######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000058 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله #META# 011.AuthorBORN :: 691 #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن القيم :: مجموعة ابن القيم في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: زاد المهاجر #META# 030.LibURI :: JK_000058 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد جميل غازي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة المدني #META# 044.EdPLACE :: جدة #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # زاد المهاجر إلى ربه PageV01P001 بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ~~وعليه نتوكل # قال الشيخ الامام العالم العلامة محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم ~~الجوزية رضي الله عنه وارضاه في كتابه الدي سيره من تبوك ثامن المحرم سنة ~~ثلاث وثلاثين وسبعمائة بعد كلام له سبق : أحمد الله بمحامده التي هو لها ~~اهل والصلاة والسلام على خاتم رسله وانبيائه : محمد صلى الله عليه وسلم ~~وبعد : فان الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولاتعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديد العقاب # وقد اشتملت هده الاية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فيما ~~بينهم بعضهم بعضا وفيما بينهم وبين ربهم فان كل عبد لاينفك عن هاتين ~~الحالتين وهذين الواجبين : واجب بينه وبين الله وواجب بينه وبين الخلق ~~PageV01P006 # فاما ما بينه وبين الخلق : من المعاشرة والمعاونه والصحبة فالواجب عليه ~~فيها ان يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته التي هي ~~غاية سعادة العبد وفلاحه ولاسعادة له الا بها وهي البر والتقوى اللذان هما ~~جماع الدين كله واذا افرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الاخر اما تضمنا ~~واما لزوما ودخوله فيه تضمنا اظهر لان البر جزء مسمى التقوى وكدلك التقوى ~~فانه جزء مسمى البر وكون احدهما لايدخل في الاخر عند الاقتران لايدل على ~~انه لايدخل فيه عند انفراد الاخر # و نظير هذا لفظ الايمان والاسلام و الايمان والعمل الصالح و الفقير ~~والمسكين و الفسوق والعصيان و المنكر والفاحشة ونظائره كثيرة # وهذه قاعدة جليلة من احاط بها زالت عنه اشكالات كثيرة اشكلت على كثير من ~~الناس البر والتقوى # ولنذكر من هذا مثالا واحدا يستدل به على غيره وهو البر والتقوى فان حقيقة ~~البر هو الكمال المطلوب من الشئ والمنافع التي فيه والخير كما يدل عليه ~~اشتقاق هذه اللفظة وتصاريفها في الكلام ومنه البر بالضم لمنافعة وخيره ~~بالاضافة إلى سائر الحبوب PageV01P007 ومنه رجل بار وبر وكرام برره ~~والابرار # فالبر : كلمة جامعة لجميع انواع الخير والكمال ms01 والمطلوب من العبد وفي ~~مقابلته الاثم وفي حديث النواس بن سمعان ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له جئت تسال عن البر والاثم فالاثم كلمة جامعة للشرور والعيوب التي يذم ~~العبد عليها # فيدخل في مسمى البر : الايمان واجزاؤه الظاهرة والباطنة ولا ريب ان ~~التقوى جزء هذا المعنى واكثر ما يعبر عن بر القلب وهو وجود طعم الايمان فيه ~~وحلاوته وما يلزم ذلك من طمانينتة وسلامته وانشراحه PageV01P008 وقوته ~~وفرحه بالايمان فإن للايمان فرحة وحلاوة ولذة في القلب فمن لم يجدها فهو ~~فاقد الايمان أو ناقصه وهو من القسم الذين قال الله عز وجل فيهم @QB@ قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ~~@QE@ # فهؤلاء على اصح القولين مسلمون غير منافقين وليسوا بمؤمنين اذا لم يدخل ~~الايمان في قلوبهم فيباشرها حقيقة # وقد جمع الله خصال البر في قوله تعالى ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب ولكن البرمن امن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين واتى المال على حبه ذوي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة واتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا ~~والصابرين في الباساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم ~~المتقون # فاخبر سبحانه ان البر هو الايمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الاخر وهذه هي اصول الايمان الخمس التي لاقوام للايمان الا بها # وانها الشرائع الظاهرة من اقامة الصلاة وايتاء الزكاة والنفقات الواجبة ~~PageV01P009 # وانها الاعمال القلبية التي هي حقائقه من الصبر والوفاء بالعهد فتناولت ~~هده الخصال جميع اقسام الدين حقائقه وشرائعه والاعمال المتعلقة بالجوارح ~~والقلب واصول الايمان الخمس ثم اخبر سبحانه عن هذا انها هي خصال التقوى ~~بعينها فقال @QB@ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ التقوى # واما @QB@ التقوى @QE@ فحقيقتها العمل بطاعة الله ايمانا واحتسابا امرا ~~ونهيا فيفعل ما امر الله به ايمانا بالامر وتصديقا بوعده ويترك ما نهى الله ~~عنه ايمانا بالنهى وخوفا من وعيده # كما قال طلق بن حبيب اذا وقعت الفتنة فاطفئوها بالتقوى قالوا : وما ~~التقوى ms02 قال : ان تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله وان تترك ~~معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله # وهذا احسن ما قيل في حد التقوى # فان كل عمل لابد له من مبدا وغاية فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون ~~مصدره عن الايمان فيكون الباعث عليه هو الايمان المحض لا العادة ولا الهوى ~~ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك بل لابد ان يكون مبدؤه محض الايمان وغايته ~~ثواب الله وابتغاء مرضاته وهو الاحتساب PageV01P010 # ولهذا كثيرا ما يقرن بين هذين الاصلين في مثل قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : من صام رمضان ايمانا واحتسابا و ومن قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا ~~ونظائره # فقوله على نور من الله اشارة إلى الاصل الاول وهو الايمان الدي هو مصدر ~~العمل والسبب الباعث عليه # وقوله ترجو ثواب الله اشارة ان الاصل الثاني وهو الاحتساب وهو الغاية ~~التي لاجلها يوقع العمل ولها يقصد به # ولا ريب ان هذا اسم لجميع اصول الايمان وفروعه وان البر داخل في هذا ~~المسمى # واما عند اقتران احدهما بالاخر كقوله تعالى : @QB@ وتعاونوا على البر ~~والتقوى @QE@ فالفرق بينهما فرق بين السبب المقصود لغيره والغاية المقصودة ~~لنفسها فان البر مطلوب لذاته اذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاح له ~~بدونه كما تقدم # واما التقوى فهي الطريق الموصل إلى البر والوسيلة اليه ولفظها يدل على ~~هذا فانها فعلى ومن وقى يقي وكان اصلها وقوى فقلبوا الواو تاء كما قالوا ~~تراث من الوراثة وتجاه من الوجه وتخمة من الوخمة ونظائرها فلفظها دال على ~~انها من الوقاية فان المتقي قد جعل بينه وبين النار وقاية والوقاية من باب ~~دفع الضر فالتقوى والبر كالعافية والصحة PageV01P011 العلم النافع # وهذا باب شريف ينتفع به انتفاعا عظيما في فهم ألفاظ القران ودلالته ~~ومعرفة حدود ما انزل الله على رسوله فانه هو العلم النافع وقد ذم الله ~~تعالى في كتابه من ليس له علم بحدود ما انزل الله على رسوله # فإن عدم العلم بذلك مستلزم ms03 مفسدتين عظيمتين # احداهما ان يدخل في مسمى اللفظ ماليس منه فيحكم له بحكم المراد من اللفظ ~~فيساوي بين ما فرق الله بينهما # والثانية ان يخرج من مسمى اللفظ بعض افراده الداخلة تحته فيسلب عنه حكمه ~~فيفرق بين ما جمع الله بينهما # والذكي الفطن يتفطن لافرادء هذه القاعدة وامثالها فيرى ان كثيرا من ~~الاختلاف أو اكثره انما ينشا من هذا الوضع وتفصيل هذا لايفي به كتاب ضخم # ومن هذا لفظ : الخمر فانه اسم شامل لكل مسكر فلا يجوز اخراج بعض المسكرات ~~منه وينفى عنها حكمه # وكذلك لفظ : الميسر واخراج بعض انواع القمار منه # وكذلك لفظ : النكاح وادخال ماليس بنكاح في مسماه PageV01P012 # وكذلك لفظ : الربا واخراج بعض انواعه منه وادخال ماليس بربا فيه # وكذلك لفظ : الظلم والعدل والمعروف والمنكر ونظائره اكثر من ان تحصى # والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم : هو التعاون على البر والتقوى فيعين ~~كل واحد صاحبه على ذلك علما وعملا # فان العبد وحده لايستقل بعلم ذلك ولابالقدرة عليه فاقتضت حكمة الرب ~~سبحانه ان جعل النوع الانساني قائما بعضه ببعضه معينا بعضه لبعضه # ثم قال تعالى ولاتتعاونوا على الاثم والعدوان # ووالاثم والعدوان في جانب النهي نظير : البر والتقوى في جانب الامر ~~والفرق بين الاثم والعدوان كالفرق ما بين محرم الجنس ومحرم القدر # الاثم : فالاثم ما كان حراما لجنسه والعدوان ماحرم لزيادة في قدر وتعدي ~~ما اباح الله منه فالزنا والخمر والسرقة ونحوها : اثم # ونكاح الخامسة واستيفاء المجني عليه اكثر من حقه ونحوه وعدوان ~~PageV01P013 # العدوان : فالعدوان : هو تعدي حدود الله التي قال فيها : @QB@ تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون @QE@ # وقال في موضع اخر @QB@ تلك حدود الله فلا تقربوها @QE@ فنهى عن تعديها في ~~آية وعن قربانها في آية وهذا لان حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين ~~الحلال والحرام ونهاية الشئ تارة تدخل فيه فتكون منه وتارة لاتكون داخلة ~~فيه فتكون لها حكم المقابلة فالاعتبار الاول نهى عن تعديها وبالاعتبار ~~الثاني نهى عن قربانها PageV01P014 # | فصل : مابين العبد وربه ms04 # فهذا حكم العبد فيما بينه وبين الناس وهو ان تكون مخالطته لهم تعاونا على ~~البر والتقوى علما وعملا # واما حاله فيما بينه وبين الله تعالى فهو ايثار طاعته وتجنب معصيته وهو ~~قوله تعالى واتقوا الله فارشدت الاية إلى ذكر واجب العبد بينه وبين الخلق ~~وواجبه بينه وبين الحق # ولايتم له اداء الواجب الاول إلا بعزل نفسه من الوسط والقيام بذلك لمحض ~~النصيحة والاحسان ورعاية الامر ولايتم له اداء الواجب الثاني الا بعزل ~~الخلق من البين والقيام له بالله اخلاصا ومحبة وعبودية # فينبغي التفطن لهذه الدقيقة التي كل خلل يدخل على العبد في اداء هذين ~~الامرين الواجبين انما هو عدم مراعاتها علما وعملا وهذا معنى قول الشيخ ~~عبدالقادر قدس الله روحه كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس ومن لم يكن ~~كذلك لم يزل في تخبيط ولم يزل امره فرطا والمقصود بهذه المقدمة ما بعدها ~~PageV01P015 # | فصل في الهجرة إلى الله ورسوله # لما فصل عير السفر واستوطن المسافر دار الغربة وحيل بينه وبين مالوفاته ~~وعوائده المتعلقة بالوطن ولوازمه : احدث له ذلك نظرا فاجل فكره في اهم ~~مايقطع به منازل السفر إلى الله وينفق فيه بقية عمره فارشده من بيده الرشد ~~إلى ان اهم شئ يقصده انما هو الهجرة إلى الله ورسوله فانها فرض عين على كل ~~أحد في كل وقت وانه لاانفكاك لاحد عن وجوبها وهي مطلوب الله ومراده من ~~العباد نوعا الهجرة # إذ الهجرة هجرتان # هجرة بالجسم من بلد إلى بلد وهذه احكامها معلومة وليس المراد الكلام فيها # والهجرة الثانية الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله وهذه هي المقصودة هنا ~~وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية وهي الاصل وهجرة الجسد تابعة لها ~~PageV01P016 مبدا الهجرة ومنتهاها # وهي هجرة تتضمن من و إلى فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته # ومن عبودية غيره إلى عبوديته # ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه # ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله ~~والخضوع له والذل ms05 له والاستكانة له # وهذا بعينه معنى الفرار اليه قال تعالى @QB@ ففروا إلى الله @QE@ # والتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله اليه الفرار إلى الله # وتحت من والى في هذا سر عظيم من اسرار التوحيد # فان الفراراليه سبحانه يتضمن افراده بالطلب والعبودية ولوازمها فهو متضمن ~~لتوحيد الالهية التي اتفقت عليها دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ~~اجمعين PageV01P017 الفرار من الله # واما الفرار منه اليه فهو متضمن لتوحيد الربوبية واثبات القدر وان كل ~~مافي الكون من المكروه والمحذور الذي يفر منه العبد فانما اوجبته مشيئة ~~الله وحده فانه ماشاء كان ووجب وجوده بمشيئته وما لم يشا لم يكن وامتنع ~~وجوده لعدم مشيئته فادا فر العبد إلى الله فانما يفر من شئ إلى شئ وجد ~~بمشيئة الله وقدره فهو في الحقيقة فار من الله اليه # ومن تصور هذا حق تصوره فهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم واعوذ بك منك ~~وقوله لاملجا ولا منجى منك الا اليك فانه ليس في الوجود شئ يفر منه ويستعاذ ~~منه ويلتجأ منه الا هو من الله خلقا وابداعا # فالفار والمستعيذ : فار مما اوجده قدر الله ومشيئته وخلقه إلى ما تقتضيه ~~رحمته وبره ولطفه واحسانه ففي الحقيقة هو هارب من الله اليه ومستعيذ بالله ~~منه PageV01P018 # وتصور هذين الامرين بوجب للعبد انقطاع تعلق قلبه عن غيره بالكلية خوفا ~~ورجاء ومحبة فانه ادا علم ان الذي يفر منه ويستعيذ منه انما هو بمشيئة الله ~~وقدرته وخلقه لم يبق في قلبه خوف من غير خالقه وموجده فتضمن ذلك افراد الله ~~وحده بالخوف والحب والرجاء ولو كان فراره مما لم يكن بمشيئة الله ولا قدرته ~~لكان ذلك موجها لخوفه منه مثل من يفر من مخلوق اخر اقدر منه فانه في حال ~~فراره من الاول خائف منه حذرا ان لايكون الثاني يفيده منه بخلاف ما اذا كان ~~الذي يفر اليه هو الذي قضي وقدر وشاء ما يفر منه فانه لايبقى في القلب ~~التفات إلى غيره # فتفطن إلى هذا السر العجيب في قوله ms06 اعوذ بك منك و لاملجا ولا منجى منك ~~الا اليك فان الناس قد ذكروا في هذا اقوالا وقل من تعرض منهم لهذه النكته ~~التي هي لب الكلام ومقصوده وبالله التوفيق الهجرة إلى الله # فتامل كيف عاد الامر كله إلى الفرار من الله إليه وهو معنى الهجرة إلى ~~الله تعالى ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم المهاجر من هجر ما نهى الله ~~عنه ولهذا يقرن الله سبحانه بين الايمان والهجرة في غير موضع لتلازمهما ~~واقتضاء احدهما للاخر # والمقصود : ان الهجرة إلى الله تتضمن هجران ما يكرهه واتيان ما يحبه ~~ويرضاه واصلها الحب والبغض فان المهاجر من شئ إلى شئ لابد ان PageV01P019 ~~يكون ما هاجر اليه احب مما هاجر منه فيؤثر احب الامرين اليه على الاخر واذا ~~كان نفس العبد وهواه وشيطانه انما يدعوانه إلى خلاف مايحبه ويرضاه وقد بلي ~~بهؤلاء الثلاث فلا يزالون يدعونه إلى غير مرضاة ربه وداعي الايمان يدعوه ~~إلى مرضاة ربه فعليه في كل وقت ان يهاجر إلى الله ولا ينفك في هجرته إلى ~~الممات PageV01P020 # | فصل الهجرة بين القوة والضعف # وهذه الهجرة تقوي وتضعف بحسب داعي المحبة في قلب العبد فان كان الداعي ~~اقوى كانت هذه الهجرة اقوى واتم واكمل واذا ضعف الداعي ضعفت الهجرة حتى ~~لايكاد يشعربها علما ولايتحرك لها ارادة الهجرة العارضة # والذي يقضي منه العجب : ان المرء يوسع الكلام ويفرغ المسائل في الهجرة من ~~دار الكفر إلى دار الاسلام وفي الهجرة التي انقطعت بالفتح وهذه هجرة عارضة ~~ربما لاتتعلق به في العمر اصلا الهجرة الدائمة # واما هذه الهجرة التي هي واجبة على مدى الانفاس فانه لايحصل فيها علما ~~ولا ارادة وما ذاك الا للاعراض عما خلق له والاشتغال بما لاينجيه وحده عما ~~لاينجيه غيره وهذا حال من عشت بصيرته وضعفت معرفته بمراتب العلوم والاعمال ~~والله المستعان وبالله التوفيق لا اله غيره ولارب سواه PageV01P021 # | فصل في الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم # واما الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم لم ms07 يبق منه سوى اسمه ~~ومنهج لم تترك بنيات الطريق سوى رسمه ومحجة سفت عليها السوافي فطمست رسومها ~~وغارت عليها الاعادي فغورت مناهلها وعيونها فسالكها غريب بين العباد فريد ~~بين كل حي وناد بعيد على قرب المكان وحيد على كثرة الجيران مستوحش مما به ~~يستانسون مستانس مما به يستوحشون مقيم اذا ظعنوا ظاعن اذا قطنوا منفرد في ~~طريق طلبة لايقر قراره حتى يظفر به فهو الكائن معهم بجسده البائن منهم ~~بمقصده نامت في طلب الهدى اعينهم وما ليل مطيته بنائم وقعدوا عن الهجرة ~~النبوية وهو في طلبها مشمر قائم يعيبونه بمخالفة ارائهم ويزرون عليه ازراءه ~~على جهالاتهم واهوائهم قد رجموا فيه الظنون واحدقوا فيه العيون وتربصوا به ~~ريب المنون @QB@ فتربصوا إنا معكم متربصون @QE@ # @QB@ قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون @QE@ # نحن واياكم نموت فما % افلح عند الحساب من ندما PageV01P022 # والمقصود ان هذه الهجرة النبوية شانها شديد وطريقها على غير المعتاد بعيد # بعيد على كسلان أو ذي ملالة % اما على المشتاق فهو قريب # ولعمر الله ما هي الا نور يتلالا ولكن انت ظلامة وبدر اضاء مشارق الأرض ~~ومغاربها ولكن انت غيمة وقتامة ومنهل عذب صاف وانت كدرة ومبتدا لخير عظيم ~~ولكن ليس عندك خبره # فاسمع الآن شان هذه الهجرة والدلالة عليها وحاسب ما بينك وبين الله هل ~~انت من الهاجرين لها أو المهاجرين اليها تعريف الهجرة إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم # فجد هذه الهجرة : سفر النفس في كل مسالة من مسائل الايمان ومنزل من منازل ~~القلوب وحادثة من حوادث الاحكام إلى معدن الهدى ومنبع النور الملتقى من فم ~~الصادق المصدوق الذي @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ فكل ~~مسالة طلعت عليها شمس رسالته والا فاقذف بها في بحر الظلمات وكل شاهد عدله ~~هذا المزكي والا فعده من اهل الريب والتهمات فهذا حد هذه الهجرة # فما للمقيم في مدينة طبعه وعوائده القاطن في دار مرباه ومولده القائل : ~~PageV01P023 انا على طريقة آبائنا سالكون وانا بحبلهم متمسكون وانا ms08 على ~~آثارهم مقتدون ولهذه الهجرة التي كلت عليهم واستند في طريقة نجاحه وفلاحه ~~اليهم معتذرا بان رأيهم خير من رايه لنفسه وان ظنونهم وآراءهم اوثق من ظنه ~~وحدسه # ولو فتشت عن مصدر مقصود هذه الكلمة لوجدتها صادرة عن الاخلاد إلى ارض ~~البطالة متولدة بين الكسل وزوجه الملالة هجرتان # والمقصود : ان هذه الهجرة فرض على كل مسلم وهي مقتضى شهادة ان محمدا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # كما ان الهجرة الاولى مقتضى شهادة ان لااله الاالله # وعن هاتين الهجرتين يسال كل عبد يوم القيامة وفي البرزخ ويطالب بها في ~~الدنيا ودار البرزخ ودار القرار # قال قتاده : كلمتان يسال عنهما الاولون والاخرون : ماذا كنتم تعبدون ~~وماذا اجبتم المرسلين # وهاتان الكلمتان هما مضمون الشهادتين وقد قال تعالى فلا وربك لايؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسملوا ~~تسليما PageV01P024 فاقسم سبحانه باجل مقسم به وهو نفسه عز وجل على انه ~~لايثبت لهم الايمان ولايكونون من اهله حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في جميع موارد النزاع في جميع ابواب الدين # فإن لفظة @QB@ ما @QE@ من صيغ العموم فانها موصلة تقتضي نفي الايمان أو ~~يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم # ولم يقتصر على هذا حتى ضم اليه انشراح صدورهم بحكمه حيث لايجدون في ~~انفسهم حرجا وهو الضيق والحصر من حكمه بل يقبلوا حكمه بالانشراح ويقابلوه ~~بالتسليم لا انهم ياخدونه على اغماض ويشربونه على قذى فان هذا مناف للايمان ~~بل لابد ان يكون اخذه بقبول ورضا وانشراح صدر # ومتى اراد العبد ان يعلم هذا فلينظر في حاله ويطالع قلبه عند ورود حكمه ~~على خلاف هواه وغرضه أو على خلاف ما قلد فيه اسلافه من المسائل الكبار وما ~~دونها @QB@ بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره @QE@ # فسبحان الله كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص وبودهم ~~ان لو لم ترد وكم من حرارة في اكبادهم منها وكم من شجى في حلوقهم منها ms09 ومن ~~موردها ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر ~~PageV01P025 # ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم اليه قوله تعالى ويسلموا تسليما فذكر ~~الفعل مؤكدا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين وهو التسليم والخضوع له ~~والانقياد لما حكم به طوعا ورضا وتسليما لاقهرا ومصابرة كما يسلم المقهور ~~لمن قهره كرها بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو احب شئ اليه يعلم ان ~~سعادته وفلاحه في تسليمه اليه ويعلم بانه اولى به من نفسه وابر به منها ~~واقدر على تخليصها # فمتى علم العبد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم واستسلم له وسلم ~~اليه انقادت له كل علة في قلبه ورأى ان لاسعادة له الا بهذا التسليم ~~والانقياذ # وليس هذا مما يحصل معناه بالعبارة بل هو امر انشق القلب واستقر في ~~سويدائه لاتفي العبارة بمعناه ولا مطمع في حصوله بالدعوى والاماني # وكل يدعى وصلا لليلى % وليلى لاتقر لهم بذلك الحب بين العلم والحال # وفرق بين علم الحب وحال الحب فكثيرا ما بشتبه على العبد علم الشئ بحاله ~~ووجوده وفرق بين المريض العارف بالصحة والاعتدال وهو مثخن بالمرض وبين ~~الصحيح السليم وان لم يحسن وصف الصحة والعبارة عنها وكذلك فرق بين وصف ~~الخوف والعلم به وبين حاله ووجوده PageV01P026 ما في الاية من تاكيد اتباع ~~الرسول # وتامل تاكيده سبحانه لهدا المعنى المذكور في الآية بوجوه عديدة من ~~التاكيد : # اولها : تصديرها بتضمن المقسم عليه للنفي وهو قوله لايؤمنون وهذا منهج ~~معروف في كلام العرب اذا اقسموا على شئ منفى صدروا جملة القسم باداة نفي ~~مثل هذه الاية # ومثل مافي قول الصديق عمر رضي الله عنه لاها الله لايعمد إلى اسد الله ~~يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه # وقول الشاعر : # فلا وابيك ابنه العامري % لايدعى القوم اني افر # وقال الاخر # فلا والله لايلقي لما بي % ولا لما بهم ابدا دواء وهذا في كلامهم اكثر من ~~ان يذكر # وتامل جمل القسم التي في القران المصدرة بحرف النفي كيف تجد المقسم عليه ~~منفيا ms10 ومتضمنا للنفي ولايحزم هذا قوله تعالى @QB@ فلا أقسم بمواقع النجوم ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم @QE@ PageV01P027 # فانه لما كان المقصود بهذا القسم نفي ما قاله الكفار في القران : من انه ~~شعر أو كهانه أو اساطير الاولين صدر القول باداة النفي ثم اثبت له ما قالوه ~~فتضمنت الاية ان ليس الامر كما يزعمون ولكنه قران كريم # ولهذا صرح بالامرين : النفي والاثبات مثل قوله تعالى @QB@ فلا أقسم ~~بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ~~ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق ~~المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم @QE@ # وكذلك قوله @QB@ لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب ~~الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه @QE@ # والمقصود : ان افتتاح هذا القسم باداة النفي يقتضي تقوية المقسم عليه ~~وتاكيده وشدة انتقائه # وثانيها : تاكيده بنفس القسم # وثالثها : تاكيده بالمقسم به وهو اقسامه بنفسه لا بشئ من مخلوقاته وهو ~~سبحانه يقسم بنفسه تارة وبمخلوقاته تارة # ورابعها : تاكيده بانتفاء الحرج وهو وجود التسليم PageV01P028 وخامسها : ~~تاكيد الفعل بالمصدر وما هذا التاكيد الا لشدة الحاجة إلى هذا الامر العظيم ~~وانه مما يعتني به ويقرر في نفوس العباد بما هو من ابلغ انواع التقرير حب ~~الرسول # وقال تعالى @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ وهو دليل على ان من ~~لم يكن الرسول اولى به من نفسه فليس من المؤمنين وهذه الاولوية تتضمن امورا # منها : ان يكون احب إلى العبد من نفسه لان الاولوية اصلها الحب ونفس ~~العبد احب له من غيره ومع هذا يجب ان يكون الرسول اولى به منها واحب اليه ~~منها فبذلك يحصل له اسم الايمان # ويلزم من هذه الاولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم ~~وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لامره وايثاره على ما سواه # ومنها ان لايكون للعبد حكم على نفسه اصلا بل الحكم على نفسه للرسول صلى ~~الله عليه وسلم ms11 يحكم عليها اعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده ~~فليس له في نفسه تصرف قط الا ما تصرف فيه الرسول الذي هو اولى به منها # فيا عجبا كيف تحصل هذه الاولوية لعبد قد عزل ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن منصب التحكيم ورضي بحكم غيره واطمان اليه اعظم PageV01P029 من ~~اطمئنانه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وزعم ان الهدى لايلتقي من مشكاته ~~وانما يتلقى من دلالة العقول وان الذي جاء به لايفيد اليقين إلى غير ذلك من ~~الاقوال التي تتضمن الاعراض عنه وعما جاء به والحوالة في العلم النافع إلى ~~غيره ذلك هو الضلال البعيد ولا سبيل إلى ثبوت هده الاولوية الا بعزل كل ~~ماسواه وتوليته في كل شئ وعرض ما قاله كل أحد سواه على ماجاء به فان شهد له ~~بالصحة قبله وان شهد له بالبطلان رده وان لم تتبين شهادته له لابصحة ولا ~~ببطلان جعله بمنزلة احاديث اهل الكتاب ووقفه حتى يتبين أي الامرين اولى به # فمن سلك هذه الطريقة استقام له سفر الهجرة واستقام له علمه وعمله واقبلت ~~وجوه الحق اليه من كل جهة ادعياء المحبة # ومن العجب ان يدعي حصول هذه الاولوية والمحبة التامة من كان سعيه ~~واجتهاده ونصبه في الاشتغال باقوال غيره وتقريرها والغضب والمحبة لها ~~والرضا بها والتحاكم اليها وعرض ما قاله الرسول عليها فان وافقها قبله وان ~~خالفها التمس وجوه الحيل وبالغ في رده ليا واعراضا PageV01P030 الاعراض عن ~~الرسول # كما قال تعالى وان تلووا اوتعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا # وقد اشتملت هده الاية على اسرار عظيمة يجب التنبيه على بعضها لشدة الحاجة ~~اليها # قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ~~على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ~~فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا @QE@ # فامر سبحانه بالقيام بالقسط وهو العدل في هذه الاية وهذا امر بالقيام ms12 به ~~في حق كل أحد عدوا كان أو وليا واحق ما قام له العبد بقصد الاقوال والاراء ~~والمذاهب اذ هي متعلقة بأمر الله وخبره # فالقيام فيها بالهوى والمعصية مضاد لامر الله مناف لما بعث به رسوله # والقيام فيها بالقسط وظيفة خلفاء الرسول في امته وامنائه بين اتباعه ~~ولايستحق اسم الامانة الا من قام فيها بالعدل المحض نصيحة لله ولكتابه ~~ولرسوله ولعباده PageV01P031 واولئك هم الوارثون حقا # لامن يجعل اصحابه ونحلته ومذهبه معيارا على الحق وميزانا له يعادي من ~~خالفه ويوالي من وافقه بمجرد موافقته ومخالفته فأين هذا من القيام بالقسط ~~الذي فرضه الله على كل أحد وهو في هدا الباب اعظم فرضا واكبر وجوبا شهداء ~~الله # ثم قال شهداء الله الشاهد هو المخبر فان اخبر بحق فهو شاهد عدل مقبول وان ~~اخبر بباطل فهو شاهد زور # وامر تعالى ان يكون شهيدا له مع القيام بالقسط وهذا يتضمن ان تكون ~~الشهادة بالقسط وان تكون لله لا لغيره # وقال في الاية الاخرى @QB@ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط @QE@ فتضمنت ~~الآيتان امورا اربعة # احدهما : القيام بالقسط # الثاني : ان يكون لله # الثالث : الشهادة بالقسط # الرابع : ان تكون لله PageV01P032 واحتضنت آية النساء بالقسط والشهادة ~~لله # وآية المائدة بالقيام لله والشهادة بالقسط لسر عجيب من اسرار القران ليس ~~هذا موضع ذكره # ثم قال تعالى ولو على انفسكم أو الوالدين أو الاقربين فامر سبحانه ان ~~يقام بالقسط ويشهد على كل أحد ولو كان احب الناس إلى العبد فيقوم بالقسط ~~على نفسه ووالديه الذين هما اصله واقاربه الذين هم اخص به والصديق من سائر ~~الناس فان كان ما في العبد من محبة لنفسه ولوالديه واقربيه يمنعه من القيام ~~عليهم بالحق ولاسيما اذا كان الحق لمن يبغضه ويعاديه قبلهم فانه لا يقوم به ~~في هذا الحال الا من كان الله ورسوله احب اليه من كل ما سواهما # وهذا يمتحن به العبد ايمانه فيعرف منزلة الايمان من قلبه ومحله منه وعكس ~~هذا عدل العبد في اعدائه ومن يجفوه فانه لاينبغي ان يحمله ms13 بغضه لهم ان يحيف ~~عليهم كما لا ينبغي ان يحمله حبه لنفسه ووالديه واقاربه على ان يترك القيام ~~عليهم بالقسط فلا يدخله ذلك البغض في باطل ولا يقصر به هذا الحب عن الحق ~~كما قال السلف : العادل هو الذي ذا غضب لم يدخله غضبه في باطل واذا رضي لم ~~يخرجه رضاه عن الحق # اشتملت الايتان على هذين الحكمين وهما القيام بالقسط والشهادة به على ~~الاولياء والاعداء # ثم قال تعالى ان يكن غنيا وفقيرا فالله اولى بهما منكم PageV01P033 # هو ربهما ومولاهما وهما عبيده كما انكم عبيده فلا تحابوا غنيا لغناه ولا ~~فقيرا لفقره فان الله اولى بهما منكم # وقد يقال فيه معنى اخر احسن من هذا وهو انهم ربما خافوا من القيام بالقسط ~~واداء الشهادة على الغني والفقير # اما الغني فخوفا على ماله واما الفقير فلا عدامه وانه لاشئ له فتتساهل ~~النفوس في القيام عليه بالحق فقيل لهم : والله اولى بالغني والفقير منكم ~~اعلم بهذا وارحم بهذا فلا تتركوا اداء الحق والشهادة على غني ولا فقير # ثم قال تعالى @QB@ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا @QE@ نهاهم عن اتباع الهوى ~~الحامل على ترك العدل # وقوله تعالى @QB@ أن تعدلوا @QE@ منصوب الموضع لانه مفعول لاجله وتقديره ~~عند البصريين كراهية ان تعدلوا أو حذر ان تعدلوا فيكون اتباعكم للهوى ~~كراهية العدل أو فرارا منه وعلى قول الكوفيين التقدير ان لا تعدلوا وقول ~~البصريين احسن واظهر اللي والاعراض # ثم قال تعالى @QB@ وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~@QE@ ذكر سبحانه السببين الموجبين لكتمان الحق محذرا منهما ومتوعدا عليهما ~~PageV01P034 # احدهما : اللي # والاخر : الاعراض # فإن الحق اذا ظهرت حجته ولم يجد من يروم دفعها طريقا إلى دفعها اعرض عنها ~~وامسك عن ذكرها فكان شيطانا اخرس وتارة يلويها ويحرفها # اللي مثال الفتل وهو التحريف # وهو نوعان : لي في اللفظ ولي في المعنى # فاللي في اللفظ ان يلفظ بها على وجه لايستلزم الحق اما بزيادة لفظه ~~اونقصانها أو ابدالها بغيرها # ولي في كيفية ادائها وايهام السامع لفظا وارادة ms14 غيره كما كان اليهود ~~يلوون السنتهم بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فهذا أحد نوعي ~~اللي # والنوع الثاني منه : لي المعنى وهو تحريفه وتاويل اللفظ على خلاف مراد ~~المتكلم وبجهالة مالم يرده أو يسقط منه لبعض المراد به ونحو هذا من لي ~~المعاني فقال تعالى : @QB@ وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا @QE@ # ولما كان الشاهد مطالبا باداء الشهادة على وجهها فلا يكتمها ولا يغيرها ~~كان الاعراض نظير الكتمان PageV01P035 # واللي نظير تغييرها وتبديلها # فتأمل ما تحت هذه الاية من كنوز العلم # والمقصود : ان الواجب الذي لايتم الايمان بل لايحصل مسمى الايمان الابه ~~مقابلة النصوص بالتلقي والقبول والاظهار لها ودعوة الخلق اليها ولا تقابل ~~بالاعتراض تارة وباللي اخرى الخيرة لله # وقال تعالى @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم @QE@ فدل هذا على انه إذا ثبت لله ورسوله في كل ~~مسالة من المسائل حكم طلبي أو خبري فانه ليس لاحد ان يتخير لنفسه غير ذلك ~~الحكم فيذهب اليه وان ذلك ليس لمؤمن ولامؤمنة اصلا فدل على ان ذلك مناف ~~للايمان PageV01P036 موقف الائمة من السنة # وقد حكى الشافعي رضي الله تعالى عنه اجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ~~على ان من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له ان يدعها ~~لقول أحد ولم يسترب أحد من ائمة الاسلام في صحة ماقاله الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه # فان الحجة الواجب اتباعها على الخلق كافة انما هو قول المعصوم الذي ~~لاينطق عن الهوى واما اقوال غيره فغايتها ان تكون سائغة الاتباع فضلا عن ان ~~يعارض بها النصوص وتقدم عليها عياذا بالله من الخذلان # وقال تعالى : @QB@ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين @QE@ # فاخبر سبحانه ان الهداية في طاعة الرسول لا في غيرها فانه معلق بالشرط ~~فينتفي بانتفائه وليس هذا من باب دلالة المفهوم كما يغلط فيه كثير من الناس ~~ويظن انه محتاج ms15 في تقريره الدلالة منه لاتقرير كون المفهوم حجة بل هذا من ~~الاحكام التي ترتبت على شروط وعلقت فلا وجود لها بدون شروطها اذ ما علق على ~~الشرط فهو عدم عند عدمه والا لم يكن شرطا له PageV01P037 # اذا ثبت هذا : فالاية نص على انتفاء الهداية عند عدم طاعته # وفي اعادة الفعل في قوله تعالى : @QB@ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ ~~دون الاكتفاء بالفعل الاول سر لطيف وفائدة جليلة سنذكرها عن قريب ان شاء ~~الله تعالى # وقوله تعالى @QB@ فإن تولوا فإنما عليه ما حمل @QE@ # الفعل للمخاطبين واصله فان تتولوا فحذفت احدى التاءين تخفيفا # والمعنى : انه قد حمل اداء الرسالة وتبليغها وحملتم طاعته والانقياد له ~~والتسليم # كما ذكره البخاري في صحيحة عن الزهري قال : من الله البيان وعلى الرسول ~~البلاغ وعلينا التسليم # فان تركتم أنتم ما حملتموه من الايمان والطاعة فعليكم لا عليه # فانه لم يحمل ايمانكم وانما حمل تبليغكم # وانما حمل اداء الرسالة اليكم @QB@ وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين @QE@ ليس عليه هداهم وتوفيقهم # وقال تعالى يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر ~~منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الاخر ذلك خير واحسن تاويلا PageV01P038 النداء بالايمان # فامر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله # وافتتح الاية بالنداء باسم الايمان المشعر بان المطلوب منهم من موجبات ~~الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به كما يقال : يا من انعم الله عليه واغناه من ~~فضله احسن كما احسن الله اليك : ويا ايها العالم علم الناس ما ينفعهم ويا ~~ايها الحاكم احكم بالحق ونظائره # ولهذا كثيرا ما يقع الخطاب في القران بالشرائع كقوله تعالى # ياايها الذين امنوا كتب عليكم الصيام # @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة @QE@ @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود @QE@ # ففي هذا اشارة إلى انكم إن كنتم مؤمنين فالايمان يقتضي منكم كذا وكذا ~~فانه من موجبات الايمان وتمامه PageV01P039 # ثم قال تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم @QE@ فقرن بين طاعة ms16 الله والرسول وطاعة اولي الامر وسلط ~~عليهما عاملا واحدا وقد كان ربما يسبق إلى الوهم ان الامر يقتضي عكس هذا ~~فانه من يطع الرسول فقد اطاع الله ولكن الواقع هنا في الاية المناسب # وتحته سر لطيف وهو دلالته على ان ما يأمر به رسوله يجب طاعته فيه وان لم ~~يكن مامورا به بعينه في القران طاعة الرسول مفردة ومقرونة فلا يتوهم متوهم ~~ان ما يامر به الرسول ان لم يكن في القران والا فلا تجب طاعته فيه # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوشك رجل شبعان متكئ على اريكته ياتيه ~~الامر من امري فيقول بيننا وبينكم كتاب الله تعالى ما وجدنا فيه من شئ ~~اتبعناه الا واني اوتيت الكتاب ومثله معه \ ح \ طاعة اولي الامر # اما اولو الامر فلا تجب طاعة احدهم الا اذا اندرجت تحت طاعة الرسول ~~لاطاعة مفردة مستقلة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال على المرء ~~السمع والطاعة فيما احب وكره مالم يؤمر بمعصية الله تعالى فادا امر بمعصية ~~الله تعالى فلا سمع ولا طاعة \ ح \ PageV01P040 # فتامل كيف اقتضت اعادة هذا المعنى قوله تعالى : @QB@ فردوه إلى الله ~~والرسول @QE@ ولم يقل والى الرسول فان الرد إلى القران رد إلى الله والرسول ~~فما حكم به الله تعالى هو بعينه حكم رسوله وما يحكم به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم هو بعينه حكم الله # فادا رددتم إلى الله ما تنازعتم فيه يعني كتابة فقد رددتموه إلى رسوله ~~وكذلك اذا رددتموه إلى رسوله فقد رددتموه إلى الله وهذا من اسرار القران من ~~هم اولو الامر : # وقد اختلفت الرواية عن الامام أحمد رحمه الله تعالى في اولي الامر وعنه ~~فيهم رحمه الله تعالى روايتان : # احداهما : انهم العلماء # والثانية : انهم الامراء # والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الاية والصحيح انها متناولة للصنفين ~~جميعا فإن العلماء والامراء ولاة الامر الذي بعث الله به رسوله فان العلماء ~~ولاته حفظا وبيانا وذبا عنه وردا على من الحد فيه وزاغ عنه وقد ms17 وكلهم الله ~~بذلك فقال تعالى @QB@ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين @QE@ فيالها من وكالة اوجبت طاعتهم والانتهاء إلى امرهم وكون الناس ~~تبعا لهم PageV01P041 والامراء ولانه قياما وعناية وجهادا والزاما للناس به ~~واخذهم على يد من خرج عنه # وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع الانساني تبع لهما ورعية # ثم قال تعالى فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الاخر # وهذا دليل قاطع على انه يجب رد موارد النزاع في كل ما تنازع فيه الناس من ~~الدين كله إلى الله ورسوله لا إلى أحد غير الله ورسوله فمن احال الرد على ~~غيرهما فقد ضاد امر الله ومن دعا عند النزاع إلى حكم غير الله ورسوله فقد ~~دعا بدعوى الجاهلية فلا يدخل العبد في الايمان حتى يرد كل ما تنازع فيه ~~المتنازعون إلى الله ورسوله # ولهذا قال الله تعالى @QB@ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ وهذا ~~مما ذكرنا انفا انه شرط ينتفي المشروط بانتفائه فدل على ان من حكم غير الله ~~ورسوله في موارد مقتضى النزاع كان خارجا من مقتضى الايمان بالله واليوم ~~الاخر وحسبك بهذه الاية العاصمة القاصمة بيانا وشفاء فانها قاصمة لظهور ~~المخالفين لها عاصمة للمتمسكين بها الممتثلين ما امرت به # قال الله تعالى @QB@ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله ~~لسميع عليم @QE@ PageV01P042 # وقد اتفق السلف والخلف على ان الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى ~~الرسول هو الرد اليه في حياته والرد إلى سنته بعد وفاته سعادة الدارين # ثم قال تعالى : ذلك خيرا واحسن تاويلا أي هذا الذي امرتكم به من طاعتي ~~وطاعة رسولي واولياء الامر ورد ما تنازعتم فيه إلى والى رسولي خير لكم في ~~معاشكم ومعادكم وهو سعادتكم في الدارين فهو خير لكم واحسن عاقبة # فدل هذا على ان طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة ~~عاجلا واجلا ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم ان كل شر ms18 في العالم ~~سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته وكل خير في العالم فانه بسبب طاعة ~~الرسول # وكذلك شرور الاخرة والامها وعذابها انما هو من موجبات مخالفة الرسول ~~ومقتضياتها فعاد شر الدنيا والاخرة إلى مخالفة الرسول وما يترتب عليه فلو ~~ان الناس اطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط وهذا كما انه معلوم ~~في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض فكذلك هوفي الشر والالم والغم ~~الذي يصيب العبد في نفسه فانما هو بسبب مخالفة الرسول ولان طاعته هي الحصن ~~الذي من دخله كان من الامنين والكهف الدي من لجأ إليه كان من الناجين ~~PageV01P043 # فعلم ان شرور الدنيا والاخرة انما هو الجهل بما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم والخروج عنه # وهذا برهان قاطع على انه لا نجاة للعبد ولاسعادة الا بالاجتهاد في معرفة ~~ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علما والقيام به عملا كمال السعادة # وكمال هذه السعادة بامرين اخرين # احدهما : دعوة الخلق اليه # والثاني صبره واجتهاده على تلك الدعوة الكمال الانساني # فانحصر الكمال الانساني على هذه المراتب الاربعة # احدهما : العلم بماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم # والثانية : العمل به # والثالثة : نشره في الناس ودعوتهم اليه # والرابعة : صبره وجهاده في ادائه وتنفيذه ومن تطلعت همته إلى معرفة ما ~~كان عليه الصحابة رضي الله عنهم واراد اتباعهم فهذه طريقهم حقا : # فان شئت وصل القوم فاسلك سبيلهم % فقد وضحت للسالكين عيانا PageV01P044 ~~وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل ان ضللت فانما اضل على نفسي وان ~~اهتديت فما يوحي إلى ربي انه سميع قريب # فهذا نص صريح في ان هدى الرسول صلى الله عليه وسلم انما يحصل بالوحي فيا ~~عجبا كيف يحصل الهدى لغيره من الاراء والعقول المختلفة والاقوال المضطربة ~~ولكن @QB@ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا @QE@ # فاي ضلال اعظم من ضلال من زعم ان الهداية لاتحصل بالوحي ثم يحيل فيها على ~~عقل فلان وراي فلتان وقول زيد وعمرو ولقد ms19 عظمت نعمة الله على عبد عافاه من ~~هذه البلية العظمى والمصيبة الكبرى والحمد لله رب العالمين # وقال تعالى المص كتاب انزل اليك فلايكن في صدرك حرج منه لتندر به وذكرى ~~للمؤمنين اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء قليلا ما ~~تذكرون فامر سبحانه باتباع ما انزل على رسوله ونهي عن اتباع غيره فما هو ~~الا اتباع المنزل واتباع اولياء من دونه فانه لم يجعل بينهما واسطة فكل من ~~لا يتبع الوحي فانما يتبع الباطل واتبع اولياء من دون الله وهذا بحمد الله ~~ظاهر لا خفاء به # وقال تعالى ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ~~ياويلتا ليتني لم اتخد فلانا خليلا لقد اضلني عن الذكر بعد اذ جاءني وكان ~~الشيطان للانسان خذولا PageV01P045 # فكل من اتخذ غير الرسول يترك لاقواله وارائه ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فانه قائل هذه المقالة لا محالة ولهذا هذا الخليل كنى عنه باسم ~~فلان اذ لكل متبع اولياء من دون الله فلان وفلان # فهذا حال الخليلين المتخالين على خلاف طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومآل تلك الخلة إلى العداوة واللعنة # كما قال الله تعالى @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين @QE@ # وقد ذكر حال هؤلاء الاتباع وحال من تبعوهم في غير موضع من كتابه كقوله ~~تعالى يوم تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا اطعنا الله واطعنا الرسول ~~وقالوا ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا ربنا اتهم ضعفين من ~~العذاب والعنهم لعنا كبيرا تمنى القوم طاعة الله ورسوله حين لا ينفعهم ذلك ~~واعتذروا بانهم اطاعوا كبراءهم ورؤساءهم واعترفوا بانهم لاعذر لهم في ذلك ~~وانهم اطاعوا السادات والكبراء وعصوا الرسول وآلت تلك الطاعة والموالاة إلى ~~قولهم @QB@ ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ وفي بعض هذا ~~عبرة للعاقل وموعظة شافية وبالله التوفيق # وقال تعالى : @QB@ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته @QE@ ~~PageV01P046 اولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى اذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ms20 ~~قالوا اينما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على انفسهم انهم ~~كانوا كافرين قال ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار ~~كلما دخلت امة لعنت اختها حتى اذا اداركوا فيها جميعا قالت اخراهم لاولاهم ~~ربنا هؤلاء اضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لاتعلمون ~~وقالت اولاهم لاخراهم : فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون # فليتدبر العاقل هذه الايات ومااشتملت عليه من العبر الصنفان والمبطلان # وقوله تعالى فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا اوكذب باياته ذكر الصنفين ~~المبطلين # احدهما : منشئ الباطل والفرية وواضعها وداعي الناس اليها # والثاني : مكذب بالحق # فالاول : كفره بالافتراء وانشاء الباطل # والثاني : كفره بجحود الحق # وهذان النوعان يعرضان لكل مبطل فان انضاف إلى ذلك دعوته إلى باطلة وصد ~~الناس عن الحق استحق تضعيف العذاب لكفره وشره # ولهذا قال تعالى @QB@ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق ~~العذاب بما كانوا يفسدون @QE@ PageV01P047 فلما كفروا وصدوا عباده عن سبيله ~~عذبهم عذابين : عذابا بكفرهم وعذابا بصدهم عن سبيله # وحيث يذكر الكفر المجرد لايعدد العذاب # كقوله تعالى : والكافرين لهم عذاب اليم وقوله تعالى @QB@ أولئك ينالهم ~~نصيبهم من الكتاب @QE@ يعني ينالهم ما كتب لهم في الدنيا من الحياة والرزق ~~وغير ذلك # حتى اذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا اينما كنتم تدعون من دون الله قالوا ~~ضلوا عنا زالوا وفارقوا وبطلت تلك الدعوة @QB@ وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ~~@QE@ ادخلوا في جملة هذه الامم @QB@ كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم @QE@ كل امة متاخرة لاسلافها @QB@ ~~ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار @QE@ ضاعفه عليهم بما اضلونا ~~وصدونا عن طاعة رسلك قال الله تعالى لكل ضعف من الاتباع والمتبوعين بحسب ~~ضلالة وكفره ولكن لاتعلمون لاتعلم كل طائفة بما فيه اختها من العذاب ~~المضاعف # @QB@ وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم ms21 علينا من فضل @QE@ فانكم جئتم ~~بعدنا فارسلت فيكم الرسل وبينوا لكم الحق وحذروكم من ضلالنا PageV01P048 ~~ونهوكم عن اتباعنا وتقليدنا فابيتم الا اتباعنا وتقليدنا وترك الحق الذي ~~اتتكم به الرسل فاي فضل كان لكم علينا وقد ضللتم كما ضللنا وتركتم الحق كما ~~تركنا فضللتم أنتم بنا كما ضللنا نحن بقوم اخرين فاي فضل كان لكم علينا # @QB@ فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون @QE@ فلله ما اشفاها من موعظة وما ~~ابلغها من نصيحة لو صادفت من القلوب حياة فان هذه الاية وامثالها مما يذكر ~~قلوب السائرين إلى الله واما اهل البطالة فليس عندهم من ذلك خبر ~~PageV01P049 # | فصل معركة الاتباع والمتبوعين # فهذا حكم الاتباع والمتبوعين المشركين في الضلالة # واما الاتباع المخالفون لمتبوعيهم العادلون عن طريقتهم الذين يزعمون انهم ~~لهم تبع وليسوا متبعين لطريقتهم فهم المذكورون في قوله تعالى : @QB@ إذ ~~تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال ~~الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله ~~أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار @QE@ # فهؤلاء المتبوعون كانوا على هدى واتباعهم ادعوا انهم كانوا على طريقتهم ~~ومنهاجهم وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقتهم يزعمون انهم يحبونهم وان ~~محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم فيتبرءون منهم يوم القيامة فانهم اتخدوهم ~~اولياء من دون الله وظنوا ان هذا الاتخاذ ينفعهم # وهذه حال كل من اتخد من دون الله ورسوله وليجة و اولياء يوالي لهم ويعادي ~~لهم ويرضى لهم ويغضب لهم فان اعماله كلها باطلة يراها يوم القيامة حسرات ~~عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه اذ لم يجرد موالاته ومعاداته ومحبته ~~وبغضه وانتصاره وايثاره لله ورسوله فابطل الله عز وجل ذلك العمل كله وقطع ~~تلك الاسباب فينقطع يوم القيامة كل وصلة ووسيلة ومودة وموالاة كانت لغير ~~الله تعالى ولا يبقى الا السبب PageV01P050 الواصل بين العبد وربه وهو حظه ~~من الهجرة اليه والى رسوله وتجريد عبادته له وحده ولوازمها من الحب والبغض ~~والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة والتقريب والابعاد وتجريده متابعة ~~رسوله ms22 وترك اقوال غيره وترك ما خالف ما جاء به والاعراض عنه وعدم الاعتناء ~~به وتجريد متابعته تجريدا محضا بريئا من شوائب الالتفات إلى غيره فضلا عن ~~الشركة بينه وبين غيره فضلا عن تقديم قول غيره عليه # فهذا هو السبب الذي لاينقطع بصاحبه وهذه هي النسبة التي بين العبد وبين ~~ربه وهي نسبة العبودية المحضة وهي آخيته التي يحول ما يحول ثم اليها مرجعة # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى % ما الحب الا للحبيب الاول # كم منزل في الأرض يالفه الفتى % وحنينه ابدا لاول منزل # وهذه هي النسبة التي تنفع العبد فلا ينفعه غيرها في الدور الثلاثة اعني ~~دار الدنيا ودار البرزخ ودار الفرار فلا قوام له ولاعيش ولا نعيم ولافلاح ~~الا بهذه النسبة وهي السبب الواصل بين العبد وبين الله ولقد احسن القائل : ~~PageV01P051 # اذا تقطع حبل الوصل بينهم % فللمحبين حبل غير منقطع # وان تصدع شمل القوم بينهم % فللمحبين شمل غير متصدع # والمقصود ان الله سبحانه يقطع يوم القيامة الاسباب والعلق والوصلات التي ~~كانت بين الخلق في الدنيا كلها ولا يبقى الا السبب والوصلة التي بين العبد ~~وبين الله فقط وهو سبب العبودية المحضة التي لاوجود لها ولا تحقيق بتجريد ~~متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم اذ هذه العبودية انما جاءت على ~~السنتهم وما عرفت الا بهم ولا سبيل اليها الا بمتابعتهم وقد قال تعالى ~~وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا # فهذه هي اعماله التي كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير ~~وجهه يجعلها الله هباءا منثورا ولا ينتفع منها صاحبها بشئ اصلا وهذا من ~~اعظم الحسرات على العبد يوم القيامة ان يرى سعيه كله ضائعا لم ينتفع منه ~~بشئ وهو احوج ما كان العامل إلى عمله وقد سعد اهل السعي النافع بسعيهم ~~PageV01P052 # | فصل الاتباع السعداء # فهدا حكم اتباع الاشقياء فاما اتباع السعداء فنوعان : # اتباع لهم حكم الاستقلال وهم الذين قال الله عز وجل فيهم : @QB@ ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ms23 ورضوا عنه @QE@ # فهؤلاء هم السعداء الذين ثبت لهم رضا الله عنهم وهم اصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكل من تبعهم باحسان إلى يوم القيامة ولا يختص ذلك بالقرن ~~الذين راوهم فقط وانما خص التابعين بمن راوا الصحابة تخصيصا عرفيا ليتميزوا ~~به عمن بعدهم فقيل : التابعون مطلقا لذلك القرن فقط والا فكل من سلك سبيلهم ~~فهو من التابعين لهم باحسان وهو ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه الاحسان في ~~التبعية # وقيد سبحانه هذه التبعية بانها تبعية باحسان ليست مطلقة فتحصل بمجرد ~~النية والاتباع في شئ والمخالفة في غيره ولكن تبعية مصاحبة الاحسانوان ~~الباء ها هنا للمصاحبة PageV01P053 # والاحسان والمتابعة شرط في حصول رضاء الله عنهم وجناته # وقد قال تعالى @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين ~~منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ~~ذو الفضل العظيم @QE@ # فالاولون : هم الذين ادركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبوه # والاخرون : هم الذين لم يلحقوهم وهم كل من بعدهم على منهاجهم إلى يوم ~~القيامة فيكون التاخر وعدم اللحاق في الفضل والرتبة بل هم دونهم فيكون عدم ~~اللحاق في الرتبة والقولان كالمتلازمين فان من بعدهم لا يلحقون بهم لافي ~~الفضل ولا في الزمان فهؤلاء الصنفان هم السعداء # واما من لم يقبل هدى الله الدي بعث به رسوله ولم يرفع به راسا فهو من ~~الصنف الثالث وهم @QB@ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا @QE@ # وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اقسام الخلائق بالنسبة إلى دعوته وما ~~بعث به من الهدى في قوله صلى الله عليه وسلم مثل ما بعثني الله به من الهدى ~~و العلم كمثل غيث اصاب ارضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلا ~~والعشب الكثير وكانت منها اجادب امسكت الماء فسقى الناس وزرعوا واصاب طائفة ~~اخرى انما هي قيعان لاتمسك ماء ولاتنبت PageV01P054 كلا فذلك ms24 مثل من فقه في ~~الدين فنفعه ما بعثني الله به و مثل من لم يرفع بذلك راسا ولم يقبل هدى ~~الله الذي ارسلت به \ ح \ الغيث والعلم # فشبه صلى الله عليه وسلم العلم الذي جاء به بالغيث لان كلا منهما سبب ~~الحياة فالغيث سبب حياة الابدان والعلم سبب حياة القلوب # وشبه القلوب بالاودية كما في قوله تعالى انزل من السماء ماءا فسالت اودية ~~بقدرها الأرض والغيث # وكما ان الارضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث # احداها : ارض زكية قابلة للشراب والنبات فاذا اصابها الغيث ارتوت ومنه ~~يثمر النبت من كل زوج بهيج # فذلك مثل القلب الزكي الذكي فهو يقبل العلم بذكائه فيثمر فيه وجوه الحكم ~~ودين الحق بزكائه فهو قابل للعلم مثمر لموجبه وفقهه واسرار معادنه # والثانية : ارض صلبة قابلة لثبوت ما فيها وحفظه فهذه تنفع الناس لورودها ~~والسقي منها والازدراع # وهو مثل القلب الحافظ للعلم الذي يحفظه كما سمعه فلا تصرف فيه ولا استنبط ~~بل للحفظ المجرد فهو يؤدي كما سمع وهو من القسم الذي قال PageV01P055 # النبي صلى الله عليه وسلم : فرب حامل فقه إلى من هو افقه ورب حامل فقه ~~غير فقيه \ ح \ # فالاول : كمثل الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات فهو يكسب ~~بماله ماشاء # والثاني : مثل الغني الذي لا خبرة له بوجوه الربح والمكسب ولكنه حافظ لما ~~لا يحسن التصرف والتقلب فيه # والأرض الثالثة : ارض قاع وهو المستوى الذي لايقبل النبات ولايمسك ماء ~~فلو اصابها من المطر ما اصابها لم تنتفع منه بشئ # فهذا مثل القلب الذي لايقبل العلم والفقه والدراية وانما هو بمنزلة الأرض ~~البوار التي لا تنبت ولاتحفظ وهو مثل الفقير الذي لا مال له ولايحسن يمسك ~~مالا # فالاول : عالم معلم وداع إلى الله على بصيرة فهذا من ورثة الرسل # والثاني : حافظ مؤد لما سمعه فهذا يحمل لغيره ما يتجر به المحمول اليه ~~ويستثمر # والثالث : لاهذا ولاهذا فهو الذي لم يقبل هدى الله ولم يرفع به راسا # فاستوعب هذا الحديث اقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم ms25 منها قسمان ~~قسم سعيد وقسم شقي PageV01P056 # | فصل في اطفال المؤمنين # واما النوع الثاني من الاتباع : فهم اتباع المؤمنين من ذريتهم الذين لم ~~يثبت لهم حكم التكليف في دار الدنيا وانما هم مع ابائهم تبع لهم # وقال الله تعالى فيهم والذين امنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ~~ذريتهم وما التناهم من عملهم من شئ # اخبر سبحانه انه الحق الذرية بآبائهم في الجنة كما اتبعهم اياهم في ~~الايمان # ولما كان الذرية لاعمل لهم يستحقون به تلك الدرجات قال تعالى : وما ~~التناهم من عملهم من شئ والضمير عائد إلى الذين امنوا # أي وما نقصناهم من عملهم بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم مع توفيتهم اجور ~~اعمالهم فليست منزلتهم منزلة من لم يكن له عمل بل وفيناهم اجورهم فالحقنا ~~بهم ذريتهم فوق ما يستحقون من اعمالهم # ثم لما كان هذا الالحاق في الثواب والدرجات فضلا من الله فربما ~~PageV01P057 وقع في الوهم ان الحاق الذرية ايضا حاصل لهم في حكم العدل فلما ~~اكتسبوا سيئات اوجبت عقوبة كان كل عامل رهينا بكسبه لا يتعلق بغيره شئ ~~فالالحاق المذكور انما هو في الفضل والثواب لا في العدل والعقاب وهذا نوع ~~من اسرار القران وكنوزه التي يختص الله بفهمها من شاء # فقد تضمنت هذه الاية اقسام الخلائق كلهم : اشقيائهم و سعدائهم # السعداء المتبوعين والاتباع والاشقياء المتبوعين والاتباع # فعلى العاقل الناصح لنفسه ان ينظر في أي الاقسام هو و لا يغتر بالعادة ~~ويخلد إلى البطالة فان كان من قسم سعيد انتقل إلى ما هو فوقه وبذل جهده ~~والله ولي التوفيق والنجاح وان كان من قسم شقي انتقل منه إلى القسم السعيد ~~في زمن الامكان قبل ان يقول ياليتني اتخدت مع الرسول سبيلا PageV01P058 # | فصل في سفر الهجرة # والمقصود بهذا ان من اعظم التعاون على البر والتقوى والتعاون على سفر ~~الهجرة إلى الله والرسول باليد واللسان والقلب والمساعدة والنصيحة تعليما ~~وارشادا ومودة # ومن كان هكذا مع عباد الله فكل خير اليه اسرع واقبل الله اليه بقلوب ~~عباده وفتح على قلبه ابواب العلم ms26 ويسره لليسرى # ومن كان بالضد فبالضد زاد المسافر # فإن قلت : قد اشرت إلى سفر عظيم وامر جسيم فما زاد هذا السفر وما طريقه ~~وما مركبه # قلت زاده العلم الموروث من خاتم الانبياء صلى الله عليه وسلم ولا زاد له ~~سواه فمن لم يحصل هذا الزاد فلا يخرج من بيته وليقعد مع الخالفين # فرفقاء المتخلف البطالون اكثر من ان يحصوا فله اسوة بهم ولن ينفعه هذا ~~التاسي يوم الحسرة شيئا كما قال تعالى : @QB@ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ~~أنكم في العذاب مشتركون @QE@ فقطع الله سبحانه انتفاعهم بتاسي بعضهم ~~PageV01P059 ببعض في العذاب فان مصائب الدنيا اذا عمت صارت مسلاة وتأسي بعض ~~المصابين ببعض كما قالت الخنساء # ولولا كثرة الباكين حولي % على اخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل اخي ~~ولكن % اسلي النفس عنه بالتاسي # فهذا الروح الحاصل من التاسي معدوم بين المشتركين في العذاب يوم القيامة # | طريق السفر واما طريقه : فهو بذل الجهد واستفراغ الوسع فلا ينال بالمني # ولن يدرك بالهوينا وانما هو كما قيل # فخض غمرات الموت واسم إلى العلا % لكي تدرك العز الرفيع الدائم # فلا خير في نفس تخاف من الردى % ولاهمة تصبو إلى لوم لائم # ولا سبيل إلى ركوب هذا الظهر الا بامرين : # احدهما : ان لايصبو في الحق إلى لوم لائم فان اللوم يصيب الفارس فيصرعه ~~عن فرسه ويجعله صريعا في الأرض # والثاني : ان تهون عليه نفسه في الله فيقدم حينئذ ولا يخاف الاهوال فمتى ~~خافت النفس تاخرت و احجمت واخلدت إلى الأرض ولا يتم له هذان PageV01P060 ~~الامران الا بالصبر فمن صبر قليلا صارت تلك الاهوال ريحا رخاء في حقه تحمله ~~بنفسها إلى مطلوبه فبينما هو يخاف منها اذ صارت اعظم اعوانه وخدمه وهذا امر ~~لا يعرفه الا من دخل فيه مركب المسافر # واما مركبه فصدق اللجأ إلى الله والانقطاع اليه بكليته وتحقيق الافتقار ~~اليه بكل وجه والضراعة اليه وصدق التوكل والاستعانة به والانطراح بين يديه ~~انطراح المسلوم المكسور الفارغ الذي لاشئ عنده فهو يتطلع إلى قيمه ووليمة ~~ان يجده ms27 ويلم شعثه و يمده من فضله و يستره فهذا الذي يرجي له ان يتولى الله ~~هدايته وان يكشف له ما خفي على غيره من طريق هذه الهجرة ومنازلها ~~PageV01P061 # | فصل في التدبر والتفكر في الاء الله # ورأس الامر وعموده في ذلك انما هو دوام التفكر وتدبر آيات الله حيث ~~تستولي على الفكر وتشغل القلب فاذا صارت معاني القران مكان الخواطر من قلبه ~~وجلس على كرسيه وصار له التصرف وصار هو الامير المطاع امره فحينئذ يستقيم ~~له سيره ويتضح له الطريق وتراه ساكنا وهو يباري الريح وترى الجبال تحسبها ~~جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي اتقن كل شئ انه خبير مما تفعلون ~~PageV01P062 # | فصل في افلا يتدبرون القران # فان قلت : انك قد اشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه واكشف لي حجابه وكيف ~~تدبر القران وتفهمه والاشراف على عجائبه وكنوزه وهذه تفاسير الائمة بايدينا ~~فهل في البيان غير ما ذكروه قلت : ساضرب لك امثالا تحتذي عليها وتجعلها ~~اماما لك في هذا المقصد # قال الله تعالى : هل اتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين اذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى اهله فجاء بعجل سمين فقربه ~~اليهم قال الا تاكلون فاوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم ~~فاقبلت امراته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا : كذلك قال ربك انه ~~هو الحكيم العليم # فعهدى بك اذا قرات هذه الاية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فانما تطلع منها ~~على ان الملائكة اتوا إبراهيم في صورة الاضياف ياكلون ويشربون وبشروه بغلام ~~عليم وانما امراته عجبت من ذلك فاخبرتها الملائكة ان الله قال ذلك ولم ~~يتجاوز تدبرك غير ذلك PageV01P063 # فاسمع الان بعض ما في هذه الايات من انواع الاسرار # وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم # وكيف جمعت الضيافة وحقوقها # وما تضمنت من الرد على اهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة # وكيف تضمنت علما عظيما من اعلام النبوة # وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي ردها إلى العلم والحكمة # وكيف اشارت إلى دليل ms28 امكان المعاد بالطف اشارة واوضحها ثم افصحت وقوعه # وكيف تضمنت الاخبار عن عدل الرب وانتقامه من الامم المكذبة # وتضمنت ذكر الاسلام والايمان والفرق بينهما # وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده وصدق رسله وعلى اليوم الاخر # وتضمنت انه لا ينتفع بهذا كله الا من في قلبه خوف من عذاب الاخرة وهم ~~المؤمنون بها # واما من لا يخاف الاخرة ولا يؤمن بها فلا ينتفع بتلك الايات # فاسمع الان بعض تفاصيل هذه الجملة # قال الله تعالى @QB@ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين @QE@ افتتح ~~سبحانه القصة بصيغة موضوعة للاستفهام وليس المراد بها حقيقة PageV01P064 # الاستفهام ولهذا قال بعض الناس : ان @QB@ هل @QE@ في مثل هذا الموضع ~~بمعنى @QB@ قد @QE@ التي تقتضي التحقيق ولكن في ورود الكلام في مثل هذا ~~بصيغة الاستفهام سر لطيف ومعنى بديع فإن المتكلم اذا اراد ان يخبر المخاطب ~~بأمر عجيب ينبغي الاعتناء به واحضار الذهن له صدر له الكلام باداة ~~الاستفهام لتنبيه سمعه وذهنه للمخبر به فتارة يصدره بالا وتارة يصدره بهل ~~فقول هل علمت ما كان من كيت وكيت اما مذكرا به واما واعظا له مخوفا واما ~~منبها على عظمه ما يخبر به واما مقررا له # فقوله تعالى @QB@ هل أتاك حديث موسى @QE@ و هل اتاك نبا الخصم وهل اتاك ~~حديث الغاشية و @QB@ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين @QE@ متضمن لتعظيم ~~هذه القصص والتنبيه على تدبرها ومعرفتها ما تضمنته # ففيه امر اخر # وهو التنبيه على ان اتيان هذا اليك علم من اعلام النبوة فانه من الغيب ~~الذي لاتعمله انت ولا قومك فهل اتاك من غير اعلامنا وارسالنا وتعريفنا أم ~~لم ياتك الا من قبلنا # فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام وتامل عظم موقعة من PageV01P065 ~~جميع موارده يشهد انه من الفصاحة في ذروتها العليا # وقوله @QB@ ضيف إبراهيم المكرمين @QE@ متضمن لثنائه على خليله إبراهيم ~~فان في @QB@ المكرمين @QE@ قولين # احدهما : اكرام إبراهيم لهم ففيه مدح إبراهيم باكرام الضيف # والثاني : انهم مكرمون عنذ الله كقوله تعالى @QB@ بل عباد مكرمون @QE@ ~~وهو متضمن ايضا لتعظيم خليله ومدحه اذ ms29 جعل ملائكته المكرمين اضيافا له فعلى ~~كلا التقديرين فيه مدح لابراهيم # وقوله @QB@ فقالوا سلاما قال سلام @QE@ متضمن بمدح اخر لابراهيم حيث رد ~~عليهم السلام احسن مما حيوه به فان تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية ~~تقديره : سلمنا عليك سلاما وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة اسمية ~~تقديره سلام دائم أو ثابث أو مستقر عليكم ولا ريب ان الجملة الاسمية تقتضي ~~الثبوت واللزوم والفعلية تقتضي التجدد والحدوث فكانت تحية إبراهيم اكمل ~~واحسن # ثم قال قوم منكرون وفي هذا من حسن مخاطبة الضيف والتذمم منه وجهان في ~~المدح # احداهما : انه حذف المبتدا والتقدير : أنتم قوم منكرون فتذمم منهم ولم ~~يواجههم بهذا الخطاب لما فيه من الاستيحاش PageV01P066 وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لايواجه احدا بما يكرهه بل يقول وما بال اقوام يقولون كذا ~~ويفعلون كذا # الثاني قوله قوم منكرون فحذف فاعل الانكار وهو الذي كان انكرهم كما قال ~~في موضع اخر نكرهم ولاريب ان قوله منكرون الطف من ان يقول انكرتم # وقوله @QB@ فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون ~~@QE@ متضمن وجوها من المدح واداب الضيافة واكرام الضيف # منها قوله @QB@ فراغ إلى أهله @QE@ والروغان الذهاب بسرعة واختفاء وهو ~~يتضمن المبادرة إلى إكرام الضيف والاختفاء يتضمن ترك تخجيله والا يعرض ~~للحياء وهذا بخلاف من يتثاقل ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمراى منه ويحل صرة ~~النفقة ويزن ما ياخذ ويتناول الاناء بمراى منه ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل ~~الضيف وحياءه فلفظة راغ تنفي هذين الامرين وفي قوله تعالى @QB@ إلى أهله ~~@QE@ مدح اخر لما فيه من الاشعار ان كرامة الضيف معدة حاصلة عند اهله وانه ~~لايحتاج ان يستقرض من جيرانه ولا يذهب إلى غير اهله اذ قرى الضيف حاصل ~~عندهم # وقوله : @QB@ فجاء بعجل سمين @QE@ يتضمن ثلاثة انواع من المدح # احدها : خدمة ضيفه بنفسه فانه لم يرسل به وانما جاء به بنفسه # الثاني : انه جاءهم بحيوان تام لم ياتهم ببعضه ليتخيروا من اطيب لحمه ما ~~شاءوا PageV01P067 الثالث : انه سمين ليس بهمزول وهذا ms30 من نفائس الاموال ولد ~~البقر السمين فانهم يعجبون به فمن كرمه هان عليه ذبحه واحضاره # وقوله @QB@ إليهم @QE@ متضمن المدح وادابا اخرى وهو احضار الطعام إلى بين ~~يدي الضيف بخلاف من يهيئ الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه # وقوله الا تأكلون فيه مدح واداب اخر فانه عرض عليهم الاكل بقوله الا ~~تأكلوا وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف بخلاف من يقول : ضعوا ايديكم في الطعام ~~كلوا تقدموا ونحو هذا # وقوله @QB@ فأوجس منهم خيفة @QE@ لانه لما رآهم لا ياكلون من طعامه اضمر ~~منهم خوفا ان يكون معهم شر فان الضيف ادا اكل من طعام رب المنزل اطمان اليه ~~وانس به فلما علموا منه ذلك قالوا لاتخف وبشروه بغلام عليم وهذا الغلام ~~إسحاق لا اسماعيل لان امراته عجبت من ذلك فقالت : عجوز عقيم لايولد لمثلي ~~فاني لي بالولد واما اسماعيل فانه من سريته هاجر وكان بكره واول ولده وقد ~~بين سبحانه هذا في سورة هود في قوله تعالى @QB@ فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب @QE@ وهذه هي القصة نفسها # وقوله تعالى @QB@ فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها @QE@ فيه بيان ضعف عقل ~~المرأة وعدم ثباتها اذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا الاخبار ~~PageV01P068 # وقوله عجوز عقيم فيه حسن ادب المراة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام ~~على ما يتادى به الحاجة فانها حذفت المبتدا ولم تقل انا عجوز عقيم واقتصرت ~~على ذكر السبب الدال على عدم الولادة لم تذكر غيره واما في سورة هود فذكرت ~~السبب المانع منها ومن إبراهيم وصرحت بالعجب # وقوله تعالى @QB@ قالوا كذلك قال ربك @QE@ متضمن لاثبات صفة القول له ~~وقوله @QB@ إنه هو الحكيم العليم @QE@ متضمن لاثبات صفة الحكمة والعلم ~~اللذين هما مصدر الخلق والامر فجميع ما خلقه سبحانه صادر عن علمه وحكمته ~~وكذلك امره وشرعه مصدره عن علمه وحكمته # والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال فالعلم يتضمن الحياة و لوازم ~~كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي ~~يستلزمها العلم التام # والحكمة تتضمن كمال الارادة والعدل والرحمة ms31 والاحسان والجود والبر ووضع ~~الاشياء في مواضعها على احسن وجوهها ويتضمن ارسال واثبات الثواب والعقاب # كل هذا العلم من اسمه الحكيم كما هي طريقة القران في الاستدلال على هذه ~~المطالب العظيمة بصفة الحكمة والانكار على من يزعم انه خلق الخلق عبثا وسدى ~~وباطلا فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب PageV01P069 والعقاب ~~ولهذا كان اصح القولين ان المعاد يعلم بالعقل وان السمع ورد بتفصيل ما يدل ~~العقل على اثباته # ومن تامل طريقة القران وجدها دالة على ذلك وانه سبحانه يضرب لهم الامثال ~~المعقولة التي تدل على امكان المعاد تارة ووقوعه اخرى فيذكر ادلة القدرة ~~الدالة على امكان المعاد وادلة الحكمة المستلزمة لوقوعه # ومن تامل ادلة المعاد في القران وجدها كذلك مغنية بحمد الله عن غيرها ~~كافية شافية موصلة إلى المطلوب بسرعة متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير ~~من الناس # وان ساعد التوفيق كتبت في ذلك سفرا كبيرا لما رايت في الادلة التي ارشد ~~اليها القران من الشقاء والهدى وسرعة الانصاف وحسن البيان والتنبيه على ~~مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلج له الصدر ويكثر معه اليقين بخلاف غيره ~~من الادلة فانها على العكس من ذلك وليس هذا موضع التفصيل # والمقصود ان صدور الخلق والامر عن علم الرب وحكمته واختصت هذه القصة بذكر ~~هذين الاسمين لاقتضائهما لتعجب النفوس من تولد مولود بين ابوين لايولد ~~لمثلهما عادة وخفاء العلم بسبب هذا الايلاد وكون الحكمة اقتضت جريان هذه ~~الولادة على غير العادة المعروفة فذكر في الاية اسم العلم والحكمة المتضمن ~~لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته وحكمته في وضعه موضعه من غير اخلال ~~بموجب الحكمة PageV01P070 # ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في ارسالهم لهلاك قوم لوط وارسال ~~الحجارة المسومة عليهم وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله واهلاك المكذبين لهم ~~والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانا في هذا العالم وهذا من ~~اعظم الادلة الدالة على صدق رسله لصحة ما اخبروا به عن ربهم # ثم قال تعالى : فاخرجنا من كان فيها من المؤمنون فما وجدنا فيها ms32 غير بيت ~~من المسلمين ففرق بين الاسلام والايمان هنا لسر اقتضاه الكلام # فان الاخراج هنا عبارة عن النجاة فهو اخراج نجاة من العذاب و لاريب ان ~~هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنا # وقوله تعالى @QB@ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين @QE@ لما كان ~~الموجودون من المخرجين اوقع اسم الاسلام عليهم لان امراة لوط كانت من اهل ~~هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر فكانت في البيت الموجودين لافي القوم ~~الناجيين وقد اخبر سبحانه عن خيانة امراة لوط وخيانتها انها كانت تدل قومها ~~على اضيافه وقلبها معهم وليست خيانة فاحشة فكانت من اهل البيت المسلمين ~~ظاهرا وليست من المؤمنين الناجيين # ومن وضع دلالة القران والفاظه مواضعها تبين له من اسراره وحكمة ما يبهر ~~العقول ويعلم انه تنزيل من حكيم حميد # وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو : ان الاسلام اعم من PageV01P071 ~~الايمان فكيف استثناء الاعم من الاخص وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين ~~ان المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود والمؤمنين غير مستثنين منه ~~بل هم المخرجون الناجون # وقوله تعالى @QB@ وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم @QE@ فيه ~~دليل على ان آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وابقى ~~آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله انما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب ~~الله تعالى # كما قال الله تعالى في موضع آخر @QB@ إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ~~@QE@ # وقال تعالى : @QB@ سيذكر من يخشى @QE@ فان من لايؤمن بالآخرة غايته ان ~~يقول : هؤلاء قوم اصابهم الدهر كما اصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة ~~والسعادة # و اما من آمن بالآخرة واشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ # والمقصود بهذا انما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الافهام في معرفة ~~القرآن واستنباط اسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره والفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء PageV01P072 # | فصل الرفيق والطريق والمقصود ان القلب لما تحول لهذا السفر طلب رفيقا # يانس به في السفر فلا يجد الا معارضا مناقضا أو لائما بالتأنيب مصرحا أو ~~فارغا ms33 من هذه الحركة معرضا وليت كل ما ترى هكذا فلقد احسن اليك من خلال ~~وطريقك ولم يطرح شره عليك كما قال القائل # انا لفي زمن ترك القبيح به % من اكثر الناس احسان واجمال # فإدا كان هذا المعروف من الناس فالمطلوب في هذا الزمان المعاونة على هذا ~~السفر بالاعراض وترك اللائمة والاعتراض الا ما عسى ان يقع نادرا فيكون ~~غنيمة باردرة لا قيمة لها # ولا ينبغي ان لا يتوقف العبد في سيره على هذه الغنيمة بل يسير و لو وحيدا ~~غريبا فانفراد العبد في طريق طلبة دليل على صدق المحبة # ومن نظر في هذه الكلمات التي تضمنتها هذه الورقات علم انها من اهم ما ~~يحصل به التعاون على البر والتقوى وسفر الهجرة إلى الله ورسوله وهو الذي ~~قصد سطرها بكتابتها وجعلها هديته المعجلة السابقة إلى اصحابه ورفقائه في ~~طلب العلم # وشهد الله وكفى بالله شهيدا ولو توافي احدا منهم لقابلها بالقبول ولبادر ~~PageV01P073 الى تفهمها وعدها من افضل ما اهدى صاحب إلى صاحبه فإن غير هذا ~~من جريانات الركب الخيرية وان تطلعت النفوس اليها ففائدتها قليلة وهي في ~~غاية الرخص لكثرة جالبها وانما الهدية النافعة كلمة يهديها الرجل إلى اخيه ~~المسلم الموتى الاحياء والاحياء الموتى # ومن اراد هذا السفر فعليه بمرافقة الاموات الذين هم في العالم احياء فانه ~~يبلغ بمرافقتهم إلى مقصده وليحذر من مرافقة الاحياء الذين هم في الناس ~~اموات فإنهم يقطعون عليه طريقه فليس لهذا السالك انفع من تلك المرافقة ~~واوفق له من هذه المفارقة فقد قال بعض السلف : شتان بين اقوام موتى تحيا ~~القلوب بذكرهم وبين اقوام احياء تموت القلوب بمخالطتهم # فما على العبد اضر من عشائره وابناء جنسه فنظره قاصر وهمته واقفة عند ~~التشبه بهم ومباهاتهم والسلوك اين سلكوا حتى لو دخلوا جحر ضب لاحب ان يدخله ~~معهم # فمتى صرف همته عن صحبتهم إلى صحبة من اشباحهم مفقودة ومحاسنهم وآثارهم ~~الجميلة في العالم موجودة استحدث بذلك همة اخرى وعملا آخر وصار بين الناس ~~غريبا وان كان فيهم مشهورا ms34 ونسيبا ولكنه PageV01P074 غريب محبوب يرى ما ~~الناس فيه و لا يرون ما هو فيه يقيم لهم المعاذير ما استطاع ويحضهم بجهده و ~~طاقته سائرا فيهم بعينين عين ناظرة إلى الامر والنهى بها يأمرهم وينهاهم ~~ويواليهم ويعاديهم ويؤدي لهم الحقوق و يستوفيها عليهم وعين ناظرة إلى ~~القضاء والقدر بها يرحمهم ويدعو لهم و يستغفر لهم ويلتمس وجوه المعاذير ~~فيما لا يخل بأمر و لا يعود بنقض شرع وقد وسعهم بسطته ورحمته ولينه ومعذرته ~~وقفا عند قوله تعالى @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ ~~متدبرا لما تضمنته هذه الآية من حسن المعاشرة مع الخلق واداء حق الله فيهم ~~والسلامة من شرهم فلو اخذ الناس كلهم بهذه الآية لكفتهم وشفتهم فان العفو ~~ما عفى من اخلاقهم وسمحت به طبائعهم ووسعهم بذلة من اموالهم و اخلاقهم # فهذا ما منهم اليه واما ما يكون منه اليهم فأمرهم بالمعروف وهو ما تشهد ~~به العقول وتعرف حسنة وهو ما امر الله به و اما ما يتقي به اذى جاهلهم ~~فالاعراض عنه وترك الانتقام لنفسه والاقتصار لها # فأي كمال للعبد وراء هذا واي معاشرة وسياسة لهذا العالم احسن من هذه ~~المعاشرة والسياسة فلو فكر الرجل في كل شر يلحقه من العالم اعني الشر ~~الحقيقي الذي لا يوجب له الرفعة والزلفى من الله وجد سببه الاخلال بهذه ~~الثلاث أو بعضها والا فمع القيام بها فكل ما يحصل له من الناس PageV01P075 ~~فهو خير له وان شرا في الظاهر فانه يتولد من الامر بالمعروف ولا يتولد منه ~~الا خيرا وان ورد في حالة شر واذى # كما قال الله تعالى @QB@ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا ~~لكم بل هو خير لكم @QE@ # وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم ~~في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله @QE@ وقد تضمنت هذه الكلمات مراعاة حق ~~الله وحق الخلق فإنهم اما يسيئوا في حق الله وفي حق رسوله فإن اساءوا في ~~حقك فقابل ذلك بعفوك عنهم وان اساءوا ms35 في حقي فاسألني اغفر لهم واستجلب ~~قلوبهم واستخرج ما عندهم من الراي بمشاورتهم فإن ذلك احرى في استجلاب ~~طاعتهم وبذل النصيحة فاذا عزمت فلا استشارة بعد ذلك بل توكل وامض لما عزمت ~~عليه من امرك فإن الله يحب المتوكلين # فهذا وامثاله من الاخلاق التي ادب الله بها رسوله وقال تعالى فيه @QB@ ~~وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ قالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن وهذا ~~لايتم الا بثلاثة اشياء # احدها : ان يكون العود طيبا فاما ان كانت الطبيعة جافية غليظة ~~PageV01P076 يابسة عسر عليها مزاولة ذلك علما وارادة وعملا بخلاف الطبيعة ~~المنقادة اللينة السلسة القياد فانها مستعدة انما تريد الحرث والبذر # الثاني : ان تكون النفس قوية غالبة قاهرة لدواعي البطالة والغي والهوى ~~فان هذه الامور تنافي الكمال فان لم تقو النفس على قهرها و الا لم تزل ~~مغلوبة مقهورة # الثالث : علم شاف بحقائق الاشياء وتنزيلها منازلها يميز بين الشحم والورم ~~والزجاجة والجوهرة # فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث وساعد التوفيق فهو القسم الذي سبقت ~~لهم من ربهم الحسنى وتمت لهم العناية # والله سبحانه وتعالى اعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا ابدا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين PageV01P077 ms36