاج إلى بقائها فإذا ~~استغنى عنها وترك حبسها بالمادة خبت باذن ربها وفاطرها فسقطت المؤنة ~~والمضرة ببقائها فسبحان من سخرها وانشأها على تقدير محكم عجيب اجتمع فيه ~~الاستمتاع والانتفاع PageV01P215 والسلامة من الضرر قال تعالى @QB@ أفرأيتم ~~النار التي تورون @QE@ إلى قوله @QB@ فسبح باسم ربك العظيم @QE@ فسبحان ~~ربنا العظيم لقد تعرف الينا بآياته وشفانا ببيناته واغنانا بها عن دلالات ~~العالمين فاخبر سبحانه انه جعلها تذكرة بنار الاخرة فنستجير منها ونهرب ~~اليه منها ومتاعا للمقوين وهم المسافرون النازلون بالقواء والقواء هي الأرض ~~الخالية وهم احوج إلى الانتفاع بالنار للاضاءة والطبخ والخبز والتدفي ~~والانس وغير ذلك # | فصل ثم تأمل حكمته تعالى في كونه خص بها الانسان دون غيره من # الحيوانات فلا حاجة بالحيوان اليها بخلاف الانسان فإنه لو فقدها لعظم ~~الداخل عليه في معاشه ومصالحه وغيره من الحيوانات لا يستعملها ولايتمتع ms298 بها ~~وننبه من مصالح النار على خلة صغيرة القدر عظيمة النفع وهي هذا المصباح ~~الذي يتخذه الناس فيقضون به من حوائجهم ما شاؤا من ليلهم ولو هذه الخلة ~~لكان الناس نصف اعمارهم بمنزلة اصحاب القبور فمن كان يستطيع كتابة أو خياطة ~~أو صناعة أو تصرفا في ظلمة الليل الداجي وكيف كانت تكون حال من عرض له وجع ~~في وقت من الليل فاحتاج إلى ضياء أو دواء أو استخراج دم أو غير ذلك ثم انظر ~~إلى ذلك النور المحمول في ذبالة المصباح على صغر جوهره كيف يضيء ما حولك ~~كله فترى به القريب والبعيد ثم انظر إلى انه لو اقتبس منه كل من يفرض أو ~~يقدر من خلق الله كيف لا يفنى ولا ينفذ ولا يضعف وأما منافع النار في انضاج ~~الاطعمة والادوية وتجفيف مالا ينتفع الا بجفافه وتحليل مالا ينتفع الا ~~بتلحيله وعقد مالا ينتفع الا بعقده وتركيبه فأكثر من ان يحصى ثم تأمل ما ~~اعطيته النار من الحركة الصاعدة بطبعها إلى العلو فلولا المادة تمسكها ~~لذهبت صاعدة كما ان الجسم الثقيل لولا الممسك يمسكه لذهب نازلا فمن اعطى ~~هذا القوة التي يطلب بها الهبوط إلى مستقره واعطى هذه القوة التي تطلب بها ~~الصعود إلى مستقرها وهل ذلك الا بتقدير العزيز العليم # | فصل ثم تامل هذا الهواء وما فيه من المصالح فإنه حياة هذه الابدان # والممسك لها من داخل بما تستنشق منه ومن خارج بما تباشر به من روحه ~~فتتغذى به ظاهرا وباطنا وفيه تطرد هذه الاصوات فتحملها وتؤديها للقريب ~~والبعيد كالبريد والرسول الذي شأنه حمل الاخبار والرسائل وهو الحامل لهذه ~~الروائح على اختلافها ينقلها من موضع إلى موضع فتأتي العبد الرائحة من حيث ~~تهب الريح وكذلك تأتيه الاصوات وهو ايضا الحامل للحر والبرد اللذين بهما ~~صلاح الحيوان والنبات وتأمل منفعة الريح وما يجري له في البر والبحر وما ~~هيئت له من الرحمة PageV01P216 والعذاب وتأمل كم سخر للسحاب من ريح حتى ~~امطر فسخرت له المثيرة اولا فتثيره بين السماء والأرض ms299 ثم سخرت له الحاملة ~~التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف ~~بين كسفه وقطعه ثم يجتمع بعضها إلى بعض فيصير طبقا واحدا ثم سخرت له ~~اللاقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الانثى فتلقحه بالماء ولولاها لكان جهاما ~~لا ماء فيه ثم سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى حيث أمر فيفرغ ماءه ~~هنالك ثم سخرت له بعد اعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه في الجو فلا ينزل ~~مجتمعا ولو نزل جملة لأهلك المساكن والحيوان والنبات بل تفرقه فتجعله قطرا ~~وكذلك الرياح التي تلقح الشجر والنبات ولولاها لكانت عقيما وكذلك الرياح ~~التي تسير السفن ولولاها لوقفت على ظهر البحر ومن منافعها انها تبرد الماء ~~وتضرم النار التي يراد اضرامها وتجفف الاشياء التي يحتاج إلى جفافها ~~وبالجملة فحياة ما على الأرض من نبات وحيوان بالرياح فإنه لولا تسخير الله ~~لها لعباده لذوي النبات ومات الحيوان وفسدت المطاعم وأنتن العالم وفسد الا ~~ترى اذا ركدت الرياح كيف يحدث الكرب والغم الذي لو دام لأتلف النفوس واسقم ~~الحيوان وامرض الاصحاء وانهك المرضى وافسد الثمار وعفن الزرع واحدث الوباء ~~في الجو فسبحان من جعل هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته ولطفه ونعمته كما قال ~~النبي في الرياح إنها من روح الله تأتي بالرحمة وتنبه للطيفة في هذا الهواء ~~وهي ان الصوت اثر يحدث عند اصطكاك الاجرام وليس نفس الاصطكاك كما قال ذلك ~~من قاله ولكنه موجب الاصطكاك وقرع الجسم للجسم أو قلعة عنه فسببه قرع أو ~~قلع فيحدث الصوت فيحمله الهواء ويؤديه إلى ما مع الناس فينتفعون به في ~~حوائجهم ومعاملاتهم بالليل والنهار وتحدث الاصوات العظيمة من حركاتهم فلو ~~كان اثر هذه الحركات والاصوات يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس ~~لامتلأ العالم منه ولعظم الضرر به واشتدت مؤنته واحتاج الناس إلى محوه من ~~الهواء والاستبدال به اعظم من حاجتهم إلى استبدال الكتاب المملوء كتابة فان ~~ما يلقى من الكلام في الهواء اضعاف ما يوضع في القرطاس فاقتضت حكمة العزيز ~~الحكيم ms300 ان جعل هذا الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام بقدر ما يبلغ الحاجة ثم ~~يمحي باذن ربه فيعود جديدا نقيا لا شيء فيه فيحمل ما حمل كل وقت # | فصل ثم تأمل خلق الأرض على ما هي عليه حين خلقها واقفة ساكنة # لتكون مهادا ومستقرا للحيوان والنبات والامتعة ويتمكن الحيوان والناس من ~~السعي عليها في مآربهم والجلوس لراحاتهم والنوم لهدوهم والتمكن من اعمالهم ~~ولو كان رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرها قرارا ولا هدوا ولا ثبت لهم ~~عليها بناء ولا امكنهم عليها صناعة PageV01P217 ولا تجارة ولا حراثة ولا ~~مصلحة وكيف كانوا يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تحته واعتبر ذلك بما يصيبهم ~~من الزلازل على قلة مكثها كيف تصيرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها وقد نبه ~~الله تعالى على ذلك بقوله @QB@ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ الله الذي جعل لكم الأرض قرارا @QE@ وقوله الله الذي جعل ~~لكم الأرض مهدا وفي القراءة الاخرى مهادا وفي جامع الترمذي وغيره من حديث ~~انس بن مالك عن النبي قال لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال عليها ~~فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال فقالوا يا رب هل من خلقك شيء اشد من ~~الجبال قال نعم الحديد قالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم ~~النار قالوا يا رب فهل من خلقك شيء اشد من النار قال نعم الريح قالوا يا رب ~~فهل من خلقك شيء اشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق صدقة بيمينه يخفيها عن ~~شماله ثم تأمل الحكمة البالغة في ليونة الأرض مع يبسها فانها لو افرطت في ~~اللين كالطين لم يستقر عليها بناء ولا حيوان ولا تمكنا من الانتفاع بها ولو ~~افرطت في اليبس كالحجر لم يمكن حرثها ولا زرعها ولا شقها وفلحها ولا حفر ~~عيونها ولا البناء عليها فنقصت عن يبس الحجارة وزادت على ليونة الطين فجاءت ~~بتقدير فاطرها على احسن ما جاء عليه مهاد للحيوان من الاعتدال بين اللين ~~واليبوسة فتهيأ عليها ms301 جميع المصالح # | فصل ثم تأمل تأمل الحكمة البالغة في ان جعل مهب الشمال عليها ارفع # من مهب الجنوب وحكمة ذلك ان تتحدر المياه على وجه الأرض فتسقيها وترويها ~~ثم تفيض فتصب في البحر فكما ان الباني إذا رفع سطحا رفع أحد جانبيه وخفض ~~الاخر ليكون مصبا للماء ولو جعله مستويا لقام عليه الماء فافسده كذلك جعل ~~مهب الشمال في كل بلد ارفع من مهب الجنوب ولولا ذلك لبقي الماء واقفا على ~~وجه الأرض فمنع الناس من العمل والانتفاع وقطع الطرق والمسالك واضر بالخلق ~~افيحسن عند من له مسكة من عقل ان يقول هذا كله اتفاق من غير تدبير العزيز ~~الحكيم الذي اتقن كل شيء # | فصل ثم تأمل الحكمة العجيبة في الجبال الذي يحسبها الجاهل الغافل # فضلة في الأرض لا حاجة اليها وفيها من المنافع مالا يحصيه الا خالقها ~~وناصبها وفي حديث إسلام ضمام بن ثعلبة قوله للنبي بالذي نصب الجبال واودع ~~فيها المنافع آلله امرك بكذا وكذا قال اللهم نعم فمن منافعها ان الثلج يسقط ~~عليها فيبقى في قللها حاصلا لشراب الناس إلى حين نقاذه وجعل PageV01P218 ~~فيها ليذوب اولا فأولا فتجيء منه السيول الغزيرة وتسيل منه الانهار ~~والاودية فينبت في المروج والوهاد والربا ضروب النبات والفواكه والادوية ~~التي لا يكون مثلها في السهل والرمل فلولا الجبال لسقط الثلج على وجه الأرض ~~فانحل جملة وساح دفعة فعدم وقت الحاجة اليه وكان في انحلاله جملة السيول ~~التي تهلك ما مرت عليه فيضر بالناس ضررا لا يمكن تلافيه ولا دفعه لاذيته من ~~منافعها ما يكون في حصونها وقللها من المغارات والكهوف والمعاقل التي منزلة ~~الحصون والقلاع وهي ايضا اكنان للناس والحيوان ومن منافعها ما ينحت من ~~احجارها للأبينة على اختلاف اصنافها والارحية وغيرها ومن منافعها ما يوجد ~~فيها من المعادن على اختلاف اصنافها من الذهب والفضة والنحاس والحديد ~~والرصاص والزبرجد والزمرد واضعاف ذلك من انواع المعادن الذي يعجز البشر عن ~~معرفتها على التفصيل حتى ان فيها ما يكون الشيء اليسير منه تزيد قيمته ms302 ~~ومنفعته على قيمة الذهب باضعاف مضاعفة وفيها من المنافع مالا يعلمه الا ~~فاطرها ومبدعها سبحانه ومن منافعها ايضا انها ترد الرياح العاصفة وتكسر ~~حدتها فلا تدعها تصدم ما تحتها ولهذا فالساكنون تحتها في امان من الرياح ~~العظام المؤذية ومن منافعها ايضا انها ترد عنهم السيول إذا كانت في مجاريها ~~فتصرفها عنهم ذات اليمين وذات الشمال ولولاها خربت السيول في مجاريها ما ~~مرت به فتكون لهم بمنزلة السد والسكن ومن منافعها انها أعلام يستدل بها في ~~الطرقات فهي منزلة الادلة المنصوبة المرشدة إلى الطرق ولهذا سماها الله ~~أعلاما فقال ومن آياته الجواري في البحر كالاعلام فالجواري هي السفن ~~والاعلام الجبال واحدها علم قالت الخنساء # وأن صخرا لتأتم الهداة به % كانه علم في راسه نار فسمى الجبل علما من ~~العلامة والظهور ومن منافعها ايضا ما ينبت فيها من العقاقير والادوية التي ~~لا تكون في السهول والرمال كما ان ما ينبت في السهول والرمال لا ينبت مثله ~~في الجبال وفي كل من هذا وهذا منافع وحكم لا يحيط به الا الخلاق العليم ومن ~~منافعها انها تكون حصونا من الاعداء يتحرز فيها عباد الله من اعدائهم كما ~~يتحصنون بالقلاع بل تكون أبلغ وأحصن من كثير من القلاع والمدن ومن منافعها ~~ما ذكره الله تعالى في كتابه ان جعلها للأرض اوتادا تثبتها ورواسي بمنزلة ~~مراسي السفن واعظم بها من منفعة وحكمة هذا وإذا تأملت خلقتها العجيبة ~~البديعة على هذا الوضع وجدتها في غاية المطابقة للحكمة فانها لو طالت ~~واستدفت كالحائط لتعذر الصعود عليها والانتفاع بها وسترت عن الناس الشمس ~~والهواء فلم يتمكنوا من الانتفاع بها ولو بسطت على وجه الأرض لضيقت عليهم ~~المزارع والمساكن ولملأت السهل ولما حصل لهم بها الانتفاع من التحصن ~~والمغارات والاكنان ولما سترت عنهم الرياح ولما حجبت السيول PageV01P219 ~~ولو جعلت مستديرة شكل الكرة لم يتمكنوا من صعودها ولما حصل لهم بها ~~الانتفاع التام فكان اولى الاشكال والاوضاع بها واليقها واوقعها على وفق ~~المصلحة هذا الشكل الذي نصبت عليه ولقد دعانا الله ms303 سبحانه في كتابه إلى ~~النظر فيها وفي كيفية خلقها فقال @QB@ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى ~~السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت @QE@ فخلقها ومنافعها من اكبر ~~الشواهد على قدره باريها وفاطرها وعلمه وحكمته ووحدانيته هذا مع انها تسبح ~~بحمده وتخشع له وتسجد وتشقق وتهبط من خشيته وهي التي خافت من ربها وفاطرها ~~وخالقها على شدتها وعظم خلقها من الامانة إذ عرضها عليها واشفقت من حملها ~~ومنها الجبل الذي كلم الله عليه موسى كليمه ونجيه ومنها الجبل الذي تجلى له ~~ربه فساخ وتدكدك ومنها الجبل الذي حبب الله رسوله واصحابه اليه واحبه رسول ~~الله وأصحابه ومنها الجبلان اللذان جعلهما الله سورا على نبيه وجعل الصفا ~~في ذيل احدهما والمروة في ذيل الاخر وشرع لعباده السعي بينهما وجعله من ~~مناسكهم وتعبداتهم ومنها جبل الرحمة المنصوب عليه ميدان عرفات فلله كم به ~~من ذنب مغفور وعثرة مقالة وزلة معفو عنها وحاجة مقضية وكربة مفروجة وبلية ~~مرفوعة ونعمة متجددة وسعادة مكتسبة وشقاوة ممحوة كيف وهو الجبل المخصوص ~~بذلك الجمع الاعظم والوفد الاكرم الذين جاؤا من كل فج عميق وقوفا لربهم ~~مستكينين لعظمته خاشعين لعزته شعثا غبرا حاسرين عن رؤسهم يستقبلوله عثراتهم ~~ويسألونه حاجاتهم فيدنو منهم ثم يباهي بهم الملائكة فلله ذاك الجبل وما ~~ينزل عليه من الرحمة والتجاوز عن الذنوب العظام ومنها جبل حراء الذي كان ~~رسول الله يخلو فيه بربه حتى اكرمه الله برسالته وهو في غارة فهو الجبل ~~الذي فاض منه النور على اقطار العالم فإنه ليفخر على الجبال وحق له ذلك ~~فسبحان من اختص برحمته وتكريمه من شاء من الجبال والرجال فجعل منها جبالا ~~هي مغناطيس القلوب كأنها مركبة منه فهي تهوى اليها كلما ذكرتها وتهفو نحوها ~~كما اختص من الرجال من خصه بكرامته وأتم عليه نعمته ووضع عليه محبته منه ~~فأحبه وحببه إلى ملائكته وعباده المؤمنين ووضع له القبول في الأرض بينهم # وإذا تأملت البقاع وجدتها % تشقى كما تشقى الرجال وتسعد فدع عنك الجبل ~~الفلاني وجبل بني فلان ms304 وجبل كذا # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به % في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل # هذا وانها لتعلم ان لها موعدا ويما تنسف فيها نسفا وتصير كالعهن من هوله ~~وعظمه فهي مشفقة من هول ذلك الموعد منتظرة له وكانت أم الدرداء رضى الله ~~عنها إذا سافرت فصعدت على جبل تقول لمن معها اسمعت الجبال ما وعدها ربها ~~فيقال ما اسمعها فتقول @QB@ ويسألونك @QE@ PageV01P220 @QB@ عن الجبال فقل ~~ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا @QE@ فهذا ~~حال الجبال وهي الحجارة الصلبة وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها ~~وعظمته وقد اخبر عنها فاطرها باريها انه لو انزل عليها كلامه لخشعت ولتصدعت ~~من خشية الله في عجبا من مضغة لحم اقسى من هذه الجبال تسمع آيات الله تتلى ~~عليها ويذكر الرب تبارك وتعالى فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب فليس بمستنكر ~~على الله عز وجل ولا يخالف حكمته ان يخلق لها نارا تذيبها إذ لم تلن بكلامه ~~وذكره وزواجره ومواعظه فمن لم يلن لله في هذه الدار قلبه ولم ينب اليه ولم ~~يذبه بحبه والبكاء من خشيته فليتمتع قليلا فان امامه الملين الاعظم وسيرد ~~إلى عالم الغيب والشهادة فيرى ويعلم # | فصل ولما اقتضت حكمته تبارك وتعالى ان جعل من الأرض السهل والوعر # والجبال والرمل لينتفع بكل ذلك في وجهه ويحصل منه ما خلق له وكانت الأرض ~~بهذه المثابة لزم من ذلك ان صارت كالأم التي تحمل في بطنها انواع الاولاد ~~من كل صنف ثم تخرج إلى الناس والحيوان من ذلك ما اذن لها فيه ربها ان تخرجه ~~اما بعلمهم وإما بدونه ثم يرد اليها ما خرج منها وجعلها سبحانه كفاتا ~~فلأحياء ما داموا على ظهرها فإذا ماتوا استودعتهم في بطنها فكانت كفاتا لهم ~~تضمهم على ظهرها احياء وفي بطنها امواتا فإذا كان يوم الوقت المعلوم وقد ~~اثقلها الحمل وحان وقت الولادة ودنو المخاض اوحى اليها ربها وفاطرها ان تضع ~~حملها وتخرج اثقالها فتخرج الناس من بطنها إلى ظهرها ms305 وتقول رب هذا ما ~~استودعتني وتخرج كنوزها باذنه تعالى ثم تحدث اخبارها وتشهد على بنيها بما ~~عملوا على ظهرها من خير وشر # | فصل ولما كانت الرياح تجول فيها وتدخل في تجاويفها وتحدث فيها # الابخرة وتخفق الرياح ويتعذر عليها المنفذ اذن الله سبحانه لها في ~~الاحيان بالتنفس فتحدث فيها الزلازال العظام فيحدث من ذلك لعباده الخوف ~~والخشية والانابة والاقلاع عن معاصيه والتضرعاليه والندم كما قال بعض السلف ~~وقد زلزلت الأرض ان ربكم يستعتبكم وقال عمر بن الخطاب وقد زلزلت المدينة ~~فخطبهم ووعظهم وقال لئن عادت لا اساكنكم فيها # | فصل ثم تأمل حكمة الله عز وجل في عزة هذين النقدين الذهب والفضة # وقصور خيرة العالم عما حاولوا من صنعتهما والتشبه بخلق الله اياهما مع ~~شدة حرصهم وبلوغ اقصى جهدهم واجتهادهم في ذلك فلم يظفروا بسوى الصنعة ولو ~~مكنوا ان يصنعوا مثل ما خلق الله من ذلك لفسد امر العالم واستفاض الذهب ~~والفضة في الناس حتى صار PageV01P221 كالسعف والفخار وكانت تتعطل المصلحة ~~التي وضعا لاجلها وكانت كثرتهما جدا سبب تعطل الانتفاع بهما فانه لا يبقى ~~لهما قيمة ويبطل كونهما قيما لنفائس الاموال والمعاملات وارزاق المقاتلة ~~ولم يتسخر بعض الناس لبعض إذ يصير الكل ارباب ذهب وفضة فلو اغنى خلقه كلهم ~~لأفقرهم كلهم فمن يرضى لنفسه بامتهانها في الصنائع التي لا قوام للعالم الا ~~بها فسبحان من جعل عزتهما سبب نظام العالم ولم يجعلهما في العزة كالكبريت ~~الاحمر الذي لا يوصل اليه فتفوت المصلحة بالكلية بل وضعهما وانبتهما في ~~العالم بقدر اقتضه حكمته ورحمته ومصالح عباده وقرأت بخط الفاضل جبريل بن ~~روح الانباري قال اخبرني بعض من تداول المعادن انهم اوغلوا في طلبها إلى ~~بعض نواحي الجبل فانتهوا إلى موضع وإذا فيه امثال الجبال من الفضة ومن دون ~~ذلك واد يجرى متصلبا بماء غزير لا يدرك ولا حيلة في عبوره فانصرفوا إلى حيث ~~يعملون ما يعبرون به فلما هيئوه وعادوا راموا طريق النهر فما وقفوا له على ~~اثر ولا عرفوا إلى اين يتوجهون فانصرفوا ms306 آيسين وهذا أحد ما يدل على بطلان ~~صناعة الكيمياء وانها عند التحقيق زغل وصبغة لا غير وقد ذكرنا بطلانها ~~وبينا فسادها من اربعين وجها في رسالة مفردة والمقصود ان حكمة الله تعالى ~~اقتضت عزة هذين الجوهرين وقتلهما بالنسبة إلى الحديد والنحاس والرصاص لصلاح ~~امر الناس واعتبر ذلك بأنه إذا ظهر الشيء الظريف المستحسن مما يحدثه الناس ~~من الامتعة كان نفيسا عزيزا ما دام فيه قلة وهو مرغوب فيه فإذا فشى وكثر في ~~ايدي الناس وقدر عليه الخاص والعام سقط عندهم وقلت رغباتهم فيه ومن هذا قول ~~القائل نفاسه الشيء من عزته ولهذا كان ازهد الناس في العالم اهله وجبرانه ~~وارغبهم فيه البعداء عنه # | فصل وتأمل الحكمة البديعة في تيسيره سبحانه على عباده ما هم احوج # اليه وتوسيعه وبذلك بذلهفكلما كانوا احوج اليه كان اكثر واوسع وكلما ~~استغنوا عنه كان اقل وإذا توسطت الحاجة توسط وجوده فلم يكن بالعام ولا ~~بالنادر على مراتب الحاجات وتفاوتها فاعتبر هذا بالاصول الاربعة التراب ~~والماء والهواء والنار وتأمل سعة ما خلق الله منها وكثرته فتأمل سعة الهواء ~~وعمومه ووجوده بكل مكان لأن الحيوان مخلوق في البر لايمكنه الحياة إلا به ~~فهو معه أينما كان وحيث كان لانه لا يستغنى عنه لحظه واحدة ولولا كثرته ~~وسعته وامتداده في اقطار العالم لاختنق العالم من الدخان والبخار المتصاعد ~~المنعقد فتأمل حكمة ربك في ان سخر له الرياح فإذا تصاعد إلى الجو احالته ~~سحابا أو ضبابا فأذهبت عن العالم شره وأذاه فسل الجاحد من الذي دبر هذا ~~التدبير وقدر هذا التقدير وهل يقدر العالم كلهم لو اجتمعوا ان يحيلوا ذلك ~~PageV01P222 ويقلبوه سحابا أو ضبابا أو يذهبوه عن الناس ويكشفوه عنهم ولو ~~شاء ربه تعالى لحبس عنه الرياح فاختنق على وجه الأرض فأهلك ما عليها من ~~الحيوان والناس # | فصل ومن ذلك سعة الأرض وامتدادها ولولا ذلك لضاقت عن مساكن الانس # والحيوان وعن مزارعهم ومراعيهم ومنابت ثمارهم واعشابهم فان قلت فما حكمة ~~هذه القفار الخالية والفلوات الفارغة الموحشة فاعلم ان فيها ms307 معايش مالا ~~يحصيه الا الله من الوحوش والدواب وعليها ارزاقهم وفيها مطردهم ومنزلهم ~~كالمدن والمساكن للانس وفيها مجالهم ومرعاهم ومصيفهم ومشتهاهم ثم فيها بعد ~~متسع ومتنفس للناس ومضطرب إذا احتاجوا إلى الانتقال والبدو والاستبدال ~~بالاوطان فكم من بيداء سملق صارت قصورا وجنانا ومساكن ولولا سعة الأرض ~~وفسحها لكان اهلها كالمحصورين والمحبوسين في أماكنهم لا يجدون عنها انتقالا ~~إذا فدحهم ما يزعجهم عنها ويضطرهم إلى النقلة منها وكذلك الماء لولا كثرته ~~وتدفقه في الاودية والانهار لضاق عن حاجة الناس اليه ولغلب القوى الضعيف ~~واستبد به دونه فيحصل الضرر وتعظم البلية مع شدة حاجة جميع الحيوان اليه من ~~الطير والوحوش والسباع فاقتضت الحكمة ان كان بهذه الكثرة والسعة في كل وقت ~~وأما النار فقد تقدم ان الحكمة اقتضت كموتها متى شاء العبد اوراها عند ~~الحاجة فهي وان لم تكن مبثوثة في كل مكان فانها عتيدة حاصلة متى احتيج ~~اليها واسعة لكل ما يحتاج اليه منها غير انها مودعة في أجسام جعلت معادن ~~لها للحكمة التي تقدمت # | فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في نزول المطر على الأرض من علو ليعم # بسقيه وهادها وتلولها وظرابها وآكامها ومنخفضها ومرتفعها ولو كان ربها ~~تعالى إنما يسقيها من ناحية من نواحيها لما اتى الماء على الناحية المرتفعة ~~إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر وفي ذلك فساد فاقتضت حكمته ان سقاها من فوقها ~~فينشيء سبحانه السحاب وهي روايا الأرض ثم يرسل الرياح فتحمل الماء من البحر ~~وتلقحها به كما يلقح الفحل الانثى ولهذا تجد البلاد القريبة من البحر كثيرة ~~الامطار وإذا بعدت من البحر قل مطرها وفي هذا المعنى يقول الشاعر يصف ~~السحاب # شربن بماء البحر ثم ترفعت % متى لجج خضر لهن نئبج وفي الموطأ مرفوعا وهو ~~أحد الاحاديث الاربعة المقطوعة إذا نشأت سحابة بحرية ثم تشاءمت فتلك عين ~~غديقة فالله سبحانه ينشيء الماء في السحاب إنشاء تارة يقلب الهواء ماء ~~وتارة يحمله الهواء من البحر فيلقح به السحاب ثم ينزل منه على الأرض للحكم ~~التي PageV01P223 ذكرناها ولو ms308 انه ساقه من البحر إلى الأرض جاريا على ظهرها ~~لم يحصل عموم السقي الا بتخريب كثير من الأرض ولم يحصل عموم السقي لأجزائها ~~فصاعدة سبحانه إلى الجو بلطفه وقدرته ثم انزله على الأرض بغاية من اللطف ~~والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمته على ~~الأرض # | فصل ثم تأمل الحكمة البا لغة في إنزاله بقدر الحاجة حتى إذا اخذت # الأرض حاجتها منه وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها اقلع عنها واعقبه ~~بالصحو فهما اعني الصحو والغيم يعتقبان على العالم لما فيه صلاحه ولو دام ~~احدهما كان فيه فساده فلو توالت الامطار لاهلكت ما علي الأرض ولو زادت على ~~الحاجة افسدت الحبوب والثمار وعفنت الزروع والخضروات وأرخت الابدان وحشرت ~~الهواء فحدثت ضروب من الامراض وفسد اكثر المآكل وتقطعت المسالك والسبل ولو ~~دام الصحو لجفت الابدان وغيض الماء وانقطع معين العيون والابار والانهار ~~والاودية وعظم الضرر واحتدم الهواء فيبس ما على الأرض وجفت الابدان وغلب ~~اليبس واحدث ذلك ضروبا من الامراض عسرة الزوال فاقتضت حكمة اللطيف الخبير ~~ان عاقب بين الصحو والمطر على هذا العالم فاعتدل الامر وصح الهواء ودفع كل ~~واحد منهما عادية الاخر واستقام امر العالم وصلح # | فصل ثم تأمل الحكمة الالهية في اخراج الاقوات والثمار والحبوب # والفواكه متلاحقة شيئا بعد شيء متتابعة ولم يخلقها كلها جملة واحدة فانها ~~لو خلقت كذلك على وجه الأرض ولم تكن تنبت على هذه السوق والاغصان لدخل ~~الخلل وفاتت المصالح التي رتبت على تلاحقها وتتابعها فإن كل فصل واوان ~~يقتضى من الفواكه والنبات غير ما يتقضيه الفصل الاخر فهذا حار وهذا بارد ~~وهذا معتدل وكل في فصله موافق للمصلحة لا يليق به غير ما خلق فيه ثم انه ~~سبحانه خلق تلك الاقوات مقارنة لمنافع اخر من العصف والخشب والورق والنور ~~والعسف والكرب وغيرها من منافع النبات والشجر غير الاقوات كعلف البهائم ~~وأداة الابنية والسفن والرحال والاواني وغيرها ومنافع النور من الادوية ~~والمنظر البهيج الذي يشوق الناظرين وحسن مرائي الشجر وخلقتها البديعة ms309 ~~المشاهدة لفاطرها ومبدعها بغاية الحكمة واللطف ثم إذا تأملت إخراج ذلك ~~النور البهي من نفس ذلك الحطب ثم الورق الاخضر ثم اخراج تلك الثمار على ~~اختلاف أنواعها وأشكالها ومقاديرها وألوانها وطعومها وروائحها ومنافعها وما ~~يراد منها ثم تأمل اين كانت مستودعة في تلك الخشبة وهاتيك العيدان وجعلت ~~الشجرة لها كالام PageV01P224 فهل كان في قدرة الاب العاجز الضعيف إبراز ~~هذا التصوير العجيب وهذا التقدير المحكم وهذه الاصباغ الفائقة وهذه الطعوم ~~اللذيذة والروائح الطيبة وهذه المناظر العجيبة فسل الجاحد من تولى تقدير ~~ذلك وتصيره وإبرازه وترتيبه شيئا فشيئا وسوق الغذاء اليه في تلك العروق ~~اللطاف التي يكاد البصر يعجز عن إدراكها وتلك المجاري الدقاق فمن الذي تولى ~~ذلك كله ومن الذي اطلع لها الشمس وسخر لها الرياح وأنزل عليها المطر ودفع ~~عنها الافات وتامل تقدير اللطيف الخبير فإن الاشجار لما كانت تحتاج إلى ~~الغذاء الدائم كحاجة الناس وسائر الحيوان ولم يكن لها قوة أفواه كافواه ~~الحيوان ولا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء جعلت اصولها مركوزة في الأرض ~~ليسرع بها الغذاء وتمتصه من اسفل الثرى فتؤديه إلى أغصانها فتؤديه الاغصان ~~إلى الورق والثمر كل له شرب معلوم لا يتعداه يصل اليه في مجاري وطرق قد ~~احكمت غاية الاحكام فتأخذ الغذاء من اسفل فتلقمه بعروقها كما يلتقم الحيوان ~~غذاءه بفمه ثم تقسمه على حملها بحسب ما يحتمله فتعطى كل جزء منه بحسب ما ~~يحتاج اليه لا تظلمه ولا تزيده على قدر حاجته فسل الجاحد من اعطاها هذا ومن ~~هداها اليه ووضعه فيها فلو اجتمع الاولون والاخرون هل كانت قدرتهم وإرادتهم ~~تصل إلى تربية ثمرة واحدة منها هكذا باشارة أو نصاعة أو حيلة أو مزاولة وهل ~~ذلك الا من صنع من شهدت له مصنوعاته دلت عليه آياته كما قيل : # فواعجبا كيف يعصى الاله % أم كيف يجحده الجاحد ولله في كل تحريكه وتسكينه ~~ابدا شاهد وفي كل شيء له آية % تدل على انه واحد # | فصل ثم تأمل إذا نصبت خيمة أو فسطاطا كيف تمده من كل ms310 جانب # بالاطناب ليثبت فلا يسقط ولا يتعوج هكذا تجد النبات والشجر له عروق ممتدة ~~في الأرض منتشرة إلى كل جانب لتمسكه وتقيمه وكلما انتشرت أعاليه امتدت ~~عروقه واطنابه من اسفل في الجهات ولولا ذلك كيف كانت تثبت هذه النخيل ~~الطوال الباسقات والدوح العظام على الرياح العواصف وتأمل سبق الخلق الالهية ~~للصناعة البشرية حتى يعلم الناس نصب الخيم والفساطيط من خلقه للشجر والنبات ~~لان عروقها اطناب لها كأطناب الخيمة واغصان الشجر يتخذ منها الفساطيط ثم ~~يحاكى بها الشجرة # | فصل ثم تأمل الحكمة في خلق الورق فإنك ترى في الورقة الواحدة من جملة # العروق PageV01P225 الممتدة فيها المبثوثة فيها ما يبهر الناظر فمنها ~~غلاظ ممتدة في الطول والعرض ومنها دقاق تتخلل تلك الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا ~~معجبا لو كان مما يتولى البشر صنع مثله بأيديهم لما فرغوا من ورقة في عام ~~كامل ولاحتاجوا فيه إلى آلات وحركات وعلاج تعجز قدرتهم عن تحصيله فبث ~~الخلاق العليم في أيام قلائل من ذلك ما يملأ الأرض سهلها وجبالها بلا آلات ~~ولا معين ولا معالجة ان هي إلا ارادته النافذة في كل شيء وقدرته التي لا ~~يمتنع منها شيء إنما امره إذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فتأمل الحكمة ~~في تلك العروق المتخللة الورقة باسرها لتسقيها وتوصل اليها المادة فتحفظ ~~عليها حياتها ونضارتها بمنزلة العروق المبثوثة في الابدان التي توصل الغذاء ~~إلى كل جزء منه وتأمل ما في العروق الغلاظ من إمساكها الورق بصلابتها ~~ومتانتها لئلا تتمزق وتضمحل فهي بمنزلة الاعصاب لبدن الحيوان فتراها قد ~~أحكمت صنعتها ومدت العروق في طولها وعرضها لتتماسك فلا يعرض لها التمزق # | فصل ثم تأمل حكمة اللطيف الخبير في كونها جعلت زينة للشجر وسترا # ولباسا للمثرة ووقاية لها من الافات التي تمنع كمالها ولهذا إذا جردت ~~الشجرة عن ورقها فسدت الثمرة ولم ينتفع بها وانظر كيف جعلت وقاية لمنبت ~~الثمرة الضعيفة من اليبس فإذا ذهبت الثمرة بقي الورق وقاية لتلك الافنان ~~الضعيفة من الحر حتى إذا طفئت تلك الجمرة ولم ms311 يضر الافنان عراها من ورقها ~~وسلبها إياه لتكتسى لباسا جديدا احسن منه فتباركا لله رب العالمين الذي ~~يعلم مساقط تلك الاوراق ومنابتها فلا تخرج منها ورقة الا باذنه ولا تسقط ~~الا بعلمه ومع هذا فلو شاهدها العبادعلى كثرتها وتنوعها وهي تسبح بحمد ربها ~~مع الثمار والافنان والاشجار لشاهدوا من جمالها امرا آخر ولراوا خلقتها ~~بعين اخرى ولعلموا انها لشأن عظيم خلقت وأنها لم تخلق سدى قال تعالى @QB@ ~~والنجم والشجر يسجدان @QE@ فالنجم ما ليس له ساق من النبات والشجر ماله ساق ~~وكلها ساجدة لله مسبحة بحمده @QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا @QE@ ولعلك ان تكون ممن غلظ حجابه فذهب ~~إلى ان التسبيح دلالتها على صانعها فقط فاعلم ان هذا القول يظهر بطلانه من ~~اكثر من ثلاثين وجها قد ذكرنا اكثرها في موضع آخر وفي أي لغة تسمى الدلالة ~~على الصانع تسبيحا وسجودا وصلاة وتاويبا وهبوطا من خشيته كما ذكر تعالى ذلك ~~في كتابه فتارة يخبر عنها بالتسبيح وتارة بالسجود وتارة بالصلاة كقوله ~~تعالى @QB@ والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه @QE@ افترى يقبل عقلك ان ~~يكون معنى الاية قد علم الله دلالته عليه وسمى تلك الدلالة صلاة وتسبيحا ~~وفرق بينهما وعطف احدهما PageV01P226 على الاخر وتارة يخبر عنها بالتأويب ~~كقوله @QB@ يا جبال أوبي معه @QE@ وتارة يخبر عنها بالتسبيح الخاص بوقت دون ~~وقت كالعشى والاشراق أفترى دلالتها على صانعها إنما يكون في هذين الوقتين ~~وبالجملة فبطلان هذا القول اظهر لذوي البصائر من ان يطلبوا دليلا على ~~بطلانه والحمد لله # | فصل ثم تأمل حكمته سبحانه في إبداع العجم والنوى في جوف الثمرة وما # في ذلك من الحكم والفوائد التي منها انه كالعظم لبدن الحيوان فهو يمسك ~~بصلابته رخاوة الثمرة ورقتها ولطافتها ولولا ذلك لشدخت وتفسخت ولأسرع اليها ~~الفساد فهو بمنزلة العظم ولاثمرة بمنزلة اللحم الذي يكسوه الله عز وجل ~~العظام ومنها ان في ذلك بقاء المادة وحظفها إذ ربما تعطلت الشجرة أو نوعها ~~فخلق فيها ما يقوم ms312 مقامها عند تعطلها وهو النوى الذي يغرس فيعود مثلها ~~ومنها ما في تلك الحبوب من أقوات الحيوانات وما فيها من المنافع والادهان ~~والادوية والاصباغ وضروب اخر من المصالح التي يتعلمها الناس وما خفي عليهم ~~منها اكثر فتأمل الحكمة في اخراجه سبحانه هذه الحبوب لمنافع فيها وكسوتها ~~لحما لذيذا شهيا يتكفه به ابن آدم ثم تأمل هذه الحكمة البديعة في ان جعل ~~للثمرة الرقيقة اللطيفة التي يفسدها الهواء والشمس غلافا يحفظها وغشاء ~~يواريها كالرمان والجوز واللوز ونحوه وأما مالا يفسد إذا كان بارزا فجعل له ~~اول خروجه غشاء يواريه لضعفه ولقلة صبره على الحر فإذا اشتد وقوى تفتق عن ~~ذلك الغشاء وضحى للشمس والهواء كطلع النخل وغيره # | فصل ثم تأمل خلقه الرمان وماذا فيه من الحكم والعجائب فإنك ترى داخل # الرمانة كأمثال القلال شحما متراكما في نواحيها وترى ذلك الحب فيها ~~مرصوفا رصفا ومنضودا نضدا لاتمكن الايدي ان تنضده وترى الحب مقسوما اقساما ~~وفرقا وكل قسم وفرقة منه ملفوفا بلفائف وحجب منسوجة اعجب نسج والطفه وأدقه ~~على غير منوال الا منوال @QB@ كن فيكون @QE@ ثم ترى الوعاء المحكم الصلب قد ~~اشتمل على ذلككله وضمه احسن ضم فتأمل هذه الحكمة البديعة في الشحم المودع ~~فيها فإن الحب لا يمد بعضه بعضا إذ لو مد بعضه بعضا لاختلط وصار حبة واحدة ~~فجعل ذلك الشحم خلاله ليمده بالغذاء والدليل عليه انك ترى اصول الحب مركوزة ~~في ذلك الشحم وهذا بخلاف حب العنب فإنه استغنى عن ذلك بان جعل لكل حبة مجرى ~~تشرب منه فلا تشرب حق اختها بل يجرى الغذاء في ذلك العرق مجرى واحدا ثم ~~ينقسم منه في مجاري الحبوب كلها فينبعث منه في كل مجرى غذاء تلك ~~PageV01P227 الحبة فتبارك الله احسن الخالقين ثم انه لف ذلك الحب في تلك ~~الرمانة بتلك اللفائف ليضمه ويمسكه فلا يضطرب ولايتبدد ثم غشى فوق ذلك ~~بالغشاء الصلب صونا له وحفظا وممسكا له باذن الله وقدرته فهذا قليل من كثير ~~من حكمة هذه الثمرة الواحدة ولايمكننا ولاغيرنا استقصاء ms313 ذلك ولو طالت ~~الايام واتسع الفكر ولكن هذا منبه على ما وراءه واللبيب يكتفى ببعض ذلك ~~وأما من غلبت عليه الشقاوة وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون غافلون عن موضع الدلالة فيها # | فصل ثم تأمل هذا الريع والنماء الذي وضعه الله في الزرع حتى صارت # الحبة الواحدة ربما انبتت سبعمائة حبة ولو انبتت الحبة حبة واحدة مثلها ~~لا يكون في الغلة متسع لما يرد في الأرض من الحب وما يكفي الناس ويقوت ~~الزارع إلى إدراك زرعه فصار الزرع بريع هذا الريع ليفي بما يحتاج اليه ~~للقوت والزراعة وكذلك ثمار الاشجار والنخيل وكذلك ما يخرج مع الاصل الواحد ~~منها من الصنوان ليكون لما يقطعه الناس ويستعلمونه في مآربهم خلفا فلاتبطل ~~المادة عليهم ولا تنقص ولو ان صاحب بلد من البلاد أراد عمارته لاعطى اهله ~~ما يبذرونه فيهم وما يقيتهم إلى استواء الزرع فاقتضت حكمة اللطيف الخبير ان ~~اخرج من الحبة الواحدة حبات عديدة لبقيت الخارج الناس ويدخرون منه ما ~~يزرعون # | فصل ثم تأمل الحكمة في الحبوب كالبر والشعير ونحوهما كيف يخرج الحب # مدرجا في قشور على رؤسها امثال الاسنة فلا يتمكن جند الطير من افسادها ~~والعبث فيها فإنه لو صادف الحب بارزا لا صوان عليه ولا وقاية تحول دونه ~~لتمكن منه كل التمكن فأفسدوا عاب وعاث وأكب عليه أكلا ما استطاع وعجز ارباب ~~الزرع عن رده فجعل اللطيف الخبير عليه هذه الوقايات لتصونه فينال الطير منه ~~مقدار قوته ويبقى اكثره للانسان فإنه اولى به لانه هو الذي كدح فيه وشقى به ~~وكان الذي يحتاج اليه اضعاف حاجة الطير # | فصل ثم تأمل الحكمة الباهرة في هذه الاشجار كيف تراها في كل عام # لها حمل ووضع فهي دائما في حمل وولادة فإذا اذن لها ربها في الحمل احتبست ~~الحرارة الطبيعية في داخلها واختبأت فيها ليكون فيها حملها في الوقت المقدر ~~لها فيكون ذلك الوقت بمنزلة وقت العلوق ومبدأ PageV01P228 تكوين النطف ~~فتعمل المادة في اجوافها عملها وتهيئها للعلوق حتى ms314 إذا آن وقت الحمل دب ~~فيها الماء فلانت اعطافها وتحركت للحمل وسرى الماء في افنانها وانتشرت فيها ~~الحرارة والرطوبة حتى إذا آن وقت الولادة كسيت من سائر الملابس الفاخرة من ~~النور والورق ما تتبخر فيه وتميس به وتفخر على العقيم فإذا ظهرت اولادها ~~وبان للناظر حملها علم حينئذ كرمها وطيبها من لؤمها وبخلها فتولى تغذية ذلك ~~الحمل من تولى غذاء الاجنحة في بطون امهاتها وكساها الاوراق وصانها من الحر ~~والبرد فإذا تكامل الحمل وآن وقت الفطام تدلت اليك أفنانها كأنما تناولك ~~ثمرة درها فإذا قابلتها رايت الافنان كأنها تلقاك بأولادها وتحييك وتكرمك ~~بهم وتقدمهم اليك حتى كأن منا ولا يناولك إياهم بيده ولا سيما قطوف جنات ~~النعيم الدانية التي يتناولها المؤمن قائما وقاعدا ومضطجعا وكذلك ترى ~~الرياحين كأنها تحييك بانفاسها وتقابلك بطيب رائحتها وكل هذا إكراما لك ~~وعناية بأمرك وتخصيصا لك وتفضيلا على غيرك من الحيوانات أفيجمل بك الاشتغال ~~بهذه النعم عن المنعم بها فكيف إذا استعنت بها على معاصيه وصرفتها في ~~مساخطه فكيف إذا جحدته واضفتها إلى غيره كما قال @QB@ وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون @QE@ فجدير بمن له مسكة من عقل ان يسافر بفكره في هذه النعم والالاء ~~ويكرر ذكرها لعله يوقفه على المراد منها ماهو ولأي شيء خلق ولماذا هيء وأي ~~امر طلب منه على هذه النعم كما قال تعالى واذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ~~فذكر آلائه تبارك وتعالى ونعمه على عبده سبب الفلاح والسعادة لان ذلك لا ~~يزيده الا محبة لله وحمدا وشكرا وطاعة وشهود تقصيره بل تفريطه في القليل ~~مما يجب لله عليه ولله در القائل : # قد هيؤك لأمر لو فطنت له % فاربأ بنفسك ان ترعى مع الهمل # | فصل ثم تأمل الحكمة في شجرة اليقطين والبطيخ والجزر كيف لما اقتضت # الحكمة ان يكون حمله ثمارا كبارا جعل نباته منبسطا على الأرض إذ لو انتصب ~~قائما كما ينتصب الزرع لضعفت قوته عن حمل هذه الثمار الثقيلة ولنقصت قبل ~~أدراكها وانتهائها إلى غاياتها فاقتضت حكمة مبدعها وخالقها ان بسطه ms315 ومده ~~على الأرض ليلقى عليها ثماره فتحملها عنه الأرض فترى العرق الضعيف الدقيق ~~من ذلك منبسطا على الأرض وثماره مبثوثة حواليه كأنها حيوان قد اكتنفها ~~اجراؤها فهي ترضعهم ولما كان شجر اللوبيا والباذنجان والباقلاء وغيرها مما ~~يقوى على حمل ثمرته انتبه الله منتصبا قائما على ساقه إذ لا يلقى من حمل ~~ثماره مؤنة ولا يضعف عنه PageV01P229 ثم تأمل كيف اقتضت الحكمة الالهية ~~موافات اصناف الفواكه والثمار للناس بحسب الوقت المشاكل لها المقتضى لها ~~فتوافيهم كموافاة الماء للظمآن فتتلقاها الطبيعة بانشراح واشتياق منتظرة ~~لقدومها كانتظار الغائب للغائب فلو كان نبات الصيف انما يوافي في الشتاء ~~لصادف من الناس كراهية واستثقالا بوروده مع ما كان فيه من المضرة للابدان ~~والاذى لها وكذلك لو وافى ما في ربيعها في الخريف أو ما في خريفها في ~~الربيع لم يقع من النفوس ذلك الموقع ولا استطابته واستلذته ذلك الالتذاذ ~~ولهذا تجد المتأخر منها عن وقته مملولا محلول الطعم ولا يظن ان هذا لجريان ~~العادة المجردة بذلك فإن العادة إنما جرت به لانه وفق الحكمة والمصلحة التي ~~لا يخل بها الحكيم الخبير # | فصل ثم تأمل هذه النخلة التي هي احدى آيات الله تجد فيها من # الايات والعجائب ما يبهرك فإنه لما قدر ان يكون فيه اناث تحتاج إلى ~~اللقاح جعلت فيها ذكور تلقحها بمنزلة الحيوان واناثه ولذلك اشتد شبهها من ~~بين سائر الاشجار بالانسان خصوصا بالمؤمن كما مثله النبي وذلك من وجوه ~~كثيرة احدها ثبات اصلها في الأرض واستقراره فيها وليست بمنزلة الشجرة التي ~~اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار الثاني طيب ثمرتها وحلاوتها وعموم ~~المنفعة بها كذلك المؤمن طيب الكلام طيب العمل فيه المنفعة لنفسه ولغيره ~~الثالث دوام لباسها وزينتها فلا يسقط عنها صيفا ولا شتاء كذلك المؤمن لا ~~يزول عنه لباس التقوى وزينتها حتى يوافي ربه تعالى الرابع سهولة تناول ~~ثمرتها وتيسره اما قصيرها فلا يحوج المتناول ان يرقاها واما باسقها فصعوده ~~سهل بالنسبة إلى صعودالشجر الطوال وغيرها فتراها كأنها قد هيئت منها ms316 ~~المراقي والدرج إلى اعلاها وكذلك المؤمن خيره سهل قريب لمن رام تناوله لا ~~بالغر ولا باللئيم الخامس ان ثمرتها من انفع ثمار العالم فإنه يؤكل رطبه ~~فاكهة وحلاوة ويابسه يكون قوتا وادما وفاكهة ويتخذ منه الخل والناطف ~~والحلوى ويدخل في الادوية والاشربة وعموم المنفعة به وبالعنب فوق كل الثمار ~~وقد اختلف الناس في ايهما انفع وافضل وصنف الجاحظ في المحاكمة بينهما مجلدا ~~فأطال فيها الحجاج والتفضيل من الجانبين وفصل النزاع في ذلك ان النخل في ~~معدنه ومحل سلطانه افضل من العنب وأعم نفعا واجدى على اهله كالمدينة ~~والحجاز والعراق والعنب في معدنه ومحل سلطانه افضل وأعم نفعا واجدى على ~~أهله كالشام والجبال والمواضع الباردة التي لا تقبل النخيل وحضرت مرة في ~~مجلس بمكة فيه من أكابر البلد فجرت هذه المسئلة وأخذ بعض الجماعة الحاضرين ~~يطنب في تفضيل النخل PageV01P230 وفوائده وقال في أثناء كلامه ويكفي في ~~تفضيله انا نشتري بنواه العنب فكيف يفضل عليه ثمر يكون نواه ثمنا له وقال ~~آخر من الجماعة قد فصل النبي النزاع في هذه المسئلة وشفى فيها بنهيه عن ~~تسمية شجر العنب كرما وقال الكرم قلب المؤمن فاي دليل ابين من هذا واخذوا ~~يبالغون في تقرير ذلك فقلت للأول ما ذكرته من كون نوى التمر ثمنا للعنب ~~فليس بدليل فإن هذا له اسباب احدها حاجتكم إلى النوى للعلف فيرغب صاحب ~~العنب فيه لعلف ناضحه وحمولته الثاني ان نوى العنب لا فائدة فيه ولا يجتمع ~~الثالث ان الاعناب عندكم قليلة جدا والتمر اكثر شيء عندكم فيكثر نواه ~~فيشترى به الشيء اليسير من العنب وأما في بلاد فيها سلطان العنب فلا يشترى ~~بالنوى منه شيء ولا قيمة لنوى التمر فيها وقلت لمن احتج بالحديث هذا الحديث ~~من حجج فضل العنب لانهم كانوا يسمونه شجرة الكرم لكثرة منافعه وخيره فإنه ~~يؤكل رطبا ويابسا وحلوا وحامضا وتجنى منه أنواع الاشربة والحلوى والدبس ~~وغير ذلك فسموه كرما لكثرة خيره فأخبرهم النبي ان قلب المؤمن احق منه بهذه ~~التسمية لكثرة ما اودع ms317 الله فيه من الخير والبركة والرحمة واللين والعدل ~~والاحسان والنصح وسائر انواع البر والخير التي وضعها الله في قلب المؤمن ~~فهو احق بأن يسمى كرما من شجر العنب ولم يرد النبي ابطال ما في شجر العنب ~~من المنافع والفوائد وان تمسيته كرما كذب وانها لفظة لا معنى تحتها كتسمية ~~الجاهل عالما والفاجر برا والبخيل سخيا الا ترى انه لم ينف فوائد شجر العنب ~~وإنما اخبر عنه ان قلب المؤمن اغزر فوائد واعظم منافع منها هذا الكلام أو ~~قريب منه جرى في ذلك المجلس وأنت إذا تدبرت قول النبي الكرم قلب المؤمن ~~وجدته مطابقا لقوله في النخلة مثلها مثل المسلم فشبه النخلة بالمسلم في ~~حديث ابن عمر وشبه المسلم بالكرم في الحديث الاخر ونهاهم ان يخصوا شجر ~~العنب باسم الكرم دون قلب المؤمن وقد قال بعض الناس في هذا معنى آخر وهو ~~انه نهاهم عن تسمية شجر العنب كرما لانه يقتنى منه أم الخبائث فيكره ان ~~يسمى باسم يرغب النفوس فيها ويحضهم عليها من باب سد الذرائع في الالفاظ ~~وهذا لا بأس به لولا ان قوله فإن الكرم قلب المؤمن كالتعليل لهذا النهي ~~والاشارة إلى انه اولى بهذه التسمية من شجر العنب ورسول الله اعلم بما اراد ~~من كلامه فالذي قصده هو الحق وبالجملة فالله سبحانه عدد على عباده من نعمه ~~عليهم ثمرات النخيل والاعناب فساقها فيما عدده عليهم من نعمه والمعنى الاول ~~اظهر من المعنى الاخر إن شاء الله فإن أم الخبائث تتخذ من كل ثمر كالنخيل ~~كما قال تعالى @QB@ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ~~@QE@ وقال انس نزل تحريم الخمر وما بالمدينة من شراب الاعناب شيء وإنما كان ~~شراب القوم الفضيخ المتخذ من التمر فلو كان نهيه عن تسمية شجر العنب ~~PageV01P231 كرما لاجل المسكر لم يشبه النخلة بالمؤمن لان المسكر يتخذ منها ~~والله اعلم الوجه السادس من وجوه التشبيه ان النخلة اصبر الشجر على الرياح ~~والجهد وغيرها من الدوح العظام تميلها الريح تارة وتقلعها تارة وتقصف ms318 ~~افنانها ولا صبر لكثير منها على العطش كصبر النخلة فكذلك المؤمن صبور على ~~البلاء لا تزعزعه الرياح السابع ان النخلة كلها منفعة لا يسقط منها شيء ~~بغير منفعة فثمرها منفعة وجذعها فيه من المنافع مالا يجهل للأبنية والسقوف ~~وغير ذلك وسعفها تسقف به البيوت مكان القصب ويستر به الفرج والخلل وخوصها ~~يتخذ منه المكاتل والزنابيل وأنواع الانية والحصر وغيرها وليفها وكربها فيه ~~من المنافع ما هومعلوم عند الناس وقد طابق بعض الناس هذه المنافع وصفات ~~المسلم وجعل لكل منفعة منها صفة في المسلم تقابلها فلما جاء إلى الشوك الذي ~~في النخلة جعل بإزائه من المسلم صفة الحدة على أعداء الله واهل الفجور ~~فيكون عليهم في الشدة والغلظة بمنزلة الشوك وللمؤمنين والمتقين بمنزلة ~~الرطب حلاوة ولينا @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ الثامن انها ~~كلما اطال عمرها ازداد خيرها وجاد ثمرها وكذلك المؤمن إذا طال عمره ازداد ~~خيره وحسن عمله التاسع ان قلبها من اطيب القلوب واحلاه وهذا امر خصت به دون ~~سائر الشجر وكذلك قلب المؤمن من ايطب القلوب العاشر انها لايتعطل نفعها ~~بالكلية ابدا بل إن تعطلت منها منفعه ففيها منافع اخر حتى لو تعطلت ثمارها ~~سنة لكان للنسا في سعفها وخوصها وليفها وكربها منافع وهكذا المؤمن لا يخلو ~~عن شيء من خصال الخير قط ان اجدب منه جانب من الخير اخصب منه جانب فلا يزال ~~خيره مأمولا وشره مأمونا في الترمذي مرفوعا إلى النبي خيركم من يرجى خيره ~~ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره فهذا فصل معترض ذكرناه ~~استطرادا للحكمة في خلق النخلة وهيئتها فلنرجع اليه فتأمل خلقة الجذع الذي ~~لها كيف هو تجده كالمنسوج من خيوط ممدودة كالسدا وأخرى معترضة كاللحمة كنحو ~~المنسوج باليد وذلك لتشتد وتصلب فلا تتقصف من حمل الحيوان الثقيل وتصبر على ~~هز الرياح العاصفة ولبثها في السقوف والجسور والاواني وغير ذلك مما يتخذ ~~منها وهكذا سائر الخشب وغيرها إذا تأملته شبه النسج ولا تراه مصمتا كالحجر ~~الصلد بل ترى بعضه ms319 كأنه داخل بعضا طولا وعرضا كتداخل اجزاء اللحم بعضها في ~~بعض فإن ذلك امتن له وأهيأ لما يراد منه فإنه لو كان مصمتا كالحجارة لم ~~يمكن ان يستعمل في الالات والابواب والاواني والامتعة والاسرة والتوابيت ~~وما اشبهها ومن بديع الحكمة في الخشب ان جعل يطفو على الماء وذلك للحكمة ~~البالغة إذ لولا ذلك لما كانت هذه السفن تحمل امثال الجبال من الحمولات ~~والامتعة وتمخر البحر مقبلة ومدبرة ولولا ذلك لما تهيأ للناس هذه المرافق ~~لحمل هذه التجارات العظيمة والامتعة الكثيرة PageV01P232 ونقلها من بلد إلى ~~بلد من حيث لو نقلت في البر لعظمت المؤنة في نقلها وتعذر على الناس كثير من ~~مصالحهم # | فصل ثم تأمل احوال هذه العقاقير والادوية التي يخرجها الله من # الأرض وما خص به كل واحد منها وجعل عليه من العمل والنفع فهذا يغور في ~~المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة القاتلة لو احتسبت وهذا يستخرج المرة ~~السوداء وهذا يستخرج المرة الصفراء وهذا يحلل الاورام وهذا يسكن الهيجان ~~والقلق وهذا يجلب النوم ويعيده إذا اعوزه الانسان وهذا يخفف البدن إذا وجد ~~الثقل وهذا يفرح القلب إذا تراكمت عليه الغموم وهذا يجلو البلغم ويكشطه ~~وهذا يحد البصر وهذا يطيب النكهة وهذا يسكن هيجان الباءة وهذا يهيجها وهذا ~~يبرد الحرارة ويطفئها وهذا يقتل البرودة ويهيج الحرارة وهذا يدفع ضرر غيره ~~من الادوية والاغذية وهذا يقاوم بكيفيته كيفية غيره فيعتدلان فيعتدل المزاج ~~بتناولهما وهذا يسكن العطش وهذا يصرف الرياح الغليظة ويطردها وهذا يعطي ~~اللون إشراقا ونضارة وهذا يزيد في أجزاء البدن بالسمن وهذا ينقص منها وهذا ~~يدبغ المعدة وهذا يجلوها ويغسلها إلى أضعاف ذلك مما لا يحصيه العباد فسل ~~المعطل من جعل هذه المنافع والقوى في هذه النباتات والحشائش والحبوب ~~والعروق ومن اعطى كل منها خاصيته ومن هدى العباد بل الحيوان إلى تناول ما ~~ينفع منه ترك ما يضر ومن فطن لها الناس والحيوان البهيم وبأي عقل وتجربة ~~كان يقف على ذلك ويعرف ما خلق له كما زعم من قل نصيبه من التوفيق ms320 لولا ~~انعام الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى وهب ان الانسان فطن لهذه الاشياء بذهنه ~~وتجاربه وفكره وقياسه فمن الذي فطن لها البهائم في اشياء كثيرة منها مالا ~~يهتدي اليها الانسان حتى صار بعض السباع يتداوى من جراحه ببعض تلك العقاقير ~~من النبات فيبرأ فمن الذي جعله يقصد ذلك النبات دون غيره وقد شوهد بعض ~~الطير يحتقن عند الحصر بماء البحر فيسهل عليه الخارج وبعض الطير يتناول اذا ~~اعتل شيئا من النبات فتعود صحته وقد ذكر الاطباء في مبادئ الطب في كتبهم من ~~هذا عجائب فسل المعطل من الهمها ذلك ومن ارشدها اليه ومن دلها عليه افيجوز ~~ان يكون هذا من غير مدبر عزيز حكيم وتقدير عزيز عليم وتقدير لطيف خبير بهرت ~~حكمته العقول وشهدت له الفطر بما استودعها من تعريفه بأنه الله الذي لا إله ~~إلا هو الخالق البارئ المصور الذي لا تنبغي العبادة الا له وإنه لو كان معه ~~في سمواته وارضه اله سواه لفسدت السموات والأرض واختل نظام الملك فسبحانه ~~وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ولعلك ان تقول ما حكمة هذا ~~النبات المبثوث في الصحارى PageV01P233 والقفار والجبال التي لا انيس بها ~~ولا ساكن وتظن انه فضلة لا حاجة اليه ولا فائدة في خلقه وهذامقدار عقلك ~~ونهاية علمك فكم لباريه وخالقه فيه من حكمة وآية من طعم أوحش وطير ودواب ~~مساكنها حيث لاتراها تحت الأرض وفوقها فذلك بمنزلة مائدة نصبها الله لهذه ~~الطيور والدواب تتناول منها كفايتها ويبقى الباقي كما يبقى الرزق الواسع ~~الفاضل عن الضيف لسعة رب الطعام وغناه التام وكثرة إنعامه # | فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في اعطائه سبحانه بهيمة الانعام # الاسماع والابصار ليتم تناولها لمصالحها ويكمل انتفاع الانسان بها إذ لو ~~كانت عمياء أو صماء لم يتمكن من الانتفاع بها ثم سلبها العقول على كبر ~~خلقها التي للانسان ليتم تسخيره اياها فيقودها ويصرفها حيث شاء ولو اعطيت ~~العقول على كبر خلقها لامتنعت من طاعته واستعصت عليه ولم تكن مسخرة له ~~فأعطيت من ms321 التمييز والادراك ما تتم به مصلحتها ومصلحة من ذلك له وسلبت من ~~الذهن والعقل ما ميز به عليها الانسان وليظهر ايضا فضيلة التمييز والاختصاص ~~ثم تأمل كيف قادها وذللها على كبر اجسامها ولم يكن يطيقها لولا تسخيره قال ~~الله تعالى @QB@ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ~~ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما ~~كنا له مقرنين @QE@ أي مطيقين ضابطين وقال تعالى @QB@ أو لم يروا أنا خلقنا ~~لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ~~ومنها يأكلون @QE@ فترى البعير على عظم خلقته يقوده الصبي الصغير ذليلا ~~منقادا ولو ارسل عليه لسواه بالارض ولفصله عضوا عضوا فسل المعطل من الذي ~~ذلله وسخره وقاده على قوته لبشر ضعيف من اضعف المخلوقات وفرغ بذلك التسخير ~~النوع الانساني لمصالح معاشه ومعاده فإنه لو كان يزاول من الاعمال والاحمال ~~ما يزاول الحيوان لشغل بذلك عن كثير من الاعمال لانه كان يحتاج مكان الجمل ~~الواحد إلى عدة أناسى يحملون اثقاله وحمله ويعجزون عن ذلك وكان ذلك يستفرغ ~~اوقاتهم ويصدهم عن مصالحهم فأعينوا بهذه الحيوانات مع مالهم فيها من ~~المنافع التي لا يحصيها الا الله من الغذاء والشراب والدواء واللباس ~~والامتعة والالات والاواني والركوب والحرث والمنافع الكثيرة والجمال # | فصل ثم تأمل الحكمة في خلق الات البطش في الحيوانات من الانسان # وغيره فالانسان لما خلق مهيئا لمثل هذه الصناعات من البناء والخياطة ~~والكتابة وغيرها خلق له كف PageV01P234 مستدير منبسط واصابع يتمكن بها من ~~القبض والبسط والطي والنشر والجمع والتفريق وضم الشيء إلى مثله والحيوان ~~البهيم لما لم يتهيأ لتلك الصنائع لم يخلق له تلك الاكف والاصابع بل لما ~~قدر ان يكون غذاء بعضها من صيده كالسباع خلق له اكف لطافه مدمجة ذوات براثن ~~ومخالب تصلح لاقتتاص الصيد ولا تصلح للصناعات هذا كله في أكلة اللحم من ~~الحيوان واما اكله النبات فلما قدر انها لاتصطاد ولا صنعة لها خلق لبعضها ~~اظلافا تقيها خشونة الأرض إذا ms322 جالت في طلب المرعي ولبعضها حوافر ململمة ~~مقعرة كأخمص القدم لتنطبق على الأرض وتهيأ للركوب والحمولة ولم يخلق لها ~~براثن ولا انيابا لان غذاءها لا يحتاج إلى ذلك # | فصل ثم تأمل الحكمة في خلقة الحيوان الذي يأكل اللحم من البهائم # كيف جعلت له اسنان حداد وبراثن شداد واشداق مهرونة وافواه واسعة واعينت ~~بأسلحة وأدوات تصلح للصيد والاكل ولذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير حداد ~~ومخالب كالكلاليب ولهذا حرم النبي كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ~~لضرره وعدوانه وشره والمغتذى شبيه بالغاذيفلو اغتذى بها الانسان لصار فيه ~~من اخلاقها وعدوانها وشرها ما يشابهها به فحرم على الامة اكلها ولم يحرم ~~عليهم الضبع وان كان ذا ناب فإنه ليس من السباع عند أحد من الامم والتحريم ~~إنما كان لما تضمن الوصفين ان يكون ذا ناب وان يكون من السباع ولا يقال هذا ~~ينتقض بالسبع إذا لم يكن له ناب لان هذا لم يوجد أبدا فصلوات الله وسلامه ~~على من اوتي جوامع الكلم فأوضح الاحكام وبين الحلال والحرام فانظر حكمة ~~الله عز وجل في خلقه وامره فيما خلقه وفيما شرعه تجد مصدر ذلك كله الحكمة ~~البالغة التي لا يختل نظامها ولا ينخرم ابدا ولا يختل اصلا ومن الناس من ~~يكون حظه من مشاهدة حكمة الامر اعظم من مشاهدة حكمة الخلق وهؤلاء خواص ~~العباد الذين عقلوا عن الله امره ودينه وعرفوا حكمته فيما احكمه وشهدت ~~فطنهم وعقولهم ان مصدر ذلك حكمة بالغة واحسان ومصلحة اريدت بالعباد في ~~معاشهم ومعادهم وهم في ذلك درجات لا يحصيها الا الله ومنهم من يكون حظه من ~~مشاهدة حكمة الخلق اوفر من حظه من حكمة الامر وهم أكثر الاطباء الذين صرفوا ~~افكارهم إلى استخراج منافع النبات والحيوان وقواها وما تصلح له مفردة ~~ومركبة وليس لهم نصيب في حكمة الامر إلا كما للفقهاء من حكمة الخلق بل اقل ~~من ذلك ومنهم من فتح عليه بمشاهدة الخلق والأمر بحسب استعداده وقوته فرأى ~~الحكمة الباهرة التي بهرت العقول في هذا ms323 وهذا فإذا نظر إلى خلقه وما فيه من ~~الحكم ازداد إيمانا ومعرفة وتصديقا بما جاءت PageV01P235 به الرسل واذا نظر ~~إلى امره وما تضمنه من الحكم الباهرة ازداد ايمانا ويقينا وتسليما لاكمن ~~حجب بالصنعة عن الصانع وبالكواكب عن مكوكبها فعمى بصره وغلظ عن الله حجابه ~~ولو اعطى علمه حقه لكان من اقوى الناس إيمانا لانه اطلع من حكمة الله وباهر ~~آياته وعجائب صنعته الدالة عليه وعلى علمه وقدرته وحكمته على ما خفي عن ~~غيره ولكن من حكمة الله ايضا ان سلب كثيرا من عقول هؤلاء خاصيتها وحجبها عن ~~معرفته واوقفها عند ظاهر من العلم بالحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون ~~لدناءتها وخستها وحقارتها وعدم اهليتها لمعرفته ومعرفة اسمائه وصفاته ~~واسرار دينه وشرعه والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~وهذا باب لا يطلع الخلق منه على ماله نسبة إلى الخافي عنهم منه ابدا بل علم ~~الاولين والاخرين منه كنقرة العصفور من البحر ومع هذا فليس ذلك بموجب ~~للاعراض عنه والياس منه بل يستدل العاقل بما ظهر له منه على ما وراءه # | فصل ثم تأمل اولا ذوات الاربع من الحيوان كيف تراها تتبع امهاتها # مستقلة بأنفسها فلاتحتاج إلى الحمل والتربية كما يحتاج اليه اولاد الانس ~~فمن اجل انه ليس عند امهاتها ما عند امهات البشر من التربية والملاطفة ~~والرفق والالات المتصلة والمنفصلة اعطاها اللطيف الخبير النهوض والاستقلال ~~بانفسها على قرب العهد بالولادة ولذلك ترى افراخ كثير من الطير كالدجاج ~~والدراج والفتخ يدرج ويلقط حين يخرج من البيضة وما كان منها ضعيف النهوض ~~كفراخ الحمام واليمام اعطى سبحانه امهاتها من فضله العطف والشفقة والحنان ~~ما تمج به الطعم في أفواه الفراخ من حواصلها فتخبأه في اعز مكان فيها ثم ~~تسوقه من فيها إلى افواه الفراخ ولا تزال بها كذلك حتى ي ينهض الفرخ ويستقل ~~بنفسه وذلك كله من حظها وقسمها الذي وصل اليها من الرحمة الواحدة من المائة ~~فإذا استقل بنفسه وامكنه الطيران لم يزل به الابوان يعالجانه اتم ms324 معالجة ~~والطفها حتى يطير من وكره ويسترزق لنفسه وياكل من حيث يأكلان وكأنهما لم ~~يعرفاه ولا عرفهما قط بل يطردانه عن الوكر ولا يدعانه وأقواتهما وبينهما بل ~~يقولان له بلسان يفهمه اتخذ لك وكرا وقوتا فلا وكر لك عندنا ولا قوت فسل ~~المعطل اهذا كله عن اهمال ومن الذي الهمها ذلك ومن الذي عطفها على الفراخ ~~وهي صغار احوج ما كانت اليها ثم سلب ذلك عنها إذ استغنت الفراخ رحمة ~~بالامهات تسعى في مصالحها إذ لو دام لها ذلك لا ضربها وشغلها عن معاشها لا ~~سيما مع كثرة ما يحتاج اليه اولادها من الغذاء فوضع فيها الرحمة والايثار ~~PageV01P236 والحنان رحمة بالفراخ وسلبها إياها عند استغنائها رحمه ~~بالامهات افيجوز ان يكون هذا كله بلا تدبير مدبر حكيم ولا عناية ولا لطف ~~منه سبحانه وتعالى لقد قامت أدلة ربوبيته وبراهين الهيته وشواهد حكمته ~~وآيات قدرته فلا يستطيع العقل لها جحودا إن هي الا مكابرة باللسان من كل ~~جحود كفور أفي الله شك فاطر السموات والأرض وإنما يكون الشك فيما تخفي ~~ادلته وتشكل براهينه فاما من له في كل شيء محسوس أو معقول آية بل آيات ~~مؤدية عنه شاهدة له بأنه الله الذي لا اله إلا هو رب العالمين فكيف يكون ~~فيه شك # | فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في قوائم الحيوان كيف اقتضت ان يكون # زوجا لا فردا اما اثنتين وإما اربعا ليتهيأ له المشي والسعي وتتم بذلك ~~مصلحته إذ لو كانت فردا لم يصلح لذلك لان الماشي ينتقل ببعض قوائمه ويعتمد ~~على بعض فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على الاخرى وذو الاربع ينقل ~~اثنتين ويعتمد على اثنتين وذلك من خلاف لأنه لو كان ينقل قائمتين من جانب ~~ويعتمد على قائمتين من الجانب الاخر لم يثبت على الأرض حال نقله قوائمه ~~ولكان مشيه نقرا كنقر الطائر وذلك مما يؤذيه ويتبعه لنقل بدنه بخلاف الطائر ~~ولهذا إذا مشى الانسان كذلك قليلا اجهده وشق عليه بخلاف مشية الطبيعي الذي ~~هو له فاقتضت الحكمة تقديم نقل ms325 اليمنى من يديه مع اليسرى من رجليه واقرار ~~يسرى اليدين ويمنى الرجلين ثم نقل الاخريين كذلك وهذا أسهل ما يكون من ~~المشي واخفه على الحيوان # | فصل ثم تأمل الحكمة البالغة في ان جعل ظهور الدواب مبسوطة كأنها # سقف على عمد القوائم ليتهيأ ركوبها وتستقر الحمولة عليها ثم خولف هذا في ~~الابل فجعل ظهورها مسنمة معقودة كالقبو لما خصت به من فضل القوة وعظم ما ~~تحمله والاقباء تحمل اكثر مما تحمل السقوف حتى قيل إن عقد الاقباء إنما اخذ ~~من ظهور الابل وتأمل كيف لما طول قوائم البعير طول عنقه ليتناول المرعي من ~~قيام فلو قصرت عنقه لم يمكنه ذلك مع طول قوائمه وليكون ايضا طول عنقه ~~موازنا للحمل على ظهره إذا استقل به كما ترى طول قصبة القبان حتى قيل إن ~~القبان إنما عمل من خلقه الجمل من طول عنقه وثقل ما يحمله ولهذا تراه يمد ~~عنقه إذا استقل بالحمل كأنه يوازنه موازنه # | فصل ثم تأمل الحكمة في كون فرج الدابة جعل بارزا من ورائها ليتمكن # الفحل من ضرابها PageV01P237 ولو جعل في اسفل بطنها كما جعل للمرأة لم ~~يتمكن الفحل من ضرابها الا على الوجه الذي تجامع به المرأة وقد ذكر في كتب ~~الحيوان ان فروج الفيلة في اسفل بطنها فإذا كان وقت الضراب ارتفع ونشز وبرز ~~للفحل فيتمكن من ضرابها فلما جعل في الفيلة على خلاف ما هو في سائر البهائم ~~خصت بهذه الخاصية عنها ليتهيأ الامر الذي به دوام النسل # | فصل ثم تأمل كيف كسيت اجسام الحيوان البهيمي هذه الكسوة من الشعر # والوبر والصوف وكسيت الطيور الريش وكسى بعض الدواب من الجلد ما هو في ~~غاية الصلابة والقوة كالسلحفاة وبعضها من الريش ما هو كالاسنة كل ذلك بحسب ~~حاجاتها إلى الوقاية من الحر والبرد والعدو الذي يريد اذاها فانها لما لم ~~يكن لها سبيل إلى اتخاذ الملابس واصطناع الكسوة والات الحرب اعينت بملابس ~~وكسوة لا تفارقها وآلات وأسلحة تدفع بها عن نفسها وأعينت باظلاف واخفاف ~~وحوافر لما عدمت ms326 الاحذية والنعال فمعها حذاؤها وسقاؤها وخص الفرس والبغل ~~والحمار بالحوافر لما خلق للركض والشد والجرى وجعل لها ذلك ايضا سلاحا عند ~~انتصافها من خصمها عوضا عن الصياصي والمخالب والانياب والبرائن فتأمل هذا ~~اللطف والحكمة فإنها لما كانت بهائم خرصا لا عقول لها ولا أكف ولا اصابع ~~مهيأة للانتفاع والدفاع ولاحظ لها فيما يتصرف فيه الادميون من النسج والغزل ~~ولطف الحيلة جعلت كسوتها من خلقتها باقية عليها ما بقيت لا تحتاج إلى ~~الاستبدال بها وأعطيت آلات واسلحة تحفظ بها انفسها كل ذلك لتتم الحكمة التي ~~اريدت بها ومنها وأما الانسان فإنه ذو حيلة وكف مهيئة للعمل فهي تغزل وتنسج ~~ويتخذ لنفسه الكسوة ويستبدل بها حالا بعد حال وله في ذلك صلاح من جهات ~~عديدة منها ان يستريح إذا خلع كسوته إذا شاء ويلبسها إذا شاء ليس كالمضطر ~~إلى حمل كسوة ومنها انه يتخذ لنفسه ضروبا من الكسوة للصيف وضروبا للشتاء ~~فإن كسوة الصيف لاتليق بالشتاء وكسوة الشتاء لا تليق بالصيف فيتخذ لنفسه في ~~كل فصل كسوة موافقة ومنها انه يجعلها تابعة لشهوته وإرادته ومنها انه يتلذذ ~~بأنواع الملابس كما يتلذذ بأنواع المطاعم فجعلت كسوته متنوعة تابعة ~~لاختياره كما جعلت مطاعمه كذلك فهو يكتسى ما يشاء من انواع الملابس المتخذة ~~من النبات تارة كالقطن والكتان ومن الحيوان تارة كالوبر والصوف والشعر ومن ~~الدود تارة كالحرير والابريسم ومن المعادن تارة كالذهب والفضة فجعلت كسوته ~~متنوعة لتتم لذته وسروره وابتهاجه وزينته بها ولذلك كانت كسوة اهل الجنة ~~منفصلة عنهم كما هي في الدنيا ليست مخلوقة من اجسامهم كالحيوان فدل على ان ~~ذلك اكمل واجل وأبلغ في النعمة ومنها إرادة تمييزه عن الحيوان في ملبسه كما ~~PageV01P238 ميزه عنه في مطعمه ومسكنه وبيانه وعقله وفهمه ومنها اختلاف ~~الكسوة واللباس وتباينه بحسب تباين احواله وصنائعه وجربه وسلمه وظعنه ~~وإقامته وصحته ومرضه ونومه ويقظته ورفاهيته فلكل حال من هذه الاحوال لباس ~~وكسوة تخصها لا تليق الا بها فلم يجعل كسوته في هذه الاحوال كلها واحدة لا ~~سبيل إلى ms327 الاسبتدال بها فهذا من تكريمه وتفضيله على سائر الحيوان # | فصل ثم تأمل حكمة عجيبة جعلت للبهائم والوحوش والسباع والدواب على # كثرتها لا يرى منها شيء وليس شيئا قليلا فتخفى لقلتها بل قد قيل انها ~~أكثر من الناس واعتبر ذلك بما تراه في الصحارى من اسراب الظباء والبقر ~~والوعول والذئاب والنمور وضروب الهوام على اختلافها وسائر دواب الأرض ~~وانواع الطيور التي هي اضعاف اضعاف بني آدم لا تكاد ترى منها شيئا ميتا لا ~~في كناسة ولا في أوكاره ولا في مساقطه ولا في مراعيه بطرقه وموارده ومناهله ~~ومعاقله ومعاصمه الا ما عدا عليه عاد إما افترسه سبع أو رماه صائد أو عدا ~~عليه عاد اشغله واشغل بني جنسه عن احراز جسمه وإخفاء جيفته فدل ذلك على ~~انها إذا احست بالموت ولم تغلب على انفسها كمنت حيث لا يوصل إلى اجسامها ~~وقبرت جيفها قبل نزول البين بها ولولا ذلك لامتلأت الصحارى بجيفها وافسدت ~~الهواء بروائحها فعاد ضرر ذلك بالناس وكان سبيلا إلى وقوع الوباء وقد دل ~~على هذا قوله تعالى في قصة ابني آدم @QB@ فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ~~ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين @QE@ وأما ما جعل عيشه بين الناس ~~كالانعام والدواب فلقدره الانسان على نقله واحتياله في دفع اذيته منع مما ~~جعل في الوحوش كالسباع فتأمل هذا الذي حار بنو آدم فيه وفيما يفعلون به كيف ~~جعل طبعا في البهائم وكيف تعلموه من الطير وتأمل الحكمة في ارسال الله ~~تعالى لابن آدم الغراب المؤذن اسمه بغربة القاتل من اخيه وغربته هو من رحمة ~~الله تعالى وغربته من أبيه وأهله واستيحاشه منهم واستيحاشهم منه وهو من ~~الطيور التي تنفر منها الانس ومن نعيقها وتستوحش بها فأرسل اليه مثل هذا ~~الطائر حتى صار كالمعلم له والاستاذ وصار بمنزلة المتعلم والمستند ولا تنكر ~~حكة هذا الباب وارتباط المسميات فيه بأسمائها فقد قال النبي إذا بعثتم إلى ~~بريدا فابعثوه ms328 حسن الاسم حسن الوجه وكان يسأل عن اسم الأرض إاذ نزلها واسم ~~الرسول إذا جاء اليه ولما جاءهم سهيل ابن عمرو يوم الحديبية قال قد سهل ~~امركم ولما اراد تغيير اسم حزن بسهل قال لم يزل معنى اسمه فيه وفي زريته ~~ولما سأل عمر بن الخطاب الرجل عن اسمه واسم أبيه وداره ومنزله فاخبره ~~PageV01P239 انه جمرة بن شهاب وان داره بالحرقة وان مسكنه منها ذات لظى قال ~~له ادرك بيتك فقد احترق فكان كما قال وشواهد هذا الباب اكثر من ان نذكر ~~هاها هنا وهذا باب لطيف المنزع شديد المناسبة بين الاسماء والمسببات وكثيرا ~~ما اولع الناس قديما وحديثا بنعيق الغراب واستدلالهم به على البين ~~والاغتراب وينسبونه إلى الشؤم وينفرون منه وينفر منهم فكان جديرا ان يرسل ~~هذا الطائر إلى القاتل من ابني آدم دون غيره من الطيور فكأنه صورة طائره ~~الذي ألزمه في عنقه وطارعنه من عمله ولا تظن ان ارسال الغراب وقع اتفاقا ~~خاليا من الحكمة فإنك اذا خفي عليك وجه الحكمة فلا تنكرها واعلم ان خفاءها ~~من لطفها وشرفها ولله تعالى فيما يخفى وجه الحكمة فيه على البشر الحكم ~~الباهرة المتضمنة للغايات المحمودة # | فصل ثم تأمل الحكمة الباهرة في وجه الدابة كيف هو فانك ترى العينين # فيه شاخصتين امامها لتبصر ما بين يديها اتم من بصر غيرها لانها تحرس ~~نفسها وراكبها فتتقى ان تصدم حائطا أو تتردى في حفرة فجعلت عيناها كعيني ~~المنتصب القامة لانها طليعة وجعل فوها مشقوقا في اسفل الخطم لتتمكن من العض ~~والقبض على العلف إذ لو كان فوقها في مقدم الخطم كما انه من الانسان في ~~مقدم الذقن لما استطاعت ان تتناول به شيئا من الأرض الا ترى الانسان لا ~~تناول الطعام بفيه لكن بيده فلمالم تكن الدابة تتناول طعامها بيدها جعل ~~خطمها مشقوقا من أسفله لتضعه على العلف ثم تقضمه واعينت بالجحفلة وهي لها ~~كالشفة للانسان لتلتقم بها ما قرب منها وما بعد وقد اشكلت منفعة الذنب على ~~بعض الناس ولم يهتد ms329 اليها وفيه منافع عديدة فمنها انه بمنزلة الطبق على ~~الدبر والغطاء على حياها يواريهما ويسترهما ومنها ان بين الدبر ومراق البطن ~~من الدابة له وضر يجتمع عليه الذباب والبعوض فيؤذي الدابة فجعل اذنابها ~~كالمذاب لها والمراوح تطرد به ذلك ومنها ان الدابة نستريح إلى تحريحكه ~~وتصريفه يمنة ويسرة فإنه لما كان قيامها على الاربع بكل جسمها وشغلت قدماها ~~بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة وعسى ان يكون ~~فيها حكم اخر تقصر عنها افهام الخلق ويزدريها السابع إذا عرضت عليه فإنه لا ~~يعرف موقعها الا في وقت الحاجة فمن ذلك ان الدابة تربض في الوحل فلا يكون ~~شيء اعون على رفعها من الاخذ بذنبها # | فصل ثم تأمل شفر الفيل وما فيه من الحكم الباهرة فإنه يقوم له # مقام اليد في تناول العلف PageV01P240 والماء وإيرادهما إلى جوفه ولولا ~~ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا من الاشياء من الأرض لانه ليست له عنق يمدها ~~كسائر الانعام فلما عدم العنق اخلف عليه مكانه الخرطوم الطويل ليسد مسده ~~وجعل قادرا على سدله ورفعه وثنيه والتصرف به كيف شاء وجعل وعاء اجوف لين ~~الملمس فهو يتناول به حاجته ويحمله ما أراد إلى جوفه ويحبس فيه ما يريد ~~ويكيد به إذا شاء ويعطى ويتناول إذا أراد فسل المعطل من الذي عوضه ومن اخلف ~~عليه مكان العضو الذي منعه ما يقوم له مقامه وينوب منابه غير الرؤوف الرحيم ~~بخلقه المتكفل بمصالحهم اللطيف بهم وكيف يتأتى ذلك مع الاهمال وخلو العالم ~~عن قيمة وبارئه ومبدعه وفاطره لا إله إلا هو العزيز الحكيم فإن قلت فما ~~باله لم يخلق ذا عنق كسائر الانعام وما الحكمة في ذلك قيل والله أعلم ~~بحكمته في مصنوعاته لان رأسه واذنيه امر هائل عظيم وحمل ثقيل فلو كان ذا ~~عنق كسائر الاعناق لانهدت رقبته بثقله ووهنت بحمله فجعل راسه ملصقا بجسمه ~~لئلا يناله منه شيء من الثقل والمؤنة وخلق له مكان العنق هذا المشفر الطويل ~~يتناول به غذاءه ولما طالت ms330 عنق البعير للحكمة في ذلك صغر رأسه بالنسبة إلى ~~عظم جثته لئلا يؤذيه ثقله ويوهن عنقه فسبحان من فاتت حكمه عدالعادين وحصر ~~الحاصرين # | فصل ثم تأمل خلق الزرافة واختلاف اعضائهم وشبهها باعضاء جميع # الحيوان فراسها راس فرس وعنقها عنق بعير وأظلافها أظلاف بقرة وجلدها جلد ~~نمر حتى زعم بعض الناس ان لقاحها من فحول شتى وذكروا ان اصنافا من حيوان ~~البر إذا وردت الماء ينزو بعضها على بعض فتنزو المستوحشة على السائمة فتنتج ~~مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أناس شتى وما أرى هذا القائل إلا كاذبا ~~عليها وعلى الخلقة إذ ليس في الحيوان صنف يلقح صنفا آخر فلا الجمل يلقح ~~البقر ولا الثور يلقح الناقة ولا الفرس يلقحهما ولا يلقحانه ولا الوحوش ~~يلقح بعضها بعضا ولا الطيور وإنما يقع هذا نادرا فيما يتقارب كالبقر الوحشي ~~والاهلي والضأن والمعز والفرس والحمار والذئب والضبع فيتولد من ذلك البغل ~~والسمع والعسبار وقول الفقهاء هل تجب الزكاة في المتولد من الوحشي والاهلي ~~فيه وجهان هذا إنما يتصور في واحد واثنتين وثلاثة يكمل بها النصاب فأما ~~نصاب كله متولد من الوحشي والاهلي فلا وجود لذلك والاحكام المتعلقة بهذه ~~المتولدات تذكر في الزكاة وجزاء الصيد والاضاحي والاحوط يتغلب في كل باب ~~ففي الاضاحي يتغلب عدم الاجزاء وفي الاحرام والحرم يتغلب وجوب الجزاء وفي ~~الاطعمة يتغلب جانب التحريم وفي الزكاة اختلاف مشهور وسئل شيخنا ابو ~~PageV01P241 العباس بن تيمية قدس الله روحه عن حمار نزا على فرس فأحبلها ~~فهل يكون لبن الفرس حلالا أو حراما فأجاب بأنه حلال ولا حكم للفحل في اللبن ~~في هذا الموضع بخلاف الاناسي لان لبن الفرس حادث من العلف فهو تابع للحمها ~~ولم يسر وطيء الفحل إلى هذا اللبن فإنه لا حرمة هناك تنتشر بخلاف لبن الفحل ~~في الاناسي فإنه تنتشر به حرمة الرضاع ولا حرمة هنا تنتشر من جهة الفحل لا ~~إلى الولد خاصة فإنه يتكون منه ومن الام فغلب عليه التحريم وأما اللبن فلم ~~يتكون بوطئه وإنما تكون من ms331 العلف فلم يكن حراما هذا بسط كلامه وتقريره ~~والمقصود ابطال زعم ان هذه الحيوانات المختلفة يلقح بعضها بعضا عند الموارد ~~فتتكون الزرافة وإنه كاذب عليها وعلى الابداع والذي يدل على كذبه انه ليس ~~الخارج من بين ما ذكرنا من الفرس والحمار والذئب والضبع والضأن والمعز عضو ~~من كل واحد من أبيه وأمه كما يكون للزرافة عضو من الفرس وعضو من الجمل بل ~~يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما كما نشاهده في البغل فإنك ترى راسه ~~وأذنيه وكفله وحوافره وسطا بين اعضاء أبيه وامه مشتقة منهما حتى تجد سجيحه ~~كالممتزج من صهيل الفرس ونهيق الحمار فهذا يدل على ان الزرافة ليست بنتاج ~~آباء مختلفة كما زعم هذا الزاعم بل من خلق عجيب ووضع بديع من خلق الله الذي ~~أبدعه آية دلالة على قدرته وحكمته التي لا يعجزها شيء ليرى عباده انه خالق ~~اصناف الحيوان كلها كما يشاء وفي أي لون شاء فمنها المتشابه الخلقة ~~المتناسب الاعضاء ومنها المختلف التركيب والشكل والصورة كما يرى عباده ~~قدرته التامة في خلقه لنوع الانسان على الاقسام الاربعة الدالة على انه ~~مخلوق بقدرته ومشيئته تابع لها فمنه ما خلق من غير اب ولا أم وهو أبو النوع ~~الانساني ومنه ما خلق من ذكر بلا انثى وهي امهم التي خلقت من ضلع آدم ومنه ~~ما خلق من انثى بلا ذكر وهو المسيح ابن مريم ومنه ما خلق من ذكر وانثى وهو ~~سائر النوع الانساني فيرى عباده آياته ويتعرف اليهم بآلائه وقدرته وأنه إذا ~~اراد شيئا ان يقول له كن فيكون واما طول عنق الزرافة وما لها فيه من ~~المصلحة فلأن منشأها ومرعاها كما ذكر المعتنون بحالها ومساكنها في غياض ~~ذوات اشجار شاهقة ذاهبة طولا فأعينت بطول العنق لتتناول اطراف الشجر الذي ~~هناك وثمارها وهذا ما وصلت اليه معرفتهم وحكمة اللطيف الخبير فوق ذلك واجل ~~منه # | فصل ثم تأمل هذه النملة الضعيفة وما اعطيته من الفطنة أو لحيلة في # جمع القوت وادخاره وحفظه ودفع الافة عنه فإنك ترى في ms332 ذلك عبرا وآيات فترى ~~جماعة النمل إذا أرادت إحراز PageV01P242 القوت خرجت من اسرابها طالبة له ~~فإذا ظفرت به اخذت طريقا من اسرابها اليه وشرعت في نقله فتراها رفقتين رفقة ~~حاملة تحمله إلى بيوتها سربا ذاهبا ورفقة خارجة من بيوتها اليه لاتخالط تلك ~~في طريقها بل هما كالخيطين بمنزلة جماعة الناس الذاهبين في طريق والجماعة ~~الراجعين من جانبهم فإذا ثقل عليها حمل الشيء من تلك اجتمعت عليه جماعة من ~~النمل وتساعدت على حملة بمنزلة الخشبة والحجر الذي تتساعد الفئة من الناس ~~عليه فإذا كان الذي ظفر به منهن وحدة ساعدها رفقتها عليه إلى بيتها وخلوا ~~بينها وبينه وإن كان الذي صادفه جماعة تساعدن عليه ثم تقاسمنه على باب ~~البيت ولقد اخبر بعض العارفين انه شاهد منهن يوما عجبا قال رايت نملة جاءت ~~إلى شق جرادة فزاولته فلم تطق حمله من الأرض فذهبت غير بعيد ثم جاءت معها ~~بجماعة من النمل قال فرفعت ذلك الشق من الأرض فلما وصلت النملة برفقتها إلى ~~مكانه دارت حوله ودرن معها فلم يجدن شيئا فرجعن فوضعته ثم جاءت فصادفته ~~فزاولته فلم تطق رفعه فذهبت غير بعيد ثم جاءت بهن فرفعته فدرن حول مكانه ~~فلم يجدن شيئا فذهبت فوضعته فعادت فجاءت بهن فرفعته فدرن حول المكان فلما ~~لم يجدن شيئا تحلقن حلقة وجعلن تلك النملة في وسطها ثم تحاملن عليها ~~فقطعنها عضوا عضوا وأنا انظر ومن عجيب امر الفطنة فيها إذا نقلت الحب إلى ~~مساكنها كسرته لئلا ينبت فإن كان مما ينبت الفلقتان منه كسرته اربعا فإذا ~~اصابه ندا وبلل وخافت عليه الفساد اخرجته للشمس ثم ترده إلى بيوتها ولهذا ~~ترى في بعض الاحيان حبا كثيرا على أبواب مساكنها مكسرا ثم تعود عن قريب فلا ~~ترى منه واحدة ومن فطنتها انها لا تتخذ قريتها إلا على نشر من الأرض لئلا ~~يفيض عليها السيل فيغرقها فلا ترى قرية نمل في بطن واد ولكن في أعلاه وما ~~ارتفع عن السيل منه ويكفي في فطنتها ما نص الله عز وجل ms333 في كتابه من قولها ~~لجماعة النمل وقد رأت سليمان عليه الصلاة والسلام وجنوده يا ايها النمل ~~ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوه وهم لايشعرون فتكلمت بعشرة انواع ~~من الخطاب في هذه النصيحة النداء والتنبيه والتسمية والامر والنص والتحذير ~~والتخصيص والتفهيم والتعميم والاعتذار فاشتملت نصيحتها مع الاختصار على هذه ~~الانواع العشرة ولذلك اعجب سلميان قولها وتبسم ضاحكا منه وسال الله ان ~~يوزعه شكر نعمته عليه لما سمع كلامها ولا تستبعد هذه الفطنة من امة من ~~الامم تسبح بحمد ربها كما في الصحيح عن النبي قال نزل نبي من الانبياء تحت ~~شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرجه ثم احرق قرية النمل فأوحى الله إليه ~~من اجل ان لدغتك نملة احرقت امة من الامم تسبح فهلا نملة واحدة PageV01P243 # | فصل ومن عجيب الفطنة في الحيوان ان الثعلب إذا اعوزه الطعام ولم # يجد صيدا تماوت ونفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا فيقع عليه ليأكل منه فيثب ~~عليه الثعلب فيأخذه ومن عجيب الفطنة في هذه الذبابة الكبيرة التي تسمى اسد ~~الذباب فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه يسكن مليا حتى كأنه ~~موات لا حراك فيه فإذا رأى الذباب قد اطمأن وغفل عنه دب دبيبا رفيقا حتى ~~يكون منه بحيث يناله ثم يثب عليه فيأخذه ومن عجيب حيل العنكبوت انه ينسج ~~تلك الشبكة شركا للصيد ثم يكمن في جوفها فإذا نشب فيها البرغش والذباب وثب ~~عليه وامتص دمه فهذا يحكى صيد الاشراك والشباك والاول يحكى صيد الكلاب ~~والفهود ولا تزدرين العبرة بالشيء الحقير من الذرة والبعوض فإن المعنى ~~النفيس يقتبس من الشيء الحقير والازدراء بذلك ميراث من الذين استنكرت ~~عقولهم ضرب الله تعالى في كتابه المثل بالذباب والعنكبوت والكلب والحمار ~~فأنزل الله تعالى @QB@ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ~~@QE@ فما أغزر الحكم وأكثرها في هذه الحيوانات التي تزدريها وتحتقرها وكم ~~من دلالة فيها على الخالق ولطفه ورحمته وحكمته فسل المعطل من الهمها هذه ~~الحيل والتلطف في اقتناص صيدها الذي ms334 جعل قوتها ومن جعل هذه الحيل فيها بدل ~~ما سلبها من القوة والقدرة فأغناها ما اعطاها من الحيلة عما سلبها من القوة ~~والقدرة سوى اللطيف الخبير # | فصل ثم تأمل جسم الطائر وخلقته فإنه حين قدر بان يكون طائرا في # الجو خفف جسمه وادمج خلقته واقتصر به من القوائم الاربع على اثنتين ومن ~~الاصابع الخمس على اربع ومن مخرج البول والزبل على واحد يجمعهما جميعا ثم ~~خلق ذا جؤجؤ محدود ليسهل عليه اختراق الهواء كيف توجه فيه كما يجعل صدر ~~السفينة بهذه الهيئة ليشق الماء بسرعة وتنفذ فيه وجعل في جناحيه وذنبه ~~ريشات طوال متان لينهض بها للطيران وكسى جسمه كله الريش ليتداخله الهواء ~~فيحمله ولما قدر ان يكون طعامه اللحم والحب يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقه ~~الاسنان وخلق له منقار صلب يتناول به طعامه فلا يتفسخ من لقط الحب ولا ~~يتعقف من نهش اللحم ولما عدم الاسنان وكان يزدرد الحب صحيحا واللحم غريضا ~~اعين بفضل حرارة في الجوف تطحن الحب وتطبخ اللحم فاستغنى عن المضغ والذي ~~يدلك على قوة الحرارة التي اعين بها انك ترى عجم الزبيب وأمثاله يخرج من ~~بطن الانسان صحيحا وينطبخ في جوف الطائر حتى لا يرى له اثر ثم اقتضت الحكمة ~~ان جعل يبيض بيضا ولا يلد ولادة لئلا يثقل عن PageV01P244 الطيران فإنه لو ~~كان مما يحمل ويمكث حمله في جوفه حتى يستحكم ويثقل لأثقله وعاقه عن النهوض ~~والطيران وتأمل الحكمة في كون الطائر المرسل السائح في الجو يلهم صبر نفسه ~~اسبوعا أو اسبوعين باختياره قاعدا على بيضه حاضنا له ويحتمل مشقة الحبس ثم ~~إذا خرج فراخه تحمل مشقة الكسب وجمع الحب في حوصلته وبزق فراخه وليس بذي ~~روية ولا فكرة في عاقبة امره ولا يؤمل في فراخه ما يؤمل الانسان في ولده من ~~العون والرفد وبقاء الذكر فهذا من فعله يشهد بأنه معطوف على فراخه لعلة لا ~~يعلمها هو ولا يفكر فيها من دوام النسل وبقائه # | فصل ثم تأمل خلقة البيضة وما فيها ms335 من المخ الاصفر الخاثر والماء # الابيض الرقيق فبعضه ينشأ منه الفرخ وبعضه يغتذى منه إلى ان يخرج من ~~البيضة وما في ذلك من الحكمة فإنه لما كان نشو الفرخ في تلك البشرة ~~المنخفضة التي لا نفاذ فيها للواصل من خارج جعل معه في جوف البيضة من ~~الغذاء ما يكتفي به إلى خروجه # | فصل وتأمل الحكمة في حوصلة الطائر وما قدرت له فإن في مسلك الطعام # إلى القابضة ضيق لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلا فلو كان الطائر لا يلتقط ~~حبة ثانية حتى تصل الاولى إلى جوفه لطال ذلك عليه فمتى كان يستوفي طعامه ~~وإنما يختلسه اختلاسا لشدة الحذر فجعلت له الحوصلة كالمخلاة المعلقة امامه ~~ليوعى فيها ما ازدرد من الطعم بسرعة ثم ينقل إلى القابضة على مهل وفي ~~الحوصلة ايضا خصلة اخرى فإن من الطير ما يحتاج إلى ان يزق فراخه فيكون رده ~~الطعم من قرب ليسهل عليه # | فصل ثم تأمل هذه الالوان والاصباغ والوشى التي تراها في كثير من # الطير كالطاووس والدراج وغيرهما التي لو خطت بدقيق الاقلام ووشيت بالايدي ~~لم يكن هذا فمن اين في الطبيعة المجردة هذا التشكيل والتخطيط والتلوين ~~والصبغ العجيب البسيط والمركب الذي لو اجتمعت الخليقة على ان يحاكوه لتعذر ~~عليهم فتأمل ريش الطاووس كيف هو فإنك تراه كنسج الثوب الرفيع من خيوط رفاع ~~جدا قد ألف بعضها إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط بل الشعرة إلى الشعرة ثم ~~ترى النسج إذا مددته ينفتح قليلا قليلا ولا ينشق ليتداخله الهواء فينقل ~~الطائر إذا طار فترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه ذلك ~~الثوب التي كهيئة الشعر PageV01P245 ليمسكه بصلابته وهو القصبة التي تكون ~~في وسط الريشة وهو مع ذلك اجوف يشتمل على الهواء فيحمل الطائر فأي طبيعة ~~فيها هذه الحكمة والخبرة واللطف ثم لو كان ذلك في الطبيعة كما يقولون لكانت ~~من ادل الدلائل واعظم البراهين على قدرة مبدعها ومنشئها وعلمه وحكمته فإنه ~~لم يكن ذلك لها من نفسها بل إنما هو لها ms336 ممن خلقها وأبدعها فما كذبه المعطل ~~هو أحد البراهين والايات التي على مثله يزداد إيمان المؤمنين وهكذا آيات ~~الله يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء # | فصل تأمل هذا الطائر الطويل الساقين وأعرف المنفعة في طول ساقيه # فإنه يرعى أكثر مرعاه في ضحضاح الماء فتراه يركز على ساقيه كانه دست فوق ~~مركب ويتأمل ما دب في الماء فإذا رأى شيئا من حاجته خطا خطوا رفيقا حتى ~~يتناوله ولو كان قصير القائمتين كان إذا خطا نحو الصيد ليأخذه لصق بطنه ~~بالماء فيثيره ويذعر الصيد منه فيفر فخلف له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ~~ولا يفسدعليه مطلبه وكل طائر فله نصيب من طول الساقين والعنق ليمكنه تناول ~~الطعم من الأرض ولو طال ساقاه وقصرت عنقه لم يمكنه ان يتناول شيئا من الأرض ~~وربما اعين مع عنقه بطول المناقير ليزداد مطلبه سهولة عليه وامكانا ثم تأمل ~~هذه العصافير كيف تطلب اكلها بالنهار كله فلا هي تفقده ولا هي تجده مجموعا ~~معدا بل تناله بالحركة والطلب في الجهات والنواحي فسبحان الذي قدره ويسره ~~كيف لم يجعله ممايتعذر عليها إذا التمسته ويفوتها إذا قعدت عنه وجعلها ~~قادرة عليه في كل حين واوان بكل ارض ومكان حتى من الجدران والاسطحة والسقوف ~~تناوله بالهوينا من السعي فلا يشاركها فيه غير بني جنسها من الطير ولو كان ~~ماتقتات به يوجد معدا مجموعا كله كانت الطير تشاركها فيه وتغلبها عليه ~~وكذلك لو وجدته معدا مجموعا لاكبت عليه بحرص ورغبة فلا تقلع عنه وإن شبعت ~~حتى تبشم وتهلك وكذلك الناس لو جعل طعامهم معدا لهم بغير سعي ولا تعب ادى ~~ذلك إلى الشره والبطنة ولكثر الفساد وعمت الفواحش والبغي في الأرض فسبحان ~~اللطيف الخبير الذي لم يخلق شيئا سدى ولا عبثا وانظر في هذه الطير التي لا ~~تخرج الا بالليل كالبوم والهام والخفاش فإن أقواتها هيئت لها في الجو لا من ~~الحب ولا من اللحم بل من البعوض والفراش وأشبابهما مما تلقطه من الجو فتاخذ ~~منه بقدر الحاجة ثم تأوى ms337 إلى بيوتها فلا تخرج إلى مثل ذلك الوقت بالليل ~~وذلك ان هذه الضروب من البعوض والفراش وأشباههما مبثوثة في الجو لا يكاد ~~يخلوا منها موضع منه واعتبر ذلك بان نضع سراجا بالليل في سطح أو عرصه الدار ~~فيجتمع عليه من هذا PageV01P246 الضرب شيء كثير وهذا الضرب من الفراش ~~ونحوها ناقص الفطنة ضعيف الحيلة ليس في الطير اضعف منه ولا اجهل وفيما يرى ~~من تهافته في النار وانت تطرده عنها حتى يحرق نفسه دليل على ذلك فجعل معاش ~~هذه الطيور التي تخرج بالليل من هذا الضرب فتقتات منه فإذا أتى النهار ~~انقطعت إلى اوكارها فالليل لها بمنزلة النهار لغيرها من الطير ونهارها ~~بمنزلة ليل غيرها ومع ذلك فساق لها الذي تكفل بارزاق الخلق رزقها وخلقه لها ~~في الجو ولم يدعها بلا رزق مع ضعفها وعجزها وهذه إحدى الحكم والفوائد في ~~خلق هذه الفراش والجنادب والبعوض فكم فيها من رزق لامة تسبح بحمد ربها ~~ولولا ذلك لانتشرت وكثرتحتى اضرت بالناس ومنعتهم القرار فانظر إلى عجيب ~~تقدير الله وتدبيره كيف اضطر العقول إلى ان شهدت بربوبيته وقدرته وعلمه ~~وحكمته وان ذلك الذي تشاهده ليس باتفاق ولا بإهمال من سائر وجوه الادلة ~~التي لا تتمكن الفطر من جحدها اصلا وإذ قد جرى الكلام إلى الخفاش فهو من ~~الحيوانات العجيبة الخلقة بين خلقة الطيور وذوات الاربع وهو إلى ذوات ~~الاربع اقرب فإنه ذو اذنين ناشزتين واسنان ودبر وهو يلد ولدا ويرضع ويمشي ~~على اربع وكل هذه صفة ذوات الاربع وله جناحان يطير بهما مع الطيور ولما كان ~~بصره يضعف عن نور الشمس كان نهاره كليل غيره فإذا غابت الشمس انتشر ومن ذلك ~~سمى ضعيف البصر اخفش والخفش ضعف البصر ولما كان كذلك جعل قوته من هذه ~~الطيور الضعاف التي لا تطير الا بالليل وقد زعم بعض من تكلم في الحيوان انه ~~ليس يطعم شيئا وإنما غذاؤه من النسيم البارد فقط وهذا كذب عليه وعلى الخلقة ~~لانه يبول وقد تكلم الفقهاء في بوله هل هو نجس ms338 لانه بول غير مأكول أو نجس ~~معفو عن يسيره لمشقة التحرز منه على قولين هما روايتان عن أحمد وبعض ~~الفقهاء لا ينجس بوله بحال وهذا اقيس الاقوال إذ لا نص فيه ولا يصح قياسه ~~على الابوال النجسة لعدم الجامع المؤثر ووضوح الفرق وليس هذا موضع استيفاء ~~الحجج في هذه المسئلة من الجانبين والمقصود انه لو كان لا ياكل شيئا لم يكن ~~له اسنان اذ لا معنى للاسنان في حق من لا ياكل شيئا ولهذا لما عدم الطفل ~~الرضيع الاكل لم يعط الاسنان فلما كبر واحتاج للغذاء اعين عليه بالاسنان ~~التي تقطعه والاضراس التي تطحنه وليس في الخليقة شيء مهمل ولا عن الحكمة ~~بمعطل ولا شيء لا معنى له واما الحكم والمنافع في خلق الخفاش فقد ذكر منها ~~الاطباء في كتبهم ما انتهت اليه معرفتهم حتى ان بوله يدخل في بعض الاكحال ~~فإذا كان بوله الذي لا يخطر بالبال فيه منفعة البتة فما الظن بجملته ولقد ~~اخبر بعض من اشهد بصدقة انه رأى رخلا وهو طائر معروف قد عشش في شجرة فنظر ~~إلى حية عظيمة قد أقبلت نحو عشه PageV01P247 فاتحة فاها لتبتلعه فبينما هو ~~يضطرب في حيلة النجاة منها إذ وجد حسكة في العش فحملها فالقاها في فم الحية ~~فلم تزل تلتوى حتى ماتت # | فصل ثم تأمل احوال النحل وما فيها من العبر والايات فانظر اليها # والى اجتهادها في صنعة العسل وبنائها البيوت المسدسة التي هي من اتم ~~الاشكال واحسنها استدارة واحكمها صنعا فإذا انضم بعضها إلى بعض لم يكن ~~بينها فرجة ولا خلل كل هذا بغير مقياس ولا آله ولا بيكار وتلك من اثر صنع ~~الله وإلهامه إياها وايحائه اليها كما قال تعالى @QB@ وأوحى ربك إلى النحل ~~أن اتخذي من الجبال بيوتا @QE@ إلى قوله @QB@ لآيات لقوم يتفكرون @QE@ ~~فتأمل كمال طاعتها وحسن ائتمارها لأمر ربها اتخذت بيوتها في هذه الامكنة ~~الثلاثة في الجبال الشقفان وفي الشجر وفي بيوت الناس حيث يعرشون أي بيبنون ~~العروش وهي البيوت فلا يرى للنحل بيت غير ms339 هذه الثلاثة البتة وتامل كيف اكثر ~~بيوتها في الجبال والشقفان وهو البيت المقدم في الاية ثم في الاشجار وهي من ~~اكثر بيوتها ومما يعرش الناس واقل بيوتها بينهم حيث يعرشون وأما في الجبال ~~والشجر فبيوت عظيمة يؤخذ منها من العسل الكثير جدا وتامل كيف اداها حسن ~~الامتثال إلى ان اتخذت البيوت أو لا فإذا استقر لها بيت خرجت منه فرعت ~~وأكلت من الثمار ثم آوت إلى بيوتها لان ربها سبحانه امرها باتخاذ البيوت ~~اولا ثم بالاكل بعد ذلك ثم إذا اكلت سلكت سبل ربها مذللة لا يستوعز عليها ~~شيء ترعى ثم تعود ومن عجيب شأنها أن لها اميرا يسمى اليعسوب لا يتم لها ~~رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى إلا به فهي مؤتمره لامره سامعة له مطيعه ~~وله عليها تكليف وأمر ونهى وهي رعية له منقادة لامره متبعة لرايه يدبرها ~~كما يدبر الملك امر رعيته حتى إنها إذا آوت الا بيوتها وقف على باب البيت ~~فلا يدع واحدة تزاحم الاخرى ولا تتقدم عليها في العبور بل تعبر بيوتها ~~واحدة بعد واحدة بغير تزاحم ولا تصادم ولا تراكم كما يفعل الامير إذا انتهى ~~بعسكره إلى معبر ضيق لا يجوزه الا واحد واحد ومن تدبر احوالها وسياساتها ~~وهدايتها واجتماع شملها وانتظام امرها وتدبير ملكها وتفويض كل عمل إلى واحد ~~منها يتعجب منها كل العجب ويعلم ان هذا ليس في مقدورها ولا هو من ذاتها فإن ~~هذه اعمال محكمة متقنة في غاية الاحكام والاتقان فإذا نظرت إلى العامل ~~رأيته من أضعف خلق الله أجهله بنفسه وبحاله وأعجزه عن القيام بمصلحته فضلا ~~عما يصدر عنه من الامور العجيبة ومن عجيب امرها ان فيها أميرين لا يجتمعان ~~في بيت واحد ولا يتأمران على جمع واحد بل إذا اجتمع منها جندان وأميران ~~قتلوا أحد الاميرين وقطعوه واتفقوا على الامير الواحد PageV01P248 من غير ~~معاداة بينهم ولا أذى من بعضهم لبعض بل يصيرون يدا واحدة وجندا واحدا # | فصل ومن اعجب امرها مالا يهتدي له اكثر الناس ولايعرفونه ms340 وهو # النتاج الذي يكون لها هل هو على وجه الولادة والتوالد أو الاستحالة فقل ~~من يعرف ذلك أو يفطن له وليس نتاجها على واحد من هذين الوجهين وإنما نتاجها ~~بأمر من اعجب العجيب فإنها إذا ذهبت إلى المرعي أخذت تلك الاجزاء الصافية ~~التي على الورق من الورد والزهر والحشيش وغيره وهي الطل فتمصها وذلك مادة ~~العسل ثم انها تكبس الاجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها ~~كالعدسة فتملأ بها المسدسات الفارغة من العسل ثم يقوم يعسوبها على بيته ~~مبتدئا منه فينفخ فيه ثم يطوف على تلك البيوت بيتا بيتا وينفخ فيها كلها ~~فتدب فيها الحياة بإذن الله عز وجل فتتحرك وتخرج طيورا بإذن الله وتلك احدى ~~الايات والعجائب التي قل من يتفطن لها وهذا كله من ثمرة ذلك الوحي الالهي ~~افادها واكسبها هذا التدبير والسفر والمعاش و البناء والنتاج فسل المعطل من ~~الذي اوحى اليها امرها وجعل ما جعل في طباعها ومن الذي سهل لها سبله ذللا ~~منقادة لا تستعصي عليها ولا تستوعرها ولا تضل عنها على بعدها ومن الذي ~~هداها لشأنها ومن الذي أنزل لها من الطل ما إذا جنته ردته عسلا صافيا ~~مختلفا الوانه في غاية الحلاوة واللذاذة والمنفعة من بين ابيض يرى فيه ~~الوجه اعظم من رؤيته في المرآة وسمه لي من جاء به وقال هذا افخر ما يعرف ~~الناس من العسل وأصفاه وأطيبه فإذا طعمه الذ شيء يكون من الحلوى ومن بين ~~احمر واخضر ومورد واسود وأشقر وغير ذلك من الالوان والطعوم المختلفة فيه ~~بحسب مراعيه ومادتها وإذا تأملت ما فيه من المنافع والشفاء ودخوله في غالب ~~الادوية حتى كان المتقدمون لا يعرفون السكر ولا هو مذكور في كتبهم اصلا ~~وإنما كان الذي يستعملونه في الادوية هو العسل وهو المذكور في كتب القوم ~~ولعمر الله أنه لانفع من السكر وأجدى واجلى للاخلاط وأقمع لها واذهب لضررها ~~واقوى للمعدة واشد تفريحا للنفس وتقوية للأرواح وتنفيذا للدواء وإعانة له ~~على استخراج الداء من اعماق البدن ولهذا لم ms341 يجيء في شيء من الحديث قط ذكر ~~السكر ولا كانوا يعرفونه اصلا ولو عدم من العالم لما احتاج اليه ولو عدم ~~العسل لاشتدت الحاجة اليه وإنما غلب على بعض المدن استعمال السكر حتى هجروا ~~العسل واستطابوه عليه ورأوه اقل حدة وحرارة منه ولم يعلموا ان من منافع ~~العسل ما فيه من الحدة والحرارة فإذا لم يوافق من يستعمله كسرها بمقابلها ~~فيصير انفع له من السكر وسنفرد إن شاء الله مقالة نبين فيها فضل العسل على ~~PageV01P249 السكر 4 من طرق عديدة لا تمنع وبراهين كثيرة لاتدفع ومتى رايت ~~السكر يجلو بلغما ويذيب خلطا أو يشفى من داء وإنما غايته بعض التنفيذ ~~للدواء إلى العروق للطافته وحلاوته وأما الشفاء الحاصل من العسل فقد حرمه ~~الله كثيرا من الناس حتى صاروا يذمونه ويخشون غائلته من حرارته وحدته ولا ~~ريب ان كونه شفاء وكون القرآن شفاء والصلاة شفاء وذكر الله والاقبال عليه ~~شفاء امر لا يعم الطبائع والانفس فهذا كتاب الله هو الشفاء النافع وهو اعظم ~~الشفاء وما اقل المستشفين به بل لا يزيد الطبائع الرديئة رداءة ولا يزيد ~~الظالمين الا خسارا وكذلك ذكر الله والاقبال عليه والانابة اليه والفزع إلى ~~الصلاة كم قد شفي به من عليل وكم قد عوفي به من مريض وكم قام مقام كثير من ~~الادوية التي لا تبلغ قريبا من مبلغه في الشفاء وأنت ترى كثيرا من الناس بل ~~اكثرهم لا نصيب لهم من الشفاء بذلك اصلا ولقد رايت في بعض كتب الاطباء ~~المسلمين في ذكر الادوية المفردة ذكر الصلاة ذكرها في باب الصاد وذكر من ~~منافعها في البدن التي توجب الشفاء وجوها عديدة ومن منافعها في الروح ~~والقلب وسمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية رحمه الله يقول وقد عرض له بعض ~~الالم فقال له الطبيب اضر ما عليك الكلام في العلم والفكر فيه والتوجه ~~والذكر فقال الستم تزعمون ان النفس إذا قويت وفرحت اوجب فرحها لها قوة تعين ~~بها الطبيعة على دفع العارض فإنه عدوها فإذا قويت عليه ms342 قهرته فقال له ~~الطبيب بلى فقال إذا اشتغلت نفسي بالتوجه والذكر والكلام في العلم وظفرت ~~بما يشكل عليها منه فرحت به وقويت فأوجب ذلك دفع العارض هذا أو نحوه من ~~الكلام والمقصود ان ترك كثير من الناس الاستشفاء بالعسل لا يخرجه عن كونه ~~شفاء كما ان ترك اكثرهم الاستشفاء بالقرآن من امراض القلوب لا يخرجه عن ~~كونه شفاء لها وهو شفاء لما في الصدور وإن لم يستشف به اكثر المرضى كما قال ~~تعالى @QB@ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ~~وهدى ورحمة للمؤمنين @QE@ فعم بالموعظة والشفاء وخص بالهدى والمعرفة فهو ~~نفسه شفاء استشفى به أو لم يستشف به ولم يصف الله في كتابه بالشفاء إلا ~~القرآن والعسل فهما الشفاآن هذا شفاء القلوب من امراض غيها وضلالها وأدواء ~~شبهاتها وشهواتها وهذا شفاء للأبدان من كثير من اسقامها واخلاطها وآفاتها ~~ولقد اصابني ايام مقامي بمكة اسقام مختلفة ولا طبيب هناك ولا أدوية كما في ~~غيرها من المدن فكنت استشفى بالعسل وماء زمزم ورايت فيهما من الشفاء امرا ~~عجيبا وتأمل اخباره سبحانه وتعالى عن القرآن بأنه نفسه شفاء وقال عن السعل ~~@QB@ فيه شفاء للناس @QE@ وما كان نفسه شفاء ابلغ مما جعل فيه شفاء وليس ~~هذا موضع استقصاء فوائدالعسل ومنافعه PageV01P250 # | فصل ثم تأمل العبرة التي ذكرها الله عز وجل في الانعام وما سقانا # من بطونها من اللبن الخالص السائغ الهنيء المريء الخارج من بين الفرث ~~والدم فتأمل كيف ينزل الغذاء من أفواهها إلى المعدة فينقلب بعضه دما باذن ~~الله وما يسرى في عروقها واعضائها وشحومها ولحومها فإذا ارسلته العروق في ~~مجاريها إلى جملة الاجزاء قلبه كل عضو أو عصب وغضروف وشعر وظفر وحافر إلى ~~طبيعته ثم يبقى الدم في تلك الخزائن التي له إذ به قوام الحيوان ثم ينصب ~~ثقله إلى الكرش فيصير زبلا ثم ينقلب باقية لبنا صافيا ابيض سائغا للشاربين ~~فيخرج من بين الفرث والدم حتى إذا انهكت الشاة أو غيرها حلبا خرج الدم ~~مشوبا بحمرة فصفى ms343 الله سبحانه الالطف من الثفل بالطبخ الاول فانفصل إلى ~~الكبد وصار دما وكان مخلوطا بالاخلاط الاربعة فأذهب الله عز وجل كل خلط ~~منها إلى مقره وخزانته المهيأة له من المرارة والطحال والكلية وباقي الدم ~~الخالص يدخل في اوردة الكبد فينصب من تلك العروق إلى الضرع فيقلبه الله ~~تبارك وتعالى من صورة الدم وطبعه وطعمه إلى صورة اللبن وطبعه وطعمه فاستخرج ~~من الفرث والدم فسل المعطل الجاحد من الذي دبر هذا التدبير وقدر هذا ~~التقدير واتقن هذا الصنع ولطف هذا اللطف سوى اللطيف الخبير # | فصل ثم تأمل العبرة في السمك وكيفية خلقته وأنه خلق غير ذي قوائم # لانه لا يحتاج إلى المشي إذ كان مسكنه الماء ولم يخلق له رئة لان منفعة ~~الرئة التنفس والسمك لم يحتج اليه لانه ينغمس في الماء وخلقت له عوض ~~القوائم اجنحة شدادي يقذف بها من جانبيه كما يقذف صاحب المركب بالمقاذيف من ~~جانبي السفينة وكسى لجده قسورا متداخلة كتداخل الجوشن ليقيه من الافات ~~واعين بقوة الشم لان بصره ضعيف والماء يحجبه فصار يشم الطعام من بعد فيقصده ~~وقد ذكر في بعض كتب الحيوان ان من فيه إلى صماخه منافذ فهو يصب الماء فيها ~~بفيه ويرسله من صماخيه فيتروح بذلك كما يأخذ الحيوان النسيم البارد بأنفه ~~ثم يرسله ليتروح به فإن الماء للحيوان البحري كالهواء للحيوان البري فهما ~~بحران احدهما الطف من الاخر بحر هواء يسبح فيه حيوان البر وبحر ماء يسبح ~~فيه حيوان البحر فلو فارق كل من الصنفين بحره إلى البحر الاخر مات فكما ~~يختنق الحيوان البري في الماء يختق الحيوان البحري في الهواء فسبحان من ~~لايحصى العادون آياته ولا يحيطون بتفصيل آية منها على الانفراد بل ان علموا ~~فيها وجها جهلوا منها اوجها فتأمل الحكمة البالغة في كون السمك اكثر ~~الحيوان نسلا ولهذا ترى في وف السمكة الواحد من البيض مالا يحصى كثرة وحكمة ~~ذلك ان يتسع لما PageV01P251 يغتذى به من اصناف الحيوان فإن اكثرها يأكل ~~السمك حتى السباغ لانها في حافات الاجام ms344 جاثمة تعكف على الماء الصافي فإذا ~~تعذر عليها صيدالبر رصدت السمك فاختطفته فلما كانت السباع تأكل السمك ~~والطير تأكله والناس تأكله والسماك الكبار تأكله ودواب البر تأكله وقد جعله ~~الله سبحانه غذاء لهذه الاصناف اقتضت حكمته ان يكون بهذه الكثرة ولو رأى ~~العبد ما في البحر من ضروب الحيوانات والجواهر والاصناف التي لا يحصيها الا ~~الله ولا يعرف الناس منها إلا الشيء القليل الذي لانسبة له اصلا إلى ما غاب ~~عنهم لرأي العجب ولعلم سعة ملك الله وكثرة جنوده التي لايعلمها إلا هو وهذا ~~الجراد نثرة حوت من حيتان البحر ينثره من منخريه وهو جند من جنود الله ضعيف ~~الخلقة عجيب التركيب فيه خلق سبع حيوانات فإذا رايت عساكره قد اقبلت ابصرت ~~جندا لا مرد له ولا يحصى منه عدد ولا عدة فلو جمع الملك خيله ورجله ودوابه ~~وسلاحه ليصده عن بلاده لما أمكنه ذلك فانظر كيف ينساب على الأرض كالسيل ~~فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حتى يستر نور الشمس بكثرته ويسد وجه ~~السماء بأجنحته ويبلغ من الجو إلى حيث لا يبلغ طائر اكبر جناحين منه فسل ~~المعطل من الذي بعث هذا الجند الضعيف الذي لا يستطيع ان يرد عن نفسه حيوانا ~~رام اخذه بلية على العسكر اهل القوة والكثرة والعدد والحيلة فلا يقدرون ~~بأجمعهم على دفعه بل ينظرون اليه يستبد بأقواتهم دونهم ويمزقها كل ممزق ~~ويذر الأرض قفرا منها وهم لا يستطيعون ان يردوه ولا يحولوا بينه وبينها ~~وهذا من حكمته سبحانه ان يسلط الضعيف من خلقه الذي لا مؤنة له على القوى ~~فينتقم به منه وينزل به ما كان يحذره منه حتى لايستطيع لذلك ردا ولاصرفا ~~قال الله تعالى ونزيد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ائمة ~~ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما ~~كانوا يحذرون فواحسرتاه على استقامه مع الله وايثار لمرضاته في كل حال يمكن ~~به الضعيف المستضعف حتى يرى من استضعفه انه اولى بالله ورسوله منه ولكن ~~اقتضت ms345 حكمة الله العزيز الحكيم ان يأكل الظالم الباغي ويتمتع في خفارة ذنوب ~~المظلوم المبغي عليه فذنوبه من اعظم اسباب الرحمة في حق ظالمة كما ان ~~المسؤل إذا رد السائل فهو في خفارة كذبه ولو صدق السائل لما أفلحمن رده ~~وكذلك السارق وقاطع الطريق في خفارة منع اصحاب الاموال حقوق الله فيها ولو ~~ادوا ما لله عليهم فيها لحفظها الله عليهم وهذا ايضا باب عظيم من حكمة الله ~~يطلع الناظر فيه على أسرار من أسرار التقدير وتسليط العالم بعضهم على بعض ~~وتمكين الجناة والبغاة فسبحان من له في كل شيء حكمة PageV01P252 بالغة وآية ~~باهرة حتى ان الحيوانات العادية على الناس في اموالهم وارزاقهم وابدانهم ~~تعيش في خفارة ما كسبت ايديهم ولولا ذلك لم يسلط عليهم منها شيء ولعل هذا ~~الفصل الاستطرادي انفع لمتأمله من كثير من الفصول المتقدمة فإنه إذا اعطاه ~~حقه من النظر والفكر عظم انتفاعه به جدا والله الموفق ويحكى ان بعض اصحاب ~~الماشية كان يشوب اللبن ويبيعه على انه خالص فارسل الله عليه سيلا فذهب ~~بالغنم فجعل يعجب فاتى في منامه فقيل له اتعجب من اخذ السيل غنمك انه تلك ~~القطرات التي شبت بها البن اجتمعت وصارت سيلا فقس على هذه الحكاية ما تراه ~~في نفسك وفي غيرك تعلم حينئذ ان الله قائم بالقسط وانه قائم على كل نفس بما ~~كسبت وانه لا يظلم مثقال ذرة والاثر الاسرائيلي معروف ان رجلا كان يشوب ~~الخمر ويبيعه على انه خالص فجمع من ذلك كيس ذهب وسافر به فركب البحر ومعه ~~قرد له فلما نام اخذ القرد الكيس وصعد به إلى اعلى المركب ثم فتحه فجعل ~~يلقيه دينارا في الماء ودينارا في المركب كأنه يقول له بلسان الحال ثمن ~~الماء صار إلى الماء ولم يظلمك وتأمل حكمة الله عز وجل في حبس الغيث عن ~~عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعو الزكاة وحرموا المساكين كيف جوزوا على منع ~~ما للمساكين قبلهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق وحبسها عنهم فقال ~~لهم بلسان ms346 الحال منعتم الحق فمنعتم الغيث فهلا استنزلتموه ببذل ما لله ~~قبلكم وتأمل حكمة الله تعالى في صرفه الهدى والايمان عن قلوب الذين يصرفون ~~الناس عنه فصدهم عنه كما صدوا عباده صدا بصد ومنعا بمنع وتأمل حكمته تعالى ~~في محق اموال المرابين وتسليط المتلفات عليها كما فعلوا باموال الناس ~~ومحقوها عليهم واتلفوها بالربا جوزوا اتلافا باتلاف فقل ان ترى مرابيا إلا ~~وآخرته إلى محق وقلة وحاجة وتأمل حكمته تعالى في تسليط العدو على العباد ~~إذا جار قويهم على ضعيفهم ولم يؤخذ للمظلوم حقه من ظالمه كيف يسلط عليهم من ~~يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء وهذه سنة الله تعالى منذ قامت ~~الدنيا إلى ان تطوى الأرض ويعيدها كما بدأها وتأمل حكمته تعالى في ان جعل ~~ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس اعمالهم بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ~~ولاتهم وملوكهم فإن ساتقاموا استقامت ملوكهم وإن عدلوا عدلت عليهم وإن ~~جاروا جارت ملوكهم وولاتهم وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك وإن ~~منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من ~~الحق ونحلوا بها عليهم وإن اخذوا ممن يستضعفونه مالا يستحقونه في معاملتهم ~~اخذت منهم الملوك مالا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف وكلما ~~يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة فعمالهم ظهرت في صور ~~اعمالهم وليس في الحكمة الالهية ان يولى على الاشرار الفجار الا من يكون من ~~جنسهم ولما كان الصدر الاول خيار PageV01P253 القرون وابرها كانت ولاتهم ~~كذلك فلما شابوا شابت لهم الولاة فحكمه الله تأبى ان يولي علينا في مثل هذه ~~الازمان مثل معاوية وعمر بن عبدالعزيز فضلا عن مثل أبي بكر وعمر بل ولاتنا ~~على قدرنا وولاة من قبلنا على قدرهم وكل من الامرين موجب الحكمة ومقتضاها ~~ومن له فطنه إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الالهية سائرة في ~~القضاء والقدر ظاهرة وباطنة فيه كما في الخلق والامر سواء فإياك ان تظن ~~بظنك الفاسدان شيئا من اقضيته واقداره عار عن الحكمة البالغة بل ms347 جميع ~~اقضيته تعالى وأقداره واقعة على اتم وجوه الحكمة والصواب ولكن العقول ~~الضعيفة محجوبة بضعفها عن إدراكها كما ان الابصار الخفاشية محجوبة بضعفها ~~عن ضوء الشمس وهذه العقول الضعاف إذا صادفها الباطل جالت فيه وصالت ونطقت ~~وقالت كما ان الخفاش إذا صادفه ظلام الليل طار وسار # خفافيش اعشاها النهار بضوئه % ولازمها قطع من الليل مظلم وتأمل حكمته ~~تبارك وتعالى في عقوبات الامم الخالية وتنويعها عليهم بحسب تنوع جرائمهم ~~كما قال تعالى @QB@ وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم @QE@ إلى قوله ~~@QB@ يظلمون @QE@ وتأمل حكمته تعالى في مسخ من مسخ من الامم في صور مختلفة ~~مناسبة لتلك الجرائم فإنها لما مسخت قلوبهم وصارت على قلوب تلك الحيوانات ~~وطباعها اقتضت الحكمة البالغة ان جعلت صورهم على صورها لتتم المناسبة ويكمل ~~الشبه وهذا غاية الحكمة واعتبر هذا بمن مسخوا قردة وخنازير كيف غلبت عليهم ~~صفات هذه الحيواات واخلاقها وأعمالها ثم إن كنت من المتوسمين فاقرأ هذه ~~النسخة من وجوه اشباههم ونظرائهم كيف تراها بادية عليها وإن كانت مستورة ~~بصورة الانسانية فاقرا نسخة القردة من صرو اهل المكر والخديعة والفسق الذين ~~لا عقول لهم بل هم اخف الناس عقولا واعظمهم مكرا وخداعا وفسقا فإن لم تقرا ~~نسخة القردة من وجوهم فلست من المتوسمين واقرا نسخة الخنازير من صور ~~اشبهاهم ولا سيما اعداء خيار خلق الله بعدالرسل وهم اصحاب رسول الله فإن ~~هذه النسخة ظاهرة على وجوه الرافضة يقرأها كل مؤمن كاتب وغير كاتب وهي تظهر ~~وتخفى بحسب خنزيرية القلب وخبثه فإن الخنزير اخبث الحيوانات واردؤها طباعا ~~ومن خاصيته انه يدع الطيبات فلا يأكلها ويقوم الانسان عن رجيعة فيبادر اليه ~~فتأمل مطابقة هذا الوصف لاعداء الصحابة كيف تجده منطبقا عليهم فإنهم عمدوا ~~إلى اطيب خلق الله واطهرهم فعادوهم وتبرؤوا منهم ثم والواكل عدو لهم من ~~النصارى واليهود والمشركين فاستعانوا في كل زمان على حرب المؤمنين الموالين ~~لاصحاب رسول الله بالمشركين والكفار وصرحوا بأنهم خير منهم فاي شبه ومناسبة ~~اولى بهذا الضرب من الخنازير فإن لم تقرأ ms348 هذه PageV01P254 النسخة من وجوههم ~~فلست من المتوسمين واما الاخبار التي تكاد تبلغ حد التواتر بمسخ من مسخ ~~منهم عند الموت خنزيرا فأكثر من ان تذكر ها هنا وقد أفرد لها الحافظ بن ~~عبدالواحد المقدسي كتابا وتأمل حكمته تعال في عذاب الامم السالفة بعذاب ~~الاستئصال لما كانوا اطول اعمارا واعظم قوى واعتى على الله وعلى رسوله فلما ~~تقاصرت الاعمار وضعفت القوى رفع عذاب الاستئصال وجعل عذابهم بأيدي المؤمنين ~~فكانت الحكمة في كل واحد من الامرين ما اقتضته في وقته وتأمل حكمته تبارك ~~وتعالى في إرسال الرسل في الامم واحدا بعد واحد كلما مات واحد خلفه آخر ~~لحاجتها إلى تتابع الرسل والانبياء لضعف عقولها وعدم اكتفائها بآثار شريعة ~~الرسول السابق فلما انتهت النبوة إلى محمد بن عبد الله رسول الله ونبيه ~~ارسله إلى اكمل الامم عقولا ومعارف واصحها اذهانا واغزرها علوما وبعثه ~~باكمل شريعة ظهرت في الأرض منذ قامت الدنيا إلى حين مبعثه فأغنى الله لامة ~~بكمال رسولها وكمال شريعته وكمال عقولها وصحة اذهانها عن رسول يأتي بعده ~~اقام له من امته ورثة يحفظون شريعته ووكلهم بها حتى يؤدوها إلى نظرائهم ~~ويزرعوها في قلوب أشباههم فلم يحتاجوا معه إلى سول آخر ولا نبي ولا محدث ~~ولهذا قال انه قد كان قبلكم في الامم محدثون فإن يكن في امتي أحد فعمر فجزم ~~بوجود المحدثين في الامم وعلق وجوده في امته بحرف الشرط وليس هذا بنقصان في ~~الامة على من قبلهم بل هذا من كمال امته على من قبله فإنها لكمالها وكمال ~~نبيها وكمال شريعته لا تحتاج إلى محدث بل إن وجد فهو صالح للمتابعة ~~والاستشهاد لا انه عمدة لانها في غنية بما بعث الله به نبيها عن كل منام أو ~~مكاشفة أو الهام أو تحديث واما من قبلها فللحاجة إلى ذلك جعل فيهم المحدثون ~~ولا تظن ان تخصيص عمر رضى الله عنه بهذا تفضيل له علي أبي بكر الصديق بل ~~هذا من اقوى مناقب الصديق فإنه لكمال مشربه من حوض النبوة وتمام رضاعه ms349 من ~~ثدي الرسالة استغنى بذلك عما تلقاه من تحديث اوغيره فالذي يتلقاه من مشاكة ~~النبوة اتم من الذي يتلقاه عمر من التحديث فتأمل هذا الموضع واعطه حقه من ~~المعرفة وتامل ما فيه من الحكمة البالغة الشاهدة لله بانه الحكيم الخبير ~~وان رسول الله اكمل خلقه واكملهم شريعة وان امته اكمل الامم وهذا فصل معترض ~~وهو انفع فصول الكتاب ولولا الاطالة لوسعنا فيه المقال واكثرنا فيه من ~~الشواهد والامثال ولقد فتح الله الكريم فيه الباب وارشد فيه إلى الصواب وهو ~~المرجو لتمام نعمته ولا قوة الا بالله العلي العظيم # | فصل فاعد الان النظر فيك وفي نفسك مرة ثانية من الذي دبرك بالطف # PageV01P255 التدبير وانت جنين في بطن امك في موضع لا يد تنالك ولا بصر ~~يدركك ولا حيلة لك في التماس الغذاء ولا في دفع الضرر فمن الذي اجرى اليك ~~من دم الام ما يغذوك كما يغذو الماء النبات وقلب ذلك الدم لبنا ولم يزل ~~يغذيك به في اضيق المواضع وابعدها من حيلة التكسب والطلب حتى إذا كمل خلقك ~~واستحكم وقوى اديمك على مباشرة الهواء وبصرك على ملاقاة الضياء وصلبت عظامك ~~على مباشرة الايدي والتقلب على الغبراء هاج الطلق بأمك فازعجك إلى الخروج ~~إيما ازعاج إلى عالم الابتلاء فركضك الرحم ركضة من مكانك كأنه لم يضمك قط ~~ولم يشتمل عليك فيما بعد ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وضعت نطفة وبين ~~هذا الدفع والطرد والاخراج وكان مبتهجا بحملك فصار يستغيث ويعج إلى ربك من ~~ثقلك فمن الذي فتح لك بابه حتى ولجت ثم ضمه عليك حتى حفظت وكملت ثم فتح لك ~~ذلك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر لم يخنقك ضيقه ولم تحبسك صعوبة ~~طريقك فيه فلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب وخروجك منه لذهب بك العجب ~~كل مذهب فمن الذي اوحى اليه ان يتضايق عليك وانت نطفة حتى لاتفسد هناك ~~واوحى اليه ان يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليما إلى ان خرجت فريدا وحيدا ~~ضعيفا لا ms350 قشرة ولا لباس ولا متاع ولا مال احوج خلق الله واضعفهم وافقرهم ~~فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن امك إلى خزانتين معلقتين على ~~صدرها تحمل غذاءك على صدرها كما حملتك في بطنها ثم ساقه إلى تينك الخزانتين ~~الطف سوق على مجار وطرق قد تهيأت له فلا يزال واقفا في طرقه ومجاريه حتى ~~تستوفي ما في الخزانة فيجرى وينساق اليك فهو بئر لاتنقطع مادتها ولا تنسد ~~طرقها يسوقها اليك في طرق لا يهتدي اليها الطواف ولا يسلكها الرجال فمن ~~رققه لك وصفاه واطاب طعمه وحسن لونه واحكم طبخه اعدل احكام لا بالحار ~~المؤذي ولا بالبارد الردي ولا المر ولا المالح ولا الكريه الرائحة بل قلبه ~~إلى ضرب آخر من التغذية والمنفعة خلاف ما كان في البطن فوافاك في أشد اوقات ~~الحاجة اليه على حين ظمأ شديد وجوع مفرط جمع لك فيه بين الشراب والغذاء ~~فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي المعلق كالاداوة قدتدلى ~~اليك وأقبل بدره عليك ثم جعل في راسه تلك الحلمة التي هي بمقدار صغر فمك ~~فلا يضيق عنها ولا تتعب بالتقامها ثم نقب لك في راسها نقبا لطيفا بحسب ~~احتمالك ولم يوسعه فتختنق باللبن ولم يضيقه فتمصه بكلفة بل جعله بقدر ~~اقتضته حكمته ومصلحتك فمن عطف عليك قلب الام ووضع فيه الحنان العجيب ~~والرحمة الباهرة حتى تكون في أهنا ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها فإذا ~~احست منك بأدنى صوت أو بكاء قامت اليك وآثرتك على نفسها على عدد الانفس ~~منقادة اليك بغير قائد ولا سائق الا قائد الرحمة وسائق PageV01P256 الحنان ~~تود لو ان كل ما يؤلمك بجسمها وانه لم يطرقك منه شيء وان حياتها تزاد في ~~حياتك فمن الذي وضع ذلك في قلبها حتى إذا قوى بدنك واتسعت امعاؤك وخشنت ~~عظامك واحتجت إلى غذاء اصلب من غذائك ليشتد به عظمك ويقوى عليه لحمك وضع في ~~فيك آله القطع والطحن فنصب لك أسنانا تقطع بها الطعام وطواحين تطحنه بها ~~فمن الذي حبسها ms351 عنك ايام رضاعك رحمة بأمك لطفا بها ثم اعطاكها ايام اكلك ~~رحمة بك وأحسانا اليك ولطفا بك فلو انك خرجت من البطن ذا سن وناب وناجذ ~~وضرس كيف كان حال امك بك ولو انك منعتها وقت الحاجة اليها كيف كان حالك ~~بهذه الاطعمة التي لا تسيغها الا بعد تقطيعها وطحنها وكلما ازددت قوة وحاجة ~~إلى الاسنان في اكل المطاعم المختلفة زيد لك في تلك الالات حتى تنتهي إلى ~~النواجذ فتطيق نهش اللحم وقطع الخبز وكسر الصلب ثم إذا ازددت قوة زيد لك ~~فيها حتى تنتهي إلى الطواحين التي هي آخر الاضراس فمن الذي ساعدك بهذه ~~الالات وانجدك بها ومكنك بها من ضروب الغذاء ثم انه اقتضت حكمته ان اخرجك ~~من بطن امك لا تعلم شيئا بل غبيا لا عقل ولا فهم ولا علم وذلك من رحمته بك ~~فإنك على ضعفك لا تحتمل العقل والفهم والمعرفة بل كنت تتمزق وتتصدع بل جعل ~~ذلك ينتقل فيك بالتدريح شيئا فشيئا فلا يصادفك ذلك وهلة واحدة بل يصادفك ~~يسيرا يسيرا حتى يتكامل فيك واعتبر ذلك بأن الطفل إذا سبي صغيرا من بلده ~~ومن بين ابويه ولا عقل له فإنه لا يؤلمه ذلك علما كان اقرب إلى العقل كان ~~اشق عليه واصعب حتى إذا كان عاقلا فلاتراه إلا كالواله الحيران ثم لو ولدت ~~عاقلا فهيما كحالك في كبرك تنغصت عليك حياتك اعظم تنغيص وتنكدت اعظم تنكيد ~~لانك ترى نفسك محمولا رضيعا معصبا بالخرق مربطا بالقمط مسجونا في المهد ~~عاجزا ضعيفا عما يحاوله الكبير فكيف كان يكون عيشك مع تعلقك التام في هذه ~~الحالة ثم لم يكن يوجد لك من الحلاوة واللطافة والوقع في القلب والرحمة بك ~~ما يوجد للمولود الطفل بل تكون انكد خلق الله واثقلهم واعنتهم واكثرهم ~~فضولا وكان دخولك هذا العالم وانت غبي لا تعقل شيئا ولا تعلم ما فيه اهله ~~محض الحكمة والرحمة بك والتدبير فتلقى الاشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ثم ~~لا يزال يتزايد فيك العقل والمعرفة شيئا فشيئا حتى تالف ms352 الاشياء وتتمرن ~~عليها وتخرج من التأمل لها والحيرة فيها وتستقبلها بحسن التصرف فيها ~~والتدبير لها والاتقان لها وفي ذلك وجوه أخر من الحكمة غير ما ذكرناه فمن ~~هذا الذي هو قيم عليك بالمرصاد يرصدك حتى يوافيك بكل شيء من المنافع ~~والاراب والالات في وقت حاجتك لا يقدمها عن وقتها ولا يؤخرها عنه ثم انه ~~اعطاك الاظفار PageV01P257 وقت حاجتك اليها لمنافع شتى فإنها تعين الاصابع ~~وتقويها فإن اكثر العمل لما كان برؤوس الاصابع وعليها الاعتماد اعينت ~~بالاظافر قوة لها مع ما فيها من منفعة حك 2 الجسم وقشط الاذى الذي لا يخرج ~~باللحم عنه إلى غير ذلك من فوائدها ثم جملك بالشعر على الراس زينة ووقاية ~~وصيانة من الحر والبرد إذ هو مجمع الحواس ومعدن الفكر والذكر وثمرة العقل ~~تنتهي اليه ثم خص الذكر بأن جمل وجهه باللحية وتوابعها وقارا وهيبة له ~~وجمالا وفصلا له عن سن الصبا وفرقا بينه وبين الاناث وبقيت الانثى على ~~حالها لما خلقت له من استمتاع الذكر بها فبقى وجهها على حاله ونضارته ليكون ~~اهيج للرجل على الشهوة وأكمل للذة الاستمتاع فالماء واحد الجوهر واحد ~~والوعاء واحد واللقاح واحد فمن الذي اعطى الذكر الذكورية والانثى الانوثية ~~ولا تلتفت إلى ما يقوله الجهلة من الطبائعيين في سبب الاذكار والايناث ~~وإحالة ذلك على الامور الطبيعية التي لاتكاد تصدق في هذا الموضع الا اتفاقا ~~وكذبه اكثر من صدقها وليس استناد الاذكار والايناث الا إلى محض المرسوم ~~الالهي الذي يلقيه إلى ملك التصوير حين يقول يا رب ذكر أم انثى شقى أم سعيد ~~فما الرزق فما الاجل فيوحي ربك ما يشاء ويكتب الملك فإذا كان للطبيعة ~~تأثيرا في الاذكار والايناث فلها تاثير في الرزق والاجل والشقاوة والسعادة ~~وإلا فلا أذ مخرج الجميع ما يوحيه الله إلى الملك ونحن لا ننكر ان لذلك ~~اسبابا اخر ولكن تلك من الاسباب التي استأثر الله بها دون البشر قال الله ~~تعالى لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن ms353 ~~يشاء الذكور إلى قوله قدير فذكر اصناف النساء الاربعة مع الرجال احدها من ~~تلد الاناث فقط الثانية من تلد الذكور فقط الثالثة من تلد الزوجين الذكر ~~والانثى وهو معنى التزويج هنا ان يجعل ما يهب له زوجين ذكرا أو انثى ~~الرابعة العقيم التي لا تلد اصلا ومما يدل على ان سبب الاذكار والايناث لا ~~يعلمه البشر ولا يدرك بالقياس والفكر وإنما يعلم بالوحي ما روى مسلم في ~~صحيحه من حديث ثوبان قال كنت عند النبي فجاء حبر من احبار اليهود فقال ~~السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت الا ~~تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به اهله فقال ~~رسول الله ان أسمي محمد الذي سماني به اهلي قال اليهودي جئت أسالك فقال ~~رسول الله أينفعك شيء إن حدثتك قال اسمع بأذني فنكت رسول الله بعود معه ~~فقال سل فقال اليهودي اين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ~~فقال رسول الله هم في الظلمة دون الجسر قال فمن اول الناس إجازة قال فقراء ~~المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة فقال زيادة كبد حوت ذي ~~النون قال فما غذاؤهم على أثرها قال PageV01P258 ينحر لهم ثور الجنة الذي ~~يأكل من اطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين تسمى سلسبيلا قال صدقت ~~وجئت أسالك عن شيء لايعلمه الا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك ان حدثتك قال ~~اسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل ابيض وماء المرأة اصفر ~~فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة اذكر بإذن الله وإن علا مني المرأة ~~مني الرجل اثني بإ ذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فقال ~~رسول الله لقد سالني عن هذا الذي سالني عنه ومالي علم به حتى أتاني الله به ~~والذي دل عليه العقل والنقل ان الجنين يخلق من الماءين جميعا فالذكر يقذف ~~ماءه في رحم الانثى وكذلك هي تنزل ماءها ms354 إلى حيث ينتهي ماؤه فيلتقى الماآن ~~على امر قد قدره الله وشاءه فيخلق الولد بينهما جميعا وايهما غلب كان الشبه ~~له كما في صحيح البخاري عن حميد عن انس قال بلغ عبدالله بن سلام قدوم النبي ~~فاتاه فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن الا نبي قال ما أول اشراط الساعة ~~وما اول طعام يأكله اهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ~~ينزع إلى أخواله فقال رسول الله اخبرني بهن آنفا جبريل فقال عبد الله ذاك ~~عدو اليهود من الملائكة فقال رسول الله اما اول اشراط الساعة فنار تحشر ~~الناس من المشرق إلى المغرب واما اول طعام ياكله اهل الجنة فزيادة كبد ~~الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرأة وسبقها ماؤه كان الشبه ~~له وإن سبقت كان الشبه لها فقال اشهد انك رسول الله وذكر الحديث وفي ~~الصحيحين عن أم سلمة قالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على ~~المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال نعم إذا رأت الماء الاصفر فضحكت أم سلمة ~~فقالت أو تحتلم المراة فقال رسول الله فيم يشبهها الولد فهذه الاحاديث ~~الثلاثة تدل على ان الولد يخلق من الماءين وان الاذكار والايناث يكون بغلبة ~~أحد الماءين وقهره للآخروعلوه عليه وان الشبه يكون بالسبق فمن سبق ماؤه إلى ~~الرحم كان الشبه له وهذه امور ليس عند أهل الطبيعة ما يدل عليها ولا تعلم ~~الا بالوحي وليس في صناعتهم ايضا ما ينافيها على ان في النفس من حديث وبان ~~ما فيها وأنه يخاف ان لا يكون أحد رواته حفظه كما ينبغي وأن يكون السؤال ~~إنما وقع فيه عن الشبه لا عن الاذكار والايناث كما سأل عنه عبدالله بن سلام ~~ولذلك لم يخرجه البخاري وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن أبي بكر عن انس عن ~~النبي قال ان الله وكل بالرحم ملكا فيقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة ~~فإذا اراد ان يخلقها ms355 قال يا رب اذكر أم انثى شقي أم سعيد فما الرزق فما ~~الاجل فيكتب كذلك في بطن امه أفلا ترى كيف أحال بالاذكار والايناث على مجرد ~~المشيئة وقرنه بما لاتأثير للطبيعة فيه من الشقاوة والسعادة والرزق والاجل ~~ولم يتعرض الملك لكتبه الذي للطبيعة فيه مدخل اولا ترى عبد الله بن سلام لم ~~يسأل الا عن الشبه الذي يمكن الجواب عنه ولم يسال عن الاذكار والايناث ~~PageV01P259 مع انه ابلغ من الشبه والله اعلم وان كان رسول الله قد قاله ~~فهو عين الحق وعلى كل تقدير فهو يبطل ما زعمه بعض الطبائعيين من معرفة ~~اسباب الاذكار والايناث والله اعلم # | فصل فانظر كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والانثى جميعا على وفق # الحكمة فجعلت في حق الذكر آلة ناشزة تمتد حتى توصل المنى إلى قعر الرحم ~~بمنزلة من يناول غيره شيئا فهو يمد يده اليه حتى يوصله إياه ولأنه يحتاج ~~إلى ان يقذف ماءه في قعر الرحم وأما الانثى فجعل لها وعاء مجوف لانها تحتاج ~~إلى ان تقبل ماء الرجل وتمسكه وتشتمل عليه فأعطيت آلة تليق بها ثم لما كان ~~ماء الرجل ينحدر من اجزاء الجسد رقيقا ضعيفا لا يخلق منه الولد جعل له ~~الانثيان وعاء يطبخ فيهما ويحكم انضاجه ليشتد وينعقد ويصير قابلا لان يكون ~~مبدأ للتخليق ولم تحتج المرأة إلى ذلك لان رقة مائها ولطفاته إذا مازج غلظ ~~ماء الرجل وشدته قوى به واستحكم ولو كان الماآن رقيقان ضعيفان لم يتكون ~~الولد منهما وخص الرجل بآلة النضج والطبخ لحكم منها ان حرارته اقوى والانثى ~~باردة فلو اعطيت تلك الالة لم يستحكم طبخ الماء وانضاجه فيها ومنها ان ~~ماءها لا يخرج عن محله بل ينزل من بين ترائبها إلى محله ومنها انها لما ~~كانت محلا للجماع اعطيت من الالة ما يليق بها فلو اعطيت آلة الرجل لم تحصل ~~لها اللذة والاستمتاع ولكانت تلك الالة معطلة بغير منفعة فالحكمة التامة ~~فيما وجدت خلقة كل منهما عليه # | فصل فارجع الان إلى نفسك وكرر النظر ms356 فيك فهو يكفيك وتأمل اعضاءك # وتقدير كل عضو منها للأرب والمنفعة المهيأ لها فاليدان للعلاج والبطش ~~والاخذ والاعطاء والمحاربة والدفع والرجلان لحمل البدن والسعي والركوب ~~وانتصاف القامة والعينان للاهتداء والجمال والزينة والملاحة ورؤية ما في ~~السموات والأرض وآياتهما وعجائبهما والفم للغذاء والكلام والجمال وغير ذلك ~~والانف للنفس وإخراج فضلات الدماغ وزينة للوجه واللسان للبيان والترجمة عنك ~~والاذنان صاحبتا الاخبار تؤديانها اليك واللسان يبلغ عنك والمعدة خزانة ~~يستقر فيها الغذاء فتنضجه وتطبخه وتصلحه اصلاحا آخر وطبخا آخر غير الاصلاح ~~والطبخ الذي توليته من خارج فأنت تعاني إنضاجه وطبخه وإصلاحه حتى تظن انه ~~قد كمل وانه قد استغنى عن طبخ آخر وانضاج آخر وطباخه الداخل ومنضجه يعاني ~~من نضجه وطبخه مالا تهتدي اليه ولا تقدر عليه فهو يوقد عليه نيرانا تذيب ~~الحصى وتذيب مالا تذيبه النار وهي في الطف موضع منك لا تحرقك ولا تلتهب وهي ~~اشد حرارة من النار وإلا فما يذيب هذه الاطعمة الغليظة الشديدة جدا حتى ~~يجعلها ماء ذائبا وجعل الكبد للتخليص واخذ صفو الغذاء والطفه ثم رتب منها ~~مجاري PageV01P260 وطرقا يسوق بها الغذاء إلى كل عضو وعظم وعصب ولحم وشعر ~~وظفر وجعل المنازل والابواب لادخال ما ينفعك وإخراج ما يضرك وجعل الاوعية ~~المختلفة خزائن تحفظ مادة حياتك فهذه خزانة للطعام وهذه خزانة للحرارة وهذه ~~خزائن للدم وجعل منها خزائن مؤديات لئلا تختلط بالخزائن الاخر فجعل خزائن ~~للمرة السوداء وأخرى للمرة الصفراء وأخرى للبول وأخرى للمنى فتأمل حال ~~الطعام في وصوله إلى المعدة وكيف يسرى منها في البدن فإنه إذا استقر فيها ~~اشتملت عليه وانضمت فتطبخه وتجيد صنعته ثم تبعثه إلى الكبد في مجار دقاق ~~وقد جعل بين الكبد وبين تلك المجاري غشاء رقيقا كالمصفات الضيقة الابخاش ~~تصفية فلا يصل إلى الكبد منه شيء غليظ خشن فينكؤها لان الكبد رقيقة لا تحمل ~~الغليظ فإذ قبلته الكبد انفذته إلى البدن كله في مجار مهيأ قلة بمنزلة ~~المجاري المعدة للماء ليسلك في الأرض فيعمها بالسقي ثم يبعث ما بقي من ~~الخبث ms357 والفضول إلى مغايض ومصارف قد اعدت لها فما كان من مرة صفراء بعثت به ~~إلى المرارة وما كان من مرة سوداء بعثت به إلى الطحال وما كان من الرطوبة ~~المائية بعثت به إلى المثانة فمن ذا الذي تولى ذلككله وأحكمه ودبره وقدره ~~احسن تقدير وكأني بك ايها المسكين تقول هذا كله من فعل الطبيعة وفي الطبيعة ~~عجائب واسرار فلو أراد الله ان يهديك لسالت نفسك بنفسك وقلت اخبريني عن هذه ~~الطبيعة اهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الافعال العجيبة أم ~~ليست كذلك بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه فإن قالت لك بل ~~هي ذات قائمة بنفسها لها العلم التام والقدرة والارادة والحكمة فقل لها هذا ~~هو الخالق البارئ المصور فلم تسمينه طبيعية ويا لله من ذكر الطبائع ومن ~~يرغب فيها فهلا سميته بما سمى به نفسه على السن رسله ودخلت في جملة العقلاء ~~والسعداء فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى وإن قالت تلك بل الطبيعة ~~عرض محمول مفتقر إلى حامل وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قدرة ~~ولا شعور اصلا وقد شوهد من آثارها ما شوهد فقل لها هذا مالا يصدقه ذو عقل ~~سليم كيف تصدر هذه الافعال العجيبة والحكم الدقيقة التي تعجز عقول العقلاء ~~عن معرفتها وعن القدرة عليها ممن لا عقل له ولا قدرة ولا حكمة ولا شعور وهل ~~التصديق بمثل هذا إلا دخول في سلك المجانين والمبرسمين ثم قل لها بعد ولو ~~ثبت لك ما ادعيت فمعلوم ان مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها ولا مبدعة ~~لذاتها فمن ربها ومبدعها وخالقها ومن طبعها وجعلها تفعل ذلك فهي إذا من ادل ~~الدلائل على بارئها وفاطرها وكمال قدرته وعلمه وحكمته فلم يجد عليك تعطيلك ~~رب العالم وجحدك لصفاته وأفعاله الا مخالفتك العقل والفطرة ولو حاكمناك إلى ~~الطبيعة لرايناك انك خارج عن موجبها فلا انت مع موجب العقل ولا الفطرة ولا ~~الطبيعة ولا الانسانية اصلا وكفى بذلك جهلا وضلالا ms358 فإن رجعت إلى العقل وقلت ~~لا يوجد حكمة الا من حكيم قادر عليم ولا تدبير PageV01P261 متقن الا من ~~صانع قادر مختار مدبر عليم بما يريد قادر عليه لا يعجزه ولا يؤؤده قيل لك ~~فإذا اقررت ويحك بالخلاق العظيم الذي لا اله غيره ولا رب سواه فدع تسميته ~~طبيعة اوعقلا فعالا أو موجبا بذاته وقل هذا هو الله الخالق البارئ المصور ~~رب العالمين وقيوم السموات والارضين ورب المشارق والمغارب الذي احسن كل شيء ~~خلقه واتقن ما صنع فمالك جحدت اسماءه وصفاته وذاته اضفت صنيعه إلى غيره ~~وخلقه إلى سواه مع انك مضطر إلى الاقرار به إضافة الابداع والخلق والربوبية ~~والتدبير اليه ولا بد والحمد لله رب العالمين على انك لو تأملت قولك طبيعة ~~ومعنى هذه اللفظة لدلك على الخالق الباريء لفظها كما دل العقول عليه معناها ~~لان طبيعة فعيلة بمعنى مفعولة أي مطبوعة ولا يحتمل غيرهذا البتة لانها على ~~بناء الغرائز التي ركبت في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة والبحيرة ~~والسليقة والطبيعة فهي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه ومعلوم ان طبيعة ~~من غير طابع لها محال فقد دل لفظ الطبيعة على البارئ تعالى كما دل معناها ~~عليه والمسلمون يقولون ان الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب وهي سنته في ~~خليقته التي اجراها عليه ثم انه يتصرف فيها كيف شاء وكما شاء فيسلبها ~~تاثيرها إذا اراد ويقلب تأثيرها إلى ضده إذا شاء ليرى عباده أنه وحده ~~الخالق البارئ المصور وأنه يخلق ما يشاء كما يشاء وإنما امره إذا اراد شيئا ~~ان يقول له كن فيكون وإن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش اليها إنما هي ~~خلق من خلقه بمنزلة سائر ملخوقاته فكيف يحسن بمن له حظ من انسانية اوعقل ان ~~ينسى من طبعها وخلقها ويحيل الصنع والابداع عليها ولم يزل الله سبحانه ~~يسلبها قوتها ويحيلها ويقلبها إلى ضد ما جعلت له حتى يرى عباده انها خلقه ~~وصنعه مسخرة بامره @QB@ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين @QE@ # | فصل فاعد النظر في ms359 نفسك وتأمل حكمة اللطيف الخبير في تركيب البدن # ووضع هذه الاعضاء مواضعها منه واعدادها لما اعدت له وإعداد هذه الاوعية ~~المعدة لحمل الفضلات وجمعها لكيلا تنتشر في البدن فتفسده ثم تأمل الحكمة ~~البالغة في تنميتك وكثرة اجزائك من غير تفكيك ولا تفصيل ولو ان صائغا اخذ ~~تمثالا من ذهب أو فضة أو نحاس فأراد ان يجعله اكبر مما هو هل كان يمكنه ذلك ~~الا بعد ان يكسره ويصوغه صياغة اخرى والرب تعالى ينمي جسم الطفل واعضاءه ~~الظاهرة والباطنة وجميع اجزائه وهو باق ثابت على شكله وهيئته لا يتزايل ولا ~~ينفك ولا ينقص وأعجب من هذا كله تصويره في الرحم حيث لاتراه العيون ولا ~~تلمسه الايدي ولا تصل اليه الالات فيخرج بشرا سويا مستوفيا لكل ما فيه ~~مصلحته وقوامه PageV01P262 من عضو وحاسة وآلة من الاحشاء والجوارح والحوامل ~~والاعصاب والرباطات والاغشية والعظام المختلفة الشكل والقدر والمنفعة ~~والموضع إلى غير ذلك من اللحم والشحم والمخ وما في ذلك من دقيق التركيب ~~ولطيف الخلقة وخفي الحكمة وبديع الصنعة كل هذا صنع الله احسن الخالقين في ~~قطرة من ماء مهين وما كرر عليك في كتابه مبدأ خلقك وإعادته ودعاك إلى ~~التفكير فيه إلا لما بك من العبرة والمعرفة ولا تستطل هذا الفصل وما فيه من ~~نوع تكرار يشتمل على مزيد فائدة فإن الحاجة اليه ماسة والمنفعة عظيمة فانظر ~~إلى بعض ما خصك به وفضلك به على البهائم المهملة إذ خلقك على هيئة تنتصب ~~قائما وتستوي جالسا وتستقبل الاشياء ببدنك وتقبل عليها بجملتك فيمكنك العمل ~~والصلاح والتدبير ولو كنت كذوات الاربع المكبوبة على وجهها لم يظهر لك ~~فضيلة تمييز واختصاص ولم يتهيأ منك ما تهيأ من هذه النسبة # | فصل قال الله تعالى ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر # ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم الاية فسبحان من البسه خلع الكرامة كلها من ~~العقل والعلم والبيان والنطق والشكل والصورة الحسنة والهيئة الشريفة والقد ~~المعتدل واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر واقتناص الاخلاق الشريفة الفاضلة ~~من البر والطاعة والانقياد فكم ms360 بين حاله وهو نطفة في داخل الرحم مستودع هنا ~~وبين حاله والملك يدخل عليه في جنات عدن @QB@ فتبارك الله أحسن الخالقين ~~@QE@ فالدنيا قرية والمؤمن رئيسها والكل مشغول به ساع في مصالحه والكل قد ~~اقيم في خدمته وحوائجه فالملائكة الذين هم حملة عرش الرحمن ومن حوله ~~يستغفرون له والملائكة الموكلون به يحفظونه والموكلون بالقطر والنبات يسعون ~~في رزقه ويعملون فيه والافلاك سخرت منقادة دائرة بما فيه مصالحه والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات جاريات بحساب ازمنته واوقاته وإصلاح رواتب اقواته ~~والعالم الجوي مسخر له برياحه وهوائه وسحابه وطيره وما اودع فيه والعالم ~~السفلي كله مسخر له مخلوق لمصالحه ارضه وجباله وبحاره وأنهاره وأشجاره ~~وثماره ونباته وحيوانه وكل ما فيه كما قال تعالى @QB@ الله الذي سخر لكم ~~البحر لتجري الفلك فيه بأمره @QE@ إلى قوله يتكفرون وقال تعالى الله الذي ~~خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم إلى ~~قوله كفار فالسائر في معرفة آلاء الله وتأمل حكمته وبديع صفاته اطول باعا ~~وأملأ صواعا من اللصيق بمكانه المقيم في بلد عادته وطبعه راضيا بعيش بني ~~جنسه لا يرضى لنفسه إلا ان يكون واحدا منهم يقول لي اسوة بهم وهل ~~PageV01P263 انا الا من ربيعة أو مضر وليست نفائس البضائع الا لمن امتطى ~~غارب الاغتراب وطوف في الافاق حتى رضى من الغنيمة بالاياب فاستلان ما ~~استوعره البطالون وأنس بما استوحش منه الجاهلون # | فصل فاعد النظر في نفسك وحكمة الخلاق العليم في خلقك وانظر إلى # الحواس التي منها تشرف على الاشياء كيف جعلها الله في الراس كالمصابيح ~~فوق المنارة لتتمكن بها من مطالعة الاشياء ولم تجعل في الاعضاء التي تمتهن ~~كاليدين والرجلين فتتعرض للافات بمباشرة الاعمال والحركات ولاجعلها في ~~الاعضاء التي في وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر عليك التلفت والاطلاع على ~~الاشياء فلما لم يكن لها في شيء من هذه الاعضاء موضع كان الراس اليق ~~المواضع بها وأجملها فالراس صومعة الحواس ثم تأمل الحكمة في ان جعل الحواس ~~خمسا في مقابلة المحسوسات الخمس ms361 ليلقى خمسا بخمس كي لا يبقى شيء من ~~المحسوسات لا يناله بحاسة فجعل البصر في مقابلة المبصرات والسمع في مقابلة ~~الاصوات والشم في مقابلة أنواع الروائح المختلفات والذوق في مقابلة ~~الكيفيات المذوقات واللمس في مقابلة الملموسات فأي محسوس بقي بلا حاسة ولو ~~كان في المحسوسات شيء غير هذه لاعطاك له حاسة سادسة ولما كان ما عداها إنما ~~يدرك بالباطن اعطاك الحواس الباطنة وهي هذه الاخماس التي جرت عليها السنة ~~العامة والخاصة حيث يقولون في المفكر المتأمل ضرب اخماسه في أسداسه فأخماسه ~~حواسه الخمس واسداسه جهانه الست وأرادوا بذلك انه جذبه القلب وسار به في ~~الاقطار والجهات حتى قلب حواسه الخمس في جهاته ألست وضربها فيها لشدة فكره # | فصل ثم اعينت هذه الحواس بمخلوقات اخر منفصلة عنها تكون واسطة في # احساسها فاعينت حاسة البصر بالضياء والشعاع فلولاه لم ينتفع الناظر ببصره ~~فلو منع الضياء والشعاع لم تنفع العين شيئا واعينت حاسة السمع بالهواء يحمل ~~الاصوات في الجو ثم يلقيها إلى الاذن فتحويه ثم تقلبه إلى القوة السامعة ~~ولولا الهواء لم يسمع الرجل شيئا واعينت حاسة الشم بالنسيم اللطيف يحمل ~~الرائحة ثم يؤديها اليها فتدركها فلولا هو لم تشم شيئا واعينت حاسة الذوق ~~بالريق المتحلل في الفم تدرك القوة الزائقة به طعوم الاشياء ولهذا لم يكن ~~له طعم لا حلو ولا حامض ولا مالح ولا حريف لانه كان يحيل تلك الطعوم إلى ~~طعمه ولا يحصل به مقصوده واعينت حاسة اللمس بقوة جعلها الله فيها تدرك بها ~~الملموسات ولم تحتج إلى شيء PageV01P264 من خارج بخلاف غيرها من الحواس بل ~~تدرك الملموسات بلا واسطة بينها وبينها لانها إنما تدركها بالاجتماع ~~والملامسة فلم تحتج إلى واسطة # | فصل ثم تأمل حال من عدم البصر وما يناله من الخلل في أموره فإنه # لا يعرف موضع قدمه ولا يبصر ما بين يديه ولا يفرق بين الالوان والمناظر ~~الحسنة من القبيحة ولا يتمكن من استفادة علم من كتاب يقرأه ولايتهيأ له ~~الاعتبار والنظر في عجائب ملك الله هذا مع ms362 انه لا يشعر بكثير من مصالحه ~~ومضاره فلا يشعر بحفرة يهوى فيها ولا بحيوان يقصده كالسبع فيتحرز له ولا ~~بعدو يهوى نحوه ليقتله ولا يتمكن من هرب ان طلب بل هو ملق السلم لمن رامه ~~باذى ولولا حفظ خاص من الله له قريب من حفظ الوليد وكلاءته لكان عطبه اقرب ~~من سلامته فإنه بمنزلة لحم على وضم ولذلك جعل الله ثوابه إذا صبر واحتسب ~~الجنة ومن كمال لطفه ان عكس نوربصره إلى بصيرته فهو اقوى الناس بصيرة وحدسا ~~وجمع عليه همه فقلبه مجموع عليه غير مشتت ليهنأ له العيش وتتم مصلحته ولا ~~يظن انه مغموم حزين متاسف هذا حكم من ولد اعمى فأما من اصيب بعينيه ~~بعدالبصر فهو بمنزلة سائر اهل البلاء المنتقلين من العافية إلى البلية ~~فالمحنة عليه شديدة لانه قد حيل بينه وبين ما الفه من المرائي والصور ووجوه ~~الانتفاع ببصره فهذا له حكم آخر وكذلك من عدم السمع فإنه يفقد روح المخاطبة ~~والمحاورة ويعدم لذة المذاكرة ونغمة الاصوات الشجية وتعظم المؤنة على الناس ~~في خطابه ويتبرمون به ولا يسمع شيئا من اخبار الناس واحاديثهم فهو بينهم ~~شاهد كغائب وحي كميت وقريب كبعيد وقد اختلف النظار في ايهما اقرب إلى ~~الكمال واقل اختلالا لاموره الضرير أو الاطرش وذكروا في ذلك وجوها وهذا ~~مبني على اصل آخر وهو أي الصفتين اكمل صفة السمع أو صفة البصر وقد ذكرنا ~~الخلاف فيهما فيما تقدم من هذا الكتاب وذكرنا اقوال الناس وأدلتهم والتحقيق ~~في ذلك فأي الصفتين كانت اكمل فالضرر بعدمها اقوى والذي يليق بهذا الموضع ~~ان يقال عادم البصر اشدهما ضررا وأسلمهما دينا واحمدهما عاقبة وعادم السمع ~~اقلهما ضررا في دنياه واجهلهما بدينه واسوا عاقبة فإنه إذا عدم السمع عدم ~~المواعظ والنصائح وانسدت عليه ابواب العلوم النافعة وانفتحت له طرق الشهوات ~~التي يدركها البصر ولا يناله من العلم ما يكفه عنها فضرره في دينه اكثر ~~وضرر الاعمى في دنياه اكثر ولهذا لم يكن في الصحابة اطرش وكان فيهم جماعة ~~اضراء وقل ms363 ان يبتلى الله اولياءه بالطرش ويبتلى كثيرا منهم بالعمى فهذا فصل ~~الخطاب في هذه المسئلة فمضرة الطرش في الدين ومضرة العمى في الدنيا ~~والمعافى من عافاه الله منهما ومتعه بسمعه وبصره وجعلهما الوارثين منه ~~PageV01P265 # | فصل وأما من عدم البيانين بيان القلب وبيان اللسان فذلك بمنزلة # الحيوانات البهيمة بل هي احسن حالا منه فإن فيها ما خلقت له من المنافع ~~والمصالح التي تستعمل فيها وهذا يجهل كثيرا مما تهتدي اليه البهائم ويلقى ~~نفسه فيما تكف البهائم انفسها عنه وان عدم بيان اللسان دون بيان القلب ومن ~~عدم خاصة الانسان وهي النطق اشتدت المؤمنة به وعليه وعظمت حسرته وطال تأسفه ~~على رد الجواب ورجع الخطاب فهو كالمقعد الذي يرى ما هو محتاج اليه ولا تمتد ~~اليه يده ولا رجله فكم لله على عبده من نعمة سابغة فيهذه الاعضاء والجوارح ~~والقوى والمنافع التي فيه فهو لا يلتفت اليها ولا يشكر الله عليها ولو فقد ~~شيئا منها لتمنى انه له بالدنيا وما عليها فهو يتقلب في نعم الله بسلامة ~~اعضائه وجوارحه وقواه وهو عار من شكرها ولوعرضت عليه الدنيا ما فيها بزوال ~~واحدة منها لابي المعاوضة وعلم انها معاوضة غبن ان الانسان لظلوم كفور # | فصل ثم تأمل حكمته في الاعضاء التي خلقت فيك آحادا ومثنى وثلاث # ورباع وما في ذلك من الحكم البالغة فالراس واللسان والانف والذكر خلق كل ~~منهما واحدا فقط إذلا مصلحة في كونه اكثر من ذلك الا ترى انه لو اضيف إلى ~~الراس راس آخر لاثقلا بدنه من غير حاجة اليه لان جميع الحواس التي يحتاج ~~اليها مجتمعة في رأس واحد ثم ان الانسان كان ينقسم براسه قسمين فإن تكلم من ~~احدهما وسمع به وابصر وشم وذاق بقي الاخر معطلا لا أرب فيه وإن تكلم وابصر ~~وسمع بهما معا كلاما واحدا وسمعا واحدا وبصرا واحدا كان الاخر فضله لا ~~فائدة فيه وإن اختلف إدراكهما اختلفت عليه احواله وإدراكاته وكذلك لو كان ~~له لسانان في فم واحد فإن تكلم بهما كلاما واحدا ms364 كان احدهما ضائعا وان تكلم ~~باحدهما دون الاخر فكذلك وان تكلم بهما معا كلامين مختلفين خلط على السامع ~~ولم يدر باي الكلامين يأخذ وكذلك لو كان له هنوان وفمان لكان مع قبح الخلقة ~~احدهما فضلة لا منفعة فيه وهذا بخلاف الاعضاء التي خلقت مثنى كالعينين ~~والاذنين والشفتين واليدين والرجلين والساقين والفخذين والوركين والثديين ~~فإن الحكمة فيها ظاهرة والمصلحة بينه والجمال والزينة عليها بادية فلو كان ~~الانسان بعين واحدة لكان مشوه الخلقة ناقصها وكذلك الحاجبان وأما اليدان ~~والرجلان والساقان والفخذان فتعددهما ضروري للانسان لا تتم مصلحته الا بذلك ~~الا ترى من قطعت احدى يديه أو رجليه كيف تبقى حاله وعجزه فلو ان النجار ~~والخياط والحداد والخباز والبناء واصحاب الصنائع التي لا تتأتى الا باليدين ~~شلت يد احدهما لتعطلت عليه صنعته فاقتضت الحكمة PageV01P266 ان اعطى من هذا ~~الضرب من الجوارح والاعضاء اثنين اثني وكذلك اعطى شفتين لانه لا تكمل ~~مصلحته إلا بهما وفيهما ضروب عديدة من المنافع ومن الكلام والذوق وغطاء ~~الفم والجمال والزينة والقبلة وغير ذلك وأما الاعضاء الثلاثة فهي جوانب ~~انفه وحيطانه وقد ذكرنا حكمة ذلك فيما تقدم واما الاعضاء الرباعية فالكعاب ~~الاربعة التي هي مجمع القدمين والممسكة لهما وبهما قوة القدمين وحركتهما ~~وفيهما منافع الساقين وكذلك اجفان العينين فيها من الحكم والمنافع انها ~~غطاء للعينين ووقاية لهما وجمال وزينة وغير ذلك من الحكم فاقتضت الحكمة ~~البالغة ان جعلت الاعضاء على ما هي عليه من العدد والشكل والهيئة فلو زادت ~~أو نقصت لكان نقصا في الخلقة ولهذا يوجد في النوع الانساني من زائد في ~~الخلقة وناقص منها ما يدل على حكمة الرب تعالى وأنه لو شاء لجعل خلقه كلهم ~~هكذا وليعلم الكامل الخلقة تمام النعمة عليه وانه خلق خلقا سويا معتدلا لم ~~يزد في خلقه مالا يحتاج اليه ولم ينقص منه ما يحتاج اليه كما يراه في غيره ~~فهو اجدر ان لم يزداد شكرا وحمدا لربه ويعلم ان ذلك ليس من صنع الطبيعة ~~وإنما ذلك صنع الله الذي اتقن كل ms365 شيء خلقه وانه يخلق ما يشاء # | فصل من اين للطبيعة هذا الاختلاف والفرق الحاصل في النوع الانسان # بين صورهم فقل ان يرى اثنان متشابهان من كل وجه وذلك من اندر ما في ~~العالم بخلاف اصناف الحيوان كالنعم والوحوش والطير وسائر الدواب فإنك ترى ~~السرب من الظباء والثلة من الغنم والذود من الابل والصوار من البقر تتشابه ~~حتى لا يفرق بين واحد منهما وبين الاخر إلا بعد طول تأمل أو بعلامة ظاهرة ~~والناس مختلفة صورهم وخلقتهم فلا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة ~~وخلقة واحدة بل ولا صوت واحد وحنجرة واحدة والحكمة البالغة في ذلك ان الناس ~~يحتاجون إلى ان يتعارفوا بأعينهم وحلاهم لما يجرى بينهم من المعاملات فلولا ~~الفرق والاختلاف في الصور لفسدت احوالهم وتشت نظامهم ولم يعرف الشاهد من ~~المشهود عليه ولا المدين من رب الدين ولا البائع من المشتري ولا كان الرجل ~~يعرف عرسه من غيرها للاختلاط ولا هي تعرف بعلها من غيره وفي ذلك اعظم ~~الفساد والخلل فمن الذي ميز بين حلاهم وصورهم واصواتهم وفرق بينها بفروق لا ~~تنالها العبارة ولا يدركها الوصف فسل المعطل اهذا فعل الطبيعة وهل في ~~الطبيعة اقتضاء هذا الاختلاف والافتراق في النوع وأين قول الطبائعيين ان ~~فعلها متشابه لانها واحدة في نفسها لا تفعل بإرادة ولا مشيئة فلا يمكن ~~اختلاف افعالها فكيف يجمع المعطل بين هذا وهذا فإنها لا تعمى الابصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور وربما وقع في النوع الانساني تشابه بين اثنين ~~لا يكاد يميز بينهما فتعظم عليهم المؤنة في PageV01P267 معاملتهما وتشتد ~~الحاجة إلى تمييز المستحق منهما والمؤاخذ بذنبه ومن عليه الحق وإذا كان هذا ~~يعرض في التشابه في الاسماء كثيرا ويلقى الشاهد والحاكم من ذلك ما يلقى فما ~~الظن لو وضع التشابه في الخلقة والصورة ولما كان الحيوان البهيم والطير ~~والوحوش لا يضرها هذا التشابه شيئا لم تدع الحكمة إلى الفرق بين كل زوجين ~~منها فتبارك الله احسن الخالقين الذي وسعت حكمته كل شيء # | فصل ثم تأمل ms366 لم صارت المرأة والرجل إذا ادركا اشتركا في نبات # العانة ثم ينفرد الرجل عن المرأة باللحية فإن الله عز وجل لما جعل الرجل ~~قيما على المرأة وجعلها كالخول له والعاني في يديه ميزه عليها بما فيه له ~~المهانة والعز والوقار والجلالة لكماله وحاجته إلى ذلك ومنعتها المرأة ~~لكمال الاستمتاع بها والتلذذ لتبقى نضارة وجهها وحسنه لا يشينه الشعر ~~واشتراكا في سائر الشعور للحكمة والمنفعة التي فيها # | فصل ثم تأمل هذا الصوت الخارج من الحلق وتهيئة آلاته والكلام # وانتظامه والحروف ومخارجها وأدواتها ومقاطعها واجراسها تجد الحكمة ~~الباهرة في هواء ساذج يخرج من الجوف فيسلك في أنبوبة الحنجرة حتى ينتهي إلى ~~الحلق واللسان والشفتين والاسنان فيحدث له هناك مقاطع ونهايات وأجراس يسمع ~~له عند كل مقطع ونهاية جرس مبين منفصل عن الاخر يحدث بسببه الحرف فهو صوت ~~واحد ساذج يجرى في قصبة واحدة حتى ينتهي إلى مقاطع وحدود تسمع له منها تسعة ~~وعشرين حرفا يدور عليها الكلام كله امره ونهيه وخبره واستخباره ونظمه ونثرة ~~وخطبه ومواعظه وفضوله فمنه المضحك ومنه المبكي ومنه المؤيس ومنه المطمع ~~ومنه المخوف ومنه المرجي والمسلى والمحزن والقابض للنفس والجوارح والمنشط ~~لها والذي يسقم الصحيح ويبرئ السقيم ومنه ما يزيل النعم ويحل النقم ومنه ما ~~يستدفع به البلاء ويستجلب به النعماء وتستمال به القلوب ويؤلف به بين ~~المتباغضين ويوالي به بين المتعاديين ومنه ما هو بضد ذلك ومنه الكلمة التي ~~لا يلقى لها صاحبها بالا يهوى بها في النار ابعد ما بين المشرق والمغرب ~~والكلمة التي لا يلقى لها بالا صاحبها يركض بها في أعلا عليين في جوار رب ~~العالمين فسبحان من أنشأ ذلك كله من هواء ساذج يخرج من الصدر لا يدري ما ~~يراد به ولا أين ينتهي ولا أين مستقره هذا إلى ما في ذلك من اختلاف الالسنة ~~واللغات التي لا يحصيها الا الله فيجتمع الجمع من الناس من بلاد شتى فيتكلم ~~كل منهم بلغته PageV01P268 فتسمع لغات مختلفة كلاما منتظما مؤلفا ولا يدري ~~كل منهم ما ms367 يقول الاخر واللسان الذي هو جارحة واحد في الشكل والمنظر وكذلك ~~الحلق والاضراس والشفتان والكلام مختلف متفاوت اعظم تفاوت فالاية في ذلك ~~كالاية في الأرض التي تسقى بماء واحد وتخرج مع ذلك من انواع النبات ~~والازهار والحبوب والثمار تلك الانواع المختلفة المتباينة ولهذا اخبر الله ~~سبحانه في كتابه ان في كل منهما آيات فقال ومن آياته خلق السموات والأرض ~~واختلاف السنتكم والونكم إن في ذلك لايات للعالمين وقال @QB@ وفي الأرض قطع ~~متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد @QE@ ~~الاية فانظر الان في الحنجرة كيف هي كالأنبوب لخروج الصوت واللسان والشفتان ~~والاسنان لصياغة الحروف والنغمات الا ترى ان من سقطت اسنانه لم يقم الحروف ~~التي تخرج منها ومن اللسان ومن سقطت شفته كيف لم يقم الراء واللام ومن عرضت ~~له آفة في حلقه كيف لم يتمكن من الحروف الحلقية وقد شبه اصحاب التشريح مخرج ~~الصوت بالمزمار والرئة بالزق الذي ينفخ فيه من تحته ليدخل الريح فيه ~~والفضلات التي تقبض على الرئة ليخرج الصوت من الحنجرة بالاكف التي تقبض على ~~الزق حتى يخرج الهواء في القصب والشفتين والاسنان التي تصوغ الصوت حروفا ~~ونغما بالاصابع التي تختلف على المزمار فتصوغه الحانا والماقطع التي ينتهي ~~اليها الصوت بالابخاش التي في القصبة حتى قيل ان المزمار إنما اتخذ على ~~مثال ذلك من الانسان فإذا تعجبت من الصناعة التي تعملها اكف الناس حتى تخرج ~~منها تلك الاصوات فما احراك بطول التعجب من الصناعة الالهية التي اخرجت تلك ~~الحروف والاصوات من اللحم والدم والعروق والعظام ويا بعد ما بينهما ولكن ~~المألوف المعتاد لا يقع عند النفوس موقع التعجب فإذا رأت مالا نسبة له اليه ~~اصلا الا انه غريب عندها تلقته بالتعجب وتسبيح الرب تعالى وعندها من آياته ~~العجيبة الباهرة ما هو اعظم من ذلك مما لا يدركه القياس ثم تأمل اختلاف هذه ~~النغمات وتباين هذه الاصوات مع تشابه الحناجر والحلوق والالسنة والشفاة ~~والاسنان فمن الذي ميز بينها أتم تمييز مع تشابه محالها ms368 سوى الخلاق العليم # | فصل وفي هذه الالات مآرب اخرى ومنافع سوى منفعة الكلام ففي الحنجرة # مسلك النسيم البارد الذي يروح على الفؤاد بهذا النفس الدائم المتتابع وفي ~~اللسان منفعة الذوق فتذاق به الطعوم وتدرك لذتها ويميز بها بينها فيعرف ~~حقيقة كل واحد منها وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام وان يلوكه ويقلبه ~~حتى يسهل مسلكه في الحلق وفي الاسنان من المنافع ما هو معلوم من تقطيع ~~الطعام كما تقدم وفيها إسناد الشفتين وإمساكهما PageV01P269 عن الاسترخاء ~~وتشويه الصورة ولهذا ترى من سقطت اسنانه كيف تسترخي شفتاه وفي الشفتين ~~منافع عديدة يرشف بها الشراب حتى يكون الداخل منه إلى حلقه بقدر فلا يشرق ~~به الشارب ثم هما باب مغلق على الفم الذي اليه ينتهي اليه ما يخرج من الجوف ~~ومنه يبتدي ما يلج فهي فهما عطاء وطابق عليه يفتحهما البواب متى شاء ~~ويغلقهما إذا شاء وهما ايضا جمال وزينة للوجه وفيهما منافع اخرى سوى ذلك ~~وانظر إلى من سقطت شفتاه ما اشوه منظره وقد بان ان كل واحد من هذه الاعضاء ~~يتصرف إلى وجوه شتى من المنافع والمآرب والمصالح كما تتصرف الاداة الواحدة ~~في اعمال شتى هذا ولو رأيت الدماغ وكشف لك عن تركيبه وخلقه لرايت العجب ~~العجاب وتكشف لك عن تركيب يحار فيه العقل قد لف بحجب وأغشيه بعضها فوق بعض ~~لتصونه عن الاعراض وتحفظه عن الاضطراب ثم اطبقت عليه الجمجمة بمنزلة الخوذة ~~وبيضة الحديد لتقيه حد الصدمة والسقطة والضربة التي تصل اليه فتتلقاها تلك ~~البيضة عنه بمنزلة الخوذة التي على راس المحارب ثم جللت تلك الجمجمة بالجلد ~~الذي هو فروة الراس يستر العظم من البروز للمؤذيات ثم كسيت تلك الفروة حلة ~~من الشعر الوافر وقاية لها وسترا من الحر والبرد والاذى وجمالا وزينة له ~~فسل المعطل من الذي حصن الدماغ هذا التحصين وقدره هذا التقدير وجعله خزانة ~~اودع فيها من المنافع والقوى والعجائب ما اودعه ثم احكم سد تلك الخزانة ~~وحصنها اتم تحصين وصانها اعظم صيانة وجعلها معدن الحواس ms369 والادراكات ومن ~~الذي جعل الاجفان على العينين كالغشاء والاشفار كالاشراج والاهداب كالرفوف ~~فوف عليها إذا فتحت ومن الذي ركب طبقاتها المختلفة طبقة فوق طبقة حتى بلغت ~~عدد السموات سبعا وجعل لكل طبقة منفعة وفائدة فلو اختلت طبقة منها لاختل ~~البصر ومن شقهما في الوجه احسن شق واعطاهما احسن شكل وأودع الملاحة فيهما ~~وجعلهما مرآة للقلب وطليعة وحارسا للبدن ورائدا يرسله كالجند في مهماته فلا ~~يتعب ولا يعيا على كثرة ظعنه وطول سفره ومن اودع النور الباصر فيه في قدر ~~جرم العدسة فيرى فيه السموات والأرض والجبال والشمس والقمر والبحار ~~والعجائب من داخل سبع طبقات وجعلهما في أعلا الوجه بمنزلة الحارس على ~~الرابية العالية ربيتة للبدن ومن حجب الملك في الصدور وأجلسه هناك على كرسي ~~المملكة واقام جند الجوارح والاعضاء والقوى الباطنة والظاهرة في خدمته ~~وذللها له فهي مؤتمرة إذا امرها منتهية إذا نهاها سامعة له مطيعة تكدح ~~وتسعى في مرضاته فلا تستطيع منه خلاصا ولا خروجا عن امره فمنها رسوله ومنها ~~بريده ومنها ترجمانه ومنها اعوانه وكل منها على عمل لا يتعداه ولا يتصرف في ~~غير عمله حتى إذا أراد الراحة أوعز اليها بالهدو والسكون ليأخذ الملك راحته ~~فإذا استيقظ من منامه قامت جنوده PageV01P270 بين يديه على اعمالها وذهبت ~~حيث وجهها دائبة لا تفتر فلو شاهدته في محل ملكه والاشغال والمراسيم صادرة ~~عنه وواردة والعساكر في خدمته والبرد تتردد بينه وبين جنده ورعيته لرأيت له ~~شأنا عجيبا فماذا فات الجاهل الغافل من العجائب والمعارف والعبر التي لا ~~يحتاج فيها إلى طول الاسفار وركوب القفار قال تعالى @QB@ وفي الأرض آيات ~~للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ فدعا عباده إلى التفكر في أنفسهم ~~والاستدلال بها على فاطرها وباريها ولولا هذا لم نوسع الكلام في هذا الباب ~~ولا أطلنا النفس إلى هذه الغاية ولكن العبرة بذلك حاصلة والمنفعة عظيمة ~~والفكرة فيه مما يزيد المؤمن ايمانا فكم دون القلب من حرس وكم له من خادم ~~وكم له من عبيد ولا يشعر به ولله ما خلق ms370 له وهيأ له واريد منه وأعد له من ~~الكرامة والنعيم أو الهوان والعذاب فأما على سرير الملك في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر ينظر إلى وجه ربه ويسمع خطابه وإما اسير في السجن الاعظم بين ~~اطباق النيران في العذاب الاليم فلو عقل هذا السلطان ما هيأ له لضن بملكه ~~ولسعى في الملك الذي لاينقطع ولا يبيد ولكنه ضربت عليه حجب الغفلة ليقضى ~~الله امرا كان مفعولا # | فصل ومن جعل في الحلق منفذين احدهما للصوت والنفس الواصل إلى الرئة # والاخر للطعام والشراب وهو المريء الواصل إلى المعدة وجعل بينهما حاجزا ~~يمنع عبور احدهما في طريق الاخر فلو وصل الطعام من منفذ النفس إلى الرئة ~~لاهلك الحيوان ومن جعل الرئة مروحة للقلب تروح عليه لا تنى ولا تفتر لكيلا ~~تنحصر الحرارة فيه فيهلك ومن جعل المنافذ لفضلات الغذاء وجعل لها اشراجا ~~تقبضها لكيلا تجرى جريا دائما فتفسد على الانسان عيشه ويمنع الناس من ~~مجالسه بعضهم بعضا ومن جعل المعدة كأشد ما يكون من العصب لانها هيئت لطبخ ~~الاطعمة وانضاجها فلو كانت لحما غضا لانطبخت هي ونضجت فجعلت كالعصب الشديد ~~لتقوى على الطبخ والانضاج ولا تنهكها النار التي تحتها ومن جعل الكبد رقيقة ~~ناعمة لانها هيئت لقبول الصفو اللطيف من الغذاء والهضم وعمل هو الطف من عمل ~~المعدة ومن حصن المخ اللطيف الرقيق في انابيب صلبة من العظام ليحفظها ~~ويصونها فلا تفسد ولا تذوب ومن جعل الدم السيال محبوسا محصورا في العروق ~~بمنزلة الماء في الوعاء ليضبط فلا يجري ومن جعل الاظفار على اطراف الاصابع ~~وقاية لها وصيانة من الاعمال والصناعات ومن جعل داخل الاذن مستويا كهيئة ~~الكوكب ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع الداخل وقد انكسرت حدة الهواء ~~فلا ينكؤه وليتعذر على الهواء النفوذ اليه قبل ان يمسك وليمسك PageV01P271 ~~ما عساه ان يغشاها من القذى والوسخ ولغير ذلك من الحكم ومن جعل على الفخذين ~~والوركين من اللحم اكثر مما على سائر الاعضاء ليقيها من الأرض فلا تألم ~~عظامها من كثرة الجلوس ms371 كما يألم من قد نحل جسمه وقل لحمه من طول الجلوس حيث ~~لم يحل بينه وبين الأرض حائل ومن جعل ماء العينين ملحا يحفظها من الذوبان ~~وماء الاذن مرا يحفظها من الذباب والهواء والبعوض وماء الفم عذبا يدرك به ~~طعوم الاشياء فلا يخالطها طعم غيرها ومن جعل باب الخلاء في الانسان في استر ~~موضع كما ان البناء الحكيم بجعل موضع التخلى في استر موضع في الدار وهكذا ~~منفذ الخلاء من الانسان في استر موضع ليس بارزا من خلفه ولا ناشزا بين يديه ~~بل مغيب في موضع غامض من البدن يلتقى عليه الفخذان بما عليهما من اللحم ~~متواريا فإذا جاء وقت الحاجة وجلس الانسان لها برز ذلك المخرج للآرض ومن ~~جعل الاسنان حدادا لقطع الطعام وتفصيله والاضراس عراضا لرضه وطحنه ومن سلب ~~الاحساس الحيواني الشعور والاظفار التي في الادمي لانها قد تطول وتمتد ~~وتدعو الحاجة إلى اخذها وتخفيفها فلو اعطاها الحس لالمته وشق عليه اخذ ما ~~شاء منها ولو كانت تحس لوقع الانسان منها في إحدى البليتين اما تركها حتى ~~تطول وتفحش وتثقل عليه وأما مقاساة الالم والوجع عند اخذها ومن جعل باطن ~~الكف غير قابل لانبات الشعر لانه لو اشعر لتعذر على الانسان صحة اللمس ولشق ~~عليه كثير من الاعمال التي تباشر بالكف ولهذه الحكمة لم يكن هن الرجل قابلا ~~لانباته لانه يمنعه من الجماع ولما كانت المادة تقتضي إنباته هناك نبت حول ~~هن الرجل والمرأة ولهذه الحكمة سلب عن الشفتين وكذا باطن الفم وكذا ايضا ~~القدم اخمصها وظاهرها لانها تلاقي التراب والوسخ والطين والشوك فلو كان ~~هناك شعر لأذى الانسان جدا وحمل من الأرض كل وقت ما يثقل الانسان وليس هذا ~~للانسان وحده بل ترى البهائم قد جللها الشعر كلها واخليت هذه المواضع منه ~~لهذه الحكمة افلا ترى الصنعة الالهية كيف سلبت وجوه الخطأ والمضرة وجاءت ~~بكل صواب وكل منفعة وكل مصلحة ولما اجتهد الطاعنون في الحكمة العائبون ~~للخلقة فيما يطعنون به عابوا الشعور تحت الاباط وشعر العانة وشعر ms372 باطن ~~الانف وشعر الركبتين وقالوا أي حكمة فيها واي فائدة وهذا من فرط جهلهم ~~وسخافة عقولهم فإن الحكمة لا يجب ان تكون بأسرها معلومة للبشر ولا أكثرها ~~بل لا نسبة لما علموه إلى ما جهلوه فيها لو قيست علوم الخلائق كلهم بوجوه ~~حكمة الله تعالى في خلقه وأمره إلى ما خفي عنهم منها كانت كنقرة عصفور في ~~البحر وحسب الفطن اللبيب ان يستدل بما عرف منها على ما لم يعرف ويعلم ~~الحكمة فيما جهله منها مثلها فيما علمه بل اعظم وادق وما مثل هؤلاء الحمقى ~~النوكي الا كمثل رجل لاعلم له بدقائق الصنائع PageV01P272 والعلوم من ~~البناء والهندسة والطب بل ولاحياكة والخياطة والنجارة إذا رام الاعتراض ~~بعقله الفاسد على اربابها في شيء من الاتهم وصنائعهم وترتيب صناعتهم فخفيت ~~عليه فجعل كل ما خفي عليه منها شيء قال هذا لا فائدة فيه وأي حكمة تقتضيه ~~هذا مع ان ارباب الصنائع بشر مثله يمكنه ان يشاركهم في صنائعهم ويفوقهم ~~فيها فما الظن بمن بهرت حكمته العقول الذي لا يشاركه مشارك في حكمته كما ~~لايشاركه في خلقه فلا شريك له بوجه فمن ظن ان يكتال حكمته بمكيال عقله أو ~~يجعل عقله عيارا عليها فما ادركه اقربه وما لم يدركه نفاه فهو من اجهل ~~الجاهلين ولله في كل ما خفي على الناس وجه الحكمة فيه حكم عديدة لاتدفع ولا ~~تنكر فاعلم الان ان تحت منابت هذه الشعور من الحرارة والرطوبة ما اقتضت ~~الطبيعة إخراج هذه الشعور عليها الا ترى ان العشب ينبتفي مستنقع المياه بعد ~~نضوب الماء عنها لما خصت به من الرطوبة ولهذا كانت هذه المواضع من ارطب ~~مواضع البدن وهي اقبل لنبات الشعر وأهيأ فدفعت الطبيعة تلك الفضلات ~~والرطوبات إلى خارج فصارت شعرا ولو حبست في داخل البدن لاضرته وآذت باطنه ~~فخروجها عين مصلحة الحيوان واحتباسها إنما يكون لنقص وآفة فيه وهذا كخروج ~~دم الحيض من المرأة فإنه عين مصلحتها وكمالها ولهذا يكون احتباسه لفساد في ~~الطبيعة ونقص فيها الا ترى ان من ms373 احتبس عنه شعر الرأس واللحية بعد إبانه ~~كيف تراه ناقص الطبيعة ناقص الخلقة ضعيف التركيب فإذا شاهدت ذلك في الشعر ~~الذي عرفت بعض حكمته فمالك لاتعتبره في الشعر الذي خفيت عليك حكمته ومن جعل ~~الريق يجري دائما إلى الفم لا ينقطع عنه ليبل الحلق واللهوات ويسهل الكلام ~~ويسيغ الطعام قال بقراط الرطوبة في الفم مطية الغذاء فتأمل حالك عند ما يجف ~~ريقك بعض الجفاف ويقل ينبوع هذه العين التي لا يستغنى عنه # | فصل ثم تأمل حكمة الله تعالى في كثرة بكاء الاطفال وما لهم فيه # من المنفعة فإن الاطباء والطبائعيين شهدوا منفعة ذلك وحكمته وقالوا في ~~أدمغة الاطفال رطوبة لو بقيت في أدمغتهم لاحدثت احداثا عظيمة فالبكاء يسيل ~~ذلك ويحدره من ادمغتهم فتقوى ادمغتهم وتصح وايضا فإن البكاء والعياط يوسع ~~عليه مجاري النفس ويفتح العروق ويصابها ويقوى الاعصاب وكم للطفل من منفعة ~~ومصلحة فيما تسمعه من بكائه وصراخه فإذا كانت هذه الحكمة في البكاء الذي ~~سببه ورود الالم المؤذي وأنت لا تعرفها ولا تكاد تخطر ببالك فهكذا ايلام ~~الاطفال فيه وفي اسبابه وعواقبه الحميدة من الحكم ما قد خفي على اكثر الناس ~~واضطرب عليهم الكلام في حكمه اضطراب الارشية وسلكوا في هذا الباب مسالك ~~فقالت PageV01P273 طائفة ليس الا محض المشيئة العارية عن الحكمة والغاية ~~المطلوبة وسدوا على انفسهم هذا الباب جملة وكلما سئلوا عن شيء اجابوا بلا ~~يسال عما يفعل وهذا من اصدق الكلام وليس المراد به نفي حكمته تعالى وعواقب ~~افعاله الحميدة وغاياتها المطلوبة منها وإنما المراد بالاية إفراده ~~بالالهية والربوبية وإنه لكمال حكمته لا معقب لحكمه ولا يعترض عليه بالسؤال ~~لانه لا يفعل شيئا سدى ولا خلق شيئا عبثا وإنما يسأل عن فعله من خرج عن ~~الصواب ولم يكن فيه منفعة ولا فائدة الا ترى إلى قوله أم اتخذوا آلهة من ~~الأرض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش ~~عما يصفون لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون كيف ساق الاية في الانكار ms374 على من ~~اتخذ من دونه آلهة لا تساويه فسواها به مع اعظم الفرق فقوله لا يسأل عما ~~يفعل اثبات لحقيقة الالهية وإفراده له بالربوبية والالهية وقوله وهم يسألون ~~في صلاح تلك الالهة المتخذة للالهية فإنهامسئولة مربوبة مدبرة فكيف يسوى ~~بينها وبينه مع اعظم الفرقان فهذا الذي سيق له الكلام فجعلها الجبرية ملجأ ~~ومعقلا في إنكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة ~~والله الموفق للصواب وقالت طائفة الحكمة في ابتلائهم تعويضهم في الاخرة ~~بالثواب التام فقيل لهم قد كان يمكن ايصال الثواب اليهم بدون هذا الايلام ~~فأجابوا بأن توسط الايلام في حقهم كتوسط التكاليف في حق المكلفين فقيل لهم ~~فهذا ينتقض عليكم بإيلام اطفال الكفار فأجابوا بأنا لا نقول انهم في النار ~~كما قاله من قاله من الناس والنار لا يدخلها أحد الا بذنب وهؤلاء لا ذنب ~~لهم وكذا الكلام معهم في مسئلة الاطفال والحجاج فيها من الجانبين بما ليس ~~هذا موضعه فأورد عليهم مالا جواب لهم عنه وهو إيلام اطفالهم الذين قدر ~~بلوغهم وموتهم على الكفر فإن هذا لا تعويض فيه قطعا ولا هو عقوبة على الكفر ~~فإن العقوبة لا تكون سلفا وتعجيلا فحاروا في هذا الموضع واضطربت اصولهم ولم ~~يأتوا بما يقبله العقل وقالت طائفة ثالثة هذا السؤال لو تأمله مورده لعلم ~~انه ساقط وأن تكلف الجواب عنه الزام مالا يلزم فإن هذه الالام وتوابعها ~~وأسبابها من لوازم النشأة الانسانية التي لم يخلق منفكا عنها فهي كالحر ~~والبرد والجوع والعطش والتعب والنصب والهم والغم والضعيف والعجز فالسؤال عن ~~حكم الحاجة إلى الاكل عند الجوع والحاجة إلى الشرب عند الظمأ والى النوم ~~والراحة عند التعب فإن هذه الالام هي من لوازم النشأة الانسانية التي لا ~~ينفك عنها الانسان ولا الحيوان فلو تجرد عنها لم يكن انسانا بل كان ملكا أو ~~خلقا آخر وليست آلام الاطفال باصعب من آلام البالغين لكن لما صارت لهم عادة ~~سهل موقعها عندهم وكم بين ما يقاسيه الطفل ويعانيه البالغ العاقل وكل ذلك ~~من مقتضى ms375 الانسانية وموجب الخلقة فلو لم يخلق كذلك لكان خلقا آخر فيرى ~~PageV01P274 ان الطفل اذا جاع أو عطش أو برد أو تعب قد خص من ذلك بما لم ~~يمتحن به الكبير فإيلامه بغير ذلك من الاوجاع والاسقام كإيلامه بالجوع ~~والعطش والبرد والحردون ذلك أو فوقه وما خلق الانسان بل الحيوان الا على ~~هذه النشأة قالوا فإن سأل سائل وقال فلم خلق كذلك وهلا خلق خلقة غير قابلة ~~للألم فهذا سؤال فاسد فإن الله تعالى خلقه في عالم الابتلاء والامتحان من ~~مادة ضعيفة فهي عرضة للآفات وركبة تركيبا معرضا للأنواع من الالام وجعل فيه ~~الاخلاط الاربعة التي لا قوام له إلا بها ولا يكون الا عليها وهي لا محالة ~~توجب امتزاجا واختلاطا وتفاعلا يبغى بعضها على بعض بكيفيته تارة وبكميته ~~تارة وبهما تارة وذلك موجب للالام قطعا ووجود الملزوم بدون لازمه محال ثم ~~انه سبحانه ركب فيه من القوى والشهوة والارادة ما يوجب حركته الدائبة وسعيه ~~في طلب ما يصلحه دفع ما يضره بنفسه تارة وبمن يعينه تارة فاحوج النوع بعضه ~~إلى بعض فحدث من ذلك الاختلاط بينهم وبغى بعضهم على بعض فحدث من ذلك الالام ~~والشرور بنحو ما يحدث من امتزاج اخلاطه واختلاطها وبغى بعضها على بعض ~~والالام لا تتخلف عن هذا الامتزاج ابدا الا في دار البقاء والنعيم المقيم ~~لا في دار الابتلاء والامتحان فمن ظن ان الحكمة في ان تجعل خصائص تلك الدار ~~في هذه فقد ظن باطلا بل الحكمة التامة البالغة اقتضت ان تكون هذه الدار ~~ممزوجة عافيتها ببلائها وراحتها بعنائها ولذتها بآلامها وصحتها بسقمها ~~وفرحها بغمها فهي دار ابتلاء تدفع بعض آفاتها ببعض كما قال القائل : # اصبحت في دار بليات % ادفع آفات بآفات ولقد صدق فإنك إذا فكرت في الاكل ~~والشرب واللباس والجماع والراحة وسائر ما يستلذ به رأيته يدفع بها ما قابله ~~من الالام والبليات افلا تراك تدفع بالاكل الم الجوع وبالشرب الم العطش ~~وباللباس الم الحر والبرد وكذا سائرها ومن هنا قال بعض العقلاء ان ms376 لذاتها ~~لنا هي دفع الالام لا غير فاما اللذات الحقيقية فلها دار اخرى ومحل آخر غير ~~هذه فوجود هذه الالام واللذات الممتزجة المختلطة من الادلة على المعاد وأن ~~الحكمة التي اقتضت ذلك هي اولى باقتضاء دارين دار خالصة للذات لا يشوبها ~~الم ما ودار خالصة للالام لا يشوبها لذة ما والدار الاولى الجنة والدار ~~الثانية النار أفلا ترى كيف دلك ذلك مع ما انت مجبول عليه في هذه النشأة من ~~اللذة والالم على الجنة والنار ورايت شواهدهما وأدلة وجودهما من نفسك حتى ~~كأنك تعاينهما عيانا وانظر كيف دل العيان والحس والوجود على حكمة الرب ~~تعالى وعلى صدق رسله فيما اخبروا به من الجنة والنار فتأمل كيف قاد النظر ~~في حكمة الله إلى شهادة العقول والفطر بصدق رسله وما اخبروا PageV01P275 به ~~تفصيلا يدل عليه العقل مجملا فأين هذا من مقام من اداء علمه إلى المعارضة ~~بين ما جاءت به الرسل وبين شواهد العقل وأدلته ولكن تلك العقول كادها ~~باريها ووكلها إلى انفسها فحلت بها عساكر الخذلان من كل جانب وحسبك بهذا ~~الفصل وعظيم منفعته من هذا الكتاب والله المحمود المسؤل تمام نعمته فهذه ~~كلمات مختصرة نافعة في مسألة إيلام الاطفال لعلك لا تظفر بها في أكثر الكتب ~~فارجع الان إلى نفسك وفكر في هذه الافعال الطبيعية التي جعلت في الانسان ~~وما فيها من الحكمة والمنفعة وما جعل لكل واحد منها في الطبع المجرد ~~والداعي الذي يقتضيه ويستحثه فالجوع يستحث الاكل ويطلبه لما فيه من قوام ~~البدن وحياته ومماته والكرى يقتضى النوم ويستحثه لما فيه من راحة البدن ~~والاعضاء واجمام القوى وعودها إلى قوتها جديدة غير كالة والشبق يقتضي ~~الجماع الذي به دوام النسل وقضاءالوطر وتمام اللذة فتجد هذه الدواعي تستحث ~~الانسان لهذه الامور وتتقاضاها منه بغير اختياره وذلك عين الحكمة فإنه لو ~~كان الانسان إنما يستدعي هذه المستحثات إذا اراد لأوشك ان يشتغل عنها بماي ~~يعروه من العوارض مدة فينحل بدنه ويهلك ويترامى إلى الفساد وهو لا يشعر كما ~~إذا احتاج ms377 بدنه إلى شيء من الدواء والصلاح فدافعه وأعرض عنه حتى إذا استحكم ~~به الداء اهلكه فاقتضت حكمة اللطيف الخبير ان جعلت فيه بواعث ومستحثات تؤزه ~~ازا إلى ما فيه قوامه وبقاؤه ومصلحته وترد عليه بغير اختياره ولا استدعائه ~~فجعل لكل واحد من هذه الافعال محرك من نفس الطبيعة يحركه ويحدوه عليه ثم ~~انظر إلى ما يعطيه من القوى المختلفة التي بها قوامه فأعطى القوة الجاذبة ~~الطالبة المستحثة التي تقتضي معلومها من الغذاء فتأخذه ويورده على الاعضاء ~~بحسب قبولها ثم اعطى القوة الممسكة التي تمسك الطعام وتحبسه ريثما تنضجه ~~الطبيعة وتحكم طبخه وتهيؤه لمصارفه وتبعثه لمستحقه ثم اعطى القوة الهاضمة ~~التي تصرفه في البدن وتهضمه عن المعدة ثم اعطى القوة الدافعة وهي التي تدفع ~~ثقله ومالا منفعة فيه فتدفعه وتخرجه عن البدن لئلا يؤذيه وينهكه فمن اعطاك ~~هذه القوة عند شدة حاجتك اليها ومن جعلها خادما لك ومن اعطاها افعالها ~~واستعمل كل واحد منها على غير عمل الاخر ومن الف بينها على تباينها حتى ~~اجتمعت في شخص واحد ومحل واحد ولو عادى بينها كان بعضها يذهب بعضا فمن كان ~~يحول بينه وبين ذلك فلولا القوة الجاذبة كيف كنت متحركا لطلب الغذاء الذي ~~به قوام البدن ولولا الممسكة كيف كان الطعام يذهب في الجوف حتى تهضمه ~~المعدة ولولا الهاضمة كيف كان يطبخ حتى يخلص منه الصفو إلى سائر اجزاء ~~البدن وأعماقه ولولا الدافعة كيف كان الثقل المؤذي القاتل لو انحبس يخرج ~~اولا فأولا فيستريح البدن فيخف PageV01P276 وينشط فتأمل كيف وكلت هذه القوة ~~بك والقيام بمصالحك فالبدن كدار اللملك فيها حشمه وخدمه قد وكل بتلك الدار ~~اقواما يقومون بمصالحها فبعضهم لاقتضاء حوائجها وإيرادها عليها وبعضهم لقبض ~~الوارد وحظفه وخزنه إلى ان يهيأ ويصلح وبعضهم يقبضه فيهيؤه ويصلحه ويدفعه ~~إلى اهل الدار ويفرقه عليهم بحسب حاجاتهم وبعضهم لمسح الدار وتنظيفها ~~وكنسها من المزابل والاقذار فالملك هو الملك الحق المبين جل جلاله والدار ~~انت والحشم والخدم الاعضاء والجوارح والقوام عليها هذه القوى التي ذكرناها ~~تنبيه ms378 فرق بين نظر الطبيب والطبائعي في هذه الامور فنظرهما فيهامقصور على ~~النظر في حفظ الصحة ودفع السقم فهو ينظر فيهامن هذه الجهة فقط وبين نظر ~~المؤمن العارف فيها فهو ينظر فيها من جهة دلالتها على خالقها وباريها وماله ~~فيها من الحكم البالغة والنعم السابغة والالاء التي دعا العباد إلى شكرها ~~وذكرها # تنبيه ثم تأمل حكمة الله عز وجل في الحفظ والنسيان الذي خص به نوع ~~الانسان وماله فيهما من الحكم وما للعبد فيهما من المصالح فإنه لولا القوة ~~الحافظة التي خص بها لدخل عليه الخلل في أموره كلها ولم يعرف ماله وما عليه ~~ولا ما اخذ ولا ما اعطى ولا ما سمع ورأى ولا ما قال ولا ما قيل له ولا ذكر ~~من احسن اليه ولا من اساء اليه ولا من عامله ولا من نفعه فيقرب منه ولا من ~~ضره فينأى عنه ثم كان لايهتدي إلى الطريق الذي سلكه اول مرة ولو سلكه مرارا ~~ولا يعرف علما ولو درسه عمره ولا ينتفع بتجربة ولا يستطيع ان يعتبر شيئا ~~على ما مضى بل كان خليقا ان ينسلخ من الانسانية اصلا فتأمل عظيم المنفعة ~~عليك في هذه الخلال وموقع الواحدة منها فضلا عن جميعهن ومن اعجب النعم عليه ~~نعمة النسيان فإنه لولا النسيان لما سلا شيئا ولا انقضت له حسرة ولا تعزى ~~عن مصيبة ولا مات له حزن ولا بطل له حقد ولا تمتع بشيء من متاع الدنيا مع ~~تذكر الافات ولا رجا غفلة عدو ولا نقمة من حاسد فتأمل نعمة الله في الحفظ ~~والنسيان مع اختلافهما وتضادهما وجعله في كل واحد منهما ضربا من المصلحة ~~تنبيه ثم تأمل هذا الخلق الذي خص به الانسان دون جميع الحيوان وهو خلق ~~الحياء الذي هو من افضل الاخلاق واجلها واعظمها قدرا واكثرها نفعا بل هو ~~خاصة الانسانية فمن لا حياء فيه ليس معه من الانسانية الا اللحم والدم ~~وصورتهم الظاهرة كما انه ليس معه من الخير شيء ولولا هذاالخلق لم يقر الضيف ~~ولم يوف ms379 بالوعد ولم يؤد امانة ولم يقض لاحد حاجة ولا تحرى الرجل الجميل ~~فآثره والقبيح فتجنبه ولا ستر له عورة ولا امتنع من فاحشة وكثير من الناس ~~لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئا من الامور المفترضة عليه ولم يرع لمخلوق ~~PageV01P277 حقا ولم يصل له رحما ولا بر له والدا فإن الباعث على هذه ~~الافعال إما ديني وهو رجاء عاقبتها الحميدة وإما دنيوي علوي وهو حياء ~~فاعلها من الخلق قد تبين انه لولا الحياء إما من الخالق أو من الخلائق لم ~~يفعلها صاحبها وفي الترمذي وغيره مرفوعا استحيوا من الله حق الحياء قالوا ~~وما حق الحياء قال ان تحفظ الراس وما حوى والبطن وما وعى وتذكر المقابر ~~والبلى وقال إذا لم تستح فاصنع ما شئت وأصح القولين فيه قول أبي عبيد ~~والاكثرين انه تهديد كقوله تعالى @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ وقوله @QB@ كلوا ~~وتمتعوا قليلا @QE@ وقالت طائفة هو إذن وإباحة والمعنى إنك اذا اردت ان ~~تفعل فعلا فانظر قبل فعله فإن كان مما يستحيا فيه من الله ومن الناس فلا ~~تفعله وإن كان مما لا يستحيا منه فافعله فإنه ليس بقبيح وعندي ان هذا ~~الكلام صورة صرة الطلب ومعناه معنى الخبر وهو في قوة قولهم من لا يستحى صنع ~~ما يشتهى فليس بإذن ولا هو مجرد تهديد وإنما هو في معنى الخبر والمعنى ان ~~الرادع عن القبيح إنما هو الحياء فمن لم يستح فإنه يصنع ماشاء وإخراج هذا ~~المعنى في صيغة الطلب لنكته بديعة جدا وهي ان للانسان آمرين وزاجرين ~~آمروزاجر من جهة الحياء فإذا اطاعه امتنع من فعل كل ما يشتهي وله آمر وزاجر ~~من جهة الهوى والطبيعة فمن لم يطع آمر الحياء وزاجره اطاع آمر الهوى ~~والشهوة ولا بد فإخراج الكلام في قالب الطلب يتضمن هذا المعنى دون ان يقال ~~من لا يستحي صنع ما يشتهي # تنبيه ثم تأمل نعمة الله على الانسان بالبيانين البيان النطقي والبيان ~~الخطي وقد اعتد بهما سبحانه في جملة من اعتد به من نعمه على العبد ms380 فقال في ~~أول سورة انزلت على رسول الله @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من ~~علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ فتأمل ~~كيف جمع في هذه الكلمات مراتب الخلق كلها وكيف تضمنت مراتب الوجودات ~~الاربعة بأوجز لفظ واوضحه واحسنه فذكر أولا عموم الخلق وهو إعطاءالوجود ~~الخارجي ثم ذكر ثانيا خصوص خلق الانسان لانه موضع العبرة والاية فيه عظيمة ~~ومن شهوده عما فيه محض تعدد النعم وذكر مادة خلقه ها هنا من العلقة وفي ~~سائر المواضع يذكر ما هو سابق عليها إما مادة الاصل وهو التراب والطين أو ~~الصلصال الذي كالفخار أو مادة الفرع وهو الماء المهين وذكر في هذا الموضع ~~اول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقة فإنه كان قبلها نطفة فأول انتقالها إنما ~~هو إلى العلقة ثم ذكر ثالثا التعليم بالقلم الذي هو من اعظم نعمه على عباده ~~إذ به تخلد العلوم وتثبت الحقوق وتعلم الوصايا وتحفظ الشهادات ويضبط حساب ~~المعاملات الواقعة بين الناس وبه تقيد اخبار الماضين للباقين اللاحقين ~~ولولا الكتابة لانقطعت اخبار بعض الازمنة عن بعض ودرست السنن وتخبطت ~~الاحكام ولم يعرف PageV01P278 الخلف مذاهب السلف وكان معظم الخلل الداخل ~~على الناس في دينهم ودنياهم إنمايعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من ~~قلوبهم فجعل لهم الكتاب وعاء حافظا للعلم من الضياع كالأوعية التي تحفظ ~~الامتعة من الذهاب والبطلان فنعمة الله عن وجل بتعليم القلم بعد القرآن من ~~اجل النعم والتعليم به وإن كان مما يخلص اليه الانسان بالفطنة والحيلة فإنه ~~الذي بلغ به ذلك وأوصله اليه عطية وهبها الله منه وفضل اعطاه الله إياه ~~وزيادة في خلقه وفضله فهو الذي علمه الكتابة وإن كان هو المتعلم ففعله فعل ~~مطاوع لتعليم الذي علم بالقلم فإن علمه فتعلم كما انه علمه الكلام فتكلم ~~هذا ومن اعطاه الذهن الذي يعي به واللسان الذي يترجم به والبنان الذي يحط ~~به ومن هيأ ذهنه لقبول هذا التعليم دون سائر الحيوانات ومن الذي انطق لسانه ~~وحرك بنانه ms381 ومن الذي دعم البنان بالكف ودعم الكف بالساعد فكم لله من آية ~~نحن غافلون عنها في التعلم بالقلم فقف وقفة في حال الكتابة وتأمل حالك وقد ~~امسكت القلم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد فتولد من بينهما انواع ~~الحكم واصناف العلوم وفنون المراسلات والخطب والنظم والنثر وجوابات المسائل ~~فمن الذي اجرى فلك المعاني على قلبك ورسمها في ذهنك ثم اجرى العبارات ~~الدالة عليها على لسانك ثم حرك بها بنانك حتى صارت نقشا عجيبا معناه اعجب ~~من صورته فتقضى به مآربك وتبلغ به حاجة في صدرك وترسله إلى الاقطار النائية ~~والجهات المتباعدة فيقوم مقامك ويترجم عنك ويتكلم على لسانك ويقوم مقام ~~رسولك ويجدي عليك مالا يجدي من ترسله سوى من علم بالقلم علم الانسان ما لم ~~يعلم والتعليم بالقلم يتسلزم المراتب الثلاثة مرتبة الوجود الذهني والوجود ~~اللفظي والوجود الرسمي فقد دل التعليم بالقلم على انه سبحانه هو المعطي ~~لهذه المراتب ودل قوله خلق على انه يعطى الوجود العيني فدلت هذه الايات مع ~~اختصارها ووجازتها وفصاحتها على ان مراتب الوجود بأسرها مسندة اليه تعالى ~~خلقا وتعليما وذكر خلقين وتلعيمين خلقا عاما وخلقا خاصا وتعليما خاصا ~~وتعليما عاما وذكر من صفاته ها هنا اسم الاكرم الذي فيه كل خير وكل كمال ~~فله كل كمال وصفا ومنه كل خير فعلا فهو الاكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله ~~وهذا الخلق والتعليم إنما نشأ من كرمه وبره وإحسانه لا من حاجة دعته إلى ~~ذلك وهو الغني الحميد وقوله تعالى @QB@ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه ~~البيان @QE@ دلت هذه الكلمات على إعطائه سبحانه مراتب الوجود بأسرها فقوله ~~خلق الانسان إخبار عن الايجاد الخارجي العيني وخص الانسان بالخلق لما تقدم ~~وقوله علم القرآن إخبار عن إعطاء الوجود العلمي الذهني فإنما تعلم الانسان ~~القرآن بتعليمه كما انه إنما صار إنسانا بخلقه فهو الذي خلقه وعلمه ثم قال ~~علمه البيان والبيان يتناول مراتب راتب ثلاثة كل منها يسمى بيانا احدها ~~البيان الذهني الذي يميز فيه بين المعلومات الثاني البيان PageV01P279 ~~اللفظي ms382 الذي يعبر به عن تلك المعلومات ويترجم عنها فيه لغيره الثالث البيان ~~الرسمي الخطي الذي يرسم به تلك الالفاظ فيتبين الناظر معانيها كما يتبين ~~للسامع معاني الالفاظ فهذا بيان للعين وذاك بيان للسمع والاول بيان للقلب ~~وكثيرا ما يجمع سبحانه بين هذه الثلاثة كقوله @QB@ إن السمع والبصر والفؤاد ~~كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ وقوله @QB@ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون @QE@ ويذم من ~~عدم الانتفاع بها في اكتساب الهدى والعلم النافع كقوله @QB@ صم بكم عمي ~~@QE@ وقوله @QB@ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة @QE@ ~~وقد تقدم بسط هذا الكلام تنبيه ثم تأمل حكمة اللطيف الخبير فيما اعطى ~~الانسان علمه بما فيه صلاح معاشه ومعاده ومنع عنه علم مالا حاجة له به ~~فجهله به لا يضر وعلمه به لا ينتفع به انتفاعا طائلا ثم يسر عليه طرق ما هو ~~محتاج اليه من العلم اتم تيسير وكلما كانت حاجته اليه من العلم اعظم كان ~~تيسيره اياه عليه اتم فاعطاه معرفة خالقه وبارئه ومبدعه سبحانه والاقرار به ~~ويسر عليه طرق هذه المعرفة فليس في العلوم ما هو اجل منها ولا اظهر عند ~~العقل والفطرة وليس في طرق العلوم التي تنال بها أكثر من طرقها ولا أدل ولا ~~ابين ولا اوضح فكلما تراه بعينك أو تسمعه بأذنك اوتعقله بقلبك وكلما يخطر ~~ببالك وكلما نالته حاسة من حواسك فهو دليل على الرب تبارك وتعالى فطرق ~~العلم بالصانع فطرية ضرورية ليس في العلوم اجلي منها وكل ما استدل به على ~~الصانع فالعلم بوجوده اظهر من دلالته ولهذا قالت الرسل لاممهم افي الله شك ~~فخاطبوهم مخاطبة من لا ينبغي ان يخطر له شك ما في وجود الله سبحانه ونصب من ~~الادلة على وجوده وحدانيته وصفات كماله الادلة على اختلاف انواعها ولا يطيق ~~حصرها إلا الله ثم ركز ذلك في الفطرة ووضعه في العقل جملة ثم بعث الرسل ~~مذكرين به ولهذا يقول تعالى فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقوله ms383 @QB@ فذكر ~~إن نفعت الذكرى @QE@ وقوله @QB@ إنما أنت مذكر @QE@ وقوله @QB@ فما لهم عن ~~التذكرة معرضين @QE@ وهو كثير في القرآن ومفصلين لما في الفطرة والعقل ~~العلم به جملة فانظر كيف وجد الاقرار به وبتوحيده وصفات كماله ونعوت جلاله ~~وحكمته في خلقه وأمره المقتضية إثبات رسالة رسله ومجازات المحسن بإحسانه ~~والمسيء بإسائته مودعا في الفطرة مركوزا فيها فلو خليت على ما خلقت عليه لم ~~يعرض لها ما يفسدها ويحولها ويغيرها عما فطرت عليه ولأقرت بوحدنيه ووجوب ~~شكره وطاعته وبصفاته وحكمته في أفعاله وبالثواب والعقاب ولكنها لما فسدت ~~وانحرفت عن المنهج الذي خلقت PageV01P280 عليه انكرت ما انكرت وجحدت ما ~~جحدت فبعث الله رسله مذكرين لاصحاب الفطر الصحيحة السليمة فانقادوا طوعا ~~واختيارا ومحبة وإذعانا بما جعل من شواهد ذلك في قلوبهم حتى ان منهم من لم ~~يسأل عن المعجزة والخارق بل علم صحة الدعوة من ذاتها وعلم انها دعوة حق ~~برهانها فيها ومعذرين ومقيمين البينة على اصحاب الفطر الفاسدة لئلا نحتج ~~على الله بأنه ما ارشدها ولا هداها فيحق القول عليها بإقامة الحجة فلا يكون ~~سبحانه ظالما لها بتعذيبها واشقائها وقد بين ذلك سبحانه في قوله @QB@ إن هو ~~إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين @QE@ فتأمل ~~كيف ظهرت معرفة الله والشهادة له بالتوحيد واثبات اسمائه وصفاته ورسالة ~~رسله والبعث للجزاء مسطورة مثبتة في الفطر ولم يكن ليعرف بها انها ثابتة في ~~فطرته فلما ذكرته الرسل ونبهته رأى ما أخبروه به مستقرا في فطرته شاهدا به ~~عقله بل وجوارحه ولسان حاله وهذا اعظم ما يكون من الايمان وهو الذي كتبه ~~سبحانه في قلوب اوليائه وخاصته فقال @QB@ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان @QE@ ~~فتدبر هذا الفصل فإنه من الكنوز في هذا الكتاب وهو حقيق بأن تثنى عليه ~~الخناصر ولله الحمد والمنه والمقصود ان الله سبحانه اعطى العبد من هذه ~~المعارف وطرقها ويسرها عليه ما لم يعطه من غيرها لعظم حاجته في معاشه ~~ومعاده اليها ثم وضع في العقل من الاقرار بحسن شرعه ودينه ms384 الذي هو ظله في ~~ارضه وعدله بين عباده ونوره في العالم مالوا اجتمعت عقول العالمين كلهم ~~فكانوا على عقل اعقل رجل واحد منهم لما امكنهم ان يقترحوا شيئا احسن منه ~~ولا اعدل ولا اصلح ولا انفع للخليقة في معاشها ومعادها فهو اعظم آياته ~~واوضح بيناته وأظهر حججه على انه الله الذي لا إله إلا هو وإنه المتصف بكل ~~كمال المنزه عن كل عيب ومثال فضلا عن ان يحتاج إلى إقامة شاهد من خارج عليه ~~بالادلة والشواهد لتكثير طرق الهدى وقطع المعذرة وإزاحة العلة والشبهة ~~ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينه وان الله لسميع عليم فأثبت في ~~الفطرة حسن العدل والانصاف والصدق والبر والاحسان والوفاء بالعهد والنصيحة ~~للخلق ورحمة المسكين ونصر المظلوم ومواساة اهل الحاجة والفاقة وأداء ~~الامانات ومقابلة الاحسان بالاحسان والاساءة بالعفو والصفح والصبر في مواطن ~~الصبر والبذل في مواطن البذل والانتقام في موضع الانتقام والحلم في موضع ~~الحلم والسكينة والوقار والرأفة والرفق والتؤدة وحسن الاخلاق وجميل ~~المعاشرة مع الاقارب والاباعد وستر العورات وإقالة العثرات والايثار عند ~~الحاجات واغاثة اللهفات وتفريج الكربات والتعاون على انواع PageV01P281 ~~الخير والبر والشجاعة والسماحة والبصيرة والثبات والعزيمة والقوة في الحق ~~واللين لاهله والشدة على اهل الباطل والغلظة عليهم والاصلاح بين الناس ~~والسعي في إصلاح ذات البين وتعظيم من يستحق التعظيم وإهانة من يستحق ~~الاهانة وتنزيل الناس منازلهم وأعطاء كل ذي حق حقه وأخذ ما سهل عليهم وطوعت ~~به انفسهم من الاعمال والاموال والاخلاق ولارشاد ضالهم وتعليم جاهلهم ~~واحتمال جفوتهم واستواء قريبهم وبعيدهم في الحق فأقربهم اليه اولاهم بالحق ~~وان كان بعيدا و ابعدهم عنه ابعدهم من الحق وان كان حبيبا قريبا إلى غير ~~ذلك من معرفة العقل الذي وضعه بينهم في المعاملات والمناكحات والجنايات وما ~~اودع في فطرهم من حسن شكره وعبادته وحده لا شريك له وان نعمه عليهم توجب ~~بذل قدرتهم وطاقتهم في شكره والتقرب اليه وإيثاره على ما سواه واثبت في ~~الفطر علمها بقبيح اضداد ذلك ثم بعث رسله ms385 في الامر بما اثبت في الفطر حسنه ~~وكماله والنهي عما اثبت فيها قبحه وعيبه وذمه فطابقت الشريعة المنزلة ~~للفطرة المكلمة مطابقة التفصيل بجملته وقامت وشواهد دينه في الفطرة تنادي ~~للايمان حي على الفلاح وصدعت تلك الشواهد والايات دياجي ظلم الاباء كما صدع ~~الليل ضوء الصباح وقبل حاكم الشريعة شهادة العقل والفطرة لما كان الشاهد ~~غير متهم ولا معرض للجراح # | فصل وكذلك اعطاهم من العلوم المتعلقة بصلاح معاشهم ودنياهم بقدر # حاجاتهم كعلم الطب والحساب وعلم الزراعة والغراس وضروب الصنائع واستنباط ~~المياه وعقد الابنية وصنعة السفن واستخراج المعادن وتهيئتها لما يراد منها ~~وتركيب الادوية وصنعة الاطعمة ومعرفة ضروب الحيل في صيد الوحش والطير ودواب ~~الماء والتصرف في وجوه التجارات ومعرفة وجوه المكاسب وغير ذلك مما فيه قيام ~~معايشهم ثم منعهم سبحانه علم ما سوى ذلك مما ليس في شأنهم ولا فيه مصلحة ~~لهم ولا نشأتهم قابلة له كعلم الغيب وعلم ما كان وكل ما يكون والعلم بعدد ~~القطر وامواج البحر وذرات الرمال ومساقط الاوراق وعدد الكواكب ومقاديرها ~~وعلم ما فوق السموات وما تحت الثرى وما في لجج البحار واقطار العالم وما ~~يكنه الناس في صدورهم وما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد إلى ~~سائر ما عزب عنهم علمه فمن تكلف معرفة ذلك فقد ظلم نفسه وبخس من التوفيق ~~حظه ولم يحصل الا على الجهل المركب والخيال الفاسد في أكثر امره وجرت سنة ~~الله وحكمته ان هذا الضرب من الناس اجهلهم بالعلم النافع وأقلهم صوابا فترى ~~عند من لا يرفعون به رأسا من الحكم والعلم الحق النافع مالا يخطر ببالهم ~~اصلا وذلك من حكمة الله في خلقه وهوالعزيز الحكيم ولا يعرف هذا الا من اطلع ~~على ما عند القوم من انواع الخيال PageV01P282 وضروب المحال وفنون الوساوس ~~والهوى والهوس والخبط وهم يحسبون انهم على شيء إلا انهم هم الكاذبون فالحمد ~~لله الذي من على المؤمنين @QB@ إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ms386 لفي ضلال مبين @QE@ # | فصل ومن حكمته سبحانه ما منعهم من العلم علم الساعة ومعرفة آجالهم # وفي ذلك من الحكمة البالغة مالا يحتاج إلى نظر فلو عرف الانسان مقدار ~~عمره فإن كان قصير العمر لميتهنأ بالعيش وكيف يتهنأ به وهو يترقب الموت في ~~ذلك الوقت فلولا طول الامل لخربت الدنيا وأنما عمارتها بالامال وإن كان ~~طويل العمر وقد تحقق ذلك فهو واثق بالبقاء فلا يبالي بالانهماك في الشهوات ~~والمعاصي وأنواع الفساد ويقول إذا قرب الوقت احدثت توبة وهذا مذهب لا ~~يرتضيه الله تعالى عز وجل من عباده ولا يقبله منهم ولا تصلح عليه احوال ~~العالم ولا يصلح العالم إلا على هذا الذي اقتضته حكمته وسبق في علمه فلو ان ~~عبدا من عبيدك عمل على ان يستحضك اعواما ثم يرضيك ساعة واحدة إذا تيقن انه ~~صائر اليك لم تقبل منه ولم يفز لديك بما يفوز به من همه رضاك وكذا سنة الله ~~عز وجل ان العبد إذا عاين الانتقال إلى الله تعالى لم ينفعه توبة ولا اقلاع ~~قال تعالى @QB@ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ~~قال إني تبت الآن @QE@ وقوله فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا سنة الله التي خلت ~~في عباده والله تعالى إنما يغفر للعبد إذا كان وقوع الذنب منه على وجه غلبة ~~الشهوة وقوة الطبيعة فيواقع الذنب مع كراهته له من غير إصرار في نفسه فهذا ~~ترجى له مغفرة الله وصفحه وعفوه لعلمه تعالى بضفعه وغلبة شهوته له وأنه يرى ~~كل وقت مالا صبر له عليه فهو إذا واقع الذنب واقعه مواقعة ذليل خاضع لربه ~~خائف مختلج في صدره شهوة النفس الذنب وكراهة الايمان له فهو يجيب داعي ~~النفس تاره وداعي الايمان تارات فاما من بنى امره على ان لا يقف عن ذنب ولا ~~يقدم خوفا ولا يدع لله شهوة وهو فرح مسرور يضحك ظهرا لبطن إذ ظفر بالذنب ~~فهذا الذي يخاف ms387 عليه ان يحال بينه وبين التوبة ولا يوفق لها فإنه من معاصيه ~~وقبائحه على نقد عاجل يتقاضاه سلفا وتعجيلا ومن توبته وإيابه ورجوعه إلى ~~الله على دين مؤجل إلى انقضاء الاجل وإنما كان هذا الضرب من الناس يحال ~~بينهم وبين التوبة غالبا لان النزوع عن اللذات والشهوات إلى مخالفة الطبع ~~والنفس والاستمرار على ذلك شديد على النفس صعب عليها اثقل من الجبال ولا ~~سيما إذا انضاف إلى ذلك ضعف البصيرة وقلة النصيب من الايمان فنفسه لا تطوع ~~له ان يبيع نقدا بنسيئة ولا عاجلا بآجل كما قال بعض هؤلاء وقد سئل ايما احب ~~اليك درهم اليوم أو دينار غدا فقال لا هذا ولا هذا ولكن ربع درهم من اول ~~امس فحرام على هؤلاء ان يوفقوا للتوبة إلا ان يشاء الله فإذا بلغ ~~PageV01P283 العبد حد الكبر وضعفت بصيرته ووهت قواه وقد اوجبت له تلك ~~الاعمال قوة في غيه وضعفا في إيمانه صارت كالملكة له بحيث لا يتمكن من ~~تركها فإن كثرة المزاولات تعطى الملكات فتبقى للنفس هيئة راسخة وملكة ثابتة ~~في الغي والمعاصي وكلما صدر عنه واحد منها اثرا أثرا زائدا على اثر ما قبله ~~فيقوى الاثران وهلم جرا فيهجم عليه الضعف والكبر ووهن القوة على هذه الحال ~~فينتقل إلى الله بنجاسته واوساخه وادرانه لم يتطهر للقدوم على الله فما ظنه ~~بربه ولو انه تاب وأناب وقت القدرة والامكان لقبلت توبته ومحيت سيئاته ولكن ~~حيل بينهم وبين ما يشتهون ولا شيء اشهى لمن انتقل إلى الله على هذه الحال ~~من التوبة ولكن فرط في أداء الدين حتى نفذ المال ولو أداه وقت الامكان ~~لقبله ربه وسيعلم المسرف والمفرط أي ديان ادان وأي غريم بتقاضاه ويوم يكون ~~الوفاء من الحسنات فإن فنيت فيحمل السيئات فبان ان من حكمة الله ونعمه على ~~عباده ان ستر عنهم مقادير آجالهم ومبلغ اعمارهم فلا يزال الكيس يترقب الموت ~~وقد وضعه بين عينيه فينكف عما يضره في معاده ويجتهد فيما ينفعه ويسر به عند ~~القدوم فإن قلت ms388 فها هو مع كونه قد غيب عنه مقدار اجله وهو يترقب الموت في ~~كل ساعة ومع ذلك يقارف الفواحش وينتهك المحارم فأي فائدة وحكمة حصلت بستر ~~اجله عنه قيل لعمر الله ان الامر كذلك وهو الموضع الذي حير الالباب ~~والعقلاء وافترق الناس لاجله فرقا شتى ففرقة انكرت الحكمة وتعليل افعال ~~الرب جملة وقالوا بالجبر المحض وسدوا على انفسهم الباب وقالوا لا تعلل ~~افعال الرب تعالى ولاهي مقصود بها مصالح العباد وإنما مصدرها محض المشيئة ~~وصرف الارادة فأنكروا حكمة الله في امره ونهيه وفرقة نفت لاجله القدر جملة ~~وزعموا ان أفعال العباد غير مخلوقة لله حتى يطلب لها وجوه الحكمة وإنما هي ~~خلقهم وابداعهم فهي واقعة بحسب جهلهم وظلمهم وضعفهم فلا يقع على السداد ~~والصواب الا اقل القليل منها فهاتان الطائفتان متقابلتان اعظم تقابل ~~فالأولى غلت في الجبر وانكار الحكم المقصودة في أفعال الله والثانية غلت في ~~القدر واخرجت كثيرا من الحوادث بل اكثرها عن ملك الرب وقدرته وهدى الله اهل ~~السنة الوسط لما اختلفوا فيه من الحق باذنه فأثبتوا لله عز وجل عموم القدرة ~~والمشيئة وأنه تعالى ان يكون في مسلكه مالا يشاء أو يشاء مالا يكون وأن اهل ~~سمواته وارضه اعجز واضعف من ان يخلقوا مالا يخلقه الله أو يحدثوا مالا يشاء ~~بل ما شاء الله كان ووجد وجوده بمشيئته وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده ~~لعدم المشيئة له وانه لا حول ولا قوة الا به ولا تتحرك في العالم العلوي ~~والسفلي ذرة الا بإذنه ومع ذلك فله في كل ما خلق وقضى وقدر وشرع من الحكم ~~البالغة والعواقب الحميدة ما اقتضاه كمال حكمته وعلمه وهو العليم الحكيم ~~فما خلق شيئا ولا قضاه ولا شرعه الا لحكمة بالغة وان تقاصرت عنها عقول ~~البشر فهو الحكيم القدير فلا تجحد حكمته كمالا تجحد قدرته PageV01P284 ~~والطائفة الاولى جحدت الحكمة والثانية جحدت القدرة والامة الوسط اثبتت له ~~كمال الحكمة وكمال القدرة فالفرقة الاولى تشهد في المعصية مجرد المشيئة ~~والخلق العاري عن الحكمة ms389 وربما شهدت الجبر وأن حركاتهم بمنزلة حركات ~~الاشجار ونحوها والفرقة الثانية تشهد في المعصية مجرد كونها فاعلة محدثة ~~مختارة هي التي شاءت ذلك بدون مشيئة الله والامة الوسط تشهد عز الربوبية ~~وقهر المشيئة ونفوذها في كل شيء وتشهد مع ذلك فعلها وكسبها واختيارها ~~وايثارها شهواتها على مرضات ربها فيوجب الشهود الاول لها سؤال ربها والتذلل ~~والتضرع له ان يوفقها لطاعته ويحول بينها وبين معصيته وان يثبتها على دينه ~~ويعصمها بطواعيته ويوجب الشهود الثاني لها اعترافها بالذنب وإقرارها به على ~~نفسها وأنها هي الظالمة المستحقة للعقوبة وتنزيه ربها عن الظلم وان يعذبها ~~بغير استحقاق منها أو يعذبها على ما لم تعمله فيجتمع لها من الشهودين شهود ~~التوحيد والشرع والعدل والحكمة وقد ذكرنا في الفتوحات القدسية مشاهد الخلق ~~في مواقعة الذنب وانها تنتهي إلى ثمانية مشاهد احدها المشهد الحيواني ~~البهيمي الذي شهود صاحبه مقصور على شهوات لذته به فقط وهو في هذا المشهد ~~مشارك لجميع الحيوانات وربما يزيد عليها في اللذة وكثرة التمتع والثاني ~~مشهد الجبر وان الفاعل فيه سواه والمحرك له غيره ولا ذنب له هو وهذا مشهد ~~المشركين واعداء الرسل الثالث مشهد القدر وهو انه هو الخالق لفعله المحدث ~~له بدون مشيئة الله وخلقه وهذا مشهد القدرية المجوسية الرابع مشهد اهل ~~العلم والايمان وهو مشهد القدر والشرع يشهد فعله وقضاء الله وقدره كما تقدم ~~الخامس مشهد الفقر والفاقة والعجز والضعف وانه إن لم يعنه الله ويثبته ~~ويوفقه فهو هالك والفرق بين مشهد هذا ومشهد الجبرية ظاهر السادس مشهد ~~التوحيد وهو الذي يشهد فيه إنفراد الله عز وجل بالخلق والابداع ونفوذ ~~المشيئة وان الخلق اعجز من ان يعصوه بغير مشيئته والفرق بين هذا المشهد ~~وبين المشهد الخامس ان صاحبه شاهد لكمال فقره وضعفه وحاجته وهذا شاهد لتفرد ~~الله بالخلق والابداع وأنه لا حول ولا قوة الا به السابع مشهد الحكمة وهو ~~ان يشهد حكمة الله عز وجل في قضائه وتخليته بين العبد والذنب ولله في ذلك ~~حكم تعجز العقول عن الاحاطة ms390 بها وذكرنا منها في ذلك الكتاب قريبا من اربعين ~~حكمة وقد تقدم في اول هذا الكتاب التنبيه على بعضها الثامن مشهد الاسماء ~~والصفات وهو ان يشهد ارتباط الخلق والامر والقضاء والقدر بأسمائه تعالى ~~وصفاته وان ذلك موجبها ومقتضاها فأسماؤه الحسنى اقتضت ما اقتضته من التخلية ~~بين العبد وبين الذنب فإنه الغفار التواب العفو الحليم وهذه اسماء تطلب ~~آثارها وموجباتها ولا بد فلو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ~~فيستغفرون فيغفر لهم وهذا المشهد والذي قبله اجل هذه المشاهد واشرفها ~~وارفعها قدرا PageV01P285 وهما لخواص الخليفة فتأمل بعد ما بينهما وبين ~~المشهد الاول وهذان المشهدان يطرحان العبد على باب المحبة ويفتحان له من ~~المعارف والعلوم امورا لا يعبر عنها وهذا باب عظيم من ابواب المعرفة قل من ~~استفتحه من الناس وهو شهود الحكمة البالغة في قضاء السيئات وتقدير المعاصي ~~وإنما استفتح الناس باب الحكم في الاوامر والنواهي وخاضوا فيها واتوا بما ~~وصلت اليه علومهم واستفتحوا ايضا بابها في المخلوقات كما قدمناه وأتوا فيه ~~بما وصلت اليه قواهم واما هذا الباب فكما رأيت كلامهم فيه فقل ان ترى ~~لاحدهم فيه ما يشفى أو يلموكيف يطلع على حكمة هذا الباب من عنده ان اعمال ~~العباد ليست مخلوقة لله ولا داخلة تحت مشيئته اصلا وكيف يتطلب لها حكمة أو ~~يثبتها أم كيف يطلع عليها من يقول هي خلق الله ولكن افعاله غير معللة ~~بالحكم ولا يدخلها لام تعليل اصلا وإن جاء شيء من ذلك صرف إلى لام العاقبة ~~لا إلى لام العلة والغاية فأما إذا جاءت الباء في افعاله صرفت إلى باء ~~المصاحبة لا إلى باء السببية وإذا كان المتكلمون عند الناس هم هؤلاء ~~الطائفتان فإنهم لا يرون الحق خارجا عنهما ثم كثير من الفضلاء يتحير إذا ~~رأى بعض اقوالهم الفاسدة ولا يدرى أين يذهب ولما عربت كتب الفلاسفة صار ~~كثير من الناس إذا رأى اقوال المتكلمين الضعيفة وقد قالوا إن هذا هو الذي ~~جاء به الرسول قطع القنطرة وعدي إلى ذلك البر ms391 وكل ذلك من الجهل القبيح ~~والظن الفاسد ان الحق لا يخرج عن اقوالهم فما اكثر خروج الحق عن اقوالهم ~~وما اكثر ما يذهبون في المسائل التي هي حق وصواب إلى خلاف الصواب والمقصود ~~ان المتكلمين لو اجمعوا على شيء لم يكن اجماعهم حجة عند أحد من العلماء ~~فكيف إذا اختلفوا والمقصود ان مشاهدة حكمة الله في اقضيته واقداره التي ~~يجربها على عباده باختياراتهم وإراداتهم هي من الطف ما تكلم فيه الناس ~~وأدقه واغمضه وفي ذلك حكم لا يعلمها إلا الحكيم العليم سبحانه ونحن نشير ~~إلى بعضها فمنها أنه سبحانه يحب التوابين حتى انه من محبته لهم يفرح بتوبة ~~احدهم اعظم من فرح الواحد براحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدوية ~~المهلكة إذا فقدها وايس منها وليس في أنواع الفرح أكمل ولا اعظم من هذا ~~الفرح كما سنوضح ذلك ونزيده تقريرا عن قريب إن شاء الله ولولا المحبة ~~التامة للتوبة ولأهلها لم يحصل هذا الفرح ومن المعلوم ان وجود المسبب بدون ~~سببه ممتنع وهل يوجد ملزوم بدون لازمه أو غاية بدون وسيلتها وهذا معنى قول ~~بعض العارفين ولو لم تكن التوبة احب الاشياء اليه لما ابتلى بالذنب اكرم ~~المخلوقات عليه فالتوبة هي غاية كمال كل آدمي وإنما كان كمال ابيهم بها فكم ~~بين حالة وقد قيل له إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا ~~تضحى وبين قوله ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى فالحال الاولى حال أكل وشرب ~~PageV01P286 وتمتع والحال الاخرى حال اجتباء واصطفاء وهداية فيما بعد ما ~~بينهما ولما كان كماله بالتوبة كان كمال بنيه ايضا بها كما قال تعالى @QB@ ~~ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات @QE@ فكمال الادمي في هذه الدار بالتوبة النصوح وفي ~~الاخرة بالنجاة من النار ودخول الجنة وهذا الكمال مرتب على كماله الاول ~~والمقصود انه سبحانه لمحبته التوبة وفرحة بها يقتضي على عبده بالذنب ثم إن ~~كان ممن سبقت له الحسنى قضى له بالتوبة وإن كان ms392 ممن غلبت عليه شقاوته اقام ~~عليه حجة عدله وعاقبة بذنبه # | فصل ومنها انه سبحانه يجب ان يتفضل عليهم ويتم عليهم نعمه ويريهم # مواقع بره وكرمه فلمحبته الافضال والانعام ينوعه عليهم اعظم الانواع ~~واكثرها في سائر الوجوه الظاهرة والباطنة ومن اعظم انواع الاحسان والبر ان ~~يحسن إلى من اساء ويعفو عمن ظلم ويغفر لم اذنب ويتوب على من تاب اليه ويقبل ~~عذر من اعتذر اليه وقدندب عباده إلى هذه الشيم الفاضلة والافعال الحميدة ~~وهو أولى بها منهم واحق وكان له في تقدير اسبابها من الحكم والعواقب ~~الحميدة ما يبهر العقول فسبحانه وبحمده وحكى بعض العارفين انه قال طفت في ~~ليلة مطيرة شديدة الظلمة وقد خلا الطواف وطابت نفسي فوقفت عند الملتزم ~~ودعوت الله فقلت اللهم اعصمني حتى لا اعصيك فهتف بي هاتف انت تسألني العصمة ~~وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من اتفضل ولمن اغفر قال فبقيت ~~ليلتي إلى الصباح استغفر الله حياء منه هذا ولو شاء الله عز وجل ان لا يعصي ~~في الأرض طرفة عين لم يعص ولكن اقتضت مشيئيه ما هوموجب حكمته سبحانه فمن ~~اجهل بالله ممن يقول انه يعصي قسرا بغير اختياره وميشيئته سبحانه وتعالى ~~عما يقولون علوا كبيرا # | فصل ومنها انه سبحانه له الاسماء الحسنى ولكل اسم من اسمائه اثر من # الاثار في الخلق والامر لا بد من ترتبه عليه كترتب المرزوق والرزق على ~~الرازق وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الراحم وترتب المرئيات والمسموعات ~~على السميع والبصير ونظائر ذلك في جميع الاسماء فلو لم يكن في عباده من ~~يخطيء ويذنب ليتوب عليه ويغفر له ويعفو عنه لم يظهر اثر اسمائه الغفور ~~والعفو والحليم والتواب وما جرى مجراها وظهور اثر هذه الاسماء ومتعلقاتها ~~في الخليقة كظهور آثار سائر الاسماء الحسنى ومتعلقاتها فكما ان اسمه الخالق ~~يقتضي مخلوقا والبارئ يقتضي مبروا والمصوريقتضي مصورا ولا بد فأسماؤه ~~الغفار التواب تقتضي مغفورا له ما يغفره له وكذلك من يتوب PageV01P287 عليه ~~وامورا يتوب عليه من اجلها ومن يحكم عنه ويعفو ms393 عنه وما يكون متعلق الحلم ~~والعفو فإن هذه الامور متعلقة بالغير ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها وهذا باب ~~اوسع من ان يدرك واللبيب يكتفي منه باليسير وغليظ الحجاب في واد ونحن في ~~واد # وان كان اثل الواد يجمع بيننا % فغير خفي شيجه من خزامه فتأمل ظهور هذين ~~الاسمين اسم الرزاق واسم الغفار في الخليقة ترى وما يعجب العقول وتأمل ~~آثارهما حق التأمل في اعظم مجامع الخليقة وانظر كيف وسعهم رزقه ومغفرته ~~ولولا ذلك لما كان له من قيام اصلا فلكل منهم نصيب من الرزق والمغفرة فإما ~~متصلا بنشاته الثانية إما مختصا بهذه النشأة # | فصل ومنه انه سبحانه يعرف عباده عزه في قضائه وقدره ونفوذ مشيئته # وجريان حكمته وأنه لا محيص للعبد عما قضاه عليه ولا مفر له منه بل هو في ~~قبضة مالكه وسيده وأنه عبده وابن عبده وابن امته ناصيته بيده ماض فيه حكمه ~~عدل فيه قضاؤه # | فصل ومنها انه يعرف العبد حاجته إلى حفظه له ومعونته وصيانته وانه # كالوليد الطفل في حاجته إلى من يحفظه ويصونه فإن لم يحفظه مولاه الحق ~~ويصونه ويعينه فهو هالك ولا بد وقد مدت الشياطين ايديها اليه من كل جان ~~بتريد تمزيق حاله كله إفاسد شأنه كله وإن مولاه وسيده إن وكله إلى نفسه ~~وكله إلى ضيعة وعجز وذنب وخطيئة وتفريط فهلاكه أدنى اليه من شراك نعله فقد ~~أجمع العلماء بالله على ان التوفيق ان لا يكل الله العبد إلى نفسه واجمعوا ~~على ان الخذلان ان يخلى بينه وبين نفسه # | فصل ومنها انه سبحانه يستجلب من عبده بذلك ما هو من اعظم أسباب # السعادة له من استعاذته واستعانته به من شر نفسه وكيد عدوه ومن انواع ~~الدعاء والتضرع والابتهال والانابة والفاقة والمحبة والرجاء والخوف وانواع ~~من كمالات العبد تبلغ نحو المائة ومنها مالا تدركه العبارة وإنما يدرك ~~بوجوده فيحصل للروح بذلك قرب خاص لم يكن يحصل بدون هذه الاسباب ويجد العبد ~~من نفسه كأنه ملقى على باب مولاه بعد ان كان نائيا عنه وهذا الذي ms394 أثمر له ~~ان الله يحب التوابين وهو ثمرة لله افرح بتوبة عبده واسرار هذا الوجه يضيق ~~عنها PageV01P288 القلب واللسان وعسى ان يجيئك في القسم الثاني من الكتاب ~~ما تقر به عينك ان شاء الله تعالى فكم بين عبادة يدل صاحبها على ربه ~~بعبادته شامخ بأنفه كلما طلب منه اوصافالعبد قامت صور تلك الاعمال في نفسه ~~فحجبته عن معبوده والهه وبين عبادة من قد كسر الذل قلبه كل الكسر واحرق ما ~~فيه من الرعونات والحماقات والخيالات فهو لا يرى نفسه إلا مسيئا كما لا يرى ~~ربه إلا محسنا فهو لايرضى ان يرى نفسه طرفة عين قد كسر ازدراؤه على نفسه ~~قلبه وذلل لسانه وجوارحه وطأطأ منه ما ارتفع من غيره فقلبه واقف بين يدي ~~ربه وقوف ناكس الراس خاشع خاضع غاض البصر خاشع الصوت هادئ الحركات قد سجد ~~بين يديه سجدة إلى الممات فلو لم يكن من ثمرة ذلك القضاء والقدر إلا هذا ~~وحده لكفى به حكمة والله المستعان # | فصل ومنها انه سبحانه يستخرج بذلك من عبده تمام عبوديته فإن تمام # العبودية هو بتكميل مقام الذل والانقياد واكمل الخلق عبودية اكملهم ذلا ~~لله وانقيادا وطاعة والعبد ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل فهو ذليل ~~لعزه وذليل لقهره وذليل لربوبيته فيه وتصرفه وذليل لاحسانه اليه وانعامه ~~عليه فإن من احسن اليك فقد استعبدك وصار قبلك معبدا له وذليلا تعبد له ~~لحاجته اليه على مدى الانفاس في جلب كل ما ينفعه ودفع كل ما يضره وهنا ~~نوعان من انواع التذلل والتعبد لهما اثر عجيب يقتضيان من صاحبهما من الطاعة ~~والفوز مالا يقتضيه غيرهما احدهما ذل المحبة وهذا نوع آخر غير ما تقدم وهو ~~خاصة المحبة ولبها بل روحها وقوامها وحقيقتها وهو المراد على الحقيقة من ~~العبد لو فطن وهذا يستخرج من قلب المحب من انواع التقرب والتودد والتملق ~~والايثار والرضا والحمد والشكر والصبر والتندم وتحمل العظائم مالا يستخرجه ~~الخوف وحده ولا الرجاء وحده كما قال بعض الصحابة إنه ليستخرج محبته من ms395 قلبي ~~من طاعته مالا يستخرجه خوفه أو كما قال فهذا ذل المحبين الثاني ذل المعصية ~~فإذا انضاف هذا إلى هذا هناك فنيت الرسوم وتلاشت الانفس واضمحلت القوى ~~وبطلت الدعاوى جملة وذهبت الرعونات وطاحت الشطحانات ومحيي من القلب واللسان ~~انا وانا واستراح المسكين من شكاوى الصدود والاعراض والهجر وتحرد الشهودان ~~فلم يبق الاشهود العز والجلال الشهود المحض الذي تفرد به ذو الجلال ~~والاكرام الذي لا يشاركه أحد من خلقه في ذرة من ذراته وشهود الذل والفقر ~~المحض من جميع الوجوه بكل اعتبار فيشهد غاية ذله وانكساره وعزة محبوبه ~~وجلاله وعظمته وقدرته وغتاه فإذا تجرد له هذان الشهودان ولم يبق ذرة من ~~ذرات الذل والفقر والضرورة إلى ربه الا شاهدها فيه بالفعل وقد شهد مقابلها ~~هناك فلله أي مقام اقيم فيه هذا القلب إذ ذاك وأي قرب حظي به وأي نعيم ~~ادركه واي روح باشره فتأمل الان موقع الكسرة التي حصلت له بالمعصية في هذا ~~PageV01P289 الموطن ما اعجبها وما اعظم موقعها كيف جاءت فمحقت من نفسه ~~الدعاوي والرعونات وانواع الاماني الباطلة ثم اوجبت له الحياء والخجل من ~~صالح ما عمل ثم اوجبت له استكثار قليل ما يرد عليه من ربه لعلمه بأن قدره ~~اصغر من ذلك وأنه لا يستحقه واستقلال أمثال الجبال من عمله الصالح بأن ~~سيئاته وذنوبه تحتاج من المكفرات والماحيات إلى أعظم من هذا فهو لا يزال ~~محسنا وعند نفسه المسيء المذنب متكسرا ذللا خاضعا لا يرتفع له رأس ولا ~~ينقام له صدر وإنما ساقه إلى هذا الذل والذي اورثه إياه مباشرة الذائب فأي ~~شيء انفع له من هذا الدواء # لعل عتبك محمود عواقبه % وربما صحت الاجسام بالعلل ونكتة هذا الوجه ان ~~العبد متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بانفه وتعاظمت نفسه وظن انه وأنه أي ~~عظيما فإذا ابتلى بالذنب تصاغرت اليه نفسه وذل وخضع وتيقن انه وأنه أي عبدا ~~ذليلا # | فصل ومنها ان العبد يعرف حقيقة نفسه وأنها الظالمة وان ما صدر منها # من شر فقد صدر من اهله ومعدنه ms396 إذ الجهل والظلم منبع الشر كله وان كل ما ~~فيها من خير وعلم وهدى وإنابة وتقوى فهو من ربها تعالى هو الذي زكاها به ~~وأعطاها إياه لا منها فإذا لم يشأ تزكية العبد تركه مع دواعي ظلمه وجهله ~~فهو تعالى الذي يزكى من يشاء من النفوس فتزكو وتأتي بأنواع الخير والبر ~~ويترك تزكية من يشاء منها فتأتي بأنواع الشر والخبث وكان من دعاء النبي ~~اللهم آت نفسي تقوها وزكها انت خير من زكاها انت وليها ومولاها فإذا ابتلى ~~الله العبد بالذنب عرف نفسه ونقصها فرتب له على ذلك التعريف حكم ومصالح ~~عديدة منها انه يانف من نقصها ويجتهد في كمالها ومنها أنه يعلم فقرها دائما ~~إلى من يتولاها ويحفظها ومنها انه يستريح ويريح العباد من الرعونات ~~والحماقات التي ادعاها اهل الجهل في انفسهم من قدم أو اتصال بالقديم أو ~~اتحاد به أو حلول فيه اوغير ذلك من المحالات فلولا ان هؤلاء غاب عنهم ~~شهودهم لنقص انفسهم وحقيقتها لم يقعوا فيما وقعوا فيه # | فصل ومنها تعريفه سبحانه عبده سعة حلمه وكرمه في ستره عليه وأنه لو # شاء لعاجله على الذنب ولهتكه بين عباده فلم يطب له معهم عيش ابدا ولكن ~~جلله بستره غشاه بحلمه وقيض له من يحفظه وهو في حالته تلك بل كان شاهدا وهو ~~يبارزه بالمعاصي والاثام وهو مع ذلك يحرسه بعينه التي لاتنام وقد جاء في ~~بعض الاثار يقول الله تعالى انا الجواد الكريم من اعظم مني جودا وكرما ~~عبادي يبارزونني PageV01P290 بالعظائم وأنا أكلوهم في منازلهم فأي حلم اعظم ~~من هذا الحلم وأي كرم اوسع من هذا الكرم فلولا حلمه وكرمه ومغفرته لما ~~استقرت السموات والأرض في أماكنها وتأمل قوله تعالى ان الله يمسك السموات ~~والأرض ان تزولا ولئن زالتا إن امسكهما من أحد من بعده الاية هذه الاية ~~تقتضي الحلم والمغفرة فلولا حلمه ومغفرته لزالتا عن اماكنهما ومن هذا قوله ~~تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ان دعوا للرحمن ولدا # | فصل ومنها تعريفه عبده ms397 انه لا سبيل له إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته # وانه رهين بحقه فإن لم يتغمده بعفوه ومغفرته وإلا فهو من الهالكين لا ~~محالة فليس أحد من خلقه إلا وهو محتاج إلى عفوه ومغفرته كما هو محتاج إلى ~~فضله ورحمته # | فصل ومنها تعريفه عبده كرمه سبحانه في قبول توبته ومغفرته له على # ظلمه واساءته فهو الذي جاد عليه بان وفقه للتوبة والهمه إياها ثم قبلها ~~منه فتاب عليه اولا وآخرا فتوبة العبد محفوفة بتوبة قبلها عليه من الله ~~إذنا وتوفيقا وتوبة ثانية منه عليه قبولا ورضا فله الفضل في التوبة والكرم ~~اولا وآخرا لا إله إلا هو # | فصل ومنها إقامة حجة عدله على عبده ليعلم العبد ان لله عليه الحجة # البالغة فإذا اصابه ما اصابه من المكروه فلا يقال من اين هذا ولا من اين ~~اتيت ولا باي ذنب اصبت فما أصاب العبد من مصيبة قط دقيقة ولا جليلة الا بما ~~كسبت يداه وما يعفو الله عنه اكثر ومانزل بلاء قط الا بذنب ولا رفع بلاء ~~إلا بتوبة ولهذا وضع الله المصائب والبلايا والمحن رحمة بين عباده يكفر بها ~~من خطاياهم فهي من اعظم نعمه عليهم وان كرهتها انفسهم ولا يدري العبد أي ~~النعمتين عليه اعظم نعمته عليه فيما يكره أو نعمته عليه فيما يحب وما يصيب ~~المؤمن من هم ولا وصب ولا اذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من ~~خطاياه وإذا كان للذنوب عقوبات ولا بد فكلما عوقب به العبد من ذلك قبل ~~الموت خير له مما بعده وايسر وأسهل بكثير # | فصل ومنها ان يعامل العبد بني جنسه في إسائتهم اليه وزلاتهم معه # بما يحب ان يعامله الله به في اساءته وزلاته وذنوبه فإن الجزاء من جنس ~~العمل فمن عفا عفى الله عنه ومن سامح اخاه في إساءته اليه سامحه الله في ~~سيئاته ومن أغضي وتجاوز تجاوز الله عنه ومن استقصى استقصى عليه PageV01P291 ~~ولا تنس حال الذي قبضت الملائكة روحه فقيل له هل عملت خيرا هل عملت حسنة ms398 ~~قال ما اعلمه قيل تذكر قال كنت ابايع الناس فكنت انظر الموسر واتجاوز عن ~~المعسر أو قال كنت امر فتياني ان يتجاوزوا في السكة فقال الله نحن احق بذلك ~~منك وتجاوز الله عنه فالله عز وجل يعامل العبد في ذنوبه بمثل ما يعامل به ~~العبد الناس في ذنوبهم فإذا عرف العبد ذلك كان في ابتلائه بالذنوب من الحكم ~~والفوائد ما هو انفع الاشياء له # | فصل ومنها انه إذا عرف هذا فاحسن إلى من اساء اليه ولم يقابله # بإساءته إساءة مثلها تعرض بذلك لمثلها من ربه تعالى وأنه سبحانه يقال ~~اساءته وذنوبه باحسانه كما كان هو يقابل بذلك اساءة الخلق اليه والله اوسع ~~فضلا وأكرم واجزل عطاء فمن احب ان يقابل الله إساءته بالاحسان فليقابل هو ~~إساءة الناس اليه بالاحسان ومن علم ان الذنوب والاساءة لازمة للانسان لم ~~تعظم عنده اساءة الناس اليه فليتأمل هو حاله مع الله كيف هي مع فرط احسانه ~~اليه وحاجته هو إلى ربه وهو هكذا له فإذا كان العبد هكذا لربه فكيف ينكران ~~يكون الناس له بتلك المنزلة ومنها انه يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم ~~ويتفرج بطانه ويزول عنه ذلك الحصر والضيق والانحراف واكل بعضه بعضا ويستريح ~~العصاة من دعائه عليهم وقنوطه منهم وسؤال الله ان يخسف بهم الأرض ويسلط ~~عليهم البلاء فإنه حينئذ يرى نفسه واحدا منهم فهو يسأل الله لهم ما يسأله ~~لنفسه وإذا دعا لنفسه بالتوبة والمغفرة ادخلهم معه فيرجو لهم فوق ما يرجو ~~لنفسه ويخاف على نفسه اكثر مما يخاف عليهم فأين هذا منحاله الاولى وهو ناظر ~~اليهم بعين الاحتقار والازدراء لا يجد في قلبه رحمة لهم ولا دعوة ولا يرجو ~~لهم نجاة فالذنب في حق مثل هذا من اعظم اسباب رحمته مع هذا فيقيم امر الله ~~فيهم طاعة لله ورحمة بهم وإحسانا اليهم إذ هوعين مصالحتهم لا غلظة ولا قوة ~~ولا فظاظة # | فصل ومنها ان يخلع صولة الطاعة من قلبه وينزع عنه رداء الكبر # والعظمة الذي ليس له ويلبس ردءا ms399 الذل والانكسار والفقر والفاقة فلو دامت ~~تلك الصولة والعزة في قلبه لخيف عليه ما هو من اعظم الافات كما في الحديث ~~لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو اشد من ذلك العجب أو كما قال فكم بين آثار ~~العجب والكبر وصولة الطاعة وبين آثار الذل والانكسار كما قيل يا آدم لا ~~تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب والبست رداء ~~العبودية يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها PageV01P292 فلك خلقتها ولكن ~~انزل إلى دار المجاهدة وابذر بذر العبودية فإذا كمل الزرع واستحصد فتعال ~~فاستوفه لا يوحشنك ذاك العتب ان له لطفا يريك الرضا في حالة الغضب فبينما ~~هو لابس ثوب الاذلال الذي لا يليق بمثله تداركه ربه برحمته فنزعه عنه ~~والبسه ثوب الذل الذل لا يليق بالعبد غيره فما لبس العبد ثوبا اكمل عليه ~~ولا احسن ولا ابهى من ثوب العبودية وهوثوب المذلة الذي لا عزله بغيره # | فصل ومنها ان لله عز وجل على القلوب انواعا من العبودية من الخشية # والخوف والاشفاق وتوابعها من المحبة والانابة وابتغاء الوسيلة اليه ~~وتوابعها وهذه العبوديات لها اسباب تهيجها وتبعث عليها فكلما قيضه الرب ~~تعالى لعبده من الاسباب الباعثة على ذلك المهيجة له فهو من اسباب رحمته له ~~ورب ذنب قد هاج لصاحبه من الخوف والاشفاق والوجل ولانابة والمحبة والايثار ~~والفرار إلى الله مالا يهيجه له كثير من الطاعات وكم من ذنب كان سببا ~~لاستقامة العبد وفراره إلى الله وبعده عن طرق الغي وهو بمنزلة من خلط فأحس ~~بسوء مزاجه وكان عنده اخلاط مزمنة قاتلة وهو لا يشعر بها فشرب دواء ازال ~~تلك الاخلاط العفنة التي لو دامت لترامت به إلى الفساد والعطب وان من تبلغ ~~رحمته ولطفه وبره بعبده هذا المبلغ وما هو اعجب والطف منه لحقيق بان يكون ~~الحب كله له والطاعات كلها له وان يذكر فلا ينسى ويطاع فلا يعصى ويشكر فلا ~~يكفر # | فصل ومنها انه يعرف العبد مقدار نعمة معافاته وفضله في توفيقه ms400 له # وحفظه إياه فإنه من تربى في العافية لا يعلم ما يقاسيه المبتلى ولا يعرف ~~مقدار النعمة فلو عرف اهل طاعة الله انهم هم المنعم عليهم في الحقيقة وان ~~الله عليهم من الشكر اضعاف ما على غيرهم وان تسودوا التراب ومضغوا الحصى ~~فهم اهل النعمة المطلقة وان من خلى الله بينه وبين معاصيه فقد سقط من عينه ~~وهان عليه وان ذلك ليس من كرامته على ربه وان وسع الله عليه في الدنيا ومد ~~له من اسبابها فإنهم اهل الابتلاء على الحقيقة فإذا طالبت العبد نفسه بما ~~تطالبه من الحظوظ والاقسام وأرته انه في بلية وضائقة تداركه الله برحمته ~~وابتلاه ببعض الذنوب فرأى ما كان فيه من المعافاة والنعمة وأنه لا نسبة لما ~~كان فيه من النعم إلى ما طلبته نفسه من الحظوظ فحينئذ يكون اكثر أمانيه ~~وآماله العود إلى حالة وان يمنعه الله بعافيته PageV01P293 # | فصل ومنها ان التوبة توجب للتائب آثارا عجيبة من المقامات التي لا # تحصل بدونها فتوجب له من المحبة والرقة واللطف وشكر الله وحمده والرضا ~~عنه عبوديات أخر فإنه إذا تاب إلى الله تقبل الله توبته فرتب له على ذلك ~~القبول انواعا من النعم لا يهتدي العبد لتفاصيلها بل يزال يتقلب في بركتها ~~وآثارها مالم ينقضها ويفسدها # | فصل ومنها ان الله سبحانه يحبه ويفرح بتوبته اعظم فرح وقد تقرر ان # الجزاء من جنس العمل فلا ينسى الفرحة التي يظفر بها عند التوبة النصوح ~~وتامل كيف تجدالقلب يرقص فرحا وأنت لا تدري بسبب ذلك الفرح ما هو وهذا امر ~~لا يحس به الا حيي القلب وأما ميت القلب فإنما يجد الفرح عند ظفره بالذنب ~~ولا يعرف فرحا غيره فوازن إذا بين هذين الفرحين وانظر ما يعقبه فرح الظفر ~~بالذنب من انواع الاحزان والهموم والغموم والمصائب فمن يشتري فرحة ساعة بغم ~~الابدو انظر ما يعقبه فرح الظفر بالطاعة والتوبة النصوح من الانشراح الدائم ~~والنعيم وطيب العيش ووازن بين هذا وهذا ثم اختر ما يليق بك ويبسابك وكل ~~يعمل على ms401 شاكلته وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه # | فصل ومنها انه إذا شهد ذنوبه ومعاصيه وتفريطه في حق ربه استكثر # القليل من نعم ربه عليه ولا قليل منه لعلمه ان الواصل اليه فيها كثير على ~~مسيء مثله واستقل الكثير من عمله لعلمه بان الذي ينبغي ان يغسل به نجاسته ~~واوضاره واوساخه اضعاف ما اتي به فهو دائما مستقل لعلمه كائنا ما كان ~~مستكثر لنعمة الله عليه وإن دقت وقدتقدم التنبيه على هذا الوجه وهو من الطف ~~الوجوه فعليك بمراعاته فله تأثير عجيب ولو لم يكن في فوائدالذنب إلا هذا ~~لكفى به فأين حال هذا من حال من لا يرى لله عليه نعمة إلا ويرى انه كان ~~ينبغي ان يعطي ما هو فوقها وأجل منها وانه لايقدر ان يتكلم وكيف يعاند ~~القدر وهو مظلوم مع الرب لا ينصفه ولا يعطيه مرتبته بل هو مغرى بمعاندته ~~لفضله وكماله وانه كان ينبغي له ان ينال الثريا ويطأ بأخمصه هنالك ولكنه ~~مظلوم مبخوس الحظ وهذا الضرب من ابغض الخلق إلى الله وأشدهم مقتا عنده ~~وحكمة الله تقتضي انهم لا يزالون في سفال فهم بين عتب على الخالق وشكوى له ~~وذل لخلقه وحاجة اليهم وخدمة لهم اشغل الناس قلوبا بارباب الولايات ~~والمناصب ينتظرون ما يقذفون به اليهم من عظامهم وغسالة ايديهم واوانيهم ~~وأفرغ الناس قلوبا عن معاملة الله والانقطاع اليه والتلذذ بمناجاته ~~والطمأنينة بذكره وقرة العين بخشيته والرضاء به فعياذا بالله من زوال نعمته ~~وتحول عافيته PageV01P294 وفجأة نقمته ومن جميع سخطه # | فصل ومنها ان الذنب يوجب لصاحبه التقيظ والتحرز من مصائد عدوه # ومكامنه ومن اين يدخل عليه اللصوص والقطاع ومكامنهم ومن اين يخرجون عليه ~~وفي أي وقت يخرجون فهو قد استعد لهم وتأهب وعرف بماذا يستدفع شرهم وكيدهم ~~فلو انه مر عليهم على غرة وطمأنينه لم يأمن ان يظفروا به ويجتاحوه جملة # | فصل ومنها ان القلب يكون ذاهلا عن عدوه معرضا عنه مشتغلا ببعض # مهماته فإذا اصابه سهم من عدوه استجمعت له قوته وحاسته وحميته وطلب ms402 بثاره ~~إن كان قلبه حرا كريما كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء بل تراه ~~بعدها هائجا طالبا مقداما والقلب الجبان المهين إذا جرح كالرجل الضعيف ~~المهين إذا جرح ولى هاربا والجراحات في اكتافه وكذلك الاسد إذا جرح فإنه لا ~~يطاق فلا خير فيمن لا مروءة له يطلب اخذ ثاره من اعدى عدوه فما شيء اشفى ~~للقلب من اخذه بثاره من عدوه ولاعدو اعدى له من الشيطان فإن كان قلبه من ~~قلوب الرجال المتسابقين في حلبة المجد جد في اخذ الثأر وغاظ عدوه كل الغيظ ~~واضناه كما جاء عن بعض السلف ان المؤمن لينضى شيطانه كما ينضى احدكم بعيره ~~في سفره # | فصل ومنها ان مثل هذا يصير كالطبيب ينتفع به المرضى في علاجهم # ودوائهم والطبيب الذي عرف المرض مباشرة وعرف دواءه وعلاجه احذق واخبر من ~~الطبيب الذي إنما عرفه وصفا هذا في أمراض الابدان وكذلك في أمراض القلوب ~~وأدوائها وهذا معنى قول بعض الصوفية اعرف الناس بالافات اكثرهم آفات وقال ~~عمر بن الخطاب إنما تنقض عرى الاسلام عروة عروة إذا نشأ فيالاسلام من لا ~~يعرف الجاهلية ولهذا كان الصحابة اعرف الامة بالاسلام وتفاصيله وابوابه ~~وطرقه وأشد الناس رغبة فيه ومحبة له وجهادا لاعدائه وتكلما بأعلامه بالامة ~~وتحذيرا من خلافه لكمال علمهم بضده فجاءهم الإسلام وكل خصلة منه مضادة لكل ~~خصلة مما كانوا عليه فازدادوا له معرفة وحبا وفيه جهادا بمعرفتهم بضده وذلك ~~بمنزلة من كان في حصر شديد وضيق ومرض وفقر وخوف ووحشة فقيض الله له من نقله ~~منه إلى فضاء وسعة وأمن وعافية وغنى وبهجة وسرور فإنه يزداد سروره وغبطته ~~ومحبته بما نقل اليه بحسب معرفته بما كان فيه وليس حال هذا كمن ولد في ~~الارمن والعافية والغنى والسرور فإنه لم يشعر بغيره وربما قيضت له اسباب ~~تخرجه عن PageV01P295 ذلك إلى ضده وهو لا يشعر وربما ظن ان كثيرا من اسباب ~~الهلاك والعطب تفضي به إلى السلامة والامن والعافية فيكون هلاكه على يدي ~~نفسه وهو لا يشعر ms403 وما اكثر هذا الضرب من الناس فإذا عرف الضدين وعلم مباينة ~~الطرفين وعرف اسباب الهلاك على التفصيل كان احرى ان تدوم له النعمة مالم ~~يؤثر اسباب زوالها على علم وفي مثل هذا قال القائل # عرفت الشر لا للشر لكن لتقوقيه % ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وهذه ~~حال المؤمن يكون فطنا حاذقا اعرف الناس بالشر وأبعدهم منه فإذا تكلم في ~~الشر واسبابه ظننته من شر الناس فإذا خالطته وعرفت طويته رأيته من ابر ~~الناس والمقصود ان من بلى بالافات صار من اعرف الناس بطرقها وامكنه ان ~~يسدها على نفسه وعلى من استنصحه من الناس ومن لم يستنصحه # | فصل ومنها انه سبحانه يذيق عبده الم الحجاب عنه والعبد وزوال ذلك # الانس والقرب ليمتحن عبده فإن اقام على الرضا بهذه الحال ولم يجد نفسه ~~تطالبه حالها الاول مع الله بل اطمأنت وسكنت إلى غيره علم انه لا يصلح ~~فوضعه في مرتبته التي تليق به وإن استغاث استغاثة الملهوف وتقلق تقلق ~~المركوب ودعا دعاء المضطر وعلم انه قد فاتته حياته حقا فهو يهتف بربه ان ~~يردعليه حياته ويعيد عليه مالا حياة له بدونه علم انه موضع لما اهل له فرد ~~عليه احوج ما هو اليه فعظمت به فرحته وكملت به لذته وتمت به نعمته واتصل به ~~سروره وعلم حينئذ مقداره فعض عليه بالنواجذ وثنى عليه الخناصر وكان حاله ~~كحال ذلك الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا ~~وجدها بعد معاينة الهلاك فما اعظم موقع ذلك الوجدان عنده ولله اسرار وحكم ~~ومنبهات وتعريفات لا تنالها عقول البشر # فقل لغليظ القلب ويحك ليس ذا % بعشك فادرج طالبا عشك البالي ولا تك ممن ~~مد باعا إلى جنا % فقصر عنه قال ذا ليس بالحالي فالعبد إذا بلى بعد الانس ~~بالوحشة وبعد القرب بنار البعاد اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة فحنت ~~وانت وتصدعت وتعرضت لنفحات من ليس لها منه عوض ابدا ولا سيما إذا تذكرت بره ~~ولطفه وحنانه وقربه فإن هذه الذكرى ms404 تمنعها القرار وتهيج منها البلابل كما ~~قال القائل وقد فاته طواف الوادع فركب الاخطار ورجع اليه # ولما تذكرت المنازل بالحمى % ولم يقض لي تسليمة المتزود تيقنت ان العيش ~~ليس بنافعي % إذا انا لم انظر اليها بموعد وان استمر اعراضها ولم تحن إلى ~~معهدها الاول ولم تحس بفاقتها الشديدة وضرورتها PageV01P296 الى مراجعة ~~قربها من ربها فهي ممن إذا غاب لم يطلب وإذا ابق لم يسترجع وإذا جنى لم ~~يتعتب وهذه هي النفوس التي لم تؤهل لما هنالك وبحسب المعترض هذا الحرمان ~~فإنه يكفيه وذلك ذنب عقابه فيه # | فصل ومنها ان الحكمة الالهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الانسان # وهاتان القوتان فيه بمنزلة صفاته الذاتية لا ينفك عنهماوبهما وقعت المحنة ~~والابتلاء وعرض لنيل الدرجات العلى واللحاق بالرفيق الاعلى والهبوط إلى ~~اسفل سافلين فهاتان القوتان لا يدعان العبد حتى ينيلانه منازل الابرار أو ~~يضعانه تحت اقدام الأشرار ولن يجعل الله من شهوته مصروفة إلى ما اعد له في ~~دار النعيم وغضبه حمية لله ولكتابه ولرسوله ولدينه كمن جعل شهوته مصروفة في ~~هواه وامانيه العاجلة وغضبه مقصور على حظه ولو انتهكت محارم الله وحدوده ~~وعطلت شرائعه وسننه بعد ان يكون هو ملحوظا بعين الاحترام والتعظيم والتوقير ~~ونفوذ الكلمة وهذه حال اكثر الرؤساء اعاذنا الله منها فلن يجعله الله هذين ~~الصنفين في دار واحدة فهذا صعد بشهوته وغضبه إلى اعلى عليين وهذا هوى بهما ~~إلى أسفل سافلين والمقصود ان تركيب الانسان على هذا الوجه هوغاية الحكمة ~~ولا بد ان يقتضي كل واحد من القوتين اثره فلا بد من وقوع الذنب والمخالفات ~~والمعاصي فلا بد من ترتب آثار هاتين القوتين عليهما ولو لم يخلقا في ~~الانسان لم يكن انسانا بل كان ملكا فالترتب من موجبات الانسانية كما قال ~~النبي كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون فأما من اكتنفته العصمة ~~وضربت عليه سرادقات الحفظ فهم اقل افراد النوع الانساني وهم خلاصته ولبه # | فصل ومنها ان الله سبحانه إذا أراد بعبده خيرا انساه رؤية طاعاته # ورفعها من ms405 قلبه ولسانه فإذا ابتلى بالذنب جعله نصب عينيه ونسى طاعاته ~~وجعل همه كله بذنبه فلا يزال ذنبه امامه ان قام أو قعد أو غدا أو راح فيكون ~~هذا عين الرحمة في حقه كما قال بعض السلف ان العبد ليعمل الذنب فيدخل به ~~الجنة ويعمل الحسنة فيدخل بها النارقالوا وكيف ذلك قال يعمل الخطيئة ~~فلاتزال نصب عينيه كلما ذكرها بكى وندم وتاب واستغفر وتضرع وأناب إلى الله ~~وذل له وانكسر وعمل لها اعمالا فتكون سبب الرحمة في حقه ويعمل الحسنة ~~فلاتزال نصب عينيه يمن بها ويراها ويعتد بها على ربه وعلى الخلق ويتكبر بها ~~ويتعجب من الناس كيف لا يعظمونه ويكرمونه ويجلونه عليها فلا تزال هذه ~~الامور به حتى PageV01P297 تقوى عليه آثارها فتدخله النار فعلامة السعادة ~~ان تكون حسنات العبد خلف ظهره وسيئاته نصب عينيه وعلامة الشقاوة ان يجعل ~~حسناته نصب عينيه وسيئاته خلف ظهره والله المستعان # | فصل ومنها ان شهود العبد ذنوبه وخطاياه موجب له ان لا يرى لنفسه # على أحد فضلا ولا له على أحد حقا فإنه يشهد عيوب نفسه وذنوبه فلا يظن انه ~~خير من مسلم يؤمن بالله ورسوله ويحرم ما حرم الله ورسوله وإذا شهد ذلك من ~~نفسه لم يرلها على الناس حقوقا من الاكرم يتقاضاهم اياها ويذمهم على ترك ~~القيام بها فإنها عنده اخس قدرا واقل قيمة من ان يكون له بها على عباد الله ~~حقوق يجب عليهم مراعاتها اوله عليهم فضل يستحق ان يكرم ويعظم ويقدم لاجلها ~~فيرى ان من سلم عليه أو لقيه بوجه منبسط فقد احسن اليه وبذل له مالا يستحقه ~~فاستراح هذا في نفسه وأراح الناس من شكايته وغضبه على الوجود واهله فما ~~اطيب عيشه وما انعم باله وما اقرعينه واين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق ~~شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه اسخط # | فصل ومنها انه ويوجب له الامساك عن عيوب الناس والفكر فيها فإنه في # شغل بعيب نفسه فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وويل لمن ms406 نسي عيبه ~~وتفرغ لعيوب الناس هذا من علامة الشقاوة كما ان الاول من امارات السعادة ~~ومنها انه إذا وقع في الذنب شهد نفسه مثل اخوانه الخطائين وشهد ان المصيبة ~~واحدة والجميع مشتركون في الحاجة بل في الضورروة إلى مغفرة الله وعفوه ~~ورحمته فكما يحب ان يستغفر له اخوه المسلم كذلك هو ايضا ينبغي ان يستغفر ~~لاخيه المسلم فيصير هجيراه رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات ~~وللمؤمنين والمؤمنات وقد كان بعض السلف يستحب لكل أحد ان يداوم على هذا ~~الدعاء كل يوم سبعين مرة فيجعل له منه وردا لا يخل به وسمعت شيخنا يذكره ~~وذكر فيه فضلا عظيما لا احفظه وربما كان من جملة اوراده التي لا يخل بها ~~وسمعته يقول ان جعله بين السجدتين جائز فإذا شهدالعبد ان اخوانه مصابون ~~بمثل ما اصيب به محتاجون إلى ما هو محتاج اليه لم يمتنع من مساعدتهم الا ~~لفرط جهل بمغفرة الله وفضله وحقيق بهذا ان لا يساعد فإن الجزاء من جنس ~~العمل وقد قال بعض السلف إن الله لما عتب على الملائكة بسبب قولهم @QB@ ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء @QE@ وامتحن هاروت وماروت بما ~~امتحنهما به جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبني آدم وتدعوالله لهم ~~PageV01P298 # | فصل ومنها انه إذا شهدنفسه مع ربه مسيئا خاطئا مفرطا مع فرط إحسان # الله اليه في كل طرفة عين وبره به ودفعه عنه وشدة حاجته إلى ربه وعدم ~~استغنائه عنه نفسا واحدا وهذه حاله معه فكيف يطمع ان يكون الناس معه كما ~~يحب وان يعاملوه بمحض الاحسان وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة وكيف يطمع ان ~~يطيعه مملوكه وولده وزوجته في كل ما يريد ولا يعصونه لا يخلون بحقوقه وهو ~~مع ربه ليس كذلك وهذا يوجب له ان يستغفر لمسيئهم ويعفو عنه ويسامحه ويغضي ~~عن الاستقصاء في طلب حقه فهذه الاثمار ونحوها متى اجتناها العبد من الذنب ~~فهي علامة كونه رحمة في حقه ومن اجتنى منه اضدادها واوجبت له خلاف ما ~~ذكرناه فهي والله علامة الشقاوة ms407 وأنه من هوانه على الله وسقوطه من عينه خلى ~~بينه وبين معاصيه ليقيم عليه حجة عدله فيعاقبه باستحقاقه وتتداعى السيئات ~~في حق مثل هذا وتتألف فيتولد من الذنب الواحد ما شاء الله من المتالف ~~والمعاطب التي يهوى بها في دركات العذاب والمصيبة كل المصيبة الذنب الذي ~~يتولد من الذنب ثم يتولد من الاثنين ثالث ثم تقوى الثلاثة فتوجب رابعا وهلم ~~جرا ومن لم يكن له فقه نفس في هذا الباب هلك من حيث لا يشعر فالحسنات ~~والسيئات آخذ بعضها برقاب بعض يتلو بعضها بعضا ويثمر بعضها بعض قال بعض ~~السلف إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقاب السيئة السيئة بعدها ~~وهذا اظهر عند الناس من ان تضرب له الامثال وتطلب له الشواهد والله ~~المستعان # | فصل وإذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم # به إلى اجل الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوايعبرون اليها إلا على ~~جسر من الابتلاء والامتحان وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى ~~عبورهم إلى الجنة إلا عليه وكان ذلك الابتلاء ولامتحان عين المنهج في حقهم ~~والكرامة فصورته صورة ابتلاء وامتحان وباطنه فيه الرحمة والنعمة فكم لله من ~~نعمة جسيمة ومنه عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان فتأمل حال ابينا ~~آدم وما آلت اليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة ~~المنزلة ولولا تلك المحنة التي جرت عليه وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك ~~لما وصل إلى ما وصل اليه فكم بين حالته الاولى وحالته الثانية في نهايته ~~وتأمل حال ابينا الثاني نوح وما آلت اليه محنته وصبره على قومه تلك القرون ~~كلها حتى اقر الله عينه واغرق اهل الأرض بدعوته وجعل العالم بعده من ذريته ~~وجعله خامس خمسة وهم اولو العزم الذين هم افضل الرسل وأمر رسوله ونبيه ~~محمدا ان يصبر كصبره واثنى عليه بالشكر فقال @QB@ إنه كان عبدا @QE@ ~~PageV01P299 @QB@ شكورا @QE@ فوصفه بكمال الصبر والشكر ثم تأمل حال ابينا ~~الثالث إبراهيم إمام الحنفاء وشيخ الانبياء وعمود العالم وخليل رب العالمين ms408 ~~من بني آدم وتأمل ما آلت اليه محنته وصبره وبذله نفسه لله وتأمل كيف آل به ~~بذله لله نفسه ونصره دينه إلى ان اتخذه الله خليلا لنفسه وامر رسوله وخليله ~~محمدا ان يتبع ملته وأنبهك على خصلة واحدة مما اكرمه الله به في محنته بذبح ~~ولده فإن الله تبارك وتعالى جازاه على تسليمه ولده لأمر الله بان بارك في ~~نسله وكثرة حتى ملأ السهل والجبل فإن الله تبارك وتعالى لا يتكرم عليه أحد ~~وهو اكرم الاكرمين فمن ترك لوجهه امرا أو فعله لوجهه بذل الله له اضعاف ما ~~تركه من ذلك الامر اضعافا مضاعفة وجازاه باضعاف ما فعله لاجله اضعافا ~~مضاعفة فلما أمر إبراهيم بذبح ولده فبادر لامر الله ووافق عليه الولد أباه ~~رضاء منهما وتسليما وعلم الله منهما الصدق والوفاء فداه بذبح عظيم واعطاهما ~~ما اعطاهما من فضله وكان من بعض عطاياه ان بارك في ذريتهما حتى ملؤا الأرض ~~فإن المقصود بالولد إنما هو التناسل وتكثير الذرية ولهذا قال إبراهيم @QB@ ~~رب هب لي من الصالحين @QE@ وقال @QB@ رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي @QE@ ~~فغاية ما كان يحذر ويخشى من ذبح ولده انقطاع نسله فلما بذل ولده لله وبذل ~~الولد نفسه ضاعف الله له النسل وبارك فيه وكثر حتى ملؤا الدنيا وجعل النبوة ~~والكتاب في ذريته خاصة وأخرج منهم محمدا وقد ذكر ان داود عليه السلام اراد ~~ان يعلم عدد بني إسرائيل فأمر بإحضارهم وبعث لذلك نقباء وعرفاء وامرهم ان ~~يرفعوا اليه ما بلغ عددهم فمكثوا مدة لا يقدرون على ذلك فأوحى الله إلى ~~داود ان قد علمت اني وعدت أباك إبراهيم لما أمرته بذبح ولده فبادر إلى طاعة ~~امري ان أبارك له في ذريته حتى يصيروا في عدد النجوم واجعلهم بحيث لا يحصى ~~عددهم وقد اردت ان يحصى عددا قدرت انه لا يحصى وذكر باقي الحديث فجعل من ~~نسله هاتين الامتين العظيمتين اللتين لا يحصى عددهم الا الله خالقهم ~~ورازقهم وهم بنو إسرائيل وبنو إسمايعل هذا سوى ما أكرمه الله ms409 به من رفع ~~الذكر والثناء الجميل على السنة جميع الامم وفي السموات بين الملائكة فهذا ~~من بعض ثمرة معاملته فتبا لمن عرفه ثم عامل غيره ما اخسر صفقته وما اعظم ~~حسرته # | فصل ثم تأمل حال الكليم موسى عليه السلام وما آلت اليه محنته # وفتونه من اول ولادته إلى منتهى امره حتى كلمه الله تكليما وقربه منه ~~وكتب له التوراة بيده ورفعه إلى اعلى السموات واحتمل له مالا يحتمل لغيره ~~فإنه رمى الالواح على الأرض حتى تكسرت اخذ بلحية نبي الله هارون وجره اليه ~~ولطم وجه ملك الموت ففقأ عينه وخاصم ربه ليلة الاسراء في شأن PageV01P300 ~~رسول الله وربه يحبه على ذلك كله ولا سقط شيء منه من عينه ولا سقطت منزلته ~~عنده بل هو الوجيه عند الله القريب ولولا ماتقدم له من السوابق وتحمل ~~الشدائد والمحن العظام في الله ومقاسات الامر الشديد بين فرعون وقومه ثم ~~بنى إسرائيل وما آذوه به وما صبر عليهم لله لم يكن ذلك ثم تأمل حال المسيح ~~وصبره على قومه واحتماله في الله وما تحمله منهم حتى رفعه الله إليه وطهره ~~من الذين كفروا وانتقم من اعدائه وقطعهم في الأرض ومزقهم كل ممزق وسلبهم ~~ملكهم وفخرهم إلى آخر الدهر # | فصل فإذا جئت إلى النبي وتأملت سيرته مع قومه وصبره في الله # واحتماله مالم يحتمله نبي قبله وتلون الاحوال عليه من سلم وخوف وغني وفقر ~~وأمن وإقامة في وطنه وظعن عنه وتركه لله وقتل احبابه واوليائه بين يديه ~~واذى الكفار له بسائر انواع الاذى من القول والفعل والسحر والكذب والافتراء ~~عليه والبهتان وهو مع ذلك كله صابر على امر الله يدعو إلى الله فلم يؤذ نبي ~~ما أوذي ولم يحتمل في الله ما احتمله ولم يعط نبي ما اعطيه فرفع الله له ~~ذكره وقرن اسمعه باسمه وجعله سيدالناس كلهم وجعله اقرب الخلق اليه وسيلة ~~واعظمهم عنده جاها واسمعهم عنده شفاعة وكانت تلك المحن والابتلاء عين ~~كرامته وهي مما زاده الله بها شرفا وفضلا وساقه بها إلى ms410 أعلا المقامات وهذا ~~حال ورثته من بعده الامثل فالأمثل كل له نصيب من المحنة يسوقه الله به إلى ~~كماله بحسب متابعته له ومن لا نصيب له من ذلك فحظه من الدنيا حظ من خلق لها ~~وخلقت له وجعل خلاقه ونصيبه فيها فهو يأكل منها رغدا ويتمتع فيها حتى يناله ~~نصيبه من الكتاب يمتحن اولياء الله وهو في دعة وخفض عيش ويخافون وهو آمن ~~ويحزنون وهو في اهله مسرور له شأن ولهم شأن وهو في واد وهم في واد همه ما ~~يقيم به جاهه ويسلم به ماله وتسمع به كلمته لزم من ذلك ما لزم ورضى من رضى ~~وسخط من سخط وهمهم إقامة دين الله وإعلاء كلمته وإعزاز اوليائه وان تكون ~~الدعوة له وحده فيكون هو وحده المعبود لا غيره ورسوله المطاع لا سواه فلله ~~سبحانه من الحكم في ابتلائه انبياءه ورسله وعباده المؤمنين ما تتقاصر عقول ~~العالمين عن معرفته وهل وصل من وصل إلى المقامات المحمودة والنهايات ~~الفاضلة إلا على جسر المحنة والابتلاء # كذا المعالي إذا ما رمت ندركها % فاعبر اليها على جسر من التعب والحمد ~~لله وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما ابدا إلى ~~يوم الدين ورضى الله عن اصحاب رسول الله اجمعين # | فصل وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة # الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا PageV01P301 تنال العبارة كمالها ولا ~~يدرك الوصف حسنها ولا تقترح عقول العقلاء ولو اجتمعت وكانت على اكمل عقل ~~رجل منهم فوقها وحسب العقول الكاملة الفاضلة ان ادركت حسنها وشهدت بفضلها ~~وانه ما طرق العالم شريعة اكمل ولا اجل ولا اعظم منها فهي نفسها الشاهد ~~والمشهود له والحجة والمحتج له والدعوى والبرهان ولو لم يأت الرسول ببرهان ~~عليها لكفى بها برهانا وآية وشاهدا على انها من عند الله وكلها شاهدة له ~~بكمال العلم وكمال الحكمة وسعة الرحمة والبر والاحسان والاحاطة بالغيب ~~والشهادة والعلم بالمباديء والعواقب وأنها من اعظم نعم الله التي انعم بها ~~على عباده فما انعم عليهم ms411 بنعمة اجل من ان هداهم لها وجعلهم من اهلها وممن ~~ارتضاهم لها فلهذا امتن على عباده بان هداهم لها قال تعالى @QB@ لقد من ~~الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين @QE@ وقال معرفا ~~لعباده ومذكرا لهم عظيم نعمته عليهم مستدعيا منهم شكره على ان جعلهم من ~~اهلها اليوم اكملت لكم دينكم الاية وتأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم ~~بالكمال والنعمة التي اسبغها عليهم بالتمام إيذانا في الدين بأنه لا نقص ~~فيه ولا عيب ولا خلل ولا شيء خارجا عن الحكمة بوجه بل هو الكامل في حسنه ~~وجلالته ووصف النعمة بالتمام إيذانا بدوامها واتصالها وأنه لا يسلبهم إياها ~~بعد إذ أعطاهموها بل يتمها لهم بالدوام في هذه الدار وفي دار القرار وتأمل ~~حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين وإضافة الدين اليهم ~~إذ هم القائمون به المقيمون له وأضاف النعمة اليه إذ هو وليها ومسديها ~~والمنعم بها عليهم فهي نعمته حقا وهم قابلوها واتى في الكمال باللام ~~المؤذنة بالاختصاص وأنه شيء خصوا به دون الامم وفي إتمام النعمة بعلى ~~المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والاحاطة فجاء اتممت في مقابلة أكملت وعليكم ~~في مقابلة لكم ونعمتي في مقابلة دينكم واكد ذلك وزاده تقريرا وكمالا ~~وإتماما للنعمة بقوله @QB@ ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ وكان بعض السلف ~~الصالح يقول ياله من دين لو ان له رجالا وقد ذكرنا فصلا مختصرا في دلالة ~~خلقه على وحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله وأسمائه الحسنى واردنا ان نختم ~~به القسم الاول من الكتاب ثم راينا ان نتبعه فصلا في دلالة دينه وشرعه على ~~وحدانيته وعلمه وحكمته ورحمته وسائر صفات كماله إذ هذا من أشرف العلوم التي ~~يكتسبها العبد في هذه الدار ويدخل بها إلى الدار الاخرة وقد كان الاولى بنا ~~الامساك عن ذلك لان ما يصفه الواصفون منه وتنتهي اليه علومهم هو كما يدخل ~~الرجل اصبعه في اليم ثم ينزعها فهو يصف البحر بما ms412 يعلق على إصبعه من البلل ~~وأين ذلك من البحر فيظن السامع ان تلك الصفة احاطت بالبحر وإنما هي صفة ما ~~علق بالاصبع منه وإلا فالأمر اجل وأعظم وأوسع من ان تحيط عقول البشر بأدنى ~~جزء منه وماذا عسى PageV01P302 ان يصف به الناظر إلى قرص الشمس من ضوئها ~~وقدرها وحسنها وعجائب صنع الله فيها ولكن قد رضى الله من عباده بالثناء ~~عليه وذكر آلائه وأسمائه وصفاته وحكمته وجلاله مع انه لايحصى ثناء عليه ~~ابدا بل هو كما اثنى على نفسه فلا يبلغ مخلوق ثناء عليه تبارك وتعالى ولا ~~وصف كتابه ودينه بما ينبغي له بل لا يبلغ أحد من الامة ثناء على رسوله كما ~~هو اهل ان يثني عليه بل هو فوق ما يثنون به عليه ومع هذا ان الله تعالى يحب ~~ان يحمد ويثني عليه وعلى كتابه ودينه ورسوله فهذه مقدمة اعتذار بين يدي ~~القصور والتقصير من راكب هذا البحر الاعظم والله عليم بمقاصد العباد دنياهم ~~وهو اولى بالعذر والتجاوز # | فصل وبصائر الناس في هذا النور الباهر تنقسم إلى ثلاثة اقسام احدها # من عدم بصيرة الايمان جملة فهو لا يرى من هذا الصنف الا الظلمات والرعد ~~والبرق فهو يجعل اصبعيه في اذنه من الصواعق ويده على عينه من البرق خشية ان ~~يخطف بصره ولا يجاوز نظره ما وراء ذلك من الرحمة واسباب الحياة الابدية ~~فهذا القسم هو الذي لم يرفع بهذا الدين رأسا ولم يقبل هدى الله الذي هدى به ~~عباده ولو جاءته كل آية لانه ممن سبقت له الشقاوة وحقت عليه الكلمة ففائدة ~~إنذار هذا إقامة الحجة عليه ليعذب بذنبه لا بمجرد علم الله فيه القسم ~~الثاني اصحاب البصيرة الضعيفة الخفاشية الذين نسبة ابصارهم إلى هذا النور ~~كنسبة ابصار الخفاش إلى جرم الشمس فهم تبع لابائهم واسلافهم دينهم دين ~~العادة والمنشأ وهم الذين قال فيهم امير المؤمنين على بن أبي طالب أو ~~منقادا للحق لا بصيره له في إصابة فهؤلاء إذا كانوا منقادين لاهل البصائر ~~لا يتخالجهم شك ولا ms413 ريب فهم على سبيل نجاة القسم الثالث وهو خلاصة الوجود ~~ولباب بني آدم وهم اولو البصائر النافذة الذين شهدت بصائرهم هذا النور ~~المبين فكانوا منه على بصيرة ويقين ومشاهدة لحسنه وكماله بحيث لو عرض على ~~عقولهم ضده لراوه كالليل البهم الاسود وهذا هو المحك والفرقان بينهم وبين ~~الذين قبلهم فإن اولئك بحسب داعيهم ومن يقرن بهم كما قال فيهم علي بن أبي ~~طالب اتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا ~~إلى ركن وثيق هذا علامة من عدم البصيرة فإنك تراه يستحسن الشيء وضده ويمدح ~~الشيء ويذمه بعينه إذا جاء في قالب لا يعرفه فيعظم طاعة الرسول ويرى عظيما ~~مخالفته ثم هو من اشد الناس مخالفة له ونفيا لما اثبته ومعاداة للقائمين ~~بسنته وهذا من عدم البصيرة فهذا القسم الثالث إنما عملهم على البصائر وبها ~~تفاوت مراتبهم في درجات الفضل كما قال بعض السلف وقد ذكر السابقين فقال ~~إنما كانوا يعملون على البصائر وما اوتي أحد افضل من بصيرة في دين الله ولو ~~قصر في العمل قال تعالى واذكر عبادنا إبراهيم وإسماعيل PageV01P303 وإسحق ~~ويعقوب اولي الايدي والابصار قال ابن عباس اولي القوة في طاعة الله ~~والابصار في المعرفة في امر الله وقال قتادة ومجاهد اعطوا قوة في العبادة ~~وبصرا في الدين واعلم الناس ابصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في ~~العمل وتحت كل من هذه الاقسام انواع لا يحصى مقادير تفاوتها إلا الله إذا ~~عرف هذا فالقسم الاول لا ينتفع بهذا الباب ولا يزداد به الا ضلالة والقسم ~~الثاني ينتفع منه بقدر فهمه واستعداده والقسم الثالث واليهم هذا الحديث ~~يساق وهم اولو الالباب الذين يخصهم الله في كتابه بخطاب التنبيه والارشاد ~~وهم المرادون على الحقيقة بالتذكرة قال تعالى وما يتذكر لا اولو الالباب # | فصل قد شهدت الفطر والعقول بأن للعالم ربا قادرا حليما عليما رحيما # كاملا في ذاته وصفاته لا يكون إلا مريدا للخير لعباده مجريا لهم على ~~الشريعة والسنة الفاضلة العائدة باستصلاحهم ms414 الموافقة لما ركب في عقولهم من ~~استحسان الحسن واستقباح القبيح وما جبل طباعهم عليه من إيثار النافع لهم ~~المصلح لشأنهم وترك الضار المفسد لهم وشهدت هذه الشريعة له بأنه احكم ~~الحاكمين وأرحم الراحمين وانه المحيط بكل شيء علما وإذا عرف ذلك فليس من ~~الحكمة الالهية بل ولا الحكمة في ملوك العالم انهم يسوون بين من هو تحت ~~تدبيرهم في تعريفهم كلما يعرفه الملوك وإعلامهم جميع ما يعلمونه واطلاعهم ~~على كل ما يجرون عليه سياساتهم في انفسهم وفي منازلهم حتى لا يقيمو في بلد ~~فيها إلا اخبروا من تحت ايديهم بالسبب في ذلك والمعنى الذي قصدوه منه ولا ~~يأمرون رعيتهم بأمر ولا يضربون عليهم بعثا ولا يسوسونهم سياسة إلا اخبروهم ~~بوجه ذلك وسببه وغايته ومدته بل لا تتصرف بهم الاحوال في مطاعمهم وملابسهم ~~ومراكبهم إلا اوقفوهم على أغراضهم فيه ولا شك ان هذا مناف للحكمة والمصلحة ~~بين المخلوقين فكيف بشأن رب العالمين واحكم الحاكمين الذي لا يشاركه في ~~علمه ولا حكمته أحد ابدا فحسب العقول الكاملة ان تستدل بما عرفت من حكمته ~~على ما غاب عنها وتعلم ان له حكمة في كل ما خلقه وأمر به وشرعه وهل تقتضي ~~الحكمة ان يخبر الله تعالى كل عبد من عباده بكل ما يفعله ويوقفهم على وجه ~~تدبيره في كل ما يريده وعلى حكمته في صغير ما ذرأ وبرأ من خليقته وهل في ~~قوى المخلوقات ذلك بل طوى سبحانه كثيرا من صنعه وأمره عن جميع خلقه فلم ~~يطلع على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا والمدبر الحكيم من البشر إذا ثبتت ~~حكمته وابتغاؤه الصلاح لمن تحت تدبيره وسياسته كفا في ذلك تتبع مقاصده فيمن ~~يولي ويعزل وفي جنس ما يأمر به وينهي عنه وفي تدبيره لرعيته PageV01P304 ~~وسياسته لهم دون تفاصيل كل فعل من افعاله اللهم إلا ان يبلغ الامر في ذلك ~~مبلغا لا يوجد لفعله منفذ ومساغ في المصلحة اصلا فحينئذ يخرج بذلك عن ~~استحاق اسم الحكيم ولن يجد أحد في خلق الله ولا ms415 في أمره ولا واحدا من هذا ~~الضرب بل غاية ما تخرجه نفس المتعنت امور يعجز العقل عن معرفة وجوهها ~~وحكمتها وأما ان ينفى ذلك عنها فمعاذ الله إلا ان يكون ما أخرجه كذب على ~~الخلق الامر فلم يخلق الله ذلك ولا شرعة وإذا عرف هذا فقد علم ان رب ~~العالمين احكم الحاكمين والعالم بكل شيء والغني عن كل شيء والقادر على كل ~~شيء ومن هذا شأنه لم تخرج أفعاله وأوامره قط عن الحكمة والرحمة والمصلحة ~~وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وابداعه وامره وشرعه فيكفيهم ~~فيه معرفته بالوجه العام ان تضمنته حكمة بالغة وإن لم يعرفوا تفصيلها وأن ~~ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به فيكفيهم في ذلك الاسناد إلى الحكمة ~~البالغة العامة الشاملة التي علموا ما خفي منها بما ظهر لهم هذا وأن الله ~~تعالى بني امور عباده على ان عرفهم معاني جلائل خلقه وأمره دون دقائقهما ~~وتفاصيلهما وهذا مطرد في الاشياء اوصولها وفروعها فأنت إذا رايت الرجلين ~~مثلا أحدهما اكثر شعرا من الاخر أو اشد بياضا أو أحد ذهنا لامكنك ان تعرف ~~من جهة السبب الذي اجرى الله عليه سنة الخلقية وجه اختصاص كل واحد منهما ~~بما اختص به وهكذا في اختلاف الصور والاشكال ولكن لو اردت ان تعرف ماذا كان ~~شعر هذا مثلا يزيد على شعر الاخر بعدد معين أو المعنى الذي فضله به في ~~القدر المخصوص والتشكيل المخصوص ومعرفة القدر الذي بينهما من التفاوت وسببه ~~لما أمكن ذلك اصلا وقس على هذا جميع المخلوقات من الرمال والجبال والاشجار ~~ومقادير الكواكب وهيآتها وإذا كان لا سبيل إلى معرفة هذا في الخلق بل يكفي ~~فيه العلة العامة والحكمة الشاملة فهكذا في الامر يعلم ان جميع ما امر به ~~متضمن لحكمة بالغة واما تفاصيل اسرار المأمورات والمنهيات فلا سبيل إلى علم ~~البشرية ولكن يطلع الله من شاء من خلقه على ما شاء منه فاعتصم بهذا الاصل ~~تم الجزء الاول من كتاب مفتاح دار السعادة ويليه ms416 الجزء الثاني واوله فصل ~~حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية PageV01P305 تم تصحيحه سميرة أبو عفيفة @QB@ ~~مرتين @QE@ | 2 | # | فصل مفتاح دار السعادة # حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء ولا نسبة لحاجتهم ~~إلى علم الطب إليها إلا ترى أن أكثر العالم يعيشون بغير طبيب ولا يكون ~~الطبيب إلا في بعض المدن الجامعة وأما أهل البدو كلهم وأهل الكفور كلهم ~~وعامة بني آدم فلا يحتاجون إلى طبيب وهم أصح أبدانا وأقوى طبيعة ممن هو ~~متقيد بالطبيب ولعل أعمارهم متقاربة وقد فطر الله بني آدم على تناول ما ~~ينفعهم واجتناب ما يضرهم وجعل لكل قوم عادة وعرفا في استخراج ما يهجم عليهم ~~من الأدواء حتى أن كثيرا من أصول الطب إنما أخذت عن عوائد الناس وعرفهم ~~وتجاربهم وأما الشريعة فمبناها على تعريف مواقع رضى الله وسخطه في حركات ~~العباد الاختيارية فمبناها على الوحي المحض والحاجة إلى التنفس فضلا عن ~~الطعام والشراب لأن غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن ~~وتعطل الروح عنه وأما ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة ~~وهلاك الأبدان وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت فليس الناس قط إلى شيء ~~أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه ~~وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه وليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة ولا سبيل ~~إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلا بالعبور على هذا الجسم # | فصل الشرائع كلها في أصولها وإن تباينت متفقة مركوز حسنها في # العقول ولو وقعت على غير ما هي عليه لخرجت عن الحكمة والمصلحة والرحمة بل ~~من المحال أن تأتي بخلاف ما أتت به @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن @QE@ وكيف يجوز ذو العقل أن ترد شريعة أحكم ~~الحاكمين بضد ما وردت به فالصلاة قد وضعت على أكمل الوجوه وأحسنها التي ~~تعبد بها الخالق تبارك وتعالى عباده من تضمنها للتعظيم له بأنواع الجوارح ~~من نطق اللسان وعمل اليدين والرجلين والرأس وحواسه ms417 وسائر أجزاء البدن كل ~~يأخذ لحظه من الحكمة في هذه العبادة العظيمة المقدار مع أخذ الحواس الباطنة ~~بحظها منها وقيام القلب بواجب عبوديته فيها فهي مشتملة على الثناء والحمد ~~والتمجيد والتسبيح والتكبير وشهادة الحق والقيام بين يدي الرب مقام العبد ~~الذليل الخاضع المدبر المربوب ثم التذلل له في هذا المقام والتضرع والتقرب ~~إليه بكلامه ثم انحناء الظهر ذلا له وخشوعا واستكانة ثم استواؤه قائما ~~ليستعد لخضوع أكمل له من الخضوع PageV02P002 # الأول وهو السجود من قيام فيضع أشرف شيء فيه وهو وجهه على التراب خشوعا ~~لربه واستكانة وخضوعا لعظمته وذلا لعزته قد انكسر له قلبه وذل له جسمه ~~وخشعت له جوارحه ثم يستوي قاعدا يتضرع له ويتذلل بين يديه ويسأله من فضله ~~ثم يعود إلى حاله من الذل والخشوع والاستكانة فلا يزال هذا دأبه حتى يقضى ~~صلاته فيجلس عند إرادة الانصراف منها مثنيا على ربه مسلما على نبيه وعلى ~~عباده ثم يصلى على رسوله ثم يسأل ربه من خيره وبره وفضله فأي شيء بعد هذه ~~العبادة من الحسن وأي كمال وراء هذا الكمال وأي عبودية أشرف من هذه ~~العبودية فمن جوز عقله أن ترد الشريعة بضدها من كل وجه في القول والعمل ~~وأنه لا فرق في نفس الأمر بين هذه العبادة وبين ضدها من السخرية والسب ~~والبطر وكشف العورة والبول على الساقين والضحك والصفير وأنواع المجون ~~وأمثال ذلك فليعز عقله وليسأل الله أن يهبه عقلا سواه وأما حسن الزكاة وما ~~تضمنته من مواساة ذوي الحاجات والمسكنة والخلة من عباد الله الذين يعجزون ~~عن إقامة نفوسهم ويخاف عليهم التلف إذا خلاهم الأغنياء وأنفسهم وما فيها من ~~الرحمة والإحسان والبر والطهرة وإيثار أهل الإيثار والاتصاف بصفة الكرم ~~والجود والفضل والخروج من سماة أهل الشح والبخل والدناءة فأمر لا يسريب ~~عاقل في حسنه ومصلحته وأن الآمر به أحكم الحاكمين وليس يجوز في العقل ولا ~~في الفطرة البتة أن ترد شريعة من الحكيم العليم بضد ذلك أبدا وأما الصوم ~~فناهيك به من عبادة تكف النفس ms418 عن شهواتها وتخرجها عن شبه البهائم إلى شبه ~~الملائكة المقربين فإن النفس إذا خليت ودواعي شهواتها التحقت بعالم البهائم ~~فإذا كفت شهواتها لله ضيقت مجاري الشيطان وصارت قريبة من الله بترك عادتها ~~وشهواتها محبة له وإيثارا لمرضاته وتقربا إليه فيدع الصائم أحب الأشياء ~~إليه وأعظمها لصوقا بنفسه من الطعام والشراب والجماع من أجل ربه فهو عبادة ~~ولا تتصور حقيقتها إلا بترك الشهوة لله فالصائم يندع طعامه وشرابه وشهواته ~~من أجل ربه وهذا معنى كون الصوم له تبارك وتعالى وبهذا فسر النبي هذه ~~الإضافة في الحديث فقال يقول الله تعالى كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة ~~أمثالها قال الله إلا الصوم فأنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلى ~~حتى أن الصائم ليتصور بصورة من لا حاجة له في الدنيا إلا في تحصيل رضى الله ~~وأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة التي تكسر الشهوة وتقمع النفس وتحي القلب ~~وتفرحه وتزهد في الدنيا وشهواتها وترغب فيما عند الله وتذكر الأغنياء بشأن ~~المساكين وأحوالهم وأنهم قد أخذوا بنصيب من عيشهم فتعطف قلوبهم عليهم ~~ويعلمون ما هم فيه من نعم الله فيزدادوا له شكرا وبالجملة فعون الصوم على ~~تقوى الله أمر مشهور فما استعان أحد على تقوى الله وحفظ حدوده PageV02P003 # واجتناب محارمه بمثل الصوم فهو شاهد لمن شرعه وأمر به بأنه أحكم الحاكمين ~~وأرحم الراحمين وأنه إنما شرعه إحسانا إلى عباده ورحمة بهم ولطفا بهم لا ~~بخلا عليهم برزقه ولا مجرد تكليف وتعذيب خال من الحكمة والمصلحة بل هو غاية ~~الحكمة والرحمة والمصلحة وإن شرع هذه العبادات لهم من تمام نعمته عليهم ~~ورحمته بهم 0 وأما الحج فشأن آخر لا يدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في ~~المحبة بسهم وشأنه أجل من أن تحيط به العبارة وهو خاصة هذا الدين الحنيف ~~حتى قيل في قوله تعالى @QB@ حنفاء لله غير مشركين @QE@ أي حجاجا وجعل الله ~~بيته الحرام قياما للناس فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه فلو ترك الناس ~~كلهم الحج سنة لخرت ms419 السماء على الأرض هكذا قال ترجمان القرآن ابن عباس ~~فالبيت الحرام قيام العالم فلا يزال قياما ما زال هذا البيت محجوجا فالحج ~~هو خاصة الحنيفة ومعونة الصلاة وسر قول العبد لا إله إلا الله فإنه مؤسس ~~على التوحيد المحض والمحبة الخالصة وهو استزارة المحبوب لأحبابه ودعوتهم ~~إلى بيته ومحل كرامته ولهذا إذا دخلوا في هذه العبادة فشعارهم لبيك اللهم ~~لبيك إجابة محب لدعوة حبيبه ولهذا كان للتلبية موقع عند الله وكلما أكثر ~~العبد منها كان أحب إلى ربه وأحظى فهو لا يملك نفسه أن يقول لبيك لبيك حتى ~~ينقطع نفسه 0 وأما أسرار ما في هذه العبادة من الإحرام واجتناب العوائد ~~وكشف الرأس ونزع الثياب المعتادة والطواف والوقوف بعرفة ورمى الجمار وسائر ~~شعائر الحج فمما شهدت بحسنه العقول السليمة والفطر المستقيمة وعلمت بأن ~~الذي شرع هذه لا حكمة فوق حكمته وسنعود أن شاء الله إلى الكلام في ذلك ~~موضعه 0 # وأما الجهاد فناهيك به من عبادة هي سنام العبادات وذروتها وهو المحك ~~والدليل المفرق بين المحب والمدعى فالمحب قد بذل مهجته وماله لربه وإلهه ~~متقربا إليه ببذل أعز ما بحضرته يود لو أن له بكل شعرة نفسا يبذلها في حبه ~~ومرضاته ويود أن لو قتل فيه ثم أحي ثم قتل ثم أحي فهو يفدي ثم قتل بنفسه ~~حبيبه وعبده ورسوله ولسان حاله يقول 0 # يفديك بالنفس صب لو يكون له % أعز من نفسه شيء فذاك به # فهو قد سلم نفسه وماله لمشتريها وعلم أنه لا سبيل إلى أخذ السلعة إلا ~~ببذل ثمنها @QB@ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون @QE@ وإذا كان من المعلوم المستقر ~~عند الخلق أن علامة المحبة إلا له وكل محبة الصحيحة بذل الروح والمال في ~~مرضات المحبوب فالمحبوب الحق الذي لا تنبغي المحبة إلا له وكل محبة سوى ~~محبته فالمحبة له باطلة أولى بأن يشرع لعباده الجهاد الذي هو غاية ما ~~يتقربون به إلى إلههم وربهم وكانت قرابين ms420 من قبلهم من الأمم في ذبائحهم ~~وقرابينهم تقديم أنفسهم للذبح في الله مولاهم الحق فأي حسن يزيد على حسن ~~هذه العبادة ولهذا ادخرها الله لأكمل الأنبياء وأكمل الأمم عقلا وتوحيدا ~~ومحبة لله 0 PageV02P004 # وأما الضحايا والهدايا فقربان إلى الخالق سبحانه تقوم مقام الفدية عن ~~النفس المستحقة للتلف فدية وعوضا وقربانا إلى الله وتشبها بإمام الحنفاء ~~وإحياء لسنته أن فدى الله ولده بالقربان فجعل ذلك في ذريته باقيا أبدا وأما ~~الإيمان والنذور فعقود يعقدها العبد على نفسه يؤكد بها ما ألزم به نفسه من ~~الأمور بالله ولله فهي تعظيم للخالق ولأسمائه ولحقه وأن تكون العقود به وله ~~وهذا غاية التعظيم فلا يعقد بغير اسمه ولا لغير القرب إليه بل أن حلف ~~فباسمه تعظيما وتبجيلا وتوحيدا وإجلالا وأن نذر فله توحيدا وطاعة ومحبة ~~وعبودية فيكون هو المعبود وحده والمستعان به وحده 0 وأما المطاعم والمشارب ~~والملابس والمناكح فهي داخلة فيما يقيم الأبدان ويحفظها من الفساد والهلاك ~~وفيما يعود ببقاء النوع الإنساني ليتم بذلك قوام الأجساد وحفظ النوع فيتحمل ~~الأمانة التي عرضت على السموات والأرض ويقوى على حملها وأدائها ويتمكن من ~~شكر مولى الأنعام ومسديه وفرق في هذه الأنواع بين المباح والمحظور والحسن ~~والقبيح والضار والنافع والطيب والخبيث فحرم منها القبيح والخبيث والضار ~~وأباح منها الحسن والطيب والنافع كما سيأتي إن شاء الله وتأمل ذلك في ~~المناكح فإن من المستقر في العقول والفطر أن قضاء هذا الوطر في الأمهات ~~والبنات والأخوات والعمات والخالات والجدات مستقبح في كل عقل مستهجن في كل ~~فطرة ومن المحال أن يكون المباح من ذلك مساويا للمحظور في نفس الأمر ولا ~~فرق بينهما إلا مجرد التحكم بالمشيئة سبحانك هذا بهتان عظيم وكيف يكون في ~~نفس الأمر نكاح الأم واستفراشها مساويا لنكاح الأجنبية واستفراشها وإنما ~~فرق بينهما محض الآمر وكذلك من المحال أن يكون الدم والبول والرجيع مساويا ~~للخبز والماء والفاكهة ونحوها وإنما الشارع فرق بينهما فأباح هذا وحرم هذا ~~مع استواء الكل في نفس الأمر وكذلك أخذ المال بالبيع ms421 والهبة والوصية ~~والميراث لا يكون مساويا لأخذه بالقهر والغلبة والغصب والسرقة والجناية حتى ~~يكون إباحة هذا وتحريم هذا راجعا إلى محض الأمر والنهى المفرق بين ~~المتماثلين وكذلك الظلم والكذب والزور والفواحش كالزنا واللواط وكشف العورة ~~بين الملأ ونحو ذلك كيف يسوغ عقل عاقل أنه لا فرق قط في نفس الأمر بين ذلك ~~وبين العدل والإحسان والعفة والصيانة وستر العورة وإنما الشارع يحكم بإيجاب ~~هذا وتحريم هذا وهذا مما لو عرض على العقول السليمة التي لم تدخل ولم يمسها ~~ميل للمثالات الفاسدة وتعظيم أهلها وحسن الظن بهم لكانت أشد إنكارا له ~~وشهادة ببطلانه من كثير من الضروريات وهل ركب الله في فطرة عاقل قط أن ~~الإحسان والإساءة والصدق والكذب والفجور والعفة والعدل والظلم وقتل النفوس ~~وانجاءها بل السجود لله وللصنم سواء في نفس الأمر لا فرق بينهما وإنما ~~PageV02P005 # الفرق بينهما الأمر المجرد وأي جحد للضروريات أعظم من هذا وهل هذا إلا ~~بمنزلة من يقول أنه لا فرق بين الرجيع والبول والدم والقيء وبين الخبز ~~واللحم والماء والفاكهة والكل سواء في نفس الأمر وإنما الفرق بالعوائد فأي ~~فرق بين مدعى هذا الباطل وبين مدعى ذلك الباطل وهل هذا إلا بهت للعقل والحس ~~والضرورة والشرع والحكمة وإذا كان لا معنى عندهم للمعروف إلا ما أمر به ~~فصار معروفا بالأمر ولا للمنكر إلا ما نهى عنه فصار منكرا بنهيه فأي معنى ~~لقوله @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ وهل حاصل ذلك زائد على ~~أن يقال يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه وهذا كلام ينزه عنه ~~آحاد العقلاء فضلا عن كلام رب العالمين وهل دلت الآية إلا على أنه أمرهم ~~بالمعروف الذي تعرفه العقول وتقر بحسنه الفطر فأمرهم بما هو معروف في نفسه ~~عند كل عقل سليم ونهاهم عما هو منكر في الطباع والعقول بحيث إذا عرض على ~~العقول السليمة أنكرته أشد الإنكار كما أن ما أمر به إذا عرض على العقل ~~السليم قبله أعظم قبول وشهد بحسنه كما قال بعض الأعراب وقد سئل ms422 بم عرفت أنه ~~رسول الله فقال ما أمر بشيء فقال العقل ليته ينهى عنه ولا نهى عن شيء فقال ~~ليته أمر به فهذا الأعرابي أعرف بالله ودينه ورسوله من هؤلاء وقد اقر عقله ~~وفطرته بحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه حتى كان في حقه من أعلام نبوته ~~وشواهد رسالته ولو كان جهة كونه معروفا ومنكرا هو الأمر المجرد لم يكن فيه ~~دليل بل كان يطلب له الدليل من غيره ومن سلك ذلك المسلك الباطل لم يمكنه أن ~~يستدل على صحة نبوته بنفس دعوته ودينه ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به ~~والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه وشواهد نبوته ومن لم يثبت لذلك ~~صفات وجودية أوجبت حسنه وقبول العقول له ولضده صفات أوجبت قبحه ونفور العقل ~~عنه فقد سد على نفسه باب الاستدلال بنفس الدعوة وجعلها مستدلا عليه فقط ~~ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى @QB@ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث @QE@ فهذا صريخ في أن الحلال كان طيبا قبل حله وأن الخبيث كان ~~خبيثا قبل تحريمه ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس الحل والتحريم لوجهين ~~اثنين أحدهما أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب ~~فقال # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوارة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل ~~لم يكن في ذلك دليل فإنه بمنزلة أن يقال يحل لهم ما بحل ويحرم عليهم ما ~~يحرم وهذا أيضا باطل فإنه لا فائدة فيه وهو الوجه الثاني فثبت أنه أحل ما ~~هو طيب في نفسه قبل الحل فكساه بأحلاله طيبا آخر فصار منشأ طيبه من الوجهين ~~معا فتأمل هذا الموضع حق PageV02P006 # التأمل يطلعك على أسرار الشريعة ويشرفك على محاسنها وكمالها وبهجتها ~~وجلالها وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين أن ترد بخلاف ما وردت به ~~وأن الله تعالى ms423 يتنزه عن ذلك كما يتنزه عن سائر مالا يليق به # ومما يدل على ذلك قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله مالا تعلمون وهذا دليل على أنها فواحش في نفسها لا ~~تستحسنها العقول فتعلق التحريم بها لفحشها فإن ترتيب الحكم على الوصف ~~المناسب المشتق يدل على أنه هو العلة المقتضية له وهذا دليل في جميع هذه ~~الآيات التي ذكرناها فدل على أنه حرمها لكونها فواحش وحرم الخبيث لكونه ~~خبيثا وأمر بالمعروف لكونه معروفا والعلة يجب أن تغاير المعلول فلو كان ~~كونه فاحشة هو معنى كونه منهيا عنه وكونه خبيثا هو معنى كونه محرما كانت ~~العلة عين المعلول وهذا محال فتأمله وكذا تحريم الإثم والبغي دليل على أن ~~هذا وصف ثابت له قبل التحريم ومن هذا قوله تعالى ولا تقربوا الزنا أنه كان ~~فاحشة ومقتا وساء سبيلا فعلل النهي في الموضعين بكون المنهي عنه فاحشة ولو ~~كان جهة كونه فاحشة هو النهي لكان تعليلا للشيء بنفسه ولكان بمنزلة أن يقال ~~لا تقربوا الزنا فإنه يقول لكم لا تقربوه أو فإنه منهي عنه وهذا محال من ~~وجهين أحدهما أنه يتضمن إخلاء الكلام من الفائدة والثاني أنه تعليل للنهي ~~بالنهي ومن ذلك قوله تعالى ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فأخبر تعالى أن ~~ما قدمت أيديهم قبل البعثة سبب لإصابتهم بالمصيبة وأنه سبحانه لو أصابهم ~~بما يستحقون من ذلك لاحتجوا عليه بأنه لم يرسل إليهم رسولا ولم ينزل عليهم ~~كتابا فقطع هذه الحجة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل وهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة بحيث ~~استحقوا أن يصيبوا بها المصيبة ولكنه سبحانه لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل ~~وهذا هو فصل الخطاب # وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن ms424 القبح ثابت للفعل في نفسه وأنه لا ~~يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة وهذه النكتة هي التي فاتت ~~المعتزلة والكلابية كليهما فاستطالت كل طائفة منهما على الأخرى لعدم جمعهما ~~بين هذين الأمرين فاستطالت الكلابية على المعتزلة بإثباتهم العذاب قبل ~~إرسال الرسل وترتيبهم العقاب على مجرد القبح العقلي وأحسنوا في رد ذلك ~~عليهم واستطالت المعتزلة عليهم في إنكارهم الحسن والقبح العقليين جملة ~~وجعلهم انتفاء العذاب قبل البعثة دليلا على انتفاء القبح واستواء الأفعال ~~في أنفسها وأحسنوا في رد هذا عليهم فكل طائفة استطالت على الأخرى بسبب ~~إنكارها الصواب وأما من سلك هذا المسلك الذي سلكناه فلا سبيل لواحدة من ~~الطائفتين إلى رد PageV02P007 # قوله ولا الظفر عليه أصلا فانه موافق لكل طائفة على ما معها من الحق مقرر ~~له مخالف في باطلها منكر له وليس مع النفاة قط دليل واحد صحيح على نفي ~~الحسن والقبح العقليين وإن الأفعال المتضادة كلها في نفس الأمر سواء لا فرق ~~بينها إلا بالأمر والنهي وكل أدلتهم على هذا باطلة كما سنذكرها ونذكر ~~بطلانها إن شاء الله تعالى وليس مع المعتزلة دليل واحد صحيح قط يدل على ~~إثبات العذاب على مجرد القبح العقلي قبل بعثة الرسل وأدلتهم على ذلك كلها ~~باطلة كما سنذكرها ونذكر بطلانها إن شاء الله تعالى ومما يدل على ذلك أيضا ~~أنه سبحانه يحتج على فساد مذهب من عبد غيره بالأدلة العقلية التي تقبلها ~~الفطر والعقول ويجعل ما ركبه في العقول من حسن عبادة الخالق وحده وقبح ~~عبادة غيره من أعظم الأدلة على ذلك وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر ههنا ~~ولولا أنه مستقر في العقول والفطر حسن عبادته وشكره وقبح عبادة غيره وترك ~~شكره لما احتج عليهم بذلك أصلا وإنما كانت الحجة في مجرد الأمر وطريقة ~~القرآن صريحة في هذا كقوله تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ms425 لكم فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون @QE@ فذكر سبحانه أمرهم بعبادته وذكر اسم الرب مضافا إليهم ~~لمقتضى عبوديتهم لربهم ومالكهم ثم ذكر ضروب أنعامه عليهم بإيجادهم وإنما من ~~قبلهم وجعل الأرض فراشا لهم يمكنهم الاستقرار عليها والبناء والسكنى وجعل ~~السماء بناء وسقفا فذكر أرض العالم وسقفه ثم ذكر إنزال مادة أقواتهم ~~ولباسهم وثمارهم منبها بهذا على استقرار حسن عبادة من هذا شأنه وتشكره ~~الفطر والعقول وقبح الإشراك به وعبادة غيره ومن هذا قوله تعالى حاكيا عن ~~صاحب ياسين أنه قال لقومه محتجا عليهم بما تقر به فطرهم وعقولهم ومالي لا ~~أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون فتأمل هذا الخطاب كيف تجد تحته أشرف معنى ~~وأجله وهو أن كونه سبحانه فاطرا لعباده يقتضي عبادتهم له وأن من كان مفطورا ~~مخلوقا فحقيق به أن يعبد فاطره وخالقه ولا سيما إذا كان مرده إليه فمبدأه ~~منه ومصيره إليه وهذا يوجب عليه التفرغ لعبادته ثم احتج عليهم بما تقر به ~~عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره وإنها أقبح شيء في العقل وأنكره فقال ~~أأتخذ من دونه آلهة إن يردني الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين أفلا تراه كيف لم يحتج عليهم بمجرد الأمر بل ~~احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة ومن هذا قوله تعالى يا أيها الناس ~~ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وأن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما ~~قدروا الله حق قدرهإن الله لقوي عزيز فضرب لهم PageV02P008 # سبحانه مثلا من عقولهم يدلهم على قبح عبادتهم لغيره وإن هذا أمر مستقر ~~قبحه وهجنته في كل عقل وإن لم يرد به الشرع وهل في العقل أنكر وأقبح من ~~عبادة من لو اجتمعوا كلهم لم يخلقوا ذبابا واحدا وإن يسلبهم الذباب شيئا لم ~~يقدروا على الانتصار منه واستنقاذ ما سلبهم إياه وترك عبادة الخلاق العليم ~~القادر على كل شيء الذي ليس كمثله شيء أفلا ms426 تراه كيف احتج عليهم بما ركبه ~~في العقول من حسن عبادته وحده وقبح عبادة غيره وقال تعالى @QB@ ضرب الله ~~مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا @QE@ هذا ~~مثل ضربه الله لمن عبده وحده فسلم له ولمن عبد من دونه آلهة فهم شركاء فيه ~~متشاكسون عسرون فهل يستوى في العقول هذا وهذا وقد أكثر تعالى من هذه ~~الأمثال ونوعها مستدلا بها على حسن شكره وعبادته وقبح عبادة غيره ولم يحتج ~~عليهم بنفس الأمر بل بما ركبه في عقولهم من الإقرار بذلك وهذا كثير في ~~القرآن فمن تتبعه وجده وقال تعالى @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا @QE@ فذكر توحيده وذكر المناهي التي نهاهم عنها والأوامر ~~التي أمرهم بها ثم ختم الآية بقوله @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ~~@QE@ أي مخالفة هذه الأوامر وارتكاب هذه المناهي سيئة مكروهة لله فتأمل ~~قوله سيئة عند ربك مكروها أي أنه سيء في نفس الأمر عند الله حتى لو لم يرد ~~به تكليف لكان سيئه في نفسه عند الله مكروها له وكراهته سبحانه له لما هو ~~عليه من الصفة التي اقتضت أن كرهه ولو كان قبحه إنما هو مجرد النهي لم يكن ~~مكروها لله إذ لا معنى للكراهة عندهم إلا كونه منهيا عنه فيعود قوله كل ذلك ~~كان سيئه عند ربك مكروها إلى معنى كل ذلك نهى عنه عند ربك ومعلوم إن هذا ~~غير مراد من الآية وأيضا فإذا وقع ذلك منهم فهو عند النفاة للحسن والقبح ~~محبوب لله مرضى له لأنه إنما وقع بإرادته والإرادة عندهم هي المحبة لا فرق ~~بينهما والقرآن صريح في أن هذا كله قبيح عند الله مكروه مبغوض له وقع أو لم ~~يقع وجعل سبحانه هذا البغض والقبح سببا للنهي عنه ولهذا جعله علة وحكمة ~~للأمر فتأمله والعلة غير المعلول وقال تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط @QE@ دل ذلك على ~~أن في نفس الأمر قسطا وأن الله سبحانه أنزل ms427 كتابه وأنزل الميزان وهو العدل ~~ليقوم الناس بالقسط أنزل الكتاب لأجله والميزان فعلم أن في نفس الأمر ما هو ~~قسط وعدل وحسن ومخالفته قبيحة وأن الكتاب والميزان نزلا لأجله ومن ينفي ~~الحسن والقبح يقول ليس في نفس الأمر ما هو عدل حسن وإنما صار قسطا وعدلا ~~بالأمر فقط ونحن لا ننكر أن الأمر كساه حسنا وعدلا إلى حسنه وعدله في نفسه ~~فهو في نفسه قسط حسن وكساه الأمر حسنا آخر يضاعف به كونه عدلا حسنا فصار ~~ذلك ثابتا له من الوجهين جميعا ومن هذا قوله تعالى وذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا PageV02P009 # عليها آباءنا والله امرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على ~~الله مالا تعلمون فقوله قل إن الله لا يأمر بالفحشاء دليل على أنها في ~~نفسها فحشاء وأن الله لا يأمر بما يكون كذلك وانه يتعالى ويتقدس عنه ولو ~~كان كونه فاحشة إنما علم بالنهي خاصة كان بمنزلة أن يقال إن الله لا يأمر ~~بما ينهى عنه وهذا كلام يصان عنه آحاد العقلاء فكيف بكلام رب العالمين ثم ~~أكد سبحانه هذا الإنكار بقوله @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند ~~كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ فأخبر انه يتعالى عن الأمر بالفحشاء ~~بل أوامره كلها حسنة في العقول مقبولة في الفطر فإنه أمر بالقسط لا بالجور ~~وبإقامة الوجوه له عند مساجده لا لغيره وبدعوته وحده مخلصين له الدين لا ~~بالشرك فهذا هو الذي يأمر به تعالى لا بالفحشاء أفلا تراه كيف يخبر بحسن ما ~~يأمر به ويحسنه وينزه نفسه عن الأمر بضده وأنه لا يليق به تعالى @QB@ ومن ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا @QE@ فاحتج سبحانه على حسن دين الإسلام وإنه لا شيء أحسن منه ~~بأنه يتضمن إسلام الوجه لله وهو إخلاص القصد والتوجه والعمل له سبحانه ~~والعبد مع ذلك محسن آت بكل حسن لا مرتكب للقبح الذي يكرهه الله بل هو مخلص ~~لربه محسن في عبادته ms428 بما يحبه ويرضاه وهو مع ذلك متبع لملة إبراهيم في ~~محبته لله وحده وإخلاص الدين له وبذل النفس والمال في مرضاته ومحبته وهذا ~~احتجاج منه على أن دين الإسلام أحسن الأديان بما تضمنه مما تستحسنه العقول ~~وتشهد به الفطر وأنه قد بلغ الغاية القصوى في درجات الحسن والكمال وهذا ~~استدلال بغير الأمر المجرد بل هو دليل على أن ما كان كذلك فحقيق بأن يأمر ~~به عباده ولا يرضى منهم سواه ومثل هذا قوله تعالى @QB@ ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين @QE@ فهذا احتجاج بما ركب ~~في العقول والفطر لأنه لا قول للعبد أحسن من هذا القول وقال تعالى فبظلم من ~~الذين هادوا حرمنا عليهم مع كونه طيبات أحلت لهم فأي شيء أصرح من هذا حيث ~~أخبر سبحانه بأنه حرمه عليهم مع كونه طيبا في نفسه فلو لا أن طيبه أمر ثابت ~~له بدون الأمر لم يكن ليجمع الطيب والتحريم وقد أخبر تعالى أنه حرم عليهم ~~طيبات كانت حلالا عقوبة لهم فهذا تحريم عقوبة بخلاف التحريم على هذه الأمة ~~فإنه تحريم صيانة وحماية ولا فرق عند النفاة بين الأمرين بل الكل سواء فإنه ~~سبحانه أمر عباده بما أمرهم به رحمة منه وإحسانا وإنعاما عليهم لآن صلاحهم ~~في معاشهم وأبدانهم وأحوالهم وفي معادهم ومآلهم إنما هو بفعل ما أمروا به ~~وهو في ذلك بمنزلة الغذاء الذي لا قوام للبدن إلا به بل أعظم وليس مجرد ~~تكليف وابتلاء كما يظنه كثير من الناس ونهاهم عما نهاهم عنه صيانة وحمية ~~لهم إذ لا بقاء لصحتهم ولا حفظ لها إلا بهذه الحمية فلم يأمرهم حاجة منه ~~إليهم وهو الغنى الحميد ولا حرم عليهم PageV02P010 # ما حرم بخلا منه عليهم وهو الجواد الكريم بل أمره ونهيه عين حظهم ~~وسعادتهم العاجلة والآجلة ومصدر أمره ونهيه رحمته الواسعة وبره وجوده ~~وإحسانه وإنعامه فلا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وعلمه ووقوع أفعاله على وفق ~~المصلحة والرحمة والحكمة وقال تعالى أم لم يعرفوا رسولهم فهم ms429 له منكرون أم ~~يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم ~~لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ~~فأخبر سبحانه أن الحق لو اتبع أهواء العباد فجاء شرع الله ودينه بأهوائهم ~~لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ومعلوم أن عند النفاة يجوز أن يرد شرع الله ~~ودينه بأهواء العباد وأنه لا فرق في نفس الأمر بين ما ورد به وبين ما ~~تقتضيه أهواؤهم إلا مجرد الأمر وإنه لو ورد بأهوائهم جاز وكان تعبدا ودينا ~~وهذه مخالفة صريحة للقرآن وإنه من المحال أن يتبع الحق أهوائهم وأن أهواءهم ~~مشتملة على قبح عظيم لو ورد الشرع به لفسد العالم أعلاه وأسفله وما بين ذلك ~~ومعلوم أن هذا الفساد إنما يكون لقبح خلاف ما شرعه الله وأمر به ومنافاته ~~لصلاح العالم علويه وسفليه وإن خراب العالم وفساده لازم لحصوله ولشرعه وأن ~~كمال حكمة الله وكمال علمه ورحمته وربو بيته يأبى ذلك ويمنع منه ومن يقول ~~الجميع في نفس الأمر سواء يجوز ورود التعبد بكل شيء سواء كان من مقتضى ~~أهوائهم أو خلافها 0 # ومثل هذا قوله تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله ~~رب العرش @QE@ أي لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا ~~وبطلتا ولم يقل أرباب بل قال آلهة والإله هو المعبود المألوه وهذا يدل على ~~أنه من الممتنع المستحيل عقلا أن يشرع الله عبادة غيره أبدا وإنه لو كان ~~معه معبود سواه لفسدت السماوات والأرض فقبح عبادة غيره قد استقر في الفطر ~~والعقول وأن لم يرد النبي عنه شرع بل العقل يدل على أنه أقبح القبيح على ~~الإطلاق وأنه من المحال أن يشرعه الله قط فصلاح العالم في أن يكون الله ~~وحده هو المعبود وفساده وهلاكه في أن يعبد معه غيره ومحال أن يشرع لعباده ~~ما فيه فساد العالم وهلاكه بل هو المنزه عن ذلك 0 # | فصل وقد أنكر تعالى على من نسب إلى حكمته التسوية ms430 بين المختلفين # كالتسوية بين الأبرار والفجار فقال تعالى @QB@ أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ وقال ~~تعالى أم حسب الذين اجتر حوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون فدل على أن هذا حكم سيء قبيح ~~ينزه الله عنه ولم ينكره سبحانه من جهة أنه أخبر بأنه لا يكون وإنما أنكره ~~من جهة قبحه في نفسه وإنه حكم PageV02P011 # سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله ووقوع أفعاله كلها ~~على السداد والصواب والحكمة فلا يليق به أن يجعل البر كالفاجر ولا المحسن ~~كالمسيء ولا المؤمن كالمفسد في الأرض فدل على أن هذا قبيح في نفسه تعالى ~~الله عن فعله 0 ومن هذا أيضا إنكاره سبحانه على من جوز أن يترك عباده سدى ~~فلا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم وأن هذا الحسبان باطل والله ~~متعال عنه لمنافاته لحكمته وكماله كما قال تعالى @QB@ أيحسب الإنسان أن ~~يترك سدى @QE@ قال الشافعي رضى الله عنه أي مهملا لا يؤمر ولا ينهى وقال ~~غيره لا يثاب ولا يعاقب والقولان واحد لأن الثواب والعقاب غاية الأمر ~~والنهى فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهى في الدنيا والثواب والعقاب في الآخرة ~~فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك ~~واستهجانه وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى احكم الحاكمين 0 # ومثله وقوله تعالى @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ~~فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم @QE@ فنزه نفسه ~~سبحانه وباعدها عن هذا الحسبان وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ~~ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته أفلا ترى كيف ظهر في العقل الشهادة بدينه ~~وشرعه وبثوابه وعقابه وهذا يدل على إثبات المعاد بالعقل كما يدل على إثباته ~~بالسمع وكذلك دينه وأمره وما بعث به رسله هو ثابت في العقول جملة ثم علم ~~بالوحي فقد تطابقت شهادة العقل والوحي على توحيده وشرعه والتصديق بوعده ~~ووعيده ms431 وأنه سبحانه دعا عباده على ألسنة رسله إلى ما وضع في العقول حسنه ~~والتصديق به جملة فجاء الوحي مفصلا مبينا ومقررا ومذكرا لما هو مركوز في ~~الفطر والعقول ولهذا سأل هرقل أبا سفيان في جملة ما سأله من أدلة النبوة ~~وشواهدها عما يأمر به النبي فقال بم يأمركم قال يأمرنا بالصلاة والصدق ~~والعفاف فجعل ما يأمر به من أدلة نبوته فأن أكذب الخلق وأفجرهم من أدعى ~~النبوة وهو كاذب فيها على الله وهذا محال أن يأمر إلا بما يليق بكذبه ~~وفجوره وافترائه فدعوته تليق به وأما الصادق البار الذي هو أصدق الخلق ~~وأبرهم فدعوته لا تكون إلا أكمل دعوة وأشرفها وأجلها وأعظمها فإن العقول ~~والفطر تشهد بحسنها وصدق القائم بها فلو كانت الأفعال كلها سواء في نفس ~~الأمر لم يكن هناك فرقان بين ما يجوز أن يدعو إليه الرسول ومالا يجوز أن ~~يدعو إليه إذ العرف وضده إنما يعلم بنفس الدعوة والأمر والنهي وكذلك مسئلة ~~النجاشي لجعفر وأصحابه عما يدعو إليه الرسول فدل على أنه من المستقر في ~~العقول والفطر انقسام الأفعال إلى قبيح وحسن في نفسه وأن الرسل تدعو إلى ~~حسنها وتنهى عن قبيحها وأن ذلك من آيات صدقهم وبراهين رسالتهم وهو أولى ~~وأعظم عند أولي الألباب والحجى من مجرد خوارق PageV02P012 # العادات وإن كان انتفاع ضعفاء العقول بالخوارق في الإيمان أعظم من ~~انتفاعهم بنفس الدعوة وما جاء به من الإيمان فطرق الهداية متنوعة رحمة من ~~الله بعباده ولطفا بهم لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم فمنهم من يهتدي ~~بنفس ما جاء به وما دعا إليه من غير أن يطلب منه برهانا خارجا عن ذلك كحال ~~الكمل من الصحابة كالصديق رضي الله عنه ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله وما ~~فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال وأن عادة الله أن لا يخزي من ~~قامت به تلك الأوصاف والأفعال لعلمه بالله ومعرفته به وإنه لا يخزي من كان ~~بهذه المثابة كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها له إبشر فوالله لن ~~يخزيك ms432 الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضعيف ~~وتعين على نوائب الحق فاستدلت بمعرفتها بالله وحكمته ورحمته على أن من كان ~~كذلك فإن الله لا يخزيه ولا يفضحه بل هو جدير بكرامة الله واصطفائه ومحبته ~~وتوبته وهذه المقامات في الإيمان عجز عنها أكثر الخلق فاحتاجوا إلى الآيات ~~والخوارق والآيات المشهودة بالحس فآمن كثير منهم عليها وأضعف الناس إيمانا ~~من كان إيمانه صادرا من المظهر ورؤية غلبته للناس فاستدلوا بذلك المظهر ~~والغلبة والنصرة على صحة الرسالة فأين بصائر هؤلاء من بصائر من آمن به وأهل ~~الأرض قد نصبوا له العداوة وقد ناله من قومه ضروب الأذى وأصحابه في غاية ~~قلة العدد والمخافة من الناس ومع هذا فقلبه ممتلىء بالإيمان واثق بأنه ~~سيظهر على الأمم وأن دينه سيعلو كل دين وأضعف من هؤلاء إيمانا من إيمانه ~~إيمان العادة والمربا والمنشأ فإنه نشأ بين أبوين مسلمين وأقارب وجيران ~~وأصحاب كذلك فنشأ كواحد منهم ليس عنده من الرسول والكتاب إلا اسمهما ولا من ~~الدين إلا ما رأى عليه أقاربه وأصحابه فهذا دين العوائد وهو أضعف شيء ~~وصاحبه بحسب من يقترن به فلو قيض له من يخرجه عنه لم يكن عليه كلفة في ~~الانتقال عنه والمقصود أن خواص الأمة ولبابها لما شهدت عقولهم حسن هذا ~~الدين وجلالته وكماله وشهدت قبح ما خالفه ونقصه ورداءته خالط الإيمان به ~~ومحبته بشاشة قلوبهم فلو خير بين أن يلقى في النار وبين أن يختار دينها ~~غيره لاختار أن يقذف في النار وتقطع أعضاؤه ولا يختار دينا غيره وهذا الضرب ~~من الناس هم الذين استقرت أقدامهم في الإيمان وهم أبعد الناس عن الارتداد ~~عنه وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله ولهذا قال هرقل لأبي سفيان ~~أيرتد أحد منهم عن دينه سخطة له قال لا قال فكذلك الإيمان إذ خالطت بشاشته ~~القلوب لا يسخطه أحد والمقصود أن الداخلين في الإسلام المستدلين على أنه من ~~عند الله لحسنه وكماله وأنه دين الله الذي لا يجوز أن يكون من ms433 عند غيره هم ~~خواص الخلق والنفاة سدوا على أنفسهم هذا الطريق فلا يمكنهم سلوكه ~~PageV02P013 # | فصل وتحقيق هذا المقام بالكلام في مقامين أحدهما في الأعمال خصوصا # ومراتبها في الحسن والقبح والثاني في الموجودات عموما ومراتبها في الخير ~~والشر أما المقام الأول فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة ~~واما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة واما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها ~~فهذه أقسام خمسة منها أربعة تأت بها الشرائع فتأتي بما مصلحته خالصة أو ~~راجحة آمرة به مقتضية له وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه ~~وطلب إعدامه فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة ولراجحه أو تكميلهما بحسب ~~الإمكان وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلهما بحسب الإمكان فمدار ~~الشرائع والديانات على هذه الأقسام الأربعة وتنازع الناس هنا في مسئلتين # المسئلة الأولى في وجود المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة فمنهم من منعه ~~وقال لا وجود له قال لأن المصلحة هي النعيم واللذة وما يفضي إليه والمفسدة ~~هي العذاب والألم وما يفضي إليه قالوا والمأمور به لا بد أن يقترن به ما ~~يحتاج معه إلى الصبر على نوع من الألم وإن كان فيه لذة سرور وفرح فلا بد من ~~وقوع أذى لكن لما كان هذا مغمورا بالمصلحة لم يلتفت إليه ولم تعطل المصلحة ~~لأجله فترك الخير الكثير الغالب لآجل الشر القليل المغلوب شر كثير قالوا ~~وكذلك الشر المنهي عنه إنما يفعله الإنسان لإن له فيه غرضا ووطرا ما وهذه ~~مصلحة عاجلة له فإذا نهى عنه وتركه فأتت عليه مصلحته ولذته العاجلة وإن ~~كانت مفسدته أعظم من مصلحته بل مصلحته مغمورة جدا في جنب مفسدته كما قال ~~تعالى في الخمر والميسر @QB@ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما @QE@ فالربا والظلم والفواحش والسحر وشرب الخمر وإن كانت شرورا ~~ومفاسد ففيها منفعة ولذة لفاعلها ولذلك يؤثرها ويختارها وإلا فلو تجردت ~~مفسدتها من كل وجه لما أثرها العاقل ولا فعلها أصلا ولما كانت خاصة العقل ~~النظر إلى العواقب والغايات كان أعقل الناس ms434 أتركهم لما ترجحت مفسدته في ~~العاقبة وإن كانت فيه لذة ما ومنفعة يسيرة بالنسبة إلى مضرته # ونازعهم آخرون وقالوا القسمة تقتضي إمكان هذين القسمين والوجود يدل على ~~وقوعهما فإن معرفة الله ومحبته والإيمان به خير محض من كل وجه لا مفسدة ~~فيها بوجه ما قالوا ومعلوم أن الجنة خير محض لا شر فيها أصلا وإن النار شر ~~محض لا خير فيه أصلا وإذا كان هذان القسمان موجودان في الآخرة فما المخل ~~بوجودهما في الدنيا قالوا أيضا فالمخلوقات كلها منها ما هو خير محض لا شر ~~فيه أصلا كالأنبياء والملائكة # ومنها هو شر محض لا خير فيه أصلا كإبليس والشياطين ومنها ما هو خير وشر ~~وأحدهما غالب على الآخر فمن الناس من يغلب خيره على شره ومنهم من ~~PageV02P014 # يغلب شره على خيره فهكذا الأعمال منها ما هو خالص المصلحة وراجحها وخالص ~~المفسدة وراجحها هذا في الأعمال كما أن ذلك في العمال قالوا وقد قال تعالى ~~في السحرة @QB@ ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم @QE@ فهذا دليل على أنه مضرة ~~خالصة لا منفعة فيها إما لأن بعض أنواعه مضرة خالصة لا منفعة فيها بوجه فما ~~كل السحر يحصل غرض الساحر بل يتعلم مائة باب منه حتى يحصل غرضه باب والباقي ~~مضرة خالصة وقس على هذا فهذا من القسم الخالص المفسدة وإما لأن المنفعة ~~الحاصلة للساحر لما كانت مغمورة مستهلكة في جنب المفسدة العظيمة فيه جعلت ~~كلا منفعته فيكون من القسم الراجح المفسدة وعلى القولين فكل مأمور به فهو ~~راجح المصلحة على تركه وإن كان مكروها للنفوس قال تعالى كتب عليكم القتال ~~وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرا لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا ~~لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون فبين أن الجهاد الذي أمروا به وإن كان ~~مكروها للنفوس شاقا عليها فمصلحته راجحة وهو خير لهم وأحمد عاقبة وأعظم ~~فائدة من التقاعد عنه وإيثار البقاء والراحة فالشر الذي فيه مغمور بالنسبة ~~إلى ما تضمنه من الخير وهكذا كل منهي عنه ms435 فهو راجح المفسدة وإن كان محبوبا ~~للنفوس موافقا للهوى فمضرته ومفسدته أعظم مما فيه من المنفعة وتلك المنفعة ~~واللذة مغمورة مستهلكة في جنب مضرته كما قال تعالى @QB@ وإثمهما أكبر من ~~نفعهما @QE@ وقال وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا لكم وفصل الخطاب في المسئلة ~~إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة من المفسدة لا يشوبها مفسدة ~~فلا ريب في وجودها وإن أريد بها المصلحة التي لا يشوبها مشقة ولا أذى في ~~طريقها والوسيلة إليها ولا في ذاتها فليست بموجودة بهذا الإعتبار إذ ~~المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة ولا ~~يعبر إليها إلا على جسر من التعب وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا ~~يدرك بالنعيم وإن من آثر الراحة فاتته الراحة وإن بحسب ركوب الأهوال ~~وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة فلا فرحة لمن لا هم له ولا لذة لمن لا ~~صبر له ولا نعيم لمن لا شقاء له ولا راحة لمن لا تعب له بل إذا تعب العبد ~~قليلا استراح طويلا وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد وكل ما فيه ~~أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة والله المستعان ولا قوة إلا بالله وكلما ~~كانت النفوس أشرف والهمة أعلا كان تعب البدن أوفر وحظه من الراحة أقل كما ~~قال المتنبي : # وإذا كانت النفوس كبارا % تعبت في مرادها الأجسام # وقال ابن الرومي : # قلب يظل على أفكاره وئد % تمضي الأمور ونفس لهوها التعب # وقال مسلم في صحيحه قال يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة البدن ولا ~~ريب PageV02P015 # عند كل عاقل أن كمان الراحة بحسب التعب وكمال النعيم بحسب تحمل المشاق في ~~طريقه وإنما تخلص الراحة واللذة والنعيم في دار السلام فأما في هذه الدار ~~فكلا ولما # وبهذا التفصيل يزول النزاع في المسئلة وتعود مسئلة وفاق # | فصل وأما المسئلة الثانية وهي ما تساوت مصلحته ومفسدته فقد اختلف # في وجوده وحكمه فاثبت وجوده قوم ونفاه آخرون # والجواب أن هذا القسم لا وجود له إن ms436 حصره التقسيم بل التفصيل إما أن يكون ~~حصوله أولى بالفاعل وهو راجح المصلحة وإما أن يكون عدمه أولى به وهو راجح ~~المفسدة وأما فعل يكون حصوله أولى لمصلحته وعدمه أولى به لمفسدته وكلاهما ~~متساويان فهذا مما لم يقم دليل على ثبوته بل الدليل يقتضي نفيه فإن المصلحة ~~والمفسدة والمنفعة والمضرة واللذة والألم إذا تقابلا فلا بد أن يغلب أحدهما ~~الآخر فيصير الحكم للغالب وأما أن يتدافعا ويتصادما بحيث لا يغلب أحدهما ~~الآخر فغير واقع فإنه إما أن يقال يوجد الأثران معا وهو محال لتصادمها في ~~المحل الواحد وإما أن يقال يمتنع وجود كل من الأثرين وهو ممتنع لأنه ترجيح ~~لأحد الجائزين من غير مرجح وهذا المحال إنما نشأ من فرض تدافع المؤثرين ~~وتصادمهما فهو محال فلا بد أن يقهر أحدهما صاحبه فيكون الحكم له فإن قيل ما ~~المانع من أن يمتنع وجود الأثرين قولكم أنه محال لوجود مقتضيه إن أردتم به ~~المقتضى السالم عن المعارض فغير موجود وإن أردتم المقتضى المقارن لوجود ~~المعارض فتخلف أثره عنه غير ممتنع والمعارض قائم ههنا في كل منهما فلا ~~يمتنع تخلف الأثرين فالجواب أن المعارض إذا كان قد سلب تأثير المقتضى في ~~موجبه مع قوته وشدة اقتضائه لأثره ومع هذا فقد قوى على سلبه قوة التأثير ~~والاقتضاء فلان يقوى على سلبه قوة منعه لتأثيره هو في مقتضاه وموجبه بطريق ~~الأولى ووجه الأولوية أن اقتضاءه لأثره اشد من منعه تأثير غير فإذا قوى على ~~سلبه للأقوى فسلبه للأضعف أولى وأحرى فإن قيل هذا ينتقض بكل مانع يمنع ~~تأثير العلة في معلولها وهو باطل قطعا قيل لا ينتقض بما ذكرتم والنقض مندفع ~~فإن العلة والمانع ههنا لم يتدافعا ويتصادما ولكن المانع أضعف العلة فبطل ~~تأثيرها فهو عائق لها عن الاقتضاء وأما في مسئلتنا فالعلتان متصادمتان ~~متعارضتان كل منهما تقتضي أثرها فلو بطل أثرهما لكانت كل واحدة مؤثرة غير ~~مؤثرة غالبة مغلوبة مانعة ممنوعة وهذا يمتنع وهو دليل يشبه دليل التمانع ~~وسر الفرق أن العلة الواحدة إذا ms437 قارنها مانع منع تأثيرها لم تبق مقتضية له ~~بل المانع عاقها عن اقتضائها وهذا غير ممتنع وأما العلتان المتمانعتان ~~اللتان كل منهما مانعة للأخرى من تأثيرها فإن تمانعهما وتقابلهما يقتضي ~~إبطال كل واحدة منهما للأخرى وتأثيرها PageV02P016 # فيها وعدم تأثيرها معا وهو جمع بين النقيضين لأنها إذا بطلت لم تكن مؤثرة ~~وإذا لم تكن مؤثرة لم تبطل غيرها فتكون كل منهما مؤثرة غير مؤثرة باطلة غير ~~باطلة وهذا محال فثبت أنهما لا بد أن تؤثر إحداهما في الأخرى بقوتها فيكون ~~الحكم لها # فإن قيل فما تقولون فيمن توسط أرضا مغصوبة ثم بدا له في التوبة فإن ~~أمرتموه باللبث فهو محال وإن أمرتموه بقطعها والخروج من الجانب الآخر فقد ~~أمرتموه بالحركة والتصرف في ملك الغير وكذلك إن أمرتموه بالرجوع فهو حركة ~~منه وتصرف في ارض الغصب فهذا قد تعارضت فيه المصلحة والمفسدة فما الحكم في ~~هذه الصورة وكذلك من توسط بين فئة مثبتة بالجراح منتظرين للموت وليس له ~~انتقال إلا على أحدهم فإن أقام على من هو فوقه قتله وان انتقل إلى غيره ~~قتله فقد تعارضت هنا مصلحة النقلة ومفسدتها على السواء وكذلك من طلع عليه ~~الفجر وهو مجامع فإن أقام أفسد صومه وان نزع فالنزع من الجماع والجماع مركب ~~من الحركتين فهاهنا أيضا قد تضادت العلتان وكذلك أيضا إذا تترس الكفار ~~بأسرى من المسلمين هم بعدد المقاتلة ودار الأمر بين قتل الترس وبين الكف ~~عنه وقتل الكفار المقاتلة المسلمين فهاهنا أيضا قد تقابلت المصلحة والمفسدة ~~على السواء وكذلك أيضا إذا ألقى في مركبهم نار وعاينوا الهلاك بها فان ~~أقاموا احترقوا وان لجؤا إلى الماء هلكوا بالغرق وكذلك الرجل إذا ضاق عليه ~~الوقت ليلة عرفة ولم يبق منه إلا ما يسع قدر صلاة العشاء فان اشتغل بها ~~فاته الوقوف وان اشتغل بالذهاب إلى عرفة فاتته الصلاة فهاهنا تحد تعارضت ~~المصلحتان والمفسدتان على السواء وكذلك الرجل إذا استيقظ قبل طلوع الشمس ~~وهو جنب ولم يبق من الوقت إلا ما يسع قدرالغسل أو الصلاة ms438 بالتيمم فان اغتسل ~~فاتته مصلحة الصلاة في الوقت وإن صلى بالتيمم فاتته مصلحة الطهارة فقد ~~تقابلت المصلحة والمفسدة وكذلك إذا اغتلم البحر بحيث يعلم ركبان السفينة ~~أنهم لا يخلصون إلا بتغريق شطر الركبان لتخف بهم السفينة فان ألقوا شطرهم ~~كان فيه مفسدة وان تركوهم كان فيه مفسدة فقد تقابلت المفسدتان والمصلحتان ~~على السواء وكذلك لو أكره رجل على إفساد درهم من درهمين متساويين أو إتلاف ~~حيوان من حيوانين متساويين أو شرب قدح من قدحين متساويين أو وجد كافرين ~~قويين في حال المبارزة لا يمكنه إلا قتل أحدهما أو قصد المسلمين عدوان ~~متكافئان من كل وجه في القرب والبعد والعدد والعداوة فانه في هذه الصور ~~كلها تساوت المصالح والمفاسد ولا يمكنكم ترجيح أحد من المصلحتين ولا أحد من ~~المفسدتين ومعلوم أن هذه حوادث لا تخلو من حكم لله فيها وأما ما ذكرتم من ~~امتناع تقابل المصلحة والمفسدة على السواء فكيف عليكم إنكاره وأنتم تقولون ~~بالموازنة وإن من الناس من تستوي حسناته وسيئاته فيبقى في الأعراف بين ~~الجنة والنار لتقابل مقتضى الثواب والعقاب في حقه فان حسناته PageV02P017 # قصرت به عن دخول النار وسيئاته قصرت به عن دخول الجنة وهذا ثابت عن ~~الصحابة حذيفة ابن اليمان وابن مسعود وغيرهما # فالجواب من وجهين مجمل ومفصل # وأما المجمل فليس في شيء مما ذكرتم دليل على محل النزاع فان مورد النزاع ~~أن تتقابل المصلحة والمفسدة وتتساويا فيتدافعا ويبطل أثرهما وليس في هذه ~~الصور شيء كذلك وهذا يتبين بالجواب التفصيلي عنها صورة فأما من توسط أرضا ~~مغصوبة فإنه مأمور من حين دخل فيها بالخروج منها فحكم الشارع في حقه ~~المبادرة إلى الخروج وان استلزم ذلك حركة في الأرض المغصوبة فإنها حركة ~~تتضمن ترك الغصب فهي من باب مالا خلاص عن الحرام إلا به وان قيل إنها واجبة ~~فوجوب عقلي لزومي لا شرعي مقصود فمفسدة هذه الحركة مغمورة في مصلحة تفريغ ~~الأرض والخروج عن الغصب وإذا قدر تساوي الجواب بالنسبة إليه فالواجب القدر ~~المشترك وهو الخروج من أحدها ms439 وعلى كل تقدير فمفسدة هذه الحركة مغمورة جدا ~~في مصلحة ترك الغصب فليس مما نحن فيه بسبيل وأما مسئلة من توسط بين قتلى لا ~~سبيل له إلى المقام أو النقلة إلا بقتل أحدهم فهذا ليس مكلفا في هذه الحال ~~بل هو في حكم الملجأ والملجأ ليس مكلفا اتفاقا فإنه لا قصد له ولا فعل وهذا ~~ملجأ من حيث أنه لا سبيل له إلى ترك النقلة عن واحد إلا إلى الآخر فهو ملجأ ~~إلى لبثه فوق واحد ولا بد ومثل هذا لا يوصف فعله بإباحة ولا تحريم ولا حكم ~~من أحكام التكليف لأن أحكام التكليف منوطة بالاختيار فلا تتعلق بمن لا ~~اختيار له فلو كان بعضهم مسلما وبعضهم كافرا مع اشتراكهم في العصمة فقد قيل ~~يلزمه الانتقال إلى الكافر أو المقام عليه لأن قتله أخف مفسدة من قتل ~~المسلم ولهذا يجوز قتل من لا يقتله في المعركة إذا تترس بهم الكفار فيرميهم ~~ويقصد الكفار # وأما من طلع عليه الفجر وهو مجامع فالواجب عليه النزع عينا ويحرم عليه ~~استدامة الجماع واللبث وإنما اختلف في وجوب القضاء والكفارة عليه على ثلاثة ~~أقوال في مذهب أحمد وغيره # أحدها عليه القضاء والكفارة وهذا اختيار القاضي أبي يعلي والثاني لا شيء ~~عليه وهذا اختيار شيخنا وهو الصحيح والثالث عليه القضاء دون الكفارة وعلى ~~الأقوال كلها فالحكم في حقه وجوب النزع والمفسدة التي في حركة النزع مفسدة ~~مغمورة في مصلحة إقلاعه ونزعه فليست المسئلة من موارد النزاع وأما إذا تترس ~~الكفار بأسرى من المسلمين بعدد المقاتلة فانه لا يجوز رميهم إلا أن يخشى ~~على جيش المسلمين وتكون مصلحة حفظ الجيش أعظم من مصلحة حفظ الأسارى فحينئذ ~~يكون رمي الأسارى ويكون من باب دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما فلو ~~انعكس الامر وكانت مصلحة الاسرى أعظم من رميهم لم يجز رميهم # فهذا الباب مبني على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما وتحصيل أعظم لمصلحتين ~~بتفويت أدناهما فان فرض الشك وتساوي الأمران لم يجز رمي الأسرى لأنه ~~PageV02P018 # على يقين من قتلهم وعلى ms440 ظن وتخمين من قتل أصحابه وهلاكهم ولو قدر أنهم ~~تيقنوا ذلك ولم يكن في قتلهم استباحة ببضه الإسلام وغلبة العدو على الديار ~~لم يجز أن يقي نفوسهم بنفوس الأسرى كما لا يجوز للمكره على قتل المعصوم أن ~~يقتله ويقي نفسه بنفسه بل الواجب عليه أن يستسلم للقتل ولا يجعل النفوس ~~المعصومة وقاية لنفسه وأما إذا ألقى في مركبهم نار فانهم يفعلون ما يرون ~~السلامة فيه وان شكوا هل السلامة في في مقامهم أو في وقوعهم في الماء أو ~~تيقنوا الهلاك في الصورتين أو غلب على ظنهم غلبة متساوية لا يترجح أحد ~~طرفيها ففي الصور الثلاث قولان لأهل العلم وهما روايتان منصوصتان عن أحد ~~إحداهما أنهم يخيرون بين الأمرين لأنهما موتتان قد عرضتا لهم فلهم أن ~~يختاروا أيسرهما عليهم إذ لا بد من أحدهما وكلاهما بالنسبة إليهم سواء ~~فيخيرون بينهما والقول الثاني أن يلزمهم المقام ولا يعينون على أنفسهم لئلا ~~يكون موتهم بسبب من جهتهم وليتمحص موتهم شهادة بأيدي عدوهم وأما الذي ضاق ~~عليه وقت الوقوف بعرفة والصلاة فإن الواجب في حقه تقوى الله بحسب الإمكان ~~وقد اختلف في تعيين ذلك الواجب على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها ~~أن الواجب في حقه معينا إيقاع الصلاة في وقتها فإنها قد تضيقت والحج لم ~~يتضيق وقته فإنه إذا فعله في العام القابل لم يكن قد أخرجه عن وقته بخلاف ~~الصلاة والقول الثاني أنه يقدم الحج ويقضى الصلاة بعد الوقت لأن مشقة فواته ~~وتكلفه إنشاء سفر آخر أو إقامة في مكة إلى قابل ضرر عظيم تأباه الحنيفية ~~السمحة فيشتغل بادراكه ويقضى الصلاة والثالث يقضى الصلاة وهو سائر إلى عرفة ~~فيكون في طريقه مصليا كما يصلى الهارب من سيل أو سبع أو عدو ايفاقا أو ~~الطالب لعدو يخشى فواته على أصح القولين وهذا أقيس الأقوال وأقربها إلى ~~قواعد الشرع ومقاصده فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان ~~وأن لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت وإن تزاحمت ولم يمكن ~~تحصيل ms441 بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبا للشارع وقد ~~قال عبد الله بن أبي أنيس بعثني رسول الله إلى خالد ابن سفيان العرنى وكان ~~نحو عرنة وعرفات فقال اذهب فاقتله فرأيته وحضرت صلاة العصر فقلت إني أخاف ~~أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلى أومي ايماء ~~نحوه فلما دنوت منه قال لي من أنت قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا ~~الرجل فجئتك في ذلك قال أني لفي ذلك قال فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني ~~علوته بسيفي حتى يرد رواه أبو داود # وأما مسألة المستيقظ قبل طلوع الشمس جنبا وضيق الوقت عليه بحيث لا يتسع ~~للغسل والصلاة فهذا الواجب في حقه عند جمهور العلماء أن يغتسل وأن طلعت ~~الشمس ولا تجزيه الصلاة بالتيمم لأنه واجد للماء وأن كان غير مفرط في نومه ~~فلا إثم عليه PageV02P019 # كما لو نام حتى طلعت الشمس والواجب في حقه المبادرة إلى الغسل والصلاة ~~وهذا وقتها في حق أمثاله وعلى هذا القول الصحيح فلا يتعارض هاهنا مصلحة ~~ومفسدة متساويتان بل مصلحة الصلاة بالطهارة أرجح من إيقاعها في الوقت ~~بالتيمم وفي المسألة قول ثان وهو رواية عن مالك أنه يتيمم ويصلى في الوقت ~~لأن الشارع له التفات إلى إيقاع الصلاة في الوقت بالتيمم أعظم من التفاته ~~إلى إيقاعها بطهارة الماء خارج الوقت والعدم المبيح للتيمم هو العدم ~~بالنسبة إلى وقت الصلاة لا مطلقا فإنه لا بد أن يجد الماء ولو بعد حين ومع ~~هذا فأوجب عليه الشارع التيمم لأنه عادم للماء بالنسبة إلى وقت الصلاة ~~وهكذا هذا النائم وأن كان واجدا للماء لكنه عادم بالنسبة إلى الوقت وصاحب ~~هذا القول يقول مصلحة إيقاع الصلاة في الوقت بالتيمم أرجح في نظر الشارع من ~~إيقاعها خارج الوقت بطهارة الماء فعلى كلا القولين لم تتساو المصلحة ~~والمفسدة فثبت أنه لا وجوب لهذا القسم في الشرع # وأما مسألة اغتلام البحر فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بالقرعة ولا ~~غيرها لاستوائهم في ms442 العصمة وقتل من لا ذنب وقاية لنفس القاتل به وليس أولى ~~بذلك منه ظلم نعم لو كان في السفينة مال أو حيوان وجب إلقاء المال ثم ~~الحيوان لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات أولى من المفسدة في فوات ~~أنفس الناس المعصومة وأما سائر الصور التي تساوت مفاسدها كإتلاف الدرهمين ~~والحيوانين وقتل أحد العدوين فهذا الحكم فيه التخيير بينهما لأنه لا بد من ~~أتلاف أحدهما وقاية لنفسه وكلاهما سواء فيخير بينهما وكذلك العدوان ~~المتكافئان يخير بين قتالهما كالواجب المخير والولي وأما من تساوت حسناته ~~وسيئاته وتدافع أثرهما فهو حجة عليكم فإن الحكم للحسنات وهي تغلب السيئات ~~فإنه لا يدخل النار ولكنه يبقي على الأعراف مدة ثم يصير إلى الجنة فقد تبين ~~غلبة الحسنات لجانب السيئات ومنعها من ترتب أثرها عليها وان الأثر هو أثر ~~الحسنات فقط فبان أنه لا دليل حكم لكم على وجود هذا القسم أصلا وان الدليل ~~يدل على امتناعه فأن قيل لكم فما قولكم فيما إذا عارض المفسدة مصلحة أرجع ~~منها وترتب الحكم على الراجح هل يترتب عليه مع بقاء المرجوح من المصلحة ~~والمفسدة لكنه لما كان مغمورا لم يلتفت إليه أو يقولون أن المرجوح زال أثره ~~بالراجح فلم يبق له أثر # ومثال ذلك أن الله تعالى حرم الميتة والدم ولحم الخنزير لما في تناولها ~~من المفسدة الراجحة وهو خبث التغذية والغازي شبيه بالمغتذى فيصير المفتذي ~~بهذه الخبائث خبيث النفس فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الخبائث فإن اضطر ~~إليها وخاف على نفسه الهلاك أن لم يتناولها أبيحت له فهل إباحتها والحالة ~~هذه مع بقاء وصف الخبث فيها لكن عارضه مصلحة أرجح منه وهي حفظ النفس أو ~~إباحتها أزالت وصف الخبث منها فما أبيح له إلا طيب PageV02P020 # وإن كان خبيثا في حال الاختيار قيل هذا موضع دقيق وتحقيقه بستدعي اطلاعا ~~على أسرار الشريعة والطبيعة فلا تستهونه وأعطه حقه من النظر والتأمل وقد ~~اختلف الناس فيه على قولين فكثير منهم أو أكثرهم سلك مسالك الترجيح مع بقاء ~~وصف الخبث فيه ms443 وقال مصلحة حفظ النفس أرجح من مفسدة خبث التغذية وهذه قول من ~~لم يحقق النظر ويمعن التأمل بل استرسل مع ظاهر الأمور والصواب أن وصف الخبث ~~منتف حال الاضطرار وكشف الغطاء عن المسألة أن وصف الخبث غير مستقل بنفسه في ~~المحل المتفذي به بل هو متولد من القابل والفاعل فهو حاصل من المتفذي ~~والمفتذي به ونظيره تأثير السم في البدن هو موقوف على الفاعل والمحل القابل ~~إذا علم ذلك فتناول هذه الخبائث في حال الاختيار يوجب حصول الأثر المطلوب ~~عدمه فإذا كان المتناول لها مضطرا فإن ضرورته تمنع قبول الخبث الذي في ~~المفتذي به فلم تحصل تلك المفسدة لأنها مشروطة بالاختيار الذي به يقبل ~~المحل خبث التغذية فإذا زال الاختيار زال شرط القبول فلم تحصل المفسدة أصلا ~~وإن اعتاص هذا على فهمك فانظر في الأغذية والأشربة الضارة التي لا يختلف ~~عنها الضرر إذا تناولها المختار الواجد لغيرها فإذا اشتدت ضرورته إليها ولم ~~يجد منها بدا فإنها تنفعه ولا يتولد له منها ضرر أصلا لأن قبول طبيعته لها ~~وفاقته إليها وميله منعه من التضرر بها بخلاف حال الاختيار وأمثلة ذلك ~~معلومة مشهودة بالحس فإذا كان هذا في الأوصاف الحسية المؤثرة في محالها ~~بالحس فما الظن بالأوصاف المعنوية التي تأثيرها إنما يعلم بالعقل أو بالشرع ~~فلا تظن أن الضرورة أزالت وصف المحل وبدلته فأنا لم تقل هذا ولا يقوله عاقل ~~وإنما الضرورة منعت تأثير الوصف وأبطلته فهي من باب المانع الذي يمنع تأثير ~~المقتضى لا أنه يزيل قوته ألا ترى أن السيف الحاد إذا صادف حجرا فإنه يمنع ~~قطعه وتأثيره لأنه يزيل حدته وتهيأه لقطع القابل ونظير هذا الملابس المحرمة ~~إذا اضطر إليها فإن ضرورته تمنع ترتب المفسدة التي حرمت لأجلها فإن قال ~~فهذا ينتقض عليكم بتحريم نكاح الأمة فإنه حرم للمفسدة التي تتضمنه من ارقاق ~~ولده ثم أبيح عند الضرورة إليه وهي خوف العنة الذي هو اعظم فسادا من ارقاق ~~الولد ومع هذا فالمفسدة قائمة بعينها ولكن عارضها مصلحة حفظ الفرج ms444 عن ~~الحرام وهي أرجح عند الشارع من رق الولد قيل هذا لا ينتقض بما قررناه فإن ~~الله سبحانه لم حرم نكاح الأمة لما فيه من مفسدة رق الولد واشتغال الأمة ~~بخدمة سيدها فلا يحصل لزوجها من السكن إليها والإيواء ودوام المعاشرة ما ~~تقر به عينه وتسكن به نفسه أباحه عند الحاجة إليه بأن لا يقدر على نكاح حرة ~~ويخشى على نفسه مواقعة المحظور وكانت المصلحة له في نكاحها في هذه الحال ~~أرجح من تلك المفاسد # وليس هذا حال ضرورة يباح لها المحظور فأن الله سبحانه لا يضطر عبده إلى ~~الجماع بحيث أن لم يجامع مات بخلاف الطعام والشراب ولهذا لا يباح الزنا ~~بضرورة كما يباح الخنزير PageV02P021 # والميتة والدم وإنما الشهوة وقضاء الوطر يشق على الرجل تحمله وكف النفس ~~عنه لضعفه وقلة صبره فرحمه أرحم الراحمين وأباح له أطيب النساء وأحسنهن ~~أربعا من الحرائر وما شاء من ملك يمينه من الإماء فإن عجز عن ذلك أباح له ~~نكاح الأمة رحمة به وتخفيفا عنه لضعفه ولهذا قال تعالى ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ~~والله أعلم بإيمانكم إلى قوله @QB@ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ~~ضعيفا @QE@ فأخبر سبحانه أنه شرع لهم هذه الأحكام تخفيفا عنهم لضعفهم وقلة ~~صبرهم رحمة بهم وإحسانا إليهم فليس هاهنا ضرورة تبيح المحظور وإنما هي ~~مصلحة أرجح من مصلحة ومفسدة أقل من مفسدة فاختار لهم أعظم المصلحتين وأن ~~فاتت أدناهما ودفع عنهم أعظم المفسدتين وأن فاتت أدناهما وهذا شأن الحكيم ~~اللطيف الخبير البر المحسن وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده ~~وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وان ~~تزاحمت قدم أهمها وأجلها وأن فاتت أدناهما وتعطيل المفاسد الخالصة أو ~~الراجحة بحسب الإمكان وأن تزاحمت عطل أعظمها فسادا باحتمال أدناهما وعلى ~~هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه شاهدة ms445 له بكمال علمه وحكمته ~~ولطفه بعباده وإحسانه إليهم وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من ~~الشريعة وارتضاع من ثديها وورود من صفو حوضها وكلما كان تضلعه منها أعظم ~~كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل ولا يمكن أحد من الفقهاء أن يتكلم في ~~مآخذ الأحكام وعللها والأوصاف المؤثرة فيها حقا وفرقا إلا على هذه الطريقة ~~وأما طريقة إنكار الحكم التعليل ونفي الأوصاف المقتضية لحسن ما أمر به وقبح ~~ما نهى عنه وتأثيرها واقتضائها للحب والبغض الذي هو مصدر الأمر والنهي ~~بطريقة جدلية كلامية لا يتصور بناء الأحكام عليها ولا يمكن فقيها أن ~~يستعملها في باب واحد من أبواب الفقه كيف والقرآن وسنة رسول الله مملوآن من ~~تعليل الأحكام بالحكم والمصالح وتعليل الخلق بهما والتنبيه على وجوه الحكم ~~التي لأجلها شرع تلك الإحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان ولو كان هذا في ~~القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها ولكنه يزيد على ألف موضع ~~بطرق متنوعة فتارة يذكر لام التعليل الصريحة وتارة يذكر المفعول لأجله الذي ~~هو المقصود بالفعل وتارة يذكر من أجل الصريحة في التعليل وتارة يذكر أداة ~~كي وتارة يذكر الفاء وأن وتارة يذكر أداة لعل المتضمنة للتعليل المجردة عن ~~معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق وتارة ينبه على السبب يذكره صريحا وتارة ~~يذكر الأوصاف المشتقة المناسبة لتلك الأحكام ثم يرتبها عليها ترتيب ~~المسببات على أسبابها وتارة ينكر على من زعم أنه خلق خلقه وشرع دينه عبثا ~~وسدى وتارة ينكر على من ظن أنه يسوى PageV02P022 # بين المختلفين اللذين يقتضيان أثرين مختلفين وتارة يخير بكمال حكمته ~~وعلمه المقتضى أنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوى بين مختلفين وأنه ينزل ~~الأشياء منازلها ويرتبها مراتبها وتارة يستدعى من عباده التفكر والتأمل ~~والتدبر والتعقل لحسن ما بعث به رسوله وشرعه لعباده كما يستدعى منهم التفكر ~~والنظر في مخلوقاته وحكمها وما فيها من المنافع والمصالح وتارة يذكر منافع ~~مخلوقاته منبها بها على ذلك وأنه الله الذي لا إله إلا هو وتارة يختم آيات ~~خلقه ms446 وأمره بأسماء وصفات تناسبها وتقتضيها والقرآن مملوء من أوله إلى آخره ~~بذكر حكم الخلق والأمر ومصالحهما ومنافعهما وما تضمناه من الآيات الشاهدة ~~الدالة عليه ولا يمكن من له أدني اطلاع على معاني القرآن إنكار ذلك وهل جعل ~~الله سبحانه في فطر العباد استواء العدل والظلم والصدق والكذب والفجور ~~والعفة والإحسان والإساءة والصبر والعفو والاحتمال والطيش والانتقام والحدة ~~والكرم والسماحة والبذل والبخل والشح والإمسام بل الفطرة على الفرقان بين ~~ذلك كالفطرة على قبول الأغذية النافعة وترك مالا ينفع ولا يغذي ولا فرق في ~~الفطرة بينهما أصلا وإذا تأملت الشريعة التي بعث الله بها رسوله حق التأمل ~~وجدتها من أولها إلى آخرها شاهدة بذلك ناطقة به ووجدت الحكمة والمصلحة ~~والعدل والرحمة باديا على صفحاتها مناديا عليها يدعو العقول والألباب إليها ~~وأنه لا يجوز على أحكم الحاكمين ولا يليق به أن يشرع لعباده ما يضادها وذلك ~~لأن الذي شرعها علم ما في خلافها من المفاسد والقبائح والظلم والسفه الذي ~~يتعالى عن أرادته وشرعه وأنه لا يصلح العباد إلا عليها ولا سعادة لهم ~~بدونها البتة فتأمل محاسن الوضوء بين يدي الصلاة وما تضمنه من النظافة ~~والنزاهة ومجانبة الأوساخ والمستقذرات وتأمل كيف وضع على الأعضاء الأربعة ~~التي هي آلة البطش والمشي ومجمع الحواس التي تعلق أكثر الذنوب والخطايا بها ~~ولهذا خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر في قوله إن الله كتب على ابن ~~آدم حظه من الزنا أدرك ذلك ولا محالة فالعين تزني وزناها النظر والأذن تزني ~~وزناها الاستماع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب ~~يتمني ويشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه فلما كانت هذه الأعضاء هي أكثر ~~الأعضاء مباشرة للمعاصي كان وسخ الذنوب ألصق بها وأعلق من غيرها فشرع أحكم ~~الحاكمين الوضوء عليها ليتضمن نظافتها وطهارتها من الأوساخ الحسية وأوساخ ~~الذنوب والمعاصي وقد أشار النبي إلى هذا المعنى بقوله إذا توضأ العبد ~~المسلم خرجت خطاياه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء حتى يخرج من تحت ~~أظفاره وقال أبو إمامة ms447 يا رسول الله كيف الوضوء فقال أما فإنك إذا توضأت ~~فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأنا ملك فإذا مضمضت ~~واستنشقت بمنخريك وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين ومسحت PageV02P023 # برأسك وغسلت رجليك إلى الكعبين اغتسلت من عامة خطاياك فإن أنت وضعت وجهك ~~لله خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك رواه النسائي والأحاديث في هذا الباب ~~كثيرة فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين ورحمته أن شرع الوضوء على هذه الأعضاء ~~التي هي أكثر الأعضاء مباشرة للمعاصي وهي الأعضاء الظاهرة البارزة للغبار ~~والوسخ أيضا وهي أسهل الأعضاء غسلا فلا يشق تكرار غسلها في اليوم والليلة ~~فكانت الحكمة الباهرة في شرع الوضوء عليها دون سائر الأعضاء وهذا يدل على ~~أن المضمضة من آكد أعضاء الوضوء ولهذا كان النبي يداوم عليها ولم ينقل عنه ~~بإسناد قط أنه أخل بها يوما واحدا وهذا يدل على أنها فرض لا يصح الوضوء ~~بدونها كما هو الصحيح من مذهب أحمد وغيره من السلف فمن سوى بين هذه الأعضاء ~~وغيرها وجعل تعيينها بمجرد الأمر الخالي عن الحكمة والمصلحة فقد ذهب مذهبا ~~فاسدا فكيف إذا زعم مع ذلك أنه لا فرق في نفس الأمر بين التعبد بذلك وبين ~~أن يتعبد بالنجاسة وأنواع الأقذار والأوساخ والأنتان والرائحة الكريهة ~~ويجعل ذلك مكان الطهارة والوضوء وأن الأمرين سواء وإنما يحكم بمجرد المشيئة ~~بهذا الأمر دون ضده ولا فرق بينهما في نفس الأمر وهذا قول تصوره كاف في ~~الجزم ببطلانه وجميع مسائل الشريعة كذلك آيات بينات ودلالات واضحات وشواهد ~~ناطقات بأن الذي شرعها له الحكمة البالغة والعلم المحيط والرحمة والعناية ~~بعباده وإرادة الصلاح لهم وسوقهم بها إلى كمالهم وعواقبهم الحميدة وقد نبه ~~سبحانه عباده على هذا فقال يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين ~~إلى قوله @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون @QE@ فأخبر سبحانه أنه لم يأمرهم بذلك حرجا عليهم ~~وتضييقا ومشقة ولكن إرادة تطهيرهم ms448 وإتمام نعمته عليهم ليشكروه على ذلك فله ~~الحمد كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فإن قيل فما جوابكم عن ~~الأدلة التي ذكرها نفاة التحسين والتقبيح على كثرتها # قيل قد كفونا بحمد الله مؤنة إبطالها بقدحهم فيها وقد أبطلها كلها واعترض ~~عليها فضلاء اتباعها وأصحابها أبو عبد الله ابن الخطيب وأبو الحسين الآمدى ~~واعتمد كل منهم على مسلك من أفسد المسالك واعتمد القاضي على مسلك من جنسهما ~~في المفاسد فاعتمد هؤلاء الفضلاء على ثلاث مسالك فاسدة وتعرضوا لإبطال ما ~~سواها والقدح فيه ونحن نذكر مسالكهم التي اعتمدوا عليها ونبين فسادها ~~وبطلانها فأما ابن الخطيب فاعتمد على المسلك المشهور وهو أن فعل العبد غير ~~اختياري وما ليس بفعل اختياري لا يكون حسنا ولا قبيحا عقلا بالاتفاق لأن ~~القائلين بالحسن والقبح العقليين يعترفون بأنه إنما يكون كذلك إذا كان ~~اختياريا وقد ثبت أنه اضطراري فلا يوصف بحسن ولا قبح على المذهبين أما بيان ~~كونه غير اختياري PageV02P024 # فلأنه أن لم يتمكن العبد من فعله وتركه فواضح وأن كان متمكنا من فعله ~~وتركه كان جائزا فأما أن يفتقر ترجيح الفاعلية على التاركية إلى مرجح أولا ~~فأن لم يفتقر كان اتفاقيا والاتفاق لا يوصف بالحسن والقبح وان افتقر إلى ~~مرجح فهو مع مرجحه أما أن يكون لازما وأما جائزا فإن كان لازما فهو اضطراري ~~وأن كان جائزا عاد التقسيم فإما أن ينتهى إلى ما يكون لازما فيكون ضروريا ~~أولا فينتهى إليه فيتسلسل وهو محال أن يكون إتفاقيا فلا يوصف بحسن ولا قبح ~~فهذا الدليل هو الذي يصول به ويجول ويثبت به الجبر ويرد به على القدرية ~~وينفي به التحسين والتقبيح وهو فاسد من وجوه متعددة أحدها أنه يتضمن ~~التسوية بين الحركة الضرورية والاختيارية وعدم التفريق بينهما وهو باطل ~~بالضرورة والحس والشرع فالاستدلال على أن فعل العبد غير اختياري استدلال ~~على ما هو معلوم البطلان ضرورة وحسا وشرعا فهو بمنزلة الاستدلال على الجمع ~~بين النقيضين وعلى وجود المحال # الوجه الثاني لو صح الدليل المذكور ms449 لزم منه أن يكون الرب تعالى غير مختار ~~في فعله لأن التقسيم المذكور والترديد جار فيه بعينه بأن يقال فعله تعالى ~~إما أن يكون لازما أو جائزا فان كان لازما كان ضروريا وان كان جائزا فان ~~احتاج إلى مرجح عاد التقسيم وإلا فهو اتفاقي ويكفي في بطلان الدليل المذكور ~~إن يستلزم كون الرب غير مختار الوجه الثالث أن الدليل المذكور لو صح لزم ~~بطلان الحسن والقبح الشرعيين لأن فعل العبد ضروري أو اتفاقي وما كان كذلك ~~فإن الشرع لا يحسنه ولا يقبحه لأنه لا يرد بالتكليف به فضلا عن أن يجعله ~~متعلق الحسن والقبح # الوجه الرابع قوله إما أن يكون الفعل لازما أو جائزا قلنا هو لازم عند ~~مرجحه التام وكان ماذا قولك يكون ضروريا أتعني به أنه لا بد منه أو تعني به ~~أنه لا يكون اختياريا فإن عنيت الأول منعنا انتفاء اللازم فانه لا يلزم منه ~~أن يكون غير مختار ويكون حاصل الدليل إن كان لا بد منه فلا بد منه ولا يلزم ~~من ذلك أن يكون غير اختياري وإن عنيت الثاني وهو أنه لا يكون اختياريا ~~منعنا الملازمة إذ لا يلزم من كونه لا بد منه أن يكون غير اختياري وأنت لم ~~تذكر على ذلك دليلا بل هي دعوى معلومة البطلان بالضرورة الوجه الخامس أن ~~يقال هو جائز قولك أما أن يتوقف ترجح الفاعلية على التاركية على مرجح أولا ~~قلنا يتوقف على مرجح قولك عند المرجح إما أن يجب أو يبقى جائزا قلنا هو ~~واجب بالمرجح جائز بالنظر إلى ذاته والمرجح هو الإختيار وما وجب بالإختيار ~~لا ينافي أن يكون اختياريا فلزوم الفعل بالإختيار لا ينافي كونه اختياريا ~~الوجه السادس أن هذا الدليل الذي ذكرته بعينه حجة على أنه اختياري لأنه وجب ~~بالاختيار وما وجب بالاختيار لا يكون إلا اختياريا وإلا كان اختياريا غير ~~اختياري وهو جمع بين النقيضين والدليل المذكور حجة على PageV02P025 # فساد قولك وأن الفعل الواجب بالإختيار اختياري الوجه السابع أن صدور ~~الفعل عن المختار ms450 بشرط تعلق اختياره به لا ينافي كونه مقدورا له وإلا كانت ~~إرادته وقدرته غير مشروطة في الفعل وهو محال وإذا لم يناف ذلك كونه مقدورا ~~فهو اختياري قطعا # الوجه الثامن قولك إن لم يتوقف على مرجح فهو اتفاقي إن عنيت بالمرجح ما ~~يخرج الفعل عن أن يكون اختياريا ويجعله اضطراريا فلا يلزم من نفي هذا ~~المرجح كونه اتفاقيا إذ هذا مرجح خاص ولا يلزم من نفي المرجح المعين نفي ~~مطلق المرجح فما المانع من أن يتوقف على مرجح ولا يجعله اضطراريا غير ~~اختياري وان عنيت بالمرجح ما هو أعم من ذلك لم يلزم من توقفه على المرجح ~~الأعم أن يكون غير اختياري لأن المرجح هو الاختيار وما ترجح بالاختيار لم ~~يمتنع كونه اختياريا الوجه التاسع قولك وإن لم يتوقف على مرجح فهو اتفاقي ~~ما تعني بالاتفاقي أتعني به ما لا فاعل له أو ما فاعله مرجح باختياره أو ~~معنى ثالثا فإن عنيت الأول لم يلزم من عدم المرجح الموجب كونه اضطراريا أن ~~يكون الفعل صادرا من غير فاعل وإن عنيت الثاني لم يلزم منه كونه اضطراريا ~~وإن عنيت معنى ثالثا فابده الوجه العاشر أن غاية هذا الدليل أن يكون الفعل ~~لازما عند وجود سببه وأنت لم تقم دليلا على أن ما كان كذلك يمتنع تحسينه ~~وتقبيحه سوى الدعوة المجردة فأين الدليل على أن ما كان لازما بهذا الاعتبار ~~يمتنع تحسينه وتقبيحه ودليلك إنما يدل على أن ما كان غير اختياري من ~~الأفعال امتنع تحسينه وتقبيحه فمحل النزاع لم يتناوله الدليل المذكور وما ~~تناوله وصحت مقدماته فهو غير متنازع فيه فدليلك لم يفد شيئا الوجه الحادي ~~عشر ان قولك يلزم أن لا يوصف بحسن ولا قبح على المذهبين باطل فال منازعيك ~~إنما يمنعون من وصف الفعل بالحسن والقبح إذا لم يكن متعلق القدرة والاختيار ~~أما ما وجب بالقدرة والاختيار فإنهم لا يساعدونك على امتناع وصفه بالحسن ~~والقبح أبدا الوجه الثاني عشر أن هذا الدليل لوصح لزم بطلان الشرائع ~~والتكاليف جملة لأن ms451 التكليف إنما يكون بالأفعال الاختيارية إذ يستحيل أن ~~يكلف المرتعش بحركة يده وأن يكلف المحموم بتسخين جلده والمقرور بقره وإذا ~~كانت الأفعال اضطرارية غير اختيارية لم يتصور تعلق التكليف والأمر والنهى ~~بها فلو صح الدليل المذكور لبطلت الشرائع جملة فهذا هو الدليل الذي اعتمده ~~ابن الخطيب وابطل أدلة غيره وأما الدليل الذي اعتمد عليه الآمدي فهو أن حسن ~~الفعل لو كان أمرا زائدا على ذاته لزم قيام المعنى وهو محال لأن العرض لا ~~يقوم بالعرض وهذا في البطلان من جنس ما قبله فإنه منقوض مالا يحصي من ~~المعاني التي توصف بالمعاني كما يقال علم ضروري وعلم كسبي وإرادة جازمة ~~وحركة سريعة وحركة بطيئة وحركة مستديرة وحركة مستقيمة ومزاج معتدل ومزاج ~~منحرف وسواد براق وحمرة قانية وخضرة ناصعة ولون مشرق وصوت شج وحس رخيم ~~ورفيع PageV02P026 # ودقيق وغليظ وأضعاف أضعاف ذلك مما لا يحصى مما توصف المعاني والأعراض فيه ~~بمعان وأعراض وجودية ومن أدعى أنها عدمية فهو مكابر وهل شك أحد في وصف ~~المعاني بالشدة والضعف فيقال هم شديد وحب شديد وحزن شديد وألم شديد ~~ومقابلها فوصف المعاني بصفاتها أمر معلوم عند كل العقلاء الوجه الثاني أن ~~قوله يلزم منه قيام المعنى بالمعنى غير صحيح بل المعنى يوصف بالمعنى ويقوم ~~به تبعا لقيامه بالجوهر الذي هو المحل فيكون المعنيان جميعا قائمين بالمحل ~~وأحدهما تابع للآخر وكلاهما تبع للمحل فما قام العرض بالعرض وإنما قام ~~العرضان جميعا بالجوهر فالحركة والسرعة قائمتان بالمتحرك والصوت وشجاه ~~وغلظه ودقته وحسنه وقبحه قائمة بالحامل له والمحال إنما هو قيام المعنى ~~بالمعنى من غير أن يكون لهما حامل فأما إذا كان لهما حامل وأحدهما صفة ~~للآخر وكلاهما قام بالمحل الحامل فليس بمحال وهذا في غاية الوضوح # الوجه الثالث أن حسن الفعل وقبحه شرعا أمر زائد عليه لأن المفهوم منه ~~زائد على المفهوم من نفس الفعل وهما وجوديان لاعدميان لأن نقيضهما يحمل على ~~العدم فهو عدمي فهما إذا وجوديان لأن كون أحد النقيضين عدميا يستلزم كون ~~نقيضه وجوديا فلو ms452 صح دليلكم المذكور لزم أن لا يوصف بالحسن والقبح شرعا ولا ~~خلاص عن هذا إلا بالتزام كون الحسن والقبح الشرعيين عدميين ولا سبيل إليه ~~لأن الثواب والعقاب والمدح والذم مرتب عليهما ترتب الآثر على مؤثره المقتضى ~~على مقتضيه وما كان كذلك لم يكن عدما محضا إذ العدم المحض لا يترتب عليه ~~ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم وأيضا فإنه لا معنى لكون الفعل حسنا وقبيحا ~~شرعا إلا أنه يشتمل على صفة لأجلها كان حسنا محبوبا للرب مرضيا له متعلقا ~~للمدح والثواب وكون القبيح مشتملا على صفة لأجلها كان قبيحا مبغوضا للرب ~~متعلقة للذم والعقاب وهذه أمور وجودية ثابتة له في نفسه ومحبة الرب له ~~وأمره به كساه أمرا وجوديا زاده حسنا إلى حسنه وبعضه له ونهيه عنه كساه ~~أمرا وجوديا زاده قبحا إلى قبحه فجعل ذلك كله عدما محضا ونفيا صرفا لا يرجع ~~إلى أمر ثبوتي في غاية البطلان والإحالة وظهر والإحالة وظهر أن هذا الدليل ~~في غاية البطلان ولم نتعرض للوجوه التي قدحوا بها فيه فإنها مع طولها غير ~~شافية ولا مقنعة فمن اكتفى بها فهي موجودة في كتبهم وأما المسلك الذي ~~اعتمده كثير منهم كالقاضي وأبي المعالي وأبي عمرو بن الحاجب من المتأخرين ~~فهو أن الحسن والقبح لو كانا ذاتيين لما اختلفا باختلاف الأحوال والمتعلقات ~~والأزمان ولا ستحال ورود النسخ على الفعل لأن ما ثبت للذات فهو باق ببقائها ~~لا يزول وهي باقية ومعلوم أن الكذب يكون حسنا إذا تضمن عصمة دم نبي أو مسلم ~~ولو كان قبحه ذاتيا له لكان قبيحا اين وجد وكذلك ما نسخ من الشريعة لو كان ~~حسنه لذاته لم يستحل قبيحا ولو كان قبحه لذاته لم يستحل حسنا بالنسخ قالوا ~~وأيضا لو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان في صدق من PageV02P027 # قال لأكذبن غدا إذا فإنه لا يخلوا إما أن يكذب في الغد أو يصدق فإن كذب ~~لزم قبحه لكونه كذبا وحسنه لاستلزامه مصدق الخبر الأول والمستلزم للحسن حسن ~~فيجتمع في الخبر الثاني الحسن ms453 والقبح وهما نقيضان وإن صدق لزم حسن الخبر ~~الثاني من حيث أنه صدق في نفسه وقبحه من حيث أنه مستلزم لكذب الخبر الأول ~~فلزم النقيضان قالوا وأيضا فلو كان القتل والجلد وقطع الاطراف قبيحا لذاته ~~أو لصفة لازمة للذات لم يكن حسنا في الحدود والقصاص لأن مقتضى الذات لا ~~يتخلف عنها فإذا تخلف فيما ذكرنا من الصور وغيرها دل على أنه ليس ذاتيا ~~فهذا تقرير هذا المسلك وهو من أفسد المسالك لوجوه أحدها أن كون الفعل حسنا ~~أو قبيحا لذاته أو لصفة لم يعن به أن ذلك يقوم بحقيقة لا ينفك عنها بحال ~~مثل كونه عرضا وكونه مفتقرا إلى محل يقوم به وكون الحركة حركة والسواد لونا ~~ومن ها هنا غلط علينا المنازعون لنا في المسئلة وألزمونا مالا يلزمنا وإنما ~~نعنى بكونه حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفته أنه في نفسه منشأ للمصلحة ~~والمفسدة وترتيبهما عليه كترتيب المسببات على أسبابها المقتضية لها وهذا ~~كترتيب الري على الشرب والشبع على الأكل وترتب منافع الأغذية والأدوية ~~ومضارها عليها فحسن الفعل أو قبحه هو من جنس كون الدواء الفلاني حسنا نافعا ~~أو قبيحا ضارا وكذلك الغذاء واللباس والمسكن والجماع والاستفراغ والنوم ~~والرياضة وغيرها فإن ترتب آثارها عليها ترتب المعلومات والمسببات على عللها ~~وأسبابها ومع ذلك فإنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأماكن والمحل ~~القابل ووجود المعارض فتخلف الشبع والري عن الخبز واللحم والماء في حق ~~المريض ومن به علة تمنعه من قبول الغذاء لاتخرجه عن كونه مقتضيا لذلك حتى ~~يقال لو كان كذلك لذاته لم يتخلف لأن ما بالذات لا يتخلف وكذلك تخلف ~~الانتفاع بالدواء في شدة الحر والبرد وفي وقت تزايد العلة لا يخرجه عن كونه ~~نافعا في ذاته وكذلك تخلف الانتفاع باللباس في زمن الحر مثلا لا يدل على ~~أنه ليس في ذاته نافعا ولا حسنا فهذه قوى الأغذية والأدوية واللباس ومنافع ~~الجماع والنوم تتخلف عنها آثارها زمانا ومكانا وحالا وبحسب القبول ~~والاستعداد فتكون نافعة حسنة في زمان دون زمان ومكان دون ms454 وحال دون حال وفي ~~حق طائفة أو شخص دون غيرهم ولم يخرجها ذلك عن كونها مقتضية لآثارها بقواها ~~وصفاتها فهكذا أوامر الرب تبارك وتعالى وشرائعه سواء يكون الأمر منشأ ~~المصلحة وتابعا للمأمور في وقت دون وقت فيأمره به تبارك وتعالى في الوقت ~~الذي علم أنه مصلحة فيه ثم ينهى عنه في الوقت الذي يكون فعله فيه مفسدة على ~~نحو ما يأمر الطبيب بالدواء والحمية في وقت هو مصلحة للمريض وينهاه عنه في ~~الوقت الذي يكون تناوله مفسدة له بل أحكم الحاكمين الذي بهرت حكمته العقول ~~أولى بمراعاة مصالح عباده ومفاسدهم في الأوقات والأحوال والأماكن والأشخاص ~~وهل وضعت الشرائع إلا على هذا فكان نكاح الأخت حسنا في وقته حتى لم يكن بد ~~منه في التناسل PageV02P028 # وحفظ النوع الإنساني ثم صار قبيحا لما استغنى عنه فحرمه على عباده فأباحه ~~في وقت كان فيه حسنا وحرمه في وقت صار فيه قبيحا وكذلك كل ما نسخه من الشرع ~~بل الشريعة الواحدة كلها لا تخرج عن هذا وإن خفي وجه المصلحة والمفسدة فيه ~~على أكثر الناس وكذلك إباحة الغنائم كان قبيحا في حق من قبلنا لئلا تحملهم ~~إباحتها على القتال لأجلها والعمل لغير الله فتفوت عليهم مصلحة الإخلاص ~~التي هي أعظم المصالح فحمى أحكم الحاكمين جانب هذه المصلحة العظيمة ~~بتحريمها عليهم ليتمحض قتالهم لله لا للدنيا فكانت المصلحة في حقهم تحريمها ~~عليهم ثم لما أوجد هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا وأرسخهم إيمانا ~~وأعظمهم توحيدا وإخلاصا وأرغبهم في الآخرة وأزهدهم في الدنيا أباح لهم ~~الغنائم وكانت إباحتها حسنة بالنسبة إليهم وإن كانت قبحة بالنسبة إلى من ~~قبلهم فكانت كإباحة الطبيب اللحم للصحيح الذي لا يخشى عليه من مضرته وحميته ~~منه للمريض المحموم وهذا الحكم فيما شرع في الشريعة الواحدة في وقت ثم نسخ ~~في وقت آخر كالتخيير في الصوم في أول الإسلام بين الإطعام وبينه لما كان ~~غير مألوف لهم ولا معتاد والطباع تأباه إذ هو هجر مألوفها ومحبوبها ولم تذق ~~بعد حلاوته وعواقبه ms455 المحمودة وما في طيه من المصالح والمنافع فخيرت بينه ~~وبين الإطعام وندبت إليه فلما عرفت علته يعني حكمته والفقه وعرفت ما تضمنه ~~من المصالح والفوائد حتم عليها عينا ولم يقبل منها سواء فكان التخيير في ~~وقته مصلحة وتعيين الصوم في وقته مصلحة فاقتضت الحكمة البالغة شرع كل حكم ~~في وقته لأن المصلحة فيه في ذلك الوقت وكان فرض الصلاة أولا ركعتين ركعتين ~~لما كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يكونوا معتادين لها ولا ألفتها طباعهم ~~وعقولهم فرضت عليهم بوصف التخفيف فلما ذالت بها جوارحهم وطوعت بها أنفسهم ~~وأطمأنت اليها قلوبهم وباشرت نعيمها لذتها وطيبها وذاقت حلاوة عبودية الله ~~فيها ولذة مناجاته زيدت ضعفها وأقرت في السفر على الفرض الأول لحاجة ~~المسافر إلى التخفيف ولمشقة السفر عليه فتأمل كيف جاء كل حكم في وقته ~~مطابقا للمصلحة والحكمة شاهدا لله بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين الذي ~~بهرت حكمته العقول والألباب وبدا على صفحاتها بأن ما خالفها هو الباطل ~~وأنها هي عين المصلحة والصواب ومن هذا أمره سبحانه لهم بالأعراض عن ~~الكافرين وترك آذاهم والصبر عليهم والعفو عنهم لما كان ذلك عين المصلحة ~~لقلة عدد المسلمين وضعف شوكتهم وغلبة عدوهم فكان هذا في حقهم إذ ذاك عين ~~المصلحة فلما تحيزوا إلى دار وكثر عددهم وقويت شوكتهم وتجرأت أنفسهم ~~لمناجزة عدوهم أذن لهم في ذلك أذنا من غير إيجاب عليهم ليذيقهم حلاوة النصر ~~والظفر وعز الغلبة وكان الجهاد أشق شيء على النفوس فجعله أولا إلى اختيارهم ~~إذنا لاحتما فلما ذاقوا عز النصر PageV02P029 # والظفر وعرفوا عواقبه الحميدة أوجبه عليهم حتما فانقادوا له طوعا ورغبة ~~ومحبة فلو أتاهم الأمر به مفاجأة على ضعف وقلة لنفروا عنه أشد النفار وتأمل ~~الحكمة الباهرة في شرع الصلاة أولا إلى بيت المقدس إذ كانت قبلة الأنبياء ~~فبعث بما بعث به الرسل وبما يعرفه أهل الكتاب وكان استقبال بيت المقدس ~~مقررا لنبوته وأنه بعث بما بعث به الأنبياء قبله وإن دعوته هي دعوة الرسل ~~بعينها وليس بدعا من الرسل ولا مخالفا لهم ms456 بل مصدقا لهم مؤمنا بهم فلما ~~استقرت أعلام نبوته في القلوب وقامت شواهد صدقه من كل جهة وشهدت القلوب له ~~بأنه رسول الله حقا وإن أنكروا رسالته عنادا وحسدا وبغيا وعلم سبحانه أن ~~المصلحة له ولأمته أن يستقبلوا الكعبة البيت الحرام افضل بقاع الأرض وأحبها ~~إلى الله وأعظم البيوت وأشرفها وأقدمها قرر قبله أمورا كالمقدمات بين يديه ~~لعظم شأنه فذكر النسخ أولا وأنه إذا نسخ آية أو حكما أتى بخير منه أو مثله ~~وأنه على كل شيء قدير وأن له ملك السموات والأرض ثم حذرهم التعنت على رسوله ~~والإعراض كما فعل أهل الكتاب قبلهم ثم حذرهم من أهل الكتاب وعداوتهم وأنهم ~~يودون لو ردوهم كفارا فلا يسمعوا منهم ولا يقبلوا قولهم ثم ذكر تعظيم دين ~~الإسلام وتفضيله على اليهودية والنصرانية وأن أهله هم السعداء الفائزون لا ~~أهل الأماني الباطلة ثم ذكر اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض ~~بأنهم ليسوا على شيء فحقيق بأهل الإسلام إن لا يقتدوا بهم وأن يخالفوهم في ~~هديهم الباطل ثم ذكر جرم من منع عباده من ذكر اسمه في بيوته ومساجده وأن ~~يعبد فيها وظلمه وأنه بذلك ساع في خرابها لأن عمارتها إنما هي بذكر اسمه ~~وعبادته فيها ثم بين أن له المشرق والمغرب وأنه سبحانه لعظمته وإحاطته حيث ~~استقبل المصلى فثم وجهه تعالى فلا يظن الظان أنه إذا استقبل البيت الحرام ~~خرج عن كونه مستقبلا ربه وقبلته فإن الله واسع عليم ثم ذكر عبودية أهل ~~السموات والأرض له وأنهم كل له قانتون ثم نبه على عدم المصلحة في موافقة ~~أهل الكتاب وأن ذلك لا يعود باستصلاحهم ولا يرجى معه إيمانهم وأنهم لن ~~يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وضمن هذا تنبيه لطيف على أن موافقتهم في القبلة ~~لا مصلحة فيها فسواء وافقتهم فيها أو خالفتهم فإنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ~~ملتهم ثم أخبر أن هداه هو الهدى الحق وحذره من اتباع أهوائهم ثم انتقل إلى ~~تعظيم إبراهيم صاحب البيت وبانيه والثناء عليه وذكر إمامته ms457 للناس وإنه أحق ~~من اتبع ثم ذكر جلالة البيت وفضله وشرفه وأنه أمن للناس ومثابة لهم يثوبون ~~إليه ولا يقضون منه وطرا وفي هذا تنبيه على أنه أحق بالاستقبال من غيره ثم ~~أمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ثم ذكر بناء إبراهيم وإسماعيل البيت ~~وتطهيره بعهده وإذنه ورفعهما قواعده وسؤالهما ربهما القبول منهما وأن ~~تجعلهما مسلمين له ويريهما مناسكهما ويبعث في ذريتهما رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم PageV02P030 # ويعلمهم الكتاب والحكمة ثم أخبر عن جهل من رغب عن ملة إبراهيم وسفه ~~ونقصان عقله ثم أكد عليهم أن يكونوا على ملة إبراهيم وأنهم إن خرجوا عنها ~~إلى يهودية أو نصرانية أو غيرها كانوا ضلالا غير مهتدين وهذه كلها مقدمات ~~بين يدي الأمر باستقبال الكعبة لمن تأملها وتدبرها وعلم ارتباطها بشأن ~~القبلة فإنه يعلم بذلك عظمة القرآن وجلالته وتنبيهه على كمال دينه وحسنه ~~وجلالته وأنه هو عين المصلحة لعباده لا مصلحة لهم سواه وشوق بذلك النفوس ~~إلى الشهادة له بالحسن والكمال والحكمة التامة فلما قرر ذلك كله أعلمهم بما ~~سيقول السفهاء من الناس إذا تركوا قبلتهم لئلا يفجأهم من غير علم به فيعظم ~~موقعه عندهم فلما وقع لم يهلهم ولم يصعب عليهم بل أخبر أن له المشرق ~~والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ثم أخبر انه كما جعلهم أمة وسطا ~~خيارا اختار لهم أوسط جهات الاستقبال وخيرها كما اختار لهم خير الأنبياء ~~وشرع لهم خير الأديان وأنزل عليهم خير الكتب وجعلهم شهداء على الناس كلهم ~~لكمال فضلهم وعلمهم وعدالتهم وظهرت حكمته في أن اختار لهم أفضل قبلة ~~وأشرفها لتتكامل جهات الفضل في حقهم بالقبلة والرسول والكتاب والشريعة ثم ~~نبه سبحانه على حكمته البالغة في أن جعل القبلة أولا هي بيت المقدس ليعلم ~~سبحانه واقعا في الخارج ما كان معلوما له قبل وقوعه من يتبع الرسول في جميع ~~أحواله وينقاد له ولأوامر الرب تعالى ويدين بها كيف كانت وحيث كانت فهذا هو ~~المؤمن حقا الذي أعطى العبودية حقها ومن ينقلب على ms458 عقبيه ممن لم يرسخ في ~~الإيمان قلبه ولم يستقر عليه قدمه فعارض وأعرض ورجع على حافره وشك في ~~النبوة وخالط قلبه شبهة الكفار الذين قالوا أن كانت القبلة الأولى حقا فقد ~~خرجتم عن الحق وأن كانت باطلا فقد كنتم على باطل وضاق عقله المنكوس عن ~~القسم الثالث الحق وهو أنها كانت حقا ومصلحة في الوقت الأول ثم صارت مفسدة ~~باطلة الاستقبال في الوقت الثاني ولهذا أخبر سبحانه عن عظم شأن هذا التحويل ~~والنسخ في القبلة فقال وأن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ثم أخبر أنه ~~سبحانه لم يكن يضيع ما تقدم لهم من الصلوات إلى القبلة الأولى وأن رأفته ~~ورحمته بهم تأبي إضاعة ذلك عليهم وقد كان طاعة لهم فلما قرر سبحانه ذلك كله ~~وبين حسن هذه الجهة بعظمة البيت وعلو شأنه وجلالته قال قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره وأكد ذلك عليهم مرة بعد مرة اعتناء بهذا الشأن وتفخيما ~~له وأنه شأن ينبغي الاعتناء به والاحتفال بأمره فندبر هذا الاعتناء وهذا ~~التقرير وبيان المصالح الناشئة من هذا الفرع من فروع الشريعة وبيان المفاسد ~~الناشئة من خلافه وان كل جهة في وقتها كان استقبالها هو المصلحة وأن للرب ~~تعالى الحكمة البالغة في شرع القبلة الأولى وتحويل عباده عنها إلى المسجد ~~PageV02P031 # الحرام فهذا معنى كون الحسن والقبح ذاتيا للفعل لا ناشئا من ذاته ولا ريب ~~عند ذوي العقول أن مثل هذا يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأحوال ~~والأشخاص وتأمل حكمة الرب تعالى في أمره إبراهيم خليله بذبح ولده لأن الله ~~اتخذه خليلا والخلة منزلة تقتضى إفراد الخليل بالمحبة وأن لا يكون له فيها ~~منازع أصلا بل قد تخللت محبته جميع أجزاء القلب والروح فلم يبق فيها موضع ~~خال من حبه فضلا عن أن يكون محلا لمحبة غيره فلما سأل إبراهيم الولد وأعطيه ~~أخذ شعبة من قلبه كما يأخذ الولد شعبة من قلب والده فغار المحبوب على ms459 خليله ~~أن يكون في قلبه موضع لغيره فأمره بذبح الولد ليخرج حبه من قلبه ويكون الله ~~أحب إليه وآثر عنده ولا يبقى في القلب سوى محبته فوطن نفسه على ذلك وعزم ~~عليه فخلصت المحبة لوليها ومستحقها فحصلت مصلحة المأمور به من العزم عليه ~~وتوطين النفس على الامتثال فبقي الذبح مفسدة لحصول المصلحة بدونه فنسخه في ~~حقه لما صار مفسدة وأمر به لما كان عزمه عليه وتوطين نفسه مصلحة لهما فأي ~~حكمة فوق هذا وأي لطف وبر وإحسان يزيد على هذا وأي مصلحة فوق هذه المصلحة ~~بالنسبة إلى هذا الأمر ونسخة وإذا تأملت الشرائع الناسخة والمنسوخة وجدتها ~~كلها بهذه المنزلة فمنها ما يكون وجه المصلحة فيه ظاهرا مكشوفا ومنها ما ~~يكون ذلك فيه خفيا لا يدرك إلا بفضل فطنة وجوده إدراك # | فصل وههنا سر بديع من أسرار الخلق والأمر به يتبين لك حقيقة الأمر # وهو أن الله لم يخلق شيئا ولم يأمر بشيء ثم ابطله وأعدمه بالكلية بل لا ~~بد أن يثبته بوجه ما لأنه إنما خلقه لحكمة له في خلقه وكذلك أمره به وشرعه ~~إياه هو لما فيه من المصلحة ومعلوم أن تلك المصلحة والحكمة تقتضي ابقاءه ~~فإذا عارض تلك المصلحة مصلحة أخرى أعظم منها كان ما اشتملت عليه أولى ~~بالخلق والأمر ويبقى في الأولى ما شاء من الوجه الذي يتضمن المصلحة ويكون ~~هذا من باب تزاحم المصالح والقاعدة فيها شرعا وخلقا تحصيلها واجتماعها بحسب ~~الإمكان فإن تعذر قدمت المصلحة العظمى وإن فاتت الصغرى وإذا تأملت الشريعة ~~والخلق رأيت ذلك ظاهرا وهذا سر قل من تفطن له من الناس فتأمل الأحكام ~~المنسوخة حكما حكما كيف تجد المنسوخ لم يبطل بالكلية بل له بقاء بوجه فمن ~~ذلك نسخ القبلة وبقاء بيت المقدس معظما محترما تشد إليه الرحال ويقصد ~~بالسفر إليه وحط الأوزار عنده واستقباله مع غيره من الجهات في السفر فلم ~~يبطل تعظيمه واحترامه بالكلية وإن بطل خصوص استقباله بالصلوات فالقصد إليه ~~ليصلى فيه باق وهو نوع من تعظيمه وتشريفه بالصلاة ms460 فيه والتوجه إليه قصدا ~~لفضيلته وشرعه له نسبة من التوجه إليه بالاستقبال PageV02P032 # بالصلوات فقدم البيت الحرام عليه في الاستقبال لأن مصلحته أعظم وأكمل ~~وبقي قصده وشد الرحال إليه والصلاة فيه منشأ للمصلحة فتمت للأمة المحمدية ~~المصلحتان المتعلقتان بهذين البيتين وهذا نهاية ما يكون من اللطف وتحصيل ~~المصالح وتكميلها لهم فتأمل هذا الموضع ومن ذلك نسخ التخيير في الصوم ~~بتعيينه فإن له بقاء وبيانا ظاهرا وهو أن الرجل كان إذا أراد أفطر وتصدق ~~فحصلت له مصلحة الصدقة دون مصلحة الصوم وإن شاء صام ولم يفد فحصلت له مصلحة ~~الصوم دون الصدقة فحتم الصوم على المكلف لأن مصلحته أتم وأكمل من مصلحة ~~الفدية وندب إلى الصدقة في شهر رمضان فإذا صام وتصدق حصلت له المصلحتان معا ~~وهذا أكمل ما يكون من الصوم وهو الذي كان يفعله النبي فإنه كان أجود ما ~~يكون في رمضان فلم تبطل المصلحة الأولى جملة بل قدم عليها ما هو أكمل منها ~~وجوبا وشرع الجمع بينها وبين الأخرى ندبا واستحبابا ومن ذلك نسخ ثبات ~~الواحد من المسلمين للعشرة من العدو بثباته للإثنين ولم تبطل الحكمة الأولى ~~من كل وجه بل بقي استحبابه وإن زال وجوبه بل إذا غلب على ظن المسلمين ظفرهم ~~بعدوهم وهم عشرة أمثالهم وجب عليهم الثبات وحرم عليهم الفرار فلم تبطل ~~الحكمة الأولى من كل وجه ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول لم ~~يبطل حكمه بالكلية بل نسخ وجوبه وبقي استحبابه والندب إليه وما علم من ~~تنبيهه وإشارته وهو أنه إذا استحبت الصدقة بين يدي مناجاة المخلوق ~~فاستحبابها بين يدي مناجاة الله عند الصلوات والدعاء أولى فكان بعض السلف ~~الصالح يتصدق بين يدي الصلاة والدعاء إذا أمكنه ويتأول هذه الأولوية ورأيت ~~شيخ الإسلام ابن تيمة يفعله ويتحراه ما أمكنه وفاوضته فيه فذكر لي هذا ~~التنبيه والإشارة ومن ذلك نسخ الصلوات الخمسين التي فرضها الله على رسوله ~~ليلة الإسراء بخمس فإنها لم تبطل بالكلية بل اثبتت خمسين في الثواب والأجر ~~خمسا في العمل ms461 والوجوب وقد أشار تعالى إلى هذا بعينه حيث يقول على لسان ~~نبيه لا يبدل القول لدى هي خمس وهي خمسون في الأجر فتأمل هذه الحكمة ~~البالغة والنعمة السابغة فإنه لما اقتضت المصلحة أن تكون خمسين تكميلا ~~للثواب وسوقا لهم بها إلى أعلا المنازل واقتضت أيضا أن تكون خمسا لعجز ~~الأمة وضعفهم وعدم احتمالهم الخمسين جعلها خمسا من وجه وخمسين من وجه جمعا ~~بين المصالح وتكميلا لها ولو لم نطلع من حكمته في شرعه وأمره ولطفه بعباده ~~ومراعاة مصالحهم وتحصيلها لهم على أتم الوجوه إلا على هذه الثلاثة وحدها ~~لكفى بها دليلا على ما راءها فسبحان من له في كل ما خلق وأمر حكمة بالغة ~~شاهدة له بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه الله الذي لا إله إلا هو ~~رب العالمين ومن ذلك الوصية للوالدين والأقربين فإنها كانت واجبة على من ~~حضره الموت ثم نسخ الله ذلك بآية المواريث وبقيت مشروعة في حق الأقارب ~~الذين لا يرثون PageV02P033 # وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب فيه قولان للسلف والخلف وهما في ~~مذهب أحمد فعلى القول الأول بالاستحباب إذا أوصى للأجانب دونهم صحت الوصية ~~ولا شيء للأقارب وعلى القول بالوجوب فهل لهم أن يبطلوا وصية الأجانب ~~ويختصوا هم بالوصية كما للورثة يبطلوا وصية الوارث أو يبطلوا ما زاد على ~~ثلث الثلث ويختصوا هم بثلثيه كما للورثة أن يبطلوا ما زاد على ثلث المال من ~~الوصية ويكون الثلث في حقهم بمنزلة المال كله في حق الورثة على وجهين وهذا ~~الثاني أقيس وأفقه وسره أن الثلث لما صار مستحقا لهم كان بمنزلة جميع المال ~~في حق الورثة وهم لا يكونوا أقوى من الورثة فكما لا سبيل للورثة إلى أبطال ~~الوصية بالثلث للأجانب فلا سبيل لهؤلاء إلى إبطال الوصية بثلث الثلث ~~للأجانب وتحقيق هذه المسائل والكلام على ما أخذها له موضع آخر والمقصود هنا ~~أن إيجاب الوصية للأقارب وأن نسخ لم يبطل بالكلية بل بقي منه ما هو منشأ ~~المصلحة كما ذكرناه ونسخ منه مالا مصلحة ms462 فيه بل المصلحة في خلافه ومن ذلك ~~نسخ الاعتداد في الوفاة بحول بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر على المشهور من ~~القولين في ذلك فلم تبطل العدة الأولى جملة # ومن ذلك حبس الزانية في البيت حتى تموت فإنه على أحد القولين لا نسخ فيه ~~لأنه مغيا بالموت أو يجعل الله لهن سبيلا وقد جعل الله لهن سبيلا بالحد ~~وعلى القول الأخر هو منسوخ بالحد وهو عقوبة من جنس عقوبة الحبس فلم تبطل ~~العقوبة عنها بالكلية بل نقلت من عقوبة إلى عقوبة وكانت العقوبة الأولى ~~أصلح في وقتها لأنهم كانوا حديثي عهد بجاهلية وزنا فأمروا بحبس الزانية ~~أولا ثم لما استوطنت أنفسهم على عقوبتها وخرجوا عن عوائد الجاهلية وركنوا ~~إلى التحريم والعقوبة نقلوا إلى ما هو أغلظ من العقوبة الأولى وهو الرجم ~~والجلد فكانت كل عقوبة في وقتها هي المصلحة التي لا يصلحهم سواها وهذا الذي ~~ذكرناه إنما هو في نسخ الحكم الذي ثبت بشرعه وأمره وأما ما كان مستصحبا ~~بالبراءة الأصلية فهذا لا يلزم من رفعه بقاء شيء منه لأنه لم يكن مصلحة لهم ~~وإنما أخر عنهم تحريمه إلى وقت لضرب من المصلحة في تأخير التحريم ولم يلزم ~~من ذلك أن يكون مصلحة حين فعلهم أياه وهذا كتحريم الربا والمسكر وغير ذلك ~~من المحرمات التي كانوا يفعلونها استصابا لعدم التحريم فإنها لم تكن مصلحة ~~في وقت ولهذا لم يشرعها الله تعالى ولهذا كان رفعها بالخطاب لا يسمى نسخا ~~إذ لو كان ذلك نسخا لكانت الشريعة كلها نسخا وإنما النسخ رفع الحكم الثابت ~~بالخطاب لا رفع موجب الاستصحاب وهذا متفق عليه # | فصل وأما ما خلقه سبحانه فإنه أوجده لحكمة في إيجاده فإذا اقتضت # حكمته إعدامه جملة أعدمه وأحدث بدله وإذا اقتضت حكمته تبدليه وتغييره ~~وتحويله من صورة بدله وغيره PageV02P034 # وحوله ولم يعدمه جملة ومن فهم هذا فهم مسألة المعاد وما جاءت به الرسل ~~فيه فإن القرآن والسنة إنما دلا على تغيير العالم وتحويله وتبديله لا جعله ~~عدما محضا وإعدامه بالكلية فدل على تبديل ms463 الأرض غير الأرض والسماوات وعلى ~~تشقق السماء وانفطارها وتكوير الشمس وانتثار الكواكب وسجر البحار وإنزال ~~المطر على أجزاء بنى آدم المختلطة بالتراب فينبتون كما ينبت النبات وترد ~~تلك الأرواح بعينها إلى تلك الأجساد التي أحيلت ثم أنشئت نشأة أخرى وكذلك ~~القبور تبعثر وكذلك الجبال تسير ثم تنسف وتصير كالعهن المنفوش وتقيء الأرض ~~يوم القيامة أفلاذ كبدها أمثال الاسطوان من الذهب والفضة وتميد الأرض وتدنو ~~والشحى من رؤس الناس فهذا هو الذي أخبر به القرآن والسنة ولا سبيل لاحد من ~~الملاحدة الفلاسفة وغيرهم إلى الاعتراض على هذا المعاد الذي جاءت به الرسل ~~بحرف واحد وإنما اعتراضاتهم على المعاد الذي عليه طائفة من المتكلمين أن ~~الرسل جاؤا به وهو أن الله يعدم أجزاء العالم العلوي والسفلي كلها فيجعلها ~~عدما محضا ثم يعيد ذلك العدم وجودا ويا ليت شعري أين في القرآن والسنة أن ~~الله يعدم ذرات العالم وأجزاءه جملة ثم يقلب ذلك العدم وجودا وهذا هو ~~المعاد الذي أنكرته الفلاسفة ورمته بأنواع الاعتراضات وضروب الالزامات ~~واحتاج المتكلمون إلى تعسف الجواب وتقريره بأنواع من المكابرات وأما المعاد ~~الذي أخبرت به الرسل فبريء من ذلك كله مصون عنه لا مطمع للعقل في الاعتراض ~~عليه ولا يقدح فيه شبهة واحد وقد أخبر سبحانه أنه يحي العظام بعد ما صارت ~~رميما وأنه قد علم ما تنقص الأرض من لحوم بني آدم وعظامهم فيرد ذلك إليهم ~~عند النشأة الثانية وأنه ينشىء تلك الأجساد بعينها بعد ما بليت نشأه أخري ~~ويرد إليها تلك الأرواح فلم يدل على أنه يعدم تلك الأرواح ويفنيها حتى تصير ~~عدما محضا فلم يدل القرآن على أنه يعدم تلك الأرواح ثم يخلقها خلقا جديدا ~~ولا دل على أنه يفني الأرض والسموات ويعدمهما عدما صرفا ثم يجدد وجودهما ~~وإنما دلت النصوص على تبديلهما وتغييرهما من حال إلى حال فلو أعطيت النصوص ~~حقها لارتفع أكثر النزاع من العالم ولكن خفيت النصوص وفهم منها خلاف مرادها ~~وانضاف إلى ذلك تسليط الآراء عليها واتباع ما تقضى به فتضاعف ms464 البلاء وعظم ~~الجهل واشتدت المحنة وتفاقم الخطب وسبب ذلك كله الجهل بما جاء به الرسول ~~وبالمراد منه فليس للعبد أنفع من سمع ما جاء به الرسول وعقل معناه وأما من ~~لم يسمعه ولم يعقله فهو من الذين قال الله فيهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير فلنرجع إلى الكلام عن الدليل المذكور وهو أن الحسن ~~أو القبح لو كان ذاتيا لما اختلف إلى آخره فنقول قد بينا أن اختلافه بحسب ~~الأزمنة والأمكنة والأحوال والشروط لا يخرجه عن كونه ذاتيا الثاني أنه ليس ~~المعنى من كونه ذاتيا إلا أنه ناشىء من الفعل فالفاعل منشؤه وهذا ~~PageV02P035 # لا يوجب اختلافه بدليل ما ذكرنا من الصور الثالث انه يجوز اقتضاء الذات ~~الواحدة لأمرين متنافيين بحسب شرطين متنافيين فيقتضى التبريد مثلا في محل ~~معين بشرط معين والتسخين في محل آخر بشرط آخر والجسم في حيزه يقتضي السكون ~~فإذا خرج عن حيزه اقتضى الحركة واللحم يقتضي الصحة بشرط سلامة البدن من ~~الحمى والمرض الممتنع منه الغذاء ويقتضي المرض بشرط كون الجسم محموما ونحوه ~~ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى فإن قيل محل النزاع أن الفعل لذاته أو لوصف ~~لازم له يقتضي الحسن والقبح والشرطان متنافيان يمتنع أن يكون كل واحد منهما ~~وصفا لازما لأن اللازم يمتنع انفكاك الشيء عنه قيل معنى كونه يقتضي الحسن ~~والقبح لذاته أو لوصفه اللازم أن الحسن ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط معين ~~والقبح ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط آخر فإذا عدم شرط الاقتضاء أو وجد ~~مانع يمنع الاقتضاء زال الأمر المترتب بحسب الذات أو الوصف لزوال شرطه أو ~~لوجود مانعه وهذا واضح جدا : الثالث أن قولكم يحسن الكذب إذا تضمن عصمة نبى ~~أو مسلم فهذا فيه طريقان أحدهما لا نسلم أنه يحسن الكذب فضلا عنأن يجب بل ~~لا يكون الكذب إلا قبيحا وأما الذي يحسن فالتعريض والتورية كما وردت به ~~السنة النبوية وكما عرض إبراهيم للملك الظالم بقوله هذه أختي لزوجته وكما ms465 ~~قال أني سقيم فعرض بأنه سقيم قلبه من شركهم أو سيسقم يوما ما وكما فعل في ~~قوله بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم أن كانوا ينطقون فأن الخبر والطلب كلاهما ~~معلق بالشرط والشرط متصل بهما ومع هذا فسماها ثلاث كذبات وامتنع بها من ~~مقام الشفاعة فكيف يصح دعواكم أن الكذب يجب إذا تضمن عصمة مسلم مع ذلك فأن ~~قيل كيف سماها إبراهيم كذبات وهي تورية وتعريض صحيح قيل لا يلزمنا جواب هذا ~~السؤال إذا الغرض أبطال استدلالكم وقد حصل فالجواب عنه تبرع منا وتكميل ~~للفائدة ولم أجد في هذا المقام للناس جوابا شافيا يسكن القلب إليه وهذا ~~السؤال لا يختص به طائفة معينة بل هو وارد عليكم بعينه وقد فتح الله الكريم ~~بالجواب عنه فنقول الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم وقصده وإرادته ونسبة ~~إلى السامع وإفهام المتكلم إياه مضمونه فإذا أخبر المتكلم بخبر مطابق ~~للواقع وقصد إفهام المخاطب فهو صدق من الجهتين وأن قصد خلاف الواقع وقصد مع ~~ذلك إفهام المخاطب خلاف ما قصد بل معنى ثالثا لا هو الواقع ولا هو المراد ~~فهو كذب من الجهتين بالنسبتين معا وإن قصد معنى مطابقا صحيحا وقصد مع ذلك ~~التعمية على المخاطب وإفهامه خلاف ما قصده فهو صدق بالنسبة إلى قصده كذب ~~بالنسبة إلى إفهامه ومن هذا الباب التورية والمعاريض وبهذا أطلق عليها ~~إبراهيم الخليل عليه السلام اسم الكذب مع أنه الصادق في خبره ولم يخبر إلا ~~صدقا فتأمل هذا الموضع الذي أشكل على الناس وقد ظهر بهذا أن الكذب لا يكون ~~قط إلا PageV02P036 # قبيحا وأن الذي يحسن ويجب إنما هو التورية وهي صدق وقد يطلق عليها الكذب ~~بالنسبة إلى الإفهام لا إلى العناية الطريق الثاني ان تخلف القبح عن الكذب ~~لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجعة على الصدق لا تخرجه عن كونه ~~قبيحا لذاته وتقريره ما تقدم وقد تقدم أن الله سبحانه حرم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير للمفسدة التي في تناولها وهي ناشئة من ذوات هذه المحرمات ~~وتخلف التحريم ms466 عنها عند الضرورة لا يوجب أن تكون ذاتها غير مقتضية للمفسدة ~~التي حرمت لأجلها فهكذا الكذب المتضمن نجاة نبي أو مسلم الوجه الرابع قوله ~~لو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان في صدق من قال لأكذبن غدا إلى آخر ما ذكر ~~جوابه أنه متى يجتمع النقيضان إذا كان الحسن والقبح باعتبار واحد من جهة ~~واحدة أو إذا كانا باعتبارين من جهتين أو أعم من ذلك فإن عنيتم الأول فمسلم ~~ولكن لا نسلم الملازمة فإنه لا يلزم من اجتماع الحسن والقبح في الصورة ~~المذكورة أن يكون لجهة واحدة واعتبار واحد فإن اجتماع الحسن والقبح فيهما ~~باعتبارين مختلفين من جهتين متباينتين وهذا ليس ممتنعا فإنه إذا كان كذبا ~~كان قبيحا بالنظر إلى ذاته وحسنا بالنظر إلى تضمنه صدق الخبر الأول ونظيره ~~إن يقول والله لأشربن الخمر غدا أو والله لآسرقن هذا الثوب غدا ونحوه وأن ~~عنيتم الثاني فهو حق ولكن لا نسلم انتفاء اللازم وأن عنيتم الثالث منعنا ~~الملازمة أيضا على التقدير الأول وانتفاء اللازم على التقدير الثاني وهذا ~~واضح جدا الوجه الخامس قوله القتل والضرب حسن إذا كان حدا أو قصاصا وقبيح ~~في غيره فلو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان كلام في غاية الفساد فإن القتل ~~والضرب واحد بالنوع والقبيح ما كان ظنا وعدوانا والحس منه ما كان جزاء على ~~إساءة أما حدا وأما قصاصا فلم يرجع الحسن والقبح إلى واحد بالعين ونظير هذا ~~السجود فإنه في غاية الحسن لذاته إذا كان عبودية وخضوعا للواحد المعبود وفي ~~غاية القبح إذا كان لغيره ولو سلمنا أن القتل والضرب الواحد بالعين إذا كان ~~حدا أو قصاصا فإنه يكون حسنا قبيحا لم يكن ذلك محالا لأنه باعتبارين فهو ~~حسن لما تضمنه من الزجر والنكال وعقوبة المستحق وقبيح بالنظر إلى المقتول ~~المضروب فهو قبيح له حسن في نفسه وهذا كما أنه مكروه مبغوض له وهو محبوب ~~مرضى لفاعله والآمر به فأي محال في هذا فظهر أن هذا الدليل فاسد والله أعلم # | فصل فهذه أقوى أدلة النفاة باعترافهم بضعف ms467 ما سواها فلا حاجة بنا # إلى ذكرها وبيان فسادها فقد تبين الصبح لذي عينين وجلبت عليك المسئلة ~~رافلة في حلل أدلتها الصحيحة وبراهينها PageV02P037 # المستقيمة ولا تغضض طرف بصيرتك عن هذه المسئلة فأن شأنها عظيم وخطبها ~~جسيم وقد احتج بعضهم بدليل أفسد من هذا كله فقالوا لو حسن الفعل أو قبح ~~لذاته أو لصفته لم يكن الباريء تعالى مختارا في الحكم لأن الحكم بالمرجوح ~~على خلاف المعقول فليزم الآخر فلا اختيار وتقرير هذا الاستدلال ببيان ~~الملازمة المذكورة أولا وبيان انتفاء اللازم ثانيا أما المقام الأول وهو ~~بيان الملازمة فإن الفعل لو حسن لذاته أو لصفته لكان راجحا على الحسن في ~~كونه متعلقا للوجوب أو الندب ولو قبح لذاته أو لصفته لكان راجحا على الحسن ~~في كونه متعلقا للتحريم أو الكراهة فحينئذ إما أن يتعلق الحكم بالراجح ~~المقتضي له أو المرجوح المقتضي لضده # والثاني باطل قطعا لا لاستلزامه ترجيح المرجوح وهو باطل بصريح العقل ~~فتعين الأول ضرورة فإذا كان تعلق الحكم بالراجح لازما ضرورة لم يكن الباري ~~مختارا في حكمه فتأمل هذه الشبهة ما أفسدها وأبين بطلانها والعجب ممن يرضى ~~لنفسه ان يحتج يمثلها وحسبك فساد الحجة مضمونها أن الله تعالى لم يشرع ~~السجود له وتعظيمه وشكره ويحرم السجود للصنم وتعظيمه لحسن هذا وقبح هذا مع ~~استوائهما تفريقا بين المتماثلين فأي برهان أوضح من هذا على فساد هذه ~~الشبهة الباطلة # الثاني أن يقال هذا يوجب أن تكون أفعاله كلها مستلزمة للترجيح بغير مرجح ~~إذ لو ترجح الفعل منها بمرجح لزم عدم الاختيار بعين ما ذكرتم إذا لحكم ~~بالمرجح لازم فإن قيل لا يلزم الاضطرار وترك الاختيار لأن المرجح هو ~~الإرادة والاختيار قيل فهلا قنعتم بهذا الجواب منا وقلتم إذا كان اختياره ~~تعالى متعلقا بالفعل لما فيه من المصلحة الداعية إلى فعله وشرعه وتحريمه له ~~ما فيه من المفسدة الداعية إلى تحريمه والمنع منه فكان الحكم بالراجح في ~~الموضعين متعلقا باختياره تعالى وإرادته فإنه الحكيم في خلقه وأمره فإذا ~~علم في الفعل مصلحة ms468 راجحة شرعية وأوجبه شرعه ووضعه وإذا علم فيه مفسدة ~~راجحة كرهه وأبغضه وحرمه هذا في شرعه وكذلك في خلقه لم يفعل شيئا إلا ~~ومصلحته راجحة وحكمته ظاهرة واشتماله على المصلحة والحكمة التي فعله لأجلها ~~لا ينافي اختياره بل لا يتعلق بالفعل إلا لما فيه من المصلحة والحكمة وكذلك ~~تركه لما فيه من خلاف حكمته فلا يلزم من تعلق الحكمة بالراجح أن لا يكون ~~الحكم اختياريا فإن المختار الذي هو أحكم الحاكمين لا يختار إلا ما يكون ~~على وفق الحكمة والمصلحة # الثالث أن قوله إذا لزم تعلق الحكم بالراجح لم يكن مختارا تلبيس فإنه ~~إنما تعلق بالراجح باختياره وإرادته واختياره وإرادته اقتضت تعلقه بالراجح ~~على وجه اللزوم فكيف لا يكون مختارا واختياره استلزم تعلق الحكم بالراجح ~~الرابع إن تعلق حكمه تعالى بالفعل المأمور به أو المنهي عنه إما أن يكون ~~جائز الوجود والعدم أو راجح الوجود أو راجح العدم فإن كان جائز الطرفين لم ~~بترجح أحدهما إلا بمرجح وإن كان راجحا فالتعلق لازم لأن الحكم PageV02P038 # يمتنع ثبوته مع المساواة ومع المرجوحية # أما الأول فلا ستلزامه الترجيح بلا مرجح وأما الثاني فلا ستلزامه ترجيح ~~المرجوح وهو باطل بصريح العقل فلا يثبت إلا مع المرجح التام وحينئذ فيلزله ~~عدم الاختيار وما يجيبون به عن الإلزام المذكور هو جوابكم بعينه عن شبهتكم ~~التي استدللتم بها الخامس أن هذه الشبهة الفاسدة مستلزمة لأحد الأمرين ولا ~~بد أما الترجيح بلا مرجح وإما أن لا يكون الباري تعالى مختارا كما قررتم ~~وكلاهما باطل السادس أنها تقتضي أن لا يكون في الوجود قادر مختار إلا من ~~يرجح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح وأما من رجح أحد الجائزين بمرجح ~~فلا يكون مختارا وهذا من أبطل الباطل بل القادر المختار لا يرجح أحد مقدريه ~~على الآخر إلا بمرجح وهو معلوم بالضرورة واحتج النفاة أيضا بقوله تعالى وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا ووجه الاحتجاج بالآية أنه سبحانه نفي التعذيب ~~قبل بعثة الرسل فلو كان حسن الفعل وقبحه ثابتا له ms469 قبل الشرع لكان مرتكب ~~القبح وتارك الحسن فاعلا للحرام وتاركا الواجب لأن قبحه عقلا يقتضي تحريمه ~~عقلا عندكم وحسنه عقلا يقتضي وجوبه عقلا فإذا فعل المحرم وترك الواجب استحق ~~العذاب عندكم والقرآن نص صريح أن الله لا يعذب بدون بعثة الرسل فهذا تقرير ~~الاستدلال احتجاجا والتزاما ولا ريب أن الآية حجة على تناقض المثبتين إذا ~~أثبتوا التعذيب قبل البعثة فيلزم تناقضهم وإبطال جمعهم بين هذين الحكمين ~~إثبات الحسن والقبح عقلا وإثبات التعذيب على ذلك بدون البعثة وليس إبطال ~~القول بمجموع الأمرين موجبا لإبطال كل واحد منهما فلعل الباطل هو قولهم ~~بجواز التعذيب قبل البعثة وهذا هو المتعين لأنه خلاف نص القرآن وخلاف صريح ~~العقل أيضا فأن الله سبحانه إنما أقام الحجة على العباد برسله قال تعالى ~~رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فهذا صريح بأن ~~الحجة إنما قامت بالرسل وأنه بعد مجيئهم لا يكون للناس على الله حجة وهذا ~~يدل على أنه لا يعذبهم قبل مجيء الرسل إليهم لأن الحجة حينئذ لم تقم عليهم ~~فالصواب في المسئلة اثبات الحسن والقبح عقلا ونفي التعذيب على ذلك إلا بعد ~~بعثة الرسل فالحسن والقبح العقلي لا يستلزم التعذيب وإنما يستلزمة مخالفة ~~المرسلين وأما المعتزلة فقد أجابوا عن ذلك بأن قالوا الحسن والقبح العقلي ~~يقتضي استحقاق العقاب على فعل القبيح وترك الحسن ولا يلزم من استحقاق ~~العقاب وقوعه لجواز العفو عنه قالوا ولا يرد هذا علينا حيث نمنع العفو بعد ~~البعثة إذا أو عد الرب على الفعل لأن العذاب قد صار واجبا بخبره ومستحقا ~~بارتكاب القبيح وهو سبحانه لم يحصل منه إيعاد قبل البعثة فلا يقبح العفو ~~لأنه لا يستلزم خلفا في الخبر وإنما غايته ترك حق له قد وجب قبل البعثة ~~وهذا حسن والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة ولكن لا يلزم من ~~وجود سبب العذاب حصوله لأن هذا السبب قد نصب الله تعالى له شرطا وهو بعثة ~~الرسل وانتفاء التعذيب قبل البعثة هو لا ms470 نتفاء شرطه لا لعدم PageV02P039 # سببه ومقتضيه وهذا فصل الخطاب في هذا المقام وبه يزول كل إشكال في ~~المسئلة وينقشع غيمها ويسفر صبحها والله الموفق للصواب # واحتج بعضهم أيضا بأن قال لو كان الفعل حسنا لذاته لا متنع الشارع من ~~نسخه قبل إيقاع المكلف له وقبل تمكنه منه لأنه إذا كان حسنا لذاته فهو منشأ ~~للمصلحة الراجحة فكيف ينسخ ولم تحصل منه تلك المصلحة وأجاب المعتزلة عن هذا ~~بالتزامه ومنعوا النسخ قبل وقت الفعل ونازعهم جمهور هذه الأمة في هذا الأصل ~~وجوزوا وقوع النسخ قبل حضور وقت الفعل ثم انقسموا قسمين فنفاة التحسين ~~والتقبيح بنوه على أصلهم ومثبتو التحسين والتقبيح أجابوا عن ذلك بأن ~~المصلحة كما تنشأ من الفعل فأنها أيضا قد تنشأ من العزم عليه وتوطين النفس ~~على الامتثال وتكون المصلحة المطلوبة هي العزم وتوطين النفس لا إيقاع الفعل ~~في الخارج فإذا أمر المكلف بأمر فعزم عليه وتهيأ له ووطن نفسه على امتثاله ~~فحصلت المصلحة المرادة منه لم يمتنع نسخ الفعل وإن لم يوقعه لأنه لا مصلحة ~~له فيه وهذا كأمر إبراهيم الخليل بذبح ولده فإن المصلحة لم تكن في ذبحه ~~وإنما كانت في استسلام الوالد والولد لأمر الله وعزمهما عليه وتوطينهما ~~أنفسهما على امتثاله فلما حصلت هذه المصلحة بقي الذبح مفسدة في حقهما فنسخه ~~الله ورفعه وهذا هو الجواب الحق الشافي في المسئلة وبه تتبين الحكمة ~~الباهرة في إثبات ما أثبته الله من الأحكام ونسخ ما نسخه منها بعد وقوعه ~~ونسخ ما نسخ منها قبل إيقاعه وأن له في ذلك كله من الحكم البالغة ما تشهد ~~له بأنه احكم الحاكمين وأنه اللطيف الخبير الذي بهرت حكمته العقول فتبارك ~~الله رب العالمين # ومما احتج به النفاة أيضا أنه لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكن ~~تعلق الطلب لنفسه لتوقفه على أمر زائد # وتقرير هذه الحجة ان حسن الفعل وقبحه لا يجوز ان يكون لغير نفس الطلب بل ~~لا معنى لحسنه إلا كونه مطلوبا للشارع أيجاده ولا لقبحه إلا ms471 كونه مطلوبا له ~~إعدامه لأنه لو حسن وقبح لمعنى غير الطلب الشرعي لم يكن الطلب متعلقا ~~بالمطلوب لنفسه بل كان التعلق لأجل ذلك المعنى فيتوقف الطلب على حصول ~~الاعتبار الزائد على الفعل وهذا باطل لأن التعلق نسبة بين الطلب والفعل ~~والنسبة بين الأمرين لا تتوقف إلا على حصولهما فإذا حصل الفعل تعلق الطلب ~~به سواء حصل فيه اعتبار زائد على ذاته أولا فإن قلتم الطلب وأن لم يتوقف ~~إلا على الفعل المطلوب والفاعل المطلوب منه لكن تعلقه بالفعل متوقف على جهة ~~الحسن والقبح المقتضي لتعلق الطلب به قلنا الطلب قديم والجهة الموجبة للحسن ~~والقبح حادثة ولا يصح توقف القديم على الحادث وسر الدليل أن تعلق الطلب ~~بالفعل ذاتي فلا يجوز أن يكون معللا بأمر زائد على الفعل إذ لو كان تعلقه ~~به معللا لم يكن ذاتيا وهذا وجه تقرير هذه الشبهة وان كان كثير من شراح ~~المختصر لم يفهموا تقريرها على هذا الوجه فقرروها على وجه PageV02P040 # آخر لا يفيد شيئا وبعد فهي شبهة فاسدة من وجوه : أحدها أن يقال ما تعنون ~~بأن تعلق الطلب بالفعل ذاتي له أتعنون به أن التعلق مقوم لماهية الطلب وأن ~~تقوم الماهية به كتقومها بجنسها وفصلها أم تعنون به أنه لا تعقل ماهية ~~الطلب الا بالتعلق المذكور أم أمرا آخر فإن عنيتم الأول والتعلق نسبة ~~إضافية وهي عدمية عندكم لا وجود لها في الأعيان فكيف تكون النسبة العدمية ~~مقومة للماهية الوجودية وأنتم تقولون أنه ليس لمتعلق الطلب من الطلب صفة ~~ثبوتية لأن هذا هو الكلام النفسي وليس لمتعلق القول فيه صفة ثبوتية وأن ~~عنيتم الثاني فلا يلزم من ذلك توقف الطلب على اعتبار زائد على الفعل يكون ~~ذلك الاعتبار شرطا في الطلب وأن عنيتم أمرا ثالثا فلا بد بيانه وعلى تقدير ~~بيانه فإنه لا ينافي توقف التعلق على الشرط المذكور الثاني أن غاية ما ~~قررتموه قررتموه أن التعلق ذاتي للطلب والذاتي لا يعلل كما ادعيتموه في ~~المنطق دعوى مجردة ولم تقرروه ولم تبينوا ما معنى ms472 كونه غير معلل حتى ظن بعض ~~المقلدين من المنطقيين أن معناه ثبوتية الذات لنفسه بغير واسطة وهذا في ~~غاية الفساد لا يقوله من يدرى ما يقول وإنما معناه أنه لا تحتاج الذات في ~~اتصافها به إلى علة مغايرة لعلة وجودها بل علة وجودها هي علة اتصاف الذات ~~فهذا معنى كونه غير معلل بعلة خارجية عن علة الذات بل علة الذات علته وليس ~~هذا موضع استقصاء الكلام على ذلك والمقصود أن كون التعلق ذاتيا للطلب فلا ~~يعلل بغير علة الطلب لا ينافي توقفه على شرط فهب أن صفة الفعل لا تكون علة ~~للتعلق فما المانع أن تكون شرطا له ويكون تعلق الطلب بالفعل مشروطا بكونه ~~على الجهة المذكورة فإذا انتفت تلك الجهة انتفى التعلق لانتفاء شرطه وهذا ~~مما لم يتعرضوا لبطلانه أصلا ولا سبيل لكم إلى أبطالة الثالث أن قولك الطلب ~~قديم والجهة المذكورة حادثة للفعل ولا يصح توقف القديم على الحادث كلام في ~~غاية البطلان فإن الفعل المطلوب حادث والطلب متوقف عليه إذ لا تتصور ماهية ~~الطلب بدون المطلوب فما كان جوابكم عن توقف الطلب على الفعل الحادث فهو ~~جوابنا عن توقفه على جهة الفعل الحادثة فإن جهته لا تزيد عليه بل هي صفة من ~~صفاته فإن قلتم التوقف هاهنا إنما هو لتعلق الطلب بالمطلوب لا لنفس الطلب ~~ولا تجدون محذورا في توقف التعلق لأنه حادث قلنا فهلا قنعتم بهذا الجواب في ~~صفة الفعل وقلتم التوقف على الجهة المذكورة هو توقف التعلق لا توقف نفس ~~الطلب فنسبة التعلق إلى جهة الفعل كنسبته إلى ذاته ونسبة الطلب إلى الجهة ~~كنسبته إلى نفس الفعل سواء بسواء فنسبة القديم إلى أحد الحادثين كنسبته إلى ~~الآخر ونسبة تعلقه بأحد الحادثين كنسبة تعلقه بالآخر فتبين فسادا الدليل ~~المذكور وحسبك بمذهب فسادا استلزامه جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب وإنه ~~ليس بقبيح واستلزامه جواز نسبة الكذب إلى أصدق PageV02P041 # الصادقين وأنه لا يقبح منه واستلزامه التسوية بين التثليث والتوحيد في ~~العقل وأنه قبل ورود النبوة لا يقبح ms473 التثليث ولا عبادة الأصنام ولا مسبة ~~المعبود ولا شيء من أنواع الكفر ولا السعي في الأرض بالفساد ولا تقبيح شيء ~~من القبائح أصلا وقد التزم النفاة ذلك وقالوا أن هذه الأشياء لم تقبح عقلا ~~وإنما جهة قبحها السمع فقط وانه لا فرق قبل السمع بين ذكر الله والثناء ~~عليه وحمده وبين ضد ذلك ولا بين شكره بما يقدر عليه العبد وبين ضده ولا بين ~~الصدق والكذب والعفة والفجور والإحسان إلى العالم والإساءة إليهم بوجه ما ~~وإنما التفريق بالشرع بين متماثلين من كل وجه وقد كان تصور هذا المذهب على ~~حقيقته كافيا في العلم ببطلانه وأن لا يتكلف رده ولهذا رغب عنه فحول ~~الفقهاء والنظار من الطوائف كلهم فأطبق أصحاب أبي حنيفة على خلافه وحكوه عن ~~أبي حنيفة نصا واختاره من أصحاب أحمد أبو الخطاب وابن عقيل وأبو يعلى ~~الصغير ولم يقل أحد من متقدميهم بخلافه ولا يمكن أن ينقل عنهم حرف واحد ~~موافق للنفاة واختاره من أئمة الشافعية الإمام أبو بكر محمد بن على بن ~~إسماعيل القفال الكبير وبالغ في إثباته وبنى كتابه محاسن الشريعة عليه ~~وأحسن فيه ما شاء وكذلك الإمام سعيد بن على الزنجانى بالغ في إنكاره على ~~أبي الحسن الأشعرى القول بنفي التحسين والتقبيح وأنه لم يسبقه إليه أحد ~~وكذلك أبو القاسم الراغب وكذلك أبو عبد الله الحليمى وخلائق لا يحصون وكل ~~من تكلم في علل الشرع ومحاسنه وما تضمنه من المصالح ودرء المفاسد فلا يمكنه ~~ذلك إلا بتقرير الحسن والقبح العقليين إذ لو كان حسنه وقبحه بمجرد الأمر ~~والنهى لم يتعرض في إثبات ذلك لغير الأمر والنهي فقط وعلى تصحيح ذلك ~~فالكلام في القياس وتعليق الأحكام بالأوصاف المناسبة المقتضية لها دون ~~الأوصاف الطردية التي لا مناسبة فيها فيجعل الأول ضابطا للحكم دون الثاني ~~لا يمكن إلا على إثبات هذا الأصل فلو تساوت الأوصاف في نفسها لانسد باب ~~القياس والمناسبات والتعليل بالحكم والمصالح ومراعات الأوصاف المؤثرة دون ~~الأوصاف التي لا تأثير لها # | فصل وإذا قد انتهينا في ms474 هذه المسئلة إلى هذا الموضع وهو بحرها # ومعظمها فلنذكر سرها وغايتها وأصولها التي أثبتت عليها فبذلك تتم الفائدة ~~فإن كثيرا من الأصوليين ذكروها مجردة ولم يتعرضوا لسرها وأصلها الذي أثبتت ~~عليه وللمسئلة ثلاثة أصول هي أساسها # الأصل الأول هل أفعال الرب تعالى وأوامره معللة بالحكم والغايات وهذه من ~~أجل مسائل التوحيد المتعلقة بالخلق والأمر بالشرع والقدر الأصل الثاني أن ~~تلك الحكم المقصودة فعل يقوم به سبحانه PageV02P042 # وتعالى قيام الصفة به فيرجع إليه حكمها ويشتق له اسمها أم يرجع إلى ~~المخلوق فقط من غير أن يعود إلى الرب منها حكم أو يشتق له منها اسم الأصل ~~الثالث هل تعلق إرادة الرب تعالى بجميع الأفعال تعلق واحد فما وجد منها ~~مراد له محبوب مرضى طاعة كان أو معصية وما لم يوجد منها فهو مكروه له مبغوض ~~غير مراد طاعة كان أو معصية فهو يحب الأفعال الحسنة التي هي منشأ المصالح ~~وأن لم يشأ تكوينها وإيجادها لأن في مشيئة لإيجادها فوات حكمة أخرى هي أحب ~~إليه منها ويبغض الأفعال القبيحة التي هي منشأ المفاسد ويمنعها ويمقت أهلها ~~وأن شاء تكوينها وإيجادها لما تستلزمه من حكمه ومصلحة هي أحب إليه منها # ولا بد من توسط هذه الأفعال في وجودها فهذه الأصول الثلاثة عليها مدار ~~هذه المسئلة ومسائل القدر والشرع وقد اختلف الناس فيها قديما وحديثا إلى ~~اليوم فالجبرية تنفي الأصول الثلاثة وعندهم أن الله لا يفعل لحكمة ولا يأمر ~~لها ولا يدخل في أمره وخلقه لام التعليل بوجه وإنما هي لام العاقبة كما لا ~~يدخل في أفعاله باء السببية وإنما هي باء المصاحبة ومنهم من يثبت الأصل ~~الثالث وينفي الاصلين الأولين كما هو أحد القولين للأشعري وقول كثير من ~~أئمة أصحابه وأحد القولين لأبي المعالي والمشهور من مذهب المعتزلة إثبات ~~الأصل الأول وهو التعليل بالحكم والمصالح ونفي الثاني بناء على قواعدهم ~~الفاسدة في نفي الصفات # فأما الأصل الثالث فهم فيه ضد الجبرية من كل وجه فهما طرفا نقيض فأنهم لا ~~يثبتون لأفعال العباد سوى ms475 المحبة لحسنها والبغض لقبحها وأما المشيئة لها ~~فعندهم أن مشيئة الله لا تتعلق بها بناء منهم على نفي خلق أفعال العباد ~~فليست عندهم إرادة الله لها إلا بمعنى محبته لحسنها فقط وأما قبيحها فليس ~~مراد الله بوجه وأما الجبرية فعندهم انه لم يتعلق بها سوى المشيئة والإرادة ~~وأما المحبة عندهم فهي نفس الإرادة والمشيئة فما شاءه فقد أحبه ورضيه وأما ~~أصحاب القول الوسط وهم أهل التحقيق من الأصوليين والفقهاء والمتكلمين ~~فيثبتون الأصول الثلاثة فيثبتون الحكمة المقصودة بالفعل في أفعاله تعالى ~~وأوامره ويجعلونها عائدة إليه حكما ومشتقا له اسمها فالمعاصي كلها مقوتة ~~مكروهة وإن وقعت بمشيئته وخلقه والطاعات كلها محبوبة له مرضية وإن لم يشاها ~~ممن لم يطعه ومن وجدت منه فقد تعلق بها المشيئة والحب فما لم يوجد من أنواع ~~المعاصي فلم تتعلق به مشيئة ولا محبته وما وجد منها تعلقت به مشيئته دون ~~محبته وما لم يوجد من الطاعات المقدرة تعلق بها محبته دون مشيئته وما وجد ~~منها تعلق به محبته ومشيئته ومن لم يحكم هذه الأصول الثلاثة لم يستقر له في ~~مسائل الحكم والتعليل والتحسين والتقبيح قدم بل لا بد من تناقضه ويتسلط ~~عليه خصومه من جهة نفيه لواحد منها ولهذا لما رأى القدرية والجبرية أنهم لو ~~سلموا للمعتزلة شيئا من هذه تسلطوا عليهم به سدوا على أنفسهم الباب ~~PageV02P043 # بالكلية وأنكروها جملة فلا حكمة عندهم ولا تعليل ولا محبة تزيد على ~~المشيئة ولما أنكر المعتزلة رجوع الحكمة إليه تعالى سلطوا عليهم خصومهم ~~فأبدوا تناقضهم وكشفوا عوراتهم ولما سلك أهل السنة القول الوسط وتوسطوا بين ~~الفريقين لم يطمع أحد في مناقضتهم ولا في إفساد قولهم وأنت إذا تأملت حجج ~~الطائفتين وما ألزمته كل منهما للأخرى علمت أن من سلك القول الوسط لم يلزمه ~~شيء من إلزاماتهم ولا تناقضهم والحمد لله رب العالمين هادي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم # | فصل وقد سلم كثير من النفاة أن كون الفعل حسنا أو قبيحا بمعنى # الملاءمة والمنافرة والكمال والنقصان عقلي وقال نحن لا ms476 ننازعكم في الحسن ~~والقبح بهذين الاعتبارين وإنما النزاع في إثباته عقلا بمعنى كونه متعلق ~~المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب آجلا فعندنا لا مدخل للعقل في ذلك وإنما ~~يعلم بالسمع المجرد قال هؤلاء فيطلق الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة ~~وهو عقلي وبمعنى الكمال والنقصان وهو عقلي وبمعنى إستلزامه للثواب والعقاب ~~وهو محل النزاع وهذا التفصيل لو أعطي حقه والتزمت لوازمه رفع النزاع وأعاد ~~المسئلة اتفاقية وأن كون الفعل صفة كمال أو نقصان يستلزم إثباب تعلق ~~الملاءمة والمنافرة لأن الكمال محبوب للعالم والنقص مبغوض له ولا معنى ~~للملاءمة والمنافرة إلا الحب والبغض فإن الله سبحانه يحب الكامل من الأفعال ~~والأقوال والأعمال ومحبته لذلك بحسب كماله ويبغض الناقص منها ويمقته ومقته ~~له بحسب نقصانه ولهذا أسلفنا أن من أصول المسئلة إثبات صفة الحب والبغض لله ~~فتأمل كيف عادت المسئلة إليه وتوقفت عليه والله سبحانه يحب كل ما أمر به ~~ويبغض كل ما نهى عنه ولا يسمى ذلك ملاءمة أو منافرة بل يطلق عليه الأسماء ~~التي أطلقها على نفسه وأطلقها عليه رسوله من محبته للفعل الحسن المأمور به ~~وبغضه للفعل القبيح ومقته له وما ذاك إلا لكمال الأول ونقصان الثاني فإذا ~~كان الفعل مستلزما للكمال والنقصان وأستلزامه له عقلي والكمال والنقصان ~~يستلزم الحب والبغض الذي سميتموه ملاءمة ومنافرة واستلزامه عقلي فبيان كون ~~الفعل حسنا كاملا محبوبا مرضيا وكونه قبيحا ناقصا مسحوطا مبغوضا أمر عقلي ~~بقي حديث المدح والذم والثواب والعقاب ومن أحاط علما بما اسلفناه في ذلك ~~انكشفت له المسئلة واسفرت عن وجهها وزال عنها كل شبهة وإشكال فأما المدح ~~والذم فترتبه على النقصان والكمال والمتصف به وذمهم لمؤثر النقص والمتصف به ~~أمر عقلي فطري وإنكاره يزاحم المكابرة وأما العقاب فقد قررنا أن ترتبه على ~~فعل القبيح مشروط بالسمع وأنه إنما انتفي عند انتفاء السمع انتفاء المشروط ~~لانتفاء شرطه لا انتفاءه لا انتفاء سببه فإن سببه قائم ومقتضيه موجود إلا ~~أنه لم يتم لتوقف على شرطه وعلى PageV02P044 # هذا فكونه متعلقا للثواب والعقاب والمدح والذم ms477 عقلي وأن كان وقوع العقاب ~~موقوفا على شرط وهو ورود السمع وهل يقال أن الاستحقاق ليس بثابت لأن ورود ~~السمع شرط فيه هذا فيه طريقان للناس ولعل النزاع لفظي فإن أريد بالاستحاق ~~الاستحقاق التام فالحق نفيه وأن أريد به قيام السبب والتخلف لفوات شرط أو ~~وجود مانع فالحق إثباته فعادت الأقسام الثلاثة أعنى الكمال والنقصان ~~والملاءمة والمنافرة والمدح والذم إلى عرف واحد وهو كون الفعل محبوبا أو ~~مبغوضا ويلزم من كونه محبوبا أن يكون كمالا وأن يستحق عليه المدح والثواب ~~ومن كونه مبعوضا أن يكون نقصا يستحق به الذم والعقاب فظهر أن التزام لوازم ~~هذا التفصيل وإعطاءه حقه يرفع النزاع ويعيد المسئلة اتفاقية ولكن أصول ~~الطائفتين تأبى التزام ذلك فلا بد لهما من التناقص إذا طردوا أصولهم وأما ~~من كان أصله إثبات الحكمة واتصاف الرب تعالى بها وإثبات الحب والبغض له ~~وأنهما أمر وراء المشيئة العامة فأصول مستلزمه لفروعه وفروعه دالة على ~~أصوله فأصوله وفروعه لا تتناقص وأدلته لا تتمانع ولا تتعارض قال النفاة لو ~~قدر نفسه وقد خلق تام الخلقة كامل العقل دفعة واحدة من أن يتخلق بأخلاق قوم ~~ولا تأدب بتأديب الأبوين ولا تربي في الشرع ولا تعلم من متعلم ثم عرض عليه ~~أمران أحدهما الاثنين أكثر من الواحد والثاني أن الكذب قبيح بمعنى أنه ~~يستحق من الله تعالى لوما عليه لم نشك أنه لا يتوقف في الأول ويتوقف في ~~الثاني ومن حكم بأن الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقول ~~وعاند كعناد الفضول كيف ولو تقرر عنده أن الله تعالى لا يتضرر بكذب ولا ~~ينتفع بصدق وأن القولين في حكم التكليف على وتيرة واحدة لم يمكنه أن يرد ~~أحدهما دون الثاني بمجرد عقله والذي يوضحه أن الصدق والكذب على حقيقة ذاتية ~~لا تتحقق ذاتهما إلا بأركان تلك الحقيقة مثلا كما يقال أن الصدق إخبار عن ~~أمر على ما هو عليه والكذب أخبار عن أمر على خلاف ما هو به ونحن نعلم أن من ~~أدرك هذه ms478 الحقيقة عرف المحقق ولم يخطر بباله كونه حسنا أو قبيحا فلم يدخل ~~الحسن والقبح إذا في صفاتهما الذاتية التي تحققت حقيقتهما بها ولوازمها في ~~الوهم بالبديهة كما بينا ولألزمها في الوجود ضرورة فأن من الأخبار التي هي ~~صادقة ما يلام عليه من الدلالة على هرب من ظالم ومن الأخبار التي هي كاذبة ~~ما يثاب عليها مثل إنكار الدلالة عليه فلم يدخل كون الكذب قبيحا في حد ~~الكذب ولا لزمه في الوهم ولا لزمه في الوجود فلا يجوز أن يعد من الصفات ~~الذاتية التي تلزم النفس وجودا وعدما عندهم ولا يجوز أن يعد من الصفات ~~التابعة للحدوث فلا يعقل بالبديهة ولا بالنظر فإن النظر لا بد أن يرد إلى ~~الضروري أي PageV02P045 # البديهي وإذ لا بديهي فلا مرد له أصلا فلم يبق لهم إلا الاسترواح إلى ~~عادات الناس من تسمية ما يضر بهم قبيحا وما ينفعهم حسنا ونحن لا ننكر أمثال ~~تلك الاسامي على أنها تختلف بعادة قوم وزمان ومكان دون مكان وإضافة دون ~~إضافة وما يختلف بتلك النسب والإضافات لا حقيقة له في الذات فربما يستحسن ~~قوم ذبح الحيوان وربما يستقبحه قوم وربما يكون بالنسبة إلى قوم وزمان حسنا ~~وربما يكون قبيحا لكنا وضعنا الكلام في حكم التكليف بحيث يجب الحسن به ~~وجوبا يثاب عليه قطعا ولا يتطرق إليه لوم أصلا ومثل هذا يمتنع إدراكه عقلا ~~قالوا فهذه طريقة أهل الحق على أحسن ما تقرر وأحسن ما تحرر قالوا وأيضا ~~فنحن لا ننكر اشتهار حسن الفضائل التي ذكر ضربهم بها الأمثال وقبحها بين ~~الخلق وكونها محمودة مشكورة مثني على فاعلها أو مذمومه مذموما فاعلها ولكنا ~~نثبتها إما بالشرائع وأما بالأغراض ونحن إنما ننكرها في حق الله عز وجل ~~لانتفاء الأغراض عنه فإما إطلاق الناس هذه الألفاظ فيما يدور بينهم فيستمد ~~من الأغراض ولكن قد تبدو الأغراض وتخفي فلا ينتبه لها إلا المحققون قالوا ~~ونحن ننبه على مثارات الغلط فيه وهي ثلاثة مثارات يغلط الوهم فيها الأولى ~~أن الإنسان يطلق اسم القبح ms479 على ما يخالف غرضه وأن كان يوافق غرض غيره من ~~حيث أنه لا يلتفت إلى الغير فإن كل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر لغيره فيقضي ~~بالقبح مطلقا وربما يضيف القبح إلى ذات الشيء ويقول هو في نفسه قبيح فقد ~~قضى بثلاثة أمور هو مصيب في واحد منها وهو أصل الاستقباح مخطىء في أمرين ~~أحدهما إضافة القبح إلى ذاته وغفل عن كونه قبيحا لمخالفة غرضه والثاني حكمه ~~بالقبح مطلقا ومنشؤه عدم الالتفات إلى غيره بل عن الالتفات إلى بعض أحوال ~~نفسه فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما يستقبحه إذا اختلف الغرض الغلطة ~~الثانية سببها أن الوهم غالب للعقل في جميع الأحوال إلا في حالة نادرة قد ~~لا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة عند ذكرها كحكمه على الكذب بأنه ~~قبيح مطلقا وغفلته عن الكذب الذي يستفاد منه عصمة نبي أو ولى وإذا قضى ~~بالقبح مطلقا واستمر عليه مرة وتكرر ذلك على سمعه ولسانه إنغرس في قلبه ~~استقباحه والنفرة منه فلو وقعت تلك الحالة النادرة وجد في نفسه نفرة عنه ~~لطول نشوه على الاستقباح فإنه ألقي إليه منذ الصبا على سبيل التأديب ~~والإرشاد أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه أحد ولا ينبه على حسنه في ~~بعض الأحوال خيفة من أن لا تستحكم نفرته عن الكذب فيقدم عليه وهو قبيح في ~~أكثر الأحوال والسماع في الصغر كالنقش في الحجر وينغرس في النفس ويجد ~~التصديق به مطلقا وهو صدق لكن لا على الإطلاق بل في أكثر الأحوال اعتقده ~~مطلقا الغلطة الثالثة سببها سبق الوهم إلى العكس فأن من رأى شيئا مقرونا ~~بشيء يظن أن الشيء لا محالة مقرون به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا مقرون ~~الأعمبالأعم لا يلزم PageV02P046 # أن يكون مقرونا بالأخص ومثاله نفرة نفس الذي نهشته الحية عن الحبل المرقش ~~اللون لأنه وجد الأذى مقرونا بهذه الصورة فتوهم أن هذه الصورة مقرونة ~~بالأذى وكذلك ينفر عن العسل إذا شبهه بالعذرة لأنه وجد الاستقذار مقرونا ~~بالرطب الأصفر فتوهم أن الرطب ms480 الأصفر يقترن به الاستقذار وقد يغلب عليه ~~الوهم حتى يتعذر الأكل وأن كان حكم العقل يكذب الوهم ولكن خلقت قوى النفس ~~مطيعة للأوهام وأن كانت كاذبة حتى أن الطبع ينفر عن حسناء سميت باسم اليهود ~~إذ وجد الاسم مقرونا بالقبح فظن أن القبح أيضا يلازم الاسم ولهذا يورد على ~~بعض العوام مسئلة عقلية جلية فيقبلها فإذا قلت هذا مذهب الاشعري أو ~~المعتزلي أو الظاهري أو غيره نفر عنه أن كان سيء الإعتقاد فيمن نسبتها إليه ~~وليس هذا طبع العامي بل طبع أكثر العقلاء المتوسمين بالعلم إلا العلماء ~~الراسخين الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على إتباعه وأكثر الخلق ترى ~~نفوسهم مطيعة للأوهام الكاذبة مع علمهم بكذبها وأكثر أقدام الخلق وإحجامهم ~~بسبب هذه الأوهام فأن الوهم عظيم الاستيلاء وكذلك ينفر طبع الإنسان عن ~~المبيت في بيت فيه ميت مع قطعة بأنه لا يتحرك ولكنه يتوهم في كل ساعة حركته ~~ونطقه قالوا فإذا انتبهت لهذه المثارات عرفت بها سر القضايا التي تستحسنها ~~العقول وسر استحسانها إياها والقضايا التي تستقبحها العقول وسر استقباحها ~~لها ولنضرب لذلك مثلين وهما مما يحتج بهما علينا أهل الإثبات # المثل الأول الملك العظيم المستولي على الأقاليم إذا رأى ضعيفا مشرفا على ~~الهلاك فإنه يميل إلى إنقاذه ويستحسنه وأن كان لا يعتقد أصل الدين لينتظر ~~ثوابا أو مجازاة ولا سيما إذا لم يعرفه المسكين ولم يره بأن كان أعمى أصم ~~لا يسمع الصوت وأن كان لا يوافق ذلك غرضه بل ربما يتعب به بل يحكم العقلاء ~~بحسن الصبر على السيف إذا أكره على كلمة الكفر أو على إفشاء السر ونقض ~~العهد وهو على خلاف غرض الكفرة وعلى الجملة فاستحسان مكارم الأخلاق وإفاضة ~~النعم لا ينكره إلا من عاند المثل الثاني العاقل إذا سنحت له حاجة وأمكن ~~قضاؤها بالصدق كما أمكن بالكذب بحيث تساويا في حصول الغرض منهما كل التساوي ~~فإنه يؤثر الصدق ويختاره ويميل إليه طبعه وما ذاك إلا لحسنه فلو لا أن ~~الكذب على صفة يجب عنده الاحتراز ms481 عنه وإلا لما ترجح الصدق عنده قالوا وهذا ~~الغرض واضح في حق من أنكر الشرائع وفي حق من لم تبلغه الدعوة حتى لا ~~يلزموننا كون الترجيح بالتكليف فهذا من حججهم ونحن نجيب عن ذلك فتبين أنه ~~لا يثبت حكم على هذين المثالين فنقول أما قضية إنقاذ الملك وحسنه حتى في حق ~~من لم تبلغه الدعوة وأنكر الشرائع فسببه دفع الأذى الذي يلحق الإنسان من ~~رقة القلب وهو طبع يستحيل الأنفكاك عنه وذلك لأن الإنسان يقدر نفسه في تلك ~~البلية ويقدر غيره معرضا عن الإنقاذ فيستقبحه منه لمخالفة غرضه فيعود ويقدر ~~ذلك الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح ~~PageV02P047 # المتوهم فإن فرض في بهيمة أو شخص لا رقة فيه يفيد تصوره لو تصوره فيبقى ~~أمر آخر وهو طلب الثناء على إحسانه فإن فرض بحيث لا يعلم أنه المنفذ فيتوقع ~~أن يعلم فيكون ذلك التوقع باعثا فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقي ميل ~~وترجيح يضاهي نفرة طبع السليم عن الحبل وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة ~~بالثناء فيظن أن الثناء مقرون بها بكل حال كما أنه لما رأى الأذى مقرونا ~~بصورة الحبل فطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به فالمقرون باللذيذ ~~لذيذ والمقرون بالمكروه مكروه بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان فإذا ~~نتهي إليه أحس في نفسه ذلك المكان من غيره قال الشاعر # أمر على الديار ديار ليلى % أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما حب الديار شغفن قلبي % ولكن حب من سكن الديارا # وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الأوطان # وحبب أوطان الرجال إليهم % مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكر تهموا % عهودا جرت فيها فحنوا لذلكا # قال وشواهد ذلك مما يكثر وكل ذلك من حكم الوهم قالوا وأما الصبر على ~~السيف في تركه كلمة الكفر مع طمأنينة النفس فلا يستحسنه جميع العقلاء لولا ~~الشرع بل ربما استقبحوه فإنما يستحسنه من ينتظر الثواب على الصبر أو من ~~ينتظر الثناء ms482 عليه بالشجاعة والصلابة في الدين فكم من شجاع ركب متن الخطر ~~وهجم على عدد وهو يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ما يناله من الألم لما يعتاضه ~~من توهم الثناء والحمد ولو بعد موته وكذلك إخفاء السر وحفظ العهد إنما ~~يتواصى الناس بهما لما فيهما من المصالح ولذلك أكثروا الثناء عليهما فمن ~~يحتمل الضرر لا لله فإنما يحتمله لأجل الثناء فإن فرض من لا يستولي عليه ~~هذا الوهم ولا ينتظر الثناء والثواب فهو يستقبح السعي في هلاك نفسه بغير ~~فائدة ويستحمق من يفعل ذلك قطعا فمن يسلم أن مثل ذلك يؤثر الهلاك على ~~الحياة قالوا وهذا هو الجواب عمن عرضت له حاجة وأمكن قضاؤها بالصدق والكذب ~~واستويا عنده وإيثاره الصدق على أنا نقول تقدير استواء الصدق والكذب في ~~المقصود مع قطع النظر عن الغير تقدير مستحيل لأن الصدق والكذب متنافيان ومن ~~المحال تساوي المتنافيين في جميع الصفات فلأجل ذلك التقدير المستحيل يستبعد ~~العقل إيثار الكذب ومنع إيثار الصدق قالوا ولا يلزم من استبعاد منع إيثار ~~الصدق على التقدير المستحيل استبعاده في نفس الأمر وإنما يلزم لو كان ~~التقدير المستلزم واقعا وهو ممنوع قالوا ولئن سلمنا أن ذلك التقدير ممكن ~~فغايته أن يدل على حسن الصدق شاهدا ولكن لا PageV02P048 # يلزم حسنه غائبا إلا بطريق قياس الغائب على الشاهد وهو فاسد لوضوح الفرق ~~المانع من القياس والذي يقطع دابر القياس أن السيد لو رأى عبيده وإماءه ~~يموج بعضهم في بعض ويركبون الظلم والفواحش وهو مطلع عليهم قادر على منعهم ~~لقبح ذلك منه والله عز وجل قد فعل ذلك بعباده بل أعانهم وأمدهم ولم يقبح ~~منه سبحانه ولا يصح قولهم انه سبحانه تركهم لينزجروا بأنفسهم ليستحقوا ~~الثواب لأنه سبحانه قد علم أنهم لا ينزجرون ولم لم يمنعهم قهرا فكم من ~~ممنوع من الفواحش لعلة وعجز وذلك أحسن من تمكينه مع العلم بأنه لا ينزجر ~~وبالجملة فقياس أفعال الله على أفعال العباد باطل قطعا ومحض التشبيه في ~~الأفعال ولهذا جمعت المعتزلة القدرية بين التعطيل في ms483 الصفات والتشبيه في ~~الأفعال فهم معطلة مشبهة لباسهم معلم من الطرفين كيف وأن إنقاذ الغريق الذي ~~استدللتم به حجة عليكم فإن نفس الإغراق والإهلاك يحسن منه سبحانه ولا يقبح ~~وهو أقبح شيء منا فالأنقاذ إن كان حسنا فالإغراق يجب أن يكون قبيحا فإن ~~قلتم لعل في ضمن الإغراق والإهلاك سرا لم نطلع عليه وغرضا لم نصل إليه ~~فقدروا مثله في ترك إنقاذنا نحن للغرقى بل في إهلاكنا لمن نهلكه والفعلان ~~من حيث التكليف والإيجاب مستويان عقلا وشرعا فإنه سبحانه لا يتضرر بمعصية ~~العبد ولا ينتفع بطاعته ولا تتوقف قدرته في الإحسان إلى العبد على فعل يصدر ~~من العبد بل كلما أنعم عليه ابتداء بأجزل المواهب وأفضل العطايا من حسن ~~الصورة وكمال الخلقة وقوام البنية وإعداد الآلة وإتمام الأداة تعديل القامة ~~وما متعه به من روح الحياة وفضله من حياة الأرواح وما أكرمه به من قبول ~~العلم وهداه إلى معرفته التي هي أسنى جوائزه وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~فهو سبحانه أقدر على الإنعام عليه دواما فكيف يوجب على العبيد عبادة شاقة ~~في الحال لارتقاب ثواب في ثاني الحال أليس لو ألقي إليه زمام الاختيار حتى ~~يفعل ما يشاء جريا على سوق طبعه المائل إلى لذيذ الشهوات ثم أجزل له في ~~العطاء من غير حساب كان ذلك أروح للعبد ولم يكن قبيحا عند العقل فقد تعارض ~~الأمران : # أحدهما أن يكلفهم فيأمر وينهى حتى يطاع ويعصى ثم يثيبهم ويعاقبهم على ~~فعلهم الثاني أنه لا يكلفهم بأمر ولا نهى إذ لا ينتفع سبحانه منهم بطاعة لا ~~يتضرر منهم بمعصية كلا بل لا تكون نعمه ثوابا بل ابتداء وإذا تعارض في ~~العقول هذان الأمران فكيف يهتدي العقل إلى اختيار أحدهما حقا وقطعا فكيف ~~تعرفنا العقول وجوبا على النفس بالمعرفة وعلى الجوارح بالطاعة وعلى الباري ~~سبحانه بالثواب والعقاب قالوا ولا سيما على أصول المعتزلة القدرية فإن ~~التكليف بالأمر والنهى والإيجاب من الله لا حقيقة له على أصلهم فإنه لا ~~يرجع إلى ذات الرب تعالى ms484 صفة يكون بها آمرا ناهيا موجبا مكلفا بالأمر ~~والنهى للخلق ومعلوم أنه لا يرجع إلى ذاته من الخلق صفة PageV02P049 # والعقل عندهم إنما يعرفه على هذه الصفة ويستحيل عندهم أن يعرفه بأنه ~~يقتضي ويطلب منه شيئا أو يأمره وينهاه بشيء كما يعقل كما يعقل الأمر والنهي ~~بالطلب القائم بالآمر والناهي فإذا لم يقم به طلب استحال أن يكون آمرا ~~ناهيا فغاية العقل عندهم أن يعرفه على صفة يستحيل عليه الاتصاف بالأمر ~~والنهى فكيف يعرفه على صفة يريد منه طاعة فيستحق عليها ثوابا أو يكره منه ~~معصية يستحق عليها عقابا وإذ لا أمر ولا نهى يعقل فلا طاعة ولا معصية إذا ~~هما فرع الأمر والنهى فلا ثواب ولا عقاب إذ هما فرع الطاعة والمعصية وغاية ~~ما يقولون أنه يخلق في الهواء أو في بحر أفعل أو لا تفعل بشرط أن لا يدل ~~الأمر والنهى المخلوق على صفة في ذاته غير كونه عالما قادرا ومعلوم أن هذا ~~لا يدل ألا على كون الفاعل قادرا عالما حيا مريدا لفعله وأما دلالته على ~~حقيقة الأمر والنهى المستلزمة للطاعة والمعصية المستلزمين للثواب والعقاب ~~فلا فتعرف من ذلك أن من نفي قيام الكلام والأمر والنهى بذات الله لم يمكنه ~~إثبات التكليف على العبد أبدا ولا إثبات حكم للفعل بحسن ولا قبح وفي ذلك ~~إبطال الشرائع جملة مع استنادها إلى قول من قامت البراهين على صدقه ودلت ~~المعجزة على نبوته فضلا عن الأحكام العقلية المتعارضة المستندة إلى عادات ~~الناس المختلفة بالإضافة والنسب والأزمنة والأمكنة والأقوال وقد عرف بهذا ~~أن من نفي قول الله وكلامه فقد نفي التكليف جملة وصار من أخبث القدرية ~~وشرهم مقالة حيث أثبت تكليفا وإيجابا وتحريما بلا أمر ولا نهي ولا اقتضاء ~~ولا طلب وهذه مقدرته في حق الرب تعالى وأثبت فعلا وطاعة ومعصية بلا فاعل ~~ولا محدث وهذه مقدرته في حق العبد فليتنبه لهذه الثلاثة # قالوا وأيضا فما من معنى يستنبط من قول أو فعل ليربط به حكم مناسب له إلا ~~ومن جنسه في ms485 العقل أمر آخر يعارضه يساويه في الدرجة أو يفضل عليه في ~~المرتبة فيتحير العقل في الاختيار إلى أن يرد شرع يختار أحدهما ويرجحه من ~~تلقائة فيجب على العاقل اعتباره واختياره لترجيح الشرع له لا لرجحانه في ~~نفسه ونضرب لذلك مثالا فنقول إذا قتل إنسان مثله عرض للعقل الصريح هاهنا ~~آراء متعارضة # مختلفة منها أنه يجب أن يقتل قصاصا ردعا للجناة وزجرا للطغاة وحفظا ~~للحياة وشفاء للغيظ وتبريدا لحر المصيبة اللاحقة لأولياء القتيل ويعارضه ~~معنى آخر أنه إتلاف بازاء إتلاف وعدوان في مقابلة عدوان ولا يحيا الأول ~~بقتل الثاني ففيه تكثير المفسدة بإعدام النفسين وأما مصلحة الردع والزجر ~~واستبقاء النوع فأمر متوهم وفي القصاص استهلاك محقق فقد تعارض الأمر ان ~~وربما يعارضه أيضا معنى ثالث وراء هما فيفكر العقل أيراعى شرائط آخر وراء ~~مجرد الإنسانية من العقل والبلوغ والعلم والجهل والكمال والنقص والقرابة ~~والأجنبية أولا فيتحير العقل كل التحير فلا بد إذا من شارع يفصل هذه الخطة ~~ويقرر قانونا يطرد عليه أمر الأمة وتستقيم عليه مصالحهم PageV02P050 # وظهر بهذا أن المعاني المستنبطة إذا كانت راجعة إلى مجرد استنباط العقل ~~فيلزم من ذلك أن تكون الحركة الواحدة مشتملة على صفات متناقضة واحوال ~~متنافرة وليس معنى قولنا أن العقل استنبط منها أنها كانت موجودة في الشيء ~~فاستخرجها العقل بل العقل تردد بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض ونسب ~~الأشخاص والحركات نوعا إلى نوع وشخصا إلى شخص فيطرأ عليه من تلك المعاني ما ~~حكيناه وأحصيناه وربما يبلغ مبلغا يشذ عن الإحصاء فعرف بذلك أن المعاني لم ~~ترجع إلى الذات بل مجرد الخواطر الطارئة على الأصل وهي متعارضة # قالوا وأيضا لوثبت الحسن والقبح العقليان لتعلق بهما الإيجاب والتحريم ~~شاهدا وغائبا على العبد والرب واللازم محال فالملزوم كذلك # أما الملازمة فقد كفانا أهل الإثبات تقريرها بالتزامهم أنه يجب على العبد ~~عقلا بعض الأفعال الحسنة ويحرم عليه القبيح ويستحق الثواب والعقاب على ذلك ~~وأنه يجب على الرب تعالى فعل الحسن ورعاية الصلاح والأصلح ويحرم عليه فعل ~~القبيح والشر ms486 ومالا فائدة فيه كالعبث ووضعوا بعقولهم شريعة أوجبوا بها على ~~الرب تعالى وحرموا عليه وهذا عندهم ثمرة المسئلة وفائدتها وأما انتفاء ~~اللازم فإن الوجوب والتحريم بدون الشرع ممتنع إذ لو ثبت بدونه لقامت الحجة ~~بدون الرسل والله سبحانه إنما أثبت الحجة بالرسل خاصة كما قال تعالى لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأيضا فلو ثبت بدون الشرع لا يستحق ~~الثواب والعقاب عليه وقد نفى الله سبحانه العقاب قبل البعثة فقال وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فإنما ~~احتج عليهم بالنذير وقال تعالى ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون والحق هاهنا هو ما بعث به ~~المرسلون باتفاق المفسرين وقال تعالى كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن ~~أنتم إلا في ضلال كبير وقال تعالى ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ~~فلا يسألهم تبارك وتعالى عن موجبات عقولهم بل عما أجابوا به رسله فعليه يقع ~~الثواب والعقاب وقال تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم فاحتج عليهم تبارك وتعالى ~~بما عهده إليهم على ألسنة رسله خاصة فإن عهده هو أمره ونهيه الذي بلغته ~~رسله وقال تعالى وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ~~فهذا في حكم الوجوب والتحريم على العباد قبل البعثة وأما انتفاء الوجوب ~~والتحريم على من له الخلق والأمر ولا يسأل عما يفعل فمن وجوه متعددة # أحدها أن الوجوب والتحريم في حقه سبحانه غير PageV02P051 # معقول على الإطلاق وكيف يعلم أنه سبحانه يجب عليه أن يمدح ويذم ويثيب ~~ويعاقب على الفعل بمجرد العقل وهل ذلك إلا مغيب عنا فيم نعرف أنه رضى عن ~~فاعل وسخط على فاعل وأنه ms487 يثيب هذا ويعاقب هذا ولم يخبر عنه بذلك مخبر صادق ~~ولا دل على مواقع رضاه وسخطه عقل ولا أخبر عن محكومه ومعلومه مخبر فلم يبق ~~إلا قياس أفعاله على أفعال عباده وهو من أفسد القياس وأعظمه بطلانا فأنه ~~تعالى كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته فكذلك ليس كمثله شيء في ~~أفعاله وكيف يقاس على خلقه في أفعاله فيحسن منه ما يحسن منهم ويقبح منه ما ~~يقبح منهم ونحن نرى كثيرا من الأفعال تقبح منا وهي حسنة منه تعالى كإيلام ~~الأطفال والحيوان وإهلاك من لو أهلكناه نحن لقبح منا من الأموال والأنفس ~~وهو منه تعالى مستحسن غير مستقبح وقد سئل بعض العلماء عن ذلك فأنشد السائل # ويقبح من سواك الفعل عندي % فتفعله فيحسن منك ذاكا # ونحن نرى ترك إنقاذ الفرقي والهلكي قبيحا منا وهو سبحانه إذا أغرقهم ~~وأهلكهم لم يكن قبيحا منه ونرى ترك أحدنا عبيده وإماءه يقتل بعضهم بعضا ~~ويسيء بعضهم بعضا ويفسد بعضهم بعضا وهو متمكن من منعهم قبيحا وهو سبحانه قد ~~ترك عباده كذلك وهو قادر على منعهم وهو منه حسن غير قبيح وإذا كان هذا شأنه ~~سبحانه وشأننا فكيف يصبح قياس أفعاله على أفعالنا فلا يدرك إذا للوجوب ~~والتحريم عليه وجه كيف والإيجاب والتحريم يقتضي موجبا ومحرما آمرا ناهيا ~~وبينه فرق وبين الذي يجب عليه ويحرم وهذا محال في حق الواحد القهار ~~فالإيجاب والتحريم طلب للفعل والترك على سبيل الاستعلاء فكيف يتصور غائبا # قالوا وأيضا فلهذا الإيجاب والتحريم اللذين زعمتم على الله لوازم فاسدة ~~يدل فسادها على فساد الملزوم اللازم الأول إذا أوجبتم على الله تعالى رعاية ~~الصلاح والأصلح في أفعاله فيجب أن توجبوا على العبد رعاية الصلاح والأصلح ~~أيضا في أفعاله حتى يصح اعتبار الغائب بالشاهد وإذا لم يجب علينا رعايتهما ~~بالاتفاق بحسب المقدور بطل ذلك في الغائب و لا يصح تفريقكم بين الغائب ~~والشاهد بالتعب والنصب الذي يلحق الشاهد دون الغائب لآن ذلك لو كان فارقا ~~في محل الإلزام لكان فارقا ms488 في أصل الصلاح فأن ثبت الفرق في صفته ومقداره ~~ثبت في أصله وأن بطل الفرق ثبت الإلزام المذكور اللازم الثاني إن القربات ~~من النوافل صلاح فلو كان الصلاح واجبا وجب وجوب الفرائض اللازم الثالث أن ~~خلود أهل النار في النار يجب أن يكون صلاحا لهم دون أن يردوا فيعتبوا ربهم ~~ويتوبوا إليه ولا ينفعكم اعتذاركم عن هذا الإلزام بأنهم لوردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه فإن هذا حق ولكن لو أماتهم وأعدمهم فقطع عتابهم كان أصلح لهم ولو ~~غفر لهم ورحمهم وأخرجهم من النار كان أصلح لهم من إماتتهم PageV02P052 # واعدا مهم ولم يتضرر سبحانه بذلك # اللازم الرابع أن ما فعله الرب تعالى من الصلاح وألاصلح وتركه من الفساد ~~والعبث لو كان واجبا عليه لما استوجب بفعله له حمدا وثناء فإنه في فعله ذلك ~~قد قضي ما وجب عليه وما استوجبه العبد بطاعته من ثوابه فإنه عندكم حقه ~~الواجب له على ربه ومن قضى دينه لم يستوجب بقضائه شيئا آخر # اللازم الخامس أن خلق إبليس وجنوده أصلح للخلق وأنفع لهم من أن لم يخلق ~~مع أن إقطاعه من العباد من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون اللازم السادس انه ~~مع كون خلقه أصلح لهم وأنفع أن يكون أنظاره إلى يوم القيامة أصلح لهم وأنفع ~~من إهلاكه وإماتته # اللازم السابع أن يكون تمكينه من إغوائهم وجريانه منهم مجرى الدم في ~~أبشارهم أنفع لهم وأصلح لهم من أن يحال بينهم وبينه # اللازم الثامن أن يكون إماتة الرسل أصلح للعباد من بقائهم بين أظهرهم مع ~~هدايتهم لهم وأصلح من أن يحال بينهم وبينه اللازم الثامن أن يكون إمانة ~~الرسل أصلح للعباد من بقائهم بين أظهرهم مع هدايتهم لهم وأصلح من أن يحال ~~بينهم وبينها اللازم التاسع ما ألزمه أبو الحسن الأشعرى للجبائي وقد سأله ~~عن ثلاثة أخوة أمات الله أحدهم صغيرا وأحيا الآخرين فاختار أحدهما الإيمان ~~والآخر الكفر فرفع درجة المؤمن البالغ على أخيه الصغير في الجنة لعمله فقال ~~أخوه يا رب لم لا تبلغني منزلة ms489 أخي فقال إنه عاش وعمل أعمالا استحق بها هذه ~~المنزلة # فقال يا رب فهلا أحييتني حتى أعمل مثل عمله فقال كان الأصلح لك أن توفيتك ~~صغيرا لأني علمت أنك إن بلغت اخترت الكفر فكان الأصلح في حقك أن أمتك صغيرا ~~فنادى أخوهما الثالث من أطباق النار يا رب فهلا عملت معي هذا الأصلح واختر ~~متني صغيرا كما عملته مع أخي واخترمتني صغيرا فأسكت الجبائي ولم يجبه بشيء ~~فإذا علم الله سبحانه أنه لو اخترم العبد قبل البلوغ وكمال العقل لكان ~~ناجيا ولو أمهله وسهل له النظر لعاند وكفر وجحد فكيف يقال إن الأصلح في حقه ~~إبقاؤه حتى يبلغ والمقصود عندكم بالتكليف الاستصلاح والتعويض بأسني الدرجات ~~التي لا تنال إلا بالأعمال أو ليس الواحد منا إذا علم من حال ولده أنه إذا ~~أعطي مالا يتجر به فهلك وخسر بسبب ذلك فإنه لا يعرضه لذلك ويقبح منه تعريضه ~~له وهو من رب العالمين حسن غير قبيح وكذلك من علم من حال ولده انه لو أعطاه ~~سيفا أو سلاحا يقاتل به العدو فقتل به نفسه وأعطى السلاح لعدوه فإنه يقبح ~~منه إعطاؤه ذلك السلاح والرب تعالى قد علم من أكثر عباده ذلك ولم يقبح منه ~~سبحانه تمكينهم وإعطاؤهم الآلات بل هو حسن منه كيف وقد ساعدوا على نفوسهم ~~أن الله سبحانه لو علم أنه لو أرسل رسولا إلى خلقه وكلفه الأداء عنه مع ~~علمه بأنه لا يؤدى فإن علمه سبحانه بذلك يصرفه عن إرادة الخير والصلاح وهذا ~~بمثابة من أدلى حبلا إلى غريق ليخلص نفسه من الغرق مع علمه بأنه يخنق نفسه ~~به وقد ساعدوا أيضا على نفوسهم بأن الله سبحانه إذا علم أن في تكليفه عبدا ~~من عباده فساد الجماعة فإنه يقبح تكليفه لأنه استفساد لمن يعلم PageV02P053 # أنه يكفر عند تكليفه الإلزام الحادي عشر أنهم قالوا وصدقوا بأن الرب ~~تعالى قادر على التفضل بمثل الثواب ابتداء بلا واسطة عمل فأي غرض له في ~~تعريض العباد للبلوى والمشاق ثم قالوا وكذبوا الغرض في ms490 التكليف أن استيفاء ~~المستحق حقه أهنا له وألذ من قبول التفضل واحتمال المنة وهذا كلام أجهل ~~الخلق بالرب تعالى وبحقه وبعظمته ومساو بينه وبين أحاد الناس وهو من أقبح ~~النسبة وأخبثه تعالى الله عن ضلالهم علوا كبيرا فكيف يستنكف العبد المخلوق ~~المربوب من قبول فضل الله تعالى ومنته وهل المنة في الحقيقة إلا الله المان ~~بفضله قال تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم إن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين وقال تعالى @QB@ لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين @QE@ ولما قال النبي ~~للأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي فأجابوه ~~بقولهم الله ورسوله أمن ويا للعقول التي قد خسف بها أي حق للعبد على الرب ~~حتى يمتنع من قبول منته عليه فبأي حق استحق الأنعام عليه بالإيجاد وكمال ~~الخلقة وحسن الصورة وقوام البنية وإعطائه القوى والمنافع والآلات والأعضاء ~~وتسخير ما في السموات وما في الأرض له ومن أقل ماله عليه من النعم التنفس ~~في الهواء الذي لا يكاد يخطر بباله أنه من النعم وهو في اليوم والليلة ~~أربعة وعشرون ألف نفس فإذا كانت أقل نعمه عليهم ولا أقل منها أربعة وعشرون ~~ألف نعمة كل يوم وليلة فما الظن بما هو أجل منها من النعم فيا للعقول ~~السخيفة المخسوف بها أي علم لكم وأي سعي يقابل القليل من نعمه الدنيوية حتى ~~لا يبقى لله عليكم منه إذا أثابكم لأنكم استوفيتم ديونكم قبله ولا نعمة له ~~عليكم فيها فأي أمة من الأمم بلغ جهلها بالله هذا المبلغ واستنكفت عن قبول ~~منته وزعمت أن لها الحق على ربها وأن تفضله عليها ومنته مكدر لا لتذاذها ~~بعطائه ولو أن العبد استعمل هذا الأدب مع ملك من ملوك الدنيا لمقته وأبعده ~~وسقط من عينه مع أنه لا نعمة له عليه في الحقيقة إنما المنعم في الحقيقة ms491 هو ~~الله ولى النعم وموليها ولقد كشف القوم عن أقبح عورة من عورات الجهل بهذا ~~الرأي السخيف والمذهب القبيح والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به أرباب ~~هذا المذهب المستنكفين من قبول منة الله الزاعمين أن ما أنعم الله به عليهم ~~حقهم عليه وحقهم قبله وأنه لا يستحق الحمد والثناء على أداء ما عليه من ~~الدين والخروج مما عليه من الحق لأن أداء الواجب يقتضي غيره تعالى الله عن ~~إفكهم وكذبهم علوا كبيرا # الإلزام الثاني عشر أنه يلزمهم أن يوجبوا على الله عز وجل أن يميت كل من ~~علم من الأطفال أنه لو بلغ لكفر وعاند فإن اخترامه هو الأصلح له بلا ريب أو ~~أن يجحدوا علمه سبحانه بما سيكون قبل كونه كما التزمه سلفهم الخبيث الذين ~~PageV02P054 # اتفق سلف الأمة الطيب على تكفيرهم ولا خلاص لهم عن أحد هذين الإلزامين ~~إلا بالتزام مذهب أهل السنة والجماعة أن أفعال الله تعالى لا نقاس بأفعال ~~عباده ولا تدخل تحت شرائع عقولهم القاصرة بل أفعاله لا تشبه أفعال خلقه ولا ~~صفاته صفاتهم ولا ذاته ذواتهم @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ # الإلزام الثالث عشر أنه سبحانه لا يؤلم أحدا من خلقه أبدا لعدم المنفعة ~~في ذلك بالنسبة إليه وإلى العبد ولا ينفعكم اعتذاركم بأن الإيلام سبب ~~مضاعفة الثواب ونيل الدرجات العلى وأن هذا ينتقض بالحيوان البهيم وينتقض ~~بالأطفال الذين لا يستحقون ثوابا ولا عقابا ولا ينفعكم اعتذاركم بأن الطفل ~~ينتفع به في الآخرة في زيادة ثوابه لا نتقاضه عليكم بالطفل الذي علم الله ~~أنه يبلغ ويختار الكفر والجحود فأي مصلحة له في إيلامه وأي معنى ذكر تموه ~~على أصولكم الفاسدة فهو منتقض عليكم بما لا جواب لكم عنه # الإلزام الرابع عشر ان من علم الله سبحانه إذا بلغ الأطفال يختاروا ~~الإيمان والعمل الصالح فأن الأصلح في حقه أن يحييه حتى يبلغ ويؤمن فينال ~~بذلك الدرجة العالية وأن لا يحترمه صغيرا وهذا مما لا جواب لكم عنه الإلزام ~~الخامس عشر وهو من أعظم الإلزامات ms492 وأصحها الزاما وقد التزمه القدرية وهو ~~أنه ليس في مقدور الله تعالى لطف لو فعله الله تعالى بالكفار لآمنوا وقد ~~التزم المعتزلة القدرية هذا اللازم وبنوه على أصلهم الفاسد أنه يجب على ~~الله تعالى أن يفعل في حق كل عبد ما هو الأصلح له فلو كان في مقدوره فعل ~~يؤمن العبد عنده لو جب عليه أن يفعله به والقرآن من أوله إلى آخره يرد هذا ~~القول ويكذبه ويخبر تعالى أنه لو شاء لهدى الناس جميعا ولو شاء لا من من في ~~الأرض كلهم جميعا ولو شاء لآتي كل نفس هداها # الإلزام السادس عشر وهو مما التزمه القوم أيضا أن لطفه ونعمته وتوفيقه ~~بالمؤمن كلطفه بالكافر وأن نعمته عليهما سواء لم يخص المؤمن بفضل عن الكافر ~~وكفى بالوحي وصريح المعقول وفطرة الله والاعتبار الصحيح وإجماع الأمة ردا ~~لهذا القول وتكذيبا له الإلزام السابع عشر أن ما من أصلح إلا وفوقه ما هو ~~أصلح منه والاقتصار على رتبة واحدة كالاقتصار على الصلاح فلا معنى لقولكم ~~يجب مراعاة الأصلح إذ لا نهاية له فلا يمكن في الفعل رعايته # الإلزام الثامن عشر أن الإيجاب والتحريم يقتضي سؤال الموجب المحرم لمن ~~أوجب عليه وحرم هل فعل مقتضى ذلك أم لا وهذا محال في حق من لا يسئل عما ~~يفعل وإنما يعقل في حق المخلوقين وأنهم يسألون وبالجملة فتحتم بهذه المسئلة ~~طريقا للإستغناء عن الصواب وسلطتم بها الفلاسفة والصابئة والبراهمة وكل ~~منكر للنبوات فهذه المسئلة بيننا وبينهم فانكم إذا زعمتم أن العقل حاكما ~~يحسن ويقبح ويوجب ويحرم ويتقاضى الثواب والعقاب لم تكن الحاجة إلى البعثة ~~ضرورية لإمكان الإستغناء عنها بهذا الحاكم ولهذا قالت الفلاسفة وزادت عليكم ~~حجة وتقريرا قد اشتمل الوجود على خير مطلق وشر مطلق وخير وشر ممتزجين ~~والخير المطلق مطلوب في العقل لذاته والشر المطلق PageV02P055 # مرفوض في العقل لذاته والممتزج مطلوب من وجه ومرفوض من وجه وهو بحسب ~~الغالب من جهته ولا يشك العاقل أن العلم بجنسه ونوعه خير ومحمود ومطلوب ~~والجهل بجنسه ونوعه ms493 شر في العقل فهو مستقبح عند الجمهور والفطر السليمة ~~داعية إلى تحصيل المستحسن ورفض المستقبح سواء حمله عليه شارع أو لم يحمله ~~ثم الأخلاق الحميدة والخصال الرشيدة من العفة والجود والسخاء والنجدة ~~مستحسنات فعلية وأضدادها مستقبحات فعلية وكمال حال الإنسان أن تستكمل النفس ~~قوى العلم الحق والعمل الخير والشرائع إنما ترد بتمهيد ما تقرر في العقل لا ~~بتغييره لكن العقول الحرونة لما كانت قاصرة عن اكتساب المعقولات بأسرها ~~عاجزة عن الاهتداء إلى المصلحة الكلية الشاملة لنوع الإنسان وجب من حيث ~~الحكمة أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع يحملهم على الإيمان بالغيب جملة ~~ويهديهم إلى مصالح معاشهم ومعادهم تفصيلا فيكون قد جمع لهم بين حظي العلم ~~والعدل على مقتضى العقل وحملهم على التوجه إلى الخير المحض والإعراض عن ~~الشر المحض استبقاء لنوعهم واستدامة لنظام العالم ثم ذاك الشارع يجب أن ~~يكون مميزا من بينهم بآيات تدل على أنها من عند ربه سبحانه راجحا عليهم ~~بعقله الرزين ورأية المتين وحديثه النافذ وخلقه الحسن وسمته وهديه يلين لهم ~~في القول ويشاورهم في الأمر ويكلمهم على قدر عقولهم ويكلفهم بحسب وسعهم ~~وطاقتهم قالوا وقد أخطأت المعتزلة حين ردوا الحسن والقبيح إلى الصفات ~~الذاتية للأفعال وكان من حقهم تقرير ذلك في العلم والجهل إذ الأفعال تختلف ~~بالأشخاص والأزمان وسائر الإضافات وليس هي على صفات نفسية لازمة لها بحيث ~~لا تفارقها البتة ثم زادت الصائبة في ذلك على الفلاسفة وقالوا لما كانت ~~الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات التي هي ~~مدبرات الكواكب وكان في اتصالاتها نظر سعيد ونحس واجب أن يكون في آثارها ~~حسن وقبح في الأخلاق والخلق والأفعال والعقول الإنسانية متساوية في النوع ~~فوجب أن يدركها كل عقل سليم وطبع قويم لا تتوقف معرفة المعقولات على من هو ~~مثل ذلك العاقل في النوع فنحن لا نحتاج إلى من يعرفنا حسن الأشياء وقبحها ~~وخيرها وشرها ونفعها وضرها وكما أنا نستخرج بالعقول من طبائع الأشياء ~~ومنافعها ومضارها كذلك نستنبط من أفعال نوع الإنسان ms494 حسنها وقبيحها فنلابس ~~ما هو أحسن منها بحسب الاستطاعة ونجتنب ما هو قبيح منها بحسب الطاقة فأي ~~حاجة بنا إلى شارع يتحكم على عقولنا وزادت التناسخية على الصائبية بأن ~~قالوا نوع الإنسان لما كان موصوفا بنوع اختيار في أفعاله مخصوصا بنطق وعقل ~~في علومه وأحواله ارتفع عن الدرجة الحيوانية ارتفاع استخسار لها فإن كانت ~~أعماله على مناهج الدرجة الإنسانية ارتفعت إلى الملائكة وإن كانت مناهج ~~الدرجة الحيوانية انخفضت إليها أو إلى أسفل وهو أبدا في أحد PageV02P056 # أمرين إما فعل يقتضي جزاء أو مجازاة على فعل فما باله يحتاج في أفعاله ~~وأحواله إلى شخص مثله يحسن أو يقبح فلا العقل يحسن ويقبح ولا الشرع ولكن ~~حسن أفعاله جزاء على حسن أفعال غيره وقبح أفعاله كذلك وربما يظهر حسنها ~~وقبحها صورا حيوانية روحانية وإنما يصير الحسن والقبح في الحيوانات أفعالا ~~إنسانية وليس بعد هذا العالم عالم آخر يحكم فيه ويحاسب ويثاب ويعاقب وزادت ~~البراهمة على التناسخية بأن قالوا نحن لا نحتاج إلى شريعة وشارع أصلا فأن ~~ما يأمر به النبي لا يخلو إما أن يكون معقولا أو غير معقول فإن كان معقولا ~~فقد استغنى بالعقل عن النبي وأن لم يكن معقولا لم يكن مقبولا فهذه الطوائف ~~كلها لما جعلت في العقل حاكما بالحسن والقبح أداها إلى هذه الآراء الباطلة ~~والنحل الكافرة وأنتم يا معاشر المثبتة يصعب عليكم الرد عليهم وقد ~~وافقتموهم على هذا الأصل وأما نحن فأخذنا عليهم رأس الطريق وسددنا عليهم ~~الأبواب فمن طرق لهم الطريق وفتح لهم الأبواب ثم رام مناجزة القوم فقد رام ~~مرتقى صعبا فهذه مجامع جيوش النفاة قد وافتك بعددها وعديدها وأقبلت إليك ~~بحدها وحديدها فإن كنت من أبناء الطعن والضرب فقد التقى الزحفان وتقابل ~~الصفان وإن كنت من أصحاب التلول فالزم مقامك ولا تدن من الوطيس فإنه قد حمى ~~وإن كنت من اهل الأسراب الذين يسألون عن الأنباء ولا يثبتون عند اللقاء # فدع الحروب لأقوام لها خلقوا % ومالها من سوى أجسامهم جنن # ولا تلمهم على ما ms495 فيك من جبن % فبئست الحلتان اللؤم والجبن # قال المتوسطون من أهل الإثبات ما منكم أيها الفريقان إلا من معه حق وباطل ~~ونحن نساعد كل فريق على حقه ونصير إليه ونبطل ما معه من الباطل وترده عليه ~~فنجعل حق الطائفتين مذهبا ثالثا يخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا ~~للشاربين من غير أن ننتسب لي ذي مقالة وطائفة معينة انتسابا يحملنا على ~~قبول جميع أحوالها والانتصار لها بكل غث وسمين ورد جميع أقوال خصومها ~~ومكابريها على ما معها من الحق حتى لو كانت تلك الأقوال منسوبة إلى رئيسها ~~وطائفتها لبالغت في نصرتها وتقريرها وهذه آفة ما نجا منها إلا من أنعم الله ~~عليه وأهله لمتابعة الحق أين كان ومع من كان وأما من يرى أن الحق وقف مؤبد ~~على طائفته وأهل مذهبه وحجر محجور على من سواهم ممن لعله أقرب إلى الحق ~~والصواب منه فقد حرم خيرا كثيرا وفاته هدى عظيم وهنا نحن نجلس مجلس الحكومة ~~بين هاتين المقالتين فمن أدلى بحجته في موضع كان المحكوم له في ذلك الموضع ~~وأن كان المحكوم عليه حيث يدلى خصمه بحجته والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق والعدل بين الطوائف المختلفة قال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن @QE@ ~~PageV02P057 # أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله ~~تجتبيء إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم وأن ~~الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب فلذلك فادع واستقم كما أمرت ~~ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم # فأخبر تعالى أنه شرع لنا دينه الذي وصى به نوحا والنبيين من بعده وهو دين ~~واحد ونهانا عن التفريق فيه ثم أخبرنا أنه ما تفرق من قبلنا في الدين إلا ~~بعد العلم ms496 الموجب للإثبات وعدم التفرق وأن الحامل على ذلك التفرق البغي من ~~بعضهم على بعض وإرادة كل طائفة أن يكون العلو والظهور لها ولقولها دون ~~غيرها وإذا تأملت تفرق أهل البدع والضلال رأيته صادرا عن هذا بعينه ثم أمر ~~سبحانه نبيه أن يدعو إلى دينه الذي شرعه لأنبيائه وأن يستقيم كما أمره ربه ~~وحذره من اتباع أهواء المتفرقين وأمره أن يؤمن بكل ما أنزله الله من الكتب ~~وهذه حال المحق أن يؤمن بكل ما جمعه من الحق على لسان أي طائفة كانت ثم ~~أمره أن يخبرهم بأنه أمر بالعدل بينهم وهذا يعم العدل في الأقوال والأفعال ~~والآراء والمحاكمات كلها فنصبه ربه ومرسله للعدل بين الأمم فهكذا وارثه ~~ينتصب للعدل بين المقالات والآراء والمذاهب ونسبته منها إلى القدر المشترك ~~بينهما من الحق فهو أولى به وبتقريره وبالحكم لمن خاصم به ثم أمره أن ~~يخبرهم بأن الرب المعبود واحد فما الحامل للتفرق والاختلاف وهو ربنا وربكم ~~والدين واحد ولكل عامل عمله لا يعدوه إلى غيره # ثم قال لا حجة بيننا وبينكم والحجة ههنا هي الخصومة أي للخصومة ولا وجه ~~لخصومة بيننا وبينكم بعدما ظهر الحق وأسفر صبحه وبانت أعلامه وانكشفت الغمة ~~عنه وليس المراد نفي الاحتجاج من الطرفين كما يظنه بعض من لا يدرى ما يقول ~~وأن الدين لا احتجاج فيه كيف والقرآن من أوله إلى آخره حجج وبراهين على أهل ~~الباطل قطعية يقينية وأجوبة لمعارضتهم وإفسادا لأقوالهم بأنواع الحجج ~~والبراهين وإخبارا عن أنبيائه ورسله بإقامة الحجج والبراهين وأمر لرسوله ~~بمجادلة المخالفين بالتي هي أحسن وهل تكون المجادلة إلا بالاحتجاج وإفساد ~~حجج الخصم وكذلك أمر المسلمين بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن وقد ناظر ~~النبي جميع طوائف الكفر أتم مناظرة وأقام عليهم ما أفحمهم به من الحجج حتى ~~عدل بعضهم إلى محاربته بعد أن عجز عن رد قوله وكسر حجته واختار بعضهم ~~مسالمته ومتاركته وبعضهم بذل الجزية عن يد وهو صاغر كل ذلك بعد إقامة الحجج ~~عليهم وأخذها بكظمهم وأسرها لنفوسهم وما استجاب ms497 له من استجاب إلا بعد أن ~~وضحت له الحجة ولم يجد إلى ردها سبيلا وما خالفه أعداؤه إلا عنادا منهم ~~وميلا إلى المكابرة بعد اعترافهم بصحة حججه وأنها لا تدفع فما قام الدين ~~إلا على ساق الحجة فقوله لا PageV02P058 حجة بيننا وبينكم أي لا خصومة فإن ~~الرب واحد فلا وجه للخصومة فيه ودينه واحد وقد قامت الحجة وتحقق البرهان ~~فلم يبق للاحتجاج والمخاصمة فائدة فإن فائدة الاحتجاج ظهور الحق ليتبع فإذا ~~ظهر وعانده المخالف وتركه جحودا وعنادا لم يبق للاحتجاج فائدة فلا حجة ~~بيننا وبينكم أيها الكفار فقد وضح الحق واستبان ولم يبق إلا الإقرار به أو ~~العناد والله يجمع بيننا يوم القيامة فيقضي للمحق على المبطل وإليه المصير ~~قالوا وهما نحن نتحرى القسط بين الفريقين عما يقوله المقسطون عند الله يوم ~~القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم ~~مما ولوا ويكفي في هذا قوله تعالى يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ~~شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ~~واتقوا الله أن الله خبير بما تعملون قالوا قد أصاب أهل الإثبات من ~~المعتزلة في قولهم أن الحسن والقبح صفات ثبوتية للأفعال معلومة بالعقل ~~والشرع وأن الشرع جاء بتقرير ما هو مستقر في الفطر والعقول من تحسين الحسن ~~والأمر به وتقبيح القبيح والنهى عنه وأنه لم يجيء بما يخالف العقل والفطرة ~~وأن جاء بما يعجز العقول عن أحواله والاستقلال به فالشرائع جاءت بمجازات ~~العقول لا محالاتها وفرق بين مالا تدرك العقول حسنه وبين ما تشهد بقبحه ~~فالأول مما يأتي به الرسل دون الثاني وأخطؤا في ترتيب العقاب على هذا ~~القبيح عقلا كما تقدم وأصابوا في إثبات الحكمة لله تعالى وأنه سبحانه لا ~~يفعل فعلا خاليا عن الحكمة بل كل أفعاله مقصودة لعواقبها الحميدة وغاياتها ~~المحبوبة له وأخطؤا في موضعين أحدهما أنهم أعادوا تلك الحكمة إلى المخلوق ~~ولم يعيدوها إلى الخالق سبحانه على فاسد أصولهم في نفي قيام الصفات ms498 به ~~فنفوا الحكمة من حيث أثبتوها وجحدوها من حيث أقروا بها الموضع الثاني انهم ~~وضعوا لتلك الحكمة شريعة بعقولهم وأوجبوا على الرب تعالى بها وحرموه وشبهوه ~~بخلقه في أفعاله بحيث ما حسن منهم حسن منه وما قبح منهم قبح منه فلزمتهم ~~بذلك اللوازم الشنيعة وضاق عليهم المجال وعجزوا عن التخلص عن تلك ~~الالتزامات ولو أنهم أثبتوا له حكمة تليق به لا يشبه خلقه فيها بل نسبتها ~~إليه كنسة صفاته إلى ذاته فكما أنه لا يشبه خلقه في صفاته فكذلك في أفعاله ~~ولا يصح الاستدلال بقبح القبح وحسن الحسن منهم على ثبوت ذلك في حقه تعالى ~~ومن هاهنا استطال عليهم النفاة وصاحوا عليهم من كل قطر وأقاموا عليهم ثائرة ~~الشناعة وأصابوا أيضا في قولهم بأن الرب تعالى لا يمتنع في نفسه الوجوب ~~والتحريم وأخطأوا في جعل ذلك تابعا لمقتضى عقولهم وآرئهم بل يجب عليه ما ~~أوجبه على نفسه ويحرم عليه ما # حرمه هو على نفسه فهو الذي كتب على نفسه الرحمة وأحق على نفسه ثواب ~~المطيعين وحرم على نفسه الظلم كما جعله محرما بين عباده وأصابوا في قولهم ~~أنه سبحانه لا يحب الشر PageV02P059 # والكفر وأنواع الفساد بل يكرهها وأنه يحب الإيمان والخير والبر والطاعة ~~ولكن أخطأوا في تفسير هذه المحبة والكراهة بمجرد معان مفهومة من ألفاظ ~~خلقها في الهواء أو في الشجرة ولم يجعلوها معاني ما يهدى به تعالى على فاسد ~~أصولهم في التعطيل ونفي الصفات فنفوا المحبة والكراهة من حيث أثبتوها ~~وأعادوها إلى مجرد الشرع ولم يثبتوا له حقيقة قائمة بذاته فإن شرع الله هو ~~أمره ونهيه ولم يقم به عندهم أمر ولا نهى فحقيقة قولهم أنه لا شرع ولا محبة ~~ولا كراهة فإن زخرفوا القول وتحيلوا لإثبات ما سدوا على نفوسهم طريق إثباته ~~وأصابوا أيضا في قولهم أن مصلحة المأمور تنشأ من الفعل تارة ومن الأمر تارة ~~أخرى فرب فعل لم يكن منشأ لمصلحة المكلف فلما أمر به صار منشأ لمصلحة ~~بالأمر ولو توسطوا هذا التوسط وسلكوا هذا المسلك ms499 وقالوا إن المصلحة تنشأ من ~~الفعل المأمور به تارة ومن الأمر تارة ومنهما تارة ومن العزم المجرد تارة ~~لانتصفوا من خصومهم فمثال الأول الصدق والعفة والإحسان والعدل فإن مصالحها ~~ناشئة منها ومثال الثاني التجرد في الإحرام والتطهر بالتراب والسعي بين ~~الصفى والمروة ورمي الجمار ونحو ذلك فإن هذه الأفعال لو تجردت عن الأمر لم ~~تكن منشأ لمصلحة فلما أمر بها نشأت مصلحتها من نفس الأمر ومثال الثلث الصوم ~~والصلاة والحج وإقامة الحدود وأكثر الأحكام الشرعية فإن مصلحتها ناشئة من ~~الفعل والأمر معا فالفعل يتضمن مصلحة والأمر بها يتضمن مصلحة أخرى فالمصلحة ~~فيها من وجهين ومثال الرابع أمر الله تعالى خليله إبراهيم بذبح ولده فإن ~~المصلحة إنما نشأت من عزمه على المأمور به لا من نفس الفعل وكذلك أمره نبيه ~~ليلة الإسراء بخمسين صلاة فلما حصرتم المصلحة في الفعل وحده تسلط عليكم ~~خصومكم بأنواع المناقضات والإلزامات قالوا وقد أصاب النفاة حيث قالوا إن ~~الحجة إنما تقوم على العباد بالرسالة وإن الله لا يعذبهم قبل البعثة ولكنهم ~~نقضوا الأصل ولم يطردوه حيث جوزوا تعذيب من لم تقم عليه الحجة أصلا من ~~الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة وأخطؤا في تسويتهم بين الأفعال التي ~~خالف الله بينها فجعل بعضها حسنا وبعضها قبيحا وركب في العقول والفطر ~~التفرقة بينهما كما ركب في الحواس التفرقة بين الحلو والحامض والمر والعذب ~~والسخن والبارد والضار والنافع فزعم النفاة أنه لا فرق في نفس الأمر أصلا ~~بين فعل وفعل في الحسن والقبح وإنما يعود الفرق إلى عادة مجردة أو وهم أو ~~خيال أو مجرد الأمر والنهى وسلبوا الأفعال حتى خواصها التي جعلها الله ~~عليها من الحسن والقبح فخالفوا الفطر والعقول وسلطوا عليهم خصومهم بأنواع ~~الإلزامات والمناقضات الشنيعة جدا ولم يجدوا إلى ردها سبيلا إلا بالعناء ~~وجحدوا الضرورة وأصابوا في نفيهم الإيجاب والتحريم على الله الذي أثبتته ~~القدرية من المعتزلة PageV02P060 # ووضعوا على الله شريعة بعقولهم قادتهم إلى مالا قبل لهم به من اللوازم ~~الباطلة وأخطأوا في نفيهم عنه إيجاب ms500 ما أوجبه على نفسه وتحريم ما حرمه على ~~نفسه بمقتضى حكمته وعدله وعزته وعلمه وأخطاوا أيضا في نفسهم حكمته تعالى في ~~خلقه وأمره وأنه لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لشيء وفي إنكارهم الأسباب ~~والقوى التي أودعها الله في الأعيان والأعمال وجعلهم كل لام دخلت في القرآن ~~لتعليل أفعاله وأوامره لام عاقبة وكل باء دخلت لربط السبب بسببه باء مصاحبة ~~فنفوا الحكم والغايات المطلوبة في أوامره وأفعاله وردوها إلى العلم والقدرة ~~فجعلوا مطابقة المعلوم للعلم ووقوع المقدور على وفق القدرة هو الحكمة ~~ومعلوم أن وقوع المقدور بالقدرة ومطابقة المعلوم للعلم عين الحكمة والغايات ~~المطلوبة من الفعل وتعلق القدرة بمقدورها والعلم بمعلومة اعم من كون ~~المعلوم والمقدور مشتملا على حكمة ومصلحة أو مجردا عن ذلك والأعم لا يشعر ~~بالأخص ولا يستلزمه وهل هذا في الحقيقة الأنفي للحكمة وإثبات لأمر آخر ~~وأخطاوا في تسويتهم بين المحبة والمشيئة وأن كل ما شاءه الله من الأفعال ~~والأعيان فقد أحبه ورضيتة وما لم يشأه نقد كرهه وأبغضه فمحبته مشيئته ~~وإرادته العامة وكراهته وبغضه عدم مشيئته وإرادته فلزمهم من ذلك أن يكون ~~إبليس محبوبا له وفرعون وهامان وجميع الشياطين والكفار بل أن يكون الكفر ~~والفسوق والظلم والعدوان الواقعة في العالم محبوبة له مرضية وأن يكون ~~الإيمان والهدى ووفاء العهد والبر التي لم توجد من الناس مكروهة مسخوطة له ~~مكروهة ممقوتة عنده فسووا بين الأفعال التي فاوت الله بينها وسووا بين ~~المشيئة المتعلقة بتكوينها وإيجادها والمحبة المتعلقة بالرضى بها وأخيارها ~~وهذا مما استطال به عليهم خصومهم كما استطالوا هم عليهم حيث أخرجوها عن ~~مشيئة الله وإرادته العامة ونفوا تعلق قدرته وخلقه بها فاستطال كل من ~~الفريقين على الآخر بسبب ما معهم من الباطل وهدى الله أهل السنة الذين هم ~~وسط في المقالات والنحل لما اختلف الفريقان فيه من الحق بإذنه والله يهدى ~~من يشاء إلى صراط مستقيم # فالقدرية حجروا على الله وألزموه شريعة حرموا عليه الخروج عنها وخصومهم ~~من الجبرية جوزوا عليه كل فعل ممكن يتنزه ms501 عنه سبحانه إذ لا يليق بغناه ~~وحمده وكماله ما نزه نفسه عنه وحمد نفسه بأنه لا يفعله فالطائفتان ~~متقابلتان غاية التقابل والقدرية أثبتوا له حكمة وغاية مطلوبة من افعاله ~~على حسب ما أثبتوه لخلقه والجبرية نفوا والقدرية أثبتوا له حكمته اللائقة ~~به التي لا يشابهه فيها أحد والقدرية قالت أنه لا يريد من عباده طاعتهم ~~وإيمانهم وأنه لا يسأل ذلك منهم والجبرية قالت أنه يحب الكفر والفسوق ~~والعصيان ويرضاه من فاعله والقدرية قالت أنه يجب عليه سبحانه أن يفعل بكل ~~شخص ما هو الأصلح له والجبرية قالت أنه يجوز أن يعذب أولياءه وأهل طاعته ~~ومن لم يطعه قط وينعم أعداءه ومن كفر به PageV02P061 # وأشرك ولا فرق عنده بين هذا وهذا فليعجب العاقل من هذا التقابل والتباعد ~~الذي يزعم كل فريق أن قولهم هو محض العقل وما خالفه باطل بصريح العقل وكذلك ~~القدرية قالت أنه ألقى إلى عباده زمام الاختيار وفوض إليهم المشيئة ~~والإرادة وأنه لم يخص أحدا منهم دون أحد بتوفيق ولا لطف ولا هداية بل ساوى ~~بينهم في مقدوره ولو قدر أن يهدى أحدا ولم يهده كان بخلا وأنه لا يهدى أحدا ~~ولا يضله إلا بمعنى البيان والإرشاد وأما خلق الهدى والضلال فهو إليهم ليس ~~إليه وقالت الجبرية أنه سبحانه أجبر عباده على أفعالهم بل قالوا أن أفعالهم ~~هي نفس أفعاله ولا فعل لهم في الحقيقة ولا قدرة ولا اختيار ولا مشيئة وإنما ~~يعذبهم على ما فعله هو لا على ما فعلوه ونسبة أفعالهم إليه كحركات الأشجار ~~والمياه والجمادات فالقدرية سلبوه قدرته على أفعال العباد ومشيئته لها ~~والجبرية جعلوا أفعال العباد نفس أفعاله وأنهم ليسوا فاعلين لها في الحقيقة ~~ولا قادرين عليها فالقدرية سلبته كمال ملكه والجبرية سلبته كمال حكمته ~~والطائفتان سلبته كمال حمده وأهل السنة الوسط أثبتوا كمال الملك والحمد ~~والحكمة فوصفوه بالقدرة التامة على كل شيء من الأعيان وأفعال العباد وغيرهم ~~وأثبتوا له الحكمة التامة في جميع خلقه وأمره واثبتوا له الحمد كله في جميع ~~ما خلقه ms502 وأمر به ونزهوه عن دخوله تحت شريعة يضعها العباد بآرائهم كما نزهوه ~~عما نزه نفسه عنه مما لا يليق به فاستولوا على محاسن المذاهب وتجنبوا ~~أرداها ففازوا بالقدح المعلى وغيرهم طاف على أبواب المذاهب ففاز باخس ~~المطالب والهدى هدى يختص به من يشاء من عباده # | فصل إذا عرفت هذه المقدمة فالكلام على كلمات النفاة من وجوه : # أحدها قولكم لو قدر الإنسان نفسه وقد خلق تام الخلقة تام العقل دفعة من ~~غير تأدب بتأديب الأبوين ولا تعلم من معلم ثم عرض عليه أمران : أحدهما أن ~~الواحد أكثر من الاثنين والآخر أن الكذب قبيح لم يتوقف في الأول ويتوقف في ~~الثاني فهذا تقدير مستحيل ركبتم عليه أمرا غير معلوم الصحة فإن تقدير ~~الإنسان كذلك محال # الوجه الثاني سلمنا إمكان التقدير لكن لم قلتم بأنه لا يتوقف في كون ~~الواحد نصف الاثنين ويتوقف في كون الكذب قبيحا بعد تصور حقيقته فلا نسلم ~~أنه إذا تصور ماهية الكذب توقف في الجزم بقبحه وهل هذا إلا دعوة مجردة ~~الوجه الثالث سلمنا أنه قد يتوقف في الحكم بقبحه ولكن لا يلزم من ذلك أن لا ~~يكون قبيحا لذاته وقبحه معلوم للعقل وتوقف الذهن في الحكم العقلي لا يخرجه ~~عن كونه عقليا ولا يجب التساوي في العقليات إذ بعضها أجلي من بعض فإن قلتم ~~فهذا التوقف ينفي أن يكون الحكم بقبحه ضروريا وهو يبطل قولكم # قلنا هذا إنما لزم من التقدير المستحيل في الواقع PageV02P062 # والمحال قد يلزمه محال آخر سلمنا أنه ينفي كون الحكم بقبحه ضروريا ابتداء ~~فلم قلتم أنه لا يكون ضروريا بعد التأمل والنظر # والضروري أعم من كونه ضروريا ابتداء بلا واسطة أو ضروريا بوسط ونفي الأخص ~~لا يستلزم نفي الأعم ومن ادعى سلب الوسائط عن الضروريات فقد كابر أو اصطلح ~~مع نفسه على تسمية الضروريات بما لا يتوقف على وسط # الوجه الرابع أن نصور ماهية الكذب يقتضي جزم العقل بقبحه ونسبة الكذب إلى ~~العقل كنسبة المتنافرات الحسية إلى الحس فكما أن أدراك الحواس المتنافرات ms503 ~~يقتضي نفرتها عنها فكذلك أدراك العقل لحقيقة الكذب ولا فرق بينهما إلا فرق ~~ما بين أدراك الحس وأدراك العقل فإن جاز القدح في مدركات العقول وحكمها ~~فيها بالحسن والقبح جاز القدح في مدركات الحواس الوجه الخامس إنكم فتحتم ~~باب السفسطة فإن القدح في معلومات العقول وموجباتها كالقدح في مدركات ~~الحواس وموجباتها فمن لجأ إلى المكابرة في المعقولات فقد فتح باب المكابرة ~~في المحسوسات ولهذا كانت السفسطة تعرض أحيانا في هذا وهذا وليست مذهبا لأمة ~~من الناس يعيشون عليه كما يظنه بعض أهل المقالات ولا يمكن أن تعيش أمة ولا ~~أحد على ذلك ولا تتم له مصلحة وإنما هي حال عارضة لكثير من الناس وهي تكثر ~~وتقل وما من صاحب مذهب باطل إلا وهو مرتكب للسفسطة شاء أم أبي وسنذكر أن ~~شاء الله فصلا فيما بعد نبين فيه أن جميع أرباب المذاهب الباطلة سوفسطائية ~~صريحا ولزوما قريبا وبعيدا # الوجه السادس قولكم من حكم بأن هذين الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج ~~عن قضايا العقول جوابه أنكم أن أردتم بالتسوية كونهما معقولان في الجملة ~~فمن أين يخرج عن قضايا العقول من حكم بذلك وهل الخارج في الحقيقة عنها إلا ~~من منع هذا الحكم فإن أردتم بالتسوية الاستواء في الإدراك وأن كليهما على ~~رتبة واحدة من الضرورة فلا يلزم من عدم هذا الاستواء أن لا يكون العلم بقبح ~~الكذب عقليا # الوجه السابع قولكم لو تقرر عند المثبت أن الله تعالى لا يتضرر بكذب ولا ~~ينتفع بصدق كان الآمران في حكم التكليف على وتيرة واحدة كلام لا يرتضيه ~~عاقل فإنه من المتقرر أن الله تعالى لا يتضرر بكذب ولا ينتفع بصدق وإنما ~~يعود نفع الصدق وضرر الكذب على المكلف ولكن ليت شعري من أين يلزم أن يكون ~~هذان الضدان بالنسبة إلى التكليف على وتيرة واحدة وهل هذا الا مجرد تحكم ~~ودعوى باطلة الوجه الثامن أنه لا يلزم من كون الحكيم لا يتضرر بالقبح ولا ~~ينتفع بالحسن أن لا يحب هذا ولا يبغض هذا بل ms504 تكون نسبتهما إليه نسبة واحدة ~~بل الأمر بالعكس وهو أن حكمته تقتضي بغضه للقبيح وأن لم يتضرر به ومحبته ~~للحسن وأن لم ينتفع به وحينئذ ينقلب هذا الكلام عليكم ونكون أسعد به منكم ~~فنقول لو تقرر عند النافي أن الله تعالى حكيم عليم يضع الأشياء مواضعها ~~وينزلها منازلها العلم أن الأمرين أعني الصدق والكذب بالنسبة PageV02P063 # إلى شرعه وتكليفه متباينان غاية التباين متضادان وانه يستحيل في حكمته ~~التسوية بينهما وأن يكونا على وتيرة واحدة ومعلوم إن هذا هو المعقول وما ~~ذكرتموه خارج عن المعقول # الوجه التاسع قولكم أن الصدق والكذب على حقيقة ذاتية وأن الحسن والقبح ~~غير داخلين في صفاتهما الذاتية ولا يلزمهما في الوهم بالبديهة ولا في ~~الوجود ضرورة جوابه أنكم أن أردتم أن الحسن والقبح لا يدخل في مسمى الصدق ~~والكذب فمسلم ولكن لا يفيدكم شيئا فإن غايته إنما يدل على تغاير المفهومين ~~فكان ماذا وإن أردتم أن ذات الصدق والكذب لا تقتضي الحسن والقبح ولا ~~تستلزمهما فهل هذا إلا مجرد المذهب ونفس الدعوى وهي مصادرة على المطلوب ~~وخصومكم يقولون أن معنى كونهما ذاتيين للصدق والكذب أن ذات الصدق والكذب ~~تقتضي الحسن والقبح وليس مرادهم أن الحسن والقبح صفة داخلة في مسمى الصدق ~~والكذب وأنتم لم تبطلوا عليهم هذا # الوجه العاشر قولكم ولا يلزمهما في الوهم بالبديهة ولا في الوجود دعوى ~~مجردة كيف وقد علم بطلانها بالبرهان والضرورة الوجه الحادي عشر قولكم أن من ~~الأخبار التي هي صادقة ما يلام عليه مثل الدلالة على من هرب من ظالم ومن ~~الأخبار التي هي كاذبة ما يثاب عليها مثل إنكار الدلالة عليه فلم يدخل كون ~~الكذب قبيحا في حد الكذب ولا لزمه في الوهم ولا في الوجود فلا يجوز أن يعد ~~من الصفات الذاتية التي تلزم النفس وجودا وعدما # جوابه من وجوه أحدها أنا لا نسلم أن الصدق يقبح في حال ولا أن الكذب يحسن ~~في حال أبدا ولا تنقلب ذاته وإنما يحسن اللوم على الخبر الصادق من حيث لم ~~يعرض ms505 المخبر ولم يور بما يقتضي سلامة النبي أو الولي الوجه الثاني أنه أخبر ~~بما لا يجوز له الأخبار به لاستلزامه مفسدة راجحة ولا يقتضي هذا كون الصدق ~~قبيحا بل الأخبار بالصدق هو القبيح وفرق بين النسبة المطابقة التي هي صدق ~~وبين الأعلام بها فالقبح إنما نشأ من الأعلام لا من النسبة الصادقة ~~والأعلام غير ذاتي للخبر ولا داخل في حده إذا الخبر غير الأخبار ولا يلزم ~~من كون الأخبار قبيحا أن يكون الخبر قبيحا وهذه الدقيقة غفل عنها الطائفتان ~~كلاهما # الوجه الثالث أن قبح الصدق وحسن الكذب المذكورين في بعض المواضع لمعارضة ~~مصلحة أو مفسدة راجحة لا يقتضي عدم اتصاف ذات كل منهما بحكمه عقلا فإن ~~العلل العقلية والأوصاف الذاتية المقتضية لأحكامها قد تتخلف عنها لفوات شرط ~~أو قيام مانع ولا يوجب ذلك سلب اقتضائها لأحكامها عند عدم المانع وقيام ~~الشرط وقد تقدم تقرير ذلك الوجه الثاني عشر قولكم أنه لم يبق للمثبتين إلا ~~الاسترواح إلى عادات الناس من تسمية ما يضرهم قبيحا وما ينفعهم حسنا كلام ~~باطل فإن استرواحهم إلى ما ركبة الله تعالى في عقولهم وفطرهم وبعث رسله ~~بتقريره وتكميله من استحسان الحسن واستقباح القبيح الوجه الثالث عشر قولكم ~~أنها تختلف بعادة قوم دون قوم وزمان دون زمان ومكان دون PageV02P064 # مكان وإضافة دون إضافة فقد تقدم أن هذا الاختلاف لا يخرج هذه القبائح ~~والمستحسنات عن كون الحسن والقبح ناشئا من ذواتهما وأن الزمان المعين ~~والمكان المخصوص والشخص والقابل والإضافة شروط لهذا الاقتضاء على حد اقتضاء ~~الأغذية والأدوية والمساكن والملابس آثارها فإن اختلافها بالأزمنة والأمكنة ~~والأشخاص والإضافات لا يخرجها عن الاقتضاء الذاتي ونحن لا نعنى بكون الحسن ~~والقبح ذاتيين إلا هذا والمشاحنة في الاصطلاحات لا تنقع طالب الحق ولا تجدي ~~عليه إلا المناكدة والتعنت فكم يعيدوا ويبدوا في الذاتي وغير الذاتي سموا ~~هذا المعنى بما شئتم ثم أن أمكنكم إبطاله فأبطلوه # الوجه الرابع عشر قولكم نحن لا ننكر اشتهار القضايا الحسنة والقبيحة من ~~الخلق وكونها محمودة مشكورة مثنى على ms506 فاعلها أو مذموماولكن سبب ذكرها أما ~~التدين بالشرائع وأما الاعراض ونحن إنما ننكرها في حق الله عز وجل لانتفاء ~~الاعراض عنه فهذا معترك القول بين الفرق في هذه المسئلة وغيرها فنقول لكم ~~ما تعنون معاشرة النفاة بالاعراض التي نفيتموها عن الله عز وجل ونفيتم ~~لاجلها حسن أوامر الذاتية وقبح نواهيه الذاتية وزعمتم لاجلها أنه لا فرق ~~عنده بين مذمومها ومحمودها وأنها بالنسبة إليه سواه فأخبرونا عن مرادكم ~~بهذه اللفطة البديعة المحتملة أتعنون بها الحكم والمصالح والعواقب الحميدة ~~والغايات المحبوبة التي يفعل ويأمر لأجلها أم تعنون بها امرا وراء ذلك يجب ~~تنزيه الرب عنه كما يشعر به لفظ الاعراض من الارادات فان اردتم المعنى ~~الأول فنفيكم إياه عن أحكم الحاكمين مذهب لكم خالفتم به صريح المنقول وصريح ~~المعقول وأتيتم ما لا تقر به العقول من فعل فاعل حكيم مختار ولا لمصلحة ولا ~~لغاية محمودة ولا عاقبة مطلوبة بل الفعل وعدمه بالنسبة إليه سيان وقلتم ما ~~تنكره الفطر والعقول ويرده التنزيل والاعتبار وقد قررنا من ذكر الحكم ~~الباهرة في الخلق والأمر ما تقربه به عين كل طالب للحق وهاهنا من ادلة ~~اثبات الحكم المقصودة بالخلق والامر أضعاف أضعاف ما ذكرنا بل لانسبه لما ~~ذكرناه إلى ما تركناه وكيف يمكن انكار ذلك والحكمة في خلق العالم وأجزائه ~~ظاهرة لمن تأملها بادية لمن أبصرها وقد رقمت سطورها على صفحات المخلوقات ~~يقرأها كل عاقل وغير كاتب نصبت شاهدة لله بالوحدانية والربوبية والعلم ~~والحكمة واللطف والخبرة # تأمل سطور الكائنات فإنها % من الملأ الأعلى إليك رسائل # وقد خط فيها لو تأملت خطها % ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وأما النصوص على ذلك فمن طلبها بهرته كثرتها وتطابقها ولعلها أن تزيد على ~~المئين وما يحيله النفاة لحكمة الله تعالى أن اثباتها يستلزم افتقارا منها ~~واستكمالا بغيره فهوس ووساواس PageV02P065 # فان هذا بعينه وارد عليهم في أصل الفعل أيضا فهذا إنما هو إكمال للصنع لا ~~استكمال بالصنع وأيضا فأنه سبحانه فعاله عن كماله فأنه كمل ففعل لا أن ~~كماله ms507 عن فعاله فلا يقال فعل فكمل كما يقال للمخلوق وأيضا فأن مصدر الحكمة ~~ومتعلقها وأسبابها عنه سبحانه فهو الخالق وهو الحكيم وهو الغني من كل وجه ~~أكمل الغنى وأتمه وكمال الغنى والحمد في كمال القدرة والحكمة ومن المحال أن ~~يكون سبحانه وتعالى فقيرا إلى غيره فأما إذا كان كل شيء فهو فقير إليه من ~~كل وجه وهو الغنى المطلق عن كل شيء فأي محذور في إثبات حكمته مع احتياج ~~مجموع العالم وكل ما يقدر معه إليه دون غيره وهل الغنى إلا ذلك ولله سبحانه ~~في كل صنع من صنائعه وأمر من شرائعه حكمة باهرة وآية ظاهرة تدل على ~~وحدانيته وحكمته وكلمه وغناه وقيوميته وملكه لا تنكرها إلا العقول السخيفة ~~ولا تنبو عنها إلا الفطر المنكوسة : # ولله في كل تسكينة % وتحريكة أبدا شاهد # وفي كل شيء له آية % تدل على أنه واحد # وبالجملة فنحن لا ننكر حكمة الله ولا نساعدكم على جحدها لتسميتكم إياها ~~أعراضا وإخراجكم لها في هذا القالب فالحق لا ينكر حكمه لسوء التعبير عنه ~~وهذا اللفظ بدعى لم يرد به كتاب ولا سنة ولا أطلقه أحد من أئمة الإسلام ~~وأتباعهم على الله وقد قال الأمام أحمد لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل ~~شناعة المشنعين فهل ننكر صفات كماله سبحانه لأجل تسمية المعطلة والجهمية ~~لها أعراضا ولأرباب المقالات أغراض في سوء التعبير عن مقالات خصومهم ~~وتخيرهم لها أقبح الألفاظ وحسن التعبير عن مقالات أصحابهم وتخيرهم لها أحسن ~~الألفاظ وأتباعهم محبوسون في قبول تلك العبارات ليس معهم في الحقيقة سواها ~~بل ليس مع المتبوعين غيرها وصاحب البصيرة لا تهوله تلك العبارات الهائلة بل ~~يجرد المعنى عنها ولا يكسوه عبارة منها ثم يحمله على محل الدليل السالم عن ~~المعارض فحينئذ يتبين له الحق من الباطل والحالي من العاطل # الوجه الخامس عشر قولكم مستند الاستحسان والاستقباح التدين بالشرائع ~~فيقال لا ريب أن التدين بالشرائع يقتضي الاستحسان والاستقباح ولكن الشرائع ~~إنما جاءت بتكميل الفطر وتقريرها لا بتحويلها وتغييرها فما كان في ms508 الفطرة ~~مستحسنا جاءت الشريعة باستحسانه فكسته حسنا إلى حسنه فصار حسنا من الجهتين ~~وما كان في الفطرة مستقبحاجاءت الشريعة باستقباحه فكسته قبحا إلى قبحه فصار ~~قبيحا من الجهتين وأيضا فهذه القضايا مستحسنة ومستقبحة عند من لم تبلغه ~~الدعوة ولم يقر بنبوة وأيضا فمجيء الرسول بالأمر بحسنها والنهي عن قبيحها ~~دليل على نبوته وعلم على رسالته كما قال بعض الصحابة وقد سئل عما أوجب ~~إسلامه فقال ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه ولا نهى # PageV02P066 # عن شيء فقال العقل ليته أمر به فلو كان الحسن والقبح لم يكن مركوزا في ~~الفطر والعقول لم يكن ما أمر به الرسول ونهى عنه علما من أعلام صدقه ومعلوم ~~أن شرعه ودينه عند الخاصة من اكبر أعلام صدقه وشواهد نبوته كما تقدم # الوجه السادس عشر قولكم في مثارات الغلط التي يغلط الوهم فيها أنها ثلاث ~~مثارات الأولى أن الإنسان يطلق اسم القبيح على ما يخالف غرضه وان كان يوافق ~~غرض غيره من حيث أنه لا يلتفت إلى الغير فان كل طبع مشغوف بنفسه فيقضى ~~بالقبح مطلقا فقد أصاب في الحكم بالقبح وأخطأ في إضافة القبح إلى ذات الشيء ~~وغفل عن كونه قبيحا لمخالفة غرضه وأخطأ في حكمه بالقبح مطلقا ومنشأه عدم ~~الالتفات إلى غيره فحاصله أمران أحدهما أنه إنما قضى بالحسن والقبح لموافقة ~~غرضه ومخالفته # الثاني أن هذه الموافقة والمخالفة ليست عامة في حق كل شخص وزمان ومكان بل ~~ولا في جميع أحوال الشخص هذا حاصل ما طولتم به فيقال لا ريب أن الحسن يوافق ~~الغرض والقبح يخالفه ولكن موافقة هذا ومخالفة هذا لما قام بكل واحد من ~~الصفات التي أوجبت المخالفة والموافقة إذ لو كانا سواء في نفس الأمر ~~وذاتهما لا تقتضى حسنا ولا قبحا لم يختص أحدهما بالموافقة والآخر بالمخالفة ~~ولم يكن أحدهما بما اختص به أولى من العكس فما لجأتم إليه من موافقة الغرض ~~ومخالفته من أكبر الأدلة على أن ذات الفعل متصفة بما لأجله وافق الغرض ~~وخالفه وهذا كموافقة الغرض ms509 ومخالفته في الطعوم والأغذية والروائح فان ما ~~لاءم منها الإنسان ووافقه مخالف بالذات والوصف لما نافره منها وخالفه ولم ~~تكن تلك الملاءمة والمنافرة لمجرد العادة بل لما قام بالملائم والمنافر من ~~الصفات ففي الخبز والما واللحم والفاكهة من الصفات التي اقتضت ملاءمتها ~~الإنسان ما ليس في التراب والحجر والقصب والعصف وغيرها ومن ساوى بين ~~الأمرين فقد كابر حسه وعقله فهكذا ما لاءم العقول والفطر من الأعمال ~~والأحوال وما خالفها هو لما قام بكل منها من الصفات التي اختصت به فأوجب ~~الملاءمة والمنافرة فملاءمة العدل والإحسان والبر للعقول والفطر والحيوان ~~لما اختصت به ذوات هذه الأفعال من أمور ليست في الظلم والإساءة وليست هذه ~~الملاءمة والمنافرة لمجرد العادة والتدين بالشرائع بل هي أمور ذاتية لهذه ~~الأفعال وهذا مما لا ينكره العقل بعد تصوره # الوجه السابع عشر أنا لا ننكر أن للعادة واختلاف الزمان والمكان والإضافة ~~والحال تأثيرا في الملاءمة والمنافرة ولا ننكر أن الإنسان يلائمه ما اعتاده ~~من الأغذية والمساكن والملابس وينافره ما لم يعتده منها وان كان أشرف منها ~~وأفضل ومن هذا إلف الأوطان وحب المساكن والحنين إليها ولكن هل يلزم من هذا ~~أن تكون الملاءمة والمنافرة كلها ترجع إلى الالف والعادة المجردة ومعلوم أن ~~هذا مما لا سبيل إليه إذ الحكم على فرد PageV02P067 # جزئي من أفراد النوع لا يقتضي الحكم على جميع النوع واستلزام الفرد ~~المعين من النوع اللازم المعين لا يقتضي استلزام النوع له وثبوت خاصة معينه ~~للفرد الجزئي لا يقتضي ثبوتها للنوع الكلي : # الوجه الثامن عشر أن غاية ما ذكرتم من خطأ الوهم في اعتقاده إضافة القبح ~~إلى ذات الفعل وحكمه بالاستقباح مطلقا مما قد يعرض في بعض الأفعال فهل يلزم ~~من ذلك أنه حيث قضى بهاتين القضيتين يكون غالطا بالنسبة إلى كل فعل ونحن ~~إنما علمنا غلطه فيما غلط فيه لقيام الدليل العقلي على غلطه فأما إذا كان ~~الدليل العقلي مطابقا لحكمه فمن أين لكم الحكم بغلطه # فان قلتم إذا ثبت أنه يغلط في حكم ما ms510 لم يكن حكمه مقبولا إذ لا ثقة بحكمه ~~قلنا إذا جوزتم أن يكون في الفطرة حاكمان حاكم الوهم وحاكم العقل ونسبتم ~~حكم العقل إلى حكم الوهم وقلتم في بعض القضايا التي يجزم العقل بها هي من ~~حكم الوهم لم يبق لكم وثوق بالقضايا التي يجزم بها العقل ويحكم بها لاحتمال ~~أن يكون مستندها حكم الوهم لا حكم العقل فلا بد لكم من التفريق بينهما ولا ~~بد أن تكون قضاياه ضرورية ابتداء وانتهاء وإذا جوزتم أن يكون بعض القضايا ~~الضرورية وهمية لم يبق لكم طريق إلى التفريق # الوجه التاسع عشر أن هذا الذي فرضتموه فيمن يتقبح شيئا لمخالفة غرضه ~~ويستحسنه لموافقة غرضه أو بالعكس إنما مورده الحسنات غالبا كالمآكل ~~والملابس والمساكن والمناكح فأنها بحسب الدواعي والميول والعوائد ~~والمناسبات فهي إنما تكون في الحركات وأما الكليات العقلية فلا تكاد تعارض ~~تلك فلا يكون العدل والصدق والإحسان حسنا عند بعض العقول قبيحا عند بعضها ~~كما يكون اللون اسود مشتهى حسنا موافقا لبعض الناس مبغوضا مستقبحا لبعضهم ~~ومن اعتبر هذا بهذا فقد خرج واعتبر الشيء بما لا يصح اعتباره به ويؤيد هذا # الوجه العشرون أن العقل إذا حكم بقبح الكذب والظلم والفواحش فانه لا ~~يختلف حكمه بذلك في حق نفسه ولا غيره بل يعلم أن كل عقل يستقبحها وأن كان ~~يرتكبها لحاجته أو جهله فلما أصاب في استقباحها أصاب في نسبة القبح إلى ~~ذاتها وأصاب في حكمه بقبحها مطلقا ومن غلطه في بعض هذه الأحكام فهو الغالط ~~عليه وهذا بخلاف ما إذا حكم باستحسان مطعم أو ملبس أو مسكن أو لون فانه ~~يعلم أن غيره يحكم باستحسان غيره وأن هذا مما يختلف باختلاف العوائد والأمم ~~والأشخاص فلا يحكم به حكما كليا ألا حيث يعلم أنه لا يختلف كما يحكم حكما ~~كليا بأن كل ظمآن يستحسن شرب الماء ما لم يمنع منه مانع وكل مقرور يستحسن ~~لباس ما فيه دفؤه ما لم يمنع منه مانع وكذلك كل جائع يستحسن ما يدفع به ~~سورة الجوع فهذا ms511 حكم كلي في هذه الأمور المستحسنة لا غلط فيه مع كون ~~المحسوسات عرضة لاختلاف الناس في استحسانها واستقباحها بحسب الأغراض ~~PageV02P068 والعوائد والالف فما الظن بالأمور الكلية العقلية التي لا ~~تختلف إنما هي نفى واثبات # الوجه الحادي والعشرون قولكم من منارات الغلط إنما هو مخالف للغرض في ~~جميع الأحوال ألا في حالة نادرة بل لا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة ~~بل لا يخطر بالبال فيقضى بالقبح مطلقا لاستيلاء قبحه على قلبه وذهاب الحالة ~~النادرة عن ذكره فحكمه على الكذب بأنه قبيح مطلقا وعقليه 1 عن الكذب يستفاد ~~به عصمة دم نبي أو ولي وإذا قضى بالقبح مطلقا واستمر عليه مرة وتكرر ذلك ~~على سمعه ولسانه انغرس في قلبه استقباح مستند إلى أخر فمضمونه بعد الإطالة ~~أنه لو كان الكذب قبيحا لذاته لما تخلف عليه القبح ولكنه يتخلف إذا تضمن ~~عصمة دم نبي ففي هذه الحالة ونحوها لا يكون قبيحا وهي حالة نادرة لا تكاد ~~تخطر بالبال فيقضى العقل بقبح الكذب مطلقا ويغفل عن هذه الحالة وهي تنافي ~~حكمه بقبحه مطلقا ثم تترك وينشأ على ذلك الإعتقاد فيظن أن قبحه لذاته مطلقا ~~وليس كذلك وهذا بعد تسليمه لا يمنع كونه قبيحا لذاته وان تخلف القبح عنه ~~لمعارض راجح كما أن الاغذاء بالميتة والدم ولحم الخنزير ويوجب نباتا خبيثا ~~وان يخلف عنه ذلك عند المخمصة كيف وقد بينا أن القبح لا يتخلف عن الكذب ~~أصلا وأما إذا تضمن عصمة ولي فالحسن إنما هو التعريض # والصدق لا يقبح أبدا وانما القبيح الأعلام به وفرق بين الخبر والأخبار ~~فالقبح إنما وقع في الأخبار لا في الخبر ولو سلمنا ذلك كله لتخلف الحكم ~~العقلي لقيام مانع أو لفوات شرط غير مستنكر فهذه الشبهة من أضعف الشبه ~~وحسبك ضعفا بحكم إنما يستند إليها والى أمثالها الوجه الثاني والعشرون أن ~~الوهم قد سبق إلى العكس كمن يرى شيئا مقرونا بشيء فيظن الشيء لا محالة ~~مقرونا به مطلقا ولا يدرى أن الأخص أبدا مقرون بالأعم من غير عكس ms512 وتمثيلكم ~~ذلك بنفرة السليم من الحبل المرقش ونفور الطبع عن العسل إذا شبه بالعذرة ~~إلى آخر ما ذكرتم من الأمثال كنفرة الطبع عن الحسناء ذات الاسم القبيح ~~ونفرة الرجل عن البيت الذي فيه الميت ونفرة كثير من الناس عن الأقوال ~~الصحيحة التي تضاف إلى من يسيؤن الظن بهم فنحن لا ننكر أن للوهم تأثير في ~~النفوس وفي الحب والبغض بل هو غالب على أكثر النفوس في كثير من الأحوال ~~ولكن إذا سلط عليه العقل الصريح تبين غلطه وأن ما حكم به إنما هو موهوم لا ~~معقول كما إذا سلط العقل الصريح والحسن على الحبل المرقش تبين أن نفرة ~~الطبع عنه مستندها الوهم الباطل وكذلك إذا سلط الذوق والعقل على العسل تبين ~~أن نفرة الطبع عنه مستندها PageV02P069 # الوهم الكاذب وإذا تأمل الطرف محاسن الجميلة البديعة الجمال تبين أن ~~نفرته عنها لقبح اسمها وهم فاسد وإذا سلط العقل الصريح على الميت تبين أن ~~نفرة الرجل عنه لتوهم حركته وثورانه خيال باطل ووهم فاسد وهكذا نظائر ذلك ~~أفتري يلزم من هذا أنا إذا سلطنا العقل الصريح على الكذب والظلم والفواحش ~~والإساءة إلى الناس وكفران النعم وضرب الوالدين والمبالغة في أهانتهما ~~وسبهما وأمثال ذلك تبين أن حكمه بقبحها وهم منه ليكون نظير ما ذكرتم من ~~الأمثلة وهل في الاعتبار أفسد من اعتباركم هذا فان الحكم فيما ذكرتم قد ~~تبين بالعقل الصريح والحس أنه حكم وهمي ونحن لا ننازع فيه ولا عاقل لأنا أن ~~سلطنا عليه العقل والحس ظهر أن مستنده الوهم وأما في القضايا التي ركب في ~~العقول والفطر حسنها وقبحا فأنا إذا سلطنا العقل الصريح عليها لم يحكم لها ~~بخلاف ما هي عليه أبدا ألا أن يلجؤا إلى دبوس السارق وهو الصدق المتضمن ~~هلاك والى الكذب المتضمن عصمته وليس معكم ما تصولون به سواه وقد بينا حقيقة ~~الأمر فيه بما فيه كفاية وحتى لو كان الأمر فيهما كما ذكرتم قطعا لم يجز أن ~~يبطل بهما ماركبه الله في العقول والفطر وألزمها إياه التزاما ms513 لا انفكاك ~~لها عنه من استحسان الحسن واستقباح القبيح والحكم بقبحه والتفرقة العقلية ~~التابعة لذواتهما وأوصافهما بينهما وقد أنكر الله سبحانه على العقول التي ~~جوزت أن يجعل الله فاعل القبيح وفاعل الحسن سواء ونزه نفسه عن هذا الظن وعن ~~نسبة هذا الحكم الباطل إليه ولو لا أن ذلك قبيح عقلا لما أنكره على العقول ~~التي جوزته فان الإنكار إنما كان يتوجه عليهم بمجرد الشرع والخبر لا بإفساد ~~ما ظنوه عقلا # ولا يقال فلو كان هذا الحكم باطلا قطعا لما جوزه أولئك العقلاء لأن هذا ~~احتجاج بعقول أهل الشرك الفاسدة التي عابها الله وشهد عليهم بأنهم لا ~~يعقلون وشهدوا على أنفسهم بأنهم أو لو كانوا يسمعون أو يعقلون ما كانوا في ~~أصحاب السعير وهل يقال أن استحسان عبادة الأصنام بعقولهم واستحسان التثليث ~~والسجود للقمر وعبادة النار وتعظيم الصليب يدل على حسنها لاستحسان بعض ~~العقلاء لها فان قيل فهذا حجة عليكم فان عقول هؤلاء قد قضت بحسنها وهي أقبح ~~القبائح قيل ما مثلنا ومثلكم في ذلك ألا كمثل من قال إذا كان الأحوال يرى ~~القمر اثنين لم يبق لنا وثوق بكون صحيح الفم إذا ذاق الشيء المر يذوقه عذبا ~~وحلوا وإذا كان صاحب الفهم السقيم يعيب القول الصحيح ويشهد ببطلانه لم يبق ~~لنا وثوق بشهادة صاحب الفهم المستقيم بصحته إلى أمثال ذلك فإذا كانت فطرة ~~أمة من الأمم وشرذمة من الناس وعقولهم قد فسدت فهل يلزم من هذا إبطال شهادة ~~العقول السليمة والفطر المستقيمة ولو صح لكم هذا الاعتراض لبطل استدلالكم ~~على كل منازع لكم في PageV02P070 # كل مسألة فانه عاقل وقد شهد عقله بها بخلاف قولكم وكفى بهذا فسادا ~~وبطلانا وكفى برد العقول وسائر العقلاء له والحمد لله رب العالمين # الوجه الثالث والعشرون قولكم أن الملك العظيم إذا رأى مسكينا مشرفا على ~~الهلاك استحسن إنقاذه والسبب في ذلك دفع الأذي الذي يلحق الإنسان من رقة ~~الجنسية وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه إلى آخره كلام في غاية الفساد فان ~~مضمونه أن هذا الإحسان ms514 العظيم والتنزل من مثل هذا الملك القادر إلى الإحسان ~~إلى مجهود مضرور قد مسه الضر وتقطعت به الأسباب وانقطعت به الحيل ليس فعلا ~~حسنا في نفسه ولا فرق عند العقل بين ذلك وان يلقى عليه حجرا يغرقه وانما ~~مال إليه طبعه لرقه الجنسية ولتصويره نفسه في تلك الحال واحتياجه إلى من ~~ينقذه وألا فلو جردنا النظر إلى ذات الفعل وضربنا صفحا عن لوازمه وما يقترن ~~به ويبعث عليه لم يقض العقل بحسنه ولم يفرق بينه وبين إلقاء حجر عليه حتى ~~يغرقه هذا قول يكفى في فساده مجرد تصوره وليس في المقدمات البديهية ما هو ~~أجلى وأوضح من كون مثل هذا الفعل حسنا لذاته حتى يحتج بها عليه فان ~~الاحتجاج إنما يكون بالأوضح على الأخفى فإذا كان المطلوب المستدل عليه أوضح ~~من الدليل كان الاستدلال عناء وكلفة ولكن تصور الدعوى ومقابلتها تصويرا ~~مجردا يعرضان على العقول التي لم يسبق إليها تقليد الآراء ولم يتواطأ عليها ~~ويتلقاها صاغر عن كابر وولد عن والد حتى نشأت معها بنشئها فهي تسعى بنصرتها ~~بما دب ودرج من الأدلة لاعتقادها أولا أنها حق في نفسها لإحسانها الظن ~~بأربابها فلو تجردت من حب من ولدته وبغض من خالفته وجردت النظر وصابرت ~~العلم وتابعت المسير في المسئلة إلى آخرها لأوشك أن تعلم الحق من الباطل ~~ولكن حبك الشيء يعمى ويصم والنظر بعين البغض يرى المحاسن مساوى هذا في ~~إدراك البصر مع ظهوره ووضوحه فكيف في إدراك البصيرة لا سيما إذا صادق مشكلا ~~فهذه بلية أكثر العالم # فان تنج منها تنج من ذي عظيمة % وألا فإني لا أخالك ناجيا # الوجه الرابع والعشرون أن اقتران هذه الأمور التي ذكرتموها من رقة ~~الجنسية وتصور نفسه بصورة من يريد إنفاذه ونحوها هي أمور تقترن بهذا ~~الإحسان فيقوم الباعث على فعله ولا يوجب تجرده عن وصف يقتضي حسنه وان يكون ~~ذاته مقتضية لحسنة وان اقترن بفاعل هذا الأمور وما مثلكم في ذلك ألا كمثل ~~من قال أن تناول الأطعمة والأغذية والأدوية ليس حسنا ms515 لذاته فانه يقترن ~~بمتناولها من لذة المرة لفم المعدة ما يوجب نزوعها إلى طلب الغذاء لقيام ~~البنيه وكذلك الأدوية وغيرها ومعلوم أن هذه البواعث والدواعي وأسباب الميول ~~لا ينافي الاقتضاء الذاتي وقيام الصفات التي تقتضي الانتفاع بها فكذلك تلك ~~PageV02P071 # البواعث والدواعي وأسباب الميول التي تحصل لفاعل الإحسان ومنقذ الغريق ~~والحريق وما ينجى الهالك لا ينافى ما عليه هذه الأفعال في ذواتها من الصفات ~~التي تقتضي حسنها وقبح أضدادها # الوجه الخامس والعشرون قولكم أنه يقدر نفسه في تلك الحال وتقديره غيره ~~معرضا عن الانقاذ فيستقبحه منه لمخالفته غرضه فيدفع عن نفسه ذلك القبح ~~المتوهم فيقال هذا القبح المتوهم إنما نشأ عن القبح المحقق في ترك الإحسان ~~إليه مع قدرته عليه وعدم تضرره به فالقبح محقق في ترك إنقاذه ومتوهم في ~~تصويره نفسه بتلك الحال وعدم إنقاذه غيره له فلولا تلك الحقيقة لم يحكم ~~العقل بهذا القبح الموهوم وكون الانقاذ موافقا للغرض وتركه مخالفا له لا ~~ينبغي أن يكون في ذاته حسنا وقبيحا ملائما وافق الغرض أو خالفه لما اتصفت ~~به ذاته من الصفات المقتضية لهذه الموافقة والمخالفة الوجه السادس والعشرون ~~قولكم فلو فرض هذا في بهيمة أو شخص لارقة فيه فيبقى أمر آخر وهو طلب الثناء ~~على إحسانه فيقال طلب الثناء يقتضي أن هذا الفعل مما يتعلق به الثناء وما ~~ذاك ألا لأنه في نفسه على صفة تقتضي الثناء على فاعله ولو كان هذا الفعل ~~مساويا لضده في نفس الأمر لم يتعلق الثناء به والذم بضده وفعله لتوقع ~~الثناء لا ينفى أن يكون على صفة لأجلها استحق فاعله الثناء بل هو باقتضاء ~~ذلك أولى من نفيه # الوجه السابع والعشرون قولكم فان فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى ميل ~~وترجيح يضاهي نفرة طبع السليم عن الحبل وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة ~~بالثناء فيظن أن الثناء مقرون بها بكل حال كما أنه لما رأى الأذى مقرونا ~~بصورة الحبل وطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به فالمقرون باللذيذ ~~لذيذ والمقرون بالمكروه ms516 مكروه فيقال يا عجبا كيف يرد أعظم الإحسان الذي فطر ~~الله عقول عباده وفطرهم على إحسانه حتى لو تصور نطق الحيوان البهيم لشهد ~~باستحسانه إلى مجرد وهم وخيال فاسد يشبه نفرة طبع الرجل السليم عن حبل مرقش ~~فتأمل كيف يحمل نفرة الآراء المتقلدة وبعض مخالفتها على أمثال هذه الشنع ~~وهل سوى الله سبحانه في العقول والفطر بين إنقاذ الغريق والحريق وتخليص ~~الأسير من عدوه واحياء النفوس وبين نفرة طبع السليم عن حبل مرقش لتوهمه أنه ~~حية وقد كان مجرد تصور هذه الشبهة كافيا في العلم ببطلانها ولكنا زدنا ~~الأمر إيضاحا وبيانا # الوجه الثامن والعشرون قولكم الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان فإذا ~~انتهى إليه أحس في نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره واستشهادكم على ذلك ~~بقول الشاعر أمر على الديار ديار ليلى % وقوله # وحبب أوطان الرجال إليهم % فيقال لا ريب أن الأمر هكذا ولكن هل يلزم من ~~هذا استواء الصدق والكذب في نفس الأمر واستواء العدل والظلم والبر والفجور ~~والإحسان والإساءة بل هذا المثال نفسه حجة عليكم فانه لم يمل طبعه ~~PageV02P072 # إلى ذلك المكان مع مساواته لجميع الأمكنة عنده وكذلك حنينه إلى وطنه ~~ومحته له وكذلك حنينه إلى الفه من الناس وغيرهم فان هذا لا يقع منه مع ~~تساوي تلك الأماكن والأشخاص عنده بل لظنه اختصاصهما بأمور لا توجد في ~~سواهما فترتب ذلك الحب والميل على هذا الظن ثم له حالان أحدهما أن يكون كما ~~ظنه بل ذلك المكان أو الشخص مساولغيره وربما يكون غيره أكمل منه في الأوصاف ~~التي تقتضي حبه والميل إليه فهذا إذا سلط العقل الحس على سبب ميله وحبه علم ~~أنه مجرد الف أو عادة أو تذكر أو تخيل وهذا الوهم مستند إلى ما تقرر في ~~العقل من أن اختصاص الحب والميل بالشيء دون غيره لما اختص به من الصفات ~~التي اقتضت ذلك وكذلك تعلق النفرة والبغض به ثم تغلب الوهم حتى يتخيل أن ~~تلك الصفات باينة عن المحل وليست فيه بل يكون المحل مقرونا ms517 بتلك الصفات ~~فيحب ويبغض لأجل تلك المفارقة فمقارن المحبوب محبوب ومقارن المكروه مكروه ~~كقوله # وما حب الديار شغفن قلبي % ولكن حب من سكن الديارا # وقول الآخر # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو عهودا % جرت فيها فحبوا لدالكا # الوجه التاسع والعشرون قولكم أن الصبر على السيف في ترك كلمة الكفر لا ~~يستحسنه العقلاء لولا الشرع بل ربما استقبحوه إنما يستحسن الثواب أو الثناء ~~بالشجاعة وكذلك بالصبر على حفظ السر والوفاء بالعهد لما في ذلك من المصالح ~~فان فرض حيث لا تنافيه فقد وجد مقرونا بالثناء فيبقى ميل الوهم المقرون ~~فيقال لكم استحسان الشرع له مطابق لاستحسان العقل لا مخالف وكذلك انتظار ~~الثواب به وهو حسنه في نفسه وكذلك المصالح المترتبة على حفظ السر والوفاء ~~بالعهد هي لما قام بذوات هذه الأفعال من الصفات التي أوجبت المصالح إذ لو ~~ساوت غيرها لم تكن باقتضاء المصلحة أولى منها وقولكم أنه إذا وجب فرض حيث ~~لاثناء ينفى ميل الوهم للمقارنة فقد تقدم أن هذا الميل تبع للحقيقة وأنه ~~يستحيل وجوده في فعل لا تقتضي ذاته المصلحة والاستحسان وان حصول الوهم ~~المقارن تبع للحقيقة الثابتة لاستحالة حصول هذا الوهم في فعل لا تكون ذاته ~~منشأ للأمر الموهوم فيتوهم الذهن حيث تنتفي الحقيقة # الوجه الثلاثون قولكم أن من عرضت له حاجة وأمكن قضاءها بالصدق والكذب ~~وأنه إنما يؤثر الصدق لأنه وجده مقرونا بالثناء فهو يؤثره لما يقترن به من ~~الثناء فجوابه أيضا ما تقدم وأن اقترانه بالثناء لما اختص به من الصفات ~~التي اقتضت الثناء على فاعله كيف والكذب متضمن لفساد تظلم العالم ولا يمكن ~~قيام العالم عليه لا في معاشهم ولا في معادهم بل هو متضمن لفساد المعاش ~~والمعاد ومفاسد الكذب اللازمة له معلومة عند خاصة الناس وعامتهم كيف وهو ~~منشأ كل وفساد PageV02P073 # الأعضاء لسان كذوب وكم قد أزيلت بالكذب من دول وممالك وخربت به من بلاد ~~واستلبت به من نعم وتعطلت به من معايش وفسدت به مصالح وغرست به عداوات ~~وقطعت به مودات وافتقر به غنى ms518 وذل به عزيز وهتكت به مصونة ورميت به محصنة ~~وخلت به دور وقصور وعمرت به قبور وأزيل به أنس واستجلبت به وحشة وأفسد به ~~بين الابن وأبيه وغاض بين الأخ وأخيه وأحال الصديق عدوا مبينا ورد الغنى ~~العزيز مسكينا وكم فرق بين الحبيب وحبيبه فأفسد عليه عيشته ونغص عليه حياته ~~وكم جلا عن الأوطان وكم سود من وجوه وطمس من نور وأعمى من بصيرة وأفسد من ~~عقل وغير من فطرة وجلب من معرة وقطعت به السبل وعفت به معالم الهداية ودرست ~~به من آثار النبوة وخفيت به من مصالح العباد في المعاش والمعاد وهذا ~~وأضعافه ذرة من مفاسده وجناح بعوضة من مضاره ومصالحه ألا فما يجلبه من غضب ~~الرحمن وحرمان الجنان وحلول دار الهوان أعظم من ذلك وهل ملئت الجحيم ألا ~~بأهل الكذب الكاذبين على الله وعلى رسوله وعلى دينه وعلى أوليائه المكذبين ~~بالحق حمية وعصبية جاهلية وهل عمرت الجنان ألا بأهل الصدق الصادقين ~~المصدقين بالحق قال تعالى فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ~~ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين وإذا كانت هذه حال الكذب والصدق فمن ~~أبطل الباطل دعوى تساويهما وان العقل إنما يؤثر الصدق لتوهم اقترانه ~~بالثناء وانما يتجنب الكذب لتوهم اقترانه بالقبح كتوهم اقتران اللسع في ~~الحبل المرقش ورد استقباح هذه المفاسد والمقابح التي لا أقبح منها إلى مجرد ~~وهم باطل شبه نفرة الطبع عن الحبل المرقش ونفس العلم بهذه المقالة كاف في ~~الجزم ببطلانها ولو ذهبنا نعدد قبائح الكذب الناشئة من ذاته وصفاته لزادت ~~عن الألف وما من عاقل ألا وعند العلم ببعض ذلك علما ضروريا مركوزا في فطرته ~~فما سوى الله بينه وبين الصدق أبدا ودعوى استوائهما كدعوى استواء النور ~~والظلمة والكفر والأيمان وخراب العالم واهلاك الحرث والنسل وعمارته بل ~~كدعوى استواء الجوع والشبع والري والظمأ والفرح والغم وأنه لا فرق عند ~~العقل بين علمه بهذا ms519 وهذا # الوجه الحادي والثلاثون قولكم الصدق والكذب متنافيان ومن المحال تساوي ~~المتنافيين في جميع الصفات إلى آخره إقرار منكم بالحق ونقض لما أصلتموه ~~فانهما إذا كانا متنافيين ذاتا وصفاتا لم يرجع الفرق بينهما استحسانا ~~واستقباحا إلى مجرد العادة والمنشأ والوباء أو مجرد التدين بالشرائع بل ~~يكون مرجع الفرق إلى ذاتهما وأن ذات هذا مقتضية لحسنه وذات هذا مقتضية ~~لقبحه وهذا هو عين الصواب لولا أنكم لا تثبتون علته وتصرحون بأن الفرق ~~بينهما سببه العادة والتربية والمنشأ والتدين بشرائع الأنبياء حتى لو فرض ~~انتفاء ذلك لم يؤثر الرجل الصدق على الكذب وهل في التناقض أقبح من هذا ~~PageV02P074 # الوجه الثاني والثلاثون قولكم أن غاية هذا أن يدل على قبح الكذب وحسن ~~الصدق شاهدا ولا يلزم منه حسنه وقبحه وغائبا ألا بطريق قياس الغائب على ~~الشاهد وهو باطل لوضوح الفرق واستنادكم في الفرق إلى ما ذكرتم من تخلية ~~الله بين عباده يموج بعضهم في بعض ظلما وإفسادا وقبح ذلك مشاهد فيالله ~~العجب كيف يجوز العقل التزام مذهب ملتزم معه جواز الكذب على رب العالمين ~~وأصدق الصادقين وأنه لا فرق أصلا بالنسبة إليه بين الصدق والكذب بل جواز ~~الكذب عليه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا كجواز الصدق وحسنه لحسنه ~~وهل هذا ألا من أعظم الإفك والباطل ونسبته إلى الله تعالى جوازا كنسبة ما ~~لا يليق بجلاله إليه من الولد والزوجة والشريك بل لنسبة أنواع الظلم والشر ~~إليه جوازا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فمن اصدق من الله حديثا ومن أصدق ~~من الله قيلا وهل هذا الإفك المفترى ألا رافع للوثوق بأخباره ووعده ووعيده ~~وتجويزه عليه وعلى كلامه ما هو أقبح القبائح التي تنزه عنها بعض عبيده ولا ~~يليق به فضلا عنه سبحانه فلو التزمتم كل إلزام بلزوم مسمى الحسن والقبح ~~العقليين لكان أسهل من التزام هذا الإد التي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هذا ولا نسبة في القبح بين الولد والشريك والزوجة وبين ~~الكذب ولهذا فطر الله عقول عباده ms520 على الازدراء والذم والمقت للكاذب دون من ~~له زوجة وولد وشريك فتنزه أصدق الصادقين عن هذا القبيح كتنزهه عن الولد ~~والزوجة والشريك بل لا يعرف أحد من طوائف هذا العالم جوز الكذب على الله ~~لما فطر الله عقول البشر وغيرهم على قبحه ومقت فاعله وخسته ودناءته # ونسبة طوائف المشركين الشريك والولد إليه لما لم يكن قبحه عندهم كقبح ~~الكذب وكفى بمذهب بطلانا وفسادا هذا القول العظيم والإفك المبين لازمة ومع ~~هذا فأهله لا يتحاشون من التزامه فلو التزم القائل أن يذهب الذم كان خيرا ~~له من هذا ونحن نستغفر الله من التقصير في رد أهل المذهب القبيح ولكن ظهور ~~قبحه للعقول والفطر أقوى شاهد على رده وإبطاله ولقد كان كافينا من رده نفس ~~تصويره وعرضه على عقول الناس وفطرهم فليتأمل اللبيب الفاضل ماذا يعود إليه ~~نصر المقالات والتعصب لها والتزام لوازمها وإحسان الظن بأربابها بحيث يرى ~~مساويهم محاسن وإساءة الظن بخصومهم بحيث يرى محاسنهم مساوي كم أفسد هذا ~~السلوك من فطرة وصاحبها من الذين يحسبون أنهم على شيء إلا انهم هم الكاذبون ~~ولا يتعجب من هذا فان مرآة القلب لا يزال يتنفس فيها حتى يستحكم صداؤها ~~فليس ببدع لها أن ترى الأشياء على خلاف ما هي عليه فمبدأ الهدى والفلاح ~~صقال تلك المرآة ومنع الهوى من التنفس فيها وفتح عين البصيرة في أقوال من ~~يسيء الظن بهم كما يقبحها في أقوال من يحسن الظن به وقيامك PageV02P075 # لله وشهادتك بالقسط وأن لا يحملك بغض منازعيك وخصومك على جحد دينهم ~~وتقبيح محاسنهم وترك العدل فيهم فان الله لا يعتد بتعب من هذا ثناه ولا ~~يجدي علمه نفعا أحوج ما يكون إليه والله يحب المقسطين ولا يحب الظالمين # الوجه الثالث والثلاثون قولكم أن مستند الحكم يقبح الكذب غائبا على ~~الشاهد وهو فاسد فيقال الرب تعالى لا يدخل مع خلقه في قياس تمثيل ولا قياس ~~شهود يستوي أفراده فهذان الفرعان من القياس يستحيل ثبوتهما في حقه وأما ~~قياس الأولى فهو غير مستحيل في حقه ms521 بل هو واجب له وهو مستعمل في حقه عقلا ~~ونقلا أما العقل فكاستدلالنا على أن معطى الكمال أحق بالكمال فمن جعل غيره ~~سميعا بصيرا عالما متكلما حيا حكيما قادرا مريدا رحيما محسنا فهو أولى بذلك ~~وأحق منه ويثبت له من هذه الصفات أكملها وأتمها وهذا مقتضى قولهم كمال ~~المعلول مستفاد من كمال علته ولكن نحن ننزه الله عز وجل عن إطلاق هذه ~~العبارة في حقه بل نقول كل كمال ثبت للمخلوق غير مستلزم للنقص فخالقه ~~ومعطيه إياه أحق بالاتصاف به وكل نقص في المخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه ~~كالكذب والظلم والسفه والعيب بل يجب تنزيه الرب تعالى عن كل النقائص ~~والعيوب مطلقا وان لم يتنزه عنها بعض المخلوقين وكذلك إذا استدللنا على ~~حكمته تعالى بهذه الطرائق نحو أن يقال إذا كان الفاعل الحكيم الذي لا يفعل ~~فعلا إلا لحكمة وغاية مطلوبة له من فعله أكمل ممن يفعل لا لغاية ولا لحكمة ~~ولا لأجل عاقبة محمودة وهي مطلوبة من فعله في الشاهد ففي حقه تعالى أولى ~~وأحرى فإذا كان الفعل للحكمة كما لا فينا فالرب تعالى أولى به وأحق وكذلك ~~إذا كان التنزه عن الظلم والكذب كما لا في حقنا فالرب تعالى أولى وأحق ~~بالتنزه عنه وبهذا ونحوه ضرب الله الأمثال في القرآن وذكر العقول ونبهها ~~وأرشدها إلى ذلك كقوله @QB@ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا ~~سلما لرجل هل يستويان مثلا @QE@ فهذا مثل ضربه يتضمن قياس الأول يعني إذا ~~كان المملوك فيكم له ملاك مشتركون فيه وهم متنازعون ومملوك آخر له مالك ~~واحد فهل يكون هذا وهذا سواء فإذا كان هذا ليس عندكم كمن له رب واحد ومالك ~~واحد فكيف ترضون أن تجعلوا لأنفسكم آلهة متعددة تجعلونها شركاء لله تحبونها ~~كما يحبونه وتخافونها كما يخافونه وترجونها كما يرجونه وكقوله تعالى وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وهجه مسودا وهو كظيم يعني أن أحدكم لا ~~يرضى أن يكون له بنت فكيف تجعلون لله مالا ترضونه لأنفسكم وكقوله @QB@ ضرب ms522 ~~الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق ~~منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا ~~رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت ~~بخير هل @QE@ PageV02P076 @QB@ يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط ~~مستقيم @QE@ يعني إذا كان لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر على شيء وغني ~~موسع عليه ينفق مما رزقه الله فكيف تجعلون الصنم الذي هو أسوأ حالا من هذا ~~العبد شريكا لله وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلان أحدهما أبكم لا يعقل ~~ولا ينطق وهو مع ذلك عاجز لا يقدر على شيء وآخر على طريق مستقيم في أقواله ~~وأفعاله وهو آمر بالعدل عامل به لأنه على صراط مستقيم فكيف تسوون بين الله ~~وبين الصنم في العبادة ونظائر ذلك كثيرة في القرآن وفي الحديث كقوله في ~~حديث الحارث الأشعري وان الله أمركم أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا وان مثل ~~من أشرك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله وقال له اعمل وأد إلى فكان يعمل ~~ويؤدي إلى غيره فأيكم يحب أن يكون عبده كذلك فالله سبحانه لا تضرب الأمثال ~~التي يشترك هو وخلقه فيها لا شمولا ولا تمثيلا وانما يستعمل في حقه قياس ~~الأولى كما تقدم # الوجه الخامس والثلاثون أن النفاة إنما ردوا على خصومهم من الجهمية ~~المعتزلة في إنكار الصفات بقياس الغائب على الشاهد فقالوا العالم شاهدا من ~~له العلم والمتكلم من قام به الكلام والحي والمريد والقادر من قام به ~~الحياة والإرادة والقدرة ولا يعقل إلا هذا قالوا ولأن شرط إطلاق الاسم ~~شاهدا وجود هذه الصفات ولا يستحق الاسم في الشاهد إلا من قامت به فكذلك في ~~الغائب قالوا ولأن شرط العلم والقدرة والإرادة في الشاهد الحياة فكذلك في ~~الغائب قالوا ولأن علم كون العالم عالما شاهدا وجود العلم وقيامه به فكذلك ~~في الغائب فقالوا بقياس الغائب على الشاهد في العلة والشرط والاسم ms523 والحد ~~فقالوا حد العالم شاهدا من قام به العلم فكذلك غائبا وشرط صحة إطلاق الاسم ~~عليه شاهدا قيام العلم به فكذلك غائبا وعليه كونه عالما شاهدا قيام العلم ~~به فكذلك غائبا فكيف تنكرون هنا قياس الغائب على الشاهد وتحتجون به في ~~مواضع أخرى فأي تناقض أكثر من هذا فان كان قياس الغائب على الشاهد باطلا ~~بطل احتجاجكم علينا به في هذه المواضع وان كان صحيحا بطل ردكم في هذا ~~الموضع فأما أن يكون صحيحا إذا استدللتم به باطلا إذا استدل به خصومكم فهذا ~~أقبح التطفيف وقبحه ثابت بالعقل والشرع # الوجه السادس والثلاثون قولكم أن الله خلى بين العباد وظلم بعضهم بعضا ~~وأن ذلك ليس بقبيح منه فانه قبيح منا فذلك فاسد على أصل التكليف فان ~~التكليف إنما يتم بإعطاء القدرة والاختيار والله تعالى قد أقدر عباده على ~~الطاعات والمعاصي والصلاح والفساد وهذا الأقدار هو مناط الشرع والأمر ~~والنهي فلولاه لم يكن شرع ولا رسالة ولا ثواب ولا عقاب وكان الناس بمنزلة ~~الجمادات والأشجار والنبات فلو حال سبحانه بين العباد وبين القدرة على ~~المعاصي لارتفع الشرع والرسالة والتكليف وانتفت فوائد البعثة ولزم من ذلك ~~لوازم لا يحبها الله وتعطلت PageV02P077 به غايات محمودة محبوبة لله وهي ~~ملزومة لأقدار العباد وتمكينهم من الطاعة والمعصية ووجود الملزوم بدون ~~اللازم محال وقد نبهنا على شيء يسير من الحكم المطلوبة والغايات المحمودة ~~فيما سلف من هذا الفصل وفي أول الكتاب فلو أن الرب تعالى خلق خلقه ممنوعين ~~من المعاصي غير قادرين عليها بوجه لم يكن لإرسال الرسل وانزال الكتب والأمر ~~والنهى والثواب والعقاب سبب يقتضيه ولا حكمة تستدعيه وفي ذلك تعطل الأمر ~~جملة بل تعطيل الملك والحمد والرب تعالى له الخلق والأمر وله الملك والحمد ~~والغايات المطلوبة والعواقب المحمودة التي لأجلها أنزل كتبه وأرسل رسله ~~وشرع شرائعه وخلق الجنة والنار ووضع الثواب والعقاب وذلك لا يحصل إلا ~~بأقدار العباد على الخير والشر وتمكينهم من ذلك فأعطاهم الأسباب والآلات ~~التي يتمكنون بها من فعل هذا وهذا فلهذا ms524 حسن منه تبارك وتعالى التخلية بين ~~عباده وبين ما هم فاعلوه وقبح من أحدنا أن يخلى بين عبيده وبين الإفساد وهو ~~قادر على منعهم هذا مع أنه سبحانه لم يخل بينهم بل منعهم منه وحرمه عليهم ~~ونصب لهم العقوبات الدنيوية والأخروية على القبائح وأحل بهم من بأسه وعذابه ~~وانتقامه مالا يفعله السيد من المخلوقين بعبيده ليمنعهم ويزجرهم فقولكم أنه ~~خلى بين عباد وبين إفساد بعضهم بعضا وظلم بعضهم بعضا كذب عليه فانه لم يخل ~~بينهم شرعا ولا قدرا بل حال بينهم وبين ذلك شرعا أتم حيلولة ومنعهم قدرا ~~بحسب ما تقتضيه حكمته الباهرة وعلمه المحيط وخلى بينهم وبين ذلك بحسب ما ~~تقتضيه حكمته وشرعه ودينه فمنعه سبحانه لهم حيلولته بينهم وبين الشر أعظم ~~من تخليته والقدر الذي خلاه بينهم في ذلك هو ملزوم أمره وشرعه ودينه فالذي ~~فعله في الطرفين غاية الحكمة والمصلحة ولا نهاية فوقه لاقتراح عقل ولو خلى ~~بينهم كما زعمتم لكانوا بمنزلة الأنعام السائمة بل لو تركهم ودواعي طباعهم ~~لأهلك بعضهم بعضا وخرب العالم ومن عليه بل ألجمهم لجام العجز والمنع من كل ~~ما يريدون فلو أنه خلى بينهم وبين ما يريدون لفسدت الخليقة كما الجمهم ~~بلجام الشرع والأمر ولو منعهم جملة ولم يمكنهم ولم يقدرهم لتعطل الأمر ~~والشرع جملة وانتقت حكمة البعثة والإرسال والثواب والعقاب فأي حكمة فوق هذه ~~الحكمة وأي أمر أحسن مما فعله بهم ولو أعطى الناس هذا المقام بعض حقه ~~لعلموا أنه مقتضى الحكمة البالغة والقدرة التامة والعلم المحيط وأنه غاية ~~الحكمة ومن فتح له بفهم في القرآن رآه من أوله إلى آخره ينبه العقول على ~~هذا ويرشدها إليه ويدلها عليه وأنه يتعالى ويتنزه أن يكون هذا منه عبثا أو ~~سدى أو باطلا أو بغير الحق أو لا لمعنى ولا لداع وباعث وان مصدر ذاك جميعه ~~عن عزته وحكمته ولهذا كثيرا ما يقرن تعالى بين هذين الاسمين العزيز الحكيم ~~في آيات التشريع والتكوين والجزاء ليدل عباده على أن مصدر ذلك كله عن حكمة ms525 ~~بالغة وعزة قاهرة ففهم الموفقون عن الله عز وجل مراده وحكمته وانتهوا إلى ~~ما وقفوا عليه PageV02P078 ووصلت إليه إفهامهم وعلومهم وردوا علم ما غاب ~~عنهم إلى أحكم الحاكمين ومن هو بكل شيء عليم وتحققوا بما عملوه من حكمته ~~التي بهرت عقولهم أن الله في كل ما خلق وأمر وأثاب وعاقب من الحكم البوالغ ~~ما تقصر عقولهم عن إدراكه وأنه تعالى هو الغني الحميد العليم الحكيم فمصدر ~~خلقه وأمره وثوابه وعقابه غناه وحمده وعلمه وحكمته ليس مصدره مشيئة مجردة ~~وقدرة خالية من الحكمة والرحمة والمصلحة والغايات المحمودة المطلوبة له ~~خلقا وأمرا وأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته ووقوع أفعاله كلها ~~على أحسن الوجوه وأتمها على الصواب والسداد ومطابقة الحكم والعباد يسألون ~~إذ ليست أفعالهم كذلك ولهذا قال خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام أنى توكلت ~~على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها أن ربي على صراط مستقيم ~~فأخبر عن عموم قدرته تعالى وأن الخلق كلهم تحت تسخيره وقدرته وانه آخذ ~~بنواصيهم فلا محيص لهم عن نفوذ مشيئته وقدرته فيهم ثم عقب ذلك بالأخبار عن ~~تصرفه فيهم وأنه بالعدل لا بالظلم وبالإحسان لا بالإساءة وبالصلاح لا ~~بالفساد فهو يأمرهم وينهاهم إحسانا إليهم وحماية وصيانة لهم ولا حاجة إليهم ~~ولا بخلا عليهم بل جودا وكرما ولطفا وبرا ويثيبهم إحسانا وتفضلا ورحمة لا ~~لمعاوضة واستحقاق منهم ودين واجب لهم يستحقونه عليه ويعاقبهم عدلا وحكمة لا ~~تشفيا ولا مخافة ولا ظلما كما يعاقب الملوك وغيرهم بل هو على الصراط ~~المستقيم وهو صراط العدل والإحسان في أمره ونهيه وثوابه وعقابه فتأمل ألفاظ ~~هذه الآية وما جمعته من عموم القدرة وكمال الملك ومن تمام الحكمة والعدل ~~والإحسان وما تضمنته من الرد على الطائفتين فأنها من كنوز القرآن ولقد كفت ~~وشفت لمن فتح عليه بفهمها فكونه تعالى على صراط مستقيم ينفى ظلمه للعباد ~~وتكليفه إياهم ما لا يطيقون وينفى العيب من أفعاله وشرعه ويثبت لها غاية ~~الحكمة والسداد ردا على منكري ذلك وكون ms526 كل دابة تحت قبضته وقدرته وهو آخذ ~~بناصيتها ينبغي أن لا يقع في ملكه من أحد المخلوقات شيء بغير مشيئته وقدرته ~~وأن من ناصيته بيد الله وفي قبضته لا يمكنه أن يتحرك إلا بتحريكه ولا يفعل ~~إلا بأقداره ولا يشاء إلا بمشيئته تعالى ردا على منكري ذلك من القدرية ~~فالطائفتان ما وفوا الآية معناها ولا قدروها حق قدرها فهو سبحانه على صراط ~~مستقيم في عطائه ومنعه وهدايته واضلاله وفي نفعه وضره وعافيته وبلائه ~~واغناه وإفقاره وإعزازه وإذلاله وانعامه وانتقامه وثوابه وعقابه وإحيائه ~~وإماتته وأمره ونهيه وتحليله وتحريمه وفي كل ما يخلق وكل ما يأمر به وهذه ~~المعرفة بالله لا تكون إلا للأنبياء ولورثتهم ونظير هذه الآية قوله تعالى ~~وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجهه لايأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم فالمثل ~~الأول للضم وعابديه والمثل الثاني ضربه الله تعالى لنفسه وأنه يأمر بالعدل ~~وهو على صراط مستقيم فكيف يسوى بينه وبين الصنم الذي له مثل السوء فما فعله ~~الرب تبارك PageV02P079 وتعالى مع عباده هو غاية الحكمة والإحسان والعدل في ~~اقدارهم واعطائهم ومنعهم وأمرهم ونهيهم فدعوى المدعى أن هذا نظير تخلية ~~السيد بين عبيده وامائه يفجر بعضهم ببعض ويسيء بعضهم بعضا اكذب دعوى ~~وأبطلها والفرق بينهما أظهر وأعظم من أن يحتاج إلى ذكره والتنبيه عليه ~~والحمد لله الغني الحميد فغناه التام فارق وحمده وملكه وعزته وحكمته وعلمه ~~وإحسانه وعدله ودينه وشرعه وحكمه وكرمه ومحبته للمغفرة والعفو عن الجناة ~~والصفح عن المسيئين وتوبة التائبين وصبر الصابرين وشكر الشاكرين الذين ~~يؤثرونه على غيره ويتطلبون مراضيه ويعبدونه وحده ويسيرون في عبيده بسيرة ~~العدل والإحسان والنصائح ويجاهدون أعداءه فيبذلون دماءهم وأموالهم في محبته ~~ومرضاته فيتميز الخبيث من الطيب ووليه من عدوه ويخرج طيبات هؤلاء وخبائث ~~أولئك إلى الخارج فيترتب عليها آثارها المحبوبة للرب تعالى من الثواب ~~والعقاب والحمد لأوليائه والذم لأعدائه وقد نبه تعالى على هذه الحكمة في ~~كتابه ms527 في غير موضع كقوله تعالى @QB@ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله ~~يجتبي من رسله من يشاء @QE@ هذه الآية من كنوز القرآن نبه فيها على حكمته ~~تعالى المقتضية تمييز الخبيث من الطيب وأن ذلك التمييز لا يقع إلا برسله ~~فاجتبى منهم من شاء وأرسله إلى عباده فيتميز برسالتهم الخبيث من الطيب ~~والولى من العدو ومن يصلح لمجاورته وقربه وكرامته ممن لا يصلح إلا للوقود ~~وفي هذا تنبيه على الحكمة في إرسال الرسل وأنه لا بد منه وان الله تعالى لا ~~يليق به الإخلال به وان من جحد رسالة رسله فما قدره حق قدره ولا عرفه حق ~~معرفته ونسبه إلى ما لا يليق به كما قال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره ~~إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء @QE@ فتأمل هذا الموضع حق التأمل ~~واعطه حظه من الفكر فلو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان من أجل ما يستفاد ~~والله الهادي إلى سبيل الرشاد # الوجه السابع والثلاثون قولكم أن الإغراق والإهلاك بخس منه تعالى وهو ~~أقبح شيء منا فكيف يدعون حسن إنقاذ الغرقى عقلا إلى آخره كلام فاسد جدا فان ~~الإغراق والإهلاك من الرب تعالى لا يخرج قط عن المصلحة والعدل والحكمة فانه ~~إذا أغرق أعداءه وأهلكهم وانتقم منهم كان هذا غاية الحكمة والعدل والمصلحة ~~وان أغرق أولياءه وأهل طاعته فهو سبب من الأسباب التي نصبها لموتهم ~~وتخليصهم من الدنيا والوصول إلى دار كرامته ومحل قربه ولا بد من موت على كل ~~حال فاختار لهم أكمل الموتتين وأنفعهما لهم في معادهم ليوصلهم إلى درجات ~~عالية لا تنال إلا بتلك الأسباب التي نصبها الله موصلها كإيصال سائر ~~الأسباب إلى مسبباتها ولهذا سلط على أنبيائه وأوليائه ما سلط عليهم من ~~القتل وأذى الناس وظلمهم لهم وعدوانهم عليهم وما ذاك لهوانهم عليه ولا ~~لكرامة أعدائهم عليه بل ذاك عين كرامتهم وهوان أعدائهم عليه وسقوطهم من ~~عينه ms528 لينالوا بذلك ما خلقوا له من مساكنتهم في دار PageV02P080 الهوان ~~وينال أولياؤه وحزبه ما هيئ لهم من الدرجات العلي والنعيم المقيم فكل تسليط ~~أعدائه وأعدائهم عليهم عين كرامتهم وعين إهانة أعدائهم فهذا من بعض حكمه ~~تعالى في ذلك ووراء ذلك من الحكم ما لا تبلغه العقول والأفه والإفهام وكان ~~إغراقه واهلاكه وابتلاؤه محض الحكمة والعدل في حق أعدائه ومحض الإحسان ~~والفضل والرحمة في حق أوليائه فلهذا حسن منه # ولعل الإغراق وتسليط القتل عليهم أسهل الموتتين عليهم مع ما في ضمنه من ~~الثواب العظيم فيكون وقد بلغ حسن اختياره لهم إلى أن خفف عليهم الموتة ~~وأعاضهم عليها أفضل الثواب فانه لا يجد الشهيد من ألم القتل إلا كمس القرصة # ومن لم يمت بالسيف مات بغيره % تنوعت الأسباب والموت واحد # فليس إماتة أوليائه شهداء بيد أعدائه إهانة لهم ولا غضبا عليهم بل كرامة ~~ورحمة وإحسانا ولطفا وكذلك الغرق والحرق والردم والتردى والبطن وغير ذلك ~~والمخلوق ليس بهذه المثابة فلهذا قبح منه الإغراق والإهلاك وحسن من اللطيف ~~الخبير # الوجه الثامن والثلاثون قولكم إذا كان لله في إغراقه واهلاكه سبحانه حكمة ~~وسر لا نطلع عليه نحن فقد رأوا مثله في ترك إنقاذنا الغرقى كلام تغى ركته ~~وفساده عن تكلف رده وهل يجوز أن يقال إذا كان لله الحكمة البالغة والأسرار ~~العظيمة في إهلاك من يهلكه وابتلاء من يبتليه ولهذا حسن منه ذلك فيلزم من ~~هذا أن يقال يجوز أن يكون في تركنا انجاء الغرقى ونصر المظلوم سد الخلة ~~وستر العورة حكما وأسرارا لا يعلمها العقلاء والمناكدة في البحوث إذا وصلت ~~إلى هذا الحد سمجت وثقلت على النفوس ومحتها القلوب والأسماع الوجه التاسع ~~والثلاثون قولكم العقلان من حيث الصفات النفسية واحدة فكيف يقبح أحدهما من ~~فاعل ويحسن الآخر وبمنزلة أن يقال السجود لله والسجود للصنم واحد من حيث ~~الصفات النفسية فكيف يقبح أحدهما ويحسن الآخر وهل في الباطل أبطل من هذا ~~الوهم فما جعل الله ذلك واحدا أصلا وليس إماتة الله لعبده مثل قتل المخلوق ms529 ~~له ولا أجاعته واعراؤه وابتلاؤه مساويا في الصفات النفسية لفعل المخلوق ~~بالمخلوق ذلك ودعوى التساوي كذب وباطل فلا أعظم من التفاوت بينهما وهل ~~يساوي هذا الفعل والفطرة فعل الله وفعل المخلوق فيا لله العجب أن بتناولهما ~~اسم الفعل المشترك صارا سواء في الصفات النفسية أترى حصل لهما هذا التساوي ~~من جهة الفعلين والذي أوجب هذا الخيال الفاسد اتحاد المحل وتعلق الفعلين به ~~وهل يدل هذا على استواء الفعلين في الصفات النفسية ولقد وهت أركان مسألة ~~بنيت على هذا الشفا فانه شفا جرف هار والله المستعان # الوجه الأربعون قولكم مواجب العقول في أصل التكليف معارضة الأصول فيقال ~~معاذ الله من تعارضهما بل هي متفقة الأصول مستقر حسنها في العقول والفطر ~~مركوز ذلك فيها فما شرع الله شيئا فقال العقل PageV02P081 # السليم ليته شرع خلافه بل هي متعارضة بين العقل والهوى والعقل يقضى ~~بحسنها ويدعو إليها ويأمر بمتابعتها جملة في بعضها وجملة وتفصيلا في بعض ~~والهوى والشهوة قد يدعوان غالبا إلى خلافها فالتعارض واقع بين مواجب العقول ~~ومواجب الهوى وما جعل الله في العقل ولا في الفطرة استقباحا لما أمر به ولا ~~استحسانا لما نهى عنه وأن مال الهوى إلى خلاف أمره ونهيه فالعقل حينئذ يكون ~~مأمورا مع الهوى مقهورا في قبضته وتحت سلطانه # الوجه الحادي والأربعون قولكم نطالبكم بإظهار وجه الحسن في أصل التكليف ~~وايجابه عقلا وشرعا فيقال يالله العجب أيحتاج أمر الله تعالى لعباده بما ~~فيه غاية صلاحهم وسعادتهم في معاشهم ومعادهم ونهيه لهم عما فيه هلاكهم ~~وشقاؤهم في معاشهم ومعادهم إلى المطالبة بحسنه ثم لا يقتصر على المطالبة ~~بحسنه عقلا حتى يطالب بحسنه عقلا وشرعا فأي حسن لم يأمر الله به ويستحبه ~~لعباده ويندبهم إليه وأي حسن فوق حسن ما أمر به وشرعه وأي قبيح لم ينه عنه ~~ولم يزجر عباده من ارتكابه وأي قبح فوق قبح ما نهى عنه وهل في العقل دليل ~~أوضح من علمه بحسن ما أمر الله به من الأيمان والإحسان وتفاصيلها من العدل ~~والإحسان وإيتاء ms530 ذي القربى وأنواع البر والتقوى وكل معروف تشهد الفطر ~~والعقول به من عبادته وحده لا شريك له على أكمل الوجوه وأتمها والإحسان إلى ~~خلقه بحسب الإمكان فليس في العقل مقدمات هي أوضح من هذا المستدل عليه فيجعل ~~دليلا له وكذلك ليس في العقل دليل أوضح من قبح ما نهى الله عنه من الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق والشرك بالله بأن يجعل له ~~عديل من خلقه فيعبد كما يعبد ويحب كما يحب ويعظم كما يعظم ومن الكذب على ~~الله وعلى أنبيائه وعباده المؤمنين الذي فيه خراب العالم وفساد الوجود فأي ~~عقل لم يدرك حسن ذلك وقبح هذا فأحرى أن لا يدرك الدليل على ذلك # وليس يصح في الأذهان شيء % إذا احتاج النهار إلى دليل # فما أبقى الله عز وجل حسنا إلا أمر به وشرعه ولا قبيحا إلا نهى عنه وحذر ~~منه ثم أنه سبحانه أودع في الفطر والعقول الإقرار بذلك فأقام عليها الحجة ~~من الوجهين ولكن اقتضت رحمته وحكمته أن لا يعذبها إلا بعد إقامتها عليها ~~برسله وان كانت قائمة عليها بما أودع فيها واستشهدها عليه من الإقرار به ~~وبوحدانيته واستحقاقه الشكر من عباده بحسب طاقتهم على نعمه وبما نصب عليها ~~من الأدلة المتنوعة المستلزمة إقرارها بحسن الحسن وقبح القبيح # الوجه الثاني والأربعون أنا نذكر لكم وجها من الوجوه الدالة على وجه ~~الحسن في أصل التكليف والإيجاب فنقول لا ريب أن إلزام الناس شريعة يأتمرون ~~بأوامرها التي فيها صلاحهم وينتهون عن مناهيها التي فيها فسادهم أحسن عند ~~كل عاقل من تركهم هملا كالأنعام لا يعرفون معروفا PageV02P082 ولا ينكرون ~~منكرا وينزو بعضهم على بعض نزو الكلاب والحمر ويعدو بعضهم على بعض عدو ~~السباع والكلاب والذئاب ويأكل قويهم ضعيفهم لا يعرفون الله ولا يعبدونه ولا ~~يذكرونه ولا يشكرونه ولا يمجدونه ولا يدينون بدين بل هم من جنس الأنعام ~~السائمة ومن كابر عقله في هذا سقط الكلام معه ونادى على نفسه بغاية الوقاحة ~~ومفارقة الإنسانية وما نظير مطالبتكم هذه ms531 إلا مطالبة من يقول نحن نطالبكم ~~بإظهار وجه المنفعة في خلق الماء والهواء والرياح والتراب وخلق الأقوات ~~والفواكه والأنعام بل في خلق الأسماع والأبصار والألسن والقوى والأعضاء ~~التي في العبد فان هذه أسباب ووسائل ووسائط # وأما أمره وشرعه ودينه فكماله غاية وسعادة في المعاش والمعاد ولا ريب عنه ~~العقلاء أن وجه الحسن فيه أعظم من وجه الحسن في الأمور الحسية وان كان ~~الحسن هو الغالب على الناس وانما غاية أكثرهم إدراك الحسن والمنفعة في ~~الحسيات وتقديمها وإيثارها على مدارك العقول والبصائر قال تعالى @QB@ ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون @QE@ ولو ذهبنا نذكر وجوه المحاسن المودعة في الشريعة لزادت على ~~الألوف ولعل الله أن يساعده بمصنف في ذلك مع أن هذه المسألة بابه وقاعدته ~~التي عليها بناؤه # الوجه الثالث والأربعون قولكم أنه سبحانه لا يتضرر بمعصية العبد ولا ~~ينتفع بطاعته ولا تتوقف قدرته في الإحسان على فعل يصدر من العبد بل كما ~~أنعم عليه ابتداء فهو قادر على أن ينعم عليه بلا توسط # فيقال هذا حق ولكن لا يلزم فيه أن لا تكون الشريعة والأمر والنهى معلومة ~~الحسن عقلا ولا شرعا ولا يلزم منه أيضا عدم حسن التكليف عقلا ولا شرعا ~~فذكركم كم هذا عديم الفائدة فانه لم يقل منازعوكم ولا غيرهم أن الله سبحانه ~~يتضرر بمعاصي العباد وينتفع بطاعاتهم ولا أنه غير قادر على إيصال الإحسان ~~إليهم بلا واسطه ولكن ترك التكليف وترك العباد هملا كالأنعام لا يؤمرون ولا ~~ينهون مناف لحكمته وحمده وكمال ملكه والهيته فيجب تنزيهه عنه ومن نسبه إليه ~~فما قدره حق قدره وحكمته البالغة اقتضت الأنعام عليهم ابتداء وبواسطة ~~الأيمان والواسطة في إنعامه عليهم أيضا فهو المنعم بالوسيلة والغاية وله ~~الحمد والنعمة في هذا وهذا يوضحه # الوجه الرابع والأربعون وهو أن إنعامه عليه ابتداء بالإيجاد واعطاء ~~الحياة والعقل والسمع والبصر والنعم التي سخرها له إنما فعلها به لأجل ~~عبادته إياه وشكره له كما قال تعالى @QB@ وما خلقت ms532 الجن والإنس إلا ليعبدون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم @QE@ وأصح الأقوال في ~~الآية أن معناها ما يصنع بكم ربي لو لا عبادتكم إياه فهو سبحانه لم يخلقكم ~~إلا لعبادته فكيف يقال بعد هذا أن تكليفه إياهم عبادته غير حسن في العقل ~~لأنه قادر على الأنعام عليهم بالجزاء من غير توسط العبادة الوجه الخامس ~~والأربعون أن قدرته سبحانه على الشيء لا تنفي حكمته البالغة من وجوده ~~PageV02P083 فإنه تعالى يقدر على مقدورات تمنع بحكمته كقدرته على قيامه ~~الساعة الآن وقدرته على إرسال الرسل بعد النبي وقدرته على إبقائهم بين ظهور ~~الأمة إلى يوم القيامة وقدرته على أماتة إبليس وجنوده واراحة العالم منهم ~~وقد ذكر سبحانه في القرآن قدرته على ما لا يفعله لحكمته في غير موضع كقوله ~~تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ~~وإنا على ذهاب به لقادرون @QE@ وقوله أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى ~~قادرين على أن نسوي بنانه أي نجعلها كخف البعير صفحة واحدة وقوله تعالى ~~@QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني @QE@ وقوله @QB@ لآمن ~~من في الأرض كلهم جميعا @QE@ وقوله @QB@ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ~~@QE@ فهذه وغيرها مقدورات له سبحانه وانما امتنعت لكمال حكمته فهي التي ~~اقتضت عدم وقوعها فلا يلزم من كون الشيء مقدورا أن يكون حسنا موافقا للحكمة ~~وعلى هذا فقدرته تبارك وتعالى على ما ذكرتم لا تقتصي حسنه وموافقته لحكمته ~~ونحن إنما نتكلم معهم في الثاني لا في الأول فالكلام في الحكمه يقتضي ~~الحكمة # والعناية غير الكلام في المقدور فتعلق الحكمة شيء ومتعلق القدرة شيء ولكن ~~أنتم إنما لويتم من إنكار الحكمة فلا يمكنكم التفريق بين المتعلقين بل قد ~~اعترف سلفكم وأئمتكم بأن الحكمة لا تخرج عن صحة تعلقه بالمقدور ومطابقته ~~لها أو تعلق العلم بالمعلوم ومطابقته له ولما بنيتم على هذا الأصل لم ~~يمكنكم الفرق بين ms533 موجب الحكمة وموجب القدرة فتوعرت عليكم الطريق وألجأتم ~~أنفسكم إلى اصعب مضيق # الوجه الثالث والأربعون قولكم أنه تعالى لو ألقى إلى العبد زمام الاختيار ~~وتركه يفعل ما يشاء جريا على رسوم طبعه المائل إلى لذيذ الشهوات ثم أجزل له ~~في العطاء من غير حساب كان أروح للعبد ولم يكن قبيحا عند العقل فيقال لكم ~~ما تعنون بإلقاء زمام الاختيار إليه أتعنون به أنه لا يكلفه ولا يأمره ولا ~~ينهاه بل يجعله كالبهيمة السائمة المهملة أم تعنون به أنه يلقى إليه زمام ~~الاختيار مع تكليفه وأمره ونهيه فان عنيتم الأول فهو من أقبح شيء في العقل ~~وأعظمه نقصا في الآدمي ولو ترك ورسوم طبعه لكانت البهائم أكمل منه ولم يكن ~~مكرما مفضلا على كثير ممن خلق الله تفضيلا بل كان كثير من المخلوقات أو ~~أكثرها مفضلا عليه فانه يكون مصدودا عن كماله الذي هو مستعد له قابل له ~~وذلك أسوأ حالا وأعظم نقصا مما منع كمالا ليس قابلا له # وتأمل حال الآدمي المخلى ورسوم طبعه المتروك ودواعي هواه كيف تجه في شرار ~~الخليقة وأفسدها للعالم ولو لا من يأخذ على يديه لأهلك الحرث والنسل وكان ~~شرا من الخنازير والذئاب والحيات فكيف يستوي في العقل أمره ونهيه بما فيه ~~صلاحه وصلاح غيره به وتركه وما فيه أعظم فساده وفساد النوع وغيره به وكيف ~~لا يكون هذا القول قبيحا وأي قبح أعظم PageV02P084 # من هذا ولهذا أنكر الله سبحانه على من جوز عقله مثل هذا ونزه نفسه عنه ~~فقال تعالى @QB@ أيحسب الإنسان أن يترك سدى @QE@ قال الشافعي معطلا لا يؤمر ~~ولا ينهى وقيل لا ثياب ولا يعاقب وقال تعالى @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون @QE@ ثم نزه نفسه عن هذا الظن الكاذب وأنه لا ~~يليق به ولا يجوز في العقول نسبة مثله إليه لمنافاته لحكمته وربوبيته ~~والهيته وحمده فقال @QB@ فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم @QE@ وقال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما ~~خلقناهما إلا ms534 بالحق وفسر الحق بالثواب والعقاب وفسر بالأمر والنهي وهذا ~~تفسير له ببعض معناه والصواب أن الحق هو ألهيته وحكمته المتضمنة للخلق ~~والأمر والثواب والعقاب فمصدر ذلك كله الحق وبالحق وجد وبالحق قام وغايته ~~الحق وبه قيامه فمحال أن يكون على غير هذا الوجه فانه يكون باطلا وعبثا ~~فتعالى الله عنه لمنافاته ألهيته وحكمته وكمال ملكه وحمده وقال تعالى أن في ~~خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياب لأولى الألباب الذي يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما ~~خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار وتأمل كيف أخبر سبحانه عنه بنفي ~~الباطلية عن خلقه دون إثبات الحكمة لأن بيان نفي الباطل على سبيل العموم ~~والاستغراق أوغل في المعنى المقصود وأبلغ من إثبات الحكم لأن بيان جميعها ~~لا يفي به إفهام الخليقة وبيان البعض يؤذن بتناهي الحكمة ونفى البطلان ~~والخلو عن الحكمة والفائدة تفيد أن كل جزء من أجزاء العالم علويه وسفليه ~~متضمن لحكم جمة وآيات باهرة ثم أخبر سبحانه عنهم بتنزيهه عن الخلق باطلا ~~خلوا عن الحكمة ولا معنى لهذا التنزيه عند النفاة فان الباطل عندهم هو ~~المحال لذاته فعلى قولهم نزهوه عن المحال لذاته الذي ليس بشيء كالجمع بين ~~النقيضين وكون الجسم الواحد لا يكون في مكانين ومعلوم قطعا أن هذا ليس مراد ~~الرب تعالى مما نزه نفسه عنه وأنه لا يمدح أحد بتنزيهه عن هذا ولا يكون ~~المنزه به مثنيا ولا حامدا ولم يخطر هذا بقلب بشر حتى ينكره الله على من ~~زعمه ونسبه إليه وقال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما ~~خلقناهما إلا بالحق فنفى اللعب عن خلقه وأثبت أنه إنما خلقهما بالحق فجمع ~~تعالى بين نفي اللعب الصادر عن غير حكمة وغاية محمودة واثبات الحق المتضمن ~~للحكم والغايات المحمودة والعواقب المحبوبة والقرآن مملوء من هذا بنفي ~~العبث والباطل واللعب تارة وتنزيه الرب نفسه عنه تارة واثبات الحكم الباهرة ~~في خلقه تارة كيف يجوز أن يقال أنه لو عطل ms535 خلقه وتركهم سدى لم يكن ذلك ~~قبيحا في العقل فان عنيتم أنه يلقى إليه زمام الاختيار مع أمره ونهيه فهذا ~~حق فانه جعله مختارا مأمورا منهيا وان كان اختياره مخلوقا له تعالى إذ هو ~~من جملة الحوادث الصادرة عن خلقه ولكن PageV02P085 هذا الاختيار لا ينافى ~~التكليف ولا يكون إلا به بوجه بل لا يصح التكليف إلا به # الوجه السابع والأربعون قولكم فقد تعارض الأمران أحدهما أن يكلفهم فيأمر ~~وينهى حتى يطاع ويعصى ثم يثيبهم ويعاقبهم الثاني أن لا يكلفهم إذ لا يتزين ~~منهم بطاعة ولا تشينه معصيتهم وإذا تعارض في المعقول هذان الأمران فكيف ~~يهدي العقل إلى اختيار أحدهما عقلا فكيف يعرفنا الوجوب على نفسه بالمعرفة ~~وعلى الجوارح بالطاعة وعلى الرب تعالى بالثواب # فيقال لكم لم يتعارض بحمد الله الأمران لأن أحدهما قد علم قبحه في ~~المعقول والآخر قد علم حسنه في المعقول فكيف يتعارض في العقل جواز الأمرين ~~وأن يكون نسبتهما إلى الرب تعالى نسبة واحدة وانما يتعارض الجائزات على كل ~~سواء بحيث لا يترجح بعضها عن بعض فأما الحسن والقبح فلم يتعارض في العقل قط ~~استواؤهما وقد قررنا مما لا مدفع له قبح الترك سدى بمنزلة الأنعام السائمة ~~وحسن الأمر والنهى وأستصلاحهم في معاشهم ومعادهم فكيف يقال أن هذين الأمرين ~~سواء في العقل بحيث يتعارضان فيه ويقضى باستوائهما بالنسبة إلى أحكم ~~الحاكمين فان قيل إنما تعارضا في المقدورية إذ نسبة القدرة إليهما واحدة ~~قلنا قد تقدم أنه لا يلزم من كون الشيء مقدورا أن لا يكون ممتنعا لمنافاته ~~الحكمة وقد بينا ذلك قريبا فيكون تركهم هملا وسدى مقدورا للرب تعالى لا ~~يقتضي معارضته لمقدوره الآخر في تكليفهم وأمرهم ونهيهم # الوجه الثامن والأربعون قولكم إذ لا يتزين منهم بطاعة ولا تشيئه معصيتهم ~~@QB@ قلنا @QE@ ومن الذي نازع في هذا ولكن حسن التكليف لا ينفى ذلك عن الرب ~~تعالى وأنه إنما يكلفهم تكليف من لا يبلغوا ضره فيضروه ولا يبلغوا نفعه ~~فينفعوه وأنهم لو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل واحد ms536 منهم ما زاد ذلك في ~~ملكه شيئا ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص ذلك في ملكه شيئا ~~وههنا اختلفت الطرق بالناس في علة التكليف وحكمته مع كونه سبحانه لا ينتفع ~~بطاعتهم ولا تضره معصيتهم فسلكت الجبرية مسلكها المعروف وأن ذلك صادر عن ~~محض المشيئة وصرف الإرادة وأنه لا علة له ولا باعث عليه سوى محض الإرادة ~~وسلكت القدرية مسلكها المعروف وهل ذلك إلا استئجار منه لعبيده لينالوا ~~أجرهم بالعمل فيكون ألذ من اقتضائهم الثواب بلا عمل لما فيه من تكدير المنة ~~والمسلكان كما ترى وحسبك ما يدل عليه العقل الصريح والنقل الصحيح من ~~بطلانهما وفسادهما وليس عند الناس غير هذين المسلكين إلا مسلك من هو خارج ~~عن الديانات واتباع الرسل ممن يرى أن الشرائع وضعت نواميس يقوم عليها مصلحة ~~الناس ومعيشتهم فان فائدتها تكميل قوة النفس والحكمة وهذا مسلك خارج عن ~~مناهج الأنبياء وأممهم وأما أتباع الرسل الذين هم أهل البصائر فحكمة الله ~~عز وجل في تكليفهم ما كلفهم به أعظم وأجل عندهم مما يخطر بالبال أو يجري به ~~PageV02P086 # المقال ويشهدون له سبحانه في ذلك بالحكم الباهرة والأسرار العظيمة أكثر ~~مما يشهدونه في مخلوقاته وما تضمنته ومن الأسرار والحكم ويعلمون مع ذلك أنه ~~لا نسبة لما أطلعهم سبحانه عليه من ذلك إلى ما طوى علمه عنهم واستأثر به ~~دونهم وأن حكمته في أمره ونهيه وتكليفهم أجل وأعظم مما تطيقه عقول البشر ~~فهم يعبدونه سبحانه بأمره ونهيه لأنه تعالى أهل أن يعبد وأهل أن يكون الحب ~~كله له والعبادة كلها له حتى لو لم يخلق جنة ولا نارا ولا وضع ثوابا ولا ~~عقابا لكان أهلا أن يعبد أقصى ما تناله قدرة خلقه من العبادة وفي بعض ~~الآثار الإلهية لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا أن أعبد حتى أنه لو ~~قدر أنه لم يرسل رسله ولم ينزل كتبه لكان في الفطرة والعقل ما يقتضي شكره ~~وأفراده بالعبادة كما أن فيهما ما يقتضي المنافع واجتناب المضار ms537 ولا فرق ~~بينهما في الفطرة والعقل فان الله فطر خليقته على محبته والأقبالعليه ~~وابتغاء الوسيلة إليه وأنه لا شيء على الإطلاق أحب إليهما منه وان فسدت فطر ~~أكثر الخلق بما طرأ عليها مما اقتطعها واجتالها عما خلق فيها كما قال تعالى ~~@QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ فبين ~~سبحانه أن إقامة الوجه وهو إخلاص القصد وبذل الوسع لدينه المتضمن محبته ~~وعبادته حنيفا مقبلا عليه معرضا عما سواه هو فطرته التي فطر عليها عباده ~~فلو خلوا ودواعي فطرهم لما رغبوا عن ذلك ولا اختاروا سواه ولكن غيرت الفطر ~~وأفسدت كما قال النبي ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ~~حتى تكونوا أنتم تجدعونها ثم يقول أبو هريرة اقرأوا أن شئتم @QB@ فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون منيبين إليه واتقوه @QE@ ومنيبين نصب على الحال من المفعول أي ~~فطرهم منيبين إليه والإنابة إليه تتضمن الإقبال عليه بمحبته وحده والأعراض ~~عما سواه وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي قال أن الله أمرني أن ~~أعلمكم ما جهلتم مما علمني في مقامي هذا أنه قال كل مال نحلته عبدا فهو له ~~حلال واني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وحرمت عليهم ما أحللت لهم فأخبر سبحانه أنه ~~إنما فطر عباده على الحنيفة المتضمنة لكمال حبه والخضوع له والذل له وكمال ~~طاعته وحده دون غيره وهذا من الحق الذي خلقت له وبه قامت السموات والأرض ~~وما بينهما وعليه قام العالم ولأجله خلقت الجنة والنار ولأجله أرسل رسله ~~وأنزل كتبه ولأجله هلك القرون التي خرجت عنه وآثرت غيره فكونه سبحانه أهلا ~~أن يعبد ويحب ويحمد ويثني عليه أمر ثابت له لذاته فلا يكون إلا كذلك كما أن ~~الغنى القادر الحي القيوم السميع البصير فهو ms538 سبحانه الإله الحق المبين ~~والإله هو الذي يستحق أن يوله محبة PageV02P087 # وتعظيما وخشية وخضوعا وتذللا وعبادة فهو الإله الحق ولو لم يخلق خلقه وهو ~~الإله الحق ولو لم يعبدوه فهو المعبود حقا إلا له حقا المحمود حقا ولو قدر ~~أن خلقه لم يعبدوه ولم يحمدوه ولم يألهوه فهو الله الذي لا اله إلا هو قبل ~~أن يخلقهم وبعد أن خلقهم وبعد أن يغنيهم لم يستحدث بخلقه لهم ولا بأمره ~~إياهم استحقاق الإلهية والحمد بل الإلهية وحمده ومجده وغناه أوصاف ذاتية له ~~يستحيل مفارقتها له لحياته ووجوده وقدرته وعلمه وسائر صفات كماله فأولياؤه ~~وخاصته وحزبه لما شهدت عقولهم وفطرهم أنه أهل أن يعبد وان لم يرسل إليهم ~~رسولا ولم ينزل عليه كتابا ولو لم يخلق جنة ولا نارا علموا أنه لا شيء في ~~العقول والفطر أحسن من عبادته ولا أقبح من الأعراض عنه وجاءت الرسل وأنزلت ~~الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في الفطر والعقول من ذلك وتكميله وتفضيله ~~وزيادته حسنا إلى حسنه فاتفقت شريعته وفطرته وتطابقا وتوافقا وظهر أنهما من ~~مشكاة واحدة فعبدوه وأحبوه ومجدوه وحمدوه بداعي الفطرة وداعي الشرع وداعي ~~العقل فاجتمعت لهم الدواعي ونادتهم من كل جهة ودعتهم إلى وليهم والههم ~~وفاطرهم فأقبلوا إليه بقلوب سليمة لم يعارض خبره عندها شبهة توجب ريبا وشكا ~~ولأمره شهوة توجب رغبتها عنه وإيثارها سواه فأجابوا دواعي المحبة والطاعة ~~إذ نادت بهم حي على الفلاح وبذلوا أنفسهم في مرضاة مولاهم الحق بذل أخي ~~السماح وحمدوا عند الوصول إليه مسراهم وانما يحمد القوم السرى عند الصباح ~~فدينهم دين الحب وهو الدين الذي لا إكراه فيه وسيرهم سير المحبين وهو الذي ~~لا وقفة تعتريه # أنى أدين بدين الحب ويحكم % فذاك ديني ولا إكراه في الدين # ومن يكن دينه كرها فليس له % إلا العناء وألا السير في الطين # وما استوى سير عبد في محبته % وسير خال من الأشواق في دين # فقل لغير أخي الأشواق ويحك قد % غبنت حظك لا تغتر بالدون # نجائب الحب تعلوا بالمحب إلى ms539 % أعلى المراتب من فوق السلاطين # وأطيب العيش في الدارين قد رغبت % عنه التجار فباعت بيع مغبون # فان ترد علمه فاقرأه ويحك في % آيات طه وفي آيات ياسين # ولا ريب أن كمال العبودية تابع لكمال المحبة وكمال المحبة تابع لكمال ~~المحبوب في نفسه والله سبحانه له الكمال المطلق التام في كل وجه الذي لا ~~يعتريه توهم نقص أصلا ومن هذا شأنه فان القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه ~~ما دامت فطرها وعقولها سليمة وإذا كانت أحب الأشياء إليها فلا محالة أن ~~محبته توجب عبوديته وطاعته وتتبع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له ~~والإنابة إليه وهذا الباعث اكمل بواعث العبودية وأقواها حتى لو فرض تجرده ~~عن الأمر PageV02P088 # والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع واستخلص القلب للمعبود الحق ومن هذا ~~قول بعض السلف أنه ليستخرج حبه من قلبي ما لا يستخرجه قوله ومنه قول عمر في ~~صهيب لو لم يخف الله لم يعصه وقد كان هذا هو الواجب على كل عاقل كما قال ~~بعضهم # هب البعث لم تأتنا رسله % وجاحمة النار لم تضرم # أليس من الواجب المستحق % طاعة رب الورى الأكرم # وقد قام رسول الله حتى تفطرت قدماه فقيل له تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا واقتصر من جوابهم على ما تدركه ~~عقولهم وتناله إفهامهم وألا فمن المعلوم أن باعثه على ذلك الشكر أمر يجل عن ~~الوصف ولا تناله العبادة ولا الأذهان فأين هذا الشهود من شهود طائفة ~~القدرية والجبرية فليعرض العاقل اللبيب ذينك المشهدين على هذا المشهد ~~ولينظر ما بين الأمرين من التفاوت فالله سبحانه يعبد ويحمد ويحب لأنه أهل ~~لذلك ومستحقه بل ما يستحقه سبحانه من عباده أمر لا تناله قدرتهم ولا ~~إرادتهم ولا تتصوره عقولهم ولا يمكن أحد من خلقه قط أن يعبده حق عبادته ولا ~~يوفيه حقه من المحبة والحمد ولهذا قال أفضل خلقه وأكملهم وأعرفهم به وأحبهم ~~إليه وأطوعهم له لا أحصى ثناء عليك وأخبر أن عمله لا ms540 يستقل بالنجاة فقال لن ~~ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله برحمة منه وفضل عليه صلوات الله وسلامه عدد ما خلق في السماء ~~وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق وفي الحديث المرفوع ~~المشهور أن من الملائكة من هو ساجد لله لا يرفع رأسه منذ خلق ومنهم راكع لا ~~يرفع رأسه من الركوع منذ خلق إلى يوم القيامة وأنهم يقولون يوم القيامة ~~سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ولما كانت عبادته تعالى تابعة لمحبته واجلاله ~~وكانت المحبة نوعين محبة تنشأ عن الأنعام والإحسان فتوجب شكرا وعبودية بحسب ~~كما لها ونقصانها ومحبة تنشأ عن جمال المحبوب وكماله فتوجب عبودية وطاعة ~~أكمل من الأولى كان الباعث على الطاعة والعبودية لا يخرج عن هذين النوعين ~~واما أن تقع الطاعة صادرة عن خوف محض غير مقرون بمحبته فهذا قد ظنه كثير من ~~المتكلمين وهي عندهم غاية المعارف بناء على أصلهم الباطل أن الله لا تتعلق ~~المحبة بذاته وانما تتعلق بمخلوقاته مما في الجنة من النعيم فهم لا يحبونه ~~لذاته ولا لإحسانه وينكرون محبته لذلك وانما المحبوب عندهم في الحقيقة غيره ~~وهذا من أبطل الباطل # وستذكر في القسم الثاني أن شاء الله في هذا الكتاب بطلان هذا المذهب من ~~أكثر من مائة وجه PageV02P089 # ولو عرف القوم صفات الأرواح وأحكامها لعلموا أن طاعة من لا تجب عبادته ~~محال وأن من أتى بصورة الطاعة خوفا مجردا عن الحب فليس بمطيع ولا عابد ~~وانما هو كالمكره أو كأجير السوء الذي أن أعطى عمل وان لم يعط كفر وأبق ~~وسيرد عليك بسط الكلام في هذا قريب عن أن شاء الله والمقصود أن الطاعة ~~والعبادة الناشئة عن محبة الكمال والجمال أعظم من الطاعة الناشئة عن رؤية ~~الأنعام والإحسان وفرق عظيم بين ما تعلق بالحي الذي لا يموت وبين ما تعلق ~~بالمخلوق وان شمل النوعين اسم المحبة ولكن كم بين من يحبك لذاتك وأوصافك ~~وجمالك وبين من ms541 يحبك لخيرك ودراهمك # | فصل والأسماء الحسنى والصفات العلا مقتضية لآثارها من العبودية # والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين فلكل صفة عبودية خاصة هي من ~~موجباتها ومقتضياتها أعنى من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها وهذا مطرد ~~في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح فعلم العبد بتفرد الرب ~~تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر ~~له عبودية التوكل عليه باطنا ولوازم التوكل وثمراته ظاهرا وعلمه بسمعه ~~تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ~~وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور يثمر له حفظ ~~لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل مالا يرضى الله وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء ~~بما يحبه الله ويرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنا ويثمر له الحياء اجتناب ~~المحرمات والقبائح ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له ~~سعة الرجاء وتثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته ~~وعلمه وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة ~~والمحبة وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعا من العبودية الظاهرة هي ~~موجباتها وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة ~~أنواع العبودية فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها ~~ارتباط الخلق بها فخلقه سبحانه وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العالم ~~وآثارها ومقتضاها لأنه لا يتزين من عباده بطاعتهم ولا تشينه معصيتهم وتأمل ~~قوله في الحديث الصحيح الذي يرويه عن ربه تبارك وتعالى يا عبادي أنكم لن ~~تبلغوا ضرى فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ذكر هذا عقب قوله يا عبادي ~~إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ~~فتضمن ذلك أن ما يفعله تعالى بهم في غفران زلاتهم وإجابة دعواتهم وتفريج ~~كرباتهم ليس لجلب منفعة منهم PageV02P090 # ولا لدفع مضرة يتوقعها منهم كما هو عادة المخلوق الذي ينفع غيره ليكافئه ~~بنفع مثله أو ليدفع عنه ضررا فالرب تعالى لم يحسن إلى عباده ليكافئوه ولا ~~ليدفعوا عنه ضررا ms542 فقال لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني أني ~~لست إذا هديت مستهديكم وأطعمت مستطعمكم وكسوت مستكسيكم وأرويت مستسقيكم ~~وكفيت مستكفيكم وغفرت لمستغفركم بالذي أطلب منكم أن تنفعوني أو تدفعوا عني ~~ضررا فأنكم لن تبلغوا ذلك وأنا الغني الحميد كيف والخلق عاجزون عما يقدرون ~~عليه من الأفعال إلا بأقداره وتيسيره وخلقه فكيف بما لا يقدرون عليه فكيف ~~يبغلون نفع الغني الصمد الذي يمتنع في حقه أن يستجلب من غيره نفعا أو ~~يستدفع منه ضررا بل ذلك مستحيل في حقه ثم ذكر بعد هذا قوله يا عبادي لو أن ~~أو لكم وأخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك ~~في ملكي شيئا ولو أن أولكم وأخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل ~~واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا فبين سبحانه أن ما أمرهم به من الطاعات ~~وما نهاهم عنه من السيئات لا يتضمن استجلاب نفعهم ولا استدفاع ضررهم كأمر ~~السيد عبده والوالد ولده والأمام رعيته بما ينفع الآمر والمأمور ونهيهم عما ~~يضر الناهي والمنهي فبين تعالى أنه المنزه عن لحوق نفعهم وضرهم به في ~~إحسانه إليهم بما يفعله بهم وبما يأمرهم به ولهذا لما ذكر الأصلين بعد هذا ~~وأن تقواهم وفجورهم الذي هو طاعتهم ومعصيتهم لا يزيد في ملكه شيئا ولا ~~ينقصه وأن نسبة ما يسألونه كلهم إياه فيعطيهم إلى ما عنده كلا نسبة فتضمن ~~ذلك أنه لم يأمرهم ولم يحسن إليهم بإجابة الدعوات وغفران الزلات وتفريج ~~الكربات لاستجلاب منفعة ولا لاستدفاع مضرة وأنهم لو أطاعوه كلهم لم يزيدوا ~~في ملكه شيئا ولو عصوه كلهم لم ينقصوا من ملكه شيئا وأنه الغني الحميد ومن ~~كان هكذا فانه لا يتزين بطاعة عباده ولا تشينه معاصيهم ولكن له من الحكم ~~البوالغ في تكليف عباده وأمرهم ونهيهم ما يقتضيه ملكه التام وحمده وحكمته ~~ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يستوجب من عباده شكر نعمه التي لا تحصى بحسب ~~قواهم وطاقتهم لا بحسب ما ينبغي ms543 له فانه أعظم وأجل من أن يقدر خلقه عليه ~~ولكنه سبحانه يرضى من عباده بما تسمح به طبائعهم وقواهم فلا شيء أحسن في ~~العقول والفطر من شكر المنعم ولا أنفع للعبد منه فهذان مسلكان آخران في حسن ~~التكليف والأمر والنهي # أحدهما يتعلق بذاته وصفاته وأنه أهل لذلك وان جماله تعالى وكماله وأسماءه ~~وصفاته تقتضي من عباده غاية الحب والذل والطاعة له والثاني متعلق بإحسانه ~~وانعامه ولا سيما مع غناه عن عباده وانه إنما يحسن إليهم رحمة منه وجودا ~~وكرما لا لمعاوضة ولا لاستجلاب منفعة ولا لدفع مضرة وأي المسلكين سلكه ~~العبد أوقفه على محبته وبذل الجهد PageV02P091 # في مرضاته فأين هذان المسلكان من ذينك المسلكين وانما أتى القوم من ~~إنكارهم المحبة وذلك الذي حرمهم من العلم والأيمان ما حرمهم وأوجب لهم سلوك ~~تلك الطرق المسدودة والله الفتاح العليم # الوجه التاسع والأربعون قولكم فلا تكون نعمه تعالى ثوابا بل ابتداء كلام ~~يحتمل حقا وباطلا فان أردتم به أنه لا يثيبهم على أعمالهم بالجنة ونعيمها ~~ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون فهو باطل والقرآن أعظم شاهد ببطلانه قال ~~تعالى فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا ~~لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند ~~الله والله عنده حسن الثواب وقال تعالى ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون وقال تعالى وتلك الجنة التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون وقال تعالى أن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء ~~بما كانوا يعملون وقال تعالى أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين وقال تعالى والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~نعم أجر العاملين وهذا في القرآن كثير يبين أن الجنة ثوابهم وجزاؤهم فكيف ~~يقال لا تكون نعمه ثوابا على الإطلاق بل لا تكون نعمه تعالى في مقابلة ~~الأعمال ms544 والأعمال ثمنا لها فانه لن يدخل أحدا الجنة عمله ولا يدخلها أحد ~~إلا بمجرد فضل الله ورحمته وهذا لا ينافي ما تقدم من النصوص فأنها إنما تدل ~~على أن الأعمال أسباب لا أعواض وأثمان والذي نفاه النبي في الدخول بالعمل ~~هو نفي استحقاق العوض ببذل عوضه فالمثبت باء السببية والمنفي باء المعاوضة ~~والمقابلة وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة والقدرية الجبرية تنفى باء ~~السببية جملة وتنكر أن تكون الأعمال سببا في النجاة ودخول الجنة وتلك ~~النصوص وأضعافها تبطل قولهم والقدرية النفاة تثبت باء المعاوضة والمقابلة ~~وتزعم أن الجنة عوض الأعمال وأنها ثمن لها وأن دخولها إنما هو بمحض الأعمال ~~والنصوص النافية لذلك تبطل قولهم والعقل والفطر تبطل قول الطائفتين ولا يصح ~~في النصوص والعقول إلا ما ذكرناه من التفصيل وبه يتبين أن الحق مع الوسط ~~بين الفرق في جميع المسائل لا يستثنى من ذلك شيء فما اختلفت الفرق إلا كان ~~الحق مع الوسط وكل من الطائفتين معه حق وباطل فأصاب الجبرية في نفي ~~المعاوضة وأخطؤا في نفي السببية وأصاب المقدرية في إثبات السببية وأخطؤا في ~~إثبات المعاوضة فإذا ضممت أحد نفي الجبرية إلى أحد إثباتي القدرية ونفيت ~~باطلهما كنت أسعد بالحق منهما فان أردتم بأن نعمه لا تكون ثوابا هذا القدر ~~وأنها لا تكون عوضا بل هو المنعم بالأعمال والثواب وله المنة PageV02P092 # في هذا وهذا ونعمه بالثواب من غير استحقاق ولا ثمن يعاوض عليه بل فضل منه ~~وإحسان فهذا هو الحق فهو المان بهدايته للأيمان وتيسيره للأعمال وإحسانه ~~بالجزاء كل ذلك مجرد منته وفضله قال تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا ~~تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للأيمان أن كنتم صادقين # الوجه الخمسون قولكم وإذا تعارض في العقول هذان الأمران فكيف يهتدي العقل ~~إلى اختيار أحدهما قلنا قد تبين بحمد الله أنه لا تعارض في العقول بين ~~الأمرين أصلا وانما يقدر التعارض بين العقل والهوى وأما أن يتعارض في ~~العقول إرشاد العباد إلى سعادتهم في المعاش ms545 والمعاد وتركهم هملا كالأنعام ~~السائمة لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فلم يتعارض هذان في عقل صحيح ~~أبدا # الوجه الحادي والخمسون قولكم فكيف يعرفنا العقل وجوبا على نفسه بالمعرفة ~~وعلى الجوارح بالطاعة وعلى الرب بالثواب والعقاب فيقال وأي استبعاد في ذلك ~~وما الذي يحيله فقد عرفنا العقل من الواجبات عليه ما يقبح من العبد تركها ~~كما عرفنا وعرف أهل العقول وذوي الفطر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة ~~وجوب الإقرار بالله وربوبته وشكر نعمته ومحبته وعرفنا قبح الإشراك به ~~والأعراض عنه ونسبته إلى ما لا يليق به وعرفنا قبح الفواحش والظلم والإساءة ~~والفجور والكذب والبهت والاثم والبغي والعدوان فكيف نستبعد منه أن يعرفنا ~~وجوبا على نفسه بالمعرفة وعلى الجوارح بالشكر المقدور المستحسن في العقول ~~التي جاءت الشرائع بتفصيل ما أدركه العقل منه جملة وبتقرير ما أدركه تفصيلا ~~وأما الوجوب على الله بالثواب والعقاب فهذا مما تتباين فيه الطائفتان أعظم ~~تباين فأثبتت القدرية من المعتزلة عليه تعالى وجوبا عقليا وضعوه شريعة له ~~بعقولهم وحرموا عليه الخروج عنه وشهوة في ذلك كله بخلقه وبدعهم في ذلك سائر ~~الطوائف وسفهوا رأيهم فيه وبينوا مناقضتهم وألزموهم بما لا محيد لهم عنه ~~ونفت الجبرية أن يجب عليه ما أوجبه على نفسه ويحرم عليه ما حرمه على نفسه ~~وجوزوا عليه ما يتعالى ويتنزه عنه ومالا يليق بجلاله مما حرمه على نفسه ~~وجوزوا عليه ترك ما أوجبه على نفسه مما يتعالى ويتنزه عن تركه وفعل ضده ~~فتباين الطائفتان أعظم تباين وهدى الله الذين آمنوا أهل السنة الوسط ~~للطريقة المثلى التي جاء بها رسوله ونزل بها كتابه وهي أن العقول البشرية ~~بل وسائر المخلوقات لا توجب على ربها شيئا ولا تحرمه وأنه يتعالى ويتنزه عن ~~ذلك وأما ما كتبه على نفسه وحرمه على نفسه فانه لا يخل به ولا يقع منه ~~خلافه فهو أيجاب منه على نفسه بنفسه وتحريم منه على نفسه بنفسه فليس فوقه ~~تعالى موجب ولا محرم # وسيأتي أن شاء الله بسط ذلك وتقريره # الوجه الثاني ms546 والخمسون قولكم أنه على أصول المعتزلة يستحيل الأمر والنهي ~~والتكليف وتقديركم ذلك فكلام لا مطعن فيه والأمر فيه كما ذكرتم وان حقيقة ~~قول القوم أنه لا أمر PageV02P093 # ولا نهي ولا شرع أصلا إذ ذلك إنما يصح إذا ثبت قيام الكلام بالمرسل الآمر ~~الناهي وقيام الاقتضاء والطلب والحب لما أمر به والبغض لما نهى عنه فأما ~~إذا لم يثبت له كلام ولا إرادة ولا اقتضاء ولا طلب ولا حب ولا بغض قائم به ~~فانه لا يعقل أصلا كونه آمر ولا ناهيا ولا باعثا للرسل ولا محبا للطاعة ~~باغضا للمعصية فأصول هذه الطائفة تعطل الصفات عن صفات كماله فأنها تستلزم ~~أبطال الرسالة والنبوة جملة ولكن رب لازم لا يلتزمه صاحب المقالة ويتناقض ~~في القول بملزومه دون القول به ولا ريب أن فساد اللازم مستلزم لفساد ~~الملزوم ولكن يقال لكم معاشر الجبرية لا تكونوا ممن يرى القذاة في عين أخيه ~~ولا يرى الجذع المعترض في عينه فقد الزمتكم القدرية ما لا محيد لكم عنه ~~وقالوا من نفى فعل العبد جملة فقد عطل الشرائع والأمر والنهي فان الأمر ~~والنهي لا يتعلق إلا بالفعل المأمور به فهو الذي يؤمر به وينهى عنه ويثاب ~~عليه ويعاقب فإذا نفيتم فعل العبد فقد رفعتم متعلق الأمر والنهي وفي ذلك ~~أبطال الأمر والنهي فلا فرق بين رفع المأمور به المنهي عنه ورفع المأمور ~~والمنهي نفسه فان الأمر يستلزم آمر أو مأمورا به ولا يصح له حقيقة إلا بهذه ~~الثلاث ومعلوم أن أمر الآمر بفعل نفسه ونهيه عن نفسه يبطل التكليف جملة فان ~~التكليف لا يعقل معناه إلا إذا كان المكلف قد كلف بفعله الذي هو المقدور له ~~التابع لارادته ومشيئته وأما إذا رفعتم ذلك من البين وقلتم بل هو مكلف بفعل ~~الله حقيقة لا يدخل تحت قدرة العبد لا هو متمكن في الآتيان به ولا هو واقع ~~بإرادته ومشيئته فقد نفيتم التكليف جملة من حيث أثبتوه وفي ذلك أبطال ~~للشرائع والرسالة جملة قالوا فليتأمل المنصف الفطن لا البليد المتعصب ms547 صحة ~~هذا الإلزام فلن تجد عنه محيدا قالوا فأنتم معاشر الجبرية قدرية من حيث ~~نفيكم الفعل المأمور به فان كان خصومكم قدرية من حيث نفوا تعلق القدرة ~~القديمة فأنتم أولى أن تكونوا قدرية من حيث نفيتم فعل العبد له وتأثيره فيه ~~وتعلقه بمشيئته فأنتم أثبتم قدرا على الله وقدرا على العبد أما القدر على ~~الله فحيث زعمتم أنه تعالى يأمر بفعل نفسه وينهى عن فعل نفسه ومعلوم أن ذلك ~~لا يصح أن يكون مأمورا به منهيا عنه فأثبتم أمرا ولا مأمور به ونهيا ولا ~~منهي عنه وهذه قدرية محضة في حق الرب وأما في حق العبد فأنكم جعلتموه ~~مأمورا منهيا من غير أن يكون له فعل يأمر به وينهى عنه فأي قدرية أبلغ من ~~هذه فمن الذي تضمن قوله أبطال الشرائع وتعطيل الأوامر فليتنبه اللبيب ~~لمواقعه هذه المساجلة وسهام هذه المناضلة ثم ليختر منهما إحدى خطتين ولا ~~والله ما فيهما حظ لمختار ولا ينجوا من هذه الورطات إلا من أثبت كلام الله ~~القائم به المتضمن لأمره ونهيه ووعده ووعيده وأثبت له ما أثبت لنفسه من ~~صفات كماله ومن الأمور الثبوتية القائمة ثم أثبت مع ذلك فعل العبد واختياره ~~ومشيئته PageV02P094 # وارادته التي هي مناط الشرائع ومتعلق الأمر والنهي فلا جبري ولا جهمي ولا ~~قدري وكيف يختار العاقل آراء ومذاهب هذه بعض لوازمها ولو صابرها إلى آخرها ~~لاستبان له من فسادها وبطلانها ما يتعجب معه من قائلها ومنتحلها والله ~~الموفق للصواب # الوجه الثالث والخمسون قولكم أنه ما من معنى يستنبط من قول أو فعل ليربط ~~به معنى مناسب له إلا ومن حيث العقل يعارضه معنى آخر يساويه في الدرجة أو ~~يفضل عليه في المرتبة فيتحير العقل في الاختيار إلى أن يرد شرع يختار ~~أحدهما أو يرجحه من تلقائه فيجب على العاقل اعتباره واختياره لترجيح الشرع ~~له لا لرجحانه في نفسه فيقال أن أردتم بهذه المعارضة أنها ثابتة في جميع ~~الأفعال والأقوال المشتملة على الأوصاف المناسبة التي ربطت بها الأحكام كما ~~يدل عليه ms548 كلامكم فدعوى باطلة بالضرورة وهو كذب محض وكذلك أن أردتم أنها ~~ثابتة في أكثرها فأي معارضة في العقل للوصف القبيح في الكذب والفجور والظلم ~~واهلاك الحرث والنسل والإساءة إلى المحسنين وضرب الوالدين واحتقارهما ~~والمبالغة في اهانتهما بلا جرم وأي معارضة في العقل للأوصاف القبيحة في ~~الشرك بالله ومشيئته وكفران نعمه وأي معارضة في العقل للوصف القبيح في نكاح ~~الأمهات واستفراشهن كاستفراش الإماء والزوجات إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما ~~تشهد العقول بقبحه من غير معارض فيها بل نحن لا ننكر أن يكون داعي الشهوة ~~والهوى وداعي العقل يتعارضا فان أردتم هذا التعارض فمسلم ولكن لا يجدي ~~عليكم إلا عكس مطلوبكم وكذلك أي معارضة في العقول للأوصاف المقتضية حسن ~~عبادة الله وشكره وتعظيمه وتمجيده والثناء عليه بآلائه وانعامه وصفات جلاله ~~ونعوت كماله وأفراده بالمحبة والعبادة والتعظيم وأي معارضة في العقول ~~للأوصاف المقتضية حسن الصدق والبر والإحسان والعدل والإيثار وكشف الكربات ~~وقضاء الحاجات وإغاثة اللهفات والأخذ على أيدي الظالمين وقمع المفسدين ومنع ~~البغاة والمعتدين وحفظ عقول العالمين وأموالهم ودمائهم وأعراضهم بحسب ~~الإمكان والأمر بما يصلحها ويكملها والنهي عما يفسدها وينقصها وهذه حال ~~جملة الشرائع وجمهورها إذا تأملها العقل جزم أنه يستحيل على أحكم الحاكمين ~~أن يشرع خلافها لعباده وأما أن أردتم أن في بعض ما يدق منها مسائل تتعارض ~~فيها الأوصاف المستنبطة في العقول فيتحير العقل بين المناسب منها وغير ~~المناسب فهذا وان كان واقعا فأنها لا تنفى حسنها الذاتي وقبح منهيها الذاتي ~~وكون الوصف خفى المناسبة والتأثير في بعض المواضع مما لا يدفعه وهذه حال ~~كثير من الأمور العقلية المحضة بل الحسية وهذا الطلب مع أنه حسي تجريبي ~~يدرك منافع الأغذية والأدوية وقواها وحرارتها وبرودتها ورطوبتها ويبوستها ~~فيه بالحس ومع هذا فأنتم ترون اختلاف أهله في كثير من مسائلهم في الشيء ~~الواحد # PageV02P095 # هل هو نافع كذا ملائم له أو منافر مؤذ وهل هو حار أو بارد وهل هو رطب أو ~~يابس وهل فيه قوة تصلح لأمر من الأمور أولا قوة فيه ms549 ومع هذا فالاختلاف ~~المذكور لا ينفى عند العقلاء ما جعل في الأغذية والأدوية من القوى والمنافع ~~والمضار والكيفيات لأن سبب الاختلاف خفاء تلك الأوصاف على بعض العقلاء ~~ودفنها وعجز الحس والعقل عن تمييزها ومعرفة مقاديرها والنسب الواقعة بين ~~كيفياتها وطبائعها ولم يكن هذا الاختلاف بموجب عند أحد من العقلاء إنكار ~~جملة العلم وجمهور قواعده ومسائله دعوى أنه ما من وصف يستنبط من دواء مفرد ~~أو مركب أو من غذاء إلا وفي العقل ما يعارضه فيتحير العقل ولو ادعى هذا مدع ~~لضحك منه العقلاء مما علموه بالضرورة والحس من ملاءمة الأوصاف ومنافرتها ~~واقتضاء تلك الذوات للمنافع والمضار في الغالب ولا يكون اختلاف بعض العقلاء ~~يوجب إنكار ما علم بالضرورة والحس فهكذا الشرائع # الوجه الرابع والخمسون أن قولكم إذا قتل إنسان انسانا عرض للعقل هاهنا ~~آراء متعارضة مختلفة إلى آخره فيقال أن أردتم أن العقل يسوي بين ما شرعه ~~الله من القصاص وبين تركه لمصلحة الجاني فبهت للعقل وكذب عليه فانه لا ~~يستوي عند عاقل قط حسن الاختصاص من الجاني بمثل ما فعل وحسن تركه والأعراض ~~عنه ولا يعلم عقل صحيح يسوى بين الأمرين وكيف يستوي أمران أحدهما يستلزم ~~فساد النوع وخراب العالم وترك الانتصار للمظلوم وتمكين الجناة من البغي ~~والعدوان # والثاني يستلزم صلاح النوع وعمارة العالم والانتصار للمظلوم وردع الجناة ~~والبغاة والمعتدين فكان في القصاص حياة العالم وصلاح الوجود وقد نبه تعالى ~~على ذلك بقوله ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون وفي ضمن ~~هذا الخطاب ما هو كالجواب لسؤال مقدر أن إعدام هذه البنية الشريفة وإيلام ~~هذه النفس وإعدامها في مقابلة إعدام المقتول تكثير لمفسدة القتل فلأية حكمة ~~صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء وبهرت حكمته العقول فتضمن الخطاب جواب ذلك ~~بقوله تعالى ولكم في القصاص حياة وذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يقتل قصاصا ~~بمن قتله كف عن القتل وارتدع وآثر حب حياته ونفسه فكان فيه حياة له ولمن ~~أراد قتله ومن وجه آخر وهو أنهم ms550 كانوا إذا قتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم ~~قتلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيه وقبيلته وكان في ذلك من الفساد ~~والهلاك ما يعم ضرره وتشتد مؤنته فشرع الله تعالى القصاص وأن لا يقتل ~~بالمقتول غير قاتله ففي ذلك حياة عشيرته وحيه وأقاربه ولم تكن الحياة في ~~القصاص من حيث أنه قتل بل من حيث كونه قصاصا يؤخذ القاتل وحده بالمقتول لا ~~غيره فتضمن القصاص الحياة في الوجهين وتأمل ما تحت هذه الألفاظ الشريفة من ~~الجلالة والإيجاز والبلاغة والفصاحة والمعنى PageV02P096 # العظيم فصدر الآية بقوله لكم المؤذن بأن منفعة القصاص مختصة بكم عائدة ~~إليكم فشرعه إنما كان رحمة بكم وإحسانا إليكم فمنفعته ومصلحته لكم لا لمن ~~لا يبلغ العباد ضره ونفعه ثم عقبه بقوله في القصاص إيذانا بأن الحياة ~~الحاصلة إنما هي في العدل وهو أن يفعل به كما فعل والقصاص في اللغة ~~المماثلة وحقيقته راجعة إلى الاتباع ومنه قوله تعالى وقالت لأخته قصيه أي ~~اتبعي أثره ومنه قوله فارتدا على آثارهما قصصا أي يقصان الأثر ويتبعانه ~~ومنه قص الحديث واقتصاصه لأنه يتبع بعضه بعضا في الذكر فسمى جزاء الجاني ~~قصاصا لأنه يتبع أثره فيفعل به كما فعل وهذا أحد ما يستدل به على أن يفعل ~~بالجاني كما فعل فيقتل بمثل ما قتل به لتحقيق معنى القصاص وقد ذكرنا أدلة ~~المسألة من الطرفين وترجيح القول الراجح بالنص والأثر والمعقول في كتاب ~~تهذيب السنن ونكر سبحانه الحياة تعظيما وتفخيما لشأنها وليس المراد حياة ما ~~بل المعنى أن في القصاص حصول هذه الحقيقة المحبوبة للنفوس المؤثرة عندها ~~المستحسنة في كل عقل والتنكير كثيرا ما يجيء للتعظيم والتفخيم كقوله ~~وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة وقوله ورضوان من الله أكبر وقوله أن هو إلا ~~وحي يوحى ثم خص أولى الألباب وهم أولو العقول التي عقلت عن الله أمره ونهيه ~~وحكمته إذ هم المنتفعون بالخطاب ووازن بين هذه الكلمات وبين قولهم القتل ~~أنفى للقتل ليتبين مقدار التفاوت وعظمة القرآن وجلالته # الوجه الخامس والخمسون قولكم ms551 أن القصاص اتلاف بأزاء اتلاف وعدوان في ~~مقابلة عدوان ولا يحيا الأول بقتل الثاني ففيه تكثير المفسدة بإعدام ~~النفسين وأما مصلحة الردع والزجر واستبقاء النوع فأمر متوهم وفي القصاص ~~استهلاك محقق فيقال هذا الكلام من أفسد الكلام وأبينه بطلانا فانه يتضمن ~~التسوية بين القبيح والحسن ونفى حسن القصاص الذي اتفقت العقول والديانات ~~على حسنه وصلاح الوجود به وهل يستوي في عقل أو دين أو فطرة القتل ظلما ~~وعدوانا بغير حق والقتل قصاصا وجزاء بحق ونظير هذه التسوية تسوية المشركين ~~بين الربا والبيع لاستوائهما في صورة العقد ومعلوم أن استواء الفعلين في ~~الصورة لا يوجب استواءهما في الحقيقة ومدعى ذلك في غاية المكابرة وهل يدل ~~استواء السجود لله والسجود للصنم في الصورة الظاهرة وهو وضع الجبهة على ~~الأرض على أنهما سواء في الحقيقة حق يتحير العقل بينهما ويتعارضان فيه ~~ويكفى في فساد هذا أطباق العقلاء قاطبة على قبح القتل الذي هو ظلم وبغى ~~وعدوان وحسن القتل الذي هو جزاء وقصاص وردع وزجر والفرق بين هذين مثل الفرق ~~بين الزنا والنكاح بل أعظم وأظهر بل الفرق بينهما من جنس الفرق بين الإصلاح ~~في الأرض والإفساد فيها فما تعارض في عقل صحيح قط هذان الأمران حتى يتحير ~~بينهما أيهما يؤثره ويختاره وقولكم أنه PageV02P097 إتلاف بأزاء إتلاف ~~وعدوان في مقابلة عدوان فكذلك هو لكن إتلاف حسن هو مصلحة وحكمة وصلاح ~~للعالم في مقابلة إتلاف هو فساد وسفه وخراب للعالم فأنى يستويان أم كيف ~~يعتدلان حتى يتحير العقل بين الإتلاف الحسن وتركه وقولكم لا يحيا الاول ~~بقتل الثاني قلنا يحيا به عدد كثير من الناس إذ لو ترك ولم يؤخذ على يديه ~~لأهلك الناس بعضهم بعضا فإن لم يكن في قتل الثاني حياة للأول ففيه حياة ~~العالم كما قال تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لكن هذا المعنى ~~لا يدركه حق الأدراك إلا الوا الالباب فأين هذه الشريعة وهذه الحكمة وهذه ~~المصلحة من هذا الهذيان الفاسد وأن يقال قتل الجاني إتلاف بإزاء اتلاف ms552 ~~وعدوان في مقابلة عدوان فيكون قبيحا لولا الشرع فوازن بين هذا وبين ما شرعه ~~الله وجعل مصالح عبادة منوطة به وقولكم فيه تكثير المفسدة بإعدام النفسين ~~فيقال لو اعطيتم رتب المصالح والمفاسد حقها لم ترضوا بهذا الكلام الفاسد ~~فإن الشرائع والفطر والعقول متفقة على تقديم المصلحة الراحجة وعلى ذلك قام ~~العالم وما نحن فيه كذلك فإنه احتمال لمفسده إتلاف الجاني إلى هذه المفسدة ~~العامة فمن تحير عقله بين هذين المفسدتين فلفساد فيه والعقلاء قاطبة متفقون ~~على أنه يحسن إتلاف جزء لسلامة كل كقطع الاصبع أو اليد المتأكلة لسلامة ~~سائر البدن ولذلك يحسن الايلام لدفع إيلام أعظم منه كقطع العروق وبط الخراج ~~ونحوه فلو طرد العقلاء قياسكم هذا الفساد وقالوا هذا إيلام محقق لدفع إيلام ~~متوهم لفسد الجسد جملة ولا فرق عند العقول بين هذا وبين قياسكم في الفساد # الوجه السادس والخمسون قولكم أن مصلحة الردع والزجر وإحياء النوع أمر ~~متوهم كلام بين فساده بل هو أمر متحقق وقوعه عادة ويدل عليه ما نشاهده من ~~الفساد العام عند ترك الجناة والمفسدين وإهمالهم وعدم الاخذ على ايديهم ~~والمتوهم من زعم أن ذلك موهوم وهو بمثابة من دهمه العدو فقال لا نعرض ~~أنفسنا لمشقة قتالهم فإنه مفسدة متحققة وأما استيلاؤهم على بلادنا وسبيهم ~~ذرارينا وقتل مقاتلنا فموهوم # فيا ليت شعري من الواهم المخطيء في وهمه ونظيره أيضا أن الرجل إذا تبيغ ~~به الدم وتضرر إلى اخراجه لا يتعرض لشق جلده وقطع عروقه لأنه ألم محقق لا ~~موهوم ولو اطرد هذا القياس الفاسد لخرب العالم وتعطلت الشرائع والاعتماد في ~~طلب مصالح الدارين ودفع مفاسدهما مبني على هذا الذي سميتموه أنتم موهوما ~~فالعمال في الدنيا إنما يتصرفون بناء على الغالب المعتاد الذي اطردت به ~~العادة وإن لم يجزموا به فإن الغالب صدق العادة واطرادها عند قيام أسبابها ~~فالتاجر يحمل مشقة السفر في البر والبحر بناء على أنه يسلم ويغنم فلو طرد ~~هذا القياس الفاسد وقال السفر مشقة متحققة والكسب مر موهوم لتعطلت أسفار ~~الناس بالكلية ms553 وكذلك عمال الآخرة لو قالوا تعب العمل ومشقة PageV02P098 أمر ~~محقق وحسن الخاتمة أمر موهوم لعطلوا الأعمال جملة وكذلك الاجراء والصناع ~~والملوك والجند وكل طالب امر من الامور الدنيوية والأخروية لولا بناؤه على ~~الغالب وما جرت به العادة لما احتمل المشقة المتيقنة لأمر منتظر ومن هاهنا ~~قيل أن إنكار هذه المسئلة يسلتزم تعطيل الدنيا والآخرة من وجوه متعددة # الوجه السابع والخمسون قولكم ويعارضه معنى ثالث وراءهما فيفكر العقل في ~~انواعه وشروط أخرى وراء مجرد الانسانية من العقل والبلوغ والعلم والجهل ~~والكمال والنقص والقرابة والاجنبية فيتحير العقل كل التحير فلا بد إذا من ~~شارع يفصل هذه الخطة ويعين قانونا يطرد عليه امر الامة ويستقيم عليه ~~مصالحهم # فيقال لا ريب أن الشرائع تأتي بما لا تستقل العقول بإدراكه فإذا جاءت به ~~الشريعة اهتدى العقل حينئذ إلى وجه حسن مأموره وقبح منهيه فسرته الشريعة ~~على وجه الحكمة والمصلحة الباعثين اشرعه فهذا مما لا ينكر وهذا الذي قلنا ~~فيه ان الشرائع تأتي بمجازات العقول لا بمحالات العقول ونحن لم ندع ولا ~~عاقل قط أن العقل يستقل بجميع تفاصيل ما جاءت به الشريعة بحيث لو ترك وحده ~~لاهتدى إلى كل ما جاءت به إذا عرف هذا فغاية ما ذكرتم أن الشريعة الكاملة ~~اشترطت في وجوب القصاص شروطا لا يهتدي العقل إليها وأي شيء يلزم من هذا ~~وماذا يقبح لكم ومنازعكم يسلمونه لكم وقولكم ان هذا معارض للوصف المقتضى ~~لثبوت القصاص من قيام مصلحة العالم إما غفلة عن الشروط المعارضة وإما إصلاح ~~طار سيم فيه مالا يهتدي العقل إليه من شروط اقتضاء الوصف لموجبه معارضة ~~فيالله العجب أي معارضة ها هنا إذا كان العقل والفطرة قد شهدا بحسن القتل ~~قصاصا وانتظامه للعالم وتوقفا في اقتضاء هذا الوصف هل يضم إليه شروط آخر ~~غيره أم يكفي بمجرد وفي تعيين تلك الشروط فأدرك العقل ما استقل بإدراكه ~~وتوقف عما لا يستقل بإدراكه حتى اهتدى إليه بنور الشريعة يوضح هذا # الوجه الثامن والخمسون أن ما وردت به الشريعة في اصل ms554 القصاص وشروطه منقسم ~~إلى قسمين أحدهما ما حسنه معلوم بصريح العقل الذي لا يستريب فيه عاقل وهو ~~اصل القصاص وانتظام مصالح العالم به والثاني ما حسنه معلوم بنظر العقل ~~وفكره وتأمله فلا يهتدي إليه إلا الخواص وهو ما اشترط اقتضاء هذا الوصف أو ~~جعل تابعا له فاشترط له المكافأة في الدين وهذا في غاية المراعاة للحكمة ~~والمصلحة فإن الدين هو الذي فرق بين الناس في العصمة وليس في حكمة الله ~~وحسن شرعه أن يجعل دم وليه وعبده وأحب خلقه إليه وخير بريته ومن خلقه لنفسه ~~واختصه بكرامته واهله لجواره في جنته والنطر إلى وجهه وسماع كلامه في دار ~~كرامته كدم عدوه وامقت خلقه عليه وشر بريته والعادل به عن عبادته إلى عبادة ~~الشيطان الذي خلقه للنار وللطرود عن بابه والإبعاد عن رحمته وبالجملة فحاشا ~~حكمته أن يسوى بين دماء خير البرية ودماء شر PageV02P099 # البرية في أخذ هذه بهذه سيما وقد أباح لأوليائه دماء أعدائه وجعلهم ~~قرابين لهم وانما اقتضت حكمته أن يكفوا عنهم إذا صاروا تحت قهرهم وإذلالهم ~~كالعبيد لهم يؤدون إليهم الجزية التي هي خراج رؤسهم مع بقاء السبب الموجب ~~لاباحة دمائهم وهذا الترك والكف لا يقتضي استواء الدمين عقلا ولا شرعا ولا ~~مصلحة ولا ريب أن الدمين قبل القهر والإذلال لم يكونا بمستويين لأجل الكفر ~~فأي موجب لاستوائهما بعد الاستذلال والقهر والكفر قائم بعينه فهل في الحكمة ~~وقواعد الشريعة وموجبات العقول أن يكون الإذلال والقهر للكافر موجبا ~~لمساواة دمه لدم المسلم هذا مما تأباه الحكمة والمصلحة والعقول وقد أشار ~~إلى هذا المعنى وكشف الغطاء وأوضح المشكل بقوله المسلمون تتكافأ دماؤهم أو ~~قال المؤمنون فعلق المكافأة بوصف لا يجوز إلغاؤه وإهداره وتعليقها بغيره إذ ~~يكون أبطالا لما اعتبره الشارع واعتبارا لما أبطله فإذا علق المكافأة بوصف ~~الأيمان كان كتعليقه سائر الأحكام بالأوصاف كتعليق القطع بوصف السرقة ~~والرجم بوصف الزنا والجلد بوصف القذف والشرب ولا فرق بينهما أصلا فكل من ~~علق الأحكام بغير الأوصاف التي علقها به الشارع كان تعليقه ms555 منقطعا منصرما ~~وهذا مما اتفق أئمة الفقهاء على صحته فقد أدى نظر العقل إلى أن دم عدو الله ~~الكافر لا يساوي دم وليه ولا يكافيه أبدا وجاء الشرع بموجبه فأي معارضة ~~هاهنا وأي حيرة أن هو إلا بصيرة على بصيرة ونور على نور وليس هذا مكان ~~استيعاب الكلام على هذه المسألة وانما الغرض التنبيه على أن في صريح العقل ~~الشهادة لما جاء به الشرع فيها # | فصل وعكس هذا أنه لم تشترط المكافأة في علم وجهل ولا في كمال # وقبح ولا في شرف وضعة ولا في عقل وجنون ولا في أجنبية وقرابة خلا الوالد ~~والولد وهذا من كمال الحكمة وتمام النعمة وهو في غاية المصلحة إذ لو روعيت ~~هذه الأمور لتعطلت مصلحة القصاص إلا في النادر البعيد إذ قل أن يستوي شخصان ~~من كل وجه بل لا بد من التفاوت بينهما في هذه الأوصاف أو في بعضها فلو أن ~~الشريعة جاءت بأن لا يقتص إلا من مكافئ من كل وجه لفسد العالم وعظم الهرج ~~وانتشر الفساد ولا يجوز على عاقل وضع هذه السياسة الجائرة وواضعها إلى ~~السفه أقرب منه إلى الحكمة فلا جرم أهدتك الشرائع إلى اعتبار ذلك وأما ~~الولد والوالد فمنع من جريان القصاص بينهما حقيقة البعضية والجزئية التي ~~بينهما فان الولد جزء من الوالد ولا يقتص لبعض أجزاء الإنسان من بعض وقد ~~أشار تعالى إلى ذلك بقوله @QB@ وجعلوا له من عباده جزءا @QE@ وهو قولهم ~~الملائكة بنات الله فدل على أن الولد جزء من الوالد وعلى هذا الأصل امتنعت ~~شهادته له وقطعه بالسرقة من ماله وحده أباه على قذفه وعن هذا الأصل ذهب ~~كثير من السلف ومنهم الأمام أحمد وغيره إلى أن له أن يتملك PageV02P100 # ما شاء من مال ولده وهو كالمباح في حقه وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة ~~بأدلتها وبينا دلالة القرآن عليها من وجوه متعددة في غير هذا الموضع وهذا ~~المأخذ أحسن من قولهم أن الأب لما كان هو السبب في أيجاد الولد فلا يكون ~~الولد سببا في ms556 إعدامه وفي المسألة مسلك آخر وهو مسلك قوي جدا وهو أن الله ~~سبحانه جعل في قلب الوالد من الشفقة على ولده والحرص على حياته ما يوازي ~~شفقته على نفسه وحرصه على حياة نفسه وربما يزيد على ذلك فقد يؤثر الرجل ~~حياة ولده على حياته وكثيرا ما يحرم الرجل نفسه حظوظها ويؤثر بها ولده وهذا ~~القدر مانع من كونه يريد إعدامه واهلاكه بل لا يقصد في الغلب إلا تأديبه ~~وعقوبته على إساءته فلا يقع قتله في الأغلب عن قصد وتعمد بل عن خطأ وسبق يد ~~وإذا وقع ذلك غلطا الحق بالقتل الذي لم يقصد به إزهاق النفس فأسباب التهمة ~~والعداوة الحاملة على القتل لا تكاد توجد في الآباء وان وجدت نادرا فالعبرة ~~بما اطردت عليه عادة الخليقة وهنا للناس طريقان # أحدهما أنا إذا تحققنا التهمة وقصد القتل والإزهاق بأن يضجعه ويذبحه مثلا ~~أجرينا القصاص بينهما لتحقق قصد الجناية وانتفاء المانع من القصاص وهذا قول ~~أهل المدينة والثاني أنه لا يجرى القصاص بحال وأن تحقق قصد القتل لمكان ~~الجزئية والبعضية المانعة من الاقتصاص من بعض الأجزاء لبعض وهو قول ~~الأكثرين ولا يرد عليهم قتل الولد لوالده وان كان بعضه لأن الأب لم يخلق من ~~نطفة الابن فليس الأب بجزء له حقيقة ولا حكما بخلاف الولد فانه جزء حقيقة ~~وليس هذا موضوع استقصاء الكلام على هذه المسائل إذ المقصود بيان اشتمالها ~~على الحكم والمصالح التي يدركها العقل وان لم يستقل بها فجاءت الشريعة بها ~~مقررة لما استقر في العقل إدراكه ولو من بعض الوجوه وبعد النزول عن هذا ~~المقام فأقصى ما فيه أن يقال أن الشريعة جاءت بما يعجز العقل عن إدراكه لا ~~بما يحيله العقل ونحن لا ننكر ذلك ولكن لا يلزم منه نفى الحكم والمصالح ~~التي اشتملت عليها الأفعال في ذواته والله أعلم # الوجه الثامن والخمسون قولكم وظهر بهذا أن المعاني المستنبطة راجعة إلى ~~مجرد استنباط العقل ووضع الذهن من غير أن يكون الفعل مشتملا عليها كلام في ~~غاية الفساد والبطلان ms557 لا يرتضيه أهل العلم والأنصاف وتصوره حق التصور كاف ~~في الجزم ببطلانه من وجوه عديدة أحدها أن العقل والفطرة يشهدان ببطلانه ~~والوجود يكذبه فان أكثر المعاني المستنبطة من الأحكام ليست من أوضاع ~~الأذهان المجردة عن اشتمال الأفعال عليها ومدعي ذلك في غاية المكابرة التي ~~لا تجدي عليه إلا توهين المقالة وهذه المعاني المستنبطة من الأحكام موجودة ~~مشهودة يعلم العقلاء أنها ليست من أوضاع الذهن بل الذهن أدركها وعلمها وكان ~~نسبة الذهن إلى إدراكها كنسبة البصر إلى إدراك الألوان وغيرها وكنسبة ~~PageV02P101 # السمع إلى إدراك الأصوات وكنسبة الذوق إلى إدراك الطعوم والشم إلى إدراك ~~الروائح فهل يسوغ لعاقل أنا يدعى أن هذه المدركات من أوضاع الحواس وكذلك ~~العقل إذا أدرك ما اشتمل عليه الكذب والفجور وخراب العالم والظلم واهلاك ~~الحرث والنسل والزنا بالأمهات وغير ذلك من القبائح وأدرك ما اشتمل عليه ~~الصدق والبر والإحسان والعدل وشكران المنعم والعفة وفعل كل جميل من الحسن ~~لم تكن تلك المعاني التي اشتملت عليها هذه الأفعال مجرد وضع الذهن واستنباط ~~العقل ومدعي ذلك مصاب في عقله فان المعاني التي اشتملت عليها المنهيات ~~الموجبة لتحريمها أمور ناشئة من الأفعال ليست أوضاعا ذهنية والمعاني التي ~~اشتملت عليها المأمورات الموجبة لحسنها ليست مجرد أوضاع ذهنية بل أمور ~~حقيقية ناشئة من ذوات الأفعال ترتب آثارها عليها كترتب آثار الأدوية ~~والأغذية عليها وما نظير هذه المقالة إلا مقالة من يزعم أن القوى والآثار ~~المستنبطة من الأغذية والأدوية لا حقيقة لها إنما هي أوضاع ذهنية ومعلوم أن ~~هذا باب من السفسطة فاعرض معاني الشريعة الكلية على عقلك وانظر ارتباطها ~~بأفعالها وتعلقها بها ثم تأمل هل تجدها أمورا حقيقية تنشأ من الأفعال فإذا ~~فعل الفعل نشأ منه أثره أو تجدها أوضاعا ذهنية لا حقيقة لها وإذا أردت ~~معرفة بطلان المقالة فكرر النظر في أدلتها فأدلتها من أكبر الشواهد على ~~بطلانها بل العاقل يستغني بأدلة الباطل عن إقامة الدليل على بطلانه بل نفس ~~دليله هو دليل بطلانه # الوجه الثاني أن استنباط العقول ووضع الأذهان ms558 لما لا حقيقة له من باب ~~الخيالات والتقديرات التي لا يترتب عليها علم ولا معلوم ولا صلاح ولا فساد ~~إذ هي خيالات مجردة وأوهام مقدرة كوضع الذهن سائر ما يضعه من المقدرات ~~الذهنية ومعلوم أن المعاني المستنبطة من الأحكام هي من أجل المعلوم ~~ومعلومها من أشرف المعلومات وأنفعها للعباد وهي منشأ مصالحهم في معاشهم ~~ومعادهم وترتب آثارها عليها مشهود في الخارج معقول في الفطر قائم في العقول ~~فكيف يدعى أنه مجرد وضع ذهني لا حقيقة له # الوجه الثالث أن استنباط الذهن لما يستنبطه من المعاني واعتقاده أن ~~الأفعال مشتملة عليها مع كون الأمر ليس كذلك جهل مركب واعتقاد باطل فانه ~~إذا اعتقد أن الأفعال مشتملة على تلك المعاني وإنها منشأها وليس كذلك كان ~~اعتقادا للشيء بخلاف ما هو به وهذا غاية الجهل فكيف يدعي هذا في اشرف ~~العلوم وأزكاها وأنفعها وأعظمها متضمنا لمصالح العباد في المعاش والمعاد ~~وهل هو الا لب الشريعة ومضمونها فكيف يسوغ أن يدعى فيها هذا الباطل ويرمى ~~بهذا البهتان # وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن يتكلف رده ولم يقل هذا القول من شم ~~للفقه رائحة أصلا الوجه التاسع والخمسون قولكم لو كانت صفات نفسية للفعل ~~لزم من ذلك أن تكون PageV02P102 # الحركة الواحدة مشتملة على صفات متناقضة وأحوال متنافرة فيقال وما الذي ~~يحيل أن يكون الفعل مشتملا على صفتين مختلفتين تقتضي كل منهما أثرا غير ~~الأثر الآخر وتكون إحدى الصفتين والأثرين أولى به وتكون مصلحته أرجح فإذا ~~رتب على صفته الأخرى أثرها فاتت المصلحة الراجحة المطلوبة شرعا وعقلا بل ~~هذا هو الواقع ونحن نجد هذا حسا في قوى الأغذية والأدوية ونحوها من صفات ~~الأجسام الحسية المدركة بالحس فكيف بصفات الأفعال المدركة بالعقل وأمثلة ~~ذلك في الشريعة تزيد على الألف فهذه الصلاة في وقت النهي فيها مصلحة تكثير ~~العبادة وتحصيل الأرباح ومزيد الثواب والتقرب إلى رب الأرباب وفيها مفسدة ~~المشابهة بالكفار في عبادة الشمس وفي تركها مصلحة سد ذريعة الشرك وفطم ~~النفوس عن المشابهة للكفار حتى في ms559 وقت العبادة وكانت هذه المفسدة أولى ~~بالصلاة في أوقات النهي من مصلحتها فلو شرعت لما فيها من المصلحة لفاتت ~~مصلحة الترك وحصلت مفسدة المشابهة التي هي أقوى من مصلحة الصلاة حينئذ ~~ولهذا كانت مصلحة أداء الفرائض في هذه الأوقات أرجح من مفسدة المشابهة بحيث ~~لما انغمرت هذه المفسدة بالنسبة إلى الفريضة لم يمنع منها بخلاف النافلة ~~فان في فعلها في غير هذه الأوقات غنية عن فعلها فيها فلا تفوت مصلحتها فيقع ~~فعلها في وقت النهي مفسدة راجحة ومن هاهنا جوز كثير من الفقهاء ذوات ~~الأسباب في وقت النهي لترجح مصلحتها فأنها لا تقضى ولا يمكن تداركها وكانت ~~مفسدة تفويتها أرجح من مفسدة المشابهة المذكورة وليس هذا موضع استقصاء هذه ~~المسألة فما الذي يحيل اشتمال الحركة الواحدة على صفات مختلفة بهذه المثابة ~~ويكون بعضها أرجح من بعض فيقضى للراجح عقلا وشرعا وعلى هذا المثال مسائل ~~عامة للشريعة ولو لا إلاطالة لكتبنا منها ما يبلغ ألف مثال والعالم ينتبه ~~بالجزئيات للقاعدة الكلية # الوجه الستون قولكم وليس معنى قولنا أن العقل استنبط منها أنها كانت ~~موجودة في الشيء فاستخرجها العقل بل العقل تردد بين إضافات الأحوال بعضها ~~إلى بعض ونسب الحركات والأشخاص نوعا إلى نوع وشخصا إلى شخص فطرأ عليه من ~~تلك المعاني ما حكيناه وربما يبلغ مبلغا يشذ عن الإحصاء فعرف أن المعاني لم ~~ترجع إلى الذات بل إلى مجرد الخواطر وهي متعارضة فيقال يا عجبا لعقل يروج ~~عليه مثل هذا الكلام ويبنى عليه هذه القاعدة العظيمة وذلك بناء على شفا جرف ~~هار وقد تقدم ما يكفى في بطلان هذا الكلام ونزيدها هنا أنه كلام فاسد لفظا ~~ومعنى فان الاستنباط هو استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل ~~أحد ومنه استنباط الماء وهو استخراجه من موضعه ومنه قوله تعالى ولو ردوه ~~إلى الرسول والى أولى المر منهم لعلمه الذي يستنبطونه منهم أي يستخرجون ~~حقيقته وتدبيره بفطنهم وذكائهم وإيمانهم ومعرفتهم بمواطن الأمن والخوف ~~PageV02P103 # ولا يصح معنى إلا في شيء ثابت له ms560 حقيقة خفية يستنبطها الذهن ويستخرجها ~~فأما ما لا حقيقة له فانه مجرد ذهنه فلا استنباط فيه بوجه وأي شيء يستنبط ~~منه وانما هو تقدير وفرض وهذا لا يسمى استنباطا في عقل ولا لغة وحينئذ ~~فيقلب الكلام عليكم ويكون من يقلبه أسعد بالحق منكم فنقول وليس معنى قولنا ~~أن العقل استنبط من تلك الأفعال أن ذلك مجرد خواطر طارئة وانما معناه أنها ~~كانت موجودة في الأفعال فاستخرجها العقل باستنباطه كما يستخرج الماء ~~الموجود من الأرض باستنباطه ومعلوم أن هذا هو المعقول المطابق للعقل واللغه ~~وما ذكرتموه فخارج عن العقل واللغة جميعا فعرف أنه لا يصح معنى الاستنباط ~~إلا لشيء موجود يستخرجه العقل ثم ينسب إليه أنواع تلك الأفعال وأشخاصها فان ~~كان أولى به حكم له بالاقتضاء والتأثير وهذا هو المعقول وهو الذي يعرضه ~~الفقهاء والمتكلمون على مناسبات الشريعة وأوصافها وعللها التي تربط بها ~~الأحكام فلو ذهب هذا من أيديهم لا نسد عليهم باب الكلام في القياس ~~والمناسبات والحكم واستخراج ما تضمنته الشريعة من ذلك وتعليق الأحكام ~~بأوصافها المقتضية لها إذا كان مرد الأمر بزعمكم إلى مجرد خواطر طارئة على ~~العقل ومجرد وضع الذهن وهذا من أبطل الباطل وأبين المحال ولقد أنصفكم ~~خصومكم في ادعائهم عليكم لازم هذا المذهب وقالوا لو رفع الحسن والقبح من ~~الأفعال الإنسانية إلى مجرد تعلق الخطاب بها لبطلت المعاني العقلية التي ~~تستنبط من الأصول الشرعية فلا يمكن أن يقاس فعل على فعل ولا قول على قول ~~ولا يمكن أن يقال لم كان كذا أذلا تعليل للذوات ولا صفات للأفعال هي عليها ~~في نفس الأمر حتى ترتبط بها الأحكام وذلك رفع للشرائع بالكلية من حيث ~~إثباتها لا سيما والتعلق أمر عدمي ولا معتنى لحسن الفعل أو قبحه إلا التعلق ~~العدمي بينه وبين الخطاب فلا حسن في الحقيقة ولا قبح لا شرعا ولا عقلا لا ~~سيما إذا انضم إلى ذلك نفى فعل العبد واختياره بالكلية وأنه مجبوب محض فهذا ~~فعله وذلك صفة فعله فلا فعل له ولا وصف لقوله ms561 البتة فأي تعطيل ورفع للشرائع ~~أكثر من هذا فهذا إلزامهم لكم كما أنكم الزمتموهم نظير ذلك في نفي صفة ~~الكلام وأنصفتموهم في الإلزام الوجه الحادي والستون قولكم لو ثبت الحسن ~~والقبح العقليين لتعلق بهما الإيجاب والتحريم شاهدا وغائبا واللازم محال ~~فالملزوم كذلك إلى آخره فنقول الكلام هاهنا في مقامين أحدهما في التلازم ~~المذكور بين الحسن والقبح العقليين وبين الإيجاب والتحريم غائبا والثاني في ~~انتفاء اللازم وثبوته فأما المقام الأول فلمثبتي الحسن والقبح طريقان ~~أحدهما ثبوت التلازم والقول باللازم وهذا القول هو المعروف عن المعتزلة ~~وعليه يناظرون وهو القول الذي نصب خصومهم الخلاف معهم فيه والقول الثاني ~~إثبات الحسن والقبح فانهم يقولون بإثباته ويصرحون بنفي الإيجاب قبل الشرع ~~على العبد وبنفي PageV02P104 # أيجاب العقل على الله شيئا البتة كما صرح به كثير من الحنفية والحنابلة ~~كأبي الخطاب وغيره والشافعية كسعد بن علي الزنجاني الأمام المشهور وغيره ~~ولهؤلاء في نفي الإيجاب العقلي من المعرفة بالله وثبوته خلاف فالأقوال إذا ~~أربعة لا مزيد عليها # أحدها نفي الحسن والقبح ونفي الإيجاب العقلي في العمليات دون العلميات ~~كالمعرفة وهذا اختيار أبي الخطاب وغيره فعرف أنه لا تلازم بين الحسن والقبح ~~وبين الإيجاب والتحريم العقليين فهذا أحد المقامين # وأما المقام الثاني وهو انتفاء اللازم وثبوته فللناس فيه ههنا ثلاثة طرق # أحدهما التزام ذلك والقول بالوجوب والتحريم العقليين شاهدا وغائبا وهذا ~~قول المعتزلة وهؤلاء يقولون بترتب الوجوب شاهدا و بترتب المدح والذم عليه ~~وأما العقاب فلهم فيه اختلاف وتفصيل ومن أثبته منهم لم يثبته على الوجوب ~~الثابت بعد البعثة ولكنهم يقولون أن العذاب الثابت بعد الإيجاب الشرعي نوع ~~آخر غير العذاب الثابت على الإيجاب العقلي وبذلك يجيبون عن النصوص النافية ~~للعذاب قبل البعثة وأما الإيجاب والتحريم العقليان غائبا فهم مصرحون بهما ~~ويفسرون ذلك باللزوم الذي أوجبته حكمته وحرمته وأنه يستحيل عليه خلافه كما ~~يستحيل عليه الحاجة والنوم والتعب واللغوب فهذا معنى الوجوب والامتناع في ~~حق الله عندهم فهو وجوب اقتضته ذاته وحكمته وغناه وامتناع يستحيل عليه ~~الاتصاف به ms562 لمنافاته كماله له وغناه قالوا وهذا في الأفعال نظير ما يقولونه ~~في الصفات أنه يجب له كذا ويمتنع عليه كذا فقولنا نحن في الأفعال نظير ~~قولكم في الصافت ما يجب له منها وما يمتنع كليه فكما أن ذلك وجوب وامتناع ~~ذاتي يستحيل عليه خلافه فهكذا ما تقتضيه حكمته وتأباه وجوب وامتناع يستحيل ~~عليه الإخلال به وان كان مقدورا له لكنه لا يخل به لكمال حكمته وعلمه وغناه ~~والفرقة الثانية منعت ذلك جملة وأحالت القول به وجوزت على الرب تعالى كل ~~شيء ممكن وردت الإحالة والامتناع في أفعاله إلى غير الممكن من المحالات ~~كالجمع بين النقيضين وبابه فقابلوا المعتزلة أشد مقابلة واقتسما طرفي ~~الإفراط والتفريط ورد هؤلاء الوجوب والتحريم الذي جاءت به النصوص إلى مجرد ~~صدق المخير فما أخبر بأنه يكون فهو واجب لتصديق العلم لمعلومه والمخبر ~~لخبره وقد يفسرون التحريم بالامتناع عقلا كتحريم الظلم على نفسه فانهم ~~يفسرون الظلم بالمستحيل لذاته كالجمع بين النقيضين وليس عندهم في المقدور ~~شيء هو ظلم يتنزه الله عنه مع قدرته عليه لغناه وحكمته وعدله فهذا قول ~~هؤلاء والفرقة الثالثة هم الوسط بين هاتين الفرقتين فان الفرقة الأولى ~~أوجبت على الله شريعة بعقولها وحرمت عليه وأوجبت ما لم يحرمه على نفسه ولم ~~يوجبه على نفسه والفرقة الثانية جوزت عليه ما يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته ~~حكمته وحمده وكماله والفرقة الوسط أثبتت له ما أثبته لنفسه من الإيجاب ~~والتحريم الذي هو مقتضى PageV02P105 # أسمائه وصفاته الذي لا يليق به نسبته إلى ضده لأنه موجب كماله وحكمته ~~وعدله ولم تدخله تحت شريعة وضعتها بعقولها كما فعلت الفرقة الأولى ولم يجوز ~~عليه ما نزه نفسه عنه كما فعلته الفرقة الثانية قالت الفرقة الوسط قد أخبر ~~تعالى أنه حرم الظلم على نفسه كما قال على لسان رسوله يا عبادي أنى حرمت ~~الظلم على نفسي وقال @QB@ ولا يظلم ربك أحدا @QE@ وقال @QB@ وما ربك بظلام ~~للعبيد @QE@ وقال @QB@ ولا يظلمون فتيلا @QE@ وقال @QB@ وما الله يريد ظلما ~~للعباد @QE@ فأخبر عن تحريمه على نفسه ونفى عن ms563 نفسه فعله وارادته وللناس في ~~تفسير هذا الظلم ثلاثة أقوال بحسب أصولهم وقواعدهم أحدها أن الظلم الذي ~~حرمه وتنزه عن فعله وارادته هو نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض وشبهوه ~~في الأفعال ما يحسن منهما وما لا يحسن بعباده فضر بواله من قبل أنفسهم ~~الأمثال وصاروا بذلك مشبهة ممثلة في الأفعال فامتنعوا من إثبات المثل ~~الأعلى الذي أثبته لنفسه ثم ضربوا له الأمثال ومثلوه في أفعاله بخلقه كما ~~أن الجهمية المعطلة امتنعت من إثبات المثل الأعلى الذي أثبته لنفسه ثم ~~ضربوا له الأمثال ومثلوه في صفاته بالجمادات الناقصة بل بالمعدومات وأهل ~~السنة نزهوه عن هذا وهذا وأثبتوا له ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ونزهوه ~~فيها عن الشبه والمثال فأثبتوا له المثل الأعلى ولم يضربوا له الأمثال ~~فكانوا أسعد الطوائف بمعرفته وأحقهم بالإيمان به وبولايته ومحبته وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء ثم التزم أصحاب هذا التفسير عنه من اللوازم الباطلة ما ~~لا قبل لهم به # قالوا عن هذا التفسير الباطل أنه تعالى إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ~~مقدوره تعالى من وجوه الإعانة كان ظالما له والتزموا لذلك أنه لا يقدر أن ~~يهدي ضالا كما قالوا أنه لا يقدر أن يضل مهتديا وقالوا عنه أيضا أنه إذا ~~أمر اثنين بأمر واحد وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور به كان ظالما ~~وقالوا عنه أيضا أنه إذا اشترك اثنان في ذنب يوجب العقاب فعاقب به أحدهما ~~وعفى عن الآخر كان ظالما إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة التي جعلوا لأجلها ~~ترك تسويته بين عباده في فضله وإحسانه ظلما فعارضهم أصحاب التفسير الثاني ~~وقالوا الظلم المنزه عنه في الأمور الممتنعة لذاتها فلا يجوز أن يكون ~~مقدورا ولا أنه تعالى تركه بمشيئته واختياره وانما هو من باب الجمع بين ~~الضدين وجعل الجسم الواحد في مكانين وقلب القديم محدثا والمحدث قديما ونحو ~~ذلك وألا فكل ما يقدره الذهن وكان وجوده ممكنا والرب قادر عليه فليس بظلم ~~سواء فعله أو لم يفعله وتلقى هذا القول ms564 عنهم طوائف من أهل العلم وفسروا ~~الحديث به وأسندوا ذلك وقووه بآيات وآثار زعموا أنها تدل عليه كقوله @QB@ ~~إن تعذبهم فإنهم عبادك @QE@ يعني لم تتصرف في غير ملكك بل أن عذبت عذبت من ~~تملك وعلى هذا فجوزوا تعذيب كل عبد له ولو كان محسنا ولم PageV02P106 # يروا ذلك ظلما بقوله تعالى @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون @QE@ وبقول ~~النبي أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ~~وبقوله في دعاء الهم والحزن اللهم أنى عبدك وابن عبدك ماض في حكمك عدل في ~~قضاؤك وبما روى عن اياس بن معاوية قال ما ناظرت بعقلي كله أحدا إلا القدرية ~~قلت لهم ما الظلم قالوا أن تأخذ ما ليس لك أو أن تتصرف فيما ليس لك قلت ~~فلله كل شيء والتزم هؤلاء عن هذا القول لوازم باطلة كقولهم أن الله تعالى ~~يجوز عليه أن يعذب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه وأهل طاعته ويخلدهم في ~~العذاب اليم ويكرم أعداءه من الكفار والمشركين والشياطين ويخصهم بجنته ~~وكرامته وكلاهما عدل وجائز عليه وأنه يعلم أنه لا يفعل ذلك بمجرد خبره فصار ~~ممتنعا لإخباره أنه لا يفعله لا لمنافاته حكمته ولا فرق بين المرين بالنسبة ~~إليه ولكن أراد هذا وأخبر به وأراد الآخر وأخبر به فوجب هذا لارادته وخبره ~~وامتنع ضده لعدم إرادته واختياره بأن لا يكون والتزموا له أيضا أنه يجوز أن ~~يعذب الأطفال الذين لا ذنب لهم أصلا ويخلدهم في الجحيم وربما قالوا بوقوع ~~ذلك فأنكر على الطائفتين معا أصحاب التفسير الثالث وقالوا الصواب الذي دلت ~~عليه النصوص أن الظلم الذي حرمه الله على نفسه وتنزه عنه فعلا وارادة هو ما ~~فسره به سلف الأمة وأئمتها أنه لا يحمل المرء سيئات غيره ولا يعذب بما لم ~~تكسب يداه ولم يكن سعى فيه ولا ينقص من حسناته فلا يجازي بها أو ببعضها إذا ~~قارنها أو طرأ عليها ما يقتضي إبطالها أو اقتصاص المظلومين منها وهذا الظلم ~~الذي نفى الله تعالى خوفه عن العبد ms565 بقوله @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما @QE@ قال السلف والمفسرون لا يخاف أن يحمل ~~عليه من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته ما يتحمل فهذا هو العقول من الظلم ~~ومن عدم خوفه وأما الجمع بين النقيضين وقلب القديم محدثا والمحدث قديما ~~فمما يتنزه كلام آحاد العقلاء عن تسميته ظلما وعن نفي خوفه عن العبد فكيف ~~بكلام رب العالمين وكذلك قوله @QB@ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ~~@QE@ فنفى أن يكون تعذيبه لهم ظلما ثم أخبر أنهم هم الظالمون بكفرهم ولو ~~كان الظلم المنفي هو المحال لم يحسن مقابلة قوله وما ظلمناهم بقوله ولكن ~~كانوا هم الظالمين بل يقتضي الكلام أن يقال ما ظلمناهم ولكن تصرفنا في ~~ملكنا وعبيدنا فلما نفى الظلم عن نفسه وأثبته لهم دل على أن الظلم المنفي ~~أن يعذبهم بغير جرم وأنه إنما عذبهم بجرمهم وظلمهم ولا تحتمل الآية غير هذا ~~ولا يجوز تحريف كلام الله لنصر المقالات وقال تعالى @QB@ ومن يعمل من ~~الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ~~@QE@ ولا ريب أن هذا مذكور في سياق التحريض على الأعمال الصالحة والاستكثار ~~منها فان صاحبها يجزي بها PageV02P107 # ولا ينقص منها بذرة ولهذا يسمى تعالى موفيه كقوله @QB@ وإنما توفون ~~أجوركم يوم القيامة @QE@ وقوله @QB@ ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما ~~يفعلون @QE@ فترك الظلم هو العدل لافعل كل ممكن وعلى هذا قام الحساب ووضع ~~الموازين القسط ووزنت الحسنات والسيئات وتفاوتت الدرجات العلى بأهلها ~~والدركات السفلى بأهلها وقال تعالى @QB@ إن الله لا يظلم مثقال ذرة @QE@ أي ~~لا يضيع جزاء من أحسن ولو بمثقال ذرة فدل على أن اضاعتها وترك المجازاة بها ~~مع عدم ما يبطلها ظلم يتعالى الله عنه ومعلوم أن ترك المجازاة عليها مقدور ~~يتنزه الله عنه لكمال عدله وحكمته ولا تحتمل الآية قط غير معناها المفهوم ~~منها وقال تعالى @QB@ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام ~~للعبيد @QE@ أي لا يعاقب العبد بغير إساءة ولا ms566 يحرمه ثواب إحسانه ومعلوم أن ~~ذلك مقدور له تعالى وهو نظير قوله @QB@ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ~~وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ ~~فأخبر انه ليس على أحد في وزر غيره شيء # وأنه لا يستحق إلا ما سعاه وأن هذا هو العدل الذي نزه نفسه عن خلافه @QB@ ~~وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ بين أن هذا العقاب ~~لم يكن ظلما من الله للعباد بل لذنوبهم واستحقاقهم ومعلوم أن المحال الذي ~~لا يمكن ولا يكون مقدورا أصلا لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته ولا ~~فعله ولا يحمد على ذلك وانما يكون المدح بترك الأفعال لمن هو قادر عليها ~~وأن يتنزه عنها لكماله وغناه وحمده وعلى هذا يتم قوله أنى حرمت الظلم على ~~نفسي وما شاكله من النصوص فاما أن يكون المعنى أنى حرمت على نفسي ما لا ~~حقيقة له وما ليس بممكن مثل خلق مثلى ومثل جعل القديم محدثا والمحدث قديما ~~ونحو ذلك من المحالات ويكون المعنى أنى أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون ~~مقدورا لا يكون منى فهذا مما يتيقن المنصف أنه ليس مرادا في اللفظ قطعا ~~وأنه يجب تنزيه كلام الله ورسوله عن حملة على مثل ذلك قالوا وأما استدلالكم ~~بتلك النصوص الدالة على أنه سبحانه أن عذبهم فانهم عباده وأنه غير ظالم لهم ~~وأنه لا يسأل عما يفعل وأن قضاءه فيهم عدل بمناظرة اياس للقدرية فهذه ~~النصوص وأمثالها كلها حق يجب القول بموجبها ولا تحرف معانيها والكل من عند ~~الله ولكن أي دليل فيها يدل على أنه تعالى يجوز عليه أن يعذب أهل طاعته ~~وينعم أهل معصيته وأنه يعذب بغير جرم ويحرم المحسن جزاء عمله ونحو ذلك بل ~~كلها متفقة متطابقة دالة على كمال القدرة وكمال العدل والحكمة فالنصوص التي ~~ذكرناها تقتضي كمال عدله وحكمته وغناه ووضعه ms567 العقوبة والثواب مواضعهما وأنه ~~لا يعدل بهما عن سننهما والنصوص التي ذكرتموها تقتضي كمال قدرته وانفراده ~~بالربوبية والحكم وأنه ليس فوقه آمر ولا ناه يتعقب أفعاله بسؤال وأنه ~~PageV02P108 # لو عذب أهل سماواته وأرضه لكان ذلك تعذيبا لحقه عليهم وكانوا إذ ذاك ~~مستحقين للعذاب لأن أعمالهم لا تفي بنجاتهم كما قال النبي لن ينجى أحدا ~~منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمة منه وفضل فرحمته لهم ليست في مقابلة أعمالهم ولا هي ثمنا لها فإنها ~~خير منها كما قال في الحديث نفسه ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا لهم من ~~أعمالهم أي فجمع بين الأمرين في الحديث أنه لو عذبهم لعذبهم باستحقاقهم ولم ~~يكن ظالما لهم وأنه لو رحمهم لكان ذلك مجرد فضله وكرمه لا بأعمالهم إذ ~~رحمته خير من أعمالهم فصلوات الله وسلامه على من خرج هذا الكلام أولا من ~~شفتيه فانه أعرف الخلق بالله وبحقه وأعلمهم به وبعدله وفضله وحكمته وما ~~يستحقه على عباده وطاعات العبد كلها لا تكون مقابلة لنعم الله عليهم ولا ~~مساوية لها بل ولا للقليل منها فكيف يستحقون بها على الله النجاة وطاعة ~~المطيع لا نسبة لها إلى نعمة من نعم الله عليه فتبقى سائر النعم تتقاضاه ~~شكرا والعبد لا يقوم بمقدوره الذي يجب لله عليه فجميع عباده تحت عفوه ~~ورحمته وفضله فما نجا منهم أحدا إلا بعفوه ومغفرته ولا فاز بالجنة إلا ~~بفضله ورحمته وإذا كانت هذه حال العباد فلو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم ~~لا لكونه قادرا عليهم وهم ملكه بل لاستحقاقهم ولو رحمهم لكان ذلك بفضله لا ~~بأعمالهم # وأما قوله فانهم عبادك فليس المراد به أنك قادر عليهم مالك لهم وأي مدح ~~في هذا ولو قلت لشخص أن عذبت فلانا فانك قادر على ذلك أي مدح يكون في ذلك ~~بل في ضمن ذلك الأخبار بغاية العدل وأنه تعالى أن عذبهم فانهم عباده الذين ~~أنعم عليهم بإيجادهم وخلقهم ورزقهم وإحسانه إليهم لا بوسيلة ms568 منهم ولا في ~~مقابلة بذل بذلوه بل ابتدأهم بنعمه وفضله فإذا عذبهم بعد ذلك وهم عبيده لم ~~يعذبهم إلا بجرمهم واستحقاقهم وظلمهم فان من أنعم عليهم ابتداء بجلائل ~~النعم كيف يعذبهم بغير استحقاق أعظم النقم # وفيه أيضا أمر آخر ألطف من هذا وهو أن كونهم عباده يقتضي عبادته وحده ~~وتعظيمه واجلاله كما يجل العبد سيده ومالكه الذي لا يصل إليه نفع إلا على ~~يده ولا يدفع عنه ضرا إلا هو فإذا كفروا به أقبح الكفر وأشركوا به أعظم ~~الشرك ونسبوه إلى كل نقيصة مما تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا كانوا أحق عباده وأولاهم بالعذاب والمعنى هم عبادك الذين أشركوا ~~بك وعدلوا بك وجحدوا حقك فهم عباد مستحقون للعذاب وفيه أمر آخر أيضا لعله ~~ألطف مما قبله وهو أن تعذبهم فانهم عبادك وشأن السيد المحسن المنعم أن ~~يتعطف على عبده ويرحمه ويحنو عليه فإن عذبت هؤلاء وهم عبيدك لا تعذبهم إلا ~~باستحقاقهم وإجرامهم وألا فكيف يشقى العبد بسيده وهو مطيع له متبع لمرضاته ~~فتأمل هذه المعاني ووازن بينها وبين قوله من يقول أن تعذبهم فأنت الملك ~~القادر وهم PageV02P109 # المملوكون المربوبون وانما تصرفت في ملكك من غير أن يكون قام بهم سبب ~~العذاب فان القوم نفاة الأسباب وعندهم أن كفر الكافرين وشركهم ليس سببا ~~للعذاب بل العذاب بمجرد المشيئة ومحض الإرادة وكذلك الكلام في مناظرة اياس ~~للقدرية إنما أراد بأن التصرفات الواقعة منه تعالى في ملكه لا تكون ظلما قط ~~وهذا حق فان كل ما فعله الرب ويفعله لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة ~~والرحمة فليس في أفعاله ظلم ولا جور ولا سفه وهذا حق لا ريب فيه فاياس بين ~~أنه سبحانه في تصرفه في ملكه غير ظالم فهذه مجامع طرق العالم في هذا المقام ~~ألقيت إليك محتضرة بذكر قواعدها وأداتها وترجيح الصواب منها وابطال الباطل ~~ولعلك لا تجد هذا التفصيل والكلام على هذه المذاهب وأصولها في كتاب من كتب ~~القوم والله تعالى المسئول لتمام نعمته ومزيد العلم ms569 والهدى انه المان بفضله # | فصل وكذلك الكلام في الإيجاب في حق الله سواء الأقوال فيه كالأقوال # في التحريم وقد أخبر سبحانه عن نفسه أنه كتب على نفسه وأحق على نفسه قال ~~تعالى @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا جاءك ~~الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن @QE@ وفي الحديث الصحيح أن النبي قال لمعاذ أتدري ما حق الله على ~~عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا ~~أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله أعلم قال حقهم ~~عليه أن لا يعذبهم ومنه قوله في غير حديث من فعل كذا كان على الله أن يفعل ~~به كذا وكذا في الوعد والوعيد ونظير هذا ما أخبر سبحانه من قسمه ليفعلن ما ~~أقسم عليه كقوله فوربك لنسئلنهم أجمعين فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم جثيا وقوله @QB@ لنهلكن الظالمين @QE@ وقوله @QB@ لأملأن ~~جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ وقوله @QB@ فالذين هاجروا وأخرجوا من ~~ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار @QE@ وقوله فلنسألن الذي أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين وقوله فيما يرويه عنه رسول الله وجلالي لأقتصن للمظلوم من الظالم ~~ولو لطمة ولو ضربة بيد إلي أمثال ذلك من صيغ القسم المتضمن معنى إيجاب ~~المقسم على نفسه أو منعه نفسه وهو القسم الطلبي المتضمن للحظر والمنع بخلاف ~~القسم الخبري المتضمن للتصديق PageV02P110 # والتكذيب ولهذا قسم الفقهاء وغيرهم اليمين إلي موجب للحظر والمنع أو ~~التصديق والتكذيب قالوا وإذا كان معقولا من العبد أن يكون طالبا من نفسه ~~فتكون نفسه طالبة منها لقوله تعالى @QB@ إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ وقوله ~~@QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى @QE@ مع كون العبد له آمر ~~وناه فوقه فالرب تعالى الذي ليس فوقه ms570 آمر ولا ناه كيف يمتنع منه أن يكون ~~طالبا من نفسه فيكتب على نفسه ويحق على نفسه ويحرم على نفسه بل ذلك أولى ~~وأحرى في حقه من تصوره في حق العبد وقد أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله # قالوا وكتابه ما كتبه على نفسه وإحقاقه ما حقه عليها متضمن لإرادته ذلك ~~ومحبته له ورضاه به وأنه لا بد أن يفعله وتحريمه ما حرمه على نفسه متضمن ~~لبغضه لذلك وكراهته له وأنه لا يفعله ولا ريب أن محبته لما يريد أن يفعله ~~ورضاه به يوجب وقوعه بمشيئته واختياره وكراهته للفعل وبغضه له يمنع وقوعه ~~منه مع قدرته عليه لو شاء وهذا غير ما يحبه من فعل عبده ويكرهه منه فذاك ~~نوع وهذا نوع ولما لم يميز كثير من الناس بين النوعين وأدخلوهما تحت حكم ~~واحد اضطربت عليهم مسائل القضاء والقدر والحكم والتعليل وبهذا التفصيل سفر ~~لك وجه المسئلة وتبلج صبحها ففرق بين فعله سبحانه الذي هو فعله وبين فعل ~~عباده الذي هو مفعوله فمحبته تعالى وكراهته للأول توجب وقوعه وامتناعه وأما ~~محبته وكراهته للثاني فلا توجب وقوعه ولا امتناعه فانه يحب الطاعة والأيمان ~~من عباده كلهم وان لم تكن محبته موجبة لطاعتهم وأيمانهم جميعا إذا لم يحب ~~فعله الذي هو إعانتهم وتوفيقهم وخلق ذلك لهم ولو أحب ذلك لاستلزم طاعتهم ~~وأيمانهم ويبغض معاصيهم وكفرهم وفسوقهم ولم تكن هذه الكراهة والبغض مانعة ~~من وقوع ذلك منهم إذ لم يكره سبحانه خذلانهم واضلالهم لما له في ذلك من ~~الغايات المحبوبة التي فواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من إيمانهم ~~وطاعتهم وتعقل ذلك مما يقصر عنه عقول أكثر الناس وقد أشرنا إليه فيما تقدم ~~من الكتاب فالرب تعالى يحب من عباده الطاعة والأيمان ويحب مع ذلك من تضرعهم ~~وتذللهم وتوبتهم واستغفارهم ومن توبته ومغفرته وعفوه وصفحه وتجاوزه ما هو ~~ملزوم لمعاصيهم وذنوبهم ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع وإذا عقل هذا في حق ~~المذنبين فيعقل مثله في حق الكفار وان خلقهم واضلالهم لازم ms571 لأمور محبوبة ~~للرب تعالى لم تكن تحصل إلا بوجود لازمها إذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع ~~فكانت تلك الأمور المحبوبة والغايات المحمودة متوقفة على خلقهم واضلالهم ~~توقف الملزوم على لازمة وهذا فصل معترض لم يكن من غرضنا وان كان أهم مما ~~سقنا الكلام لأجله ونكتة المسألة الفرق بين ما هو فعل له تستلزم محبته ~~وقوعه منه وبين ما هو مفعول له لا تستلزم محبته له وقوعه PageV02P111 من ~~عبده وإذا عرف هذا فالظلم والكفر والفسوق والعصيان وأنواع الشرور واقعة في ~~مفعولاته المنفصلة التي لا يتصف بها دون أفعاله القائمة به ومن انكشف له ~~لهذا المقام فهم معنى قوله والشر ليس إليك فهذا الفرق العظيم يزيل أكثر ~~الشبه التي حارت لها عقول كثير من الناس في هذا الباب وهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بأذنه والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم ~~فما في مخلوقاته ومفعولاته تعالى من الظلم والشر فهو بالنسبة إلي فاعله ~~المكلف الذي قام به الفعل كما أنه بالنسبة إليه يكون زنا وسرقة وعدوانا ~~وأكلا وشربا ونكاحا فهو الزاني السارق الآكل الناكح والله خالق كل فاعل ~~وفعله وليست نسبة هذه الأفعال إلي خالقها كنسبتها إلي فاعلها الذي قامت به ~~كما أن نسبة صفات المخلوقين إليه كطوله وقصره وحسنه وقبحه وشكله ولونه ليست ~~كنسبتها إلي خالقها فيه فتأمل هذا الموضع واعط الفرق حقه وفرق بين النسبتين ~~فكما أن صفات المخلوق ليست صفات لله بوجه وان كان هو خالقها فكذلك أفعاله ~~ليست أفعالا لله تعالى ولا إليه وان كان هو خالقها فلنرجع الآن إلي ما نحن ~~بصدده فنقول الأمر الذي كتبه على نفسه مستحق عليه الحمد والثناء ويتعالى ~~ويتقدس عن تركه إذ تركه مناف للثناء والحمد الذي يستحقه عليه متضمنا لما ~~يستحق لذاته وهذا بحمد الله بين عند من أوتى العلم والأيمان وهو مستقر في ~~فطرهم لا ينسخه منها شبهات المبطلين وهذا الموضع مما خفى على طائفتي ~~القدرية والجبرية فخبطوا في عشواء وخبطوا في ليلة ظلماء والله الموفق ms572 ~~الهادي للصواب # | فصل وقد ظهر بهذا بطلان قول طائفتين معا الذين وضعوا لله شريعة # بعقولهم أوجبوا عليه وحرموا منها ما لم يوجبه على نفسه ولم يحرمه على ~~نفسه وسووا بينه وبين عباده فيما يحسن منهم ويقبح وبذلك استطال عليهم ~~خصومهم وأبدوا مناقضتهم وكشفوا عوراتهم وبينوا فضائحهم وكذلك بطلان قول ~~الطائفة التي جوزت عليه كل شيء وأنكرت حكمته وجحدت في الحقيقة ما يستحقه من ~~الحمد والثناء على ما يفعله مما يمدح بفعله وعلى ترك ما يتركه مع قدرته ~~عليه مما يمدح بتركه وجعلت النوعين واحدا ولا فرق عندهم بالنسبة إليه تعالى ~~بين فعل ما يمدح بفعله وبين تركه ولا بين ترك ما يمدح بتركه وبين فعله ~~وبهذا تسلط عليهم خصومهم وأبدوا مناقضتهم وبينوا فضائحهم قال المتوسطون ~~وأما نحن فلا يلزمنا شيء من هذه الفضائح والأباطيل فانا لم نوافق طائفة من ~~الطائفتين على كل ما قالته بل وافقنا كل طائفة فيما أصابت فيه الحق ~~وخالفناها فيما خالفت فيه الحق فكنا أسعد به من الطائفتين ولله المنة ~~والفضل هذا قولنا قد أوضحناه في هذه المسألة غاية الإيضاح وأفصحنا عنه بما ~~أمكننا من الافصاح فمن وجد سبيلا إلى PageV02P112 # المعارضة أو رام طريقا إلي المناقضة فليبدها فانا من وراء الردة عليه ~~وإهداء عيوب مقالته إليه ونحن نعلم أنه لا يرد علينا مقالتنا إلا بإحدى ~~المقالتين اللتين كشفنا عن عوارهما وبينا فسادهما فليستر عورة مقالته ويصلح ~~فسادها ويرم شعثها ثم ليلق خصومه بها فالمحاكمة إلي النقل الصريح والعقل ~~الصحيح والله المستعان # الوجه الثاني والستون قولكم الوجوب والتحريم بدون الشرع ممتنع لأنه لو ~~ثبت لقامت الحجة بدون الرسل والله سبحانه إنما أقام حجته برسله إلى آخره ~~فيقال لا ريب أن الوجوب والتحريم اللذين هما متعلق الثواب والعقاب بدون ~~الشرع ممتنع كما قررتموه والحجة إنما قامت على العباد بالرسل ولكن هذا ~~الوجوب والتحريم بمعنى حصول المقتضى للثواب والعقاب وان تخلف عنه مقتضاه ~~لقيام مانع أو فوات شرط كما تقدم تقريره وقد قال تعالى ولولا أن تصيبهم ~~مصيبة بما ms573 قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لو لا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك ~~ونكون من المؤمنين فأخبر تعالى أن ما قدمت أيديهم سبب لاصابة المصيبة إياهم ~~وأنه سبحانه أرسل رسوله وأنزل كتابه لئلا يقولوا ربنا لو لا أرسلت الينا ~~رسولا فنتبع آياتك فدلت الآية على بطلان قول الطائفتين جميعا الذين يقولون ~~أن أعمالهم قبل البعثة ليست قبيحة لذاتها بل إنما قبحت بالنهي فقط والذين ~~يقولون أنها قبيحة ويستحقون عليها العقوبة عقلا بدون البعثة فنظمت الآية ~~بطلان قول الطائفتين ودلت على القول الوسط الذي اخترناه ونصرناه أنها قبيحة ~~في نفسها ولا يستحقون العقاب إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة فلا تلازم بين ~~ثبوت الحسن والقبح العقليين وبين استحقاق الثواب والعقاب فالأدلة إنما ~~اقتضت ارتباط الثواب والعقاب بالرسالة وتوقفهما عليها ولم تقتض توقف الحسن ~~والقبح بكل اعتبار عليها وفرق بين الأمرين # الوجه الثالث والستون قولكم كيف يعلم أنه سبحانه يجب عليه أن يمدح ويذم ~~ويثبت ويعاقب على الفعل بمجرد العقل وهل ذلك إلا غيب عنا فيما يعرف أنه رضى ~~عن فاعل وسخط على فاعل وأنه يثيب هذا ويعاقب هذا ولم يخبر عنه بذلك مخبر ~~صادق ولادل على مواقع رضاه وسخطه عقل ولا أخبر عن معلومه ومحكومه مخير فلم ~~يبق إلا قياس أفعاله على أفعال عباده وهو من أفسد القياس فانه ليس كمثله ~~شيء فيقال هذا لازم للمعتزلة ومن وافقهم حيث يوجبون على الله ويحرمون ~~بالقياس على عباده ولا ريب أن هذا من أفسد القياس وأبطله ولكن من أين ينفى ~~ذلك إثبات صفات أفعال اقتضت حسنها وقبحها عقلا ولم يعلم ترتب الثواب ~~والعقاب عليها إلا بالرسالة كما نصرناه فأنتم معاشر النفاة سلبتم الأفعال ~~خواصها وصفاتها التي لا تنفك عنها ولا تغفل مجردة عنها أبدا وظننتم أن قول ~~المعتزلة الباطل في ايجابها وتحريمها على الله لا يتم إلا بهذا النفي ~~فأخطاتم في الأمرين PageV02P113 # معا فان بطلان قولهم لا يتوقف على نفي الحسن والقبح ونفيهما باطل وخصومكم ~~من المعتزلة أثبتوا لله شريعة عقلية أوجبوا عليه فيها وحرموا بمقتضى ms574 عقولهم ~~وظنوا أنهم لا يمكنهم إثبات الحسن والقبح إلا بذلك فأخطئوا في الأمرين معا ~~فان الله تعالى كما لا يقاس بعباده في أفعاله لا يقاس بهم في ذاته وصفاته ~~فليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله واثبات الحسن والقبح لا ~~يستلزم هذا الإيجاب والتحريم العقليين فليتأمل اللبيب هذه الدقائق التي هي ~~مجامع مآخذ الفرق فيها يتبين أن الناس إنما تكلموا في حواشي المسألة ولم ~~يخوضوا لجتها ويقتحموا غمرتها والله المستعان وأما إلزامكم لخصومكم من ~~المعتزلة تلك اللوازم فلا ريب أنها مستلزمة لبطلان قولهم مع أضعافها من ~~اللوازم التي تبين فساد مذهبهم ونحن مساعدوكم عليها كما لا محيد لهم عن ~~الزاماتكم فمنها أنكم سددتم على أنفسكم طريق الاستدلال بالمعجزة على النبوة ~~حيث جوزتم على الله أن يؤيد الكذاب كما يؤيد الصادق وعندكم أن كلا الآمرين ~~بالنسبة إليه تعالى سواء ولم تعتذروا عن هذا الإلزام المقابل لسائر ~~الزاماتكم بعذر صحيح وهذه أعذاركم مسطورة في الصحائف ومنها الزمام الأفحام ~~ونفى المكلف النظر في المعجزة لعدم الوجوب عقلا واعتذاركم عن هذا الزام بأن ~~الوجوب ثابت نظر أو لم ينظر اعتذار يبطل أصلكم فان ثبوت الوجود بدون نظر ~~المكلف لو كان شرعيا لتوقف على الشرع المتوقف في حق المكلف على النظر في ~~المعجزة فلما ثبت الوجوب وان لم ينظر في المعجزة علم أن الوجوب عقلي لا ~~يتوقف على ثبوت الشرع فان قيل هو ثابت في نفس الأمر على تقدير ثبوت الرسالة ~~قيل فحينئذ يعود الإلزام وهو أنه لا ينظر حتى يجب ولا يجب حتى تثبت الرسالة ~~ولا تثبت حتى ينظر ولهذا عدل من عدل لي مقابلة هذا الإلزام بمثله وقالوا ~~هذا لازم للمعتزلة لأن الوجوب عندهم نظري وهذا لا يغني شيئا ولا يدفع ~~الإلزام المذكور بل غايته مقابلة الفاسد بمثله وهو لا يجدي في دفع الإلزام ~~شيئا وهذا يدل على بطلان المقالتين وأما نحن فلنا في دفع هذا الإلزام عشرة ~~مسالك وليس هذا موضع هذه المسألة وانما المقصود أن المعتزلة ألزمت ms575 نظير ما ~~ألزموهم به ومنها إلزام التعطيل للشرائع جملة وقد تقدم بيانه قريبا حيث ~~بينا أن متعلق الأمر والنهي إنما هو فعل العبد الاختياري فإذا بطل أن يكون ~~له فعل اختياري بطل متعلق الأمر والنهي فلزمه بطلان الأمر والنهي لأن وجوده ~~بدون متعلقه محال إلى سائر تلك اللوازم التي أسلفناها قبل فلا نطيل ~~بإعادتها قالوا أما نحن فلا يلزمنا شيء من هذه اللوازم من الطرفين فانا لم ~~نسلك واحدا من الطريقين فلا سبيل لأحدى الطائفتين إلي إلزامنا بلازم واحد ~~باطل ولله الحمد فمن رام ذلك فليبده # فان قيل فمن أصلكم إثبات التعليل والحكمة في الخلق والأمر فما تصنعون ~~PageV02P114 # بهذه اللوازم التي ألزمناها المعتزلة وماذا جوابكم عنها إذا وجهناها ~~إليكم قيل لا ريب أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه وشهدت به الفطر والعقول من ~~الحكمة في خلقه وأمره ونقول أن كل ما خلقه وأمر به خلقه فيه حكمة بالغة ~~وآيات باهرة لأجلها خلقه وأمر به ولكن لا نقول أن لله تعالى في خلقو وأمره ~~كله حكمة مماثلة لما للمخلوق من ذلك ولا مشابهة له بل الفرق بين الحكمتين ~~كالفرق ين الفعلين وكالفرق بين الوصفين والذاتين فليس كمثله شيء في وصفه ~~ولا في فعله ولا في حكمة مطلوبة له من فعله بل الفرق بين الخالق والمخلوق ~~في ذلك كله أعظم فرق وأبينه وأوضحه عند العقول والفطر وعلى هذا فجميع ما ~~ألزمتموه لأصحاب الصلاح والأصلح بل وأضعافه وأضعاف أضعافه لله فيه حكمة ~~يختص بها لا يشاركه فيها غيره ولأجلها حسن منه ذلك وقبح من المخلوق لانتفاء ~~تلك الحكمة في حقه وهذا كما يحسن منه تعالى مدح نفسه والثناء على نفسه وان ~~قبح من أكثر خلقه ذلك ويليق بجلاله الكبرياء والعظمة ويقبح من خلقه ~~تعاطيهما كما روى عنه رسول الله الكبرياء ازاري والعظمة ردائي فمن نازعني ~~واحدا منهما عذبته وكما يحسن منه إماتة خلقه وابتلاؤهم وامتحانهم بأنواع ~~المحن ويقبح ذلك من خلقه وهذا أعظم من أن نذكر أمثلته فليس بين الله وبين ~~خلقه جامع ms576 يوجب أن يحسن منه ما حسن منهم ويقبح منه ما قبح منهم وانما تتوجه ~~تلك الالزامات إلى من قاس أفعال الله بأفعال عباده وأما من أثبت له حكمة ~~تختص به لا تشبه ما للمخلوقين من الحكمة فهو عن تلك الالزامات بمعزل ومنزله ~~منها أبعد منزل ونكتة الفرق أن بطلان الصلاح والأصلح لا يستلزم بطلان ~~الحكمة والتعليل والله الموفق الوجه الثالث والستون قولكم أنتم فتحتم بهذه ~~المسألة طريقا للاستغناء عن النبوات وسلطتم عليكم بها الفلاسفة والبراهمة ~~والصابئة وكل منكر للنبوات فان هذه المسألة باب بيننا وبينهم فأنكم إذا ~~زعمتم أن في العقل حاكما يحسن ويقبح ويوجب ويحرم ويتقاضى الثواب والعقاب لم ~~تكن الحاجة إلي البعثة ضرورية لامكان الاستغناء عنها فهذا الحاكم إلى آخره ~~قال المثبتون هذا كلام هائل وهو عند التحقيق باطل لو أنصف مورده لعلم انا ~~وهو كما قال الأول رمتني بدائها وانسلت وقد بينا أن النفاة سدوا على أنفسهم ~~طريق إثبات النبوة بإنكارهم هذه المسألة وقالوا انه يحسن من الله كل شيء ~~حتى إظهار المعجزة على يد الكاذب ولا فرق بالنسبة إليه بين إظهارها على يد ~~الصادق ويد الكاذب وليس في العقل ما يدل على استحالة هذا وجواز هذا وتوقف ~~معرفته على السمع لا سيما إذا انضم إلى ذلك إنكار كون العبد فاعلا مختارا ~~البتة فان ذلك يسد الباب جملة لأن متعلق الأمر والنهي إنما هو أفعال العباد ~~الاختيارية فمن لا فعل له ولا اختيار أصلا فكيف يعقل أن يكون مأمورا منهيا ~~وقد تقدم حديث الافحام وعجزكم PageV02P115 # عن الجواب عنه قالوا وأما نحن فانا سهلنا بذلك الطريق إلي إثبات النبوات ~~بل لا يمكن إثباتها إلا بالاعتراف بهذه المسالة فانه إذا ثبت أن من الأفعال ~~حسنا ومنها قبيحا وأن إظهار المعجزة على يد الكاذب قبيح وأن الله يتعالى ~~ويتقدس عن فعل القبائح علمنا بذلك صحة نبوة من اظهر الله على يديه الآيات ~~والمعجزات وأما أنتم فأنكم لا يمكنكم العلم بذلك قالوا وكذلك نحن قلنا أن ~~العبد فاعل مختار لفعله وأوامر ms577 الشرع ونواهيه متوجهة إلي مجرد فعله ~~الاختياري القائم به وهو متعلق الثواب والعقاب وأما أنتم فلا يمكنكم ذلك ~~لأن تلك الأفعال عندكم هي فعل الله في العبد لاصنع للعبد فيها أصلا فكيف ~~يتوجه أمر الشرع ونهيه إلي غير فاعل بل يؤمر وينهى بما لا قدرة له عليه ~~البتة بل بفعل غيره قالوا فليتدبر المنصف هذا المقام فانه يتبين له أنه سد ~~على نفسه طريق النبوات وفتح باب الاستغناء عنها قالوا وأيضا فان الله ~~سبحانه فطر عباده على الفرق بين الحسن والقبيح وركب في عقولهم إدراك ذلك ~~والتمييز بين النوعين كما فطرهم على الفرق بين النافع والضار والملائم لهم ~~والمنافر وركب في حواسهم إدراك ذلك والتمييز بين أنواعه والفطرة الأولى هي ~~خاصة الإنسان التي تميز بها عن غيره من الحيوانات وأما الفطرة الثانية ~~فمشتركة بين أصناف الحيوان وحجة الله عليه إنما تقوم بواسطة الفطرة الأولى ~~ولهذا اختص من بين سائر الحيوانات بإرسال الرسل إليه وبالأمر والنهي ~~والثواب والعقاب فجعل سبحانه في عقله ما يفرق بين الحسن والقبح وما ينبغي ~~إيثاره وما ينبغي اجتنابه ثم أقام عليه حجته برسالته بواسطة هذا الحاكم ~~الذي يتمكن به من العلم بالرسالة وحسن الإرسال وحسن ما تضمنه من الأمور ~~وقبح ما نهى عنه فانه لو لا ما ركب في عقله من إدراك ذلك لما أمكنه معرفة ~~حسن الرسالة وحسن المأمور وقبح المحظور ولهذا قلنا أن من أنكر الحسن والقبح ~~العقليين لزمه إنكار الحسن والقبح للشريعة وان زعم أنه مقربه فان أخبار ~~الشرع عن العقل بأنه حسن أو قبيح مطابق لكونه في نفسه كذلك فإذا كان في ~~نفسه ليس بحسن ولا قبيح فان هذا الخبر لا مخبر له إلا مجرد تعلق افعل أو لا ~~تفعل به وهذا التعليق عندكم جائز أن يكون بخلاف ما هو به وان يتعلق الطلب ~~بالمنهي عنه والنهي بالمأمور به والتعلق لم يجعله حسنا ولا قبيحا بل غايته ~~أن جعل الفعل مأمورا منهيا فعاد الحسن والقبح إلي مجرد كونه مأمورا منهيا ~~ولا فرق ms578 عندكم بالنظر إلي ذات الفعل بين النوعين بل ما كان مأمورا يجوز أن ~~يقع منهيا وبالعكس فلم يكشف الأمر والنهي صفة حسن ولا قبح أصلا فلا حسن ولا ~~قبح إذا عقلا ولا شرعا وانما هو تعلق الطلب بالفعل والترك وهذا مما لاخلاص ~~منه إلا بالقول بأن للأفعال خواص وصفات عليها في أنفسها اقتضت أن يؤمر ~~بحسنها وينهى عن سيئها ويخبر عن حسنها بما هو عليه ويخبر غيره بقبحها مما ~~نكون عليه PageV02P116 # فيكون للخبر مخبر ثابت في نفسه والأمر والنهي متعلق ثابت في نفسه قالوا ~~فعلمه من العقل محسن الحسن وقبح القبيح ثم علمه بأن ما أمرت به الرسل هو ~~الحسن وما نهت عنه هو القبيح طريق إلي تصديق الرسل وأنهم جاؤا بالحق من عند ~~الله ولهذا قال بعض الأعراب وقد سئل بماذا عرفت أن محمدا رسول الله فقال ما ~~أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به ~~أفلا ترى هذا الأعرابي كيف جعل مطابقة الحسن والقبح الذي ركب الله في العقل ~~ادراكه لما جاء به الرسول شاهدا على صحة رسالته وعلما عليها ولم يقل أن ذلك ~~يقبح طريق الاستغناء عن النبوة بحاكم العقل قالوا أيضا فهذا إنما يلزم أن ~~لو قيل بأن ما جاءت به الرسل ثابت في العقل إدراكه مفصلا قبل البعثة فحينئذ ~~يقال هذا يفتح باب الاستغناء عن الرسالة ومعلوم أن إثبات الحسن والقبح ~~العقليين لا يستلزم هذا ولا يدل عليه بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ~~ما أتى الشرع بتفضيله أو قبحه فيدركه العقل جملة ويأتي الشرع بتفصيله وهذا ~~كما أن العقل يدرك حسن العدل وأما كون هذا الفعل المعين عدلا أو ظلما فهذا ~~مما يعجز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد وكذلك يعجز عن إدراك حسن كل فعل ~~وقبح وان تأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتبينه وما أدركه العقل الصريح من ذلك ~~أتت الشرائع بتقريره وما كان حسنا في وقت قبيحا في وقت ولم يهتد العقل لوقت ms579 ~~حسنه من وقت قبحه أتت الشرائع بالأمر به في وقت حسنه وبالنهي عنه في وقت ~~قبحه وكذلك الفعل يكون مشتملا على مصلحة ومفسدة ولا تعلم العقول مفسدته ~~أرجح أم مصلحته فيتوقف العقل في ذلك فتأتي الشرائع ببيان ذلك وتأمر براجح ~~المصلحة وتنهى عن راجح المفسدة وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص مفسدة لغيره ~~والعقل لا يدرك ذلك فتأتي الشرائع ببيانه فتأمر به من هو مصلحة له وتنهى ~~عنه من حيث هو مفسدة في حقه وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر وفي ضمنه ~~مصلحة عظيمة لا يهتدي إليها العقل فلا يعلم إلا بالشرع كالجهاد والقتل في ~~الله ويكون في الظاهر مصلحة وفي ضمنه مفسدة عظيمة لا يهتدي إليها العقل ~~فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة هذا مع أن ما ~~يعجز العقل عن إدراكه من حسن الأفعال وقبحها ليس بدون ما تدركه من ذلك ~~فالحاجة إلي الرسل ضرورية بل هي فوق كل حاجة فليس العالم إلي شيء أحوج منهم ~~إلي المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ولهذا يذكر سبحانه عباده نعمه عليهم ~~برسوله ويعد ذلك عليهم من أعظم المنن منه لشدة حاجتهم إليه ولتوقف مصالحهم ~~الجزئية والكلية عليه وأنه لاسعادة لهم ولا فلاح ولا قيام إلا بالرسل فإذا ~~كان العقل قد أدرك حسن بعض الأفعال وقبحها فمن PageV02P117 # أين له معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته والآية التي تعرف بها الله إلي ~~عباده على السنة رسله و من أين له معرفة تفاصيل شرعه ودينه الذي شرعه ~~لعباده ومن أين له تفاصيل مواقع محبته ورضاه و سخطه # وكراهته ومن أين له معرفة تفاصيل ثوابه وعقابه وما أعد لأوليائه وما اعد ~~لأعدائه ومقادير الثواب والعقاب وكيفيتهما ودرجاتهما ومن أين له معرفة ~~الغيب الذي لم يظهر الله عليه أحدا من خلقه إلا من ارتضاه من رسله إلي غير ~~ذلك مما جاءت به الرسل وبلغته عن الله وليس في العقل طريق إلي معرفته فكيف ~~يكون معرفة حسن بعض الأفعال و قبحها بالعقل مغنيا عما جاءت به ms580 الرسل فظهر ~~أن ما ذكرتموه مجرد تهويل مشحون بالأباطيل والحمد لله # وقد ظهر بهذا القصور الفلاسفة في معرفة النبوات وأنهم لا علم عندهم بها ~~إلا كعلم عوام الناس بما عندهم من ألعقليات بل علمهم بالنبوات وحقيقتها ~~وعظم قدرها وما جاءت به اقل بكثير من علم العامة بعقلياتهم فهم عوام ~~بالنسبة إليها كما أن من لم يعرف علومهم عوام بالنسبة إليهم فلولا النبوات ~~لم يكن في العالم علم نافع البتة ولا عمل صالح ولا صلاح في معيشته و لا ~~قوام لمملكة ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارية ~~التي يعدو بعضها على بعض وكل دين في العالم # فمن آثار النبوة وكل شيء وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ~~ودروسها فالعالم حينئذ روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه ولهذا إذا تم ~~انكساف شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من أثارها البتة انشقت ~~سماؤه وانتثرت كواكبه وكورت شمسه وخسفت قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وأهلك ~~من عليها فلا قيام للعالم إلا بأثار النبوة ولهذا كان كل موضع ظهرت فيه ~~آثار النبوة فأهله أحسن حالا وأصلح بالا من الموضع الذي يخفى فيه آثارها ~~وبالجملة فحاجة العالم إلي النبوة أعظم من حاجتهم إلي نور الشمس وأعظم من ~~حاجتهم إلي الماء والهواء الذي لا حياة لهم بدونه # # | فصل وأما ما ذكره الفلاسفة من مقصود الشرائع وان ذلك لاستكمال # النفس قوى العلم والعمل والشرائع ترد بتمهيد ما تقرر في العقل بتعبيره ~~إلي آخره فهذا مقام يجب الاعتناء بشأنه و أن لا نضرب عنه صفحا فنقول للناس ~~في المقصود بالشرائع والأوامر و النواهي أربعة طرق : أحدها طريق من يقول أن ~~الفلاسفة وأتباعهم من المنتسبين إلي الملل أن المقصود بها تهذيب أخلاق ~~النفوس وتعديلها لتستعد بذلك لقبول الحكمة العلمية و العملية ومنهم من يقول ~~لتستعد بذلك لأن تكون محلا لانتقاش صور المعقولات فيها ففائدة ذلك عندهم ~~كالفائدة PageV02P118 # الحاصلة من صقل المرآة لتستعد لظهور الصور فيها وهؤلاء يجعلون الشرائع من ~~جنس الأخلاق ms581 الفاضلة والسياسات العادلة ولهذا رام فلاسفة الإسلام الجمع بين ~~الشريعة والفلسفة كما فعل ابن سينا والفارابي و اضرابهما وآل بهم أن تكلموا ~~في خوارق العادات و المعجزات على طريق الفلاسفة المشائين وجعلوا لها أسبابا ~~ثلاثة أحدها القوى الفلكية والثاني القوى النفسية و الثالث القوى الطبيعية ~~و جعلوا جنس الخوارق # جنسا واحدا وأدخلوا ما للسحرة وأرباب الرياضة والكهنة وغيرهم مع ما ~~للأنبياء والرسل في ذلك وجعلوا سبب ذلك كله واحدا وان اختلفت بالغايات ~~والنبي قصده الخير والساحر قصده الشر وهذا المذهب من افسد مذاهب العالم و ~~أخبثها وهو مبني على إنكار الفاعل المختار وانه تعالى لا يعلم ألجزئيات ولا ~~يقدر على تغيير العالم ولا يخلق شيئا بمشيئته وقدرته وعلى إنكار الجن ~~والملائكة ومعاد الأجسام وبالجملة فهو مبني على الكفر بالله وملائكته و ~~كتبه و رسله واليوم الآخر وليس هذا موضوع الرد هنا على هؤلاء و كشف باطلهم ~~و فضائحهم إذ المقصود ذكر طرق الناس في المقصود بالشرائع والعبادات وهذه ~~الفرقة غاية ما عندها في العبادات و الأخلاق والحكمة العلمية أنهم رأوا ~~النفس لها شهوة وغضب بقوتها العملية ولها تصور وعلم بقوتها العلمية فقالوا ~~كمال الشهوة في العفة وكمال الغضب في الحكم والشجاعة وكمال القوة النظرية ~~بالعلم و التوسط في جميع ذلك بين طرفي الإفراط و التفريط هو العدل # هذا غاية ما عند القوم من المقصود بالعبادات و الشرائع وهو عندهم غاية ~~كمال النفس وهو استكمال قويتها العلمية والعملية فاستكمال قوتها العلمية ~~عندهم بانطباع صور المعلومات في النفس واستكمال قوتها العلمية بالعدل وهذا ~~مع انه غاية ما عندهم من العلم والعمل وليس فيه بيان خاصية النفس التي لا ~~كمال لها بدونه البتة وهو الذي خلقت له و أريد منها بل ما عرفه القوم لأنه ~~لم يكن عندهم من معرفة متعلقة إلا نزر يسير غير مجد ولا محصل للمقصود وذلك ~~معرفة الله بأسمائه وصفاته ومعرفة ما ينبغي لجلاله وما يتعالى ويتقدس عنه و ~~معرفة أمره ودينه والتمييز بين مواقع رضاه وسخطه و استفراغ ms582 الوسع في ~~التقريب إليه وامتلاء القلب بمحبته بحيث يكون سلطان حبه قاهرا لكل محبة ولا ~~سعادة للعبد في دنياه ولا أخراه إلا بذلك ولا كمال للروح بدون ذلك # البتة وهذا هو الذي خلق له بل وأريد منه بل ولأجله خلقت السماوات والأرض ~~واتخذت الجنة والنار كما سيأتي تقريره من أكثر من مائة وجه أن شاء الله # ومعلوم أنه ليس عند القوم من هذا خبر بل هم في واد وأهل الشأن في واد و ~~هذا هو الدين الذي الذي أجمعت الأنبياء عليه من أولهم إلي خاتمتهم كلهم جاء ~~به وأخبر عن الله أنه دينه الذي رضيه لعباده وشرعه لهم وأمرهم به كما قال ~~تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~@QE@ وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك رسولا إلا نوحي إليه أنه لا اله إلا ~~أنا فاعبدون PageV02P119 # وقال تعالى ومن يبتع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وقال تعالى واسأل من ~~رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال يأيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا أنى بما تعملون عليم وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون وقال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين @QE@ وقال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوا وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين وقال تعالى @QB@ ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ فالغاية الحميدة التي يحصل بها كمال ~~بني آدم وسعادتهم و نجاحهم هي معرفة الله # ومحبته وعبادته وحده لا شريك له وهي حقيقة قول العبد لا اله إلا الله ~~وبها بعث الرسل ونزلت جميع الكتب ولا تصلح النفس ولا تزكو ولا تكمل إلا ~~بذلك قال تعالى فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة أي لا يؤتون ما تزكى ~~به أنفسهم من التوحيد ms583 و الأيمان ولهذا فسرها غير واحد من السلف بأن قالوا ~~لا يأتون الزكاة لا يقولون لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن يكون الله ~~أحب إلى العبد من كل ما سواه هو اعظم وصية جاءت بها الرسل ودعوا إليها ~~الأمم وسنبين أن شاء الله عن قريب بالبراهين الشافية أن النفس ليس لها نجاة ~~ولا سعادة ولا كمال إلا بأن يكون الله وحده محبوبها و معبودها لا أحب إليها ~~منه ولا آثر عندها من # مرضاته و التقرب إليه وأن النفس محتاجة بل مضطرة إليه حيث هو معبودها و ~~محبوبها وغاية مرادها أعظم من اضطرارها إليه من حيث هو ربها وخالقها ~~وفاطرها ولهذا كان من آمن بالله خالقه ورازقه وربه ومليكه ولم يؤمن بأنه لا ~~اله يعبد ويحب ويخشى ويخاف غيره بل أشرك معه في عبادته غيره فهو كافر به ~~مشرك شركا لا يغفره الله له كما قال تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله @QE@ فأخبر أن من أحب شيئا سوى الله مثل ما يحب الله فقد اتخذ من دون ~~الله أندادا ولهذا يقول أهل النار لمعبوداتهم وهم معهم فيها @QB@ تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين @QE@ وهذه التسوية إنما كانت في ~~الحب والتأله لا في الخلق والقدرة والربوبية وهي العدل الذي أخبر به عن ~~الكفار بقوله والحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون وأصح القولين أن المعنى ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون فيجعلون له عدلا يحبونه ويعبدونه ويعبدونه كما يحبون الله ويعبدونه ~~فما ذكر الفلاسفة من الحكمة العملية والعلمية ليس فيها من العلوم والأعمال ~~ما تستعد به النفوس وتنجو به من العذاب فليس في PageV02P120 # حكمتهم العلمية إيمان بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا لقائه رسله وليس في ~~حكمتهم العلمية عبادته وحده ولا شريك له واتباع مرضاته واجتناب مساخطه ~~ومعلوم أن النفس لا سعادة لها ولا ms584 فلاح إلا بذلك فليس من حكمتهم العلمية ~~والعملية ما تسعد به النفوس و تفوز ولهذا لم يكونوا داخلين في الأمم ~~السعداء في الآخرة وهم الأمم الأربعة المذكورون في قوله تعالى أن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون # # | فصل وهذه الكمالات الأربعة التي ذكرها الفلاسفة للنفس لا بد منها # في كما لها وصلاحها ولكن قصروا غاية التقصير في أنهم لم يبينوا متعلقها ~~ولم يحدوا لها حدا فاصلا بين ما تحصل به السعادة وما لا تحصل به فانهم لم ~~يذكروا متعلق العفة ولا عماذا تكون ولا مقدارها الذي إذا تجاوزه العبد وقع ~~في الفجور وكذلك الحلم لم يذكروا مواقعه ومقداره وأين يحسن وأين يقبح وكذلك ~~الشجاعة وكذلك العلم لم يميزوا العلم الذي تزكو به النفوس وتسعد من غيره بل ~~لم يعرفوا أصلا وأما الرسل صلاة الله وسلامه عليهم فبينوا ذلك غاية البيان ~~وفصلوه أحسن تفصيل وقد جمع الله ذلك في كتابه في آية واحدة فقال @QB@ قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ ~~فهذه الأنواع الأربعة التي حرمها تحريما مطلقا لم يبح منها شيئا لأحد من ~~الخلق ولا في حال من الأحوال بخلاف الميتة والدم ولحم الخنزير فأنها تحرم ~~في حال وتباح في حال وأما هذه الأربعة فهي محرمة فالفواحش متعلقة بالشهوة ~~وتعديل قوة الشهوة باجتنابها والبغي بغير الحق متعلق بالغضب وتعديل القوة ~~الغضبية باجتنابه والشرك بالله ظلم عظيم بل هو الظلم على الإطلاق وهو مناف ~~للعدل والعلم وقوله وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا متضمن تحريم أصل ~~الظلم في حق الله وذلك يستلزم إيجاب العدل في حقه وهو عبادته وحده لا شريك ~~له فان النفس لها القوتان العلمية والعملية وعمل الإنسان عمل اختياري تابع ~~لارادة العبد وكل إرادة فلها مراد وكمال هو ms585 أما مراد لنفسه واما مراد لغيره ~~ينتهي إلي المراد لنفسه ولا بد فالقوة العملية تستلزم أن يكون للنفس مراد ~~تستكمل بإرادته فان كان ذلك المراد مضمحلا فانيا زالت الإرادة بزواله ولم ~~يكن للنفس مراد غيره قفاتها أعظم سعادتها وفلاحها فيجب إذا أن يكون مرادها ~~الذي تستكمل بإرادته وحبه وإيثاره باقيا لا يفنى ولا يزول وليس ذلك إلا ~~الله وحده وسنذكر أن شاء الله عن قريب معنى تعلق الإرادة به تعالى وكونه ~~مرادا والعبد مريد له فان هذا مما أشكل على بعض PageV02P121 المتكلمين حيث ~~قالوا أن الإرادة لا تتعلق إلا بحادث وأما القديم فكيف يكون مرادا وخفى ~~عليهم الفرق بين الإرادة الغائبة والإرادة الفاعلية وجعلوا الارادتين واحدة ~~والمقصود أن هؤلاء الفلاسفة لم يذكروا هذا في كمال النفس وانما جعلوا ~~كمالها في تعديل الشهوة والغضب والشهوة هي جلب ما ينفع البدن ويبقى النوغ ~~والغضب دفع ما يضر البدن وما تعرضوا لمراد الروح المحبوب لذاته وجعلوا ~~كمالها العلمي في مجرد العلم وغلطوا في ذلك من وجوه كثيرة منها أن ما ذكروه ~~لا يعطي كمال النفس الذي خلقت له كما بيناه ومنها أن ما ذكروه في كمال ~~القوة العملية إنما غايته إصلاح البدن الذي هو آلة النفس ولم يذكروا كمال ~~النفس الإرادي والعمل بالمحبة والخوف والرجاء ومنها أن كمال النفس في العلم ~~والإرادة لا في مجرد العلم فان مجرد العلم ليس بكمال للنفس ما لم تكن مريدة ~~محبة لمن لا سعادة لها إلا بإرادته ومحبته فالعلم المجرد لا يعطي النفس كما ~~لا ما لم تقترن به الإرادة والمحبة ومنها أن العلم لو كان كمالا بمجرده لم ~~يكن ما عندهم من العلم كما لا للنفس فان غاية ما عندهم علوم رياضية صحيحة ~~مصلحتها من جنس مصالح الصناعات وربما كانت الصناعات أصلح وأنفع من كثير ~~منها واما علم طبيعي صحيح غايته معرفة العناصر وبعض خواصها وطبائعها ومعرفة ~~بعض ما يتركب منها وما يستحيل من الموجبات إليها وبعض ما يقع في العالم من ~~الآثار بامتزاجها واختلاطها وأي ms586 كمال للنفس في هذا وأي سعادة لها فيه واما ~~علم الهي كله باطل لم يوفقوا في الإصابة الحق فيه مسألة واحدة # ومنها أن كمال النفس وسعادتها المستفاد عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ~~ليس عندهم اليوم منه حس ولا خبر ولا عين ولا أثر فهم أبعد الناس من كمالات ~~النفوس وسعاداتها وإذا عرف ذلك وأنه لا بد للنفس من مراد محبوب لذاته لا ~~يصلح إلا به ولا يكمل إلا بحبه وإيثاره وقطع العلائق عن غيره وان ذلك هو ~~النهاية وغاية مطلوبها ومرادها الذي إليه ينتهي الطلب فليس ذلك إلا الله ~~الذي لا اله إلا هو قال تعالى أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ولو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وليس صلاح الإنسان وحده وسعادته إلا بذلك بل ~~وكذلك الملائكة والجن وكل حي شاعر لاصلاح له إلا بأن يكون الله وحده ألهه ~~ومعبوده وغاية مراده وسيمر بك أن شاء الله بسط القول في ذلك واقامة ~~البراهين على هذا المطلوب الأعظم الذي هو غاية سعادة النفوس وأشرف مطالبها ~~فلنرجع إلي ما كنا فيه من بيان طرق الناس في مقاصد العبادات # الطريق الثاني طريق من يقول من المعتزلة ومن تابعهم أن الله سبحانه عرضهم ~~بها للثواب واستأجرهم بتلك الأعمال للخير فعاوضهم عليها معاوضة قالوا ~~والأنعام منه في الآخرة غير حسن لما فيه من تكرير منه العطاء ابتداء ولما ~~فيه من الإخلال بالمدح والثناء والتعظيم الذي لا يستحق إلا بالتكليف ومنهم ~~من يقول أن الواجبات الشرعية لطف في الواجبات PageV02P122 # العقلية ومنهم من يقول أن الغاية المقصودة التي يحصل بها الثواب هي العمل ~~والعلم وسيلة إليه حتى ربما قالوا ذلك في معرفة الله تعالى وأنها إنما وجبت ~~لأنها لطف في أداء الواجبات العملية وهذه الأقوال تصور العاقل اللبيب لها ~~حق التصور كاف في جزمه ببطلانها رافع عنه مؤنة الرد عليها والوجوه الدالة ~~على بطلانها أكثر من أن تذكر هاهنا # الطريق الثالث طريق الجبرية ومن وافقهم أن الله سبحانه امتحن عباده بذلك ~~وكلفهم لا ms587 لحكمة ولا لغاية مطلوبة له ولا بسبب من الأسباب فلا لام تعليل ~~ولا باء سبب أن هو إلا محض المشيئة وصرف الإرادة كما قالوا في الخلق سواء ~~وهؤلاء قابلوا من قبلهم من القدرية والمعتزلة أعظم مقابلة فهما طرفا نقيض ~~لا يلتقيان والطريق الرابع طريق أهل العلم والأيمان الذين عقلوا عن الله ~~أمره ودينه وعرفوا مراده بما أمرهم ونهاهم عنه وهي أن نفس معرفة الله ~~ومحبته وطاعته والتقرب إليه وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته وأن الله ~~سبحانه يستحقه لذاته وهو سبحانه المحبوب لذاته الذي لا تصلح العبادة ~~والمحبة والذل والخضوع والتأله إلا له فهو يستحق ذلك لأنه أهل أن يعبد ولو ~~لم يخلق جنة ولا نارا ولو لم يضع ثوابا ولا عقابا كما جاء في بعض الآثار لو ~~لم أخلق جنة ولا نارا أما كنت أهلا أن أعبد فهو سبحانه يستحق غاية الحب ~~والطاعة والثناء والمجد والتعظيم لذاته ولما له من أوصاف الكمال ونعوت ~~الجلال وحبه والرضى به وعنه والذل له والخضوع والتعبد هو غاية سعادة النفس ~~وكمالها والنفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه وحياته ~~والعين التي فقدت ضوءها ونورها بل أسوأ حالا من ذلك من وجهين : # أحدهما أن غاية الجسد إذا فقد روحه أن يصير معطلا ميتا وكذلك العين تصير ~~معطلة وأما النفس إذا فقدت كمالها المذكور فأنها تبقى معذبة متألمة وكلما ~~اشتد حجابها اشتد عذابها وألمها وشاهد هذا ما يجده المحب الصادق المحبة من ~~العذاب والألم عند احتجاب محبوبه عنه ولا سيما إذا يئس من قربه وحظى غيره ~~بحبه ووصله هذا مع إمكان التعوض عنه بمحبوب آخر نظيره أو خير منه فكيف بروح ~~فقدت محبوبها الحق الذي لم تخلق إلا لمحبته ولا كمال لها ولا صلاح أصلا إلا ~~بأن يكون أحب إليها من كل ما سواه وهو محبوبها الذي لا تعوض منه سواه بوجه ~~ما كما قال القائل : # من كل شيء إذا ضيعته عوض % وما من الله أن ضيعته عوض # ولو لم يكن احتجابه ms588 سبحانه عن عبده أشد أنواع العذاب عليه لم يتوعد به ~~أعداءه كما قال تعالى كلا انهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون ثم انهم لصالو ~~الجحيم فأخبر أن لهم عذابين أحدهما عذاب الحجاب عنه والثاني صلى الجحيم ~~وأحد العذابين أشد من الآخر وهذا كما أنه سبحانه ينعم على أوليائه بنعيمين ~~نعيم كشف الحجاب فينظرون إليه ونعيم الجنة وما فيها PageV02P123 # وأحد النعيمين أحب إليهم من الآخر وآثر عندهم وأقر لعيونهم كما في الصحيح ~~عنه أنه قال إذا دخل أهل الجنة نادى مناديا أهل الجنة أن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وفي حديث غير هذا أنهم إذا نظروا إلي ربهم ~~تبارك وتعالى أنساهم لذة النظر إليه ما هم فيه من النعيم # والوجه الثاني أن البدن والأعضاء آلات للنفس ورعية للقلب وخدم له فإذا ~~فقد بعضهم كماله الذي خلق له كان بمنزلة هلاك بعض جند الملك ورعيته وتعطل ~~بعض آلاته وقد لا يلحق الملك من ذلك ضرر أصلا وأما إذا فقد القلب كماله ~~الذي خلق له وحياته ونعيمه كان بمنزلة هلاك الملك وأسره وذهاب ملكه من يديه ~~وصيرورته أسيرا في أيدي أعاديه فهكذا الروح إذا عدمت كمالها وصلاحها في ~~معرفة فاطرها وبارئها وكونه أحب شيء إليها رضاه وابتغاء الوسيلة إليه آثر ~~شيء عندها حتى يكون اهتمامها بمحبته ومرضاته اهتمام المحب التام المحبة ~~بمرضاة محبوبه الذي لا يجد منه عوضا كانت بمنزلة الملك الذي ذهب منه ملكه ~~وأصبح أسيرا في يدي أعاديه يسومونه سوء العذاب وهذا الألم كامن في النفس ~~لكن يستره ستر الشهوات ويواريه حجاب الغفلة حتى إذا كشف الغطاء وحيل بين ~~العبد وبين ما يشتهى وجد حقيقة ذلك الألم وذاق طعمه وتجرد ألمه عما يحجبه ~~ويواريه وهذا أمر يدرك بالعيان والتجربة في هذه الدار تكون الأسباب المؤلمة ~~للروح والبدن موجودة مقتضية لآثارها ولكن يقوم للقلب من ms589 فرحه بحظ ناله من ~~مال أو جاه أو وصال حبيب ما يوارى عنه شهود الألم وربما لا يشعر به أصلا ~~فإذا زال المعارض ذاق طعم الألم ووجد مسه ومن اعتبر أحوال نفسه وغيره علم ~~ذلك فإذا كان هذا في هذه الدار فما الظن عند المفارقة والفطام عن الدنيا ~~والانتقال إلي الله والمصير إليه فليتأمل العاقل الفطن الناصح لنفسه هذا ~~الموضع حق التأمل وليشغل به كل أفكاره فان فهمه وعقله واستمر إعراضه # فما تبلغ الأعداء من جاهل % ما يبلغ الجاهل من نفسه # وان لم يفهمه لغلظ حجابه وكثافة طبعه فيكفيه الأيمان بما أعد الله تعالى ~~في الجنة لأهلها من نعم الأكل والشرب والنكاح والمناظر المبهجة وما أعد في ~~النار لأهلها من السلاسل والأغلال والحميم ومقطعات الثياب من النار ونحو ~~ذلك والمقصود بيان أن الحاجة إلي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ضرورية بل ~~هي في أعلى مراتب الضرورة وليست نظرا لحاجتهم إلي الحاجة وأسبابها بل هي ~~أعظم من ذلك وأما ما ذكر عن الصابئة من الاستغناء عن النبوة فهذا ليس مذهبا ~~لجميعهم بل فيهم سعيد وشقي كما قال تعالى @QB@ إن الذين @QE@ PageV02P124 ~~@QB@ آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ فأدخل ~~المؤمنين من الصابئين في أهل السعادة ولم ينالوا ذلك إلا بالإيمان بالرسل ~~ولكن منهم من أنكر النبوات وعبد الكواكب وهم فرق كثيرة ليس هذا موضع ذكرهم ~~فأما قولهم أن الموجودات في العالم السفلى مركبة في تأثير الكواكب ~~والروحانيات وفي اتصالها سعود ونحوس يوجب أن يكون في آثارها حسن وقبح في ~~الأخلاق والأعمال يدركه كل ذي عقل سليم فلا حاجة لنا إلي من يعرفنا حسنها ~~وقبحها إلي آخر كلامهم فكلام من هو أجهل الناس وأضلهم وأبعدهم عن الإنسانية ~~وقائل هذه المقالة مناد على نفسه أنه لم يعرف فاطره فاطر السموات والأرض ~~ولا صفاته ولا أفعاله بل ولا عرف نفسه التي بين جنبيه ولا ما يسعدها ~~ويشقيها ولا غايتها ولا ms590 لماذا خلقت ولا بماذا تكمل وتصلح وبماذا تفسد وتهلك ~~بل هو أجهل الناس بنفسه وبفاطرها وبارئها وهل يتمكن العقل بعد معرفة النفس ~~ومعرفة فاطرها ومبدعها أن يجحد النبوة أو يجوز على الله وعلى حكمته أن يترك ~~النوع البشري الذي هو خلاصة المخلوقات سدى ويدعهم عملا معطلا ويخلقهم عبثا ~~باطلا ومن جوز ذلك على الله سبحانه فما قدره حق قدره بل ولا عرفه ولا آمن ~~به قال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر ~~من شيء @QE@ فأخبر تعالى أن من جحد رسالاته فما قدره حق قدره ولا عرفه ولا ~~عظمه ولا نزهه عما لا يليق به تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ثم ~~يقال لهذه الطائفة بماذا عرفتم أن الموجودات بالعالم السفلي كلها مركبة على ~~تأثير الكواكب والروحانيات وهل هذا إلا كذب بحت وبهت فهب أن بعض الآثار ~~المشاهدة مسبب عن تأثير بعض الكواكب والعلويات كما يشاهد من تأثير الشمس ~~والقمر في الحيوان والنبات وغيرهما فمن أين لكم أن جميع أجزاء العالم ~~السفلي صادر عن تأثير الكواكب والروحانيات وهل هذا إلا كذب وجهل فهذا ~~العالم فيه من التغير والاستحالة والكون والفساد مالا يمكن إضافته إلي كوكب ~~ولا يتصور وقوعه إلا بمشيئة فاعل مختار قادر مؤثر في الكواكب والروحانيات ~~مسخر لها بقدرته مدبر لها بمشيئة كما تشهد عليها أحوالها وهيآتها وتسخيرها ~~وانقيادها أنها مدبرة مربوبة مسخرة بأمر قادر قاهر يصرفها كيف يشاء ويدبرها ~~كما يريد ليس لها من الأمر شيء ولا يمكن أن تتصرف في أنفسها بذرة فضلا أن ~~تعطى العلام وجوده فلو أرادت حركة غير حركتها أو مكانا غير مكانها أو هيئة ~~أو حالا غير ما هي عليه لم تجد إلي ذلك سبيلا فكيف تكون ربا لكل ما تحتها ~~مع كونها عاجزة مصرفة مقهورة مسخرة آثار الفقر مسطورة في صفحاتها وآيات ~~العبودية والتسخير PageV02P125 بادية عليها فبأي اعتبار نظر إليها العاقل ~~رأى آثار الفقر وشواهد الحدوث وأدلة التسخير والتصريف فيها فهي خلق من ليس ~~كمثله ms591 شيء وآيات من آياته عبيد مسخرات بأمره الإله الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين وأما قولهم أن في اتصالات الكواكب نظر سعود ونحوس مما أضحكوا ~~به العقلاء عليهم من جميع الأمم ونادوا به على جهلهم وصاروا به مركزا لكل ~~كذاب وكل أفاك وكل زنديق وكل مفرط في الجهل بالنبوات وما جاءت به الرسل ~~بالحقائق العقلية والبراهين اليقينية وسنريك طرفا من جهالاتهم وكذبهم ~~وتناقضهم وبطلان مقالتهم ليعرف اللبيب نعمة الله عليه في عقله ودينه # فيقال لهم المؤثر في هذه السعود والنحوس هل هو الكوكب وحده والبرج وحده ~~أو الكوكب بشرط حصوله في البرج والكل محال أما الأول والثاني فانهما يوجبان ~~دوام الأثر لكون المؤثر دائم الثبوت والثالث أيضا محال لأنه لما اختلف أثر ~~الكوكب بسبب اختلاف البرجين لزم أن تكون طبيعة كل برج مخالفة بالماهية ~~لطبيعة البرج الثاني إذ لو لم يكن كذلك كانت طبائع جميع البروج متساوية في ~~تمام الماهية فوجب أن يكون أثر الكوكب في جميع البروج أثرا واحدا لأن ~~الأشياء المتساوية في تمام الماهية يمتنع أن تلزمها لوازم مختلفة ولما كانت ~~آثار كل كوكب واجبة الاختلاف بسبب اختلاف البروج لزم القطع بكون البروج ~~مختلفة في الطبيعة والماهية وهذا يقتضي كون الفلك مركبا لا بسيطا وقد قلتم ~~أنتم وجميع الفلاسفة أن الفلك بسيط لا تركيب فيه ومن العجب جواب بعض ~~الأحكاميين عن هذا بان الكواكب حيوانات ناطقة فاعلة بالقصد والاختيار فلذلك ~~تصدر عنها الأفعال المختلفة وهذا مكابرة من هؤلاء ظاهرة فان دلائل التسخير ~~والاضطرار عليها من لزومها حركة لا سبيل لها إلي الخروج عنها ولزومها موضعا ~~من الفلك لا تتمكن من الانتقال عنه واطراد سيرها على وجه مخصوص لا تفارقه ~~البتة أبين دليل على أنها مسخرة مقهورة على حركاتها محركة بتحريك قاهر لا ~~متحركة بإرادتها واختيارها كما قال تعالى @QB@ والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين @QE@ ثم يقال لا ~~ينفعكم هذا الجواب شيئا فان طبائع البروج أن كانت متساوية في تمام الماهية ~~كان ms592 اختصاص كل برج بأثره الخاص ترجيحا لأحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح ~~وان لم تكن متساوية لزم تركيب الفلك ومما أضحكتم به العقلاء منكم أنكم ~~جعلتموها أجساما ناطقة فاعلة بالاختيار ونفيتم أن يكون فاطرها ومبدعها حيا ~~قيوما فاعلا بالاختيار وهذه الحوادث مستندة إلي مشيئته واختياره جارية على ~~وفق حكمته وعلمه مع كون هذه الكواكب عبيده وخلق مسخر بأمره ولا تملك ~~لأنفسها ولا لما تحتها ضرا ولا نفعا ولا سعدا ولا نحسا كما قاله العقلاء من ~~بني آدم واتفقت عليه الرسل وأتباعهم فان قيل لا نسلم أن الفلك بسيط بل هو ~~مركب من هذه PageV02P126 # البروج وطبيعة كل برج مخالفة لطبيعة البرج الآخر بل طبيعة كل دقيقة ~~وثانية مخالفة لطبيعة الدقيقة الأخرى والثانية الأخرى ولا يتم علم الأحكام ~~إلا بهذا قيل قولكم بأنه قديم أبدى غير قابل للكون والفساد ولا يقبل ~~الانحلال ولا الخرق ولا الالتئام مع كون طبيعة كل جزء منه صغيرا أو كبيرا ~~مخالفة لطبيعة الجزء الآخر كما صرح به أبو معشر جمع بين النقيضين فانه إذا ~~كان مركبا من أجزاء مختلفة الماهية لم يمتنع انحلاله وانفطاره وانشقاقه ~~فكيف جمعتم بين تكذيب الرسل في الأخبار عن انقطاعه وانشقاقه وانحلاله وبين ~~دعواكم تركبه من ماهيات مختلفة في نفسها غير ممتنع على المركب منها ~~الانحلال له والانفطار فلا للرسل صدقتم ولا مع وجوب العقل وقفتم بل أنتم من ~~أهل هذه الآية @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ~~@QE@ فان قيل لم لا يجوز أن يقال أن كل برج من البروج الاثنى عشر قد ارتسمت ~~فيه كواكب صغيرة بلغت في الصغر إلي حيث لا يمكننا أن نحس بها ثم أن الكواكب ~~إذا وقع في مسامتة برج خاص امتزج نور ذلك الكوكب بأنوار تلك الكواكب الصغار ~~المرتسمة في تلك القطعة في الفلك فيحصل بهذا السبب آثار مخصوصة وإذا كان ~~هذا محتملا ولم يبطل بالدليل ثبوته تعين المصير إليه قيل طبائع تلك الكواكب ~~أن كانت مختلفة بالماهية عاد المحذور المذكور ms593 وان كانت واحدة لم يكن ذلك ~~الامتزاج متشابها فلا يتصور صور الآثار المتضادة المختلفة عنه # الوجه الثاني في الكلام على بطلان علم الأحكام أن معرفة جميع المؤثرات ~~الفلكية ممتنعة وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بالأحوال الفلكية على حدوث ~~الحوادث السفلية وانما قلنا أن معرفة جميع المؤثرات الفلكية ممتنعة لوجوه ~~أحدها أنه لا سبيل إلي معرفة الكواكب إلا بواسطة القوى الباصرة والمرئي إذا ~~كان صغيرا أو في غاية البعد من الرائي فانه يتعذر رؤيته لذلك فان أصغر ~~الكواكب التي في فلك الثوابت وهو الذي تمتحن به قوة البصر مثل كرة الأرض ~~بضعة عشر مرة وكرة الأرض اعظم من كرة عطارد كذا مرة فلو قدرنا أنه حصل في ~~الفلك الأعظم كواكب كثيرة يكون حجم كل واحد منها مساويا لحجم عطارد فانه لا ~~شك أن البصر لا يقوى على إدراكه فيثبت أنه لا يلزم من عدم إبصارنا شيئا من ~~الكواكب في الفلك الأعظم عدم تلك الكواكب وإذا كان كذلك فاحتمال أن في ~~الفلك الأعظم وفي فلك الثوابت وفي سائر الأفلاك كواكب صغيرة وان كنا لا نحس ~~بها ولا نراها يوجب امتناع معرفة جميع المؤثرات الفلكية فان قلتم أنها لما ~~كانت صغيرة وآثارها ضعيفة لم تصل آثارها وقواها إلي هذا العالم قيل لكم صغر ~~الجنة لا يوجب ضعف الأثر فان عطارد أصغر الأجرام الفلكية جرما عندكم مع أن ~~آثاره قوية وأيضا فالرأس والذنب نقطتان وهميتان واما أنتم فقد أثبتم لهما ~~آثارا وأيضا السهام مثل سهم السعادة وسهم الغيب نقط PageV02P127 # وهمية ولها عندكم آثار قوية # الوجه الثاني مما يدل على أن معرفة جميع المؤثرات الفلكية غير معلوم أن ~~الكواكب المرئية غير مرصودة بأسرها فأنكم أنتم وغيركم قد قلتم أن المجرة ~~عبارة عن أجرام كوكبية صغيرة جدا مرتكزة في فلك الثوابت على هذا السمت ~~المخصوص ولا ريب أن الوقوف على طبائعها متعذرة وثالثها أن جميع الكواكب ~~الثابتة المحسوسة لم يحصل الوقوف التام على طبائعها لأن كلام الأحكاميين ~~قيل الحاصل لا سيما في طبائع الثوابت نعم غاية ms594 ما عندهم أنهم ادعوا أنهم ~~كشفوا بعض الثوابت التي في الفلك الأول والثاني فأما البقية فقلما تكلموا ~~في معرفة طبائعها ورابعها أن بتقدير أنهم عرفوا طبائع هذه الكواكب حال ~~بساطتها لكن لا شبهة أنه لا يمكن الوقوف على طبائعها حال امتزاج بعضها ~~بالبعض لأن الامتزاجات الحاصلة من طبائع ألف كوكب أو أكثر بحسب الأجزاء ~~الفلكية يبلغ في الكثرة إلي حيث لا يقدر العقل على ضبطها وخامسها آلات ~~الرصد لا تفي بضبط الثواني والثوالث ولا شك أن الثانية الواحدة مثل الأرض ~~كذا كذا ألف مرة أو أقل أو أكثر ومع هذا التفاوت العظيم كيف يمكن الوصول ~~إلي الغرض حيث قيل أن الإنسان الشديد الجري بين رفعه رجله ووضعه الأخرى ~~يتحرك جرم الفلك الأقصى ثلاثة آلاف ميل وإذا كان الأمر كذلك فكيف ضبط هذه ~~المؤثرات وسادسها هب أنا عرفنا تلك الامتزاجات الحاصلة في ذلك الوقت فلا ~~ريب أنه لا يمكننا معرفة الامتزاجات التي كانت حاصلة قبله مع أنا نعلم قطعا ~~أن الأشكال السالفة ربما كانت عائقة ومانعة عن مقتضيات الأشكال الحاصلة في ~~الحال ولا ريب أنا نشاهد أشخاصا كثيرة من النبات والحيوان والإنسان مقارنة ~~لطالع واحد مع أن كل واحد منها مخالف للآخر في أكثر الأمور وذلك أن الأحوال ~~السالفة في حق كل تكون مخالفة للأحوال السالفة في حق الآخر وذلك يدل أنه لا ~~اعتماد على مقتضى الوقت بل لا بد من الإحاطة بالطوالع السالفة وذلك مما لا ~~وقوف عليه أصلا فانه ربما كانت الطوالع السالفة دافعة مقتضيات هذا الطالع ~~الحاضر وعلى هذا الوجه عول ابن سينا في كتابيه اللذين سماهما الشفا والنجاه ~~في إبطال هذا العلم فثبت بهذا أن الوقوف التام على المؤثرات جميعها ممتنع ~~مستحيل وإذا كان الأمر كذلك كان الاستدلال بالأشخاص الفلكية على الأحوال ~~السفلية باطلا قطعا الوجه الثالث أن تأثير الكواكب فيما ذكرتم من السعد ~~والنحس أما بالنظر في مفرده واما بالنظر إلي انضمامه إلى غيره فمتى لم يحط ~~المنجم بهاتين الحالتين لم يصح منه أن يحكم له ms595 بتأثير ولم يحصل إلا على ~~تعارض التقدير ومن المعلوم أن في فلك البروج كواكب شذت عن الرصد معرفة ~~أقدراها وأعدادها ولم يعرف الأحكاميون ما يوجبه خواص مجموعاتها وأفرادها ~~فخرج الفريقان PageV02P128 # أصحاب الرصد والأحكام عن الإحاطة بما في طباعها وما عسى أن تؤثره مع ~~السيارة عند انفرادها واجتماعها فما الذي يؤمنكم كلكم عند وقوع نجم من تلك ~~النجوم المجهولة على درجة الطالع أن يكون موجبا من الحكم ما لا يوجبه النظر ~~بدونه # الوجه الرابع أن تأثير الكواكب يختلف باختلاف أقدارها فما كان من القدر ~~الأول أثر بوقوعه على الدرجة وان لم تضبط الدقيقة وما كان من القدر الأخير ~~لم يؤثر إلا بضبط الدقيقة ولا ريب أن الجهالة بتلك الكواكب ومقاديرها يوجب ~~كذب الأحكام النجومية وبطلانها # الوجه الخامس أنها لو كان لها تأثير كما يزعمون لم يخل أما أن تكون فيه ~~مختارة مريدة أو غير مختارة ولا مريدة وكلاهما محال أما الأول فلانه يوجب ~~جرى الأحكام على وفق اختيارها وارادتها ولم يتوقف على اتصالاتها ~~وانفصالاتها ومفارقتها ومقارنتها وهبوطها بها في حضيضها وارتفاعها في أوجها ~~كما هو المعروف من الفاعل بالاختيار ولا سيما الأجرام العلوية المؤثرة في ~~سائر السفليات ولاختلفت آثارها أيضا عند هذه الأمور بحسب الدواعي والارادات ~~ولامكنها أن تسعد من أراد أنه ينحسه وتنحس من أراد أنه يسعده كما هو شأن ~~الفاعل المختار وان لم تكن مختارة ومريده فتأثيرها بحسب الذات والطبع وما ~~كان هكذا لم يختلف أثره إلا باختلاف القوابل والمعدات وعندكم أن في اختلاف ~~تلك القوابل والمعدات مستند إلى تأثيرها فأي محال أبلغ من هذا وهل هذا إلا ~~دور ممتنع في بداية العقول # الوجه السادس أن هذا العلم مشتمل على أصول يشهد صريح العقل بفسادها وهي ~~وان كانت في الكثرة إلي حيث لا يمكن ذكرها فنحن نعد بعضها فالأول من ~~المعلوم بالضرورة أنه ليس في السماء حمل ولا ثور ولا حية ولا عقرب ولا كلب ~~ولا ثعلب إلا أن المتقدمين لما قسموا الفك إلي أثني عشر قسما أرادوا أن ms596 ~~يميزوا كل قسم منها بعلامة مخصوصة شبهوا الكواكب المذكورة في تلك القطعة ~~المعينة بصورة حيوان مخصوص تشبيها بعيدا جدا ثم أن هؤلاء الاحكاميين فرعوا ~~على هذه الأسماء تفريعات طويلة فرعوا أن الصور السفلية مطيعة للصور العلوية ~~فالعقارب مطيعة لصور العقرب والأفاعي مطيعة لصور التنين وكذا القول في ~~الأسد والسنبلة ومن عرف كيف وضعت هذه الأسماء ثم سمع قول هؤلاء الأحكاميين ~~ضحك منهم وتبين له فرط جهلهم وكذبهم # الثاني أن هؤلاء لما عجزوا عن معرفة طالع القرآن أقاموا طالع السنة مقام ~~القرآن ومعلوم أن هذا في غاية الفساد # الثالث أنهم اختلفوا اختلافا شديدا في الواحدة من مسائل هذا العلم فان ~~أقوالهم في حدود الكواكب كثيرة مختلفة وليس مع أحد منهم شبهة ولا خيال فضلا ~~عن حجة واستدلال ثم أن كثيرا منهم من غير حجة ولا دليل ربما أخذوا واحدا من ~~تلك الأقوال من غير بصيرة بل بمجرد التشهي مثل PageV02P129 أخذهم في ذلك ~~بحدود الضربين وذلك من أدل الدلائل على فساد هذا العلم الرابع أن أقوالهم ~~متناقضة فان منهم من يقول كون زحل في بيت المال دليل الفقر ومنهم من يقول ~~يدل على وجدان كنز # الخامس أن هذا العلم مع أنه تقليد محض فليس أيضا تقليدا منتظما لأن لكل ~~قوم فيه مذهبا ولكل طائفة فيه مقالة فللبابليين فيه مذهب وللفرس مذهب آخر ~~وللهند مذهب وللصين مذهب رابع والأقوال إذا تعارضت وتعذر الترجيح كان دليلا ~~على فسادها وبطلانها وسيأتي أن شاء الله بسط هذه الوجوه أكثر من هذا # الوجه السابع مما يدل على بطلان القول بالأحكام أن الطالع عندهم هو الشكل ~~الخصوص الحاصل للفلك عند انفصال الولد من رحم أمه وإذا ثبت هذا فنقول ~~الاستدلال بحصول ذلك الشكل على جميع الأحوال الكلية التي تحصل لهذا الولد ~~إلي آخر عمره استدلال باطل قطعا ويدل عليه وجوه : # أحدها أن ذلك الشكل كما حدث في تلك اللحظة فانه يفنى ويزول ويحدث شكل آخر ~~فذلك الشكل المعين معد في جميع أجزاء عمر هذا الإنسان والمعدوم لا يكون ms597 علة ~~للموجود ولا جزء من أجزاء العلة وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بذلك الشكل ~~منهما على الأحوال التي تحدث في جميع أجزاء العمر # الثاني أنه لا مشابهة بين ذلك الشكل المخصوص وبين هذا الإنسان الذي انفصل ~~من بطن الأم إلا في أمر واحد وهو أن كل واحد ظهر بعد الخفاء وهو بمجرد ذلك ~~لا يوجب ارتباط ذلك الشكل المخصوص للفلك بسائر أحوال هذا الإنسان البتة ~~فمدعى ذلك فاسد العقل # والنظر الثالث أنه عند حدوث ذلك الطالع حدثت أنواع من الحيوانات وأنواع ~~من النبات وأنواع من الجمادات فلو كان ذلك يوجب آثارا مخصوصة لوجب اشتراك ~~كل الأشياء التي حدثت في عالمنا هذا في ذلك الوقت في تلك الآثار وحيث لم ~~يكن الأمر كذلك علمنا أن القول بتأثير الطالع باطل الرابع هب أن الطالع له ~~أثر إلا أن الواجب أن يقال الطالع المعتبر هو طالع مسقط النطفة لا طالع ~~الولادة وذلك لأن عند مسقط النطفة يأخذ ذلك الشخص في التكون والتولد فأما ~~عند الولادة فالشخص قد تم تكونه وحدوثه ولا حادث في هذا الوقت إلا انتقاله ~~من مكان إلي مكان آخر فثبت أنه لو كان للطالع اعتبار لوجب أن يكون المعتبر ~~هو طالع مسقط النطفة لا طالع الولادة الوجه الثامن أن الأرصاد لا تنفك عن ~~نوع الخلل والزلل وقد صنف أبو علي ابن الهيثم رسالة بليغة في أقسام الخلل ~~الواقع في آلات الرصد وبين أن ذلك الخلل ليس في وسع الإنسان دفعه وازالته ~~وإذا عرف هذا فنقول إذا بعد العهد بتجديد الرصد اجتمعت تلك المسامحات ~~القليلة ويحصل بسببها تفاوت عظيم في مواضع الكواكب وكذلك إذا وجد موضع ~~الكواكب PageV02P130 # بحسب بعض الزيجات درجة معينة حين وجد بحسب زيج آخر غير تلك الدرجة ربما ~~حصل التفاوت بالبرج ولما كان علم الأحكام مبينا على مواضع الكواكب ~~ومناسبتها ثم قد تبين أن التفاوت الكبير وقع في قطع الكواكب علم بطلان هذا ~~العلم وفساده # الوجه التاسع أن المعقول من تأثير هذه الكواكب في العالم السفلي هو أنها ms598 ~~بحسب مساقط شعاعاتها تسخن هذا العالم أنواعا من السخونة فأما تأثيراتها في ~~حصول الأحوال النفسانية من الذكاء والبلادة والسعادة والشقاوة وحسن الخلق ~~وقبحه والغنى والفقر والهم والسرور واللذة والألم فلو كان معلوما لكان طريق ~~علمه أما بالخبر الذي لا يجوز عليه الكذب أو الحس الذي يشترك فيه الناس أو ~~ضرورة العقل أو نظره وشيء من هذا كله غير موجود البتة فالقول به باطل ولا ~~يمكن للآحكاميين أن يدعوا واحدا من الثلاثة الأول وغايتهم أن يدعوا أن ~~النظر والتجربة قادهم إلي ذلك وأوقعهم عليه ونحن نبين فساد هذا النظر ~~والتجربة بما لا يمكن دفعه من الوجوه التي ذكرناها ونذكر غيرها مما هو ~~مثلها وأقوى منها وكل علم صحيح فله براهين يستند إليها تنتهى إلي الحس أو ~~ضرورة العقل وأما هذا العلم فلا ينتهى إلا إلى جحد وتخمين وظنون لا تغنى من ~~الحق شيئا وغاية أهله تقليد من لم يقم دليل على صدقه # الوجه العاشر أنا إذا فرضنا أن رجلين سألا منجمين في وقت واحد في بلد ~~واحد عن خصمين أيهما الظافر بصاحبه فههنا يكون الطالع مشتركا بين كل واحد ~~من ذينك الخصمين فان دل ذلك الطالع على حال الغالب والمغلوب مع كونه مشتركا ~~بين الخصمين لزم كون كل منهما غالبا لخصمه ومغلوبا من جانبه وذلك محال فان ~~قالوا بين حال كل واحد منهما اختلاف بسبب طالع الأصل أو طالع التحويل أو ~~برج الانتهاء قلنا هذا تسليم لقول من يقول أن طالع الوقت لا يدل على شيء ~~أصلا بل لا بد من رعاية الأحوال الماضية لكن الأحوال الماضية كثيرة غير ~~مضبوطة فتوقف دلالة طالع الوقت على تلك الأحوال الماضية يقتضي التوقف على ~~شرائط لا يمكن اعتبارها البتة وقد ساعد أصحاب الأحكام على الاعتراف بأن ~~الاعتماد على طالع الوقت غير مفيد بل لا يتم الأمر إلا عند معرفة طالع ~~الأصل فطالع التحويل وبرج الانتهاء ومعرفة التيسيرات فعند اعتبار جملة هذه ~~الأمور يتم الاستدلال ومع اعتبار جملتها وتحريرها بحيث يؤمن الغلط فيها ~~يكون الاستدلال ms599 على سبيل الظن لا على سبيل القطع الوجه الحادي عشر أنا لو ~~فرضنا جادة مسلوكة وطريقا يمشي فيه الناس ليلا ونهارا ثم حصل في تلك الجادة ~~آثار متقاربة بحيث لا يقدر سالك ذلك الطريق على سلوكه إلا بتأمل كثير وتفكر ~~شديد حتى يتخلص من الوقوع في تلك الآثار فان من المعلوم بالضرورة أن سلامة ~~من يمشي في هذه الطريق من العميان لا يكون كسلامة من يمشي من البصراء بل ~~ولا بد أن يكون عطب العميان في PageV02P131 # ذلك الطريق كثيرا جدا وأن يكون سلامة البصراء غالبة جدا إذا عرفت هذا ~~فنقول مثال العميان عند الأحكاميين الذي لا يعرفون أحكام النجوم وهم ~~الأكثرون من الخلائق ومثال البصراء عندهم هم أهل هذا العمل وهم الأقلون ~~ومثال الطريق الذي حصلت فيه الآثار العميقة المهلكة الزمان الذي يمضى على ~~الخلق أجمعين ومثال تلك الآثار المصائب الزمانية والمحن والبلايا فلو كان ~~هذا العلم صحيحا لوجب أن يكون فوز المنجمين بالغني والسلامة والنعم أتم فوز ~~وسلامتهم فوق كل سلامة ومعلوم أن الأمر بالعكس والغالب كون المنجمين بالغنى ~~والسلامة والنعم أتم فوز وسلامتهم فوق كل سلامة ومعلوم أن الامر بالعكس ~~والغالب كون المنجمين ومن سمع منهم وعمل بقولهم في الأدبار والنحس والحرمان ~~والواقع أبين شاهد بذلك ولو ذهبنا نذكر الوقائع التي شوهدت من ذلك واشتملت ~~عليها التواريخ لزادت على ألوف عديدة فلا نجد أحدا راعي هذا العلم وتقيد به ~~في حركاته واختياراته إلا وكانت عاقبته قريبا إلي ادبار ونكاية وبلايا لا ~~يصاب بها سواه ومن كثر خبرة بأحوال الناس فانه يعرف من ذلك مالا يعرف غيره # الوجه الثاني عشر انا نشاهد عالما كثيرا يقتلون في ساعة واحدة في حرب و ~~خلقا يغرقون في ساعة واحدة مع القطع باختلاف طوالعهم و اقتضائها عندكم ~~احوالا مختلفة و لو كان للطوالع تأثير في هذا لامتنع عند اختلافها الاشتراك ~~في ذلك ولا ينفعكم جواب من انتصر لكم بان الطوالع قد يكون بعضها أقوى من ~~بعض و لعل طالع الوقت أقوى من طالع ms600 الأصل وكان الحكم له فان طالع الوقت ~~لعله اقتضى هلاكا أو غرقا عاما وهو أقوى من طالع الأصل فكان التأثير له ~~لانا نقول هذا بعينه يبطل عليكم طالع المولود و الأصل و يحيل القول بتأثيره ~~و اعتباره جملة فان الطوالع بعده مختلفة كثيرة و اصل بعضها أو اكثرها أقوى ~~منه فيكون الحكم بموجبه باطلا أذلا أمان لكم من اقتضاء الطوالع بعده ضد ما ~~اقتضاه و حينئذ فلا يفيد اعتباره شيئا # الوجه الثالث عشر انا نرى الجيشين العظيمين و الحزبين المتقابلين يقتتلان ~~و يختصمان و قد اخذ طالع الوقت لكل منهما و مع هذا فالمنصور و الغالب ~~أحدهما مع أن الطالع واحد ولا ينفعكم في هذا جواب من انتصر لكم بأنه لا ~~مانع من القول بخطأ الأخذ للطالع في الحساب و الحكم فانه لو اخذ لهما أي ~~طالع كان لم يكن الغالب إلا أحدهما حتى لو كان الطالع قطعا لا يتصور فيه ~~الغلط لم يكن بد من كون أحدهما غالبا و الأخر مغلوبا و هذا يبطل مذهب ~~الأحكام بلا ريب # الوجه الرابع عشر أن الأجزاء المفترضة في الفلك أما أن تكون متشابهة في ~~الطبيعة و الماهية أو مختلفة فيها فان كانت متساوية كان الجزء الذي هو ~~الطالع مساويا لسائر الأجزاء وحكم سائر الأجزاء واحد و أن كانت الأجزاء ~~مختلفة في الماهية و الطبيعة فلا ريب أن الفلك جرمه في غاية العظم حتى ~~قالوا أن الرجل الشديد العدو إذا رفع رجله ووضعها يكن الفولمك قد تحرك ~~ثلاثة آلاف ميل وإذا كان كذلك فمن الوقت PageV02P132 # الذي ينفصل الولد من بطن أمه إلي أن يأخذ المنجم الاسطرلاب و يأخذ ~~الارتفاع يكون الفلك قد تحرك مثل كل الأرض و كذا الف مرة وإذا كان الأمر ~~كذلك فالجزء الذي يأخذه المنجم بالاسطرلاب ليس الجزء الطالع في الحقيقة و ~~إذا كانت الأجزاء الفلكية مختلفة في الطبيعة و الماهية علمنا أن اخذ ~~الطوالع محال و قد اعترف فضلاؤكم بهذا و قالوا أن الأمر و أن كان كذلك إلا ms601 ~~أن التجربة قد دلت على أن هذا الطالع الذي تعذر على الإنسان تحصيله يدل على ~~كثير من مقدمة المعرفة مع ما فيه من الخلل الكثير الذي ذكرتم فوجب أن لا ~~يهمل و هذا خطأ بين فان التجارب التي دلت على كذب ذلك و بطلانه و ووقوع ~~الأمر بخلافه أضعاف أضعاف التجربة التي دلت على صدقه كما سنذكر قطرة من ~~بحره عن قريب أن شاء الله ولهذا قال أبو نصر الفارابي و اعلم انك لو قلبت ~~أوضاع المنجمين فجعلت الحار باردا و البارد حارا و السعد نحسا و النحس سعدا ~~و الذكر أنثى و الأنثى ذكرا ثم حكمت لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تارة ~~و تخطىء تارات وهل معهم إلا الحدس و التخمين و الظنون الكذابة و لقد حكى أن ~~امرأة أتت منجما فأعطته درهما فاخذ طالعها و حكم و قال الطالع يخبر بكذا ~~فقالت لم يكن شيء من ذلك ثم اخذ الطالع وقال يخبر وبكذا فأنكرته حتى قال ~~انه ليدل على قطع في بيت المال فقالت الآنصدقت وهو الدرهم الذي دفعت إليك # الوجه الخامس عشر أن الأجسام لا تنفعل من غيرها إلا بواسطة المماسة وهذه ~~الكواكب لامماسة لها بأعضائنا و أبداننا و أرواحنا فيمتنع كونها فاعلة فينا ~~أقصى ما في الباب أن يقال أنها وان لم تكن مماسة لأعضائنا إلا أن شعاعها ~~يصل إلي أجسامنا فيقال لا ريب أن تأثير الشعاع إنما يكون بالتسخين عند ~~المسامتة أو بالتبريد عند الانحراف عن المسامته فهذا بعد تصحيحه يقتضي أن ~~لا يكون لهذه الكواكب تأثير في هذا العالم إلا على سبيل التسخين و التبريد ~~فأما أن تعطى العلوم الأخلاق و المحبة والبغضاء و الموالاة و المعاداة و ~~العفة و الحرية و النذالة و الخبث و المكر و الخديعة فذلك خارج عن معقول ~~العقلاء و هو من حمقات الاحكاميين و جهالاتهم فان قيل التأثير بالتسخين و ~~التبريد يوجب اختلاف أمزجة الأبدان واختلاف امزجة الأبدان و يوجب اختلاف ~~أفعال النفس قيل فنحن نرى التسخين ms602 يقتضي حرارة وحدة في المزاج يفعل بها هذا ~~غاية الخير و الأفعال الحميدة وهذا غاية الشر و الأفعال الخبيثة و الشعاع ~~قد سخن مركبها فما الموجب لانفعال نفسيهما عن هذا التسخين هذا الانفعال ~~المتباعد المتناقض و أيضا فما الموجب لاختلاف القوابل وتأثير الكواكب فيها ~~بطبعه و تسخينه وتبريده فكيف اختلفت القوابل هذا الاختلاف العظيم وهي ~~مستندة إلي تأثير واحد # الوجه السادس عشر أن رجلا لو جلس في دار لها بابان شرقي و غربي فسأل ~~PageV02P133 # المنجم وقال من أيهما يقتضي الطالع خروجي فإذا قال له المنجم من الشرقي ~~أمكنه تكذيبه و الخروج من الغربي و بالعكس وكذلك السفر في يوم واحد و ~~ابتداء البناء و غيره في يوم يعينه له المنجم و يحكم باقتضاء الطالع له من ~~غير تقدم عنه و لا تأخر فانه يمكنه تكذيبه في ذلك اجمع # فان قلتم أن المنجم إذا اخبره بما يفعله و يختاره يصير ذلك داعيا له إلي ~~أن يخالفه في قوله و يكذبه فالطريق إلي علم صدقه أن يحكم ذلك المنجم على ~~معين و يكتبه في كتاب و يخفيه أو يذكره لإنسان أخر و يخفيه عن صاحب الواقعة ~~فههنا يظهر صدق المنجم # قلت هذا العذر من أسقط الأعذار لأن النجوم لو كانت كما تزعمون دالة على ~~جميع الكائنات الواقعة في هذا العالم لعرف المنجم ذلك الذي يستقر عليه ~~اختياره على كل حال شاء تكذيبه أو لم يشأه فلما لم يكن الأمر كذلك سقط ~~القول بصحة هذا العذر فان قيل الأشخاص الفلكية مؤثرات والسفلية قوابل ويجوز ~~أن تختلف الأحوال الصادرة عن الفاعل بسبب اختلاف القوابل وإذا كان كذلك فهب ~~أن الدلائل الفلكية دلت على أنه إنما يختار الخروج من الباب الفلاني لأن ~~كون الإنسان مشغوفا بتكذيب المنجم حالة حاصلة في النفس مانعة من ظهور ذلك ~~الأثر الذي تقتضيه الموجبات الفلكية فلهذا الأمر لم يحصل الأمر على وفق حكم ~~المنجم # قيل إذا اقتضت الموجبات الفلكية أثرا امتنع أن يحصل في النفس ما يضاده ~~لأن تلك الإرادة ms603 والميول والعزوم الواقعة في النفس هي عندكم من موجبات ~~الآثار الفلكية فيمتنع أن تكون مضادة لموجبها لا سيما والمنجم يحكم بأنه ~~إنما تقتضي النجوم أن يريد الإنسان كذا وكذا وليس حكمه أن الطالع يقتضي كذا ~~وكذا إلا أن يريد الإنسان خلافه هذا ما لا يقوله أحد منكم فعلم بطلان هذا ~~الاعتذار الوجه السابع عشر أنه لا سبيل إلي معرفة طبائع البروج وطبائع ~~الكواكب وامتزاجاتها إلا بالتجربة وأقل ما لا بد منه في التجربة أن يحصل ~~ذلك الشيء على حالة واحدة مرتين إلا أن الكواكب لا يمكن تحصيل ذلك فيها ~~لأنه إذا حصل كوكب معين في موضع معين في الفلك وكانت سائر الكواكب متصلة به ~~على وضع مخصوص وشكل مخصوص فان ذلك الوضع المعين بحسب الدرجة والدقيقة لا ~~يعود إلا بعد ألوف من السنين وعمر الإنسان الواحد لا يفي بذلك بل عمل البشر ~~لا يفي به والتواريخ التي تضبط هذه المدة مما لا يمكن وصولها إلى الإنسان ~~فثبت أنه لا سبيل إلي الوصول إلي هذه الأحوال من جهة التجربة البتة ولا ~~ينفعكم اعتذار من اعتذر عنكم بأنه لا حاجة في التجربة إلي ما ذكرتم لأنا ~~إذا شاهدنا حادثا معينا في وقت مخصوص فلا شك أنه قد تحصل في الفلك اتصالات ~~الكواكب المختلفة في ذلك الوقت فلو قدرنا عود ذلك الوضع الفلكي بتمامه على ~~تلك الحال ألف مرة يعلم أن المؤثر في ذلك الحادث هل مجموع الاتصالات أو ~~اتصال معين منها فإذا علمنا PageV02P134 # أن ذلك الوضع بحملته فات وما عاد ولكنه عاد اتصال واحد من تلك الاتصالات ~~وكما عاد ذلك الاتصال المعين فانه يعود ذلك الأثر بعينه لا لأجل سائر ~~الاتصالات فثبت أن الرجوع في هذا الباب إلي التجربة غير متعذر وهذا ~~الاعتذار في غاية الفساد والمكابرة لأن تخلف ذلك الأثر عن ذلك الاتصال ~~العائد أكثر من اقترانه به والتجربة شاهدة بذلك كما قد اشتهر بين العقلاء ~~أن المنجمين إذا أجمعوا على شيء من الأحكام لم يكد يقع ونحن نذكر طرفا من ms604 ~~ذلك فنقول في # الوجه الثامن عشر لما نظر حذاقكم وفضلاؤكم سنة سبع وثلاثين عام صفين من ~~مخرج على رضي الله عنه من الكوفة إلي محاربة أهل الشام اتفقوا على أنه يقتل ~~ويقهر جيشه فظهر كذبهم وانتصر جيشه على أهل الشام ولم يقدروا على التخلص ~~منهم إلا بالحيلة التي وضعوها من نشر المصاحف على الرماح والدعاء إلى ما ~~فيها وقد قيل أن الاتفاق منهم إنما كان في حرب المؤمنين للخوارج فانهم ~~اتفقوا على أنه من خرج في ذلك الطالع قتل وهزم جيشه فان القمر كان إذا ذاك ~~في العقرب فخالفهم علي وقال بل نخرج ثقة بالله وتوكلا عليه وتكذيبا لقول ~~المنجم فما غزا غزاة بعد رسول الله أتم منها قتل عدوه وأيده الله عليهم ~~بالنصر والظفر بهم ورجع مؤيدا منصورا مأجورا والقصة معروفة في السير ~~والتواريخ وكذلك اتفاق ملأكم في سنة سبع وستين على غلبة عبيد الله بن زياد ~~للمختار بن أبي عبيد وأنه لا بد أن يقتله أو يأسره فسار إليه في نحو من ~~ثمانين ألف مقاتل فلقيه إبراهيم بن الأشتر صاحب المختار بأرض نصيبين وهو ~~فيما دون سبعة آلاف مقاتل فانهزم أصحاب ابن زياد بعد أن قتل منهم خلق لا ~~يحصيهم ألا الله حتى أنه قيل انهم قتل منهم ثلاثة وسبعون ألفا ولم يقتل من ~~أصحاب ابن الأشتر سوى عدد لا يبلغون مائة وفيهم يقول الشاعر : # برزوا نحوهم بسبعة آلا % ف أن يهم عجائبا # فتعشوا منهم بسبعين ألفا % أو يزيدون قبل وقت العشاء # فجزاك ابن مالك وأبا اسح % ق عنا الإله خير جزاء # يريد بابن مالك إبراهيم بن مالك بن الأشتر وأبو إسحاق كنية المختار وقتل ~~ابن الأشتر عبيدالله ابن زياد في المعركة ولم يعلم به حتى إذا هل الليل قال ~~لأصحابه لقد ضربت على شاطئ هذا النهر رجلا فرجع إلى سيفي وفيه رائحة المسك ~~ورأيت إقداما وجرأة فصرعته فذهبت رجلاه قبل المشرق ويداه قبل المغرب ~~فانظروه فأتوه بالنيران فإذا هو عبيدالله بن زياد ذكر ذلك المبرد في الكامل ms605 ~~فانظر حكمة الله من انعكاس ما قال الكاذبون المنجمون وقيل لما علم عبيدالله ~~ابن زياد أن أمر القتال قد تيسر وسأل منجمه عن قوة نجمه ونجم ابن الأشتر ~~وقال والله أنى لأعلم أنه ليس بشيء إلا أني كنت أنا وهو صغيران أن وقعت ~~بيني وبينه خصومة بسبب حمام PageV02P135 # كنا نلعب به فضربني إلى الأرض وقعد على صدري وقال والله أني قاتلك ولا ~~يقتلك أحد غيري أن شاء الله وأنا من استثنائه بالمشيئة خائف فذهب به منجمه ~~إلى ما قدره المنجمون له من قوة نجمه وأن هذا وهم منه وحكم النجوم يقضي على ~~وهمه فحقق الله سبحانه ذلك الوهم وأبطل حكم الطالع والنجم ومن ذلك اتفاقهم ~~عند ما تم بناء بغداد سنة ست وأربعين ومائة أن طالعها يقضي بأنه لا يموت ~~فيها خليفة وشاع ذلك حتى هنأ الشعراء به المنصور حتى قال بعض شعرائه : # يهنيك منها بلدة تقضي لنا % أن الممات بها عليك حرام # لما قضت أحكام طالع وقتها % أن لا يرى فيها يموت أمام # وأكد هذا الهذيان في نفوس العوام موت المنصور بطريق مكة ثم المهدي بما ~~سبذان ثم الهادي بعسا باذ ثم الرشيد بطوس فلما قتل بها المأمون الأمين ~~بشارع باب الأنبار انخرم الأصل الباطل الذي أصلوه وظهر الزور الذي لفقوه ~~حتى رجع إلى الحق الأول فقال : # كذب المنجم في مقالته التي % نطقت به كذبا على بغدان # قتل الأمين بها لعمري يقتضي % تكذيبهم في سائر الحسبان # ثم مات ببغداد جماعة من الخلفاء مثل الواثق والمتوكل والمعتضد والمكتفي ~~والناصر وغير هؤلاء ومن ذلك اتفاقهم في سنة ثلاث وعشرين في قصة عمورية أن ~~المعتصم أن خرج لفتحها كانت عليه الدائرة وأن النصر لعدوه فرزقه الله ~~التوفيق في مخالفتهم ففتح الله على يديه ما كان مغلقا وأصبح كذبهم وخرصهم ~~بعد أن كان موهوما عند العامة محققا ففتح عمورية وما والاها من كل حصن ~~وقلعة وكان ذلك من أعظم الفتوحات المعدودة وفي ذلك الفتح قام أبو تمام ~~الطائي منشدا له على رؤس الأشهاد ms606 # السيف أصدق أنباء من الكتب % في حده الحد بين الجد واللعب # والعلم في شهب الأرماح لامعة % بين الخميسين لا في السبعة الشهب # أين الرواية أم أين النجوم وما % صاغوه من زخرف منها ومن كذب # تخرصا وأحاديثا ملفقة % ليست بنبع إذا عدت ولا غرب # عجائبا زعموا الأيام تجعله % عنهن في صفر الأصفار أو رجب # وخوفوا الناس من دهياء مظلمة % إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب # وصيروا الأبرج العليا مرتبة ما % كان منقلبا أو غير منقلب # يقضون بالأمر عنها وهي غافلة % ما دار في فلك منها وفي قطب # لو ثبتت قط أمرا قبل موقعه % لم يخف ما حل بالأوثان والصلب PageV02P136 # وهي نحو من سبعين بيتا أجيز على كل بيت منها بألف درهم # ومن ذلك اتفاقهم سنة اثنتين وتسعين ومائتين في قصة القرامطة على أن ~~المكتفى بالله أن خرج لمقاتلتهم كان هو المغلوب الملزوم وكان المسلمون قد ~~لقوا منهم على توالي الأيام شرا عظيما وخطبا جسيما فأنهم قتلوا النساء ~~والأطفال واستباحوا الحريم والأموال وهدموا المساجد وربطوا فيها خيولهم ~~ودوابهم وقصدوا وفد الله وزوار بيته فأوقعوا فيهم القتل الذريع والفعل ~~الشنيع واباحوا محارم الله وعطلوا شرائعه فعزم المكتفي على الخروج اليهم ~~بنفسه فجمع وزيره القاسم بن عبيدالله من قدر عليه من المنجمين وفيهم زعيمهم ~~أبو الحسن العاصمي وكلهم أوجب عليه بأن يشير على الخليفة أن لا يخرج فانه ~~أن خرج لم يرجع وبخروجه تزول دولته وبهذه تشهد النجوم التي يقضى بها طالع ~~مولده وأخافوا الوزير من الهلاك أن خرج معه وقد كان المكتفي أمر الوزير ~~بالخروج معه فلم يجد بدا من متابعته فخرج وفي قلبه ما فيه وأقام المكتفي ~~بالرقة حتى أخذ أعداء الله جميعا وسيقت جموعهم بكأس السيف نجيعا ثم جاء ~~الخبر من مصر بموت خمارويه بن أحمد بن طولون وكانوا به يستطيلون فأرسل ~~المكتفي من تسلمها واستحضر القواد المصرية إلى حضرته ثم لما عاد أمر القاسم ~~بن عبيدالله الوزير بإحضار رئيس المنجمين وصفعه الصفع الكثير بعد أن وقفه ~~ووبخه على عظيم كذبه ms607 وافترائه وتبرأ منه ومن كل من يقول برأيه # قال أبو حيان التوحيدي في كتاب الإتباع والمؤانسة وقد ذكر هذه القصة # فهذا وما أشبهه من الافتراء والكذب لو ظهر ونشر وعير أهله به ووقفوا عليه ~~وزجروا عن الدعوى المشرفة على الغيب لكان مقمعة لمن يطلق لسانه بالإطلاع ~~على مالا يكونوا في غدو قطعا لألسنتهم وكفا لدعواهم و تأديبا لصغيرهم ~~وكبيرهم # ومن ذلك اتفاقهم سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة عندما أراد القائد جوهر ~~العزيز بناء مدينة القاهرة وقد كان سبق مولاه الملقب بالمعز إلى الدخول إلى ~~الديار المصرية لما أمره المعز بدخولها بالدعوة وأمره إذا دخلها أن يبني ~~بها مدينة عظيمة تكون نجوم طالعها في غاية الاستقامة ويكون بطالع الكوكب ~~القاهر وهو زحل أو المريخ على اختلاف حاله فجمع القائد جوهر المنجمين بها ~~وأمر كل واحد منهم أن يحقق الرصد ويحكمه وأمر البنائين أن لا يضعوا الأساس ~~حتى يقال لهم ضعوه وأن يكونوا على هيئة من التيقظ والإسراع حتى يوافقوا تلك ~~الساعة التي اتفقت عليها أرصاد أولئك الجماعة فوضعت الأساسات على ذلك في ~~الوقت الحاضر وسموها بالقاهرة إشارة بزعمهم الكاذب إلى الكوكب القاهر ~~واتفقوا كلهم بأن الوقت الذي بنبت فيه يقضي بدوام جدهم وسعادتهم ودولتهم ~~وأن الدعوة لا تخرج فيها عن الفاطمية وان تداولتها الألسن PageV02P137 ~~العربية والعجمية فلما ملكها أسد الدين شيركوه بن شادي ثم ابن أخيه الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ومع ذلك المصريون قائمون بدعوة العاضد ~~عبدالله بن يوسف توهم الجهال أن ما قال المنجمون من قبل حقا لتبدل اللسان ~~وحال الدعوة مستبقي فلما رد صلاح الدين الدعوة إلى بني العباس انكشف الأمر ~~وزال الالتباس وظهر كذب المنجمين والحمد لله رب العالمين وكانت المدة بين ~~وضع الأساس وانقراض دولة الملاحدة منها نحو مائة وثلاثة وتسعين عاما فنقض ~~انقطاع دولتهم على المنجمين أحكامهم وخرب ديارهم وأهتك أستارهم وكشف ~~أسرارهم وأجرى الله سبحانه تكذيبهم والطعن عليهم على لسان الخاص والعام حتى ~~اعتذر من اعتذر منهم بأن البنائين كانوا قد سبقوا الرصادين ms608 إلى وضع الأساس ~~وليس هذا من بهت القوم ووقاحتهم ببعيد فانه لو كان كذلك لرأى الحاضرون ~~تبديل البناء وتغييره فانه لو دخلهم شك في تقديم أو تأخير أو سبق بما دون ~~الدقيقة في التعذر لما سامحوا بذلك مع المقتضى التام والطاعة الظاهرة ~~والاحتياط الذي لا مزيد فوقه وليس في تبديله حجر أو تحويله برفعه ووضعه ~~كبير أمر على البنائين ولا مشقه وقرائن الأحوال في إقامة دولة بتقريرها ~~وإنشاء قاعدة بتحريرها شاهدة بأن الغفلة عن مثل هذا الخطب الجسيم مما لا ~~يسامح بها البتة ويالله العجب كيف لم يظهر سبق البنائين للراصدين إلا بعد ~~انقراض دولة الملاحدة وأما مدة بقاء دولتهم فكان البناء مقارنا للطالع ~~المرصود فهل في البهت فوق هذا # ومن ذلك اتفاقهم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم على أنها السنة ~~التي ينقضي فيها بمصر دولة العبيديين هذا مع اتفاق أولئك على أن دعوتهم لا ~~تنقطع من القاهرة وذلك عند خروج الوليد بن هشام المعروف بأبي ركوة الأموي ~~وحكم الطالع له بأنه هو القاطع لدعوة العبيديين وأنه لا بد أن يستولي على ~~الديار المصرية ويأخذ الحاكم أسيرا ولم يبق بمصر منجم إلا حكم بذلك وأكبرهم ~~المعروف الفكري منجم الحاكم وكان أبو ركوة قد ملك برقة وأعمالها وكثرت ~~جموعه وقويت شوكته وخرجت إليه جيوش الحاكم من مصر فعادت مغلوبة فلم يشك ~~الناس في حذق المنجمين وكان من تدبير الحاكم أن دعا خواص رجاله وأمرهم أن ~~يعملوا بما رآه من احتياله وهو أن يكاتبوا أبا ركوة بأنهم على مذهبه وأنهم ~~مائلون عن الدعوة الحاكمية وراغبون في الدعوة الوليدية الأموية وأطمعوه بكل ~~ما أوهموه به أنهم صادقون وله مناصحون فلما وثق بما قالوه وخفى عليه ما ~~احتالوه زحف بعساكره حتى نزل موسيم على ثلاثة فراسخ من مصر فخرجت إليه ~~العسكر الحاكمية فهزمته فتحقق أنها كانت خديعة فهرب وقتل خلق كثير من عسكره ~~وطلب فأخذ أسيرا ودخل به القاهرة على جمل مشهور ثم أمر الحاكم بقتله بعد ما ~~أحضر بين يديه مغلولا ms609 بغل من حديد وذلك PageV02P138 # في رجب سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وكان مبدأ خروجه في رجب سنة خمس وتسعين ~~فظهر كذب المنجمين وكان هذا الفكري قد استولى على الحاكم فانه اتفقت له معه ~~قضيتان أمالتاه إليه إحداهما أن الحاكم عزم على إرسال أسطول إلى مدينة صور ~~لمحاربتهم فسأله الفكري أن يكون تدبيره إليه ليخرجه في طالع يختاره وتكون ~~العهدة أن لم يظفر عليه واتفق ظهور الأسطول # الثانية أنه ذكر أن بساحل بركة رميس مسجدا قديما وان تحته كنزا عظيما ~~وسأله أن يتولى هو هدمه فان ظهر الكنز والا بناه هو من ماله وأودعه السجن ~~فاتفق إصابة الكنز فطاش المغرور بذلك فلما حكم عليه الفكري بتغيير دولته ~~وقضى المنجمون بمثل قضائه فوقع للحاكم أن يغير أوضاع المملكة والدولة ليكون ~~ذلك هو مقتضى الحكم النجومي فصار يأمر في يومه بخلاف كل ما يأمر به في أمسه ~~فأمر بسب الصحابة رضوان الله عليهم على رؤس المنابر والمساجد ثم أمر بقطع ~~سبهم وعقوبة من سبهم وأمر بقطع شجرة الزرجون من الأرض وأوجب القتل على من ~~شرب الخمر وأمر بغرس هذه الشجرة وأباح شرب الخمر وأهمل الناس نهب الجانب ~~الغربي من القاهرة وقتلت فيه جماعة ثم ضبط الأمر حتى أمر أن لا تغلق ~~الحوانيت ليلا ولا نهارا وأمر مناديه ينادي من عدم له ما يساوي درهما أخذ ~~من بيت المال عنه درهمين بعد أن يحلف على ما عدمه أو يعضده شهادة رجلين حتى ~~تحيل الناس في ستر حوانيتهم بالجريد لئلا تدخلها الكلاب ثم عمد إلى كل متول ~~في دولته ولاية فعزله وقتل وزيره الحسن بن عماد كل ذلك ليكون قول أهل النجم ~~أن دولته تتغير واقعا على هذا الضرب من التغيير فلما كان من أمر أبي ركوة ~~ما تقدم ذكره ساء ظنه بعلم النجامة فأمر بقتل منجمه الفكري وأطلق في ~~المنجمين العيب والذم وكان قد جمع بين المنجمين بالديار المصرية واستدعا ~~غيرهم وأمرهم أن يرصدوا له رصدا يعتمد عليه فصارت الطوائف النجومية إلى هذا ~~الرصد يتحاكمون ms610 وان تضمن بعض خلاف الرصد المأموني ووضعوا له الذبح المسمى ~~بالحاكمي وكان هذا الفكري قد أخذ علم النجامة عمن أخذه عن العاصمي فسير ~~أوقات الحاكم وساعاته ووافقه على ذلك المنجمون فلما قتله لم يزل أثر ~~التنجيم عن نفسه لشرف النفس على التطلع إلى الحوادث قبل وقوعها وكان بعد ~~يتولع بهذا العلم ويجمع أصحابه فحكموا له في جملة أحكامهم بركوب الحمار على ~~كل حال وألزموه أن يتعاهد الجبل المقطم في أكثر الأيام وينفرد وحده بخطاب ~~زحل بما علموه إياه من الكلام ويتعاهد فعل ما وضعوه له من البخورات ~~والأعزام وحكموا بأنه ما دام على ذلك وهو يركب الحمار فهو سالم النفس عن كل ~~إيذاء فلزم ما أشاروا به عليه وأذن الله العزيز العليم رب الكواكب ومسخرها ~~ومدبرها أن هلاكه كان في ذلك الجبل على ذلك الحمار فانه خرج بحماره إلى ذلك ~~PageV02P139 # الجبل على عادته وانفرد بنفسه منقطعا عن موكبه وقد استعد له قوم بسكاكين ~~تقطر منها المنايا فقطعوه هنالك للوقت والحين ثم أعدموا جثته فلم يعلم لها ~~خبر فمن هذا يقول أتباعه الملاحدة انه غائب منتظر وأظهرت قدرة الرب القاهر ~~تبارك اسمه وتعالى جده تكذيب قول تلك الطائفة المفترين ووقوع الأمر بضد ما ~~حكموا به ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وان الله لسميع عليم ~~فظهر من كذبهم وجهلهم بتغيير دولته في خروج أبي ركوة وفي هذا الحين فهذا في ~~مبدئها وهذا في ختامها فهل بعد ذلك وثوق للعاقل بالنجوم وأحكامها كلا لعمر ~~الله ليس بها وثوق وانما غاية أهلها الاعتماد على رازق ومرزوق فأما اصابة ~~الفكري بظفر الأسطول فإنما كان بتحيل دبره على أهل صور لا بالطالع فكانت ~~الغلبة له عليهم بالتحيل الذي دبره ساعة القتال لا بما ذكره من حكم الطالع ~~قبل تلك الحال وأما اصابة الكنز فليس من النجوم في شيء ومعرفة مواضع الكنوز ~~علم متداول بين الناس وفيه كتب مصنفة معروفة بأيدي أرباب هذا الفن وفيها ~~خطأ كثير وصواب قد دل الواقع عليه ms611 ومن ذلك اتفاقهم سنة اثنين وثمانين ~~وخمسمائة على خروج ريح سوداء تكون في سائر أقطار الأرض عامة فتهلك كل من ~~على ظهرها إلا من اتخذ لنفسه مغارة في الجبال بسبب أن الكواكب كانت بزعمهم ~~أن اجتمعت في برج الميزان وهو برج هوائي لا يختلف فيه منهم اثنان كما ~~اجتمعت في برج الحوت زمن نوح وهو عندهم برج مائي فحصل الطوفان المائي قالوا ~~وكذا اجتماعها في البرج الميزاني يوجب طوفانا هوائيا ودخل ذلك في قلوب ~~الرعاع من الناس فاتخذوا المغارات استدفاعا لما أنذرهم به الكذابون من الله ~~رب العالمين مسخر الرياح ومدبر الكواكب ثم لما كان ذلك الوقت الذي حدوه ~~والأجل الذي عدوه قل هبوب الرياح عن عادتها حتى أهم الناس ذلك ورأوا من ~~الكرب بقلة هبوب الرياح ما هو خلاف المعتاد فظهر كذبهم للخاص والعام وكانوا ~~قد دبروا في قصة هذه الريح التي ذكروها بأن عزوها إلى على رضي الله عنه ~~وضمنوها جزء بمضمون هذه الريح وذكروا قصة طويلة في آخرها أن الراوي عن علي ~~رضي الله عنه قال له لقد صدقني المنجمون فيما حكيت عنك وقالوا انه تجتمع ~~الكواكب في برج الميزان كما اجتمعت في برج الحوت على عهد نوح وأحدثت الغرق ~~فقلت له يا أمير المؤمنين كم تقيم هذه الريح على وجه الأرض قال ثلاثة أيام ~~ولياليها وتكون قوتها من نصف الليل إلى نصف النهار عن اليوم الثاني وانظر ~~إلى اتفاقهم على أن الكواكب إذا اجتمعت في برج الميزان حصل هذا الطوفان ~~الهوائي واتفاقهم على اجتماعها فيه في ذلك الوقت ولم يقع ذلك الطوفان ومن ~~ذلك اتفاقهم في الدولة الصلاحية بحكم زحل والدالي أن مدينة الاسكندرية لا ~~يموت فيها من الغز وال فلما مات بها الملك المعظم شمس الدولة PageV02P140 # توران شاه ابن أيوب بن شاذي سنة خمس وسبعين وخمسمائة ثم واليها فخر الدين ~~قراجا ابن عبدالله سنة تسع وثمانين ثم واليها سعد الدين سودكين بن عبدالله ~~سنة خمس وستمائة انخرمت هذه القاعدة أصلا وبطل قولهم فرعا وأصلا حتى ms612 قال ~~بعض شعراء ذلك العصر عند موت الأمير فخر الدين : # وقضى طلوع الثغر عند مماته % أن المنجم كاذب لا يصدق # لو كان فيه لا يموت مؤمر % أودى وفخر الدين حي يرزق # ومن ذلك اجتماعهم في سنة خمس وعشرة وستمائة لما نزل الفرنج على دمياط على ~~انهم لا بد أن يغلبوا على البلاد فيتملكوا ما بأرض مصر من رقاب العباد ~~وانهم لا تدور عليهم الدائرة إلا إذا قام قائم الزمان وظهر براياته الخافقة ~~ذلك الأوان فكذب الله ظنونهم وأتى من لطفه الخفي ما لم يكن في حساب ورد ~~الفرنج بعد القتل الذريع فيهم والأسر على العقاب وكان المنجمون قد أجمعوا ~~في أمر هذه الواقعة على نحو ما أجمع عليه من قبلهم في شأن عمورية واتفق أن ~~كان مبدأ هذا الفتح في سابع رجب سنة ثمان عشرة وستمائة ومبدأ ذلك الفتح في ~~سابع رجب أيضا سنة ثلاث وعشرين ومائتين قال الفاضل العلامة محمد بن عبدالله ~~بن محمود الحسيني ولما كذب الله هؤلاء القوم فيما ادعوه نسجت على منوال أبي ~~تمام في قصيدته البائية المكسورة فعملت بائية مفتوحة وهي : # الحمد لله حمدا يبلغ الأربا % نقضي به من حقوق الله ما وجبا # حمدا يزيد إذا النعمي تزيد به % أخراه أولاه تعطى ضعف ما وهبا # لا ييأس المرء من روح الإله فكم % من راح في مستهل كان قد صعبا # فكم مشى بك مكروه ركضت به % من غير علم إلى ما تشتهي خببا # وكم تقطع دون المشتهى سبب % وكان منك لأعلى المنتهى سببا # لا ينبغي لك في مكروه حادثة % أن تبتغى لك في غير الرضا طلبا # لله في الخلق تدبير يفوت مدى % أسرار حكمته أحكام من حسبا # ا ابغ النجاء إذا ماذو النجامة في % زور من القول يقضي كل ما قربا # وذو الأراجين مما قد يقول فدع % فما أراجيز شيء كان قد كتبا # ما كان لله في ديوان قدرته % من كاتب بحدوس الظن إذ كتبا # لا يعلم الغيب إلا الله خالقنا % لا عالم غيره عجبا ولا ms613 عربا # لا شيء أجهل ممن يدعي ثقة % بحدسه وترى فيما يرى ريبا # قد يجهل المرء ما في بيته نظرا % فكيف عنه بما في غيبه احتجبا # قد كذب الله قول القائلين غدا % إذا أتى رجب لم تحمدوا رجبا PageV02P141 # قالوا يرى عجب فيه فقلت لهم % بالنصر بعد اياس تبصروا عجبا # في منقضى السبعة الأيام منه أتى % ما يأت في مقتضاه السبعة الشهبا # وأعتمت فيه عواء النجوم على % عواء ذئب من الكفار قد حربا # والشعريان فكل منهما شعرت % بأن للحق فيهم سيف من غلبا # وصح عن قمر الأفلاك أنهم % ما فيهم غير مقهور وقد نشبا # غطاؤهم رد في وجهي عطاردهم % إلى الذي منهم ما شاء قد سلبا # وقد بدت زهرة الإسلام زاهرة % قد أظلمت فوقهم من دونها سحبا # وأجملت حمرة المريخ حكمهم % ففسرت بدم فيهم لمن خضبا # ولم يك المشترى تقضي سعادته % إلا إلى المشتري نفسا بما طلبا # وقبل منقلب الأبراج ذو قدر % فعاد منه مبان النفع منقلبا # كم حامل ثائر في الثور أو حمل % أجاز فيهم على جوزائهم حربا # ولم يدر فلك إلا لذي ملك % يدير جيشا عليهم عسكرا نجيا # حتى غدا ثغر دمياط وقد حكموا % أن لا يرى باسما مستجمعا شنبا # يفتر عن صبح إيمان به جذلا % وكان في ليل كفر بات مكتئبا # ومد كفاله التوحيد فانقبضت % رجل من الشرك في تأخيره هربا # وتلك حرب صليب عودها فقضت % أن لا يعود صليب بعد منتصبا # وأطلق القول بالتأذين إذ خرست % له نواقيس جرجيس فما احتسبا # ومما اتفق عليه المنجمون أن الإنسان إذا أراد أن يستجيب الله دعاءه جعل ~~الرأس في وسط المساء مع المشتري أو شطر منه مقبل والقمر متصلا به أو منصرفا ~~عنه متصل بصاحب الطالع أو صاحب الطالع متصل بالمشتري ناظر إلى الرأس نظرة ~~مودة فهنالك لا يشكون أن الإجابة حاصلة قالوا وكانت ملوك اليونان يلزمون ~~ذلك فيحمدون عقباه والعاقل إذا تأمل هذا الهذيان لم يحتج في علمه ببطلانه ~~ومحاله إلى فكر ونظر فان رب السموات والأرض سبحانه لا يتأثر ms614 بحركات النجوم ~~بل يتقدس ويتعالى عن ذلك فيا للعقول التي أضحكت عليها العقلاء من المؤمنين ~~والكفار ما هذه الاتصالات حتى تكون على وجوب إجابة الله من أقوى الدلالات ~~ومما عليه المنجمون متفقون أو كالمتفقين أن الخبر إذا ورد في وقت أو بادنا ~~منه 1 الوجوه والقمر وعطارد في بروج ثوابت والقمر منصرف عن السعود فالخبر ~~ليس بباطل والباطل مثل هذا فانه يلزمهم PageV02P142 # أن من وضع خبرا باطلا في ذلك الوقت أن الطالع المذكور يصححه أو يقولوا لا ~~يمكن أحدا أو يكذب في ذلك الوقت وقد أورد أبو معشر المنجم هذا السؤال في ~~كتاب الأسرار له وأجاب عنه أن الأخبار تختلف فان ورد خبر مكروه من أسباب ~~الشر والجور والأفعال المنسوبة إلى طبائع النحوس والطالع في القمر منصرف عن ~~سعد فالخبر باطل وان ورد خبر محبوب ومن أسباب الخير والعدل والأفعال ~~المنسوبة إلى طبائع السعود وفي الطالع سعد والقمر منصرف عن سعد فالخبر حق ~~قال وزحل لا يدل في كل حال على الكذب بل يدل على وجود العوائق عما يوقع ذلك ~~الخبر لكن البلاء المريخ أو الذنب إذا استوليا على الأوتاد وعلى القمر أو ~~عطارد فانهما يدلان على الكذب والبطلان ثم قال وعلى كل حال فالقمر في ~~العقرب والبروج الكاذبة تنذر بكذب في نفس الخبر أو زيادة أو نقصان وفي ~~الحمل والبروج الصادقة تدل على صدق فيه واستواء وفي السرطان والبروج ~~المنقلبة لا تدل على انقلاب الخبر إلى باطل ولكنه قد ينقلب فيصير أقوى مما ~~هو عليه الآن إلا أن ينظر إليه نحس فيفسده ويبطله ثم قال واعرف صدق الخبر ~~من سهم الغيب إذا شككت فيه فان كان سليما من المريخ والذنب وينظر إليه ~~صاحبه أو القمر أو الشمس نظر صلاح فهو حق هذا منتهى كلامه في الجواب وهو ~~كما تراه متضمن أن عند هذه الاتصالات التي ذكرها يكون الخبر صحيحا صدقا ~~وعند تلك الاتصالات الأخر تكون منذرة بالكذب فيقال لهؤلاء الكذابين ~~المفترين المبلسين أيستحيل عندكم معاشر المنجمين أن يضع أحدكم ms615 خبرا كاذبا ~~عند تلك الاتصالات أم ذلك واقع في دائرة الإمكان بل هو موجود في الخارج ~~وكذلك يستحيل أن يصدق مخبر عند الاتصالات الأخر أو يبعد صدق العالم عندها ~~ويكون كذبهم إذا ذاك أكثر منه في غير ذلك الوقت وهل في الهوس أبلغ من هذا ~~ولو تتبعنا أحكامهم وقضاياهم الكاذبة التي وقع الأمر بخلافها لقام منها عدة ~~أسفار وأما نكبات من تقيد بعلم أحكام النجوم في أفعاله وسفره ودخوله البلد ~~وخروجه منه واختياره الطالع لعمارة الدار والبناء بالأهل وغير ذلك فعند ~~الخاصة والعامة منهم عبر يكفي العاقل بعضها في تكذيب هؤلاء القوم ومعرفته ~~لافترائهم على الله وأقضيته وأقداره بل لا يكاد يعرف أحد تقيد بالنجوم في ~~ما يأتيه ويذره إلا نكب أقبح نكبة وأشنعها مقابلة له بنقيض قصده وموافات ~~النحوس له من حيث ظن أنه يفوز بسعده فهذه سنة الله في عباده التي لا تبدل ~~وعادته التي لا تحول أن من اطمأن إلى غيره أو وثق بسواه أو ركن إلى مخلوق ~~يدبره أجرى الله له بسببه أو من جهته خلاف ما علق به آماله وانظر ما كان ~~أقوى تعلق بني برمك بالنجوم حتى في ساعات أكلهم وركوبهم وعامة أفعالهم وكيف ~~كانت نكبتهم الشنيعة وانظر حال أبي علي ابن مقلة الوزير وتعظيمه لأحكام ~~النجوم ومراعاته لها أشد المراعات ودخوله دارا بناها بطالع زعم الكذابون ~~PageV02P143 # المفترون أنه طالع سعد لا يرى به في الدار مكروها فقطعت يده ونكب في ~~آثاره أقبح نكبة نكبها وزير قبله وقتلى المنجمين أكثر من أن يحصيهم إلا ~~الله عز وجل # الوجه التاسع عشر أن هؤلاء القوم قد أقروا على أنفسهم وشهادة بعضهم على ~~بعض بفساد أصول هذا العلم وأساسه فقد كان أوائلهم من الأقدمين وكبار رصادهم ~~من عهد بطليموس وطيموحارسي حارس ومانالاوس قد حكموا في الكواكب الثابتة ~~بمقدار واتفقوا أنه صحيح الاعتبار وأقام الأمر على ذلك فوق سبعمائة عام ~~والناس ليس بأيديهم سوى تقليدهم حتى كان في عهد المأمون فاتفق من رصادهم ~~وحكامهم علماء الفريقين مثل خالد ms616 بن عبد الملك المروزي وحسن صاحب الزبج ~~المأموني ومحمد بن الجهم ويحيى بن أبي منصور على أنهم امتحنوا رصد الأوائل ~~فوجدوهم غالطين فيما رصدوه فرصدوهم رصدا لأنفسهم وحرروه وسموه الرصد ~~الممتحن وجعلوه مبدأ ثانيا بعد ذلك الزمن كان لأوائلهم إجماع على صحة رصدهم ~~ولهؤلاء إجماع على خطأهم فيه فتضمن ذلك إجماع الأواخر على الأوائل أنهم ~~كانوا غالطين واقرار الأواخر على أنفسهم أنهم كانوا بالعمل به مخطئين ثم ~~حدثت طائفة أخرى منهم كبيرهم وزعيمهم أبو معشر محمد ابن جعفر وكان بعد ~~الرصد الممتحن بنحو من ستين عاما فرد عليهم وبين خطأهم كما ذكر أبو سعيد ~~ابن شاذان بن بحر المنجم في كتاب أسرار النجوم قال قال أبو معشر أخبرني ~~محمد بن موسى المنجم الحليس وليس الخوارزمي قال حدثني يحيى بن آبي منصور أو ~~قال حدثني محمد بن محمد الحليس قال دخلت على المأمون وعنده جماعة المنجمين ~~وعنده رجل قد تنبأ وقد دعا القضاة والفقهاء ولم يحضروا بعد ونحن لا نعلم ~~فقال لي ولمن حضر من المنجمين اذهبوا فخذوا الطالع لدعوى رجل في شيء يدعيه ~~وعرفوني بما يدله عليه الفلك من صدقه وكذبه ولم يعلمنا المأمون أنه متنبيء ~~فجئنا إلى ناحية من القصر وأحكمنا أمر الطالع وصورناه فوقع الشمس والقمر في ~~دقيقة الطالع والطالع الجدي والمشتري في السنبلة ينظر إليه والزهرة وعطارد ~~في العقرب ينظر إليه فقال كل من حضر من المنجمين هذا الرجل صحيح لا كذب فيه ~~قال يحيى وأنا ساكت فقال لي المأمون قل فقلت هو في طلب تصحيحه وله حجة ~~زهرية وعطاردية وتصحيح ما يدعيه لا يتم له فقال من أين قلت فقلت لأن صحة ~~الدعاوى من المشتري وهو ينظر إليه زحل موافقة إلا أنه كاره لهذا البرج ولا ~~يتم له التصديق ولا التصحيح والذي قالوه إنما هو من حجة عطاردية وزهرية ~~وذلك يكون من جنس التحسين والتزويق والخداع عن غير حقيقة فقال لله درك ثم ~~قال تدرون ما يدعى هذا الرجل قلنا لا قال هذا يدعى النبوة فقلت ms617 يا أمير ~~المؤمنين ومعه شيء يحتج به فسأله فقال نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه فلا ~~يتغير مني شيء ويلبسه غيري فلا يتمالك من الضحك حتى ينزعه ومعي قلم شامي ~~أكتب به ويأخذه غيري PageV02P144 # فلا تنطلق أصبعه به فقلت يا سيدي هذا عطارد والزهرة قد عملا عملهما فأمره ~~أمير المؤمنين فأظهر ما أدعاه منهما وكان ذلك ضرب من الطلسمات فما زال به ~~المأمون أياما كثيرة حتى أقر وتبرأ من دعوى النبوة ووصف الحيلة التي ~~احتالها في الخاتم والقلم فوهب له المأمون ألف دينار وصرفه فلقيناه بعد ذلك ~~فإذا هو أعلم الناس بعلم النجوم ومن أكبر أصحاب عبدالله القشيري وهو الذي ~~عمل طلسم الخنافس في دور بغداد قال أبو معشر لو كنت في القوم ذكرت أشياء ~~خفيت عليهم كنت أقول الدعوى باطلة من أصلها إذ البرج منقلب وهو الجدي ~~والمشتري في الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران إلى الطالع في برج ~~كذاب وهو العقرب فتأمل كيف اختلفت أحكامهم مع اتحاد الطالع وكل منهم يمكنه ~~تصحيح حكمه بشبهة من جنس شبهة الآخر فلو اتفق أن أدعى رجل صادق في ذلك ~~الوقت والطالع دعوى ألم يكن ادعاؤه ممكنا غير مستحيل ودعواه صحيحة في نفسها ~~أم تقولون انه لا يمكن أن يدعى أحد في ذلك الوقت والطالع دعوى صحيحة البتة ~~ومن المعلوم لجميع العقلاء أنه يمكن إذ ذاك دعوتين من رجل محق ومبطل بذلك ~~الطالع بعينه فما أسخف عقل من ارتبط بهذا الهذيان وبني عليه جميع حوادث ~~الزمان وليس بيد القوم إلا ما اعترف به فاضلهم وزعيمهم أبو معشر # وقال شاذان في الكتاب المذكور أيضا قلت لأبي معشر الذنب بارد يابس فلم ~~قلتم انه يدل على التأنيث فقال هكذا قالوا قلت فقد قالوا انه ليس بصادق ~~اليبس لكنه بارد فنظر لي فقال كل الأعراض الغائبة توهم لا يكون شيء منها ~~يقينا وانما يكون توهم أقوى من توهم # ومن تأمل أحوال القوم علم أن ما معهم إلا زرق وتفرس يصيبون معها ويخطئون # قال شاذان في ms618 كتابه المذكور كان الرازي الثنوي الذي بالهند يكاتب أبا ~~لعشر ويهاديه فأنفذ لأبي معشر مولدا لابن مالك سر نديب طالعه الجوزاء ~~والشمس والقمر في الجدي والقمر خارج عن الشعاع وعطارد في الدلو والمشتري في ~~الحمل وزحل في السرطان راجع في بحران الرجوع فحكم له أبو معشر بأنه يعيش ~~دور زحل الأوسط فقلت سبحان الله جاءه راجع في بحران الرجوع في بيت ساقط عن ~~الأوتاد لا يعطيه إلا دور الأصغر ويحتاج أن يسقط منه الخمسين وجعلت أنكر ~~عليه ذلك وأخوفه أن تسقط منزلته عند أهل تلك البلاد إلى أن ذكر محاورة ~~طويلة انتهت بهما إلى أن أبا معشر أخذ ذلك من عادات أهل الهند في طول ~~الأعمار وقال شاذان في مسألة سئل عنها ما أنتم الازراقين ثم حدثت بعد هؤلاء ~~جماعة منهم أبو الحسين عبدالرحمن بن عمر بن عبد المعروف بالصوفي وكان بعد ~~أبي معشر بنحو من سبعين عاما فذكر أنه قد عثر من غلط الأواخر بعد الأوائل ~~على أشياء كثيرة وصنف كتابا في معرفة الثوابت وحمله إلى عضد الدولة بن بويه ~~فاستحسنه PageV02P145 وأجزل ثوابه وبين في هذا الكتاب من أغاليط أتباع ~~الرصد الثاني أمورا كثيرة لعطارد المنجم ومحمد بن جابر التباني وعلي بن ~~عيسى الحراني فقال في مقدمة كتابه ولما رأيت هؤلاء القوم مع ذكرهم في ~~الآفاق وتقدمهم في الصناعة وإقتداء الناس بهم واشتغالهم بمؤلفاتهم قد تبع ~~كل واحد منهم من تقدمه من غير تأمل لخطئه وصوابه بالعيان والنظروا أوهموا ~~الناس بالرصد حتى ظن كل من نظر في مؤلفاتهم أن ذلك عن معرفة بالكواكب ~~ومواضعها إلى أن قال ومعولهم على آلات مصورة من عمل من لا يعرف الكواكب ~~بأعيانها وانما عولوا على ما وجدوه في الكتب من أطوالها وعروضها فرسموها في ~~الكرة من غير معرفة خطئها وصوابها ثم قال وزادوا أيضا على أطوال الكواكب ~~أطوالا كثيرة وعلى عروضها دقائق يسيرة ونقصوا منها أوهموا بذلك أنهم رصدوا ~~الكل وأنهم وجدوا بين أرصادهم وأوضاع بطليموس من الخلاف في أطوالها وعروضها ~~القدر الذي ms619 خالفوا به سوى الزيادة التي وجدوها من حركاتها في المدة التي ~~بينهم وبينه من السنين من غير أن عرفوا الكواكب بأعيانها وله تواليف أخر ~~مشحونة ببيان أغاليطهم وإيضاح أكاذيبه 2 م وتخاليطهم وشهد عليهم بأنهم تارة ~~قلدوا في الأقوال النجومية وتارة قلدوا فيما وجدوه من الصور الكوكبية فهم ~~مقلدون في القول والعمل ليس مع القوم بصيرة وشهد عليهم بأنهم مموهون مدلسون ~~بل كاذبون مفترون من جهة أنهم زادوا دقائق ما بين زمانهم وزمان بطليموس ~~وأوهموا بها أنهم رصدوا ما رصده من قبلهم فعثروا على ما لم يعثروا عليه ثم ~~حدثت جماعة أخرى منهم الكوشيار بن ياسر بن الديلمي ومن تآليفه الزيجات ~~والجامع والمجمل في الأحكام وهو عندهم نهاية في الفن وكان بعد الصوفي بنحو ~~ثلاثين عاما وذكر في مقدمة كتابه المجمل أني جمعت في هذا الكتاب من أصول ~~صناعة النجوم والطريق إلى التصرف فيها ما ظننته كافيا في معناه مغنيا عما ~~سواه وأكثر الأمر فيما أخذت به أقرب طريق عزوته إلى القياس وأوضح سبيل ~~سلكته إلى الصواب إذ هي صناعة غير مبرهنة وللخواطر والظنون مجال بلا نهاية ~~صواب ومجال إلى أن ذكر علم الأحكام فقال فيه ولا سبيل للبرهان عليه ولا هو ~~مدرك بكليته نعم ولا بأكثره لن الشيء الذي يستعمل فيه هذا العلم أشخاص ~~الناس وجميع ما دون الفلك القمري مطبوع على الانتقال والتغيير ولا يثبت على ~~حال واحدة في أكثر الأمر ولا للإنسان بكامل القوة من الحدس بخواص الأحوال ~~التي تكون من امتزاجات الكواكب فبلغ من الصعوبة وتعسر الوقوف عليه إلى أن ~~دفعه بعض الناس وظنوا أنه شيء لا يدركه أحد البتة وأكثر المنفردين بالعلم ~~الأول يعنى علم الهيئة ينكرون هذا العلم ويجحدون منفعته ويقولون هو شيء يقع ~~بالانفاق وليس عليه برهان إلى أن قال ومن المنفردين بالعلم الثاني يعنى علم ~~الأحكام من يأتي على PageV02P146 جزئياته بحجج على سبيل النظر والجدل فظن ~~أنها برهان لجهله بطريق البرهان وطبيعته فحصل من كلام هذا تجهيل أصحاب ~~الأحكام كما حصل في ms620 كلام الصوفي تكذيب أصحاب الأرصاد وهذان رجلان من ~~عظمائهم وزعمائهم ثم حدثت جماعة أخرى منهم المنجم المعروف بالفكري منجم ~~الحاكم بالديار المصرية وكان قد انتهت إليه رياسة هذا العلم وكان قد قرأ ~~على من قرأ على العاصمي فوضع هو وأصحابه رصدا آخر وهو الرصد الحاكمي وخالف ~~فيه أصحاب الرصد الممتحن في أشياء وعلى ذلك التفاوت بنوا الذريح الحاكمي ~~وكان الحاكم قد أمرهم أن يحذوا على فعل المأمون فأمر أن يجتمعوا عنده ~~فاجتمع المنجمون ورئيسهم الفكري فوضعوا الذبح الحاكمي وخالفوا أصحاب الرصد ~~المأموني ومالوا أتباعهم إلى الرصد الحاكمي ولو اتفق بعد ذلك رصد آخر لسلك ~~أصحابه في خلاف من تقدمهم مسلك أوائلهم هذا ومستند لهم ومعولهم الحس ~~والحساب وهما هما لا يقبلان التغليط فما الظن بما يدعونه من علم الأحكام ~~الذي مبناه على هواجس الظنون وخيالات الأوهام ثم حدثت جماعة أخرى منهم أبو ~~الريحان البيروتي مؤلف كتاب التفهيم إلى صناعة التنجيم جمع فيه بين الهندسة ~~والحساب والهيئة والأحكام وكان بعد كوشيار بنحو من أربعين سنة فخالف من ~~تقدمه وأتى من مناقضتهم والرد عليهم بما هو دال على فساد الصناعة في نفسها ~~وختم كتابه بقوله في الخبى والضمير ما أكثر افتضاح المنجمين فيه وما أكثر ~~اصابة الراصدين فيه بما يستعملون من كلامه وقت السؤال ويرونه باديا من آثار ~~وأفعال على السائل وقال وعند البلوغ إلى هذا الموضع من صناعة التنجيم كافية ~~ومن تعداه فقد عرض نفسه وصناعته لما بلغت إليه الآن من السخرية والاستهزاء ~~فقد جهلها المتفقهون فيها فضلا عن المنتسبين إليها انتهى كلامه # ثم حدثت جماعة أخرى منهم أبو الصلت أمية بن عبدالعزيز بن أمية الأندلسي ~~الشاعر المنجم الطبيب الأديب وكان بعد البيروتي بنحو من ثمانين عاما ودخل ~~مصر وأقام بها نحو عامين ولما كان بالغرب توفيت والدة الأمين على بن يميم ~~صاحب المهدية وكان قد وافق موتها أخبار المنجمين بذلك قبل وقوعه فعمل أمية ~~قصيدة يرثيها وهي من مستحسن شعره فقال فيها # وراعك قول للمنجم موهم % ومن يعتقد زرق المنجم ms621 يوهم # فواعجبا يهذي المنجم دهره % ويكذب إلا فيك قول المنجم # وكان المذكور رأسا في الصناعة وقد اعترف بأن المنجم كذاب صاحب زرق وهذيان ~~ثم حدثت طائفة أخرى بالغرب منهم أبو إسحاق الزر قال واصحابه وهو بعد أبي ~~الصلت بنحو من مائة عام وقد خالف الأوائل والأواخر في الصناعتين والرصدية ~~والأحكامية فأسقط من PageV02P147 # الرصد الممتحن المأموني في البروج درجات ومن الرصد الحاكمي دقائق وسلك في ~~الأحكام طرقا غير الطرق المعهودة منه اليوم وزعم أن عليها المعول وأن طرق ~~من تقدمه ليست بشيء ولو حدث في هذا العصر من يشبه من تقدمه لرأينا اختلافا ~~آخر ولكن هذه الصناعة قد ماتت ولم يبق بأيدي المنتسبين إليها إلا تقليد ~~هؤلاء الضلال فيما فهموه من كلامهم الباطل وما لم يفهموه منه فقد يظنون أنه ~~صحيح ولكن إفهامهم نبت عنه وهذا شأن جميع أهل الضلال مع رؤسائهم ومتبوعيهم ~~فجهال النصارى إذا ناظرهم الموحد في تثليثهم وتناقضه وتكاذبه قالوا الجواب ~~على القسيس والقسيس يقول الجواب على المطران والمطران يحيل الجواب على ~~البترك والبترك على الأسقف والأسقف على الباب والباب على الثلاثمائة ~~والثمانية عشر أصحاب المجمع الذي اجتمعوا في عهد قسطنطين ووضعوا للنصارى ~~هذا التثليث والشرك المناقض للعقول والأديان ولعلهم عند الله أحسن حالا من ~~أكثر القائلين بأحكام النجوم الكافرين برب العالمين وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر # | فصل ورأيت لبعض فضلائهم وهو أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى رسالة # بليغة في الرد عليهم وإبداء تناقضهم كتبها لما بصره الله رشده واراه ~~بطلان ما عليه هؤلاء الضلال الجهال كتبها نصيحة لبعض إخوانه فأحببت أن ~~أوردها بلفظها وان تضمنت بعض الطول والتكرار وأتعقب بعض كلامه بتقرير ما ~~يحتاج إلى تقرير وسؤال يورد عليه ويطعن به على كلامه ثم بالجواب عنه ليكون ~~قوة للمسترشد وبيانا للمتحير وتبصرة للمهتدي ونصيحة لأخواني المسلمين وهذا ~~أولها # بسم الله الرحمن الرحيم عصمك الله من قبول المحالات واعتقاد ما لم تقم ~~عليه الدلالات وضاعف لك الحسنات وكفاك المهمات بمنه ورحمته كنت أدام الله ~~توفيقك وتسديدك ms622 ذكرت لي اهتمامك بما قد لهج به وجوه أهل زماننا من النظر في ~~الأحكام النجوم وتصديق كل ما يأتي من أدعى أنه عارف بها من علم الغيب الذي ~~تفرد الله سبحانه وتعالى به ولم يجعله لأحد من الأنبياء والمرسلين ولا ~~ملائكته المقربين ولا عباده الصالحين من معرفة طويل الأعمار وقصيرها وحميد ~~العواقب وذميمها وسائر ما يتجدد ويحدث ويتخوف ويتمنى وسألنى أن اعمل كتابا ~~أذكر فيه بعض ما وقع من اختلافهم في أصول الأحكام الدالة على وهمهم قبح ~~اعتقادهم وما يستدل به من طريق النظر والقياس على ضعف مذهبهم وألخص ذلك ~~واختصره واقربه بحسب الوسع والطاقة فوعدتك بذلك وقد ضمنته كتابي هذا والله ~~أسأل PageV02P148 عونا على ما قرب منه وتوفيقا لما أزلف لديه انه قريب مجيب ~~فعال لما يريد لست مستعملا للتحامل على من أثبت تأثير الكواكب في هذا ~~العالم وترك إنصافهم كما فعل قوم ردوا عليهم فانهم دفعوهم عن أن يكون لها ~~تأثير البتة غير وجود الضياء في المواضع التي تطلع فيها الشمس والقمر وعدمه ~~فيما غابا عنه وما جرى هذا المجرى بل أسلم لهم أنها تؤثر تأثيرا ما يجري ~~على الأمر الطبيعي مثل أن يكون البلد القليل العرض مزاجه يميل عن الاعتدال ~~إلى الحر واليبس وكذلك مزاج أهله ضعيف وألوانهم سود وصفر كالنوبة والحبشة ~~وأن يكون البلد الكثير العرض مزاجه يميل عن الاعتدال إلى البرد والرطوبة ~~وكذلك مزاج أهله وأجسامهم عبلة والوانهم بيض وشعورهم شقر مثل الترك ~~والصقالبة ومثل أن يكون النبات ينمو ويقوى ويتكامل وينضج ثمره بالشمس ~~والقمر فان أهل الصحراء ومن يعانيها مجمعون على أن القثاء تطول و تغلظ ~~بالقمر وقد شاهدت غير شجرة كبيرة حاملة من التين والتوت وغيرهما فما قابل ~~الشمس منه أسرع نضج الثمر الكائن فيه وما خفى منها عنها بقي ثمره فجا وتأخر ~~إدراكه ومثال ذلك ما شاهد من حال الريحان الذي يقال له اللينوفر وحال ~~الخبازي وورق الخطمى والأدريون وأشياء كثيرة من النبات فانا نراه يتحرك ~~وينفتح مع طلوع الشمس ويضعف إذا ms623 غابت لأن هذه أمور محسوسة وليس الكلام في ~~هذا التأثير كيف هو وعلى أي سبيل يقع فما يليق بغرضنا ههنا فلذلك أدعه فأما ~~ما يزعمونه فيما عدا هذا من أن النجوم توجب أن يعيش فلان كذا كذا سنة وكذا ~~كذا شهرا وينتهون في التحديد إلى جزء من ساعة وأن يدل على تقليد رجل بعينه ~~الملك وتقليد آخر بعينه الوزارة وطول مدة كل واحد منهما في الولاية وقصرها ~~وما فعله الإنسان وما يفعله في منزله وما يضمره في قلبه وما هو متوجه فيه ~~من حاجاته وما هو في بطن الحامل والسارق ومن هو والمسروق وما هو وأين هو ~~وكميته وكيفيته وما يجب بالكسوف وما يحدث معه والمختار من الأعمال في كل ~~يوم بحسب اتصال القمر بالكواكب من أن يكون هذا اليوم صالحا للقاء الملوك ~~والرؤساء وأصحاب السيوف وهذا يوم محمود للقاء الكتاب والوزراء وهذا اليوم ~~محمود للقاء القضاة وهذا اليوم محمود لأمور النساء وهذا اليوم محمود لشرب ~~الدواء والفصد والحجامة وهذا اليوم محمود للعب الشطرنج والنرد وغير ذلك ~~فمحال أن يكون معلوما من طريق الحس وليس نص من كتاب الله بل قد نص الله ~~سبحانه وتعالى فيه على بطلانه بقوله تبارك وتعالى قل لا يعلم من في السموات ~~والأرض الغيب إلا الله ولا من سنة رسول الله بل قد جاء عنه أنه قال من أتى ~~عرافا أو كاهنا أو منجما فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ولا ~~هاهنا ضرورة تدعو إلى القول به ولا هو أول في المعقول ولا يأتون عليه ~~ببرهان ولا دليل PageV02P149 مقنع وهذه هي الطرق التي تثبت بها الموجودات ~~وتعلم بها حقائق الأشياء لا طريق هاهنا غيرها ولا شيء لأحكام النجوم منها ~~وانا ابتدئ الآن بوصف جملة من اختلافهم في الأصول التي يبنون عليها أمرهم ~~ويفرعون عنها أحكامهم وأذكر المستبشع من أقاويلهم وقضاياهم وظاهر مناقضاتهم ~~ثم آتى بطرف من احتجاجهم والاحتجاج عليهم والله والموفق للصواب بفضله # ذكر اختلافهم في الأصول زعموا جميعا أن الخير والشر ms624 والاعطاء والمنع وما ~~أشبه ذلك يكون في العالم بالكواكب وبحسب السعود منها والنحوس وعلى حسب ~~كونها من البروج الموافقة والمنافرة لها وعلى حسب نظر بعضها إلى بعض من ~~التسديس والتربيع والتثليث والمقابلة وعلى حسب محاسدة بعضها بعضا وعلى حسب ~~كونها في شرفها وهبوطها ووبالها ثم اختلفوا على أي وجه يكون ذلك فزعم قوم ~~منهم أن فعلها بطبائعها وزعم آخرون أن ذلك ليس فعلا لها لكنها تدل عليه ~~بطبائعها قلت وزعم آخرون أنها تفعل في البعض بالعرض وفي البعض بالذات قال ~~وزعم آخرون أنها تفعل بالاختيار لا بالطبع ألا أن السعد منها لا يختار إلا ~~الخير والنحس منها لا يختار إلا الشر وهذا بعينه نفى للاختيار فان حقيقة ~~القادر المختار القدرة على فعل أي الضدين شاء وترك أيهما شاء قلت ليس هذا ~~بشيء فانه لا يلزم من كون المختار مقصود الاختيار على نوع واحد سلب اختياره ~~ولكن الذي يبطل هذا أنهم يقولون أن الكوكب النحس سعد في برج كذا وفي بيت ~~كذا وإذا كان الناظر إليه من النجوم كذا وكذا وكذلك الكوكب السعد ويقولون ~~أنها تفعل بالذات خيرا وبالعرض شرا وبالعكس وقد يقولون أنها تختار في زمان ~~خلاف ما تختار في زمان آخر وقد تتفق كلها أو أكثرها على إيثار الخير فيكون ~~في العالم في ذلك الوقت على الأكثر الخير والنفع والحسن قالوا كما كان في ~~زمن بهمن وفي أيام أنوشروان وبضد ذلك أيضا فيقال إذا كانت مختارة وقد تتفق ~~على إرادة الخير وعلى إرادة الخير والشر بطل دلالة حصولها في البروج ~~المعينة ودلالة نظر بعضها إلى بعض بتسديد أو تربيع أو تثليث أو مقابلة لأن ~~هذا شأن من يقع فعله إلا عن وجه واحد في وقت معين على شروط معينة ولا ريب ~~أن هذا ينفي الاختيار فكيف يصح قولكم بذلك وجمعكم بين هاتين القضيتين أعني ~~جواز اختيارها في زمان خلاف ما تختاره في زمان آخر وجواز اتفاقها على الخير ~~واتفاقها على الشر من غير ضابط ولا دليل يدلكم عليه ثم ms625 تحكمون بتلك الأحكام ~~مستندين فيها إلى حركاتها المخصوصة وأوضاعها ونسبة بعضها إلى بعض وهل هذا ~~الاضحكة للعقلاء قال وزعم آخرون أنها لا تفعل باختيار بل تدل باختيار وهذا ~~كلام لا يعقل معناه إلا أنى ذكرته لما كان مقولا واختلفوا فقالت فرقة من ~~الكواكب ما هو سعد ومنها ما هو نحس وهي تسعد غيرها وتنحسه وقالت فرقة هي في ~~أنفسها طبيعة واحدة PageV02P150 # وانما تختلف دلالتها على السعود والنحوس وان لم تكن في أنفسها مختلفة ~~واختلفوا فقال قوم أنها تؤثر في الأبدان والأنفس جميعا وقال الباقون بل في ~~الأبدان دون الأنفس قلت أكثر المنجمين على القول بأنها تسعد وتنحس غيرها ~~وأما الفرقة التي قالت هي دالة على السعد والنحس فقولهم وان كان أقرب إلى ~~التوحيد من قول الأكثرين منهم فهو أيضا قول مضطرب متناقض فان الدلالة ~~الحسية لا تختلف ولا تتناقض وهذا قول من يقول منهم أن الفلك طبيعة مخالفة ~~لطبيعة الاستقصاب الكائنة الفاسدة وأنها لا حارة ولا باردة ولا يابسة ولا ~~رطبة ولا سعد ولا نحس فيها وانما يدل بعض أجرامها وبعض أجزائها على الخير ~~وبعضها على الشر وارتباط الخير والشر والسعد والنحس بها ارتباط المدلولات ~~بأدلتها لا ارتباط المعلومات بعللها ولا ريب أن قائل هذا أعقل وأقرب من ~~أصحاب القول بالاقتضاء الطبيعي والعلية وأما القول بتأثيرها في الأبدان ~~والأنفس فهو قول بطليموس وشيعته وأكثر الأوائل من المنجمين وهؤلاء لهم ~~قولان أحدهما أنها تفعل في الأنفس بالذات وفي الأبدان بالعرض لأن الأبدان ~~تنفعل عن الأنفس والثاني أنها هي سبب جميع ما في عالم الكون والفساد وفعلها ~~في ذلك كله بالذات وكأنه لاخلاف بين الطائفتين فان الذين قالوا فعلها في ~~النفوس لا يضيفون انفعال الأبدان إلى غيرها بذاتها بل بوسائط قال واختلف ~~رؤساؤهم بطليموس ودورسوس وانطيقوس وريمسس وغيرهم من علماء الروم والهند ~~وبابل في الحدود وغيرها وتضادوا في المواضع التي يأخذون منها دليلهم فبعضهم ~~يغلب رب بيت الطالع وبعضهم يقول بالدليل المستولى على الحظوظ واختلفوا فزعم ~~بطليموس أنهم يعلم منهم السعادة بأن ms626 يأخذ أبدا العدد الذي يحصل من موضع ~~الشمس إلى موضع القمر ويبتدئ من الطالع فيرصد منه مثل ذلك العدد ويأخذ إلى ~~الجهة التي تتلو من البروج فيكون قد عرف موضع السهم وزعم غيره أنه يعد من ~~الشمس ثم يبتدئ من الطالع فيعد مثل ذلك إلى الجهة المتقدمة من البروج قلت ~~وزعم آخرون أن بطليموس يرى أن جميع ما يكون ويفسد إنما يعرف دليله من موضع ~~التقاء النيرين إما الاجتماع واما الامتلاء لأن هذين الكوكبين عنده مثل ~~الرئيسين العظيمين أحدهما يأتمر لصاحبه وهو القمر وهما سببا جميع ما يحدث ~~في عالم الكون والفساد وأن الكواكب الجارية والثابتة منهما بمنزلة الجند ~~والعسكر من السلطان فإذا اراد النظر في أمر من الأمور فان كان بعد الاجتماع ~~أو عنده فانه يأخذ الدليل عليه من الكوكب المستولى على جزء الاجتماع وجزئي ~~الشمس والقمر في الحال وشاركه مع الشمس بالنسبة إلى الطالع وإذا كان بعد ~~الامتلاء أو عنده فانه ينظر أي النيرين كان فوق الأرض عند الامتلاء وينظر ~~إلى الكوكب المستولى على ذلك الجزء وجزء النير الذي كان بعد الشمس من ~~الطالع كبعد القمر من سهم السعادة PageV02P151 # فلذلك يجب عنده أن يؤخذ العدد أبدا من الشمس إلى القمر لتبقى تلك النسبة ~~وهي البعد بين كل واحد من النيرين طالعه محفوظ فهذا قول آخر غير قول أولئك ~~وللفرس مذهب آخر وهو أنهم قالوا لما كانت الشمس لها نوبة النهار والقمر له ~~نوبة الليل وكان سهم السعادة بالنهار يؤخذ من الشمس إلى القمر وجب أن يعكس ~~ذلك بالليل لأن نسبة النهار إلى الشمس مثل نسبة الليل إلى القمر وكل واحد ~~من النيرين ينوب واحدا من الزمانين فيأخذون منهم السعادة بالليل من القمر ~~إلى الشمس وبالنهار بالعكس وزعموا أن كلام بطليموس إنما يدل على هذا لأنه ~~قال وان أخذنا من الشمس إلى القمر إلى خلاف تأليف البروج وألقيناه بالعكس ~~كان موافقا للأول فقالوا يجب أن يعكس الأمر بالليل فهذا اختلاف المنجمين ~~على بطليموس ينقض بعضه بعضا وليس بأيدي الطائفة ms627 برهان يرجحون به قولا على ~~قول أن يتبعون إلا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا فأعرض عن من تولى عن ~~ذكرنا ولم يرد إلى الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم أن ربك هو أعلم بمن ~~ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى قال واختلفوا فرتبت طائفة منهم البروج ~~المذكورة والمؤنثة من البرج الطالع فعدوا واحدا مذكرا وآخر مؤنثا وصيروا ~~الابتداء بالمذكر وقسمت طائفة أخرى البروج أربعة أجزاء وجعلوا البروج ~~المذكرة هي التي من الطالع إلى وسط السماء والتي يقابلها من الغرب إلى وتد ~~الأرض وجعلوا الربعين الباقيين مؤنثين قلت ومن هذيانهم في هذا الذي أضحكوا ~~به عليهم العقلاء أنهم جعلوا البروج قسمين حار المزاج وبارد المزاج وجعلوا ~~الحار منها ذكرا والبارد أنثى وابتدؤا بالحمل وصيروه ذكرا حارا ثم الذي ~~بعده مؤنثا باردا ثم هكذا إلى آخرها فصارت ستة ذكورا وستة أناثا وليست على ~~الأوائل واحد ذكر وثلاثة أخر أنثى مخالف له في الطبيعة والذكورية والأنوثية ~~مع أن قسمة الفلك إلى البروج قسمة فرضية وضعية فهل في أنواع هذيان الهاذين ~~أعجب من هذا ولما رأى من به رمق من عقل منهم تهافت هذا الكلام وسخرية ~~العقلاء منه رام تقريبه بغاية جهده وحذقه فقال إنما ابتدأ بالذكر دون ~~الأنثى لأن الذكر أشرف من الأنثى لأنه فاعل والأنثى منفعلة فاعجبوا يا معشر ~~العقلاء واسألوا الله أن لا يخسف بعقولكم كما خسف بعقول هؤلاء لهذا الهذيان ~~افترى في البروج ناكحا ومنكوحا يكون المنكوح منها منفعلا لناكحه بالذكورية ~~والأنوثية تابعة لهذا الفعل والانفعال فيها قال وأيضا فالذكورية بسبب ~~الانفراد وازواج فيها فان الأفراد ذكور والأزواج إناث وهذا أعجب من الأول ~~أن الذكر ينضم إلى الذكر فيصير المضموم إليه أنثى فتبا للمصغي إليكم ~~والمجوز عقله صدقكم واصابتكم وأما أنتم فقد أشهد الله سبحانه عقلاء عباده ~~وأنبأهم مقدار عقولكم وسخافتها فلله الحمد والمنة قال هذا المنتصر لهم ~~وانما جعلوا الأفراد لذكور والأزواج للأنثى لأن الفرد PageV02P152 # يحفظ طبيعته أعنى ينقسم دائما إلى فرد والزوج لا يحفظ ms628 طبيعته أعني ينقسم ~~مرة إلى الأفراد ومرة إلى الأزواج كما يعرض ذلك للأنثى فانها تلد مرة مثلها ~~ومرة ذكرا مخالفا لها ومرة ذكرين ومرة أنثيين ومرة ذكرا وأنثى وفساد هذا ~~والعلم بفساد عقل صاحبه ونظره مغن لذي اللب عن تطلب دليل فساده قال المنتصر ~~وانما جعلوا للبرج الأنثى بل برج الذكر فلان الطبيعة هكذا ألف الاعداد ~~واحدا فردا وآخر زوجا هكذا بالغا ما بلغ هذه القسمة عندهم هي قسمة ذاتية ~~للبروج ولها قسمة ثانية بالعرض وهي أنهم يبدؤن من الطالع إلى الثاني عشر ~~فيأخذون واحدا ذكرا وهو الأول وآخر أنثى وهو ما يليه وهذه تختلف بحسب ~~اختلاف الطالع والقسمة الأولى إنما كانت ذاتية لأن الابتداء لها برأس الحمل ~~وهو موضع تقاطع الدائرتين اللتين هما فلك البروج ومعدل النهار وأما الليل ~~للقسمة فانه لا يبقى على حال واحدة لأنه مأخوذ من الجزء المماس لأفق البلد ~~وهو دائما يتغير بحركته مع الكل وحصول الأجزاء كلها واحدا بعد آخر على ~~الأفق دوره واحدة وأما قسمة الفلك أرباعا فانهم قالوا إذا خرج خط من أفق ~~المشرق إلى أفق المغرب وخط من وتد الأرض إلى وسط السماء انقسمت البروج ~~أربعة أقسام كل قسم ثلاثة بروج على طبيعة واحدة ابتداء كل قسم من طرف قطر ~~إلى طرف القطر الذي يليه وأطراف هذين القطرين تسمى أوتاد العالم والقسم ~~الأول من وتد المشرق إلى وتد العاشر ذكر شرقي مخفف سريع ومن وتد العاشر إلى ~~وتد الغارب مؤنث جنوبي محرق وسط ومن ذيل الغارب إلى وتد الرابع ذكر مقبل ~~رطب غربي بطيء ومن وتد الرابع إلى وتد الطالع مؤنث دليل مبرد شمالي وسط ~~وهذه القسمة مخالفة لتلك القسمتين لان هذه قسمة البروج بأربعة أقسام ~~متساوية كل ثلاثة بروج منها تسعين درجة لها طبيعة تخصها مع أن الفلك شيء ~~واحد وطبيعة واحدة وقسمته إلى الدرج والبروج قسمة وهمية بحسب الوضع فكيف ~~اختلفت طبائعها وأحكامها وتأثيراتها واختلفت بالذكروية والأنوثية ثم أن بعض ~~الأوائل منهم لم يقتصر على ذلك بل ابتدأ بالدرجة ms629 الأولى من الحمل فنسبها ~~إلى الذكورية والثانية إلى الأنوثية هكذا إلى آخر الحوت ولا ريب أن الهذيان ~~لازم لمن قال بقسمة البروج إلى ذكر وأنثى وقال الذكر طبيعة الفرد والأنثى ~~طبيعة الزوج فان هذا بعينه لازم لهم في درجات البرج الواحد وكأن هذا القائل ~~تصور لزومه لأولئك فالتزمه وأما بطليموس فله هذيان آخر فانه ابتدأ بأول ~~درجة كل برج ذكر فنسب منها إلى تمام أثنى عشر درجة وبضعا إلى الذكورية ومنه ~~إلى تمام خمس وعشرين درجة إلى الأنوثية ثم قسم باقي البرج بالنصفين فنسب ~~النصف الأول إلى الذكر والنصف الآخر إلى الأنثى وعلى هذه القسمة ابتدأ ~~بالبروج الأنثى فنسب الثلث ونصف السدس إلى الأنوثية ومثلها بعده إلى ~~الذكروية وبقى PageV02P153 # سدس قسمه بنصفين فنسب النصف الأول إلى الأنثى والآخر إلى الذكر كما عمل ~~بالبرج الذكر حتى أتى على البروج كلها وأما دوروسوس فله هذيان آخر فانه ~~يقسم البروج كلها كل برج ثمانية وخمسين دقيقة ومائة وخمسين ثانية ثم ينظر ~~فان كان البرج ذكرا أعطى القسمة الأولى للذكر ثم الثانية للأنثى إلى أن ~~يأتي على الأقسام كلها وان البرج أنثى أعطى القسمة الأولى للذكر إلى أن ~~يأتي على الأقسام كلها ولو قدر أن جاهلا آخر تفنن في هذه الأوضاع وقلبها ~~وتكلم عليها لكان من جنس كلامهم ولم يكن عندهم من البرهان ما يردون به قوله ~~بل أن رأوه قد أصاب في بعض أحكامه لا في أكثرها أحسنوا به الظن وتقلد ~~واقوله وجعلوه قدوة لهم وهذا شأن الباطل عدنا إلى كلام عيسى في رسالته قال ~~واختلفوا في الحدود فزعم أهل مصر أنها تؤخذ من أرباب البيوت وزعم ~~الكلدانيون أنها تؤخذ من مدبر المثليات وإذا كان اختلاف الذين يعتدون بهم ~~في أصولهم هذا الاختلاف وليس هم ممن يطالب بالبرهان ولا يعتقد الشيء حتى ~~يصح على البحث والقياس فيعرفون مع من الحق من رؤسائهم وفي أي قول هو من ~~أقوالهم فيعملون به وانما طريقتهم التسليم لما وجدوه في الكتب المنقولة من ~~لسان إلى لسان فكيف ms630 يجوز لهم أن يتفردوا باعتقاد قول من هذه الأقوال ~~وينصرفوا عما سواه إلا على طريق الشهوة والتخمين والله المستعان ذكر بعض ما ~~يستبشع من أقوالهم ويستدل به على مناقضتهم # من ذلك زعمهم أن الفلك جسم واحد وطبيعة واحدة وأنه شيء واحد وليس باشياء ~~مختلفة ثم زعموا بعد ذلك أن بعضه ذكر وبعضه أنثى ولا دلالة لهم على ذلك ولا ~~برهان ولا وجدنا جسما واحدا في الشاهد بعضه ذكر وبعضه أنثى قلت قد رام بعض ~~المبلسين من فضلائهم تصحيح هذا الهذيان فقال ليس يستحيل أن يكون جسم واحد ~~بعضه أنثى وبعضه ذكر كالرجل مثلا فان العين والأذن واليد والرجل منه مؤنثة ~~والرأس والصلب والصدر والظهر منه ذكر وأيضا فان الجسم مركب من الهيولى ~~والصورة والهيولي مذكرة والصورة مؤنثة وأيضا لما وجد المنجمون الشمس تدل ~~على الآباء والأب ذكر والقمر يدل على الآم وهي أنثى قالوا أن الشمس ذكر ~~والقمر أنثى قالوا وقد قال أرسطو في كتاب الحيوان طمث المرأة يقل في نقصان ~~الشهر وكذلك قال بعض الناس أن القمر أنثى قالوا وأيضا فالشمس إذا كانت ~~قريبا من سمت الرؤس كان الحر واليبس وهما من طبيعة الذكورية والقمر إذا كان ~~يقرب من سمت الرؤس بالليل كان البرد والرطوبة وهما من طبيعة الأنثى فليعجب ~~العاقل اللبيب من هذه الخرافات فأما أعضاء الإنسان الذكور والأنثى فذلك أمر ~~راجع إلى مجرد اللفظ والحاق علامة التأنيث في تصغيره ووصفه وخبره وعود ~~الضمير عليه بلفظ التأنيث وجمعه جمع المؤنث وليس ذلك عائد إلى طبيعة العضو ~~ومزاجه فنظير هذا قول النحاة الشمس مؤنثة للحاق العلامة لها في تصغيرها ~~فنقول شميسة وفي الخبر عنها نحو الشمس طالعة والقمر مذكر لعدم PageV02P154 # لحاق العلامة له في شيء من ذلك فعلى هذا الوجه وقع التذكير والتأنيث في ~~أعضاء الحيوان وأما قسمتكم البروج وأجزاء الفلك إلى مذكر ومؤنث فليست بهذا ~~الاعتبار بل باعتبار الفعل والانفعال والحرارة والرطوبة فتشبيه أحد البابين ~~بالآخر تلبيس وجهل وأما تركب الجسم من الهيولى والصورة فأكثر العقلاء نفوه ~~وقالوا ms631 هو شيء واحد متصل متوارد عليه الاتصال والانفصال كما يتوارد عليه ~~غيرهما من الأغراض فيقبلها ولا يلزم من قبول الاتصال والانفصال أن يكون ~~هناك شيء آخر غير الجسمية يقبل به ذلك والذين قالوا بتركيبه منهما لم يقل ~~أحد منهم أصلا أنه مركب من ذكر وأنثى والصورة مؤنثة في اللفظ لا في الطبيعة ~~واضحكاه على عقولهم السخيفة وأما دلالة الشمس على الأب وهو مذكر ودلالة ~~القمر على الأم وهي أنثى فلو سلمت لكم هذه الدلالة كيف يلزم منها تذكير ~~مادل على الذكر وتأنيث ما يدل على الأنثى وأين الارتباط العقلي بين الدليل ~~والمدلول في ذلك كيف ودلالة الشمس على الأب والقمر على الأم مبنى على تلك ~~الدعاوي الباطلة التي ليس لها مستند إليه إلا خيالات وأوهام لا يرضاها ~~العقلاء # وأما ما حكوه عن ارسطو فنقل محرف ونحن نذكر نصه في الكتاب المذكور فان ~~لنا به نسخة مصححه قد اعتنى بها قال في المقالة الثامنة عشر بعد أن تكلم في ~~علة الاذكار والايناث وذكر قول من قال أن سبب الاذكار حرارة الرحم وسبب ~~الايناث برودته وأبطل هذا بأن الرحم مشتمل على الذكر والأنثى معا في ~~الإنسان وفي كل حيوان يلد قال فقد كان ينبغي على قول هذا القائل أن يكون ~~التوأمان إما ذكرين واما أنثيين وأبطله بوجوه أخر وهذا رأي أنبذ فليس وذكر ~~قول ديمقراطيس أن ذلك ليس لأجل حرارة الرحم وبرودته بل بحسب الماء الذي ~~يخرج من الذكر وطبيعته في الحرارة والبرودة وجعل قوة الاذكار والايناث ~~تابعة لماء الذكر وذكر قول طائفة أخرى أن خروج الماء من الناحية اليمنى من ~~البدن هي علة الاذكار وخروجه من الناحية اليسرى هي علة الايناث قال أن ~~الناحية اليمنى من الجسد أسخن من الناحية اليسرى وأنضج وأدفأ من غيرها ورجع ~~قول ديمقراطيس بالنسبة إلى هذه الآراء ثم قال فقد بينا العلة التي من أجلها ~~يخلق في الرحم ذكر وأنثى والأغراض التي تعرض تشهد لما بينا أن الأحداث ~~يلدون الإناث أكثر من الشباب والمتشيبون يلدون إناثا ms632 أيضا أكثر من الشباب ~~لأن الحرارة التي في الأحداث ليست بتامة بعد الحرارة التي في الشيوخ ناقصة ~~والأجسام الرطبة التي خلقتها شبيهة بخلقة بعض النساء تلد إناثا أكثر ثم قال ~~فإذا كانت الريح شمالا كان الولد ذكرا وإذا كانت جنوبا كان المولود أنثى ~~لأن الأجساد إذا هبت الجنوب كانت رطبة وكذلك يكون الزرع أكثر وكلما كثر ~~الزرع يكون الطبخ غير نضج ولحال هذه العلة يكون زرع الذكرية ويكون دم طمث ~~النساء من قبل الطباع عند خروجه أرطب أيضا قلت ومراده بالزرع الماء الذي ~~يكون من PageV02P155 # الرجال قال ولحال هذه العلة يكون طمث النساء من قبل الطباع في نقص الأهلة ~~أكثر لأن تلك الأيام أبرد من سائر ايام الشهر وهي أرطب أيضا لنقص الأهلة ~~وقلة الحرارة والشمس تصير الصيف والشتاء في كل سنة فأما القمر فيفعل ذلك في ~~كل شهر فتأمل كلام الرجل فأنه لم يتعرض لكون القمر ذكر ولا أنثى ولا أحال ~~على ذلك وانما أحال على الأمور الطبيعية في الكائنات الفاسدات وبين تأثير ~~النيرين في الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة وجعل لذلك تأثيرا في ~~الاذكار والايناث لا للنجوم والطوالع ومع أن كلامه أقرب إلى العقول من كلام ~~المنجمين فهو باطل من وجوه كثيرة معلومة بالحس والعقل وأخبار الأنبياء فان ~~الاذكار والايناث لا يقوم عليه دليل ولا يستند إلى أمر طبيعي وانما هو مجرد ~~مشيئة الخالق البارئ المصور الذي يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ~~ويزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما انه عليم قدير الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى وكذا هو قرين الأجل والرزق والسعادة والشقاوة حيث يستأذن الملك ~~الموكل بالمولود ربه وخالقه فيقول يا رب أذكر أم أنثى سعيد أم شقي فما ~~الرزق فما الأجل فيقضى الله ما يشاء ويكتب الملك # ولاستقصاء الكلام في هذه المسألة موضع هو أليق بها من هذا وقد أشبعنا ~~الكلام فيها في كتاب الروح والنفس وأحوالها وشقاوتها وسعادتها ومقرها بعد ~~الموت والمقصود الكلام على أقوال الأحكاميين من أصحاب النجوم وبيان ms633 تهافتها ~~وأنها إلى المحالات والتخيلات أقرب منها إلى العلوم والحقائق وأما قول ~~المنتصر لكم أن الشمس إذا كانت مسامتة الرؤوس كان الحر واليبس وهما من ~~طبيعة الذكور وإذا كان القمر مسامة للرؤس كان البرد والرطوبة وهما من طبيعة ~~الإناث فيقال هذا لا يدل على تأنيث القمر وتذكير الشمس بوجه من الوجوه فان ~~البرد والرطوبة يكونان أيضا بسبب بعد الشمس من المسامتة وميلها عن الرءوس ~~وحصولها في البروج الشمالية سواء كان القمر مسامتا أو غير مسامت فينبغي على ~~قولكم أن يكون سبب هذا البرد أنثى وهذا لا يقوله عاقل بل الأسباب طبيعية من ~~برد الهواء وتكاثفه وتأثير الشمس في تحليل الأبخرة التي تكون منها الحرارة ~~بسبب بعدها عن الرؤس وليس سبب ذلك أنثى اقتضته وفعلته فقد جمعتم إلى جهلكم ~~بالطبيعة والكذب على الخلقة القول الباطل على الله وعلى خلقه وليس العجب ~~إلا ممن يدعى شيئا من العقل والمعرفة كيف ينقاد له عقله بالإصغاء إلى ~~محالاتكم وهذاياناتكم ولكن كل مجهول مهيب ولما تكايس من تكايس منكم في أمر ~~الهيولي وزعم أنها أنثى وان الصورة ذكر وان الجسم الواحد مشتمل على الذكر ~~والأنثى أضحك عقلاء الفلاسفة عليه فان زعيمهم ومعلمهم الأول قد نص في كتاب ~~الحيوان له على أن الهيولى في الجسم كالذكر وان قلتم فهذا يشهد لقولنا أيضا ~~لأنها أن كانت عنده كالذكر فالصورة أنثى فصار الجسم الواحد بعضه ذكر وبعضه ~~أنثى قلنا القائلون PageV02P156 # بتركب الأجسام من الهيولى والصورة لم يقولوا أن أحدهما متميز عن الآخر ~~كما زعمتم ذلك في أجزاء الفلك بل عندهم الهيولي والصورة قد اتحدا وصارا ~~شيئا واحدا فالإشارة الحسية إلى أحدهما هي بعينها إشارة إلى الآخر وأنتم ~~جعلتم الجزء المذكر من القلب مباينا للجزء الأنثى منه بالوضع والحقيقة ~~والإشارة إلى أحدهما غير الإشارة إلى آخر وللكلام مع أصحاب الهيولي مقام ~~آخر ليس هذا موضعه فان دعوى تركب الجسم منهما دعوى فاسدة من وجوه كثيرة ~~وليس يصح شيء منه غير الهيولي الصناعية كالخشب للسرير والطبيعية كالمني ~~للمولود وهي المادة ms634 الصناعية والطبيعية وما سوى ذلك فخيال ومحال والله ~~المستعان عدنا إلى كلام صاحب الرسالة قال ومن ذلك زعمهم انه أن اتفق مولود ~~ابن ملك وان حجام في البلد والوقت والطالع والدرجة وكانت سائر دلالات ~~السعادة موجودة في مولديهما وجب أن يكون من ابن الملك ملك جليل سائس مدبر ~~ومن ابن الحجام حجام حاذق وهذا يخرج النجوم عن أن تكون تدل على ما يتحدد من ~~حال الإنسان ويجعلها تدل على حذقه وصناعة أبيه وتقصيره فيها قلت ومما يوضح ~~فساد قولهم في ذلك أن بطليموس جعل الكواكب الدالة على الصناعات ثلاثة ~~المريخ والزهرة وعطارد وقال لأن الصناعات العملية تحتاج إلى ثلاثة أشياء ~~ضرورية أحدها المعرفة والثاني الآلة والثالث الطاقة في الكف ليخرج المعلول ~~المصنوع حسنا والآلة للمريخ التي يشير إليها يكون على الأكثر إما حديد واما ~~مصاحبة للحديد ولذلك يقولون صورته صورة شاب بيمناه سيف مسلول وبيسراه رأس ~~سنان وهو راكب أسدا وثيابه حمر تلهب وآخرون منهم يقولون على رأسه بيضة ~~وبيسراه طبرزين وعليه خرقة حمراء وهو راكب فرسا أشهب والمعرفة لعطارد ولذلك ~~يقولون صورته صورة شاب بيمناه حبة وبيسراه لوح يقرأه وعلى رأسه تاج وثبابه ~~ملوثة بالتزاويق والنقوش وما شاكل ذلك للزهرة ولذلك يقولون صورتها صورة ~~امرأة حسنة بين يديها مدق تضرب به وهي راكبة على جمل ومنهم من يقول امرأة ~~جالسة مرخاة الشعر ذوائبها بيسراها وباليمنى مرآة تنظر فيها نظيفة الثوب ~~وعليها طوق واسورة وخلاخل وأما الشمس والقمر فهما الدالان على الملك فالشمس ~~صورتها صورة رجل بيده اليمنى عصا يتوكأ عليها وباليسرى جزر راكب عجلة تجرها ~~أربعة نمور ومنهم من يقول صورتها صورة رجل جالس قابض على أربعة أعنة أفراس ~~ووجهه كالطبق يلتهب نارا قالوا ودلائل الملك ليست بأعيانها هي دلائل ~~الصناعات ودلائل الصناعات هي دلالات الملك بل قد يجوز أن يدل على رياسة ما ~~إلا أن الملك أخص من الرياسة ولكل واحد من الكواكب على الإطلاق دلالة على ~~رياسة ما في معنى من المعاني فيقال أرأيتم أن حصلت أدلة ms635 الملك في طالع ~~مولود ليس من الملك في شيء بل أكثر المولودين لا ينالون الملك البتة ~~PageV02P157 # وانما يناله واحد من الناس ولا يلزم أن يكون في آبائه ملك ولا يكون ابن ~~ملك فما بال طالع الملك المشترك بين عدة أولاد خص هذا وحده حتى أن أكثركم ~~ينظر بنص بطليموس إلى جنس المولود وما يصلح له فيحكم على ابن الملك بالملك ~~وعلى ابن الحجام بالحجامة فان كان طالعهما واحدا حكم بتقدم ابن الحجام في ~~رياسة صناعته وكونه كملكهم ومعلوم أن الحس والوجود أكبر المكذبين لكم في ~~هذه الحكام فما كثر من نال الملك وليس هو من أبناء الملوك البتة ولا كان ~~طالعه يقتضي ذلك وحرمه من يقتضيه طالعه بزعمكم ممن أبوه ملك وكذلك الكلام ~~في غير الملك من الطالع الذي يقتضي كون المولود حكيما عالما أو حاذقا في ~~صناعته كم قد أخلف وحصل العلم والحكمة والتقدم في الصناعة لغير أرباب ذلك ~~الطالع وفي ذلك أبين تكذيب لكم وابطال لقولكم والله المستعان قال صاحب ~~الرسالة وأبعد من ذلك قولهم أن الكواكب المتحيرة أجل من الثوابت وأبين ~~تأثيرا في العالم وان كل واحد من الكواكب الثابتة يفعل فعلا واحدا لا يزول ~~عنه من غير أن ينحس أو يسعد وان عطارد هو من الكواكب المتحيرة ليس له طبع ~~يعرف وأنه نحس إذا قارن النحوس وسعد إذا قارن السعود ومن ذلك قولهم أن قوة ~~القمر الترطيب وان العلة في ذلك قرب فلكه من الأرض وقبوله البخارات الرطبة ~~التي ترتفع إليه منها وان قوة زحل أن يبرد ويجفف تجفيفا يسيرا وان علة ذلك ~~بعده عن حرارة الشمس وعن البخارات الرطبة التي ترتفع من الأرض وان قوة ~~المريخ مجففة محرقة لمشاكلة لونه للون النار ولقربه من الشمس لأن الكرة ~~التي فيها الشمس موضوعة تحته قلت فليتأمل العاقل ما في هذا الكلام من ضروب ~~المحال وما للفلك ووصول البخارات الأرضية إليه وهل في قوة البخارات تصاعدها ~~إلى سطح الفلك مع البعد المفرط والبخار إذا ارتفع فغاية ارتفاعه كارتفاع ms636 ~~السحاب لا يتعداه وهل تتأثر العلويات بطبائع السفليات وتتكيف بكيفياتها ~~وتنفعل عنها # ومما يدل على فساد ذلك أيضا أن القمر لو كان مترطبا من البخارات وجب أن ~~تزداد رطوبته في كل يوم لأنه دائم القبول للبخارات ولا يقولون ذلك وان ~~التزامه منهم مكابر وقال كل يوم يزداد رطوبة # قلت له فما تنكر أن تكون دلالة زحل والمريخ على النحوس تتزايد وتكون ~~دلالته على النحوس في اليوم أكثر من دلالته في الأمس ولو فتح عليكم هذا ~~الباب فلعل السعد ينقلب نحسا وبالعكس وهذا يرفع الأمان عن أصول هذا العلم # وأيضا فإذا جوزتم انفعال الفلكيات عن أجزاء هذا العالم السفلي لزمكم ~~تجويز فساد هذه الكواكب من هذه الأجرام العنصرية ولزمكم تجويز أن ترتفع إلى ~~القمر من الأدخنة ما يوجب جفافه وبلوغه في اليبس الغاية وأيضا فاذا جوزتم ~~ذلك فلم لا تجوزون نفوذ تلك البخارات إلى ما ورا PageV02P158 # فلك القمر حتى يترطب فلك الأفلاك فان قلتم فلك القمر عائق عن ذلك # قلنا وكرة الأثر حائلة بين عالمنا هذا وبين فلك القمر فكيف جوزتم وصول ~~البخارات الأرضية إلى فلك القمر وفي مشابهة لون المريخ للون النار مما ~~يقتضي تأثيره الإحراق والتجفيف وهل في الهذيان أعجب من هذا فان أرادوا ~~النار البسيطة فإنها لا لون لها وان أرادوا النار الحادثة فهي بحسب مادتها ~~التي توجب حمرتها وصفرتها وبياضها وأما كون الشمس تحته فهذا لا يقتضي ~~تأثيرها فيه واعطاؤه قوة التجفيف والاحراق فإن الشمس لو أثرت فيه ذلك واعطه ~~إياه لكانت الشمس بهذا التأثير والإعطاء للزهرة أولى لأن كرتها فوق كرة ~~الزهرة ونسبتها إلى كرة الزهرة كنسبتها إلى كرة المريخ فهلا كانت قوة ~~الزهرة التجفيف والإحراق بل تأثير الشمس فيما تحتها أولى من تأثيرها فيما ~~فوقها قال صاحب الرسالة وان الكواكب الثابتة التي في الدب الأكبر قوتها ~~كقوة المريخ وهذا غلط عظيم لأن لون هذه الكواكب غير مشبه للون النار وليست ~~الكرة التي فيها الشمس موضوعة تحتها بل الكرة التي فيها زحل موضوعة تحتها ~~فهي بأن ms637 يكون حالها مشبها لحال زحل أولى لأنها فوقه وبعدها عن الشمس وعن ~~حرارات الأرض أكثر من بعده قلت والعجب من هؤلاء يعلمون قول مقدمهم بطليموس ~~أن طبائع الأجرام السماوية واحدة ثم يحكمون على بعضها بالحرارة وعلى بعضها ~~بالبرودة وكذلك بالرطوبة واليبوسة قال وزعموا أن عطارد معتدل في التجفيف ~~والترطيب لأنه لا يبعد في وقت من الأوقات عن حر الشمس بعدا كثيرا ولا وضعه ~~فوق كرة القمر وان الكواكب الثابتة التي في الجاني حالها شبيهة بحاله وليس ~~يوجد لها من السببين اللذين دلا على طبيعة عطارد شيئا بل الدور يوجد لها ضد ~~ذلك وهو أنها بعيدة من الشمس في أكثر الأوقات وان فلكها أبعد أفلاك الكواكب ~~من كرة القمر وقالوا أن الكواكب التي من النعاد 1 تشبه حال عطارد وزحل في ~~بعض الأوقات وتشبه حال المشتري والمريخ في بعضها # قلت وقد استدل فضلاؤكم على اختلاف طبائع الكواكب باختلاف ألوانها فقالوا ~~زحل لونه الغبرة والكمودة فحكمنا بأنه على طبع السوداء وهو البرد واليبس ~~فان السوداء لها من الألوان الغبرة وأما المريخ فانه يشبه لونه لون النار ~~فلا جرم قلنا طبعه حار يابس وأما الشمس فهي حارة يابسة لوجهين : أحدهما أن ~~لونها يشبه لون الحمرة الثاني أنا نعلم بالتدبير أنها مسخة للأجسام منشفة ~~للرطوبات وأما الزهرة فانا نرى لونها كالمركب من البياض والصفرة ثم أن ~~البياض يدل على طبيعة البلغم الذي هو البرد والرطوبة والصفرة تدل على ~~الحرارة ولما كان بياض الزهرة أكثر من صفرتها حكمنا عليها بأن بردها ~~ورطوبتها أكثر وأما المشتري فلما PageV02P159 # كانت صفرته أكثر مما في الزهرة كانت سخونته أكثر من سخونته الزهرة وكان ~~في غاية الاعتدال وأما القمر فهو أبيض وفيه كمودة فبياضه يدل على البرد ~~وأما عطارد فانا نرى عليه اللوان مختلفة فربما رأيناه أخضر وربما رأيناه ~~أغبر وربما رأيناه على خلاف هذين اللونين وذلك في أوقات مختلفة مع كونه من ~~الأفق على ارتفاع واحد فلا جرم قلنا انه لكونه قابلا للألوان المختلفة يجب ~~أن يكون له طبائع ms638 مختلفة إلا أنا لما وجدنا في الغالب عليه الغبرة الأرضية ~~قلنا طبيعته أميل إلى الأرض واليبس وهذا التقرير باطل من وجوه عديدة # أحدها أن المشاركة في بعض الصفات لا تقتضي المشاركة في الماهية والطبيعة ~~ولا في صفة أخرى # الوجه الثاني أن الدلالة بمجرد اللون على الطبيعة ضعيفة جدا فان النورة ~~والنوشادر والزرنيخ والزئبق المصعد والكبريت في غاية البياض مع أن طبائعها ~~في غاية الحرارة الثالث أن ألوان الكواكب ليست كما ذكرتم فزحل رصاصي اللون ~~وهذا مخالف للغبرة والسواد الخالص وأما المشتري فلا بد أن بياضه أكثر من ~~صفرته فيلزم على قولكم أن برده أكثر من حره وهم ينكرون ذلك وأما الزهرة فلا ~~صفرة فيها البتة بل الزرقة ظاهرة في أمرها فيلزم أن تكون خالصة البرد وأما ~~المريخ فان كان حره لشبهه بالنار في لونه فهذه المشابهة في الشمس والنار ~~أتم فيلزم أن تكون حرارة الشمس وسخونتها أقوى من حرارة المريخ وهم لا ~~يقولون ذلك وأما عطارد فانا وان رأيناه مختلف اللون في الأوقات المختلفة ~~إلا أن السبب فيه أنا لا نراه إلا إذا كان قريبا من الأفق وحينئذ يكون ~~بيننا وبينه بخارات مختلفة فلا جرم أن اختلف لونه لهذا السبب وأما القمر ~~فقد قال زعيمكم المؤخر أبو معشر أنه لا ينسب لونه إلى البياض إلا من عدم ~~الحس البصري فتبين بطلان قولكم في طبائع الكواكب وتناقضه واختلافه ولما علم ~~بعض فضلائكم فساد قولكم في طبائع الكواكب وان العقل يشهد بتكذيبه صدف عنه ~~وأنكره وقال إنما نشير بهذه القوى والطبائع إلى ما يحدث عن كل واحد من ~~الأجرام السماوية وينفعل بها من الكائنات الفاسدات لا أنها بطبائعها تفعل ~~ذلك بل يحدث عنها ما يكون حارا أو باردا أو رطبا أو يابسا كما يقال أن ~~الحركة تسخن والصوم يجفف لا على أنها تفعل ذلك بطبائعها بل بما يحدث عنها ~~فبطليموس قال أن القمر مرطب والشمس تسخن بحسب ما يحدث عنهما وتنفعل ~~المنفعلات بتلك القوى لا بأن طبائعها مكيفات فقال نحن لم ننازعكم ms639 في تأثير ~~الشمس والقمر في هذا العالم بالرطوبة والبرودة واليبوسة وتوابعها وتأثيرها ~~في أبدان الحيوان والنبات ولكن هما جزء من السبب المؤثر وليسا بمؤثر تام ~~فان تأثير الشمس مثلا إنما كان بواسطة الهواء وقبوله للسخونة والحرارة ~~بانعكاس شعاع الشمس عليه عند مقابلتها لجرم الأرض ويختلف هذا القبول عند ~~قرب الشمس من الأرض وبعدها PageV02P160 # فيختلف حال الهواء وأحول الأبخرة في تكاثفها وبرودتها وتلطفها وحرارتها ~~فتختلف التأثيرات باختلاف هذه الأسباب والسبب جزء الشمس في ذلك والأرض جزء ~~والمقابلة الموجبة لانعكاس الأشعة جزء والمحل القابل للتأثير والانفعال جزء ~~ونحن لا ننكر أن قوة البرد بسبب بعد الشمس عن سمت رؤسنا وقوة الحر بسبب قرب ~~الشمس من سمت رؤسنا ولا ننكر أن الشمس إذا طلت فإن الحيوان ناطقة وبهيمة ~~يخرج من مكامنه وأكنته وتظهر القوة والحركة فيهم ثم مادامت الشمس صاعدة في ~~الربع الشرقي فحركات الحيوان في الازدياد والقوة والاستكمال قإذا مالت ~~الشمس عن وسط السماء أخذت حركات الحيوان وقواهم في الضعف وتستمر هذه الحال ~~إلى غروب الشمس ثم كلما ازداد نور الشمس عن هذا العالم بعدا ازداد الضعف ~~والفتور في حركة الحيوان وهدأت الأجساد ورجعت الحيوانات إلى مكامنها فإذا ~~طلعت الشمس رجعوا إلى الحالة الأولى ولا ننكر أيضا ارتباط فصول العالم ~~الأربعة بحركات الشمس وحلولها في أبراجها ولا ننكر أن السودان لما كان ~~مسكنهم خط الاستواء إلى محاذاة ممر رأس السرطان وكانت الشمس تمر على رؤسهم ~~في السنة إما مرة وإما مرتين تسودت أبدانهم وجعدت شعورهم وقلت رطوبانهم ~~فساءت أخلاقهم وضعفت عقولهم وأما الذين مساكنهم أقرب إلى محاذاة ممر ~~السرطان فالسواد فيهم أقل وطبائعهم أعدل وأخلاقهم أحسن وأجسامهم الطف كأهل ~~الهند واليمن وبعض أهل الغرب وعكس هؤلاء الذين مساكنهم على ممر رأس السرطان ~~إلى محاذاة بنات نعش الكبرى فهؤلاء لأجل أن الشمس لا تسامت رؤسهم ولا تبعد ~~عنهم أيضا بعدا كثيرا لم يعرض لهم حر شديد ولا برد شديد قالوا إنهم متوسطة ~~وأجسامهم معتدلة وأخلاقهم فاضلة كأهل الشام والعراق وخراسان وفارس والصين ~~ثم ms640 من كان من هؤلاء أميل إلى ناحية الجنوب كان أتم في الذكاء والفهم ومن ~~كان منهم يميل إلى ناحية الشرق فهم أقوى نفوسا وأشد ذكورة ومن كان يميل إلى ~~ناحية الغرب غلب عليه اللين والرزانة ومن تأمل هذا حق التأمل وسافر بفكره ~~في أقطار العالم علم حكمة الله في نشره مذهب أهل العراق وما فيه من اللين ~~وما شاكله كله في أهل المشرق ومذهب أهل المدنية وما فيه من الشدة والقوة في ~~أهل المغرب وأما من كانت مساكنهم محاذية لبنات نعش وهم الصقالبة والروم ~~فإنهم لكثرة بعدهم عن مسامتة الشمس صار البرد غالبا عليهم والرطوبة الفضلية ~~فيهم لأنه ليس من الحرارة هناك ما ينشفها وينضجها فلذلك صارت ألوانهم بيضاء ~~وشعورهم سبطة شقراء وأبدانهم رخصة وطبائعهم مائلة إلى البرودة وأذهانهم ~~جامدة وكل واحد من هذين الطرفين وهما الأقليم الأول والسابع يقل فيه ~~العمران وينقطع بعضه عن بعض لأجل غلبة اليبس ثم لاتزال العمارة تزداد في ~~الإقليم PageV02P161 # الثاني والسادس والخامس ويقل الخراب فيها وأما الإقليم الرابع فإنه أكثر ~~الأقاليم عمارة وأقلها خرابا بالفصل الوسط على الأطراف بسبب اعتدال المزاج ~~وهو الذي انتشرت فيه دعوة الإسلام وضرب الدين بجرانة فيه وظهر فيه أعظم من ~~ظهوره في سائر الأقاليم ولهذا قال النبي زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ~~ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي مازوى لي منها فكان انتشار دعوته في أعدل الأرض ~~ولذلك انتشرت شرقا وغربا أكثر من انتشارها جنوبا وشمالا ولهذا زويت له فأرى ~~مشارقها ومغاربها وبشر أمته بانتشار مملكتها في هذين الربعين فإنهما أعدل ~~الأرض وأهلها أكمل الناس خلقا وخلقا فظهر الكمال له في الكتاب والدين ~~والأصحاب والشريعة والبلاد والممالك صلوات الله وسلامه عليه فإن قيل فقد ~~فضلتم الإقليم الرابع على سائر الأقاليم مع أن شيئا من الأدوية لا تتولد ~~فيه الأدواء ضعيفا وإنما تتكون الأدوية في سائر الأقاليم قيل هذا من أدل ~~الدلائل على فضله عليها لأن طبيعة الدواء لا تكون معتدلة إذ لو حصل فيها ~~الاعتدال لكان غذاء لا دواء والطبيعة الخارجة ms641 عن الاعتدال لا تحدث إلا في ~~المساكن الخارجة عن الاعتدال وكذلك حال الشمس في المواضع التي تسامتها ~~فموضع حضيضها وغابة قربها من الأرض في البراري الجنوبية تكون تلك الأماكن ~~محترقة نارية لا يتكون فيها حيوان البتة ولذلك والله أعلم كان أكثر البخار ~~من الجانب الجنوبي دون الشمالي لأن الشمس إذا كانت في حضيضها كانت أقرب إلى ~~الأرض وإذا كانت في أوجها كانت أبعد وعند قربها من الأرض يعظم تسخينها ~~والسخونة جاذبة للرطوبات وإذا انجذبت الرطوبات إلى الجانب الجنوبي انكشف ~~الجانب الشمالي ضرورة وصار مستقرا للحيوان الأرضي والجنوبي أعظم الجانبين ~~رطوبة وأكثرها مياها ومقرا للحيوان المائي وأما المواضع المسامتة لأوج ~~الشمس في الشمال فهي غير محترقة بل معتدلة لبعد الشمس من الأرض وسبب ~~التفاوت القليل الحاصل بين أقرب قرب الشمس من الأرض وأبعد بعدها منها صار ~~الجنوبي محترقا والجانب الشمالي معتدلا فلو كانت الشمس حاصلة في فلك ~~الكواكب لفسد هذا العالم من شدة البرد ولو فرضنا أنها انحدرت إلى فلك القمر ~~لأحرقت هذا العالم فاقتضت حكمة العزيز العليم الحكيم أن وضع الشمس وسط ~~الكواكب السبعة وجعل حركتها المعتدلة وقربها المعتدل سببا لاعتدال هذا ~~العالم وجعل قربها وبعدها وارتفاعها وانخفاضها سببا لفصوله التي هي نظام ~~مصالحة فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين وأهل الإقليم الأول لأجل ~~قربهم من الموضع المحازى لحضيض الشمس كانت سخونة هوائهم شديدة ولا جرم ~~كانوا أشد سواءا من مكان خط الاستواء وأهل الإقليم الثاني سخونة هوائهم ~~ألطف فكانوا سمر الألوان والإقليم الثالث والرابع أعدل الأقاليم مزاجا بسبب ~~اعتدال الهواء بسبب تعديل ارتفاع الشمس لا تكون في PageV02P162 # بعدها عن الأرض فههنا وإن حصلت مسامتة مفيدة لمزيد السخونة لكن حصل أيضا ~~البعد المقلل للسخونة فحصل الاعتدال من بعض الوجوه وفي الجانب الجنوبي وإن ~~حصل مزيد القرب من الأرض لكن لم يحصل هناك مسامتة للمساكن المعمورة لخط ~~الاعتدال في الجانبين بهذه الطريق وصار أهل الإقليم الثالث والرابع أفضل ~~الناس صورا وأخلاقا وأما الإقليم الخامس فإن سخونة الهواء هناك اقل من ~~الاعتدال ms642 بمقدار يسير فلا جرم صار في جزء البرد وصارت طبائع أهله أقل نضجا ~~من طبائع أهل الإقليم الرابع إلا أن بعدهم عن الاعتدال قليل وأما أهل ~~الإقليم السادس والسابع فإن أهلها محرورون ولغلبة البرد والرطوبة عليهم ~~يشتد بياض ألوانهم وزرقة عيونهم وأما المواضع التي تقرب من أن يكون الخط ~~فيها فوق الرأس فهناك لا يصل تسخين الشمس إليها فلا جرم عظم البرد فيها ولم ~~يكن هناك حيوان البتة وهذا كله يدل على أن الشمس جزء السبب وأن الهواء جزء ~~السبب والأرض جزء وانعكاس الشعاع جزء وقبول المنفعلات جزء مجموع ذلك سبب ~~واحد قدرة العليم القدير وأجرى عليه نظام العالم وقدر سبحانه أشياء أخر لا ~~يعرفها هؤلاء الجهال ولا عندهم منها خبر من تدبير الملائكة وحركاتهم وطاعة ~~استقصات العالم ومواده لهم وتصريفهم تلك المواد بحسب ما رسم لهم من التقدير ~~الإلهي والأمر الرباني ثم قدر تعالى أشياء آخر تمانع هذه الأسباب عند ~~التصادم وتدافعها وتقهر موجبها ومقتضاها ليظهر عليها اثر القهر والتسخير ~~والعبودية وأنها مصرفة مدبرة بتصريف قاهر قادر كيف يشاء ليدل عباده على أنه ~~هو وحده الفعال لما يريد لخلقه كيف يشاء وأن كل ما في المملكة الإلهية طوع ~~قدرته وتحت مشيئته وأنه ليس شيء يستقل وحده بالفعل إلا الله وكل ما سواه لا ~~يفعل شيئا إلا بمشارك ومعاون وله ما يعاوقه ويمانعه ويسلبه تأثيره فتارة ~~يسلب سبحانه النار إحراقها ويجعلها بردا كما جعلها على خليله بردا وسلاما ~~وتارة يمسك بين أجزاء الماء فلا يتلاقى كما فعل بالبحر لموسى وقومه وتارة ~~يشق الأجرام السماوية كما شق القمر لخاتم أنبيائه ورسله وفتح السماء لمصعده ~~وعروجه وتارة يقلب الجماد حيوانا كما قلب عصا موسى ثعبانا وتارة يغير هذا ~~النظام ويطلع الشمس من مغربها كما أخبر به أصدق خلقه عنه فإذا أتى الوقت ~~المعلوم فشق السموات وفطرها ونثر الكواكب على وجه الأرض ونسف جبال العالم ~~ودكها مع الأرض وكور شمس العالم وقمره ورأى ذلك الخلائق عيانا ظهر للخلائق ~~كلهم صدقه وصدق رسله وعموم ms643 قدرته وكمالها وأن العالم بأسره منقاد لمشيئته ~~طوع قدرته لا يستعصي عليه انفعاله لما يشاؤه ويريده منه وعلم الذين كفروا ~~وكذبوا رسله من الفلاسفة والمنجمين والمشركين والسفهاء الذين سموا أنفسهم ~~الحكماء أنهم كانوا كاذبين # واجتمع جماعة من الكبراء والفضلاء يوما فقرأ قارىء @QB@ إذا الشمس كورت ~~وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال @QE@ PageV02P163 سيرت حتى بلغ علمت نفس ما ~~أحضرت وفي الجماعة أبو الوفاء ين عقيل فقال له قائل يا سيدي هب أنه أنشر ~~الموتى للبعث والحساب وزوج النفوس بقرنائها للثواب والعقاب فما الحكمة في ~~هدم الأبنية وتسيير الجبال ودك الأرض وفطر السماء ونثر النجوم وتخريب هذا ~~العالم وتكوير شمسه وخسف قمره فقال ابن عقيل على البديهة إنما بني لهم هذه ~~الدار للسكنى والتمتع وجعلها وما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه ~~بحسن التأمل والتذكر فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم عن الدار وخربها ~~لانتقال الساكن منها فأراد أن يعلمهم بأن في أحالة الأحوال وإظهار تلك ~~الأهوال وإبداء ذلك الصنع العظيم بيانا لكمال قدرته ونهاية حكمته وعظمة ربو ~~بيته وعرا جلاله وعظم شأنه وتكذيبا لأهل الإلحاد وزنادقة المنجمين وعباد ~~الكواكب والشمس والقمر والأوثان ليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فإذا ~~رأوا أن منار آلهتهم قد انهدم وأن معبوداتهم قد انتثرت والأفلاك التي زعموا ~~أنها وما حوته هي الأرباب المستولية على هذا العالم قد تشققت وانفطرت ظهرت ~~حينئذ فضائحهم وتبين كذبهم وظهر أن العالم مربوب محدث مدبر له رب يصرفه كيف ~~يشاء تكذيبا لملاحده الفلاسفة القائلين بقدمه فكم لله من حكمة في هدم هذه ~~الدار ودلالة على عظيم قدرته وعزته وسلطانه وانفراده بالربوبية وانقياد ~~المخلوقات بأسرها لقهره وإذعانها لمشيئته فتبارك الله رب العالمين ونحن لا ~~ننكر ولا ندفع أن الزرع والنبات لا ينمو ولا ينشأ إلا في المواضع التي تطلع ~~عليها الشمس ونحن نعلم أيضا أن وجود بعض النبات في بعض البلاد لا سبب له ~~الإختلاف البلدان في الحر والبرد الذي سببه حركة الشمس وتقاربها في قربها ~~وبعدها من ذلك البلد وأيضا فأن النخل ينبت في ms644 البلاد الحارة ولا ينبت في ~~البلاد الباردة وشجر الموز لا ينبت في البلاد الباردة وكذلك ينبت في البلاد ~~الجنوبية أشجار وفواكه وحشائش لا يعرف شيء منها في جانب الشمال وبالعكس ~~وكذلك الحيوانات يختلف تكونها بحسب اختلاف حرارة البلاد وبرودتها فإن النسر ~~والفيل يكونان بأرض الهند ولا يكونان في سائر الأقاليم التي هي دونها في ~~الحرارة وكذلك غزال المسك والكركند وغير ذلك وكذلك لا ندفع تأثير القمر في ~~وقت امتلائه في الرطوبات حتى في جزر البحار ومدها فإن منها ما يأخذ في ~~الازدياد من حين يفارق القمر الشمس إلى وقت الامتلاء ثم إنه يأخذ في ~~الانتقاص ولا يزال نقصانه يستمر بحسب نقصان القمر حتى ينتهي إلى غاية ~~نقصانه عند حصول المحاق ومن البحار ما يحصل فيه المد والجزر في كل يوم ~~وليلة مع طلوع القمر وغروبه وذلك موجود في بحر فارس وبحر الهند وكذلك بحر ~~الصين وكيفيته أنه إذا بلغ القمر مشرقا من مشارق البحر ابتدأ البحر بالمد ~~ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمر إلى وسط سماء ذلك PageV02P164 المواضع ~~فعند ذلك ينتهي منتهاه فإذا زال القمر من مغرب ذلك الموضع ابتدأ المد من ~~تحت الأرض ولا يزال زائدا إلى أن يصل القمر إلى وتد الأرض فحينئذ ينتهي ~~المد منتهاهمنتهاه ثم يبتديء الجزر ثانيا ويرجع الماء كما كان وسكان البحر ~~كلما رأوا في البحر انتفاخا وهيجان رياح عاصفة وأمواج شديدة علموا أنه ~~ابتدأ المد فإذا ذهب الانتفاخ وقلت الأمواج والرياح علموا أنه وقت الجزر ~~وأما أصحاب الشطوط والسواحل فانهم يجدون عندهم في وقت المد للماء حركة من ~~أسفله إلى أعلاه فإذا رجع الماء ونزل فذلك وقت الجزر وكذلك أيام بحرانات ~~الأمراض بحسب زيادة القمر ونقصانه منطبقة عليها وكذلك الأخلاط التي في بدن ~~الإنسان مادام القمر آخذا في الزيادة فإنها تكون أزيد ويكون ظاهر البدن ~~أكثر رطوبة وحسنا فإذا نقص ضوء القمر صارت الأخلاط في غور البدن والعروق ~~وأزداد ظاهر البدن يبسا وكذلك ألبان الحيوانات تتزايد من أول الشهر إلى ~~نصفه فإذا ms645 أخذ القمر في النقصان نقصت غزارتها وكذلك أدمغة الحيوانات في أول ~~الشهر أزيد منها في نصفه الأخير وإن حدث في أجواف الطيور بيض في النصف ~~الأول من الشهر كان بياضه أكثر من بياض الحادث في نصفه الثاني وكذلك ~~الإنسان إذا نام أو قعد في ضوء القمر حدث في بدنه الاسترخاء والكسل وهاج ~~عليه الزكام والصداع وإذا وضعت لحوم الحيوانات مكشوفة تحت ضوء القمر تغيرت ~~طعومها وتعفنت وكذلك السمك في البحار والآجام الجارية توجد من أول الشهر ~~إلى وقت الامتلاء أكثر وخروجها من قعور البحار والآجام أظهر ومن بعد ~~الامتلاء إلى الاجتماع فإنها تدخل قعور البحار والآجام الذي يظهر من سمين ~~السمك فالنصف الأول أكثر من الذي يظهر في الثاني منه وكذلك حرشة الأرض يكون ~~خروجها من إجحرتها في النصف الأول من الشهر أكثر من خروجها في النصف الثاني ~~وأصحاب الغراس يزعمون أن الأشجار والغروس إذا غرست والقمر زائد الضوء كان ~~نشؤها وكمالها وإسراعها في النبات أحمد من التي تغرس في محاقة وذهاب نوره ~~وكذلك تكون الرياحين والبقول والأعشاب من الاجتماع إلى الامتلاء أزيد نشوا ~~وأكثر نموا وفي النصف الثاني بالضد من ذلك وكذلك القثاء والقرع والخيار ~~والبطيخ ينمو نموا بالغا عند ازدياد الضوء وأما في وسط الشهر عند حصول ~~الإمتلاء فهناك يعظم النمو حتى يظهر التفاوت للحس في الليلة الواحدة وكذلك ~~الينابيع تزداد في النصف الأول من الشهر وتنقص في النصف الثاني إلى غير ذلك ~~من الوجوه التي تؤثر فيها الشمس والقمر في هذا العالم فنحن لم ندفعكم عن ~~هذه التأثيرات وإضعافها إنما الذي أنكره عليكم العقلاء من أهل الملل وغيرهم ~~أن جملة الحوادث في هذا العالم خيرها وشرها وصلاحها وفسادها وجميع أشخاصه ~~وأنواعه وصوره وقواه ومدد بقاء أشخاصه وجميع أحوالها العارضة لها وتكون ~~الجنين ومدة لبثه في بطن أمه وخروجه إلى الدنيا PageV02P165 وعمره ورزقه ~~وشقاوته وسعادته وحسنه وقبحه وأخلاقه وحذقه وبلادته وجهله وعلمه بل ونزول ~~الأمطار واختلاف أنواع الشجر والنبات في الشكل واللون والطعوم والروائح ~~والمقادير بل انقسام الحيوان ms646 إلى الطير وأصنافه والبحري وأنواعه والبرى ~~وأقسامه وأشكال هذه الحيوانات واختلاف صورها وأنواعها وأفعالها وأخلاقها ~~ومنافعها بل وتكون المعادن المنطبعة كالحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضة ~~بل وغير المنطبعة كالملح والقارو والزرنيخ والنفط والزئبق بل العداوة ~~الواقعة بين الذئاب والغنم والحيات والسباع وبني آدم والصداقة والعداوة بين ~~أفراد النوع الواحد سيما بين ذكوره وإناثه وبالجملة فالأرزاق والآجال والعز ~~والذل والرفعة والخفض والغناء والفقر والغناء والفقر والإحياء والإماتة ~~والمنع والإعطاء والضر النفع والهدى والضلال والتوفيق والخذلان وجميع ما في ~~العالم والأشخاص وأفعالها وقواها وصفاتها وهيأتها والمعطى له هذه ~~واتصالاتها وانفصالاتها واتصالاتها بنقط وانفصالاتها عن نقط ومقارنتها ~~ومفارقتها ومساقتها ومباينتها فهي المعطية لهذا كله المدبرة الفاعلة فهي ~~الآلهة والأرباب على الحقيقة وما تحتها عبيد خاضعون لها ناظرون إليها فهذا ~~كما أنه الكفر الذي خرجوا به عن جميع الملل وعن جملة شرائع الأنبياء ولم ~~يمكنهم أن يقيموا بين أرباب الملل ألا بالتستر بهم ومنافقتهم والتزي بزيهم ~~ظاهرا وإلا فقتل هؤلاء من الأمر الضروري في كل ملة لأنهم سوسها وأعداؤها ~~فهو من الهذيان الذي أضحكوا به العقلاء على عقولهم حتى رد عليهم من لا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر من الفلاسفة كالفارابي وابن سينا وغيرهما من عقلاء ~~الفلاسفة وسخروا منهم واستضعفوا عقولهم ونسبوهم إلى الزرق والزينجة ~~والتلبيس وقد رد عليهم أفضل المتأخرين من فلاسفة الإسلام أبو البركات ~~البغدادي في كتاب التعبير له فقال وأما أحكام النجوم فإنه لا يتعلق به منه ~~أكثر من قولهم بغير دليل الحر الكواكب وبردها ورطوبتها ويبوستها واعتدالها ~~كما يقولون بأن زجل منها بارد يابس والمريخ حار يابس والمشتري معتدل ~~والاعتدال خير والافراط شر وينتجون من ذلك أن الخير يوجب سعادة والشر يوجب ~~منحسة وما جانس ذلك مما لم يقل به علماء الطبيعيين ولم تنتجه مقدماتهم في ~~أنظارهم وإنما الذي أنتجته هو أن السماء والسماويات فعالة فيما تحويه ~~وتشتمل عليه وتتحرك حوله فعلا على الاطلاق لم يحصل له من العلم الطبيعي حد ~~ولا تقدير والقائلون به ادعوا حصوله من التوقيف والتجربة والقياس ms647 منهما كما ~~ادعى أهل الكيمياء وإلا فمتى يقول صاحب العلم الطبيعي بحسب أنظاره التي ~~سبقت أن المشتري سعيد والمريخ نحسن والمريخ حار يابس وزحل بارد يابس والحار ~~والبارد من الملموسات وما دله على هذا المس كما يستدل بلمس الملموسات فإن ~~ذلك ما ظهر للحس كما ظهر في الشمس حيث تسخن الأرض بشعاعها وإن كان في ~~السماء بيان شيء من طبائع الاضداد فالأولى أن تكون كلها حارة لأن كواكبها ~~كلها منيرة ومتى PageV02P166 يقول الطبيعي بتقطع الفلك وقسمته كما قسمه ~~المنجمون قسمة وهمية إلى بروج ودرج ودقائق وذلك جائز للمتوهم كجواز غيره ~~غير واجب في الوجود ولا حاصل ونقلوا ذلك التوهم الجائز إلى الوجود الواجب ~~في أحكامهم وكان الأصل فيه على زعمهم حركة الشمس في الأيام والشهور فجعلوا ~~منها قسمة وهمية وجعلوها حيث حكموا كالحاصلة الوجودية المتميزة بحدود وخطوط ~~كأن الشمس بحركتها من وقت إلى وقت مثله خطت في السماء خطوطا وأقامت فيها ~~جدرانا وحدودا وغرست في أجزائها طباعا معتبرا بنفي فتبقى به القسمة إلى تلك ~~البروج والدرج مع جواز الشمس عنها وليس في جوهر الفلك اختلاف يتميز موضع ~~منه عن موضع سوى الكواكب والكواكب تتحرك عن أمكنتها فتبقى الأمكنة على ~~التشابه فما يتميز درجة عن درجة ويبقى اختلافها بعد حركة المتحرك في سمتها ~~فكيف يقيس الطبيعي على هذه الاصول وينتج منها نتائج ويحكم بحسنها أحكاما ~~فكيف أن يقول بالحدود التي تجعل خمس درجات من برج الكوكب وستة لآخر وأربعة ~~لآخر ويختلف فيها المصريون والبابليون ويصدق الحكم مع الاختلاف وأرباب ~~اليبوسات كأنها أملاك بنيت بصكوك وحكام الأسد للشمس والسرطان للقمر وإذا ~~نظر الناظر وجد الأسد اسدا من جهة كواكب شكلوها بشكل الأسد ثم انتقلت عن ~~مواضعها التي كان بها أسدا كأن الملك بنيت للشمس مع انتقال الساكن وكذلك ~~السرطان للقمر هذا من ظواهر الصناعة وما لا يمارى فيه ومن طالعه الأسد ~~فالشمس كوكبه وربه بيته ومن الدقائق في الحقائق النجومية المذكرة والمؤنثة ~~والمظلمة والنيرة والزائدة في السعادة ودرج الآثار من جهة أنها ms648 أجزاء الفلك ~~التي قطعوها وما انقطعت مع انتقال أن الكوكب ينظر إلى الكوكب من ستين درجة ~~نظر تسديس لانه سدس الفلك ولا ينظر إليه من خمسين ولا سبعين وقد كان قبل ~~الستين بخمس درج وهو اقرب من ستين وبعدها بخمس درج وهو ابعد من الستين لا ~~ينظر فليت شعري ما هو هذا النظر أترى الكوكب يظهر للكوكب ثم يحتجب عنه أو ~~شعاعه يختلط بشعاعه عند حد لا يختلط به قبله ولا بعده وكذلك التربيع من ~~الربع الذي هو تسعون درجة والتثليث من الثلث الذي هو مائة وعشرون فلم لا ~~يكون التخميس من الخمس والتسبيع من السبع والتعشير من العشر والحمل حار ~~يابس من البروج النارية والثور بارد يابس من الأرضية والجوزاء حارة رطبة من ~~الهوائية والسرطان بارد رطب من المائية ما قال الطبيعي قط هذا ولا يقول به ~~وإذا احتجوا وقاسوا كانت مبادىء قياساتهم أن الحمل منقلب لأن الشمس إذا ~~نزلت فيه ينقلب الزمان من الشتاء إلى الربيع والثور ثابت لأنه إذا نزلت ~~الشمس فيه يثبت الربيع على ربيعيته والحق أنه لا انقلاب في الحمل ولا ثبات ~~في الثور بل هو في كل يوم غير PageV02P167 ما هو في الآخر ثم إن الزمان ~~انقلب بحلول الشمس فيه وهو يبقى دهره منقلبا مع خروج الشمس منه وحلولها فيه ~~أتراها تختلف فيه أثرا وتحيل منه طباعا وتبقي تلك الاستحالة إلى أن تعود ~~فتجددها ولم لا يقول قائل أن السرطان حار يابس لأن الشمس إذا نزلت اشتد حر ~~الزمان وما يجانس هذا مما لا يلزم لا هو ولا ضده ما في الفلك اختلاف معرفة ~~الطبيعي إلا بما فيه من الكواكب ومواضعها وهو واحد متشابه الجوهر والطبع ~~وهذه أقوال قالها قائلا فقبلها قابل ونقلها ناقل فحسن بها ظن السامع واغتر ~~بها من لا خبرة له ولا قدرة له على النظر ثم حكم بحسبها الحاكمون بجيد ~~وردىء وسلب وإيجاب سعد ونحوس فصادف بعضه موافقة الوجود فصدق فاغتر به ~~المغترون ولم يلتفتوا إلى ما كذب منه فيكذبون ms649 بل عذروا وقالوا هو منجم ما ~~هو نبي حتى يصدق في كل ما يقول واعتذروا له بأن العلم أوسع من أن يحيط به ~~ولو أحاط به لصدق في كل شيء ولعمر الله أنه لو أحاط به علما صادقا لصدق ~~والشأن أن يحيط به على الحقيقة لا على أن يفرض فرضا ويتوهم وهما فينقله إلى ~~الوجود ويثبته في الموجود وينسب إليه ويقيس عليه والذي يصح منه ويلتفت إليه ~~العقلاء هي أشياء غير هذه الخرفات التي لا أصل لها مما حصل بتوقيف أو تجربة ~~حقيقية كالقرانات والانتقالات والمقابلة من جملة الاتصالات فانها المقارنة ~~من جهة أن تلك غاية القرب وهذه غاية البعد وممر كوكب من المتحيرة تحت كوكب ~~من الثابتة وما يفرض للمتحيرة من رجوع واستقامة ورجوع في شمال وانخفاض في ~~جنوب وغير ذلك وكأني أريد أن اختصر الكلام ههنا وأوفق إشارتك واعمل بحسب ~~اختيارك رسالة في ذلك أذكر ما قيل فيها من علم إحكام النجوم من أصول حقيقية ~~أو مجازية أو وهمية أو غلطية وفروع نتائج أنتجت عن تلك الأصول وأذكر الجائز ~~من ذلك والممتع والقريب والبعيد فلا أرد علم الأحكام من كل وجه كما رده من ~~جهله ولا أقبل فيه كل قول كما قبله من لم يعقله بل أوضح موضع القبول والرد ~~في المقبول وموضع التوقف والتجويز والذي من المنجم والذي من التنجيم والذي ~~منهما وأوضح لك أنه لو أمكن الإنسان أن يحيط بشكل كل ما في الفلك علما ~~لأحاط علما بكل ما يحويه الفلك لأن منه مبادى الأسباب لكنه لا يمكن ويبعد ~~عن الإمكان بعدا عظيما والبعض الممكن منه لا يهدى إلى بعض الحكم لأن البعض ~~الآخر المجهول قد يناقض المعلوم في حكمه ويبطل ما يوجبه فنسبه المعلوم إلى ~~المجهول من الإحكام كنسبة المعلوم إلى المجهول من الاسباب وكفى بذلك بعدا ~~انتهى كلامه ولو ذهبنا نذكر من رد عليهم من عقلاء الفلاسفة والطبائعين ~~والرياضيين لطال ذلك جدا هذا غير رد المتكلمين عليهم فإنا لا نقنع به ولا ~~نرضى أكثره ms650 فإن فيه من المكابرات والمنوع الفاسدة والسؤالات الباردة ~~والتطويل الذي ليس تحته تحصيل ما يضيع الزمان في غير شيء PageV02P168 وكان ~~تركهم لهذه المقاتلة خيرا لهم منها فانهم لا للتوحيد والإسلام نصروا ولا ~~لأعدائه كسروا والله المستعان وعليه التكلان # | فصل فلنرجع إلى كلام صاحب الرسالة قال زعموا أن القمر والزهرة # مؤنثان وان الشمس وزحل والمشترى والمريخ مذكرة وان عطارد ذكر أنثى مشارك ~~للجنسين جميعا وان سائر الكواكب تذكر وتؤنث بسبب الأشكال التي تكون لها ~~بالقياس إلى الشمس وذلك أنها إذا كانت مشرقة متقدمة للشمس فهي مذكرة وان ~~كانت مغربة تابعة كانت مؤنثة وان ذلك أيضا يكون بالقياس إلى اشكالها إلى ~~الأفق وذلك أنها إذا كانت في الأشكال التي من المشرق إلى وسط السماء مما ~~تحت الأرض فهي مذكرة لأنها إذا كانت شرقية فهي من ناحية مهب الصبا وإذا ~~كانت في الربعين الباقيين فهي مؤنثة لانها في ناحية مهب الدبور وإذا كان ~~هذا هكذا صارت الكواكب التي يقال إنها مؤنثة مذكرة والتي يقال أنها مذكرة ~~مؤنثة وصارت طباعها مستحيلة بل تصير أعيانها تنقلب وأن القمر والزهرة ~~مؤنثتان والكواكب الخمسة الباقية مذكرة على الوضع الاول فإن تقدم القمر ~~والزهرة الشمس وكانا شرقيين صارا مذكرين وإن تأخرت الكواكب الخمسة وكانت ~~مغربة تابعة كانت مؤنثة على الموضوع الثاني ويصير عطارد ذكرا إذا شرق أنثى ~~إذا غرب وذكرا أنثى إذا لم يكن بأحد هاتين الصفتين # قلت وقد أجاب بعض فضلائهم عن هذا الإلزام فقال ليس ذلك بممكن لأنا قد ~~نقول إن الأدكن أبيض إذا قسناه إلى الأسود ونقول إنه أسود إذا قسناه إلى ~~الابيض وهو شيء واحد بعينه مرة يكون اسود ومرة يكون أبيض وهو في نفسه لا ~~اسود ولا أبيض وكذلك الكواكب يقال أنها ذكران وإناث بالقياس إلى الأشكال ~~أعني الجهات والجهات إلى الرياح والرياح إلى الكيفيات لأنها ذكران وإناث ~~وهذا تلبيس منه فان الأدكن فيه شائبة البياض والسواد فلذلك صدق عليه اسمهما ~~لأن الكيفيتين محسوستان فيه فتكيفه بهما أوجب أن يقال عليه الاسمان وأما ms651 ~~تقسيم الكواكب إلى الذكور والإناث فهي قسمة وضعتم فيها تمييز كل نوع عن ~~الآخر بحقيقته وطبيعته وقلتم البروج تنقسم إلى ذكور وإناث قسمة تميز فيها ~~قسم عن قسم لا أن حقيقتها متركبة من طبيعتين ذكورية وأنوثية بحيث يصدقان ~~على كل برج برج فنظير ما ذكرتم من الأدكن أن يكون كل برج ذكرا وأنثى فأين ~~أحد البابين من الآخر لولا التلبيس والمحال وأيضا فانقسامها إلى الذكور ~~والإناث انقسام بحسب الطبيعة والتأثير والتأثر الذي هو الفعل والانفعال وما ~~كان كذلك لم تنقلب حقيقته وطبيعته بحسب الموضع والقرب والبعد قال صاحب ~~الرسالة وزعموا أن القمر منذ الوقت الذي يهل فيه إلى وقت انتصافه الأول في ~~الضوء يكون فاعلا للرطوبة خاصة PageV02P169 ومنذ وقت انتصافه الأول في ~~الضوء إلى وقت الامتلاء يكون فاعلا للحرارة ومنذ وقت الامتلاء إلى وقت ~~الانتصاف الثاني في الضوء يكون فاعلا لليبس ومنذ وقت الانتصاف إلى الوقت ~~الذي يخفى فيه ويفارق الشمس يكون فاعلا للبرودة وأي شيء اقبح من هذا ولا ~~سيما وقد أعطى قائله أن القمر رطب وأنه يفعل بطبعه لا باختياره وكيف أن ~~يفعل شيء واحد بطبعه الأشياء المتضادة مرة في الدهر فضلا عن أن يفعلها في ~~كل شهر وهل القول بأن شيئا واحدا يفعل بطبعه في الأشياء الترطيب في وقت ~~ويفعل بطبعه التجفيف في آخر ويفعل الاسخان في وقت ويفعل التبريد في آخر إلا ~~كالقول بأن شيئا واحدا تنقلب عينه # وقتا بعد وقت قلت قد قالوا إن الشمس لما كانت تفعل هذه الأفاعيل بحسب ~~صعودها وهبوطها في فلكها فإنها إذا كانت من خمسة عشر درجة من الحوت إلى ~~خمسة عشر من الجوزاء فعلت الترطيب وهو زمان الربيع وكذلك من خمسة عشر درجة ~~من القوس إلى خمسة عشر من الحوت تفعل التبريد وهو زمان الشتاء وهذا دورها ~~في الفلك مرة في العام والقمر يدور في شهر واحد صارت نسبة دور القمر في ~~الفلك كنسبة دور الشمس فيه فكانت نسبة الشهر إلى القمر كنسبة السنة إلى ~~الشمس فالشهر يجمع الفصول ms652 الأربعة كما تجمعه السنة وما تفعله الشمس في كل ~~تسعين يوما وكسر يفعله القمر في سبعة أيام وكسر قالوا فآخر الشهر شبيه ~~بالشتاء وأوله شبيه بالربيع والربع الثاني من الشهر شبيه بالصيف والربع ~~الثالث منه شبيه بالخريف فهذا غاية ما قرروا به هذا الحكم قالوا وأما كون ~~الشيء الواحد سببا للضدين فقد قضا أرسطا طاليس في كتاب السماع الطبيعي على ~~جوازه والجواب عن هذا أن الشمس ليست هي السبب الفاعل لهذه الطبائع المختلفة ~~وإنما قربها وبعدها وارتفاعها وانخفاضها أثر في سخونة الهواء وتبريده وفي ~~تحلل البخارات وتكاثفها فيحدث بذلك في الحيوان والنبات والهواء هذه الطبائع ~~والكيفيات والشمس جزء السبب كما قررناه وأما القمر فلا يؤثر قربه ولا بعده ~~وامتلاؤه ونقصانه في الهواء كما تؤثره الشمس فلو كان كذلك لكان كل شهر من ~~شهور العام يجمع الفصول الأربعة بطبائعها وتأثيراتها وأحكامها وهذا شيء ~~يدفعه الحس فضلا عن النظر والمعقول وقياس القمر على الشمس في ذلك من أفسد ~~القياس فان الفارق بينهما في الصفة والحركة والتأثير أكثر من الجامع فالحكم ~~على القمر بأنه يحدث الطبائع الأربعة قياسا على الشمس والجامع بينهما قطعة ~~للفلك في كل شهر كما تقطعه في سنة لا يعتمد عليه من له خبره بطرق الأدلة ~~وسنعة البرهان وأما قولكم أن أرسطا طاليس نص في كتابه على ان الواحد قد ~~يكون سببا للضدين فنحن نذكر كلامه بعينه في كتابه ونبين ما فيه وقال في ~~المقالة الثانية وايضا فإن الواحد قد يكون سببا للضدين فان الشيء الذي ~~بحضوره يكون أمر من الأمور فغيبته قد تكون سببا لضده فيقال في ذلك ~~PageV02P170 إن غيبة الربان سبب غرق السفينة وهو الذي كان حضوره سبب ~~سلامتها فتأمل هذا الكلام وقابل بينه وبين كلامهم في فعل القمر الامور ~~المتضادة يظهر لك تلبيس القوم وجهلهم فان نظر ذلك يوجب بطلان هذه الطبائع ~~والكيفيات عند انقطاع تعلق القمر بهذا العالم كما بطل عمل السفينة وجريها ~~عند غيبة الربان عنها انقطاع تعلقة بها فلم يكن الربان هو سبب الغرق ms653 الذي ~~هو ضد السلامة كما كان القمر سببا لليبس الذي هو ضد الرطوبة وللحرارة التي ~~هي ضد البرودة وإنما كانت أسباب الغرق غيبة أحد الأسباب التي كان الربان ~~يمنع فعلها فلما غاب عنها عمل ذلك السبب عمله فغرقت وهذا أوضح من أن يحتاج ~~إلى تقرير ولكن الأذهان التي قد اعتادت قبول المحالات قد يحتاج في علاجها ~~إلى مالا يحتاج إليه غيرها وبالله التوفيق # قال صاحب الرسالة وقالوا في معرفة أحوال أمهات المدن أن ذلك يعلم من ~~المواضع التي فيها الشمس والقمر في أول ابتنائها ومواضع الاوتاد فهو خاصة ~~وتد الطالع كما يفعل في المواليد فإن لم يتوقف على الزمان الذي بنيت فيه ~~فلينظر إلى موضع وسط السماء في مواليد الولاة والملوك الذين كانوا في ذلك ~~الزمان الذي بنيت فيه تلك المدن قلت ونظير هذا من هذيانهم قولهم أنا نعرف ~~أحوال الأب من مولد الابن إذا لم يعرف مولد الأب قالوا أن هذا الموضع تالي ~~المرتبة للطالع وهو أخص المواضع بالطالع كما أن الأب أخص الأشياء بالابن ~~فكذلك أخص الأشياء بالملك مملكته فموضع وسط سمائه يدل على مدينته وأحوالها ~~وكل عاقل يعلم بطلان هذه الدلالة وفسادها وأته لا ارتباط بين طالع المدينة ~~وطالع السلطان كما لا ارتباط بين طالع ولادة الابن وطالع ولادة أبيه وإنما ~~هذه تشبيهات بعيدة ومناسبات في غاية البعد # قال صاحب الرسالة وقالوا في معرفة حال الوالدين إن الشمس وزحل يشاكلان ~~الآباء بالطبع ولست أدرى كيف تعقل دلالة شيء ليس مما يتوالد بطبعه على شيء ~~من طريق التوالد لأن الأب إنما يكون أبا باضافته إلى ابنه والابن إنما يكون ~~ابنا باضافته إلى أبيه وانهم يستدلون على حال الأولاد بالقمر والزهرة ~~والمشترى وأن أحوال الأب تعرف من مواليد ابنه بأن يقام موضع الكوكب الدال ~~عليه وهو الشمس أو زحل مقام الطالع ويستدل على حال الابن من مولد أبيه بأن ~~يقام موضع الكوكب الدال عليه وهو أحد الكواكب الثلاثة القمر والمشترى ~~والزهرة مقام الطالع وقد يكون الإنسان في أكثر الأوقات ms654 أبا فيكون الشمس ~~وزحل يدل عليه من مولد ابنه وله في نفسه مولد لامحالة ويمكن أن يكون رب ~~طالع مولده كوكبا غير الكوكبين الدالين على حاله من مولد أبيه وابنه فيكون ~~حاله يعرف من ثلاثة كواكب وثلاثة بروج مختلفة الأشكال والطبائع وتناقض هذا ~~القول بين لمستعمله فضلا عن متوهمة # قلت قد قالوا في الجواب عن هذا أنه PageV02P171 لا تناقض فيه بل هو حق ~~واجب قالوا إذا أردنا أن نعرف حال سقراط مثلا من حيث هو إنسان أليس ينظر ~~إلى ما يخص الحيوان والإنسان الكلي وإذا أردنا أن نعرف حاله من حيث هو أب ~~أن ننظر إلى المضاف وما يلحقه وإذا أردنا أن نعرف حاله من حيث هو عالم ننظر ~~إلى الكيفية وما يخصها والأول جوهر والباقي أعراض وسقراط واحد ونعرف أحواله ~~من مواضع مختلفة متباينة مرة يكون جوهرا ومرة عرضا فكذلك إذا أردنا أن نعرف ~~حاله من مولده نظرنا إلى الطالع وربه وإذا أردنا أن نعرف حاله من مولد أبيه ~~نظرنا إلى العاشر والشمس وكذلك إذا أردنا أن نعرف حاله من مولد ابنه نظرنا ~~إلى موضع آخر وليس ذلك متناقضا كما أن الأول ليس متناقضا فيقال هذا تنبيه ~~فاسد واعتبار باطل فأنا نظرنا في طالع الأب لنستدل به على حال الولد ونظركم ~~في الطالع لتستدلوا به على حال الأب هو استدلال على شيء واحد وحكم عليه ~~بسبب لا يقتضيه ولا يفارقه فأين هذا من تعرف إنسانية سقراط وأبوته وعدالته ~~وعلمه مثلا وطبيعته فإن هذه أحوال مختلفة لها أدلة وأسباب مختلفة فنظيرها ~~أن نعرف حال الولد من جهة سعادته ومحبته وصحته وسقمه من طالعه وحاله من جهة ~~ما يناسبه من الأغذية والأدوية من مزاجه وحاله من جهة أفعاله ورئاسته من ~~أخلاقه كالحياء والصبر والبذل وحاله من جهة اعتدال مزاجه من اعتدال أعضائه ~~وتركيبه وصورته فهذه أحوال بحسب اختلاف أسبابها فأين هذا من أخذ حال الولد ~~وعمره وسعادته وشقاوته من طالع أبيه وبالعكس فالله يعين العقلاء على ~~تلبيسكم ومحالكم ويثبت عليهم ما ms655 وهبهم من العقول التي رغبت بها ورغبوا بها ~~عن مثل ما أنتم عليه # قال وزعم بطليموس أن الفلك إذا كان على شكل ما ذكره في مولد ما وكانت ~~الكواكب في مواضع ذكرها وجب أن يكون الولد أبيض اللون سبطا وإن وجد مولود ~~في بلاد الحبشة والفلك متشكل على ذلك الشكل والكواكب في المواضع التي ذكرها ~~لم يمض ذلك الحكم عليه ومضى على المولود إن كان من الصقالبة أو من قرب ~~مزاجه من مزاجهم وزعم أن الفلك إذا كان على شكل ما ذكره في مولد ما وكانت ~~الكواكب في مواضع ذكرها فإن صاحب الولد يتزوج أخته إن كان مصريا فإن لم يكن ~~مصريا لم يتزوجها وزعم أن الفلك إذا كان على شكل آخر ذكره في مولد من ~~المواليد وكانت الكواكب في مواضع بينهما تزوج الولد بأمه إن كان فارسيا وإن ~~لم يكن فارسيا لم يتزوجها # وهذه مناقضة شنيعة لأنه ذكر علة ومعلولا يوجد بوجودها وترتفع بارتفاعها ~~ثم ذكر أنها توجد من غير أن يوجد معلولها # قلت أرباب هذا الفن يقولون لا بد من معرفة الأصول التي يحكم عليها لئلا ~~يغلط الحاكم ويذهب كلامه إن لم يعرف الأصول وهى الجنس والشريعة والأخلاق ~~والعادات مما يحتاج المنجم إن يحصلها ثم يحكم عليها وكذلك قال بطليموس أنه ~~يجب على المنجم النظر في صور الأبدان وخواص حالات الأنفس PageV02P172 ~~واختلاف العادات والسنن # قال ويجب على من نظر في هذه الأشياء على المذهب الطبيعي إن يتشبث أبدا ~~بالأسباب الأول الصحيحة لئلا يغلط بسبب اشتباه المواليد فيقول مثلا أن ~~المولود في بلاد الحبش يكون أبيض اللون سبط الشعر وأن المولود في بلاد ~~الروم أسود اللون جعد الشعر أو يغلط أيضا في السنن والعادات التي يخص بها ~~بعض الأمم في الباه فيقول مثلا أن الرجل من أهل انطاكية يتزوج بأخته وكان ~~الواجب أن ينسب ذلك الفارسي وفي الجملة ينبغي أن يعلم أولا حالات القضاء ~~الكلى ثم يأخذ حالات القضاء الجزئي ليعلم منها الأمر في الزيادة والنقصان ~~وكذلك يجب ضرورة ms656 أن يقدم في قسمة الأزمان أصناف الأسنان الزمانية وموافقتها ~~لكل واحد من الأحداث وأن يتفقد أمرها لئلا يغلط في وقت من الأوقات في ~~الأعراض العامة البسيطة التي ينظر فيها في المواليد فيقول أن الطفل يباشر ~~الأعمال أو يتزوج أو يفعل شيئا من الأشياء التي يفعلها من هو أتم سنا منه ~~وأن الشيخ الفاني يولد له أو يفعل شيئا من أفعال الأحداث وهذا ونحوه يدل ~~على أن الأمور وغيرها إنما هي بحسب اختلاف العوائد والبلاد وخواص الأنفس ~~واختلاف الأسنان والأغذية وقواها أيضا مما فيها تأثير قوى وكذا الهواء ~~والتربة واللباس وغيرها كل هذه لها تأثير في الأخلاق والأعمال وأكبرها ~~العوائد والمربا والمنشأ فإحالة هذه الأمور على الكواكب والطالع والمقارنة ~~والمفارقة والمناظر من أبين الجهل ولهذا اضطر إمام المنجمين ومعلمهم إلى ~~مراعات هذه الأمور وأخبر أن الحاكم بدون معرفتها والتشبث بها يكون مخطئا ~~وحينئذ فالطالع المعتبر المؤثر إنما هو طالع العوائد والسنن والبلاد وخواص ~~هيأت النفوس الإنسانية وقوى أغذية أبدانها وهوائها وتربتها وغير ذلك مما هو ~~مشاهد بالعيان تأثيره في ذلك أفليس من أبين الجهل الإعراض عن هذه الأسباب ~~والحوالة على حركات النجوم واجتماعها وافتراقها ومقابلتها في تربيع أو ~~تثليث أو تسديس مما لوصح لكان غايته ان يكون جزء سبب من الأسباب التي تقتضي ~~هذه الآثار ثم إن لها من المقارنات والمفارقات والصوارف والعوارض مالا يحصى ~~المنجم القليل من عشر معشاره أفليس الحكم بمجرد معرفة جزء من أجزاء السبب ~~بالظن والحدس والتقليد لمن حسن ظنه به حكم كاذب ولهذا كذب المنجم أضعاف ~~أضعاف صدقه بكثير حتى صداق أن بعض الزراقين وأصحاب الكشف وأرباب الفراسة ~~والجزائين أكثر من صدق هؤلاء بكثير وما ذاك إلا لأن المجهول من جمل الأسباب ~~وما يعارضها ويمنع تأثيرها أكثر من المعلوم منها فكيف لا يقع الكذب والخطأ ~~بل لا يكاد يقع الصدق والصواب إلا على سبيل التصادف ونحن لا ننكر ارتباط ~~المسببات بأسبابها كما ارتكبه كثير من المتكلمين وكابروا العيان وجحدوا ~~الحقائق كما أنا لا نرضى بهذيانات الأحكاميين ms657 ومحالاتهم بل نثبت ~~PageV02P173 الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات ونبين مع ذلك بطلان ما ~~يدعونه من علم أحكام النجوم وأنها هي المدبرة لهذا العالم المسعدة المشقية ~~المحيية المميتة المعطية للعلوم والأعمال والأرزاق والآجال وأن نظركم في ~~هذا العالم موجب لكم من علم الغيب ما انفردتم به عن سائر الناس وليس في ~~طوائف الناس أقل علما بالغيب منكم بل أنتم أجهل الناس بالغيب على الإطلاق ~~ومن اعتبر حال حذقائكم وعلمائكم واعتمادهم على ملاحم مركبة من إخبارات بعض ~~الكهان ومنامات وفراسات وقصص متوارثة عن أهل الكتاب وغيرهم ومزج ذلك بتجارب ~~حصلت مع اقترانات نجومية واتصالات كوكبية يعلم بالحساب حصولها في وقت معين ~~فقضيتم بحصول تلك الآثار أو نظيرها عندها إلى أمثال ذلك من أسباب علم تقدمه ~~المعرفة التي قد جرب الناس منها مثل ماجربتم فصدقت تارة وكذبت تارة فغاية ~~الحركات النجومية والاتصالات الكوكبية أن تكون كالعلل والأسباب المشاهدة ~~التي تأثيراتها موقوفة على انضمام أمور أخرى إليها وارتفاع موانع تمنعها ~~تأثيرها فهي أجزاء أسباب غير مستقلة ولا موجبة هذا لو أقمتم على تأثيرها ~~دليلا فكيف وليس معكم إلا الدعاوى وتقليد بعضكم بعضا واعتراف حذاقكم بأن ~~الذي يجهل من بقية الأسباب المؤثرة ومن الموانع الصارفة أعظم من المعلوم ~~منها بأضعاف مضاعفة لا يدخل تحت الوهم فكيف يستقيم لعاقل الحكم بعد هذا وهل ~~يكون في العالم أكذب منه قال صاحب الرسالة وإذا كان الفلك متى تشكل شكلا ما ~~دل إن كان في مولد مصري على أنه يتزوج أخته فذلك سنة كانت لهم وعادة وإن ~~كان في مولد غيره لم يدل على ذلك ونحن نجد أهل مصر في وقتنا هذا قد زالوا ~~عن تلك العادة وتركوا تلك السنة بدخولهم في الإسلام والنصرانية واستعمالهم ~~أحكامهما فيجب أن تسقط هذه الدلالة من مواليدهم لزوالهم عن تلك العادة أو ~~تكون الدلالة توجب ذلك في مولد كل أحد منهم ومن غيرهم أو تسقط الدلالة ~~وتبطل بزوال أهل مصر عما كانوا عليه وكذلك جمهور أهل فارس وأي ذلك كان فهو ~~دال على قبيح ms658 المناقضة وشدة المغالطة وقد رأيت وجههم بطليموس يقول في كتابه ~~المعروف بالأربعة فيحدث كذا وكذا توهمنا أنه يكون كذا وكذا قلت الذي صرح به ~~بطليموس إن علم أحكام النجوم بعد استقصاء معرفة ما ينبغي معرفته إنما هو ~~على جهة الحدس لا العلم واليقين فمن ذلك قوله هذا وبالجملة فإن جميع علم ~~حال هذا العنصر إنما يستقيم أن يلحق على جهة الظن والحدس لا على جهة اليقين ~~وخاصة منه ما كان مركبا من أشياء كثيرة غير متشابهة قال شارح كلامه وإنما ~~ذهب إلى ذلك لأن الأفعال التي تصدر عن الكواكب إنما هي بطريق العرض وإنها ~~لا تفعل بذواتها شيئا والدليل على ذلك قوله في الباب الثاني من كتاب ~~الأربعة وإذا كان الإنسان قد استقصى معرفة حركة جميع الكواكب والشمس والقمر ~~حتى أنه لا يذهب عليه شيء من المواضع والأوقات التي تحدث لها فيها الأشكال ~~وكانت عنده PageV02P174 معرفة بطبائعها قد أخذها عن الأخبار المتواترة التي ~~تقدمته وأن لم يعلم طبائعها في نفس جواهرها لكن يعلم قواها التي تفعل بها ~~كالعلم بقوة الشمس أنها تسخن وكالعلم بقوة القمر أنها ترطب وكذلك يعلم أمر ~~قوى سائر الكواكب وكان قويا على معرفة أمثال سائر هذه الأشياء لا على ~~المذهب الطبيعي فقط لكن يمكنه أيضا أن يعلم بجودة الحدس خواص الحال التي ~~تكون من امتزاج جميع ذلك # قال الشارح وبطليموس يرى أن علم الأحكام إنما يلحق على جهة الحدس لا على ~~جهة اليقين قلت وكذلك صرح أرسطاطا ليس في أول كتابه السماع الطبيعي أنه لا ~~سبيل إلى اليقين بمعرفة تأثير الكواكب فقال لما كانت حال العلم واليقين في ~~جميع السبل التي لها مباديء أو أسباب أو استقصا آت إنما يلزم من قبل ~~المعرفة بهذه فإذا لم تعرف الكواكب على أي وجه تفعل هذه الأفاعيل أعني ~~بذاتها أو بطريق العرض ولم تعرف ما هيتها وذواتها لم تكن معرفتنا بالشيء ~~أنه يفعل على جهة اليقين # وهذا ثابت بن قرة وهو هو عندهم يقول في كتاب ترتيب العلم وأما ms659 علم القضاء ~~من النجوم فقد اختلف فيه أهله اختلافا شديدا وخرج فيه قوم إلى ادعاء مالا ~~يصح ولا يصدق بما لا اتصال له بالأمور الطبيعية حتى أدعوا في ذلك ما هو من ~~علم الغيب ومع هذا فلم يوجد منه إلى زماننا هذا قريب من التمام كما وجد ~~غيره هذا لفظه مع حسن ظنه به وعدله في العلوم وهذا أبو نصر الفارابي يقول ~~واعلم أنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت السعد نحسا والنحس سعدا والحار ~~باردا والبارد حارا والذكر أنثى والأنثى ذكرا ثم حكمت لكانت أحكامك من جنس ~~أحكامهم تصيب تارة وتخطيء تارة # وهذا أبو على بن سينا قد أتى في آخر كتابه الشفاء في رد هذا العلم ~~وإبطاله بما هو موجود فيه وقرأت بخط رزق الله المنجم وكان من زعمائهم في ~~كتاب المقايسات لأبي حيان التوحيدي مناظرة دارت بين جماعة من فضلائهم جمع ~~جمعهم بعض المجالس فذكرتها مخلصة ممالا يتعلق بها بل ذكرت مقاصدها قال أبو ~~حيان هذه مقايسة دارت في مجلس أبي سليمان محمد بن ظاهر بن بهرام السجستاني ~~وعنده أبو زكريا الصيمري والبوشنجاني أبو الفتح وأبو محمد العروضي وأبو ~~محمد المقدسى والقوطسي وغلام زحل وكل واحد من هؤلاء إمام في شأنه فرد في ~~صناعته فقيل في المجلس لم خلا علم النجوم من الفائدة والثمرة وليس علم من ~~العلوم كذلك فإن الطب ليس على هذه الحال ثم ذكرت فائدته والمنفعة به وكذلك ~~الحساب والنحو والهندسة والصنائع ذكرت وذكرت منافعها وثمراتها ثم قال ~~السائل وليس علم النجوم كذلك فإن صاحبه إذا استقضى وبلغ الحد الأقصى في ~~معرفة الكواكب وتحصيل سيرها واقترانها ورجوعها ومقابلتها وتربيعها وتثليثها ~~وتسديسها وضروب مزاجها في مواضعها من بروجها وأشكالها ومطالعها ومعاطفها ~~ومغاربها ومشارقها ومذاهبها حتى إذا PageV02P175 حكم أصاب وإذا أصاب حقق ~~وإذا حقق جزم وإذا جزم حتم فإنه لا يستطيع البتة قلب شيء عن شيء ولا صرف ~~شيء عن شيء ولا تبعيد حال قد دنت ولا نفي خلة قد كتبت ولا رفع سعادة قد حمت ~~وأظلت ms660 أعنى أن أمرءا ما لا يقدر على أن يجعل الإقامة سفرا ولا الهزيمة ظفرا ~~ولا العقد حلا ولا الإبرام نقضا ولا اليأس رجاء ولا الإخفاق دركا ولا العدو ~~صديقا ولا الولي عدوا ولا البعيد قريبا ولا القريب بعيدا فكان العالم به ~~الحاذق المتناهي في خفياته بعد هذا التعب والنصب وبعد هذا الكد والدأب وبعد ~~هذه الكلفة الشديدة والمعرفة الغليظة هو ملتزم للمقدار مستجد لما يأتي به ~~الليل والنهار وعادت حاله مع علمه الكثير إلى حال الجاهل بهذا العلم الذي ~~انقياده كانقياده واعتباره كاعتباره ولعل توكل الجاهل أحسن من توكل العالم ~~به ورضاه في الخير المشتهي ونجاته من الشر المتقي أقوى وأصح من رجاء هذا ~~المدل بزيجه وحسابه وتقويمه واسطر لا به ولهذا لما لقي أبو الحسين النوري ~~ما نيا المنجم قال له أنت تخاف زحل وأنا أخاف رب زحل وأنت ترجو المشترى ~~وأنا أعبد رب المشترى وأنت تعدو بالإشارة وأنا أعدو بالاستخارة فكم بيننا ~~وهذا أبو شروان وكان من الملوك الأفاضل كان لا يرفع بالنجوم رأسا فقيل له ~~في ذلك فقال صوابه يشبه الحدس وخطأه شديد على النفس فمتى أفضى هذا الفاضل ~~النحرير والحاذق البصير إلى هذا الحد والغاية كان علمه عاريا من الثمرة ~~خاليا من الفائدة حائلا عن النتيجة بلا عائدة ولا مرجوع وإن أمراأوله على ~~ما قررناه وآخره على ما ذكرناه لحري أن لايشغل الزمان به ولا يوهب العمر له ~~ولا يعار الهم والكد ولا يعاج عليه بوجه ولا سبب هذا إن كانت الأحكام صحيحة ~~مدركه محققة ومصابة ملحقة معروفة محصلة ولم يكن المذهب على ما زعم أرباب ~~الكلام والذين يأبون تأثير هذه الأجرام العالية في الأجسام السافلة وينفون ~~الوسائط بينهما والوصائل ويدفعون الفواعل والقوابل ثم السؤال # فأجاب كل من هؤلاء بما سنح له فقال قائل منهم عن هذا السؤال المهول ~~جوابان # أحدهما هو زجر عن النظر فيه لئلا يكون هذا الإنسان مع ضعف تجربته واضطراب ~~غريزته وضعف بنيته علا على ربه شريكا له في غيبه متكبرا على ms661 عباده ظانا ~~بأنه فيما يأتي من شأنه قائم بجده وقدرته وحوله وقوته وتشميره وتقليصه ~~وتهجيره وتقريبه فأن هذا النمط محجز الإنسان عن الخشوع لخالقه والإذعان ~~لربه ويبعده عن التسليم لمدبره ويحول بينه وبين طرح الكاهل بين يدي من هو ~~أملك له وأولى به # وأما الجواب الآخر فهو بشرى عظيمة على نعمة جسيمة لمن حصل له هذا العلم ~~وذلك سر لو اطلع عليه وغيب لو وصل إليه لكان ما يجده الإنسان فيه من الروح ~~والراحة والخير في العاجلة والآجلة تكفيه مؤنه هذا الخطب الفادح وتغنيه عن ~~تجشم هذا الكد الكادح فاجعل أيها المنكر لشرف هذا العلم PageV02P176 قبل ~~عينك ما تخفي عليك خفيه ومكنونه تذللا لله تقدس اسمه فيما استبان لك معلومه ~~ووضح عندك مظنونه ثم قال أعلم أن العلم به حق ولكن الإصابة بعيدة وليس كل ~~بعيد محالا ولا كل قريب صوابا ولا كل صواب معروفا ولا كل محال موصوفا وإنما ~~كان العلم حقا والاجتهاد فيه مبلغا والقياس فيه صوابا وبذل السعي دونه ~~محمودا لاشتبال هذا العالم السفلي بذلك العالم العلوي واتصال هذه الأجسام ~~القابلة بتلك الأجسام الفاعلة واستحالة هذه الصور بحركات تلك المحركات ~~المشاكلة بالوحدة وإذا صح هذا الاتصال والتشابك وهذه الحبال والروابط صح ~~التأثير من العلوي وقبول التأثير من السفلي بالمواضع الشعاعية وبالمناسبات ~~الشكلية والأحوال الخفية والجلية وإذا صح التأثير من المؤثر وقبوله من ~~القابل صح الاعتبار واستتب القياس وصدق الرصد وثبت الإلف واستحكمت العادة ~~وانكشفت الحدود وانشالت العلل وتعاضدت الشواهد وصار الصواب غامرا والخطأ ~~مغمورا والعلم جوهرا راسخا والظن عرضا زائلا فقيل هل تصح الأحكام أم لا ~~فقال الأحكام لا تصح بأسرها ولا تبطل من أصلها وذلك سبب يتبين إذا أنعم ~~النظر وبسط الإصغاء وصمد نحو الفائدة بغير متابعة الهوى وايثار التعصب ثم ~~قال الأمور الموجودة على ضربين ضرب له الوجود الحق وضرب له الوجود ولكن ليس ~~الوجود الحق فأما الأمور الموجودة بالحق فقد أعطت الأخرى نسبة من جهة ~~الوجود الحق وأما الأمور الموجودة لا بالحق فقد أعطت ms662 الأخرى نسبة من جهة ~~الوجود وارتجعت منها حقيقية ذلك فالحكم بالاعتبار الفاحص عن هذه الأسرار إن ~~أصاب فبسبب الوجود الذي هو هذا العالم السفلي من ذلك العالم العلوي وإن ~~أخطأ فبآفات هذا العالم السفلي من ذلك العالم العلوي والإصابة في هذه ~~الأمور السيالة المتبدلة عرض والإصابة في أمور الفلك جوهر وقد يكون هناك ما ~~هو كالخطأ ولكن بالعرض لا بالذات كما يكون ههنا لا هو بالصواب والحق لكن ~~بالعرض لا بالذات فلهذا صح بعض الأحكام وبطل بعضها ومما يكون شاهدا لهذا أن ~~هذا العالم السفلي مع تبدله في كل حالة واستحالته في كل طرف ولمح متقبل ~~لذلك العالم العلوي يتحرك شرقا إلى كماله وعشقا لجماله وطلبا للتشبه به ~~وتحققا بكل ما أمكن من شكله فهو بحق التقبل معط هذا العالم السفلي ما يكون ~~به مشابها للعالم العلوي وبهذا التقبل يقبل الإنسان الناقص الكامل ويقبل ~~الكامل من البشر الملك ويقبل الملك الباري جل وعز # قال آخر إنما وجب هذا التقبل والتشبه لأن وجود هذا العالم وجود متهافت ~~مستحيل لا صورة له ثابتة ولا شكل دائم ولا هيئة معروفة وكان من هذا الوجه ~~فقيرا إلى ما يمده ويشده فأما مسحه فهو موجود وثابت مقابل لذلك العالم ~~الموجود الثابت وإنما عرض ما عرض لأن أحدهما مؤثرة والآخر قابل فبحق هذه ~~المرتبة ما وجد التواصل وقال PageV02P177 آخر قد يغفل مع هذا كله المنجم ~~اعتبار حركات كثيرة من أجرام مختلفة لأنه يعجز عن نظمها وتقويمها ومزجها ~~وتسييرها وتفصيل أحوالها وتحصيل خواصها مع بعد حركة بعضها وقرب حركة بعضها ~~وبطئها وسرعتها وتوسطها والتفاف صورها والتباس تقاطعها وتداخل أشكالها ومن ~~الحكمة في هذا الإغفال أن الله تقدس اسمه يتم بذلك القدر المقفل والقليل ~~الذي لا يؤبه والكثير الذي لا يحاول البحث عنه أمرؤ لم يكن في حسبان الخلق ~~ولا فيما أعملوا فيه القياس والتقدير والتوهم ولهذا يحكم هذا الحاذق في ~~صناعته لهذا الملك وهذا الماهر في عمله لهذا الملك ثم يلتقيان فتكون ~~الدائرة على أحدهما مع شدة ms663 الوقاع وصدق المصاع هذا وقد حكم له بالظفر ~~والغلب # وقال آخر وهو البوشنجاني إنما يؤتي أحد الحاكمين لأحد السائلين لا من جهة ~~غلط يكون في الحساب ولا من قلة مهارة في العمل ولكن يكون في طالعه إن لا ~~يصيب في ذلك الحكم ويكون في طالع الملك إن لا يصيب منجمه في تلك الحرب ~~فمقتضى حاله وحال صاحبه يحول بينه وبين الصواب ويكون الآخر مع صحة حسابه ~~وحسن إدراكه قد وجب في طالع نفسه وطالع صاحبه ضد ذلك فيقع الأمر الواجب ~~ويبطل الآخر الذي ليس بواجب وقد كان المنجمان من جهة العلم والحساب أعطيا ~~للصناعة حقها ووفيا ما عليهما ووقفا موقفا واحدا على غير مزية بينة ولا علة ~~قائمة # قال آخر ولو لا هذه البقية المندفنة والغاية المستترة التي استأثر الله ~~بها لكان لا يعرض هذا الخطأ مع صحة الحساب ودقة النظر وشدة الغوص وتوفي ~~المطلوب ومع غلبة الهوى والميل إلى المحكوم له وهذه البقية دائرة في أمور ~~هذا الخلق فاضلهم وناقصهم و متوسطهم في دقيقها وجليلها وصعبها ومن كان له ~~في نفسه باعث على التصفح والنظر والبحث والاعتبار وقف على ما أومأت إليه ~~وسلم وبحكمة جليلة ضرب الله دون هذا العلم بالاسداد وطوي حقائقه عن أكثر ~~العباد وذلك أن العلم بما سيكون ويحدث ويستقبل علم حلو عند النفس وله موقع ~~عند العقل فلا أحد إلا وهو يتمنى إن يعلم الغيب ويطلع عليه ويدرك ما سوف ~~يكون في غد وبجد سبيلا إليه ولو ذلل السبيل إلى هذا الفن لرأيت الناس ~~يهرعون إليه ولا يؤثرون شيئا آخر عليه لحلاوة هذا العلم عند الروح ولصوقه ~~بالنفس وغرام كل أحد به وفتنة كل إنسان فيه فبنعمة من الله لم يفتح هذا ~~الباب ولم يكشف دونه الغطاء حتى يرتقي كل أحد روضة ويلزم حده ويرغب فيما هو ~~أجدى عليه وأنفع له أما عاجلا وأما آجلا فطوى الله عن الخلق حقائق الغيب ~~ونشر لهم نبذا منه وشيئا يسيرا يتعللون به ليكون هذا العلم محروصا عليه ~~كسائر ms664 العلوم ولا يكون مانعا من غيره قال فلولا هذه البقية التي فضحت ~~الكاملين وأعجزت القادرين لكان تعجب الخلق من غرائب الأحداث وعجائب الصروف ~~وطرائف الأحوال عبثا وسفها PageV02P178 وتوكلهم على الله لهوا ولعبا # فقال آخر وهذا يتضح بمثال وليكن المثال أن ملكا في زمانك وبلادك واسع ~~الملك عظيم الشأن بعيد الصيت سابغ الهيبة معروفا بالحكمة مشهورا بالحزم يضع ~~الخير في مواضعه ويوقع الشر في مواقعه عنده جزاء كل سيئة وثواب كل حسنة قد ~~رتب لبريده أصلح الأولياء له وكذلك نصب لجباية أمواله أقوم الناس بها وكذلك ~~ولى عمارة أرضه أنهض الناس بها وشرف آخر بكتابته وآخر بوزارته وآخر بنيابته ~~فإذا نظرت إلى ملكه وجدته مؤزرا بسداد الرأي ومحمود التدبير وأولياؤه ~~حواليه وحاشيته بين يديه وكل يحف إلى ما هو منوط به ويستقصي طاقته ويبذل ~~فيه والملك يأمر وينهى ويصدر ويورد ويثيب ويعاقب وقد علم صغير أوليائه ~~وكبيرهم ووضيع رعاياه وشريفهم ونبيه الناس وخاملهم أن الأمر الذي تعلق بكذا ~~وكذا صدر من الملك إلى كاتبه لأنه من جنس الكتابة وعلائقها وما يدخل في ~~شرائطها ووثائقها والأمر الآخر صدر إلى صاحب بريده لأنه من أحكام البريد ~~وفنونه والأمر الآخر ألقى إلى صاحب المعونة لأنه من جنس ما هو مرتب له ~~منصوب من أجله والحديث الآخر صدر إلى القاضي لأنه من باب الدين والحكم ~~والفصل وكل هذا مسلم إلى الملك لا يفتات عليه في شيء منه ولا يستبد بشيء ~~دونه فالأحوال على هذا كلها جارية على أصولها وقواعدها في مجاريها لا يرد ~~شيء منها إلى غير شكله ولا يرتقي إلى غير طبقته فلو وقف رجل له من الحزم ~~نصيب ومن اليقظة قسط على هذا الملك الجسيم وتصفح أبوابه بابا بابا وحالا ~~حالا وتخلل بيتا بيتا ورفع سجفا سجفا لا يمكنه أن يعلم بما يثمره له هذا ~~النظر وميزه له هذا القياس وأوقعه عليه هذا الحدس ما سيفعله هذا الملك غدا ~~وما يتقدم به إلى شهر وما يكاد يكون منه إلى سنة وسنتين لأنه يعاني ms665 الأحوال ~~ويقايس بينها ويلتقط ألفاظ الملك ولحظاته وإشاراته وحركاته ويقول في بعضها ~~رأيت الملك يفعل كذا وكذا وبفعل كذا وكذا وهذا يدل على كذا وكذا وإنما جرأه ~~هذه الجرأة على هذا الحكم والبت أنه قد ملك لحظ الملك ولفظه وحركته وسكونه ~~وتعريضه وتصريحه وجده وهزله وشكله وسجيته وتجعده واسترساله ووجومه ونشاطه ~~وانقباضه وانبساطه وغضبه ورضاه ثم هجس في نفس هذا الملك هاجس وخطر بباله ~~خاطر فقال أريد أن أعمل عملا وأوثر أثرا وأحدث حالا لا يقف عليها أوليائي ~~ولا المطيعون لي ولا المختصون بقولي ولا المتعلقون بحبالي ولا أحد من ~~أعدائي المتتبعين لأمري والمحصين لأنفاسي ولا أدرى كيف افتتحه ولا اقترحه ~~لأني متى تقدمت في ذلك إلى كل من يلوذ بي ويطوف بناحيتي كان الأمر في ذلك ~~نظير جميع أموري وهذا هو الفساد الذي يلزمني تجنبه ويجب على التيقظ فيه ~~فيقدح له الفكر الثاقب انه ينبغي أن يتأهب للصيد ذات يوم فيتقدم بذلك ~~ويذيعه فيأخذ أصحابه PageV02P179 وخاصته في أهبة ذلك واعداد الآلة فإذا ~~تكامل ذلك له أصحر للصيد وتقلب في البيداء وصمم على ما يلوح له وأمعن وراءه ~~وركض خلفه جواده ونهى من معه أن يتبعه حتى إذا وغل في تلك الفجاج الخاوية ~~والمدارج المتنائية وتباعد عن متن الجادة ووضح المحجة صادف أنسانا فوقف ~~وحاوره وفاوضه فوجده حصينا محصلا يتقدفهما فقال له أفيك خير فقال نعم وهل ~~الخير إلافي وعندي وإلا معي الق إلى ما بدا لك وخلني وذلك فقال له إن ~~الواقف عليك المكلم لك ملك هذا الإقليم فلا ترع وأهدأ فقال السعادة فيضتني ~~لك والجد أطلعك على فيقول له الملك أني أريد أن أطلعك لأرب في نفسي وأبلغ ~~بك إن بلغت لي ذلك أريد أن تكون عينا لي وصاحبا لي نصوحا وأطوي سري عن سلخ ~~فؤادك فضلا عن غيره فإذا بلغ منه التوثقة والتوكيد ألقي إليه ما يأمره به ~~ويحثه على السعي فيه وأزاح علته في جميع ما يتعلق المراد به ثم ثني عنان ~~دابته إلى وجه عسكره ms666 وأوليائه والحق بهم فقضى وطره ثم عاد إلى سريره وليس ~~عند أحد من رهطه وبطانته وغاشيته وخاصته وعامته علم بما قد أسره إلى ذلك ~~الإنسان فبينما الناس على مكانهم وغفلاتهم إذ أصبحوا ذات يوم في حادث عظيم ~~وخطب جسيم وشأن هائل فكل يقول ذلك عند ذلك ما أعجب هذا من فعل هذا متى تهيأ ~~هذا هذا صاحب البريد ليس عنده منه أثر هذا صاحب المعونة وهو عن الخبر بمعزل ~~وهذا الوزير الأكبر وهو متحير وهذا القاضي وهو متفكر وهذا حاجبه وهو ذاهل ~~وكلهم عن الأمر الذي دهم غافل وقد قضى الملك مأربته وأدرك حاجته وطلب بغيته ~~ونال غرضه فلذلك ينظر المنجم إلى زحل والمشتري والمريخ والشمس والقمر ~~وعطارد والزهرة وإلى البروج وطبائعها والرأس والذنب وتقاطهما والهيلاج ~~والكامداه وإلى جميع ماداني هذا وقاربه وكان له فيه نتيجة وثمرة فيحسب ~~ويمزج ويرسم فينقلب عليه أشياء كثيرة من سائر الكواكب التي لها حركات بطيئة ~~وآثار مطوية فينبعث فيما أهمله وأغفله وأضرب عنه لم يتسع له ما يملك عليه ~~حسه وعقله وفكره ورويته حتى لا يدري من أين أتى ومن أين دهى وكيف انفرج ~~عليه الأمر وأنسد دونه المطلب وفات المطلوب وعزب عنه الرأي هذا ولا خطأ له ~~في الحساب ولا نقص في قصد الحق وهذا كي يلاذ بالله وحده في الأمور كلها ~~ويعلم أنه مالك الدهور ومدبر الخلائق وصاحب الدواعي والعلائق والقائم على ~~كل نفس والحاضر عند كل نفس وأنه إذا شاء نفع وإذا شاء ضر وإذا شاء عافا ~~وإذا شاء أسقم وإذا شاء أغنى وإذا شاء أفقر وإذا شاء أحيا وإذا شاء أمات ~~وأنه كاشف الكربات مغيث ذوي اللهفات قاضي الحاجات مجيب الدعوات ليس فوق يده ~~يد وهو الأحد الصمد على الأبد والسرمد وقال آخر هذه الأمور وإن كانت منوطة ~~بهذه العلويات PageV02P180 مربوطة بالفلكيات عنها تحدث ومن جهتها تنبعث فإن ~~في عرضها مالا يستحق أن ينسب إلى شيء منها إلا على وجه التقريب ومثال ذلك ~~ملك له سلطان واسع ونعمة جمة فهو ms667 يفرد كل أحد بما هو لائق به وبما هو ناهض ~~فيه فيولي بيت المال مثلا خازنا أمينا كافيا شهما يفرق على يده ويخرج على ~~يده ثم أن هذا الملك قد يضع في هذه الخزانة شيئا لا علم للخازن به وقد يخرج ~~منها شيئا لا يقف الخازن عليه ويكون هذا منه دليلا على ملكه واستبداده ~~وتصرفه وقدرته # وقال آخر لما كان صاحب علم النجوم يريد أن يقف على أحداث الزمان ومستقبل ~~الوقت من خير وشر وخصب وجدب وسعادة ونحس وولاية وعزل ومقام وسفر وغم وفرح ~~وفقر ويسار ومحبة وبغض وجدة وعدم ووجدان وعافية وسقم وإلفة وشتات وكساد ~~ونفاق وإصابة وإخفاق وحياة وممات وهو إنسان ناقص في الأصل لأن نقصانه ~~بالطبع وكماله بالعرض ومع هذه الحال المحوطة بالنسخ المعروفة بالظن قد بارى ~~بارئه ونازع ربه وتتبع غيبه وتحلل حكمه وعارض مالكه فحرمه الله فائدة هذا ~~العلم وصرفه عن الانتفاع به والاستثمار من شجرته وإضافة إلى من لا يحيط ~~بشيء منه ولا يخل بشيء فيه ونظمه في باب القسر والقهر وجعل غاية سعيه فيه ~~الخيبة ونهاية علمه به الحيرة وسلط عليه في صناعته الظن والحدس والحيلة ~~والزرق والكذب والختل ولو شئت لذكرت لك من ذلك صدرا وهو مثبوت في الكتب ~~ومنثور في المجالس ومتداول بين الناس فلذلك وأشباهه حط رتبته ورده على ~~عقيبه ليعلم أنه لا يعلم إلا ما علم وأنه ليس له أن يتخطى بما علم على ما ~~جهل فإن الله سبحانه لا شريك له في غيبه ولا وزير له في ربو بيته وأنه يؤنس ~~بالعلم ليطاع ويعبد ويوحش بالجهل ليفزع إليه ويقصد عز ربنا وجل إلها وتقدس ~~مشارا إليه وتعالى معتمدا عليه # وقال آخر وهو العروضي قد يقوى هذا العلم في بعض الدهر حتى يشغف به ويدان ~~بتعلمه بقوة سماوية وشكل فلكي فيكثر الاستنباط والبحث وتشتد العناية والفكر ~~فتغلب الإصابة حتى يزول الخطأ وقد يضعف هذا العلم في بعض الدهر فيكثر الخطأ ~~فيه بشكل آخر يقتضي ذلك حتى يسقط النظر فيه ms668 ويحرم البحث عنه ويكون الدين ~~حاضر الطلب والحكم به وقد يعتدل الأمر في دهر آخر حتى يكون الخطأ في قدر ~~ذلك الصواب والصواب في قدر الخطأ وتكون الدواعي والصوارف متكافئة ويكون ~~الدين لا يحث عليه كل الحث ولا يحظر على طالبه كل الحظر قال وهذا إذا صح ~~تعلق الأمر كله بما يتصل بهذا العالم السفلي من ذلك العالم العلوي فإذا ~~الصواب والخطأ محمولان على القوى المثبتة والأنوار الشائعة والآثار الذائعة ~~والعلل الموجبة والأسباب المتوافية وقال آخر وهو البوشنجاني أيها القوم ~~اختصروا الكلام وقربوا البقية فإن الإطالة مصدة عن الفائدة مضلة للفهم ~~والفطنة هل تصح الأحكام فقال غلام زحل ليس عن هذا جواب PageV02P181 # يثبت على كل وجه فصل ولم يبن ذلك قال لأن صحتها وبطلانها يتعلقان بآثار ~~الفلك وقد يقتصى شكل الفلك في زمان أن لا يصح منها شيء وأن غيص على دقائقها ~~وبلغ إلى أعماقها وقد يزول ذلك الشكل في وقت آخر إلى أن يكثر الصواب فيها ~~والخطأ ويتقاربان ومتى وقف الأمر على هذا الحد لم يثبت على قضاء ولم يوثق ~~بجواب # وقال آخر أن الله تعالى وتقدس اخترع هذا العالم وزينه ورتبه وحسنه ووشحه ~~ونظمه وهذبه وقومه وأظهر عليه البهجة وأبطن في أثنائه الحكمة وحقه بم اضطر ~~العقول إلى تصفحه ومعرفته وحشاه بكل ما حاش النفوس إلى علمه وتعليمه ~~والتعجب من أعاجيبه وأمتع الأرواح بمحاسنه وأودعه أمورا واستحزنه أسرارا ثم ~~حرك الألباب عليها حتى استثارتها ولقطتها وأحبتها وعشقتها ودارت عليها ~~لأنها عرفت بها ربها وخالقها وإلهها وواضعها وصانعها وحافظها وكافلها ثم ~~أنه تعالى مزج بعض ما فيه ببعض وركب بعضه على بعض ونسج بعضه في بعض وأمد ~~بعضه من بعض وأحال بعضه إلى بعض بوسائط من أشخاص وأجناس وطبائع وأنفس وعلوم ~~وعقول وتصرف في ملكه بقدرته وجوده وحكمته لا معيب الفضل ولا معدوم الاختيار ~~ولا مردود الحكمة ولا مجحود الذات ولا محدود الصفات سبحانه وهو مع هذا كله ~~لم يستفد شيئا ولم ينتفع بشيء بل استفاد منه كل شيء ms669 وانتفع به كل شيء وبلغ ~~غايته كل شيء بحسب مادته المنقادة وصورته المعتادة ولم يثبت بشيء وثبت به ~~كل شيء فهو الفاعل القادر الجواد الواهب والمنيل المفضل والأول السابق فلما ~~كان الباحث عن العالم العلوي يتصفح سكانه ومعرفة آثاره ومواقعه وأسراره ~~متعرضا لأن يكون مثبتا بها لبارئه مناسبا لربه بهذا الوجه المعروف استحال ~~أن يستفيد بعلمه كما استحال أن يستفيد خالقه بفعله لمن بقصد لصوبه وحكمه ~~لزمه كليته بدت منه وصفته عادت عليه وهذه حال إذا فطن لها وأشرف ببصيرة ~~ثاقبة عليها وتحقق بحقيقتها وترقي للخبرة بسني ما فيها علم اضطرارا عقليا ~~أنها أجل وأعلى وأنفس وأسمى وأدوم وأبقي من جميع فوائد سابق العلوم التي ~~حازها أولئك العاملون لأن علم أولئك فوائد علومهم فيما حفظ عليهم حد ~~الإنسان وخلقه وعادته وخلقه وشهوته وراحته في اجتلاب نفع ودفع ضرر ونقصت ~~رتبتهم عن ومشابهته والتشبه بخاصته والتحلي بحليته ولذلك جبر الله نقصهم في ~~علمهم بفوائد نالوها ومنافع خبروها فأما من أراد معرفة هذه الخفايا ~~والأسرار من هذه الأجرام والأنوار على ما هيأت له ونظمت عليه فهو حري جدير ~~أن يعري من جميع ما وجده صاحب كل علم في علمه من المرافق والمنافع ويفرد ~~بالحكم من رتبها على ما هي عليه غير مستفيد بذلك فائدة ولا جدوى وهذه لطيفة ~~شريفة متى وقف عليها حق الوقوف وتقبلت حتى التقبل كان المدرك لها أجل من كل ~~فائت وإن عز PageV02P182 # لأنها بشرية صارت إلهيه وجسمية استحالت روحانية وطينية انقلبت نوريه ~~ومركب عاد بسيطا وجزء استحال كلا وهذا أمر قلما يهتدي إليه ويتنبه عليه # وقال آخر وهو أبو سليمان المنطقي وقد سأله أبو حيان تلميذه عن هذه ~~الأجوبة وما فيها من حق وباطل أن ههنا أنفسا خبيثة وعقولا رديه ومعارف ~~خسيسة لا يجوز لأربابها أن ينشقوا ريح الحكمة أو يتطاولوا إلى غرائب ~~الفلسفة والنهى ورد من أجلهم وهو حق فأما النفوس التي قوتها الحكمة وبلغتها ~~العلم وعدتها الفضائل وعقدتها الحقائق وذخرها الخيرات وعادتها المكارم ~~وهمتها المعالي فأن ms670 النهى لم يوجه إليها والعتب لم يوقع عليها وكيف يكون ~~ذلك وقد بان بما تكرر من القول أن فائدة هذا العلم أجل فائدة وثمرته أجل ~~ثمرة ونتيجته أشرف نتيجة فليكن هذا كله كافا عن سوء الظن وكافيا لك فيما ~~وقع فيه القول وطال بين هؤلاء السادة الجحاجحة في العلم والفهم والبيان ~~والنصح انتهت الحكاية فليتأمل من أنعم الله عليه بالعقل والعلم والإيمان ~~وصانه عن تقليد هؤلاء وأمثالهم من أهل الحيرة والضلال ما في هذه المحاورة ~~وما انطوت عليه من اعترافهم بغاية علمهم ومستقر أقدامهم فيه وما حكموا به ~~على أنفسهم من مقتضي حكمة الله فيهم أن يسلبهم ثمرات علوم الناس وفوائدها ~~وأن يكسوهم لباس الخيبة وقهر الناس لهم وإذلالهم إياهم وإن يجعل نصيب كل ~~أحد من العلم والسعادة فوق نصيبهم وأن يجعل رزقهم من أبواب الكذب والظن ~~والزرق وهو أخبث مكاسب العالم ومكسب البغايا وأرباب المواخير خير من مكاسب ~~هؤلاء لأنهم كسبوها بذنوب وشهوات وهؤلاء اكتسبوا ما اكتسبوه بالكذب على ~~الله وادعاء ما يعلمون هم فيه كذب أنفسهم # والعجب من شهادتهم على أنفسهم أن حكمة الله سبحانه اقتضت ذلك فيهم ~~لتعاطيهم مشاركته في غيبه والاطلاع على أسرار مملكته وتعديهم طور العبودية ~~التي هي سمتهم إلى طور الربوبية الذي لم يجعل لأحد سبيلا إليه فاقتضت حكمة ~~العزيز الحكيم إن عاملهم بنقيض قصودهم وعكس مراداتهم وجعل كل واحد فوقهم في ~~كل ملة ورمي الناس باللسان العام والخاص لهم بأنهم أكذب الناس فأنهم هم ~~الزنادقة الدهرية أعداء الرسل وسوس المال وإن طالعهم على من حسن الظن بهم ~~وتقيد بأحكامهم في حركاته وسكناته وتدبيره شر طالع والملك والولاية المسوس ~~بهم أذل ملك وأقله ومن له شيء من تجارب الأمم وأخبار الدول والوزراء وغيرهم ~~فعنده من العلم بهذا ما ليس عند غيره ولهذا الملوك والخلفاء والوزراء الذين ~~لهم قبول في العالم وصيت ولسان صدق هم أعداء هؤلاء الزنادقة كالمنصور ~~والرشيد والمهدى وكخلفاء بني أمية وكالملوك المؤيدين في الإسلام قديما ~~وحديثا كانوا أشد الناس إبعاد لهؤلاء ms671 عن أبوابهم ولم تقم لهم سوق في عهدهم ~~إلا عند أشباههم ونظرائهم من كل منافق متستر بالإسلام أو جاهل مفرط ~~PageV02P183 # في الجهل أو ناقص العقل والدين وهؤلاء المذكورون في هذه المحاورة لما ~~صحوا وخلا بعضهم ببعض ولم يمكنهم أن يعتمدوا من التلبيس والكذب والزرق مع ~~بعضهم بعضا ما يعتمدونه مع غيرهم تكلموا بما عندهم في ذلك من الإعتراف ~~بالجهل وأن الأمر إنما هو حدس وظن وزرق وأن أحوال العالم العلوي أجل وأعظم ~~من أن تدخل تحت معارفهم وتكال بقفزان عقولهم وأن جهلهم بذلك يوجب ولابد ~~جهلهم الأحكام وأنهم لا توثق لهم بشيء مما فيه لجواز تشكل الفلك بشكل يقتضى ~~بطلان جميع الاحكام وتشكله بشكل يكون بطلانها وصحتها بالنسبة إليه على ~~السواء وليس لهم علم بانتفاء هذا الشكل ولا بوقت حصوله فإنه ليس جاريا على ~~قانون مضبوط ولا على حساب معروف ومع هذا فكيف ينبغي لعاقل الوثوق بشيء من ~~علم أحكامهم وهذه شهادة فضلائهم وأئمتهم ولو أن خصومهم الذين لا يشاركونهم ~~في صناعتهم قالوا هذا القول لم يكن مقبولا كقبوله منهم والحمد لله الذي ~~أشهد أهل العلم والإيمان جهل هؤلاء وحيرتهم وضلالهم وكذبهم وافترئهم ~~بشهادتهم على نفوسهم وعلى صناعتهم وأن استفاد كل ذي علم بعمله وكل ذي صناعة ~~بصناعته أعظم من استفادتهم بعلمهم وأن أحدا منهم لا يمكنه أن يعيش إلا في ~~كنف من لم يحط من هذا العلم بشيء وتحت ظل من هو أجهل الناس ومن العجب قولهم ~~أن طالع أحد الملكين المتغالبين قد يكون مقتضيا أن لا يصيب منجمه في تلك ~~الحرب وطالع المنجم يقتضي خطأه في ذلك الحكم وطالع خصمه ومنجمه بالضد ~~فليعجب ذو اللب من هذا الهذيان وتهافته فإذا كان الطالع مقتضيا أن لا يصيب ~~المنجم في تلك الحرب وقد أعطى الحساب والحكم حقه عند أرباب الفن بحيث يشهد ~~كل واحد منهم أن الحكم ما حكم به أفليس هذا من أبين الدلائل على بطلان ~~الوثوق بالطالع وأن الحكم به حكم بغير علم وحكم بما يجوز كذبه فما ms672 في ~~الوجود أعجب من هذا الطالع الصادق الكاذب المصيب المخطيء وأعجب من هذا أن ~~الطالع بعينه يكون قد حكم به لظفر عدو هذا عليه منجمه فوافق القضاء والقدر ~~ذلك الطالع وذلك الحكم فيكون أحد المنجمين قد أصاب لملكه طالعا وحكما ~~والآخر قد أخطأ لملكه وقد خرجا بطالع واحد وأعجب من هذا كله تشكل الفلك ~~بشكل وحصول طالع سعد فيه باتفاق ملأكم فيحدث معه من علو كلمة من لا يعبؤن ~~به ولا يعدونه وظهور أمرهم واستيلائهم على المملكة والرئاسة والعز والحياة ~~ولهجهم بذمكم وعيبكم وإبداء جهلكم وزندقتكم وإلحادكم محتاجون أن ~~تنضوواإليهم وتعتصموا بحبلهم وتترسوا بهم وتقولون لهم بألسنتكم ما تنطوي ~~قلوبكم على خلاقه مما لو أظهر تموه لكنتم حصائد سيوفهم كما صرتم حصائد ~~ألسنتهم فأي سعد في هذا الطالع لعمري أم أي خير فيه وليت شعري كيف لم يوجب ~~لكم هذا الطالع بارقة من سعادة أو لائحا من عز وقبول ولكن هذه حكمة رب ~~PageV02P184 الطالع ومدبر الفلك وما حواه ومسخر الكواكب ومجريها على ما ~~يشاء سبحانه أن جعلكم كالذمة بل أذل منهم تحت قهر عبيده وجعل سهام سعادتهم ~~من كل خير وعلم ورئاسة وجاه أوفر من سهامكم وبيوت شرفهم في هذا العالم اعمر ~~من بيوتكم بل خرب بيوتكم بأيديهم فلا ينعمر منها بيت ألا بالانضمام إليهم ~~والانتماء إلى شريعتهم وملتهم وهذا شأن العزيز الحكيم في الكذابين عليه قال ~~تعالى أن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذله في الحياة الدنيا ~~وكذلك نجزي المفترين قال أبو قلابة هي لكل مفتر من هذه الأمة يوم القيامة ~~وهذه المحاورة التي جرت بين أصحاب هذا المجمع هي غاية ما يمكن النجومي أن ~~يقوله ولا يصل إلى ذلك المبرزون منهم ومع هذا فقد رأيت حاصلها ومضمونها ~~ولعلهم لو علموا أن هذه الكلمات تعتد من جماعتهم وتتصل بأهل الإيمان لم ~~ينطقوا منها ببنت شفة ويأبى الله إلا أن يفضح المفترى الكذاب وينطقه بما ~~يبين باطلة 0 # # | فصل قال صاحب الرسالة ذكر جمل من احتجاجهم والاحتجاج عليهم ms673 من إوكد # ما يستدلون به على أن الكواكب تفعل في هذا العالم أولها دلالة على ما ~~يحدث فيه انهم امتحنوا عدة مواليد صححوا طوالعها وجماعة مسائل راعوها ~~فوجدوا القضية في جميع ذلك صادقة فدلهم ذلك على أن الأصول التي عملوا عليها ~~صحيحة فيقال لهم إذا كان ما تدعونه من هذا دليلا على صحة الأحكام فما الفضل ~~بينكم وبين من قال الدليل على بطلان الأحكام أن امتحنا مواليد صححنا ~~طوالعها ومسائل تفقدنا أحوالها فوجدنا جميعها باطلا ولم يصح الحكم في شيء ~~منها # فإن قالوا إنما يكون هذا لجواز الغلط على المنجم الذي عملها قيل لكم فما ~~تنكرون من أن يكون صدق المنجم في حكمه باتفاق وتخمين كإخراج الزوج والفرد ~~وصدق الحزر في الوزن والكيل والذرع والعدد وإذا كانت الدلالة على صحة ~~مقالتكم صدقكم في بعض أحكامكم فالدلالة على بطلانها كذبكم في بعضها # فإن قالوا ليس ما قلناه بتخمين لانا إنما نحكمه على أصول موضوعة في كتب ~~القدماء قيل لهم لسنا نشك في أنكم تتبعون ما في الكتب وتقلدون من تقدمكم ~~وما يقع من الصدق فإنما يقع بحسب الأنفاق والذي حصلتم عليه هو الحدس ~~والتخمين بحسب ما في الكتب # ومما يستدل به من ينتسب إلى الإسلام منهم على تصحيح دلالة النجوم قوله ~~تعالى فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ولا حجة في هذا البتة لأن إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام إنما قال هذا ليدفع به قومه عن نفسه ألا ترى أنه عز ~~وجل قال بعد فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون فبين تبارك ~~وتعالى أنه إنما قال ذلك ليدفعهم به لما كان عزم عليه من أمر PageV02P185 ~~الأصنام وليس يحتاج أحد إلى معرفة أصحيح هو أم سقيم من النجوم لأن ذلك يوجد ~~حسا ويعلم ضرورة ولا يحتاج فيه إلى استدلال وبحث قلت قد احتج لهم بغير هذه ~~الحجج فنذكرها ونبين بطلان استدلالهم بها وبيان الباطل منها قال أبو عبد ~~الله الرازى اعلم أن المثبتين لهذا العلم احتجوا من كتاب الله ms674 بآيات # إحداها الآيات الدالة على تعظيم هذه الكواكب فمنها قوله تعالى فلا أقسم ~~بالخنس والجواري الكنس وأكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تسير ~~راجعة تارة ومستقيمة أخرى ومنها قوله تعالى فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه ~~لقسم لو تعلمون عظيم وقد صرح تعالى بتعظيم هذا القسم وذلك يدل على غاية ~~جلالة مواقع النجوم ونهاية شرفها ومنها قوله تعالى والسماء والطارق وما ~~أدراك ما الطارق النجم الثاقب قال ابن عباس الثاقب هو زحل لأنه يثقب بنوره ~~سمك السموات السبع ومنها أنه تعالى بين ألهيته بكون هذه الكواكب تحت تدبيره ~~وتسخيره فقال والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر ~~تبارك الله رب العالمين النوع الثاني الآيات الدلة على أن لها تأثيرا في ~~هذا العالم كقوله تعالى فالمدبرات أمرا وقوله فالمقسمات أمرا قال بعضهم ~~المراد هذه الكواكب # النوع الثالث الآيات الدالة على أنه تعالى وضع حركات هذه الأجرام على وجه ~~ينتفع بها في مصالح هذا العالم فقال @QB@ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر ~~نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ~~@QE@ وقال @QB@ تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا ~~منيرا @QE@ # النوع الرابع أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام انه تمسك بعلوم ~~النجوم فقال فنظرة نظرة في النجوم فقال إني سقيم النوع الخامس أنه قال لخلق ~~السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولا يكون ~~المراد من هذا كبر الجثة لأن كل أحد يعلم ذلك فوجب أن يكون المراد كبر ~~القدر والشرف وقال تعالى ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا ولا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى خلقها ليستدل بتركيبها وتأليفها ~~على وجود الصانع لأن هذا القدر حاصل في تركيب البقة والبعوضة وفي حصول ~~الحياة في بنية الحيوانات على وجود الصانع أقوى من دلالة تركيب الأجرام ~~الفلكية على وجود الصانع لأن الحياة لا يقدر عليها أحد ألا الله أما تركيب ~~الأجسام وتأليفها فقد يقدر ms675 على جنسه غير الله فلما كان هذا النوع من الحكمة ~~حاصلا في غير الأفلاك ثم أنه تعالى خصها بهذا التشريف وهو قوله @QB@ ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا @QE@ علمنا أن له تعالى في تخليقها أسرارا عالية وحكما ~~بالغة تتقاصر عقول البشر عن إدراكها ويقرب من هذه الآية قوله تعالى @QB@ ~~وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار @QE@ ولا يمكن أن يكون المراد أنه تعالى خلقها على وجه يمكن ~~PageV02P186 الاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم لأن كونها دالة على ~~الافتقار إلى الصانع أمر ثابت لها لذاتها لأن كل متحيز فهو محدث وكل محدث ~~فإنه مفتقر إلى الفاعل فثبت أن دلالة المتحيزات على وجود الفاعل أمر ثابت ~~لها لذواتها وأعيانها وما كان كذلك لم يكن سبب الفعل والجعل فلم يمكن حمل ~~قوله @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا @QE@ على هذا الوجه ~~فوجب حمله على الوجه الذي ذكرناه # النوع السادس روى أن عمر بن الخيام كان يقرأ كتاب المجسطي على استاذه ~~فدخل عليهم واحد من أجلاف المتفقهة فقال لهم ماذا تقرؤن فقال عمر بن الخيام ~~نحن في تفسير آية من كتاب الله افلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها ومالها من فروج فنحن ننظر كيف خلق السماء وكيف بناها وكيف صانها عن ~~الفروج : النوع السابع أن إبراهيم عليه السلام لما استدل على إثبات الصانع ~~تعالى بقوله ربى الذي يحي ويميت قال له نمرود أتدعى أنه يحي ويميت بواسطة ~~الطبائع والعناصر أو لا بواسطة هذه الأشياء فان ادعيت الأول فلذلك مما لا ~~تجده البتة لأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما يحدث بواسطة أحوال العناصر ~~الأربعة والحركات الفلكية وإذا ادعيت الثاني فمثل هذا الإحياء والإماتة ~~حاصل منى ومن كل أحد فإن الرجل قد يكون سببا لحدوث الولد لكن بواسطة تمزيج ~~الطبائع وتحريك الأجرام الفلكية ولذلك قد نمت بهذه الوسائط وهذا هو المراد ~~من قوله تعالى حكاية عن الخصم أنا أحي وأميت ثم أن إبراهيم ms676 عليه الصلاة ~~والسلام أجاب عن هذا السؤال بقوله فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب يعني هب أنه سبحانه إنما يحدث حوادث هذا العالم بواسطة الحركات ~~الفلكية لكنه تعالى هو المبديء للحركات الفلكية لأن تلك الحركات لا بد لها ~~من سبب ولا سبب لها سوى قدرة الله تعالى فثبت أن حوادث هذا العالم وأن ~~سلمنا إنها إنما حصلت بواسطة الحركات الفلكية لكنه لما كان المدبر لتلك ~~الحركات بواسطة الطبائع وحركات الأفلاك إلا أن حركات الأفلاك ليست منا ~~بدليل أنا لا نقدر على تحريكها على خلاف التحريك الإلهي وظهر الفرق وهذا هو ~~المراد من قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب يعنى هب أن هذه الحوادث في هذا العالم حصلت بحركة الشمس ~~من المشرق إلا أن هذه الحركات من الله لأن كل جسم متحرك فلا بد له من محرك ~~وذلك المحرك لست أنت ولا أنا فلم لا نحركها من المغرب فثبت أن اعتماد ~~إبراهيم الخليل عليه السلام في معرفة ثبوت الصانع على الدلائل الفلكية وأنه ~~ما نازع الخصم في كون هذه الحوادث السفلية مرتبطة بالحركات الفلكية واعلم ~~انك إذا عرفت نهج الكلام في هذا الباب علمت أن القرآن مملوء من تعظيم ~~الأجرام الفلكية وتشريف الكرات الكوكبية : # وأما الأخبار فكثيرة منها ما روى عن النبي PageV02P187 أنه نهى عند قضاء ~~الحاجة عن استقبال الشمس والقمر واستدرهما ومنها أنه لما مات ولده إبراهيم ~~انكسفت الشمس ثم إن الناس قالوا إنما انكسفت لموت إبراهيم فقال إن الشمس ~~والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك ~~فافزعوا إلى الصلاة ومنها ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فامسكوا وإذا ذكر النجوم ~~فامسكوا ومن الناس من يروى إنه قال لا تسافروا والقمر في العقرب ومنهم من ~~يروى ذلك عن على رضى الله عنه وأن كان المحدثون لا يقبلونه # وأما ms677 الآثار فكثيرة منها أن رجلا أتاه فقال له إني أريد الخروج في تجارة ~~وكان ذلك في محاق الشهر فقال تريد أن يمحق الله تجارتك استقبل هلال الشهر ~~بالخروج وعن عكرمة أن يهوديا منجما قال له ابن عباس ويحك تخبر الناس بما لا ~~تدرى فقال اليهودي أن لك ابنا وهو في المكتب ويجيء غدا محموما ويموت في ~~اليوم العاشر منه قال ابن العباس ومتى تموت أنت قال في رأس السنة ثم قال ~~لابن عباس قال لا تموت أنت حتى تعمى ثم جاء ابن عباس وهو محموم ومات في ~~العاشر ومات اليهودي في رأس السنة ولم يمت ابن عباس رضى الله عنه حتى ذهب ~~بصره وعن الشعبي رضى الله عنه قال أبو الدرداء والله لقد فارقنا رسول الله ~~وتركنا ولا طائر يطير بجناحيه إلا ونحن ندعى فيه علما وليست الكواكب موكلة ~~بالفساد والصلاح ولكن فيها دليل بعض الحوادث عرف ذلك بالتجربة وجاء في ~~الآثار أن أول من أعطى هذا العلم آدم وذلك إنه عاش حتى أدرك من ذريته ~~أربعين ألف أهل البيت وتفرقوا عنه في الأرض وكان يغتم لخفاء خبرهم عليه ~~فأكرمه الله تعالى بهذا العلم وكان إذا أراد أن يعرف حال أحدهم حسب له بهذا ~~الحساب فيقف على حالته وعن ميمون بن مهران أنه قال إياكم والتكذيب بالنجوم ~~فإنه علم من علم النبوة وعنه أيضا انه قال ثلاث ارفضوهن لا تنازعوا أهل ~~القدر ولا تذكروا أصحاب نبيكم ألا بخير وإياكم والتكذيب بالنجوم فإنه من ~~علم النبوة وروى أن الشافعي كان عالما بالنجوم وجاء لبعض جيرانه ولد فحكم ~~له الشافعي أن هذا الولد ينبغي أن يكون على العضو الفلان منه خال صفته كذا ~~وكذا فوجد الأمر كما قال وأيضا انه تعالى حكى عن فرعون أنه كان يذبح أبناه ~~بني إسرائيل ويستحي نساءهم والمفسرون قالوا إن ذلك إنما كان لأن المنجمين ~~أخبروه بأنه سيجيء ولد من بني إسرائيل ويكون هلاكه على يده وهذه الرواية ~~ذكرها محمد بن إسحاق وغيره وهذا يدل على اعتراف ms678 الناس قديما وحديثا بعلم ~~النجوم وأما المعقول فهو أن هذا علم ما خلت عنه ملة من الملل ولا أمة من ~~الأمم ولا يعرف تاريخ من التواريخ القديمة والحديثة إلا وكان أهل ذلك ~~الزمان مشتغلين بهذا العلم ومعولين عليه PageV02P188 في معرفة المصالح ولو ~~كان هذا العلم فاسدا بالكلية لاستحال إطباق أهل المشرق والمغرب من أول بناء ~~العالم إلى آخره عليه # وقال بطليموس في بعض كتبه بعض الناس يعيبون هذا العلم وذلك العيب إنما ~~حصل من وجوه الأول عجزهم عن معرفة حقيقة موضع الكواكب بدقائقها ومراتبها ~~وذلك إن الآلات الرصدية لا تنفك عن مسامحات لا يفي بضبطها الحس لأجل قلتها ~~في الآلات الرصدية لكنها وإن قلت هذه الآلات إلا أنها في الأجرام الفلكية ~~كثيرة فإذا تباعدت الأرصاد حصل بسبب تلك المسامحات تفاوت عظيم في مواضع ~~الكواكب # الثاني أن هذا العلم علم مبني على معرفة الدلائل الفلكية وتلك الدلائل لا ~~تحصل إلا بتمزيجات أحوال الكواكب وهي كثيرة جدا ثم أنها مع كثرتها قد تكون ~~متعارضة ولا بد فيها من الترجيح وحينئذ يصعب على أكثر الإفهام الإحاطة بتلك ~~التمزيجات الكثيرة وبعد الإحاطة بها فإنه يصعب الترجيحات الجيدة فلهذا ~~السبب لا يتفق من يحيط بهذا العلم كما ينبغي إلا الفرد بعد الفرد ثم أن ~~الجهال يظهرون من أنفسهم كونهم عارفين بهذا العلم فإذا حكموا وأخطؤا ظن ~~الناس أن ذلك بسبب أن هذا العلم ضعيف الثالث أن هذا العلم لا يفي بإدراك ~~الجزئيات على وجه الفصيل الباهر فمن حكم على هذا الوجه فقد يقع في الخطأ ~~فلهذه الأسباب الثلاثة توجهت المطاعن إلى هذا العلم وحكى أن الأكاسرة كان ~~إذا أراد أحدهم طلب الولد أمر بإحضار المنجم ثم كان ذلك الملك يخلو بامرأته ~~فساعة ما يقع الماء في الرحم يأمر خادما على الباب بضرب طستا يكون في يده ~~فإذا سمع المنجم طنين الطست أخذ الطالع وحكم عليه حتى يخبر بعدد الساعات ~~التي يمكث في بطن أمه ثم أنه كان يأخذ الطالع أيضا عند الولادة مرة أخرى ~~ويحكم ms679 فلا جرم كانت أحكامهم كاملة قوية لأن الطالع الحقيقي هو طالع مسقط ~~النطفة فإن حدوث الولد إنما يكون في ذلك الوقت فأما طالع الولادة فهو وطالع ~~مستعار لأن الولد لا يحدث في ذلك الوقت وإنما ينتقل من مكان إلى مكان آخر ~~وروى أن في عهد أردشير بن بابك أنه قال في العهد الذي كتبه لولده لولا ~~اليقين بالبوار الذي على رأس ألف سنة لكنت أكتب لكم كتابا أن تمسكتم به لن ~~تضلوا أبدا وعنى بالبوار ما أخبره المنجمون من أنه يزول ملكهم عند رأس ألف ~~سنة من ملك كستاست والمراد منه زوال دولتهم وظهور دولة الإسلام وروى أنه ~~دخل المفضل ابن سهل على المأمون في اليوم الذي قتل فيه وأخبره أنه يقتل في ~~هذا اليوم بين الماء والنار وأنكر المأمون ذلك عليه وقوى قلبه ثم اتفق أنه ~~دخل الحمام فقتل في الحمام وكان الأمر كما أخبر ثم قال واعلم إن التجارب في ~~هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية # قلت فهذا أقصى ماقرر به الرازى كلام هؤلاء ومذهبهم ولقد نثر الكنانة ونفض ~~الجعبة واستفرغ الوسع وبذل الجهد وروح وبهرج وقعقع وفرقع وجعجع ولا ترى ~~طحنا وجمع بين ما يعلم بالاضطرار أنه كذب على PageV02P189 رسول الله وعلى ~~أصحابه وبين ما يعلم بالاضطرار أنه خطأ في تأويل كلام الله ومعرفة مراده ~~ولا يروج ما ذكره ألا على مفرط في الجهل بدين الرسل وما جاؤا به أو مقلد ~~لأهل الباطل والمحال من المنجمين و أقاويلهم فإن جمع بين الأمرين شرب كلامه ~~شربا ونحن بحمد الله ومعونته وتأييده نبين بطلان استدلاله واحتجاجه فنقول ~~أما الاستدلال بقوله تعالى @QB@ فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس @QE@ فإن ~~أكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تسير راجعة تارة ومستقيمة ~~أخرى وهذا القول قد قاله جماعة من المفسرين وأنها الكواكب الخمسة زحل ~~وعطارد والمشترى والمريخ والزهرة وروى عن على واختاره ابن مقاتل وابن قتيبة ~~قالوا وسماها خنسا لأنها في سيرها تتقدم إلى جهة المشرق ثم تخنس أي تتأخر ~~وكنوسها إستتارها ms680 في معربها كما تكنس الظباء وتفر من الوحوش إلى أن تأوي ~~إلى كناسها وهي أكنتها وتسمى هذه الكواكب المتحيرة لأنها تسير مستقيمة ~~وتسير راجعة وقيل كنوسها بالنسبة إلى الناظر وهو استتارها تحت شعاع الشمس ~~وقيل هي النجوم كلها وهو اختيار أبي عبيدة وقال الحسن وقتادة وعلى هذا ~~القول فيكون باعتبار أحوالها الثلاثة من طلوعها وغروبها وما بينهما فهي خنس ~~عند أول الطلوع لأن النجم منها يرى كأنه يبدو ويخنس وتكنس عند غروبها تشبها ~~بالظباء التي تأوي إلى كناسها وهي جوار ما بين طلوعها وغروبها خنس عند ~~الطلوع جوار بعده كنس عند الغروب وهذا كله بالنسبة إلى أفق كل بلد تكون لها ~~فيه الأحوال الثلاثة وقال عبد الله بن مسعود هي بقر الوحش وهي رواية عن ابن ~~عباس واختاره سعيد بن جبير وقيل وهو أضعف الأقوال الملائكة حكاه المروزي في ~~تفسيره فإن كان المراد بعض هذه الأقوال غير ما حكاه الرازي فلا حجة له وإن ~~كان المراد ما حكاه فغايته إن يكون الله سبحانه وتعالى قد أقسم بها كما ~~أقسم بالليل والنهار والضحى والوالد والفجر وليال عشر والشفع والوتر ~~والسماء والأرض واليوم الموعود وشاهد ومشهود والنفس والمرسلات والعاصفات ~~والناشرات والفارقات والنازعات والناشطات والسابحات والسابقات وما نبصره ~~ومالا نبصره من كل غائب عنا وحاضر مما فيه التنبيه على كمال ربو بيته وعزته ~~وحكمته وقدرته وتدبيره وتنوع مخلوقاته الدالة عليه المرشدة إليه بما تضمنته ~~من عجائب الصنعة وبديع الخلقة وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد ~~الذي لا شريك له وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربو بيته ~~وملكه وأنها مسخرة مذللة منقادة لأمره مطيعة لمراده منها ففي الأقسام بها ~~تعظيم لخالقها تبارك وتعالى وتنزيه له عما نسبه إليه أعداؤه الجاحدون ~~المعطلون لربو بيته وقدرته ومشيئتة ووحدانيته وأن من هذه عبيده ومماليكه ~~وخلقه وصنعه وإبداعه فكيف تجحد ربو بيته وألهيته وكيف تنكر صفات كماله ~~ونعوت جلاله وكيف يسوغ لذي حس سليم وفطرة PageV02P190 # مستقيمة تعطيلها عن صانعها أو تعطيل صانعها عن نعوت جلاله وأوصاف ms681 كماله ~~وعن أفعاله فأقسامة بها أكبر دليل على فساد قول نوعي المعطلة والمشركين ~~الذين جعلوها آلهة تعبد مع دلائل الحدوث والعبودية والتسخير والافتقار ~~عليها وإنها أدلة على بارئها وفاطرها وعلى وحدانيته وأنه لا تنبغي الربوبية ~~والإلهية لها بوجه ما بل لا تنبغي ألا لمن فطرها وبرأها كما قال القائل : # تأمل سطور الكائنات فإنها إلى الملك الأعلى إليك رسائل % وقد خط فيها لو ~~تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وقال آخر : # فوا عجبا كيف يعصي الألهه % أم كيف يجحده جاحد # لله في كل تحريكة % وتسكينة أبدا شاهد # وفي كل شيء له آية % تدل على أنه واحد # فلم يكن إقسامه بها سبحانه مقررا بذلك علم الأحكام النجومية كما يقوله ~~الكاذبون المفترون بل مقررا لكمال ربوبيته ووحدانيته وتفرده بالخلق ~~والابداع وكمال حكمته وعلمه وعظمته وهذا نظير إخباره سبحانه عن خلقها وعن ~~حكمة خالقها بقوله الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر ~~بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ~~وقوله @QB@ وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ~~@QE@ وقوله @QB@ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ~~ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون @QE@ وقوله إن ربكم ~~الله الذي خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه ~~حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين وقوله @QB@ وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون @QE@ وهؤلاء المشركون يعظمون ~~الشمس والقمر والكواكب تعظيما يسجدون لها ويتذللون لها ويسبحونها تسابيح ~~معروفة في كتبهم ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده ~~ويقول بعضهم في كتاب مصحف الشمس مصحف القمر مصحف زحل مصحف عطارد بعضهم يقول ~~تسبيحة الشمس تسبيحة القمر تسبيحة عطارد تسبيحة زحل ولا يتحاشى من ذلك ~~وبعضهم يقول دعوة الشمس دعوة القمر دعوة عطارد دعوة زحل وبعضهم ms682 يقول هيكل ~~الشمس والقمر وعطارد وأصله أن الهيكل هو البيت المبني للعبادة وكان ~~الصابئون يبنون لكل كوكب من هذه الكواكب هيكلا ويصورون فيه ذلك الكوكب ~~ويتخذونه لعبادته وتعظيمه ودعائه ويزعمون أن روحانية ذلك الكوكب تتنزل ~~عليهم فتخاطبهم وتقضي حوائجهم وشاهدوا PageV02P191 ذلك منها وعاينوه وتلك ~~الروحانية هي الشياطين تنزلت عليهم وخاطبتهم وقضت حوائجهم ثم لما رام هذا ~~الفعل من تستر منهم بالإسلام ولم يمكنه أن يبني لها بيوتا يعبدها فيه كتب ~~لها دعوات وتسبيحات وأذكارا سماها هيا كل ثم من اشتد تستره وخوفه أخرجها في ~~قالب حروف وكلمات لا تفهم لئلا يبادر انكارها وردها ومن لم يخف منهم صرح ~~بتلك الدعوات والتسبيحات والاذكار بلسان من يخاطبه بالفارسية والعربية ~~وغيرها فلما أنكر عليه أهل الإيمان قال إنما ذكرت هذا معرفة لهذا العلم ~~وإحاطة به لا اعتقادا له ولا ترغيبا فيه وقد وصف ذلك العلم وقرره أتم تقرير ~~وحمله هدية إلى ملكه فأثابه عليه جملة من الذهب يقال أنه ألف دينار وصار ~~ذلك الكتاب إماما لأهل هذا الفن اليه يلجئون وعليه يعولون وبه يحتجون ~~ويقولون شهرة مصنفة وجلالته وعلمه وفضله لا تنكر ولا تجحد وفي هذا الكتاب ~~من مخاطبة الشمس والقمر والكواكب بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله عز وجل ~~ولا ينبغي لاحد سواه ومن الخضوع والذل والعبادة التي لم يكن عباد الأصنام ~~يبلغونها من آلهتهم فبالله أتجعل قوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوارى الكنس ~~دليلا على هذا ومقدمة له في أول الكتاب فان كان الإقسام بها دليلا على ~~تأثيراتها في العالم كما يقولون فينبغي أن يكون سائر ما أقسم به كذلك وان ~~لم يكن القسم دليلا بطل الاستدلال به وأما قوله تعالى @QB@ فلا أقسم بمواقع ~~النجوم @QE@ ففيها قولان # أحدهما أنها النجوم المعروفة وعلى هذا ففي مواقعها أقوال أحدها انه ~~انكدارها وانتشارها يوم القيامة وهذا قول الحسن والمنجمون يكذبون بهذا ولا ~~يقرون به والثاني مواقعها منازلها قاله عطاء وقتادة والثالث انه مغاربها ~~والرابع انه مواقها عند طلوعها وغروبها حكاه ابن عطية عن مجاهد ms683 وأبي عبيدة # والخامس أن مواقعها مواضعها من السماء وهذا الذى حكاه ابن الجوزى عن ~~قتادة حكاه ابن عطية عنه فيحتمل أن يكونا واحدا وان يكونا قولين # السادس أن مواقعها انقضاضها أثر العفريت وقت الرجوم حكاه ابن عطية ايضا ~~ولم يذكر أبو الفرج ابن الجوزى سوى الثلاثة الأول والقول الثاني أن مواقع ~~النجوم هى منازل القرآن ونجومه التى نزلت على النبي فى مدة ثلاث وعشرين سنة ~~قال ابن عطية ويؤيد هذا القول عود الضمير على القرآن في قوله @QB@ إنه ~~لقرآن كريم في كتاب مكنون @QE@ وذلك ان ذكره لم يتقدم الا على هذا التأويل ~~ومن لا يتأول هذا التأويل يقول ان الضمير يعود على القرآن وان لم يتقدم ~~ذكره لشهرة الأمر ووضوح المعنى كقوله تعالى @QB@ حتى توارت بالحجاب @QE@ ~~وكل من عليها فان وغير ذلك قلت ويؤيد القول الأول انه أعاد الضمير بلفظ ~~الإفراد والتذكير ومواقع النجوم جميع فلو كان الضمير عائدا عليها لقال انها ~~لقرآن كريم الا لأن يقال مواقع النجوم دل على القرآن فأعاد الضمير ~~PageV02P192 عليه لأن مفسر الضمير يكتفى فيه بذلك وهو من أنواع البلاغة ~~والايجاز فأن كان المراد من القسم نجوم القرآن بطل استدلاله بالآية وان كان ~~المراد الكواكب وهو قول الأكثرين فلما فيها من الآيات الدالة على ربوبية ~~الله تعالى وانفراده بالخلق والابداع فانه لا ينبغى ان تكون الإلهية ألا له ~~وحده كما انه وحده المتفرد بخلقها وابداعها وما تضمنته من الآيات والعجائب ~~فالإقسام بها أوضح دليل على تكذيب المشركين والمنجمين والدهرية ونوعى ~~المعطلة كما تقدم وكذلك قوله والنجم الثاقب على ان فيه قولين آخرين غير ~~القول الذى ذكره # أحدهما أنه الثريا وهذا قول ابن زيد حكاه عنه أبو الفرج بن الجوزى وعنه ~~رواية ثانية انه زحل حكاها عنه ابن عطية # والثانى انه الجدى حكاه ابن عطية عن ابن عباس وقول آخر حكاه أبو الفرج بن ~~الجوزى عن على بن أحمد النيسابوري أنه جنس النجوم وأما قوله تعالى @QB@ ~~فالمدبرات أمرا @QE@ فلم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا ms684 العلماء ~~بالتفسير انها النجوم وهذه الروايات عنهم فقال ابن عباس هى الملائكة قال ~~عطاء وكلت بأمور عرفهم الله العمل بها وقال عبد الرحمن بن ساباط يدبر أمور ~~الدينا أربعة جبريل وهو موكل بالوحي والجنود وميكائيل وهو موكل بالقطر ~~والنبات وملك الموت وهو موكل بقبض الأنفس واسرافيل وهو ينزل بالأمر عليهم ~~وقيل جبريل للوحي واسرافيل للصور وقال ابن قتيبة فالمدبرات أمرا الملائكة ~~تنزل بالحلال والحرام ولم يذكر المتوسعون في نقل أقوال المفسرين كان الجوزى ~~والماوردى وابن عطية غير الملائكة حتى قال ابن عطية ولا أحفظ فلانا انها ~~الملائكة هذا مع توسعه في النقل وزيادته فيه على أبي الفرج وغيره حتى انه ~~لينفرد بأقوال لا يحكيها غيره فتفسير المدبرات بالنجوم كذب على الله وعلى ~~المفسرين وكذلك المقسمات امرا لم يقل أحد من أهل التفسير العالمين به أنها ~~النجوم بل قالوا هى الملائكة التى تقسم أمر الملكوت باذن ربها من الأرزاق ~~والآجال والخلق في الأرحام وأمر الرياح والجبال قال ابن عطية لأن كل هذا ~~إنما هو بملائكة تخدمه فالآية تتضمن جميع الملائكة لأنهم كلهم في أمور ~~مختلفة قال أبو الطفيل عامر بن وائلة كان على بن أبي طالب علم المنبر فقال ~~لا تسألون عن آية من كتاب الله وسنة ماضية ألا قلت لكم فقام إليه ابن ~~الكواء فسأله عن الذاريات ذروا فالحملات وقرأ فالجاريات يسرا فالمقسمات ~~أمرا فقال الذاريات الرياح والحاملات السحاب والجاريات السفن والمقسمات ~~الملائكة ثم قال سل سؤال تعلم ولا تسأل سؤال تعنت وكذلك قال أبو الفرج ولم ~~يذكر فيه خلافا في المقسمات امرا يعنى الملائكة تقسم الأمور على ما امر ~~الله به قال ابن السائب المقسمات أربعة جبريل وهو صاحب الوحي والغلظة يعنى ~~العقوبة على أعداء الرسل وميكائيل وهو صاحب الرزق والرحمة وإسرافيل وهو ~~صاحب الصور واللوح وعزرائيل وهو قابض الأرواح فتفسير الآية # PageV02P193 بأنها النجوم تفسير المنجمين ومن سلك سبيلهم وأما وصفه تعالى ~~بعض الأيام بأنها أيام نحس كقوله @QB@ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام ~~نحسات @QE@ فلا ريب أن الأيام ms685 التي أوقع الله سبحانه فيها العقوبة بأعدائه ~~وأعداء رسله كانت أياما نحسات عليهم لأن النحس أصابهم فيها وإن كانت أيام ~~خير لأوليائه المؤمنين فهي نحس على المكذبين سعد المؤمنين وهذا كيوم ~~القيامة فإنه عسير على الكافرين يوم نحس لهم يسير على المؤمنين يوم سعد لهم ~~قال مجاهد أيام نحسات مشائيم وقال الضحاك معناه شديد أي البرد حتى كان ~~البرد عذابا لهم قال أبو علي وأنشد الاصمعي في النحس بمعنى البرد : # كان سلافة عرضت بنحس % يحيل شفيفها الماء الزلالا # وقال ابن عباس نحسات متتابعات وكذلك قوله @QB@ إنا أرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا في يوم نحس مستمر @QE@ وكان اليوم نحسا عليهم لإرسال العذاب عليهم أي ~~لا يقلع عنهم كما تقلع مصائب الدنيا عن أهلها بل هذا النحس دائم على هؤلاء ~~المكذبين للرسل ومستمر صفة للنحس لا لليوم ومن ظن أنه صفة لليوم وانه كان ~~يوم أربعاء آخر الشهر وأن هذا اليوم نحس أبدا فقد غلط واخطأ فهم القرآن فان ~~اليوم المذكور بحسب ما يقع فيه وكم لله من نعمة على أوليائه في هذا اليوم ~~وان كان له فيه بلايا ونقم على أعدائه كما يقع ذلك في غيره من الأيام فسعود ~~الأيام ونحوسها إنما هو بسعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الرب ونحوس الأعمال ~~مخالفتها لما جاءت به الرسل واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة ونحس لطائفه ~~كما كان يوم بدر يوم سعد للمؤمنين ويوم نحس على الكافرين فما للكوكب ~~والطالع والقرانات وهذا السعد والنحس وكيف يستنبط علم أحكام النجوم من ذلك ~~ولو كان المؤثر في هذا النحس هو نفس الكوكب والطالع لكان نحسا على العالم ~~فأما أن يقتضي الكوكب كونه نحسا لطائفة سعدا لطائفة فهذا هوالمحال # | فصل وأما الاستدلال بالآيات الدالة على أن الله سبحانه وضع حركات # هذه الأجرام على وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم بقوله هو الذي جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ذلك ~~إلا بالحق وقوله تعالى @QB@ تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل ms686 فيها ~~سراجا وقمرا منيرا @QE@ الآية فمن أطرف الاستدلال فأين في هذه الآيات ما ~~يدل على ما يدعيه المنجمون من كذبهم وبهتانهم وافترائهم ولو كان الأمر كما ~~يدعيه هؤلاء الكذابون لكانت الدلالة والعبرة فيه أعظم من مجرد الضياء ~~والنور والحساب ولكان الأليق ذكر ما تقتضيه من السعد والنحس وتعطيه من ~~السعادة والشقاوة وتهبه من PageV02P194 الأعمار والأرزاق والآجال والصنائع ~~والعلوم والمعارف والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية وسائر ما في هذا ~~العالم من الخير والشر وأما قوله تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها ~~سرجا وقمرا منيرا فهو تعظيم وثناء منه تعالى على نفسه بجعل هذه البروج ~~والشمس والقمر في السماء وقد اختلف في البروج المذكورة في هذه الآية فأكثر ~~السلف على أنها القصور أو الكواكب العظام # قال ابن المنذر في تفسيره حدثنا موسى حدثنا شجاع حدثنا ابن إدريس عن أبيه ~~عن عطية جعل في السماء بروجا قال قصورا فيها حرس # حدثنا موسى حدثنا أبو بكر حدثنا أبو معاوية ووكيع عن اسماعيل عن يحيى بن ~~رافع قال قصورا في السماء حدثنا موسى حدثنا أبو بكر حدثنا وكيع عن سفيان عن ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد قال النجوم يعني بروجا وكذلك قال عكرمة حدثنا أبو ~~أحمد حدثنا يعلي حدثنا إسماعيل عن أبي صالح تبارك الذي جعل في السماء بروجا ~~قال النجوم الكبار وهذا موافق لمعنى اللفظة في اللغة فإن العرب تسمي البناء ~~المرتفع برجا قال تعالى اينما تكونوا يدرككم الموت لو كنتم في بروج مشيدة ~~وقال الأخطل : # كأنها برج رومي يشيده % بأن بحض وآجر وأحجار # قال الأعمش كان أصحاب عبد الله يقرؤنها تبارك الذي جعل في السماء قصورا ~~وأما المتأخرون من المفسرين فكثير منهم يذهب إلى أنها البروج الإثني عشر ~~التي تنقسم عليها المنازل كل برج منزلتان وثلث وهذه المنازل الثمانية ~~والعشرون يبدو منها للناظر أربعة عشر منزلا ابدا ويخفى منها أربعة عشر ~~منزلا كما أن البروج يظهر منها أبدا ستة ويخفى ستة والعرب تسمى أربعة عشر ~~منزلا منها شامية وأربعة عشر يمانية فأول ms687 الشامية السرطان وآخرها السماك ~~الأعزل وأول اليمانية الغفر وآخرها الرشا إذا طلع منها منزل من المشرق غاب ~~رقيبه من المغرب وهو الخامس عشر وبها تنقسم فصول السنة الأربع فللربيع منها ~~الحمل والثور والجوزاء ومنازلها الشرطين والبطين والثريا والدبران والهقعة ~~والهنعة والذراع وللصيف منها السرطان والأسد والسنبلة ومنازلها النثرة ~~والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك وللخريف منها الميزان ~~والعقرب والقوس ومنازلها الغفر والزبان والأكليل والقلب والشولة والنعائم ~~والبلدة وللشتاء منها الجدي والدلو والحوت ومنازلها سعد الذابح وسعد بلع ~~وسعد السعود وسعد الأخبية والفرع المقدم ويسمى الأول والفرع المؤخر ويسمى ~~الثاني والرشا ولما كان نزول القمر في هذه المنازل معلوما بالعيان ~~والمشاهدة ونزول الشمس فيها إنما هو بالحساب لا بالرؤية قال تعالى @QB@ هو ~~الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل @QE@ وقال تعالى @QB@ والشمس ~~تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه @QE@ PageV02P195 ~~@QB@ منازل حتى عاد كالعرجون القديم @QE@ فخص القمر بذكر تقدير المنازل دون ~~الشمس وأن كانت مقدرة المنازل لظهور ذلك للحس في القمر وظهور تفاوت نوره ~~بالزيادة والنقصان في كل منزل ولذلك كان الحساب القمرى أشهر وأعرف عن ~~والأمم وأبعد من الغلط وأصح للضبط من الحساب الشمسى ويشترك فيه الناس دون ~~الحساب الشمسى ولهذا قال تعالى في القمر @QB@ وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب @QE@ ولم يقل ذلك في الشمس ولهذا كانت اشهر الحج والصوم ~~والأعياد ومواسم الإسلام انما هي على حساب القمر وسيره ونزوله في منازله لا ~~على حساب الشمس وسيرها حكمة من الله ورحمة وحفظا لدينه لاشتراك الناس في ~~هذا الحساب وتعذر الغلط والخطأ فيه فلا يدخل في الدين من الاختلاف والتخليط ~~ما دخل في دين أهل الكتاب فهذا الذي اخبرنا تعالى به من شأن المنازل وسير ~~القمر فيها وجعل الشمس سراجا وضياء يبصر به الحيوان ولولا ذلك لم يبصر ~~ألحيوان فأين هذا مما يدعيه الكذابون من علم الأحكام التى كذبها اضعاف ~~صدقها 0 # # | فصل وأما ماذكره عن إبراهيم خليل الرحمن أنه تمسك بعلم النجوم حين # قال إني سقيم فمن ms688 الكذب والافتراء على خليل الرحمن عليه السلام فإنه ليس ~~في الآية اكثر من أنه نظر نظرة في النجوم ثم قال لهم إني سقيم فمن ظن من ~~هذا أن كلم أحكام النجوم من علم الأنبياء وأنهم كانوا يراعونه ويعانونه فقد ~~كذب على الأنبياء ونسبهم إلى مالا يليق وهو من جنس من نسبهم إلى الكهانة ~~والسحر وزعم أن تلقيهم الغيب من جنس تلقى غيرهم وأن كانوا فوقهم في ذلك ~~لكمال نفوسهم وقوة استعدادها وقبولها لفيض العلويات عليها وهؤلاء لم يعرفوا ~~الأنبياء ولا آمنوا بهم وإنما هم عندهم بمنزلة أصحاب الرياضات الذين خصوا ~~بقوة الإدراك وزكاة النفوس وزكاة الأخلاق ونصبوا أنفسهم لإصلاح الناس وضبط ~~امورهم ولا ريب أن هؤلاء أبعد الخلق عن الأنبياء واتباعهم ومعرفتهم ومعرفة ~~مرسلهم وما ارسلهم به هؤلاء في شأن والرسل في شأن آخر بل هم ضدهم في علومهم ~~واعمالهم وهديهم وإرادتهم وطرائقهم ومعادهم وفي شأنهم كله ولهذا نجد أتباع ~~هؤلاء ضد أتباع الرسل في العلوم والأعمال والهدى والإرادات ومتى بعث الله ~~رسولا يعانى التنجيم والنرجات والطلسمات والأوفاق والتداخين و البخورات ~~ومعرفة القرانات والحكم على الكواكب بالسعود والنحوس والحرارة والبرودة ~~والذكورة والأنوثة وهل هذه إلا صنائع المشركين وعلومهم وهل بعثت الرسل ألا ~~بالإنكار على هؤلاء ومحقهم ومحق علومهم وأعماهم من الأرض وهل للرسل أعداء ~~بالذات إلا هؤلاء ومن سلك سبيلهم وهذا معلوم بالاضطرار لكل من آمن بالرسل ~~صلوات PageV02P196 الله وسلامه عليهم وصدقهم فيما جاؤا به وعرف مسمى رسول ~~الله وعرف مرسله وهل كان لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام عدو مثل ~~هؤلاء المنجمين الصابئين وحر إن كانت دار مملكتهم والخليل أعدى عدو لهم وهم ~~المشركون حقا والأصنام التى كانوا يعبدونها كانت صورا وتماثيل للكواكب ~~وكانوا يتخذون لها هياكل وهي بيوت العبادات لكل كوكب منها هيكل فيه أصنام ~~تناسبه فكانت عبادتهم للأصنام وتعظيمهم لها تعظيما منهم للكواكب التى وضعوا ~~الأصنام عليها وعبادة لها وهذا أقوى السببين في الشرك الواقع في العالم وهو ~~الشرك بالنجوم وتعظيمها واعتقاد أنها أحياء ناطقة ولها روحانيات تتنزل ms689 على ~~عابديها ومخاطبيها فصوروا لها الصور الأرضية ثم جعلوا عبادتها وتعظيمها ~~ذريعة إلى عبادة تلك الكواكب واستنزال روحانياتها وكانت الشياطين تتنزل ~~عليهم وتخاطبهم وتكلمهم وتريهم من العجائب ما يدعوهم إلى بذل نفوسهم ~~وأولادهم وأموالهم لتلك الأصنام والتقرب إليها وكان مبدأ هذا الشرك تعظيم ~~الكواكب وظن السعود والنحوس وحصول الخير والشر في العالم منها وهذا شرك ~~خواص المشركين وأرباب النظر منهم وهو شرك قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام # والسبب الثاني عبادة القبور والإشراك بالأموات وهو شرك قوم نوح عليه ~~الصلاة والسلام وهو أول شرك طرق العالم وفتنته أعم واهل الإبتلاء به أكثر ~~وهم جمهور أهل الإشراك وكثيرا ما يجتمع البيان في حق المشرك يكون مقابريا ~~نجوميا قال تعالى عن قوم نوح @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ # قال البخارى في صحيحه قال ابن عباس كان هؤلاء رجالا صالحين من قوم نوح ~~فلما هلكوا أوحي الشياطين إلى قومهم أن انصبوا على مجالسهم التى كانوا ~~يجلسون عليها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ~~ونسخ العلم عبدت ولهذا لعن النبي الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ونهى عن ~~الصلاة إلى القبور وقال اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد وقال اشتد غضب الله ~~على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ~~قبور أنبيائهم مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني انها كم عن ذلك ~~وأخبر أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم القيامة وهؤلاء هم أعداء نوح كما ~~ان المشركين بالنجوم أعداء إبراهيم فنوح عاداه المشركون بالقبور وإبراهيم ~~عاداه المشركون بالنجوم والطائفتان صوروا الأصنام على صور معبوديهم ثم ~~عبدوها وإنما بعثت الرسل بمحق الشرك من الأرض ومحق أهله وقطع اسبابه وهدم ~~بيوته ومحاربة أهله فكيف يظن بإمام الحنفاء وشيخ الأنبياء وخليل رب الأرض ~~والسماء أنه كان يتعاطى علم النجوم ويأخذ منه أحكام الحوادث سبحانك هذا ~~بهتان عظيم وإنما كانت النظرة التى نظرها PageV02P197 في علم النجوم من ~~معاريض الأفعال كما كان ms690 قوله فعله كبيرهم هذا وقوله إني سقيم وقوله عن ~~امرأته سارة هذه أختي من معاريض المقال ليتوصل بها إلى غرضه من كسر الأصنام ~~كما توصل بتعريضه بقوله هذه أختي إلى خلاصها من يد الفاجر ولما غلظ فهم عن ~~كثير من الناس وكشفت طباعهم عن إدراكه ظنوا أن نظره في النجوم ليستنبط منها ~~علم الأحكام وعلم أن نجمة وطالعه يقضى عليه بالسقم وحاشا لله أن يظن ذلك ~~بخليله أو بأحد من أتباعه وهذا من جنس معاريض يوسف الصديق صلى الله تعالى ~~عليه وسلم حين تفتيش أوعية أخيه عن الصاع فإن المفتش بدأ بأوعيتهم مع علمه ~~أنه ليس فيها وأخر وعاء أخيه مع علمه أنه فيها تعريضا بأنه لا يعرف في أى ~~وعاء هي ونفيا للتهمة عنه بأنه لو كان عالما في أى الأوعية هي لبادر إليها ~~ولم يكلف نفسه تعب التفتيش لغيرها فلهذا نظر الخليل في النجوم نظر تورية ~~وتعريض محض ينفي به عنه تهمة قومه ويتوصل به إلى كيد أصنامهم 0 # # | فصل وأما الاستدلال بقوله تعالى لخلق السموات والأرض أكبر من خلق # الناس وإن المراد به كبر القدر والشرف لا كبر الجثة ففي غاية الفساد فإن ~~المراد من الخلق ههنا الفعل لانفس المفعول وهذا من أبلغ الأدلة على المعاد ~~أى أن الذى خلق السموات والأرض وخلقها أكبر من خلقكم كيف يعجزه خلقكم بعدما ~~تموتون خلقا جديدا ونظير هذا في قوله في سورة يس أوليس الذي خلق السموات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم أى مثل هؤلاء المنكرين فهذا استدلال بشمول ~~القدر للنوعين وأنها صالحة لهما فلا يجوز أن يثبت تعلقها بأحد المقدورين ~~دون الآخر فكذلك قوله لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس أى من لم تعجز ~~قدرته عن خلق العالم العلوي والسفلي كيف يعجز عن خلق الناس خلقا جديدا بعد ~~ما أماتهم ولا تعرض في هذا لأحكام النجوم بوجه قط ولا لتأثير الكواكب واما ~~قوله تعالى ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا فلا ريب ~~أن ms691 خلق السموات والأرض من أعظم الأدلة على وجود فاطرهما وكمال قدرته وعلمه ~~وحكمته وانفراده بالربوبية والوحدانية ومن سوى بين ذلك وبين البقة وجعل ~~العبرة والدلالة والعلم بوجود الرب الخالق البارىء المصور منهما سواء فقد ~~كابر والله سبحانه إنما يدعو عباده على النظر والفكر في مخلوقاته العظام ~~لظهور أثر الدلالة فيها وبديع عجائب الصنعة والحكمة فيها واتساع مجال الفكر ~~والنظر في أرجائها وألا # ففي كل شيء له آية % تدل على أنه واحد % # ولكن أين الآية والدلالة في خلق العالم العلوي والسفلي إلى خلق القملة ~~والبرغوث PageV02P198 والبقة فكيف يسمح لعاقل عقله أن يسوي بينهما ويجعل ~~الدلالة من هذا كالدلالة من الآخر والله سبحانه إنما يذكر من مخلوقاته ~~للدلالة عليه أشرفها وأظهرها للحس والعقل وأبينها دلالة وأعجبها صنعة ~~كالسماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والنجوم والجبال والسحاب ~~والمطر وغير ذلك من آياتة ولا يدعو عباده إلى التفكر في القمل والبراغيث ~~والبعوض والبق والكلاب والحشرات ونحوها إنما يذكر ما يذكر من ذلك في سياق ~~ضرب الأمثال مبالغة في الاحتقار والضعف كقوله تعالى أن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه ~~منه فهنا لم يذكر الذباب في سياق الدلالة على إثبات الصانع تعالى وكذلك ~~قوله @QB@ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها @QE@ وكذلك ~~قوله @QB@ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ~~وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت @QE@ فتأمل ذكر هذه المخلوقات الحقيرة في أى ~~سياق وذكر المخلوقات العظيمة في أى سياق # وأما قول من قال من المتكلمين المتكلفين أن دلالة حصول الحياة في الأبدان ~~الحيوانية أقوى من دلالة السموات والأرض على وجود الصانع تعالى فبناء هذا ~~القائل على الأصل الفاسد وهو إثبات الجوهر الفرد وإن تأثير الصانع تعالى في ~~خلق العالم العلوي والسفلي هو تركيب تلك الجواهر وتأليفها هذا التأليف ~~الخاص والتركيب جنسه مقدور للبشر وغيرهم وأما الأحداث والاختراع فلا يقدر ~~عليه إلا الله والقول بالجوهر الفرد وبناء ms692 المبدأ والمعاد عليه مما هو من ~~اصول المتكلمين الفاسدة التى نازعهم فيها جمهور العقلاء قالوا وخلق الله ~~تعالى وإحداثه لما يحدثه من أجسام العالم هو إحداث لأجزائها وذواتها لا ~~مجرد تركيب الجواهر منفردة ثم قد فرغ من خلقها وصنعه وإبداعه الآن إنما هو ~~في تأليفها وتركيبها وهذا من اقوال اهل البدع التى ابتدعوها في الإسلام ~~وبنوا عليها المعاد وحدوث العالم فسلطوا عليهم أعداء الإسلام ولم يمكنهم ~~كسرهم لما بنوا المبدأ والمعاد على أمر وهمى خيالى وظنوا انه لا يتم لهم ~~القول بحدوث العالم وإعادة الأجسام إلا به وأقام منازعوهم حججا كثيرة جدا ~~على بطلان القول بالجوهر واعترافهم بقوة كثير منها وصحته فأوقع ذلك شكا ~~لكثير منهم في أمر المبدأ والمعاد لبنائه على شفا جرف هار وأما ائمة ~~الإسلام وفحول النظار فلم يعتمدوا على هذه الطريقة وهي عندهم أضعف وأوهي من ~~أن يبنوا عليها شيئا من الدين فضلا عن حدوث العالم وإعادة الأجسام وإنما ~~اعتمدوا على الطرق التى أرشد الله سبحانه إليها في كتابه وهي حدوث ذات ~~الحيوان والنبات وخلق نفس العالم العلوي والسفلي وحدوث السحاب والمطر ~~والرياح وغيرها من الأجسام التى يشاهد حدوثها بذواتها لامجرد حدوث تأليفها ~~وتركيبها فعند القائلين بالجوهر لا يشهد ان الله أحدث في هذا العالم شيئا ~~من PageV02P199 الجواهر وإنما أحدث تأليفها وتركيبها فقط وإن كان أحداثه ~~بجواهره سابقا متقدما قبل ذلك وأما الآن فإنما تحدث الأعراض من الاجتماع ~~والافتراق والحركة والسكون فقط وهي الأكوان عندهم وكذلك المعاد فإنه سبحانه ~~يفرق أجزاء العالم وهو اعدامه ثم يؤلفها ويجمعها وهو المعاد وهؤلاء احتاجوا ~~إلى أن يستدلوا على كون عين الإنسان وجواهره مخلوقة إذ المشاهد عندهم بالحس ~~دائما هو حدوث أعراض في تلك الجواهر من التأليف الخالص وزعموا أن كل ما ~~يحدثه الله من السحاب والمطر والزروع والثمار والحيوان فإنما يحدث فيه ~~أعراضا وهي جمع الجواهر التي كانت موجودة وتفريقها وزعموا أن أحدا لا يعلم ~~حدوث عين من الأعيان بالمشاهدة ولا بضرورة العقل وإنما يعلم ذلك بالاستدلال ~~وجمهور العقلاء ms693 من الطوائف يخالفون هؤلاء ويقولون الرب لا يزال يحدث ~~الأعيان كما دل على ذلك الحس والعقل والقرآن فإن الأجسام الحادثة بالمشاهدة ~~ذواتها وأجزاؤها حادثة بعد إن لم تكن جواهر مفرقة فاجتمعت ومن قال غير ذلك ~~فقد كابر الحس والعقل فإن كون الإنسان والحيوان مخلوقا محدثا كائنا بعد إن ~~لم يكن أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس وكل أحد يعلم أنه حدث في بطن أمه ~~بعد إن لم يكن وإن عينه حدثت كما قال الله تعالى @QB@ وقد خلقتك من قبل ولم ~~تك شيئا @QE@ وليس هذا عندهم مما يستدل عليه بل يستدل به كما هي طريقة ~~القرآن فإنه جعل حدوث الإنسان وخلقه دليلا لا مدلولا عليه # وقولهم إن الحادث أعراض فقط وأنه مركب من الجواهر المفردة قولان باطلان ~~بل يعلم حدوث عين الإنسان وذاته وبطلان الجوهر الفرد ولو كان القول بالجوهر ~~صحيحا لم يكن معلوما إلا بأدلة خفية دقيقة فلا يكون من أصول الدين بل ولا ~~مقدمة فيها فطريقتهم تتضمن جحد المعلوم وهو حدوث الأعيان الحادثة وذواتها ~~وإثبات ما ليس بمعلوم بل هو باطل وهو إثبات الجوهر الفرد وليس هذا موضع ~~استقصاء هذه المسئلة والمقصود الكلام على قوله إن الاستدلال بحصول الحياة ~~في بنية الحيوان على وجود الصانع أقوى من دلالة تركيب الاجرام الفلكية وهو ~~مبنى على هذا الأصل الفاسد $ فصل وأما استدلاله بقوله تعالى @QB@ وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا @QE@ فعجب من العجب فإن هذا من اقوى الأدلة ~~وأبينها على بطلان قول المنجمين والدهرية الذين يسندون جميع ما في العالم ~~من الخير والشر إلى النجوم وحركاتها واتصالاتها ويزعمون أن ما تأتي به من ~~الخير والشر فعن تعريف الرسل والأنبياء وكذلك ما تعطيه من السعود والنحوس ~~وهذا هو السبب الذي سقنا الكلام لأجله معهم لما حكينا قولهم أنه لما كانت ~~الموجودات في العالم PageV02P200 # السفلي مترتبة على تأثير الكواكب والروحانيات التي هي مدبرات الكواكب وإن ~~كان في اتصالاتها نظر سعد ونحس وجب أن يكون في آثارها حسن وقبح في الخلق ~~والأخلاق والعقول الإنسانية ms694 متساوية في النوع فوجب أن يدركها كل عقل سليم ~~ولا يتوقف إدراكها على من هو مثل ذلك العاقل في النوع ما هذا إلا بشر مثلكم ~~يريد أن يتفضل عليكم إلى آخر كلامكم المتضمن خلق السموات والأرض بغير أمر ~~ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب وهذا هو الباطل الذي نفاه الله سبحانه عن نفسه ~~وأخبر أنه ظن أعدائه الكافرين ولهذا اتفق المفسرون على أن الحق الذي خلقت ~~به السموات والأرض هو الأمر والنهي وما يترتب عليهما من الثواب والعقاب فمن ~~جحد ذلك وجحد رسالة الرسل وكفر بالمعاد وأحال حوادث العالم على حركات ~~الكواكب فقد زعم أن خلق السموات والأرض ابطل الباطل وأن العالم خلق عبثا ~~وترك سدى وخلى هملا وغاية ما خلق له أن يكون متمتعا باللذات الحسية ~~كالبهائم في هذه المدة القصيرة جدا ثم يفارق الوجود وتحدث حركات الكواكب ~~أشخاصا مثله هكذا أبدا فأي باطل أبطل من هذا وأي عبث فوق هذا @QB@ أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله ~~إلا هو رب العرش الكريم @QE@ والحق الذي خلقت به السموات والأرض وما بينهما ~~هو إلهية الرب المتضمنة لكمال حكمته وملكه وامره ونهيه المتضمن لشرعة ~~وثوابه وعقابه المتضمن لعدله وفضله ولقائه فالحق الذي وجد به العالم كون ~~الله سبحانه هو الإله الحق المعبود والآمر الناهي المتصرف في الممالك ~~بالأمر والنهي وذلك يستلزم إرسال الرسل وإكرام من استجاب لهم وتمام الإنعام ~~عليه وإهانة من كفر بهم وكذبهم واختصاصه بالشقاء والهلاك وذلك معقود بكمال ~~حكمة الرب تعالى وقدرته وعلمه وعدله وتمام ربوبيته وتصرفه وانفراده ~~بالإلهية وجريان المخلوقات على موجب حكمته وإلهيته وملكه التام وأنه أهل أن ~~يعبد ويطاع وأنه أولى من أكرم أحبابه وأولياءه بالإكرام الذي يليق بعظمته ~~وغناه وجوده وأهان أعداءه المعرضين عنه الجاحدين له المشركين به المسوين ~~بينه وبين الكواكب والأوثان والأصنام في العبادة بالإهانة التي تليق بعظمته ~~وجلاله وشدة بأسه فهو الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد ~~العقاب ذو الطول لا إله ms695 إلا هو إليه المصير وهو ذو الرحمة الواسعة الذي لا ~~يرد باسه عن القوم المجرمين ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ~~وهو سبحانه خلق العالم العلوي والسفلي بسبب الحق ولأجل الحق وضمنه الحق ~~فبالحق كان وللحق كان وعلى الحق اشتمل والحق هو توحيده وعبادته وحده لا ~~شريك له وموجب ذلك ومقتضاه وقام بعدله الذي هو الحق وعلى الحق اشتمل فما ~~خلق الله شيئا إلا بالحق وللحق ونفس خلقه له حق وهو شاهد من شواهد الحق فإن ~~أحق الحق هو التوحيد كما PageV02P201 # أن أظلم الظلم هو الشرك ومخلوقات الرب تعالى كلها شاهدة له بأنه الله ~~الذي لا إله إلا هو وإن كل معبود باطل سواه وكل مخلوق شاهد بهذا الحق إما ~~شهادة نطق وإما شهادة حال وإن ظهر بفعله وقوله خلافها كالمشرك الذي يشهد ~~حال خلقه وإبداعه وصنعه لخالقه وفاطره أنه الله الذي لا إله إلا هو وإن عبد ~~غيره وزعم أن له شريكا فشاهد حاله مكذب له مبطل لشهادة فعله وقاله # وأما قوله أنه لا يمكن أن يقال المراد أنه خلقها على وجه يمكن الاستدلال ~~بها على الصانع الحكيم إلى آخر كلامه # فيقال له إذا كانت دلالتها على صانعها أمرا ثابتا لها لذواتها وذواتها ~~إنما وجدت بإيجاده وتكوينه كانت دلالتها بسبب فعل الفاعل المختار لها ولكن ~~هذا بناء منه على أصل فاسد يكرره في كتبه وهو ان الذوات ليست بمجعولة ولا ~~تتعلق بفعل الفاعل وهذا مما أنكره عليه أهل العلم والإيمان وقالوا أن كونها ~~ذواتا وإن وجودها وأوصافها وكل ما ينسب إليها هو بفعل الفاعل فكونها ذواتا ~~وما يتبع ذلك من دلالتها على الصانع كله بجعل الجاعل فإنه لما جعلها على ~~هذه الصفة مستلزمة لدلالتها عليه كانت دلالتها عليه بجعله فإن قيل لو قدر ~~عدم الجاعل لها لم يرتفع كونها ذواتا ولو كانت ذواتا بجعله لارتفع كونها ~~ذواتا بتقدير ارتفاعه # قيل ما تعنى بكونها ذواتا وما هيات اتعنى به تحقق ذلك في الخارج أو في ~~الذهن أو أعم ms696 منها فإن عنيت الأول فلا ريب في بطلان كونها ذوات وما هيات ~~على تقدير ارتفاع الجاعل وإن عنيت الثانى فالصور الذهنية مجعولة له أيضا ~~لأنه هو الذي علم فإوجد الخلائق الذهنية في العلم كما أنه الذي خلق فأوجد ~~الحقائق الذهنية في العين فهو الأكرم الذي خلق وعلم فما في الذهن بتعليمه ~~وما في الخارج بخلقه وإن عنيت القدر المشترك بين الخارج والذهن وهو مسمى ~~كونها ذوات وما هيات بقطع النظر عن تقييده بالذهن أو الخارج قيل لك هذه ~~ليست بشيء البتة فإن الشيء إنما يكون شيئا في الخارج أو في الذهن والعلم ~~وما ليس له حقيقة خارجية ولا ذهنية فليس بشيء بل هو عدم صرف ولا ريب ان ~~العدم ليس بفعل فاعل ولا جعل جاعل # فإن قيل هي لا تنفك عن أحد الوجودين أما الذهني واما الخارجي ولكن نحن ~~أخذناها مجردة عن الوجودين ونظرنا إليها من هذه الحيثية وهذا الاعتبار ثم ~~حكمنا عليها بقطع النظر عن تقيدها بذهن أو خارج قيل الحكم عليها بشيء ما ~~يستلزم تصورها ليمكن الحكم عليها وتصورها مع أخذها مجردة عن الوجود والذهن ~~محال فإن قيل مسلم أن ذلك محال ولكن إذا أخذناه مع وجودها الذهني أو ~~الخارجي فهنا أمران حقيقتها وماهيتها والثاني وجودها الذهني أو الخارجي ~~فنحن أخذناها موجودة وحكمنا عليها مجردة فالحكم على جزء هذا المأخوذ ~~المنصور # قيل هذا القدر المأخوذ عدم محض كما تقدم والعدم لا يكون بجعل جاعل ونكتة ~~المسألة أن PageV02P202 # الذوات من حيث هي ذوات أما أن تكون وجودا أو عدما فإن كانت وجودا فهي ~~بجعل الجاعل وإن كانت عدما فالعدم كاسمه لا يتعلق بجعل الجاعل 0 # | فصل وأما قوله إن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه كان اعتماده في # إثبات الصانع على الدلائل الفلكية كما قرره فيقال من العجب ذكركم لخليل ~~الرحمن في هذا المقام وهو أعظم عدو لعباد الكواكب والأصنام التى اتخذت على ~~صورها وهم أعداؤه الذين ألقوه في النار حتى جعلها الله عليه بردا وسلاما ~~وهو عليه السلام أعظم ms697 الخلق براءة منهم وأما ذلك التقرير الذي قرره الرازي ~~في المناظرة بينه وبين الملك المعطل فمما لم يخطر بقلب إبراهيم ولا بقلب ~~المشرك ولا يدل اللفظ عليها البتة وتلك المناظرة التى ذكرها الرازي تشبه أن ~~تكون مناظرة بين فيلسوف ومتكلم فكيف يسوغ أن يقال أنها هي المرادة من كلام ~~الله تعالى فيكذب على الله وعلى خليله وعلى المشرك المعطل وإبراهيم أعلم ~~بالله ووحدانيته وصفاته من أن يوحي إليه بهذه المناظرة ونحن نذكر كلام أئمة ~~التفسير في ذلك ليفهم معنى المناظرة ومادل عليه القرآن من تقريرها قال ابن ~~جرير معنى الآية ألم تر يا محمد إلى الذي حاج إبراهيم في ربه حين قال له ~~إبراهيم ربي الذي يحي ويميت يعنى بذلك ربي الذي بيده الحياه والموت يحي من ~~يشاء ويميت من أراد بعد الإحياء قال أنا أفعل ذلك فإحيي وأميت أستحي من ~~أردت قتله فلا أقتله فيكون ذلك منى إحياء له وذلك عند العرب يسمى إحياء كما ~~قال تعالى @QB@ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا @QE@ واقتل آخر فيكون ~~ذلك منى إماتة له قال إبراهيم له فإن الله هو الذي يأتي بالشمس من مشرقها ~~فإن كنت صادقا إنك آله فأت بها من مغربها قال الله عز وجل @QB@ فبهت الذي ~~كفر @QE@ يعنى انقطع وبطلت حجته ثم ذكر من قال ذلك من السلف فروى عن قتادة ~~ذكر لنا أنه دعا برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر وقال أنا أحي هذا وأميت ~~هذا قال إبراهيم عند ذلك فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب ~~وعن مجاهد أنا أحيي وأميت أقتل من شئت وأستحيي من شئت أدعه حيا فلا أقتله ~~وقال ابن وهب حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن الجبار قال لإبراهيم أنا ~~أحيي وأميت إن شئت قتلتك وأن استحييتك فقال إبراهيم إن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر وقال الربيع لما قال إبراهيم ربي ~~الذي يحيي ويميت قال هو يعنى نمرود فأنا أحيي وأميت فدعا ms698 برجلين فاستحيا ~~أحدهما وقتل الآخر وقال أنا أحيي وأميت أى أستحي من شئت فقال إبراهيم فأن ~~الله يأتي بالشمس من المشرق قال السدى لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على ~~الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه وقال له من ربك قال ربي الذي يحيي ~~ويميت قال نمرود أنا احيي وأميت أنا آخذ PageV02P203 # أربعة نفرا فأدخلهم بيتا فلا يطعمون ولا يسقون حتى إذا هلكوا من الجوع ~~أطعمت اثنين وسقيتهما فعاشا وتركت الإثنين فماتا فعرف إبراهيم ان له قدرة ~~بسلطانه وملكه على أن يفعل ذلك قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر وقال إن هذا إنسان مجنون فأخرجوه ألا ترون ~~أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها وأن النار لم تأكله وخشى أن يفتضح في ~~قومة وكان يزعم أنه رب فأمر بإبراهيم فأخرج وقال مجاهد أحيي فلا أقتل وأميت ~~من قتلت وقال ابن جريج أتي برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر فقال أنا أحيي ~~وأميت فأميت من قتلت وأحيي فلا أقتل وقال ابن إسحاق ذكر لنا والله أعلم أن ~~نمرود قال لإبراهيم أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من ~~قدرته التى تعظمه بها على غيرها ما هي قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال ~~نمرود أنا أحيي وأميت فقال له إبراهيم كيف تحيي وتميت قال آخذ الرجلين قد ~~استوجيا القتل في حكمى فاقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن عن الآخر ~~فاتركه فأكون قد أحييته فقال له إبراهيم عند ذلك فأن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فات بها من المغرب أعرف أنه كما تقول فبهت عند ذلك نمرود ولم يرجع ~~إليه شيئا وعرف أنه لا يطيق ذلك فهذا كلام السلف في هذه المناظرة وكذلك ~~سائر المفسرين بعدهم لم يقل أحد منهم قط أن معنى الآية أن هذا الإحياء ~~والإماتة حاصل منى ومن كل أحد فأن الرجل قد يكون منه الحدوث بواسطة تمزيج ~~الطبائع وتحريك الأجرام الفلكية بل نقطع بأن هذا ms699 لم يخطر بقلب المشرك ~~المناظر البتة ولا كان هذا مراده فلا يحل تفسير كلام الله بمثل هذه ~~الأباطيل ونسأل الله أن يعيذنا من القول عليه بما لم نعلم فإنه أعظم ~~المحرمات على الإطلاق وأشدها إثما وقد ظن جماعة من الأصوليين وأرباب الجدل ~~أن إبراهيم أنتقل مع المشرك من حجة إلى حجة ولم يجبه عن قوله أنا أحيي ~~وأميت قالوا وكان يمكنه أن يتم معه الحجة الأولى بأن يقول مرادى بالأحياء ~~إحياء الميت وإيجاد الحياة فيه لا استبقاؤه على حياته وكان يمكنه تتميمها ~~بمعارضته في نفسها بأن يقول فأحيي من أمت وقلت ان كنت صادقا ولكن انتقل إلى ~~حجة أوضح من الأولى فقال إن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب ~~فانقطع المشرك المعطل وليس الأمر كما ذكروه ولا هذا انتقال بل هذا مطالبة ~~له بموجب دعواه الإلهية والدليل الذي استدل به إبراهيم قد تموثبت موجبه ~~فلما ادعى الكافر أنه يفعل كما يفعل الله فيكون إلها مع الله طالبه إبراهيم ~~بموجب دعواه مطالبة تتضمن بطلانها فقال إن كنت أنت ربا كما تزعم فتحيي ~~وتميت كما يحيي ربي ويميت فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فتنصاع لقدرته ~~وتسخيره ومشيئته فإن كنت أنت ربا فات بها من المغرب وتأمل قول الكافر أنا ~~أحيي وأميت ولم يقل أنا الذي أحيي PageV02P204 # وأميت يعنى أنا أفعل كما يفعل الله فأكون ربا مثله فقال له إبراهيم فأن ~~كنت صادقا فافعل مثل فعله في طلوع الشمس فإذا أطلعها من جهة فأطلعها انت من ~~جهة أخري ثم تأمل ما في ضمن هذه المناظرة من حسن الاستدلال بافعال الرب ~~المشهودة المحسوسة التى تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته ~~من الإحياء والإماتة المشهودين الذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده وإتيانه ~~تعالى بالشمس من المشرق لا يقدر أحد سواه على ذلك وهذا برهان لا يقبل ~~المعارضة بوجه وإنما ليس عدو الله وأوهم الحاضرين أنه قادر من الإحياء ~~والإماتة على ما هو مماثل لمقدور الرب تعالى فقال له إبراهيم ms700 فأن كان الأمر ~~كما زعمت فأرني قدرتك على الإتيان بالشمس من المغرب لتكون مماثله لقدرة ~~الله على الإتيان بها من المشرق فأين الانتقال في هذا الاستدلال والمناظرة ~~بل هذا من أحسن ما يكون من المناظرة والدليل الثاني مكمل لمعنى الدليل ~~الأول ومبين له ومقرر لتضمن الدليلين افعال الرب الدالة عليه وعلى وحدانيته ~~وانفراده بالربوبية والإلهية كما لا تقدر انت ولا غير الله على مثلها ولما ~~علم عدو الله صحة ذلك وان من هذا شأنه على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ولا ~~يستصعب عليه مراد خاف أن يقول لإبراهيم فسل ربك أن يأتي بها من مغربها ~~فيفعل ذلك فيظهر لأتباعه بطلان دعواه وكذبه وانه لا يصلح للربوبية فبهت ~~وامسك وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جدا وهي أن شرك العالم إنما هو مسند إلى ~~عبادة الكواكب والقبور ثم صورت الأصنام على صورها كما تقدم فتضمن الدليلان ~~اللذان استدل بهما إبراهيم إبطال إلهية تلك جملة بأن الله وحده هو الذي ~~يحيي ويميت ولا يصلح الحي الذي يموت للإلهية لا في حال حياته ولا بعد موته ~~فإن له ربا قادرا قاهرا متصرفا فيه إحياء وإماتة ومن كان كذلك فكيف يكون ~~إلها حتى يتخذ الصنم على صورته ويعبد من دونه وكذلك الكواكب أظهرها وأكبرها ~~للحس 0 # هذه الشمس وهي مربوبة مدبرة مسخرة لا تصرف لها في نفسها بوجه ما بل ربها ~~وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها فتنقاد لأمره ومشيئته فهي مربوبة مسخرة ~~مدبرة لا أله يعبد من دون الله 0 # | فصل وأما استدلاله بأن النبي نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال # الشمس والقمر واستدبارهما فكأنه والله أعلم لما رأى بعض الفقهاء قد قالوا ~~ذلك في كتبهم في آداب التخلى ولا تستقبل الشمس والقمر ظن أنهم إنما قالوا ~~ذلك لنهى النبي عنه فاحتج بالحديث وهذا من أبطل الباطل فإن النبي لم ينقل ~~عنه ذلك في كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل وليس ~~لهذه المسألة أصل في الشرع والذين ذكروها ms701 من الفقهاء منهم من قال العلة ~~PageV02P205 # أن اسم الله مكتوب عليهما ومنهم من قال لأن نورهما من نور الله ومنهم من ~~قال إن التنكب عن استقبالهما واستدبارهما أبلغ في التستر وعدم ظهور الفرجين ~~وبكل حال فما لهذا ولا أحكام النجوم فان كان هذا دالا على دعواكم فدلالة ~~النهي عن استقبال الكعبة بذلك أقوى وأولى وأما استدلاله بأن النبي قال يوم ~~موت ولده إبراهيم إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ~~ولا لحياته فاذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة وهذا الحديث صحيح وهو من ~~أعظم الحجج على بطلان قولكم فانه صلى الله عليه وسلم أخبر أنهما آيتان من ~~آيات الله وآيات الله لا يحصيها إلا الله فالمطر والنبات والحيوان والليل ~~والنهار والبر والبحر والجبال والشجر وسائر المخلوقات آياته تعالى الدلالة ~~عليه وهي في القرآن أكثر من أن نذكرها ههنا فهما آيتان لا ربان ولا إلهان ~~ولا ينفعان ولا يضران ولا لهما تصرف في أنفسهما وذواتهما البتة فضلا عن ~~إعطائهما كل ما في العالم من خير وشر وصلاح وفساد بل كل ما فيه من ذراته ~~وأجزائه وكلياته وجزئياته له تعالى الله عن قول المفترين المشركين علوا ~~كبيرا وفي وقوله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته قولان # أحدهما أن موت الميت وحياته لا يكون سببا في انكسافهما كما كان يقوله ~~كثير من جهال العرب وغيرهم عند الانكساف إن ذلك لموت عظيم أو لولادة عظيم ~~فأبطل النبي ذلك وأخبر أن موت الميت وحياته لا يؤثر في كسوفهما البتة # والثاني أنه لا يحصل عن انكسافهما موت ولا حياة فلا يكون انكسافهما سببا ~~لموت ميت ولا لحياة حي وإنما ذلك تخويف من الله لعباده أجرى العادة بحصوله ~~في اوقات معلومة بالحساب كطلوع الهلال وإبداره وسراره فأما سبب كسوف الشمس ~~فهو توسط القمر بين جرم الشمس وبين أبصارنا فان القمر عندهم جسم كثيف مظلم ~~وفلكه دون فلك الشمس فاذا كان على مسامته إحدى نقطتي الرأس أو الذنب أو ~~قريبا منهما حالة الإجتماع من ms702 تحت الشمس حال بيننا وبين نور الشمس كسحابة ~~تمر تحتها إلى أن يتجاوزها من الجانب الآخر فإن لم يكن للقمر عرض ستر عنا ~~نور كل الشمس وإن كان له عرض فبقدر ما يوجبه عرضه وذلك أن الخطوط الشعاعية ~~تخرج من بصر الناظر إلى المرئي على شكل مخروط راسه عند نقطة البصر وقاعدته ~~عند جرم المرئي فإن وجهنا أبصارنا إلى جرم الشمس حالة كسوفها فإنه ينتهي ~~إلى القمر أو لا مخروط الشعاع فاذا توهمنا نفوذه منه إلى الشمس وقع جرم ~~الشمس في وسط المخروط وإن لم يكن للقمر عرض انكسف كل الشمس وإن كان للقمر ~~عرض فبقدر ما يوجبه عرضه ينحرف جرم الشمس عن مخروط الشعاع ولا يقع كله فيه ~~فينكسف بعضه ويبقى الباقي على ضيائه وذلك إذا كان العرض المرئي اقل من نصف ~~مجموع قطر الشمس والقمر حتى إذا ساوى العرض المرئي نصف مجموع القطرين كان ~~صفحة القمر تماس مخروط الشعاع فلا ينكسف PageV02P206 # ولا يكون لكسوف الشمس لبث لأن قاعدة المخروط المتصل بالشمس مساو لقطريها ~~فكما ابتدأ القمر بالحركة بعد تمام الموازاة بينه وبين الشمس تحرك المخروط ~~وابتدأت الشمس بالإسفار إلا أن كسوف الشمس يختلف باختلاف أوضاع المساكن حتى ~~أنه يرى في بعضها ولا يرى في بعضها ويرى في بعضها أقل وفي بعضها أكثر بسبب ~~اختلاف المنظر إذ الكاسف ليس عارضا في جرم الشمس يستوى فيه النظار من جميع ~~الأماكن بل الكاسف شيء متوسط بينها وبين الأبصار وهو قريب منها والمحجوب ~~عنا بعيد فيختلف التوسط باختلاف مواضع الناظرين وكذلك يختلف كسوف الشمس في ~~مباديها وعند انجلائها في كمية ما ينكسف منها وفي زمان كسوفها الذي هو من ~~أول البدو إلى وسط الكسوف ومن وسط الكسوف إلى آخر الانجلاء # فإن قيل فجرم القمر أصغر من جرم الشمس بكثير فكيف يحجب عنا كل الشمس قيل ~~إنما يحجب عنا جرم الشمس لقربه منا وبعدها عنا لأن الشيئين المختلفين في ~~الصغر والكبر إذا قرب الصغير من الكبير يرى من أطراف الكبير أكثر ما يرى ms703 ~~منها مع بعد الأصغر عنه وكلما بعد الأصغر عنه وازداد قربه من الناظر تناقص ~~ما يرى من أطراف الأكبر إلى أن ينتهي إلى حد لا يرى من الأكبر شيء والحس ~~شاهد بذلك # وأما سبب خسوف القمر فهو توسط الأرض بينه وبين الشمس حتى يصير القمر ~~ممنوعا من اكتساب النور من الشمس ويبقى ظلام ظل الأرض في ممره لأن القمر لا ~~ضوء له أبدا وأنه يكتسب الضوء من الشمس وهل هذا الاكتساب خاص بالقمر أم ~~يشاركه فيه سائر الكواكب ففيه قولان لأرباب الهيئة : أحدهما أن الشمس وحدها ~~هي المضيئة بذاتها وغيرها من الكواكب مستضيئة بضيائها على سبيل العرض كما ~~عرف ذلك في القمر والقول الثاني أن القمر مخصوص بالكمودة دون سائر الكواكب ~~وغيره من الكواكب مضيئة بذاتها كالشمس ورد هؤلاء على ارباب القول الأول بأن ~~الكواكب لو استفادت أضواءها من الشمس لاختلف مقادير تلك الأضواء فيما كان ~~تحت فلك الشمس منها بسبب القرب والبعد من الشمس كما في القمر فإنه يختلف ~~ضوؤه بحسب قربه وبعده من الشمس # والذي حمل أرباب القول الأول عليه ما وجدوه من تعلق حركات الكواكب بحركات ~~الشمس وظنوا أن ضوءها من ضيائها وليس الغرض استيفاء الحجاج من الجانبين وما ~~لكل قول وعليه والمقصود ذكر سبب الخسوف القمرى ولما كانت الأرض جسما كثيفا ~~فإذا أشرقت الشمس على جانب منها فإنه يقع لها ظل في الجهة الأخرى لأن كل ذي ~~ظل يقع في الجهة المقابلة للجرم المضىء فمتى أشرقت عليها من ناحية الشرق ~~وقعت أظلالها في ناحية الغرب وإذا وقعت عليها من ناحية الغرب مالت أظلالها ~~إلى ناحية المشرق والأرض PageV02P207 # أصغر من جرم الشمس بكثير فينبعث ظلها ويرتفع في الهواء على شكل مخروط ~~قاعدته قريبة من تدوير الأرض ثم لا يزال ينخرط تدويره حتى يدق ويتلاشى لأن ~~قطر الشمس لما كان أعظم من قطر الأرض فالخطوط الشعاعية المارة من جوانب ~~الشمس إلى جوانب الأرض تكون متلاقية لا متوازية فإذا مرت على الاستقامة إلى ~~الأرض انقذفت على جوانبها فتلتقي لا ms704 محالة إلى نقطة فينحصر ظل الأرض في سطح ~~مخروط فيكون مخروطا لا محالة قاعدته حيث ينبعث من الأرض ورأسه عند نقطة ~~تلافي الخطوط ولو كان قطر الأرض مساويا لقطر الشمس لكانت الخطوط الشعاعية ~~تخرج إليها على التوازي فيكون الظل متساوي الغلظ إلى أن ينتهي إلى محيط ~~العالم ولو كان قطر الشمس أصغر من قطر الأرض لكانت الخطوط تخرج على التلاقي ~~في جهة الشمس وأوسعها عند قطر الأرض ولكان الظل يزداد غلظا كلما بعد عن ~~الأرض إلى أن ينتهي إلى محيط العالم ويلزم من ذلك أن ينخسف القمر في كل ~~استقبال والوجود بخلافه ولما ثبت أن ظل الأرض مخروطي الشكل وقد وقع في ~~الجهة المقابلة لجهة الشمس فيكون نقطة رأسه في سطح فلك البروج لا محالة ~~ويدور بدوران الشمس مسامتا للنقطة المقابلة لموضع الشمس وهذا الظل الذي ~~يكون فوق الأرض هو الليل فإن كانت الشمس فوق الأرض كان الظل تحت الرض ~~بالنسبة إلينا ونحن في ضياء الشمس وذلك النهار والزمان الذي يوازي دوام ~~الظل فوق الأرض هو زمان الليل فإذا اتفق مرور القمر على محاذاة نقطتى الرأس ~~والذنب حالة الاستقبال يقع في مخروط الظل لا محالة لأن الخط الخارج من مركز ~~العالم المار بمركز الشمس ثم بمركز القمر من الجانب الآخر ينطبق على سهم ~~مخروط الظل فيقع القمر في وسط المخروط فينخسف كله ضرورة لأن الأرض تمنعه من ~~قبول ضياء الشمس فيبقي القمر على جوهرة الأصلى فإن كان للقمر عرض ينحرف عن ~~سهم المخروط بقي الضوء فيه بقدره وطبعه وقد يقع كله في المخروط ولكن يمر في ~~جانب منه وقد يقع بعضه في المخروط ويبقي بعضه خارجا وربما يماس مخروط الظل ~~ولا يقع من جرمه شيء وإنما يختلف هذا باختلاف بعده من الخط الخارج من مركز ~~العالم المار بمركز الشمس المطابق لسهم المخروط حتى إذا عظم عرضه بأن لا ~~يبقى بينه وبين إحدى نقطتي الرأس والذنب أكثر من ثلاثة عشر دقيقة لا يماس ~~المخروط أصلا وإذا وقع في جانب منه قل ms705 مكثه وربما لم يكن له مكث أصلا وإنما ~~يعرف ذلك بتقديم معرفة قطر الظل وقطر يختلف باختلاف أبعاده عن الأرض وكذلك ~~قطر الظل أيضا يختلف باختلاف أبعاد الشمس عن الأرض فإن الشمس متى قربت من ~~الأرض كان ظل الأرض دقيقا قصيرا وإذا بعدت عنها كان ظل الأرض طويلا غليظا ~~لأنها متى بعدت عن الأرض يرى قطرها أصغر وأقرب تلاقيا منها وكلما كان أعظم ~~مقدارا في رأى PageV02P208 # العين فالخطوط الشعاعية أقصر وأقرب تلاقيا فلذلك يختلف قطع القمر غلظ ~~الظل في أوقات الكسوفات والموضع الذي يقطعة القمر من الظل يسمونه فلك ~~الجوزهر وإذا عرف عرف قطر الظل وعرف مقدار قطر نصف القمر وجمع بينهما ونصف ~~ذلك وعرف عرض القمر إن كان له عرض فإن كان العرض مساويا لنصف مجموع القطرين ~~فإن القمر يماس دائرة الظل ولا ينكسف وإن كان العرض أقل من نصف مجموعهما ~~فإنه ينكسف فينظر إن كان مساويا لنصف قطر الظل انكسف من القمر مثل نصف ~~صفحته وإن كان العرض أقل من نصف قطر الظل فينتقص العرض من نصف قطر الظل فإن ~~كان الباقي مثل قطر القمر انكسف كله ولا يكون له مكث وإذا لم يكن له عرض ~~انكسف كله ويمكث زمانا أكثر وأطول ما يمتد زمان الكسوف القمري أربع ساعات ~~وأما زمان لكسوف الشمسى فلا يزيد على ساعتين وكسوف القمر يختلف باختلاف ~~أوضاع المساكن إذ الكسوف عارض في جهة وهو عبوره في ظلام ظل الأرض بخلاف ~~كسوف الشمس وإنما يختلف الوقت فقط بأن يكون في بعض المساكن على مضى ساعة من ~~الليل وفي بعضها على مضى نصف ساعة وقد يطلع منكسفا في بعض المساكن وينكسف ~~بعد الطلوع في بعضها وقد لا يرى منكسفا أصلا إذا كانت الشمس فوق الأرض حالة ~~الاستقبال ويرى الخسوف في القمر أبدا يكون من طرفه الشرقي إذ هو الذاهب إلى ~~الاستقبال نحو للشرق والدخول في الظل بحركته ثم ينحرف قليلا قليلا إلى ~~الشمال أو الجنوب في بدء انجلائه أيضا من طرفه الشرقي وأما في الشمس ms706 فبدء ~~الكسوف من طرفها الغربي إذ الكاسف لها يأتي إليها من ناحية الغرب وكذلك ~~الانجلاء أيضا من الطرف الغربي لكن بانحراف منه إلى الشمال والجنوب وإنما ~~ذكرنا هذا الفصل ولم يكن من غرضنا لأن كثيرا من هؤلاء الأحكاميين يموهون ~~على الجهال بأمر الكسوف ويؤهمونهم إن قضاياهم وأحكامهم النجومية من السعد ~~والنحس والظفر والغلبة وغيرها هي من جنس الحكم بالكسوف فيصدق بذلك الأغمار ~~والرعاع ولا يعلمون أن الكسوف يعلم بحساب سير النيرين في منازلهما وذلك أمر ~~قد أجرى الله تعالى العادة المطردة به كما أجراها في الأبدار والسرار ~~والهلال فمن علم ما ذكرناه في هذا الفصل علم وقت الكسوف ودوامه ومقداره ~~وسببه # وأما انه يقتضي من التأثيرات في الخير والشر والسعد والنحس والإماتة ~~والإحياء وكذا وكذا مما يحكم به المنجمون فقول على الله وعلى خلقه بما لا ~~يعلمون نعم لا ننكر أن الله سبحانه يحدث عند الكسوفين من أفضيته وأقداره ما ~~يكون بلاء لقوم ومصيبة لهم ويجعل الكسوف سببا لذلك ولهذا أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند الكسوف بالفزع إلى ما ذكر الله والصلاة والعتاقة ~~والصدقة والصيام لأن هذه الأشياء تدفع موجب الكسف الذي جعله الله سببا لما ~~جعله فلولا انعقاد سبب التخويف لما أمر بدفع موجبه بهذه PageV02P209 # العبادات ولله تعالى في أيام دهره أوقات يحدث فيها ما يشاء من البلاء ~~والنعماء ويقضي من الأسباب بما يدفع موجب تلك الأسباب لمن قام به أو يقلله ~~أو يخففه فمن فزع إلى تلك الأسباب أو بعضها اندفع عنه الشر الذى جعل الله ~~الكسوف سببا له أو بعضه ولهذا قل ما يسلم أطراف الأرض حيث يخفي الإيمان وما ~~جاءت به الرسل فيها من شر عظيم يحصل بسبب الكسوف وتسلم منه الأماكن التى ~~يظهر فيها نور النبوة والقيام بما جاءت به الرسل أو يقل فيها جدا ولما كسفت ~~الشمس على عهد النبى قام فزعا مسرعا يجز رداءه ونادى في الناس الصلاة جامعة ~~وخطبهم بتلك الخطبة البليغة وأخبر أنه لم ير كيومه ذلك في الخير ms707 والشر ~~وأمرهم عند حصول مثل تلك الحالة بالعتاقة والصدقة والصلاة والتوبة فصلوات ~~الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وبأمره وشأنه وتعريفه أمور مخلوقاته ~~وتدبيره وأنصحهم للأمة ومن دعاهم إلى ما فيه سعادتهم في معاشهم ومعادهم ~~ونهاهم عما فيه هلاكهم في معاشهم ومعادهم ولقد خفى ما جاءت به الرسل على ~~طائفتين هلك بسببهما من شاء الله ونجا من شركهما من سبقت له العناية من ~~الله إحدى الطائفتين وقفت مع ما شاهدته وعلمته من أمور هذه الأسباب ~~والمسببات وإحالة الأمر عليها وظنت أنه ليس لها شىء فكفرت بما جاءت به ~~الرسل وجحدت المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوات وغيرها ما انتهى إليه علومها ~~ووقفت عنده أقدامها من العلم بظاهر من المخلوقات وأحوالها وجاء ناس جهال ~~رأوهم قد أصابوا في بعضها أو كثير منها فقالوا كل ما قاله هؤلاء فهو صواب ~~لما ظهر لنا من صوابهم وانضاف إلى ذلك أن أولئك لما وقفوا على الصواب فيما ~~أدتهم إليه أفكارهم من الرياضيات وبعض الطبيعيات وثقوا بعقولهم وفرحوا بما ~~عندهم من العلم وظنوا أن سائر ما خدمته أفكارهم من العلم بالله وشأنه ~~وعظمته هو كما أوقعهم عليه فكرهم وحكمه حكم ما شهد به الحس من الطبيعيات ~~والرياضيات فتفاقم الشر وعظمت المصيبة وجحد الله وصفاته وخلقه للعالم ~~وإعادته له وجحد كلامه ورسله ودينه ورأى كثير من هؤلاء انهم هم خواص النوع ~~الإنساني وأهل الألباب وأن ماعداهم هم القشور وأن الرسل إنما قاموا ~~بسياستهم لئلا يكونوا كالبهائم فهم بمنزلة قم المارستان وأما أهل العقول ~~والرياضيات والأفكار فلا يحتاجون إلى الرسل بل هم يعلمون الرسل ما يصنعونه ~~للدعوة الإنسانية كما تجد في كتبهم وينبغى للرسول أن يفعل كذا كذا والمقصود ~~أن هؤلاء لما أوقفتهم أفكارهم على العلم بما خفى على كثير من اسرار ~~المخلوقات وطبائعها وأسبابها ذهبوا بأفكارهم وعقولهم وتجاوزوا ما جاءت به ~~الرسل وظنوا أن إصابتهم في الجميع سواء وصار المقلد لهم في كفرهم إذا خطر ~~له إشكال على مذهبهم أودهمه ما لا حيلة له في دفعه من تناقضهم ms708 وفساد أصولهم ~~يحسن الظن بهم ويقول لاشك أن علومهم مشتملة على حكمة PageV02P210 # والجواب عنه إنما يعسر على إدراكه لأن من لم يحصل الرياضيات ولم يحكم ~~المنطقيات وتمده علوم قد صقلتها أذهان الأولين وأحكمتها أفكار المتقدمين ~~فالفاضل كل الفاضل من يفهم كلامهم # وأما الاعتراض عليهم وإبطال فاسد أصولهم فعندهم من المحال الذي لا يصدق ~~به وهذا من خداع الشيطان وتلبيسه بغروره لهؤلاء الجهال مقلدى أهل الضلال ~~كما ليس على أئمتهم وسلفهم بأن أوهمهم ان كل ما نالوه بأفكارهم فهو صواب ~~كما ظهرت إصابتهم في الرياضيات وبعض الطبيعيات فركب من ضلال هؤلاء وجهل ~~أتباعهم ما اشتدت به البلية وعظمت لأجله الرزية وضرب لآجله العالم وجحد ما ~~جاءت به الرسل وكفر بالله وصفاته وأفعاله ولم يعلم هؤلاء أن الرجل يكون ~~أماما في الحساب وهو أجهل خلق الله بالطب والهيئة والمنطق ويكون راسا في ~~الطب ويكون من اجهل الخلق بالحساب والهيئة ويكون مقدما في الهندسة وليس له ~~علم بشيء من قضايا الطب وهذه علوم متقاربة والعبد بينها وبين علوم الرسل ~~التى جاءت بها عن الله أعظم من العبد بين بعضها وبعض فإذا كان الرجل إماما ~~في هذه العلوم ولم يعلم بأي شيء جاءت به الرسل ولا تحلى بعلوم الإسلام فهو ~~كالعامى بالنسبة إلى علومهم بل أبعد منه وهل يلزم من معرفة الرجل هيئة ~~الأفلاك والطب والهندسة والحساب أن يكون عارفا بالآلهيات واحوال النفوس ~~البشرية وصفاتها ومعادها وسعادتها وشقاوتها وهل هذا إلا بمنزلة من يظن أن ~~الرجل إذا كان عالما بأحوال الأبنية وأوضاعها ووزن الأنهار والقنى والقنطرة ~~كان عالما بالله وأسمائه وصفاته وما ينبغى له وما يستحيل عليه فعلوم هؤلاء ~~بمنزلة هذه العلوم التى هي نتائج الأفكار والتجارب فما لها ولعلوم الأنبياء ~~التى يتلقونها عن الله بوسائط الملائكة هذا وإن تعلق الرياضيات التى هي نظر ~~في نوعى الكم المتصل والمنفصل والمنطقيات التى هى نظر في المعقولات الثانية ~~ونسبة بعضها إلى بعض بالكلية والجزئية والسلب والإيجاب وغير ذلك بمعرفة رب ~~العالمين وأسمائه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ms709 وما جاءت به رسله وثوابه ~~وعقابه ومن الخدع الإبليسية قول الجهال أن فهم هذه الأمور موقوف على فهم ~~هذه القضايا العقلية وهذا هو عين الجهل والحمق وهو بمنزلة قول القائل لا ~~يعرف حدوث الرمانة من لم يعرف عدد حباتها وكيفية تركيبها وطبعها ولا يعرف ~~حدوث العين من لم يعرف عدد طبقاتها وتشريحها وما فيها من التركيب ولا يعرف ~~حدوث هذا البيت من لم يعرف عدد لبناته وأخشابه وطبائعها ومقاديرها وغير ذلك ~~من الكلام الذي يضحك منه كل عاقل وينادي على جهل قائله وحمته بل العلم ~~بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه لا يحتاج إلى شيء من ذلك ولا يتوقف ~~عليه وآيات الله التى دعا عباده إلى النظر فيها دالة عليه بأول النظر دلالة ~~يشترك فيها كل سليم العقل والحاسة واما أدلة هؤلاء فخيالات وهمية وشبه عسرة ~~المدرك بعيدة التحصيل متناقضة الأصول غير # PageV02P211 مؤدية إلى معرفة الله ورسله والتصديق بها مستلزمة للكفر ~~بالله وجحد ما جاءت به رسله وهذا لا يصدق به إلا من عرف ما عند هؤلاء وعرف ~~ما جاءت به الرسل ووازن بين الأمرين فحينئذ يظهر له التفاوت وأما من قلدهم ~~وأحسن ظنه بهم ولم يعرف حقيقة ما جاءت به الرسل فليس هذا عشه بل هو في ~~أودية هائم حيران ينقاد لكل حيران 0 # يغدو من العلم في ثوبين من طمع % معلمين بحرمان وخذلان # والطائفة الثانية رأت مقابلة هؤلاء برد كل ما قالوه من حق وباطل وظنوا ان ~~من ضرورة تصديق الرسل رد ما علمه هؤلاء بالعقل الضرورى وعلموا مقدماته ~~بالحس فنازعوهم فيه وتعرضوا لإبطاله بمقدمات جدلية لا تغنى من الحق شيئا ~~وليتهم مع هذه الجناية العظيمة لم يضيفوا ذلك إلى الرسل بل زعموا إن الرسل ~~جاؤا وبما يقولونه فساء ظن أولئك الملاحدة بالرسل وظنوا أنهم هم أعلم وأعرف ~~منهم ومن حسن ظنه بالرسل قال أنهم لم يخف عليهم ما نقوله ولكن خاطبوهم بما ~~تحتمله عقولم من الخطاب الجمهورى النافع للجمهور وأما الحقائق فكتموها عنهم ~~والذي سلطهم على ذلك جحد ms710 هؤلاء لحقهم ومكابرتهم إياهم على ما لايمكن ~~المكابرة عليه مما هو معلوم لهم بالضرورة كمكابرتهم إياهم في كون الأفلاك ~~كروية الشكل والأرض كذلك وأن نور القمر مستفاد من نور الشمس وأن الكسوف ~~القمرى عبارة عن انمحاء ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث انه ~~يقتبس نوره منها والأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب فإذا وقع القمر ~~في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس كما قدمناه وكقولهم أن الكسوف الشمسى ~~معناه وقوع جرم القمر بين الناظر وبين الشمس عند اجتماعهما في العقدتين على ~~دقيقة واحدة وكقولهم بتأثير الأسباب المحسوسة في مسبباتها وإثبات القوى ~~والطبائع والأفعال وانفعالات مما تقوم عليه الأدلة العقلية والبراهين ~~اليقينية فيخوض هؤلاء معهم في إبطاله فيغريهم ذلك بكفرهم وإلحادهم والوصية ~~لأصحابهم بالتمسك بما هم عليه فإذا قال لهم هؤلاء هذا الذى تذكرونه على ~~خلاف الشرع والمصير إليه كفر وتكذيب الرسل لم يستريبوا في ذلك ولم يلحقهم ~~فيه شك ولكنهم يستريبون بالشرع وتنقص مرتبة الرسل من قلوبهم وضرر الدين وما ~~جاءت به الرسل بهؤلاء من أعظم الضرر وهو كضرره بأولئك الملاحدة فهما ضرران ~~على الدين ضرر من يطعن فيه وضرر من بنضره بغير طريقة وقد قيل إن العدو ~~العاقل أقل ضررا من الصديق الجاهل فإن الصديق الجاهل يضرك من حيث يقدر أنه ~~بنقعك والشأن كل الشأن أن تجعل العاقل صديقك ولا تجعله عدوك وتغريه بمحاربة ~~الدين وأهله 0 فإن قلت فقد أطلت في شأن الكسوف وأسبابه وجئت بما شئت به من ~~البيان الذى لم يشهد له الشرع بالصحة ولم يشهد له بالبطلان بل جاء الشرع ~~بما هو أهم منه وأجل فائدة من الأمر عند الكسوفين PageV02P212 بما يكون ~~سببا لصلاح الأمة في معاشها ومعادها وأما أسباب الكسوف وحسابه والنظر في ~~ذلك فإنه من العلم الذي لايضر الجهل به ولا ينفع نفع العلم بما جاءت به ~~الرسل وبين علوم هؤلاء فكيف نصنع بالحديث الصحيح عن النبى أن الشمس والقمر ~~آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا ms711 لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا ~~إلى ذكر الله والصلاة فكيف يلائم هذا ما قاله هؤلاء في الكسوف قيل وأى ~~مناقضة بينهما وليس فيه إلا نفي تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد ~~القولين أو نفي تأثير النيرين بموت أحد أو حياته على القول الآخر وليس فيه ~~تعرض لإبطال حساب الكسوف وإلا الأخبار بأنه من الغيب الذى لا يعلمه إلا ~~الله وأمر النبي عنده بما أمر به من العتاقة والصلاة والدعاء والصدقة كأمره ~~بالصلوات عند الفجر والغروب والزوال مع تضمن ذلك دفع موجب الكسوف الذي جعله ~~الله سبحانه سببا له فشرع النبي للأمة عند انعقاد هذا السبب ما هو أنفع لهم ~~وأجدى عليهم في دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بعلم الهيئة وشأن الكسوف ~~وأسبابه فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه والإمام ~~أحمد والنسائى من حديث النعمان بن بشير قال انكسفت الشمس على عهد النبى ~~فخرج فزعا يجر ثوبه حتى أتي المسجد فلم يزل يصلى حتى انجلت ثم قال أن ناسا ~~يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء وليس كذلك أن ~~الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا تجلى الله لشىء من خلقه ~~خشع له # قيل قد قال أبو حامد الغزالى ان هذه الزيادة لم يصح نقلها فيجب تكذيب ~~قائلها وإنما المروى ما ذكرنا يعنى الحديث الذي ليست هذه الزيادة فيه قال ~~ولو كان صحيحا لكان تأويله أهون من مكابرة أمور قطعية فكم من ظواهر أولت ~~بالأدلة العقلية التى لا تتبين في الوضوح إلى هذا الحد وأعظم فانفرج به ~~الملحدة ان يصرح ناصر الشرع بأن هذا وامثاله على خلاف الشرع فيسهل عليه ~~طريق إبطال الشرع وإن كان شرطه أمثال ذلك وليس الأمر في هذه الزيادة كما ~~قاله أبو حامد فأن اسنادها لا مطعن فيه قال ابن ماجه حدثنا محمد بن المثنى ~~وأحمد بن ثابت وحميد بن الحسن قالوا حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا خالد ~~الحذاء عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير ms712 فذكره وهؤلاء كلهم ثقات حفاظ لكن ~~لعل هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة ولهذا لا توجد في سائر ~~أحاديث الكسوف فقد رواها عن النبي بضعة عشر صحابيا عائشة أم المؤمنين ~~وأسماء بنت أبي بكر وعلى بن أبي طالب وأبي بن كعب وأبو هريرة وعبد الله بن ~~عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله في حديثه وسمرة بن جندب وقبيصة ~~الهلالى وعبد الرحمن بن سمرة فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة التى ذكرت في ~~حديث النعمان بن بشير فمن ههنا نخاف أن تكون أدرجت في الحديث إدراجا ~~PageV02P213 وليست من لفظ رسول الله على أن ههنا مسلكا بعيد المأخذ لطيف ~~المنزع يتقبله العقل السليم والفطرة السليمة وهو أن كسوف الشمس والقمر وجب ~~لهما من الخشوع والخضوع بانمحاء نورهما وانقطاعه عن هذا العالم ما يكون فيه ~~سلطانهما وبهاؤهما وذلك يوجب لا محالة لهما من الخشوع والخضوع لرب العالمين ~~وعظمته وجلاله وما يكون سببا لتجلى الرب تبارك وتعالى لهما ولا يستنكرون ان ~~يكون تجلى الله سبحانه وتعالى لهما في وقت معين كما يدنو من أهل الموقف ~~عشية عرفة وكما ينزل كل ليلة إلى سماء الدينا عند مضى نصف الليل فيحدث لهما ~~ذلك التجلى خشوعا آخر ليس هو الكسوف ولم يقل النبى أن الله إذا تجلى لهما ~~انكسفا ولكن اللفظة فإذا تجلى الله لشيء من خلقه خشع له ولفظ الإمام أحمد ~~في الحديث إذا بدا الله لشىء من خلقه خشع له فهنا خشوعان خشوع أوجبه ~~كسوفهما بذهاب ضوئهما وانمحائه فتجلى الله سبحانه لهما فحدث لهما عند تجليه ~~تعالى خشوع آخر سبب التجلى كما حدث للجبل إذ تجلى تبارك وتعالى له ان صار ~~دكا وساخ في الأرض وهذا غاية الخشوع لكن الرب تبارك وتعالى ثبتهما لتجليه ~~عناية بخلقه لانتظام مصالحهم بهما ولو شاء سبحانه لثبت الجبل لتجليه كما ~~ثبتهما ولكن أرى كليمه موسى أن الجبل العظيم لم يطق الثبات له فكيف تطيق ~~أنت الثبات للرؤية التى سألتها 0 # | فصل وأما استدلاله ms713 بحديث ابن مسعود عن النبي إذا ذكر القدر # فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فامسكوا وإذا ذكر النجوم فامسكوا فهذا الحديث لو ~~ثبت لكان حجة عليه لا له إذ لو كان علم الأحكام النجومية حقا لا باطلا لم ~~ينه عنه النبي ولا أمر بالإمساك عنه فإنه لا ينهى عن الكلام في الحق بل هذا ~~يدل على أن الخائض فيه خائض فيما لا علم له به وانه لا ينبغى له أن يخوض ~~فيه ويقول على الله مالا يعلم فأين في هذا الحديث ما يدل على صحة علم أحكام ~~النجوم 0 وأما أحاديث النهي عن السفر والقمر في العقرب فصحيح من كلام ~~المنجمين وأما رسول رب العالمين فبرىء ممن نسب إليه هذا الحديث وامثاله ~~ولكن إذا بعد الإنسان عن نور النبوة واشتدت غربته عما جاء به الرسول جوز ~~عقله مثل هذا كما يجوز عقل المشركين يقول النبي لو حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه ~~وهذا ونحوه من كلام عباد الأصنام الذين حسنوا ظنهم بالأحجار فساقهم حسن ~~ظنهم إلى دار البوار # وأما الرواية عن علي أنه نهى عن السفر والقمر في العقرب فمن الكذب على ~~علي رضى الله عنه والمشهور عنه خلاف ذلك وعكسه وانه أراد الخروج لحرب ~~الخوارج فاعترضه منجم فقال يا أمير المؤمنين لا تخرج فقال لأى شىء قال إن ~~القمر في العقرب فإن خرجت أصبت وهزم عسكرك فقال علي رضى الله عنه ما كان ~~لرسول الله PageV02P214 # ولا لأبي بكر ولا لعمر منجم بل أخرج ثقة بالله وتوكلا على الله وتكذيبا ~~لقولك فما سافر بعد رسول الله سفرة أبرك منها قتل الخوارج وكفي المسلمين ~~شرهم ورجع مؤيدا منصورا فائزا ببشارة النبي لمن قتلهم حيث يقول شر قتلى تحت ~~أديم السماء خير قتيل من قتلوه وفي لفظ طوبى لمن قتلهم وفي لفظ تقتلهم أولى ~~الطائفتين بالحق وفي لفظ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وقال علي لأصحابه ~~لولا ان تنكلوا لحدثتكم بما لكم عند الله في قتلهم فكان هذا الظفر ببركة ~~خلاف ذلك المنجم وتكذيبه والثقة ms714 بالله رب النجوم والاعتماد عليه وهذه سنة ~~الله فيمن لم يلتفت إلى النجوم ولا بني عليها حركاته وسكناته وأسفاره ~~وإقامته كما أن سنته نكبة من كان منقادا لأربابها عاملا بما يحكمون له به ~~وفي التجارب من هذا ما يكفى اللبيب المؤمن والله الموفق 0 # | فصل والذي أوجب للمنجمين كراهية السفر والقمر في العقرب انهم قالوا # السفر امر يراد لخير من الخيرات فإذا كان الوصول إلى ذلك الأمر أسرع كان ~~أجود فينبغى على هذا أن يكون القمر في برج منقلب والعقرب برج ثابت والثوابت ~~عندهم تدل على الأمور البطيئة قالوا وأيضا البرج للمريخ والمريخ عندهم نحس ~~أكبر والنحس ينحس الحظوظ على أصحابها فينبغى أن يكون القمر في برج سعد لأن ~~السعد ينفع والنحس يضر وايضا فإن هذا البرج هو برج هبوط القمر وإذا كان ~~الكوكب في هبوطه لا يلتئم لصاحبه ما يريده ويقصده بل يكون وبالا عليه لأن ~~الكوكب الهابط عندهم كالمنكس وأيضا فإن القمر عندهم رب تاسع العقرب وإذا ~~كان رب التاسع منحوسا فالسفر مكروه لأن التاسع منسوب إلى السفر وبالجملة ~~فإن العقرب عندهم شر البروج والقمر على الإطلاق قالوا فلذلك ينبغى الحذر من ~~السفر والقمر في العقرب قالوا فمن كره السفر إذا ذاك فانما يكرهه بعلمه ~~وعقله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه أعقل أهل زمانه واعلمهم ~~فهو اولى بكراهته وليس ذلك مخصوصا عندهم بالسفر وحده بل يكرهون جميع ~~الابتدا آت والاختيارات والقمر في العقرب ولما كان القمر اسرع الكواكب حركة ~~فهو أولى أن يكون دليلا على الأمور المنقلبة والسفر أمر منقلب والعقرب برج ~~ثابت غير منقلب والتجربة والواقع من أكبر شاهد على تكذيبهم في هذا الحكم ~~فكم ممن سافر وتزوج وابتدأ واختار والقمر في العقرب وتم له مراده على أكمل ~~ما كان يؤمله ولا يزال الناس ينشؤن الأسفار والابتدا آت والاختيارات في كل ~~وقت والقمر في العقرب وغيره ويحمدون عواقب أسفارهم كما أنشأأمير المؤمنين ~~علي رضى الله عنه سفر جهاده للخوارج والقمر في العقرب وأنشأ ms715 المعتصم سفر ~~فتح عمورية وجهاد أعداء الله والقمر في العقرب وقد أجمع الكذابون ~~PageV02P215 انه إن خرج كسر عسكره وقتل أو أسر فبين الله للمسلمين كذبهم ~~بذلك الفتح الجليل ولو استقصينا أمثال هذه الوقائع لطال الأمر جدا و من ~~أراد أن يعلم كذبهم قطعا فليبتدىء سفرا أو اختيار أو بناء أو غيره والقمر ~~في العقرب وليتوكل على الله وليسافر فإنه يرى ما يغبطه ويسره ومن أبين ~~الكذب والبهت الكذب على الحس والواقع وهذا الذي كرهوه وحذروا منه لو كان ~~الواقع شاهدا به لكان الناس لا يختارون ولا يسافرون ولا يبتدئون شيئا البتة ~~والقمر في العقرب وكان عليهم بهذا وتجربتهم له معلوما بالضرورة فكيف والأمر ~~بالعكس وأيضا فيقال قد يكون القمر في العقرب وتجامعه السعود وهما المشتري ~~والزهرة مثلا ويكن رب بيت السفر وبيت الطالع وبيت السفر أيضا سعودات فهلا ~~قلتم ان السفر حينئذ يكون صالحا لإجتماع هذه السعودات في البرج المنقلب ~~واجتماعها يكسبها قوة بل قال قضاؤكم يكون القمر في العقرب مسعودا إن جامع ~~السعود بل قالوا إن السعود ايضا تنتحس فيه فاذا حل السعود العقرب انتحست ~~فيه ولذلك قلتم إن الشمس إذا حلت ضعفت فيه أيضا جدا وإن كان معه السعدان ~~أعني المشتري والزهرة فلو قلب عليكم هذا الاستدلال وقيل إذا حلت السعود في ~~هذا البرج قوي فعلها وتضافر بعضها مع بعض فقوى السعد باجتماعها ولم يقوى ~~البرج على انحاسها وقوة زحل والمريخ النحسين على هذا البرج لا يستلزم إنحاس ~~هذه السعود بل إن سعادتها تؤثر في نحسها كان من جنس قولكم ومن هنا قال أبو ~~نصر الفارابي واعلم أنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت السعد نحسا والنحس ~~سعدا والحار باردا وعكسه لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب وتخطىء # | فصل وأما ما احتج به من الأثر عن علي أن رجلا أتاه فقال # إني أريد السفر وكان ذلك في محاق الشهر فقال أتريد أن يمحق الله تجارتك ~~استقبل هلال الشهر بالخروج فهذا لا يعلم ثبوته عن علي والكذابون كثيرا ما ~~ينفقون ms716 سلعهم الباطله بنسبتها إلى علي وأهل بيته كأصحاب القرعة والجفر ~~والبطاقة والهفت والكميان والملاحم وغيرها فلا يدري ما كذب على أهل البيت ~~إلا الله سبحانه ثم لو صح هذا عن علي رضي الله عنه لم يكن فيه تعرض لثبوت ~~إحكام النجوم بوجه ولا ريب أن استقبال الأسفار والأفعال في أوائل النهار ~~والشهر والعام لها مزية والنبي قد قال اللهم بارك لأمتي في بكورها وكان صخر ~~الغامدي راوي الحديث إذا بعث تجارة له بعثها في أول النهار فأثرى وكثر ماله ~~ونسبة أول النهار نسبة أول الشهر إليه وأول العام إليه فللأوائل مزية القوة ~~وأول النهار والشمس بمنزلة شبابه وآخره بمنزلة شيخوخته وهذا أمر معلوم ~~بالتجربة وحكمة الله تقتضيه # وأما ما ذكره عن اليهودي الذي أخبر ابن عباس بما أخبره من موت ~~PageV02P216 ابنه إلى تمام ذكر القصة فهذه الحكاية إن صحت فهى من جنس أخبار ~~الكهان بشىء من المغيبات وقد أخبر ابن صياد النبي بما خبأ له في ضميره فقال ~~له أنت من إخوان الكهان وعلم تقدمه المعرفة لا تختص يما ذكره المنجمون بل ~~له عدة اسباب يصيب ويخطىء ويصدق الحكم معها ويكذب منها الكهانة ومنها ~~المنامات ومنها الفأل والزجر ومنها السانح والبارح ومنها الكف ومنها ضرب ~~الحصى ومنها الحظ في الأرض ومنها الكشوف المستندة إلى الرياضة ومنها ~~الفراسة ومنها الجزاية ومنها علم الحروف وخواصها إلى غير ذلك من الأمور ~~التى ينال يها جزء يسير من علم الكهان وهذا نظير الأسباب التى يستدل بها ~~الطبيب والفلاح والطبائعى على أمور غيبية بما تقتضيه تلك الأدلة مثال ~~الطبيب إذا رأى الجرح مستديرا حكم بأنه عسر البرء وإذا رآه مستطيلا حكم ~~بأنه أسرع برءا وكذلك علامات البحارين وغيرها ومن تأمل ما ذكره بقراط في ~~علائم الموت رأى العجائب وهى علامات صحيحة مجربة وكذلك ما علم به الربان في ~~أمور تحدث في البحر والريح بعلامات تدل على ذلك من طلوع كوكب أو غروبه أو ~~علامات أخرى فيقول يقطع مطر أو يحدث ريح كذا وكذا أو يضطرب ms717 البحر في مكان ~~كذا ووقت كذا فيقع ما يحكم به وكذلك الفلاح يرى علامات فيقول هذه الشجرة ~~يصيبها كذا وتيبس في وقت كذا وهذه الشجرة لا تحمل العام وهذه تحمل وهذا ~~النبات يصيبه كذا وكذا لما يرى من علامات يختص هو بمعرفتها بل هذا أمر لا ~~يختص بالإنسان بل كثير من الحيوان يعرف أوقات المطر والصحو والبرد وغيره ~~كما ذكره الناس في كتب الحيوان والفرس الردىء الخلق إذا رأى اللجام من بعيد ~~نفر وجزع وعض من يريد ان يلجمه علما منه بما يكون بعد اللجام وهذه النملة ~~إذا خزنت الحب في بيوتها كسرته بنصفين علما منها بأنه ينبت إذا كان صحيحا ~~وأنه إذا انكسر لا ينبت فإذا خزنت الكفرة كسرتها بأربعة أرباع علما منها ~~بأنها تنبت إذا كسرت بنصفين وهذا السنور يدفن أذاه ويغطيه بالتراب علما منه ~~بأن الفأر تهرب من رائحته فيفوته الصيد ويشمه أولا فإن وجد رائحته شديدة ~~غطاه بحيث يوارى الرائحة والجرم وإلا اكتفى بأيسر التغطية وهذا الأسد إذا ~~مشى في لين سحب ذنبه على آثار رجليه ليفطيها علما منه بأن المار يرى مواطىء ~~رجليه ويديه وإذا ألف السنور المنزل منع غيره من السنانير الدخول إلى ذلك ~~المنزل وحاربهم أشد محاربة وهم من جنسه علما منه بأن أربابه ربما استحسنوه ~~وقدموه عليه أو شاركوا بينهما في المطعم وأن أخذ شيئا مما يجزيه أصحاب ~~المنزل عنه هرب علما بما يكون إليه منهم من الضرب فإذا ضربوه تملقهم أشد ~~التملق وتمسح بهم ولطع أقدامهم علما منه بما يحصله له الملق من العفو ~~والإحسان وهذا في الحيوان البهيم أكثر من أن PageV02P217 نذكره فله من ~~تقدمة المعرفة ما يليق به وللخيل والحمام من ذلك عجائب وكذلك الثعلب وغيره ~~فعلم ان هذا أمر عام للانسان والحيوان أعطى من تقدمه المعرفة بحسبه وأسباب ~~هذه التقدمة تختلف والأمم الذين لم يتقيدوا بالشرائع لهم اعتبار عظيم بهذا ~~وكذلك من قل التفاته واعتناؤه بما جاءت به الرسل فإنه يشتد التفاته ويكثر ~~نظره واعتناؤه بذلك وأما أتباع ms718 الرسل فقد أغناهم الله بما جاءت به الرسل من ~~العلوم النافعة والأعمال الصالحة عن هذا كله فلا يعتنون به ولا يجعلونه من ~~مطالبهم المهمة لأن ما يطلبونه أعلى وأجل من هذا ومع هذا فلهم منه أوفر ~~نصيب بحسب متابعتهم الرسل من الفراسة الصادقة والمنامات الصالحة الصحيحة ~~والكشوفات المطابقة وغيرها وهممهم لا تقف عند شىء من ذلك بل هى طامحة نحو ~~كشف ما جاء به الرسل من الهدى ودين الحق في كل مسألة وهذا اعظم الكشوف ~~وأجله وأنفعه في الدارين مع كشف عيوب النفس وآفات الأعمال واما الكشف ~~الجزئي عما أكل فلان وعما أحدثه في داره وعما يجرى له في غده ونحو ذلك فهذا ~~ممالا يعبا به من علت همته ولا يلتفت إليه ولا يعده شيئا على أنه مشترك بين ~~المؤمن والكافر فلعباد الأصنام والمجوس والصابئة والفلاسفة والنصارى من ذلك ~~شىء كثير وذلك لا ينفعهم عند الله ولا يخلصهم من عذابه وهؤلاء الكهان وعبيد ~~الجن والسحرة لهم من ذلك أمور معروفة وهم أكفر الخلق فغاية هذا المنجم ~~اليهودي الذي أخبر ابن عباس بما أخبره أن يكون واحدا من هؤلاء فكان ماذا ~~وهل يقف عند هذا إلا الهمم الدنيئة السفلية التى لا نهضة لها إلى الله ~~والدار الآخرة لما يرى لها بذلك من التميز عن الهمج الرعاع من بني آدم # | فصل وأما احتجاجه بحديث أبي الدرداء لقد توفي رسول الله وتركنا # وما طائر يقلب جناحيه إلا وقد ذكرلنا منه علما فهذا حق وصدق وهو من أعظم ~~الأدلة على إبطال قولكم وتكذيبكم فيما تدعونه من علم أحكام النجوم فإنه ~~ذكرهم على كل شيء حتى الخرأة ذكرهم من علم كل طائر وكل حيوان وكل ما في هذا ~~العالم ولم يذكرهم من علم أحكام النجوم شيئا البته وهو أجل من هذا وأعظم ~~وقد صانه الله سبحانه عن ذلك وإنما الذى ذكركم بهذه الأحكام المشركون عباد ~~الأصنام والكواكب مثل بطليموس وبنكلوسا وطمطم صاحب الدرج وهؤلاء مشركون ~~عباد أصنام وكذلك أتباعهم أفلا يستحي رجل أن يذكر رسول ms719 الله في هذا المقام ~~نعم رسول الله ذكر أمته من تكذيبكم وكفركم ومعاداتكم والبراءة منكم ~~والإخبار بأنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ما يعرفه ~~من عرف ما جاء به من أمته والبهت والفرية والكذب على الله ورسوله 0 # هل كان رسول الله أو أحد من أهل بيته مثبتا لأحكام النجوم PageV02P218 # عاملا بها في حركاته وسكناته وأسفاره كما هو المعروف من المشركين ~~وأتباعهم سبحانك هذا بهتان عظيم # وأما قوله أنه جاء في الآثار أن أول من أعطى هذا العلم آدم لأنه عاش حتى ~~أدرك من ذريته أربعين ألف أهل بيت وتفرقوا عنه في الأرض فكان يغتم لخفاء ~~خبرهم عليه فأكرمه الله تعالى بهذا العلم فكان إذا أراد أن يعرف حال أحدهم ~~حسب له بهذا الحساب فيقف على حالته فليس هذا ببدع من بهت المنجمين ~~والملاحدة وإفكهم وافترائهم على آدم وقد علموا بالمثل السائر هنا : إذا ~~كذبت فابعد شاهدك 0 # # | فصل وأما ما نسبه إلى الشافعى من حكمه بالنجوم على عمر ذلك المولود # فلقد نسب الشافعى إلى هذا العلم وحكمه فيه بأحكام ليعجز عن مثلها ائمة ~~المنجمين وأظن الذى غره في ذلك أبو عبد الله الحاكم فإنه صنف في مناقب ~~الشافعى كتابا كبيرا وذكر علومه في أبواب وقال الباب الرابع والعشرون في ~~معرفته تسيير الكواكب من علم النجوم وذكر فيه حكايات عن الشافعى تدل على ~~تصحيحه لأحكام النجوم وكان هذا الكتاب وقع للرازي فتصرف فيه وزاد ونقص وصنف ~~مناقب الشافعى من هذا الكتاب على أن في كتاب الحاكم من الفوائد والآثار ~~مالم يلم به الرازي والذي غر الحاكم من هذه الحكايات تساهله في إسنادها ~~ونحن نبينها ونبين حالها ليتبين أن نسبة ذلك إلى الشافعى كذب عليه وان ~~الصحيح عنه من ذلك ما كانت العرب تعرفه من علم المنازل والاهتداء بالنجوم ~~في الطرقات وهذا هو الثابت الصحيح عنه بأصح إسناد إليه قال الحاكم حدثنا ~~أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعى قال الله ms720 ~~عز وجل هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر @QB@ وقال ~~@QE@ وعلامات وبالنجم هم يهتدون كانت العلامات جبالا يعرفون مواضعها من ~~الأرض وشمسا وقمرا ونجما مما يعرفون من الفلك ورياحا يعرفون صفاتها في ~~الهواء تدل على قصد البيت الحرام وأما الحكايات التى ذكرت عنه في أحكام ~~النجوم فثلاث حكايات إحداها قال الحاكم قرىء على أبي يعلى حمزة بن محمد ~~العلوى وأكثر ظنى أني حضرته حدثنا أبو اسحاق إبراهيم ابن محمد بن العباس ~~الآزدى في آخرين قالوا حدثنا محمد بن أبي يعقوب الجوال الدينورى حدثنا عبد ~~الله بن محمد البلوى حدثنى خالى عمارة بن زيد قال كنت صديقا لمحمد ابن ~~الحسن فدخلت معه يوما على هرون الرشيد فساءله ثم أني سمعت محمد بن الحسن ~~وهو يقول إن محمد بن أدريس يزعم أن للخلافة أهلا قال فاستشاط هرون من قوله ~~غضبا ثم قال على به فلما مثل بين يديه أطرق ساعة ثم رفع رأسه اليه فقال ~~إيها قال الشافعى ما إيها يا أمير المؤمنين أنت الداعى وأنا المدعو وأنت ~~السائل وأنا المجيب فذكر حكاية طويلة PageV02P219 # سأله فيها عن العلوم ومعرفته بها إلى أن قال كيف علمك بالنجوم قال أعرف ~~الفلك الدائر والنجم السائر والقطب الثابت والمائى والناري وما كانت العرب ~~تسميه الأنواء ومنازل النيران والشمس والقمر والاستقامة والرجوع والنحوس ~~والسعود وهيآتها وطبائعها وما استدل به من برى ويجري وأستدل في أوقات صلاتي ~~وأعرف ما مضى من الأوقات في كل ممسي ومصبح وظعنى في أسفارى قال فكيف علمك ~~بالطب قال اعرف ما قالت الروم مثل ارسطاطا ليس ومهراريس وفرفوريس وجالينوس ~~وبقراط واسد فليس بلغاتهم وما نقل من أطباء العرب وفلاسفة الهند ونمقته ~~علماء الفرس مثل حاماسف وشاهمرو وبهم ردويوز جمهر ثم ساق العلوم على هذا ~~النحو في حكاية طويلة يعلم من له علم بالمنقولات أنها كذب مختلق وافك مفترى ~~على الشافعى والبلاء فيها من عند محمد بن عبد الله البلوى هذا فإنه كذاب ~~وضاع وهو الذي وضع رحلة الشافعى وذكر ms721 فيها مناظرته لأبي يوسف بحضرة الرشيد ~~ولم ير الشافعى أبا يرسف ولا اجتمع به قط وإنما دخل بغداد بعد موته ثم إن ~~في سياق الحكاية ما يدل من له عقل على انها كذب مفترى فإن الشافعى لم يعرف ~~لغه هؤلاء اليونان البتة حتى يقول إني أعرف ما قالوه بلغاتهم وأيضا فإن هذه ~~الحكاية أن محمد بن الحسن وشى بالشافعى إلى الرشيد وأراد قتله وتعظيم محمد ~~الشافعى ومحبته له وتعظيم الشافعى له وثناؤه عليه هو المعروف وهو يدفع هذا ~~الكذب وأيضا فإن الشافعى رحمه الله لم يكن يعرف علم الطب اليوناني بل كان ~~عنده من طب العرب طرف حفظ عنه في منثور كلامه بعضه كنهيه عن أكل الباذنجان ~~بالليل وأكل البيض المصلوق بالليل وكان يقول عجبا لمن يتعشى ببيض وينام كيف ~~يعيش وكان يقول عجبا لمن يخرج من الحمام ولا يأكل كيف يعيش وكان يقول عجبا ~~لمن يحتجم ثم يأكل كيف يعيش يعنى عقب الحجامة وكان يقول احذر أن تشرب ~~لهؤلاء الأطباء دواء ولا تعرفه وكان يقول لا تسكن ببلدة ليس فيها عالم ~~ينبئك عن دينك ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك وكان يقول لم أر شيئا انفع ~~للوباء من البنفسج يدهن به ويشرب إلى امثال هذه الكلمات التى حفظت عنه فأما ~~أنه كان يعلم طب اليونان والروم والهند والفرس بلغاتها فهذا بهت وكذب عليه ~~قد أعاذة الله عن دعواه وبالجملة فمن له علم بالمنقولات لا يستريب في كذب ~~هذه الحكاية عليه ولولا طولها لسقناها ليتبين اثر الصنعة والوضع عليها # وأما الحكاية الثانية فقال الحاكم أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال حدثت عن ~~الحسن بن سفيان عن حرملة قال كان الشافعى يديم النظر في كتب النجوم وكان له ~~صديق وعنده وجارية قد حبلت فقال إنها تلد إلى سبعة # وعشرين يوما ويكون في فخذ الولد الأيسر خال أسود ويعيش أربعة وعشرين يوما ~~ثم يموت به على النعت الذى وصف وانقضت # PageV02P220 # مدته فمات فأحرق الشافعى بعد ذلك تلك الكتب وما عاود النظر في شيء ms722 منها ~~وهذا الإسناد رجاله ثقات لكن الشأن فيمن حدث أبا الوليد بهذه الحكاية عن ~~الحسن بن سفيان أو فيمن حدث بها الحسن عن حزملة وهذه الحكاية لو صحت لوجب ~~أن تثنى الخناصر على هذا العلم وتشد به الأيدى لا أن تحرق كتبه ويهان غاية ~~الإهانة ويجعل طعمة للنار وهذا لا يفعل إلا بكتب المحال والباطل # ثم إنه ليس في العالم طالع للولادة يقتضى هذا كله كما سنذكره عن قريب إن ~~شاء الله تعالى والطالع عند المنجمين طالعان طالع مسقط النطفة وهو الطالع ~~الأصلى وهذا لا سبيل إلا العلم به إلا في أندر النادر الذي لا يقتضيه ~~الوجود والثاني طالع الولادة وهم معترفون أنه لا يدل على أحوال الولد ~~وجزئيات امره لأنه انتقال الولد من مكان إلى مكان وإنما أخذوه بدلا من ~~الطالع الأصلى لما تعذر عليهم اعتباره وهذا الحكاية ليس فيها أخذ واحد من ~~الطالعين لأن فيها الحكم على المولود قبل خروجه من غير اعتبار طالعه الأصلى ~~والمنجم يقطع بأن الحكم على هذا الولد لا سبيل إليه وليس في صناعة النجوم ~~ما يوجب الحكم عليه والحالة هذه وهذا يدل على أن هذه الحكاية كذب مختلق على ~~الشافعى على هذا الوجه وكذلك الحكاية الثالثة وهي ما رواه الحاكم أيضا ~~أنباني عبد الرحمن بن الحسن القاضى أن زكريا بن يحيى الساجى حدثهم أخبرني ~~أحمد بن محمد بن بنت الشافعى قال سمعت أبي يقول كان الشافعى وهو حدث ينظر ~~في النجوم وما نظر في شيء إلا فاق فيه فجلس يوما وامرأة تلد فحسب فقال تلد ~~جارية عوراء على فرجها خال أسود وتموت إلى كذا وكذا فولدت فكان كما قال ~~فجعل على نفسه ألا ينظر فيه أبدا وأمر هذه الحكاية كالتى قبلها فأن ابن بنت ~~الشافعى لم يلق الشافعى ولا رآه والشأن فيمن حدثه بهذا عنه والذي عندى في ~~هذا أن الناقل إن أحسن به الظن فإنه غلط على الشافعى والشافعى كان من أفرس ~~الناس وكان قد قرأ كتب الفراسة وكانت له فيها اليد ms723 الطولى فحكم في هذه ~~القضية وأمثالها بالفراسة فأصاب الحكم فظن الناقل أن الحاكم كان يستند إلى ~~قضايا النجوم وأحكامها وقد برأ الله من هو دون الشافعى من ذلك الهذيان فكيف ~~بمثل الشافعى رحمه الله في عقله وعلمه ومعرفته حتى يروج عليه هذيان ~~المنجمين الذي لا يروج إلا على جاهل ضعيف العقل وتنزيه الشافعى رحمه الله ~~عن هذا هو الذى ينبغى أن يكون من مناقبه فأما أن يذكر في مناقبه أنه كان ~~منجما يرى القول بأحكام النجوم وتصحيحها فهذا فعل من يذم بما يظنه مدحا ~~وإذا كان الشافعى شديد الإنكار على المتكلمين مزريا بهم وكان حكمه فيهم أن ~~يضربوا بالحديد ويطاف بهم في القبائل فماذا رأيه في المنجمين وهو أجل وأعلم ~~من ان يحكم بهذا الحكم على أهل الحق ومن قضاياهم في الصدق ينتهى إلى الحد ~~الذى ذكر في هذه الكتابة فذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم والحاكم وغيرهما عن ~~الحميدى قال قال الشافعى خرجت PageV02P221 إلى اليمن في طلب كتب الفراسة ~~حتى كتبتها وجمعتها ثم لما كان انصرافي مررت في طريقي برجل وهو محتب بفناء ~~داره أزرق العين نأتيء الجبهة سفاط فقلت له هل من منزل قال نعم قال الشافعى ~~وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة فأنزلنى فرأيت أكرم رجل بعث إلى بعشاء ~~وطيب وعلف لدوابي وفراش ولحاف وجعلت أتقلب الليل أجمع ما أصنع بهذه الكتب ~~فلما أصبحت قلت للغلام أسرج فأسرج فركبت ومررت عليه وقلت له إذا قدمت مكة ~~ومررت بذى طوى فاسأل عن منزل محمد بن إدريس الشافعى فقال لى الرجل أمولا ~~لأبيك أنا قلت لا قال فهل كانت لك عندى نعمة قلت لا قال فأين ما تكلفت لك ~~البارحة قلت وما هو قال اشتريت لك طعاما بدرهمين وأدما بكذا وعطرا بثلاثة ~~دراهم وعلفا لدوابك بدرهمين وكرى والفراش واللحاف درهمان قال قلت يا غلام ~~فهل بقى شيء قال كرى المنزل فأني وسعت عليك وضيقت على نفسى فغبطت نفسي بتلك ~~الكتب فقلت له بعد ذلك هل بقى شيء قال ms724 امض أخزاك الله فما رأيت شرا منك # وقال الربيع اشتريت للشافعى طيبا بدينار فقال لى ممن اشتريته فقلت من ذلك ~~الأشقر الأزرق فقال أشقر أزرق أذهب فرده وقال الربيع مر أخي في صحن الجامع ~~فدعاني الشافعى فقال لى ياربيع أنظر إلى الذى يمشى هذا أخوك قلت نعم أصلحك ~~الله قال اذهب ولم يكن رآه قبل ذلك # قال قتيبة بن سعيد رأيت محمد بن الحسن والشافعى قاعدين بفناء الكعبة فمر ~~الرجل فقال أحدهما لصاحبه تعال نركز على هذا المار أى حرفة معه فقال أحدهما ~~هذا خياط وقال الآخر هذا نجار فبعثا إليه فسألاه فقال كنت خياطا واليوم ~~أنجر أو كنت نجارا واليوم أخيط # وقال الربيع سمعت الشافعى وقدم عليه رجل من أهل صنعاء فلما رآه قال له من ~~أهل صنعاء قال نعم قال فحداد أنت قال نعم # وقال كنت عند الشافعى إذ أتاه رجل فقال له الشافعى أنساج أنت قال عندى ~~أجراء وقال كنا عند الشافعى إذا مر به رجل فقال الشافعى لا يخلو هذا أن ~~يكون حائكا أو نجارا قال فدعوناه فقال ما صنعتك فقال نجار فقلنا أو غير ذلك ~~قال عندى غلمان يعملون الثياب # وقال حرملة سمعت الشافعى يقول احذروا من كل ذى عاهة في بدنه فإنه شيطان ~~قال حرملة قلت من أولئك قال الأعرج والأحوال والأشل وغيره # وقال اشتهى الشافعى يوما عنبا أبيض فأمرني فاشتريت له منه بدرهم فلما رآه ~~استجاده فقال لى يا أبا محمد ممن أشتريت هذا فسميت له البائع فنحى الطبق من ~~بين يديه وقال لى رده عليه واشترى لى من غيره فقلت له وما شأنه فقال ألم ~~أنهك أن تصحب الأزرق والأشقر فإنه لا ينجب فكيف آكل من شيء اشتريته لى ممن ~~أنهى عن صحبته قال الربيع فرددت العنب على البائع واعتذرت إليه بكلام ~~واشتريت له عنبا من غيره # وقال حرملة سمعت الشافعى يقول احذروا PageV02P222 الأعور والأحول والأعرج ~~والأحدب والأشقر والكوسج وكل من به عاهة في بدنه وكل ناقص الخلق فاحذروه ~~فإنه صاحب لؤم ms725 ومعاملته مره وقال مرة أخرى فإنهم أصحاب خب # وقال الربيع دخلنا على الشافعى عند وفاته أنا والبويطى والمزني ومحمد بن ~~عبد الله ابن عبد الحكم قال فنظر إلينا الشافعى ساعة فأطال ثم التفت فقال ~~أما أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديد يعنى البويطى وأما أنت يا مزني فسيكون ~~لك بمصر هنات وهنات ولتدركن زمانا تكون أقيس أهل ذلك الزمان وأما انت يا ~~محمد فسترجع إلى مذهب أبيك وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لى في نشر الكتب ~~قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة قال الربيع فكان كما قال # وقال الربيع ما رأيت أفطن من الشافعى لقد سمى رجالا ممن يصحبه فوصف كل ~~واحد منهم بصفة ما أخطأ فيها فذكر المزني والبويطى وفلانا فقال ليفعلن فلان ~~كذا وفلان كذا وليصحبن فلان السلطان وليقلدن القضاء وقال لهم يوما وقد ~~اجتمعوا ما فيكم أنفع من هذا وأوما إلى لأنه أمثلكم بأخيه وذكر صفاتا غير ~~هذه قال فلما مات الشافعى صار كل منهم إلى ما ذكر فيه ما أخطأ في شيء من ~~ذلك # وقال حرملة لما وقع الشافعى في الموت خرجنا من عنده فقلت لأبي يا أبه كل ~~فراسة كانت للشافعى أخذناها يدا بيد إلا قوله يقتلنى أشقر وها هو في السياق ~~فوافينا عبد الله بن عبد الحكم ويوسف ابن عمرو فقلنا إلى أين قالا إلى ~~الشافعى فما بلغنا المنزل حتى أدركنا الصراخ عليه قلنا مه مالكم قالوا مات ~~الشافعى فقال أبي من غمضه قالوا يوسف بن عمرو وكان أزرق وهذه الآثار وغيرها ~~ذكرها ابن أبي حاتم والحاكم في مصنفيهما في مناقب الشافعى وهي اللائقة ~~بجلالته ومنصبه لا ما باعده الله منه من أكاذيب المنجمين وهذياناتهم والله ~~أعلم وأما ما احتج به من أن فرعون كان يذبح أبناء بنى أسرائيل ويستحي ~~نساءهم لأن المفسرين قالوا كان ذلك بأن المنجمين أخبروه بأنه سيجىء بنى ~~إسرائيل مولود يكون هلاكه على يديه فأكثر المفسرين إنما أحالوا ذلك على خبر ~~الكهان وروى بعضهم أن قومه أخبروه بأن ms726 بنى أسرائيل يزعمون أنه يولد منهم ~~مولود يكون هلاكك على يديه وهاتان الروايتان هما الدائران في كتب المفسرين ~~وأما هذه الرواية أن المنجمين قالوا له ذلك فغايتها أنها من أخبار أهل ~~الكتاب وقد خالفها غيرها من الروايات فكيف يسوغ التمسك بها في الأمر العظيم ~~وفي أخبار الكهان ما هو أعجب من ذلك فقد أخبروا بظهور خاتم الرسل محمد قبل ~~ظهوره وذلك موجود في دلائل النبوة ونحن لا ننكر علم تقدمة المعرفة بأسباب ~~مفضية إليه تختلف قوى الناس في ادراكها وتحصلها وإنما كلامنا معكم في أصول ~~علم الأحكام وبيان فسادها وكذب أكثر الأحكام التى يسندونها إليها وبيان أن ~~ضرر هذا العلم لو كان حقا أعظم من نفعة في PageV02P223 الدنيا والآخرة وأن ~~أهله لهم أوفر نصيب من قوله إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم ~~وذلة في الحياة الدينا وكذلك نجزى المفترين وأهل هذا العلم أذل أذل الناس ~~في الدنيا لا يمكن أحدا منهم أن يأكل رزقه بهذا العلم إلا بأعظم ذل وعزيزهم ~~لابد أن يتعبد وينضوى إلى مكاس أو ديوان أو وال يكون تحت ظله وفي كنفه ~~وسائرهم على الطرقات وفي كسر الحوانيت مدسسين صيدهم كل ناقص العقل والإيمان ~~والدين من صبى أو امرأة أو حمار في سلاح آدمى أو ذباب طمع لو لاح له في ~~عبادة الأصنام والشمس والقمر والنجوم لكان أول العابدين ورأس مالهم الكذب ~~والزرق وأخذ أحوال السائل منه ومن فلتات لسانه وهيئته وإعراضه فيخبرونه بما ~~يناسب ذلك من الأحوال فينفعل عقله لهم ويقول لقد أعطى هؤلاء عطاء لم يعطه ~~غيرهم وتراهم في الغالب يقصد أحدهم قرية أو دكانا منزويا عن الطريق ويصلي ~~فيه للصيد وينصب الشرك فإذا لاح له بدوى أو حيشى أو تركماني فإنه يتبرك ~~بطلعته ويقول اجلس حتى أبين لك ما يقتضيه نجمك وطالعك وبيت مالك وبيت فراشك ~~وبيت أفراحك وهمومك وكم بقى عليك من القطع نعم ما اسمك واسم أمك وأبيك فإذا ~~قال له اسمه واسم أبويه أخرج له الاصطرلاب أو الكرة النحاس ms727 وقال كيف قلت ~~اسمك فإذا أخبره ثانية قال وكيف قلت اسم الوالدة طول الله عمرها فإذا قال ~~درجت إلى رحمة الله تعالى قال مامات من خلف مثلك ثم يحسب ويقول فلانة تسعة ~~وتزيد عليها تسعة تسقط منها خمسة يبقى منها أربعة أقعد واسمع يا أخي إني ~~أرى عليك حججا مكتوبة ووثائق ولا بد لك من الوقوف بين يدى ولى أمر إما حاكم ~~واما وال وأرى دما خارجا عنك ما أنت من أهله وأرى ناسا قد اجتمعوا حولك وإن ~~كان شكل ذلك الرجل شكل من هو من أرباب التهم قال وأرى خشبا ينصب ومسامير ~~تضرب وجنايات تؤخذ نعم يا أخي برجك بالأسد وهو نارى مذكر أخذت منه نطاح ~~مقدام بطل نجمك الزهرة أنت قليل البخت عند الناس مكفور الإحسان مقصود ~~بالأذى قل أن صاحبت أحدا فأثمرت لك صحبته خيرا نعم يا أخي أسعد أيامك يوم ~~الجمعة وخير كسبك كد يدك اعلم أنه لابد لك من أسفار وغربة وركوب أهوال ~~واقتحام اخطار وأمور عظام أبينها لك إن شاء الله هات لا تبخل على نفسك حط ~~يدك في جيبك حل الكيس ولا يزال يلكزه ويجذبه ويطمعه حتى يستخرج ما تسمح به ~~نفسه فإن رأى منه تباطيا قال عجل قبل خروج هذه الساعة السعيدة فإنها ساعة ~~مباركة أما سمعت قول نبيك يسروا ولا تعسروا فإذا حاز ما أخذه قال له زدني ~~فإن أمورك كثيرة ويحتاج إلى تعب وفكر وحساب طويل فإذا تم له ما يأخذه منه ~~بقى هو من جوا فكال له من جراب الكذب ما أمكنه ولا يبالى أكذبه أم صدقه ثم ~~يقول له أخي PageV02P224 برجك الأسد وهو سهم العداوة والحسد وما عاداك أحد ~~قط وأفلح بل يظفرك الله به وينصرك عليه نعم وهو برج ناري والنار من النور ~~والنور فيه البهجة والسرور ابشر فأنت طويل العمر لا تموت في هذا الوقت عمرك ~~من الستين إلى السبعين إلى الثمانين إلى التسعين بيت كسبك كذا وكذا وأرى ~~حاجة مهمة قد خرجت عن يدك نعم ms728 بغير مرادك وأنت في غالب أحوالك الخارج عن ~~يدك أكثر من الداخل فيها بالله صدقت أم لا فيقول والله صحيح والأمر كما قلت ~~ولكن أحمد الله كلما بقي عليك من القطع أربعة أشهر وعشرة أيام وتخرج من ~~نحسك وتدخل في برج سعادتك وتنجو ويخلف الله عليك بالخيرات والبركات ولا بد ~~لك الساعة من رزق يأتيك الله به ويفرح به أهلك وعيلتك وتصلح حالك ويستقيم ~~سعدك # الثالث يا أخي من برجك الميزان وهو بيت الإخوان سعدك يا أخي منهم منقوص ~~وحظك منهم منحوس غالب من أوليته منهم خيرا جازاك بالشر وغالب من قلت فيه ~~الخير منهم يقول فيك الشر بالله أما الأمر هكذا وذلك يا أخي أنك خفيف الدم ~~كل من رآك مال إليك وأنس بك وأنت محسود تحسد في مالك وفي عافيتك وفي أهلك ~~وأولادك وكل ما تعمله بيدك ولكن العين لا تؤثر فيك لأن كل من برجه الأسد لا ~~بد أن يكون له في رأسه أو جسده علامة مثل شجة أو ضربة بين أكتافه أو في ~~ساقه وما هو بعيد أن في جسدك شامة أو في جسمك ثلمة وهذا هو الذي يدفع عنك ~~العين وأنت لا تدري # الرابع من بروجك العقرب وهو بيت الآباء أراك كنت قليل السعد بين أبويك ~~ومع هذا فكان أكثر ميلهم وإشفاقهم مع غيرك هم عليك وكان حظك منهم ناقصا ~~ولهم تطلع إلى كدك وكسبك # الخامس من بروجك القوس وهو بيت البنين أراك قليلا ما يعيش لك أولاد ~~تدفنهم كلهم ثم تموت أنت بعدهم بل سوف يكون لك ولد يشد الله به عضدك ويقوي ~~أمرك وتنال من جهته راحة وخيرا وربما تكون سعادتك على يديه # السادس من بروجك الجدي وهو برج أمراضك وأعلالك يا أخي أمراضك وأسقامك ~~كثيرة وأكثرها في رأسك وربما يكون في أجنابك وهي أمراض قوية طوال الله ~~يعافينا وإياك وكنت في صغرك لا ترقد في السرير إلا بعد جهد جهيد وعهدي بك ~~الآن لا ترقد في فراشك إلا بعد شدة نعم وأكثر ms729 أمراضك في الصيف والخريف # السابع من بروجك الدلو وهو بيت الفراش وأرى فراشك خاليا أثم زوجة فإن قال ~~نعم قال لا بد لك من فراقها عن قريب إما بموت وإما بطلاق فإن المريخ منك في ~~بيت الفراش وإن قال لا قال عجيب والله لقد ابصرت في الطبائع أن فراشك فارغ ~~وأرى روحا ناظرة إليك بعين الألفة والمحبة خطورك وخطوره عليك وأرى لك من ~~قبله منفعة ولك به اتصال وفرح أبين لك على أي سبب يكون اجتماعكما نعم فإن ~~قال له نعم قال هات PageV02P225 فإن الذي أعطيتني قليل فاذا أخذ منه قال ~~اعلم أنه لا بد لك من الاتصال بهذا الشخص على كل حال إلا أني ارى قد عمل لك ~~عمل وعقد لك عقد وأنت في هم وغم من ذلك فان شئت عملت لك كتابا نافعا يكون ~~لك حرزا من كل ما تخافه وتحذره ولا يزال يفتل له في الذروة والقرب حتى ~~يستكتبه الحرز وكذب هذه الطائفة وجهلها وزرقها يعني شهرته عند الخاصة ~~والعامة عن تكليف إرادة وكلما كان المنجم أكذب وبالزرق أعرف كان على الجهال ~~أروج # | فصل وأما قوله إن هذا علم ما خلت عنه ملة من الملل ولا # أمة من الأمم ولا يعرف تاريخ من التواريخ القديمة والحديثة إلا وكان أهل ~~ذلك الزمان مشتغلين بهذا العلم ومعولين عليه في معرفة المصالح ولو كان هذا ~~العلم فاسدا بالكلية لاستحال إطباق أهل المشرق والمغرب عليه فانظر ما في ~~هذا الكلام من الكذب والبهت والافتراء على العالم من أول بنائه إلى آخره ~~فإن آدم وأولاده كانوا برآء من ذلك وائمتكم معترفون بأن أول من عرف منه ~~الكلام في هذا العلم وتلقيت عنه أصوله وأوضاعه هو إدريس النبي عليه السلام ~~وكان بعد بناء هذا العالم بزمن طويل هذا لو ثبت ذلك عن إدريس فكيف وهو من ~~الكذب الذي ليس مع صاحبه إلا مجرد القول بلا علم والكذب على رسول الله عليه ~~وسلم أو ليس من الفرية والبهت أن ينسب هذا العلم إلى أمة ms730 موسى في زمنه ~~ويعدوه بأنهم كانوا معولهم في مصالحهم على هذا العلم وكذلك أمه عيسى وأمة ~~يونس والذين كانوا مع نوح ونجوا معه في السفينة وحسبك بهذا الكذب والافتراء ~~على تلك الأمة المضبوط أمرها المحفوظ فعلها فهل كان النبي وأصحابه يعولون ~~على هذا العلم ويعتمدون عليه في مصالحهم أو قرن التابعين يفعله أو قرن ~~تابعى التابعين وهذه هى خيار قرون العالم على الإطلاق كما أن هذه الأمة خير ~~أمة أخرجت للناس وهم اعلم الأمم واعرفها وأكثر كتبا وتصانيف وأعلاها شأنا ~~وأكملها في كل خير ورشد وصلاح كما ثبت في المنسد وغيره عن النبي أنه قال ~~أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله فهل رأيت خيار قرون هذه ~~الأمة والموفقين من خلفائها وملوكها وساداتها وكبرائها معولين على هذا ~~العلم أو معتمدين عليه في مصالحهم وهذه سيرهم ما بعهدها من قدم ولا يتأتي ~~الكذب عليهم هذا وقد أعطوا من التأييد والنصر والظفر بعدوهم والاستيلاء على ~~ممالك العالم مالم يظفر به أحد من المعولين على أحكام النجوم بل لا تجد ~~المنجمين الا ذمة لهم لولا اعتصامهم بحبل منهم لقطعت حبال أعناقهم ولا تجد ~~المعولين على هذا العلم إلا مخصوصين بالخذلان والحرمان وهذا لأنهم حق عليهم ~~قوله تعالى إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحيوة ~~الدنيا وكذلك تجزي المفترين قال أبو قلابة هي لكل مفتر من هذا لأممة إلى ~~يوم القيامة نعم لا ننكر أن هذا العلم له طلبة مشغولون به PageV02P226 ~~معتنون بأمره وهذا لا يدل على صحته فهذا السحر لم يزل في العالم من يشتغل ~~به ويتطلبه أعظم من اشتغاله بالنجوم وطلبه لها بكثير وتأثيره في الناس ~~ممالا ينكر أفكان هذا دليلا على صحته وهذه الأصنام لم تزل تعبد في الأرض من ~~قبل نوح وإلى الآن ولها الهياكل المبنية والسدنة ولها الجيوش التى تقاتل ~~عنها وتحارب لها وتختار القتل والسبي وعقوبة الله تعالى ولا تنتهى عنها ~~أفيدل هذا على صحة عباداتها وإن عبادها على الحق ومن العجب ms731 قوله لو كان هذا ~~العلم فاسدا لاستحال أطباق أهل المشرق والمغرب من أول بناء العالم إلى آخره ~~عليه وليس في الفرية أبلغ من هذا ولا في البهتان أترى هذا الرجل ما وقف على ~~تأليف لأحد من أهل المشرق والمغرب في إبطال هذا العلم والرد على أهله فقد ~~رأينا نحن وغيرنا ما يزيد على مائة مصنف في الرد على أهله وإبطال أقوالهم ~~وهذه كتبهم بأيدي الناس وكثير منها للفلاسفة الذين يعظمهم هؤلاء ويرون أنهم ~~خلاصة العالم كالفارابي وابن سينا وأبي البركات الأوحد وغيرهم وقد حكينا ~~كلامهم وأما الردود في ضمن الكتب حين يرد على أهل المقالات فأكثر من أن ~~تذكر ولعلها أن تزيد على عدة الألف تجد في كل كتاب منها الرد على هؤلاء ~~وإبطال مذهبهم ونسبتهم إلى الكذب والزرق ولو أن مقابلا قابله وقال لو كان ~~هذا العلم صحيحا لاستحال إطباق أهل المشرق والمغرب على رده وأبطاله لكان ~~قوله من جنس قوله ولكن أهل المشرق فيهم هذا وهذا كما يشهد به الحس ~~والتواريخ القديمة والحديثة ولقد رأينا من الردود القديمة قبل قيام الإسلام ~~على هؤلاء ما يدل على أن العقلاء لم يزالوا يشهدون عليهم بالجهل وفساد ~~المذهب وينسبونهم إلى الدعاوى الكاذبة والآراء الباطلة التى ليس مع أصحابها ~~إلا القول بلا علم 0 # # | فصل وأما ما ذكره في أمر الطالع عن الفرس وأنهم كانوا يعتنون بطالع # مسقط النطفة وهو طالع الأصل ثم يحكم بموجبه حتى يحكم بعدد الساعات التى ~~يمكثها الولد في بطن أمه فهذا من الكذب والبهت ومن أراد أن يختبر كذبه ~~فليجربه فإن تجربة مثل هذا ليست بمشقة ولا عسرة ثم إن هذا الواطىء لا علم ~~له ولا لأحد أن الولد إنما يخلق من أول وطئه الذي أنزل فيه دون ما بعده وإن ~~فرض أنه أمسك عن وطئها بعد المرة الأولى وحبسها بحيث يتيقن أن غيره لم ~~يقربها وهذا في غاية الندرة لم يمكن المنجم أن يعلم أحوال ذلك المولود ولا ~~تفاصيل أمره البتة ومدعى ذلك مجاهر بالكذب والبهت ms732 وقد اعترف القوم بأن طالع ~~الولادة مستعار لا يفيد شيئا لأن الولد لا يحدث في ذلك الوقت وإنما ينتقل ~~من مكان إلى مكان وقد اعترفوا بأن ضبطه متعسر جدا بل متعذر فإن في اللحظة ~~الواحدة من اللحظات تتغير نصبة الفلك تغيرا لا يضبط ولا يحصيه PageV02P227 # إلا الله ولا ريب أن الطالع يتغير بذلك تغيرا عظيما لا يمكن ضبطه وقد ~~اعترفوا هم بهذا وأن سبب هذا التفاوت يحيل أحكامهم واعترفوا بأنه لا سبيل ~~إلى الاحتراز من ذلك فأى وثوق لعاقل بهذا العلم بعد هذا كله وقد بينا أن ~~غاية هذا لوصح وسلم من الخلل جميعه ولا سبيل إليه لكان جزء السبب والعلة ~~والحكم لا يضاف إلى جزء سببه ثم لو كان سببا تاما فصوارفه وموانعه لا تدخل ~~تحت الضبط البتة والحكم إنما يضاف إلى وجود سببه التام وانتقاء مانعه وهذه ~~الأسباب والموانع مما لاتدخل تحت حصر ولا ضبط إلا لمن أحصى كل شيء عددا ~~وأحاط بكل شيء علما لا إله هو علام الغيوب فلو ساعدناهم على صحة أصول هذا ~~العالم وقواعده لكانت أحكامهم باطلة وهي أحكام بلا علم لما ذكرناه من تعذر ~~الإحاطة بمجموع الأسباب وانتفاء الموانع ولهذا كثيرا ما يجمعون على حكم من ~~أحكامهم الكاذبه فيقع الأمر بخلافه كما تقدم # وأما تلك الحكايات المتضمنة لإصابتهم في بعض الأحوال فليسبب بأكثر من ~~الحكايات عن أصحاب الكشف والفأل وزجر والطائر والضرب بالحصى والطرق ~~والعيافة والكهانة والخط والحدس وغيرها من علوم الجاهلية وأعنى بالجاهلية ~~كل من ليس من أتباع الرسل كالفلاسفة والمنجمين والكهان وجاهلية العرب الذين ~~كانوا قبل النبي فأن هذه كانت علوما لقوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل ~~ومن هؤلاء من يزعم أنه يأخذ من الحروف علم المكان ولهم في ذلك تصانيف وكتب ~~حتى يقولون إذا أردت معرفة ما في رؤيا السائل من خير أو شر فخذ أول حرف من ~~كلامه الذي يكلمك به وفسر رؤياه على معنى ذلك الحرف فإن كان أول ما نطق به ~~باء فرؤياه لأن الباء ms733 من البهاء من الخير ألا تراها في البر والبركة وبلوغ ~~الآمال والبقاء والبشارة والبيان والبخت فإذا كان أول حرف من كلامه باء ~~فاعلم أنه قد عاين ما أبهاه وبشره من الخيرات وإن كان أول كلامه تاء فقد ~~بشر بالتمام والكمال وإن كان ثاء فبشره بالأثاث والمتاع لقوله تعالى هم ~~أحسن أثاثا ورئيا ثم قالوا فعليك بهذه الأحرف الثلاثة فليس شيء يخلو منها ~~ويجاوزها وإذا تأملت جهل هؤلاء رايته شديدا فكيف حكموا على الباء بالبهاء ~~والبركة دون البأس والبغى والبين والبلاء والبوار والبعد وكيف حكموا على ~~الثاء بالأثاث دون الثقل والثقل والشلب ونحوه وكذلك استدلاله بأول ما يقع ~~بصره عليه كما حكى عن أبي معشر أنه وقف هو وصاحب له على واحد من هؤلاء ~~وكانا سائرين في خلاص محبوس فسألاه فقال أنتما في طلب خلاص مسجون فعجبا من ~~ذلك فقال له أبو معشر هل يخلص أم لا فقالا تذهبان تلتقيانه قد خلص فوجدا ~~الأمر كما قال فاستدعاه أبو معشر وأكرمه وتلطف له في السؤال عن كيفية علم ~~ذلك فقال نحن نأخذ الفأل بالعين والنظر فينظر أحدنا إلى الأرض ثم يرفع رأسه ~~فأول شيء يقع نظره عليه يكون الحكم به فلما سألتماني كان أول ما رأيت ماء ~~في قربة فقلت PageV02P228 هذا محبوس ثم لما سألتماني في الثانية نظرت فإذا ~~هو أفرغ من القربة فقلت يخلص ويصيب تارة ويخطىء تارة # ومن هذا أخذ بعضهم الجواب عن التفاؤل بالأيام فإذا رأى أحد رؤيا مثلا يوم ~~أحد أو ابتدأ فيه امرا قال حدة وقوة وإن كان يوم الجمعة قال اجتماع والفة ~~وإن كان يوم سبت قال قطع وفرقة # ومن هذا استدلال المسئول بالمكان الذي يضع السائل يده عليه من جسده وقت ~~السؤال فإن وضع يده على رأسه فهو رئيسه وكبيره والرجلين قوامه والأنف بناء ~~مرتفع أو تل أو نحوه والفم بئر عذبة اللحية أشجار وزروع وعلى هذا النحو من ~~ذلك ما حكى عن المهدى أنه رأى رؤيا وأنسيها فأصبح مغتما بها فدل على رجل ~~كان ms734 يعرف الزجر والفأل وكان حاذقا به واسمه خويلد فلما دخل عليه أخبره ~~بالذي أراده له فقال له يا أمير المؤمنين صاحب الزجر والفأل ينظر إلى ~~الحركة وأخطار الناس فغضب المهدي وقال سبحان الله أحدكم يذكر بعلم ولا يدري ~~ما هو ومسح يده على رأسه ووجهه وضرب بها على فخذه فقال له أخبرك برؤياك يا ~~أمير المؤمنين قال هات قال رأيت كأنك صعدت جبلا فقال المهدي لله ابوك يا ~~سحار صدقت قال ما أنا بساحر يا أمير المؤمنين غير أنك مسحت بيدك على رأسك ~~فزجرت لك وعلمت أن الرأس ليس فوقه أحد إلا السماء فأولته بالجبل ثم نزلت ~~بيدك إلى جبهتك فزجرت لك بنزولك إلى أرض ملساء فيها عينان مالحتان ثم ~~انحدرت إلى سفح الجبل فلقيت رجلا من فخذك قريش لأن أمير المؤمنين مسح بعد ~~ذلك بيده على فخذه فعلمت أن الرجل الذي لقيه من قرابته قال صدقت وأمر له ~~بمال وأمر أن لا يحجب عنه # ومن ذلك هؤلاء أصحاب الطير السانح والبارح والقعيد والناطح وأصل هذا أنهم ~~كانوا يزجرون الطير والوحش ويثيرونها فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سموه ~~سانحا وما تياسر منها سموه بارحا وما استقبلهم منها فهو الناطح وما جاءهم ~~من خلفهم سموه القعيد فمن العرب من يتشاءم بالبارح ويتبرك بالسانح ومنهم من ~~يرى خلاف ذلك قال المدائني سألت رؤبة بن العجاج ما السانح قال ما ولاك ~~ميامنه قال قلت فما البارح قال ما ولاك مياسره قال والذي يجيء من قدامك فهو ~~الناطح والنطيح والذي يجىء من خلفك فهو القاعد والقعيد وقال المفضل الضبي ~~البارح ما يأتيك عن اليمين يريد يسارك والسانح ما يأتيك عن اليسار فيمر على ~~اليمين وإنما اختلفوا في مراتبها ومذاهبها لأنها خواطر وحدوس وتخمينات لا ~~أصل لها فمن تبرك بشيء مدحه ومن تشاءم به ذمه ومن اشتهر بإحسان الزجر عندهم ~~ووجوهه حتى قصده الناس بالسؤال عن حوادثهم وما أملوه من أعمالهم سموه عائفا ~~وعرافا وقد كان في العرب جماعة يعرفون بذلك كعراف اليمامة والأبلق ms735 الأسيدى ~~والأجلح وعروة بن يزيد وغيرهم فكانوا يحكمون بذلك ويعملون به ويتقدمون ~~ويتأخرون في جميع ما يتقلبون فيه ويتصرفون في حال الأمن والخوف والسعة ~~والضيق والحرب والسلم فان أنجحوا PageV02P229 # فيما يتفاءلون به مدحوه وداوموا عليه وإن عطبوا فيه تركوه وذموه ومنهم من ~~أنكرها بعقله وأبطل تأثيرها بنظره وذم من اغتربها واعتمد عليها وتوهم ~~تأثيرها فمنهم الرقشى حيث يقول : # ولقد غدوت وكنت لا % أغدو عل واق وحاتم # فإذا الاشائم كالأيا % من والأيامن كالأشائم # وكذاك لا خير ولا % شر على أحد بدائم # لا يمنعنك من بغا % ء الخير تعقاد التمائم # قد خط ذلك في السطو % ر الأوليات القدائم # وقال جهم الهذلي : # ألم تر أن العائفين وإن جرت % لك الطير عما في غذ عميان # يظنان ظنا مرة يخطيانه % وأخرى على بعض الذي يصفان # قضى الله أن لا يعلم الغيب غيره % ففي أي أمر الله يمتريان # وقال آخر : # وما أنا ممن يزجر الطير همه % أطار غراب أم تعرض ثعلب # ولا السانحات البارحات عشية % أمر سليم القرن أم مر أعضب # وقال آخر يمدح منكرها : # وليس بهياب إذا ش % له يقول عداني اليوم واق وحاتم # ولكنه يمضي على ذاك مقدما % إذا حاد عن تلك الهنات الختارم # يعني بالواق الصرد وبالحاتم الغراب سموه حاتما لأنه كان عندهم يحتم ~~بالفراق والختارم العاجز الضعيف الرأي المتطير # وقد شفى النبي أمته في الطيرة حيث سئل عنها فقال ذاك شيء يجده أحدكم فلا ~~يصدنه وفي أثر آخر إذا تطيرت فلا ترجع أي أمض لما قصدت له ولا يصدنك عنه ~~الطيرة واعلم أن التطير إنما يضر من أشفق منه وخاف وأما من لم يبال به ولم ~~يعبأ به شيئا لم يضره البتة ولا سيما أن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه ~~اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك اللهم لا يأتي ~~بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك ~~فالطيرة باب من الشرك والقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته يكبر ويعظم ms736 شأنها على ~~من اتبعها نفسه واشتغل بها وأكثر العناية بها وتذهب وتضمحل عمن لم يلتفت ~~إليها ولا القى إليها باله ولا شغل بها نفسه وفكره واعلم أن من كان معتنيا ~~بها قائلا بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدر فتحت له PageV02P230 ~~أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات ~~البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه وينكد عليه عيشه فإذا ~~سمع سفر جلا أو أهدى إليه تطير به وقال سفر وجلاء وإذا رأى ياسمينا أو سمع ~~اسمه تطير به وقال يأس ومين وإذا رأى سوسنة أو سمعها قال سوء يبقى سنه وإذا ~~خرج من داره فاستقبله أعور أو أشل أو أعمى أو صاحب آفة تطير به وتشاءم ~~بيومه ويحكى عن بعض الولاة أنه خرج في بعض الأيام لبعض مهماته فاستقبله رجل ~~أعور فتطير به وأمر به إلى الحبس فلما رجع من مهمه ولم يلق شرا أمر باطلاقه ~~فقال له سألتك بالله ما كان جرمى الذى حبستنى لأجله فقال له الوالى لم يكن ~~لك عندنا جرم ولكن تطيرت بك لما رأيتك فقال فما أصبت في يومك برؤيتى فقال ~~مما لم ألق إلا خيرا فقال أيها الأمير أنا خرجت من منزلى فرايتك فلقيت في ~~يومى الشر والحبس وأنت رأيتنى فلقيت في يومك الخير والسرور فمن أشأمنا ~~والطيرة بمن كانت فاستحيا منه الوالى ووصله # وقال أبو القاسم الزجاجى لم أر أشد تطيرا من ابن الرومى الشاعر وكان قد ~~تجاوز الحد في ذلك فعاتبته يوما على ذلك فقال يا أبا القاسم الفأل لسان ~~الزمان والطيرة عنوان الحدثان وهذا جواب من استحكمت علته فعجز عنها وهو ~~أيضا بمنزلة من قد غلبته الوساوس في الطهارة فلا يلتفت إلى علم ولا إلى ~~ناصح وهذه حال من تقطعت به أسباب التوكل وتقلص عنه لباسه بل تعرى منه ومن ~~كان هكذا فالبلايا إليه أسرع والمصائب به أعلق والمحن له ألزم بمنزلة صاحب ~~الدمل والقرحة الذى يهدى إلى قرحته كل مؤذ وكل مصادم ms737 فلا يكاد يصدم من جسده ~~أو يصاب غيرها والمتطير متعب القلب منكد الصدر كاسف البال سيء الخلق يتخيل ~~من كل ما يراه أو يسمعه أشد الناس خوفا وأنكدهم عيشا وأضيق الناس صدرا ~~وأحزنهم قلبا كثير الاحتراز والمراعاة لما لا يضره ولا ينفعه وكم قد حرم ~~نفسه بذلك من حظ ومنعها من رزق وقطع عليها من فائدة ويكفيك من ذلك قصة ~~النابغة مع زياد بن سيار الفزارى حين تجهز إلى الغزو فلما أراد الرحيل نظر ~~النابغة إلى جرادة قد سقطت عليه فقال جرادة تجرد وذات ألوان عزيز من خرج من ~~هذا الوجه ونفذ زياد لوجهه ولم يتطير فلما رجع زياد سالما غانما أنشأ يقول ~~0 # تخير طيرة فيها زياد % ليخبره وما فيها خبير # أقام كان لقمان بن عاد % أشار له بحكمته مشير # تعلم أنه لا طير إلا % على متطير وهو الثبور # بلى شىء يوافق بعض شيء % أحيايينا وباطله كثير # ولم يحك الله التطير إلا عن أعداء الرسل كما قالوا لرسلهم انا تطيرنا بكم ~~لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ~~ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون PageV02P231 # وكذلك حكى الله سبحانه عن قوم فرعون فقال فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا ~~هذه وأن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله حتى إذا ~~أصابهم الخصب والسعة والعافية قالوا لنا هذه أى نحن الجديرون الحقيقون به ~~ونحن أهله وإن أصابهم بلاء وضيق وقحط ونحوه قالوا هذا بسبب موسى وأصحابه ~~أصبنا بشؤمهم ونفض علينا غبارهم كما يقوله المتطير لمن يتطير به فأخبر ~~سبحانه أن طائرهم عنده كما قال تعالى عن أعداء رسوله وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وأن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك فهذه ثلاثة مواضع حكى ~~فيها التطير عن أعدائه وأجاب سبحانه عن تطيرهم بموسى وقومه بأن طائرهم عند ~~الله لا بسبب موسى وأجاب عن تطير أعداء رسول الله بقوله قل كل من عند الله ~~وأجاب عن الرسل بقوله إلا طائركم معكم وأما ms738 قوله ألا إنما طائركم عند الله ~~فقال ابن عباس طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم وفي رواية شؤمهم عند الله ومن ~~قبله أى إنما جاءهم الشؤم من قبله بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله وقال أيضا ~~ان الأزراق والأقدار تتبعكم وهذه كقوله تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في ~~عنقه ونخرج أى ما يطير له من الخير والشر فهو لازم له في عنقه والعرب تقول ~~جرى له الطائر بكذا من الخير والشر قال أبو عبيدة الطائر عندهم الحظ وهو ~~الذى تسميه العامة البخت يقولون هذا يطير لفلان أى يحصل له قلت ومنه الحديث ~~فطار لنا عثمان بن مظعون أى أصابنا بالقرعة لما اقترع الأنصار على نزول ~~المهاجرين عليهم وفي حديث رويفع ابن ثابت حتى أن أحدنا ليطير له النصل ~~والريش والآخر القدح أى يحصل له بالشركة في الغنيمة وقيل في قوله تعالى وكل ~~إنسان ألزمناه طائره في عنقه أن الطائر ههنا هو العمل قاله الفراء وهو ~~يتضمن الرد على نفاه القدر وخص العنق بذلك من بين سائر أجزاء البدن لأنها ~~محل الطوق الذي يطوقه الإنسان في عنقه فلا يستطيع فكاكه ومن هذا يقال إثم ~~هذا في عنقك وافعل كذا واثمه في عنقي والعرب تقول طوقها طوق الحمامة وهذا ~~ربقة في رقبته وعن الحسن بن آدم لتنظر لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك ~~فخصوا العنق بذلك لأنه موضع القلادة والتميمة واستعمالهم التعاليق فيها ~~كثير كما خصت الأيدى بالذكر في نحو بما كسبت أيدكم بما قدمت يداك ونحوه ~~وقيل المعنى أن الشؤم العظيم هو الذي لهم عند الله من عذاب النار وهو الذي ~~أصابهم في الدنيا وقيل المعنى أن سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب ~~عنده الذي يجرى عليه ما يسوؤهم ويعاقبون عليهم بعد موتهم بما وعدهم الله ~~ولا طائر أشأم من هذا وقيل حظهم ونصيبهم وهذا لا يناقض قول الرسل طائركم ~~معكم أى حظكم وما نالكم من خير وشر معكم بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم ~~الناصحين ليس هو من أجلنا ولا بسببنا بل ms739 ببغيكم PageV02P232 # وعدوانكم فطائر الباغى الظالم معه وهو عند الله كما قال تعالى وأن تصبهم ~~سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا ولو فقهوا أو فهموا لما تطيروا بما جئت به لأنه ليس فيما جاء ~~به الرسول ما يقتضى الطيرة فإنه كله خير محض لا شر فيه وصلاح لا فساد فيه ~~وحكمه لا عبث فيها ورحمة لاجور فيها فلو كان هؤلاء القوم من أهل الفهم ~~والعقول السليمة لم يتطيروا من هذا فإن الطيرة إنما تكون بالشر لا بالخير ~~المحض والمصلحة والحكمة والرحمة وليس فيما أتيتهم به لو فهموا ما يوجب ~~تطيرهم بل طائرهم معهم بسبب كفرهم وشركهم وبغيهم وهو عند الله كسائر حظوظهم ~~وأنصبائهم التى يتناولوها منه باعمالهم وكسبهم ويحتمل أن يكون المعنى ~~طائركم معكم أى راجع عليكم فالطير الذي حصل لكم إنما يعود عليكم وهذا من ~~باب القصاص في الكلام مثل قوله في الحديث أخذنا فالك من فيك ونظيره قول ~~النبي إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم فعلى هذا معنى طائركم معكم ~~اى تصيبكم طيرتكم التى تطيرتم بها لأنهم اعتقدوا الشؤم فيها ولا شؤم فيها ~~البتة فقيل لهم الشؤم منكم وهو نازل بكم فتأمله وهذا يشبه قوله تعالى وقد ~~مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال قيل جزاء ~~مكرهم عنده فمكر بهم كما مكا مكروا برسله ومكره تعالى بهم إنما كان بسبب ~~مكرهم فهو مكرهم عاد عليهم وكيدهم عاد عليهم فهكذا طيرتهم عادت عليهم وحلت ~~بهم وسمى جزاء المكر مكرا وجزاء الكيد كيدا تنبيها على أن الجزاء من جنس ~~العمل ولما ذكر سبحانه أن ما أصابهم من حسنة وسيئة أى نعمة ومحنة فالكل منه ~~تعالى بقضائه وقدره فكأنهم قالوا فما بالك أنت تصبيك الحسنات والسيئات كما ~~تصيبنا فذكر سبحانه أن ما أصابه من حسنة فمن الله من بها عليه وأنعم بها ~~عليه وما أصابه من سيئة فمن نفسه أى بسبب من قبله أى لا لنقص ms740 ما جاء به ولا ~~لشر فيه ولا لشؤم يقتضى أن تصيبه السيئة بل بسبب من نفسه ومن قبله وقد قيل ~~في قوله تعالى طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون أن طائرهم ههنا هو السبب ~~الذي يجىء فيه خيرهم وشرهم فهو عند الله وحده وهو قدره وقسمه إن شاء رزقكم ~~وعافاكم وإن شاء حرمكم وابتلاكم ومن هذا قالوا طائر الله لا طائر كلبى قدر ~~الله الغالب الذي يأتي بالحسنات ويصرف السيئات ومنه اللهم لا طير إلا طيرك ~~ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك وعلى هذا فالمعنى بطائركم نصيبكم وحظكم الذي ~~يطيركم ومن فسره بالعمل فالمعنى طائركم الذي طار عنكم من أعمالكم بهذين ~~القولين فسر معنى قوله تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه وأنه ما طار ~~عنه من عمله أو صار لازما له مما قضى الله عليه وقدر عليه وكتب له من الرزق ~~والأجل والشقاوة والسعادة 0 فصل # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قال في وصف PageV02P233 # السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم الذين لا يكتوون ولا ~~يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون زاد مسلم وحده ولا يرقون فسمعت شيخ ~~الإسلام ابن تيمية يقول هذه الزيادة وهم من الراوى لم يقل النبي ولا يرقون ~~لأن الراقي محسن إلى أخيه وقد قال النبي وقد سئل عن الرقي فقال من استطاع ~~منكم أن ينفع أخاه فلينفعه وقال لا بأس بالرقي مالم يكن شركا والفرق بين ~~الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مسقط ملتفت إلى غير الله بقلبه والراقي ~~محسن نافع # قلت والنبي لا يجعل ترك الإحسان المأذون فيه سببا للسبق إلى الجنان وهذا ~~بخلاف ترك الإسترقاء فإنه توكل على الله ورغبة عن سؤال غيره ورضاء بما قضاه ~~وهذا شيء وهذا شيء وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي لا عدوى ولا ~~طيرة وأحب الفال الصالح ونحوه من حديث انس وهذا يحتمل أن يكون نفيا وأن ~~يكون نهيا أى لا تطيروا ولكن قوله في الحديث ولا عدوى ولا صفر ms741 ولا هامة يدل ~~على أن المراد النفى وإبطال هذه الأمور التى كانت الجاهلية تعانيها والنفي ~~في هذا أبلغ من النهى لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره والنهى إنما ~~يدل على المنع منه وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث سفيان عن سلمة عن عيسى ~~بن عاصم عن ذر عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله الطيرة شرك وما منا ~~ولكن الله يذهبه بالتوكل وهذه اللفظة وما منا إلى آخره مدرجة في الحديث ~~ليست من كلام النبي كذلك قاله بعض الحفاظ وهو الصواب فإن الطيرة نوع من ~~الشرك كما هو في أثر مرفوع من ردته الطيرة فقد قارن الشرك وفي أثر من ~~أرجعته الطيرة من حاجة فقد أشرك قالوا وما كفارة ذلك قال أن يقول أحدكم ~~اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك # وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمى أنه قال يا رسول الله ومنا ~~أناس يتطيرون فقال ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنه فأخبر أن تأذية ~~وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لافي المتطير به فوهمه وخوفه ~~وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه فأوضح لأمته الأمر وبين لهم ~~فساد الطيرة ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها ~~دلالة ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه لتطمئن قلوبهم ولتسكن نفوسهم ~~إلى وحدانيتة تعالى التى أرسل بها رسله وأنزل بها كتبه وخلق لأجلها السموات ~~والأرض وعمر الدارين الجنة والنار فبسبب التوحيد ومن أجله جعل الجنة دار ~~التوحيد وموجباته وحقوقه والنار دار الشرك ولو ازمه وموجباته فقطع علق ~~الشرك من قلوبهم لئلا يبقى فيها علقة منها ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهله ~~البتة # وفي الحديث المعروف أقول PageV02P234 # على مكانتها قال أبو عبيدة في الغريب أراد لا تزجروها ولا تلتفتوا إليها ~~أقروها على مواضعها التي جعلها الله لها ولا تتعدوا ذلك إلى غيره أي أنها ~~لا تضر ولا تنفع وقال غيره المعنى أقروها على أمكنتها ms742 فإنهم كانوا في ~~الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا أو امرا من الأمور أثار الطير من أوكارها ~~لينظر أي وجه تسلك وإلى ناحية تطير فان خرجت ذات اليمين خرج لسفره ومضى ~~لأمره وإن أخذت ذات الشمال رجع ولم يمض فأمرهم أن يقروها في أمكنتها وأبطل ~~فعلهم ذلك ونهاهم عنه كما أبطل الاستقسام بالأزلام # وقال ابن جرير معنى ذلك أقروا الطير التي تزجرونها في مواضعها المتمكنة ~~فيها التي هي لها مستقر وامضوا لأموركم فان زجركم إياها غير مجد عليكم نفعا ~~ولا دافع عنكم ضررا # وقال آخرون هذا تصحيف من الرواة وخطأ منهم ولا يعرف المكنات إلا أسماء ~~البيض الضباب دون غيرها قال الجوهرى الممكن البيض الضب قال ومكن الضباب ~~طعام العرب لا تشتهيه نفوس العجم وفي الحديث أقروا على الطير مكانها بالضم ~~والفتح قال أبو زياد الكلابي وغيره إنا لا نعرف للطير مكنات فأما المكنات ~~فانما هي الضباب قال أبو عبيد ويجوز في الكلام وإن كان الممكن الضباب في أن ~~يجعل للطير تشبيها بذلك كقولهم مشافر الحبش وإنما المشافر للإبل وكقول زهير ~~يصف الأسد له لبد أظفاره لم تقلم وإنما له مخالب قال هؤلاء فلعل الراوي سمع ~~أقر الطير في وكناتها بالواو ولأن وكنات الطير عشها وحيث تسقط عليه من ~~الشجر وتأوى إليه وفي اثر آخر ثلاث من كن فيه لم ينل الدرجات العلى من تكهن ~~أو استقسم أو رجع من سفر من طيرة وقد رفع هذا الحديث فمن استمسك بعروة ~~التوحيد الوثقى واعتصم بحبله المتين وتوكل على الله قطع بأحسن الطيرة من ~~قبل استقرارها وبادر خواطرها من قبل استمكانها قال عكرمة كنا جلوسا عند ابن ~~عباس فمر طائر يصيح فقال رجل من القوم خير خير فقال له ابن عباس لا خير ولا ~~شر مبادرة بالإنكار عليه لئلا يعتقد له تأثيرا في الخير أو الشر وخرج طاووس ~~مع صاحب له في سفر فصاح غراب فقال الرجل خير فقال طاووس وأي خير عنده والله ~~لا تصحبني وقيل لكعب هل تتطير فقال نعم فقيل ms743 له فكيف تقول إذا تطيرت قال ~~أقول اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا غيرك ولا قوة إلا بك وكان ~~بعض السلف يقول عند ذلك طير الله لا طيرك وصياح الله لا صياحك ومساء الله ~~لامساك وقال ابن عبد الحكم لما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة قال مزاحم ~~فنظرت فإذا القمر في الدبر ان فكرهت أن اقول له فقلت ألا تنظر إلى القمر ما ~~أحسن استواءه في هذه الليلة قال فنظر عمر فإذا هو في الدبران فقال كأنك ~~اردت أن تعلمني أن القمر في الدبران يا مزاحم إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر ~~ولكنا نخرج بالله الواحد القهار فان قيل فما تقولون فيما PageV02P235 # روى عن النبي أنه كان يستحب الفأل ففي الصحيحين من حديث أنس وأبي هريرة ~~عن النبي لا عدوى ولا طيرة وخيرها الفأل وفي لفظ وأصدقها الفال وفي لفظ ~~وكان يعجبه الفأل وفي لفظ مسلم ويعجبني الفأل الصالح أي الكلمة الحسنة وقال ~~إذا أبردتم إلى بريدا فاجعلوه حسن الإسم حسن الوجه وروى عن يحيى بن سعيد أن ~~رسول الله قال للقحة تحلب من يحلب هذه فقام رجل فقال النبي ما إسمك فقال ~~الرجل مرة فقال النبي إجلس ثم قال من يجلب هذه فقام رجل فقال النبي ما إسمك ~~فقال الرجل حرب فقال له النبي إجلس ثم قال من يجلب هذه فقام رجل فقال له ~~النبي ما إسمك فقال الرجل يعيش فقال له النبي يعيش احلب فحلب زاد ابن وهب ~~في جامعة في هذا الحديث فقام عمر بن الخطاب فقال أتكلم يا رسول الله أم ~~اصمت قال بل اصمت وأخبرك بما أردت ظننت يا عمر أنها طيرة ولا طير إلا طيرة ~~ولا خير إلا خيره ولكن أحب الفأل وفي جامع ابن وهب أن # رسول الله أتى بغلام فقال ما سميتم هذا الغلام فقالوا السائب فقال لا ~~تسموه السائب ولكن عبدالله قال فغلبوا على اسمه فلم يمت حتى ذهب عقله وصحيح ~~البخاري من رواية الزهري ms744 عن سعيد ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي ~~فقال ما إسمك قال حزن قال أنت سهل قال لا أغير اسما اسمانيه أبي قال ابن ~~المسيب فما زالت الحزونة فينا بعد وروى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن ~~الخطاب قال لرجل ما اسمك قال جمرة قال ابن من قال ابن شهاب فقال ممن قال من ~~الحرقة قال أين مسكنك قال بحرة النار قال بأيها قال بذات لظى فقال له عمر ~~أدرك أهلك فقد احترقوا فكان كما قال عمر وفي غير رواية مالك هذه القصة عن ~~مجالد عن الشعبي قال جاء رجل من جهينة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال ~~له ما اسمك قال شهاب قال ابن من قال ابن جمرة قال ابن من قال ابن ضر أم قال ~~ممن قال من الحرقة قال وأين منزلك قال بحرة النار قال ويحك أدرك منزلك أو ~~أهلك فقد احترقوا قال فأتاهم فألفاهم قد احترق عامتهم وقالت عائشة كان رسول ~~الله يعجبه التيمن ما استطاع في تنعله وترجله ووضوئه وفي شأنه كله وفي صحيح ~~البخاري عن ابن عمر أن النبي قال الشؤم في ثلاث في المرأة والدار والدابة ~~وفي الصحيح ايضا من حديث سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله قال إن كان ففي ~~الفرس والمرأة والمسكن يعني الشؤم وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد قال جاءت ~~امرأة إلى رسول الله فقال يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر ~~فقل العدد وذهب المال فقال رسول الله دعوها ذميمة ولما رأى النبي يوم أحد ~~فرسا قد لوح بذنبه ورجل قد استل سيفه فقال له شم سيفك فأني أرى السيوف ستسل ~~اليوم وكذلك قوله لما رمى واقد ابن عبد الله عمر بن الحضرمي فقتله فقال ~~وقدت الحرب وعامر عمرت الحرب وابن الحضرمي PageV02P236 # حضرت الحرب ولما خرج النبي إلى بدر استقبل في طريقه جبلين فسأل عنهما ~~فقالوا اسم أحدهما مسلح والأخر مخرىء وأهلهما بنو النار وبنو محراق فكره ~~المرور ms745 عليهما وتركهما على يساره وسلك ذات اليمين وعرض عبدالله بن جعفر ~~مالا له على معاوية يقال له الدعان وقال له اشتره مني فقال له معاوية هذا ~~مال يقول دعني ولم نزل الحسين بن علي بكر بلاء قال ما اسم هذا الموضع قالوا ~~كربلاء قال كرب وبلاء ولما خرج عبدالله بن الزبير من المدينة إلى مكة أنشده ~~أحد أخوية # وكل بني أم سيمسون ليلة % ولم يبق من أغنامهم غير واحد # فقال له عبدالله ما أردت إلى هذا قال لم أتعمده قال هو أشد على وقد كره ~~السلف ومن بعدهم أن يتبع الميت بنار إلى قبره من مجمر أو غيره وفي معناه ~~الشمع قالت عائشة لا تجعلوا آخر زاده أن تتبعوه بالنار ولما بايع طلحة بن ~~عبيدالله علي بن أبي طالب وكان أول من بايع قال رجل أول يد بايعته يد شلاء ~~لا يتم هذا الأمر له ولما بعث علي رضي الله عنه معقل بن قيس الرباحي من ~~المدائن في ثلاثة آلاف وأمره أن يأخذ على الموصل ويأتي نصيبين ورأس عين حين ~~يأتي الرقة فيقيم بها فسار معقل حتى نزل الحديثة فبينما هو ذات يوم جالسا ~~إذ نظر إلى كبشين يتناطحان حتى جاء رجلان فأخذ كل منهما كبشا فذهب به فقال ~~شداد بن أبي ربيعة الخثعمي ستصرفون من وجهكم هذا لا تغلبون ولا تغلبون ~~لافتراق الكبشين سليمين فكان كذلك ولما بعث معاوية في شأن حجر بن عدى ~~وأصحابه كان الذي جاءهم أعور يقال له هدبه وكانوا ثلاثة عشر رجلا مع حجر ~~فنظر إليه رجل منهم فقال إن صدق الفأل قتل نصفنا لأن الرسول أعور فلما ~~قتلوا سبعة وافى رسول ثان ينهى عن قتلهم فكفوا عن الباقين وقال عوانه بن ~~الحكم لما دعا ابن الزبير إلى نفسه قام عبدالله بن مطيع ليبايع فقبض ~~عبدالله بن الزبير يده وقال لعبيد الله بن أبي طالب قم فبايع فقال عبدالله ~~قم يا مصعب فبايع فقام فبايع فتفاءل الناس وقالوا أبي أن يبايع ابن مطيع ~~وبايع مصعبا ms746 ليكونن في أمره صعوبة أو شر فكان كذلك وقال سلمة بن محارب نزل ~~الحجاج في محاربته لابن الأشعث دير قرة ونزل عبد الرحمن ابن الأشعث دير ~~الجماجم فقال الحجاج استقر الأمر في يدى وتجمجم به أمره والله لأقتلنه وقال ~~عمرو بن مروان الكلبي حدثني مروان بن يسار عن سلمة مولى يزيد بن الوليد قال ~~كنت مع يزيد بن الوليد بناحية القريتين قبل خروجه على الوليد بن يزيد ونحن ~~نتذاكر أمره إذ عرض لنا ذئب هناك فتناول يزيد قوسه فرمى الذئب فاصاب حلقه ~~فقال قتلت الوليد ورب الكعبة فكان كما قال وقال داود بن عيسى بن محمد بن ~~علي خرج أبي وأبو جعفر غازيين في بلاد الروم ومعه غلام له ومع أبي جعفر ~~مولى فسنحت له اربعة أظب ثم مضت تخاتلنا PageV02P237 # حتى غابت عنا ثم رجعت ومضى واحد فقال لنا أبو جعفر والله لا نرجع جميعا ~~فمات مولى أبي جعفر وأمر بعض الأمراء جارية له تغني # فاندفعت تقول : # هم قتلوه كي يكونوا مكانه كما غدرت يوما بكسرى مرازبه # فقال ويلك غني غير هذا فغنت # هذا مقام مطرد هدمت منازله ودوره # فقال ويلك غني غير هذا فقالت والله يا سيدي ما أعتمد إلا ما يسرك ويسبق ~~إلى لساني ما ترى ثم غنت # كليب لعمري كان أكثر ناصرا وأيسر جرما منك ضرج بالدم # فقال ما أرى أمري إلا قريبا فسمع قائلا يقول قضى الأمر الذي فيه تستفتيان ~~وقد ذكر في حرب بني تغلب أن تيم اللات أرسل بنيه في طلب مال له فلما أمسى ~~سمع صوت الريح فقال لمرأته أنظرى من أين نشأ السحاب ومن أين نشأت الريح ~~فأخبرته أن الريح طالع من وجه السحاب فقال والله إني لأرى ريحا تهد هذه ~~الصخرة وتمحق الأثر فلما دخل عليه بنوه قال لهم ما لقيتم قالوا سرنا من ~~عندك فلما بلغنا غصن شعثمين إذا بعفر جاثمات على دعص من رمل فقال أمشرقات ~~أم مغربات قالوا مغربات قال فما ريحكم ناطح أم دابر أم بارح أم ms747 سانح فقالوا ~~ناطح فقال لنفسه يا تيم اللات دعص الشعثمين والشعثم الشيخ الكبير وأنت شعثم ~~بني بكر وجواثم بدعص وريح ناطح نطحت فبرحت قال ثم ماذا قالوا ثم رأينا ذئبا ~~قد دلع لسانه من فيه وهو يطحر وشعره عليه فقال ذلك حران ثائر ولسان عذول ~~حامى الظهر همه سفك الدماء وهو أرقم الأراقم يعني مهلهلا قال ثم ماذا قالوا ~~ثم رأينا ريحا وسحابا قال فهل مطرتم قالوا بلى قال ببرق قالوا قد كان ذلك ~~فقال أماء سائل فقالوا نعم فقال ذلك دم سائل ومرهفات قال ثم مه قالوا ثم ~~طلعنا قلعة الضعفاء ثم تصوبنا من تل فاران قال فكنتم سواء أو مترادفين ~~قالوا بل سواء قال فما سماؤكم قالوا خبا قال فما ريحكم قالوا ناطح قال فما ~~فعل الجيش الذين لقيتم قالوا نجونا منه هربا وجد القوم في أثرنا قال ثم مه ~~قالوا ثم رأينا عقابا منقضة على عقاب فتشابكا وهويا إلى الأرض قال ذاك جمع ~~رام جميعا فهو لاقيه قال ثم مه قالوا ثم رأينا سبعا على سبع ينهشه وبه بقية ~~لم يمت فقال ذروني أما والله أنها لقبيلة مصروعة مأكولة مقتولة من بني وائل ~~بعد عز وامتناع وذكروا أن تيم اللات هذا مر يوما بجمل أجرب وعليه ثلاث ~~غرابيب فقال لبنيه ستقفون على مقتولا فكان كما قال وقتل عن قريب وكذلك قول ~~علقمة في مسيره مع أصحابه وقد مروا في الليل بشيخ فان فقال لقيتم شيخا ~~كبيرا فانيا يغالب الدهر والدهر يغالبه يخبركم أنكم ستلقون قوما فيهم ضعف ~~ووهن ثم لقي سبعا فقال دلاج لا يغلب ثم رأى غرابا ينفض PageV02P238 # بجؤجؤه فقال أبشروا ألا ترون أنه يخبركم أن قد أطمأنت بكم الدار فكان ~~كذلك # وذكر المدائني قال خرج رجل من لهب ولهم عيافة في حاجة له ومعه سقاء من ~~لبن فسار صدر يومه ثم عطش فأناخ ليشرب فإذا الغراب ينعب فأثار راحلته ومضى ~~فلما أجهده العطش أناخ ليشرب فنعب الغراب فاثار راحلته ثم الثالثة نعب ~~الغراب وتمرغ في ms748 التراب فضرب الرجل السقاء بسيفه فإذا فيه أسود ضخم ثم مضى ~~فإذا غراب على سدرة فصاح به فوقع على سلمه فصاح به فوقع على صخرة فانتهى ~~إليه فإذا تحت الصخرة كنز فلما رجع إلى أبيه قال له ما صنعت قال سرت صدر ~~يوم ثم أنخت لأشرب فإذا الغراب ينعب قال أثره وإلا لست بابني قال أثرته ثم ~~أنخت لأشرب فنعب الغراب وتمرغ في التراب قال أضرب السقاء وإلا لست باني قال ~~فعلت فإذا أسود ضخم قال ثم مه قال ثم رأيت غرابا واقعا على سدرة قال أطره ~~وإلا لست بابني قال أطرته فوقع على سلمة قال أطره وإلا لست بابني قال فوقع ~~على صخرة قال أخبرني بما وجدت فأخبرته # وذكر أيضا أن أعرابيا أضل ذودا له وخادما فخرج في طلبهما إذ اشتدت عليه ~~الشمس وحمى النهار فمر برجل يحلب ناقة قال أظنه من بني أسد فسأله عن ضالته ~~قال أدن فاشرب من اللبن وأدلك على ضالتك قال فشرب ثم قال ما سمعت حين خرجت ~~قال بكاء الصبيان ونباح الكلاب وصراخ الديكة وثغاء الشاء قال ينهاك عن ~~الغدو ثم مه قال ثم ارتفع النهار فعرض لي ذئب قال كسوب ذو ظفر ثم مه قال ثم ~~عرضت لي نعامة قال ذات ريش واسمها حسن هل تركت في أهلك مريضا يعاد قال نعم ~~قال ارجع إلى أهلك فذودك وخادمك عندهم فرجع فوجدهم # وذكر أبو خالد التيمي قال كنت آخذ الإبل بضمان فأرعاها في ظهر البصرة ~~فطردت فخرجت أقفو أثرها حتى انتهيت إلى القادسية فاختلطت على الآثار فقلت ~~لو دخلت الكوفة فتحسست عنها فأتيت الكناسة فإذا الناس مجتمعون على عراف ~~اليمامة فوقفت ثم قلت له حاجتي فقال بعيدة أشيطان الهوى جمع مثلها على ~~العاجز الباغي الغي ذو تكاليف ولترجعن قال فوجدتها في الشام مع ابن عم لي ~~فصالحت أصحابها عنها وقال المدائني كان بالسواد زاجر يقال له مهر فأخبر به ~~بعض العمال فجعل يكذب زجره ثم أرسل إليه فلما أتاه قال إني قد بعثت ms749 بغنم ~~إلى مكان كذا وكذا فانظر هل وصلت أم لم تصل وقد عرف العامل قبل ذلك أن ~~بينها ويبن الكلاء رحلة فقال لغلامه أخرج فانظر أي شيء تسمع قال وكان ~~العامل قد أمر غلامه أن يكمن في ناحية الدار ويصيح صياح ابن آوى فخرج غلاء ~~الزاجر ليسمع وصاح غلام العامل فرجع إلى الزاجر غلامه وأخبره بما سمع فقال ~~للعامل قد ذهبت عنك وقطع عليها الطريق فاستيقت قال فضحك العامل وقال قد ~~جاءني خبرها أني وصلت والصائح الذي صاح غلامي قال إن كان الصائح الذي الصاح ~~ابن آوى فقد ذهبت PageV02P239 وإن كان غلامك فقد ذهب الراعي قال فبلغه بعد ~~ذلك ذهاب الغنم وقتل الراعي وذكر عن العكلي أنه خرج في تسعة نفر هو عاشرهم ~~ليصيبوا الطريق فرأى غرابا واقعا فوق بانة فقال يا قوم أنكم تصابون في ~~سفركم هذا فازدجروا وأطيعوني وارجعوا فأبوا عليه فأخذ قوسه وانصرف وقتلت ~~التسعة فأنشد يقول : # رأيت غرابا واقعا فوق بانه % ينشنش أعلى ريشه ويطايره # فقلت غراب اغتراب من النوى % وبانة بين من حبيب تجاوره # فما أعيف العكلي لا دردره % وازجره للطير لا عز ناصره # وذكر عن كثير عزة أنه خرج يريد مصر وكانت بها عزة فلقيه أعرابي من نهد ~~فقال أين تريد قال أريد عزة بمصر قال ما رأيت في وجهك قال رأيت غرابا ساقطا ~~فوق بانة ينتف ريشه فقال ماتت عزة فانتهى ومضى فوافى مصر والناس منصرفون من ~~جنازتها فأنشأ يقول : # فأما غراب فاغتراب وغربة % وبان فبين من حبيب تعاشره # وذكر عنه أيضا أنه هوى امرأة من قومه بعد عزة يقال لها أم الحويرث وكانت ~~فائقة الجمال كثيرة المال فقالت له أخرج فاصب مالا وأتزوجك فخرج إلى اليمن ~~وكان عليها رجل من بني مخزوم فلما كان ببعض الطريق عرض له قوط والقوط ~~الجماعة من الظباء فمضى ثم عرض له غراب ينعب ويفحص التراب على راسه فأتى ~~كثير حيا من الأزد ثم من بني لهب وهم من أزجر العرب وفيهم شيخ قد سقط ~~حاجباه على ms750 عينيه فقص عليه ما عرض له فقال إن كنت صادقا لقد ماتت هذه ~~المرأة أو تزوجت رجلا من بني كعب فاغتم كثيرا لذلك وسقى بطنه فكان ذلك سبب ~~موته وقال في ذلك : # تيممت لهبا أبتغى العلم عندهم % وقد رد علم العائفين إلى لهب # فيممت شيخا منهم ذو أمانة % بصيرا يزجر الطير منحنى الصلب # فقلت له ماذا ترى في سواغ % وصوت غراب يفحص الأرض بالترب # فقال جرى الطير السنيح بينها % ونادي غراب بالفراق وبالسلب # فان لا تكن ماتت فقد حال دونها % سواك حليل باطن من بني كعب # وقال رجل من بني أسد تزوجت ابنة عم لي فخرجت أريدها فلقيني شيء كالكلب ~~مدليا لسانه في شق فقلت أخفت ورب الكعبة فأتيت القوم فلم أصل إليها وناقرني ~~أهلها حرجت عنهم فمكثت ثلاثة أيام ثم بدا لي فيهم فخرجت نحوهم فلقيت كلبة ~~تنظف أطباؤها لبنا فقلت أدركت ورب الكعبة فدخلت بأهلي وحملت مني بغلام ثم ~~آخر حتى ولدت أولادا وذكر عن PageV02P240 # يحيى بن خالد قال حج رجلان فقيل لهما ههنا امرأة تزجر قال فأتياها ~~فسألاها فقال أحدهما ما نضمر فقالت أنك لتسألني عن رجل مقتول فقال هو والله ~~الذي سال عنه صاحبي فقالت هو كما قلت فسألاها عن تفسير ذلك فقالت أما ~~رأيتما الجارية التي مرت ومعها ديك مشدود الرجلين حين سألني الأول قالا بلى ~~قالت فلذلك قلت أنه محبوس مقيد قالت ورأيت الجارية حين رجعت وسألتنى أنت ~~والديك مذبوح فقلت مقتول 00 # وذكر 2 المداينى أن أهل بيت من العجم كانوا إذا غاب الرجل عن أهله ولم ~~يأتهم خبره أربع حجج زوجوا امرأته فتزوج منهم رجل جارية وغاب أربع حجح ~~لايأتيهم فأرادوا تزويج الجارية وكانت مشغوفة به فقالت دعونى سنة أخرى ~~فأبوا عليها وأتوا زاجرا لهم فخرج الزاجر ومعه تلميذ له فتلقاهم قوم يحملون ~~ميتا ويد الميت على صدره فقال الزاجر لتلميذه مات الرجل قال ما مات ألا ترى ~~يد الميت على صدره يخبر أنه هو الميت والرجل صحيح فرجعا فأخبرا الحاكم أنه ms751 ~~لم يمت فأمر بتأجيلها سنة فجاء زوجها بعد شهر 00 وذكر ابن قتيبة عن إبراهيم ~~بن عبدالله قال دخلت على رجل ضرير زاجر من العرب وقد خبأت سحابة عنوان من ~~كتان فقلت أحبرنى بما خبأت لك فنظر قليلا ثم قال هو من نبات الماء فقلت ~~زدنى فى الشرح قال هو قطعة من كتان قال فسألته عن ذلك فقال سألتنى عن ~~الخبىء فوقعت يدى على الحصير فقلت إنه من نبات الماء قال فقلت زدنى فقال ~~وصاح صائح من جانب الدار فقضيت بالسواد وبأنه صغير للتصفير ثم نظرت فلم يكن ~~ذلك أولى بأن يكون قطعة من كتان قال وسألته عن مقراضين فى يدى قد أدخلت ~~أصبعى فى حلقتيهما فقال فى يدك خاتم من حديد وذكر ابن عيينة عن الزهرى عن ~~محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضى الله أنه كان يرمى ~~الجمرة فجاءته حصاة فأصابت جبهته ففصدت منه عرقا فقال رجل من بنى لهب أشعر ~~أمير الؤمنين ورب الكعبة لا يقوم هذا المقام أبدا فقتل بعد ذلك وثبت فى ~~الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم قال الشؤم فى الدار ~~والمرأة والفرس وفى لفظ فيهما لا عدوى ولا صفر ولا طيرة وإنما الشؤم فى ~~ثلاثة المرأة والفرس والدار وفى لفظ آخر فيهما إن يكن الشؤم فى شىء حقا ففى ~~الفرس والمسكن والمرأة وفى بعض طرق البخارى والدابة بدل الفرس وفى الصحيحين ~~أيضا عن سهل بن سعد الساعدى قال قال رسول الله إن كان ففى المرأة والفرس ~~والمسكن يعنى الشؤم 00 وقال البخارى إن كان شىء وفى صحيح مسلم عن عبدالله ~~عن رسول الله قال إن كان فى شىء ففى الربع والخادم والفرس 00 وفى صحيح مسلم ~~عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى قال لا يورد ممرض على PageV02P241 مصح ~~00 وفى موطأ مالك أنه بلغه عن بكير بن عبدالله بن الأشج عن أبي عطية أن ~~رسول الله قال لا عدوى ولا هام ms752 ولا صفر ولا يحل الممرض على المصح وليحلل ~~المصح حيث شاء قالوا يا رسول الله وما ذاك فقال رسول الله عليه وسلم إنه ~~أذى 00 وقال ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن ~~قال كان أبو هريرة رضى الله عنه يحدثنا عن رسول الله قال أنه لا عدوى ~~وحدثنا أن رسول الله قال لا يورد ممرض على مصح الحديث ثم صمت أبو هريرة بعد ~~ذلك عن قوله لا عدوى وأقام أن لا يورد ممرض على مصح الحديث قال فقال الحارث ~~بن أبى ذئاب وهو ابن عم أبى هريرة قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا ~~الحديث حديثا آخر قد سكت عنه كنت تقول قال رسول الله لا عدوى فأبى أبو ~~هريرة أن يحدث ذلك وقال لا يورد ممرض على مصح فمارآه الحارث في ذلك حتى غضب ~~أبو هريرة ورطن بالحبشية فقال للحارث أتدرى ماذا قلت قال لا قال أبو هريرة ~~إني أقول أبيت أبي قال أبو سلمة فلعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول ~~الله قال لا عدوى فلا أدرى أنسى أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر قالوا ~~هذا النهى عن إيراد المريض على المصح إنما هو من أجل الطيرة التى تلحق ~~المصح 00 وقال مسدد حدثنا يحي بن هشام عن يحي بن أبى كثير عن الحضرمي بن ~~لاحق عن سعيد بن المسيب قال سألت سعد بن مالك عن الطيرة فانتهرني وقال من ~~حدثك فكرهت أن أحدثه فقال سمعت رسول الله يقول لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ~~وإن كانت الطيرة في شىء ففى الفرس والمرأة والدار فإذا كان الطاعون بأرض ~~وأنتم بها فلا تفروا 00 وفي صحيح مسلم عن الشريد بن سويد قال كان فى وفد ~~ثقيفة رجل مجذوم فأرسل إليه النبي أنا قد بايعناك فأرجع وفي حديث آخر فر من ~~المجذوم فرارك من الأسد 0 # | فصل الآن التقت حلقتا البطان وتداعى نزال الفريقان نعم وههنا أضعاف # أضعاف ما ms753 ذكرتم وأضعاف أضعافه وللناس ههنا مسلكان عليهما يعتمد المتكلمون ~~في هذا الباب لا نرتضيهما بل نسلك مسلك العدل والتوسط بين طرفي الأفراط ~~والتفريط فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه والوادي بين الجبلين والهدى ~~بين الضلالتين وقد جعل الله هذه الأمة هي الأمة الوسط في جميع أبواب الدين ~~فإذا انحرف غيرها من الأمم إلى أحد الطرفين كانت هي في الوسط كما كانت وسطا ~~في باب أسماء الرب تعالى وصفاته بين الجهمية والمعطلة والمشبهة الممثلة ~~وكان وسطا في باب الإيمان بالرسل بين من عبدهم واشركهم بالله كالنصارى وبين ~~من قتلهم PageV02P242 وكذبهم فأمنوا بهم وصدقوهم وتركوهم من العبودية وكانت ~~وسطا في القدر بين الجبرية الذين ينفون أن يكون للعبد فعل أو كسب أو اختيار ~~البتة بل هو مجبور متهور لا اختيار له ولا فعل وبين القدرية النفاة الذين ~~يجعلونه مستقلا بفعله ولا يدخل فعله تحت مقدور الرب تعالى ولا هو واقع ~~بمشيئة الله تعالى وقدرته فأثبتوا له فعلا وكسبا واختيارا حقيقة وهو متعلق ~~الأمر والنهي والثواب والعقاب وهو مع ذلك واقع بقدرة الله ومشيئته فما شاء ~~الله من ذلك كان وما لم يشأ لم يكن ولا يتحرك ذرة إلا بمشيئته وإرادته ~~والعباد أضعف وأعجز أن يفعلوا ما لم يشأه الله لا قوة له ولا قدرة عليه ~~وكذلك هم وسط في المطاعم والمشارب بين اليهود الذين حرمت عليهم الطيبات ~~عقوبة لهم وبين النصارى الذين يستحلون الخبائث فأحل الله لهذه الأمة الوسط ~~الطيبات وحرم عليهم الخبائث وكذلك لا تجد أهل الحق دائما إلا وسطا بين طرفي ~~الباطل وأهل السنة وسط في النحل كما أن المسلمين وسط في الملل وكذلك ما نحن ~~فيه من هذا الباب فإنهم وسط بين النفاة الذين ينفون الأسباب جملة ويمنعون ~~ارتباطها بالمسببات وتأثيرها بها ويسدون هذا الباب بالكلية ويضطربون فيما ~~ورد من ذلك فيقابلون بالتكذيب منه ما يمكنهم تكذيبه ويحيلون على الاتفاق ~~والمصادقة مالا قبل لهم بدفعه من غير أن يكون لشيء من هذه الأمور مدخل في ~~التأثير أو تعلق ms754 بالسببية البتة وربما يقولون أن أكثر ذلك مجرد خيالات ~~وأوهام في النفوس تنفعل عنها النفوس كانفعال أرباب الخيالات والامراض ~~والأوهام وليس عندهم وراء ذلك شيء وهذا مسلك نفاة الأسباب وارتباط المسببات ~~بها وهذا جواب كثير من المتكلمين والمسلك الثاني مسلك المثبتين لهذه الأمور ~~والمعتقدين لها الذاهبين إليها وهي عندهم أقوى من الأسباب الحسية أو في ~~درجتها ولا يلتفتون إلى قدح قادح فيها والقدح فيها عندهم من جنس القدح في ~~الحسيات والضروريات ونحن لا نسلك سبيل هؤلاء ولا سبيل هؤلاء بل نسلك سبيل ~~التوسط والإنصاف ونجانب طريق الجور والإنحراف فلا نبطل الشرع بالقدر ولا ~~نكذب بالقدر لأجل الشرع بل نؤمن بالمقدور ونصدق الشرع فنؤمن بقضاء الله ~~وقدره وشرعه وأمره ولا نعارض بينهما فنبطل الأسباب المقدورة أو نقدح في ~~الشريعة المنزلة كما فعله الطائفتان المنحرفتان فإحداهما بطلت ما قدره الله ~~من الأسباب بما فهمته من الشرع وهذا من تقصيرها في الشرع والقدر والأخرى ~~توصلت إلى القدح في الشرع وإبطاله بما تشاهده من تأثير الأسباب وإرتباطها ~~بمسبباتها لما ظنت أن الشرع نفاها وكذبت بالشارع فالطائفتان جانيتان على ~~الشرع لكن الموفقون المهديون آمنوا بقدر الله وشرعه ولم يعارضوا أحدهما ~~بالآخر بل صدر منهما الآخر عندهم وقرره فكان الأمر تفصيلا للقدر وكاشفا عنه ~~وحاكما عليه والا أصل للأمر ومنفذ له وشاهد له ومصدق له فلولا القدر لما ~~وجد الأمر ولا تحقق PageV02P243 # على ساقه ولولا الأمر لما تميز القدر ولا تبينت مراتبه وتصاريفه فالقدر ~~مظهر للأمر والأمر تفصيل له والله سبحانه له الخلق والأمر فلا يكون إلا ~~خالقا آمرا فأمره تصريف لقدره وقدره منفذ لأمره ومن أبصر هذا حق البصر ~~وانفتحت له عين قلبه تبين له سر ارتباط الأسباب بمسبباتها وجريانها فيها ~~وأن القدح فيها وإبطالها إبطال للأمر وتبين له أن كمال التوحيد بإثبات ~~الأسباب لا أن إثباتها نقض للتوحيد كما زعم منكروها حيث جعلوا إبطالها من ~~لوازم التوحيد فجنوا على التوحيد والشرع والتزموا تكذيب الحس والعقل ووقعوا ~~في أنواع من المكابرة سلطت عليهم أعداء الشريعة ms755 وأوجبت لهم إن أساؤا بها ~~الظن وتنقصوها وزعموا أنها خطابية وإقناعية وجدلية لابرهانية فعظم الخطب ~~وتفاقم الأمر واشتدت البلية بالطائفتين وقد قيل أن العدو العاقل خير من ~~الصديق الجاهل ونحن بحمد الله نبين الأمر في ذلك ونوضح أيضا ما يتبين به ~~تصديق كل من الأمرين الآخر وشهادته له وتزكيته له ونبين ارتباط كل من ~~الأمرين وعدم انفكاكه عنه فنقول وبالله التوفيق 000 # أما ما ذكرتم من أن النبي كان يعجبه الفأل الحسن فلا ريب في ثبوت ذلك عنه ~~وقد قرن ذلك بإبطال الطيرة كما في الصحيحين من حديث الزهري عن عبيد بن ~~عبدالله عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى عليه وسلم لاطيرة ~~وخيرها الفأل قالوا وما الفأل يا رسول الله قال الكلمة الصالحة يسمعها ~~أحدكم فابتدأهم النبي بإزالة الشبهة وأبطال الطيرة لئلا يتوهموها عليه في ~~إعجابه بالفأل الصالح وليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شىء من الشرك بل ذلك ~~إبانة عن مقتضى الطبيعة وموجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى مايلائمها ~~ويوافقها مما ينفعها كما أخبرهم أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب 00 # وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفاغية وهى نور الحناء ~~وكان يحب الحلواء والعسل وكان يحب الشراب البارد الحلو ويحب حسن الصوت ~~بالقرآن والأذان ويستمع إليه ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم وبالجملة يحب ~~كل كمال وخير وما يفضي إليهما والله سبحانه قد جعل في غرائز الناس الإعجاب ~~بسماع الإسم الحسن ومحبته وميل نفوسهم إليه وكذلك جعل فيها الإرتياح ~~والاستبشار والسرور باسم السلام والفلاح والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز ~~والظفر والغنم والربح والطيب ونيل الأمنية والفرح والغوث والعز والغنى ~~وأمثالها فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع استبشرت بها النفس وانشرح لها ~~الصدر وقوى بها القلب وإذا سمعت أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال فأحزنها ذلك ~~وأثار لها خوفا وطيرة وأنكماشا وانقباضا عما قصدت له وعزمت عليه فأورث لها ~~ذلك ضررا في الدنيا ونقصا في الإيمان ومقارفة للشرك كما ذكره أبو عمر ~~PageV02P244 # في ms756 التمهيد من حديث المقري عن أبى لهيعة حدثنا ابن هبيرة عن أبى عبد ~~الرحمن الجيلى عن عبدالله بن عمر عن رسول قال من أرجعته الطيرة من حاجته ~~فقد أشرك قال وما كفارة ذلك يا رسول الله قال أن يقول أحدهم اللهم لاطير ~~إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضى لحاجته 00 # وذكر ابن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد قال سمعت نافع بن جبير ابن مطعم ~~يقول سأل كعب الأحبار عبدالله بن عمر هل تتطير فقال نعم قال فكيف تقول إذا ~~تطيرت قال أقول اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا رب غيرك ولا ~~قوة إلا بك فقال كعب أنه أفقه العرب والله إنها لكذلك في التوراة وهذا الذي ~~جعله الله سبحانه في طباع الناس وغرائزهم من الإعجاب بالأسماء الحسنة ~~والألفاظ المحبوبة وهو نظير ما جعل في غرائزهم من الإعجاب بالمناظر الأنيقة ~~والرياض المنورة والمياه الصافية والألوان الحسنة والروائح الطيبة والمطاعم ~~المستلذة وذلك أمر لا يمكن دفعه ولا يحد القلب عنه انصرافا فهو ينفع المؤمن ~~ويسر نفسه وينشطها ولا يضرها في إيمانها وتوحيدها وأخبر في حديث أبى هريرة ~~أن الفأل من الطيرة وهو خيرها فقال لا طيرة وخيرها الفأل فأبطل الطيرة ~~وأخبر أن الفأل منها ولكنه خيرها ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من ~~الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخر ونظير هذا منعه من الرقاء بالشرك ~~وإذنه في الرقية إذا لم تكن شركا لما فيها من المنفعة الخالية عن المفسدة ~~وقد اعتاص هذا الفرقان على أفهام كثير ممن غلظ عن معرفة الحق والدين حجابه ~~وغلظ عنه طبعه وكشف عنه فهمه فقال السامع إذا سمع مثلا يا بشارة أو أبشر أو ~~لا تخف أو يانجيح ونحوه وسمع ضد ذلك فأما أن يوجب الأمر أن مايشاكلهما وأما ~~وأن لا يوجبا شيئا فأما أن يوجب أحدهما دون الآخر فلا وجه له وهذا من عمى ~~عن الهدى وصم عن سماعه وإنما تحصل الهداية من ألفاظ رسول الله ms757 صلى عليه ~~وسلم وتشرق ألفاظها في صدر من تلقاها بالتصديق والقبول فأذعن لها بالسمع ~~والطاعة وقابلها بالرضى والتسليم وعلم أنها منبع الهدى ومعين الحق ونحن ~~بحمد الله نوضح لمن اشتبه ذلك عليه فرقان ما بينهما وفائدة الفأل ومضرة ~~الطيرة فنقول 00 # الفأل والطيرة وإن كان مأخذهما سواء ومجتناهما واحدا فإنهما يختلفان ~~بالمقاصد ويفترقان بالمذاهب فما كان محبوبا مستحسنا تفاءلوا به وسموه الفأل ~~وأحبوه ورضوه وما كان مكروها قبيحا منفرا تشاءموا به وكرهوه وتطيروا منه ~~وسموه طيرة تعرقة بين الأمرين وتفصيلا بين الوجهين وسئل بعض الحكماء فقيل ~~له ما بالكم تكرهون الطيرة وتحبون الفأل فقال لنا في الفأل عاجل البشرى وإن ~~قصر عن الأمل ونكره الطيرة لما يلزم قلوبنا من الوجل وهذا الفرقان حسن جدا ~~وأحسن منه ما قاله ابن الرومي في ذلك الفأل لسان الزمان والطيرة عنوان ~~الحدثان وقد كانت العرب تقلب الأسماء تطيرا وتفاؤل PageV02P245 # فيسمون اللديغ سليما باسم السلامة وتطيرا من اسم السقم ويسمون العطشان ~~ناهلا أي سنهل والنهل الشرب تفاؤلا باسم الري ويسمون الفلاة مفازة أي منجاة ~~تفاؤلا بالفوز والنجاة ولم يسموها مهلكة لأجل الطيرة وكانت لهم مذاهب في ~~تسمية أولادهم فمنهم من سموه بأسماء تفاؤلا بالظفر على أعدائهم نحو غالب ~~وغلاب ومالك وظالم وعارم ومنازل ومقاتل ومعارك ومسهر ومؤرق ومصبح وطارق ~~ومنهم من تفاءل بالسلام كتسميتهم بسالم وثابت ونحوه ومنهم من تفاءل بنيل ~~الحظوظ والسعادة كسعد وسعيد وأسعد ومسعود وسعدى وغانم ونحو ذلك ومنهم من ~~قصد لتسميته بأسماء السباع ترهيبا لأعدائهم نحو أسد وليث وذئب وضرغام وشبل ~~ونحوها ومنهم من قصد التسمية بما غلظ وخشن من الأجسام تفاؤلا بالقوة كحجر ~~وصخر وفهر وجندل ومنهم من كان يخرج من منزله وامرأته تمخض فيسمى ما تلده ~~باسم أول ما يلقاه كائنا ما كان من سبع أو ثعلب أو ضب أو كلب أو ظبي أو ~~حشيش أو غيره وكان القوم على ذلك إلى أن جاء الله بالإسلام ومحمد رسوله ~~ففرق به بين الهدى والضلال والغي والرشاد وبين الحسن والقبيح والمحبوب ms758 ~~والمكروه والضار والنافع والحق والباطل فكره الطيرة وأبطلها واستحب الفأل ~~وحمده فقال لا طيرة وخيرها الفأل قالوا وما الفأل قال الكلمة الصالحة ~~يسمعها أحدكم وقال عبدالله بن عباس لا طيرة ولكنه فأل والفأل المرسل يسار ~~وسالم ونحوه من الإسم يعرض لك على غير ميعاد وسئل بعض العلماء عن الفأل ~~فقال أن تسمع وأنت قد أضللت بعيرا أو شيئا يا واجد أو أنت خائف يا سالم ~~وقال الأصمعي سألت ابن عون عن الفأل فقال أن يكون مريضا فيسمع يا سالم ~~وأخبرك عن نفسي بقضية من ذلك وهي أني أضللت بعض الأولاد يوم التروية بمكة ~~وكان طفلا فجهدت في طلبه والنداء عليه في سائر الركب إلى وقت يوم الثامن ~~فلم أقدر له على خبر فأيست منه فقال لي إنسان إن هذا عجز اركب وادخل الآن ~~إلى مكة فتطلبه فيها فركبت فرسا فما هو إلا أن استقبلت جماعة يتحدثون في ~~سواد الليل في الطريق وأحدهم يقول ضاع له شيء فلقيه فلا أدري انقضاء كلمته ~~كان اسرع أم وجداني الطفل مع بعض أهل مكة في محملة عرفته بصوته فقوله ولا ~~طيرة وخيرها الفأل ينفي عن الفأل مذهب الطيرة من تأثير أو فعل أو شركة ~~ويخلص الفال منها وفي الفرقان بينهما فائدة كبيرة وهي أن التطير هو التشاؤم ~~من الشيء المرئي أو المسموع فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفره وامتنع ~~بها مما عزم عليه فقد قرع باب الشرك بل ولجه وبرىء من التوكل على الله وفتح ~~على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله والتطير مما يراه أو يسمعه وذلك قاطع ~~له عن مقام إياك نعبد وإياك نستعين وأعبده وتوكل عليه وعليه توكلت وإليه ~~أنيب فيصير قلبه متعلقا بغير الله عبادة وتوكلا فيفسد عليه قلبه وإيمانه ~~PageV02P246 وحاله ويبقى هدفا لسهام الطيرة ويساق إليه من كل أوب ويقيض له ~~الشيطان من ذلك ما ما يفسد عليه دينه ودنياه وكم هلك بذلك وخسر الدنيا ~~والآخرة فأين هذا من الفأل الصالح السار للقلوب المؤيد للآمال الفاتح باب ~~الرجاء ms759 المسكن للخوف الرابط للجاش الباعث على الاستعانة بالله والتوكل عليه ~~والاستبشار المقوى لأمله السار لنفسه فهذا ضد الطيرة فالفأل يفضي بصاحبه ~~إلى الطاعة والتوحيد والطيرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك فلهذا استحب ~~الفأل وأبطل الطيرة وأما حديث اللقحة ومنع النبي حربا ومرة من حلبها وأذنه ~~ليعيش في حلبها فليس هذا بحمد الله في شيء من الطيرة لأنه محال أن ينهى عن ~~شيء ويبطله ثم يتعاطاه هو وقد أعاذه الله سبحانه من ذلك قال أبو عمر ليس ~~هذا عندي من باب الطيرة لأنه محال أن ينهى عن شيء ويفعله وإنما هو من طلب ~~الفال الحسن وقد كان أخبرهم عن أقبح الأسماء أنه حرب ومرة فأكد ذلك حتى لا ~~يتسمى بها أحد ثم ساق من طريق ابن ربيعة عن جعفر بن ربيعة بن يزيد عن عبد ~~الله بن عامر اليحصبي أن رسول الله قال خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن ~~واصدقها حارث وهمام حارث يحرث لأبنائه وهمام يهم بالخير وكان يكره الإسم ~~القبيح لأنه كان يتفاءل بالحسن من الأشياء ثم ساق من طريق ابن وهب حدثني ~~ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير عن يعيش الغفاري قال ~~دعا النبي يوما بناقة فقال من يحلبها فقام رجل فقال أنا فقال ما اسمك قال ~~مرة قال اقعد ثم قام آخر فقال ما اسمك قال جمرة قال اقعد ثم قام رجل فقال ~~ما اسمك قال يعيش قال احلبها وروى حماد بن سلمة عن حميد عن بكر بن عبد الله ~~المزني أن رسول الله كان إذا توجه لحاجة يحب أن يسمع يانجيح يا راشد يا ~~مبارك وقد روى من حديث بريدة أن النبي كان لا يتطير من شيء ولكن كان إذا ~~سال عن اسم الرجل فكان حسنا رؤى البشاشة في وجهه وإن كان سيئا رؤى ذلك في ~~وجهه وإذا سأل عن اسم الأرض وكان حسنا رؤى ذلك فيه قلت الحديث رواه الإمام ~~أحمد في مسنده حدثنا عبدالصمد حدثنا هشام عن قتادة عن ms760 عبد الله بن بريدة عن ~~أبيه قال كان رسول الله لا يتطير من شيء ولكنه إذا أراد أن يأتي ارضا سال ~~عن اسمها فإن كان حسنا رؤى ذلك في وجهه وكان إذا بعث رجلا سأل عن اسمه فإن ~~كان حسن الإسم رؤى البشر في وجهه وإن كان قبيحا رؤى ذلك في وجهه وقال أبو ~~عمر حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير بن حسين بن حريث ابن ~~عبد الله بن بريده عز الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان ~~النبي لا يتطير ولكن كان يتفاءل فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من ~~بني أسلم فتلقى النبي ليلا فقال له النبي من أنت قال أنا بريدة فالتفت إلى ~~أبي بكر قال يا أبا بكر PageV02P247 # برد أمرنا وصلح ثم قال ممن قال من أسلم قال لأبى بكر سلمنا ثم قال ممن ~~قال من بنى سهم قال خرج سهمنا قال أحمد بن زهير قال أنا أبو عمار سمعت أو ~~كما يحدث هذا الحديث بعد ذلك عن أخيه سهل بن عبدالله عن أبيه عبدالله بن ~~بريدة فأعدت ثلاثا من حدثك قال سهل أخي والذي يكشف أمر حديث اللقحة مازاده ~~ابن وهب في جامعه الحديث فقال بعد أن ذكره فقام عمر بن الخطاب فقال أتكلم ~~يا رسول الله أم أصمت قال بل أصمت وأخبرك بما أردت ظننت يا عمر أنها طيرة ~~ولا طير إلا طيره ولا خير إلا خيره ولكن أحب الفأل الحسن فزال بذلك تعلق ~~المتطيرين بن ووضح أمر الحديث والحمد لله رب العالمين 00 ويمكن أن يكون هذا ~~منه على سبيل التأديب لأمته لئلا يتسموا بالأسماء القبيحة وليبادر من أسلم ~~منهم وله اسم قبيح إلى إبداله بغيره من غير إيجاب منه ولا إلزام ولكن ~~لوجهين من الاستحباب : # أحدهما انتقالهم عن مذاهب آبائهم ومقاصد سلفهم الفاسدة القبيحة التي يحزن ~~بها بعضهم بعضا عند سماعها وموافاة أهلها ومخالطتهم ومفاجأتهم لما يبقى في ~~ذلك من آثار الطيرة ms761 الكامنة في الغريزة فإن سلم العبد منها وجاهد نفسه ~~كليها عند لقيا صاحبها وسماعه لاسم أخيه لم يسلم من الكمد وحزن القلب وقد ~~يؤدى ذلك إلى البغضاء وإلى ضرب من النفرة والتفرقة كالصديق يدعوه الصديق ~~القبيح الاسم فقد يتمنى خاطره أنه لم يصحبه ولا رآه ولا سمع اسمه حتى إذا ~~طمع به ودعاه ذو الاسم الحسن ابتهج أليه وأقبل عليه وسر بصياحه ودعائه له ~~لراحة قلبه إلى حسن اسمه فقد يدعو البعيد من قلبه ويبعد الصديق من نفسه من ~~أجل اسمه فكيف به إذا رآه من يومه وعبرله تعبير السوء من اشتقاق اسمه كيف ~~يعود متمنيا لفقده في رقاده متكرها للقائه متطيرا لرؤيته وهذا ضد التوادد ~~والتراحم والتوالف الذي قصد الشارع ربطه بين المؤمنين فكره صلى الله عليه ~~وسلم لأمته مقامها على حالة يؤذى بها بعضهم بعضا لغير عذر ولا فائدة تعود ~~عليهم لا في الدينا ولا في الآخر ويؤدى هذا إلى التقاطع والتنافر مع أنه قد ~~ندبهم واستحب لهم إدخال أحدهم السرور على أخيه المسلم ما استطاع ودفع الأذى ~~والمكروه عنه فقال لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا المسلم ~~أخو المسلم وقد أمرهم يوم الجمعة بالغسل والطيب عند اجتماعهم لئلا يؤذى ~~بعضهم بعضا برائحته التي انما يتجشمها ساعة للاجتماع ثم يفترقا ومنع آكل ~~الثوم والبصل من دخول المسجد لأجل تأذى الناس والملائكة به ومنع الاثنين أن ~~يتناجيا دون صاحبهما خشية تأذيه وحزنه ومنع أحدهم أن يأكل متاع أخيه لاعبا ~~لأن ذلك يؤذيه ومعلوم أن ضرر الاسم القبيح على كثير منهم عليه عند همه ~~وخروجه من منزله ورؤية صاحبه في منامه ودعائه من برائحة الثوم والبصل وهذا ~~من كمال رأفته ورحمته بالمؤمنين وعزة ما عنتوا PageV02P248 # عليه ولهذا والله أعلم غير كثيرا من الأسماء القبيحة بأحسن منها وغير ~~أسماء حسنة إلى غيرها خشية الطيرة والتأذى عند نفيها والخروج من عند المسمى ~~أو لتضمنها تزكية النفس ونحوها فالأول كغيره اسم الحباب بن المنذر بعبد ~~الرحمن وقال الحباب اسم الشيطان وغير ms762 أبا مرة إلى أبى حلوة وغير أبا ~~المعاصي إلى مطيع وغير عاصية بجميلة وغير أسم بنى الشيطان إلى بنى عبدالله ~~وغير اسم أصرم إلى اسم زرعة وغير اسم حزن جد سعيد بن المسيب إلى سهل فأبى ~~قبول ذلك فلزمه مسمى اسمه من الحزونة له ولذريته 00 # وقال أبو داود وغير النبي اسم العاص وعزير وعقلة والشيطان والحكم وغراب ~~وحباب وشهاب فسماه هشاما وسمى حربا سلما وسمى المضطجع المنبعث وأرضا اسمها ~~عفرة سماها خضرة وشعب الضلالة سماه شعب الهدى وبنو الزنية سماهم بنى الرشدة ~~وسمى بنى مغويه بنى رشدة قال أبو داود تركت أسانيدها للاختصار 00 وقال ~~مسروق لقيت عمر فقال من أنت فقلت مسروق بن الأجدع فقال عمر سمعت رسول الله ~~صلى عليه وسلم يقول الأجدع شيطان وأما الثاني ففي صحيح مسلم عن سمرة قال ~~قال رسول الله صلى وعليه وسلم لاتسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا ~~أفلح فإنك تقول اثم هو فيقال لا وغير اسم برة بزينب وكره أن يقال خرج من ~~عند برة وأما الثالث فكتغييره أبا الحكم بأبي شريح وتفسيره أيضا برة بزينب ~~وقال لا تزكوا أنفسكم فروى مسلم في صحيحه عن محمد ابن عمرو بن عطاء أن زينب ~~بنت أبى سلمة سألته ما سميت بنتك قال سميتها برة فقالت إن رسول الله صلى ~~عليه وسلم نهى عن هذا الاسم وسميت برة فقال النبي لا تزكوا أنفسكم الله ~~أعلم بأهل البر منكم فقالوا ما نسميها قال سموها زينب ومن هذا ما في ~~الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي أن أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى ~~ملك الأملاك لا مالك إلا الله قال سفيان بن عيينة مثل شاهان شاه وذكر وهب ~~أن رسول الله عليه وسلم أتى بغلام فقال ما سميتم هذا قالوا السائب فقال لا ~~تسموه السائب ولكن سموه عبد الله قال فغلبوا على اسمه فلم يمت حتى ذهب عقله ~~فإن قيل فقد كان لرسول الله اسمه رباح وكان لأبى أيوب غلام اسمه ms763 أفلح ولعبد ~~الله بن عمر غلام اسمه رباح قيل هذا النهى من النبي لم يكن على وجه العزيمة ~~والحتم ولكن كان على جهة الكراهة والدليل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن ~~سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده حزن أنه أتى النبي فقال له ما اسمك قال حزن ~~فقال أنت سهل لا أغير اسما سمانية أبى فلم ينكر عليه النبي ولا أخبره أن ~~ذلك معصية بل سكت عنه وكذلك لما غير اسم السائب فأبوا تغييره لم ينكر عليهم ~~وأيضا فروى مسلم في صحيحه من حديث أبى الزبير عن جابر قال أراد النبي أن ~~ينهى أن يسمى بيعلى وبركة وأفلح ويسار ونافع ونحو ذلك ثم رأيته سكت ~~PageV02P249 # بعد عنها فلم يقل شيئا ثم قبض ولم ينه عن ذلك ثم أراد عمر رضى الله عنه ~~أن ينهى عن ذلك ثم تركه ورأيت لبعضهم في الفرق بين الفأل والطيرة كلاما ما ~~أذكره بلفظه قال أما ما روى أن النبي كان يتفاءل ولا يتطير فهما وإن كان ~~معناها واحد في الاستدلال فبينهما افتراق لأن الفأل إبانة والتطير استدلال ~~والإبانة أكثر واشهر وأوضح وأفصح لأن من كان في قلبه وضميره شيء فسمع قائلا ~~يقول أقبل الخير وامض بسلام أو أبشر أو نحو ذلك فقد اكتفى بما سمع من ~~الاستدلال والذي يرى طائرا يصيح أو ينوح فليس معه إلى الاستدلال على اليمن ~~بالسانح والشؤم بالبارح وهذا أمر قد يكون وقد لا يكون وذلك الفأل في الأعم ~~يكون وقال آخرون إن النبي لم يكن يتطير أي لم يكن يسند الأمور الكائنة من ~~الخير والشر إلى الطير كما يفعل الكهنة وقال آخرون إن النبي كان إذا جلس مع ~~أصحابه فتكلم أحدهم بخير أو سمع من تكلم حصهم عليه وعرفهم به ومعلوم أنه لا ~~بد لطائر أن يمر سانحا أو بارحا أو قعيدا أو ناطحا فلا يوقفهم عليه ولا ~~يعرفهم به إذ ذلك من فعل الكهان وكان الحديث المروى عنه أنه كان يتفاءل ولا ~~يتطير من هذا المعنى ms764 وقد أغنى الله رسوله باخباره بارسال جبريل إليه بما ~~يحدثه سبحانه من الاستدلال على أحداثه بالأشياء التي ينظر فيها غيره تفرقة ~~منه سبحانه بين النبوة وغيرها فان قيل فهذا الذي نزل بهذين الرجلين وهما ~~السائب وحزن هل كان من أجل اسمهما أم من جهة غير الاسم قيل قد يظن من لا ~~ينعم النظر أن الذي نزل بهما هو من جهة اسميهما ويصحح بذلك امر الطيرة ~~وتأثيرها ولو كان كما ظنوه لوجب أن ينزل بجميع من تسمى باسميهما من أول ~~الدهر ولكان اقتضاء الاسم لذلك كاقتضاء النار الإحراق والماء والتبريد ~~ونحوه ولكن يحمل ذلك والله أعلم على أن الأمرين الجاريين عليهما قد تقدما ~~في أم الكتاب كما تقدم لهما أيضا أن يتسميا باسميهما إلى أن يختار لهما ~~رسول الله وغيرهما فيرغبون عن اختياره ويتخلفون عن استجابته فيعاقبا بما قد ~~سبق لهما عقوبة تطابق اسمهما ليكون ذلك زاجرا لمن سواهما وقد يكون خوفه على ~~اهل الأسماء المكروهة أيضا من مثل هذه الحوادث إذ قد تنزل بالإنسان بلا ~~مشيئة بما في اسمه فيظن هو أو جميع من بلغه أن ذلك كان من أجل اسمه عاد ~~عليه بشؤمه فيعصي الله عز وجل وقد كره قوم من الصحابة والتابعين أن يسموا ~~عبيدهم عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الملك ونحوه ذلك مخافة أن يعتقهم ذلك ~~قال سعيد بن جبير كنت عند ابن عباس سنة لا أكلمه ولا أعرفه ولا يعرفني حتى ~~أتاه يوما كتاب من امرأة من أهل العراق فدعا غلمانه فجعل يكني عن عبيد الله ~~وعبد الله واشباهم ويدعو يا مخراق يا وثاب وروى أبو معاوية عن الأعمش عن ~~إبراهيم PageV02P250 # قال كانوا يكرهون أن يسمى الرجل غلامه عبد الله مخافة أن ذلك يعتقه وروى ~~مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم أنه كره أن يسمى مملوكه عبد وعبيد الله وعبد ~~الملك وعبد الرحمن واشباهه مخافة العتق قال بعض أهل العلم كراهتهم لذلك ~~نظير ما كره رسول الله من تسمية المماليك برباح ونافع وأفلح لأن ms765 ذلك كان ~~منه حذرا من أن يقال أهاهنا نافع فيقال لا أو أثم أفلح فيقال لا أو بركة أو ~~يسار أو رباح فيقال لا ومعلوم إن السائل عن انسان إسمه أفلح أو نافع أو ~~رباح هل هو في مكان كذا إنما مسئلة تلك عن مسمى شخص من أشخاص بني آدم سمى ~~باسم جعل عليه دليلا يعرف به إذا ذكر إذا كانت الأسماء العوارى المفرقة بين ~~الأشخاص المتشابهة إنما هي أدلة المسمين بها لا مسالة عن شخص صفته النفع ~~والفلاح والبركة وذلك من كراهته نظير كراهته تسمية تلك المرأة برة فحول ~~إسمها جويرية وتحويله اسم أرض كان اسمها عفرة فردها خضرة ونحو ذلك كثير ~~ومعلوم أن تحويله ما حول من هذه الأسماء عما كان عليه لم يكن لأن التسمية ~~بما كان المسمى به منهم مسمى قبل تحويله ذلك كان حرام التسمية ولكن كان ذلك ~~منه وعلى وجه الإستحباب واختيار الأحسن على الذي هو دونه في الحسن إذ كان ~~لا شيء في القبيح من الأسماء إلا وفي الجميل الحسن منها مثله من الدلالة ~~على المسمى به مع تخير الأحسن بفضل الحسن والجمال من غير مؤنة تلزم صاحبه ~~بسبب التسمى وكذلك كراهة من كره تسمية مملوكه عبد الله وعبد الرحمن إنما ~~كانت كراهة ذلك حذرا أن يوجب ذلك له العتق ولا شك أن جميع بني آدم عبيد ~~الله أحرارهم وعبيدهم وصفهم بذلك واصف أو لم يصفهم ولكن الذين كرهوا ~~التسمية بذلك صرفوا هذه الأسماء عن رقيقهم لئلا يقع اللبس على السامع بذلك ~~من اسمائهم فيظن أنهم أحرار إذ كان استعمال أكثر الناس التسمية بهذه ~~الاسماء في الأحرار فتجنبوا ذلك إلى ما يزيل اللبس عنهم من أسماء المماليك ~~والله أعلم # | فصل وأما الأثر الذي ذكره مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن # الخطاب رضي الله عنه قال لرجل ما اسمك قال جمرة الحديث إلى آخره فالجواب ~~عنه أنه ليس بحمد الله فيه شيء من الطيرة وحاشا أمير المؤمنين رضي الله عنه ~~من ذلك ms766 وكيف يتطير وهو يعلم أن الطيرة شرك من الجبت وهو القائل في حديث ~~اللقحة ما تقدم ولكن وجه ذلك والله أعلم أن هذا القول كان منه مبالغة في ~~الإنكار عليه لاجتماع أسماء النار والحريق في اسمه واسم أبيه وجده وقبيلته ~~وداره ومسكنه فوافق قوله اذهب فقد احترق منزلك وقدرك ولعل قوله كان السبب ~~وكثيرا ما يجري مثل هذا لمن هو دون عمر بكثير فكيف بالمحدث الملهم الذي ما ~~قال لشيء اني PageV02P251 لأظنه كذا إلا كان كما قال وكان يقول الشيء ويشير ~~به فينزل القرآن بموافقته فاذا نزل الأمر الديني بموافقة قوله فكذلك وقوع ~~الأمر الكوني القدرى موافقا لقوله ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن ~~النبي أنه كان يقول قد كان في الأمم قبلكم محدثون فان يكن في أمتي أحد منهم ~~فعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون وفي صحيح ~~البخارى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لقد كان فيمن كان ~~قبلكم من بني اسرائيل رجال يعلمون من غير أن يكونوا أنبياء فان يكن في أمتي ~~منهم أحد فعمر وفي الصحيحين عن عمر رضي الله عنه قال وافقت ربي في ثلاث في ~~مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي اساري بدر وفي صحيح البخاري عن أنس قال قال ~~عمر وافقني الله في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت ~~مقام إبراهيم مصلى وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت ~~أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب وبلغني معاتبة النبي بعض ~~نسأله فدخلت عليهن فقلت ان انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن حتى ~~أتيت أحدى نسائه فقالت يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت ~~فأنزل الله عز وجل عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن الآية وفي ~~الصحيحين أنه لما قام ليصلى على عبد الله بن أبي بن أبي سلول رأس المنافقين ~~قام عمر فأخذ ثوبه وقال ms767 يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي ~~عليه فقال رسول الله إنما خيرني الله فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين وصلى رسول الله ~~فأنزل الله عز وجل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فترك ~~الصلاة عليهم فإذا كانت هذه موافقة عمر لربه في شرعه ودينه وينطق بالشيء ~~فيكون هو المأمور المشروع فكذلك لا يبعد موافقته له تعالى في قضائه وقدره ~~ينطق بالشيء فيكون هو المقضى المقدور فهذا لون والطيرة لون وكذلك جرى له ~~تطير مع رجل آخر ساله عن اسمه فقال ظالم فقال ابن من قال ابن سارق قال تظلم ~~أنت ويسرق أبوك وذكر المدائني عن أبي صفرة وهو أبو المهلب أنه ابتاع سلعة ~~بتأخير من رجل من بني سعد فأراد أن يشهد عليه فقال له ما اسمك قال ظالم قال ~~ابن من قال ابن سراق قال لا والله لا يكون عليك شيء أبدا # # | فصل وأما محبة النبي التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله # فليس هذا من باب الفأل ولا التطير بالشمال في شيء ولكن تفضيل اليمين على ~~الشمال فكان يعجبه PageV02P252 # أن يباشر الافعال التي هي من باب الكرامة باليمين كالأكل والشرب والأخذ ~~والعطاء وضدها بالشمال كالاستنجاء وامساك الذكر وإزالة النجاسة فإن كان ~~الفعل مشتركا بين العضوين بدأ باليمين في افعال التكريم وأماكنه كالوضوء ~~ودخول المسجد وباليسار في ضد ذلك كدخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوه ~~والله تعالى فضل بعض مخلوقاته على بعض وفضل بعض جوارح الإنسان وأعضائه على ~~بعض ففضل العين على الكعب والوجه على الرجل وكذلك فضل اليد اليمين على ~~اليسار وخلق خلقه صنفين سعداء وجعلهم أصحاب اليمين وأشقياء وجعلهم أصحاب ~~الشمال وقال النبي المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ~~وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا وفي الصحيح عنه ~~لما أسرى به رأى آدم في سماء الدنيا وإذا ms768 عن يمينه اسودة وعن يساره اسودة ~~فإذا نظر قبل يمينه عنه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال ما هذا يا جبريل ~~فقال هذا آدم وهذه الاسودة عن يمينه ويساره بنوه فأهل اليمين أهل السعادة ~~من ذريته وأهل اليسار أهل الشقاوة وفي المسند عن عائشة قالت كانت يد رسول ~~الله اليمين لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى وفي ~~المسند أيضا وسنن أبي داود عن حفصة بنت عمر زوج النبي كان يجعل يمينه ~~لطعامه ويجعل شماله لما سوى ذلك وقال أحمد كانت يمينه لطعامه وطهوره وصلاته ~~وشأنه وكانت شماله لما سوى ذلك # | فصل وأما قوله الشؤم في ثلاث الحديث فهو حديث صحيح من رواية # ابن عمر وسهل بن سعد ومعاوية بن حكيم وقد روى أن أم سلمة كانت تزيد السيف ~~يعني في حديث الزهرى عن حمزة وسالم عن أبيهما في الشؤم وقد اختلف الناس في ~~هذا الحديث وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تنكر أن يكون من كلام ~~النبي وتقول إنما حكاه رسول الله عن أهل الجاهلية وأقوالهم فذكر أبو عمر بن ~~عبد البر من حديث هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن سعيد عن قتادة عن ~~أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة وقالا إن أبا هريرة يحدث أن النبي قال ~~إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شقة منها في السماء وشقة في ~~الأرض ثم قالت كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم من حدث عنه بهذا ولكن ~~رسول الله كان يقول كان أهل الجاهلية يقولون ان الطيرة في المرأة والدار ~~والدابة ثم قرأت عائشة ما اصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ~~كتاب من قبل أن نبرأها إن في ذلك على الله يسير قال أبو عمر وكانت عائشة ~~PageV02P253 تنفي الطيرة ولا تعتقد منها شيئا حتى قالت لنسوة كن يكرهن ~~البناء بأزواجهن في شوال ما تزوجني رسول الله إلا في شوال وما دخل بي إلا ~~في شوال فمن كان احظى ms769 مني عنده وكان تستحب أن يدخلن على أزواجهن في شوال ~~قال أبو عمر وقولها في أبي هريرة كذب فإن العرب تقول كذبت بمعنى غلطت فيما ~~قدرت وأوهمت فيما قلت ولم تظن حقا ونحو هذا وذلك معروف من كلامهم موجود في ~~أشعارهم كثيرا قال أبو طالب : # كذبتم وبيت الله نترك مكة % ونظعن الا أمركم في بلابل # كذبتم وبيت الله نبري محمدا % ولما نطاعن دونه ونناضل # ونسلمه حتى نصرع حوله % ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وقال شاعر من همدان : # كذبتم وبيت الله لا تأخذونه % مراغمة مادام للسيف قائم # وقال زفر بن الحارث العبسي : # أفي الحق إما بحدل وابن بحدل % فيحي وأما ابن الزبير فيقتل # كذبتم وبيت الله لا تقتلونه % ولما يكن أمر أغر محجل # قال ألا ترى أن هذا ليس من باب الكذب الذي هو ضد الصدق وإنما هو من باب ~~الغلط وظن ما ليس بصحيح وذلك أن قريشا زعموا أنهم يخرجون بني هاشم من مكة ~~ان لم يتركوا جوار محمد فقال لهم أبو طالب كذبتم أي غلطتم فيما قلتم وظننتم ~~وكذلك معنى قول الهمداني والعبسي وهذا مشهور في كلام العرب قلت ومن هذا قول ~~سعيد بن جبير كذب جابر بن زيد يعني في قوله الطلاق بيد السيد أي أخطأ ومن ~~هذا قول عبادة ابن الصامت كذب أبو محمد لما قال الوتر واجب أي أخطأ وفي ~~الصحيح أن النبي قال كذب أبو السنابل لما أفتى أن الحامل المتوفى عنها ~~زوجها لا تتزوج حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرا ولو وضعت وهذا كثير والمقصود ~~أن عائشة رضي الله عنها ردت هذا الحديث وأنكرته وخطأت قائله ولكن قول عائشة ~~هذا مرجوح ولها رضي الله عنها اجتهاد في رد بعض الحاديث الصحيحة خالفها فيه ~~غيرها من الصحابة وهي رضي الله عنها لما طنت أن هذا احديث يقتضي إثبات ~~الطيرة التي هي من الشرك لم يسعها غير تكذيبه ورده ولكن الذين رووه ممن لا ~~يمكن رد روايتهم ولم ينفرد بهذا أبو هريرة وحده ولو انفرد به فهو ms770 حافظ ~~الأمة على الإطلاق وكلما رواه النبي فهو صحيح بل قد رواه عن النبي عبد الله ~~بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسهل بن سعد الساعدى وجابر بن عبد الله ~~الأنصاري وأحاديثهم في الصحيح فالحق أن الواجب بيان معنى الحديث ومباينته ~~للطيرة الشركية PageV02P254 فنقول وبالله التوفيق هذا الحديث قد روى على ~~وجهين أحدهما بالجزم والثاني بالشرط فأما الأول فرواه مالك عن ابن شهاب عن ~~سالم وحمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيهما أن رسول الله قال الشؤم في الدار ~~والمرأة والفرس متفق عليه وفي لفظ في الصحيحين عنه لا عدوى ولا صفر ولا ~~طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة المرأة والفرس والدار وأما الثاني ففي الصحيحين ~~أيضا عن سهل بن سعد قال قال رسول الله إن كان ففي المرأة والفرس والممكن ~~يعني الشؤم وقال البخاري إن كان في شيء وفي صحيح مسلم عن جابر مرفوعا إن ~~كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا إن ~~يكن من الشؤم شيء حقا ففي الفرس والمسكن والمرأة وروى زهير بن معاوية عن ~~عتبة بن حميد قال حدثني عبيد الله بن أبي بكر أنه سمع أنسا يقول قال رسول ~~الله لا طيرة والطيرة على من تطير وإن يكن في شيء ففي المرأة والدار والفرس ~~ذكره أبو عمر # وقالت طائفة أخرى لم يجزم النبي بالشؤم في هذه الثلاثة بل علقه على الشرط ~~فقال إن يكن الشؤم في شيء ولا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد من مفرديها ~~فقد يصدق التلازم بين المستحيلين قالوا ولعل الوهم وقع من ذلك وهو أن ~~الراوي غلط وقال الشؤم في ثلاثة وإنما الحديث إن كان الشؤم في شيء ففي ~~ثلاثة قالوا وقد اختلف على ابن عمر والروايتان صحيحتان عنه قالوا وبهذا ~~يزول الإشكال ويتبين وجه الصواب # وقالت طائفة أخرى إضافة رسول الله صلى عليه وسلم الشؤم إلى هذه الثلاثة ~~مجاز واتساع أي قد يحصل مقارنا لها وعندها لا أنها هي أنفسها مما يوجب ms771 ~~الشؤم قالوا وقد يكون الدار قد قضى الله عز وجل عليها أن يميت فيها خلقا من ~~عباده كما يقدر ذلك في البلد الذي ينزل الطاعون به وفي المكان الذي يكثر ~~الوباء به فيضاف ذلك إلى المكان مجازا والله خلقه عنده وقدره فيه كما يخلق ~~الموت عند قتل القاتل والشبع والري عند أكل الآكل وشرب الشارب فالدار التي ~~يهلك بها أكثر ساكنيها توصف بالشؤم لأن الله عز وجل قد قصها بكثرة من قبض ~~فيها كتب الله عليه الموت في تلك الدار حسن إليه سكناها وحركه إليها حتى ~~يقبض روحه في المكان الذي كتب له كما ساق الرجل من بلد إلى بلد للأثر ~~والبقعة التي قضى أنه يكون مدفنه بها # قالوا وكذلك ما يوصف من طول أعمار بعض أهل البلدان ليس ذلك من أجل صحة ~~هواء ولا طيب تربة ولا طبع يزداد به الأجل وينقص بفواته ولكن الله سبحانه ~~قد خلق ذلك المكان وقضى أن يسكنه أطول خلقه أعمارا فيسوقهم إليه ويجمعهم ~~فيه ويحببه إليهم قالوا وإذا كان هذا على ما وصفنا في الدور والبقاع جاز ~~مثله في النساء والخيل فتكون المرأة قد قدر الله عليها أن تتزوج عددا من ~~الرجال ويموتون معها فلا بد من انفاذ قضائه وقدره حتى أن الرجل ليقدم عليها ~~من بعد علمه بكثرة من مات عنها لوجه من الطمع يقوده إليها حتى PageV02P255 # يتم قضاؤه وقدره فتوصف المرأة بالشؤم لذلك وكذلك الفرس وإن لم يكن لشيء ~~من ذلك فعل ولا تأثير # وقال ابن القاسم سئل مالك عن الشؤم في الفرس والدار فقال إن ذلك كذب فيما ~~نرى كم من دار قد سكنها ناس فهلكوا ثم سكنها آخرون فملكوا قال فهذا تفسيره ~~فيما نرى والله أعلم # وقالت طائفة أخرى شؤم الدار مجاورة جار السوء وشؤم الفرس أن يغزى عليها ~~في سبيل الله وشؤم المرأة أن لا تلد وتكون سيئة الخلق وقالت طائفة أخرى ~~منهم الخطائي هذا مستثنى من الطيرة أي الطيرة منهى عنها إلا أن يكون له دار ~~يكره ms772 سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع ~~والطلاق ونحوه ولا يقيم على الكراهة والتأذي به فإنه شؤم وقد سلك هذا ~~المسلك أبو محمد بن قتيبة في كتاب مشكل الحديث له لما ذكر أن بعض الملاحدة ~~اعترض بحديث هذه الثلاثة # وقالت طائفة أخرى الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها وتطير بها ~~فيكون شؤمها عليه ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشؤمة ~~عليه قالوا ويدل عليه حديث أنس الطيرة على من تطير وقد يجعل الله سبحانه ~~تطير العبد وتشاؤمه سببا لحلول المكروه به كما يجعل الثقة والتوكل عليه ~~وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به وسر ~~هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى والخوف من غيره وعدم التوكل ~~عليه والثقة به كان صاحبها غرضا لسهام الشر والبلاء فيتسرع نفوذها فيه لأنه ~~لم يتدرع من التوحيد والتوكل بجنة واقية وكل من خاف شيئا غير الله سلط عليه ~~كما أن من أحب مع الله غيره عذب به ومن رجا مع الله غيره خذل من جهته وهذه ~~أمور تجربتها تكفي عن أدلتها والنفس لا بد أن تتطير ولكن المؤمن القوي ~~الايمان يدفع موجب تطيره بالتوكل على الله فان من توكل على الله وحده كفاه ~~من غيره قال تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ~~ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون ولهذا قال ابن مسعود وما منا إلا يعني من ~~يقارب التطير ولكن الله يذهبه بالتوكل ومن هذا قول زبان بن سيار : # أطار الطير إذ سرنا زياد % لتخبرنا وما فيها خبير # أقام كان لقمان بن عاد % أشار له بحكمته مشير # تعلم أنه لا طير إلا % على متطير وهو الثبور # بل شيء يوافق بعض شيء % أحايينا وباطله كثير # قالوا فالشؤم الذي في الدار والمرأة والفرس قد يكون مخصوصا بمن تشاءم بها ~~وتطير وأما من ms773 توكل على الله وخافه وحده ولم يتطير ولم يتشاءم فان الفرس ~~والمرأة والدار لا يكون شؤما PageV02P256 في حقه # وقالت طائفة أخرى معنى الحديث إخباره عن الأسباب المثيرة للطيرة الكامنة ~~في الغرائز يعنى أن المثير للطيرة في غرائز الناس هي هذه الثلاثة فأخبرنا ~~بهذا لنأخذ الحذر منها فقال الشؤم في الدار والمرأة والفرس أي أن الحوادث ~~التي تكثر مع هذه الأشياء والمصائب التي تتوالى عندها تدعو الناس إلى ~~التشاؤم بها فقال الشؤم فيها أي أن الله قد يقدره فيها على قوم دون قوم ~~فخاطبهم بذلك لما استقر عندهم منه من إبطال الطيرة وإنكار العدوى ولذلك لم ~~يستفهموا في ذلك عن معنى ما أراده كما تقدم لهم في قوله لا يورد الممرض على ~~المصح فقالوا عنده وما ذاك يا رسول الله فأخبرهم أنه خاف في ذلك الأذى الذي ~~يدخله الممرض على المصح لا العدوى لأنه أمر بالتوادد وإدخال السرور بين ~~المؤمنين وحسن التجاوز ونهى عن التقاطع والتباغض والأذى فمن اعتقد أن رسول ~~الله نسب الطيرة والشؤم إلى شيء من الأشياء على سبيل إنه مؤثر بذلك دون ~~الله فقد أعظم الفرية على الله وعلى رسوله وضل ضلالا بعيدا والنبي ابتداهم ~~بنفي الطيرة والعدوى ثم قال الشؤم في ثلاث قطعا لتوهم المنفية في الثلاثة ~~التي أخبر أن الشؤم يكون فيها فقال لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاثة ~~فابتدأهم بالمؤخر من الخير تعجيلا لهم بالأخبار بفساد العدوى والطيرة ~~المتوهمة من قوله الشؤم في ثلاثة وبالجملة فإخباره بالشؤم أنه يكون في هذه ~~الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها وإنما غايته إن الله سبحانه قد ~~يخلق منها أعيانا مشؤمة على من قاربها وسكنها وأعيانا مباركة لا يلحق من ~~قاربها منها شؤم ولا شر وهذا كما يعطى سبحانه الوالدين ولدا مباركا يريان ~~الخير على وجهه ويعطى غيرهما ولدا مشؤما نذلا يريان الشر على وجهه وكذلك ما ~~يعطاه العبد ولاية أو غيرها فكذلك الدار والمرأة والفرس والله سبحانه خالق ~~الخير والشر والسعود والنحوس فيخلق بعض هذه الأعيان ms774 سعودا مباركة ويقضى ~~سعادة من قارنها وحصول اليمن له والبركة ويخلق بعض ذلك نحوسا يتنحس بها من ~~قارنها وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها ~~المتضادة والمختلفة فكما خلق المسك وغيره من حامل الأرواح الطيبة ولذذ بها ~~من قارنها من الناس وخلق ضدها وجعلها سببا لإيذاء من قارنها من الناس ~~والفرق بين هذين النوعين يدرك بالحس فكذلك في الديار والنساء والخيل فهذا ~~لون والطيرة الشركية لون آخر 0 # | فصل وأما الأثر الذي ذكره مالك عن يحيى بن سعيد جاءت امرأة إلى # رسول الله فقالت يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل ~~العدد وذهب المال فقال النبي PageV02P257 دعواها ذميمة وقد ذكر هذا الحديث ~~غير مالك من رواية أنس أن رجلا جاء إلى رسول الله فقال يا رسول الله أنا ~~نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحولنا إلى أخرى فقلت ~~فيها أموالنا وقل فيها عددنا فقال رسول الله وذكره فليس هذا من الطيرة ~~المنهي عنها وإنما أمرهم بالتحول عنها عند ما وقع في قلوبهم منها لمصلحتين ~~ومنفعتين إحداهما مفارقتهم لمكان هم له مستثقلون ومنه مستوحشون لما لحقهم ~~فيه ونالهم ليتعجلوا الراحة مما داخلهم من الجزع في ذلك المكان والحزن ~~والهلع لأن الله عز وجل قد جعل في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم ~~الشر فيه وإن كان لاسبب له في ذلك وحب ما جرى لهم على يديه الخير وإن لم ~~يردهم به فأمرهم بالتحول مما كرهوه لأن الله عز وجل بعثه رحمة ولم يبعثه ~~عذابا وأرسله ميسرا ولم يرسله معسرا فكيف يأمرهم بالمقام في مكان قد أحزنهم ~~المقام به واستوحشوا عنده لكثرة من فقدوه فيه لغير منفعته ولا طاعة ولا ~~مزيد تقوى وهدى فلا سيما وطول مقامهم فيها بعد ما وصل إلى قلوبهم منها ما ~~وصل قد يبعثهم ويدعوهم إلى التشاؤم والتطير فيوقعهم ذلك في أمرين عظيمين ~~أحدهما مقارنة الشرك والثاني حلول مكروه أحزنهم بسبب الطيرة التي إنما تلحق ~~المتطير فحماهم بكمال رأفته ms775 ورحمته من هذين المكروهين بمفارقة تلك الدار ~~والاستبدال بها من غير ضرر يلحقهم بذلك في دنيا ولا نقص في دين وهو حين فهم ~~عنهم في سؤالهم ما أرادوه من التعرف عن حال رحلتهم عنها هل ذلك لهم ضار مؤد ~~إلى الطيرة قال دعوها ذميمة وهذا بمنزلة الخارج من أرض بها الطاعون غير فار ~~منه ولو منع الناس الرحلة من الدار التي تتوالى عليهم المصائب والمحن فيها ~~وتعذر الأرزاق مع سلامة التوحيد في الرحلة للزم ذلك أن كل من ضاق عليه رزق ~~في بلد أن لا ينتقل منه إلى بلد آخر ومن قلت فائدة صناعته أن لا ينتقل عنها ~~إلى غيرها 0 # # | فصل وأما قول النبي للذي سل سيفه يوم أحد شم سيفك فإني # أرى السيوف ستنسل اليوم فهذه القصة لم يكن الرجل قد سل فيها السيف ولكن ~~الفرس لوح بذنبه فسل السيف ولم يرد صاحبه سله هكذا في القصة ولا ريب أن ~~الحرب تقوم بالخيل والسيوف ولما لوح الفرس بذنبه فاستل السيف قال النبي أنى ~~أرى السيوف ستنسل اليوم فهذا له محمل من ثلاثة محامل أحدها أن النبي أخبر ~~عن ظن ظنه في ذلك ولم يجعل هذا دليلا تماما في كل واقعة تشبه هذه وإذا كان ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو أحد أتباع رسول الله صبى الله عليه وسلم ~~ورجل من أمته كان إذا قال أظن كذا أو أرى كذا خرج الأمر كما ظنه وحسبه فكيف ~~الظن برسول الله الثاني ان النبي كان قد علم قبل مخرجه أن السيوف ~~PageV02P258 ستنسل ويقع القتال ولهذا أخبرهم أنه رأى في منامه أنه يقرأ ~~النحل وعلم أن ذلك شهادة من قتل من أصحابه # الثالث أن الوحي الذي كان يعرف به رسول الله الحوادث والنوازل كان مغنيا ~~له عن الإشارات والعلامات والامارات وما في معناها مما يحتاج إليه غيره ~~وأما من يأتيه خبر السماء صباحا ومساء فإخباره بقوله أرى السيوف اليوم ~~ستنسل لم يكن عن تلك الأمارة وإنما وقع الإخبار به عقيبها والشيء ms776 بالشيء ~~يذكر # | فصل وأما ما احتج به ونسبه إلى قوله وقدت الحرب لما رأى # واقد بن عبد الله الحضري والحضرمي حضرت الحرب فكذب عليه وإنما قال ذلك ~~أعداؤه من اليهود فتطيروا بذلك وتفاءلوا به فكانت الطيرة عليهم و وقدت ~~الحرب عليهم # | فصل وأما استقباله الجبلين في طريقه وهما مسلح ومخرىء وترك # المرور بينهما وعدله ذات اليمين فليس هذا أيضا من الطيرة وإنما هو من ~~العدول عما يؤذى النفوس ويشوش القلوب إلى ما هو بخلافه كالعدول عن الاسم ~~القبيح وتغييره بأحسن منه وقد تقدم تقرير ذلك بما فيه كفاية وأيضا فإن ~~الأماكن فيها الميمون المبارك والمشؤم المذموم فاطلع رسول الله على شؤم ذلك ~~المكان وأنه مكان سوء فجاوزه إلى غيره كما جاوز الوادي الذي ناموا فيه عن ~~الصبح إلى غيره وقال هذا مكان حضرنا فيه الشيطان والشيطان يحب الأمكنة ~~المذمومة وينتابها وأيضا فلما كان المرور بين ذينك الجبلين قد يشوش القلب ~~على أنا نقول في ذلك قولا كليا نبين به سر هذا الباب بحول الله وعونه و ~~توفيقه # أعلم أن بين الأسماء و مسمياتها ارتباطا قدره العزيز القادر وألهمه نفوس ~~العباد وجعله في قلوبهم بحيث لا تنصرف عنه وليس هذا الارتباط هو ارتباط ~~العلة بمعلولها ولا ارتباط المقتضى الموجب لمقتضاه و موجبة بل ارتباط تناسب ~~وتشاكل اقتضته حكمة الحكيم فقل أن ترى اسما قبيحا إلا وبين مسماه و بينه ~~رابط من القبح وكذلك إذا تأملت الاسم الثقيل الذي تنفر عنه الأسماع وتنبو ~~عنه الطباع فأنك تجد مسماه يقارب أو يلم أن يطابق ولهذا من المشهور على ~~ألسنة الناس أن الألقاب تنزل من السماء فلا تكاد تجد الاسم الشنيع القبيح ~~إلا على مسمى يناسبه وفي ذلك قول القائل # وقل أن أبصرت عيناك ذا لقب % إلا ومعناه أن فكرت في لقبه # ولهذا كثيرا ما تجد أيضا في أسماء الأجناس والواضع له عناية بمطابقة ~~الألفاظ للمعاني ومناسبتها لها فيجعل الحروف الهوائية الخفيفة لمسمى مشاكل ~~لها كالهواء والحروف الشديدة PageV02P259 للمسمى المناسب لها كالصخر والحجر ~~وإذا ms777 تتابعت حركة المسمى تابعوا بين حركة اللفظ كالدوران والغليان والنزوان ~~وإذا تكررت الحركة كرروا اللفظ كفلفل وزلزل ودكدك و صرصر وإذا اكتنز المسمى ~~وتجمعت أجزاؤه جعلوا في أسمه من الضم الدال على الجمع والاكتناز ما يناسب ~~المسمى كالبحتر للقصير المجتمع الخلق وإذا طال جعلوا في المسمى من الفتح ~~الدال على الامتداد نظير ما في المعنى كالعشنق للطويل ونظائر ذلك أكثر من ~~أن تستوعب وإنما أشرنا إليها أدنى إشارة وهذا هو الذي أراده من قال بين ~~الاسم والمسمى مناسبة فلم يفهم عنه بعض المتأخرين مراده فأخذ يشنع عليه ~~بأنه لا تناسب طبعيا بينهما واستدل على إنكار ذلك بما لا طائل تحته فإن ~~عاقلا لا يقول أن التناسب الذي بين الاسم والمسمى كالتناسب الذي بين العلة ~~والمعلول وإنما هو ترجيح وأولوية تقتضي اختصاص الاسم بمسماه وقد يتخلف عنه ~~اقتضاؤها كثيرا والمقصود أن هذه المناسبة تنضم إلى ما جعل الله في طبائع ~~الناس وغرائزهم من النفرة بين الاسم القبيح المكروه و كراهته وتطير أكثرهم ~~به وذلك يوجب عدم ملابسته ومجاوزته إلى غيره فهذا أصل هذا الباب # | فصل وأما كراهية السلف أن يتبع الميت بشيء من النار أو أن يدخل # القبر شيء مسته النار وقول عائشة رضى الله عنها لا يكون آخر زاده أن ~~تتبعوه بالنار فيجوز أن يكون كراهتهم لذلك مخافة الأحداث لما لم يكن في عصر ~~رسول الله صلى عليه وسلم فكيف وذلك مما يبيح الطيرة به والظنون الرديه ~~بالميت وقد قال غير واحد من السلف منهم عبد الملك بن حبيب وغيره إنما كرهوا ~~ذلك تفاؤلا بالنار في هذا المقام أن تتبعه # وذكر ابن حبيب وغيره أن النبي أراد أن يصلى على جنازة فجاءت امرأة ومعها ~~مجمر فما زال يصبح بها حتى توارت بآجام المدينة قال بعض أهل العلم وليس ~~خوفهم من ذلك على الميت لكن على الأحياء المجبولين على الطيرة لئلا تحدثهم ~~أنفسهم بالميت أنه من أهل النار لما رأوا من النار التي تتبعه في أول أيامه ~~من الآخرة ولا سيما ms778 في مكان يراد منهم فيه كثرة الاجتهاد للميت بالدعاء ~~فإذا لم يبق له زاد غيره فيظنون أن تلك النار من بقايا زاده إلى الآخرة ~~فتسوء ظنونهم به وتنفر عن رحمته قلوبهم في مكان هم فيه شهداء الله كما جاء ~~في الحديث الصحيح لما مر على النبي بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت ~~فقالوا ما وجبت قال وجبت له الجنة أنتم شهداء الله في الأرض من أثنيتم عليه ~~خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار وفي أثر آخر إذا ~~أردتم أن تعلموا ما للميت عند الله فانظروا ما تتعبه من حسن الثناء فقالت ~~عائشة رضى الله عنها لا يكون آخر زاده من الثناء والدعاء أن PageV02P260 # تتبعوه بالنار فتهيجوا بها خواطر الناس وتبعثوا ظنونهم بالتطير والنار ~~والعذاب والله أعلم # | فصل وأما تلك الوقائع التي ذكروها مما يدل على وقوع ما تطير به # من تطير فنعم و هاهنا أضعافها وأضاف أضعافها ولسنا ننكر موافقة القضاء ~~والقدر لهذه الأسباب وغيرها كثيرا موافقة حزر الحازرين وظنون الظانين وزجر ~~الزاجرين للقدر أحيانا مما لا ينكره أحد ومن الأسباب التي توجب وقوع ~~المكروه الطيرة كما تقدم وإن الطيرة على من تطير ولكن نصب الله سبحانه لها ~~أسبابا يدفع بها موجبها وضررها من التوكل عليه وحسن الظن به و إعراض قلبه ~~عن الطيرة وعدم التفاته إليها وخوفه منها وثقته بالله عز وجل ولسنا ننكر أن ~~هذه الأمور ظنون وتخمين وحدس وخرص وما كان هذا سبيله فيصيب تارة و يخطىء ~~تارات وليس كل ما تطير به المتطيرون وتشاءموا به وقع جميعه وصدق بل أكثره ~~كاذب وصادقه نادر والناس في هذا المقام إنما يعولون وينقلون ما صح ووقع ~~ويعتنون به فيرى كثيرا والكاذب منه أكثر من أن ينقل قال ابن قتيبة من شأن ~~النفوس حفظ الصواب للعجب به والاستغراب وتناسي الخطأ قال ومن ذا الذي يتحدث ~~أنه سأل منجما فأخطأ وإنما الذي يتحدث به وينقل أنه ساله فاصاب قال والصواب ~~في مسئلة إذا كان بين أمرين ms779 قد يقع للمعتوه والطفل فضلا عن أولى العقل وقد ~~تقدم من بطلان الطيرة وكذبها ما فيه كفاية وقد كانت عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها تستحب أن تتزوج المرأة أو يبنى بها في شوال وتقول ما تزوجني رسول ~~الله إلا في شوال فاي نسائه كان أحظى عنده مني مع تطير الناس بالنكاح في ~~شوال وهذا فعل أولى العزم والقوة من المؤمنين الذين صح توكلهم على الله ~~واطمأنت قلوبهم إلى ربهم ووثقوا به وعلموا إن ما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن وأنهم لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم وأنهم ما أصابهم من مصيبة إلا ~~وهي في كتاب من قبل أن يخلقهم ويوجدهم وعلموا أنه لا بد أن يصيروا إلى ما ~~كتبه وقدره ولا بد أن يجرى عليهم وإن تطيرهم لا يرد قضاءه وقدره عنهم بل قد ~~يكون تطيرهم من أعظم الاسباب التي يجرى عليهم بها القضاء والقدر فيعينون ~~على أنفسهم وقد جرى لهم القضاء والقدر بأن نفوسهم هي سبب إصابة المكروه لهم ~~فطائرهم معهم وأما المتوكلون على الله المفوضون إليه العالمون به وبأمره ~~فنفوسهم أشرف من ذلك وهممهم أعلى وثقتهم بالله وحسن ظنهم به عدة لهم وقوة ~~وجنة مما يتطير به المتطيرون ويتشاءم به المتشائمون عالمون أنه لا طير إلا ~~طيره ولا خير إلا خيرة ولا إله غيره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين # | فصل ومما كان أهل الجاهلية يتطيرون به ويتشاءمون منه العطاس كما # يتشاءمون بالبوارح PageV02P261 # والسوانح قال رؤية بن العجاج يصف فلاة # قطعتها ولا أهاب العطاسا % وقال أمرؤ القيس : # وقد اغتدى قبل العطاس بهيكل % شديد مشيد الجنب فعم المنطق # أراد أنه كان ينتبه للصيد قبل أن ينتبه الناس من نومهم ليلا يسمع عطاسا ~~فيتشاءم بعطاسه وكانوا إذا عطس من يحبونه قالوا له عمرا وشبابا وإذا عطس من ~~يبغضونه قالوا له وريا وقحابا والورى كالرمي داء يصيب الكبد فيفسدها ~~والقحاب كالسعال وزنا ومعنى فكان الرجل إذا سمع عطاسا يتشاءم به يقول ~~بكلابي إني أسال ms780 الله أن يجعل شؤم عطاسك بك لأبي وكان تشاؤمهم بالعطسة ~~الشديدة أشد كما حكى عن بعض الملوك أن سامرا له عطس عطسة شديدة راعته فغضب ~~الملك فقال سميره والله ما تعمدت ذلك ولكن هذا عطاسي فقال والله لئن لم ~~تأتني بمن يشهد لك بذلك لأقتلنك فقال أخرجني إلى الناس لعلى أجد من يشهد لي ~~فأخرجه وقد وكل به الأعوان فوجد رجلا فقال يا سيدي نشدتك بالله إن كنت سمعت ~~عطاسي يوما فلعلك تشهد لي به عند الملك فقال نعم # أنا أشهد لك فنهض معه وقال يا أيها الملك أنا أشهد أن هذا الرجل عطس يوما ~~فطار ضرس من أضراسه فقال له الملك عد إلى حديثك ومجلسك فلما جاء الله ~~سبحانه بالإسلام وأبطل برسوله ما كان عليه الجاهلية من الضلالة نهى أمته عن ~~التشاؤم والتطير وشرع لهم أن يجعلوا مكان الدعاء على العاطس بالمكروه ~~الدعاء له بالرحمة كما أمر العائن أن يدعو بالتبريك للمعين ولما كان الدعاء ~~على العاطس نوعا من الظلم والبغي جعل الدعاء له بلفظ الرحمة المنافي للظلم ~~وأمر العاطس عمران يدعو لسامعه ويشمته بالمغفرة والهداية وإصلاح البال ~~فيقول يغفر الله لنا ولكم أو يهديكم الله ويصلح بالكم فاما الدعاء بالهداية ~~فلما أن اهتدى إلى طاعة الرسول ورغب عما كان عليه أهل الجاهلية فدعا له أن ~~يثبته الله عليها ويهديه إليها وكذلك الدعاء باصلاح البال وهي حكمة جامعة ~~لصلاح شأنه كله وهي من باب الجزاء على دعائه لأخيه بالرحمة فناسب أن يجازيه ~~بالدعاء له بإصلاح البال وأما الدعاء بالمغفرة فجاء بلفظ يشمل العاطس ~~والمشمت كقوله يغفر الله لنا ولكم ليستحصل من مجموع دعوى العاطس والمشمت له ~~المغفرة والرحمة لهما معا فصلوات الله وسلامه على المبعوث بصلاح الدنيا ~~والآخرة ولأجل هذا والله أعلم لم يؤمر بتشميت من لم يحمد الله فإن الدعاء ~~له بالرحمة نعمة فلا يستحقها من لم يحمد الله ويشكره على هذه النعمة ويتأسى ~~بابيه آدم فإنه لما نفخت فيه الروح إلى الخياشيم عطس فألهمه ربه تبارك ~~وتعالى ms781 أن نطق بحمده فقال الحمد لله فقال الله سبحانه يرحمك الله يا آدم ~~فصارت تلك سنة العطاس فمن لم يحمد الله لم يستحق هذه الدعوة ولما سبقت هذه ~~الكلمة لآدم قبل أن يصيبه ما اصابه كان مآله إلى الرحمة وكان ما جرى عارضا ~~وزال فإن الرحمة سبقت العقوبة وغلبت الغضب # وايضا فإنما أمر العاطس بالتحميد عن العطاس لأن PageV02P262 # الجاهلية كانوا يعتقدون فيه أنه داء ويكره أحدهم أن يعطس ويود أنه لم ~~يصدر منه لما في ذلك من الشؤم وكان العاطس يحبس نفسه عن العطاس ويمتنع من ~~ذلك جهده من سوء اعتقاد جهالهم فيه ولذلك والله أعلم بنوا لفظه على بناء ~~الأدواء كالزكام والسعال والدوار والسهام وغيرها فاعلموا أنه ليس بداء ~~ولكنه أمر يحبه الله وهو نعمة منه يستوجب عليها من عبده أن يحمده عليها وفي ~~الحديث المرفوع أن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب والعطاس ريح مختنقة تخرج ~~وتفتح السد من الكبد وهو دليل جيد للمريض مؤذن بانفراج بعض علته وفي بعض ~~الأمراض يستعمل ما يعطس العليل ويجعل نوعا من العلاج ومعينا عليه هذا قدر ~~زائد على ما أحبه الشارع من ذلك وأمر بحمد الله عليه وبالدعاء لمن صدر منه ~~وحمد الله عليه ولهذا فالله أعلم يقال شمته إذا قال له يرحمك الله وسمته ~~بالمعجمة والمهملة وبهما روى الحديث فأما التسميت بالمهملة فهو تفعيل من ~~السمت الذي يراد به حسن الهيئة والوقار فيقال لفلان سمت حسن فمعنى سمت ~~العاطس وقرته وأكرمته وتأدبت معه بأدب الله ورسوله في الدعاء له لا بأخلاق ~~أهل الجاهلية من الدعاء عليه والتطير به والتشاؤم منه وقيل سمته دعا له أن ~~يعيده الله إلى سمته قبل العطاس من السكون والوقار وطمأنينه الأعضاء فإن في ~~العطاس من انزعاج الأعضاء واضطر ابها ما يخرج العاطس عن سمته فإذا قال له ~~السامع يرحمك الله فقد دعا له أن يعيده إلى سمته وهيئته وأما التشميت ~~بالمعجمة فقالت طائفة منهم ابن السكيت وغيره أنه بمعنى التسميت وأنهما ~~لغتان ذكر ذلك في كتاب ms782 القلب والإبدال ولم يذكر أيهما الأصل ولا أيهما ~~البدل وقال أبو علي الفارسي المهملة هي الأصل في الكلمة والمعجمة بدل واحتج ~~بأن العاطس إذا عطس انتفش وتغير شكل وجهه فإذا دعا له فكأنه أعاده إلى سمته ~~وهيأته وقال تلميذه ابن جنى لو جعل جاعل الشين المعجمة أصلا وأخذه من ~~الشوامت وهي القوائم لكان وجها صحيحا وذلك أن القوائم هي التي تحمل الفرس ~~ونحوه وبهما عصمته وهي قوامه فكأنه إذا دعا له فقد أنهضه وثبت امره وأحكم ~~دعائمه وأنشد للنابغة # طوع الشامت من خوف ومن صرد % وقالت طائفة منهم ابن الأعرابي يقال مرضت ~~العليل أي قمت عليه ليزول مرضه ومثله قذيت عينه أزلت قذاها فكأنه لما دعا ~~له بالرحمة قد قصد إزالة الشماته عنه وينشد في ذلك : # ما كان ضر الممرضي بجفونه % لو كان مرض منعما من أمرضا # وإلى هذا ذهب ثعلب # والمقصود أن التطير من العطاس من فعل الجاهلية الذي أبطله الإسلام وأخبر ~~النبي أن الله يحب العطاس كما في صحيح البخاري حديث أبي هريره عن النبي قال ~~إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فليستره ما استطاع فإنه ~~إذا فتح فاه فقال آه آه ضحك منه الشيطان PageV02P263 # | فصل وأما قوله لا يورد ممرض على مصح فالممرض الذي إبله مراض والمصح # الذي إبله صحاح وقد ظن بعض الناس أن هذا معارض لقوله لا عدوى ولا طيرة ~~وقال لعل أحد الحديثين نسخ الآخر وأورد الحارث بن أبى ذئاب وهو ابن عم أبى ~~هريرة رضى الله عنه جمعه بين الروايتين وظنهما متعارضتين فروى ا بن هرير عن ~~أبى سلمة بن عبد الرحمن قال كان أبو هريرة يحدثنا عن رسول الله لا عدوى ثم ~~حدثنا أن رسول الله قال لا يورد ممرض على مصح قال فقال الحارث بن أبى ذئاب ~~وهو ابن عم أبى هريرة قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا حديثا آخر قد سكت ~~عنه كنت تقول قال رسول الله لا عدوى فأبى أبو هريرة أن يحدث بذلك وقال ms783 لا ~~يورد ممرض على مصح فما رآه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة ورطن بالحبشية ~~ثم قال للحارث أتدرى ما قلت قال لا قال إني أقول أبيت أبيت فلا أدرى أنسى ~~أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر # قلت قد اتفق مع أبى هريرة سعد بن أبى وقاص و جابر بن عبد الله وعبد الله ~~بن عباس وأنس بن مالك وعمر بن سلم على روايتهم عن النبي قوله لا عدوى وحديث ~~أبى هريرة محفوظ عنه بلا شك من رواية أوثق أصحابه وأحفظهم أبى سلمة بن عبد ~~الرحمن ومحمد بن سيرين وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة والحارث بن أبى ذئاب ~~ولم يتفرد أبو هريرة بروايته عن النبي بل رواه معه من الصحابة من ذكرناه ~~وقوله لا يورد ممرض على مصح صحيح أيضا ثابت عنه فالحديثان صحيحان ولا نسخ ~~تعارض بينهما بحمد الله بل كل منهما له وجه وقد طعن أعداء السنة في أهل ~~الحديث وقالوا يروون الأحاديث التي ينقض بعضها بعضا ثم يصححونها والأحاديث ~~التي تخالف العقل فانتدب أنصار السنة للرد عليهم ونفي التعارض عن الأحاديث ~~الصحيحة وبيان موافقتها للعقل قال أبو محمد بن قتيبة في كتاب مختلف الحديث ~~له قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن رسول الله أنه قال لا عدوى ولا ~~طيرة وأنه قيل له أن النقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل فقال فما ~~أعدي الأول هذا أو معناه ثم رويتم في خلاف ذلك لا يورد ذو عاهة على مصح وفر ~~من المجذوم فرارك من الأسد وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل ~~إليه البيعة وأمره بالانصراف ولم يأذن له وقال الشؤم في المرأة والدار ~~والدابة قالوا وهذا كله مختلف يشبه لا يثبه بعضه بعضا قال أبو محمد ونحن ~~نقول أنه ليس في هذا اختلاف ولكل واحد معنى في وقت وموضع فإذا وضع موضعه ~~زال الاختلاف والعدوى جنسان أحدهما عدوى الجذام فإن PageV02P264 # الجذام تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته وموا كلته وكذا المرأة تكون ms784 ~~تحت المجذوم فتضاجعه في شعار واحد فيوصل إليها الأذى وربما جذمت وكذلك ولده ~~ينزعون في الكبر إليه وكذلك من به سل ودق وتعب الأطباء تأمر أن لا يجالس ~~المجذوم ولا المسلول ولا يريدون بذلك معنى العدوى وإنما يريدون به معنى ~~تغير الرائحة وأنها قد تسقم من أطال اشتمامها والأطباء أبعد الناس من ~~الإيمان بيمن وشؤم وكذلك النقبة تكون بالبعير وهو جرب رطب فإذا خالط الإبل ~~أو حاكها واوي في مباركها أوصل إليها بالماء الذي يسيل منه والنطف نحوا مما ~~به فهذا هو المعنى الذي قال رسول الله صلى عليه وسلم لا يورد ذو عاهة على ~~مصح كره أن يخالط المصاب الصحيح فيناله من نطفه وحكمته نحو مما به قال وقد ~~ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك أن لا يظن أن الذي نال إبله من ذوات العاهة ~~فيأثم وليس لهذا عندي وجه إلا الذي خبرتك به عيانا وأما الجنس الآخر من ~~العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوف العدوى حدثني سهل بن محمد قال ~~حدثني الأصمعي عن بعض المصريين أنه هرب من الطاعون فركب حمارا ومضى بأهله ~~نحو حلوان فسمع حاديا يحدو خلفه وهو يقول : # لن يسبق الله على حمار % ولا على ذي هيعة مطار # أو يأتي الحتف على مقدار % قد يصبح الله أمام الساري # وقد قال رسول الله إذا كان بالبلد الذي أنتم فيه فلا تخرجوا منه وقال إن ~~كان ببلد فلا تدخلوه يريد بقوله لا تخرجوا من البلد أذا كان فيه كأنكم ~~تظنون أن الفرار من قدر الله ينجيكم من الله ويريد إن كان ببلد فلا تدخلوه ~~فإن مقامكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لأنفسكم وأطيب لمعيشتكم ومن ~~ذلك المرأة تعرف بالشؤم والدار فينال الرجل مكروه أو جائحة فيقول أعدتني ~~بشؤمها فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله لا عدوى فأما الحديث الذي ~~رواه أبو هريرة رضى الله عنه أنه قال الشؤم في المرأة والدار والدابة فإن ~~هذا الحديث يتوهم فيه الغلط على أبى هريرة ms785 وأنه سمع فيه شيئا من رسول الله ~~فلم يعه حدثني محمد بن القطعي حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبى ~~حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة فقالا إن أبا هريرة رضى الله عنه يحدث ~~عن رسول الله أنه قال إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة فطارت شفقا ثم ~~قالت كذب والذي أنزل الفرقان على أبى القاسم من حدث بهذا عن رسول الله إنما ~~قال رسول الله كان أهل الجاهلية يقولون إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار ~~ثم قرأت ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبراها حدثني أبى قال حدثني أحمد بن الخليل حدثنا موسى بن مسعود النهدي عن ~~PageV02P265 # عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك رضى الله ~~عنه قال جاء رجل إلى النبي فقال يا رسول الله أنا نزلنا دارا فكثر فيها ~~عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحولنا عنها إلى أخرى فقلت فيها أموالنا وقل ~~فيها عددنا فقال رسول الله ذروها وهى ذميمه 0 قال أبو محمد وهذا ليس ينقض ~~الحديث الأول ولا الحديث الأول ينقض هذا وإنما أمرهم بالتحول منها لأنهم ~~كانوا مقيمين فيها على استثقال لظلها واستيحاش لما نالهم فيها فأمرهم ~~بالتحول وقد جعل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه ~~وإن كان لا سبب له في ذلك وحب من جرى على يده الخير لهم وأن لم يردهم به ~~وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به وكيف يتطير والطيرة من الجبت ~~وكان كثير من الجاهلية لا يرونها شيئا ويمدحون من كذب بها ثم أنشد ما ذكرنا ~~من الأبيات سالفا ثم قال حدثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا عبد الرزاق عن معمر ~~عن إسماعيل بن أبى أميه قال قال رسول الله ثلاث لا يسلم منهن أحد الطيرة ~~والظن والحسد قيل فما المخرج منهن قال إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا ~~تحقق وإذا ms786 حسدت فلا تبغ هذه الألفاظ أو نحوها حدثني أبو حاتم قال حدثنا ~~الأصمعي عن سعيد بن سالم عن أبيه أنه كان يعجب ممن يصدق بالطيرة ويعيبها ~~أشد العيب وقال فرقت لنا ناقة وأنا بالطائف فركبت في أثرها فلقيني هانيء ين ~~عبيد من بنى وائل وهو مسرع وهو يقول 0 الشرع يلقى مطالع إلا كم 0 ثم لقيني ~~آخر من الحي وهو يقول 0 # ولئن بغيت لهم بغاة % ما البغاة بواجدينا # ثم دفعنا إلى غلام قد وقع في صغره في نار فأحرقته فقبح وجهه وفسد فقلت له ~~هل ذكرت من ناقة فارق قال ههنا أهل بيت من الأعراب فانظر فنظرت فإذا هي ~~عندهم وقد نتجت فأخذناها وولدها قال أبو محمد الفارق التي ضلت ففارقت ~~صواحبها وقال عكرمة كنا جلوسا عند ابن عباس فمر طائر يصيح فقال رجل خير خير ~~فقال ابن عباس لا خير ولا شر وكان رسول الله يستحب الاسم الحسن والفأل ~~الصالح حدثني الرياشى حدثنا الأصمعي قال سألت ابن عون عن الفأل فقال هو أن ~~يكون مريضا فيسمع يا سالم أو يكون باغيا فيسمع يا واجد وهذا أيضا مما جعل ~~في غرائز الناس وتركيبهم استحبابه والأنس به وكما جعل على الألسنة من ~~التحية بالسلام والمد في الأصب والتبشير بالخير وكما يقال أنعم وأسلم وأنعم ~~صباحا وكما تقول الفرس عش ألف نوروز والسامع لهذا يعلم أنه لا يقدم ولا ~~يؤخر ولا يزيد ولا ينقص ولكن جعل في الطباع محبة الخير والارتياح للبشرى ~~والمنظر الأنيق والوجه الحسن والاسم الخفيف وقد يمر الرجل بالروضة المنورة ~~فتسره وهى لا تنفعه وبالماء الصافي PageV02P266 # فيعجب به وهو لا يبشر به ولا يرده وفي بعض الحديث أن رسول الله كان يعجب ~~بالأترج ويعجبه الحمام الأحمر وتعجبه الفاغية وهو نور الحناء وهذا مثل ~~إعجابه بالاسم الحسن والفأل الحسن وعلى حسب هذا كانت كراهية الاسم القبيح ~~كبني النار وبني حراق وأشباه هذا انتهي كلامه وقد سلك أبو عمر بن عبد البر ~~في هذا الحديث نحوا من مسلك أبى ms787 محمد بن قتيبة فقال أما قوله لا عدوى فهو ~~نهى أن يقول أحد إن شيئا يعدى شيئا وإخبار أن شيئالا يعدى شيئا فكأنه لا ~~يعدى شيء شيئا يقول لا يصيب أحد من أحد شيئا من خلق أو فعل أو داء أو مرض ~~وكانت العرب تقول في جاهليتها في مثل هذا أنه إذا اتصل شيء من ذلك بشيء ~~أعداء فأخبرهم رسول الله أن قولهم واعتقادهم في ذلك ليس كذلك ونهى عن ذلك ~~القول إعلاما منه بأنما اعتقد ذلك من اعتقد منهم كان باطلا قال وأما الممرض ~~فالذي إبله مراض والمصح الذي إبله صحاح وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبى ~~الزبير عن جابر قال يكره إن يدخل المريض على الصحيح منها وليس به إلا قول ~~الناس وحماية للقلب مما يستبق إليه من الإفهام ويقع فيه من التطير والتشاؤم ~~بذلك وقد قال أبو عبيد قولا قريبا من ذلك فقال في قوله في هذا الحديث أنه ~~إذا أبى إيراد الممرض على المصح فقال معنى الأذى عندي الماثم يعنى أن ~~المورد يأثم بأذاه من أورد عليه وتعريضه للتشاؤم والتطير وقد سلك بعضهم ~~مسلكا آخر فقال ما يخبر به النبي نوعان : # أحدهما يخبر به عن الوحي فهذا خبر مطابق لمخبره من جميع الوجوه ذهنا ~~وخارجا وهو الخبر المعصوم والثاني ما يخبر به عن ظنه من أمور الدنيا التي ~~هم اعلم بها منه فهذا ليس في رتبة النوع الأول ولا تثبت له أحكامه وقد أخبر ~~عن نفسه الكريمة بذلك تفريقا بين النوعين فإنه لما سمع أصواتهم في النخل ~~يؤبرونها وهو التلقيح قال ما هذا فأخبروه بأنهم يلقحونها فقال ما أرى لو ~~تركتموه يضوء شيئا فتركوه فجاء شيصا فقال إنما أخبرتكم عن ظني وأنتم أعلم ~~بأمر دنياكم ولكن ما أخبرتكم عن الله والحديث صحيح مشهور وهو من أدلة بنوية ~~وأعلامها فأن من خفي عليه مثل هذا من أمر الدينا وما أجرى الله به عادته ~~فيها ثم جاء من العلوم التي لا يمكن البشر أن يطلع عليها ms788 البتة إلا بوحي من ~~الله فأخبر عما كان وما يكون وما هو كائن من لدن خلق العالم إلى أن استقر ~~أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وعن غيب السموات والأرض وعن كل سبب ~~دقيق أو جليل تنال به سعادة الدارين وكل سبب دقيق أو جليل تنال به شقاوة ~~الدارين وعن مصالح الدنيا والآخرة وأسبابهما مع كون معرفتهم بالدنيا ~~وأمورها وأسباب حصولها ووجوه تمامها أكثر من معرفته كما أنهم أعرف بالحساب ~~والهندسة والصناعات والفلاحة وعمارة الأرض والكتابة فلو كان ما جاء به مما ~~ينال بالتعلم والتفكر والتطير والطرق التي PageV02P267 يسلكها الناس لكانوا ~~أولى به منه وأسبق إليه لأن أسباب ما ينال بالفكر والكتابة والحساب والنظر ~~والصناعات بأيديهم فهذا من اقوى براهين نبوته وآيات صدقه وإن هذا الذي جاء ~~به لا صنع للبشر فيه البتة ولا هو مما ينال بسعي وكسب وفكر ونظر إن هو إلا ~~وحي يوحى علمه شديد القوى الذي يعلم السر في السموات والأرض أنزله عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبة أحدا إلا من ارتضى من رسول قالوا فهكذا إخباره عن ~~عدم العدوى إخبار عن ظنه كإخباره عن عدم تأثير التلقيح لا سيما وأحد ~~البابين قريب من الآخر بل هو في النوع واحد فإن اتصال الذكر بالأنثى وتأثره ~~به كاتصال المعدى بالمعدي وتأثره به ولا ريب أن كلهما من أمور الدنيا لا ~~مما يتعلق به حكم من الشرع فليس الإخبار به كالإخبار عن الله سبحانه وصفاته ~~وأسمائه وأحكامه قالوا فلما تبين له من أمر الدنيا الذى أجرى الله سبحانه ~~عادته به ارتباط هذه الأ سباب بعضها ببعض التلقيح فى صلاح الثمار وتأثير ~~إيراد الممرض على المصح أقرهم على تأبير النخل ونهاهم أن يورد ممرض على مصح ~~قالوا وإن سمى هذا نسخآ بهذا الاعتبار فلا مشاحة فى التسمية إذا ظهر المعنى ~~ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن فلا أدرى أنسى أبو هريرة أو نسخ أحد ~~القولين بالآخر يعنى بحديثه بالحديثين فجوز أبو سلمة النسخ فى ذلك مع ms789 أنه ~~خبر وهو بما ذكرنا من الاعتبار وهذا المسلك حسن لولا أنه قد اجتمع الفصلان ~~فى حديث واحد كما فى موطآ مالك أنه بلغه عن بكير بن عبد الله ابن الأشج عن ~~ابن عطية أن رسول قال لا عدوى ولاصفر ولايحلل الممرض على المصح وليحلل ~~المصح حيث شاء قالوا وما ذاك يا رسول الله فقال رسول الله إنه أذى وقد يجاب ~~عن هذا بحوابين : أحدهما أن الحديث لا يثبت لوجهين : أحدهما إرساله والثاني ~~أن ابن عطية هذا ويقال أبوعطية مجهول لا يعرف إلا في هذا الحديث 00 الجواب ~~الثاني قوله فيه لاعدوى نهى لا نفى أى لا يعدى الممرض المصح بحلوله عليه ~~ويدل على ذلك ما رواه أبو عمر النمرى حدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن ~~عبد الله حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا أبو هشام الرفاعى حدثنا البشر ~~بن عمر الزهر انى قال قال مالك أنه بلغه عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن ~~أبى عطية أو أبن عطية شك بشر عن أبى هريرة قال قال رسول الله لاطيرة ~~ولاهامة ولا يعدى سقم صحيحا وليحل المصح حيث شاء خفى هذا النهى كالإثبات ~~للعدى والنهى عن أسبابها ولعل بعض الرواة رواه بالمعنى فقال لا عدوى ولا ~~طيرة ولا هامة وإنما مخرج الحديث النهى عن العدوى لا نفيها وهذا أيضا حسن ~~لو لا حديث ابن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال قال رسول ~~الله فمن أعدى الأول فهذا الحديث قد فهم منه السامع النفي وأقره عليه ولهذا ~~أستشكل نفيه وأورد ما أورده فأجله صلى PageV02P268 الله عليه وسلم بما ~~يتضمن إبطال الدعوى وهو قوله فمن أعدى الأول وهذا أصح من حديث أبي عطيه ~~المتقدم وحينئذ فيرجع إلى مسلك التلقيح المذكور آنفا أو ما قبله من المسالك ~~وعندي في الحديثين مسلك آخر يتضمن إثبات الأسباب والحكم ونفى ما كانوا عليه ~~من الشرك واعتقاد الباطل ووقوع النفي والإثبات على وجهه فإن العوام كانوا ~~يثبتون العدوى على ms790 مذهبهم من الشرك الباطل كما يقوله المنجمون من تأثير ~~الكواكب في هذا العالم وسعودها ونحوسها كما تقدم الكلام عليهم ولو قالوا ~~أنها اسباب أو اجزاء اسباب إذ شاء الله صرف مقتضياتها بمشيئته وإرادته ~~وحكمته وأنها مسخرة بأمره لما خلقت له وأنها في ذلك بمنزلة سائر الأسباب ~~التي ربط بها مسبباتها وجعل لها أسبابا أخر تعارضها وتمانعها وتمنع ~~اقتضاءها لما جعلت أسبابا له وإنها لا تقضي مسبباتها إلا بإذنه مشيئته ~~وإرادته ليس لها من ذاتها ضر ولا نفع ولا تأثير البتة إن هي إلا خلق مسخر ~~مصرف مربوب لا تتحرك إلا بإذن خالقها ومشيئته وغايتها أنها جزء سبب ليست ~~سببا تاما فسببيتها من جنس سببية وطء الوالد في حصول الولد فإنه جزء واحد ~~من أجزاء كثيرة من الأسباب التي خلق الله بها الجنين وكسببية شق الأرض ~~وإلقاء البذر فإنه جزء يسير من جملة الأسباب التي يكون الله بها النبات ~~وهكذا جملة أسباب العالم من الغذاء والرواء والعافية والسقم وغير ذلك وأن ~~الله سبحانه جعل من ذلك سببا ما يشاء ويبطل السببية عما يشاء ويخلق من ~~الأسباب المعارضة له ما يحول بينه وبين مقتضاه فهم لو أثبتوا العدوى على ~~هذا الوجه لما أنكر عليهم كما أن ذلك ثابت في الداء والدواء وقد تداوى ~~النبي وأمر بالتداوي وأخبر أنه ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا ~~الهرم فأعلمنا أنه خالق أسباب الداء وأسباب الدواء المعارضة المقاومة لها ~~وأمرنا بدفع تلك الأسباب المكروهة بهذه الأسباب وعلى هذا قيام مصالح ~~الدارين بل الخلق والأمر مبني على هذه القاعدة فإن تعطيل الأسباب وإخراجها ~~عن أن تكون أسبابا تعطيل للشرع ومصالح الدنيا والإعتماد عليها والركون ~~إليها واعتقاد أن المسببات بها وحدها وأنها أسباب تامة شرك بالخالق عز وجل ~~وجهل به وخروج عن حقيقة التوحيد وإثبات مسببيتها على الوجه الذي خلقها الله ~~عليه وجعلها له إثبات للخلق والأمر للشرع والقدر للسبب والمشيئة للتوحيد ~~والحكمة فالشارع يثبت هذا ولا ينفيه وينفي ما عليه المشركون من اعتقادهم في ms791 ~~ذلك ويشبه هذا نفيه سبحانه وتعالى الشفاعة في قوله واتقوا يوما لا تجزى نفس ~~عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل وفي الآية الأخرى ولا ~~تنفعها شفاعة وفي قوله من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ~~وإثباتها في قوله ولا يشفعون إلى لمن ارتضى وقوله من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~باذنه وقوله لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا فإنه سبحانه ~~PageV02P269 # نفى الشفاعة الشركية التي كانوا يعتقدونها وأمثالهم من المشركين وهي ~~شفاعة الوسائط لهم عند الله في جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم بذواتها ~~وأنفسها بدون توقف ذلك على إذن الله ومرضاته لمن شاء أن يشفع فيه الشافع ~~فهذه الشفاعة التي أبطلها الله سبحانه ونفاها وهي أصل الشرك كله وقاعدته ~~التي عليها بناؤه وأخبيته التي يرجع إليها وأثبت سبحانه الشفاعة التي لا ~~تكون إلا بإذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع قوله وعمله وهي الشفاعة التي ~~تنال بتجريد التوحيد كما قال أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله ~~خالصا من قلبه والشفاعة الأولى هي الشفاعة التي ظنها المشركون وجعلوا الشرك ~~وسيلة إليها فالمقامات ثلاثة # أحدها تجريد التوحيد وإثبات الأسباب وهذا هو الذي جاءت به الشرائع وهو ~~مطابق للواقع في نفس الأمر والثاني الشرك في الأسباب بالمعبود كما هو حال ~~المشركين علي اختلاف إصنافهم والثالث إنكار الأسباب بالكلية محافظة من ~~منكرها على التوحيد فالمنحرفون طرفان مذمومان إما قادح في التوحيد بالأسباب ~~وأما منكر للأسباب بالتوحيد والحق غير ذلك وهو إثبات التوحيد والأسباب وربط ~~أحدهما بالآخر فالأسباب محل حكمه الديني والكوني والحكمان عليها يجريان بل ~~عليها يترتب الأمر والنهى والثواب والعقاب ورضى الرب وسخطه ولعنته وكرامته ~~والتوحيد تجريد الربوية والإلهية عن كل شرك فإنكار الأسباب إنكار الحكمة ~~والشرك بها قدح في توحيده واثباتها والتعلق بالسبب والتوكل عليه والثقة به ~~والخوف منه والرجاء له وحده هو محض التوحيد والمعرفة تفرق بين ما أثبته ~~الرسول وبين ما نفاه وبين ما أبطله ms792 وبين ما اعتبره فهذا لون وهذا لون والله ~~الموفق للصواب 0 # | فصل ويشبه هذا ما روى عنه من نهيه عن وطء الغيل وهو # وطء المرأة إذا كانت ترضع وإنه يشبه قتل الولد سرا وأنه يدرك الفارس قيد ~~عثره وقوله في حديث آخر لقد هممت أن أنهى عنه ثم رأيت فارس والروم يفعلونه ~~ولا يضر ذلك أولادهم شيئا وقد قيل أن أحد الحديثين منسوخ بالآخر وإن لم ~~تعلم عين الناسخ منها من المنسوخ لعدم علمنا بالتاريخ وقيل وهو أحسن أن ~~النفي والإثبات لم يتواردا على محل واحد فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر في ~~أحد الجانبين أنه يفعل في الوليد مثل ما يفعل من يصرع الفارس عن فرسه كأنه ~~يدعثره ويصرعه وذلك يوجب نوع أذى ولكنه ليس بقتل للولد وإهلاك له وإن كان ~~قد يترتب عليه نوع أذى للطفل فأرشدهم إلى تركه ولم ينه عنه بل قال علام ~~يفعل أحدكم ذلك ولم يقل لا تفعلوه فلم يجيء عنه لفظ واحد بالنهى عنه ثم عزم ~~على النهى سدا لذريعة الأذى الذي ينال الرضيع فرأى أن سد هذه الذريعة لا ~~يقاوم المفسدة التي تترتب على الإمساك عن وطء النساء مدة الرضاع ولا سيما ~~PageV02P270 # من الشباب وأرباب الشهوة التي لا يكرها إلا مواقعه نسائهم فرأى أن هذه ~~المصلحة أرجح من مفسدة سد الذريعة فنظر ورأى الأمتين اللتين هما من اكثر ~~الأمم وأشدها بأسا يفعلونه ولا يتقونه مع قوتهم وشدتهم فأمسك عن النهى عنه ~~فلا تعارض إذا بين الحديثين ولا ناسخ منهما ولا منسوخ والله اعلم بمراد ~~رسوله # | فصل ويشبه هذا قوله للذي قال له إن لي أمة وأنا أكره # أن تحبل وإني أعزل عنها فقال سيأتيها ما قدر لها فليس بين هذه الأحاديث ~~قوله الأحاديث تعارض فإنه لم يقل أن الولد يخلق من غير ماء الواطىء بل أخبر ~~أنه سيأتيها ما قدر لها ولو عزل فأنه إذا قدر خلق الولد قدر سبق الماء ~~والواطيء لا يشعر بل يخرج منه ماء يمازج ماء المرأة لا ms793 يشعر به يكون سببا ~~في خلق الولد ولهذا قال ليس من كل الماء يكون الولد فلو خرج منه نطفة لا ~~يحس بها لجعلها الله مادة للولد # قلت مادة الولد ليست مقصورة على وقوع الماء بحملته في الرحيم بل إذا قدر ~~الله خلق الولد من الماء فلو وضع على صخرة لخلق منه الولد كيف والذي يعزل ~~في الغالب إنما يلقى ماءه قريبا من الفرج وذلك إنما يكون غالبا عندما يحس ~~بالإنزال وكثيرا ما ينزل بعض الماء ولا يشعر به فينزل خارج الفرج ولا شعور ~~له بما ينزل في الفرج ولا بما خالط ماء المرأة منه وبالجملة فليس سبب خلق ~~الولد مقصورا على الإنزال التام في الفرج ولقد حدثني غير واحد ممن أثق به ~~أن امرأته حملت مع عزله عنها لرضاع وغيره ورأيت بعض أولادهم ضعيفا ضئيلا ~~فصلوات الله وسلامه على من يصدق كلامه بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض فالاختلاف ~~والإشكال والاشتباه إنما هو في الإفهام إلا فيما خرج من بين شفتيه من ~~الكلام والواجب على كل مؤمن أن يكل ما أشكل عليه إلا أصدق قائل ويعلم أن ~~فوق كل ذي علم عليم وأنه لو اعترض على ذي صناعة أو علم من العلوم التي ~~استنبطتها معاول الأفكار ولم يحط علما بتلك الصناعة والعلم لا ندرى على ~~نفسه وأضحك صاحب تلك الصناعة والعلم على عقله والنبي يذكر المقتضى في موضع ~~والمانع في موضع آخر ويثبت الشيء وينفي مثله في الصورة وعكسه في الحقيقة ~~ولا يحيط أكثر الناس بمجموع نصوصه علما ويسمع النص ولا يسمع شرطه ولا موانع ~~مقتضاه ولا تخصيصه ولا ينتبه للفرق بين ما أثبته ونفاه فينشأ من ذلك في حقه ~~من الاشكالات ما ينشأ وينضاف هذا إلى عدم معرفة الخاص بخطابه ومجارى كلامه ~~وينضاف إلى ذلك تنزيل كلامه على الاصطلاحات التي أحدثها أرباب العلوم من ~~الأصوليين والفقهاء وعلم أحوال القلوب وغيرهم فإن لكل من هؤلاء الاصطلاحات ~~حادثة في مخاطباتهم وتصانيفهم فيجيء من قد ألف تلك PageV02P271 # الاصطلاحات الحادثة وسبقت معانيها إلى قلبه ms794 فلم يعرف سواها فيسمع كلام ~~الشارع فيحمله على ما ألفه من الاصطلاح فيقع بسبب ذلك في الفهم عن الشارع ~~ما لم يرده بكلامه ويقع من الخلل في نظره ومناظرته ما يقع وهذا من أعظم ~~أسباب الغلط عليه مع قلة البضاعة من معرفة نصوصه فأذا اجتمعت هذه الأمور مع ~~نوع فساد في التصور أو القصد أوهما ما شئت من خبط وغلط واشكالات واشتمالات ~~وضرب كلامه بعضه ببعض وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته والله المستعان # | فصل وأما قضية المجذوم فلا ريب أنه روى عن النبي أنه قال # فر من المجذوم فرارك من الأسد وأرسل إلى ذلك المجذوم أنا قد بايعناك ~~فارجع وأخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال كل ثقة بالله وتوكلا عليه ولا ~~تنافي بين هذه الآثار ومن أحاط علما بما قدمناه تبين له وجهها وأن غاية ذلك ~~أن مخالطة المجذوم من أسباب العدوى وهذا السبب يعارضه أسباب آخر تمنع ~~اقتضاءه فمن أقواها التوكل على الله والثقة به فأنه يمنع تأثير ذلك السبب ~~المكروه ولكن لا يقدر كل واحد من الأمة على هذا فأرشدهم إلى مجانبة سبب ~~المكروه والفرار والبعد منه ولذلك أرسل إلى ذلك المجذوم الآخر بالبيعة ~~تشريعا منه للفرار من أسباب الأذى والمكروه وأن لا يتعرض العبد لأسباب ~~البلاء ثم وضع يده معه في القصعة فإنما هو سبب التوكل على الله والثقة به ~~الذي هو من أعظم الأسباب التي يدفع بها المكروه والمحذور تعليما منه للأمة ~~دفع الأسباب المكروهة بما هو أقوى منها وإعلاما بأن الضرر والنفع بيد الله ~~عز وجل فإن شاء أن يضر عبده ضره وإن شاء أن يصرف عنه الضر صرقه بل إن شاء ~~أن ينفعه بما هو من أسباب الضرر ويضره بما هو من أسباب النفع فعل ليتبين ~~العباد أنه وحده الضار النافع وأن أسباب الضر والنفع بيديه وهو الذي جعلها ~~أسبابا وإن شاء خلع منها سببيتها وان شاء جعل ما تقتضيه بخلاف المعهود منها ~~ليعلم أنه الفاعل المختار وأنه لا يضر شيء ولا ms795 ينفع إلا بإذنه وأن التوكل ~~عليه والثقة به تحيل الأسباب المكروهة إلى خلاف موجباتها وتبيين مرتبتها ~~وأنها محال لمجارى مشيئة الله وحكمته وأنه سبحانه هو الذي يضربها وينفع ليس ~~إليها ولا لها من الأمر شيء وأن الأمر كله لله وأنها إنما ينال ضررها من ~~علق قلبه بها ووقف عندها وتطير بما يتطير به منها فذلك الذي يصيبه مكروه ~~الطيرة والطيرة سبب للمكروه على المتطير فإذا توكل على الله ووثق به ~~واستعان به لم يصده التطير عن حاجته وقال اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير ~~إلا خيرك ولا إله غيرك اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات ~~إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك فإنه لا يضره PageV02P272 # ما يتطير منه شيئا قال ابن مسعود ما منا إلا من يعنى يتطير ولكن الله ~~يذهبه بالتوكل وقد روى مرفوعا والصواب عن ابن مسعود قوله فالطيرة إنما تصيب ~~المتطير لشركه والخوف دائما مع الشرك وإلا من دائما مع التوحيد قال تعالى ~~حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال في محاجته لقومه وكيف أخاف ما أشركتم به ~~ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون فحكم الله عز وجل بين الفريقين بحكم فقال الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وقد صح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تفسير الظلم فيها بالشرك وقال ألم تسمعوا قول ~~العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم فالتوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف ~~والشرك من أعظم أسباب حصول المخاوف ولذلك من خاف شيئا غير الله سلط عليه ~~وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه ولو خاف الله دونه ولم يخفه لكان عدم ~~خوفه منه وتوكله على الله من أعظم أسباب نجاته منه وكذلك من رجا شيئا غير ~~الله حرم ما رجاه منه وكان رجاؤه غير الله من أقوي أسباب حرمانه فإذا رجا ~~الله وحده كان توحيد رجائه أقوى أسباب الفوز بما ms796 رجاه أو بنظيره أو بما هو ~~أنفع له منه والله الموفق للصواب وليكن هذا آخر الكتاب وقد جلبت إليك فيه ~~نفائس في مثلها يتنافس المتنافسون وجليت عليك فيه عرائس إلى مثلهن بادر ~~الخاطبون فإن شئت اقتبست منه معرفة العلم وفضله وشدة الحاجة إليه وشرفه ~~وشرف أهله وعظم موقعه في الدارين وإن شئت اقتبست منه معرفة إثبات الصانع ~~بطرق واضحات جليات تلج القلوب بغير استئذان ومعرفة حكمته في خلقه وأمره وإن ~~شئت اقتبست منه معرفة قدر الشريعة وشدة الحاجة إليها ومعرفة جلالتها ~~وحكمتها وإن شئت اقتبست منه معرفة النبوة وشدة الحاجة إليها بل وضرورة ~~الوجود إليها وأنه يستحيل من أحكم الحاكمين أن يخلى العالم عنها وإن شئت ~~اقتبست منه معرفة ما فطر الله عليه العقول من تحسين الحسن وتقبيح القبيح ~~وإن ذلك أمر عقلي فطرى بالأدلة والبراهين التي اشتمل عليها هذا الكتاب فلا ~~توجد في غيره وإن شئت اقتبست منه معرفة الرد على المنجمين القائلين ~~بالأحكام بأبلغ طرق الرد من نفس صناعتهم وعلمهم وإلزامهم بالألزامات ~~المفخمة التي لا جواب لهم عنها وإبداء تناقضهم في صناعتهم وفضائحهم وكذبهم ~~على الخلق والأمر وإن شئت اقتبست منه معرفة الطيرة والفأل والزجر والفرق ~~بين صحيح ذلك وباطلة ومعرفة مراتب هذه في الشريعة والقدر وإن شئت اقتبست ~~منه أصولا نافعة جامعة مما تكمل به النفس البشرية وتنال بها سعادتها في ~~معاشها ومعادها إلى غير ذلك من الفوائد التي ما كان منها صوابا فمن الله ~~وحده هو ألمان به وما كان منها من خطأ فمن مؤلفه ومن الشيطان والله بريء ~~منه ورسوله والله سبحانه المسئول والمرغوب إليه المأمول أن PageV02P273 # يجعله خالصا لوجهه وأن يعيدنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأن ~~يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه قريب مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا # كان في آخر الأصل ما نصه PageV02P274 ms797