######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007661 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الصلاة وأحكام تاركها #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007661 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7661 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7661 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: . #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الثقافة بالمدينة المنورة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | عشرة مسائل تتعلق بالصلاة الأولى ذنب ترك الصلاة أعظم من القتل والزنا # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين ما يقول السادة العلماء الذين وفقهم الله وأرشدهم ~~وهداهم وسددهم في تارك الصلاة عامدا هل يجب قتله أم لا؟ وإذا قتل فهل يقتل ~~كما يقتل المرتد والكافر فلا يغسل ولا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر ~~المسلمين أم يقتل حدا مع الحكم بإسلامه وهل تحبط الأعمال وتبطل بترك الصلام ~~أم لا وهل تقبل صلاة النهار الليل وصلاة الليل بالنهار أم لا وهل تصح صلاة ~~من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا وإذا صحت هل يأثم بترك ~~الجماعة أم لا وهل يشترط حضور المسجد أم يجوز فعلها في البيت وما حكم من ~~نقر الصلاة ولم يتم ركوعها وسجودها وما كان مقدار صلاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وما حقيقة التخفيف الذي نبه عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: "صل ~~بهم صلاة أخفهم" وما معنى قوله لمعاذ: "أفتان أنت"؟. # والمسؤول سياق صلاته صلى الله عليه وسلم من حين كان يكبر إلى ان يفرغ ~~منها سياقا مختصرا كأن السائل يشهده فأرشد الله من دل على سواء السبيل وجمع ~~بين بيان الحكم والدليل وما أخذ الله الميثاق على أهل الجهل أن يتعلموا حتى ~~أخذ الميثاق على أهل العلم أن يعلموا ويبينوا. # أجاب الشيخ الإمام العلامة بقية السلف ناصر السنة وقامع البدعة الشيخ شمس ~~الدين محمد بن أبي بكر الحنبلي المعروف بابن قيم الجوزية رضي الله عنه ~~وأرضاه وجعل جنة الخلد متقلبه ومثواه. # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا إله إلا ~~الله واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ~~وسلم تسليما كثيرا. # PageV01P030 # لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من اعظم الذنوب وأكبر ~~الكبائر وأن اثمه ثم الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال ms001 ومن إثم ~~الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا ~~والآخرة ثم اختلفوا في قتله وفي كيفية قتله وفي كفره. # فأفتى سفيان بن سعيد الثوري وأبو عمرو الأوزاعي وعبد الله بن المبارك ~~وحماد بن زيد ووكيع بن الجراح ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد ~~بن حنبل وإسحاق بن راهويه واصحابهم بأنه يقتل ثم اختلفوا في كيفية قتله ~~فقال جمهورهم يقتل بالسيف ضربا في عنقه وقال بعض الشافعية يضرب بالخشب إلى ~~ان يصلي أو يموت وقال ابن سريج ينخس بالسيف حتى يموت لأنه ابلغ في زجره ~~وأرجى لرجوعه. # والجمهور يحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان في كل ~~شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" وضرب العنق بالسيف أحسن القتلات وأسرعها ~~إزهاقا للنفس وقد سن الله سبحانه في قتل الكفار المرتدين ضرب الأعناق دون ~~النخس بالسيف وإنما شرع في حق الزاني المحصن القتل بالحجارة ليصل الألم إلى ~~جميع بدنه حيث وصلت إليه اللذة بالحرام ولأن تلك القتلة أشنع القتلات ~~والداعي إلى الزنا داع قوي في الطباع فجعلت غلظة في مقابلة قوة الداعي ولأن ~~في تذكيرا لعقوبة الله لقوم الفاء بالرجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة. # "فصل" # وقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وابو حنيفة ~~وداود بن علي والمزاني يحبس حتى يموت أو يتوب ولا يقتل واحتج لهذا المذهب ~~بما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " امرت أن اقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها" رواه البخاري. # وعن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرىء # PageV01P031 # مسلم يشهد أن لا إله الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني ~~والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة". أخرجاه في الصحيحين. # قالوا ولأنها من الشرائع العملية فلا يقتل بتركها كالصيام والزكاة والحج ~~قال الموجبون لقتله قال الله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~واحصروهم واقعدوا ms002 لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم} فأمر بقتلهم حتى يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ومن ~~قال لا يقتل تارك الصلاة يقول متى تاب من شركه سقط عنه القتل وإن لم يقم ~~الصلاة ولا آتى الزكاة وهذا خلاف ظاهر القرآن. # وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال بعث علي ابن أبي طالب رضي الله ~~عنه وهو ظاهرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة فقال ~~رجل يا رسول الله اتق الله فقال: "ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله" ~~ثم ولى الرجل فقال خالد ابن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه فقال: "لا ~~لعله أن يكون يصلي" فقال خالد فكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لم أؤمر ان أنقب عن قلوب الناس ولا أشق ~~بطونهم" فجعل النبي صلى الله عليه وسلم المانع من قتله كونه يصلي فدل على ~~أن من لم يصل يقتل ولهذا قال في الحديث الآخر نهيت عن قتل المصلين أبو داود ~~رقم والطبراني في الكبير مجمع الزوائد وهو يدل على المصلين لم ينهه الله عن ~~قتلهم. # وروى الإمام أحمد والشافعي في مسنديهما مسند الإمام أحمد ومسند الإمام ~~الشافعي رقم من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه ~~أنه اتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فساره يستأذنه في قتل رجل من ~~المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أليس يشهد أن لا إله ~~إلا الله" فقال الأنصاري: بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال: "أليس يشهد ~~أن محمدا رسول الله" قال: بلى ولا شهادة له قال: "أليس يصلي الصلاة" قال: ~~بلى ولا صلاة له قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" فدل على أنه لم ~~ينهه عن قتل من لم يصل. # وفي صحيح مسلم رقم عن ام سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ms003 قال: "إنه ~~يستعمل عليكم أمراء # PageV01P032 # فتعرفون وتنكرون فمن انكر فقد بريء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع" ~~فقالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم فقال: "لا ما صلوا". # وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله". فوجه الاستدلال به من وجهين أحدهما أنه ~~أمر بقتالهم إلى أن يقيموا الصلاة الثاني قوله: "إلا بحقها" والصلاة من ~~أعظم حقها. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة ثم قد حرمت علي دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله". رواه ~~الإمام أحمد المسند وابن خزيمة في صحيحه رقم فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه ~~امر بقتالهم إلى أن يقيموا الصلاة وأن دماءهم وأموالهم إنما تحرم بعد ~~الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فدماؤهم وأموالهم قبل بل هي مباحة. # وعن أنس بن مالك قال لما توفي رسول الله ارتد العرب فقال عمر يا أبا بكر ~~كيف تقاتل العرب فقال أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". رواه النسائي وهو حديث صحيح. # وتقييد هذه الأحاديث يبين مقتضى الحديث المطلق الذي احتجوا به على ترك ~~القتل مع أنه حجة عليهم فإنه لم يثبت العصمة للدم والمال إلا بحق الإسلام ~~والصلاة آكد حقوقه على الاطلاق. # وأما حديث ابن مسعود وهو لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث البخاري ~~رقم مسلم رقم فهو حجة لنا في المسألة فإنه جعل منهم "التارك لدينه" والصلاة ~~ركن الدين الأعظم ولا سيما إن قلنا بأنه كافر فقد ترك الدين بالكلية وإن ms004 لم ~~يكفر فقد ترك عمود الدين. # قال الإمام أحمد وقد جاء في الحديث لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة # PageV01P033 # راجع طبقات الحنابلة وقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق إن أهم ~~أموركم عندي الصلاة فمن حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ولاحظ ~~في الإسلام لمن ترك الصلاة. # قال فكل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام مستهين به وإنما ~~حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ورغبتهم في الإسلام على القادر ~~رغبتهم في الصلاة فاعرف نفسك يا عبد الله واحذر أن تلقي الله ولا قدر ~~للإسلام عندك فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك. # وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصلاة عمود ~~الدين" المقاصد الحسنة رقم ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط ~~ولم ينتفع بالطنب ولا بالأوتاد وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنب ~~والأوتاد وكذلك الصلاة من الإسلام. # وجاء في الحديث "إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن ~~تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله وإن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عمله" ~~مجمع الزوائد فصلاتنا آخر ديننا وهي أول ما نسأل عنه غدا من اعمالنا يوم ~~القيامة فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين إذا صارت الصلاة آخر ما يذهب ~~من الإسلام هذا كله كلام أحمد. والصلاة أول فروض الإسلام وهي آخر ما يفقد ~~من الدين فهي أول الإسلام وآخره فإذا ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه وكل شيء ~~ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه. قال الإمام أحمد كل شيء يذهب آخره فقد ذهب ~~جميعه، فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينه والمقصود أن حديث عبد الله بن مسعود: ~~" لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك ~~لدينه". من أقوى الحجج في قتل تارك الصلاة. # "فصل" # في اختلاف القائلين بقتل تارك الصلاة واختلف القائلون بقتله في مسائل ~~إحداها: أنه هل يستتاب أم لا فالمشهور ms005 أنه يستتاب فإن تاب ترك وإلا قتل هذا ~~قول الشافعي وأحمد # PageV01P034 # وأحد القولين في مذهب مالك وقال أبو بكر الطرطوشي في تعليقه مذهب مالك ~~أنه يقال له صل ما دام الوقت باقيا فإن فعل ترك وإن امتنع حتى خرج الوقت ~~قتل وهل يستتاب أم لا قال بعض اصحابنا يستتاب فإن تاب وإلا قتل وقال بعضهم ~~لا يستتاب لأن هذا حد من الحدود يقام عليه فلا تسقطه التوبة كالزاني ~~والسارق وهذا القول يلزم من قال يقتل حدا فإنه إذا كان حده على ترك الصلاة ~~القتل كان كمن حده القتل على الزنا والمحاربة والحدود تجب ولا تسقطها ~~التوبة بعد الرفع إلى الإمام. # وأما من قال يقتل لكفره فلا يلزمه هذا لأنه جعله كالمرتد وإذا أسلم سقط ~~عنه القتل قال الطرطوشي وهكذا حكم الطهارة والغسل من الجنابة والصيام عندنا ~~فإذا قال لا أتوضأ ولا أغتسل من الجنابة ولا أصوم قتل ولم يستتب سواء قال ~~هي فرض علي أو جحد فرضها. قلت: هذا الذي حكاه الطرطوشي عن بعض اصحابه أنه ~~يقتل استتابة هو رواية عن مالك. # وفي استتابه المرتد روايتان عن أحمد وقولان للشافعي ومن فرق بين المرتد ~~وبين تارك الصلاة في الاستتابة فاستتاب المرتد دون تارك الصلاة كإحدى ~~الروايتين عن مالك يقول الظاهر أن المسلم لا يترك دينه إلا لشبهة عرضت له ~~تمنعه البقاء عليه فيستتاب رجاء زوالها والتارك للصلاة مع إقراره بوجوبها ~~عليه لا مانع له فلا يمهل. # قال المستتيبون له: هذا قتل لترك واجب شرعت له الاستتابة فكانت واجبة ~~كقتل الردة قالوا بل الاستتابة هاهنا أول ى لان احتمال رجوعه اقرب لأن ~~التزامه للإسلام يحمله على التوبة مما يخلصه في الدنيا والآخرة وهذا القول ~~هو الصحيح لأن اسوأ أحواله أن يكون كالمرتد وقد اتفق الصحابة على قبول توبة ~~المرتدين ومانعي الزكاة. # وقد قال الله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} وهذا ~~يعم المرتد وغيره والفرق بين قتل هذا حدا وقتل الزاني والمحارب أن قتل تارك # PageV01P035 # الصلاة ms006 إنما هو على إصراره على الترك في المستقبل وعلى الترك في الماضي ~~بخلاف المقتول في الحد فإن سبب قتله على الحد لأنه لم يبق له سبيل إلى ~~تداركها وهذا له سبيل الاستدراك بفعلها بعد خروج وقتها ثم الأئمة الأربعة ~~وغيرهم ومن يقول من أصحاب أحمد لا سبيل له إلى الاستدراك كما هو قول طائفة ~~من السلف يقول القتل ها هنا على ترك فيزول الترك بالفعل فأما الزنا ~~والمحاربة فالقتل فيهما على فعل والفعل الذي مضى لا يزول بالترك. # PageV01P036 # "فصل" ### | المسألة الثانية: أنه لا يقتل حتى يدعى إلى فعلها فيمتنع # فالدعاء إليها لا يستمر ولذلك أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ~~نافلة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت ولم يأمر بقتالهم ~~ولم يأذن في قتلهم لأنهم لم يصروا على الترك فإذا دعي فامتنع لا من عذر حتى ~~يخرج الوقت تحقق تركه وإصراره. # PageV01P036 # "فصل" ### | المسألة الثالثة: بماذا يقتل هل بترك صلاة أو صلاتين أو ثلاث صلوات # هذا فيه خلاف بين الناس فقال سفيان الثوري ومالك وأحمد في إحدى الروايات ~~يقتل بترك صلاة واحدة وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وحجة هذا القول ما تقدم ~~من الاحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. # وقد روى معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك صلاة ~~مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله". رواه الإمام أحمد في مسنده. # وعن أبي الدرداء قال أوصاني أبو القاسم أن لا أترك الصلاة متعمدا فمن ~~تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة رواه عبد الرحمن ابن أبي حاتم في سننه ~~مجمع الزوائد ووباله ولأنه إذا دعي إلى فعلها في وقتها فقال لا أصلي ولا ~~عذر له فقد ظهر إصراره فتعين إيجاب قتله وإهدار دمه واعتبار التكرار ثلاثا ~~ليس عليه دليل من نص ولا إجماع ولا قول صاحب وليس أولى من اثنتين. # وقال إسحاق بن منصور المعروف بالكوسج من أصحاب أحمد إن كانت الصلاة ~~المتروكة تجمع إلى ما بعدها كالظهر والعصر والمغرب والعشاء لم ms007 يقتل حتى ~~يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت # PageV01P036 # الأولى في حال الجمع فأورث شبهة هاهنا وإن كانت لا تجمع إلى ما بعدها ~~كالفجر والعصر وعشاء الآخرة قتل بتركها وحدها إذ لا شبهة ها هنا في التأخير ~~وهذا القول حكاه إسحاق عن عبد الله بن المبارك أو عن وكيع بن الجراح الشك ~~من اسحاق في تعيينه. قال أبو البركات بن تيمية: والتسوية أصح وإلحاق التارك ~~ها هنا بأهل الأعذار في الوقت لا يصح كما لم يصح إلحاقه بهم في أصل الترك. # قلت: وقول إسحاق اقوى وافقه لأنه قد ثبت أن هذا الوقت للصلاتين في الجملة ~~فأورث ذلك شبهة في إسقاط القتل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم منع من قتل ~~الأمراء المؤخرين الصلاة عن وقتها وإنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر ~~وقد يؤخرون العصر إلى آخر وقتها ولما قيل له ألا نقاتلهم؟ قال: "لا ما ~~صلوا" فدل على أن ما فعلوه صلاة يعصمون بها دماءهم. # "فصل" # وعلى هذا فمتى دعي إلى الصلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب ~~قتله وإن لم يتضيق وقت الثانية نص عليه الإمام أحمد. # وقال القاضي محمد بن الحسين أبو يعلى وأصحابه كأبي الخطاب محفوظ بن محمد ~~الكلواذاني وابن عقيل لا يقتل حتى يتضايق وقت التي بعدها قال الشيخ أبو ~~البركات ابن تيمية من دعي إلى صلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت ~~وجب قتله وإن لم يتضيق وقت الثانية نص عليه. # قال وإنما اعتبرنا تضايق وقت الثانية في المثال الذي ذكره يعني أبا ~~الخطاب لأن القتل بتركها دون الأولى لأنه لما دعي إليها كانت فائتة ~~والفوائت لا يقتل تاركها ولفظ أبي الخطاب الذي أشار إليه فإن أخر الصلاة ~~حتى خرج وقتها جاحدا لوجوبها كفر ووجب قتله فإن أخرها تهاونا لا جحودا ~~لوجوبها دعي إلى فعلها فإن لم يفعلها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله ~~فالتي أخرها تهاونا هي التي أخرها حتى خرج وقتها فدعي إليها بعد خروج وقتها ~~فإذا ms008 امتنع من فعلها حتى تضايق وقت الآخرة التي بعدها كان قتله بتأخير ~~الصلاة التي دعي إليها حتى تضايق وقتها. # PageV01P037 # هذا تقرير ما ذكره الشيخ قال وقال بعض أصحابنا يقتل لترك الأول ي ولترك ~~قضاء كل فائتة إذا أمكنه عذر لأن القضاء عندنا على الفور فعلى هذا لا يعتبر ~~تضايق وقت الثانية قال والأول أصح لأن قضاء الفوائت موسع على التراخي ثم ~~الشافعي وجماعة من العلماء والقتل لا يجب في مختلف في إباحته وحظره. # وعن أحمد رواية أخرى أنه إنما يجب قتله إذا ترك ثلاث صلوات وتضايق وقت ~~الرابعة وهذا اختيار الإصطخري من الشافعية ووجه هذا القول أن الموجب للقتل ~~هو الإصرار على ترك الصلاة والإنسان قد يترك الوقوف لكسل أو ضجر أو شغل ~~يزول قريبا ولا يدوم فلا يسمى بذلك تاركا للصلاة فإذا كرر الترك مع الدعاء ~~إلى الفعل علم أنه إصرار. وعن أحمد رواية ثالثة أنه يجب قتله بترك صلاتين ~~ولهذه الرواية مأخذان: "أحدهما" أن الترك الموجب للقتل هو الترك المتكرر لا ~~مطلق الترك حتى يطلق عليه أنه تارك الصلاة وأقل ما يثبت به الترك المتكرر ~~مرتين. # "المأخذ الثاني" أن الصلاة ما تجمع إحداهن إلى الأخرى فلا يتحقق تركها ~~إلا بخروج وقت الثانية فجعل ترك الوقوف موجبا للقتل. # وأبو إسحاق وافق هذه الرواية في المجموعتين. # "فصل" # وحكم ترك الوضوء والغسل من الجنابة واستقبال القبلة وستر العورة حكم تارك ~~الصلاة وكذلك حكم ترك القيام للقادر عليه هو كترك الصلاة وكذلك ترك الركوع ~~والسجود وإن ترك ركنا أو شرطا مختلفا فيه وهو يعتقد وجوبه فقال ابن عقيل ~~حكمه حكم تارك الصلاة ولا بأس أن نقول بوجوب قتله وقال الشيخ أبو البركات ~~ابن تيمية عليه الإعادة ولا يقتل من أجل ذلك بحال فوجه قول ابن عقيل أنه ~~تارك للصلاة ثم نفسه وفي عقيدته فصار كتارك الزكاة طاعة المجمع عليه ووجه ~~قول أبي البركات ابن تيمية أنه لا يباح الدم بترك المختلف في وجوبه وهذا ~~أقرب إلى مأخذ الفقه وقول ابن عقيل أقرب ms009 إلى الأصول # PageV01P038 # فإن تارك ذلك عازم وجازم على باطلة فهو كما لو ترك مجمعا عليه وللمسألة ~~غور بعيد يتعلق بأصول الإيمان وأنه من أعمال القلوب واعتقادها. # "فصل" # في حكم تارك الجمعة روى مسلم في صحيحه رقم من حديث ابن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: لقوم يتخلفون عن الجمعة "لقد هممت أن آمر رجلا ~~يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم". # وعن أبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~على أعواد منبره " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على ~~قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين". رواه مسلم في صحيحه. # وفي السنن كلها أبو داود من حديث أبي الجعد الضمري وله البغوي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه". رواه ~~الإمام أحمد من حديث جابر. # وأخطأ على الشافعي من نسب إليه القول بأن صلاة الجمعة فرض على الكفاية ~~إذا قام بها قوم سقطت عن الباقين فلم يقل الشافعي هذا قط فإنما غلط عليه من ~~نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد إنها تجب على من تجب عليه صلاة ~~الجمعة بل هذا نص من الشافعي أن صلاة العيد واجبة على الأعيان. # وهذا هو الصحيح في الدليل فإن صلاة العيد من اعاظم شعائر الإسلام الظاهرة ~~ولم يكن يتخلف عنها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تركها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة ~~كما ترك قيام رمضان بيانا لعدم وجوبه وترك الوضوء لكل صلاة بيانا لعدم ~~وجوبه وغير ذلك. # وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أمر بالعيد كما أمر بالجمعة فقال: {فصل لربك ~~وانحر} سورة الكوثر الآية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يغدوا ~~إلى مصلاهم لصلاة العيد معه إن فات وقتها وثبت الشهر بعد الزوال أبو داود ~~رقم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم العواتق1 وذوات الخدور وذوات ms010 الحيض أن ~~يخرجن إلى العبد وتعتزل الحيض المصلي البخاري رقم مسلم رقم ولم يأمر بذلك ~~في الجمعة قال شيخنا ابن تيمية فهذا يدل على ان العيد آكد من الجمعة ~~PageV01P039 # وقوله صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم ~~والليلة". لا ينفي صلاة العيد فإن الصلوات الخمس وظيفة اليوم والليلة وأما ~~العيد فوظيفة العام ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطواف ثم كثير من ~~الفقهاء لأنها ليست من وظائف اليوم والليلة المتكررة ولم يمنع وجوب صلاة ~~الجنازة ولم يمنع من وجوب سجود التلاوة ثم من أوجبه وجعله صلاة ولم يمنع من ~~وجوب صلاة الكسوف ثم من أوجبها من السلف وهو قول قوي جدا. # والمقصود أن الشافعي رحمه الله نص على أن من وجبت عليه الجمعة وجب عليه ~~العيد ولكن قد يقال إن هذا لا يستفاد منه وجوبه على الأعيان فإن فرض ~~الكفاية يجب على الجميع لبعض بفعل البعض وفائدة ذلك تظهر في مسألتين ~~إحداهما أنه لو اشترك الجميع في فعله أثيبوا ثواب من أدى الواجب لتعلق ~~الوجوب الثانية لو اشتركوا في تركه استحق الجميع الذم والعقاب فلا يلزم من ~~قوله تجب صلاة العيد على من تجب عليه صلاة الجمعة أن تكون واجبة على ~~الأعيان كالجمعة فهذا يمكن أن يقال ولكن ظاهر تشيبه العيد بالجمعة والتسوية ~~بين من تجب عليه الجمعة ومن يجب عليه العيد يدل على استوائهما في الوجوب ~~ولا يختلف قوم أن الجمعة واجبة على الأعيان فكذا العيد. # والمقصود بيان حكم تارك الجمعة قال أبو عبد الله ابن حامد ومن جحد وجوب ~~الجمعة كفر فإن صلاها أربعا مع اعتقاد وجوبها قال فإن قلنا هي ظهر مقصورة ~~لم يكفر وإلا كفر حكم تارك الصوم والحج والزكاة وهل يلحق تارك الصوم والحج ~~والزكاه بتارك الصلاة في وجوب قتله فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد: # إحداها: يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة وحجة هذه الرواية أن ~~الزكاة والصيام والحج من مباني الإسلام فيقتل بتركها جميعا كالصلاة ms011 ولهذا ~~قاتل الصديق مانعي الزكاة وقال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ~~إنها لقرينتها في كتاب الله". # وأيضا فإن هذه المباني من حقوق الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يأمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة وحقها وأخبر أن عصمة الدم لا ~~تثبت إلا بحق # PageV01P040 # الإسلام فهذا قتال للفئة الممتنعة والقتل للواحد المقدوم عيله إنما هو ~~لتركه حقوق الكلمة وشرائع الإسلام وهذا أصح الأقوال. # والرواية الثانية: لا يقتل الصلاة بترك غير الصلاة، لأن الصلاة عبادة ~~بدنية لا تدخلها النيابة بحال، والحج والصوم والزكاة تدخلها النيابة. # ولقول عبد الله بن شقيق كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم شيئا من ~~الأعمال تركه كفر إلا الصلاة الترمذي رقم ولأن الصلاة قد اختصت من سائر ~~الأعمال بخصائص ليست لغيرها فهي أول ما فرض الله من الإسلام ولهذا امر ~~النبي صلى الله عليه وسلم نوابه ورسله ان يبدؤوا بالدعوة إليها بعد ~~الشهادتين. # فقال لمعاذ: "ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم ~~والليلة". ولأنها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله ولأن الله فرضها في ~~السماء ليلة المعراج ولأنها أكثر الفروض ذكرا في القرآن ولأن أهل النار لما ~~يسألون {ما سلككم في سقر} سورة المدثر الآية لم يبدؤوا ترك الصلاة ولأن ~~فرضها لا يسقط عن العبد بحال دون حال ما دام عقله معه بخلاف سائر الفروض ~~فإنها تجب في حال دون حال ولأنها عمود فسطاط الإسلام وإذا سقط الفسطاط وقع ~~الفسطاط ولأنها آخر ما يفقد من الدين ولأنها فرض على الحر والعبد والذكر ~~والأنثى والحاضر والمسافر والصحيح والمريض والغني والفقير ولم يكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقبل من إجابة إلى الإسلام إلا بالتزام الصلاة كما ~~قال قتادة عن يروي لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل من اجابه إلى ~~الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولأن قبول سائر ms012 الأعمال موقوف على ~~فعلها فلا يقبل الله من تاركها صوما ولا حجا ولا صدقة ولا جهادا ولا شيئا ~~من الأعمال كما قال عون بن عبد الله إن العبد إذا دخل قبره سئل عن صلاته ~~أول شيء يسأل عنه فإن جازت له نظر فيما سوى ذلك من عمله وإن لم تجز له لم ~~ينظر في شيء من عمله بعد ويدل على هذا الحديث الذي في المسند والسنن من ~~رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أول ما يحاسب به العبد من ~~عمله يحاسب بصلاته فإن صلحت فقد # PageV01P041 # أفلح وأنجح وأن فسدت فقط فقد خاب وخسر". ولو قبل منه شيء من أعمال البر ~~لم يكن من الخائبين الخاسرين. # الرواية الثالثة: يقتل بترك الزكاة والصيام ولا يقتل بترك الحج لأنه ~~مختلف فيه هل هو على الفور أو على التراخي فمن قال هو على التراخي قال كيف ~~يقتل بأمر موسع له في تأخيره. # وهذا المأخذ ضعيف جدا لأن من يقتله بتركه لا يقتله بمجرد التأخير وإنما ~~صورة المسألة أن يعزم على ترك الحج ويقول هو واجب علي ولا أحج أبدا فهذا ~~موضوع النزاع والصواب القول بقتله لأن الحج من حقوق الإسلام والعصمة تثبت ~~لمن تكلم بالإسلام إلا بحقه والحج أعظم حقوقه. # "فصل" # وأما المسألة الثالثة: وهو انه هل يقتل حدا كما يقتل المحارب والزاني أم ~~يقتل كما يقتل المرتد والزنديق هذا فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن ~~الإمام أحمد. # إحداهما: يقتل كما يقتل المرتد وهذا قول سعيد بن جبير وعامر الشعبي ~~وإبراهيم النخعي وأبي عمرو الأوزاعي وأيوب السختياني وعبد الله بن المبارك ~~وإسحاق بن راهويه وعبد الملك بن حبيب من المالكية وأحد الوجهين في مذهب ~~الشافعي وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه وحكاه أبو محمد ابن حزم عن عمر بن ~~الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة. # والثانية: يقتل حدا لا كفرا وهو قول مالك والشافعي واختار أبو عبد الله ~~ابن بطة هذه الرواية ونحن نذكر حجج ms013 صليت أدلة الذين لا يكفرون تارك الصلاة ~~قال الذين لا يكفرونه بتركها قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه فلا نخرجه ~~عنه إلا بيقين. # قالوا وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ~~شهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد ~~الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله ~~الله الجنة على ما كان من العمل". أخرجاه في الصحيحين. # PageV01P042 # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ومعاذ رديفة على الرحل: "يا ~~معاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا قال: "ما من عبد يشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله ~~أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال: "إذا يتكلوا" فأخبر بها معاذ ثم موته ~~تأثما متفق على صحته. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسعد الناس بشفاعتي من ~~قال لاإله إلا الله خالصا من قلبه". رواه البخاري. # وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية من القرآن يرددها حتى ~~صلاة الغداة وقال: "دعوت لامتي وأجبت بالذي لو يتحقق عليه كثير منهم تركوا ~~الصلاة" فقال أبو ذر أفلا أبشر الناس قال: "بلى" فانطلق فقال عمر: إنك إن ~~تبعث إلى الناس بهذا ينكلوا1 عن العبادة فناداه أن ارجع فرجع والآية: {إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} رواه الإمام أحمد ~~في مسنده. # وفي المسند أيضا من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الدواوين عند الله ثلاثة ديوان لا يعبأ الله به شيئا وديوان لا يترك الله ~~منه شيئا وديوان لا يغفره الله فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك ~~بالله قال الله عز وجل: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} وأما ~~الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما ms014 بينه وبين ربه من ~~صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله عز وجل: يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء وأما ~~الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا ~~محالة". # وفي المسند أيضا وعن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له ثم الله ~~عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له ثم الله عهد إن شاء عذبه وإن ~~شاء غفر له". وفي المسند أيضا من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها ~~وإلا قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم ~~يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك". رواه أهل السنن. PageV01P043 # وقال الترمذي هذا حديث حسن قالوا وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي لفظ آخر: "من مات ~~وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". # وفي صحيح قصة عتبان بن مالك وفيها: "إن الله قد حرم على النار من قال لا ~~إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". # وفي حديث الشفاعة يقول الله عز وجل: "وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من ~~قال لا إله إلا الله". وفيه مجمع الزوائد: "فيخرج من النار من لم يعمل خيرا ~~قط"، وفي السنن والمسانيد قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلا ~~كل سجل منها مد البصر ثم تخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله ~~فترجح سيئاته ولم يذكر في الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج له ~~صحائف حسناته فترجح سيئاته ويكفينا في هذا قوله فيخرج من النار من لم يعمل ~~خيرا قط ولو كان كافرا لكان مخلدا في النار غير خارج منها. # فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب ms015 من الرجاء له ما ~~يرجى لسائر أهل الكبائر قالوا ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة ~~والمعاد وجحد ما جاء به الرسول وهذا يقر بالوحدانية شاهدا أن محمدا رسول ~~الله مؤمنا بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره والإيمان هو ~~التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد. # قال المكفرون: الذين رويت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم ~~تكفير تارك الصلاة هم الذين حفظ عنهم الصحابة تكفير تارك الصلاة بأعيانهم ~~قال أبو محمد ابن حزم: # وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من ~~الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو ~~كافر مرتد قالوا ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة وقد دل على كفر تارك ~~الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فصل في الاستدلال بالكتاب أما الكتاب ~~فالدليل الأول قال الله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف ~~تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون # PageV01P044 # إن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة} إلى ~~قوله: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون} فوجه الدلالة من الآية ~~أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين وأن هذا الأمر لا يليق ~~بحكمته ولا بحكمه ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين فقال: {يوم ~~يكشف عن ساق} وأنهم يدعون إلى السجود لربهم تبارك وتعالى فيحال بينهم وبينه ~~فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين ~~في دار الدنيا وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم ~~إذا سجد المسلمون كصياصي "أي قرون"، البقر ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم ~~بالسجود كما أذن للمسلمين. # الدليل الثاني: قوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في ~~جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من ms016 المصلين ولم نك ~~نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا ~~اليقين} فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر ~~وجعلهم من المجرمين أو مجموعها فإن كان كل واحد منها مستقلا بذلك فالدلالة ~~ظاهرة وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم ~~وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له إلى ما ~~هو مستقل بها. # ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطا على التكذيب بيوم الدين ~~بل هو وحده كاف فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك إذ لا يمكن لقائل أن يقول ~~لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة فإذا كان كل واحد منها موجبا ~~للإجرام وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين كان تارك الصلاة من ~~المجرمين السالكين في سقر وقد قال: {إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون ~~في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر} وقال تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا من ~~الذين آمنوا يضحكون} فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين. # PageV01P045 # الدليل الثالث: قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول ~~لعلكم ترحمون} فوجه الدلالة أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه ~~الأمور فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا ~~مرحومين بدون فعل الصلاة والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا ~~فعلوها. # الدليل الرابع قوله تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} وقد ~~اختلف السلف في معنى السهو عنها، فقال سعد بن أبي وقاص ومسروق ابن الأجدع ~~وغيرهما هو تركها حتى يخرج وقتها، روى في ذلك حديث مرفوع قال محمد بن نصر ~~المروذي حدثنا سفيان بن أبي شيبة حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثنا عبد الملك ~~بن عمير بم مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذين ~~هم عن الصلاة ساهون، قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها". # وقال حماد ms017 بن زيد حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال قلت: لأبي يا ابتا أرأيت ~~قول الله: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} أينا لا يسهو أينا لا يحدث نفسه قال ~~إنه ليس ذاك ولكنه إضاعة الوقت سنن البيهقي وقال حيوة بن شريح أخبرني أبو ~~صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال ~~هو تاركها ثم سأله عن الماعون قال: منع المال عن حقه. # إذا عرف هذا فالوعيد بالويل اطرد في القرآن للكفار كقوله: وويل للمشركين: ~~{الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} وقوله: {ويل لكل أفاك أثيم ~~يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ~~وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين} وقوله: {وويل ~~للكافرين من عذاب شديد} إلا في موضعين وهما {ويل للمطففين} و {ويل لكل همزة ~~لمزة} فعلق الويل بالتطفيف وبالهمز واللمز وهذا لا يكفر به بمجرده فويل ~~تارك الصلاة إما ان يكون ملحقا بويل الكفار أو بويل الفساق فإلحاقه بويل ~~الكفار أولى لوجهين: # أحدهما: أنه قد صح عن سعد ابن أبي وقاص في هذه الآية أنه قال لو تركوها ~~لكانوا كفارا ولكن ضيعوا وقتها. # الثاني: ما سنذكر من الأدلة على كفره يوضحه: # PageV01P046 # الدليل الخامس: وهو قوله سبحانه: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} . # قال شعبة بن الحجاج حدثنا أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله هو ابن ~~مسعود في هذه الآية قال هو نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر قال محمد بن ~~نصر حدثنا عبد الله بن سعد بن إبراهيم حدثنا محمد بن زياد بن زبار حدثني ~~شرقي بن القطامي قال حدثني لقمان بن عامر الخزاعي قال جئت أبا أمامه ~~الباهلي فقلت: حدثني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أن صخرة قذف بها من شفير 1 ~~جهنم ما بلغت ms018 قعرها سبعين خريفا ثم تنتهي إلى غي وأثام" قلت: وما غي وأثام ~~قال: "بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل جهنم فهذا الذي ذكره الله في ~~كتابه" {فسوف يلقون غيا} وأثاما قال محمد بن نصر حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا ~~عبد الله بن المبارك أخبرنا هشيم بن بشير قال أخبرني زكريا ابن أبي مريم ~~الخزاعي قال سمعت أبا أمامة الباهلي يقول إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها ~~مسيرة خمسين خريفا من حجر يهوي أو قال صخرة تهوي عظمها كعشر عشراوات عظام ~~سمان2 فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد هل تحت ذلك من شيء يا ~~أبا أمامة قال نعم غي وأثام وقال أيوب بن بشير عن شفي بن ماتع قال إن في ~~جهنم واديا يسمى غيا يسيل دما وقيحا فهو لمن خلق له قال تعالى: {فسوف يلقون ~~غيا} . # فوجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع ~~الصلاة واتبع الشهوات ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من ~~طبقات النار ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو أسفلها فإن هذا ليس من أمكنة ~~أهل الإسلام بل من أمكنه الكفار ومن الآية دليل آخر وهو قوله تعالى: {فسوف ~~يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} فلو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط ~~في توبته الإيمان وأنه يكون تحصيلا للحاصل. PageV01P047 # الدليل السادس: قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين} الروضات الزكواة فإخوانكم في الدين سورة التوبة الآية ~~فعلق إخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة المؤمنين ~~فلا يكونوا مؤمنين لقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} . # الدليل السابع: قوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} فلما كان ~~الإسلام تصديق الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضدين عدم التصديق وعدم ~~الصلاة وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي فقال: {ولكن كذب وتولى} ~~فكما أن المكذب كافر فالمتولي عن الصلاة يزول الإسلام بالتكذيب يزول ~~بالتولي عن الصلاة. ms019 # قال سعيد عن قتادة {فلا صدق ولا صلى} لا صدق بكتاب الله ولا صلى لله ولكن ~~كذب بآيات الله وتولى عن طاعته {أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى} . # الدليل الثامن: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} . # قال ابن جريج: سمعت عطاء ابن أبي رباح يقول هي الصلاة المكتوبة الدر ~~المنثور ووجه الاستدلال بالآية إن الله حكم بالخسران المطلق لمن الهاه ماله ~~وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار فإن المسلم ولو خسر ~~بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح يوضحه أنه سبحانه وتعالى اكد خسران ~~تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد: # أحدهما: إتيانه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل ~~الدال على التجدد والحدوث. # الثاني: تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم فإنك ~~إذا قلت: زيد العالم الصالح أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له بخلاف قولك عالم ~~صالح. # الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين وذلك من علامات انحصار ~~الخبر في المبتدأ كما في قوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} وقوله تعالى: ~~{والكافرون هم الظالمون} {أولئك هم المؤمنون حقا} ونظائره. # الرابع: إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين ~~اخريين قوة الاسناد واختصاص المسند إليه بالمسند كقوله: {وإن الله لهو # PageV01P048 # الغني الحميد} سورة الحج الآية وقوله: {والله هو السميع العليم} ، وقوله: ~~{إنه هو الغفور الرحيم} ونظائر ذلك الدليل. # التاسع: قوله سبحانه: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا ~~وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى ~~الإيمان عمن إذا ذكروا بآيات الله لم يخروا سجدا مسبحين بحمد ربهم ومن أعظم ~~التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة فمن ذكر بها ولم يتذكر ولم يصل ~~ولم يؤمن بها لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود وهذا من أحسن ~~الاستدلال واقربه فلم يؤمن بقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} إلا من التزم ~~إقامتها. # الدليل العاشر: ms020 قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ ~~للمكذبين} ذكر هذا بعد قوله: {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون} ثم توعدهم ~~على ترك الركوع وهو الصلاة إذا دعوا إليها ولا يقال إنما توعدهم على ~~التكذيب فإنه سبحانه وتعالى إنما أخبر عن تركهم لها وعليه وقع الوعيد. # على أنا نقول لا يصر على ترك الصلاة إصرارا مستمرا من يصدق بأن الله أمر ~~بها اصلا فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما ~~أن الله فرض عليه كل يوم وليلية خمس صلوات وأنه يعاقبه على تركها أشد ~~العقاب وهو مع ذلك مصر على تركها هذا من المستحيل قطعا فلا يحافظ على تركها ~~مصدق بفرضها أبدا فإن الايمان يأمر صاحبه بها فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر ~~بها فليس في قلبه شيء من الإيمان. # ولا تصغى إلى كلام من ليس له خبره ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها وتأمل ~~في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد والجنة والنار وأن ~~الله فرض عليه الصلاة وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها وهو محافظ على ~~الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل. # وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق وإن لم يقارنه ~~فعل واجب ولا ترك محرم وهذا من لأوامره المحال ان يقوم بقلب العبد إيمان ~~جازم # PageV01P049 # لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية ونحن نقول الإيمان هو التصديق ولكن ~~ليس التصديق مجردا اعتقادا صدق المخبر دون الانقياد له ولو كان مجرد اعتقاد ~~التصديق إيمانا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن ~~محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين. # وقد قال تعالى: {فإنهم لا يكذبونك} أي يعتقدون أنك صادق {ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون} والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق قال تعالى: {وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وقال موسى لفرعون: {لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} وقال تعالى عن اليهود: {يعرفونه كما ~~يعرفون ms021 أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} . # وأبلغ من هذا قول النفرين اليهوديين لما جاءا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسألاه عما دلهما على نبوته فقالا نشهد أنك نبي فقال: "ما يمنعكما من ~~اتباعي" قالا إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك أن ~~تقتلنا اليهود. فهؤلاء قد اقروا بألسنتهم إقرارا مطابقا لمعتقدهم أنه نبي ~~ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان لأنهم لم يلتزموا طاعته ~~والانقياد لأمره. # ومن هذا كفر أبي طالب فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق وأقر بذلك بلسانه ~~وصرح به في شعره ولم يدخل بذلك في الإسلام فالتصديق إنما يتم بأمرين: ~~أحدهما: اعتقاد الصدق والثاني: محبة القلب وانقياده ولهذا قال تعالى ~~لإبراهيم: {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} وإبراهيم كان معتقدا لصدق رؤياه ~~من حين رآها فإن رؤيا الأنبياء وحي وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما أمر ~~به. # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه". فجعل ~~التصديق عمل الفرج لا ما يتمنى القلب والتكذيب تركه لذلك وهذا صريح في ان ~~التصديق لا يصح إلا بالفعل. # وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه ~~العمل. وقد روي هذا مرفوعا الكامل لابن عدي والمقصود أنه يمتنع مع التصديق ~~الجازم بوجوب الصلاة والوعد على فعلها والوعيد على تركها وبالله التوفيق. # PageV01P050 # "فصل" # وأما الاستدلال بالسنة على ذلك فمن وجوه: # الدليل الأول: ما رواه مسلم في صحيحه رقم عن جابر بن عبد الله قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه أهل ~~السنن وصححه الترمذي. # الدليل الثاني: ما رواه بريدة بن الحصيب الأسلمي قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" ~~رواه الإمام أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حديث صحيح إسناده على شرط مسلم. # الدليل الثالث: ما رواه ثوبان مولى1 رسول الله صلى الله عليه ms022 وسلم قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان ~~الصلاة فإذا تركها فقد أشرك". رواه هبة الله الطبري وقال إسناده صحيح على ~~شرط مسلم. # الدليل الرابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما فقال: "من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ~~ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة ~~وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف". رواه الإمام أحمد ~~في مسنده وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه وإنما خص هؤلاء الاربعة بالذكر لأنهم ~~من رؤس الكفرة. # وفيه نكتة بديعة وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله أو ~~ملكه أو رياسته أو تجارته فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون ومن شغله عنها ~~ملكه فهو مع فرعون ومن شغله عنها رياسة ووزارة فهو مع هامان ومن شغله عنها ~~تجارته فهو مع أبي بن خلف. # الدليل الخامس: ما رواه عبادة بن الصامت قال فيزورون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: "لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم أو حرقتم أو صلبتم ولا ~~تتركوا الصلاة عمدا فمن تركها عمدا متعمدا فقد خرج من الملة". رواه عبد ~~الرحمن ابن أبي حاتم في سننه. # الدليل السادس: ما رواه معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: PageV01P051 # "من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله". رواه الإمام أحمد ~~ولو كان باقيا على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام. # الدليل السابع: ما رواه أبو الدرداء قال أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه ~~وسلم أن لا أترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة. رواه ~~عبد الرحمن ابن أبي حاتم في سننه. # الدليل الثامن: ما رواه معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة" وهو حديث صحيح مختصر ووجه ~~الاستدلال به أنه أخبر أن ms023 الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه ~~تسقط الخيمة بسقوط عمودها فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة وقد احتج أحمد ~~بهذا بعينه. # الدليل التاسع: في الصحيحين والسنن والمسانيد من حديث عبد الله بن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت ~~وصوم رمضان". رواه الإمام أحمد وفي بعض ألفاظه الإسلام خمس فذكره. # ووجه الاستدلا به من وجوه: أحدها: أنه جعل الإسلام كالقبة المبنية على ~~خمسة أركان فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قبة الإسلام. # الثاني: أنه جعل هذه الاركان في كونها أركانا لقبة الإسلام قرينة ~~الشهادتين فهما ركن والصلاة ركن والزكاة ركن فما بال قبة الإسلام تبقى بعد ~~سقوط أحد أركانها دون بقية أركانها. # الثالث: أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام وداخلة في مسمى اسمه وما كان ~~أعطى لمجموع أمور إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى ولا سيما إذا كان من أركانه ~~لا من اجزائه التي ليست بركن له كالحائظ للبيت فإنه إذا سقط البيت بخلاف ~~العود والخشبة واللبنة ونحوها. # الدليل العاشر: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاتنا ~~واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا" ووجه ~~الدلالة فيه من وجهين: # أحدهما: أنه إنما جعله مسلما بهذه الثلاثة فلا يكون مسلما بدونها. # PageV01P052 # الثاني: أنه إذا صلى إلى الشرق لم يكن مسلما حتى يصلي إلى قبلة المسلمين ~~فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية. # الدليل الحادي عشر: وما رواه الدارمي عبد الله عبد الله بن عبد الرحمن ~~تعظيم قدرالصلاة رقم قال حدثنا يحيى بن حسان حدثنا سليمان بن قرم عن أبي ~~يحيى القتات عن مجاهد عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "مفتاح الجنة الصلاة". وهذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم ~~تفتح له الجنة وهي تفتح لكل مسلم فليس تاركها مسلم ولا تناقض بين هذا ms024 وبين ~~الحديث الآخر وهو قوله: "مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله". فإن ~~الشهادة أصل المفتاح والصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا ~~بها إذ دخول الجنة موقوف على المفتاح وأسنانه. وقال البخاري: وقيل لوهب بن ~~منبه أليس مفتاح الجنة لاإله إلا الله قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله ~~أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك. # الدليل الثاني عشر: ما رواه محجن بن الأدرع الأسلمي أنه كان في مجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأذن بالصلاة فقام النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~رجع ومحجن في مجلسه فقال له: "ما منعك أن تصلي ألست برجل مسلم"؟ . قال: بلى ~~ولكني صليت في أهلي فقال له: "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت". رواه ~~الإمام أحمد المسند والنسائي. # فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة وأنت تجد تحت الفاظ الحديث أنك لو ~~كنت مسلما لصليت وهذا كما تقول: مالك لا تتكلم ألست بناطق وما لك لا تتحرك ~~ألست بحي؟ ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي ~~ألست برجل مسلم؟. # فصل: # وأما إجماع الصحابة فقال ابن زنجويه حدثنا عمر بن الربيع حدثنا يحيى بن ~~أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد ~~الله بن عباس أخبره أنه جاء عمر بن الخطاب حين طعن في المسجد. قال: ~~فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد حتى أدخلناه بيته. قال: فأمر عبد ~~الرحمن بن عوف أن يصلي بالناس. قال: فلما دخلنا على عمر بيته غشي عليه من ~~الموت فلم يزل في غشيته حتى أسفر # PageV01P053 # ثم أفاق فقال: هل صلى الناس؟. قال: فقلنا نعم. فقال: لا إسلام لمن ترك ~~الصلاة. وفي سياق آخر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة, ثم دعا بوضوء ~~فتوضأ وصلى, "وذكر القصة". فقال هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه وقد ~~تقدم مثل ذلك عن معاذ بن ms025 جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة ولا يعلم عن ~~صحابي خلافهم, وقال الحافظ عبد الحق الاشبيلي رحمه الله في كتابه في ~~الصلاة: ذهب جملة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى تكفير تارك ~~الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها, منهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن ~~جبل وعبد الله بن مسعود وابن عباس وجابر وأبو الدرداء, وكذلك روي عن علي بن ~~أبي طالب هؤلاء من الصحابة. ومن غيرهم: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وعبد ~~الله بن المبارك وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة وأيوب السختياني وأبو ~~داود الطيالسي وأبو بكر ابن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب. قال: ~~المانعون من التكفير يجب حمل هذه الأحاديث وما شاكلها على كفر النعمة دون ~~كفر الجحود كقوله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم الرمي ثم تركه فهي نعمة ~~كفرها". وقوله: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم". وقوله: "تبرؤه من نسب ~~وإن دق كفر بعد إيمان". وقوله: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر". وقوله: "من ~~أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد". وقوله: "من حلف بغير الله ~~فقد كفر". رواه الحاكم في صحيحه بهذا اللفظ وقوله: "اثنتان في أمتي هما بهم ~~كفر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت". ونظائر ذلك كثيرة. # قالوا: وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق ~~وشارب الخمر والمنتهب ولم يوجب زوال هذا الاسم عنهم كفر الجحود والخلود في ~~النار فكذلك كفر تارك الصلاة ليس بكفر جحود ولا يوجب التخليد في الجحيم وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له". فنفى عنه ~~الإيمان ولا يوجب ترك أداء الأمانة أن يكون كافرا كفرا ينقل عن الملة. وقد ~~قال ابن عباس في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} : ليس بالكفر الذي يذهبون إليه. وقد قال طاووس: سئل ابن عباس عن ~~هذه الآية فقال: هو # PageV01P054 # به كفر, وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. ms026 وقال أيضا: كفر لا ~~ينقل عن الملة. وقال سفيان عن ابن جريح عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم ~~وفسق دون فسق. # فصل: في الحكم بين الفريقين، وفصل الخطاب بين الطائفين. # معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم ~~يصح النفي والإثبات بعد ذلك. فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما خلفه ~~الآخر, ولما كان الإيمان أصلا له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا ~~فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة والحج والصيام والأعمال الباطنة كالحياء ~~والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة1 ~~الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان, وهذه الشعب منها ما يزول ~~الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة, ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى ~~عن الطريق, وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما منها ما يلحق بشعبة الشهادة ~~ويكون إليها أقرب, ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب. # وكذلك الكفر ذو أصل وشعب. فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر, ~~والحياء شعبة من الإيمان, وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر, والصدق شعبة من ~~شعب الإيمان والكذب شعبة من شعب الكفر, والصلاة والزكاة والحج والصيام من ~~شعب الإيمان, وتركها من شعب الكفر, والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان ~~والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر, والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن ~~الطاعات كلها من شعب الإيمان. وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية. وكذلك شعب ~~الكفر نوعان: قولية وفعلية. ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال ~~الإيمان, فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان وكذلك شعب ~~الكفر القولية والفعلية. فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا وهي شعبة ~~من شعب الكفر PageV01P055 # فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف فهذا ~~أصل, وها هنا أصل آخر: وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول ~~قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد وقول اللسان وهوالتكلم بكلمة الإسلام, ~~والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه, وعمل الجوارح, ms027 فإذا زالت هذه ~~الأربعة زال الإيمان بكماله وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء فإن ~~تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة, وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد ~~الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة. # فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل ~~القلب, وهومحبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود ~~والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل ويقرون به ~~سرا وجهرا ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به. # فإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم ~~أعمال الجوارح ولا سيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ~~ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره فإنه يلزمه من عدم طاعة القلب ~~عدم طاعة الجوارح إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت, ويلزم من ~~عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان, فإن ~~الإيمان ليس مجرد التصديق كما تقدم بيانه وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة ~~والانقياد وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه بل هو معرفته ~~المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه وإن سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام ~~المستلزم للاهتداء كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقا فليس هو التصديق ~~المستلزم للإيمان فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته. # "فصل": وها هنا أصل آخر وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل وكفر جحود وعناد, ~~فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا من ~~أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه, وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه. # PageV01P056 # وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده. فالسجود ~~للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان, وأما الحكم بغير ~~ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعا ولا يمكن أن ينفي عنه ~~اسم الكفر بعد أن اطلقه الله ورسوله عليه فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر ~~وتارك الصلاة كافر ms028 بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكن هو كفر عمل لا ~~كفر اعتقاد, ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله ~~كافرا ويسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تارك الصلاة كافرا ولا يطلق ~~عليهما اسم كافر. وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني ~~والسارق وشارب الخمر وعمن لا يأمن جاره بوائقه, وإذا نفي عنه اسم الإيمان ~~فهو كافر من جهة العمل وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد وكذلك قوله: "لا ~~ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". فهذا كفر عمل. وكذلك قوله: "من ~~أتى كاهنا فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد". وقوله: " ~~إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما". وقد سمى الله سبحانه ~~وتعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنا بما عمل به وكافرا بما ~~ترك العمل بت, فقال تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون ~~أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون م أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ~~وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالأثم والعدوان وإن يأتوكم ~~أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ~~فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون ~~إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} . فأخبر سبحانه أنهم أقروا ~~بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه. وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل ~~بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ثم أخبر أنهم عصوا أمره وقتل ~~فريق منهم فريقا وأخرجوهم من ديارهم فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب ثم ~~أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في ~~الكتاب فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق # PageV01P057 # كافرين بما تركوه منه, فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي والإيمان ~~الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي. # وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: ~~"سباب المسلم ms029 فسوق وقتاله كفر". ففرق بين قتاله وسبابه وجعل أحدهما فسوقا ~~لا يكفر به والآخر كفر, ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العلمي لا الاعتقادي, ~~وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما لا يخرج ~~الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان, وهذا التفصيل هو ~~قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما ~~فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا ~~فريقين فريقا أخرجوا من الملة بالكبائر, وقضوا على أصحابها بالخلود في ~~النار, وفريقا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا وهدى ~~الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في إذنه كالإسلام في ~~الملل فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق ~~وظلم دون ظلم. قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في ~~قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} . ليس هو ~~بالكفر الذي يذهبون إليه. وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن ~~أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} قال: هو بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته كتبه ورسله, وقال ~~في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة. وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن ~~الملة. وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم ~~وفسق دون فسق. وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه فإن الله سبحانه ~~سمى الحاكم بغير ما أنزله كافرا ويسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافرا. وليس ~~الكافران على حد سواء, وسمى الكافر ظالما كما في قوله تعالى: {والكافرون هم ~~الظالمون} . # PageV01P058 # وسمى متعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالما فقال: {ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} . # وقال يونس نبيه: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} . وقال ~~صفيه آدم: {ربنا ظلمنا ms030 أنفسنا} . وقال كليمه موسى: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر ~~لي} . وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم, ويسمى الكافر فاسقا كما في قوله: {وما ~~يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} . وقوله: {وقد ~~أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} . # وهذا كثير في القرآن ويسمى المؤمن العاصي فاسقا كما في قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} . نزلت في الحكم ابن أبي العاص وليس الفاسق ~~كالفاسق, وقال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} . ~~وقال عن ابليس: {ففسق عن أمر ربه} . وقال: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا ~~فسوق} . وليس الفسوق كالفسوق. # والكفر كفران, والظلم ظلمان, والفسق فسقان, وكذا الجهل جهلان: جهل كفر ~~كما في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} . وجهل غير ~~كفر كقوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم ~~يتوبون من قريب} . # كذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن ~~الملة وهو الشرك الأصغر: وهو شرك العمل: كالرياء. وقال تعالى في الشرك ~~الأكبر: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} . وقال: ~~{ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق} . وفي شرك الرياء: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . ومن هذا الشرك الأصغر قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك". رواه أبو داود وغيره, ومعلوم أن حلفه ~~بغير الله لا يخرجه # PageV01P059 # عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل". # فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل ~~عن الملة وإلى ما لا ms031 ينقل عنها وكذا النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد ونفاق عمل, ~~فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن وأوجب لهم ~~الدرك الأسفل من النار, ونفاق العمل كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان". وفي ~~الصحيح أيضا: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن ~~كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم ~~فجر وإذا ائتمن خان". # فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ ~~صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم, فإن الإيمان ينهى ~~المؤمن عن هذه الخلال فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها ~~فهذا لايكون إلا منافقا خالصا, وكلام الإمام أحمد يدل على هذا فإن إسماعيل ~~بن سعيد الشالنجي قال: سألت أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها ~~بجهده إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم, وهل يكون مصرا من كانت هذه ~~حاله؟. قال: هو مصر, مثل قوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". يخرج ~~من الإيمان ويقع في الإسلام, ونحو قوله: "لا يشرب الخمر حين بشربها وهو ~~مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن". ونحو قول ابن عباس في قوله تعالى: "ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون". قال إسماعيل: فقلت: له ما هذا ~~الكفر؟ قال: كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض, فكذلك الكفر ~~حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه. # فصل # وههنا أصل آخر وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى ~~وفجور ونفاق وإيمان, هذا من أعظم أصول أهل السنة, وخالفهم فيه غيرهم من أهل ~~البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية. # PageV01P060 # ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل, ~~وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة. قال تعالى: {وما يؤمن ~~أكثرهم ms032 بالله إلا وهم مشركون} . فأثبت لهم إيمانا به سبحانه مع الشرك. وقال ~~تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الأيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم 1 من أعمالكم شيئا إن ~~الله غفور رحيم} . فأثبت لهم إسلاما وطاعة لله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم ~~وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه. الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا وجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله, وهؤلاء ليسوا منافقين في ~~أصح القولين بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله وليسوا مؤمنين وإن ~~كان معهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفر. # قال الإمام أحمد: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن يريد: الزنا ~~والسرقة وشرب الخمر والانتهاب فهو مسلم، ولا أسمية مؤمنا, ومن أتى دون ذلك ~~يريد دون الكبائر: سميته مؤمنا ناقص الإيمان. فقد دل على هذا قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "فمن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق". فدل على أنه ~~يجتمع في الرجل نفاق وإسلام. # وكذلك الرياء شرك فإذا راءى الرجل في شيء من عمله اجتمع فيه الشرك ~~والإسلام, وإذا حكم بغير ما أنزل الله أو فعل ما سماه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كفرا وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام, وقد بينا ~~أن المعاصي كلها شعب من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها شعب من شعب الإيمان, ~~فالعبد تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان, وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمنا ~~وقد لا يسمى, كما أنه قد يسمى بشعبة من شعب الكفر كافرا وقد لا يطلق عليه ~~هذا الاسم فها هنا أمران أمر اسمي لفظي وأمر معنوي حكمي, فالمعنوي هل هذه ~~الخصلة كفر أم لا؟ , واللفظي هل يسمى من قامت به كافرا أم لا؟ فالأمر الأول ~~شرعي محض, والثاني لغوي وشرعي. PageV01P061 # فصل # وها هنا أصل آخر وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن ~~يسمى مؤمنا وإن كان ما ms033 قام به إيمانا ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن ~~يسمى كافرا وإن كان ما قام به كفرا, كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء ~~العلم به أن يسمى عالما ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقهيا ~~ولا طبيبا, ولا يمنع ذلك أن تسمى شعبة الايمان إيمانا وشعبة النفاق نفاقا ~~وشعبة الكفر كفرا. وقد يطلق عليه الفعل كقوله: "فمن تركها فقد كفر". "ومن ~~حلف بغير الله فقد كفر" , وقوله: "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر ومن ~~حلف بغير الله فقد كفر". رواه الحاكم في صحيحه بهذااللفظ. # فمن صدر منه خلة من خلال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق, وكذا ~~يقال لمن ارتكب محرما إنه فعل فسوقا وإنه فسق بذلك المحرم ولا يلزمه اسم ~~فاسق إلا بغلبة ذلك عليه. # وهكذا الزاني والسارق والشارب والمنتهب لا يسمى مؤمنا وإن كان معه إيمان ~~كما أنه لا يسمى كافرا وإن كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه إذ المعاصي ~~كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان والمقصود أن سلب ~~الإيمان من تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر. وسلب اسم الإسلام ~~عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فلا يسمى تارك الصلاة ~~مسلما ولا مؤمنا وإن كان شعبة من شعب الإسلام والإيمان. # نعم يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟ ~~فيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطا في صحة الباقي واعتباره, وإن كان ~~المتروك شرطا في اعتبار الباقي لم ينفعه ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ~~ووحدانيته وأنه لا إله إلا هو من أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم, ولا ~~تنفع الصلاة من صلاها عمدا بغير وضوء, فشعب الإيمان قد يتعلق # PageV01P062 # بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه، وقد لايكون كذلك فيبقى النظر في الصلاة: ~~هل هي شرط لصحة الإيمان؟ هذا سر المسألة, والأدلة التي ذكرناها وغيرها تدل ~~على ms034 أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ~~ورأس مال ربحه ومحال بقاء الربح بلا رأس مال فإذا خسرها خسر أعماله كلها ~~وإن أتى بها صورة, وقد أشار إلى هذا في قوله: "فإن ضيعها فهو لما سواها ~~أضيع". وفي قوله: "أول ما ينظر من أعماله الصلاة, فإن جازت له نظر في سائر ~~أعماله، وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعد". # وومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها, ودعى إلى فعلها على ~~رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه ويشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له ~~تصلي وإلا قتلناك فيقول اقتلوني ولا أصلي أبدا! ومن لا يكفر تارك الصلاة ~~يقول هذا مؤمن مسلم يغسل يصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين, وبعضهم يقول ~~إنه مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمانه جبريل وميكائيل فلا يستحي من هذا ~~قوله من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة والله ~~الموفق. # فصل # في سياق أقوال العلماء من التابعين ومن بعدهم في كفر تارك الصلاة ومن حكى ~~الإجماع على ذلك, وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو النعمان ~~حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه, وحكى محمد بن ~~نصر عن ابن المبارك قال: من أخر صلاة حتى يفوت وقتها متعمدا من غير عذر فقد ~~كفر, وقال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: من قال ~~إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من حمار. وقال يحيى بن معين: قيل لعبد ~~الله بن المبارك إن هؤلاء يقولون من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن ~~مستكمل الإيمان, فقال عبد الله: لا نقول نحن ما يقول هؤلاء من ترك الصلاة ~~متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتا في وقت فهو كافر. # وقال ابن أبي شيبة قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من ترك الصلاة فقد ~~كفر" , فيقال له ms035 ارجع عن الكفر فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة ~~أيام. # PageV01P063 # وقال أحمد بن يسار: سمعت صدقة بن الفضل وسئل عن تارك الصلاة فقال كافر. ~~فقال له السائل: أتبين منه امرأته؟ فقال صدقة: وأين الكفر من الطلاق. لو أن ~~رجلا كفرلم تطلق منه امرأته. # قال محمد بن نصر: سمعت إسحاق يقول صح عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن ~~تارك الصلاة" كافر وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. # PageV01P064 # فصل # وأما ### | المسألة الرابعة وهي قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصلاة أم لا؟ # فقد عرف جوابها مما تقدم, وإنا نفرد هذه المسألة بالكلام عليها بخصوصيتها ~~فنقول أما تركها بالكلية فإنه لا يقبل معه عمل كما لا يقبل مع الشرك عمل ~~فإن الصلاة عمود الإسلام كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الشرائع ~~كالأطناب والأوتاد ونحوها, وإذا لم يكن للفسطاط عمود لم ينتفع بشيء من ~~أجزائه فقبول سائر الاعمال موقوف على قبول الصلاة, فإذا ردت ردت عليه سائر ~~الأعمال, وقد تقدم الدليل على ذلك. # وأما تركها أحيانا فقد روي البخاري في صحيحه من حديث بريدة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "بكروا بصلاة العصر فإن من ترك صلاة العصر فقد ~~حبط عمله". # وقد تكلم قوم في معنى هذا الحديث فأتوا بما لا حاصل له. قال المهلب ~~معناه: من تركها مضيعا لها متهاونا بفضل وقتها مع قدرته على أدائها حبط ~~عمله في الصلاة خاصة أي لا يحصل له أجر المصلي في وقتها, ولا يكون له عمل ~~ترفعه الملائكة. وحاصل هذا القول: إن من تركها فاته أجرها. ولفظ الحديث ~~ومعناه يأبى ذلك ولا يفيد حبوط عمل قد ثبت وفعل, وهذا حقيقة الحبوط في ~~اللغة والشرع ولا يقال لمن فاته ثواب عمل من الأعمال إنه قد حبط عمله وإنما ~~يقال فاته أجر ذلك العمل. # وقالت طائفة: يحبط عمل ذلك اليوم ms036 لا جميع عمله فكأنهم استصعبوا # PageV01P064 # حبوط الأعمال الماضية كلها بترك صلاة واحدة، وتركها عنده ليس بردة تحبط ~~الأعمال فهذا الذي استشكله هؤلاء هو وارد عليهم بعينه في حبوط عمل ذلك ~~اليوم والذي يظهر في الحديث. والله أعلم بمراد رسوله أن الترك نوعان: ترك ~~كلي لا يصليها أبدا فهذا يحبط العمل جميعه وترك معين في يوم معين فهذا يحبط ~~عمل ذلك اليوم فالحبوط العام في مقابلة الترك العام, والحبوط المعين في ~~مقابلة الترك المعين, فإن قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الردة؟ قيل: نعم, قد ~~دل القرآن والسنة والمنقول عن الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات, كما أن ~~الحسنات يذهبن السيئات. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى} . {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} . ~~وقالت عائشة لأم زيد بن أرقم: أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب لما باع بالعينة1. وقد نص الإمام أحمد على ~~هذا فقال: ينبغي للعبد في هذا الزمان أن يستدين ويتزوج لئلا ينظر ما لا يحل ~~فيحبط عمله, وآيات الموازنة في القرآن تدل على أن السيئة تذهب بحسنة أكبر ~~منها, فالحسنة يحبط أجرها بسيئة أكبر منها. # فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من ~~الصلوات؟. # قيل: الحديث لم ينف الحبوط بغير العصر إلا بمفهوم لقب وهو مفهوم ضعيف جدا ~~وتخصيص العصر بالذكر لشرفها من بين الصلوات ولهذا كانت هي الصلاة الوسطى ~~بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح. # ولهذا خصها بالذكر في الحديث الآخر وهو قوله: " الذي تفوته صلاة العصر ~~فكأنما وتر أهله وماله". أي فكأنما # PageV01P065 # سلب أهله وماله فأصبح بلا أهل ولا مال, وهذا تمثيل لحبوط عمله بتركها, ~~كأنه شبه أعماله الصالحة بانتفاعه وتمتعه بها بمنزلة أهله وماله فإذا ترك ~~صلاة العصر فهو كمن له أهل ومال فخرج من بيته لحاجة ms037 وفيه أهله وماله فرجع ~~وقد احتيج الأهل والمال فبقي وترا دونهم وموتورا بفقدهم عليه أعماله ~~الصالحة لم يكن التمثيل مطابقا. # فصل # والحبوط نوعان: عام وخاص, فالعام حبوط الحسنات كلها بالردة والسيئات كلها ~~بالتوبة, والخاص حبوط السيئات والحسنات بضعها ببعض وهذا حبوط مقيد جزئي وقد ~~تقدم دلالة القرآن والسنة والآثار وأقوال الأئمة عليه, ولما كان الكفر ~~والإيمان كل منهما يبطل الآخر ويذهبه كانت شعبة كل واحد منهما لها تأثير في ~~إذهاب بعض شعب الآخر فإن عظمت الشعبة ذهب في مقابلتها شعب كثيرة وتأمل قول ~~أم المؤمنين في مستحل العينة إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله كيف قويت هذه ~~الشعبة التي أذن الله فاعلها بحربه وحرب رسوله على إبطال محاربة الكفار ~~فأبطل الحراب المكروه الحراب المحبوب كما تبطل محاربة أعدائه التي يحبها ~~محاربته التي يبغضها والله المستعان. # PageV01P066 # فصل # وأما ### | المسألة الخامسة التي هى قوله هل تقبل صلاة الليل بالنهار وصلاة النهار باليل أم لا؟ # فهذه المسألة لها صورتان: إحداهما يقبل فيها بالنص والإجماع وهي ما إذا ~~فاتته صلاة النهار بنوم أو نسيان فصلاها بالليل وعكسه كما ثبت في الصحيحين ~~من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نسي صلاة أو نام ~~عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" واللفظ لمسلم. # وروى مسلم عنه أيضا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رقد أحدكم ~~عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: {وأقم الصلاة ~~لذكري} ". # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من ~~غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس, وقال لبلال: "أكلأ لنا الليل" ~~فصلى بلال ما قدر له, ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما ~~تقارب الفجر استند بلال إلى # PageV01P066 # راحلته مواجه الفجر, فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولاأحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس ~~فكان رسول الله صلى ms038 الله عليه وسلم أولهم استيقاظا, ففزع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "أي بلال"؟ فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله. قال قتادة: فاقتادوا رواحلهم شيئا ثم توضأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح فلما قضى ~~الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: {وأقم ~~الصلاة لذكري} ". # وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين نحو هذه القصة. وفي صحيح مسلم عن أبي ~~قتادة قال: ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة قال: "إنه ليس ~~في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى". # وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود قال: أقبل النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الحديبية ليلا فنزلنا منزلا دهاسا من الأرض فقال: "من ~~يكلؤنا" فقال بلال: أنا. قال: "إذا تنام". قال: لا. فنام حتى طلعت الشمس ~~فاستيقظ فلان وفلان فيهم عمر فقال: اهبطوا فاستيقظ النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "افعلوا كما كنتم تفعلون" فلما فعلوا, قال: "هكذا فافعلوا لمن ~~نام منكم أو نسي". فهذا متفق عليه بين الأئمة, واختلفوا في مسألتين: لفظية ~~وحكمية. # فاللفظية هل تسمى هذه الصلاة أداء أو قضاء؟ فيه نزاع لفظي محض فهي قضاء ~~لما فرض الله عليهم, وأداء باعتبار الوقت في حق النائم والناسي فإن الوقت ~~في حقهما وقت الذكر والانتباه, فلم يصلها إلا في وقتها الذي أمرنا بإيقاعها ~~فيه وأما ما يذكره الفقهاء في كتبهم من قوله: "فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك ~~وقتها" فهذه الزيادة لم أجدها في شيء من كتب الأحاديث, ولا أعلم لها ~~إسنادا, ولكن قد روى البيهقي السنن والدارقطني من حديث أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نسي صلاة فوقتها ~~إذا ذكرها". # فصل # وأما المسألة الحكمية: فهل تجب المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ~~ويذكر أم يجوز له التأخير؟ ms039 فيه قولان: أصحهما وجوبها على الفور, وهذا قول ~~جمهور الفقهاء منهم إبراهيم النخعي ومحمد بن شهاب الزهري وربيعة # PageV01P067 # ابن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبوحنيفة ومالك والإمام أحمد ~~وأصحابهم, وأكثر العلماء, وظاهر مذهب الشافعي أنه على التراخي, واحتج من نص ~~على هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها في المكان الذي ناموا ~~به بل أمرهم فاقتادوا رواحلهم إلى مكان آخر فصلى فيه وفي حديث أبي قتادة ~~فلما استيقظوا قال اركبوا فركبنا فسرنا حتى ارتفعت الشمس نزل ثم دعا بميضأة ~~فيها ماء فتوضأ ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ركعيتن ثم صلى الغداة قالوا: ولو وجب القضاء على الفور لم يفارق منزله حتى ~~يفعلها, قالوا: ولا يصح الاعتذار عن هذا بأن ذلك المكان كان فيه شيطان فلم ~~يصلوا فيه فإن حضور الشيطان في المكان لا يكون عذرا في تأخير الواجب. قال ~~الشافعي: ولو كان وقت الفائتة يضيق لما أخره لأجل الشيطان فقد صلى صلى الله ~~عليه وسلم وهو يخنق الشيطان. قال الشافعي: فخنقه للشيطان في الصلاة أبلغ من ~~واد فيه شيطان. قالوا: ولأنها عبادة مؤقتة فإذا فاتت لم يجب قضاؤها على ~~الفور كصوم رمضان بل أولى؛ لأن الأداء متوسع في الصلاة دون الصوم فكانت ~~التوسعة في القضاء أولى. وقال أبو اسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي الشافعي ~~إن أخرها لعذر قضاها على التراخي للحديث وإن أخرها لغير عذر قضاها على ~~الفور لئلا يثبت بتفريطه ومعصيته رخصة لم تكن. واحتج الجمهور بما رواه مسلم ~~في صحيحه من حديث أبي قتادة أنهم ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن ~~الصلاة فقال: "ليس في النوم تفريط فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها ~~إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك". وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله ~~قال {وأقم الصلاة لذكري} ". وعند الدارقطني في هذا الحديث: "من نسي ms040 صلاة ~~فوقتها إذا ذكرها" , وهذه الألفاظ صريحة في الوجوب على الفور, قالوا: وما ~~استدللتم به على جواز التأخير فإنما يدل على التأخير اليسير الذي لا يصير ~~صاحبه مهملا معرضا عن القضاء بل يفعله لتكميل الصلاة من اختيار بقعة على ~~بقعة وانتظار رفقة أو جماعة لتكثير أجر الصلاة ونحو ذلك # PageV01P068 # من تأخير يسير لمصلحتها وتكميلها, فكيف يؤخذ من هذا التأخير اليسير ~~لمصلحتها جواز تأخير سنين عددا؟. # وقد نص الإمام أحمد على أن المسافر إذا نام في منزله عن الصلاة حتى فاتت ~~أنه يستحب له أن ينتقل عنه إلى غيره فيقضيها فيه للخبر مع أن مذهبه وجوب ~~فعلها على الفور, وإذا كانت أوامر الله ورسوله المطلقة على الفور فكيف ~~المقيدة ولهذا أوجب الفورية في المقيدة أكثر من نفاها في المطلقة. # وأما ما تمسكوا به من القياس على قضاء رمضان فجوابه من وجهين: أحدهما أن ~~السنة فرقت بين الموضعين فجوزت تأخير قضاء رمضان وأوجبت فعل المنسية ثم ~~ذكرها, فليس لنا أن نجمع ما فرقت السنة بينهما. # الثاني: أن هذا القياس حجة عليهم فإن تأخير رمضان إنما يجوز إذا لم يأتي ~~رمضان وهم يجوزون تأخير الفائتة وإن أتى عليها أوقات صلوات كثيرة فأين ~~القياس وأما قولهم لو وجب الفور لما جاز التأخير لأجل الشيطان فقد تقدم ~~جوابه وهو أن الموجبين للفور يجوزون التأخير اليسير لمصلحة التكميل, وأما ~~نقضهم بخنق النبي صلى الله عليه وسلم للشيطان في صلاته فمن أعجب النقض, فإن ~~التأخير اليسير للعدول عن مكان الشيطان لا تترك به الصلاة ولا يذهب به ~~وقتها ولا يقطعها المصلي بخلاف من عرض له الشيطان في صلاته فإنه لو تركها ~~لأجله لكان قد أبطل صلاته وقطعها بعد دخوله فيها, ولعله إن تعرض له في ~~الصلاة الثانية فيقطعها فيترك الصلاة بالكلية فأين إحدى المسألتين من ~~الأخرى والله أعلم بالصواب. فصل # وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها فهي ~~مسألة عظيمة تنازع فيها الناس هل ينفعه القضاء ويقبل منه أم لا ينفعه ولا ms041 ~~سبيل له إلى استدراكها أبدا. # فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك يجب عليه قضاؤها ولا يذهب القضاء ~~عنه إثم التفويت بل هو مستحق للعقوبة إلى أن يعفو الله عنه, وقالت طائفة من ~~السلف والخلف من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر يجوز # PageV01P069 # له التأخير, فهذا لا سبيل له إلى استدراكها. ولايقدر على قضائها أبدا ولا ~~يقبل منه, ولا نزاع بينهم أن التوبة النصوح تنفعه. # ولكن هل من تمام توبته قضاء تلك الفوائت التي تعمد تركها فلا تصح التوبة ~~بدون قضائها أم لا تتوقف التوبة على القضاء فيحافظ عليها في المستقبل ~~ويستكثر من النوافل, وقد تعذر عليه استدراك ما مضى هذا محل الخلاف. # ونحن نذكر حجج الفريقين:- قال الموجبون للقضاء: لما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم النائم والناسي بالقضاء وهما معذورين غير مفرطين فإيجاب القضاء ~~على المفرط العاصي أولى وأحرى, فلو كانت الصلاة لا تصح إلا في وقتها لم ~~ينفع قضاؤها بعد الوقت في حق النائم والناسي. قالوا: وقد صلى صلى الله عليه ~~وسلم العصر بعد المغرب يوم الخندق, ومعلوم قطعا أنهم لم يكونوا نائمين ولا ~~ساهين عنها, ولو اتفق النسيان لبعضهم لم يتفق للجميع, قالوا: وكيف يكون ~~المفرط بالتأخر أحسن حالا من المعذور فيخفف عن المفرط ويشدد على المعذور. ~~قالوا: وإنما أنام الله سبحانه وتعالى رسوله والصحابة ليبين للأمة حكم من ~~فاتته الصلاة وأنها لا تسقط عنه بالتفويت بل يتداركها فيما بعد. قالوا: وقد ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أفطر بالجماع في رمضان أن يقضي يوما ~~مكانه, قالوا: والقياس يقتضي وجوب القضاء فإن الأمر متوجه على المكلف بفعل ~~العبادة في وقتها, فإذا فرط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقطا لفعل العبادة ~~عنه. # قال الآخرون: أوامر الرب تبارك وتعالى نوعان: نوع مطلق غير مؤقت فهذا ~~يفعل في كل وقت, ونوع مؤقت بوقت محدود وهو نوعان: أحدهما ما وقته بقدر فعله ~~كالصيام. والثاني: ما وقته أوسع من فعله كالصلاة, وهذا القسم فعله في وقته ~~شرط في كونه ms042 عبادة مأمورا بها فإنه إنما أمر به على هذه الصفة فلا تكون ~~عبادة على غيرها, قالوا: فما أمر الله به في الوقت فتركه المأمور حتى فات ~~وقته لم يمكن فعله بعد الوقت شرعا وإن أمكن حسا بل لا يمكن حسا أيضا فإن ~~إيتانه بعد الوقت أمر غير المشروع. # PageV01P070 # قالوا ولهذا لا يمكن فعل الجمعة بعد خروج وقتها, ولا الوقوف بعرفة بعد ~~وقته. قالوا: ولا مشروع إلا ما شرعه الله ورسوله, وهو سبحانه ما شرع فعل ~~الصلاة والصيام والحج إلا في أوقات مختصة بت, فإذا فاتت تلك الأوقات لم تكن ~~مشروعة, ولم يشرع الله سبحانه فعل الجمعة يوم السبت ولاالوقوف بعرفة في ~~اليوم العاشر, ولا الحج في غير أشهره. # وأما الصلوات الخمس فقد ثبت بالنص والإجماع أن المعذور بالنوم والنسيان ~~وغلبة العقل يصليها إذا زال عذره, وكذلك صوم رمضان شرع الله سبحانه قضاءه ~~بعذر المرض والسفر والحيض, وكذلك شرع رسوله الجمع بين الصلاتين المشتركتين ~~في الوقت للمعذور بسفر أو مرض أو شغل يبيح الجمع فهذه يجوز تأخيرها عن ~~وقتها المختص إلى وقت الأخرى للمعذور, ولا يجوز لغيره بالاتفاق بل هو من ~~الكبائر العظام, كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجمع بين الجمع بين ~~الصلاتين من غير عذر من الكبائر, ولكن يجب عليه فعلها وإن أخرها إلى وقت ~~الثانية في هذه الصورة لأنها تفعل في هذا الوقت في الجملة. # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون ~~الصلاة عن وقتها, وقيل له صلى الله عليه وسلم ألا نقاتلهم؟ قال: "لا ما ~~صلوا" , وهم كانوا يؤخرون الظهر خاصة إلى وقت العصر فأمر بالصلاة خلفهم ~~وتكون نافلة للمصلي وأمره أن يصلي الصلاة في وقتها ونهى عن قتالهم. # قالوا: وأما من أخر صلاة النهار فصلاها بالليل أوصلاة الليل فصلاها ~~بالنهار فهذا الذي فعله غير الذي أمر به وغير ما شرعه الله ورسوله. فلا ~~يكون صحيحا ولامقبولا. قالوا: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~ترك صلاة العصر ms043 حبط عمله". وقال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله". فلو كان يمكنه استدراكها بالليل لم يحبط عمله ولم يكن موتورا من ~~أعماله بمنزلة الموتور من أهله وماله. وقالوا: وقد صح عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". ~~فكذا من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح. ولو كان ~~فعلها بعد المغرب # PageV01P071 # وطلوع الشمس صحيحا مطلقا لكان مدركا سواء أدرك ركعة أو اقل من ركعة أو لم ~~يدرك منها شيئا؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يرد أدرك ركعة صحت صلاته بلا ~~إثم إذ لاخلاف بين الأمة أنه لا يحل له تأخيرها إلى أن يضيق وقتها عن كمال ~~فعلها, وإنما أراد بالإدراك الصحة والإجزاء. وعندكم تصح وتجزيء ولو أدرك ~~منها قدر تكبيرة أو لم يدرك منها شيئا. فلا معنى للحديث عندكم البتة. # قالوا: والله سبحانه قد جعل لكل صلاة وقتا محدودا الأول والآخر. ولم يأذن ~~في فعلها قبل دخول وقتها ولا بعد خروج وقتها. والمفعول قبل الوقت وبعده أمر ~~غير مشروع. فلو كان الوقت ليس شرطا في صحتها لكان لا فرق في الصحة بين ~~فعلها قبل الوقت وبعده؟ لأن كلا الصلاتين صلاها في غير وقتها فكيف قبلت من ~~هذا المفرط بالتفويت ولم تقبل من المفرط بالتعجيل؟. # قالوا: والصلاة في الوقت واجبة على كل حال. حتى أنه يترك جميع الواجبات ~~والشروط لأجل الوقت. فإذا عجز عن الوضوء أو الاستقبال أو طهارة الثوب ~~والبدن وستر العورة أو قراءة الفاتحة أو القيام في الوقت وأمكنه أن يصلي ~~بعد الوقت بهذه الأمور فصلاته في الوقت بدونها هي التي شرعها الله فعلم أن ~~الوقت مقدم عند الله ورسوله على جميع الواجبات. فإذا لم يكن إلا أحد ~~الأمرين وجب أن يصلي في الوقت بدون هذه الشروط والواجبات. ولوكان له سبيل ~~إلى استدراك الصلاة بعد خروج وقتها لكان صلاته بعد الوقت مع كمال الشروط ~~والواجبات خيرا من صلاته في الوقت ms044 بدونها وأحب إلى الله. وهذا باطل بالنص ~~والاجماع. # وقالوا أيضا: فقد توعد الله سبحانه من فوت الصلاة عن وقتها بوعيد التارك ~~لها. قال تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} , وقد فسر أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم السهو عنها بأنه تأخيرها عن وقتها كما ثبت ~~ذلك عن سعد بن أبي وقاص. وفيه حديث مرفوع. وقال تعالى {فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} وقد فسر الصحابة والتابعون ~~إضاعتها بتفويت وقتها والتحقيق أن إضاعتها تتناول تركها # PageV01P072 # وترك وقتها وترك واجباتها وأركانها, وأيضا إن مؤخرها عن وقتها عمدا متعد ~~لحدود الله كمقدمها عن وقتها فما بالها تقبل مع تعدي هذا الحد ولا تقبل مع ~~تعدي الحد الآخر؟. # قالوا: وأيضا فنقول لمن قال إنه يستدركها بالقضاء: أخبرنا عن هذه الصلاة ~~التي تأمر بفعلها هي التي أمر الله بها أم هي غيرها فإن قال هي بعينها قيل ~~له فالعامد بتركها حينئذ ليس عاصيا لأنه قد فعل ما أمر الله به بعينه فلا ~~يلحقه الإثم والملامة وهذا باطل قطعا وإن قال ليست هي التي أمر الله بها ~~قيل له فهذا من أعظم حججنا عليك إذا ساعدك أن هذه غير مأمور بها. # ثم نقول أيضا ما تقولون في من تعمد تفويتها حتى خرج وقتها ثم صلاها: ~~أطاعه صلاته تلك أم معصية؟ فإن قالوا: صلاته طاعة وهو مطيع بها خالفوا ~~الإجماع والقرآن والسنن الثابتة, وإن قالوا: هي معصية قيل فكيف يتقرب إلى ~~الله بالمعصية وكيف تنوب المعصية عن الطاعة؟ فإن قلتم: هو مطيع بفعلها عاص ~~بتأخيرها وهو أنه إذا تقرب بالفعل الذي هو طاعة لا بالتفويت الذي هو معصية ~~قيل لكم الطاعة هي موافقة الأمر وامتثاله على الوجه الذي أمر به فأين الله ~~ورسوله ممن تعمد تفويت الصلاة بفعلها بعد خروج وقتها حتى يكون مطيعا له ~~بذلك, فلو ثبت ذلك لكان فاصلا للنزاع في المسألة. # قالوا: وأيضا فغير أوقات العبادة لا تقبل تلك العبادة بوجه كما أن الليل ~~لا يقبل ms045 الصيام وغير أشهر الحج لا يقبل الحج وغير وقت الجمعة لا تقبل ~~الجمعة فأي فرق بين من قال أنا أفطر النهار وأصوم الليل أو قال أنا أفطر ~~رمضان في هذا الحر الشديد وأصوم مكانه شهرا في الربيع أو قال أنا أؤخر الحج ~~من شهره إلى المحرم أو قال أنا أصلي الجمعة بعد العشاء الآخرة أو أصلي ~~العيدين في وسط الشهر وبين من قال أنا أؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة ~~الليل إلى النهار فهل يمكن أحدا قط أن يفرق بين ذلك. # قالوا: وقد جعل الله سبحانه للعبادات أمكنه وأزمنة وصفات فلا ينوب مكان ~~عن المكان الذي جعله الله مكانا ميقاتا لها كعرفة ومزدلفة ومنى ومواضع ~~الجمار # PageV01P073 # والمبيت والصفا والمروة, ولا تنوب صفة من صفاتها التي أوجبها الله عليها ~~عن صفة فكيف ينوب زمان عن زمانها الذي أوجبها الله فيه عنه. # قالوا: وقد دل النص والإجماع على أن من أخر الصلاة عن وقتها عمدا أنها قد ~~فاتته, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر ~~أهله". وما فات فلا سبيل إلى إدراكه البتة ولو أمكن أن يدرك لما سمي فائتا ~~وهذا مما لا شك فيه لغة وعرفا, وكذلك هو في الشرع, وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من يوم عرفة". أفلا تراه جعله ~~فائتا بفوات وقته لما لم يمكن أن يدرك في يوم بعد ذلك اليوم, وهذا بخلاف ~~المنسية والتي نام عنها فإنها لا تسمى فائتة, ولهذا لم تدخل في قوله: "الذي ~~تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله". # قالوا: والأمة مجمعة على أن من ترك الصلاة عمدا حتى يخرج وقتها فقد فاتته ~~ولو قبلت منه وصحت بعد الوقت لكان تسميتها فائتة لغوا وباطلا وكيف يفوت ما ~~يدرك؟. قالوا: وكما أنه لا سبيل إلى استدراك الوقت الفائت أبدا فلا سبيل ~~إلى استدراك فرضه ووصفه. # قالوا: وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد ~~المسند وغيره: ms046 "من أفطر يوما من رمضان عذر لم يقضه عنه صيام الدهر". فأين ~~هذا من قولكم يقضيه عنه صيام يوم من أي شهر أراد؟. # قالوا: وقد أمر الله سبحانه المسلمين حال مواجهة عدوهم أن يصلوا صلاة ~~الخوف فيقصروا من أركانها ويفعلوا فيها الأفعال الكثيرة ويستدبروها فيها ~~القبلة ويسلمون قبل الإمام بل يصلون رجالا وركبانا حتى لو لم يمكنهم إلا ~~الإيماء توا بها على دوابهم إلى غير القبلة في وقتها, ولو قبلت منهم في غير ~~وقتها وصحت لجاز لهم تأخيرها إلى وقت الأمن وإمكان الإتيان بها, وهذا يدل ~~على أنها بعد خروج وقتها لا تكون جائزة ولا مقبولة منهم مع العذر الذي ~~أصابهم في سبيله وجهاد أعدائه, فكيف تقبل وتصح من صحيح مقيم لا عذر له ~~البتة, وهو يسمع داعي الله جهرة فيدعها حتى يخرج وقتها ثم يصليها في غير ~~الوقت. # PageV01P074 # وكذلك لم يفسح في تأخيرها عن وقتها للمريض, بل أمره أن يصلي على جنبه ~~بغير قيام ولا ركوع ولا سجود إذا عجز عن ذلك, ولو كانت تقبل منه وتصح في ~~غير وقتها لجاز تأخيرها إلى زمن الصحة, فأخبرونا أي كتاب أو سنة أو أثر عن ~~صاحب نطق بأن من أخر الصلاة وفوتها عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه ~~عمدا يقبلها الله منه بعد خروج وقتها, وتصح منه وتبرأ ذمته منها ويثاب ~~عليها ثواب من أدى فريضته. هذا والله ما لا سبيل لكم إليه البتة حتى تقوم ~~الساعة, ونحن نوجد لكم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال مثل ~~ما قلناه وخلاف قولكم. # فصل # في قول أبي بكر الصديق الذي لم يعلم أن أحدا من الصحابة أنكره عليه, قال ~~عبد الله بن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن زيد أن أبا بكر قال ~~لعمر بن الخطاب: إني موصيك بوصية إن حفظتها إن لله حقا بالنهار لا يقبله ~~بالليل وحقا بالليل لا يقبله بالنهار، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدي ~~الفريضة وإنما ثقلت: موازين من ثقلت موازينه يوم ms047 القيامة باتباعهم في ~~الدنيا الحق وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا, ~~وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم ~~وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف, وإن الله عز وجل ذكر أهل الجنة ~~وصالح ما عملوا وتجاوز عن سيئاتهم, فإذا ذكرتهم خفت ألا أكون منهم وذكر أهل ~~النار وأعمالهم فإذا ذكرتهم قلت: أخشى أن أكون منهم وذكر آية الرحمة وآية ~~العذاب ليكون المؤمن راغبا راهبا فلا يتمنى على الحق ولا يلقى بيده إلى ~~التهلكة فإن حفظت قولي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولا بد لك منه, ~~وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولن تعجزه. # وقال هناد بن السري: حدثنا عبده عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد اليامي, ~~قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة فذكره. قالوا: فهذا أبو بكر قال: إن الله لا ~~يقبل عمل النهار بالليل ولا عمل الليل بالنهار ومن يخالفنا بهذه المسألة ~~يقولون بخلاف # PageV01P075 # هذا صريحا, وأنه يقبل صلاة العشاء الآخرة وقت الهاجرة, ويقبل صلاة العصر ~~نصف النهار. # قالوا: فهذا قول أبي بكر وعمر وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الله ~~بن مسعود والقاسم بن محمد ابن أبي بكر, وهذيل القيلي ومحمد بن سيرين ومطرف ~~بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم وغيرهم. قال شعبة عن يعلى بن ~~عطاء عن عبد الله بن خراش قال: رأى ابن عمر رجلا يقرأ في صحيفة قال له يا ~~هذا القاريء إنه لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها فصل ثم أقرأ ما بدا لك. ~~قال: ولا يصح تأويلكم ذلك على أنه لا صلاة كاملة لوجوه: أحدها: أن النفي ~~يقتضي نفي حقيقة المسمى والمسمى هنا هو التوقيت وحقيقته منتفية. هذه حقيقة ~~اللفظ فما الموجب للخروج عنها. # الثاني: إنكم إذا أردتم بنفي الكمال: الكمال المستحب فهذا باطل, فإن ~~الحقيقة الشرعية لا تنتفي لنفي مستحب فيها وإنما تنتفي لنفي ركن ms048 من أركانها ~~وجزء من أجزائها وهكذا كل نفي ورد على حقيقة شرعية كقوله: "لا إيمان لمن لا ~~أمانة له, ولا صلاة لمن لا وضوء له, ولا عمل لمن لا نية له, ولا صيام لمن ~~لا يبيت الصيام من الليل, ولا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب". ولو انتفت ~~لانتفاء بعض مستحباتها, فما من عبادة إلا وفوقها من جنسها ما هوه أحب إلى ~~الله منها, وقد ساعدتمونا على أن الوقت من واجباتها فإن انتفت بنفي واجب ~~فيها لم تكن صحيحة ولا مقبولة. # الثالث: إنه إذا لم يكن نفي حقيقة المسمى, فنفي صحته والاعتداد به أقرب ~~إلى نفيه من كماله المستحب. وقال محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا ~~سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن عبد الله بن مسعود كان يقول: ~~إن للصلاة وقتا كوقت الحج, فصلوا الصلاة لميقاتها. # فهذا عبد الله قد صرح بأن وقت الصلاة كوقت الحج فإذا كان الحج لا ييقبل ~~في غير وقته فما بال الصلاة تجزيء في غيرة وقتها؟. # وقال عبد الرزاق عن معمر عن بديل العقيلي قال: بلغني أن العبد إذا صلى # PageV01P076 # الصلاة لوقتها صعدت ولها نور ساطع في السماء, وقالت حفظتني حفظك الله ~~وإذا صلاها لغير وقتها طويت كما يطوى الثوب الخلق فيضرب بها وجهه. # فصل: قال الذين يعتدون بها بعد الوقت ويبرئون بها الذمة. واللفظ لأبي عمر ~~بن عبد البر1 فإنه انتصر لهذه المسألة أتم انتصار. # ونحن نذكر كلامه بعينه. قال في الاستذكار في باب "النوم عن الصلاة": قرأت ~~على عبد الوارث أن قاسما حدثهم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا ابن الاصبهاني ~~حدثنا عبيدة بن حميد عن يزيد بن أبي زياد عن تميم بن سلمة عن مسروق عن ابن ~~عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فعرسوا من آخر الليل ~~فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس فأمر بلالا فأذن ثم صلى ركعتين, قال ابن عباس ~~فما يسرني بها الدنيا وما فيها يعني الرخصة: قال أبو عمر: ذلك ms049 عندي والله ~~أعلم لأنه كان سببا إلى أن أعلم أصحابه المبلغين عنه إلى سائر أمته بأن ~~مراد الله عن عباده في الصلاة وإن كانت مؤقتة أن من لم يصلها في وقتها ~~يقضيها أبدا متى ذكرها ناسيا كان لها أو نائما عنها أو متعمدا لتركها. # ألا ترى إلى حديث مالك في هذا الباب عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها". ~~والنسيان في لسان العرب يكون للترك عمدا أو يكون ضد الذكر. قال الله تعالى: ~~{نسوا الله فنسيهم} . أي تركوا طاعة الله والإيمان بما جاء به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتركهم الله من رحمته, وهذا لا خلاف فيه ولا يجهله من ~~له أقل علم بتأويل القرآن. # فإن قيل فلم خص النائم والناسي بالذكر في قوله في غير هذا الحديث: "من ~~نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". # قيل: خص النائم والناسي ليرتفع التوهم والظن فيهما لرفع القلم في سقوط ~~التأثيم عنهما بالنوم والنسيان فأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سقوط ~~الاثم مسقط لما لزمهما من فرض الصلاة وأنها واجبة عليهما عند الذكر لها ~~يقضيها PageV01P077 # كل واحد منهما بعد خروج وقتها إذا ذكرها, ولم يحتج إلى ذكر العامد معهما ~~لأن العلة المتوهمة في الناسي والنائم ليست فيه، ولا عذر له في ترك فرض قد ~~وجب عليه من صلاته إذا كان ذاكرا له, وسوى الله سبحانه وتعالى في حكمها على ~~لسان رسوله بين حكم الصلاة المؤقتة والصيام الؤقت في شهر رمضان بل كل واحد ~~منهما يقضى بعد خروج وقته, فنص على النائم والناسي في الصلاة كما وصفنا ونص ~~على المريض والمسافر في الصوم, وأجمعت الأمة ونقلت: الكافة فيمن لم يصم شهر ~~رمضان عامدا وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرا وبطرا ثم تاب منه بعد ذلك أن ~~عليه قضاءه, وكذلك من ترك الصلاة عامدا فالعامد والناسي في القضاء للصلاة ~~والصيام سواء, وإن اختلفا في الاثم كالجاني ms050 على الأموال المتلف لها عامدا ~~وناسيا سواء, إلا في الاثم وكان الحكم في هذا النوع بخلاف رمي الجمار في ~~الحج الذي لا يقضى وقته لعامد ولا ناس لوجوب الدم فيما ينوب عنها, وبخلاف ~~الضحايا أيضا لأن الضحايا ليست بواجبة فرضا, والصلاة والصيام كلاهما فرض ~~واجب ودين ثابت يؤدى أبدا إن خرج الوقت المؤجل لهما, قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "دين الله أحق أن يقضى" , وإذا كان النائم والناسي للصلاة ~~وهما معذوران يقضيانها بعد خروج وقتها, كان المتعمد لتركها الآثم في فعله ~~ذلك لا يسقط عنه فرض الصلاة, وأن يحكم عليه بالإتيان بها؛ لأن التوبة من ~~عصيانه في عمد تركها هي أداؤها وإقامتها مع الندم على ما سلف من تركه لها ~~في وقتها. وقد شذ بعض أهل الظاهر وأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين ~~وسبيل المؤمنين فقال: ليس على المتعمد لترك الصلاة في وقتها أن يأتي بها في ~~غير وقتها؛ لأنه غير نائم ولا ناس. وإنما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". # قال: والمتعمد غير الناسي والنائم. قال: وقياسه عليهما غير جائز عندنا. ~~كما أن من قتل الصيد لا يجزيه عندنا. فخالف في المسألتين جمهور العلماء. ~~وظن أنه يستتر في ذلك برواية شاذة جاءت عن بعض التابعين شذ فيها عن جماعة ~~من علماء # PageV01P078 # المسلمين وهو محجوج بهم مأمور باتباعهم. فخالف هذا الظاهري طريق النظر ~~والاعتبار وشذ عن جماعة علماء الأمصار. ولم يأت فيما ذهب إليه من ذلك بدليل ~~يصح في العقول. # ومن الدليل على أن الصلاة تصلى وتقضى بعد خروج وقتها كالصيام سواء وإن ~~كان إجماع الأمة الذين أمر من شذ عنهم بالرجوع إليهم وترك الخروج عن سبيلهم ~~يغني عن الدليل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من ~~العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن ~~تطلع الشمس فقد أدرك الصبح". ولم يستثن متعمدا من ناس, ونقلت ms051 الكافة عنه ~~صلى الله عليه وسلم أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل الغروب صلى تمام ~~صلاة العصر بعد الغروب وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع. ولا فرق بين عمل ~~صلاة العصر كلها لمن تعمد أو نسي أو فرط وبين عمل بعضها في نظر ولا اعتبار ~~ودليل آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يصل هو ولا أصحابه يوم ~~الخندق صلاة الظهر والعصر حتى غربت الشمس لشغله بما نصبه المشركون من الحرب ~~ولم يكن يومئذ نائما ولا ناسيا ولا كانت بين المسلمين والكافرين يومئذ حرب ~~قائمة ملتحمة وصلى الظهر والعصر بالليل, ودليل آخر أيضا وهو أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال بالمدينة لأصحابه يوم انصرافه من الخندق: "لا يصلين ~~أحد منكم العصر إلا في بني قريظة". فخرجوا مبادرين وصلى بعضهم العصردون بني ~~قريظة خوفا من خروج وقتها المعهود ولم يصلها بعضهم إلا في بني قريظة بعد ~~غروب الشمس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني ~~قريظة" فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الطائفتين ناس ولا ~~نائم وقد أخر بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلاها وقد علم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذلك فلم يقل لهم إن الصلاة لم تصل في وقتها ولا تقضى بعد ~~خروج وقتها. # ودليل آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصوات ~~عن ميقاتها # PageV01P079 # قالوا: أنفصليها معهم؟ قال: نعم. حدثنا عبد الوراث بن سفيان حدثنا قاسم ~~بن أصبغ حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود حدثنا ~~سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي المثنى الحمصي قال أتى إلي ~~عن امرأة عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: "إنه سيجيء بعدي أمراء تشغلهم أشياء حتى لا يصلوا الصلاة ~~لميقاتها". قالوا: نصليها معهم يا رسول الله قال: "نعم". # قال أبو عمر: أبو ms052 مثنى الحمصي هو الأملوكي: ثقة. وفي هذا الحديث أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أباح الصلاة بعد خروج ميقاتها, ولم يقل إن الصلاة ~~لا تصلى إلا في وقتها والأحاديث في تأخير الأمراء الصلاة حتى يخرج وقتها ~~كثيرة جدا, وقد كان الأمراء من بني أمية وأكثر هم يصلون الجمعة عند الغروب. ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل ~~وقت الأخرى". وقد أعلمهم أن وقت الظهر في الحضر ما لم يدخل وقت العصر. # وروي ذلك عنه من وجوه صحاح قد ذكرت بعضها في صدر الكتاب يعني الإستذكار ~~في المواقيت, وحدثنا عبد الله بن محمد بن راشد حدثنا حمزة بن محمد بن علي ~~حدثنا أحمد بن شعيب النسوي حدثنا سويد بن نضر حدثنا عبد الله يعني ابن ~~المبارك عن سليمان بن مغيرة عن ثابت بن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في النوم تفريط إنما التفريط على ~~من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى". فقد سمى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من فعل هذا مفرطا, والمفرط ليس بمعذور وليس كالنائم والناسي, ثم ~~الجميع من جهة العذر وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته على ما ~~كان عليه من تفريطه, وقد روي في حديث أبي قتادة هذا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "وإذا كان الغد فليصلها لميقاتها". وهذا أبعد وأوضح في أداء ~~المفرط للصلاة عند الذكر وبعد الذكر, وحديث أبي قتادة هذا صحيح الإسناد إلا ~~أن هذا المعنى قد عارضه حديث عمران بن الحصين في نوم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في صلاة الصبح بسفره, # PageV01P080 # وفيه قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نصليها لميقاتها من ~~الغد؟. قال: "لا إن الله لا ينهاكم عن الربا ثم يقبله منكم". # وروى من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله, وقد ذكرنا ~~الأسانيد بذلك كله ms053 في التمهيد, وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثقفي وهو ~~مذكور في الصحابة قال قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجعلوا يسألونه فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر وأقل ما في هذا أنه أخرها ~~عن وقتها الذي كان يصليها فيه لشغل اشتغل بت, وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات ~~التابعين وكبارهم. وقد أجمع العلماء على أن من ترك الصلاة عامدا حتى يخرج ~~وقتها عاص لله وذكر بعضهم أنها كبيرة من الكبائر, وأجمعوا على أن على ~~العاصي أن يتوب من ذنبه بالندم عليه واعتقاد ترك العود إليه قال الله ~~تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} , ومن لزمه حق ~~الله أو لعباده لزمه الخروج منه وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ~~الله عز وجل بحقوق الآدميين وقال: "دين الله أحق أن يقضي". والعجب من هذا ~~الظاهري في نقضه أصله بجهله وحبه لشذوذه وأصل أصحابه فيما وجب من الفرائض ~~بإجماع أنه لا يسقط إلا بإجماع مثله أو سنة ثابتة لا ينازع في قبولها, ~~والصلوات المكتوبات واجبات بإجماع ثم جاء من الاختلاف شذوذ خارج عن اقوال ~~علماء الأمصار فاتبعه دون سنة رويت في ذلك, وأسقط به الفريضة المجمع على ~~وجوبها، ونقض أصله ونسي نفسه. # ثم ذكر أن مذهب داود وأصحابه1 وجوب قضاء الصلاة إذا فوتها عمدا, ثم قال: ~~فهذا قول داود وهو وجه أهل الظاهر, وما أرى هذا الظاهري إلا وقد خرج عن ~~جماعة العلماء من السلف والخلف عدا جميع فرق الفقهاء وشذ عنهم ولا يكون ~~إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم وقد أوهم في كتابه أن له سلفا من ~~الصحابة والتابعين تجاهلا منه, فذكر عن ابن مسعود ومسروق وعمر بن عبد ~~العزيز في قوله: {أضاعوا الصلاة} . أن ذلك عن مواقيتها ولو تركوها لكانوا ~~بتركها كفارا, وهو لا يقول بتكفير تارك الصلاة عمدا إذا إذا أبى إقامتها ~~ولا بقتله PageV01P081 # إذا كان مقرا بها فقد خالفهم فكيف يحتج بهم على أنه معلوم ms054 أن من قضى ~~الصلاة فقد تاب من تضييعها. # قال تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} . ولا تصح ~~لمضيع الصلاة توبة إلا بأدائها كما لا تصح التوبة من دين الآدمي إلا ~~بأدائه, ومن قضى صلاة فرط فيها فقد تاب وعمل صالحا والله لا يضيع أجر من ~~أحسن عملا, وذكر عن سلمان أنه قال: الصلاة مكيال فمن وفاه وفي له ومن طففه ~~فقد علمتم ما قاله الله في المطففين, وهذا لا حجة فيه لأن الظاهر من معناه ~~أن المطفف قد يكون من لم يكمل صلاته بركوعها وسجودها وحدودها, وإن صلاها في ~~وقتها وذكر عن ابن عمر أنه قال: لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها, وكذا ~~نقول: لا صلاة له كاملة الأجزاء كما جاء: "لا صلاة لجار المسجد إلا في ~~المسجد, ولا إيمان لمن لا أمانة له" , ومن قضى الصلاة فقد صلاها وتاب من ~~نسي عمله بتركها وكل ما ذكر في هذا المعنى فغير صحيح، ولا له في شيء منه ~~حجة, لأن ظاهره خلاف ما تأوله. # فصل # قال المانعون من صحتها بعد الوقت وقبولها1: لقد أرعدتم وأبرقتم ولم ~~تنصفونا في حكاية قولنا على وجهه ولافي نقلنا مذاهب السلف ولا في حججنا ~~فإنا لم نقل قط ولا أحد من أهل الإسلام إنها سقطت من ذمته بخروج وقتها ~~وإنها لم تبق واجبة عليه حتى تجلبوا علينا بما أجلبتم وتشنعوا علينا بما ~~شنعتم بل قولنا وقول من حكينا قوله من الصحابة والتابعين أشد على مؤخر ~~الصلاة ومفوتها من قولكم: فإنه قد تحتمت عقوبته وباء بإثم لا سبيل له إلى ~~استدراكه إلا بتوبة يحدثها وعمل يستأنفه, وقد ذكر من الأدلة ما لاسبيل لكم ~~إلى رده فإن وجدتم السبيل إلى الرد فأهلا بالعلم أين كان ومع من كان, فليس ~~القصد إلا طاعة الله وطاعة رسوله ومعرفة ما جاء به ونحن نبين ما في كلامكم ~~من مقبول ومردود؛ فأما: قولكم إن سرور ابن عباس بتلك الصلاة التي صلاها بعد ~~طلوع الشمس لأنه كان سببا ms055 إلى أن أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~المبلغين عنه إلى سائر أمته PageV01P082 # بأن مراد الله من عباده في الصلاة وإن كانت مؤقتة أن من لم يصلها في ~~وقتها يقضيها أبدا ناسيا كان لها أو نائما أو متعمدا لتركها فهذا ظن محض ~~منكم أن ابن عباس أراده, ومعلوم أن كلامه لا يدل على ذلك بوجه من وجوه ~~الدلالة ولا هو يشعر به. # ولعل ابن عباس إنما سر بها ذلك السرور العظيم لكونه صلاها مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفعل مثل ما فعلوا, وحصل له سهمان من الأجر كما ~~حصل للصحابة وخص تلك الصلاة بذلك تنبيها للسامع أنها مع كونها ضحى قد فعلت ~~بعد طلوع الشمس فلا يظن أنها ناقصة وأنها لا أجر فيها فما يسرني بها الدنيا ~~وما فيها, وليس ما فهمتموه عن ابن عباس أولى من هذا الفهم, ولعله أراد أن ~~ذلك من رحمة الله بالأمة ليقتدي به من نام عن الصلاة ولم يفرط بتأخيرها, ~~فمن أين يدل كلامه هذا على أن سروره بتلك الصلاة لأنها تدل على أن من لم ~~يصل وأخر صلاة الليل إلى النهار عمدا, وصلاة النهار إلى الليل أنها تصح منه ~~وتقبل وتبرأ بها ذمته؟ وأن فهم هذا من كلام ابن عباس لمن أعجب العجب ~~فأخبرونا كيف وقع لكم هذا الفهم من كلامه وبأي طريق فهمتموه؟. # فصل # وأما قولكم إن النسيان في لغة العرب هو الترك كقوله: {نسوا الله فنسيهم} ~~إلخ. فنعم لعمر الله إن النسيان في القرآن على وجهين: نسيان ترك ونسيان ~~نسيان سهو. # ولكن حمل الحديث على نسيان الترك عمدا باطل لأربعة أوجه: # أحدها: أنه قال: "فليصلها إذا ذكرها" وهذا صريح في أن النسيان في الحديث ~~نسيان سهو لا نسيان عمد, وإلا كان قوله: "إذا ذكرها" كلاما لا فائدة فيه, ~~فالنسيان إذا قوبل بالذكر لم يكن إلا نسيان سهو كقوله: {واذكر ربك إذا ~~نسيت} , وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا نسيت فذكروني". # الثاني: أنه قال: "فكفارتها أن يصليها ms056 إذا ذكرها" ومعلوم أن من تركها ~~عمدا لا يكفر عنه فعلها بعد الوقت إثم التفويت: هذا مما لاخلاف فيه بين # PageV01P083 # الأمة, ولا يجوز نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذ يبقى معنى ~~الحديث: من ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها فكفارة إثمه صلاتها بعد الوقت, ~~وشناعة هذا القول أعظم من شناعتكم علينا القول بأنها لا تنفعه ولا تقبل ~~منه, فأين هذا من قولكم الثالث: أنه قابل الناسي في الحديث بالنائم, وهذه ~~المقابلة تقتضي أنه الساهي كما يقول جملة أهل الشرع: النائم والناسي غير ~~مؤاخذين. # الرابع: أن الناسي في كلام الشارع إذا علق به الأحكام لم يكن مراده إلا ~~الساهي وهذا مطرد في جميع كلامه كقوله صلى الله عليه وسلم: "من أكل أو شرب ~~ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه". # فصل # وأما قولكم: فسوى الله سبحانه في حكمهما أي حكم العامد والناسي على لسان ~~رسوله بين حكم الصلاة المؤقتة والصيام المؤقت في شهر رمضان بأن كل واحد ~~منهما يقضى بعد خروج وقته فنص على النائم والساهي في الصلاة كما وصفنا, ونص ~~على المريض والمسافر في الصوم, واجتمعت الأمة ونقلت: الكافة فيمن لم يصم ~~شهر رمضان عامدا وهو مؤمن بفرضه وإثم تركه أشرا وبطرا ثم تاب منه أن عليه ~~قضاءه إلى آخره, فجوابه من وجوه: # أحدها قولكم إن الله سبحانه وتعالى سوى بينهما أي بين العامد والناسي ~~فكلام باطل على إطلاقه فما سوى الله سبحانه بين عامد وناس أصلا, وكلامنا في ~~هذا العامد العاصي الآثم المفرط غاية التفريط فأين سوى الله سبحانه بين ~~حكمهما في صلاة أو صيام, وقولكم فنص على النائم والناسي في الصلاة كما ~~وصفنا قد تقدم أن النسيان المذكور في الصلاة لا يصح حمله على العمد بوجه, ~~وأن الذي نص عليه في الحديث هو نسيان السهو الذي هو نظير النوم فلا تعرض ~~فيه للعامد, وأما نصه على المريض والمسافر في الصوم فهما وإن أفطرا عامدين ~~فلا يمكن أخذ حكم تارك الصلاة عمدا من حمكها وما سوى ms057 الله ولا رسوله بين ~~تارك الصلاة عمدا أو أشرا حتى يخرج وقتها وبين تارك الصوم لمرض # PageV01P084 # أو سفر حتى يؤخذ حكم أحدهما من الآخر, فمؤخر الصوم في المرض والسفر كمؤخر ~~الصلاة لنوم أو نسيان وهذان هما اللذان سوى الله ورسوله بين حكمهما فنص ~~الله على حكم المريض والمسافر في الصوم المعذورين ونص رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على حكم النائم والناسي في الصلاة المعذورين فقد استوى حكمهما في ~~الصوم والصلاة, ولكن أين استوى حكم العامد المفرط الآثم والمريض والمسافر ~~والنائم والناسي المعذورين. # يوضحه أن الفطر بالمرض قد يكون واجبا بحيث يحرم عليه الصوم, والفطر في ~~السفر إما واجب عند طائفة من السلف والخلف, أو أنه أفضل من الصوم عند غيرهم ~~أو هما سواء. أو الصوم أفضل منه لمن لا يشق عليه ثم آخرين, وعلى كل تقدير ~~فإلحاق تارك الصلاة والصوم عمدا وعدوانا به من أفسد الإلحاق وأبطل القياس, ~~وهذا مما لا خفاء به عند كل عالم. # وقولكم إن الأمة اجتمعت والكافة نقلت: أن من لم يصم شهر رمضان عامدا أشرا ~~أو بطرا ثم تاب منه فعليه قضاؤه, فيقال لكم أوجدونا عشرة من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فن دونهم صرح بذلك, ولن تجدوا إليه سبيلا, وقد ~~أنكر الأئمة كالإمام أحمد والشافعي وغيرهما دعوى هذه الإجماعات التي حاصلها ~~عدم العلم بالخلاف لا العلم بعدم الخلاف, فإن هذا مما لا سبيل إليه إلا ~~فيما علم بالضرورة أن الرسول جاء بت, وأما ما قامت الأدلة الشرعية عليه فلا ~~يجوز لأحد أن ينفي حكمه لعدم علمه بمن قال به فإن الدليل يجب اتباع مدلوله ~~وعدم العلم بمن قال به لا يصح أن يكون معارضا بوجه ما, فهذا طريق جميع ~~الأئمة المقتدى بهم. قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله من ادعى ~~الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا. هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكن ~~يقول لا نعلم للناس اختلافا إذا لم يبلغه, وقال في رواية المروزي كيف يجوز ~~للرجل أن يقول ms058 أجمعوا إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم لو قال إني لا أعلم ~~مخالفا كان أسلم. وقال في رواية أبي طالب هذا كذب ما أعلمه أن الناس مجمعون ~~ولكن يقول ما أعلم فيه اختلافا فهو أحسن من قوله أجمع الناس. وقال في رواية ~~أبي الحارث # PageV01P085 # لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع. لعل الناس اختلفوا. وقال الشافعي في ~~أثناء مناظرته لمحمد بن الحسن: لا يكون لأحد أن يقول أجمعوا حتى يعلم ~~إجماعهم في البلدان ولا يقبل على أقاويل من نأت داره منهم ولا قربت إلا خبر ~~الجماعة عن الجماعة. فقال لي تضيق هذا جدا قلت: له وهو مع موجود وقال في ~~موضع آخر وقد بين ضعف دعوى الإجماع وطالب من يناظره بمطالبات عجز عنها فقال ~~له المناظر فهل من إجماع قلت: نعم. الحمد لله كثيرا في كل الفرائض التي لا ~~يسع جهلها وذلك الإجماع هو الذي إذا قلت: أجمع الناس لم تجد أحدا يقول لك ~~ليس هذا بإجماع فهذه الطريق التي يصدق بها من أدعى الإجماع فيها, وقال بعد ~~حكاه في مناظرته أو ما كفاك عيب الإجماع أنه لم يرو عن أحد بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دعوى الإجماع إلا فيما لم يختلف فيه أحد إلى أن كان أهل ~~زمانك هذا. قال له المناظر: فقد ادعاه بعضكم. قلت: أفحمدت ما ادعى منه؟ ~~قال: لا. قلت: فكيف صرت إلى أن تدخل فيما زعمت في أكثر ما عبت الاستدلال من ~~طريقك عن الإجماع وهو ترك ادعاء الإجماع فلا تحسن النظر لنفسك إذا قلت: هذا ~~إجماع فتجد حولك من يقول لك معاذ الله أن يكون هذا إجماعا. وقال الشافعي في ~~رسالته: ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا فهذا كلام أئمة أهل العلم في دعوى ~~الإجماع كما ترى. # فلنرجع إلى المقصود فنقول: من قال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن من ترك الصلاة عمدا لغير عذر حتى خرج وقتها أنها تنفعه بعد الوقت وتقبل ~~وتبرأ ذمته فالله يعلم أنا لم نظفر ms059 على صاحب واحد منهم قال ذلك. # وقد نقلنا عن الصحابة والتابعين ما تقدم حكايته, وقد صرح الحسن بما ~~قلناه, فقال محمد بن نصر المروزي في كتابه في الصلاة: حدثنا إسحاق حدثنا ~~النضر عن الاشعت عن الحسن قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا ~~يقضيها. قال محمد وقول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما أنه كان يكفره بترك ~~الصلاة متعمدا فلذلك لم ير عليه القضاء؛ لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك ~~من الفرائض في كفره. # PageV01P086 # والثاني: أنه لم يكفره بتركها, وأنه ذهب إلى أن الله عز وجل إنما فرض أن ~~يأتي بالصلاة في وقت معلوم, فإذا تركها حتى ذهب وقتها فقد لزمته المعصية ~~لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه فيه, فإذا أتى به بعد ذلك فإنما أتى ~~به في وقت لم يؤمر بإتيانه فيه فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به عن ~~المأمور به, وهذا مستنكر في النظر لولا أن العلماء قد أجمعت على خلافه. ~~قال: ومن ذهب إلى هذا قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها وفي النائم أيضا ~~لو لم يأت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من نام عن صلاة أو ~~نسيها فليصلها إذا استيقظ". وذكر أنه نام عن صلاة الغداة فقضاها بعد ذهاب ~~الوقت لما وجب عليه في النظر قضاؤها أيضا فلما جاء الخبر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك وجب عليه قضاؤها وبطل حظ النظر, فقد نقل محمد الخلاف صريحا ~~وظن أن الأمة أجمعت على خلافه, وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يرى أن ~~الإجماع ينعقد بعد الخلاف. # والثاني: أنه لايرى خلاف الواحد قادحا في الإجماع, وفي المسألتين نزاع ~~معروف. # وأما قوله إن القياس يقتضي أن لا يقتضي النائم والناسي لولا الخبر فليس ~~كما زعمتم لأن وقت النائم والناسي هو وقت ذكره وانتباهه لا وقت له غير ذلك ~~كما تقدم والله أعلم. # وأما قولكم إن الكافة نقلت: والأمة اجمعت أن من لم يصم شهر رمضان أشرا ~~وبطرا أن عليه قضاءه, فأين ms060 النقل بذلك إذا جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد روى عنه أهل السنن والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة: ~~"من أفطر يوما من رمضان من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر وإن صامه". فهذه ~~الرواية المعروفة فأين الرواية عنه أو عن أصحابه: من أفطر رمضان أو بعضه ~~أجزأ عنه أن يصوم مثله, وأما قولكم: إن الصلاة والصيام دين ثابت يؤدى أبدا ~~وإن خرج الوقت المؤجل لهما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دين الله ~~أحق أن يقضي". فنقول: هذا الدليل مبني على مقدمتين: # PageV01P087 # إحداهما: إن الصلاة والصيام دين ثابت في ذمة من تركهما عمدا, والمقدمة ~~الثانية: أن هذا الدين قابل للأداء فيجب أداؤه؛ فأما المقدمة الأولى فلا ~~نزاع فيها ولانعلم أن أحدا من أهل العلم قال بسقوطها من ذمته بالتأخير ~~ولعلكم توهمتم علينا أنا نقول بذلك وأخذتم في الشناعة علينا وفي التشغيب ~~ونحن لم نقل ذلك ولا أحد من أهل الإسلام, وأما المقدمة الثانية ففيها وقع ~~النزاع وأنتم لم تقيموا عليها دليلا فادعاؤكم لها هو دعوى محل النزاع بعينه ~~جعلتموه مقدمة من مقدمات الدليل وأثبتم الحكم بنفسه فمنازعوكم يقولون لم ~~يبق للمكلف طريق إلى استدراك هذا الفائت وإن الله تعالى لا يقبل أداء هذا ~~الحق إلافي وقته وعلى صفته التي شرعه عليها, وقد أقاموا على ذلك من الأدلة ~~ما قد سمعتم فما الدليل على أن هذا الحق قابل للأداء في غير وقته المحدود ~~له شرعا, وأنه يكون عبادة بعد خروج وقته. # وأما قوله: "اقضوا الله فالله أحق بالقضاء" وقوله: "دين الله أحق أن ~~يقضى". فهذا إنما قاله في حق المعذور لا المفرط, ونحن نقول في مثل هذا ~~الدين يقبل القضاء, وأيضا فهذا إنما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطرفين, ففي الصحيحين من حديث ابن ~~عباس أن امرأة قالت يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ ~~قال: "أرأيت لو ms061 كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها"؟ قالت: نعم. ~~قال: "فصومي عن أمك". # وفي رواية أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا فأنجاها ~~الله سبحانه وتعالى فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذكرت ذلك فقال: "صومي عنها". رواه أهل السنن وكذلك جاء منه ~~الأمر بقضاء هذا الدين في الحج الذي لا يفوت وقته إلا بنفاد العمر. # ففي المسند والسنن من حديث عبد الله بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ # PageV01P088 # لا يستطيع ركوب رحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه؟ قال: "أنت أكبر ولده". ~~قال: نعم. قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان ذلك يجزيء ~~عنه"؟ قال: نعم. قال: "فحج عنه". وعن ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت ~~أفأحج عنها"؟ قال: "نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ~~اقضوا الله فالله أحق بالوفاء". متفق على صحته. # وعن ابن عباس أيضا قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إن أبي ~~مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو أن أباك ترك دينا عليه ~~فقضيته أكان يجزيء عنه"؟ قال: نعم. قال: "فحج عن أبيك". رواه الدارقطني. # ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء: دين الله أحق أن يقضى. # فالقضاء المذكور في هذه الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين ~~وقد جاهر بمعصيته الله سبحانه وتعالى بتفويتها بطرا وعدوانا فهذا الدين ~~مستحقه لا يعتد به ولا يقبله إلا على صفته التي شرعه عليها, ولهذا لو قضاه ~~على غير تلك الصفة لم تنفعه. # فصل # قولكم وإذا كان النائم والناسي للصلاة وهما معذوران يقضيانها بعد خروج ~~وقتها كان المتعمد لتركها أولى. فجوابه من وجوه: أحدها المعارضة بما هو أصح ~~منه ms062 أو مثله وهو أن يقال: لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور ~~المطيع لله ورسوله الذي لم يكن منه تفريط في فعل ما أمر به وقبوله منه صحته ~~وقبوله منه متعد لحدود الله مضيع لأمره تارك لحقه عمدا وعدوانا فقياس هذا ~~على هذا في صحة العبادة وقبولها منه وبراء الذمة بها من أفسد القياس. # الوجه الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها بل ~~في نفس وقتها الذي وقته الله له, فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ ويذكر كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: "من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها". رواه البيهقي ~~والدارقطني وقد تقدم. # PageV01P089 # فالوقت وقتان: وقت اختيار ووقت عذر, فوقت المعذور بنوم أو سهو هو وقت ~~ذكره واستيقاظه فهذا لم يصل الصلاة إلا في وقتها فكيف يقاس عليه من صلاها ~~في غير وقتها عمدا وعدوانا؟. # الثالث: أن الشريعة قد فرقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي ويبن ~~المعذور وغيره, وهذا مما لا خلاف فيه, فإلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز. # الرابع: إنا لم نسقطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور حتى يكون ما ~~ذكرتم حجة علينا بل ألزمنا بها المفرط المتعدي على وجه لا سبيل له إلى ~~استدراكها تغليظا عليه, وجوزنا قضاءها للمعذور غير المفرط. # فصل # وأما استدلالكم بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن ~~تغرب الشمس فقد أدرك العصر". فما أصحه من حديث على مقتضى قولكم فإنكم ~~تقولون هو مدرك العصر ولو لم يدرك من وقتها شيئا البتة بمعنى أنه مدرك ~~لفعلها صحيحة منه مبرئة لذمته, فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وتقبل منه لم ~~يتعلق إدراكها بركعة, ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن من ~~أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إثم, بل هو آثم يتعمد ذلك اتفاقا, فإنه ~~أمر أن يوقع جميعها في وقتها, فعلم أن هذا الإدراك لا يرفع الإثم بل هو ~~مدرك آثم, فلو كانت تصح بعد ms063 الغروب لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت ~~أولا يدرك منه شيئا, فإن قلتم: إذا أخرها إلى بعد الغروب كان أعظم أثرا. ~~قيل لكم: النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين إدراك الركعة وعدمها في ~~كثرة الإثم وخفته وإنما فرق بينهما في الإدراك وعدمه, ولا ريب أن المفوت ~~لمجموعها في وقت أعظم من المفوت لأكثر ها والمفوت لأكثر ها فيه أعظم من ~~المفوت لركعة منها. # فنحن نسألكم ونقول: ما هذا الإدراك الحاصل بركعة؟ أهذا إدراك يرفع الإثم؟ ~~فهذا لا يقوله أحد, أو إدراك يقتضي الصحة فلا فرق فيه بين أن يفوتها ~~بالكلية أو يفوتها إلا ركعة منها. # PageV01P090 # فصل # وأما احتجاجكم بتأخير النبي صلى الله عليه وسلم لها يوم الخندق نوم ولا ~~نسيان ثم قضاها. فيقال: يالله العجب! لو أتينا نحن بمثل هذا لقامت قيامتكم ~~وأقمتم قيامتنا بالتشنيع علينا فكيف تحتجون على تفويت صاحبه عاص لله آثم ~~متعد لحدود مستوجب لعقابه بتفويت صدر من أطوع الخلق لله وأرضاهم له وأتبعهم ~~لأمره, وهو مطيع لله في ذلك التأخير متبع مرضاته فيه وذلك التأخير منه ~~صلوات الله وسلام عليه إما أن يكون نسيانا منه أو يكون أخرها عمدا, وعلى ~~التقديرين فلا حجة لكم فيه بوجه فإنه إن كان نسيانا فنحن وسائر الأمة نقول ~~بموجبه وأن الناسي يصليها متى ذكرها, وإن كان عامدا فهو تأخير لها من وقت ~~إلى وقت أذن فيه كتأخير المسافر والمعذور الظهر إلى وقت العصر والمغرب إلى ~~وقت العشاء. وقد أختلف الناس فيمن أدركته الصلاة وهو مشغول بقتال العدو على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يصلي حال القتال على حسب حاله ولا يؤخر الصلاة. قالوا: ~~والتأخير يوم الخندق منسوخ, وهذا هو مذهب الإمام الشافعي والإمام مالك ~~والإمام أحمد في المشهور عنه من مذهبه. # الثاني: أنها تؤخر كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق. وهذا ~~مذهب أبي حنيفة. والأولون يجيبون على هذا بأنه كان قبل أن تشرع صلاة الخوف ~~فلما شرعت صلاة الخوف لم يؤخرها بعد ذلك ms064 في غزاة واحدة. والحنيفة تجيب عن ~~ذلك بأن صلاة الخوف إنما شرعت على تلك الوجوه ما لم يلتحم القتال, فإنهم ~~يمكنهم أن يصلوا صلاة الخوف كما أمر الله سبحانه بأن يقوموا صفين صفا يصلون ~~وصفا يحرسون, وأما حال الالتحام فلا يمكن ذلك فالتأخير وقع حال الاشتغال ~~بالقتال وصلاة الخوف شرعت حال المواجهة قبل الاشتغال بالقتال وهذا له موضع, ~~وهذا في القول كما ترى. # وقالت طائفة ثالثة: يخير بين تقديمها والصلاة على حسب حاله وبين تأخيرها ~~حتى يتمكن من فعلها, وهذا مذهب جماعة من الشاميين وهو إحدى الروايتين # PageV01P091 # عن الإمام أحمد, لأن الصحابة فعلوا هذا وهذا في قصة بني قريظة, كما ~~سنذكرها بعد هذا إن شاء الله تعالى, وعلى الأقوال الثلاثة فلا حجة للعاصي ~~المفرط المعتدي الذي قد باء بعقوبة الله وإثم التفويت في ذلك بوجه من ~~الوجوه, وبالله التوفيق. # فصل # وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بتأخير الصحابة العصر إلى بعد غروب الشمس ~~عمدا حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني ~~قريظة". فأدركت طائفة الصلاة في الطريق فقالوا: لم يرد منا تأخيرها فصلوها ~~في الطريق, وأبت طائفة أخرى أن تصليها إلا في بني قريظة فصلوها بعد العشاء, ~~فما عنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين, فإن الذين ~~أخروها كانوا مطيعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم معتقدين وجوب ذلك ~~التأخير, وأن وقتها الذي أمروا به حيث أدركهم في بني قريظة فكيف يقاس ~~العاصي المتعدي لحدود الله على المطيع له الممتثل لأمره فهذا من أبطل قياس ~~في العالم وأفسده وبالله التوفيق. # وقد فضلت طائفة من العلماء الذين أخروها إلى بني قريظة على الذين صلوها ~~في الطريق. قالوا: لأنهم امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الحقيقة, والآخرون تأولوا فصلوها في الطريق. # فصل # وأما استدلاكم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلى نافلة مع الأمراء ~~الذين كانوا يضيعون الصلاة عن وقتها ويصلونها في غير الوقت, فلا حجة فيه ~~لأنهم لم ms065 يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ولا صلاة الليل إلى النهار ~~بل كانوا يؤخرون صلاة الظهر إلى وقت العصر, وربما كانوا يؤخرون العصر إلى ~~وقت الأصفرار ونحن نقول إنه متى أخر إحدى صلاتي الجمع إلى وقت الأخرى صلاها ~~في وقت الثانية وإن كان غير معذور. وكذلك إذا أخر العصر إلى الاصفرار. بل ~~إلى أن يبقى منها قدر ركعة فإنه يصليها بالنص. وقد جمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة من غير خوف ولامطر1 أراد أن لا يحرج أمته. فهذا التأخير لا ~~يمنع صحة الصلاة. PageV01P092 # وأما قولكم قد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة من أخر الظهر إلى ~~وقت العصر مع تفريطه في خروج وقت الظهر, فجوابه إن الوقت مشترك بين ~~الصلاتين في الجملة, وقد جمع رسول الله بالمدينة خوف ولا مرض وهذا لا ينازع ~~فيه, ولكن هل أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في وقت الضحى ~~من غير نوم لا نسيان. # وأما قولكم وقد روي من حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: فيمن نام عن صلاة الصبح: "وإذا كان الغد فليصلها لميقاتها". أن هذا ~~أوضح في أداء المفرط للصلاة عند الذكر وبعد الذكر, وهو حديث صحيح الإسناد. # فيا لله العجب! أين في هذا الحديث ما يدل بوجه من وجوه الدلالة نصها أو ~~ظاهرها أو إيمائها على أن العاصي المتعدي لحدود الله بتفويت الصلاة عن ~~وقتها تصح منه بعد الوقت وتبرأ ذمته منها, وهو أهل أن تقبل منه, وكأنكم ~~فهمتم من قوله: "فإذا كان الغد فليصلها لميقاتها" أمره بتأخيرها إلى الغد. ~~وهذا باطل قطعا لم يرده رسول الله صلى الله عليه وسلم, والحديث صريح في ~~إبطاله فإنه أمره أن يصليها إذا استيقظ أو ذكرها, ثم روى في تمام الحديث ~~هذه الزيادة وهي قوله: "فإذا كان من الغد فليصلها لميقاتها". # وقد اختلف الناس في صحة هذه الزيادة ومعناها, فقال بعض الحفاظ هذه ~~الزيادة وهم من عبد الله بن رباح الذي روى الحديث ms066 عن أبي قتادة أو من أحد ~~الرواة, وقد روي عن البخاري أنه قال: لا يتابع في قوله: "فليصل إذا ذكرها ~~لوقتها من الغد". # وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عمران بن حصين قال سرت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما كان من آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى الحفتنا الشمس, ~~فجعل الرجل يقوم دهشا إلى طهوره. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يسكنوا, ثم ارتحل فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضأ ثم أمر بلالا فأذن ثم ~~صلى الركعتين قبل الفجر ثم أقام فصلينا فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها في ~~وقتها من الغد؟ قال: "أينهاكم ربكم تبارك وتعالى عن الربا ويقبله منكم". # قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي: وفي هذا دليل # PageV01P093 # على ما قال البخاري؛ لأن عمران بن الحصين كان حاضرا ولم يذكر ما قال عبد ~~الله بن رباح عن أبي قتادة. # وعندي أنه لا تعارض بين الحديثين ولم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإعادتها من الغد وإنما الذي أمر به فعل الثانية في وقتها, وأن الوقت لم ~~يسقط بالنوم والنسيان بل عاد إلى ما كان عليه, والله أعلم. قوله: وقد روى ~~عبد الرحمن بن علقمة الثقفي قال: قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجعلوا يسألونه فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر إلى آخره, وقد تقدم ~~جواب هذا وأمثاله مرارا وأن هذا التأخير كان طاعة لله تعالى وقربة وغايته ~~أنه جمع بين الصلاتين لشغل مهم من أمور المسلمين, فكيف يصح إلحاق تأخير ~~المتعدي لحدود الله بت؟ ولقد ضعفت مسألة نصر بمثل هذا قوله: وليس ترك ~~الصلاة حتى يخرج وقتها عمدا مذكورا عند الجمهور في الكبائر. فيقال يا لله ~~العجب! وهل تقبل هذه المسألة نزاعا. وهل ذلك إلا من أعظم الكبائر وقد جعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تفويت صلاة العصر محبطا للعمل فأي كبيرة تقوى ~~على إحباط العمل سوى تفويت الصلاة. # وقد قال عمر ms067 بن الخطاب رضي الله عنه: الجمع بين الصلايتن من غير عذر من ~~الكبائر. ولم يخالفه صحابي واحد في ذلك. بل الآثار الثابتة الصحابة كلها ~~توافق ذلك. هذا والجامع بين الصلاتين قد صلاهما في وقت إحداهما للعذر. ~~فماذا نقول فيمن صلى الصبح في وقت الضحى عمدا وعدوانا والعصر نصف الليل من ~~غير عذر. وقد صرح الصديق أن الله لا يقبل هذه الصلاة ولم يخالف الصديق ~~صحابي واحد وقد توعد الله سبحانه بالويل والغي لمن سها عن صلاته وأضاعها, ~~وقد قال الصحابة وهم أعلم الأمة بتفسير الآية إن ذلك تأخيرها عن وقتها كما ~~تقدم حكايته. # ويا لله العجب أي كبيرة أكبر من كبيرة تحبط العمل وتجعل الرجل بمنزلة من ~~قد وتر أهله وماله, وإذا لم يكن تأخير صلاة النهار إلى الليل وتأخير صلاة ~~الليل إلى النهار من غير عذر من الكبائر لم يكن فطر شهر رمضان من غير عذر ~~وصوم شوال بدله من الكبائر, ونحن نقول بل ذلك أكبر من كل # PageV01P094 # كبيرة بعد الشرك بالله. ولأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك به ~~خير له من أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار عدوانا ~~عمدا بلاعذر, وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن سليمان بن يسار عن المسور بن ~~مخرمة أنه دخل مع ابن عباس على عمر حين طعن فقال ابن عباس يا أمير المؤمنين ~~الصلاة فقال: أجل أصلي: إنه لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة. وقال ~~إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر وعمر كانا ~~يعلمان الناس الإسلام: تعبد الله ولاتشرك به شيئا وتقيم الصلاة التي افترض ~~الله بمواقيتها فإن في تفريطها الهلكة. # وقال محمد بن نصر المروزي وسمعت إسحاق يقول: صح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أن تارك الصلاة كافر" , وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب ms068 ~~وقتها كافر, وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس والمغرب إلى طلوع ~~الفجر, وإنما جعل أوقات الصلاة بما ذكرنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~جمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة في السفر فصلى إحداهما في وقت الأخرى, ~~فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأولى منهما وقتا للأخرى في حال ~~والأخرى وقتا للأولى في حال صار وقتاهما وقتا واحدا في حال العذر, كما أمرت ~~الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس أن تصلي الظهر والعصر وإذا طهرت آخر الليل ~~أن تصلي المغرب والعشاء, وإذا كان صلاة الذي يؤخر العصر حتى تصير الشمس بين ~~قرني الشيطان صلاة المنافق بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يقول بأبي ~~هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه لمن يصليها بعد العشاء, وقد قال تعالى: {إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} . فإذا اجتنب الرجل كبائر ~~المنهيات واستمر على صلاة الصبح في وقت الضحى والعصر بعد العشاء كان على ~~قولكم مغفورا له غير آثم البتة, وهذا لا يقول أحد. # قوله: والعجب من هذا الظاهري كيف نقض أصله فإنه يقول ما وجب بإجماع فإنه ~~لا يسقط إلا بالإجماع, فيقال: غاية هذا أن منازعكم تناقض فلا يكون تناقضه ~~مصححا لقولكم, وإن أردتم بذلك الاستدلال بالاستصحاب وأن الصلاة # PageV01P095 # كانت في ذمته بإجماع فلا تسقط إلا بإجماع وهو مفقود, قيل لكم: ومن ذا ~~الذي قال بسقوطها من ذمته بالتأخير, وأن ذمته قد برئت منها, فمن قال بهذا ~~فقوله أظهر بطلانا من أن نحتاج إلى دليل عليه. والذي يقول منازعوكم إنها قد ~~استقرت في ذمته على وجه لا سبيل له إلى أدائها واستدراكها إلا بعود ذلك ~~الوقت بعينة, وهذا محال, ثم نعارض هذا الإجماع بإجماع مثله أو أقوى منه, ~~فنقول: أجمع المسلمون على أنه عاص متعد مفرط بإضاعة الوقت فلا يرتفع هذا ~~الاجماع إلا بإجماع مثله, ولم يجمعوا أنه يرتفع عنه الإثم والعدوان بالفعل ~~بعد الوقت, بل لعل هذا لم يقله أحد. # فهذا ما يتعلق بالحجاج من الجانبين, ms069 وليس لنا غرض فيما وراء ذلك, وقد بان ~~من هو أسعد بالكتاب والسنة وأقوال السلف في هذه المسالة والله المستعان. # فصل # فإن قيل فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المفطر متعمدا في نهار رمضان ~~بالقضاء في موضعين أحدهما المجامع. والثاني: المستقيء. ففي السنن من حديث ~~أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد جامع أهله في ~~رمضان فذكر الحديث وقال فيه: "فأتى بعذق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعا" وفيه ~~قال: "كله أنت وأهل بيتك وصم يوما واستغفر الله عز وجل". وعند ابن ماجة: ~~"وصم يوما مكانه". # وفي السنن والمسند من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض". قيل: ~~الحديثان معلولان لا يثبتان. أما قصة المجامع في رمضان فقد رواها أصحاب ~~الصحيح ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة, والذي ذكرها لا تقوم به الحجة فإنها ~~من رواية عبد الجبار بن عمر الأيلي وقد ضعفه الأئمة. قال يحيى بن معين: ~~"ليس بشيء ولا يكتب حديثه" وقال مرة: "ضعيف" وكذلك قال أبو زرعة والسعدي أي ~~ابن سعد والنسائي, وقال البخاري: "ليس بالقوي عنده مناكير" وقال ابن عدي: ~~"عامة ما يرويه يخالف فيه والضعف بين على رواياته" ورواه أئمة أصحاب ابن ~~شهاب عنه كمالك وغيره فلم يذكروا قوله: "صم يوما مكانه". ورواه أبو مروان ~~العثماني عن إبراهيم بن سعد عن الليث عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "له في هذه القصة اقض # PageV01P096 # يوما مكانه". وكذا روي عن الدراوردي عن إبراهيم بن سعد عن الليث قال ~~البيهقي وإبراهيم عنده الحديث عن الزهري بلا هذه الكلمة, وقد رواه حجاج بن ~~أرطاة عن إبراهيم بن علي كذا مر عن ابن المسيب وعن الزهري عن حميد عن أبي ~~هريرة ورواه حجاج عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وقال فيه عمرو وأمره أن ~~يقضي يوما مكانه, وقد ms070 رواه هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ~~وقال فيه: "وصم يوما مكانه واستغفر الله". فخالف هشام الناس في روايته عن ~~أبي سلمة والحديث لحميد عن أبي هريرة. # ورواه ابن أبي اويس قال حدثني أبي أن ابن شهاب أخبره عن حميد أن أبا ~~هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر الذي يفطر في رمضان أن ~~يصوم يوما مكانه, ولكن هذا يخالف رواية أصحاب ابن شهاب فإنهم لم يذكروا هذه ~~الزيادة, وقال الشافعي أخبرنا مالك عن عطاء الخراساني عن ابن المسيب قال ~~أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث, وقال في آخره: ~~"فصم يوما مكان ما أصبت". وهذا مرسل ولكنه من مراسيل ابن المسيب, ورواه ~~داود بن أبي هند عن عطاء فلم يذكر قوله: "وصم يوما مكانه" وعطاء كذبه ابن ~~المسيب. وقال ابن حبان: "كان رديء الحفظ يخطيء ولا يعلم فبطل الاحتجاج بت". # وأما حديث المستقيء عمدا فهو حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء". فقال ~~الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال: قال محمد يعني البخاري لا أراه محفوظا, ~~وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "ليس من ذا شيء". وقال الترمذي في ~~كتاب العلل: حدثنا علي بن حجر حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن ~~سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء فليس ~~عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض". قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن ~~إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس عن هشام ~~بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: ما أراه محفوظا قال: وقد روى يحيى ~~ابن أبي كثير # PageV01P097 # عن عمر بن الحكم أن أبا هريرة كان لا يرى القيء بفطر الصائم. # وبتقدير صحة الحديث فلا حجة فيه, إذ المراد به المعذور الذي ms071 اعتقد أنه ~~يجوز له الاستقياء أو المريض الذي احتاج أن يستقيء فاستقاء فإن الاستقياء ~~في العادة لا يكون وإلا فلا يقصد العاقل أن يستقيء حاجة فيكون المستقيء ~~متداويا بالاستقياء كما لو تداوى بشرب دواء, وهذا يقبل منه القضاء أو يؤمر ~~به اتفاقا, وقد اختلف الفقهاء في المجامع في نهار رمضان إذا كفر هل يجب أن ~~يقضي يوما مكان الذي أفطره على ثلاثة أقوال: وهي الشافعي أحدها يجب. ~~والثاني: لا يجب. والثالث: إن كفر بالعتق أو الإطعام وجب عليه الصيام وإن ~~كفر بالصوم لم يجب عليه قضاء ذلك اليوم1. PageV01P098 # فصل # وأما ### | المسألة السادسة: وهي هل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا؟ # فهذه المسألة مبينة على أصلين: أحدهما أن صلاة الجماعة فرض أم سنة؟ وإذا ~~قلنا هي فرض فهل هي شرط لصحة الصلاة أم تصح بدونها مع عصيان تاركها؟ فهاتان ~~مسألتان: # أما المسألة الأولى: فاختلف الفقهاء فيها فقال بوجوبها عطاء بن أبي رباح ~~والحسن البصري وأبو عمر الأوزاعي وأبو ثور والإمام أحمد في ظاهر مذهبه ونص ~~عليه الشافعي في مختصر المزني, فقال: وأما الجماعة فلا أرخص في تركها إلا ~~من عذر, وقال ابن المنذر في كتاب الأوسط: ذكر حضور الجماعة على العميان, ~~وإن بعدت منازلهم عن المسجد. ويدل على ذلك أن شهود الجماعة فرض لا ندب, ثم ~~ذكر حديث ابن أم مكتوم أنه قال: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلا ~~وشجرا فهل يسعني أن أصلي في بيتي قال: "تسمع الإقامة". قال: نعم. قال: ~~"فأتها". قال ابن المنذر: ذكر تخويف النفاق على تارك شهود العشاء والصبح في ~~جماعة, ثم قال في أثناء الباب: فدلت الأخبار التي ذكرت على وجوب فرض # PageV01P098 # الجماعة على من لا عذر له, فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير: ~~"لا أجد لك رخصة". فإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى أن لا تكون له ~~رخصة. قال: وفي اهتمامه صلى الله عليه وسلم بأن يحرق على قوم تخلفوا عن ms072 ~~الصلاة بيوتهم أبين البيان على وجوب فرض الجماعة, إذ غير جائز أن يتهدد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخلف عن ندب وعما ليس بفرض. # قال: ويؤيده حديث أبي هريرة أن رجلا خرج من المسجد بعدما أذن المؤذن ~~فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم, ولو كان المرء مخيرا ~~في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أن يعصي من تخلف عما لا يجب عليه أن يحضره, ~~وإنما لما أمر الله جل ذكره بالجماعة في حال الخوف دل على أن ذلك في حال ~~الأمن أوجب, والأخبار المذكورة في أبواب الرخصة في التخلف عن الجماعة ~~لأصحاب الأعذار تدل على فرض الجماعة على من لا عذر له, ولو كان حال العذر ~~وغير حال العذر سواء لم يكن للترخيص في التخلف عنها في أبواب العذر معنى, ~~ودل على تأكيد فرض الجماعة قوله صلى الله عليه وسلم: "من يسمع النداء فلم ~~يجب فلا صلاة له". ثم ساق الحديث في ذلك ثم قال: وقال الشافعي ذكر الله ~~الأذان بالصلاة, فقال: {وإذا ناديتم إلى الصلاة} . وقال تعالى: {إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} . وسن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الأذان للصلوات المكتوبات فأشبه ما وصفت أن لا يحل أن تصلي كل مكتوبة ~~إلا في جماعة حتى لا يخلو جماعة مقيمون أو مسافرون من أن يصلي بهم صلاة ~~جماعة فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر وإن ~~تخلف أحد فصلاها منفردا لم تكن عليه إعادتها صلاها قبل الإمام أو بعده إلا ~~صلاة الجمعة فإن من صلاها ظهرا قبل صلاة الإمام كان عليه إعادتها لأن ~~إتيانها فرض هذا كله لفظ ابن المنذر, وقالت الحنفية والمالكية: هي سنة ~~مؤكدة ولكنهم يؤثمون تارك السنن المؤكدة ويصححون الصلاة بدونه, والخلاف ~~بينهم وبين من قال أنها واجبة لفظي. وكذلك صرح بعضهم بالوجوب, قال ~~الموجبون: قال الله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم # PageV01P099 # طائفة منهم معك وليأخذوا ms073 أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت ~~طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} . ووجه الاستدلال بالآية من وجوه: # أحدها أمره سبحانه لهم بالصلاة في الجماعة, ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ~~ثانية في حق الطائفة الثانية بقوله: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك} . وفي هذا دليل على أن الجماعة فرض على الأعيان إذ لم يسقطها سبحانه ~~عن الطائفة الثانية بفعل الأولى, ولو كانت الجماعة سنة لكان أولى الأعذار ~~بسقوطها عذر الخوف ولو كانت فرض كفاية لسقطت بفعل الطائفة الأولى ففي, ~~الآية دليل على وجوبها على الأعيان, فهذه على ثلاثة أوجه أمره بها أولا ثم ~~أمره بها ثانيا وأنه لم يرخص لهم في تركها حال الخوف. # الدليل الثاني: قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون} ~~. ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه عاقبهم يوم القيامة بأن حال بينهم وبين ~~السجود لما دعاهم إلى السجود في الدنيا فأبوا أن يجيبوا الداعي. إذا ثبت ~~هذا فإجابة الداعي هي إتيان المسجد بحضور الجماعة لا فعلها في بيته وحده, ~~فهكذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإجابة. # فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل ~~أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد, فسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فرخص له فلما ولى دعاه فقال: "هل تسمع ~~النداء". قال: نعم. قال: "فأجب". فلم يجعل مجيبا له بصلاته في بيته إذا سمع ~~النداء فدل على أن الإجابة المأمور بها هي إتيان المسجد للجماعة, ويدل عليه ~~حديث ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح". قال: ~~نعم. قال: "فحي هلا". رواه أبو داود والإمام أحمد, "وحي هلا: اسم فعل أمر ~~معناه أقبل وأجب, وهو صريح في أن إجابة هذا الأمر بحضور ms074 الجماعة, وأن ~~المتخلف عنها لم يجبه. # وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: {وقد كانوا يدعون إلى السجود # PageV01P100 # وهم سالمون} , قال: هو قول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح, فهذا ~~الدليل مبني على مقدمتين إحداهما: أن هذه الإجابة واجبة, والثانية: لا تحصل ~~إلا بحضور الصلاة في الجماعة, وهذا هو الذي فهمه أعلم الأمة وأفقههم من ~~الإجابة وهم الصحابة رضي الله عنهم, فقال ابن المنذر في كتاب الأوسط: روينا ~~عن ابن مسعود وأبي موسى أنهما قالا: من سمع النداء ثم لم يجب فإنه لا تجاوز ~~صلاته رأسه إلا من عذر, قال: وروي عن عائشة أنها قالت: من سمع النداء فلم ~~يجب لم يرد خيرا ولم يرد بت, وعن أبي هريرة أنه قال: إن تمتليء أذنا ابن ~~آدم رصاصا مذابا خير له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبه, فهذا وغيره يدل أن ~~الإجابة عند الصحابة هي حضور الجماعة, وأن المتخلف غير مجيب فيكون عاصيا. ~~الدليل الثالث: قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع ~~الراكعين} , ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أمرهم بالركوع وهو الصلاة ~~وعبر عنها بالركوع لأنه من أركانها والصلاة يعبر عنها بأركانها وواجباتها ~~كما سماها الله سجودا وقرآنا وتسبيحا فلا بد لقوله: {مع الراكعين} من فائدة ~~أخرى وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين, والمعية تفيد ذلك. # إذا ثبت هذا الأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلا إلا ~~بالإتيان به على تلك الصفة والحال, فإن قيل: فهذا ينتقض بقوله تعالى: {يا ~~مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} , والمرأة لا يجب عليها حضور ~~الجماعة, قيل: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة بل مريم ~~بخصوصها أمرت بذلك, بخلاف قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع ~~الراكعين} , ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء فإن أمها نذرتها ~~أن تكون محررة لله ولعبادته ولزوم المسجد, وكانت لا تفارقه, فأمرت أن تركع ~~مع أهله, ولما اصطفاها الله وطهرها على نساء العالمين أمرها من طاعته ms075 بأمر ~~اختصها به على سائر النساء, قال تعالى: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~اصطفاك وطهرك واصطفاك على # PageV01P101 # نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} , فإن قيل ~~كونهم مأمورين أن يركعوا مع الراكعين لا يدل على وجوب الركوع معهم حال ~~ركوعهم بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا, كقوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} , فالمعية تقضي المشاركة في الفعل ~~ولاتستلزم المقارنة فيه. قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها وهذه ~~المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة ولا سيما في الصلاة فإنه إذا قيل صل مع ~~الجماعة أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة. # الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين, وهذا لفظ البخاري عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ~~فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال ~~فأحرق عليهم بيوتهم, والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو ~~مرماتين 1 حسنتين لشهد العشاء". وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو ~~يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر ~~رجلا يصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون ~~الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". متفق على صحته واللفظ لمسلم. # وللإمام أحمد عنه صلى الله عليه وسلم: "لولا ما في البيوت من النساء ~~والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار". # قال المسقطون لوجوبها: هذا ما لا يدل على وجوب صلاة الجماعة لوجوه: # أحدها: أن هذا الوعيد إنما جاء في المتخلفين عن الجمعة, بدليل ما راه ~~مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن ms076 آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على ~~رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم". PageV01P102 # الثاني: أن هذا كان جائزا لما كانت العقوبات المالية جائزة, ثم نسخ بما ~~نسخ العقوبات المالية. # الثالث: أنه هم ولم يفعل, ولو كان التحريق جائزا لكان واجبا لا تكون ~~مستوية الطرفين, بل إما واجبة أو محرمة, فلما لم يفعل ذلك دل على عدم ~~الجواز. قالوا: والحديث يدل على سقوط فرض الجماعة لأنه هم بالتخلف عنها وهو ~~لا يهم بترك واجب. قالوا: وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما هم بإحراق ~~بيوتهم عليهم لنفاقهم لا لتخلفهم عن حضور الجماعة. # قال الموجبون: ليس فيما ذكرتم ما يسقط دلالة الحديث, أما قولكم: إن ~~الوعيد إنما هو في حق تارك الجمعة فنعم هو في حق تارك الجمعة وتارك ~~الجماعة, فحديث أبي هريرة صريح في أنه في حق تارك الجماعة وذلك بين في أول ~~الحديث وآخره, وحديث ابن مسعود في أن ذلك لتارك الجمعة أيضا فلا تنافي بين ~~الحديثين, وأما قولكم إنه منسوخ فما أصعب هذه الدعوى وأصعب إثباتها فأين ~~شروط النسخ من وجود معارض مقاوم متأخر ولن تجدوا أنتم ولا أحد من أهل الأرض ~~سبيلا إلى إثبات ذلك بمجرد الدعوى, وقد اتخذ كثيرا من الناس دعوى النسخ ~~والإجماع سلما إلى إبطال كثير من السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهذا ليس بهين ولا تترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة أبدا ~~بدعوى الإجماع ولا دعوى النسخ إلى أن يوجد ناسخ صحيح صريح متأخر نقلته ~~الأئمة وحفظته: إذ محال على الأمة أن تضيع الناسخ الذي يلزمها حفظه وتحفظ ~~المنسوخ الذي قد بطل العمل به ولم يبق من الدين. # وكثير من المولدة المتعصبين إذا رأوا حديثا يخالف مذهبهم يتلقونه ~~بالتأويل وحمله على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه سبيلا فإذا جاءهم من ذلك ما ~~يغلبهم فزعوا إلى دعوى الإجماع على خلافه فإن رأوا من الخلاف مالا يمكنهم ~~من دعوى الإجماع فزعوا إلى القول بأنه منسوخ وليست هذه طريق أئمة الإسلام ms077 ~~بل أئمة الإسلام كلهم على خلاف هذا الطريق وأنهم إذا وجدوا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سنة صحيحة صريحة لم يبطلوها بتأويل ولا دعوى إجماع ولا # PageV01P103 # نسخ. والشافعي وأحمد من أعظم الناس إنكارا لذلك, وبالله التوفيق. # وإنما لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما هم به للمانع الذي أخبر أنه ~~منعه منه وهو اشتمال البيوت على من لا تجب عليه الجماعة من النساء والذرية ~~فلو أحرقها عليهم إلى من لا يجب عليه وهذا لا يجوز كما إذا وجب الحد على ~~حامل فإنه لا يقام عليها حتى تضع لئلا تسري العقوبة إلى الحمل, ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يهم بما لا يجوز فعله أبدا, وقد أجاب عنه بعض أهل ~~العلم بجواب آخر: وهو أن القوم كانوا أخوف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يسمعوه يقول هذه المقالة ثم يصرون على التخلف عن الجماعة. # وأما قولكم إن الحديث يدل على عدم وجوب الجماعة لكونه هم بتركها فمما لا ~~يلتفت إليه ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يهم بعقوبة طائفة من ~~المسلمين بالنار وإحراق بيوتهم لتركهم سنة لم يوجبها الله عليهم ولا رسوله ~~وهو صلى الله عليه وسلم لم يخبر أنه كان يصلي وحده بل كان يصلي جماعة هو ~~وأعوانه الذين ذهبوا معه إلى تلك البيوت, وأيضا فلو صلاها وحده لكان هناك ~~واجبان واجب الجماعة وواجب عقوبة العصاة وجهادهم, فترك أدنى الواجبين ~~لأعلاهما كالحال في صلاة الخوف. # وأما قولكم إنما هم بعقوبتهم على نفاقهم لا على تخلفهم عن الجماعة فهذا ~~يستلزم محظورين: أحدهما إلغاء ما اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلق ~~الحكم به من التخلف عن الجماعة. والثاني: اعتبار ما ألغاه فإنه لم يكن ~~يعاقب المنافقين على نفاقهم بل كان يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى ~~الله. الدليل الخامس: ما رواه مسلم في صحيحه أن رجلا أعمى قال: يا رسول ~~الله ليس لي قائد يقودني إلى المجسد فسأل رسول الله صلى الله عليه ms078 وسلم أن ~~يرخص له فرخص له, فلما ولى دعاه فقال: "هل تسمع النداء". قال: نعم. قال: ~~"فأجب" , وهذا الرجل هو ابن أم مكتوم, واختلف في اسمه فقيل عبد الله وقيل ~~عمرو. # وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عن عمرو بن أم مكتوم قال: قلت: يا ~~رسول الله أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني, فهل لي رخصة أن # PageV01P104 # أصلي في بيتي؟ قال: "تسمع النداء". قال: نعم. قال: "ما أجد لك رخصة". # قا المسقطون لوجوبها: هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب, وقوله: لا أجد لك ~~رخصة أي إن أردت فضيلة الجماعة. قالوا: وهذا منسوخ. قال الموجبون: الأمر ~~مطلق للوجوب فكيف إذا صرح صاحب الشرع بأنه لا رخصة للعبد في التخلف عنه ~~لضرير شاسع الدار لا يلائمه قائده, فلو كان العبد مخيرا بين أن يصلي وحده ~~أو جماعة لكان أولى الناس بهذا التخيير مثل الأعمى. # قال أبو بكر بن المنذر: ذكر حضور الجماعة على العميان وإن بعدت منازلهم ~~عن المسجد, ويدل ذلك على أن شهود الجماعة فرض لاندب, وإذا قال لابن أم ~~مكتوم وهو ضرير لا أجد لك رخصة فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة. # الدليل السادس: ما رواه أبو داود وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع النداء فلم يمنعه من ~~اتباعه عذر" -قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي ~~صلاها". # قال المسقطون للوجوب: هذا حديث فيه علتان إحدهما أنه من رواية مغراء ~~العبدي وهو ضعيف عندهم. الثانية: إنما يعرف عن ابن عباس موقوفا عليه. # قال الموجبون: قد قال قاسم بن أصبغ في كتابه: حدثنا إسماعيل بن إسحاق ~~القاضي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا ~~صلاة له إلا من عذر". وحسبك بهذا الإسناد صحة. ورواه ابن المنذر: حدثنا ms079 علي ~~بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن عوف حدثنا هشيم شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس مرفوعا؛ قالوا: ومعارك العبدي قد روى عنه أبو اسحاق ~~السبيعي على جلالته ولو قدر أنه لم يصح رفعه فقد صح عن ابن عباس بلا شك, ~~وهو قول صاحب لم يخالفه صاحب. # الدليل السابع: ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: من سره ~~أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإنهن من ~~سنن الهدى وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم # PageV01P105 # كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو أنكم تركتم سنة نبيكم ~~لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا ~~كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد ~~رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى يهادي ~~بين الرجلين حتى يقام في الصف. # وفي لفظ: وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى وإن من ~~سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. # فوجه الدلالة أنه جعل التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم ~~نفاقهم؛ وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل مكروه؛ ومن استقرأ ~~علامات النفاق في السنة وجدها إما ترك فريضة أو فعل محرم, وقد أكد هذا ~~المعنى بقوله: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات ~~حيث ينادى بهن. # وسمى تاركها المصلي في بيته متخلفا تاركا للسنة التي هي طريقة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم التي كان عليها وشريعته التي شرعها لأمته, وليس المراد ~~بها السنة التي من شاء فعلها ومن شاء تركها, فإن تركها لا يكون ضلالا ولا ~~من علامات النفاق كترك الضحى وقيام الليل وصوم الإثنين والخميس. # الدليل الثامن: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول ms080 الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم ~~بالإمام ة أقرؤهم". ووجه الاستدلال به أنه أمر بالجماعة وأمره على الوجوب. # الدليل التاسع: أنه صلى الله عليه وسلم أمر من صلى وحده خلف الصف أن يعيد ~~الصلاة, فروى وابصة بن معبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي ~~خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة, رواه الإمام أحمد مسند وأهل السنن ~~وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه وحسنه الترمذي. # وعن علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فبايعناه وصلينا خلفه ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة, فرأى رجلا ~~فردا خلف # PageV01P106 # الصف, فوقف عليه حتى انصرف, وقال: "استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف". ~~رواه الإمام أحمد وابن حبان. # وفي رواية الإمام أحمد صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فرأى رجلا يصلي ~~فردا خلف الصف فوقف نبي الله صلى الله عليه وسلم الرجل حتى انصرف فقال له ~~استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف الصف. # قال ابن المنذر: وثبت هذا الحديث أحمد وإسحاق, فوجه الدلالة أنه أبطل ~~صلاة المنفرد عن الصف وهو في جماعة, وأمره بإعادة صلاته مع أنه لم ينفرد ~~إلا في المكان خاصة فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبطلان, يوضحه ~~أن غاية هذا الفذ أن يكون منفردا, ولو صحت صلاة المنفرد لما حكم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بنفيها, فأمر من صلى كذلك أن يعيد صلاته. # قال المسقطون للوجوب: لايمكنكم الاستدلال بهذا الحديث إلا بعد إثبات ~~بطلان صلاة الفذ خلف الصف. وهذا قول شاذ مخالف لجمهور أهل العلم وقد دل على ~~صحتها إجماع الناس على صحة صلاة المرأة وحدها خلف الصف, وقد صلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خلف جبريل, فروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أتاه جبريل يعلمه مواقيت الصلاة فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ms081 الظهر حين ~~زالت الشمس وأتاه حين كان الظل مثل شخصه فصنع كما صنع فتقدم جبريل ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~رواه النسائي. # فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف جبريل مقتديا به. قالوا: وقد ~~أحرم أبو بكرة فذا خلف الصف ثم مشى حتى دخل الصف ولم يأمره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالإعادة. قالوا: وقد أحرم ابن عباس عن يساره صلى الله عليه وسلم ~~فأخذ بيده فأداره عن يمينه ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم باستقبال ~~الصلاة بل صحح إحرامه فذا, فهذا في النفل وحديث جابر في الفرض أنه قام عن ~~يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فأقامه عن يمينه. # قال الموجبون: العجب من معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة بمثل ذلك # PageV01P107 # فإنه لا تعارض بين الأحاديث بوجه من الوجوه, وأما قولكم إن هذا قول شاذ ~~فلعمر الله ليس شاذا ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته الصحيحة ~~والصريحة, ولو تركها من تركها فلا يكون ترك السنن لخفائها على من تركها أو ~~لنوع تأيل مسوغا لتركها لغيره, وكيف يقدم ترك التارك لهذه السنة عليها. # هذا وقد قال بهذه السنة جماعة من أكابر التابعين منهم سعيد بن جبير وطاوس ~~وإبراهيم النخعي ومن دونهم كالحكم وحماد وابن أبي ليلى والحسن بن صالح ~~ووكيع. وقال بها الأوزاعي, حكاه الطحاوي عنه وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد ~~وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن اسحاق بن خزيمة فأين الشذوذ, وهؤلاء القائلون ~~وهذه السنة. # وأما معارضتكم بموقف المرأة فمن أفسد المعارضات لأن ذلك هو موقف المرأة ~~المشروع لها حتى لو وقفت في صف الرجال أفسدت صلاة من يليها عند أبي حنيفة ~~وأحد القولين في مذهب أحمد, فإن قيل لو وقفت فذة خلف صف النساء صحت صلاتها ~~قيل ليس كذلك بل إذا انفردت المرأة عن صف النساء لم تصح صلاتها كالرجل الفذ ~~خلف الرجال ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في تعليقه لعموم قوله ms082 صلى الله عليه ~~وسلم: "لا صلاة لفرد خلف الصف". خرج من هذا ما إذا كانت وحدها خلف الرجال ~~للحديث الصحيح بقي فيما عداه على هذا العموم وأما قصة صلاته صلوات الله ~~وسلامه عليه خلف جبريل وحده والصحابة خلفه فقد أجيب عنها بأنها كانت في أول ~~الأمر حين علمه مواقيت الصلاة وقصة أمره صلى الله عليه وسلم الذي صلى خلف ~~الصف فذا بالإعادة متأخرة بعد ذلك وهذا جواب صحيح. # وعندي فيه جواب آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو إمام ~~المسلمين فكان بين أيديهم وكان هو المؤتم بجبريل وحده وكان تقدم جبريل عليه ~~السلام أبلغ في حصول التعليم من أن يكون إلى حانبه كما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى بهم على المنبر ليأتموا وليتعلموا صلاته وكان ذلك لأجل ~~التعليم لم يدخل في نهيه صلى الله عليه وسلم الإمام إذا أم الناس أن يقوم ~~في مقام أرفع منهم # PageV01P108 # وأما قصة أبي بكرة فليس فيها أنه رفع رأسه من الركوع قبل دخوله في الصف ~~وإنما يمكن التمسك بها لو ثبت ذلك ولا سبيل إليه وقد اختلفت الرواية عن ~~الإمام أحمد فيمن ركع دون الصف ثم مشى راكعا حتى دخل فيه بعد أن رفع الإمام ~~رأسه من الركوع, وعنه في ذلك ثلاث روايات: # إحداها تصح مطلقا, وحجة هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ~~أبا بكرة بالإعادة ولا استفصله هل أدركه قبل رفع رأسه من الركوع أم لا ولو ~~اختلف الحال لاستفصله. وروى سعيد بن منصور في سننه عن زيد بن ثابت أنه كان ~~يركع قبل أن يدخل في الصف، ثم يمشي راكعا ويعتد بها. وصل الصف أم لم يصل. # والرواية الثانية: أنها لا تصح. نص عليها في رواية إبراهيم بن الحارث ~~ومحمد بن الحكم. وفرق بينه وبين من أدرك الركوع في الصف، لأنه لم يدرك في ~~الصف ما يدرك به الركعة فأشبه ما لو أدركه وقد سجد, وهذه الرواية أصح عند ~~أكثر أصحابه. # والرواية الثالثة: ms083 إن كان عالما بالنهي لم تصح صلاته وإلا صحت لقصة أبي ~~بكرة وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تعد". والنهي يقتضي الفساد, ولكن ~~ترك في الجاهل به حيث لم يأمره بالإعادة, وكانت هذه حال أبي بكرة. # وأما قصة ابن عباس وجابر في ترك أمرهها بابتداء الصلاة وقد أحرما فذين ~~فهذه أولا ليس فيها أنهما قد دخلا في الصلاة. وإنما فيه أنهما وقفا عن ~~يساره فأدارهما عند أول وقوفهما, ولو قدر أنهما أحرما كذك فمن أحرم فذا صح ~~إحرامه بالصلاة ودخوله فيها, وإنما الاعتبار بالركوع وحده وإلا فمن وقف معه ~~آخر قبل الركوع صحت صلاته, ولو أعتبرنا إحرام المأمومين جميعا لم ينعقد ~~تحريم أحد حتى يتفق هو ومن إلى جانبه في ابتداء التكبير وانتهائه, وهذا من ~~أعظم الحرج والمشقة ولهذا لم يعتبره أحد أصلا والله أعلم. # الدليل العاشر: ما رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده من حديث ~~أبي الدرداء. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ثلاثة في قرية لا ~~يؤذن فيهم ولا # PageV01P109 # تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان, فعليك بالجماعة فإنما يأكل ~~الذئب القاصية". # فوجه الاستدلال منه أنه أخبر باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي ~~شعارها الأذان وإقامة الصلاة, ولو كانت الجماعة ندبا يخير الرجل بين فعلها ~~وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها. # الدليل الحادي عشر: ما رواه في صحيحة رقم من حديث أبي الشعثاء المحاربي ~~قال: كنا قعودا في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو ~~هريرة بصرة حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ~~صلى الله عليه وسلم. وفي رواية سمعت أبا هريرة وقد رأى رجلا يجتاز في ~~المسجد خارجا بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه ~~وسلم, ووجه الاستدلال به أنه جعله عاصيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بخروجه بعد الأذان لتركه الصلاة جماعة, ومن يقول الجماعة ندب يقول لا يعصي ~~الله ولا ms084 رسوله من خرج بعد الأذان وصلى وحده, وقد احتج ابن المنذر في كتابه ~~على وجوب الجماعة بهذا الحديث, وقال لو كان المرء مخيرا في ترك الجماعة ~~وإتيانها لم يجز أن يعصي من تخلف عما لا يجب عليه أن يحضره, والذي يقول ~~صلاة الجماعة ندب إن شاء فعلها وإن شاء تركها يجوز للرجل أن يخرج من المسجد ~~وقد أخذ المؤذن في إقامة الصلاة بل يجوز له أن يجلس فلا يصلي مع الإمام ~~والجماعة, فإذا صلوا قام فصلى وحده ولو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه من يفعل هذا لأنكروا عليه غاية الإنكار بل قد أنكر ما هو دون هذا ~~وهو على من لا يصلي مع الجماعة اكتفاء بصلاته في رحله. وقال: "ما لك لا ~~تصلي معنا ألست برجل مسلم". وأمر بالصلاة في الجماعة لمن صلى ثم أتى مسجد ~~الجماعة فقال: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم ~~فإنها لكما نافلة". # الدليل الثاني عشر: إجماع الصحابة رضي الله عنهم, ونحن نذكر نصوصهم وقد ~~تقدم قول ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. ~~وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سليمان بن المغيرة عن أبي موسى الهلالي ~~عن ابن مسعود قال: من سمع المنادي فلم يجب عذر فلا صلاة له. # PageV01P110 # وقال أحمد أيضا: حدثنا وكيع حدثنا مسعر عن أبي الحصين عن أبي بردة عن أبي ~~موسى الأشعري قال: من سمع المنادي فلم يجب بغير عذر فلا صلاة له, وقال ~~أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه ~~قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. قيل: ومن جار المسجد؟ قال: من سمع ~~المنادي. وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم أخبرنا منصور عن الحسن بن علي ~~قال: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر. وقال عبد ~~الرزاق عن يروي عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: من سمع النداء من جيران ~~المسجد ms085 وهو صحيح من غير عذر فلا صلاة له. # وقال وكيع عن عبد الرحمن بن حصين عن أبي نجيح المكي عن أبي هريرة قال: ~~لأن تمتليء أذنا ابن آدم رصاصا مذابا خير له من أن يسمع المنادي ثم لا ~~يجيبه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن عدي بن ثابت عن ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: من سمع المنادي فلم يجب من غير عذر ~~فلم يرد خيرا أولم يرد به. # قال وكيع حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عابس قال: من ~~سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له. # وقال عبد الرزاق عن ليث عن مجاهد قال: سأل رجل ابن عباس فقال: رجل يصوم ~~النهار ويقوم الليل لا يشهد جمعة ولا جماعة. فقال ابن عباس: هو في النار, ~~ثم جاء الغد فسأله عن ذلك فقال: هو في النار. قال: واختلف إليه قريبا من ~~شهر يسأله عن ذلك, ويقول ابن عباس: هو في النار. # فهذه نصوص الصحابة كما تراها صحة وشهرة وانتشارا, ولم يجيء عن صحابي واحد ~~خلاف ذلك وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة لو كان وحده, فكيف إذا ~~تعاضدت وتضافرت؟ وبالله التوفيق. # PageV01P111 # فصل # وأما ### | المسالة السابعة وهي: هل الجماعة شرط في صحة الصلاة أم لا؟ # فاختلف الموجبون لها في ذلك على قولين: # PageV01P111 # أحدهما: أنها فرض يأثم تاركها وتبرأ ذمته بصلاته وحده, وهذا قول أكثر ~~المتأخرين من أصحاب أحمد ونص عليه أحمد في رواية حنبل فقال إجابة الداعي ~~إلى الصلاة فرض, ولو أن رجلا قال: هي عندي سنة أصليها في بيتي مثل الوتر ~~وغيره لكان خلاف الحديث وصلاته جائزة, وعنه رواية ثانية ذكرها أبو الحسن ~~الزعفراني في كتاب الإقناع أنها شرط للصحة فلا تصح صلاة من صلى وحده, وحكاه ~~القاضي عن بعض الأصحاب واختاره أبو الوفاء ابن عقيل وأبو الحسن التميمي وهو ~~قول داود وأصحابه. قال ابن حزم: وهو قول جميع أصحابنا ونحن نذكر حجج ms086 ~~الفريقين: # قال المشترطون: كل دليل ذكرناه في الوجوب يدل على أنها شرط فإنها إذا ~~كانت واجبة فتركها المكلف لم يفعل ما أمر به فبقي في عهدة الأمر. قالوا: ~~ولو صحت الصلاة بدونها لما قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا ~~صلاة له, ولو صحت لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سمع المنادي ثم لم ~~يجبه لم تقبل منه الصلاة التي صلى". فلما وقف القبول عليها دل على ~~اشتراطها, كما أنه لما وقف القبول على الوضوء من الحدث دل على اشتراطه. # قالوا: ونفي القبول إما أن يكون لفوات ركن أو شرط ولا ينتقض هذا بنفي ~~القبول عن صلاة العبد الآبق وشارب الخمر أربعين يوما؛ لأن امتناع القبول ~~هناك لارتكاب أمر محرم قارن الصلاة فأبطل أجرها. # قالوا: ولو صحت صلاة المنفرد لما قال ابن عباس إنه في النار, قالوا: لو ~~صحت صلاته أيضا لما كانت واجبة, وأنه إنما يصح عبادة من أدى ما أمر به, وقد ~~ذكرنا من أدلة الوجوب ما فيه كفاية. قال المصححون لها وهم ثلاثة أقسام قسم ~~يجعلها سنة إذا شاء فعلها وإن شاء تركها, وقسم يجعلها فرض كفاية إذا قام ~~بها طائفة سقطت عمن عداهم, وقسم يقول: هي فرض على الأعيان وتصح بدونها. وقد ~~ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". وفيهما عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته ~~وسوقه خمسة وعشرين ضعفا, وذلك أنه إذا توضأ # PageV01P112 # فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا ~~رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ~~ما دام في مصلاه ما لم يحدث تقول: اللهم صل عليه اللهم ارحمه, ولا يزال في ~~صلاة ما انتظر الصلاة". قالوا فلو كانت صلاة المنفرد باطلة لم يفاضل بينها ms087 ~~وبين صلاة الجماعة إذ لا مفاضلة بين الصحيح والباطل. # قالوا: وفي صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة ~~فكأنما قام الليل كله". قالوا: فشبه فعلها في جماعة بما ليس بواجب, والحكم ~~في المشبه كهو في المشبه به أو دونه في التأكيد. # قالوا: وقد روى يزيد بن الأسود قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو ~~برجلين في آخر القوم لم يصليا قال: "علي بهما" -فجيء بهما ترعد فرائصهما- ~~قال: "ما منعكما أن تصليا معنا" , فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا. ~~قال: "فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم ~~فإنها لكما نافلة". رواه أهل السنن. وعند أبي داود: "إذا صلى أحدكم في رحله ~~ثم أدرك مع الإمام فليصلها معه فإنها له نافلة". قالوا: ولولا صحة الأولى ~~لم تكن الثانية نافلة. # وعن محجن بن الأذرع قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فحضرت الصلاة ~~فصلى يعني ولم أصل فقال لي: "ألا صليت" قلت: يا رسول الله قد صليت في الرحل ~~ثم أتيتك. قال: "فإذا جئت فصل معهم واجعلها نافلة". رواه الإمام أحمد # وفي الباب عن أبي هريرة وعن أبي ذر وعبادة وعبد الله بن عمر ولفظ حديث ~~ابن عمر عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيت على ابن عمر وهو بالبلاط والقوم ~~يصلون في المسجد فقلت: ما يمنعك أن تصلي مع الناس قال: إني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين". رواه أبو داود ~~والنسائي. # فصل # قال الموجبون: التفضيل لا يستلزم براءة الذمة من كل وجه سواء كان مطلقا ~~أو مقيدا فإن التفضيل يحصل مع مناقضة المفضل للمفضل عليه من كل وجه # PageV01P113 # كقوله تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} , وقوله تعالى: ~~{قل أذلك ms088 خير أم جنة الخلد} , وهو كثير فكون صلاة الفذ جزءا واحدا من سبعة ~~وعشرين جزءا من صلاة الجميع لا يستلزم إسقاط فرض الجماعة, ولزوم كونها ابنة ~~بوجه من الوجوه, وغايتها أن يتأدى الواجب بها, وبينهما من الفضل ما بينهما ~~فإن الرجلين يكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتهما في الفضل كما بين ~~السماء والأرض. # وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له ~~من الأجر إلا نصفها ثلثها ربعها خمسها" حتى بلغ عشرها فإذا عقل اثنان ~~يصليان فرضهما صلاة أحدهما أفضل من صلاة الآخر بعشرة أجزاء وهما فرضان ~~فهكذا يعقل مثله في صلاة الفذ وصلاة الجماعة. # وأبلغ من هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت ~~منها". فإذا لم يعقل في صلاته إلا في جزء واحد كان له من الأجر بقدر ذلك ~~الجزء, وإن برأت ذمته من الصلاة, فهكذا المصلي وحده له جزء واحد من الأجر ~~وإن برئت الذمة, ومثل هذه الصلاة لا يسميها الشارع صحيحة وإن اصطلح الفقهاء ~~على تسميتها صلاة فإن الصحيح المطلق ما تربت عليه أثره وحصل به مقصودة وهذه ~~قد فات معظم أثرها ولم يحصل منها جل مقصودها فهي أبعد شيء من الصحة, وأحسن ~~أحوالها أن ترفع عنه العقاب وإن حصلت شيئا من الثواب فهو جزء وما هذا إلا ~~على قول من لا يجعلها شرطا للصحة. وأما من جعلها شرطا لا تصح بدونه فجوابه ~~إن التفضيل إنما هو بين صلاتين صحيحتين وصلاة الرجل وحده إنما تكون صحيحة ~~للعذر, وأما بدون العذر فلا صلاة له كما قال الصحابة رضي الله عنهم, وهؤلاء ~~لو أجابوا بهذا لرد عليهم منازعوهم إن المعذور يكمل له أجره, فأجابوا على ~~ذلك بأنه لا يستحق بالفعل إلا جزءا واحدا, وأما التكميل فليس من جهة الفعل ~~بل بالنية إذا كان من عادته أن يصلي جماعة فمرض أو حبس أو سافر وتعذرت عليه ~~الجماعة والله يعلم أن من نيته أن لو قدر على الجماعة لما ms089 تركها فهذا يكمل ~~له أجره مع أن صلاة الجماعة أفضل من صلاته من حيث العملين. # قالوا: ويتعين هذا ولا بد. فإن النصوص قد صرحت بأنه لا صلاة لمن سمع ~~النداء ثم # PageV01P114 # صلى وحده, فدل على أن من له جزء من سبعة وعشرين جزءا هو المعذور الذي له ~~صلاة, قالوا: والله تعالى يفضل القادر على العاجز وإن لم يؤاخذه فذلك فضله ~~يؤتيه من يشاء. # وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين وكان مبسورا قال سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: "من صلى قائما فهو أفضل ومن ~~صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد". فهذا ~~إنما هو في المعذور وإلا فغير المعذور ليس له من الأجر شيء إذا كانت الصلاة ~~فرضا, وإن كانت نفلا لم يجز له التطوع على جنب فإنه لم يفعله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوما من الدهر ولا أحد من الصحابة البتة مع شدة حرصهم على ~~أنواع العبادة وفعل كل خير, ولهذا جمهور الأمة يمنع منه ولا تجوز الصلاة ~~على جنب إلا لمن لم يستطع القعود كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران: ~~"صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب". وعمران بن حصين هو ~~راوي الحديثين وهو الذي سأل عنهما النبي صلى الله عليه وسلم. # فصل # وأما استدلالكم بحديث عثمان بن عفان: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام ~~نصف الليل". فمن أفسد الاستدلال وأظهر ما في نقضه عليكم قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من صام رمضان واتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر". وصيام الدهر ~~غير واجب وقد شبه به الواجب. بل الصحيح أن صيام الدهر كله مكروه فقد شبه به ~~الصوم الواجب فغير ممتنع تشبيه الواجب بالمستحب في مضاعفة الأجر على الواجب ~~القليل حتى يبلغ ثوابه ثواب المستحب الكثير. # فصل # وأما استدلالكم بحديث يزيد بن الأسود ومحجن بن الأدرع وأبي ذر وعبادة ~~فليس في حديث واحد منهم ms090 أن الرجل كان قد صلى وحده منفردا مع قدرته على ~~الجماعة البتة ولو أخبر النبي صلى الله عليه وسلم لما أقره على ذلك ~~وأنكرعليه. وكذلك ابن عمر لم يقل صليت وحدي وأنا أقدر على الجماعة. ونحن ~~نقول: إنه لم يصل من ترك الجماعة وهو يقدر عليها. ونقول كما قال أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنه لا صلاة له, فحيث يثبت لهؤلاء صلاة فلا بد من ~~أحد الأمرين: أن # PageV01P115 # يكونوا صلوا جماعة مع غير هذه الجماع, ة أويكونوا معذورين وقت الصلاة, ~~ومن صلى وحده لعذر ثم زال عذره في الوقت لم يجب عليه إعادة الصلاة, كما لو ~~صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت أو صلى قاعدا لمرض ثم بريء في الوقت أو ~~صلى عريانا ثم وجد السترة في الوقت. # قالوا: وقد دلت أحكام الشريعة على أن صلاة الجماعة فرض على كل واحد وذلك ~~من وجوه أحدها أن الجمع لأجل المطر جائز وليس جوازه إلا محافظة على ~~الجماعة, وإلا فمن الممكن أن يصلي كل واحد في بيته منفردا, ولو كانت ~~الجماعة ندبا لما جاز ترك الواجب, وتقديم الصلاةعن وقتها ندب محض. # الثاني: أن المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة وأطاق القيام إذا صلى ~~وحده صلى جماعة وترك القيام ومحال أن يترك ركنا من أركان الصلاة لمندوب ~~محض. # الثالث: أن الجماعة حال الخوف يفارقون الإمام ويعملون العمل الكثير في ~~الصلاة ويجعلون الإمام منفردا في وسط الصلاة كل ذلك لأجل تحصيل الجماعة, ~~وكان من الممكن أن يصلوا وحدانا بدون هذه الأمور ومحال أن يرتكب ذلك وغيره ~~لأجل أمر مندوب إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله, وبالله التوفيق. # PageV01P116 # فصل # وأما ### | المسألة الثامنة وهي هل له فعلها في بتيه أم يتعين المسجد؟ # فهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد: أحدهما له ~~فعلها في بيته وبذلك قالت الحنفية والمالكية وهو أحد الوجهين للشافعية. ~~والثاني: ليس له فعلها في البيت إلا من عذر, وفي المسألة قول ثالث: فعلها ~~في المسجد ms091 فرض كفاية وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي, وجه القول الأول ~~حديث الرجلين اللذين صليا في رحالهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم ندبهما ~~إلى فعلها في المسجد ولم ينكر عليهما فعلها في رحالهما, وكذلك حديث محجن بن ~~الأدرع وحديث عبد الله بن عمر وقد تقدمت هذه الأحاديث, وفي الصحيحن عن أنس ~~بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا # PageV01P116 # فربما عملا الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ثم ~~يقوم صلى الله عليه وسلم ونقوم خلفه فيصلي بنا. # وفي الصحيحين أيضا قال: سقط النبي صلى الله عليه وسلم عن فرس فجحش1 شقة ~~الأيمن, فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى قاعدا, وفي الصحيحن أيضا عن ~~أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي مسجد وضع في الأرض أول قال: ~~"المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى ثم حيثما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد". ~~وصح عنه صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا". ووجه ~~الرواية الثانية ما تقدم من الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة فإنها صريحة ~~في إتيان المساجد. # وفي مسند الإمام أحمد عن ابن أم مكتوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أتى المسجد فرأى في القوم رقة فقال: "إني لأهم أن أجعل للناس إماما ثم أخرج ~~فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه". وفي لفظ ~~لأبي داود: "ثم آتى قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرق عليهم ~~بيوتهم". وقال له ابن أم مكتوم وهورجل أعمى: هل تجد لي رخصة أن أصلي في ~~بيتي؟ قال: "لا أجد لك رخصة". وقال ابن مسعود: لو صليتم في بيوتكم كما يصلي ~~هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. # وعن جابر بن عبد الله قال: فقد النبي صلى الله عليه وسلم قوما في صلاة ~~فقال: "ما خالفكم عن الصلاة"؟ . فقالوا: الماء كان بيننا, فقال: "لا صلاة ~~لجار المسجد إلا في السمجد". رواه ms092 الدارقطني. # وقد تقدم هذا المعنى عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة, فإن خالف وصلى ~~في بيته جماعة عذر ففي صحة صلاته قولان: قال أبو البركات ابن تيمية في شرحه ~~فإن خالف وصلاها في بيته جماعة لا تصح من غير عذر بناء على ما اختاره ابن ~~عقيل في تركه الجماعة حيث ارتكب النهي, ويعضده قوله لا صلاة لجار المسجد ~~إلا في المسجد. # قال: والمذهب الصحة لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في جماعة ~~تضاعف على صلاته PageV01P117 # في بيته أو في سوقه خمسا وعشرين ضعفا". ويحمل قوله: "لا صلاة لجار المسجد ~~إلا في المسجد". على نفي الكمال جمعا بينهما. قال والرواية الأولى اختيار ~~أصحابنا وأن حضور المسجد لا يجب وهي عندي بعيدة جدا إن حملت على ظاهرها فإن ~~الصلاة في المسجد من أكبر شعائر الدين وعلاماته وفي تركها بالكلية أو في ~~المفاسد ومحو آثار الصلاة بحيث تفضي إلى فتور همم أكثر الخلق عن أصل فعلها, ~~ولهذا قال عبد الله بن مسعود: لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في ~~بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. قال: وإنما معنى هذه ~~الرواية -والله اعلم- أن فعلها في البيت جائز لآحاد الناس إذا كانت تقام في ~~المساجد فيكون فعلها في المسجد فرض كفاية على هذه الرواية, وعلى الأخرى فرض ~~عين. قال: ويدل على ذلك جواز الجمع بين الصلاتين للأمطار, ولوكان الواجب ~~فعل الجماعة فقط دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع لذلك؛ لأن أكثر الناس ~~قادرون على الجماعة في البيوت فإن الإنسان غالبا لا يخلو أن تكون عنده زوجة ~~أو ولد أو غلام أو صديق أو نحوهم فيمكنه الصلاة جماعة فلا يجوز ترك الشرط ~~وهو الوقت من أجل السنة, فلما جاز الجمع علم أن الجماعة في المساجد فرض إما ~~على الكفاية وإما على الأعيان هذا كلامه. # ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان ~~إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة, فترك حضور ms093 المسجد لغير عذر كترك ~~أصل الجماعة لغير عذر, وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار, ولما مات رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبلغ أهل مكة موته خطبهم سهيل بن عمرو وكان عتاب ~~بن أسيد عامله على مكة قد توارى خوفا من أهل مكة فأخرجه سهيل وثبت أهل مكة ~~على الإسلام فخطبهم بعد ذلك عتاب وقال: يا أهل مكة والله لا يبلغني أن أحدا ~~منكم تخلف عن الصلاة في المسجد في الجماعة إلا ضربت عنقه. وشكر له أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الصنيع وزاده رفعة في أعينهم, فالذي ندين ~~الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر. والله ~~أعلم بالصواب. # PageV01P118 # فصل # وأما ### | المسألة التاسعة وهي: حكم من نقر الصلاة ولم يتم ركوعها ولا سجودها # فهذه المسألة قد شفى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفى, وكذلك ~~أصحابه من بعده فلا معدل لناصح نفسه عما جاءت به السنة في ذلك ونحن نسوق ~~مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك بألفاظه. فعن أبي هريرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل ~~ثلاثا". فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. قال: "إذا قمت إلى ~~الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ~~ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ~~ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك ~~كلها". متفق على صحته وهذا لفظ البخاري. # وفيه دليل على تعين التكبير للدخول في الصلاة وأن غيره لا يقوم مقامه كما ~~يتعين الوضوء واستقبال القبلة وعلى وجوب القراءة وتقييد بما تيسر لا ينفي ~~تعين الفاتحة بدليل آخر. فإن الذي قال هذا الذي قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها ~~بأم القرآن فهي ms094 خداج". وهو الذي قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ~~, ولا تضرب سننه بعضها ببعض. # وفيه دليل على وجوب الطمأنينة وأن من تركها لم يفعل ما أمر به فيبقى ~~مطالبا بالأمر, وتأمل أمره بالطمأنينة في الركوع والاعتدال في الرفع منه ~~فإنه لا يكفي مجرد الطمأنينة في ركن الرفع حتى تعتدل قائما قلنا فيجمع بين ~~الطمأنينة والاعتدال خلافا لمن قال إذا ركع ثم سجد من ركوعه ولم يرفع رأسه ~~صحت صلاته, فلم يكتف من شرع الصلاة بمجرد الرفع حتى يأتي به كاملا بحيث ~~يكون معتدلا فيه ولا ينفي هذا وجوب التسبيح في الركوع والسجود والتسميع ~~والتحميد في الرفع بدليل آخر فإن الذي قال هذا وأمر به هو الذي أمر ~~بالتسبيح في الركوع فقال: لما نزلت: {فسبح باسم ربك العظيم} . قال: ~~"اجعلوها في ركوعهم" , وأمر بالتحميد في الرفع فقال: "إذا قال الإمام سمع ~~الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد". فهو الذي أمرنا # PageV01P119 # بالركوع وبالطمأنينة فيه وبالتسبيح والتحميد, وقال في الرفع من السجود: ~~"ثم ارفع حتى تطمئن جالسا". # وفي لفظ: "حتى تعتدل جالسا". فلم يكتف بمجرد الرفع كحد السيف حتى تحصل ~~الطمأنينة والاعتدال ففيه أمر بالرفع والطمأنينة فيه والاعتدال ولا يمكن ~~التمسك بما لم يذكر في هذا الحديث على اسقاط وجوبه عند أحد من الأئمة، فإن ~~الشافعي يوجب الفاتحة والتشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم يذكر فيه, وأبو حنيفة يوجب الجلوس مقدار التشهد والخروج من الصلاة ~~بالمنافي ولم يذكر ذلك فيه, ومالك يوجب التشهد والسلام ولم يذكر ذلك فيه, ~~وأحمد يوجب التسبيح في الركوع والسجود والتسميع والتحميد وقول رب اغفر لي ~~ولم يذكر في الحديث, فلا يمكن لأحد أن يسقط كل ما لم يذكر فيه, فإن قيل ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقره على تلك الصلاة مرتين ولو كانت ~~باطلة لم يقره عليها فإنه لا يقر على باطل قيل: كيف يكون قد أقره وهو صلى ~~الله عليه وسلم يقول له ارجع فصل فإنك لم تصل ms095 فأمره ونفى عنه مسمى الصلاة ~~التي شرعها, وأي إنكار أبلغ من هذا فإن قيل فهو لم ينكر عليه في نفس الصلاة ~~قيل: نعم لما في ذلك من التنفير له وعدم تمكنه من التعليم كما ينبغي كما ~~أقر الذي بال في المسجد على إكمال بوله حتى قضاها ثم علمه, وهذا من رفقة ~~وكمال تعليمه ولطفه صلوات الله وسلامه عليه, فإن قيل: فهلا قال له في نفس ~~الصلاة اقطعها قيل لم يقل للبائل اقطع بولك وهذا أولى, نعم: لو أقره على ~~تلك الصلاة ولم يأمره بإعادتها ولم ينف عنه الصلاة الشرعية كان فيه متمسك ~~لكم فإن قيل قوله: لم تصل أي لم تصل صلاة كاملة وإنما الممتنع أن تكون له ~~صلاة صحيحة قد أخل ببعض مستحباتها ثم يقول له ارجع فصل فإنك لم تصل, هذا في ~~غاية البطلان. # وعن رفاعة بن رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في ~~المسجد يوما ونحن معه إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته ثم انصرف فسلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "وعليك فارجع فصل ~~فإنك لم تصل". ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا # PageV01P120 # كل ذلك يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل" , ~~فخاف الناس وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل فقال الرجل في آخر ذلك ~~فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطيء, فقال أجل: "إذا قمت إلى الصلاة ~~فتوضأ كما أمر الله ثم تشهد وأقم فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فأحمد الله ~~وكبره وهلله ثم اركع فاطمئن راكعا ثم اعتدل قائما ثم اسجد فاعتدل ساجدا ثم ~~اجلس فاطمئن جالسا ثم قم فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت منه شيئا ~~انتقصت من صلاتك". قال: فكان هذا أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من هذا ~~شيئا انتقص من صلاته ولم تنقص كلها. رواه ms096 الإمام أحمد وأهل السنن. وفي ~~رواية أبي داود: "وتقرأ بما شئت من القرآن ثم تقول الله أكبر, وعنده فإن ~~كان معك قرآن فاقرأ به". وفي رواية لأحمد: "إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن ~~وضوءك ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت فإذا ركعت ~~فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك ومكن لركوعك فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك ~~حتى ترجع العظام إلى مفاصليها فإذا سجدت فمكن لسوجودك فإذا رفعت فاعتمد على ~~فخذك اليسرى ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة". فإذا ضممت قوله في هذا الحديث: ~~"توضأ كما أمر الله" , إلى قوله في الصفا والمروة: "ابدؤوا بما بدأ الله ~~به": أفاد وجوب الوضوء على الترتيب الذي ذكره الله سبحانه. وقوله في ~~الحديث: "اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت" , تقييد لمطلق قوله: "اقرأ بما ~~تيسر معك من القرآن" , وهذا معنى قوله في الحديث: "وتقرأ بما شئت من ~~القرآن" , وقال: "فإن كان معك قرآن وإلا فأحمد الله وكبره وهلله" , فألفاظ ~~الحديث يبين بعضها بعضا وهي تبين مراده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن ~~يتعلق بلفظ منها ويترك بقيتها. # وقوله: "ثم تقول الله أكبر": فيه تعيين هذا اللفظ دون غيره وهو التكبير ~~المعهود في قوله: "تحريمها التكبير" وقوله: "فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ~~ترجع العظام إلى مفاصلها" , صريح في وجوب الرفع والاعتدال منه والطمأنينة ~~فيه # PageV01P121 # وعن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجزيء ~~صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود" , رواه الإمام أحمد المسند ~~وأهل السنن, وقال الترمذي: حديث حسن صحيح, وهذا نص صريح في أن الرفع من ~~الركوع وبين السجود الاعتدال فيه والطمأنينة فيه ركن لا تصح الصلاة إلا به. # وعن علي بن شيبان قال خرجنا حتى قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فبايعناه وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينيه رجلا لا يقيم صلاته – يعني صلبه في ~~الركوع والسجود- فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر المسلمين ms097 ~~لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود". رواه الإمام أحمد وابن ماجه. # وقوله: "لا صلاة" – يعني تجزيه بدليل قوله: "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ~~ظهره في الركوع والسجود" , ولفظ أحمد في هذا الحديث: "لا ينظر الله إلى رجل ~~لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده". # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله إلى ~~صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده" , رواه الإمام أحمد المسند. # وفي سنن البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تجزيء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبة في الركوع والسجود" , وقد ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نقر المصلي صلاته وأخبر أنها صلاة ~~المنافقين. # وفي المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن شبل قال: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن نقرة الغراب وافتراش السبع وعن توطن الرجل المكان في ~~المسجد كما يوطن البعير, فتضمن الحديث النهي في الصلاة عن التشبه ~~بالحيوانات: بالغراب في النقرة وبالسبع بافتراشه ذراعية في السجود وبالبعير ~~في لزومه مكانا معينا من المسجد يتوطنه كما يتوطن البعير. # وفي حديث آخر نهى عن عن التفات كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء الكلب, ورفع ~~الأيدي كأذناب الخيل. فهذه ست حيوانات نهى عن التشبه بها. # وأما ما وصفه من صلاة النقار بأنها صلاة المنافقين, ففي صحيح مسلم عن ~~علاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من ~~الظهر قال: فلما دخلنا عليه قال: أصليتما العصر؟ فقلنا إنما انصرفنا الساعة ~~من الظهر # PageV01P122 # قال: تقدموا فصلوا العصر فقمنا فصلينا فلما انصرفنا, قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "تلك صلاة المنافقين يجلس يرقب الشمس حتى إذا ~~كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" , ~~وقد تقدم قول ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -يريد الجماعة- إلا ~~منافق معلوم النفاق. وقد قال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله ms098 وهو خادعهم ~~وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا} . فهذه ست صفات في الصلاة من علامات النفاق: الكسل عند القيام ~~إليها, ومراءاة الناس في فعلها, وتأخيرها, ونقرها, وقلة ذكر الله فيها, ~~والتخلف عن جماعتها. # وعن أبي عبد الله الأشعري قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ~~ثم جلس في طائفة منهم فدخل رجل منهم فقام يصلي وينقر في سجوده ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فقال: "ترون هذا لو مات ما مات على ملة محمد ~~ينقر صلاقته كما ينقر الغراب الدم إنما مثل الذي يصلي وينقر في سجوده ~~كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين فما يغنيان عنه فأسبغوا الوضوء وويل ~~للأعقاب من النار فأتموا الركوع والسجود". # وقال أبو صالح: فقلت: لأبي عبد الله الأشعري من حدثك بهذا الحديث؟ قال: ~~أمراء الأجناد: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد ابن ~~أبي سفيان كل هؤلاء سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو بكر ابن ~~خزيمة في صحيحه فأخبر أن نقار الصلاة لو مات مات على غير الإسلام. # وفي صحيح البخاري عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا ~~السجود قال: ما صليت لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا ~~صلى الله عليه وسلم, ولو أخبر أن صلاة النقار صحت لما أخرجه عن فطرة ~~الإسلام بالنقر. وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لص الصلاة وسارقها ~~شرا من لص الأموال وسارقها. # ففي المسند من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته" , قالوا: يا رسول الله كيف يسرق ~~صلاته؟ قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها" , أو قال: "لا يقيم صلبه في الركوع ~~والسجود". فصرح # PageV01P123 # بأنه أسوأ حالا من سارق الأموال, ولا ريب أن لص الدين شر من لص الدنيا. # وفي المسند من حديث سالم بن أبي الجعد ms099 عن سلمان قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ومن طفف فقد علمتم ما قاله ~~الله في المطففين". قال مالك: وكان يقال في كل شيء وفاء وتطفيف فإذا توعد ~~الله سبحانه بالويل للمطففين في الأموال فما الظن بالمطففين في الصلاة؟؟. ~~وقد ذكر أبو جعفر العقيلي عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن ~~الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأ العبد فأحسن ~~الوضوء ثم قام إلى الصلاة فأتم ركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له ~~الصلاة حفظك الله كما حفظتني ثم يصعد بها إلى السماء ولها ضوء ونور وفتحت ~~لها أبواب السماء حتى تنتهي إلى الله تبارك وتعالى فتشفع لصاحبها, وإذا ضيع ~~وضوءها وركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له الصلاة ضيعك الله كما ضيعتني ~~ثم يصعد بها إلى السماء فتغلقت دونها أبواب السماء ثم تلف كما يلف الثوب ~~الخلق ثم يضرب بها وجه صاحبها". # وقال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى الشامي جاء الحديث: "إذا توضأ ~~فأحسن الصلاة ثم ذكره تعليقا". # PageV01P124 ### | فصل # وأما المسألة العاشرة وهي: مقدار صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم # فهي: من أجل المسائل وأهمها وحاجة الناس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى ~~الطعام والشراب, وقد ضيعها الناس من عهد أنس بن مالك رضي الله عنه, ففي ~~صحيح البخاري من حديث الزهري قال: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ~~فقلت: له ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة, وهذه ~~الصلاة قد ضيعت. # وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا مهدي عن غيلان عن أنس قال: ما أعرف شيئا مما ~~كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: فالصلاة؟ قال: أليس قد ~~ضيعتم ما ضيعتم فيها؟ أخرجه البخاري عن موسى. وأنس رضي الله عنه تأخر حتى ~~شاهد من إضاعة أركان الصلاة وأوقاتها وتسبيحها في الركوع والسجود وإتمام ~~تكبيرات الانتقال فيها ما أنكره وأخبر أن هدي رسول الله ms100 صلى الله عليه وسلم ~~كان بخلافه كما ستقف عليه مفصلا إن شاء الله. # PageV01P124 # ففي الصحيحن من حديث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ~~ويكملها، وفي الصحيحين أيضا قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من ~~صلاة النبي صلى الله عليه وسلم زاد البخاري: وإن كان ليسمع بكاء الصبي ~~فيخفف مخافة أن تفتن أمه, فوصف صلاته صلى الله عليه وسلم بالإيجاز والتمام. ~~والإيجاز هو الذي كان يفعله, لا الإيجاز الذي كان يظنه من لم يقف على مقدار ~~صلاته؛ فإن الإيجاز أمر نسبي إضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام ومن ~~خلفه, فلما كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المئة كان هذا الإيجاز بالنسبة ~~إلى ست مئة إلى ألف, ولما قرأ في المغرب بالأعراف كان هذا الإيجاز بالنسبة ~~إلى البقرة. # ويدل على هذا أن أنسا نفسه قال في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من ~~حديث عبد الله بن إبراهيم بن كيسان حدثني أبي عن وهب بن مانوس سمعت سعيد بن ~~جبير يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعني ~~عمر بن عبد العزيز. فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات. ~~وأنس أيضا هو القائل في الحديث المتفق عليه: إني لا ألو أن أصلى بكم كما ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا. # قال ثابت: كان أنسا يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة مكث ~~حتى يقول القائل قد نسي. وأنس هو القائل هذا. وهو القائل: ما صليت وراء ~~إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وحديثه لا يكذب ~~بعضه بعضا. ومما يبين ما ذكرناه ما رواه أبو داود في سننه من حديث حماد بن ~~سلمة أخبرنا ms101 ثابت وحميد عن أنس بن مالك قال: ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يكبر ثم يسجد وكان ~~يباعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم. هذا سياق حديثه. فجمع أنس رضي الله ~~عنه في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار بإيجازه صلى الله عليه وسلم الصلاة ~~وإتمامها وبين # PageV01P125 # فيه أن من إتمامها الذي أخبر به إطاعة الاعتدالين حتى يظن الظان أنه قد ~~أوهم أو نسي من شدة الطول فجمع بين الأمرين في الحديث. # وهو القائل: ما رأيت أوجز من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أتم, ~~فيشبه أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام والإتمام إلى الركوع والسجود ~~والاعتدالين بينهما؛ لأن القيام لا يكاد يفعل إلا تاما فلا يحتاج إلى الوصف ~~بالإتمام بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين, وسر ذلك أنه بإيحاز القيام ~~وإطالة الركوع والسجود والإعتدالين تصير الصلاة تامة لاعتدالها وتقاربها ~~فيصدق قوله: ما رأيت أوجز ولا أتم من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وهذا هو الذي كان يعتمده صلوات الله عليه وسلامه في صلاته فإنه كان ~~يعدلها حيث يعتدل قيامها وركوعها وسجودها واعتدالها. # ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه ~~وسلم فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين ~~فسجدته فجلسته بين التسليم والانصراف قريبا من السواء. # وفي لفظ لهما: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامه وركوعه وإذا ~~رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء, ولا يناقض ~~هذا ما رواه البخاري في هذا الحديث, كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسجوده وما بين السجدتين وإذا رفع رأسه ما خلا القيام والقعود قريبا من ~~السواء, فإن البراء هو القائل هذا وهذا, فإنه في السياق الأول أدخل في ذلك ~~قيام القراءة وجلوس التشهد, وليس مراده أنهما ms102 بقدر ركوعه وسجوده وإلا ناقض ~~السياق الأول: الثاني, وإنما المراد أن طولهما كان مناسبا لطول الركوع ~~والسجود والاعتدالين بحيث لا يظهر التفاوت الشديد في طول هذا وقصر هذا كما ~~يفعله كثير ممن لا علم عنده بالسنة, يطيل القيام جدا ويخفف الركوع والسجود. # وكثيرا ما يفعلون هذا في التراويح وهذا هو الذي أنكره أنس بقوله: ما صليت ~~وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن ~~كثيرا من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جدا فيثقل على المأمومين ويخفف # PageV01P126 # الركوع والسجود والاعتدالين فلا يكمل الصلاة, فالأمران اللذان وصف بهما ~~يروي رسول الله صلى الله عليه وسلم هما اللذان كان الأمراء يخالفونهما وصار ~~ذلك أعني تقصير الاعتدالين شعارا حتى استحبه بعض الفقهاء وكره إطالتهما, ~~ولهذا قال ثابت: وكان يروي يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي. فهذا الذي فعله أنس هو الذي ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله, وإن كرهه من كرهه فسنة رسول الله ~~أولى وأحق بالاتباع. وقول البراء في السياق الآخر: ما خلا القيام والقعود: ~~بيان أن ركن القراءة والتشهد أطول من غيرهما, وقد ظن طائفة أن مراده بذلك ~~قيام الاعتدال من الركوع وقعود الفصل بين السجدتين وجعلوا الاستثناء عائدا ~~إلى تقصيرهما وبنوا على ذلك أن السنة تقصيرهما وأبطل من غلا منهم الصلاة ~~بتطويلهما, وهذا غلط فإن لفظ الحديث وسياقه يبطل هؤلاء فإن لفظ البراء: كان ~~ركوعه وسجوده وما بين السجدتين وإذا رفع رأسه وما خلا القيام والقعود قريبا ~~من السواء. فكيف يقول: وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا رفع رأسه من الركوع: ~~هذا باطل قطعا. # وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد تقدم حديث أنس أنه صلى بهم صلاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقوم بعد الركوع حتى يقول القائل: قد نسي, ~~وكان يقول بعد رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك ms103 الحمد ~~ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما ~~قال العبد وكلنا لك عبد, اللهم لا مانع لما أعطيت ولامعطي لما منعت ولا ~~ينفع ذا الجد منك الجد". رواه مسلم من حديث أبي سعيد. # ورواه من حديث ابن أبي أوفى وزادفيه بعد قوله: من شيء بعد: "اللهم طهرني ~~بالثلج والبرد والماء البارد, اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى ~~الثوب الأبيض من الدنس" , وكذلك كان هديه في صلاة الليل يركع قريبا من ~~قيامه ويرفع رأسه بقدر ركوعه ويسجد بقدر ذلك, ويمكث بين السجدتين بقدر ذلك, ~~وكذلك فعل في صلاة الكسوف أطال ركن الاعتدال قريبا من القراءة فهذا هديه ~~الذي # PageV01P127 # كأنك تشاهده وهو يفعله, وهكذا فعل الخلفاء الراشدون من بعده. # وقال زيد بن أسلم: كان عمر يخفف القيام والقعود ويتم الركوع والسجود, ~~فأحاديث أنس رضي الله عنه كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما يفعله أكثر الائمة بل كلهم ~~إلاالنادر فأنس أنكر تطويل القيام على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفعله. وقال: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة يقرب بعضها ~~من بعض وهذا موافق لرواية البراء بن عازب أنها كانت قريبا من السواء ~~فأحاديث الصحابة في هذا الباب يصدق بعضها بعضا. # فصل # وأما قدر قيامه للقراءة فقال أبو برزة الأسلمي: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو ~~إحداهما ما بين الستين إلى المئة متفق على صحته. # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن السائب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون ~~أو ذكر عيسى أخذت النبي صلى الله عليه وسلم سعلة فركع1. # وفي صحيح مسلم عن قطبة بن مالك: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~في الفجر: {والنخل باسقات لها طلع نضيد} . وربما ms104 قال: "ق". # وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يقرأ في الفجر ب {ق والقرآن المجيد} 2. وكانت صلاته بعد تخفيفا, فقوله: ~~وكانت صلاته بعد تخفيفا أي بعد صلاة الصبح أخف من قراءتها, ولم يرد أنه كان ~~بعد ذلك يخفف قراءة الفجر عن {ق} , يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ~~شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~الظهر ب {والليل إذا يغشى} , وفي العصر بنحو ذلك, وفي الصبح أطول من ذلك. ~~PageV01P128 # وفي صحيح مسلم عن زهير عن سماك بن حرب قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء. قال: ~~وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر ب {ق والقرآن ~~المجيد} ونحوها فأخبر أن هذا كان تخفيفه, وهذا مما يبين أن قوله: وكانت ~~صلاته بعد تخفيفا أي بعد الفجر, فإنه جمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالتخفيف وبين قراءته فيها ب "سورة ق" ونحوها. # وقد ثبت في الصحيح عن أم سلمة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~في الفجر ب "سورة الطور" قريبأ من سورة "ق". # وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ سورة ~~{والمرسلات عرفا} فقالت: يابني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة فإنها لآخر ~~ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب1, فقد أخبرت أم ~~الفضل أن ذلك آخر ما سمعته يقرأ بها في المغرب وأم الفضل لم تكن من ~~المهاجرين بل هي من المستضعفين, كما قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من ~~المستضعفين الذين عذر الله. وفهذا السماع كان متأخرا بعد فتح مكة قطعا. # وفي صحيح البخاري أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت: مالك تقرأ في ~~المغرب بقصار المفصل وقد سمعت رسول الله صلى الله ms105 عليه وسلم يقرأ فيها ~~بطولي الطوليين, وسأل ابن مليكة أحد رواته ما طولي الطوليين فقال: من قبل ~~نفسه المائدة والأعراف. ويدل على صحة تفسيره حديث عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها أن رسول الله قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في ~~الركعتين. رواه النسائي. # وروى النسائي أيضا من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~قرأ في المغرب بالدخان, وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقرأ ب سورة "الطور" في المغرب. فأما العشاء فقال ~~البراء بن عازب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء {والتين ~~والزيتون} وما سمعت أحدا أحسن صوتا منه. # متفق عليه. . ### | 9- # صلاة. PageV01P129 # وفي الصحيحن أيضا عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ سورة ~~{إذا السماء انشقت} فسجد فقلت له فقال سجدت بها خلف أبي القاسم فلا أزال ~~أسجد بها حتى ألقاه. # وفي المسند والترمذي من حديث بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في العشاء الآخرة ب {والشمس وضحاها} ونحوها من السور. قال ~~الترمذي: حديث حسن. وقال لمعاذ في صلاة العشاء الآخرة: اقرأ ب سورة {والشمس ~~وضحاها} وسورة {سبح اسم ربك الأعلى} وسورة {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وسورة ~~{والليل إذا يغشى} متفق عليه. # وأما الظهر والعصر ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: كانت صلاة ~~الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم ~~يرجع إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى. # وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ~~ويسمعنا الآية أحيانا, وكان يطول الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية, ~~ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. متفق عليه. ولفظه لمسلم. # وفي رواية البخاري: وكان يطلول الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية, ~~وفي رواية لأبي داود ms106 قال: فظننا أنه يريد أن يدرك الناس الركعة الأولى. # وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله ابن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. # قال سعد ابن أبي وقاص لعمر أما أنا فأمد في الأوليين وأخفف في الأخريين ~~وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له عمر: ~~ذلك ظني بك. رواه البخاري ومسلم. # وقال أبو سعيد الخدري: كنا نحزر قيام رسول الله في الظهر والعصر فحزرنا ~~قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر سورة "الم تنزيل السجدة" وحزرنا ~~قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك, وحرزنا قيامه في الركعتين الأوليين من ~~العصر على النصف من ذلك. # وفي رواية بدل قومه تنزيل السجدة: قدر ثلاثين آية, وفي الأخريين قدر # PageV01P130 # خمس عشرة آية, وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة ~~وفي الأخريين قدر نصف ذلك. هذه الالفاظ كلها في صحيح مسلم. # وقد احتج به من استحب قراءة السورة بعد الفاتحة في الأخريين وهو ظاهر ~~الدلالة لو لم يجيء حديث أبي قتادة المتفق على صحته أنه كان يقرأ في ~~الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين وفي الأخريين بفاتحة الكتاب فذكر السورتين ~~في الركعتين الأوليين واقتصاره على الفاتحة في الأخريين يدل على اختصاص كل ~~ركعتين بما ذكر من قراءتهما وحديث سعد يحتمل لما قال أبو قتادة ولما قال ~~أبو سعيد, وحديث أبي سعيد ليس صريحا في قراءة السوره في الأخريين فإنما هو ~~حزر وتخمين. وقال أبو جابر بن سمرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~الظهر سورة {والليل إذا يغشى} وفي العصر نحو ذلك, وفي الصبح أطول من ذلك ~~رواه مسلم. # وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر {سبح اسم ربك ~~الأعلى} وفي الصبح بأطول من ذلك رواه مسلم أيضا. # وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر {والسماء ~~ذات ms107 البروج} , {والسماء والطارق} ونحوهما من السور. رواه أحمد وأهل السنن. ~~وفي سنن النسائي عن البراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا ~~الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات. # وفي السنن من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة ~~الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ سورة تنزيل السجدة وفيه دليل على أنه لا ~~يكره قراءة السجدة في صلاة السر وأن الإمام إذا قرأها سجد ولا يخير ~~المأمومون بين اتباعه وتركه بل يجب عليهم متابعته. # وقال أنس: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فقرأ لنا بهاتين ~~السورتين في الركعتين: {سبح اسم ربك الأعلى} و {هل أتاك حديث الغاشية} . ~~رواه النسائي, والصحابة رضي الله عنهم أنكروا على من كان يبالغ في تطويل ~~القيام وعلى من كان يخفف الأركان ولا سيما ركني الاعتدال, وعلى من كان لا ~~يتم التكبير وعلى من كان يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وعلى من كان يتخلف عن ~~جماعتها. # وأخبروا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ما زال يصليها حتى ~~مات, ولم يذكر # PageV01P131 # أحد منهم أصلا أنه نقص من صلاته في آخر حياته صلى الله عليه وسلم, ولا أن ~~تلك الصلاة التي كان يصليها منسوخة, بل استمر خلفاؤه الراشدون على منهاجه ~~في الصلاة كما استمروا على منهاجه في غيرها، فصلى الصديق صلاة الصبح فقرأ ~~فيها بالبقرة كلها فلما انصرف منها قالوا: يا خليفة رسول الله كادت الشمس ~~تطلع, قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين, وكان عمر يصلي الصبح بالنحل ويونس ~~وهود ويوسف ونحوها من السور. # قال المخففون: إنكم وإن تمسكتم بالسنة في التطويل فنحن أسعد بها منكم في ~~الإيجاز والتخفيف لكثرة الأحاديث بذلك وصحتها وأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالإيجاز والتخفيف وشدة غضبه على المطولين وموعظته لهم وتسميتهم ~~منفرين فعن أبي مسعود أن رجلا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة ~~الغداة من أجل فلان مما يطيل ms108 بنا فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~موضع أشد غضبا منه يومئذ, ثم قال: "أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم ما صلى ~~بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة". رواه البخاري ومسلم. ~~وفي رواية للبخاري: "فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة". # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أم أحدكم فليخفف ~~فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض, وإذا صلى وحده فليصل كيف شاء". ~~راواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم. # وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: له ~~"أم قومكم". قال: قلت: يا رسول الله إني أجد في نفسي شيئا, قال: "ادنه" ~~فأجلسني بين يديه ثم وضع كفه في صدري بين ثديي ثم قال تحول فوضعها في ظهري ~~بين كتفي ثم قال: "أم قومك فمن أم قوما فليخفف فإن فيهم الكبير وإن فيهم ~~المريض وإن فيهم الضعيف وإن فيهم ذا الحاجة فإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف ~~شاء". رواه مسلم. # وفي رواية: "إذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة" , وقال أنس بن مالك: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكلمها, وفي لفظ: يوجز ويتم. متفق ~~عليه. # وقال أنس أيضا: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة # PageV01P132 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن ~~تفتن أمه. متفق عليه. وسياقه البخاري. # وعن عثمان بن أبي العاص أنه قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال: ~~"أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا". رواه ~~الإمام أحمد. وأهل السنن، ورواه أبو داود في سننه من حديث الجريري عن ~~السعدي عن أبيه أو عمه قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته فكان ~~يتمكن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثا. ورواه أحمد ~~أيضا في مسنده. # وروى أبو داود في سننه من حديث ابن وهب: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن ~~أبي ms109 العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك ~~بالمدينة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا تشددوا على ~~أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فتلك بقاياهم في الصوامع ~~والدريات, {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} " , هذا الذي في رواية ~~اللؤلؤي عن أبي داود وفي رواية ابن داسة عنه أنه دخل وأبوه على أنس بن مالك ~~بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فإذا هو يصلي صلاة ~~خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريبا منها فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه ~~الصلاة هي المكتوبة أو شيء تنفلت بت. قال: إنها المكتوبة وإنها لصلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن ~~قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار, ~~{ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} ". # ثم غدا من الغد فقال: ألا تركب لننظر ونعتبر؟ قال: نعم, فركبوا جميعا ~~فإذا بديار باد أهلها وانقضوا وفنوا خاوية على عروشها, قال: أتعرف هذه ~~الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها, هؤلاء أهل ديار أهلكم البغي والحسد, ~~إن الحسد يطفيء نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني الكف ~~القدم واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. فأما سهل ابن أبي أمامة فقد وثقه ~~يحيى بن معين وغيره وروى له مسلم. # وأما ابن أبي العمياء من أهل بيت المقدس, وهو إن جهلت حاله فقد رواه # PageV01P133 # أبو داود وسكت عنه, وهذا يدل على أنه حسن عنده. قالوا: وهذا يدل على أن ~~الذي أنكره أنس من تغيير الصلاة هو شدة تطويل الأئمة لها, وإلا تناقضت ~~أحاديث أنس, ولهذا جمع بين الإيجاز والإتمام. # وقوله: ما صليت وراء إمام أخف صلاة ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ظاهر في إنكاره التطويل, وقد جاء هذا مفسرا عن أنس نفسه, فروى النسائي ~~من حديث العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس ms110 بن مالك فقال: ~~أصليتم؟ فقلنا: نعم. قال: يا جارية هلمي لي وضوءا ما صليت وراء إمام قط ~~أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا. # قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام. # وهو حديث صحيح, وقد صرح به عمران بن الحصين لما صلى خلف علي بالبصرة قال ~~عمران لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانت صلاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم معتدلة, كان يخفف القيام والقعود, ويطيل الركوع ~~والسجود, وهو حديث صحيح. # وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~لمعاذ لما طول بقومه في العشاء الآخرة: "أفتان أنت" أو قال: " أفاتن أنت"؟ ~~ثلاث مرات, فلولا صليت ب {سبح اسم ربك الأعلى} {والشمس وضحاها} . {والليل ~~إذا يغشى} ؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والصغير والضعيف وذو الحاجة". وعن معاذ ~~بن عبد الله الجهني أن رجلا من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في الصبح: {إذا زلزلت الأرض} في الركعتين كلتيهما, فلا أدري ~~سها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا, رواه أبو داود. # وفي صحيح مسلم عن عمرو بن حريث أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~الفجر {والليل إذا يغشى} , وعن عقبة بن عامر قال: كنت أقود برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ناقته فقال لي: "ألا أعلمك سورتين لم يقرأ بمثلهما"؟ قلت: ~~بلى, فلعمني: {قل أعوذ برب الناس} . و {قل أعوذ برب الفلق} . فلم يرني أعجب ~~بهما. فلما نزل للصبح قرأ بهما ثم قال: "كيف رأيت يا عقبة"؟ . # PageV01P134 # وفي رواية: "ألا أعلمك خير سورتين قرأنا"؟ قلت: بلى. قال: {قل أعوذ برب ~~الفلق} . {قل أعوذ برب الناس} ", فلما نزل صلى بهما الغداة قال كيف ترى يا ~~عقبة؟ رواه أحمد وأبو داود. # وفي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي من حديث عمار بن ياسر أنه صلى صلاة ~~فأوجز فيها فأنكروا عليه فقال: ألم أتم الركوع ms111 والسجود؟ قالوا: بلى. قال: ~~أما إني دعوت فيها بدعاء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بت: "اللهم ~~بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا ~~كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب ~~والرضا والقصد في الفقر والغنى ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك, ~~وأعوذ بك من ضراء مضرة ومن فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا ~~هداة مهتدين". # قالوا: فأين هذه الأحاديث من أحاديث التطويل صحة وكثرة وصراحة. وحينئذ ~~فيتعين حملها على أنها في أول الإسلام لما كان في المصلين قله, فلما كثروا ~~واتسعت رقعة الإسلام شرع التخفيف وأمر به لأنه أدعى إلى القبول ومحبة ~~العبادة فيدخل فيها برغبة ويخرج منها باشتياق ويندر بها الوسواس فإنها متى ~~طالت استولى الوسواس فيها على المصلي فلا يفي ثواب إطالته بنقصان أجره. # قالوا: وكيف يقاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره من الائمة من ~~محبة الصحابة له والقيام خلفه لسماع صوته بالقرآن غضا كما أنزل وشدة رغبة ~~القوم في الدين وإقبال قلوبهم على الله وتفريغها له في العبادة ولهذا قال: ~~"إن منكم منفرين" , ولم يكونوا ينفرون من طول صلاته صلى الله عليه وسلم ~~فالذي كان يحصل للصحابة خلفه في الصلاة كان يحملهم على أن يروا صلاته وإن ~~طالت خفيفة على قلوبهم وأبدانهمم فإن الإمام محمل المأمومين بقلبه وخشوعه ~~وصوته وحاله فإذا عرى من ذلك كله كان كلا على المأمومين وثقلا عليهم فليخفف ~~من ثقله عليهم ما أمكنه لئلا يبغضهم الصلاة. # قالوا: وقد ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج لشدة تنطعهم في ~~الدين وتشددهم في العبادة بقوله: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع ~~صيامهم". ومدح الرفق وأهله وأخبر عن محبة الله له وأنه يعطي عليه ما لا ~~يعطي على العنف, وقال: # PageV01P135 # "لن يشاد الدين أحدا إلا غلبه". وقال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه ~~برفق". فالدين كله في الاقتصاد في السبيل والسنة. والله تعالى يحب ms112 ما دوام ~~عليه العبد من الأعمال, والصلاة القصد هي التي يمكن المداومة عليها دون ~~المتجاوزة في الطول. # فصل # قال المكملون للصلاة أهلا وسهلا بكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فعلى الرأس والعينين وهل ندندن إلا حول الاقتداء به ومتابعة هديه ~~وسنته ولا نضرب سنته بعضها ببعض ولا نأخذ منها ما سهل ونترك منها ما شق ~~علينا لكسل وضعف عزيمة واشتغال بدنيا قد ملأت القلوب وملكت الجوارح وقرت ~~بها العيون, بدل قرتها بالصلاة فصارت أحاديث الرخصة في حقها شبهة صادفت ~~شهوة وفتورا في العزم وقلة رغبة في بذل الجهد في النصحية في الخدمة ~~واستسهلت حق الله تعالى، وجعلت كرمه وغناه من أعظم شبهاتها في التفريط فيه ~~وإضاعته وفعله بالهوينا تحلة القسم. ولهجت بقولها: ما استقصى كريم حقه قط. ~~وبقولها: حق الله مبني على المسامحة والمساهلة والعفو, وحق العباد مبني على ~~الشح والضيق والاستقصاء فقامت في رحمة المخلوقين كأنها على الفرش الوثيرة ~~والمراكب الهينة وقامت في حق رحمة ربها وفاطرها كأنها على الجمر المحرق ~~تعطيه الفضلة من قواها وزمانها وتستوفي لأنفسها كمال الحظ ولم تحفظ من ~~السنة إلا: "أفتان أنت يا معاذ"؟ , "أيها الناس إن منكم منفرين". # ووضع الحديث موضعه ولم تتأمل ما قبله وما بعده ومن لم تكن قرة عينه في ~~الصلاة ونعيمه وسروره ولذته فيها وحياة قلبه وانشراح صدره فإنه لا يناسبه ~~إلا هذا الحديث وأمثاله بل لا يناسبه إلا صلاة السراق والنقارين, فنقرة ~~الغراب أولى به من استفراغ وسعه في رحمة رب الأرباب, وحديث "أفتان أنت ~~يامعاذ" , الذي لم يفهمه أولى به من حديث: "كانت صلاة الظهر تقام فينطلق ~~أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يدرك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الركعة الأولى" وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم الصبح ~~بالمعوذتين وكان هذا في السفر أولى به من حديث صلاته في الحضر بمئة آية إلى ~~مئتين, وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم # PageV01P136 # المغرب ب {قل هو الله أحد} و ms113 {قل يا أيها الكافرون} الذي انفرد ابن ماجة ~~بروايتة أولى به من الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرأ فيها بطولي الطوليين وهي الأعراف, فهو يميل من السنة ~~إلى ما يناسبه ويأخذ منها بما يوافقه ويتلطف لمن خشن في تأويل ما يخالفه ~~ودفعه بالتي هي أحسن, ونحن نبرأ إلى الله من سلوك هذه الطريقة ونسأله أن ~~يعافينا مما ابتلى به أربابها بل ندين الله بكل ما صح عن رسوله ولا نجعل ~~بعضه لنا وبعضه علينا فنقر ما لنا على ظاهره, ونتأول ما علينا على خلاف ~~ظاهره, بل الكل لنا لا نفرق بين شيء من سننه بل نتلقاها كلها بالقبول ~~ونقابله بالسمع والطاعة ونتبعها أين توجهت ركائبها وننزل معها أين نزلت ~~مضاربها فليس الشأن في الأخذ ببعض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك ~~بعضها بل الشأن في الأخذ بجملتها وتنزيل كل شيء منها منزلته ووضعه بموضعه ~~فنقول: وبالله التوفيق الإيجاز والتخفيف المأمور به والتطويل المنهي عنه لا ~~يمكن أن يرجع فيه إلى عادة طائفة وأهل بلد وأهل مذهب ولا إلى شهوة ~~المأمومين ورضاهم ولا إلى اجتهاد الأئمة الذين يصلون بالناس ورأيهم في ذلك ~~فإن ذلك لا ينضنبط وتضطرب فيه الآراء والإرادات أعظم اضطراب ويفسد وضع ~~الصلاة الرجعة مقدارها تبعا لشهوة الناس, ومثل هذا لا تأتي به شريعة بل ~~المرجع في ذلك والتحاكم إلى ما كان يفعله من شرع الصلاة للأمة وجاءهم بها ~~من عند الله وعلمهم حقوقها وحدودها وهيآتها وأركانها, وكان يصلي وراءه ~~الضعيف والكبير والصغير وذو الحاجة ولم يكن بالمدينة صلوات الله وسلامه ~~عليه فالذي كان يفعله صلوات الله عليه وسلامه {وما أريد أن أخالفكم إلى ما ~~أنهاكم عنه} , وقد سئل بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك ~~في ذلك من خير؟ فأعادها عليه فقال: كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى ~~البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله صلى ~~الله ms114 عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطولها. رواه مسلم في الصحيح. # وهذا يدل على أن الذي أنكره أبو سعيد وأنس وعمران بن الحصين والبراء # PageV01P137 # ابن عازب إنما هو حذف الصلاة والاختصار فيها والاقتصار على بعض ما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله, ولهذا لما صلى بهم أنس قال: إني لا ~~آلو أن أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثابت فكان أنس ~~يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه: كان إذا انتصب قائما يقوم يقول القائل قد أوهم ~~وإذا جلس بين السجدتين مكث حتى يقول القائل قد أوهم, فهذا مما أنكره أنس ~~على الائمة حيث كانوا يقصرون هذين الركنين كما أنكر عليهم تقصير الركوع ~~والسجود وأخبر أن أشبههم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد ~~العزيز فحزروا تسبيحه في الركوع والسجود عشرا عشرا ومن المعلوم أنه لم يكن ~~يسبحها هذا, مسرعا من غير تدبر فحالهم أجل من ذلك. # وقد بلى أنس بمن وهمه في ذلك كما بلى بمن وهمه في روايته ترك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في صلاته الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وقالوا: كان ~~صغيرا يصلي وراء الصفوف فلم يكن يسمع جهره بها وكما بلى بمن وهمه في إحرام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة معا, وقالوا: كان بعيدا منه لا ~~يسمع إحرامه حتى قال لهم: ما تعدونني إلا صبيا كنت تحت بطن ناقة رسول الله ~~فسمعته يهل بهما جميعا, وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولأنس ~~عشر سنين فخدمه واختص به وكان يعد من أهل بيته, وكان غلاما كيسا فطنا وتوفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رجل كامل له عشرون سنة, ومع هذا كله ~~فيغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته وقدر صلاه وكيفية إحرامه ~~ويستمر غلطه على خلفائه الراشدين من بعده ويستمر على صلاته في مؤخر المسجد ~~حيث لا يسمع قراءة أحد منهم. # وقد اتفق الصحابة على أن صلاة رسول ms115 الله صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة ~~فكان ركوعه ورفعه منه وسجوده ورفعه منه مناسبا لقيامه, فإذا كان يقرأ في ~~الفجر بمئة آية إلى ستين آية فلا بد أن يكون ركوعه وسجوده مناسبا لذلك, ~~ولهذا قال البراء ابن عازب: إن ذلك كله كان قريبا من السواء, وقال عمران بن ~~حصين كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة وكذلك كان # PageV01P138 # قيامه بالليل وصلاة الكسوف, وقال عبد الله بن عمر: إن كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات". رواه الإمام ~~أحمد والنسائي. # فهذا أمره وهذا فعله المفسر له لا ما يظن الغالط المخطيء أنه كان يأمرهم ~~بالتخفيف ويفعل هو خلاف ما أمر بت, وقد أمر صلاة الله وسلامه عليه الائمة ~~أن يصلوا بالناس كما كان يصلي بهم. # ففي الصحيحين عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا فسألنا عمن تركنا من أهلنا ~~فأخبرناه فقال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم فليصلوا ~~صلاة كذا في حين كذا, وصلاة كذا في حين كذا, وإذاحضرت الصلاة فليؤذن لكم ~~أحدكم وليؤمكم أكبركم وصلوا كما رأيتموني أصلي". والسياق للبخاري. # فهذا خطاب للأئمة قطعا وإن لم يختص بهم فإذا أمرهم أن يصلوا بصلاته ~~وأمرهم بالتخفيف علم بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أمر به. يوضح ذلك ~~أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه ~~ويسمى طويلا بالنسبة إلى ماهو أخف منه. فلا حد له في اللغة يرجع فيه إليه ~~وليس من الأفعال العرفية التي يرجع فيها إلى العرف كالحرز والقبض وإحياء ~~الموات والعبادات يرجع إلى الشارع في مقاديرها وصفاتها وهيآتها كما يرجع ~~إليه في أصلها فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عرف الناس وعوائدهم في مسمى ~~التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة ومقاديرها اختلافا متباينا لا ms116 ~~ينضبط, ولهذا لما فهم بعض من نكس الله قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما ~~يمكن من التخفيف اعتقد أن الصلاة كلما خفت وأوجزت كانت أفضل فصاركثير منهم ~~يمر فيها مر السهم ولا يزيد على الله أكبر في الركوع والسجود بسرعة ويكاد ~~سجوده يسبق ركوعه وركوعه يكاد يسبق قراءته وربما ظن الاقتصار على تسبيحة ~~واحدة أفضل من ثلاث. # ويحكى عن بعض هؤلاء أنه رأى غلاما له يطمئن في صلاته فضربه وقال: # PageV01P139 # لو بعثك السلطان في شغل أكنت تبطئ في شغله مثل هذا الإبطاء؟ وهذا كله ~~تلاعب بالصلاة وتعطيل لها وخداع من الشيطان وخلاف لأمر الله ورسوله حيث قال ~~تعالى: {وأقيموا الصلاة} . فأمرنا بإقامتها وهو الإتيان بها قائمة تامة ~~القيام والركوع والسجود والأذكار وقد علق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلى ~~في صلاته فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح, ويستحيل حصول الخشوع ~~مع العجلة والنقر قطعا. بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة وكلما زاد ~~طمأنينة ازداد خشوعا, وكلما قل خشوعة اشتدت عجلته حتى تصير حركة يديه ~~بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع ولا اقبال على العبودية, ولا معرفة حقيقة ~~العبودية والله سبحانه قد قال: {وأقيموا الصلاة} , وقال: {الذين يقيمون ~~الصلاة} . وقال: {وأقم الصلاة} . وقال: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} ~~وقال: {والمقيمي الصلاة} وقال إبراهيم عليه السلام: {رب اجعلني مقيم ~~الصلاة} , وقال لموسى {فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} فلن تكاد تجد ذكر الصلاة ~~في موضع من التنزيل إلا مقرونا بإقامتها فالمصلون في الناس قليل ومقيم ~~الصلاة منهم أقل القليل. # كما قال عمر رضي الله عنه: "الحاج قليل والركب كثير", فالعاملون يعملون ~~الأعمال المأمور بها على الترويج تحلة القسم, ويقولون يكفينا أدنى ما يقع ~~عليه الاسم وليتنا نأتي به ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها ~~على الله جل جلاله بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم ~~وكبرائهم فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه فيزينه ويحسنه ما استطاع ثم ~~يتقرب به إلى من يرجوه ويخافه كمن يعمد ms117 إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه ~~فيستريح منه ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع وليس من كانت الصلاة ربيعا ~~لقلبه وحياة له وراحة وقرة لعينه وجلاء لحزنه وذهابا لهمه وغمه ومفزعا له ~~إليه في نوائبه ونوازله كمن هي سحت لجوارحه, وتكليف له وثقل عليه فهي كبيرة ~~على هذا وقرة عين وراحة لذلك. # وقال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ~~الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} فإنما كبرت على غير هؤلاء ~~لخلو # PageV01P140 # قلوبهم من محبة الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوع له وقلة رغبتهم فيه ~~فإن حضور العبد في الصلاة وخشوعه فيها وتكميله لها واستفراغه وسعة في ~~إقامتها وإتمامها على قدر رغبته في الله تعالى. # قال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى: إنما حظهم من الإسلام على قدر ~~حظهم من الصلاة ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة فاعرف نفسك يا ~~عبد الله واحذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للإسلام عندك. فإن قدر الإسلام ~~في قلبك كقدر الصلاة في قلبك. وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته ~~والرغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصلاة كحظ القلب الخالي الخراب من ذلك ~~فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصلاة وقف هذا بقلب مخبت خاشع له قريب ~~منه سليم من معارضات السوء قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة وسطع فيه نور الإيمان ~~وكشف عنه حجاب النفس ودخان الشهوات فيرتع في رياض معاني القرآن, وخالط قلبه ~~بشاشة الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وعلوها وجمالها وكمالها الأعظم وتفرد ~~الرب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله فاجتمع همه على الله وقرت عينه به ~~وأحسن بقربه من الله قربا لا نظير له ففرغ قلبه له وأقبل عليه بكليته, وهذا ~~الإقبال منه بين اقبالين من ربه فإنه سبحانه أقبل عليه أولا, فانجذب قلبه ~~إليه بإقباله؛ فلما أقبل على ربه حظي منه بإقبال آخر أتم من الأول. وها هنا ~~عجيبة من عجائب الأسماء والصفات تحصل لمن تفقه قلبه في معاني القرآن وخالط ~~بشاشة الإيمان بها ms118 قلبه بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعا من صلاته ومحلا منها ~~فإنه إذا انتصب قائما بين يدي الرب تبارك وتعالى شاهد بقلبه قيوميته, وإذا ~~قال الله أكبر شاهد كبرياءه وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك ~~وتعالى جدك ولا إله غيرك شاهد بقلبه ربا منزها عن كل عيب سالما من كل نقص ~~محمودا بكل حمد فحمده يتضمن وصفه بكل كمال وذلك يستلزم براءته من كل نقص ~~تبارك اسمه, فلا يذكر على قليل إلا كثرة ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه ~~ولا على آفة إلا أذهبها ولا على شيطان إلا رده خاسئا داحرا وكمال # PageV01P141 # الاسم من كمال مسماه, فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ~~ولا في السماء فشأن المسمى أعلى وأجل, وتعالى جده أي ارتفعت عظمته وجلت فوق ~~كل عظمة, وعلا شأنه على كل شأن وقهر سلطانه على كل سلطان فتعالى جده أن ~~يكون معه شريك في ملكه وربوبيته أو في الهيته أو في أفعاله أو في صفاته كما ~~قال مؤمن الجن: {وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا} , فكم في هذه ~~الكلمات من تجل لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المعطل ~~لحقائقها, وإذا قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد آوى إلى ركنه الشديد ~~واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه ويبعده عن قربه ~~ليكون أسوأ حالا. # "فإذا قال: {الحمد لله رب العالمين} وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربه له ~~بقوله: "حمدني عبدي". فإذا قال: {الرحمن الرحيم} , انتظر الجواب بقوله: ~~"اثنى علي عبدي", فإذا قال: {مالك يوم الدين} انتظر جوابه: "يمجدني عبدي", ~~فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه: عبدي ثلاث مرات فوالله لولا ~~ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لاستطيرت فرحا وسرورا بقول ربها ~~وفاطرها ومعبودها: "حمدني عبدني وأثنى علي عبدي ومجدني عبدي" , ثم يكون ~~لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى وهي: ~~الله والرب الرحمن, ms119 فشاهد قلبه من ذكر اسم الله تبارك وتعالى إلها معبودا ~~موجودا مخوفا لا يستحق العبادة غيره ولا تنبغي إلا له, قد عنت له الوجوه ~~وخضعت له الموجودات وخشعت له الأصوات {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن ~~فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده} , {وله من في السماوات والأرض كل له ~~قانتون} . # وكذلك خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق الجن والإنس والطير والوحش ~~والجنة والنار, وكذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع وألزم العباد ~~الأمر والنهي وشاهد من ذكر اسمه رب العالمين قيوما. قام بنفسه وقام به كل ~~شيء فهو قائم على كل نفس بخيرها وشرها. قد استوى على عرشه وتفرد بتدبير ~~ملكه. # فالتدبير كله بيديه ومصير الامور كلها إليه, فمراسيم التدبيرات نازلة من # PageV01P142 # عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع والخفض والرفع والإحياء والإماتة ~~والتوبة والعزل والقبض والبسط وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة ~~المضطرين {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} , لا مانع لما ~~أعطى ولا معطي لما منع ولا معقب لحكمه ولا راد لأمره ولا مبدل لكلماته تعرج ~~الملائكة والروح إليه وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه فيقدر المقادير ~~ويوقت المواقيت ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها قائما بتدبير ذلك كله وحفظه ~~ومصالحه. # ثم يشهد عند ذكر اسم الرحمن جل جلاله ربا محسنا إلى خلقه بأنواع الإحسان ~~متحببا إليهم بصنوف النعم, وسع كل شيء رحمة وعلما, وأوسع كل مخلوق نعمة ~~وفضلا فوسعت رحمته كل شيء ووسعت نعمته كل حي فبلغت رحمته حيث بلغ علمه, ~~فاستوى على عرشه برحمته وخلق خلقه برحمته وأنزل كتبه برحمته وأرسل رسله ~~برحمته وشرع شرائعه برحمته وخلق الجنة برحمته والنار أيضا برحمته فإنها ~~سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته ويطهر بها أدران الموحدين من ~~أهل معصيته, وسجنه الذي يسجن فيه من خليقته. # فتأمل ما في أمره ونهيه ووصاياه ومواعيظه من الرحمة البالغة والنعمة ~~السابغة وما في حشوها من الرحمة والنعمة فالرحمة هي السبب المتصل منه ~~بعباده كما أن العبودية هي السبب المتصل ms120 منهم به فمنهم إليه العبودية ومنه ~~إليهم الرحمة, ومن أخص مشاهد هذا الاسم شهود المصلي نصيبه من الرحمة الذي ~~أقامه بها بين يدي ربه, وأهله لعبوديته ومناجاته وأعطاه ومنع غيره وأقبل ~~بقلبه وأعرض بقلب غيره وذلك من رحمته به. # فإذا قال: {مالك يوم الدين} , فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك ~~الحق المبين فيشهد ملكا قاهرا قد دانت له الخليفة وعنت له الوجوه وذلت ~~لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز فيشهد بقلبه ملكا على عرش السماء ~~مهيمنا لعزته تعنو الوجوه وتسجد, وإذا لم تعطل حقيقة صفة الملك أطلعته على ~~شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه وجحد له فإن الملك ~~الحق التام الملك لا يكون إلا حيا قيوما سميعا بصيرا مدبرا قادرا متكلما ~~آمرا ناهيا مستويا على سرير # PageV01P143 # مملكته, يرسل رسله إلى أقاصي مملكته بأوامره, فيرضى على من يستحق الرضا, ~~ويثيبه ويكرمه ويدنيه, ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه, ~~فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء ويعطى من يشاء ويقرب من يشاء ويقصى من يشاء, ~~له دار عذاب وهي النار, وله دار سعادة عظيمة وهي الجنة. فمن أبطل شيئا من ~~ذلك أو جحده وأنكر حقيقته فقد قدح في ملكه سبحانه وتعالى ونفى عنه كماله ~~وتمامه. # وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره فقد أنكر عموم ملكه وكماله فيشهد المصلي ~~مجد الرب تعالى في قوله: {مالك يوم الدين} فإذا قال: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} ففيها سر الخلق والأمر والدنيا والآخرة وهي متضمنة لأجل الغايات ~~وأفضل الوسائل, فأجل الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته فلا معبود يستحق ~~العبادة إلا هو ولا معين على عبادته غيره, فعبادته أعلى الغايات وإعانته ~~أجل الوسائل, وقد أنزل الله سبحانه وتعالى مئة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها ~~في أربعة: وهي التوراة والإنجيل والقرآن والزبور, وجمع معانيها في القرآن ~~وجمع معانيه في المفصل وجمع معانيه في الفاتحة وجمع معانيها في: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} . وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد: وهما توحيد ~~الربوبية وتوحيد الإلهية, وتضمنت ms121 التعبد باسم الرب واسم الله فهو يعبد ~~بألوهيته ويستعان بربوبيته ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته فكان أول ~~السورة ذكر اسمه: الله والرب والرحمن تطابقا لأجل الطالب من عبادته وإعانته ~~وهدايته. وهو المنفرد بإعطاء ذلك كله. لا يعين على عبادته سواه ولا يهدي ~~سواه. # ثم يشهد الداعي بقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} شدة فاقته وضرورته إلى ~~هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها البتة فإنه ~~محتاج إليه في كل نفس وطرفة عين. وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتم إلا ~~بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه, والهداية فيه وهي هداية التفصيل ~~وخلق القدرة على الفعل وإرادته وتكوينه وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه ~~المرضي المحبوب للرب سبحانه وتعالى. وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد ~~فعله, ولما كان العبد مفتقرا في كل حال إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ~~ويذره من # PageV01P144 # أمور قد أتاها على غير الهداية, فهو يحتاج إلى التوبة منها, وأمور هدى ~~إلى أصلها دون تفصيلها أو هدى إليها من وجه دون وجه, فهو يحتاج إلى إتمام ~~الهداية فيها ليزداد هدى, وأمور هو يحتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها ~~بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي, وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو يحتاج ~~إلى الهداية فيها, وأمور لم يفعلها فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية, ~~وأمور قد هدي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصواب فيها فهو محتاج إلى الثبات ~~عليها. # إلى غير ذلك من أنواع الهدايات- فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه ~~الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة, ثم بين أن أهل هذه ~~الهداية هم المختصون بنعمتة دون المغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق ولم ~~يتبعوه, ودون الضالين وهم الذين عبدوا الله بغير علم. فالطائفتان اشتركتا ~~في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم. فسبيل المنعم عليه مغايرة ~~لسبيل أهل الباطل كلها علما وعملا. # فلما فرغ من هذا الثناء والدعاء والتوحيد شرع له أن يطبع على ذلك بطابع ms122 ~~من التأمين يكون كالخاتم له وافق فيه ملائكة السماء وهذا التأمين من زينة ~~الصلاة كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة واتباع للسنة وتعظيم أمر الله ~~وعبودية اليدين وشعار الانتقال من ركن إلى ركن. ثم يأخذ في مناجاة ربه ~~بكلامه واستماعه من الإمام بالانصات وحضور القلب وشهوده. # وأفضل أذكار الصلاة ذكر القيام وأحسن هيئة المصلي هيئة القيام, فخصت ~~بالحمد والثناء والمجد وتلاوة كلام الرب جل جلاله, ولهذا نهى عن قراءة ~~القرآن في الركوع والسجود؛ لأنهما حالتا ذل وخضوع وتضامن وانخفاض, ولهذا ~~شرع فيهما من الذكر ما يناسب هيئتهما فشرع للراكع أن يذكر عظمة ربه في حال ~~انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه, وأنه سبحانه يوصف بوصف عظمته عما يضاد كبرياءه ~~وجلاله وعظمته فأفضل ما يقول الراكع على الاطلاق: سبحان ربي العظيم, فإن ~~الله سبحانه أمر العباد بذلك وعين المبلغ عنه السفير بينه وبين عباده هذا ~~المحل # PageV01P145 # لهذا الذكر لما نزلت: {فسبح باسم ربك العظيم} , قال: "اجعلوها في ~~ركوعكم". وأبطل كثير من أهل العلم صلاة من تركها عمدا, وأوجب سجود السهو ~~على من سها عنها, وهذا مذهب الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الحديث والسنة, ~~والأمر بذلك لا يقصر عن الأمر بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في التشهد ~~الأخير ووجوبه لا يقصر عن وجوب مباشرة المصلي بالجبهة واليدين الركوع تعظيم ~~الرب جل جلاله بالقلب والقالب والقول, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أما الركوع فعظموا فيه الرب". # فصل # ثم يرفع رأسه عائدا إلى أكمل حديثه, وجعل شعار هذا الركن حمد الله ~~والثناء عليه وتحميده, فافتتح هذا الشعار بقول المصلي: "سمع الله لمن حمده" ~~أي: سمع سمع قبول وإجابة, ثم شفع بقوله: "ربنا ولك الحمد ملء السموات ~~والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء" ولا يهمل أمر هذه الواو في ~~قوله: "ربنا ولك الحمد"؛ فإنه قد ندب الأمر بها في الصحيحين, وهي تجعل ~~الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما, فإن قوله: "ربنا" متضمن في ~~المعنى أنت الرب والملك القيوم الذي بيديه ms123 أزمة الأمور وإليه مرجعها فعطف ~~على هذا المعنى المفهوم من قوله: "ربنا". قوله: "ولك الحمد" فتضمن ذلك معنى ~~قول الموحد: له الملك وله الحمد. ثم أخبر عن شأن هذا الحمد وعظمته قدرا ~~وصفة فقال: "ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء" ~~أي: قدر ملء العالم العلوي والسفلي والفضاء الذي بينهما, فهذا الحمد قد ملأ ~~الخلق الموجود وهو يملأ ما يخلقه الرب تبارك وتعالى بعد ذلك ما يشاؤه فحمده ~~قد ملأ كل موجود وملأ ما سيوجد فهذا أحسن التقديرين. وقيل: ما شئت من شيء ~~وراء العالم فيكون قوله بعد: للزمان على الأول, والمكان: على الثاني. ثم ~~أتبع ذلك بقوله: "أهل الثناء والمجد" فعاد الأمر بعد الركعة إلى ما افتتح ~~به الصلاة قبل الركعة: من الحمد والثناء والمجد, ثم أتبع ذلك بقوله: "أحق ~~ما قال العبد" تقريرا لحمده وتمجيده والثناء عليه, وأن ذلك أحق ما نطق به ~~العبد, ثم أتبع # PageV01P146 # ذلك بالاعتراف بالعبودية وأن ذلك حكم عام لجميع العبيد ثم عقب ذلك بقوله: ~~"لا مانع لما أعطيت ولامعطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" , وكان ~~يقول ذلك بعد انقضاء الصلاة أيضا, فيقوله في هذين الموضعين إعترافا بتوحيده ~~ون النعم كلها منه, وهذا يتضمن أمورا أحدها أنه المنفرد بالعطاء والمنع. ~~الثاني: أنه إذا أعطى لم يطق أحد منع من أعطاه وإذا منع لم يطق أحد إعطاء ~~من منعه. # الثالث: أنه لاينفع عنده ولا يخلص من عذابه ولا يدني من كرامته جدود بني ~~آدم وحظوظهم من الملك والرئاسة والغنى وطيب العيش وغير ذلك, إنما ينفعهم ~~عنده التقرب إليه بطاعته وإيثار مرضاتهز # ثم ختم ذلك بقوله: "اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" , كما ~~افتتح به الركعة في أول الاستفتاح كما كان يختم الصلاة بالاستغفار وكان ~~الاستغفار في أول الصلاة ووسطها وآخرها, فاشتمل هذا الركن على أفضل الأذكار ~~وأنفع الدعاء من حمده وتمجيده والثناء عليه والاعتراف له بالعبودية ~~والتوحيد والتنصل إليه من الذنوب والخطايا فهو ذكر مقصود في ms124 ركن مقصود ليس ~~بدون الركوع والسجود. # فصل # ثم يكبر ويخر لله غير رافع يديه؛ لأن اليدين تنحطان للسجود كما ينحط ~~الوجه فهما ينحطان لعبوديتهما فأغنى ذلك عن رفعهما, ولذلك لم يشرع رفعهما ~~ثم رفع الرأس من السجود؛ لأنهما يرفعان معه كما يوضعان معه, وشرع السجود ~~على أكمل الهيئة ومنعتها في العبودية وأعمها لسائر الأعضاء بحيث يأخذ كل ~~جزء من البدن بحظه من العبودية, والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة ~~الركعة وما قبله من الأركان كالمقدمات له فهو شبه طواف الزيارة في الحج ~~فإنه مقصود الحج ومحل الدخول على الله وزيارته وما قبله كالمقدمات له, ~~ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد, وأفضل الأحوال له حال يكون فيها ~~أقرب إلى الله, ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة. ولما خلق ~~الله سبحانه العبد من الأرض, كان جديرا بأن لا يخرج عن أصله # PageV01P147 # بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه, فإن العبد لو ترك ~~لطبعه ودواعي نفسه لتكبر وأشر وخرج عن أصله الذي خلق منه ولوثب على حق ربه ~~من الكبرياء والعظمة فنازعه إياهما, وأمر بالسجود خضوعا لعظمة ربه وخشوعا ~~له وتذللا بين يديه وانكسارا له فيكون هذا الخشوع والخضوع والتذلل ردا له ~~إلى حكم العبودية ويتدارك ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض الذي خرج ~~به عن أصله فتمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه وهو يضع أشرف شيء منه ~~وأعلاه وهو الوجه, وقد صار أعلاه أسفله خضوعا بين يدي ربه الأعلى وخشوعا له ~~وتذللا لعظمته واستكانة لعزته وهذا غاية خشوع الظاهر فإن الله سبحانه خلقه ~~من الأرض التي هي مذللة للوطء بالأقدم واستعمله فيها ورده إليها ووعده ~~بالإخراج منها فهي أمه وأبوه وأصله وفصله, فضمته حيا على ظهرها وميتا وجعلت ~~له طهرا ومسجدا فأمر بالسجود إذ هو غاية خشوع الظاهر وأجمع العبودية لسائر ~~الأعضاء فيعفر وجهه في التراب استكانة وتواضعا وخضوعا وإلقاء باليدين. # وقال مسروق لسعيد بن جبير ما بقي شيء يرغب فيه إلا ms125 أن نعفر وجوهنا في ~~التراب له, وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتقي الأرض بوجهه قصدا بل إذا ~~اتفق له ذلك فعله. ولذلك سجد في الماء والطين, ولهذا كان من كمال السجود ~~الواجب أنه يسجد على الأعضاء السبعة الوجه واليدين والركبتين وأطراف ~~القدمين. فهذا فرض أمر الله به رسول وبلغه الرسول لأمته. # ومن كماله الواجب أو المستحب مباشرة مصلاه بأديم وجهه واعتماده على الأرض ~~بحيث ينالها ثقل رأسه وارتفاع أسافله على أعاليه, فهذا من تمام السجود ومن ~~كماله أن يكون على هيئة يأخذ فيها كل عضو من البدن بحظه من الخضوع فيقل ~~بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه, ويجافي عضديه عن جنبيه ولا يفرشهما على ~~الأرض ليستقل كل عضو منه بالعبودية. # ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدا لله اعتزل ناحية يبكي ويقول: يا ~~ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار. ~~ولذلك # PageV01P148 # اثنى الله سبحانه على الذين يخرون ثم سماع كلامه, وذم من لا يقع ساجدا ~~عنده ولذلك كان قول من أوجبه قويا في الدليل, ولما علمت السحرة صدق موسى ~~وكذب فرعون خروا سجدا لربهم فكانت تلك السجدة أول سعادتهم وغفران ما أفنوا ~~فيه أعمارهم من السحر. # ولذلك أخبر سبحانه عن سجود جميع المخلوقات له فقال تعالى: {ولله يسجد ما ~~في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم ~~من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} , فأخبر عن إيمانهم بعلوه وفرقيته وخضوعهم له ~~بالسجود تعظيما وإجلالا, وقال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير ~~من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ~~ما يشاء} . # فالذي حق عليه العذاب هو الذي لا يسجد له سبحانه وهو الذي أهانه بترك ~~السجود له, وأخبر أنه لا مكرم له, وقد هان على ربه حيث لم يسجد له, وقال ~~تعالى: {ولله يسجد من في السماوات ms126 والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال} . # ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله بحسب نصيبه من ~~عبوديته وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية متضمنة لاقسامها كانت أفضل ~~أعمال العبد ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه. # وكان السجود أفضل أركانها الفعلية وسرها الذي شرعت لأجله وكان تكرره في ~~الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان وجعله خاتمة الركعة وغايتها وشرع فعله ~~بعد الركوع, فإن الركوع توطئة له ومقدمة بين يديه, وشرع فيه من الثناء على ~~الله ما يناسبه وهو قول: "العبد سبحان ربي الأعلى". فهذا أفضل ما يقال فيه, ~~ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره في السجود بغيره حيث قال: ~~"اجعلوها في سجودكم" , ومن تركه عمدا فصلاته باطلة عند كثير من العلماء ~~منهم الإمام أحمد وغيره؛ لأنه لم يفعل ما أمر به وكان وصف الرب بالعلو في ~~هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السفل على وجهه ~~فذكر علو ربه في حال سقوطه وهو كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه ونزه ~~ربه عما لايليق به مما يضاد عظمته وعلوه. ثم # PageV01P149 # لما شرع السجود بوصف التكرار لم يكن بد من الفصل بين السجدتين ففصل ~~بينهما بركن مقصود شرع فيه من الدعاء ما يليق به ويناسبه وهو سؤال العبد ~~المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق, فإن هذه تتضمن جلب خير الدنيا ~~والآخرة ودفع شر الدنيا والآخرة. # فالرحمة تحصل الخير, والمغفرة تقي الشر, والهداية توصل إلى هذا وهذا, ~~والرزق إعطاء ما به قوام البدن من الطعام والشراب وما به قوام الروح والقلب ~~من العلم والإيمان, وجعل جلوس الفصل محلا لهذا الدعاء لما تقدمه من رحمة ~~الله والثناء عليه والخضوع له فكان هذا وسيلة للداعي ومقدمة بين يدي حاجته ~~فهذا الركن مقصود الدعاء فيه فهو ركن وضع للرغبة وطلب العفو والمغفرة ~~والرحمة؛ فإن العبد لما أتى بالقيام والحمد والثناء والمجد ثم أتى بالخضوع ~~وتنزيه الرب وتعظيمه ثم عاد إلى الحمد والثناء ثم كمل ذلك بغاية التذلل ms127 ~~والخضوع والاستكانة بقي سؤال حاجته واعتذاره وتنصله؛ فشرع له أن يتمثل في ~~الخدمة فيقعد فعل العبد الذليل جاثيا على ركبتيه كهيئة الملقي نفسه بين يدي ~~سيده راغبا راهبا معتذرا إليه مستعديا إليه على نفسه الأمارة بالسوء. # ثم شرع له تكرير هذه العبودية مرة بعد مرة إلى إتمام الأربع, كما شرع له ~~تكرير الذكر مرة بعد مرة لأنه أبلغ في حصول المقصود وأدعى إلى الاستكانة ~~والخضوع, فلما أكمل ركوع الصلاة وسجودها وقراءتها وتسبيحها فالتابعون شرع ~~له أن يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشع المتذلل المستكين جاثيا على ركبتيه ~~ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التحيات وأفضلها عوضا عن تحية المخلوق للمخلوق ~~إذا واجهه أو دخل عليه فإن الناس يحيون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيات ~~التي يحيون بها قلوبهم, فبعضهم يقول: أنعم صباحا, وبعضهم يقول: لك البقاء ~~والنعمة, وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك. وبعضهم يقول: تعيش ألف عام, وبعضهم ~~يسجد للملوك وبعضهم يسلم, فتحياتهم بينهم تتضمن ما بحبه المحيى من الأقوال ~~والأفعال والمشركون يحيون أصنامهم. # قال الحسن: كان أهل الجاهلية يتمسحون بأصنامهم ويقولون: لك الحياة ~~الدائمة, فلما جاء الإسلام أمروا أن يجعلوا أطيب تلك التحيات وأزكاها ~~وأفضلها لله # PageV01P150 # فالتحية هي تحية من العبد للحي الذي لا يموت وهوسبحانه أولى بتلك التحيات ~~من كل ما سواه؛ فإنها تتضمن الحياة والبقاء والدوام ولا يستحق أحد هذه ~~التحيات إلا الحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول ملكه, وكذلك قوله والصلوات ~~فإنه لا يستحق أحد الصلاة إلا الله عز وجل, والصلاة لغيره من أعظم الكفر ~~والشرك بت, وكذلك قوله والطيبات هي صفة الموصوف المحذوف أي الطيبات من ~~الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده فهو طيب وأفعاله طيبة وصفاته ~~أطيب شيء وأسماؤه أطيب الأسماء واسمه الطيب ولا يصدر عنه إلا طيب ولا يصعد ~~إليه إلا طيب ولا يقرب منه إلا طيب وإليه يصعد الكلم الطيب, وفعله طيب ~~والعمل الطيب يعرج إليه فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية ~~إليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب ms128 لا يقبل إلا طيبا" , وفي ~~حديث رقية المريض الذي رواه أبو داود رقم وغيره: "أنت رب الطيبين ولا ~~يجاوره من عباده إلا الطيبون" , كما يقال: لأهل الجنة: {سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها خالدين} . وقد حكم سبحانه في شرعه وقدره أن: الطيبات للطيبين, ~~فإذا كان هو سبحانه الطيب على الاطلاق فالكلمات الطيبات والأفعال الطيبات ~~والصفات الطيبات والأسماء الطيبات كلها له سبحانه لا يستحقها أحد سواه, بل ~~ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه, فطيب كل ما سواه من آثار طيبته, ولا تصلح ~~هذه التحية الطيبة إلا له, ولما كان السلام من أنواع التحية وكان المسلم ~~داعيا لمن يحييه وكان الله سبحانه هو الذي يطلب منه السلام لعباده الذين ~~اختصهم بعبوديته وارتضاهم لنفسه وشرع أن يبدأ بأكرمهم عليه وأحبهم إليه ~~وأقربهم منه منزلة في هذه التحية بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإسلام فشرع ~~أن يكون خاتمة الصلاة فدخل فيها بالتكبير والحمد والثناء والتمجيد وتوحيد ~~الربوبية والإلهية وختمها بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله. # وشرعت هذه التحية في وسط الصلاة, إذا زادت على ركعتين تشبيها لها بجلسة ~~الفصل بين السجدتين وفيها مع الفصل راحة للمصلي لاستقباله الركعتين ~~الآخرتين # PageV01P151 # بنشاط وقوة, بخلاف ما إذا والى بين الركعات, ولهذا كان الأفضل في النفل ~~مثنى مثنى وإن تطوع بأربع جلس في وسطهن. # فصل # وجعلت كلمات التحيات في آخر الصلاة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها فإن المصلي ~~إذا فرغ من صلاته جلس جلسة الراغب الراهب يستعطى من ربه ما لا غنى به عنه, ~~فشرع له أمام استعطائه كلمات التحيات مقدمة بين يدي سؤاله, ثم يتبعها ~~بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يده وسعادته, فكأن المصلي توسل ~~إلى الله سبحانه بعبودتيه, ثم بالثناء عليه والشهادة له بالوحدانية ولرسوله ~~بالرسالة ثم الصلاة على رسوله ثم قيل له تخير من الدعاء أحبه إليك فذاك ~~الحق الذي عليك وهذا الحق الذي لك, وشرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه ~~تكميلا لقرة عينه بإكرام آله والصلاة عليهم, وأن يصلي ms129 عليه وعلى آله كما ~~صلى على أبيه إبراهيم وآله والأنبياء كلهم بعد إبراهيم من آله, ولذلك كان ~~المطلوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة مثل الصلاة على إبراهيم وعلى ~~جميع الأنبياء بعده وآله المؤمنين, فلهذا كانت هذه الصلاة أكمل ما يصلي على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وأفضل , فإذا أتى بها المصلي أمر أن ~~يستعيذ بالله من مجامع الشر كله فإن الشر إما عذاب الآخرة وإما سببه فليس ~~الشر إلا العذاب وأسبابه, والعذاب نوعان: عذاب في البرزخ وعذاب في الآخرة, ~~وأسبابه الفتنة وهي نوعان: كبرى وصغرى, فالكبرى فتنة الدجال وفتنة الممات, ~~والصغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة بخلاف فتنة الممات وفتنة ~~الدجال, فإن المفتون فيهما لا يتداركها. # ثم شرع له من الدعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته والدعاء في هذا ~~المحل قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام وأنفع للداعي, وهكذا كانت عامة ~~أدعية النبي صلى الله عليه وسلم كلها كانت في الصلاة من أولها إلى آخرها, ~~فكان يدعو في الاستفتاح أنواعا من الدعاء وبعد الركوع وبعد رفع رأسه منه ~~وفي السجود وبين # PageV01P152 # السجدتين وفي التشهد قبل التسليم, وعلم الصديق دعاء يدعوا به في صلاته, ~~وعلم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر. # وكان إذا دعا لقوم أو على قوم جعله في الصلاة بعد الركوع ومن ذلك أن ~~المصلي قبل سلامه في محل المناجاة والقربة بين يدي ربه, فسؤاله في هذا ~~الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يديه وقد سئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أي الدعاء أسمع فقال: "جوف الليل وأدبار الصلوات ~~المكتوبة". ودبر الصلاة جزؤها الأخير كدبر الحيوان ودبر الحائط وقد يراد ~~بدبرها ما بعد انقضائها بقرينة تدل عليه كقوله: "تسبحون الله وتحمدونه ~~وتكبرونه دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين" , فهنا دبرها الفراغ منها, وهذا نظير ~~انقضاء الأجل, فإنه يراد له آخرالمدة ولما يفرغ ويراد به فراغها وانتهاؤها. # فصل # ثم ختمت بالتسليم وجعل تحليلا لها يخرج به المصلي ms130 منها كما يخرج بتحليل ~~الحج منه, وجعل هذا التحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسلامة التي هي أصل ~~الخير وأساسه فشرع لمن وراءه أن يتحلل بمثل ما تحلل به الإمام وفي ذلك دعاء ~~له وللمصلين معه بالسلام, ثم شرع ذلك لكل مصل وإن كان منفردا فلا أحسن من ~~هذا التحليل للصلاة, وكما أنه لا أحسن من كون التكبير تحريما لها فتحريمها ~~تكبير الرب تعالى, والجامع لإثبات كل كمال له وتنزيه عن كل نقص وعيب ~~وإفراده وتخصيصه بذلك وتعظيمه وإجلاله, فالتكبير يتضمن تفاصيل أفعال الصلاة ~~وأقوالها وهيآتها, فالصلاة من أولها إلى آخرها تفصيل لمضمون الله أكبر وأي ~~تحريم أحسن من هذا التحريم المتضمن للإخلاص والتوحيد, وهذا التحليل المتضمن ~~الإحسان إلى إخوانه المؤمنين فافتتحت بالاخلاص وختمت بالإحسان. # فصل # قال المكملون للصلاة: فالصلاة وضعت على هذا النحو وهذا الترتيب لا يمكن ~~أن يحصل ما ذكرناه من مقاصدها التي هي جزء يسير من قدرها وحقيقتها إلا مع ~~الإكمال والإتمام والتمهل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله, ~~ومحال حصول # PageV01P153 # ما ذكرناه مع النقر والتخفيف الذي يرجع إلى شهوة الإمام والمأمومين, ومن ~~أراد أن يصلي هذه الصلاة الخاصة فلا بد له من مزيد تطويل. وأما الصلاة ~~الحرجية فلا تتوقف على ذلك. # وأما استدلالكم بأحاديث الأمر بالإيجاز فقد بينا أن الإيجاز هو الذي كان ~~يفعله وعليه داوم حتى قبضة الله إليه, فلا يجوز عير هذا البتة. # وأما قراءته في الفجر بالمعوذتين فهذا إنما كان في السفر كما هو مصرح به ~~في الحديث, والمسافر قد أبيح له أو أوجب عليه قصر الصلاة لمشقة السفر, ~~فأبيح له تخفيف أركانها, فهلا عملتم بقراءته في الحضر بمائة آية في الفجر, ~~وأما قراءته صلاة الله عليه وسلامه بسورة التكوير في الفجر فإن كان في ~~السفر فلا حجة لكم فيه, وإن كان في الحضر فالذي يحكى عنه ذلك روى عنه أنه ~~كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة وب "ق" ونحوها؛ فإنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يدخل في الصلاة وهو يريد ms131 إطالتها فيخففها لعارض من بكاء صبي وغيره. ~~وأما حديث تسبيحه في الركوع والسجود ثلاثا فلا يثبت, والأحاديث الصحيحة ~~بخلافه, وهذا السعدي مجهول لا تعرف عينه ولا حاله. # وقد قال أنس أن عمر بن عبد العزيز كان أشبه الناس صلاة برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان مقدار ركوعه وسجوده عشر تسبيحات, وأنس أعلم بذلك من ~~السعدي عن أبيه أو عمه لو ثبت. فأين علم من صلى مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم عشر سنين كوامل إلى علم من لم يصل معه إلا بتلك الصلاة الواحدة أو ~~صلوات يسيرة؟. فإن عم هذا السعدي أو أباه ليس من مشاهير الصحابة المداومين ~~الملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما لازمه أنس والبراء بن عازب ~~وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وغيرهم ممن ذكر صفة صلاته ~~وقدرها. وكيف يقوم صلى الله عليه وسلم بعد الركوع حتى يقولوا قد نسي ويسبح ~~فيه ثلاث تسبيحات فيجعل القيام منه بقدره أضعافا مضاعفة. # وكذلك جلوسه بين السجدتين حتى يقولوا قد أوهم, ولا ريب أن ركوعه وسجوده ~~كان نحوا من قيامه بعد الركوع وجلوسه بين السجدتين حتى تكرهوا إطالتها ~~ويغلو من يغلو منكم فيبطل الصلاة بإطالتهما. وقد شهد البراء بن عازب أن ~~ركوعه وسجوده كان نحوا من قيامه. ومحال أن يكون مقدار ذلك ثلاث # PageV01P154 # تسبيحات, ولعله خفف مرة لعارض فشهده عم السعدي أو أبوه فأخبر به, وقد حكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن طول صلاة الرجل من فقهه, وهذا الحكم أولى من ~~الحكم له بقلة الفقه, فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحكم الحق وما ~~خالفه فهو الحكم الباطل الجائر. # فروى مسلم في صحيحه من حديث عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة عن فقهه فأطيلوا الصلاة ~~وأقصروا الخطبة". والمئنة: العلامة, وعند سراق الصلاة أن العجلة فيها من ~~علامات الفقه فكلما سرق ركوعها وسجودها وأركانها كان ذلك علامة فضيلته ~~وفقهه, ms132 وفي صحيح بن حبان وسنن النسائي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر ~~الخطبة ولا يأنف المشي مع الأرملة والمسكين فيقضى له الحاجة, فهذا فعله ~~وذاك قوله في مثل صلاة الجمعة التي يجتمع لها الناس, وكان يقرأ فيها سورة ~~الجمعة والمنافقين كاملتين. ولم يقتصر على الثلاث الآيات من آخرهما في جمعة ~~واحدة أصلا, فعطل كثيرا من الناس سنته فاقتصر على آخرهما, ولم يقرأ بهما ~~كاملتين أصلا. # وكذلك كان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة "تنزيل السجدة". و {هل أتى على ~~الأنسان} كاملتين في الركعتين مع قراءته المترسلة على مهله وتأن, فعطل كثير ~~من الائمة ذلك واقتصروا على هذه وهذه. وعلى إحدى السورتين في الركعتين ومن ~~يقرأ بهما كاملتين, فكثير منهم يقرأ بهما بسرعة. وهذا مكروه للإمام, وكل ~~هذا فرار من هديه صلى الله عليه وسلم. # فإن جاءهم حديث صحيح خالف ما ألفوه واعتادوه, قالوا: هذا منسوخ أو خلاف ~~الإجماع, والعيار على ذلك عندهم مخالفة أقوالهم, ولو كانت أحاديث التطويل ~~منسوخة لكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك, ولما احتجوا ~~بها على من لم يعمل بها ولاعمل بها أعلم الأمة به وهم الخلفاء الراشدون, ~~فهذا صديق الأمة وشيخ الإسلام صلى الصبح فقرأ البقرة من أولها إلى آخرها ~~وخلفه والصغير الكبير وذو الحاجة, فقالوا له: يا خليفة رسول الله كادت ~~الشمس تطلع, فقال لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين. # PageV01P155 # ومضى على منهاجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب, وكان يقرأ في الفجر: ~~"بالنحل ويوسف وبهود ويونس وبني إسرائيل ونحوها من السور. # وقد تقدم حديث عبد الله بن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر ~~بالتخفيف ويؤمنا بالصافات. فالذي فعله هو الذي أمر به وقد تقدم حكاية الذكر ~~والدعاء الذي كان يقوله في ركن الإعتدال من الركوع وأنه كان يطيله حتى يقول ~~من خلفه قد أوهم, وتقدم حديث أبي سعيد في دخوله صلى الله عليه ms133 وسلم في صلاة ~~الظهر فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ويأتي أهله فيتوضأ ثم يأتي ~~المسجد فيدركه في الركعة الأولى, فيالله العجب للذي حرم الإقتداء به في ذلك ~~أو جعله مكروها, ونحن نقول كلا والذي بعثه بالحق إن الاقتداء به في ذلك ~~مرضاة الله ورسوله وإن تركها من تركها. # وأما حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء ودخول سهيل بن أبي أمامة ~~على أنس بن مالك فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر, فقال: إنها ~~لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا مما تفرد به ابن أبي العمياء وهو ~~شبه المجهول, والأحاديث الصحيحة عن أنس كلها تخالفه. كيف يقول أنس هذا؟ وهو ~~القائل: إن أشبه من رأى صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد ~~العزيز وكان يسبح عشرا عشرا, وهو الذي كان يرفع رأسه من الركوع حتى يقال قد ~~نسي, وكذلك ما بين السجدتين. ويقول: ما آلو أن أصلي لكم صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم, وهو الذي يبكي على إضاعتهم الصلاة. # ويكفي في رد حديث ابن أبي العمياء ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة ~~التي لا مطعن في سندها ولا شبهة في دلالتها, فلو صح حديث ابن أبي العمياء ~~وهو بعيد عن الصحة لوجب حمله على أن تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للسنة الراتبة كسنة الفجر والمغرب والعشاء وتحية المسجد ونحوها, لا أن تلك ~~صلاته التي كان يصليها بأصحابه دائما وهذا مما يقطع ببطلانه وترده سائر ~~الأحاديث الصحيحة الصريحة. # ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخفف بعض الصلاة. كما كان ~~يخف # PageV01P156 # سنة الفجر حتى تقول عائشة أم المؤمنين: هل قرأ فيها بأم القرآن؟. وكان ~~يخفف الصلاة في السفر حتى كان ربما قرأ في الفجر بالمعوذتين, وكان يخفف إذا ~~سمع بكاء الصبي, فالسنة التخفيف حيث خفف, والتطويل حيث أطال, والتوسط ~~غالبا, فالذي أنكره أنس هو التشديد الذي لا يخفف صاحبه على نفسه مع حاجته ~~إلى التخفيف, ms134 ولا ريب أن هذا خلاف سنته وهديه. # وأما حديث معاذ وقوله: "أفتان أنت يا معاذ" , فلم يتعلق السراق منه إلا ~~بهذه الكلمة ولم يتأملوا أول الحديث وآخره, فاسمع قصة معاذ: # فعن جابر بن عبد الله قال: أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل, فوافق معاذ ~~يصلي فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ, فقرأ سورة البقرة أو النساء فانطلق الرجل ~~وبلغه أن معاذا نال منه, فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوا إليه ~~معاذا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفتان أنت"؟ أو قال: "أفاتن أنت ~~ثلاث مرات"؟ ثلاث مرات. " فلولا صليت: ب {سبح اسم ربك الأعلى} {والشمس ~~وضحاها} {والليل إذا يغشى} فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة". ~~رواه البخاري ومسلم ولفظه للبخاري. # وفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤم قومه ~~فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخلة فدخل المسجد مع القوم فلما رأى معاذا طول ~~تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه, فلما قضى معاذ الصلاة قيل له ذلك فقال: ~~إنه لمنافق أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخلة؟ قال فجاء حرام: النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعاذ عنده فقال: يا بنى الله إني أردت أن أسقي نخلا لي ~~فدخلت المسجد لأصلي مع القوم فلما طول تجوزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه, ~~فزعم أني منافق, فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال: "أفتان ~~أنت؟ لا تطول بهم اقرأ {سبح اسم ربك الأعلى} {والشمس وضحاها} ونحوها". # وعن معاذ بن رفاعة الأنصاري عن سليم من بني سلمة أنه أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام ونكون ~~في أعمالنا بالنهار فينادي بالصلاة فنخرج إليه فيطول علينا, فقال رسول ~~الله: "يا معاذ بن جبل لا تكن فتانا, إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على ~~قومك". # PageV01P157 # ثم قال: "يا سليم ما معك من القرآن"؟ قال: إني أسأل الله الجنة أو قال: ~~أسأل الجنة وأعوذ ms135 به من النار, والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ, فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل ~~الله الجنة ونعوذ به من النار". قال سليم: سترون غدا إذا التقى القوم إن ~~شاء الله وقال والناس يتجهزون إلى أحد فخرج فكان في الشهداء رحمه الله, ~~رواه الإمام أحمد. # فإن قيل فقد روى الإمام أحمد المسند من حديث بريدة أن معاذ بن جبل صلى ~~بأصحابه صلاة العشاء فقرأ فيها: {اقتربت الساعة} فقام رجل قبل أن يفرغ فصلى ~~وذهب فقال له معاذ قولا شديدا, فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر ~~إليه فقال: إني كنت أعمل في نخلي وخفت على الماء, فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "صل ب {والشمس وضحاها} ونحوها من السور". # فقد أجيب عن هذا بأن قصة معاذ تكررت وهذا جواب في غاية البعد عن الصواب؛ ~~فإن معاذا كان أفقه في دين الله من أن ينهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم يعود له, وأجود من هذا الجواب أن يكون قرأ في الركعة الأولى بالبقرة وفي ~~الركعة الثانية ب: {اقتربت الساعة} . فسمعه من صلى معه من الركعة الأولى ~~فقال: صلى بالبقرة, وبعضهم سمع قراءته في الثانية فقال: صلى ب {اقتربت ~~الساعة} . # والذي في الصحيحن أنه قرأ سورة البقرة وشك بعض الرواة فقال: البقرة ~~والنساء, وقصة قراءته ب {اقتربت} لم تذكر في الصحيح والذي في الصحيح أولى ~~بالصحة منها, وقد حفظ الحديث جابر, فقال: كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح سورة البقرة وذكر القصة, فهذا ~~جابر أخبر أنه فعل ذلك مرة وأنه قرأ بالبقرة ولم يشك, وهذا الحديث متفق على ~~صحته أخرجاه. # فصل # وقد ظهر بهذا أن التعمق والتنطع والتشديد الذي نهى عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو المخالف لهديه وهدي أصحابه وما كانوا عليه وأن موافقته ~~فيما فعله هو وخلفاؤه من بعده هو محض المتابعة وإن أباها وجهلها ms136 من جهلها, ~~فالتعمق والتنطع مخالفة ما جاء به وتجاوزه والغلو فيه ومقابلة إضاعته ~~والتفريط فيه والتقصير عنه وهما خطأ وضلالة وانحراف عن الصراط المستقيم ~~والمنهج القويم, ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه. # PageV01P158 # وقد قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: خير الناس النمط الأوسط الذي ~~يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي. ذكره ابن المبارك عن محمد بن طلحة عن ~~علي. وقال ابن عائشة: ما أمر الله عباده بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان, ~~فإما إلى غلو وإما إلى تقصير. # وقال بعض السلف: دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه, وقد مدح تعالى أهل ~~التوسط بين الطرفين المنحرفين في غير موضع من كتابه, فقال تعالى: {والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} , وقال تعالى: {ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} وقال: ~~{وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} . # فمنع ذي القربى والمسكين وابن السبيل حقهم انحراف في جانب الإمساك, ~~والتبذير انحراف في جانب البذل, ورضاء الله فيما بينهما, ولهذا كانت هذه ~~الأمة أوسط الأمم وقبلتها أوسط القبل بين القبلتين المنحرفتين, والوسط ~~دائما محمي الأطراف, أما الأطراف فالخلل إليها أسرع كما قال الشاعر: # كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا # فقد اتفق شرع الرب تعالى وقدره على أن خيار الأمور أوساطها. # وأما قولهم: إن محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولصوته ~~وقراءته يحملهم على احتمال إطالته فلا يجدون بها مشقة فلعمر الله إن الأمر ~~كما ذكروا. بل حبهم له يحملهم على بذل نفوسهم وأموالهم بين يديه, وعلى ~~وقاية نفسه الكريمة بنفوسهم فكانوا يتقدمون إلى الموت بين يديه تقدم المحب ~~إلى رضاء محبوب. # ولعمر الله هذا شأن أتباعه من بعده إلى يوم القيامة لا تأخذهم في متابعة ~~سنته لومة لائم ولا يثنيهم عنها عذل عاذل فهم يحتملون في متابعته والإهتداء ~~بهديه لوم اللائمين وطعن الطاعنين ومعاداة الجاهلين الذين رضوا من سنته ~~بآراء ms137 الرجال بدلا وتمسكوا بها فلا يبغون عنها حولا, وعرضوا عليها نصوص ~~السنة والقرآن عرض الجيوش على السلطان فما وافقها قبلوه وما خالفها تلطفوا ~~في رده بأنواع التأويل, فمرة يقولون: هذا متروك الظاهر, ومرة يقولون: لا ~~يعلم له قائل, ومرة يقولون: # PageV01P159 # هو منسوخ, ومرة يقولون: متبوعنا أعلم به منا, وما خالفه إلا وقد صح عنده ~~ما يقتضي مخالفته, فأتباعه في مجاهده هذه الفرق دائبون, وعلى متابعة سنته ~~دائرون. فإن كان قد غاب عن أعينهم شخصه الكريم فقد شاهدوا ببصائرهم ما كان ~~عليه من الهدي المستقيم. # فصل # فهاك سياق صلاته من حين استقباله القبلة وقوله: الله أكبر, إلى حين سلامه ~~كأنك تشاهده عيانا, ثم اختر لنفسك بعد ما شئت: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا قام إلى الصلاة واستقبل القبلة ووقف في مصلاه رفع يديه إلى فروع ~~أذنيه واستقبل بأصابعه القبلة ونشرها وقال: " الله أكبر" , ولم يكن يقول ~~قبل ذلك نويت أن أصلي كذا وكذا مستقبل القبلة أربع ركعات فريضة الوقت أداء ~~الله تعالى إماما. ولا كلمة واحدة من ذلك في مجموع صلاته من أولها إلى ~~آخرها فقد نقل عنه أصحابه حركاته وسكناته وهيئاته حتى اضطراب لحيته في ~~الصلاة حتى إنه حمل بنت ابنته مرة في الصلاة فنقلوه ولم يهملوه, فكيف ينعق ~~ملؤهم من أولهم إلى آخرهم على ترك نقل هذا المهم الذي هو شعار الدخول في ~~الصلاة ولعمر الله لو ثبت عنه من هذا كلمة واحدة لكنا أول من اقتدى به فيها ~~وبادر إليها, ثم كان يمسك شماله بيمينه فيضعها عليها فوق المفصل ثم يضعها ~~على صدره ثم يقول: "سبحانك اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين ~~المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم ~~أغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد". # وكان يقول أحيانا: {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين} {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} 1. اللهم أنت ms138 الملك لا إله إلا أنت وأنا ~~عبدك ظلمت نفسي وأعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب إلا أنت ~~واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني PageV01P160 # سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ~~ليس إليك, أنا بك وإليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليك". ولكن هذا إنما ~~حفظ عنه في صلاة الليل, وربما كان يقول: " الله أكبر كبيرا الله أكبر ~~كبيرا, والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا, وسبحان الله بكرة وأصيلا". ~~وربما كان يقول: "الله أكبر الله أكبر لا إله الا أنت لا إله إلا أنت. ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله وبحمده". ثم يقول: "أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم". وربما قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخة ونفثه وهمزه". ~~وربما قال: "اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه" ثم ~~يقرأ فاتحة الكتاب. فإن كانت الصلاة جهرية أسمعهم القراءة ولم يسمعهم بسم ~~الله الرحمن الرحيم فربه أعلم هل كان يقرؤها أم لا؟. # وكان يقطع قراءته آية آية: ثم يقف على {رب العالمين} ثم يبتديء {الرحمن ~~الرحيم} ويقف ثم يبتديء: {مالك يوم الدين} على ترسل وتمهل وترتيل يمد ~~"الرحمن" ويمد "الرحيم" وكان يقرأ: {مالك يوم الدين} بالألف يعني: لا يقرأ ~~"ملك" وهي قراءة, وإذا ختم السورة قال: "آمين". يجهر بها ويمد بها صوته. ~~ويجهر بها من خلفه حتى يرتج المسجد. # واختلفت الرواية عنه هل كان يسكت بين الفاتحة وقراءة السورة أم كانت سكتة ~~بعد القراءة كلها؟ فقال يونس عن الحسن عن سمرة: حفظت سكتتين سكتة إذا كبر ~~الإمام حتى يقرأ, وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب, وسكتة عند الركوع. وصدقه ~~أبي بن كعب على ذلك. ووافق يونس أشعث الحمراني عن الحسن فقال: سكتة إذا ~~استفتح وسكتة إذا فرغ من القراءة كلها. # وخالفهما قتادة فقال عن الحسن أن سمرة بن جندب وعمران بن الحصين تذاكرا ~~فحدث سمرة أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين سكتة إذا ms139 كبر ~~وسكتة إذا فرغ من قراءة: {المغضوب عليهم ولا الضالين} فقط فحفظ ذلك سمرة ~~وأنكر عليه عمران بن حصين فكتبا في ذلك إلى أبي كعب فكان في كتابه أن سمرة ~~قد حفظ. # وقال قتادة أيضا عن الحسن عن سمرة: سكتتان حفظتها عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # PageV01P161 # إذا دخل في الصلاة وإذا فرغ من القراءة, ثم قال بعد: وإذا قال: {غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين} فقد اتفقت الأحاديث أنهما سكتتان فقط, إحداهما: ~~سكتة الافتتاح, والثانية: مختلف فيها, فالذي قال: إنها بعد قراءة الفاتحة ~~هو قتادة. وقد أختلف عليه سمرة فمرة قال ذلك ومرة قال من القراءة, ولم ~~يختلف على يونس وأشعث أنها بعد فراغه من القراءة كلها, وهذا أرجح ~~الروايتين, والله اعلم. # وبالجملة فلم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه كان ~~يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها من خلفه, وليس في سكوته في هذا المحل ~~إلا هذا الحديث المختلف فيه كما رأيت, ولو كان يسكت هنا سكتة طويلة يدرك ~~فيها قراءة الفاتحة لما اختفى ذلك على الصحابة ولكان معرفتهم به ونقلهم أهم ~~من سكتة الافتتاح ثم يقرأ بعد ذلك سورة طويلة تارة وقصيرة تارة ومتوسطة ~~تارة كما تقدم ذكر الأحاديث به, ولم يكن يبتديء من وسط السورة ولا من آخرها ~~وإنما كان يقرأ من أولها فتارة يكملها وهو أغلب أحواله وتارة يقتصر على ~~بعضها ويكملها في الركعة الثانية, ولم ينقل أحد عنه أنه قرأ بآية من سورة ~~أو بآخرها إلا في سنة الفجر فإنه كان يقرأ فيها بهاتين الآيتين: {قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا} الآية {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم} الآية. # وكان يقرأ بالسورة في الركعة وتارة يعيدها في الركعة الثانية وتارة يقرأ ~~سورتين في الركعة, أما الأول فكقول عائشة: إنه قرأ في المغرب بالأعراف ~~فرقها في الركعتين. وأما الثاني: فقراءته في الصبح {إذا زلزلت} في الركعتين ~~كلتيهما: والحديثان في السنن. وأما الثالث فكقول ابن مسعود: ولقد عرفت ms140 ~~النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهما فذكر عشرين ~~سورة من المفصل: سورتين في ركعة, وهذا في الصحيحين, وكان يمد قراءة الفجر ~~ويطيلها أكثر من سائر الصلوات -وأقصر ما حفظ عنه أنه كان يقرأ بها فيها فى ~~الحضر "ق" ونحوها, وكان يجهر بالقراءة في الفجر, والأوليين من المغرب ~~والعشاء, ويسر فيما سوى ذلك, وربما كان يسمعهم الآية في قراءة السر أحيانا. # PageV01P162 # وكان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة {الم تنزيل} "السجدة" و {هل أتى} ~~كاملتين ولم يقتصر على إحداهما ولا على بعض هذه وبعض هذه فقط, وكان يقرأ في ~~صلاة الجمعة بسورة "الجمعة" والمنافقون" كاملتين ولم يقتصر على أواخرهما, ~~وربما كان يقرأ بسورة "الأعلى" و "الغاشية" وكان يقرأ في العيدين بسورة "ق" ~~و "اقتربت الساعة" كاملتين ولم يقتصر على أواخرهما, وكان يقرأ في صلاة السر ~~سورة فيها السجدة أحيانا فيسجد للسجدة ويسجد معه من خلفه, وكان يقرأ في ~~الظهر قدر: {الم تنزيل} "السجدة" أونحو ثلاثين آية, ومرة كان يقرأ فيها ب ~~{سبح اسم ربك الأعلى} {والليل إذا يغشى} {والسماء ذات البروج} {والسماء ~~والطارق} ونحوها من السور. ومرة ب "لقمان" "والذاريات". وكان يقوم في ~~الركعة الأولى منها حتى لا يسمع وقع قدم. # وكذلك كان يطيل الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية, وكانت قراءتة في ~~العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية, وكان يقرأ في ~~المغرب بالأعراف تارة وبالطور تارة والمرسلات تارة وبالدخان تارة. # وروي عنه أنه قرأ فيها ب {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} تفرد ~~به ابن ماجه, ولعل أحد رواته وهم من قراءته بهما في سنة المغرب, فكان يقرأ ~~بهما في سنة المغرب فقال: كان يقرأ بهما في المغرب أو سقطت "سنة" من النسخة ~~والله أعلم. # وكان يقرأ في عشاء الآخرة ب {والتين والزيتون} وسورة {إذا السماء انشقت} ~~ويسجد فيها جميع من خلفه وب {والشمس وضحاها} ونحو ذلك من السور, وكان إذا ~~فرغ من القراءة سكت هنيهة ms141 ليرجع إليه نفسه. # فصل # ثم كان يرفع يديه إلى أن يحاذي بهما فروع أذنيه كما رفعهما في الاستفتاح, ~~صح عنه ذلك كما صح التكبير للركوع, بل الذين رووا عنه رفع اليدين ههنا أكثر ~~من الذين رووا عنه التكبير, ثم يقول الله أكبر ويخر راكعا ويضع يديه على ~~ركبتيه فيمكنهما من ركبتيه وفرج بين أصابعه وجافى مرفقيه عن جنبيه ثم اعتدل ~~وجعل رأسه حيال ظهره فلم يرفع رأسه ولم يصوبه, وهصر ظهره- أي مده- ولم ~~يجمعه, ثم قال: "سبحان ربي العظيم". # PageV01P163 # وروى عنه أنه كان يقول: "سبحان ربي العظيم وبحمده". قال أبو داو: وأخاف ~~أن لا تكون هذه الزيادة محفوظة, وربما مكث قدر ما يقول القائل عشر مرات ~~وربما مكث فوق ذلك ودونه, وربما قال: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" ~~, وربما قال: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" , وربما قال: "اللهم لك ركعت ~~وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي خشع قلبي وسمعي وبصري ودمي ولحمي ~~وعظمي وعصبي لله رب العالمين" , وربما كان يقول: "سبحان ذي الجبروت ~~والملكوت والكبرياء والعظمة" , وكان ركوعه مناسبا لقيامه في التطويل ~~والتخفيف وهذا بين في سائر الأحاديث. # فصل # ثم كان يرفع رأسه قائلا: "سمع الله لمن حمده" , ويرفع يديه كما يرفعهما ~~عند الركوع فإذا اعتدل قائما قال: "ربنا لك الحمد" وربما قال: "اللهم ربنا ~~ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت منم شيء بعد أهل الثناء ~~والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد, اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي ~~لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وربما زاد على ذلك: "اللهم طهرني ~~بالثلج والبرد والماء البارد, اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى ~~الثوب الأبيض من الوسخ" , وكان يطيل هذا الركن حتى يقول القائل: قد نسي. ~~وكان يقول في صلاة الليل فيه: "لربي الحمد لربي الحمد". # فصل # ثم يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه وكان يضع ركبتيه قبل يديه هكذا قال عنه ~~وائل بن حجر وأنس بن مالك, وقال عنه ابن عمر: ms142 إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه, ~~واختلف على أبي هريرة, ففي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا سجد ~~أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه". # وروى عنه المقبري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سجد أحدكم فليبدأ ~~بركبتيه قبل يديه". فأبو هريرة قد تعارضت الرواية عنه, وحديث وائل وابن عمر ~~قد تعارضا فرجحت طائفة حديث ابن عمر ورجحت طائفة حديث وائل بن حجر, وسلكت ~~طائفة مسلك النسخ, وقالت: كان الأمر الأول وضع اليدين قبل الركبتين, ثم # PageV01P164 # نسخ بوضع الركبتين أولا. وهذه طريقة ابن خزيمة في ذكر الدلائل على الأمر ~~بوضع اليدين عند السجود منسوخ, فإن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ. # ثم روى من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن ~~سلمة عن مصعب بن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع ~~الركبتين قبل اليدين؛ وهذا لو ثبت لكان فيه الشفاء لكن يحيى بن سلمة بن ~~كهيل قال البخاري: "عنده مناكير", وقال ابن معين: "ليس بشيء لا يكتب حديثه" ~~وقال النسائي: "متروك الحديث". # وهذه القصة مما وهم فيها يحيى أو غيره وإنما المعروف عن مصعب بن سعد عن ~~أبيه نسخ التطبيق في الركوع بوضع اليدين على الركبتين, فلم يحفظ هذا الراوي ~~وقال المنسوخ وضع اليدين قبل الركبتين, قال السابقون باليدين قد صح حديث ~~ابن عمر فإنه من رواية عبيد الله عن نافع عنه, قال ابن أبي داود وهو قول ~~أهل الحديث؛ قالوا وهم أعلم بهذا من غيرهم فإنه نقل محض؛ قالوا: وهذه سنة ~~رواها أهل المدينة وهم أعلم بها من غيرهم. # قال ابن أبي داود: ولهم فيها إسنادان أحدهما: محمد بن عبد الله بن حسن عن ~~أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. والثاني: الدراوردي عن عبيد الله عن ~~نافع عن ابن عمر وقالوا: وحديث وائل بن حجر له طريقان وهما معلومان في ~~أحدهما شريك تفرد بت؛ قال الدارقطني: "وليس بالقوي فيما يتفرد به" والطريق ~~الثاني: من ms143 رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه ولم يسمع من أبيه. # قال السابقون بالركبتين: حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة وابن ~~عمر, قال البخاري: حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة لا يتابع عليه ~~فيه محمد بن عبد الله بن الحسن قال: ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا, ~~وقال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت منه, قال: وزعم بعض العلماء أنه منسوخ ~~ولهذالم يحسنه الترمذي وحكم بغرابته وحسن حديث وائل. قالوا: وقد قال في ~~حديث أبي هريرة: "لا يبرك كما يبرك البعير":, والبعير إذا برك بدأ بيديه ~~قبل ركبتيه, وهذا النهي لا يمانع قوله: "وليضع يديه قبل ركبتيه" بل ينافيه ~~ويدل # PageV01P165 # على أن هذه الزيادة غير محفوظة, ولعل لفظها انقلب على بعض الرواة, قالوا: ~~ويدل على ترجيح هذا امران آخران: # أحدهما: ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة, وفي لفظ: "نهى أن يعتمد الرجل ~~على يديه إذا نهض في الصلاة", ولا ريب أنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه اعتمد ~~عليهما فيكون قد أوقع جزءا من الصلاة معتمدا على يديه بالأرض, وأيضا فهذا ~~الاعتماد بالسجود نظير الاعتماد في الرفع منه سواء, فإذا نهى عن ذلك كان ~~نظيره كذلك. الثاني: أن المصلي في انحطاطه ينحط منه إلى الأرض الأقرب إليها ~~أولا ثم الذي من فوقه ثم الذي من فوقه حتى ينتهي إلى أعلى ما فيه وهو وجهه, ~~فإذا رفع رأسه من السجود ارتفع أعلى ما فيه أولا ثم الذي دونه حتى يكون آخر ~~ما يرتفع منه ركبتاه, والله أعلم. # فصل # ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه, ويستقبل بأصابع ~~يديه ورجليه القبلة, وكان يعتمد على إليتي كفيه ويرفع مرفقيه ويجافي عضديه ~~عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطيه ويرفع بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه, ويعتدل ~~في سجوده ويمكن وجهه من الأرض مباشرا به للمصلى ساجدا على كور ms144 العمامة. # قال أبو حميد الساعدي وعشرة من الصحابة يسمعون كلامه: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ويرفع يديه حتى يحاذي بهما ~~منكبيه, فإذا أراد أن أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه, ثم ~~قال: "الله أكبر" فرفع ثم اعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنعه ووضع يديه على ~~ركبتيه وقال: "سمع الله لمن حمده" ثم رفع واعتدل حتى رجع كل عضو في موضعه ~~معتدلا, ثم هوى ساجدا وقال: "الله أكبر" ثم جافى وفتح عضديه عن بطنه وفتح ~~أصابع رجليه ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم موضعه ~~معتدلا, ثم هوى ساجدا وقال: "الله أكبر" ثم ثنى رجله وقعد عليها حتى يرجع ~~كل عضو إلى موضعه ثم نهض فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك حتى إذا قام من ~~السجدتين كبر ورفع # PageV01P166 # يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة ثم صنع كذلك حتى ~~إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخر رجله اليسرى وقعد على شقه ~~متوركا ثم سلم. وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى". # وروي أنه كان يزيد عليها: "وبحمده" , وربما قال: "اللهم إني لك سجدت وبك ~~آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصورة وشق سمعه وبصوره, تبارك الله أحسن ~~الخالقين". وكان يقول أيضا: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" , وكان ~~يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت" , وكان يقول: "سبوح قدوس رب ~~الملائكة والروح" , وكان يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقة وجله وأوله ~~وآخره وعلانيته وسره" , وكان يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ~~وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك". وكان يجعل سجوده مناسبا لقيامه ثم يرفع رأسه قائلا: "الله أكبر" غير ~~رافع يديه ثم يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ويضع يديه على ~~فخذيه ثم يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني" وفي لفظ: ~~"وعافني" بدل "واجبرني" هذا حديث ms145 ابن عباس. # وقال حذيفة كان يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي" , والحديثان في السنن ~~وكان يطيل هذه الجلسة حتى يقول القائل قد أوهم أو قد نسي. # فصل # ثم يكبر غير رافع يديه ويصنع في الثانية مثل ما صنع في الأولى, ثم يرفع ~~رأسه مكبرا وينهض على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه وفخذيه. # وقال مالك بن الحويرث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في وتر ~~من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا, فهذه تسمى جلسة الاستراحة لا ريب أنه ~~صلى الله عليه وسلم فعلها, ولكن هل فعلها على أنها من سنن الصلاة وهيئاتها ~~كالتجافي وغيره أو لحاجته إليه لما أسن وأخذه اللحم؟ وهذا الثاني أظهر ~~لوجهين: # أحدهما أن فيه جمعا بينه ويبن حديث وائل بن حجر وأبي هريرة أنه كان ينهض ~~على صدور قدميه. # الثاني: أن الصحابة الذين كانوا أحرص الناس على مشاهدة أفعاله وهيئات ~~صلاته كانوا ينهضون على صدور أقدامهم فكان عبد الله بن مسعود # PageV01P167 # يقوم على صدور قدميه في الصلاة ولايجلس رواه البيهقي عنه. # ورواه عن ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبي سعيد الخدري من رواية عطية ~~العوفي عنهم وهو صحيح عن ابن مسعود ولم يكن يرفع يديه في هذا القيام, وكان ~~إذا استتم قائما أخذ القراءة ولم يسكت وافتتح قراءته ب {الحمد لله رب ~~العالمين} فإذا جلس في التشهد الأول مفترشا كما يجلس بين السجدتين ويضع يده ~~اليسرى على ركبته اليسرى واليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه السبابة ~~ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى كهيئة الحلقة وجعل بصرة إلى موضع إشارته وكان ~~يرفع أصبعه السبابة ويحنيها قليلا يوحد بها ربه عز وجل. # وذكر أبو داود من حديث ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هكذا ~~الاخلاص" يشير بأصبعه التي تلي الإبهام, وهكذا الدعاء فرفع يديه مدا حذو ~~منكبيه -وهكذا الابتهال- فرفع يديه مدا وقد روي موقوفا, ثم كان يقول: ~~"التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته, ~~السلام علينا وعلى عباد ms146 الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" , وكان يعلمه أصحابه كما يعلمهم ~~القرآن. # وكان أيضا يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله" , هذا تشهد ابن ~~عباس والأول تشهد ابن مسعود وهو أكمل؛ لأن تشهد ابن مسعود يتضمن جملا ~~متغايرة وتشهد ابن عباس جملة واحدة, وأيضا فإنه في الصحيحين وفيه زيادة ~~الواو, وكان يعلمهم إياه كما يعلمهم القرآن. # وروى ابن عمر عنه: "التحيات لله الصلوات الطيبات" , وفيه أنواع أخركلها ~~جائزة, وكان يخفف هذه الجلسة حتى كأنه جالس على الرضف, وهي الحجارة ~~المحماة, ثم يكبر وينهض فيصلي الثالثة والرابعة ويخففهما عن الأوليين وكان ~~يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب وربما زاد عليها أحيانا. # فصل # وكان إذا قنت لقوم أو على قوم يجعل قنوته في الركعة الأخيرة بعد رفع رأسه ~~من الركوع, وكان أكثر ما يفعل ذلك في صلاة الصبح. # وقال حميد عن أنس: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا بعد الركوع في ~~صلاته يدعو # PageV01P168 # على رعل وذكوان, وقال ابن سيرين قلت: لأنس قنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في صلاة الصبح قال: نعم بعد الركوع يسيرا, وقال ابن سيرين عن أنس: قنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا بعد الركوع في صلاة الفجر يدعو على عصية ~~متفق على هذه الأحاديث, فهؤلاء أعلم الناس بأنس قد حكوا عنه أن قنوته كان ~~بعد الركوع وحميد هو الذي روى عن أنس أنه سئل عن القنوت فقال: "كنا نقنت ~~قبل الركوع وبعده" , والمراد بهذا القنوت طول القيام, وقد أخبر أبو هريرة ~~مثل ما أخبر به أنس سواء أنه صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع لما قال: ~~"سمع الله لمن حمده" قال قبل أن يسجد: "اللهم نج عياش ابن أبي ربيعة ~~والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين" -متفق عليه. # وقال ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من ~~الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: "اللهم ms147 العن فلانا وفلانا -بعد ما ~~يقول- سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد". فقد اتفقت الأحاديث أنه قنت بعد ~~الركوع وأنه قنت لعارض ثم تركه ثم قال أنس: القنوت في المغرب والفجر رواه ~~البخاري. # وقال البراء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الفجر ~~والمغرب, رواه مسلم. وقنت أبو هريرة في الركعة الأخيرة من الظهر والعشاء ~~الآخرة وصلاة الصبح بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده" يدعو للمؤمنين ويلعن ~~الكفار, وقال: لأقربن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكره ~~البخاري. # وقال أحمد وصلاة العصر مكان صلاة العشاء, وقال ابن عباس: قنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ~~في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على حي ~~من بني سليم ويؤمن من خلفه, ذكره أبو داود وقد اتفقت الأحاديث كما ترى على ~~أنه في الركعة الأخيرة بعد الركوع وأنه عارض لا راتب. # وفي صحيح مسلم عن أنس قنت يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه. # وعند الإمام أحمد قنت شهرا ثم تركه, وقال أبو مالك الأشجعي قلت: لأبي يا ~~أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر عمر وعثمان ~~وعلي بالكوفة ههنا قريبا خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال أي بني إنه محدث! # PageV01P169 # قال الترمذي: هذا صحيح ورواه النسائي, ولفظه: صليت خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يقنت, وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم ~~يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت, ثم قال يا بني ~~بدعة! فمن كره القنوت في الفجر احتج بهذه الأحاديث وبقول أنس ثم تركه, ~~قالوا: فهو منسوخ, ومن استحبه قبل الركوع فحجته الآثار عن الصحابة ~~والتابعين بذلك. # قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن أبي رجاء عن أبي مغفل ~~أنه قنت في الفجر قبل الركوع، وقال: مالك عن هشام بن عروة ms148 عن أبيه أنه كان ~~يقنت في الفجر قبل الركوع. # وقال مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقنت قبل الركوع. قال أصبع بن ~~الفرج والحارث بن مسكين وابن أبي العمر حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال: ~~سئل مالك عن القنوت في الصبح أي ذلك أعجب إليك؟ قال: الذي أدركت الناس ~~عليه, وهو أمر الناس القديم القنوت قبل الركوع, قلت: أي ذلك تأخذ في خاصة ~~نفسك؟ قال: القنوت قبل الركوع, قلت: فالقنوت في الوتر, قال: ليس فيه قنوت. # فصل # ومن استحبه بعد الركوع فذهب إلى الأحاديث التي صرحت بأنه بعد الركوع وهي ~~صحاح كلها, قال الأثرم قلت: لأبي عبد الله يقول أحد في حديث أنس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قنت قبل عاصم الأحول؟ قال: ما عملت أحدا يقوله غيره ~~خالف عاصما. قلت: هشام عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: قنت ~~بعد الركوع والتميمي عن أبي مجلز عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت ~~بعد الركوع, وأيوب عن محمد قال: سألت أنسا وحنظلة السدوسي عن أنس أربعة ~~وجوه, قيل لأبي عبد الله وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟ قال: بلى ~~كلها خفاف أين كانت وأبو هريرة, قلت: لأبي عبد الله فلم ترخص إذا في القنوت ~~قبل الركوع؟ وإنما صحت الأحاديث بعد الركوع فقال: القنوت في الفجر بعد ~~الركوع, وفي الوتر نختاره بعد الركوع ومن قنت قبل الركوع فلا بأس # PageV01P170 # لفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلافهم فيه, فأما في الفجر ~~فبعد الركوع والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القنوت في النوازل ~~ثم تركه، ففعله سنة وتركه سنة. وعلى هذا دلت جميع الأحاديث وبه تتفق السنة. # قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن القنوت في أي صلاة؟ قال: في الوتر بعد ~~الركوع, فإن قنت رجل في الفجر اتباع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قنت دعاء للمستضعفين فلا بأس, فإن قنت رجل بالناس ms149 يدعو لهم ويستنصر ~~الله تعالى فلا بأس. # وقال إسحاق الحربي: سمعت أبا ثور يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما ~~تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبو عبد الله: إنما يكون القنوت في النوازل. ~~فقال له أبو ثور: أي نوازل أكثر من هذه النوازل التي نحن فيها؟ قال: فإذا ~~كان كذلك فالقنوت. # وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القنوت في الفجر فقال: نعم في الأمر ~~يحدث, كما قنت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على قوم, قلت: له ويرفع صوته؟ ~~قال: نعم ويؤمن من خلفه كذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وسمعت أبا ~~عبد الله يقول: القنوت في الفجر بعد الركوع. وسمعته قال لما سئل عن القنوت ~~في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين أمر قنت الإمام وأمن من خلفه. ثم قال: ~~مثل ما نزل بالناس من هذا الكافر. يعني بابك. # وقال عبد القدوس بن مالك العطار: سألت أبا عبد اله أحمد بن حنبل فقلت: ~~إني رجل غريب من أهل البصرة وإن قوما قد اختلفوا عندنا في أشياء وأحب أن ~~أعلم رأيك فيما اختلفوا فيه, قال سل عما أحببت, قلت: فإن بالبصرة قوما ~~يقنتون كيف ترى في الصلاة خلف من يقنت؟ فقال: قد كان المسلمون يصلون خلف من ~~يقنت وخلف من لا يقنت, فإن زاد في القنوت حرفا أو دعا بمثل "إنا نستعينك" ~~أو "عذابك الجد" أو "نحفد", فإن كنت في الصلاة فاقطعها. # فصل # وشرع لأمته أن يصلوا عليه في التشهد الأخير فيقولوا: "اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد ~~كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد" وأمرهم أن يتعوذوا بالله من عذاب ~~النار وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال, وعلم ~~الصديق أن # PageV01P171 # يدعو في صلاته: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" وكان من آخر ms150 ما ~~يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما ~~أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت القمدم وأنت المؤخر لا إله إلا ~~أنت". ثم كان يسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله" وعن يساره: "السلام ~~عليكم ورحمة الله" وروى ذلك خمسة عشر صحابيا, وكان إذ اسلم قال: "استغفر ~~الله ثلاثا اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام لا ~~إله الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, اللهم ~~لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد لا إله إلا ~~الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا ~~الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". # وشرع لأمته التسبيح والتحميد عقيب كل صلاة، وروى عنه النسائي من حديث أبي ~~أمامة أنه قال: "من قرأ آية الكرسي عقيب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة ~~إلا أن يموت". # فصل # وكان يصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين دائما, ولما شغل عنهما يوما ~~صلاهما بعد العصر, وندب إلى أربع بعدها فقال: "من حافظ على أربع ركعات قبل ~~الظهر وأربع ركعات بعدها حرمه الله على النار" , قال الترمذي: حديث صحيح, ~~ولم ينقل عنه أنه كان يصلي قبل العصر. حديث صحيح. وفي السنن عنه أنه قال: ~~"رحم الله امرا صلى قبل العصر أربعا" , وكان يصلي بعد المغرب ركعتين وبعد ~~العشاء ركعتين وقبل الصبح ركعتين, فهذه اثنتا عشرة ركعة سننا راتبة, ~~والفرائض سبع عشرة ركعة. وكان يصلي من الليل عشر ركعات, وربما صلى اثنتي ~~عشرة ركعة ويوتر بواحدة, فهذه أربعون ركعة ورده دائما: الفرائض وسننها ~~وقيام الليل والوتر, ولم يكن من سننه الدعاء بعد الصبح والعصر, وإنما كان ~~من هديه الدعاء في الصلاة وقبل السلام منها كما تقدم, والله أعلم. ~~PageV01P172 ms151