######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007632 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007632 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7632 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7632 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد جميل غازي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة المدني - جدة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # ... # الرسالة التبوكية # للإمام الحافظ شمس الدين ابن قيم الجوزية 691 751 ه # قال الشيخ الإمام العالم العلامة محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم ~~الجوزية رضي الله عنه وأرضاه في كتابه الذي سيره من تبوك ثامن المحرم سنة ~~ثلاث وثلاثين وسبعمائة بعد كلام له سبق: # أحمد الله بمحامده التي هو لها أهل والصلاة والسلام على خاتم رسله ~~وأنبيائه: محمد صلى الله عليه وسلم وبعد: # فان الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الأثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} . # وقد اشتملت هده الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فيما ~~بينهم بعضهم بعضا وفيما بينهم وبين ربهم فان كل عبد لاينفك عن هاتين ~~الحالتين وهذين الواجبين: واجب بينه وبين الله وواجب بينه وبين الخلق # PageV01P006 # فأما ما بينه وبين الخلق: من المعاشرة والمعاونة والصحبة فالواجب عليه ~~فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته التي هي ~~غاية سعادة العبد وفلاحه ولا سعادة له إلا بها وهي البر والتقوى اللذان هما ~~جماع الدين كله وإذا افرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا ~~وإما لزوما ودخوله فيه تضمنا اظهر لان البر جزء مسمى التقوى وكذلك التقوى ~~فانه جزء مسمى البر وكون أحدهما لايدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على ~~أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر. ونظير هذا لفظ الإيمان والإسلام ~~والإيمان والعمل الصالح والفقير والمسكين والفسوق والعصيان والمنكر ~~والفاحشة ونظائره كثيرة. # وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات كثيرة أشكلت على كثير من ~~الناس. # البر والتقوى: # ولنذكر من هذا مثالا واحدا يستدل به على غيره وهو البر والتقوى. فان ~~حقيقة البر هو الكمال المطلوب من الشيء والمنافع التي فيه والخير كما يدل ~~عليه اشتقاق هذه اللفظة وتصاريفها في الكلام ومنه البر بالضم لمنافعه وخيره ~~بالإضافة إلى سائر الحبوب # PageV01P007 # ولهذا كثيرا ما يقرن بين هذين الأصلين في مثل قول النبي صلى الله عليه ms01 ~~وسلم: " من صام رمضان إيمانا واحتسابا " و " ومن قام ليلة القدر إيمانا ~~واحتسابا " ونظائره. # فقوله: " على نور من الله " إشارة إلى الأصل الأول وهو الإيمان الذي هو ~~مصدر العمل والسبب الباعث عليه. # وقوله: " ترجو ثواب الله " إشارة أن الأصل الثاني وهو الاحتساب وهو ~~الغاية التي لأجلها يوقع العمل ولها يقصد به. # ولا ريب أن هذا اسم لجميع أصول الإيمان وفروعه، وأن البر داخل في هذا ~~المسمى. # وأما عند اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} ~~فالفرق بينهما فرق بين السبب المقصود لغيره والغاية المقصودة لنفسها، فان ~~البر مطلوب لذاته، إذ هو كمال العبد وصلاحه الذي لا صلاح له بدونه كما ~~تقدم. وأما التقوى فهي الطريق الموصل إلى البر والوسيلة إليه ولفظها يدل ~~على هذا فإنها فعلى، من وقى تقي، وكان أصلها وقوى، فقلبوا الواو تاء، كما ~~قالوا تراث من الوراثة، وتجاه من الوجه، وتخمة من الوخمة، ونظائرها. فلفظها ~~دال على أنها من الوقاية فان المتقي قد جعل بينه وبين النار وقاية والوقاية ~~من باب دفع الضر فالتقوى والبر كالعافية والصحة. # PageV01P008 # وهذا باب شريف ينتفع به انتفاعا عظيما في فهم ألفاظ القرآن ودلالته، ~~ومعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله فانه هو العلم النافع وقد ذم الله ~~تعالى في كتابه من ليس له علم بحدود ما أنزل الله على رسوله. # فإن عدم العلم بذلك مستلزم مفسدتين عظيمتين: # إحداهما أن يدخل في مسمى اللفظ ما ليس منه فيحكم له بحكم المراد من اللفظ ~~فيساوي بين ما فرق الله بينهما. # والثانية أن يخرج من مسمى اللفظ بعض أفراده الداخلة تحته فيسلب عنه حكمه ~~فيفرق بين ما جمع الله بينهما. # والذكي الفطن يتفطن لأفراد هذه القاعدة وأمثالها فيرى أن كثيرا من ~~الاختلاف أو أكثره إنما ينشأ من هذا الوضع وتفصيل هذا لا يفي به كتاب ضخم. # ومن هذا لفظ: الخمر فإنه اسم شامل لكل مسكر فلا يجوز إخراج بعض المسكرات ~~منه وينفى عنها حكمه. # وكذلك لفظ: الميسر وإخراج بعض أنواع القمار منه. ms02 # وكذلك لفظ: النكاح وإدخال ما ليس بنكاح في مسماه # PageV01P009 # وكذلك لفظ: الربا وإخراج بعض أنواعه منه وإدخال ما ليس بربا فيه. # وكذلك لفظ: الظلم والعدل والمعروف والمنكر ونظائره اكثر من أن تحصى ### | … # والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم التعاون على البر والتقوى، فيعين كل ~~واحد صاحبه على ذلك علما وعملا. # فان العبد وحده لا يستقل بعلم ذلك ولا بالقدرة عليه فاقتضت حكمة الرب ~~سبحانه أن جعل النوع الإنساني قائما بعضه ببعضه، معينا بعضه لبعضه. # معنى الإثم والعدوان # ثم قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} . والإثم والعدوان في جانب ~~النهي نظير: البر والتقوى في جانب الأمر. والفرق بين الإثم والعدوان كالفرق ~~ما بين محرم الجنس ومحرم القدر. فالإثم ما كان حراما لجنسه، والعدوان ما ~~حرم لزيادة في قدر وتعدي ما أباح الله منه فالزنا والخمر والسرقة ونحوها: ~~إثم. ونكاح الخامسة واستيفاء المجني عليه اكثر من حقه ونحوه وعدوان. # PageV01P010 # ومنه رجل بار وبر وكرام برره والأبرار. # فالبر: كلمة جامعة لجميع أنواع الخير والكمال والمطلوب من العبد. وفي ~~مقابلته الإثم وفي حديث النواس بن سمعان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له: " جئت تسال عن البر والإثم ". # فالاثم كلمة جامعة للشرور والعيوب التي يذم العبد عليها. # فيدخل في مسمى البر: الإيمان وأجزاؤه الظاهرة والباطنة ولا ريب ان التقوى ~~جزء هذا المعنى. وأكثر ما يعبر عن بر القلب وهو وجود طعم الإيمان فيه ~~وحلاوته وما يلزم ذلك من طمأنينته وسلامته وانشراحه # PageV01P011 # وقوته وفرحه بالإيمان. فإن للإيمان فرحة وحلاوة ولذة في القلب، فمن لم ~~يجدها فهو فاقد الإيمان أو ناقصه وهو من القسم الذين قال الله عز وجل فيهم: ~~{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الأيمان في ~~قلوبكم} . # فهؤلاء - على أصح القولين - مسلمون غير منافقين وليسوا بمؤمنين إذ لم ~~يدخل الإيمان في قلوبهم فيباشرها حقيقة. # معنى البر والتقوى # وقد جمع الله خصال البر في قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ms03 الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون} . # فأخبر سبحانه أن البر هو الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر، وهذه هي أصول الإيمان الخمس التي لا قوام للإيمان إلا بها، وأنها ~~الشرائع الظاهرة من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنفقات الواجبة، # PageV01P012 # وأنها الأعمال القلبية التي هي حقائقه من الصبر والوفاء بالعهد فتناولت ~~هده الخصال جميع أقسام الدين حقائقه وشرائعه والأعمال المتعلقة بالجوارح ~~والقلب وأصول الإيمان الخمس. ثم أخبر سبحانه عن هذا أنها هي خصال التقوى ~~بعينها فقال: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} . # التقوى: # وأما التقوى فحقيقتها العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا، أمرا ونهيا، ~~فيفعل ما أمر الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه ~~إيمانا بالنهي وخوفا من وعيده، كما قال طلق بن حبيب: " إذا وقعت الفتنة ~~فاطفئوها بالتقوى " قالوا: وما التقوى؟ قال: " أن تعمل بطاعة الله على نور ~~من الله ترجوا ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب ~~الله ". # وهذا أحسن ما قيل في حد التقوى. # فان كل عمل لابد له من مبدأ وغاية، فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون ~~مصدره عن الإيمان فيكون الباعث عليه هو الإيمان المحض، لا العادة ولا الهوى ~~ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك بل لابد أن يكون مبدؤه محض الإيمان وغايته ~~ثواب الله وابتغاء مرضاته وهو الاحتساب. # PageV01P013 # فالعدوان: هو تعدي حدود الله التي قال فيها: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} . # وقال في موضع آخر: {تلك حدود الله فلا تقربوها} فنهى عن تعديها في آية ~~وعن قربانها في آية وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين الحلال ~~والحرام ونهاية الشيء تارة تدخل فيه فتكون منه وتارة لا تكون داخلة فيه ~~فتكون لها حكم المقابلة فالاعتبار الأول نهى ms04 عن تعديها، وبالاعتبار الثاني ~~نهى عن قربانها. # PageV01P014 ### | فصل: [ما بين العبد وربه] # فهذا حكم العبد فيما بينه وبين الناس وهو أن تكون مخالطته لهم تعاونا على ~~البر والتقوى علما وعملا. # وأما حاله فيما بينه وبين الله تعالى فهو إيثار طاعته وتجنب معصيته وهو ~~قوله تعالى: {واتقوا الله} فأرشدت الآية إلى ذكر واجب العبد بينه وبين ~~الخلق وواجبه بينه وبين الحق. ولا يتم له أداء الواجب الأول إلا بعزل نفسه ~~من الوسط والقيام بذلك لمحض النصيحة والإحسان ورعاية الأمر ولا يتم له أداء ~~الواجب الثاني إلا بعزل الخلق من البين، والقيام له بالله إخلاصا ومحبة ~~وعبودية. # فينبغي التفطن لهذه الدقيقة التي كل خلل يدخل على العبد في أداء هذين ~~الأمرين الواجبين إنما هو عدم مراعاتها علما وعملا وهذا معنى قول الشيخ عبد ~~القادر - قدس الله روحه -: " كن مع الحق بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس، ومن ~~لم يكن كذلك لم يزل في تخبيط ولم يزل أمره فرطا ". # والمقصود بهذه المقدمة ما بعدها. # PageV01P015 ### | فصل: [في الهجرة إلى الله ورسوله] # لما فصل عير السفر واستوطن المسافر دار الغربة وحيل بينه وبين مألوفاته ~~وعوائده المتعلقة بالوطن ولوازمه، أحدث له ذلك نظرا فأجال فكره في أهم ما ~~يقطع به منازل السفر إلى الله، وينفق فيه بقية عمره فأرشده من بيده الرشد ~~إلى أن أهم شئ يقصده إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله، فإنها فرض عين على كل ~~أحد في كل وقت، وأنه لا انفكاك لأحد عن وجوبها وهي مطلوب الله ومراده من ~~العباد. # نوعا الهجرة # إذ الهجرة هجرتان: # الهجرة الأولى: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة وليس ~~المراد الكلام فيها. # والهجرة الثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة هنا. ~~وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية وهي الأصل وهجرة الجسد تابعة لها. # PageV01P016 # مبدأ الهجرة ومنتهاها # وهي هجرة تتضمن (من) و (إلى) فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ~~ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف ms05 ~~الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل ~~والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له، وهذا ~~بعينه معنى الفرار إليه قال تعالى: {ففروا إلى الله} ، والتوحيد المطلوب من ~~العبد هو الفرار من الله إليه. # الفرار الى الله # وتحت (من) و (إلى) في هذا سر عظيم من أسرار التوحيد، فإن الفرار إليه ~~سبحانه يتضمن إفراده بالطلب والعبودية ولوازمها فهو متضمن لتوحيد الإلهية ~~التي اتفقت عليها دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # PageV01P017 # الفرار من الله # ما الفرار منه إليه فهو متضمن لتوحيد الربوبية وإثبات القدر، وأن كل ما ~~في الكون من المكروه والمحذور الذي يفر منه العبد فإنما أوجبته مشيئة الله ~~وحده، فانه ما شاء كان ووجب وجوده بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن، وامتنع ~~وجوده لعدم مشيئته. فادا فر العبد إلى الله فإنما يفر من شئ إلى شئ وجد ~~بمشيئة الله وقدره فهو في الحقيقة فار من الله إليه. # ومن تصور هذا حق تصوره فهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " وأعوذ بك منك ~~" وقوله: " لا ملجأ ولا منجى منك ألا إليك "، فانه ليس في الوجود شئ يفر ~~منه ويستعاذ منه ويلتجأ منه إلا هو من الله خلقا وإبداعا. فالفار ~~والمستعيذ: فار مما أوجده قدر الله ومشيئته وخلقه إلى ما تقتضيه رحمته وبره ~~ولطفه وإحسانه، ففي الحقيقة هو هارب من الله إليه ومستعيذ بالله منه. # PageV01P018 # وتصور هذين الأمرين يوجب للعبد انقطاع تعلق قلبه عن غيره بالكلية خوفا ~~ورجاء ومحبة فإنه إذا علم أن الذي يفر منه ويستعيذ منه إنما هو بمشيئة الله ~~وقدرته وخلقه لم يبق في قلبه خوف من غير خالقه وموجده فتضمن ذلك إفراد الله ~~وحده بالخوف والحب والرجاء، ولو كان فراره مما لم يكن بمشيئة الله وقدرته ~~لكان ذلك موجبا لخوفه منه، مثل من يفر من مخلوق آخر أقدر منه فانه في حال ~~فراره من الأول خائف منه حذرا أن لا يكون الثاني يفيده منه بخلاف ما إذا ~~كان الذي ms06 يفر إليه هو الذي قضي وقدر وشاء ما يفر منه، فانه لا يبقى في ~~القلب التفات إلى غيره. # فتفطن إلى هذا السر العجيب في قوله: " أعوذ بك منك " و " لا ملجأ ولا ~~منجى منك إلا إليك " فإن الناس قد ذكروا في هذا أقوالا وقل من تعرض منهم ~~لهذه النكته التي هي لب الكلام ومقصوده وبالله التوفيق # فتأمل كيف عاد الأمر كله إلى الفرار من الله إليه وهو معنى الهجرة إلى ~~الله تعالى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المهاجر من هجر ما نهى ~~الله عنه ". ولهذا يقرن الله سبحانه بين الإيمان والهجرة في غير موضع ~~لتلازمهما واقتضاء أحدهما للآخر. # والمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمن: هجران ما يكرهه وإتيان ما يحبه ~~ويرضاه، وأصلها الحب والبغض، فان المهاجر من شئ إلى شئ لابد أن # PageV01P019 # يكون ما هاجر إليه أحب مما هاجر منه، فيؤثر احب الأمرين إليه على الآخر. ~~وإذا كان نفس العبد وهواه وشيطانه إنما يدعوانه إلى خلاف ما يحبه ويرضاه، ~~وقد بلي بهؤلاء الثلاث، فلا يزالون يدعونه إلى غير مرضاة ربه، وداعي ~~الإيمان يدعوه إلى مرضاة ربه فعليه في كل وقت أن يهاجر إلى الله ولا ينفك ~~في هجرته إلى الممات. # PageV01P020 ### | فصل: [الهجرة بين القوة والضعف] # وهذه الهجرة تقوى وتضعف بحسب داعي المحبة في قلب العبد، فإن كان الداعي ~~أقوى كانت هذه الهجرة أقوى وأتم وأكمل. وإذا ضعف الداعي ضعفت الهجرة حتى لا ~~يكاد يشعر بها علما، ولا يتحرك لها إرادة. # الهجرة العارضة: # والذي يقضي منه العجب: أن المرء يوسع الكلام ويفرغ المسائل في الهجرة من ~~دار الكفر إلى دار الإسلام وفي الهجرة التي انقطعت بالفتح، وهذه هجرة ~~عارضة، ربما لا تتعلق به في العمر أصلا. # الهجرة الدائمة: # وأما هذه الهجرة التي هي واجبة على مدى الأنفاس فإنه لا يحصل فيها علما ~~ولا إرادة وما ذاك إلا للإعراض عما خلق له، والاشتغال بما لا ينجيه وحده ~~عما لا ينجيه غيره. وهذا حال من عشت بصيرته وضعفت معرفته بمراتب العلوم ms07 ~~والأعمال. والله المستعان، وبالله التوفيق، لا اله غيره ولا رب سواه. # PageV01P021 ### | فصل: في الهجرة الى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم # وأما الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم لم يبق منه سوى اسمه، ~~ومنهج لم تترك بنيات الطريق سوى رسمه، ومحجة سفت عليها السوافي فطمست ~~رسومها، وغارت عليها الأعادي فغورت مناهلها وعيونها، فسالكها غريب بين ~~العباد، فريد بين كل حي وناد، بعيد على قرب المكان، وحيد على كثرة الجيران، ~~مستوحش مما به يستأنسون، مستأنس مما به يستوحشون، مقيم إذا ظعنوا، ظاعن إذا ~~قطنوا، منفرد في طريق طلبة، لا يقر قراره حتى يظفر بأربه، فهو الكائن معهم ~~بجسده، البائن منهم بمقصده، نامت في طلب الهدى أعينهم، وما ليل مطيته ~~بنائم، وقعدوا عن الهجرة النبوية، وهو في طلبها مشمر قائم، يعيبونه بمخالفة ~~آرائهم، ويزرون عليه ازراءه على جهالاتهم وأهوائهم، قد رجموا فيه الظنون، ~~وأحدقوا فيه العيون، وتربصوا به ريب المنون {فتربصوا إنا معكم متربصون} ، ~~{قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} . # نحن وإياكم نموت، فما ... افلح عند الحساب من ندما # PageV01P022 # والمقصود: أن هذه الهجرة النبوية شانها شديد. وطريقها على غير المشتاق ~~بعيد. # بعيد على كسلان أو ذي ملالة ... أما على المشتاق فهو قريب # ولعمر الله ما هي إلا نور يتلألأ، ولكن أنت ظلامه، وبدر أضاء مشارق الأرض ~~ومغاربها، ولكن أنت غيمه وقتامه ومنهل عذب صاف وأنت كدره، ومبتدأ لخير عظيم ~~ولكن ليس عندك خبره. # فاسمع الآن شأن هذه الهجرة والدلالة عليها، وحاسب ما بينك وبين الله، هل ~~أنت من الهاجرين لها أو المهاجرين إليها؟ # تعريف الهجرة الى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: # فجد هذه الهجرة: سفر النفس في كل مسالة من مسائل إلايمان، ومنزل من منازل ~~القلوب، وحادثة من حوادث إلاحكام إلى معدن الهدى، ومنبع النور الملتقى من ~~فم الصادق المصدوق الذي {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فكل مسألة ~~طلعت عليها شمس رسالته، وإلا فاقذف بها في بحر الظلمات، وكل شاهد ms08 عدله هذا ~~المزكى وإلا فعده من أهل الريب والتهمات. فهذا حد هذه الهجرة. # فما للمقيم في مدينة طبعه وعوائده، القاطن في دار مرباه ومولده، القائل: # PageV01P023 # إنا على طريقة آبائنا سالكون، وإنا بحبلهم متمسكون، وأنا على آثارهم ~~مقتدون، وما لهذه الهجرة التي كلت عليهم، واستند في طريقة نجاحه وفلاحه ~~إليهم، معتذرا بأن رأيهم خير من رأيه لنفسه، وأن ظنونهم وآراءهم أوثق من ~~ظنه وحدسه، ولو فتشت عن مصدر مقصود هذه الكلمة لوجدتها صادرة عن الإخلاد ~~إلى ارض البطالة متولدة بين الكسل وزوجه الملالة. # هجرتان # والمقصود: أن هذه الهجرة فرض على كل مسلم، وهي مقتضى " شهادة أن محمدا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " كما أن الهجرة الأولى مقتضى " شهادة أن لا ~~إله إلا الله " وعن هاتين الهجرتين يسأل كل عبد يوم القيامة وفي البرزخ، ~~ويطالب بها في الدنيا ودار البرزخ ودار القرار. # قال قتادة: " كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون ~~ومإذا اجبتم المرسلين؟ ". # وهاتان الكلمتان هما مضمون الشهادتين وقد قال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما # PageV01P024 # قضيت ويسلموا تسليما} فأقسم سبحانه بأجل مقسم به - وهو نفسه عز وجل - على ~~أنه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله، حتى يحكموا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع ابواب الدين. فإن لفظة " ما " ~~من صيغ العموم فإنها موصلة تقتضي نفي الإيمان أو يوجد تحكيمه في جميع ما ~~شجر بينهم. ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه حيث لا ~~يجدون في أنفسهم حرجا - وهو الضيق والحصر - من حكمه، بل يقبلوا حكمه ~~بالإنشراح، ويقابلوه بالتسليم لا أنهم يأخدونه على إغماض، ويشربونه على ~~قذى، فإن هذا مناف للإيمان، بل لابد أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر. # ومتى أراد العبد أن يعلم هذا فلينظر في حاله، ويطالع قلبه عند ورود حكمه ~~على خلاف هواه وغرضه أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل ms09 الكبار وما ~~دونها {بل الأنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} . # فسبحان الله! كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص ~~وبودهم أن لو لم ترد؟ وكم من حرارة في أكبادهم منها، وكم من شجى في حلوقهم ~~منها ومن موردها؟ # ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر. # PageV01P025 # ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى {ويسلموا تسليما} ~~فذكر الفعل مؤكدا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين. وهو التسليم والخضوع له ~~والإنقياد لما حكم به طوعا ورضا، وتسليما لا قهرا ومصابرة، كما يسلم ~~المقهور لمن قهره كرها، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شئ ~~إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بإنه أولى به من نفسه ~~وابر به منها واقدر على تخليصها. فمتى علم العبد هذا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واستسلم له، وسلم إليه، انقادت له كل علة في قلبه ورأى أن لا ~~سعادة له إلا بهذا التسليم والإنقياد. # وليس هذا مما يحصل معناه بالعبارة بل هو أمر انشق القلب واستقر في ~~سويدائه لا تفي العبارة بمعناه، ولا مطمع في حصوله بالدعوى والأماني. # وكل يدعى وصلا لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك # الحب بين العلم والحال # وفرق بين علم الحب وحال الحب. فكثيرا ما بشتبه على العبد علم الشيء بحاله ~~ووجوده، وفرق بين المريض العارف بالصحة والاعتدال وهو مثخن بالمرض، وبين ~~الصحيح السليم، وإن لم يحسن وصف الصحة والعبارة عنها. وكذلك فرق بين وصف ~~الخوف والعلم به وبين حاله ووجوده. # PageV01P026 # ما في الآية من تأكيد اتباع الرسول # وتأمل تأكيده سبحانه لهذا المعنى المذكور في الآية بوجوه عديدة من ~~التأكيد: # أولها: تصديرها بتضمن المقسم عليه للنفي وهو قوله: {لا يؤمنون} وهذا منهج ~~معروف في كلام العرب إذا أقسموا على شئ منفى صدروا جملة القسم بأداة نفي ~~مثل هذه الآية. ومثل ما في قول الصديق رضي الله عنه: " لاها الله، لا يعمد ~~إلى أسد من أسد ms10 الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه "، وقول الشاعر: # فلا وأبيك ابنه العامري ... لايدعى القوم إني افر # وقال الآخر: # فلا والله لا يلقى لما بي ... ولا لما بهم أبدا دواء # هذا في كلامهم اكثر من أن يذكر. # وتأمل جمل القسم التي في القرآن المصدرة بحرف النفي كيف تجد المقسم عليه ~~منفيا ومتضمنا للنفي، ولا يحزم هذا قوله تعالى {فلا أقسم بمواقع النجوم ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم} . # PageV01P027 # فإنه لما كان المقصود بهذا القسم نفي ما قاله الكفار في القرآن: من أنه ~~شعر أو كهانه أو أساطير الأولين، صدر القول بأداة النفي ثم اثبت له ما ~~قالوه. فتضمنت الآية أن ليس الأمر كما يزعمون ولكنه قرآن كريم. # ولهذا صرح بالأمرين: النفي والإثبات مثل قوله تعالى: {فلا أقسم بالخنس ~~الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم، ذي قوة ~~عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وما صاحبكم بمجنون، ولقد رآه بالأفق ~~المبين، وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم} ، وكذلك قوله: ~~{لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الأنسان ألن نجمع ~~عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه} . # والمقصود: أن افتتاح هذا القسم بأداة النفي يقتضي تقوية المقسم عليه ~~وتأكيده وشدة انتفائه. # وثانيها: تأكيده بنفس القسم. # وثالثها: تأكيده بالمقسم به، وهو إقسامه بنفسه لا بشيء من مخلوقاته، وهو ~~سبحانه يقسم بنفسه تارة وبمخلوقاته تارة. # ورابعها: تأكيده بانتفاء الحرج وهو وجود التسليم. # PageV01P028 # وخامسها: تأكيد الفعل بالمصدر، وما هذا التأكيد إلا لشدة الحاجة إلى هذا ~~الأمر العظيم، وإنه مما يعتني به ويقرر في نفوس العباد بما هو من ابلغ ~~أنواع التقرير. # حب الرسول # وقال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} وهو دليل على أن من لم يكن ~~الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين وهذه الأولوية تتضمن أمورا: # منها: أن يكون احب إلى العبد من نفسه، لان الأولوية أصلها الحب، ونفس ~~العبد أحب له من غيره، ومع هذا يجب أن ms11 يكون الرسول أولى به منها وأحب إليه ~~منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان. ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال ~~الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه ~~والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه # ومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا بل الحكم على نفسه للرسول صلى ~~الله عليه وسلم يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده، ~~فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها. # فيا عجبا كيف تحصل هذه الأولوية لعبد قد عزل ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن منصب التحكيم ورضي بحكم غيره واطمأن إليه أعظم # PageV01P029 # من اطمئنانه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وزعم أن الهدى لا يلتقي من ~~مشكاته وإنما يتلقى من دلالة العقول، وأن الذي جاء به لا يفيد اليقين، إلى ~~غير ذلك من الأقوال التي تتضمن الإعراض عنه وعما جاء به، والحوالة في العلم ~~النافع إلى غيره، ذلك هو الضلال البعيد ولا سبيل إلى ثبوت هده الأولوية إلا ~~بعزل كل ما سواه وتوليته في كل شئ وعرض ما قاله كل أحد سواه على ما جاء به ~~فان شهد له بالصحة قبله، وإن شهد له بالبطلان رده. وان لم تتبين شهادته له ~~لا بصحة ولا ببطلان جعله بمنزلة أحاديث أهل الكتاب ووقفه حتى يتبين أي ~~الأمرين أولى به. # فمن سلك هذه الطريقة استقام له سفر الهجرة واستقام له علمه وعمله، وأقبلت ~~وجوه الحق إليه من كل جهة. # ادعياء المحبة # ومن العجب أن يدعي حصول هذه الأولوية والمحبة التامة من كان سعيه ~~واجتهاده ونصبه في الاشتغال بأقوال غيره وتقريرها، والغضب والمحبة لها ~~والرضا بها والتحاكم إليها. وعرض ما قاله الرسول عليها، فان وافقها قبله، ~~وإن خالفها التمس وجوه الحيل وبالغ في رده ليا وإعراضا، # PageV01P030 # الإعراض عن الرسول # كما قال تعالى: {وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} ، ~~وقد اشتملت هده الآية على أسرار عظيمة ms12 يجب التنبيه على بعضها لشدة الحاجة ~~إليها. # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا} فأمر سبحانه بالقيام بالقسط وهو العدل في هذه الآية، وهذا أمر ~~بالقيام به في حق كل أحد عدوا كان أو وليا وأحق ما قام له العبد بقصد ~~الأقوال والآراء والمذاهب، إذ هي متعلقة بأمر الله وخبره. # فالقيام فيها بالهوى والمعصية مضاد لأمر الله مناف لما بعث به رسوله. # والقيام فيها بالقسط وظيفة خلفاء الرسول في أمته وأمنائه بين اتباعه. ولا ~~يستحق اسم الأمانة إلا من قام فيها بالعدل المحض نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ~~ولعباده، # PageV01P031 # وأولئك هم الوارثون حقا، لا من يجعل أصحابه ونحلته ومذهبه معيارا على ~~الحق وميزانا له، يعادي من خالفه ويوالي من وافقه بمجرد موافقته ومخالفته، ~~فأين هذا من القيام بالقسط الذي فرضه الله على كل أحد؟! وهو في هدا الباب ~~اعظم فرضا واكبر وجوبا. # شهداء الله # ثم قال: {شهداء لله} الشاهد هو المخبر، فان أخبر بحق فهو شاهد عدل مقبول، ~~وإن أخبر بباطل فهو شاهد زور، وأمر تعالى أن يكون شهيدا له مع القيام ~~بالقسط، وهذا يتضمن أن تكون الشهادة بالقسط، وان تكون لله لا لغيره، وقال ~~في الآية الأخرى: {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} فتضمنت الآيتان أمورا ~~أربعة. # أحدهما: القيام بالقسط. # الثاني: أن يكون لله. # الثالث: الشهادة بالقسط. # الرابع: أن تكون لله. # PageV01P032 # واحتضنت آية النساء بالقسط والشهادة لله، وآية المائدة بالقيام لله ~~والشهادة بالقسط لسر عجيب من أسرار القرآن ليس هذا موضع ذكره. # ثم قال تعالى: الأقربين {ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} فأمر ~~سبحانه أن يقام بالقسط ويشهد على كل أحد ولو كان أحب الناس إلى العبد، ~~فيقوم بالقسط على نفسه ووالديه الذين هما اصله وأقاربه الذين هم أخص به ~~والصديق من سائر الناس، فإن كان ما في ms13 العبد من محبة لنفسه ولوالديه ~~وأقربيه يمنعه من القيام عليهم بالحق، ولاسيما إذا كان الحق لمن يبغضه ~~ويعاديه قبلهم، فإنه لا يقوم به في هذا الحال إلا من كان الله ورسوله أحب ~~إليه من كل ما سواهما، وهذا يمتحن به العبد إيمانه فيعرف منزلة الإيمان من ~~قلبه ومحله منه، وعكس هذا عدل العبد في أعدائه ومن يجفوه، فإنه لا ينبغي أن ~~يحمله بغضه لهم أن يحيف عليهم، كما لا ينبغي أن يحمله حبه لنفسه ووالديه ~~وأقاربه على أن يترك القيام عليهم بالقسط، فلا يدخله ذلك البغض في باطل ولا ~~يقصر به هذا الحب عن الحق. كما قال السلف: " العادل هو الذي إذا غضب لم ~~يدخله غضبه في باطل، وإذا رضي لم يخرجه رضاه عن الحق ". # اشتملت الآيتان على هذين الحكمين: وهما القيام بالقسط والشهادة به على ~~الأولياء والأعداء. # ثم قال تعالى {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} منكم # PageV01P033 # هو ربهما ومولاهما وهما عبيده، كما أنكم عبيده فلا تحابوا غنيا لغناه، ~~ولا فقيرا لفقره فإن الله أولى بهما منكم. # وقد يقال: فيه معنى آخر أحسن من هذا، وهو أنهم ربما خافوا من القيام ~~بالقسط وأداء الشهادة على الغني والفقير. # أما الغني فخوفا على ماله، وأما الفقير فلإعدامه وأنه لا شيء له فتتساهل، ~~النفوس في القيام عليه بالحق، فقيل لهم: والله أولى بالغني والفقير منكم، ~~أعلم بهذا وأرحم بهذا، فلا تتركوا أداء الحق والشهادة على غني ولا فقير. # ثم قال تعالى: {لا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} نهاهم عن اتباع الهوى الحامل ~~على ترك العدل. وقوله تعالى {أن تعدلوا} منصوب الموضع لأنه مفعول لأجله، ~~وتقديره عند البصريين: كراهية أن تعدلوا، أو حذر أن تعدلوا، فيكون اتباعكم ~~للهوى كراهية العدل أو فرارا منه، وعلى قول الكوفيين التقدير. أن لا ~~تعدلوا، وقول البصريين أحسن واظهر. # اللي والإعراض: # ثم قال تعالى: {وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} ذكر ~~سبحانه السببين الموجبين لكتمان الحق محذرا منهما ومتوعدا عليهما: # PageV01P034 # أحدهما: اللي والآخر: ms14 الإعراض، فإن الحق إذا ظهرت حجته ولم يجد من يروم ~~دفعها طريقا إلى دفعها أعرض عنها وأمسك عن ذكرها فكان شيطانا أخرس، وتارة ~~يلويها ويحرفها، اللي مثال الفتل وهو التحريف، وهو نوعان: لي في اللفظ ولي ~~في المعنى، فاللي في اللفظ أن يلفظ بها على وجه لا يستلزم الحق، إما بزيادة ~~لفظة أو نقصانها أو إبدالها بغيرها، ولي في كيفية أدائها وإيهام السامع ~~لفظا وإرادة غيره، كما كان اليهود يلوون ألسنتهم بالسلام على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وغيره فهذا أحد نوعي اللي. # والنوع الثاني منه: لي المعنى وهو تحريفه وتأويل اللفظ على خلاف مراد ~~المتكلم، وبجهالة ما لم يرده أو يسقط منه لبعض المراد به، ونحو هذا من لي ~~المعاني، فقال تعالى: {وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} ~~. # ولما كان الشاهد مطالبا بأداء الشهادة على وجهها فلا يكتمها ولا يغيرها ~~كان الإعراض نظير الكتمان. # PageV01P035 # واللي نظير تغييرها وتبديلها، فتأمل ما تحت هذه الآية من كنوز العلم. # والمقصود: أن الواجب الذي لا يتم الإيمان بل لا يحصل مسمى الإيمان إلا ~~به، مقابلة النصوص بالتلقي والقبول والإظهار لها ودعوة الخلق إليها، ولا ~~تقابل بالاعتراض تارة وباللي أخرى. # الخيرة لله # وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم} فدل هذا على انه إذا ثبت لله ورسوله في كل مسالة من ~~المسائل حكم طلبي أو خبري، فإنه ليس لأحد أن يتخير لنفسه غير ذلك الحكم ~~فيذهب إليه، وأن ذلك ليس لمؤمن ولا مؤمنة أصلا، فدل على أن ذلك مناف ~~للإيمان. # PageV01P036 # موقف الأئمة من السنة # وقد حكى الشافعي رضي الله تعالى عنه إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ~~على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها ~~لقول أحد، ولم يسنرب أحد من أئمة الإسلام في صحة ما قاله الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه، فإن الحجة الواجب إتباعها على الخلق كافة إنما هو ms15 قول المعصوم ~~الذي لا ينطق عن الهوى، وأما أقوال غيره فغايتها أن تكون سائغة الاتباع ~~فضلا عن أن يعارض بها النصوص وتقدم عليها، عياذا بالله من الخذلان. # وقال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا ~~أنما على رسولنا البلاغ المبين} ، فأخبر سبحانه أن الهداية في طاعة الرسول ~~لا في غيرها، فإنه معلق بالشرط فينتفي بانتفائه وليس هذا من باب دلالة ~~المفهوم، كما يغلط فيه كثير من الناس ويظن أنه محتاج في تقريره الدلالة منه ~~لا تقرير كون المفهوم حجة بل هذا من الأحكام التي ترتبت على شروط وعلقت فلا ~~وجود لها بدون شروطها، إذا ما علق على الشرط فهو عدم عند عدمه، وإلا لم يكن ~~شرطا له. # PageV01P037 # إذا ثبت هذا: فالآية نص على انتفاء الهداية عند عدم طاعته، وفي إعادة ~~الفعل في قوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} دون الاكتفاء بالفعل ~~الأول سر لطيف وفائدة جليلة سنذكرها عن قريب إن شاء الله تعالى. # وقوله تعالى: {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل} الفعل للمخاطبين وأصله فان ~~تتولوا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. والمعنى أنه قد حمل أداء الرسالة ~~وتبليغها وحملتم طاعته والانقياد له والتسليم. كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " من الله البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم ". فإن ~~تركتم أنتم ما حملتموه من الإيمان والطاعة فعليكم لا عليه، فإنه لم يحمل ~~إيمانكم وإنما حمل تبليغكم، وإنما حمل أداء الرسالة إليكم {وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} ليس عليه هداهم وتوفيقهم. # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # PageV01P038 # وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} . # النداء بالإيمان # فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، وافتتح الآية بالنداء باسم الإيمان ~~المشعر بأن المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به، كما ~~يقال: يا من أنعم الله عليه وأغناه من فضله، أحسن كما احسن الله إليك: ويا ~~أيها العالم علم ms16 الناس ما ينفعهم، ويا أيها الحاكم احكم بالحق، ونظائره. # ولهذا كثيرا ما يقع الخطاب في القرآن بالشرائع كقوله تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} ، {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة} ، ~~{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} . ففي هذا إشارة إلى أنكم إن كنتم ~~مؤمنين فالإيمان يقتضي منكم كذا وكذا فإنه من موجبات الإيمان وتمامه. # PageV01P039 # ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} فقرن بين طاعة الله والرسول وطاعة أولي الأمر، وسلط عليهما ~~عاملا واحدا. وقد كان ربما يسبق إلى الوهم أن الأمر يقتضي عكس هذا فإنه من ~~يطع الرسول فقد أطاع الله ولكن الواقع هنا في الآية المناسب. # وتحته سر لطيف وهو دلالته على أن ما يأمر به رسوله يجب طاعته فيه وإن لم ~~يكن مأمورا به بعينه في القرآن طاعة الرسول مفردة ومقرونة. فلا يتوهم متوهم ~~أن ما يأمر به الرسول إن لم يكن في القرآن وإلا فلا تجب طاعته فيه، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر ~~من أمري فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله تعالى، ما وجدنا فيه من شئ اتبعناه. ~~ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه". # طاعة أولي الأمر # أما أولو الأمر فلا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول، لا ~~طاعة مفردة مستقلة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " على ~~المرء السمع والطاعة فيما احب وكره ما لم يؤمر بمعصية الله تعالى فإذا أمر ~~بمعصية الله تعالى فلا سمع ولا طاعة ". # PageV01P040 # فتأمل كيف اقتضت إعادة هذا المعنى قوله تعالى: {فردوه إلى الله والرسول} ~~ولم يقل: وإلى الرسول. فإن الرد إلى القرآن رد إلى الله والرسول، فما حكم ~~به الله تعالى هو بعينه حكم رسوله وما يحكم به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~هو بعينه حكم الله. فادا رددتم إلى الله ما تنازعتم فيه يعني كتابة فقد ~~رددتموه إلى رسوله. وكذلك إذا رددتموه إلى ms17 رسوله فقد رددتموه إلى الله، ~~وهذا من أسرار القرآن. # من هم أولي الأمر # وقد اختلفت الرواية عن الإمام احمد رحمه الله تعالى في أولي الأمر وعنه ~~فيهم رحمه الله تعالى روايتان: # إحداهما: انهم العلماء، والثانية: انهم الأمراء. # والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية والصحيح أنها متناولة للصنفين ~~جميعا فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله، فان ~~العلماء ولاته حفظا وبيانا وذبا عنه وردا على من الحد فيه وزاغ عنه، وقد ~~وكلهم الله بذلك فقال تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا ~~بها بكافرين} فيالها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم وكون الناس ~~تبعا لهم، # PageV01P041 # والأمراء ولاته قياما وعناية وجهادا وإلزاما للناس به، وأخذهم على يد من ~~خرج عنه. وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع الإنساني تبع لها ورعية. # ثم قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر} وهذا دليل قاطع على أنه يجب رد موارد النزاع في ~~كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله إلى الله ورسوله لا إلى أحد غير الله ~~ورسوله، فمن أحال الرد على غيرهما فقد ضاد أمر الله ومن دعا عند النزاع إلى ~~حكم غير الله ورسوله فقد دعا بدعوى الجاهلية، فلا يدخل العبد في الإيمان ~~حتى يرد كل ما تنازع فيه المتنازعون إلى الله ورسوله، ولهذا قال الله تعالى ~~{إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} وهذا مما ذكرنا آنفا أنه شرط ينتفي ~~المشروط بانتفائه، فدل على أن من حكم غير الله ورسوله في موارد مقتضى ~~النزاع كان خارجا من مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر، وحسبك بهذه الآية ~~العاصمة القاصمة بيانا وشفاء فإنها قاصمة لظهور المخالفين لها عاصمة ~~للمتمسكين بها الممتثلين ما أمرت به. # قال الله تعالى {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله ~~لسميع عليم} [الأنفال: 42] . # PageV01P042 # وقد اتفق السلف والخلف على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى ~~الرسول هو ms18 الرد إليه في حياته والرد إلى سنته بعد وفاته. # سعادة الدارين # ثم قال تعالى: {ذلك خير وأحسن تأويلا} أي هذا الذي أمرتكم به من طاعتي ~~وطاعة رسولي وأولياء الأمر ورد ما تنازعتم فيه إلى وإلى رسولي خير لكم في ~~معاشكم ومعادكم، وهو سعادتكم في الدارين فهو خير لكم واحسن عاقبة. # فدل هذا على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة ~~عاجلا وآجلا. ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم ~~سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فانه بسبب طاعة ~~الرسول. وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة ~~الرسول ومقتضياتها، فعاد شر الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول وما يترتب ~~عليه فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط، وهذا كما ~~أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض فكذلك هو في الشر ~~والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه فإنما هو بسبب مخالفة الرسول، ولأن ~~طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من الآمنين والكهف الذي من لجأ إليه كان ~~من الناجين. # PageV01P043 # فعلم أن شرور الدنيا والآخرة إنما هو الجهل بما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم والخروج عنه، وهذا برهان قاطع على أنه لا نجاة للعبد ولا سعادة ~~إلا بالاجتهاد في معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علما والقيام ~~به عملا. # كمال السعادة # وكمال هذه السعادة بأمرين آخرين: # أحدهما: دعوة الخلق إليه. # والثاني: صبره واجتهاده على تلك الدعوة. # الكمال الإنساني # فانحصر الكمال الإنساني على هذه المراتب الأربعة. # أحدهما: العلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. # والثانية: العمل به. # والثالثة: نشره في الناس ودعوتهم إليه. # والرابعة: صبره وجهاده في أدائه وتنفيذه. # ومن تطلعت همته إلى معرفة ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأراد ~~اتباعهم فهذه طريقهم حقا: # فإن شئت وصل القوم فاسلك سبيلهم ... فقد وضحت للسالكين عيانا # PageV01P044 # وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ms19 {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ~~وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب} فهذا نص صريح في أن هدي ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يحصل بالوحي، فيا عجبا! كيف يحصل الهدى ~~لغيره من الآراء والعقول المختلفة والأقوال المضطربة؟! ولكن {من يهد الله ~~فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} ، فأي ضلال اعظم من ضلال من ~~زعم أن الهداية لا تحصل بالوحي ثم يحيل فيها على عقل فلان ورأي فلتان؟ وقول ~~زيد وعمرو ولقد عظمت نعمة الله على عبد عافاه من هذه البلية العظمى ~~والمصيبة الكبرى والحمد لله رب العالمين. # وقال تعالى: {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما ~~تذكرون} فأمر سبحانه باتباع ما أنزل على رسوله ونهي عن اتباع غيره، فما هو ~~إلا اتباع المنزل. واتباع أولياء من دونه. فانه لم يجعل بينهما واسطة فكل ~~من لا يتبع الوحي فإنما يتبع الباطل واتبع أولياء من دون الله وهذا بحمد ~~الله ظاهر لا خفاء به. # وقال تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا ياويلتى ليتني لم أتخد فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر # PageV01P045 # بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} فكل من اتخذ غير الرسول، يترك ~~لأقواله وآرائه ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فانه قائل هذه المقالة ~~لا محالة. ولهذا هذا الخليل كنى عنه باسم فلان إذ لكل متبع أولياء من دون ~~الله فلان وفلان. فهذا حال الخليلين المتخالين على خلاف طاعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ومآل تلك الخلة إلى العداوة واللعنة كما قال الله تعالى: ~~{الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} وقد ذكر حال هؤلاء الأتباع ~~وحال من تبعوهم في غير موضع من كتابه كقوله تعالى: {يوم تقلب وجوههم في ~~النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا ms20 فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا} تمنى القوم طاعة الله ورسوله حين لا ينفعهم ذلك واعتذروا بأنهم ~~أطاعوا كبراءهم ورؤساءهم واعترفوا بأنهم لا عذر لهم في ذلك، وانهم أطاعوا ~~السادات والكبراء وعصوا الرسول، وآلت تلك الطاعة والموالاة إلى قولهم: ~~{ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} وفي بعض هذا عبرة للعاقل ~~وموعظة شافية، وبالله التوفيق. # وقال تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته # PageV01P046 # أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ~~ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين. قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس في النار كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت ~~أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} # فليتدبر العاقل هذه الآيات وما اشتملت عليه من العبر. # الصنفان المبطلان # وقوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} ذكر ~~الصنفين المبطلين. # أحدهما: منشئ الباطل والفرية وواضعها وداعي الناس إليها. # والثاني: مكذب بالحق. # فالأول: كفره بالافتراء وإنشاء الباطل # والثاني: كفره بجحود الحق. # وهذان النوعان يعرضان لكل مبطل. فان انضاف إلى ذلك دعوته إلى باطلة وصد ~~الناس عن الحق، استحق تضعيف العذاب لكفره وشره. # ولهذا قال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا # PageV01P047 # فوق العذاب بما كانوا يفسدون} فلما كفروا وصدوا عباده عن سبيله عذبهم ~~عذابين: عذابا بكفرهم وعذابا بصدهم عن سبيله، وحيث يذكر الكفر المجرد لا ~~يعدد العذاب، كقوله تعالى: {والكافرين لهم عذاب أليم} وقوله تعالى: {أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب} يعني ينالهم ما كتب لهم في الدنيا من الحياة ~~والرزق وغير ذلك {تى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من ~~دون الله قالوا ضلوا عنا} زالوا وفارقوا ms21 وبطلت تلك الدعوة {وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والأنس في النار} ادخلوا في جملة هذه الأمم كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى ~~إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم} كل أمة متأخرة لأسلافها {بنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار} ضاعفه عليهم بما أضلونا وصدونا عن ~~طاعة رسلك، قال الله تعالى: {قال لكل ضعف} من الأتباع والمتبوعين بحسب ~~ضلالة وكفره {ولكن لا تعلمون} لا تعلم كل طائفة بما فيه أختها من العذاب ~~المضاعف {وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل} فإنكم جئتم بعدنا ~~فأرسلت فيكم الرسل وبينوا لكم الحق وحذروكم من ضلالنا # PageV01P048 # ونهوكم عن اتباعنا وتقليدنا، فأبيتم إلا اتباعنا وتقليدنا وترك الحق الذي ~~أتتكم به الرسل. فأي فضل كان لكم علينا، وقد ضللتم كما ضللنا، وتركتم الحق ~~كما تركنا، فضللتم انتم بنا كما ضللنا نحن بقوم آخرين. فأي فضل كان لكم ~~علينا {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} فلله ما أشفاها من موعظة وما أبلغها ~~من نصيحة لو صادفت من القلوب حياة فان هذه الآية وأمثالها مما يذكر قلوب ~~السائرين إلى الله وأما أهل البطالة فليس عندهم من ذلك خبر. # PageV01P049 ### | فصل: [معركة الأتباع والمتبوعين] # فهذا حكم الإتباع والمتبوعين المشركين في الضلالة. وأما الأتباع ~~المخالفون لمتبوعيهم، العادلون عن طريقتهم الذين يزعمون أنهم لهم تبع ~~وليسوا متبعين لطريقتهم، فهم المذكورون في قوله تعالى: {إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا ~~لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم وما هم بخارجين من النار} ، فهؤلاء المتبوعون كانوا على هدى وأتباعهم ~~ادعوا أنهم كانوا على طريقتهم ومنهاجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير ~~طريقتهم، يزعمون أنهم يحبونهم وأن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم، فيتبرءون ~~منهم يوم القيامة فإنهم اتخدوهم أولياء من دون الله وظنوا أن هذا الاتخاذ ~~ينفعهم. # وهذه حال كل من اتخد من دون الله ورسوله ms22 وليجة وأولياء، يوالي لهم ويعادي ~~لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم فان أعماله كلها باطلة يراها يوم القيامة حسرات ~~عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه، إذ لم يجرد موالاته ومعاداته، ومحبته ~~وبغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله فأبطل الله عز وجل ذلك العمل كله وقطع ~~تلك الأسباب، فينقطع يوم القيامة كل وصلة ووسيلة ومودة وموالاة كانت لغير ~~الله تعالى، ولا يبقى إلا السبب # PageV01P050 # الواصل بين العبد وربه وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريد عبادته ~~له وحده ولوازمها من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة ~~والتقريب والإبعاد وتجريده متابعة رسوله وترك أقوال غيره، وترك ما خالف ما ~~جاء به والإعراض عنه وعدم الاعتناء به وتجريد متابعته تجريدا محضا بريئا من ~~شوائب الالتفات إلى غيره، فضلا عن الشركة بينه وبين غيره، فضلا عن تقديم ~~قول غيره عليه. # فهذا هو السبب الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وبين ~~ربه، وهي نسبة العبودية المحضة وهي آخيته التي يحول ما يحول ثم إليها ~~مرجعة: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # وهذه هي النسبة التي تنفع العبد، فلا ينفعه غيرها في الدور الثلاثة: أعني ~~دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، فلا قوام له ولا عيش ولا نعيم ولا ~~فلاح إلا بهذه النسبة. وهي السبب الواصل بين العبد وبين الله ولقد أحسن ~~القائل: # PageV01P051 # إذا تقطع حبل الوصل بينهم ... فللمحبين حبل غير منقطع # وان تصدع شمل القوم بينهم ... فللمحبين شمل غير متصدع # والمقصود أن الله سبحانه يقطع يوم القيامة الأسباب والعلق والوصلات التي ~~كانت بين الخلق في الدنيا كلها، ولا يبقى إلا السبب والوصلة التي بين العبد ~~وبين الله فقط وهو سبب العبودية المحضة التي لا وجود لها ولا تحقيق إلا ~~بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إذ هذه العبودية إنما جاءت ~~على ألسنتهم وما عرفت إلا بهم ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم وقد قال تعالى: ~~{وقدمنا ms23 إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ، فهذه هي أعماله التي ~~كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير وجهه يجعلها الله هباءا ~~منثورا. ولا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلا، وهذا من أعظم الحسرات على العبد ~~يوم القيامة: أن يرى سعيه كله ضائعا لم ينتفع منه بشيء وهو أحوج ما كان ~~العامل إلى عمله، وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم. # PageV01P052 ### | فصل: [الأتباع السعداء] # فهدا حكم اتباع الأشقياء. فأما اتباع السعداء فنوعان: # اتباع لهم حكم الاستقلال وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: {والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه} . فهؤلاء هم السعداء الذين ثبت لهم رضا الله عنهم وهم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة. ولا يختص ذلك ~~بالقرن الذين رأوهم فقط وإنما خص التابعين بمن رأوا الصحابة تخصيصا عرفيا ~~ليتميزوا به عمن بعدهم فقيل: التابعون مطلقا لذلك القرن فقط، وإلا فكل من ~~سلك سبيلهم فهو من التابعين لهم بإحسان وهو ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه. # الاحسان في التبعية # وقيد سبحانه هذه التبعية بأنها تبعية بإحسان ليست مطلقة فتحصل بمجرد ~~النية والإتباع في شيء والمخالفة في غيره، ولكن تبعية مصاحبة الإحسان، وأن ~~الباء ها هنا للمصاحبة. # PageV01P053 # والإحسان والمتابعة شرط في حصول رضاء الله عنهم وجناته، وقد قال تعالى: ~~{هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} . # فالأولون: هم الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبوه. ~~والآخرون: هم الذين لم يلحقوهم وهم كل من بعدهم على منهاجهم إلى يوم ~~القيامة فيكون التأخر وعدم اللحاق في الفضل والرتبة بل هم دونهم فيكون عدم ~~اللحاق في الرتبة والقولان كالمتلازمين فإن من بعدهم لا يلحقون بهم لا في ~~الفضل ولا في الزمان فهؤلاء الصنفان ms24 هم السعداء. وأما من لم يقبل هدى الله ~~الذي بعث به رسوله ولم يرفع به رأسا فهو من الصنف الثالث وهم: {مثل الذين ~~حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} . # وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أقسام الخلائق بالنسبة إلى دعوته وما ~~بعث به من الهدى في قوله صلى الله عليه وسلم: " مثل ما بعثني الله به من ~~الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت ~~الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، ~~وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت # PageV01P054 # كلأ فذلك مثل من فقه في الدين فنفعه ما بعثني الله به ومثل من لم يرفع ~~بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. " # الغيث والعلم # فشبه صلى الله عليه وسلم العلم الذي جاء به بالغيث لأن كلا منهما سبب ~~الحياة، فالغيث سبب حياة الأبدان والعلم سبب حياة القلوب، وشبه القلوب ~~بالأودية كما في قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} # الأرض والغيث # وكما أن الأرضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث. # إحداها: أرض زكية قابلة للشراب والنبات، فإذا أصابها الغيث ارتوت ومنه ~~يثمر النبت من كل زوج بهيج، فذلك مثل القلب الزكي الذكي، فهو يقبل العلم ~~بذكائه فيثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه فهو قابل للعلم مثمر لموجبه ~~وفقهه وأسرار معادنه. # والثانية: أرض صلبة قابلة لثبوت ما فيها وحفظه فهذه تنفع الناس لورودها ~~والسقي منها والازدراع، وهو مثل القلب الحافظ للعلم الذي يحفظه كما سمعه، ~~فلا تصرف فيه ولا استنبط، بل للحفظ المجرد فهو يؤدي كما سمع وهو من القسم ~~الذي قال # PageV01P055 # النبي صلى الله عليه وسلم: " فرب حامل فقه إلى من هو افقه ورب حامل فقه ~~غير فقيه ". # فالأول: كمثل الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات فهو يكسب ~~بماله ما شاء. # والثاني: مثل الغني الذي لا خبرة له بوجوه الربح والمكسب، ولكنه حافظ لما ~~لا يحسن التصرف والتقلب فيه. ms25 # والأرض الثالثة: أرض قاع وهو المستوى الذي لا يقبل النبات ولا يمسك ماء، ~~فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تنتفع منه بشيء، فهذا مثل القلب الذي لا ~~يقبل العلم والفقه والدراية، وإنما هو بمنزلة الأرض البوار التي لا تنبت ~~ولا تحفظ، وهو مثل الفقير الذي لا مال له ولا يحسن يمسك مالا. # فالأول: عالم معلم وداع إلى الله على بصيرة فهذا من ورثة الرسل. # والثاني: حافظ مؤد لما سمعه فهذا يحمل لغيره ما يتجر به المحمول إليه ~~ويستثمر. # والثالث: لا هذا ولا هذا فهو الذي لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسا. # فاستوعب هذا الحديث أقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم منها قسمان ~~قسم سعيد وقسم شقي. # PageV01P056 ### | فصل: [أطفال المؤمنين] # وأما النوع الثاني من الإتباع: فهم اتباع المؤمنين من ذريتهم الذين لم ~~يثبت لهم حكم التكليف في دار الدنيا، وإنما هم مع آبائهم تبع لهم، وقال ~~الله تعالى فيهم: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ~~وما ألتناهم من عملهم من شيء} . أخبر سبحانه انه الحق الذرية بآبائهم في ~~الجنة كما اتبعهم إياهم في الإيمان، ولما كان الذرية لا عمل لهم يستحقون به ~~تلك الدرجات قال تعالى: {وما ألتناهم من عملهم من شيء} والضمير عائد إلى ~~الذين آمنوا، أي وما نقصناهم من عملهم بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم مع ~~توفيتهم أجور أعمالهم فليست منزلتهم منزلة من لم يكن له عمل بل وفيناهم ~~أجورهم فألحقنا بهم ذريتهم فوق ما يستحقون من أعمالهم. # ثم لما كان هذا الإلحاق في الثواب والدرجات فضلا من الله فربما # PageV01P057 # وقع في الوهم أن إلحاق الذرية أيضا حاصل لهم في حكم العدل، فلما اكتسبوا ~~سيئات أوجبت عقوبة، كان كل عامل رهينا بكسبه لا يتعلق بغيره شيء فالإلحاق ~~المذكور إنما هو في الفضل والثواب لا في العدل والعقاب وهذا نوع من أسرار ~~القرآن وكنوزه التي يختص الله بفهمها من شاء. # فقد تضمنت هذه الآية أقسام الخلائق كلهم: أشقيائهم وسعدائهم، السعداء ~~المتبوعين والأتباع، والأشقياء المتبوعين والإتباع. ms26 فعلى العاقل الناصح ~~لنفسه أن ينظر في أي الأقسام هو، ولا يغتر بالعادة ويخلد إلى البطالة فإن ~~كان من قسم سعيد انتقل إلى ما هو فوقه وبذل جهده والله ولي التوفيق ~~والنجاح. وإن كان من قسم شقي انتقل منه إلى القسم السعيد في زمن الإمكان ~~قبل أن يقول يا ليتني اتخدت مع الرسول سبيلا. # PageV01P058 ### | فصل: [سفر الهجرة] # والمقصود بهذا أن من أعظم التعاون على البر والتقوى والتعاون على سفر ~~الهجرة إلى الله والرسول باليد واللسان والقلب والمساعدة والنصيحة تعليما ~~وإرشادا ومودة، ومن كان هكذا مع عباد الله فكل خير إليه أسرع، واقبل الله ~~إليه بقلوب عباده وفتح على قلبه أبواب العلم ويسره لليسرى، ومن كان بالضد ~~فبالضد. # زاد المسافر # فإن قلت: قد أشرت إلى سفر عظيم وأمر جسيم فما زاد هذا السفر وما طريقه ~~وما مركبه # قلت: زاده العلم الموروث من خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ولا زاد له ~~سواه فمن لم يحصل هذا الزاد فلا يخرج من بيته وليقعد مع الخالفين. فرفقاء ~~المتخلف البطالون أكثر من أن يحصوا، فله أسوة بهم، ولن ينفعه هذا التأسي ~~يوم الحسرة شيئا كما قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون} فقطع الله سبحانه انتفاعهم بتأسي بعضهم # PageV01P059 # ببعض في العذاب، فإن مصائب الدنيا إذا عمت صارت مسلاة، وتأسى بعض ~~المصابين ببعض كما قالت الخنساء: # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي # فهذا الروح الحاصل من التأسي معدوم بين المشتركين في العذاب يوم القيامة. # طريق السفر # وأما طريقه: فهو بذل الجهد واستفراغ الوسع، فلا ينال بالمني، ولن يدرك ~~بالهوينا، وإنما هو كما قيل: # فخض غمرات الموت واسم إلى العلا ... لكي تدرك العز الرفيع الدائم # فلا خير في نفس تخاف من الردى ... ولا همة تصبو إلى لوم لائم # ولا سبيل إلى ركوب هذا الظهر إلا بأمرين: # أحدهما: أن لا يصبو في الحق إلى لوم لائم فان اللوم يصيب الفارس فيصرعه ~~عن ms27 فرسه ويجعله صريعا في الأرض. # والثاني: أن تهون عليه نفسه في الله، فيقدم حينئذ ولا يخاف الأهوال فمتى ~~خافت النفس تأخرت وأحجمت وأخلدت إلى الأرض، ولا يتم له هذان # PageV01P060 # الأمران إلا بالصبر، فمن صبر قليلا صارت تلك الأهوال ريحا رخاء في حقه ~~تحمله بنفسها إلى مطلوبه، فبينما هو يخاف منها إذ صارت اعظم أعوانه وخدمه، ~~وهذا أمر لا يعرفه إلا من دخل فيه. # مركب السفر # وأما مركبه فصدق اللجأ إلى الله وانقطاع إليه بكليته وتحقيق الافتقار ~~إليه بكل وجه والضراعة إليه وصدق التوكل والإستعانة به والانطراح بين يديه ~~انطراح المسلوم المكسور الفارغ الذي لاشيء عنده فهو يتطلع إلى قيمه ووليه ~~أن يجده ويلم شعثه، ويمده من فضله ويستره فهذا الذي يرجى له أن يتولى الله ~~هدايته وأن يكشف له ما خفي على غيره من طريق هذه الهجرة ومنازلها. # PageV01P061 ### | فصل: [التدبر والتفكير في آلاء الله] # ورأس الأمر وعموده في ذلك إنما هو دوام التفكر وتدبر آيات الله حيث ~~تستولي على الفكر وتشغل القلب فإذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه ~~وجلس على كرسيه، وصار له التصرف، وصار هو الأمير المطاع أمره، فحينئذ ~~يستقيم له سيره ويتضح له الطريق وتراه ساكنا وهو يباري الريح {وترى الجبال ~~تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما ~~تفعلون} . # PageV01P062 ### | فصل: [أفلا يتدبرون القرآن] # فان قلت: إنك قد أشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه، واكشف لي حجابه، وكيف ~~تدبر القرآن وتفهمه والإشراف على عجائبه وكنوزه؟ وهذه تفاسير الأئمة ~~بأيدينا، فهل في البيان غير ما ذكروه؟ # قلت: سأضرب لك أمثالا تحتذي عليها وتجعلها إماما لك في هذا المقصد، قال ~~الله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم قال ~~ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته ~~في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك ms28 إنه هو الحكيم ~~العليم} . # فعهدى بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فإنما تطلع منها ~~على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون وبشروه بغلام ~~عليم، وإنما امرأته عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك. ولم ~~يتجاوز تدبرك غير ذلك. # PageV01P063 # فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار. # وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم # وكيف جمعت الضيافة وحقوقها # وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة # وكيف تضمنت علما عظيما من أعلام النبوة # وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي ردها إلى العلم والحكمة # وكيف تضمنت الأخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة # وتضمنت ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما # وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده وصدق رسله وعلى اليوم الآخر # وتضمنت انه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوف من عذاب الآخرة وهم ~~المؤمنون بها # وأما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها فلا ينتفع بتلك الآيات # فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملة: قال الله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف ~~إبراهيم المكرمين} افتتح سبحانه القصة بصيغة موضوعة للاستفهام، وليس المراد ~~بها حقيقة # PageV01P064 # الاستفهام، ولهذا قال بعض الناس: إن (هل) في مثل هذا الموضع بمعنى (قد) ~~التي تقتضي التحقيق. ولكن في ورود الكلام في مثل هذا بصيغة الاستفهام سر ~~لطيف، ومعنى بديع، فإن المتكلم إذا أراد أن يخبر المخاطب بأمر عجيب ينبغي ~~الاعتناء به، وإحضار الذهن له صدر له الكلام بأداة الاستفهام لتنبيه سمعه ~~وذهنه للمخبر به، فتارة يصدره بألا، وتارة يصدره بهل، فقول: هل علمت ما كان ~~من كيت وكيت؟ إما مذكرا به، وإما واعظا له مخوفا، وإما منبها على عظمه ما ~~يخبر به، وإما مقررا له، فقوله تعالى: {هل أتاك حديث موسى} و {وهل أتاك نبأ ~~الخصم} و {هل أتاك حديث الغاشية} و {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} ~~متضمن لتعظيم هذه القصص والتنبيه على تدبرها ومعرفتها ما تضمنته. # ففيه أمر آخر. وهو التنبيه على ms29 أن إتيان هذا إليك علم من أعلام النبوة ~~فانه من الغيب الذي لا تعمله أنت ولا قومك فهل أتاك من غير أعلامنا ~~وإرسالنا وتعريفنا؟ أم لم يأتك إلا من قبلنا؟ # فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام، وتأمل عظم موقعه من # PageV01P065 # جميع موارده يشهد أنه من الفصاحة في ذروتها العليا. وقوله ضيف إبراهيم ~~المكرمين متضمن لثنائه على خليله إبراهيم فإن في المكرمين قولين. # أحدهما: إكرام إبراهيم لهم ففيه مدح إبراهيم بإكرام الضيف. # والثاني: انهم مكرمون عند الله كقوله تعالى: {بل عباد مكرمون} وهو متضمن ~~أيضا لتعظيم خليله ومدحه، إذ جعل ملائكته المكرمين أضيافا له، فعلى كلا ~~التقديرين فيه مدح لإبراهيم. وقوله: {فقالوا سلاما قال سلام} متضمن بمدح ~~آخر لإبراهيم حيث رد عليهم السلام أحسن مما حيوه به، فإن تحيتهم باسم منصوب ~~متضمن لجملة فعلية تقديره: سلمنا عليك سلاما. وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع ~~متضمن لجملة اسمية تقديره سلام دائم أو ثابت أو مستقر عليكم، ولا ريب أن ~~الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم والفعلية تقتضي التجدد والحدوث فكانت ~~تحية إبراهيم أكمل واحسن. ثم قال {قوم منكرون} وفي هذا من حسن مخاطبة الضيف ~~والتذمم منه وجهان في المدح. # إحداهما: أنه حذف المبتدأ والتقدير: انتم قوم منكرون، فتذمم منهم ولم ~~يواجههم بهذا الخطاب لما فيه من الاستيحاش. # PageV01P066 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا بما يكرهه بل يقول: " وما ~~بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا ". # الثاني: قوله {قوم منكرون} فحذف فاعل الإنكار وهو الذي كان أنكرهم كما ~~قال في موضع آخر (نكرهم) ولا ريب أن قوله (منكرون) ألطف من أن يقول ~~أنكرتكم. # وقوله {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون} متضمن ~~وجوها من المدح وآداب الضيافة وإكرام الضيف. منها قوله: {فراغ إلى أهله} ~~والروغان الذهاب بسرعة واختفاء وهو يتضمن المبادرة إلى إكرام الضيف، ~~والاختفاء يتضمن ترك تخجيله وألا يعرض للحياء، وهذا بخلاف من يتثاقل ~~ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمرأى منه ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ، ويتناول ms30 ~~الإناء بمرأى منه ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه فلفظة (راغ) تنفي ~~هذين الأمرين. وفي قوله تعالى: {إلى أهله} مدح آخر لما فيه من الإشعار أن ~~كرامة الضيف معدة حاصلة عند أهله، وأنه لا يحتاج أن يستقرض من جيرانه، ولا ~~يذهب إلى غير أهله إذ قرى الضيف حاصل عندهم. # وقوله: {فجاء بعجل سمين} يتضمن ثلاثة أنواع من المدح: # أحدها: خدمة ضيفه بنفسه فإنه لم يرسل به وإنما جاء به بنفسه. # الثاني: انه جاءهم بحيوان تام لم ياتهم ببعضه. ليتخيروا من أطيب لحمه ما ~~شاءوا. # PageV01P067 # الثالث: انه سمين ليس بهمزول، وهذا من نفائس الأموال، ولد البقر السمين ~~فإنهم يعجبون به، فمن كرمه هان عليه ذبحه وإحضاره. وقوله {إليهم} متضمن ~~المدح وآدابا أخرى وهو إحضار الطعام إلى بين يدي الضيف، بخلاف من يهيئ ~~الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه. # وقوله {ألا تأكلون} فيه مدح وآداب أخر، فإنه عرض عليهم الأكل بقوله: {ألا ~~تأكلون} وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف بخلاف من يقول:: ضعوا أيديكم في ~~الطعام، كلوا، تقدموا، ونحو هذا. # وقوله: {فأوجس منهم خيفة} لأنه لما رآهم لا يأكلون من طعامه أضمر منهم ~~خوفا أن يكون معهم شر، فإن الضيف إذا أكل من طعام رب المنزل اطمأن إليه ~~وأنس به، فلما علموا منه ذلك قالوا: {لا تخف وبشروه بغلام عليم} وهذا ~~الغلام اسحق لا إسماعيل، لأن امرأته عجبت من ذلك فقالت: عجوز عقيم، لا يولد ~~لمثلي، فأنى لي بالولد؟ وأما إسماعيل فإنه من سريته هاجر وكان بكره وأول ~~ولده. وقد بين سبحانه هذا في سورة هود في قوله تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن ~~وراء إسحاق يعقوب} وهذه هي القصة نفسها. # وقوله تعالى: {فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم} فيه ~~بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها، إذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا ~~الإخبار. # PageV01P068 # وقوله: {عجوز عقيم} فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من ~~الكلام على ما يتأدى به الحاجة، فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل أنا ms31 عجوز عقيم، ~~واقتصرت على ذكر السبب الدال على عدم الولادة لم تذكر غيره، وأما في سورة ~~هود فذكرت السبب المانع منها ومن إبراهيم وصرحت بالعجب. # وقوله تعالى {قالوا كذلك قال ربك} متضمن لاثبات صفة القول له. وقوله {إنه ~~هو الحكيم العليم} متضمن لإثبات صفة الحكمة والعلم اللذين هما مصدر الخلق ~~والأمر، فجميع ما خلقه سبحانه صادر عن علمه وحكمته، وكذلك أمره وشرعه مصدره ~~عن علمه وحكمته. # والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال، فالعلم يتضمن الحياة ولوازم ~~كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي ~~يستلزمها العلم التام، والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل والرحمة والإحسان ~~والجود والبر، ووضع الأشياء في مواضعها على أحسن وجوهها، ويتضمن إرسال ~~وإثبات الثواب والعقاب. # كل هذا العلم من اسمه الحكيم كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه ~~المطالب العظيمة بصفة الحكمة، والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلق عبثا ~~وسدى وباطلا فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب # PageV01P069 # والعقاب، ولهذا كان اصح القولين أن المعاد يعلم بالعقل وأن السمع ورد ~~بتفصيل ما يدل العقل على إثباته. # ومن تأمل طريقة القرآن وجدها دالة على ذلك. وانه سبحانه يضرب لهم الأمثال ~~المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه أخرى، فيذكر أدلة القدرة ~~الدالة على إمكان المعاد وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه. # ومن تأمل أدلة المعاد في القرآن وجدها كذلك مغنية بحمد الله عن غيرها، ~~كافية شافية موصلة إلى المطلوب بسرعة، متضمنة للجواب عن الشبه العارضة ~~لكثير من الناس. وإن ساعد التوفيق كتبت في ذلك سفرا كبيرا لما رأيت في ~~الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشقاء والهدى وسرعة الإنصاف، وحسن ~~البيان، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلج له، الصدر ويكثر ~~معه اليقين، بخلاف غيره من الأدلة فإنها على العكس من ذلك وليس هذا موضع ~~التفصيل. # والمقصود: أن صدور الخلق والأمر عن علم الرب وحكمته. واختصت هذه القصة ~~بذكر هذين الإسمين لاقتضائهما لتعجب النفوس من تولد مولود بين أبوين لا ~~يولد لمثلهما عادة، وخفاء ms32 العلم بسبب هذا الإيلاد وكون الحكمة اقتضت جريان ~~هذه الولادة على غير العادة المعروفة فذكر في الآية اسم العلم والحكمة ~~المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته وحكمته في وضعه موضعه من غير ~~إخلال بموجب الحكمة. # PageV01P070 # ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال ~~الحجارة المسومة عليهم. وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم ~~والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانا في هذا العالم، وهذا من ~~اعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم. # ثم قال تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين} ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن ~~الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو، إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا ~~مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنا. # وقوله تعالى: {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} لما كان الموجودون من ~~المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي ~~مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين، وقد اخبر ~~سبحانه عن خيانة امرأة لوط، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه ~~وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرا وليست ~~من المؤمنين الناجيين. # ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر ~~العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد. # وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من # PageV01P071 # الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس ~~وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير ~~مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون. # وقوله تعالى: {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم} فيه دليل على ~~أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة ~~عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى ~~كما قال الله تعالى في موضع آخر ms33 {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة} ، ~~وقال تعالى: {سيذكر من يخشى} فان من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء ~~قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما ~~من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ. # والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة ~~القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء. # PageV01P072 ### | فصل: [الرفيق والطريق] # والمقصود أن القلب لما تحول لهذا السفر طلب رفيقا يأنس به في السفر فلا ~~يجد إلا معارضا مناقضا، أو لائما بالتأنيب مصرحا، أو فارغا من هذه الحركة ~~معرضا، وليت كل ما ترى هكذا فلقد أحسن إليك من خلال وطريقك ولم يطرح شره ~~عليك كما قال القائل: # أنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال # فإذا كان هذا المعروف من الناس فالمطلوب في هذا الزمان المعاونة على هذا ~~السفر بالإعراض وترك اللائمة والإعتراض إلا ما عسى أن يقع نادرا فيكون ~~غنيمة باردة لا قيمة لها. ولا ينبغي أن لا يتوقف العبد في سيره على هذه ~~الغنيمة بل يسير ولو وحيدا غريبا فانفراد العبد في طريق طلبة دليل على صدق ~~المحبة. # ومن نظر في هذه الكلمات التي تضمنتها هذه الورقات علم أنها من أهم ما ~~يحصل به التعاون على البر والتقوى وسفر الهجرة إلى الله ورسوله، وهو الذي ~~قصد سطرها بكتابتها وجعلها هديته المعجلة السابقة إلى أصحابه ورفقائه في ~~طلب العلم. وشهد الله وكفى بالله شهيدا ولو توافي أحدا منهم لقابلها ~~بالقبول ولبادر # PageV01P073 # إلى تفهمها وعدها من أفضل ما أهدى صاحب إلى صاحبه، فإن غير هذا من ~~جريانات الركب الخيرية وان تطلعت النفوس إليها ففائدتها قليلة وهي في غاية ~~الرخص لكثرة جالبها، وإنما الهدية النافعة كلمة يهديها الرجل إلى أخيه ~~المسلم. # الموتى الأحياء والأحياء الموتى # ومن أراد هذا السفر فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء، ~~فإنه يبلغ بمرافقتهم إلى مقصده، وليحذر من مرافقة الأحياء ms34 الذين هم في ~~الناس أموات، فإنهم يقطعون عليه طريقه، فليس لهذا السالك أنفع من تلك ~~المرافقة، وأوفق له من هذه المفارقة، فقد قال بعض السلف: شتان بين أقوام ~~موتى تحيا القلوب بذكرهم، وبين أقوام أحياء تموت القلوب بمخالطتهم. فما على ~~العبد أضر من عشائره وأبناء جنسه فنظره قاصر وهمته واقفة عند التشبه بهم، ~~ومباهاتهم والسلوك أين سلكوا، حتى لو دخلوا جحر ضب لأحب أن يدخله معهم. # فمتى صرف همته عن صحبتهم إلى صحبة من أشباحهم مفقودة، ومحاسنهم وآثارهم ~~الجميلة في العالم موجودة، استحدث بذلك همة أخرى وعملا آخر، وصار بين الناس ~~غريبا وإن كان فيهم مشهورا ونسيبا، ولكنه # PageV01P074 # غريب محبوب يرى ما الناس فيه ولا يرون ما هو فيه، يقيم لهم المعاذير ما ~~استطاع، ويحضهم بجهده وطاقته سائرا فيهم بعينين: عين ناظرة إلى الأمر ~~والنهى، بها يأمرهم وينهاهم ويواليهم ويعاديهم، ويؤدي لهم الحقوق ويستوفيها ~~عليهم. وعين ناظرة إلى القضاء والقدر بها يرحمهم ويدعو لهم ويستغفر لهم، ~~ويلتمس وجوه المعاذير فيما لا يخل بأمر ولا يعود بنقض شرع، وقد وسعهم بسطته ~~ورحمته ولينه ومعذرته، وقفا عند قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ~~عن الجاهلين} متدبرا لما تضمنته هذه الآية من حسن المعاشرة مع الخلق وأداء ~~حق الله فيهم والسلامة من شرهم. فلو أخذ الناس كلهم بهذه الآية لكفتهم ~~وشفتهم فان العفو ما عفى من أخلاقهم وسمحت به طبائعهم ووسعهم بذله من ~~أموالهم وأخلاقهم. # فهذا ما منهم إليه، وأما ما يكون منه إليهم فأمرهم بالمعروف، وهو ما تشهد ~~به العقول وتعرف حسنه، وهو ما أمر الله به. وأما ما يلتقي به أذى جاهلهم ~~فالإعراض عنه وترك الإنتقام لنفسه والانتصار لها. # فأي كمال للعبد وراء هذا؟ وأي معاشرة وسياسة لهذا العالم أحسن من هذه ~~المعاشرة والسياسة؟ فلو فكر الرجل في كل شر يلحقه من العالم - أعني الشر ~~الحقيقي الذي لا يوجب له الرفعة والزلفى من الله - وجد سببه الإخلال بهذه ~~الثلاث أو بعضها، وإلا فمع القيام بها فكل ما يحصل له من ms35 الناس # PageV01P075 # فهو خير له وإن شرا في الظاهر، فإنه يتولد من الأمر بالمعروف ولا يتولد ~~منه إلا خيرا وان ورد في حالة شر وأذى، كما قال الله تعالى: {إن الذين ~~جاءوا بالأفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم} ، وقال تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم: {اعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على ~~الله} وقد تضمنت هذه الكلمات مراعاة حق الله وحق الخلق، فإنهم إما يسيئوا ~~في حق الله وفي حق رسوله، فإن أساءوا في حقك فقابل ذلك بعفوك عنهم وإن ~~أساءوا في حقي فاسألني أغفر لهم واستجلب قلوبهم، وأستخرج ما عندهم من الرأي ~~بمشاورتهم، فإن ذلك أحرى في استجلاب طاعتهم وبذل النصيحة، فإذا عزمت فلا ~~استشارة بعد ذلك بل توكل وامض لما عزمت عليه من أمرك فإن الله يحب ~~المتوكلين. # فهذا وأمثاله من الأخلاق التي أدب الله بها رسوله، وقال تعالى فيه {وإنك ~~لعلى خلق عظيم} قالت عائشة رضي الله: " عنها كان خلقه القرآن "، وهذا لا ~~يتم إلا بثلاثة أشياء: # أحدها: أن يكون العود طيبا، فأما أن كانت الطبيعة جافية غليظة # PageV01P076 # يابسة عسر عليها مزاولة ذلك علما وإرادة وعملا بخلاف الطبيعة المنقادة ~~اللينة السلسة القياد فإنها مستعدة إنما تريد الحرث والبذر. # الثاني: أن تكون النفس قوية غالبة قاهرة لدواعي البطالة والغي والهوى فان ~~هذه الأمور تنافي الكمال، فإن لم تقو النفس على قهرها وإلا لم تزل مغلوبة ~~مقهورة. # الثالث: علم شاف بحقائق الأشياء وتنزيلها منازلها يميز بين الشحم والورم، ~~والزجاجة والجوهرة. # فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث وساعد التوفيق فهو القسم الذي سبقت ~~لهم من ربهم الحسنى، وتمت لهم العناية. # والله سبحانه وتعالى أعلم # وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أبدا إلى يوم ~~الدين. والحمد لله رب العالمين PageV01P077 ms36