######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006462 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006462 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6462 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6462 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المسألة الأولى وهي هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا قال # ابن عبد البر ثبت عن النبي أنه قال: ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان ~~يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ~~فهذا نص في أنه بعينه ويرد عليه السلام # وفي الصحيحين عنه من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر فألقوا في قليب ثم ~~جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل ~~وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربى حقا فقال له عمر يا رسول ~~الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا فقال والذي بعثنى بالحق ما أنتم بأسمع لما ~~أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابا # وثبت عنه صلى الله وآله وسلم أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا ~~انصرفوا عنه # وقد شرع النبي لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من ~~يخاطبونه فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ~~ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد # والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي ~~له ويستبشر به # قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبى الدنيا في كتاب القبور باب ~~معرفة الموتى بزيارة الأحياء # حدثنا محمد بن عون حدثنا يحيى بن يمان عن عبد الله بن سمعان عن زيد بن ~~أسلم عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت قال رسول الله ما من رجل يزور قبر ~~أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم # حدثنا محمد بن قدامة الجوهرى حدثنا معن بن عيسى القزاز أخبرنا هشام بن ~~سعد حدثنا زيد بن أسلم عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال إذا مر الرجل ~~بقبر أخيه يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام وعرفه وإذا مر بقبر لا يعرفه ~~فسلم عليه رد عليه السلام # حدثنا محمد بن الحسين حدثنى يحيى بن ms001 بسطام الأصغر حدثنى مسمع حدثنى رجل ~~من آل عاصم الجحدرى قال رأيت عاصما الجحدرى في منامى بعد موته بسنتين فقلت ~~أليس # PageV01P005 # قدمت قال بلى قلت فأين أنت قال أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر ~~من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزنى فنتلقى ~~أخباركم قال قلت أجسادكم أم أرواحكم قال هيهات بليت الاجسام وإنما تتلاقى ~~الارواح قال قلت فهل تعلمون بزيارتنا إياكم قال نعم نعلم بها عشية الجمعة ~~كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس قال قلت فكيف ذلك دون الأيام كلها قال لفضل ~~يوم الجمعة وعظمته # وحدثنا محمد بن الحسين حدثنى بكر بن محمد حدثنا حسن القصاب قال كنت أغدو ~~مع محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتى الجبان فنقف على القبور فنسلم ~~عليهم وندعو لهم ثم ننصرف فقلت ذات يوم لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين قال ~~بلغنى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبلها ويوما بعدها # حدثني محمد حدثنا عبد العزيز بن ابان قال حدثنا سفيان الثورى قال بلغنى ~~عن الضحاك أنه قال من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته ~~فقيل له وكيف ذلك قال لمكان يوم الجمعة # حدثنا خالد بن خداش حدثنا جعفر بن سليمان عن أبى التياح قال كان مطرف ~~يغدو فإذا كان يوم الجمعة أدلج قال وسمعت أبا التياح يقول بلغنا انه كان ~~ينور له في سوطه فأقبل ليلة حتى إذا كان عند مقابر القوم وهو على فرسه فرأى ~~أهل القبور كل صاحب قبر جالسا على قبره فقالوا هذا مطرف يأتى الجمعة قلت ~~وتعلمون عندكم يوم الجمعة قالوا نعم ونعلم ما يقول فيه الطير قلت وما ~~يقولون قالوا يقولون سلام سلام # حدثني محمد بن الحسين حدثنى يحيى بن أبى بكير حدثنى الفضل بن موفق ابن ~~خال سفيان بن عيينة قال لما مات أبى جزعت عليه جزعا شديدا فكنت آتى قبره في ~~كل يوم ثم قصرت عن ذلك ما شاء الله ms002 ثم انى اتيته يوما فبينا أنا جالس عند ~~القبر غلبتنى عيناى فنمت فرأيت كأن قبر ابى قد انفرج وكأنه قاعد في قبره ~~متوحشا أكفانه عليه سحنة الموتى قال فكأني بكيت لما رأيته قال يا بنى ما ~~أبطأ بك عني قلت وإنك لتعلم بمجيئي قال ما جئت مرة إلا علمتها وقد كنت ~~تأتينى فآنس بك وأسر بك ويسر من حولى بدعائك قال فكنت آتية بعد ذلك كثيرا # حدثني محمد حدثني يحيى بن بسطام حدثنى عثمان بن سودة الطفاوى قال وكانت ~~أمه من العابدات وكان يقال لها راهبة قال لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء ~~فقالت يا ذخرى # PageV01P006 # وذخيرتى ومن عليه اعتمادى في حياتى وبعد موتى لا تخذلنى عند الموت ولا ~~توحشنى في قبرى قال فماتت فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ~~ولأهل القبور فرأيتها ذات يوم في منامى فقلت لها يا أمه كيف أنت قالت أى ~~بنى ان للموت لكربة شديدة وإنى بحمد الله لفي برزخ محمود نفترش فيه الريحان ~~ونتوسد فيه السندس والاستبرق إلى يوم النشور فقلت لها ألك حاجة قالت نعم ~~قلت وما هى قالت لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا والدعاء لنا فإنى لأبشر ~~بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك يقال لي يا راهبة هذا ابنك قد أقبل ~~فأسر ويسر بذلك من حولى من الأموات # حدثنى محمد بن عبد العزيز بن سليمان حدثنا بشر بن منصور قال لما كان زمن ~~الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبان فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف ~~على باب المقابر فقال آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن مسيئكم وقبل ~~حسناتكم لا يزيد على هؤلاء الكلمات قال فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلى ~~ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو قال فبينا أنا نائم إذا بخلق كثير قد ~~جاءونى فقلت ما أنتم وما حاجتكم قالوا نحن أهل المقابر قلت ما حاجتكم قالوا ~~إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك فقلت وما هى قالوا الدعوات التي ~~كنت ms003 تدعو بها قال قلت فإنى أعود لذلك قال فما تركتها بعد # حدثنى محمد حدثنى أحمد بن سهل حدثنى رشد بن سعد عن رجل عن يزيد بن أبى ~~حبيب ان سليم بن عمير مر على مقبرة وهو حاقن قد غلبه البول فقال له بعض ~~أصحابه لو نزلت إلى هذه المقابر فبلت في بعض حفرها فبكى ثم قال سبحان الله ~~والله إنى لأستحي من الأموات كما استحي من الأحياء ولولا أن الميت يشعر ~~بذلك لما استحيا منه # وأبلغ من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحى من أقاربه وإخوانه قال عبد الله بن ~~المبارك حدثنى ثور بن يزيد عن ابراهيم عن أبى أيوب قال تعرض أعمال الأحياء ~~على الموتى فإذا رأوا حسنا فرحوا واستبشروا وإن رأوا سوءا قالوا اللهم راجع ~~به وذكر ابن أبى الدنيا عن أحمد بن أبى الحوارى قال حدثنى محمد أخى قال دخل ~~عباد بن عباد على ابراهيم بن صالح وهو على فلسطين فقال عظنى قال بم أعظك ~~أصلحك الله بلغنى أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الموتى فانظر ما يعرض ~~على رسول الله من عملك فبكى ابراهيم حتى اخضلت لحيته # قال ابن أبى الدنيا وحدثنى محمد بن الحسين حدثنى خالد بن عمرو الأموى ~~حدثنا صدقة بن سليمان الجعفرى قال كانت لى شرة سمجة فمات أبى فأنبت وندمت ~~على ما فرطت قال ثم زللت أيمازلة فرأيت أبى في المنام فقال أى بنى ما كان ~~أشد فرحى بك أعمالك تعرض علينا فنشبهها # PageV01P007 # بأعمال الصالحين فلما كانت هذه المرأة استحييت لذلك حياء شديدا فلا تخزنى ~~فيمن حولى من الاموات قال فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في دعائه في السحر وكان ~~جارا لي بالكوفة أسألك إنابة لا رجعة فيها ولا حور يا مصلح الصالحين ويا ~~هادى المضلين ويا أرحم الراحمين # وهذا باب في آثار كثيرة عن الصحابة وكان بعض الأنصار من أقارب عبد الله ~~بن رواحة يقول اللهم إنى أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد الله بن رواحة كان ~~يقول ذلك ms004 بعد أن استشهد عبد الله # ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرا ولولا أنهم يشعرون به لما صح ~~تسميته زائرا فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال زاره ~~هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم وكذلك السلام عليهم أيضا فإن ~~السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال وقد علم النبي أمته إذا زاروا ~~القبور أن يقولوا سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء ~~الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ~~ولكم العافية # وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويردو إن لم يسمع ~~المسلم الرد وإذا صلى الرجل قريبا منهم شاهدوه وعلموا صلاته وغبطوه على ذلك # قال يزيد بن هارون أخبرنا سليمان التيمى عن أبى عثمان النهدى أن ابن ساس ~~خرج في جنازة في يوم وعليه ثياب خفاف فانتهى إلى قبر قال فصليت ركعتين ثم ~~اتكأت عليه فوالله إن قلبى ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر إليك عنى لا تؤذنى ~~فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون ونحن قوم نعلم ولا نعمل ولأن يكون لى مثل ~~ركعتيك أحب إلى من كذا وكذا فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر وبصلاته # وقال ابن أبى الدنيا حدثنى الحسين بن على العجلى حدثنا محمد بن الصلت ~~حدثنا اسماعيل ابن عياش عن ثابت بن سليم حدثنا أبو قلابة قال أقبلت من ~~الشام إلى البصرة فنزلت منزلا فتطهرت وصليت ركعتين بليل ثم وضعت رأسى على ~~قبر فنمت ثم انتبهت فإذا صاحب القبر يشتكينى يقول قد آذيتني منذ الليلة ثم ~~قال إنكم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ثم قال الركعتان ~~اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ثم قال جزى الله أهل الدنيا خيرا ~~أقرئهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور أمثال الجبال # PageV01P008 # وحدثنى الحسين العجلى حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا مالك بن مغول عن ~~منصور عن زيد بن وهب قال خرجت إلى الجبانة ms005 فجلست فيها فإذا رجل قد جاء إلى ~~قبر فسواه ثم تحول إلى فجلس قال فقلت لمن هذا القبر قال أخ لى فقلت أخ لك ~~فقال أخ لى في الله رأيته فيما يرى النائم فقلت فلان عشت الحمد لله رب ~~العالمين قال قد قلتها لأن أقدر على أن أقولها أحب إلى من الدنيا وما فيها ~~ثم قال ألم تر حيث كانوا يدفنوننى فإن فلانا قام فصلى ركعتين لأن اكون أقدر ~~على أن أصليهما أحب إلى من الدنيا وما فيها # حدثنى أبو بكر التيمى حدثنا عبد الله بن صالح حدثنى الليث بن سعد حدثنى ~~حميد الطويل عن مطرف بن عبد الله الحرشى قال خرجنا إلى الربيع في زمانه ~~فقلنا ندخل يوم الجمعة لشهودها وطريقنا على المقبرة قال فدخلنا فرأيت جنازة ~~في المقبرة فقلت لو اغتنمت شهود هذه الجنازة فشهدتها قال فاعتزلت ناحية ~~قريبا من قبر فركعت ركعتين خففتهما لم أرض اتقانهما ونعست فرأيت صاحب القبر ~~يكلمنى وقال ركعت ركعتين لم ترض اتقانهما قلت قد كان ذلك قال تعملون ولا ~~تعلمون ولا نستطيع أن نعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلى من الدنيا ~~بحذافيرها فقلت من ها هنا فقال كلهم مسلم وكلهم قد أصاب خيرا فقلت من ها ~~هنا أفضل فأشار إلى قبر فقلت في نفسى اللهم ربنا اخرجه إلى فأكلمه قال فخرج ~~من قبره فتى شاب فقلت أنت أفضل من ها هنا قال قد قالوا ذلك قلت فبأى شيء ~~نلت ذلك فوالله ما أرى لك ذلك السن فأقول نلت ذلك بطول الحج والعمرة ~~والجهاد في سبيل الله والعمل قال قد ابتليت بالمصائب فرزقت الصبر عليها ~~فبذلك فضلتهم # وهذه المرائى وإن لم تصح بمجردها لاثبات مثل ذلك فهى على كثرتها وأنها لا ~~يحصيها إلا الله قد تواطأت على هذا المعنى وقد قال النبي أرى رؤيا رؤياكم ~~قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر فإذا تواطأت رؤيا ~~المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له وكتواطؤ رأيهم على استحسانه ~~واستقباحه وما ms006 رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند ~~الله قبيح على أنا لم نثبت هذا بمجرد الرؤيا بل بما ذكرناه من الحجج وغيرها # وقد ثبت في الصحيح أن الميت يستأنس بالمشيعين لجنازته بعد دفنه فروى مسلم ~~في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهرى قال حضرنا عمرو بن العاص وهو ~~في سياق الموت فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول ما يبكيك يا ~~أبتاه أما يشرك رسول الله بكذا فأقبل بوجهه فقال إن أفضل ما نعد شهادة أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإنى كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتنى ~~وما احد أشد بغضا لرسول # PageV01P009 # الله منى ولا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك ~~الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله الاسلام في قلبى لقيت رسول الله ~~فقلت ابسط يدك فلأبايعك فبسط يمينه قال فقبضت يدى قال فقال مالك يا عمرو ~~قال قلت أردت أن اشترط قال تشترط ماذا قلت أن يغفر لى قال أما علمت أن ~~الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما ~~كان قبله وما كان أحد أحب إلى من رسول الله ولا أجل في عينى منه وما كنت ~~اطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأنى لم أكن ~~أملأ عينى منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا ~~أشياء ما أدرى ما حالى فيها فإذا أنامت فلا تصحبنى نائحة ولا نار فإذا ~~دفنتموني فسنوا على التراب سنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم ~~لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ما أراجع به رسل ربي فدل على أن الميت يستأنس ~~بالحاضرين عند قبره ويسر بهم # وقد ذكر عن جماعة من السلف أنهم أوصوا أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن قال ~~عبد الحق يروى أن عبد الله بن عمر أمر ms007 أن يقرأ عند قبره سورة البقرة وممن ~~رأى ذلك المعلى بن عبد الرحمن وكان الامام أحمد ينكر ذلك أولا حيث لم يبلغه ~~فيه أثر ثم رجع عن ذلك # وقال الخلال في الجامع كتاب القراءة عند القبور اخبرنا العباس بن محمد ~~الدورى حدثنا يحيى بن معين حدثنا مبشر الحلبى حدثني عبد الرحمن بن العلاء ~~بن اللجلاج عن أبيه قال قال أبى إذا أنامت فضعنى في اللحد وقل بسم الله ~~وعلى سنة رسول الله وسن على التراب سنا واقرأ عند رأسى بفاتحة البقرة فإنى ~~سمعت عبد الله بن عمر يقول ذلك قال عباس الدورى سألت أحمد بن حنبل قلت تحفظ ~~في القراءة على القبر شيئا فقال لا وسألت يحيى ابن معين فحدثنى بهذا الحديث # قال الخلال وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق حدثنى على بن موسى الحداد وكان ~~صدوقا قال كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهرى في جنازة فلما دفن ~~الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد يا هذا إن القراءة عند ~~القبر بدعة فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل يا أبا ~~عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي قال ثقة قال كتبت عنه شيئا قال نعم ~~فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن ~~يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال سمعت ابن عمر يوصي بذلك فقال له ~~أحمد فارجع وقل للرجل يقرأ # PageV01P010 # وقال الحسن بن الصباح الزعفراني سألت الشافعي عن القراءة عند القبر فقال ~~لا بأس بها # وذكر الخلال عن الشعبي قال كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى ~~قبره يقرءون عنده القرآن قال وأخبرني أبو يحيى الناقد قال سمعت الحسن بن ~~الجروى يقول مررت على قبر أخت لي فقرأت عندها تبارك لما يذكر فيها فجاءني ~~رجل فقال إنى رأيت أختك في المنام تقول جزى الله أبا على خيرا فقد انتفعت ~~بما قرأ أخبرني الحسن بن الهيثم قال سمعت أبا بكر بن ms008 الأطروش ابن بنت أبي ~~نصر بن التمار يقول كان رجل يجيء إلى قبر أمه يوم الجمعة فيقرأ سورة يس ~~فجاء في بعض أيامه فقرأ سورة يس ثم قال اللهم إن كنت قسمت لهذه السورة ~~ثوابا فاجعله في أهل هذه المقابر فلما كان يوم الجمعة التي تليها جاءت ~~امرأة فقالت أنت فلان ابن فلانة قال نعم قالت إن بنتا لي ماتت فرأيتها في ~~النوم جالسة على شفير قبرها فقلت ما أجلسك ها هنا فقالت إن فلان ابن فلانة ~~جاء إلى قبر أمه فقرأ سورة يس وجعل ثوابها لأهل المقابر فأصابنا من روح ذلك ~~أو غفر لنا أو نحو ذلك # وفي النسائي وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي أنه قال اقرأوا ~~{يس} عند موتاكم وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل ~~قوله لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر ~~والأول أظهر لوجوه # الأول أنه نظير قوله لقنوا موتاكم لا إله إلا الله # الثاني انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى ~~بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ~~ربي وجعلني من المكرمين فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء الله فيحب الله ~~لقاءها فإن هذه السورة قلب القرآن ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر # وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي قال كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو ~~في السياق وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال {يا ليت قومي ~~يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} وقضى # الثالث إن هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثا يقرأون {يس} عند المحتضر # الرابع إن الصحابة لو فهموا من قوله اقرأوا {يس} عند موتاكم قراءتها عند ~~القبر لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتادا مشهورا بينهم # PageV01P011 # الخامس ان انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه قراءتها في آخر عهده ~~بالدنيا هو المقصود وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك ms009 لأن الثواب ~~إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت # وقد ترجم الحافظ أبو محمد عبد الحق الأشبيلى على هذا فقال ذكر ما جاء أن ~~الموتى يسألون عن الأحياء ويعرفون أقوالهم وأعمالهم ثم قال ذكر أبو عمر بن ~~عبد البر من حديث ابن عباس عن النبي ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان ~~يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام ويروى هذا الحديث أبي هريرة ~~مرفوعا قال فإن لم يعرفه وسلم عليه رد عليه السلام # قال ويروى من حديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت قال رسول ما من رجل ~~يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم # واحتج الحافظ أبو محمد في هذا الباب بما رواه أبو داود في سننه من حديث ~~أبي هريرة قال قال رسول الله ما من أحد يسلم على إلا رد الله على روحي حتى ~~أرد عليه السلام قال وقال سليمان بن نعيم رأيت النبي في النوم فقلت يا رسول ~~الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون عليك أتفقه منهم قال نعم وأرد عليهم قال ~~وكان يعلمهم أن يقولوا إذا دخلوا المقابر السلام عليكم أهل الديار الحديث ~~قال وهذا يدل على أن الميت يعرف سلام من يسلم عليه ودعاء من يدعو له # قال أبو محمد ويذكر عن الفضل بن الموفق قال كنت آتى قبر أبي المرة بعد ~~المرة فأكثر من ذلك فشهدت يوما جنازة في المقبرة التي دفن فيها فتعجلت ~~لحاجتي ولم آته فلما كان من الليل رأيته في المنام فقال لي يا بني لم لا ~~تأتيني قلت له يا أبت وإنك لتعلم بي إذا أتيتك قال أى والله يا بنى لا أزال ~~أطلع عليك حين تطلع من القنطرة حتى تصل إلى وتقعد عندي ثم تقوم فلا أزال ~~أنظر إليك حتى تجوز القنطرة # قال ابن أبى الدنيا حدثنى إبراهيم بن بشار الكوفي قال حدثني الفضل بن ~~الموفق فذكر القصة # وصح عن عمرو بن دينار أنه قال ما من ميت يموت إلا ms010 وهو يعلم ما يكون في ~~أهله بعده وأنهم ليغسلونه ويكفنونه وانه لينظر إليهم # وصح عن مجاهد أنه قال إن الرجل ليبشر في قبره بصلاح ولده من بعده # PageV01P012 ### | فصل ويدل على هذا أيضا ما جرى عليه عمل الناس قديما وإلى الآن # من تلقين الميت في قبره ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة ~~وكان عبثا وقد سئل عنه الإمام أحمد رحمه الله فاستحسنه واحتج عليه بالعمل # ويروى فيه حديث ضعيف ذكره الطبرانى في معجمه من حديث أبى أمامة قال قال ~~رسول الله إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ~~يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولايجيب ثم ليقل يا فلان ابن فلانة ~~الثانية فإنه يستوي قاعدا ثم ليقل يا فلان ابن فلانة يقول أرشدنا رحمك الله ~~ولكنكم لاتسمعون فيقول أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا ~~الله وان محمد رسول الله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ~~وبالقرآن إماما فان منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما ويقول انطلق بنا ما ~~يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون الله ورسوله حجيجه دونهما فقال رجل يا ~~رسول الله فإن لم يعرف أمه قال ينسبه إلى امه حواء # فهذا الحديث وإن لم يثبت فإتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من ~~غير انكار كاف في العمل به وما أجرى الله سبحانه العادة قط بأن أمه طبقت ~~مشارق الأرض ومغاربها وهي أكمل الأمم عقولا وأوفرها معارف تطيق على مخاطبة ~~من لا يسمع ولا يعقل وتستحسن ذلك لاينكره منها منكر بل سنه الأول للآخر ~~ويقتدي فيه الآخر بالأول فلولا ان المخاطب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب ~~للتراب والخشب والحجر والمعدوم وهذا وان استحسنه واحد فا لعلماء قاطبة على ~~استقباحه واستهجانه # وقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حضر جنازة رجل فلما دفن قال سلوا لأخيكم التثيب فإنه الآن يسأل فأخبر أنه ~~يسأل ms011 حينئذ وإذا كان يسأل فإنه يسمع التلقين # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا ~~منصرفين وذكر عبد الحق عن بعض الصالحين قال مات أخ لى فرأيته في النوم فقلت ~~يا أخي ما كان حالك حين وضعت في قبرك قال أتاني آت بشهاب من نار فلولا أن ~~داعيا دعا لي لهلكت # وقال شبيب بن شيبة أوصتني أمى عند موتها فقالت يا بنى إذا دفنتني فقم عند ~~قبرى وقل يا أم شبيب قولى لا إله إلا الله فلما دفنتها قمت عند قبرها فقلت ~~يا أم شبيب قولى لا إله إلا # PageV01P013 # الله ثم انصرفت فلما كان من الليل رأيتها في النوم فقالت يا بنى كدت أهلك ~~لولا أن تداركني لا إله إلا الله فقد حفظت وصيتى يا بنى # وذكر ابن أبى الدنيا عن تماضر بنت سهل امرأة أيوب بن عيينة قالت رأيت ~~سفيان بن عيينة في النوم فقال جزى الله أخى أيوب عنى خيرا فإنه يزورني ~~كثيرا وقد كان عندى اليوم فقال أيوب نعم حضرت الجبان اليوم فذهبت إلى قبره # وصح عن حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب أن الصعب بن جثامة وعوف ابن ~~مالك كانا متآخيين قال صعب لعوف أى أخى أينا مات قبل صاحبه فليتراءا له قال ~~أو يكون ذلك قال نعم فمات صعب فرآه عوف فيما يرى النائم كأنه قد اتاه قال ~~قلت أى أخى قال نعم قلت ما فعل بكم قال غفر لنا بعد المصائب قال ورأيت لمعة ~~سوداء في عنقه قلت أى أخى ما هذا قال عشرة دنانير استسلفتها من فلان ~~اليهودي فهن في قرني فأعطوه إياها وأعلم أن أى أخي انه لم يحدث في أهلى حدث ~~بعد موتى إلا قد لحق بى خبره حتى هرة لنا ماتت منذ أيام واعلم أن بنتى تموت ~~إلى ستة أيام فأستوصوا بها معروفا فلما أصبحت قلت إن في هذا لمعلما فأتيت ~~أهله فقالوا مرحبا بعوف أهكذا تصنعون بتركة إخوانكم لم ms012 تقربنا منذ مات صعب ~~قال فأتيت فأعتللت بما يعتل به الناس فنظرت إلى القرن فأنزلته فأنتثلت ما ~~فيه فوجدت الصرة التي فيها الدنانير فبعثت بها إلى اليهودي فقلت هل كان لك ~~على صعب شيء قال رحم الله صعبا كان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هى له قلت لتخبرني قال نعم اسلفته عشرة دنانير فنبذتها إليه قال هى ~~والله بأعيانها قال قلت هذه واحدة # قال فقلت هل حدث فيكم حدث بعد موت صعب قالوا نعم حدث فينا كذا حدث قال ~~قلت اذكروا قالوا نعم هرة ماتت منذ ايام فقلت هاتان اثنتان # قلت أين أبنة أخى قالوا تلعب فأتيت بها فمسستها فإذا هى محمومه فقلت ~~استوصوا بها معروفا فماتت في ستة أيام # وهذا من فقه عوف رحمه الله وكان من الصحابة حيث نفذ وصية الصعب بن جثامة ~~بعد موته وعلم صحة قوله بالقرائن التي أخبره بها من أن الدنانير عشرة وهى ~~في القرن ثم سأل اليهودى فطابق قوله لما في الرؤيا فجزم عوف بصحة الأمر ~~فأعطى اليهودي الدنانير وهذا فقه إنما يليق بأفقه الناس وأعلمهم وهم أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل أكثر المتأخرين ينكر ذلك ويقول كيف جاز ~~لعوف أن ينقل الدنانير من تركة صعب وهى لأيتامه وورثته إلى يهودى بمنام # PageV01P014 # ونظير هذا من الفقه الذي خصهم به دون الناس قصة ثابت بن قيس بن شماس وقد ~~ذكرها أبو عمر بن عبد البر وغيره قال أبو عمر أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ~~حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج حدثنا سعيد بن عفير ~~وعبد العزيز بن يحيى المدني حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن إسماعيل بن ~~محمد بن ثابت الأنصارى عن ثابت ابن قيس بن شماس أن رسول قال له يا ثابت أما ~~ترضي أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة قال مالك فقتل ثابت بن قيس يوم ~~اليمامة شهيدا # قال أبو عمرو روى هشام بن عمار عن صدقة بن ms013 خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد ~~بن جابر قال حدثني عطاء الخراساني قال حدثتني ابنة ثابت بن قيس بن شماس ~~قالت لما نزلت يا أيها الذين آمنو لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي دخل أبو ~~هابية وأغلق عليه بابه ففقده رسول الله وأرسل إليه يسأله ما خبره قال أنا ~~رجل شديد الصوت أخاف أن يكون قد حبط عملى قال لست منهم بل تعيش بخير وتموت ~~بخير قال ثم أنزل الله {إن الله لا يحب كل مختال فخور} فأغلق عليه بابه ~~وطفق يبكي ففقده رسول الله فأرسل إليه فأخبره فقال يا رسول الله إني أحب ~~الجمال وأحب أن أسود قومى فقال لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل ~~الجنة قالت فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة فلما ~~التقوا وأنكشفوا قال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة ما هكذا كنا نقاتل مع رسول ~~الله ثم حفر كل واحد له حفرة فثبتا وقاتلا حتى قتلا وعلى ثابت يومئذ ذرع له ~~نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينما رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ~~ثابت في منامه فقال له أوصيك بوصية فاياك أن تقول هذا حلم فتضعيه إني لما ~~قتلت أمس مربى رجل من المسلمين فأخذ ذرعى ومنزلة في أقصي الناس وعند خبائه ~~فرس يستين في طوله وقد كفا على الدرع برمة وفوق البرمة رجل فأت خالدا فمره ~~أن يبعث إلى درعى فيأخذها وإذا قدمت المدينة على الخليفة رسول الله يعني ~~أبا بكر الصديق فقل له أن على من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقى عتيق وفلان ~~فأتي الرجل خالدا فأخبره فبعث إلى الدرع فأتي بها وحدث أبا بكر برؤياه ~~فأجاز وصيته قال ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس رحمه ~~الله انتهى ما ذكره أبو عمرو # فقد اتفق خالد أبو بكر الصديق والصحابة معه على العمل بهذه الرؤيا وتنفيذ ~~الوصية بها وانتزاع الدرع ممن هى في يده وهذا محض الفقه # وإذا كان أبو ms014 حنيفة وأحمد ومالك يقبلون قول المدعي من الزوجين ما يصلح له ~~دون الآخر يقرينه صدقة فهذا أولى # PageV01P015 # وكذلك أبو حنيفة يقبل قول الدعى للحائط بوجود الآجر إلى جانبه وبمعاقد ~~القمط وقد شرع الله حد المرأة بأيمان الزوج وقرينة تكون لها فإن ذلك من ~~أظهر الأدلة على صدق الزوج # وأبلغ من ذلك قتل المقسم عليه في القسامة بأيمان المدعين مع القرينة ~~الظاهرة من اللوث وقد شرع الله سبحانه قبول قولى المدعين لتركه ميتهم إذا ~~مات في السفر وأوصي إلى رجلين من غير المسلمين فاطلع الورثة على خيانة ~~الوصيين بأنهما يحلفان بالله ويستحقانه وتكون أيمانهما أولى من أيمان ~~الوصيين وهذا أنزله الله سبحانه في آخر الأمر في سورة المائدة وهى من آخر ~~القرآن ولم ينسخها شيء وعمل بها الصحابة بعده # وهذا دليل على أنه يقضي في الأموال باللوث وإذا كان الدم يباح باللوث في ~~القسامة فلأن يقضي باللوث وهو القرائن الظاهرة في الأمول أولى وأحرى # وعلى هذا عمل ولاة العدل في استخراج السرقات من السراق حتى أن كثيرا ممن ~~ينكر ذلك عليهم يستعين بهم إذا سرق ماله # وقد حكى الله سبحانه عن الشاهد الذي شهد بين يوسف الصديق وامرأة العزيز ~~أنه حكم بالقرينة على صدق يوسف وكذب المرأة ولم ينكر الله سبحانه عليه ذلك ~~بل حكاه عنه تقريرا له # وأخبر النبي عن نبي الله سليمان بن داود أنه حكم بين المرأتين اللتين ~~ادعتا الولد للصغرى بالقرينة التى ظهرت له لما قال ائتوني بالسكين أشق ~~الولد بينكما فقالت الكبرى نعم رضيت بذلك للتسلى بفقد ابن صاحبتها وقالت ~~الأخرى لا تفعل هو ابنها فقضي به لها للشفقة والرحمة التى قامت بقلبها حتى ~~سمحت به للأخرى ويبقي حيا وتنظر إليه # وهذا من أحسن الأحكام وأعدلها وشريعة الإسلام تقرر مثل هذا وتشهد بصحته ~~وهل الحكم بالقيافة والحاق النسب بها اللاعتماد على قرائن الشبة مع ~~اشتباهها وخفائها غالبا # المقصود أن القرائن التى قامت في الرؤيا عوف بن مالك وقصة ثابت بن قيس لا ~~تقصر عن كثير من ms015 هذه القرائن بل هى أقوى من مجرد وجود الآجر ومعاقد القمط ~~وصلاحية المتاع للمدعى دون الآخر في مسألة الزوجين والصانعين وهذا ظاهر ~~لاخفاء به وفطر الناس وعقولهم تشهد بصحته وبالله التوفيق # والمقصود جواب السائل وأن الميت إذا عرف مثل هذه الجزيئات وتفاصليها ~~فمعرفته بزيارة الحى له وسلامة عليه ودعائه له أولى وأحرى # PageV01P016 ### | المسألة الثانية وهى أن ارواح الموتى هل تتلاقي وتتزاور وتتذاكر أم لا # وهي أيضا مسألة شريفة كبيرة القدر وجوابها أن الأرواح قسمان أرواح معذبة ~~وأرواح منعمة فالمعذبة في شغل بما هى فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي ~~والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقي وتتزاور وتتذاكر ما كان منها ~~في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل ~~عملها وروح نبينا محمد في الرفيق الأعلى قال الله تعالى {ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا} وهذه المعية ثابتة في الدنيا وفي الدار البرزخ ~~وفي دار الجزاء والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاثة # وروى جرير عن منصور عن أبي الضحي عن مسروق قال قال أصحاب محمد ما ينبغي ~~لنا أن نفارقك في الدنيا فإذا مت رفعت فوقنا فلم نرك فأنزل الله تعالى {ومن ~~يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} # وقال الشعبي جاء رجل من الأنصار وهو يبكي إلى النبي فقال ما يبكيك يا ~~فلان فقال يا نبي الله والله الذي لا إله إلا هو لأنت أحب إلى من أهلى ~~ومالى والله الذي لا إله إلا هو لأنت أحب إلى من نفسى وأنا أذكرك أنا وأهلى ~~فيأخذني كذا حتى أراك فذكرت موتك وموتى فعرفت أني ان أجامعك إلا في الدنيا ~~وإنك ترفع بين النبيين وعرفت اني إن دخلت الجنة كنت في منزل أدني من منزلك ~~فلم يرد النبي شيئا فأنزل الله تعالى ومن يطع الله ورسول فألئك مع الذين ~~أنعم ms016 الله عليهم من النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين إلى قوله {وكفى ~~بالله عليما} وقال تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} اى أدخلى جملتهم وكونى معهم وهذا يقال ~~للروح عند الموت # وفي قصة الاسراء من حديث عبد الله بن مسعود قال لما اسرى النبي لقي ~~إبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فتذكروا الساعة فبدأوا ~~بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم ثم بموسى فلم يكن عنده منها ~~علم حتى أجمعوا الحديث الى عيسى فقال عيسى عهد الله الى فيمادون وجبتها ~~فذكر خروج الدجال قال فأهبط # PageV01P017 # فأقتله ويرجع الناس إلى بلادهم فتستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا يمرون بشيء الا أفسدوه فيجأرون إلى ~~فأدعو الله فيميتهم فتجأر الأرض الى الله من ريحهم ويجأرون الى فادعو ويرسل ~~الله السماء بالماء فيحمل أجسامهم فيقذفها في البحر ثم ينسف الجبال ويمد ~~الأرض مد الأديم فعهد الله الى اذا كان كذلك فإن الساعة من الناس كالحامل ~~المتم لا يدرى أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلا أو نهارا ذكره الحاكم ~~والبيهقي وغيرهما # وهذا نص في تذاكر الأرواح العلم # وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ~~وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وإنهم يستبشرون بنعمة من ~~الله وفضل وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه أحدها أنهم عند ربهم يرزقون ~~وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون الثاني أنهم إنما استبشروا باخوانهم لقدومهم ~~ولقائهم لهم الثالث ان لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضا ~~مثل يتباشرون # وقد تواترت المرائى بذلك فمنها ما ذكره صالح بن بشير قال رأيت عطاء ~~السلمى في النوم بعد موته فقلت له يرحمك الله لقد كنت طويل الحزن في الدنيا ~~فقال أما والله لقد أعقبني ذلك فرحا طويلا وسرورا دائما فقلت في أى الدرجات ~~أنت قال مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين # وقال عبد الله ms017 بن المبارك رأيت سفيان الثورى في النوم فقلت له ما فعل ~~الله بك قال لقيت محمدا وحزبة # وقال صخر بن راشد رأيت عبد الله بن المبارك في النوم بعد موته فقلت أليس ~~قد مت قال بلى قلت فما صنع الله بك قال غفر لى مغفرة أحاطت بكل ذنب فسفيان ~~الثورى قال بخ بخ ذاك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # وذكر ابن أبي الدنيا من حديث حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن يقظة بنت # PageV01P018 # راشد قالت كان مروان المحلمى لى جارا وكان قاضيا مجتهدا قالت فمات فوجدت ~~عليه وجدا شديدا قالت فرأيته فيما يرى النائم قلت أبا عبد الله ما صنع بك ~~ربك قال أدخلنى الجنة قلت ثم ماذا قال ثم رفعت إلى أصحاب اليمين قلت ثم ~~ماذا قال ثم رفعت إلى المقربين المقربين قلت فمن رأيت من إخوانك قال رأيت ~~الحسن وابن سيرين وميمون بن سياه قال حماد قال هشام بن حسان فحدثتني أم عبد ~~الله وكانت من خيار نساء أهل البصرة قالت رأيت فيما يرى النائم كأني دخلت ~~دارا حسنة ثم دخلت بستانا فذكرت من حسنه ما شاء الله فإذا أنا فيه برجل ~~متكىء على سرير من ذهب وحوله الوصفاء بأيديهم الأكاويب قالت فإني لمتعجبه ~~من حسن ما أرى إذ قيل هذا مروان المحلمى أقبل فوثب فاستوى جالسا على سريره ~~قالت واستيقظت من منامى فإذا جنازة مروان قد مر بها على بابى تلك الساعة # وقد جاءت سنة صريحة بتلاقي الأرواح وتعارفها قال ابن أبي الدنيا حدثني ~~محمد بن عبد الله بن بزيغ أخبرني فضيل بن سليمان النميري حدثني يحيى بن عبد ~~الرحمن بن أبي لبيبة عن جده قال لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت عليه ~~أم بشر وجدا شديدا فقالت يا رسول الله إنه لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة ~~فهل تتعارف الموتى فأرسل إلى بشر بالسلام فقال رسول الله نعم والذي نفسى ~~بيده يا أم ms018 بشر انهم ليتعافون كما تتعارف الطير في رءوس الشجر وكان لا يهلك ~~من بنى سلمة إلا جاءته أم بشر فقالت يا فلان عليك السلام فيقول وعليك فتقول ~~اقرأ على بشر السلام # وذكر ابن أبي الدنيا من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال ~~أهل القبور يتوكفون الأخبار فإذا أتاهم الميت قالوا ما فعل فلان فيقول صالح ~~ما فعل فلان يقول صالح ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم أو ما قدم عليكم ~~فيقولون لا فيقول أنا لله وإنا إليه راجعون سلك به غير سبيلنا # وقال صالح المرى بلغنى أن الأرواح تتلاقي عند الموت فنقول لأرواح الموتى ~~للروح التى تخرج إليهم كيف كان مأواك وفي أى الجسدين كنت في طيب أم خبيث ثم ~~بكى حتى غلبه البكاء # وقال عبيد بن عمير إذا مات الميت تلقته الأرواح يستخبرونه كما يستخبر ~~الركب ما فعل فلان ما فعل فلان فإذا قال توفي ولم يأتهم قالوا ذهب به إلى ~~أمه الهاوية وقال سعيد بن المسيب إذا مات الرجل استقبله والده كما يستقبل ~~الغائب # وقال عبيد بن عمير أيضا لو أنى آيس من القاء من مات من أهلى لألفانى قد ~~مت كمدا # PageV01P019 # وذكر معاوية بن يحيى عن عبد الله بن سلمة أن أبارهم المسمعى حدثه أن أبا ~~أيوب الأنصارى حدثه أن رسول الله قال إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل ~~الرحمة من عند الله كما يتلقى البشير في الدنيا فيقولون انظروا أخاكم حتى ~~يستريح فإنه كان في كرب شديد فيسألونه ماذا فعل فلان وماذا فعلت فلانة وهل ~~تزوجت فلانة فإذا سألوه عن رجل مات قبله قال إنه قد مات فبلى قالوا إنا لله ~~وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست المربية # وقدم تقدم حديث يحيى بن بسطام حدثني مسمع بن عاصم قال رأيت عاصما الجحدرى ~~في منامى بعد موته بسنتين فقلت أليس قد مت قال بلى قلت وأين أنت قال أنا ~~والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من ms019 أصحابى نجتمع كل ليلة جمعه ~~وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فتتلقي أخباركم قلت أجسامكم أم ~~أرواحكم قال هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقي الأرواح ### | المسألة الثالثة وهى هل تتلاقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات أم لا # شواهد هذه المسألة وأدلتها كثر من أن يحصيها إلا الله تعالى والحس ~~والواقع من أعدل الشهود بها فتلقي أرواح الأحياء والأموات كما تلاقي أرواح ~~الأحياء وقد قال تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون} # قال أبو عبد الله بن منده حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم حدثنا عبد الله ~~بن حسين الحراني حدثنا جدى أحمد بن شعيب حدثنا موسى بن عين عن مطرف عن جعفر ~~بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال بلغني أن ~~أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتسألون بينهم فيمسك الله أرواح ~~الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها # وقال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا الحسين ~~حدثنا عامر حدثنا اسباط عن السدى وفي قوله تعالى {والتي لم تمت في منامها} ~~قال يتوفاها في منامها فيلتقي روح الحى وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان قال ~~فترجع روح الحى إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجلها وتريد روح الميت أن ترجع ~~إلى جسده فتحبس # وهذا أحمد القولين في الآية وهو أن الممسكة من توفيت وفاة الموت أولا ~~والمرسلة من # PageV01P020 # توفيت وفاة النوم والمعنى على هذا القول أنه يتوفي نفس الميت فيمسكها ولا ~~يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة ويتوفي نفس النائم ثم يرسلها إلى جسده ~~إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى # والقول الثاني في الآية أن الممسكة والمرسلة في الآية كلاهما توفي وفاة ~~النوم فمن استكملت أجلها أمسكها عنده فلا يردها إلى جسدها ومن لم تستكمل ~~أجلها ردها إلى جسدها لتستكمله واختار شيخ الإسلام هذا القول وقال عليه يدل ~~القرآن والسنة قال فإنه ms020 سبحانه ذكر إمساك التى قضي عليها الموت من هذه ~~الأنفس التى توفاها وفاة النوم وأما التى توفاها حين موتها فتلك لم يصفها ~~بامساك ولا بإسال بل هى قسم ثالث # والذي يترجح هو القول الأول لأنه سبحانه أخبر بوفاتين وفاة كبرى وهى وفاة ~~الموت ووفاة صغرى وهى وفاة النوم وقسم الأرواح قسمين قضي عليها بالموت ~~فأمسكها عنده وهى التى توفاها وفاة الموت وقسما لها بقية أجل فردها إلى ~~جسدها إلى استكمال أجلها وجعل سبحانه الامساك والارسال حكمين للوفاتين ~~المذكورتين أولا فهذه ممسكة وهذه مرسلة وأخبر أن التى لم تمت هى التى ~~توفاها في منامها فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين وفاة موت ووفاة نوم ~~لم يقل {والتي لم تمت في منامها} فإنها من حين قبضت ماتت وهو سبحانه قد ~~أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك {فيمسك التي قضى عليها الموت} # ولمن نصر هذا القول أن يقول قوله تعالى {فيمسك التي قضى عليها الموت} بعد ~~أن توفاها وفاة النوم فهو سبحانه توفاها أولا وفاة نوم ثم قضي عليها الموت ~~بعد ذلك والتحقيق أن الآية تتناول النوعين فإنه سبحانه ذكر وفاتين وفاة نوم ~~ووفاة موت وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى ومعلوم أنه سبحانه يمسك كل ~~نفس ميت سواء مات في النوم أو في اليقظة ويرسل نفس من لم يمت فقوله {يتوفى ~~الأنفس حين موتها} يتناول من مات في اليقظة ومن مات في المنام # وقد دل التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحى يرى الميت في منامه ~~فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحى فيصادف خبره كما أخبر في الماضي ~~والمستقبل وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه وربما ~~أخبره بدين عليه وذكر له شواهده وأدلته # وأبلغ من هذا أنه يخبر بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين ~~وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر وربما ~~أخبره عن أمور يقطع الحى أنه لم يكن يعرفها غيره وقد ms021 ذكرنا قصة الصعب بن ~~جثامة وقوله لعوف بن مالك ما قال له وذكرنا قصة ثابت بن قيس بن شماس ~~وأخباره لمن رآه يدرعه وما عليه من الدين # PageV01P021 # وقصة صدقة بن سليمان الجعفرى وأخبار ابنه له بما عمل من بعده وقصة شبيب ~~بن شيبة وقول أمه له بعد الموت جزاك الله خيرا حيث لقنها لا إله إلا الله ~~وقصة الفضل بن الموفق مع ابنه وإخباره إياه بعلمه بزيارته # وقال سعيد بن المسيب التقي عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي فقال أحدهما ~~للآخر أن مت قبلى فالقني فاخبرني ما لقيت من ربك وإن أنا مت قبلك لقيتك ~~فأخبرتك فقال الآخر وهل تلتقي الأموات والأحياء قال نعم أرواحهم في الجنة ~~تذهب حيث تشاء قال فمات فلان فلقيه في المنام فقال توكل وأبشر فلم أر مثل ~~التوكل قط وقال العباس بن عبد المطلب كنت أشتهى أن ارى عمر في المنام فما ~~رأيته إلا عند قرب الحول فرأيته يمسح العرق عن جبينه وهو يقول هذا أوان ~~فراغي إن كاد عرشي ليهد لولا أن لقيت رءوفا رحميا # ولما حضرت شريح بن عابد الثمالى الوفاة دخل عليه غضيف بن الحارث وهو يجود ~~بنفسه فقال يا أبا الحجاج إن قدرت على أن تأتينا بعد الموت فتخبرنا بما ترى ~~فافعل قال وكانت كلمة مقبولة في أهل الفقه قال فمكث زمانا لا يراه ثم رآه ~~في منامه فقال له أليس قدمت قال بلى قال فكيف حالك قال تجاوز ربنا عنا ~~الذنوب فلم يهلك منا إلا الاحراض قلت وما الأحراض قال الذين يشار إليهم ~~بالأصابع في الشيء # وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز رأيت أبي في النوم بعد موته كأنه في ~~حديقة فدفع إلى تفاحات فأولتهن الولد فقلت أى الأعمال وجدت أفضل فقال ~~الاستغفار أى بنى # ورأى مسلمة بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بعد موته فقال يا أمير ~~المؤمنين ليت شعرى إلى أى الحالات صرت بعد الموت قال يا مسلمة هذا أوان ~~فراغي والله ما استرحت إلا ms022 الآن قال قلت فأين أنت يا أمير المؤمنين قال مع ~~أئمة الهدى في جنة عدن # قال صالح البراد رأيت زرارة بن أوفي بعد موته فقلت رحمك الله ماذا قيل لك ~~وماذا قلت فأعرض عنى قلت فما صنع الله بك قال تفضل على بجوده وكرمه قلت ~~فأبو العلاء بن يزيد أخو مطرف قال ذاك في الدرجات العلى قلت فأى الأعمال ~~أبلغ فيما عندكم قال التوكل وقصر الأمل # وقال مالك بن دينار رأيت مسلم بن يسار بعد موته فسلمت عليه فلم يرد على ~~السلام فقلت ما يمنعك أن ترد السلام قال أنا ميت فكيف أرد عليك السلام فقلت ~~له ماذا لقيت بعد الموت قال لقيت والله أهوالا وزلازل عظاما شدادا قال قلت ~~له فما كان بعد ذلك قال وما تراه يكون من الكريم قبل منا الحسنات وعفا لنا ~~عن السيئات وضمن عنا النبعات قال ثم شهق مالك شهقة خر مغشيا عليه قال فلبث ~~بعد ذلك أياما مريضا ثم انصدع قلبه فمات # PageV01P022 # وقال سهيل أخو حزم رأيت مالك بن دينار بعد موته فقلت يا أبا يحيى ليث ~~شعرى ماذا قدمت به على الله قال قدمت بذنوب كثيرة محاها عنى حسن الظن بالله ~~عز وجل # ولما مات رجاء بن حيوة رأته امرأة عابدة فقالت يا أبا المقدام إلام صرتم ~~قال إلى خير ولكن فزعنا بعدكم فزعة ظننا أن القيامة قد قامت قالت قلت ومم ~~ذلك قال دخل الجراح وأصحابه الجنة بأثقالهم حتى ازدحموا على بابها # وقال جميل بن مرة كان مورق العجلى لى أخا وصديقا فقلت له ذات يوم أينا ~~مات قبل صاحبه فليأت صاحبه فليخبره بالذي صار الأيه قال فمات مورق فرأت ~~أهلى في منامها كأنه أتانا كما كان يأتي فقرع الباب كما كان يقرع قالت فقمت ~~ففتحت له كما كنت أفتح وقلت أدخل يا أبا المعتمر إلى باب أخيك فقال كيف ~~أدخل وقد ذقت الموت إنما جئت لأعلم جميلا بما صنع الله بى أعلميه أنه قد ~~جعلني في المقربين # ولما مات محمد ms023 بن سيرين حزن عليه بعض أصحابه حزنا شديدا فرآه في المنام ~~في حال حسنة فقال يا أخي قد أراك في حال يسرني فما صنع الحسن قال رفع فوقي ~~بسبعين درجة قلت ولم ذاك وقد كنا نرى أنك أفضل منه قال ذاك بطول حزنه # وقال ابن عيينة رأيت سفيان الثورى في النوم فقلت أوصنى قال أقل من معرفة ~~الناس # وقال عمار بن سيف رأيت الحسن بن صالح في منامى فقلت قد كنت متمنيا للقائك ~~فماذا عندك فتخبرنا به فقال أبشر فإني لم أر مثل حسن الظن بالله شيئا # ولما مات ضيغم العابد رآه بعض أصحابه في المنام فقال أما صليت علي قال ~~فذكرت علة كانت فقال أما لو كنت على نجت رأسك # ولما ماتت رابعة رأتها امرأة من أصحابها وعليها حلة استبرق وخمار من سندس ~~وكانت كفنت في جبة وخمار من صوف فقالت لها ما فعلت الجبة التى كفنتك فيها ~~وخمار الصوف قالت والله أنه نزع عنى وأبدلت به هذا الذي ترين على وطويت ~~أكفاني وختم عليها ورفعت في عليين ليكمل لى ثوابها يوم القيامة قالت فقلت ~~لها هذا كنت تعلمين أيام الدنيا فقالت وما هذا عند ما رأيت من كرامة الله ~~لأوليائه فقلت لها فما فعلت عبدة بنت أبي كلاب فقلت هيهات هيهات سبقتنا ~~والله إلى الدرجات العلى قالت قلت وبم وقد كنت عند الناس أعبد منها فقالت ~~أنها لم تكن تبالى على أى حال أصبحت من الدنيا أو أمست فقلت فما فعل أبو ~~مالك تعنى ضيغما فقالت يزور الله تبارك وتعالى متى شاء قالت # PageV01P023 # قلت فما فعل بشر بن منصور قالت بخ بخ أعطى والله فوق ما كان يأمل قالت ~~قلت مرينى بأمر أتقرب به إلى الله تعالى قالت عليك بكثرة ذكر الله فيوشك أن ~~تغتبطى بذلك في قبرك # ولما مات عبد العزيز بن سليمان العابد رآه بعض أصحابه وعليه ثياب خضر ~~وعلى رأسه أكليل من لؤلؤ فقال كيف كنت بعدنا وكيف وجدت طعم الموت وكيف رأيت ~~الأمر هناك ms024 قال أما الموت فلا تسأل عن شدة كربه وغمه إلا أن رحمة الله وارت ~~عنا كل عيب وما تلقانا إلا بفضله # وقال صالح بن بشر لما مات عطاء السلمى رأيته في منامى فقلت يا أبا محمد ~~ألست في زمرة الموتى قال بلى قلت فماذا صرت بعد الموت قال صرت والله إلى ~~خير كثير ورب غفور شكور قال قلت أما والله لقد كنت طويل الحزن في دار ~~الدنيا فتبسم وقال والله لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحا دائما قلت ففي أى ~~الدرجات أنت قال مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~الصالحين وحسن أولئك رفيقا # ولما مات عاصم الجحدرى رآه بعض أهله في المنام فقال أليس قدمت قال بلى ~~قال فأين أنت قال أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي ~~نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزنى فنتلقى أخباركم ~~قال قلت أجسادكم أم أرواحكم قال هيهات بليت الأجساد وإنما تتلاقى الأرواح # ورئى الفضيل بن عياض بعد موته فقال لم أر للعبد خيرا من ربه # وكان مرة الهمدانى قد سجد حتى أكل التراب جبهته فلما مات رآه رجل من أهله ~~في منامه وكأن موضع سجوده كهيئة الكوكب الدرى فقال ما هذا الأثر الذي أرى ~~بوجهك قال كسى موضع السجود بأكل التراب له نورا قال قلت فما منزلتك في ~~الآخرة قال خير منزل دار لا ينتقل عنها أهلها ولا يموتون # وقال أبو يعقوب القارى رأيت في منامى رجلا آدما طوالا والناس يتبعونه قلت ~~من هذا قالوا أو يس القرنى فاتبعته فقلت أوصنى يرحمك الله فكلح في وجهى ~~فقلت مسترشد فأرشدنى رحمك الله فأقبل على فقال ابتغ رحمة الله عند محبته ~~واحذر نقمته عند معصيته ولا تقطع رجاءك منه في خلال ذلك ثم ولى وتركنى # وقال ابن السماك رأيت مسعرا في النوم فقلت أى الأعمال وجدت أفضل قال ~~مجالس الذكر وقال الأجلح رأيت سلمة بن كهيل في النوم فقلت أى الأعمال وجدت ~~أفضل قال ms025 قيام الليل وقال أبو بكر بن أبى مريم رأيت وفاء بن بشر بعد موته ~~فقلت ما فعلت # PageV01P024 # يا وفاء قال نجوت بعد كل جهد قلت فأى الأعمال وجدتموها أفضل قال البكاء ~~من خشية الله عز وجل # وقال الليث بن سعد عن موسى بن وردان أنه رأى عبد الله بن أبى حبيبة بعد ~~موته فقال عرضت على حسناتى وسيئاتى فرأيت في حسناتى حبات رمان التقطتهن ~~فأكلهن ورأيت في سيئاتى خيطى حرير كانا في قلنسوتى # وقال سنيد بن داود حدثنى ابن أخى جويرية بن أسماء قال كنا بعبادان فقدم ~~علينا شاب من أهل الكوفة متعبد فمات بها في يوم شديد الحر فقلت نبرد ثم ~~نأخذ في جهازه فنمت فرأيت كأنى في المقابر فإذا بقبة جوهر تتلألأ حسنا وأنا ~~أنظر إليها إذ انفلقت فأشرفت منها جارية ما رأيت مثل حسنها فأقبلت على ~~فقالت بالله لا تحبسه عنا إلى الظهر قال فانتبهت فزعا وأخذت في جهازه وحفرت ~~له قبرا في الموضع الذي رأيت فيه القبة فدفنته فيه # وقال عبد الملك بن عتاب الليثى رأيت عامر بن عبد قيس في النوم فقلت أى ~~الأعمال وجدت أفضل قال ما أريد به وجه الله عز وجل # وقال يزيد بن هارون رأيت أبا العلاء أيوب بن مسكين في المنام فقلت ما فعل ~~بك ربك قال غفر لي قلت بماذا قال بالصوم والصلاة قلت أرأيت منصور بن زادان ~~قال هيهات ذاك نرى قصره من بعيد # وقال يزيد بن نعامة هلكت جارية في طاعون الجارف فلقيها أبوها بعد موتها ~~فقال لها يا بنية أخبرينى عن الآخرة قالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ~~ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان ~~في صحيفة عملي أحب إلى من الدنيا وما فيها وقال كثير بن مرة رأيت في منامى ~~كأنى دخلت درجة علياء في الجنة فجعلت أطوف بها وأتعجب منها فإذا أنا بنساء ~~من نساء المسجد في ناحية منها فذهبت حتى سلمت عليهن ثم قلت بما ms026 بلغتن هذه ~~الدرجة قلن بسجدات وتكبيرات وقال مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز عن فاطمة ~~بنت عبد الملك امرأة عمر بن عبد العزيز قالت انتبه عمر بن عبد العزيز ليلة ~~فقال لقد رأيت رؤيا معجبة قالت فقلت جعلت فداءك فأخبرنى بها فقال ما كنت ~~لأخبرك بها حتى أصبح فلما طلع الفجر خرج فصلى ثم عاد إلى مجلسه قالت ~~فاغتنمت خلوته فقلت أخبرنى بالرؤيا التي رأيت قال رأيت كأنى رفعت إلى أرض ~~خضراء واسعة كأنها بساط أخضر وإذا فيها قصر أبيض كأنه الفضة وإذا خارج قد ~~خرج من ذلك القصر فهتف بأعلى صوته يقول أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ~~أين رسول الله إذ أقبل رسول الله حتى دخل ذلك القصر قال ثم إن آخر خرج من ~~ذلك القصر فنادى # PageV01P025 # أين أبو بكر الصديق أين ابن أبى قحافة إذ أقبل أبو بكر حتى دخل ذلك القصر ~~ثم خرج آخر فنادى أين عمر بن الخطاب فأقبل عمر حتى دخل ذلك القصر ثم خرج ~~آخر فنادى أين عثمان ابن عفان فأقبل حتى دخل ذلك القصر ثم خرج آخر فنادى ~~أين علي بن أبى طالب فأقبل حتى دخل ذلك القصر ثم ان آخر خرج فنادى أين عمر ~~بن عبد العزيز قال عمر فقمت حتى دخلت ذلك القصر قال فدفعت إلى رسول الله ~~والقوم حوله فقلت بينى وبين نفسى أين أجلس فجلست إلى جنب أبى عمر بن الخطاب ~~فنظرت فإذا أبو بكر عن يمين النبي وإذا عمر عن يساره فتأملت فإذا بين رسول ~~الله وبين أبى بكر رجل فقلت من هذا الرجل الذى بين رسول وبين أبى بكر فقال ~~هذا عيسى بن مريم فسمعت هاتفا يهتف وبينى وبينه ستر نور يا عمر بن عبد ~~العزيز تمسك بما أنت عليه وانبت على ما أنت عليه ثم كأنه أذن لى في الخروج ~~فخرجت من ذلك القصر فالتفت خلفي فإذا أنا بعثمان بن عفان وهو خارج من ذلك ~~القصر يقول الحمد لله الذي نصرنى وإذا علي ms027 بن أبى طالب في أثره خارج من ذلك ~~القصر وهو يقول الحمد لله الذي غفر لى # وقال سعيد بن أبى عروبة عن عمر بن عبد العزيز رأيت رسول الله وأبو بكر ~~وعمر جالسان عنده فسلمت فبينا أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فأدخلا بيتا ~~وأجيف عليها الباب وأنا أنظر فما كان بأسرع من أن خرج على وهو يقول قضى لى ~~ورب الكعبة وما كان بأسرع من أن خرج معاوية على أثره وهو يقول غفر لي ورب ~~الكعبة # وقال حماد بن أبى هاشم جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فقال رأيت رسول ~~الله في المنام وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله وأقبل رجلان يختصمان وانت ~~بين يديه جالس فقال لك يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين لأبى بكر وعمر ~~فاستحلفه عمر بالله أرأيت هذه الرؤيا فحلف فبكى عمر # وقال عبد الرحمن بن غنم رأيت معاذ بن جبل بعد وفاته بثلاث على فرس أبلق ~~وخلفه رجال بيض عليهم ثياب خضر على خيل بلق وهو قدامهم وهو يقول {يا ليت ~~قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} ثم التفت عن يمينه وشماله ~~يقول يا ابن رواحة يا ابن مظعون {الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض ~~نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين} ثم صافحنى وسلم على # PageV01P026 # وقال قبيصة بن عقبة رأيت سفيان الثورى في المنام بعد موته فقلت ما فعل ~~الله بك فقال # نظرت إلى ربي عيانا فقال لي ... هنيئا رضايا عنك يا ابن سعيد # فقد كنت قواما إذا الليل قد دجا ... بعبرة محزون وقلب عميد # فدونك فاخترأى قصر تريده ... وزرنى فإنى منك غير بعيد # وقال سفيان بن عيينة رأيت سفيان الثورى بعد موته يطير في الجنة من نخلة ~~إلى شجرة ومن شجرة إلى نخلة وهو يقول لمثل هذا فليعمل العاملون فقيل له بما ~~أدخلت الجنة قال بالورع بالورع قيل له فما فعل على بن عاصم قال ما نراه إلا ~~مثل الكوكب # وكان شعبة بن الحجاج ms028 ومسعر بن كدام حافظين وكانا جليلين قال أبو أحمد ~~البريدى فرأيتهما بعد موتهما فقلت أبا بسطام ما فعل الله بك فقال وفقك الله ~~لحفظ ما أقول # حبانى إلهى في الجنان بقية ... لها ألف باب من لجين وجوهرا # وقال لى الرحمن يا شعبة الذي ... تبحر في جمع العلوم فأكثرا # تنعم بقربى إننى عنك ذو رضا ... وعن عبدى القوام في الليل مسعرا # كفا مسعرا عزا بأن سيزورني ... واكشف عن وجهى الكريم لينظرا # وهذا فعالى بالذين تنسكوا ... ولم يألفوا في سالف الدهر منكرا # قال أحمد بن محمد اللبدى رأيت أحمد بن حنبل في النوم فقلت يا أبا عبد ~~الله ما فعل الله بك قال غفر لى ثم قال يا أحمد ضربت في ستين سوطا قلت نعم ~~يارب قال هذا وجهى قدأبحتك فأنظر إليه # وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج حدثنى رجل من أهل طوسوس قال دعوت ~~الله عز وجل أن يرينى أهل القبور حتى أسألهم عن أحمد بن حنبل ما فعل الله ~~به فرأيت بعد عشر سنين في المنام كأن أهل القبور قد قاموا على قبورهم ~~فبادرونى بالكلام فقالوا يا هذا كم تدعو الله عز وجل أن يريك ايانا تسألنا ~~عن رجل لم يزل منذ فارقكم تحليه الملائكة تحت شجرة طوبى قال أبو محمد عبد ~~الحق وهذا الكلام من أهل القبور إنما هو اخبار عن علو درجة أحمد بن حنبل ~~وارتفاع مكانه وعظم منزلته فلم يقدروا أن يعبروا عن صفة حاله وعن ما هو فيه ~~إلا بهذا وما هو في معناه # PageV01P027 # وقال أو جعفر السقاء صاحب بشر بن الحارث رأيت بشرا الحافي ومعروف الكرخى ~~وهما جائيان فقلت من أين فقالا من جنة الفردوس زرنا كليم الله موسى # وقال عاصم الجزرى رأيت في النوم كأنى لقيت بشر بن الحارث فقلت من أين يا ~~أبا نصر قال من عليين قلت فما فعل أحمد بن حنبل قال تركته الساعة مع عبد ~~الوهاب الوراق بين يدى الله عز وجل يأكلان ويشربان فقلت له فأنت قال ms029 علم ~~قلة رغبتى في الطعام فأباحنى النظر إليه # وقال أبو جعفر السقاء رأيت بشر بن الحارث في النوم بعد موته فقلت أبا نصر ~~ما فعل الله بك قال الطفنى ورحمنى وقال لى يا بشر لو سجدت لى في الدنيا على ~~الجمر ما أديت شكر ما حشوت قلوب عبادى منك وأباح لى نصف الجنة فأسرح فيها ~~حيث شئت ووعدنى أن يغفر لمن تبع جنازتى فقلت ما فعل أبو نصر التمار فقال ~~ذاك فوق الناس بصبره على بلائه وفقره # قال عبد الحق لعله أراد بقوله نصف الجنة نصف نعيمها لأن نعيمها نصفان نصف ~~روحانى ونصف جسمانى فيتنعمون أولا بالروحانى فإذا ردت الأرواح إلى الأجساد ~~أضيف لهم النعيم الجسمانى إلى الروحانى وقال غيره نعيم الجنة مرتب على ~~العلم والعمل وحظ بشر من العمل كان أوفي من حظه في العلم والله أعلم # وقال بعض الصالحين رأيت أبا بكر الشلبى في المنام وكأنه قاعد في مجلس ~~الرصافة بالموضع الذي كان يقعد فيه وإذا به قد أقبل وعليه ثياب حسان فقمت ~~إليه وسلمت عليه وجلست بين يديه فقلت له من أقرب أصحابك إليك قال ألهجهم ~~بذكر الله وأقومهم بحق الله وأسرعهم مبادرة في مرضاة الله # وقال أبو عبد الرحمن الساحلى رأيت ميسرة بن سليم في المنام بعد موته فقلت ~~له طالت غيبتك فقال السفر طويل فقلت له فما الذي قدمت عليه فقال رخص لى ~~لأنا كنا نفتى بالرخص فقلت فما تأمرنى به قال اتباع الآثار وصحبة الأخيار ~~ينجيان من النار ويقربان من الجبار # وقال أبو جعفر الضرير رأيت عيسى بن زاذان بعد موته فقلت ما فعل الله بك ~~فأنشأ يقول # لو رأيت الحسان في الخلد حولى ... وأكاويب معها للشراب # يترنمن بالكتاب جميعا ... يتمشين مسبلات الثياب # PageV01P028 # وقال بعض أصحاب ابن جريج رأيت كأنى جئت إلى هذه المقبرة التي بمكة فرأيت ~~على عامتها سرادقا ورأيت منها قبرا عليه سرادق وقسطاط وسدرة فجئت حتى دخلت ~~فسلمت عليه فإذا مسلم بن خالد الزنجى فسلمت عليه وقلت يا أبا خالد ما ms030 بال ~~هذه القبور عليها سرادق وقبرك عليه سرادق وفسطاط وفيه سدرة فقال أنى كنت ~~كثير الصيام فقلت فأين قبر ابن جريج وأين محله فقد كنت أجالسه وأنا أحب أن ~~أسلم عليه فقال هكذا بيده هيهات وأدار أصبعه السبابة وأين ابن جريج رفعت ~~صحيفته في عليين # ورأى حماد بن سلمة في النوم بعض الأصحاب فقال له ما فعل الله بك فقال قال ~~لى طال ما كددت نفسك في الدنيا فاليوم أطبل راحتك وراحة المتعبين # وهذا باب طويل جدا فإن لم تسمح نفسك بتصديقه وقلت هذه منامات وهي غير ~~معصومة فتأمل من رأى صاحبا له أو قريبا أو غيره فأخبره بأمر لا يعلمه إلا ~~صاحب الرؤيا أو أخبره بمال دفنه أو حذره من أمر يقع أو بشره بأمر يوجد فوقع ~~كما قال أو أخبره بأنه يموت هو أو بعض أهله إلى كذا وكذا فيقع كما أخبر أو ~~أخبره بخصب أو جدب أو عدو أو نازلة أو مرض أو بغرض له فوقع كما أخبره ~~والواقع من ذلك لا يحصيه إلا الله والناس مشتركون فيه وقد رأينا نحن وغيرنا ~~من ذاك عجائب # وأبطل من قال أن هذه كلها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع ~~نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم وهذا عين الباطل والمحال فإن النفس لم يكن ~~فيها قط معرفة هذه الأمور التي يخبر بها الميت ولا خطرت ببالها ولا عندها ~~علامة عليها ولا أمارة بوجه ما ونحن لا ننكر أن الأمر قد يقع كذلك # وإن من الرؤيا ما يكون من حديث النفس وصورة الاعتقاد بل كثير من مرائى ~~الناس إنما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابق وغير المطابق # فإن الرؤيا على ثلاثة أنواع رؤيا من الله ورؤيا من الشيطان ورؤيا من حديث ~~النفس # والرؤيا الصحيحة أقسام منها إلهام يلقيه الله سبحانه في قلب العبد وهو ~~كلام يكلم به الرب عبده في المنام كما قال عبادة بن الصامت وغيره # ومنها مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها # ومنها التقاء روح النائم بأرواح ms031 الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم ~~كما ذكرنا # ومنها عروج روحه إلى الله سبحانه وخطا بها له # ومنها دخول روحه إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك فالتقاء أرواح الأحياء ~~والموتى نوع من أنواع الرؤيا الصحيحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات # PageV01P029 # وهذا موضع اضطرب فيه الناس فمن قائل إن العلوم كلها كامنة في النفس وإنما ~~اشتغالها بعالم الحس يحجب عنها مطالعتها فإذا تجردت بالنوم رأت منها بحسب ~~استعدادها ولما كان تجردها بالموت أكمل كانت علومها ومعارفها هناك أكمل ~~وهذا فيه حق وباطل فلا يرد كله ولا يقبل كله فإن تجرد النفس يطلعها على ~~علوم ومعارف لا تحصل بدون التجرد لكن لو تجردت كل التجرد لم تطلع على علم ~~الله الذي بعث به رسوله وعلى تفاصيل ما أخبر به عن الرسل الماضية والأمم ~~الخالية وتفاصيل المعاد وأشراط الساعة وتفاصيل الأمر والنهى والأسماء ~~والصفات والأفعال وغير ذلك مما لا يعلم إلا بالوحى ولكن تجرد النفس عون لها ~~على معرفة ذلك وتلقيه من معدنه أسهل وأقرب وأكثر مما يحصل للنفس المنغمسة ~~في الشواغل البدنية # ومن قائل إن هذه المرائى علوم علقها الله في النفس ابتداء بلا سبب وهذا ~~قول منكرى الأسباب والحكم القوى وهو قول مخالف للشرع والعقل والفطرة # ومن قائل أن الرؤيا أمثال مضروبة يضربها الله للعبد بحسب استعداده الفه ~~على يد ملك الرؤيا فمرة يكون مثلا مضروبا ومرة يكون نفس ما رآه الرائى ~~فيطابق الواقع مطابقة العلم لمعلومه # وهذا أقرب من القولين قبله ولكن الرؤيا ليست مقصورة عليه بل لها أسباب ~~أخر كما تقدم من ملاقاة الأرواح وأخبار بعضها بعضا ومن إلقاء الملك الذي في ~~القلب والروع ومن رؤية الروح للأشياء مكافحة بلا واسطة # وقد ذكر أبو عبد الله بن منده الحافظ في كتاب النفس والروح من حديث محمد ~~بن حميد حدثنا عبد الرحمن بن مغراء الدروسى حدثنا الأزهر بن عبد الله ~~الأزدى عن محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال لقى عمر بن ~~الخطاب على بن ms032 أبى طالب فقال له يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا وشهدنا وغبت ~~ثلاث أسألك عنهن عندك منهن علم فقال على ابن أبى طالب وما هن فقال الرجل ~~يحب الرجل ولم ير منه خيرا والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرا فقال على نعم ~~سمعت رسول الله يقول إن الأرواح جنود مجندة تلتقى في الهواء فتشأم فما ~~تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فقال عمر واحدة قال عمر والرجل يحدث ~~الحديث إذ نسيه فبينا هو وما نسيه إذ ذكره فقال نعم سمعت رسول الله يقول ما ~~في القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر بينا القمر مضيء إذا تجللته ~~سحابة الظلم إذا تجلت فأضاء وبينا القلب يتحدث إذ تجللته سحابة فنسى إذ ~~تجلت عنه فيذكر قال عمر اثنتان قال والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ~~ما يكذب # PageV01P030 # فقال نعم سمعت رسول الله يقول ما من عبد ينام يتملىء نوما إلا عرج بروحه ~~إلى العرش فالذى لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ ~~دون العرش فهي التي تكذب فقال عمر ثلاث كنت في طلبهن فالحمد لله الذي ~~أصبتهن قبل الموت # وقال بغية بن الوليد حدثنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر الحضرمى قال ~~قال عمر بن الخطاب عجبت لرؤيا الرجل يرى الشيء لم يخطر له على بال فيكون ~~كآخذ بيد ويرى الشيء فلا يكون شيئا فقال على بن أبى طالب يا أمير المؤمنين ~~يقول الله عز وجل {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} قال والأرواح يعرج ~~بها في منامها فما رأت وهي في السماء فهو الحق فإذا ردت إلى أجسادها تلقتها ~~الشياطين في الهواء فكذبتها فما رأت من ذلك فهو الباطل قال فجعل عمر يتعجب ~~من قول علي قال ابن منده هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره وروى عن أبى ~~الدرداء # وذكر الطبرانى من حديث على بن أبى طلحة أن ms033 عبد الله بن عباس قال لعمر بن ~~الخطاب يا أمير المؤمنين أشياء أسألك عنها قال سل عما شئت قال يا أمير ~~المؤمنين مم يذكر الرجل ومم ينسى ومم تصدق الرؤيا ومم تكذب فقال له عمر إن ~~على القلب طخاوة كطخاوة القمر فإذا تغشت القلب نسى ابن آدم فإذا انجلت ذكر ~~ما كان نسى وأما مم تصدق الرؤيا ومم تكذب فإن الله عز وجل يقول {الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} فمن دخل منها في ملكوت السماء ~~فهى التي تصدق وما كان منها دون ملكوت السماء فهي التي تكذب # وروى ابن لهيعة عن عثمان بن نعيم الرعينى عن أبى عثمان الاصبحى عن أبى ~~الدرداء قال إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها العرش فإن كان طاهرا ~~أذن لها بالسجود وإن كان جنبا لم يؤذن لها بالسجود # وروى جعفر بن عون عن إبراهيم الهجرى عن أبى الأحوص عن عبد الله بن مسعود ~~أنه قال إن الأرواح جنود مجندة تتلاقى فتشأم كما تشأم الخيل فما تعارف منا ~~ائتلف وما تناكر منها اختلف # ولم يزل الناس قديما وحديثا تعرف هذا وتشاهده قال جميل بن معمر العذرى # أظل نهاري مستهاما وتلتقى ... مع الليل روحى في المنام وروحها فإن قيل ~~فالنائم يرى غيره من الأحياء يحدثه ويخاطبه وربما كان بينهما مسافة بعيدة ~~ويكون # PageV01P031 # المرئى يقظان روحه لم تفارق جسده فكيف التقت روحاهما قيل هذا إما أن يكون ~~مثلا مضروبا ضربه ملك الرؤيا للنائم أو يكون حديث نفس من الرائى تجرد له في ~~منامه كما قال حبيب بن أوس # سقيا لطيفك من زور أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول # وقد تتناسب الروحان وتشتد علاقة احداهما بالأخرى فيشعر كل منهما ببعض ما ~~يحدث لصاحبه وإن لم يشعر بما يحدث لغيره لشدة العلاقة بينهما وقد شاهد ~~الناس من ذلك عجائب # والمقصود أن أرواح الأحياء تتلاقى في النوم كما تتلاقى أرواح الأحياء ~~والأموات قال بعض السلف أن الأرواح تتلاقى في الهواء فتتعارف أو تتذاكر ms034 ~~فيأتيها ملك الرؤيا بما هو لاقيها من خير أو شر قال وقد وكل الله بالرؤيا ~~الصادقة ملكا علمه وألهمه معرفة كل نفس بعينها واسمها ومتقلبها في دينها ~~ودنياها وطبعها ومعارفها لا يشتبه عليه منها شيء ولا يغلط فيها فتأتيه نسخة ~~من علم غيب الله من أم الكتاب بما هو مصيب لهذا الإنسان من خير وشر في دينه ~~ودنياه ويضرب له فيها الأمثال والأشكال على قدر عادته فتارة يبشره بخير ~~قدمه أو يقدمه وينذره من معصية ارتكبها أو هم بها ويحذره من مكروه انعقدت ~~أسبابه ليعارض تلك الأسباب بأسباب تدفعها ولغير ذلك من الحكم والمصالح التي ~~جعلها الله في الرؤيا نعمة منه ورحمة وإحسانا وتذكيرا وتعريفا وجعل أحد طرق ~~ذلك تلاقى الأرواح وتذاكرها وتعارفها وكم ممن كانت توبته وصلاحه وزهده ~~واقباله على الآخرة عن منام رآه أو رئى له وكم ممن استغنى وأصاب كنزا دفينا ~~عن منام # وفي كتاب المجالسة لأبى بكر أحمد بن مروان المالكى عن ابن قتيبة عن أبى ~~حاتم عن الأصمعي عن المعتمر بن سليمان عمن حدثه قال خرجنا مرة في سفر وكنا ~~ثلاثة نفر فنام أحدنا فرأينا مثل المصباح خرج من أنفة فدخل غارا قريبا منه ~~ثم رجع فدخل أنفه فأستيقظ يمسح وجهه وقال رأيت عجبا رأيت في هذا الغار كذا ~~وكذا فدخلناه فوجدنا فيه بقية من كنز كان # وهذا عبد المطلب دل في النوم على زمزم وأصاب الكنز الذى كان هناك # وهذا عمير بن وهب أتى في منامه فقيل له قم إلى موضع كذا وكذا من البيت ~~فأحفره تجد مال أبيك وكان أبوه قد دفن مالا ومات ولم يوص به فقام عمير من ~~نومه فأحتفر حيث أمره فأصاب عشرة آلاف درهم وتبرا كثيرا فقضى دينه وحسن ~~حاله وحال أهل بيته وكان ذلك عقب إسلامه فقالت له الصغرى من بناته يا أبت ~~ربنا هذا الذي حيانا بدينه خير من هبل والعزى ولولا أنه كذلك ما ورثك هذا ~~المال وإنما عبدته أياما قلائل # PageV01P032 # قال علي بن أبي طالب ms035 القيروانى العابر وما حديث عمير هذا واستخراجه المال ~~بالمنام بأعجب مما كان عندنا وشاهدناه في عصرنا بمدينتنا من أبى محمد عبد ~~الله البغانشى وكان رجلا صالحا مشهورا برؤية الأموات وسؤالهم عن الغائبات ~~ونقله ذلك إلى أهلهم وقراباتهم حتى اشتهر بذلك وكثر منه فكان المرء يأتيه ~~فيشكو إليه أن حميمه قد مات من غير وصية وله مال لا يهتدى إلى مكانه فيعده ~~خيرا ويدعو الله تعالى في ليلته فيترا آلة الميت الموصوف فيسأله عن الأمر ~~فيخبره به # فمن نوادره ان امرأة عجوزا من الصالحات توفيت ولا مرأة عندها سبعة دنانير ~~وديعة فجاءت إليه صاحبة الوديعة وشكت إليه ما نزل بها وأخبرته بأسمها واسم ~~الميتة صاحبتها ثم عادت إليه من الغد فقال لها تقول لك فلانة عدى من سقف ~~بيتى سبع خشبات تجدى الدنانير في السابعة في خرقة صوف ففعلت ذلك فوجدتها ~~كما وصف لها # وقال وأخبرنى رجل لا أظن به كدبا استأجرتني امرأة من أهل الدنيا على هدم ~~دار لها وبنائها بمال معلوم فلما أخذت في الهدم لزمت الفعلة هى ومن معها ~~فقلت مالك قالت والله مالى إلى هدم هذه الدار من حاجة لكن أبى مات وكان ذا ~~يسار كثير فلم نجد له كثير شيء فخلت أن ماله مدفون فعمدت إلى هدم الدار ~~لعلى أجد شيئا فقال لها بعض من حضر لقد فاتك ما هو أهون عليك من هذا قالت ~~وما هو قال فلان تمضين إليه وتسألينه أن يبيت قصتك الليلة فلعله يرى أباك ~~فيدلك على مكان ماله بلا تعب ولا كلفة فذهبت إليه ثم عادت إلينا فزعمت أنه ~~كتب اسمها واسم أبيها عنده فلما كان من الغد بكرت إلى العمل وجاءت المرأة ~~من عند الرجل فقالت ان الرجل قال لى رأيت أباك وهو يقول المال في الحنية ~~قال فجعلنا نحفر تحت الحنية وفي جوانبها حتى لاح لي شق وإذا المال فيه قال ~~فأخذنا في التعجب والمرأة تستخف بما وجدت وتقول مال أبى كان أكثر من هذا ~~ولكنى أعود إليه فمضت ms036 فأعلمته ثم سألته المعاودة فلما كان من الغد أتت ~~وقالت انه قال لها أن أباك يقول لك احفرى تحت الجابية المربعة التي في مخزن ~~الزيت قال ففتحت المخزن فإذا بجابية مربعة في الركن فأزلناها وحفرنا تحتها ~~فوجدنا كوزا كبيرا فأخذته ثم دام بها الطمع في المعاودة ففعلت فرجعت من ~~عنده وعليها الكآبة فقالت زعم انه رآه وهو يقول له قد أخذت ما قدر لها وأما ~~ما بقى فقد جلس عليه عفريت من الجن يحرسه إلى من قدر له والحكايات في هذا ~~الباب كثيرة جدا # PageV01P033 # وأما من حصل له الشفاء بإستعمال دواء رأى من وصفه له في منامه فكثير جدا ~~وقد حدثنى غير واحد ممن كان غير مائل إلي شيخ الإسلام ابن تيمية أنه رآه ~~بعد موته وسأله عن شيء كان يشكل عليه من مسائل الفرائض وغيرها فأجابه ~~بالصواب # وبالجملة فهذا أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وأحكامها ~~وشأنها وبالله التوفيق ### | المسألة الرابعة وهي أن الروح هل تموت أم الموت للبدن وحده اختلف # الناس في هذا فقالت طائفة تموت الروح وتذوق الموت لأنها نفس وكل نفس ~~ذائقة الموت # قالوا وقد دلت الأدلة على أنه لا يبقى إلا الله وحده قال تعالى {كل من ~~عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وقال تعالى {كل شيء هالك إلا ~~وجهه} قالوا وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت قالوا ~~وقد قال تعالى عن أهل النار أنهم قالوا {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين} فالموتة الأولى هذه المشهودة وهي للبدن والأخرى للروح # وقال آخرون لا تموت الأرواح فإنها خلقت للبقاء وإنما تموت الأبدان قالوا ~~وقد دلت على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة ~~إلى أن يرجعها الله في أجسادها ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم ~~والعذاب وقد قال تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم} هذا مع القطع ms037 بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم وقد ذاقت ~~الموت # والصواب أن يقال موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها فإن أريد ~~بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدما ~~محضا فهى لا تموت بهذا الاعتبار بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب ~~كما سيأتى ان شاء الله تعالى بعد هذا وكما صرح به النص انها كذلك حتى يردها ~~الله في جسدها وقد نظم أحمد بن الحسين الكندى هذا الاختلاف في قوله # تنازع الناس حتى لااتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب # فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب # PageV01P034 # فإن قيل فعند النفخ في الصور هل تبقى الأرواح حية كما هي أو تموت ثم تحيا ~~قيل قد قال تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله فقد استثنى الله سبحانه بعض من في السموات ومن في الأرض من هذا ~~الصعق # فقيل هم الشهداء هذا قول أبى هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير # وقيل هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وهذا قول مقاتل وغيره # وقيل هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم ومن في النار من أهل ~~العذاب وخزنتها قاله أبو إسحق بن شاقلا من أصحابنا # وقد نص الإمام أحمد على أن الحور العين والولدان لا يمتن عند النفخ في ~~الصور وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة ~~الأولى} وهذا نص على أنهم لا يموتون غير تلك الموتة الأولى فلو ماتوا مرة ~~ثانية لكانت موتتان وأما قول أهل النار {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين} فتفسير هذه الآية التي في البقرة وهي قوله تعالى {كيف تكفرون بالله ~~وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} فكانوا أمواتا وهم نطف في أصلاب ~~آبائهم وفي أرحام أمهاتهم ثم أحياهم بعد ذلك ثم أماتهم ثم يحييهم يوم ~~النشور وليس في ذلك اماتة أزواجهم قبل يوم القيامة وإلا كانت ثلاث موتات ~~وصعق الأرواح ms038 عند النفخ في الصور ولا يلزم منه موتها ففي الحديث لصحيح ان ~~الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة العرش ~~فلا أدرى افاق قبلى أم جوزى بصعقة يوم الطور # فهذا صعق في موقف القيامة إذا جاء الله تعالى لفصل القضاء وأشرقت الأرض ~~بنوره فحينئذ تصعق الخلائق كلهم قال تعالى {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي ~~فيه يصعقون} ولو كان هذا الصعق موتا لكانت موتة أخرى وقد تنبه لهذا جماعة ~~من الفضلاء فقال أبو عبد الله القرطبى ظاهر هذا الحديث ان هذه صعقة غشى ~~تكون يوم القيامة لاصعقة الموت الحادثة عن نفخ الصور قال وقد قال شيخنا ~~أحمد بن عمرو وظاهر حديث النبي يدل على أن هذه الصعقة إنما هي بعد النفخة ~~الثانية نفخة البعث ونص القرآن يقتضى أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة ~~الصعق ولما كان هذا قال بعض العلماء يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من ~~الأنبياء وهذا باطل وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع ~~بعد النشور حين تنشق السموات والأرض قال فتستقل الأحاديث والآثار ورد عليه ~~أبو العباس القرطبى فقال يرد هذا قوله في الحديث الصحيح أنه حين يخرج من ~~قبره يلقى موسى آخذا بقائمة العرش قال وهذا إنما عند نفخة الفزع # PageV01P035 # قال أبو عبد الله وقال شيخنا أحمد بن عمرو الذي يزيح هذا الاشكال إن شاء ~~الله تعالى ان الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال ويدل على ~~ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين ~~وهذه صفة الأحياء في الدنيا وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق ~~وأولى مع أنه قد صح عن النبي أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه اجتمع ~~بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء وخصوصا بموسى وقد أخبر ~~بأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام إلى ~~غير ذلك مما يحصل من جملته ms039 القطع بأن أموت لأنبياء إنما هو راجع إلى أن ~~غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين جاءوا ذلك كالحال في الملائكة ~~فإنهم أحياء موجودون ولا تراهم وإذا تقرر أنهم أحياء فإذا نفخ في الصور ~~نفخة الصعق صعق كل من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فأما صعق ~~غير الأنبياء فموت وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية فإذا نفخ في الصور ~~نفخة البعث فمن مات حى ومن غشى عليه أفاق ولذلك قال في الحديث المتفق على ~~صحته فأكون أول من يفيق فنبينا أول من يخرج من قبره قبل جميع الناس إلا ~~موسى فإنه حصل فيه تردد هل بعث قبله من غشيته أو بقى على الحالة التي كان ~~عليها قبل نفخة الصعق مفيقا لأنه حوسب بصعقة يوم الطور وهذه فضيلة عظيمة ~~لموسى ولا يلزم من فضيلة واحدة أفضليته على نبينا مطلقا لأن الشيء الجزئي ~~لا يوجب أمرا كليا انتهى # قال أبو عبد الله القرطبي ان حمل الحديث على صعقة الخلق يوم القيامة فلا ~~إشكال وإن حمل على صعقة الموت عند النفخ في الصور فيكون ذكر يوم القيامة ~~يراد به أوائله فالمعنى إذا نفخ في الصور نفخة البعث كنت أول من يرفع رأسه ~~فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزى بصعقة ~~الطور # قلت وحمل الحديث ع لى هذا لا يصح لأنه ترد هل أفاق موسى قبله أم لم يصعق ~~بل جوزى بصعقة الطور فالمعنى لا أدرى أصعق أم لم يصعق وقد قال في الحديث ~~فأكون أول من يفيق وهذا يدل على أنه يصعق فيمن يصعق وان التردد حصل في موسى ~~هل صعق وأفاق قبله من صعقته أم لم يصعق ولو كان المراد به الصعقة الأولى ~~وهي صعقة الموت لكان قد جزم بموته وتردد هل مات موسى أم لم يمت وهذا باطل ~~لوجوه كثيرة فعلم أنها صعقة فزع لاصعقة موت وحينئذ فلا تدل الآية على أن ~~الأرواح كلها تموت عند النفخة الأولى نعم تدل ms040 على أن موت الخلائق عند ~~النفخة الأولى وكل من لم يذق الموت قبلها فإنه يذوقه حينئذ وأما من ذاق ~~الموت أو من لم يكتب عليه الموت فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية ~~والله أعلم # PageV01P036 # فإن قيل فكيف تصنعون بقوله في الحديث إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون ~~أول من تنشق عليه الأرض فأجد موسى باطشا بقائمة العرش قيل لا ريب أن هذا ~~اللفظ قد ورد هكذا ومنه نشأ الاشكال ولكنه دخل فيه على الرواى حديث في حديث ~~فركب بين اللفظين فجاء هذا والحديثان هكذا # أحدهما ان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق # والثاني هكذا أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ففي الترمذي وغيره ~~من حديث ابى سعيد الخدرى قال قال رسول الله أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ~~ولا فخر وبيدى لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت ~~لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح # فدخل على الراوى هذا الحديث في الحديث الآخر وكان شيخنا أبو الحجاج ~~الحافظ يقول ذلك # فإن قيل فما تصنعون بقوله فلا أدرى أفاق قبلى أم كان ممن استثنى الله عز ~~وجل والذين استثناهم الله إنما هم مستثنون من صعقة النفخة لا من صعقة يوم ~~القيامة كما قال الله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض ~~إلا من شاء الله ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة قيل هذا ~~والله أعلم غير محفوظ وهو وهم من بعض الرواة والمحفوظ ما تواطأت الروايات ~~الصحيحة من قوله فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزى بصعقة الطور فظن بعض الرواة ان ~~هذه الصعقة هي صعقة النفخة وأن موسى داخل فيمن استثنى منها وهذا لا يلتئم ~~على مساق الحديث قطعا فإن الإفاقة حينئذ هي إفاقة البحث فكيف يقول لا أدرى ~~أبعث قبلى أم جوزى بصعقة الطور فتأمله وهذا بخلاف الصعقة التي يصعقها ~~الخلائق يوم القيامة إذا ms041 جاء الله سبحانه لفصل القضاء بين العباد وتجلى لهم ~~فإنهم يصعقون جميعا وأما موسى فإن كان لم يصعق معهم فيكون قد حوسب بصعقته ~~يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكا فجعلت صعقة هذا التجلى عوضا من صعقة الخلائق ~~لتجلى الرب يوم القيامة فتأمل هذا المعنى العظيم ولو لم يكن في الجواب إلا ~~كشف هذا الحديث وشأنه لكان حقيقا ان يعض عليه بالنواجذ ولله الحمد والمنة ~~وبه التوفيق # PageV01P037 ### | المسألة الخامسة وهي أن الأرواح بعد مفارقة الأبدان إذا تجردت بأى شيء # يتميز بعضها من بعض حتى تتعارف وتتلاقى وهل تشكل إذا تجردت بشكل بدنها ~~الذي كانت فيه وتلبس صورته أم كيف يكون حالها # هذه مسألة لا تكاد تجد من تكلم فيها ولا يظفر فيها من كتب الناس بطائل ~~ولا غير طائل ولا سيما على أصول من يقول بأنها مجردة عن المادة وعلائقها ~~وليست بداخل العالم ولا خارجه ولا لها شكل ولا قدر ولا شخص فهذا السؤال على ~~أصولهم مما لا جواب لهم عنه وكذلك من يقول هي عرض من أعراض البدن فتميزها ~~عن غيرها مشروط بقيامها ببدنها فلا تميز لها بعد الموت بل لا وجود لها على ~~أصولهم بل تعدم وتبطل بإضمحلال البدن كما تبطل سائر صفات الحى ولا يمكن ~~جواب هذه المسألة إلا على أصول أهل السنة التي تظاهرت عليها أدلة القرآن ~~والسنة والآثار والاعتبار والعقل والقول أنها ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل ~~وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وتجيء وتتحرك وتسكن وعلى هذا أكثر من مائة دليل ~~قد ذكرناها في كتابنا الكبير في معرفة الروح والنفس وبينا بطلان ما خالف ~~هذا القول من وجوه كثيرة وإن من قال غيره لم يعرف نفسه # وقد وصفها الله سبحانه وتعالى بالدخول والخروج والقبض والتوفي والرجوع ~~وصعودها إلى السماء وفتح أبوابها لها وغلقها عنها فقال تعالى {ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم} وقال ~~تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي ~~وادخلي جنتي} وهذا يقال لها ms042 عند المفارقة للجسد وقال تعالى {ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها} فأخبر أنه سوى النفس كما أخبر أنه سوى البدن في ~~قوله {الذي خلقك فسواك فعدلك} فهو سبحانه سوى نفس الإنسان كما سوى بدنه بل ~~سوى بدنه كالقالب لنفسه فتسوية البدن تابع لتسوية النفس والبدن موضوع لها ~~كالقالب لما هو موضوع له # ومن ها هنا يعلم أنها تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها فإنها تتأثر ~~وتنتقل عن البدن كما يتأثر البدن وينتقل عنها فيكتسب البدن الطيب والخبث من ~~طيب النفس وخبثها وتكتسب النفس الطيب والخبث من طيب البدن وخبثه فأشد ~~الأشياء ارتباطا وتناسبا وتفاعلا وتأثرا من أحدهما بالآخر الروح والبدن ~~ولهذا يقال لها عند المفارقة اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ~~النفس واخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث # PageV01P038 # وقال الله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} فوصفها بالتوفي ~~والامساك والارسال كما وصفها بالدخول والخروج والرجوع والتسوية وقد أخبر ~~النبي أن بصر الميت يتبع نفسه إذا قبضت وأخبر أن الملك يقبضها فتأخذها ~~الملائكة من يده فيوجد لها كأطيب نفخة مسك وجدت على وجه الارض أو كأنتن ريح ~~جيفة وجدت على وجه الأرض # والأعراض لا ريح لها ولا تمسك ولا تؤخذ من يد إلى يد # وأخبر أنها تصعد إلى السماء ويصلى عليها كل ملك لله بين السماء والأرض ~~وأنها تفتح لها أبواب السماء فتصعد من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى ~~السماء التي فيها الله عز وجل فتوقف بين يديه ويأمر بكتابة اسمه في ديوان ~~أهل عليين أو ديوان أهل سجين ثم ترد إلى الأرض وإن روح الكافر تطرح طرحا ~~وأنها تدخل مع البدن في قبرها للسؤال # وقد أخبر النبي بأن نسمة المؤمن وهي روحه طائر يعلق في شجر الجنة حتى ~~يردها الله إلى جسدها # وأخبر أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ~~ثمارها وأخبر ms043 أن الروح تنعم وتعذب في البزخ إلى يوم القيامة # وقد أخبر سبحانه عن أرواح قوم فرعون أنها تعرض على النار غدوا وعشيا قبل ~~يوم القيامة وقد أخبر سبحانه عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون وهذه ~~حياة أرواحم ورزقها دار وإلا فالأبدان قد تمزقت وقد فسر رسول الله هذه ~~الحياة بأن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة ~~حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل فأطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال هل تشتهون ~~شيئا قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا فعل بهم ذلك ثلاث ~~مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا نريد أن ترد أرواحنا في ~~أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى # وصح عنه أن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة وتعلق بضم اللام ~~أى تأكل العلقة # وقال ابن عباس قال رسول الله لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في ~~أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب في ~~ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا # PageV01P039 # يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا ~~عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى على رسوله ~~{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ~~الآيات رواه الإمام أحمد وهذا صريح في أكلها وشربها وحركتها وانتقالها ~~وكلامها وسيأتي مزيد تقرير لذلك عن قريب إن شاء الله تعالى # وإذا كان هذا شأن الأرواح فتميزها بعد المفارقة يكون أظهر من تميز ~~الأبدان والاشتباه بينها أبعد من اشتباه الأبدان فإن الأبدان تشتبه كثيرا ~~وأما الأرواح فقل ما تشتبه # يوضح هذا أنا لم نشاهد أبدان الأنبياء والصحابة والأئمة وهم متميزون في ~~علمنا أظهر تميز وليس ذلك التميز راجعا إلى مجرد أبدانهم وإن ذكر لنا من ~~صفات أبدانهم ما يختص به أحدهم من الآخر بل التميز الذي عندنا ms044 بما علمناه ~~وعرفناه من صفات أرواحهم وما قام بها وتميز الروح عن الروح بصفاتها أعظم من ~~تميز البدن عن البدن بصفاته ألا ترى أن بدن المؤمن والكافر قد يشتبهان ~~كثيرا وبين روحيهما أعظم التباين والتميز وأنت ترى أخوين شقيقين مشتبهين في ~~الخلقة غاية الاشتباه وبين روحيهما غاية التباين فإذا تجردت هاتان الروحان ~~كان تميزهما في غاية الظهور # وأخبرك بأمر إذا تأملت أحوال الأنفس والأبدان شاهدته عيانا قل أن ترى ~~بدنا قبيحا وشكلا شنيعا إلا وجدته مركبا على نفس تشاكله وتناسبه وقل أن ترى ~~آفة في بدن إلا وفي روح صاحبه آفة تناسبها ولهذا تأخذ أصحاب الفراسة أحوال ~~النفوس من أشكال الأبدان وأحوالها فقل أن تخطئ ذلك # ويحكى عن الشافعي رحمه الله في ذلك عجائب # وقل أن ترى شكلا حسنا وصورة جميلة وتركيبا لطيفا إلا وجدت الروح المتعلقة ~~به مناسبة له هذا ما لم يعارض ذلك ما يوجب خلافه من تعلم وتدرب واعتياد # وإذا كانت الأرواح العلوية وهم الملائكة متميزا بعضهم عن بعض من غير ~~أجسام تحملهم وكذلك الجن فتميز الأرواح البشرية أولى # PageV01P040 ### | المسألة السادسة وهي أن الروح هل تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال أم # لا # فقد كفانا رسول الله أمر هذه المسالة وأغنانا عن أقوال الناس حيث صرح ~~باعادة الروح إليه فقال البراء بن عازب كنا في جنازه في بقيع الغرقد فأتانا ~~النبي وسلم فقعد وقعدنا حوله كأن على رءوسنا الطير وهو يلحد له فقال أعوذ ~~بالله من عذاب القبر ثلاث مرات ثم قال ان العبد إذا كان في اقبال من الآخرة ~~وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة كأن وجوههم الشمس فيجلسون منه مد البصر ~~ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة أخرجى إلى ~~مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها ~~فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن ~~وذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ms045 قال فيصعدون بها ~~فلا يمرون بها يعنى على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب ~~فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه في الدنيا حتى ~~ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء ~~مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ~~تعالى فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإنى ~~منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنا أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه في جسده ~~فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولون له ما ~~دينك فيقول دينى الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو ~~رسول الله فيقولان له وما علمك بهذا فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت ~~فينادى مناد من السماء أن صدق عبدى فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا من ~~الجنة قال فيأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره قال ويأتيه رجل ~~حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت ~~توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح ~~فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي قال وإن العبد الكافر إذا كان ~~في انقطاع من الدنيا واقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود ~~الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند ~~رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتتفرق في ~~جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم ~~يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح ~~جيفة # PageV01P041 # وجدت على وجه الارض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا ~~قالوا ما هذا الريح الخبيث فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان ~~يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا ms046 فيستفتح له فلا يفتح ثم ~~قرأ رسول الله {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط} فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابة في سجين في الأرض السفلى ~~فتطرح روحه طرحا ثم قرأ {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير ~~أو تهوي به الريح في مكان سحيق} فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيقولان ~~له من ربك فيقول هاه هاه لا أدرى فيقولان له ما هذا الرجل الذى بعث فيكم ~~فيقول هاه هاه لا أدرى فينادى مناد من السماء ان كذب عبدي فأفرشوه من النار ~~وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى ~~تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر ~~بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء ~~بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة رواه الإمام أحمد وأبو ~~داود وروى النسائي وابن ماجه أوله ورواه أبو عوانة الأسفرائينى في صحيحه # وذهب إلى القول بموجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث من سائر الطوائف # وقال أبو محمد بن حزم في كتاب الملل والنحل له وأما من ظن أن الميت يحيا ~~في قبره قبل يوم القيامة فخطأ ان الآيات التي ذكرناها تمنع من ذلك يعني ~~قوله تعالى {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} وقوله تعالى {كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} قال ولو كان الميت ~~يحيا في قبره لكان تعالى قد أماتنا ثلاثا وأحيانا ثلاثا وهذا باطل وخلاف ~~القرآن إلا من أحياه الله تعالى آية لنبي من الأنبياء كالذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم والذي مر على ~~قرية وهي خاوية على عروشها ومن خصه نص وكذلك قوله تعالى {الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ~~إلى أجل مسمى} فصح بنص القرآن أن ms047 أرواح سائر من ذكرنا لا ترجع إلى جسده إلا ~~الأجل المسمى وهو يوم القيامة وكذلك أخبر رسول الله أنه رأى الأرواح ليلة ~~أسرى به عند سماء الدنيا من عن يمين آدم أرواح أهل السعادة وعن شماله أرواح ~~أهل الشقاوة وأخبر يوم بدر إذ خاطب الموتى أنهم قد سمعوا قوله قبل أن تكون ~~لهم قبور ولم ينكر على الصحابة قولهم قد جيفوا واعلم أنهم سامعون قوله مع ~~ذلك فصح أن الخطاب والسماع لأرواحهم فقط بلا شك وأما الجسد فلا حس له وقد ~~قال تعالى {وما أنت بمسمع من في القبور} # PageV01P042 # فنفي السمع عمن في القبور وهي الاجساد بلا شك ولا يشك مسلم أن الذي نفي ~~الله عز وجل عنه السمع هو غير الذي أثبت له رسول الله قال ولم يأت قط عن ~~رسول الله في خبر صحيح أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المساءلة ولو ~~صح ذلك عنه لقلنا به قال وإنما تفرد بهذه الزيادة من رد الأرواح في القبور ~~إلى الأجساد المنهال بن عمرو وحده وليس بالقوى تركه شعبة وغيره وقال فيه ~~المغيرة بن مقسم الضبى وهو أحد الأئمة ما جازت للمنهال بن عمرو قط شهادة في ~~الإسلام على ما قد نقل وسائر الأخبار الثابتة على خلاف ذلك # قال وهذا الذي قلنا هو الذي صح أيضا عن الصحابة # ثم ذكر من طريق بن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه صفية بنت شيبة قالت دخل ~~ابن عمر المسجد فأبصر ابن الزبير مطروحا قبل أن يقبر فقيل له هذه أسماء بنت ~~أبى بكر الصديق فمال ابن عمر إليها فعزاها وقال ان هذه الجثث ليست بشيء وان ~~الأرواح عند الله فقالت أمه وما يمنعنى وقد أهدى رأس يحيى بن زكريا إلى بغى ~~من بغايا بنى اسرائيل # قلت ما ذكره أبو محمد فيه حق وباطل أما قوله من ظن أن الميت يحيا في قبره ~~فخطأ فهذا فيه إجمال أن أراد به الحياة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها ~~الروح بالبدن وتدبره وتصرفه ms048 وتحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس فهذا ~~خطأ كما قال والحس والعقل يكذبه كما يكذبه النص # وإن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة بل تعاد إليه إعادة غير الإعادة ~~المألوفة في الدنيا ليسأل ويمتحن في قبره فهذا حق ونفيه خطأ وقد دل عليه ~~النص الصحيح الصريح وهو قوله فتعاد روحه في جسده وسنذكر الجواب عن تضعيفه ~~للحديث إن شاء الله تعالى # وأما استدلاله بقوله تعالى {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} ~~فلا ينفي ثبوت هذه الإعادة العارضة للروح في الجسد كما أن قتيل بني إسرائيل ~~الذي أحياه الله بعد قتله ثم أماته لم تكن تلك الحياة العارضة له للمساءلة ~~معتدا بها فإنه يحيى لحظة بحيث قال فلان قتلنى ثم خر ميتا على أن قوله ثم ~~تعاد روحه في جسده لا يدل على حياة مستقرة وإنما يدل على إعادة لها إلى ~~البدن وتعلق به والروح لم تزل متعلقة ببدنها وإن بلى وتمزق # وسر ذلك أن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام # أحدها تعلقها به في بطن الأم جنينا # الثاني تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض # PageV01P043 # الثالث تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه # الرابع تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه ~~فراقا كليا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة وقد ذكرنا في أول الجواب من ~~الأحاديث والآثار ما يدل على ردها إليه وقت سلام المسلم وهذا الرد إعادة ~~خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة # الخامس تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة ~~لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ~~ولا فسادا # وأما قوله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} فإمساكه سبحانه ~~التي قضى عليها الموت لا ينافي ردها إلى جسدها الميت في وقت ما ms049 ردا عارضا ~~لا يوجب له الحياة المعهودة في الدنيا # وإذا كان النائم روحه في جسده وهو حي وحياته غير حياة المستيقظ فإن النوم ~~شقيق الموت فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده كانت له حال متوسطة بين ~~الحي وبين الميت الذي لم ترد روحه إلى بدنه كحال النائم المتوسطة بين الحي ~~والميت فتأمل هذا يزيح عنك إشكالات كثيرة # وأما أخبار النبي عن رؤية الأنبياء ليلة أسرى به فقد زعم بعض أهل الحديث ~~أن الذي رآه أشباحهم وأرواحهم قال فإنهم أحياء عند ربهم وقد رأى إبراهيم ~~مسندا ظهره إلى البيت المعمور موسى قائما في قبره يصلى وقد نعت الأنبياء ~~لما رآهم نعت الأشباح فرأى موسى آدما ضربا طوالا كأنه من رجال شنوءة ورأى ~~عيسى يقطر رأسه كأنما أخرج من ديماس ورأى إبراهيم فشبهه بنفسه # ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا هذه الرؤية إنما هي لأرواحهم دون أجسادهم ~~والأجساد في الأرض قطعا إنما تبعث يوم بعث الأجساد ولم تبعث قبل ذلك إذ لو ~~بعثت قبل ذلك لكانت قد انشقت عنها الأرض قبل يوم القيامة كانت تذوق الموت ~~عند نفخة الصور وهذه موتة ثالثة وهذا باطل قطعا ولو كانت قد بعثت الأجساد ~~من القبور لم يعدهم الله إليها بل كانت في الجنة وقد صح عن النبي أن الله ~~حرم الجنة على الأنبياء حتى يدخلها هو وهو أول من يستفتح باب الجنة وهو أول ~~من تنشق عنه الأرض على الإطلاق لم تنشق عن أحد قبله # ومعلوم بالضرورة أن جسده في الأرض طرى مطرا وقد سأله الصحابة كيف تعرض ~~صلاتنا عليك وقد أرمت فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء # PageV01P044 # ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب # وقد صح عنه أن الله وكل بقبره ملائكة يبلغونه عن أمته السلام # وصح عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمر وقال هكذا نبعث # هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى عليين مع أرواح ~~الأنبياء # وقد صح عنه أنه رأى ms050 موسى قائما يصلى في قبره ليلة الاسراء ورآه في السماء ~~السادسة أو السابعة فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف ~~عليه وتعلق به بحيث يصلى في قبره ويرد سلام من سلم عليه وهي في الرفيق ~~الأعلى # ولا تنافي بين الأمرين فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان وأنت تجد الروحين ~~المتماثلتين المتناسبتين في غاية التجاور والقرب وان كان بينهما بعد ~~المشرقين وتجد الروحين المتنافرتين المتاغضتين بينهما غاية البعد وإن كان ~~جسداهما متجاورين متلاصقين # وليس نزول الروح وصعودها وقربها وبعدها من جنس ما للبدن فإنها تصعد إلى ~~ما فوق السموات ثم تهبط إلى الأرض ما بين قبضها ووضع الميت في قبره وهو زمن ~~يسير لا يصعد البدن وينزل في مثله وكذلك صعودها وعودها إلى البدن في النوم ~~واليقظة وقد مثلها بعضهم بالشمس وشعاعها فإنها في السماء وشعاعها في الأرض ~~قال شيخنا وليس هذا مثلا مطابقا فإن نفس الشمس لا تنزل من السماء والشعاع ~~الذي على الأرض ليس هو الشمس ولا صفتها بل هو عرض حصل بسبب الشمس والجرم ~~المقابل لها والروح نفسها تصعد وتنزل وأما قول الصحابة للنبي في قتلى بدر ~~كيف تخاطب أقواما قد جيفوا مع أخباره بسماعهم كلامه فلا ينفي ذلك رد ~~أرواحهم إلى أجسادهم ذلك الوقت ردا يسمعون به خطابه والأجساد قد جيفت ~~فالخطاب للأرواح المتعلقة بتلك الأجساد التي قد فسدت # وأما قوله تعالى {وما أنت بمسمع من في القبور} فسياق الآية يدل على أن ~~المراد منها أن الكافر الميت القلب لا تقدر على اسماعه اسماعا ينتفع به كما ~~أن من في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعا ينتفعون به ولم يرد سبحانه أن ~~أصحاب القبور لا يسمعون شيئا البتة كيف وقد أخبر النبي أنهم يسمعون خفق ~~نعال المشيعين وأخبر أن قتلى بدر سمعوا كلامه وخطابه وشرع السلام عليهم ~~بصيغة الخطاب للحاضر الذي يسمع وأخبر أن من سلم على أخيه المؤمن رد عليه ~~السلام # هذه الآية نظير قوله {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ms051 ولوا ~~مدبرين} وقد يقال نفي إسماع الصم مع نفي إسماع الموتى يدل على أن المراد ~~عدم أهلية كل منهما للسماع # PageV01P045 # وأن قلوب هؤلاء لما كانت ميتة صماء كان اسماعها ممتنعا خطاب الميت والأصم ~~وهذا حق ولكن لا ينفي إسماع الأرواح بعد الموت إسماع توبيخ وتقريع بواسطة ~~تعلقها بالأبدان في وقت ما فهذا غير الاسماع المنفي والله أعلم # وحقيقة المعنى أنك لا تستطيع أن تسمع من لم يشأ الله أن يسمعه ان أنت إلا ~~نذير أى إنما جعل الله لك الاستطاعة على الانذار الذي كلفك إياه لا على ~~إسماع من لم يشأ الله إسماعه # وأما قوله إن الحديث لا يصح لتفرد المنهال بن عمرو وحده به وليس بالقوى ~~فهذا من مجازفته رحمة الله فالحديث صحيح لا شك فيه وقد رواه عن البراء بن ~~عازب جماعة غير زاذان منهم عدى بن ثابت ومحمد بن عقبة ومجاهد # قال الحافظ أبو عبد الله بن منده في كتاب الروح والنفس أخبرنا محمد بن ~~يعقوب ابن يوسف حدثنا محمد بن اسحق الصفار أنبأنا أبو النضر هاشم بن القاسم ~~حدثنا عيسى بن المسيب عن عدى بن ثابت عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول ~~الله في جنازة رجل من الأنصار فانتهنا إلى القبر ولما يلحد فجلسنا وجلس كأن ~~على أكتاقنا فلق الصخر وعلى رءوسنا الطير فأرم قليلا والارمام السكوت فلما ~~رفع رأسه قال إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة ودبر من الدنيا وحضره ملك ~~الموت نزلت عليه ملائكة معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة فجلسوا منه مد ~~البصر وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه ثم قال اخرجي أيتها النفس المطمئنة ~~اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه فتنسل نفسه كما تقطر القطرة من السقاء فإذا ~~خرجت نفسه صلى عليه كل من بين السماء والأرض إلا الثقلين ثم يصعد به إلى ~~السماء فتفتح له السماء ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية والثالثة ~~والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى العرش مقربو كل سماء فإذا انتهى ~~إلى العرش كتب كتابه ms052 في عليين ويقول الرب عز وجل ردوا عبدي إلى مضجعه فإني ~~وعدتهم أنى منها ما خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فيرد إلى ~~مضجعه فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما ~~فيجلسانه ثم يقال له يا هذا من ربك فيقول ربي الله فيقولان صدقت ثم يقال له ~~ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان صدقت ثم يقال له من نبيك فيقول محمد ~~رسول الله فيقولان صدقت ثم يفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه ~~طيب الريح حسن الثياب فيقول جزاك الله خيرا فوالله ما علمت إن كنت لسريعا ~~في طاعة الله بطيئا عن معصية الله فيقول وأنت جزاك الله خيرا فمن أنت فيقول ~~أنا علمك الصالح ثم يفتح له باب إلى الجنة فينظر # PageV01P046 # إلى مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة وان الكافر إذا كان في دبر من ~~الدنيا وقبل من الآخرة وحضره الموت نزلت عليه من السماء ملائكة معهم كفن من ~~النار وحنوط من نار قال فيجلسون منه مد بصره وجاء ملك الموت فيجلس عند رأسه ~~ثم قال اخرجي أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى غضب الله وسخطه فتفرق روحه في ~~جسده كراهية ان تخرج لما ترى وتعاين فيستخرجها كما يستخرج السفود من الصوف ~~المبلول فإذا خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء والأرض إلا الثقلين ثم يصعد ~~به إلى السماء فتغلق دونه فيقول الرب عز وجل ردوا عبدي إلى مضجعه فإنى ~~وعدتهم أنى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فترد روحه إلى ~~مضجعه فيأتيه منكر ونكير يثيران في الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض ~~بأشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف فيجلسانه ثم ~~يقولان يا هذا من ربك فيقول لا أدري فينادي من جانب القبر لا دريت فيضربانه ~~بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل ويضيق عليه قبره حتى ~~تختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول جزاك ~~الله شرا فوالله ما علمت إن كنت لبطيئا عن طاعة ms053 الله سريعا في معصية الله ~~فيقول ومن أنت فيقول أنا عملك الخبيث ثم يفتح له باب إلى النار فينظر إلى ~~مقعده فيها حتى تقوم الساعة رواه الإمام أحمد ومحمود بن غيلان وغيرهما عن ~~أبي النضر # ففيه أن الأرواح تعاد إلى القبر وأن الملكين يجلسان الميت ويستنطقانه # ثم ساقه ابن منده من طريق محمد بن سلمة عن خصيف الجزرى عن مجاهد عن ~~البراء بن عازب قال كنا في جنازة رجل من الأنصار ومعنا رسول الله فأنتهينا ~~إلى القبر ولم يلحد ووضعت الجنازة وجلس رسول الله فقال إن المؤمن إذا احتضر ~~أتاه ملك الموت في أحسن صورة وأطيبه ريحا فجلس عنده لقبض روحه وأتاه ملكان ~~بحنوط من الجنة وكفن من الجنة وكانا منه على بعد فاستخرج ملك الموت روحه من ~~جسده رشحا فإذا صارت إلى ملك الموت ابتدرها الملكان فأخذاها منه فحنطاها ~~بحنوط من الجنة وكفناها بكفن من الجنة ثم عرجا به إلى الجنة فتفتح له أبواب ~~السماء وتستبشر الملائكة بها ويقولون لمن هذه الروح الطبية التي فتحت لها ~~أبواب السماء ويمسى بأحسن الأسماء التي كان يسمى بها في الدنيا فيقال هذه ~~روح فلان فإذا صعد بها إلى السماء شيعها مقربو كل سماء حتى توضع بين يدي ~~الله عند العرش فيخرج عملها من عليين فيقول الله عز وجل للمقربين اشهدوا ~~أنى قد غفرت لصاحب هذا العمل ويختم كتابه فيرد في عليين فيقول الله عز وجل # PageV01P047 # ردوا روح عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أنى أردهم فيها ثم قرأ رسول الله ~~{منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} فإذا وضع المؤمن في ~~قبره فتح له باب عند رجليه إلى الجنة فيقال له أنظر إلى ما أعد الله لك من ~~الثواب ويفتح له باب عند رأسه إلى النار فيقال له أنظر ما صرف الله عنك من ~~العذاب ثم يقال له نم قرير العين فليس شيء أحب إليه من قيام الساعة وقال ~~رسول الله إذا وضع المؤمن في لحده تقول له الأرض إن كنت لحبيبا ms054 إلى وأنت ~~على ظهرى فكيف إذا صرت اليوم في بطني سأريك ما أصنع بك فيفسح له في قبره مد ~~بصره وقال رسول الله إذا وضع الكافر في قبره أتاه منكر ونكير فيجلسانه ~~فيقولان له من ربك فيقول لا أدري فيقولان له لادريت فيضربانه ضربة فيصير ~~رمادا ثم يعاد فيجلس فيقال له ما قولك في هذا الرجل فيقول أي رجل فيقولان ~~محمد فيقول قال الناس أنه رسول الله فيضربانه ضربة فيصير رمادا # هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ ولا نعلم أحدا من أئمة ~~الحديث طعن فيه بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول وجعلوه أصلا من أصول الدين ~~في عذاب القبر ونعيمه ومساءلة منكر ونكير وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي ~~الله ثم رجوعها إلى القبر وقول أبى محمد لم يروه غير زاذان فوهم منه بل ~~رواه عن البراء غير زاذان ورواه عنه عدي بن ثابت ومجاهد بن جبير ومحمد بن ~~عقبة وغيرهم وقد جمع الدارقطني طرقه في مصنف مفرد وزاذان من الثقاة روى عن ~~أكابر الصحابة كعمر وغيره وروى له مسلم في صحيحه قال يحيى بن معين ثقة وقال ~~حميد بن هلال وقد سئل عنه هو ثقة لا تسأل عن مثل هؤلاء وقال ابن عدي ~~أحاديثه لا بأس بها إذا روى عن ثقة # وقوله ان المنهال بن عمرو تفرد بهذه الزيادة وهي قوله فتعاد روحه في جسده ~~وضعفه فالمنهال أحد الثقاة العدول قال ابن معين المنهال ثقة وقال العجلي ~~كوفي ثقة وأعظم ما قيل فيه أنه سمع من بيته صوت غناء وهذا لا يوجب القدح في ~~روايته واطراح حديثه وتضعيف ابن حزم له لا شيء فإنه لم يذكر موجبا لتضعيفه ~~غير تفرده بقوله فتعاد روحه في جسده وقد بينا أنه لم يتفرد بها بل قد رواها ~~غيره وقد روى ما هو أبلغ منها أو نظيرها كقوله فترد إليه روحه وقوله فتصير ~~إلى قبره فيستوي جالسا وقوله فيجلسانه وقوله فيجلس في قبره وكلها أحاديث ~~صحاح لا مغمز فيها وقد ms055 أعل غيره بأن زاذان لم يسمعه من البراء وهذه العلة ~~باطلة فإن أبا عوانة الاسفرائيني رواه في صحيحه بإسناده وقال عن أبى عمرو ~~زاذان الكندى قال سمعت البراء بن عازب وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده ~~هذا إسناد متصل مشهور رواه جماعة عن البراء # PageV01P048 # ولو نزلنا عن حديث البراء فسائر الأحاديث الصحيحة صريحة في ذلك مثل حديث ~~ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول ~~الله قال إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قال اخرجي أيتها ~~النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أخرجي حميدة وابشرى بروح وريحان ورب غير ~~غضبان قال فيقول ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من ~~هذا فيقولون فلان فيقولون مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد ادخلى حميدة ~~وابشرى بروح وريحان ورب غير غضبان فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء ~~التي فيها الله عز وجل وإذا كان الرجل السوء قال اخرجى أيتها النفس الخبيثة ~~كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشرى بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج ~~فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا ~~فيقولون فلان فيقولون لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ~~ذميمة فإنها لن تفتح لك أبواب السماء فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى ~~القبر فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا معوق ثم يقال فما كنت تقول ~~في الإسلام ما هذا الرجل فيقول محمد رسول الله جاءنا بالبينات من قبل الله ~~فآمنا وصدقنا وذكر تمام الحديث # قال الحافظ أبو نعيم هذا حديث متفق على عدالة ناقليه اتفق الإمامان محمد ~~بن اسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج عن ابن أبى ذئب ومحمد بن عمرو بن عطاء ~~وسعيد بن يسار وهم من شرطهما ورواه المتقدمون الكبار عن ابن أبى ذئب مثل ~~ابن أبى فديك وعبد الرحيم بن ابراهيم انتهى ورواه عن ابن أبى ذئب غير واحد ms056 # وقد احتج أبو عبد الله بن منده على إعادة الروح إلى البدن بأن قال حدثنا ~~محمد بن الحسين ابن الحسن حدثنا محمد بن زيد النيسابورى حدثنا حماد بن ~~قيراط حدثنا محمد بن الفضل عن يزيد بن عبد الرحمن الصائغ البلخى عن الضحاك ~~بن مزاحم عن ابن عباس أنه قال بينما رسول الله ذات يوم قاعد تلا هذه الآية ~~ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم الآية قال ~~والذي نفس محمد بيده ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو ~~النار ثم قال فإذا كان عند ذلك صف له سماطان من الملائكة ينتظمان ما بين ~~الخافقين كأن وجوههم الشمس فينظر إليهم ما ترى غيرهم وإن كنتم ترون أنهم ~~ينظرون إليكم مع كل منهم أكفان وحنوط فإن كان مؤمنا بشروه بالجنة وقالوا # PageV01P049 # أخرجى أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنته فقد أعد الله لك من ~~الكرامة ما هو خير من الدنيا وما فيها فلا يزالون يبشرونه ويحفون به فهم ~~ألطف وأرأف من الوالدة بولدها ثم يسلون روحه من تحت كل ظفر ومفصل ويموت ~~الأول فالأول ويهون عليه وكنتم ترونه عديدا حتى تبلغ ذقنه قال فلهى أشد ~~كراهية للخروج من الجسد من الولد حين يخرج من الرحم فيبتدرها كل ملك منهم ~~أيهم يقبضها فيتولى قبضها ملك الموت ثم تلا رسول {قل يتوفاكم ملك الموت ~~الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} فيتلقاها بأكفان بيض ثم يحتضنها إليه فهو ~~أشد لزوما لها من المرأة إذا ولدتها ثم يفوح منها ريح أطيب من المسك ~~فيستنشقون ريحها ويتباشرون بها ويقولون مرحبا بالروح الطيبة والروح الطيب ~~اللهم صل عليه روحا وعلى جسد خرجت منه قال فيصعدون بها ولله عز وجل خلق في ~~الهواء لا يعلم عددتهم إلا هو فيفوح لهم منها ريح أطيب من المسك فيصلون ~~عليها ويتباشرون ويفتح لهم أبواب السماء فيصلى عليها كل ملك في كل سماء تمر ~~بهم حتى ينتهى بها بين يدى الملك الجبار فيقول الجبار جل ms057 جلاله مرحبا ~~بالنفس الطيبة ويجسد خرجت منه وإذا قال الرب عز وجل للشيء مرحبا وحب له كل ~~شيء ويذهب عنه كل ضيق ثم يقول لهذه النفس الطيبة أدخلوها الجنة وأروها ~~مقعدها من الجنة وأعرضوا عليها ما أعددت لها من الكرامة والنعيم ثم اذهبوا ~~بها إلى الأرض فإنى قضيت أنى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة ~~أخرى فوالذي نفس محمد بيده لهى أشد كراهية للخروج منها حين كانت تخرج من ~~الجسد وتقول أين تذهبون بى إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه قال فيقولون إنا ~~مأمورون بهذا فلا بد لك منه فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه ~~فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه # فدل هذا الحديث أن الروح تعاد بين الجسد والأكفان وهذا عود غير التعلق ~~الذي كان لها في الدنيا بالبدن وهو نوع آخر وغير تعلقها به حال النوم وغير ~~تعلقها به وهى في مقرها بل هو عود خاص للمساءلة # قال شيخ الإسلام الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن ~~وقت السؤال وسؤال البدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور ~~وقابلهم آخرون فقالوا السؤال للروح بلا بدن وهذا قاله ابن مرة وابن حزم ~~وكلاهما غلط والأحاديث الصحيحة ترده ولو كان ذلك على الروح فقط لم يكن ~~للقبر بالروح اختصاص # PageV01P050 # وهذا يتضح بجواب المسألة # وهي قول السائل هل عذاب القبر على النفس والبدن أو على النفس دون البدن ~~أو على البدن دون النفس وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أم لا # وقد سئل شيخ الإسلام عن هذه المسألة ونحن نذكر لفظ جوابه فقال بل العذاب ~~والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة تنعم النفس ~~وتعذب منفردة عن البدن وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها فيكون ~~النعيم والعذاب عليها في هذه الحال مجتمعين كما تكون على الروح منفردة عن ~~البدن وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح هذا فيه قولان مشهوران ~~لأهل الحديث والسنة وأهل الكلام وفي المسألة أقوال شاذة ليست ms058 من أقوال أهل ~~السنة والحديث قول من يقول إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح وان ~~البدن لا ينعم ولا يعذب وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء ~~كفار بإجماع المسلمين ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين ~~يقرون بمعاد الأبدان لكن يقولون لا يكون ذلك في البرزخ وإنما يكون عند ~~القيام من القبور لكن هؤلاء ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط ويقولون إن ~~الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ فإذا كان يوم القيامة عذبت الروح ~~والبدن معا وهذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث ~~وغيرهم وهو اختيار ابن حزم وابن مرة فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة ~~الشاذة بل هو مضاف إلى قول من يقول بعذاب القبر ويقر بالقيامة ويثبت معاد ~~الأبدان والأرواح ولكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال # أحدها أنه على الروح فقط # الثاني أنه عليها وعلى البدن بواسطتها # الثالث أنه على البدن فقط وقد يضم إلى ذلك القول الثاني وهو قول من يثبت ~~عذاب القبر ويجعل الروح هي الحياة ويجعل الشاذ قول منكر عذاب الأبدان مطلقا ~~وقول من ينكر عذاب الروح مطلقا فإذا جعلت الأقوال الشاذة ثلاثة فالقول ~~الثاني الشاذ قول من يقول إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب وإنما الروح ~~هي الحياة وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية كالقاضي ~~أبى بكر وغيره وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن وهذا قول باطل وقد ~~خالف أصحابه أبو المعالي الجريني وغيره بل قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق ~~الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة والفلاسفة ~~الإلهيون يقرون بذلك لكن ينكرون معاد الأبدان وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان ~~لكن ينكرون # PageV01P051 # معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان وكلا القولين خطأ وضلال لكن ~~قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام وإن كان قد يوافقهم عليه من يعتقد ~~أنه متمسك بدين الإسلام بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق ~~والكلام # والقول الثالث الشاذ قول ms059 من يقول إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب بل لا ~~يكون ذلك حتى تقول الساعة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم ~~ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن وأن ~~البدن لا ينعم ولا يعذب فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير ~~من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى ### | فصل فإذا عرفت هذه الأقوال الباطلة فلتعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها # أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه وأن ~~الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة وأنها تتصل بالبدن أحيانا ~~ويحصل له معها النعيم أو العذاب ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت ~~الأرواح إلى الأجساد وقاموا من قبورهم لرب العالمين ومعاد الأبدان متفق ~~عليه بين المسلمين واليهود والنصارى ### | فصل ونحن نثبت ما ذكرناه فأما أحاديث عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير # فكثيرة متواترة عن النبي كما في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي مر بقبرين ~~فقال انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول ~~وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين فقال لعله ~~يخفف عنهما ما لم ييبسا # وفي صحيح مسلم عن زيد بن ثابت قال رسول الله في حائط لبنى النجار على ~~بغلته ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة ~~فقال من يعرف أصحاب هذه القبور فقال رجل أنا قال فمتى مات هؤلاء قال ماتوا ~~في الإشراك فقال إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت ~~الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ثم أقبل علينا بوجهه فقال ~~تعوذوا بالله من عذاب النار قالوا نعوذ بالله من عذاب النار قال تعوذوا ~~بالله من عذاب القبر قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر قال تعوذوا بالله من ~~الفتن ما ظهر منها وما بطن قالوا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها ms060 وما بطن ~~قال تعوذوا بالله من فتنة الدجال قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال # PageV01P052 # وفي صحيح مسلم وجميع السنن عن أبى هريرة أن النبي قال إذا فرغ أحدكم من ~~التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة ~~المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال # وفي صحيح مسلم أيضا وغيره عن ابن عباس أن النبي كان يعلمهم هذا الدعاء ~~كما يعلمهم السورة من القرآن اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من ~~عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح ~~الدجال # وفي الصحيحن عن أبى أيوب قال خرج النبي وقد وجبت الشمس فسمع صوتا فقال ~~يهود تعذب في قبورها # وفي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت دخلت على عجوز من عجائز يهود ~~المدينة فقالت ان أهل القبور يعذبون في قبورهم قالت فكذبتها ولم أنعم أن ~~أصدقها قالت فخرجت ودخل على رسول الله فقالت يا رسول الله ان عجوزا من ~~عجائز يهود أهل المدينة دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم قال ~~صدقت انهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها قالت فما رأيته بعد في صلاة الا ~~يتعوذ من عذاب القبر # وفي صحيح ابن حبان عن أم مبشر قالت دخل على رسول الله وهو يقول تعوذوا ~~بالله من عذاب القبر فقلت يا رسول الله وللقبر عذاب قال إنهم ليعذبون في ~~قبورهم عذابا تسمعه البهائم # قال بعص أهل العلم ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت إلى قبور ~~اليهود والنصارى والمنافقين كالاسماعيلية والنصيرية والقرامطة من بني عبيد ~~وغيرهم الذين بأرض مصر والشام فإن أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما ~~يقصدون قبور اليهود والنصارى قال فإذا سمعت الخيل عذاب القبر أحدث لها ذلك ~~فزعا وحرارة تذهب بالمغل # وقد قال عبد الحق الأشبيلى حدثنى الفقيه أبو الحكم برخان وكان من أهل ~~العلم والعمل أنهم دفنوا ميتا بقريتهم في شرف أشبيلية فلما فرغوا من دفنه ~~قعدوا ناحية يتحدثون ودابة ترعى قريبا منهم فإذا ms061 بالدابة قد أقبلت مسرعة ~~إلى القبر فجعلت اذنها عليه كأنها تسمع ثم ولت فارة ثم عادت إلى القبر ~~فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولت فارة فعلت ذلك مرة بعد أخرى # قال أبو الحكم فذكرت عذاب القبر وقول النبي أنهم ليعذبون عذابا تسمعه ~~البهائم # PageV01P053 # ذكر لنا هذه الحكاية ونحن نسمع عليه كتاب مسلم لما انتهى القارىء إلى قول ~~النبي أنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم # وهذا السماع واقع على أصوات المعذبين قال هناد بن السرى في كتاب الزهد ~~حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن عائشة رضى الله عنها قالت دخلت على يهودية ~~فذكرت عذاب القبر فكذبتها فدخل النبي على فذكرت ذلك له فقال والذي نفسي ~~بيده إنهم ليعذبون في قبورهم حتى تسمع البهائم أصواتهم # قلت وأحاديث المسألة في القبر كثيرة كما في الصحيحين والسنن عن البراء بن ~~عازب ان رسول الله قال المسلم إذا سئل في قبره فشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله فذلك قول الله {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة} وفي لفظ نزلت في عذاب القبر يقال له من ربك ~~فيقول الله ربي ومحمد نبي فذلك قول الله {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} # وهذا الحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد مطولا كما تقدم # وقد صرح في هذا الحديث بإعادة الروح إلى البدن وباختلاف أضلاعه وهذا بين ~~في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين # وقد روى مثل حديث البراء قبض الروح والمسألة والنعيم والعذاب أبو هريرة ~~وحديثه في المسند وصحيح أبى حاتم أن النبي قال إن الميت إذا وضع في قبره ~~أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه ~~والصيام عن يمينه والزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة ~~والمعروف والإحسان عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلى مدخل ~~ثم يؤتى من يمينه فيقول الصيام ما قبلى مدخل ثم يؤتى من يساره فتقول ms062 الزكاة ~~ما قبلى مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة ~~والمعروف والإحسان ما قبلى مدخل فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد ~~أخذت الغروب فيقال له هذا الرجل الذى كان فيكم ما تقول فيه وماذا تشهد به ~~عليه فيقول دعونى حتى أصلى فيقولون انك ستصلى أخبرنا عما نسألك عنه أرأيت ~~هذا الرجل الذى كان فيكم ما تقول فيه وما تشهد عليه فيقول محمد أشهد أنه ~~رسول الله جاء بالحق من عند الله فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ~~ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له هذا مقعدك وما أعد ~~الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له ~~فيه ويعاد الجسد لما بدىء # PageV01P054 # منه وتجعل نسمته في النسم الطيب وهي طير معلق في شجر الجنة قال فذلك قول ~~الله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة} وذكر في الكافر ضد ذلك إلى أن قال ثم يضيق عليه في قبره إلى أن ~~تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنك التي قال الله تعالى {فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} # وفي الصحيحين من حديث قتادة عن أنس أن النبي قال إن الميت إذا وضع في ~~قبره وتولى عنه أصحابه انه ليسمع خفق نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان ~~له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ~~ورسوله قال فيقول أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة ~~قال رسول الله فيراهما جميعا قال قتادة وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ~~ذراعا يملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون ثم رجع إلى حديث أنس قال فأما الكافر ~~والمنافق فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول لا ادرى كنت أقول ما ~~يقول الناس فيقولان لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطراق من حديد ms063 بين أذنيه ~~فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين # وفي صحيح أبى حاتم عن أبى هريرة قال قال رسول الله قبر أحدكم أو الإنسان ~~أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير فيقولان له ما ~~كنت تقول في هذا الرجل محمد فهو قائل ما كان يقول فان كان مؤمنا قال هو عبد ~~الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقولان ~~له إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ~~ذراع وينور له فيه ويقال له نم فيقول ارجع إلى أهلى ومالى فأخبرهم فيقولان ~~نم كنومة العروس الذى لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ~~ذلك وإن كان منافقا قال لا أدرى كنت أسمع الناس يقولون شيئا فكنت أقوله ~~فيقولان له كنا نعلم أنك تقول ذلك ثم يقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه ~~حتى تختلف فيها أضلاعه فلا يزال معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وهذا ~~صريح في أن البدن يعذب # وعن أبى هريرة أن النبي قال إذا احتضر المؤمن أتته الملائكة بحريرة بيضاء ~~فيقولون اخرجى أيتها الروح الطيبة راضية مرضيا عنك إلى روح وريحان ورب غير ~~غضبان فتخرج كأطيب من ريح المسك حتى أنه ليناوله بعضهم بعضا حتى يأتوا به ~~باب السماء فيقولون ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض فيأتون به ~~أرواح المؤمنين فهم أشد فرحا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألونه ماذا ~~فعل فلان قال فيقولون # PageV01P055 # دعوة يستريح فانه كان في غم الدنيا فاذا قال أتاكم فيقولون انه ذهب به ~~إلى أمه الهاوية وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون ~~اخرجى مسخوطا عليك إلى عذاب الله فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتوا به باب ~~الأرض فيقولون فما أنتن هذه الروح حتى يأتوا به أرواح الكفار رواه النسائى ~~والبزار ومسلم مختصرا # وأخرجه أبو حاتم في صحيحه وقال إن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة ~~الرحمة فاذا ms064 قبض جعلت روحه في حريرة بيضاء فينطلق بها إلى باب السماء ~~فيقولون ما وجدنا ريحا أطيب من هذه فيقال ما فعل فلان ما فعلت فلانة فيقال ~~دعوه يستريح فإنه كان في غم الدنيا وأما الكافر إذا قبضت نفسه ذهب بها إلى ~~الأرض فتقول خزنة الأرض ما وجدنا ريحا أنتن من هذه فيبلغ بها إلى الأرض ~~السفلى # وروى النسائى في سننه من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما عن النبي ~~قال هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهد له سبعون ألفا من ~~الملائكة لقد ضم ضمة ثم فرج عنه قال النسائى يعنى سعد بن معاذ # وروى من حديث عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله للقبر ضغطة لو نجا ~~منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ رواه من حديث شعبة # وقال هناد بن السرى حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن ابن أبى مليكة قال ما ~~أجير من ضغطة القبر أحد ولا سعد بن معاذ الذي منديل من مناديله خير من ~~الدنيا وما فيها # قال وحدثنا عبدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال لقد بلغنى أنه شهد ~~جنازة سعد ابن معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قط ولقد بلغنى أن ~~رسول الله قال لقد ضم صاحبكم في القبر ضمة # وقال علي بن معبد حدثنا عبيد الله عن زيد بن أبي أنيسة عن جابر عن نافع ~~قال أتينا صفية بنت ابي عبيد امراة عبد الله عمر وهي فزعه فقلنا ما شأنك ~~فقالت جئت من عند بعض نساء النبي قالت فحدثتني أن رسول الله قال إن كنت ~~لأرى لو أن أحد اعفي من عذاب القبر لأعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمه # PageV01P056 # وحدثنا مروان بن معاوية عن العلاء بن المسيب عن معاوية العبسى عن زاذان ~~ابن عمرو قال لما دفن رسول الله ابنته فجلس عند القبر فتربد وجهه ثم سرى ~~عنه فقال له أصحابه رأينا وجهك آنفا ثم سرى فقال النبي ms065 ذكرت ابنتي وضعفها ~~وعذاب القبر فدعوت الله ففرج عنها وايم الله لقد ضمت ضمه سمعها من بين ~~الخافقين # وحدثنا شعيب عن ابن دينار عن ابن إبراهيم الغنوى عن رجل قال كنت عند ~~عائشة رضي الله عنها فمرت جنازة صبي صغير فبكت فقلت لها ما يبكيك يا أم ~~المؤمنين فقالت هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر ومعلوم أن هذا ~~كله للجسد بواسطة الروح ### | فصل وهذا كما انه مقتضى السنة الصحيحة فهو متفق عليه بين أهل السنة # قال المروزى قال أبو عبد الله عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال أو مضل ~~وقال حنبل قلت لأبى عبد الله في عذاب القبر فقال هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ~~ونقر بها كلما جاء عن النبي إسناد جيد أقررنا به إذا لم نقر بما جاء به ~~رسول الله ودفعناه ورددناه على الله أمره قال الله تعالى {وما آتاكم الرسول ~~فخذوه} قلت له وعذاب القبر حق قال حق يعذبون في القبور قال وسمعت أبا عبد ~~الله يقول نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير وأن العبد يسأل في قبره {يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} في القبر # وقال أحمد بن القاسم قلت يا أبا عبد الله تقر بمنكر ونكير وما يروى في ~~عذاب القبر فقال سبحان الله نعم نقر بذلك ونقوله قلت هذه اللفظة تقول منكر ~~ونكير هكذا أو تقول ملكين قال منكر ونكير قلت يقولون ليس في حديث منكر ~~ونكير قال هو هكذا يعنى أنهما منكر ونكير # وأما أقوال أهل البدع والضلال فقال أبو الهذيل والمريسى من خرج عن سمة ~~الإيمان فإنه يعذب بين النفختين والمسألة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت # PageV01P057 # وأثبت الجبائى وابنه البلخى عذاب القبر ولكنهم نفوه عن المؤمنين وأثبتوه ~~لأصحاب التخليد من الكفار والفساق على أصولهم # وقال كثير من المعتزلة لا يجوز تسمية ملائكة الله بمنكر ونكير وإنما ~~المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل والنكير تقريع الملكين له # وقال الصالحى وصالح فيه عذاب ms066 القبر يجرى على المؤمن من غير رد الأرواح ~~إلى الأجساد والميت يجوز أن يألم ويحس ويعلم بلا روح وهذ قول جماعة من ~~الكرامية # وقال بعض المعتزلة ان الله سبحانه يعذب الموتى في قبورهم ويحدث فيهم ~~الآلام وهم لا يشعرون فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها قالوا وسبيل ~~المعذبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام ~~فاذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب # وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسا مثل ضرار بن عمرو ويحيى بن كامل وهو ~~قول المريسى فهذه أقوال أهل الخزية والضلال ### | فصل ومما ينبغى أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزح فكل من # مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قبر أو لم يقبر فلو أكلته السباع أو ~~أحرق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه ~~وبدنه من العذاب ما يصل إلى القبور # وفي صحيح البخارى عن سمرة بن جندب قال كان النبي إذا صلى صلاة أقبل علينا ~~بوجهه فقال من رأى منكم الليلة رؤيا قال فان رأى أحد رؤيا قصها فيقول ما ~~شاء الله فسألنا يوما فقال هل رأى أحد منكم رؤيا قلنا لا قال لكنى رأيت ~~الليلة رجلين اتيانى فأخذا بيدى وأخرجانى إلى الأرض المقدسة فإذا رجل جالس ~~ورجل قائم بيده كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه ~~الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله قلت ما هذا قالا انطلق ~~فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بصخرة أو ~~فهر فيشدخ بها رأسه فاذا ضربه تدهده الحجر فأنطلق اليه ليأخذه فلا يرجع إلى ~~هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه قلت ما هذا قالا ~~انطلق فانطلقنا إلى نقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار ~~فإذا فيه رجال ونساء عراة فيأتيهم اللهب من تحتهم فإذا اقترب ارتفعوا حتى # PageV01P058 # كادوا يخرجوا فإذا خمدت رجعوا فقلت ms067 ما هذا قالا انطلق فأنطلقنا حتى أتينا ~~على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل ~~الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل ~~كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فرجع كما كان فقلت ما هذا قالا انطلق ~~فانطلقنا حتى اتينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي اصلها شيخ وصبيان ~~واذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بى الشجرة وأدخلانى ~~دارا لم أرقط أحسن منها فيها شيوخ وشبان ثم صعدا بى فأدخلانى دارا هي أحسن ~~وأفضل قلت طوفتمانى الليلة فأخبرانى عما رأيت قالا نعم الذي رأيته يشق شدقه ~~كذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة ~~والذى رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به ~~بالنهار يفعل به إلى يوم القيامة وأما الذي رأيت في النقب فهم الزناة والذي ~~رأيته في النهر فآكل الربا وأما الشيخ الذي في اصل الشجرة فإبراهيم ~~والصبيان حوله فأولاد الناس والذي يوقد النار فمالك خازن النار والدار ~~الأولى دار عامة المؤمنين وأما هذه الدار فدار الشهداء وأنا جبرائيل وهذا ~~ميكائيل فارجع رأسك فرفعت رأسى فإذا قصر مثل السحابة قالا ذلك منزلك قلت ~~دعانى أدخل منزلى قالا انه بقى لك عمر لم تستكمله فلو اسكملته أتيت منزلك # وهذا نص في عذاب البرزخ فإن رؤيا الأنبياء وحى مطابق لما في نفس الأمر # وقد ذكر الطحاوى عن ابن مسعود عن النبي قال امر بعبد من عباد الله ان ~~يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعوه حتى صارت واحدة فامتلأ قبره ~~عليه نارا فلما ارتفع عنه أفاق فقال علام جلدتمونى قالوا إنك صليت صلاة ~~بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره # وذكر البيهقى حديث الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبى هريرة عن النبي ~~في هذه الآية {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} إلا أنه أتى بفرس ms068 فحمل عليه قال ~~كل خطوة منتهى أقصى بصره فسار وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم ~~ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال يا جبرائيل من هؤلاء قال هؤلاء ~~المجاهدون في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة {وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه وهو خير الرازقين} ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر كلما رضخت عادت ~~كما كانت لا يفتر عنهم شيء من ذلك قال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الذين ~~تتثاقل رءوسهم عن الصلاة قال ثم أتى على قوم على اقبالهم رقاع وعلى أدبارهم ~~يسرحون كما تسرح الأنعام على الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها قال ما ~~هؤلاء يا جبرائيل قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم # PageV01P059 # وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم من ~~قدر نضيج ولحم آخر خبيث فجعلوا يأكلون من الخبيث ويدعون النضيج الطيب فقال ~~يا جبريل من هؤلاء قال هذا الرجل يقوم وعنده امرأة حلالا طيبا فيأتى المرأة ~~الخبيثة فتبيت معه حتى تصبح ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها شيء إلا ~~قصفته يقول الله تعالى {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} ثم مر على رجل قد جمع ~~حزمه عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها قال يا جبريل ما هذا قال هذا ~~رجل من أمتك عليه أمانه لا يستطيع أداءها وهو يزيد عليها ثم أتى على قوم ~~تقرض شفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم شيء قال ~~يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء خطباء الفتنه ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ~~نور عظيم فجعل النور يريد ان يدخل من حيث خرج ولا يستطيع قال ما هذا يا ~~جبريل قال هذا الرجل يتكلم با لكلمه فيندم عليها فيريد ان يردها فلا يستطيع ~~وذكر الحديث # وذكر البيهقي أيضا في حديث الاسراء من رواية أبى سعيد الخدرى عن النبي ~~فصعدت أنا وجبريل فاستفتح جبريل فإذا بآدم كهيئته يوم خلقه ms069 الله على صورته ~~تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول روح طيبه ونفس طيبه اجعلوها في عليين ~~ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في ~~سجين ثم مضيت هنية فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح ليس بقربها أحد وإذا ~~بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح ونتن وعندها ناس يأكلون منها قلت يا جبريل ~~من هؤلاء قال هؤلاء يتركون الحلال ويأتون الحرام قال ثم مضيت هنيهة فاذا ~~أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر يقول اللهم لا تقم ~~الساعة قال وهم على سابلة آل فرعون قال فتجىء السابلة فتطأهم فيصيحون قلت ~~يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم ~~الذي يتخبطه الشيطان من المس} قال ثم مضيت هنيهة فاذا أنا بقوم مشافرهم ~~كمشافر الإبل فتفتح أفواههم فيلقمون الجمر ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم ~~يصيحون قلت من هؤلاء قال الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ثم مضيت هنيهة ~~فاذا أنا بنساء معلقات بثديهن فسمعتهن يصحن قلت من هؤلاء قال هؤلاء الزوانى ~~ثم مضيت هنيهة فاذا أنا بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمون فيقال كل كما ~~كنت تأكل لحم أخيك قلت من هؤلاء قال الهمازون من أمتك وذكر الحديث بطوله # PageV01P060 # وفي سنن أبى داوود من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله لما عرج بى ~~مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت يا جبريل من هؤلاء ~~قال الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم # وقال أبو داود الطيالسى في مسنده حدثنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن ~~عباس أن رسول الله على قبرين فقال إنهما ليعذبان في غير كبير أما أحدهما ~~فكان يأكل لحوم الناس وأما الآخر فكان صاحب نميمة ثم دعا بجريدة فشقها ~~نصفين فوضع نصفها على هذا القبر ونصفها على هذا القبر وقال عسى أن يخفف ~~عنهما ما دامتا رطبتين # وقد اختلف الناس في هذين هل كانا كافرين أو مؤمنين كانا كافرين وقوله وما ~~يعذبان ms070 في كبير يعنى بالاضافة إلى الكفر والشرك قالوا ويدل عليه أن العذاب ~~لم يرتفع عنهما وإنما خفف وأيضا فإنه خفف مدة رطوبة الجريدة فقط وأيضا ~~فانهما لو كانا مؤمنين لشفع فيهما ودعا لهما النبي فرفع عنهما بشفاعته ~~وأيضا ففي بعض طرق الحديث أنهما كانا كافرين وهذا التعذيب زيادة على ~~تعذيبهما بكفرهما وخطاياهما وهو دليل على أن الكافر يعذب بكفره وذنوبه ~~جميعا وهذا اختيار أبى الحكم بن برخان # وقيل كانا مسلمين لنفيه بسبب غير السببين المذكورين ولقوله وما يعذبان في ~~كبير والكفر والشرك أكبر الكبائر على الإطلاق ولا يلزم أن يشفع النبي لكل ~~مسلم يعذب في قبره على جريمة من الجرائم فقد أخبر عن صاحب الشملة الذى قتل ~~في الجهاد أن الشملة تشتعل عليه نارا في قبره وكان مسلما مجاهدا ولا يعلم ~~ثبوت هذه اللفظة وهى قوله كانا كافرين ولعلها لو صحت وكلا فهى من قول بعض ~~الرواة والله أعلم وهذا اختيار أبى عبد الله القرطبى ### | المسألة السابعة وهى قول للسائل ما جوابنا للملاحدة والزنادقة المنكرين # لعذاب القبر وسعته وضيقه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة ~~وكون الميت لا يجلس ولا يقعد فيه # قالوا فانا نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة عميا صما يضربون الموتى بمطارق ~~من حديد ولا نجد هناك حيات ولا ثعابين ولا نيرانا تأجج ولو كشفنا حالة من ~~الأحوال لوجدناه لم يتغير ولو وضعنا على عينيه الزئبق وعلى صدره الخردل ~~لوجدناه على حاله وكيف يفسح # PageV01P061 # مد بصره أو يضيق عليه ونحن ونجده بحاله ونجد مساحته على حد ما حفرناها لم ~~يزد ولم ينقص وكيف يسع ذلك اللحد الضيق له وللملائكة وللصورة التي تؤنسه أو ~~توحشه قال إخوانهم من أهل البدع والضلال وكل حديث يخالف مقتضى العقول والحس ~~يقطع بتخطئة قائله قالوا ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يسأل ولا ~~يجيب ولا يتحرك ولا يتوقد جسمه نارا ومن افترسته السباع ونهشته الطيور ~~وتفرقت أجزاؤه وفي أجواف السباع وحواصل الطيور وبطون الحيتان ومدارج الرياح ms071 ~~كيف تسأل أجزاؤه مع تفرقها وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه وكيف ~~يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار وكيف يضيق ~~عليه حتى تلتئمه أضلاعه ونحن نذكر أمورا يعلم بها الجواب ### | فصل الأمر الأول أن يعلم أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا # بما تحيله العقول وتقطع باستحالته بل اخبارهم قسمان # أحدهما ما تشهد به العقول والفطر # الثاني مالا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل ~~البرزخ واليوم الآخر وتفاصيل الثواب والعقاب ولا يكون خبرهم محالا في ~~العقول أصلا وكل خبر يظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين أما يكون ~~الخبر كذبا عليهم أو يكون ذلك العقل فاسدا وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها ~~معقول صريح قال تعالى {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} وقال تعالى {أفمن يعلم أنما أنزل إليك ~~من ربك الحق كمن هو أعمى} وقال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل ~~اليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه والنفوس لا تفرح بالمحال وقال تعالى {يا ~~أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} والمحال لا يشفي ولا يحصل ~~به هدى ولا رحمة ولا يفرح به فهذا أمر من لم يستقر في قلبه خير ولم يثبت له ~~على الإسلام قدم وكان أحسن أحواله الحيرة والشك ### | فصل الأمر الثانى أن يفهم عن الرسول مراد من غير غلو ولا # تقصير فلا يحمل كلامه مالا يحتمله ولا يقصر به عن مراده وما قصده من ~~الهدى والبيان # PageV01P062 # وقد حصل باهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب وما لا ~~يعلمه إلا الله بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في ~~الإسلام بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع ولا سيما إن أضيف إليه سوء ~~القصد فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من ms072 المتبوع مع حسن قصده وسوء القصد ~~من التابع فيا محنة الدين وأهله والله المستعان # وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة وسائر ~~الطوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله حتى صار الدين بأيدى أكثر ~~الناس هو موجب هذه الإفهام والذى فهمه الصحابة ومن تبعهم عن الله ورسوله ~~فمهجور لا يلتفت اليه ولا يرفع هؤلاء به رأسا ولكثرة أمثلة هذه القاعدة ~~تركناها فانا لو ذكرناها لزادت على عشرة الوف حتى أنك لتمر على الكتاب من ~~أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله ومراده كما ينبغى في موضع ~~واحد # وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما جاء به الرسول وأما من ~~عكس الأمر بعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلد فيه من أحسن ~~به الظن فليس يجدى الكلام معه شيئا فدعه وما اختاره لنفسه ووله ما تولى ~~واحمد الذى عافاك مما ابتلاه به فصل # الأمر الثالث أن الله سبحانه جعل الدور ثلاثا دار الدنيا ودار البرزخ ~~ودار القرار وجعل لكم دار أحكاما تختص بها وركب هذا الانسان من بدن ونفس ~~وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعا لها ولهذا جعل أحكامه ~~الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وان أضمرت النفوس ~~خلافه وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها فكما تبعت الأرواح ~~الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هى التي باشرت ~~أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها والأرواح ~~حينئذ هى التي تباشر العذاب والنعيم فالأبدان هنا ظاهرة والأرواح خفية ~~والأبدان كالقبور لها والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها تجرى ~~أحكام البرزخ على الأرواح فتسرى إلى أبدانها نعيما أو عذابا كما تجرى أحكام ~~الدنيا على الأبدان فتسرى إلى أرواحها نعيما أو عذابا فأخط بهذا الموضع ~~علما واعرفه كما ينبغى يزيل عنك كل اشكال يورد عليك من داخل وخارج # وقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في ms073 الدنيا من ~~حال النائم فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجرى عل ى روحه أصلا والبدن تبع ~~له وقد يقوى حتى يؤثر # PageV01P063 # في البدن تاثيرا مشاهدا فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في ~~جسمه ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه ~~ويذهب عنه الجوع والظمأ # وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان ~~وهو نائم لا شعور له بشىء من ذلك وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت ~~بالبدن من خارجه ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ~~ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد ~~الروح هنالك أكمل وأقوى وهى متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع فإذا ~~كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على ~~الأرواح والأجساد ظاهرا باديا أصلا # ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ~~ونعيمه وضيقه وسعته وضمه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة ~~مطابق للعقل وأنه حق لا مرية فيه وإن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة ~~علمه أتى كما قيل # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # وأعجب من ذلك أنك تجد النائمين في فراش واحد وهذا روحه في النعيم ويستيقظ ~~وأثر النعيم على بدنه وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه ~~وليس عند أحدهما خبر عند الآخر فأمر البرزخ أعجب من ذلك ### | الفصل الأمر الرابع أن الله سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها # غيبا وحجها عن إدراك المكلفين في هذه الدار وذلك من كمال حكمته وليتميز ~~المؤمنون بالغيب من غيرهم فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس ~~قريبا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده ومعهم الأكفان والحنوط إما من ~~الجنة وإما من النار ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر وقد ms074 يسلمون ~~على المحتضر ويرد عليهم تاره بلفظه تارة باشارته وتاره بقلبه حيث لا يتمكن ~~من نطق ولا إشارة # وقد سمع بعض المحتضرين يقول أهلا وسهلا ومرحبا بهذه الوجوه # وأخبرني شيخنا عن بعض المحتضرين فلا ادرى أشاهده وأخبر عنه انه سمع وهو ~~يقول عليك السلام ها هنا فاجلس وعليك السلام ها هنا فاجلس # PageV01P064 # وقصة خير النساج رحمه الله مشهورة حيث قلا عند الموت اصبر عافاك الله فإن ~~ما أمرت به لا يفوت وما أمرت به يفوت ثم استدعى بماء فتوضأ وصلى ثم قال امض ~~لما أمرت به ومات # وذكر ابن أبى الدنيا أن عمر بن عبد العزيز لما كان في يومه الذي مات فيه ~~قال أجلسونى فأجلسوه فقال أنا الذى أمرتنى فقصرت ونهيتنى فعصيت ثلاث مرات ~~ولكن لا إله إلا الله ثم رفع رأسه فأحد النظر فقالوا انك لتنظر نظرا شديدا ~~يا أمير المؤمنين فقال إنى لأرى حضرة ما هم بانس ولا جن ثم قبض # وقال مسلمة بن عبد الملك لما احتضر عمر بن عبد العزيز كنا عنده في قبة ~~فأومى إلينا أن اخرجوا فخرجنا فقعدنا حول القبة وبقى عنده وصيف فسمعناه ~~يقرأ هذه الآية {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا والعاقبة للمتقين} ما أنتم بانس ولا جان ثم خرج الوصيف فأومى ~~إلينا أن ادخلوا فدخلنا فإذا هو قد قبض # وقال فضالة بن دينار حضرت محمد بن واسع وقد سجى للموت فجعل يقول مرحبا ~~بملائكة ربى ولا حول ولا قوة إلا بالله وشممت رائحة طيب لم أشم قط أطيب ~~منها ثم شخص ببصره فمات # والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر # وأبلغ وأكفى من ذلك كله قول الله عز وجل {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم ~~حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} أى أقرب إليه بملائكتنا ~~ورسلنا ولكنكم لا ترونهم فهذا أول الأمر وهو غير مرئى لنا ولا مشاهد وهو في ~~هذه الدار # ثم يمد الملك يده إلى الروح فيقبضها ويخاطبها والحاضرون لا ms075 يرونه ولا ~~يسمعونه ثم تخرج فيخرج لها نور مثل شعاع الشمس ورائحة أطيب من رائحة المسك ~~والحاضرون لا يرون ذلك ولا يشمونه # ثم تصعد بين سماطين من الملائكة والحاضرون لا يرونهم # ثم تأتى الروح فتشاهد غسل البدن وتكفينه وحمله وتقول قدمونى قدمونى أو ~~إلى أين تذهبون بى ولا يسمع الناس ذلك فإذا وضع في لحده وسوى عليه التراب ~~لم يحجب التراب الملائكة عن الوصول إليه بل لو نقر له حجر فأودع فيه وختم ~~عليه بالرصاص لم يمنع وصول الملائكة إليه فإن هذه الاجسام الكثيفة لا تمنع ~~خرق الأرواح لها بل الجن لا يمنعها ذلك بل قد جعل الله سبحانه الحجارة ~~والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير واتساع القبر وانفساحه للروح # PageV01P065 # بالذات والبدن تبعا فيكون البدن في لحد أضيق من ذراع وقد فسح له مد بصره ~~تبعا لروحه وأما عصرة القبر حتى تختلف بعض أجزاء الموتى فلا يرده حس ولا ~~عقل ولا فطرة ولو قدر أن أحدا نبش عن ميت فوجد أضلاعه كما هى لم تختلف لم ~~يمنع أن تكون قد عادت إلى حالها بعد العصرة فليس مع الزنادقة والملاحدة إلا ~~مجرد تكذيب الرسول # ولقد أخبر بعض الصادقين أنه حفر ثلاثة أقبر فلما فرغ منها اضطجع ليستريح ~~فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا فوقفا على أحد الأقبر فقال أحدهما لصاحبه ~~اكتب فرسخا في فرسخ ثم وقف على الثانى فقال اكتب ميلا في ميل ثم وقف على ~~الثالث فقال اكتب فترا في فتر ثم انتبه فجىء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في ~~القبر الأول ثم جىء برجل آخر فدفن في القبر الثانى ثم جىء بامرأة مترفة من ~~وجوه البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذى سمعه يقول فترا في ~~فتر والفتر ما بين الإبهام والسبابة ### | فصل الأمر الخامس أن النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا # ولا من زروع الدنيا فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها وإنما هى من نار ~~الآخرة وخضرها وهى أشد من نار الدنيا فلا ms076 يحس به أهل الدنيا فان الله ~~سبحانه يحمى عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظم حرا ~~من جمر الدنيا ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك بل أعجب من هذا أن ~~الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنت الآخر وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل ~~حرها إلى جاره وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل روحها ونعيمها إلى جاره # وقدرة الرب تعالى اوسع وأعجب من ذلك وقد أرانا الله من آيات قدرته في هذه ~~الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به ~~علما إلا من وفقه الله وعصمه # فيفرش للكافر لوحان من نار فيشتعل عليه قبره بهما كما يشتعل التنور فاذا ~~شاء الله سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده اطلعه وغيبه عن غيره إذ لو طلع ~~العباد كلهم لزالت كلمة التكليف والإيمان بالغيب ولما تدافن الناس كما في ~~الصحيحين عنه لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما ~~أسمع # ولما كانت هذه الحكمة منفية في حق البهائم سمعت ذلك وادركته كما حادت ~~برسول الله بغلته وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره # وحدثنى صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الرزيز الحرانى أنه خرج من داره بعد ~~العصر بآمد إلى بستان قال فلما كان قبل غروب الشمس توسطت القبور فاذا بقبر ~~منها وهو جمرة # PageV01P066 # نار مثل كوز الزجاج والميت في وسطه فجعلت أمسح عينى واقول انائم أنا ام ~~يقظان ثم التفت إلى سور المدينة وقلت والله ما انا بنائم ثم ذهبت إلى أهلى ~~وأنا مدهوش فأتونى بطعام فلم استطع أن آكل ثم دخلت البلد فسألت عن صاحب ~~القبر فإذا به مكاس قد توفي ذلك اليوم # فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن تقع احيانا لمن شاء الله ~~ان يريه ذلك # وقد ذكر ابن أبى الدنيا في كتاب القبور عن الشعبى أنه ذكر رجلا قال للنبي ~~مررت بدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه ms077 رجل بمقمعة حتى نعيب في الأرض ثم ~~يخرج فيفعل به ذلك فقال رسول الله ذلك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم ~~القيامة # وذكر من حديث حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله عن أبيه ~~قال بينا أنا اسير بين مكة والمدينة على راحلة وأنا محقب اداوة اذ مررت ~~بمقبرة فإذا رجل خارج من قبره يلتهب نارا وفي عنقه سلسلة يجرها فقال يا عبد ~~الله انضح يا عبد الله انضح فوالله ما أدرى اعرفنى باسمى أم كما تدعو الناس ~~قال فخرج آخر فقال يا عبد الله لا تنضج يا عبد الله لا تنضج ثم اجتذب ~~السلسلة فاعاده في قبره # وقال ابن أبى الدنيا حدثنى أبى حدثنا موسى بن داود حدثنا حماد بن سلمة عن ~~هشام ابن عروة عن أبيه قال بينما راكب يسير بين مكة والمدينة غذ مر بمقبرة ~~فإذا برجل قد خرج من قبر يلتهب نارا مصفدا في الحديد فقال يا عبد الله انضج ~~يا عبد الله انضج قال وخرج آخر يتلوه فقال يا عبد الله لا تنضج يا عبد الله ~~لا تنضج قال وغشى على الراكب وعدلت به راحلته إلى العرج قال وأصبح قد ابيض ~~شعره فأخبر عثمان بذلك فنهى أن يسافر الرجل وحده # وذكر من حديث سفيان حدثنا داود بن شابور عن ابى قزعة قال مررنا في بعض ~~المياه التي بيننا وبين البصرة فسمعنا نهيق حمار فقلنا لهم ما هذا النهيق ~~قالوا هذا رجل كان عندنا كانت أمه تكلمه بالشيء فيقول لها إنهقى نهيقك فلما ~~مات سمع هذا النهيق من قبره كل ليلة # وذكر أيضا عن عمرو بن دينار قال كان رجل من أهل المدينة وكانت له أخت في ~~ناحية المدينة فاشتكت وكان يأتيها يعودها ثم ماتت فدفنها فلما رجع ذكر أنه ~~نسى شيئا في # PageV01P067 # القبر كان معه فاستعان برجل من أصحابه قال فنبشنا القبر ووجدت ذلك المتاع ~~فقال للرجل تنح حتى انظر على أى حال أختى فرفع بعض ما على اللحد ms078 فإذا القبر ~~مشتعل نارا فرده وسوى القبر فرجع إلى أمه فقال ما كان حال أختى فقالت ما ~~تسأل عنها وقد هلكت فقال لتخبرينى قالت كانت تؤخر الصلاة ولا تصلى فيما أظن ~~بوضوء وتأتى أبواب الجيران فتلقم أذنها أبوابهم وتخرج حديثهم # وذكر عن حصين الأسدى قال سمعت مرثد بن حوشب قال كنت جالسا عند يوسف ابن ~~عمر وإلى جنبه رجل كأن شقة وجهه صفحة من حديد فقال له يوسف حدث مرثدا بما ~~رأيت فقال كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش فلما وقع الطاعون قلت أخرج إلى ثغر ~~من هذه الثغور ثم رأيت ان احفر القبور فاذا بى ليلة بين المغرب والعشاء قد ~~حفرت وأنا متكىء على تراب قبر آخر إذ جىء بجنازة رجل حتى دفن في ذلك وسووا ~~عليه فأقبل طائران أبيضان من المغرب مثل البعيرين حتى سقط أحدهما عند رأسه ~~والآخر عند رجليه ثم اثاراه ثم تدلى أحدهما في القبر والآخر على شفيره فجئت ~~حتى جلست على شفير القبر وكنت رجلا لا يملأ جوفي شيء قال فسمعته يقول ألست ~~الزائر اصهارك في ثوبين ممصرين تسحبهما كبرا تمشى الخيلاء فقال أنا أضعف من ~~ذلك قال فضربه ضربة امتلأ القبر حتى فاض ماء ودهنا ثم عاد فأعاد إليه القول ~~حتى ضربه ثلاث ضربات كل ذلك يقول ذلك ويذكر أن القبر يفيض ماء ودهنا قال ثم ~~رفع رأسه فنظر إلى فقال انظر أين هو جالس بلسه الله قال ثم ضرب جانب وجهى ~~فسقطت فمكثت لبلتى حتى أصبحت قال ثم أخذت انظر إلى القبر فإذا هو على حاله # فهذا الماء والدهن في رأى العين لهذا الرائى هو نار تأجج للميت كما أخبر ~~النبي عن الدجال أنه يأتى معه بماء ونار فالنار ماء بارد والماء نار تأجج # وذكر ابن أبى الدنيا ان رجلا سأل أبا اسحاق الفزارى عن النباش هل له توبة ~~فقال نعم إن صحت نيته وعلم الله منه الصدق فقال له الرجل كنت أنبش القبور ~~وكنت أجد قوما وجوههم لغير القبلة فلم يكن ms079 عند الفزارى في ذلك شيء فكتب ~~إليه الأوزاعى يخبره بذلك فكتب إليه الأوزاعى تقبل توبته إذا صحت نيته وعلم ~~الله الصدق من قلبه وأما قوله انه كان يجد قوما وجوههم لغير القبلة فأولئك ~~قوم ماتوا على غير السنة # وقال ابن أبى الدنيا حدثنى عبد المؤمن بن عبد الله بن عيسى القيسى أنه ~~قيل لنباش قد تاب ما أعجب ما رأيت قال نبشت رجلا فإذا هو مسمر بالمسامير في ~~سائر جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه # PageV01P068 # قال وقيل لنباش آخر ما أعجب ما رأيت قال رأيت جمجمة انسان مصبوب فيها ~~رصاصا # قال وقيل لنباش آخر ما كان سبب توبتك قال عامة من كنت أنبش كنت أراه محول ~~الوجه عن القبلة # قلت وحدثنى صاحبنا أبو عبد الله محمد بن مساب السلامى وكان من خيار عباد ~~الله وكان يتحرى الصدق قال جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد فباع مسامير ~~صغار المسمار برأسين فأخذها الحداد وجعل يحمى عليها فلا تلين معه حتى عجز ~~عن ضربها فطلب البائع فوجده فقال من أين لك هذه المسامير فقال لقيتها فلم ~~يزل به حتى أخبره انه وجد قبرا مفتوحا وفيه عظام ميت منظومة بهذه المسامير ~~قال فعالجتها على أن أخرجها فلم أقدر فأخذت حجرا فكسرت عظامه وجمعتها قال ~~وأنا رأيت تلك المسامير قلت له فكيف صفتها قال المسمار صغير برأسين # قال ابن أبى الدنيا وحدثنى ابى عن أبى الحريش عن أمه قالت لما حفر أبو ~~جعفر خندق الكوفة حول الناس موتاهم فرأينا شابا ممن حول عاضا على يده # وذكر عن سماك بن حرب قال مر أبو الدرداء بين القبور فقال ما أسكن ظواهرك ~~وفي داخلك الدواهى # وقال ثابت البنانى بينا أنا أمشى في المقابر وإذا صوت خلفي وهو يقول يا ~~ثابت لا يغرنك سكونها فكم من مغموم فيها فالتفت فلم أر أحدا # ومر الحسن على مقبره فقال يالهم من عسكر ما أسكنهم وكم فيهم من مكروب # وذكر ابن أبى الدنيا أن عمر بن عبد العزيز قال ms080 لمسلمة بن عبد الملك يا ~~مسلمة من دفن أباك قال مولاى فلان قال فمن دفن الوليد قال مولاى فلان قال ~~فأنا أحدثك ما حدثنى به أنه لما دفن أباك والوليد فوضعهما في قبورهما وذهب ~~ليحل العقد عنهما وجد وجوهما قد حولت في اقفيتهما فانظر يا مسملة إذا أنا ~~مت فالتمس وجهى فانظر هل نزل بى ما نزل بالقوم أو هل عوفيت من ذلك قال ~~مسلمة فلما مات عمر وضعته في قبره فلمست وجهه فإذا هو مكانه # وذكر ابن أبى الدنيا عن بعض السلف قال ماتت ابنة لى فأنزلتها القبر فذهبت ~~أصلح اللبنة فإذا هى قد حولت عن القبلة فاغتممت لذلك غما شديدا فرأيتها في ~~النوم فقالت يا أبت اغتممت لما رأيت فإن عامة من حولى محولين عن القبلة قال ~~كأنها تريد الذين ماتوا مصرين على الكبائر # PageV01P069 # وقال عمرو بن ميمون سمعت عمر بن عبد العزيز يقول كنت من دلى الوليد بن ~~عبد الملك في قبره فنظرت إلى ركبتيه قد جمعتا في عنقه فقال ابنه عاش أبى ~~ورب الكعبة فقلت عوجل أبوك ورب الكعبة فاتعظ بها عمر بعده # وقال عمر بن عبد العزيز ليزيد بن المهلب لما استعمله على العراق يا يزيد ~~اتق الله فانى حين وضعت الوليد في لحده فإذا هو يركض في أكفانه # وقال يزيد بن هارون أخبر هشام بن حسان عن واصل مولى أبى عيينة عن عمر بن ~~زهدم عن عبد الحميد بن محمود قال كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه قوم فقالوا ~~إنا خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا إذ أتينا فاذا الصفاح مات فهيأناه ثم ~~انطلقنا فحفرنا له ولحدنا له فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأ ~~اللحد فحفرنا له آخر فإذا به قد ملأ لحده فحفر ناله آخر فاذا به فقال ابن ~~عباس ذاك الغل الذى يغل به انطلقوا فادفنوه في بعضها فوالذى نفسى بيده لو ~~حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيه فانطلقنا فوضعناه في بعضها فلما رجعنا أتينا ~~أهله بمتاع له معنا فقلنا لامرأته ms081 ما كان يعمل زوجك قالت كان يبيع الطعام ~~فيأخذ منه كل يوم قوت أهله ثم يقرض الفضل مثله فيلقيه فيه # وقال ابن أبى الدنيا حدثنى محمد بن الحسين قال حدثنى أبو اسحاق صاحب ~~الشاط قال دعيت إلى ميت لأغسله فلما كشفت الثوب عن وجهه إذا بحية قد تطوقت ~~على حلقه فذكر من غلظها قال فخرجت فلم أغسله فذكروا أنه كان يسب الصحابة ~~رضى الله عنهم # وذكر ابن أبى الدنيا عن سعيد بن خالد بن يزيد الأنصارى عن رجل من أهل ~~البصرة كان يحفر القبور قال حفرت قبرا ذات يوم ووضعت رأسى قريبا منه فأتتنى ~~امرأتان في منامى فقالت احداهما يا عبد الله نشدتك بالله الا صرفت عنا هذه ~~المرأة ولم تجاورنا بها فاستيقظت فزعا فإذا بجنازة امرأة قد جىء بها فقلت ~~القبر ورائكم فصرفتهم عن ذلك القبر فلما كان بالليل إذا أنا بالمرأتين في ~~منامى تقول إحداهما جزاك الله عنا خيرا فلقد صرفت عنا شرا طويلا قلت ما ~~لصاحبتك لا تكلمنى كما تكلمينى أنت قالت إن هذه ماتت عن غير وصية وحق لمن ~~مات عن غير وصية ألا يتكلم إلى يوم القيامة # وهذه الأخبار وأضعافها وأضعاف اضعافها مما لا يتسع لها الكتاب مما أراه ~~الله سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا # وأما رؤية المنام فلو ذكرناها لجاءت عدة أسفار ومن أراد الوقوف عليها ~~فعليه بكتاب المنامات لابن أبى الدنيا وكتاب البستان للقيروانى وغيرهما من ~~الكتب المتضمنة لذلك وليس عند الملاحدة والزنادقة إلا التكذيب بما لم ~~يحيطوا بعلمه # PageV01P070 ### | فصل الأمر السابع أن الله سبحانه وتعالى يحدث في هذه الدار ما هو أعجب # من ذلك فهذا جبريل كان ينزل على النبي ويتمثل له رجلا فيكلمه بكلام يسمعه ~~ومن إلأى جانب النبى لا يراه ولا يسمعه وكذلك غيره من الأنبياء وأحيانا ~~يأتيه الوحى في مثل صلصة الجرس ولا يسمعه غيره من الحاضرين وهؤلاء الجن ~~يتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة بيننا ونحن لا نسمعهم وقد كانت ~~الملائكة تضرب الكفار بالسياط وتضرب رقابهم وتصيح ms082 بهم والمسلمون معهم لا ~~يرونهم ولا يسمعون كلامهم والله سبحانه قد حجب بنى آدم عن كثير مما يحدثه ~~في الأرض وهو بينهم وقد كان جبريل يقرئ النبي ويدارسه القرآن والحاضرون لا ~~يسمعونه # وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها ~~أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها والعبد ~~أضعف بصرا وسمعا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر وكثيرا ممن أشهده الله ذلك ~~صعق وغشى عليه ولم ينتفع بالعيش زمنا وبعضهم كشف قناع قلبه فمات فكيف ينكر ~~في الحكمة الإلهية اسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ذلك حتى إذا ~~كشف الغطاء رأوه وشاهدوه عيانا # ثم إن العبد قادر على أن يزيل الزئبق والخردل عن عين الميت وصدره ثم يرده ~~بسرعة فكيف يعجز عنه الملك وكيف لا يقدر عليه من هو على كل شيء قدير وكيف ~~تعجز قدرته عن إبقائه في عينيه وعلى صدره لا يسقط عنه وهل قياس أمر للبرزخ ~~على ما يشاهده الناس في الدنيا إلى محض الجهل والضلال وتكذيب أصدق الصادقين ~~وتعجيز رب العالمين وذلك غاية الجهل والظلم # وإذا كان أحدنا يمكنه توسعة القبر عشرة أذرع ومائة ذراع وأكثر طولا وعرضا ~~وعمقا ويستر توسيعه عن الناس ويطلع عليه من يشاء فكيف يعجز رب العالمين أن ~~يوسعه ما يشاء على من يشاء ويستر ذلك عن أعين بنى آدم فيراه بنو آدم ضيقا ~~وهو أوسع شيء وأطيبه ريحا وأعظمه إضاءة ونورا وهم لا يرون ذلك # وسر المسألة أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس ~~المعهود في هذا العالم والله سبحانه إنما أشهد بنى آدم في هذه الدار ما كان ~~فيها ومنها فأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليه الغطاء ليكون الاقرار ~~به والايمان سببا لسعادتهم فاذا كشف عنهم # PageV01P071 # الغطاء صار عيانا مشاهدا فلو كان الميت بين الناس موضوعا لم يمتنع أن ~~يأتيه الملكان ويسألانه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك ويجيبهما من غير أن ~~يسمعوا ms083 كلامه ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه وهذا الواحد منا ينام ~~إلى جنب صاحبه فيعذب في النوم ويضرب ويألم وليس عند المستيقظ خبر من ذلك ~~البتة وقد سرى أثر الضرب والألم إلى جسده # ومن أعظم الجهل استبعاد شق الملك الأرض والحجر وقد جعلهما الله سبحانه له ~~كالهواء للطير ولا يلزم من حجبها للأجسام الكثيفة أن تتولج حجبها للارواح ~~اللطيفة وهل هذا إلا من أفسد القياس وبهذا وأمثاله كذبت الرسل صلوات الله ~~وسلامه عليهم ### | فصل الأمر الثامن أنه غير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق # والمحرق ونحن لا نشعر بها لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود فهذا المغمى ~~عليه والمسكوت والمبهوت أحياء وارواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم ومن تفرقت ~~أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالا بتلك ~~الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم ~~واللذة وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل في الجمادات شعورا وإدراكا تسبح ~~ربها به وتسقط الحجارة من خشيته وتسجد له الجبال والشجر وتسبحه الحصى ~~والمياه والنبات قال تعالى {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم} ولو كان التسبيح هو مجرد دلالتها على صانعها لم يقل {ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم} فإن كل عاقل يفقه دلالتها على صانعها وقال تعالى {إنا ~~سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} والدلالة على الصانع لا تختص ~~بهذين الوقتين وكذلك قوله تعالى {يا جبال أوبي معه} والدلالة لا تختص معيته ~~وحده وكذب على الله من قال التأويب رجع الصدى فإن هذا يكون لكل مصوت وقال ~~تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس والدلالة على الصانع لا ~~تختص بكثير من الناس وقد قال تعالى ألم تر أن الله يسبح له من في السموات ~~والأرض والطير صفات كل قد علم صلاته وتسبيحه فهذه صلاة وتسبيح حقيقة يعلمها ~~الله وإن جحدها ms084 الجاهلون المكذبون وقد أخبر تعالى عن الحجارة أن بعضها يزول ~~عن مكانه ويسقط من خشيته وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما يأذنان له ~~وقولهما ذلك أى يستعمان كلامه وأنه خاطبهما فسمعا خطابه وأحسنا جوابه فقال ~~لهما {ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} وقد كان الصحابة يسمعون ~~تسبيح الطعام # PageV01P072 # وهو يؤكل وسمعوا حنين الجذع اليابس في المسجد فاذا كانت هذه الاجسام فيها ~~الاحساس والشعور فالأجسام التي كانت فيها الروح والحياة أولى بذلك وقد أشهد ~~الله سبحانه عباده في هذه الدار إعادة حياة كاملة إلى بدن قد فارقته الروح ~~فتكلم ومشى وأكل وشرب وتزوج وولد له كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر ~~الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على ~~عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال ~~كم لبثت لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم وكقتيل بنى إسرائيل أو كالذين قال ~~لموسى {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} فأماتهم الله ثم بعثهم من بعد موتهم ~~وكأصحاب الكهف وقصة إبراهيم في الطيور الاربعة فاذا أعاد الحياة التامة إلى ~~هذه الأجساد بعد ما بردت بالموت فكيف يمتنع على قدرته الباهرة أن يعيد ~~إليها بعد موتها حياة ما غير مستقرة يقضى بها ما أمره فيها ويستنطقها بها ~~ويعذبها أو ينعمها بأعمالها وهل إنكار ذلك إلا مجرد تكذيب وعناد وجحود ~~وبالله التوفيق ### | فصل الأمر التاسع أنه ينبغى أن يعلم أن عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب # البرزخ ونعيمه وهو ما بين الدنيا والآخرة قال تعالى {ومن ورائهم برزخ إلى ~~يوم يبعثون} وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة وسمى عذاب القبر ~~ونعيمه وأنه روضة أو حفرة نار باعتبار غالب الخلق فالمصلوب والحرق والغرق ~~وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذى تقتضيه أعماله ~~وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما فقد ظن بعض الأوائل انه إذا حرق ~~جسده بالنار وصار رمادا وذرى بعضه في البحر وبعضه ms085 في البر في يوم شديد ~~الريح أنه ينجو من ذلك فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك فأمر الله البحر فجمع ~~ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال قم فإذا هو قائم بين يدى الله فسأله ~~ما حملك على ما فعلت فقال خشيتك يا رب وأنت أعلم فما تلافاه أن رحمه فلم ~~يفت عذاب البرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال حتى لو علق ~~الميت على رؤوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه ~~ونصيبه ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ ~~وروحه نصيبه وحظه فيجعل الله النار على هذا بردا وسلاما والهواء على ذلك ~~نارا وسموما فعناصر العالم ومواده منقادة لربها وفاطرها وخالقها يصرفها كيف ~~يشاء ولا يستعصى عليه منها شيء أراده بل هى طلوع مشيئته مذللة منقادة ~~لقدرته ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته # PageV01P073 ### | فصل الأمر العاشر أن الموت معاد وبعث أول فإن الله سبحانه وتعالى جعل # لابن آدم معادين وبعثين يجزى فيهما الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين ~~أحسنوا بالحسنى # فالبعث الأول مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأول # والبعث الثانى يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى ~~الجنة أو النار وهو الحشر الثانى ولهذا في الحديث الصحيح وتؤمن بالبعث ~~الآخر فإن البعث الأول لا ينكره أحد وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه ~~والنعيم والعذاب وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هاتين القيامتين وهما الصغرى ~~والكبرى في سورة المؤمنين وسورة الواقعة وسورة القيامة وسورة المطففين ~~وسورة الفجر وغيرها من السور وقد اقتضى عدله وحكمته أن جعلها دارى جزاء ~~المحسن والمسىء ولكن توفية الجزاء إنما يكون يوم المعاد الثانى في دار ~~القرار كما قال تعالى {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} # وقد اقتضى عدله وأوجبت سماؤه الحسنى وكماله المقدس تنعيم أبدان أوليائه ~~وأرواحهم وتعذيب أبدان أعدائه وأرواحهم فلا بد أن يذيق بدن المطيع له ms086 وروحه ~~من النعيم واللذة ما يليق به ويذيق بدن الفاجر العاصى له وروحه من الألم ~~والعقوبة ما يستحقه هذا موجب عدله وحكمته وكماله المقدس ولما كانت هذه ~~الدار دار تكليف وامتحان لا دار جزاء لم يظهر فيها ذلك وأما البرزخ فأول ~~دار الجزاء فظهر فيها من ذلك ما يليق بتلك الدار وتقتضى الحكمة إظهاره فإذا ~~كان يوم القيامة الكبرى وفي أهل الطاعة وأهل المعصية ما يستحقونه من نعيم ~~الأبدان والأرواح وعذابهما فعذاب البرزخ ونعيمه أول عذاب الآخرة ونعيمها ~~وهو مشتق منه وواصل إلى أهل البرزخ هناك كما دل عليه القرآن والسنة الصحيحة ~~الصريحة في غير موضع دلالة صريحة كقوله فيفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من ~~روحها ونعيمها وفي الفاجر فيفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ~~ومعلوم قطعا ان البدن يأخذ حظه من هذا الباب كما تأخذ الروح حظها فإذا كان ~~يوم القيامة دخل من ذلك الباب إلى مقعده الذى هو داخله وهذان البابان يصل ~~منهما إلى العبد فى هذه الدار أثر خفي محجوب بالشواغل والغوشي الحسية ~~والعوارض ولكن يحس به كثير من الناس وإن لم يعرف سببه ولا يسحن التعبير عنه ~~فوجود الشيء غير الاحساس به والتعبير عنه فإذا مات كان وصول ذلك الأثر إليه ~~من ذينك البابين أكمل فإذا بعث كمل وصل ذلك الأثر إليه فحكمة الرب تعالى ~~منتظمة لذلك أكمل انتظام في الدور الثلاث # PageV01P074 ### | المسألة الثامنة وهي قول السائل ما الحكمة فيكون عذاب القبر لم يذكر # في القرآن مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به ليحذر ويتقى فالجواب من ~~وجهين مجمل ومفصل # أما المجمل فهو أن الله سبحانه وتعالى أنزل على رسوله وحيين وأوجب على ~~عباده الإيمان بهما والعمل بما فيهما وهما الكتاب والحكمة وقال تعالى ~~{وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} وقال تعالى هو الذى بعث في الأميين رسولا ~~منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلهم الكتاب والحكمة وقال تعالى واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكم من آيات الله والحكمة # والكتاب هو القرآن والحكمة هى السنة ms087 بانفاق السلف وما أخبر به الرسول عن ~~الله فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان ~~رسوله هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكره إلا من ليس منهم وقد قال ~~النبي إنى أوتيت الكتاب ومثله معه # وأما الجواب المفصل فهو أن نعيم البرزخ وعذابه مذكور في القرآن في غير ~~موضع فمنها قوله تعالى ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو ~~أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير ~~الحق وكنتم عن اياته تستكبرون وهذا خطاب لهم عند الموت وقد أخبرت الملائكة ~~وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء ~~الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون # ومنها قوله تعالى فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ~~النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم القيامة تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب فذكر عذاب الدارين ذكرا صريحا لا يحتمل غيره # ومنها قوله تعالى فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذى فيه يصعقون يوم لا يغنى ~~عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا وأن يراد به ~~عذابهم في البرزخ وهو أظهر لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا وقد يقال ~~وهو أظهر أن من مات منهم عذب في البرزخ ومن بقى منهم عذب في الدنيا بالقتل ~~وغيره فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ # ومنها قوله تعالى {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون} # PageV01P075 # وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم عبد الله بن عباس على عذاب القبر وفي ~~الاحتجاج بها شيء لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعى به رجوعهم عن الكفر ولم ~~يكن هذا ما يخفي على حبر الأمة وترجمان القرآن لكن من فقهه في القرآن ودقة ~~فهمه فيه فهم منها عذاب القبر فانه سبحانه أخبر أن له فيهم عذابين أدنى ms088 ~~وأكبر فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ليرجعوا فدل على أنه بقى لهم من الأدنى ~~بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا ولهذا قال من العذاب الأدنى ولم يقل ~~ولنذيقنهم العذاب الأدنى فتأمله # وهذا نظير قول النبي فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ولم ~~يقل فيأتيه حرها وسمومها فإن الذى وصل إليه بعض ذلك وبقى له أكثره والذى ~~ذاقه أعداء الله في الدنيا بعض العذاب وبقى لهم ما هو أعظم منه # ومنها قوله تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب ~~إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم ~~صادقين فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين ~~فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو الحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم ~~فذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد ~~الأكبر وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية إن هى أهم وأولى بالذكر ~~وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام # ومنها قوله تعالى يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى بك راضية مرضية ~~فادخلى في عبادى وادخلى جنتى وقد اختلف السلف متى يقال لها ذلك فقالت طائفة ~~يقال لها عند الموت وظاهر اللفظ مع هؤلاء فانه خطاب للنفس التي قد تجردت عن ~~البدن وخرجت منه وقد فسر ذلك النبي بقوله في حديث البراء وغيره فيقال لها ~~اخرجى راضية مرضيا عنك وسيأتى تمام تقرير هذا في المسألة التي يذكر فيها ~~مستقر الأرواح في البرزخ إن شاء الله تعالى وقوله تعالى {فادخلي في عبادي} ~~مطابق لقوله اللهم الرفيق الأعلى # وأنت إذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلا وتفسيرا لما دل ~~عليه القرآن وبالله التوفيق # PageV01P076 ### | المسألة التاسعة وهي قول السائل ما الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور # جوابها من وجهين مجمل ومفصل أما المجمل فانهم يعذبون على جهلهم ms089 بالله ~~وإضاعتهم لأمره وارتكابهم لمعاصيه فلا يعذب الله روحا عرفته وأحبته وامتثلت ~~أمره واجتنبت نهيه ولا بدنا كانت فيه أبدا فان عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر ~~غضب الله وسخطه على عبده فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات ~~على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه فمستقل ومستكثر ~~ومصدق ومكذب # وأما الجواب المفصل فقد أخبر النبي عن الرجلين الذين رآهما يعذبان في ~~قبورهما يمشى أحدهما بالنميمة بين الناس ويترك الآخر الاستبراء من البول ~~فهذا ترك الطهارة الواجبة وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس ~~بلسانه وإن كان صادقا وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة بالكذب ~~والزور والبهتان أعظم عذابا كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيها على ~~أن من ترك الصلاة التي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها فهو أشد ~~عذابا وفي حديث شعبة أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس فهذا مغتاب وذلك نمام ~~وقد تقدم حديث ابن مسعود رضى الله عنه في الذى ضرب سوطا امتلأ القبر عليه ~~به نارا لكونه صلى صلاة واحدة بغير طهور ومر على مظلوم فلم ينصره # وقد تقدم حديث سمرة في صحيح البخارى في تعذيب من يكذب الكذبة فتبلغ ~~الآفاق وتعذيب من يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به بالنهار ~~وتعذيب الزناة والزوانى وتعذيب آكل الربا كما شاهدهم النبي في البرزخ # وتقدم حديث أبى هريرة رضى الله عنه الذى فيه رضخ رءوس أقوام بالصخر ~~لتثاقل رءوسهم عن الصلاة والذى يسرحون بين الضريع والزقوم لتركهم زكاة ~~أموالهم والذين يأكلون اللحم المنتن الخبيث لزناهم والذين تقرض شفاههم ~~بمقاريض من حديد لقيامهم في الفتن بالكلام والخطب # وتقدم حديث أبى سعيد وعقوبة أرباب تلك الجرائم فمنهم من بطونهم أمثال ~~البيوت وهم على سابلة آل فرعون وهم أكلة الربا ومنهم من تفتح أفواههم ~~فيلقمون الجمر حتى يخرج من أسافلهم وهم أكلة أموال اليتامى ومنهم المعلقات ~~بثديهن وهن الزوانى ومنهم من تقطع جنوبهم ويطعمون لحومهم وهم المغتابون ms090 ~~ومنهم من لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم وهم الذين يغمتون أعراض ~~الناس # PageV01P077 # وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صاحب الشملة التي غلها من ~~المغنم انها تشتعل نارا في قبره هذا وله فيها حق فكيف بمن ظلم غيره ما لا ~~حق له فيه فعذاب القبر عن معاصي القلب والعين والاذن والفم واللسان والبطن ~~والفرج واليد والرجل والبدن كله فالنمام والكذاب والمغتاب وشاهد الزور ~~وقاذف المحصن والموضع في الفتنة والداعي إلى البدعة والقائل على الله ~~ورسوله مالا علم له به والمجازف في كلامه وآكل الربا آكل أموال اليتامى ~~وآكل السحت من الرشوة والبرطيل ونحوهما وآكل مال أخيه المسلم بغير حق أو ~~مال المعاهد وشارب المسكر وآكل لقمة الشجرة الملعونة والزاني واللوطي ~~والسارق والخائن والغادر والمخادع والماكر وآخذ الربا ومعطيه وكاتبه ~~وشاهداه والمحلل والمحلل له والمحتال على إسقاط فرائض الله وارتكاب محارمه ~~ومؤذي المسلمين ومتتبع عوراتهم والحاكم بغير ما أنزل الله والمفتي بغير ما ~~شرعه الله والمعين على الاثم والعدوان وقاتل النفس التي حرم الله والملحد ~~في حرم الله والمعطل لحقائق أسماء الله وصفاته الملحد فيها والمقدم رأيه ~~وذوقه وسياسته على سنة رسول والنائحة والمستمع إليها ونواحوا جهنم وهم ~~المغنون الغناء الذى حرمه الله ورسوله والمستمع إليهم والذين يبنون المساجد ~~على القبور ويوقدون عليها القناديل والسرج والمطففون في استيفاء ما لهم إذا ~~أخذوه وهضم ما عليهم إذا بذلوه والجبارون والمتكبرون والمراؤون والهمازون ~~واللمازون والطاعنون على السلف والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين ~~فيسألونهم ويصدقونهم وأعوان الظلمة الذين قد باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم ~~والذى إذا خوفته بالله وذكرته به لم يرعو ولم ينزجر فاذا خوفته بمخلوق مثله ~~خاف وارعوى وكف عما هو فيه والذى يهدى بكلام الله ورسوله فلا يهتدى ولا ~~يرفع به رأسا فاذا بلغه عمن يحسن به الظن ممن يصيب ويخطىء عض عليه بالنواجذ ~~ولم يخالفه والذى يقرأ عليه القرآن فلا يؤثر فيه وربما استثقل به فاذا سمع ~~قرآن الشيطان ورقية الزنا ومادة النفاق طاب سره وتواجد وهاج ms091 من قلبه دواعى ~~الطرب وود أن المغنى لا يسكت والذى يحلف بالله ويكذب فاذا حلف بالبندق أو ~~برئ من شيخه أو قريبه أو سراويل الفتوة أو حياة من يحبه ويعظمه من ~~المخلوقين لم يكذب ولو هدد وعوقب والذى يفتخر بالمعصية ويتكثر بها بين ~~اخوانه وأضرابه وهو المجاهر والذى لا تأمنه على مالك وحرمتك والفاحش اللسان ~~البذىء الذى تركه الخلق اتقاء شره وفحشه والذى يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها ~~وينقرها ولا يذكر الله فيها إلا قليلا ولا يؤدى زكاة ماله طيبة بها نفسه ~~ولا يحج مع قدرته على الحج ولا يؤدى ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها ولا ~~يتورع من لحظة ولا لفظة ولا أكلة ولا # PageV01P078 # خطوة ولا يبإلى بما حصل من المال من حلال أو حرام ولا يصل رحمه ولا يرحم ~~المسكين ولا الأرملة ولا اليتيم ولا الحيوان البهيم بل يدع اليتيم ولا يحض ~~على طعام المسكين ويرائى للعالمين ويمنع الماعون ويشتغل بعيوب الناس عن ~~عيبه وبذنوبهم عن ذنبه فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم ~~بحسب كثرتها وقلتها وصغيرها وكبيرها # ولما كان أكثر الناس كذلك كان أكثر أصحاب القبور معذبين والفائز منهم ~~قليل فظواهر القبور تراب وبواطنها حسرات وعذاب ظواهرها بالتراب والحجارة ~~المنقوشة مبنيات وفي باطنها الدواهى والبليات تغلى بالحسرات كما تغلى ~~القدور بما فيها ويحق لها وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها تالله لقد ~~وعظت فما تركت لواعظ مقالا ونادت يا عمار الدنيا لقد عمرتم دارا موشكة بكم ~~زوالا وخربتم دارا أنتم مسرعونى إليها انتقالا عمرتم بيوتا لغيركم منافعها ~~وسكناها وخربتم بيوتا ليس لكم مساكن سواها هذه دار الاستباق ومستودع ~~الاعمال وبذر الزرع وهذه محل للعبر رياض من رياض الجنة أو حفر من حفر النار ### | المسألة العاشرة الأسباب المنجية من عذاب القبر جوابها أيضا من وجهين # مجمل ومفصل # أما المجمل فهو تجنب تلك الأسباب التي تقتضى عذاب القبر ومن انفعها ان ~~يجلس الرجل عندما يريد النوم لله ساعة يحاسب نفسه فيها على ما خسره وربحه ~~في ms092 يومه ثم يجدد له توبة نصوحا بينه وبين الله فينام على تلك التوبة ويعزم ~~على أن لا يعاود الذنب إذا استيقظ ويفعل هذا كل ليلة فإن مات من ليلته مات ~~على توبة وإن استيقظ استيقظ مستقبلا للعمل مسرورا بتأخير أجله حتى يستقبل ~~ربه ويستدرك ما فاته وليس للعبد انفع من هذه النومة ولا سيما إذا عقب ذلك ~~بذكر الله واستعمال السنن التي وردت عن رسول الله عند النوم حتى يغله النوم ~~فمن أراد الله به خيرا وفقه لذلك ولا قوة إلا بالله # وأما الجواب المفصل فنذكر أحاديث عن رسول الله فيما ينجى من عذاب القبر # فمنها ما رواه مسلم في صحيحه عن سلمان رضى الله عنه قال سمعت رسول الله ~~يقول رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وان مات اجرى عليه عمله الذى ~~كان يعمله واجرى عليه رزقه وأمن الفتان # PageV01P079 # وفي جامع الترمذى من حديث فضالة بن عبيد عن رسول الله قال كل ميت يختم ~~على عمله إلا الذى مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم ~~القيامة ويأمن من فتنة القبر قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح # وفي سنن النسائى عن رشدين بن سعد عن رجل من اصحاب النبي صلى الله أن رجلا ~~قال يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد قال كفي ~~ببارقة السيوف على رأسه فتنة # وعن المقدام بن معد يكرب قال قال رسول الله للشهيد عند الله ست خصال يغفر ~~له في أول دفعة من دمه وبرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من ~~الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما ~~فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من اقاربه ~~رواه ابن ماجه والترمذى وهذا لفظه وقال هذا حديث حسن صحيح # وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال ضرب رجل من أصحاب رسول الله خباءه على ~~قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا قبر قبر ms093 إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها ~~فاتى النبي فقال يا رسول الله ضربت خبائى على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر ~~فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فقال النبي هى المانعة هي ~~المنجية تنجيه من عذاب القبر قال الترمذى هذا حديث حسن غريب # وروينا في مسند بن حميد عن إبراهيم بن الحكم عن ابيه عكرمة عن ابن عباس ~~رضى الله عنهما أنه قال لرجل ألا أتحفك بحديث تفرح به قال الرجل بلى قال ~~اقرأ {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير} احفظها وعلما أهلك وولدك ~~وصبيان بيتك وجيرانك فإنها المنجية والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة ~~عند ربها لقارئها وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من عذاب النار إذا كانت في ~~جوفه وينجى الله بها صاحبها من عذاب القبر قال رسول الله لودت أنها في قلب ~~كل إنسان من أمتى # قال أبو عمر بن عبد البر وصح عن رسول الله أنه قال إن سورة ثلاثين آية ~~شفعت في صاحبها حتى غفر له {تبارك الذي بيده الملك} # وفي سنين ابن ماجه من حديث أبى هريرة رضى الله عنه برفعه من مات مبطونا ~~مات شهيدا ووقي فتنة القبر وغدى وريح عليه برزق من الجنة # وفي سنن النسائى عن جامع بن شداد قال سمعت عبد الله بن يشكر يقول كنت ~~جالسا مع سليمان بن صره وخالد بن عرفطة فذكروا أن رجلا مات ببطنه فإذا هما ~~يشتهيان أن # PageV01P080 # يكونا شهدا جنازته فقال أحدهما للآخر ألم يقل رسول الله من قتله بطنه لم ~~يعذب في قبره # وقال أبو داود الطيالسى في مسنده حدثنا شعبة حدثنى أحمد بن جامع بن شداد ~~قال أبى فذكره وزاد فقال الآخر بلى # وفي الترمذى من حديث ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ~~ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر قال ~~الترمذى هذا حديث حسن غريب وليس إسناده بمتصل ربيعة بن سيف إنما يروى ms094 عن ~~أبى عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو ولا يعرف لربيعة بن سيف سماع من ~~عبد الله ابن عمرو انتهى # وقد روى الترمذى الحكيم من حديث ربيعة بن سيف هذا عن عياض بن عقبة الفهرى ~~عن عبد الله بن عمرو # وقد رواه أبو نعيم الحافظ عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا ولفظه من ~~مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه ~~طابع الشهداء تفرد به عمر بن موسى الوجيهى وهو مدنى ضعيف # وقوله كفي ببارقة السيوف على رأسه فتنة معناه والله أعلم قد امتحن نفاقه ~~من إيمانه ببارقة السيف على رأسه فلم يفر فلو كان منافقا لما صبر ببارقة ~~السيف على رأسه فدل على أن إيمانه هو الذى حمله على بذل نفسه لله وتسليمها ~~له وهاج من قلبه حمية الغضب لله ورسوله واظهار دينه وإعزاز كلمته فهذا قد ~~أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للقتل فاستغنى بذلك عن الامتحان في قبره # قال أبو عبد الله القرطبى إذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أجل خطرا وأعظم ~~أجرا أن لا يفتن لأنه مقدم ذكره في التنزيل على الشهداء وقد صح في المرابط ~~الذى هو دون الشهيد أنه لا يفتن فكيف بمن هو أعلى رتبة منه ومن الشهيد # والأحاديث الصحيحة ترد هذا القول وتبين أن الصديق يسأل في قبره كما يسأل ~~غيره وهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه رأس الصديقين وقد قال النبيى لما ~~أخبره عن سؤال الملك في قبره فقال وأنا على مثل حالتي هذه فقال نعم وذكر ~~الحديث # وقد اختلف في الأنبياء هل يسألون في قبورهم على قولين وهما وجهان في مذهب ~~أحمد # PageV01P081 # وغيره ولا يلزم من هذه الخاصية التي اختص بها الشهيد أن يشاركه الصديق في ~~حكمها وإن كان أعلى منه فخواص الشهداء وقد تنتفي عمن هو أفضل منهم وإن كان ~~أعلى منهم درجة # وأما حديث ابن ماجه من مات مريضا مات شهيدا ووقى فتنة القبر فمن إفراد ~~ابن ms095 ماجه وفي إفراده غرائب ومنكرات ومثل هذا الحديث مما يتوقف فيه ولا يشهد ~~به على رسول الله فان صح فهو مقيد بالحديث الآخر وهو الذى يقتله بطنه فان ~~صح عنه أنه قال المبطون شهيد فيحمل هذا المطلق على ذلك المقيد والله أعلم # وقد جاء فيما ينجى من عذاب القبر حديث فيه الشفاء رواه أبو موسى المدينى ~~وبين علته في كتابه في الترغيب والترهيب وجعله شرحا له رواه من حديث الفرج ~~بن فضالة حدثنا هلال أبو جبلة عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال ~~خرج علينا رسول الله ونحن في صفة بالمدينة فقام علينا فقال إنى رأيت ~~البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتى أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره ~~بوالديه فرد ملك الموت عنه ورأيت رجلا من أمتى قد احتوشته الشياطين فجاء ~~ذكر الله فطير الشياطين عنه ورأيت رجلا من أمتى قد احتوشته ملائكة العذاب ~~فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم ورأيت رجلا من أمتى يلهث عطشا كلما دنا ~~من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فاسقاه وأرواه ورأيت رجلا من أمتى ~~ورأيت النبيين جلوسا حلقا حلقا كلما دنا إلى حلقة طرد ومنع فجاءه غسله من ~~الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي ورأيت رجلا من أمتى من بين يديه ظلمة ~~ومن خلفه وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة وهو متحير فيه فجاءه ~~حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور ورأيت رجلا من أمتى يتقى ~~وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت سترا بينه وبين النار وظلا على رأسه ~~ورأيت رجلا من أمتى يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت يا ~~معشر المؤمنين انه كان وصولا لرحمه فكلموه المؤمنون وصافحوه وصافحهم ورأيت ~~رجلا من أمتى قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ~~فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة ورأيت رجلا من أمتى جاثيا على ~~ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز ~~وجل ورأيت رجلا ms096 من أمتى قد ذهبت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله عز ~~وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه فوضعها في يمينه ورايت رجلا من أمتى خف ~~ميزانه فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه ورأيت رجلا من أمتى قائما على شفير جهنم ~~فجاءه رجاؤه من الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلا من أمتى قد ~~هوى # PageV01P082 # في النار فجاءته دمعته التي قد بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك ~~ورأيت رجلا من أمتى قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف ~~فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكن روعه ومضى ورأيت رجلا من أمتى يزحف على ~~الصراط يحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته فأقامته على قدميه وأنقذته ~~ورأيت رجلا من أمتى انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة ~~أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة قال الحافظ أبو موسى ~~هذا حديث حسن جدا رواه عن سعيد بن المسيب وعمر بن ذر وعلى ابن زيد بن جدعان # ونحو هذا الحديث مما قيل فيه أن رؤيا الأنبياء وحى فهو على ظاهرها لا ~~كنحو ما روى عنه أنه قال رأيت كأن سيفي انقطع فأولته كذا وكذا ورأيت بقرا ~~تنحر ورأيت كأنا في دار عقبة بن رافع # وقد روى في رؤياه الطويلة من حديث سمرة في الصحيح ومن حديث على وأبى ~~أمامة وروايات هؤلاء الثلاثة قريب بعضها من بعض مشتملة على ذكر عقوبات ~~جماعة من المعذبين في البرزخ فأما في هذه الرواية فذكر العقوبة وأنبعها بما ~~ينجى صاحبها من العمل وراوى هذا الحديث عن ابن المسيب هلال أبو جبلة مدنى ~~لا يعرف بغير هذا الحديث ذكره ابن أبى حاتم عن ابيه هكذا ذكره الحاكم أبو ~~أحمد والحاكم أبو عبد الله أبو جبل بلا هاء وحكياه عن مسلم ورواه عنه الفرج ~~بن فضالة وهو وسط في الرواية ليس بالقوى ولا المتروك ورواه عنه بشر ابن ~~الوليد الفقيه المعروف بأبى الخطيب كان حسن المذهب جميل الطريقة وسمعت ms097 شيخ ~~الإسلام يعظم أمر هذا الحديث وقال أصول السنة تشهد له وهو من أحسن الأحاديث ### | المسألة الحادية عشر # وهى أن السؤال في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو ~~يختص بالمسلم والمنافق # قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد والآثار الدالة تدل على أن ~~الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق كان منسوبا إلى أهل القبلة ~~ودين الإسلام بظاهر الشهادة وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ~~ربه ودينه ونبيه وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام فيثبت الله الذين آمنوا ~~ويرتاب المبطلون # PageV01P083 # والقرآن والسنة تدل على خلاف هذا القول وأن السؤال للكافر والمسلم قال ~~الله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} وقد ثبت في الصحيح أنها ~~نزلت في عذاب القبر حين يسأل من ربك وما دينك ومن نبيك # وفي الصحيحن عن أنس بن مالك عن النبي أنه قال إن العبد إذا وضع في قبره ~~وتولى عنه أصحابه انه ليسمع قرع نعالهم وذكر الحديث زاد البخارى وأما ~~المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول لا أدرى كنت أقول ~~ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطرقة من حديد يصيح صيحة ~~يسمعها من يليه إلا الثقلين هكذا في البخارى وأما المنافق والكافر بالواو ~~وقد تقدم في حديث أبى سعيد الخدرى الذى رواه ابن ماجه والإمام أحمد كنا في ~~جنازة مع النبي فقال يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فاذا ~~الإنسان دفن وتولى عنه أصحابه جاء ملك وفي يده مطراق فأقعده فقال ما تقول ~~في هذا الرجل فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقول له صدقت فيفتح له باب إلى النار فيقول ~~هذا منزلك لو كفرت بربك وأما الكافر والمنافق فيقول له ما تقول في هذا ~~الرجل فيقول لا أدرى ms098 فيقال لا دريت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة ~~فيقول له هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت فان الله أبدلك به هذا ثم ~~يفتح له باب إلى النار ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله إلا ~~الثقلين فقال بعض الصحابة يا رسول الله ما أحد يقوم على رأسه ملك إلا هيل ~~عند ذلك فقال رسول الله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء # وفي حديث البراء بن عازب الطويل وأما الكافر إذا كان في قبل من الآخرة ~~وانقطاع من الدنيا نزل عليه الملائكة من السماء معهم مسوح وذكر الحديث إلى ~~أن قال ثم تعاد روحه في جسده في قبره وذكر الحديث وفي لفظ فاذا كان كافر ~~جاءه ملك الموت فجلس عند رأسه فذكر الحديث إلى قوله ما هذه الروح الخبيثة ~~فيقولون فلان بأسو أسمائه فاذا انتهى به إلى سماء الدنيا أغلقت دونه قال ~~يرمى به من السماء ثم قرأ قوله تعالى {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ~~فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} قال فتعاد روحه في جسده ~~ويأتيه ملكان شديدا الانتهار فيجلسانه وينتهرانه فيقولان من ربك فيقول هاه ~~لا أدرى فيقولان لا دريت فيقولان ما هذا النبي الذى بعث فيكم فيقول سمعت # PageV01P084 # الناس يقولون ذلك لا ادرى فيقولان له لا دريت وذلك قوله تعالى {ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء} وذكر الحديث # واسم الفاجر في عرف القرآن والسنة يتناول الكافر قطعا كقوله تعالى {إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} وقوله تعالى {كلا إن كتاب الفجار ~~لفي سجين} وفي لفظ آخر في حديث البراء وإن الكافر إذا كان في قبل من الآخرة ~~وانقطاع من الدنيا نزل اليه ملائكة شداد غضاب معهم ثياب من نار وسرابيل من ~~قطران فيحتوشونه فتنزع روحه كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل ~~فاذا أخرجت لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ms099 ملك في السماء # وذكر الحديث إلى أن قال انه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين فيقال يا ~~هذا من ربك وما دينك ومن نبنيك فيقول لا أدرى فيقال لا دريت وذكر الحديث ~~رواه حماد بن سلمة عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء # وفي حديث عيسى بن المسيب عن عدى بن ثابت عن البراء خرجنا مع رسول في ~~جنازة رجل من الأنصار وذكر الحديث إلى أن قال وإن الكافر إذا كان في دبر من ~~الدنيا وقبل من الآخرة وحضره الموت نزلت عليه ملائكة معهم كفن من نارو ~~وحنوط من نار فذكر الحديث إلى أن قال فترد روحه إلى مضجعه فيأتيه منكر ~~ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما أصواتهما كالرعد ~~القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف فيجلسانه ثم يقولان يا هذا من ربك فيقول لا ~~أدرى فينادى من جانب القبر لادريت فيضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها ~~من بين الخافقين لم تقل ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه وذكر الحديث # ورواه الإمام أحمد في مسنده عن أبى النظر هاشم بن القاسم حدثنا عيسى بن ~~المسيب فذكره # وفي حديث محمد بن سلمة عن خصيف عن مجاهد عن البراء قال كنا في جنازة رجل ~~من الأنصار ومعنا رسول الله فذكر الحديث إلى أن قال وقال رسول الله وإذا ~~وضع الكافر أتاه منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول لا أدرى ~~فيقولان له لادريت الحديث وقد تقدم # وبالجملة فعامة من روى حديث البراء بن عازب قال فيه وأما الكافر بالجزم ~~وبعضهم قال وأما الفاجر وبعضهم قال وأما المنافق والمرتاب وهذه اللفظة من ~~شك بعض الرواة هكذا في الحديث لا أدرى أى ذلك قال # PageV01P085 # وأما من ذكر الكافر والفاجر فلم يشك ورواية من لم يشك مع كثرتهم أولى من ~~رواية من شك مع انفراده على أنه لا تناقض بين الروايتين فان المنافق يسأل ~~كما يسأل الكافر والمؤمن فيثبت الله أهل الإيمان ويضل الله الظالمين وهم ~~الكفار والمنافقون # وقد جمع ms100 أبو سعيد الخدرى في حديثه الذى رواه أبو عامر العقدى حدثنا عباد ~~بن راشد عن داود بن أبى هند عن أبى نضرة عن أبى سعيد قال شهدنا مع رسول ~~الله جنازة فذكر الحديث وقال وإن كان كافرا أو منافقا يقول له ما تقول في ~~هذا الرجل فيقول لا أدرى وهذا صريح في أن السؤال للكافر والمنافق وقول أبى ~~عمر رحمه الله وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه فيقال ~~له ليس كذلك بل هو من جملة المسئولين وأولى بالسؤال من غيره # وقد أخبر الله في كتابه أنه يسأل الكافر يوم القيامة قال تعالى {ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} وقال تعالى فوربكم لنسألنهم أجمعين عما ~~كانوا يعملون وقال تعالى {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} فإذا ~~سئلوا يوم القيامة فكيف لا يسألون في قبورهم فليس لما ذكره أبو عمر رحمه ~~الله وجه ### | المسألة الثانية عشرة وهى أن سؤال منكر ونكير هل هو مختص بهذه الأمة أو # يكون لها ولغيرها # هذا موضع تكلم فيه الناس فقال أبو عبد الله الترمذى إنما سؤال الميت في ~~هذه الأمة خاصة لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فاذا أبوا كفت ~~الرسل واعتزلزهم وعولجو بالعذاب فلما بعث الله محمدا بالرحمة إماما للخلق ~~كما قال تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} أمسك عنهم العذاب وأعطى ~~السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف ثم يرسخ الإيمان في ~~قلبه فأمهلوا فمن ها هنا ظهر أمر النفاق وكانوا يسرون الكفر ويعلنون ~~الإيمان فكانوا بين المسلمين في ستر فلما ماتوا قبض الله لهم فتانى القبر ~~ليستخرجا سرهم بالسؤال وليميز الله الخبيث من الطيب فيثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء # وخالف في ذلك آخرون منهم عبد الحق الأشبيلى والقرطبى وقالوا السؤال لهذه ~~الأمة ولغيرها # PageV01P086 # وتوقف في ذلك آخرون منهم أبو عمر بن عبد البر فقال وفي حديث زيد بن ثابت ~~عن النبي أنه ms101 قال إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ومنهم من يرويه تسأل وعلى ~~هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك فهذا أمر لا يقطع عليه # وقد احتج من خصه بهذه الأمة بقوله إن هذه الأمة تبتلى في قبورها وبقوله ~~أوحى إلى أنكم تفتنون في قبوركم وهذا ظاهر في الاختصاص بهذه الأمة قالوا ~~ويدل عليه قول الملكين له ما كنت تقول في هذا الرجل الذى بعث فيكم فيقول ~~المؤمن أشهد أنه عبد الله ورسوله فهذا خاص بالنبي وقوله في الحديث الآخر ~~إنكم بي تمتحنون وعني تسألون # وقال آخرون لا يدل هذا على اختصاص السؤال بهذه الأمة دون سائر الأمم فإن ~~قوله ان الأمة اما ن يراد به أمة الناس كما قال تعالى وما من دابة في الأرض ~~ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم وكل جنس من أجناس الحيوان يسمى أمة ~~وفي الحديث لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها وفيه أيضا حديث النبي ~~الذي قرصته نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله اليه من أجل أن قرصتك ~~نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله وإن كان المراد به أمته الذي بعث ~~فيهم لم يكن فيه ما ينفي سؤال غيرهم من الأمم بل قد يكون ذكرهم اخبارا ~~بأنهم مسئولون في قبورهم وأن ذلك لا يختص بمن قبلهم لفضل هذه الأمة وشرفها ~~على سائر الأمم # وكذلك قوله أوحى إلى أنكم تفتنون في قبوركم # وكذلك اخباره عن قول الملكين ما هذا الرجل الذي بعث فيكم هو اخبار لأمته ~~بما تمتحن به في قبورها والظاهر والله أعلم أن كل نبي مع أمته كذلك وأنهم ~~معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة ~~بعد السؤال وإقامة الحجة والله سبحانه وتعالى أعلم ### | المسألة الثالثة عشرة وهي أن الأطفال هل يمتحنون في قبورهم اختلف # الناس في ذلك على قولين هما وجهان لأصحاب أحمد # وحجة من قال أنهم يسألون أنه يشرع الصلاة عليهم والدعاء لهم وسؤال الله ~~أن يقيهم عذاب ms102 القبر وفتنة القبر كما ذكر مالك في موطئه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أنه على جنازة صبي فسمع من دعائه اللهم قه عذاب القبر # PageV01P087 # واحتجوا بما رواه على بن معبد عن عائشة رضي الله عنها أنه مر عليها ~~بجنازة صبي صغير فبكت فقيل لها ما يبكيك يا أم المؤمنين فقالت هذا الصبي ~~بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر # واحتجوا بما رواه هناد بن السرى حدثنا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد عن ~~سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إنه كان ليصلي على المنفوس ~~وما ان عمل خطيئة قط فيقول اللهم أجره من عذاب القبر # قالوا والله سبحانه يكمل لهم عقولهم ليعرفوا بذلك منزلهم ويلهمون الجواب ~~عما يسألون عنه # قالوا وقد دل على ذلك الأحاديث الكثيرة التي فيها أنهم يمتحنون في الآخرة ~~وحكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث فإذا امتحنوا في الآخرة لم يمتنع ~~امتحانهم في القبور # قال الآخرون السؤال أنما يكون لمن عقل الرسول والمرسل فيسأل هل آمن ~~بالرسول وأطاعه أم لا فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ~~فأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه ما فكيف يقال له ما كنت تقول في هذا ~~الرجل الذي بعث فيكم ولو رد إليه عقله في القبر فإنه لا يسأل عما لم يتمكن ~~من معرفته والعلم به ولا فائدة في هذا السؤال وهذا بخلاف امتحانهم في ~~الآخرة فإن الله سبحانه يرسل اليهم رسولا ويأمرهم بطاعة أمره وعقولهم معهم ~~فمن أطاعه منهم نجا ومن عصاه أدخله النار فذلك امتحان بأمر يأمرهم به ~~يفعلونه ذلك الوقت لا أنه سؤال عن أمر مضى لهم في الدنيا من طاعة أو عصيان ~~كسؤال الملكين في القبر # وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة ~~الطفل على ترك طاعة أو فعل معصية قطعا فان الله لا يعذب أحدا بلا ذنب عمله ~~بل عذاب القبر قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره ms103 وإن لم يكن ~~عقوبة على عمل عمله ومنه قوله إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه أي يتألم ~~بذلك ويتوجع منه لا أنه يعاقب بذنب الحي ولا تزر وازرة وزر أخرى # وهذا كقول النبي السفر قطعة من العذاب فالعذاب أعم من العقوبة ولا ريب أن ~~في القبر من الآلام والهموم والحسرات ما قد يسرى أثره إلى الطفل فيتألم به ~~فيشرع المصلى عليه أن يسأل الله تعالى له أن يقيه ذلك العذاب والله أعلم # PageV01P088 ### | المسألة الرابعة عشرة وهي قوله عذاب القبر دائم أم منقطع جوابها أنه # نوعان نوع دائم سوى ما ورد في بعض الأحاديث أنه يخفف عنهم ما بين ~~النفختين فإذا قاموا من قبورهم قالوا {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} ويدل ~~على دوامه قوله تعالى {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} ويدل عليه أيضا ما ~~تقدم في حديث سمرة الذي رواه البخاري في رؤيا النبي وفيه فهو يفعل به ذلك ~~إلى يوم القيامة # وفي حديث ابن عباس في قصة الجريدتين لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا فجعل ~~التخفيف مقيدا برطوبتهما فقط # وفي حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة ثم أتى على قوم ترضخ ~~رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت لا يفتر عنهم من ذلك شيء وقد تقدم وفي الصحيح ~~في قصة الذي لبس بردين وجعل يمشي يتبختر فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل ~~فيها إلى يوم القيامة # وفي حديث البراء بن عازب في قصة الكافر ثم يفتح له باب إلى النار فينظر ~~إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة رواه الإمام أحمد وفي بعض طرقه ثم يخرق له ~~خرقا إلى النار فيأتيه من غمها ودخانها إلى القيامة # النوع الثاني إلى مدة ثم ينقطع وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم ~~فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدة ثم يزول عنه العذاب # وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء أو صدقة أو استغفار أو ثواب حج أو قراءة تصل ~~إليه من بعض أقاربه أو غيرهم وهذا كما يشفع ms104 الشافع في المعذب في الدنيا ~~فيخلص من العذاب بشفاعته لكن هذه شفاعة قد لا تكون باذن المشفوع عنده والله ~~سبحانه وتعالى لا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه فهو الذي ~~يأذن للشافع أن يشفع إذا أراد أن يرحم المشفوع له ولا تغتر بغير هذا فإنه ~~شرك وباطل يتعالى الله عنه من ذا الذى يشفع عنده إلا باذنه ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى ما من شفيع إلا من بعد إذنه ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له قال لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والارض # وقد ذكر ابن أبى الدنيا حدثنى محمد بن موسى الصائغ حدثنا عبد الله بن ~~نافع قال مات رجل من أهل المدينة فرآه رجل كأنه من أهل النار فاغتنم لذلك ~~ثم أنه بعد ساعة أو # PageV01P089 # ثانيه رآه كأنه من أهل الجنة فقال ألم تكن قلت انك من أهل النار قال قد ~~كان ذلك إلا أنه دفن معنا رجل من الصالحين فشفع في اربعين من جيرانه فكنت ~~أنا منهم # قال ابن أبى الدنيا وحدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنى بعض أصحابنا قال مات ~~أخى فرأيته في النوم فقلت ما كان حالك حين وضعت في قبرك قال أتانى آت بشهاب ~~من نار فلولا أن داعيا دعا لى لرأيت أنه سيضربنى به # وقال عمرو بن جرير إذا دعا العبد لأخيه الميت أتاه بها ملك إلى قبره فقال ~~يا صاحب القبر الغريب هدية من أخ عليك شفيق # وقال بشار بن غالب رأيت رابعة في منامى وكنت كثير الدعاء لها فقالت لى يا ~~بشار بن غالب هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل الحرير قلت كيف ~~ذلك قالت هكذا دعاء المؤمنين الاحياء إذا دعوا للموتى استجيب لهم واجعل ذلك ~~الدعاء على أطباق النور وخمر بمناديل الحرير ثم أتى بها الذى دعى له من ~~الموتى فقيل هذه هدية فلان إليك # قال ابن أبى الدنيا وحدثنى أبو عبيد بن بحير قال حدثنى بعض أصحابنا قال ~~رأيت أخا لى في ms105 النوم بعد موته فقلت أيصل إليكم دعاء الأحياء قال أى والله ~~يترفرف مثل النور ثم يلبسه # وسيأتى إن شاء الله تعالى تمام لهذه في جواب السؤال عن انتفاع الأموات ~~بما تهديه إليهم الأحياء المسالة الخامسة عشرة # وهى أين مستقر الأرواح ما بين الموت إلى القيامة هل هى في السماء أم في ~~الأرض وهل هي في الجنة أم لا وهل تودع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها ~~فتنعم وتعذب فيها أم تكون مجردة # هذه مسالة عظيمة تكلم فيها للناس واختلفوا فيها وهى إنما تتلقى من السمع ~~فقط واختلف في ذلك فقال قائلون أرواح المؤمنين عند الله في الجنة شهداء ~~كانوا أم غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين وتلقاهم ربهم ~~بالعفو عنهم والرحمة لهم وهذا مذهب أبى هريرة وعبد الله بن عمر رضى الله ~~عنهم # وقالت طائفة هم بفناء الجنة على بابها يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها # وقالت طائفة الأرواح على افنية قبورها # PageV01P090 # وقال مالك بلغنى أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت # وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله أرواح للكفار في النار وأرواح ~~المؤمنين في الجنة # وقال أبو عبد الله بن منده وقال طائفة من الصحابة والتابعين أرواح ~~المؤمنين عند الله عز وجل ولم يزيدوا على ذلك قال روى عن جماعة من الصحابة ~~والتابعين أرواح المؤمنين بالجابية وأرواح الكفار ببرهوت بئر بحضرموت # وقال صفوان بن عمرو سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان هل لأنفس المؤمنين ~~مجتمع فقال إن الأرض التي يقول الله تعالى {ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} قال هى الأرض التي يجتمع إليها أرواح ~~المؤمنين حتى يكون البعث وقالوا هى الأرض التي يورثها الله المؤمنين في ~~الدنيا وقال كعب أرواح المؤمنين عليين في السماء السابعة وأرواح الكفار في ~~سجين في الأرض السابعة تحت جند إبليس # وقالت طائفة أرواح المؤمنين ببئر زمزم وأرواح الكفار ببئر برهوت # وقال سلمان الفارسى أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث ms106 شاءت ~~وأرواح الكفار في سجين وفي لفظ عنه نسمة المؤمن تذهب في الأرض حيث شاءت # وقالت طائفة أرواح المؤمنين عن يمين آدم وأرواح الكفار عن شماله # وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها # وقال والذى نقول به في مستقر الأرواح هو ما قاله الله عز وجل ونبيه لا ~~نتعداه فهو البرهان الواضح وهو أن الله عز وجل قال وإذا أخذ ربك من بنى آدم ~~من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين وقال تعالى {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} فصح أن الله تعالى خلق الأرواح جملة وكذلك أخبر ~~أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وأخذ ~~الله عهدها وشهادتها له بالربوبية وهى مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر ~~الملائكة بالسجود لآدم وقبل أن يدخلها في الأجساد والأجساد يومئذ تراب وماء ~~ثم أقرها حيث شاء وهو البرزخ الذى ترجع إليه عند الموت ثم لا يزال يبعث ~~منها الجملة بعد الجملة فينفخها في الأجساد المتولدة من المنى إلى أن قال ~~فصح أن الأرواح أجساد حاملة لأغراضها من التعارف والتناكر وأنها عارفة ~~مميزة فيبلوهم الله في الدنيا كما يشاء ثم يتوفاها فيرجع إلى # PageV01P091 # البرزخ الذى رآها فيه رسول الله ليلة أسرى به عند سماء الدنيا أرواح أهل ~~السعادة عن يمين آدم وأرواح أهل الشقاوة عن يساره وذلك عند منقطع العناصر ~~ويعجل أرواح الأنبياء والشهداء إلى الجنة # قال وقد ذكر محمد بن نصر المروزى عن اسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذى ~~قلنا بعينه قال وعلى هذا أجمع أهل العلم # قال ابن حزم وهو قول جميع أهل الإسلام قال وهذا هو قول الله تعالى فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون ~~السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ~~وقوله تعالى {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} ms107 إلى خرها فلا ~~تزال الأرواح هنالك حتى يتم عدد الأرواح إلى أجسادها ثانية وهى الحياة ~~الثانية يحاسب الخلق فريق في الجنة وفريق في السعير مخلدين ابدا انتهى # وقال أبو عمر بن عبد البر أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة المؤمنين ~~على أفنية قبورهم ونحن نذكر كلامه وما احتج به ونبين ما فيه # وقال ابن المبارك عن ابن جريج فيما قرىء عليه من مجاهد ليس هى في الجنة ~~ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها # وذكر معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين ~~فقال بلغنى أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو وتروح إلى رياض ~~الجنة تأتى ربها في كل يوم تسلم عليه # وقال أبو عمر بن عبد البر في شرح حديث ابن عمر أن أحدكم إذا مات عرض عليه ~~مقعده بالغداة والعشى إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل ~~النار فمن أهل النار يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة قال ~~وقد استدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور وهو أصح ما ذهب اليه ~~في ذلك والله أعلم لأن الأحاديث بذلك أحسن مجيئا وأثبت نقلا من غيرها # قال والمعنى أنها قد تكون على أفنية قبورها لا على أنها تلزم ولا تفارق ~~أفنية القبور كما قال مالك رحمه الله أنه بلغنا أن الأرواح تسرح حيث شاءت # قال وعن مجاهد أنه قال الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن ~~الميت لا تفارق ذلك والله أعلم # PageV01P092 # وقالت فرقة مستقرها العدم المحض وهذا قول من يقول ان النفس عرض من أعراض ~~البدن كحياته وإدراكه فتعدم بموت البدن كما تعدم سائر الأعراض المشروطة ~~بحياته وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين كما ~~سنذكر ذلك إن شاء الله والمقصود أن عند هذه الفرقة المبطلة ان مستقر ~~الأرواح بعد الموت العدم المحض # وقالت فرقة مستقرها بعد الموت أرواح أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي ~~اكتسبتها في ms108 حال حياتها فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح ~~فتصير النفس السبعية إلى ابدان السباع والكلبية إلى أبدان البهائم والدنية ~~والسفلية إلى أبدان الحشرات وهذا قول المتناسخة منكرى المعاد وهو قول خارج ~~عن أقوال أهل الإسلام كلهم # فهذا ما تلخص لى من جمع أقوال الناس في مصير أرواحهم بعد الموت ولا تظفر ~~به مجموعا في كتاب واحد غير هذا البتة ونحن نذكر مأخذ هذه الأقوال وما لكل ~~قول وما عليه وما هو الصواب من ذلك الذى دل عليه الكتاب والسنة على طريقتنا ~~التي من الله بها وهو مرجو الإعانة والتوفيق فصل # فأما من قال هى في الجنة فاحتج بقوله تعالى {فأما إن كان من المقربين ~~فروح وريحان وجنة نعيم} قال وهذا ذكره سبحانه عقيب ذكر خروجها من البدن ~~بالموت وقسم الأرواح إلى ثلاثة أقسام مقربين وأخبر أنها في جنة النعيم ~~وأصحاب يمين حكم لها بالإسلام وهو يتضمن سلامتها من العذاب ومكذبة ضالة ~~وأخبر أن لها نزلا من حميم وتصلية جحيم قالوا وهذا بعد مفارقتها للبدن قطعا ~~وقد ذكر سبحانه حالها يوم القيامة في أول السورة فذكر حالها بعد الموت وبعد ~~البعث واحتجوا بقوله تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} وقد قال غير واحد من الصحابة والتابعين ~~ان هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا يبشرها الملك بذلك ولا ينافي ذلك قول ~~من قال ان هذا يقال لها في الآخرة فانه يقال لها عند الموت وعند البعث وهذه ~~من البشرى التي قال تعالى {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل ~~عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} ~~وهذا التنزل يكون عند الموت ويكون في القبر ويكون عند البعث وأول بشارة ~~الآخرة عند الموت # وقد تقدم في حديث البراء بن عازب أن الملك يقول لها عند قبضها أبشرى بروح ~~وريحان وهذا من ريحان الجنة # PageV01P093 # واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عبد الرحمن ms109 بن كعب بن ~~مالك أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله قال إنما نسمة ~~المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى حياة يوم يبعثه قال أبو ~~عمر وفي رواية مالك هذه بيان سماع الزهرى لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب ~~بن مالك وكذلك رواه يونس عن الزهرى قال سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك ~~يحدث عن أبيه وكذلك رواه الأوزاعى عن الزهرى حدثنى عبد الرحمن بن كعب وقد ~~أعل محمد بن يحيى الذهلى هذا الحديث بأن شعيب بن أبى حمزة ومحمد بن أخى ~~الزهرى وصالح بن كيسان رووه عن الزهرى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن ~~مالك عن جده كعب فيكون منقطعا وقال صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبد ~~الرحمن انه بلغه أن كعبا بن مالك كان يحدث قال الذهلى وهذا المحفوظ عندنا ~~وهو الذى يشبهه حديث صالح وشعيب وابن أخى الزهرى وخالفه في هذا غيره من ~~الحفاظ فحكموا لمالك والأوزاعى قال أبو عمر فاتفق مالك ويونس بن يزيد ~~والأوزاعى والحارث بن فضيل على رواية هذا الحديث عن الزهرى عن عبد الرحمن ~~ابن كعب بن مالك عن أبيه وصححه الترمذي وغيره # قال أبو عمر ولا وجه عندى لما قاله محمد بن يحيى من ذلك ولا دليل عليه ~~واتفاق مالك ويونس بن زيد والأوزاعى ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب والنفس ~~إلى قولهم وروايتهم أسكن وهم من الحفظ والاتقان بحيث لا يقاس بهم من خالفهم ~~في هذا الحديث انتهى وقد قال محمد الذهلى سمعت على بن المدينى يقول ولد كعب ~~خمسة عبد الله وعبيد الله ومعبد وعبد الرحمن ومحمد قال الذهلى فسمع الزهرى ~~من عبد الله بن كعب وكان قائد أبيه حين عمى وسمع من عبد الرحمن بن عبد الله ~~بن كعب وروى عن بشير بن عبد الرحمن بن كعب ولا أراه سمع منه انتهى فالحديث ~~ان كان لعبد الرحمن عن أبيه كعب كما قال مالك ومن معه ms110 فظاهر وإن كان لعبد ~~الرحمن بن عبد الله بن كعب عن جده كما قال شعيب ومن معه فنهايته أن يكون ~~مرسلا من هذا الطريق وموصولا من الأخرى والذين وصلوه ليسوا بدون الذين ~~أرسلوه قدرا ولا عددا فالحديث من صحاح الأحاديث وإنما لم يخرجه صاحبا ~~الصحيح لهذه العلة والله أعلم # قال أبو عمرو أما قوله نسمة المؤمن فالنسمة ها هنا الروح يدل على ذلك ~~قوله في الحديث نفسه حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه وقيل النسمة الروح ~~والنفس والبدن وأصل هذه اللفظة اعنى النسمة الانسان بعينه وإنما قيل للروح ~~نسمة والله أعلم لأن حياة الانسان بروحه وإذا فارقه عدم أو صار كالمعدوم ~~والدليل على أن النسمة الانسان قوله من أعتق نسمة مؤمنة وقول على رضى الله ~~عنه والذى فلق الحبة وبرأ النسمة وقال الشاعر # فأعظم منك تقى في الحساب ... إذا النسمات نفضن الغبارا # PageV01P094 # يعنى إذا بعث الناس من قبورهم يوم القيامة وقال الخليل بن أحمد النسمة ~~الإنسان قال والنسمة الروح والنسيم هبوب الريح وقوله تعالى في شجر الجنة ~~يروى بفتح اللام وهو الأكثر ويروى بضم اللام والمعنى واحد وهو الأكل والرعى ~~يقول تأكل من ثمار الجنة وتسرح بين أشجارها والعلوقة والعلوق الأكل والرعى ~~تقول العرب ما ذاق اليوم علوقا أى طعاما قال الربيع بن زياد يصف الخيل # ومجنبات ما يذقن علوقة ... يمصعن بالمهرات والأمهار # وقال الأعشى # وفلاة كأنها ظهر ترس ... ليس فيها إلا الرجيع علاق # قلت ومنه قول عائشة والنساء إذ ذاك خفاف لم يغشهن اللحم إنما يأكلن ~~العلقة من الطعام وأصل اللفظة من التعلق وهو ما يعلق القلب والنفس من ~~الغذاء # قال واختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال قائلون منهم أرواح المؤمنين ~~عند الله في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ~~ولا دين وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم # قال واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخص فيه شهيدا من غير شهيد # واحتجوا أيضا بما روى عن أبى هريرة أن أرواح الأبرار في ms111 عليين وأرواح ~~الفجار في سجين وعن عبد الله بن عمرو مثل ذلك قال أبو عمر وهذا قول يعارضه ~~من السنة ما لا مدفع في صحة نقله وهو قوله إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده ~~بالغداة والعشى إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار ~~فمن أهل النار يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة # وقال آخرون إنما معنى هذا الحديث في الشهداء دون غيرهم لأن القرآن والسنة ~~إنما يدلان على ذلك أما القرآن فقوله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله} الآية # وأما الآثار فذكر حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه من طريق بقى بن مخلد ~~مرفوعا الشهداء يغدون ويروحون ثم يكون مأواهم إلى قناديل معلقة بالعرش ~~فيقول لهم الرب تبارك وتعالى هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أكرمتكموها ~~فيقولون لا غير # PageV01P095 # أنا وددنا أنك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى فنقتل في ~~سبيلك رواه عن هناد عن اسماعيل بن المختار عن عطية عنه # ثم ساق حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله لما أصيب إخوانكم ~~يعنى يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ~~ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب مدلاة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ~~ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ~~ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد قال فقال الله عز وجل أنا أبلغهم ~~عنكم فأنزل الله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون} والحديث في مسند أحمد وسنن أبى داود # ثم ذكر حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال سأل عند الله بن ~~مسود رضى الله عنه عن هذه الآية {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} فقال أما ms112 أنا قد سألنا عن ذلك فقال ~~أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في الجنة في ايها شاءت ثم تأوى إلى تلك ~~القناديل فاطلع اليهم ربك إطلاعه فقال هل تشتهون شيئا قالوا وأى شيء نشتهى ~~ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل بهم ذلك ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لم ~~يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل ~~في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا والحديث في صحيح مسلم # قلت وفي صحيح البخارى عن أنس أن أم الربيع بنت البراء وهى أم حارثة بن ~~سراقة أتت النبي فقالت يا نبي الله ألا تحدثنى عن حارثة وكان قتل يود بدر ~~أصابه سهم غرب قان كان في الجنة صبرت وإن كان في غير ذلك اجتهدت عليه في ~~البكاء قال يا أم حارثة إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى # ثم ساق من طريق بقى بن مخلد حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا ابن عيينة عن ~~عبيد الله ابن أبى يزيد سمع ابن عباس يقول أرواح الشهداء تجول في أجواف طير ~~خضر تعلق في تتمر الجنة # ثم ذكر عن معمر عن قتادة قال بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل ~~من ثمار الجنة # ومن طريق أبى عاصم النبيل عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله ~~بن عمرو أرواح الشهداء في طير كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة # PageV01P096 # قال أبو عمر هذه الآثار كلها تدل على أنهم الشهداء دون غيرهم وفي بعضها ~~في صور طير وفي بعضها في أجواف طير وفي بعضها كطير خضر قال والذى يشبه عندى ~~والله أعلم أن يكون القول قول من قال كطير أو صور طير لمطابقته لحديثنا ~~المذكور يريد حديث كعب ابن مالك وقوله فيه نسمة المؤمن كطائر ولم يقل في ~~جوف طائر # قال وروى عيسى بن يونس حديث ابن مسعود عن الأعمش عبد الله بن مرة عن ~~مسروق عن عبد الله كطير ms113 خضر # قلت والذى في صحيح مسلم في أجواف طير خضر # قال أبو عمر فعلى هذا التأويل كأنه قال إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر ~~يعلق في شجر الجنة # قلت لا تنافي بين قوله نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة وبين قوله إن ~~أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى إن كان من أهل الجنة فمن أهل ~~الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار وهذا الخطاب يتناول الميت على ~~فراشه والشهيد كما أن قوله نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة يتناول ~~الشهيد وغيره ومع كونه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشى ترد روحه أنهار ~~الجنة وتأكل من ثمارها # وأما المقعد الخاص به والبيت الذى أعد له فانه إنما يدخله يوم القيامة ~~ويدل عليه أن منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعد الله لهم ليست هي تلك ~~القناديل التي تأوى اليها أرواحهم في البرزخ قطعا فهم يرون منازلهم ~~ومقاعدهم من الجنة ويكون مستقرهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش فان ~~الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة ودخول الأرواح الجنة في البرزخ ~~أمر دون ذلك # ونظير هذا أهل الشقاء تعرض أرواحهم على النار غدوا وعشيا فإذا كان يوم ~~القيامة دخلوا منازلهم ومقاعدهم التي كانوا يعرضون عليها في البرزخ فتنعم ~~الأرواح بالجنة في البرزخ شيء وتنعمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر ~~فغذاه الروح من الجنة في البرزخ دون غذائها مع بدنها يوم البعث ولهذا قال ~~تعلق في شجر الجنة أى تأكل العلقة وقام الأكل والشرب واللبس والتمتع فإنما ~~يكون إذا ردت إلى أجسادها يوم القيامة فظهر أنه لا يعارض هذا القول من ~~السنن شيء وإنما تعاضده السنة وتوافقه # وأما قول من قال إن حديث كعب في الشهداء دون غيرهم فتخصيص ليس في اللفظ ~~ما يدل عليه وهو حمل اللفظ العام على أقل مسمياته فإن الشهداء بالنسبة إلى ~~عموم المؤمنين # PageV01P097 # قليل جدا والنبي علق هذا الجزاء بوصف الإيمان فهو المقتضى له ولم يعلقه ~~بوصف الشهادة ألا ترى أن الحكم الذى ms114 اختص بالشهداء علق بوصف الشهادة كقوله ~~في حديث المقدام بن معد يكرب للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفقة ~~من دمه ويرى مقعده من الجنة ويحلى حلة الإيمان ويزوج من الحور العين ويجار ~~من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة ~~منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع في ~~سبعين إنسانا من أقاربه فلما كان هذا يختص بالشهيد قال إن للشهيد ولم يقل ~~إن للمؤمن وكذلك قوله في حديث قيس الجذامى يعطى الشهيد ست خصال وكذلك سائر ~~الأحاديث والنصوص التي علق فيها الجزاء بالشهادة # وأما ما علق فيه الجزاء بالإيمان فإنه يتناول كل مؤمن شهيدا كان أو غير ~~شهيد # واما النصوص والآثار التي ذكر في رزق الشهداء وكون أرواحهم في الجنة ~~فكلها حق وهي لا تدل على انتفاء دخول أرواح المؤمنين الجنة ولا سيما ~~الصديقين الذين هم أفضل من الشهداء بلا نزاع بين الناس فيقال لهؤلاء ما ~~تقولون في أرواح الصديقين هل هى في الجنة أم لا # فإن قالوا أنها في الجنة ولا يسوغ لهم غير هذا القول فثبت أن هذه النصوص ~~لا تدل على اختصاص أرواح الشهداء بذلك وإن قالوا ليست في الجنة لزمهم من ~~ذلك أن تكون أرواح سادات الصحابة كابى بكر الصديق وأبى بن كعب وعبد الله بن ~~مسعود وأبى الدرداء وحذيفة بن اليمان وأشباههم رضى الله عنهم ليست في الجنة ~~وأرواح شهداء زماننا في الجنة وهذا معلوم البطلان ضرورة # فإن قيل فإن كان هذا حكم يختص بالشهداء فما الموجب لتخصيصهم بالذكر في ~~هذه النصوص قلت التنبيه على فضل الشهادة وعلو درجتها وأن هذا مضمون لأهلها ~~ولا بد وأن لهم منها أوفر نصيب فنصيبهم من هذا النعيم في البرزخ أكمل من ~~نصيب غيرهم من الأموات على فراشهم وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة منهم ~~فله نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه # ويدل على هذا أن الله سبحانه جعل أرواح ms115 الشهداء في أجواف اطير خضر فإنهم ~~لما بذلوا أنفسهم لله حتى أتلفها أعداؤه فيه أعاضهم منها في البرزخ أبدانا ~~خيرا منها تكون فيها إلى يوم القيامة ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل ~~من نعيم الأرواح المجردة عنها ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير ~~ونسمة الشهيد في جوف طير وتأمل لفظ الحديثين فانه قال نسمة المؤمن طير فهذا ~~يعم الشهيد وغيره ثم خص للشهيد بأن قال # PageV01P098 # هي في جوف طير ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير ~~فصلوات الله وسلامه على من يصدق كلامه بعضه بعضا ويدل على أنه حق من عند ~~الله وهذا الجمع أحسن من جمع أبى عمر وترجيحه رواية من روى أرواحهم كطير ~~خضر بل الروايتان حق وصواب فهي كطير خضر وفي أجواف طير خضر ### | فصل وأما قول مجاهد ليس هي في الجنة ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون # ريحها فقد يحتج لهذا القول بما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن ~~اسحق عن عاصم بن عمر عن محمود ابن لبيد عن ابن عباس قال قال رسول الشهداء ~~على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة ~~وعشية # وهذا لا ينافي كونهم في الجنة فإن ذلك النهر من الجنة ورزقهم يخرج عليهم ~~من الجنة فهم في الجنة وإن لم يصيروا إلى مقاعدهم منها فمجاهد نفي الدخول ~~الكامل من كل وجه والتعبير يقصر عن الإحاطة بتمييز هذا وأكمل العبارة ادلها ~~على المراد عبارة رسول الله ثم عبارة أصحابه وكلما نزلت رأيت الشفاء والهدى ~~والنور وكلما نزلت رأيت الحيرة والدعاوى والقول بلا علم # قال أبو عبد الله بن منده وروى موسى بن عبيدة عن عبد الله بن يزيد عن أم ~~كبشة بنت المعرور قالت دخل علينا رسول الله فسألناه عن هذه الأرواح فوصفها ~~صفة أبكى أهل البيت فقال إن أرواح المؤمنين في حواصل الطير خضر ترعى في ~~الجنة وتأكل من ثمارها وتشرب من مائها وتأوى إلى قناديل من ms116 ذهب تحت العرش ~~يقولون ربنا ألحق بنا إخواننا وآتنا ما وعدتنا وان أرواح الكفار في حواصل ~~طير سود تأكل من النار وتشرب من النار وتأوى إلى جحر في النار يقولون ربنا ~~لا تلحق بنا إخواننا ولا تؤتنا ما وعدتنا # وقال الطبراني حدثنا أبو زرعة الدمشقي حدثنا عبد الله بن صالح حدثني ~~معاوية ابن صالح عن ضمرة بن حبيب قال سئل النبي عن أرواح المؤمنين فقال في ~~طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت قالوا يا رسول الله وأرواح الكفار قال ~~محبوسة في سجين رواه أبو الشيخ عن هشام بن يونس عن عبد لله بن صالح ورواه ~~أبو المغيرة عن أبى بكر بن أبى مريم عن ضمرة بن حبيب # وذكر أبو عبد الله بن منده من حديث غنجار عن الثورى عن ثور بن يزيد عن # PageV01P099 # خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله أرواح المؤمنين في ~~طير خضر كالزرازير تأكل من ثمر الجنة ورواه غيره موقوفا # وذكر يزيد الرقاشي عن أنس وأبو عبد الله الشامي عن تميم الدارى عن النبي ~~إذا عرج ملك الموت بروح المؤمن إلى السماء استقبله جبرائيل في سبعين ألفا ~~من الملائكة كل منهم يأتيه ببشارة من السماء سوى بشارة صاحبه فإذا انتهي به ~~إلى العرش خر ساجدا فيقول الله عز وجل لملك الموت انطلق بروح عبدى فضعه في ~~سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب رواه بكر بن خنيس عن ضرار بن ~~عمرو عن يزيد وأبى عبد الله ### | فصل وأما قول من قال الأرواح على أفنية قبورها فان أراد أن هذا # أمر لازم لها لا تفارق أفنية القبور أبدا فهذا خطأ ترده نصوص الكتاب ~~والسنة من وجوه كثيرة قد ذكرنا بعضها وسنذكر منها ما لم نذكره إن شاء الله # وإن أراد أنها تكون على أفنية القبور وقتا أولها إشراف على قبورها وهي في ~~مقرها فهذا حق ولكن لا يقال مستقرها أفنية القبور # وقد ذهب إلى هذا المذهب جماعة منهم أبو عمر بن ms117 عبد البر قال في كتابه في ~~شرح حديث ابن عمر إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى وقد ~~استبدل به من ذهب إلى ان الأرواح على أفنية القبور وهو أصح ما ذهب إليه في ~~ذلك من طريق الأثر ألا ترى أن الأحاديث الدالة على ذلك ثابتة متواترة وكذلك ~~أحاديث السلام على القبور # قلت يريد الأحاديث المتواترة مثل حديث ابن عمر هذا ومثل حديث البراء ابن ~~عازب الذي تقدم وفيه هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ومثل حديث أنس ~~أن للعبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه انه ليسمع قرع نعالهم وفيه أنه ~~يرى مقعده من الجنة والنار وأنه يفسح للمؤمن في قبره سبعين ذراعا ويضيق على ~~الكافر ومثل حديث جابر إن هذه الأمة تبلى في قبورها فإذا دخل المؤمن من ~~قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملك الحديث وأنه يرى مقعده من الجنة فيقول ~~دعوني أبشر أهلي فيقال له أسكن فهذا مقعدك أبدا ومثل سائر أحاديث عذاب ~~القبر ونعيمه التي تقدمت ومثل أحاديث السلام على أهل القبور وخطابهم ~~ومعرفتهم بزيارة الأحياء لهم وقد تقدم ذكر ذلك كله # وهذا القول ترده السنة الصحيحة والآثار التي لا مدفع لها وقد تقدم ذكرها ~~وكل ما ذكره # PageV01P100 # من الأدلة فهو يتناول الأرواح التي هي في الجنة بالنص وفي الرفيق الأعلى ~~وقد بينا أن عرض مقعد الميت عليه من الجنة والنار لا يدل على أن الروح في ~~القبر ولا على فنائه دائما من جميع الوجوه بل لها إشراف واتصال بالقبر ~~وفنائه وذلك القدر منها يعرض عليه مقعده فإن الروح شأنا آخر تكون في الرفيق ~~الأعلى في أعلى عليين ولها اتصال بالبدن بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد ~~الله عليه روحه فيرد عليه السلام وهي في الملأ الأعلى وإنما يغلط أكثر ~~الناس في هذا الموضع حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي ~~إذا شغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره وهذا غلط محض بل الروح تكون فوق ms118 ~~السموات في أعلى عليين وترد إلى القبر فترد السلام وتعلم بالمسلم وهي في ~~مكانها هناك وروح رسول الله في الرفيق الأعلى دائما ويردها الله سبحانه إلى ~~القبر فترد السلام على من سلم عليه وتسمع كلامه وقد رأى رسول الله موسى ~~قائما يصلى في قبر ورآه في السماء السادسة والسابعة فإما أن تكون سريعة ~~الحركة والانتقال كلمح البصر وإما أن يكون المتصل منها بالقبر وفنائه ~~بمنزلة شعاع الشمس وجرمها في السماء وقد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخترق ~~السبع الطباق وتسجد لله بين يدي العرش ثم ترد إلى جسده في أيسر زمان وكذلك ~~روح الميت تصعد بها الملائكة حتى تجاوز السموات السبع وتقف بين يدي الله ~~فتسجد له ويقضى فيها قضاء ويريها الملك ما أعد الله لها في الجنة ثم تهبط ~~فتشهد غسله وحمله ودفنه وقد تقدم في حديث البراء بن عازب أن النفس يصعد بها ~~حتى توقف بين يدي الله فيقول تعالى اكتبوا كتاب عبدى في عليين ثم أعيدوه ~~إلى الأرض فيعاد إلى القبر وذلك في مقدار تجهيزه وتكفينه فقد صرح به في ~~حديث ابن عباس حيث قال فيهبطون على قدر فراغه من غسله وأكفانه فيدخلون ذلك ~~الروح بين جسده وأكفانه # وقد ذكر أبو عبد الله بن منده من حديث عيسى بن عبد الرحمن حدثنا ابن شهاب ~~حدثنا عامر بن سعد عن إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه قال أردت مالي ~~بالغابة فأدركنى الليل فأويت إلى قبر عبد الله بن عمر بن حرام فسمعت قراءة ~~من القبر ما سمعت أحسن منها فجئت إلى رسول الله فذكرت ذلك له فقال ذلك عبد ~~الله ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت ثم ~~علقها وسط الجنة فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم فلا يزال كذلك حتى إذا ~~طلع الفجر ردت أرواحهم إلى مكانهم الذي كانت به # ففي هذا الحديث بيان سرعة انتقال أرواحهم من العرش إلى الثرى ثم انتقالها ~~من الثرى إلى مكانها ولهذا قال ms119 مالك وغيره من الأئمة أن الروح مرسلة تذهب ~~حيث شاءت وما # PageV01P101 # يراه الناس من أرواح الموتى ومجيئهم إليهم من المكان البعيد أمر يعلمه ~~عامة الناس ولا يشكون فيه والله أعلم # وأما السلام على أهل القبور وخطابهم فلا يدل على أن أرواحهم ليست في ~~الجنة وأنها على أفنية القبور فهذا سيد ولد آدم الذي روحه في أعلى عليين مع ~~الرفيق الأعلى عند قبره ويرد سلام المسلم عليه وقد وافق أبو عمر رحمه الله ~~على أن أرواح الشهداء في الجنة ويسلم عليهم عند قبورهم كما يسلم على غيرهم ~~كما علمنا النبي أن نسلم عليهم وكما كان الصحابة يسلمون على شهداء أحد وقد ~~ثبت أن أرواحهم في الجنة تسرح حيث شاءت كما تقدم ولا يضيق عقلك عن كون ~~الروح في الملأ الأعلى تسرح في الجنة حيث شاءت وتسمع سلام المسلم عليها عند ~~قبرها وتدنو حتى ترد عليه السلام وللروح شأن آخر غير شأن البدن وهذا جبريل ~~صلوات الله وسلامه عليه رآه النبي وله ستمائة جناح منها جناحان قد سد بهما ~~ما بين المشرق والمغرب وكان من النبي حتى يضع ركبتيه بين ركبتيه ويديه على ~~فخذيه وما أظنك يتسع بظنك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السموات حيث ~~هو مستقره وقد دنا من النبي هذا الدنو فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له ~~وأهلت لمعرفته ومن لم يتسع بطانة لهذا فهو أضيق أن يتسع للإيمان بالنزول ~~الإلهي إلى سماء الدنيا كل ليلة وهو فوق سماواته على عرشه لا يكون فوقه شيء ~~البتة بل هو العالي على كل شيء وعلوه من لوازم ذاته وكذلك دنوه عشية عرفة ~~من أهل الموقف وكذلك مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه وإشراق الأرض بنوره ~~وكذلك مجيئه إلى الأرض حين دحاها وسواها ومدها وبسطها وهيأها لما يراد منها ~~وكذلك مجيئه يوم القيامة حين يقبض من عليها ولا يبقى بها أحد كما قال النبي ~~فأصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد هذا وهو فوق سماواته على عرشه ### | فصل ومما ms120 ينبغي أن يعلم أن ما ذكرنا من شأن الروح يختلف بحسب # حال الأرواح من القوة والضعف والكبر والصغر فللروح العظيمة الكبيرة من ~~ذلك ما ليس لمن هو دونها وأنت ترى أحكام الأرواح في الدنيا كيف تتفاوت أعظم ~~تفاوت بحسب تفارق الأرواح في كيفياتها وقواها وإبطائها وإسراعها والمعاونة ~~لها فللروح المطلقة من أسر البدن وعلائقه وعوائقه من التصرف والقوة والنفاذ ~~والهمة وسرعة الصعود إلى الله والتعلق بالله ما ليس للروح المهينة المحبوسة ~~في علائق البدن وعوائقه فذا كان هذا وهي محبوسة في بدنها فكيف إذا تجردت # PageV01P102 # وفارقته واجتمعت فيها قواها وكانت في أصل شأنها روحا علية زكيه كبيرة ذات ~~همة عالية فهذه لها بعد مفارقة البدن شأن آخر وفعل آخر # وقد تواترت الرؤيا في أصناف بنى آدم على فعل الأرواح بعد موتها ما لا ~~تقدر على مثله حال اتصالها بالبدن من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد ~~والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك وكم قد رئى النبي ومعه أبو بكر وعمر في ~~النوم قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع ~~كثرة عددهم وعددهم وضعف المؤمنين وقلتهم # ومن العجب أن أرواح المؤمنين المتحابين المتعارفين تتلاقى وبينها أعظم ~~مسافة وأبعدها فتتألم وتتعارف فيعرف بعضها بعضا كأنه جليسه وعشيرة فإذا رآه ~~طابق ذلك ما كان عرفته روحه قبل رؤيته # قال عبد الله بن عمرو ان أرواح المؤمنين تتلاقى على مسيرة يوم وما أرى ~~أحدهما صاحبه قط ورفعه بعضهم إلى النبي # وقال عكرمة ومجاهد إذا نام الإنسان فان له سببا يجرى فيه الروح وأصله في ~~الجسد فتبلغ حيث شاء الله ما دام ذاهبا فالإنسان نائم فإذا رجع إلى البدن ~~انتبه الإنسان وكان بمنزلة شعاع الشمس الذي هو ساقط بالأرض فأصله متصل ~~بالشمس وقد ذكر أبو عبد الله بن منده عن بعض أهل العلم أنه قال إن الروح ~~يمتد من منخر الإنسان ومركبه وأصله في بدنه فلو خرج الروح بالكلية لمات كما ~~أن السراج لو فرق بينه وبين الفتيلة ألا ترى أن مركب النار في ms121 الفتيلة ~~وضؤوها وشعاعها يملأ البيت فكذلك الروح تمتد من منخر الإنسان في منامه حتى ~~تأتى السماء وتجول في البلدان وتلتقي مع أرواح الموتى فإذا أراه الملك ~~الموكل بأرواح العباد ما أحب أن يريه وكان المرئي في اليقظة عاقلا ذكيا ~~صدوقا لا يلتفت في يقظته إلى شيء من الباطل رجع إليه روحه فأدى إلى قلبه ~~الصدق مما أراه الله عز وجل على حسب خلقه وإن كان خفيفا نزقا يحب الباطل ~~والنظر إليه فإذا نام وأراه الله أمرا من خيرا وشر رجعت روحه إليه فحيث ما ~~رأي شيئا من مخاريق الشيطان أو الباطل وقفت روحه عليه كما تقف في يقظته ~~فكذلك لا يؤدى إلى قلبه فلا يعقل ما رأي لأنه خلط الحق بالباطل فلا يمكن ~~معبر أن يعبر له وقد خلط الحق بالباطل # PageV01P103 # وهذا من أحسن الكلام وهو دليل على معرفة قائله وبصيرته بالأرواح وأحكامها # وأنت ترى الرجل يسمع العلم والحكمة وما هو أنفع شيء له ثم يمر بباطل ولهو ~~من غناء أو شبهة أو زور أو غيره فيصغي إليه ويفتح له قلبه حتى يتأدى إليه ~~فيتخبط عليه ذلك الذي سمعه من العلم والحكمة ويلتبس عليه الحق بالباطل ~~فهكذا شأن الأرواح عند النوم وأما بعد المفارقة فإنها تعذب بتلك الاعتقادات ~~والشه الباطلة التي كانت حظها حال اتصالها بالبدن وينضاف إلى ذلك عذابها ~~بتلك الإرادات والشهوات التي حيل بينها وبينها وينضاف إلى ذلك عذاب آخر ~~ينشئه الله لها ولبدنها من الأعمال التي اشتركت معه فيها وهذه هي المعيشة ~~الضنك في البرزخ والزاد الذي تزود به إليه # والروح الزكيه العلوية المحقة التي لا تحب الباطل ولا تألفه بضد ذلك كله ~~تنعم بتلك الاعتقادات الصحيحة والعلوم والمعارف التي تلقتها من مشكاة ~~النبوة وتلك الإرادات والهمم الزكية وينشئ الله سبحانه لها من أعمالها ~~نعيما ينعمها به في البرزخ فتصير لها روضة من رياض الجنة ولتلك حفرة من حفر ~~النار ### | فصل وأما قول من قال أرواح المؤمنين عند الله تعالى ولم يزد على # ذلك فانه تأدب مع ms122 لفظ القرآن حيث يقول الله عز وجل {بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون} # وقد احتج أرباب هذا القول بحجج منها ما رواه محمد بن إسحاق الصغانى حدثنا ~~يحيى بن أبى بكير حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبى ذئب عن محمد بن عمرو بن ~~عطاء عن سعيد بن يسار عن أبى هريرة عن النبي قال إن الميت إذا خرجت نفسه ~~يعرج بها إلى السماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل وإذا ~~كان الرجل السوء يعرج بها إلى السماء فانه لا يفتح لها أبواب السماء فترسل ~~من السماء فتصير إلى القبر # وهذا إسناد لا تسأل عن صحته وهو في مسنده أحمد وغيره # وقال أبو داود الطيالسى حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبى وائل ~~عن موسى الأشعري قال تخرج روح المؤمن أطيب من ريح المسك فتنطلق بها ~~الملائكة من دون السماء فيقولون ما هذا فيقولون هذا فلان ابن فلان كان يعمل ~~كيت وكيت لمحاسن عمله فيقولون مرحبا بكم وبه فيقبضونها منهم فيصعد بها من ~~الباب الذي كأن يصعد منه عمله فتشرق في السموات ولها برهان برهان كبرهان ~~الشمس حتى ينتهي إلى العرش وأما الكافر فإذا قبض انطلق بروحه فيقولون ما ~~هذا فيقولون هذا فلان ابن فلان كان يعمل كيت وكيت لمساوى عمله فيقولون لا ~~مرحبا لا مرحبا ردوه فيرد إلى أسفل الأرض إلى الثرى # PageV01P104 # وقال الملكي بن إبراهيم عن داود بن يزيد الأودى قال أراه عن عامر الشعبي ~~عن حذيفة ابن اليمان أنه قال الأرواح موقوفة عند الرحمن عز وجل تنتظر موعده ~~حتى ينفخ فيها # وذكر سفيان بن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه أنه دخل ابن عمر المسجد بعد ~~قتل ابن الزبير وهو مصلوب فأتى أسماء يعزيها فقال لها عليك بتقوى الله ~~والصبر فان هذه الجثث ليست بشيء وإنما الأرواح عند الله فقالت وما يمنعني ~~من الصبر وقد أهدى رأس يحيى ابن زكريا إلى بغى من بغايا بنى إسرائيل # وذكر جرير عن الأعمش ms123 عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال كنا جلوسا إلى ~~كعب والربيع بن خيثم وخالد بن عرعرة في أناس فجاء ابن عباس فقال هذا ابن عم ~~نبيكم قال فأوسع له فجلس فقال يا كعب كل ما في القرآن قد عرفت غير أربعة ~~أشياء فأخبرني عنهن ما سجين وما عليون وما سدرة المنتهي وما قول الله ~~لإدريس {ورفعناه مكانا عليا} قال أما عليون فالسماء السابعة فيها أرواح ~~المؤمنين وأما سجين فالأرض السابعة السفلى وأرواح الكفار تحت جسد إبليس ~~وأما قول الله سبحانه لإدريس {ورفعناه مكانا عليا} فأوحى الله إليه أنى ~~رافع لك كل يوم مثل أعمال بنى آدم وكلم صديقا له من الملائكة أن يكلم له ~~ملك الموت فيؤخره حتى يزداد عملا فحمله بين جناحيه فعرج به حتى إذا كان في ~~السماء الرابعة لقيه ملك الموت فكلمه في حاجته فقال وأين هو قال هو ذا بين ~~جناحي قال فالعجب أنى أمرت أن أقبض روحه في السماء الرابعة فقبض روحه وأما ~~سدرة المنتهي فإنها سدرة على رؤوس حملة العرش ينتهي إليها علم الخلائق ثم ~~ليس لأحد وراءها علم فلذلك سميت سدرة المنتهي # قال ابن منده ورواه وهب بن جرير عن أبيه ورواه يعقوب القمى عن شمر ورواه ~~خالد بن عبد الله عن العوام بن حوشب عن القاسم بن عوف عن الربيع بن خيثم ~~قال كنا جلوسا عند كعب فذكره # وذكر يعلى بن عبيد عن الأجلح عن الضحاك قال إذا قبض روح العبد المؤمن عرج ~~به إلى السماء الدنيا فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية ثم الثالثة ~~ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة حتى ينتهي به إلى سدرة ~~المنتهي قلت للضحاك لم سميت سدرة المنتهي إليها كل شيء من أمر الله عز وجل ~~لا يعدوها فيقول ربى عبدك فلان وهو أعلم به منهم فيبعث الله إليه بصك مختوم ~~يؤمنه من العذاب وذلك قوله تعالى كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ~~ما علييون كتاب مرقوم يشهده المقربون وهذا ms124 القول لا ينافي قول من قال # PageV01P105 # هم في الجنة فإن الجنة عند سدرة المنتهي والجنة عند الله وكأن قائله رأي ~~أن هذه العبارة أسلم وأوفق وقد أخبر الله سبحانه أن أرواح الشهداء عنده ~~وأخبر النبي أنها تسرح في اللجنة حيث شاءت ### | فصل وأما قول من قال إن أرواح المؤمنين بالجابية وأرواح الكفار # بحضرموت ببرهوت فقال أبو محمد بن حزم هذا من قول الرافضة وليس كما قال بل ~~قد قاله جماعة من أهل السنة # وقال أبو عبد الله بن منده وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين أن أرواح ~~المؤمنين بالجابية ثم قال أخبرنا محمد بن محمد بن يونس حدثنا احمد بن عاصم ~~حدثنا أبو داود سليمان ابن داود حدثنا همام حدثني قتادة حدثني رجل عن سعيد ~~بن المسيب عن عبد الله بن عمرو وأنه قال إن أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية ~~وان أرواح الكفار تجتمع في سبخة بحضرموت يقال لها برهوت # ثم ساق من طريق حماد بن سلمة عن عبد الجليل بن عطية عن شهر بن حوشب أن ~~كعبا رأى عبد الله بن عمرو وقد تكلب الناس عليه يسألونه فقال لرجل سله أين ~~أرواح المؤمنين وأرواح الكفار فسأله فقال أرواح المؤمنين بالجابية وأرواح ~~الكفار ببرهوت # قال ابن منده ورواه أبو داود وغيره عن عبد الجليل ثم ساق من حديث سفيان ~~عن فرات القزاز عن أبى الطفيل عن على قال خير بئر في الأرض زمزم وشر بئر في ~~الأرض برهوت في حضرموت وخير واد في الأرض وادي مكة والوادي الذي أهبط فيه ~~آدم بالهند منه طيبكم وشر واد في الأرض الأحقاف وهو في حضرموت ترده أرواح ~~الكفار # قال ابن منده وروى حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن ~~عباس عن على أبغض بقعة في الأرض واد بحضرموت يقال له برهوت فيه أرواح ~~الكفار وفيه بئر ماؤها بالنهار أسود كأنه قيح تأوي إليه الهوام # ثم ساق من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا على بن عبد الله حدثنا ms125 ~~سفيان حدثنا إبان بن تغلب قال قال رجل بت فيه يعنى وادي برهوت فكأنما حشرت ~~فيه أصوات الناس وهم يقولون يا دومه يا دومه قال إبان فحدثنا رجل من أهل ~~الكتاب أن دومة هو الملك الذي على أرواح الكفار # PageV01P106 # وقال سفيان وسألنا الحضرميين فقالوا لا يستطيع أحد أن يبيت فيه بالليل # فهذا جملة ما علمته في هذا القول فإن أراد عبد الله بن عمرو بالجابية ~~التمثيل والتشبيه وأنها تجمع في مكان فسيح يشبه الجابيه لسعته وطيب هوائه ~~فهذا قريب وإن أراد نفس الجابية دون سائر الأرض فهذا لا يعلم إلا بالتوقيت ~~ولعله مما تلقاه عن بعض أهل الكتاب ### | فصل وأما قول من قال إنها تجتمع في الأرض التي قال الله فيها # {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} فهذا ~~إن كان قاله تفسير الآية فليس هو تفسيرا لها # وقد اختلف الناس في الأرض المذكورة هنا فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس هي ~~أرض الجنة وهذا قول أكثر المفسرين وعن ابن عباس قول آخر أنها الدنيا التي ~~فتحها الله على أمة محمد وهذا القول هو الصحيح ونظيره قوله تعالى في سروة ~~النور {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم} وفي الصحيح عن النبي قال زويت لي الأرض مشارقها ~~ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها # وقالت طائفة من المفسرين المراد بذلك أرض بيت المقدس # وهي من الأرض التي أورثها الله عباده الصالحين وليست الآية مختصة بها ### | فصل وأما قول من قال إن أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة # وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة فهذا قول قد قاله جماعة من السلف ~~والخلف ويدل عليه قول النبي اللهم الرفيق الأعلى وقد تقدم حديث أبى هريرة ~~أن الميت إذا خرجت روحه عر ج بها إلى السماء حتى ينتهي بها إلى السماء ~~السابعة التي فيها الله عز وجل وتقدم قول أبى موسى أنها تصعد حتى تنتهي إلى ms126 ~~العرش وقول حذيفة أنها موقوفة عند الرحمن وقول عبد الله بن عمر إن هذه ~~الأرواح عند الله وتقدم قول النبي أن أرواح الشهداء تأوي إلى قناديل تحت ~~العرش وتقدم حديث البراء بن عازب أنها تصعد من سماء إلى سماء ويشيعها من كل ~~سماء مقربوها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة وفي لفظ إلى السماء التي ~~فيها الله عز وجل # ولكن هذا لا يدل على استقرارها هناك بل يصعد بها إلى هناك للعرض على ربها ~~فيقضى فيها أمره ويكتب كتابه من أهل عليين أو من أهل سجين ثم تعود إلى ~~القبر للمسألة ثم ترجع إلى مقرها التي أودعت فيه فأرواح المؤمنين في عليين ~~بحسب منازلهم وأرواح الكفار في سجين بحسب منازلهم # PageV01P107 ### | فصل وأما قول من قال إن أرواح المؤمنين تجتمع ببئر زمزم فلا دليل # على هذا القول من كتاب ولا سنة يجب التسليم لها ولا قول صاحب يوثق به ~~وليس بصحيح فإن تلك البئر لا تسع أرواح المؤمنين جميعهم وهو مخالف لما ثبت ~~به السنة الصريحة من أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة # وبالجملة فهذا من أبطل الأقوال وأفسدها وهو أفسد من قول من قال أنها ~~بالجابية فإن ذلك مكان متسع فضاء بخلاف البئر الضيقة ### | فصل وأما قول من قال إن أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب # حيث شاءت فهذا مروى عن سلمان الفارسي والبرزخ هو الحاجز بين شيئين وكأن ~~سلمان أراد بها في أرض بين الدنيا والآخرة مرسلة هناك تذهب حيث شاءت وهذا ~~قول قوى فإنها قد فارقت الدنيا ولم تلج الآخرة بل هي في برزخ بينهما فأرواح ~~المؤمنين في برزخ واسع فيه الروح والريحان والنعيم وأرواح الكفار في برزخ ~~ضيق فيه الغم والعذاب قال تعالى {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} فالبرزخ ~~هنا ما بين الدنيا والآخرة وأصله الحاجز بين الشيئين ### | فصل وأما قول من قال إن أرواح المؤمنين عن يمين آدم وأرواح الكفار # عن يساره فلعمر والله لقد قال قولا يؤيده الحديث الصحيح وهو حديث ms127 الإسراء ~~فان النبي رآهم كذلك ولكن لا يدل على تعادلهم في اليمين والشمال بل يكون ~~هؤلاء عن يمينه في العلو والسعة وهؤلاء عن يساره في السفل والسجن # وقد قال أبو محمد بن حزم ان ذلك البرزخ الذي رآه فيه رسول الله ليلة أسرى ~~به عند سماء الدنيا قال وذلك عند منقطع العناصر قال وهذا يدل على أنها عنده ~~تحت السماء حيث تنقطع العناصر وهي الماء والتراب والنار والهواء # وهو دائما يشنع على من قال قولا لا دليل عليه فأي دليل له على هذا القول ~~من كتاب وسنة وسيأتي إشباع الكلام على قوله إذا انتهينا إليه إن شاء الله ~~تعالى # فإن قيل فإذا كانت أرواح أهل السعاده عن يمين آدم وآدم في السماء الدنيا ~~وقد ثبت أن # PageV01P108 # أرواح الشهداء في ظل العرش والعرش فوق السماء السابعة فكيف تكون عن يمينه ~~وكيف يراها النبي هناك في السماء الدنيا فالجواب من وجوه # أحدها أنه لا يمتنع كونها عن يمينه في جهة العلو كما كانت أرواح الأشقياء ~~عن يساره في جهة السفل # الثاني أنه غير ممتنع أن تعرض على النبي في سماء الدنيا وإن كان مستقرها ~~فوق ذلك # الثالث أنه لم يخبر أنه رأى أرواح السعداء جميعا هناك بل قال فإذا عن ~~يمينه أسودة وعن يساره أسودة ومعلوم قطعا أن روح إبراهيم وموسى فوق ذلك في ~~السماء السادسة والسابعة وكذلك الرفيق الأعلى أرواحهم فوق ذلك وأرواح ~~السعداء بعضها أعلى من بعض بحسب منازلهم كما أن أرواح الأشياء بعضها أسفل ~~من بعض بحسب منازلهم والله أعلم ### | فصل وأما قول أبى محمد بن حزم أن مستقرها حيث كانت قبل خلق # أجسادها فهذا بناء منه على مذهبه الذي اختاره وهو أن الأرواح مخلوقة قبل ~~الأجساد وهذا فيه قولان للناس وجمهورهم على أن الأرواح خلقت بعد الأجساد ~~والذين قالوا أنها خلقت قبل الأجساد ليس معهم على ذلك دليل من كتاب ولا سنة ~~ولا إجماع إلا ما فهموه من نصوص لا تدل على ذلك أو أحاديث لا تصح كما ms128 احتج ~~به أبو محمد بن حزم من قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} الآية وبقوله تعالى ~~{ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا} قال فصح أن ~~الله خلق الأرواح جملة وهي الأنفس وكذلك أخبر عليه السلام أن الأرواح جنود ~~مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف قال وأخذ عز وجل عهدها ~~وشهادتها وهي مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم وقبل ~~أن يدخلها في الأجساد والأجساد يومئذ تراب وقال لأن الله تعالى خلق ذلك ~~بلفظة ثم التى توجب التعقيب والمهلة ثم أقرها سبحانه وتعالى حيث شاء وهو ~~البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت # وسنذكر ما في هذا الاستدلال عند جواب سؤال السائل عن الأرواح هي مخلوقة ~~مع الأبدان أم قبلها إذ الغرض هنا الكلام على مستقر الأرواح بعد الموت ~~وقوله أنها تستقر في البرزخ الذي كانت فيه قبل خلق الأجساد مبنى على هذا ~~الاعتقاد الذي اعتقده # PageV01P109 # وقوله أن أرواح السعداء عن يمين آدم وأرواح الكفار الأشقياء عن يساره حق ~~كما أخبر به النبي وقوله إن ذلك عند منقطع العناصر لا دليل عليه من كتاب ~~ولا سنة ولا يشبه أقوال أهل الإسلام والأحاديث الصحيحة تدل على أن الأرواح ~~فوق العناصر في الجنة عند الله وأدلة القرآن تدل على ذلك وقد وافق أبو محمد ~~على أن أرواح الشهداء في الجنة ومعلوم أن الصديقين أفضل منهم فكيف تكون روح ~~أبى بكر الصديق وعبد الله بن مسعود وأبى الدرداء وحذيفة بن اليمان وأشباههم ~~رضى الله عنهم عند منقطع العناصر وذلك تحت هذا الفلك الأدنى وتحت السماء ~~الدنيا وتكون أرواح شهداء زماننا وغيرهم فوق العناصر وفوق السموات # وأما قوله قد ذكر محمد بن نصر المروزى عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا ~~الذي قلنا بعينه قال وعلى هذا جميع أهل العلم وهو قول جميع أهل الإسلام # قلت محمد بن نصر المروزى ذكر في كتاب الرد ms129 على ابن قتيبة في تفسير قوله ~~تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم} الآثار التي ذكرها السلف من استخراج ذرية آدم من صلبه ثم أخذ ~~الميثاق عليهم وردهم في صلبه وأنه أخرجهم مثل الذر وأنه سبحانه قسمهم إذ ~~ذاك إلى شقي وسعيد وكتب آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وما يصيبهم من خير وشر ثم ~~قال قال إسحاق أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد استنطقهم {وأشهدهم ~~على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل} هذا نص كلامه وهو كما ترى ~~لا يدل على أن مستقر الأرواح ما ذكر أبو محمد حيث تنقطع العناصر بوجه من ~~الوجوه بل ولا يدل على أن الأرواح كائنة قبل خلق الأجساد بل إنما يدل على ~~أنه سبحانه أخرجها حينئذ فخاطبها ثم ردها إلى صلب آدم وهذا القول وإن كان ~~قد قاله جماعة من السلف والخلف فالقول الصحيح غيره كما ستقف عليه إن شاء ~~الله إذ ليس الغرض في جواب هذه المسألة الكلام في الأرواح هل هي مخلوقة قبل ~~الأجساد أم لا حتى لو سلم لأبى محمد هذا كله لم يكن فيه دليل على أن ~~مستقرها حيث تنقطع العناصر ولا أن ذلك الموضع كان مستقرها أولا ### | فصل وأما قول من قال مستقرها العدم المحض فهذا قول من قال إنها # عرض من أعراض البدن وهو الحياة وهذا قول ابن الباقلانى ومن تبعه وكذلك ~~قال أبو الهذيل العلاف النفس عرض من الأعراض ولم يعينه بأنه الحياة كما ~~عينه ابن الباقلانى ثم قال هي عرض كسائر أعراض الجسم # PageV01P110 # وهؤلاء عندهم أن الجسم إذا مات عدمت روحه كما تقدم وسائر أعراضه المشروطة ~~بالحياة ومن يقول منهم أن العرض لا يبقى زمانين كما يقوله أكثر الأشعرية ~~فمن قولهم إن روح الإنسان الآن هي غير روحه قبل وهو لا ينفك يحدث له روح ثم ~~تغير ثم روح ثم تغير هكذا أبدا ms130 فيبدل له ألف روح فأكثر في مقدار ساعة من ~~الزمان فما دونها فإذا مات فلا روح تصعد إلى السماء وتعود إلى القبر ~~وتقبضها الملائكة ويستفتحون لها أبواب السموات ولا تنعم ولا تعذب وإنما ~~ينعم ويعذب الجسد إذا شاء الله تنعيمه أو تعذيبه رد إليه الحياة في وقت ~~يريد نعيمه أو عذابه وإلا فلا أرواح هناك قائمة بنفسها البتة # وقال بعض أرباب هذا القول ترد الحياة إلى عجب الذنب فهو الذي يعذب وينعم ~~وحسب # وهذا قول يرده الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقول والفطن والفطرة ~~وهو قول من لم يعرف روحه فضلا عن روح غيره وقد خاطب الله سبحانه النفس ~~بالرجوع والدخول والخروج ودلت النصوص الصحيحة للصريحة على أنها تصعد وتنزل ~~وتقبض وتمسك وترسل وتستفتح لها أبواب السماء وتسجد وتتكلم وأنها تخرج تسيل ~~كما تسيل القطرة وتكفن وتحنط في أكفان الجنة والنار وأن ملك الموت يأخذها ~~بيده ثم تتناولها الملائكة من يده ويشم لها كأطيب نفحة مسك أو أنتن جيفة ~~وتشيع من سماء إلى سماء ثم تعاد إلى الأرض مع الملائكة وأنها إذا خرجت ~~تبعها البصر بحيث يراها وهي خارجة ودل القرآن على أنها تنتقل من مكان إلى ~~مكان حتى تبلغ الحلقوم في حركتها وجميع ما ذكرنا من جمع الأدلة الدالة على ~~تلاقى الأرواح وتعارفها وأنها أجناد مجندة إلى غير ذلك تبطل هذا القول وقد ~~شاهد النبي الأرواح ليلة الإسراء عن يمين آدم وشماله وأخبر النبي إن نسمة ~~المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر وأخبر ~~تعالى عن أرواح آل فرعون أنها تعرض على النار غدوا وعشيا # ولما أورد ذلك على ابن الباقلانى لج في الجواب وقال يخرج على هذا أحد ~~وجهين إما بأن يوضع عرض من الحياة في أول جزء من أجزاء الجسم وإما أن يخلق ~~لتلك الحياة والنعيم والعذاب جسد آخر # وهذا قول في غاية الفساد من وجوه كثيرة أي قول أفسد من قول من يجعل روح ~~الإنسان عرضا من الأعراض تتبدل كل ms131 ساعة الوفا من المرات فإذا فارقه هذا ~~العرض لم يكن بعد المفارقة روح تنعم ولا تعذب ولا تصعد ولا تنزل ولا تمسك ~~ولا ترسل فهذا قول # PageV01P111 # مخالف للعقل ونصوص الكتاب والسنة والفطرة وهو قول من لم يعرف نفسه وسيأتي ~~ذكر الوجوه الدالة على بطلان هذا القول في موضعه من هذا الجواب إن شاء الله ~~وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا من الصحابة والتابعين ولا أئمة ~~الإسلام ### | فصل وأما قول من قال إن مستقرها بعد الموت أبدان أخر غير هذه # الأبدان فهذا القول فيه حق وباطل # فأما الحق فما أخبر الصادق المصدوق عن أرواح الشهداء أنها في حواصل طير ~~خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش هي لها كالأوكار للطائر وقد صرح بذلك في ~~قوله جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر # وأما قوله نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة يحتمل أن يكون هذا الطائر ~~مركبا للروح كالبدن لها ويكون ذلك لبعض المؤمنين والشهداء ويحتمل أن يكون ~~الروح في صورة طائر وهذا اختيار أبى محمد بن حزم وأبى عمر بن عبد البر وقد ~~تقدم كلام أبى عمر والكلام عليه وأما ابن حزم فانه قال معنى قوله نسمة ~~المؤمن طائر يعلق هو على ظاهرة لا على ظن أهل الجهل وإنما أخبر أن نسمة ~~المؤمن طائر يعلق بمعنى أنها تطير في الجنة لا أنها تمسخ فى صورة الطير قال ~~فإن قيل إن النسمة مؤنثة قلنا قد صح عن عربي فصيح أنه قال أتتك كتابي ~~فاستخففت بها فقيل له أتؤنث الكتاب قال أوليس صحيفة وكذلك النسمة تذكر كذلك ~~قال وأما الزيادة التي فيها أنها في حواصل طير خضر فإنها صفة تلك القناديل ~~التي تأوي إليها والحديثان معا حديث واحد وهذا الذي قاله في غاية الفساد ~~لفظا ومعنى فإن حديث نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة غير حديث أرواح ~~الشهداء في حواصل طير خضر والذي ذكره محتمل في الحديث الأول وأما الحديث ~~الثاني فلا يحتمله بوجه فإنه أخبر أن أرواحهم ms132 في حواصل طير وفي لفظ في ~~أجواف طير خضر وفي لفظ بيض وان تلك الطير تسرح في الجنة فتأكل من ثمارها ~~وتشرب من أنهارها ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش هي لها كالأوكار للطائر ~~وقوله ان حواصل تلك الطير هي صفة القناديل التي تأوي إليها خطأ قطعا بل تلك ~~القناديل مأوى لتلك الطير فهاهنا ثلاثة أمور صرح بها الحديث أرواح وطير هي ~~في أجوافها وقناديل هي مأوى لتلك الطير والقناديل مستقرة تحت العرش لا تسرح ~~والطير تسرح وتذهب وتجيء والأرواح في أجوافها # PageV01P112 # فإن قيل يحتمل أن تجعل نفسها في صورة طير لا أنها تركب في بدن طير كما ~~قال تعالى {في أي صورة ما شاء ركبك} ويدل عليه قوله في اللفظ الآخر أرواحهم ~~كطير خضر كذلك رواه ابن أبى شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله ~~بن مرة عن مسروق عن عبد الله # قال أبو عمر والذي يشبه عندي والله أعلم أن يكون القول قول من قال كطير ~~أو صورة طير لمطابقته لحديثنا المذكور يعنى حديث كعب بن مالك في نسمة ~~المؤمن # فالجواب أن هذا الحديث قد روى بهذين اللفظين والذي رواه مسلم في الصحيح ~~من حديث الأعمش عن مسروق فلم يختلف حديثهما أنها في أجواف طير خضر # وأما حديث ابن عباس فقال عثمان بن أبى شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن ~~محمد ابن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله لما أصيب إخوانكم يعنى يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير ~~خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب مدلاة في ظل ~~العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا ~~أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد فقال ~~الله تعالى أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} # وأما حديث كعب ms133 بن مالك فهو في السنن الأربعة ومسند أحمد ولفظه للترمذي أن ~~رسول الله قال إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة ~~قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح ولا محذور في هذا ولا يبطل قاعدة من قواعد ~~الشرع ولا يخالف نصا من كتاب ولا سنة عن رسول الله بل هذا من تمام إكرام ~~الله للشهداء أن أعاضهم من أبدانهم التي مزقوها لله أبدانا خيرا منها تكون ~~مركبا لأرواحهم ليحصل بها كمال تنعمهم فإذا كان يوم القيامة رد أرواحهم إلى ~~تلك الأبدان التي كانت فيها في الدنيا # PageV01P113 # فان قيل فهذا هو القول بالتناسخ وحلول الأرواح في أبدان غير أبدانها التي ~~كانت فيها # قيل هذا المعنى الذي دلت عليه السنة الصريحة حق يجب اعتقاده ولا يبطله ~~تسميه المسمى له تناسخا كما أن إثبات ما دل عليه العقل والنقل من صفات الله ~~عز وجل وحقائق أسمائه الحسنى حق لا يبطله تسمية المعطلين لها تركيبا ~~وتجسيما وكذلك ما دل عليه العقل والنقل من إثبات أفعاله وكلامه بمشيئته ~~ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة للفصل بين عباده حق لا ~~يبطله تسمية المعطلين له حلول حوادث كما أن ما دل عليه العقل والنقل من علو ~~الله على خلقه ومباينته لهم واستوائه على عرشه وعروج الملائكة والروح إليه ~~ونزولها من عنده وصعود الكلم الطيب إليه وعروج رسوله إليه ودنوه منه حتى ~~صار قاب قوسين أو أدنى وغير ذلك من الأدلة حق لا يبطله تسمية الجهمية له ~~حيزا وجهة وتجسيما # قال الإمام أحمد لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين فان ~~هذا شأن أهل البدع يلقبون أهل السنة وأقوالها بالألقاب التي ينفرون منه ~~الجهال ويسمونها حشوا وتركيبا وتجسيما ويسمون عرش الرب تبارك وتعالى حيزا ~~وجهة ليتوصلوا بذلك إلى نفي علوه على خلقه واستوائه على عرشه كما تسمى ~~الرافضة موالاة أصحاب رسول الله كلهم ومحبتهم والدعاء لهم نصا وكما تسمى ~~القدرية المجوسية إثبات القدر جبرا فليس الشأن في ms134 الألقاب وإنما الشأن في ~~الحقائق والمقصود أن تسمية ما دلت عليه الصريحة من جعل أرواح الشهداء في ~~أجواف طير خضر تناسخا لا يبطل هذا المعنى وإنما التناسخ الباطل ما تقوله ~~أعداء الرسل من الملاحدة وغيرهم الذين ينكرون المعاد أن الأرواح تصير بعد ~~مفارقة الأبدان إلى أجناس الحيوان والحشرات والطيور التي تناسبها وتشاكلها ~~فإذا فارقت هذه الأبدان انتقلت إلى أبدان تلك الحيوانات فتنعم فيها أو تعذب ~~ثم تفارقها وتحل في أبدان أخر تناسب أعمالها وأخلاقها وهكذا أبدا فهذا ~~معادها عندهم ونعيمها وعذابها لا معاد لها عندهم غير ذلك فهذا هو التناسخ ~~الباطل المخالف لما اتفقت عليه الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم وهو كفر ~~بالله واليوم الآخر وهذه الطائفة يقولون أن مستقر الأرواح بعد المفارقة ~~أبدان الحيوانات التي تناسبها وهو ابطل قول وأخبثه ويليه قول من قال إن ~~الأرواح تعدم جملة بالموت ولا تبقى هناك روح تنعم ولا تعذب بل النعيم ~~والعذاب يقع على أجزاء الجسد أو جزء منه أما عجب أو غيره فيخلق الله فيه ~~الألم واللذة أما بواسطة رد الحياة # PageV01P114 # إليه كما قاله بعض أرباب هذا القول أو بدون رد الحياة كما قاله آخرون ~~منهم فهؤلاء عندهم لا عذاب في البرزخ إلا على الأجساد ومقابلهم من يقول أن ~~الروح لا تعاد إلى الجسد بوجه ولا تتصل به والعذاب والنعيم على الروح فقط ~~والسنة الصريحة المتواترة ترد قول هؤلاء وهؤلاء وتبين أن العذاب على الروح ~~والجسد مجتمعين ومنفردين # فإن قيل فقد ذكرتم أقوال الناس في مستقر الأرواح ومأخذهم فما هو الراجح ~~من هذه الأقوال حتى نعتقده # قيل الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت فمنها أرواح في ~~أعلى عليين في الملا الأعلى وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ~~وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي ليلة الإسراء # ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وهي أرواح بعض ~~الشهداء لا جميعهم بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه أو ~~غيره كما ms135 في المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلا جاء إلى النبي فقال ~~يا رسول الله مالي إن قتلت في سبيل الله قال الجنة فلما ولى قال إلا الذين ~~سارني به جبريل آنفا # ومنهم من يكون محبوسا على باب الجنة كما في الحديث الآخر رأيت صاحبكم ~~محبوسا على باب الجنة # ومنهم من يكون محبوسا في قبره كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد ~~فقال الناس هنيئا له الجنة فقال النبي والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها ~~لتشتعل عليه نارا في قبره # ومنهم من يكون مقره باب الجنة كما في حديث ابن عباس الشهداء على بارق نهر ~~بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية رواه أحمد ~~وهذا بخلاف جعفر بن أبى طالب حيث أبدله الله من يديه جناحين يطير بهما في ~~الجنة حيث شاء # ومنهم من يكون محبوسا في الأرض لم لعل روحه إلى الملأ الأعلى فإنها كانت ~~روحا سفلية أرضية فإن الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية كما لا ~~تجامعها في الدنيا والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره ~~والأنس به والتقرب إليه بل هي أرضية سفلية لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا ~~هناك كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة # PageV01P115 # على محبة الله وذكره والقرب إليه والأنس به تكون بعد المفارقة مع الأرواح ~~العلوية المناسبة لها فالمرء مع من احب في البرزخ ويوم القيامة والله تعالى ~~يزوج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد كما تقدم في الحديث ويجعل ~~روحه يعنى المؤمن مع النسم الطيب أي الأرواح الطيبة المشاكلة فالروح بعد ~~المفارقة تلحق بأشكالها وأخواتها وأصحاب عملها فتكون معهم هناك # ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزاني وأرواح في نهر الدم تسبح فيه ~~وتلقم الحجارة فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد بل روح في أعلى عليين ~~وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض # وأنت إذا تأملت السنن والآثار في هذا الباب وكان لك بها فضل اعتناء ms136 عرفت ~~حجة ذلك ولا تظن أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضا فإنها كلها حق ~~يصدق بعضها بعضا لكن الشأن في فهمها ومعرفة النفس وأحكامها وان لها شانا ~~غير شأن البدن وأنها مع كونها في الجنة فهي في السماء وتتصل بفناء القبر ~~وبالبدن فيه وهي أسرع شيء حركة وانتقالا وصعودا وهبوطا وأنها تنقسم إلى ~~مرسلة ومحبوسة وعلوية وسفلية ولها بعد المفارقة صحة ومرض ولذة ونعيم والم ~~أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير فهنالك الحبس والألم والعذاب ~~والمرض والحسرة وهنالك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق وما أشبه حالها في ~~هذا البدن بحال ولد في بطن أمه وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من ~~البطن إلى هذه الدار # فلهذه الأنفس أربع دور كل دار أعظم من التي قبلها # الدار الأولى في بطن الأم وذلك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث # والدار الثانية هي الدار التي نشأت فيها والفتها واكتسبت فيها الخبر ~~والشر وأسباب السعادة والشقاوة # والدار الثالثة دار البرزخ وهي أوسع من هذه الدار وأعظم بل نسبتها إليه ~~كنسبة هذه الدار إلى الأولى # والدار الرابعة دار القرار وهي الجنة أو النار فلا دار بعدها والله ~~ينقلها في هذه الدور طبقا بعد طبق حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها ~~ولا يليق بها سواها وهي التي خلقت لها وهيئت للعمل الموصل لها إليها ولها ~~في كل دار من هذه الدور حكم وشأن غير شأن الدار الأخرى فتبارك الله فاطرها ~~ومنشئها ومميتها ومحييها ومسعدها ومشقيها الذي فاوت بينها في درجات سعادتها ~~وشقاوتها كما فاوت بينها في مراتب علومها وأعمالها وقواها وأخلاقها فمن # PageV01P116 # عرفها كما ينبغي شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك كله ~~وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله وله القوة كلها ~~والقدرة كلها والعز كله والحكمة كلها والكمال المطلق من جميع الوجوه وعرف ~~بمعرفة نفسه صدق أنبيائه ورسله وأن الذي جاءوا به هو الحق الذي تشهد به ~~العقول وتقر به الفطر وما ms137 خالفه هو الباطل وبالله التوفيق ### | المسألة السادسة عشرة # وهي هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعى الأحياء أم لا # فالجواب أنها تنتفع من سعى الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من ~~الفقهاء وأهل الحديث والتفسير # أحدهما ما تسبب إليه الميت في حياته # والثاني دعاء المسلمين له واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع ما الذي ~~يصل من ثوابه هل ثواب الإنفاق أو ثواب العمل فعند الجمهور يصل ثواب العمل ~~نفسه وعند بعض الحنفية إنما يصل ثواب الإنفاق # واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر فمذهب ~~الإمام أحمد وجمهور السلف وصولها وهو قول بعض أصحاب أبى حنيفة نص على هذا ~~الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال قال قيل لأبى عبد الله الرجل ~~يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه ~~قال أرجو أو قال الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها وقال أيضا اقرأ ~~آية الكرسي ثلاث مرات وقل هو الله أحد وقل اللهم إن فضله لأهل المقابر # والمشهور من مذهب الشافعي ومالك أن ذلك لا يصل # وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة لادعاء ~~ولا غيره # فالدليل على انتفاعه بما تسبب إليه في حياته ما رواه مسلم في صحيه من ~~حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله قال إذا مات الإنسان انقطع عنه ~~عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فاستثناء ~~هذه الثلاث من عمله يدل على أنها منه فانه هو الذي تسبب إليها # وفي سنن ابن ماجه من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله # PageV01P117 # إنما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره أو ولدا ~~صالحا تركه أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا ~~إكراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد ms138 موته # وفي صحيح مسلم أيضا من حديث جرير بن عبد الله قال قال رسول الله من سن في ~~الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من ~~بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء وهذا المعنى روى عن النبي من عدة وجوه ~~صحاح وحسان # وفي المسند عن حذيفة قال سأل رجل على عهد رسول الله فامسك القوم ثم أن ~~رجلا أعطاه فأعطى القوم فقال النبي من سن خيرا فاستن به كان له أجره ومن ~~أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا ومن سن شرا فاستن به كان عليه وزره ~~ومن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا # وقد دل على هذا قوله لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من ~~دمها لأنه أول من سن القتل فإذا كان هذا في العذاب والعقاب ففي الفضل ~~والثواب أولى وأحرى ### | فصل والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه القرآن والسنة والإجماع # وقواعد الشرع # أما القرآن فقوله تعالى {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} فأثنى الله سبحانه عليهم باستغفارهم ~~للمؤمنين قبلهم فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء # وقد يمكن أن يقال إنما انتفعوا باستغفارهم لأنهم سنوا لهم الإيمان بسبقهم ~~إليه فلما اتبعوهم فيه كانوا كالمستنين في حصوله لهم لكن قد دل على انتفاع ~~الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة # وفي السنن من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله إذا صليتم ~~على الميت فأخلصوا له الدعاء # وفي صحيح مسلم مد حديث عوف بن مالك قال على جنازة فحفظت من دعائه وهو ~~يقول اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع # PageV01P118 # مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب ~~الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا ms139 خيرا من أهله وزوجا خيرا ~~من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار # وفي السنن عن وائلة بن الأسقع قال على رجل من المسلمين فسمعته يقول اللهم ~~إن فلانا ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار وأنت ~~أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه إنك الغفور الرحيم # وهذا كثير في الأحاديث بل هو المقصود بالصلاة على الميت وكذلك الدعاء له ~~بعد الدفن # وفي السنن من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه قال كان النبي إذا فرغ من ~~دفن الميت وقف عليه فقال استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فانه الآن ~~يسأل # وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم كما في صحيح مسلم من حديث بريدة بن ~~الخصيب قال كان رسول الله يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا السلام ~~عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل ~~الله لنا ولكم العافية # وفي صحيح مسلم أن عائشة رضى الله عنها سألت النبي كيف نقول إذا استغفرت ~~لأهل القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم ~~الله المستقدمين منا والمستأخرين وانا إن شاء الله بكم للاحقون # وفي صحيحه عنها أيضا أن رسول الله خرج في ليلتها من آخر الليل إلى البقيع ~~فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وانا إن شاء ~~الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد # ودعاء النبي للأموات فعلا وتعليما ودعاء الصحابة والتابعين والمسلمين ~~عصرا بعد عصر أكثر من أن يذكر وأشهر من أن ينكر وقد جاء ان الله يرفع درجة ~~العبد في الجنة فيقول أنى لى هذا فيقال بدعاء ولدك لك ### | فصل وأما وصول ثواب الصدقة ففي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن # رجلا أتى النبي فقال يا رسول الله أن أمي افتلت نفسها ولم توص وأظنها لو ~~تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها قال نعم # PageV01P119 # وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أن ms140 سعد بن عبادة ~~توفيت أمه وهو غائب عنها فأتى النبي فقال يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا ~~غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت عنه قال نعم قال فإني أشهدك أن حائطي ~~المخراف صدقة عنها # وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رجلا قال للنبي ان أبى مات ~~وترك مالا ولم يوص فهل يكفى عنه أن أتصدق عنه قال نعم # وفي السنن ومسند أحمد عن سعد بن عبادة أنه قال يا رسول الله ان أم سعد ~~ماتت فأى الصدقة أفضل قال الماء فحفر بئر وقال هذه لأم سعد # وعن عبد الله بن عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة ~~بدنة وإن هشام بن العاص نحر خمسة وخمسين وأن عمرا سأل النبي عن ذلك فقال ~~أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك رواه الإمام أحمد ### | فصل وأما وصول ثواب الصوم ففي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن # رسول الله قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه # وفي الصحيحين أيضا عن ابن عباس رضى الله عنهما قلا جاء رجل إلى النبي ~~فقال يا رسول الله أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها قال نعم فدين الله ~~أحق أن يقضى # وفي رواية جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت ~~وعليها صوم نذر أفأصوم عنها قال أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ~~يؤدى ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك وهذا اللفظ للبخاري وحده تعليقا # وعن بريدة رضى الله عنه قال بينا أنا جالس عند رسول الله إذ أتته امرأة ~~فقالت إني تصدقت على أمي بجارية وأنها ماتت فقال وجب أجرك وردها عليك ~~الميراث فقالت يا رسول الله انه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها قال صومي ~~عنها قالت إنها لم تحج قط أفأحج عنها قال حجى عنها رواه مسلم وفي لفظ صوم ~~شهرين # وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن امرأة ركبت البحر ms141 فنذرت إن الله نجاها أن ~~تصوم شهرا فنجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت بنتها أو أختها إلى رسول ~~الله # PageV01P120 # فأمرها أن تصوم عنها رواه أهل السنن والإمام أحمد وكذلك روى عنه وصول ~~ثواب بدل الصوم وهو الاطعام # ففي السنن عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله من مات وعليه ~~صيام شهر فليطعم عنه لكل يوم مسكين رواه الترمذى وابن ماجه قال الترمذى ولا ~~نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر من قوله موقوفا # وفي سنن أبى داود عن ابن عباس رضى الله عنهما قال إذا مرض الرجل في رمضان ~~ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عنه قضاء وإن نذر قضى عنه وليه ### | فصل وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله # عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم ~~تحج حتى ماتت أفأحج عنها قال حجى عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت ~~قاضيته اقضوا الله فالله أحق بالقضاء # وقد تقدم حديث بريدة وفيه أن أمي لم تحج قط أفأحج عنها قال حجى عنها # وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال إن امرأة سنان بن سلمة الجهني سألت رسول ~~الله أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزىء أن تحج عنها قال نعم لو كان على أمها ~~دين فقضته عنها ألم يكن يجزىء عنها رواه النسائي # وروى أيضا عن ابن عباس رضى الله عنهما أن امرأة سألت النبي عن ابنها مات ~~ولم يحج قال حجى عن ابنك # وروى أيضا عنه قال قال رجل يا نبي الله ان أبى مات ولم يحج أفأحج عنه قال ~~أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه قال نعم قال فدين الله أحق وأجمع ~~المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته ولو كان من أجنبي أو من غير ~~تركته وقد دل عليه حديث أبى قتادة حيث ضمن الدينارين عن الميت فلما قضاهما ~~قال له النبي الآن بردت ms142 عليه جلدته # وأجمعوا على أن الحي إذا كان له في ذمة الميت حق من الحقوق فأحله منه أنه ~~ينفعه ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحي # فإذا سقط من ذمة الحي بالنص والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه ولو لم يرض ~~به بل # PageV01P121 # رده فسقوطه من ذمة الميت بالابراء حيث لا يتمكن من أدائه أولى وأحرى وإذا ~~انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء ولا فرق بينهما فإن ~~ثواب العمل حق المهدى الواهب فإذا جعله للميت انتقل إليه كما أن ما على ~~الميت من الحقوق من الدين وغيره هو محض حق الحي فإذا أبرأه وصل الإبراء ~~إليه وسقط من ذمته فكلاهما حق للحى فأي نص أو قياس أو قاعدة من قواعد الشرع ~~يوجب وصول أحدهما ويمنع وصول الآخر # هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه ~~وهذا محض للقياس فإن الثواب حق للعامل فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ~~ذلك كما لم يمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له من بعد موته # وقد نبه النبي بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك ونية تقوم بالقلب لا ~~يطلع عليه إلا الله وليس بعمل الجوارح على وصول ثواب القراءة التي هي عمل ~~باللسان تسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأولى # ويوضحه أن الصوم نية محضة وكف النفس عن المفطرات وقد أوصل الله ثوابه إلى ~~الميت فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية بل لا تفتقر إلى النية فوصول ثواب ~~الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال # والعبادات قسمان مالية وبدنية وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة قال على ~~وصول ثواب سائر العبادات المالية ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب سائر ~~العبادات البدنية وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية ~~فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وبالله التوفيق # قال المانعون من الوصول قال الله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~وقال {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} وقال {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ms143 ~~وقد ثبت عن النبي أنه قال إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية ~~عليه أو ولد صالح يدعو له أو علم ينتفع به من بعد فأخبر أنه إنما ينتفع بما ~~كان تسبب إليه في الحياة وما لم يكن قد تسبب إليه فهو منقطع عنه # وأيضا فحديث أبى هريرة رضى الله عنه المتقدم وهو قوله إن مما يلحق الميت ~~من عمله وحسناته بعد موته علما نشره الحديث يدل على أنه إنما ينتفع بما كان ~~قد تسبب فيه # وأيضا فحديث أبى هريرة رضى الله عنه المتقدم وهو قوله إن مما يلحق الميت ~~من عمله وحسناته بعد موته علما نشره الحديث يدل على أنه إنما ينتفع بما كان ~~قد تسبب فيه # وكذلك حديث أنس يرفعه سبع يجرى على العبد أجرهن وهو في قبره بعد موته من ~~علم # PageV01P122 # علما أو أكرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ~~ترك ولدا صالحا يستغفر له بعد موته # وهذا يدل على أن ما عدا ذلك لا يحصل له منه ثواب وإلا لم يكن للحصر معنى # قالوا والإهداء حوالة والحوالة إنما تكون بحق لازم والأعمال لا توجب ~~الثواب وإنما هو مجرد تفضل الله وإحسانه فكيف يحيل العبد على مجرد الفضل ~~الذي لا يجب على الله بل إن شاء آتاه وإن لم يشأ لم يؤته وهو نظير حوالة ~~الفقير على من يرجو أن يتصدق عليه ومثل هذا لا يصح إهداؤه وهبته كصلة ترجى ~~من ملك لا لتحقق حصولها # قالوا وأيضا فالإيثار بأسباب الثواب مكروه وهو الإيثار بالقرب فكيف ~~الإيثار بنفس الثواب الذي هو غاية إذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى ~~وأحرى # وكذلك كره الإمام أحمد التأخر عن الصف الأول وإيثار الغير به لما فيه من ~~الرغبة عن سبب الثواب قال أحمد في رواية حنبل وقد سئل عن الرجل يتأخر عن ~~الصف الأول ويقدم أباه في موضعه قال ما يعجبني هو يقدر أن يبر أباه بغير ~~هذا # قالوا أيضا لو ms144 ساغ الإهداء إلى الميت لساغ نقل الثواب والإهداء إلى الحي # وأيضا لو ساغ ذلك لساغ لهذا نصف الثواب وربعه وقيراط منه # وأيضا لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد قلتم أنه لا بد أن ~~ينوى حال الفعل إهداءه إلى الميت وإلا لم يصل إليه فإذا ساغ له نقل الثواب ~~فأي فرق بين أن ينوى قبل الفعل أو بعده # وأيضا لو ساغ الإهداء لساغ إهداء ثواب الواجبات على الحي كما يسوغ إهداء ~~ثواب التطوعات التي يتطوع بها # قالوا وإن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل فإن المقصود منها عين ~~المكلف العامل المأمور المنهي فلا يبدل المكلف الممتحن بغيره ولا ينوب غيره ~~عنه في ذلك أن المقصود طاعته هو نفسه وعبوديته ولو كان ينتفع بإهداء غيره ~~له من غير عمل منه لكان أكرم الأكرمين أولى بذلك وقد حكم سبحانه أنه لا ~~ينتفع إلا بسعيه وهذه سنته تعالى في خلقه وقضاؤه كما هي سنته في أمره وشرعه ~~فإن المريض لا ينوب عنه غيره في شرب الدواء والجائع والظمآن والعاري لا ~~ينوب عنه غيره في الأكل والشرب واللباس قالوا ولو نفعه عمل غيره لنفعه ~~توبته عنه # PageV01P123 # قالوا ولهذا لا يقبل الله إسلام أحد ولا صلاته عن صلاته فإذا كان رأس ~~العبادات لا يصح إهداء ثوابه فكيف فروعها # قالوا وأما الدعاء فهو سؤال ورغبة إلى الله أن يتفضل على الميت ويسامحه ~~ويعفو عنه وهذا إهداء ثواب عمل الحي إليه # قال المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة كالصدقة والحج ~~والعبادات نوعان نوع لا تدخله النيابة بحال كالإسلام والصلاة وقراءة القرآن ~~والصيام فهذا النوع يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه ولا ينقل عنه كما أنه في ~~الحياة لا يفعله أحد عن أحد ولا ينوب فيه عن فاعله غيره # ونوع تدخله النيابة كرد الودائع وأداء الديون وإخراج الصدقة والحج فهذا ~~يصل ثوابه إلى الميت لأنه يقبل النيابة ويفعله العبد عن غيره في حياته فبعد ~~موته بالطريق الأولى والأحرى # قالوا وأما حديث من مات وعليه صيام ms145 صام عنه وليه فجوابه من وجوه # أحدها ما قاله مالك في موطئه قال لا يصوم أحد عن أحد قال وهو أمر مجمع ~~عليه عندنا لا خلاف فيه الثاني أن ابن عباس رضى الله عنهما هو الذي روى ~~حديث الصوم عن الميت وقد روى عنه النسائي أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا ~~يزيد بن زريع حدثنا حجاج الأحول حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبى رباح عن ~~ابن عباس رضى الله عنهما قال لا يصلى أحد عن أحد # الثالث أنه حديث اختلف في إسناده هكذا قال صاحب المفهم في شرح مسلم # الرابع أنه معارض بنص القرآن كما تقدم من قوله تعالى {وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى} # الخامس أنه معارض بما رواه النسائي عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ~~أنه قال لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم ~~مدا من حنطة # السادس أنه معارض بحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن نافع عن ابن ~~عمر رضى الله عنهما عن النبي من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه # PageV01P124 # السابع أنه معارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة فان أحدا لا ~~يفعلها عن أحد قال الشافعي فيما تكلم به على خبر ابن عباس لم يسم ابن عباس ~~ما كان نذر أم سعد فاحتمل أن يكون نذر حج أو عمرة أو صدقة فأمره بقضائه ~~عنها فأما من نذر صلاة أو صياما ثم مات فإنه يكفر عنه في الصوم ولا يصام ~~عنه ولا يصلى عنه ولا يكفر عنه في الصلاة ثم قال فإن قيل أفأروى عن رسول ~~الله أمر أحد أن يصوم عن أحد قيل نعم روى ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ~~فإن قيل فلم لا تأخذ به قيل حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما عن النبي نذرا ولم يسمعه مع حفظ الزهري وطول مجالسه عبيد الله لابن ~~عباس فلما جاء غيره عن رجل ms146 عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد الله أشبه أن ~~لا يكون محفوظا فإن قيل فتعرف الرجل الذي جاء بهذا الحديث يغلط عن ابن عباس ~~قيل نعم روى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس أنه قال لابن الزبير أن الزبير حل ~~من متعة الحج فروى هذا عن ابن عباس أنها متعة النساء وهذا غلط فاحش # فهذا الجواب عن فعل الصوم وأما فعل الحج فإنما يصل منه ثواب الإنفاق وأما ~~أفعال المناسك فهي كأفعال الصلاة إنما تقع عن فاعلها # قال أصحاب الوصول ليس في شيء مما ذكرتم ما يعارض أدلة الكتاب والسنة ~~واتفاق سلف الأمة ومقتضى قواعد الشرع ونحن نجيب عن كل ما ذكرتموه بالعدل ~~والإنصاف # أما قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فقد اختلفت طرق الناس في ~~المراد بالآية فقالت طائفة المراد بالإنسان ها هنا الكافر وأما المؤمن فله ~~ما سعى وما سعى له بالأدلة التي ذكرناها قالوا وغاية ما في هذا التخصيص وهو ~~جائز إذا دل عليه الدليل # وهذا الجواب ضعيف جدا ومثل هذا العام لا يراد به الكافر وحده بل هو ~~للمسلم والكافر وهو كالعام الذي قبله وهو قوله تعالى أن لا تزر وازرة وزر ~~أخرى # والسياق كله من أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم لقوله تعالى {وأن ~~سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى} وهذا يعم الشر والخير قطعا ويتناول ~~البر والفاجر والمؤمن والكافر كقوله تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} وكقوله له في الحديث الإلهي يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه وهو كقوله تعالى {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ~~كدحا فملاقيه} ولا تغتر بقود كثير من المفسرين في لفظ الإنسان في # PageV01P125 # القرآن الإنسان ها هنا أبو جهل والإنسان ها هنا عقبة ابن أبى معيط ~~والإنسان هاهنا الوليد ابن المغيرة فالقرآن أجل من ذلك بل الإنسان هو ms147 ~~الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحد بعينه كقوله تعالى {إن الإنسان لفي ~~خسر} و {إن الإنسان لربه لكنود} و {إن الإنسان خلق هلوعا} و {إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى} و {إن الإنسان لظلوم كفار} و {وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا} فهذا شأن الإنسان من حيث ذاته ونفسه وخروجه عن هذه الصفات ~~بفضل ربه وتوفيقه له ومنته عليه لا من ذاته فليس له من ذاته إلا هذه الصفات ~~وما به من نعمة فمن الله وحده فهو الذى حبب إلى عبده الإيمان وزينه في قلبه ~~وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان وهو الذي كتب في قلبه الإيمان وهو الذي ~~يثبت أنبياءه ورسله وأولياءه على دينه وهو الذي يصرف عنهم السوء والفحشاء ~~وكان يرتجز بين يدي النبي # والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # وقد قال تعالى {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} وقال تعالى {وما ~~يذكرون إلا أن يشاء الله} وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين فهو رب ~~جميع العالم ربوبية شاملة لجميع ما في العالم من ذوات وأفعال وأحوال # وقالت طائفة الآية أخبار بشرع من قبلنا وقد دل شرعنا على أنه له ما سعى ~~وما سعى له وهذا أيضا أضعف من الأول أو من جنسه فان الله سبحانه أخبر بذلك ~~أخبار مقرر له محتج به لا أخبار مبطل له ولهذا قال {أم لم ينبأ بما في صحف ~~موسى} فلو كان هذا باطلا في هذه الشريعة لم يخبر به أخبار مقرر له محتج به # وقالت طائفة اللام بمعنى على أي وليس على الإنسان إلا ما سعى وهذا أبطل ~~من القولين الأولين فإنه قول موضوع الكلام إلى ضد معناه المفهوم منه ولا ~~يسوغ مثل هذا ولا تحتمله اللغة وأما نحو ولهم اللعنة فهي على بابها أي ~~نصيبهم وحظهم وأما أن العرب تعرف في لغاتها لي درهم بمعنى على درهم فكلا # وقالت طائفة في الكلام حذف تقديره {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} أو سعى ms148 ~~له وهذا أيضا من النمط الأول فإنه حذف مالا يدل السياق عليه بوجه وقول على ~~الله وكتابه بلا علم # وقالت طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله تعالى {والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} وهذا منقول عن ابن عباس رضى الله عنهما ~~وهذا ضعيف أيضا # PageV01P126 # ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضى الله عنهما ولا غيره أنها ~~منسوخة والجميع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع فإن الأبناء تبعوا الآباء ~~في الآخرة كما كانوا تبعا لهم في الدنيا وهذه التبعية هي من كرامة الآباء ~~وثوابهم الذي نالوه بسعيهم وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعى ~~منهم فهذا ليس هو لهم وإنما هو للآباء أقر الله أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم ~~في الجنة وتفضل على الأبناء بشيء لم يكن لهم كما تفضل بذلك على الوالدان ~~والحور العين والخلق ألذين ينشئهم للجنة بغير أعمال والقوم الذين يدخلهم ~~الجنة بلا خير قدموه ولا عمل عملوه فقوله تعالى أن لا تزر وازرة وزر أخرى ~~وقوله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تعالى ~~وحكمته وكما له المقدس والعقل والفطرة شاهدان بهما فالأول تقتضي أنه لا ~~يعاقب بجرم غيره والثانية تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه فالأولى تؤمن ~~العبد من أخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا والثانية تقطع طمعه من ~~نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه كما عليه أصحاب الطمع الكاذب فتأمل حسن ~~اجتماع هاتين الآيتين # ونظيره قوله تعالى {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى} {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} فحكم سبحانه ~~لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة # أحدها إن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره # الثاني أن ضلاله بفوات ذلك وتخلفه عنه على نفسه لا على غيره # الثالث أن أحدا لا يؤاخذ بجريرة غيره # الرابع أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه يرسله فتأمل ما في ضمن ~~هذه الأحكام الأربعة من حكمته ms149 تعالى وعدله وفضله والرد على أهل الغرور ~~والأطماع الكاذبة وعلى أهل الجهل بالله وأسمائه وصفاته # وقالت طائفة أخرى المراد بالإنسان ها هنا الحي دون الميت وهذا أيضا من ~~النمط الأول في الفساد # وهذا كله من سوء التصرف في اللفظ العام وصاحب هذا التصرف لا ينفذ تصرفه ~~في دلالات الألفاظ وحملها على خلاف موضوعها وما يتبادر إلى الذهن منها وهو ~~تصرف فاسد قطعا يبطله السياق والاعتبار وقواعد الشرع وأدلته وعرفه وسبب هذا ~~التصرف السيىء أن صاحبه يعتقد قولا ثم يرد كلما دل على خلافه بأي طريق ~~اتفقت له فالأدلة المخالفة لما # PageV01P127 # اعتقده عنده من باب الصائل لا يبالي بأي شيء دفعه وأدلة الحق لا تتعارض ~~ولا تتناقض بل يصدق بعضها بعضا # وقالت طائفة أخرى وهو جواب أبى الوفاء بن عقيل قال الجواب الجيد عندي إن ~~يقال الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء وأولد الأولاد ونكح الأزواج ~~وأسدى الخير وتودد إلى الناس فترحموا عليه وأهدوا له العبادات وكان ذلك أثر ~~سعيه كما قال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه ويدل عليه ~~قوله في الحديث الآخر إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به ~~من بعده وصدقة جارية عليه أو ولد صالح يدعو له ومن هنا قول الشافعي إذا بذل ~~له ولده طاعة الحج كان ذلك سببا لوجوب الحج عليه حتى كأنه في ماله زاد ~~وراحلة بخلاف بذل الأجنبي # وهذا جواب متوسط يحتاج إلى تمام فإن العبد بإيمانه وطاعته لله ورسوله قد ~~سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله كما ينتفع بعملهم في الحياة ~~مع عمله فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها ~~كالصلاة في جماعة فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا ~~لمشاركة غيره له في الصلاة فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره كما أن عمله سبب ~~لزيادة أجر الآخر بل قد قيل إن الصلاة يضاعف ثوابها يعدد المصلين وكذلك ~~اشتراكهم في الجهاد والحج والأمر بالمعروف ms150 والنهي عن المنكر والتعاون على ~~البر والتقوى وقد قال النبي المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين ~~أصابعه ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا فدخول المسلم مع ~~جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين ~~إلى صاحبه في حياته وبعد مماته ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم وقد أخبر ~~الله سبحانه عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم ~~واخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين كنوح وإبراهيم ومحمد فالعبد ~~بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه فكأنه من سعيه يوضحه أن الله ~~سبحانه جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم ~~فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه وقد دل على ذلك قول النبي ~~لعمرو بن العاص إن أباك لو كان أقر بالتوحيد نفعه ذلك يعنى العتق الذي فعل ~~عنه بعد موته فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في يعمل يوصل إليه ثواب العتق ~~وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا # وقالت طائفة أخرى القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما نفي ملكه ~~لغير سعيه # PageV01P128 # وبين الأمرين من الفرق مالا يخفي فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه وأما ~~سعى غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه ~~وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا بما سعى وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ~~ويرجحها ### | فصل وكذلك قوله تعالى # {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} وقوله {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} ~~على أن هذه الآية أصرح في الدلالة على أن سياقها وإنما ينفي عقوبة العبد ~~بعمل غيره وأخذه بجريرته فإن الله سبحانه قال {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون} فنفي أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته أو ينقص ~~من حسناته أو يعاقب بعمل غيره ولم ينف أن ينتفع بعمل غيره لا على وجه ~~الجزاء فإن انتفاعه بما يهدى إليه ليس جزاء على عمله ms151 وإنما هو صدقة تصدق ~~الله بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعى منه بل وهبه ذلك على يد بعض عباده ~~لا على وجه الجزاء ### | فصل وأما استدلالكم بقوله إذا مات العبد انقطع عمله فاستدلال ساقط # فانه لم يقل انقطع انتفاعه وإنما أخبر عن انقطاع عمله وأما عمل غيره فهو ~~لعامله فان وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو فالمنقطع شيء ~~والواصل إليه شيء آخر وكذلك الحديث الآخر وهو قوله إن مما يلحق الميت من ~~حسناته وعمله فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته ### | فصل وأما قولكم الإهداء حوالة والحوالة إنما تكون بحق لازم فهذه حوالة # المخلوق على المخلوق # وأما حوالة المخلوق على الخالق فأمر آخر لا يصح قياسها على حوالة العبيد ~~بعضهم على بعض وهل هذا إلا من أبطل القياس وأفسده والذي يبطله إجماع الأمة ~~على انتفاعه بأداء دينه وما عليه من الحقوق وإبراء المستحق لذمته والصدقة ~~والحج عنه بالنص الذي لا سبيل إلى رده ودفعه وكذلك الصوم وهذه الأقيسة ~~الفاسدة لا تعارض نصوص الشرع وقواعده ### | فصل وأما قولكم الإيثار بسبب الثواب مكروه وهو مسالة الإيثار بالقرب # فكيف الإيثار الثواب بنفس الذي هو الغاية فقد أجيب عنه بأجوبة # PageV01P129 # الجواب الأول ان حال الحياة حال لا يوثق فيها بسلامة العاقبة لجواز إن ~~يرتد الحي فيكون قد آثر بالقربة غير أهلها وهذا قد أمن بالموت فإن قيل ~~والمهدى إليه أيضا قد لا يكون مات على الإسلام باطنا فلا ينتفع بما يهدى ~~إليه وهذا سؤال في غاية البطلان فإن الإهداء له من جنس الصلاة عليه ~~والاستغفار له والدعاء له فإن كان أهلا وإلا انتفع به الداعي وحده # الجواب الثاني أن الإيثار بالقرب يدل على قلة الرغبة فيها والتأخر عن ~~فعلها فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد والتكاسل والتأخر بخلاف إبداء ~~ثوابها فإن العامل يحرص عليها لأجل ثوابها لينتفع به أو ينفع به أخاه ~~المسلم فبينهما فرق ظاهر # الجواب الثالث أن الله سبحانه وتعالى يحب ms152 المبادرة أو المسارعة إلى خدمته ~~والتنافس فيها فإن ذلك ابلغ في العبودية فإن الملوك تحب المسارعة والمنافسة ~~في طاعتها وخدمتها فالإيثار بذلك مناف لمقصود العبودية فإن الله سبحانه أمر ~~عبده بهذه القربة أما إيجابا وأما استحبابا فإذا أثر بها ترك ما أمره وولاه ~~غيره بخلاف ما إذا فعل ما أمر به طاعة وقربة ثم أرسل ثوابه إلى أخيه المسلم ~~وقد قال تعالى {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} ~~وقال فاستبقوا الخيرات ومعلوم أن الإيثار بها ينافي الاستباق إليها ~~والمسارعة # وقد كان الصحابة يسابق بعضهم بعضا بالقرب ولا يؤثر الرجل منهم غيره بها ~~قال عمر والله ما سابقني أبو بكر إلى خير إلا سبقني إليه حتى قال والله لا ~~أسابقك إلى خير أبدا # وقد قال تعالى {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} يقال نافست في الشيء منافسة ~~ونفاسا إذا رغبت فيه على وجه المباراة ومن هذا قولهم شيء نفيس أي هو أهل أن ~~يتنافس فيه ويرغب فيه وهذا أنفس مالي أي أحبه إلى وأنفسني فلان في كذا أي ~~أرغبني فيه وهذا كله ضد الإيثار به والرغبة عنه ### | فصل وأما قولكم لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين # أحدهما أنه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم قال القاضي ~~وكلام أحمد لا يقتضي التخصيص بالميت فانه قال يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه ~~وأمه ولم يفرق واعترض عليه أبو الوفاء بن عقيل وقال هذا فيه بعد وهو تلاعب ~~بالشرع وتصرف في أمانة الله واسجال على الله سبحانه بثواب على عمل يفعله ~~إلى غيره وبعد الموت قد جعل لنا طريقا إلى إيصال النفع كالاستغفار والصلاة ~~على الميت # PageV01P130 # ثم أورد على نفسه سؤالا وهو فإن قيل أليس قضاء الدين وتحمل الكل حال ~~الحياة كقضائه بعد الموت فقد استوى ضمان الحياة وضمان الموت في أنهما ~~يزيلان المطالبة عنه فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة فإجعلوا ~~ثواب الإهداء واصلا حال الحياة وبعد الموت # وأجاب عنه بأنه ms153 لو صح هذا وجب أن تكون الذنوب تكفر عن الحي بتوبة غيره ~~عنه ويندفع عنه مآثم الآخرة بعمل غيره واستغفاره # قلت وهذا لا يلزم بل طرد ذلك انتفاع الحي بدعاء غيره له واستغفاره له ~~وتصدقه عنه وقضاء ديونه وهذا حق وقد أذن النبي في أداء فريضة الحج عن الحي ~~المعضوب والعاجز وهما حيان # وقد أجاب غيره من الأصحاب بأن حال الحياة لا نثق بسلامة العاقبة خوفا أن ~~يرتد المهدى له فلا ينتفع بما يهدى إليه # قال ابن عقيل وهذا عذر باطل بإهداء الحي فإنه لا يؤمن أن يرتد ويموت ~~فيحبط عمله ومن جملته ثواب ما أهدى إلى الميت # قلت هذا لا يلزمهم وموارد النص والإجماع تبطله وترده فان النبي أذن في ~~الحج والصوم عن الميت وأجمع الناس على براءة ذمته من الدين إذا قضاه عنه ~~الحي مع وجود ما ذكر من الاحتمال # والجواب أن يقال ما أهداه من أعمال البر إلى الميت فقد صار ملكا له فلا ~~يبطل بردة فاعله بعد خروجه عن ملكه كتصرفاته التي تصرفها قبل الردة من عتق ~~وكفارة بل لو حج عن معضوب ثم ارتد بعد ذلك لم يلزم المعضوب أن يقيم غيره ~~يحج عنه فإنه لا يؤمن في الثاني والثالث ذلك # على أن الفرق بين الحي والميت أن الحي ليس بمحتاج كحاجة الميت إذ يمكنه ~~أن يباشر ذلك العمل أو نظيره فعليه اكتساب الثواب بنفسه وسعيه بخلاف الميت # وأيضا فإنه يفضي إلى اتكال بعض الأحياء على بعض وهذه مفسدة كبيرة فان ~~أرباب الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم فتصير ~~الطاعات معاوضات وذلك يفضي إلى إسقاط العبادات والنوافل ويصير ما يتقرب به ~~إلى الله يتقرب به إلى الآدميين فيخرج عن الإخلاص فلا يحصل الثواب لواحد ~~منهما # PageV01P131 # ونحن نمنع من أخذ الأجرة على كل قربة ونحبط بأخذ الأجر عليها كالقضاء ~~والفتيا وتعليم العلم والصلاة وقراءة القرآن وغيرها فلا يثيب الله عليها ~~إلا لمخلص اخلص العمل لوجهه فإذا فعله للأجرة لم يثب عليه الفاعل ms154 ولا ~~المستأجر فلا يليق بمحاسن الشرع أن يجعل العبادات الخالصة له معاملات تقصد ~~بها المعاوضات والإكساب الدنيوية وفارق قضاء الديون وضمانها فإنها حقوق ~~الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت ### | فصل وأما قولكم لو ساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالجواب من # وجهين # أحدهما منع الملازمة فإنكم لم تذكروا عليها دليلا إلا مجرد الدعوى # الثاني التزام ذلك والقول به نص عليه الإمام احمد في رواية محمد بن يحيى ~~الكحال ووجه هذا أن الثواب ملك له فله أن يهديه جميعه وله أن يهدى بعضه ~~يوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا يحصل لكل منهم ربعه فإذا أهدى الربع ~~وأبقى لنفسه الباقي جاز كما لو أهداه إلى غيره ### | فصل وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد # قلتم انه لا بد أن ينوى حال الفعل إهداءه إلى الميت وإلا لم يصل # فالجواب ان هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد ولا هذا الشرط في كلام ~~المتقدمين من أصحابه وإنما ذكره المتأخرون كالقاضي وأتباعه # قال ابن عقيل إذا فعل طاعة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأهداها بأن جعل ~~ثوابها للميت المسلم فإنه يصل إليه ذلك وينفعه بشرط أن يتقدم نية الهدية ~~على الطاعة أو تقارنها # وقال أبو عبد الله بن حمدان في رعايته ومن تطوع بقربة من صدقة وصلاة ~~وصيام وحج وعمرة وقراءة وعتق وغير ذلك من عبادة بدنية تدخلها النيابة ~~وعبادة مالية وجعل جميع ثوابها أو بعضه لميت مسلم حتى النبي ودعا له أو ~~استغفر له أو قضى ما عليه من حق شرعي أو واجب تدخله النيابة نفعه ذلك ووصل ~~إليه أجره وقيل إن نواه حال فعله أو قبله وصل إليه وإلا فلا # وسر المسالة أن أو ان شرط حصول الثواب أن يقع لمن أهدى له أولا ويجوز أن ~~يقع للعامل ثم ينتقل عنه إلى غيره فمن شرط أن ينوى قبل الفعل أو الفراغ منه ~~وصوله قال # PageV01P132 # لو لم ينوه وقع الثواب للعامل ms155 فلا يقبل انتقاله عنه إلى غيره فإن الثواب ~~يترتب على العمل ترتب الأثر على مؤثره ولهذا لو أعتق عبدا عن نفسه كان ~~ولاؤه له فلو نقل ولاؤه إلى غيره بعد العتق لم ينتقل بخلاف ما لو أعتقه عن ~~الغير فإن ولاءه يكون للمعتق عنه وكذلك لو أدى دينا عن نفسه ثم أراد بعد ~~الأداء ان يجعله عن غيره لم يكن له ذلك وكذلك لو حج أو صام أو صلى لنفسه ثم ~~بعد ذلك أراد أن يجعل ذلك عن غيره لم يملك ذلك ويؤيد هذا أن الذين سألوا ~~النبي عن ذلك لم يسألوه عن إهداء ثواب العمل بعده وإنما سألوه عما يفعلونه ~~عن الميت كما قال سعد أينفعها أن أتصدق عنها ولم يقل أن أهدى لها ثواب ما ~~تصدقت به عن نفسي وكذلك قول المرأة الأخرى أفأحج عنها وقول الرجل الآخر ~~أفأحج عن أبى فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت لا بإهداء ثواب ما عملوه ~~لأنفسهم إلى موتاهم فهذا لا يعرف أنه صلى سئل عنه قط ولا يعرف عن أحد من ~~الصحابة أنه فعله وقال اللهم اجعل لفلان ثواب عملي المتقدم أو ثواب ما ~~عملته لنفسي # فهذا سر الاشتراط وهو افقه ومن لم يشترط ذلك يقول الثواب للعامل فإذا ~~تبرع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يهديه إليه من ماله ### | فصل وأما قولكم لو ساغ الإهداء لساغ إهداء ثواب الواجبات التي تجب على # الحي فالجواب أن هذا الإلزام محال على أصل من شرط في الوصول نية الفعل عن ~~الميت فإن الواجب لا يصح أن يفعله عن الغير فإن هذا واجب على الفاعل يجب ~~عليه أن ينوى به القربة إلى الله # وأما من لم يشترط نية الفعل عن الغير فهل يسوغ عنده أن يجعل للميت ثواب ~~فرض من فروضه فيه وجهان قال ابو عبد الله بن حمدان وقيل إن جعل له ثواب فرض ~~من الصلاة أو صوم أو غيرهما جاز وأجزأ فاعله # قلت وقد نقل عن جماعة أنهم جعلوا ثواب أعمالهم ms156 من فرض ونقل للمسلمين ~~وقالوا نلقى الله بالفقر والإفلاس المجرد والشريعة لا تمنع من ذلك فالأجر ~~ملك العامل فغن شاء أن يجعله لغيره فلا حجر عليه في ذلك والله أعلم ### | فصل وأما قولكم إن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل إذ المقصود # منها عين المكلف العامل إلى آخره # PageV01P133 # الجواب عنه أن ذلك لا يمنع إذن الشارع للمسلم أن ينفع أخاه بشيء من عمله ~~بل هذا من تمام إحسان الرب ورحمته لعباده ومن كمال هذه الشريعة التي شرعها ~~لهم التي مبناها على العدل والإحسان والتعارف والرب تعالى أقام ملائكته ~~وحملة عرشه يدعون لعباده المؤمنين ويستغفرون لهم ويسألونه لهم أن يقيهم ~~السيئات وأمر خاتم رسله أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وبقيمة يوم القيامة ~~مقاما محمودا ليشفع في العصاة من أتباعه وأهل سنته وقد أمره تعالى أن يصلى ~~على أصحابه في حياتهم وبعد مماتهم وكان يقوم على قبورهم فيدعو لهم ولقد ~~استقرت الشريعة على أن المأثم الذي على الجميع بترك فروض للكفايات يسقط إذا ~~فعله من يحصل المقصود بفعله ولو واحد وأسقط سبحانه الارتهان وحرارة الجلود ~~في القبر بضمان الحي دين الميت وأدائه عنه وإن كان ذلك الوجوب امتحانا في ~~حق المكلف وأذن النبي في الحج والصيام عن الميت وإن كان الوجوب امتحانا في ~~حقه وأسقط عن المأموم سجود السهو بصحة صلاة الإمام وخلوها من السهو وقراءة ~~الفاتحة بتحمل الإمام لها فهو يتحمل عن المأموم سهوه وقراءته وسترته لقراءة ~~الإمام وسترته قراءة لمن خلفه وسترة له وهل الإحسان إلى المكلف بإهداء ~~الثواب إليه إلا تأس بإحسان الرب تعالى والله يحب المحسنين # والخلق عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله وإذ كان سبحانه يحب من ينفع ~~عياله بشربة ماء ومذاقة لبن وكسرة خبز فكيف من ينفعهم في حال ضعفهم وفقرهم ~~وانقطاع أعمالهم وحاجتهم إلى شيء يهدى إليهم أحوج ما كانونا اليه فأحب ~~الخلق إلى الله من ينفع عياله في هذه الحال # ولهذا جاء أثر عن بعض السلف أنه من قال كل يوم سبعين مرة رب اغفر ms157 لي ~~ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات حصل له من الأجر بعدد كل ~~مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ولا تستبعد هذا فإنه إذا استغفر لإخوانه فقد أحسن ~~إليهم والله لا يضيع أجر المحسنين ### | فصل وأما قولكم انه لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه # فهذه الشبهة تورد على صورتين # صورة تلازم يدعى فيها اللزوم بين الأمرين ثم يبين انتفاء اللازم فينتفي ~~ملزومه وصورتها هكذا لو نفعه علم الغير عنه لنفعه إسلامه وتوبته عنه لكن لا ~~ينفعه ذلك فلا ينفعه عمل الغير # PageV01P134 # والصورة الثانية إن يقال لا ينتفع بإسلام الغير وتوبته عنه فلا ينتفع ~~بصلاته وصيامه وقراءته عنه # ومعلوم أن هذا التلازم والإقران باطل قطعا # أما أولا فلانه قياس مصادم لما تظاهرت به النصوص واجتمعت عليه الأمة # وأما ثانيا فلأنه جمع بين ما فرق الله بينه فإن الله سبحانه فرق بين ~~إسلام المرء عن غيره وبين صدقته وحجه وعتقه عنه فالقياس المسوى بينهما من ~~جنس قياس الذين قاسوا الميتة على المذكى والربا على البيع # وأما ثالثا فإن الله سبحانه جعل الإسلام سببا لنفع المسلمين بعضهم بعضا ~~في الحياة وبعد الموت فإذا لم يأت بسبب انتفاعه بعمل المسلمين لم يحصل له ~~ذلك النفع كما قال النبي لعمرو إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت ~~عنه نفعه ذلك وهذا كما جعل سبحانه الإسلام سببا لانتفاع العبد مما عمل من ~~خير فإذا فاته هذا السبب لم ينفعه خير عمله ولم يقبل منه كما جعل الإخلاص ~~والمتابعة سببا لقبول الأعمال فإذا فقد لم تقبل الأعمال وكما جعل الوضوء ~~وسائر شروط الصلاة سببا لصحتها فإذا فقدت فقدت الصحة وهذا شأن سائر الأسباب ~~مع مسبباتها الشرعية والعقلية والحسية فمن سوى بني حالين وجود السبب وعدمه ~~فهو مبطل # ونظير هذا الهوس أن يقال لو قبلت الشفاعة في العصاة لقبلت في المشركين ~~ولو خرج أهل الكبائر من الموحدين من النار لخرج الكفار منها وأمثال ذلك من ~~الأقيسة التي هي من نجاسات معد أصحابها ورجيع أفواههم # وبالجملة فالأولى ms158 بأهل العلم الأعراض عن الاشتغال بدفع هذه الهذيانات ~~لولا أنهم قد سودوا بها صحف الأعمال والصحف التي بين الناس ### | فصل وأما قولكم العبادات نوعان نوع تدخله النيابة فيصل ثواب إهدائه # إلى الميت # ونوع لا تدخله فلا يصل ثوابه # فهذا هو نفس المذهب والدعوى فكيف تحتجون به ومن أين لكم هذا الفرق فأي ~~كتاب أم أي سنة أم أي اعتبار دل عليه حتى يجب المصير إليه # PageV01P135 # وقد شرع النبي الصوم عن الميت مع أن الصوم لا تدخله النيابة وشرع للأمة ~~أن ينوب بعضهم عن بعض في أداء فرض الكفاية فإذا فعله واحد ناب عن الباقين ~~في فعله وسقط عنهم المأثم وشرع لقيم الطفل الذي لا يعقل أن ينوب عنه في ~~الإحرام وأفعال المناسك وحكم له بالأجر بفعل نائبه # وقد قال أبو حنيفة رحمه الله يحرم الرفقة عن المغمى عليه فجعلوا إحرام ~~رفقته بمنزلة إحرامه وجعل الشارع إسلام الأبوين بمنزلة إسلام أطفالهما ~~وكذلك إسلام السابي والمالك على القول المنصوص فقد رأيت كيف عدت هذه ~~الشريعة الكاملة أفعال البر من فاعلها إلى غيرهم فكيف يليق بها أن تحجر على ~~العبد أن ينفع والديه ورحمه وإخوانه من المسلمين في أعظم أوقات حاجاتهم ~~بشيء من الخير عليه الشارع في ثواب عمله أن يصرف منه ما شاء إلى من شاء من ~~المسلمين والذي أوصل ثواب الحج والصدقة والعتق هو بعينه الذي يوصل ثواب ~~الصيام والصلاة والقراءة والاعتكاف وهو إسلام المهدى وتبرع المهدى وإحسانه ~~وعدم حجر الشارع عليه في الإحسان بل ندبه إلى الإحسان بكل طريق وقد تواطأت ~~رؤيا المؤمنين وتواترت أعظم تواتر على أخبار الأموات لهم بوصول ما يهدونه ~~إليهم من قراءة وصلاة وصدقة وحج وغيره ولو ذكرنا ما حكى لنا من أهل عصرنا ~~وما بلغنا عمن قبلنا من ذلك لطال جدا وقد قال النبي أرى رؤياكم قد تواطأت ~~على أنها في العشر الأواخر فأعتبر تواطؤ رؤيا المؤمنين وهذا كما يعتبر ~~تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا ~~تواطأت ### | فصل ms159 وأما رد حديث رسول الله وهو قوله من مات وعليه صيام # صام عنه وليه بتلك الوجوه التي ذكرتموها فنحن ننتصر لحديث رسول الله ~~ونبين موافقته للصحيح من تلك الوجوه وأما الباطل فيكفينا بطلانه من معارضته ~~للحديث الصحيح الصريح الذي لا تغمز قناته ولا سبيل إلى مقابلته إلا بالسمع ~~والطاعة والإذعان والقبول وليس لنا بعده الخيرة بل الخيرة وكل الخيرة في ~~التسليم له والقول به ولو خالفه من بين المشرق والمغرب # فأما قولكم نرده بقول مالك في موطئه لا يصوم أحد عن أحد فمنازعوكم يقولون ~~بل نرد قول مالك هذا بقول النبي فأي الفريقين أحق بالصواب وأحسن ردا # PageV01P136 # وأما قوله وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه فمالك رحمه الله لم يحك ~~إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها وإنما حكى قول أهل المدينة فيما بلغه ولم ~~يبلغه خلاف بينهم وعدم اطلاعه رحمه الله على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطا ~~لحديث رسول الله بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث ~~المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة الذين لم تضمن لنا العصمة في قولهم ~~دون الأمة ولم يجعل الله ورسوله أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها بل ~~قال الله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} # وان كان مالك وأهل المدينة قد قالوا لا يصوم أحد عن أحد فقد روى الحكم بن ~~عتيبة وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أفتى في قضاء رمضان ~~يطعم عنه وفي النذر يصام عنه # وهذا مذهب الإمام أحمد وكثير من أهل الحديث وقول أبى عبيد وقال أبو ثور ~~يصام عنه النذر وغيره وقال الحسن بن صالح في النذر يصوم عنه وليه ### | فصل أما قولكم ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت وقد قال # لا يصوم أحد عن أحد فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه ~~وهذا لا يقدح في روايته ms160 فإن روايته معصومة وفتواه غير معصومة ويجوز أن يكون ~~نسى الحديث أو تأوله أو اعتقد له معارضا راجحا في ظنه أو لغير ذلك من ~~الأسباب على أن فتوى ابن عباس غير معارضة للحديث فإنه أفتى في رمضان أنه لا ~~يصوم أحد عن أحد وأفتى في النذر أنه يصام عنه وليس هذا بمخالف لروايته بل ~~حمل الحديث على النذر # ثم إن حديث من مات وعليه صيام صام عنه وليه هو ثابت من رواية عائشة رضى ~~الله عنها فهب أن ابن عباس خالفه فكان ماذا فخلاف ابن عباس لا يقدح في ~~رواية أم المؤمنين بل رد قول ابن عباس برواية عائشة رضى الله عنها أولى من ~~رد روايتها بقوله # وأيضا فإن ابن عباس رضى الله عنهما قد اختلف عنه في ذلك وعنه روايتان ~~فليس إسقاط الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية ~~الأخرى بالحديث ### | فصل وأما قولكم انه حديث اختلف في إسناده فكلام مجازف لا يقبل قوله # فالحديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح ولم يختلف في إسناده # PageV01P137 # قال ابن البر ثبت عن النبي أنه قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه وصححه ~~الإمام أحمد وذهب إليه وعلق الشافعي القول به على صحته فقال وقد روى عن ~~النبي في الصوم عن الميت شيء فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه وقد ثبت ~~بلا شك فهو مذهب الشافعي كذلك قال غير واحد من أئمة أصحابه قال البيهقى بعد ~~حكايته هذا اللفظ عن الشافعي قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن ~~جبير ومجاهد وعطاء وعن عكرمة عن ابن عباس وفي رواية أكثرهم إن امرأة سألت ~~فأشبه أن تكون غير قصة أم سعد وفي رواية بعضهم صومي عن أمك وسيأتي تقرير ~~ذلك عند الجواب عن كلامه رحمه الله # وقولكم أنه معارض بنص القرآن وهو قوله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~إساءة أدب في اللفظ وخطأ عظيم في المعنى وقد أعاذ الله رسوله أن تعارض سنته ~~لنصوص ms161 القرآن بل تعاضدها وتؤيدها ويالله ما يصنع التعصب ونصرة التقليد وقد ~~تقدم من الكلام على الآية ما فيه كفاية وبينا أنها لا تعارض بينها وبين سنة ~~رسول الله بوجه وإنما يظن التعارض من سوء الفهم وهذه طريقة وخيمة ذميمة وهي ~~رد السنن الثابتة بما يفهم من ظاهر القرآن والعلم كل العلم تنزيل السنن على ~~القرآن فإنها مشتقة منه ومأخوذة عمن جاء به وهي بيان له لا أنها مناقضة له # وقولكم أنه معارض بما رواه النسائي عن النبي انه قال لا يصلى أحد عن أحد ~~ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه كل يوم مد من حنطة فخطأ قبيح فإن ~~النسائي رواه هكذا أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ~~حجاج الأحول حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما قال لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل ~~يوم مد من حنطة هكذا رواه قول ابن عباس لا قول رسول الله فكيف يعارض قول ~~رسول الله بقول ابن عباس ثم يقدم عليه مع ثبوت الخلاف عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما ورسول الله لم يقل هذا الكلام قط وكيف يقوله وقد ثبت عنه في الصحيحين ~~أنه قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه وكيف يقوله وقد قال في حديث بريدة ~~الذي رواه مسلم في صحيحه أن امرأة قالت له إن أمى ماتت وعليها صوم شهر قال ~~صومي عن أمك # وأما قولكم انه معارض بحديث ابن عمر رضى الله عنهما من مات وعليه صوم ~~رمضان يطعم عنه فمن هذا النمط فإنه حديث باطل على رسول الله # PageV01P138 # قال البيهقى حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن نافع عن ابن عمر رضى ~~الله عنهما عن النبي من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه لا يصح ومحمد بن عبد ~~الرحمن كثير الوهم وإنما رواه أصحاب نافع عنه نافع عن ابن عمر رضى الله ms162 ~~عنهما من قوله # وأما قولكم أنه معارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة فإن ~~أحدا لا يفعلها عن أحد # فلعمر الله انه لقياس جلى البطلان والفساد لرد سنة رسول الله الصحيحة ~~الصريحة له وشهادتها ببطلانه وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر ~~بعد موته وبين انتفاع المسلم بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب صيام أو ~~صدقة أو صلاة ولعمر الله إن الفرق بينهما أوضح من أن يخفي وهل في القياس ~~أفسد من قياس انتفاع المسلم بعد موته بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب ~~عمله على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته أو قبول التوبة عن المجرم بعد ~~موته ### | فصل وأما كلام الشافعي رحمه الله في تغليط راوي حديث ابن عباس رضى # الله عنهما أن نذر أم سعد كان صوما فقد أجاب عنه أنصر الناس له هو ~~البيهقى ونحن نذكر كلامه بلفظه قال في كتاب المعرفة بعد أن حكى كلامه قد ~~ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد ابن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة عن ابن ~~عباس رضى الله عنهما وفي رواية أكثرهم أن امرأة سألت فأشبه أن تكون غير قصة ~~أم سعد وفي رواية بعضهم صومي عن أمك قال وتشهد له بالصحة رواية عبد الله بن ~~عطاء المدني قال حدثني عبد الله بن بريدة الأسلمى عن أبيه قال كنت عند ~~النبي فأتته امرأة فقالت يا رسول الله إني كنت تصدقت بوليدة على أمي فماتت ~~وبقيت الوليدة قال قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث قالت فإنها ماتت ~~وعليها صوم شهر قال صومي عن أمك قالت وإنها ماتت ولم تحج قال فحجى عن أمك ~~رواه مسلم في صحيحه من أوجه عن عبد الله بن عطاء انتهي # قلت وقد روى أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم ~~البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال جاء رجل إلى النبي ~~فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها ms163 فقال النبي لو ~~كان عليها دين أكنت قاضيه عنها قال نعم قال فدين الله أحق أن يقضى # PageV01P139 # ورواه أبو خيثمة حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش فذكره # ورواه النسائي عن قتيبة بن سعيد حدثنا عبثر عن الأعمش فذكره # فهذا غير حديث أم سعد إسنادا ومتنا فان قصة أم سعد رواها مالك عن الزهري ~~عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضى الله عنهما أن سعد بن ~~عبادة استفتى رسول الله فقال إن أمي ماتت وعليها نذر فقال النبي اقضه عنها ~~هكذا أخرجاه في الصحيحين # فهب أن هذا هو المحفوظ في هذا الحديث أنه نذر مطلق لم يسم فهل يكون هذا ~~في حديث الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير على أن ترك استفصال النبي ~~لسعد في النذر هل كان صلاة أو صدقة أو صياما مع أن الناذر قد ينذر هذا وهذا ~~يدل على أنه لا فرق بين قضاء نذر الصيام والصلاة وإلا لقال له ما هو النذر ~~فان النذر إذا انقسم إلى قسمين نذر يقبل القضاء عن الميت ونذر لا يقبله لم ~~يكن من الاستفصال ### | فصل ونحن نذكر أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت لئلا يتوهم أن # في المسألة إجماعا بخلافه # قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما يصام عنه في النذر ويطعم عنه في ~~قضاء رمضان وهذا مذهب الإمام أحمد # وقال أبو ثور يصام عنه النذر والفرض وكذلك قال داود بن على وأصحابه يصام ~~عنه نذرا كان أو فرضا # وقال الأوزاعى يجعل وليه مكان الصوم صدقة فان لم يجد صام عنه وهذا قول ~~سفيان الثوري في إحدى الروايتين عنه # وقال أبو عبيد القاسم بن سلام يصام عنه النذر ويطعم عنه في الفرض # وقال الحسن إذا كان عليه صيام شهر فصام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز ### | فصل وأما قولكم أنه يصل إليه في الحج ثواب النفقة دون أفعال المناسك # فدعوى مجردة بلا برهان والسنة تردها فان النبي قال حج عن ms164 أبيك وقال ~~للمرأة حجى عن أمك فأخبر أن الحج نفسه عن الميت ولم يقل إن الإنفاق هو الذي ~~يقع عنه # PageV01P140 # وكذلك قال للذي سمعه يلبى عن شبرمة حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة # ولما سألته المرأة عن الطفل الذي معها فقالت ألهذا حج قال نعم ولم يقل ~~إنما له ثواب الإنفاق بل أخبر أن له حجا مع أنه لم يفعل شيئا بل وليه ينوب ~~عنه في أفعال المناسك # ثم إن النائب عن الميت قد لا ينفق شيئا في حجته غير نفقة مقامه فما الذي ~~يجعل نفقة ثواب نفقة مقامه للمحجوج عنه وهو لم ينفقها على الحج بل تلك ~~نفقته أقام أم سافر فهذا القول ترده السنة والقياس والله أعلم ### | فصل فإن قيل فهل تشترطون في وصول الثواب ان يهديه بلفظه أم يكفي # في وصوله مجرد نيه العامل أن يهديها إلى الغير # قيل السنة لم تشترط التلفظ بالإهداء في حديث واحد بل أطلق الفعل عن الغير ~~كالصوم والحج والصدقة ولم يقل لفاعل ذلك وقل اللهم هذا عن فلان ابن فلان ~~والله سبحانه يعلم نية العبد وقصده بعمله فان ذكره جاز وإن ترك ذكره واكتفي ~~بالنية والقصد وصل إليه ولا يحتاج أن يقول اللهم إني صائم غدا عن فلان ابن ~~فلان ولهذا والله أعلم اشترط من اشترط نية الفعل عن الغير قبله ليكون واقعا ~~بالقصد عن الميت # فأما إذا فعله لنفسه ثم نوى أن يجعل ثوابه للغير لم يصر الغير بمجرد ~~النية كما لو نوى أن يهب أو يعتق أو يتصدق لم يحصل ذلك بمجرد النية # وبما يوضح ذلك أنه لو بنى مكانا بنية أن يجعله مسجدا أو مدرسة أو ساقية ~~ونحو ذلك صار وقفا بفعله مع النية ولم يحتج إلى تلفظ # وكذلك لو أعطى الفقير مالا بنية الزكاة سقطت عنه الزكاة وإن لم يتلفظ بها # وكذلك لو أدى عن غيره دينا حيا كان أو ميتا سقط من ذمته وإن لم يقل هذا ~~عن فلان # فإن قيل فهل يتعين عليه تعليق ms165 الإهداء بأن يقول اللهم إن كنت قبلت هذا ~~العمل وأثبتنى عليه فاجعل ثوابه لفلان أم لا # قيل لا يتعين ذلك لفظا ولا قصدا بل لا فائدة في هذا الشرط فان الله ~~سبحانه إنما يفعل هذا سواء شرطه أو لم يشرطه فلو كان سبحانه يفعل غير هذا ~~بدون الشرط كان في الشرط فائدة # وأما قوله اللهم إن كنت اثبتنى على هذا فاجعل ثوابه لفلان فهو بناء على ~~ان الثواب يقع للعامل ثم ينتقل منه إلى من أهدى له وليس كذلك بل إذا نوى ~~حال الفعل # PageV01P141 # انه عن فلان وقع الثواب أولا عن المعمول له كما لو أعتق عبده عن غيره لا ~~نقول ان الولاء يقع للمعتق ثم ينتقل عنه إلى المعتق عنه فهكذا هذا وبالله ~~التوفيق # فإن قيل فما الأفضل انه يهدى إلى الميت قيل الأفضل ما كان أنفع في نفسه ~~فالعتق عنه والصدقة أفضل من الصيام عنه وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من ~~المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة ومنه قول النبي افضل الصدقة سقى الماء ~~وهذا في موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش وإلا فسقى الماء على الأنهار ~~والقنى لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة وكذلك الدعاء والاستغفار ~~له إذا كان بصدق من الداعي وإخلاص وتضرع فهو في موضعه افضل من الصدقة عنه ~~كالصلاة على الجنازة والوقوف للدعاء على قبره # وبالجملة فأفضل ما يهدى إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار له والدعاء ~~له والحج عنه # وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ~~ثواب الصوم والحج # فإن قيل فهذا لم يكن معروفا في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة ~~حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار ~~والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه ولكانوا ~~يفعلونه # فالجواب أن مورد هذا السؤال إن كان معترفا بوصول ثواب الحج والصيام ~~والدعاء والاستغفار # قيل له ما هذه الخاصية التي منعت بوصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب ~~القرآن ms166 واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات وان ~~لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع ~~وقواعد الشرع # وأما السبب الذي لأجله يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على ~~من يقرأ ويهدى إلى الموتى ولا كانوا يعرفون ذلك البتة ولا كانوا يقصدون ~~القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم ولا كان أحدهم يشهد من حضره من ~~الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم # PageV01P142 # ثم يقال لهذا القائل لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال اللهم ~~ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر ~~فلم يكونوا ليشهدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم # فإن قيل فرسول الله أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة # قيل هو يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج ~~عن ميته فإذن له وهذا سأله عن الصيام عنه فإذن له وهذا سأله عن الصدقة فإذن ~~له ولم يمنعهم مما سوى ذلك # وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب ~~القراءة والذكر # والقائل أن أحدا من السلف لم يفعل ذلك قائل مالا علم له به فإن هذه شهادة ~~على نفي ما لم يعمله فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من ~~حضرهم عليه بل يكفي اطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ ~~بنية الإهداء لا يشترط كما تقدم # وسر المسألة أن الثواب ملك العامل فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم ~~أوصله الله إليه فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن وحجر على العبد أن ~~يوصله إلى أخيه وهذا عمل سائر الناس حتى المنكرين في سائر الإعصار والأمصار ~~من غير نكير من العلماء # فإن قيل فما تقولون في الإهداء إلى رسول الله قيل من الفقهاء المتأخرين ~~من استحبه ومنهم من لم يستحبه ورآه ms167 بدعة فان الصحابة لم يكونوا يفعلونه وأن ~~النبي له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيء ~~لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه ومن دعا إلى هدى فله ~~من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء وكل هدى وعلم ~~فإنما نالته أمته على يده فله مثل أجر من اتبعه أهداه إليه أول لم يهده ~~والله أعلم # PageV01P143 ### | المسألة السابعة عشرة # وهي هل الروح قديمة أو محدثة مخلوقة # وإذا كانت محدثة مخلوقة وهي من أمر الله فكيف يكون أمر الله محدثا مخلوقا ~~وقد أخبر سبحانه أنه نفخ في آدم من روحه فهذه الإضافة إليه هل تدل على أنها ~~قديمة أم لا وما حقيقة هذه الإضافة فقد أخبر عن آدم أنه خلقه بيده ونفخ فيه ~~من روحه فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة # فهذه مسألة زل فيها عالم وضل فيها طوائف من بنى آدم وهدى الله اتباع ~~رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين فأجمعت الرسل صلوات الله وسلامه ~~عليهم على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة هذا معلوم بالاضطرار من ~~دين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كما يعلم بالاضطرار من دينهم أن العالم ~~حادث وأن معاد الأبدان واقع وأن الله وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق له وقد ~~انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وهم القرون الفضيلة على ذلك من غير ~~اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في ~~الكتاب والسنة فزعم أنها قديمة غير مخلوقة واحتج بأنها من أمر الله وأمره ~~غير مخلوق وبأن الله تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وكتابه وقدرته ~~وسمعه وبصره ويده وتوقف آخرون فقالوا لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة # وسئل عن ذلك حافظ أصبهان أبو عبد الله بن منده فقال أما بعد فإن سائلا ~~سألني عن الروح التي جعلها الله سبحانه قوام نفس الخلق وأبدانهم وذكر أن ~~أقواما تكلموا في الروح وزعموا أنها غير ms168 مخلوقة وخص بعضهم منها أرواح القدس ~~وأنها من ذات الله قال وأنا أذكر اختلاف أقاويل متقدميهم وأبين ما يخالف ~~أقاويلهم من الكتاب والأثر وأقاويل الصحابة والتابعين وأهل العلم وأذكر بعد ~~ذلك وجوه الروح من الكتاب والأثر وأوضح خطأ المتكلم في الروح بغير علم وأن ~~كلامهم يوافق قول جهم وأصحابه فنقول وبالله التوفيق أن الناس اختلفوا في ~~معرفة الأرواح ومحلها من النفس # فقال بعضهم الأرواح كلها مخلوقة وهذا مذهب أهل الجماعة والأثر واحتجوا ~~بقول النبي الأرواح جنود مجنده فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ~~والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة # وقال بعضهم الأرواح من أمر الله أخفي الله حقيقتها وعلمها عن الخلق ~~واحتجوا بقول الله تعالى {قل الروح من أمر ربي} # PageV01P144 # وقال بعضهم الأرواح نور من أنوار الله تعالى وحياة من حياته واحتجت بقول ~~النبي إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره ثم ذكر الخلاف في ~~الأرواح هل تموت أم لا وهل تعذب مع الأجساد في البرزخ وفي مستقرها بعد ~~الموت وهل هي النفس أو غيرها # وقال محمد بن نصر المروزى في كتابه تأول صنف من الزنادقة وصنف من الروافض ~~في روح آدم ما تأولته النصارى في روح عيسى وما تأوله قوم من أن الروح انفصل ~~من ذات الله فصار في المؤمن فعبد صنف من النصارى عيسى ومريم جميعا لأن عيسى ~~عندهم روح من الله صار في مريم فهو غير مخلوق عندهم # وقال صنف من الزنادقة وصنف من الروافض أن روح آدم مثل ذلك أنه غير مخلوق ~~وتأولوا قوله تعالى {ونفخت فيه من روحي} وقوله تعالى {ثم سواه ونفخ فيه من ~~روحه} فزعموا إن روح آدم ليس بمخلوق كما تأول من قال إن النور من الرب غير ~~مخلوق قالوا ثم صاروا بعد آدم في الوصي بعده ثم هو في كل نبي ووصى إلى أن ~~صار في على ثم في الحسن والحسين ثم في كل وصى وإمام فيه يعلم الإمام كل شيء ~~ولا يحتاج أن يتعلم من ms169 أحد # ولا خلاف بين المسلمين أن الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من ~~بنى آدم كلها مخلوقة لله خلقها وأنشأها وكونها واخترعها ثم أضافها إلى نفسه ~~كما أضاف إليه سائر خلقه قال تعالى وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ~~جميعا منه # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية روح الآدمي مخلوقة مبدعة بإتفاق سلف الأمة ~~وأئمتها وسائر أهل السنة وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد ~~من أئمة المسلمين مثل محمد ابن نصر المروزى الإمام المشهور الذي هو من أعلم ~~أهل زمانه بالإجماع ولا اختلاف وكذلك أبو محمد بن قتيبة قال في كتاب اللفظ ~~لما تكلم على الروح قال النسم الأرواح قال وأجمع الناس على أن الله تعالى ~~هو فالق الحبة وبارىء النسمة أي خالق الروح وقال أبو إسحاق ابن شاقلا فيما ~~أجاب به في هذه المسألة سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة هي أو غير مخلوقة ~~قال وهذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب أن الروح من الأشياء المخلوقة وقد ~~تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ وردوا على من يزعم ~~إنها غير مخلوقة وصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتابا كبيرا ~~وقبله الإمام محمد بن نصر المروزى وغيره والشيخ أبو سعيد الخراز وأبو يعقوب ~~النهر جوري والقاضي أبو يعلى وقد نص على ذلك الأئمة الكبار واشتد نكيرهم ~~على من يقول ذلك في روح عيسى ابن مريم فكيف بروح # PageV01P145 # غيره كما ذكره الإمام أحمد فيما كتبه في مجلسه في الرد على الزنادقة ~~والجهمية ثم أن الجهمى ادعى أمرا فقال أنا أجد آية في كتاب الله مما يدل ~~على أن القرآن مخلوق قول الله تعالى {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} وعيسى مخلوق قلنا له إن الله تعالى منعك ~~الفهم للقرآن ان عيسى تجرى عليه ألفاظ لا تجرى على القرآن لأنا نسميه ~~مولودا وطفلا وصبيا وغلاما يأكل ويشرب وهو مخاطب بالأمر والنهي يجرى ms170 عليه ~~الخطاب والوعد والوعيد ثم هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم فلا يحل لنا أن ~~نقول في القرآن ما نقول في عيسى فهل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في ~~عيسى ولكن المعنى في قوله تعالى إن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن فكان ~~عيسى بكن وليس عيسى هو كن ولكن كان بكن فكن من الله قول وليس كن مخلوقا ~~وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا روح ~~هذه الخرقة من هذا الثواب قلنا نحن أن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو ~~الكلمة وإنما الكلمة قول الله تعالى كن وقوله {وروح منه} يقول من أمره كان ~~الروح فيه كقوله تعالى وسخر لكم ما في السموات وما الأرض جميعا منه يقول من ~~أمره وتفسير روح الله إنما معناها بكلمة الله خلقها كما يقال عبد الله ~~وسماء الله وأرض الله فقد صرح بأن روح المسيح مخلوقة فكيف بسائر الأرواح ~~وقد أضاف الله إليه الروح الذي أرسله إلى مريم وهو عبده ورسوله ولم يدل على ~~ذلك أنه قديم غير مخلوق فقال تعالى {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ~~سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا} فهذا الروح هو روح الله وهو عبده ورسوله # وسنذكر إن شاء الله تعالى أقسام المضاف إلى الله وأنى يكون المضاف صفة له ~~قديمة وإني يكون مخلوقا وما ضابط ذلك ### | فصل والذي يدل على خلقها وجوه الوجه الأول قول الله تعالى # {الله خالق كل شيء} فهذا اللفظ عام لا تخصيص فيه بوجه ما ولا يدخل في ذلك ~~صفاته فإنها داخلة في مسمى بإسمه فالله سبحانه هو الإله الموصوف بصفات ~~الكمال فعلمه وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وسائر صفاته داخل في مسمى ~~اسمه ليس داخلا في الأشياء المخلوقة كما لم تدخل ذاته فيها فهو سبحانه ~~وصفاته الخالق ms171 وما سواه مخلوق # PageV01P146 # ومعلوم قطعا أن الروح ليست هي الله ولا صفة من صفاته وإنما هي مصنوع من ~~مصنوعاته فوقوع الخلق عليها كوقوعه على الملائكة والجن والإنس # الوجه الثاني قوله تعالى زكريا {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} وهذا ~~الخطاب لروحه وبدنه ليس لبدنه فقط فإن البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا ~~يعقل وإنما الذي يفهم ويعقل ويخاطب هو الروح # الوجه الثالث قوله تعالى {والله خلقكم وما تعملون} # الوجه الرابع قوله تعالى {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم} وهذا الإخبار إنما يتناول أرواحنا وأجسادنا كما يقوله الجمهور ~~واما أن يكون واقعا على الأرواح قبل خلق الأجساد كما يقوله من يزعم ذلك ~~وعلى التقدير فهو صريح في خلق الأرواح # الوجه الخامس النصوص الدالة على أنه سبحانه ربنا ورب آبائنا الأولين ورب ~~كل شيء وهذه الربوبية شاملة لأرواحنا وأبداننا فالأرواح مربوبة له مملوكة ~~كما ان الأجسام كذلك وكل مربوب مملوك فهو مخلوق # الوجه السادس أول سورة في القرآن وهي الفاتحة تدل على أن الأرواح مخلوقة ~~من عدة أوجه أحدها قوله تعالى {الحمد لله رب العالمين} والأرواح من جملة ~~العالم فهو ربها # الثاني قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} فالأرواح عابدة له مستعينة ~~ولو كانت غير مخلوقة لكانت معبودة مستعانا بها # الثالث إنها فقيرة إلى هداية فاطرها وربها تسأله أن يهديها صراطه ~~المستقيم # الرابع أنها منعم عليها مرحومة ومغضوب عليها وضالة شقية وهذا شأن المربوب ~~والمملوك لا شأن القديم غير المخلوق # الوجه السابع النصوص الدالة على أن الإنسان عبد بجملته وليست عبوديته ~~واقعة على بدنه دون روحه بل عبوديته الروح أصل وعبودية البدن تبع كما أنه ~~تبع لها في الأحكام وهي التي تحركه وتستعمله وهو تبع لها في العبودية # الوجه الثامن قوله تعالى {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا} فلو كانت روحه قديمة لكان الإنسان لم يزل شيئا مذكورا فإنه إنما هو ~~إنسان بروحه لا ببدنه فقط كما قيل # يا خادم الجسم كم ms172 تشقى بخدمته ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان # PageV01P147 # الوجه التاسع النصوص الدالة على أن الله سبحانه كان ولم يكن شيء غيره كما ~~ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران حصين أن أهل اليمن قالوا يا رسول الله ~~جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر فقال كان الله ولم يكن شيء ~~غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء فلم يكن مع الله أرواح ولا ~~نفوس قديمة يساوى وجودها وجوده تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بل هو الأول ~~وحده لا يشاركه غيره في أوليته بوجه # الوجه العاشر النصوص الدالة على خلق الملائكة وهم أرواح مستغنية عن أجساد ~~تقوم بها وهم مخلوقون قبل خلق الإنسان وروحه فإذا كان الملك الذي يحدث ~~الروح في جسد ابن آدم بنفخته مخلوقا فكيف تكون الروح الحادثة بنفخه قديمة ~~وهؤلاء الغالطون يظنون ان الملك يرسل إلى الجنين بروح قديمة أزلية ينفخها ~~فيه كما يرسل الرسول بثوب إلى الإنسان يلبسه إياه وهذا ضلال وخطأ وإنما ~~يرسل الله سبحانه إليه الملك فينفخ فيه نفخة تحدث له الروح بواسطة تلك ~~النفخة فتكون النفخة هي سبب حصول الروح وحدوثها له كما كان الوطء والإنزال ~~سبب تكوين جسمه والغذاء سبب نموه فمادة الروح من نفخة الملك ومادة الجسم من ~~صب الماء في الرحم فهذه مادة سماوية وهذه مادة أرضية فمن الناس من تغلب ~~عليه المادة السماوية فتصير روحه علوية شريفة تناسب الملائكة ومنهم من تغلب ~~عليه المادة الأرضية فتصير روحه سفلية ترابية مهينة تناسب الأرواح السفلية ~~فالملك أب لروحه والتراب أب لبدنه وجسمه # الوجه الحادي عشر حديث أبى هريرة رضى الله عنه الذي في صحيح البخاري ~~وغيره عن النبي الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها ~~اختلف والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة وهذا الحديث رواه عن النبي أبو ~~هريرة وعائشة أم المؤمنين وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعبد الله ابن ~~مسعود وعبد الله بن عمرو وعلى بن أبى طالب وعمرو بن عبسة رضى ms173 الله عنهم # الوجه الثاني عشر أن الروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال وهذا ~~شأن المخلوق المحدث المربوب قال الله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل ~~مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} والأنفس ها هنا هي الأرواح قطعا وفي ~~الصحيحين من حديث عبد الله بن أبى قتادة الأنصاري عن أبيه قال سرنا مع رسول ~~الله في سفر ذات ليلة فقلنا يا رسول الله لو عرست بنا فقال إني أخاف أن ~~تناموا فمن يوقظنا للصلاة فقال بلال أنا يا رسول الله فعرس بالقوم فاضطجعوا ~~واستند بلال إلى راحلته فغلبته عيناه فاستيقظ # PageV01P148 # رسول الله وقد طلع جانب الشمس فقال يا بلال أين ما قلت لنا فقال والذي ~~بعثك بالحق ما ألقيت على نومة مثلها فقال رسول الله ان الله قبض أرواحكم ~~حين شاء وردها حين شاء فهذه الروح المقبوضة هي النفس التي يتوفاها الله حين ~~موتها وفي منامها التي يتوفاها ملك الموت وهي التي تتوفاها رسل الله سبحانه ~~وهي التي يجلس الملك عند رأس صاحبها ويخرجها من بدنه كرها ويكفنها بكفن من ~~الجنة أو النار ويصعد بها إلى السماء فتصلى عليها الملائكة أو تلعنها وتوقف ~~بين يدي ربها فيقضى فيها أمره ثم تعاد إلى الأرض فتدخل بين الميت وأكفانه ~~فيسأل ويمتحن ويعاقب وينعم وهي التي تجعل في أجواف الطير الخضر تأكل وتشرب ~~من الجنة وهي التي تعرض على النار غدوا وعشيا وهي التي تؤمن وتكفر وتطيع ~~وتعصى وهي الأمارة بالسوء وهي اللوامة وهي المطمئنة إلى ربها وأمره وذكره ~~وهي التي تعذب وتنعم وتسعد وتشقى وتحبس وترسل وتصح وتسقم وتلذ وتألم وتخاف ~~وتحزن وما ذاك إلا سمات مخلوق مبدع وصفات منشأ مخترع وأحكام مربوب مدبر ~~مصرف تحت مشيئة خالقه وفاطره وبارئه وكان رسول الله يقول عند نومه اللهم ~~أنت خلقت نفسي وأنت توفاها لك مماتها ومحياها فإن أمسكتها فإرحمها وإن ~~أرسلتها فأحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين وهو تعلى ms174 بارىء النفوس كما هو ~~بارىء الأجساد قال تعالى {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ~~كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} قيل من قبل أن نبرأ المصيبة ~~وقيل من قبل أن نبرأ الأرض وقيل من قبل أن نبرأ الأنفس وهو أولى لأنه أقرب ~~مذكور إلى الضمير ولو قيل يرجع إلى الثلاثة أي من قبل أن نبرأ المصيبة ~~والأرض والأنفس لكان أوجه # وكيف تكون قديمة مستغنية عن خالق محدث مبدع لها وشواهد الفقر والحاجة ~~والضرورة أعدل شواهد على أنها مخلوقة مربوبة مصنوعة وأن وجود ذاتها وصفاتها ~~وأفعالها من ربها وفاطرها ليس لها من نفسها إلا العدم فهي لا تملك لنفسها ~~ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا لا تستطيع أن تأخذ من الخير إلا ~~ما أعطاها وتتقى من الشر إلا ما وقاها ولا تهتدي إلى شيء من صالح دنياها ~~وأخراها إلا بهداه وتصلح إلا بتوفيقه لها وإصلاحه إياها ولا تعلم إلا ما ~~علمها ولا تتعدى ما ألهمها فهو الذي خلقها فسواها وألهمها فجورها وتقواها ~~فأخبر سبحانه أنه خالقها ومبدعها وخالق أفعالها من الفجور والتقوى خلافا ~~لمن يقول إنها ليست مخلوقة ولمن يقول إنها وإن كانت مخلوقة فليس خالقا ~~لأفعالها بل هي التي تخلق أفعالها وهما قولان لأهل الضلال والغي # PageV01P149 # ومعلوم أنها لو كانت قديمة غير مخلوقة لكانت مستغنية بنفسها في وجودها ~~وصفاتها وكمالها وهذا من ابطل الباطل فإن فقرها إليه سبحانه في وجودها ~~وكمالها وصلاحها هو من لوازم ذاتها ليس معللا بعلة فإنه أمر ذاتي لها كما ~~أن غنى ربها وفاطرها ومبدعها من لوازم ذاته ليس معللا بعلة فهو سبحانه ~~الغنى بالذات وهي الفقيرة إليه بالذات فلا يشاركه سبحانه في غناه مشارك كما ~~لا يشاركه في قدمه وربوبيته وملكه التام وكماله المقدس مشارك فشواهد الخلق ~~والحدوث على الأرواح كشواهده على الأبدان # قال تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} ~~وهذا الخطاب بالفقر إليه للأرواح والأبدان ليس ms175 هو للأبدان فقط وهذا الغنى ~~التام لله وحده لا يشركه فيه غيره وقد أرشد الله سبحانه عباده إلى أوضح ~~دليل على ذلك بقوله {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب ~~إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم ~~صادقين} أي فلولا ان كنتم غير مملوكين ومقهورين ومربوبين ومجازين بأعمالكم ~~تردون الأرواح إلى الأبدان إذا وصلت إلى هذا الموضع أو لا تعلمون بذلك أنها ~~مدينة مملوكة مربوبة محاسبة مجزية بعملها # وكلما تقدم ذكره في هذا الجواب من أحكام الروح وشأنها ومستقرها بعد الموت ~~فهو دليل على أنها مخلوقة مربوبة مدبرة ليست بقديمة # وهذا الأمر أوضح من أن تساق الأدلة عليه ولولا ضلال من المتصوفة وأهل ~~البدع ومن قصر فهمه في كتاب الله وسنة رسوله فأتى من سوء الفهم لا من النص ~~تكلموا في أنفسهم وأرواحهم بما دل على أنهم من أجهل الناس بها وكيف يمكن من ~~له أدنى مسكة من عقل أن ينكر أمرا تشهد عليه به نفسه وصفاته وأفعاله ~~وجوارحه وأعضاؤه بل تشهد به السموات والأرض والخليقة فلله سبحانه في كل ما ~~سواه آية بل آيات تدل على أنه مخلوق مربوب وانه خالقه وربه وبارؤه ومليكه ~~ولو جحد ذلك فمعه شاهد عليه ### | فصل وأما ما احتجت به هذه الطائفة فأما ما أتوا به من اتباع # متشابه القرآن والعدول عن محكمة فهذا شأن كل ضلال ومبتدع # فمحكم القرآن من أوله إلى آخره يدل على أن الله تعالى خالق الأرواح ~~ومبدعها # وأما قوله تعالى {قل الروح من أمر ربي} فمعلوم قطعا أنه ليس المراد ها ~~هنا بالأمر الطلب الذي هو أحد أنواع الكلام فيكون المراد أن الروح كلامه ~~الذي يأمر به وإنما المراد # PageV01P150 # بالأمر ها هنا المأمور وهو عرف مستعمل في لغة العرب وفي القرآن منه كثير ~~كقوله تعالى {أتى أمر الله} أي مأمور الذي قدره وقضاه وقال له كن فيكون ~~وكذلك قوله تعالى {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ms176 لما ~~جاء أمر ربك} أي مأموره الذي أمر به من إهلاكهم وكذلك قوله تعالى {وما أمر ~~الساعة إلا كلمح البصر} وكذلك الخلق يستعمل بمعنى المخلوق كقوله تعالى ~~للجنة أنت رحمتي فليس في قوله تعالى {قل الروح من أمر ربي} ما يدل على أنها ~~قديمة غير مخلوقة بوجه ما وقد قال بعض السلف في تفسيرها جرى بأمر الله في ~~أجساد الخلق وبقدرته استقر # وهذا بناء على أن المراد بالروح في الآية روح الإنسان وفي ذلك خلاف بين ~~السلف والخلف وأكثر السلف بل كلهم على أن الروح المسئول عنها في الآية ليست ~~أرواح بنى آدم بل هو الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم ~~القيامة مع الملائكة وهو ملك عظيم وقد ثبت في الصحيح من حديث الأعمش عن ~~إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال بينا أنا أمشى مع رسول الله في حرة ~~المدينة وهو متكىء على عسيب فمررنا على نفر من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه ~~عن الروح وقال بعضهم لا تسألوه عسى أن يخبر فيه بشيء تكرهونه وقال بعضهم ~~نسأله فقام رجل فقال يا أبا القاسم ما الروح فسكت عنه رسول الله فعلمت أنه ~~يوحي إليه فقمت فلما تجلى عنه قال {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} # ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي وذلك هو الروح الذي ~~عند الله لا يعلمها الناس # وأما أرواح بنى آدم فليست من الغيب وقد تكلم فيها طوائف من الناس من أهل ~~الملل وغيرهم فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة # فإن قيل فقد قال أبو الشيخ حدثنا الحسين بن محمد بن إبراهيم أنبأنا ~~إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن السدى عن أبى مالك عن ابن عباس قال بعثت قريش ~~عقبة بن أبى معيط وعبد الله ابن أبى أمية بن المغيرة إلى يهود المدينة ~~يسألونهم عن النبي فقالوا لهم انه قد خرج فينا رجل يزعم أنه نبي وليس على ~~ديننا ms177 ولا على دينكم قالوا فمن تبعه قالوا سفلتنا والضعفاء والعبيد ومن لا ~~خير فيه وأما أشراف قومه فلم يتبعوه فقالوا انه قد أظل زمان نبي يخرج وهو ~~على ما تصفون من أمر هذا الرجل فائتوه فاسألوه عن ثلاث خصال نأمركم بهن فإن ~~أخبركم بهن فهو نبي صادق وإن لم يخبركم بهن فهو كذاب سلوه عن الروح التي ~~نفخ الله تعالى في آدم فإن قال لكم هي من الله فقولوا كيف يعذب الله في ~~النار شيئا هو # PageV01P151 # منه فسأل جبريل عنها فأنزل الله عز وجل {ويسألونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربي} يقول هو خلق من خلق الله ليس هو من الله الله ثم ذكر باقي الحديث # قيل مثل هذا الإسناد لا يحتج به فإنه من تفسير السدى عن أبى مالك وفيه ~~أشياء منكرة وسياق هذه القصة في السؤال من الصحاح والمسانيد كلها تخالف ~~سياق السدى وقد رواها الأعمش والمغيرة بن مقسم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد ~~الله قال مر النبي على ملأ من اليهود وأنا أمشى معه فسألوه عن الروح قال ~~فسكت فظننت أنه يوحي إليه فنزلت {ويسألونك عن الروح} يعنى اليهود قل الروح ~~من أمر ربى وما أوتوا من العلم إلا قليلا # وكذلك هي في قراءة عبد الله فقالوا كذلك نجد مثله في التوراة أن الروح من ~~أمر الله عز وجل رواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن المغيرة # وروى يحيى بن زكريا بن أبى زائدة عن داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن ~~عباس رضى الله عنهما قال أتت اليهود إلى النبي فسألوه عن الروح فلم يجبهم ~~النبي بشيء فأنزل الله عز وجل {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا} # فهذا يدل على ضعف حديث السدى وأن السؤال كان بمكة فإن هذا الحديث وحديث ~~ابن مسعود صريح في أن السؤال كان بالمدينة مباشرة من اليهود ولو كان قد ~~تقدم السؤال والجواب بمكة لم يسكت النبي ولبادر إلى جوابهم ms178 بما تقدم من ~~إعلام الله له وما أنزله عليه # وقد اضطربت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أعظم اضطراب فأما أن ~~تكون من قبل الرواة أو تكون أقواله قد اضطربت فيها ونحن نذكر فقد ذكرنا ~~رواية السدى عن أبى مالك عنه ورواية داود بن أبى هند عن عكرمة عنه تخالفها ~~وفي رواية داود بن أبى هند هذه اضطراب فقال مسروق بن المرزبان وإبراهيم بن ~~أبى طالب عن يحيى ابن زكريا عنه أن اليهود أتت النبي الحديث # وقال محمد بن نصر المروزى حدثنا إسحاق أنبأنا يحيى بن زكريا عن داود بن ~~أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس قال قالت قريش لليهود أعطونا شيئا نسأل عنه ~~هذا الرجل فقالوا سلوه عن الروح فنزلت {ويسألونك عن الروح} الآية # PageV01P152 # وهذا يخالف الرواية الأخرى عنه وحديث ابن مسعود # وعن ابن عباس رواية ثالثة قال هشيم حدثنا أبو بشر عن مجاهد عن ابن عباس ~~قل الروح أمر من أمر الله عز وجل وخلق من خلق الله وصور مثل صور بنى آدم ~~وما نزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح وهذا يدل على أنها غير الروح ~~التي في ابن آدم # وعنه رواية رابعة قال ابن منده روى عبد السلام بن حرب عن خصيف عن مجاهد ~~عن ابن عباس {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} قد نزل من القرآن ~~بمنزلة كن نقول كما قال تعالى {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} ثم ~~ساق من طريق خصيف عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يفسر أربعة أشياء الرقيم ~~والغسلين والروح # وقوله تعالى وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه # وعنه رواية خامسة رواها جويبر عن الضحاك عنه أن اليهود سألوا رسول الله ~~عن الروح فقال قال الله تعالى {قل الروح من أمر ربي} يعنى خلقا من خلقي ~~{وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} يعنى لو سئلتم عن خلق أنفسكم وعن مدخل ~~الطعام والشراب ومخرجهما ما وصفتم ms179 ذلك حق صفته وما اهتديتم لصفتها # وعنه رواية سادسة روى عبد الغنى بن سعيد حدثنا موسى بن عبد الرحمن عن ابن ~~جريج عن عطاء عن ابن عباس وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى ~~{ويسألونك عن الروح} وذلك أن قريشا اجتمعت فقال بعضهم لبعض والله ما كان ~~محمد يكذب ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة فأرسلوا جماعة إلى اليهود ~~فاسألوهم عنه وكانوا مستبشرين به ويكثرون ذكره ويدعون نبوته ويرجون نصرته ~~موقنين بأنه سيهاجر إليهم ويكونون له أنصارا فسألوهم عنه فقالت لهم اليهود ~~سلوه عن ثلاث سلوه عن الروح وذلك أنه ليس في التوراة قصته ولا تفسيره إلا ~~ذكر اسم الروح فأنزل الله تعالى {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} ~~يريد من خلق ربى عز وجل # والروح في القرآن على عدة أوجه # أحدها الوحي كقوله تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} وقوله تعالى ~~{يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} وسمى الوحي روحا لما يحصل به من ~~حياة القلوب والأرواح # الثاني القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من شاء من عباده المؤمنين ~~كما قال {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} # PageV01P153 # الثالث جبريل كقوله تعالى {نزل به الروح الأمين على قلبك} وقال تعالى {من ~~كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك} وهو روح القدس قال تعالى {قل نزله روح ~~القدس} # الرابع الروح التي سأل عنها اليهود فأجيبوا بأنها من أمر الله وقد قيل ~~أنها الروح المذكورة في قوله تعالى {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا ~~يتكلمون} وأنها الروح المذكور في قوله {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ~~ربهم} # الخامس المسيح ابن مريم قال تعالى {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} وأما أرواح بنى آدم فلم تقع تسميتها في ~~القرآن إلا بالنفس قال تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة} وقال تعالى {ولا ~~أقسم بالنفس اللوامة} وقال تعالى {إن النفس لأمارة بالسوء} وقال تعالى ~~أخرجوا أنفسكم وقال تعالى {ونفس وما ms180 سواها فألهمها فجورها وتقواها} وقال ~~تعالى {كل نفس ذائقة الموت} وأما في السنة فجاءت بلفظ النفس والروح # والمقصود أن كونها من أمر الله لا يدل على قدمها وأنها غير مخلوقة ### | فصل وأما استدلالهم بإضافتها إليه سبحانه بقوله تعالى # {ونفخت فيه من روحي} فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله سبحانه نوعان ~~صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر فهذه إضافة صفة ~~إلى الموصوف بها فعلمه وكلامه وإرادته وقدرته وحياته وصفات له غير مخلوقة ~~وكذلك وجهه ويده سبحانه # والثاني إضافة أعيان منفصلة عنه كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح ~~فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه ومصنوع إلى صانعه لكنها إضافة تقتضي تخصيصا ~~وتشريفا يتميز به المضاف عن غيره كبيت الله وإن كانت البيوت كلها ملكا له ~~وكذلك ناقة الله والنوق كلها ملكه وخلقه لكن هذه إضافة إلى إلهيته تقتضي ~~محبته لها وتكريمه وتشريفه بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته حيث تقتضي ~~خلقه وإيجاده فالإضافة العامة تقتضي الإيجاد والخاصة تقتضي الاختيار والله ~~يخلق ما يشاء ويختار مما خلقه كما قال تعالى {وربك يخلق ما يشاء ويختار} ~~وإضافة الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة لا من العامة ولا من باب إضافة ~~الصفات فتأمل هذا الموضع فإنه يخلصك من صلالات كثيرة وقع فيها من شاء الله ~~من الناس فإن قيل فما تقولون في قوله تعالى {ونفخت فيه من روحي} فأضاف ~~النفخ إلى نفسه وهذا يقتضي المباشرة منه تعالى كما في قوله خلقت بيدي ولهذا ~~فرق بينهما في الذكر في الحديث الصحيح في قوله # PageV01P154 # فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه ~~وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فذكروا لآدم أربع خصائص اختص بها عن ~~غيره ولو كانت الروح التي فيه إنما هي من نفخة الملك لم يكن له خصيصة بذلك ~~وكان بمنزلة المسيح بل وسائر أولاده فإن الروح حصلت فيهم من نفخة الملك وقد ~~قال تعالى {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} فهو الذي سواه بيده وهو الذي ms181 نفخ ~~فيه من روحه # قيل هذا الموضع الذي أوجب لهذه الطائفة أن قالت بقدم الروح وتوقف فيها ~~آخرون ولم يفهموا مراد القرآن فأما الروح المضافة إلى الرب فهي روح مخلوقة ~~أضافها إلى نفسه إضافة تخصيص وتشريف كما بينا وأما النفخ فقد قال تعالى في ~~مريم {التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} وقد أخبر في موضع آخر أنه ~~أرسل إليها الملك فنفخ في فرجها وكان النفخ مضافا إلى الله أمرا وإذنا وإلى ~~الرسول مباشرة # يبقى ها هنا أمران # أحدهما أن يقال فإذا كان النفخ حصل في مريم من جهة الملك وهو الذي ينفخ ~~الأرواح في سائر البشر فما وجه تسمية المسيح روح الله وإذا كان سائر الناس ~~تحدث أرواحهم من هذه الروح فما خاصية المسيح # الثاني أن يقال فهل تعلق الروح بآدم كانت بواسطة نفخ هذا الروح هو الذي ~~نفخها فيه بإذن الله كما نفخها في مريم أم الرب تعالى هو الذي نفخها بنفسه ~~كما خلقه بيده قيل لعمر الله انهما سؤالان مهمان فأما الأول فالجواب عنه أن ~~الروح الذي نفخ في مريم هو الروح المضاف إلى الله الذي اختصه لنفسه وأضافه ~~إليه وهو روح خاص من بين سائر الأرواح وليس بالملك الموكل بالنفخ في بطون ~~الحوامل من المؤمنين والكفار فإن الله سبحانه وكل بالرحم ملكا ينفخ الروح ~~في الجنين فيكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته # وأما هذا الروح المرسل إلى مريم فهو روح الله الذي اصطفاه من الأرواح ~~لنفسه فكان لمريم بمنزلة الأب لسائر النوع فان نفخته لما دخلت في فرجها كان ~~ذلك بمنزلة لقاح الذكر للأنثى من غير أن يكون هناك وطء وأما ما اختص به آدم ~~فإنه لم يخلق كخلقة المسيح من أم ولا كخلقة سائر النوع من أب وأم ولا كان ~~الروح الذي نفخ الله فيه منه هو الملك الذي ينفخ الروح في سائر أولاده ولو ~~كان كذلك لم يكن لآدم به اختصاص وإنما ذكر في الحديث ما اختص به على غيره ~~وهو أربعة أشياء ms182 خلق الله له بيده ونفخ فيه من روحه واسجاد ملائكته له ~~وتعليمه أسماء كل شيء فنفخه فيه من روحه يستلزم نافخا ونفخا ومنفوخا منه ~~فالمنفوخ منه هو الروح المضافة إلى الله فمنها سرت النفخة في طينة آدم ~~والله تعالى هو الذي نفخ في طينته من # PageV01P155 # تلك الروح هذا هو الذي دل عليه النص وأما كون النفخة بمباشرة منه سبحانه ~~كما خلقه بيده أن أنها حصلت بأمره كما حصلت في مريم عليها السلام فهذا ~~يحتاج إلى دليل والفرق بين خلق الله له بيده ونفخه فيه من روحه أن اليد غير ~~مخلوقة والروح مخلوقة والخلق فعل من أفعال الرب وأما النفخ فهل هو من ~~أفعاله القائمة به أو هو مفعول من مفعولاته القائمة بغير المنفصلة عنه وهذا ~~مما لا يحتاج إلى دليل وهذا بخلاف النفخ في فرج مريم فإنه مفعول من ~~مفعولاته وأضافه إليه لأنه بإذنه وأمره فنفخه في آدم هل هو فعل له أو مفعول ~~وعلى كل تقدير فالروح الذي نفخ منها في آدم روح مخلوقة غير قديمة وهي مادة ~~روح آدم فروحه أولى أن تكون حادثة مخلوقة وهو المراد ### | المسألة الثامنة عشرة # وهي تقدم خلق الأرواح على الأجساد أو تأخر خلقها عنها # فهذه المسألة للناس فيها قولان معروفان حكاهما شيخ الإسلاح وغيره وممن ~~ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزى وأبو محمد بن حزم وحكاه ابن حزم ~~إجماعا ونحن نذكر حجج الفريقين وما هو الأولى منها بالصواب # قال من ذهب إلى تقدم خلقها على خلق البدن قال الله تعالى {ولقد خلقناكم ~~ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا} قالوا ثم للترتيب والمهلة ~~فقد تضمنت الآية أن خلقها مقدم على أمر الله للملائكة بالسجود لآدم ومن ~~المعلوم قطعا أن أبداننا حادثة بعد ذلك فعلم أنها الأرواح قالوا ويدل عليه ~~قوله سبحانه {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى} قالوا وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا إذ ~~لم تكن الأبدان حينئذ ms183 موجودة ففي الموطأ حدثنا مالك عن زيد ابن أبى أنيسة ~~أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار ~~الجهنى أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم} فقال سمعت رسول الله يسأل عنها فقال خلق الله آدم ثم مسح ~~ظهره بيمينه فإستخرج منه ذريته فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار ~~يعملون وخلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون فقال رجل يا رسول الله ~~ففيم العمل فقال رسول الله إن الله إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعمل أهل ~~الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد ~~للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله ~~به النار قال الحاكم هذا حديث على شرط مسلم # PageV01P156 # وروى الحاكم أيضا من طريق هشام بن سعد عن زيد أسلم عن أبى صالح عن أبى ~~هريرة مرفوعا لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نمسة هو خالقها ~~إلى يوم القيامة أمثال الذر ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم ~~عرضهم على آدم فقال من هؤلاء يا رب قال هؤلاء ذريتك فرأي رجلا منهم أعجبه ~~وبيص ما بين عينيه فقال يا رب من هذا فقال هذا ابنك داود يكون في آخر الأمم ~~قال كم جعلت له من العمر قال ستين سنة قال يا رب زده عمري أربعين سنة فقال ~~الله تعالى إذا يكتب ويختم فلا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت قال ~~أو لم يبق من عمرى أربعون سنة فقال أو لم تجعلها لأبنك داود قال قال فجحد ~~فجحدت ذريته ونسى فنسيت ذريته وخطىء فخطئت ذريته قال هذا على شرط مسلم ~~ورواه الترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس ~~قال لما نزلت آية الدين قال رسول الله ان أول من جحد آدم وزاد ms184 محمد بن سعد ~~ثم أكمل الله لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة # وفي صحيح الحاكم أيضا من حديث أبى جعفر الرازي حدثنا الربيع بن أنس عن ~~أبى العالية عن أبى بن كعب في قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم} الآية قال جمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن إلى يوم القيامة ~~فجعلهم أرواحا ثم صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق ~~{وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين} قال فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع ~~وأشهد عليكم أباكم آدم {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} فلا ~~تشركوا بي شيئا فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم ~~كتبي فقالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ورفع لهم أبوهم آدم فرأي ~~فيهم الغنى والفقير وحسن الصورة وغير ذلك فقال رب لو سويت بين عبادك فقال ~~إني أحب أن أشكر ورأي فيهم الأنبياء مثل السرج وخصوا بميثاق آخر بالرسالة ~~والنبوة فذلك قوله وإذا خذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وهو قوله ~~تعالى {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله} وهو قوله تعالى {هذا نذير من النذر الأولى} وقوله تعالى {وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} وكان روح عيسى من تلك ~~الأرواح التي أخذ عليها الميثاق فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من ~~أهلها مكانا شرقيا فدخل من فيها وهذا إسناد صحيح # PageV01P157 # فقال إسحاق بن راهوية حدثنا بغية بن الوليد قال أخبرني الزبيدى محمد بن ~~الوليد عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن قتادة البصري عن أبيه عن هشام بن ~~حكيم بن حزام ان رجلا قال يا رسول الله أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء ~~فقال ان الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم ثم أقاض بهم في ~~كفيه فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار فأهل ms185 الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة وأهل ~~النار ميسرون لعمل أهل النار # قال إسحاق وأنبأنا النضر حدثنا أبو معشر عن سعيد المقبرى ونافع مولى ~~الزبير عن أبى هريرة قال لما أراد الله أن يخلق آدم فذكر خلق آدم فقال له ~~يا آدم أي يدي أحب إليك أن أريك ذريتك فيها فقال يمين ربى وكلتا يدي ربى ~~يمين فبسط يمينه فإذا فيها ذريته كلهم ما هو خالق إلى يوم القيامة الصحيح ~~على هيئته والمبتلى على هيئته والأنبياء على هيئتهم فقال ألا أعفيتهم كلهم ~~فقال أنى أحب ان أشكر وذكر الحديث # وقال محمد بن نصر حدثنا محمد بن يحيى حدثنا سعيد بن أبى مريم أخبرنا ~~الليث بن سعد حدثني ابن عجلان عن سعد بن أبى سعيد المقبرى عن أبيه عن عبد ~~الله بن سلام قال خلق الله آدم ثم قال بيديه فقبضهما فقال اختر يا آدم فقال ~~اخترت يمين ربى وكلتا يديه يمين فبسطها فإذا فيها ذريته فقال من هؤلاء يا ~~رب قال من قضيت أن اخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة # قال واخبرنا إسحاق حدثنا جعفر بن عون أنبأنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم ~~عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي قال لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ~~ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة # وحدثنا إسحاق وعمر بن زرارة أخبرنا إسماعيل عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس في قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} ~~الآية قال مسح ربك ظهر آدم فخرجت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ~~بنعمان هذا الذي رواه عرفة فأخذ ميثاقهم {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} # ورواه أبو جمرة الضبعى ومجاهد وحبيب بن أبى ثابت وأبو صالح وغيرهم عن ابن ~~عباس وقال إسحاق أخبرنا جرير عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو في هذه ~~الآية قال أخذهم كما يؤخذ المشط بالرأس # وحدثنا ms186 حجاج عن ابن جريج عن الزبير بن موسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~رضى الله عنهما قال إن الله ضرب منكبه الأيمن فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة ~~بيضاء نقية فقال هؤلاء أهل الجنة ثم ضرب منكبه الأيسر فخرجت كل نفس مخلوقة ~~لنار سوداء فقال # PageV01P158 # هؤلاء أهل النار ثم أخذ عهده على الإيمان به والمعرفة له ولأمره والتصديق ~~به وبأمره من بنى آدم كلهم وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقروا # وذكر محمد بن نصر من تفسير السدى عن أبى مالك وأبى صالح عن ابن عباس وعن ~~مرة الهمدانى عن ابن مسعود عن أناس من أصحاب النبي في قوله تعالى {وإذ أخذ ~~ربك من بني آدم} الآية لما أخرج الله آدم من الجنة قبل ان يهبط من السماء ~~مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ وكهيئة الذر فقال ~~لهم ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة ~~الذر فقال ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حيث يقول وأصحاب اليمين وأصحاب ~~الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال {ألست بربكم قالوا بلى} فأعطاه طائفة ~~طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة {شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ~~ذرية من بعدهم} فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن الله ربه ولا مشرك إلا ~~وهو يقول إنا وجدنا آباءنا على أمة فذلك قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم} وقوله تعالى وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وقوله تعالى ~~{فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} قال يعنى يوم أخذ عليهم ~~الميثاق # قال إسحاق وأخبرنا روح بن عبادة حدثنا موسى بن عبيدة الربذى قال سمعت ~~محمد بن كعب القرظى يقول في هذه الآية {وإذ أخذ ربك من بني آدم} الآية ~~أقروا له بالإيمان والمعرفة الأرواح قبل أن يخلق أجسادها # قال حدثنا الفضل بن موسى عن عبد الملك ms187 عن عطاء في هذه الآية قال اخرجوا ~~من صلب آدم حين أخذ منهم الميثاق ثم ردوا في صلبه # قال إسحاق وأخبرنا على بن الأجلح عن الضحاك قال ان الله أخرج من ظهر آدم ~~يوم خلقه ما يكون إلى أن تقوم الساعة فأخرجهم مثل الذر فقال {ألست بربكم ~~قالوا بلى} قالت الملائكة {شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين} ثم قبض قبضة بيمينه فقال هؤلاء في الجنة وقبض أخرى فقال هؤلاء في ~~النار # قال إسحاق وأخبرنا أبو عامر العقدي وأبو نعيم الملائى قال حدثنا هشام بن ~~سعد عن يحيى وليس بابن سعيد قال قلت لابن المسيب ما تقول في العزل قال إن ~~شئت حدثتك حديثا هو حق إن الله سبحانه لما خلق آدم أراه كرامة لم يرها أحدا ~~من خلق الله أراه كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة فمن حدثك أن ~~يزيد فيهم شيئا أو ينقص منهم فقد كذب ولو كان لي سبعون ما باليت # PageV01P159 # وفي تفسير ابن عيينة عن الربيع بن أنس عن أبى عالية وله اسلم من في ~~السموات والأرض طوعا وكرها قال يوم أخذه الميثاق # قال إسحاق فقد كانوا في ذلك الوقت مقرين وذلك أن الله عز وجل أخبر أنه ~~قال {ألست بربكم قالوا بلى} والله تعالى لا يخاطب إلا من يفهم عنه المخاطبة ~~ولا يجيب إلا من فهم السؤال فأجابتهم إياه بقولهم دليل على أنهم قد فهموا ~~عن الله وعقلوا عنه استشهاده إياهم {ألست بربكم} فأجابوه من بعد عقل منهم ~~للمخاطبة وفهم لها بأن {قالوا بلى} فأقروا له بالربوبية ### | فصل واحتجوا أيضا بما رواه أبو عبد الله بن منده اخبرنا محمد بن # صابر البخاري حدثنا محمد ابن المنذر بن سعد الهروى حدثنا جعفر بن محمد بن ~~هارون المصيصى حدثنا عتبة بن السكن حدثنا أرطأة بن المنذر حدثنا عطاء بن ~~عجلان عن يونس بن حلبس عن عمرو بن عبسة قال سمعت رسول الله يقول ان الله ~~خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي ms188 عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر ~~منها اختلف فهذا بعض ما احتج به هؤلاء # قال الآخرون الكلام معكم في مقامين أحدهما ذكر الدليل على الأرواح إنها ~~خلقت بعد خلق الأبدان الثاني الجواب عما استدللتم به # فأما المقام الأول فقد قال تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى} وهذا خطاب للإنسان الذى هو روح وبدن فدل على أن جملته مخلوقة بعد ~~خلق الأبوين واصرح منه قوله {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله} الآية ~~وهذا صريح في أن خلق جملة النوع الإنساني بعد خلق اصله # فإن قيل فهذا لا ينفي تقدم خلق الأرواح على أجسادها وإن خلقت بعد خلق أبى ~~البشر كما دلت عليه الآثار المتقدمة # قيل سنبين إن شاء الله تعالى أن الآثار المذكورة لا تدل على سبق الأرواح ~~الأجساد سبقا مستقرا ثابتا وغايتها أن تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها ~~وفاطرها سبحانه صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها واستخرج تلك الصور ~~من مادتها ثم أعادها إليها وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له ~~ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها ~~في موضع واحد ثم ترسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة كما قاله # PageV01P160 # أبو محمد بن حزم فهل تحمل الآثار مالا طاقة لنا به نعم الرب سبحانه يخلق ~~منها جملة بعد جملة على الوجه الذى سبق به التقدير أولا فيجىء الخلق ~~الخارجي مطابقا للتقدير السابق كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته فانه قدر لها ~~أقدارا وآجالا وصفات وهيئات ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير الذى ~~قدره لها لا تزيد عليه ولا تنقص منه # فالآثار المذكورة إنما تدل على إثبات القدر السابق وبعضها يدل على أنه ~~سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة وأما ~~مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية ~~فمن قاله من السلف فإنما هو بناء ms189 منه على فهم الآية والآية لم تدل على هذا ~~بل دلت على خلافه # وأما حديث مالك فقال أبو عمر هو حديث منقطع مسلم بن يسار لم يلق عمر بن ~~الخطاب وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة وهو أيضا مع هذا الإسناد لا ~~يقوم به حجة ومسلم ابن يسار هذا مجهول قيل أنه مدني وليس بمسلم بن يسار ~~البصري قال ابن أبى خيثمة قرأت على يحيى بن معين حديث مالك هذا عن زيد بن ~~أبى أنيسة فكتب بيده على مسلم بن يسار لا يعرف # ثم ساقه أبو عمر من طريق النسائي أخبرنا محمد بن وهب حدثنا محمد بن سلمة ~~قال حدثني أبو عبد الرحيم قال حدثني زيد بن أنيسة عن عبد الحميد بن عبد ~~الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة # ثم ساقه من طريق سخبرة حدثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد حدثنا محمد بن ~~سلمة عن أبى عبد الرحيم عن زيد بن أبى أنيسة عن عبد الحميد عن مسلم عن نعيم ~~قال أبو عمرو وزيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة أن الذى ~~لم يذكره احفظ وإنما الزيادة من الحافظ المتقن # وجملة القول في هذا الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم لأن مسلم بن يسار ~~ونعيم بن ربيعة جميعا غير معروفين بحمل العلم ولكن معنى هذا الحديث قد صح ~~عن النبي من وجوه كثيرة ثابت يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره ~~وجماعة يطول ذكرهم # ومراد أبو عمر الأحاديث الدالة على القدر السابق فإنها هي التي ساقها بعد ~~ذلك فذكر حديث عبد الله بن عمر في القدر وقال في آخره وسأله رجل من مزينة ~~أو جهينة فقال يا رسول # PageV01P161 # الله ففيم العمل فقال أن أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة وأهل النار ~~ييسرون لعمل أهل النار # قال وروى هذا المعنى في القدر عن النبي عن على بن أبى طالب وأبى بن كعب ~~وعبد الله بن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو ms190 سعيد وأبو سريحة الغفارى وعبد ~~الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وعائشة وأنس بن مالك ~~وسراقة ابن جعشم وأبو موسى الأشعرى وعبادة بن الصامت وأكثر أحاديث هؤلاء ~~لها طرق شتى ثم ساقي كثيرا منها بإسناده # وأما حديث أبى صالح عن أبى هريرة فإنما يدل على استخراج الذرية وتمثلهم ~~في صور الذر وكان منهم حينئذ المشرق والمظلم وليس فيه أنه سبحانه خلق ~~أرواحهم قبل الأجساد وأقرها بموضع واحد ثم يرسل كل روح من تلك الأرواح عند ~~حدوث بدنها اليه نعم هو سبحانه يخص كل بدن بالروح التي قدر أن تكون له في ~~ذلك الوقت وأما أنه خلق نفس ذلك البدن في ذلك الوقت وفرغ من خلقها وأودعها ~~في مكان معطلة عن بدنها حتى إذا أحدث بدنها أرسلها إليه من ذلك المكان فلا ~~يدل شيء من الأحاديث على ذلك البتة لمن تأملها # وأما حديث أبى بن كعب هو عن النبي وغايته لو صح ولم يصح أن يكون من كلام ~~أبى وهذا الإسناد يروى به أشياء منكرة جدا مرفوعة وموقوفة وأبو جعفر الرازي ~~وثق وضعف وقال على بن المدينى كان ثقة وقال أيضا كان يخلط وقال ابن معين هو ~~ثقة وقال أيضا يكتب حديثه إلا أنه يخطئ وقال الإمام أحمد ليس بقوى في ~~الحديث وقال أيضا صالح الحديث وقال الفلاس سيء الحفظ وقال أبو زرعة ييهم ~~كثيرا وقال ابن حبان ينفرد بالمناكير عن المشاهير # ومما ينكر من هذا الحديث قوله فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ ~~عليها الميثاق فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ~~فدخل في فيها ومعلوم إن الروح الذى أرسل إلى مريم ليس هو روح المسيح بل ذلك ~~الروح نفخ فيها فحملت بالمسيح قال تعالى {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها ~~بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك ~~لأهب لك غلاما زكيا} فروح المسيح لا يخاطبها عن نفسه بهذه المخاطبة قطعا ~~وفي بعض ms191 طرق حديث أبى جعفر هذا أن روح المسيح هو الذى خطابها وهو الذى أرسل ~~إليها # PageV01P162 # وها هنا أربع مقامات # أحدها أن الله سبحانه استخرج صورهم وأمثالهم فميز شقيهم وسعيدهم ومعافاهم ~~من مبتلاهم # الثاني أن الله سبحانه أقام عليهم الحجة حينئذ وأشهدهم بربوبيته واستشهد ~~عليهم ملائكته # الثالث أن هذا هو تفسير قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم} # الرابع أنه أقر تلك الأرواح كلها بعد إخراجها بمكان وفرغ من خلقها وإنما ~~يتجدد كل وقت إرسال جملة منها بعد جملة إلى أبدانها فأما المقام الأول ~~فالآثار متظاهرة به مرفوعة وموقوفة # فأما المقام الثاني فإنما أخذ من أخذه من المفسرين من الآية وظنوا أنه ~~تفسيرها وهذا قول جمهور المفسرين من أهل الأثر قال أبو إسحاق جائز أن يكون ~~الله سبحانه جعل لأمثال الذر التي أخرجها فهما تعقل به كما قال {قالت نملة ~~يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} وقد سخر مع داود الجبال تسح معه والطير # وقال ابن الأنبارى مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن ~~الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم في صور الذر فأخذ عليهم ~~الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون فاعترفوا بذلك وقبلوا وذلك بعد أن ركب ~~فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبل عقلا حين خوطب وكما فعل ~~ذلك بالبعير لما سجد والنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت # وقال الجرجانى ليس بين قول النبي إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته ~~وبين الآية اختلاف بحمد الله لأنه عز وجل إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم ~~من ظهور ذريته لأن ذرية آدم لذريته بعضهم من بعض وقوله تعالى {أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} أي عن الميثاق المأخوذ عليهم فإذا ~~قالوا ذلك كانت الملائكة شهودا عليهم بأخذ الميثاق قال وفي هذا دليل على ~~التفسير الذى جاءت به الرواية من أن الله تعالى قال للملائكة اشهدوا فقالوا ~~شهدنا قال وزعم بعض أهل العلم أن الميثاق ms192 إنما أخذ على الأرواح دون الأجساد ~~إن الأرواح هي التي تعقل وتفهم ولها الثواب وعليها العقاب والأجساد أموات ~~لا تعقل ولا تفهم قال وكان إسحاق بن راهوية يذهب إلى هذا المعنى وذكر أنه ~~قول أبى هريرة قال إسحاق وأجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد # PageV01P163 # أستنطقهم وأشهدهم قال الجرجانى واحتجوا بقوله تعالى {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء} والأجساد قد بليت وضلت في الأرض ~~والأرواح ترزق وتفرح وهي التي تلذ وتألم وتفرح وتحزن وتعرف وتنكر وبيان ذلك ~~في الأحلام موجود أن الإنسان يصبح وأثر لذة الفرح وألم الحزن باق في نفسه ~~مما تلاقى الروح دون الجسد قال وحاصل الفائدة في هذا الفصل أنه سبحانه قد ~~أثبت الحجة على كل النفوس ممن يبلغ وممن لم يبلغ بالميثاق الذى أخذه عليهم ~~وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي ~~العالم وبالرسل المنفذة إليهم مبشرين ومنذرين وبالمواعظ بالمثلات المنقولة ~~إليهم أخبارها غير أنه عز وجل لا يطالب أحدا منهم من الطاعة إلا بقدر ما ~~لزمه من الحجة وركب فيهم من القدرة وآتاهم من الأدلة وبين سبحانه ما هو ~~عامل في البالغين الذين أدركوا الأمر والنهي وحجب عنا علم ما قدره في غير ~~البالغين إلا أنا نعلم أنه عدل لا يجوز في حكمه وحكيم لا تفاوت في صنعه ~~وقادر لا يسأل عما يفعل له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ### | فصل ونازع هؤلاء غيرهم في كون هذا معنى الآية وقالوا معنى قوله # {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} أي إخرجهم وأنشأهم بعد أن ~~كانوا نطفا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود وأشهدهم على ~~أنفسهم أنه ربهم بما أظهر لهم من آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا ~~أنه خالقهم فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربه ما يشهد على أنه بارئه ونافذ ~~الحكم فيه فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا ~~بمنزلة الشاهدين ms193 والمشهدين على أنفسهم بصحته كما قال في غير هذا الموضع ~~{شاهدين على أنفسهم بالكفر} يريدهم بمنزلة الشاهدين وإن لم يقولوا نحن كفرة ~~كما تقول كما شهدت جوارحي بقولك تريد قد عرفته فكأن جوارحى لو استشهدت وفي ~~وسعها أن تنطق لشهدت ومن هذا إعلامه وتبيينه أيضا شهد الله أن لا إله إلا ~~هو يريد أعلم وبين فأشه ذلك شهادة من شهد عند الحكام وغيرهم هذا كلام ابن ~~الأنبارى # وزاد الجرجاني بيانا لهذا القول فقال حاكما عن أصحابه أن الله لما خلق ~~الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن وما لم يكن بعد مما هو كائن كالكائن إذ ~~علمه بكونه مانع من غير كونه شائع في مجاز العربية أن يوضع ما هو منتظر بعد ~~مما لم يقع بعد موقع الواقع لسبق علمه بوقوعه كما قال عز وجل في مواضع من ~~القرآن كقوله تعالى {ونادى أصحاب النار} {ونادى أصحاب الجنة} {ونادى أصحاب ~~الأعراف} قال فيكون تأويل قوله {وإذ أخذ ربك} وإذ يأخذ ربك وكذلك قوله # PageV01P164 # {وأشهدهم على أنفسهم} أي ويشهدهم مما ركبه فيهم من العقل الذى يكون به ~~الفهم ويجب به الثواب والعقاب وكل من ولد وبلغ الحنث وعقل الضر والنفع وفهم ~~الوعد والوعيد والثواب والعقاب صار كأن الله تعالى أخذ عليه الميثاق في ~~التوحيد بما ركب فيه من العقل وأراه من الآيات والدلائل على حدوثه وأنه لا ~~يجوز أن يكون قد خلق نفسه وإذا لم يجز ذلك فلا بد له من خالق هو غيره ليس ~~كمثله وليس من مخلوق يبلغ هذا المبلغ ولم يقدح فيه مانع من فهم إلا إذا حز ~~به أمر يفزع إلى الله عز وجل حين يرفع رأسه إلى السماء ويشير إليها بإصبعه ~~علما منه بأن خالقه تعالى فوقه وإذا كان العقل الذى منه الفهم والإفهام ~~مؤديا إلى معرفة ما ذكرنا ودالا عليه فكل من بلغ هذا المبلغ فقد أخذ عليه ~~العهد والميثاق وجائز أن يقال له قد أقر وأذعن وأسلم كما قال الله عز وجل ~~ولله يسجد من ms194 في السموات والأرض طوعا وكرها # قال واحتجوا بقوله رفع القلم عن ثلاث عن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى ~~يفيق وعن النائم حتى ينتبه وقوله عز وجل إنا عرضنا الأمانة على السموات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ثم قال تعالى وحلمها الإنسان ~~الأمانة ها هنا عهد وميثاق فامتناع السموات والأرض والجبال من حمل الأمانة ~~لأجل خلوها من العقل الذى يكون به الفهم والإفهام وحمل الإنسان إياها لمكان ~~العقل فيه قال وللعرب فيها ضروب نظم فمنها قوله # ضمن القنان الفقعس بثباتها ... ان القنان لفقعس لا يأتلى # والفنان جبل فذكر أنه قد ضمن لفقعس وضمانه لها أنهم كانوا إذا حزبهم أمر ~~من هزيمة أو خوف لجأوا إليه فجعل ذلك كالضمان لهم ومنه قول النابغة # كأرجاف الجولان هلل ربه ... وجوران منها خاشع متضائل # وأرجاف الجولان جبالها وجوران الأرض التي إلى جانبها وقال هذا القائل إن ~~في قوله تعالى {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ~~إنما أشرك آباؤنا} # PageV01P165 # من قبل وكنا ذرية من بعدهم دليلا على هذا التأويل لأنه عز وجل أعلم أن ~~هذا الأخذ للعهد عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين ~~والغفلة ها هنا لا تخلو من أحد وجهين أما أن تكون عن يوم القيامة أو عن أخذ ~~الميثاق فأما يوم القيامة فلم يذكر سبحانه في كتابه أنه أخذ عليهم عهدا ~~وميثاقا بمعرفة البعث والحساب وإنما ذكر معرفته فقط وأما أخذ الميثاق ~~فالأطفال والإسقاط إن كان هذا العهد مأخوذا عليهم كما قال المخالف فهم لم ~~يبلغوا بعد أخذ هذا الميثاق عليهم مبلغا يكون منهم غفلة عنه فيجحدونه ~~وينكرونه فمتى تكون هذه الغفلة منهم وهو عز وجل لا يؤاخذهم بما لم يكن منهم ~~وذكر ما لا يجوز ولا يكون محال وقوله تعالى {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من ~~قبل وكنا ذرية من بعدهم} فلا يخلو هذا الشرك الذى يؤاخذون به أن يكون منهم ~~أنفسهم أو من آبائهم فان كان منهم فلا يجوز أن ms195 يكون ذلك إلا بعد البلوغ ~~وثبوت الحجة عليهم إذ الطفل لا يكون منه شرك ولا غيره وان كان من غيرهم ~~فالأمة مجمعة على أن لا تزر وازرة وزر أخرى كما قال عز وجل في الكتاب وليس ~~هذا بمخالف لما روى عن النبي أن الله مسح ظهر آدم وأخرج منه ذريته فأخذ ~~عليهم العهد لأنه اقتص قول الله عز وجل فجاء مثل نظمه فوضع الماضي من اللفظ ~~موضع المستقبل قال وهذا شبيه القصة بقصة قوله تعالى وإذ أخذ ميثاق النبيين ~~لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لنؤمن به فجعل ~~سبحانه ما أنزل على الأنبياء من الكتاب والحكمة ميثاقا أخذه من أممهم بعدهم ~~يدل على ذلك قوله تعالى {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} ~~ثم قال للأمم {أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا ~~معكم من الشاهدين} فجعل سبحانه الأمم كتابه المنزل على أنبيائهم حجة كأخذ ~~الميثاق عليهم وجعل معرفتهم به إقرارا منهم قلت وشبيه به أيضا قوله تعالى ~~{واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} ~~فهذا ميثاقه الذى أخذه عليهم بعد إرسال رسله إليهم بالإيمان به وتصديقه ~~ونظيره قوله تعالى والذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق وقوله تعالى ~~{ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم} فهذا عهده إليهم على السنة رسله ومثله قوله تعالى ~~لبنى إسرائيل {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} ومثله وإذ أخذ ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبينه للناس ولا تكتمونه وقوله تعالى {وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا ~~غليظا} فهذا ميثاق أخذه منهم بعثهم كما أخذ من أممهم بعد إنذارهم # PageV01P166 # وهذا الميثاق الذى لعن سبحانه من نقضه وعاقبه بقوله تعالى {فبما نقضهم ~~ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} فإنما عاقبهم بنقضهم الميثاق الذى ~~أخذه عليهم على ألسنة رسله وقد صرح به في ms196 قوله تعالى {وإذ أخذنا ميثاقكم ~~ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} ولما ~~كانت هذه الآيه ونظيرها في سورة مدنية خاطب بالتذكير بهذا الميثاق فيها أهل ~~الكتاب فإنه ميثاق أخذه عليهم بالإيمان به ويرسله ولما كانت هذه آية ~~الأعراف في سورة مكية ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن ~~أقر بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك وهو ميثاق وإشهاد تقوم به عليهم الحجة ~~وينقطع به العذر وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الإهلاك فلا بد أن يكونوا ~~ذاكرين له عارفين به وذلك ما فطرهم عليه من الإقرار بربوبيته وأنه ربهم ~~وفاطرهم وانهم مخلوقين مربوبون ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم مما في فطرهم ~~وعقولهم ويعرفونهم حقه عليهم وأمره ونهيه ووعده ووعيده # ونظم الآية إنما يدل على هذا من وجوه متعددة # أحدها أنه قال {وإذ أخذ ربك من بني آدم} ولم يقل آدم وبنو آدم غير آدم # الثاني أنه قال {من ظهورهم} ولم يقل ظهر وهذا يدل بعض من كل أو بدل ~~اشتمال وهو أحسن # الثالث أنه قال ذرياتهم ولم يقل ذريته # الرابع أنه قالا {وأشهدهم على أنفسهم} أي جعلهم شاهدين على أنفسهم فلا بد ~~أن يكون الشاهد ذاكرا لما شهد به إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار ~~لا يذكر شهادة قبلها # الخامس أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا ~~يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين والحجة إنما قامت عليهم بالرسل ~~والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل} # السادس تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة {إنا كنا عن هذا غافلين} ~~ومعلوم أنهم غافلون بالإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعا ذلك الوقت ~~فهذا لا يذكره أحد منهم # السابع قوله تعالى {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من ~~بعدهم} فذكر حكمتين في هذا التعريف والإشهاد إحداهما أن لا يدعوا الغفلة ~~والثانية أن لا يدعوا التقليد فالغافل لا ms197 شعور والمقلد متبع في تقليده ~~لغيره # الثامن قوله تعالى {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي لو عذبهم بجحودهم ~~وشركهم # PageV01P167 # لقالوا ذلك وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم فلو أهلكهم ~~بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل ~~المبطلون أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه وقد أخبر ~~سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون وإنما يهلكهم بعد ~~الأعذار والإنذار # التاسع أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه واحتج عليهم ~~بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه كقوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض ليقولن الله فأنى يؤفكون أي فكيف يصرفون عن التوحيد بعد هذا الإقرار ~~منهم أن الله ربهم وخالقهم وهذا كثير في القرآن فهذه هي الحجة التي أشهدهم ~~على أنفسهم بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقوله تعالى أفي الله شك فاطر ~~السموات والأرض فالله تعالى إنما ذكرهم على ألسنة رسله بهذا الإقرار ~~والمعرفة ولم يذكرهم قط بإقرار سابق على إيجادهم ولا أقام به عليهم حجة # العاشر أنه جعل هذا آيه وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها ~~بحيث لا يتخلف عنها المدلول وهذا شأن آيات الرب تعالى فإنها أدلة معينة على ~~مطلوب معين مستلزمة للعلم به فقال تعالى {وكذلك نفصل الآيات} أي مثل هذا ~~التفصيل والتبيين نفصل الآيات لعلهم يرجعون من الشرك إلى التوحيد ومن الكفر ~~إلى الإيمان وهذه الآيات التي فصلها هي التي بينها في كتابه من أنواع ~~مخلوقاته وهي آيات أفقية وحسية آيات في نفوسهم وذواتهم وخلقهم وآيات في ~~الأقطار والنواحي مما يحدثه الرب تبارك وتعالى مما يدل على وجوده ووحدانيته ~~وصدق رسله وعلى المعاد والقيامة ومن أبينها ما أشهد به كل واحد على نفسه من ~~أنه ربه وخالقه ومبدعه وأنه مربوب مخلوق مصنوع حادث بعد أن لم يكن ومحال أن ~~يكون حدث بلا محدث أو يكون هو المحدث لنفسه فلا بد له من موجد أو جده ليس ~~كمثله شيء وهذا الإقرار والمشاهدة فطرة فطروا ms198 عليها ليست بمكتسبة وهذه ~~الآية وهي قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} مطابقة ~~لقول النبي كل مولود يولد على الفطرة ولقوله تعالى {فأقم وجهك للدين حنيفا ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه} # ومن المفسرين من لم يذكر إلا هذا القول فقط كالزمخشري ومنهم من يذكر إلا ~~القول الأول فقط ومنهم من حكى القولين كابن الجوزى والواحدي والماوردى ~~وغيرهم # قال الحسن بن يحيى الجرجاني فإن اعتراض معترض في هذا الفصل بحديث يروى عن ~~النبي أنه قال أن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد ثم ~~ردهم في ظهره وقال إن هذا مانع من جواز التأويل الذي ذهبت إليه لامتناع ~~ردهم في الظهر # PageV01P168 # إن كان أخذ الميثاق عليه بعد البلوغ وتمام العقل قيل له أن معنى ثم ردهم ~~في ظهره ثم يردهم في ظهره كما قلنا إن معنى أخذ ربك يأخذ ربك فيكون معناه ~~ثم يردهم في ظهره بوفاتهم لأنهم إذا ماتوا ردوا إلى الأرض للدفن وآدم خلق ~~منها ورد فيها فإذا ردوا فيها فقد ردوا في آدم وفي ظهره إذ كان آدم خلق ~~منها وفيها رد وبعض الشيء من الشيء وفيما ذهبتم إليه من تأويل هذا الحديث ~~على ظاهره تفاوت بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى إلا أن يرد ~~تأويله إلى ما ذكرنا لأنه عز وجل قال {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم} ولم يذكر آدم في القصة إنما هو هاهنا مضاف إليه لتعريف ذريته أنهم ~~أولاده وفي الحديث أنه مسح ظهر آدم فلا يمكن رد ما جاء في القرآن وما جاء ~~في الحديث إلى الاتفاق إلا بالتأويل الذى ذكرناه # قال الجرجاني وأنا أقول ونحن إلى ما روى في الآية عن رسول الله وما ذهب ~~إليه أهل العلم من السلف الصالح أمثل وله أقبل وبه آنس والله ولي التوفيق ~~لما هو أولى وأهدى ms199 على أن بعض أصحابنا من أهل السنة قد ذكر في الرد على هذا ~~القائل معنى يحتمل ويسوغ في النظم الجاري ومجاز العربية بسهولة وإمكان من ~~غير تعسف ولا استكراه وهو أن يكون قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم} ~~مبتدأ خبر من الله عز وجل عما كان منه في أخذ العهد عليهم وإذ تقتضي جوابا ~~يجعل جوابه قوله تعالى {قالوا بلى} وانقطع هذا الخبر بتمام قصته ثم ابتدأ ~~عز وجل خبرا آخر بذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة فقالوا شهدنا يعني ~~نشهد كما قلا الحطيئة # شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر # بمعنى يشهد الحطيئة يقول تعالى نشهد أنكم ستقولون يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين أي عما هم فيه من الحساب والمناقشة والمؤاخذة بالكفر ثم أضاف ~~إليه خبرا آخر فقال {أو تقولوا} بمعنى وأن تقولوا لأن أو بمعنى واو النسق ~~مثل قوله تعالى {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} فتأويله ونشهد أن تقولوا يوم ~~القيامة {إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} أي أنهم أشركوا ~~وحملونا على مذهبهم في الشرك في صبانا فجرينا على مذاهبهم وافتدينا بهم فلا ~~ذنب إذ كنا مقتدين بهم والذنب في ذلك لهم قولوا {إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون} يدل على ذلك قولهم {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي ~~حملهم إيانا على الشرك فتكون القصة الأولى خبرا عن جميع المخلوقين بأخذ ~~الميثاق عليهم والقصة الثانية خبر عما يقول المشركون يوم القيامة من ~~الاعتذار # وقال فيما ادعاه المخالف أنه تفاوت فيما بين الكتاب والخبر لاختلاف ~~ألفاظهما فيهما قولا يجب قبوله بالنظائر والعبر التي تأيد بها لمخالفته ~~فقال إن الخبر عن رسول الله # PageV01P169 # إن الله مسح ظهر آدم أفاد زيادة خبر كان في القصة التي ذكر الله تعالى في ~~الكتاب بعضها ولم يذكر كلها ولو أخبر بسوى هذه الزيادة التي أخبر بما مما ~~عسى أن يكون قد كان في ذلك الوقت الذي أخذ فيه العهد مما لم يضمنه ms200 الله ~~كتابه لما كان في ذلك خلاف ولا تفاوت بل كان زيادة في الفائدة وكذلك ~~الألفاظ إذا اختلفت في ذاتها كان مرجعها إلى أمر واحد لم يوجب ذلك تناقضا ~~كما قال عز وجل في كتابه في خلق آدم فذكر مرة أنه خلق من تراب ومرة أنه خلق ~~من حمأ مسنون ومرة من طين لازب ومرة من صلصال كالفخار فهذه الألفاظ مختلفة ~~ومعانيها أيضا في الأحوال مختلفة أن الصلصال غير الحمأة والحمأة غير التراب ~~إلا أن مرجعها كلها في الأصل إلى جوهر واحد وهو التراب ومن التراب تدرجت ~~هذه الأحوال # فقوله سبحانه وتعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} وقوله أن ~~الله مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته معنى واحد في الأصل إلا أن قوله مسح ~~ظهر آدم زيادة في الخبر عن الله عز وجل ومسحه عز وجل ظهر آدم واستخراج ~~ذريته من مسح لظهور ذريته واستخراج ذرياتهم من ظهورهم كما ذكر تعالى لأنا ~~قد علمنا أن جميع ذرية آدم لم يكونوا من صلبه لكن لما كان الطبق الأول من ~~صلبه ثم الثاني من صلب الأول ثم الثالث من صلب الثاني جاز أن ينسب ذلك كله ~~إلى ظهر آدم لأنهم فرعه وهو أصلهم # وكما جاز أن يكون ما ذكر الله عز وجل أنه استخرجه من ظهور ذرية آدم من ~~ظهر آدم جاز أن يكون ما ذكر انه استخرجه من ظهر آدم من ظهور ذريته إذ الأصل ~~والفرع شيء واحد وفيه أيضا أنه عز وجل لما أضاف الذرية إلى آدم في الخبر ~~احتمل أن يكون الخبر عن الذرية وعن آدم كما قال عز وجل {فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين} والخبر في الظاهر عن الأعناق والنعت للأسماء المكنية فيها وهو مضاف ~~إليها كما كان آدم مضافا إليه هناك وليسا جميعا بالمقصودين في الظاهر ~~بالخبر ولا يحتمل أن يكون قوله خاضعين للأعناق لأن وجه جمعها خاضعات ومنه ~~قول الشاعر # وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم فالصدر ~~المذكر ms201 وقوله شرقت أنث لاضافة الصدر الى القناة # PageV01P170 ### | فصل فهذا بعض كلام السلف والخلف في هذه الآية وعلى كل تقدير فلا # تدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقا مستقرا وإنما غايتها أن تدل على ~~إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر واستنطاقهم ثم ردهم إلى أصلهم أن صح ~~الخبر بذلك والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد ~~وأما استدلال أبى محمد بن حزم بقوله تعالى {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} فما أليق هذا الاستدلال بظاهريته لترتيب الأمر ~~بالسجود لآدم على خلقنا وتصويرنا والخطاب للجملة المركبة من البدن والروح ~~وذلك متأخر عن خلق آدم ولهذا قال ابن عباس {ولقد خلقناكم} يعني آدم {ثم ~~صورناكم} لذريته ومثال هذا ما قاله مجاهد {خلقناكم} يعني آدم وصورناكم في ~~ظهر آدم وإنما قال خلقناكم بلفظ الجمع وهو يريد آدم كما تقول ضربناكم وإنما ~~ضربت سيدهم # واختار أبو عبيد في هذه الآية قول مجاهد لقوله تعالى بعد ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا وكان قوله تعالى للملائكة اسجدوا قبل خلق ذرية آدم ~~وتصويرهم في الأرحام وثم توجب التراخي والترتيب فمن جعل الخلق والتصوير في ~~هذه الآية لأولاد آدم في الأرحام يكون قد راعى حكم ثم في الترتيب إلا أن ~~يأخذ بقول الأخفش فإنه يقول ثم ها هنا في معنى الواو قال الزجاج وهذا خطأ ~~لا يجيزه الخليل وسيبويه وجميع من يوثق بعلمه قال أبو عبيد وقد بينه مجاهد ~~حين قال إن الله تعالى خلق ولد آدم وصورهم في ظهره ثم أمر بعد ذلك بالسجود ~~قال وهذا بين في الحديث وهو أنه أخرجهم من ظهره في صور الذر # قلت والقرآن يفسر بعضه بعضا ونظير هذه الآية قوله تعالى يا أيها الناس إن ~~كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة فأوقع الخلق من تراب ~~عليهم وهو لأبيهم آدم إذ هو أصلهم والله سبحانه يخاطب الموجودين والمراد ~~آباؤهم كقوله تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد الآية ms202 وقوله ~~تعالى وإذ قتلتم {نفسا فادارأتم فيها} وقوله تعالى {وإذ أخذنا ميثاقكم ~~ورفعنا فوقكم الطور} وهو كثير في القرآن يخاطبهم والمراد به آباؤهم فهكذا ~~قوله {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} # وقد يستطرد سبحانه من ذكر الشخص إلى ذكر النوع كقوله تعالى {ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} فالمخلوق من سلالة ~~من طين آدم والمجعول نطفة في قرار مكين ذريته # PageV01P171 # وأما حديث خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فلا يصح إسناده ففيه عتبة ~~بن السكن قال الدارقطني متروك وأرطأة بن المنذر قال ابن عدي بعض أحاديثه ~~غلط ### | فصل وأما الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها فمن وجوه # أحدها أن خلق أبى البشر وأصلهم كان هكذا فإن الله سبحانه أرسل جبريل فقبض ~~قبضة من الأرض ثم خمرها حتى صارت طينا ثم صوره ثم نفخ فيه الروح بعد أن ~~صوره فلما دخلت الروح فيه صار لحما ودما حيا ناطقا ففي تفسير أبى مالك وأبى ~~صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي لما فرغ عز ~~وجل من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس ملكا على سماء الدنيا وكان ~~من الخزان قلبه من ملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لأنهم خزان خزان ~~أهل الجنة وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره وقال ما أعطاني الله هذا ~~إلا لمزيد لي وفي لفظ لمزية لي على الملائكة فلما وقع ذلك الكبر في نفسه ~~اطلع الله على ذلك منه فقال الله للملائكة {إني جاعل في الأرض خليفة} قالوا ~~ربنا وما يكون حال الخليفة وما يصنعون في الأرض قال الله تكون له ذرية ~~يفسدونه في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا قالوا ربنا {أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون} يعني من شأن إبليس فبعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت ~~الأرض إني أعوذ بالله منك أن تقبض ms203 مني فرجع ولم يأخذ وقال رب إنها عاذت بك ~~فأعذتها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال ~~وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من ~~مكان واحد فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء ولذلك خرج بنو آدم مختلفين ~~فصعد به قبل الرب عز وجل حتى عاد طينا لازبا واللازب هو الذي يلزق بعضه ~~ببعض ثم قال للملائكة {إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين} فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول له تتكبر ~~عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة ~~فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر ~~به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصة فذلك حين يقول {من ~~صلصال كالفخار} ويقول لأمر ما خلقت ودخل من فيه فخرج من دبره فقال للملائكة ~~لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف لئن سلطت عليه لأهلكنه فلما بلغ ~~الحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة # PageV01P172 # إذا نفخت فيه من روحي فأسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه ~~عطس فقالت الملائكة قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال له الله يرحمك ربك ~~فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه اشتهي الطعام ~~قبل أن يبلغ الروح رجليه فنهض عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول {خلق ~~الإنسان من عجل} وذكر باقي الحديث # وقال يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب حدثنا ابن زيد قال لما خلق الله ~~النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا وقالوا ربنا لم خلقت هذه النار ولأي ~~شيء خلقتها قال لمن عصاني من خلقي # ولم يكن لله يومئذ خلق إلا الملائكة والأرض ليس فيها خلق إنما خلق آدم ~~بعد ذلك وقرأ قوله تعالى {هل أتى على الإنسان حين ms204 من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا} قال عمر بن الخطاب يا رسول الله ليت ذلك الحين ثم قال وقالت ~~الملائكة ويأتي علينا دهر نعصيك فيه لا يرون له خلقا غيرهم قال لا إني أريد ~~أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة وذكر الحديث قال ابن إسحاق فيقال ~~والله أعلم خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه ~~الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تمسسه نار فيقال والله أعلم لما انتهي ~~الروح إلى رأسه عطس فقال الحمد لله وذكر الحديث # والقرآن والحديث والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق ~~جسده فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح ولو كانت روحه مخلوقة قبل بدنه مع جملة ~~أرواح ذريته لما عجبت الملائكة من خلقه ولما تعجبت من خلق النار وقالت لأي ~~شيء خلقتها وهي ترى أرواح بني آدم فيهم المؤمن والكافر والطيب والخبيث # ولما كانت أرواح الكفار كلها تبعا لإبليس بل كانت الأرواح الكافرة مخلوقة ~~قبل كفره فإن الله سبحانه إنما حكم عليه بالكفر بعد خلق بدن آدم وروحه ولم ~~يكن قبل ذلك كافرا فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة وهو لم يكن كافرا ~~إذ ذاك وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه فالأرواح الكافرة إنما ~~حدثت بعد كفره إلا أن يقال كانت كلها مؤمنة ثم ارتدت بسببه والذي احتجوا به ~~على تقديم خلق الأرواح يخالف ذلك # وفي حديث أبى هريرة في تخليق العالم الأخبار عن خلق أجناس العالم تأخر ~~خلق آدم إلى يوم الجمعة ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل الأجساد لكانت من جملة ~~العالم المخلوق في ستة أيام فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم أن ~~خلقها تابع لخلق الذرية وأن خلق آدم وحده هو الذي وقع في تلك الأيام الستة ~~وأما خلق ذريته فعلى الوجه المشاهد المعاين # PageV01P173 # ولو كان للروح وجود قبل البدن وهي حية عالمة ناطقة لكانت ذاكرة لذلك في ~~هذا العالم شاعرة به ولو بوجه ما # ومن الممتنع ms205 أن تكون حية عالمة ناطقة عارفة بربها وهي بين ملأ من الأرواح ~~ثم تنتقل إلى هذا البدن ولا تشعر بحالها قبل ذلك بوجه ما # وإذا كانت بعد المفارقة تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل وتعلم ما ~~كانت عليه ها هنا مع أنها اكتسبت بالبدن أمورا عاقتها عن كثير من كمالها ~~فلان تشعر بحالها الأول وهي غير معوقة هناك بطريق الأولى إلا أن يقال ~~تعلقها بالبدن واشتغالها بتدبيره منعها من شعورها بحالها الأول فيقال هب ~~أنه منعها من شعورها به على التفصيل والكمال فهل يمنعها عن أدنى شعور بوجه ~~ما مما كانت عليه قبل تعلقها بالبدن ومعلوم أن تعلقها بالبدن لم يمنعها عن ~~الشعور بأول أحوالها وهي في البدن فكيف يمنعها من الشعور بما كان قبل ذلك # وأيضا فإنها لو كانت موجودة قبل البدن لكانت عالمة حية ناطقة عاقلة فلما ~~تعلقت بالبدن سلبت ذلك كله ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئا فشيئا ~~وهذا لو كان لكان أعجب الأمور أن تكون الروح كاملة عاقلة ثم تعود ناقصة ~~ضعيفة جاهلة ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها فأين في العقل والنقل ~~والفطرة ما بدل على هذا وقد قال تعالى {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} فهذه الحال ~~التي أخرجنا عليها هي حالنا الأصلية والعلم والعقل والمعرفة والقوة طارىء ~~علينا حادث فينا بعد أن لم يكن ولم نكن نعلم قبل ذلك شيئا البتة إذ لم يكن ~~لنا وجود نعلم ونعقل به # وأيضا فلو كانت مخلوقة قبل الأجساد وهي على ما هي الآن من طيب وخبث وكفر ~~وإيمان وخير وشر لكان ذلك ثابتا لها قبل الأعمال وهي إنما اكتسبت هذه ~~الصفات والهيئات من أعمالها التي سعت في طلبها واستعانت عليها بالبدن فلم ~~تكن لتصف بتلك الهيئات والصفات قبل قيامها بالأبدان التي بها عملت تلك ~~الأعمال # وإن كان قدر لها قبل إيجادها ذلك ثم خرجت إلى هذه الدار على ما قدر لها ~~فنحن لا ننكر ms206 الكتاب والقدر السابق لها من الله ولو دل دليل على أنها خلقت ~~جملة ثم أودعت في مكان حية عالمة ناطقة ثم كل وقت تبرز إلى أبدانها شيئا ~~فشيئا لكنا أول قائل به فالله سبحانه على كل شيء قدير ولكن لا نخبر عنه ~~خلقا وأمرا إلا بما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله ومعلوم أن الرسول لم ~~يخبر عنه بذلك وإنما أخبر بما في الحديث الصحيح أن خلق ابن آدم يجمع في بطن ~~أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل ~~إليه الملك فينفخ فيه الروح فالملك وحده يرسل إليه # PageV01P174 # فينفخ فيه فإذا نفخ فيه كان ذلك سبب حدوث الروح فيه ولم يقل يرسل الملك ~~إليه بالروح فيدخلها في بدنه وإنما أرسل إليه الملك فأحدث فيه الروح بنفخته ~~فيه لا أن الله سبحانه أرسل إليه الروح التي كانت موجودة قبل ذلك بالزمان ~~الطويل مع الملك ففرق بين أن يرسل إليه ملك ينفخ فيه الروح وبين أن يرسل ~~إليه روح مخلوقة قائمة بنفسها مع الملك وتأمل ما دل عليه النص من هذين ~~المعنيين وبالله التوفيق ### | المسألة التاسعة عشرة # وهي ما حقيقة النفس هل هي جزء من أجزاء البدن أو عرض من أعراضه أو جسم ~~مساكن له مودع فيه أو جوهر مجرد وهل هي الروح أو غيرها وهل الإمارة ~~واللوامة والمطمئنة نفس واحدة لها هذه الصفات أم هي ثلاث أنفس # فالجواب أن هذه مسائل قد تكلم الناس فيها من سائر الطوائف واضطربت ~~أقوالهم فيها وكثر فيها خطؤهم وهدى الله أتباع الرسول أهل سنته لما اختلفوا ~~فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم فنذكر أقوال الناس ~~وما لهم وما عليهم في تلك الأقوال ونذكر الصواب بحمد الله وعونه # قال أبو الحسن الأشعري في مقالاته اختلف الناس في الروح والنفس والحياة ~~وهل الروح هي الحياة أو غيرها وهل الروح جسم أم لا فقال النظام الروح هي ~~جسم وهي النفس وزعم أن الروح ms207 حي بنفسه وأنكر أن تكون الحياة والقوة معنى ~~غير الحي القوي وقال آخرون الروح عرض # وقال قائلون منهم جعفر بن حرب لا ندري الروح جوهر أو عرض كذا قال واعتلوا ~~في ذلك بقوله تعالى {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} ولم يخبر عنها ~~ما هي لا أنها جوهر ولا عرض قال وأظن جعفرا أثبت أن الحياة غير الروح أثبت ~~أن الحياة عرضا # وكان الجبائي يذهب إلى أن الروح جسم وأنها غير الحياة والحياة عرض ويعتل ~~بقول أهل اللغة خرجت روح الإنسان وزعم أن الروح لا تجوز عليها الأعراض # PageV01P175 # وقال قائلون ليس الروح شيئا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع ولم يرجعوا من ~~قولهم اعتدال إلا إلى المعتدل ولم يثبتوا في الدنيا شيئا إلا الطبائع ~~الأربع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة # وقال قائلون أن الروح معنى خامس غير الطبائع الأربع وأنه ليس في الدنيا ~~إلا الطبائع الأربع والروح واختلفوا في أعمال الروح فثبتها بعضهم طباعا ~~وثبتها بعضهم اختيارا وقال قائلون الروح الدم الصافي الخالص من الكدر ~~والعفونات وكذلك قالوا في القوة # وقال قائلون الحياة هي الحرارة الغريزية وكل هؤلاء الذين حكينا أقوالهم ~~في الروح من أصحاب الطبائع يثبتون أن الحياة هي الروح # وكان الأصم لا يثبت للحياة والروح شيئا غير الجسد ويقول ليس أعقل إلا ~~الجسد الطويل العريض العميق الذي أراه وأشاهده وكان يقول النفس هي هذا ~~البدن بعينه لا غير وإنما جرى عليها هذا الذكر على جهة البيان والتأكيد ~~بحقيقة الشيء لا على أنها معنى غير البدن # وذكر عن أرسططا ليس أن النفس معنى مرتفع عن الوقوع تحت التدبير والنشوء ~~والبلى غير دائرة وأنها جوهر بسيط منبث في العالم كله من الحيوان على جهة ~~الأعمال له والتدبير وأنه لا تجوز عليه صفة قلة ولا كثرة قال وهي على ما ~~وصفت من انبساطها في هذا العالم غير منقسمة الذات والبنية وأنها في كل ~~حيوان العالم بمعنى واحد لا غير # وقال آخرون بل النفس معنى موجود ذات حدود وأركان وطول ms208 وعرض وعمق وأنها ~~غير مفارقة في هذا العالم لغيرها مما يجري عليه حكم الطول والعرض والعمق ~~وكل واحد منهما يجمعهما صفة الحد والنهاية وهذا قول طائفة من الثنوية يقال ~~لهم المثانية # وقالت طائفة أن النفس موصوفة بما وصفها هؤلاء الذين قدمنا ذكرهم من معنى # PageV01P176 # الحدود والنهايات إلا أنها غير مفارقة لغيرها مما لا يجوز أن يكون موصوفا ~~بصفة الحيوان وهؤلاء الديصانية وحكى الحريري عن جعفر بن مبشر أن النفس جوهر ~~ليس هو هذا الجسم وليس بجسم لكنه معنى بابن الجوهر والجسم # وقال آخرون النفس معنى غير الروح والروح غير الحياة والحياة عنده عرض وهو ~~أبو الهذيل وزعم أنه قد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوب النفس ~~والروح دون الحياة واستشهد على ذلك بقوله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها} # وقال جعفر بن حرب النفس عرض من الأعراض يوجد في هذا الجسم وهو أحد الآلات ~~التي يستعين بها الإنسان على الفعل كالصحة والسلامة وما أشبههما وأنها غير ~~موصولة بشيء من صفات الجواهر والأجسام هذا ما حكاه الأشعري # وقالت طائفة النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس قالوا والروح عرض ~~وهو الحياة فقط وهو غير النفس وهذا قول القاضي أبو بكر بن الباقلاني ومن ~~اتبعه من الأشعرية # وقالت طائفة ليست النفس جسما ولا عرضا وليست النفس في مكان ولا لها طول ~~ولا عرض ولا عمق ولا لون ولا بعض ولا هي في العالم ولا خارجه ولا مجانبة له ~~ولا مباينة وهذا قول المشائين وهو الذي حكاه الأشعري عن ارسططا ليس وزعموا ~~أن تعلقها بالبدن لا بالحلول فيه ولا بالمجاورة ولا بالمساكنة ولا ~~بالالتصاق ولا بالمقابلة وإنما هو التدبير له فقط واختار هذا المذهب ~~البسنجي ومحمد بن النعمان الملقب بالمفيد ومعمر بن عباد الغزالي وهو قول ~~ابن سينا وأتباعه وهو أردى المذاهب وأبطلها وأبعدها من الصواب # قال أبو محمد بن حزم وذهب سائر أهل الإسلام والملل المقرة بالمعاد إلى أن ~~النفس جسم طويل عريض عميق ذات مكان ms209 جثة متحيزة مصرفة للجسد قال وبهذا نقول ~~قال والنفس والروح اسمان مترادفان لمعنى واحد ومعناهما واحد # وقد ضبط أبو عبد الله بن الخطيب مذاهب الناس في النفس فقال ما يشير إليه ~~كل إنسان بقوله إنا إما أن نكون جسما أو عرضا ساريا في الجسم أو لا جسما ~~ولا عرضا ساريا فيه أما القسم الأول وهو أنه جسم فذلك الجسم إما أن يكون ~~هذا البدن وإما أن يكون جسما مشاركا لهذا البدن وإما أن يكون خارجا عنه ~~وأما القسم الثالث وهو أن نفس الإنسان # PageV01P177 # عبارة عن جسم خارج عن هذا البدن فهذا لم يقله أحد وأما القسم الأول وهو ~~أن الإنسان عبارة عن هذا البدن والهيكل المخصوص فهو قول جمهور الخلق وهو ~~المختار عند أكثر المتكلمين # قلت هو قول جمهور الخلق الذين عرف الرازي أقوالهم من أهل البدع وغيرهم من ~~المضلين وأما أقوال الصحابة والتابعين وأهل الحديث فلم يكن له بها شعور ~~البتة ولا أعتقد أن لهم في ذلك قولا على عادته في حكاية المذاهب الباطلة في ~~المسألة والمذهب الحق الذي دل عليه القرآن والسنة وأقوال الصحابة لم يعرفه ~~ولم يذكره وهذا الذي نسبه إلى جمهور الخلق من أن الإنسان هو هذا البدن ~~المخصوص فقط وليس وراءه شيء هو من ابطل الأقوال في المسألة بل هو أبطل من ~~قول ابن سينا وأتباعه بل الذي عليه جمهور العقلاء أن الإنسان هو البدن ~~والروح معا وقد يطلق اسمه على أحدهما دون الآخر بقرينة # فالناس لهم أربعة أقوال في مسمى الإنسان هل هو الروح فقط أو البدن فقط أو ~~مجموعهما أو كل واحد منهما وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه هل هو اللفظ ~~فقط أو المعنى فقط أو مجموعهما أو كل واحد منهما فالخلاف بينهم في الناطق ~~ونطقه # قال الرازي وأما القسم الثاني وهو أن الإنسان عبارة عن جسم مخصوص موجود ~~في داخل هذا البدن فالقائلون بهذا القول اختلفوا في تعيين ذلك الجسم على ~~وجوه # الأول أنه عبارة عن الأخلاط الأربعة التي منها يتولد ms210 هذا البدن # والثاني انه الدم # والثالث أنه الروح اللطيف الذي يتولد في الجانب الأيسر من القلب وينفذ في ~~الشريانات إلى سائر الأعضاء # والرابع أنه الروح الذي يصعد في القلب إلى الدماغ ويتكيف بالكيفية ~~الصالحة لقبول قوة الحفظ والفكرة والذكر # والخامس أنه جزء لا يتجزأ في القلب # والسادس أنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نور أنى علوي ~~خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد ~~وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول ~~الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكا ~~لهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية # PageV01P178 # وإذا فسدت هذه الأعضاء بسب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول ~~تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح # وهذا القول هو الصواب في المسألة هو الذي لا يصح غيره وكل الأقوال سواه ~~باطلة وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة ونحن ~~نسوق الأدلة عليه على نسق واحد # الدليل الأول قوله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} نفي الآية ~~ثلاثة أدلة الأخبار بتوفيها وإمساكها وإرسالها # الرابع قوله تعالى {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا ~~أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون} إلى قوله تعالى {ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} # وفيها أربعة أدلة # أحدها بسط الملائكة أيديهم لتناولها # الثاني وصفها بالإخراج والخروج # الثالث الإخبار عن عذابها في ذلك اليوم # الرابع الإخبار عن مجيئها إلى ربها فهذه سبعة أدلة # الثامن قوله تعالى {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم ~~يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم} إلى قوله تعالى {حتى إذا جاء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} وفيها ثلاثة أدلة # أحدها الإخبار بتوفي الأنفس بالليل # الثاني بعثها إلى أجسادها بالنهار # الثالث توفي الملائكة له عند الموت فهذه ms211 عشرة أدلة # الحادي عشر قوله تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} وفيها ثلاثة أدلة # أحدها وصفها بالرجوع # PageV01P179 # الثاني وصفها بالدخول # الثالث وصفها بالرضا # واختلف السلف هل يقال لها ذلك عند الموت أو عند البعث أو في الموضعين على ~~ثلاثة أقوال وقد روى في حديث مرفوع أن النبي قال لأبي بكر الصديق أما أن ~~الملك سيقولها لك عند الموت قال زيد بن أسلم بشرت بالجنة عند الموت ويوم ~~الجمع وعند البعث وقال أبو صالح {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} هذا عند الموت ~~فأدخلي عبادي وادخلي جنتي قال هذا يوم القيامة فهذه أربعة عشر دليلا # الخامس عشر قوله إن الروح إذا قبض تبعه البصر ففيه دليلان # أحدهما وصفه بأنه يقبض # الثاني أن البصر يراه # السابع عشر ما رواه النسائي حدثنا أبو داود عن عفان عن حماد عن أبى جعفر ~~عن عمارة بن خزيمة أن أباه قال رأيت في المنام كأني أسجد على جبهة النبي ~~فأخبرته بذلك فقال إن الروح ليلقى الروح فأقنع رسول الله هكذا قال عفان ~~برأسه إلى حلقه فوضع جبهته على جبهة النبي فأخبر أن الأرواح تتلاقى في ~~المنام وقد تقدم قول ابن عباس تلتقي أرواح الأحياء والأموات في المنام ~~فيتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى # الثامن عشر قوله في حديث بلال إن الله قبض أرواحكم وردها إليكم حين شاء ~~ففيه دليلان وصفها بالقبض والرد # العشرون قوله نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة وفيه دليلان # أحدهما كونها طائرا # الثاني تعلقها في شجر الجنة وأكلها على اختلاف التفسيرين # الثاني والعشرون قوله أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث # PageV01P180 # شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش فأطلع إليهم ربك اطلاعة فقال أي شيء ~~تريدون الحديث وقد تقدم وفيه ستة أدلة # أحدها كونها مودعة في جوف طير # الثاني أنها تسرح في الجنة # الثالث أنها تأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها # الرابع أنها تأوي إلى تلك القناديل أي تسكن إليها # الخامس أن ms212 الرب تعالى خاطبها واستنطقها فأجابته وخاطبته # السادس أنها طلبت الرجوع إلى الدنيا فعلم أنها مما يقبل الرجوع فإن قيل ~~هذا كله صفه الطير لا صفة الروح قيل بل الروح المودعة في الطير قصد وعلى ~~الرواية التي رجحها أبو عمر وهي قوله أرواح الشهداء كطير ينفي السؤال ~~بالكلية # التاسع والعشرون قوله في حديث طلحة بن عبيد الله أردت مالي بالغابة ~~فأدركني الليل فأويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حزام فسمعت قراءة من ~~القبر ما سمعت أحسن منها فقال رسول الله ذاك عبد الله ألم تعلم أن الله قبض ~~أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت ثم علقها وسط الجنة فإذا كان ~~الليل ردت إليهم أرواحهم فلا تزال كذلك حتى إذا طلع الفجر ردت أرواحهم إلى ~~مكانها التي كانت وفيه أربعة أدلة سوى ما تقدم # أحدها جعلها في القناديل # الثاني انتقالها من حيز إلى حيز # الثالث تكلمها وقراءتها في القبر # الرابع وصفها بأنها في مكان # الثالث والثلاثون حديث البراء بن عازب وقد تقدم سياقه وفيه عشرون دليلا # أحدها قول ملك الموت لنفسه {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية} وهذا الخطاب لمن يفهم ويعقل # الثاني قوله اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان # الثالث قوله فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء # PageV01P181 # الرابع قوله فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه # الخامس قوله حتى يكفنوها في ذلك الكفن ويحنطوها بذلك الحنوط فأخبر أنه ~~تكفن وتحنط # السادس قوله ثم يصعد بروحه إلى السماء # السابع قوله ويوجد منها كأطيب نفحة مسك وجدت # الثامن قوله فتفتح له أبواب السماء # التاسع قوله ويشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهي إلى الرب تعالى # العاشر قوله فيقول تعالى ردوا عبدي إلى الأرض # الحادي عشر قوله فترد روحه في جسده # الثاني عشر قوله في روح الكافر فتفرق في جسده فيجذبها فتنقطع منها العروق ~~والعصب # الثالث عشر قوله ويوجد لروحه كأنتن ريح وجدت على وجه الأرض # الرابع عشر قوله فيقذف بروحه عن السماء وتطرح ms213 طرحا فتهوى إلى الأرض # الخامس عشر قوله فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا ~~الروح الطيب وما هذا الروح الخبيث # السادس عشر قوله فيجلسان ويقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل فإن كان ~~هذا للروح فظاهر وإن كان للبدن فهو بعد رجوع الروح إليه من السماء # السابع عشر قوله فإذا صعد بروحه قيل أي رب عبدك فلان # الثامن عشر قوله أرجعوه فأروه ماذا أعددت له من الكرامة فيرى مقعده من ~~الجنة أو النار # التاسع عشر قوله في الحديث إذا خرجت روح المؤمن صلى عليها كل ملك لله بين ~~السماء والأرض فالملائكة تصلى على روحه وبني آدم يصلون على جسده # العشرون قوله فينظر إلى مقعده من الجنة أو النار حتى تقوم الساعة والبدن ~~قد تمزق وتلاشى وإنما الذي يرى المقعدين الروح # PageV01P182 ### | فصل الرابع والخمسون حديث أبي موسى تخرج نفس المؤمن أطيب من ريح المسك # فتنطلق بها الملائكة الذين يتوفونه فتلقاهم ملائكة من دون السماء فيقولون ~~هذا فلان ابن فلان كان يعمل كيت وكيت بمحاسن عمله فيقولون مرحبا بكم وبه ~~فيقبضونها منهم فيصعد به من الباب الذي كان يصعد منه عمله فيشرق في السموات ~~وهو كبرهان الشمس حتى ينتهي بها إلى العرش وأما الكافر فإذا قبض انطلق ~~بروحه فيقولون من هذا فيقولون فلان ابن فلان كان يعمل كيت وكيت لمساوي ~~أعماله فيقولون لا مرحبا لا مرحبا ردوه فيرد إلى أسفل الأرض إلى الثرى ففيه ~~عشرة أدلة # أحدها خروج نفسه # الثاني طيب ريحها # الثالث انطلاق الملائكة بها # الرابع تحية الملائكة لها # الخامس قبضهم لها # السادس صعودهم بها # السابع إشراق السموات لضوئها # الثامن انتهاؤها إلى العرش # التاسع قول الملائكة من هذا وهذا سؤال عن عين وذات قائمة بنفسها # العاشر قوله ردوه إلى أسفل الأرضين ### | فصل الرابع والستون حديث أبي هريرة إذا خرجت روح المؤمن تلقاه ملكان # فيصعدانه إلى السماء فيقول أهل السماء روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى ~~الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه وذكر المسك ثم يصعد ms214 به إلى ربه عز وجل ~~فيقول ردوه إلى آخر الأجلين ففيه ستة أدلة # أحدها قوله تلقاه ملكان # الثاني قوله فيصعدانه إلى السماء # الثالث قول الملائكة روح طيبة جاءت من قبل الأرض # PageV01P183 # الرابع صلاتهم عليها # الخامس طيب ريحها # السادس الصعود بها إلى الله عز وجل ### | فصل الحادي والسبعون حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن المؤمن تحضره # الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في ~~الجسد الطيب أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال ~~لها ذلك حتى تخرج فيعرج بها حتى ينتهي بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من ~~هذا فيقال فلان ابن فلان فيقال مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ~~ادخلي حميدة وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى ~~ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل وإذا كان الرجل السوء قال ~~أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أخرجي ذميمة وأبشري بحميم ~~وغساق وآخر من شكله أزواج فلا يزال يقال لها حتى تخرج فينتهي بها إلى ~~السماء فيقال من هذا فيقال فلان ابن فلان فيقال لا مرحبا بالنفس الخبيثة ~~كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء فترسل إلى ~~الأرض ثم تصير إلى القبر وهو حديث صحيح وفيه عشرة أدلة # أحدها قوله كانت في الجسد الطيب وكانت في الجسد الخبيث فها هنا حال ومحل # الثاني قوله أخرجي حميدة # الثالث قوله وأبشري بروح وريحان فهذا بشارة بما تصير إليه بعد خروجها # الرابع قوله فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء # الخامس قوله فيستفتح لها # السادس قوله أدخلي حميدة # السابع قوله حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تعالى # الثامن قوله لنفس الفاجر ارجعي ذميمة # التاسع فإنه لا تفتح لك أبواب السماء # العاشر قوله فترسل إلى الأرض ثم تصير إلى القبر # PageV01P184 ### | فصل الحادي والثمانون قوله الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف # وما تناكر منها اختلف فوصفها ms215 بأنها جنود مجندة والجنود ذوات قائمة بنفسها ~~ووصفها بالتعارف والتناكر ومحال أن تكون هذه الجنود أعراضا أو تكون لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا بعض لها ولا كل # الثاني والثمانون قوله في حديث ابن مسعود رضي الله عنه على الأرواح ~~تتلاقى وتتشامم كما تشام الخيل وقد تقدم # الثالث والثمانون قوله في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن أرواح ~~المؤمنين تتلاقى على مسيرة يومين وما رأي أحدهما صاحبه # الرابع والثمانون الآثار التي ذكرناها في خلق آدم وأن الروح لما دخل في ~~رأسه عطس فقال الحمد لله فلما وصل الروح إلى عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما ~~وصل إلى جوفه اشتهي الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه وأنها دخلت كارهة ~~وتخرج كارهة وتخرج كارهة # الخامس والثمانون الآثار التي فيها إخراج الرب تعالى النسم وتمييز شقيهم ~~من سعيدهم وتفاوتهم حينئذ في الإشراق والظلمة وأرواح الأنبياء فيهم مثل ~~السرج وقد تقدم # السادس والثمانون حديث تميم الداري أن روح المؤمن إذا صعد بها إلى الله ~~خر ساجدا بين يديه وأن الملائكة تتلقى الروح بالبشرى وأن الله تعالى يقول ~~الملك الموت انطلق بروح عبدى فضعه في مكان كذا وكذا وقد تقدم # السابع والثمانون الآثار التي ذكرناها في مستقر الأرواح بعد الموت ~~واختلاف الناس في ذلك وفي ضمن ذلك الاختلاف إجماع السلف على أن للروح ~~مستقرا بعد الموت وإن اختلف في تعيينه # الثامن والثمانون ما قد علم بالضرورة أن رسول الله جاء به وأخبر به الأمة ~~أنه تنبت أجسادهم في القبور فإذا نفخ في الصور رجعت كل روح إلى جسدها فدخلت ~~فيه فانشقت الأرض عنه فقام من قبره # وفي حديث الصور أن إسرافيل عليه السلام يدعو الأرواح فتأتيه جميعا أرواح ~~المسلمين نورا والأخرى مظلمة فيجمعها جميعا فيعلقها في الصور ثم ينفخ فيه ~~فيقول الرب جل جلاله وعزتي ليرجعن كل روح إلى جسده فتخرج الأرواح من الصور ~~مثل النحل قد ملأت ما بين # PageV01P185 # السماء والأرض فيأتي كل روح إلى جسده فيدخل ويأمر الله الأرض ms216 فتنشق عنهم ~~فيخرجون سراعا إلى ربهم ينسلون مهطعين إلى الداعي يسمعون المنادي من مكان ~~قريب فإذا هم قيام ينظرون # وهذا معلوم بالضرورة أن الرسول أخبر به وإن الله سبحانه لا ينشىء لهم ~~أرواحا غير أرواحهم التي كانت في الدنيا بل هي الأرواح التي اكتسبت الخير ~~والشر أنشأ أبدانها نشأة أخرى ثم ردها إليها # التاسع والثمانون أن الروح والجسد يختصمان بين يدي الرب عز وجل يوم ~~القيامة قال علي بن عبد العزيز حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو بكر بن عياش ~~عن أبى سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما تزال ~~الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى يخاصم الروح الجسد فيقول الروح يا رب ~~إنما كنت روحا منك جعلتني في هذا الجسد فلا ذنب لي ويقول الجسد يا رب كنت ~~جسدا خلقتني ودخل في هذا الروح مثل النار فيه كنت أقوم وبه كنت أقعد وبه ~~أذهب وبه أجىء لا ذنب لي قال فيقال أنا أقضي بينكما أخبراني عن أعمى ومقعد ~~دخلا حائطا فقال المقعد للأعمى إني أرى ثمرا فلو كانت لي رجلان لتناولت ~~فقال الأعمى أنا أحملك على رقبتي فحمله فتناول من الثمر فأكلا جميعا فعلى ~~من الذنب قالا عليهما جميعا فقال قضيتما على أنفسكما # التسعون الأحاديث والآثار الدالة على عذاب القبر ونعيمه إلى يوم البعث ~~فمعلوم أن الجسد تلاشى واضمحل وأن العذاب والنعيم المستمرين إلى يوم ~~القيامة إنما هو على الروح # الحادي والتسعون أخبار الصادق المصدوق في الحديث الصحيح عن الشهداء إنهم ~~لما سئلوا ما تريدون قالوا نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل فيك ~~مرة أخرى فهذا سؤال وجواب من ذات حية عالمة ناطقة تقبل الرد إلى الدنيا ~~والدخول في أجساد خرجت منها وهذه الأرواح سئلت وهي تسرح في الجنة والأجساد ~~قد مزقها البلى # الثاني والتسعون ما ثبت عن سلمان الفارسي وغيره من الصحابة رضوان الله ~~عليهم أن أرواح المؤمنين في برزخ تذهب حيث شاءت وأرواح الكفار في سجين وقد ~~تقدم # الثالث والتسعون ms217 رؤية النبي لأرواح الناس عن يمين آدم ويساره ليلة ~~الإسراء فرآها متحيزة بمكان معين # PageV01P186 # الرابع والتسعون رؤيته أرواح الأنبياء في السموات وسلامهم عليه وترحيبهم ~~به كما أخبر به وأما أبدانهم ففي الأرض # الخامس والتسعون رؤيته أرواح الأطفال حول إبراهيم الخليل عليه السلام # السادس والتسعون رؤيته أرواح المعذبين في البرزخ بأنواع العذاب في حديث ~~سمرة الذي رواه البخاري في صحيحه وقد تلاشت أجسادهم واضمحلت وإنما كان الذي ~~رآه أرواحهم ونسمهم يفعل بها ذلك # السابع والتسعون أخباره سبحانه عن الذين قتلوا في سبيله أنهم أحياء عند ~~ربهم يرزقون وأنهم فرحون مستبشرين بإخوانهم وهذا للأرواح قطعا لأن الأبدان ~~في التراب تنظر عود أرواحهم إليها يوم البعث # الثامن والتسعون ما تقدم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ونحن نسوقه ~~ليتبين كم فيه من دليل على بطلان قول الملاحدة وأهل البدع في الروح وقد ~~ذكرنا إسناده فيما تقدم قال بينما رسول الله ذات يوم قاعدا تلا هذه الآية ~~{ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} الآية ثم قال والذي نفس محمد بيده ما ~~من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو النار فإذا كان عند ذلك صف ~~له سماطان من الملائكة ينتظمان ما بين الخافقين كأن وجوههم الشمس فينظر ~~إليهم ما يرى غيرهم وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم مع كل ملك منهم أكفان ~~وحنوط فإن كان مؤمنا بشروه بالجنة وقالوا أخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى ~~رضوان الله وجنته فقد أعد الله لك من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما ~~فيها فلا يزالون يبشرونه فهم ألطف به وأرأف من الوالدة بولدها ثم يسلون ~~روحه من تحت كل ظفر ومفصل يموت الأول فالأول ويبرد كل عضو الأول فالأول ~~ويهون عليهم وإن كنتم ترونه شديدا حتى تبلغ ذقنه فلهي أشد كراهية للخروج من ~~الجسد من الولد حين يخرج من الرحم فيبتدرونها كل ملك منهم أيهم يقبضها ~~فيتولى قبضها ملك ثم تلا رسول الله {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم ~~إلى ms218 ربكم ترجعون} فيتلقاها بأكفان بيض ثم يحتضنها إليه فلهو أشد لزوما من ~~المرأة لولدها ثم يفوح منها ريح أطيب من المسك فيستنشقون ريحا طيبا ~~ويتباشرون بها ويقولون مرحبا بالريح الطيبة والروح الطيب اللهم صل عليه ~~روحا وصل على جسد خرجت منه قال فيصعدون بها فتفوح لهم ريح أطيب من المسك ~~فيصلون عليها ويتباشرون بها وتفتح لهم أبواب السماء ويصلى عليها كل ملك في ~~كل سماء تمر بهم حتى تنتهي بين يدي الجبار جل جلاله فيقول الجبار عز وجل ~~مرحبا بالنفس # PageV01P187 # الطيبة ادخلوها الجنة وأروها مقعدها من الجنة وأعرضوا عليها ما أعددت لها ~~من الكرامة والنعيم ثم اذهبوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم ~~وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فوالذي نفس محمد بيده لهي أشد كراهية ~~للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد وتقول أين تذهبون بي إلى ذلك الجسد ~~الذي كنت فيه فيقولون إنا مأمورون بهذا فلا بد لك منه فيهبطون به على قدر ~~فراغهم من غسله وأكفانه فيدخلون ذلك الروح بين الجسد وأكفانه فتأمل كم في ~~الحديث من موضع يشهد ببطلان قول المبطلين في الروح # التاسع والتسعون ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن عبد ~~الرحمن ابن البيلماني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال إذا توفي ~~المؤمن بعث إليه ملكان بريحان من الجنة وخرقة تقبض فيها فتخرج كأطيب رائحة ~~وجدها أحد قط بأنفه حتى يؤتى به الرحمن جل جلاله فتسجد الملائكة قبله ويسجد ~~بعدهم ثم يدعى ميكائيل عليه السلام فيقال اذهب بهذه النفس فإجلعها مع أنفس ~~المؤمنين حتى أسألك عنها يوم القيامة # وقد تظاهرت الآثار عن الصحابة أن روح المؤمن تسجد بين يدي العرش في وفاة ~~النوم ووفاة الموت وأما حين قدومها على الله فأحسن تحيتها أن تقول اللهم ~~أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام # وحدثني القاضي نور الدين بن الصائغ قال كانت لي خالة وكانت من الصالحات ~~العابدات قال عدتها في مرض موتها فقالت لي ms219 الروح إذا قدمت على الله ووقفت ~~بين يديه ما تكون تحيتها وقولها له قال فعظمت على مسألتها وفكرت فيها ثم ~~قلت تقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام قال ~~فلما توفيت رأيتها في المنام فقالت لي جزاك الله خيرا لقد دهشت فما أدري ما ~~أقوله ثم ذكرت تلك الكلمة التي قلت لي فقلتها ### | فصل المائة ما قد اشترك في العلم به عامة أهل الأرض من لقاء # أرواح الموتى وسؤالهم لهم وإخبارهم إياهم بأمور خفيت عليهم فرأوها عيانا ~~وهذا أكثر من أن يتكلف إيراده # وأعجب من هذا الوجه الحادي والمائة أن روح النائم يحصل لها في المنام ~~آثار فتصبح يراها على البدن عيانا وهي من تأثير للروح في الروح كما ذكر ~~القيراوني في كتاب البستان # PageV01P188 # قال كان لي جار يشتم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان ذات يوم أكثر ~~من شتمهما فتناولته وتناولي فأنصرفت إلى منزلي وأنا مغموم حزين فنمت وتركت ~~العشاء فرأيت رسول الله في المنام فقلت يا رسول الله فلان يسب أصحابك قال ~~من أصحابي قلت أبو بكر وعمر فقال خذ هذه المدية فأذبحه بها فأخذتها فأضجعته ~~وذبحته ورأيت كأن يدي أصابها من دمه فألقيت المدية وأهويت بيدي إلى الأرض ~~لأمسحها فأنتبهت وأنا أسمع الصراخ من نحو داره فقلت ما هذا الصراخ قالوا ~~فلان مات فجأة فلما أصحنا جئت فنظرت إليه فإذا خط موضع الذبح # وفي كتاب المنامات لابن أبي الدنيا عن شيخ من قريش قال رأيت رجلا بالشام ~~قد أسود نصف وجهه وهو يغطيه فسألته عن ذلك فقال قد جعلت لله على أن لا ~~يسألني أحد عن ذلك إلا أخبرته به كنت شديد الوقيعة في علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني آت في منامي فقال لي أنت صاحب ~~الوقيعة في فضرب شق وجهي فأصبحت وشق وجهي أسود كما ترى # وذكر مسعدة عن هشام بن حسان عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة ms220 عن ~~صفية بنت شيبة قالت كنت عند عائشة رضي الله عنها فأتتها امرأة مشتملة على ~~يدها فجعل النساء يولعن بها فقالت ما أتيتك إلا من أجل يدي أن أبي كان رجلا ~~سمحا وأني رأيت في المنام حياضا عليها رجال معهم آنية يسقون من أتاهم فرأيت ~~أبي قلت أين أمي فقال انظري فنظرت فإذا أمي ليس عليها إلا قطعة خرقة فقال ~~أنها لم تتصدق قط إلا بتلك الخرقة وحمة من بقرة ذبحوها فتلك الشحمة تذاب ~~وتطرى بها وهي تقول وأعطشاه قالت فأخذت إناء من الآنية فسقيتها فنوديت من ~~فوقي من سقاها أيبس الله يده فأصبحت يدي كما ترين # وذكر الحارث بن أسد المحاسبي واصبغ وخلف بن القاسم وجماعة عن سعيد بن ~~مسلمة قال بينما امرأة عند عائشة إذ قالت بايعت رسول الله على أن لا أشرك ~~بالله شيئا ولا أسرق ولا أزني ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان أفتريه من بين ~~يدي ورجلي ولا أعصي في معروف فوفيت لربي ووفا لي ربي فوالله لا يعذبني الله ~~فأتاها في المنام ملك فقال لها كلا إنك تتبرجين وزينتك تبدين وخيرك تكندين ~~وجارك تؤذين وزوجك تعصين ثم وضع أصابعه الخمس على وجهها وقال خمس بخمس ولو ~~زدت زدناك فأصبحت وأثر الأصابع في وجهها # PageV01P189 # وقال عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك سمعت مالكا يقول إن يعقوب بن عبد ~~الله بن الأشج كان من خيار هذه الأمة نام في اليوم الذي استشهد فيه فقال ~~لأصحابه إني قد رأيت أمرا ولأخبرنه أني رأيت كأني أدخلت الجنة فسقيت لبنا ~~فأستبقاء فقاء اللبن واستشهد بعد ذلك قال أبو القاسم وكان في غزوة في البحر ~~بموضع لا لبن فيه وقد سمعت غير مالك يذكره ويذكر أنه معروف فقال أني رأيت ~~كأني أدخل الجنة فسقيت فيها لبنا فقال له بعض القوم أقسمت عليك لما تقيأت ~~فقاء لبنا يصلد أي يبرق وما في السفينة لبن ولا شاة قال ابن قتيبة قوله ~~يصلد أي يبرق يقال صلد اللبن ومنه يصلد ومنه حديث عمر ms221 أن الطبيب سقاه لبنا ~~فخرج من الطعنة أبيض يصلد # وكان نافع القارىء إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك فقيل له كلما قعدت ~~تتطيب فقال ما أمس طيبا ولا أقربه ولكن رأيت النبي في المنام وهو يقرأ في ~~فمي فمن ذلك الوقت يشم من في هذه الرائحة # وذكر مسعدة في كتابه في الرؤيا عن ربيع بن الرقاشي قال أتاني رجلان فقعدا ~~إلى فأغتابا رجلا فنهيتهما فأتاني أحدهما بعد فقال إني رأيت في المنام كأن ~~زنجيا أتاني بطبق عليه جنب خنزير لم أر لحما قط اسمن منه فقال لي كل فقلت ~~آكل لحم خنزير فتهددني فأكلت فأصبحت وقد تغير فمي فلم يزل يجد الريح في فمه ~~شهرين # وكان العلاء بن زياد له وقت يقوم فيه فقال لأهله تلك الليلة إني أجد فترة ~~فإذا كان وقت كذا فأيقظوني فلم يفعلوا قال فأتاني آت في منامي فقال قم يا ~~علاء بن زياد اذكر الله يذكرك وأخذ بشعرات في مقدم رأسي فقامت تلك الشعرات ~~في مقدم رأسي فلم تزل قائمة حتى مات قال يحيى بن بسطام فلقد غسلناه يوم مات ~~وإنهن لقيام في رأسه # وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي حاتم الرازي عن محمد بن علي قال كنا بمكة في ~~المسجد الحرام قعودا فقام رجل نصف وجهه أسود ونصفه أبيض فقال يا أيها الناس ~~اعتبروا بي فإني كنت أتناول الشيخين وأشتمهما فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ ~~أتاني آت فرفع يده فلطم وجهي وقال لي يا عدو الله يا فاسق ألست تسب أبا بكر ~~وعمر رضي الله عنهما فأصبحت وأنا على هذه الحالة # وقال محمد بن عبد الله المهلبي رأيت في المنام كأني في رحبة بني فلان ~~وإذا النبي جالس على أكمة ومعه أبو بكر وعمر واقف قدامه فقال له عمر # PageV01P190 # يا رسول الله إن هذا يشتمني ويشتم أبا بكر فقال جيء به يا أبا حفص فأتى ~~برجل فإذا هو العماني وكان مشهورا بسبهما فقال له النبي أضجعه فأضجعه ثم ~~قال اذبحه فذبحه قال ms222 فما نبهني إلا صياحه فقلت مالي لا أخبره عسى أن يتوب ~~فلما تقربت من منزله سمعت بكاء شديدا فقلت ما هذا البكاء فقالوا العماني ~~ذبح البارحة على سريره قال فدنوت من عنقه فإذا من أذنه إلى أذنه طريقة ~~حمراء كالدم المحصور # وقال القيرواني أخبرني شيخ لنا من أهل الفضل قال أخبرني أبو الحسن ~~المطلبي أمام مسجد النبي قال رأيت بالمدينة عجبا كان رجل يسب أبا بكر وعمر ~~رضي الله عنهما فبينا نحن يوما من الأيام بعد صلاة الصبح إذ أقبل رجل وقد ~~خرجت عيناه وسالتا على خديه فسألناه ما قصتك فقال رأيت البارحة رسول الله ~~وعلى بين يديه ومعه أبو بكر وعمر فقالا يا رسول الله هذا الذي يؤذينا ~~ويسبنا فقال لي رسول الله من أمرك بهذا يا أبا قيس فقلت له على وأشرت عليه ~~فأقبل علي بوجهه ويده وقد ضم أصابعه وبسط السبابة والوسطى وقصد بها إلى ~~عيني فقلت إن كنت كذبت ففقأ الله عينيك وادخل أصبعيه في عيني فانتهت من ~~نومي وأنا على هذه الحال فكان يبكي يخبر الناس وأعلن بالتوبة # قال القيرواني وأخبرني شيخ من أهل الفضل قال أخبرني فقيه قال كان عندنا ~~رجل يكثر الصوم ويسرده ولكنه كان يؤخر الفطر فرأي في المنام كأن أسودين ~~آخذين بضبعيه وثيابه إلى تنور محمى ليلقياه قال فقلت لهما على ماذا فقالا ~~على خلافك لسنة رسول الله فإنه أمر بتعجيل الفطر وأنت تؤخره قال فأصح وجهه ~~قد اسود من وهج النار فكان يمشي متبرقعا في الناس # وأعجب من هذا الرجل يرى في المنام وهو شديد العطش والجوع والألم أن غيره ~~قد سقاه وأطعمه أو داواه بدواء فيستيقظ وقد زال عنه ذلك كله وقد رأي الناس ~~من هذا عجائب # وقد ذكر مالك عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة أن جارية لها سحرتها وأن ~~سنديا دخل عليها وهي مريضة فقال إنك سحرت قالت ومن سحرني قال جارية في ~~حجرها صبي قد بال عليها فدعت جاريتها فقالت حتى أغسل بولا في ثوبي ms223 فقالت ~~لها أسحرتني قالت نعم قالت وما دعاك إلى ذلك قالت أردت تعجيل العتق فأمرت ~~أخاها أن يبيعها من الأعراب ممن يسئ ملكها فباعها ثم إن عائشة رأت في ~~منامها أن اغتسلي من ثلاثة آبار يمد بعضها بعضا فأستسقى لها فأغتسلت فبرأت # PageV01P191 # وكان سماك بن حرب قد ذهب بصره فرأي إبراهيم الخليل في المنام فمسح على ~~عينيه وقال اذهب إلى الفرات فتنغمس فيه ثلاثا ففعل فأبصر # وكان إسماعيل بن بلال الحضرمي قد عمى فأتى في المنام فقيل له قل يا قريب ~~يا مجيب يا سميع الدعاء يا لطيف بمن يشاء رد على بصري فقال الليث بن سعد ~~أنا رأيته قد عمى ثم أبصر # وقال عبيد الله بن أبي جعفر اشتكيت شكوى فجهدت منها فكنت أقرأ آية الكرسي ~~فنمت فإذا رجلان قائمان بين يدي فقال أحدهما لصاحبه أن يقرأ آية فيها ~~ثلاثمائة وستون رحمة أفلا يصيب هذا المسكين فيها رحمة واحدة فأستيقظت فوجدت ~~خفة # قال ابن أبي الدنيا اعتلت امرأة من أهل الخير والصلاح بوجع المعده فرأت ~~في المنام قائلا يقول لا إله إلا الله المغلي وشراب الورد فشربته فأذهب ~~الله عنها ما كانت تجد # قال وقالت أيضا رأيت في المنام كأني أقول السناء والعسل وماء الحمص ~~الأسود شفاء لوجع الأوراك فلما استيقظت أتتني امرأة تشكو وجعا بوركها فوصفت ~~لها ذلك فأستنفعت به # وقال جالينوس السبب الذي دعاني إلى فصد العروق الضوارب أني أمرت به في ~~منامي مرتين قال كنت إذ ذاك غلاما قال وأعرف إنسانا شفاه الله من وجع كان ~~به في جنبه بفصد العرق الضارب لرؤيا رآها في منامه # وقال ابن الخراز كنت أعالج رجلا ممعودا فغاب عني ثم لقيته فسألته عن حاله ~~فقال رأيت في المنام إنسانا في زي ناسك متوكئا على عصا وقف علي وقال أنت ~~رجل ممعود فقلت نعم فقال عليك بالكباء والجلنجبين فأصبحت فسألت عنهما فقيل ~~لي الكباء المصطكي والجلنجبين الورد المربي بالعسل فأستعملتهما أياما فبرأت ~~فقلت له ذلك جالينوس # والوقائع في هذا الباب أكثر ms224 من أن تذكر قال بعض الناس إن أصل الطب من ~~المنامات ولا ريب أن كثيرا من أصوله مستند إلى الرؤيا كما أن بعضها عن ~~التجارب وبعضها عن القياس وبعضها عن الهام ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر ~~في تاريخ الأطباء وفي كتاب البستان للقيرواني وغير ذلك ### | فصل الوجه الثاني بعد المائة قوله تعالى # إن الذين كسبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء وهذا ~~دليل على أن المؤمنين تفتح لهم أبواب السماء وهذا التفتيح هو تفتيحها ~~لأرواحهم # PageV01P192 # عند الموت كما تقدم في الأحاديث المستفيضة أن السماء تفتح لروح المؤمن ~~حتى ينتهي بها إلى بين يدي الرب تعالى # وأما الكافر فلا تفتح لروحه أبواب السماء ولا تفتح لجسده أبواب الجنة ### | فصل الوجه الثالث بعد المائة قول النبي يا بلال ما دخلت الجنة # إلا سمعت خشخشتك بين يدي فبم ذاك قال ما أحدثت في ليل أو نهار إلا توضأت ~~وصليت ركعتين قال بهما ومعلوم أي الذي سمع خشخشته بين يديه هو روح بلال ~~وإلا فجسده لم ينقل إلى الجنة # الوجه الرابع بعد المائة الأحاديث والآثار التي في زيارة القبور والسلام ~~على أهلها ومخاطبتهم والأخبار عن معرفتهم بزوارهم وردهم عليهم السلام وقد ~~تقدمت الإشارة إليها # الوجه الخامس بعد المائة شكاية كثير من أرواح الموتى إلى أقاربهم وغيرهم ~~أمورا مؤذية فيجدونها كما شكوه فيزيلونها # الوجه السادس بعد المائة لو كانت الروح عبارة عن عرض من أعراض البدن أو ~~جوهر مجرد ليس بجسم ولا حال فيه لكان قول القائل خرجت وذهبت وقمت وجئت ~~وقعدت وتحركت ودخلت ورجعت ونحو ذلك كله أقوالا باطلة لأن هذه الصفات ممتنعة ~~الثبوت في حق الأعراض والمجردات وكل عاقل يعلم صدق قوله وقول غيره ذلك ~~فالقدح ذلك قدح في أظهر المعلومات من باب السفسطة لا يقال حاصل هذا الدليل ~~التمسك بألفاظ الناس وإطلاقاتهم وهي تحتمل الحقيقة والمجاز فلعل مرادهم دخل ~~جسمي وخرج لأنا إنما استدللنا بشهادة العقل والفطرة بمعاني هذه الألفاظ فكل ~~أحد يشهد عقله وحسه بأنه هو الذي دخل ms225 وخرج وانتقل لا مجرد بدنه فشهادة الحس ~~والعقل بمعاني هذه الألفاظ وإضافتها إلى الروح أصلا وإلى البدن تبعا من ~~أصدق الشهادات والاعتماد على ذلك مجرد الإطلاق اللفظي # الوجه السابع بعد المائة أن البدن مركب ومحل لتصرف النفس فكان دخول البدن ~~وخروجه وانتقاله جاريا مجرى دخول مركبه من فرسه ودابته فلو كانت النفس غير ~~قابله للدخول والخروج والانتقال والحركة والسكون لكان ذلك بمنزلة دخول مركب ~~الإنسان إلى الدار وخروجه منها دون دخوله هو وهذا معلوم البطلان بالضرورة ~~وكل أحد يعلم أن نفسه # PageV01P193 # وروحه هي التي دخلت وخرجت وانتقلت وصرفت البدن وجعلته تبعا لها في الدخول ~~والخروج فهو لها بالأصل وللبدن بالتبع كلنه للبدن بالمشاهدة وللروح بالعلم ~~والعقل # الوجه الثامن بعد المائة أن النفس لو كانت كما يقوله أنها عرض لكان ~~الإنسان كل وقت قد يبدل مائة ألف نفس أو أكثر والإنسان إنما هو إنسان بروحه ~~ونفسه لا ببدنه وكان الإنسان الذي هو الإنسان غير الذي قبله بلحظة وبعده ~~بلحظة وهذا من نوع الهوس ولو كانت الروح مجردة وتعلقها بالبدن بالتدبير فقط ~~لا بالمساكنة والمداخلة لم يمتنع أن ينقطع تعلقها بهذا البدن وتتعلق بغيره ~~كما يجوز انقطاع تدبير المدبر لبيت أو مدينة عنها ويتعلق بتدبير غيرها وعلى ~~هذا التدبير فنصير شاكين في أن هذه النفس التي لزيد هي النفس الأولى أو ~~غيرها وهل زيد هو ذلك الرجل أم غيره وعاقل لا يجوز ذلك فلو كانت الروح عرضا ~~أو أمرا مجردا لحصل الشك المذكور # الوجه التاسع بعد المائة أن كل أحد يقطع أن نفسه موصوفة بالعلم والفكر ~~والحب والبغض والرضا والسخط وغيرها من الأحوال النفسانية ويعلم أن الموصوف ~~ليس بذلك عرضا من أعراض بدنه ولا جوهرا مجردا منفصلا عن بدنه غير مجاور له ~~ويقطع ضرورة بأن هذه الإدراكات لأمر داخل في بدنه كما يقطع بأنه إذا سمع ~~وأبصر وشم وذاق ولمس وتحرك وسكن فتلك أمور قائمة به مضافة إلى نفسه وأن ~~جوهر النفس هو الذي قام به ذلك كله لم يقم بمجرد ولا ms226 بعرض بل قام بمتحيز ~~داخل العالم منتقل من مكان إلى مكان يتحرك ويسكن ويخرج ويدخل وليس إلا هذا ~~البدن والجسم الساري فيه المشابك له الذي لولاه لكان بمنزلة الجماد # الوجه العاشر بعد المائة إن النفس لو كانت مجردة وتعلقها بالبدن تعلق ~~التدبير فقط كتعلق الملاح بالسفينة والجمال بحمله لأمكنها ترك تدبير هذا ~~البدن واشتغالها بتدبير بدن آخر كما يمكن الملاح والجمال ذلك وفي ذلك تجويز ~~نقل النفوس من أبدان إلى أبدان ولا يقال أن النفس اتحدت ببدنها فامتنع ~~عليها الانتقال أو أنها لها عشق طبيعي وشوق ذاتي إلى تدبير هذا البدن فلهذا ~~السبب امتنع انتقالها لأنا نقول الاتحاد ما لا يتحيز بالمتحيز محال ولأنها ~~لو اتحدت به لبطلت ببطلانه ولأنها بعد الاتحاد إن بقيا فهما اثنان لا واحد ~~وإن عدما معا وحدث ثالث فليس من الاتحاد في شيء وإن بقي أحدهما وعد الآخر ~~فليس باتحاد أيضا وأما عشق النفس الطبيعي للبدن فالنفس إنما تعشقه لأنها ~~تتناول اللذات بواسطته وإذا كانت الأبدان متساوية في حصول مطلوبها كانت ~~نسبتها إليها على السواء فقولكم أن النفس # PageV01P194 # المعينة عاشقة للبدن المعين باطل ومثال ذلك العطشان إذا صادف آنية ~~متساوية كل مها يحصل غرضه امتنع عليه أن يعشق واحدا منها بعينه دون سائرها # الوجه الحادي عشر بعد المائة أن نفس الإنسان لو كانت جوهرا مجردا لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا متصلة بالعالم ولا منفصلة عنه ولا مباينة ولا مجانبة ~~لكان يعلم بالضرورة أنه موجود بهذه الصفة لأن علم الإنسان بنفسه وصفاتها ~~أظهر من كل معلوم وأن علمه بما عداه تابع لعلمه بنفسه ومعلوم قطعا أن ذلك ~~باطل فإن جماهير أهل الأرض يعلمون أن إثبات هذا الوجود محال في العقول ~~شاهدا وغائبا فمن قال ذلك في نفسه وربه فلا نفسه عرف ولا ربه عرف # الوجه الثاني عشر بعد المائة أن هذا البدن المشاهد محل لجميع صفات النفس ~~وإدراكاتها الكلية والجزئية ومحل للقردة على الحركات الإرادية فوجب أن يكون ~~الحامل لتلك الإدراكات والصفات هو البدن وما ms227 سكن فيه أما أن يكون محلها ~~جوهرا مجردا لا داخل العالم ولا خارجه فباطل بالضرورة # الوجه الثالث عشر بعد المائة أن النفس لو كانت مجردة عن الجسمية والتحيز ~~لامتنع أن يتوقف فعلها على مماسة محل الفعل لأن ما لا يكون متحيزا يمتنع أن ~~يصير مماسا للمتحيز ولو كان الأمر كذلك لكان فعلها على سبيل الاختراع من ~~غير حاجة إلى حصول مماسة وملاقاة بين الفاعل وبين محل الفعل فكان الواحد ~~منا يقدر على تحريك الأجسام من غير أن يماسها أو يماس شيئا يماسها فإن ~~النفس عندكم كما كانت قادرة على تحريك البدن من غير أن يكون بينها وبينه ~~مماسة كذلك لا تمنع قدرتها على تحريك جسم غيره من غير مماسة له ولا لما ~~يماسه وذلك باطل بالضرورة فعلم أن النفس لا تقوى على التحريك إلا بشرط أن ~~تماس محل الحركة أو تماس ما يماسه وكل ما كان مماسه للجسم أو لما يماسه فهو ~~جسم فإن قيل يجوز أن يكون تأثير النفس في تحريك بدنها الخاص غير مشروط ~~بالمماسة وتأثيرها في تحريك غيره موقوف على حصول المماسة بين بدنها وبين ~~ذلك الجسم فالجواب أنه لما كان قبول البدن لتصرفات النفس لا يتوقف على حصول ~~المماسة بين النفس وبين البدن وجب أن تكون الحال كذلك في غيره من الأجسام ~~لأن الأجسام متساوية في قبول الحركة ونسبة النفس إلى جميعها سواء لأنها إذا ~~كانت مجردة عن الحجمية وعلائق الحجمية كانت نسبة ذاتها إلى الكل بالسوية ~~ومتى كانت ذات الفاعل نسبتها إلى الكل بالسوية والقوابل نسبتها إلى ذلك ~~الفاعل بالسوية كان التأثير بالنسبة إلى الكل على السواء فإذا استغنى ~~الفاعل عن مماسة محل الفعل في حق البعض وجب أن يستغني في حق الجميع وإن ~~افتقر إلى المماسة في البعض # PageV01P195 # وجب افتقاره في الجميع فإن قيل النفس عاشقة لهذا البدن دون غيره فكان ~~تأثيرها فيه أقوى من تأثيرها في غيره قيل هذا العشق الشديد يقتضي أن يكون ~~تعلقها بالبدن أكثر وتصرفها فيه أقوى فأما أن يتغير ms228 مقتضى ذاتها بالنسبة ~~إلى هذه الأجسام فذلك محال وهذا دليل في غاية القوة # الوجه الرابع عشر بعد المائة أن العقلاء كلهم متفقون على أن الإنسان هو ~~هذا الحي الناطق المتغذي النامي الحساس المتحرك بالإرادة وهذه الصفات نوعان ~~صفات لبدنه وصفات لروحه ونفسه الناطقة فلو كانت الروح جوهرا مجردا لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه لكان الإنسان لا داخل العالم ~~ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه أو كان بعضه في العالم وبعضه لا ~~داخل العالم ولا خارجه وكل عاقل يعلم بالضرورة بطلان ذلك وأن الإنسان ~~بجملته داخل العالم بدنه وروحه وهذا في البطلان يضاهي قول من قال أن نفسه ~~قديمة غير مخلوقة فجعلوا نصف الإنسان مخلوقا ونصفه غير مخلوق فإن قيل نحن ~~نسلم أن الإنسان كما ذكرتم إلا أنا نثبت جوهرا مجردا يدبر الإنسان الموصوف ~~بهذه الصفات # قلنا فذلك الجوهر الذي أثبتموه مغاير للإنسان أو هو حقيقة الإنسان ولا بد ~~لكم من أحد الأمرين فإن قلتم هو غير الإنسان رجع كلامكم إلى أنكم أثبتم ~~للإنسان مدبرا غيره سميتموه نفسها وكلامنا الآن إنما هو في حقيقة الإنسان ~~لا في مدبره فإن مدبر الإنسان وجميع العالم العلوي والسفلي هو الله الواحد ~~القهار # الوجه الخامس عشر بعد المائة أن كل عاقل إذا قيل له ما الإنسان فإنه يشير ~~إلى هذه البنية وما قام بها لا يخطر بباله أمر مغاير لها مجرد ليس في ~~العالم ولا خارجه والعلم بذلك ضروري لا يقبل شكا ولا تشكيكا # الوجه السادس عشر بعد المائة أن عقول العالمين قاضيه بأن الخطاب متوجه ~~إلى هذه البنية وما قام بها وساكها وكذلك المدح والذم والثواب والعقاب ~~والترغيب والترهيب ولو أن رجلا قال المأمور والمنهي والممدوح والمذموم ~~والمخاطب والعاقل جوهر مجرد ليس في العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل ~~عنه لأضحك العقلاء على عقله ولأطبقوا على تكذيبه وكل ما شهدت بدائه العقول ~~وصرائحها ببطلانه كان الاستدلال على ثبوته استدلالا على صحة وجود المحال ~~وبالله ms229 التوفيق # PageV01P196 ### | فصل فإن قيل قد ذكرتم الأدلة الدالة على جسميتها وتحيزها فما جوابكم # عن أدلة المنازعين لكم في ذلك فإنهم استدلوا بوجوه # أحدها اتفاق العقلاء على قولهم الروح والجسم والنفس والجسم فيجعلونها ~~شيئا غير الجسم فلو كانت جسما لم يكن لهذا القول معنى # الثاني وهو أقوى ما يحتجون به أنه من المعلوم أن في الموجودات ما هو قابل ~~للقسمة كالنقطة والجوهر الفرد بل ذات واجب الوجود فوجب أن يكون العلم بذلك ~~غير قابل للقسمة فوجب أن يكون الموصوف بذلك العلم وهو محله غير قابل للقسمة ~~وهو النفس فلو كانت جسما لكانت قابلة للقسمة ويقرر هذا الدليل على وجه آخر ~~وهو أن محل العلوم الكلية لو كان جسما أو جسمانيا لانقمست تلك العلوم لأن ~~الحال في المنقسم وانقسام تلك العلوم مستحيل # الثالث أن الصور العقلية الكلية مجردة بلا شك وتجردها إما أن يكون بسبب ~~المأخوذ عنه أو بسبب الأخذ والأول باطل لأن هذه الصور إنما أخذت عن الأشخاص ~~الموصوفة بالمقادير المختلفة والأوضاع المعينة فثبت أن تجردها إنما هو بسبب ~~الأخذ لها والقوة العقلية المسماة بالنفس # الرابع أن القوة العاقلة تقوى على أفعال غير متناهية فإنها تقوى على ~~إداراكات لا تتناهي والقوة الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية لأن ~~القوة الجسمانية تنقسم بانقسام محلها فالذي يقوى عليه بعضها يجب أن يكون ~~أقل من الذي يقوى عليه الكل فالذي يقوى عليه الكل يزيد على الذي يقوى عليه ~~البعض أضعافا متناهية والزائد على المتناهي بمتناه متناه # الخامس أن القوة العاقلة لو كانت حالة في آلة جسمانية لوجب أن تكون القوة ~~العاقلة دائمة الإدراك لتلك الآية أو ممتنعة الإدراك لها بالكلية ولكلاهما ~~باطل لأن إدراك القوة العاقلة لتلك الآلة إن كان عين وجودها فهو محال وإن ~~كان صورة مساوية لوجودها وهي حالة في القوة العقلية الحالة في تلك الآلة ~~لزم اجتماع صورتين متماثلتين وهو محال وإذا بطل هذا ثبت أن القوة العاقلة ~~لو أدركت آلتها لكان إدراكها عبارة عن نفس حصول تلك الآلة عند ms230 القوة ~~العاقلة فيجب حصول الإدراك دائما إن كفي هذا القدر في حصول # PageV01P197 # الإدراك وإن لم يكف امتنع حصول الإدراك في وقت من الأوقات إذ لو حصل في ~~وقت دون وقت لكان بسبب أمر زائد على مجرد حضور صورة الآلة # السادس أن كل أحد يدرك نفسه وإدراك الشيء عبارة عن حضور ماهية المعلوم ~~عند العالم فإذا علمنا أنفسنا فهو إما أن يكون لأجل حضور ذواتنا لذواتنا أو ~~لأجل حضور صورة مساوية لذواتنا في ذواتنا والقسم الثاني باطل وإلا لزم ~~اجتماع المثلين فثبت أنه لا معنى لعلمنا بذاتنا إلا حضور ذاتنا عند ذاتنا ~~وهذا إنما يكون إذا كانت ذاتا قائمة بالنفس غنية عن المحل لأنها لو كانت ~~حالة في محل كانت حاضرة عند ذلك المحل فثبت أن هذا المعنى إنما يحصل إذا ~~كانت النفس قائمة بنفسها غنية عن محل تحل فيه # السابع ما احتج به أبو البركات البغدادي وأبطل ما سواه فقال لا نشك أن ~~الواحد منا يمكنه أن يتخيل بحرا من زئبق وجبلا من ياقوت وشموسا وأقمارا ~~فهذه الصور الخيالية لا تكون معدومة لأن قوة المتخيل تشير إلى تلك الصور ~~وتميز بين كل صورة وغيرها وقد يقوى ذلك المتخيل إلى أن يصير كالمشاهد ~~المحسوس ومعلوم أن العدم المحض والنفي الصرف لا يثبت ذلك ونحن نعلم ~~بالضرورة ان هذه الصور ليست موجودة في الأعيان فثبت أنها موجودة في الأذهان ~~فنقول محل هذه الصورة إما أن يكون جسما أو حالا في الجسم أو لا جسما ولا ~~حالا في الجسم والقسمان الأولان باطلان لأن صورة البحر والجبل صورة عظيمة ~~والدماغ والقلب جسم صغير وانطباع العظيم في الصغير محال فثبت أن محل هذه ~~الصورة الخيالية ليس بجسم ولا جسماني # والثامن لو كانت القوة العقلية جسدانية لضعفت في زمان الشيخوخة دائما ~~وليس كذلك # التاسع أن القوة العقلية غنية في أفعالها عن الجسم وما كان غنيا في فعله ~~عن الجسم وجب أن يكون غنيا في ذاته عن الجسم بيان الأول أن القوة العقلية ~~تدرك نفسها ومن المحال ms231 أن يحصل بينها وبين نفسها آلة متوسطة أيضا وتدرك ~~إدراكها لنفسها وليس هذا الإدراك بآلة وأيضا فإنها تدرك الجسم الذي هو ~~آلتها وليس بينها وبين آلتها آلة أخرى وبيان للثاني من وجهين # أحدهما أن القوى الجسمانية كالناظرة والسامعة والخيال والوهم لما كانت ~~جسمانية يقدر عليها إدراك ذواتها وإدراكها لكونها مدركة لذواتها وإدراكها ~~الأجسام الحالمة لها فلو كانت القوة العاقلة جسمانية لتعذر عليها هذه ~~الأمور الثلاثة # PageV01P198 # الثاني أن مصدر الفعل هو النفس فلو كانت النفس متعلقة في قوامها ووجودها ~~بالجسم لم تحصل تلك الأفعال إلا بشركة من الجسم ولما ثبت أنه ليس كذلك ثبت ~~أن القوة العقلية غنية عن الجسم # العاشر أن القوة الجسمانية تكل بكثرة الأفعال ولا تقوى بعد الضعف وسببه ~~ظاهر فإن القوى الجسمانية بسبب مزاولة الأفعال تتعرض موادها للتحلل والذبول ~~وهو يوجب الضعف وأما القوة العقلية فإنها لا تضعف بسبب كثرة الأفعال وتقوى ~~على القوى بعد الضعف فوجب أن لا تكون جسمانية # الحادي عشر أنا إذا حكمنا بأن السواد مضاد للبياض وجب أن يحصل في الذهن ~~ماهية السواد والبياض والبداهة حاكمة بأن اجتماع السواد والبياض والحرارة ~~والبرودة في الأجسام محال فلما حصل هذا الاجتماع في القوة العقلية وجب أن ~~لا تكون قوة جسمانية # الثاني عشر أنه لو كان محل الإدراكات جسما وكل جسم منقسم لا محالة لم ~~يمنع أن يقوم ببعض أجزاء الجسم علم بالشيء وبالبعض الآخر منه جهل وحينئذ ~~فيكون الإنسان في الحال الواحد عالما بالشيء وجاهلا به # الثالث عشر أن المادة الجسمانية إذا حصلت فيها نقوش مخصوصة فإن وجود تلك ~~النقوش فيها يمنع من حصول نقوش غيرها وأما النقوش العقلية فالضد من ذلك لأن ~~الأنفس إذا كانت خالية من جميع العلوم والإدراكات فإنه يصعب عليها التعلم ~~فإذا تعلمت شيئا صار حصول تلك العلوم معينا على سهولة غيرها فالنقوش ~~الجسمانية متغيرة متنافية والنقوش العقلية متعاونة متعاضدة # الرابع عشر أن النفس لو كانت جسما لكان بين إرادة العبد تحريك رجله وبين ~~تحريكها زمان على قدر حركة الجسم وثقله ms232 فإن النفس هي المحركة لمجسد والممهد ~~لحركته فلو كان المحرك للرجل جسما فإما أن يكون حاصلا في هذه الأعضاء أو ~~جائيا إليها فإن كان جائيا إليها احتاج إلى مدة ولا بد وإن كان حاصلا فيها ~~فنحن إذا قطعنا تلك العضلة التي تكون بها الحركة لم يبق منها في العضو ~~المتحرك شيء فلو كان ذلك المتحرك حاصلا فيه لبقي منه شيء في ذلك العضو # الخامس عشر لو كانت النفس جسما لكانت منقسمة ولصح عليها أن يعلم بعضها ~~كما يعلم كلها فيكون الإنسان عالما بعض نفسه جاهلا بالبعض الآخر وذلك محال # السادس عشر لو كانت النفس لوجب أن يثقل البدن بدخولها فيه لأن شأن # PageV01P199 # الجسم الفارغ إذا ملأه غيره أن يثقل به كالزق الفارغ والأمر بالعكس فأخف ~~ما يكون البدن إذا كانت فيه النفس وأثقل ما يكون إذا فارقته # السابع عشر لو كانت النفس جسما لكانت على صفات سائر الأجسام التي لا يخلو ~~شيء منها من الخفة والثقل والحرارة والبرودة والنعومة والخشونة والسواد ~~والبياض وغير ذلك من صفات الأجسام وكيفياتها ومعلوم أن الكيفيات النفسانية ~~إنما هي الفضائل والرذائل لا تلك الكيفيات الجسمانية فالنفس ليست جسما # الثامن عشر أنها لو كانت جسما لوجب أن يقع تحت جميع الحواس أو تحت حاسة ~~منها أو حاستين أو أكثر فإنا نرى الأجسام كذلك منها ما يدرك بجميع الحواس ~~ومنها ما يدرك بأكثرها ومنها ما يدرك بحاستين منها أو واحدة والنفس بريئة ~~من ذلك كله وهذه الحجة التي احتج بها جهم على طائفة من الملاحدة حين أنكروا ~~الخالق سبحانه وقالوا لو كان موجودا لوجب أن يدرك بحاسة من الحواس فعارضهم ~~بالنفس وأنى تتم المعارضة إذا كانت جسما وإلا لو كانت جسما لجاز إدراكها ~~ببعض الحواس # التاسع عشر لو كانت جسما لكانت ذات طول وعرض وعمق وسطح وشكل وهذه ~~المقادير والأبعاد لا تقوم إلا بمادة ومحل فإن كانت مادتها ومحلها نفسا لزم ~~اجتماع نفسين وإن كان غير نفس كانت النفس مركبة من بدن وصورة وهي في جسد ~~مركب ms233 من بدن وصورة فيكون الإنسان إنسانين # العشرون إن من خاصة الجسم أن يقبل التجزي والجزء الصغير منه ليس كالكبير ~~ولو قبلت التجزي فكل جزء منها إن كان نفسا لزم أن يكون للإنسان نفوس كثيرة ~~لا نفس واحدة وإن لم يكن نفسا لم يكن المجموع نفسا كما أن جزء الماء إن لم ~~يكن ماء لم يكن مجموعة ماء # الحادي والعشرون أن الجسم محتاج في قوامه وحفظه وبقائه إلى النفس ولهذا ~~يضمحل ويتلاشى لما تفارقه فلو كانت جسما لكانت محتاجة إلى نفس أخرى وهلم ~~جرا ويتسلسل الأمر وهذا المحال إنما لزم من كون النفس جسما # الثاني والعشرون لو كانت جسما لكان اتصالها بالجسم إن كان على سبيل ~~المداخلة لزم تداخل الأجسام وإن كان على سبيل الملاصقة والمجاورة كان ~~الإنسان الواحد جسمين متلاصقين أحدهما يرى والآخر لا يرى # فهذا كل ما موهت به هذه الطائفة المبطلة من منخنقة وموقوذة ومتردية ونحن ~~نجيهم عن ذلك كله فصلا بفصل بحول الله وقوته ومعونته # PageV01P200 ### | فصل فأما قولهم أن العقلاء متفقون على قولهم الروح والجسم والنفس # والجسم وهذا يدل على تغايرهما فالجواب أن يقال أن مسمى الجسم في اصطلاح ~~المتفلسفة والمتكلمين أعم من مسماه في لغة العرب وعرف أهل العرف فإن ~~الفلاسفة يطلقون الجسم على قابل الأبعاد الثلاثة خفيفا كان أو ثقيلا مرئيا ~~كان أو غير مرئي فيسمون الهواء جسما والنار جسما والماء جسما وكذلك الدخان ~~والبخار والكوكب ولا يعرف في لغة العرب تسمية شيء من ذلك جسما التة فهذه ~~لغتهم وأشعارهم وهذه النقول عنهم في كتب اللغة قال الجوهري قال أبو زيد ~~الجسم الجسد وكذلك الجسمان والجثمان قال الأصمعي الجسم والجسمان الجسد ~~والجثمان الشخص وقد جسم الشيء أي عظم فهو عظيم جسيم وجسام بالضم # ونحن إذا سمينا النفس جسما فإنما هو باصطلاحهم وعرف خطابهم وإلا فليست ~~جسما باعتبار وضع اللغة ومقصودنا بكونها جسما إثبات الصفات والأفعال ~~والأحكام التي دل عليها الشرع والعقل والحس من الحركة والانتقال والصعود ~~وبنزول ومباشرة النعيم والعذاب واللذة والألم وكونها تحبس وترسل ms234 وتقبض ~~وتدخل وتخرج فلذلك أطلقنا عليها اسم الجسم تحقيقا لهذه المعاني وإن لم يطلق ~~عليها أهل اللغة اسم الجسم فالكلام مع هذه الفرقة المبطلة في المعنى لا في ~~اللفظ فقول أهل التخاطب الروح والجسم هو بهذا المعنى ### | فصل وأما الشبهة الثانية فهي أقوى شبههم التي بها يصلون وعليها يعولون # وهي مبلية على أربع مقدمات # إحداها أن في الوجود ما لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه # الثانية أنه يمكن العلم به # الثالثة أن العلم به غير منقسم # الرابعة أنه يجب أن يكون محل للعلم به كذلك إذ لو كان جسما لكان منقسما # وقد نازعهم في ذلك جمهور العقلاء وقالوا لم تقيموا دليلا على أن في ~~الوجود ما لا يقبل القسمة الحسبة ولا الوهمية وإنما بأيديكم دعاء لا حقيقة ~~لها وإنما أثبتموه من واجب الوجود وهو بناء على أصلكم الباطل عند جميع ~~العقلاء من أهل الملل وغيرهم من انكار ماهية الرب # PageV01P201 # تعالى وصفاته وأنه وجود مجرد لا صفة له ولا ماهية وهذا قول باينتم به ~~العقول وجميع الكتب المنزلة من السماء وإجماع الرسل ونفيتم به علم الله ~~وقدرته ومشيئته وسمعه وبصره وعلوه على خلقه ونفيتم به خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام وسميتموه توحيدا وهو أصل كل تعطيل # قالوا والنقطة التي استدللتم بها هي من أظهر ما يبطل دليلكم فإنها غير ~~منقسمة وهي حالة في الجسم المنقسم فقد حل في المنقسم ما ليس بمنقسم ثم إن ~~مثبتي الجوهر الفرد وهم جمهور المتكلمين ينازعونكم في هذا الأصل ويقولون ~~الجوهر حال في الجسم بل هو مركب منه فقد حل في المنقسم ما ليس بمنقسم ولا ~~يمكن تتميم دليلكم إلا بنفي الجوهر الفرد فإن قلتم النقطة عبارة عن نهاية ~~الخط وفنائه وعدمه فهي أمر عدمي بطل استدلالكم بها وإن كانت أمرا وجوديا ~~فقد حلت في المنقسم فبطل الدليل على التقديرين # قالوا أيضا فلم لا يكون العلم حالا في محله لا على وجه النوع والسريان ~~فإن حلول كل شيء في محله يحسبه فحلول الحيوان في الدار ms235 نوع وحلول العرض في ~~الجسم نوع وحلول الخط في الكتاب نوع وحلول الدهن في السمسم نوع وحلول الجسم ~~في العرض نوع وحلول الروح في البدن نوع وحلول العلوم والمعارف في النفس نوع # قالوا وأيضا فالوحدة حاصلة فإن كانت جوهرا فقد ثبت الجوهر الفرد بطل ~~دليلكم فإنه لا يتم إلا بنفيه وإن كان عرضا وجب أن يكون لها محل فمحلها إن ~~كان منقسما فقد جاز قيام غير المنقسم بالمنقسم فهو الجوهر وبطل الدليل فإن ~~قلتم الواحده أمر عدمي لا وجود له في الخارج فكذلك أثبتم به وجود مالا ~~ينقسم كلها أمور عدمية لا وجود لها في الخارج فإن واجب الوجود الذي أثبتموه ~~أمر عدمي بل مستحيل الوجود # قالوا وأيضا فالإضافات عارضة لا أقسام مثل الفوقية والتحتية والمالكية ~~والمملوكية فلو انقسم الحال بانقسام محله لزم انقسام هذه الإضافات فكان ~~يكون لحقيقة الفوقية والتحتية ربع وثمن وهذا لا يقبله العقل # قالوا وأن القوة الوهمية والفكرية جسمانية عند زعيمكم ابن سيناء فيلزم أن ~~يحصل لها أجزاء وأبعاض وذلك محال لأنها لو انقمست لكان كل واحد من أبعاضها ~~إن كان مثلها كان الجزء مساويا للكل وإن لم يكن مثلها لم تكن تلك الأجزاء ~~كذلك # وأيضا فإن الوهم لا معنى له إلا كون هذا صديقا وهذا عدوا وذلك لا يقبل ~~القسمة # قالوا وأن الوجود أمر زائد على الماهيات عندكم فلو لزم انقسام الحال ~~لانقسام محله # PageV01P202 # لزم انقسام ذلك الوجود بانقسام محله وهذا الوجه لا يلزم من جعل وجود ~~الشيء غير ماهيته # قالوا وأيضا فطبائع الأعداد ماهيات مختلفة فالمفهوم من كون العشرة عشرة ~~مفهوم واحد وماهية واحدة فتلك الماهية أما أن تكون عارضة لكل واحد من تلك ~~الآحاد وهو محال وأما أن تنقسم بانقسام تلك الآحاد وهو محال لأن المفهوم من ~~كون العشرة عشرة لا يقبل القسمة نعم العشرة تقبل القسمة لا عشريتها قالوا ~~فقد قدم مالا ينقسم بالمقسم # قالوا وأيضا فالكيفيات المختصات بالكميات كالاستدارة والنقوش ونحوهما عند ~~الفلاسفة أعراض موجودة في شبه الاستدارة إن كان عرضا ms236 فأما أن يكون بتمامه ~~قائما وإما أن يكون بكل واحد من الأجزاء وهو محال وأما أن ينقسم ذلك العرض ~~بانقسام الأجزاء ويقوم بكل جزء من أجزاء الخط جزء من أجزاء ذلك العرض وهو ~~محال لأن جزأه إن كان استدارة لزم أن يكون جزء الدائرة دائرة وإن لم يكن ~~استدارة فعند اجتماع الأجزاء إن لم يحدث أمر زائد وجب أن لا تحصل الاستدارة ~~وإن حدث أمر زائد وجب أن لا تحصل الاستدارة وإن حدث أمر زائد فإن كان ~~منقسما عاد التقسيم وإن لم ينقسم كان الحال غير منقسم ومحله منقسما # قلت وهذا لا يلزمهم فإن لهم أن يقولوا ينقسم بانقسام محله تبعا له كسائر ~~الأعراض القائمة بمحالها من البياض والسواد وأما مالا ينقسم كالطول فشرط ~~حصوله اجتماع الأجزاء والمعلق على الشرط منتف بانتفائه # قالوا وإن هذه الأجسام ممكنة بذواتها وذلك صفة لها خارجة عن ماهيتها فإن ~~لم تنقسم بانقسام محلها بطل الدليل وإن انقسمت عاد المحذور المذكور من ~~مساواة الجزء للكل والتسلسل # قلت وهذه أيضا لا يلزمهم لأن الإمكان ليس أمر يدل على قبول الممكن للوجود ~~والعدم وذلك القبول من لوازم ذاته ليس صفة عارضة لم ولكن الذهن يجرد هذا ~~القبول عن القابل فيكون عروضه للماهية بتجريد الذهن وأما قضية مشاركة الجزء ~~للكل فلا امتناع في ذلك كسائر الماهيات البسيطة فإن جزأها مساو لكلها في ~~الحد والحقيقة كالماء والتراب والهواء وإنما الممتنع أن يساوي الجزء للكل ~~في الكم لا في نفس الحقيقة # والمعول في إبطال هذه الشبهة على أن العلم ليس بصورة حالة في النفس وإنما ~~هو نسبة وإضافة بين العلم والمعلوم كما نقول في الأبصار أنه ليس بانطباع ~~صورة مساوية للمبصر في القوة الباصرة وإنما هو نسبة وإضافة بين القوة ~~الباصرة والمبصر وعامة شبههم التي أوردوها # PageV01P203 # في هذا الفصل مبنية على انطباع صورة المعلوم في القوة العالمة ثم بنوا ~~على ذلك أن انقسام مالا ينقسم في المنقسم محال # وقولهم محل العلوم الكلية لو كان جسما أو جسمانيا لانقسمت تلك العلوم ms237 لأن ~~الحال في المنقسم منقسم لم يذكروا جسمه هذه المقدمة دليلا ولا شبهة وإنما ~~بأيديهم مجرد الدعوى وليست بديهية حتى تستغني عن الدليل وهي مبنية على ~~العلم بالشيء عن حصول صورة مساوية لماهية المعلوم في نفس العالم وهذا من ~~أبطل الباطل للوجوه التي نذكرها هناك # وأيضا فلو سلمنا لكم ذلك كان من أظهر الأدلة على بطلان قولكم فإن هذه ~~الصورة إذا كانت حالة في جوهر النفس الناطقة فهي صورة جزئية حالة في نفس ~~جزئية تقارنها سائر الأعراض الحالة في تلك النفس الجزئية فإذا اعتبرنا تلك ~~الصورة مع جملة هذه اللواحق لم تكن صورة مجردة بل مقرونة بلواحق وعوارض ~~وذلك يمنع كليتها # فإن قلتم المراد بكونها كلية إنا إذا حذفنا عنها تلك اللواحق واعتبرناها ~~من حيث هى هي كانت كلية قلنا لكم فإذا جاز هذا فلم لا يجوز أن يقال هذه ~~الصورة حالة في مادة جسمانية مخصوصة بمقدار معين وبكل معين إلا أنا حذفنا ~~عنها ذلك واعتبرناها من حيث هي هي كانت بمنزلة تلك الصورة التي فعلنا بها ~~ذلك فالمعين في مقابلة المعين المطلق المأخوذ من حيث هو هو في مقابلة محله ~~المطلق وهذا هو المعقول الذي شهدت به العقول الصحيحة والميزان الصحيح فظهر ~~أن هذه الشبهة من أفسد الشبه وأبطلها وإنما أتى القوم من الكليات فإنها هي ~~التي خربت دورهم وأفسدت نظرهم ومناظرهم فإنهم جردوا أمورا كلية لا وجود لها ~~في الخارج ثم حكموا عليها بأحكام الموجودات وجعلوها ميزانا وأصلا للموجودات # فإذا جردوا صور المعلومات وجعلوها كلية جردنا نحن محلها وجعلناه كليا وإن ~~أخذوا جزئية معينة فمحلها كذلك فالكلى في مقابلة الكلى والجزئي في مقابلة ~~الجزئي # على أنا نقول ليس في الذهن كلى وإنما في الذهن صورة معينة مشخصة منطبعة ~~على سائر أفرادها فإن سميت كلية بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الألفاظ وهي ~~كلية وجزئية باعتبارين ### | فصل قولكم في الوجه الثالث أن الصور العقلية الكلية مجردة وتجردها # إنما هو بسبب الآخذ لها وهو القوة العقلية جوابه أن يقال ما الذي ms238 تريدون ~~بهذه الصورة العقلية الكلية أتريدون به أن المعلوم حصل في ذات العالم أو أن ~~العلم به حصل في ذات العالم فالأول ظاهر إلا حالة # PageV01P204 # والثاني حق إلا أنه يفيدكم شيئا لأن الأمر الكلي المشترك بين الأشخاص ~~الإنسانية هو الإنسانية لا العلم بها والإنسانية لا وجود لها في الخارج ~~كلية والوجود في الخراج للمعينات فقط والعلم تابع للمعلوم فكما أن المعلوم ~~معين فالعلم به معين لكنه صورة منطبقة على أفراد كثيرة فليس في الذهن ولا ~~في الخارج صورة غير منقسمة البتة وكم قد غلط في هذا الموضع طوائف من ~~العقلاء لا يحصيهم إلا الله تعالى فالصورة الكلية التي يثبتونها ويزعمون ~~أنها حالة في النفس فهي صورة شخصية موصوفة بعوارض شخصية فهب أن هذه الصورة ~~العقلية حالة في جوهر ليس بجسم ولا جسماني فإنها غير مجردة عن العوارض فإن ~~قلتم مرادنا بكونها مجردة النظر إليها من حيث هي هي مع قطع النظر عن تلك ~~العوارض # قيل لكم فلم لا يجوز أن تكون الصورة الحالة في المحل الجسماني منقسمة ~~وإنما تكون مجردة إذا نظرنا إليها من حيث هي هي بقطع النظر عن عوارضها ### | فصل قولكم في الرابع أن العقلية تقوى على أفعاله غير متناهية ولا شيء # من القوى الجسمانية كذلك فجوابه أنا لا نسلم أنها تقوى على أفعال غير ~~متناهية # وقولكم أنها تقوى على إدراكات لا تتناهي هي والإدراكات أفعال مقدمتان ~~كاذبتان فإن إدراكاتها ولو بلغت ما بلغت فهي متناهية فلو كان لها بكل نفس ~~ألف ألف إدراك لتناهت إدراكاتها فهي قطعا تنتهي في الإدراكات والمعارف إلى ~~حد لا يمكنها أن تزيد عليه شيئا كما قال تعالى {وفوق كل ذي علم عليم} إلى ~~أن ينتهي العلم إلى من هو بكل شيء عليم فهو الله الذي لا إله إلا هو وحده ~~وذلك من خصائصه التي لا يشاركه فيها سواه # فإن قلتم لو انتهي إدراكها إلى حد لا يمكنها المزيد عليه لزم انقلاب ~~الشيء من الإمكان الذاتي قلنا فهذا بعينه لو صح دل على ms239 أن القوة الجسمانية ~~تقوى على أفعال غير متناهية وذلك يوجب سقوط الشبهة وبطلانها # وأيضا فإن قوة التخيل والتفكر والتذكر تقوى على استحضار المخيلات ~~والمذكرات إلى غير نهاية مع أنها عندكم قوة جسمانية # فإن قلتم لا نسلم أنها تقوى على مالا يتناهي قيل لكم هكذا يقول خصومكم في ~~القوة العاقلة سواء # وأما كذب المقدمة الثانية فإن الإدراك ليس بفعل فلا يلزم من تناهي فعلها ~~تناهي إدراكها وقد صرحتم بأن الجوهر العقلي قابل لصورة المعلوم لا أنها ~~فاعل لها والشيء الواحد لا يكون # PageV01P205 # فاعلا وقابلا عندكم وقد صرحتم بأن الأجسام يمتنع عليها أفعال لا نهاية ~~لها ولا يمتنع عليها مجهولات وانفعالات لا نتناهي وقد أورد ابن سيناء على ~~هذه الشبهة سؤالا فقال أليس النفس الفلكية المباشرة لتحريك الفلك قوة ~~جسمانية مع أن الحركات الفلكية غير متناهية وأجاب عنه بأنها وإن كانت قوة ~~جسمانية إلا أنها تستمد الكمال من العقل المفارق فلهذا السبب قدرت على ~~أفعال غير متناهية # فنقول فإذا كان الأمر عندك كذلك فلم لا يجوز أن يقال النفس الناطقة تستمد ~~الكمال والقوة من فاطرها ومنشئها الذي له القوة جميعا فلا جرم تقوى مع ~~كونها جسمانية على مالا يتناها فإذا قلت بذلك وافقت الرسل والعقل ودخلت مع ~~زمرة المسلمين وفارقت العصبة المبطلين ### | فصل قولكم في الخامس لو كانت القوة العاقلة حالة في آلة جسمانية لوجب # أن تكون دائمة الإدراك لتلك الآلة أو ممتنعة الإدراك لها فهو مبنى على ~~أصلكم الفاسد أن الإدراك عبارة عن حصول صورة مساوية للمدرك في القرة ~~المدركة ثم لو سلمنا لكم ذلك الأصل لم يفدكم شيئا فإن حصول تلك الصورة يكون ~~شرطا لحصول الإدراك فأما أن يقول أو يقال أن الإدراك عين حصول تلك الصورة ~~فهذا لا يقوله عاقل فلم لا يجوز أن يقال القوة العقلية حالة في جسم مخصوص ~~ثم أن القوة الناطقة قد تحصل لها حالة إضافية تسمى بالشعور والإدراك فحينئذ ~~تصير القوة العاقلة مدركة لتلك الآلة وقد لا توجد تلك الحالة الإضافية ~~فتصير غافلة عنها ms240 وإذا كان هذا ممكنا سقطت تلك الشبهة رأسا ثم نقول أتدعون ~~أنا إذا عقلنا شيئا فإن الصورة الحاضرة في العقل مساوية لذلك المعقول من ~~جميع الوجوه والاعتبارات أو لا يجب حصول هذه المساواة من جميع الوجوه لم ~~يلزم من حدوث صورة أخرى في القلب أو الدماغ اجتماع المثلين # وأيضا فالقوة العاقلة حالة في جوهر القلب أو الدماغ والصورة الحادثة حالة ~~في القوة العاقلة فإحدى الصورتين محل للقوة العاقلة وأيضا فنحن إذا رأينا ~~المسافة الطويلة والبعد الممتد فهل يتوقف هذا الإبصار على ارتسام صورة ~~المرئي في عين الرائي أو لا يتوقف فإن توقف لزم اجتماع المثلين لأن القوة ~~الباصرة عندكم جسمانية فهي في محل له حجم ومقدار فإذا حصل # PageV01P206 # فيه حجم المرئي ومقداره لزم اجتماع المثلين وإذا جاز هناك فلم لا يجوز ~~مثله في مسئتنا وإن كان إدراك الشيء لا يتوقف على حصول صورة المرئي في ~~الرائي بطل قولكم أن إدراك القلب والدماغ يتوقف على حصول صورة القلب ~~والدماغ في القوة العاقلة # وأيضا فقولكم لو كانت القوة العقلية حالة في جسم لوجب أن تكون دائمة ~~الإدراك لذلك الجسم لكن إدراكنا لقلبنا ودماغنا غير دائم فهذا إنما يلزم من ~~يقول أنها حالة في القلب أو الدماغ وأما من يقول أنها حالة في جسم مخصوص ~~وهو النفس وهي مشابكة للبدن فهذا الإلزام غير وارد عليه فإنه يقول النفس ~~جسم مخصوص والإنسان أبدا عالم بأنه جسم مخصوص ولا يزول ذلك عن عقله إلا إذا ~~عرضت له الغفلة فسقطت الشبهة التي عولتم عليها على كل تقدير ### | فصل قولكم في السادس ان كل أحد يدرك نفسه والإدراك عبارة عن حصول # ماهية المعلوم عند العالم وهذا إنما يصح إذا كانت النفس غنية عن المحل ~~إلى آخره # جوابه أن ذلك مبنى على الأصل المتقدم وهو أن العلم عبارة عن حصول صورة ~~مساوية للمعلوم في نفس العالم وهذا باطل من وجوه كثيرة مذكورة في مسألة ~~العلم حتى لو سلم ذلك فالصورة المذكورة شرطا في حصول العلم لا أنها نفس ms241 ~~العلم # وأيضا فهذه الشبهة مع ركاكة ألفاظها وفساد مقدماتها منقوضة فإنا إذا ~~أخذنا حجرا أو خشبة قلنا هذا جوهر قائم بنفسه فذاته حاضرة عند ذاته فيجب في ~~هذه الجمادات أن تكون عالمة بذواتها # وأيضا فجميع الحيوانات مدركة لذواتها فلو كان كون الشيء مدركا لذاته ~~تقتضي كون ذاته جوهرا مجردا لزم كون نفوس الحيوانات بأسرها جواهر مجردة ~~وأنتم لا تقولون بذلك ### | فصل قولكم في السابع الواحد منا يتخيل بحرا من زئبق وجبلا من ياقوت # إلى آخره وهو شبهة أبى البركات البغدادي فشبهة داحضة جدا فإنها مبنية على ~~أن تلك المتخيلات أمور موجودة وأنها منطبعه في النفس في محله ومعلوم قطعا ~~أن هذه المخيلات لا حقيقة لها في ذاتها وغنما الذهن يفرضها تقديرا وليست ~~منطبعة في النفس فإن العلوم الخارجية لا تنطبع صورها في النفس فكيف ~~بالخيالات المعدومة فهذه مندحضة ولا يمنع من وقوع # PageV01P207 # التمييز بين الإعدام المضافة فإن العقل يميز بين عدم السمع وعدم البصر ~~وعدم الشم وغير ذلك ولا يلزم من هذا التمييز كون هذه الإعدام موجودة بل ~~يميز بين أنواع المستحيلات التي لا يمكن وجودها البتة ثم نقول إذا عقل حلول ~~الأشكال والمقادير فيما كان مجردا عن الحجمية والمقدار من كل الوجوه أفلا ~~يعقل حلول العلم بالشكل العظيم والمقدار العظيم في الجسم الصغير وأيضا فإذا ~~كان عدم الانطباق من جميع الوجوه لا يمنع من حلول الصورة والشكل في الجوهر ~~المجرد فعدم انطباق العظيم على الصغير أولى أن لا يمنع من حلول الصورة ~~العظيمة في المحل الصغير # وأيضا فإن سلفكم من الأوائل أقاموا الدليل على أن انطباع الصورة الحالة ~~في الجوهر المجرد محال وذكروا له وجوها ### | فصل قولكم في الثامن لو كانت القوة العقلية جسدانية لضعفت في زمن # الشيخوخة وليس كذلك جوابه من وجوه # الوجه الأول لم يجوز أن يقال القدر المحتاج إليه من صحة البدن في كمال ~~القوة العقلية مقدار معين وأما كمال حال البدن في الصحة فإنه غير معتبر في ~~كمال حال القوة العقلية وإذا احتمل ذلك لم ms242 يبعد أن يقال ذلك القدر المحتاج ~~إليه باق إلى آخر الشيخوخة فبقى العقل إلى آخرها # الوجه الثاني أن الشيخ لعله إنما يمكنه أن يستمر في الإدراكات العقلية ~~على الصحة أن عقله يبقى ببعض الأعضاء التي يتأخر الفساد والاستحالة إليها ~~فإذا انتهي إليها الفساد والاستحالة فسد عقله وإدراكه # الوجه الثالث أنه لا يمتنع أن يكون بعض الأمزجة أوفق لبعض القوى فلعل ~~مزاج الشيخ أوفق للقوة العقلية فلهذا السبب تقوى فيه القوة العاقلة # الوجه الرابع أن المزاج إذا كان في غاية القوة والشدة كانت سائر القوى ~~قوية فتكون القوة الشهوانية والغضبية قوية جدا وقوة هذه القوى تمنع العقل ~~من الاستكمال فإذا حصلت القوة الشيخوخة وحصل الضعف حصل بسبب الضعف ضعف في ~~هذه القوى المانعة للعقل من الاستكمال وحصل في العقل أيضا ضعف ولكن بعد ما ~~حصل في العقل من الضعف حصل ذلك في أضداده فينجبر النقصان من أحد الجانبين ~~بالنقصان من الجانب الآخر فيقع الاعتدال # الوجه الخامس أن الشيخ حفظ العلوم والتجارب الكثيرة ومارس الأمور ودربها # PageV01P208 # وكثرت تجاربه وهذه الأحوال تعينه على وجوه الفكر وقوة النظر فقام النقصان ~~الحاصل بسبب ضعف البدن والقوى # الوجه السادس أن كثرة الأفعال بسبب حصول الملكات الراسخة فصارت الزيادة ~~الحاصلة بهذا الطريق جابرا للنقصان الحاصل بسبب اختلال البدن # الوجه السابع أنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال يهرم ابن آدم وتشب فيه ~~خصلتان الحرص وطول الأمل والواقع شاهد لهذا الحديث مع أن الحرص والأمل من ~~القوى الجسمانية والصفات الخيالية ثم أن ضعف البدن لم يوجب ضعف هاتين ~~الصفتين فعلم أنه لا يلزم من اختلال البدن وضعفه ضعف الصفات البدنية # الوجه الثامن أنا نرى كثيرا من الشيوخ يصيرون إلى الخزف وضعف العقل بل ~~هذا هو الأغلب ويدل عليه قوله تعالى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا ~~يعمل بعد علم شيئا فالشيخ في أرذل عمره يصير كالطفل أو أسوأ حالا منه وأما ~~من لم يحصل له ذلك فإنه لا يرد إلى أرذل العمر # الوجه التاسع أنه لا ms243 تلازم بين قوة البدن وقوة النفس ولا بين ضعفه وضعفها ~~فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف النفس جبانا خوارا وقد يكون ضعيف البدن قوي ~~النفس فيكون شجاعا مقداما على ضعف بدنه # الوجه العاشر أنه لو سلم لكم ما ذكرتم لم يدل على كون النفس جوهرا مجردا ~~لا داخلي العالم ولا خارجه ولا هي في البدن ولا خارجة عنه لأنها إذا كانت ~~جسما صافيا مشرقا سماويا مخالفا للأجسام الأرضية لم تقبل الانحلال والذبول ~~والتبدل كما تقبله الأجسام المتحللة الأرضية فلا يلزم من حصول الانحلال ~~والذبول في هذا البدن حصولهما في جوهر النفس ### | فصل قولكم في التاسع أن القوة العقلية غنية في أفعالها عن الجسم وما # كان غنيا عن الجسم في أفعاله كان غنيا عنه في ذاته إلى آخره جوابه أن ~~يقال لا يلزم من ثبوت حكم في قوة جسمانية ثبوت مثل ذلك الحكم في جميع القوى ~~الجسمانية وليس معكم غير الدعوى المجردة والقياس الفاسد # PageV01P209 # وأيضا فالصور والأعراض محتاجة إلى محلها وليس احتياجها إلى تلك المحال ~~إلا لمجرد ذواتها ولا يلزم من استقلالها بهذا الحكم استغناؤها في ذواتها عن ~~تلك المحال فلا يلزم من كون الشيء مستقلا باقتضاء حكم من الأحكام أن يكون ~~مستغنيا في ذاته عن المحال والله أعلم ### | فصل قولكم في العاشر أن القوة الجسمانية تكل بكثرة الأفعال ولا تقوى # على القوى بعد الضعف إلى آخره جوابه أن القوة الخيالية جسمانية ثم إنها ~~تقوى على تخيل الأشياء العظيمة مع تخيلها الأشياء الحقيرة فإنها يمكنها أن ~~تتخيل الشعلة الصغيرة حال ما تخيل الشمس والقمر # وأيضا فإن الإبصار القوية القاهرة تمنع إبصار الأشياء الضعيفة فكذلك نقول ~~العقول العظيمة العالية تمنع تعقل المعقولات الضعيفة فإن المستغرق في معرفة ~~جلال رب الأرض والسموات وأسمائه وصفاته يمتنع عليه في تلك الحال الفكر في ~~ثبوت الجوهر الفرد وحقيقته ### | فصل قولكم في الحادي عشر إنا إذا حكمنا بأن السواد مضاد للبياض وجب # أن يحصل في الذهن ماهية السواد والبياض معا والبداهة حاكمة بأن اجتماعهما ~~في الجسم محال ms244 جوابه أن هذا مبنى على أن من أدرك شيئا فقد حصل في ذات ~~المدرك صورة مساوية للمدرك وهذا باطل واستدلالكم على صحته بانطباع الصورة ~~في المرآة باطل فإن المرآة لم ينطبع فيها شيء البتة كما يقوله جمهور ~~العقلاء من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم والقول بالانطباع باطل من وجوه ~~كثيرة ثم نقول إذا كنتم قد قلتم ان المتطبع في النفس عند إدراك السواد ~~والبياض رسومهما ومثالهما لا حقيقتهما فلم لا يجوز حصول رسوم هذه الأشياء ~~في المادة الجسمانية ### | فصل قولكم في الثاني عشر أنه لو كان محل الإدراكات جسما وكل جسم # منقسم لم يمنع أن يقوم ببعض أجزاء الجسم علم بالشيء وبالجزء الآخر منه ~~جهل به فيكون الإنسان عالما بالشيء جاهلا به في وقت واحد جوابه أن هذه ~~الشبهة منتقضة على أصولكم فإن الشهوة والغضب والتخيل من الأحوال الجسمانية ~~عندكم ومحلها منقسم فلزمكم أن تجوزوا قيام الشهوة والغضب بأحد الجزأين ~~وضدهما بالجزء الآخر فيكون مشتهيا للشيء نافرا عنه غضبان عليه غير غضبان في ~~وقت واحد # PageV01P210 ### | فصل قولكم في الثالث عشر أن المادة الجسمانية إذا حصلت فيها نقوش # مخصوصة امتنع فيها حصول مثلها والنفوس البشرية بضد ذلك إلى آخره # جوابه أن غاية هذا أن يكون قياسا ممتازا بغير جامع وذلك لا يفيد الظن ~~فضلا عن اليقين فإن النقوش العقلية هي العلوم والإدراكات والنقوش الجسمانية ~~هي الأشكال والصور ولا ريب أن العلوم مخالفة بحقائقها للصور والأشكال ولا ~~يلزم من ثبوت حكم في نوع من أنواع الماهيات ثبوته فيما يخالف ذلك النوع ### | فصل قولكم في الرابع عشر لو كانت النفس جسما لكان بين تحريك المحرك # رجله وبين إرادته للحركة زمان إلى آخره # جوابه أن النفس مع الجسد لا تخلو من ثلاثة أحوال إما أن تكون لابسة ~~لجميعه من خارج كالثوب أو تكون في موضع واحد كالقلب والدماغ أو تكون سارية ~~في جميع أجزاء الجسد وعلى كل تقدير من هذه التقادير فتحريكها لما تريد ~~تحريكه يكون مع إرادتها لذلك بلا زمان كإدراك البصر لما يلاقيه وإدراك ms245 ~~السمع والشم والذوق وإذا قطع العضو لم ينقطع ما كان من جسم النفس متجللا ~~لذلك العضو سواء كانت لابسة له من داخل أو من خارج بل تفارق العضو الذى بطل ~~حسه في الوقت وتتقلص عنه بلا زمان ويكون مفارقتها لذلك العضو كمفارقة ~~الهواء للإناء إذا ملىء ماء وأما إن كانت النفس ساكنة في موضع واحد من ~~البدن لم يلزم ان تبين مع العضو المقطوع وأما إن كانت لابسة للبدن من خارج ~~لم يلزم أن يكون بين إرادتها لتحريكه ونفس التحريك زمان بل يكون فعلها ~~حينئذ في تحريك الأعضاء كفعل المغناطيس في الحديد وإن لم يلاصقه # ثم نقول هذا الهذيان الذي شغلتم به الزمان وارد عليكم بعينه فإنها عندكم ~~غير متصلة بالبدن ولا منفصلة عنه ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه فيلزمكم مثل ~~ذلك ### | فصل قولكم في الخامس عشر لو كانت جسما لكانت منقسمة ولصح عليها أن # تعلم بعضها وتجهل بعضها فيكون الإنسان عالما ببعض نفسه جاهلا بالبعض ~~الآخر # PageV01P211 # جوابه أن هذه الشبهة مركبة من مقدمتين تلازميه واستثنائية والمنع واقع في ~~كلا المقدمتين أو إحداهما فلا نسلم أنها لو كانت جسما لصح أن تعلم بعضها ~~وتجهل بعضها فإن لنفس بسيطة غير مركبة من هذه العناصر ولا من الأجزاء ~~المختلفة فمتى شعرت بذاتها شعرت بجهلها فهذا منع المقدمة التلازمية # وأما الاستثنائية فلا نسلم أنها لا يصح أن تعلم بعضها حال غفلتها عن ~~البعض الآخر ولم تذكروا على بطلان ذلك شبهة فضلا عن دليل ومن المعلوم أن ~~الإنسان قد يشعر بنفسه من بعض الوجوه دون كلها ويتفاوت الناس في ذلك فمنهم ~~من يكون شعوره بنفسه أتم من غيره بدرجات كثيرة وقد قال تعالى {ولا تكونوا ~~كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} فهؤلاء نسوا نفوسهم لا من جميع الوجوه بل ~~من الوجه الذي به مصالحها وكمالها وسعادتها وإن لم ينسوها من الوجه الذي ~~منه شهوتها وحظها وإرادتها فأنساهم مصالح نفوسهم أن يفعلوها ويطلبوها ~~وعيوبها ونقائصها أن يزيلوها ويجتنبوها وكمالها الذي خلقت له أن يعرفوه ~~ويطلبوه ms246 فهم جاهلون بحقائق أنفسهم من هذه الوجوه وإن كانوا عالمين بها من ~~وجوه أخر ### | فصل قولكم في السادس عشر لو كانت النفس جسما لوجب ثقل البدن بدخولها # فيه لأن من شأن الجسم إذا زدت عليه جسما آخر أن يثقل به # فهذه شبهة في غاية الثقلة والمحتج بها أثقل وليس كل جسم زيد عليه جسم آخر ~~ثقله فهذه الخشبة تكون ثقيلة فإذا زيد عليها جسم النار خفت جدا وهذا الظرف ~~يكون ثقيلا فإذا دخله جسم الهواء خف وهذا إنما يكون في الأجسام الثقال التي ~~تطلب المركز والوسط بطبعها وهي تتحرك بالطبع إليه وأما الأجسام التي تتحرك ~~بطبعها إلى العلو فلا يعرض لها ذلك بل الأمر فيها بالضد من تلك الأجسام ~~الثقال بل إذا أضيفت إلى جسم ثقيل أكسبته الخفة وقد أخذ هذا المعنى بعضهم ~~فقال # ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح # خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح ### | فصل قولكم في السابع عشر لو كانت النفس جسما لكانت على صفات سائر # الأجسام التي لا تخلو منها من الخفة والثقل والحرارة والبرودة والرطوبة ~~واليبوسة والنعومة والخشونة # PageV01P212 # إلى آخره شبهة فاسدة وحجة داحضة فإنه لا يجب اشتراك الأجسام في جميع ~~الكيفيات والصفات وقد فاوت الله سبحانه بين صفاتها وكيفياتها وطبائعها منها ~~ما يرى بالبصر ويلمس باليد ومنها ما لا يرى ولا يلمس ومنا ماله لون ومنها ~~مالا لون له ومنها مالا يقل الحرارة والبرودة ومنها ما يقبله على أن للنفس ~~من الكيفيات المختصة بها مالا يشاركها فيها البدن ولها خفة وثقل وحرارة ~~وبرودة ويبس ولين يحسبها وأنت تجد الإنسان في غاية الثقالة وبدنه نحيل جدا ~~وتجده في غاية الخفة وبدنه ثقيل وتجد نفسها لينة وادعة ونفسا يابسة قاسية ~~ومن له حس سليم يشم رائحة بعض النفوس كالجيفة المنتنة ورائحة بعضها أطيب من ~~ريح المسك وقد كان رسول الله إذا مر في طريق بقي أثر رائحته في الطريق ~~ويعرف أنه مر بها وتلك رائحة نفسه وقلبه وكانت رائحة ms247 عرقه من أطيب شيء وذلك ~~تابع لطيب نفسه وبدنه وأخبر وهو أصدق البشر أن الروح عند المفارقة يوجد لها ~~كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض أو كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ~~ولولا الزكام الغالب لشم الحاضرون ذلك على أن كثيرا من الناس يجد ذلك وقد ~~أخبر به غير واحد ويكفي فيه خبر الصادق المصدوق وكذلك أخبر بأن أرواح ~~المؤمنين مشرقة وأرواح الكفار سود # وبالجملة فكيفيات النفوس أظهر من أن ينكرها إلا من هو من أجهل الناس بها ### | فصل قولكم في الثامن عشر لو كانت النفس جسما لوجب أن تقع تحت # جميع الحواس أو تحت حاسة منها إلى آخره # فجوابه منع اللزوم فإنكم لم تذكروا عليه شبهة فضلا عن دليل ومنع انتفاء ~~اللازم فإن الروح تدرك بالحواس فتلمس وترى وتشم لها الرائحة الطيبة ~~والخبيثة كما تقدم في النفوس المستفيضة ولكن لا نشاهد نحن ذلك وهذا الدليل ~~لا يمكن ممن يصدق الرسل أن يحتج به فإن الملك جسم ولا يقع تحت حاسة من ~~حواسنا وكذلك الجن والشياطين أجسام لطاف لا تقع تحت حاسة من حواسنا ~~والأجسام متفاوتة في ذلك تفاوتا كثيرا فمنها ما يدرك أكثر الحواس ومنها ~~مالا يدرك بأكثرها ومنا ما يدرك بحاسة واحدة ومنها مالا ندركه نحن في ~~الغالب وإن أدرك في بعض الأحوال لكونه لم يخلق لنا إدراكه أو لمانع يمنع من ~~إدراكه أو للطفه عن إدراك حواسنا فما عدم اللون من الأجسام لم يدرك بالبصر ~~كالهواء والنار في عنصرها وما عدم الرائحة لم يدرك بالشم كالنار والحصا ~~والزجاج وما عدم المجسة لم يدرك باللمس كالهواء الساكن # PageV01P213 # وأيضا فالروح هي المدركة لمدارك هذه الحواس بواسطة آلاتها فالنفس هي ~~الحاسة المدركة وإن لم تكن محسوسة فالأجسام والأعراض محسوسة والنفس محسة ~~بها وهي القابلة لأعراضها المتعاقبة عليها من الفضائل والرذائل كقبول ~~الأجرام لأعراضها المتعاقبة عليها وهي المتحركة بأختيارها المحركة للبدن ~~قسرا وقهرا وهي مؤثرة في البدن متأثرة به تألم وتلذ وتفرح وتحزن وترضى ~~وتغضب وتنعم وتبأس وتحب وتكره ms248 وتذكر وتنسى وتصعد وتنزل وتعرف وتنكر وآثارها ~~من أدل الدلائل على وجودها كما أن آثار الخالق سبحانه دالة على وجوده وعلى ~~كماله فإن دلالة الأثر على مؤثره ضرورية # وتأثيرات النفوس بعضها في بعض أمر لا ينكره ذو حس سليم ولا عقل مستقيم ~~ولا سيما عند تجردها نوع تجرد عن العلائق والعوائق البدنية فإن قواها ~~تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك ولا سيما عند مخالفة هواها وحملها على الأخلاق ~~العالية من العفة والشجاعة والعدل والسخاء وتجنبها سفساف الأخلاق ورذائلها ~~وسافلها فإن تأثيرها في العالم يقوي جدا تأثيرا يعجز عنه البدن وأعراضه أن ~~تنظر إلى حجر عظيم فتشقه أو حيوان كبير فتتلفه أو إلى نعمة فتزيلها وهذا ~~أمر قد شاهدته الأمم على اختلاف أجناسها وأديانها وهو الذي سمى إصابة العين ~~فيضيفون الأثر إلى العين وليس لها في الحقيقة وإنما هو النفس المتكيفة ~~بكيفية ردية سمية وقد تكون بواسطة نظر العين وقد لا نكون بل يوصف له الشيء ~~من بعيد فتتكيف عليه نفسه بتلك الكيفية فتفسده وأنت ترى تأثير النفس في ~~الأجسام صفرة وحمرة وارتعاشا بمجرد مقابلتها لها وقوتها وهذه وأضعافها آثار ~~خارجة عن تأثير البدن وأعراضه فإن البدن لا يؤثر إلا فيما لاقاه وماسه ~~تأثيرا مخصوصا ولم تزل الأمم تشهد تأثير الهمم الفعالة في العالم وتستعين ~~بها وتحذر أثرها وقد أمر رسول الله أن يغسل العائن مغابنه ومواضع القذر منه ~~ثم يصب ذلك الماء على المعين فإنه يزيل عنه تأثير نفسه فيه وذلك بسبب أمر ~~طبعي اقتضته حكمة الله سبحانه فإن النفس الأمارة لها بهذه المواضع تعلق ~~وألف والأرواح الخبيثة الخارجية تساعدها وتألف هذه المواضع غالبا للمناسبة ~~بينها وبينها فإذا غسلت بالماء طفئت تلك النارية منها كما يطفأ الحديد ~~المحمى بالماء فإذا صب ذلك الماء على المصاب طفأ عنه تلك النارية التي وصلت ~~إليه من البعائن وقد وصف الأطباء الماء الذي يطفأ فيه الحديد لآلام وأوجاع ~~معروفة وقد جرب الناس من تأثير الأرواح بعضها في بعض عند تجردها في المنام ~~عجائب تفوت الحصر وقد ms249 نبهنا على بعضها فيما مضى فعالم الأرواح عالم آخر ~~أعظم من عالم الأبدان وأحكامه وآثاره # PageV01P214 # أعجب من آثار الأبدان بل كل ما في العالم من الآثار الإنسانية فإنما هي ~~من تأثير النفوس بواسطة البدن فالنفوس والأبدان يتعاونان على التأثير تعاون ~~المشتركين في الفعل وتنفره النفس بآثار لا يشاركها فيها البدن ولا يكون ~~للبدن تأثير لا تشاركه فيه النفس ### | فصل قولكم في التاسع عشر لو كانت النفس جسما لكانت ذات طول وعرض # وعمق وشكل وسطح وهذه المقادير لا تقوم إلا بمادة إلى آخره # جوابه أنا نقول قولكم هذه المقادير لا تقوم إلا بمادة قلنا وكان ماذا ~~والنفس لها مادة خلقت منها وجعلت على شكل معين وصورة معينة # قولكم مادتها إن كانت نفسا لزم اجتماع نفسين وإن كانت غير نفس كانت مركبة ~~من بدن وصورة # قلنا مادتها ليست نفسا كما أن مادة الإنسان ليست إنسانا ومادة الجن ليست ~~جنا ومادة الحيوان ليست حيوانا # قولكم يلزم كون النفس مركبة من بدن وصورة مقدمة كاذبة وإنما يلزم كون ~~النفس مخلوقة من مادة ولها صورة معينة وهكذا نقول سواء ولم تذكروا على ~~بطلان هذه شبهة فضلا عن حجة ظنية أو قطعية ### | فصل قولكم في الوجه العشرين أن خاصة الجسم أن يقبل التجزيء وأن الجزء # الصغير منه ليس كالكبير فلو قبلت التجزيء فكل جزء منها إن كان نفسا لزم ~~أن يكون للإنسان نفوس كثيرة وإن لم يكن نفسا لم يكن المجموع نفسا # جوابه إن أردتم أن كل جسم يقبل التجزيء في الخارج فكذب ظاهر فإن الشمس ~~والقمر والكواكب لا تقبل ذلك ولا يلزم أن كل جسم يصح عليه التجزيء والتبعيض ~~في الخارج أما على قول نفاة الجوهر الفرد فظاهر وأما على قول متبنيه فإنه ~~عندهم جوهر متحيز لا يصح عليه قبول الانقسام سلمنا أنها تقبل الانقسام فأي ~~شيء يلزم من ذلك # قولكم إن كان كل جزء من تلك الأجزاء نفسا لزم اجتماع نفوس كثيرة في ~~الإنسان # قلنا إنما يلزم ذلك لو انقسمت النفس بالفعل إلى نفوس ms250 كثيرة وهذا محال # قولكم وإن لم يكن كل جزء نفسا لم يكن المجموع نفسا مقدمة كاذبة منتقضة ~~فكم ماهية ثبت لها حكم عند اجتماع أجزائها فإن ذلك الحكم كماهية البيت ~~والإنسان والعشرة وغيرها # PageV01P215 ### | فصل قولكم في الوجه الحادي والعشرين أن الجسم يحتاج في قوامه وبقائه # وحفظه إلى نفس أخرى ويلزم التسلسل # جوابه أنه يلزم من افتقار البدن إلى نفس تحفظه افتقار النفس إلى نفس ~~تحفظها وهل ذلك إلا بمجرد دعوة كاذبة مستندة إلى قياس قد تبين بطلانه فإن ~~كل جسما لا يصير إلى نفس تحفظه كأجسام المعادن وجسم الهواء والماء والنار ~~والتراب وأجسام سائر الجمادات # فإن قلتم إن هذه ليست أحياء ناطقة بخلاف النفس فإنها حية ناطقة # قلنا فحينئذ يبقى الدليل هكذا أي كل جسم حي ناطق يحتاج في حفظه وقيامه ~~إلى نفس نقوم به وهذه دعوى مجردة وهي كاذبة فإن الجن والملائكة أحياء ~~ناطقون وليسوا مفتقرين في قيامهم إلى أرواح أخر تقوم بهم # فإن قلتم وكلامنا معكم في الجن والملائكة فإنهم ليسوا بأجسام متحيزة # قلنا الكلام مع من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأما من كفر بذلك ~~فالكلام معه في النفس ضائع وقد كفر بفاطر النفس ومبدعها وملائكته وما جاءت ~~به رسله وكان تاركا ما دل عليه العيان مع دليل الإيمان فإن الآثار المشهودة ~~في العالم من تأثيرات الملائكة والجن بإذن ربهم لا يمكن إنكارها وهي موجودة ~~بنفسها ولا تقدر عليها القوى البشرية ### | فصل قولكم في الثاني والعشرين لو كانت جسما لكان اتصالها بالبدن إن # كان على سبيل المداخلة لزم تداخل الأجسام وإن كان على سبيل الملاصقة ~~والمجاورة كان للإنسان الواحد جسمان متلاصقان أحدهما يرى والآخر لا يرى # جوابه من وجوه # أحدها أن تتداخل الأجسام المحال أن يتداخل جسمان كثيفان أحدهما في الآخر ~~بحيث يكون حيزهما واحدا وأما أن يدخل جسم لطيف في كثيف يسرى فيه فهذا ليس ~~بمحال # الثاني أن هذا باطل بصور كثيرة منها دخول الماء في العود والسحاب ودخول ~~النار في الحديد ودخول الغذاء في جميع ms251 أجزاء البدن ودخول الجن في المصروع ~~فالروح للطافتها لا يمتنع عليها مشابكة البدن والدخول في جميع أجزائه # PageV01P216 # الثالث أن حيز النفس البدن وحيزه مكانه المنفصل عنه وهذا ليس بتداخل ~~ممتنع فإذا فارقته صار لها حيز آخر غير حيزه وحينئذ فلا يتداخلان بل يصير ~~لكل منهما حيز يخصه وبالجملة فدخول الروح في البدن الطف من دخول الماء في ~~الثرى والدهن في البدن فهذه الشبهة الفاسدة لا يعارض بها ما دل عليها نصوص ~~الوحي والأدلة العقلية وبالله التوفيق ### | المسألة العشرون وهي هل النفس والروح شيء واحد أو شيئان متغايران # فأختلف الناس في ذلك # فمن قائل أن مسماهما واحد وهم الجمهور # ومن قائل أنهما متغايران ونحن نكشف سر المسألة بحول الله وقوته فنقول ~~النفس تطلق على أمور # أحدها الروح قال الجوهري النفس الروح يقال خرجت نفسه قال أبو خراش # نجما سالما والنفس منه بشدقه ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزر # أي بجفن سيف ومئزر والنفس والدم قال سألت نفسه وفي الحديث مالا نفس له ~~سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه والنفس الجسد # قال الشاعر # نبئت أن بني تميم أدخلوا ... أبناءهم تامور نفس المنذر # والتامور الدم والنفس العين يقال أصابت فلانا أي عين # قلت ليس كما قال بل النفس ها هنا الروح ونسبة الإضافة إلى العين توسع ~~لأنها تكون بواسطة النظر المصيب والذي أصابه إنما هو نفس العائن كما تقدم # قلت والنفس في القرآن تطلق على الذات بحملتها كقوله تعالى {فسلموا على ~~أنفسكم} وقوله تعالى {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} وقوله تعالى {كل نفس ~~بما كسبت رهينة} وتطلق على الروح وحدها كقوله تعالى {يا أيتها النفس ~~المطمئنة} وقوله تعالى أخرجوا أنفسكم وقوله تعالى {ونهى النفس عن الهوى} ~~وقوله تعالى {إن النفس لأمارة بالسوء} # وأما الروح فلا تطلق على البدن لا بإنفراده ولا مع النفس وتطلق الروح على ~~القرآن الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله قال تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا} # وعلى الوحي الذي يوحيه إلى أنبيائه ورسله قال تعالى ms252 {يلقي الروح من أمره ~~على من} # PageV01P217 # يشاء من عباده لينذر يوم التلاق وقال تعالى {ينزل الملائكة بالروح من ~~أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} وسمى ذلك ~~روحا لما يحصل به من الحياة النافعة فإن الحياة بدونه لا تنفع صاحبها البتة ~~بل حياة الحيوان البهيم خير منها وأسلم عاقبة # وسميت الروح روحا لأن بها حياة البدن وكذلك سميت الريح لما يحصل بها من ~~الحياة وهي من ذوات الواو ولهذا تجمع على أرواح قال الشاعر # إذا ذهبت الأرواح من نحو أرضكم ... وجدت لمسرها على كبدي بردا # ومنها الروح والريحان والاستراحة فسميت النفس روحا لحصول الحياة بها ~~وسميت نفسا إما من الشيء النفيس لنفاستها وشرفها وإما من تنفس الشيء إذا ~~خرج فلكثرة خروجها ودخولها في البدن سميت نفسا ومنه النفس بالتحريك فإن ~~العبد كلما نام خرجت منه فإذا استيقظ رجعت إليه فإذا مات خرجت خروجا كليا ~~فإذا دفن عادت إليه فإذا سئل خرجت فإذا بعث رجعت إليه # فالفرق بين النفس والروح فرق بالصفات لا فرق بالذات وإنما سمي الدم نفسا ~~لأن خروجه الذي يكون معه الموت يلازم خروج النفس وإن الحياة لا تتم إلا به ~~كما لا تتم إلا بالنفس فلهذا قال # تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل # ويقال فاضت نفسه وخرجت نفسه وفارقت نفسه كما يقال خرجت روحه وفارقت ولكن ~~الفيض الاندفاع وهلة واحدة ومنه الإفاضة وهي الاندفاع بكثرة وسرعة لكن أفاض ~~إذا دفع بإختياره وإرادته إذا اندفع قسرا وقهرا فالله سبحانه هو الذي ~~يفيضها عند الموت فتفيض هي ### | فصل وقالت فرقة أخرى من أهل الحديث والفقه والتصوف الروح غير النفس # قال مقاتل بن سليمان للإنسان حياة وروح ونفس فإذا نام خرجت نفسه التي ~~يعقل بها الأشياء ولم تفارق الجسد بل تخرج كحبل ممتد له شعاع فيرى الرؤيا ~~بالنفس التي خرجت منه وتبقى الحياة والروح في الجسد فيه يتقلب ويتنفس فإذا ~~حرك رجعت إليه أسرع من طرفة عين فإذا أراد ms253 الله عز وجل أن يميته في المنام ~~أمسك تلك النفس التي خرجت وقال أيضا إذا نام خرجت نفسه فصعدت إلى فوق فإذا ~~رأت الرؤيا رجعت فأخبرت الروح ويخبر الروح فيصبح يعلم أنه قد رأى كيت وكيت # PageV01P218 # قال أبو عبد الله بن منده ثم اختلفوا في معرفة الروح والنفس فقال بعضهم ~~النفس طينية نارية والروح نورية روحانية # وقال بعضهم الروح لاهوتية والنفس ناسوتية وأن الخلق بها ابتلى # وقالت طائفة وهم أهل الأثر أن الروح غير النفس والنفس غير الروح وقوام ~~النفس بالروح والنفس صورة العبد والهوى والشهوة والبلاء معجون فيها ولا عدو ~~أعدى لابن آدم من نفسه فالنفس لا تريد إلا الدنيا ولا تحب إلا إياها والروح ~~تدعو إلى الآخرة وتؤثرها وجعل الهوى تبعا للنفس والشيطان تبع النفس والهوى ~~والملك مع العقل والروح والله تعالى يمدهما بالهامة وتوفيقه # وقال بعضهم الأرواح من أمر الله أخفى حقيقتها وعلمها على الخلق # وقال بعضهم الأرواح نور من نور الله وحياة من حياة الله # ثم اختلفوا في الأرواح هل تموت بموت الأبدان والأنفس أو لا تموت # فقالت طائفة الأرواح لا تموت ولا تبلى # وقالت الجماعة الأرواح على صور الخلق لها أيد وأرجل وأعين وسمع وبصر ~~ولسان # وقالت طائفة للمؤمن ثلاثة أرواح وللمنافق والكافر روح واحدة # وقال بعضهم للأنبياء والصديقين خمس أرواح # وقال بعضهم الأرواح روحانية خلقت من الملكوت فإذا صفت رجعت إلى الملكوت # قلت أما الروح التي تتوفى وتقبض فهي روح واحدة وهي النفس # وأما ما يؤيد الله به أولياءه من الروح فهي روح أخرى غير هذه الروح كما ~~قال تعالى {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} وكذلك الروح الذي ~~أيد بها روحه المسح ابن مريم كما قال تعالى إذ قال الله يا عيسى ابن مريم ~~اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدك بروح القدس وكذلك الروح التي يلقيها ~~على من يشاء من عباده هي غير الروح التي في البدن # وأما القوى التي في البدن فإنها تسمى أيضا أرواحا فيقال الروح الباصر ~~والروح ms254 السامع والروح الشام فهذه الأرواح قوى مودعة في البدن تموت بموت ~~الأبدان وهي غير الروح التي لا تموت بموت البدن ولا تبلى كما يبلى ويطلق ~~الروح على أخص من هذا كله وهو قوة # PageV01P219 # المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته ~~ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن فإذا فقدتها الروح كانت ~~بمنزلة البدن إذا فقد روحه وهي الروح التي يؤيد بها أهل ولايته وطاعته ~~ولهذا يقول الناس فلان فيه روح وفلان ما فيه روح وهو بو وهو قصبة فارغة ~~ونحو ذلك # فللعلم روح وللإحسان روح وللإخلاص روح وللمحبة والإنابة روح وللتوكل ~~والصدق روح والناس متفاوتون في هذه الأرواح أعظم تفاوت فمنهم من تغلب عليه ~~هذه الأرواح فيصير روحانيا ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضيا بهيميا ~~والله المستعان ### | المسألة الحادية والعشرون وهي هل النفس واحدة أم ثلاث فقد وقع في # كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاث انفس نفس مطمئنة ونفس لوامة ونفس ~~أمارة وأن منهم من تغلب عليه هذه ومنهم من تغلب عليه الأخرى ويحتجون على ~~ذلك بقوله تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة} وبقوله تعالى {لا أقسم بيوم ~~القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة} وبقوله تعالى {إن النفس لأمارة بالسوء} ~~والتحقيق أنها نفس واحدة ولكن لها صفات فتسمى بإعتبار كل صفة بأسم فتسمى ~~مطمئنة بإعتبار طمأنينتها إلى ربها بعبوديته ومحبته والإنابة إليه والتوكل ~~عليه والرضا به والسكون إليه فإن سمة محبته وخوفه ورجائه منها قطع النظر عن ~~محبة غيره وخوفه ورجائه فيستغني بمحبته عن حب ما سواه وبذكره عن ذكر ما ~~سواه وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه فالطمأنينة إلى الله ~~سبحانه حقيقة ترد منه سبحانه على قلب عبده تجمعه عليه وترد قلبه الشارد ~~إليه حتى كأنه جالس بين يديه يسمع به ويبصر به ويتحرك به ويبطش به فتسرى ~~تلك الطمأنينة في نفسه وقلبه ومفاصله وقواه الظاهرة والباطنة تجذب روحه إلى ~~الله ويلين جلده وقلبه ومفاصله إلى خدمته والتقرب إليه ولا ms255 يمكن حصول ~~الطمأنينة الحقيقية إلا بالله ونذكره وهو كلامه الذي أنزله على رسوله كما ~~قال تعالى {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب} فإن طمأنينة القلب سكونه واستقراره بزوال القلق والانزعاج ~~والاضطراب عنه وهذا لا يتأتى بشيء سوى الله تعالى وذكره البتة وأما ما عداه ~~فالطمأنينة إليه غرور والثقة به عجز قضى الله سبحانه وتعالى قضاء لا مرد له ~~أن من اطمأن إلى شيء سواه أتاه القلق # PageV01P220 # والانزعاج والاضطراب من جهته كائنا من كان بل لو اطمأن العبد إلى علمه ~~وحاله وعمله سبله وزايله وقد جعل سبحانه نفوس المطمئنين إلى سواه أغراضها ~~بسهام البلاء ليعلم عباده وأولياؤه أن المتعلق بغيره مقطوع والمطمئن إلى ~~سواه عن مصالحه ومقاصده مصدود وممنوع # وحقيقة الطمأنينة التي تصير بها النفس مطمئنة أن تطمئن في باب معرفة ~~أسمائه وصفاته ونعوت كما له إلى خبره الذي أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه ~~رسله فتتلقاه بالقبول والتسليم والإذعان وانشراح الصدر له وفرح القلب به ~~فإنه معرف من معرفات الرب سبحانه إلى عبده على لسان رسوله فلا يزل القلب في ~~أعظم القلق والاضطراب في هذا الباب حتى يخالط الإيمان بأسماء الرب تعالى ~~وصفاته وتوحيده وعلوه على عرشه وتكلمه بالوحي بشاشة قلبه فينزل ذلك عليه ~~نزول الماء الزلال على القلب الملتهب بالعطش فيطمئن إليه ويسكن إليه ويفرح ~~به ويلين له قلبه ومفاصله حتى كأنه شاهد الأمر كما أخبرت به الرسل بل يصير ~~ذلك لقلبه بمنزلة رؤية الشمس في الظهيرة لعينه فلو خالفه في ذلك من بين شرق ~~الأرض وغربها لم يلتفت إلى خلافهم وقال إذا استوحش من الغربة قد كان الصديق ~~الأكبر مطمئنا بالإيمان وحده وجميع أهل الأرض يخالفه وما نقص ذلك من ~~طمأنينة شيئا فهذا أول درجات الطمأنينة ثم لا يزال يقوى كلما سمع بآية ~~متضمنة لصفة من صفات ربه وهذا أمر لا نهاية له فهذه الطمأنينة أصل أصول ~~الإيمان التي قام عليه بناؤه ثم يطمئن إلى خبره عما بعد الموت من أمور ~~البرزخ ms256 وما بعدها من أحوال القيامة حتى كأنه يشاهد ذلك كله عيانا وهذا ~~حقيقة اليقين الذي وصف به سبحانه وتعالى أهل الإيمان حيث قال {وبالآخرة هم ~~يوقنون} فلا يحصل الإيمان بالآخرة حتى يطمئن القلب إلى ما أخبر الله سبحانه ~~به عنها طمأنينته إلى الأمور التي لا يشك فيها ولا يرتاب فهذا هو المؤمن ~~حقا باليوم الآخر كما في حديث حارثة أصبحت مؤمنا فقال رسول الله إن لكل حق ~~حقيقة فما حقيقة إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا وأهلها وكأني أنظر إلى عرش ~~ربي بارزا وإلى أهل الجنة يتزاورون فيها وأهل النار يعذبون فيها فقال عبد ~~نور الله قلبه ### | فصل والطمأنينة إلى أسماء الرب تعالى وصفاته نوعان طمأنينة إلى # الإيمان بها وإثباتها واعتقادها وطمأنينة إلى ما تقتضيه وتوجبه من آثار ~~العبودية مثاله الطمأنينة إلى القدر وإثباته والإيمان به يقتضي الطمأنينة ~~إلى مواضع الأقدار التي لم يؤمر العبد بدفعها ولا قدرة له على دفعها فيسلم # PageV01P221 # لها ويرضى بها ولا يسخط ولا يشكو ولا يضطرب إيمانه فلا يأسى على ما فاته ~~ولا يفرح بما أتاه لأن المصيبة فيه مقدرة قبل أن تصل إليه وقبل أن يخلق كما ~~قال تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم قال تعالى {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} ~~قال غير واحد من السلف هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله ~~فيرضى ويسلم فهذه طمأنينة إلى أحكام الصفات وموجباتها وآثارها في العالم ~~وهى قدر زائد على الطمأنينة بمجرد العلم بها واعتقادها وكذلك سائر الصفات ~~وآثارها ومتعلقاتها كالسمع والبصر والرضا والغضب والمحبة فهذه طمأنينة ~~الإيمان # وأما طمأنينة الإحسان فهي الطمأنينة إلى أمره امتثالا وإخلاصا ونصحا فلا ~~يقدم على أمره إرادة ولا هوى ولا تقليدا فلا يساكن شبهة تعارض خبره ولا ~~شهوة تعارض أمره بل إذا مرت به أنزلها منزلة ms257 الوساوس التي لأن يخر من ~~السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يجدها فهذا كما النبي صريح الإيمان وعلامة ~~هذه الطمأنينة أن يطمئن من قلق المعصية وانزعاجها إلى سكون التوبة وحلاوتها ~~وفرحتها ويسهل عليه ذلك بأن يعلم أن اللذة والحلاوة والفرحة في الظفر ~~بالتوبة وهذا أمر لا يعرفه إلا من ذاق الأمرين وباشر قلبه آثارهما فللتوبة ~~طمأنينة تقابل ما في المعصية من الانزعاج والقلق ولو فتش العاصي عن قلبه ~~لوجده حشوة المخاوف والانزعاج والقلق والاضطراب وإنما يوارى عنه شهود ذلك ~~سكر الغفلة والشهوة فإن لكل شهوة سكرا يزيد على سكر الخمر وكذلك الغضب له ~~سكر أعظم من سكر الشراب ولهذا ترى العاشق والغضبان يفعل مالا يفعله شارب ~~الخمر وكذلك يطمئن من قلق الغفلة والإعراض إلى سكون الإقبال على الله ~~وحلاوة ذكره وتعلق الروح بحبه ومعرفته فلا طمأنينة للروح بدون هذا أبدا ولو ~~أنصفت نفسها لرأتها إذا فقدت ذلك في غاية الانزعاج والقلق والاضطراب ولكن ~~يواريها السكر فإذا كشف الغطاء تبين له حقيقة ما كان فيه ### | فصل وها هنا سر لطيف يجب التنبيه عليه والتنبه له والتوفيق له بيد # من أزمة التوفيق بيده وهو أن الله سبحانه جعل لكل عضو من أعضاء الإنسان ~~كمالا إن لم يحصل له فهو في قلق واضطراب وانزعاج بسبب فقد كماله الذي جعل ~~له مثالا كمال العين بالأبصار وكمال الأذن بالسمع وكمال اللسان بالنطق فإذا ~~عدمت هذه الأعضاء القوى التي بها كمالها حصل الألم والنقص بحسب فوات ذلك ~~وجعل كمال القلب ونعيمه وسروره ولذته وابتهاجه في معرفته سبحانه وإرادته ~~ومحبته والإنابة # PageV01P222 # إليه والإقبال عليه والشوق إليه والأنس به فإذا عدم القلب ذلك كان أشد ~~عذابا واضطرابا من العين التي فقدت النور والباصر من اللسان الذي فقد قوة ~~الكلام والذوق ولا سبيل له إلى الطمأنينة بوجه من الوجوه ولو نال من الدنيا ~~وأسبابها ومن العلوم ما نال إلا بان يكون الله وحده هو محبوبه وإلهه ~~ومعبوده وغاية مطلوبه وإن يكون هو وحده مستعانه على تحصيل ذلك فحقيقة ms258 الأمر ~~أنه لا طمأنينه له بدون التحقق بإياك نعبد وإياك نستعين وأقوال المفسرين في ~~الطمأنينة ترجع إلى ذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما المطمئنة المصدقة وقال ~~قتادة هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله وقال الحسن المصدقة بما قال ~~الله تعالى وقال مجاهد هي النفس التي أيقنت بأن الله ربها المسلمة لأمر ~~فيما هو فاعل بها وروى منصور عنه قال النفس التي أيقنت أن الله ربها وضربت ~~جاشا لأمره وطاعته وقال ابن أبي نجيح عنه النفس المطمئنة المختة إلى الله ~~وقال أيضا هي التي أيقنت بلقاء الله فكلام السلف في المطمئنة يدور على هذين ~~الأصلين طمأنينة العلم والإيمان وطمأنينة الإرادة والعمل ### | فصل فإذا اطمأنت من الشك إلى اليقين ومن الجهل إلى العلم ومن الغفلة # إلى الذكر ومن الخيانة إلى التوبة ومن الرثاء إلى الإخلاص ومن الكذب إلى ~~الصدق ومن العجز إلى الكيس ومن صولة العجب إلى ذلة الاخبات ومن التيه إلى ~~التواضع ومن الفتور إلى العمل فقد بإشرت روح الطمأنينة وأصل ذلك كله ومنشؤه ~~من اليقظة فهي أول مفاتيح الخير فإن الغافل عن الاستعداد للقاء ربه والتزود ~~لمعاده بمنزلة النائم بل أسوأ حالا منه فإن العاقل يعلم وعد الله ووعيده ~~وما تتقاضاه أوامر الرب تعالى ونواهيه وأحكامه من الحقوق لكن يحجبه عن ~~حقيقة الإدراك ويقعده عن الاستدراك سنة القلب وهي غفلته التي رقد فيها فطال ~~رقوده وركد وأخلد إلى نوازع الشهوات فإشتد إخلاده وركوده وانغمس في غمار ~~الشهوات واستولت عليه العادات ومخالطة أهل البطالات ورضي بالتشبه بأهل ~~إضاعة الأوقات فهو في رقاده مع النائمين وفي سكرته مع المخمورين فمتى انكشف ~~عن قلبه سنة هذه الغفلة بزجرة من زواجر الحق في قلبه استجاب فيها لواعظ ~~الله في قلب عبده المؤمن أو همة عليه أثارها معول الفكر في المحل القابل ~~فضرب بمعول فكره وكبر تكبيرة أضاءت له منها قصور الجنة فقال # ألا يا نفس ويحك ساعديني ... يسعى منك في ظلم الليالي # لعلك في القيامة أن تفوزي ... بطيب العيش في تلك ms259 العلالي # PageV01P223 # فأثارت تلك الفكرة نورا رأى في ضوئه ما خلق له وما سيلقاه بين يديه من ~~حين الموت إلى دخول دار القرار ورأى سرعة انقضاء الدنيا وعدم وفائها لبنيها ~~وقتلها لعشاقها وفعلها بهم أنواع المثلات فنهض في ذلك الضوء على ساق عزمه ~~قائلا {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} فإستقبل بقية عمره التي لا قيمة ~~لها مستدركا بها ما فات محييا بها ما أمات مستقبلا بها ما نقدم له من ~~العثرات منتهزا فرصة إلا مكان التي إن فأتت فأته جميع الخيرات # ثم يلحظ في نور تلك اليقظة وفور نعمة ربه عليه من حين استقر في الرحم إلى ~~وقته وهو يتقلب فيها ظاهرا وباطنا ليلا ونهارا ويقظة ومناما سرا وعلانية ~~فلو اجتهد في إحصاء أنواعها لما قدر ويكفي أن أدناها نعمة النفس ولله عليه ~~في كل يوم أربعة وعشرون ألف نعمة فما ظنك بغيرها # ثم يرى في ضوء ذلك النور أنه آيس من حصرها وإحصائها عاجز عن أداء حقها ~~وإن المنعم بها إن طالبه بحقوقها استوعب جميع أعماله حق نعمة واحدة منها ~~فيتيقن حينئذ أنه لا مطمع له في النجاة إلا بعفو الله ورحمته وفضله # ثم يرى في ضوء تلك اليقظة أنه لو عمل أعمال الثقلين من البر لاحتقرها ~~بالنسبة إلى جنب عظمة الرب تعالى وما يستحقه بحلال وجهه وعظم سلطانه وهذا ~~لو كانت أعماله منه فكيف وهي مجرد فضل الله ومنته وإحسانه حيث يسرها له ~~وأعانه وهيأه لها وشاءها منه وكونها ولو لم يفعل ذلك لم يكن له سبيل إليها ~~فحينئذ لا يرى أعماله منه وإن الله سبحانه لن يقبل عملا يراه صاحبه من نفسه ~~حتى يرى عين توفيق الله له وفضله عليه ومنته وأنه من الله لا من نفسه وأنه ~~ليس له من نفسه إلا الشر وأسبابه وما به من نعمة فمن الله وحده صدقة تصدق ~~بها عليه وفضلا منه ساقه إليه من غير أن يستحقه بسبب ويستأهله بوسيلة فيرى ~~ربه ووليه ومعبوده أهلا لكل خير ويرى ms260 نفسه أهلا لكل شر وهذا أساس جميع ~~الأعمال الصالحة والظاهرة والباطنة وهو الذي يرفعها ويجعلها في ديوان أصحاب ~~اليمين # ثم يبرق له في نور اليقظة بارقة أخرى يرى في ضوئها عيوب نفسه وآفات عمله ~~وما تقدم له من الجنايات والإساءات وهتك الحرمات والتقاعد عن كثير من ~~الحقوق والواجبات فإذا انضم ذلك إلى شهود نعم الله عليه وأياديه لديه رأى ~~أن حق المنعم عليه في نعمه وأوامره لم يبق له حسنة واحدة يرفع بها رأسه ~~فيطمئن قلبه وانكسرت نفسه وخشعت جوارحه وسار إلى الله ناكس الرأس بين ~~مشاهدة نعمه ومطالعة جناياته وعيوب نفسه وآفات عمله قائلا أبوء لك بنعمتك ~~على وأبوء لك بذنبي فأغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فلا يرى لنفسه ~~حسنة ولا يراها أهلا لخير فيوجب له أمرين عظيمين # PageV01P224 # أحدها استكثار ما من الله عليه # والثاني استقلال ما منه من الطاعة كائنة ما كانت ثم تبرق له بارقة أخرى ~~يرى في ضوئها عزة وقته وخطره وشرفه وأنه رأس مال سعادته فيبخل به أن يضيعه ~~فما يقربه إلى ربه فإن في إضاعته الخسران والحسرة والندامة وفي حفظه ~~وعمارته الربح والسعادة فيشح بأنفاسه أن يضيعها فيما لا ينفعه يوم معاده ### | فصل ثم يلحظ في ضوء تلك البارقة ما تقتضيه يقظته من سنة غفلته # من التوبة والمحاسبة والمراقبة والغيرة لربه أن يؤثر عليه غيره وعلى حظه ~~من رضاه وقربه وكرامته ببيعه بثمن بخس في دار سريعة الزوال وعلى نفسه أن ~~يملك رقها لمعشوق أو فكر في منتهى حسنه ورأى آخره بعين بصيره لأنف لها من ~~محبته # فهذا كله من آثار اليقظة وموجباتها وهي أول منازل النفس المطمئنة التي ~~نشأ منها سفرها إلى الله والدار الآخرة ### | فصل وأما النفس اللوامة وهي التي أقسم بها سبحانه في قوله # {ولا أقسم بالنفس اللوامة} فاختلف فيها فقالت طائفة هي التي لا تثبت على ~~حال واحدة اخذوا اللفظة من التلوم وهو التردد فهي كثيرة التقلب والتلون وهي ~~من أعظم آيات الله فإنها مخلوق من مخلوقاته ms261 تتقلب وتتلون في الساعة الواحدة ~~فضلا عن اليوم والشهر والعام والعمر ألوانا متلونة فتذكر وتغفل وتقبل وتعرض ~~وتلطف وتكشف وتنيب وتجفو وتحب وتبغض وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وتطع وتنقى ~~وتفجر إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها وتلونها فهي تتلون كل وقت ألوانا ~~كثيرة فهذا قول # وقالت طائفة اللفظة مأخوذة من اللوم ثم اختلفوا فقالت فرقة هي نفس المؤمن ~~وهذا من صفاتها المجردة قال الحسن البصري أن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه ~~دائما يقول ما أردت بهذا لم فعلت هذا كان غير هذا أولى أو نحو هذا من ~~الكلام # وقال غيره هي نفس المؤمن توقعه في الذنب ثم تلومه عليه فهذا اللوم من ~~الإيمان بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب بل يلومها وتلومه على فواته # وقالت طائفة بل هذا اللوم للنوعين فإن كل أحد يلوم نفسه برا كان أو فاجرا ~~فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية الله وترك طاعته والشقي لا يلومها إلا على ~~فوات حظها وهواها # PageV01P225 # وقالت فرقة أخرى هذا اللوم يوم القيامة فإن كل أحد يلوم نفسه إن كان ~~مسيئا على إساءته وإن كان محسنا على تقصيره # وهذه الأقوال كلها حق ولا تنافي بينها فإن النفس موصوفة بهذا كله ~~وبإعتباره سميت لوامة ولكن اللوامة نوعان # لوامة ملومة وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها الله وملائكته # ولوامة غير ملومة وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره في طاعة الله ~~مع بذله جهده فهذه غير ملومة وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة الله ~~واحتملت ملام اللائمين في مرضاته فلا تأخذها فيه لومة لائم فهذه قد تخلصت ~~من لوم الله وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها ولم تحتمل في الله ملام ~~اللوام فهي التي يلومها الله عز وجل ### | فصل وأما النفس الأمارة فهي المذمومة فإنها التي تأمر بكل سوء وهذا من # طبيعتها إلا ما وفقها الله وثبتها وأعانها فما تخلص أحد من شر نفسه إلا ~~بتوفيق الله له كما قال تعالى حاكيا عن امرأة العزيز وما أبرىء ms262 نفسي إن ~~النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم وقال تعالى ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا وقال تعالى لأكرم خلقه عليه ~~وأحبهم إليه {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} وكان النبي ~~يعلمهم خطبة الحاجة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له ~~فالشر كامن في لنفس وهو يوجب سيئات الأعمال فإن خلى الله بين العبد وبين ~~نفسه هلك بين شرها وما تقتضيه من سيئات الأعمال وإن وفقه وأعانه نجاه من ~~ذلك كله فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا # وقد امتحن الله سبحانه الإنسان بهاتين النفسين الأمارة واللوامة كما ~~أكرمه بالمطمئنة فهي نفس واحدة تكون أمارة ثم لوامة مطمئنة وهي غاية كمالها ~~وصلاحها وأيد المطمئنة بجنود عديدة فجعل الملك قرينها وصاحبها الذي يليها ~~ويسددها ويقذف فيها الحق ويرغبها فيه ويريها حسن صورته ويزجرها عن الباطل ~~ويزهدها فيه ويريها قبح صورته وأمدها بما علمها من القرآن والأذكار وأعمال ~~البر وجعل وفود الخيرات ومداد التوفيق تنتابها وتصل إليها من كل ناحية ~~وكلما تلقتها بالقبول والشكر والحمد لله ورؤية أوليته في ذلك كله ازداد ~~مددها فتقوى على محاربة الإمارة فمن جندها وهو سلطان عساكرها وملكها ~~الإيمان واليقين # PageV01P226 # فالجيوش الإسلامية كلها تحت لوائه ناظرة إليه إن ثبت ثبتت وإن انهزم ولت ~~على أدبارها ثم أمراء هذا الجيش ومقدمو عساكره شعب الإيمان المتعلقة ~~بالجوارح على اختلاف أنواعها كالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ونصيحة الخلق والإحسان إليهم بأنواع الإحسان ~~وشعبه الباطنة المتعلقة بالقلب كالإخلاص والتوكل والإنابة والتوبة ~~والمراقبة والصبر والحلم والتواضع والمسكنة وامتلاء القلب من محبة الله ~~ورسوله وتعظيم أوامر الله وحقوقه والغيرة لله وفي الله والشجاعة والعفة ~~والصدق والشفقة والرحمة وملاك ذلك كله الإخلاص والصدق فلا يتعب الصادق ~~المخلص فقد أقيم على الصراط المستقيم فيسار به وهو ms263 راقد ولا يتعب من حرم ~~الصدق والإخلاص فقد قطعت عليه الطريق واستهوته الشياطين في الأرض حيران فإن ~~شاء فليعمل وإن شاء فليترك فلا يزيده عمله من الله إلا بعدا وبالجملة فما ~~كان لله وبالله فهو من جند النفس المطمئنة # وأما النفس الأمارة فجعل الشيطان قرينها وصاحبها الذي يليها فهو يعدها ~~ويمنيها ويقذف فيها الباطل ويأمرها بالسوء ويزينه لها ويطيل في الأمل ~~ويريها الباطل في صورة تقلبها وتستحسنها ويمدها بأنواع الإمداد الباطل من ~~الأماني الكاذبة والشهوات المهلكة ويستعين عليها بهواها وإرادتها فمنه يدخل ~~عليها كل مكروه فما استعان على النفوس بشيء هو أبلغ من هواها وإرادتها إليه ~~وقد علم ذلك إخوانه من شياطين الإنس فلا يستعينون على الصور الممنوعة منهم ~~بشيء أبلغ من هواهم وإرادتهم فإذا أعيتهم صورة طلبوا بجهدهم ما تحبه وتهواه ~~ثم طلبوا بجهدهم تحصيله فاصطادوا تلك الصورة فإذا فتحت لهم النفس باب الهوى ~~دخلوا منه فجلسوا خلال الديار فعاثوا وأفسدوا وفتكوا وسبوا وفعلوا ما يفعله ~~العدو ببلاد عدوه إذا نحكم فيها فهدموا معالم الإيمان والقرآن والذكر ~~والصلاة وخربوا المساجد وعمروا البيع والكنائس والحانات والمواخير وقصدوا ~~إلى الملك فأسروا وسلبوه ملكه ونقلوه من عبادة الرحمن إلى عبادة البغايا ~~والأوثان ومن عز الطاعة إلى ذل المعصية ومن السماع الرحماني إلى السماع ~~الشيطاني ومن الاستعداد للقاء رب العالمين إلى الاستعداد للقاء إخوان ~~الشياطين فبينا هو يراعى حقوق الله وما أمره به إذ صار يرعى الخنازير وبينا ~~هو منتصب لخدمة العزيز الرحيم إذ صار منتصبا لخدمة كل شيطان رجيم # والمقصود أن الملك قرين النفس المطمئنة والشيطان قرين الأمارة وقد روى ~~أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة عن عبد الله قال قال رسول الله # PageV01P227 # أن للشيطان لمة بأبن آدم وللملك لمة فأما الشيطان فيعاد بالشر وتكذيب ~~بالحق وأما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم انه ~~من الله وليحمد الله ومن وجد الآخر فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ ~~الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم الفحشاء وقد رواه عمرو ms264 عن عطاء بن السائب وزاد ~~فيه عمرو قال سمعنا في هذا الحديث أنه كان يقال إذا أحس أحدكم من لمة الملك ~~شيئا فليحمد الله وليسأله من فضله وإذا أحس من لمة الشيطان شيئا فليستغفر ~~الله وليتعوذ من الشيطان ### | فصل فالنفس المطمئنة والملك وجنده من الإيمان يقتضيان من النفس # المطمئنة التوحيد والإحسان والبر والتقوى والصبر والتوكل والتوبة ~~والإنابة والإقبال على الله وقصر الأمل والاستعداد للموت وما بعده والشيطان ~~وجنده من الكفر يقتضيان من النفس الأمارة ضد ذلك وقد سلط الله سبحانه ~~الشيطان على كل ما ليس له ولم يرد به وجهه ولا هو طاعة له وجعل ذلك إقطاعه ~~فهو يستنيب النفس الأمارة على هذا العمل والإقطاع ويتقاضى أن تأخذ الأعمال ~~من النفس المطمئنة فتجعلها قوة لها فهي أحرص شيء على تخليص الأعمال كلها ~~وأن تصير من حظوظها فأصعب شيء على النفس المطمئنة تخليص الأعمال من الشيطان ~~ومن الأمارة لله فلو وصل منها عمل واحد كما ينبغي لنجابه العبد ولكن أبت ~~الأمارة والشيطان ان يدعا لها عملا واحدا يصل إلى الله كما قال بعض ~~العارفين بالله وبنفسه والله لو اعلم أن لي عملا واحدا وصل إلى الله لكنت ~~أفرح بالموت من الغائب يقدم على أهله وقال عبد الله بن عمر لو أعلم أن الله ~~تقبل مني سجدة واحدة لم يكن غائب أحب إلى من الموت {إنما يتقبل الله من ~~المتقين} ### | فصل وقد انتصبت الأمارة في مقابلة المطمئنة فكلما جاءت به تلك من خير # ضاهتها هذه وجاءت من الشر بما يقابله حتى تفسده عليها فإذا جاءت بالإيمان ~~والتوحيد جاءت هذه بما يقدح في الإيمان من الشك والنفاق وما يقدح في ~~التوحيد من الشرك ومحبة غير الله وخوفه ورجائه ولا ترضى حتى تقدم محبة غيره ~~وخوفه ورجائه على محبته سبحانه وخوفه ورجائه فيكون ماله عندها هو المؤخر ~~وما للخلق هو المقدم وهذا حال أكثر هذا الخلق وإذا جاءت تلك بتجريد ~~المتابعة للرسول جاءت هذه بتحكيم آراء الرجال وأقوالهم على الوحي وأتت من ~~الشبه المضلة ms265 بما يمنعها من كمال المتابعة وتحكيم السنة وعدم الالتفات إلى ~~آراء الرجال # PageV01P228 # فتقوم الحرب بين هاتين النفسين والمنصور من نصره الله وإذا جاءت تلك ~~بالإخلاص والصدق والتوكل والإنابة والمراقبة جاءت هذه بإضدادها وأخرجتها في ~~عدة قوالب وتقسم بالله ما مرادها إلا الإحسان والتوفيق والله يعلم أنها ~~كاذبة وما مرادها إلا مجرد حظها واتباع هواها والتفلت من سجن المتابعة ~~والتحكيم المحض للسنة إلى قضاء إرادتها وشهوتها وحظوظها ولعمرو الله ما ~~تخلصت إلا من فضاء المتابعة والتسليم إلى سجن الهوى والإرادة وضيقة وظلمته ~~ووحشته فهي مسجونة في هذا العالم وفي البرزخ في أضيق منه ويوم الميعاد ~~الثاني في أضيق منهما # ومن أعجب أمرها أنها تسحر العقل والقلب فتأتي إلى أشرف الأشياء وأفضلها ~~وأجلها فتخرجه في صورة مذمومة وأكثر الخلق صبيان العقول أطفال الأحلام لم ~~يصلوا إلى حد الفطام الأول عن العوائد والمألوفات فضلا عن البلوغ الذي يميز ~~به العاقل البالغ بين خير الخيرين فيؤثره وشر الشرين فيجتنبه فتريه صورة ~~تجريد التوحيد التي هي أبهى من صورة الشمس والقمر في صورة التنقيص المذموم ~~وهضم العظماء منازلهم وحطهم منها إلى مرتبة العبودية المحضة والمسكنة والذل ~~والفقر المحض الذي لا ملكة لهم معه ولا إرادة ولا شفاعة إلا من بعد إذن ~~الله فتريهم النفس السحارة هذا القدر غاية تنقيصهم وهضمهم ونزول أقدارهم ~~وعدم تمييزهم عن المساكين الفقراء فتنفر نفوسهم من تجريد التوحيد أشد ~~النفار ويقولون {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} وتربهم تجريد ~~المتابعة للرسول وما جاء به وتقديمه على آراء الرجال في صورة تنقيص العلماء ~~والرغبة عن أقوالهم وما فهموه عن الله ورسوله وإن هذا إساءة أدب عليهم ~~وتقدم بين أيديهم وهو مفض إلى إساءة الظن بهم وانهم قد فاتهم الصواب وكيف ~~لنا قوة أن نرد عليهم ونفوز ونحظى بالصواب دونهم فتنفر من ذلك أشد النفار ~~وتجعل كلامهم هو المحكم الواجب الاتباع وكلام الرسول هو المتشابه الذي يعرض ~~على أقوالهم فما وافقها قبلناه وما خالفها رددناه أو أولناه أو فوضناه ~~وتقسم النفس ms266 السحارة بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم ~~الله ما في قلوبهم ### | فصل وتربة صورة الإخلاص في صورة ينفر منها وهي الخروج عن حكم العقل # المعيشي والمداراة والمداهنة التي بها اندراج حال صاحبها ومشيه بين الناس ~~فمتى أخلص أعماله ولم يعمل لأحد شيئا تجنبوهم وتجنبوه وأبغضهم وأبغضوه ~~وعاداهم وعادوه وسار على جادة فينفر من ذلك أشد النفار وغايته أن يخلص في ~~القدر اليسير من أعماله التي لا تتعلق بهم وسائر أعماله لغير الله # PageV01P229 ### | فصل وتربة صورة للصدق مع الله وجهاد من خرج عن دينه وأمره في # قالب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم وأنه يعرض نفسه من البلاء لما ~~لا يطيق وأنه يصير غرضا لسهام الطاعنين وأمثال ذلك من الشبه التي تقيمها ~~النفس السحارة والخيالات التي تخيلها وترية حقيقة الجهاد في صورة تقتل فيها ~~النفس وتنكح المرأة ويصير الأولاد يتامى ويقسم المال وتربة حقيقة الزكاة ~~والصدقة في صورة مفارقة المال ونقصه وخلو اليد منه واحتياجه إلى الناس ~~ومساواته للفقير وعوده لمنزلته وتربه حقيقة إثبات صفات الكمال لله في صورة ~~التشبيه والتمثيل فينفر من التصديق بها وينفر غيره وتريه حقيقة التعطيل ~~والإلحاد فيها في صورة التنزيه والتعظيم # وأعجب من ذلك أنها تضاهى ما يحبه الله ورسوله من الصفات والأخلاق ~~والأفعال بما يغضه منها وتلبس على العبد أحد الأمرين بالآخر ولا يخلص من ~~هذا إلا أرباب البصائر فإن الأفعال تصدر عن الإرادات وتظهر على الأركان من ~~النفسين الأمارة والمطمئنة فيتباين الفعلان في البطلان ويشتبهان في الظاهر ~~ولذلك أمثلة كثيرة منها المداراة والمداهنة فالأول من المطمئنة والثاني من ~~الأمارة وخشوع الإيمان وخشوع النفاق وشرف النفس والتيه والحمية والجفاء ~~والتواضع والمهانة والقوة في أمر الله والعلو في الأرض والحمية لله والغضب ~~له والحمية للنفس والغضب لها والجود والسرف والمهابة والكبر والصيانة ~~والنكير والشجاعة والجرأة والحزم والجبن والاقتصاد والشح والاحتراز وسوء ~~الظن والفراسة والظن والنصيحة والغيبة والهدية والرشوة والصبر والقسوة ~~والعفو والذل وسلامة القلب والبله والغفلة والثقة والغرة والرجاء والتمني ~~والتحدث بنعم الله والفخر ms267 بها وفرح القلب وفرح النفس ورقة القلب والجزع ~~والموجدة والحقد والمنافسة والحسد وحب الرياسة وحب الإمامة والدعوة إلى ~~الله والحب لله والحب مع الله والتوكل والعجز والاحتياط الوسوسة وإلهام ~~الملك وإلهام الشيطان والأناة والتسويف والاقتصاد والتقصير والاجتهاد ~~والغلو والنصيحة والتأنيب والمبادرة والعجلة والإخبار بالحال عند الحاجة ~~والشكوى # فالشيء الواحد تكون صورته واحدة وهو منقسم إلى محمود ومذموم كالفرح ~~والحزن والأسف والغضب والغيرة والخيلاء والطمع والتجمل والخشوع والحسد ~~والغبطة والجرأة # PageV01P230 # والتحسر والحرص والتنافس وإظهار النعمة والحلف والمسكنة والصمت والزهد ~~والورع والتخلي والعزلة والأنفة والحمية والغيبة وفي الحديث أن من الغيرة ~~ما يحبها الله ومنها ما يكرهه فالغيرة فالتي يحبها الله الغيرة في ربية ~~والتى يكرهها الغيرة في غير ربية وإن من الخيلاء ما يحبه الله ومنها ما ~~يكرهه فالتى يحب الخيلاء في الحرب وفي الصحيح أيضا لا حسد إلا في اثنتين ~~رجل آتاه الله مالا وسلطة على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو ~~يقضي بها ويعلمها وفي الصحيح أيضا أن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ~~مالا يعطى على العنف وفيه أيضا من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير ~~فالرفق شيء والتواني والكسل شيء فإن التواني يتثاقل عن مصلحته بعد إمكانها ~~فيتقاعد عنها والرفيق يتلطف في تحصيلها بحسب الإمكان مع المطاوعة وكذلك ~~المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذم والفرق بينهما أن المدارى يتلطف بصاحبه ~~حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل والمداهن يتلطف به ليقره على باطله ~~ويتركه على هواه فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق وقد ضرب ~~لذلك مثل مطابق وهو حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطبيب المداوي الرفيق ~~فتعرف حالها ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت أخذ في بطها برفق وسهولة حتى ~~أخرج ما فيها ثم وضع على مكانها من الدواء والمرهم ما يمنع فساده ويقطع ~~مادته ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبت اللحم ثم يذر عليها بعد نبات اللحم ~~ما ينشف رطوبتها ثم يشد عليها الرباط ولم يزل ms268 يتابع ذلك حتى صلحت والمداهن ~~قال لصاحبها لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيوب بخرقة ثم اله ~~عنها فلا تزال مدتها تقوى وتستحكم حتى عظم فسادها وهذا المثل أيضا مطابق كل ~~المطابقة لحال النفس الأمارة مع المطمئنة فتأمله فإذا كانت هذه حال قرحة ~~بقدر الحمصة فكيف بسقم هاج من نفس أمارة بالسوء هي معدن الشهوات ومأوى كل ~~فسق وقد قارنها شيطان في غاية المكر والخداع يعدها ويمنيها ويسحرها بجميع ~~أنواع السحر حتى يخيل إليها النافع ضارا والضار نافعا والحسن قبيحا والقبيح ~~جميلا وهذا لعمرو الله من أعظم أنواع السحر ولهذا يقول سبحانه فأنى تسحرون ~~والذي نسبوا إليه الرسل من كونهم مسحورين هو الذي أصابهم بعينه وهم أهله لا ~~رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كما أنهم نسبوهم إلى الضلال ~~والفساد في الأرض والجنون والسفه وما استعاذت الأنبياء والرسل وأمراء الأمم ~~بالاستعاذة من شر النفس الأمارة وصاحبها وقرينها الشيطان إلا لأنهما أصل كل ~~شر وقاعدته ومنبعه وهما متساعدان عليه متعاونان # رضيعي لبان ثدى أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا ننفرق # PageV01P231 # قال الله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} وقال ~~{وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} وقال {وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون} وقال تعالى {قل أعوذ برب ~~الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر ~~حاسد إذا حسد} فهذا استعاذة من شر النفس وقال {قل أعوذ برب الناس ملك الناس ~~إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} ~~فهذا استعاذة من قرينها وصاحبها وبئس القرين والصاحب فأمر الله سبحانه نبيه ~~وأتباعه بالاستعاذة بربوبيته التامة الكاملة من هذين الخلقين العظيم شأنهما ~~في الشر والفساد والقلب بين هذين العدوين لا يزال شرهما يطرقه وينتابه وأول ~~ما يدب فيه السقم من النفس الأمارة من الشهوة وما يتبعها من الحب والحرص ~~والطلب والغضب ms269 ويتبعه من الكبر والحسد والظلم والتسلط فيعلم الطبيب الغاش ~~الخائن بمرضه فيعوده ويصف له أنواع السموم والمؤذيات ويخيل إليه بسحره أن ~~شفاءه فيها ويتفق ضعف القلب بالمرض وقوة النفس الأمارة والشيطان وتتابع ~~إمدادهما وأنه نقد حاضر ولذة عاجلة والداعي إليه يدعو من كل ناحية والهوى ~~ينفذ والشهوة تهون والتأسي بالأكثر والتشبه بهم والرضا بأن يصيبه ما أصابهم ~~فكيف يستجيب مع هذه القواطع وأضعافها لداعي الإيمان ومنادي الجنة إلا من ~~أمده الله بإمداد التوفيق وأيده برحمته وتولي حفظه وحمايته وفتح بصيرة قلبه ~~فرأى سرعة انقطاع الدنيا وزوالها وتقلبها بأهلها وفعلها بهم وأنها في ~~الحياة الدائمة كغمس إصبع في البحر بالنسبة إليه ### | فصل والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق أن خشوع الإيمان هو خشوع # القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء فينكسر القلب لله ~~كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء وشهود نعم الله وجناياته هو ~~فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح وأما خشوع النفاق فيبدو على ~~الجوارح تصنعا وتكلفا والقلب غير خاشع وكان بعض الصحابة يقول أعوذ بالله من ~~خشوع النفاق قيل له وما خشوع النفاق قال أن يرى الجسد خاشعا والقلب غير ~~خاشع فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته وسكن دخانها عن صدره فإنجلى ~~الصدر وأشرق فيه نور العظمة فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حشي به ~~وخمدت الجوارح وتوقر القلب واطمأن إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه ~~من ربه فصار مخبتا له والمخبت المطمئن فإن الخبت من الأرض ما اطمأن فإستنقع ~~فيه الماء فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن كالبقعة المطمئنة من الأرض ~~التي يجري إليها الماء فيستقر فيها وعلامته # PageV01P232 # أن يسجد بين يدي ربه إجلالا وذلا وانكسارا بين يديه سجدة لا يرفع رأسه ~~عنها حتى يلقاه وأما القلب المتكبر فإنه قد اهتز بتكبره وربا فهو كبقعة ~~رابية من الأرض لا يستقر عليها الماء فهذا خشوع الإيمان # وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعا ومراءاة ~~ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات ms270 وإرادات فهو يخشع في الظاهر وحية ~~الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة ### | فصل وأما شرف النفس فهو صيانتها عن الدنايا والرذائل والمطامع التي # تقطع أعناق الرجال فيربأ بنفسه عن أن يلقيها في ذلك بخلاف التيه فإنه خلق ~~متولد بين أمرين إعجابه بنفسه وازدرائه بغيره فيتولد من بين هذين التيه ~~والأول يتولد من بين خلقين كريمين إعزاز النفس وإكرامها وتعظيم مالكها ~~وسيدها أن يكون عبده دنيا وضيعا خسيسا فيتولد من بين هذين الخلقين شرف ~~النفس وصيانتها وأصل هذا كله استعداد وتهيؤها وإمداد وليها ومولاها لها ~~فإذا فقد الاستعداد والإمداد فقد الخير كله ### | فصل وكذلك الفرق بين الحمية والجفاء فالحمية فطام النفس عن رضاع اللوم # من ثدي هو مصب الخبائث والرذائل والدنايا ولو غزر لبنه وتهالك الناس عليه ~~فإن لهم فطاما تنقطع معه الأكباد حسرات فلا بد من الفطام فإن شئت عجل وأنت ~~محمود مشكور وإن شئت أخر وأنت غير مأجور بخلاف الجفاء فإنه غلظة في النفس ~~وقساوة في القلب وكثافة في الطبع يتولد عنها خلق يسمى الجفاء ### | فصل والفرق بين التواضع والمهانة أن التواضع يتولد من بين العلم بالله # سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله ومن ~~معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها فيتولد من بين ذلك كله خلق هو ~~التواضع وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة بعباده فلا يرى له ~~على أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم ~~قبله وهذا خلق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبه ويكرمه ويقربه # PageV01P233 # وأما المهانة فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها ~~وشهواتها كتواضع السفل في نيل شهواتهم وتواضع المفعول به للفاعل وتواضع ~~طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه فهذا كله ضعة لا تواضع والله سبحانه يحب ~~التواضع ويبغض الضعة والمهانة وفي الصحيح عنه وأوحى إلى أن تواضعوا حتى لا ~~يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد والتواضع المحمود على نوعين # النوع الأول ms271 تواضع العبد عند أمر الله امتثالا وعند نهيه اجتنابا فإن ~~النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره فيبدو منها نوع إباء وشراد هربا من ~~العبودية وتثبت عند نهيه طلبا للظفر بما منع منه فإذا وضع العبد نفسه لأمر ~~الله ونهيه فقد تواضع للعبودية # والنوع الثاني تواضعه لعظمة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه فكلما ~~شمخت نفسه ذكر عظمة الرب تعالى وتفرده بذلك وغضبه الشديد على من نازعه ذلك ~~فتواضعت إليه نفسه وانكسر لعظمة الله قلبه واطمأن لهيبته وأخبت لسلطانه ~~فهذا غاية التواضع وهو يستلزم الأول من غير عكس والمتواضع حقيقة من رزق ~~الأمرين والله المستعان ### | فصل وكذلك القوة في أمر الله هي من تعظيمه وتعظيم أوامره وحقوقه حتى # يقيمها الله والعلو في الأرض هو من تعظيم نفسه وطلب تفردها بالرياسة ~~ونفاذ الكلمة سواء عز أمر الله أو هان بل إذا عارضه أمر الله وحقوقه ~~ومرضاته في طلب علوه لم يلتفت إلى ذلك وأهدره وأماته في تحصيل علوه # وكذلك الحمية لله والحمية للنفس فالأولى يثيرها تعظيم الأمر والآمر ~~والثانية يثيرها تعظيم النفس والغضب لفوات حظوظها فالحمية لله أن يحمى قلبه ~~له من تعظيم حقوقه وهي حال عبد قد أشرق على قلبه نور سلطان الله فامتلأ ~~قلبه بذلك النور فإذا غضب فإنما يغضب من أجل نور ذلك السلطان الذي ألقى على ~~قلبه وكان رسول الله إذا غضب احمرت وجنتاه وبدا بين عينيه عرق يدره الغضب ~~ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله وروى زيد بن أسلم عن أبيه أن موسى بن ~~عمران كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا وهذا بخلاف الحمية للنفس فإنها ~~حرارة تهيج من نفسه لفوات حظها أو طلبه فإن الفتنة في النفس والفتنة هي ~~الحريق والنفس متلظية بنار الشهوة والغضب فإنما هما حرارتان تظهران على ~~الأركان حرارة من قبل النفس المطمئنة أثارها تعظيم حق الله وحرارة من قبل ~~النفس الأمارة أثارها استشعار فوت الحظ # PageV01P234 ### | فصل والفرق بين الجود والسرف أن الجواد حكيم يضع العطاء مواضعه # والمسرف مبذر وقد يصادف عطاؤه موضعه ms272 وكثيرا لا يصادفه وإيضاح ذلك أن الله ~~سبحانه بحكمته جعل في المال حقوقا وهي نوعان حقوق موظفة وحقوق ثانية ~~فالحقوق الموظفة كالزكاة والنفقات الواجبة على من تلزمه نفقته # والثانية كحق الضيف ومكافأة المهدى وما وقى به عرضه ونحو ذلك فالجواد ~~يتوخى بماله أداء هذه الحقوق على وجه الكمال طيبة بذلك نفسه راضية مؤملة ~~للخلف في الدنيا والثواب في العقبى فهو يخرج ذلك بسماحة قلب وسخاوة نفس ~~وانشراح صدر بخلاف المبذر فإنه يبسط يده في ماله بحكم هواه وشهوته جزافا لا ~~على تقدير ولا مراعاة مصلحة وإن اتفقت له فالأول بمنزلة من بذر حبة في ~~الأرض تنبت وتوخى ببذره مواضع المغل والإنبات فهذا لا يعد مبذرا ولا سفيها ~~والثاني بمنزلة من بذر حبة في سباخ وعزاز من الأرض وإن اتفق بذره في محل ~~النبات بذر بذرا متراكما بعضه على بعض فلذلك المكان البذر فيه ضائع معطل ~~وهذا المكان بذر بذرا متراكما بعضه على بعض فلذلك يحتاج أن يقلع بعض زرعه ~~ليصلح الباقي ولئلا تضعف الأرض عن تربيته والله سبحانه هو الجواد على ~~الإطلاق بل كل جود في العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى جوده أقل من قطرة ~~في بحار الدنيا وهي من جوده ومع هذا فإنما ينزل بقدر ما يشاء وجوده لا ~~يناقض حكمته ويضع عطاءه مواضعه وإن خفي على أكثر الناس أن تلك مواضعه فالله ~~يعلم حيث يضع فضله وأي المحال أولى به ### | فصل والفرق بين المهابة والكبر أن المهابة أثر من آثار امتلاء القلب # يعظمه الله ومحبته وإجلاله فإذا امتلأ القلب بذلك حل فيه النور ونزلت ~~عليه السكينة وألبس رداء الهيبة فأكتسى وجهه الحلاوة والمهابة فأخذ بمجامع ~~القلوب محبة ومهابة فحنت إليه الأفئدة وقرت به العيون وأنست به القلوب ~~فكلامه نور ومدخله نور ومخرجه نور وعمله نور وإن سكت علاه الوقار وإن تكلم ~~أخذ بالقلوب والأسماع # وأما الكبر فأثر من آثار العجب والبغي من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم ~~ترحلت منه العبودية ونزل عليه المقت فنظره إلى الناس شزر ومشيه ms273 بينهم تبختر ~~ومعاملته لهم معاملة الاستئثار لا الإيثار ولا الإنصاف ذاهب بنفسه تيها لا ~~يبدأ من لقيه بالسلام وإن رد عليه # PageV01P235 # رأى أنه قد بالغ في الإنعام عليه لا ينطلق لهم وجهه ولا يسعهم خلقه ولا ~~يرى لأحد عليه حقا ويرى حقوقه على الناس ولا يرى فضلهم عليه ويرى فضله لا ~~يزداد من الله إلا بعدا ومن الناس إلا صغارا أو بغضا ### | فصل والفرق بين الصيانة والتكبر أن الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس # ثوبا جديدا نفى البياض ذا ثمن فهو يدخل به على الملوك فمن دونهم فهو ~~يصونه عن الوسخ والغبار والطبوع وأنواع الآثار إبقاء على بياضه ونقائه ~~فتراه صاحب تعزز وهروب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث فلا يسمح ~~بأثر ولا طبع ولا لوث يعلو ثوبه وإن أصابه شيء من ذلك على غرة بادر إلى ~~قلعة وإزالته ومحو أثره وهكذا الصائن لقلبه ودينه تراه يجتنب طبوع الذنوب ~~وآثارها فإن لها في القلب طبوعا وآثارا أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب ~~النقي للبياض ولكن على العيون غشاوة أن تدرك تلك الطبوع فتراه يهرب من مظان ~~التلوث ويحترس من الخلق ويتباعد من تخالطهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل ~~للثوب الذي يخالط الدباغين والذباحين والطباخين ونحوهم # يخلاف صاحب العلو فإنه وإن شابه هذا في تحرزه وتجنبه فهو يقصد أني علو ~~رقابهم ويجعلهم تحت قدمه فهذا لون وذاك لون ### | فصل والفرق بين الشجاعة والجرأة أن الشجاعة من القلب وهي ثباته # واستقراره عند المخاوف وهو خلق يتولد من الصبر وحسن الظن فإنه متى ظن ~~الظفر وساعده الصبر ثبت كما أن الجبن يتولد من سوء الظن وعدم الصبر فلا يظن ~~الظفر ولا يساعده الصبر وأصل الجبن من سوء الظن ووسوسة النفس بالسوء وهو ~~ينشأ من الرئة فإذا ساء الظن ووسوست النفس بالسوء انتفخت الرئة فزاحمت ~~القلب في مكانه وضيقت عليه حتى أزعجته عن مستقره فأصابه الزلازل والاضطراب ~~لإزعاج الرئة له وتضييقها عليه ولهذا جاء في حديث عمرو بن العاص الذي رواه ~~أحمد ms274 وغيره عن النبي شر ما في المرء جبن خالع وشح هالع فسمى الجبن خالعا ~~لأنه يخلع القلب عن مكانه لانتفاخ السحر وهو الرئة كما قلا أبو جهل لعتبة ~~بن ربيعة يوم بدر انتفخ سحرك فإذا زال القلب عن مكانه ضاع تدبير العقل فظهر ~~الفساد على الجوارح فوضعت الأمور على غير مواضعها فالشجاعة حرارة القلب ~~وغضبه وقيامه وانتصابه وثباته فإذا رأته الأعضاء كذلك أعانته فإنها خدم له ~~وجنود كما أنه إذا ولى ولت سائر جنوده # PageV01P236 # وأما الجرأة فهي إقدام سببه قلة المبالاة وعدم النظر في العاقبة بل تقدم ~~النفس في غير موضع الإقدام معرضة عن ملاحظة العارض فإما عليها وإما لها ### | فصل وأما الفرق بين الحزم والجبن فالحازم هو الذي قد جمع عليه همه # وإرادته وعقله ووزن الأمور بعضها ببعض فأعد لكل منها قرنة ولفظة الحزم ~~تدل على القوة والإجماع ومنه حزمة الحطب فحازم الرأي هو الذي اجتمعت له ~~شئون رأيه وعرف منها خير الخيرين وشر الشرين فأحجم في موضع الإحجام رأيا ~~وعقلا لا جبنا ولا ضعفا # العاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا ### | فصل وأما الفرق بين الاقتصاد والشح أن الاقتصاد خلق محمود يتولد من # خلقين عدل وحكمة فبالعدل يعتدل في المنع والبذل وبالحكمة يضع كل واحد ~~منهما موضعه الذي يليق به فيتولد من بينهما الاقتصاد وهو وسط بين طرفين ~~مذمومين كما قال تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~فتقعد ملوما محسورا} وقال تعالى {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما} وقال تعالى كلوا واشربوا ولا تسرفوا # وأما الشح فهو خلق ذميم يتولد من سوء الظن وضعف النفس ويمده وعد الشيطان ~~حتى يصير هلعا والهلع شدة الحرص على الشيء والشره به فتولد عنه المنع لبذله ~~والجزع لفقده كما قال تعالى {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا ~~مسه الخير منوعا} ### | فصل والفرق بين الاحتراز وسوء الظن أن المحترز بمنزلة رجل قد خرج # بماله ومركوبه مسافرا فهو ms275 يحترز بجهده من كل قاطع للطريق وكل مكان يتوقع ~~منه الشر وكذلك يكون مع التأهب والاستعداد وأخذ الأسباب التي بها ينجو من ~~المكروه فالمحترز كالمتسلح المتطوع الذي قد تأهب للقاء عدوه وأعد له عدته ~~فهمه في تهيئة أسباب النجاة ومحاربة عدوه قد أشغلته عن سوء الظن به وكلما ~~ساء به الظن أخذ في أنواع العدة والتأهب # PageV01P237 # وأما سوء الظن فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على لسانه ~~وجوارحه فهم معه أبدا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض ببغضهم ~~ويبغضونه ويلعنهم ويلعنونه ويحذرهم ويحذرون منه فالأول يخالطهم ويحترز منهم ~~والثاني يتجنبهم ويلحقه أذاهم الأول داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع ~~الاحتراز والثاني خارج منهم مع الغش والدغل والبغض ### | فصل والفرق بين الفراسة والظن أن الظن يخطىء ويصيب وهو يكون مع ظلمة # القلب ونوره وطهارته ونجاسته ولهذا أمر تعالى باجتناب كثير منه وأخبر أن ~~بعضه إثم # وأما الفراسة فأثنى على أهلها ومدحهم في قوله تعالى {إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين} قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أي للمتفرسين وقال تعالى ~~{يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم} وقال تعالى ولو نشاء ~~لأريناهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول فالفراسة الصادقة لقلب ~~قد تطهر وتصفى وتنزه من الأدناس وقرب من الله فهو ينظر بنور الله الذي جعله ~~في قلبه وفي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد قال قال رسول الله اتقوا فراسة ~~المؤمن فإنه ينظر بنور الله وهذه الفراسة نشأت له من قربه من الله فإن ~~القلب إذا قرب من الله انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق ~~وإدراكه وكان تلقيه من مشكاة قريبة من الله بحسب قربه منه وأضاء له النور ~~بقدر قربه فرأى في ذلك النور ما لم يره البعيد والمحجوب كما ثبت في الصحيح ~~من حديث أبي هريرة عن النبي فيما يروى عن ربه عز وجل أنه قال ما تقرب إلى ~~عبدي بمثل ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت ms276 سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها في يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي فأخبر سبحانه أن تقرب ~~عبده منه يفيده محبته له فإذا أحبه قرب من سمعه وبصره ويده ورجله فسمع به ~~وأبصر به وبطش به ومشى به فصار قلبه كالمرآة الصافية تبدو فيها صور الحقائق ~~على ما هي عليه فلا تكاد تخطىء له فراسة فإن العبد إذا أبصر بالله أبصر ~~الأمر على ما هو عليه فإذا سمع بالله سمعه على ما هو عليه وليس هذا من علم ~~الغيب بل علام الغيوب قذف الحق في قلب قريب مستبشر بنوره غير مشغول بنقوش ~~الأباطيل والخيالات والوساوس التي تمنعه من حصول صورا الحقائق فيه وإذا غلب ~~على القلب النور فاض على الأركان وبادر من القلب إلى العين فكشف بعين بصره ~~بحسب ذلك النور وقد كان رسول الله يرى أصحابه في الصلاة وهم خلفه كما يراهم ~~أمامه ورأى بيت المقدس عيانا وهو # PageV01P238 # بمكة ورأى قصور الشام وأبواب صنعاء ومدائن كسرى وهو بالمدينة يحفر الخندق ~~ورأى أمراءه بمؤتة وقد أصيبوا وهو بالمدينة ورأى النجاشي بالحبشة لما مات ~~وهو بالمدينة فخرج إلى المصل فصلى عليه ورأى عمر سارية بنهاوند من أرض فارس ~~هو وعساكر المسلمين وهم يقاتلون عدوهم فناداه يا سارية الجبل ودخل عليه نفر ~~من مذحج فيهم الأشتر النخعي فصعد فيه البصر وصوبه وقال أيهم هذا قالوا مالك ~~بن الحارث فقال ماله قاتله الله إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا # ودخل عمرو بن عبيد على الحسن فقال هذا سيد الفتيان إن لم يحدث وقيل أن ~~الشافعي ومحمد بن الحسن جلسا في المسجد الحرام فدخل رجل فقال محمد أتفرس ~~أنه نجار فقال الشافعي أتفرس أنه حداد فسألاه فقال كنت حدادا وأنا اليوم ~~أنجر ودخل أبو الحسن البوشنجي والحسن الحداد على أبي القاسم المناوى ~~يعودانه فاشتريا في طريقهما بنصف درهم تفاحا نسيئة فلما دخلا عليه قال ما ~~هذه الظلمة فخرجا وقالا ما علمنا لعل هذا ms277 من قبل ممن التفاح فأعطيا الثمن ~~ثم عادا إليه ووقع بصره عليهما فقال يمكن الإنسان أن يخرج من الظلمة بهذه ~~السرعة أخبراني عن شأنكما فأخبراه بالقصة فقال نعم كان كل واحد منكما يعتمد ~~على صاحبه في إعطاء الثمن والرجل مستح منكما في التقاضي وكان بين زكريا ~~النخشي وبين امرأة سبب قبل توبته فكان يوما واقفا على رأس أبي عثمان الخيري ~~فتفكر في شأنها فرفع أبو عثمان إليه رأسه وقال ألا تستحي وكان شاه الكرماني ~~جيد الفراسة لا نخطىء فراسته وكان يقول من غض بصره عن المحارم وأمسك نفسه ~~عن الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهرة بإتباع السنة وتعود أكل ~~الحلال لم تخطىء فراسته وكان شاب يصحب الجنيد يتكلم على الخواطر فذكر ~~للجنيد فقال إيش هذا الذي ذكر لي عنك فقال له اعتقد شيئا فقال له الجنيد ~~اعتقدت فقال الشاب اعتقدت كذا وكذا فقال الجنيد لا فقال فأعتقد ثانيا قال ~~اعتقدت فقال الشاب اعتقدت كذا وكذا فقال الجنيد لا قال فاعتقد ثالثا قال ~~اعتقدت قال الشاب هو كذا وكذا قال لا فقال الشاب هذا عجب وأنت صدوق وأنا ~~أعرف قلبي فقال الجنيد صدقت في الأولى والثانية والثالثة لكن أردت أن ~~أمتحنك هل يتغير قلبك وقال أبو سعيد الخراز دخلت المسجد الحرام فدخل فقير ~~عليه خرقتان يسأل شيئا فقلت في نفسي مثل هذا كل على الناس فنظر إلى وقال ~~اعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه قال فأستغفرت في سري فناداني ~~وقال {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} وقال إبراهيم الخواص كنت في الجامع ~~فأقبل شاب طيب الرائحة حسن الوجه حسن # PageV01P239 # الحرمة فقلت لأصحابنا يقع لي أنه يهودي فكلهم كره ذلك فخرجت وخرج الشاب ~~ثم رجع إليهم فقال إيش قال الشيخ فأحتشموه فألح عليهم فقالوا قال إنك يهودي ~~فجاء فأكب على يدي فأسلم فقلت ما السبب فقال نجد في كتابنا أن الصديق لا ~~تخطىء فراسته فقلت امتحن المسلمين فتأملتهم فقلت إن كان فيهم صديق ففي هذه ~~الطائفة فلبست عليكم فلما اطلع ms278 هذا الشيخ على وتفرسني علمت أنه صديق وهذا ~~عثمان بن عفان دخل عليه رجل من الصحابة وقد رأى امرأة في الطريق فتأمل ~~محاسنها فقال له عثمان يدخل على أحدكم واثر الزنا ظاهر على عينيه فقلت أوحى ~~بعد رسول الله فقال لا ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة # فهذا شأن الفراسة وهي نور يقذفه الله في القلب فيخطر له الشيء فيكون كما ~~خطر له وينفذ إلى العين فيرى مالا يراه غيرها ### | فصل والفرق بين النصيحة والغيبة أن النصيحة يكون القصد فيها تحذير # المسلم من مبتدع أو فتان أو غاش أو مفسد فتذكر ما فيه إذا استشارك في ~~صحبته ومعاملته والتعلق به كما قال النبي لفاطمة بنت قيس وقد استشارته في ~~نكاح معاوية وأبي جهم فقال أما معاوية فصعلوك وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن ~~عاتقه وقال بعض أصحابه لمن سافر معه إذا هبطت عن بلاد قومه فأحذروه # فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين فهي قربة ~~إلى الله من جملة الحسنات وإذا وقعت على وجه ذم أخيك وتمزيق عرضه والتفكه ~~بلحمه والغض منه لتضع منزلته من قلوب الناس فهي الداء العضال ونار الحسنات ~~التي تأكلها كما تأكل النار الحطب ### | فصل والفرق بين الهدية والرشوة وإن اشتبها في الصورة القصد فإن الراشي # قصده بالرشوة التوصل إلى إبطال حق أو تحقيق باطل فهذا الراشي الملعون على ~~لسان رسول الله فإن رشا لدفع الظلم عن نفسه اختص المرتشي وحده باللعنة # وأما المهدى فقصده استجلاب المودة والمعرفة والإحسان فإن قصد المكافأة ~~فهو معاوض وإن قصد الربح فهو مستكثر # PageV01P240 ### | فصل والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبى يتخلق به العبد وهو # حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي فيحبس النفس عن التسخط واللسان عن ~~الشكوى والجوراح عما لا ينبغي فعله وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية ~~والشرعية # وأما القسوة فيبس في القلب يمنعه من الانفعال وغلظة تمنعه من التأثير ~~بالنوازل فلا يتأثر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله # وتحقيق هذا أن القلوب ثلاثة # قلب ms279 قاس غليظ بمنزلة اليد اليابسة وقلب مائع رقيق جدا # فالأول لا ينفعل بمنزلة للحجر والثاني بمنزلة الماء وكلاهما ناقص وأصح ~~القلوب القلب الرقيق الصافي الصلب فهو يرى الحق من الباطل بصفائه وبقلبه ~~ويؤثره برقته ويحفظه ويحارب عدوه بصلابته وفي الأثر القلوب آنية الله في ~~أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها وهذا القلب الزجاجي فإن الزجاجة ~~جمعت الأوصاف الثلاثة وابغض القلوب إلى الله القلب القاسي قال تعالى {فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله} وقال تعالى {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي ~~كالحجارة أو أشد قسوة} وقال تعالى {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم} فذكر القلبين المنحرفين عن الاعتدال هذا بمرضه ~~وهذا بقسوته وجعل إلقاء الشيطان فتنة لأصحاب هذين القلبين ورحمة لأصحاب ~~القلب الثالث وهو القلب الصافي الذي ميز بين إلقاء الشيطان وإلقاء الملك ~~بصفائه وقبل الحق بإخباته ورقته وحارب النفوس المبطلة بصلابته وقوته فقال ~~تعالى عقيب ذلك وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت ~~له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ### | فصل والفرق بين العفو والذل أن العفو إسقاط حقك جودا وكرما وإحسانا مع # قدرتك على الانتقام فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق بخلاف ~~الذل فإن صاحبه يترك # PageV01P241 # الانتقام عجزا وخوفا ومهانة نفس فهذا مذموم غير محمود ولعل المنتقم بالحق ~~أحسن حالا منه قال تعالى {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} # فمدحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك حتى إذا قدروا على ~~من بغى عليهم وتمكنوا من استيفاء مالهم عليه ندبهم إلى الخلق الشريف من ~~العفو والصفح فقال {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ~~إنه لا يحب الظالمين} فذكر المقامات الثلاثة العدل وأباحه والفضل وندب إليه ~~والظلم وحرمه # فإن قيل فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متنافيان # قيل لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام وإنما مدحهم على الانتصار وهو ~~القدرة والقوة على استيفاء حقهم فلما قدروا ندبهم إلى العفو قال بعض السلف ~~في ms280 هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا فمدحهم على عفو بعد ~~قدرة لا على عفو ذل وعجز ومهانة وهذا هو الكمال الذي مدح سبحانه به نفسه في ~~قوله وكان الله عفوا قديرا {والله غفور رحيم} وفي أثر معروف حملة العرش ~~أربعة إثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك ~~واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ولهذا ~~قال المسيح صلوات الله وسلامه عليه {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم} أي أن غفرت لهم غفرت عن عزة وهي كمال القدرة وحكمة ~~وهي كمال العلم فغفرت بعد أن علمت ما عملوا وأحاطت بهم قدرتك إذ المخلوق قد ~~يغفر بعجزه عن الانتقام وجهله بحقيقة ما صدر من المسيء والعفو من المخلوق ~~ظاهره ضيم وذل وباطنه عز ومهانة وانتقام ظاهره عز وباطنه ذل فما زاد الله ~~بعفو إلا عزا لا انتقم أحد لنفسه إلا ذل ولو لم يكن إلا بفوات عز العفو ~~ولهذا ما انتقم رسول الله لنفسه قط وتأمل قوله سبحانه وهم ينتصرون كيف يفهم ~~منه أن فيهم من القوة ما يكونون هم بها المنتصرين لأنفسهم لا أن غيرهم هو ~~الذي ينصرهم ولما كان الانتصار لا تقف النفوس فيه على حد العدل غالبا بل لا ~~بد من المجاوزة شرع فيه سبحانه المماثلة والمساواة وحرم الزيادة وندب إلى ~~العفو # والمقصود أن العفو من أخلاق النفس المطمئنة والذل من أخلاق الإمارة ونكتة ~~المسألة أن الانتقام شيء والانتصار شيء فالانتصار أن ينتصر لحق الله ومن ~~أجله ولا يقوى على ذلك إلا من تخلص من ذل حظه ورق هواه فإنه حينئذ ينال حظا ~~من العز الذي قسم الله المؤمنين فإذا بغى عليه انتصر من الباغي من أجل عز ~~الله الذي أعزه به غيرة على ذلك العز # PageV01P242 # أن يستضام ويقهر وحمية للعبد المنسوب إلى العزيز الحميد أن يستذل فهو ~~يقال للباغي عليه أنا مملوك من لا يذل مملوكه ولا يحب أن يذله ms281 أحد وإذا ~~كانت نفسه الأمارة قائمة على أصولها لم تحب بعد طلبه إلا الانتقام ~~والانتصار لحظها وظفرها بالباغي تشفيا فيه وإذلالا له وأما النفس التي خرجت ~~من ذل حظها ورق هواها إلى عز توحيدها وإنابتها إلى ربها فإذا نالها البغي ~~قامت بالانتصار حمية ونصرة للعز الذي أعزها الله به ونالته منه وهو في ~~الحقيقة حمية لربها ومولاها وقد ضرب لذلك مثلا بعبدين من عبيد الغلة حراثين ~~ضرب أحدهما صاحبه فنفا المضروب عن الضارب نصحا منه لسيده وشفقة على الضارب ~~أني عاقبه السيد فلم يجشم سيده خلقه عقوبته وإفساده بالضرب فشكر العافي على ~~عفوه ووقع منه بموقع وعبد آخر قد أقامه بين يديه وجمله وألبسه ثيابا يقف ~~بها بين يديه فعمد بعض سواس الدواب وأضرابهم ولطخ تلك الثياب بالعذرة أو ~~مزقها فلو عفا عمن فعل به ذلك لم يوافق عفوه رأى سيده ولا محبته وكان ~~الانتصار أحب إليه ووافق لمرضاته كأنه يقول إنما فعل هذا بك جرأة علي ~~واستخفافا بسلطاني فإذا أمكنه من عقوبته فأذله وقهره ولم يبق إلا أن يبطش ~~به فذل وانكسر قلبه فإن سيده يحب منه أن لا يعاقبه لحظة وأن يأخذ منه حق ~~السيد فيكون انتصاره حينئذ لمحض حق سيده لا لنفسه كما روى عن علي رضي الله ~~أنه مر برجل فاستغاث به وقال هذا منعني حقي ولم يعطني إياه فقال أعطه حقه ~~فلما جاوزهما لج الظالم ولطم صاحب الحق فاستغاث بعلي فرجع وقال أتاك الغوث ~~فقال له استقدمته فقال قد عفوت يا أمير المؤمنين فضربه على تسع دور وقال قد ~~عفا عنك من لطمته وهذا حق السلطان فعاقبه على لما اجترأ على سلطان الله ولم ~~يدعه ويشبه هذا قصة الرجل الذي جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال احملني ~~فوالله لا أنا أفرس منك ومن ابنك وعنده المغيرة بن شعبة فحسر عن ذراعه وصك ~~بها أنف الرجل فسال الدم فجاء قومه إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا أقدنا ~~من المغيرة فقال أنا أقيدكم من ms282 وزعة الله لا أقيدكم منه فرأى أبو بكر أن ~~ذلك انتصار من المغير وحمية الله وللعز الذي أعز به خليفة رسول الله ليتمكن ~~بذلك العز من حسن خلافته وإقامة دينه فترك قوده لاجترائه على عز الله ~~وسلطانه الذي أعز به رسوله ودينه وخليفته فهذا لون والضرب حمية للنفس ~~الأمارة لون ### | فصل والفرق بين سلامة القلب والبله والتغفل أن سلامة القلب تكون من # عدم إرادة البشر # PageV01P243 # بعد معرفته فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفته والعلم به وهذا ~~بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة وهذا لا يحمد إذ هو نقص وإنما ~~يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه والكمال أن يكون القلب عارفا بتفاصيل ~~الشر سليما من إرادته قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لست بخب ولا يخدعني ~~الخب وكان عمر أعقل من أن يخدع وأورع من أن يخدع وقال تعالى {يوم لا ينفع ~~مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} فهذا هو السليم من الآفات التي ~~تعتري القلوب المريضة من مرض الشبهة التي توجب اتباع الظن ومرض الشهوة التي ~~توجب اتباع ما تهوى الأنفس فالقلب السليم الذي سلم من هذا وهذا ### | فصل والفرق بين الثقة والغرة أن الثقة سكون يستند إلى أدلة وإمارات # يسكن القلب إليها فكلما قويت تلك الإمارات قويت الثقة واستحكمت ولا سيما ~~على كثرة التجارب وصدق الفراسة واللفظة كأنها والله اعلم من الوثاق وهو ~~الرباط فالقلب قد ارتبط بمن وثق به يوكلا عليه وحسن ظن به فصار في وثاق ~~محبته ومعاملته والاستناد إليه والاعتماد عليه فهو في وثاقه بقلبه وروحه ~~وبدنه فإذا صار القلب إلى الله وانقطع إليه تقيد بحبه وصار في وثاق ~~العبودية فلم يبق له مفزع في النوائب ولا ملجأ غيره ويصير عدته وشدته ~~وذخيرته في نوائبه وملجأه في نوازله ومستعانه في حوائجه وضروراته # وأما الغرة فهي حال المغتر الذي غرته نفسه وشيطانه وهواه وأمله الخائب ~~الكاذب بربه حتى اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني والغرور ثقتك بمن ~~لا ms283 يوثق به وسكونك إلى من لا يسكن إليه ورجاؤك النفع من المحل الذي لا يأتي ~~بخبر كحال المغتر بالسراب قال تعالى والذي كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عهده فوفاه حسابه والله ~~سريع الحساب وقال تعالى في وصف المغترين {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} وهؤلاء إذا ~~انكشف الغطاء وثبتت حقائق الأمور علموا انهم لم يكونوا على شيء وبدا لهم من ~~الله ما لم يكونا يحتسبون وفي اثر معروف إذا رأيت الله سبحانه يزيدك من ~~نعمة وأنت مقيم عل معصيته فأحذره فإنما هو استدراج يستدرجك به وشاهد هذا في ~~القرآن في قوله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء حتى ~~إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فهم مبلسون وهذا من أعظم الغرة أن تراه ~~يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على ما يكره فالشيطان وكل الغرور وطبع النفس ~~الأمارة الاغترار فإذا اجتمع الرأي والبغي والرأي # PageV01P244 # المحتاج والشيطان الغرور والنفس المغترة لم يقع هناك خلاف فالشياطين غروا ~~المغترين بالله وأطمعوهم مع إقامتهم على ما يسخط الله ويغضبه في عفوه ~~وتجاوزه وحدوثهم بالتوبة لتسكن قلوبهم ثم دافعوهم بالتسويف حتى هجم الأجل ~~فأخذوا على أسوأ أحوالهم وقال تعالى {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور} وقال تعالى {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} واعظم الناس غرورا بربه من إذا مسه ~~الله برحمة منه وفضل قال هذا لي أي أنا أهله وجدير به ومستحق له ثم قال ~~{وما أظن الساعة قائمة} فظن أنه أهل لما أولاه من النعم مع كفره بالله ثم ~~زاد في غروره فقال {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} يعني الجنة ~~والكرامة وهكذا تكون الغرة بالله فالمغتر بالشيطان مغتر بوعوده وأمانيه وقد ~~ساعد اغتراره بدنياه ونفسه فلا يزال كذلك حتى يتردى في آبار الهلاك ### | فصل والفرق ms284 بين الرجاء والتمني أن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ # الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز والتمني حديث النفس بحصول ذلك مع ~~تعطيل الأسباب الموصلة إليه قال تعالى {إن الذين آمنوا والذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله} فطوى سبحانه بساط الرجاء إلا ~~عن هؤلاء وقال المغترون إن الذين ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه واتبعوا ما ~~أسخطه وتجنبوا ما يرضيه أولئك يرجون رحمته وليس هذا ببدع من غرور النفس ~~والشيطان لهم فالرجاء لعبد قد امتلأ قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر ~~فمثل بين عينيه ما وعده الله تعالى من كرامته وجنته امتد القلب مائلا إلى ~~ذلك شوقا إليه وحرصا عليه فهو شبيه بالماد عنقه إلى مطلوب قد صار نصب عينيه ~~وعلامة الرجاء الصحيح أن الراجي يخاف فوت الجنة وذهاب حظه منها بترك ما ~~يخاف أن يحول بينه وبين دخولها فمثله مثل رجل خطب امرأة كريمة في منصب شرف ~~إلى أهلها فلما آن وقت العقد واجتماع الأشراف والأكابر وإتيان الرجل إلى ~~الحضور علم عشية ذلك اليوم ليتأهب الحضور فتراه المرأة وأكابر الناس فاخذ ~~في التأهب والتزيين والتجميل فأخذ من فضول شعره وتنظيف وتطيب ولبس أجمل ~~ثيابه وأتى إلى تلك الدار متقيا في طريقه كل وسخ ودنس واثر يصيبه اشد تقوى ~~حتى الغبار والدخان وما هو دون ذلك فلما وصل إلى الباب رحب به ربها ومكن له ~~في صدر الدار على الفرش والوسائد ورمقته العيون وقصد بالكرامة من كل ناحية ~~فلو أنه ذهب بعد أخذ # PageV01P245 # هذه الزينة فجلس في المزابل وتمرغ عليها وتمعك بها وتلطخ في بدنه وثيابه ~~بما عليها من عذرة وقذر ودخل ذلك في شعره وبشره وثيابه فجاء على ذلك الحال ~~إلى تلك الدار وقصد دخولها للوعد الذي سبق له لقام إليه البواب بالضرب ~~والطرد والصياح عليه والإبعاد له من بابها وطريقها فرجع متحيزا خاسئا ~~فالأول حال الراجي وهذا حال المتمني وإن شئت مثلت حال الرجلين بملك هو من ~~أغير الناس وأعظمهم أمانة وأحسنهم معاملة لا يضيع لديه ms285 حق أحد وهو يعامل ~~الناس من وراء ستر لا يراه أحد وبضائعه وأمواله وتجارته وعبيده وإماؤه ظاهر ~~بارز في داره للعاملين فدخل عليه رجلان فكان أحدها يعامله بالصدق والأمانة ~~والنصيحة لم يجرب عليه غشا ولا خيانة ولا مكرا فباعه بضائعه كلها واعتمد مع ~~مماليكه وجواريه ما يجب أن يعتمد معهم فكان إذا دخل إليه ببضاعة تخير له ~~احسن البضائع وأحبها إليه وإن صنعها بيده بذل جهده في تحسينها وتنميقها ~~وجعل ما خفي منها أحسن مما ظهر ويستلم المؤنة ممن أمره أن يستلمها منه ~~وامتثل ما أمره به السفير بينه وبينه في مقدار ما يعمله صفته وهيئته وشكله ~~ورقته وسائر شئونه وكان الآخر إذا دخل دخل بأخس بضاعة يجدها لم يخلصها من ~~الغش ولا نصح فيها ولا اعتمد في أمرها ما قاله المترجم عن الملك والسفير ~~بينه وبين الصناع والنجار بل كان يعملها على ما يهواه ومع ذلك فكان يخون ~~الملك داره إذ هو غائب عن عينه فلا يلوح له طمع إلا خانة ولا حرمة للملك ~~إلا مد بصره إليها وحرص على إفسادها ولا شيء يسخط الملك إلا ارتكبه إذا قدر ~~عليه فمضيا على ذلك مدة ثم قيل إن الملك يبرز لمعامليه حتى يحاسبهم ويعطيهم ~~حقوقهم فوقف الرجلان بين يديه فعامل كل واحد منهما بما يستحقه فتأمل هذين ~~المثلين فإن الواقع مطابق لهما فالراجي على الحقيقة لما صارت الجنة نصب ~~عينه ورجاءه وأمله امتد إليها قلبه وسعى لها سعيها فإن الرجاء هو امتداد ~~القلب وميله وحقق رجاءه كمال التأهب وخوف الفوت والأخذ بالحذر وأصله من ~~التنحي ورجا البئر ناحيته وإرجاء السماء نواحيها وامتداد القلب إلى المحبوب ~~منقطعا عما يقطعه عنه هو تنح عن النفس الأمارة وأسبابها وما تدعو إليه وهذا ~~الامتداد والميل والخوف من شأن النفس المطمئنة فإن القلب إذا انفتحت بصيرته ~~فرأى الآخرة وما أعد الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته خاف وخف مرتحلا إلى ~~الله والدار الآخرة وكان قبل ذلك مطمئنا إلى النفس والنفس إلى الشهوات ~~والدنيا فلما انكشف ms286 عنه غطاء النفس خف وارتحل عن جوارها طالبا جوار العزيز ~~الرحيم في جنات النعيم ومن هنا صار كل خائف راجيا وكل راج خائفا فأطلق اسم ~~أحدهما على الآخر فإن الراجي قلبه قريب الصفة من قلب الخائف هذا الراجي قد ~~نجى قلبه عن مجاورة النفس والشيطان مرتحلا إلى الله قد رفع له من الجنة علم ~~فشمر إليه وله مادا إليه قلبه كله وهذا الخائف فار منه # PageV01P246 # جوارهما ملتجئ إلى الله من حبسه في سجنهما في الدنيا فيحبس معها بعد ~~الموت ويوم القيامة فإن المرء مع قرينه في الدنيا والآخرة فلما سمع الوعيد ~~ارتحل من مجاورة جار السوء في الدارين فأعطى اسم الخائف ولما سمع الوعد ~~امتد واستطار شوقا وفرحا بالظفر به فأعطى اسم الراجي وحالاه متلازمان لا ~~ينفك عنهما فكل راج خائف من فوات ما يرجوه كما أن كل خائف راج أمنه مما ~~يخاف فلذلك تداول الاسمان عليه قال تعالى {ما لكم لا ترجون لله وقارا} ~~قالوا في تفسيرها لا تخافون لله عظمة وقد تقدم أن سبحانه طوى الرجاء إلا عن ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا وقد فسر النبي الإيمان بأنه ذو شعب وأعمال ~~ظاهرة وباطنة وفسر الهجرة بأنها هجر ما نهى الله عنه والجهاد بأنه جهاد ~~النفس في ذات الله فقال المهاجرين من هجر ما نهى الله عنه والمجاهد من جاهد ~~نفسه في ذات الله والمقصود بأن الله سبحانه جعل أهل الرجاء من آمن وهاجر ~~وجاهد وأخرج من سواهم من هذه الأمم # وأما الأماني فإنها رءوس أموال المفاليس أخرجوها في قالب الرجاء وتلك ~~أمانيهم وهي تصدر من قلب تزاحمت عليه وساوس النفس فاظلم من دخانها فهو ~~يستعمل قلبه في شهواتها وكلما فعل ذلك منته حسن العاقبة والنجاة وإحالته ~~على العفو والمغفرة والفضل وأن الكريم لا يستوفي حقه ولا تضره الذنوب ولا ~~تنقصه المغفرة ويسمي ذلك رجاء وإنما هو وسواس وأماني باطلة تقذف بها النفس ~~إلى القلب الجاهل فيستريح إليها قال تعالى {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب من يعمل سوءا يجز ms287 به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} فإذا ~~ترك العبد ولاية الحق ونصرته ترك الله ولايته ونصرته ولم يجد له من دون ~~الله وليا ولا نصيرا وإذا ترك ولايته ونصرته تولته نفسه والشيطان فصارا ~~وليين له ووكل نفسه فصار انتصاره لها بدلا من نصرة الله ورسوله فاستبدل ~~بولاية الله ولاية نفسه وشيطانه وبنصرته نصرة نفسه هواه فلم يدع للرجاء ~~موضعا فإذا قالت لك النفس أنا في مقام الرجاء فطالبها بالبرهان وقل هذه ~~أمنية فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين فالكيس يعمل أعمال البر على الطمع ~~والرجاء والأحمق العاجز يعطل أعمال البر ويتكل على الأماني التي يسميها ~~رجاء والله الموفق ### | فصل والفرق بين التحدث بنعم الله والفخر بها أن المتحدث بالنعمة مخبر # عن صفات ولها ومحض جوده وإحسانه فهو مثن عليه بإظهارها والتحدث بها شاكرا ~~له ناشرا لجميع ما أولاه مقصود بذلك إظهار صفات الله ومدحه والثناء وبعث ~~النفس على الطلب منه دون غيره وعلى محبته ورجائه فيكون راغبا إلى الله ~~بإظهار نعمه ونشرها والتحدث بها # PageV01P247 # وأما الفخر بالنعم فهو أن يستطيل بها على الناس ويريهم أنه أعز منهم ~~وأكبر فيركب أعناقهم ويستعبد قلوبهم ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة قال ~~النعمان بن بشير إن للشيطان مصالي وفخوخا وإن من مصاليه وفخوخه البطش بنعم ~~الله والكبر على عباد الله والفخر بعطية الله في غير ذات الله ### | فصل والفرق بين فرح القلب وفرح النفس ظاهر فإن الفرح بالله ومعرفته # ومحبته وكلامه من القلب قال تعالى {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما ~~أنزل إليك} فإذا كان أهل الكتاب يفرحون بالوحي فأولياء الله وأتباع رسوله ~~أحق بالفرح به وقال تعالى {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته ~~هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} وقال تعالى قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون قال أبو سعيد الخدري ~~فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله وقال هلال بن يساف فضل الله ~~ورحمته الإسلام الذي هداكم إليه والقرآن الذي ms288 علمكم هو خير من الذهب والفضة ~~الذي تجمعون وقال ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور المفسرين فضل الله الإسلام ~~ورحمته القرآن فهذا فرح القلب وهو من الإيمان ويثاب عليه العبد فإن فرحه به ~~يدل على رضاه به بل هو فوق الرضا فالفرح بذلك على قدر محبته فإن الفرح إنما ~~يكون بالظفر بالمحبوب وعلى قدر محبته يفرح بحصوله له فالفرح بالله وأسمائه ~~وصفاته ورسوله وسنته وكلامه محض الإيمان وصفوته ولبه وله عبودية عجيبة وأثر ~~القلب لا يعبر عنه فابتهاج القلب وسروره وفرحه بالله وأسمائه وصفاته وكلامه ~~ورسوله ولقائه أفضل ما يعطاه بل هو جل عطاياه والفرح في الآخرة بالله ~~ولقائه بحسب الفرح به ومحبته في الدنيا فالفرح بالوصول إلى المحبوب يكون ~~على حسب قوة المحبة وضعفها فهذا شأن فرح القلب وله فرح آخر وهو فرحه بما من ~~الله به عليه علمه من معاملته والإخلاص له والتوكل عليه والثقة به وخوفه ~~ورجائه به وكلما تمكن في ذلك قوى فرحه وابتهاجه وله فرحة أخرى عظيمة الوقع ~~عجيبة الشأن وهي الفرحة التي تحصل له بالتوبة فإن لها فرحة عجيبة لا نسبة ~~لفرحة المعصية إليها البتة فلو علم المعاصي إن لذة التوبة وفرحتها يزيد على ~~لذة المعصية وفرحتها أضعافا مضاعفة لبادر إليها أعظم من مبادرته إلى لذة ~~المعصية # PageV01P248 # وسر هذا الفرح إنما يعلمه من علم سر فرح الرب تعالى بتوبة عبده أشد فرح ~~يقدر ولقد ضرب له رسول مثلا ليس في أنواع الفرح في الدنيا أعظم منه وهو فرح ~~رجل قد خرج براحته التي عليها طعامه وشرابه في سفر ففقدها في أرض دوية ~~مهلكة فاجتهد في طلبها فلم يجدها فيئس منه فجلس ينتظر الموت حتى إذا طلع ~~البدر رأي في ضوئه راحلته وقد تعلق زمامها بشجر فقال من شدة فرحه اللهم أنت ~~عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته # فلا ينكر أن يحصل للتائب نصيب وافر من الفرح بالتوبة ولكن هاهنا أمر يجب ~~التنبيه عليه وهو أن لا يصل ms289 إلى ذلك إلا بعد ترحات ومضض ومحن لا تثبت لها ~~الجبال فإن صبر لها ظفر بلذة الفرح وإن ضعف عن حملها ولم يصبر لها لم يظفر ~~بشيء وآخر أمره فوات ما آثره من فرحة المعصية ولذتها فيفوته الأمران ويحصل ~~على ضد اللذة من الألم المركب من وجود المؤذي وفوت المحبوب فالحكم لله ~~العلي الكبير ### | فصل وها هنا فرحة أعظم من هذا كله وهي فرحته عند مفارقته الدنيا # إلى الله إذا أرسل إليه الملائكة فبشروه بلقائه وقال له ملك الموت أخرجي ~~أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب ابشري بروح وريحان ورب غير غضبان ~~اخرجي راضية مرضيا عنك يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي فلو لم يكن بين يدي التائب إلا هذه الفرحة ~~وحدها لكان العقل يأمر بآيثارها فكيف ومن بعدها أنواع من الفرح منها ~~الملائكة الذين بين السماء والأرض على روحه ومنه فتح أبوب السماء لها وصلاة ~~ملائكة السماء عليها وتشييع مقربيها لها إلى السماء الثانية فتفتح ويصلي ~~عليها أهلها وشيعها مقربوها هكذا إلى السماء السابعة فكيف يقدر فرحها ~~استؤذن لها على ربها ووليها وحبيبها فوقفت بين يديه وأذن لها بالسجود فسجدت ~~ثم سمعته سبحانه يقول اكتبوا كتابه في غلبين ثم يذهب به فيرى الجنة ومقعده ~~فيها وما أعد الله له ويلقي أصحابه وأهله فيستبشرون به ويفرحون به ويفرح ~~بهم فرح الغائب يقدم على أهله فيجدهم على أحسن حال ويقدم عليهم بخير ما قدم ~~به مسافر هذا كله قبل الفرج الأكبر يوم حشر الأجساد بجلوسه في ظل العرش ~~وشربه من الحوض وأخذه كتابه بيمينه وثقل ميزانه وبياض وجهه وإعطائه النور ~~التام والناس في الظلمة وقطعه جسر جهنم بلا تعويق وانتهائه إلى باب الجنة ~~وقد أزلفت له في لموقف وتلقي خزنتها له بالترحيب والسلام والبشارة وقدومه ~~على منازله وقصوره وأزواجه وسراريه # PageV01P249 # وبعد ذلك فرح آخر لا يقدر قدره ولا يعبر عنه تتلاشى هذه الأفراح كلها ~~عنده وإنما يكون هذا لأهل السنة المصدقين برؤية ms290 وجه ربهم تبارك وتعالى من ~~فوقهم وسلامه عليهم وتكليمه إياهم ومحاضرته لهم # وليست هذه الفرحات إلا ... لذى الترحات في دار الرزايا # فشمر ما استطعت الساق واجهد ... لعلك أن تفوز بذي العطايا # وصم عن لذة حشيت بلاء ... الذات خلصن من البلايا # ودع أمنية إن لم تنلها ... تعذب أو تنل كانت منايا # ولا تستبط وعدا من رسول ... أتى بالحق من رب البرايا # فهذا الوعد أدنى من نعيم ... مضى بالأمس لو وفقت رايا ### | فصل والفرق بين رقة القلب والجزع أن الجزع ضعف في النفس وخوف في # القلب يمده شدة الطمع والحرص ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر وإلا فمتى علم ~~أن المقدر كائن ولا بد كان الجزع عناء محضا ومصيبة ثانية قال تعالى ما أصاب ~~من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على ~~الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم فمتى آمن العبد ~~بالقدر وعلم أن المصيبة مقدرة في الحاضر والغائب لم يجزع ولم يفرح # ولا ينافي هذا رقة القلب فإنها ناشئة من صفة الرحمة التي هي كمال والله ~~سبحانه إنما يرحم من عباده الرحماء وقد كان رسول الله أرق الناس قلبا ~~وأبعدهم من الجزع فرقة القلب رأفة ورحمة وجزعه مرض وضعف فالجزع حال قلب ~~مريض بالدنيا قد غشيه دخان النفس الأمارة فأخذ بأنفاسه وضيق عليه مسالك ~~الآخرة وصار في سجن الهوى والنفس وهو سجن ضيق الأرجاء مظلم المسلك فانحصار ~~القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله فإذا أشرق فيه نور الإيمان ~~واليقين بالوعد وامتلأ من محبة الله وإجلاله رق وصارت فيه الرأفة والرحمة ~~فتراه رحيما رفيق القلب بكل ذي قربى ومسلم يرحم النملة في حجرها والطير في ~~وكره فضلا عن بني جنسه فهذا أقرب القلوب من الله قال أنس كان رسول الله ~~أرحم الناس بالعيال والله سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدا أسكن في قلبه ~~الرأفة والرحمة وإذا أراد أن يعذبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة وأبدله بهما ms291 ~~الغلظة والقسوة وفي الحديث الثابت لا تنزع الرحمة إلا من شقي وفيه من لا ~~يرحم لا يرحم وفيه ارحموا من في الأرض # PageV01P250 # يرحمكم من في السماء وفيه أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق ورجل رحيم ~~رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم عفيف متعفف ذو عيال والصديق رضي الله عنه ~~إنما فضل الأمة بما كان في قلبه من الرحمة العامة زيادة على الصديقية ولهذا ~~أظهر أثرها في جميع مقدماته حتى في الأسارى يوم بدر واستقر الأمر على ما ~~أشار به وضرب له مثلا بعيسى وإبراهيم والرب تعالى هو الرءوف الرحيم وأقرب ~~الخلق إليه وأعظمهم رأفة ورحمة كما أن أبعدهم منه من اتصف بضد صفاته وهذا ~~باب لا يلجه إلا الأفراد في العالم ### | فصل والفرق بين الموجدة والحقد أن الوجد الإحساس بالمؤلم والعلم به # وتحرك النفس في رفعه فهو كمال وأما الحقد فهو إضمار الشر وتوقعه كل وقت ~~فيمن وجدت عليه فلا يزايل القلب أثره # وفرق آخر وهو أن الموجدة لما ينالك منه والحقد لما يناله منك فالموجدة ~~وجد ما نالك من أذاه والحقد توقع وجود ما يناله من المقابلة فالموجدة سريعة ~~الزوال والحقد بطيء الزوال والحقد يجيء مع ضيق القلب واستيلاء ظلمة النفس ~~ودخانها عليه بخلاف الموجدة فإنها تكون مع قوته وصلابته وقوة نوره وإحساسه ### | فصل والفرق بين المنافسة والحسد أن المنافسة المبادرة إلى الكمال الذي # تشاهد من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه فهي من شرف النفس وعلو ~~الهمة وكبر القدر قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وأصلها من الشيء ~~النفيس الذي تتعلق به النفوس طلبا ورغبة فينافس فيه كل من النفسين الأخرى ~~وربما فرحت إذا شاركتها فيه كما كان أصحاب رسول الله يتنافسون في الخير ~~ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه بل يحض بعضهم بعضا عليه مع تنافسهم فيه وهي ~~نوع من المسابقة وقد قال تعالى فاستبقوا الخيرات وقال تعالى سابقوا إلى ~~مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء وكان عمر بن الخطاب يسابق أبا بكر ~~رضي الله ms292 عنهما فلم يظفر بسبقه أبدا فلما علم أنه قد استولى على الإمامة ~~قال والله لا أسابقك إلى شيء أبدا وقال والله ما سبقته إلى خير إلا وجدته ~~قد سبقني إليه والمتنافسان كعبدين بين يدي سيدهما يتباريان ويتنافسان في ~~مرضاته ويتسابقان إلى محابه فسيدهما يعجبه ذلك منهما ويحثهما عليه وكل ~~منهما يحب الآخر ويحرضه على مرضاة سيده # PageV01P251 # والحسد خلق نفس ذميمة وضيعه ساقطة ليس فيها حرص على الخير فلعجزها ~~ومهانتها تحسد من يكسب الخير والمحامد ويفوز بها دونها وتتمنى أن لوفاته ~~كسبها حتى يساويها في العدم كما قال تعالى ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سواء وقال تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فالحسود عدو النعمة متمن ~~زوالها عن المحسود كما زالت عنه هو والمنافس مسابق النعمة متمن تمامها عليه ~~وعلى من ينافسه فهو ينافس غيره أن يعلو عليه ويحب لحاقه به أو مجاوزته له ~~في الفضل والحسود يحب انحطاط غيره حتى يساويه في النقصان وأكثر النفوس ~~الفاضلة الخيرة تنتفع بالمنافسة فمن جعل نصب عينيه شخصا من أهل الفضل ~~والسبق فنافسه انتفع به كثيرا فإنه يتشبه به ويطلب اللحاق به والتقدم عليه ~~وهذا لا نذمه وقد يطلق اسم الحسد على المنافسة المحمودة كما في الصحيح عن ~~النبي لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل ~~وأطراف النهار ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق فهذا حسد ~~منافسة وغبطة يدل على علو همة صاحبه وكبر نفسه وطلبها للتشبه بأهل الفضل ### | فصل والفرق بين حب الرياسة وحب الإمارة للدعوة إلى الله هو الفرق بين # تعظيم أمر الله والنصح له وتعظيم النفس والسعي في حظها فإن الناصح لله ~~المعظم له المحب له يحب أن يطاع ربه فلا يعصى وأن تكون كلمته هي العليا وأن ~~يكون الدين كله لله وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه فقد ~~ناصح الله في عبوديته ms293 وناصح خلقه في الدعوة إلى الله فهو يحب الإمامة في ~~الدين بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين أما ما يقتدي به المتقون كما اقتدى هو ~~بالمتقين فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلا وفي ~~قلوبهم مهيبا وإليهم حبيبا وأن يكون فيهم مطاعا لكي يأتموا به ويقتفوا أثر ~~الرسول على يده لم يضره ذلك بل يحمد عليه لأنه داع إلى الله يحب أن يطاع ~~ويعبد ويوحد فهو يحب ما يكون عونا على ذلك موصلا إليه ولهذا ذكر سبحانه ~~عباده الذين اختصهم لنفسه وأثنى عليهم في تنزيله وأحسن جزاءهم يوم لقائه ~~فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم ثم قال والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما فسألوه أن يقر أعينهم ~~بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على ~~طاعته وعبوديته فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة فإنما سألوه وما ~~يعانون به المتقين على مرضاته وطاعته وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في ~~الدين التي أساسها الصبر واليقين كما قال تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا وكانوا # PageV01P252 # بآياتنا يوقنون وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم ~~ويوفقهم ويمن عليهم بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة ظاهرا وباطنا التي لا ~~تتم الإمامة إلى بها وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن جلا ~~جلاله ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضل رحمته ومحض جوده ومنته وتأمل كيف ~~جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف وهي المنازل العالية في الجنة لما كانت ~~الإمامة في الدين من الرتب العالية بل من أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين ~~كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة # وهذا بخلاف طلب الرياسة فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم ~~من العلو في الأرض وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتهم لهم على جميع ~~أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم فترتب على هذا المطلب من المفاسد ~~مالا يعلمه إلا الله من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة ms294 ~~والحمية للنفس دون حق الله وتعظيم من حقره الله واحتقار من أكرمه الله ولا ~~تتم الرياسة الدنيوية إلا بذلك ولا تنال إلا به وبأضعافه من المفاسد ~~والرؤساء في عمى عن هذا فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه ولا ~~سيما إذا حشروا في صور الذر يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيرا ~~وتصغيرا كما صغروا أمر الله وحقروا عباده ### | فصل والفرق بين الحب في الله والحب مع الله وهذا من أهم الفروق # وكل أحد محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا فالحب في الله هو من كمال ~~الإيمان والحب مع الله هو عين الشرك والفرق بينهما أن المحب في الحب تابع ~~لمحبة الله فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة ان يحب ما يحبه ~~الله فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه كما يحب رسله ~~وأنبياءه وملائكته وأوليائه لكونه تعالى يحبهم ويبغض من يبغضهم لكونه تعالى ~~ببغضهم وعلامة هذا الحب والبغض في الله أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حبا ~~لإحسانه إليه وخدمته له وقضاء حوائجه ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضا إذا ~~وصل إليه من جهته من يكرهه ويؤلمه إما خطأ وإما عمدا مطيعا لله فيه أو ~~متأولا أو مجتهدا أو باغيا نازعا تائبا والدين كله يدور على أربع قواعد حب ~~وبغض ويترتب عليهما فعل وترك فمن كان حبه وبغضه وفعله وتركه لله فقد استكمل ~~الإيمان بحيث إذا أحب أحب لله وإذا أبغض أبغض لله وإذا فعل فعل لله وإذا ~~ترك ترك لله وما نقص من أصنافه هذه الأربعة نقص من إيمانه ودينه بحسبه وهذا ~~بخلاف الحب مع الله فهو نوعان يقدح في أصل التوحيد وهو شرك ونوع يقدح في ~~كمال الإخلاص ومحبة الله ولا يخرج من الإسلام # PageV01P253 # فالأول كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم قال تعالى ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم ~~وآلهتهم مع الله كما يحبون الله فهذه محبة تأله ms295 وموالاة يتبعها الخوف ~~والرجاء والعبادة والدعاء وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله ولا ~~يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ~~ومحاربتهم وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه وخلق النار لأهل هذه ~~المحبة الشركية وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعاداهم فيه وفي مرضاته فكل من ~~عبد شيئا من لدن عرشه إلى قرار أرضه فقد اتخذ من دون الله إلها ووليا وأشرك ~~به كائنا ذلك المعبود ما كان ولا بد أن يتبرأ منه أحوج ما كان إليه # والنوع الثاني محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث فيحبها محبة شهوة كمحبة الجائع للطعام ~~والظمآن للماء فهذه المحبة ثلاثة أنواع فإن أحبها لله توصلا بها إليه ~~واستعانة على مرضاته وطاعته أثيب عليها وكانت من قسم الحب لله توصلا بها ~~إليه ويلتذ بالتمتع بها وهذا حاله أكمل الخلق الذي حبب إليه من الدنيا ~~النساء والطيب وكانت محبته لهما عونا له على محبة الله وتبليغ رسالته ~~والقيام بأمره وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته ولم يؤثرها على ما ~~يحبه الله ويرضاه بل نالها بحكم الميل الطبيعي كانت من قسم المباحات ولم ~~يعاقب على ذلك ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه وإن كانت هي مقصودة ~~ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه منه ~~كان ظالما لنفسه متبعا لهواه # فالأولى محبة السابقين # والثانية محبة المقتصدين # والثالثة محبة الظالمين # فتأمل هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق فإنه معترك النفس الأمارة ~~والمطمئنة والمهدي من هداه الله ### | فصل والفرق بين التوكل والعجز أن التوكل عمل القلب وعبوديته اعتمادا # على الله وثقة به والتجاء إليه وتفويضا إليه ورضا بما يقضيه له لعلمه ~~بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور ~~بها واجتهاده في تحصيلها فقد كان رسول الله # PageV01P254 # أعظم المتوكلين وكان يلبس لامته ودرعه بل ظاهر يوم أحد بين درعين واختفى ~~في الغار ثلاثا ms296 فكان متوكلا في السبب لا على السبب # وأما العجز فهو تعطيل الأمرين أو أحدهما فإما أن يعطل السبب عجزا منه ~~ويزعم أن ذلك توكل ولعمر الله إنه لعجز وتفريط وإما أن يقوم بالسبب ناظرا ~~إليه معتمدا عليه غافلا عن المسبب معرضا عنه وإن خطر بباله لم يثبت معه ذلك ~~الخاطر ولم يعلق قلبه به تعلقا تاما بحيث يكون قلبه مع الله وبدنه مع السبب ~~فهذا توكله عجز وعجزه توكل # وهذا موضع انقسم فيه الناس طرفين ووسطا فأحد الطرفين عطل الأسباب محافظة ~~على التوكل # والثاني عطل التوكل محافظة على السبب والوسط علم أن حقيقة التوكل لا يتم ~~إلا بالقيام بالسبب فتوكل على الله في نفس السبب وأما من عطل السبب وزعم ~~أنه متوكل فهو مغرور مخدوع متمن كمن عطل النكاح والتسري وتوكل في حصول ~~الولد وعطل الحرث والبذر وتوكل في حصول الزرع وعطل الأكل والشرب وتوكل في ~~حصول الشبع والري فالتوكل نظير الرجاء والعجز نظير التمني فحقيقة التوكل أن ~~يتخذ العبد ربه وكيلا له قد فوض إليه كما يفوض الموكل إلى وكيله للعالم ~~بكفايته نهضته ونصحه وأمانته وخبرته وحسن اختياره والرب سبحانه قد أمر عبده ~~بالاحتيال وتوكل له أن يستخرج له من حيلته ما يصلحه فأمره أن يحرث ويبذر ~~ويسعى ويطلب رزقه في ضمان ذلك كما قدره سبحانه ودبره واقتضته حكمته وأمره ~~أن لا يعلق قلبه بغيره بل يجعل رجاءه له وخوفه منه وثقته به وتوكله عليه ~~واخبره أنه سبحانه الملي بالوكالة الوفي بالكفالة فالعاجز من رمي هذا كله ~~وراء ظهره وقعد كسلان طالبا للراحة مؤثرا للدعة يقول الرزق يطلب صاحبه كما ~~يطلبه أجله وسيأتيني ما قدر لي على ضعفي ولن أنال ما لم يقدر لي مع قوتي ~~ولو أنى هربت من رزقي كما أهرب من الموت للحقني فيقال له نعم هذا كله حق ~~وقد علمت أن الرزق مقدر فما يدريك كيف قدر لك بسعيك أم بسعي غيرك وإذا كان ~~بسعيك فبأي سبب ومن أي وجه وإذا خفي عليك هذا كله ms297 فمن أين علمت انه يقدر لك ~~إتيانه عفوا بلا سعي ولا كد فكم من شيء سعيت فيه فقدر لغيرك وكم من شيء سعى ~~فيه غيرك فقدر لك رزقا فإذا رأيت هذا عيانا فكيف علمت أن رزقك كله بسعي ~~غيرك وأيضا فهذا الذي أوردته عليك النفس يجب عليك طرده في جميع الأسباب مع ~~مسبباتها حتى في أسباب دخول الجنة والنجاة من النار فهل تعطلها اعتمادا على ~~التوكل أم تقوم بها مع التوكل بل لن تخلو الأرض من متوكل صبر نفسه لله وملأ ~~قلبه من الثقة به ورجائه وحسن الظن به فضاق قلبه مع ذلك عن مباشرة بعض ~~الأسباب فسكن قلبه إلى الله واطمأن # PageV01P255 # إليه ووثق به وكان هذا من أقوى أسباب حصول رزقه فلم يعطل السبب وإنما رغب ~~عن سبب إلى سبب أقوى منه فكان توكله أوثق الأسباب عنده فكان اشتغال قلبه ~~بالله وسكونه إليه وتضرعه إليه أحب إليه من اشتغاله بسبب يمنعه من ذلك أو ~~من كماله فلم يتسع قلبه للأمرين فأعرض أحدهما إلى الآخر ولا ريب ان هذا ~~أكمل حالا ممن امتلأ قلبه بالسبب واشتغل به عن ربه وأكمل منهما من جمع ~~الأمرين وهي حال الرسل والصحابة فقد كان زكريا نجارا وقد أمر الله نوحا أن ~~يصنع السفينة ولم يكن في الصحابة من يعطل السبب اعتمادا على التوكل بل ~~كانوا أقوم الناس بالأمرين ألا ترى أنهم بذلوا جهدهم في محاربة أعداء الدين ~~بأيديهم وألسنتهم وقاموا في ذلك بحقيقة التوكل وعمروا أموالهم وأصلحوها ~~وأعدوا لأهليهم كفايتهم من القوت بسيد المتوكلين صلوات الله وسلامه عليه ~~وآله ### | فصل والفرق بين الاحتياط والوسوسة ان الاحتياط الاستقصاء والمبالغة في # اتباع السنة وما كان عليه رسول الله وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا ~~تقصير ولا تفريط فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله وأما الوسوسة فهي ~~ابتداع ما لم تأت به السنة ولم يفعله رسول الله ولا أحد من الصحابة زاعما ~~أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في ~~الوضوء ms298 فوق الثلاثة فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله وصرح بالتلفظ بنية ~~الصلاة مرارا أو مرة واحدة ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطا ويرغب ~~عن الصلاة في نعله احتياطا إلى أضعاف أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينا ~~وزعموا أنه احتياط وقد كان الاحتياط باتباع هدى رسول الله وما كان عليه ~~أولى بهم فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط وعدل عن سواء ~~الصراط والاحتياط كل الاحتياط الخروج عن خلاف السنة ولو خالفت أكثر أهل ~~الأرض بل كلهم ### | فصل والفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان من وجوه منها أن ما كان # لله موافقا لمرضاته وما جاء به رسوله فهو من الملك وما كان لغيره غير ~~موافق لمرضاته فهو من إلقاء الشيطان ومنها أن ما أثمر إقبالا على الله ~~وإنابة إليه وذكرا له وهمة صاعدة إليه فهو من إلقاء الملك وما أثمر ضد ذلك ~~فهو من إلقاء الشيطان ومنها أن ما أورث أنسا ونورا في القلب وانشراحا في ~~الصدر فهو من الملك وما أورث ضد ذلك فهو من الشيطان ومنها أن ما أورث # PageV01P256 # سكينة وطمأنينة فهو من الملك وما أورث قلقا وإنزعاجا واضطرابا فهو من ~~الشيطان فالإلهام الملكي يكثر في القلوب الطاهرة النقية التي قد استنارت ~~بنور الله فللملك بها اتصال وبينه وبينها مناسبة فإنه طيب طاهر لا يجاور ~~إلا قلبا يناسبه فتكون لمة الملك بهذا القلب أكثر من لمة الشيطان وأما ~~القلب المظلم الذي قد اسود بدخان الشهوات والشبهات فإلقاء الشيطان ولمة به ~~أكثر من لمة الملك ### | فصل والفرق بين الاقتصاد والتقصير أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي # الإفراط والتفريط وله طرفان هما ضدان له تقصير ومجاوزة فالمقتصد قد أخذ ~~بالوسط وعدل عن الطرفين قال تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما وقال تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل ~~البسط وقال تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا والدين كله بين هذين الطرفين بل ~~الإسلام قصد بين الملل والسنة قصد بين ms299 البدع ودين الله بين الغالي فيه ~~والجافي عنه وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر والغلو مجاوزته ~~وتعديه وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان فأما إلى غلو ومجاوزة ~~وغما إلى تفريط وتقصير وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل ~~إلا من مشى خلق رسول الله وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به لا من ترك ~~ما جاء به لأقوالهم وآرائهم وهذا أن المرضان الخطران قد استوليا على أكثر ~~بني آدم ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير وخوفوا من بلى بأحدهما بالهلاك ~~وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو الحال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في ~~بعض دينه غالبا متجاوزا في بعضه والمهدي من هداه الله ### | فصل والفرق بين النصيحة والتأنيب أن النصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة # الرحمة له والشفقة عليه والغيرة له وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ~~ورقة ومراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى خلقه فيتلطف في بذلها ~~غاية التلطف ويحتمل أذى المنصوح ولائمته ويعامله معاملة الطبيب العالم ~~المشفق المريض المشبع مرضا وهو يحتمل سوء خلقه وشراسته ونفرته ويتلطف في ~~وصول الدواء إليه بكل ممكن فهذا شأن الناصح # وأما المؤنب فهو رجل قصده التعبير والإهانة وذم من أنبه وشتمه في صورة ~~النصح فهو يقول له يا فاعل كذا وكذا يا مستحقا الذم والإهانة في صورة ناصح ~~مشفق وعلامة هذا أنه # PageV01P257 # لو رأى من يحبه ويحسن إليه على مثل عمل هذا أو شر منه لم يعرض له ولم يقل ~~له شيئا ويطلب له وجوه المعاذير فإن غلب قال وإني ضمنت له العصمة والإنسان ~~عرضه للخطأ ومحاسنه أكثر من مساويه والله غفور رحيم ونحو ذلك فيا عجبا كيف ~~كان هذا المن يحبه دون من يبغضه وكيف كان ذلك منك التأنيب في صورة النصح ~~وحظ هذا منك رجاء العفو والمغفرة وطلب وجوه المعاذير # ومن الفروق بين الناصح والمؤنب أن الناصح لا يعاديك إذا لم تقبل نصيحته ~~وقال قد وقع أجرى على الله قبلت ms300 أو لم تقبل ويدعو لك بظهر الغيب ولا يذكر ~~عيوبك ولا يبينها في الناس والمؤنب بعد ذلك ### | فصل والفرق بين بالمبادرة والعجلة أن المبادرة انتهاز الفرصة في وقتها # ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها فهو لا يطلب الأمور في أدبارها ولا قبل ~~وقتها بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته فهو ~~بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضلها وإدراكها # والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ ~~الثمرة قبل أوان إدراكها كلها فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين أحدهما ~~التفريط والإضاعة والثاني الاستعجال قبل الوقت ولهذا كانت العجلة من ~~الشيطان فإنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم ~~وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها وتجلب عليه أنواعا من الشرور وتمنعه ~~أنواعا من الخير وهي قرين الندامة فقل من استعجل إلا ندم كما أن الكسل قرين ~~الفوت والإضاعة ### | فصل والفرق بين الأخبار بالحال وبين الشكوى وإن اشتبهت صورتهما ان # الأخبار بالحال يقصد المخبر به قصدا صحيحا من علم سبب إدانته أو الاعتذار ~~لأخيه من أمر طلبه منه أو يحذره من الوقوع في مثل ما وقع فيه فيكون ناصحا ~~بإخباره له أو حمله على الصبر بالتأسي به كما يذكر عن الأحنف أنه شكا إليه ~~رجل شكوى فقال يا ابن أخي لقد ذهب ضوء عيني من كذا وكذا سنة فما أعلمت به ~~أحدا ففي ضمن هذا الأخبار من حمل الشاكي على التأسي والصبر ما يثاب عليه ~~المخبر وصورته صورة الشكوى ولكن القصد ميز بينهما ولعل من هذا قول النبي ~~لما قالت عائشة وارأساه فقال بل أنا وارأساه أي الوجع القوي بي # PageV01P258 # أنا دونك فتأسى بي فلا تشتكي ويلوح لي فيه معنى آخر وهو أنها كانت حبيبة ~~رسول الله بل كانت أحب النساء إليه على الإطلاق فلما اشتكت إليه رأسها ~~أخبرها أن بمحبها من الألم مثل الذي بها وهذا غاية الموافقة من المحب ~~ومحبوبه يتألم بتألمه ويسر بسروره حتى ms301 إذا آلمه عضو من أعضائه آلم المحب ~~ذلك العضو بعينه وهذا من صدق المحبة وصفاء المودة فالمعنى الأول يفهم أنك ~~لا تشتكي واصبري فبي من الموجع مثل ما بك فتأسى بي في الصبر وعدم الشكوى ~~والمعنى الثاني يفهم إعلامها بصدق محبته لها أي انظري قوة محبتي لك كيف ~~واسيتك في ألمك ووجع رأسك فلم تكوني متوجعة وأنا سليم من الوجع بل يؤلمني ~~ما يؤلمك كما يسرني ما يسرك كما قيل # وإن أولى البرايا ان تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن # وأما الشكوى فالأخبار العاري عند القصد الصحيح بل يكون مصدره السخط ~~وشكاية المبتلي إلى غيره فإن شكا إليه سبحانه وتعالى لم يكن ذلك شكوى بل ~~استعطاف وتملق واسترحام له كقول أيوب ربي أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ~~وقول يعقوب إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وقول موسى اللهم لك الحمد وإليك ~~المشتكي وأنت المستعان وبك المستعاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ~~وقول سيد ولد آدم اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ~~أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ~~ملكته أمري إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ ~~بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل على ~~غضبك أو ينزل بي سخطك لك العتبي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك فالشكوى ~~إلى الله سبحانه لا تنافي الصبر بوجه فإن الله تعالى قال عن أيوب إنا ~~وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب مع إخباره عنه بالشكوى إليه في قوله مسني ~~الضر وأخبر عن نبيه يعقوب أنه وعد من نفسه بالصبر الجميل والنبي إذا قال ~~وفي مع قوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ولم يجعل ذلك نقصا لصبره ولا ~~يلتفت إلى غير هذا من ترهات القوم كما قال بعضهم لما قال مسني الضر قال ~~تعالى إنا وجدناه صابرا ولم يقل صبورا حيث ms302 قال مسني الضر وقال بعضهم لم يقل ~~ارحمني وإنما قال أنت أرحم الراحمين فلم يزد على الأخبار بحاله ووصف ربه ~~وقال بعضهم إنما شكا مس الضر حين ضعف لسانه عن الذكر فشكا مس ضر ضعف الذكر ~~لا ضر المرض والألم وقال بعضهم استخرج منه هذا القول ليكون قدوة للضعفاء من ~~هذه الأمة وكأن هذا القائل رأى أن الشكوى إلى الله تنافي الصبر وغلط أقبح ~~الغلط فالمنافي للصبر شكواه لا الشكوى إليه فالله يبتلي عبده ليسمع تضرعه ~~ودعاءه والشكوى إليه ولا يحب التجلد عليه # PageV01P259 # وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه وتذلله له وإظهار ضعفه وفاقته ~~وعجزه وقلة صبره فاحذر كل الحذر من إظهار التجلد عليه وعليك بالتضرع ~~والتمسكن وإبداء العجز والفاقة والذل والضعف فرحمته اقرب إلى هذا القلب من ~~اليد للفم ### | فصل وهذا باب من الفروق مطول ولعل إن ساعد القدر أن نفرد فيه # كتابا كبيرا وإنما نبهنا بما ذكرنا على أصوله واللبيب يكتفي ببعض ذلك ~~والدين كله فرق وكتاب الله فرقان ومحمد فرق بين الناس ومن اتقى الله جعل له ~~فرقانا يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وسمى يوم بدر ~~يوم الفرقان لأنه فرق بين أولياء الله وأعدائه فالهدى كله فرقان والضلال ~~أصله الجمع كما جمع المشركون بين عبادة الله وعبادة الأوثان ومحبته ومحبة ~~الأوثان وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه فجعلوا الأمر واحد ~~واستدلوا بقضائه وقدره على محبته ورضاه وجمعوا بين الربا والبيع فقالوا ~~إنما البيع مثل الربا وجمعوا بين المذكي والميتة وقالوا كيف نأكل ما قتلنا ~~ولا نأكل ما قتل الله وجمع المنسلخون عن الشرائع بين الحلال والحرام فقالوا ~~هذه المرأة خلقها الله وهذه خلقها وهذا الحيوان خلقه وهذا خلقه فكيف يحل ~~هذا ويحرم هذا وجمعوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وجاءت طائفة ~~الاتحادية فطموا الوادي على القرى وجمعوا الكل في ذات واحدة وقالوا هي الله ~~الذي لا إله إلا هو وقال صاحب فصوصهم وواضع نصوصهم واعلم أن الأمر قرآنا ms303 لا ~~فرقانا # ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من مدح ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشراع بالحكم # والمقصود أن أرباب البصائر هم أصحاب الفرقان فأعظم الناس فرقانا بين ~~المشتبهات أعظم الناس بصيرة والتشابه يقع في الأقوال والأعمال والأحوال ~~والأموال والرجال وإنما أتى أكثر أهل العلم من المتشابهات في ذلك كله ولا ~~يحصل الفرقان إلا بنور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده يرى في ضوئه ~~حقائق الأمور ويميز بين حقها وباطلها وصحيحها وسقيمها ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور ولا تستطل هذا الفصل فلعله من أنفع فصول الكتاب والحاجة ~~إليه شديدة فإن رزقك الله فيه بصيرة خرجت منه إلى فرقان أعظم منه وهو الفرق ~~بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه أهل ~~التعطيل والفرق بين إثبات الصفات والعلو والتكلم والتكليم حقيقة وبين ~~التشبيه والتمثيل والفرق بين تجريد # PageV01P260 # التوحيد العملي الإرادي وبين هضم أرباب المراتب مراتبهم التي أنزلهم الله ~~إياها والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وبين إهدار أقوال العلماء وإلغائها ~~وعدم الالتفات إليها والفرق بين تقليد العالم وبين الاستضاءة بنور علمه ~~والاستعانة بفهمه والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان والفرق بين ~~الحال الإيماني الرحماني والحال الشيطاني الكفرى والحال النفساني والفرق ~~بين الحكم المنزل الواجب الاتباع على كل واحد والحكم المؤول الذي نهايته أن ~~يكون جائز الإتباع عند الضرورة ولا درك على مخالفه ### | فصل ونحن نختم الكتاب بإشارة لطيفة إلى الفروق بين هذه الأمور إذ كل # فرق منها يستدعي بسطه كتابا كبيرا فالفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد ~~المعطلين أن توحيد الرسل إثبات صفات الكمال لله على وجه التفصيل وعبادته ~~وحده لا شريك له فلا يجعل له ندا في قصد ولا حب ولا خوف ولا رجاء ولا لفظ ~~ولا حلف ولا نذر بل يرفع العبد الانداد له من قلبه وقصده ولسانه وعبادته ~~كما أنها معدومة في نفس الأمر لا وجود لها البتة فلا يجعل لها وجودا في ~~قلبه ولسانه # وأما توحيد المعطلين ms304 فنفى حقائق أسمائه وصفاته وتعطليها ومن أمكنة منهم ~~تعطليها من لسانه عطلها فلا يذكرها ولا يذكر آية تتضمنها ولا حديثا يصرح ~~بشيء منها ومن لم يمكنه تعطيل ذكرها سطا عليها بالتحريف ونفى حقيقتها ~~وجعلها اسما فارغا لا معنى له أو معناه من جنس الألغاز والأحاجي على أن من ~~طرد تعطيله منهم على أنه يلزمه في ما حرف إليه النص من المعنى نظير ما فر ~~منه سواء فإن لزم تمثيل أو تشبيه أو حدوث في الحقيقة لزم في المعنى الذي ~~حمل عليه النص وإن لا يلزم في هذا فهو أولى أن لا يلزم في الحقيقة فلما علم ~~هذا لم يمكنه إلا تعطيل الجميع فهذا طرد لأصل التعطيل والفرق اقرب منه ~~ولكنه مناقض يتحكم بالباطل حيث أثبت لله بعض ما أثبته لنفسه ونفى عنه البعض ~~الآخر واللازم الباطل فيهما واحد واللازم الحق لا يفرق بينهما # والمقصود أنهم سموا هذا التعطيل توحيدا وإنما هو إلحاد في أسماء الرب ~~تعالى وصفاته وتعطيل لحقائقها ### | فصل والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه المعطلة أن الرسل نزهوه سبحانه عن # النقائض والعيوب التي نزه نفسه عنها وهي المنافية لكماله وكمال ربوبيته ~~وعظمته كالسنة والنوم والغفلة والموت # PageV01P261 # واللغوب والظلم وإرادته والتسمي به والشريك والصاحبة والظهير والولد ~~والشفيع بدون إذنه وأن يترك عباده سدى هملا وأن يكون خلقهم عبثا وأن يكون ~~خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا لا لثواب ولا عقاب ولا أمر ولا نهى ~~وأن يسوى بين أوليائه وأعدائه وبين الأبرار والفجار وبين الكفار والمؤمنين ~~وأن يكون في ملكه مالا يشاء أن يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه وأن يكون ~~لغيره معه من الأمر شيء وأن يعرض له غفلة أو سهو أو نسيان وأن يخلف وعده أو ~~تبدل كلماته أو يضاف إليه الشر اسما أو وصفا أو فعلا بل أسماءه كلها حسنى ~~وصفاته كلها كمال وأفعاله كلها خير وحكمة ومصلحة فهذا تنزيه الرسل لربهم # وأما المعطلون فنزهوه عما وصف به نفسه من الكمال فنزهوه عن أن يتكلم أو ~~يكلم أحدا ms305 ونزهوه عن استوائه على عرشه وأن ترفع إليه الأيدي وأن يصعد إليه ~~الكلم الطيب وأن ينزل من عنده شيء أو تعرج إليه الملائكة والروح وأن يكون ~~فوق عباده وفوق جميع مخلوقاته عاليا عليها ونزهوه أن يقبض السموات بيده ~~والأرض باليد الأخرى وان يمسك السموات على إصبع والأرض على إصبع والجبال ~~على إصبع والشجر على إصبع ونزهوه أن يكون له وجه وأن يراه المؤمنون ~~بأبصارهم في الجنة وأن يكلمهم ويسلم عليهم ويتجلى لهم ضاحكا وأن ينزل كل ~~ليلة إلى السماء الدنيا فيقول من يستغفرني فأغفر له من يسألني فأعطيه فلا ~~نزول عندهم ولا قول ونزهوه أن يفعل شيئا لشيء بل أفعاله لا لحكمة ولا لغرض ~~مقصود ونزهوه أن يكون تام المشيئة نافذ الإرادة بل يشاء الشيء ويشاء عباده ~~خلافه فيكون ما شاء العبد دون ما شاء الرب ولا يشاء الشىء فيكون مالا يشاء ~~ويشاء مالا يكون وسموا هذا عدلا كما سموا ذلك النزيه توحيدا ونزهوه عن أن ~~يحب أو يحب ونزهوه عن الرأفة والرحمة والغضب والرضا ونزهة آخرون عن السمع ~~والبصر وآخرون عن العلم ونزهه آخرون عن الوجود فقالوا الذي فر إليه هؤلاء ~~المنزهون من التشبيه والتمثيل يلزمنا في الوجود يلزمنا في الوجود فيجب ~~علينا أن ننزهه عنه فهذا تنزيه الملحدين والأول تنزيه المرسلين ### | فصل الفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل يما # قاله الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الهدى أن التشبيه والتمثيل أن تقول ~~يد كيدي أو سمع كسمعي أو بصر كبصري ونحو ذلك وأما إذا قلت سمع وبصر ويد ~~ووجه واستواء لا يماثل شيئا من صفات المخلوقين بل بين الصفة والصفة من ~~الفرق كما بين الموصوف والموصوف فأي تمثيل ههنا وأي تشبيه لولا تلبيس ~~الملحدين فمدار الحق الذي اتفقت عليه الرسل على أن يوصف الله بما وصف # PageV01P262 # به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا ~~تمثيل إثبات الصفات ونفى مشابهه المخلوقات فمن شبه الله بخلقه فقد كفر ومن ~~جحد ms306 حقائق ما وصف الله به نفسه فقد كفر ومن أثبت له حقائق الأسماء والصفات ~~ونفى عنه مشابهة المخلوقات فقد هدى إلى صراط مستقيم ### | فصل والفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب أن تجريد # التوحيد أن لا يعطى المخلوق شيئا من حق الخالق وخصائصه فلا يعبد ولا يصلى ~~له ولا يسجد ولا يحلف باسمه ولا ينذر له ولا يتوكل عليه ولا يؤله ولا يقسم ~~به على الله ولا يعبد ليتقرب إلى الله زلفى ولا يساوي برب العالمين في قول ~~القائل ما شاء الله وشئت وهذا منك ومن الله وأنا بالله وبك وأنا متوكل على ~~الله وعليك والله لي في السماء وأنت في الأرض وهذا من صدقاتك وصدقات الله ~~وأنا تائب إلى الله وإليك وأنا في حسب الله وحسبك فيسجد للمخلوق كما يسجد ~~المشركون لشيوخهم يحلق رأسه له ويحلف باسمه وينذر له ويسجد لقبره بعد موته ~~ويستغيث به في حوائجه ومهماته ويرضيه بسخط الله ولا يسخطه في رضا الله ~~ويتقرب إليه أعظم مما يتقرب إلى الله ويحبه ويخافه ويرجوه أكثر مما يحب ~~الله ويخافه ويرجوه أو يساويه فإذا هضم المخلوق خصائص الربوبية وأنزله ~~منزلة العبد المحض الذي لا يملك لنفسه فضلا عن غيره ضرا ولا نفعا ولا موتا ~~ولا حياة ولا نشورا لم يكن هذا تنقصا له ولا حطا من مرتبته ولو رغم ~~المشركون وقد صح عن سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه أنه قال لو تطروني ~~كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وقال أيها ~~الناس ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي وقال لا تتخذوا قبري عيدا وقال اللهم ~~لا تجعل قبري وثنا يعبد وقال لا تقولوا ما شاء الله وشاء وقال له رجل ما ~~شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا وقال له رجل قد أذنب اللهم إني أتوب ~~إليك ولا أتوب إلى محمد فقال عرف الحق لأهله وقد قال الله له ليس لك من ~~الأمر شيء وقال قل إن الأمر كله لله ms307 وقال قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ~~إلا ما شاء الله وقال قل إني لا املك لنفسي ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني ~~من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا أي لن أجد من دونه من ألتجىء إليه ~~واعتمد عليه وقال لا بنته فاطمة وعمه العباس وعمته صفية لا أملك لكم من ~~الله شيئا وفي لفظ في الصحيح لا أغني عنكم من الله شيئا فعظم ذلك على ~~المشركين بشيوخهم وآلهتهم وأبوا ذلك كله وادعوا لشيوخهم ومعبوديهم خلاف هذا ~~كله وزعموا أن من سلبهم ذلك فقد هضمهم مراتبهم وتنقصهم وقد هضموا جانب ~~الإلهية # PageV01P263 # غاية الهضم وتنقصوه فلهم نصيب وافر من قوله تعالى وإذا ذكر الله وحده ~~اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم ~~يستبشرون ### | فصل والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها # أن تجريد المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنا من ~~كان بل تنظر في صحة الحديث أولا فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا فإذا تبين ~~لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق المغرب ومعاذ الله أن تتفق الأمة ~~على مخالفة ما جاء به نبيها بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم ~~تعلمه فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله بل أذهب إلى النص ولا ~~تضعف واعلم أنه قد قال به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك هذا مع حفظ مراتب ~~العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه ~~فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص ~~وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة انه اعلم بها منك فإن كان كذلك فمن ذهب ~~إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقا فمن عرض أقوال العلماء على ~~النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم ~~جانبهم بل اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا ms308 بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا ~~به لا من خالفهم فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم ~~في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم ومن ~~هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه ~~والاستضاءة بنور علمه فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من ~~الكتاب والسنة بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به ولذلك سمى ~~تقليدا بخلاف ما استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول ~~صلوات الله وسلامه عليه فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول فإذا ~~وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة ~~فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى قال الشافعي اجمع الناس على ~~أن من استبانت له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد ### | فصل والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان أن أولياء الرحمن # لا خوف عليهم ولاهم يحزنون {هم} الذين آمنوا وكانوا يتقون وهم المذكورون ~~في أول سورة البقرة إلى قوله هم المفلحون وفي وسطها في قوله ولكن البر من ~~آمن بالله واليوم الآخر إلى قوله # PageV01P264 # أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون وفي أول الأنفال إلى قوله لهم درجات ~~عند ربهم ومغفرة ورزق كريم وفي أول سورة المؤمنين إلى قوله هم فيها خالدون ~~وفي آخر سورة الفرقان وفي قوله إن المسلمين والمسلمات إلى آخر الآية وفي ~~قوله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون وفي قوله ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ~~وفي قوله إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون إلى قوله في جنات مكرمون ~~وفي قوله التائبون العابدون الحامدون إلى آخر الآية # فأولياء الرحمن هم المخلصون لربهم المحكمون لرسوله في الحرم والحل الذين ~~يخالفون غيره لسنته ولا يخالفون سنته لغيرها فلا يبتدعون ولا يدعون إلى ~~بدعة ولا يتحيزون إلى فئة غير الله ms309 ورسوله وأصحابه ولا يتخذون دينهم لهوا ~~ولعبا ولا يستحبون سماع الشيطان على سماع القرآن ولا يؤثرون صحبة الأفتان ~~على مرضاة الرحمن ولا المعازف والمثاني على السبع المثاني # برئنا إلى الله من معشر ... بهم مرض مورد للضنا # وكم قلت يا قوم انتم على ... شفا جرف من سماع الغنا # فلما استهانوا بتنبيهنا ... تركنا غويا وما قد جنا # وهل يستجيب لداعي الهدى ... غوى اصار الغنا ديدنا # فعشنا على ملة المصطفى ... وماتوا على تأتنا تنتنا # ولا يشتبه أولياء الرحمن بأولياء الشيطان إلا على فاقد البصيرة والإيمان ~~وأنى يكون المعرضون عن كتابه وهدى ورسوله وسنته المخالفون له إلى غيره ~~أولياءه وقد ضربوا لمخالفته جاشا وعدلوا عن هدى نبيه وطريقته وما كانوا ~~أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون # فأولياء الرحمن المتلبسون بما يحبه وليهم الداعون إليه المحاربون لمن خرج ~~عنه وأولياء الشيطان المتلبسون بما يحبه وليهم قولا وعملا يدعون إليه ~~ويحاربون من نهاهم عنه فإذا رأيت الرجل يحب السماع الشيطاني ومؤذن الشيطان ~~وإخوان الشياطين ويدعو إلى ما يبحه الشيطان من الشرك والبدع والفجور علمت ~~أنه من أولياءه فإن اشتبه عليك فاكشفه في ثلاثة مواطن في صلاته ومحبته ~~للسنة وأهلها ونفرته عنهم ودعوته إلى الله ورسله وتجريد التوحيد والمتابعة ~~وتحكيم السنة فزنه بذلك لا تزنه يحال ولا كشف ولا خارق ولو مشى على الماء ~~وطار في الهواء # PageV01P265 ### | فصل وبهذا يعلم الفرق بين الحال الإيماني والحال الشيطاني فإن الحال # الإيماني ثمرة المتابعة للرسول والإخلاص في العمل وتجريد التوحيد ونتيجته ~~منفعة المسلمين في دينهم ودنياهم وهو إنما يصح بالاستقامة على السنة ~~والوقوف مع الأمر والنهي # والحال الشيطاني نسبته أما شرك أو فجور وهو ينشأ من قرب الشياطين ~~والاتصال بهم ومشابهتهم وهذا الحال يكون لعباد الأصنام والصلبان والنيران ~~والشيطان فإن صاحبه لما عبد الشيطان خلع عليه حالا يصطاد به ضعفاء العقول ~~والإيمان ولا إله إلا الله كم هلك بهؤلاء من الخلق ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فكل حال خرج صاحبه عن حكم الكتاب ms310 وما جاء به ~~الرسول فهو شيطاني كائنا ما كان وقد سمعت بأحوال السحرة وعباد النار وعباد ~~الصليب وكثير ممن ينتسب إلى الإسلام ظاهرا وهو بريء منه في الباطن له نصيب ~~من هذا الحال بحسب موالاته للشيطان ومعاداته للرحمن وقد يكون الرجل صادقا ~~ولكن يكون ملبوسا عليه بجهله فيكون حاله شيطانيا مع زهد وعبادة وإخلاص لكن ~~لبس عليه الأمر لقلة علمه بأمور الشياطين والملائكة وجهله بحقائق الإيمان ~~وقد حكى هؤلاء وهؤلاء من ليس منهم بل هو متشبه صاحب مخاييل ومخاريق ووقع ~~الناس في البلاء بسبب عدم التمييز بين هؤلاء وهؤلاء فحسبوا كل سوداء تمرة ~~وكل بيضاء شحمة والفرقان اعز ما في هذا العالم وهو نور يقذفه الله في القلب ~~يفرق به بين الحق والباطل ويزن به حقائق الأمور خيرها وشرها وصالحها ~~وفاسدها فمن عدم الفرقان وقع ولا بد في إشراك الشيطان فالله المستعان وعليه ~~التكلان ### | فصل والفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع والحكم المؤول الذي غايته # ان يكون جائز الاتباع أن الحكم المنزل هو الذي أنزله الله على رسوله وحكم ~~به بين عباده وهو حكمه الذي لا حكم له سواه # وأما الحكم المؤول فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها ولا ~~يكفر ولا يفسق من خالفها فإن أصحابها لم يقولوا هذا حكم الله ورسوله بل ~~قالوا اجتهدنا برأينا فمن شاء قبله ومن شاء لم يقبله ولم يلزموا به الأمة ~~بل قال أبو حنيفة هذا رأي فمن جاءني بخير منه قبلناه ولو كان هو عين حكم ~~الله لما ساغ لأبى يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه وكذلك مالك استشاره ~~الرشيد أن يحمل الناس على ما في الموطأ فمنعه من ذلك وقال قد تفرق أصحاب ~~رسول الله # PageV01P266 # في البلاد وصار عند كل قوم علم غير ما عند الآخرين وهذا الشافعي ينهى ~~أصحابه عن تقليده ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه وهذا الإمام ~~أحمد ينكر على من كتب فتاواه ودونها ويقول لا تقلدني ولا تقلد فلانا ولا ~~فلانا وخذ من حيث أخذوا ولو ms311 علموا رضي الله عنهم أن أقوالهم يجب اتباعها ~~لحرموا على أصحابهم مخالفتهم ولما ساغ لأصحابهم أن يفتوا بخلافهم في شيء ~~ولما كان أحدهم يقول القول ثم يفتي بخلافه فيروي عنه في المسألة القولان ~~والثلاثة وأكثر من ذلك فالرأي والاجتهاد أحس أحواله أن يسوغ اتباعه والحكم ~~المنزل لا يحل لمسلم أن يخالفه ولا يخرج عنه # وأما الحكم المبدل وهو الحكم بغير ما أنزل الله فلا يحل تنفيذه ولا العمل ~~به ولا يسوغ اتباعه وصاحبه بين الكفر والفسوق والظلم # والمقصود التنبيه على بعض أحوال النفس المطمئنة واللوامة والأمارة وما ~~تشترك فيه النفوس الثلاثة وما يتميز به بعضها من بعض وأفعال كل واحدة منها ~~واختلافها ومقاصدها ونياتها وفي ذلك تنبيه على ما وراءه وهي نفس واحدة تكون ~~أمارة تارة ولوامة أخرى ومطمئنة أخرى وأكثر الناس الغالب عليهم الأمارة ~~وأما المطمئنة فهي اقل النفوس البشرية عددا وأعظمها عند الله قدرا وهي التي ~~يقال لها ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي # والله سبحانه وتعالى المسئول المرجو الإجابة الإجابة أن يجعل نفوسنا ~~مطمئنة إليه عاكفة بهمتها عليه راهبة منه راغبة فيما لديه وان يعيذنا من ~~شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأن لا يجعلنا ممن أغفل قلبه عن ذكره واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا ولا يجعلنا من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا أنه سميع الدعاء وأهل الرجاء ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل تم الكتاب PageV01P267 ms312