######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000101 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي #META# 011.AuthorBORN :: 691 هـ #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الردود :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الصواعق المرسلة #META# 030.LibURI :: JK_000101 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. علي بن محمد الدخيل الله #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار العاصمة #META# 044.EdPLACE :: الرياض #META# 045.EdYEAR :: 1418 - 1998 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين # رب يسر بفضلك يا كريم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~أجمعين # الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ~~وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الموصوف بصفات الجلال المنعوت ~~بنعوت الكمال المنزه عما يضاد كماله من سلب حقائق أسمائه وصفاته المستلزم ~~لوصفه بالنقائص وشبه المخلوقين فنفي حقائق أسمائه وصفاته متضمن للتعطيل ~~والتشبيه وإثبات حقائقها على وجه الكمال الذي لا يستحقه سواه هو حقيقة ~~التوحيد والتنزيه فالمعطل جاحد لكمال المعبود والممثل PageV01P147 @ مشبه ~~له بالعبيد والموحد مبين لحقائق أسمائه وكمال أوصافه وذلك قطب رحى التوحيد ~~فالمعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما والموحد يعبد ربا ليس كمثله شيء له ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى وسع كل شيء رحمة وعلما وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه وحجته على عباده فهو رحمته المهداة ~~إلى العالمين ونعمته التي أتمها على أتباعه من المؤمنين أرسله على حين فترة ~~من الرسل ودروس من الكتب وطموس من السبل وقد استوجب أهل الأرض أن ينزل ~~بساحتهم العذاب وقد نظر الجبار جل جلاله إليهم فمقتهم عربهم وعجمهم إلا ~~بقايا من أهل الكتاب وكانت الأمم إذ ذاك ما بين مشرك بالرحمن عابد للأوثان ~~PageV01P148 @ وعابد للنيران وعابد للصلبان أو عابد للشمس والقمر والنجوم ~~كافر بالله الحي القيوم أو تائه في بيداء ضلالته حيران قد استهواه الشيطان ~~وسد عليه طريق الهدى والإيمان فالمعروف عنده ما وافق إرادته ورضاه والمنكر ~~ما خالف هواه قد تخلى عنه الرحمن وقارنه الخذلان يسمع ويبصر بهواه لا ~~بمولاه ويبطش ويمشي بنفسه وشيطانه لا بالله فباب الهدى دونه مسدود وهو عن ~~الوصول إلى معرفة ربه واتباع مرضاته مصدود فأهل الأرض بين تائه حيران وعبد ~~للدنيا فهو عليها لهفان ومنقاد للشيطان جاهل أو جاحد أو مشرك بالرحمن ~~فالأرض قد غشيتها ظلمة الكفر والشرك والجهل والعناد وقد استولى عليها أئمة ~~الكفر وعساكر الفساد وقد استند كل قوم إلى ظلمات آرائهم وحكموا على ms001 الله ~~بين عباده بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم فسوق الباطل نافقة لها القيام وسوق ~~الحق كاسدة لا تقام فالأرض قد صالت جيوش الباطل في أقطارها PageV01P149 @ ~~ونواحيها وظنت أن تلك الدولة تدوم لها وأنه لا مطمع بجند الله وحزبه فيها ~~فبعث الله رسوله وأهل الأرض أحوج إلى رسالته من غيث السماء ومن نور الشمس ~~الذي يذهب عنهم حنادس الظلمات فحاجتهم إلى رسالته فوق جميع الحاجات ~~وضرورتهم إليها مقدمة على جميع الضرورات فإنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا ~~لذة ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها ~~بأسمائه وصفاته وأفعاله ويكون أحب إليها مما سواه ويكون سعيها في ما يقربها ~~إليه ويدنيها من مرضاته ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك ~~وإدراكه على التفصيل فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين ~~وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ومن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة ~~رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله إذ على هذه المعرفة ~~تنبني مطالب الرسالة جميعها وإن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية ~~تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود PageV01P150 @ # ولما كان مفتاح الدعوة الإلهية معرفة الرب تعالى قال أفضل الداعين إليه ~~سبحانه لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فليكن ~~أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا عرفوا ~~الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وذكر باقي ~~الحديث وهو في الصحيحين وهذا اللفظ لمسلم # فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم معرفة الله سبحانه بأسمائه ~~وصفاته وأفعاله ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان # أحدهما : تعريف الطريق الموصلة إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه # الثاني : تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفد ~~وقرة العين التي لا تنقطع # وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول ومبنيان عليه فأعرف الناس بالله أتبعهم ~~للطريق الموصل إليه وأعرفهم PageV01P151 @ بحال السالكين عند القدوم عليه ~~ولهذا سمى الله سبحانه ما أنزل على ms002 رسوله روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه ~~ونورا لتوقف الهداية عليه قال الله تبارك وتعالى : @QB@ يلقي الروح من أمره ~~على من يشاء من عباده @QE@ غافر 15 # في موضعين من كتابه وقال عز وجل # @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ الشورى 52 # فلا روح إلا فيما جاء به ولا نور إلا في الاستضاءة به فهو الحياة والنور ~~والعصمة والشفاء والنجاة والأمن والله سبحانه وتعالى أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق فلا هدى إلا فيما جاء به ولا يقبل الله من أحد دينا يدينه به إلا ~~أن يكون موافقا لدينه وقد نزه سبحانه وتعالى نفسه عما يصفه به العباد إلا ~~ما وصفه به المرسلون فقال PageV01P152 @ @QB@ سبحان الله عما يصفون إلا ~~عباد الله المخلصين @QE@ الصافات 160 # قال غير واحد من السلف هم الرسل وقال الله سبحانه وتعالى : @QB@ سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين @QE@ # فنزه نفسه عما يصفه به الخلق ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من ~~النقائص والعيوب ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال ~~الحمد # ومن ها هنا أخذ إمام أهل السنة محمد بن إدريس الشافعي قدس الله روحه ونور ~~ضريحه خطبة كتابه حيث قال : الحمد لله الذي هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه ~~به خلقه فأثبت في هذه الكلمة أن صفاته إنما تتلقى بالسمع لا بآراء الخلق ~~وأن أوصافه فوق ما يصفه به الخلق فتضمنت هذه الكلمة إثبات صفات الكمال الذي ~~أثبته لنفسه وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل وأن ما وصف به نفسه فهو ~~الذي يوصف به PageV01P153 @ لا ما وصفه به الخلق ثم قال : والحمد لله الذي ~~لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدى شكر ماضي نعمه ~~بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكره بها فأثبت في هذا القدر أن فعل الشكر ~~إنما هو بنعمته على الشاكر وهذا يدل على ms003 أنه رحمه الله مثبت للصفات والقدر ~~وعلى ذلك درج بزل الإسلام والرعيل الأول ثم فرق على أثرهم التابعون وتبعهم ~~على منهاجهم اللاحقون يوصي بها الأول الآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق وهم ~~في ذلك بنبيهم مقتدون وعلى منهاجه سالكون PageV01P154 @ # قال الله تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني @QE@ يوسف 108 # فمن اتبعني إن كان عطفا على الضمير في أدعو إلى الله فهو دليل أن أتباعه ~~هم الدعاة إلى الله # وإن كان عطفا على الضمير المنفصل فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما ~~جاء به دون من عداهم # والتحقيق أن العطف يتضمن المعنيين فأتباعه هم أهل البصيرة الذين يدعون ~~إلى الله # وقد شهد سبحانه لمن يرى أن ما جاء به من عند الله هو الحق لا آراء الرجال ~~بالعلم فقال تعالى @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد @QE@ سبأ 6 # وقال تعالى @QB@ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى @QE@ ~~الرعد 19 # فمن تعارض عنده حقائق ما جاء به وآراء الرجال فقدمها عليه أو توقف فيه أو ~~قدحت في كمال معرفته PageV01P155 @ وإيمانه به لم يكن من الذين شهد الله ~~لهم بالعلم ولا يجوز أن يسمى بأنه من أهل العلم فكيف يكون الداعي إلى الله ~~على بصيرة الذي وصفه الله بأنه سراج منير وبأنه هاد إلى صراط مستقيم وبأن ~~من اتبع النور الذي أنزل معه فهو المفلح لا غيره وأن من لم يحكمه في كل ما ~~ينازع فيه المتنازعون وينقاد لحكمه ولا يكون عنده حرج منه فليس بمؤمن لأن ~~الرسول عنده قد أخبر الأمة عن الله وأسمائه وصفاته بما الحق في خلاف ظاهره ~~والهدى في إخراجه عن حقائقه وحمله على وحشي اللغات ومستكرهات التأويل وأن ~~حقائقه ضلال وتشبيه وإلحاد والهدى والعلم في مجازه وإخراجه عن حقائقه ~~وإحالة الأمه فيه على آراء المتحيرين وعقول المتهوكين فيقول إذا أخبرتكم عن ~~الله وصفاته العلى بشيء فلا تعتقدوا حقيقته ms004 وخذوا معرفة مرادي به من آراء ~~الرجال ومعقولها فإن الهدى والعلم فيه # والدين إذا أحيل على تأويلات المتأولين انتقضت PageV01P156 @ عراه كلها ~~ولا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذهبها إلا وجدت ~~السبيل إليه وقالت لمن فتح لها باب التأويل إنا تأولنا كما تأولتم والنصوص ~~أخبرت بما تأولناه كما أخبرت بما تأولتموه فما الذي جعلكم في تأويلكم ~~مأجورين وجعلنا عليه مأزورين والذي قادكم إلى التأويل ما تقولون إنه معقول ~~فمعنا نظيره أو أقوى منه أو دونه # وسيأتي تمام هذا في بيان عجز المتأولين عن الفرق بين ما يسوغ تأويله وما ~~لا يسوغ # والمقصود أن الله سبحانه قد أخبر أنه أكمل له ولأمته به دينهم وأتم عليهم ~~به نعمته ومحال مع هذا أن يدع أهم ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل وأنزلت ~~به الكتب ونصبت عليه القبلة وأسست عليه الملة وهو باب الإيمان به ومعرفته ~~ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله ملتبسا مشتبها حقه بباطله لم يتكلم فيه بما ~~هو الحق بل تكلم بما ظاهره الباطل والحق في إخراجه عن ظاهره وكيف يكون أفضل ~~الرسل وأجل الكتب غير واف بتعريف ذلك على أتم الوجود مبين له بأكمل البيان ~~موضح له غاية الإيضاح مع شدة حاجة النفوس إلى معرفته ومع PageV01P157 @ ~~كونه أفضل ما اكتسبته النفوس وأجل ما حصلته القلوب ومن أبين المحال أن يكون ~~أفضل الرسل قد علم أمته آداب البول قبله وبعده ومعه وآداب الوطء وآداب ~~الطعام والشراب ويترك أن يعلمهم ما يقولونه بألسنتهم وتعتقده قلوبهم في ~~ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف والوصول إليه أجل المطالب وعبادته ~~وحده لا شريك له أقرب الوسائل ويخبرهم فيه بما ظاهره باطل وإلحاد ويحيلهم ~~في فهم ما أخبرهم به على مستكرهات التأويلات ومستنكرات المجازات ثم يحيلهم ~~في معرفة الحق على ما تحكم به عقولهم وتوجبه أراؤهم # هذا وهو القائل تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا ~~هالك وهو القائل ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن ms005 يدل على أمته على ~~PageV01P158 @ خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم وقال أبو ذر ~~لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ~~ذكرنا منه علما # وقال عمر بن الخطاب قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فذكر ~~بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ~~ونسيه من نسيه + ذكره البخاري + # وصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر ثم خطبهم حتى حضرت ~~العصر فصلى العصر ثم خطب بهم حتى غربت الشمس فلم يدع شيئا كان ولا يكون ~~PageV01P159 @ من خلق آدم إلى قيام الساعة حتى أخبرهم به حفظه من حفظه ~~ونسيه من نسيه # فكيف يتوهم من لله ولرسوله ودينه في قلبه وقار أن يكون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أمسك عن بيان هذا الأمر العظيم ولم يتكلم فيه بالصواب بل ~~تكلم بما ظاهره خلاف الصواب بل لا يتم الإيمان إلا باعتقاد أن بيان ذلك قد ~~وقع من الرسول على أتم الوجوه وأوضحه غاية الإيضاح ولم يدع بعده لقائل ~~مقالا ولا لمتأول تأويلا ثم من المحال أن يكون خير الأمة وأفضلها وأعلمها ~~وأسبقها إلى كل فضل وهدى ومعرفة قصروا في هذا الباب فجفوا عنه أو تجاوزوا ~~فغلوا فيه وإنما ابتلي من خرج عن منهاجهم بهذين الداءين وهدوا لأحد ~~الإنحرافين وبزل الإسلام وعصابة الإيمان وحماة الدين هم الذين كانوا في هذا ~~الباب قائلين بالحق معتقدين له داعين إليه PageV01P160 @ فإن قيل القوم ~~كانوا عن هذا الباب معرضين وبالزهد والعبادة والجهاد مشتغلين لم يكن هذا ~~الباب من همتهم ولا عنايتهم به قيل هذا من أبين المحال وأبطل الباطل بل ~~كانت عنايتهم بهذا الباب فوق كل عناية واهتمامهم به فوق كل اهتمام وذلك ~~بحسب حياة قلوبهم ومحبتهم لمعبودهم ومنافستهم في القرب منه فمن في قلبه ~~أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه فطلبه لهذا الباب ~~وحرصه على معرفته وازدياده من التبصر ms006 فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر ~~مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة ~~إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ولا فرحها بشيء أعظم من ~~فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه فكيف يمكن مع قيام هذا المقتضى الذي هو من ~~أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه أثره في خيار الأمة وسادات أهل العلم والإيمان ~~الذين هممهم أشرف الهمم ومطالبهم أجل المطالب ونفوسهم أزكى النفوس فكيف يظن ~~بهم الإعراض عن مثل هذا الأمر العظيم أو الغفلة عنه أو التكلم بخلاف الصواب ~~فيه واعتقاد الباطل # ومن المحال أن يكون تلاميذ المعتزلة وورثة PageV01P161 @ الصابئين وأفراخ ~~اليونان الذين شهدوا على أنفسهم بالحيرة والشك وعدم العلم الذي يطمئن إليه ~~القلب وأشهدوا الله وملائكته عليهم به وشهد به عليهم الأشهاد من أتباع ~~الرسل أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأعرف به ممن شهد الله ورسوله لهم بالعلم ~~والإيمان وفضلهم على من سبقهم ومن يجيء بعدهم إلى يوم القيامة ما خلا ~~النبيين والمرسلين وهل يقول هذا إلا غبي جاهل لم يقدر قدر السلف ولا عرف ~~الله ورسوله وما جاء به # قال شيخنا وإنما أتى هؤلاء المبتدعة الذين PageV01P162 @ فضلوا طريقة ~~الخلف على طريقة السلف من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ ~~القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها واعتقدوا أنهم ~~بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم @QB@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني @QE@ البقرة 78 # وأن طريقة المتأخرين هي استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع ~~المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات فهذا الظن الفاسد أوجب تلك ~~المقالة التي مضمونها نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وراء ~~ظهورهم فجمعوا PageV01P163 @ بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين ~~الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف # وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص فلما ~~اعتقدوا التعطيل وانتفاء الصفات في نفس الأمر ورأوا أنه لا بد للنصوص من ~~معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وهذا الذي هو طريقة ms007 ~~السلف عندهم وبين صرف اللفظ عن حقيقته وما وضع له إلى ما لم يوضع له ولا دل ~~عليه بأنواع من المجازات والتكلفات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها ~~بالبيان والهدى كما سيأتي بيانه مفصلا إن شاء الله # وصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل والجهل بالسمع فلا سمع ولا عقل فإن ~~النفي PageV01P164 @ والتعطيل إنما اعتمدوا فيه على شبهات فاسدة ظنوها ~~معقولات صحيحة فحرفوا لها النصوص السمعية عن مواضعها فلما ابتنى أمرهم على ~~هاتين المقدمتين الكاذبتين كانت النتيجة استجهال السابقين الذين هم أعلم ~~الأمة بالله وصفاته واعتقاد أنهم كانوا أميين بمنزلة الصالحين البله الذين ~~لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي وأن ~~الخلف هم الفضلاء العلماء الذين حازوا قصب السبق واستولوا على الغاية ~~وظفروا من الغنيمة بما فات السابقين الأولين # فكيف يتوهم من له أدنى مسكة من عقل وإيمان أن PageV01P165 @ هؤلاء ~~المتحيرين الذين كثر في باب العلم بالله اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله ~~حجابهم وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم وأنه ~~الشك والحيرة حيث يقول لعمري # ( لقد طفت في تلك المعاهد كلها % وسيرت طرفي بين تلك المعالم ) # ( فلم أر إلا واضعا كف حائر % على ذقن أو قارعا سن نادم PageV01P166 @ ~~ويقول الآخر # ( نهاية إقدام العقول عقال % وأكثر سعي العالمين ضلال ) # ( وأرواحنا في وحشة من جسومنا % وغاية دنيانا أذى ووبال ) # ( ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا % سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ) وقال ~~الآخر # لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه ~~والآن إن PageV01P167 @ لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي وها أنا ذا أموت ~~على عقيدة أمي # وقال آخر أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام # وقال آخر منهم عند موته أشهدوا علي أني أموت وما عرفت شيئا إلا أن الممكن ~~يفتقر إلى واجب ثم قال والافتقار أمر عدمي فلم أعرف شيئا # وقال آخر وقد نزلت به نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث قال ~~ثم استغثت برب الجهمية ms008 فلم يغثني ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني ثم ~~استغثت برب المعتزلة فلم يغثني قال فاستغثت برب العامة فأغاثني PageV01P168 ~~@ # قال شيخنا وكيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون الحيارى المتهوكون أعلم ~~بالله وصفاته وأسمائه وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل ومصابيح الدجى وأعلام ~~الهدى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا الذين ~~وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء وأحاطوا ~~من حقائق المعارف بما لو جمعت حكمة من عداهم وعلومهم إليه PageV01P169 @ ~~لاستحى من يطلب المقابلة ثم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند ~~واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلال الصابئين وأشباههم وأشكالهم أعلم ~~بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان اه # | فصل # فهذه مقدمة بين يدي جواب السؤال المذكور وإنما تتبين حقيقة الجواب بفصول # الفصل الأول في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا # الفصل الثاني في انقسام التأويل إلى صحيح وباطل # الفصل الثالث أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء PageV01P170 @ # الفصل الرابع في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب # الفصل الخامس في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول يمتنع ~~وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما # الفصل السادس في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من ~~آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ # الفصل السابع في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه # الفصل الثامن في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي ~~تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل # الفصل التاسع في الوظائف الواجبة على المتأول التي لا يقبل منه تأويله ~~إلا بها # الفصل العاشر في أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل ~~والتلاعب بالنصوص # الفصل الحادي عشر في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره ~~وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد PageV01P171 @ # الفصل الثاني عشر في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه ~~يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته ms009 وعدم البيان في أهم الأمور ~~وما تشتد الحاجة إلى بيانه # الفصل الثالث عشر في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل ~~المخالف لحقيقته وظاهره # الفصل الرابع عشر في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال # الفصل الخامس عشر في جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم ~~وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل # الفصل السادس عشر في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله # الفصل السابع عشر في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع ~~الثقة بالكلام إن سلط عليه ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه # الفصل الثامن عشر في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب ~~تخييل وأصحاب تمثيل وأصحاب تجهيل وأصحاب سواء السبيل PageV01P172 @ # الفصل التاسع عشر في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل ~~مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله # الفصل العشرون في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على ~~مبطل أبدا # الفصل الحادي والعشرون في الأسباب الجالبة للتأويل # الفصل الثاني والعشرون في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام ~~الاختلاف إلى محمود ومذموم # الفصل الثالث والعشرون في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم ~~على أصل واحد وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله # الفصل الرابع والعشرون في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب ~~التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم ~~الإيمان وهي # قولهم إن كلام الله وكلام رسوله أدلة لفظية لا تفيد علما ولا يحصل منها ~~يقين الأول # وقولهم إن آيات الصفات وأحاديث الصفات مجازات لا حقيقة لها الثاني ~~PageV01P173 @ # وقولهم إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة لا تفيد العلم ~~وغايتها أن تفيد الظن الثالث # وقولهم إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي ~~الرابع # والله المسؤول أن يرينا الحق حقا ويوفقنا لاتباعه ويرينا الباطل باطلا ~~ويعيننا على اجتنابه وأن لا يجعلنا ممن يتقدم بين يديه ms010 ويدي رسوله ولا ممن ~~يقدم آراء الرجال وما نحتته أفكارها على نصوص الوحي وهو المسؤول أن يوفقنا ~~لما طلبناه وأن يجعله خالصا لوجهه مدنيا من رضاه إنه خير مسؤول وأكرم مأمول ~~وبه المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله PageV01P174 @ # | الفصل الأول في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا التأويل في ~~اللغة # التأويل تفعيل من آل يؤول إلى كذا إذا صار إليه فالتأويل التصيير وأولته ~~تأويلا إذا صيرته إليه فآل وتأول وهو مطاوع أولته # وقال الجوهري التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء وقد أولته وتأولته تأولا ~~بمعنى قال الأعشى # ( على أنها كانت تأول حبها % تأول ربعي السقاب فأصحبا PageV01P175 @ # قال أبو عبيدة يعني تفسير حبها ومرجعه أي أنه كان صغيرا في قلبه فلم يزل ~~ينبت حتى صار قديما كهذا السقب الصغير لم يزل يشب حتى صار كبيرا مثل أمه ~~وصار له بن يصحبه انتهى كلامه ثم تسمى العاقبة تأويلا لأن الأمر يصير إليها ~~ومنه قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ النساء 59 # وتسمى حقيقة الشيء المخبر به تأويلا لأن الأمر ينتهي إليها ومنه قوله ~~@QB@ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق @QE@ الأعراف 53 # فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد ~~وتفاصيله والجنة والنار ويسمى تعبير الرؤيا تأويلا بالاعتبارين فإنه تفسير ~~لها وهو عاقبتها وما تؤول إليه وقال يوسف لأبيه @QB@ يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل @QE@ يوسف 100 PageV01P176 @ # أي حقيقتها ومصيرها إلى ها هنا انتهت وتسمى العلة الغائية والحكمة ~~المطلوبة بالفعل تأويلا لأنها بيان لمقصود الفاعل وغرضه من الفعل الذي لم ~~يعرف الرائي له غرضه به ومنه قول الخضر لموسى عليهما السلام بعد أن ذكر له ~~الحكمة المقصودة بما فعله من تخريق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار بلا ~~عوض @QB@ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا @QE@ الكهف 78 # فلما أخبره بالعلة ms011 الغائية التي انتهى إليها فعله قال @QB@ ذلك تأويل ما ~~لم تسطع عليه صبرا @QE@ الكهف 82 # فالتأويل في كتاب الله سبحانه وتعالى المراد به حقيقة المعنى الذي يؤول ~~اللفظ إليه وهي الحقيقة الموجودة في الخارج فإن الكلام نوعان خبر وطلب ~~فتأويل الخبر هو الحقيقة وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود والمتوعد به ~~وتأويل ما أخبر الله به من صفاته وأفعاله نفس ما هو عليه سبحانه وما هو ~~موصوف به من الصفات العلى وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها قالت ~~عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ~~ربنا وبحمدك يتأول القرآن PageV01P177 @ فهذا التأويل هو نفس فعل المأمور ~~به فهذا التأويل في كلام الله ورسوله وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير ~~والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان ومنه قول بن ~~جرير وغيره القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا يريد تفسيره ومنه قول ~~الإمام أحمد في كتابه في الرد على الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير ~~تأويله فأبطل تلك التأويلات التي ذكروها وهي تفسيرها المراد بها وهو ~~تأويلها عنده فهذا التأويل يرجع إلى فهم المعنى وتحصيله في الذهن والأول ~~يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج # وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف ~~اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره وهذا هو الشائع في عرف ~~المتأخرين من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون التأويل على خلاف الأصل ~~والتأويل يحتاج إلى دليل # وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من PageV01P178 @ الجانبين ~~فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فورك وبن مهدي ~~الطبري وغيرهما وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال تلك التأويلات كالقاضي أبي ~~يعلى والشيخ موفق الدين بن PageV01P179 @ قدامة وهو الذي حكى عن غير واحد ~~إجماع السلف على عدم القول به كما ستأتي حكاية ألفاظهم إن شاء الله # فصل وعلى هذا ينبني الكلام في PageV01P180 @ # | الفصل الثاني وهو انقسام التأويل إلى صحيح وباطل # فالتأويل الصحيح هو ms012 القسمان الأولان وهما التأويل الصحيح حقيقة المعنى ~~وما يؤول إليه في الخارج أو تفسيره وبيان معناه وهذا التأويل يعم المحكم ~~والمتشابه والأمر والخبر # قال جابر بن عبد الله في حديث حجة الوداع ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين أظهرنا ينزل عليه القرآن وهو يعلم تأويله فما عمل به من شيء عملنا به ~~فعلمه صلى الله وسلامه عليه بتأويله هو علمه بتفسيره وما يدل عليه وعمله به ~~هو تأويل ما أمر به ونهى عنه PageV01P181 @ # ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن ~~رواحة آخذ بخطام ناقته وهو يقول # ( خلوا بني الكفار عن سبيله % خلوا فكل الخير في رسوله ) # ( يا رب إني مؤمن بقيله % أعرف حق الله في قبوله ) # ( نحن قتلناكم على تأويله % كما قتلناكم على تنزيله ) # ( ضربا يزيل الهام عن مقيله % ويذهل الخليل عن خليله ) # قال بن هشام نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر PageV01P182 @ الأبيات لعمار ~~بن ياسر في غير هذا اليوم والدليل على ذلك أن بن رواحة إنما أراد المشركين ~~والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل # وهذا لا يلزم إن صح الشعر عن بن رواحة لأن المراد بقتالهم على التأويل هو ~~تأويل قوله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين @QE@ الفتح ~~27 # وكان دخولهم المسجد الحرام عام القضية آمنين هو تأويل هذه الرؤيا التي ~~رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزلها الله في كتابه ويدل عليه أن ~~الشعر إنما يناسب خطاب الكفار بقي أن يقال فلم يكن هناك PageV01P183 @ قتال ~~حتى يقول نحن قتلناكم فيقال هذا تخويف وتهديد أي إن قاتلتمونا قاتلناكم ~~وقتلناكم على التأويل والتنزيل وعلى التقديرين فليس المراد بالتأويل صرف ~~اللفظ عن حقيقته إلى مجازه # ومن هذا قول الزهري وقعت الفتنة وأصحاب محمد متوافرون فأجمعوا أن كل مال ~~أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة أهل الجاهلية أي إن ~~القبيلتين في الفتنة إنما اقتتلوا على تأويل القرآن وهو تفسيره وما ظهر لكل ~~طائفة ms013 منه حتى دعاهم إلى القتال فأهل الجمل وصفين إنما اقتتلوا على تأويل ~~القرآن وهؤلاء يحتجون به وهؤلاء يحتجون به نعم التأويل الباطل تأويل أهل ~~الشام قوله صلى الله عليه وسلم لعمار تقتلك PageV01P184 @ الفئة الباغية ~~فقالوا نحن لم نقتله إنما قتله من جاء به حتى أوقعه بين رماحنا فهذا هو ~~التأويل الباطل المخالف لحقيقة اللفظ وظاهره فإن الذي قتله هو الذي باشر ~~قتله لا من استنصر به ولهذا رد عليهم من هو أولى بالحق والحقيقة منهم ~~فقالوا فيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الذين قتلوا حمزة ~~والشهداء معه لأنهم أتوا بهم حتى أوقعوهم تحت سيوف المشركين # ومن هذا قول عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة فرضت الصلاة ركعتين ~~ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر فقيل له فما بال عائشة أتمت في ~~السفر قال تأولت كما تأول عثمان وليس مراده PageV01P185 @ أن عائشة وعثمان ~~تأولا آية القصر على خلاف ظاهرها وإنما مراده أنهما تأولا دليلا قام عندهما ~~اقتضى جواز الإتمام فعملا به فكان عملهما به هو تأويله فإن العمل بدليل ~~الأمر هو تأويله كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول قوله تعالى ~~@QB@ فسبح بحمد ربك واستغفره @QE@ النصر 3 # بامتثاله بقوله سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي فكأن عائشة ~~وعثمان تأولا قوله @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة @QE@ النساء 103 # وإن إتمامها من إقامتها # وقيل تأولت عائشة أنها أم المؤمنين وأن أمهم حيث كانت فكأنها مقيمة بينهم ~~وأن عثمان كان إمام المسلمين فحيث كان فهو منزله أو أنه كان قد عزم على ~~الاستيطان بمنى أو أنه كان قد تأهل بها ومن تأهل بلد لم يثبت له حكم ~~المسافر أو أن الأعراب كانوا قد كثروا في ذلك الموسم فأحب أن يعلمهم فرض ~~الصلاة وأنه أربع أو غير ذلك من التأويلات التي ظناها أدلة مقيدة لمطلق ~~القصر PageV01P186 @ أو مخصصة لعمومه وإن كانت كلها ضعيفة والصواب هدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان إمام المسلمين وعائشة أم المؤمنين ms014 في ~~حياته وبعد وفاته وقد قصرت معه ولم يكن عثمان ليقيم بمكة وقد بلغه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنما رخص بها للمهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا ~~والمسافر إذا تزوج في طريقه لم يثبت له حكم الإقامة بمجرد التزوج مالم يزمع ~~الإقامة وقطع السفر # وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ~~ويطابقها هو التأويل الصحيح والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت ~~به السنة هو التأويل الفاسد ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك وكل تأويل ~~وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود فالتأويل الباطل ~~أنواع # أحدها مالم يحتمله اللفظ بوضعه كتأويل قوله صلى الله عليه وسلم حتى يضع ~~رب العزة عليها رجله بأن PageV01P187 @ الرجل جماعة من الناس فإن هذا لا ~~يعرف في شيء من لغة العرب البتة # الثاني مالم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع وإن احتمله ~~مفردا كتأويل قوله @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ ص 75 بالقدرة # الثالث مالم يحتمله سياقه وتركيبه وإن احتمله في غير ذلك السياق كتأويل ~~قوله @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ~~ربك @QE@ الأنعام 158 PageV01P188 @ # بأن إتيان الرب إتيان بعض آياته التي هي أمره وهذا يأباه السياق كل ~~الإباء فإنه يمتنع حمله على ذلك مع التقسيم والترديد والتنويع # وكتأويل قوله إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر صحوا ليس ~~دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب فتأويل الرؤية ~~في هذا السياق بما يخالف حقيقتها وظاهرها في غاية الامتناع وهو رد وتكذيب ~~تستر صاحبه بالتأويل # الرابع ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألف في ~~الاصطلاح الحادث وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس وضلت فيه أفهامهم ~~حيث تأولوا كثيرا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة ~~العرب البتة وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين وهذا مما ينبغي التنبه له ~~فإنه ms015 حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل PageV01P189 @ # كما تأولت طائفة قوله تعالى @QB@ فلما أفل @QE@ الأنعام 77 76 # بالحركة وقالوا استدل بحركته على بطلان ربوبيته ولا يعرف في اللغة التي ~~نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة البتة في موضع واحد # وكذلك تأويل الأحد بأنه الذي لا يتميز منه شيء عن شيء البتة ثم قالوا لو ~~كان فوق العرش لم يكن أحدا فإن تأويل الأحد بهذا المعنى لا يعرفه أحد من ~~العرب ولا أهل اللغة ولا يعرف استعماله في لغة القوم في هذا المعنى في موضع ~~واحد أصلا وإنما هو اصطلاح PageV01P190 @ الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ومن ~~وافقهم # وكتأويل قوله @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ الأعراف 54 # بأن المعنى أقبل على خلق العرش فإن هذا لا يعرف في لغة العرب بل ولا ~~غيرها من الأمم أن من أقبل على الشيء يقال قد استوى عليه ولا لمن أقبل على ~~عمل من الأعمال من قراءة أو كتابة أو صناعة قد استوى عليها ولا لمن أقبل ~~على الأكل قد استوى على الطعام فهذه لغة القوم وأشعارهم وألفاظهم موجودة ~~ليس في شيء منها ذلك البتة # وهذا التأويل يبطل من وجوه كثيرة سنذكرها في موضعها لو لم يكن منها إلا ~~تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P191 @ لصاحب هذا التأويل لكفاه ~~فإنه قد ثبت في الصحيح أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات ~~والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء فكان العرش موجودا قبل خلق السماوات ~~والأرض بأكثر من خمسين ألف سنة فكيف يقال إنه خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم أقبل على خلق العرش # والتأويل إذا تضمن تكذيب الرسول فحسبه ذلك بطلانا وأكثر تأويلات القوم من ~~هذا الطراز وسيمر بك منها ما هو قرة عين لكل موحد وسخنة عين لكل ملحد # الخامس ما ألف استعماله في ذلك المعنى لكن في غير التركيب الذي ورد به ~~النص فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب آخر ~~يحتمله وهذا من أقبح ms016 الغلط والتلبيس كتأويل اليدين في قوله تعالى ~~PageV01P192 @ @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ ص 75 # بالنعمة ولا ريب أن العرب تقول لفلان عندي يد وقال عروة بن مسعود للصديق ~~لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي ~~أضاف سبحانه فيه الفعل إلى نفسه ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي ~~نظير كتبت بالقلم وهي اليد وجعل ذلك خاصة خص بها صفيه آدم دون البشر كما خص ~~المسيح بأنه نفخ فيه من روحه وخص موسى بأنه كلمه بلا واسطة فهذا مما يحيل ~~تأويل اليد في النص بالنعمة وإن كانت في تركيب آخر تصلح لذلك فلا يلزم من ~~صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب صلاحيته له في كل تركيب # وكذلك قوله @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ القيامة 23 22 ~~PageV01P193 @ # يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب فإنه أضاف النظر إلى الوجوه التي ~~هي محله وعداه بحرف إلى التي إذا اتصل بها فعل النظر كان من نظر العين ليس ~~إلا ووصف الوجوه بالنضرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به لا مع ~~التنغيص بانتظاره ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤية وإن كان ~~النظر بمعنى الانتظار قد استعمل في قوله @QB@ انظرونا نقتبس من نوركم @QE@ ~~الحديد 13 # وقوله تعالى @QB@ فناظرة بم يرجع المرسلون @QE@ النمل 25 # ومثل هذا قول الجهمي الملبس إذا قال لك المشبه @QB@ الرحمن على العرش ~~استوى @QE@ طه 5 # فقل له العرش له عندنا سبعة معان والاستواء له خمسة معان فأي ذلك المراد ~~فإن المشبه يتحير ولا يدري ما يقول ويكفيك مؤونته # فيقال لهذا الجاهل الظالم الفاتن المفتون ويلك PageV01P194 @ ما ذنب ~~الموحد الذي سميته أنت وأصحابك مشبها وقد قال لك نفس ما قال الله فوالله لو ~~كان مشبها كما تزعم لكان أولى بالله ورسوله منك لأنه لم يتعد النص # وأما قولك للعرش سبعة معان أو نحوها وللاستواء خمسة معان فتلبيس منك ~~وتمويه على الجهال وكذب ظاهر فإنه ليس لعرش الرحمن الذي ms017 استوى عليه إلا ~~معنى واحد وإن كان للعرش من حيث الجملة عدة معان فاللام للعهد وقد صار بها ~~العرش معينا وهو عرش الرب جل جلاله الذي هو سرير ملكه الذي اتفقت عليه ~~الرسل وأقرت به الأمم إلا من نابذ الرسل # وقولك الاستواء له عدة معان تلبيس آخر فإن الاستواء المعدى بأداة على ليس ~~له إلا معنى واحد وأما الاستواء المطلق فله عدة معان فإن العرب تقول استوى ~~كذا إذا انتهى وكمل ومنه قوله تعالى @QB@ ولما بلغ أشده واستوى @QE@ القصص ~~14 # وتقول استوى وكذا إذا ساواه نحو قولهم استوى الماء والخشبة واستوى الليل ~~والنهار وتقول استوى إلى كذا PageV01P195 @ إذا قصد إليه علوا وارتفاعا نحو ~~استوى إلى السطح والجبل واستوى على كذا أي إذا ارتفع عليه وعلا عليه لا ~~تعرف العرب غير هذا فالاستواء في هذا التركيب نص لا يحتمل غير معناه كما هو ~~نص في قوله @QB@ ولما بلغ أشده واستوى @QE@ القصص 14 # لا يحتمل غير معناه ونص في قولهم استوى الليل والنهار في معناه لا يحتمل ~~غيره فدعوا التلبيس فإنه لا يجدي عليكم إلا مقتا عند الله وعند الذين آمنوا # السادس اللفظ الذي اطرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه ولم يعهد استعماله ~~في المعنى المؤول أو عهد استعماله فيه نادرا فتأويله حيث ورد وحمله على ~~خلاف المعهود من استعماله باطل فإنه يكون تلبيسا وتدليسا يناقض البيان ~~والهداية بل إذا أرادوا استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حفوا به من ~~القرائن ما يبين للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف ومن ~~تأمل لغة القوم وكمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبين له صحة ذلك # وأما أنهم يأتون إلى لفظ له معنى قد ألف استعماله فيه فيخرجونه عن معناه ~~ويطردون استعماله في غيره مع تأكيده PageV01P196 @ بقرائن تدل على أنهم ~~أرادوا معناه الأصلي فهذا من أمحل المحال مثاله قوله تعالى @QB@ وكلم الله ~~موسى تكليما @QE@ النساء 164 # وقوله صلى الله عليه وسلم ما منكم إلا من سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ~~ترجمان ms018 يترجم له ولا حاجب يحجبه وقوله صلى الله عليه وسلم إنكم ترون ربكم ~~عيانا وهذا شأن أكثر نصوص الصفات إذا تأملها من شرح الله صدره لقبولها وفرح ~~بما أنزل على الرسول منها يراها قد حفت من القرائن والمؤكدات بما ينفي عنها ~~تأويل المتأول # السابع كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال PageV01P197 @ فهو باطل ~~كتأويل قوله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل بحمله على الأمة فإن هذا التأويل مع شدة مخالفته لظاهر اللفظ ~~يرجع على أصل النص بالإبطال وهو قوله فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من ~~فرجها ومهر الأمة إنما هو للسيد فقالوا نحمله على المكاتبة وهذا يرجع على ~~أصل النص بالإبطال من وجه آخر فإنه أتى فيه ب أي الشرطية التي هي من أدوات ~~العموم وأكدها ب ما المقتضية تأكيد العموم وأتى بالنكرة في سياق الشرط وهي ~~تقتضي العموم وعلق بطلان النكاح بالوصف المناسب له المقتضي لوجود الحكم ~~بوجوده وهو نكاحها نفسها ونبه على العلة المقتضية للبطلان PageV01P198 @ ~~وهي افتياتها على وليها وأكد الحكم بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات فحمله ~~على صورة لا تقع في العالم إلا نادرا يرجع على مقصود النص بالإبطال وأنت ~~إذا تأملت عامة تأويلات الجهمية رأيتها من هذا الجنس بل أشنع # الثامن تأويل اللفظ الذي له معنى ظاهر لا يفهم منه عند إطلاقه سواه ~~بالمعنى الخفي الذي لا يطلع عليه إلا أفراد من أهل النظر والكلام كتأويل ~~لفظ الأحد الذي يفهمه الخاصة والعامة بالذات المجردة عن الصفات التي لا ~~يكون فيها معنيان بوجه ما فإن هذا لو أمكن ثبوته في الخارج لم يعرف إلا بعد ~~مقدمات طويلة صعبة جدا فكيف وهو محال في الخارج وإنما يفرضه الذهن فرضا ثم ~~يستدل على وجوده الخارجي فيستحيل وضع اللفظ المشهور عند كل أحد لهذا المعنى ~~الذي هو في غاية الخفاء وستمر بك نظائره إن شاء الله تعالى # التاسع التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في PageV01P199 @ غاية ~~العلو والشرف ويحطه ms019 إلى معنى دونه بمراتب كثيرة وهو شبيه بعزل سلطان عن ~~ملكه وتوليته مرتبة دون الملك بكثير مثاله تأويل الجهمية قوله @QB@ وهو ~~القاهر فوق عباده @QE@ الأنعام 18 # وقوله @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ النحل 50 # ونظائره بأنها فوقية الشرف كقولهم الدرهم فوق الفلس والدينار فوق الدرهم # فتأمل تعطيل المتأولين حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية ~~وهي المستلزمة لعظمة الرب جل جلاله وحطها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم ~~وأنه أشرف منهم # وكذلك تأويلهم علوه بهذا المعنى وأنه كعلو الذهب على الفضة وكذلك تأويلهم ~~استواءه على عرشه بقدرته عليه وأنه غالب له فيالله العجب هل ضلت العقول ~~وتاهت الأحلام وشكت العقلاء في كونه سبحانه غالبا لعرشه قادرا عليه حتى ~~يخبر به سبحانه في سبعة مواضع من كتابه مطردة بلفظ واحد ليس فيها موضع واحد ~~يراد به المعنى الذي أبداه المتأولون وهذا التمدح والتعظيم كله لأجل أن ~~PageV01P200 @ يعرفنا أنه قد غلب عرشه وقدر عليه وكان ذلك بعد خلق السماوات ~~والأرض أفترى لم يكن سبحانه غالبا للعرش قادرا عليه في مدة تزيد على خمسين ~~ألف سنة ثم تجدد له ذلك بعد خلق هذا العالم # العاشر تأويل اللفظ بمعنى لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة ~~تقتضيه فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه إذ لو قصده لحف بالكلام ~~قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ ~~فإن الله سبحانه أنزل كلامه بيانا وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم تحف به ~~قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بيانا ولا ~~هدى # فهذه بعض الوجوه التي يفرق بيها بين التأويل الصحيح والباطل وبالله ~~المستعان PageV01P201 @ # | الفصل الثالث في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء # فهذا الموضع مما يغلط فيه كثير من الناس غلطا قبيحا فإن المقصود فهم مراد ~~المتكلم بكلامه فإذا قيل معنى اللفظ كذا وكذا كان إخبارا بالذي عناه ~~المتكلم فإن لم يكن هذا الخبر مطابقا كان كذبا ms020 على المتكلم ويعرف مراد ~~المتكلم بطرق متعددة # منها أن يصرح بإرادة ذلك المعنى # ومنها أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع ولا تبين بقرينة تصحب ~~الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد ~~حقيقته وما وضع له # كقوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ النساء 164 PageV01P202 @ # وإنكم ترون ربكم عيانا كماترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب والله ~~أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه ~~وشرابه فأيس منها فنام ثم استيقظ فإذا راحلته عند رأسه فالله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من هذا براحلته فهذا مما يقطع السامع فيه بمراد المتكلم فإذا ~~أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة له ~~كان صادقا في إخباره وأما إذا تأول كلامه بما لم يدل عليه لفظه ولا اقترن ~~به ما يدل عليه فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه PageV01P203 @ # فقول القائل يحمل اللفظ على كذا وكذا يقال له ما تعني بالحمل أتعني به أن ~~اللفظ موضوع لهذا المعنى فهذا نقل مجرد موضعه كتب اللغة فلا اثر لحملك أم ~~تعني به اعتقاد أن المتكلم أراد ذلك المعنى الذي حملته عليه فهذا قول عليه ~~بلا علم وهو كذب مفترى إن لم تأت بدليل يدل على أن المتكلم أراده أم تعني ~~به أنك أنشأت له معنى فإذا سمعته اعتقدت أن ذلك معناه وهذا حقيقة قولك وإن ~~لم ترده فالحمل إما أخبار عن المتكلم بأنه أراد ذلك المعنى فهذا الخبر إما ~~صادق إن كان ذلك المعنى هو المفهوم من لفظ المتكلم وإما كاذب إن كان لفظه ~~لم يدل عليه وإما إنشاء لاستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى وهذا إنما يكون ~~في كلام تنشئه أنت لا في كلام الغير # وحقيقة الأمر أن قول القائل نحمله على كذا أو نتأوله بكذا إنما هو من باب ~~دفع دلالة اللفظ على ما وضع له فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه دفع ms021 ~~وروده دفع معناه وقال أحمله على خلاف ظاهره # فإن قيل بل للحمل معنى آخر لم تذكروه وهو أن اللفظ لما استحال أن يراد به ~~حقيقته وظاهره ولا يمكن تعطيله PageV01P204 @ استدللنا بوروده وعدم إرادة ~~ظاهره على أن مجازه هو المراد فحملناه عليه دلالة لا ابتداء وإنشاء # قيل فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده وهو إما صدق أو كذب ~~كماتقدم ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى ~~الذي أراده بل يقترن بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة ونحن لا نمنع أن المتكلم ~~قد يريد بكلامه خلاف ظاهره إذا قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ذلك كما في ~~المعاريض التي يجب أو يسوغ تعاطيها ولكن المنكر غاية الإنكار أن يريد ~~بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته إذا قصد البيان والإيضاح وإفهام مراده فالخطاب ~~نوعان # نوع يقصد به التعمية على السامع # ونوع يقصد به البيان والهداية والإرشاد فإطلاق اللفظ وإرادة خلاف حقيقته ~~وظاهره من غير قرائن تحتف به تبين المعنى المراد محله النوع الأول لا ~~الثاني والله أعلم PageV01P205 @ # | الفصل الرابع في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب # لما كان الكلام نوعين خبر وطلب وكان المقصود من الخبر تصديقه ومن الطلب ~~امتثاله كان المقصود من تأويل الخبر هو تصديق مخبره ومن تأويل الطلب هو ~~امتثاله وكان كل تأويل يعود على المخبر بالتعطيل وعلى الطلب بالمخالفة ~~تأويلا باطلا # والمقصود الفرق بين تأويل الأمر والنهي وتأويل الخبر فالأول معرفته فرض ~~على كل مكلف لأنه لا يمكنه الامتثال إلا بعد معرفة تأويله # قال سفيان بن عيينة السنة هي تأويل الأمر PageV01P206 @ والنهي ولا خلاف ~~بين الأمة أن الراسخين في العلم يعلمون هذا التأويل وأرسخهم في العلم ~~أعلمهم به ولو كان معرفة هذا التأويل ممتنعا على البشر لا يعلمه إلا الله ~~لكان العمل بنصوصه ممتنعا كيف والعمل بها واجب فلا بد أن يكون في الأمة من ~~يعرف تأويلها وإلا كانت الأمة كلها مضيعة لما أمرت به # وقد يكون معنى النص بينا جليا فلا تختلف الأمة في تأويله ms022 وإن وقع الخلاف ~~في حكمه لخفائه على من لم يبلغه أو لقيام معارض عنده أو لنسيانه فهذا يعذر ~~فيه المخالف إذا كان قصده اتباع الحق ويثيبه الله على قصده وأما من بلغه ~~النص وذكره ولم يقم عنده ما يعارضه فإنه لا يسعه مخالفته ولا يعذر عند الله ~~بتركه لقول أحد كائنا من كان # وقد تكون دلالة اللفظ غير جلية فيشتبه المراد به بغيره فهنا معترك النزاع ~~بين أهل الاجتهاد في تأويله ولأجل التشابه وقع النزاع فيفهم هذا منها معنى ~~فيؤولها به ويفهم منها غيره معنى آخر فيؤولها به وقد يكون كلا الفهمين ~~صحيحا والآية دلت على هذا وهذا ويكون الراسخ في العلم هو الذي أولها بهذا ~~وهذا ومن أثبت أحد المعنيين ونفى الآخر أقل رسوخا وقد يكون أحد المعنيين هو ~~المراد PageV01P207 @ لا سيما إذا كانا متضادين والراسخ في العلم هو الذي ~~أصابه فالتأويل في هذا القسم مأمور به مأجور عليه صاحبه إما أجرا واحدا ~~وإما أجرين # وقد تنازع الصحابة في تأويل قوله تعالى @QB@ أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح @QE@ البقرة 237 # هل هو الأب أو الزوج # وتنازعوا في تأويل قوله @QB@ أو لامستم النساء @QE@ النساء 43 # هل هو الجماع أو اللمس باليد والقبلة ونحوها # وتنازعوا في تأويل قوله @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل @QE@ النساء 43 # هل هو المسافر يصلي بالتيمم مع الجنابة أو المجتاز بمواضع الصلاة ~~كالمساجد وهو جنب # وتنازعوا في تأويل ذوي القربى المستحقين من الخمس هل هم قرابة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو قرابة الإمام PageV01P208 @ # وتنازعوا في تأويل قوله تعالى @QB@ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~@QE@ الأعراف 204 # هل يدخل فيه قراءة الصلاة الواجبة أم لا # وتنازعوا في تأويل قوله @QB@ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ البقرة 234 # هل يتناول اللفظ الحامل أم هو للحائل فقط # وتنازعوا في قوله @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ المائدة 3 # هل يدخل فيه ما مات في البحر أم لا # وتنازعوا في تأويل الكلالة # وفي تأويل قوله تعالى @QB@ فإن كان ms023 له إخوة فلأمه السدس @QE@ النساء 11 ~~PageV01P209 @ # وأمثال ذلك ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد بل ~~اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها ~~وإثبات حقائقها وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا وأن العناية ببيانها ~~أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين وإثباتها من لوازم التوحيد فبينها الله ~~ورسوله بيانا شافيا لا يقع فيه لبس ولا إشكال يوقع الراسخين في العلم في ~~منازعة ولا اشتباه ومن شرح الله لها صدره ونور لها قلبه يعلم أن دلالتها ~~على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها ولهذا آيات ~~الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس وأما آيات الأسماء ~~والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه ~~والكيفية ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود @QE@ # حتى بين لهم بقوله @QB@ من الفجر @QE@ البقرة 187 PageV01P210 @ # ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ البقرة 186 # وأمثالها من آيات الصفات وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة ولم يشكل ~~عليه أول الحديد وآخر الحشر وأول سورة طه ونحوها من آيات الصفات وأيضا فإن ~~بعض آيات الأحكام مجملة عرف بيانها بالسنة كقوله تعالى @QB@ ففدية من صيام ~~أو صدقة أو نسك @QE@ البقرة 196 # فهذا مجمل في قدر الصيام والإطعام فبينته السنة بأنه PageV01P211 @ صيام ~~ثلاثة ايام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة وكذلك قوله @QB@ وليطوفوا ~~بالبيت العتيق @QE@ مجمل في مقدار الطواف فبينته السنة بأنه سبع ونظائره ~~كثيرة كآية السرقة وآية الزكاة وآية الحج وليس في آيات الصفات وأحاديثها ~~مجمل يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها وإن جاءت السنة بزيادة في ~~البيان والتفصيل فلم تكن آيات الصفات مجملة محتملة لا يفهم المراد منها إلا ~~بالسنة بخلاف آيات الأحكام # فإن قيل هذا يرده ما قد عرف أن آيات الأمر والنهي والحلال والحرام محكمة ~~وآيات الصفات ms024 متشابهة فكيف يكون المتشابه أوضح من المحكم التشابه والإحكام # قيل التشابه والإحكام نوعان تشابه وإحكام يعم الكتاب كله وتشابه وإحكام ~~يخص بعضه دون بعض فالأول كقوله تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها @QE@ الزمر 23 # وقوله @QB@ كتاب أحكمت آياته @QE@ هود 1 PageV01P212 @ # وقوله @QB@ يس والقرآن الحكيم @QE@ يس 2 1 # والثاني كقوله @QB@ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات @QE@ آل عمران 7 # فإن اردتم بتشابه آيات الصفات النوع الأول فنعم هي متشابهة غير متناقضة ~~يشبه بعضها بعضا وكذلك آيات الأحكام وإن أردتم أنه يشتبه المراد بها بغير ~~المراد فهذا وإن كان يعرض لبعض الناس فهو أمر نسبي إضافي فيكون متشابها ~~بالنسبة إليه دون غيره ولا فرق في هذا بين آيات الأحكام وآيات الصفات فإن ~~المراد قد يشتبه فيهما بغيره على بعض الناس دون بعض # وقد تنازع الناس في المحكم والمتشابه تنازعا كثيرا ولم يعرف عن أحد من ~~الصحابة قط أن المتشابهات آيات الصفات بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك ~~فكيف تكون آيات الصفات متشابهة عندهم وهم لا يتنازعون في شيء منها وآيات ~~الأحكام هي المحكمة وقد وقع بينهم PageV01P213 @ النزاع في بعضها وإنما هذا ~~قول بعض المتأخرين وسيأتي إشباع الكلام في هذا في الفصل المعقود له إن شاء ~~الله تعالى PageV01P214 @ # | الفصل الخامس في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ~~ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما # ذكر الله سبحانه التحريف وذمه حيث ذكره وذكر التفسير وذكر التأويل ~~فالتفسير هو إبانة المعنى وإيضاحه قال الله تعالى @QB@ ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ الفرقان 33 # وهذا غاية الكمال أن يكون المعنى في نفسه حقا والتعبير عنه أفصح تعبير ~~وأحسنه وهذا شأن القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم # والتحريف العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره وهو نوعان تحريف لفظه ~~وتحريف معناه والنوعان مأخوذان من الأصل عن اليهود فهم الراسخون فيهما وهم ~~PageV01P215 @ شيوخ المحرفين وسلفهم فإنهم حرفوا كثيرا من ألفاظ التوراة ~~وما غلبوا ms025 عن تحريف لفظه حرفوا معناه ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون ~~غيرهم من الأمم ودرج على آثارهم الرافضة فهم أشبه بهم من القذة بالقذة ~~والجهمية فإنهم سلكوا في تحريف النصوص الواردة في الصفات مسالك إخوانهم من ~~اليهود ولما لم يتمكنوا من تحريف نصوص القرآن حرفوا معانيه وسطوا عليها ~~وفتحوا باب التأويل لكل ملحد يكيد الدين فإنه جاء فوجد بابا مفتوحا وطريقا ~~مسلوكة ولم يمكنهم أن يخرجوه من باب أو يردوه من طريق قد شاركوه فيها وإن ~~كان الملحد قد وسع بابا هم فتحوه وطريقا هم اشتقوه فهما بمنزلة رجلين ~~ائتمنا على مال فتأول أحدهما وأكل منه دينارا فتأول الآخر وأكل منه عشرة ~~فإذا أنكر عليه صاحبه قال إن حل PageV01P216 @ أكل الدينار بالتأويل حل أكل ~~العشرة به ولا سيما إذا زعم آكل الدينار أن الذي ائتمنه إنما أراد منه ~~التأويل وأن المتأول أعلم بمراده من المالك فيقول له صاحبه أنا أسعد منك ~~وأولى بأكل هذا المال # والمقصود أن التأويل يتجاذبه أصلان التفسير والتحريف فتأويل التفسير هو ~~الحق وتأويل التحريف هو ا لباطل فتأويل التحريف من جنس الإلحاد فإنه هو ~~الميل بالنصوص عن ما هي عليه إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع ~~الإقرار بلفظها وكذلك الإلحاد في أسماء الله تارة يكون بجحد معانيها ~~وحقائقها وتارة يكون بإنكار المسمى بها وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره ~~فيها فالتأويل الباطل هو إلحاد وتحريف وإن سماه أصحابه تحقيقا وعرفانا ~~وتأويلا # فمن تأويل التحريف والإلحاد تأويل الجهمية قوله تعالى @QB@ وكلم الله ~~موسى تكليما @QE@ النساء 164 # أي جرح قلبه بالحكم والمعارف تجريحا ومن تحريف اللفظ تحريف إعراب قوله ~~@QB@ وكلم الله @QE@ في الرفع إلى النصب وقال وكلم الله أي موسى كلم الله ~~ولم يكلمه PageV01P217 @ الله وهذا من جنس تحريف اليهود بل أقبح منه ~~واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف ~~قال له بعض أهل التوحيد فكيف تصنع بقوله @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ~~ربه @QE@ الأعراف 43 فبهت المحرف المثال الثاني ms026 # ومن هذا أن بعض الفرعونية سأل بعض أئمة العربية هل يمكن أن يقرأ العرش ~~بالرفع في قوله 2 @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # وقصد الفرعوني بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق ولو ~~تيسر لهذا الفرعوني هذا التحريف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الآيات ~~المثال الثالث # ومن تأويل التحريف تأويل قوله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم الله بالوحي ~~سمع أهل السماوات كجر السلسلة على الصفوان فيصعقون فيكون أول من يفيق جبريل ~~PageV01P218 @ قالوا تأويله إذا تكلم ملك الله بالوحي لا أن الله يتكلم ~~فجعلوا صعق الملائكة وخرورهم سجدا لكلام جبريل الذي قد صعق معهم من كلام ~~نفسه المثال الرابع # ومن تأويل التحريف تأويل القدرية المجوسية نصوص القدر بما أخرجها عن ~~حقائقها ومعانيها وتأويل الجهمية نصوص الصفات بما أخرجها عن حقائقها وأوجب ~~تعطيل الرب جل جلاله عن صفات كماله كما عطلته القدرية عن كمال قدرته ~~ومشيئته فنحن لا ننكر التأويل بل حقيقة العلم هو التأويل والراسخون في ~~العلم هم أهل التأويل ولكن أي التأويلين فنحن أسعد بتأويل التفسير من غيرنا ~~وغيرنا أشقى بتأويل التحريف منا والله الموفق للصواب PageV01P219 @ # | الفصل السادس في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من ~~آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ # لا ريب أن الله سبحانه وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء وأخبر عن نفسه ~~بأفعال فسمى نفسه بالرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ~~العزيز الجبار المتكبر إلى سائر ما ذكر من أسمائه الحسنى ووصف نفسه بما ~~ذكره من الصفات كسورة الإخلاص وأول الحديد وأول طه وغير ذلك ووصف نفسه بأنه ~~يحب ويكره ويمقت ويرضى ويغضب ويأسف ويسخط ويجيء ويأتي وينزل إلى سماء ~~الدنيا وأنه استوى على عرشه وأن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا ~~ووجها وأن له يدين PageV01P220 @ وأنه فوق عباده وأن الملائكة تعرج إليه ~~وتنزل بالأمر من عنده وأنه قريب وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين ~~وأن السماوات مطويات بيمينه الرد على نفاة الصفات ms027 # ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك مما ~~وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيقال للمتأول هل تتأول هذا كله على خلاف ظاهره ~~وتمنع حمله على حقيقته أم تقر الجميع على ظاهره وحقيقته أم تفرق بين بعض ~~ذلك وبعضه # فإن تأولت الجميع وحملته على خلاف حقيقته كان ذلك عنادا ظاهرا وكفرا ~~صراحا وجحدا للربوبية وحينئذ فلا تستقر لك قدم على إثبات ذات الرب تعالى ~~ولا صفة من صفاته ولا فعل من أفعاله فإن أعطيت هذا من نفسك ولم تستهجنه ~~التحقت بإخوانك الدهرية الملاحدة الذين لا يثبتون للعالم خالقا ولا ربا # فإن قلت بل أثبت أن للعالم صانعا وخالقا ولكن لا أصفه بصفة تقع على خلقه ~~وحيث وصف بما يقع على المخلوق أتأوله PageV01P221 @ # قيل لك فهذه الأسماء الحسنى والصفات التي وصف بها نفسه هل تدل على معان ~~ثابتة هي حق في نفسها أم لا تدل # فإن نفيت دلالتها على معنى ثابت كان ذلك غاية التعطيل وإن أثبت دلالتها ~~على معان هي حق ثابت قيل لك فما الذي سوغ لك تأويل بعضها دون بعض وما الفرق ~~بين ما أثبته ونفيته وسكت عن إثباته ونفيه من جهة السمع أو العقل # ودلالة النصوص على أن له سمعا وبصرا وعلما وقدرة وإرادة وحياة وكلاما ~~كدلالتها على أن له رحمة ومحبة وغضبا ورضى وفرحا وضحكا ووجها ويدين فدلالة ~~النصوص على ذلك سواء فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه وضحكه ~~وأولتها بنفس الإرادة فإن قلت لأن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستلزم تشبيها ~~وتجسيما وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم فإنها لا تعقل ~~إلا في الأجسام فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان والمحبة ميل ~~PageV01P222 @ النفس لجلب ما ينفعها والغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام ~~والفرح انبساط دم القلب لورود ما يسره عليه قيل لك وكذلك الإرادة هي ميل ~~النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما ~~هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد فإن ms028 العلم انطباع صورة المعلوم في نفس ~~العالم أو صفة عرضية قائمة به وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة ~~بالموصوف فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات ~~هذه فإن قلت لأني أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشابهها قيل لك فهلا ~~أثبت الجميع على وجه لا يماثل صفات المخلوقين ولا يشابهها ولم فهمت من ~~إطلاق هذا التشبيه والتجسيم وفهمت من إطلاق ذلك التنزيه والتوحيد وهلا قلت ~~أثبت له وجها ومحبة وغضبا ورضى وضحكا ليس من جنس صفات المخلوقين فإن قلت ~~هذا لا يعقل قيل لك فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ومشيئة ليست من جنس ~~صفات المخلوقين فإن قلت أنا أفرق بين ما يتأول وبين ما لا يتأول بأن ما دل ~~PageV01P223 @ العقل على ثبوته يمتنع تأويله كالعلم والحياة والقدرة والسمع ~~والبصر وما لا يدل عليه العقل يجب أو يسوغ تأويله كالوجه واليد والضحك ~~والفرح والغضب والرضى فإن الفعل المحكم دل على قدرة الفاعل وإحكامه دل على ~~علمه والتخصيص دل على الإرادة فيمتنع مخالفة ما دل عليه صريح العقل # قيل لك أولا وكذلك الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دل على ~~الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة سواء والتخصيص بالكرامة والاصطفاء ~~والاجتباء دال على المحبة كدلالة ما ذكرت على الإرادة والإهانة والطرد ~~والإبعاد والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الحب والرضى # والعقوبة والبطش والانتقام دال على الغضب كدلالة ضده على الرضى # ويقال ثانيا هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها فإنه ~~لا ينفيها والسمع دليل مستقل بنفسه بل الطمأنينة إليه في هذا الباب أعظم من ~~الطمأنينة إلى مجرد العقل فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله # ويقال لك ثالثا إن كان ظاهر النصوص يقتضي تشبيها PageV01P224 @ أو تجسيما ~~فهو يقتضيه في الجميع فأول الجميع وإن كان لا يقتضي ذلك لم يجز تأويل شيء ~~منه وإن زعمت أن بعضها يقتضيه وبعضها لا يقتضيه طولبت بالفرق بين الأمرين ~~وعادت المطالبة جذعا # ولما تفطن بعضهم لتعذر ms029 الفرق قال ما دل عليه الإجماع كالصفات السبع لا ~~يتأول وما لم يدل عليه إجماع فإنه يتأول وهذا كما تراه من أفسد الفروق فإن ~~مضمونه أن الإجماع اثبت ما يدل على التجسيم والتشبيه ولولا ذلك لتأولناه ~~فقد اعترفوا بانعقاد الإجماع على التشبيه والتجسيم # وهذا قدح في الإجماع فإنه لا ينعقد على باطل # ثم يقال إن كان الإجماع قد انعقد على إثبات هذه الصفات وظاهرها يقتضي ~~التجسيم والتشبيه بطل نفيكم لذلك وإن لم ينعقد عليها بطل التفريق به # ثم يقال خصومكم من المعتزلة لم يجمعوا معكم على إثبات هذه الصفات فإن ~~قلتم انعقد الإجماع قبلهم قيل صدقتم والله والذين أجمعوا قبلهم على هذه ~~الصفات PageV01P225 @ أجمعوا على إثبات سائر الصفات ولم يخصوها بسبع بل ~~تخصيصها بسبع خلاف قول السلف وقول الجهمية والمعتزلة فالناس كانوا طائفتين ~~سلفية وجهمية فحدثت الطائفة السبعية واشتقت قولا بين القولين فلا للسلف ~~اتبعوا ولا مع الجهمية بقوا # وقالت طائفة أخرى ما لم يكن ظاهره جوارح وأبعاض كالعلم والحياة والقدرة ~~والإرادة والكلام لا يتأول وما كان ظاهره جوارح وأبعاض كالوجه واليدين ~~والقدم والساق والإصبع فإنه يتعين تأويله لاستلزام إثباته التركيب والتجسيم # قال المثبتون جوابنا لكم بعين الجواب الذي تجيبون به خصومكم من الجهمية ~~والمعتزلة نفاة الصفات فإنهم قالوا لكم لو قام به سبحانه صفة وجودية كالسمع ~~والبصر والعلم والقدرة والحياة لكان محلا للأعراض ولزم التركيب والتجسيم ~~والانقسام كما قلتم لو كان له وجه ويد وإصبع لزم PageV01P226 @ التركيب ~~والانقسام فحينئذ فما هو جوابكم لهؤلاء نجيبكم به # فإن قلتم نحن نثبت هذه الصفات على وجه لا تكون أعراضا ولا نسميها أعراضا ~~فلا يستلزم تركيبا ولا تجسيما # قيل لكم ونحن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه إذ نفيتموها أنتم عنه ~~على وجه لا يستلزم الأبعاض والجوارح ولا يسمى المتصف بها مركبا ولا جسما ~~ولا منقسما # فإن قلتم هذه لا يعقل منها إلا الأجزاء والأبعاض # قلنا لكم وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض # فإن قلتم العرض لا يبقى زمانين وصفات الرب باقية قديمة ms030 أبدية فليست ~~أعراضا # قلنا وكذلك الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها وانفكاكها وذلك في حق ~~الرب تعالى محال فليست أبعاضا ولا جوارح فمفارقة الصفات الإلهية للموصوف ~~بها مستحيل مطلقا في النوعين والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه # فإن قلتم إن كان الوجه عين اليد وعين الساق والإصبع فهو محال وإن كان ~~غيره لزم التمييز ويلزم التركيب # قلنا لكم وإن كان السمع هو عين البصر وهما نفس العلم وهي نفس الحياة ~~والقدرة فهو محال وإن تميزت لزم التركيب PageV01P227 @ فما هو جواب لكم ~~فالجواب مشترك فإن قلتم نحن نعقل صفات ليست أعراضا تقوم بغير جسم متحيز وإن ~~لم يكن لها نظير في الشاهد # قلنا لكم فاعقلوا صفات ليست بأبعاض تقوم بغير جسم وإن لم يكن له في ~~الشاهد نظير ونحن لا ننكر الفرق بين النوعين في الجملة ولكن فرق غير نافع ~~لكم في التفريق بين النوعين وأن أحدهما يستلزم التجسيم والتركيب والآخر لا ~~يستلزمه ولما أخذ هذا الإلزام بحلوق الجهمية قالوا الباب كله عندنا واحد ~~ونحن ننفي الجميع # فتبين أنه لا بد لكم من واحد من أمور ثلاثة إما هذا النفي العام والتعطيل ~~المحض وإما أن تصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ولا تتجاوزوا ~~القرآن والحديث وتتبعوا في ذلك سبيل السلف الماضين PageV01P228 @ الذين هم ~~أعلم الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا وأشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا ~~يليق بجلاله فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فيكون ~~ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه ولا يترك تدبرها ومعرفتها فيكون ذلك ~~مشابهة للذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صما وعميانا ولا يقال هي ~~ألفاظ لا تعقل معانيها ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات دالة على أشرف المعاني وأجلها ~~قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان إثباتا بلا تشبيه ~~وتنزيها بلا تعطيل كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك فكان ~~الباب عندهم بابا ms031 واحدا قد اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم فأنسوا من ~~صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطلون وسكنت قلوبهم إلى ~~ما نفر منه الجاحدون وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات فكما أن ذاته سبحانه ~~لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات فما جاءهم من الصفات عن المعصوم ~~تلقوه بالقبول وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار لعلمهم بأنه صفة من لا ~~شبيه لذاته ولا لصفاته PageV01P229 @ # قال الإمام أحمد إنما التشبيه أن يقول يد كيد أو وجه كوجه فأما إثبات يد ~~ليست كالأيدي ووجه ليس كالوجوه فهو كإثبات ذات ليست كالذوات وحياة ليست ~~كغيرها من الحياة وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار وليس إلا هذا المسلك أو ~~مسلك التعطيل المحض أو التناقض الذي لا يثبت لصاحبه قدم في النفي ولا في ~~الإثبات وبالله التوفيق # وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها ومذهبها فالعيار على ما ~~يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه والقواعد التي أصلتها فما ~~وافقها أقروه ولم يتأولوه وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه ولهذا ~~لما أصلت الرافضة عداوة الصحابة ردوا كل ما جاء في فضائلهم والثناء عليهم ~~أو تأولوه ولما أصلت الجهمية أن الله لا يتكلم ولا يكلم أحدا ولا يرى ~~PageV01P230 @ بالأبصار ولا هو فوق عرشه مبائن لخلقه ولا له صفة تقوم به ~~أولوا كل ما خالف ما أصلوه # ولما اصلت القدرية أن الله سبحانه لم يخلق أفعال عباده ولم يقدرها عليهم ~~أولوا كل ما خالف أصولهم ولما أصلت المعتزلة القول بنفوذ الوعيد وأن من دخل ~~النار لم يخرج منها أبدا أولوا كل ما خالف أصولهم # ولما أصلت المرجئة أن الإيمان هو المعرفة وأنها لا تزيد ولا تنقص أولوا ~~كل ما خالف أصولهم # ولما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا يقوم به PageV01P231 @ ما يتعلق ~~بقدرته ومشيئته وسموا ذلك حلول الحوادث أولوا كل ما خالف هذا الأصل # ولما أصلت الجبرية أن قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل بوجه من الوجوه ~~وأن حركات العباد بمنزلة هبوب ms032 الرياح وحركات الأشجار وأولوا كل ما جاء ~~بخلاف ذلك # فهذا في الحقيقة هو عيار التأويل عند الفرق كلها حتى المقلدين في الفروع ~~أتباع الأئمة الذين اعتقدوا المذهب ثم طلبوا الدليل عليه ضابط ما يتأول ~~عندهم وما لا يتأول ما خالف المذهب أو وافقه ومن تأمل مقالات الفرق ~~ومذاهبها رأى ذلك عيانا وبالله التوفيق # وكل من هؤلاء يتأول دليلا سمعيا ويقر على ظاهره نظيره أو ما هو أشد قبولا ~~للتأويل منه لأنه ليس عندهم في نفس الأمر ضابط كلي مطرد منعكس يفرق ما ~~يتأول PageV01P232 @ وما لا يتأول إن هو إلا المذهب وقواعده وما قاله ~~الشيوخ وهؤلاء لا يمكن أحدا منهم أن يحتج على مبطل بحجة سمعية لأنه يسلك في ~~تأويلها نظير ما سلكه هو في تأويل ما خالف مذهبه كما سيأتي بيانه في موضعه ~~إن شاء الله PageV01P233 @ # | الفصل السابع في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه # هذا فصل بديع لمن تأمله يعلم به أن المتأولين لم يستفيدوا بتأويلهم إلا ~~تعطيل حقائق النصوص والتلاعب بها وانتهاك حرمتها وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه ~~محذورا بل هو لازم لهم فيما فروا إليه كلزومه فيما فروا منه بل قد يقعون ~~فيما هو أعظم محذورا كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء ~~فرارا من التحيز والحصر ثم قالوا هو في كل مكان بذاته فنزهوه عن استوائه ~~على عرشه ومباينته لخلقه وجعلوه في أجواف البيوت والآبار والأواني والأمكنة ~~التي يرغب عن ذكرها فهؤلاء قدماء الجهمية فلما علم متأخروهم فساد ~~PageV01P234 @ ذلك قالوا ليس وراء العالم ولا فوق العرش إلا العدم المحض ~~وليس هناك رب يعبد ولا إله يصلى له ويسجد ولا هو أيضا في العالم فجعلوا ~~نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا # وكذلك فعل الذين نفوا القدر السابق تنزيها لله عن مشيئة القبائح وخلقها ~~ونسبوه إلى أن يكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون ولا يقدر على أن ~~يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا ms033 يقلب قلب العاصي إلى الطاعة ولا المطيع إلى ~~المعصية # وكذلك الذين نزهوه عن أفعاله وقيامها به وجعلوه كالجماد الذي لا يقوم به ~~فعل وكذلك الذين نزهوه عن الكلام القائم به بقدرته ومشيئته وجعلوه كالأبكم ~~الذي لا يقدر أن يتكلم وكذلك الذين نزهوه عن صفات كماله وشبهوه بالناقص ~~الفاقد لها أو بالمعدوم وهذه حال كل مبطل معطل لما وصف الله به نفسه ووصفه ~~به رسوله # والمقصود أن المتأول يفر من أمر فيقع في نظيره # مثاله إذا تأول المحبة والرحمة والرضى والغضب والمقت بالإرادة قيل له ~~يلزمك في الإرادة ما لزمك في هذه الصفات كما تقدم تقريره PageV01P235 @ # وإذا تأول الوجه بالذات قيل له فيلزمك في الذات ما لزمك في الوجه فإن لفظ ~~الذات يقع على القديم والمحدث كما يقع لفظ الوجه على القديم والمحدث وإذا ~~تأول لفظ اليد بالقدرة فالقدرة يوصف بها الخالق والمخلوق فإن فررت من اليد ~~لأنها تكون للمخلوق ففر من القدرة لأنه يوصف بها وإذا تأول السمع والبصر ~~بالعلم فرارا من التشبيه لزمه ما فر منه في العلم وإذا تأول الفوقية بفوقية ~~القهر لزمه فيها ما فر منه من فوقية الذات فإن القاهر من اتصف بالقوة ~~والغلبة ولا يعقل هذا إلا جسما فإن أثبته العقل غير جسم لم يعجز عن إثبات ~~فوقية الذات لغير جسم # وكذلك من تأول الإصبع بالقدرة فإن القدرة أيضا صفة قائمة بالموصوف وعرض ~~من أعراضه ففر من صفة إلى صفة وكذلك من تأول الضحك بالرضى والرضى بالإرادة ~~إنما فر من صفة إلى صفة فهلا أقر النصوص على ما هي عليه ولم ينتهك حرمتها ~~إذ كان التأويل لا يخرجه مما فر منه فإن المتأول إما أن يذكر معنى ثبوتيا ~~أو يتأول اللفظ بما هو عدم محض فإن تأوله بمعنى ثبوتي كائنا ما كان لزمه ~~فيه نظير ما فر منه فإن قال أنا أثبت ذلك المعنى على وجه لا يستلزم تشبيها ~~PageV01P236 @ # قيل له فهلا أثبت المعنى الذي تأولته على وجه لا يستلزم تشبيها # فإن قال ذلك أمر ms034 لا يعقل # قيل له فكيف عقلته في المعنى الذي أثبته وأنت وسائر أهل الأرض إنما تفهم ~~المعاني الغائبة بما تفهمها به في الشاهد ولولا ذلك لما عقلت أنت ولا أحد ~~شيئا غائبا البتة فما أبديته في التأويل إن كان له نظير في الشاهد لزمك ~~التشبيه وإن لم يكن له نظير لم يمكنك تعقله البتة وإن أولت النص بالعدم ~~عطلته فأنت في تأويلك بين التعطيل والتشبيه مع جنايتك على النص وانتهاكك ~~حرمته فهلا عظمت قدره وحفظت حرمته وأقررته وأمررته مع نفي التشبيه والتخلص ~~من التعطيل وبالله التوفيق PageV01P237 @ # | الفصل الثامن في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي ~~تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل # هذا الفصل من عجيب أمر المتأولين فإنهم فهموا من النصوص الباطل الذي لا ~~يجوز إرادته ثم أخرجوها عن معناها الحق المراد منها فأساءوا الظن بها ~~وبالمتكلم بها وعطلوها عن حقائقها التي هي عين كمال الموصوف بها ونقتصر من ~~ذلك على مثال ذكره بعض الجهمية ونذكر ما عليه فيه من شبه الجهمية أن ظاهر ~~القرآن يقتضي التشبيه # قال الجهمي ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر الأعين وذكر العين الواحدة وذكر ~~الجنب الواحد وذكر الساق الواحد وذكر الأيدي وذكر اليدين وذكر اليد ~~PageV01P238 @ الواحدة فلو أخذنا بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك ~~الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد عليه أيد كثيرة وله ساق واحد ولا يرى في ~~الدنيا شخص أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة ولا يظن أن عاقلا يرى أن يصف ~~ربه بهذه الصفة مقدمة في الرد على هذه الشبهة # قال السني المعظم لحرمات كلام الله قد ادعيت أيها الجهمي أن ظاهر القرآن ~~الذي هو حجة الله على عباده والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه وهو ~~الذي هدى الله به عباده وجعله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولم ~~ينزل كتاب من السماء أهدى منه ولا أحسن ولا أكمل فانتهكت حرمته وعضهته ~~ونسبته إلى أقبح النقص والعيب فادعيت أن ظاهره ومدلوله إثبات شخص له ms035 وجه ~~وفيه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحد فادعيت أن ظاهر ~~ما وصف الله به نفسه في كتابه يدل على PageV01P239 @ هذه الصفة الشنعية ~~المستقبحة فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأشنع الصفات في ظاهر كلامه فأي طعن في ~~القرآن أعظم من طعن من يجعل هذا ظاهره ومدلوله وهل هذا إلا من جنس قول ~~الذين جعلوا القرآن عضين فعضهوه بالباطل وقالوا هو سحر أو شعر أو كذب مفترى ~~بل هذا أقبح من قولهم من وجه فإن أولئك أقروا بعظمة الكلام وشرف قدره وعلوه ~~وجلالته حتى قال فيه رأس الكفر والله إن لكلامه لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن ~~أسفله لمغدق وإن أعلاه لجنى وإنه ليعلو وما يعلى وما يشبه كلام البشر # ولم يدع أعداء الرسول الذين جاهروه بالمحاربة والعداوة أن ظاهر كلامه ~~أبطل الباطل وأبين المحال وهو وصف الخالق سبحانه بأقبح الهيئات والصور ~~PageV01P240 @ ولو كان ذلك ظاهر القرآن لكان ذلك من أقرب الطرق لهم إلى ~~الطعن فيه وقالوا كيف يدعونا إلى عبادة رب له وجه عليه عيون كثيرة وجنب ~~واحد وساق واحد وأيد كثيرة فكيف كانوا يسكتون له على ذلك وهم يوردون عليه ~~ما هو أقل من هذا بكثير كما أوردوا عليه المسيح لما قال @QB@ إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ الأنبياء 98 # فتعلقوا بظاهر ما لم يدل على ما أوردوه وهو دخول المسيح فيما عبد من دون ~~الله إما بعموم لفظ ما وإما بعموم المعنى فأوردوا على هذا الظاهر هذا ~~الإيراد PageV01P241 @ # وأورد أهل الكتاب على قوله @QB@ يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء @QE@ ~~مريم 28 # إن بين هارون وعيسى ما بينهما وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه ~~وكانوا يتفننون فيما يوردونه على القرآن هذا ودونه فكيف يجدون ما ظاهره ~~إثبات رب شأنه وهيئته ما ذكره هذا الجهمي ولا يصيحون به على رؤوس الأشهاد ~~ويشنعون عليه بإثباته في كل حاضر وباد فالقوم على شركهم وشدة عداوتهم لله ~~ورسوله كانوا أصح ms036 أفهاما من الجهمية الذين نسبوا ظاهر القرآن إلى هذه الصفة ~~القبيحة ولكن الأذهان الغلف والقلوب العمي والبصائر الخفاشية لا يكثر عليها ~~أن تفهم هذا من ظاهر القرآن الرد على هذه الشبهة من وجوه PageV01P242 @ # قال أنصار الله ونحن نبين أن هذه الصورة الشنيعة ليست تفهم من ظاهر ~~القرآن من وجوه # أحدها أن الله سبحانه إنما قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ القمر 14 # وقال @QB@ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما @QE@ يس 71 # فدعوى الجهمي أن ظاهر هذا إثبات أعين كثيرة وأيد كثيرة فرية ظاهرة فإنه ~~إن دل ظاهره على إثبات أعين كثيرة وأيد كثيرة دل على خالقين كثيرين فإن لفظ ~~الأيدي مضاف إلى ضمير الجمع فأدع أيها الجهمي أن ظاهره إثبات أيد كثيرة ~~لآلهة متعددة وإلا فدعواك أن ظاهره أيد كثيرة لذات واحدة خلاف الظاهر وكذلك ~~قوله @QB@ تجري بأعيننا @QE@ القمر 14 # إنما ظاهره بزعمك أعين كثيرة على ذوات متعددة لا على ذات واحدة ~~PageV01P243 @ # الثاني أن يقال لك دعواك أن ظاهر القرآن إثبات أيد كثيرة في جنب واحد كذب ~~آخر فأين في ظاهر القرآن أن الأيدي في الجنب وكأنك إنما أخذت هذا من القياس ~~على بني آدم فشبهت أولا وعطلت ثانيا وكذلك جعلك الأعين الكثيرة في الوجه ~~الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا وإنما أخذته من التشبيه بالآدمي ~~والحيوان ولهذا قال بعض أهل العلم إن كل معطل مشبه ولا يستقيم له التعطيل ~~إلا بعد التشبيه # الثالث أن يقال أين في ظاهر القرآن إثبات ساق واحد لله وجنب واحد فإنه ~~سبحانه قال @QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ القلم 42 # وقال @QB@ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله @QE@ الزمر 56 # فعلى تقدير أن يكون الساق والجنب من الصفات فليس من ظاهر القرآن ما يوجب ~~أنه لا يكون له إلا ساق واحد وجنب واحد فلو دل على ما ذكرت لم يدل على نفي ~~ما زاد على ذلك لا بمنطوقه ولا بمفهومه حتى إن القائلين بمفهوم PageV01P244 ~~@ اللقب لا يدل ms037 ذلك عندهم على نفي ما عدا المذكور لأنه متى كان للتخصيص ~~بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مرادا بالاتفاق وليس المراد ~~بالآيتين إثبات الصفة حتى يكون تخصيص أحد الأمرين بالذكر مرادا بل المقصود ~~حكم آخر وهو بيان تفريط العبد في حق الله وبيان سجود الخلائق إذا كشف عن ~~ساق وهذا حكم قد يختص بالمذكور دون غيره فلا يكون له مفهوم # الرابع هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة فمن أين في ظاهر ~~الآية أنه ليس له إلا تلك الصفة الواحدة وأنت لو سمعت قائلا يقول كشفت عن ~~عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي أو قدمي أو يدي هل يفهم منه أنه ليس له إلا ~~ذلك الواحد فقط PageV01P245 @ فكم هذا التلبيس والتدليس فلو قال واحد من ~~الناس هذا لم يكن ظاهر كلامه ذلك فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام وأبينه ذلك # الخامس أن المفرد المضاف يراد به ما هو أكثر من واحد كقوله @QB@ وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها @QE@ النحل 18 # وقوله @QB@ وصدقت بكلمات ربها وكتبه @QE@ التحريم 12 # وقوله @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم @QE@ البقرة 187 # فلو كان الجنب والساق صفة لكان بمنزلة قوله @QB@ بيده الملك @QE@ الملك 1 ~~PageV01P246 @ # و @QB@ بيدك الخير @QE@ آل عمران 26 # و @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ طه 39 # السادس أن يقال من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد هو صفة الله ومن ~~المعلوم أن هذا لا يثبته أحد من بني آدم وأعظم الناس إثباتا للصفات هم أهل ~~السنة والحديث الذين يثبتون لله الصفات الخبرية ولا يقولون إن لله جنبا ~~واحدا ولا ساقا واحدة قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي وادعى ~~المعارض زورا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله @QB@ يا حسرتى على ما ~~فرطت في جنب الله @QE@ الزمر 56 # إنهم يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو وليس ذلك على ما يتوهمونه ~~PageV01P247 @ # قال الدارمي فيقال لهذا المعارض ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإن ~~كنت صادقا في ms038 دعواك فأشربها إلى أحد من بني آدم قاله وإلا فلم تشنع بالكذب ~~على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك ~~إنما تفسيرها عندهم تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي ~~تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم ~~الساخرين فهذا تفسير الجنب عندهم فمن أنبأك أنهم قالوا جنب من الجنوب فإنه ~~لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلا عن علمائهم # وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه الكذب مجانب للإيمان وقال بن مسعود ~~لا يجوز من الكذب PageV01P248 @ جد ولا هزل وقال الشعبي من كان كذابا فهو ~~منافق اه وتوجيه ذلك أن الله قال @QB@ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في ~~جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ~~أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي ~~فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين @QE@ الزمر 59 - 56 PageV01P249 @ # فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به وعامة هذه النفوس ~~لا تعلم أن لله جنبا ولا تقر بذلك كما هو الموجود منها في الدنيا فكيف يكون ~~ظاهر القرآن أن الله أخبر عنهم بذلك وقد قال عنهم @QB@ يا حسرتى على ما ~~فرطت في جنب الله @QE@ الزمر 56 # والتفريط فعل أو ترك فعل وهذا لا يكون قائما بذات الله لا في جنب ولا في ~~غيره بل يكون منفصلا عن الله وهذا معلوم بالحس والمشاهدة وظاهر القرآن يدل ~~على أن قول القائل @QB@ يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله @QE@ ليس أنه جعل ~~فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه فأين في ظاهر القرآن ما يدل ~~على أنه ليس لله إلا جنب واحد يعني به الشق # السابع أن يقال هب أن القرآن دل ظاهره على إثبات جنب هو صفة فمن أين يدل ~~ظاهره أو باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد ms039 ومعلوم أن إطلاق مثل هذا لا يدل ~~على أنه شق واحد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صل قائما ~~فإن لم تستطع فقاعدا فإن PageV01P250 @ لم تستطع فعلى جنب وهذا لا يدل على ~~أنه ليس لعمران بن حصين إلا جنب واحد فإن قيل المراد على جنب من جنبيك قلنا ~~فقد علم أن ذكر الجنب مفردا لا ينفي أن يكون معه غيره ولا يدل ظاهر اللفظ ~~على ذلك بوجه # ونظير هذا اللفظ القدم إذا ذكر مفردا لم يدل على أنه ليس لمن نسب إليه ~~إلا قدم واحد كما في الحديث الصحيح حتى يضع عليها رب العزة قدمه وفي الحديث ~~أنا العاقب الذي يحشر الناس على قدمي PageV01P251 @ # الثامن أن نقول من أين في ظاهر القرآن أن لله ساقا وليس معك إلا قوله ~~تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ القلم 42 # والصحابة متنازعون في تفسير الآية هل المراد الكشف عن الشدة أو المراد ~~بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما ~~يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع وليس في ظاهر القرآن ما يدل ~~على أن ذلك صفة لله لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه وإنما ذكره مجردا عن ~~الإضافة منكرا والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ~~ظاهر القرآن وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته وهو حديث ~~الشفاعة الطويل وفيه فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجدا ومن حمل الآية على ~~ذلك قال قوله تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود @QE@ القلم 42 ~~PageV01P252 @ # مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا وتنكيره ~~للتعظيم والتفخيم كأنه قال يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها أن ~~يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه فإن ~~لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها كما قال ~~الله تعالى @QB@ فلما ms040 كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون @QE@ الزخرف 50 # وقال @QB@ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر @QE@ المؤمنون 75 # فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه وأيضا فهناك تحدث الشدة وتشتد ~~ولا تزال إلا بدخول الجنة وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ~~ما كانت الشدة PageV01P253 @ # التاسع أن دعوى الجهمي أن ظاهر القرآن يدل على أن لله سبحانه أيديا كثيرة ~~على جنب واحد وأعينا كثيرة على وجه واحد عضه للقرآن وتنقص له وذم ولا يدل ~~ظاهر القرآن ولا باطنه على ذلك بوجه ما ولا فهمه من له عقل ولو كان ذلك ~~ظاهر القرآن لكان المخبر به منفرا للمدعوين عن الإيمان بالله ورسوله ومطرقا ~~لهم إلى الطعن عليه والله سبحانه قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ القمر 14 # وقال @QB@ واصنع الفلك بأعيننا @QE@ هود 37 # وقال @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ الطور 48 # وقال @QB@ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما @QE@ يس 71 ~~PageV01P254 @ # وقال في قصة موسى @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ طه 39 # فذكر العين المفردة مضافة إلى الضمير المفرد والأعين مجموعة مضافة إلى ~~ضمير الجمع وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة ليس إلا كما يقول ~~القائل أفعل هذا على عيني وأجيئك على عيني وأحمله على عيني ولا يريد به أن ~~له عينا واحدة فلو فهم أحد هذا من ظاهر كلام المخلوق لعد أخرق وأما إذا ~~أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرا أو مضمرا فالأحسن جمعها مشاكلة للفظ كقوله ~~@QB@ تجري بأعيننا @QE@ القمر 14 # وقوله @QB@ واصنع الفلك بأعيننا @QE@ هود 37 # وهذا نظير المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد كقوله @QB@ بيده ~~الملك @QE@ الملك 1 # و @QB@ بيدك الخير @QE@ آل عمران 26 PageV01P255 @ # وإن أضيفت إلى ضمير جمع جمعت كقوله @QB@ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما ~~عملت أيدينا أنعاما @QE@ يس 71 # وكذلك إضافة اليد والعين إلى اسم الجمع الظاهر كقوله @QB@ بما كسبت أيدي ~~الناس @QE@ الروم 41 # وقوله @QB@ قالوا فأتوا به على أعين الناس @QE@ الأنبياء 61 # وقد نطق القرآن والسنة بذكر اليد مضافة ms041 إليه سبحانه مفردة ومثناة ومجموعة # وبلفظ العين مضافة إليه مفردة ومجموعة ونطقت السنة بإضافتها إليه مثناة ~~كما قال عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن العبد إذا قام ~~في الصلاة قام بين عيني الرحمن فإذا التفت قال له ربه إلى من تلتفت إلى خير ~~لك مني وقول النبي صلى الله عليه وسلم @ PageV01P256 @ وسلم إن ربكم ليس ~~بأعور صريح في أنه ليس المراد PageV01P258 @ إثبات عين واحدة ليس إلا فإن ~~ذلك عور ظاهر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهل يفهم من قول الداعي اللهم ~~احرسنا بعينك التي لا تنام أنها عين واحدة ليس إلا إلا ذهن أقلف وقلب أغلف # قال خلف بن تميم حدثنا عبد الجبار بن كثير قال قيل لإبراهيم بن أدهم هذا ~~السبع فنادى يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشيء وإلا يعني فاذهب فضرب بذنبه ~~وولى مدبرا فنظر إبراهيم إلى أصحابه وقال قولوا اللهم PageV01P259 @ احرسنا ~~بعينك التي لا تنام وأكنفنا بكنفك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا ولا ~~نهلك وأنت الرجاء # قال عثمان الدارمي الأعور ضد البصير بالعينين وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الدجال إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وقد احتج السلف على إثبات ~~العينين له سبحانه بقوله @QB@ تجري بأعيننا @QE@ القمر 14 # وممن صرح بذلك إثباتا واستدلالا أبو الحسن الأشعري في كتبه كلها فقال في ~~المقالات والموجز والإبانة وهذا لفظه فيها وجملة قولنا أن نقر بالله ~~وملائكته PageV01P260 @ وكتبه ورسله إلى أن قال وإن الله مستوي على عرشه ~~كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # وأن له وجها كما قال @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ الرحمن ~~27 # وأن له يدين كما قال @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ المائدة 64 # وقال @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ ص 75 # وأن له عينين بلا كيف كما قال PageV01P261 @ @QB@ تجري بأعيننا @QE@ ~~القمر 14 # فهذا الأشعري والناس قبله وبعده ومعه لم يفهموا من الأعين أعينا كثيرة ~~على وجه ولم يفهموا من الأيدي أيديا كثيرة على شق واحد حتى جاء ms042 هذا الجهمي ~~فعضه القرآن وادعى أن هذا ظاهره وإنما قصد هذا وأمثاله التشنيع على من بدعه ~~وضلله من أهل السنة والحديث وهذا شأن الجهمية في القديم والحديث وهم بهذا ~~الصنيع على الله ورسوله وكتابه يشنعون @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ~~@QE@ التوبة 105 # فما ذنب أهل السنة والحديث إذا نطقوا بما نطقت به النصوص وأمسكوا عما ~~أمسكت عنه ووصفوا الله بما وصف به نفسه ووصفه رسوله وردوا تأويل الجاهلين ~~وانتحال المبطلين الذين عقدوا ألوية الفتنة وأطلقوا أعنة المحنة وقالوا على ~~الله وفي الله بغير علم فردوا باطلهم وبينوا زيفهم وكشفوا إفكهم ونافحوا عن ~~الله ورسوله PageV01P262 @ فلم يقدروا على أخذ الثأر منهم إلا بأن سموهم ~~مشبهة ممثلة مجسمة حشوية ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أن التلقيب بهذه ~~الألقاب ليس لهم وإنما هو لمن جاء بهذه النصوص وتكلم بها ودعى الأمة إلى ~~الإيمان بها ومعرفتها ونهاهم عن تحريفها وتبديلها فدعوا التشنيع بما تعلمون ~~أنتم وكل عاقل منصف أنه كذب ظاهر وإفك مفترى لا يعلم به قائل يناظر عن ~~مقالته فهل تدفعون عن أنفسكم التعطيل ونفي حقائق صفات الكمال عن رب ~~العالمين وأنها مجاز لا حقيقة لها وأن ظاهرها كفر وتشبيه وإلحاد فلو كان ~~خصومكم كما زعمتم وحاشاهم مشبهة ممثلة مجسمة لكانوا أقل تنقصا لرب العالمين ~~وكتابه وأسمائه وصفاته منكم بكثير كثير لو كان قولهم يقتضي التنقص فكيف وهو ~~لا يقتضيه ولو صرحوا به فإنهم يقولون نحن أثبتنا لله غاية الكمال ونعوت ~~الجلال ووصفناه بكل صفة كمال فإن لزم من هذا تجسيم أو تشبيه لم يكن هذا ~~نقصا ولا عيبا ولا ذما بوجه من الوجوه فإن لازم الحق حق وما لزم من إثبات ~~كمال الرب ليس بنقص وأما أنتم فنفيتم عنه صفات الكمال ولا ريب أن لازم هذا ~~النفي وصفه بأضدادها من العيوب والنقائص فما سوى الله ولا رسوله ولا عقلاء ~~عباده بين من PageV01P263 @ نفى كماله المقدس حذرا من التجسيم وبين من أثبت ms043 ~~كماله الأعظم وصفاته العلى بلوازم ذلك كائنة ما كانت # فلو فرضنا في الأمة من يقول له سمع كسمع المخلوق وبصر كبصره لكان أدنى ~~إلى الحق ممن يقول لا سمع له ولا بصر # ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه متحيز على عرشه تحيط به الحدود والجهات ~~لكان أقرب إلى الصواب من قول من يقول ليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى ~~له ويسجد ولا ترفع إليه الأيدي ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا ~~هو فوق خلقه ولا محايثهم ولا مباينهم # ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه يتكلم كما يتكلم الآدمي وأن كلامه بآلات ~~وأدوات تشبه آلات الآدميين وأدواتهم لكان خيرا ممن يقول إنه ما تكلم ولا ~~يتكلم ولا قال ولا يقول ولا يقوم به كلام البتة فإن هذا القائل يشبهه ~~بالأحجار والجمادات التي لا تعقل وذلك المشبه وصفه بصفات الأحياء الناطقين # وكذلك لو فرضنا في الأمة من يقول له يدان كأيدينا لكان خيرا ممن يقول ليس ~~له يدان فإن هذا معطل مكذب لله PageV01P264 @ راد على الله ورسوله وذلك ~~المشبه غالط مخطىء في فهمه فالمشبه على زعمكم الكاذب لم يشبهه تنقيضا له ~~وجحدا لكماله بل ظنا إن إثبات الكمال لا يمكن إلا بذلك فقابلتموه بتعطيل ~~كماله وذلك غاية التنقص # العاشر أنك أيها الجهمي في فهمك عن الله أن ظاهر كلامه إثبات أيد متعددة ~~على جنب واحد وعيون متعددة في وجه واحد قد ضاهيت النصارى الذين احتجوا على ~~تثليثهم وإثبات آلهة متعددة بظاهر قوله @QB@ إنا نحن نحيي ونميت وإلينا ~~@QE@ ق 43 # وأمثاله # وفي هؤلاء أنزل الله تعالى @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله @QE@ آل عمران 7 # وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا عائشة إذا ~~رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه PageV01P265 @ فأولئك الذين سمى الله ~~فاحذروهم وهذا الفهم الفاسد إنما أتى من قبل عجم القلوب والألسن فهم الذين ~~أفسدوا الذين وشوشوا على الناس ms044 وإلا فلغة العرب متنوعة في إفراد المضاف ~~وتثنيته وجمعه بحسب أحوال المضاف إليه فإن أضافوا الواحد المتصل إلى مفرد ~~أفردوه وإن أضافوه إلى اسم جمع ظاهر أو مضمر جمعوه وإن أضافوه إلى اسم مثنى ~~فالأفصح من لغتهم جمعه لقوله تعالى @QB@ فقد صغت قلوبكما @QE@ التحريم 4 # وإنما هما قلبان لا غير وقوله @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~@QE@ المائدة 38 # وتقول العرب إضرب أعناقهما واقطع ألسنتهما وهذا أفصح استعمالهم وتارة ~~يفردون المضاف فيقولون PageV01P266 @ لسانهما وقلبهما وظهرهما وتارة يثنونه ~~كقوله ظهراهما مثل ظهور الترسين والقرآن إنما نزل بلغة العرب لا بلغة العجم ~~والطماطم والأنباط الذين أفسدوا الدين وتلاعبوا بالنصوص وانتهكوا حرماتها ~~وجعلوها عرضة لتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وإذا كان من لغتهم وضع ~~الجمع موضع التثنية لئلا يجمعوا في لفظ واحد بين PageV01P267 @ تثنيتين ولا ~~لبس هناك فلأن يوضع الجمع موضع التثنية فيما إذا كان المضاف إليه مجموعا ~~أولى بالجواز يدل عليه أنك لا تكاد تجد في كلامهم عينينا ويدينا ونحو ذلك ~~ولا يلبس على السامع قول المتكلم نراك بأعيننا ونأخذك بأيدينا ونحو ذلك ولا ~~يفهم منه بشر على وجه الأرض عيونا كثيرة على وجه واحد وأيديا متعددة على ~~بدن واحد فهل قدر القرآن حق قدره من زعم أن هذا ظاهره # الوجه الحادي عشر لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع مفردا ومثنى ~~ومجموعا فالمفرد كقوله @QB@ بيده الملك @QE@ الملك 1 # والمثنى كقوله @QB@ خلقت بيدي @QE@ ص 75 # والمجموع كقوله @QB@ عملت أيدينا @QE@ يس 71 # فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل ~~بالباء إليهما فقال @QB@ خلقت بيدي @QE@ ص 75 PageV01P268 @ # وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعد الفعل بالباء فهذه ثلاثة ~~فروق فلا يحتمل @QB@ خلقت بيدي @QE@ ص 75 # من المجاز ما يحتمله عملت أيدينا فإن كل أحد يفهم من قوله عملت أيدينا ما ~~يفهمه من قوله عملنا وخلقنا كما يفهم ذلك من قوله @QB@ فبما كسبت أيديكم ~~@QE@ الشورى 30 # وأما قوله @QB@ خلقت بيدي @QE@ ص 75 # فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر ms045 اليد بعد نسبة الفعل إلى ~~الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء فكيف إذا ثنيت # وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد والمراد الإضافة إليه كقوله ~~PageV01P269 @ @QB@ بما قدمت يداك @QE@ الحج 10 @QB@ فبما كسبت أيديكم @QE@ ~~الشورى 30 # وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى يده مفردة أو مثناة فهو ما ~~باشرته يده ولهذا قال عبد الله بن عمرو إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق ~~آدم بيده وغرس جنة الفردوس بيده وذكر الثالثة فلو كانت اليد هي القدرة لم ~~يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة وقد ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الموقف يأتونه يوم القيامة فيقولون ~~يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته ~~وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك فذكروا أربعة أشياء كلها خصائص وكذلك ~~قال PageV01P270 @ آدم لموسى في محاجته له اصطفاك الله بكلامه وخط لك ~~الألواح بيده وفي لفظ آخر كتب لك التوراة بيده وهو من أصح الأحاديث وكذلك ~~الحديث الآخر المشهور أن الملائكة قالوا يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون ~~وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله تعالى لا أجعل ~~صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان وهذا التخصيص ~~إنما فهم من قوله @QB@ خلقت بيدي @QE@ ص 75 # فلو كانت مثل قوله @QB@ مما عملت أيدينا @QE@ لكان هو والأنعام في ذلك ~~سواء فلما فهم المسلمون أن قوله @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ ~~موجبا له تخصيصا PageV01P271 @ وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن ~~يسجد له وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه كانت التسوية بينه وبين ~~قوله @QB@ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما @QE@ يس 71 # خطأ محضا # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح يقبض الله سماواته ~~بيده والأرض باليد الأخرى وقوله يمين الله ms046 ملأى لا يغيضها نفقة سحاء ~~PageV01P272 @ الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما ~~في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع وقال تعالى @QB@ وقالت اليهود يد ~~الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان @QE@ المائدة 64 # وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في أعلى أهل الجنة منزلة أولئك الذين ~~غرست كرامتهم بيدي وختمت PageV01P273 @ عليها وقال أنس بن مالك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده فقال لها ~~تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون وقال عبد الله بن الحارث قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده ~~وغرس الفردوس بيده ثم قال وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث وفي الصحيح ~~عنه صلى الله عليه وسلم تكون الأرض يوم القيامة خبزة PageV01P274 @ واحدة ~~يتكفؤها الجبار بيده كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاح الصلاة لبيك وسعديك والخير ~~كله في يديك وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم إن الله يبسط يده ~~بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع ~~الشمس من مغربها # وقال عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي ثلاثة ~~فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها PageV01P275 @ ويد السائل السفلى ~~وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم المقسطون عند الله يوم القيامة على ~~منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم ~~وأهليهم وما ولوا وفي المسند وغيره من PageV01P276 @ حديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد ~~لله فحمد الله بإذن الله فقال له ربه رحمك ربك يا آدم وقال له إذهب إلى ~~أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم فذهب فقالوا وعليكم ~~السلام ورحمة الله وبركاته ثم رجع إلى ms047 ربه فقال هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم ~~فقال الله تعالى ويداه مقبوضتان إختر أيهما شئت فقال اخترت يمين ربي وكلتا ~~يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته وذكر الحديث # وقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله يقول خلق الله آدم ثم مسح ظهره بيمينه ~~فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ~~ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون ~~PageV01P277 @ # وقال هشام بن حكيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أخذ ذرية بني ~~آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه فقال هؤلاء للجنة ~~وهؤلاء للنار PageV01P278 @ # وقال عبد الله بن عمرو ولما خلق الله آدم نفضه نفض المزود فخرج منه مثل ~~الذر فقبض قبضتين فقال لما في اليمين في الجنة ولما في الأخرى في النار # وقال أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم خلق آدم من قبضة ~~قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فمنهم الأحمر والأبيض ~~والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والطيب والخبيث PageV01P279 @ # وقال سلمان الفارسي إن الله تعالى خمر طينة آدم أربعين ليلة أو أربعين ~~يوما ثم ضرب بيده فيها فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بيده الأخرى ثم خلط ~~بينهما # وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تصدق أحد بصدقة من ~~طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربوا ~~في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل متفق على صحته # وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن PageV01P280 @ الله وعدني ~~أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف فقال أبو بكر زدنا يا رسول الله قال ~~وهكذا وجمع يديه قال زدنا يا رسول الله قال وهكذا قال زدنا يا رسول الله ~~قال عمر حسبك فقال أبو بكر دعني يا عمر وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا ~~قال عمر إن شاء الله أدخل ms048 خلقه الجنة بكف واحدة فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم صدق عمر # وقال نافع بن عمر سألت بن أبي مليكة عن يد PageV01P281 @ الله أواحدة أم ~~اثنتان فقال لا بل اثنتان # وقال بن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا ~~كخردلة في يد أحدكم # وقال بن عمر وبن عباس أول شيء خلقه الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه ~~يمين فكتب الدنيا وما فيها من عمل معمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده # وقال بن عباس في قوله تعالى @QB@ والسماوات مطويات بيمينه @QE@ يقبض الله ~~عليها فيرى طرفاها في يده PageV01P282 @ # وقال بن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر فقال إن ~~الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السماوات والأرض في قبضته ثم قال هكذا ~~ومد يده وبسطها ثم يقول أنا الله أنا الرحمن وذكر الحديث # وقال بن وهب عن أسامة عن نافع عن PageV01P283 @ بن عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ على المنبر @QB@ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه @QE@ الزمر 67 # قال مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة # وقال عبيد الله بن مقسم نظرت إلى عبد الله بن عمر كيف صنع حيث يحكي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال يأخذ الله سماواته وأرضه بيده فيقول أنا الله ~~ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول أنا الرحمن الرحيم أنا الملك حتى نظرت إلى ~~المنبر يتحرك من أسفل شيء منه PageV01P284 @ حتى إني أقول أساقط هو برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # وقال زيد بن أسلم لما كتب الله التوراة بيده قال بسم الله هذا كتاب من ~~الله بيده لعبده موسى يسبحني ويقدسني ولا يحلف بإسمي آثما فإني لا أزكي من ~~حلف باسمي آثما PageV01P285 @ # وإنما ذكرنا هذه النصوص التي هي غيض من فيض ليعلم الواقف عليها أنه لا ~~يفهم أحد من عقلاء بني آدم منها شخصا له شق واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق ~~واحد وله وجه واحد وفيه عيون كثيرة ms049 فهذه نصوص القرآن والسنة كما ترى هل ~~يفهم منها مسلم ما ذكره هذا الجهمي أو أحد ممن له أدنى فهم ومن هذا قدر ~~النصوص عنده فهو حقيق بأن لا يقبل منها شيئا ولا ينال منها هدى ولا يظفر ~~منها بعلم وهي في حقه كما قال الله تعالى @QB@ وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا @QE@ الإسراء 82 # وقوله تعالى @QB@ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم @QE@ التوبة 125 124 PageV01P286 @ # وقوله @QB@ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ~~وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد @QE@ فصلت 44 # وقوله @QB@ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين @QE@ ~~البقرة 26 # والله يعلم أن هذا من أعظم العضه لها والتنقص بها والطعن على من تكلم بها ~~وجاء بها أو يقال له هذا ظاهر كلامك وحقيقته فانظر إلى أقبح التشبيه ~~والتمثيل الذي ادعوا أنه ظاهر النصوص وإلى التعطيل الذي سطوا به عليها ~~وسموه تأويلا فصح أنهم جمعوا بين فهم التشبيه منها واعتقاد التعطيل ونسبة ~~قائلها إلى قصد ما يضاد البيان والإرشاد والله المستعان PageV01P287 @ # | الفصل التاسع في الوظائف الواجبة على المتأول الذي لا يقبل منه تأويله ~~إلا بها # لما كان الأصل في الكلام هو الحقيقة والظاهر كان العدول به عن حقيقته ~~وظاهره مخرجا له عن الأصل فاحتاج مدعي ذلك إلى دليل يسوغ له إخراجه عن أصله ~~فعليه أربعة أمور لا تتم له دعواه إلا بها PageV01P288 @ # الأمر الأول بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي ~~وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة منشئا وضعا من عنده فإن اللفظ قد لا ~~يحتمل ذلك المعنى لغة # وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص وكثير من المتأولين لا ~~يبالي إذا تهيأ له حمل اللفظ على ذلك المعنى بأي طريق أمكنه أن ms050 يدعي حمله ~~عليه إذ مقصوده دفع الصائل فبأي طريق اندفع عنه دفعه والنصوص قد صالت على ~~قواعده الباطلة فبأي طريق تهيأ له دفعها دفعها ليس مقصوده أخذ الهدى والعلم ~~والإرشاد منها فإنه قد أصل أنها أدلة لفظية لا يستفاد منها يقين ولا علم ~~ولا معرفة بالحق وإنما المعول على آراء الرجال وما تقتضيه عقولها وأنت إذا ~~تأملت تأويلاتهم رأيت كثيرا منها لا يحتمله اللفظ في اللغة التي وقع بها ~~التخاطب وإن احتمله لم يحتمله في ذلك التركيب الذي تأوله وليس لأحد أن يحمل ~~كلام الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة أو الاصطلاح لبعض الشعراء أو ~~الخطباء أو الكتاب أو العامة إلا إذا كان ذلك غير مخالف لما علم من وصف ~~الرب تعالى وشأنه وما تضافرت به صفاته لنفسه وصفات PageV01P289 @ رسوله له ~~وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما يجوز ويصلح نسبتها إلى الله ورسوله ~~لا سيما والمتأول يخبر عن مراد الله ورسوله فإن تأويل كلام المتكلم بما ~~يوافق ظاهره أو يخالفه إنما هو بيان لمراده فإذا علم أن المتكلم لم يرد هذا ~~المعنى وأنه يمتنع أن يريده وأن في صفات كماله ونعوت جلاله ما يمنع من ~~إرادته وأنه يستحيل عليه من وجوه كثيرة أن يريده استحال الحكم عليه بإرادته ~~فهذا أصل عظيم يجب معرفته ومن أحاط به معرفة تبين له أن كثيرا مما يدعيه ~~المحرفون من التأويلات مما يعلم قطعا أن المتكلم لا يصح أن يريده بذلك ~~الكلام وإن كان ذلك مما يسوغ لبعض الشعراء وكتاب الإنشاء واللغة من ~~القاصدين التعمية لغرض من الأغراض فلا بد أن يكون المعنى الذي تأوله ~~المتأول مما يسوغ استعمال اللفظ فيه في تلك اللغة التي وقع بها التخاطب # وأن يكون ذلك المعنى مما تجوز نسبته إلى الله وأن PageV01P290 @ لا يعود ~~على شيء من صفات كماله بالإبطال والتعطيل وأن يكون معه قرائن تحتف به تبين ~~أنه مراد باللفظ وإلا كانت دعوى إرادته كذبا على المتكلم ونحن نذكر لذلك ~~أمثلة # المثال الأول تأويل قوله ms051 تعالى @QB@ خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش @QE@ الأعراف 54 # بأنه أقبل على خلقه فهذا إنشاء منهم لوضع لفظ استوى على أقبل على خلقه ~~وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة فإنهم ذكروا معاني استوى ولم يذكر أحد منهم ~~أصلا في معانيه الإقبال على الخلق فهذه كتب اللغة طبق الأرض هل تجدون أحدا ~~منهم يحكي ذلك على اللغة وأيضا فإن استواء الشيء والاستواء إليه وعليه ~~يستلزم وجوده ووجود ما نسبت إليه الاستواء بإلى أو بعلى فلا يقال استوى إلى ~~أمر معدوم ولا استوى عليه فهذا التأويل إنشاء محض لا إخبار صادق عن استعمال ~~أهل اللغة PageV01P291 @ # وكذلك تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فإن هذا لا تعرفه العرب من لغاتها ولم ~~يقله أحد من أئمة اللغة وقد صرح أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره بأنه لا ~~يعرف في اللغة ولو احتمل ذلك لم يحتمله هذا التركيب فإن استيلاءه سبحانه ~~وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السماوات والأرض والعرش مخلوق قبل خلقها ~~بأكثر من خمسين ألف سنة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق فيما صح عنه وبطلان ~~هذا التأويل من أربعين وجها سنذكرها في موضعها في هذا الكتاب إن شاء الله # والمقصود ذكر الوظائف التي على المتأول فعليه أن يبين احتمال اللفظ ~~للمعنى الذي ذكره أولا الأمر الثاني # ويبين تعيين ذلك المعنى ثانيا فإنه إذا أخرج عن حقيقته قد يكون له معان ~~فتعيين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل الأمر # الثالث إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره فإن دليل المدعي ~~للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه ~~PageV01P292 @ # الرابع الجواب عن المعارض فإن مدعي الحقيقة قد أقام الدليل العقلي ~~والسمعي على إرادة الحقيقة # أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه # وأما العقلي فمن وجهين عام وخاص فالعام الدليل الدال على كمال علم ~~المتكلم وكمال بيانه وكمال نصحه والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه ~~الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع ~~فمخالفة تلك الشبه ms052 الخيالية أولى بالجواز وإن لم تجز مخالفة تلك الشبه ~~فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى # وأما الخاص فإن كل صفة وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله فهي صفة كمال ~~قطعا فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها فالدليل العقلي ~~الذي دل على ثبوت الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر دل نظيره ~~على ثبوت الحكمة والرحمة والرضا والغضب والفرح والضحك والذي دل على أنه ~~فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به وذلك عين الكمال المقدس وكل ~~صفة دل عليها القرآن والسنة فهي صفة كمال والعقل جازم بإثبات صفات الكمال ~~للرب سبحانه ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا وهذا الدليل ~~أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة يوضحه أن أدلة مباينة الرب لخلقه وعلوه على ~~جميع مخلوقاته أدلة عقلية PageV01P293 @ فطرية توجب العلم الضروري بمدلولها ~~وأما السمعية فتقارب الف دليل فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله وهيهات له ~~بجواب صحيح عن بعض ذلك فنحن نطالبه بجواب صحيح عن دليل واحد وهو أن الرب ~~تعالى إما أن يكون له وجود خارجي عن الذهن ثابت في الأعيان أولا فإن لم يكن ~~له وجود خارجي كان خيالا قائما بالذهن لا حقيقة له وهذا حقيقة قول المعطلة ~~وإن تستروا بزخرف من القول وإن كان وجوده خارج الذهن فهو مباين له إذ هو ~~منفصل عنه إذ لو كان قائما به لكان عرضا من أعراضه وحينئذ فإما أن يكون هو ~~هذا العالم أو غيره فإن كان هذا العالم فهو تصريح بقول أصحاب وحدة الوجود ~~وأنه ليس لهذا العالم رب مباين له منفصل عنه وهذا أكفر أقوال أهل الأرض # وإن كان غيره فإما أن يكون قائما بنفسه أو قائما بالعالم فإن كان قائما ~~بالعالم فهو جزء من أجزائه أو صفة من صفاته وليس هذا بقيوم السماوات والأرض ~~وإن كان قائما بنفسه وقد علم أن العالم قائم بنفسه فذاتان قائمتان بأنفسهما ~~ليست إحداهما داخلة في الأخرى ولا خارجة عنها ولا متصلة بها ولا منفصلة ms053 ~~عنها ولا محايثة ولا مباينة ولا فوقها ولا تحتها ولا خلفها ولا أمامها ولا ~~عن يمينها ولا عن شمالها كلام له خبىء لا يخفى على عاقل منصف والبديهة ~~الضرورية حاكمة بامتناع هذا واستحالة تصوره فضلا عن التصديق به قالوا فنحن ~~نطالبكم بجواب صحيح عن هذا الدليل الواحد PageV01P294 @ من جملة ألف دليل ~~ونعلم قبل المطالبة أنه لو اجتمع كل جهمي على وجه الأرض لما أجابوا عنه ~~بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والتنفير والسب وهذه ~~وظيفة كل مبطل قامت عليه حجة الله فدعوا الشناعة بالفرية والكذب والاختلاق ~~هل يمكنكم الخروج من دائرة المعطلين الذين قالوا لو كان للعالم صانع قائم ~~بنفسه لكان إما داخلا فيه أو خارجا عنه وإما متصلا أو منفصلا عنه وإما ~~محايثا له أو مباينا له وإما فوقه أو تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه ~~أو أمامه فحيث لم يثبت له شيء من ذلك استحال أن يكون مغايرا للعالم قائما ~~بنفسه قالوا وهذه العقول والفطر حاضرة إذا عرض عليها ذلك وجدته من باب ~~الجمع بين النقيضين فدعونا من إخراج نصوص الوحي عن حقائقها ودعوى أنها ~~مجازات لا حقائق لها لا تفيد يقينا ولا يستفاد منها علم بما يجب لله ويمتنع ~~عليه البتة إذ هي أدلة لفظية وظواهر غير مفيدة لليقين وأجيبوا هؤلاء ~~المعطلة وأولئك المجسمة بزعمكم وإلا فليستحي من مراجمة الناس بالأحجار من ~~سقف بيته من الزجاج PageV01P295 @ # | الفصل العاشر في أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل ~~والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها # فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات بيان أن ~~المؤولة جمعوا بين أربعة محاذير # وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص وانتهاكه لحرمتها وإساءة الظن بها ونسبة ~~قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال فجمعوا بين أربعة محاذير ~~المحذور الأول # اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله المحال الباطل ففهموا التشبيه أولا ثم ~~انتقلوا عنه إلى # المحذور الثاني وهو التعطيل فعطلوا حقائقها بناء منهم على ذلك الفهم الذي ~~يليق بهم ولا ms054 يليق بالرب جل جلاله # المحذور الثالث نسبة المتكلم الكامل العلم الكامل البيان التام النصح إلى ~~ضد البيان والهدى والإرشاد وإن PageV01P296 @ المتحيرين المتهوكين أجادوا ~~العبارة في هذا الباب وعبروا بعبارة لا توهم من الباطل ما أوهمته عبارة ~~المتكلم بتلك النصوص ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه ~~أو أفصح أو أنصح للناس # المحذور الرابع تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها فلو رأيتها وهم يلوكونها ~~بأفواههم وقد حلت بها المثلات وتلاعبت بها أمواج التأويلات وتقاذفت بها ~~رياح الآراء واحتوشتها رماح الأهواء ونادى عليها أهل التأويل في سوق من ~~يزيد فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد فلو شاهدتها بينهم وقد ~~تخطفتها أيدي الاحتمالات ثم قيدت بعد ما كانت مطلقة بأنواع الإشكالات وعزلت ~~عن سلطنة اليقين وجعلت تحت حكم تأويل الجاهلين هذا وطالما نصبت لها حبائل ~~الإلحاد وبقيت عرضة للمطاعن والإفساد وقعد النفاة على صراطها المستقيم ~~بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا لا طريق لك علينا وإن كان لا بد فعلى ~~سبيل المجاز فنحن PageV01P297 @ أهل المعقولات وأصحاب البراهين وأنت أدلة ~~لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين فسندك آحاد وهو عرضة للطعن في ~~الناقلين وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منه موقوف على انتفاء عشرة أشياء ~~لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند الناظرين والباحثين فلا إله إلا الله ~~والله أكبر كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان وثلمت بها حصون حقائق ~~السنة والقرآن وكم أطلقت في نصوص الوحي من لسان كل جاهل أخرق ومنافق أرعن ~~وطرقت لأعداء الدين الطريق وفتحت الباب لكل مبتدع وزنديق ومن نظر في ~~التأويلات المخالفة لحقائق النصوص رأى من ذلك ما يضحك عجبا ويبكي حزنا ~~ويثير حمية للنصوص وغضبا PageV01P298 @ قد أعاد عذب النصوص ملحا أجاجا ~~وخرجت الناس من الهدى والعلم أفواجا فتحيزت كل طائفة إلى طاغوتها وتصادمت ~~تصادم النصارى في شأن ناسوتها ولاهوتها ثم تمالأ الكل على غزو جند الرحمن ~~ومعاداة حزب السنة والقرآن فتداعوا إلى حربهم تداعي الأكلة إلى قصعتها ~~وقالوا نحن وإن ms055 كنا مختلفين فإنا على محاربة هذا الجند متفقون فميلوا بنا ~~عليهم ميلة واحدة حتى تعود دعوتهم باطلة وكلمتهم خامدة وغر المخدوعين ~~كثرتهم التي ما زادتهم عند الله ورسوله وحزبه إلا قلة وقواعدهم التي ما ~~زادتهم إلا ضلالا وبعدا عن الملة وظنوا أنهم بجموعهم المعلولة يملأون قلوب ~~أهل السنة إرهابا منهم وتعظيما @QB@ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ~~ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما @QE@ ~~الأحزاب 22 # وأنت إذا تأملت تأويلات القرامطة PageV01P299 @ والملاحدة والفلاسفة ~~والرافضة والقدرية والجهمية ومن سلك سبيل هؤلاء من المقلدين لهم في الحكم ~~والدليل ترى الإخبار بمضمونها عن الله ورسوله لا يقصر عن الإخبار عنه ~~بالأحاديث الموضوعة المصنوعة التي هي مما عملته أيدي الوضاعين وصاغته ألسنة ~~الكذابين فهؤلاء اختلقوا عليه ألفاظا وضعوها وهؤلاء اختلقوا في كلامه معاني ~~ابتدعوها فيا محنة الكتاب والسنة بين الفريقين وما نازلة نزلت بالإسلام إلا ~~من الطائفتين فهما عدوان للإسلام كائدان وعن الصراط المستقيم ناكبان وعن ~~قصد السبيل جائران فلو رأيت ما يصرف إليه المحرفون أحسن الكلام وأبينه ~~وأفصحه وأحقه بكل هدى وبيان وعلم من المعاني الباطلة والتأويلات الفاسدة ~~لكدت تقضي من ذلك عجبا وتتخذ في بطن الأرض سربا فتارة تعجب PageV01P300 @ ~~وتارة تغضب وتارة تبكي وتارة تضحك وتارة تتوجع لما نزل بالإسلام وحل بساحة ~~الوحي ممن هم أضل من الأنعام # فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم وفساد قواعدهم من أفضل الجهاد في سبيل ~~الله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت إن روح القدس معك ما ~~دمت تنافح عن رسوله وقال أهجهم أو هاجهم وجبريل معك وقال اللهم أيده بروح ~~القدس ما دام ينافح عن رسولك وقال عن هجائه PageV01P301 @ لهم والذي نفسي ~~بيده لهو أشد فيهم من النبل وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله ~~وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأهل ~~الحديث قاطبة وأئمه الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صدق يتضمن من عبث ~~المتكلم بالنصوص وسوء الظن بها من ms056 جنس ما تضمنه طعن الذين يلمزون الرسول ~~ودينه وأهل النفاق والإلحاد لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إفك ومحال وكفر ~~وضلال وتشبيه وتمثيل أو تخييل ثم صرفها إلى معان يعلم أن إرادتها بتلك ~~الألفاظ من نوع الأحاجي والألغاز لا يصدر ممن قصده نصح وبيان فالمدافعة عن ~~كلام الله ورسوله والذب عنه من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله وأنفعها للعبد ~~ومن رزقه الله بصيرة نافذة علم سخافة عقول هؤلاء المحرفين وأنهم من أهل ~~الضلال المبين وأنهم إخوان الذين ذمهم الله بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ~~الذين لا يفقهون ولا يتدبرون القول وشبههم بالحمر المستنفرة تارة وبالحمار ~~الذي يحمل أسفارا تارة ومن قبل التأويلات المفتراة على الله PageV01P302 @ ~~ورسوله التي هي تحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه فهو من جنس الذين قبلوا ~~قرآن مسيلمة المختلق المفترى وقد زعم أنه شريك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان رئيسا كبيرا مطاعا بجعله شريكا له في التصديق والطاعة والقبول إن ~~لم يقدمه عليه لا سيما الغالية من الجهمية والباطنية والرافضة والاتحادية ~~فإن عندهم PageV01P303 @ من كلام ساداتهم وكبرائهم ما يضاهون به كلام الله ~~ورسوله وكثيرا ما يقدمونه عليه علما وعملا ويدعون فيه من التحقيق والتدقيق ~~والعلم والعرفان ما لا يثبتون مثله للسنة والقرآن ومن تلبس منهم بالإسلام ~~يقول كلامنا يوصل إلى الله والقرآن وكلام الرسول يوصل إلى الجنة وكلامنا ~~للخواص والقرآن للعوام وكثير منهم يقول كلامنا برهان وطريق القرآن خطابة ~~ومنهم من يقول القرآن والسنة طريق السلامة وكلامنا طريق العلم والتحقيق ~~وكثير منهم يقول لم يكن الصحابة معنيين بهذا الشأن بل كانوا قوما أميين ~~فتحوا البلاد وأقاموا الدين بالسيف وسلموا إلينا النصوص نتصرف فيها ونستنبط ~~منها فلهم علينا مزية الجهاد والزهد والورع ولنا عليهم مزية العلم بالحقائق ~~والتأويل وإن لم يعلموا هذا من قلوبهم والله يشهد به عليهم ويعلمه كامنا في ~~صدورهم يبدو على فلتات لسان من لم يصرح به منهم ومن محققي هؤلاء من يدعي أن ~~الرسل يستفيدون العلم بالله من طريقهم ويتلقونه من ms057 مشكاتهم ولكن يخاطبون ~~الناس على قدر عقولهم فلم يصرحوا لهم بالحق ولم ينصحوا لهم به وكل من هؤلاء ~~قد نصب دون الله ورسوله طاغوتا يعول عليه ويدعو عند PageV01P304 @ التحاكم ~~إليه فكلامه عنده محكم لا يسوغ تأويله ولا يخالف ظاهره وكلام الله ورسوله ~~إذا لم يوافقه فهو مجمل متشابه يجب تأويله أو يسوغ فضابط التأويل عندهم ما ~~خالف تلك الطواغيت ومن تدبر هذا الموضع انتفع به غاية النفع وتخلص به من ~~أشراك الضلال فإن الذين يقرون برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نوع ~~إيمان به منهم من يجعل له شريكا في الطاعة كما كان المنافقون يطيعون عبد ~~الله بن أبي رأس المنافقين وكبيرهم وكان كثير ممن في قلبه نوع مرض وإن لم ~~يكن منافقا خالصا يطيعه في كثير من الأمور ويقبل منه كما قال تعالى @QB@ ~~وفيكم سماعون لهم @QE@ التوبة 47 # والمعنى على أصح القولين وفيكم مستجيبون لهم قابلون منهم كما قال الله ~~تعالى @QB@ سماعون للكذب @QE@ المائدة 42 # أي قابلون له ومن حمل الآية على العيون والجواسيس فقوله ضعيف لوجوه كثيرة ~~ليس هذا PageV01P305 @ موضعها وكما كان أصحاب مسيلمة يقولون إنه شريكه في ~~الطاعة وإنه يقبل منه كما يقبل عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان عبد الله ~~بن أبي يقدم سياسته ورأيه على ما جاء به أحيانا ويغضب إذا لم يسمع منه ~~ويغضب له قومه وكذلك رئيس الخوارج السجاد العباد الذي بين عينيه أثر السجود ~~قدم عقله ورأيه على ما جاء به في قسمة المال وزعم أنه لم يعدل فيها وكذلك ~~غلاة الرافضة قدموا عقولهم وآرائهم على ما جاء به وزعموا أنه لم يعدل حيث ~~أمر أبا بكر أن يصلي بالناس وبن عمه حاضر ولم يعدل PageV01P306 @ حيث أثنى ~~على أبي بكر وعمر وعظمهما فأوجب أن الأمة بعده ولوهما دون بن عمه وكذلك ~~الجهمية قدموا عقولهم وآراءهم على ما جاء به وزعموا أنه لم يعدل في العبارة ~~حيث عدل عن العبارة التي عبروا هم بها عن الله سبحانه وعبر بما أوقع الأمة ms058 ~~في اعتقاد التشبيه والتجسيم وحملهم كلفة التأويل وجشمهم مشقته وأوقع الخلاف ~~بين الأمة بتلك العبارات التي عباراتهم بزعمهم أعظم تنزيها لله وأقل إيهاما ~~للمحال منها فهؤلاء وأمثالهم هم السلف لكل خلف يدعي أن لغير الله ورسوله ~~معه حكما في مضمون الرسالة إما في العلميات وإما في العمليات وإما في ~~الإرادات والأحوال وإما في السياسات وأحكام الأموال فيطاع هذا الغير كما ~~يطاع الرسول بل الله يعلم أن كثيرا منهم أو أكثرهم قد قدموا طاعته على طاعة ~~الرسول وكل هؤلاء فيهم شبه من أتباع مسيلمة وبن أبي وذي الخويصرة فلكل ~~PageV01P307 @ خلف سلف ولكل تابع متبوع ولكل مرؤوس رئيس فمن قرن بالرسالة ~~رئاسة مطاعة أو سياسة حاكمة بحيث يجعل طاعتها كطاعة الرسالة ففيهم شبه من ~~اتباع عبد الله بن أبي ومن اعترض على الكتاب والسنة بنوع تأويل من قياس أو ~~ذوق أو عقل أو حال ففيه شبه من الخوارج أتباع ذي الخويصرة ومن نصب طاغوتا ~~دون الله ورسوله يدعو ويحاكم إليه ففيه شبه من أتباع مسيلمة وقد يكون في ~~هؤلاء من هو شر من أولئك كما كان فيهم من هو خير منهم أو مثلهم وهؤلاء كلهم ~~قد أعقبهم هذا الصنيع نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقون ربهم وإنما تبين لهم ~~حقيقته إذا بليت السرائر ومدت الضمائر وبعثر ما في القبور وحصل ما في ~~الصدور ولا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه وسره على أن الدين ~~كله لله لا رب سواه ولا متبوع غيره PageV01P308 @ وأن كلام غيره يعرض على ~~كلامه فإن وافقه قبلناه لا لأنه قاله بل لأنه أخبر به عن الله ورسوله وإن ~~خالفه رددناه واطرحناه ولا يعرض كلامه صلى الله عليه وسلم على آراء ~~القياسيين ولا عقول الفلاسفة والمتكلمين ولا على سياسة الولاة الحاكمين ~~والسلاطين ولا أذواق المتزهدين والمتعبدين بل تعرض هذه كلها على ما جاء به ~~عرض الدراهم المجهول حاملها على أخبر الناقدين فما حكم بصحته منها فهو ~~المقبول وما حكم برده فهو المردود والله الموفق للصواب PageV01P309 @ # | الفصل الحادي ms059 عشر # # | في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي ~~قصد البيان والإرشاد والهدى وأن القصدين متنافيان وأن تركه بدون ذلك الخطاب ~~خير له وأقرب إلى الهدى # لما كان المقصود بالخطاب دلالة السامع وإفهامه مراد المتكلم بكلامه ~~وتبيينه له ما في نفسه من المعاني ودلالته عليها بأقرب الطرق كان ذلك ~~موقوفا على أمرين # الأول بيان المتكلم # الثاني وتمكن السامع من الفهم # فإن لم يحصل البيان من المتكلم أو حصل له ولم يتمكن السامع من الفهم لم ~~يحصل مراد المتكلم فإذا بين المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده ولم ~~يعلم السامع معنى تلك الألفاظ لم يحصل له البيان فلا بد من تمكن السامع من ~~الفهم وحصول الإفهام من المتكلم فحينئذ لو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف ~~حقيقته وظاهره الذي PageV01P310 @ يفهمه المخاطب لكان قد كلفه أن يفهم ~~مراده بما لا يدل عليه بل بما يدل على نقيض مراده وأراد منه فهم النفي بما ~~يدل على غاية الإثبات وفهم الشيء بما يدل على ضده وأراد منه أن يفهم أنه ~~ليس فوق العرش إله يعبد ولا إله يصلى له ويسجد وأنه لا داخل العالم ولا ~~خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه بقوله @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ الإخلاص 1 # قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ الشورى 11 # وأراد النبي صلى الله عليه وسلم إفهام أمته هذا المعنى بقوله لا تفضلوني ~~على يونس بن متى وأراد إفهام كونه خلق آدم بقدرته ومشيئته بقوله @QB@ ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ ص 75 PageV01P311 @ # وأراد إفهام تخريب السماوات والأرض وإعادتها إلى العدم بقوله يقبض الله ~~سماواته بيده اليمنى والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك وأراد ~~إفهام معنى من ربك ومن تعبد بقوله أين الله واشار بإصبعه إلى السماء ~~مستشهدا بربه وليس هناك رب ولا إله وإنما أراد إفهام السامعين أن الله قد ~~سمع قوله وقولهم وأراد PageV01P312 @ بالإشارة بإصبعه بيان كونه قد سمع ~~قولهم وأمثال ذلك من التأويلات الباطلة # كقول ms060 بعضهم في معنى قوله عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على ~~شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع إن معناه ضرب عليهم الجزية وهذا كذب على ~~اللفظ وكذب على الرسول فإنه ليس ذلك معنى اللفظ وأهل خيبر لم يضرب عليهم ~~الجزية لأنه صالحهم وفتحها قبل نزول فرض الجزية # وكتأويل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم لا تحرم المصة والمصتان أن المراد ~~به التقام الثدي من غير ارتضاع اللبن ودخوله إلى جوفه إلى أضعاف أضعاف ذلك ~~من التأويلات الباطلة التي يعلم السامع قطعا أنها لم ترد PageV01P313 @ ~~بالخطاب بقصد المتكلم لها بتلك الألفاظ الدالة على نقيضها من كل وجه فلا ~~يجامع قصد البيان والدلالة # قال شيخ الإسلام إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يوجد ما ~~يقولونه في الكتاب والسنة وكلام القرون الثلاثة المعظمة على سائر القرون ~~ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام المقتدى بهم بل ما في الكتاب والسنة وكلام ~~السلف والأئمة يوجد دالا على خلاف الحق عندهم إما نصا وإما ظاهرا بل دالا ~~عندهم على الكفر والضلال لزم من ذلك لوازم باطلة منها # الأول أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما ~~يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل # الثاني ومنها أن يكون قد نزل بيان الحق والصواب لهم ولم يفصح به بل رمز ~~إليه رمزا وألغزه إلغازا لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد # الثالث ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها ~~وظواهرها وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ~~ذلك PageV01P314 @ # الرابع ومنها أن يكون دائما متكلما في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق ~~بأنواع متنوعة من الخطاب تارة بأنه استوى على عرشه وتارة بأنه فوق عباده ~~وتارة بأنه العلي الأعلى وتارة بأن الملائكة تعرج إليه وتارة بأن الأعمال ~~الصالحة ترفع إليه وتارة بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من ~~عنده وتارة ms061 بأنه رفيع الدرجات وتارة بأنه في السماء وتارة بأنه الظاهر الذي ~~ليس فوقه شيء وتارة بأنه فوق سمواته على عرشه وتارة بأن الكتاب نزل من عنده ~~وتارة بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وتارة بأنه يرى بالأبصار عيانا ~~يراه المؤمنون فوق رؤوسهم إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك ولا يتكلم ~~فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو ~~الصواب فيه لا نصا ولا ظاهرا ولا يبينه # الخامس ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى ~~آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان وذلك ~~إما جهل ينافي العلم وإما كتمان ينافي البيان ولقد أساء الظن بخيار الأمة ~~من نسبهم إلى ذلك ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلم بالباطل والسكوت عن بيان ~~الحق تولد من بينهما جهل الحق وإضلال الخلق ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل ~~PageV01P315 @ صاروا يأتون من العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصا ~~وظاهرا ولا يتكلمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصا ولا ظاهرا وإذا ورد ~~عليهم من النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرفوه أنواع التحريفات ~~وطلبوا له مستكره التأويلات # السادس ومنها أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين ~~على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل ولم تكن الحقائق من شأنهم # السابع ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى ~~الصواب فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال ولم يستفيدوا منها ~~يقينا ولا علما بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك وإنما يستفاد من عقول ~~الرجال وآرائها # فإن قيل استفدنا منها الثواب على تلاوتها وانعقاد الصلاة بها قيل هذا ~~تابع للمقصود بها بالقصد الأول وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات ~~حقائقها ومعانيها والإيمان بها فإن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة وانعقاد ~~الصلاة عليه بل أنزل ليتدبر ويعقل ويهدى به علما وعملا ويبصر من العمى ~~ويرشد من الغي ويعلم من ms062 الجهل ويشفي من الغي ويهدي إلى صراط مستقيم وهذا ~~القصد ينافي قصد تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرهة التي هي من ~~جنس الألغاز والأحاجي فلا يجتمع قصد الهدى والبيان وقصد ما يضاده أبدا ~~وبالله التوفيق PageV01P316 @ # ومما يبين ذلك أن الله تعالى وصف كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير فقال ~~تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ النحل 89 # وقال @QB@ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ النحل 64 # فأين بيان المختلف فيه والهدى والرحمة في ألفاظ ظاهرها باطل والمراد منها ~~يطلب بأنواع التأويلات المستنكرة المستكرهة لها التي يفهم منها ضدها وقال ~~تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ النحل 44 # فأين يبين الرسول ما يقوله النفاة والمتأولون وقد قال تعالى @QB@ والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل @QE@ الأحزاب 4 PageV01P317 @ # فأخبر أنه يقول الحق ويهدي السبيل بقوله وعند النفاة إذا حصلت الهداية ~~بأبكار أفكارهم ونتائج آرائهم وعقولهم وقال تعالى @QB@ فبأي حديث بعده ~~يؤمنون @QE@ الأعراف 185 # وقال @QB@ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون @QE@ الجاثية 6 # وعند النفاة المخرجين لنصوص الوحي عن إفادة اليقين إنما حصل له الإيمان ~~بالحديث الذي أسسه الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم فبه آمنوا وبه ~~اهتدوا وبه عرفوا الحق من الباطل وبه صحت عقولهم ومعارفهم وقال تعالى @QB@ ~~أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~@QE@ النساء 82 # وأنت لا تجد الاختلاف في شيء أكثر منه في آراء PageV01P318 @ المتأولين ~~وسوانح أفكارهم وزبالة أذهانهم التي يسمونها قواطع عقلية وبراهين يقينية ~~وهي عند التحقيق خيالات وهمية وقوادح فكرية نبذوا بها القرآن والسنة وراء ~~ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما ^ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ~~ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمت ربك ms063 صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو ~~السميع العليم وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا ~~الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ~~^ الأنعام PageV01P319 @ # | الفصل الثاني عشر # # | في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن ~~يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة ~~إلى بيانه # نكتفي من هذا الفصل بذكر مناظرة جرت بين جهمي معطل وسني مثبت حدثني ~~بمضمونها شيخنا عبد الله بن تيمية رحمه الله أنه جمعه وبعض الجهمية مجلس ~~فقال الشيخ قد تطابقت نصوص الكتاب PageV01P320 @ والسنة والآثار على إثبات ~~الصفات لله وتنوعت دلالتها عليها أنواعا توجب العلم الضروري بثبوتها وإرادة ~~المتكلم اعتقاد ما دلت عليه والقرآن مملوء من ذكر الصفات والسنة ناطقة بمثل ~~مانطق به القرآن مقررة له مصدقة له مشتملة على زيادة في الإثبات فتارة بذكر ~~الاسم المشتمل على الصفة كالسميع البصير العليم القدير العزيز الحكيم وتارة ~~بذكر المصدر وهو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصفة كقوله @QB@ أنزله بعلمه ~~@QE@ النساء 166 # وقوله @QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ الذاريات 58 # وقوله @QB@ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي @QE@ الأعراف 144 # وقوله @QB@ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين @QE@ ص 82 PageV01P321 @ # وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حجابه النور لو كشفه لأحرقت ~~سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وقوله في دعاء الاستخارة اللهم إني ~~أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وقوله أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ~~وقول عائشة PageV01P322 @ الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ونحوه وتارة ~~يكون بذكر حكم تلك الصفة كقوله @QB@ قد سمع الله @QE@ المجادلة 1 # و @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ طه 46 # وقوله @QB@ فقدرنا فنعم القادرون @QE@ المرسلات 23 # وقوله @QB@ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم @QE@ البقرة 187 # ونظائر ذلك PageV01P323 @ # ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص وبلفظ العلو والاستواء وأنه في السماء ~~وأنه ذو المعارج وأنه رفيع الدرجات وأنه تعرج إليه الملائكة وتنزل من ms064 عنده ~~وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عيانا من فوقهم إلى ~~أضعاف أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام ~~وآثارها # ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره ودعوى ~~المجاز فيه والاستعارة وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي ~~المرادة من هذه النصوص إذ يلزم من ذلك أحد محاذير ثلاثة لا بد منها أو من ~~بعضها وهي # القدح في علم المتكلم بها # أو في بيانه # أو في نصحه # وتقرير ذلك أن يقال إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في ~~تأويلات النفاة المعطلين أو لا يعلم ذلك # فإن لم يعلم ذلك والحق فيها كان ذلك قدحا في PageV01P324 @ علمه وإن كان ~~عالما أن الحق فيها فلا يخلو إما أن يكون قادرا على التعبير بعباراتهم التي ~~هي تنزيه لله بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم وأنه لا يعرف الله من لم ~~ينزهه بها أو لا يكون قادرا على تلك العبارات فإن لم يكن قادرا على التعبير ~~بذلك لزم القدح في فصاحته وكان ورثة الصابئة وأفراخ الفلاسفة وأوقاح ~~المعتزلة والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق ~~وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه موافقوه ومخالفوه فإن ~~مخالفيه لم يشكوا في أنه أفصح الخلق وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق ~~المعنى ويخلصه من اللبس والإشكال # وإن كان قادرا على ذلك ولم يتكلم به وتكلم دائما بخلافه وما يناقضه كان ~~ذلك قدحا في نصحه وقد وصف الله رسله بكمال النصح والبيان فقال تعالى @QB@ ~~وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم @QE@ إبراهيم 4 PageV01P325 @ # وأخبر عن رسله بأنهم أنصح الناس لأممهم فمع النصح والبيان والمعرفة ~~التامة كيف يكون مذهب النفاة المعطلة أصحاب التحريف هو الصواب وقول أهل ~~الإثبات أتباع القرآن والسنة باطلا هذا مضمون المناظرة فقال له الجهمي انزل ~~بنا إلى الوطاة # قلت له ما أراد بذلك قال أراد أنك خاطبتني من فوق وتجوهت علي بجاه ms065 لا ~~يمكنني مقاومته فانزل بنا إلى مباحث الفضلاء وقواعد النظار أو نحو هذا من ~~الكلام فليتدبر الناصح لنفسه الموقن بأن الله لا بد سائله عما أجاب به ~~رسوله في هذا المقام وليتحيز بعد إلى أين شاء فلم يكن الله ليجمع بين ~~النفاة المعطلين المحرفين وبين أنصاره وأنصار رسوله وكتابه إلا جمع امتحان ~~وابتلاء كما جمع بين الرسل وأعدائهم في هذه الدار PageV01P326 @ # قلت وقريب من هذه المناظرة ما جرى لي مع بعض علماء أهل الكتاب فإنه جمعني ~~وإياه مجلس خلوة أفضى بيننا الكلام إلى أن جرى ذكر مسبة النصارى لرب ~~العالمين مسبة ما سبه إياها أحد من البشر فقلت له وأنتم بإنكاركم نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم قد سببتم الرب تعالى أعظم مسبة قال وكيف ذلك قلت لأنكم ~~تزعمون أن محمدا ملك ظالم ليس برسول صادق وأنه خرج يستعرض الناس بسيفه ~~فيستبيح أموالهم ونساءهم وذراريهم ولا يقتصر على ذلك حتى يكذب على الله ~~ويقول الله أمرني بهذا وأباحه لي ولم يأمره الله ولا أباح له ذلك ويقول ~~أوحى إلي ولم يوح إليه شيء وينسخ شرائع الأنبياء من عنده ويبطل منها ما ~~يشاء ويبقي منها ما يشاء وينسب ذلك كله إلى الله ويقتل أولياءه وأتباع رسله ~~ويسترق نساءهم وذرياتهم فإما أن يكون الله سبحانه رائيا لذلك كله عالما به ~~مطلعا عليه أو لا # فإن قلتم إن ذلك بغير علمه واطلاعه نسبتموه إلى الجهل والغباوة وذلك من ~~أقبح السب وإن كان عالما به PageV01P327 @ رائيا له مشاهدا لما يفعله فإما ~~أن يقدر على الأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا # فإن قلتم إنه غير قادر على منعه والأخذ على يده نسبتموه إلى العجز والضعف ~~وإن قلتم بل هو قادر على منعه ولم يفعل نسبتموه إلى السفه والظلم والجور ~~هذا وهو من حين ظهر إلى أن توفاه ربه يجيب دعواته ويقضي حاجاته ولا يسأله ~~حاجة إلا قضاها له ولا يدعوه بدعوة إلا أجابها له ولا يقوم له عدو إلا ظفر ~~به ولا تقوم ms066 له راية إلا نصرها ولا لواء إلا رفعه ولا من يناوئه ويعاديه ~~إلا بتره ووضعه فكان أمره منحين ظهر إلى أن توفي يزداد على الأيام والليالي ~~ظهورا وعلوا ورفعة وأمر مخالفيه لا يزداد إلا سفولا واضمحلالا # ومحبته في قلوب الخلق تزيد على ممر الأوقات وربه تعالى يؤيده بأنواع ~~التأييد ويرفع ذكره غاية الرفع هذا وهو عندكم من أعظم أعدائه وأشدهم ضررا ~~على الناس فأي قدح في رب العالمين وأي مسبة له وأي طعن فيه أعظم من ذلك # فأخذ الكلام منه مأخذا ظهر عليه وقال حاش لله PageV01P328 @ أن نقول فيه ~~هذه المقالة بل هو نبي صادق كل من اتبعه فهو سعيد وكل منصف منا يقر بذلك ~~ويقول أتباعه سعداء في الدارين قلت له فما يمنعك من الظفر بهذه السعادة ~~فقال وأتباع كل نبي من الأنبياء كذلك فأتباع موسى أيضا سعداء # قلت له فإذا أقررت أنه نبي صادق فقد كفر من لم يتبعه واستباح دمه وماله ~~وحكم له بالنار فإن صدقته في هذا وجب عليك اتباعه وإن كذبته فيه لم يكن ~~نبيا فكيف يكون أتباعه سعداء فلم يحر جوابا وقال حدثنا في غير هذا فانظر ~~هذه الموازنة والمشابهة بين مالزم الجهمية النفاة من القدح والطعن في ~~المتكلم بنصوص الصفات وما لزم منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الطعن ~~والقدح في الرب تعالى # إذا ضممت هذا إلى ما يلزمهم من الطعن في كلامه وأمره واشتماله على ما ~~ظاهره كفر وضلال وباطل ومحال علمت حقيقة الحال وتبين لك الهدى من الضلال ~~والله المستعان PageV01P329 @ # | الفصل الثالث عشر في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على ~~التأويل المخالف لحقيقته وظاهره # أنزل الله سبحانه الكتاب شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولذلك ~~كانت معانيه أشرف المعاني وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها مطابقة ~~لمعانيها المرادة منها كما وصف سبحانه به كتابه في قوله @QB@ ولا يأتونك ~~بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ الفرقان 33 # فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب والتفسير الأحسن هو الألفاظ ms067 ~~الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه # والتفسير أصله في الظهور والبيان وباقيه في PageV01P330 @ الاشتقاق ~~الأكبر الإسفار ومنه أسفر الفجر إذا أضاء ووضح ومنه السفر لبروز المسافر من ~~البيوت وظهوره ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيه من العلم وبيانه فلا بد ~~من أن يكون التفسير مطابقا للمفسر مفهما له وكلما كان فهم المعنى منه أوضح ~~وأبين كان التفسير أكمل وأحسن ولهذا لا تجد كلاما أحسن تفسيرا ولا أتم ~~بيانا من كلام الله سبحانه وتعالى ولهذا سماه سبحانه بيانا وأخبر أنه يسره ~~للذكر وتيسيره للذكر يتضمن أنواعا من التيسير # إحداها تيسير ألفاظه للحفظ الثاني # الثاني تيسير معانيه للفهم # الثالث تيسير أوامره ونواهيه للإمتثال PageV01P331 @ # ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرا له بل كان ~~معسرا عليه فهكذا إذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من ~~المعاني أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير وهو مناف للتيسير فإنه لا ~~شيء أعسر على الأمة من أن يراد منهم أن يفهموا كونه سبحانه لا داخل العالم ~~ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا ولا يرى ~~بالأبصار عيانا ولا له وجه ولا يد من قوله @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ~~الإخلاص 1 # ومن قول رسوله لا تفضلوني على يونس بن متى ومن قوله @QB@ الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به @QE@ غافر 7 # وأن يجهدوا أنفسهم ويكابدوا أعظم المشقة في طلب أنواع الاستعارات وضروب ~~المجازات ووحشي اللغات ليحملوا عليه آيات الصفات وأخبارها فيصرفوا قلوبهم ~~وأفهامهم عما تدل عليه ويفهموا منها ما لا تدل عليه بل تدل على خلافه ويقول ~~اعلموا يا عبادي أني PageV01P332 @ أردت منكم أن تعلموا أني لست فوق العالم ~~ولا تحته ولا فوق عرشي ولا ترفع الأيدي إلي ولا يعرج إلي شيء ولا ينزل من ~~عندي شيء من قولي @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # ومن قولي @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ النحل 50 # ومن قولي @QB@ تعرج ms068 الملائكة والروح إليه @QE@ المعارج 4 # ومن قولي @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ النساء 158 # ومن قولي @QB@ رفيع الدرجات ذو العرش @QE@ غافر 15 # ومن قولي @QB@ وهو العلي العظيم @QE@ البقرة 255 # ومن قولي @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ الأعلى 1 PageV01P333 @ # ومن قولي @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ القيامة 23 - 22 # ومن قولي @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض @QE@ الملك 16 # ومن قولي @QB@ تنزيل من حكيم حميد @QE@ فصلت 42 # ومن قولي @QB@ قل نزله روح القدس من ربك بالحق @QE@ النحل 102 # وأن تفهموا أنه ليس لي يدان # من قولي @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ ص 75 # ومن قولي @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ المائدة 64 # ولا عين من قولي @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ طه 39 # فإنكم إذا فهمتم من هذه الألفاظ حقائقها وظواهرها فهمتم خلاف مرادي منها ~~بل مرادي منكم أن تفهموا منها PageV01P334 @ ما يدل على خلاف حقائقها ~~وظواهرها فأي تيسير يكون هناك وأي تعقيد وتعسير لم يحصل بذلك ومعلوم أن ~~خطاب الرجل بما لا يفهمه إلا بترجمة أيسر عليه من خطابه بما كلف أن يفهم ~~منه خلاف موضوعه وحقيقته بكثير فإن تيسير القرآن مناف لطريقة النفاة ~~المحرفين أعظم منافاة ولهذا لما عسر عليهم أن يفهموا منه النفي وعز عليهم ~~ذلك عولوا فيه على الشبه الخيالية التي سموها قواطع عقلية وقواعد يقينية ~~وإذا تأملها من نور الله قلبه وكحل عين بصيرته بمرود الإيمان رآها لحم جمل ~~غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل وهي من PageV01P335 @ ~~جنس خيالات الممرورين وأصحاب الهوس وقد سودوا بها القلوب والأوراق فطريقتهم ~~ضد طريقة القرآن من كل وجه إذ طريقة القرآن حق بأحسن تفسير وأبين عبارة ~~وطريقتهم معان باطلة بأعقد عبارة وأطولها وأبعدها من الفهم فيجهد الرجل ~~الظمآن نفسه وراءهم حتى تنفد قواه فإذا هو قد اطلع على سراب بقيعة @QB@ ~~يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ~~والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه ~~سحاب ms069 ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور @QE@ النور 40 - 39 # والله يعلم أنا لم نقل ذلك تقليدا لغيرنا بل إخبارا عما شاهدناه ورأيناه ~~وإذا أحببت أن تعلم ذلك حقيقة فتأمل عامة مطالبهم وأدلتهم عليها وكيف تجدها ~~مطالب بعد التعب الشديد والجهد الجهيد لا تحصل منها على مطلب صحيح فإنهم ~~بعد الكد والجهد لم يثبتوا للعالم ربا مباينا عنه منفصلا منه بل بعد الجهد ~~الشديد في إثبات PageV01P336 @ موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا ~~به ولا منفصلا عنه هم شاكون في وجوده هل هو نفس ذاته أو زائد عليها فمن ~~ذاهب إلى أنه زائد ومن ذاهب إلى أنه ليس بزائد ومن متوقف في وجوده شاك فيه ~~هل هو نفس ذاته أوزائد عليها ثم هم شاكون في أن صفاته هل هي وجودية أو ~~عدمية أو لا وجودية ولا عدمية وهل هي زائدة على الموصوف أو ليست زائدة فكيف ~~تثبت له على وجه لا يوجب تكثرا في الذات ولا مغايرة بينها فبعضهم يجعلها ~~أمورا عدمية وبعضهم أحوالا نسبية وبعضهم يتوقف فيها ومنهم من يجعل علمه نفس ~~ذاته فيجعل ذاته علما ومنهم من يجعل علمه نفس معلومه ومنهم من يجعل علمه ~~واحدا لا يتعدد ولا ينقسم فيجعل علمه بوجود الشيء هو عين علمه بعدمه وعلمه ~~بكونه يطاع هو نفس علمه بكونه يعصى هذا إذا أثبت علمه بالمعينات والجزئيات ~~ومن لم يثبته منهم قال لا يعلم من الموجودات المعينة شيئا البتة # وكذلك اضطربوا في كلامه فمنهم من لم يثبت له كلاما PageV01P337 @ البتة ~~فلا قال عنده ولا يقول ولا أمر ولا نهي ولا كلم ولا يتكلم ومن يقرب منهم ~~إلى الإسلام قال كل ذلك مخلوق خلقه في الهواء أو في اللوح المحفوظ ومنهم من ~~قال كلامه معنى واحد فالمعنى ليس له بعض ولا كل وليس بحروف ولا أصوات وذلك ~~المعنى الواحد الذي لا ينقسم هو معاني كتبه كلها فالقرآن هو نفس التوراة ms070 ~~وهما نفس الإنجيل والزبور اختلفت أسماؤها باختلاف التعبير عن ذلك المعنى ~~الواحد ثم ذلك المعنى ليس من جنس العلوم ولا الإرادات بل حقيقته مغايرة ~~لحقيقتها ثم ذلك المعنى المشار إليه يجوز تعلق الحواس الخمس به فيسمع ويرى ~~ويلمس ويشم ويذاق وكذلك سائر الأعراض يجوز تعلق الإدراكات كلها بها فيجوز ~~أن تشم الأصوات وترى وتذاق وتلمس ويجوز أن تسمع الروائح وتلمس قالوا وهذا ~~حكم سائر الصفات فجعلوا الإرادة واحدة بالعين وإرادة إيجاد الشيء هي عين ~~إرادة إعدامه وإرادة تحريكه هي عين إرادة تسكينه وإرادة إبقائه هي عين ~~إرادة إفنائه PageV01P338 @ وإنما المختلف تعلقاتها فقط وكذلك قالوا في ~~القدرة وأما إذا حضروا على مطلب الجوهر الفرد ومطلب العرض هل يبقى زمانين ~~أم لا ومطلب الأجسام هل هي متماثلة أو متباينة ومطلب الأحوال هل هي ثابتة ~~أم لا وهل هي وجودية أو عدمية أو لا ذا ولا ذا ومطلب الزمان والمكان ما ~~حقيقتهما وهل هما وجوديان أو عدميان ومطلب الكسب هل له حقيقة أم لا وما ~~حقيقته PageV01P339 @ ومطلب الفعل هل هو قائم بالفاعل أم لا فإن قام به فهل ~~هو مقارن له أم لا فإن تأخر عنه فما الموجب لتأخره وإن قارنه فهل كان قديما ~~بقدمه وإن لم يقم به فكيف يكون فاعلا بلا فعل يقوم به كما لا يكون سميعا ~~بصيرا مريدا قادرا بلا سمع ولا بصر ولا إرادة تقوم به إلى غاية مطالبهم ~~التي إذا انتهى جمعهم وصلوا إلى ما يحيله العقل والسمع فترى أحدهم يبني حتى ~~إذا ظن أنه قد ارتفع بناؤه جاء الآخر بمعاول من التشبيه والتشكيك فهدم عليه ~~جميع ما بناه وبنى مكانه بناء آخر PageV01P340 @ حتى إذا ظن أن بناءه قد ~~كمل عاد الباني الأول بنظير تلك المعاول فهدم بناءه فلا يزالون كذلك كما ~~قال شاعرهم # ( ونظيري في العلم مثلي أعمى % فترانا في حندس نتصادم ) # فهذه القواعد الفاسدة هي التي حملتهم على تلك التأويلات الباطلة لأنهم ~~رأوها لا تلائم نصوص الوحي بل بينها وبينها الحرب العوان فأجهدوا أنفسهم ~~وكدوا ms071 خواطرهم في الصلح وزعموا أن ذلك إحسان وتوفيق وكأن الله سبحانه أنزل ~~هذه الآيات في شأنهم @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة ~~بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك ~~الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا ~~بليغا @QE@ النساء 63 - 60 PageV01P341 @ # | الفصل الرابع عشر في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات ~~بالإبطال # لما جعل الله سبحانه نوع الإنسان يحتاج بعضه إلى بعض فلا يمكن لإنسان أن ~~يعيش وحده بل لا بد له من مشارك ومعاون من بني جنسه كما قيل الإنسان مدني ~~بالطبع وكان لا يعرف كل منهم ما يريد صاحبه من الأفعال والتروك إلا بعلامة ~~تدل على ذلك وتلك العلامة إما تحريك جسم من الأجسام المنفصلة عنه أو تحريك ~~بعض أعضائه فيجعل لكل معنى حركة خاصة ومعلوم أن في الأول من العسر والمشقة ~~وعدم الإحاطة بالتعريف ما يمنع وضعه فكان تحريك الأعضاء أسهل وأدل وأعم ~~وكانت حركة الأعضاء نوعين نوع للبصر ونوع للأذن والذي PageV01P342 @ للأذن ~~أعم والإنسان إليه أحوج وكان أولى هذه الأعضاء بأن يجعل حركاتها دالة معرفة ~~هو اللسان لأن حركته أخف وأسهل وتنوعها أعظم وأكثر من تنوع حركة غيره ~~وترجمته عما في القلب أظهر من ترجمة غيره ويتمكن المعرف بحركاته من حركات ~~مفردة ومؤلفة يحصل بها من الفرق والتمييز ما لا يحصل بغيره كان أقرب الطرق ~~إلى هذا المقصد هو الكلام الذي جعله الله سبحانه في اللسان وجعله دليلا على ~~ما في الجنان وجعل ذلك من دلائل ربوبيته ووحدانيته وكمال علمه وحكمته # قال الله تعالى @QB@ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان @QE@ ~~الرحمن 4 - 1 # وقال تعالى @QB@ ألم نجعل له ms072 عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين @QE@ ~~البلد 10 - 8 PageV01P343 @ # وقال الشاعر # ( إن البيان من الفؤاد وإنما % جعل اللسان على الفؤاد دليلا PageV01P344 ~~@ # هكذا قال الشاعر هذا البيت وهكذا هو في ديوانه # قال أبو البيان أنا رأيته في ديوانه كذلك فحرفه عليه بعض النفاة وقالوا : # ( إن الكلام لفي الفؤاد وإنما % جعل اللسان على الكلام دليلا ) # والمقصود أن العبد لا يعلم ما في ضمير صاحبه إلا بالألفاظ الدالة على ذلك ~~فإذا حمل السامع كلام المتكلم على خلاف ماوضع له وخلاف ما يفهم منه عند ~~التخاطب عاد على مقصود اللغات بالإبطال ولم يحصل مقصود المتكلم ولا مصلحة ~~المخاطب وكان ذلك أقبح من تعطيل اللسان عن كلامه PageV01P345 @ # فإن غاية ذلك أن تفوت مصلحة البيان وإذا حمل على ضد مقصوده فوت مصلحة ~~البيان وأوقع في ضد المقصود ولهذا قال بعض العقلاء اللسان الكذوب شر من ~~لسان الأخرس لأن لسان الأخرس قد تعطلت منفعته ولم يحدث منه فساد ولسان ~~الكذوب قد تعطلت منفعته وزاد بمفسدة الكذب فالمتكلم بما ظاهره وحقيقته ~~ووضعه باطل وضلال وهو يريد به أن يفهم منه خلاف وضعه وحقيقته أضر على ~~المخاطب ولسان الأخرس أقل مفسدة منه فترك وضع اللغات أنفع للناس من تعريضها ~~للتأويل المخالف لمفهومها وحقائقها وهكذا كل عضو خلق لمنفعة إذا لم يحصل ~~منه إلا ضد تلك المنفعة كان عدمه خيرا من وجوده # يوضح ذلك أن المتكلم بكلام له حقيقة وظاهر لا يفهم منه غيره مريد بكلامه ~~خلاف حقيقته وما يدل عليه ويفهم منه فإذا ادعى أني أردت بكلامي خلاف ظاهره ~~وما يفهم منه كان كاذبا إما في دعوى إرادة ذلك أو في دعوى إرادة البيان ~~والإفهام فحمل كلامه على التأويل الباطل تكذيب له في أحد الأمرين ولا بد ~~PageV01P346 @ ولهذا كان التأويل الباطل فتحا لباب الزندقة والإلحاد ~~وتطريقا لأعداء الدين على نقضه وبيانه بذكر PageV01P347 @ # | الفصل الخامس عشر في جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم ~~وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل # إذا تأمل المتأمل فساد العالم وما وقع فيه من ms073 التفرق والاختلاف وما دفع ~~إليه أهل الإسلام وجده ناشئا من جهة التأويلات المختلفة المستعملة في آيات ~~القرآن وأخبار الرسول صلوات الله وسلامه عليه التي تعلق بها المختلفون على ~~اختلاف أصنافهم في أصول الدين وفروعه فإنها أوجبت ما أوجبت من التباين ~~والتحارب وتفرق الكلمة وتشتت الأهواء وتصدع الشمل وانقطاع الحبل وفساد ذات ~~البين حتى صار يكفر ويلعن بعضهم بعضا وترى طوائف منهم تسفك دماء الآخرين ~~وتستحل منهم أنفسهم وحرمهم وأموالهم ما هو أعظم مما يرصدهم به PageV01P348 ~~@ أهل دار الحرب من المنابذين لهم فالآفات التي جنتها ويجنيها كل وقت ~~أصحابها على الملة والأمة من التأويلات الفاسدة أكثر من أن تحصى أو يبلغها ~~وصف واصف أو يحيط بها ذكر ذاكر ولكنها في جملة القول أصل كل فساد وفتنة ~~وأساس كل ضلال وبدعة والمولدة لكل اختلاف وفرقة والناتجة أسباب كل تباين ~~وعداوة وبغضة ومن عظيم آفاتها ومصيبة الأمة بها أن الأهواء المضلة والآراء ~~المهلكة التي تتولد من قبلها لا تزال تنمو وتتزايد على ممر الأيام وتعاقب ~~الأزمنة وليست الحال في الضلالات التي حدثت من قبل أصول الأديان الفاسدة ~~كذلك فإن فساد تلك معلوم عند الأمة وأصحابها لا يطمعون في إدخالها في دين ~~الإسلام فلا تطمع أهل الملة اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ولا ~~الثانوية ونحوهم أن يدخلوا PageV01P349 @ أصول مللهم في الإسلام ولا يدعوا ~~مسلما إليه ولا يدخلوه إليهم من بابه أبدا بخلاف فرقة التأويل فإنهم يدعون ~~المسلم من باب القرآن والسنة وتعظيمهما وأن لنصوصهما تأويلا لا يوجد إلا ~~عند خواص أهل العلم والتحقيق وأن العامة في عمى عنه فضرر هذه الفرقة على ~~الإسلام وأهله أعظم من ضرر أعدائه المنابذين له ومثلهم ومثل أولئك كمثل قوم ~~في حصن حاربهم عدو لهم فلم يطمع في فتح حصنهم والدخول عليهم فعمد جماعة من ~~أهل الحصن ففتحوه له وسلطوه على الدخول إليه فكان مصاب أهل الحصن من قبلهم ~~وبالجملة فالأهواء المتولدة من قبل التأويلات الباطلة غير محصورة ولا ~~متناهية بل هي متزايدة نامية بحسب سوانح المتأولين وخواطرهم وما ms074 تخرجه إليه ~~ظنونهم وأوهامهم ولذلك لا يزال المستقصي عناء نفسه في البحث عن المقالات ~~PageV01P350 @ وتتبعها يهجم على أقوال من مذاهب أهل التأويل لم تكن تخطر له ~~على بال ولا تدور له في خيال ويرى أمواجا من زبد الصدور تتلاطم ليس لها ~~ضابط إلا سوانح وخواطر وهوس تقذف به النفوس التي لم يؤيدها الله بروح الحق ~~ولا أشرقت عليها شمس الهداية ولا باشرت حقيقة الإيمان فخواطرها وهوسها لا ~~غاية له يقف عندها فإن أردت الإشراف على ذلك فتأمل كتب المقالات والآراء ~~والديانات تجد كل مايخطر ببالك قد ذهب إليه ذاهبون وصار إليه صائرون ووراء ~~ذلك ما لم يخطر لك على بال وكل هذه الفرق تتأول نصوص الوحي على قولها ~~وتحمله على تأويلها ومع ذلك فتجد أولي العقول الضعيفة إلى الاستجابة لهم ~~مسارعين وفي القبول منهم راغبين فهم يبادرون إلى أخذ ما يوردونه عليهم ~~وقبولهم إياه عنهم وعلى الدعوة إليه هم أشد حرصا منهم على الدعوة إلى الحق ~~الذي جاءت به الرسل ولم يوجد الأمر في قبول دعوة الرسل كذلك بل قد علم ما ~~لقي المرسلون في الدعوة إلى الله من الجهد والمشقة والمكابدة ولقوا أشد ~~PageV01P351 @ العناء والمكروه وقاسوا أبلغ الأذى حتى استجاب لهم من استجاب ~~إلى الحق الذي هو موجب الفطر وشقيق الأرواح وحياة القلوب وقرة العيون ونجاة ~~النفوس حتى إذا أطلع شيطان التأويل رأسه وأبدى لهم عن ناجذيه ورفع لهم علما ~~من التأويل طاروا إليه زرافات ووحدانا فهم إخوان السفلة الطعام أشباه ~~الأنعام بل أضل من الأنعام طبل يجمعهم وعصا تفرقهم فانظر ما لقيه نوح ~~وإبراهيم وصالح وهود وشعيب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم في ~~الدعوة إلى الله من الرد عليهم والتكذيب لهم وقصدهم بأنواع الأذى حتى ظهرت ~~دعوة من ظهرت دعوته منهم وأقاموا دين الله # وانظر سرعة المستجيبين لدعاة الرافضة والقرامطة الباطنية والجهمية ~~والمعتزلة وإكرامهم لدعاتهم وبذل أموالهم وطاعتهم لهم من غير برهان أتوهم ~~به أو آية PageV01P352 @ أروهم إياها غير أنهم دعوهم إلى تأويل تستغربه ~~النفوس وتستطرفه ms075 العقول وأوهموهم أنه من وظيفة الخاصة الذين ارتفعوا به عن ~~طبقة العامة فالصائر إليه معدود في الخواص مفارق للعوام فلم تر شيئا من ~~المذاهب الباطلة والآراء الفاسدة المستخرجة بالتأويل قوبل الداعي إليه ~~الآتي به أولا بالتكذيب له والرد عليه بل ترى المخدوعين المغرورين يجفلون ~~إليه إجفالا ويأتون إليه أرسالا تؤزهم إليه شياطينهم ونفوسهم أزا وتزعجهم ~~إليه إزعاجا فيدخلون فيه أفواجا يتهافتون فيه تهافت الفراش في النار ~~ويثوبون إليه مثابة الطير إلى الأوكار ثم من عظيم آفاته سهولة الأمر على ~~المتأولين في نقل المدعوين عن مذاهبهم وقبيح اعتقادهم إليهم ونسخ الهدى من ~~صدورهم فإنهم ربما اختاروا للدعوة إليه رجلا مشهورا بالديانة والصيانة ~~معروفا بالأمانة PageV01P353 @ حسن الأخلاق جميل الهيئة فصيح اللسان صبورا ~~على التقشف والتزهد مرتاضا لمخاطبة الناس على اختلاف طبقاتهم ويتهيأ لهم مع ~~ذلك من عيب أهل الحق والطعن عليهم والإزراء بهم ما يظفر به المفتش عن ~~العيوب فيقولون للمغرور المخدوع وازن بين هؤلاء وهؤلاء وحكم عقلك وانظر إلى ~~نتيجة الحق والباطل فيتهيأ لهم بهذا الخداع مالا يتهيأ بالجيوش وما لا يطمع ~~في الوصول إليه بدون تلك الجهة # ثم من أعظم جنايات التأويل على الدين وأهله وأبلغها نكاية فيه أن المتأول ~~يجد بابا مفتوحا لما يقصده من تشتيت كلمة أهل الدين وتبديد نظامهم وسبيلا ~~سهلة إلى ذلك فإنه يحتجز من المسلمين بإقراره معهم بأصل التنزيل ويدخل نفسه ~~في زمرة أهل التأويل ثم بعد ذلك يقول ما شاء ويدعي ما أحب ولا يقدر على ~~منعه من PageV01P354 @ ذلك لادعائه أن أصل التنزيل مشترك بينك وبينه وأن ~~عامة الطوائف المقرة به قد تأولت كل طائفة لنفسها تأويلا ذهبت إليه فهو ~~يبدي نظير تأويلاتهم ويقول ليس لك أن تبدي في التأويل مذهبا إلا ومثله سائغ ~~لي فما الذي أباحه لك وحظره علي وأنا وأنت قد أقررنا بأصل التنزيل واتفقنا ~~على تسويغ التأويل فلم كان تأويلك مع مخالفته لظاهر التنزيل سائغا وتأويلي ~~أنا محرما فتعلقه بهذا أبلغ مكيدة يستعملها وأنكى سلاح يحارب به فهذه ~~الآفات وأضعافها ms076 إنما لقيها أهل الأديان من التأويل فالتأويل هو الذي فرق ~~اليهود إحدى وسبعين فرقة والنصارى ثنتين وسبعين فرقة وهذه الأمة ثلاثا ~~وسبعين فرقة # فأما اليهود فإنهم بسبب التأويلات التي PageV01P355 @ استخرجوها بآرائهم ~~من كتبهم صاروا فرقا مختلفة بعد اتفاقهم على أصل الدين والإيمان بما في ~~التوراة والزبور وكتب أنبيائهم التي يدرسونها ويؤمنون بها وبسبب التأويلات ~~الباطلة مسخوا قردة وخنازير وجرى عليهم من الفتن والمحن ما قصه الله ~~وبالتأويل الباطل عبدوا العجل حتى آل أمرهم إلى ما آل وبالتأويل الباطل ~~فارقوا حكم التوراة واستحلوا المحارم وارتكبوا المآثم فهم أئمة التأويل ~~والتحريف والتبديل والناس لهم فيه تبع فلا تبلغ فرقة مبلغهم فيه وبالتأويل ~~استحلوا محارم الله بأقل الحيل وبالتأويل قتلوا الأنبياء فإنهم قتلوهم وهم ~~مصدقون بالتوراة وبموسى وبالتأويل والتحريف حلت بهم المثلات وتتابعت عليهم ~~العقوبات وقطعوا في الأرض أمما وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو ~~PageV01P356 @ بغضب من الله وبالتأويل دفعوا نبوة عيسى ومحمد صلوات الله ~~وسلامه عليهما وقد استهلت التوراة وكتب الأنبياء بالبشارة بهما وظهورهما ~~ولا سيما البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنها متظاهرة في كتبهم بصفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخرجه ومبعثه ودعوته وكتابه وصفة أمته ~~وسيرتهم وأحوالهم بحيث كان علماؤهم لما رأوه وشاهدوه عرفوه معرفتهم أبناءهم ~~ومع هذا فجحدوا أمره صلى الله عليه وسلم ودفعوه على قومه وظهوره بالتأويلات ~~التي استخرجوها من تلك الألفاظ التي تضمنتها البشارات حتى التبس الأمر بذلك ~~على أتباعهم ومن لا يعلم الكتاب إلا أماني وخيل إليهم بتلك التأويلات التي ~~هي من جنس تأويلات الجهمية والرافضة والقرامطة أنه ليس هو فسطوا على تلك ~~البشارات بكتمان ما وجدوا السبيل PageV01P357 @ إلى كتمانه وما غلبوا عن ~~كتمانه حرفوا لفظه عن ما هو عليه وما عجزوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه ~~بالتأويل وورثهم أشباههم من المنتسبين إلى الملة في هذه الأمور الثلاثة ~~وكان عصبة الوارثين لهم في ذلك ثلاث طوائف الرافضة والجهمية والقرامطة ~~فإنهم اعتمدوا في النصوص المخالفة لضلالهم هذه الأمور الثلاثة والله سبحانه ~~ذمهم على التحريف والكتمان والتحريف ms077 نوعان تحريف اللفظ وهو تبديله وتحريف ~~المعنى وهو صرف اللفظ عنه إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ # وأما فساد دين النصارى من جهة التأويل فأول ذلك ما عرض في التوحيد الذي ~~هو عمود الدين فإن سلف المثلثة قالوا في الربوبية بالتثليث وحديث الأقانيم ~~والأب والابن وروح القدس ثم اختلف من بعدهم في تأويل كلامهم اختلافا ~~تباينوا به غاية التباين وإنما عرض لهم هذا الاختلاف من جهة التأويلات ~~الباطلة وكانت حالهم فيما جنت عليهم التأويلات الباطلة أفسد حالا من اليهود ~~فإنهم لم يصلوا بتأويلهم إلى ما وصل إليه عباد الصليب من نسبة الرب تعالى ~~إلى ما لا يليق به ثم دفعوا PageV01P358 @ بالتأويلات إلى إبطال شرائع ~~التوراة فأبطلوا الختان واستحلوا السبت واستباحوا الخنزير وعطلوا الغسل من ~~الجنابة وكان الذي فتح عليهم أبواب هذه التأويلات بولس فاستخف جماعة من ~~ضعفاء العقول فقبلوا منه تلك التأويلات ثم أورثت الخلاف بينهم حتى آل أمرهم ~~إلى ما آل إليه من انسلاخهم عن شريعة المسيح في التوحيد والعمليات ثم تأولت ~~اليعقوبية أتباع يعقوب PageV01P359 @ البراذعي تأويلا فتأولت النسطورية ~~أتباع نسطور بن عبرة فتأولت الملكية وهم الذين على دين الملك عبرة فاضمحل ~~الدين وخرجوا منه خروج الشعرة من PageV01P360 @ العجين فلو تأملت تأويلاتهم ~~لرأيتها والله من جنس تأويلات الجهمية والرافضة والمعتزلة ورأيت الجميع من ~~مشكاة واحدة ولولا خوف التطويل لذكرنا لك تلك التأويلات ليعلم أنها ~~وتأويلات المحرفين من هذه الأمة # ( رضيعا لبان ثدي أم تقاسما % بأسحم داج عوض لا نتفرق ) # ولو رأيت تأويلاتهم لنصوص التوراة في الإخبار والأمر والنهي لقلت إن أهل ~~التأويل الباطل من هذه الأمة إنما تلقوا تأويلاتهم عنهم وعجبت من تشابه ~~قلوبهم وقوع الحافر على الحافر والخاطر على الخاطر ولم يزل أمر بني إسرائيل ~~مستقيما حتى فشا فيهم المولدون أبناء سبايا PageV01P361 @ الأمم فاشتقوا ~~لهم الرأي وسلطوا التأويل على نصوص التوراة فضلوا وأضلوا وهؤلاء النصارى لم ~~يزل أمرهم بعد المسيح على منهاج الاستقامة حتى ظهر فيهم المتأولون فأخذت ~~عرى دينهم تنتقض والمتأولون يجتمعون مجمعا بعد مجمع وفي كل ms078 مجمع يخرج لهم ~~تأويلات تناقض الدين الصحيح فيلقاهم أصحاب المجمع الآخر ولا يوافقوا لهم ~~عليها حتى جمعهم الملك PageV01P362 @ قسطنطين من أقطار الأرض فبلغوا ~~ثلاثمائة وثمانية عشر بتركا وأسقفا PageV01P363 @ فتأولوا لهم هذه الأمانة ~~التي بأيديهم اليوم وأبطلوا من دين المسيح ما شاءوا وزادوا فيه ونقصوا ~~ووضعوا من الشرائع ما شاءوا كل ذلك بالتأويل وقد ذكروا الظواهر التي ~~تأولوها وبالتأويل جعلوا الله ثالث ثلاثة وجعلوا المسيح ابنه وجعلوه هو ~~الله فقالوا هذا وهذا وهذا تعالى الله عن قولهم وبالتأويل تركوا الختان ~~وأباحوا الخنزير وهم يعلمون أن المسيح اختتن وحرم الخنزير وبالتأويل نقلوا ~~الصوم من محله إلى الفصل الربيعي وزادوه حتى صار خمسين يوما وبالتأويل ~~عبدوا الصليب والصور وبالتأويل فارقوا حكم التوراة والإنجيل PageV01P364 @ # | فصل # ومن أعظم آفات التأويل وجناياته أنه إذا سلط على أصول الإيمان والإسلام ~~اجتثها وقلعها فإن أصول الإيمان خمسة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر وأصول الإسلام خمسة وهي كلمة الشهادتين وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فعمد أرباب التأويل إلى أصول الإيمان ~~والإسلام فهدموها بالتأويل وذلك أن معقد هذه الأصول العشرة تصديق الرسول ~~فيما أخبر وطاعته فيما أمر فعمدوا إلى أجل الأخبار وهو ما أخبر به عن الله ~~من أسمائه وصفاته ونعوت كماله فأخرجوه عن حقيقته وما وضع له وهذا القسم من ~~الأخبار أشرف أنواع الخبر والإيمان به أصل الإيمان بما عداه واشتمال القرآن ~~بل والكتب الإلهية عليه أكثر من اشتمالها على ما عداه وتنوع الدلالة بها ~~على ثبوت مخبره أعظم من تنوعها في غيره وذلك لشرف متعلقة وعظمته وشدة ~~الحاجة إلى معرفته وكانت الطرق إلى تحصيل معرفته أكثر وأسهل وأبين من غيره ~~وهذا من كمال حكمة الرب تبارك وتعالى وتمام نعمته وإحسانه PageV01P365 @ ~~أنه كل ما كانت حاجة العباد إلى الشيء أقوى وأتم كان بذله لهم أكثر وطرق ~~وصولهم إليه أكثر وأسهل وهذا في الخلق والأمر فإن حاجتهم لما كانت إلى ~~الهواء أكثر من الماء والقوت كان موجودا معهم في كل مكان وزمان وهو أكثر ms079 من ~~غيره وكذلك لما كانت حاجتهم بعده إلى الماء شديدة إذ هو مادة أقواتهم ~~ولباسهم وفواكههم وشرابهم كان مبذولا لهم أكثر من غيره وكذلك حاجتهم إلى ~~القوت لما كانت أشد من حاجتهم إلى الإيواء كان وجود القوت أكثر وهكذا الأمر ~~في مراتب الحاجات ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم ومعبودهم جل ~~جلاله فوق مراتب هذه الحاجات كلها فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا ~~نعيم إلا بأن يعرفوه ويعبدوه ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ونهاية مرادهم ~~وذكره والتقرب إليه قرة عيونهم وحياة قلوبهم فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ ~~حالا من الأنعام بكثير وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة ~~في الآجل وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه ومحبته وعبادته والتقرب ~~إليه فوق كل ضرورة كانت الطرق المعرفة لهم ذلك أيسر طرق العلم على ~~PageV01P366 @ الإطلاق وأسهلها وأهداها وأقربها وبيان الرب تعالى لها فوق ~~كل بيان فإذا سلط التأويل على النصوص المشتملة عليها فتسليطه على النصوص ~~التي ذكرت فيها الملائكة أقرب بكثير يوضحه أن الرب تعالى لم يذكر للعباد من ~~صفات ملائكته وشأنهم وأفعالهم وأسمائهم عشر معشار ما ذكر لهم من نعوت جلاله ~~وصفات كماله وأسمائه وأفعاله فإذا كانت هذه قابلة للتأويل فالآيات التي ~~ذكرت فيها الملائكة أولى بقبوله ولذلك تأولها الملاحدة كما تأولوا نصوص ~~المعاد واليوم الآخر وأبدوا له تأويلات ليست بدون تأويلات الجهمية لنصوص ~~الصفات وأولت هذه الطائفة عامة نصوص الأخبار الماضية والآتية وقالوا ~~للمتأولين من الجهمية بيننا وبينكم حاكم العقل فإن القرآن بل الكتب المنزلة ~~مملوءة بذكر الفوقية وعلو الله على عرشه وأنه تكلم ويتكلم وأنه موصوف ~~PageV01P367 @ بالصفات وأن له أفعالا تقوم به هو بها فاعل وأنه يرى ~~بالأبصار إلى غير ذلك من نصوص الصفات التي إذا قيس إليها نصوص حشر هذه ~~الأجساد وخراب هذا العالم وإعدامه وإنشاء عالم آخر وجدت نصوص الصفات أضعاف ~~أضعافها فهذه الآيات والأخبار الدالة على علو الرب تعالى على خلقه وفوقيته ~~واستوائه على عرشه قد قيل إنها ms080 تقارب الألف وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم ~~إلى آخرهم فما الذي سوغ لكم تأويلها وحرم علينا تأويل نصوص حشر الأجساد ~~وخراب العالم # فإن قلتم الرسل أجمعوا على المجيء به فلا يمكن تأويله # قيل وقد أجمعوا على أن الله فوق عرشه وأنه متكلم مكلم فاعل حقيقة موصوف ~~بالصفات فإن منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يمنع ها هنا # فإن قلتم العقل أوجب تأويل نصوص الصفات ولم يوجب تأويل نصوص المعاد # قلنا هاتوا أدلة العقول التي تأولتم بها الصفات PageV01P368 @ ونحضر نحن ~~أدلة العقول التي تأولنا بها المعاد وحشر الأجساد ونوازن بينها ليتبين أيها ~~أقوى # فإن قلتم إنكار المعاد تكذيب لما علم من دين الرسل بالضرورة # قلنا وإنكار صفات الرب وأنه متكلم آمر ناه فوق سمواته وأن الأمر ينزل من ~~عنده ويصعد إليه تكذيب لما علم أنهم جاؤوا به ضرورة # فإن قلتم تأويلنا للنصوص التي جاؤوا بها لا يستلزم تكذيبهم ورد أخبارهم # قلنا فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاؤوا بها في المعاد يستلزم ~~تكذيبهم ورد أخبارهم دون تأويلكم إلا لمجرد التحكم والتشهي # فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية وقالت ما الذي سوغ لكم تأويل الأخبار ~~وحرم علينا PageV01P369 @ تأويل الأمر والنهي والتحريم والإيجاب ومورد ~~الجميع من مشكاة واحدة فنحن سلكنا في تأويل الشرائع العملية نظير ما سلكتم ~~في تأويل النصوص الخبرية # قالوا وأين تقع نصوص الأمر والنهي من نصوص الخبر # قالوا وكثير منكم قد فتحوا لنا باب التأويل في الأمر فأولوا أوامر ونواهي ~~كثيرة صريحة الدلالة أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يخرجها عن حقائقها ~~وظواهرها فهلم نضعها في كفة ونضع تأويلاتنا في كفة ونوازن بينهما ونحن لا ~~ننكر أنا أكثر تأويلا منهم وأوسع لكنا وجدنا بابا مفتوحا فدخلناه وطريقا ~~مسلوكا فسلكناه فإن كان التأويل حقا فنحن أسعد الناس به وإن كان باطلا فنحن ~~وأنتم مشتركون فيه ومستقل ومستكثر # فهذا من شؤم جناية التأويل على أصول الإيمان والإسلام # وقد قيل إن طرد إبليس ولعنه إنما كان بسبب التأويل فإنه عارض النص ~~بالقياس وقدمه ms081 عليه وتأول PageV01P370 @ لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم ~~على نص الأمر بالسجود فإنه قال @QB@ أنا خير منه @QE@ الأعراف 12 # وهذا دليل قد حذفت إحدى مقدمتيه وهي أن الفاضل لا يخضع للمفضول وطوى ذكر ~~هذه المقدمة كأنها مقررة لكونها معلومة وقرر المقدمة الأولى بقوله @QB@ ~~خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ الأعراف 12 # فكان نتيجة المقدمتين امتناعه من السجود وظن أن هذه الشبهة العقلية تنفعه ~~في تأويله فجرى عليه ما جرى وصار إماما لكل من عارض نصوص الوحي بتأويله ~~الباطل إلى يوم القيامة ولا إله إلا الله كم لهذا الإمام اللعين من أتباع ~~من العالمين وأنت إذا تأملت عامة شبه المتأولين التي تأولوا لأجلها النصوص ~~وعطلوها رأيتها من جنس شبهته والقائل إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل ~~من ها هنا اشتق هذه القاعدة وجعلها أصلا لرد PageV01P371 @ نصوص الوحي التي ~~يزعم أن العقل يخالفها كما زعم إمامه أن دليل العقل يخالف نص الأمر بالسجود ~~حين قدمه عليه وعرضت لعدو الله هذه الشبهة من ناحية كبره الذي منعه من ~~الانقياد المحض لنص الوحي وهكذا تجد كل مجادل في نصوص الوحي بالباطل إنما ~~يحمله على ذلك كبر في صدره ما هو ببالغه قال تعالى @QB@ إن الذين يجادلون ~~في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع البصير @QE@ غافر 56 # وكذلك خروج آدم من الجنة إنما كان بسبب التأويل وإلا فهو صلى الله عليه ~~وسلم لم يقصد بالأكل معصية الرب والتجرؤ على مخالفة نهيه وأن يكون ظالما ~~مستحقا للشقاء بخروجه من الجنة هذا لم يقصده أبو البشر قطعا ثم اختلف الناس ~~في وجه تأويله فقالت طائفة تأول بحمله النهي المطلق على الشجرة المعينة ~~وغره عدو الله بأن جنس تلك الشجرة هي شجرة الخلد وأطمعه في أنه إن أكل منها ~~لم يخرج من الجنة وفي هذا الذي قالوه نظر ظاهر فإن الله سبحانه أخبر أن ~~إبليس قال له PageV01P372 @ @QB@ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ms082 ملكين أو تكونا من الخالدين @QE@ الأعراف 20 # فذكر لهما عدو الله الشجرة التي نهيا عنها إما بعينها أو بجنسها وصرح ~~لهما بأنها هي المنهي عنها ولو كان عند آدم أن المنهي عنه تلك الشجرة ~~المعينة دون سائر النوع لم يكن عاصيا بأكله من غيرها ولا أخرجه الله من ~~الجنة ونزع عنه لباسه # وقالت فرقة أخرى تأول آدم أن النهي نهي تنزيه لا نهي تحريم فأقدم على ~~الأكل لذلك وهذا باطل قطعا من وجوه كثيرة يكفي منها قوله تعالى @QB@ فتكونا ~~من الظالمين @QE@ البقرة 35 # وأيضا فحيث نهى الله عن فعل الشيء بقربانه لم يكن إلا للتحريم كقوله ~~تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى يطهرن @QE@ البقرة 222 @QB@ ولا تقربوا الزنى ~~@QE@ الإسراء 32 @QB@ ولا تقربوا مال اليتيم @QE@ الأنعام 152 PageV01P373 ~~@ # وأيضا لو كان للتنزيه لما أخرجه الله من الجنة وأخبر أنه عصى ربه # وقالت طائفة بل كان تأويله أن النهي إنما كان عن قربانهما وأكلهما معا لا ~~عن أكل كل منهما على انفراده لأن قوله @QB@ ولا تقربا @QE@ البقرة 35 # نهى لهما على الجمع ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال ~~الانفراد وهذا التأويل ذكره بن الخطيب في تفسيره وهو كما ترى في البطلان ~~والفساد ونحن نقطع أن هذا التأويل لم يخطر بقلب آدم وحواء البته وهما كانا ~~أعلم بالله من ذلك وأصح إفهاما أفترى فهم أحد عن الله من قوله @QB@ ولا ~~تقربوا مال اليتيم @QE@ الأنعام 152 @QB@ ولا تقربوا الزنى @QE@ الإسراء 32 # ونظائره أي إنما نهيتكم عن اجتماعكم على ذلك دون انفراد كل واحد منكم به ~~فيا للعجب من أوراق وقلوب تسود على هذه الهذيانات وتجد لها حاملا وقابلا ~~يستحسنها ويصغي بقلبه وسمعه إليها PageV01P374 @ # والصواب في ذلك أن يقال إن آدم صلوات الله وسلامه عليه لما قاسمه عدو ~~الله أنه ناصح وأخرج الكلام على أنواع متعددة من التأكيد # أحدها القسم # الثاني الإتيان بالجملة اسمية لا فعلية # الثالث تصديرها بأداة التأكيد # الرابع الإتيان بلام التأكيد في الخبر # الخامس الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على ms083 الحدث # السادس تقديم المعمول على العامل فيه # ولم يكن آدم يظن أن أحدا يقسم بالله كاذبا يمين غموس يتجرأ فيها على الله ~~هذه الجرأة فغره عدو الله بهذا التأكيد والمبالغة فظن آدم صدقه وأنه إن أكل ~~منها لم يخرج من الجنة ورأى أن الأكل وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح ~~ولعله يتأتى له استدراك مفسدة النهي أثناء ذلك إما باعتذار وإما بتوبة وإما ~~بغير ذلك كما تجد هذا التأويل قائما في نفس كل من يؤمن بالله واليوم الآخر ~~إيمانا لا شك فيه إذا اقدم على المعصية فوازن بين هذا التأويل وبين تأويلات ~~المحرفين يظهر لك الصواب من الخطأ والله الموفق للصواب PageV01P375 @ # | فصل # ومن جنايات التأويل ما وقع في الإسلام من الحوادث بعد موت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا بل في حياته صلوات الله وسلامه عليه فإن ~~خالد بن الوليد قتل بني جذيمة بالتأويل ولهذا نبرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من صنعه وقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ومنع الزكاة من منعها ~~من العرب بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويل وقالوا إنما قال ~~الله لرسوله PageV01P376 @ @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل ~~عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@ التوبة 103 # وهذا لا يكون لغيره فجرى بسبب هذا التأويل الباطل على الإسلام وأهله ما ~~جرى ثم جرت الفتنة التي جرت قتل عثمان بالتأويل ولم يزل التأويل يأخذ مأخذه ~~حتى قتل به عثمان فأخذ على الزيادة والتولد حتى قتل به بين علي ومعاوية ~~بصفين سبعين ألفا أو أكثر من المسلمين وقتل أهل الحرة بالتأويل وقتل يوم ~~الجمل بالتأويل من قتل ثم كان قتل بن الزبير ونصب المنجنيق على البيت ~~بالتأويل ثم كانت فتنة بن الأشعث وقتل من PageV01P377 @ قتل من المسلمين ~~بدير الجماجم بالتأويل ثم كانت فتنة الخوارج وما لقي المسلمون من حروبهم ~~وأذاهم بالتأويل ثم خروج أبي مسلم وقتله بني أمية وتلك الحروب العظام ~~بالتأويل ثم خروج العلويين وقتلهم وحبسهم ونفيهم ms084 بالتأويل إلى PageV01P378 ~~@ أضعاف أضعاف ما ذكرنا من حوادث الإسلام التي جرها التأويل وما ضرب مالك ~~بالسياط وطيف به إلا بالتأويل ولا ضرب الإمام أحمد بالسياط وطلب قتله إلا ~~بالتأويل ولا قتل أحمد بن نصر الخزاعي إلا بالتأويل ولا جرى على نعيم بن ~~حماد الخزاعي ما جرى وتوجع أهل الإسلام PageV01P379 @ لمصابه إلا بالتأويل ~~ولا جرى على محمد بن إسماعيل البخاري ما جرى ونفى وأخرج من بلده إلا ~~بالتأويل ولا قتل من قتل خلفاء الإسلام وملوكه إلا بالتأويل ولا جرى على ~~شيخ الإسلام عبد الله أبي إسماعيل الأنصاري ما جرى وطلب قتله بضعة وعشرين ~~مرة إلا بالتأويل ولا جرى على أئمة السنة والحديث ما جرى حين حبسوا ~~PageV01P380 @ وشردوا وأخرجوا من ديارهم إلا بالتأويل ولا جرى على شيخ ~~الإسلام بن تيمية ما جرى من خصومه بالسجن وطلب قتله أكثر من عشرين مرة إلا ~~بالتأويل # فقاتل الله التأويل الباطل وأهله وأخذ حق دينه وكتابه ورسوله وأنصاره ~~منهم فماذا هدموا من معاقل الإسلام وهدوا من أركانه وقلعوا من قواعده ولقد ~~تركوه أرق من الثوب الخلق البالي الذي تطاولت عليه السنون وتوالت عليه ~~الأهوية والرياح ولو بسطنا هذا الفصل وحده وما جناه التأويل على الأديان ~~والشرائع وخراب العالم لقام منه عدة أسفار وإنما نبهنا تنبيها يعلم به ~~العاقل ما وراءه وبالله التوفيق PageV01P381 @ # | الفصل السادس عشر في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله # لما كان وضع الكلام للدلالة على مراد المتكلم وكان مراده لا يعلم إلا ~~بكلامه انقسم كلامه ثلاثة أقسام # أحدها ما هو نص في مراده لا يحتمل غيره # الثاني ما هو ظاهر في مراده وإن احتمل أن يريد غيره # الثالث ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد بل هو مجمل يحتاج إلى البيان # فالأول يستحيل دخول التأويل فيه وتحميله التأويل كذب ظاهر على المتكلم ~~وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها كنصوص آيات الصفات ~~PageV01P382 @ والتوحيد وأن الله سبحانه مكلم متكلم آمر ناه قائل مخبر موحي ~~حاكم واعد موعد منبىء هاد داع ms085 إلى دار السلام فوق عباده علي على كل شيء ~~مستو على عرشه ينزل الأمر من عنده ويعرج إليه وأنه فعال حقيقة وأنه كل يوم ~~في شأن فعال لما يريد وأنه ليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع ولا ظهير وأنه ~~المنفرد بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية وأنه يعلم السر وأخفى وما ~~تسقط من ورقة إلا يعلمها وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر ويرى ما في ~~السماوات والأرض ولا يخفى عليه منها ذرة واحدة وأنه على كل شيء قدير فلا ~~يخرج مقدور واحد عن قدرته البتة كما لا يخرج عن علمه وتكوينه وأن له ملائكة ~~مدبرات بأمره للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتنتقل من مكان إلى مكان وأنه يذهب ~~بالدنيا ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة ويبعث من في القبور جل جلاله إلى ~~أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها كدلالة لفظ العشرة ~~والثلاثة على مدلوله وكدلالة لفظ الشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر ~~والخيل والبغال والإبل والبقر والغنم والذكر والأنثى على مدلولها لا فرق ~~بين ذلك البتة PageV01P383 @ # ولهذا لما سلطت الجهمية التأويل على نصوص الصفات سلطت الباطنية التأويل ~~على هذه الأمور وجعلوها أمثالا مضروبة اريد بها خلاف حقائقها وظواهرها ~~وجعلوا القرآن والشرع كله مؤولا ولهم في التأويل كتب مستقلة نظير كتب ~~الجهمية في تأويل آيات الصفات وأحاديثها # فهذا القسم إن سلط التأويل عليه عاد الشرع كله متأولا لأنه أظهر أقسام ~~القرآن ثبوتا وأكثرها ورودا ودلالة القرآن عليه متنوعة غاية التنوع فقبول ~~ما سواه للتأويل أقرب من قبوله بكثير # | فصل القسم الثاني # # | ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل # فهذا ينظر في وروده فإن أطرد استعماله على وجه واحد استحال تأويله بما ~~يخالف ظاهره لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء نادرا خارجا عن نظائره منفردا ~~PageV01P384 @ عنها فيؤول حتى يرد إلى نظائره وتأويل هذا غير ممتنع لأنه ~~إذا عرف من عادة المتكلم بإطراد كلامه في توارد استعماله معنى ألفه المخاطب ~~فإذا جاء موضع يخالفه رده السامع بما عهد من ms086 عرف المخاطب إلى عادته المطردة ~~هذا هو المعقول في الأذهان والفطر وعند كافة العقلاء وقد صرح أئمة العربية ~~بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه قد استعمل فيه ~~ثبوته أكثر من حذفه فلا بد أن يكون موضع ادعاء الحذف عندهم صالحا للثبوت ~~ويكون الثبوت مع ذلك أكثر من الحذف حتى إذا جاء ذلك محذوفا في موضع علم ~~بكثرة ذكره في نظائره أنه قد أزيل من هذا الموضع فحمل عليه فهذا شأن من ~~يقصد البيان والدلالة وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأن آخر # والقصد أن الظاهر في معناه إذا أطرد استعماله في موارده مستويا امتنع ~~تأويله وإن جاز تأويل ظاهر PageV01P385 @ مالم يطرد في موارد استعماله ~~ومثال ذلك إطراد قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 54 @QB@ ثم ~~استوى على العرش @QE@ الأعراف 54 # في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ فتأويله باستولى باطل ~~وإنما كان يصح أن لو كان أكثر مجيئه بلفظ استولى ثم يخرج موضع عن نظائره ~~ويرد بلفظ استوى فهذا كان يصح تأويله باستولى فتفطن لهذا الموضع واجعله ~~قاعدة فيما يمتنع تأويله من كلام المتكلم وما يجوز تأويله # ونظير هذا إطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا ترون ربكم تنظرون إلى ربكم ~~@QB@ إلى ربها ناظرة @QE@ القيامة 23 # ولم يجيء في موضع واحد ترون ثواب ربكم فيحمل عليه ما خرج عن نظائره ~~PageV01P386 @ # ونظير ذلك إطراد قوله @QB@ وناديناه @QE@ مريم 52 @QB@ ويوم يناديهم @QE@ ~~القصص 62 @QB@ وناداهما ربهما @QE@ الأعراف 22 @QB@ وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا @QE@ القصص 46 @QB@ إذ ناداه ربه بالواد المقدس @QE@ النازعات 16 ) # ونظائرها ولم يجيء في موضع واحد أمرنا من يناديه ولا ناداه ملكنا فتأويله ~~بذلك عين المحال والباطل # ونظير ذلك إطراد قوله ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول في نحو ~~ثلاثين حديثا كلها مصرحة PageV01P387 @ بإضافة النزول إلى الرب ولم يجيء ~~موضع واحد بقوله ينزل ملك ربنا حتى يحمل ما خرج عن نظائره عليه # وإذا تأملت نصوص الصفات التي لا تسمح الجهمية ms087 بأن يسموها نصوصا فإذا ~~احترموها قالوا ظواهر سمعية وقد عارضتها القواطع العقلية وجدتها كلها من ~~هذا الباب # ومما يقضي منه العجب أن كلام شيوخهم ومصنفيهم عندهم نص في مراده لا يحتمل ~~التأويل وكلام الموافقين عندهم نص لا يجوز تأويله حتى إذا جاؤوا إلى كلام ~~الله ورسوله وقفوه على التأويل ووقفوا التأويل عليه فقل ما شئت وحرف ما شئت ~~أفترى بيان هؤلاء لمرادهم أتم من بيان الله ورسوله أم كانوا مستولين على ~~بيان الحقائق التي سكت الله ورسوله عن بيانها بل أولئك هم الجاهلون ~~المتهوكون PageV01P388 @ # | فصل القسم الثالث # # | الخطاب المجمل الذي أحيل بيانه على خطاب آخر # فهذا أيضا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي بينه وقد يكون بيانه معه وقد ~~يكون منفصلا عنه # والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل قد يكون له عدة معان وليس معه ~~ما يبين مراد المتكلم فهذا للتأويل فيه مجال واسع وليس في كلام الله ورسوله ~~من هذا النوع شيء من الجمل المركبة وإن وقع في الحروف المفتتح بها السور بل ~~إذا تأمل من بصره الله طريقة القرآن والسنة وجدها متضمنة لرفع ما يوهمه ~~الكلام من خلاف ظاهره وهذا موضع لطيف جدا في فهم القرآن نشير إلى بعضه فمن ~~ذلك قوله تعالى @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ النساء 164 # رفع سبحانه توهم المجاز في تكليمه لكليمة بالمصدر المؤكد الذي لا يشك ~~عربي القلب واللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة كما تقول العرب مات ~~موتا ونزل نزولا ونظيره التأكيد بالنفس والعين وكل وأجمع والتأكيد بقوله ~~حقا ونظائره PageV01P389 @ # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي ~~إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير @QE@ المجادلة 1 # فلا يشك صحيح الفهم البتة في هذا الخطاب أنه نص صريح لا يحتمل التأويل ~~بوجه في إثبات صفة السمع للرب تعالى حقيقة وأنه بنفسه سمع # ومن ذلك قوله @QB@ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون @QE@ الأعراف 42 # فرفع ms088 توهم السامع أن المكلفين عملوا جميع الصالحات المقدورة والمعجوز ~~عنها كما يجوزه أصحاب تكليف ما لا يطاق رفع هذا التوهم بجملة اعترض بها بين ~~المبتدأ وخبره يزيل الإشكال ونظيره قوله تعالى @QB@ وأوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ الأنعام 152 # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض ~~المؤمنين @QE@ النساء 84 PageV01P390 @ # فلما أمره بالقتال أخبره أنه لا يكلف بغيره بل إنما كلف نفسه ثم أتبع ذلك ~~بقوله @QB@ وحرض المؤمنين @QE@ لئلا يتوهم سامع أنه وإن لم يكلف بهم فإنه ~~يهملهم ويتركهم ومن ذلك قوله تعالى @QB@ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب ~~رهين @QE@ الطور 21 # فتأمل كم في هذا الكلام من رفع إيهام وإزالة ما عسى أن يعرض للمخاطب من ~~لبس فمنها PageV01P391 @ قوله @QB@ واتبعتهم ذريتهم بإيمان @QE@ لئلا يتوهم ~~أن الاتباع في نسب أو تربية أو حرية أو رق وغير ذلك ومنها قوله @QB@ وما ~~ألتناهم من عملهم @QE@ الطور 21 # رفعا لوهم متوهم أنه يحط الآباء إلى درجة الأبناء ليحصل الإلحاق والتبعية ~~فأزال هذا الوهم بقوله @QB@ وما ألتناهم من عملهم @QE@ أي ما نقصنا الآباء ~~بهذا الاتباع شيئا من عملهم بل رفعنا الذرية إليهم قرة لعيونهم وإن لم يكن ~~لهم أعمال يستحقون بها تلك الدرجة # ومنها قوله @QB@ كل امرئ بما كسب رهين @QE@ الطور 21 # فلا يتوهم أن هذا الاتباع حاصل في أهل الجنة وأهل النار بل هو للمؤمنين ~~دون الكفار فإن الله سبحانه PageV01P392 @ لا يعذب أحدا إلا بكسبه وقد ~~يثيبه من غير كسب منه ومنها قوله تعالى @QB@ يا نساء النبي لستن كأحد من ~~النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا ~~معروفا @QE@ الأحزاب 32 # فلما أمرهن بالتقوى التي من شأنها التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع ~~بالقول لئلا يطمع فيهن ذو المرض ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف رفعا ~~لتوهم الإذن في الكلام المنكر لما نهين عن الخضوع بالقول ومن ذلك ms089 قوله @QB@ ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر @QE@ ~~البقرة 187 # فرفع توهم فهم الخيطين من الخيوط بقوله @QB@ من الفجر @QE@ # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم @QE@ التكوير 28 ~~PageV01P393 @ # فأثبت لهم مشيئة فلعل متوهما يتوهم استقلاله بها وأنه إن شاء أتى بها وإن ~~شاء لم يأت بها فأزال سبحانه ذلك بقوله @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ~~@QE@ التكوير 29 الإنسان 30 # ثم لعل متوهما يتوهم أنه يشاء الشيء بلا حكمة ولا علم بمواقع مشيئته وحيث ~~تصلح فأزال ذلك بقوله @QB@ إن الله كان عليما حكيما @QE@ الإنسان 30 # ونظير ذلك قوله تعالى @QB@ كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن ~~يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة @QE@ المدثر 54 - 56 PageV01P394 @ ~~ومن ذلك قوله @QB@ وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن @QE@ التوبة ~~111 # فلعل متوهما يتوهم أن الله سبحانه يجوز عليه ترك الوفاء بما وعد به فأزال ~~ذلك بقوله @QB@ ومن أوفى بعهده من الله @QE@ التوبه 111 # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ~~@QE@ الأنعام 158 # فلما ذكر إتيانه سبحانه ربما توهم متوهم أن المراد إتيان بعض آياته أزال ~~هذا الوهم ورفع الإشكال بقوله @QB@ أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ فصار الكلام ~~مع هذا التقسيم والتنويع نصا صريحا في معناه لا يحتمل غيره # وإذا تأملت أحاديث الصفات رأيت هذا لائحا على صفحاتها باديا على ألفاظها ~~كقوله صلى الله عليه وسلم إنكم ترون ربكم عيانا كما ترى الشمس في الظهيرة ~~PageV01P395 @ صحوا ليس دونها سحاب وكما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه ~~سحاب # وقوله ما منكم إلا من سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ولا ~~حاجب يحجبه فلما كان تكليم الملوك قد يقع بواسطة الترجمان ومن وراء الحجاب ~~أزال هذا الوهم من الأفهام وكذلك الحديث الآخر أنه صلى الله عليه وسلم قرأ ~~@QB@ وكان الله سميعا بصيرا @QE@ وضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه ~~رفعا PageV01P396 @ لتوهم متوهم أن المراد بالسمع والبصر ms090 غير الصفتين ~~المعلومتين وأمثال هذا كثير في القرآن والسنة كما في الحديث الصحيح أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم جعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ويبسطها تحقيقا لإثبات اليد وإثبات ~~صفة القبض ومن هذا إشارته بأصبعه إلى السماء حين استشهد ربه تبارك وتعالى ~~على الصحابة أنه قد بلغهم تحقيقا لإثبات صفة العلو وأن الرب الذي استشهده ~~فوق العالم مستو على عرشه فهذه أمثلة يسيرة ذكرناها ليعرف الفهم المنصف ~~القاصد للهدى والنجاة منها ما يقبل التأويل وما لا يقبله ولا عبرة بغيرة ~~والله المستعان PageV01P397 @ انتهى الجزء الأول PageV01P398 @ # | الفصل السابع عشر في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع ~~الثقة بالكلام ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه # معلوم أن العلوم إنما قصد بها مصنفوها بيانها وإيضاحها للمتعلمين ~~وتفهيمهم إياها بأقرب ما يقدرون عليه من الطرق فإن سلط التأويل على ألفاظهم ~~وحملها على غير ظواهرها لم ينتفع بها وفسدت وعاد ذلك إلى موضوعها ومقصودها ~~بالإبطال فإذا حمل كلام الأطباء على غير عرفهم المعروف من خطابهم وتأول ~~المخاطب كلامهم على غير ظاهره لم يصل إلى فهم مرادهم البتة بل أفسد عليهم ~~علمهم وصناعتهم وهكذا أصحاب علم الحساب والنحو وجميع أرباب العلوم إذا سلط ~~التأويل على كلامهم لم يوصل إلى شيء من تلك العلوم مع أنه يجوز عليهم الخطأ ~~والتناقض والتلبيس في بعض المواضع والتعمية ومع PageV02P399 @ قصورهم في ~~البيان ووجوه التعبير ومع نقصان إدراكهم للحقائق وعلومهم ومعارفهم فكيف ~~يسلط التأويل على كلام من لا يجوز عليه الخطأ والغلط والتناقض وضد البيان ~~والإرشاد هذا مع كمال علمه وكمال قدرته على أعلى أنواع البيان وكمال نصحه ~~وهداه وإحسانه وقصده الإفهام والبيان لا التعمية والإلغاز # ولهذا لما سلط المحرفون التأويلات الباطلة على نصوص الشرع فسد الدين ~~فسادا لولا أن الله سبحانه تكفل بحفظه وأقام له حرسا وكلهم بحمايته من ~~تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين لجرى عليه ما جرى على الأديان السالفة ~~ولكن الله برحمته ms091 وعنايته بهذه الأمة يبعث لها عند دروس السنة وظهور البدعة ~~من يجدد لها دينها ولا يزال يغرس في دينه غرسا يستعملهم فيه علما وعملا # وكما أن التأويل إن سلط على علوم الخلائق أفسدها فكذلك إذا استعمل في ~~مخاطباتهم أفسد الأفهام والفهم ولم يمكن لأمة أن تعيش عليه أبدا فإنه ضد ~~البيان الذي علمه الله الإنسان لقيام مصالحه في معاشه ومعاده وقد تقدم ~~تقرير ذلك بما فيه الكفاية وبالله التوفيق PageV02P400 @ # | فصل # في بيان أنه إن سلط على آيات التوحيد القولي العلمي وأخباره لزم تسليطه ~~على آيات التوحيد العملي وأخباره وفسد التوحيد معرفة وقصدا # هذا فصل عظيم النفع جليل القدر إنما ينتفع به من عرف نوعي التوحيد القولي ~~العلمي الخبري والتوحيد القصدي الإرادي العملي كما دل على الأول سورة : ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ الإخلاص 1 # وعلى الثاني سورة : @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ الكافرون 1 # وكذلك دل على الأول قوله تعالى : @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~@QE@ الآية البقرة 136 # وعلى الثاني قوله تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم @QE@ الآية آل عمران 64 # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين PageV02P401 @ السورتين ~~في سنة الفجر وسنة المغرب ويقرأ بهما في ركعتي الطواف ويقرأ بالآيتين في ~~سنة الفجر لتضمنهما التوحيد العلمي والعملي والتوحيد العلمي أساسه إثبات ~~صفات الكمال للرب تعالى ومباينته لخلقه وتنزيهه عن PageV02P402 @ # العيوب والنقائص والتمثيل والتوحيد العملي أساسه تجريد القصد بالحب ~~والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والاستعانة والاستغاثة والعبودية بالقلب ~~واللسان والجوارح لله وحده فمدار ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه على ~~هذين التوحيدين وأقرب الخلق إلى الله أقومهم بهما علما وعملا ولهذا كانت ~~الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أقرب الخلق إلى الله وأقربهم إليه وسيلة ~~أولو العزم وأقربهم الخليلان وخاتمهم سيد ولد آدم وأكرمهم على الله لكمال ~~توحيده وعبوديته لله فهذان الأصلان هما قطب رحى القرآن وعليهما مداره ~~وبيانهما من أهم الأمور والله سبحانه بينهما غاية البيان بالطرق الفطرية ~~والعقلية والنظرية والأمثال المضروبة ونوع ms092 سبحانه الطرق في إثباتهما أكمل ~~التنويع بحيث صارت معرفة القلوب الصحيحة والفطر السليمة لها بمنزلة رؤية ~~الأعين المبصرة التي لا آفة بها للشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء فذاك ~~للبصيرة بمنزلة هذا للبصر فإن سلط التأويل على التوحيد الخبري العلمي كان ~~تسليطه على التوحيد العملي القصدي أسهل وانمحت رسوم التوحيد وقامت معالم ~~التعطيل والشرك ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمين لا ينفك أحدهما عن صاحبه ~~وإمام المعطلين المشركين فرعون فهو إمام كل معطل ومشرك إلى يوم القيامة كما ~~أن إمام الموحدين إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما إلى يوم القيامة ~~قال الله تعالى لإمام المعطلين وأتباعه PageV02P403 @ @QB@ وجعلناهم أئمة ~~يدعون إلى النار @QE@ القصص 41 # وقال وقام لإمام الحنفاء @QB@ إني جاعلك للناس إماما @QE@ 9 البقرة 124 # وقال لأتباعه @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون @QE@ السجدة 24 # فلا يأتي المعطل للتوحيد الخبري بتأويل إلا أمكن المشرك المعطل للتوحيد ~~العملي أن يأتي بتأويل من جنسه وقد اعترف بذلك حذاق الفلاسفة وفضلاؤهم فقال ~~أبو الوليد بن رشد في كتاب الكشف عن مناهج الأدلة القول في الجهة وأما هذه ~~الصفة فلم يزل PageV02P404 @ أهل الشريعة يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها ~~المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله ~~وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة مثل قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ طه 5 PageV02P405 @ # ومثل قوله @QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض @QE@ البقرة 255 # ومثل قوله @QB@ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ الحاقة 17 # ومثل قوله @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون @QE@ السجدة 5 # ومثل قوله @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ المعارج 4 # ومثل قوله @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض @QE@ الملك 16 # إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا ~~وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها ~~مبنية على أن الله في السماء وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين ms093 وأن ~~PageV02P406 @ من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله ~~والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك # والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة ~~يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية ونحن نقول إن إثبات ~~هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم ~~نفسه المحيطة به وهي ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقا وأسفل ويمينا وشمالا ~~وأماما وخلفا وإما سطوح جسم آخر يحيط بالجسم ذي الجهات الست فأما الجهات ~~التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا وأما سطوح الأجسام ~~المحيطة به فهي له مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان وسطوح الفلك ~~المحيط بسطوح الهواء هي أيضا مكان للهواء وهكذا الأفلاك بعضها محيطة ببعض ~~ومكان له وأما سطح الفلك الخارجي فقد برهن أنه ليس خارجه جسم لأنه ~~PageV02P407 @ لو كان كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ويمر الأمر ~~إلى غير نهاية فإذا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا إذ ليس يمكن أن ~~يوجد فيه جسم لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم فإذا إن قام البرهان ~~على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم والذي يمنع وجوده هناك ~~هو عكس ما ظنه القوم وهو موجود هو جسم لا موجود ليس بجسم وليس لهم أن ~~يقولوا إن خارج العالم خلاء وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية ~~امتناعه لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئا أكثر من أبعاد ليس فيها ~~جسم أعني طولا وعرضا وعمقا لأنه إن رفعت الأبعاد عنه عاد عدما وإن أنزل ~~الخلاء موجودا لزم أن تكون أعراضا موجودة في غير جسم وذلك أن الأبعاد هي ~~أعراض من باب الكمية ولا بد ولكنه قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع ~~الغابرة إن ذلك الموضع هو ms094 مسكن الروحانيين يريدون الله والملائكة وذلك أن ~~ذلك الموضع ليس هو مكان PageV02P408 @ ولا يحويه زمان وكذلك إن كان كل ما ~~يحويه الزمان والمكان فاسدا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن ~~وقد تبين هذا المعنى مما أقوله وذلك أنه لما لم يكن ها هنا شيء إلا هذا ~~الموجود المحسوس أو العدم وكان من المعروف بنفسه أن الموجود إنما ينسب إلى ~~الوجود أعني أنه يقال إنه موجود أي في الوجود إذ لا يمكن أن يقال إنه موجود ~~في العدم فإن كان ها هنا موجودا هو أشرف الموجودات فواجب أن ينسب من ~~الموجود المحسوس إلى الجزء الأشرف وهي السماوات ولشرف هذا الجزء قال تعالى ~~: @QB@ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~@QE@ غافر 57 # وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم فقد ظهر لك من هذا ~~أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه وإن ~~إبطال PageV02P409 @ هذه القاعدة إبطال للشرائع وإن وجه العسر في تفهيم هذا ~~المعنى مع نفي الجسمية هو أنه ليس في الشاهد مثال له فهو بعينه السبب في ~~أنه لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه لأن الجمهور إنما يقع لهم ~~التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد مثل العلم بالصانع ~~فإنه لما كان في الشاهد شرطا في وجوده كان شرطا في وجود الصانع الغائب وأما ~~متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر ولا ~~يعلمه إلا العلماء الراسخون فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته إن لم يكن ~~بالجمهور حاجة إلى معرفته مثل العلم بالنفس أو يضرب له مثالا من الشاهد إن ~~كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند ~~PageV02P410 @ الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور إليها لا سيما إذا لم يصرح ~~لهم بأنه ليس بجسم فيجب أن يمتثل في هذا كله فعل الشرع وأن لا يتأول ما لم ~~يصرح الشرع بتأويله ms095 # والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث مراتب : # صنف لا يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى وخاصة متى تركت هذه الأشياء ~~على ظاهرها في الشرع وهؤلاء هم الأكثر وهم الجمهور # وصنف عرفوا حقيقة هذه الأشياء وهم العلماء الراسخون في العلم وهؤلاء هم ~~ألأقل من الناس # وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها وهؤلاء هم فوق ~~العامة ودون العلماء وهذا الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع ~~وهم الذين ذمهم الله PageV02P411 @ # وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه فعلى هذا المعنى ينبغي أن ~~يفهم التشابه ومثال ما عرض لهذا الصنف مع الشرع مثال ما يعرض في خبز البر ~~مثلا الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان أن يكون لأقل الأبدان ضارا وهو ~~نافع للأكثر وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر وربما ضر الأقل ولهذا ~~الإشارة بقوله تعالى : @QB@ وما يضل به إلا الفاسقين @QE@ البقرة 26 # ولكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز في الأقل منها والأقل من الناس ~~وأكثر ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال ~~في الشاهد فيعبر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها وأكثرها شبها ~~بها فيعرض لبعض الناس أن يأخذ PageV02P412 @ الممثل به هو المثال نفسه ~~فيلزمه الحيرة والشك وهو الذي يسمى متشابها في الشرع وهذا ليس يعرض للعلماء ~~ولا الجمهور وهم صنفا الناس في الحقيقة لأن هؤلاء هم الأصحاء والغذاء ~~الملائم إنما يوافق أبدان الأصحاء وأما أولئك فمرضى والمرضى هم الأقل ولذلك ~~قال الله تعالى : @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه @QE@ ~~آل عمران 7 # وهؤلاء أهل الجدل والكلام وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم ~~تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره وقالوا إن هذا التأويل هو المقصود به ~~وإنما أتى الله به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم ونعوذ ~~بالله من هذا الظن بالله بل نقول إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من ~~جهة الوضوح والبيان ms096 فإذا ما أبعد من مقصد الشرع من قال فيما ليس بمتشابه ~~إنه متشابه ثم أول ذلك PageV02P413 @ المتشابه بزعمه وقال لجميع الناس إن ~~فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آيات الاستواء على العرش وغير ~~ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه # وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع ~~إذ تؤولت وجدت ليس يقوم عليها برهان ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور ~~لها وعملهم بها فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور إنما هو العمل فما ~~كان أنفع في العمل فهو أجدر وأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران ~~جميعا أعني العلم والعمل # ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي قصده الشرع وصرح ~~بذلك التأويل للجمهور مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة ~~جميع الناس أو الأكثر فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة ~~مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض الأدوية التي صرح ~~باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركب لم يرد به ذلك ~~الدواء التي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك PageV02P414 @ الاسم عليه ~~وإنما أراد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة فأزال ~~ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه ~~الذي قصده الطبيب وقال للناس هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ~~ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه ذلك المتأول ففسدت به أمزجة ~~كثير من الناس فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركب ~~فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول فعرض من ~~ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك ~~المركب غيرالتأويل الأول والثاني فعرض من ذلك للناس نوع ثالث من المرض غير ~~النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة ~~فعرض منه ms097 للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة فلما طال الزمن ~~بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها ~~عرض منه للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في ~~حق أكثر الناس وهذه هي حال هذه الفرق PageV02P415 @ الحادثة في الشريعة مع ~~الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلا غير التأويل الذي ~~تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشرع حتى تمزق الشرع كل ~~ممزق وبعد جدا عن موضوعه الأول ولما علم صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم أن ~~مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال ستفترق أمتي على ثنتين وسبعين فرقة كلها ~~في النار إلا واحدة يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله ~~PageV02P416 @ # وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض ~~فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح وأول من غير هذا الدواء ~~الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو ~~حامد فطم الوادي على القرى اه وذكر كلاما بعد ذلك يتعلق بكتب أبي حامد ليس ~~لنا غرض في حكايته PageV02P417 @ # | الفصل الثامن عشر في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل ~~وأصحاب تخييل وأصحاب تجهيل وأصحاب تمثيل وأصحاب سواء السبيل # هذه خمسة أصناف انقسم الناس إليها في هذا الباب بحسب اعتقادهم ما أريد ~~بالنصوص # الصنف الأول أصحاب التأويل وهم أشد الأصناف اضطرابا إذ لم يثبت لهم قدم ~~في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول ولا ضابط مطرد منعكس تجب مراعاته وتمنع ~~مخالفته بخلاف سائر الفرق فإنهم جروا على ضابط واحد وإن كان فيهم من هو أشد ~~خطأ من أصحاب التأويل كما سنذكره # الصنف الثاني أصحاب التخييل وهم الذين PageV02P418 @ اعتقدوا أن الرسل لم ~~تفصح للخلق بالحقائق إذ ليس في قواهم إدراكها وإنما خيلت لهم وأبرزت ~~المعقول في صورة المحسوس قالوا ولو دعت الرسل أممهم إلى الإقرار برب لا ~~داخل العالم ولا خارجه ولا محايثا ms098 له ولا مباينا له ولا متصلا به ولا ~~منفصلا عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره لنفرت عقولهم من ~~ذلك ولم تصدق بإمكان وجود هذا الموجود فضلا عن وجوب وجوده وكذلك لو أخبروهم ~~بحقيقة كلامه وأنه فيض فاض من المبدأ الأول على العقل الفعال ثم فاض من ذلك ~~العقل على النفس الناطقة الزكية المستعدة لم يفهموا ذلك ولو أخبروهم عن ~~المعاد الروحاني بما هو عليه لم يفهموه فقربوا لهم الحقائق المعقولة في ~~إبرازها في الصور المحسوسة وضربوا لهم الأمثال بقيام الأجساد من القبور في ~~يوم العرض والنشور ومصيرها إلى جنة فيها أكل وشرب ولحم وخمر وجوار حسان أو ~~نار فيها أنواع العذاب تفهيما للذة الروحانية بهذه الصورة والألم الروحاني ~~PageV02P419 @ بهذه الصورة وهكذا فعلوا في وجود الرب وصفاته وأفعاله ضربوا ~~لهم الأمثال بموجود عظيم جدا أكبر من كل موجود وله سرير عظيم وهو مستو فوق ~~سريره يسمع ويبصر ويتكلم ويأمر وينهى ويرضى ويغضب ويأتي ويجيء وينزل وله ~~يدان ووجه ويفعل بمشيئته وإرادته وإذا تكلم العباد سمع كلامهم وإذا تحركوا ~~رأى حركاتهم وإذا هجس في قلب أحد منهم هاجس علمه وأنه ينزل كل ليلة إليهم ~~إلى سمائهم هذه فيقول من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له إلى غير ذلك ~~مما نطقت به الكتب الإلهية قالوا ولا يحل لأحد أن يتأول ذلك على خلاف ظاهره ~~للجمهور لأنه يفسد ما وضعت له الشرائع والكتب الإلهية # وأما الخاصة فهم يعلمون أن هذه أمثال مضروبة لأمور عقلية تعجز عن إدراكها ~~عقول الجمهور فتأويلها جناية على الشريعة والحكمة وإقرارها إقرار للشريعة ~~PageV02P420 @ والحكمة قالوا وعقول الجمهور بالنسبة إلى هذه الحقائق أضعف ~~من عقول الصبيان بالنسبة إلى ما يدركه عقلاء الرجال وأهل الحكمة منهم ~~والحكيم إذا أراد أن يخوف الصغير أو يبسط أمله خوفه ورجاه بما يناسب فهمه ~~وطبعه # وحقيقة الأمر عند هذه الطائفة أن الذي أخبرت به الرسل عن الله وصفاته ~~وأفعاله وعن اليوم الآخر لا حقيقة له يطابق ما أخبروا به ولكنه أمثال ms099 ~~وتخييل وتفهيم بضرب الأمثال وقد ساعدهم أرباب التأويل على هذا المقصد في ~~باب معرفة الله وأسمائه وصفاته وصرحوا في ذلك بمعنى ما صرح به هؤلاء في باب ~~المعاد وحشر الأجساد بل نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص الاستواء والفوقية ~~ونصوص الصفات الخبرية لكن هؤلاء أوجبوا أو سوغوا تأويلها بما يخرجها عن ~~حقائقها وظواهرها وظنوا أن الرسل قصدت ذلك من المخاطبين تعريضا لهم إلى ~~الثواب الجزيل ببذل الجهد في تأويلها أو استخراج معان تليق بها وحملها ~~عليها وأولئك حرموا التأويل ورأوه عائدا على ما قصدته PageV02P421 @ ~~الأنبياء بالإبطال والطائفتان متفقتان على انتفاء حقائقها المفهومة منها في ~~نفس الأمر # والصنف الثالث أصحاب التجهيل الذين قالوا نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل ~~معانيها ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها ولكن نقرأها ألفاظا لا معاني ~~لها ونعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وهي عندنا بمنزلة : @QB@ كهيعص ~~@QE@ مريم 1 و @QB@ حم عسق @QE@ الشورى 2 1 و @QB@ المص @QE@ الأعراف 1 # فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلا ولا تشبيها ولم نعرف ~~معناه وننكر على من تأوله ونكل علمه إلى الله وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف ~~وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات ولا يفهمون معنى قوله : @QB@ ~~لما خلقت بيدي @QE@ ص 75 # وقوله @QB@ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة @QE@ الزمر 67 PageV02P422 @ # وقوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # وأمثال ذلك من نصوص الصفات # وبنوا هذا المذهب على أصلين : # أحدهما أن هذه النصوص من المتشابه # والثاني أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله فنتج من هذين الأصلين ~~استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان وأنهم كانوا يقرأون : @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 و ~~@QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ المائدة 64 # ويروون ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما ~~أريد به ولازم قولهم إن الرسول كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه ثم تناقضوا ~~أقبح تناقض فقالوا تجري على ظواهرها وتأويلها مما يخالف الظواهر باطل ومع ~~ذلك فلها ms100 تأويل لا يعلمه إلا الله فكيف PageV02P423 @ يثبتون لها تأويلا ~~ويقولون تجر على ظواهرها ويقولون الظاهر منها غير مراد والرب منفرد بعلم ~~تأويلها وهل في التناقض أقبح من هذا # وهؤلاء غلطوا في المتشابه وفي جعل هذه النصوص من المتشابه وفي كون ~~المتشابه لا يعلم معناه إلا الله فأخطأوا في المقدمات الثلاث واضطرهم إلى ~~هذا التخلص من تأويلات المبطلين وتحريفات المعطلين وسدوا على نفوسهم الباب ~~وقالوا لا نرضى بالخطأ ولا وصول لنا إلى الصواب فهؤلاء تركوا التدبر ~~المأمور به والتذكر والعقل لمعاني النصوص الذي هو أساس الإيمان وعمود ~~اليقين وأعرضوا عنه بقلوبهم وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك ~~وظنوا أنها أنزلت للتلاوة والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها والتفكر ~~فيها # فأولئك جعلوها عرضة للتأويل والتحريف كما جعلها أصحاب التخييل أمثالا لا ~~حقيقة لها وقابلهم PageV02P424 @ # الصنف الرابع وهم أصحاب التشبيه والتمثيل ففهموا منها مثل ما للمخلوقين ~~وظنوا أن لا حقيقة لها سوى ذلك وقالوا محال أن يخاطبنا الله سبحانه بما لا ~~نعقله ثم يقول : @QB@ لعلكم تعقلون @QE@ البقرة 73 @QB@ لعلكم تتفكرون @QE@ ~~البقرة 219 @QB@ ليدبروا آياته @QE@ ص 29 # ونظائر ذلك وهؤلاء هم المشبهة # فهذه الفرق لا تزال تبدع بعضهم بعضا وتضلله وتجهله وقد تصادمت كما ترى ~~فهم كزمرة من العميان تلاقوا فتصادموا كما قال أعمى البصر والبصيرة منهم : # ( ونظيري في العلم مثلي أعمى % فترانا في حندس نتصادم ) # وهدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى PageV02P425 @ فلم يتلوثوا ~~بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات ونفوا ~~عنه مماثلة المخلوقات فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى بين ضلالتين خرج ~~من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين كما خرج اللبن من بين ~~فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين وقالوا نصف الله بما وصف به نفسه وبما ~~وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل بل طريقتنا ~~إثبات حقائق الأسماء والصفات ونفي مشابهة المخلوقات فلا نعطل ولا نؤول ولا ~~نمثل ولا نجهل ولا نقول ليس لله يدان ولا وجه ولا ms101 سمع ولا بصر ولا حياة ولا ~~قدرة ولا استوى على عرشه ولا نقول له يدان كأيدي المخلوق ووجه كوجوههم وسمع ~~وبصر وحياة وقدرة واستوى كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم بل نقول له ~~ذات حقيقة ليست كالذوات وله صفات حقيقة لا مجازا ليست كصفات المخلوقين ~~وكذلك قولنا في وجهه تبارك وتعالى ويديه وسمعه وبصره وكلامه واستوائه ولا ~~يمنعنا ذلك أن نفهم PageV02P426 @ المراد من تلك الصفات وحقائقها كما لم ~~يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها فإن ~~من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما فهكذا سائر ~~صفاته المقدسة يجب أن تجري هذا المجرى وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها ~~وكيفيتها فإن الله سبحانه لم يكلف عباده بذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم ~~إليه سبيلا بل كثير من مخلوقاته أو أكثرها لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة ~~كنهه وكيفيته وهذه أرواحهم التي هي أدنى إليهم من كل دان قد حجب عنهم معرفة ~~كنهها وكيفيتها وجعل لهم السبيل إلى معرفتها والتمييز بينها وبين أرواح ~~البهائم وقد أخبرنا سبحانه عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار ~~فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يعرفوا كيفيته ~~وكنهه فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارا من خمر وأنهارا من عسل وأنهارا ~~من لبن ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته إذ كانوا لا يعرفون في ~~الدنيا الخمر إلا ما اعتصر من الأعناب والعسل إلا ما قذفت به النحل في ~~بيوتها واللبن إلا ما خرج من الضروع والحرير إلا ما خرج من فم دود القز وقد ~~PageV02P427 @ فهموا معاني ذلك في الجنة من غير أن يكون مماثلا لما في ~~الدنيا كما قال بن عباس ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء ولم ~~يمنعهم عدم النظير في الدنيا من فهم ما أخبروا به من ذلك فهكذا الأسماء ~~والصفات لم يمنعهم انتفاء نظيرها في الدنيا ومثالها من فهم حقائقها ~~ومعانيها بل قام بقلوبهم معرفة ms102 حقائقها وانتفاء التمثيل والتشبيه عنها وهذا ~~هو المثل الأعلى الذي أثبته سبحانه لنفسه في ثلاثة مواضع من القرآن : # أحدها قوله @QB@ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ~~وهو العزيز الحكيم @QE@ النحل 60 PageV02P428 @ # الثاني قوله @QB@ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ الروم 27 # الثالث قوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ الشورى 11 # فنفى سبحانه المماثلة عن هذا المثل الأعلى وهو ما في قلوب أهل سمواته ~~وأرضه من معرفته والإقرار بربوبيته وأسمائه وصفاته وذاته فهذا المثل الأعلى ~~هو الذي آمن به المؤمنون وأنس به العارفون وقامت شواهده في قلوبهم ~~بالتعريفات الفطرية المكملة بالكتب الإلهية المقبولة بالبراهين العقلية ~~فاتفق على الشهادة بثبوته العقل والسمع والفطرة فإذا قال المثبت يا الله ~~قام بقلبه ربا قيوما قائما بنفسه مستويا على عرشه مكلما متكلما سامعا رآئيا ~~قديرا مريدا فعالا لما يشاء يسمع دعاء الداعين ويقضي حوائج السائلين ويفرج ~~عن PageV02P429 @ المكروبين ترضيه الطاعات وتغضبه المعاصي تعرج الملائكة ~~بالأمر إليه وتنزل بالأمر من عنده وإذا شئت زيادة تعريف بهذا المثل الأعلى ~~فقدر قوى جميع المخلوقات اجتمعت لواحد منهم ثم كان جميعهم على قوة ذلك ~~الواحد فإذا نسبت قوته إلى قوة الرب تبارك وتعالى لم تجد لها نسبة وإياها ~~ألبتة كما لا تجد نسبة بين قوة البعوضة وقوة الأسد فإذا قدرت علوم الخلائق ~~اجتمعت لرجل واحد ثم قدرت جميعهم بهذه المثابة كانت علومهم بالنسبة إلى ~~علمه تعالى كنقرة عصفور من بحر وإذا قدرت حكمة جميع المخلوقين على هذا ~~التقدير لم يكن لها نسبة إلى حكمته وكذلك إذا قدرت كل جمال في الوجود اجتمع ~~لشخص واحد ثم كان الخلق كلهم بذلك الجمال كان نسبته إلى جمال الرب تعالى ~~وجلاله دون نسبة السراج الضعيف إلى جرم الشمس # وقد نبهنا الله سبحانه على هذا المعنى بقوله PageV02P430 @ @QB@ ولو أنما ~~في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ~~إن الله عزيز ms103 حكيم @QE@ لقمان 27 # فقدر البحر المحيط بالعالم مدادا ووراءه سبعة أبحر تحيط به كلها مداد ~~تكتب به كلمات الله نفدت البحار وفنيت الأقلام التي لو قدرت جميع أشجار ~~الأرض من حين خلقت إلى آخر الدنيا ولم تنفد كلمات الله # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم إن السماوات السبع في الكرسي كحلقة ~~ملقاة بأرض فلاة والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة والعرش لا يقدر ~~قدره إلا الله وهو سبحانه فوق عرشه يرى ما عباده عليه فهذا هو الذي قام ~~بقلوب المؤمنين المصدقين العارفين به PageV02P431 @ سبحانه من المثل الأعلى ~~فعرفوه به وعبدوه به وسألوه به فأحبوه وخافوه ورجوه وتوكلوا عليه وأنابوا ~~إليه واطمأنوا بذكره وأنسوا بحبه بواسطة هذا التعريف فلم يصعب عليهم بعد ~~ذلك فهم استوائه على عرشه وسائر ما وصف به نفسه من صفات كماله إذ قد أحاط ~~عليهم بأنه لا نظير لذلك ولا مثل له ولم يخطر بقلوبهم مماثلته لشيء من ~~المخلوقات وقد أعلمهم سبحانه على لسان رسوله أنه يقبض سماواته بيده والأرض ~~باليد الأخرى ثم يهزهن وأن السماوات السبع والأرضين السبع في كفه تعالى ~~كخردلة في كف أحدكم وأنه يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال ~~على أصبع والشجر على أصبع وسائر الخلق على أصبع فأي أيدي PageV02P432 @ ~~للخلق وأي أصبع تشبه هذه اليد وهذه الأصبع حتى يكون إثباتها تشبيها وتمثيلا ~~فقاتل الله أصحاب التحريف والتأويل وأصحاب التخييل وأصحاب التجهيل وأصحاب ~~التشبيه والتمثيل ماذا حرفوه من الحقائق الإيمانية والمعارف الإلهية وماذا ~~تعوضوابه من زبالة الأذهان ونخالة الأفكار فما أشبههم بمن كان غذاؤهم المن ~~والسلوى بلا تعب ولا كلفة فآثروا عليه الفوم والعدس والبصل وقد جرت عادة ~~الله سبحانه أن يذل من آثر الأدنى على الأعلى ويجعله عبرة للعقلاء # فأول هذا الصنف إبليس ترك السجود لآدم كبرا فابتلاه الله بالقيادة لفساق ~~ذريته وعباد الأصنام لم يقروا بنبي من البشر ورضوا بإله من الحجر والجهمية ~~نزهوا الله عن PageV02P433 @ عرشه لئلا يحويه مكان ثم جعلوه في الآبار ~~والأنجاس وفي ms104 كل مكان وهكذا طوائف الباطل لم يرضوا بنصوص الوحي فابتلوا ~~بزبالة أذهان المتحيرين وورثة الصابئين وأفراخ الفلاسفة الملحدين و : @QB@ ~~من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا @QE@ الكهف 17 ~~PageV02P434 @ # | الفصل التاسع عشر في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول ~~التأويل مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله # التأويل يجري مجرى مخالفة الطبيعة الإنسانية والفطرة التي فطر عليها ~~العبد فإنه رد الفهم من جريانه مع الأمر المعتاد المألوف إلى الأمر الذي لم ~~يعهد ولم يؤلف وما كان هذا سبيله فإن الطباع السليمة لا تتقاضاه بل تنفر ~~منه PageV02P435 @ وتأباه فلذلك وضع له أربابه أصولا ومهدوا له أسبابا تدعو ~~إلى قبوله وهي أنواع : # السبب الأول أن يأتي به صاحبه مموها مزخرف الألفاظ ملفق المعاني مكسوا ~~حلة الفصاحة والعبارة الرشيقة فتسرع العقول الضعيفة إلى قبوله واستحسانه ~~وتبادر إلى اعتقاده وتقليده ويكون حاله في ذلك حال من يعرض سلعة مموهة ~~مغشوشة على من لا بصيرة له بباطنها وحقيقتها فيحسنها في عينه ويحببها إلى ~~نفسه وهذا الذي يعتمده كل من أراد ترويج باطل فإنه لا يتم له ذلك إلا ~~بتمويهه وزخرفته وإلقائه إلى جاهل بحقيقته # قال الله تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ~~@QE@ الأنعام 112 PageV02P436 @ # فذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء بما يزخرفه بعضهم ~~لبعض من القول فيغتر به الأغمار وضعفاء العقول فذكر السبب الفاعل والقابل ~~ثم ذكر سبحانه انفعال هذه النفوس الجاهلة به بصغوها وميلها إليه ورضاها به ~~لما كسي من الزخرف الذي يغر السامع فلما أصغت إليه ورضيته اقترفت ما تدعو ~~إليه من الباطل قولا وعملا فتأمل هذه الآيات وما تحتها من هذا المعنى ~~العظيم القدر الذي فيه بيان أصول الباطل والتنبيه على مواقع الحذر منها ~~وعدم الاغترار بها وإذا تأملت مقالات أهل الباطل رأيتهم قد كسوها من ~~العبارات وتخيروا لها من الألفاظ الرائقة ما يسرع ms105 إلى قبوله كل من ليس له ~~بصيرة نافذة وأكثر الخلق كذلك حتى إن الفجار ليسمون أعظم أنواع الفجور ~~بأسماء لا ينبو عنها PageV02P437 @ السمع ويميل إليها الطبع فيسمون أم ~~الخبائث أم الأفراح ويسمون اللقمة الملعونة لقيمة الذكر والفكر التي تثير ~~العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ويسمون مجالس الفجور والفسوق مجالس الطيبة ~~حتى إن بعضهم لما عذل عن شيء من ذلك قال لعاذله ترك المعاصي والتخوف منها ~~إساءة ظن برحمة الله وجرأة على سعة عفوه ومغفرته فانظر ماذا تفعل هذه ~~الكلمة في قلب ممتلىء بالشهوات ضعيف العلم والبصيرة # | فصل # السبب الثاني أن يخرج المعنى الذي يريد إبطاله بالتأويل في صورة مستهجنة ~~تنفر عنها القلوب وتنبو عنها الأسماع فيتخير له من الألفاظ أكرهها وأبعدها ~~وصولا إلى القلوب وأشدها نفرة عنها فيتوهم السامع أن معناها هو الذي دلت ~~عليه تلك الألفاظ فيسمى التدين ثقالة PageV02P438 @ وعدم الانبساط إلى ~~السفهاء والفساق والبطالين سوء خلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والغضب لله والحمية لدينه فتنة وشرا وفضولا فكذلك أهل البدع والضلال من ~~جميع الطوائف هذا معظم ما ينفرون به عن الحق ويدعون به إلى الباطل فيسمون ~~إثبات صفات الكمال لله تجسيما وتشبيها وتمثيلا ويسمون إثبات الوجه واليدين ~~له تركيبا ويسمون إثبات استوائه على عرشه وعلوه على خلقه فوق سمواته تحيزا ~~وتجسيما ويسمون العرش حيزا وجهة ويسمون الصفات أعراضا والأفعال حوادث ~~والوجه واليدين أبعاضا والحكم والغايات التي يفعل لأجلها أغراضا فلما وضعوا ~~لهذه المعاني الصحيحة الثابتة تلك الألفاظ المستنكرة الشنيعة تم لهم من ~~نفيها وتعطيلها ما أرادوه فقالوا للأغمار والأغفال اعلموا أن ربكم منزه عن ~~الأعراض والأغراض والأبعاض والجهات والتركيب والتجسيم والتشبيه فلم يشك أحد ~~لله في قلبه وقار وعظمة في تنزيه الرب تعالى عن ذلك وقد اصطلحوا على تسمية ~~سمعه وبصره وعلمه وقدرته وإرادته وحياته أعراضا وعلى تسمية وجهه الكريم ~~ويديه المبسوطتين أبعاضا وعلى تسمية استوائه على عرشه وعلوه على خلقه وأنه ~~فوق عباده تحيزا وعلى تسمية نزوله إلى سماء الدنيا PageV02P439 @ وتكلمه ~~بقدرته ومشيئته إذا شاء وغضبه ms106 بعد رضاه ورضاه بعد غضبه حوادث وعلى تسمية ~~الغاية التي يفعل ويتكلم لأجلها غرضا واستقر ذلك في قلوب المتلقين عنهم ~~فلما صرحوا لهم بنفي ذلك بقي السامع متحيرا أعظم حيرة بين نفي هذه الحقائق ~~التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له جميع رسله وسلف الأمة بعدهم وبين ~~إثباتها وقد قام معه شاهد نفيها بما تلقاه عنهم فمن الناس من فر إلى ~~التخييل ومنهم من فر إلى التعطيل ومنهم من فر إلى التجهيل ومنهم من فر إلى ~~التمثيل ومنهم من فر إلى الله ورسوله وكشف زيف هذه الألفاظ وبين زخرفها ~~وزغلها وأنها ألفاظ مموهة بمنزلة طعام طيب الرائحة في إناء حسن اللون ~~والشكل ولكن الطعام مسموم فقالوا ما قاله إمام أهل السنة باتفاق أهل السنة ~~أحمد بن حنبل لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين # ولما أراد المتأولون المعطلون تمام هذا الغرض اخترعوا PageV02P440 @ لأهل ~~السنة الألقاب القبيحة فسموهم حشوية ونوابت ونواصب ومجبرة ومجسمة ومشبهة ~~ونحو ذلك فتولد من تسميتهم لصفات الرب تعالى وأفعاله ووجهه ويديه وحكمته ~~بتلك الأسماء وتلقيب من أثبتها له بهذه الألقاب لعنة أهل الإثبات والسنة ~~وتبديعهم وتضليلهم وتكفيرهم وعقوبتهم ولقوا منهم ما لقي الأنبياء وأتباعهم ~~من أعدائهم وهذا الأمر لا يزال في الأرض إلى أن يرثها الله ومن عليها # | فصل # السبب الثالث أن يعزو المتأول تأويله وبدعته إلى جليل القدر نبيه الذكر ~~من العقلاء أو من آل البيت النبوي أو من حل له في الأمة ثناء جميل ولسان ~~صدق ليحليه بذلك في قلوب الأغمار والجهال فإن من شأن الناس تعظيم كلام من ~~يعظم قدره في نفوسهم وأن يتلقوه بالقبول والميل إليه وكلما كان ذلك القائل ~~أعظم في نفوسهم كان قبولهم لكلامه أتم حتى إنهم ليقدمونه على كلام الله ~~ورسوله ويقولون هو أعلم بالله ورسوله منا وبهذه الطريق PageV02P441 @ توصل ~~الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى تنفيق باطلهم وتأويلاتهم حتى ~~أضافوها إلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علموا أن المسلمين ~~متفقون على محبتهم وتعظيمهم PageV02P442 @ وموالاتهم ms107 وإجلالهم فانتموا ~~إليهم وأظهروا من محبتهم وموالاتهم واللهج بذكرهم وذكر مناقبهم ما خيل إلى ~~السامع أنهم أولياؤهم وأولى الناس بهم ثم نفقوا باطلهم وإفكهم بنسبته إليهم ~~فلا إله إلا الله كم من زندقة وإلحاد وبدعة وضلالة قد نفقت في الوجود ~~بنسبتها إليهم وهم براء منها براءة الأنبياء من التجهم والتعطيل وبراءة ~~المسيح من عبادة الصليب والتثليث وبراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~البدع والضلالات # وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس وليس معهم سوى ~~إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله ولا حجة قادتهم إلى ذلك وهذا ميراث ~~بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف فإنهم ~~لحسن ظنهم بهم وتعظيمهم لهم آثروا ما كانوا عليه على ما جاءتهم به الرسل ~~وكانوا أعظم في صدورهم من أن يخالفوهم ويشهدوا عليهم بالكفر والضلال وإنهم ~~كانوا على الباطل وهذا شأن كل مقلد لمن يعظمه فيما خالف فيه الحق إلى يوم ~~القيامة PageV02P443 @ # | فصل # السبب الرابع أن يكون ذلك التأويل قد قبله ورضيه مبرز في صناعة من ~~الصناعات أو علم من العلوم الدقيقة أو الجليلة فيعلو له بما برز به ذكر في ~~الناس ويشتهر له به صيت فإذا سمع الغمر الجاهل بقبوله لذلك التأويل وتلك ~~البدعة واختياره له أحسن الظن به وارتضاه مذهبا لنفسه ورضي من قبله إماما ~~له وقال إنه لم يكن ليختار مع جودة قريحته وذكائه وصحة ذهنه ومهارته ~~بصناعته وتبريزه فيها على بني جنسه إلا الأصوب والأفضل من الاعتقادات ~~والأرشد والأمثل من التأويلات وأين يقع اختياري من اختياره فرضيت لنفسي ~~مارضيه لنفسه فإن عقله وذهنه وقريحته إنما تدله على الصواب كما دلته على ما ~~خفي عن غيره من صناعته وعلمه # وهذه الآفة قد هلك بها أمم لا يحصيهم إلا الله رأواالفلاسفة قد برزوا في ~~العلوم الرياضية والطبية واستنبطوا PageV02P444 @ بعقولهم وجودة قرائحهم ~~وصحة أفكارهم ما عجز أكثر الناس عن تعلمه فضلا عن استنباطه فقالوا للعلوم ~~الإلهية والمعارف الربانية أسوة بذلك فحالهم فيها مع الناس ms108 كحالهم في هذه ~~العلوم سواء فلا إله إلا الله كم أهلكت هذه البلية من أمة وكم ضربت من دار ~~وكم أزالت من نعمة وجلبت من نقمة وجرأت كثيرا من النفوس على تكذيب الرسل ~~واستجهالهم وما عرف أصحاب هذه الشبهة أن الله سبحانه قد يعطي أجهل الناس به ~~وبأسمائه وصفاته وشرعه من الحذق في العلوم الرياضية والصنايع العجيبة ما ~~تعجز عنه عقول أعلم الناس به ومعارفهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنتم أعلم بدنياكم PageV02P445 @ وصدق صلوات الله وسلامه عليه فإن العلوم ~~الرياضية والهندسية وعلم الأرتماطيقي والموسيقى والجغرافيا وايران وهو علم ~~جر الأثقال ووزن المياه وحفر الأنهار وعمارة الحصون وعلم الفلاحة وعلم ~~الحميات وأجناسها ومعرفة الأبوال وألوانها وصفائها وكدرها وما يدل عليه ~~وعلم الشعر وبحوره وعلله PageV02P446 @ وزحافه وعلم الفنيطة ونحو ذلك من ~~العلوم هم أعلم بها وأحذق فيها # وأما العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك فإلى ~~الرسل قال الله تعالى : @QB@ وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون @QE@ ~~الروم 7 6 # قال بعض السلف يبلغ من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيعلم ~~وزنه ولا علم له بشيء من دينه وقال تعالى في علوم هؤلاء واغترارهم بها : ~~@QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤون @QE@ غافر 83 # وقد فاوت الله سبحانه بين عباده فيما تناله عقولهم وأذهانهم أعظم تفاوت ~~والعقل يعطي صاحبه فائدته في النوع الذي يلزمه به ويشغله به ويقصره عليه ~~مالا يعطيه في PageV02P447 @ غيره وإن كان غيره أسهل منه بكثير كما يعطيه ~~همته وقريحته في الصناعة التي هو معني بها ومقصور العناية عليها مالا يعطيه ~~في صناعة غيرها وكثيرا ما تجد الرجل قد برز في اللطيف من أبواب العلم ~~والنظر وتخلف في الجليل منهما وأصاب الأغمض الأدق منها وأخطأ الأجل الأوضح ~~هذا أمر واقع تحت العيان فكيف وعلوم الأنبياء ومعارفهم من وراء طور العقل ms109 ~~والعقل وإن لم يستقل بإدراكها فإنه لا يحيلها بل إذا أوردت عليه أقر بصحتها ~~وبادر إلى قبولها وأذعن بالانقياد إليها وعلم أن نسبة العلوم التي نالها ~~الناس بأفكارهم إليها دون نسبة علوم الصبيان ومعارفهم إلى علوم هؤلاء بما ~~لا يدرك # | فصل # السبب الخامس الإغراب على النفوس بما لم تكن عارفة به من المعاني الغريبة ~~التي إذا ظفر الذهن بإدراكها PageV02P448 @ ناله لذة من جنس لذة الظفر ~~بالصيد الوحشي الذي لم يكن يطمع فيه وهذا شأن النفوس فإنها موكلة بكل غريب ~~تستحسنه وتؤثره وتنافس فيه حتى إذا كثر ورخص وناله المثري والمقل زهدت فيه ~~مع كونه أنفع لها وخيرا لها ولكن لرخصه وكثرة الشركاء فيه وتطلب ما تتميز ~~به عن غيرها للذة التفرد والاختصاص ثم اختاروا لتلك المعاني الغريبة ألفاظا ~~أغرب منها وألقوها في مسامع الناس وقالوا إن المعارف العقلية والعلوم ~~اليقينية تحتها فتحركت النفوس لطلب فهم تلك الألفاظ الغريبة وإدراك تلك ~~المعاني واتفق أن صادفت قلوبا خالية من حقائق الإيمان وما بعث الله به ~~رسوله فتمكنت منها فعز على أطباء الأديان استنقاذها منها وقد تحكمت فيها ~~كما قيل : # ( تالله ما أسر الهوى من وامق % إلا وعز على الورى استنقاذه ) # ولمكان الاستغراب وقبول النفس لكل غريب لهج الناس بالأخبار الغريبة ~~وعجائب المخلوقات PageV02P449 @ والألغاز والأحاجي والصور الغريبة وإن كانت ~~المألوفة أعجب منها وأحسن وأتم خلقة # | فصل # السبب السادس تقديم مقدمات قبل التأويل تكون كالأطناب والأوتاد لفسطاطه ~~فمنها ذم أصحاب الظواهر وعيبهم والإزراء بهم وأنهم قوم جهال لا عقول لهم ~~وإنما هم أصحاب ظواهر سمعية وينقلون من مثالبهم وبلههم ما بعضه صدق وأكثره ~~كذب كما يحكى أن بعضهم سئل عن قوله : @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه ~~5 # هل هو حقيقة أو مجاز قال لا حقيقة ولا مجاز فقال له جزاك الله عن ظاهريتك ~~خيرا وأمثال هذا ويحكون عنهم إنكار أدلة العقول والبحث والنظر وجدال أهل ~~الباطل والنفوس طالبة للنظر والبحث والتعقل # ومنها قولهم إن الخطاب بالمجاز والاستعارة أعذب PageV02P450 @ وأوفق ~~وألطف وقد قال بعض أئمة ms110 النحاة أكثر اللغة مجاز فإذا كان أكثر اللغة مجازا ~~سهل على النفوس أنواع التأويلات فقل ما شئت وأول ما شئت وأنزل عن الحقيقة ~~ولا يضرك أي مجاز ركبته # ومنها قولهم إن أدلة القرآن والسنة أدلة لفظية وهي لا تفيد علما ولا ~~يقينا والعلم إنما يستفاد من أدلة المعقول وقواعد المنطق # ومنها قولهم إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل على النقل فهذه المقدمات ~~ونحوها هي أساس التأويل فإذا انضمت هذه الأسباب بعضها إلى بعض وتقاربت فيا ~~محنة القرآن والسنة وقد سلكا في قلوب قد تمكنت منها هذه الأسباب فهنالك ~~التأويل والتحريف والتبديل والإضمار والإجمال PageV02P451 @ # | الفصل العشرون في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي ~~على مبطل أبدا # هذا من أعظم آفات التأويل وجنايته على الإسلام أنه يبطل حجج الله على ~~المبطلين على ألسنة المتأولين وإلا فلا تبطل حجج الله وبيناته أبدا # من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئا من الباطل قد شاركه في بعضه أو ~~في نظيره فإنه لا يتمكن من دحض حجته وكسر باطله لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما ~~سلط هو به عليه وهذا شأن أهل الأهواء مع بعضهم بعضا ولهذا كان عامة ما ~~يأتون به أبدا يناقض PageV02P452 @ بعضهم بعضا ويكسر أقوال بعضهم ببعض وفي ~~هذا منفعة جليلة لطالب الحق فإنه يكتفي بإبطال كل فرقة لقول الفرقة الأخرى ~~فيقول إذا احتج المؤول بحجة سمعية على مبطل أمكن خصمه أن يقول له أنا أتأول ~~هذه الحجة كما تأولت أنت كيت وكيت # مثاله أن يحتج من يتأول الصفات الخبرية وآيات الفوقية والعلو على من ينكر ~~ثبوت صفة السمع والبصر والعلم بالآيات والأحاديث الدالة على ثبوتها فيقول ~~له خصمه هذه عندي مؤولة كما أولت أنت نصوص الاستواء والفوقية والوجه ~~واليدين والنزول والضحك والفرح والغضب والرضا ونحوها فما الذي جعلك أولى ~~بالصواب في تأويلك مني فلا يذكر سببا حمله على التأويل إلا أتاه خصمه بسبب ~~من جنسه أو أقوى منه أو دونه يحمله على التأويل # وإذا استدل المتأول على ms111 منكري المعاد وحشر الأجساد PageV02P453 @ بنصوص ~~الوحي أبدوا لها تأويلات تخالف ظاهرها وحقائقها وقالوا لمن استدل بها عليهم ~~تأويلنا لهذه الظواهر كتأويلك لنصوص الصفات ولا سيما أنها أكثر وأصرح فإذا ~~تطرق التأويل إليها فهو إلى ما دونها أقرب تطرقا # وإذا استدل على الرافضة بالنصوص الدالة على فضل ا لشيخين وسائر الصحابة ~~تأولوها بما هو من جنس تأويل الجهمي لآيات الصفات وقد تكون تأويلاتهم في ~~كثير من المواضع أقوى من تأويلات الجهمي كما تكون مثلها ودونها # وإذا احتج الجهمي على الخارجي بالنصوص الدالة على إيمان مرتكب الكبائر ~~وأنه لا يكفر ولا يخلد في النار واحتج بها على الوعيدية القائلين بنفوذ ~~الوعيد والتخليد قالوا هذه متأولة PageV02P454 @ # وتأويله أقرب من تأويل نصوص الصفات # وإذا احتج على المرجئة بالنصوص الدالة على أن الإيمان قول وعمل ونية يزيد ~~وينقص قالوا هذه النصوص قابلة للتأويل كما قبلته نصوص الاستواء والفوقية ~~والصفات الخبرية فنعمل فيها ما عملتم أنتم في تلك النصوص والقواعد التي ~~حملتكم على تأويلها عندنا قواعد حملتنا على تأويل هذه الظواهر # وإذا احتج أهل الجبر على أهل القدر بالنصوص الدالة على أن أفعال العباد ~~مخلوقة لله واقعة بقدرته ومشيئته تأولوها بنظير ما تأول به خصومهم النصوص ~~الدالة على أنها أفعال للعباد حقيقة وأنها واقعة بقدرتهم ومشيئتهم وكذلك ~~خصومهم معهم بهذه المثابة PageV02P455 @ # وإذا احتج من أثبت الرؤية في الآخرة من أهل التأويل على من نفاها قال له ~~أتأول هذه الظواهر بما تأولت به أنت آيات الصفات الخبرية وأحاديثها # وإذا احتج من أثبت العلم بجميع المعلومات جزئياتها وكلياتها لله من أهل ~~التأويلات بالنصوص الدالة على ذلك قال له المنكر ليست هذه النصوص بأكثر من ~~نصوص الفوقية والعلو واستواء الرب على عرشه ونزول الأمر من عنده وعروج ~~الملائكة إليه فإذا كانت تلك مؤولة عندك على كثرتها وتضافرها فهذه أولى ~~بقبول التأويل # فقد بان أنه لا يمكن أهل التأويل أن يقيموا على مبطل حجة من كتاب ولا سنة ~~فحينئذ فيترك الاستدلال بالكتاب والسنة على كل مبطل ولم يبق إلا تصادم ms112 ~~الآراء ونتائج الأفكار لا سيما وقد أعطى الجهمي من نفسه أن أكثر اللغة مجاز ~~وأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين وأن العقل إذا عارض السمع وجب تقديم ~~العقل والإعراض عن السمع وإهداره ثم إما أن يشتغل بتأويله PageV02P456 @ ~~وهي طريقة الخلف العالمين أو يفوضه ولا يحتج به وهي طريقة السلف السالمين ~~فكيف يقوم بعد هذا حجة من كتاب أو سنة على مبطل من العالمين # ولهذا كان فتح باب التأويل على النصوص يتضمن عيبها والطعن فيها وعزلها عن ~~سلطانها وولاية الآراء الباطلة والشبه الفاسدة # بل نقول إنه لا يمكن أرباب التأويل أن يقيموا على مبطل حجة عقلية أبدا ~~وهذا أعجب من الأول وبيانه : # أن الحجج السمعية مطابقة للمعقول والسمع الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح ~~بل هما أخوان نصيران وصل الله بينهما وقرن أحدهما بصاحبه فقال تعالى : @QB@ ~~ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ الأحقاف 26 # فذكر ما ينال به العلوم وهي السمع والبصر والفؤاد الذي هو محل العقل وقال ~~تعالى PageV02P457 @ @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير @QE@ الملك 10 # فأخبروا أنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل # وقال تعالى @QB@ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون @QE@ يونس 67 @QB@ إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون @QE@ الرعد 4 # وقال @QB@ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ محمد 24 # فدعاهم إلى استماعه بأسماعهم وتدبره بعقولهم ومثله قوله @QB@ أفلم يدبروا ~~القول @QE@ المؤمنون 68 # وقال تعالى @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ~~@QE@ ق 37 # فجمع سبحانه بين السمع والعقل وأقام بهما حجته على عباده فلا ينفك أحدهما ~~عن صاحبه أصلا فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة الله على خلقه وكتابه هو ~~الحجة العظمى فهو الذي عرفنا ما لم يكن لعقولنا سبيل إلى PageV02P458 @ ~~استقلالها بإدراكه أبدا فليس لأحد عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع ms113 في مجهول ~~يعلمه ومشكل يستبينه وملتبس يوضحه فمن ذهب عنه فإليه يرجع ومن دفع حكمه فبه ~~يحاج خصيمه إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية والمعارف اليقينية ~~التي بالعباد إليها أعظم حاجة فمن رد من مدعي البحث والنظر حكومته ودفع ~~قضيته فقد كابر وعاند ولم يكن لأحد سبيل إلى إفهامه ولا محاجته ولا تقرير ~~الصواب عنده وليس لأحد أن يقول إني غير راض بحكمه بل بحكم العقل فإنه متى ~~رد حكمه فقد رد حكم العقل الصريح وعاند الكتاب والعقل # والذين زعموا من قاصري العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند ~~تعارضهما إنما أتوا من جهلهم بحكم العقل ومقتضى السمع فظنوا ما ليس بمعقول ~~معقولا وهو في الحقيقة شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك أو من جهلهم ~~بالسمع إما لنسبتهم إلى الرسول ما لم يرده بقوله وإما لعدم تفريقهم بين ما ~~لا يدرك بالعقول وبين ما تدرك استحالته بالعقول فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ~~ظن التعارض بين السمع والعقل # أحدها كون القضية ليست من قضايا العقول # الثاني كون ذلك السمع ليس من السمع الصحيح المقبول # الثالث عدم فهم مراد المتكلم به # الرابع عدم التمييز بين ما يحيله العقل ومالا يدركه PageV02P459 @ # والله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به ~~وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولا وأقلها تكلفا وأعظمها ~~غناء ونفعا وأجلها ثمرة وفائدة فحججه سبحانه العقلية التي بينها في كتابه ~~جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة قليلة المقدمات سهلة الفهم قريبة ~~التناول قاطعة للشكوك والشبه ملزمة للمعاند والجاحد ولهذا كانت المعارف ~~التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ولعموم الخلق أنفع # وإذا تتبع المتتبع ما في كتاب الله مما حاج به عباده في إقامة التوحيد ~~وإثبات الصفات وإثبات الرسالة والنبوة وإثبات المعاد وحشر الأجساد وطرق ~~إثبات علمه بكل خفي وظاهر وعموم قدرته ومشيئته وتفرده بالملك والتدبير وأنه ~~لا يستحق العبادة سواه وجد الأمر في ذلك على ما ذكرناه من تصرف المخاطبة ~~منه ms114 سبحانه في ذلك على أجل وجوه الحجاج وأسبقها إلى القلوب وأعظمها ملاءمة ~~للعقول وأبعدها من الشكوك والشبه في أوجز لفظ وأبينه وأعذبه وأحسنه وأرشقه ~~وأدله على المراد وذلك مثل قوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد ~~وبطلان الشرك وقطع أسبابه وحسم مواده كلها PageV02P460 @ @QB@ قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له @QE@ سبأ 23 22 # فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى ~~الشرك وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما ~~يرجو من نفعه وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق قلبه به وحينئذ فلا بد أن ~~يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينفع بها عابده أو شريكا لمالكها أو ظهيرا ~~أو وزيرا ومعاونا له أو وجيها ذا حرمة وقدر يشفع عنده فإذا انتفت هذه ~~الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده فنفى ~~سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السماوات والأرض فقد يقول المشرك هي ~~شريكة لمالك الحق فنفى شركتها له فيقول المشرك قد تكون ظهيرا ووزيرا ~~ومعاونا فقال @QB@ وما له منهم من ظهير @QE@ PageV02P461 @ فلم يبق إلا ~~الشفاعة فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فهو الذي ~~يأذن للشافع فإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه كما يكون في حق ~~المخلوقين فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل شفاعته وإن ~~لم يأذن له فيها # وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته وهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف ~~يشفع عنده أحد بدون إذنه # وكذلك قوله سبحانه مقررا لبرهان التوحيد أحسن تقرير وأوجزه وأبلغه : @QB@ ~~قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا @QE@ ~~الإسراء 42 # فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه كانوا يعترفون بأنها ms115 عبيده ~~ومماليكه ومحتاجة إليه فلو كانوا آلهة كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده ~~دون غيره فكيف يعبدونهم من دونه وقد أفصح سبحانه بهذا يعينه في قوله : @QB@ ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه @QE@ الإسراء 57 PageV02P462 @ # أي هؤلاء الذين يعبدونهم من دوني هم عبيدي كما أنتم عبيدي يرجون رحمتي ~~ويخافون عذابي كما ترجون أنتم رحمتي وتخافوني عذابي فلماذا تعبدونهم من ~~دوني # وقال تعالى @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون @QE@ المؤمنون 91 # فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين فإن الإله الحق لا بد ~~أن يكون خالقا فاعلا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر فلو كان معه ~~سبحانه إله لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه بل إن ~~قدر على قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه ~~وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضا بممالكهم # إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه فلا بد من أحد أمور ثلاثة ~~PageV02P463 @ # إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه # وإما أن يعلو بعضهم على بعض # وإما أن يكون كلهم تحت قهر إله واحد وملك واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون ~~فيه ويمتنع من حكمهم عليه ولا يمتنعون من حكمه عليهم فيكون وحده هو الإله ~~الحق وهم العبيد المربوبون المقهورون # وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام ~~محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد لا إله غيره كما دل ~~دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب له غيره فذاك تمانع في الفعل ~~والإيجاد وهذا تمانع في العبادة والإلهية فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان ~~خالقان متكافئان يستحيل أن يكون له إلهان معبودان PageV02P464 @ # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ~~@QE@ لقمان 11 # فلله ما ms116 أحلى هذا اللفظ وأوجزه وأدله على بطلان الشرك فإنهم إن زعموا أن ~~آلهتهم خلقت شيئا مع الله طولبوا بأن يروه إياه وإن اعترفوا بأنها أعجز ~~وأضعف واقل من ذلك كانت آلهيتها باطلا ومحالا # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة ~~من علم إن كنتم صادقين @QE@ الأحقاف 4 # فطالبهم بالدليل العقلي والسمعي # وقال تعالى @QB@ قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه ~~أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل ~~تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ~~قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار @QE@ الرعد 16 PageV02P465 @ # فاحتج على تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق وعلى بطلان إلهية ما سواه بعجزهم ~~عن الخلق وعلى أنه واحد بأنه قهار والقهر التام يستلزم الوحدة فإن الشركة ~~تنافي تمام القهر # وقال تعالى @QB@ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ~~@QE@ الحج 74 73 # فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه فمن لم يستمعه فقد عصى ~~أمره كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأصح برهان في أوجز عبارة وأحسنها ~~وأحلاها وأسجل على جميع آلهة المشركين أنهم PageV02P466 @ لو اجتمعوا كلهم ~~في صعيد واحد وساعد بعضهم بعضا وعاونه بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب ~~واحد ثم بين ضعفهم وعجزهم عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب إياه حين يسقط عليهم ~~فأي إله أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب نفعه وخيره فهل قدر ~~القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها # فأقام سبحانه حجة التوحيد وبين إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب ألفاظ ~~وأحسنها لم يستكرهها غموض ولم يشنها تطويل ولم يعبها تقصير ولم ms117 تزر بها ~~زيادة ولا نقص بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز مالا يتوهم ~~متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها وتحتها من المعنى الجليل ~~القدر العظيم الشرف البالغ في النفع ما هو أجل من الألفاظ # ومن ذلك احتجاجه سبحانه على نبوة رسوله وصحة ما جاء به من الكتاب وأنه من ~~عنده وكلامه الذي يتكلم به وأنه ليس من صنعة البشر ولا من كلامهم بقوله : ~~@QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ البقرة 23 PageV02P467 @ # فأمر من ارتاب في هذا القرآن الذي نزله على عبده وأنه كلامه أن يأتي ~~بسورة واحدة مثله وهذا يتناول أقصر سورة من سوره ثم فسح له إن عجز عن ذلك ~~أن يستعين بمن أمكنه الاستعانة به من المخلوقين # وقال تعالى @QB@ أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم ~~من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ يونس 38 # وقال @QB@ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ هود 13 # وقال @QB@ أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا ~~صادقين @QE@ الطور 34 - 33 # ثم أسجل سبحانه عليهم إسجالا عاما في PageV02P468 @ كل زمان ومكان بعجزهم ~~عن ذلك ولو تظاهر عليه الثقلان فقال @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ ~~الإسراء 88 # فانظر أي موقع يقع من الأسماع والقلوب هذا الحجاج القاطع الجليل الواضح ~~الذي لا يجد طالب الحق ومؤثره ومريده عنه محيدا ولا فوقه مزيدا ولا وراءه ~~غاية ولا أظهر منه آية ولا أصح منه برهانا ولا أبلغ منه بيانا # وقال في إثبات نبوة رسوله باعتبار التأمل لأحواله وتأمل دعوته وما جاء به ~~@QB@ أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا ~~رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق ms118 وأكثرهم للحق كارهون ~~@QE@ المؤمنون 70 - 68 # فدعاهم سبحانه إلى تدبر القول وتأمل حال القائل فإن كون القول للشيء كذبا ~~وزورا يعلم من نفس القول تارة وتناقضه واضطرابه وظهور شواهد الكذب عليه ~~PageV02P469 @ فالكذب باد على صفحاته وباد على ظاهره وباطنه ويعرف من حال ~~القائل تارة فإن المعروف بالكذب والفجور والمكر والخداع لا تكون أقواله إلا ~~مناسبة لأفعاله ولا يتأتى منه من القول والفعل ما يتأتى من البار الصادق ~~المبرأ من كل فاحشة وغدر وكذب وفجور بل قلب هذا وقصده وقوله وعمله يشبه ~~بعضه بعضا وقلب ذلك وقوله وعمله وقصده يشبه بعضه بعضا فدعاهم سبحانه إلى ~~تدبر القول وتأمل سيرة القائل وأحواله وحينئذ تتبين لهم حقيقة الأمر وأن ما ~~جاء به في أعلى مراتب الصدق # وقال تعالى @QB@ قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت ~~فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون @QE@ يونس 16 # فتأمل هاتين الحجتين القاطعتين تحت هذا اللفظ الوجيز إحداهما أن هذا من ~~الله لا من قبلي ولا هو مقدور لي ولا من جنس مقدور البشر وأن الله سبحانه ~~وتعالى PageV02P470 @ لو شاء لأمسك عنه قلبي ولساني وأسماعكم وأفهامكم فلم ~~أتمكن من تلاوته عليكم ولم تتمكنوا من درايته وفهمه # الحجة الثانية أني قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به وأنتم تشاهدوني ~~وتعرفون حالي وتصحبوني حضرا وسفرا وتعرفون دقيق أمري وجليله وتتحققون سيرتي ~~هل كانت سيرة من هو من أكذب الخلق وأفجرهم وأظلمهم فإنه لا أكذب ولا أظلم ~~ولا أقبح سيرة ممن جاهر ربه وخالفه بالكذب والفرية عليه وطلب إفساد العالم ~~وظلم النفوس والبغي في الأرض بغير الحق # هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ كتابا ولا أخطه بيميني ولا صاحبت من ~~أتعلم منه بل صحبتكم أنتم في أسفاركم لمن تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار ~~الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم ~~الذي فيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل ~~PageV02P471 @ # فأي برهان أوضح من هذا وأي عبارة ms119 أفصح وأوجز من هذه العبارة المتضمنة له # وقال تعالى @QB@ قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم ~~تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد @QE@ سبأ ~~46 # ولما كان للإنسان الذي يطلب معرفة الحق والصواب حالتان : # أحدهما أن يكون ناظرا مع نفسه # والثانية أن يكون مناظرا لغيره # أمرهم بخصلة واحدة وهي أن يقوموا لله إثنين إثنين فيتناظران ويتساءلان ~~بينهما وواحدا واحدا يقوم كل واحد مع نفسه فيتفكر في أمر هذا الداعي وما ~~يدعو إليه ويستدعي أدلة الصدق والكذب ويعرض ما جاء به عليها ليتبين له ~~حقيقة الحال # فهذا هو الحجاج الجليل والإنصاف البين والنصح التام PageV02P472 @ # وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من ~~يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم @QE@ ~~يس 79 78 إلى آخر السورة # فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه ~~الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح ~~الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ~~ذلك # فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في ~~قوله سبحانه @QB@ ونسي خلقه @QE@ ما وفى بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة ~~لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن ~~هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه ~~لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما ~~تضمنه قوله @QB@ ونسي خلقه @QE@ وصرح به جوابا له عن مسألته فقال : @QB@ قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة @QE@ يس 79 PageV02P473 @ # فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل ~~عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن ~~الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز # ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق ms120 على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ~~ذلك بقوله @QB@ وهو بكل خلق عليم @QE@ يس 79 # فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع # وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام ~~العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر ~~بحجة قاهرة وبرهان PageV02P474 @ ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول ~~العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون ~~مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا ~~السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال : @QB@ الذي ~~جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون @QE@ يس 80 # فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من ~~الشجر الأخضر الممتلىء بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد ~~له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ~~ودفعه من إحياء العظام وهي رميم # ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر وأن كل ~~عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر ~~PageV02P475 @ # فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال @QB@ أو ليس ~~الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم @QE@ يس 81 # فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر ~~أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما ~~فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر : @QB@ لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ غافر 57 وقال @QB@ أو لم ~~يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير @QE@ الأحقاف 33 # ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ~~ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة ms121 غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة ~~والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ~~PageV02P476 @ ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس ~~إرادته وقوله للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده # فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم ~~استعصائه عليه # ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهوقوله ~~: @QB@ وإليه ترجعون @QE@ يس 83 # فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته ~~وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة ~~الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن ~~معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد # ومن هذا قوله سبحانه : PageV02P477 @ @QB@ وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا ~~أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في ~~صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ~~ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا @QE@ الإسراء 52 - 49 # فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولا إذا كنا ~~عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا فقيل لهم في جواب هذا السؤال إن ~~كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب فهلا كنتم خلقا جديدا لا يفنيه الموت ~~كالحجارة والحديد أو ما هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم لنا رب خالق ~~خلقنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ولم يجعلنا ~~حجارة ولا حديدا فقد قامت عليكم الحجة بإقراركم فما الذي يحول بين خالقكم ~~ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا PageV02P478 @ # وللحجة تقرير آخر وهو أنكم لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما ~~لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال # ومن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ~~ونقلها من ms122 حال إلى حال فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ~~ونقله من حال إلى حال # فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم من يعيدنا إذا استحالت ~~أجسامنا وفنيت فأجابهم بقوله @QB@ قل الذي فطركم أول مرة @QE@ الإسراء 51 # وهذا الجواب نظير جواب قول السائل @QB@ من يحيي العظام وهي رميم @QE@ يس ~~78 # فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها ولم يجدوا عنها معدلا انتقلوا إلى سؤال ~~آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحجاج بمثل ذلك وهو قولهم متى هو ~~فأجيبوا بقوله PageV02P479 @ @QB@ عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون ~~بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا @QE@ الإسراء 52 51 # ومن هذا قوله سبحانه @QB@ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني ~~يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى @QE@ القيامة 40 - 36 # فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي ~~والثواب والعقاب وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك فإن من نقله من نطفة مني إلى ~~العلقة ثم إلى المضغة ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى ~~والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أسره وأتقن خلقه وأحكمه غاية ~~الإحكام وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف ~~يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه ~~سدى فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته PageV02P480 @ # فانظر إلى هذاالحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان ~~الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب ~~منه # وكذلك ما احتج به سبحانه على النصارى مبطلا لدعوى إلهية المسيح كقوله ~~@QB@ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين @QE@ الأنبياء ~~17 # فأخبر أن هذا الذي أضافه من نسبة الولد إلى الله من مشركي العرب والنصارى ~~غير سائغ في العقول إذا تأمله المتأمل ولو أراد الله أن يفعل هذا لكان ~~يصطفي لنفسه ويجعل هذا ms123 الولد المتخذ من الجوهر الأعلى السماوي الموصوف ~~بالخلوص والنقاء من عوارض البشر المجبول على الثبات والبقاء لا من جوهر هذا ~~العالم الفاني الدائر الكثير الأوساخ والأدناس والأقذار ولما كان هذا ~~الحجاج كما ترى في هذه القوة والجلالة أتبعه بقول @QB@ بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق @QE@ الأنبياء 18 PageV02P481 @ # ونظير هذا قوله @QB@ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ~~@QE@ الزمر 4 # وقال سبحانه @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ~~@QE@ المائدة 75 # وقد تضمنت هذه الحجة دليلين ببطلان إلهية المسيح وأمه أحدهما حاجتهما إلى ~~الطعام والشراب وضعف بنيتهما عن القيام بنفسهما بل هي محتاجة فيما يقيمها ~~إلى الغذاء والشراب والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها إذ من لوازم الإله أن ~~يكون غنيا # الثاني أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات ~~القذرة التي يستحي الإنسان من نفسه وغيره حال انفصالها عنه بل يستحي من ~~التصريح بذكرها PageV02P482 @ # ولهذا والله أعلم كنى سبحانه عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل ~~الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة فكيف يليق بالرب سبحانه أن يتخذ ~~صاحبة وولدا من هذا الجنس # ولو كان يليق به ذلك أو يمكن لكان الأولى به أن يكون من جنس لا يأكل ولا ~~يشرب ولا يكون منه الفضلات المستقذرة التي يستحي منها ويرغب عن ذكرها # فانظر ما تضمنه هذا الكلام الوجيز البليغ المشتمل على هذا المعنى العظيم ~~الجليل الذي لا يجد سامعه مغمزا له ولا مطعنا فيه ولا تشكيكا ولا سؤالا ~~يورده عليه بل يأخذ بقلبه وسمعه # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين @QE@ الزخرف ~~18 17 # احتج سبحانه على هؤلاء الذين جعلوا له البنات بأن أحدهم لا يرضى بالبنات ~~وإذا بشر بالأنثى ms124 حصل له من الحزن والكآبة ما ظهر منه السواد على وجهه فإذا ~~كان أحدكم PageV02P483 @ لا يرضى بالإناث بناتا فكيف تجعلونها لي كما قال ~~تعالى @QB@ ويجعلون لله ما يكرهون @QE@ النحل 62 # ثم ذكر سبحانه ضعف هذا الجنس الذي جعلوه له وأنه أنقص الجنسين ولهذا ~~يحتاج في كماله إلى الحلية وأضعفهما بيانا فقال تعالى @QB@ أو من ينشأ في ~~الحلية وهو في الخصام غير مبين @QE@ الزخرف 18 # فأشار بنشأتهن في الحلية إلى أنهن ناقصات فيحتجن إلى حلية يكملن بها ~~وأنهن عييات فلا يبن عن حجتهن وقت الخصومة # مع أن في قوله @QB@ أو من ينشأ في الحلية @QE@ تعريضا بما وضعت له الحلية ~~من التزين لمن يفترشهن ويطأهن وتعريضا بأنهم لا ينشأن في الحرب والطعان ~~والشجاعة PageV02P484 @ فذكر الحلية التي هي علامة الضعف والعجز والوهن # ومن هذا ما حكاه سبحانه في محاجة إبراهيم قومه بقوله : @QB@ وحاجه قومه ~~قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ~~وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم ~~تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ~~@QE@ الأنعام 82 81 80 # فهذا الكلام لم يخرج في ظاهره مخرج كلام البشر الذي يتكلفه أهل النظر ~~والجدال والمقايسة والمعارضة بل خرج في صورة كلام خبري يشتمل على مبادىء ~~الحجاج ومقاطعه مشيرا إلى مقدمات الدليل ونتائجه بأوضح عبارة وأفصحها ~~وأقربها تناولا PageV02P485 @ # والغرض منه أن إبراهيم قال لقومه متعجبا مما دعوه إليه من الشرك أتحاجوني ~~في الله وتطمعون أن تستنزلوني عن توحيده بعد أن هداني وتأكدت بصيرتي ~~واستحكمت معرفتي بتوحيده بالهداية التي رزقنيها وقد علمتم أن من كانت هذه ~~حاله في اعتقاده أمرا من الأمور عن بصيرة لا يعارضه فيها ريب ولا يتخالجه ~~فيها شك فلا سبيل إلى استنزاله عنها # وأيضا فإن المحاجة والمجادلة بعد وضوح الشيء وظهوره نوع من العبث بمنزلة ~~المحاجة في ms125 طلوع الشمس وقد رآها من يحاجونه بأعينهم فكيف يؤثر حجاجكم له ~~أنها لم تطلع بعد # ثم قال @QB@ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا @QE@ وكأنه ~~صلوات الله وسلامه عليه يذكر أنهم PageV02P486 @ خوفوه آلهتهم أن يناله ~~منها معرة كما قاله قوم هود له @QB@ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ~~@QE@ هود 54 # فقال إبراهيم إن أصابني مكروه فليس ذلك من قبل هذه الأصنام التي عبدتموها ~~من دون الله وهي أقل من ذلك فإنها ليست مما يرجى ويخاف بل يكون ذلك الذي ~~أصابني من قبل الحي الفعال الذي يفعل ما يشاء الذي بيده الضر والنفع يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يريد # ثم ذكر سعة علمه سبحانه في هذا المقام منبها على موقع احتراز لطيف وهو أن ~~الله سبحانه علما في وفيكم وفي هذه الآلهة لا يصل إليه علمي فإذا شاء أمرا ~~من الأمور فهو أعلم بما يشاء فإنه وسع كل شيء علما فإذا أراد أن يصيبني ~~بمكروه لا علم لي من أي جهة أتاني فعلمه محيط بما لم أعلمه وهذا غاية ~~التفويض والتبري من الحول والقوة وأسباب النجاة وأنها بيد الله لا بيدي ~~وهكذا قال شعيب لقومه PageV02P487 @ @QB@ قد افترينا على الله كذبا إن عدنا ~~في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء ~~الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا @QE@ الأعراف 89 # فردت الرسل العلم بما يفعله الله إليه وأنه إذا شاء شيئا فهو أعلم بما ~~يشاؤه ولا علم لنا بامتناعه وعدم كونه # ثم رجع الخليل إليهم مقررا للحجة فقال @QB@ وكيف أخاف ما أشركتم ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون @QE@ الأنعام 81 # يقول لقومه كيف يسوغ في عقل أو عند ذي لب أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا ~~في الإلهية وهي ليست بموضع نفع ولا ضر وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله ~~في إلهيته أشياء لم ينزل ms126 بها حجة عليكم ولا شرعها لكم فالذي أشرك بخالقه ~~وفاطره وباريه الذي يقر بأنه خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه ومالك ~~الضر والنفع آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ~~ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وجعلها ندا PageV02P488 @ له ~~ومثلا في الإلهية تعبد ويسجد لها ويخضع لها ويتقرب إليها أحق بالخوف ممن لم ~~يجعل مع الله إلها آخر بل وحده وأفرده بالإلهية والربوبية والعظمة والسلطان ~~والحب والخوف والرجاء فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون فحكم الله ~~سبحانه بينهما بأحسن حكم خضعت له القلوب وأقرت به الفطر وانقادت له العقول ~~فقال @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ~~@QE@ الأنعام 82 # فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكل ما وجب في العقل ~~أن يرد به ما دعوه إليه وأرادوا حمله عليه وأخذه بمجامع الحجة التي لم تبق ~~لطاعن مطعنا ولا سؤالا ولما كانت بهذه المثابة أشار سبحانه بذكرها وعظمها ~~بالإشارة إليها وأضافها إلى نفسه تعظيما لشأنها فقال @QB@ وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء @QE@ الأنعام 83 PageV02P489 ~~@ # فعلم السامع بإضافته إياها إلى نفسه أنه هو الذي فهمها خليله ولقنها إياه ~~وعنه سبحانه أخذها الخليل وكفى بحجة يكون الله عز وجل ملقنها لخليله وحبيبه ~~أن تكون قاطعة لمواد العناد قامعة لأهل الشرك والإلحاد # وشبيه بهذا الاحتجاج القصة الثانية لإبراهيم في محاجة المشرك الذي أخبر ~~الله سبحانه عما جرى بينه وبينه في قوله @QB@ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ~~في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا ~~أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ~~فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ البقرة 258 # فإن من تأمل موقع الحجاج وقطع المجادل فيما تضمنته هذه الآية وقف على ~~أعظم برهان بأوجز عبارة فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي ~~يحيي ms127 ويميت أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة وهو أنه يقتل من يريد ~~ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا فألزمه إبراهيم PageV02P490 @ على ~~طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها ~~منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة # فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا تصح به دعواه وليس هذا انتقالا من ~~حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته ~~إن كانت صحيحة # ومن ذلك احتجاجه سبحانه على إثبات علمه بالجزئيات كلها بأحسن دليل وأوضحه ~~وأصحه حيث يقول @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور @QE@ ~~الملك 13 # ثم قرر علمه بذلك بقوله @QB@ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ ~~الملك 14 # وهذا من أبلغ التقرير فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه والصانع يعلم ~~مصنوعه وإذا كنتم مقرين بأنه خالقكم وخالق صدوركم وما تضمنته فكيف تخفى ~~عليه وهي خلقه وهذا PageV02P491 @ التقرير مما يصعب على القدرية فهمه فإنه ~~لم يخلق عندهم ما في الصدور فلم يكن في الآية على أصولهم دليل على علمه بها ~~ولهذا طرد غلاة القوم ذلك ونفوا علمه فأكفرهم السلف قاطبة # وهذا التقرير من الآية صحيح على التقديرين أعني تقدير أن تكون من في محل ~~رفع على الفاعلية وفي محل نصب على المفعولية فعلى التقدير الأول ألا يعلم ~~الخالق الذي شأنه الخلق وعلى التقدير الثاني ألا يعلم الرب مخلوقه ومصنوعه # ثم ختم الحجة باسمين مقتضيين لثبوتها وهما اللطيف الذي لطف صنعه وحكمته ~~ودق حتى عجزت عنه الأفهام والخبير الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن ~~الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها فكيف يخفى على اللطيف الخبير ماتحويه ~~الضمائر وتخفيه الصدور # ومن هذا احتجاجه سبحانه على المشركين بالدليل PageV02P492 @ المقسم ~~الحاصر الذي لا يجد سامعه إلى رده ولا معارضته سبيلا حيث يقول تبارك وتعالى ~~@QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ~~يوقنون @QE@ الطور 36 35 ms128 # فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأفصح عبارة ~~يقول تعالى هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا فهل خلقوا من غير خالق خلقهم ~~فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع ~~ومخلوق من غير خالق # ولو مر رجل بأرض قفر لا بناء فيها ثم مر بها فرأى فيها بنيانا وقصورا ~~وعمارات محكمة لم يتخالجه شك ولا ريب أن صانعا صنعها وبانيا بناها # ثم قال أم هم الخالقون وهذا أيضا من المستحيل أن يكون العبد موجدا خالقا ~~لنفسه فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ~~ساعة واحدة ولا أصبعا ولا ظفرا ولا شعرة كيف يكون خالقا لنفسه في حال عدمه ~~PageV02P493 @ # وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقا خلقهم وفاطرا فطرهم فهو الإله الحق ~~الذي يستحق عليهم العبادة والشكر فكيف يشركون به إلها غيره وهو وحده الخالق ~~لهم # فإن قيل فما موقع قوله @QB@ أم خلقوا السماوات والأرض @QE@ الطور 36 # من هذه الحجة قيل أحسن موقع فإنه بين بالقسمين الأولين أن لهم خالقا ~~وفاطرا وأنهم مخلوقون وبين بالقسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم ~~عاجزون غير خالقين فإنهم لم يخلقوا نفوسهم ولم يخلقوا السماوات والأرض وأن ~~الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السماوات ~~والأرض فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن بخلق العالم العلوي والسفلي وما ~~فيه # ومن هذا ما حكاه الله سبحانه عن محاجة صاحب يس لقومه بقوله @QB@ يا قوم ~~اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون @QE@ يس 21 20 # فنبه على موجب الاتباع وهو كون المتبوع رسولا لمن لا ينبغي أن يخالف ولا ~~يعصى وأنه على هداية ونبه على PageV02P494 @ انتفاء المانع وهو عدم سؤال ~~الأجر فلا يريد منكم دنيا ولا رياسة فموجب الاتباع كونه مهتديا والمانع منه ~~منتف وهو طلب العلو في الأرض والفساد وطلب الأجر # ثم قال @QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني @QE@ يس 22 # أخرج ms129 الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفا لهم ونبه على أن عبادة ~~العبد لمن فطره أمر واجب في العقول مستهجن تركها قبيح الإخلال بها فإن خلقه ~~لعبده أصل إنعامه عليه ونعمة كلها بعد تابعة لإيجاده وخلقه وقد جبل الله ~~العقول والفطر على شكر المنعم ومحبة المحسن ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة ~~التحسين والتقبيح PageV02P495 @ في ذلك فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في ~~العقول والفطر والشرائع ثم أقبل عليهم مخوفا لهم تخويف الناصح فقال @QB@ ~~وإليه ترجعون @QE@ يس 22 # ثم أخبر عن الآلهة التي تعبد من دونه أنها باطلة وأن عبادتها باطلة فقال ~~@QB@ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون @QE@ يس 23 PageV02P496 @ # فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه وإنما إذا أرادني ~~الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك ~~الضر ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر فبأي ~~وجه يستحق العبادة و : @QB@ إني إذا لفي ضلال مبين @QE@ يس 24 # إن عبدت من دون الله مما هذا شأنه # وهذا الذي ذكرناه من حجاج القرآن يسير من كثير وإنما نبهنا على ما لم ~~يذكر منه # والمقصود أنه يتضمن الأدلة العقلية والبراهين القطعية التي لا مطمع في ~~التشكيك والأسئلة عليها إلا لمعاند مكابر # والمتأول لا يمكنه أن يقيم على مبطل حجة نقلية ولا عقلية PageV02P497 @ # أما النقل فلأنه عنده قابل للتأويل وهو لا يفيد اليقين # وأما العقل فلأنه قد خرج عن صريحه وموجبه بالقواعد التي قادته إلى تأويل ~~النصوص وإخراجها من ظواهرها وحقائقها فصارت تلك القواعد الباطلة حجابا بينه ~~وبين العقل والسمع # فإذا احتج على خصمه بحجة عقلية نازعه خصمه في مقدماتها بما سلم له من ~~القواعد التي يخالفها # فإن المعقول الصريح هو ما دلت عليه النصوص فإذا أبطله بالتأويل لم يبق ~~معه معقول صريح يحتج به على خصمه كما لم يبق معه منقول صحيح # فإنه قد عرض المنقول للتأويل والمعقول ms130 الصريح خرج عنه بالذي ظن أنه معقول # ومثال هذا أن العقل الصريح الذي لا يكذب ولا يغلط قد حكم حكما لا يقبل ~~الغلط أن كل ذاتين قائمتين بأنفسهما إما أن تكون كل منهما مباينة للأخرى أو ~~محايثة لها PageV02P498 @ وأنه يمتنع أن تكون هذه الذات قائمة بنفسها وهذه ~~قائمة بنفسها وإحداهما ليست فوق الأخرى ولا تحتها ولا عن يمينها ولا عن ~~يسارها ولا خلفها ولا أمامها ولا متصلة بها ولا منفصلة عنها ولا مجاورة لها ~~ولا محايثة ولا داخلة فيها ولا خارجة عنها # فإذا خولف مقتضى هذا المعقول الصريح ودفع موجبه فأي دليل عقلي احتج به ~~المخالف بعد هذاعلى مبطل أمكنه دفعه بما دفع هو به حكم هذاالعقل # فإذا قال الجهمي هذا من حكم الوهم لا من حكم العقل # قال له خصمه فيما احتج به عليه من قضايا العقل هذا أيضا من حكم الوهم # فإنك لو قلت إن في النفس حاكمين الوهم والعقل # فإذا ادعيت فيما تشهد به العقول والفطر أنه من حكم الوهم كان ادعاء ذلك ~~فيما هو دون هذه القضية بكثير أقرب وأقرب وأمثلة ذلك لا يتسع لها هذا ~~الموضع # وإذا تأملت القواعد الحاملة لأرباب التأويل عليه وجدتها مخالفة لصريح ~~العقل ومن خالف صريح العقل لم تقم له حجة عقلية ولا سمعية وبالله التوفيق ~~PageV02P499 @ # | الفصل الحادي والعشرون في الأسباب الجالبة للتأويل # وهي أربعة أسباب اثنان من المتكلم واثنان من السامع فالسببان اللذان من ~~المتكلم : # إما نقصان بيانه # وإما سوء قصده # واللذان من السامع # إما سوء فهمه # وإما سوء قصده # فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة انتفى التأويل الباطل وإذا وجدت أو بعضها ~~وقع التأويل فنقول وبالله التوفيق # لما كان المقصود من التخاطب التقاء قصد المتكلم وفهم PageV02P500 @ ~~المخاطب على محز واحد كان أصح الإفهام وأسعد الناس بالخطاب ما التقى فيه ~~فهم السامع ومراد المتكلم وهذا هو حقيقة الفقه الذي أثنى الله ورسوله به ~~على أهله وذم من فقده فقال تعالى @QB@ ولكن المنافقين لا يفقهون @QE@ ~~المنافقون 7 # وقال @QB@ فما لهؤلاء القوم لا ms131 يكادون يفقهون حديثا @QE@ النساء 78 # وقال في الثناء على أهله @QB@ قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون @QE@ الأنعام ~~98 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ~~PageV02P501 @ # وقال لزياد بن لبيد إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة فالفقه فهم مقصود ~~المتكلم من كلامه وهذا الأمر زائد على مجرد الفهم # فإذا كان المتكلم قد وفى البيان حقه وقصد إفهام المخاطب وإيضاح المعنى له ~~وإحضاره في ذهنه فوافق من PageV02P502 @ المخاطب معرفة بلغة المتكلم وعرفه ~~المطرد في خطابه وعلم من كمال نصحه أنه لا يقصد بخطابه التعمية والإلغاز لم ~~يخف عليه معنى كلامه ولم يقع في قلبه شك في معرفة مراده # وإن كان المتكلم قد قصر في بيانه وخاطب السامع بألفاظ مجملة تحتمل عدة ~~معان ولم يتبين له ما أراده منها فإن كان عاجزا أتى السامع من عجزه لا من ~~قصده وإن كان قادرا عليه ولم يفعله حيث ينبغي فعله أتى السامع من سوء قصده # وقد يحسن ذلك من المتكلم إذا كان في التعمية على المخاطب مصلحة راجحة ~~فيتكلم بالمجمل ليجعل لنفسه سبيلا إلى تفسيره بما يتخلص به أو ليوهم السامع ~~أنه أراد ما يخاف إفهامه إياه أو لغير ذلك من الأسباب التي يحسن معها ~~التعريض والكناية والخطاب بضد البيان وهذا من خاصة العقل وقد قال تعالى ~~@QB@ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء @QE@ البقرة 235 ~~PageV02P503 @ # وفي الحديث إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وقد عرض إبراهيم الخليل ~~للجبار بقوله عن امرأته هذه أختي وعرض النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي ~~سأله في طريقه ممن أنتم فقال نحن من ماء وعرض الصديق لمن جعل يسأله في طريق ~~الهجرة من هذا معك فقال هاد يهديني السبيل PageV02P504 @ # فهذه المواضع ونحوها يحسن فيها ترك البيان إما بكناية عن المقصود أو ~~تعريض عنه والفرق بينهما أنه في الكناية قاصد لإفهام المخاطب مراده بلفظ ~~أخفى لا يفهمه كل أحد فيكنى عن المعنى الذي يريده بلفظ أخفى من لفظه الصريح ~~كما كنى ms132 الله سبحانه عن الجماع بالدخول وبالمس واللمس والإفضاء وكما يكنى ~~عن الفرج بالهن ونحو ذلك # وأما التعريض فإفهام السامع معنى ويراد خلافه كالتعريض بالقذف مثلا فإذا ~~قال ما أنا بزان أفهم السامع نفي الزنى عن نفسه ومراده إثباته للسامع كما ~~قال الحماسي : # ( لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد % ليسوا من الشر في شيء وإن هانا ~~PageV02P505 @ # ( كأن ربك لم يخلق لخشيته % سواهم من جميع الناس إنسانا ) # فإنه أوهم السامع تنزيههم عن الشرور ووصفهم بخشية الله ومراده وصفهم ~~بالعجز والجبن # ومثله قول الآخر # ( قبيلة لا يغدرون بذمة % ولا يظلمون الناس حبة خردل ) # ( ولا يردون الماء إلا عشية % إذا صدر الوراد عن كل منهل PageV02P506 @ # | فصل # وأما السببان اللذان من السامع # فأحدهما سوء الفهم فإن درجات الفهم متفاوتة في الناس أعظم تفاوت فإن قوى ~~الأذهان كقوى الأبدان والناس متفاوتون في هذا وهذا تفاوتا لا ينضبط وقد سئل ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ~~دون الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا ~~في كتابه وما في هذه الصحيفة وكان فيها العقل أي الديات وفكاك الأسير # وكان أبو بكر الصديق أفهم الأمة لكلام الله ورسوله ولهذا لما أشكل على ~~عمر مع قوة فهمه قوله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~@QE@ الفتح 27 PageV02P507 @ # وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة إنكم تأتونه وتطوفون به فأورده ~~عليه عام الحديبية فقال له الصديق أقال لك إنك تأتيه العام قال لا قال فإنك ~~آتيه ومطوف به فأجابه بجواب النبي صلى الله عليه وسلم # وأشكل عليه قتال الصديق لمانعي الزكاة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم فقال ألم يقل إلا بحقها فإيتاء الزكاة من حقها # ولما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ~~ما عنده فاختار ما عند الله بكى ms133 PageV02P508 @ أبو بكر وقال نفديك بأبنائنا ~~وأمهاتنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلم ~~الأمة به # وكذلك فهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس من سورة : @QB@ إذا جاء نصر ~~الله والفتح @QE@ النصر 1 # أنها إعلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحضور أجله ولذلك كان الصحابة ~~أعلم الأمة على الإطلاق وبينهم وبين من بعدهم في العلم واليقين كما بينهم ~~وبينهم في الفضل والدين # ولهذا كان ما فهمه الصحابة من القرآن أولى أن يصار إليه مما فهمه من ~~بعدهم فانضاف حسن قصدهم إلى حسن فهمهم فلم يختلفوا في التأويل في باب معرفة ~~الله PageV02P509 @ وصفاته وأسمائه وأفعاله واليوم الاخر ولا يحفظ عنهم في ~~ذلك خلاف لا مشهور ولا شاذ فلما حدث بعد انقضاء عصرهم من ساء فهمه وساء ~~قصده وقعوا في أنواع من التأويل بحسب سوء الفهم وفساد القصد وقد يجتمعان ~~وقد ينفردان وإذا اجتمعا تولد من بينهما جهل بالحق ومعاداة لأهله واستحلال ~~ماحرم الله منهم # وإذا تأملت أصول المذاهب الفاسدة رأيت أربابها قد اشتقوها من بين هذين ~~الأصلين وحملهم عليها منافسة في رياسة أو مال أو توصل إلى عرض من أعراض ~~الدنيا تخطبه الآمال وتتبعه الهمم وتشرئب إليه النفوس فيتفق للعبد شبهة ~~وشهوة وهما أصل كل فساد ومنشأ كل تأويل باطل وقد ذم الله سبحانه من اتبع ~~الظن وما تهوى الأنفس فالظن الشبهات وما تهوى الأنفس الشهوات وهما اللذان ~~ذكرهما في سورة براءة في قوله تعالى : PageV02P510 @ @QB@ كالذين من قبلكم ~~كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم ~~بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا @QE@ التوبة ~~69 # فذكر الاستمتاع بالخلاق وهو التمتع بالشهوات وهو نصيبهم الذي آثروه في ~~الدنيا على حظهم من الآخرة # فالخوض الذي اتبعوا فيه الشبهات فاستمتعوا بالشهوات وخاضوا بالشبهات فنشأ ~~عنهما التفرق المذموم الذي ذم الله أهله في كتابه ونهى عباده المؤمنين عن ~~التشبه بهم فقال @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم ms134 عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه @QE@ آل عمران 106 ~~105 # قال بن عباس تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة ~~والاختلاف PageV02P511 @ # وأخبر سبحانه أن الحامل لهم على التفرق بعد البيان إنما هو البغي فقال ~~تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ ~~البقرة 213 # فأخبر سبحانه أن الذين آمنوا هدوا لما اختلف فيه أهل التأويل الباطل الذي ~~أوقعهم في الاختلاف والتفرق # وقال تعالى @QB@ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا ~~كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من ~~بعدهم لفي شك منه مريب @QE@ الشورى 14 # وقال تعالى @QB@ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم ~~من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون @QE@ الجاثية 17 16 PageV02P512 @ # فأخبر سبحانه أن المختلفين بالتأويل لم يختلفوا لخفاء العلم الذي جاءت به ~~الرسل عليهم وإنما اختلفوا بعد مجيء العلم وهذا كثير في القرآن كقوله @QB@ ~~ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون @QE@ ~~يونس 93 # وقال تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة @QE@ البينة 4 # فهؤلاء المختلفون بالتأويل بعد مجيء الكتاب كلهم مذمومون والحامل لهم على ~~التفرق والاختلاف البغي وسوء القصد PageV02P513 @ # | الفصل الثاني والعشرون في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام ~~الاختلاف إلى محمود ومذموم # الاختلاف في كتاب الله نوعان # أحدهما أن يكون المختلفون كلهم مذمومين وهم الذين اختلفوا بالتأويل وهم ~~الذين نهانا الله سبحانه عن التشبه بهم ms135 في قوله @QB@ ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا @QE@ آل عمران 105 # وهم الذين تسود وجوههم يوم القيامة وهم الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ ~~ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ~~@QE@ البقرة 176 # فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد # وهذا النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف ~~وفساد ذات البين ويوقع التحزب والتباين PageV02P514 @ # والنوع الثاني اختلاف ينقسم إهله إلى محمود ومذموم فمن أصاب الحق فهو ~~محمود ومن أخطأه مع اجتهاده في الوصول إليه فاسم الذم موضوع عنه وهو محمود ~~في اجتهاده معفو عن خطئه وإن أخطأه مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم # ومن هذا النوع المنقسم قوله تعالى @QB@ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~@QE@ البقرة 253 # وقال تعالى @QB@ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله @QE@ الشورى 10 # والاختلاف المذموم كثيرا ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقر له ~~خصمه به بل يجحده إياه بغيا ومنافسة فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل ~~على النصوص التي مع خصمه وهذا شأن جميع المختلفين بخلاف أهل الحق فإنهم ~~يعلمون الحق من كل من جاء به فيأخذون حق جميع الطوائف ويردون باطلهم فهؤلاء ~~الذين قال الله فيهم PageV02P515 @ @QB@ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ~~فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ البقرة 213 # فأخبر سبحانه أنه هدى عباده لما اختلف فيه المختلفون # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من ~~تشاء إلى صراط مستقيم # فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان ولو كان مع من ~~يبغضه ويعاديه ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه ms136 فهو ممن ~~هدى لما اختلف فيه من الحق # فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلا وأقومهم قيلا وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا ~~فاختلافهم اختلاف رحمة PageV02P516 @ وهدى يقر بعضهم بعضا عليه ويواليه ~~ويناصره وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في ~~أمور دينهم ودنياهم بالتناظر والتشاور وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في ~~الأسباب الموصلة إلى درك الصواب فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركه ~~قوة بصيرته فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة وعرضت على ~~الحاكم الذي لا يجور وهو كتاب الله وسنة رسوله وتجرد الناظر عن التعصب ~~والحمية واستفرغ وسعه وقصد طاعة الله ورسوله فقل أن يخفى عليه الصواب من ~~تلك الأقوال وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه فإن الأقوال ~~المختلفة لا تخرج عن الصواب وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه ~~ومراتب القرب والبعد متفاوتة # وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقا في الكلمة ولا تبديدا ~~للشمل فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع ~~كالجد مع الإخوة وعتق أم الولد بموت سيدها ووقوع الطلاق الثلاث بكلمة ~~PageV02P517 @ واحدة وفي الخلية والبرية والبتة وفي بعض مسائل الربا وفي ~~بعض نواقص الوضوء وموجبات الغسل وبعض مسائل الفرائض وغيرها فلم ينصب بعضهم ~~لبعض عداوة ولا قطع بينه وبينه عصمة بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله ~~بأقصى ما يقدر عليه ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة ~~والموالاة من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنا ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم ~~بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه # فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر وكل منهم مطيع لله بحسب نيته ~~واجتهاده وتحريه الحق # وهنا نوع آخر من الاختلاف وهو وفاق في الحقيقة وهو اختلاف في الاختيار ~~والأولى بعد الاتفاق على جواز PageV02P518 @ الجميع كالاختلاف في أنواع ~~الأذان والإقامة وصفات التشهد والاستفتاح وأنواع النسك الذي يحرم به قاصد ~~الحج والعمرة وأنواع ms137 صلاة الخوف والأفضل من القنوت أو تركه ومن الجهر ~~بالبسملة أو إخفائها ونحو ذلك فهذا وإن كان صورته صورة اختلاف فهو اتفاق في ~~الحقيقة # | فصل # ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم ~~وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه وإلا فإذا كان ~~الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب وكل من المختلفين قصده طاعة ~~الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية ~~ولكن إذا كان الأصل واحدا والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة ~~لم يكد يقع اختلاف وإن وقع كان اختلافا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة ~~فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله والقصد واحد وهو ~~طاعة الله ورسوله والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها ~~على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة PageV02P519 @ # | الفصل الثالث والعشرون في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم ~~على أصل واحد وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله # ذكر الحميدي في هذا فصلا من كلام أبي محمد بن حزم وهو من أحسن كلامه ~~فرأينا سياقه بلفظه قال الحميدي قال لنا الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن ~~سعيد اليزيدي الفارسي في بيان أصل الاختلاف الشرعي وأسبابه تطلعت النفس بعد ~~تيقنها أن الأصل المتفق عليه المرجوع إليه أصل واحد لا يختلف وهو ما جاء عن ~~PageV02P520 @ صاحب الشرع إما في القرآن وإما من فعله أو قوله الذي لا ينطق ~~عن الهوى فيه # لما رأيت وشاهدت من اختلاف علماء الأمة فيما سبيله واحد وأصله غير مختلف ~~فبحثت عن السبب الموجب للاختلاف ولترك من ترك كثيرا مما صح من السنن فوضح ~~لها بعد التفتيش والبحث أن كل واحد من العلماء بشر ينسى كما ينسى البشر وقد ~~يحفظ الرجل الحديث ولا يحضره ذكره فيفتي بخلافه وقد يعرض هذا في آي القرآن ~~ألا ترى أن عمر رضي الله عنه أمر على المنبر ألا يزاد مهور النساء على عدد ms138 ~~ذكره ميلا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد على PageV02P521 @ ذلك ~~العدد في مهور نسائه حتى ذكرته امرأة من جانب المسجد بقوله تعالى @QB@ ~~وآتيتم إحداهن قنطارا @QE@ النساء 20 # فترك قوله وقال كل أحد أعلم منك حتى النساء وفي رواية أخرى امرأة أصابت ~~ورجل أخطأ علما PageV02P522 @ منه رضي الله عنه بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإن كان لم يزد في مهور النساء على عدد ما فإنه لم يمنع مما سواه ~~والآية أعم # وكذلك أمر رضي الله عنه برجم امرأة ولدت لستة أشهر فذكره علي رضي الله ~~عنه بقوله تعالى @QB@ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا @QE@ الأحقاف 15 # مع قوله @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين @QE@ البقرة 233 # فرجع عن الأمر برجمها PageV02P523 @ # وهم أن يسطو بعيينة بن حصن إذ جفا عليه حتى ذكره الحر بن قيس بقول الله ~~عز وجل @QB@ وأعرض عن الجاهلين @QE@ الأعراف 199 PageV02P524 @ # فأمسك عمر # وقال رضي الله عنه يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يموت حتى يكون آخرنا حتى قرئ عليه @QB@ ~~إنك ميت وإنهم ميتون @QE@ الزمر 30 # فرجع عن ذلك وقد كان علم الآية ولكنه نسيها لعظم الخطب الوارد عليه # وقد يذكر العالم الآية والسنة ولكن يتأول PageV02P525 @ فيهما تأويلا من ~~خصوص أو نسخ أو معنى ما وإن كان كل ذلك يحتاج إلى دليل ولا شك أن الصحابة ~~رضي الله عنهم كانوا بالمدينة حوله صلى الله وسلامه عليه مجتمعين وكانوا ~~ذوي معايش يطلبونها وفي ضنك من القوت فمن محترف في الأسواق ومن قائم على ~~نخله ويحضره صلى الله عليه وسلم في كل وقت منهم طائفة إذا وجدوا أدنى فراغ ~~مما هم بسبيله # وقد نص على ذلك أبو هريرة فقال إن إخواني من PageV02P526 @ المهاجرين كان ~~يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على نخلهم ~~وكنت امرءا مسكينا أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني # وقد قال عمر رضي الله عنه ألهاني الصفق بالأسواق ms139 في حديث استئذان أبي ~~موسى وكان PageV02P527 @ صلى الله عليه وسلم يسأل عن المسألة ويحكم بالحكم ~~ويأمر بالشيء ويفعل الشيء فيحضره من حضره ويغيب عنه من غاب عنه فلما مات ~~صلوات الله وسلامه عليه ولي أبو بكر كان إذا جاءته القضية ليس عنده فيها نص ~~سأل من بحضرته من الصحابة عنها فإن وجد عندهم نصا رجع إليه وإلا اجتهد في ~~الحكم فيها وكان اجتهاده واجتهاد غيره منهم رضي الله عنهم رجوعهم إلى نص ~~عام أو إلى أصل إباحة متقدمة أو إلى نوع من هذا يرجع إلى أصل ولا يجوز أن ~~يظن أحد أن اجتهاد أحد منهم هو أن يشرع شريعة باجتهاد ما أو يخترع حكما لا ~~أصل له حاشاهم من ذلك # فلما ولي عمر رضي الله عنه فتحت الأمصار وتفرقت PageV02P528 @ الصحابة في ~~الأقطار فكانت الحكومة تنزل بالمدينة أو بغيرها من البلاد فإن كان عند ~~الصحابة الحاضرين لها نص حكم به وإلا اجتهدوا في ذلك وقد يكون في تلك ~~القضية نص موجود عند صاحب آخر في بلد آخر # وقد حضر المدني مالم يحضر المصري وحضر المصري مالم يحضر الشامي وحضر ~~الشامي مالم يحضر البصري والبصري مالم يحضر الكوفي والكوفي مالم يحضر ~~البصري والمدني مالم يحضر الكوفي والبصري كل هذا موجود في الآثار وتقتضيه ~~الحالة التي ذكرنا من PageV02P529 @ مغيب بعضهم عن مجلسه في بعض الأوقات ~~وحضور غيره يم مغيب الذي حضر وحضور الذي غاب فيدري كل واحد منهم ما حضره ~~ويفوته ما غاب عنه هذا أمر مشاهد # وقد كان علم التيمم عند عمار وغيره وغاب عن عمر وبن مسعود حتى قالا لا ~~يتيمم الجنب ولو لم يجد الماء شهرين # وكان حكم المسح على الخفين عند علي وحذيفة ولم تعلمه عائشة ولا بن عمر ~~ولا أبو هريرة على أنهم PageV02P530 @ مدنيون # وكان توريث بنت الابن مع البنت عند بن مسعود وغاب ذلك عن أبي موسى # وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وأبي سعيد الخدري وأبي وغاب عن عمر ~~PageV02P531 @ # وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر ms140 قبل أن تطوف عند بن عباس وأم سليم ولم ~~يعلمه بن عمر وزيد بن ثابت # وكان حكم المتعة والحمر الأهلية عند علي وغيره ولم يعلمه بن عباس وكان ~~حكم الصرف عند عمر وأبي سعيد وغيرهما وغاب ذلك عن طلحة وبن عباس وبن عمر ~~PageV02P532 @ # وكذلك حكم إجلاء أهل الذمة من بلاد العرب كان عند بن عباس وعمر فنسيه عمر ~~سنتين فتركهم حتى ذكر بذلك فذكره فأجلاهم ومثل هذا كثير فمضى الصحابة على ~~هذا ثم خلف بعدهم PageV02P533 @ التابعون الآخذون عنهم وكل طبقة من ~~التابعين في البلاد التي ذكرنا فإنما تفقهوا بمن كان عندهم من الصحابة ~~وكانوا لا يتعدون فتاويهم لا تقليدا لهم ولكن لأنهم أخذوا ورووا عنهم إلا ~~اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة رضي الله عنهم كإتباع ~~أهل المدينة في الأكثر فتاوي بن عمر وإتباع أهل مكة في الأكثر فتاوي بن ~~عباس وإتباع أهل الكوفة في الأكثر فتاوي بن مسعود # ثم أتى من بعد التابعين فقهاء الأمصار كأبي حنيفة وسفيان وبن أبي ليلى ~~بالكوفة وبن PageV02P534 @ جريج بمكة ومالك وبن الماجشون بالمدينة وعثمان ~~البتي PageV02P535 @ وسوار بالبصرة والأوزاعي بالشام والليث بمصر فجروا على ~~تلك الطريقة من أخذ كل واحد منهم عن التابعين من أهل بلده وتابعوهم عن ~~PageV02P536 @ الصحابة فيما كان عندهم وفي اجتهادهم فيما ليس عندهم وهو ~~موجود عند غيرهم ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وكل من ذكرنا مأجور على ما ~~أصاب فيه أجرين ومأجور فيما خفي عنه ولم يبلغه أجرا واحدا قال تعالى @QB@ ~~لأنذركم به ومن بلغ @QE@ الأنعام 19 # وقد يبلغ الرجل ممن ذكرنا نصان ظاهرهما التعارض فيميل إلى أحدهما بضرب من ~~الترجيحات ويميل غيره إلى النص الآخر الذي تركه بضرب آخر من الترجيحات كما ~~روى PageV02P537 @ عثمان بن عفان في الجمع بين الأختين أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية وكما مال بن عمر إلى تحريم نساء أهل الكتاب جملة بقوله تعالى ~~@QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ البقرة 221 # وقال لا أعلم شركا أعظم من قول المرأة إن عيسى ms141 ربها وغلب ذلك على الإباحة ~~المنصوصة في الآية الأخرى ومثل هذا كثير # فعلى هذه الوجوه ترك بعض العلماء ما تركوا من الحديث ومن الآيات وعلى هذه ~~الوجوه خالفهم PageV02P538 @ نظراؤهم فأخذ هؤلاء ما ترك أولئك وأخذ أولئك ~~ما ترك هؤلاء لا قصدا إلى خلاف النصوص ولا تركا لطاعتها ولكن لأحد الأعذار ~~التي ذكرنا إما من نسيان وإما أنها لم تبلغهم وإما لتأويل ما وإما لأخذ ~~بخبر ضعيف لم يعلم الآخذ به ضعف رواته وعلمه غيره فيأخذ بخبر آخر أصح منه ~~أو بظاهر آية وقد يتنبه بعضهم في النصوص الواردة إلى معنى ويلوح منه حكم ~~بدليل ما ويغيب عن غيره وقد كثرت الرحل إلى الآفاق وتداخل الناس وانتدب ~~أقوام لجمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم وضمه وتقييده ووصل من البلاد ~~PageV02P539 @ البعيدة إلى من لم يكن عنده وقامت الحجة على من بلغه شيء منه ~~وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأولة في الحديث وعرف الصحيح ~~من السقيم وزيف الاجتهاد المؤدي إلى خلاف كلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإلى ترك عمله وسقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن ببلوغها إليه ~~وقيام الحجة بها عليه ولم يبق إلا العناد والتقليد # وعلى هذه الطريقة كان الصحابة رضي الله عنهم وكثير من التابعين يرحلون في ~~طلب الحديث الأيام الكثيرة طلبا للسنن والتزاما لها # وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر في حديث واحد إلى عقبة بن عامر ورحل ~~علقمة والأسود إلى PageV02P540 @ عائشة وبن عمر ورحل علقمة إلى أبي الدرداء ~~بالشام وكتب معاوية إلى المغيرة اكتب إلي بما سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومثل هذا كثير انتهى كلامه # وقال شيخ الإسلام بن تيمية جماع الأعذار في PageV02P541 @ ترك من ترك من ~~الأئمة حديثا ثلاثة أصناف # أحدها عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله # الثاني عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول # الثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ # وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة # السبب الأول أن لا ms142 يكون الحديث قد بلغه ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن ~~يكون عالما بموجبه فإذا لم يبلغه وقد قال في تلك النازلة بموجب ظاهر آية أو ~~حديث آخر أو بموجب قياس أو استصحاب فقد يوافق الحديث المتروك تارة ويخالفه ~~أخرى وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض ~~الأحاديث فإن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من ~~الأئمة واعتبر ذلك PageV02P542 @ بالخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة ~~بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأحواله وخصوصا الصديق الذي لم ~~يكن يفارقه لا سفرا ولا حضرا وكان عنده غالب الأوقات حتى كان يسمر عنده ~~بالليل وكان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول دخلت أنا وأبو بكر وعمر ~~وخرجت أنا وأبو بكر وعمر PageV02P543 @ وذهبت أنا وأبو بكر وعمر ثم مع ذلك ~~الاختصاص خفي على أبي بكر ميراث الجدة وكان علمه عند المغيرة بن شعبة ومحمد ~~بن مسلمة وعمران بن الحصين وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر ولا قريبا منه ~~في العلم وخفي على عمر سنة الاستئذان وتوريث المرأة من دية زوجها حتى أخبره ~~الضحاك بن سفيان الكلابي وهو أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض ~~البوادي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث امرأة أشيم الضبابي من دية ~~زوجها فترك رأيه لذلك وقال PageV02P544 @ لو لم نسمع هذا لقضينا بخلافه ~~وخفي عليه حكم المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب وخفي عليه حكم الطاعون حتى أخبره ~~عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا وقع ~~PageV02P545 @ بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا ~~تقدموا عليه # وتذاكر هو وبن عباس أمر الذي شك في صلاته فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك ~~حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يطرح الشك ~~ويبني ms143 على ما استيقن PageV02P546 @ # وكان مرة في السفر فهاجت ريح فجعل يقول من يحدثنا عن الريح قال أبو هريرة ~~فبلغني ذلك وأنا في أخريات الناس فحثثت راحلتي حتى أدركته فحدثته بما أمر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح # فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من عمر أعلم منه بكثير # ومواضع أخرى لم يبلغه ما فيها من السنة فقضى وأفتى بغيرها كما قضى في دية ~~الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها وقد كان عند أبي موسى PageV02P547 @ وبن ~~عباس وهما دونه في العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه وهذه سواء ~~فبلغت هذه السنة معاوية في إمارته فقضى بها ولم يجد المسلمون بدا من اتباع ~~ذلك # وكان عمر ينهى المحرم عن التطيب قبل الإحرام وقبل الإفاضة إلى مكة بعد ~~رمي الجمرة هو وابنه عبد الله وغيرهما من أهل العلم ولم يبلغهم حديث عائشة ~~رضي الله عنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ~~ولحله قبل أن يطوف بالبيت PageV02P548 @ وكان أمر لابس الخف أن يمسح عليه ~~إلى أن يخلعه من غير توقيت واتبعه على ذلك طائفة من السلف ولم تبلغهم ~~أحاديث التوقيت التي صحت عند من عمر أعلم منه # وكذلك عثمان لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد في منزل الموت ~~حتى حدثته الفريعة بنت مالك PageV02P549 @ أخت أبي سعيد الخدري بقصتها لما ~~توفي زوجها وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها امكثي في بيتك حتى يبلغ ~~الكتاب أجله فأخذ به عثمان وترك فتواه # وأهدي له مرة صيد كان قد صيد لأجله وهو محرم فهم بأكله حتى أخبره علي رضي ~~الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم رد لحما أهدي له وهو محرم ~~PageV02P550 @ # وأفتى علي وبن عباس وغيرهما أن المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد أقصى ~~الأجلين ولم تكن قد بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيعة ~~الأسلمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتاها حين وضعت ms144 حملها بأنها قد ~~حلت للأزواج PageV02P551 @ # وأفتى هو وزيد بن ثابت وبن عمر وغيرهم بأن المفوضة إذا مات عنها زوجها ~~فلا مهر لها ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت ~~واشق وهذا باب واسع # وأما المنقول فيه عن من بعد الصحابة والتابعين PageV02P552 @ فأكثر من أن ~~يحصى فإذا خفي على أعلم الأمة وأفقهها بعض السنة فما الظن بمن بعدهم فمن ~~اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل فرد من الأئمة أو إماما معينا فقد أخطأ ~~خطأ فاحشا # قال أبو عمر وليس أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد خفيت ~~عليه بعض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة فمن بعدهم # وصدق أبو عمر رضي الله عنه فإن مجموع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أقواله وأفعاله وإقراره لا يوجد عند رجل واحد أبدا ولو كان أعلم أهل ~~الأرض فإن قيل فالسنة قد دونت وجمعت وضبطت وصار ما تفرق منها عند الفئة ~~الكثيرة مجموعا عند واحد PageV02P553 @ # قيل هذه الدواوين المشهورة في السنن إنما جمعت بعد انقراض عصر الأئمة ~~المتبوعين # ومع هذا فلا يجوز أن يدعى انحصار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~دواوين معينة ثم لو فرض انحصار السنة في هذه الدواوين فليس كل ما فيها ~~يعلمه العالم ولا يكاد يحصل ذلك لأحد أبدا بل قد يكون عند الرجل الدواوين ~~الكثيرة وهو لا يحيط علما بما فيها بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين ~~كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا ~~يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع أو لا يبلغنا بالكلية وكانت دواوينهم ~~صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين PageV02P554 @ # | فصل # السبب الثاني أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه أو ~~من فوقه مجهول عنده أو سيء الحفظ أو متهم أو لم يبلغه مسندا بل منقطعا أو ~~لم يضبط له لفظ الحديث ويكون ذلك ms145 الحديث بعينه قد رواه الثقات لغيره بإسناد ~~صحيح متصل بأن يعلم غيره عدالة ذلك المجهول أو يرويه له ثقة غيره ويتصل له ~~من غير تلك الجهة المنقطعة ويضبطه له من لم يضبطه للآخر أو يقع له من ~~الشواهد والمتابعات مالم يقع لغيره فيكون الحديث حجة على من بلغه من هذا ~~الوجه وليس بحجة على من بلغه من الوجه الأول ولهذا علق كثير من الأئمة ~~القول بموجب الحديث على صحته فيقول قولي فيها كيت وكيت وقد روي فيها حديث ~~بخلافه فإن صح فهو قولي وأمثلة هذا كثيرة جدا PageV02P555 @ # | فصل # السبب الثالث اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره فقد يعتقد أحد ~~المجتهدين ضعف رجل ويعتقد الآخر ثقته وقوته وقد يكون الصواب مع المضعف ~~لاطلاعه على سبب خفي على الموثق وقد يكون الصواب مع الآخر لعلمه بأن ذلك ~~السبب غير قادح في روايته وعدالته إما لأن جنسه غير قادح وإما لأن له فيه ~~عذرا أو تأويلا يمنع الجرح # وقد لا يعتقد الذي بلغه الحديث أن راويه سمعه من غيره لأسباب معروفة عنده ~~خفيت على غيره # وقد يكون للمحدث حالان حال استقامة وحال اضطراب فلا يدري الرجل أن حديثه ~~المعين حدث به في حال الاستقامة أو في حال الاضطراب فيتوقف فيه ويعلم غيره ~~أنه حدث به في حال الاستقامة فيقبله PageV02P556 @ # وقد يكون المحدث قد نسي الحديث الذي قد حدث به فينكره فيبلغ المجتهد ~~إنكاره له ولا يعمل به ويرى غيره أن نسيانه له لا يقدح في صحة الحديث ووجوب ~~العمل به # وأيضا فكثير من الحجازيين لا يحتج بحديث عراقي ولا شامي إن لم يكن له أصل ~~بالحجاز حتى قال بعض من يذهب هذا المذهب نزلوا أحاديث أهل العراق منزلة ~~أحاديث أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقيل لبعض من كان يذهب إلى هذا ~~المذهب سفيان عن منصور PageV02P557 @ عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة ~~قال إن لم يكن له أصل بالحجاز فلا # وكان الشافعي يرى هذا المذهب أولا ثم رجع عنه ms146 وقال للإمام أحمد يا أبا ~~عبد الله إذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميا كان أو عراقيا ~~PageV02P558 @ ولم يقل أو حجازيا لأنه لم يكن يشك هو ولا غيره في أحاديث ~~أهل الحجاز # وأكثر أهل العلم على خلاف هذا المذهب وأن الحديث إذا صح وجب العمل به من ~~أي مصر من الأمصار كان مخرجه وعلى هذا إجماع أهل الحديث قاطبة # | فصل # السبب الرابع اشتراط بعضهم في خبر الواحد العدل شروطا يخالفه فيها غيره ~~كاشتراط بعضهم أن يكون الراوي فقيها إذا خالف ما رواه القياس واشتراط بعضهم ~~انتشار الحديث وظهوره إذا كان مما تعم به البلوى واشتراط بعضهم أن لا يكون ~~الحديث قد تضمن زيادة على نص القرآن لئلا يلزم منه نسخ القرآن به وهذه ~~مسائل معروفة PageV02P559 @ # | فصل # السبب الخامس أن ينسى الحديث أو الآية كما نسي عمر قوله تعالى @QB@ إنك ~~ميت وإنهم ميتون @QE@ الزمر 30 # ونسي قوله @QB@ وآتيتم إحداهن قنطارا @QE@ النساء 20 # ونسي فتوى النبي صلى الله عليه وسلم له ولعمار بالتيمم للجنابة في السفر ~~وكذلك ما روي أن عليا ذكر الزبير يوم الجمل شيئا عهده إليهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذكره فانصرف عن القتال قلت فيكون الناسي معذورا بفتواه ~~بخلاف النص فما عذر الذاكر PageV02P560 @ للنص إذا قلد الناس وخالف الذاكر ~~والذكر # | فصل # السبب السادس عدم معرفته بدلالة الحديث إما لكون لفظ الحديث غريبا عنده ~~مثل لفظ المزابنة والمحاقلة PageV02P561 @ والمخابرة والملامسة والمنابذة ~~والحصاة والغرر PageV02P562 @ ونحوها من الكلمات الغريبة التي يختلف ~~العلماء في تأويلها ومثل قوله لا طلاق ولا عتاق في إغلاق # فإنهم فسروا الإغلاق بالإكراه قلت هذا تفسير كثير من الحجازيين # ومنهم من فسره بالغضب وهو تفسير العراقيين ونص عليه أحمد وأبو عبيد وأبو ~~داود # ومنهم من فسره بجمع الثلاث في كلمة واحدة فإنه مأخوذ من غلق الباب أي ~~أغلق عليه باب الطلاق جملة وصحح بعضهم هذاالتفسير وجعله أولى التفاسير ~~PageV02P563 @ وممن حكى الأقوال الثلاثة صاحب مطالع الأنوار وصاحب مشارق ~~الأنوار وهذا الباب يعرض منه اختلاف كثير سببه أن ms147 يكون لذلك اللفظ في لغته ~~وعرفه معنى غير معناه في لغة الرسول صلى الله عليه وسلم أو أعم منه أو أخص ~~فتفطن لهذا الموضع فإنه منشأ لغلط كثير على صاحب الشرع # والصواب في لفظ الإغلاق أنه الذي يغلق على صاحبه باب تصوره أو قصده ~~كالجنون والسكر PageV02P564 @ والإكراه والغضب كأنه لم ينفتح قلبه لقصده ~~ولا وطر له فيه ومن هذا لفظ الخمر فإنه في لغة الشارع اسم لكل مسكر لا يختص ~~بنوع من أنواعه وهذا المعنى مطابق لاشتقاقه فتخصيصه ببعض الأنواع المسكرة ~~دون بعض اصطلاح حادث حصل بحمل كلام الشارع عليه تخصيص لما قصد الشارع ~~تعميمه ولهذا لم يختلف المخاطبون بالقرآن أولا وهم الصحابة في تحريم ذلك ~~كله # | فصل # ومن هذا الخلاف العارض من جهة كون اللفظ مشتركا أو مجملا أو مترددا بين ~~حمله على معناه عند الإطلاق وهو المسمى بالحقيقة أو على معناه عند التقييد ~~وهو المسمى بالمجاز كاختلافهم في المراد من القرء هل هو الحيض أو الأطهار ~~ففهمت طائفة منه الحيض PageV02P565 @ وأخرى الطهر وكما فهمت طائفة من الخيط ~~الأبيض والأسود الخيطين المعروفين وفهم غيرهم بياض النهار وسواد الليل وكما ~~فهمت طائفة من قوله في التيمم @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ ~~المائدة 6 # المسح إلى الآباط ففعلوه وفهم آخرون المسح إلى المرافق ففعلوه وأسعد ~~الناس بفهم الآية من فهم منها المسح إلى الكوع وهذا هو الذي فهمه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الآية وهو نظير فهمه PageV02P566 @ صلوات الله ~~وسلامه عليه القطع من الكوع من آية السرقة # وكما فهمت طائفة من قوله @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ البعض مقدرا أو غير ~~مقدر وفهم آخرون مسح الجميع وفهمهم مؤيد بفعل الرسول # وكما فهم بعضهم من قوله تعالى @QB@ فإن كان له إخوة فلأمه السدس @QE@ ~~النساء 11 PageV02P567 @ # الثلاثة فصاعدا اعتمادا على الحقيقة وفهم الآخرون الإثنين فصاعدا اعتمادا ~~على فهم الجنس الزائد على الواحد وهؤلاء أسعد بفهم الآية # وكما فهم الصديق ومن معه من الكلالة التي يرث معها الإخوة والأخوات للأب ~~أنها عدم الولد وإن سفل والأب ms148 وإن علا وفهم آخرون منها عدم الأب دون من ~~فوقه والصديق أسعد بفهم الآية كما اتفق المسلمون على أن الكلالة في قوله : ~~PageV02P568 @ @QB@ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل ~~واحد منهما السدس @QE@ النساء 12 # أنها عدم الولد وإن سفل والأب وإن علا # وكما فهم من فهم من السلف والخلف من قوله تعالى @QB@ الطلاق مرتان @QE@ ~~البقرة 229 # أنه مرة بعد مرة مثل قوله @QB@ سنعذبهم مرتين @QE@ التوبة 101 # وقوله @QB@ فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله @QE@ النور 6 # وقوله في الحديث فلما أقر أربع مرات رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ~~والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات @QE@ النور 58 PageV02P569 @ # وجميع ما ذكر فيه تعدد المرة فهذا سبيله فالثلاث المجموعة بكلمة واحدة ~~مرة واحدة وفهم آخرون منها الجمع والإفراد ولا يخفى أي الفهمين أولى # وكما فهم من أباح نكاح التحليل ذلك من قوله @QB@ حتى تنكح زوجا غيره @QE@ ~~البقرة 230 # وفهم المحرمون المبطلون له بطلانه من نفس الآية من عدة أوجه # منها قوله @QB@ حتى تنكح زوجا غيره @QE@ البقرة 230 # ونكاح التحليل لا يدخل في النكاح المطلق كما لم يدخل فيه نكاح الشغار ~~والمتعة ونكاح المعتدة ونكاح المحرمة فإن الذي أخرج هذه الأنواع من النكاح ~~المطلق المأذون فيه هو الذي أخرج نكاح التحليل منه بنصوص أكثر وأصرح من تلك ~~النصوص # ومنها تسميته سبحانه لهذا الثاني زوجا وأحكام الزوج عرفا وشرعا منتفية عن ~~المحلل وانتفاء الأحكام PageV02P570 @ مستلزم لانتفاء الاسم شرعا وعرفا ~~وكذلك هو فإن أهل العرف لا يسمونه زوجا والشارع إنما سماه تيسا مستعارا فلا ~~يجوز تسميته زوجا إلا على وجه التقييد بأن يقال زوج ملعون أو زوج في نكاح ~~تحليل أو في نكاح باطل # ومنها أنه جعل الزوج الثاني وطلاقه بمنزلة الزوج الأول وطلاقه فالمفهوم ~~منها واحد وغير ذلك من الوجوه التي أفهمت منها الآية بطلان نكاح المحلل وهي ~~عشرة قد ذكرناها في موضع آخر ولا ريب أن فهم هؤلاء ms149 أولى بالصواب ~~PageV02P571 @ # ومن هذا فهم بعضهم إباحة العينة من قوله تعالى @QB@ إلا أن تكون تجارة ~~حاضرة تديرونها بينكم @QE@ البقرة 282 # وفهم آخرون منها تحريمها وبطلانها فإن لفظ التجارة البيع المقصود الذي ~~يقصد به كل واحد من المتعاقدين الربح والانتفاع ولا يعرف أهل اللغة والعرف ~~من لفظ التجارة إلا ذلك ولا يعد أحد منهم قط الحيلة على الربا تجارة وإن ~~كان المرابي يعد ذلك تجارة كما يعد بيع الدرهم بالدرهمين فالعينة لا تعد ~~تجارة لغة ولا شرعا ولا عرفا # وكما فهم من فهم من قوله تعالى @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~@QE@ النور 3 # أنه العقد وفهم آخرون أنه نفس الوطء وفهم الأولين أصوب لخلو الآية عن ~~الفائدة إذا حمل على الوطء # وكما فهم أهل الحجاز من قوله تعالى @QB@ أو ينفوا من الأرض @QE@ المائدة ~~33 PageV02P572 @ # طرده من الأرض من موضع إلى موضع وفهم أهل العراق منه الحبس # وبالجملة فهذا الفصل معترك النزاع # | فصل # السبب السابع أن يكون عارفا بدلالة اللفظ وموضوعه ولكن لا يتفطن لدخول ~~هذا الفرد المعين تحت اللفظ إما لعدم إحاطته بحقيقة ذلك الفرد وأنه مماثل ~~لغيره من الأفراد الداخلة تحته وإما لعدم حضور ذلك الفرد بباله وإما ~~لاعتقاده اختصاصه بخصيصة يخرجه من اللفظ العام وإما لاعتقاده العموم فيما ~~ليس بعام أو الإطلاق فيما هو مقيد فيذهل عن المقيد كما يذهل عن المخصص ~~PageV02P573 @ # | فصل # السبب الثامن اعتقاده أن لا دلالة في ذلك اللفظ على الحكم المتنازع فيه ~~فهاهنا أربعة أمور # أحدها أن لا يعرف مدلول اللفظ في عرف الشارع فيحمله على خلاف مدلوله # الثاني أن يكون له في عرف الشارع معنيان فيحمله على أحدهما ويحمله غيره ~~على المعنى الآخر # الثالث أن يفهم من العام خاصا أو من الخاص عاما أو من المطلق مقيدا أو من ~~المقيد مطلقا # الرابع أن ينفي دلالة اللفظ وتارة يكون مصيبا في نفس الدلالة وتارة يكون ~~مخطئا فمن نفى دلالة قوله @QB@ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~@QE@ البقرة 187 # على حل أكل ذي ms150 الناب والمخلب أصاب ومن نفى دلالة قوله @QB@ وأنكحوا ~~الأيامى منكم @QE@ النور 32 PageV02P574 @ # على جواز نكاح الزانية أصاب ومن نفى دلالة قوله @QB@ قل لا أجد فيما أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ الأنعام 145 # على الإذن في أكل ما عدا المذكور في الآية أصاب ومن نفى دلالة العام على ~~ما عدا محل التخصيص غلط ومن نفى دلالته على ما عدا محل السبب غلط ومن نفى ~~دلالة الأمر على الوجوب والنهي على التحريم غلط ومن هذا ما يعرض من ~~الاختلاف في الأفعال المنفية بعد وجود صورتها كقوله لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بفاتحة الكتاب ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل PageV02P575 @ ولا ~~صلاة لفذ خلف الصف ونحو ذلك # وطائفة لم تفهم المراد منه فجعلته مجملا يتوقف العمل به على البيان # وطائفة فهمت منه نفي الكمال المستحب وهذا ضعيف جدا فإن النفي المطلق بعيد ~~منه # وطائفة فهمت نفي الأجزاء والصحة وفهم هؤلاء أقرب إلى اللغة والعرف والشرع # وطائفة فهمت نفي المسمى الشرعي وهؤلاء أسعد الناس بفهم المراد # | فصل # هذا كله قبل الوصول إلى السبب التاسع وهو اعتقاده أن تلك الدلالة قد ~~عارضها ما هو مساو لها PageV02P576 @ فيجب التوقف أو ما هو أقوى منها فيجب ~~تقديمه وهذه المعارضة نوعان معارضة في الدليل ومعارضة في مقدمة من مقدماته # فالمعارضة في الدليل أن يعتقد أنه قد عارضه ما هو أرجح منه فيجب عليه ~~العمل بالراجح وقد يكون مصيبا في ذلك وقد لا يكون مصيبا فالمصيب من اعتقد ~~المعارضة بناسخ يصح فيه دلالته ومقاومته وتأخره فإن انتفى بعضها كان واهما ~~في اعتقاد المعارضة وإبطال النص بها # وأما المعارضة في المقدمة فأن يقوم عنده معارض كجزء الدليل مثاله أن ~~يعتقد تحريم الميسر بالنص الدال على تحريمه ويدل عنده دليل على دخول ~~الشطرنج فيه ثم يقوم عنده دليل معارض لهذا الدليل يدل على أن الشطرنج ليس ~~من الميسر فها هنا أربعة أمور PageV02P577 @ # أحدها أن لا يعتقد دلالة اللفظ على المعنى # الثاني أن يعتقد دلالته ولكن يقوم عنده معارض ms151 للدليل # الثالث أن يقوم عنده معارض لمقدمة من مقدماته # الرابع أن يتعارض عنده الدلالتان والتعارض قد يقع في الدليلين وقد يقع في ~~الدلالتين والفرق بينهما أن تعارض الدليلين يكون مع اعتقاد دلالة كل واحد ~~منهما على مطلوبه # وتعارض الدلالتين يقع في الدليل الواحد فيكون له وجهان ثم قد يتبين رجحان ~~المعارض فيصير إلى الراجح وقد لا يتبين له الرجحان فيتوقف وقد يترك الحديث ~~لظنه انعقاد الإجماع على خلافه إذ لم يبلغه الخلاف ويكون إنما معه عدم ~~العلم بالمخالف لا العلم بوجود المخالف وهذا العذر لم يكن أحد من الأئمة ~~PageV02P578 @ والسلف يصير إليه وإنما لهج به المتأخرون وقد أنكره أشد ~~الإنكار الشافعي والإمام أحمد وقال الشافعي مالا يعلم فيه خلاف لا يقال له ~~إجماع هذا لفظه وأما الإمام أحمد فقال من ادعى الإجماع فقد كذب وما يدريه ~~لعل الناس اختلفوا وقد كتبت نصوصه ونصوص الشافعي في غير هذا الموضع ولا ~~خلاف بين الأئمة أنه إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~عدم العلم بالقائل به مسوغا لمخالفته فإنه دليل موجب للاتباع وعدم العلم ~~بالمخالف لا يصلح أن يكون معارضا فلا يجوز ترك الدليل له وإذا تأملت هذا ~~الموضع وجدت كثيرا من أعيان العلماء قد صاروا إلى أقوال متمسكهم فيها عدم ~~العلم بالمخالف مع قيام الأدلة الظاهرة على PageV02P579 @ خلاف تلك الأقوال ~~وعذرهم رضي الله عنهم أنهم لم يكن لأحد منهم أن يبتدىء قولا لم يعلم به ~~قائلا مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه فيتركب من هذا العلم وعدم ذلك ~~العلم الإمساك عن اتباع ذلك الدليل # وها هنا انقسم العلماء ثلاثة أقسام فقسم أخذوا بما بلغهم من أقوال أهل ~~العلم وقالوا لا يجوز لنا أن نخالفهم ونقول قولا لم نسبق إليه وهؤلاء ~~معذورون قبل وصول الخلاف إليهم فأما من وصل إليه الخلاف وعلم بذلك القول ~~قائلا فما أدري ما عذره عند الله في مخالفته صريح الدليل # وقسم توقفوا وعلقوا القول فقالوا إن كان في المسألة إجماع فهو ms152 أحق ما ~~اتبع وإلا فالقول فيها كيت وكيت وهو موجب الدليل ولو علم هؤلاء قائلا به ~~لصرحوا بموافقته فإذا علم به قائل فالذي ينبغي ولا يجوز غيره أن يضاف ذلك ~~القول إليهم لأنهم إنما تركوه لظنهم أنه لا قائل PageV02P580 @ به وأنه لو ~~كان به قائل لصاروا إليه فإذا ظهر به قائل لم يجز أن يضاف إليهم غيره إلا ~~على الوجه المذكور وهذه الطريقة أسلم # وقسم ثالث اتبعوا موجب الدليل وصاروا إليه ولم يقدموا عليه قول من ليس ~~قوله حجة ثم انقسم هؤلاء قسمين # فطائفة علمت أنه يستحيل أن تجمع الأمة على خلاف هذا الدليل وعلمت أنه لا ~~بد أن يكون في الأمة من قال بموجبه وإن لم يبلغهم قوله فما كل ما قاله كل ~~واحد من أهل العلم وصل إلى كل واحد من المجتهدين وهذا لا يدعيه عاقل ولا ~~يدعي في أحد وقد نص الشافعي على مثل ذلك فذكر البيهقي عنه في المدخل أنه ~~قال له PageV02P581 @ بعض من ناظره فهل تجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سنة ثابتة متصلة خالفها الكل قلت لا لم أجدها قط كما وجدت المرسل # وطائفة قالت يجوز أن لا يتقدم به قائل ولكن لا يلزم انعقاد الإجماع على ~~خلافه إذ لعل تلك النازلة تكون قد نزلت فأفتى فيها بعض العلماء أو كثير ~~منهم أو أكثرهم بذلك القول ولم يستفت فيها الباقون ولم تبلغهم فحفظ فيها ~~قول طائفة من أهل العلم ولم يحفظ لغيرهم فيها قول والذين حفظ قولهم فيها ~~ليسوا كل الأمة فيحرم مخالفتهم # قالوا فنحن في مخالفتنا لمن ليس قوله حجة أعذر منكم في مخالفتكم لمن قوله ~~حجة فإن كنتم معذورين في مخالفة الدليل لقول من بلغتكم أقوالهم مع أنهم ~~ليسوا كل الأمة فنحن في مخالفتهم لقيام الدليل أعذر عند الله ورسوله منكم ~~وهذا كما تراه لا يمكن دفعه إلا بمكابرة أو إجماع متيقن معلوم لا شك فيه ~~وبالله التوفيق PageV02P582 @ # ومما يوضح هذا أن كل من ترك موجب الدليل لظن الإجماع فإنه قد ms153 تبين لغيره ~~أنه لا إجماع في تلك المسألة والخلاف فيها قائم ونحن نذكر من ذلك طرفا ~~يسيرا يستدل به العالم على ما وراءه # فمن ذلك قول مالك لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد وصدق رضي الله عنه فلم ~~يعلم أحدا أجازها وعلمه غيره # فأجازها علي بن أبي طالب وأنس بن مالك وشريح القاضي حكاه الإمام أحمد ~~وغيره وروى أحمد عن أنس قال لا أعلم أحدا رد شهادة العبد وقال لا أعلم أحدا ~~أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P583 @ في الصلاة ووجوبها ~~محفوظ عن أبي جعفر الباقر # وقال الشافعي أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث وقد صح توريثه عن علي وبن ~~مسعود وقال الشافعي وقد قيل له فهل من مرسل ما قال به أحد قال نعم أخبرنا ~~بن عيينة عن محمد بن المنكدر أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا رسول الله إن لي مالا وعيالا وإن لأبي مالا وعيالا يريد أن يأخذ ~~مالي PageV02P584 @ فيطعمه عياله فقال أنت ومالك لأبيك قال الشافعي فقال ~~محمد بن الحسن أما نحن فلا نأخذ بها ولكن هل من أصحابك من يأخذ به قلت لا ~~لأن من أخذ بهذا جعل للأب الموسر أن يأخذ من مال ابنه قال أجل ما يقول بهذا ~~أحد قال فلم يخالفه الناس قلت لأنه لم يثبت فإن الله لما فرض للأب ميراثه ~~من ابنه فجعله كوارث غيره وقد يكون أنقص حظا من كثير من PageV02P585 @ ~~الورثة دل ذلك على أن ابنه مالك للمال دونه وقد قال بهذا الحديث جماعة من ~~السلف منهم شيخ الشافعي سفيان بن عيينة وصاحبه الإمام أحمد وغيرهما ولم ~~يعلم به الشافعي قائلا واعتذر عن مخالفته بأنه مرسل لم يثبت ولم يعتذر عن ~~مخالفته بالإجماع وقد صح اتصاله # وقال الثوري فيما إذا طلق المدخول بها ثم راجعها ثم طلقها قبل دخول ثان ~~بعد الرجعة فإن أكثر العلماء على أنها تستأنف العدة قال سفيان أجمع الفقهاء ~~على هذا وسفيان من كبار أئمة الإسلام ms154 وقد حكى الإجماع على هذا والنزاع في ~~ذلك موجود قبله وبعده PageV02P586 @ فإن مذهب عطاء أنها تبنى على ما مضى ~~كما لو طلقها قبل الرجعة وهو أحد قولي الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد وحكى ~~عن مالك قول ثالث أنه إن قصد الإضرار بها بنت وإلا استأنفت وحكي عن داود ~~قول رابع أنه لا عدة عليها بحال جعلها مطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها ~~بالطلاق الثاني والأول انقطعت عدته بالرجعة والأكثرون يقولون هي زوجة مدخول ~~بها # ومن ذلك أن الليث بن سعد حكى الإجماع على أن المسافر لا يقصر الصلاة في ~~اقل من يومين هذا مع سعة علمه وفقهه وجلالة قدره والنزاع في مسافة القصر عن ~~الصحابة والتابعين أشهر من أن يذكر # ومن ذلك ما ذكره مالك في موطأه فقال فمن الحجة على من قال ذلك القول أي ~~أنه لا يقضى بشاهد PageV02P587 @ ويمين لأنه ليس في القرآن فيقال أرأيت لو ~~أن واحدا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه وإن حلف ~~بطل ذلك الحق عنه وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق إن حقه لحق وثبت حقه على ~~صاحبه قال فهذا مما لا خلاف فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلاد اه ~~والحلف بالقضاء بالنكول وحده دون اشتراط رد اليمين أشهر من أن يذكر # وإبراهيم النخعي لا يقول بالرد بحال ومذهب أبي حنيفة وأصحابه لا يرون ~~لزوم تحليف المدعي بحال بل يقضون بالنكول وأبو ثور ذكر في المسألة قولا ~~ثالثا أنه إذا امتنع أن يحلف وسأل حبس المدين حبسه له # وأحمد وإن كان يحلف المدعي في بعض الصور PageV02P588 @ كالقسامة والقضاء ~~بشاهد ويمين فإن المشهور عنه أنه يقضي بالنكول دون الرد # وفي مذهب أحمد قول آخر أنه يقضي بالرد وهو اختيار أبي الخطاب وأبي محمد ~~المقدسي في العمدة # وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه من قضى بالنكول نقض حكمه # ومع هذا فأبو عبيد يحكي الإجماع على خلاف هذا PageV02P589 @ فإنه قال في ~~كتاب القضاء لما ذكر أحاديث القضاء ms155 إن اليمين على المدعى عليه قال وفي ذلك ~~سنة يستدل عليها بالتأويل وذلك أنه لما قضى أنه لا براءة للمطلوب إلا ~~باليمين إلى الطالب كان فيه دليل على أن ترك أدائها إيجاب للدعوى عليه ~~وتصديق لما يدعي # قال وقد زعم بعض من يدعي النظر في الفقه أن إباء اليمين لا يوجب عليه حقا ~~ولكنه زعم يحبس حتى يقر أو يحلف وهذا خلاف التأويل والأخبار وإجماع العلماء # ومن ذلك ما قاله مالك في موطئه الأمر المجمع عليه عندنا والذي سمعت ممن ~~أرضى به في القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث أن يبدأ ~~بيمين المدعين في القسامة وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين إما أن يقول ~~المقتول دمي عند PageV02P590 @ فلان أو يأتي ولاة الدم بلوث فهذا يوجب ~~القسامة للمدعين للدم على من ادعوه عليه # قال مالك ولا تجب القسامة إلا بأحد هذين الوجهين قال مالك وتلك السنة ~~التي لا اختلاف فيها عندنا والذي لم يزل عليه الناس أن المبدئين بالقسامة ~~أهل الدم الذي يدعونه في العمد والخطأ # قال بن عبدالبر وقد أنكر العلماء على مالك قوله إن القسامة لا تجب إلا ~~بقول المقتول دمي عند فلان أو يأتي بلوث يشهدون به لأن المقتول بخيبر لم ~~يدع على أحد ولا قال دمي عند أحد ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار ~~تأتون بلوث قالوا وقد جعل مالك سنة ما ليس له مدخل في السنة # وكذلك أنكروا عليه أيضا في هذا الباب قوله الأمر PageV02P591 @ المجمع ~~عليه أن يبدأ المدعون بالإيمان في القسامة قالوا فكيف اجتمعت الأئمة في ~~الفقه والحديث وبن شهاب يروي عن سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن ~~رجل من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ اليهود في الإيمان قال ~~وهذا الحديث وإن لم يكن من روايته عن بن شهاب فمن روايته عن بن شهاب عن ~~سليمان بن يسار وعراك بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للجهني الذي ادعى دية ~~وليه على رجل ms156 من بني سعد بن ليث وكان أجرى فرسه فوطىء على إصبع الجهني فنزى ~~منها الدم فمات فقال عمر للذي ادعى عليهم PageV02P592 @ أتحلفون بالله ~~خمسين يمينا ما مات منها فأبوا وتحرجوا وقال للمدعين احلفوا فأبوا فقضى ~~بشطر الدية على السعديين قالوا فأي أمة اجتمعت على هذا # ومن ذلك قال الشافعي في مختصر المزني في مسألة اليمين الغموس ودل إجماعهم ~~على أن من حلق في الإحرام عمدا أو خطأ أو قتل صيدا عمدا أو خطأ في الكفارة ~~سواء وعلى أن الحالف بالله وقاتل المؤمن عمدا أو خطأ في الكفارة سواء فقد ~~ذكر الإجماع على التسوية بين العامد والمخطىء في قتل الصيد وحلق الشعر ~~ومعلوم ثبوت النزاع في ذلك قديما وحديثا فمذهب جماعة من السلف أن قاتل ~~الصيد خطأ لا جزاء عليه ويروى ذلك عن بن عباس وطاوس PageV02P593 @ وسعيد بن ~~جبير ويروى ذلك عن القاسم وسالم وعطاء ومجاهد وهو قول بن المنذر ~~PageV02P594 @ وداود وأصحابه وقول إسحاق في الشعر وهو رواية عن أحمد في ~~الصيد وخرج أصحابه في مذهبه في الحلق والتقليم قولا مثله وكذلك ذكره بن أبي ~~هريرة قولا للشافعي في PageV02P595 @ الصيد وذكر أبو إسحاق وغيره أن له ~~قولا مخرجا في الحلق والتقليم في الخطأ أنه لا كفارة فيه كالطيب واللباس ~~فصار في المسألة ثلاثة أقوال الكفارة فيهما وعدم الكفارة فيهما والكفارة في ~~الصيد دون الحلق والتقليم # ومن ذلك ما حكاه بن المنذر قال أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن ~~الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار فطلقها ثلاثا ثم تزوجت ~~بعد ما انقضت عدتها ثم نكحها الحالف الأول ثم دخلت الدار أنه لا يقع عليها ~~الطلاق لأن طلاق الملك قد انقضى والنزاع في هذه المسألة معروف فإن هذه ~~المسألة لها صورتان PageV02P596 @ # إحداهما أن لا توجد الصفة فإن الصفة تعود في المشهور في مذهب أحمد حتى إن ~~من أصحابه من يقول تعود الصفة هنا رواية واحدة وهذا أحد أقوال الشافعي بل ~~هو الصحيح عند العراقيين من ms157 أصحابه كما ذكره أبو إسحاق وغيره وهو قول حماد ~~بن أبي سليمان وزفر وكذلك ذكره الطحاوي عن الأوزاعي وعثمان البتي وبن ~~الماجشون PageV02P597 @ إذا طلق ثم تزوج تعود اليمين قال الطحاوي ولم ~~يذكروا بعد الثلاث # والقول الثاني لا تعود الصفة بحال وهو قول أبي ثور والمزني # وقد حكى بن حامد رواية فيمن قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ثم باعه قبل ~~الدخول ثم اشتراه لم يعتق عليه بحال فذكر عنه في العتق أن الصفة لا تعود ~~وفي الطلاق أولى كما صرح أصحابه بمثل ذلك القول # الثالث أنه إن أبانها بالثلاث لم ترجع PageV02P598 @ الصفة وبدونها ترجع ~~وهو مذهب أبي حنيفة وقول الشافعي ومن ذلك ما حكاه بن المنذر أجمع كل من ~~يحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق إن شئت فقالت ~~قد شئت إن شاء فلان أنها قد ردت الأمر ولا يلزمه الطلاق إن شاء فلان كذلك ~~قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الشافعي # ولأصحاب الشافعي في هذه المسألة وجهان حكاهما الماوردي وغيره ومن ذلك قال ~~بن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لامرأته ~~أنت طالق ثلاثا إلا إثنتين أنها تطلق واحدة وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا ~~واحدة أنها تطلق ثنتين فإن قال أنت طالق PageV02P599 @ ثلاثا إلا ثلاثا ~~طلقت ثلاثا وممن حفظ هذا عنه الثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي # والخلاف في المسألة مشهور فمذهب أحمد المنصوص عنه إذا قال أنت طالق ثلاثا ~~إلا ثنتين وقعت الثلاث لأن استثناء الأكثر عنده باطل وإذا قال ثلاثا إلا ~~واحدة صح الاستثناء في المشهور من مذهبه # وقال أبو بكر عبد العزيز لا يصح الاستثناء في الطلاق وهو نظير أشهر ~~الروايتين عند شريح فيما إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار أنها تطلق ولا ~~يتعلق بالشرط المؤخر وهي رواية ثابتة عن أحمد وأكثر أجوبته كقول الجمهور # ومن ذلك ما حكاه أن بن عبدالبر نقل PageV02P600 @ الإجماع على أن ~~الاعتكاف يلزم بالشروع ms158 فقال وقال مالك يلزمه بالنية مع الدخول وإن قطعه ~~لزمه قضاؤه # قال بن عبدالبر لا يختلف في ذلك الفقهاء ويلزمه القضاء عند جمهور العلماء ~~والخلاف في ذلك أشهر شيء فمذهب الشافعي وأحمد في مشهور قوله إنه لا يلزم ~~وقال الشافعي كل عمل لك أن لا تدخل فيه فإذا دخلت فيه فليس عليك أن تقضي ~~إلا الحج والعمرة # ومن ذلك ما حكاه صالح بن أحمد عن أبيه أنه قال لا اختلاف أنه لا يرث ~~المسلم الكافر ولا الكافر المسلم والخلاف في ذلك مشهور عن الصحابة ~~والتابعين # ومن ذلك ما ذكره أبو عمر بن عبدالبر في الاستذكار قال وأما القراءة في ~~الركوع والسجود PageV02P601 @ فجميع العلماء على أن ذلك لا يجوز اه وليس ~~ذلك بإجماع فقد سئل عطاء عن ذلك فقال رأيت عبيد بن عمير يقرأ وهو راكع وحكي ~~عن سلمان بن ربيعة أنه كان يقرأ وهو ساجد وقال مغيرة عن إبراهيم في الرجل ~~يقرأ فيترك الآية فيذكرها وهو راكع قال يقرأها وهو راكع وقال مغيرة كانوا ~~يقرأون في الركوع الآية والآيتين إذا بقي على الرجل من قراءته PageV02P602 ~~@ # ومن ذلك ما حكاه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في كتاب الطهور وقد ذكر من ~~كان يتوضأ من مس الذكر ثم قال وهو منسوخ لأن أهل العلم اجتمعوا على خلاف ~~هذا # ومن ذلك ما ذكره أبو عمر بن عبدالبر فقال وأما الشهادة على رؤية الهلال ~~فأجمع الفقهاء على أنه لا يقبل في شهادة شوال في الفطر إلا شهادة رجلين ~~عدلين والخلاف في ذلك مشهور وقد حكى بن المنذر عن أبي ثور وطائفة من أهل ~~الحديث القول بقول الواحد في الصوم والفطر # ومن ذلك ما قاله أبو ثور لا يختلفون أن أقل الطهر خمسة عشر يوما والخلاف ~~في ذلك مشهور وقد قال إسحاق توقيت هؤلاء بخمسة عشر باطل وقال أحمد في إحدى ~~الروايتين عنه أقله ثلاثة عشر يوما PageV02P603 @ # ومن ذلك ما حكاه غير واحد من العلماء أن الحالف بالطلاق والعتاق إذا حنث ~~في يمينه أنه تطلق عليه ms159 زوجته ويعتق عليه عبده أو جاريته حكى ذلك بضعة عشر ~~من أهل العلم وعذرهم أنهم قالوا بموجب علمهم وإلا فالخلاف في ذلك ثابت عن ~~السلف والخلف من وجوه : # الوجه الأول ما رواه الأنصاري حدثنا أشعث ثنا بكر عن أبي PageV02P604 @ ~~رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت هي يوما يهودية ويوما ~~نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله وعليها المشي إلى بيت ~~الله إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وبن عمر وبن عباس وحفصة وأم سلمة فكلهم ~~قال لها أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت وأمروها أن تكفر يمينها وتخلي ~~بينهما # وقال يحيى بن سعيد القطان عن سليمان PageV02P605 @ التيمي حدثنا بكر بن ~~عبد الله عن أبي رافع فذكره عن زينب ورواه الأوزاعي حدثني حسن بن الحسن ~~حدثني بكر بن عبد الله المزني حدثني PageV02P606 @ رافع فذكره وذكر فيه ~~العتق فهذه ثلاث طرق فقد بريء سليمان التيمي من عهدة التفرد بذكر العتق ~~بمتابعة أشعث وحسن بن الحسن له حتى ولو تفرد بها التيمي فهو أجل من أن يرد ~~ما تفرد به وهو أجل من الذين لم يذكروا الزيادة فصح ذكر العتق في هذا الأثر ~~وزال الارتياب فهؤلاء ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم ~~لهم مخالف أفتوا من قالت كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين مملوكها وبين ~~امرأته أن تكفر يمينها وتخلي بين الرجل وامرأته وهم بن عباس في سعة علمه ~~وبن عمر في شدة ورعه وتحريه وأبو هريرة مع كثرة حفظه وعائشة وحفصة وأم سلمة ~~وهؤلاء من أفقه نساء الصحابة أو أفقههن على الإطلاق # فإن كان التقليد فمن جعل هؤلاء بينه وبين الله أعذر عند الله ممن جعل ~~بينه وبينه من لا يدانيهم وأن PageV02P607 @ كان الدليل والحجة فهاتوا ~~دليلا واحدا لا يطعن فيه من كتاب الله أو سنة رسوله أو قياس يستوي فيه حكم ~~الأصل والفرع على وقوع الطلاق المحلوف به وأكثركم لم يعول في ذلك إلا على ~~ما ms160 ظنه من الإجماع وهو معذور قبل الاطلاع على النزاع فما عذره بعد الاطلاع ~~على أن المسألة مسألة خلاف بين الأئمة إذا استحل عقوبة من يفتي بها وجاهر ~~بالكذب والبهت أنه خالف إجماع الأمة أفترى هؤلاء الذين هم من سادات الأمة ~~وعلمائها يفتون بالكفارة في العتق وبلزوم الطلاق وهل يمكن بشر على وجه ~~الأرض أن يفرق بين قول الحالف إن فعلت كذا فعبدي حر وبين قوله إن فعلت كذا ~~وكذا فإمرأتي طالق بفرق تلوح منه رائحة الفقه # الوجه الثاني من الوجوه المثبتة أن المسألة مسألة PageV02P608 @ نزاع لا ~~مسألة إجماع ما رواه عبد الرزاق في جامعه حدثنا معمر عن بن طاوس عن أبيه ~~أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا قلت أكان يراه يمينا قال لا أدري # الوجه الثالث ما رواه سنيد بن داود في تفسيره حدثنا عباد بن عباد المهلبي ~~عن عاصم الأحول عن عكرمة في رجل قال لغلامه إن لم أجلدك مائة سوط فامرأتي ~~طالق PageV02P609 @ قال لا يجلد غلامه ولا تطلق امرأته هذا من خطوات ~~الشيطان # الوجه الرابع أن في الطلاق المعلق بالشرط قولين للعلماء # أحدهما يقع عند وقوع شرطه # والثاني لا يقع بحال ولا يتعلق الطلاق بالشرط كما لا يتعلق النكاح به ~~وهذا اختيار أجل أصحاب الشافعي الذي أخذ عنه وكان يلازمه أبو عبد الرحمن ~~ولا ينزل اختياره عن درجة من له وجه من المتأخرين بل هو أجل من أصحاب ~~الوجوه وهو مذهب داود بن علي الأصبهاني وبن حزم وأصحابهما # قال أبو محمد بن حزم واليمين بالطلاق لا يلزم PageV02P610 @ سواء بر أو ~~حنث لا يقع به طلاق ولا طلاق إلا كما أمر الله عز وجل ولا يمين إلا كما أمر ~~الله على لسان رسوله والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين لا يجوز ~~وكل ذلك لا يلزم ولا يكون طلاق إلا كما أمر الله عز وجل به وعلمه وهو القصد ~~إلى الطلاق وأما ما عدا ذلك فباطل وممن قال بقولنا في أن اليمين بالطلاق ~~ليس شيئا ولا يقضى به ms161 على من حلف به علي بن أبي طالب وشريح وطاوس ولا يعرف ~~لعلي مخالف من الصحابة # الوجه الخامس أن أبا الحسين القدوري ذكر في PageV02P611 @ شرحه أنه إذا ~~قال طلاقك علي واجب أو لازم أو فرض أو ثابت أو إن فعلت كذا فطلاقك علي واجب ~~أو لازم أو ثابت ففعلت قال فعلى قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكل وعند ~~أبي يوسف إن نوى الطلاق يقع في الكل وعن محمد يقع في قوله لازم ولا يقع في ~~قوله واجب قال صاحب الذخيرة : # وكان الشيخ ظهير الدين المرغيناني يفتي بعدم الوقوع في الكل # الوجه السادس إن القفال أفتى في قوله الطلاق PageV02P612 @ يلزمني أنه لا ~~يقع به الطلاق نواه أو لم ينوه قال قال أبو القاسم عبد الرحمن بن يونس في ~~شرح التنبيه في قول المصنف وإن قال الطلاق والعتاق لازم لي ونواه لزمه ~~لأنهما يقعان بالكناية مع النية وهذا اللفظ يحتمل فجعل كناية فقال الروياني ~~الطلاق لازم صريح وعد ذلك في صرايح الطلاق ولعل وجهه عنده استعماله لإرادة ~~الطلاق وقال القفال في فتاويه ليس بصريح ولا كناية حتى لا يقع به الطلاق ~~وإن نواه PageV02P613 @ # الوجه السابع إن أشهب بن عبد العزيز وهو من أجل أصحاب مالك أفتى فيمن قال ~~لإمرأته إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق ففعلته تقصد وقوع الطلاق به أنها لا ~~تطلق مقابلة لها بنقيض قصدها كما لو قتل الوارث مورثه أو المدبر سيده أو ~~الموصي له ونظائر ذلك مما يقابل به الرجل بنقيض قصده ذكر ذلك عنه بن رشد في ~~مقدماته وهذا محض الفقه لو كان الحلف يقع به الطلاق PageV02P614 @ # الوجه الثامن أن أصحاب مالك من أشد الناس في هذا الباب فلا يعذرون الحالف ~~بجهل ولا نسيان ويوقعون الطلاق على من حلف على مالا يعلم فبان كما حلف عليه ~~ومع هذا فقد حكوا عدم الوقوع بالحلف بالطلاق عن علي بن أبي طالب وشريح ~~وطاوس ونحن نذكر ألفاظهم قال أبو القاسم عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن ~~بزيزة ms162 في كتاب مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام الباب الثالث في حكم ~~اليمين بالطلاق فقد قدمنا في كتاب الإيمان اختلاف العلماء في اليمين ~~بالطلاق والعتق والمشي PageV02P615 @ وغير ذلك هل يلزم أم لا فقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه وشريح وطاوس لا يلزم عن ذلك شيء ولا يقضى بالطلاق ~~على من حلف به فحنث ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة هذا لفظه مع ~~اعتقاده وقوع الطلاق على من حلف به فحنث ولم يطعن في هذا النقل ولم يعترضه ~~باعتراض # الوجه التاسع إن فقهاء الإمامية من أولهم إلى آخرهم ينقلون عن أهل البيت ~~أنه لا يقع الطلاق المحلوف به وهذا متواتر عندهم عن جعفر بن محمد وغيره من ~~أهل البيت # وهب أن مكابرا كذبهم كلهم وقال قد تواطئوا PageV02P616 @ على الكذب عن ~~أهل البيت ففي القوم فقهاء وأصحاب علم ونظر في اجتهاد وإن كانوا مخطئين ~~مبتدعين في أمر الصحابة فلا يوجب ذلك الحكم عليهم كلهم بالكذب والجهل وقد ~~روى أصحاب الصحيح عن جماعة من الشيعة وحملوا حديثهم واحتج به المسلمون ولم ~~يزل الفقهاء ينقلون خلافهم ويبحثون معهم والقوم وإن أخطأوا في بعض المواضع ~~لم يلزم من ذلك أن يكون جميع ما قالوه خطأ حتى يرد عليهم هذا لو انفردوا ~~بذلك عن الأمة فكيف وقد وافقوا في قولهم من قد حكينا قولهم وغيره ممن لم ~~تقف على قوله # الوجه العاشر إنه لم يزل أئمة الإسلام يفتون بما يظهر لهم من الدليل وإن ~~لم يتقدمهم إليه أحد وإذا شئت أن تقف على ذلك فانظر إلى كثير من فتاوي ~~الأئمة التي لا تحفظ عن أحد من أهل العلم قبلهم # وقال إسحاق بن منصور الكوسج سألت إسحاق عن مسألة فذكر قوله فيها فقلت إن ~~أخاك PageV02P617 @ أحمد بن حنبل أجاب فيها بمثل جوابك فقال ما ظننت أن ~~أحدا يوافقني عليها # وقال بن المنذر وهو من أعلم الناس بالإجماع والاختلاف لم يسبق الشافعي ~~إلى نجاسة الأبوال أحد يريد بول ما يؤكل لحمه # وقال شيخنا لم ms163 يسبق أحمد بن حنبل إلى الحكم بإسلام أولاد أهل الذمة ~~الصغار بموت آبائهم أحد ولم يسبقه إلى إقعاد المرأة أول ما ترى الدم يوما ~~وليلة ثم تصلي وهي ترى الدم أحد # وأما غيره فمن له أدنى اطلاع على أقوال السلف والخلف لا يخفى عليه ذلك ~~ولكثرته تركنا ذكره # الوجه الحادي عشر أنا لو لم نعلم النزاع في هذه المسألة لم يكن لنا علم ~~بالإجماع المعلوم الذي تكون مخالفته PageV02P618 @ كفرا أو فسقا عليها بل ~~ولا ظن به فإنا قد رأينا أكثر هؤلاء الذين يحكون الإجماع إنما يحكونه على ~~حسب اطلاعهم ومعناه عدم العلم بالمخالف وقد رأيت من نقض إجماعاتهم التي ~~حكوها ما هو قليل من كثير # فغاية هذه الإجماعات أن تفيدنا عدم علم ناقلها بالخلاف وهذا بمجرده لا ~~يكون عذرا للمجتهد في ترك موجب الدليل والله أعلم # | فصل # ومن ذلك نقل من نقل الإجماع على أن المتكلم بالطلاق الثلاث في مرة واحدة ~~يقع به الثلاث وقال بموجب علمه وما بلغه وإلا فالخلاف في هذه المسألة ثابت ~~من وجوه # الوجه الأول إنه على عهد الصديق إنما كان يفتي بأنها واحدة كما روى مسلم ~~في صحيحه أن أبا الصهباء قال PageV02P619 @ لعبدالله بن عباس ألم يكن ~~الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من ~~خلافة عمر من طلق ثلاثا جعلت واحدة قال نعم وذكر الحديث ومن تتبع ألفاظه ~~وطرقه جزم ببطلان تلك التأويلات التي غايتها أن يتطرق إلى بعض ألفاظه وسياق ~~طرقه وألفاظه صريحة في المراد فلو قال القائل إن هذا مذهب أبي بكر الصديق ~~وجميع الصحابة في عهده أصاب وصدق حاش من لم يصرح منهم بأنها ثلاث وهم جمع ~~من الصحابة صح ذلك عنهم بلا ريب فأقل أحوال المسألة أن تكون مسألة نزاع بين ~~الصحابة PageV02P620 @ # الوجه الثاني إنه صح عن بن عباس بإسناد صحيح أنه أفتى بأنها واحدة ذكر ~~ذلك أبو داود وغيره # الوجه الثالث إن هذا مذهب الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف حكاه ~~عنهما ms164 بن وضاح وبن مغيث في وثائقه وغيرهما # الوجه الرابع إنه إحدى الروايتين عن علي وبن مسعود وبن عباس # الوجه الخامس إنه مذهب طاوس وخلاس بن عمرو PageV02P621 @ ومحمد بن إسحاق ~~وداود وجمهور أصحابه # الوجه السادس أنه مذهب إسحاق بن راهويه في غير المدخول بها صرح به في ~~كتاب اختلاف العلماء له وهو مذهب بعض فقهاء التابعين # الوجه السابع أنه أحد القولين في مذهب مالك حكاه التلمساني في شرح ~~التفريع قال بن الجلاب ومن PageV02P622 @ طلق امرأته ثلاثا في كلمة واحدة ~~حرمت عليه قال الشارح إذا كان ذلك في كلمات فلا خلاف في حرمتها لقوله تعالى ~~@QB@ الطلاق مرتان @QE@ البقرة 229 # إلى قوله @QB@ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ ~~البقرة 230 # وإن كان في كلمة ففيه خلاف هل يرجع إلى الواحدة والمشهور من المذهب أنها ~~ثلاث ثم قال الشارح في موضع آخر في قوله من طلق امرأته ثلاثا في كلمة قال ~~هذا تنبيه على الخلاف وهو أن الثلاث في كلمة ترجع إلى الواحدة وهو قول شاذ ~~في المذهب ووجهه ما روي أن الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كانت واحدة # الوجه الثامن أنه أحد القولين في مذهب أبي حنيفة اختاره محمد بن مقاتل ~~الرازي حكاه عنه الطحاوي PageV02P623 @ # الوجه التاسع أنه أحد القولين في مذهب أحمد حكاه شيخنا واختاره وأفتى به ~~وأقل درجات اختياراته أن يكون وجها في المذهب ومن الممتنع أن يكون اختيار ~~بن عقيل وأبي الخطاب والشيخ أبي محمد وجوها يفتى بها واختيارات شيخ الإسلام ~~لا تصل إلى هذه المرتبة فالذي يجزم به أن دخول الكفارة في الحلف بالطلاق ~~وكون الثلاث في كلمة واحدة واحدة أحد الوجهين في مذهب أحمد وهو مخرج على ~~أصوله أصح تخريج والغرض نقض قول من ادعى الإجماع في ذلك ولتقرير هذه ~~المسألة موضع آخر PageV02P624 @ # الوجه العاشر أنه من المحال أن تجمع الأمة على لزوم الثلاث وفيها حديثان ~~صحيحان صريحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا معارض لهما ولا ms165 ناسخ ~~وحديث آخر ظاهر في عدم الوقوع # الحديث الأول حديث أبي الصهباء عن بن عباس وقد رواه مسلم في صحيحه الحديث ~~الثاني قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي حدثنا ~~محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى بن عباس عن بن عباس قال ~~طلق ركانة بن عبد يزيد أخو المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها ~~حزنا شديدا فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقها قال طلقتها ثلاثا ~~قال في مجلس واحد قال نعم قال فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت قال فرجعها ~~PageV02P625 @ # قال وكان بن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر ورواه محمد بن عبد الواحد ~~المقدسي في مختارته التي هي أصح من صحيح الحاكم فهذا من رواية عكرمة عن بن ~~عباس والأول من رواية طاوس وكان طاوس وعكرمة يقولان هي واحدة # قال إسماعيل بن إبراهيم ثنا أيوب عن عكرمة PageV02P626 @ إذ قال أنت طالق ~~ثلاثا بفم واحد فهي واحدة قال أبو داود وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة ~~عن بن عباس إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة فهؤلاء رواة الحديث ~~عن بن عباس قد أفتوا به ومنهم محمد بن إسحاق كان يفتي بأن من قال أنت طالق ~~ثلاثا فهي واحدة # وكان يقول من جهل السنة فيرد إليها وهذا عين الفقه فإن العامي الجاهل إذا ~~جهل سنة الطلاق وطلق رد طلاقه إلى السنة لقوله صلى الله عليه وسلم كل عمل ~~ليس عليه أمرنا فهو رد # وأما الحديث الظاهر في عدم لزوم الثلاث فهو حديث محمود بن لبيد قال أخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ~~PageV02P627 @ ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال ~~يا رسول الله ألا أقتله رواه النسائي ولم يقل إنه أجازه عليه بل الظاهر ~~برسول الله الذي يقرب من القطع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجيز ms166 ~~حكما تلاعب موقعه بكتاب الله بل هو أشد ردا له وإبطالا والله المستعان # | فصل # ومن ذلك حكاية من حكى الإجماع على وقوع الطلاق في الحيض بحسب ما بلغه ~~والمسألة مسألة نزاع لا مسألة إجماع فصح عن بن عمر أنه قال في الرجل يطلق ~~امرأته وهي حائض لا تعتد بذلك وصح عن طاوس أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف ~~وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول وجه الطلاق أن يطلقها PageV02P628 @ طاهرا ~~من غير جماع أو إذا استبان حملها وصح عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل ~~يطلق امرأته وهي حائض قال لا يعتد بها قال أبو محمد بن حزم ويكفي من هذا ~~كله المسند البين الثابت الذي خرجه أبو داود السجستاني قال حدثنا أحمد بن ~~صالح حدثنا عبد الرزاق حدثنا بن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن ~~بن أيمن مولى عزة يسأل بن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع كيف ترى في رجل طلق ~~امرأته حائضا فقال بن عمر طلق بن عمر امرأته وهي PageV02P629 @ حائض على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض قال عبد الله فردها علي ~~ولم يرها شيئا وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك وقرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم / < يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن > / الطلاق ~~1 # قال وهذا إسناد في غاية الصحة لا يحتمل التوجيهات والكلام على هذا الحديث ~~وعلى الحديث PageV02P630 @ الآخر أرأيت إن عجز واستحمق وبيان عدم التعارض ~~بينهما له موضع آخر والمقصد أن المسألة من مسائل النزاع لا من مسائل ~~الإجماع فأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد أنه لا يقع الطلاق في زمن الحيض ~~اختاره شيخ الإسلام بن تيمية وبالله التوفيق فلنرجع إلى ما كنا فيه وهو ~~المقصود بذكر هذا الفصل وهو الوهم الواقع بظن الإجماع فيما فيه النزاع حتى ~~يقدم على مقتضى الحديث أو مقتضى ms167 الدليل ثم يسلك من ظن الإجماع في تلك ~~الأدلة مسلك التأويل فيكون الحامل له على التأويل ما ظنه من الإجماع فإذا ~~تبين الخلاف الثابت في المسألة لم يبق للتأويل بما يخالف الظاهر مساغ ~~وبالله التوفيق PageV02P631 @ # | الفصل الرابع والعشرون في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب ~~التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم ~~الإيمان # وهي # قولهم إن كلام الله وكلام رسوله أدلة لفظية لا تفيد علما ولا يحصل منها ~~يقين # وقولهم إن آيات الصفات وأحاديث الصفات مجازات لا حقيقة لها # وقولهم إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي رواها العدول ~~وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد العلم وغايتها أن تفيد الظن # وقولهم إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي # فهذه الطواغيت الأربع هي التي فعلت بالإسلام ما فعلت وهي التي محت رسومه ~~وأزالت معالمه وهدمت قواعده وأسقطت حرمة النصوص من القلوب ونهجت طريق الطعن ~~فيها لكل زنديق وملحد فلا يحتج عليه PageV02P632 @ المحتج بحجة من كتاب ~~الله أو سنة رسوله إلا لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت واعتصم به واتخذه جنة ~~يصد به عن سبيل الله والله تعالى بحوله وقوته ومنه وفضله قد كسر هذه ~~الطواغيت طاغوتا طاغوتا على ألسنة خلفاء رسله وورثة أنبيائه فلم يزل أنصار ~~الله ورسوله يصيحون بأهلها من أقطار الأرض ويرجمونهم بشهب الوحي وأدلة ~~المعقول ونحن نفرد الكلام عليها طاغوتا طاغوتا # | الطاغوت الأول # قولهم نصوص الوحي أدلة لفظية وهي لا تفيد اليقين قال متكلمهم مسألة ~~الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة عصمة رواة تلك ~~الألفاظ وإعرابها وتصريفها وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص بالأشخاص ~~والأزمنة وعدم الإضمار والتقديم والتأخير والنسخ وعدم المعارض العقلي الذي ~~لو كان لرجح عليه إذ ترجيح النقل على العقل يقتضي القدح PageV02P633 @ في ~~العقل المستلزم للقدح في النقل لافتقاره إليه فإذا كان المنتج ظنيا فما ظنك ~~بالنتيجة # قال شيخ الإسلام والجواب عن هذا من وجوه # أحدها أنا لا نسلم أنه موقوف ms168 على هذه المقدمات العشر بل نقول ليس موقوفا ~~على ما به يعرف مراد المتكلم فإن مراد القائل بقوله الأدلة اللفظية لا تفيد ~~اليقين أنه لا يعلم بها مراد المتكلم فأما كون مراده مطابقا للحق فذاك مبني ~~على ثبوت صدقه وعلمه وليس مرادهم هذا وإن أرادوا ذلك دون الأول فهو موقوف ~~على ثبوت عصمة المتكلم ومعرفة صدقه فقط فمن عرف أن الرسول أراد هذا المعنى ~~وعرف أنه صادق حصل له العلم اليقيني # والمقدمة الثانية إيمانية فإن كل من شهد أن محمدا رسول الله علم أنه خبر ~~مطابق لمخبره فلا يجوز عليه الإخبار بما لا يطابق مخبره # وأما المقدمة الأولى فتعرفها علماء أمته وورثته وخلفاؤه قلت ها هنا أمران ~~أحدهما اليقين بمراد المتكلم والثاني اليقين بأن ما أراده هو الحق فقول ~~القائل كلام PageV02P634 @ الله ورسوله لا يفيد اليقين يحتمل أن يريد به ~~مجموع الأمرين أي لا يفيد علما بمراده ولو أفاد علما بالمراد لم يفد علما ~~بكون ذلك المراد مطابقا للحق في نفس الأمر ويحتمل أن يريد به المعنى الأول ~~فقط وأنه لو حصل لنا اليقين بمراده لحصل لنا اليقين بكونه حقا في نفس الأمر ~~ويحتمل أن يريد به المعنى الثاني فقط وهو أنه لو حصل اليقين بمراده لم يحصل ~~اليقين بكونه مطابقا للحق فإن ذلك لا يعلم إلا بأدلة والمعقول لا يعلم ~~بمجرد الخبر فهذه ثلاثة احتمالات فإن أراد المعنى الأول أو الثالث كان ذلك ~~قدحا في الإيمان به وتجويز الكذب عليه وأمثال ذلك مناف للجزم بتصديقه وإن ~~أراد المعنى الثاني وحده وهو أنها لا يحصل منها اليقين بمراده ولو حصل ذلك ~~منها لحصل اليقين بكونه حقا فهذا وإن لم يقدح في تصديقه فهو قادح في تحكيمه ~~والتحاكم إليه والاهتداء بكلامه موجب لعزله عن ذلك والإعراض عنه لأن ~~التحاكم إلى من لا يفيدك كلامه علما ولا يقينا لا يحصل به المقصود # فإذا انضم إلى هذه المقدمة أن النقل إذا عارض العقل وجب تقديم العقل كمل ~~عزل الوحي واستحكم الإعراض عنه في ms169 باب معرفة الله عز وجل واسمائه وصفاته ~~وأفعاله فنقول معرفة مراد المتكلم تحصل بالنقل المتواتر كما حصل العلم بأنه ~~قال ذلك اللفظ بالنقل المتواتر فإنا نعلم أن قوله @QB@ ولله على الناس حج ~~البيت @QE@ آل عمران 97 PageV02P635 @ # متواتر نقل لفظه ونقل معناه عن الرسول ونعلم أن المراد بالله رب العالمين ~~وبالناس بنو آدم وبالبيت الكعبة التي يحجها الناس بمكة كما علمنا بالمتواتر ~~أن الرسول بلغ هذا الكلام عن الله وكذلك نعلم بالتواتر أن قوله تعالى @QB@ ~~شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن @QE@ البقرة 185 # المراد به هذا الشهر الذي بين شعبان وشوال وأن القرآن هذا الكتاب الذي ~~بين دفتي المصحف وكذلك عامة ألفاظ القرآن نعلم قطعا مراد الله ورسوله منها ~~كما نعلم قطعا أن الرسول بلغها عن الله فغالب معاني القرآن معلوم أنها مراد ~~الله خبرا كانت أو طلبا بل العلم بمراد الله من كلامه أوضح وأظهر من العلم ~~بمراد كل متكلم من كلامه لكمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال هداه وإرشاده ~~وكمال تيسيره للقرآن حفظا وفهما عملا وتلاوة فكما بلغ الرسول ألفاظ القرآن ~~للأمة بلغهم معانيه بل كانت عنايته بتبليغ معانيه أعظم من مجرد تبليغ ~~ألفاظه ولهذا وصل العلم بمعانيه إلى من لم يصل إليه حفظ ألفاظه والنقل لتلك ~~المعاني أشد تواترا وأقوى اضطرارا فإن حفظ المعنى أيسر من حفظ اللفظ وكثير ~~من الناس يعرف صورة المعنى ويحفظها ولا يحفظ اللفظ والذين نقلوا الدين عنه ~~علموا مراده قطعا لما تلا عليهم من تلك الألفاظ # ومعلوم أن المقتضى التام لفهم الكلام الذي بلغهم إياه PageV02P636 @ قائم ~~وهم قادرون على فهمه وهو قادر على إفهامهم وإذا حصل المقتضى التام لزم وجود ~~مقتضاه # وبالجملة فالأدلة السمعية اللفظية قد تكون مبنية على مقدمتين يقينتين # إحداهما أن الناقلين إلينا فهموا مراد المتكلم # والثانية أنهم نقلوا إلينا ذلك المراد كما نقلوا اللفظ الدال عليه # وكلا المقدمتين معلومة بالاضطرار فإن الذين خاطبهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم باسم الصلاة والزكاة والصوم والحج والوضوء والغسل وغيرها من ألفاظ ~~القرآن في ms170 سائر الأنواع من الأعمال والأعيان والأزمنة والأمكنة وغيرها يعلم ~~بالاضطرار أنهم فهموا مراده من تلك الألفاظ التي خاطبهم بها أعظم من حفظهم ~~لها وهذا مما جرت به العادة في كل من خاطب قوما بخطبة أو دارسهم علما أو ~~بلغهم رسالة وإن حرصه وحرصهم على معرفة مراده أعظم من حرصهم على مجرد حفظ ~~ألفاظه # ولهذا يضبط الناس من معاني المتكلم أكثر مما يضبطونه من لفظه فإن المقتضى ~~لضبط المعنى أقوى من المقتضى لحفظ اللفظ لأنه هو المقصود واللفظ وسيلة إليه ~~وإن كانا مقصودين فالمعنى أعظم المقصودين والقدرة عليه أقوى فاجتمع عليه ~~قوة الداعي وقوة القدرة وشدة الحاجة فإذا كانوا قد نقلوا الألفاظ التي ~~قالها الرسول مبلغا لها عن الله PageV02P637 @ وألفاظه التي تكلم بها يقينا ~~فكذلك نقلهم لمعانيها فهم سمعوها يقينا وفهموها يقينا ووصل إلينا لفظها ~~يقينا ومعانيها يقينا وهذه الطريقة إذا تدبرها العاقل علم أنها قاطعة وأن ~~الطاعن في حصول العلم بمعاني القرآن شر من الطاعن في حصول العلم بألفاظه ~~ولهذا كان الطعن في نقل بعض ألفاظه من فعل الرافضة وأما الطعن في حصول ~~العلم بمعانيه فإنه من فعل الباطنية الملاحدة فإنهم سلموا بأن الصحابة ~~نقلوا الألفاظ التي قالها الرسول وأن القرآن منقول عنه لكن ادعوا أن لها ~~معاني تخالف المعاني التي يعلمها المسلمون وتلك هي باطن القرآن وتأويله # وقول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين دهليز PageV02P638 @ إلى مذهب ~~هؤلاء ومرقاة إليه لكن الفرق بينهما أنه يقول لا أعلم مراد المتكلم بها وهم ~~يقولون مراده هذه التأويلات الباطنة # وما جاء به الرسول نوعان طلب وخبر فالطلب يقولون المراد به تحصيل الأخلاق ~~التي تستعد بها النفس لنيل العلوم العقلية فإذا حصلت لها تلك المعارف لم ~~يكن لاشتغالها بتلك الأسباب التي أمرت بها فائدة فسقط عنها ما يجب على ~~غيرها من النفوس الجاهلة ويباح لها ما يحرم على غيرها وعند هؤلاء مقصود ~~الشرائع تعديل النفوس بالأخلاق التي تعدها لإدراك العلوم # وأما الأخبار فعقلاؤهم ورؤوسهم يعلمون قطعا أن الرسل إنما أرادت إفهام ~~الخلق ظواهرها ms171 وما دلت عليه لكن لا حقيقة لها في نفس الأمر والرسل كانت ~~تعلم ذلك لكن خيلوا إلى الناس ما ينتفعون به ويكونون به أدعى إلى الانقياد ~~ولم يكن ذلك إلا بإظهار ما لا حقيقة له وذلك سائغ للمصلحة إذ كان فهم ~~الجمهور عندهم للحقائق في نفس الأمر يوجب انحلالهم وانهماكهم في الشهوات # وطائفة منهم تزعم أن الرسل إنما قصدت إفهام تلك التأويلات لكن أهل الظاهر ~~غلظ حجابهم وكثفت أفهامهم عند إدراكها فوقعوا بسبب قصور أفهامهم في العناء ~~والمشقة وتحمل أعباء التكاليف وهؤلاء وضعوا لهم قانونا في تأويل الأمر ~~والنهي والخبر كما وضعت الجهمية PageV02P639 @ والقدرية لهم قانونا في ~~تأويل آيات الصفات وأخبارها واتفقت الطائفتان على تقديم ما ظنوه من ~~العقليات على نصوص الوحي وأنها لا يستفاد منها علم أصلا ولا يعرف أحد من ~~فرق الإسلام قبل بن الخطيب وضع هذا الطاغوت وقرره وشيد بنيانه وأحكمه مثله ~~بل المعتزلة والأشعرية والشيعة والخوارج وغيرهم يقولون بفساد هذا القانون ~~وإن اليقين يستفاد من كلام الله ورسوله وإن كان بعض هذه الطوائف يوافقون ~~صاحب هذا القانون في بعض المواضع فلم يقل أحد منهم قط إنه لا يحصل اليقين ~~من كلام الله ورسوله البتة PageV02P640 @ # | فصل # الطريق الثاني في إبطال هذا الأصل أن يقال من المعلوم أن دلالة الأدلة ~~اللفظية لا تختص بالقرآن والسنة بل جميع بني آدم يدل بعضهم بعضا بالأدلة ~~اللفظية والإنسان حيوان ناطق فالنطق ذاتي له وهو مدني بالطبع لا يمكن أن ~~يعيش وحده كما يعيش الوحش بل لا يمكنه أن يعيش إلا مع بني جنسه فلا بد أن ~~يعرف بعضهم مراد بعض ليحصل التعاون فعلمهم الحكيم العليم تعريف بعضهم بعضا ~~مراده بالألفاظ كما قال تعالى @QB@ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه ~~البيان @QE@ الرحمن 4 1 # وقال تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ البقرة 31 # وقال @QB@ علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ العلق 5 # فكانت حكمة ذلك التعليم تعريف مراد المتكلم فلو لم يحصل له المعرفة كان ~~في ذلك إبطال لحكمة الله وإفساد لمصالح بني آدم ms172 وسلب الإنسان خاصيته التي ~~ميزه بها على سائر الحيوان وهذه الطريق يستدل بها من وجوه PageV02P641 @ # أحدها # أن هذا المقصود ضروري في حياة بني آدم فلا بد من وجوده فلو لم تفد الأدلة ~~اللفظية العلم بمراد المتكلم لم يعش بنو آدم واللازم منتف فالملزوم مثله # الثاني # أنا نعلم قطعا أن جميع الأمم يعرف بعضهم مراد بعض بلفظه ويقطع به ويتيقنه ~~فقول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين قدح في العلوم الضرورية التي ~~اشترك الناس في العلم بها # الثالث # أن معرفة الناس بمراد المتكلم منهم بكلامه أعظم من معرفتهم عامة العلوم ~~العقلية فمعرفتهم مراد المتكلم لهم بكلامه أتم وأقوى من معرفتهم بتلك ~~القوانين التي وضعها أربابها للقدح في إفادة الخطاب لليقين # الرابع # أن الطفل أول ما يميز يعرف مراد من يربيه بلفظه قبل أن يعرفه شيئا من ~~العلوم الضرورية فلا أقدم عنده ولا اسبق من تيقنه لمراد من يخاطبه بلفظه ~~فالعلم بذلك مقدم على سائر العلوم الضرورية فمن جعل العقليات تفيد اليقين ~~والسمعيات لا تفيد معرفة مراد المتكلم فقد قلب الحقائق وناقض الفطرة وعكس ~~الواقع PageV02P642 @ # الخامس # أن كل إنسان يدل غيره بالأدلة اللفظية على ما يعرفه ويعرف مراد غيره ~~بالأدلة اللفظية وأما الاستدلال بالعقليات الكلية فلا يعرفه إلا بعض الناس ~~وما يعرفه كل أحد ويتيقنه فهو أظهر مما لا يعرفه إلا بعض الناس # السادس # أن التعريف بالأدلة اللفظية أصل للتعريف بالأدلة العقلية فمن لم يكن له ~~سبيل إلى العلم بمدلول هذه لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول تلك بل العلم ~~بمدلول الأدلة اللفظية أسبق فإنه يوجد في أول تمييز الإنسان وحينئذ فالقدح ~~في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدح في حصول العلم بمدلول الأدلة ~~العقلية بل هي أصل العلم بها فإذا بطل الأصل بطل فرعه يوضحه : # الوجه السابع # وهو أن الإنسان في فهمه وإفهامه للدليل العقلي محتاج إلى معرفة مراد ~~المخبر به الذاكر له لمن يخاطبه فإذا لم يحصل له علم بمراده من الدليل فكيف ~~يحصل له علم بالمدلول # الوجه الثامن ms173 # أن تعليم الأدلة اللفظية يحسنه كل أحد فما من أحد إلا ويمكنه أن يعرف ~~غيره لغته ويعرفه ما يعرفه بالأدلة اللفظية وأما تعليم الدلالة العقلية فلا ~~يحسنه كل أحد PageV02P643 @ # الوجه التاسع # أن الله سبحانه هدى البهائم والطير أن يعرف بعضها بعضا مرادها بأصواتها ~~كما يشاهد في أجناس الحيوان والطيور فالديك يصوت فيعرف الدجاج مراده والفرس ~~يصهل فيعرف الخيل مراده والكلب ينبح فتعرف الكلاب مراده والهر تنوء فتعرف ~~أولادها مرادها والدجاجة تعرف أفراخها مرادها بصوتها وهذا من تمام عناية ~~الخالق سبحانه بخلقه وهدايته العامة كما قال موسى : @QB@ ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى @QE@ طه 50 # وقال تعالى @QB@ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ ~~الأعلى 3 - 1 # فكيف لا يعلم الآدميون مراد بعضهم من بعض وخطابهم بألفاظهم ولا يجزمون به # الوجه العاشر # أن أبلد الناس وأبعدهم فهما يعلم مراد أكثر من يخاطبه بالكلام الركيك ~~العادم للبلاغة والفصاحة فكيف لا يعلم أذكى الناس وأصحهم أذهانا وأفهاما ~~مراد المتكلم بأفصح PageV02P644 @ الكلام وأبينه وأدله على المراد ويحصل ~~لهم اليقين بالعلم بمراده وهل ذلك إلا من أمحل المحال # الوجه الحادي عشر # أن هذا يستلزم الطعن والقدح في بيان المتكلم وفصاحته أو في فهم السامع ~~وذهنه أو فيهما معا فإن عدم العلم بمراده إن كان لتقصير في بيانه كان ذلك ~~قدحا فيه وإن كان لقصور فهم السامع كان كذلك فإذا كان المتكلم تام البيان ~~والمخاطب تام الفهم فكيف يتخلف العلم عنه بمراده # الوجه الثاني عشر # أنه إذا كان التفاهم والعلم بمراد الحيوان من غيره حاصلا للحيوانات فما ~~الظن بأشرف أنواعها وهو الإنسان فما الظن بأشرف هذا النوع وهم العقلاء ~~المعتنون بالبيان والإيضاح فما الظن بالأنبياء المخصوصين من العلم والبيان ~~والأفهام بما ليس مثله لسواهم فما الظن بأفضل الأنبياء وأعلمهم وأكملهم ~~بيانا وأتمهم فصاحة وأقدرهم على التعبير عن المعنى باللفظ الذي لا يزيد ~~عليه ولا ينقص عنه ولا يوهم غيره وأحرصهم على تعليم الأمة وتفهيمهم وأصحابه ~~أكمل الأمم عقلا وفهما وفصاحة وحرصا ms174 على فهم مراده فكيف لا يكونون قد ~~تيقنوا مراده بألفاظه وكيف لا يكون التابعون لهم بإحسان قد تيقنوا مرادهم ~~مما بلغوهم إياه عن نبيهم ونقلوه إليهم PageV02P645 @ # الوجه الثالث عشر # أنا نعلم بالضرورة أن شيوخنا الذين كانوا يخاطبوننا كانوا يعرفونا مرادهم ~~بألفاظهم وقد عرفنا مرادهم يقينا وهكذا نحن فيمن نعلمه ونخاطبه وهم كانوا ~~أفضل منا وأكمل علما وتعليما ومن قبلهم كانوا أفضل منهم وأكمل علما وتعليما ~~ومن قبلهم كذلك وهلم جرا إلى أوائل هذه الأمة فكيف يكون هؤلاء كلهم لم ~~يعلموا مراد الله ورسوله من كلامه ولا حصل لهم يقين بمعرفة مراده من ألفاظه # ومن تدبر هذا أو تصوره تبين له أن قول القائل الأدلة اللفظية التي جاء ~~بها الرسول لا تفيدنا علما ولا يقينا من أعظم أنواع السفسطة وأكثر أسباب ~~الزندقة وأن هؤلاء PageV02P646 @ شر من اللاأدرية وشر من الباطنية # الوجه الرابع عشر # أن دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلم أقوى من دلالة الأدلة العقلية ~~على الحقائق الثابتة كما تقدم تقريره فكيف بدلالة المقدمات المشتبهة التي ~~غايتها أن يكون فيها حق وباطل وليس مع أصحابها إلا إحسان الظن بمن قالها ~~فإذا طولبوا بالبرهان على صحتها قالوا هكذا قال العقلاء وهذا أمر قد صقلته ~~أذهانهم وقبلته عقولهم فبين دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلم ودلالة ~~هذه المقدمات على الحقائق تفاوت عظيم فكيف تفيد هذه اليقين دون تلك وهل هذا ~~إلا قلب للفطر وتعكيس للأذهان # الوجه الخامس عشر # أن دلالة قول الرسول على مراده أكمل من دلالة شبهات هؤلاء العقلية على ~~معارضته بما لا نسبة بينهما فكيف تكون شبهاتهم تفيد اليقين وكلام الله ~~ورسوله لا يفيد اليقين PageV02P647 @ # الوجه السادس عشر # أنك إذا تأملت العقليات التي زعموا أنها تفيد اليقين وقدموها على كلام ~~الله ورسوله وجدتها مخالفة لصريح المعقول وقد اعترفوا أنها مخالفة لظاهر ~~المنقول وهذا لا يعرف إلا بالامتحان كحكم عقولهم بأن العرض لا يبقى زمانين ~~وأن الأجسام كلها متماثلة فجسم النار مساو لجسم الماء في الحقيقة وإنما ~~اختلفا بالأعراض وجسم البول مساو ms175 لجسم المسك بالحقيقة وإنما اختلفا في ~~أعراضهما وحكم عقولهم بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وأن ذلك المصدر لا ~~يسمى باسم ولا يوصف بصفة ولا له ماهية غير الوجود المطلق ثم الذي صدر عنه ~~إن وجب أن يكون كذلك كان مصدره أيضا كذلك ولم يكن بالعالم تكثر وإن كان فيه ~~نوع تكثر فقد صدر عنه أكثر من واحد ومثل حكمهم بأن العاقل والمعقول والعقل ~~شيء واحد فالمبدأ الأول عاقل ومعقول وعقل ومثل حكمهم بأن في الخارج كليات ~~لا تتقيد بقيد ولا تتشخص بتشخيص ولا تتعين بتعيين وليست داخلة العالم ولا ~~خارجة وأنها جزء من هذه المعينات ومثل حكمهم بأن ذات الرب تعالى مع كونها ~~خارجة الذهن فليست خارجة العالم ولا داخلة فيه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه ~~ولا حالة فيه ولا مباينة له ومثل حكمهم PageV02P648 @ بأن الرب تعالى لم ~~يزل قادرا على الفعل في الأزل وحصول المقدور فيه محال ثم انتقل الفعل من ~~الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي فلا يحدد بسبب أصلا وحدث من غير تجدد ~~أمر يقتضي حدوثه بل حال الفاعل قبله ومعه وبعده واحدة ومثل حكمهم بأن كلامه ~~معنى واحد لا ينقسم ولا يتجزأ ولا له بعض ولا كل وأن الأمر هو عين النهي ~~وهما عين الخبر والاستخبار فالكل حقيقة واحدة وأن الحواس والإدراكات يصح ~~تعلقها بكل موجود فتؤكل الأصوات وتشم وتذاق وتسمع الروائح والطعوم إلى ~~أضعاف أضعاف ذلك من خواص علومهم التي جعلوها قواطع عقلية تفيد اليقين وكلام ~~الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد اليقين فقد تبين أن ما نفى عنه هؤلاء ~~اليقين من أعظم ما يفيد اليقين وما أثبتوا له اليقين أبعد شيء عن اليقين # الوجه السابع عشر # أن هذا من أنواع السفسطة بل هو شر أنواعها فإن أنواعها ثلاثة # أحدها التجاهل وهو لا أدري وأصحابه يسمون اللاأدرية # الثاني النفي والجحود # الثالث قلب الحقائق وهو جعل الموجود معدوما PageV02P649 @ والمعدوم ~~موجودا إما في نفس الأمر وإما بحسب الإعتقاد والذي يدعي قلب الحقائق في نفس ~~الأمر ms176 أشد سفسطة ممن يدعي أنها تبع لاعتقاد الإنسان فيها فإذا جعلت الأدلة ~~العقلية التي هي من جنس ما تقدم وغيره تفيد اليقين بمدلولاتها الخارجية ~~والأدلة اللفظية التي أعلاها كلام الله ورسوله لا تفيد اليقين كان ذلك من ~~أعظم أنواع السفسطة وأكثر أسباب الزندقة فإن قلت فهم لم يجعلوا كل دليل ~~عقلي يفيد اليقين بل ما كانت مقدماته يقينية وتأليفه صحيحا يوضحه # الوجه الثامن عشر # إن قول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين إما أن يريد به نفي العموم ~~أو عموم النفي فإن أراد نفي العموم لم يفده شيئا فإن عاقلا لا يدعي أن كل ~~دليل لفظي يفيد اليقين حتى ينصب معه الخلاف ويحتج عليه وإن أراد به عموم ~~النفي كان هذا مكابرة للعيان وبهتا ومجاهرة بالكذب والباطل PageV02P650 @ # الوجه التاسع عشر # أنا نعلم بالاضطرار أن مصنفي العلوم على اختلاف أنواعها علم الناس مرادهم ~~من ألفاظهم علما يقينيا وإنما يقع الشك في قليل من كلامهم ويقل ذلك ويكثر ~~بحسب القابل وقوة إدراكه وجودة تصوره وإلفه لكلامهم وغرائبه منه ومعلوم ~~قطعا أن علم الرسول بما يقوله وحرصه على إفهامه وتعليمه وشدة بيانه له وحرص ~~أمته على فهمه أعظم من حرص هؤلاء المصنفين ومن يتعلم منهم فإذا حصل لأولئك ~~اليقين بمعرفة مراد أرباب التصانيف فحصول اليقين لأهل العلم بكتاب الله ~~وسنة رسوله أولى وأحرى # وليس الكلام في هذا المقام في تثبيت نبوته بل الكلام مع من يقر بنبوته ~~ويشك في معرفة مراده بألفاظه فيقال لا ريب عند كل مؤمن بالله ورسوله أنه ~~كان أعلم الخلق بما يخبر به وما يأمر به فهو أعلم الخلق بما أخبر به عن ~~الله واليوم الآخر وأعلمهم بدينه وشرعه الذي شرعه لعباده وأنه كان أفصح ~~الأمة وأقدرهم على البيان وكشف المعاني فإنه عربي والعرب أفصح الأمم وقرشي ~~وقريش أفصح العرب وهو في نفسه كان أفصح قريش على الإطلاق وقد أقر له أعداؤه ~~بذلك ولهذا قال أنا أفصح العرب بيد أني من قريش واسترضعت في بني سعد بن بكر ~~وقد ms177 تكلم PageV02P651 @ الناس في فصاحة الحاضرة والبادية وفي شعر الحاضرة ~~والبادية ورجح هؤلاء من وجه وهؤلاء من وجه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جمع الله له كمال فصاحة البادية والحاضرة ومن تدبر كلامه الذي تكلم به ~~والقرآن الذي بلغه عن الله وأخبر أن الله تكلم به وجد التفاضل بين كلامه هو ~~عليه السلام وكلام غيره من البشر ثم من المعلوم بالاضطرار من حاله أنه كان ~~أحرص الناس على هدى أمته وتعليمهم والبيان لهم فاجتمع في حقه كمال القدرة ~~وكمال الداعي وكمال العلم فهو أعلم الناس بما يدعو إليه وأقدرهم على أسباب ~~الدعوة وأعظمهم رغبة وأتمهم نصيحة فإذا كان من هو دونه بمراتب لا تحصى في ~~كل صفة من هذه الصفات قد بين مراده بلفظه كان هو صلوات الله وسلامه عليه ~~أحق وأولى من كل وجه أن يكون قد استولى على الأمد الأقصى من البيان # فمن قال إن اليقين لا يحصل بألفاظه ولا يستفاد العلم من كلماته كان قدحه ~~في بيانه أعظم من قدحه في مراد سائر العلماء المصنفين ومن قدحه في حصول ~~العلم واليقين بمرادها وإلا كان قدحه في مراد عامة الآدميين أقرب وقدحه ~~PageV02P652 @ في معرفته مراد البهائم بلغاتها أقرب ومن كان قوله مستلزما ~~لهذه اللوازم كان قوله من أفسد أقوال بني آدم وكان قوله قدحا في العقليات ~~والشرعيات والضروريات # الوجه العشرون # إنه من المعلوم أن الصحابة سمعوا القرآن والسنة من النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقرأوه وأقرأوه من بعدهم وتكلم العلماء في معانيه وتفسيره ومعاني ~~الحديث وتفسيره وما يتعلق بالأحكام ومالا يتعلق بها وهم مجمعون على غالب ~~معاني القرآن والحديث ولم يتنازعوا إلا في قليل من كثير لا سيما القرون ~~الأولى فإن النزاع بينهم كان قليلا جدا بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه وكان ~~النزاع في التابعين أكثر وكلما تأخر الزمان كثر النزاع وحدث من الاختلاف ~~بين المتأخرين ما لم يكن في الذين قبلهم فإن القرآن تضمن الأمر بأوامر ~~ظاهرة وباطنة والنهي عن مناه ظاهرة وباطنة ورسول الله صلى الله ms178 عليه وسلم ~~بين مقادير الصلوات ومواقيتها وصفاتها والزكوات ونصبها ومقاديرها وكذلك ~~سائر العبادات وعامة هذه الأمور نقلتها الأمة نقلا عاما متواترا خلفا عن ~~سلف وحصل العلم الضروري للخلق بذلك كما حصل لهم العلم الضروري بأنه بلغهم ~~ألفاظها وأنه قاتل المشركين وأهل الكتاب وأنه بعث بمكة PageV02P653 @ وهاجر ~~إلى المدينة وأنه دعا الأمة إلى أن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله وأخبرهم أن هذا القرآن كلام الله الذي تكلم به لا كلامه ولا كلام ~~مخلوق وأنه ليس قول البشر وأنه علمهم أن ربه فوق سمواته على عرشه وإن الملك ~~نزل من عنده إليه ثم يعرج إلى ربه وأن ربه يسمع ويرى ويتكلم وينادي ويحب ~~ويبغض ويرضى ويغضب وأن له يدين ووجها وأنه يعلم السر وأخفى فلا يخفى عليه ~~خافية في السماء ولا في الأرض وأنه يقيمهم من قبورهم أحياء بعد ما مزقهم ~~البلى إلى دار النعيم أو إلى الجحيم فالعلم الضروري بأنه جاء بذلك وأراده ~~كالعلم الضروري بوجوده ومبعثه ومخرجه وقتاله لمن خالفه فالقدح فيما أخبر به ~~من ذلك وأنه لا يفيد اليقين كالقدح في مخبر الأخبار المتواترة وأنه لا يفيد ~~اليقين # الوجه الحادي والعشرون # إن كل صنف من أصناف العلماء تكفلوا بعلم من العلوم المنقولة عن الرسول ~~متفقون على أكثر علمهم مسائله ودلائله # فالفقهاء متفقون على غالب الشريعة عامها وخاصها وهم متفقون على أكثر ~~خاصها الذي لا يعرفه العامة وإذا كانوا قد عرفوا مراده بهذا فكيف لا يعرفون ~~مراده بالذي هو أظهر وأشهر وأكثر نصوصا وأعظم بيانا PageV02P654 @ # والمفسرون فسروا القرآن واتفقوا على المراد منه في غالب القرآن ونزاعهم ~~في القليل من ذلك وأكثره عند التحقيق ليس نزاعا في نفس الأمر بل هو اختلاف ~~في التعبير واختلاف تمثيل وتنويع لا اختلاف تناقض ولا تضاد # وأهل الحديث متفقون على أحاديث الصحيحين وإن تنازعوا في أحاديث يسيرة ~~منها جدا وهم متفقون على لفظها ومعناها كما اتفق المسلمون على لفظ القرآن ~~ومعناه وهذا مما ينفرد بعلمه الخاصة وهم القليل من الناس ms179 وهم مع ذلك يعلمون ~~بالاضطرار بطلان تأويل القرآن والحديث بما يتأوله به الفلاسفة والقرامطة ~~والجهمية ويعلمون أنه خلاف مراد الرسول بالضرورة فكيف بما اشتركت الأمة ~~عامتها وخاصتها في نقله قرنا بعد قرن فكيف لا يعرفون مراد الرسول منه يقينا ~~فإن الأمة كلها تنقل عن من قبلها ومن قبلها عمن قبلها حتى ينتهي الأمر إلى ~~الرسول أن الله يرى ويسمع ويتكلم ويعلم وأنه فوق السماوات السبع على العرش ~~وأنه يرى يوم القيامة جهرة وعلم الأمة بمراد الرسول من ذلك فوق علمهم ~~بمراده من أحاديث الشفعة والربا والحيض والفرائض ونحوها فكيف يقال حصل لهم ~~اليقين بمراده من ذلك دون هذا وهل هذا إلا من أقبح المكابرة PageV02P655 @ # الوجه الثاني والعشرون # أن يقال من المعلوم بالضرورة أن المخاطبين أولا بالقرآن والسنة لم يتوقف ~~حصول اليقين لهم بمراده على تلك المقدمات العشر التي ذكروها ولا على شيء ~~منها أما عصمة رواة اللغة فإنهم خوطبوا شفاها فلم يحتاجوا إلى واسطة في نقل ~~الكلام فضلا عن واسطة في نقل اللغة ولا إلى قاعدة ينفون بها نفي احتمال ~~اللفظ لغير المعنى الذي قصده المتكلم فإنهم علموا مراده بالضرورة وإذا ~~كانوا عالمين بمراده بالضرورة مع علمهم بصدقه امتنع عندهم أن يكون في نفس ~~الأمر معارض ينافي مراده # وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي من كبار التابعين حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهم أنهم كانوا إذا ~~تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما ~~فيها من العلم قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا وكان يمكث أحدهم ~~في السورة مدة حتى يتعلمها وقد أقام بن عمر على تعلم سورة البقرة ثماني ~~PageV02P656 @ سنين وقال أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في ~~أعيننا ولم يتوقف معرفة مراد الله ورسوله من كلامه عندهم على شيء من تلك ~~الأمور العشرة ولا تابعي التابعين ولا أئمة الفقه المتبوعين ولا أئمة ~~الحديث ولا أئمة التفسير حتى نبغت قلف الأذهان عجم القلوب ms180 فزعموا أنهم لا ~~يحصل لهم اليقين بمراده إلا بعد هذه الأمور ثم قالوا ولا سبيل إلى العلم ~~بانتفائه إذ غاية ما يقدر بعد البحث والطلب التام عدم العلم بها ولا يلزم ~~من عدم العلم عدم المعلوم فلا سبيل لنا إلى العلم بمراد الرسول البتة وطلبت ~~نفوسهم ما يحصل لها به العلم فعادوا إلى العقول فوجدوها قد تصادمت فيما ~~تقضي به من جائز على الله وواجب ومستحيل أعظم تصادم فخرجوا عن السمع الصحيح ~~ولم يظفروا بدلالة العقل الصريح ففاتهم العقل والسمع جميعا # الوجه الثالث والعشرون # إن جميع ما ذكروه من الوجوه العشرة يرجع إلى حرف واحد وهو احتمال اللفظ ~~لمعنى آخر غير ما يظهر من الكلام فإنه لا ينازع عاقل أن غالب ألفاظ النصوص ~~لها ظواهر هي موضوعة لها ومفهومة عند الإطلاق منها لكن النزاع أن ~~PageV02P657 @ اعتقاد ذلك المعنى يقيني لا يحتمل غيره أو ظني يحتمل غيره ~~فالمدار كله على احتمال إرادته صلى الله عليه وسلم معنى آخر غير الظاهر ~~وعدم ذلك الاحتمال ومعلوم أن الطرق التي يعلم بها انتفاء إرادته معنى يناقض ~~ذلك المعنى طرق كثيرة لا يحتاج شيء منها إلى ما ذكروه بل قد يعلم السامع ~~انتفاء معنى يناقض المعنى الذي ذكره المتكلم ضرورة وتارة يغلب على ظنه ~~قرينة من الضرورة وتارة يحصل له ذلك ظنا وتارة لا يفهم مراده وتارة يشتبه ~~عليه المراد بغيره وهذا القطع والظن والشك له أسباب غير الأمور التي ذكروها ~~فقد يكون سبب الاحتمال كون السامع لم يألف ذلك اللفظ في لغة قومه أو أن له ~~في لغتهم معنى غير معناه في لغة المتكلم أو أن اللفظ قد اقترنت به قرينة ~~يقطع السامع معها بالمراد فخفيت عليه أو ذهل عنها ولو نبه عليها لتنبه كما ~~اقترن بلفظ المفاداة في أنه الخلع تقدم طلقتين وتأخر طلقة ثالثة ووقع بين ~~الطلقتين والطلقة الثالثة ففهم جمهور PageV02P658 @ الصحابة منه أنه غير ~~محسوب من الثلاث واحتج بذلك بن عباس وغيره وقد تكون القرينة منفصلة في كلام ~~آخر بحيث يجزم ms181 السامع بالمراد من مجموع الكلام فيخفى أحدهما على السامع أو ~~لا يتفطن له فلا يعرف المراد فهذا قد يقع لأعلم الناس بخطابه صلى الله عليه ~~وسلم وهو من لوازم الطبيعة الإنسانية ولكنه قليل جدا بالإضافة إلى ما ~~يتقنونه من مراده لا نسبة له إليه فلا يجوز أن يدعي لأجله أن كلام الله ~~ورسوله لا يفيد اليقين بمراد ولا سبيل لنا إلى اقتباس العلم واليقين منه # الوجه الرابع والعشرون # إن قول القائل الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند أمور عشرة نفي عام ~~وقضية سالبة كلية فإن أراد قائلها أن أحدا من الناس لا يعلم مراد متكلم ما ~~يقينا إلا عند هذه الأمور العشرة فكذب ظاهر وإن أراد به أنه لا يعلم أحد ~~المراد بألفاظ القرآن والسنة إلا عند هذه الأمور ففرية ظاهرة أيضا فإن ~~الصحابة كلهم من أولهم إلى آخرهم والتابعين كلهم وأئمة الفقه كلهم وأئمة ~~التفسير كلهم لم يتوقف علمهم بمراد الرسول على هذه الأمور بل لم يخطر ~~ببالهم ولم يذكرها أحد منهم في كلامه # وإن أراد أن من بعد الصحابة لا يعرف مراد الرسول PageV02P659 @ إلا بهذه ~~الأمور العشرة فكذب أيضا فإن التابعين ومن بعدهم جازمون متيقنون لمراده ~~أعظم تيقن بل نحن ونسبتنا إليهم أقل نسبة متيقنون لمراد الله ورسوله من ~~كلامه يقينالا ريب فيه وجازمون به جزما لا شك فيه ومن قبلنا كان أعلم منا ~~وأعظم جزما ومن قبلهم كان كذلك فكيف يستحل الرجل أن يحكم حكما عاما كليا أن ~~أحدا لم يحصل له اليقين من كلام الله ورسوله وإن أراد به أنها لا تفيد ~~اليقين في شيء وتفيده في شيءآخر قيل له هذا لا يفيدك شيئا حتى تبين أن محل ~~النزاع بينك وبين أهل السنة وأنصار الله ورسوله من النوع الذي لا يفيد ~~اليقين فهم يزعمون أن استفادتهم اليقين منه أعظم من استفادتهم اليقين من ~~كلام كل متكلم وليس لك أن تحكم عليهم بأنهم لم يستفيدوا منه اليقين فإن ~~غاية ما عندك أنك أنت فاقد اليقين لم ms182 تظفر ببرده ولم تفز به فكيف ساغ لك أن ~~تحكم على غيرك بهذا # فإن أردت بذلك أني أنا لا أستفيد اليقين من هذه الأدلة إلا بعد هذه ~~الأمور العشرة فعلمت أن غيري كذلك قيل له هذا من أبطل الباطل عند كل عاقل ~~فإنه من المعلوم بالضرورة أن الشيء الواحد يكون مجهولا عند رجل أو طائفة ~~ومعلوما عند آخر وضروريا عند شخص ونظريا عند آخر والاشتراك في المعلومات ~~الضروريات غير واجب ولا واقع والواقع خلافه فالصحابة كانوا يعلمون من أحوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالاضطرار PageV02P660 @ ما لم يعلمه غيرهم وكان ~~أبو بكر يعلم من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامه يقينا مالا يعلمه ~~غيره ولا يفهمه كما قال أبو سعيد الخدري وكان أبو بكر أعلمنا به وكان ~~التابعون يعلمون من أحوال الصحابة بالاضطرار مالا يعلمه غيرهم والفقهاء ~~وأهل الحديث يعلمون بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو ~~في الصلاة وقضى بالشفعة وجعل الدية على العاقلة وأخبر أن الله ينزل إلى ~~سماء الدنيا كل ليلة وأنه يرى بالأبصار جهرة يوم القيامة وأنه يدخل النار ~~قوما من أهل التوحيد ثم يخرجهم بالشفاعة وأنه أخبر بخروج الدجال ونزول ~~المسيح من السماء وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك مما يجهله كثير من الناس ~~ومن أقر به فهو عنده ظني وأهل الحديث جازمون به متيقنون له كتيقنهم أنه بعث ~~من مكة وهاجر إلى المدينة ومات بها وأهل المغازي والسير والحديث يعلمون ~~بالاضطرار أن غزوة بدر كانت قبل أحد وأن أحدا قبل الخندق والخندق قبل ~~الحديبية والحديبية قبل خيبر وخيبر قبل فتح مكة وفتح مكة قبل حنين وحنين ~~قبل الطائف والطائف قبل تبوك وتبوك آخر الغزوات ولم يكن فيها قتال وكان ~~الغزو PageV02P661 @ فيها للنصارى أهل الكتاب وفي خيبر لليهود وفي بدر وأحد ~~للمشركين وأنه أوقع باليهود أربع مرات ببني قينقاع وكانت بعد بدر وبالنضير ~~وكانت بعد أحد وبقريظة وكانت بعد الخندق وبأهل خيبر وكانت بعد الحديبية ~~وأكثر الناس بل كثير من ms183 العلماء والفقهاء لا يعلمون هذا التفصيل وكذلك ~~العلماء بالتفسير والحديث يعلمون بالاضطرار أن سورة البقرة وآل عمران ~~والنساء والمائدة والأنفال وبراءة مدنيات نزلن بعد الهجرة وسورة الأنعام ~~والأعراف ويونس وهود ويوسف والكهف والنحل مكيات نزلن قبل الهجرة وأكثر ~~الناس لا يعلمون ذلك ضرورة ولا نظرا فليس المعلوم من أقوال الرسول وسيرته ~~ومراده بكلامه أمرا مشتركا بين جميع الناس ولا بين المسلمين ولا بين ~~العلماء وإذا لم يكن هذا أمرا مضبوطا لا من العالم ولا في العلوم أمكن في ~~كثير من مراد الرسول بالاضطرار أن تكون مكتسبة عند قوم ضرورية عند آخرين ~~وغير معلومة البتة عند آخرين وإن قال أردت أن الأدلة اللفظية لا تفيد ~~اليقين عند من لا يعرف مدلولها إلا بهذه المقدمات قيل له فهذا لا فائدة فيه ~~فكأنك قلت من لم يعرف مراد المتكلم إلا بمقدمة ظنية كان استدلاله بكلامه ~~ظنيا وذلك من باب تحصيل الحاصل وكذلك من لم يعرف PageV02P662 @ الدليل ~~العقلي إلا بمقدمة ظنية كان استدلاله به ظنيا وأيضا فإنه إذا كان هذا مرادك ~~فكيف تحكم حكما عاما كليا أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين فبطل حكم هذه ~~القضية الكاذبة أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين على كل تقدير ولله الحمد ~~يوضحه # الوجه الخامس والعشرون # إن الذين لم يحصل لهم اليقين بالأدلة العقلية أضعاف أضعاف الذين حصل لهم ~~اليقين بالأدلة السمعية والشكوك القادحة في العقليات أكثر بكثير من الشكوك ~~القادحة في السمعيات فأهل العلم والكتاب والسنة متيقنون لمراد الله ورسوله ~~جازمون به معتقدون لموجبه اعتقادا لا يتطرق إليه شك ولا شبهة أما المتكلمون ~~الذين عدلوا عن الاستدلال بالأدلة السمعية إلى الأدلة العقلية في المسائل ~~الكبار كمسألة حدوث العالم ومسألة ما هي الحوادث ومسألة تماثل الأجسام ~~وبقاء الأعراض ومسألة وجود الشيء هل هو زائد على ماهيته أو هو نفس ماهيته ~~ومسألة المعدوم هل هو شيء أم لا ومسألة المصحح للتأثير هل هو الحدوث أو ~~الإمكان وهل يمكن أن يكون الممكن قديما أم لا ومسألة الجوهر الفرد وهل ~~الأجسام ms184 مركبة منه أم لا ومسالة الكلام وحقيقته واضعاف ذلك من المسائل التي ~~عولوا فيها على مجرد عقل أفضلهم وأشدهم حيرة وتناقضا واضطرابا فيها ~~PageV02P663 @ لا يثبت له فيها قول بل تارة يقول بالقول ويجزم به وتارة ~~يقول بضده ويجزم به وتارة يحار ويقف وتتعارض عنده الأدلة العقلية وأهل ~~الكلام والفلسفة أشد اختلافا وتنازعا بينهم فيها من جميع أرباب العلوم على ~~الإطلاق ولهذا كلما كان الرجل منهم أفضل كان إقراره بالجهل والحيرة على ~~نفسه أعظم كما قال بعض العارفين أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام وقال ~~أفضل المتأخرين من هؤلاء لتلاميذه عند الموت أشهدكم أني أموت وما عرفت ~~مسألة واحدة إلا مسألة افتقار الممكن إلى واجب ثم قال والافتقار أمر عدمي ~~فهاأنذا أموت وما عرفت شيئا وقال بن الجويني عند موته لقد خضت البحر الخضم ~~وخليت أهل الإسلام وعلومهم وما أدري على ماذا أموت أشهدكم أني أموت على ~~عقيدة أمي وقال آخر في خطبة كتابه في الكلام لعمري : # ( لقد طفت في تلك المعاهد كلها % وسيرت طرفي بين تلك المعالم ) # ( فلم أر إلا واضعا كف حائر % على ذقن أو قارعا سن نادم PageV02P664 @ # وقال الرازي في كتابه أقسام اللذات وقد ذكر أنواعها وأن أشرفها لذة العلم ~~والمعرفة وأشرف العلم العلم الإلهي لشرف معلومه وشدة الحاجة إليه وأنه على ~~ثلاثة أقسام العلم بالذات وعليه عقدة وهي أن الوجود هل هو الماهية أو زائد ~~عليها والعلم بالصفات وعليه عقدة وهي أن الصفات هل هي أمور وجودية زائدة ~~على ذات الموصوف أم ليست بزائدة على الذات والعلم بالأفعال وعليه عقدة وهي ~~هل الفعل مقارن للفاعل أو متراخ عنه ثم قال ومن الذي وصل إلى هذا الباب أو ~~ذاق من هذا الشراب ثم أنشد : # ( نهاية إقدام العقول عقال % وأكثر سعي العالمين ضلال ) # ( وأرواحنا في وحشة من جسومنا % وحاصل دنيانا أذى ووبال ) # ( ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا % سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ) # ( وكم من جبال قد علت شرفاتها % رجال فماتوا والجبال جبال ) # لقد تأملت الطرق الكلامية ms185 والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا ~~تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات PageV02P665 @ ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ ~~فاطر 10 # واقرأ في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ الشورى 11 @QB@ ولا يحيطون به ~~علما @QE@ طه 110 # ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي فليتأمل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل ~~من العبر فإنه لم يأت في المتأخرين من حصل من العلوم العقلية ما حصله ووقف ~~على نهايات أقدام العقلاء وغايات مباحث الفضلاء وضرب بعضها ببعض ومخضها أشد ~~المخض فما رآها تشفي علة داء الجهالة ولا تروي غلة ظمأ الشوق والطلب وأنها ~~لم تحل عنه عقدة واحدة من هذه العقد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على ~~قافية القلب فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله وصدق والله ~~فإنه شاك في ذات رب العالمين هل له ماهية غير الوجود المطلق يختص بها أم ~~ماهيته نفس وجوده الواجب ومات ولم تنحل له عقدتها وشاك في صفاته هل هي أمور ~~وجودية أم نسب إضافية عدمية ومات ولم تنحل له عقدتها وشاك في أفعاله هل هي ~~مقارنة له أزلا وأبدا لم تزل معه أم الفعل متأخر عنه تأخرا لا نهاية لأمده ~~فصار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا ومات ولم تنحل له عقدتها فننظر في كتبه ~~الكلامية قول المتكلمين وفي كتبه PageV02P666 @ الفلسفية قول الفلاسفة وفي ~~كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء وهؤلاء بهؤلاء ~~ويجلس بينهما حائرا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وكذلك أفضل أهل زمانه بن ~~أبي الحديد فإنه مع بحثه ونظره وتصديه للرد على الرازي حتى يقول في قصيدة ~~له : # ( وحقك لو أدخلتني النار قلت لل % ذين بها قد كنت ممن أحبه ) # ( وأفنيت عمري في فنون دقيقة % وما بغيتي إلا رضاه وقربه ) # ( أما قلتم من كان فينا مجاهدا % سيكرم مثواه ويعذب شربه ) # ( أما رد شك بن الخطيب وزيفه % وتمويهه في الدين إذ حل خطبه PageV02P667 ~~@ # يعترف بأن المعقولات لم تعطه إلا ms186 حيرة وأنه لم يصل منها إلى يقين ولا علم ~~حيث يقول : # ( فيك يا أغلوطة الفكر % ضاع دهري وانقضى عمري ) # ( سافرت فيك العقول فما % ربحت إلا أذى السفر ) # ( قاتل الله الأولى زعموا % أنك المعروف بالنظر ) # ( كذبوا إن الذي ذكروا % خارج عن قوة البشر ) # وقال بعض الطالبين من المتأخرين وقد سافر في طلب ربه على هذه الطريق فلم ~~يزدد إلا حيرة وبعدا من مطلبه حتى قيض الله له من أخذ بيده وسلك به على ~~الطريق التي سلك عليها الرسل وأتباعهم فجعل يهتف بصوته لأصحابه هلموا فهذه ~~والله الطريق وهذه أعلام مكة والمدينة وهذه آثار القوم لم تنسخها الرياح ~~ولم تزلها الأهوية ثم قال : # ( وكنت وصحبي في ظلام من الدجى % نسير على غير الطريق ولا ندري ~~PageV02P668 @ # ( وكنا حيارى في القفار ولم يكن % دليل لنا نرجوا الخلاص من القفر ) # ( ظماء إلى ورد يبل غليلنا % وقد قطع الأعناق منا لظى الحر ) # ( فما هو إلا أن تبدى لناظري % سنا بارق يبدو كخيط من الفجر ) # ( فقلت لصحبي هل ترون الذي أرى % فقالوا اتئد ذاك السراب الذي يجري ) # ( فخلفتهم خلفي وأقبلت نحوه % فأوردني عين الحياة لدى البحر ) # ( فناديت أصحابي فما سمعوا الندا % ولو سمعوه ما استجابوا إلى الحشر ) # فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلة العقلية من ~~ضد اليقين ومن الحيرة والشك فمن الذي شكا من القرآن والسنة والأدلة اللفظية ~~هذه الشكاية ومن الذي ذكر أنها حيرته ولم تهده أو ليس بها هدى الله أنبياءه ~~ورسله وخير خلقه قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلا : @QB@ قل إن ضللت ~~فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي @QE@ سبأ 50 PageV02P669 ~~@ # فهذا أكمل الخلق عقلا صلوات الله وسلامه عليه يخبر أن اهتداءه بالأدلة ~~اللفظية التي أوحاها الله إليه وهؤلاء المتهوكون المتحيرون يقولون أنها لا ~~تفيد يقينا ولا علما ولا هدى وهذا موضع المثل المشهور رمتني بدائها وانسلت # الوجه السادس والعشرون # أن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام # نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدا # وظواهر تحتمل غير معناها احتمالا ms187 بعيدا مرجوحا # وألفاظ تحتاج إلى بيان فهي بدون البيان عرضة الاحتمال # فأما القسم الأول فهو يفيد اليقين بمدلوله قطعا كقوله تعالى @QB@ فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ العنكبوت 14 # فلفظ الألف لا يحتمل غير مسماه وكذلك لفظ الخمسين وكذلك لفظ نوح ولفظ ~~قومه وكقوله @QB@ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة @QE@ الأعراف 142 PageV02P670 @ # وقوله @QB@ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين @QE@ المجادلة 4 # وقوله @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ~~@QE@ البقرة 196 # وقوله @QB@ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ البقرة 234 # وعامة ألفاظ القرآن من هذا الضرب هذا شأن مفرداته وأما تركيبه فجاء على ~~أصح وجوه التركيب وأبعدها من اللبس وأشدها مطابقة للمعنى فمفرداته نصوص أو ~~كالنصوص في مسماها وتراكيبه صريحة في المعنى الذي قصد بها والمخاطبون به ~~تلك اللغة سجيتهم وطبيعتهم غير متكلفة لهم فهم يعلمون بالاضطرار مراده منها # والقسم الثاني ظواهر قد تحتمل غير معانيها الظاهرة منها ولكن قد اطردت في ~~موارد استعمالها على معنى واحد فجرت مجرى النصوص التي لا تحتمل غير مسماها ~~والقسمان يفيدان اليقين والقطع بمراد المتكلم # وأما القسم الثالث إذا أحسن رده إلى القسمين قبله PageV02P671 @ عرف مراد ~~المتكلم منه فالأول يفيد اليقين بنفسه والثاني يفيده باطراده في موارد ~~استعماله والثالث يفيده إحسان رده إلى القسمين قبله وهذا ظاهر جدا لمن له ~~عناية بالقرآن وألفاظه ومعانيه واقتباس المعارف واليقين منه فاستفادته ~~اليقين من أدلته أعظم من استفادة كل طالب علم اليقين من مواد علمه وبراهينه # الوجه السابع والعشرون # إن الذي حال بين هؤلاء وبين استفادتهم اليقين من كلام الله ورسوله أن ~~كثيرا من ألفاظ القرآن والسنة قد صار لها معان اصطلح عليها النظار ~~والمتكلمون وغيرهم وألف ذلك الاصطلاح وجرى عليه النشء وصار هو المقصود ~~بالتخاطب وإليه التحاكم فصار كثير من الناس لا يعرف سواه فلما أرادوا أن ~~يطابقوا بين معاني ألفاظ القرآن وبين تلك المعاني التي اصطلحوا عليها ~~أعجزهم ذلك فمرة قالوا ألفاظ القرآن مجاز ومرة طلبوا ms188 لها وجوه التأويل ومرة ~~قالوا لا تفيد اليقين ومرة جعلوها وقفا تتلى في الصلاة ويتبرك بقراءتها ولا ~~يتحاكم إليها مثال ذلك لفظ الجسم في القرآن هو البدن كما قال تعالى : @QB@ ~~وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم @QE@ المنافقون 4 # وهم اصطلحوا على تسمية كل قائم بنفسه جسما مرئيا PageV02P672 @ كان أو ~~غير مرئي وسموا الموصوف بالصفات جسما وسموا من له وجه ويدان جسما ثم نفوا ~~الجسم عن الصانع وأوهموا أنهم ينفون معناه لغة وقصدهم نفي معناه اصطلاحا ~~فسموه بخلاف اسمه في اللغة ونفوا به ما أثبته الرب لنفسه من صفات الكمال ~~وكذلك سموا صفاته أعراضا ثم نفوا عنه الأعراض بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا ~~بالمعنى الذي وضعت له ألفاظ الأعراض في اللغة وكذلك سموا أفعاله حوادث ثم ~~نفوها عنه بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا بمعناه في اللغة فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا وقال إياكم والحدث ~~في الإسلام وقال PageV02P673 @ لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ~~فإذا قالوا لا تحله الحوادث أوهموا الناس هذه الحوادث ومرادهم أنه لا يتكلم ~~ولا يكلم ولا يرى ولا يسمع ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا ولا ~~ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا ينادي عباده يوم القيامة ولا يشاء مشيئة ~~إلى أمثال ذلك # وكذلك لفظ ا لاستواء حقيقة في العلو ثم حدث له معنى الاستيلاء في قول ~~الشاعر إن كان قاله : # ( قد استوى بشر على العراق PageV02P674 @ # فهذا شعر مولد حدث بعد كتاب الله ولم يكن معروفا قبل نزول القرآن ولا في ~~عصر من أنزل عليه القرآن فحملوا لفظ القرآن على الشعر المولد الحادث بعد ~~نزوله ولم يكن من لغة من نزل القرآن عليه # وكذلك لفظ المحلل والمحلل له فإنه في لغة من تكلم به ولغة أصحابه هو محلل ~~النكاح الذي يريد أن يتزوج المرأة ليحلها لمطلقها وفي اصطلاح بعض الفقهاء ~~هو الذي يحلل موليته لغيره بلا مهر والذي يشترط التحليل لفظا في صلب العقد ms189 # وكذلك لفظ الخمر في لغة من تكلم به وصرح بتحريمه كل مسكر فاصطلح بعض ~~الفقهاء على تخصيص بعض أنواع الأشربة المسكرة باسم الخمر ثم حملوا النصوص ~~على تلك المعاني التي اصطلحوا عليها # وكذلك لفظ الجار في لغته صلى الله عليه وسلم هو الجار المعروف فإذا اصطلح ~~على تسمية الشريك جارا قياسا على تسمية الزوجة جارا في قول الشاعر ~~PageV02P675 @ # ( أجارتنا بيني فإنك طالقة % ) # ثم حمل لفظ الشارع على المعنى الاصطلاحي لم يجز ذلك # ومن هذا لفظ التركيب فإنه في لغة القرآن تركيب الشيء في غيره كقوله @QB@ ~~في أي صورة ما شاء ركبك @QE@ الانفطار 8 # ثم اصطلح عليه بعض الناس وجعل كل ما تميز منه شيء عن شيء مركبا وإن كان ~~حقيقته واحدة فالعرب إنما تطلق لفظ التركيب والمركب في نحو تركيب الدواء ~~وتركيب الخشبة على الجدار وتركيب المادة في صورة من الصور ولا يسمى الهواء ~~مركبا ولا النار ولا الماء ولا التراب وإنما المركب عندهم ما ركب فيه شيء ~~على شيء # خالف المتأخرون الاصطلاح الحادث ثم نفوا PageV02P676 @ مسماه الاصطلاحي ~~عن الرب سبحانه ورأوا الأدلة اللفظية من القرآن والسنة لا تساعدهم على ذلك ~~فقالوا لا تفيد اليقين # الوجه الثامن والعشرون # إن هؤلاء القائلين إن كلام الله ورسوله لا يستفاد منه علم ولا يقين إما ~~أن يريد به نفي اليقين في باب الأسماء والصفات فقط دون باب المعاد والأمر ~~والنهي أو في باب الصفات وباب المعاد فقط دون الأمر أو في الجميع فإن أراد ~~الأول وهو مراد الجهمية قيل له فما جوابك للفلاسفة المنكرين لمعاد الأبدان ~~حيث احتججت عليهم بأنا نعلم بالضرورة أن الرسل جاؤوا به فرده عليهم تكذيب ~~لهم فقالوا الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين # فإن قلت الفرق بيننا وبينهم أن آيات الصفات وأخبارها قد عارضتها قواطع ~~عقلية تنفيها بخلاف نصوص المعاد قيل أما أهل القرآن والسنة فيجيبونك بأن ~~تلك المعارضات هذيانات لا حقيقة لها وشبهات خيالية : @QB@ كسراب بقيعة ~~يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ms190 حسابه ~~والله سريع الحساب @QE@ النور 39 # وأما أشباهك من الفلاسفة فيقولون ونصوص PageV02P677 @ المعاد قد عارضها ~~قواطع عقلية تنفيها فإن قلت بل هذه شبهات باطلة ومقدمات كاذبة قيل صدقت ~~والشبهات التي تعارض نصوص الصفات أبطل والمقدمات التي تخالفها أكذب بكثير ~~فإن الشبهات العقلية المعارضة لنصوص الأنبياء ليس لها حد تقف عليه بل قد ~~عارض أرباب المعقول الفاسد جميع ما جاؤوا به من أوله إلى آخره بعقولهم ~~ومعارضة المشركين لما دعت إليه الرسل من التوحيد بشبهاتهم من جنس معارضة ~~الدهرية لما أخبروا به من المعاد بشبهاتهم فهلموا نضع الشبهات جميعها في ~~الميزان ونحكها على المحك يتبين أنها زغل وزيف كلها وإن زعمت أنها لا تفيد ~~اليقين لا في باب الخبر عن الله وصفاته ولا في باب المعاد واليوم الآخر ولا ~~في باب الأمر والنهي فقد انسلخت من العقل والإيمان انسلاخ الحية من قشرها ~~وجاهرت بالقدح في النبوات والشرائع وكنت في العقل الصحيح أشد قدحا فإنه ليس ~~في المعقول شيء أصح مما جاءت به الرسل عن الله وقد تقدم تقرير هذا ~~والمؤمنون يعرفونه جملة والراسخون في العلم يعرفونه تفصيلا PageV02P678 @ # الوجه التاسع والعشرون # إن دعوى المدعي أن كلام الله ورسوله لا يستفاد منه يقين ولا علم إما أن ~~يدعيه حيث لا يعارض العقل السمع بل يوافقه أو حيث يعارضه في زعمه أو حيث لا ~~يعارضه ولا يوافقه فإن ما جاء به الشرع عند هؤلاء ثلاثة أقسام : # أحدها ما يخالف ظاهره صريح العقل # والثاني ما يوافق العقل # والثالث مالا يحيله العقل ولا يقتضيه فقول القائل إن كلام الله ورسوله لا ~~يفيد اليقين يقال له لا يفيد في شيء من هذه الأقسام الثلاثة عندك أو في ~~الأول منها خاصة أو فيه وفي الثالث فإن كان مراده النفي في جميع الأقسام ~~كان ذلك عنادا ظاهرا وإلحادا في كلام الله ورسوله وإن كان مراده أنه لا ~~يفيده فيما يخالف صريح العقل وهو الذي يريده هؤلاء قيل له هذا الفرض وإن ~~اعتقدته واقعا فهو محال فلا يعارض السمع الصحيح ms191 الصريح إلا معقول فاسد ~~تنتهي مقدماته إلى المكابرة أو التقليد أو التلبيس والإجمال وقد تدبر أنصار ~~الله ورسوله وسنته هذا فما وجدوا بحمد الله العقل الصريح يفارق النقل ~~الصحيح أصلا بل هو خادمه وصاحبه والشاهد له وما وجدوا العقل المعارض له إلا ~~من أفسد العقول وأسخفها وأشدها منافاة لصريح العقل وصحيحه ولولاالإطالة ~~لذكرنا ذلك PageV02P679 @ على التفصيل وقد تقدمت الإشارة إلى اليسير منه ~~ويجب على المسلم الذي لله ولكتابه وقار وعظمة في قلبه ان يعتقد هذا وإن لم ~~يظهر له تفصيله فإذا ظهر له تفصيله كان نورا على نور فإن الله سبحانه أقام ~~الحجة على الخلق بكتابه ورسوله فلا يمكن أن يكون فيهما ما يظهر منه خلاف ~~الحق ولا ما يخالف العقل ولا يمكن أن يحيل الرسول الناس في الهدى والعلم ~~وصفاته وأفعاله على ما يناقض كلامه من عقلياتهم وهذا واضح ولله الحمد # الوجه الثلاثون # إن قول القائل الأدلة اللفظية موقوفة على هذه المقدمات أتريد به أن كل ~~دليل منها يقف على مجموع الأمور العشرة أم تريد به أن جنسها يقف على جنس ~~هذه العشرة فإن أردت الأول فهو مكابرة ظاهرة يردها الواقع فإن جمهور الناس ~~يعلم مدلول الكلام من غير أن تخطر هذه العشرة أو شيء منها بباله وإن أردت ~~الثاني فالأدلة العقلية تتوقف على ما به مقدمة أو أكثر بهذا الاعتبار فإنه ~~ما من مسألة عقلية إلا وهي متوقفة على مقدمات غير المقدمات التي يتوقف ~~عليها مسألة أخرى فما يتوقف عليه دلالة الدليل لا ضابط له وإنما هو أمر ~~نسبي إضافي # الوجه الحادي والثلاثون # إن حكمك بتوقف دلالة الدليل على معرفة الإعراب والتصريف خطأ ظاهر فإن من ~~عرف أن لله الأسماء الحسنى PageV02P680 @ كالرحمن الرحيم الملك القدوس ~~السلام المؤمن وأن الاسم يدل على المسمى في لغة العرب لم يتوقف في العلم ~~بدلالة هذه الأسماء على الرب سبحانه على معرفته بأن الاسم مشتق من السمو أو ~~من السمة والاختلاف بين البصريين والكوفيين في ذلك ومعرفة أرجح القولين فإن ~~جماهير أهل الأرض ms192 يعرفون أن الله اسم لذات الخالق فاطر السماوات والأرض ولا ~~يعرفون تصريف الاسم واشتقاقه وأما الإعراب فهؤلاء العامة يجزمون ويتيقنون ~~مراد مكلمهم بكلامه ولا يتوقف ذلك على معرفتهم بوجوه الإعراب # فإن قلت إنما كلامنا في كلام العرب الفصحاء الذين يتوقف فهم معاني كلامهم ~~على الإعراب قيل ما يتوقف عليه فهم كلامهم من الإعراب سجية وطبيعة لهم وأما ~~من بعدهم فقد نقل إلينا ذلك نقلا متواترا عنهم كما نقل إلينا معاني مفردات ~~ألفاظهم # الوجه الثاني والثلاثون # قولك إن ذلك يتوقف على نفي التخصيص والإضمار فهذا لا يحتاج إليه في فهم ~~معاني الألفاظ المفردة فإنها تدل على مسماها دلالة سائر الألفاظ على ~~معانيها كدلالة الأعلام ولفظ العدد وأسماء الأزمنة والأمكنة والأجناس على ~~موضوعاتها # واحتمال كون اللفظ العام خاصا كاحتمال كون اللفظ الذي له حقيقة مستعملا ~~في غير حقيقته وهذا منفي بالأصل ولا يحتاج في فهم ما هو جار على أصله إلى ~~أن يعلم PageV02P681 @ انتفاء الدليل الذي يخرجه عن أصله وإلا لم يفهم ~~مدلول لفظ أبدا لجواز أن يكون خرج عن أصل موضوعه بنقل أو مجاز أو غير ذلك ~~ولو ساغ ذلك لم يكن أحد يحتج بدليل شرعي لجواز أن يكون منسوخا وهو لا يعلم ~~ناسخه ولم يشهد أحد لأحد بملك لجواز أن يكون خرج عن ملكه ببيع أو تبرع ولم ~~يشهد أحد لأحد بزوجية امرأة ولا رق عبد لجواز أن يكون طلق وأعتق وفتح باب ~~التجويزات لا آخر له ولا ثقة معه البتة # وهذا الباب قد دخل منه على الإسلام مدخل عظيم وخطب جسيم وأهل الباطل على ~~اختلاف أصنافهم لا يزالون يتعلقون به ولا تزال تعمد كل طائفة منهم إلى آية ~~من كتاب الله فيقودها إلى مذهبه الذي يدعو إليه ويدعي أن لها دلالة خاصة ~~عليه وكذلك يفعل في كثير من الأخبار التي يجرها إلى معتقده # وليست المحنة التي عرضت في هذا الباب مقصورة على أهل الإسلام فقط بل هي ~~مشتركة بين جميع أهل الأديان والملل ومن أعطى التأمل حقه وجد أكثر ms193 ما ادعاه ~~أهل التأويلات المستشنعة وأهل الباطل من جهة إخراج الألفاظ عن حقائقها وفتح ~~أبواب الاحتمالات والتجويزات عليها وتغليب الخصوص على العموم وادعائهم أن ~~الأغلب في ألفاظ العموم إنما هو الخصوص دون العموم ذهابا منهم في ذلك إلى ~~أن البيان الشافي إنما هو في المعنى الخاص دون PageV02P682 @ العام وأنه ~~المتيقن من اللفظ فإن ظفر به وإلا قال المراد خاص مجمل فتعطل دلالة اللفظ ~~العام الكلي بهذه الطريق كما تعطل دلالة اللفظ على حقيقته باحتمال إرادة ~~المجاز والاستعارة ودلالة أوامر الله ورسوله على وجوب الإمتثال باحتمال ~~إرادة الاستحباب ومطلق الرجحان ودلالة نواهيه على التحريم باحتمال دلالتها ~~على مجرد الكراهة وترك الأولى ودلالة النص الصريح الذي لا يحتمل غير معناه ~~باحتمال كونه منسوخا فقد أعد لكل دليل قانونا يدفع به دلالته فإن كان خبر ~~واحد قال يحتمل أن يكون راويه كذب أو أخطأ فإن أعجزه القدح في راويه لشهرته ~~بالصدق والعدالة قال لعله رواه بالمعنى الذي فهمه وهو غير فقيه فإذا عارضه ~~القياس كان المصير إليه أولى كما قال هؤلاء إذا عارض النص العقل كان المصير ~~إليه أولى فإن غلب وأمكنه ادعاء انعقاد الإجماع على خلافه عارضه بالإجماع ~~فإن غلب عن ذلك عارضه باحتمال النسخ فإن غلب عارض دلالته بالاحتمالات ~~وأنواع التأويلات فلله ما لقيت النصوص من هذه الفرق وأرباب التأويلات ~~والمتعصبين لمذاهبهم وإلى منزلها الشكاية وبه المستعان وعليه التكلان # الوجه الثالث والثلاثون # إن القدح في دلالة العام باحتمال الخصوص وفي الحقيقة باحتمال المجاز ~~والنقل والاشتراك وسائر ما ذكر يبطل حجج الله على خلقه بآياته ويبطل أوامره ~~ونواهيه وفائدة أخباره ونحن نبين ذلك بحمد الله بيانا شافيا ونقدم ~~PageV02P683 @ قبل بيانه مقدمة بين يديه وهي ذكر الوجوه التي تنقسم إليها ~~معاني ألفاظ القرآن وهي عشرة أقسام # القسم الأول تعريفه سبحانه نفسه لعباده بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله ~~وأفعاله وأنه واحد لا شريك له وما يتبع ذلك # القسم الثاني ما استشهد به على ذلك من آيات قدرته وآثار حكمته فيما خلق ~~وذرأ في العالم ms194 الأعلى والأسفل من أنواع بريته وأصناف خليقته محتجا به على ~~من ألحد في أسمائه وتوحيده وعطله عن صفات كماله وعن أفعاله وكذلك البراهين ~~العقلية التي أقامها على ذلك والأمثال المضروبة والأقيسة العقلية التي ~~تقدمت الإشارة إلى الشيء اليسير منها # القسم الثالث ما اشتمل عليه بدء الخلق وإنشاؤه ومادته وابتداعه له وسبق ~~بعضه على بعض وعدد أيام التخليق وخلق آدم وإسجاد الملائكة وشأن إبليس ~~وتمرده وعصيانه وما يتبع ذلك # القسم الرابع ذكر المعاد والنشأة الأخرى وكيفيته وصورته وإحالة الخلق فيه ~~من حال إلى حال وإعادتهم خلقا جديدا # القسم الخامس ذكر أحوالهم في معادهم وانقسامهم PageV02P684 @ إلى شقي ~~وسعيد ومسرور بمنقلبه ومثبور به وما يتبع ذلك # القسم السادس ذكر القرون الماضية والأمم الخالية وما جرى عليهم وذكر ~~أحوالهم مع أنبيائهم وما نزل بأهل العناد والتكذيب منهم من المثلات وما حل ~~بهم من العقوبات ليكون ما جرت عليه أحوال الماضين عبرة للمعاندين فيحذروا ~~سلوك سبيلهم في التكذيب والعصيان # القسم السابع الأمثال التي ضربها لهم والمواعظ التي وعظهم بها ينبههم بها ~~على قدر الدنيا وقصر مدتها وآفاقها ليزهدوا فيها ويتركوا الإخلاد إليها ~~ويرغبوا فيما أعد لهم في الآخرة من نعيمها المقيم وخيرها الدائم # القسم الثامن ما تضمنه من الأمر والنهي والتحليل والتحريم وبيان ما فيه ~~طاعته ومعصيته وما يحبه من الأعمال والأقوال والأخلاق وما يكرهه ويبغضه ~~منها وما يقرب إليه ويدني من ثوابه وما يبعد منه ويدني من عقابه وقسم هذا ~~القسم إلى فروض فرضها وحدود حدها وزواجر زجر عنها وأخلاق وشيم رغب فيها # القسم التاسع ما عرفهم إياه من شأن عدوهم ومداخله عليهم ومكايده لهم وما ~~يريده بهم وعرفهم إياه من طريق التحصن منه والاحتراز من بلوغ كيده منهم وما ~~يتداركون به ما أصيبوا به في معركة الحرب بينهم وبينه وما يتبع ذلك ~~PageV02P685 @ # القسم العاشر ما يختص بالسفير بينه وبين عباده عن أوامره ونواهيه وما ~~اختصه به من الإباحة والتحريم وذكر حقوقه على أمته وما يتعلق بذلك فهذه ~~عشرة أقسام عليها مدار القرآن وإذا ms195 تأملت الألفاظ المتضمنة لها وجدتها ~~ثلاثة أنواع # أحدها ألفاظ في غاية العموم فدعوى التخصيص فيها يبطل مقصودها وفائدة ~~الخطاب بها # الثاني ألفاظ في غاية الخصوص فدعوى العموم فيها لا سبيل إليه # الثالث ألفاظ متوسطة بين العموم والخصوص فالنوع الأول كقوله @QB@ والله ~~بكل شيء عليم @QE@ البقرة 282 و @QB@ على كل شيء قدير @QE@ البقرة 109 و ~~@QB@ خالق كل شيء @QE@ الأنعام 102 وقوله @QB@ يا أيها الناس أنتم الفقراء ~~إلى الله @QE@ فاطر 15 ) و @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم @QE@ البقرة 21 ~~و @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة @QE@ النساء 1 # وأمثال ذلك والنوع الثاني كقوله PageV02P686 @ ( يا أيهاالرسول بلغ ما ~~أنزل إليك من ربك ) المائدة 67 # وقوله @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها @QE@ الأحزاب 37 # وقوله @QB@ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ الأحزاب 50 # والنوع الثالث كقوله @QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا @QE@ الحج 39 # وقوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ البقرة 104 و @QB@ يا أهل الكتاب ~~@QE@ آل عمران 64 و @QB@ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم @QE@ الزمر 53 # ونحو ذلك مما يخص طائفة من الناس دون طائفة وهذا النوع وإن كان متوسطا ~~بين الأول والثاني فهو عام فيما قصد به ودل عليه # وغالب هذا النوع أو جميعه قد علقت الأحكام فيه بالصفات المقتضية لتلك ~~الأحكام فصار عمومه لما تحته من جهتين من جهة اللفظ والمعنى فتخصيصه ببعض ~~نوعه إبطال لما قصد به وإبطال دلالته إذ الوقف فيها لاحتمال PageV02P687 @ ~~إرادة الخصوص به أشد إبطالها وعودا على مقصود المتكلم به بالإبطال فادعى ~~قوم من أهل التأويل في كثير من عمومات هذا النوع التخصيص وذلك في باب الوعد ~~والوعيد وفي باب القضاء والقدر أما باب الوعيد فإنه لما احتج عليهم ~~الوعيديه بقوله @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم @QE@ النساء 93 # وبقوله @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا @QE@ النساء 10 # وأمثال ذلك لجأوا إلى دعوى الخصوص وقالوا هذا في طائفة معينة ms196 ولجأوا إلى ~~هذا القانون وقالوا الدليل اللفظي العام مبني على مقدمات منها عدم التخصيص ~~وانتفاؤه غير معلوم وأما باب القدر فإن أهل الإثبات لما احتجوا على القدرية ~~بقوله @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ الرعد 16 # وقوله @QB@ وهو على كل شيء قدير @QE@ المائدة 120 # ونحوه ادعوا تخصيصه وأكثر طوائف أهل الباطل ادعاء لتخصيص العمومات هم ~~الرافضة فقل أن تجد في PageV02P688 @ القرآن والسنة لفظا عاما في الثناء ~~على الصحابة إلا قالوا هذا في علي وأهل البيت وهكذا تجد كل أصحاب مذهب من ~~المذاهب إذا ورد عليهم عام يخالف مذهبهم ادعوا تخصيصه وقالوا أكثر عمومات ~~القرآن مخصوصة وليس ذلك بصحيح بل أكثرها محفوظة باقية على عمومها # فعليك بحفظ العموم فإنه يخلصك من أقوال كثيرة باطلة وقد وقع فيها مدعو ~~الخصوص بغير برهان من الله وأخطأوا من جهة اللفظ والمعنى أما من جهة اللفظ ~~فلأنك تجد النصوص التي اشتملت على وعيد أهل الكبائر مثلا في جميع آيات ~~القرآن خارجة بألفاظها مخرج العموم المؤكد المقصود عمومه كقوله @QB@ ومن ~~يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا @QE@ الفرقان 19 # وقوله @QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال @QE@ الأنفال 16 # وقوله @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم @QE@ النساء 93 و @QB@ فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ الزلزلة 8 7 ~~PageV02P689 @ # وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية جامعة فاذة أي عامة فذة في ~~بابها وقوله @QB@ إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ~~ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى @QE@ طه 74 75 # وقوله @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى @QE@ # وقوله @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر @QE@ الفرقان 68 # وأضعاف أضعاف ذلك من عمومات القرآن المقصود عمومها التي إذا أبطل عمومها ~~بطل مقصود عامة القرآن ولهذا قال شمس الأئمة السرخسي إنكار العموم بدعة ~~حدثت في الإسلام بعد القرون الثلاثة # وأما خطؤهم من جهة المعنى فلأن الله سبحانه إنما PageV02P690 @ علق ~~الثواب والعقاب على الأفعال المقتضية له اقتضاء ms197 السبب لمسببه وجعلها عللا ~~لأحكامها والاشتراك في الموجب يقتضي الاشتراك في موجبه والعلة إذا تخلف ~~عنها معلولها من غير انتفاء شرط أو وجود مانع فسدت بل يستحيل تخلف المعلول ~~عن علته التامة وإلا لم تكن تامة ولكن غلط ها هنا طائفتان من أهل التأويل ~~الوعيدية حيث حجرت على الرب تعالى بعقولها الفاسدة أن يترك حقه ويعفو عن من ~~يشاء من أهل التوحيد وأوجبوا عليه أن يعذب العصاة ولا بد وقالوا إن العفو ~~عنهم وترك تعذيبهم إخلال بحكمته وطعن في خبره وقابلتهم الطائفة الآخرى ~~فقالوا لا نجزم بثبوت الوعيد لأحد فيجوز أن يعذب الله الجميع وأن يعفو عن ~~الجميع وأن ينفذ الوعيد في شخص واحد يكون هو المراد من ذلك اللفظ ولا نعلم ~~هل هذه الألفاظ للعموم أو للخصوص وهذا غلو في التعطيل والأول غلو في ~~التقييد والصواب غير المذهبين وأن هذه الأفعال سبب لما علق عليها من الوعيد ~~والسبب قد يتخلف عن مسببه لفوات شرط أو وجود مانع والموانع متعددة منها ما ~~هو متفق عليه بين الأمة كالتوبة النصوح ومنها الحسنات الماحية والمصائب ~~المكفرة وما يلحق العبد بعد موته من ثواب تسبب إلى تحصيله أو دعاء أو ~~استغفار له أو صدقة عنه ومنها شفاعة بإذن الله فيها لمن أراد أن يشفع فيه ~~ومنها رحمة تدركه من أرحم الراحمين يترك بها حقه قبله ويعفو عنه وهذا لا ~~يخرج العموم عن مقتضاه وعمومه ولا يحجر على الرب تعالى حجر الوعيدية ~~والقدرية وللرد على الطائفتين PageV02P691 @ موضع غير هذا والمقصود أن ~~الأقسام الثلاثة التي تضمنها القرآن وهي الأعم والعام والأخص كل منها يفيد ~~العلم بمدلوله ولا يتوقف فهم المراد منه على العلم بانتفاء المخصص والإضمار ~~والحذف والمجاز فإن ذلك يبطل أحكام تلك الأقسام العشرة التي اشتمل عليها ~~القرآن وتحول بين الإنسان وبين فائدتها مع كونها أهم الأمور والعناية ~~الإلهية بها أشد وبيانها واقع موقع الضرورة فلو صح قول القائل إن الأدلة ~~اللفظية لا تفيد اليقين لم يحصل لنا اليقين من القرآن في شيء من ms198 تلك ~~الأقسام العشرة البتة وهذا من أبطل الباطل وأبين الكذب PageV02P692 @ # الوجه الرابع والثلاثون # إنك تجد عند كثير من المعروفين بالتفسير من رد كثير من ألفاظ القرآن عن ~~العموم إلى الخصوص نظير ما تجده من ذلك عند أرباب التأويلات المستنكرة ومتى ~~تأملت الحال فيما سوغوه من ذلك وجدتها عائدة من الضرر على الدين بأعظم مما ~~عاد من ضرر كثير من التأويلات وذلك لأنهم بالقصد إلى ذلك فتحوا لأرباب ~~التأويلات الباطلة السبيل إلى التهافت فيها فعظمت بذلك الجناية من هؤلاء ~~وهؤلاء على الدين وأهله # وتجد الأسباب الداعية للطائفتين قصد الإغراب على الناس في وجوه التفسير ~~والتأويل وادعاؤهم أن عندهم منها نوادر لا توجد عند عامة الناس لعلمهم أن ~~الأمر الظاهر المعلوم يشترك الناس في معرفته فلا مزية فيه والشيء النادر ~~المستظرف يحل محل الإعجاب وتتحرك الهمم لسماعه واستفادته لما جبل الناس ~~عليه من إيثار المستظرفات والغرائب وهذا من أكثر أسباب الأكاذيب في ~~المنقولات والتحريف لمعانيها ونحلتها معاني غريبة غير مألوفة وإلا فلو ~~اقتصروا على ما يعرف من الآثار وعلى ما يفهمه PageV02P693 @ العامة من ~~معانيها لسلم علم القرآن والسنة من التأويلات الباطلة والتحريفات وهذا أمر ~~موجود في غيرهم كما تجد المتعنتين بوجوه القرآن يأتون من القراءات البديعة ~~المستشنعة في ألفاظها ومعانيها الخارجة عن قراءة العامة وما ألفوه ما ~~يغربون به على العامة وأنهم قد أوتوا من علم القرآن ما لم يؤته سواهم وكذلك ~~أصحاب الإعراب يذكرون من الوجوه المستكرهة البعيدة المتعقدة ما يغربون به ~~على الناس وكذلك كثير من المفسرين يأتون بالعجائب التي تنفر عنها النفوس ~~ويأباها القرآن أشد الإباء كقول بعضهم طه لفظة نبطية معناها يا رجل ويا ~~إنسان وقال بعضهم هي من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم مع يس وعدوا في ~~أسمائه طه ويس وقال بعضهم في نون والقلم إنها الدواة كأنه لما رأى هذا ~~الحرف قد اقترن بالقلم جعله الدواة وقال بعضهم في صاد إنها فعل ماض مثل رام ~~وقاض وكما قال بعضهم في قوله @QB@ إن تتبعون إلا رجلا ms199 مسحورا @QE@ الفرقان ~~8 # هو الذي له سحر أي رئة افترى أراد بقوله لموسى @QB@ إني لأظنك يا موسى ~~مسحورا @QE@ الإسراء 101 # هذا المعنى وأراد الكفار بقولهم PageV02P694 @ @QB@ إنما سكرت أبصارنا بل ~~نحن قوم مسحورون @QE@ الحجر 15 # هذا المعنى وكما قال آخرون في قوله @QB@ من كان يظن أن لن ينصره الله في ~~الدنيا والآخرة @QE@ الحج 15 # أن المعنى يرزقه واستشهدوا بقولهم أرض منصورة أي ممطورة ولو تأمل هذا ~~القائل سياق الآية وآخرها لعلم أن تفسير النصر بالرزق يزيل معنى الآيات عن ~~وجهه الذي قصد به وقال آخرون في قوله @QB@ فاليوم ننجيك ببدنك @QE@ يونس 92 # أي بدرعك وننجيك نلقيك على نجوة من الأرض وقال آخرون في قوله @QB@ فصل ~~لربك وانحر @QE@ الكوثر 2 # إن المراد به ضع يدك على نحرك وتكايس غيره وقال المعنى استقبل القبلة ~~بنحرك فهضموا معنى هذه الآية التي جمعت بين العبادتين العظيمتين الصلاة ~~والنسك وقال آخرون في قوله @QB@ أعجب الكفار نباته @QE@ الحديد 20 # إنهم الزراع وهل أطلق سبحانه الكفار في موضع واحد على غير الكافرين به ~~وكما قيل في قوله @QB@ كمشكاة فيها مصباح @QE@ النور 35 PageV02P695 @ # إن المشكاة هذا الموضع الذي يشكو المتعبد فيه إلى الله وأضعاف أضعاف ذلك ~~من التفاسير المستنكرة المستكرهة التي قصد بها الإغراب والإتيان بخلاف ما ~~يتعارفه الناس كحقائق السلمي وغيره مما لو تتبع وبين بطلانه لجاء عدة أسفار ~~كبار ولولا قصد الإغراب والإتيان بما لم يسبق إليه غيره لما أقدم على ذلك ~~كما قال بعض الرافضة في قوله @QB@ مرج البحرين يلتقيان @QE@ الرحمن 19 # هما علي وفاطمة @QB@ بينهما برزخ لا يبغيان @QE@ الرحمن 20 # هو النبي صلى الله عليه وسلم @QB@ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان @QE@ ~~الرحمن 22 # هما الحسن والحسين # وجناية هؤلاء على القرآن جناية عظيمة وبسبب PageV02P696 @ ما اعتمدوه قال ~~القائل كلام الله لا يستفاد منه يقين لاحتمال اللفظة منه عدة وجوه وقد فسرت ~~بذلك كله ولو شرح كتاب من كتب العلوم هذا الشرح لأفسده الشارح على صاحبه ~~ومسخ مقاصده وأزالها عن مواضعها والمقصود أن حمل عمومات القرآن على الخصوص ms200 ~~تعطيل لدلالتها وإخراج لها عما قصد بها وهضم لمعناها وإزالة لفائدتها كقول ~~بعضهم في قوله تعالى @QB@ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون @QE@ المائدة 55 # إن المراد به علي بن أبي طالب وهذا كذب قطعا على الله أنه أراد عليا وحده # بهذا اللفظ العام الشامل لكل من اتصف بهذه الصفة وقول هذا القائل أو غيره ~~في قوله تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما ~~يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين @QE@ الزمر 33 34 ) # إنه علي بن أبي طالب # وفي قوله @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون @QE@ الأعراف 157 # إنه علي بن أبي طالب PageV02P697 @ # وقول الآخر في قوله @QB@ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ~~@QE@ عمر بن الخطاب @QB@ رحماء بينهم @QE@ أبو بكر @QB@ تراهم ركعا سجدا ~~@QE@ عثمان @QB@ يبتغون فضلا من الله ورضوانا @QE@ الفتح 29 علي # وقول الآخر في قوله @QB@ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن @QE@ فاطر 34 # هم الخبز # وفي قوله @QB@ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون @QE@ الأنبياء 105 # إنهاأرض فلسطين والأردن # وفي قوله @QB@ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب @QE@ ص 20 # هو أما بعد فهضموا هذا المعنى العظيم لإعطائه الحق في أتم بيان # وفي قوله @QB@ خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ الأعراف 31 # المراد به المشط ومن هذا يضع الرافضة المشط بين أيديهم في الصلاة ~~PageV02P698 @ # | فصل # وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا ~~على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة ~~في اللغة كما قال بعضهم في قوله @QB@ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم @QE@ ~~التكاثر 8 # إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده # وكما قيل في قوله @QB@ ويمنعون الماعون @QE@ الماعون 7 # إنه القدر والفأس والقصعة فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض ~~السلف هذا للسائل تمثيلا وتنبيها بالأدنى على ms201 الأعلى فإذا كان الويل لمن ~~منع هذا فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر ~~الماء البارد فكيف بما هو أعظم نعيما منه # وفي قوله @QB@ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن @QE@ فاطر 34 # هم الغداء والعشاء # وفي قوله @QB@ ربنا آتنا في الدنيا حسنة @QE@ البقرة 201 PageV02P699 @ # إنها المرأة الموافقة فهذا كله من التمثيل للمعنى العام ببعض أنواعه فإن ~~أراد القائل أن الأدلة اللفظية موقوفة على عدم التخصيص أنها موقوفة على عدم ~~قصرها على هذا وأشباهه فنعم هي غير مقصورة عليه ولا مختصة به ولا يقال لفهم ~~هذه الأنواع منها تخصيصا # ونظير هذا ما يذكره كثير من المفسرين في آيات عامة أنها في قوم مخصوصين ~~من المؤمنين والكفار والمنافقين وهذا تقصير ظاهر منهم وهضم لتلك العمومات ~~المقصود عمومها وكأن الغلط في ذلك إنما عرض من جهة أن أقواما في عصر الرسول ~~صلوات الله وسلامه عليه قالوا أقوالا وفعلوا أفعالا في الخير والشر فنزلت ~~بسبب الفريقين آيات حمد الله فيها المحسنين وأثنى عليهم ووعدهم جزيل ثوابه ~~وذم المسيئين ووعدهم وبيل عقابه فعمد كثير من المفسرين إلى تلك العمومات ~~فنسبوها إلى أولئك الأشخاص وقالوا إنهم المعنيون بها # وكذلك الحال في أحكام وقعت في القرآن كان بدو افتراضها أفعال ظهرت من ~~أقوام فأنزل الله بسببها أحكاما صارت شرائع عامة إلى يوم القيامة فلم يكن ~~من الصواب أضافتها إليهم وأنهم هم المرادون بها إلا على وجه ذكر سبب النزول ~~فقط وأن تناولها لهم ولغيرهم تناول واحد فمن التقصير القبيح أن يقال في ~~قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم @QE@ البقرة 21 PageV02P700 @ # إن المراد بالناس أهل مكة فيأتي إلى لفظ من أشمل ألفاظ العموم أريد به ~~الناس كلهم عربهم وعجمهم قرنا بعد قرن إلى أن يطوي الله الدنيا فيقول ~~المراد به أهل مكة نعم هم أسبق وأول من أريد به إذ كانوا هم المواجهين ~~بالخطاب أولا وهذا كثير في كلامهم كقولهم المراد بقوله كذا وكذا أبو جهل أو ~~أبي بن خلف أو ms202 الوليد بن المغيرة أو عبد الله بن أبي PageV02P701 @ # أو عبد الله بن سلام من سادة المؤمنين كما يقولون في كل موضع ذكر فيه ~~@QB@ ومن عنده علم الكتاب @QE@ الرعد 43 # إنه عبد الله بن سلام وهذا باطل قطعا فإن هذا مذكور في سورة مكية كسورة ~~الرعد حيث لم يكن عبد الله بن سلام قد أسلم ولا كان هناك # وكذلك يقولون في قوله @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة @QE@ المنافقون # إن المراد به عبد الله بن أبي وكان من أحسن الناس جسما والصواب أن اللفظ ~~عام في من اتصف بهذه الصفات وهي صحة الجسم وتمامه وحسن الكلام وخلوه من روح ~~الإيمان ومحبة الهدى وإيثاره كخلو الخشب المقطوعة التي قد تساند بعضها إلى ~~بعض من روح الحياة التي يعطيها النمو أو الزيادة والثمرة واتصافهم بالجبن ~~والخور الذي يحسب صاحبه أن كل صيحة عليه فمن PageV02P702 @ التقصير الزائد ~~أن يقال إن المراد بهذا اللفظ هو عبد الله بن أبي # ومن هذا قولهم في قوله تعالى @QB@ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم @QE@ ~~الدخان 43 44 # إنه أبو جهل بن هشام وكذلك في قوله @QB@ فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ~~@QE@ القيامة 31 32 # إنه أبو جهل وكذلك في قوله @QB@ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون @QE@ إلى آخرها المطففين 29 # وكذلك قوله @QB@ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم @QE@ إلى آخرها ~~القلم 10 11 ) # إنه الوليد بن المغيرة # وكذلك قوله @QB@ ومن الناس من يشتري لهو الحديث @QE@ لقمان 6 PageV02P703 ~~@ # إنه النضر بن الحارث وفي قوله @QB@ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ البقرة 8 # إنها في أناس معينين وأضعاف ذلك مما إذا طرق سمع كثير من الناس ظن أن هذا ~~شيء أريد به هؤلاء ومضى حكمه وبقي لفظه وتلاوته حتى قال بعض من قدم العقل ~~على النقل وقد احتج عليه بشيء من القرآن دعني من كلام قيل في أناس مضوا ~~وانقرضوا # ومن تأمل خطاب القرآن وألفاظه وجلالة ms203 المتكلم به وعظمة ملكه وما أراد به ~~من الهداية العامة لجميع الأمم قرنا بعد قرن إلى آخر الدهر وأنه جعله ~~إنذارا لكل من بلغه من المكلفين لم يخف عليه أن خطابه العام إنما جعل بإزاء ~~أفعال حسنة محمودة وأخرى قبيحة مذمومة وأنه ليس منها فعل إلا والشركة فيه ~~موجودة أو ممكنة وإذا كانت الأفعال مشتركة كان الوعد والوعيد المعلق بها ~~مشتركا ألا ترى أن الأفعال التي حكيت عن أبي جهل بن هشام والوليد بن ~~PageV02P704 @ المغيرة والعاص بن وائل وأضرابهم وعن عبد الله بن أبي ~~وأضرابه كان لهم فيها شركاء كثيرون حكمهم فيها حكمهم # ولهذا عدل الله سبحانه عن ذكرهم بأسمائهم وأعيانهم إلى ذكر أوصافهم ~~وأفعالهم وأقوالهم لئلا يتوهم متوهم اختصاص الوعيد بهم وقصره عليهم وأنه لا ~~يجاوزهم فعلق سبحانه الوعيد وقصره عليهم وأنه لا يجاوزهم فعلق سبحانه ~~الوعيد على الموصوفين بتلك الصفات دون أسماء من قامت به إرادة لتعميم الحكم ~~وتناوله لهم ولأمثالهم ممن هو على مثل حالهم # وهكذا الحكم فيمن أثنى عليه ومدحه بما صدر منه من قول أو فعل عدل سبحانه ~~عن ذكره باسمه وعينه إلى ذكره بوصفه وفعله ليتناول المدح لمن شركه في ذلك ~~من سائر الناس فإذا حمل السامع قوله @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك ~~هم المتقون @QE@ الزمر 33 PageV02P705 @ # وقوله @QB@ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون @QE@ الحديد 19 # ونظائرها على أبي بكر الصديق أو علي بن أبي طالب فقد ظلم اللفظ والمعنى ~~وقصر به غاية التقصير وإن كان الصديق أول وأولى من دخل في هذا اللفظ العام ~~وأريد به # ونظير ذلك ما ذكره بعضهم في قوله @QB@ إن الأبرار يشربون من كأس كان ~~مزاجها كافورا @QE@ إلى قوله @QB@ يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا @QE@ الإنسان 5 - 8 # إن المراد بذلك علي بن أبي طالب فجمع إلى حمل هذا اللفظ العام المجاهرة ~~بالكذب والبهت في دعواه نزولها في علي فإن السورة مكية وعلي كان بمكة فقيرا ~~قد رباه النبي ms204 صلى الله عليه وسلم في حجره فإن أبا طالب لما مات اقتسم بنو ~~عبد المطلب أولاده لأنه لم يكن له مال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليا ورباه عنده وضمه إلى عياله فكان فيهم # ومن تأمل هذه السورة علم يقينا أنه لا يجوز أن يكون المراد بألفاظها ~~العامة إنسانا واحدا فإنها سورة عجيبة التبيان افتتحت بذكر خلق الإنسان ~~ومبدئه وجميع أحواله من بدايته إلى نهايته وذكره أقسام الخلق في أعمالهم ~~واعتقاداتهم ومنازلهم من السعادة والشقاوة فتخصيص العام فيها PageV02P706 @ ~~بشخص واحد ظلم وهضم ظاهر للفظها ومعناها وشبيه بهذا ما ذكره بعضهم في قوله ~~تعالى @QB@ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها @QE@ ~~الأحقاف 15 # إنها نزلت في أبي بكر الصديق وابنه عبد الرحمن # ونظيره ما تقدم من تفسير قوله @QB@ محمد رسول الله @QE@ الفتح 29 # إلى آخر الآية وقسمة جملها بين العشرة من الصحابة ومن تأمل ذلك علم أن ~~هذا تفسير مختل مخل بمقصود الآية معدول به عن سنن الصواب وهذا باب يطول ~~تتبعه جدا ولو أن الذين ارتكبوا ما ذكرنا من التفاسير المستكرهة المستغربة ~~وحملوا العموم على الخصوص وأزالوا لفظ الآية عن موضوعه علموا ما في ذلك من ~~تصغير شأن القرآن وهضم معانيه من النفوس وتعريضه لجهل كثير من الناس بما ~~عظم الله قدره وأعلى خطره لأقلوا مما استكثروا منه ولزهدوا فيما أظهروا ~~الرغبة فيه وكان ذلك من فعلهم أحسن وأجمل وأولى بأن يوفى معه القرآن بعض ~~حقه من الإجلال والتعظيم والتفخيم ولو لم يكن في حمل تفسير القرآن على ~~الخصوص دون العموم إلا ما يتصوره التالي له في نفسه من أن تلك الآيات إنما ~~قصد بها أقوام من الماضين PageV02P707 @ دون الغابرين فيكون نفعه وعائدته ~~على البعض دون البعض لكان في ذلك ما يوجب النفرة عن ذلك والرغبة عنه وبحكمة ~~بالغة عدل الرب تعالى عن تسمية من ذكر هؤلاء أنه مراد باللفظ إلى ذكر ~~الأوصاف والأفعال التي يأخذ كل أحد منها حظه ولو سمى سبحانه أصحابها ~~بأسمائهم لقال ms205 القائل لست منهم يوضح ذلك # الوجه الخامس والثلاثون # إن ألفاظ القرآن التي وقعت في باب الحمد والذم وقعت بما فيها من الفخامة ~~والجلالة عامة وكان عمومها من تفخيمها وجلالة قدرها وعظمة شأنها وذلك أن من ~~شأن من يقصد تفخيم كلامه من عظماء الناس أن يستعمل فيه أمرين أحدهما العدول ~~بكلامه عن الخصوص إلى العموم إلى حيث تدعو الحاجة إلى ذكر الخصوص لأمر لا ~~بد منه ليكون خطابه كليا شاملا يدخل تحته الخلق الكثير وكلما كان الداخلون ~~تحت خطابه أعم واكثر كان ذلك أفخم لكلامه وأعظم لشأنه فأين العظمة والجلالة ~~في قوله @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم @QE@ البقرة 21 PageV02P708 @ # إلى العظمة في قوله يا أهل مكة اعبدوا ربكم فمن فخامة الكلام وجلالة ~~المتكلم به أن يدخل في اللفظة الواحدة جميع ما يصلح له فيدل باللفظ القصير ~~على المعاني الكثيرة العظيمة فتجمع العموم والإيجاز والاختصار والبيان وحسن ~~الدلالة فتأتي بالمعنى طبق اللفظ لا يقصر عنه ولا يوهم غيره ومن علم هذا ~~وتدبر القرآن وصرف إليه فكره علم أنه لم يقرع الأسماع قط كلام أوجز ولا ~~أفصح ولا أشد مطابقة بين معانيه وألفاظه منه # وليس يوجد في الكتب المنزلة من عند الله كتاب جمعت ألفاظه من الإيجاز ~~والاختصار والإحاطة بالمعاني الجليلة والجزالة والعذوبة وحسن الموقع من ~~الأسماع والقلوب ما تضمنته ألفاظ القرآن وقد شهد له بذلك أعداؤه وسمع بعض ~~الأعراب قارئا يقرأ @QB@ فاصدع بما تؤمر @QE@ الحجر 94 # فسجد فقيل له ليست بآية سجود فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام # فإذا تأملت طريقته وجدتها طريقة مخاطبة ملك الناس كلهم لعبيده ومماليكه ~~وهذا أحد الدلائل الدالة على أنه كلامه الذي تكلم به حقيقة لا كلام غيره من ~~المخلوقين وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلام وبين ~~كلامه وكلام الله مالا يحصره نسبة فكيف PageV02P709 @ يجوز في الأوهام ~~والعقول أن تحمل جوامع كلمات الرب تعالى على ما يناقض عمومها ويحطها من ~~مرتبة عظمة العموم ومحاسنه وجلالة شأنه إلى حضيض الخصوص بل الواجب أن يقال ms206 ~~إن خطاب الله عز وجل في كل ما أمر به ونهى عنه وحمد أو ذم عليه ووعد عليه ~~بثوابه وعقابه خرج في ذلك كله مخرجا عاما كليا بحسب ما تقتضيه جلالة ~~الربوبية ومرتبة الملك والسلطان العام لجميع الخلق # ولو ترك المتأولون ألفاظه تجري على دلائلها الكلية وأحكامها العامة ~~وظواهرها المفهومة منها وحقائقها الموضوعة لها لأفادتهم اليقين وجزموا ~~بمراد المتكلم بها ولانحسمت بذلك مواد أكثر التأويلات الباطلة والتحريفات ~~التي تأباها العقول السليمة ولما تهيأ لكل مبطل أن يعمد إلى آيات من القرآن ~~فينزلها على مذهبه الباطل ويتأولها عليه ويجعلها شاهدة له وهي في التحقيق ~~شاهدة عليه ولسلم القرآن والحديث من الآفات التي جناها عليهما المتأولون ~~وألصقها بهما المحرفون والله المستعان فهذا ما يتعلق بقوله إن الأدلة ~~النقلية موقوفة على العلم بعدم التخصيص بالأزمنة والأمكنة والأشخاص # الوجه السادس والثلاثون # قوله وعدم الإضمار يقال الإضمار على ثلاثة أنواع نوع يعلم انتفاؤه قطعا ~~وأن إرادته باطلة وهو الحال PageV02P710 @ وهو حال أكثر الكلام فإنه لو سلط ~~عليه الإضمار فسد التخاطب وبطلت العقود والأقارير والطلاق والعتاق والوصايا ~~والوقوف والشهادات ولم يفهم أحد مراد أحد إذ يمكنه أن يضمر كلمة تغير ~~المعنى ولا يدل المخاطب عليها # وباب الإضمار لا ضابط له فكل من أراد إبطال كلام متكلم ادعى فيه إضمارا ~~يخرجه عن ظاهره فيدعي ملحد الإضمار في قوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما ~~@QE@ النساء 164 # أي وكلم ملك الله موسى ويدعي في قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~طه 5 # إضمار ملك الرحمن كما ادعى بعضهم الإضمار في قوله ينزل ربنا أي ملك ربنا ~~وفي قوله @QB@ وجاء ربك @QE@ الفجر 22 # أي ملك ربك ولو علم هذا القائل أنه قد نهج الطريق وفتح الباب لكل ملحد ~~على وجه الأرض وزنديق وصاحب بدعة يدعي فيما يحتج به لمذهبه عليه إضمار كلمة ~~أو كلمتين نظير ما ادعاه لاختار أن يخرس لسانه PageV02P711 @ ولا يفتح هذا ~~الباب على نصوص الوحي فإنه مدخل لكل ملحد ومبتدع ومبطل لحجج الله من كتابه ~~ومن رأى ما أضمره ms207 المتأولون من الرافضة والجهمية والقدرية والمعتزلة مما ~~حرفوا به الكلم عن مواضعه وأزالوه به عن ما قصد له من البيان والدلالة # علم أن لهم أوفر نصيب من مشابهة أهل الكتاب الذين ذمهم الله بالتحريف ~~واللي والكتمان أفترى يعجز الجهمي عن الإضمار في قوله إنكم ترون ربكم عيانا ~~فيضمر ملك ربكم ونعيمه وثوابه ونحو ذلك ويعجز الملحد عن الإضمار في قوله ~~@QB@ وأن الله يبعث من في القبور @QE@ الحج 7 # أي أرواح من في القبور وإذا انفتح سد يأجوج ومأجوج أقبلوا من كل حدب ~~ينسلون PageV02P712 @ # النوع الثاني ما يشهد السياق والكلام به فكأنه مذكور في اللفظ وإن حذف ~~اختصارا كقوله تعالى @QB@ أن اضرب بعصاك البحر فانفلق @QE@ الشعراء 63 # فكل واحد يعلم أن المعنى فضربه فانفلق فذكره نوع من بيان الواضحات فكان ~~حذفه أحسن فإن الوهم لا يذهب إلى خلافه # وكذلك قوله تعالى @QB@ وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم ~~يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون فلما رجعوا إلى أبيهم @QE@ ~~يوسف 62 63 # فكل أحد يفهم من هذا السياق أنهم جعلوها في رحالهم وأنهم وصلوا بها إلى ~~أبيهم ومثل هذا في القرآن كثير جدا وفهم الكلام لا يتوقف على أن يضمر فيه ~~ذلك مع أنه مراد ولا بد فكيف يتوقف فهم الكلام الذي لا دليل فيه على ~~الإضمار بوجه وهو كلام مفيد قائم بنفسه معط لمعناه على دليل منفصل يدل على ~~أن المتكلم لم يضمر فيه خلاف ما أظهره وهل يتوقف أحد من العقلاء في فهم ~~خطاب غيره له على هذا الدليل أو يخطر بباله # والنوع الثالث كلام يحتمل الإضمار ويحتمل عدمه فهذا إذا قام الدليل على ~~أن المتكلم به عالم ناصح مرشد قصده البيان والهدى والدلالة والإيضاح بكل ~~طريق وحسم مواد اللبس ومواقع الخطأ وأن هذا هو المعروف المألوف من ~~PageV02P713 @ خطابه وأنه اللائق بحكمته لم يشك السامع في أن مراده ما دل ~~عليه ظاهر كلامه دون ما يحتمله باطنه من إضمار مالم يجعل للسامع عليه دليلا ~~ولا له إلى معرفته سبيلا ms208 إلا أن يجوز عليه أنه أراد منه ذلك وكلفه ما لا ~~يطيقه وعرضه للعناء والمشقة والعزلة ولم يقصد البيان ولا نكير على من ظن ~~ذلك في المتكلم أن يظن بكلامه ما هو مناسب لظنه به يوضحه # الوجه السابع والثلاثون # إن الإضمار هو الإخفاء وهو أن يخفي المتكلم في نفسه معنى ويريد من ~~المخاطب أن يفهمه فهذا إما أن يجعل له عليه دليلا من الخطاب أو لا فإن جعل ~~له عليه دليلا من السياق لم يكن ذلك إضمارا محضا بل يكون قد أظهره له بما ~~دله عليه من السياق ودلالة اللفظ قد تحصل من صريحه تارة ومن سياقه ومن ~~قرائنه المتصلة به فهذا لا محذور فيه إذا كان المخاطب قد دل السامع على ~~مقصوده ومراده وإن لم يجعل له عليه دليلا فإنه لم يقصد بيانه له بل عدل عن ~~بيانه إلى بيان المذكور فلا يقال إن كلامه دل عليه بالإضمار فإن هذا كذب ~~صريح عليه فتأمله فإنه واضح # الوجه الثامن والثلاثون # قوله وعدم التقديم والتأخير فهذا أيضا من نمط ما قبله فإنه نظم الكلام ~~الطبيعي المعتاد الذي علمه الله للإنسان نعمة منه عليه أن يكون جاريا على ~~المألوف المعتاد PageV02P714 @ منه فالمقدم مقدم والمؤخر مؤخر فلا يفهم أحد ~~قط من المضاف والمضاف إليه في لغة العرب إلا تقديم هذا وتأخير هذا وحيث ~~قدموا المؤخر من المفعول ونحوه وأخروا المقدم من الفاعل ونحوه فلا بد أن ~~يجعلوا في الكلام دليلا على ذلك لئلا يلتبس الخطاب فإذا قالوا ضرب زيدا ~~عمرو لم يكن في هذا التقديم والتأخير إلباس فإذا قالوا ضرب موسى عيسى لم ~~يكن عندهم المقدم إلا الفاعل فإذا أرادوا بيان أنه المفعول أتوا بما يدل ~~السامع على ذلك من تابع منصوب يدل على أنه مفعول فلا يأتون بالتقديم ~~والتأخير إلا حيث لا يلتبس على السامع ولا يقدح في بيان مراد المتكلم كقوله ~~تعالى @QB@ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات @QE@ البقرة 124 # وقوله @QB@ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها @QE@ الحج 37 # وقوله @QB@ وكان حقا ms209 علينا نصر المؤمنين @QE@ الروم 47 # وقوله @QB@ إن في ذلك لآية @QE@ الشعراء 8 # وقوله @QB@ وما كان جواب قومه إلا أن قالوا @QE@ الأعراف 82 PageV02P715 ~~@ # ونحوه فهذا من التقديم الذي لا يقدح في المعنى ولا في الفهم وله أسباب ~~تحسنه وتقتضيه مذكورة في علم المعاني والبيان # وأما ما يدعى من التقديم والتأخير في غير ذلك كما يدعي من التقديم في ~~قوله @QB@ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه @QE@ يوسف 24 # وإن هذا قد تقدم فيه جواب لولا عليها فهذا أولا لا يجيزه النحاة ولا دليل ~~على دعواه ولا يقدح في العلم بالمراد وكذلك ما يدعون من التقديم والتأخير ~~في قوله @QB@ اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ~~@QE@ النمل 28 # قالوا تقديره فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم فكأنهم لما ~~فهموا من قوله @QB@ تول عنهم @QE@ مجيئه إليه ذاهبا عنهم احتاجوا إلى أن ~~يتكلفوا ذلك وهذا لا حاجة إليه وإنما أمره بما جرت به عادة المرسل كتابه ~~إلى غيره ليعلم ما يصنع به أن يعطيه الكتاب ثم ينعزل عنه حتى ينظر ماذا ~~يقابله به وليس مراده بقوله @QB@ تول عنهم @QE@ أي أقبل إلي ولو أراد ذلك ~~لقال فألقه إليهم وأقبل وقد علم من كونه رسولا له أنه لا بد أن يرجع إليه ~~فليس في ذلك كبير فائدة بخلاف أمره بتأمله أحوال القوم عند قراءة كتابه وقد ~~انعزل عنهم ناحية PageV02P716 @ والتقديم والتأخير نوعان نوع يخل تقديم ~~المؤخر وتأخير المقدم فيه بفهم أصل المعنى فهذا لا يقع في كلام من يقصد ~~البيان والتفهيم وإنما يقع في الألغاز والأحاجي وما يقصد المتكلم تعمية ~~المعنى فيه وقد يقع بسبب شدة الاختصار وضيق القافية عن الترتيب المفهم كقول ~~الفرزدق # ( وما مثله في الناس إلا مملكا % أبو أمه حي أبوه يقاربه ) # فهذه شبيه باللغز ومعناه وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه ~~أبوه وهذا النوع لا يقع في كلام الله ولا رسوله # النوع الثاني التقديم والتأخير الذي لا يخل بأصل ms210 المعنى وإن أخل بالغرض ~~المقصود فيكون مراعاته من باب إخراج الكلام على مقتضى الحال وهذا هو الذي ~~يتكلم PageV02P717 @ عليه علماء المعاني والبيان قال سيبويه وهو يذكر ~~الفاعل والمفعول كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعنى وإن كانا ~~جميعا يهمانهم ويعنيانهم انتهى كلامه # وهذا يقع في باب الاستفهام والنفي والمبتدأ والخبر والفاعل والمفعول فمن ~~ذلك أنك إذا قلت أفعلت كذا وبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه وكان الغرض ~~بالاستفهام علمك بوجوده وإذا قلت أنت فعلت كذا فبدأت بالاسم كان الشك في ~~الفاعل من هو وكان التردد فيه ففرق بين قولك أكتبت الكتاب وبين قولك أأنت ~~كتبته وهذا كما أنه قائم في الاستفهام فكذلك هو في التقرير فإذا قلت أأنت ~~فعلت هذا كان المقصود تقريره بأنه هو الفاعل كما قال قوم إبراهيم له @QB@ ~~أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم @QE@ الأنبياء 62 # فلم يكن مرادهم السؤال عن الفعل هل وجد أم لا ولو أرادوا ذلك لقالوا ~~أكسرت أصنامنا وإنما مرادهم السؤال عن الفاعل ولهذا كان الجواب قوله ~~PageV02P718 @ @QB@ بل فعله كبيرهم هذا @QE@ الأنبياء 63 # قالقائل أفعلت سائل عن الفعل من غير تردد بين الفاعل وغيره وإذا قال أأنت ~~فعلت كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره ولم يكن منه تردد في نفس الفعل ومن ~~هذا استفهام الإنكار كقوله تعالى @QB@ أفأصفاكم ربكم بالبنين @QE@ الإسراء ~~40 # وقوله ( أصطفى البنات على البنين ) الصافات 153 # وقوله @QB@ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ الزخرف 45 # فهذا إذا قدم الاسم فيه استحال الكلام من إنكار الفعل إلى الإنكار في ~~الفاعل مثل قوله @QB@ أأنت قلت للناس @QE@ المائدة 116 @QB@ آلله أذن لكم ~~@QE@ يونس 59 # وقول أهل النار @QB@ أنحن صددناكم عن الهدى @QE@ سبأ 32 # فهذا سؤال عن فعل وقع فتوجه الإنكار إلى نسبته إلى الفاعل الذي نسب إليه ~~وهذا كما إذا بلغك قول عن من لم تكن تظنه به قلت أفلان قال ذلك وأما قوله ~~تعالى @QB@ آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين @QE@ ~~الأنعام 143 PageV02P719 @ # فإن الإنكار وإن ms211 توجه إلى نفس التحريم والمراد إنكاره من أصله فإنه خطاب ~~لمن قد أثبت تحريما في أشياء وحلا في نظائرها فسئل عن عين المحرم أهو هذا ~~فيشمل التحريم نظيره مما حلله أو الآخر فيشمل نظيره أيضا فكأنهم قيل لهم ~~أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم فيم هو أفي هذا أم في ذاك أم في الثالث ~~ليتبين بطلان قولهم وتظهر فريتهم على الله وهذا كما تقول لمن يدعي أمرا ~~وأنت تنكره متى كان هذا أفي ليل أم نهار وكذلك تقول من أمرك بهذا أو من إذن ~~لك فيه وأنت لا تريد أمرا أمره به وأذن له فيه ولكن أخرجت الكلام مخرج من ~~كان قد يتنزل مع مخاطبه إلى أن ذلك قد كان ثم طالبه ببيان عينه ووقته ~~ومكانه والآمر به لكي يضيق عليه الجواب ويظهر كذبه حيث لا يمكنه أن يحيل ~~على شيء مما سئل عنه فيفتضح وكذلك إذا قلت أتفعل كذا كنت مستفهما له عن نفس ~~الفعل وإذا قلت أأنت تفعل كذا كنت مستفهما له عن كونه هو الفاعل فقوله ~~تعالى @QB@ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين @QE@ يونس 99 # فخرجه غير مخرج قوله @QB@ أتقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ الأعراف 28 # وقوله @QB@ أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه @QE@ القيامة 3 PageV02P720 @ # وقوله @QB@ أنلزمكموها وأنتم لها كارهون @QE@ هود 28 # فأنت تجد تحت قولك أأنت الذي تقهرني أن القاهر لي غيرك لا أنت وكذلك قوله ~~@QB@ أفأنت تكره الناس @QE@ يونس 99 @QB@ أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ~~@QE@ الزخرف 40 # وكذلك الشأن في تقديم المفعول وتأخيره كقوله تعالى @QB@ قل أغير الله ~~أتخذ وليا @QE@ الأنعام 14 @QB@ أفغير الله أبتغي حكما @QE@ الأنعام 114 # وقوله @QB@ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون @QE@ الأنعام 40 41 # فلو أخر لكان الاستفهام عن مجرد الفعل فلما قدم كان الاستفهام عن الفعل ~~وكون المفعول المقدم مختصا به وكذلك قوله @QB@ أبشرا منا واحدا نتبعه @QE@ ~~القمر 24 # لما كان الإنكار متوجها إلى كون المتبوع بشرا ms212 وأنه PageV02P721 @ منهم ~~وأنه واحد وردوه ولم يقع إنكارهم على مجرد الاتباع في قوة كلامهم أنه لو ~~كان ملكا أو من غيرنا لا تلحقنا غضاضة برئاسته علينا أو عصبة كثيرة لا ~~يمتنع من متابعتهم لاتبعناهم وكذلك التقديم بدل التأخير في النفي فإذا قلت ~~ما فعلت كنت قد نفيت عنك الفعل ولم تتعرض لكونه فعل أو لم يفعل وإذا قلت ما ~~أنا فعلت كنت قد نفيته عن نفسك مدعيا بأن غيرك فعله ومن ها هنا كان ذلك ~~تعريضا بالقذف يوجب الحد في أصح القولين وبه عمل الصحابة في قول القائل أنا ~~زنيت كما رفع إلى عمر بن الخطاب رجل لاحى آخر فقال ما أنا بزان ولا أمي ~~بزانية فضربه الحد وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وكذلك إذا ~~قلت ما ضربت زيدا كنت قد نفيت الضرب لزيد عنك ولم تتعرض لضرب وقع منك على ~~غيره نفيا وإثباتا وإذا قلت ما زيدا ضربت كنت مفهما أن الضرب قد وقع منك ~~على إنسان غير زيد PageV02P722 @ # وكذلك الأمر في المبتدأ والخبر فهذا التقديم والتأخير يرجع إلى إيراد ~~الكلام على مقتضى الحال التي يقصدها المتكلم ومن عرف أسلوب كلام العرب ~~وطريقتهم في كلامهم فهم أحكام التقديم والتأخير وهذا غير مخرج لاستفادة ~~السامع اليقين من كلام المتكلم ولا موقف لفهمه على دليل يدل على أنه أراد ~~تأخير ما قدمه وتقديم ما أخره ليفهم خلاف المعنى الظاهر من كلامه # الوجه التاسع والثلاثون # قوله وموقوف على نفي المعارض العقلي لئلا يفضي إلى القدح في العقل الذي ~~يفتقر إليه النقل جوابه أنا لا نسلم أن القدح فيما عارض النقل من المعقول ~~قدح فيما يحتاج إليه النقل فإن صحة النقل # لا شيء عنده بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا ~~منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته # وتأمل دلائلهم على ذلك يتبين أن العقل الصريح مع رسل الله كما معهم الوحي ~~الصحيح # وتأمل أقوالهم على تناقضها واختلافها في كلامه كيف تجدها مخالفة لصريح ~~العقل مخالفة بينة ms213 ودلائلهم على تلك PageV02P723 @ الأقوال المختلفة أبطل ~~منها وكيف يجد العقل الصريح أنا نشهد بما جاءت به الرسل أن الله سبحانه ~~تكلم بكلام سمعه منه جبريل وبلغه إلى من أمر بتبليغه وكلم نبيه موسى وكلم ~~ملائكته بكلام حقيقي سمعوه منه وأنه يتكلم بمشيئته وإرادته وكل قول خالف ~~هذا فهو خلاف العقل الصريح وإن زخرفت له الألفاظ ونسجت له الشبه # وتأمل ما جاءت به النصوص إن كلماته لا نهاية لها وهل يقتضي العقل الصريح ~~غير ذلك # وتأمل ما جاءت به النصوص من شمول قدرته ومشيئته لجميع الكائنات أعيانها ~~وصفاتها وأفعالها وما خالف ذلك فهو مخالف لصريح العقل # كما أن النصوص جاءت بأن أفعال العباد أعمال لهم واقعة باختيارهم وإرادتهم ~~ليست أفعالا لله وإن كانت مفعولة له تجد ما خالف ذلك مخالفا لصريح العقل # وتأمل ما جاءت به النصوص أنه سبحانه لم يزل ملكا ربا غفورا رحيما محسنا ~~قادرا لا يعجزه الفعل ولا يمتنع عليه وكيف لا تجد ما خالف ذلك مخالفا لصريح ~~العقل كقول الفلاسفة أنه لا يفعل باختياره ومشيئته وقول المتكلمين أنه كان ~~من الأزل إلى حيث خلق هذا العالم PageV02P724 @ معطلاعن الفعل غير متمكن ~~منه والفعل مستحيل ثم انقلب من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي بأن ~~تجدد سبب اقتضى ذلك فانظر أي هذه المذاهب مخالف لصريح العقل كما هو مخالف ~~لصريح النقل وتأمل قولهم في الإرادة والقدرة والعلم كيف أثبتوا إرادة لا ~~تفعل وقدرة لا تفعل وعلما لا يعقل فقابلهم طائفة من الفلاسفة كيحيى بن عدي ~~النصراني قولها في الكلمة إنها الله كقول المتكلمين في السمع والبصر والعلم ~~والقدرة والحياة أنها نفس الذات فانظر مخالفة هذه الطوائف لصريح العقل ~~وتأمل قولهم إن السمع هو عين البصر والبصر هو عين السمع والبصر هو عين ~~العلم والكل صفة واحدة فهل في مخالفة العقل الصريح أشد من ذلك وتأمل قولهم ~~إن الرب تعالى علة ثابتة في الأزل لجميع المعلولات PageV02P725 @ ووجودها ~~في آن واحد مستحيل فجعلوه علة ثابتة لنا هو ممتنع الوجود في غير وقته ms214 وهذا ~~قول الفلاسفة فقابلهم المتكلمون في ذلك ولم يجعلوا الفعل ممكنا له في الأزل ~~بحال ولم يفرقوا بين نوع الفعل وعينه وخالف الفريقان صريح العقل # فتأمل قول الفريقين في الموجب بالذات والفاعل بالاختيار كيف # تجدهم قد خرجوا فيه عن صريح العقل وقالوا ما يشهد العقل ببطلانه # وتأمل قولهم في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كيف خرجوا عن صريح العقل ~~في المصدر والصادر عنه # وتأمل قولهم في إنكار قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه التي ترجموها ~~بمسألة حلول الحوادث كيف خرجوا فيها عن المعقول الصريح وكابروه أبين مكابرة ~~والتزموا لأجله تعطيل الحي الفعال عن كل فعل والتزموا لأجله حصول مفعول بلا ~~فعل ومخلوق بلا خلق فإن الفعل عندهم عين المفعول والخلق نفس المخلوق وهذا ~~مكابرة لصريح العقل PageV02P726 @ # وتأمل خروجهم عن العقل الصريح في إنكار الحكم والغايات التي يفعل الرب ~~تعالى لأجلها وإنه لا يرى عيانا لا فوق الذاتي ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه ~~ولا عن يمينه ولا عن يساره ثم زادوا جواز تعلق الرؤية بكل موجود من الأصوات ~~والروائح والمعاني وتعلق الإدراكات الخمس بذلك فجوزوا سماع الرائحة وشم ~~الأصوات وسماع الطعوم فخرجوا عن صريح المعقول كما خرجوا عن صحيح المنقول أن ~~المسلمين يرون ربهم من فوقهم # وتأمل خروجهم عن صريح العقل في مسألة الطفرة والأحوال والكسب ومسألة ~~النبوات وأن النبوة PageV02P727 @ لا ترجع إلى صفة وجودية وإنما هي تعلق ~~الخطاب القديم بالشيء والتعلق أمر عدمي # وتأمل خروجهم عن صريح العقل بتجويزهم رؤية الشيء في غير جهة من الذاتي ~~وقولهم بأن المتولدات لا فاعل لها وقولهم بأن الله مريد بإرادة يخلقها لا ~~في محل فخالفوا صريح العقل من وجهين من إثبات كونه مريدا من غير قيام صفة ~~الإرادة به ومن جعلهم صفة الإرادة قائمة بغير محل ومن ذلك خروجهم عن صريح ~~العقل في قولهم إن الرب تعالى عالم بلا علم سميع بلا سمع بصير بلا بصر قادر ~~بلا قدرة حي بلا حياة فأنكر ذلك عليهم طوائف العقلاء ففر بعضهم إلى أن ms215 قال ~~علمه وسمعه وبصره وقدرته وحياته هي ذاته وقال أعقلهم عند نفسه وعند أتباعه ~~إنه سبحانه علم كله وقدرة كله وحياة كله وسمع كله وبصر كله إلى إضعاف أضعاف ~~ما ذكرنا من PageV02P728 @ أقوالهم التي خرجوا فيها عن صريح العقل فهل تجد ~~في نصوص الوحي التي عارضوا فيها بين العقل والنقل مثل ذلك أو قريبا منه ~~فتأملها وتأمل أقوالهم تعلم أي النوعين معه العقل ومن الذي خرج عن صريحه ~~وبالله التوفيق # الوجه الأربعون # إن الأدلة القاطعة قد قامت على صدق الرسول صلوات الله وسلامه عليه في كل ~~ما يخبر به ودلالتها على صدقه أبين وأظهر من دلالة تلك الشبه العقلية على ~~نقيض ما أخبر به عند كافة العقلاء ولا يستريب في ذلك إلا موؤف في عقله مصاب ~~في قلبه وفطرته فأين الشبه النافية لعلو الله على خلقه وتكلمه بمشيئته ~~وتكليمه لخلقه ولصفات كماله ولرؤيته بالأبصار في الدار الآخرة ولقيام ~~أفعاله به إلى براهين نبوته وصدقه التي زادت على الألف وتنوعت كل تنوع فكيف ~~يقدح في البراهين العقلية الضرورية بالشبه الخيالية المتناقضة إلا من هو من ~~أفسد PageV02P729 @ الناس عقلا ونظرا وهل ذلك إلا من جنس الشبه التي ~~أوردوها في التشكيك في الحسيات والبديهيات فإنها وإن عجز كثير من الناس عن ~~حلها فهم يعلمون أنها قدح فيما علموه بالحس والإضطرار فمن قدر على حلها ~~وإلا لم يتوقف جزمه بما علمه بحسه واضطراره على حلها وكذلك الحال في الشبه ~~التي عارضت ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم سواء فإن المصدق به وبما ~~جاء به يعلم أنها لا تقدح في صدقه ولا في الإيمان به وإن عجز عن حلها فإن ~~تصديقه بما جاء به الرسول ضروري وهذه الشبه عنده لا تزيل ما علمه بالضرورة ~~فكيف إذا تبين بطلانها على التفصيل يوضحه : # الوجه الحادي والأربعون # وهو أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه بين مراده وقد بين لنا أكثر مما ~~تبين لنا كثيرا من دقائق المعقولات الصحيحة فمعرفتنا بمراد الرسول من كلامه ~~فوق معرفتنا بتلك ms216 الدقائق إذا كانت صحيحة المقدمات في نفسها صادقة النتيجة ~~غير كاذبة فكيف إذا كان الأمر فيها بخلاف ذلك فتلك التي تسمى معقولات قد ~~تكون خطأ PageV02P730 @ ولكن لم يتفطن لخطئها وأما كلام المعصوم فقد قام ~~البرهان القاطع على صدقه وأنه حق ولكن قد يحصل الغلط في فهمه فيفهم منه ما ~~يخالف صريح العقل فيقع التعارض بين ما فهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح ~~العقل فهذا لا يدفع ولكن إذا تأمله من وهبه الله حسن القصد وصحة التصور ~~تبين له أن المعارضة واقعة بين ما فهمه النفاة من النصوص وبين العقل الصريح ~~وأنها غير واقعة بين ما دل عليه النقل وبين العقل # ومن أراد معرفة هذا فليوازن بين مدلول النصوص وبين العقل الصريح ليبين له ~~مطابقة أحدهما للآخر ثم يوازن بين أقوال النفاة وبين العقل الصريح فإنه ~~يعلم حينئذ أن النفاة أخطأوا خطأين خطأ بينا على السمع بأن فهموا منه خلاف ~~مراد المتكلم وخطأ على العقل بخروجهم عن حكمه فخرجوا عن العقل والسمع جميعا # الوجه الثاني والأربعون # إن المعارضين بين العقل والنقل وبين ما أخبر به الرسول قد اعترفوا بأن ~~العلم بانتفاء المعارض مطلقا لا سبيل إليه إذ ما من معارض بنفسه إلا ويحتمل ~~أن يكون له معارض آخر وهذا مما اعتمد عليه صاحب نهاية PageV02P731 @ العقول ~~وجعل السمعيات لا يحتج بها على العلم بحال وحاصل هذا أنا لا نعلم ثبوت ما ~~أخبر به الرسول حتى نعلم انتفاء ما يعارضه ولا سبيل إلى العلم بانتفاء ~~المعارض مطلقا لما تقدم وأيضا فلا يلزم من انتفاء العلم بالمعارض العلم ~~بانتفاء المعارض ولا ريب أن هذا القول من أفسد أقوال العالم وهو من أعظم ~~أصول أهل الإلحاد والزندقة وليس في عزل الوحي عن مرتبته أبلغ من هذا # الوجه الثالث والأربعون # أن الله سبحانه قد أخبر في كتابه أن على الرسول البلاغ المبين فقال تعالى ~~@QB@ وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ النور 54 العنكبوت 18 # وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ms217 @QE@ المائدة 67 ~~PageV02P732 @ # وقال @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ~~@QE@ النحل 44 # وقد شهد الله له وكفى به شهيدا بالبلاغ الذي أمر به فقال @QB@ فتول عنهم ~~فما أنت بملوم @QE@ الذاريات 54 # وشهد له أعقل الخلق وأفضلهم وأعلمهم بأنه قد بلغ فأشهد الله عليهم بذلك ~~في أعظم مجمع وأفضله فقال في خطبته بعرفات في حجة الوداع إنكم مسؤولون عني ~~فماذا أنتم قائلون قالوا نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت فرفع إصبعه إلى السماء ~~مستشهدا بربه الذي فوق سمواته وقال اللهم اشهد فلو لم يكن قد عرف المسلمون ~~وتيقنوا ما أرسل به وحصل لهم منه العلم اليقين لم يكن قد حصل منه البلاغ ~~المبين ولما رفع الله عنه اللوم ولما شهد له أعقل الأمة بأنه قد بلغ وبين ~~وغاية ما عند النفاة أنه بلغهم ألفاظا لا تفيدهم علما ولا يقينا وأحالهم في ~~PageV02P733 @ طلب العلم واليقين على عقولهم ونظرهم وأبحاثهم لا على ما ~~أوحي إليه وهذا معلوم البطلان بالضرورة # الوجه الرابع والأربعون # إن عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل عقول أهل الأرض على الإطلاق ~~فلو وزن عقله بعقولهم لرجح بها كلها وقد أخبر سبحانه أنه قبل الوحي لم يكن ~~يدري الإيمان كما لم يكن يدري الكتاب # فقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ الشورى 52 # وقال تعالى @QB@ ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى @QE@ الضحى 7 6 # وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر الشورى فإذا كان أعقل خلق الله على ~~الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى @QB@ قل إن ضللت فإنما أضل ~~على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي @QE@ سبأ 50 PageV02P734 @ # فكيف يحصل لسفهاء العقول وأخفاء الأحلام وفراش الألباب الاهتداء إلى ~~حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الأنبياء : @QB@ لقد جئتم شيئا إدا ~~تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا @QE@ مريم 90 89 # الوجه الخامس والأربعون # إن ms218 الله سبحانه قد أقام الحجة على خلقه بكتابه ورسله فقال @QB@ تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا @QE@ الفرقان 1 # وقال @QB@ وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ @QE@ الأنعام 19 # فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله به وقال تعالى ~~PageV02P735 @ @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل @QE@ النساء 165 # وقال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ الإسراء 15 # وقال تعالى @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا ~~بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال ~~كبير @QE@ الملك 9 8 @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير @QE@ الملك 11 10 # وقال تعالى @QB@ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ~~@QE@ الزمر 71 # وقال @QB@ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا @QE@ الأنعام 130 ~~PageV02P736 @ # فلو كان كلام الله ورسوله لا يفيد اليقين والعلم والعقل معارض للنقل فأي ~~حجة تكون قد قامت على المكلفين بالكتاب والرسول وهل هذا القول إلا مناقض ~~لإقامة حجة الله على خلقه بكتابه من كل وجه وهذا ظاهر لكل من فهمه ولله ~~الحمد # الوجه السادس والأربعون # إن الله سبحانه وصف نفسه بأنه بين لعباده غاية البيان وأمر رسوله بالبيان ~~وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبين للناس ولهذا قال الزهري من الله البيان ~~وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به ~~رسوله إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده أو المعنى وحده أو اللفظ ~~والمعنى جميعا ولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى فإن هذا ~~لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود ms219 الرسالة وبيان المعنى وحده بدون دليله وهو ~~اللفظ الدال عليه ممتنع فعلم قطعا أن المراد بيان اللفظ والمعنى # والله تعالى أنزل كتابه ألفاظه ومعانيه وأرسل رسوله ليبين اللفظ والمعنى ~~فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بين اللفظ PageV02P737 @ فكذلك نقطع ونتيقن أنه ~~بين المعنى بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ وهذا هو ~~الذي ينبغي فإن المعنى هو المقصود وأما اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه فكيف ~~تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود وكيف نتيقن بيانه للوسيلة ولا ~~نتيقن بيانه للمقصود وهل هذا إلا من أبين المحال # فإن جاز عليه أن لا يبين المراد من ألفاظ القرآن جاز عليه أن لا يبين بعض ~~ألفاظه فلو كان المراد منها خلاف حقائقها وظواهرها ومدلولاتها وقد كتمه عن ~~الأمة ولم يبينه لها كان ذلك قدحا في رسالته وعصمته وفتحا للزنادقة ~~والملاحدة من الرافضة وإخوانهم باب كتمان بعض ما أنزل عليه وهذا مناف ~~للإيمان به وبرسالته يوضحه PageV02P738 @ # الوجه السابع والأربعون # إن القائل بأن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين إما أن يقول إنها تفيد ظنا ~~أو لا تفيد علما ولا ظنا فإن قال لا تفيد علما ولا ظنا فهو مع مكابرته ~~للعقل والسمع والفطرة الإنسانية من أعظم الناس كفرا وإلحادا وإن قال بل ~~تفيد ظنا غالبا وإن لم تفد يقينا قيل له فالله سبحانه قد ذم الظن المجرد ~~وأهله فقال تعالى : @QB@ إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ~~@QE@ النجم 28 # فأخبر أنه ظن لا يوافق الحق ولا يطابقه وقال تعالى : @QB@ إن يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ النجم 23 # وقال أهل النار @QB@ إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين @QE@ الجاثية 32 # ولكان قوله تعالى عنهم @QB@ وبالآخرة هم يوقنون @QE@ البقرة 4 # خبرا غير مطابق فإن علمهم بالآخرة إنما استفادوه من PageV02P739 @ الأدلة ~~اللفظية لا سيما وجمهور المتكلمين يصرحون بأن المعاد إنما علم بالنقل فإذا ~~كان النقل لا يفيد يقينا لم يكن في الأمة من يوقن بالآخرة إذ ms220 الأدلة ~~العقلية لا مدخل لها فيها وكفى بهذا بطلانا وفسادا فإنه سبحانه لم يكتف من ~~عباده بالظن بل أمرهم بالعلم كقوله : @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله @QE@ ~~محمد 19 # وقوله @QB@ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم @QE@ المائدة ~~98 # وقوله @QB@ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه @QE@ البقرة 223 # ونظائر ذلك وإنما يجوز اتباع الظن في بعض المواضع للحاجة كحادثة يخفى على ~~المجتهد حكمها أو في الأمور الجزئية كتقويم السلع ونحوه # وأما ما بينه الله في كتابه وعلى لسان رسوله فمن لم يتيقن بل ظنه ظنا فهو ~~من أهل الوعيد ليس من أهل الإيمان فلو كانت الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ~~لكان ما بينه الله ورسوله بالكتاب والسنة لم يتيقنه أحد من الأمة ~~PageV02P740 @ # الوجه الثامن والأربعون # إن الله سبحانه أخبر أن قلوب المؤمنين مطمئنة بذكره وهو كتابه الذي هدى ~~به عباده فقال تعالى : @QB@ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ~~قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر ~~الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب @QE@ الرعد 28 27 # أجابهم سبحانه عن سؤالهم ترك إنزال آيات الاقتراح بجوابين أحدهما أنها لا ~~توجب إيمانا بل الله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا الآيات التي ~~اقترحتموها الثاني أنه نبههم على أعظم الآيات وأشدها اقتضاء للإيمان وأنها ~~في اقتضائها للإيمان أبلغ من الآيات التي تقترحونها وهي كتابه الذي هو ذكره ~~وما تضمنه من الحق الذي تطمئن إليه القلوب وتسكن إليه النفوس ولو كان باطلا ~~لم يزد القلوب إلا شكا وريبا فإن الكذب ريبة والصدق طمأنينة فلو كانت ~~كلماته وألفاظه لا تفيد اليقين بمدلولها لم تطمئن به القلوب فإن الطمأنينة ~~هي سكون القلب إلى الشيء ووثوقه به وهذا لا يكون إلا مع اليقين بل هو ~~اليقين بعينه # ولهذا تجد قلوب أصحاب الأدلة السمعية مطمئنة بالإيمان بالله وأسمائه ~~وصفاته وأفعاله وملائكته واليوم PageV02P741 @ الآخر لا يضطربون في ذلك ولا ~~يتنازعون فيه ولا يعرض لهم الشك عند ms221 الموت ولا يشهدون على أنفسهم ويشهدون ~~على غيرهم بالحيرة والوقوف والشك فيكفي في صحة مدلول الأدلة اللفظية وبطلان ~~مدلول الشبه العقلية التي تخالفها هذا القدر وحده # فمتى رأيت أصحاب الأدلة السمعية يقول أحدهم عند الموت نهاية إقدام العقول ~~عقال أو يقول لعمري لقد طفت المعاهد كلها أو يقول فيك يا أغلوطة الفكر أو ~~يقول والله ما أدري على أي عقيدة أموت إلى أضعاف ذلك من أحوال أصحاب الشبه ~~العقلية وبالله التوفيق # الوجه التاسع والأربعون # قوله إن العلم بمدلول الأدلة اللفظية موقوف على نقل اللغة كلام ظاهر ~~البطلان فإن دلالة القرآن والسنة على معانيها من جنس دلالة لغة كل قوم على ~~ما يعرفونه ويعتادونه من تلك اللغة وهذا لا يخص العرب بل هو أمر ~~PageV02P742 @ ضروري لجميع بني آدم يتوقف العلم بمدلول ألفاظهم على كونهم ~~من أهل تلك اللغة التي وقع بينهم بها التخاطب ولهذا لم يرسل الله رسولا إلا ~~بلسان قومه ليبين لهم فتقوم عليهم الحجة بما فهموه من خطابه لهم # فدلالة اللفظ هي العلم بقصد المتكلم به ويراد بالدلالة أمران نقل الدال ~~وكون اللفظ بحيث يفهم معنى ولهذا يقال دله بكلامه دلالة ودل الكلام على هذا ~~دلالة فالمتكلم دال بكلامه وكلامه دال بنظامه وذلك يعرف من عادة المتكلم في ~~ألفاظه فإذا كانت عادته أنه قصد بهذا اللفظ هذا المعنى علمنا متى خاطبنا به ~~أنه أراده من وجهين أحدهما أن دلالة اللفظ مبناها على عادة المتكلم التي ~~يقصدها بألفاظه ولهذا استدل على مراده بلغته التي عادته أن يتكلم بها فإذا ~~عرف السامع ذلك المعنى وعرف أن عادة المتكلم إذا تكلم بذلك اللفظ أن يقصده ~~علم أنه مراده قطعا وإلا لم يعلم مراد المتكلم أبدا وهو محال # الثاني إن المتكلم إذا كان قصده إفهام المخاطبين كلامه وعلم السامع من ~~طريقته وصفته أن ذلك قصده لا أن قصده التلبيس والإلغاز أفاده مجموع العلمين ~~اليقين بمراده ولم يشك فيه ولو تخلف عنه العلم لكان ذلك قادحا في أحد ~~العلمين إما قادحا في علمه بموضوع ms222 ذلك PageV02P743 @ اللفظ وإما في علمه ~~بعبارة المتكلم به وصفاته وقصده فمتى عرف موضوعه وعرف عادة المتكلم أفاده ~~ذلك القطع يوضحه : # الوجه الخمسون # إن السامع متى سمع المتكلم يقول لبست ثوبا وركبت فرسا وأكلت لحما وهو ~~عالم بمدلول هذه الألفاظ من عرف المتكلم وعالم أن المتكلم لا يقصد بقوله ~~لبست ثوبا معنى ذبحت شاة ولا من قوله ركبت فرسا معنى لبست ثوبا علم مراده ~~قطعا # فإن من قصد خلاف ذلك عد ملبسا مدلسا لا مبينا مفهما وهذا مستحيل على الله ~~ورسوله أعظم استحالة وإن جاز على أهل التخاطب فيما بينهم فاءذا إفادة كلام ~~الله ورسوله لليقين فوق استفادة ذلك من كلام كل متكلم وهو أدل على كلام ~~الله ورسوله من دلالة كلام غيره على مراده # وكلما كان السامع أعرف بالمتكلم وصفاته وقصده وبيانه وعادته كان استفادته ~~للعلم بمراده أكمل وأتم # الوجه الحادي والخمسون # إن معرفة مراد المتكلم تعرف بإطراد استعماله ذلك اللفظ في ذلك المعنى في ~~مجاري كلامه ومخاطباته فإذا ألف منه إطلاق ذلك اللفظ أو اضطراده في ~~استعماله في معنى ألف منه أنه متى أطلقه أراد ذلك المعنى وألف منه تجريده ~~في PageV02P744 @ موارد استعماله من اقتران ما يدل على خلاف موضوعه أفاد ~~ذلك علما يقينا لا ريب فيه لمراده # الوجه الثاني والخمسون # إن من تأمل عامة ألفاظ القرآن وجدها نصوصا صريحة دالة على معناها دلالة ~~لا تحتمل غيرها بوجه من الوجوه وهذا كأسماء الأنبياء وأسماء الأجناس ~~وكأسماء الأعلام وكأسمائه سبحانه التي أطلقها على نفسه فإنها لا تصلح أن ~~يكون المراد بها غيره البتة ظاهرة كانت أم مضمرة وكأسماء يوم القيامة ~~والجنة والنار والسماء والأعداد وذكر الثقلين وخطابهم وعامة ألفاظ القرآن ~~فهل يفهم أحد قط من قوله @QB@ قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس @QE@ ~~الناس 3 1 # غير الله سبحانه ومن @QB@ الوسواس الخناس @QE@ الناس 4 # غير الشيطان ومن @QB@ صدور الناس @QE@ الناس 5 PageV02P745 @ # غير بني آدم وهل يفهم من قوله @QB@ قل هو الله أحد @QE@ الصمد 1 # غير ذات رب العالمين وأنه ms223 واحد لا شريك له وأنه لم يولد من غيره ولم يلد ~~منه غيره وليس له من يماثله ويكافئه وهل يفهم من @QB@ تبت يدا أبي لهب وتب ~~@QE@ إلى آخرها المسد 5 1 # غير ما دلت عليه وهكذا جميع سور القرآن وآياته مفيدة لليقين بالمراد منها ~~وإن أشكل على كثير من الناس كثير من ألفاظه فإن هذا لا يخرجه عن إفادته ~~اليقين ولا يسلب الأدلة اللفظية عن إفادتها اليقين بل كل علم من علوم بني ~~آدم اليقينية القطعية تشتمل على مسائل يتيقنها أصحاب ذلك العلم وهي مسلمة ~~عندهم ومجهولة عند كثير منهم ولا يخرج ذلك العلم عن كونه يقينيا قطعيا فعزل ~~الأدلة اللفظية جملة عن اليقين لألفاظ يسيرة مشتبهة على بعض الناس كعزل ~~العلوم اليقينية القطعية عن موضوعها لمسائل يسيرة فيها غير يقينية ولا ~~قطعية # الوجه الثالث والخمسون # إن قوله إن فهم الأدلة اللفظية موقوف على نقل النحو والتصريف جوابه إن ~~القرآن نقل إعرابه كما نقلت ألفاظه PageV02P746 @ ومعانيه لا فرق في ذلك ~~كله فألفاظه متواترة وإعرابه متواتر ونقل معانيه أظهر من نقل ألفاظه ~~وإعرابه كما تقدم بيانه فإن القرآن لغته ونحوه وتصريفه ومعانيه كلها منقولة ~~بالتواتر لا يحتاج في ذلك إلى نقل غيره بل نقل ذلك كله بالتواتر أصح من نقل ~~كل لغة نقلها ناقل على وجه الأرض وقواعد الإعراب والتصريف الصحيحة مستفادة ~~منه مأخوذة من إعرابه وتصريفه وهو الشاهد على صحة غيرها مما يحتج له بها ~~فهو الحجة لها والشاهد وشواهد الإعراب والمعاني منه أقوى وأصح من الشواهد ~~من غيره حتى إن فيه من قواعد الإعراب وقواعد علم المعاني والبيان مالم ~~تشتمل عليه ضوابط النحاة وأهل علم المعاني إلى الآن كما أن فيه من قواعد ~~البراهين العقلية والأدلة القطعية ووجوهها مالم تشتمل عليه قواعد الأصوليين ~~والجدليين إلى الآن وفيه من علم الأحكام وفقه القلوب وأعمال الجوارح وطرق ~~الحكم بين العباد مالم تتضمنه قواعد الفقهاء إلى الآن وهذا أمر يتسارع ~~الجهال والمقلدون إلى إنكاره والذين أوتوا العلم يعرفونه حقا فبطل قول ~~هؤلاء ms224 إن الأدلة اللفظية تتوقف دلالتها على عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ ~~ورواة إعرابها وتصريفها وظهر تدليسهم وتلبيسهم في هذا القول وبالله التوفيق ~~PageV02P747 @ # الوجه الرابع والخمسون # أن يقال هب أنه يحتاج إلى نقل ذلك لكن عامة ألفاظ القرآن منقول معناها ~~وإعرابها بالتواتر لا يحتاج الناس فيه إلى النقل عن عدول أهل العربية ~~كالخليل وسيبويه والأصمعي وأبي عبيدة والكسائي PageV02P748 @ والفراء حتى ~~الألفاظ الغريبة في القرآن مثل @QB@ أبسلوا @QE@ و @QB@ قسمة ضيزى @QE@ و ~~@QB@ عسعس @QE@ ونحوها معانيها منقولة في اللغة بالتواتر لا يختص بنقلها ~~الواحد والاثنان فلم تتوقف دلالتها على عصمة رواة معانيها فكيف في الألفاظ ~~الشهيرة كالشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والجبال والشجر والدواب ~~فهذه الدعوى باطلة في الألفاظ الغريبة والألفاظ الشهيرة # الوجه الخامس والخمسون # إن أصحاب هذا القانون الذي عزلوا به نصوص الوحي عن إفادتها للعلم واليقين ~~قالوا إن أظهر الألفاظ لفظ الله وقد اختلف الناس فيه أعظم اختلاف هل ~~PageV02P749 @ هو مشتق أم لا وهل هو مشتق من التأله أو من الوله أو من لاه ~~إذا احتجب وكذلك اسم الصلاة وفيه من الاختلاف ما فيه وهل هو مشتق من الدعاء ~~أو من الاتباع أو من تحريك الصلوين فإذا كان هذا في أظهر الأسماء فما الظن ~~بغيره فتأمل هذا الوهم والإيهام واللبس والتلبيس فإن جميع أهل الأرض ~~علمائهم وجهالهم ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه وعربهم وعجمهم يعلمون أن ~~الله اسم لرب العالمين خالق السماوات والأرض الذي يحيي ويميت وهو رب كل شيء ~~ومليكه فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به هذا المسمى وهو أظهر عندهم ~~وأعرف وأشهر من كل اسم وضع لكل مسمى وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه ~~فليس ذلك بنزاع منهم في معناه وكذلك الصلاة لم يتنازعوا في معناها الذي ~~أراده الله ورسوله وإن اختلفوا في اشتقاقها وكذلك قوله : @QB@ يا أيها ~~النبي @QE@ الأنفال 64 # لم يتنازعوا في المراد به وأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وإن ~~اختلفوا في اشتقاقه هل هو من النبأ أو من النبوة ms225 فليس ذلك نزاعا منهم في ~~مسماه وكذلك مواضع كثيرة تتنازع النحاة في وجه دلالتها مع اتفاقهم على ~~المعنى كقوله PageV02P750 @ @QB@ وإن كنت من قبله لمن الغافلين @QE@ يوسف 3 # فالبصريون يجعلونها مخففة من الثقيلة واللام فارقة بين المخففة والنافية ~~والكوفيون يجعلونها نافية واللام بمعنى إلا # وليس هذا نزاعا في المعنى وإن كان نزاعا في وجه الدلالة عليه وكذلك قوله ~~: @QB@ يبين الله لكم أن تضلوا @QE@ النساء 176 # يقدره البصريون كراهة أن تضلوا والكوفيون لئلا تضلوا وكذلك اختلافهم في ~~التنازع وأمثال ذلك إنما هو نزاع في وجه دلالة اللفظ على ذلك المعنى مع ~~اتفاقهم على أن المعنى واحد وهذا القدر لا يخرج اللفظ عن إفادته للسامع ~~اليقين بمسماه # الوجه السادس والخمسون # أن يقال هذه الوجوه العشرة مدارها على حرف واحد وهو أن الدليل اللفظي ~~يحتمل أزيد من معنى واحد فلا نقطع بإرادة المعنى الواحد فهذه الوجوه العشرة ~~مضمونها كلها احتمال اللفظ لمعنيين فصاعدا حتى لا يعرف PageV02P751 @ عين ~~مراد المتكلم فنقول من المعلوم أن أهل اللغة لم يسوغوا للمتكلم أن يتكلم ~~بما يريد به خلاف ظاهره إلا مع قرينة تبين المراد والمجاز إنما يدل مع ~~القرينة بخلاف الحقيقة فإنها تدل على التجرد وكذلك الحذف والإضمار لا يجوز ~~إلا إذا كان في الكلام ما يدل عليه وكذلك التخصيص ليس لأحد أن يدعيه إلا مع ~~قرينة تدل عليه فلا يسوغ العقلاء لأحد أن يقول جاءني زيد وهو يريد بن زيد ~~إلا مع قرينة كما في قوله : @QB@ واسأل القرية @QE@ يوسف 82 # واسأل العير عند من يقول إنه من هذا الباب فإنه يقول القرية والعير لا ~~يسألون فعلم أنه أراد أهلها ومن جعل القرية اسما للسكان والمسكن والعير ~~اسما للركبان والمركوب لم يحتج إلى هذا التقدير وإذا كانت هذه الأنواع لا ~~تجوز مع تجرد الكلام عن القرائن المبينة للمراد فحيث تجردت علمنا قطعا أنه ~~لم يرد بها ذلك وليس لقائل أن يقول قد تكون القرائن موجودة ولا نعلم بها ~~لأن من القرائن ما يجب أن يكون لفظيا كمخصصات الأعداد ms226 وغيرها ومنها ما يكون ~~معنويا كالقرائن الحالية PageV02P752 @ والمقالية والنوعان لا بد أن يكونا ~~ظاهرين للمخاطب ليفهم من تلك القرائن مراد المتكلم فإذا تجرد الكلام عن ~~القرائن فهم معناه المراد عند التجرد وإذا اقترن بتلك القرائن فهم معناه ~~المراد عند الاقتران فلم يقع لبس في الكلام المجرد ولا في الكلام المقيد إذ ~~كل من النوعين مفهم لمعناه المختص به # وقد اتفقت اللغة والشرع على أن اللفظ المجرد إنما يراد به ما ظهر منه وما ~~يقدر من احتمال مجاز أو اشتراك أو حذف أو إضمار ونحوه إنما يقع مع القرينة ~~أما مع عدمها فلا والمراد معلوم على التقديرين يوضحه : # الوجه السابع والخمسون # إن غاية ما يقال إن في القرآن ألفاظا استعملت في معان لم تكن تعرفها ~~العرب وهي الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام والاعتكاف ونحوها ~~والأسماء الدينية كالإسلام والإيمان والكفر والنفاق ونحوها وأسماء ~~PageV02P753 @ مجملة لم يرد ظاهرها كالسارق والسارقة والزاني والزانية ~~ونحوه وأسماء مشتركة كالقرء وعسعس ونحوهما فهذه الأسماء لا تفيد اليقين ~~بالمراد منها فيقال هذه الأسماء جارية في القرآن ثلاثة أنواع نوع بيانه معه ~~فهو مع بيانه يفيد اليقين بالمراد منه ونوع بيانه في آية أخرى فيستفاد ~~اليقين بالمراد من مجموع الإثنين ونوع بيانه موكول إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فيستفاد اليقين من المراد منه ببيان الرسول ولم نقل نحن ولا أحد ~~من العقلاء إن كل لفظ فهو مفيد لليقين بالمراد منه بمجرده من غير احتياج ~~إلى لفظ آخر متصل به أو منفصل عنه بل نقول إن مراد المتكلم يعلم من لفظه ~~المجرد تارة والمقرون تارة ومنه ومن لفظ آخر يفيدان اليقين بمراده تارة ~~ومنه ومن بيان آخر بالفعل أو القول يحيل المتكلم عليه تارة وليس في القرآن ~~خطاب أريد منه العلم بمدلوله إلا وهو داخل في هذه الأقسام PageV02P754 @ # فالبيان المقترن كقوله @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر @QE@ البقرة 187 # وكقوله @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في ~~سبيل الله @QE@ النساء 95 # وقوله ms227 @QB@ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ العنكبوت 14 # ونظائر ذلك # والبيان المنفصل كقوله @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين @QE@ ~~البقرة 233 # وقوله @QB@ وفصاله في عامين @QE@ لقمان 14 # مع قوله @QB@ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا @QE@ الأحقاف 15 # فأفاد مجموع اللفظين بأن مدة الحمل ستة أشهر وكذلك قوله : PageV02P755 @ ~~@QB@ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ~~@QE@ النساء 12 # مع قوله @QB@ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة @QE@ الآية النساء 176 # أفاد مجموع النصين العلم بالمراد من الكلالة وأنه من لا ولد له وإن سفل ~~ولا والد له وإن علا وكذلك قوله : @QB@ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم @QE@ ~~الطلاق 6 # مع قوله @QB@ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف @QE@ ~~الطلاق 2 # أفاد مجموع الخطابين في الرجعيات دون البوائن ومنه قوله @QB@ والليل إذا ~~عسعس والصبح إذا تنفس @QE@ التكوير 1718 # مع قوله @QB@ كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر @QE@ المدثر 34 ~~- 32 # فإن مجموع الخطابين يفيدان العلم بأن الرب سبحانه أقسم بإدبار هذا وإقبال ~~هذا أو بإقبال كل منهما على من PageV02P756 @ فسر أدبر بأنه دبر النهار أي ~~جاء في دبره وعسعس بأقبل فعلى هذا القول يكون الإقسام بإقبال الليل وإقبال ~~النهار وعلى القول الأول يكون قد وقع الإقسام بإدبار الليل وإقبال النهار ~~وقد يقال وقع الإقسام في الاثنين بالنوعين # وأما البيان الذي يحيل المتكلم عليه فكما أحال الله سبحانه وتعالى على ~~رسوله في بيان ما أمر به عباده من الصلاة والزكاة والحج وفرائض الإسلام ~~التي إنما علم مقاديرها وصفاتها وهيئاتها من بيان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فلا يخرج خطاب القرآن عن هذه الوجوه ولم يخاطب الله عباده بلفظ إلا ~~وقد بين لهم مراده به بأحد هذه الوجوه الأربعة فصار الخطاب مع بيانه مفيدا ~~لليقين بالمراد منه وإن لم يكن بيانه متصلا به وذلك لا يعزل كلام الله ~~ورسوله عن إفادة العلم واليقين # الوجه الثامن والخمسون # إن حصول اليقين بمدلول الأدلة السمعية والعلم بمراد المتكلم بها أيسر ~~وأظهر ms228 من حصوله بمدلول الأدلة العقلية PageV02P757 @ # فإن الأدلة السمعية تدل بقصد الدال وإرادته وعلم المخاطب بذلك أيسر عليه ~~من علمه باقتضاء الدليل العقلي مدلوله ولهذا كان أول ما يفعله الطفل معرفة ~~مراد أبويه بخطابهما له قبل علمه بالأدلة العقلية وأيضا فمن قصد تعليم غيره ~~مقتضى الدليل العقلي لم يمكنه ذلك حتى يعرفه مدلول الألفاظ التي صاغ بها ~~الدليل العقلي فعلمه بمدلول الدليل السمعي الدال على مقتضى الدليل العقلي ~~أسبق إليه وأيسر عليه وهذا هو الترتيب الطبيعي الموجود في الناس كما يخاطب ~~المعلم المتعلم بالألفاظ الدالة على الدليل العقلي فلا بد أن يعرف مدلول ~~تلك الألفاظ أولا ثم يرتب مدلولها في ذهنه ترتيبا ينتج له العلم بالنتيجة ~~وليس أحد من البشر يستغني عن التعلم السمعي كيف وآدم أبوهم أول من علمه ~~الله أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها وكلمه قبيلا ونبأه وعلمه بخطاب ~~الوحي مالم يعلمه بمجرد العقل وهكذا جميع الأنبياء من ذريته علمهم بالأدلة ~~السمعية وهي الوحي مالم يعلموه بمجرد عقولهم وحصل لهم من اليقين ~~PageV02P758 @ والعلم بالأدلة السمعية التي هي خطاب الله لهم مالم يحصل لهم ~~بمجرد العقل وأحيلوا هم وأممهم على الأدلة السمعية ولم يحالوا على العقل ~~وهداهم الله بالأدلة السمعية لا بمجرد العقل وأقام حجته على أممهم بالأدلة ~~السمعية لا بالعقل يوضحه : # الوجه التاسع والخمسون # وهو ما اتفقت عليه أهل الملل أن النبوة خطاب سمعي بوحي يوحيه الملك إلى ~~النبي عن الرب تعالى ليست مجرد معرفة الحقائق بقوة قدسية في البشر تميز بها ~~عن غيره وقوة تخيل وتخييل يتمكن بها من التصور وحسن البصيرة وقوة تأثير ~~يتمكن بها من التصرف في عناصر العالم كما يقول المتفلسفة ويقولون إن ما ~~يحصل للنبي من المعارف إنما هو بواسطة القياس العقلي كغيره من البشر لكن هو ~~أسرع وأكمل إدراكا للحد الأوسط من غيره ويزعمون أن علم الرب كذلك والقائلون ~~بأن اليقين والعلم إنما يحصل من الأدلة العقلية لا من الأدلة السمعية هم ~~هؤلاء وعنهم تلقى هذا الأصل ومنهم أخذ فهو أحد أصول ms229 الفلسفة PageV02P759 @ ~~والإلحاد والزندقة الذي يتضمن عزل النبوات وما جاءت به الرسل عن الله من ~~الأدلة السمعية وتولية القواعد المنطقية والآراء الفلسفية فأخذه منهم ~~متأخرو الجهمية فصالوا به على أهل الكتاب والسنة ولقد كان قدماؤهم لا ~~يصرحون بذلك ولا يتجاسرون عليه فكشف المتأخرون القناع وألقوا جلباب الدين ~~وصرحوا بعزل الوحي عن درجه والمسلمون بل وأهل الملل قاطبة يعلمون بالضرورة ~~أن أكمل التعليم تعليم الله لصفيه آدم الأسماء كلها وأكمل التكليم تكليمه ~~سبحانه لكليمه موسى وأعلى أنواع العلوم وأعظمها إفادة لليقين العلوم التي ~~ألقاها الله سبحانه إلى أنبيائه بواسطة السمع وأن نسبة العلوم العقلية ~~المشتركة بين الناس إليها أقل وأصغر من نسبة علوم العجائز والأطفال إلى تلك ~~العلوم فبين العلوم الحاصلة من الأدلة السمعية للرسل وأتباعهم وبين العلوم ~~الصحيحة الحاصلة بأفكار العقلاء من التفاوت أضعاف ما بين الخردلة إلى الجبل ~~PageV02P760 @ العظيم فكيف النسبة بين العلوم السمعية اليقينية للرسل ~~وأتباعهم وبين الشبه الخيالية التي هي من جنس شبه السوفسطائية في التحقيق ~~فدعوى هؤلاء المخدوعين المخادعين أن ما جاءت به الأنبياء لا يفيد اليقين ~~وأن تلك الهذيانات التي بنوا عليها واستدلوا بها هي المفيدة لليقين من جنس ~~دعوى فرعون وقوله : @QB@ ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ~~@QE@ غافر 29 # وقال عن موسى وما جاء به @QB@ إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد @QE@ غافر 26 # فدعوى هؤلاء من جنس دعواه سواء وبالله التوفيق # الوجه الستون # إن دلالة الأدلة السمعية على مدلولها من جنس دلالة الآيات المعينة على ~~مدلولها وهذان النوعان هما أكمل الأدلة وهما المستلزمان للعلم بالرب تعالى ~~وأسمائه وصفاته والمعاد وإثبات صدق الرسل بخلاف الأدلة العقلية الكلية التي ~~PageV02P761 @ طريقها صناعة المنطق فإنها إذا صحت مقدماتها وكانت يقينية ~~وكانت منتجة فإنما تنتج مطلوبا كليا لا يحصل به إثبات رب معين ولا رسول ~~معين ولا إثبات شيء من أصول الإيمان التي لا سعادة للعبد بدونها فإن غاية ~~ما عند هؤلاء أن الممكن يفتقر إلى واجب فبعد تقرير إمكان العالم ms230 والتخلص من ~~الشبه الواردة على الإمكان إنما استفادوا إثبات وجود واجب ومعلوم أن فرعون ~~وهامان ونمرود بن كنعان والمجوس والصابئة لا يشكون في إثبات وجود واجب بل ~~عباد الأصنام أهدى من هؤلاء حيث اعترفوا برب قيوم خالق قادر يفعل بمشيئته ~~وقدرته وأصحاب هذه الأدلة العقلية التي تفيد اليقين لم يصلوا فيما استفادوه ~~بها إلى هذا ولا قريب منه بل أثبتوا وجودا واجبا وهل هو هذا الفلك أو فلك ~~وراءه أو وجود مطلق أو علة أولى أو الوجود الكلي العام الساري في الموجودات ~~كما قال بكل من ذلك طائفة وأما كونه الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ~~القاهر فوق عباده الذي استوى على عرشه يعلم ما تخفيه الضمائر ويرى ويسمع ~~PageV02P762 @ ويتكلم ويكلم ويرضى ويغضب ويخلق ما يشاء فهذا لا تدل عليه ~~مقدماتهم المنطقية وأدلتهم الكلية فلا تفيد شيئا من مطالب الإيمان المشتركة ~~بين أهل الملل البتة وأما أدلة الرب سبحانه بآياته السمعية والخلقية فهي ~~التي دلت عباده على توحديه وصفات كماله ونعوت جلاله وصدق رسله وصحة معاد ~~الأبدان وقيام الناس من قبورهم إلى دار شقاوة وسعادة فلولا هذه الآيات ~~السمعية لم يعرفوا شيئا من ذلك وقد أخبر سبحانه عن هذه الآيات السمعية ~~والخلقية بقوله : @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ فصلت 53 # فبين سبحانه أنه يري عباده من الآيات المشهودة العيانية في الآفاق وفي ~~أنفسهم ما يبين لهم به أن آياته السمعية القرآنية حق وصدق فآيات الرب تعالى ~~العيانية الأفقية والنفسية مستلزمة لإثبات الأدلة السمعية ثم دلالة آياته ~~السمعية التي لا تفيد اليقين عند هؤلاء أكمل دلالة على المطالب الإيمانية ~~من الأدلة الكلية المؤلفة من القياسات المنطقية بل دلالتها على تلك المطالب ~~كدلالة الشمس على PageV02P763 @ النهار ودلالة ضوء الصبح على الصباح ودلالة ~~الدخان على النار والمصنوع على الصانع ودلالة النجوم على الطرق ونحو ذلك ~~وهذا يبين أن أضعف أنواع الأدلة هي الأدلة القياسية العقلية التي هي ms231 عند ~~كثير من الفلاسفة والمتكلمين أكمل الأدلة ثم الدليل القياسي التمثيلي أقوى ~~وأظهر دلالة من الدليل القياسي الشمولي خلاف ما يدعيه المنطقيون ومن اتبعهم ~~فأدلة هؤلاء هي آخر المراتب وأضعفها وأدلة القرآن في أعلى مراتب الأدلة ~~وأشدها ارتباطا بمدلولها واستلزاما له خلاف لمن عكس ذلك كابن سينا وبن ~~الخطيب والآمدي وأشباههم # فدلالة المقال أكمل من دلالة الحال ودلالة الحال المعينة PageV02P764 @ ~~أكمل من الدلالة الكلية المنطقية ودلالة كلام الله أكمل من دلالة كل كلام ~~وإفادته اليقين فوق إفادة كل دليل اليقين بمدلوله ودلالة آياته العيانية ~~على مدلولها فوق إفادة كل دليل عقلي لمدلوله فقول من قال إنها لا تفيد ~~اليقين بمدلولها لأنها أدلة لفظية والأدلة العقلية لا تفيد لكونها أمثالا ~~جزئية لا أقيسة كلية فيسمون آياته السمعية أدلة لفظية وآياته العيانية ~~تمثيلات جزئية ويقولون هذا تمثيل لا دليل وفي الأول هذا دليل لفظي لا عقلي ~~فقول هؤلاء قلب للحقائق وعكس لما فطر الله عليه عباده وقدح في المعلوم قطعا ~~ويقينا بالشبه الخيالية والأقيسة المنطقية وقد أفسدوا من الفطر وغيروها عما ~~فطرت عليه خلائق لا يحصيهم إلا الله وهؤلاء للملل بمنزلة السوس في الخشب ~~والثياب وغيرهما ولهذا سماهم أنصار الله ورسوله سوس الملل وإذا شئت أن تعرف ~~حقيقة الأمر فانظر إلى أهل الأدلة السمعية وأهل الأدلة المنطقية العقلية ~~ووازن بين معارف هؤلاء وعلومهم وإيمانهم وهدايتهم ونفع الخلق بهم وسيرتهم ~~وبين علوم أولئك ومعارفهم وسيرتهم وضرر الخلق بهم وإخراجهم لمن أنشبوا ~~مخالبهم فيه من العقل والدين خروج الشعرة من العجين PageV02P765 @ # الوجه الحادي والستون # إنه من أعظم المحال أن يكون المصنفون في جميع العلوم قد بينوا مرادهم ~~وعلم الناس مرادهم منها يقينا سواء كان ذلك المعلوم مطابقا للحق أو غير ~~مطابق له ويكون الله ورسوله لم يبين مراده بكلامه ولا تيقنت الأمة إلى الآن ~~ما أراد بكلامه فهذا لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس بالله ورسوله وكلامه ~~ونحن لا ننكر أن في أرباب المعقولات من هو في غاية البعد عن معرفة الله ms232 ~~ورسوله وما جاء به وأنه لم يحصل له اليقين من كلام الله ورسوله وذلك لبعده ~~منه وعدم الثقة به وسوء ظنه به واعتقاده أن كلامه خطابة لا برهان وإنه ~~تخييل خيل به إلى النفوس وشبه لها الأمور العقلية وأخرجها في الصور ~~المحسوسة وأن القرآن إنما هو خطاب للعرب الجهال الذين هم من أجهل الأمم ~~بالعلوم والحقائق وأنهم لم تمكن دعوتهم إلا بالطريق الخطابية التخييلية لا ~~بالطريق البرهانية العقلية الحكمية وأن طريق الحكمة والبرهان هي طرق ~~الفلاسفة والمنطقيين والصابئة وأتباعهم فلا ريب أن القرآن في حق مثل هذا لا ~~يفيده اليقين بل هو عمى عليه وضلال في حقه كما قال تعالى PageV02P766 @ ~~@QB@ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد @QE@ فصلت 44 # قال مجاهد بعيد من قلوبهم فهم ما يتلى عليهم وقال الفراء تقول للرجل الذي ~~لا يفهم كلامك أنت تنادي من مكان بعيد وقال صاحب النظم أي أنهم لا يسمعون ~~ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم وهذا حال هؤلاء ~~الذين لا يستفيدون من كلام الله ورسوله يقينا ولا علما وهذه أيضا حال ~~الجهال ومن نشأ بالبوادي ومن لا فهم له من أهل البله والبلادة وأمثال هؤلاء ~~فإن هؤلاء لا يستفيدون من كلام الله ورسوله علما ولا يقينا فقول القائل ~~الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين لم يذكر المفعول بل حذفه فإن أراد أنها لا ~~تفيد اليقين لهاتين الطائفتين فصدق وإن أراد أنها لا تفيد للراسخين في ~~العلم وأهل الذكاء الذين هم أحسن الناس قصودا وأصحهم أذهانا فقد كذب عليهم ~~وبهتهم فإنهم قد استفادوا PageV02P767 @ منها من اليقين مالم يستفده أهل ~~منطق اليونان وأتباع الفلاسفة وأفراخ الصابئة وورثة الملاحدة وأوقاح ~~الجهمية من قواعدهم الباطلة فدعواهم أنهم لم يستفيدوا منها يقينا مكابرة ~~لهم في الأمور الوجدانية الحاصلة لهم # وإن قالوا نحن لم نستفد منها يقينا قيل لهم لا يلزم من ذلك أن لا تفيد ~~اليقين لأهل ms233 العلم والإيمان وقد قال من لم يستفد العلم واليقين من القرآن ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ما حكاه الله عنهم بقوله : @QB@ وقالوا قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب @QE@ فصلت 5 # ولم يمنع هذا ارتفاع هذه الموانع واستفادة الهدى واليقين في حق المؤمنين ~~المصدقين بل كان في حقهم هدى وشفاء # وإن قال هي لا تفيد اليقين في نفسها وليست موضعا لذلك فهذا غاية البهت ~~والإلحاد يوضحه : # الوجه الثاني والستون # أن يقال لهم ما تريدون بهذا النفي أتريدون بالأدلة اللفظية جنس كلام بني ~~آدم الدال على مرادهم في الخطاب والتصنيف وغيره أو كلام الله ورسوله وهل ~~مرادكم بهذا PageV02P768 @ السلب أن شيئا منها لا يفيد اليقين أو أن ~~مجموعها لا يفيده وإن أفاده بعضها # وهل المراد أنه لا يستفيد أحد منها اليقين البتة أو أن الناس كلهم لا ~~يستفيدون منها اليقين بل يستفيده بعضهم دون البعض # وهل المراد بها لا تفيد اليقين بمراد المتكلم بها أو لا تفيد اليقين ~~بثبوت ما أخبر بثبوته ونفي ما أخبر بنفيه وإن تيقنا مراده فهما مقامان ~~والفرق بينهما معلوم فهذه ثمانية تقادير فبينوا مرادكم منها فإن أحدا من ~~العقلاء لا يمكنه أن ينفي حصول اليقين منها على هذه التقادير كلها # وإذا كان المراد نفي اليقين على بعض التقادير المذكورة فبينوه بالدعوى ~~ليتوارد النفي والإثبات على محل واحد والظاهر والله أعلم أنكم تريدون أن ~~كلام الله ورسوله لا يستفاد منه علم ولا يقين في باب معرفة الله وأسمائه ~~وصفاته وأفعاله وإثبات ملائكته وصفاتهم وأنواعهم وإذا لم يفد اليقين في ذلك ~~وهو أعظم أقسام القرآن وأظهرها وأكثرها ورودا فيه فكيف يفيد في باب المعاد ~~والأحكام كما تقدم تقريره # الوجه الثالث والستون # إن هذا القانون مضمونه جحد الرسالة في الحقيقة وإن أقر بها صاحبه بلسانه ~~بل مضمونه إن ترك الناس بلا رسول PageV02P769 @ يرسل إليهم خير من أن يرسل ~~إليهم رسول وإن الرسل لم يهتد بهم أحد في أصول الدين بل ضل بهم الناس ms234 وذلك ~~أن القرآن على ما اعتقده أرباب هذا القانون لا يستفاد منه علم ولا حجة بل ~~إذا علمنا بعقولنا سببا اعتقدناه ثم نظرنا في القرآن فإن كان موافقا لذلك ~~أقررناه على ظاهره لكونه معلوما بذلك الدليل العقلي الذي استفدناه به لا ~~بكون الرسول أخبر به وإن كان ظاهره مخالفا لما عرفناه واستنبطناه بعقولنا ~~اتبعنا العقل وسلكنا في السمع طريقة التأويل أو الإعراض والتفويض فأي فائدة ~~حصلت إذا بإخبار الرسول بل مضمون ذلك أنا حصلنا على العناء الطويل لاستخراج ~~وجوه التأويلات المستلزمة أو التعرض لاعتقاد الباطل والضلال بحمل الكلام ~~على ظاهره فكانت الأدلة اللفظية مقتضية لضلال هؤلاء ولعناء أولئك فأين ~~الهدى والشفاء الذي حصل بها لهؤلاء وهؤلاء ومن العجب اعتراف أرباب هذا ~~القانون بهذا وجوابهم عنه بجواب أهل الإلحاد وهو أن المخاطبين لم يكونوا ~~يفهمون الحقائق فضربت لهم الأمثال من غير أن يكون المخبر ثابتا في نفس ~~الأمر فراجع كتب القوم تجد ذلك فيها PageV02P770 @ # الوجه الرابع والستون # إن أصحاب هذا القانون في قول مختلف يؤفك عنه من أفك فتارة يقولون نحن ~~نعلم انتفاء الظاهر قطعا وأنه غير المراد وإن كنا لا نعلم عين المراد وتارة ~~يقولون بل الرسول خاطب الخلق خطابا جمهوريا يوافق ما عندهم وما ألفوه ولو ~~خاطبهم بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا يتكلم ولا يكلم ولا يرى ~~عيانا ولا يشار إليه لقالوا هذه صفات معدوم لا موجود فوقعوا في التعطيل ~~فكان الأصلح أن يأتي بألفاظ دالة على ما يناسب ما نحلوه وألفوه فيخلصهم من ~~التعطيل # فكيف يجمع هذا القول وقولهم إن الظاهر غير مراد فإن كان قد أراد منهم ~~الظاهر بطل قولهم إن الظاهر غير مراد وإن أراد منهم التأويل يبطل قولهم إنه ~~قصد خطابهم بما يخيل إليهم ويتمكنون معه من إثبات الصانع ويتخلصون من ~~التعطيل فأي تناقض أشد من هذا فإن اراد الظاهر فقد أراد عندكم إفهام الباطل ~~الذي دل عليه لفظه وإن لم يرد الظاهر بل أراد منهم التأويل لم يحصل الغرض ~~الذي ذكرتموه ms235 ولم يخلصوا من التعطيل وهذا لا حيلة لكم في دفعه # فهما طريقتان باطلتان مضادتان لقصد الرسالة هؤلاء PageV02P771 @ يقولون ~~أراد منهم أن يتخيلوا ما ينفعهم وإن لم يكن حقا في نفس الأمر وأصحاب ~~التأويل يقولون أراد منهم ضد ذلك المعنى الذي دل عليه كلامه ونصه وتارة ~~يقولون أراد منهم تأويل النصوص وتارة يقولون أراد منهم تفويضها وقد نزه ~~الله رسوله عن أن يريد المعاني الباطلة أو يقصر في بيان ما أراده فإن الأول ~~كذب وتدليس وتلبيس والثاني تقصير في البيان وإذا كان الرسول منزها عن هذا ~~وهذا فالرب تعالى أولى بتنزيهه عن الأمرين # وقد قام الدليل القطعي على تنزيه الله ورسوله عن ذلك فلا يقدح فيه بالشبه ~~الخيالية الفاسدة # الوجه الخامس والستون # إن الله سبحانه قسم الأدلة السمعية إلى قسمين محكم ومتشابه وجعل المحكم ~~أصلا للمتشابه وأما له يرد إليه فما خالف ظاهر المحكم فهو متشابه يرد إلى ~~المحكم وقد اتفق المسلمون على هذا وأن المحكم هو الأصل والمتشابه مردود ~~إليه وأصحاب هذا القانون جعلوا الأصل المحكم ما يدعونه من العقليات وجعلوا ~~القرآن كله مردودا إليه فما خالفه فهو متشابه وما وافقه فهو المحكم ولم يبق ~~PageV02P772 @ عند أهل القانون في القرآن محكم يرد إليه المتشابه ولا هو أم ~~الكتاب وأصله # الوجه السادس والستون # إنه على قول أرباب القانون لا سبيل لأحد أن يعرف أن شيئا من القرآن محكم ~~فإن ذلك إنما يعرف إذا حصل اليقين بانتفاء المعارض العقلي وهذا النفي غير ~~معلوم إذ غاية ما يمكن انتفاء العلم بالمعارض لا العلم بانتفاءه # فإن قلتم نحن نقول إن صرف اللفظ عن ظاهره وإخراجه عن كونه محكما لا يجوز ~~إلا عند قيام الدليل العقلي القطعي على أن ظاهره محال ممتنع قيل وأنتم ~~تقولون مع ذلك إن حمله على ظاهره لا يجب إلا إذا قام الدليل العقلي على أن ~~ظاهره حق فما لم يعضده دليل عقلي لم يجزم بثبوته فالمعتمد إذا عندكم في ~~النفي والإثبات على الدليل العقلي والقرآن عديم التأثير لا يجزم بنفي ms236 ما ~~نفاه ولا بإثبات ما أثبته وهذا قول من لم يؤمن بما أنزل الله من الكتاب ولا ~~بما أرسل به الرسول # الوجه السابع والستون # إن أصحاب القانون لا يمكنهم إنكار أن الأدلة اللفظية تفيد ظنا غالبا وإن ~~لم تفدهم يقينا وما عندهم مما يسمونه أدلة عقلية على نفي ما دل عليه القرآن ~~والسنة من الصفات PageV02P773 @ إنما هي أقوال باطلة لا تفيد عند التحقيق ~~لا علما ولا ظنا بل جهلا مركبا يظن صاحبها أن معه علما وإنما معه الجهل ~~المركب فهي في العلوم كأعمال من خالف الرسل في الأعمال : @QB@ كسراب بقيعة ~~يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ~~والله سريع الحساب @QE@ النور 39 # فهذا مثل أعمال هؤلاء وعلوم أولئك ولا ريب أن الظن المستفاد من الأدلة ~~السمعية خير من هذا الجهل المركب إلا أن يقول أرباب القانون إن الأدلة ~~اللفظية لا يستفاد منها علم ولا ظن البتة ولا يبتعد هذا من قولهم # وهم يقولون إن ظاهرها باطل وتشبيه وتجسيم وإذا انتهى الأمر إلى هنا ~~انتقلنا إلى إثبات أن محمدا رسول الله فإن زاعم ذلك غير مقر برسالته في نفس ~~الأمر كما تقدم والله أعلم # الوجه الثامن والستون # إن هذا يتضمن القدح في أعظم آيات الرب الدالة على ربوبيته وحكمته وجحد ما ~~هو من أعظم نعمه على عباده PageV02P774 @ # أما الأول فلأن الله سبحانه جعل من آيات ربوبيته الهداية العامة لخلقه ~~كما قال : @QB@ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ ~~الأعلى 3 - 1 # وقال فرعون لموسى @QB@ قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى @QE@ طه 50 49 # فهدى كل نفس لجلب ما يصلحها وينفعها ودفع ما يضرها ويفسدها # وخص النوع الإنساني بأنواع أخر من الهداية التي يعرفها ويتمكن من النطق ~~بها لهداية غيره ومن أعلى أنواع هذا الهدى هدى البيان والدلالة وتعريف ~~الإنسان ومعرفته مراده ومراد غيره وذلك إنما هو بصفة النطق التي هي أظهر ما ~~في ms237 الإنسان ولذلك شبه الله سبحانه بها ما أخبر به من الغيب فقال : @QB@ ~~فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون @QE@ الذاريات 23 ~~PageV02P775 @ # وأما أن ذلك من أعظم نعم الله على عباده فلأن الإنسان إنما يميز عن سائر ~~الحيوان بكمال هذه القوة وتمامها فيه واقتداره منها على مالم تقتدر عليه ~~الحيوانات العجم # ولذلك عدد ذلك من نعمه على عباده في جملة ما أنعم به عليهم فقال : @QB@ ~~الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان @QE@ الرحمن 4 - 1 # وقال @QB@ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ ~~اقرأ 5 - 3 # وقال @QB@ ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين @QE@ البلد ~~10 - 8 # فإنكار حصول العلم واليقين من كلام المتكلم قدح في أعظم آيات الله وجحد ~~لما هو من أعظم نعمه # وكنا نظن أن قائل ذلك أراد أن بعض الأدلة اللفظية لا تفيد العلم واليقين ~~حتى رأيناه قد صرح بأن شيئا منها لا يفيد اليقين البتة ولا قدح في آياته ~~ولا جحد لنعمه أبلغ من ذلك PageV02P776 @ # الوجه التاسع والستون # إن هذا القول الذي قاله أصحاب القانون لم يعرف عن طائفة من طوائف بني آدم ~~لا طوائف المسلمين ولا اليهود ولا النصارى ولا أحد من أهل الملل ولا طوائف ~~الأطباء ولا النحاة ولا أهل اللغة ولا أهل المعاني والبيان ولا غيرهم قبل ~~هؤلاء وذلك لظهور العلم بفساده فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية ~~لجميع الخلق فإن بني آدم يتخاطبون ويكلم بعضهم بعضا مخاطبة ومكاتبة وقد ~~أنطق الله سبحانه بعض الجمادات وبعض أنواع الحيوانات بمثل نطق بني آدم فلم ~~يسترب سامع ذلك النطق في حصول العلم واليقين به بل كان ذلك عنده من أعظم ~~العلوم الضرورية # فقالت النملة لأمة النمل @QB@ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون @QE@ النمل 18 # فلم يشك النمل ولا سليمان في مرادها وفهموه يقينا ولما علم سليمان مرادها ~~يقينا تبسم ضاحكا منه وخاطب الهدهد وخاطبه الهدهد فحصل للهدهد العلم ~~اليقيني بمراد سليمان ms238 من كلامه وحصل لسليمان ذلك من كلام PageV02P777 @ ~~الهدهد وذهب الهدهد بكتاب سليمان لما حصل له اليقين من كلامه وأرسل سليمان ~~الهدهد والكتاب وفعل ما حكى الله لما حصل له اليقين بمراد الهدهد من كلامه # وأنطق سبحانه الجبال بالتسبيح مع داود وعلم سليمان منطق الطير وسمع ~~الصحابة تسبيح الطعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع رسوله تسليم ~~الحجر عليه أفيقول مؤمن أو عاقل إن اليقين لم يكن PageV02P778 @ يحصل ~~للسامع بشيء من مدلول هذا الكلام فعلم أن هذا القول في غاية السفسطة وجحد ~~الحقائق وقلبها وإفساد العقول والفطر # الوجه السبعون # إن حاصل كلام أرباب القانون يدور على ثلاث مقدمات # الأولى إن العلم بمراد المتكلم موقوف على حصول العلم بما يدل على مراده # الثانية إنه لا سبيل إلى العلم بمراده إلا بانتفاء هذه الأمور العشرة # الثالثة إنه لا سبيل إلى العلم بانتفائها # فهذه ثلاث مقدمات الأولى منها صادقة والأخريان كاذبتان أما المقدمة ~~الأولى فصحيحة والعلم بمراد المتكلم كثيرا ما يكون علما اضطراريا كالعلم ~~بمخبر الأخبار المتواترة فإن الإنسان إذا سمع مخبرا يخبر بأمر حصل عنده ظن ~~ثم يقوى بالمخبر الآخر حتى يصير علما ضروريا فكذلك إذا سمع كلام المتكلم ~~فقد يعلم مراده ابتداء بالضرورة وقد يظنه ثم يتكرر كلام المتكلم ~~PageV02P779 @ أو يتكرر سماعه له ولما يدل على مراده فيصير علمه بمراده ~~ضروريا # وقد يكون الكلام بالمراد استدلالا نظريا وحينئذ فقد يتوقف على مقدمة ~~واحدة وقد يتوقف على مقدمتين أو أكثر بحسب حاجة السامع وما عنده من القوة ~~القريبة والبعيدة وسرعة إدراكه وبطئه وقلة تحصيله وكثرته وحضور ذهنه وغيبته ~~وكمال بيان المتكلم وضعفه فدعوى المدعي أن كل استدلال بدليل لفظي فإنه ~~يتوقف على عشر مقدمات فهذا باطل قطعا # وأبطل منه دعواه أن كل مقدمة فهي ظنية فإن عامة المقدمات التي يتوقف ~~عليها فهم مراد المتكلم قطعية في الغالب # وأبطل من ذلك دعواه أنه لا يعلم المراد إلا بعد العلم بانتفاء الدليل ~~الدال على نقيضه فإن هذا باطل قطعا إذ من المعلوم أن ms239 العلم بثبوت أحد ~~الضدين ينفي العلم بثبوت الضد الآخر فنفس العلم بالمراد ينفي كل احتمال ~~يناقضه # وهكذا الكلام في نفي المعارض العقلي والسمعي فإنه PageV02P780 @ إذا علم ~~المراد علم قطعا أنه لا ينفيه دليل آخر لا عقلي ولا سمعي لأن ذلك نقيض له # وإذا علم ثبوت الشيء علم انتفاء نقيضه وحينئذ فينقلب هذا القانون عليهم ~~بأن نقول العلم بمدلول كلام الله ورسوله علم يقيني قطعي لا يحتمل النقيض ~~فنحن نستدل على بطلان كل ما يخالفه ويناقضه بثبوت العلم به # فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الضد الاخر وحينئذ فيقطع ببطلان كل شبهة ~~عقلية تناقض مدلول كلام الله ورسوله وإن لم ينظر فيها على التفصيل # وهذا الأصل العظيم أصح من قانونهم وأقرب إلى العقل والإيمان وتصديق الرسل ~~وإقرار كلام الله ورسوله على حقيقته وما يظهر منه يوضحه # الوجه الحادي والسبعون # وهو أن أرباب هذا القانون الذي منعهم استفادة اليقين من كلام الله ورسوله ~~مضطربون في العقل الذي يعارض النقل أشد اضطراب فالفلاسفة مع شدة اعتنائهم ~~بالمعقولات أشد الناس اضطرابا في هذا الباب من طوائف أهل الملل ومن أراد ~~معرفة ذلك فليقف على مقالاتهم في PageV02P781 @ كتب أهل المقالات كالمقالات ~~الكبير للأشعري والآراء والديانات للنوبختي وغير ذلك وأما المتكلمون ~~فاضطرابهم في هذا الباب من أشد اضطراب في العالم فتأمل اختلاف فرق الشيعة ~~والخوارج والمعتزلة وطوائف أهل الكلام ومقالاتهم المذكورة في كتب المقالات # وقد ذكرها أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات PageV02P782 @ المصلين وغيره ~~ممن صنف في المقالات وكل منهم يدعي أن صريح العقل معه وأن مخالفه قد خرج عن ~~صريح العقل فنحن نصدق جميعهم ونبطل عقل كل فرقة بعقل الفرقة الأخرى ثم نقول ~~للجميع بعقل من منكم يوزن كلام الله ورسوله وأي عقولكم تجعل معيارا له فما ~~وافقه قبل وأقر على ظاهره وما خالفه رد أو أول أو فوض # وأي عقولكم هو إحدى المقدمات العشر التي تتوقف إفادة كلام الله ورسوله ~~لليقين على العلم بعدم معارضته له # أعقل أرسطو وشيعته PageV02P783 @ أم عقل أفلاطون وشيعته أم ms240 فيثاغورس أم ~~أنبادقليس PageV02P784 @ أم سقراط أم تامسطيوس أم الإسكندر بن فيلبس أم عقل ~~الفارابي أم عقل جهم بن PageV02P785 @ صفوان أم عقل النظام أم عقل العلاف ~~أم عقل الجبائي أم عقل بشر المريسي أم عقل PageV02P786 @ الإسكافي أم عقل ~~حسين النجار أم أبي يعقوب الشحام أم أبي الحسين الخياط أم أبي القاسم ~~PageV02P787 @ البلخي أم ثمامة بن أشرس أم جعفر بن مبشر أم جعفر بن حرب أم ~~أبي الحسين الصالحي PageV02P788 @ أم أبي الحسين البصري أم أبي معاذ ~~التومني أم معمر بن عباد أم هشام الفوطي أم عباد بن سليمان PageV02P789 @ # أم ترضون بعقول المتأخرين الذين هذبوا العقليات ومحضوا زبدتها واختاروا ~~لنفوسهم ولم يرضوا بعقول سائر من تقدمهم فهذا أفضلهم عندكم محمد بن عمر ~~الرازي فبأي معقولاته تزنون نصوص الوحي وأنتم ترون اضطرابه فيها في كتبه ~~أشد الاضطراب فلا يثبت على قول فعينوا لنا عقلا واحدا من معقولاته ثبت عليه ~~ثم اجعلوه ميزانا # أم ترضون بعقل نصير الشرك والكفر والإلحاد الطوسي فإن له عقلا آخر خالف ~~فيه سلفه من الملحدين ولم يوافق فيه أتباع الرسل # أم ترضون عقول القرامطة والباطنية والإسماعيلية PageV02P790 @ # أم عقول الاتحادية القائلين بوحدة الوجود فكل هؤلاء وأضعافهم وأضعاف ~~أضعافهم يدعي أن المعقول الصريح معه وأن مخالفيه خرجوا عن صريح المعقول ~~وهذه عقولهم تنادي عليهم في كتبهم وكتب الناقلين عنهم ولولا الإطالة ~~لعرضناها على السامع عقلا عقلا وقد عرضها المعتنون بذكر المقالات فاجمعوها ~~إن استطعتم أو خذوا منها عقلا واجعلوه ميزانا لنصوص الوحي وما جاءت به ~~الرسل وعيارا على ذلك ثم اعذروا بعد من قدم كتاب الله وسنة رسوله الذي ~~يسمونه الأدلة اللفظية على هذه العقول المضطربة المتناقضة بشهادة أهلها ~~وشهادة أنصار الله ورسوله عليها وقال إن كتاب الله وسنة رسوله يفيد العلم ~~واليقين وهذه العقول المضطربة المتناقضة إنما تفيد الشكوك والحيرة والريب ~~والجهل المركب فإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذ بالنقل الصريح ورمي بهذه ~~العقول تحت الأقدام وحطت حيث حطها الله وحط أصحابها # الوجه الثاني والسبعون # إن الله سبحانه دعى إلى تدبر ms241 كتابه وتعقله وتفهمه وذم الذين لا يفهمونه ~~ولا يعقلونه وأسجل عليهم بالكفر والنفاق فقال عن المنافقين : @QB@ ومنهم من ~~يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم @QE@ محمد 16 PageV02P791 ~~@ # وقال @QB@ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه @QE@ ~~الأنعام 25 # وقال @QB@ ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ~~@QE@ يونس 42 # وقال @QB@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون @QE@ ~~البقرة 78 # فالقائل إن كتاب الله وسنة رسوله لا يستفاد منهما يقين من جنس هؤلاء لا ~~فرق بينهم وبينه وأما من يستفيد منهما العلم واليقين فهم الذين قال الله ~~فيهم @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق @QE@ سبأ ~~6 # وهؤلاء يرونه غير مفيد وقد كشف سبحانه حال الفريقين بقوله @QB@ أفمن يعلم ~~أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب @QE@ ~~الرعد 19 PageV02P792 @ # وقال @QB@ مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ~~أفلا تذكرون @QE@ هود 24 # الوجه الثالث والسبعون # إن أدلة القرآن والسنة التي يسميها هؤلاء الأدلة اللفظية نوعان # أحدهما يدل بمجرد الخبر # والثاني يدل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي # والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله الدالة عليه وعلى ~~ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته # فآياته العيانية المشهودة في خلقه تدل على صدق النوع الأول وهو مجرد ~~الخبر فلم يتجرد إخباره سبحانه عن آيات تدل على صدقها بل قد بين لعباده في ~~كتابه من البراهين الدالة على صدقه وصدق رسوله ما فيه شفاء وهدى وكفاية # فقول القائل إن تلك الأدلة لا تفيد اليقين إن أراد به النوع المتضمن لذكر ~~الأدلة العقلية العيانية فهذا من أعظم البهت والوقاحة والمكابرة فإن آيات ~~الله التي جعلها أدلة PageV02P793 @ وحججا على وجوده ووحدانيته وصفات كماله ~~إن لم تفد يقينا لم يفد دليل بمدلول أبدا # وإن أراد به النوع الأول الدال بمجرد ms242 الخبر فقد أقام سبحانه الأدلة ~~القطعية والبراهين اليقينية على ثبوته فلم يحل عباده فيه على خبر مجرد لا ~~يستفيدون ثبوته إلا من الخبر نفسه دون الدليل الدال على صدق الخبر # وهذا غير الدليل العام الدال على صدقه فيما أخبر به بل هو الأدلة ~~المتعددة الدالة على التوحيد وإثبات الصفات والنبوات والمعاد وأصول الإيمان ~~فلا تجد كتابا قد تضمن من البراهين والأدلة العقلية على هذه المطالب ما ~~تضمنه القرآن فأدلته لفظية عقلية فإن لم يفد اليقين : @QB@ فبأي حديث بعد ~~الله وآياته يؤمنون @QE@ الجاثية 6 انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث ~~وأوله فصل فهذا الطاغوت الأول PageV02P794 @ # | فصل # فهذا الطاغوت الأول وهو قولهم إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين فإن قيل ~~فقد دل القرآن على أن فيه محكما ومتشابها ومعلوم أن المتشابه هو الذي يشبه ~~المراد به بغيره وهو آيات الصفات فلو أفادت اليقين لم تكن متشابهة # قيل هذا السؤال مبني على ثلاث مقدمات # أحدها أن القرآن متضمن للمتشابه # الثانية أن المتشابه هو آيات الصفات # الثالثة أن المتشابه لا يمكن حصول العلم واليقين بمعناه # وسنفرد الكلام على هذا بفصل مستقل بعد كسر الطواغيت الأربعة التي نصبوها ~~لهدم معاقل الدين ونبين معنى المحكم بمعناه ونبين أن آيات الصفات محكمة ~~فإنها من أبين الكتاب إحكاما وإن ما تضمنته من الإحكام أعظم مما تضمنه ما ~~عداها بعون الله وتوفيقه PageV03P795 @ # | فصل الطاغوت الثاني وهو قولهم إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل # في الطاغوت الثاني وهو قولهم إن تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل لأنه ~~لا يمكن الجمع بينهما ولا إبطالهما ولا تقديم النقل لأن العقل أصل النقل ~~فلو قدمنا عليه النقل لبطل العقل وهو أصل النقل فلزم بطلان النقل فيلزم من ~~تقديم النقل بطلان العقل والنقل فتعين القسم الرابع وهو تقديم العقل فهذا ~~الطاغوت آخو ذلك القانون فهو مبني على ثلاث مقدمات # الأولى ثبوت التعارض بين العقل والنقل # الثانية انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة التي ذكرت فيه # الثالثة بطلان الأقسام الثلاثة ليتعين ثبوت الرابع # وقد أشفى ms243 شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه وبين بطلان هذه ~~الشبهة وكسر هذا الطاغوت في PageV03P796 @ كتابه الكبير ونحن نشير إلى ~~كلمات يسيرة هي قطرة من بحره يتضمن كسره ودحضه وذلك يظهر من وجوه # الوجه الأول # إن هذا التقسيم باطل من أصله والتقسيم الصحيح أن يقال إذا تعارض دليلان ~~سمعيان أو عقليان أو سمعي وعقلي فإما أن يكونا قطعيين وإما أن يكونا ظنيين ~~وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا # فأما القطعيان فلا يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة لأن الدليل القطعي ~~هو الذي يستلزم مدلوله قطعا فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين وهذا لا يشك ~~فيه أحد من العقلاء # وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا تعين تقديم القطعي سواء كان عقليا أو ~~سمعيا وإن كانا جميعا ظنيين صرنا إلى الترجيح ووجب تقديم الراجح منهما ~~سمعيا كان أو عقليا # فهذا تقسيم واضح متفق على مضمونه بين العقلاء PageV03P797 @ # فأما إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي ~~مطلقا فخطأ واضح معلوم الفساد عند العقلاء # الوجه الثاني # إن قوله إذا تعارض العقل والنقل فإما أن يريد به القطعيين فلا نسلم إمكان ~~التعارض وإما أن يريد به الظنيين فالتقديم للراجح مطلقا وإما أن يريد ما ~~يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا فالقطعي هو المقدم مطلقا فإذا قدر أن العقلي ~~هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي فعلم أن تقديم العقلي مطلقا ~~خطأ وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليا خطأ وأن جعل سبب التأخير والاطراح كونه ~~نقليا خطأ # الوجه الثالث بيان أن لا نسلم انحصار القسمة في الأربعة المذكورة # إنا لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكره من الأقسام الأربعة إذ من الممكن أن ~~يقال تقدم العقلي تارة والسمعي تارة فأيهما كان قطعيا قدم فدعواه أنه لا بد ~~من تقديم العقل مطلقا أو السمع مطلقا أو اعتبار الدليلين معا أو إلغائهما ~~معا دعوى كاذبة بل ها هنا قسم غير هذه الأقسام وهو الحق وهو ما ذكرناه ~~PageV03P798 @ # الوجه الرابع بيان بطلان قولهم العقل أصل ms244 النقل # قوله إن قدمنا النقل لزم الطعن فحاصله ممنوع فإن قوله العقل أصل النقل ~~إما أن يريد به أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر أو أصل في علمنا بصحته ~~فالأول لا يقوله عاقل فإن ما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفا على علمنا به ~~فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر # فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم ~~نعلمه وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه كما أن رسول الله حق وإن كذبه من كذبه ~~كما أن وجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق سواء علمناه بعقولنا أو لم ~~نعلمه # فلا يتوقف ذلك على وجودنا فضلا عن علومنا وعقولنا فالشرع المنزل من عند ~~الله مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه ~~بعقولنا فإذا علم العقل ذلك حصل له كمال لم يكن قبل ذلك وإذا فقده كان ~~ناقصا جاهلا # وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته وهذا هو ~~مراده PageV03P799 @ # فيقال له أتعني بالعقل هنا القوة والغريزة التي فينا أم العلوم المستفادة ~~بتلك الغريزة # فالأول لم ترده وتمتنع إرادته بأن تلك الغريزة ليست علما يمكن معارضته ~~للنقل وإن كانت شرطا في كل علم عقلي أو سمعي وما كان شرطا في الشيء امتنع ~~أن يكون منافيا له # وإن أردت العلم والمعرفة الحاصل بالعقل # قيل لك ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن ~~المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما ~~به يعلم صدق الرسول من العقليات وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق ~~الرسول بل ذلك يعلم بالآيات والبراهين الدالة على صدقه # فعلم أن جميع المعقولات ليس أصلا للنقل لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها ~~ولا بمعنى توقف ثبوته في نفس الأمر عليها لا سيما وأكثر متكلمي أهل الإثبات ~~كالأشعري في أحد قوليه وأكثر أصحابه يقولون إن PageV03P800 @ العلم بصدق ~~الرسول عند ms245 ظهور المعجزات الحادثة التي تجري مجرى تصديق الرسول بالقول علم ~~ضروري فحينئذ فما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير ~~مع أن العلم بصدقه له طرق كثيرة متنوعة # وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات مالا يتوقف العلم بصحة السمع ~~عليه لم يكن القدح فيه قدحا في أصل السمع وهذا بحمد الله بين واضح وليس ~~القدح في بعض العقليات قدحا في جميعها كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات ~~قدحا في جميعها فلا يلزم من صحة المعقولات التي يبنى عليها معرفتنا بالسمع ~~صحة غيرها من المعقولات ولا من فساد هذه فساد تلك فلا يلزم من تقديم السمع ~~على ما يقال إنه معقول في الجملة القدح في أصله PageV03P801 @ # الوجه الخامس بيان أن من علم صدق الرسول استحال أن يكون عنده دليل يعارض ~~ما أخبر به # أن يقال العقل إما أن يكون عالما يصدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس ~~الأمر وإما أن لا يكون عالما بذلك وإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنه لأن ~~المعقول إن كان معلوما له لم يتعارض معلوم ومجهول وإن لم يكن معلوما لم ~~يتعارض مجهولان وإن كان عالما بصدق الرسول امتنع أن لا يعلم ثبوت ما أخبر ~~به في نفس الأمر إذا علم أنه أخبر به وهو عالم بصدقه لزم ضرورة أن يكون ~~عالما بثبوت مخبره وإن كان كذلك استحال أن يقع عنده دليل يعارض ما أخبر به ~~ويكون ذلك المعارض واجب التقديم # إذ مضمون ذلك أن يقال لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به لأن هذا ~~الإعتقاد ينافي ما علمت به أن المخبر صادق وحقيقة ذلك لا تصدقه في هذا ~~الخبر لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه فيقول وعدم تصديقي له فيه هو عين ~~اللازم المحذور # فإذا قيل لي لا تصدقه لئلا يلزم عدم تصديقه كان كما لو قيل كذبه لئلا ~~يلزم تكذيبه فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علموا أنه ~~أخبر به بعد علمهم أنه رسول ms246 لئلا يفضي تصديقهم إلى عدم تصديقه يوضحه ~~PageV03P802 @ # الوجه السادس # وهو أن المنهي عنه من قبول هذا الخبر وتصديقه فيه هو عين المحذور فيكون ~~واقعا في المنهي عنه سواء أطاع أو عصى ويكون تاركا للمأمور به سواء أطاع أو ~~عصى ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير الطاعة أعجل وأسبق منه على ~~تقدير المعصية والمنهي عنه على هذا التقدير هو التصديق والمأمور به هو ~~التكذيب وحينئذ فلا يجوز النهي عنه سواء كان محذورا أو لم يكن فإن لم يكن ~~محذورا لم يجز أن ينهى عنه وإن كان محذورا فلا بد منه على التقديرين فلا ~~فائدة في النهي عنه # الوجه السابع بيان أن من نتائج هذا القول أن لا يستفاد من الرسول شيئا في ~~الأمور الخبرية # إنه إذا قيل له لا تصدقه في هذا كان أمرا له بما يناقض ما علم به صدقه ~~وكان أمرا له بما يوجب ألا يثق بشيء من خبره فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في ~~خبر جوز ذلك في غيره ولهذا آل الأمر بمن سلك هذه الطريق إلى أنهم لا ~~يستفيدون من جهة الرسول شيئا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله سبحانه ~~وأفعاله بل وباليوم الآخر عند بعضهم لاعتقادهم أن هذه الأخبار على ثلاثة ~~أنواع أنواع خبر الرسول عند المتكلمين # نوع يجب رده وتكذيبه ونوع يجب تأويله وإخراجه عن حقيقته ونوع يقر ~~PageV03P803 @ # وليس لهم في ذلك أصل يرجعون إليه بل هذا يقول ما أثبته عقلك فأثبته وما ~~نفاه عقلك فانفه وهذا يقول ما أثبته كشفك فأثبته وما لا فلا # ووجود الرسول عندهم كعدمه في المطالب الإلهية ومعرفة الربوبية بل على ~~قولهم وأصولهم وجوده أضر من عدمه لأنهم لم يستفيدوا من جهته علما بهذا ~~الشأن واحتاجوا إلى دفع ما جاء به إما بتكذيب وإما بتأويل وإما بإعراض ~~وتفويض # فإن قيل لا يمكن أن يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل فإنه منزه عن ذلك وهو ~~ممتنع عليه # قيل هذا إقرار باستحالة معارضة العقل للسمع واستحالة المسألة وعلم أن ~~جميع ms247 أخباره لا يناقض العقل فيها شيء # ( فغدا النقل سالما من مناف % واسترحنا من الصداع جميعا ) # فإن قيل بل المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهم بظاهر اللفظ وليست ~~ثابتة بين العقل وبين نفس ما أخبر به الرسول فالمعارضة ثابتة بين العقل ~~وبين ما يظهر أنه دليل PageV03P804 @ وليس بدليل وأن يكون دليلا ظنيا لتطرق ~~الظن إلى بعض مقدماته إسنادا أو متنا # قيل وهذا يرفع صورة المسألة ويحيلها بالكلية وتصير صورتها هكذا إذا تعارض ~~الدليل العقلي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقلي # وهذا كلام لا فائدة فيه ولا حاصل له وكل عاقل يعلم أن الدليل لا يترك لما ~~ليس بدليل ثم يقال إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر بل ~~اعتقاد دلالته جهل أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل فإن كان السمعي في نفس ~~الأمر كذلك لكونه خبرا مكذوبا أو صحيحا وليس فيه ما يدل على معارضة القول ~~بوجه وأثبتم التعارض والتقديم بين هذين النوعين فساعدناكم عليه وكنا بذلك ~~منكم فإنا أشد نفيا للأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأشد إبطالا لما تحمله من المعاني الباطلة وأولى بذلك منكم # وإن كان الدليل السمعي صحيحا في نفسه ظاهر الدلالة بنفسه على المراد لم ~~يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة ومقدمات كاذبة إذا تأملها ~~العاقل حق التأمل ومشى إلى آخرها وجدها مخالفة لصريح المعقول وهذا ثابت في ~~كل دليل عقلي خالف دليلا سمعيا صحيح PageV03P805 @ الدلالة وحينئذ فإذا ~~عارض هذا المسمى دليلا عقليا السمع وجب إطراحه لفساده وبطلانه # ولبيان العلم ببطلانه طريقان كلي وجزئي # أما الكلي فنقطع بأن كل دليل عقلي خالف السمعي الصريح الصحيح فهو باطل في ~~نفسه مخالف للعقل قبل أن ينظر في مقدماته # أما الجزئي فإنك إذا تأملت جميع ما يدعوك به معارض السمع وجدته ينتهي إلى ~~مقدمات باطلة بصريح العقل لكن تلقاها معود عن معود فظنوها عقليات وهي في ~~التحقيق جهل مركب وحينئذ فالواجب تقديم الدليل السمعي للعلم بصحته وما ~~عارضه ms248 فإما معلوم البطلان وإما غير معلوم الصحة وذلك أحسن أحواله # الوجه الثامن بيان بطلان قولهم أن الدليل السمعي ليس بدليل في نفس الأمر # إنه إذا اعتقد في الدليل السمعي أنه ليس بدليل في نفس الأمر بل اعتقاد ~~دلالته على مخالف ما زعمتوه من العقل جهل أمكن اتباع الرسل المصدقين بما ~~جاؤوا به أن يعتقدوا في أدلتكم العقلية أنها ليست بأدلة في نفس الأمر وأن ~~اعتقاد دلالتها جهل ويرمون أدلتكم بما رميتم به PageV03P806 @ الأدلة ~~السمعية ثم الترجيح من جانبهم من وجوه متعددة وكانوا في هذا الرمي أحسن ~~حالا منكم وأعذر # فإن معهم من البراهين الدالة على صحة ما أخبر به السمع إجمالا وتفصيلا من ~~المعقول أصح مما معكم ولا تذكرون معقولا يعارض ما ورد به الوحي إلا ومعهم ~~معقول أصح منه يصدقه ويؤيده # الوجه التاسع بيان أنه لو قدر تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع # أن يقال لو قدر تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لأن العقل قد صدق ~~الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر ~~به ولا العلم بصدق الشرع موقوف على كل ما يخبر به العقل ومعلوم أن هذا ~~المسلك إذا سلك أصح من مسلكهم كما قال بعض أهل الإيمان يكفيك من العقل أن ~~يعرفك صدق الرسول ومعاني كلامه ثم يخلي بينك وبينه # وقال آخر العقل سلطان ولى الرسول ثم عزل نفسه ولأن العقل دل على أن ~~الرسول يجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ولأن العقل يدل على صدق ~~الرسول دلالة عامة مطلقة ولا يدل على صدق قضايا نفسه دلالة عامة ولأن العقل ~~يغلط كما يغلط الحس وأكثر من غلطه بكثير فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ~~ويعرض فيه من الغلط ما يعرض فما الظن بالعقل PageV03P807 @ الوجه العاشر ~~بيان # إن العقل مع الوحي كالعامي المقلد مع المفتي العالم بل ودون ذلك بمراتب ~~كثيرة لا تحصى فإن المقلد يمكنه أن يصير عالما ولا يمكن للعالم أن يصير ~~نبيا رسولا فإذا ms249 عرف المقلد عالما فدل عليه مقلدا آخر ثم اختلف المفتي ~~والدال فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون المقلد الذي دله وعرفه ~~بالمفتي # فلو قال له الدال الصواب معي دون المفتي لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفت ~~فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفت فلزم القدح في ~~فرعه فيقول له المستفتي أنت لما شهدت بأنه مفت ودللت على ذلك شهدت بوجوب ~~تقليده دون تقليدك كما شهد به دليلك وموافقتي لك في هذا العلم المعين لا ~~تستلزم موافقتك في كل مسألة وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك ~~لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت وأنت إذا علمت أنه مفت باجتهاد واستدلال ~~ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئا الاجتهاد PageV03P808 @ والاستدلال ~~الذي خالفت به من يجب عليك تقليده واتباع قوله وإن أصبت في الاجتهاد ~~والاستدلال الذي به علمت أنه مفت مجتهد يجب عليك تقليده هذا مع علمه بأن ~~المفتي يجوز عليه الخطأ والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا ~~يجوز عليه الخطأ # الوجه الحادي عشر بيان # إن الدليل الدال على صحة الشيء أو ثبوته أو عدالته أو قبول قوله لا يجب ~~أن يكون أصلا له بحيث إذا قدم قول المشهود له والمدلول عليه على قوله يلزم ~~إبطاله وهذا لا يقوله من يدري ما يقول غاية ما يقال إن العلم بالدليل أصل ~~للعلم بالمدلول فإذا حصل العلم بالمدلول لم يلزم من ذلك تقديم الدليل عليه ~~في كل شيءفإذا شهد الناس لرجل بأنه خبير بالطب أو التقويم أو العيافة دونهم ~~ثم تنازع الشهود والمشهود له في ذلك وجب تقديم قول المشهود له فلو قال نحن ~~شهدنا لكم وزكيناكم وبشهادتنا ثبتت أهليتكم فتقديم قولكم علينا والرجوع ~~إليكم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولكم # قالوا لهم أنتم شهدتم بما علمتم أنا أهل لذلك دونكم وأن أقوالنا فيه ~~مقبولة دون أقوالكم فلو قدمنا PageV03P809 @ قولكم على أقوالنا فيما ~~اختلفنا فيه لكان ذلك قدحا ms250 في شهادتكم وعلمكم بأنا أعلم منكم وحينئذ فهذا # وجه ثاني عشر بيان أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع # مستقل بكسر هذا الطاغوت وهو أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في ~~العقل والشرع لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه وأنه لا نسبة له إليه ~~وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل أو تلك ~~التي تعلق بالأصبع بالنسبة إلى البحر فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحا ~~في شهادته وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله فتقديم العقل على الوحي يتضمن ~~القدح فيه وفي الشرع وهذا ظاهر لا خفاء به يوضحه # الوجه الثالث عشر بيان أن الشرع وحي من عند الله لا مجال للعقل فيه # وهو أن الشرع مأخوذ عن الله بواسطة الرسولين الملكي والبشري بينه وبين ~~عباده مؤيدا بشهادة الآيات وظهور البراهين على ما يوجبه العقل ويقتضيه تارة ~~ويستحسنه تارة ويجوزه تارة ويكع عن دركه تارة ولا سبيل له إلى PageV03P810 ~~@ الإحاطة به ولا بد له من التسليم والانقياد لحكمه والإذعان والقبول وهناك ~~يسقط لم ويبطل كيف ويزول هلا ويذهب لو وليت في الريح لأن هذه المواد عن ~~الوحي محبوسة واعتراض المعترض عليه مردود واقتراح المقترح ما يظن أنه أولى ~~منه سفه وجهل فالشريعة مشتملة على أعلى أنواع الحكمة علما وعملا التي لو ~~جمعت حكم جميع الأمم ونسبت إليها لم يكن لها إليها نسبة وهي متضمنة لأعلى ~~المطالب بأقرب الطرق وأتم البيان فهي متكفلة بتعريف الخليقة ربها وفاطرها ~~المحسن إليها بأنواع الإحسان بأسمائه وصفاته وأفعاله وتعريف الطريق الموصل ~~إلى رضاه وكرامته والداعي لديه وتعريف حال السالكين بعد الوصول إليه ويقابل ~~هذه الثلاثة تعريفهم حال الداعي إلى الباطل والطرق الموصلة إليه وحال ~~السالكين تلك الطرق وإلى أين تنتهي بهم ولهذا تقبلها العقول الكاملة أحسن ~~تقبل وقابلتها بالتسليم والإذعان واستدارت حولها بحماية حوزتها والذب عن ~~سلطانها # فبين ناصر باللغة السائغة وحام بالعقل الصريح PageV03P811 @ وذاب عنه ~~بالبراهين ومجاهد بالسيف والرمح والسنان ومتفقه في ms251 الحلال والحرام ومعني ~~بتفسير القرآن وحافظ لمتون السنة وأسانيدها ومفتش عن أحوال رواتها وناقد ~~لصحتها من سقيمها ومعلولها من سليمها فهي الشريعة ابتداؤها من الله ~~وانتهاؤها إليه فمنه بدأت وإليه تعود ليس فيها حديث المنجم في تأثيرات ~~الكواكب وحركات الأفلاك وهيآتها ومقادير الأجرام ولا حديث التربيع والتثليث ~~والتسديس والمقارنة ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها واشتباك ~~الاستقصات وامتزاجها وقواها وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ~~PageV03P812 @ وما الفاعل منها وما المنفعل وكم درجاتها وإلى أين تسري ~~قواها ولا فيها حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها ~~وسطوحها وأجسامها وأضلاعها وزواياها ومعاطفها وما الكرة وما الدائرة وما ~~الخط المستقيم والمنحني ولا فيها هذيان المنطقيين وتحذلقهم في النوع والجنس ~~والفصل والخاصة والعرض العام PageV03P813 @ # والمقولات العشر PageV03P814 @ والمختلطات والموجهات الصادرة عن رجل مشرك ~~من يونان كان يعبد الأوثان ولا يعرف الرحمن ولا يصدق بمعاد الأبدان ولا أن ~~الله يرسل رسولا بكلامه إلى نوع الإنسان فجعل هؤلاء المعارضين بين العقل ~~والنقل عقل هذا الرجل عيارا على كتب الله المنزلة وما أرسل به رسله فما ~~زكاه منطقه وآلته وقانونه الذي وضعه بعقله قبلوه وما لم يزكه تركوه ولو ~~كانت هذه الأدلة التي أفسدت عقول هؤلاء وأتباعهم صحيحة لكان صاحب ~~PageV03P815 @ الشريعة يقوم شريعته بها ويكملها باستعمالها وكان الله ~~سبحانه يثيبه عليها ويحض على التمسك بها ويتقدم إلى عباده بالتمسك بها ~~وبعلمها وتعليمها ويفرض عليهم القيام بها # فيا للعقول التي لم يخسف بها أين الدين من الفلسفة وأين كلام رب العالمين ~~إلى آراء اليونان والمجوس وعباد الأصنام والصابئين وأين المعقولات المؤيدة ~~بنور النبوة إلى المعقولات المتلقاة عن أرسطو وأفلاطون والفارابي وبن سينا ~~وأتباع هؤلاء ممن لا يؤمن بالله ولا صفاته ولا أفعاله ولا ملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر وأين العلم المأخوذ عن الوحي النازل من عند رب العالمين ~~من الشبه المأخوذة عن آراء المتهوكين والمتحيرين فإن أدلوا بالعقل فلا عقل ~~أكمل من عقول ورثة الأنبياء وإن أدلوا برؤسائهم وأئمتهم كفرعون ونمرود ~~PageV03P816 @ وبطليموس وأرسطاطاليس ومقلدتهم وأتباعهم فلم يزل ms252 أعداء الرسل ~~يعارضونهم فهؤلاء وأمثالهم يقدمون عقولهم على ما جاؤوا به ويالله العجب كيف ~~يعرض قول الرسول بقول الفيلسوف وعلى الفيلسوف أن يتبع الرسل وليس على الرسل ~~أن تتبع الفيلسوف فالرسول مبعوث والفيلسوف مبعوث إليه والوحي حاكم والعقل ~~محكوم عليه ولو كان العقل يكتفي به لم يكن للوحي فائدة ولا غنى على أن ~~منازل الخلق متفاوتة في العقل أعظم تفاوت وأبصارهم مختلفة وليس العقل بأسره ~~في واحد من الناس أو طائفة معينة حتى يكون تقديم عقولهم على ما جاءت به ~~الرسل بل لكل طائفة معقول مخالف معقول الأخرى فمن أظلم وأشد عداوة للرسل ~~ممن جوز لكل طائفة من طوائف العقلاء أن يقدم عقولها على ما جاءت به الرسل ~~فإن قالوا PageV03P817 @ إنما نقدم العقل الصريح الذي لم يختلف فيه اثنان ~~على نصوص الأنبياء فقد رموا الأنبياء بما هم أبعد الخلق منه وهو أنهم جاؤوا ~~بما يخالف العقل الصريح الذي لا يختلف فيه اثنان وهذا وقد شهد الله وكفى به ~~شهيدا وشهد بشهادته الملائكة وأولو العلم أن طريقة الرسل هي الطريقة ~~البرهانية المتضمنة للحكمة كما قال تعالى @QB@ يا أيها الناس قد جاءكم ~~برهان من ربكم @QE@ النساء 174 # وقال @QB@ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة @QE@ 113 # فالطريقة البرهانية هي الواردة بالوحي الناطقة بالرشد الداعية إلى الخير ~~الواعدة بحسن المآب المبينة لحقائق الأنبياء المعرفة بصفات رب الأرض ~~والسماء وأن التقليدية التخمينية الخرصية هي المأخوذة من المقدمتين ~~والنتيجة والدعوى التي ليس مع أصحابها إلا الرجوع إلى رجل من يونان كان ~~يعبد الأوثان ويجحد الرحمن PageV03P818 @ فوضع بعقله قانونا يصحح به بزعمه ~~علوم الخلائق وعقولهم فلم يستفد به عاقل تصحيح مسألة واحدة في شيء من علوم ~~بني آدم بل ما وزن به علم إلا أفسده وما برع فيه أحد إلا انسلخ من حقائق ~~الإيمان كانسلاخ القميص عن الإنسان فما استفيد بهذا العقل العائل إلا تعطيل ~~الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله وعن أفعاله والكفر بملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر ومن العجب أن هؤلاء الأوقاح جعلوا نصوص الأنبياء من ms253 باب ~~الظنون وهي من الوحي وجعلوا كلمات المنطقيين وقواعد الفلاسفة والجهمية من ~~باب اليقين ثم عارضوا بينهما وقدموا هذا على نصوص الأنبياء فالشريعة ظهرت ~~من الله على لسان أكمل الخلق عقلا وأعظمهم معرفة وأتمهم يقينا وعقلياتكم ~~ظهرت من جهة رجال فكروا وقدروا وظنوا وخرصوا وتعبوا وما أغنوا ونصبوا وما ~~أخذوا وحاموا وما وردوا ونسجوا فهلهلوا ومشطوا ففلفلوا # سافروا في درك المطالب العالية على غير الطريق فما PageV03P819 @ ربحوا ~~إلا أذى السفر وبعثوا في البلاد بغير دليل فلم يقفوا للمطلوب على عين ولا ~~أثر # ( رضوا بالدعاوى وابتلوا بخيالهم % وخاضوا بحار الفكر والقوم ما ابتلوا ) # ( فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم % وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا ) # ( لهم كل وقت حيرة بعد حيرة % وجهل على جهل فلا بورك الجهل ) # الوجه الرابع عشر بيان أنه رغم ما وقع في الأمة من اختلاف فلم يقل أحد ~~منهم بتقديم العقل على الشرع # إن الأمة اختلفت ضروبا من الاختلاف في الأصول والفروع وتنازعوا فنونا من ~~التنازع في المشكل من الأحكام والحلال والحرام والتفسير والتأويل والأخبار ~~وتفرقت في آرائها ومذاهبها ومقالاتها فصارت أصنافا وفرقا كالخوارج والشيعة ~~والمرجئة والمعتزلة فما فزعت طائفة من طوائف الأمة في اختلافها إلى منطق ~~ولا فيلسوف ولا إلى عقل يخالف صريح النقل ولا قالت طائفة من هذه الطوائف ~~عقولنا مقدمة على ما جاء به الرسول وإن أشقوا مذاهبهم بالتأويل بما جاء به ~~فلم تقدم طائفة منهم على ما أقدمت عليه هذه الفرقة وقالوا العقل أولى ~~بالاتباع مما جاء به PageV03P820 @ الرسول ولا قالت فرقة من هذه الفرق ~~لأصحاب هذه المعقولات أعينونا بما عندكم وأشهدوا لنا وعلينا بما قبلكم ولا ~~حققت مقالتها بشهادتهم ولا استعانت بطريقتهم ولا وجدت عندها علما ومعرفة لم ~~تجده في كتاب ربها وسنة نبيها وكما لم تجد أحدا من فرق هذه الأمة يفزع إلى ~~أرباب هذه العقول في شيء من دينها فلذلك كانت أمة موسى وعيسى لم تعول على ~~هؤلاء في شيء من أمر دينها بل ما زال أهل الملل ms254 يحذرون من هؤلاء أشد ~~التحذير وينفرون منهم أشد التنفير علما بأنهم سوس الملل وأعداء الرسل وأنت ~~إذا تأملت أصول الفرق الإسلامية كلها وجدتها متفقة على تقديم الوحي على ~~العقل ولم يؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها عليه هؤلاء من تقديم آرائهم ~~وعقولهم على نصوص الوحي فإن هذا أساس طريقة أعداء الرسل فهم متفقون على هذا ~~الأصل ومنهم أخذ وعنهم تلقي كما حكى الله سبحانه عنهم في كتابه أنهم عارضوا ~~شرعه ودينه بآرائهم وعقولهم ولكن الفرق بينهم وبين هؤلاء أن أولئك جاهروا ~~بتكذيب الرسل ومعاداتهم وهؤلاء أقروا برسالاتهم وانتسبوا في الظاهر إليهم ~~ثم نقضوا ما أقروا به وقالوا يجب تقديم عقولنا وآرائنا على ما جاؤوا به فهم ~~أعظم ضررا على الإسلام وأهله من أولئك لأنهم انتسبوا إليه وأخذوا في هدم ~~قواعده وقلع أساسه وهم يتوهمون ويوهمون أنهم ينصرونه PageV03P821 @ # الوجه الخامس عشر بيان أن الفرق بين هؤلاء وبين الرسل أعظم بكثير من ~~الفرق بين أجهل الناس وبين هؤلاء # إن التفاوت الذي بين الرسل وبين أرباب هذه المعقولات أعظم بكثير من ~~التفاوت الذي بين هؤلاء وبين أجهل الناس على إلإطلاق فإن هذا الجاهل يمكنه ~~مع الطلب والتعليم أن يصير عالما بما عند هؤلاء ولا يمكن أشد هؤلاء حرصا ~~وذكاء وقوة وفراغا أن يصير نبيا فإن النبوة خاصة من الله يختص بها من يشاء ~~من عباده لا تنال بكسب ولا باجتهاد فإذا علم الإنسان بعقله أن هذا الرسول ~~وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينافي خبره كان الواجب عليه أن يسلم ~~لما أخبر به الصادق الذي هو أعلم منه وينقاد له ويتهم عقله ويعلم أن عقله ~~بالنسبة إليه أقل من عقل أجهل الخلق بالنسبة إليه هو وأن التفاوت الذي ~~بينهما في العلم والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه أعظم بكثير ~~كثير من التفاوت الذي بين من لا خبرة له بصناعة الطب ومن هو أعلم أهل زمانه ~~بها فيا لله العجب إذا كان عقله يوجب عليه أن ينقاد لطبيب يهودي فيما يخبر ~~به من ms255 قوى الأدوية والأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات وصفاتها وكمياتها ~~ودرجاتها مع ما عليه في ذلك من الكلفة والألم ومقاساة المكروهات لظنه أن ~~هذا اليهودي أعلم بهذا الشأن منه وأنه إذا صدقه كان في تصديقه حصول الشفاء ~~والعافية PageV03P822 @ مع علمه بأنه يخطىء كثيرا وأن كثيرا من الناس لا ~~يشفى بما يصفه الطبيب بل يكون استعماله لما يصفه سببا من أسباب هلاكه وأن ~~أسباب الموت أغلاط الأطباء فكم لهم من قتيل أسكنوه المقابر بغلطهم وخطئهم ~~وإن كان خطأ الطبيب إصابة المقادير وكيف لا يسلك هذا المسلك مع الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم وهم الصادقون المصدقون ولا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ~~ما أخبروا به والذين عارضوا أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال المركب ~~والبسيط ما لا يحصيه إلإ من هو بكل شيء محيط # الوجه السادس عشر بيان أن تقديم العقل على النقل ممتنع متناقض # أن يقال تقديم العقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض وأما تقديم الأدلة ~~الشرعية فهو ممكن مؤتلف فوجب الثاني وامتنع الأول بيانه أن يكون الشيء ~~معلوما بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس هو صفة لازمة لشيء من الأشياء بل هو ~~من الأمور النسبية الإضافية فإن زيدا قد يعلم بعقله مالا يعلمه بكر بعقله ~~وقد يعلم الأنسان في حال تعقله ما يجهله في وقت آخر والمسائل التي يقال قد ~~تعارض فيها العقل والشرع جميعا قد اضطرب فيها أرباب العقل ولم يتفقوا فيها ~~على أمر واحد بل كل منهم يقول إن العقل أثبت أو أوجب أو سوغ ما يقول الآخر ~~أن العقل نفاه PageV03P823 @ أو أحاله أو منع منه بل قد آل الأمر بينهم إلى ~~التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية فيقول هذا نحن نعلم بالضرورة ~~العقلية ما يقول الآخر إنه غير معلوم بالضرورة العقلية وأبلغ من هذا أن ~~يدعي بعضهم أن هذا محال بضرورة العقل فيدعي الآخر أنه ممكن بضرورة العقل ~~فأكثر العقلاء يقولون نحن نعلم بضرورة العقل امتناع رؤيا مرئي من غير ~~معاينة ومقابلة ويقول آخرون من المنتسبين إلى ms256 المعقولات بل ذلك ممكن لا ~~يحيله العقل # ويقول أكثر العقلاء نحن نعلم أن حدوث حادث بلا سبب حادث ممتنع ويقول ~~آخرون بل ذلك ممكن # ويقول أكثر العقلاء إن كون العالم عالما بلا علم وحيا بلا حياة ومريدا ~~بلا إرادة وسميعا بصيرا بلا سمع ولا بصر محال بضرورة العقل وآخرون يقولون ~~بل هو ممكن غير مستحيل بل هو الواجب في حق الله عز وجل # ويقول جمهور العقلاء أن يكون المعنى الواحد أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ~~ممتنع في ضرورة العقل # وآخرون يقولون هو ممكن واقع # وجمهور العقلاء يقولون إن إثبات موجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما ~~مباينا للآخر ولا محايثا له ولا داخلا PageV03P824 @ فيه ولا خارجا عنه ولا ~~متصلا به ولا منفصلا عنه مكابرة لصريح العقل وآخرون يقولون بل هو ممكن واجب ~~في العقل # وجمهور العقلاء يقولون إن إثبات كون المريد مريدا بإرادة لا في محل ممتنع ~~في ضرورة العقل وآخرون ينازعونهم في ذلك وجمهور العقلاء يقولون إن الحروف ~~والأصوات من المتكلم الواحد مقترنة بعضها ببعض في آن واحد محال بضرورة ~~العقل # وآخرون يقولون بل هو ممكن بل واجب في حق القديم إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا ~~فلو قيل بتقديم العقل على نصوص الوحي وهذا شأن العقل لزم المحال واجتماع ~~النقيضين أو أحيل الناس على شيء لا سبيل لهم إلى ثبوته ومعرفته # وأما الوحي فهو قول الصادق وهو صفة لازمة لا تختلف باختلاف أحوال الناس ~~والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن ولهذا جاء الوحي من الله سبحانه برد ~~الناس عند التنازع إلى كتابه وسنة رسوله كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا @QE@ النساء 59 PageV03P825 @ # فأمر المؤمنين عند التنازع بالرد إلى كتابه وسنة رسوله وهذا نص في تقديم ~~السمع # قال هؤلاء بل الواجب الرد إلى العقل ورد السمع إن عارضه ولو رد الناس ~~الأمر عند النزاع إلى عقول ms257 الرجال وآرائهم ومقاييسهم لم يزدهم هذا الرد إلا ~~اختلافا واضطرابا وشكا وارتيابا فلا يمكن الحكم بين الناس في موارد النزاع ~~والاختلاف على الإطلاق إلا بكتاب منزل من السماء يرجع الجميع إلى حكمه وإلا ~~فكل واحد من أرباب المعقولات يقول عقلي أولى بالثقة به من عقل منازعي وهذا ~~يدلي بمعقول وهذا يدلي بمعقول # الوجه السابع عشر بيان أن الله قد أتم الدين بنبيه ولم يحوج الأمة بعده ~~إلى عقل ولا نقل سواه # إن الله سبحانه قد تمم الدين بنبيه صلى الله عليه وسلم وأكمله به ولم ~~يحوجه ولا أمته بعده إلى عقل ولا نقل سواه ولا رأي ولا منام ولا كشوف قال ~~تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا @QE@ المائدة 3 # وأنكر على من لم يكتف بالوحي عن غيره فقال @QB@ أو لم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون @QE@ العنكبوت ~~51 PageV03P826 @ # ذكر هذا جوابا لطلبهم آية تدل على صدقه فأخبر أنه يكفيهم من كل آية فلو ~~كان ما تضمنه من الإخبار عنه وعن صفاته وأفعاله واليوم الآخر يناقض العقل ~~لم يكن دليلا على صدقه فضلا عن أن يكون كافيا وسيأتي في الوجه الذي بعد هذا ~~بيان أن تقديم العقل على النقل يبطل كون القرآن آية وبرهانا على صحة النبوة ~~والمقصود ان الله سبحانه تمم الدين وأكمله بنبيه وما بعثه به فلم يحوج أمته ~~إلى سواه فلو عارضه العقل وكان أولى بالتقديم منه لم يكن كافيا للأمة ولا ~~كان تاما في نفسه في مراسيل أبي داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى بيد ~~عمر بن الخطاب ورقة فيها شيء من التوراة فقال كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا ~~كتابا غير كتابهم أنزل على نبي غير نبيهم فأنزل الله عز وجل @QB@ أو لم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون @QE@ العنكبوت 51 PageV03P827 @ وقال سبحانه @QB@ فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ms258 لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ ( النساء 65 # فأقسم سبحانه بنفسه أنا لا نؤمن حتى نحكم رسوله في جميع ما شجر بيننا ~~وتتسع صدورنا بحكمه فلا يبقى منها حرج ونسلم لحكمه تسليما فلا نعارضه بعقل ~~ولا رأي ولا هوى ولا غيره فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن ~~هؤلاء الذين يقدمون العقل على ما جاء به الرسول وقد شهدوا هم على أنفسهم ~~بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه وقال تعالى @QB@ وما اختلفتم فيه ~~من شيء فحكمه إلى الله @QE@ الشورى 10 # وهذا نص صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردود إلى الله وحده وهو ~~الحاكم فيه على لسان رسوله فلو قدم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم ~~بوحيه وكتابه وقال تعالى @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء @QE@ الأعراف 3 PageV03P828 @ # فأمر باتباع الوحي المنزل وحده ونهى عن اتباع ما خالفه وأخبر سبحانه أن ~~كتابه بينة وشفاء وهدى ورحمة ونور وفضل وبرهان وحجة وبيان فلو كان في العقل ~~ما يعارضه ويجب تقديمه على القرآن لم يكن فيه شيء من ذلك بل كانت هذه ~~الصفات للعقل دونه وكان عنها بمعزل فكيف يشفي ويهدي ويبين ويفصل ما يعارضه ~~صريح العقل # الوجه الثامن عشر # إن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لايتصور أن يعارضه ~~الشرع البتة ولا يأتي بخلافه ومن تأمل ذلك في ما ينازع العقلاء فيه من ~~المسائل الكبار وجد ما خالفت النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم ~~بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للنقل فتأمل ذلك في ~~مسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد تجد ما يدل عليه صريح ~~العقل لم يخالفه سمع قط بل السمع الذي يخالفه إما أن يكون حديثا موضوعا أو ~~لا تكون دلالته مخالفة لما دل عليه العقل # ونحن نعلم قطعا أن الرسل لا يخبرون بمحال العقول PageV03P829 @ وإن ~~أخبروا بمحارات العقول فلا يخبرون بما يحيله العقل وإن أخبروا بما يحار ms259 فيه ~~العقل ولا يستقل بمعرفته ومن تأمل أدلة نفاة الصفات والأفعال والقدر ~~والحكمة والمعاد وأعطاها حقها من النظر العقلي علم بالعقل فسادها وثبوت ~~نقيضها ولله الحمد # الوجه التاسع عشر بيان أن ما ورد في الشرع مما يخالف العقل الصريح فهو ~~مكذوب # إن المسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والسمع من المسائل ~~المعلومة بصريح العقل كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات اليقينية # فلم يجيء في القرآن ولا في السنة حرف واحد يخالف العقل في هذا الباب وما ~~جاء من ذلك فهو مكذوب ومفترى كحديث إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق خيلا ~~فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق وحديث نزوله PageV03P830 @ عشية عرفة ~~على جمل أورق يصافح الركبان ويعانق المشاة # وكقول اليهود إنه سبحانه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وإنه ~~ندم على ذلك حتى عض أصابعه وإنه تبدى لإسرائيل وصارعه # وكقول النصارى إنه اتخذ مريم زوجة وأولدها عيسى فهي صاحبته وعيسى ابنه ~~تعالى الله عما يقول أعداؤه فيه علوا كبيرا وكقولهم إنه نزل عن كرسي عظمته ~~ودخل في فرج مريم والتحم بناسوت المسيح # وقول مشركي العرب إنه صاهر الجن فولدت له الملائكة وأمثال ذلك من الأقوال ~~المخالفة لصريح PageV03P831 @ العقل فكيف يجعل ما أثبته الله لنفسه في ~~كتابه من صفاته وأفعاله وما صح عن رسوله أنه أثبته له من علوه فوق سماواته ~~على عرشه واستوائه عليه وتكلمه وتكليمه وثبوت علمه وقدرته وحياته وسمعه ~~وبصره ووجهه الأعلى ورحمته وغضبه ورضاه وفرحه وضحكه ويديه التي يمسك ~~بإحداهما السماوات السبع وبالأخرى الأرضين السبع ثم يهزهن ونزوله كل ليلة ~~إلى سماء الدنيا ونحو ذلك من صفات كماله ونعوت جلاله كيف يجعل هذا بمنزلة ~~ذاك في مخالفة كل منهما لصريح العقل # ويجعل إثبات هذا كإثبات ذلك ووصفه بهذا كوصفه بذاك كما صرح به النفاة ~~وقالوا إن هذا تشبيه وتجسيم فلا فرق بينه وبين ذاك التشبيه والتجسيم فليبك ~~على عقله وما أصيب به من سوى بين الأمرين أحسن الله عزاءه في عقله ولا بورك ~~له ms260 في علم هذه غايته التي لا يرضاها أعظم الناس انغماسا في جهله ~~PageV03P832 @ # الوجه العشرون بيان أنه ليس هناك نص صحيح اجتمعت الأمة على خلافه # إنه لا يعلم آية من كتاب الله ولا نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في باب أصول الدين اجتمعت الأمة على خلافه وغاية ما يقدر اختلاف الأمة ~~في القول بموجبه ومن له خبرة بمذاهب الناس وأقوال السلف يعلم قطعا أن الأمة ~~اجتمعت على القول به قبل ظهور المخالف كما اجتمعت بأن الله مستو على عرشه ~~فوق سماواته وأن المؤمنين يرونه عيانا بالأبصار من فوقهم في الجنة وأنه ~~سبحانه كلم نبيه موسى منه إليه بلا واسطة تكليما سمع به كلامه ولم يشك أنه ~~هو الذي كان يكلمه # وأنه كتب مقادير الخلائق وقدرها قبل أن يخلقهم وأنه علم ما هم عاملوه قبل ~~أن يعملوه وأنه يحب ويبغض ويرضى ويغضب ويضحك ويفرح وأن له وجها ويدين # فهذا إجماع معلوم متيقن عند جميع أهل السنة والحديث فالعقل الذي يعارض ~~هذا لم تجمع عليه الأمة ولم يعرف عن رجل واحد من السلف والأئمة أنه قاله ~~وغايته أن يكون عقل فرقة من الفرق اشتقت لأنفسها مذهبا وادعت له معقولا ~~فلما صالت عليها نصوص الوحي التجأت إلى العقل وادعت أنه يخالفها وصدقت ~~وكذبت PageV03P833 @ # أما صدقها فإن نصوص الوحي تخالف معقولها هي وذلك من أدل دليل على فساده ~~في نفسه إذ شهدت له نصوص الوحي بالبطلان # وأما كذبها فزعمها أن نصوص الوحي تخالف العقل المتفق عليه بين العقلاء ~~فهذا لم يقع ولا يقع ما دامت السماء سماء والأرض أرضا بل تزول السماء ~~والأرض وهذا لا يكون فأي ذنب للنصوص إذا خالفت عقول بعض الناس فقد وافقت ~~عقول أصح الناس عقلا @QB@ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ الأنعام 89 # الوجه الحادي والعشرون بيان أن كل معقول خالف الإجماع فهو فاسد فكيف ~~بالكتاب والسنة # إن الأدلة السمعية هي الكتاب والسنة والإجماع وهو ms261 إنما يصار إليه عند ~~تعذر الوصول إليهما فهو في المرتبة الأخيرة ولهذا أخره عمر في كتابه إلى ~~أبي موسى حيث كتب إليه اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبما ~~في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن في السنة فبما قضى به ~~الصالحون قبلك وهذا السلوك PageV03P834 @ هو كان سلوك الصحابة والتابعين ~~ومن درج على آثارهم من الأئمة أول ما يطلبون النازلة من القرآن فإن أصابوا ~~حكمها فيه لم يعدوه إلى غيره وإن لم يصيبوها فيه طلبوها من سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن أصابوها لم يعدوها إلى غيرها وإن لم يصيبوها طلبوها ~~من اتفاق العلماء وقد صان الله الأمة أن تجمع على خطأ أو على ما يعلم ~~بطلانه بصريح العقل فإذا كان الإجماع معصوما أن ينعقد على ما يخالف العقل ~~الصريح بل إذا وجدنا معقولا يخالفه الإجماع علمنا قطعا أنه معقول فاسد فلأن ~~يصان كتاب الله وسنة رسوله عن مخالفة العقل الصريح أولى وأحرى # الوجه الثاني والعشرون بيان أن الواجب هو رد العقل إلى الكتاب لأنه معصوم # إنه إذا قدر تعارض العقل والكتاب فرد العقل الذي لم تضمن لنا عصمته إلى ~~الكتاب المعلوم العصمة هو الواجب # الوجه الثالث والعشرون بيان أن هؤلاء المتكلمين مقلدين لأئمتهم فكيف لا ~~يقلدون النبي المعصوم # إن هؤلاء الخائضين في صفات الرب وأفعاله وما يجوز عليه ومالا يجوز ~~بآرائهم وعقولهم تراهم مختلفين متنازعين حيارى متهوكين وحاصل ما مع أكثرهم ~~حسن PageV03P835 @ الظن بإمامه الذي سلك طريقته وتقليده في أصوله وهو يرى ~~بعقله خلافها ويستشكلها ويقر بأنها مشكلة جدا ثم ينكس على رأسه ويقول هو ~~أعلم بالمعقول مني # فنجد أتباع أرسطو الملحد المشرك عابد الأوثان يتبعونه فيما وضعه لهم من ~~قواعد المنطق الطبيعي والإلهي # وكثير منهم يرى بعقله نقيض ما قاله ولكن لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته ~~وينسب التقصير إلى فهمه والنقص إلى عقله لعظمة أرسطو في نفسه ولعلمه بأنه ~~أعقل منه وهكذا شأن جميع أرباب المقالات ms262 والمذاهب يرى أحدهم في كلام متبوعه ~~ومن يقلده ما هو باطل وهو يتوقف في رد ذلك لاعتقاده أن إمامه وشيخه أكمل ~~منه علما وأوفر عقلا هذا مع علمه وعلم العقلاء أن متبوعه وشيخه ليس بمعصوم ~~من الخطأ فهلا سلكوا هذا المسلك مع نبيهم ورسولهم المضمون له العصمة ~~المعلوم صدقه في كل ما يخبر به وهلا قالوا عقله أوفر من عقولنا وعلمه أصح ~~من علومنا فنحن ننكر كل معقول يخالفه ونرده ولا نقبله كما فعلوه مع شيوخهم ~~ومتبوعيهم ولكن PageV03P836 @ @QB@ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم @QE@ المائدة 41 # الوجه الرابع والعشرين بيان أن كل من كان قوله عن السمع أبعد كان قوله ~~أفسد واختلاف طائفته أشد # إن كل من أعرض عن السمع لظنه أن العقل يخالفه إذ لكون أدلته لا تفيد ~~اليقين أو لأنه خاطب الخلق خطابا جمهوريا تخييليا لا خطابا برهانيا تجد ~~بينهم من النزاع والتفرق والشهادة من بعضهم على بعض بالضلالة بحسب إعراضهم ~~عن السمع وكل من كان عنه أبعد كان قوله أفسد واختلاف طائفته أشد # فالمعتزلة أكثر اختلافا من متكلمة أهل الإثبات وبين البصريين والبغداديين ~~منهم من النزاع ما يطول ذكره والبصريون أقرب إلى الإثبات والسنة من ~~البغداديين فالبصريون يثبتون كونه سبحانه سميعا بصيرا حيا عالما قديرا ~~ويثبتون له الإرادة ولا يوجبون عليه الأصلح في الدنيا ويثبتون له الإرادة ~~ولا يوجبون عليه الأصلح في الدنيا ويثبتون خبر الواحد والقياس ولا يؤثمون ~~المجتهدين ثم بين المشايخية والحسينية من النزاع ما هو معروف PageV03P837 @ ~~وأما الشيعة فأعظم تفرقا واختلافا من المعتزلة حتى قيل إنهم يبلغون ثنتين ~~وسبعين فرقة وذلك لأنهم أبعد طوائف الملة عن السنة # وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع فتلاعب بالنبوات ولا تقف مع حدودها وقل ~~بعقلك ما شئت وقد صرت فيلسوفا حكيما وهم أعظم اختلافا من جميع طوائف ~~المسلمين واليهود والنصارى والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وبن سينا هي ms263 ~~فلسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب المنطق وبينه وبين سلفه من النزاع ما يطول ~~ذكره ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه # وأما سائر طوائف الفلاسفة فلو حكى لك اختلافهم في علم الهيئة وحده لرأيت ~~العجب العجاب هذا PageV03P838 @ والهيئة علم رياضي حسابي هو من أصح علومهم ~~فكيف باختلافهم في الطبيعيات فكيف بالإلهيات # واعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية ~~كما نقله الأشعري في كتاب مقالات غير الإسلاميين وبن الباقلاني في كتاب ~~الدقائق وفي هذين الكتابين من الاختلاف بينهم أضعاف ما ذكره الشهرستاني وبن ~~الخطيب والكتاب الذي اتفق عليه جمهورهم وهو المجسطي لبطليموس فيه قضايا ~~كثيرة لا يقوم عليها دليل صحيح وقضايا ينازعه فيها غيره وقضايا مبنية على ~~أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب وفيه قضايا برهانية صادقة وهذا من ~~أجود علومهم وأصحها PageV03P839 @ # وأما الطبيعيات ففيها من الاضطراب والاختلاف ما لا يكاد يحصى وهو أكثر من ~~أن يذكر هذا وهو أقرب إلى الحس من العلم الإلهي # وأما الإلهيات فإذا شئت مثالا يقرب إليك حالهم فمثلهم كمثل قوم نزلوا ~~بفلاة من الأرض في ليلة ظلماء فهجم عليهم العدو فقاموا في الظلمة هاربين ~~على وجوههم في كل ناحية ولا إله إلا الله كم لهم فيه من خبط وخرص وتخمين ~~وليسوا متفقين فيه على شيء أصلا وأساطينهم قد صرحوا بأنهم لا يصلون فيه إلى ~~اليقين وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأخلق ولهذا ظهر في السالكين خلفهم من ~~الحيرة والتوقف والاعتراف بأنهم لم يصلوا إلى شيء ما فيه عبرة لأهل الوحي ~~اتباع الرسل المقدمين لما نزل به الوحي على عقول هؤلاء وأشباههم وقد تقدم ~~إقرار الشهرستاني وبن الخطيب وبن أبي الحديد والخونجي والجويني وغيرهم على ~~أنفسهم بذلك وقد PageV03P840 @ قال بن رشد وهو من أعلم الناس بمذاهب ~~الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه تهافت التهافت ومن الذي قال في الإلهيات شيئا ~~يعتد به وهذا أفضل المتأخرين في زمانه أبو الحسن الآمدي واقف في المسائل ~~الكبار يذكر حجج الطوائف ويبقى واقفا حائرا لا إلى هؤلاء ms264 ولا إلى هؤلاء ~~@QB@ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا @QE@ النساء 88 # وهذا صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها من PageV03P841 @ فرط ذكائه ~~ومعرفته بالفلسفة والكلام ينتهي وقت الموت في هذه المسائل إلى الوقف ~~والحيرة ثم أعرض عن تلك الطرق واقبل على طريقة أهل الحديث وأقبل على صحيح ~~البخاري فمات وهو على صدره وحدثني شيخ الإسلام قال حكى لي بعض الأذكياء ~~وكان قد قرأ على أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة وهو بن واصل الحموي أنه ~~قال له الشيخ أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين أدلة هؤلاء ~~وأدلة هؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء ولهذا ذهب طائفة من أهل ~~الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة ومعناه أنها قد تكافأت وتعارضت فلم يعرف ~~الحق من الباطل وصدقوا وكذبوا # أما صدقهم فإن أدلتهم وطرقهم قد تكافأت وتصادمت حتى قال شاعرهم ~~PageV03P842 @ # ( ونظيري في العلم مثلي أعمى % فترانا في حندس نتصادم ) # ولقد صدق هذا الأعمى البصر والبصيرة ووصف حال القوم فأحسن والله الفقه ~~وعبر عن حالهم بأشد عبارة مطابقة بزمرة عميان قاموا في ليلة مظلمة يتهاوشون ~~ويتصادمون # وأما كذبهم فإن أدلة الحق وشبه الباطل لا تتكافأ حتى يتكافأ الضوء ~~والظلام والبياض والسواد والمسك وأنتن الجيف فسبحان من أعمى عن الحق بصائر ~~من شاء من خلقه كما أعمى عن الشمس أبصار من شاء منهم فالذنب لكلل البصائر ~~لا للحق كما أن الحجاب في تلك العيون لا في الشمس ولقد أحسن القائل في وصف ~~هؤلاء وبصائرهم أنها بمنزلة أبصار الخفاش تعجز عن ضوء النهار ولا تفتح ~~أعينها فيه ويلائمها ظلام الليل فتذهب فيه وتجيء ولهذا تجد أكثر هؤلاء لما ~~لم يتبين له الهدى في شيء من تلك الطرق نكص على عقبيه وخلع العذار ~~PageV03P843 @ ونزع قيد الشريعة من قلبه وأقبل على شهوات الغي في بطنه ~~وفرجه أو رياسته وماله فأقبل على اللذات وسماع المطربات ومعاشرة الصور ~~المستحسنات وذلك لخلو قلبه عن حقائق العلم والإيمان الذي بعث الله به رسوله ~~فلم يصل إليه ولا ms265 وصل من طرق أصحابه إلا إلى الشك والحيرة فهؤلاء هم الذين ~~عناهم الله سبحانه بقوله : @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس @QE@ ~~النجم 23 # فعلومهم ظنون @QB@ وإن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ النجم 28 # وإرادتهم هوى نفوسهم وعلومهم تدعو إلى إرادتهم وإرادتهم تدعو إلى علومهم ~~فإن اتباع الهوى يصد عن الحق ويضل عن سبيل الله فتولوا عن القرآن وآثروا ~~عاجل الدنيا وهؤلاء الذين أمر الله رسوله بالإعراض عنهم بعد إقامة الحجة ~~عليهم فقال تعالى : @QB@ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة ~~الدنيا ذلك مبلغهم من العلم @QE@ النجم 29 PageV03P844 @ # الوجه الخامس والعشرون # إن الله سبحانه لما أهبط الأبوين من الجنة عهد إليهما عهدا تناولهما ~~وتناول ذريتهما إلى يوم القيامة وضمن لمن تمسك بعهده أنه لا يضل ولا يشقى ~~ولمن أعرض عنه الضلال والشقاء فقال تعالى : @QB@ قال اهبطا منها جميعا ~~بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ ~~123 # قال بن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ~~ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية وقوله : @QB@ ومن أعرض عن ذكري @QE@ ~~طه 124 PageV03P845 @ # يتناول الذكر الذي أنزله وهو الهدى الذي جاءت به الرسل ويدل عليه سياق ~~الكلام وهو قوله @QB@ كذلك أتتك آياتنا فنسيتها @QE@ طه 126 # فهذا هو الإعراض عن ذكره فإذا كان هذا حال المعرض عنه فكيف حال المعارض ~~له بعقله أو عقل من قلده وأحسن الظن به فكما أنه لا يكون مؤمنا إلا من قبله ~~وانقاد له فمن أعرض عنه وعارضه من أبعد الناس عن الإيمان به # الوجه السادس والعشرون بيان كيف يكون عقل من أضله الله مقدما على كتاب ~~الله # إن طالب الهدى في غير القرآن والسنة قد شهد الله ورسوله له بالضلال فكيف ~~يكون ms266 عقل الذي قد أضله الله مقدما على كتاب الله وسنة رسوله قال تعالى في ~~أرباب العقول التي عارضوا بها وحيه : @QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله ~~الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد ~~الله أفلا تذكرون @QE@ الجاثية 23 # وقال @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله @QE@ الأنعام 153 PageV03P846 @ # وقال فيمن قدم عقله على ما جاء به @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ النجم 23 # والقرآن مملوء بوصف من قدم عقله على ما جاء به بالضلال # وروى الترمذي وغيره من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول ~~الله قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ~~PageV03P847 @ وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى ~~الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط ~~المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق على ~~كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء وهو الذي لم تنته الجن إذ ~~سمعته حتى قالوا : @QB@ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد @QE@ الجن 2 1 # من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعى إليه هدي إلى صراط ~~مستقيم # الوجه السابع والعشرون بيان أن هؤلاء قد شهدوا على أنفسهم بالحيرة والشك # إن ما عارض به هؤلاء نصوص الأنبياء من المعقولات قد شهدوا على أنفسهم ~~بالحيرة والشك فيها وأنهم لم يجزموا فيها بشيء ولم يظفروا منها بعلم ولا ~~يقين كما تقدم ذكر PageV03P848 @ اليسير منه عن أفاضلهم وشهد به عليهم ~~تناقضهم واضطرابهم واختلافهم فإن ما كان من عند غير الله لا بد أن يقع فيه ~~الاختلاف الكثير وشهد عليهم بذلك أتباع الرسول وشهد به عليهم من ms267 هو على كل ~~شيء شهيد وسيشهد به عليهم يوم القيامة من أنزل عليه : @QB@ فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا @QE@ النساء 41 # وشهد به عليهم نصوص الكتاب والسنة وشهد به عليهم أدلة العقول الصريحة ~~الموافقة للنصوص فهل عندهم مثل هؤلاء الشهود على صحة العقل الذي عارضوا به ~~نصوص الأنبياء نعم شهودهم أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس وبن سينا والفارابي ~~وجهم بن صفوان وأبو الهذيل العلاف والنظام وأوقاح الجهمية والمعتزلة ~~PageV03P849 @ وأفراخ الصابئين والمجوس ومن تعارضت عنده هذه البينات فلا ~~ننكر أن يتعارض عنده العقل والنقل وأن يقدم العقل على النقل # الوجه الثامن والعشرون بيان أن أهل القرآن هم أولو العقول والألباب # إن أصحاب القرآن والإيمان قد شهد الله لهم وكفى به شهيدا بالعلم واليقين ~~والهدى وأنهم على بصيرة وبينة من ربهم وأنهم هم أولو العقل والألباب ~~والبصائر وأن لهم نورا على نور وأنهم المهتدون المفلحون # قال تعالى في حق الذين يؤمنون بالغيب ولا يعارضونه بعقولهم وآرائهم @QB@ ~~الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ البقرة ~~5 1 # وقال @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي ~~إلى صراط العزيز الحميد @QE@ سبأ 6 PageV03P850 @ # وهذا دليل ظاهر أن الذي نراه معارضا للنقل ويقدم العقل عليه ليس من الذين ~~أوتوا العلم في قبيل ولا دبير ولا قليل ولا كثير # وقال @QB@ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى @QE@ الرعد ~~19 # وهذه شهادة من الله على عمى هؤلاء وهي موافقة لشهادتهم على أنفسهم ~~بالحيرة والشك وشهادة المؤمنين عليهم # وقال @QB@ الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح ~~في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره ms268 من ~~يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم @QE@ النور 35 # فأخبر سبحانه عن مثل نور الإيمان به وبأسمائه وصفاته وأفعاله وصدق رسله ~~في قلوب عباده وموافقة PageV03P851 @ ذلك لنور عقولهم وفطرهم التي أبصروا ~~بها نور الإيمان بهذا المثل المتضمن لأعلى أنواع النور المشهود وأنه نور ~~على نور # نور الوحي ونور العقل نور الشرعة ونور الفطرة نور الأدلة السمعية ونور ~~الأدلة العقلية # وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم @QE@ الشورى 52 # وقال تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا ~~يعملون @QE@ الأنعام 122 # وقال تعالى @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون @QE@ الأعراف 157 # وقال تعالى PageV03P852 @ @QB@ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ البقرة 257 # ثم أخبر سبحانه عن حال المعرضين عن هذا النور المعارضين للوحي بالعقل ~~بمثلين يتضمن أحدهما وصفهم بالجهل المركب والآخر بالجهل البسيط لأنهم بين ~~ناظر وباحث ومقدر ومفكر وبين مقلد يحسن الظن بهم فقال في الطائفتين : @QB@ ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي ~~يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم ~~يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ 39 # الوجه التاسع والعشرون # أن يقال إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل لأن الجمع بين المدلولين ~~جمع بين النقيضين PageV03P853 @ وإبطالهما معا إبطال للنقيضين وتقديم العقل ~~ممتنع لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول فلو ~~أبطلنا النقل ms269 لكنا قد أبطلنا دلالة العقل وإذا بطلت دلالته لم يصلح أن يكون ~~معارضا للنقل لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدليل فكان تقديم العقل ~~موجبا لعدم تقديمه فلا يجوز تقديمه وهذا بين جدا فإن العقل هو الذي دل على ~~صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق لمخبره فإما أن تكون هذه الدلالة صحيحة أو ~~باطلة فإن كانت صحيحة امتنع أن يكون في العقل ما يبطلها وإن كانت باطلة لزم ~~أن لا يكون العقل دليلا صحيحا وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يتبع بحال فضلا ~~عن أن يقدم على الدليل السمعي الصحيح فصار تقديم العقل على النقل قدحا في ~~العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه ~~والقدح فيه يمنع دلالته وذلك يمنع معارضته استحال تقديمه عند المعارضة لأن ~~تقديمه عند المعارضة يبطل المعارضة وذلك يحيل المسألة من أصلها يوضحه ~~PageV03P854 @ # الوجه الثلاثون بيان أن معارضة العقل لما دل العقل على أنه حق دليل على ~~تناقض دلالته # وهو أن يقال معارضة العقل لما دل العقل على أنه حق دليل على تناقض دلالته ~~وذلك يوجب فسادها وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا تعارضها وتناقضها في ~~نفسها وإن قدر أنه لم يعلم صحتها # وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ~~مالم يعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ما يعلم فساده وهذا كالشاهد إذا ~~علم كذبه وفسقه لم يجز تقديم شهادته على شاهد مجهول لم يعلم كذبه فكيف إذا ~~كان الشاهد الكاذب هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته والعقل إذا صدق ~~السمع في كل ما يخبر به ثم قال إنه أخبر بخلاف الحق قد شهد للسمع بأنه يجب ~~قبول قوله وشهد له بأنه لا يجوز قبول قوله وشهد بأن ما أخبر به ليس بحق ~~وشهد له بأن ما أخبر به حق وهذا قدح في شهادته مطلقا وفي تزكيته ولا تقبل ~~شهادته الأولى ولا الثانية يوضحه : # الوجه الحادي والثلاثون بيان أن السمع ms270 والعقل الصحيح قد شهدا ببطلان ~~العقل المخالف للسمع # إن الآيات والبراهين اليقينية والأدلة القطعية قد دلت على صدق الرسل ~~وأنهم لا يخبرون عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه إلا بالحق المحض ~~فهم صادقون فيما يبلغونه عن الله في الطلب والخبر وهذا أول درجات ~~PageV03P855 @ الإيمان فمتى علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم ~~جزما لا يحتمل النقيضين أنه حق وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما ~~أخبر به وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي لا عقلي ولا سمعي فإن كل ما يظن ~~أنه يعارضه من ذلك فهي حجج داحضة وشبه فاسدة من جنس شبه السفسطة والقرمطة ~~وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك وأنه ممتنع أن يعارض ~~خبره دليلا صحيحا كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما عارض ما أخبر به الرسول ~~فهو باطل فيكون هذا العقل الصحيح والسمع قد شهدا ببطلان العقل المخالف ~~للسمع # الوجه الثاني والثلاثون بيان أنه لا فرق بين الشبه المعارضة لأصل النبوة ~~والشبه المعارضة لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم # إن الشبهات القادحة في نبوات الأنبياء ووجود الرب ومعاد الأبدان التي ~~يسميها أصحابها حججا عقلية هي كلها معارضة للنقل وهي أقوى من الشبه التي ~~يدعي النفاة للصفات أنها معقولات خالفت النقل أو من جنسها أو قريبة منها ~~كما قيل PageV03P856 @ # ( دع الخمر يشربها الغواة فإنني % رأيت أخاها مغنيا بمكانها ) # ( فإن لا يكنها أو تكنه فإنه % أخوها غذته أمه بلبانها ) # فقد أورد على القدح في النبوات ثمانون شبهة أو أكثر وهي كلها عقلية وأورد ~~على إثبات الصانع سبحانه نحو أربعين شبهة كلها عقلية وأورد على المعاد نحو ~~ذلك والله يعلم أن هذه الشبه من شبه جنس نفاة الصفات وعلو الله على خلقه ~~وتكلمه وتكليمه ورؤيته بالأبصار عيانا في الآخرة لكن نفقت هذه الشبهة بجاه ~~نسبة أربابها إلى الرسول والإسلام وأنهم يذبون عن دينه وينزهون الرب عما لا ~~يليق به وإلا فعند التحقيق يسفر القاع عن فخ PageV03P857 @ كله ولا فرق ms271 بين ~~الشبه المعارضة لأصل نبوة الرسول والشبه المعارضة لما أخبر به الرسول # ومن تأمل هذا وهذا تبين له حقيقة الحال وربما وجد الشبه القادحة في أصل ~~النبوة أكثر من الشبه القادحة فيما أخبرت به الرسل فيقال لمن قدم المعقول ~~المعارض لما أخبر به الرسول هل تقدم المعقول المعارض لأصل الرسالة والنبوة ~~وأنت قد أوردته وأجبت عنه بما يعلم أن صدرك لم يثلج له فإن تلك الأجوبة ~~مبنية على قواعد قد اضطرب فيها قولك فمرة تثبتها ومرة تنفيها ومرة تقف فيها ~~أم تطرح تلك المعقولات وتهدرها وتشهد بفسادها فحينئذ فهلا سلكت في ~~المعقولات المعارضة لخبر الرسول ما سلكت في تلك وكانت السبيل واحدة # والطريق في ردها واضحة وأنت من أنصار الله ورسوله محام عن أصل الرسالة ~~وعما جاء به الرسول جازم له بعقلك لا تعارض خبره بعقلك وهذا في غاية الظهور ~~بحمد الله ولولا خشية الإطالة لذكرنا ما ذكره من الشبه العقلية القادحة في ~~إثبات الصانع ورسالة رسله وفي اليوم الآخر وفي الشبه القادحة في علوه على ~~خلقه وصفاته PageV03P858 @ وكلامه ورؤيته وعرضنا عليك الجميع ثم إليك الوزن ~~يوضحه : # الوجه الثالث والثلاثون بيان أن الذين أنكروا أصل النبوة قد استطالوا على ~~النفاة بتلك الشبه # وهو أن أرباب تلك الشبه إنما استطالوا على النفاة والجهمية بما ساعدوهم ~~عليه من تلك الشبه وقالوا كيف يكون رسولا صادقا من يخبر بما يخالف صريح ~~العقل وأنتم قد سلمتم لنا ذلك وساعدتمونا على أن خالق العالم لا يختص بمكان ~~ولا يتكلم ولا يرى ولا يشار إليه ولا ينتقل من مكان إلى مكان ولا تحله ~~الحوادث ولا له وجه ولا يد ولا إصبع ولا سمع ولا بصر ولا علم ولا حياة ولا ~~قدرة زائدة على مجرد ذاته ومن أصولنا وأصولكم أنه لم يقم بذاته فعل ولا وصف ~~ولا حركة ولا استواء ولا نزول ولا غضب في الحقيقة ولا رضا فضلا عن الفرح ~~والضحك # ونحن وأنتم متفقون في نفس الأمر على أنه لم يتكلم بهذا القرآن ولا ~~بالتوراة ولا ms272 بالإنجيل وإنما ذلك كلام الشيء عنه بإذنه عندكم وبواسطة العقل ~~الفعال عندنا ونحن وأنتم متفقون على أنه لم يتكلم به ولم يسمع منه ونحن ~~وأنتم متفقون على أنه لم يره ولا يراه ولم يسمع كلامه PageV03P859 @ ولا ~~يسمعه أحد وأن هذا محال فهو عندنا وعندكم بمنزلة كونه يأكل ويشرب وينام # فعند التحقيق نحن وأنتم متفقون على الأصول والقواعد التي نفت هذه الأمور ~~وهي بعينها تنفي صحة نبوة من أخبر بها فكيف يمكن أن يصدق من جاء بها وقد ~~اعترفتم معنا بأن العقل يدفع خبره ويرده فما للحرب بيننا وبينكم وجه وكما ~~تساعدنا نحن وأنتم على إبطال هذه الأخبار التي عارضت صريح العقل فساعدونا ~~على إبطال الأصل بنفس ما اتفقنا عليه جميعا في إبطال الأدلة النقلية # فانظر هذا الإخاء ما ألصقه والنسب ما أقربه وإذا أردت أن تعرف حقيقة ~~الحال فانظر حالهم مع هؤلاء الزنادقة في ردهم عليهم وبحوثهم معهم وخضوعهم ~~لهم فيها ومقاومة أعداء الرسل لهم واستطالتهم عليهم ومقاتلتهم لهم بأسلحتهم ~~التي استعاروها منهم # فإن قلت كيف أصيب القوم مع عقولهم وبحثهم ونظرهم واجتهادهم # قلت أصاب عقولهم ما أصاب عقول كفار قريش وغيرهم من الأمم الذين كذبوا ~~الرسل مع تلك الأحلام PageV03P860 @ والعقول ولكن كادها باريها عبرة لكل ذي ~~عقل صحيح إلى يوم القيامة وهذا جزاء من لم يرض بوحي الله وما وهب لأنبيائه ~~من العقول التي نسبتها إلى عقول العالمين كنسبتهم إليهم يوضحه : # الوجه الرابع والثلاثون بيان أن الله تعالى لعدله وحكمته يفسد على العبد ~~عقله إذا خالف به رسله # وهو أن الله سبحانه اقتضت حكمته وعدله أن يفسد على العبد عقله الذي خالف ~~به رسله ولم يجعله منقادا لهم مسلما لما جاؤوا به مذعنا له بحيث يكون مع ~~الرسول كمملوكه المنقاد من جميع الوجوه للمالك المتصرف فيه ليس له معه تصرف ~~بوجه من الوجوه فأول ما أفسد سبحانه عقل شيخهم القديم إبليس حيث لم ينقد به ~~لأمره وعارض النص بالعقل وذكر وجه المعارضة فأفسد عليه عقله غاية الإفساد ~~حتى آل ms273 الأمر إلى أن صار إمام المبطلين وقدوة الملحدين وشيخ ا لكفار ~~والمنافقين ثم تأمل كيف أفسد عقول من أعرض عن رسله وعارض ما أرسلوا به فآل ~~بهم فساد تلك العقول إلى ما قصه الله عنهم في كتابه ومن فساد تلك العقول ~~إلى ما قصه الله عنهم في كتابه ومن فساد تلك العقول أنهم لم يرضوا بنبي من ~~النبيين ورضوا بإله من الحجر ومن فساد تلك العقول أنهم استحبوا PageV03P861 ~~@ العمى على الهدى وآثروا عقوبة الدنيا والآخرة على سعادتهما وبدلوا نعمة ~~الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار # وأفسد عقول أهل الكتابين بكفرهم بالرسول حتى آل أمرهم إلى مقالات ~~الفلاسفة التي قدموها على ما جاءت به الرسل حتى قالوا ما أضحكوا به كافة ~~العقلاء وإن كانوا أصحاب صنائع وأفكار واستنبطوها بعقولهم لعجز غيرهم عنها ~~لكن أفسد عليهم العقل الذي ينال به سعادة الأبد حتى قالوا في فرية سلسلة ~~الموجودات عن واجب الوجود ما هو بسلسلة المجانين أشبه منه بكلام عقلاء ~~الآدميين # وجعلوا العالم الذي شهدت عليه شواهد الصنعة والاحتياج والافتقار من كون ~~غالبه مسخرا مدبرا مقهورا على حركة لا يمكنه الخروج منها وعلى مكان لا ~~يمكنه مفارقته وعلى وضع لا يمكنه أن يزول عنه وعلى ترتيب شهد العقل والفطرة ~~أن غيره رتبه هذا الترتيب ووضعه في هذا الموضع وقهره على هذه الحركة # وكون سافله منفعلا غير فاعل متأثرا غير مؤثر كل وقت في مبدأ ومعاد وشواهد ~~الفقر والحاجة والحدوث PageV03P862 @ ظاهرة على أجزائه وأنواعه فجعلوه ~~قديما غير مخلوق ولا مصنوع فعطلوه عن صانعه وخالقه ثم عطلوا الرب الذي فطر ~~السماوات والأرض عن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله فلم يثبتوا له ذاتا ولا ~~صفة ولا فعلا ولا تصرفا باختياره في ملكه ولا عالما بشيء مما في العالم ~~العلوي والسفلي وعاجزا من أنشأ النشأة الأولى أن يعيدها مرة ثانية # وفي الحقيقة لم يثبتوا ربا أنشأ شيئا ولا ينشئه ولا أثبتوا لله ملائكة ~~ولا رسلا ولا كلاما ولا إلهية ولا ربوبية # وأما الاتحادية فأفسد عقولهم فلم يثبتوا ms274 ربا وظنوا أن في الخارج إنسانا ~~كليا وحيوانا كليا وجعلوا وجود الرب وجودا مطلقا مجردا عن الماهيات وقالوا ~~لا وجود للمطلق في الخارج # وبالجملة فلم يصيبوا في الإلهيات في مسألة واحدة بل قالوا في جميعها ما ~~أضحكوا عليهم العقلاء PageV03P863 @ وأما متكلمو الجهمية والمعتزلة فأفسد ~~عقولهم عليهم حتى قالوا ما يسخر العقلاء من قائله كما تقدم التنبيه على ~~اليسير منه وقالوا يتكلم الرب بغير كلام يقوم به وخالق بلا خلق يقوم به ~~وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر وحي بلا حياة وقدير بلا قدرة ومريد بلا إرادة ~~وفعال لما يريد ولا فعل له ولا إرادة وقالوا الرب موجود قائم بنفسه ليس في ~~العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن ~~يمينه ولا عن يساره وقالوا إنه لم يزل معطلا عن الفعل والفعل ممتنع ثم ~~انقلب من الامتناع إلى الإمكان بغير تجدد سبب أصلا وقالوا إن الأعراض لا ~~تبقى زمانين وأنكروا القوى والطبائع والغرائز والأسباب والحكم وجعلوا ~~الأجسام كلها متماثلة وأثبتوا أحوالا لا موجودة ولا معدومة وأثبتوا مصنوعا ~~بلا صانع ومخلوقا بلا خالق إلى أضعاف ذلك مما يسخر منه العقلاء # وكلما كان الرجل عن الرسول أبعد كان عقله أقل وأفسد فأكمل الناس عقولا ~~أتباع الرسل وأفسدهم عقولا المعرض عنهم وعما جاؤوا به ولهذا كان أهل السنة ~~والحديث أعقل الأمة وهم في الطوائف كالصحابة في الناس PageV03P864 @ وهذه ~~القاعدة مطردة في كل شيء عصي الرب سبحانه به فإنه يفسده على صاحبه فمن عصاه ~~بماله أفسده عليه ومن عصاه بجاهه أفسده عليه ومن عصاه بلسانه أو قلبه أو ~~عضو من أعضائه أفسده عليه وإن لم يشعر بفساده فأي فساد أعظم من فساد قلب ~~خرب من محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والطمأنينة ~~بذكره والأنس به والفرح بالإقبال عليه وهل هذا القلب إلا قلب قد استحكم ~~فساده والمصاب لا يشعر وأي فساد أعظم من فساد لسان تعطل عن ذكره وما جاء به ~~وتلاوة كلامه ونصيحة عباده وإرشادهم ms275 ودعوتهم إلى الله وأي فساد أعظم من ~~فساد جوارح عطلت عن عبودية فاطرها وخالقها وخدمته والمبادرة إلى مرضاته # وبالجملة فما عصي الله بشيء إلا أفسده على صاحبه ومن أعظم معصية العقل ~~إعراضه عن كتابه ووحيه الذي هدى به رسوله وأتباعه والمعارضة بينه وبين كلام ~~غيره فأي فساد أعظم من فساد هذا العقل وقد أرى الله سبحانه أتباع رسوله من ~~فساد عقل هؤلاء ما هو من أقوى أسباب زيادة إيمانهم بالرسول وبما جاء به ~~وموجبا لشدة تمسكهم به ولقد أحسن القائل : # ( وإذا نظرت إلى أميري زادني % نظري له حبا إلى الأمراء PageV03P865 @ # الوجه الخامس والثلاثين بيان أن تقديم العقل على النقل يقتضي ألا ينتفع ~~أحد بخبر الأنبياء في باب الصفات والأفعال # هذه القاعدة التي أسسها من عارض بين العقل والنقل تقتضي أن لا ينتفع بخبر ~~الأنبياء في باب الصفات والأفعال أحد من الخاصة والعامة # أما الخاصة فهم مصرحون بأن علم ذلك ومعرفته موكول إلى العقول فما دلت ~~عليه وشهدت به قبل وما خالفها من السمع وجب رده فلم يستفيدوا من جهة الخبر ~~شيئا وإنما استفادوا الحق من جهة العقل المعارض لما أخبرت به الرسل # وأما العامة فإنهم اعتقدوا ما دل عليه الخبر وهو باطل في نفس الأمر فلم ~~يستفيدوا منه معرفة الحق بل إنما حصلوا على اعتقاد الباطل فأي معاداة لما ~~جاء به الرسول أعظم من هذه # الوجه السادس والثلاثون بيان أن الكلام مع من قدم العقل على النقل في ~~مقامات # إن الرجل إما أن يكون مقرى بالرسل أو جاحدا لرسالتهم فإن كان منكرا ~~فالكلام معه في تثبيت النبوة فلا وجه للكلام معه في تعارض العقل والنقل فإن ~~تعارضهما فرع الإقرار بصحة كل واحد منهما لو تجرد عن PageV03P866 @ المعارض ~~فمن لم يقر بالدليل العقلي لم يخاطب في تعارض الدليل العقلي والشرعي # وكذلك من لم يقر بالدليل الشرعي لم يخاطب في هذا التعارض فمن لم يقر ~~بالأنبياء لم يستفد من خبرهم دليلا شرعيا فهذا يتكلم معه في إثبات النبوات ~~أولا وإن كان مقرى ms276 بالرسالة فالكلام معه في مقامات # أحدها صدق الرسول فيما أخبر به فإن أنكر ذلك أنكر الرسالة والنبوة وإن ~~زعم أنه مقر بهما وأن الرسل خاطبوا الجمهور بخلاف الحق تقريبا إلى أفهامهم ~~ومضمون هذا أنهم كذبوا للمصلحة وهذا حقيقة قول هؤلاء وهو عندهم كذب حسن وإن ~~أقر بأنه صادق فيما أخبر به فالكلام معه في : # المقام الثاني وهو هل يقر بأنه أخبر بهذا أو لا يقر به فإن لم يقر به ~~جهلا عرف ذلك بما يعرف به أنه ظهر ودعا إلى الله وحارب أعداءه فإن أصر على ~~إنكاره ذلك فقد خرج من جملة العقلاء وأنكر الأمور الضرورية كوجود بغداد ~~ومكة والهند وغيرها وإن أقر بأنه أخبر بذلك فالكلام معه في : # المقام الثالث وهو أنه هل أراد ما دل عليه كلامه PageV03P867 @ ولفظه أو ~~أراد خلافه فإن ادعى أنه أراده فالكلام معه في : # المقام الرابع وهو أن هذا المراد حق في نفسه أم باطل فإن كان حقا لم ~~يتصور أن يعارضه دليل عقلي البتة وإن كان باطلا انتقلنا معه إلى : # مقام خامس وهو أنه هل كان يعلم الحق في نفس الأمر أو لا يعلمه فإن قال لم ~~يكن عالما به فقد نسبه إلى الجهل وإن قال كان عالما به انتقلنا معه إلى : # مقام سادس وهو أنه هل كان يمكنه التعبير والإفصاح عن الحق كما فعلتم أنتم ~~بزعمكم أو لم يكن ذلك ممكنا له فإن لم يكن ذلك ممكنا له كان تعجيزا له ~~ولمرسله عن أمر قدر عليه أفراخ الفلاسفة وتلامذة اليهود وأوقاح المعتزلة ~~والجهمية وإن كان ممكنا له ولم يفعله كان ذلك غشا للأمة وتوريطا لها في ~~الجهل بالله وأسمائه وصفاته واعتقاد مالا يليق بعظمته فيه وأن الجهمية ~~والمعتزلة وأفراخ اليونان وورثة الصابئين والمجوس هم الذين نزهوا الله ~~سبحانه عما لا يليق به ووصفوه بما يليق به وتكلموا بالحق الذي كتمه الرسول ~~PageV03P868 @ وهذا أمر لا محيد لكم عنه فاختاروا أي قسم شئتم من هذه ~~الأقسام # والظاهر أنكم متنازعون في الاختيار وأن عقلاءكم مختارون ms277 أن الرسول كان ~~يدري الحق في خلاف ما أخبر به وإن كان قادرا على التعبير عنه ولكن ترك ذلك ~~خشية التنفير فخاطب الناس خطابا جمهوريا يناسب عقولهم بما الأمر بخلافه ~~وهذا أحسن أقوالكم إذا آمنتم بالرسول وأقررتم بما جاء به # الوجه السابع والثلاثون بيان أن الإيمان الجازم لا يستقر في قلب من عارض ~~الشرع بالعقل # إنه إذا جوز أن يكون في العقل ما يعارض ما أخبر به الرسول كان الإيمان ~~الجازم موقوفا على العلم بانتفاء ذلك المعارض ومشروطا به والمشروط بالشيء ~~يعدم عند عدمه ومعلوم أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له سواء كان ~~حقا أو باطلا فإذا جوز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرسول لم ~~يمكنه أن يثق بشيء من أخبار الرسول لجواز أن يكون في المعقولات PageV03P869 ~~@ التي لم تظهر له بعد ما يناقض خبره فإن قال أنا أقر من السمعيات بما لم ~~ينفه العقل وأثبت من الصفات مالم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابط فإنه وقف ~~التصديق بالسمع على أمر لا ضابط له وما كان مشروطا بعدم أمر لا ينضبط لم ~~ينضبط فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان جازم البتة # ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه إيمان أبدا ولا ~~يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بالرسول إيمانا جازما ليس مشروطا بعدم معارض ~~فإذا قال أنا أؤمن بخبره مالم يظهر له معارض يدفعه لم يكن مؤمنا به كما لو ~~قال أنا أشهد أن لا إله إلا الله إلا أن يكون في العقل دليل يدل على إثبات ~~إله آخر أو يقول أنا أؤمن بالمعاد إلا أن يكون في العقل دليل ينفيه أو يقول ~~أنا أؤمن بالرسول إلا أن يكون في العقل ما يبطل رسالته فهذا وأمثاله ليس ~~بمؤمن جازم بإيمانه وأحسن أحواله أن يكون شاكا # الوجه الثامن والثلاثون # إن طرق العلم الحس والعقل والمركب منهما فالمعلومات ثلاثة أقسام : # أحدهما ما يعلم بالعقل والثاني ما يعلم بالسمع والثالث ما يعلم بالعقل ~~والسمع ms278 وكل منهما ينقسم إلى ضروري ونظري وإلى معلوم ومظنون وموهوم فليس كل ~~ما يحكم به العقل علما بل قد يكون ظنا وقد يكون وهما كاذبا كما أن ما يدركه ~~السمع والبصر كذلك PageV03P870 @ # فلا بد من حكم يفصل بين هذه الأنواع ويميز بين معلومها ومظنونها وموهومها ~~فإذا اتفق العقل والسمع والعقل والحس على قضية كانت معلومة يقينية وإن ~~انفرد بها الحس عن العقل كانت وهمية كما ذكر من أغلاط الحس في رؤية المتحرك ~~أشد الحركة وأسرعها ساكنا والساكن متحركا والواحد اثنين والإثنين واحدا ~~والعظيم الجرم صغيرا والصغير كبيرا والنقطة دائرة وأمثال ذلك # فهذه الأمور يجزم بغلطها تفرد الحس بها عن العقل وكذلك حكم السمع قد يكون ~~كاذبا وقد يكون صادقا ضرورة ونظرا وقد يكون ظنيا فإذا قارنه العقل كان حكمه ~~علما ضروريا أو نظريا كالعلم بمجرد الأخبار المتواترة فإنه حصل بواسطة ~~السمع والعقل فإن السمع أدى إلى العقل ما سمعه من ذلك والعقل حكم بأن ~~المخبرين لا يمكن تواطؤهم على الكذب فأفاده علما ضروريا أو نظريا على ~~الاختلاف في ذلك بوجود المخبر به والنزاع في كونه ضروريا أو نظريا لفظي لا ~~فائدة فيه # وكذلك الوهم يدرك أمورا لا يدري صحيحة هي PageV03P871 @ إم باطلة فيردها ~~إلى العقل الصريح فما صححه منها قبله وما حكم ببطلانه رده فهذا أصل يجب ~~الاعتناء به ومراعاته وبه يعلم الصحيح من الباطل فإذا عرف هذا فمعلوم أن ~~السمع الذي دل العقل على صحته أصح من السمع الذي لم يشهد له عقل ولهذا كان ~~الخبر المتواتر أعرف عند العقل من الآحاد وما ذاك إلا لأن دلالة العقل قد ~~قامت على أن المخبرين لا يتواطؤن على الكذب وإن كان الذي أخبروا به مخالفا ~~لما اعتاده المخبر وألفه وعرفه فلا تجد محيدا عن تصديقهم فالأدلة العقلية ~~البرهانية على صدق الرسل وتثبيت نبوتهم أضعاف الأدلة الدالة على صدق ~~المخبرين خبر التواتر فإن أولئك لم يقم على صدق كل واحد منهم دليل وإنما ~~أفاد اجتماعهم على الخبر دليلا على صدقهم والرسل صلاة ms279 الله وسلامه عليهم قد ~~قامت البراهين اليقينية على صدق كل فرد منهم وقد اتفقت كلمتهم وتواطأ خبرهم ~~على إثبات العلو والفوقية لله وأنه على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه وأنه ~~مكلم متكلم آمر ناه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويحب ويبغض # فإفادة خبرهم العلم لمخبره أعظم من إفادة الأخبار المتواترة لمخبرها فإن ~~الأخبار المتواترة مستندة إلى حس قد PageV03P872 @ يغلط وأخبار الأنبياء ~~مستندة إلى وحي لا يغلط فالقدح فيها بالعقل من جنس شبه السوفسطائية القادحة ~~في الحس والعقل ولو التفتنا إلى كل شبهة يعارض بها الدليل القطعي لم يبق ~~لنا وثوق بشيء نعلمه بحس أو عقل أو بهما يوضحه # الوجه التاسع والثلاثون بيان أن المعلومات الغائبة أضعاف أضعاف المعلومات ~~المحسوسة والمعقولة ولا سبيل إلى العلم بها إلا بخبر الصادق # إن المعلومات الغائبة التي لا تدرك إلا بالخبر أضعاف أضعاف المعلومات ~~التي تدرك بالحس والعقل بل لا نسبة بينهما بوجه من الوجوه ولهذا كان إدراك ~~السمع أعم وأشمل من إدراك البصر فإنه يدرك الأمور المعدومة والموجودة ~~والحاضرة والغائبة والعلوم التي لا تدرك بالحس وهذه حجة من فضل السمع على ~~البصر من النظار وغيرهم وخالفهم آخرون فرجحوا البصر على السمع لقوة إدراكه ~~وجزمه بما يدركه وبعده من الغلط وبين الفريقين مباحثات يطول ذكرها قد ذكرها ~~بن قتيبة وأبو المعالي الجويني وغيرهما PageV03P873 @ # وفصل النزاع بينهما أن ما يدرك بالسمع أعم وأشمل وما يدرك بالبصر أتم ~~وأكمل فهذا له القوة والتمام وذاك له العموم والإحاطة والمقصود أن الأمور ~~الغائبة عن الحس نسبه المحسوس إليها كقطر في بحر ولا سبيل إلى العلم بها ~~إلا بخبر الصادق وقد اصطفى الله من خلقه أنبياء نبأهم من هذا الغيب بما ~~يشاء وأطلعهم منه على ما لم يطلع عليه غيرهم كما قال تعالى @QB@ ما كان ~~الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء @QE@ آل عمران 179 # وقال تعالى @QB@ عالم الغيب فلا يظهر على ms280 غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا @QE@ الجن 26 27 # وقال تعالى @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع ~~بصير @QE@ الحج 75 # فهو سبحانه يصطفي من يطلعه من أنباء الغيب على ما لم يطلع عليه غيره ~~ولذلك سمي نبيا من الإنباء PageV03P874 @ وهو الإخبار لأنه مخبر من جهة ~~الله ومخبر عنه فهو منبأ ومنبىء وليس كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته ~~بدون خبرهم بل ولا أكثره ولهذا كان أكمل الأمم علما أتباع الرسل وإن كان ~~غيرهم أحذق منهم في علم الرمل والنجوم والهندسة والسفسطة وعلم الكم المتصل ~~والمنفصل وعلم النبض والقارورة والأبوال ومعرفة قوامها وطعومها ورائحتها ~~ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بها وآثروها على ~~علوم الرسل وما جاؤوا به وهي كما قال الواقف على نهاياتها الواصل إلى ~~غاياتها وهي بين ظنون كاذبة وإن بعض الظن إثم وبين علوم غير نافعة نعوذ ~~بالله من علم PageV03P875 @ لا ينفع وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم ~~الأنبياء كنفع العيش العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها # فليس العلم في الحقيقة إلا ما أخبرت به الرسل عن الله عز وجل طلبا وخبرا ~~فهو العلم المزكي للنفوس المكمل للفطر المصحح للعقول الذي خصه الله باسم ~~العلم وسمى ما عارضه ظنا لا يغني من الحق شيئا وخرصا وكذبا فقال تعالى @QB@ ~~فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم @QE@ آل عمران 61 # وشهد لأهله أنهم أولو العلم فقال تعالى @QB@ وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث @QE@ الروم 56 # وقال @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم @QE@ آل ~~عمران 18 # والمراد أولو العلم بما أنزله على رسله ليس إلا وليس المراد أولو العلم ~~بالمنطق والفلسفة وفروعها PageV03P876 @ # وقال تعالى @QB@ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني ~~علما @QE@ طه 114 # فالعلم الذي أمره باستزادته هو علم الوحي لا علم الكلام والفلسفة والمنطق # وقال ms281 تعالى @QB@ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه @QE@ النساء ~~166 # أي أنزله وفيه علم لا يعلمه البشر # فالباء للمصاحبة مثل قوله @QB@ فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله @QE@ هود 14 # أي أنزل وفيه علم الله وذلك من أعظم البراهين على صحة نبوة من جاء به # ولم يصنع شيئا من قال إن المعنى أنزله وهو يعلمه وهذا وأن كان حقا فإن ~~الله يعلم كل شيء فليس في ذلك دليل وبرهان على صحة الدعوى فإن الله يعلم ~~الحق والباطل بخلاف ما إذا كان المعنى أنزله متضمنا لعلمه الذي لا يعلمه ~~غيره إلا من أطلعه عليه وأعلمه به PageV03P877 @ فإن هذا من أعظم أعلام ~~النبوة والرسالة وقال فيما عارضه من الشبه الفاسدة التي يسميها أربابها ~~قواطع عقلية @QB@ إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ ~~النجم 28 # وقال @QB@ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون @QE@ 148 # وقال لمن أنكر المعاد بعقله @QB@ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون @QE@ ~~الجاثية 24 # والظن الذي أثبته سبحانه للمعارضين نصوص الوحي بعقولهم ليس هو الإعتقاد ~~الراجح بل هو أكذب الحديث # وقال @QB@ قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون @QE@ الذاريات 10 11 # وأنت إذا تأملت ما عند هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم رأيته كله ~~خرصا وعلمت أنهم هم الخراصون PageV03P878 @ وإن العلم في الحقيقة ما نزل به ~~الوحي على الأنبياء والمرسلين وهو الذي أقام الله به حجته وهدى به أنبياءه ~~ورسله وأتباعهم به وأمتن عليهم فقال @QB@ كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو ~~عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون @QE@ 151 البقرة 152 # وقال @QB@ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل ~~الله عليك عظيما @QE@ النساء 113 # وقال @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ms282 وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين @QE@ آل عمران 164 # وقال @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين @QE@ الجمعة 2 ~~PageV03P879 @ # فهذه النعمة والمنة والتزكية إنما هي لمن عرف أن ما جاء به الرسول وأخبر ~~به عن الله وصفاته وأفعاله هو الحق كما أخبر به لا كمن زعم أن ذلك مخالف ~~لصريح العقل وأن العقول مقدمة عليه والله المستعان # الوجه الأربعون بيان أن ما جاء به الأنبياء من الوحي لا يدرك ولا يكتسب ~~بالعقل # إن علم الأنبياء وما جاؤوا به عن الله لا يمكن أن يدرك بالعقل ولا يكتسب ~~وإنما هو وحي أوحاه الله إليهم بواسطة الملك أو كلام يكلم به رسوله منه ~~إليه بغير واسطة كما كلم موسى وهذا متفق عليه بين جميع أهل الملل المقرين ~~بالنبوة المصدقين بالرسل وإنما خالفهم في ذلك جهلة الفلاسفة وسفلتهم الذين ~~يقولون إن الأنبياء يعلمون ما يعلمونه بقوة عقلية وهم أكمل من غيرهم في قوة ~~الحدس ويسمونها القوة القدسية قالوا ويتميز النبي عن غيره بقوة التخيل ~~والتخييل فيتخيل الأمور للعقول في الصور المحسوسة ويخيلها إلى الناس في ~~قوالب تلك الصور ويتميز أيضا بقوة النفس فيتصرف بقوتها في مواد العلم ~~وعناصره بقلب بعضها إلى بعض فهذه عندهم خواص النبوة فالأنبياء عندهم من جنس ~~غيرهم من البشر PageV03P880 @ ونبواتهم من جنس صنائع الناس وسياساتهم ~~ورياضاتهم حتى قال أقرب هؤلاء إلى الإسلام اعلم أن أصول الصناعات أربعة ~~صنعة التجارة والحدادة والنساجة والسياسة وأصعبها صنعة السياسة وأصعب هذه ~~الصناعة صناعة النبوة هذا كلامه بعينه في كتابه # فلما كانت النبوة عندهم في هذه المرتبة كانت علومها وأعمالها من جنس علوم ~~البشر وأعمالهم فالعقل مشترك بينهم وبين كافة العقلاء فلما جاءت الرسل بما ~~لا تدركه عقولهم وليس في قواعدهم ونظرهم ومنطقهم ما يدل عليه قابلوه ~~بالإنكار وقالوا قد تعارض العقل وما جئتم به وإذا تعارض العقل وخبركم فلا ~~سبيل إلى تقديم أخباركم على العقل لأن ذلك يتضمن ms283 القدح فيه فهؤلاء هم الذين ~~عارضوا أولا بين العقل والوحي وهم الذين أسسوا هذه القاعدة ووضعوا هذا ~~البناء إذ كانت علوم الأنبياء وعقولهم عندهم من جنس علومهم وعقولهم وربما ~~رجحوا علم الفيلسوف وعقله وبعضهم يرجح النبي من وجه والفيلسوف من وجه ~~فهؤلاء إذا عارضوا بين العقل والنقل ثم قدموا العقل على النقل عملوا بمقتضى ~~أصولهم وقواعدهم أما من عرف الرسل وأمرهم وعلم أن الله أرسلهم وأوحى إليهم ~~من غيبه ما لم يطلع عليه سواهم وأن PageV03P881 @ نسبة عقول العالمين ~~وعلومهم إليهم أقل بكثير من نسبة عقول صبيان المكاتب إلى عقول العقلاء وأن ~~بين ما جاؤوا به من عند الله وبين ما عند هؤلاء كما يدخل الرجل أصبعه في ~~اليم والأمر فوق ذلك يوضحه # الوجه الحادي والأربعون بيان أن الشبه التي أثيرت ضد آيات الأنبياء أقوى ~~من الشبه التي أثيرت ضد ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم # وهو أن يقال لهؤلاء المعارضين بين العقل ونصوص الوحي أخبرونا عن خلق هذا ~~النوع الإنساني من قبضة تراب وعن رجل دعا على قومه أن لا يدع الله منهم على ~~الأرض ديارا فأرسل السماء عليهم وأنبع الماء من تحتهم حتى علا الماء فوق ~~رؤوس شواهق الجبال علوا عظيما ثم ابتلعته الأرض شيئا فشيئا حتى عادت يبسا # وعن رجل دعا على قومه وهم أعظم الناس أجساما وأشدهم قوة فأرسلت عليهم ~~بدعوته ريح عاصف جعلت تحملهم بين السماء والأرض ثم تدق أعناقهم # وعن أمة كذبت نبيها وسألوه آية فانفلقت صخرة بمحضر لهم وتمخضت عن ناقة من ~~أعظم النوق قائمة وشكلا وهيئة فلما تمادوا على تكذيبه سمعوا صيحة من ~~PageV03P882 @ السماء قطعت أكبادهم وقلوبهم في أجوافهم فماتوا موتة رجل ~~واحد # وعن نار عظيمة أوقدت برهة من الدهر حتى كان الطير يمر عليها من عال فيقع ~~مشويا ألقي فيها رجل مكتوفا فصارت عليه بردا وسلاما وعادت روضة خضرا وماء ~~جاريا وعن رجل ألقى عصا في يده فعادت ثعبانا عظيما ابتلع ما بحضرته من حبال ~~وعصي لا يحصيها إلا الله ms284 ثم عادت عصا كما كانت وعن يد أدخلها صاحب هذه ~~العصا إلى جيبه ثم أخرجها فإذا لها شعاع كشعاع الشمس وعن ماء انقلب دما في ~~آنيته ومواضعه وعن كثيب عظيم ضربه بعصاه فاستحال قملا كله سلط على أهل بلد ~~عظيم وعن بحر ضربه بعصاه فانفلق إثني عشر طريقا ثم أرسلت عليه الريح والشمس ~~فأيبسته في ساعة وقام الماء بين تلك الطرق كالحياض فلما جاوزه وسلكه آخرون ~~ضربه بعصاه فالتأم عليهم فلم يفلت منهم إنسان وعن جبل قلع من مكانه على قدر ~~عسكر عظيم PageV03P883 @ حتى رفع فوق رؤوسهم وقيل لهم إن تقبلوا ما أمرتم ~~به وإلا أطبق عليكم ثم رد إلى مكانه وعن قوم أمسوا وهم في صور بني آدم ~~فأصبحوا وهم في صور القردة والخنازير # وعن مدن قلعت من أصولها ثم رفعت في الهواء ثم أفلت بأهلها وجعل عاليها ~~سافلها وأتبعت بمطر من الحجارة وعن رجل ولد من غير أب وامرأة خرجت من غير ~~أم ورجل يمسح على عين الذي ولد أكمه ويدعو الله فإذا به يبصر بعينين ~~كالصحيح ويمسح الأبرص ليبرأ كأن لم يكن به بأس وينفخ في كبة من الطير ~~فينقلب طائرا له لحم ودم وريش وجماعة ينامون في غار ثلاثمائة وتسع سنين لم ~~تأكل الأرض لحومهم ثم ينتبهون من نومهم قياما ينظرون وعن رجل أدركه الموت ~~هو وحماره فمكثا مائة عام ثم قام الرجل حيا وشاهد عظام حماره وهي تكسى ~~اللحم ويتصل بعضها ببعض حتى قام الحمار حيا وشاهد طعامه لم يتغير بل هو على ~~حاله وعن قتيل قتل بين ظهراني قوم فأمرهم نبيهم أن يذبحوا البقرة ويضربوه ~~ببعضها ففعلوا فقام القتيل حيا ناطقا وقال فلان قتلني PageV03P884 @ # وعن رسول سأله قومه آية فأومأ إلى القمر فانشق فلقتين وهم يشاهدونهما ثم ~~عاد فالتأم وقدم السفر فأخبروا برؤية ذلك عيانا # وأنه قبض قبضة من تراب ثم رمى بها في وجوه عسكر لا يلتقي طرفاه فلم يبق ~~منهم أحد إلا ملأت عينه وأنه وضع يده في ماء لا يواريها فعاد ms285 الماء حتى ~~ملأوا منه كل قربة وكل وعاء في العسكر الجرار وأن جماعة كثيرة PageV03P885 ~~@ شبعت من برمة بقدر جسم القطا وأن جذعا حن حنين الناقة العشار إلى ولدها ~~إليه وأن الحصى كان يسبح في كفه وكف بعض أصحابه تسبيحا يسمعه الحاضرون وأن ~~الحجر كان يسلم عليه سلاما يسمعه بأذنه وأن بطنه شق من ثغرة نحره إلى أسفله ~~ثم استخرج قلبه فغسل ثم أعيد وهو حي ينظر وأن PageV03P886 @ شجرتين دعا ~~بهما فأقبلتا تجران الأرض حتى قامتا بين يديه فالتزقتا ثم رجعت كل واحدة ~~منها إلى مكانها وأن ذيبا تكلم وأن بقرة PageV03P887 @ تكلمت وأن نبيا كان ~~يأمر بعسكره فيقعد على بساط فرسخ في فرسخ فيأمر الريح فترتفع به بين السماء ~~والأرض فتحمل العسكر على متنها مسيرة شهر مقبلة ومسيرة شهر مدبرة في كل يوم ~~واحد وأنه أمر بسرير عظيم لملكة فشق الأرض وصار بين يديه في اسرع من رد ~~الطرف إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما يشاهده الناس بأبصارهم عيانا # فهل مخالفة الأدلة القطعية لما أخبرت به الأنبياء عن الله أعظم من ~~مخالفتها لهذه الأمور # والشبه العقلية التي تذكر على استحالة هذه الأمور أكثر واقوى من الشبه ~~التي يذكرونها في معارضة نصوص الوحي بل لا نسبة بينهما فإذا تعارضت أدلة ~~العقول بزعمكم وهذه الأمور ماذا تصنعون PageV03P888 @ أتقدمونها على أدلة ~~العقول فتدخلون في المؤمنين بالله ورسله أم تكذبون بذلك وتقولون العقل ~~يناقض ذلك ويبطله ومعارضة العقل عندكم لهذه الآيات من جنس معارضته لخبر ~~الأنبياء لا فرق بينهما البتة بل الشبه التي يقيمها أعداء الرسل من العقل ~~على بطلان هذه الآيات أقوى من الشبه التي ذكرها الجهمية والنفاة على بطلان ~~ما أخبرت به الرسل من صفات الله وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وكلامه ~~وتكليمه وقيام أفعاله به # فعلم أن من قدم ما يظنه من العقل على نصوص الوحي لم يبق معه من الإيمان ~~بالرسل عين ولا أثر ولا حس ولا خبر # وإذا كان هذا حالهم في الأمور التي قد وقعت وشاهدها الناس بأبصارهم ms286 فكيف ~~حالهم في الإيمان ببشر ينزل من السماء بين ملكين واضعا يديه على مناكبهما ~~والناس يرونه عيانا وكيف حالهم في الإيمان بأن الشمس تطلع من PageV03P889 @ ~~مغربها والناس يرونها عيانا وكيف بحالهم إلى غير ذلك مما أخبر به الصادق ~~كدابة تنشق عنها الأرض فتخرج تكلم الناس وتخاطبهم إلى غير ذلك مما يقيمون ~~بعقولهم شبها يسمونها أدلة عقلية تحيل ذلك فمن قدم العقل على الوحي لم ~~يمكنه أن يجزم بصدق شيء من ذلك والله المستعان # الوجه الثاني والأربعون بيان # إن هؤلاء عكسوا شرعة الله وحكمته وضادوه في أمره فإن الله سبحانه جعل ~~الوحي إماما والعقل مؤتما به وجعله حاكما والعقل محكوما عليه ورسولا والعقل ~~مرسلا إليه وميزانا والعقل موزونا به وقائدا والعقل منقادا له فصاحب الوحي ~~مبعوث وصاحب العقل مبعوث إليه PageV03P890 @ والآتي بالشرع مخصوص بوحي من ~~الله وصاحب العقل مخصوص ببحث عن رأي وفكرة وصاحب الوحي ملقى وصاحب العقل ~~كادح طالب هذا يقول أمرت ونهيت وأوحى إلي وقيل لي وما أقول شيئا من تلقاء ~~نفسي ولا من قبل عقلي ولا من جهة فكري ونظري وذاك المتخلف يقول نظرت ورأيت ~~وفكرت وقدرت واستحسنت واستنتجت والمتخلف يقول معي آلة المنطق والكليات ~~الخمس والمقولات العشر والمختلطات والموجهات أهتدي بها والرسول يقول معي ~~كتاب الله وكلامه ووحيه والمتخلف يقول معي العقل والرسول يقول معي نور خالق ~~العقل به أهدي وأهتدي والرسول يقول قال الله كذا قال جبريل عن الله كذا ~~والمتخلف يقول قال أفلاطون قال بقراط قال أرسطو PageV03P891 @ كذا قال بن ~~سينا قال الفارابي # فيسمع من الرسول ظاهر التنزيل وصحيح التأويل وشرع سنة وأمر بمعروف ونهي ~~عن منكر وخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخبر عن السماء والملائكة ~~واليوم الاخر ويسمع من الآخر الهيولى والصورة والطبيعة والاستقص والذاتي ~~والعرض والجنس والنوع والفصل والخاصة والأيس والليس وعكس النقيض ~~PageV03P892 @ والعكس المستوي وما شاكل هذا مما لا يسمع من مسلم ولا يهودي ~~ولا نصراني ولا مجوسي إلا من رضي لنفسه بما يرضى به هؤلاء المتخلفون ~~لأنفسهم ورغب فيما رغبوا ms287 فيه وبالجملة فهما طريقان متباينان فمن أراد أن ~~يتمعقل بعقول هؤلاء فليعزل نظره عن الوحي ويخلي بينه وبين أهله ومن أحب أن ~~يكون من أهل العقل والوحي فليعتصم بالوحي ويستمسك بغرز من جاء به ويسلم ~~إليه أعظم من تسليم الصبي لأستاذه ومعلمه بكثير فإن PageV03P893 @ التباين ~~الذي بين النبي وبين صاحب المعقول أضعاف أضعاف التباين الذي بين الصبي ~~والأستاذ # ومن العجب أن هؤلاء المقدمين عقولهم على الوحي خاضعون لأئمتهم وسلفهم ~~مستسلمون لهم في أمور كثيرة يقولون هم أعلم بها منا وعقولهم أكمل من عقولنا ~~فليس لنا أن نعترض عليهم فكيف يعترض على الوحي بعقله من نسبته إليه أدق ~~وأقل من نسبة عقل الطفل إلى عقله # وجماع الأمر أن قضايا المعقول مشتملة على العلم والظن والوهم وقضايا ~~الوحي كلها حق فأين قضايا مأخوذة عن عقل قاصر عاجز عرضة للخطأ من قضايا ~~مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته # الوجه الثالث والأربعون بيان أن من عارض أمر الرسل بعقله لم يؤمن بهم ~~وكذا من عارض خبرهم # إن العقل تحت حجر الشرع فيما يطلبه ويأمر به وفيما يحكم به ويخبر عنه فهو ~~محجور عليه في الطلب والخبر وكما أن من عارض أمر الرسل بعقله لم يؤمن بهم ~~وبما جاؤوا به فكذلك من عارض خبرهم بعقله ولا فرق بين الأمرين أصلا يوضحه ~~أن الله سبحانه وتعالى حكى عن الكفار معارضة أمره بعقولهم كما حكى عنهم ~~معارضة خبره بعقولهم PageV03P894 @ # أما الأول ففي قوله تعالى @QB@ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ~~وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ البقرة 275 # فعارضوا تحريمه للربا بعقولهم التي سوت بين الربا والبيع فهذا معارضة ~~النص بالرأي ونظير ذلك مما عارضوا به تحريم الميتة بقياسها على المذكي ~~وقالوا تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله وفي ذلك أنزل الله : @QB@ ~~وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ~~@QE@ الأنعام 121 PageV03P895 @ # وعارضوا أمره بتحويل القبلة بعقولهم وقالوا ms288 إن كانت القبلة الأولى حقا ~~فقد تركت الحق وإن كانت باطلا فقد كنت على باطل وإمام هؤلاء شيخ الطريقة ~~إبليس عدو الله فإنه أول من عارض أمر الله بعقله وزعم أن العقل يقتضي خلافه # وأما الثاني وهو معارضة خبره بالعقل فكما حكى سبحانه عن منكري المعاد ~~أنهم عارضوا ما أخبر به عنه بعقولهم فقال تعالى : @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي ~~خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم @QE@ يس 78 # وأخبر سبحانه أنهم عارضوا ما أخبر به من التوحيد بعقولهم وعارضوا أخباره ~~عن النبوات بعقولهم وعارضوا بعض الأمثال التي ضربها بعقولهم وعارضوا أدلة ~~نبوة رسوله بمعارضة عقلية وهي قولهم PageV03P896 @ @QB@ لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم @QE@ الزخرف 31 # وأنت إذا صغت هذه المعارضة صوغا مزخرفا وجدتها من جنس معارضة المعقول ~~بالمنقول وعارضوا آيات نبوته بمعارضة عقلية أخرى وهي قولهم : @QB@ ما لهذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ~~أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها @QE@ 7 # أي لو كان رسولا لخالق السماوات والأرض لما أحوجه أن يمشي بيننا في ~~الأسواق في طلب المعيشة ولأغناه عن أكل الطعام ولأرسل معه ملكا من الملائكة ~~ولألقى إليه كنزا يغنيه عن طلب الكسب وعارضوا شرعه سبحانه ودينه الذي شرعه ~~لهم على لسان رسوله وتوحيده بمعارضة عقلية استندوا فيها على القدر فقال ~~تعالى : @QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة ~~فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ 148 PageV03P897 @ # وحكى مثل هذه المعارضة عنهم في سورة النحل وفي الزخرف وإذا تأملتها حق ~~التأمل رأيتها أقوى بكثير من معارضه النفاة آيات الصفات وأخبارهم بعقولهم ~~فإن إخوانهم عارضوا بمشيئة الله الكائنات والمشيئة ثابتة في نفس الأمر ~~والنفاة عارضوا بأصول فاسدة وهم وضعوها من تلقاء أنفسهم أو تلقوها عن ms289 أعداء ~~الرسل من الصابئة والمجوس والفلاسفة وهي خيالات فاسدة ووهميات ظنوها قضايا ~~عقلية وبالجملة فمعارضة أمر الرسل وخبرهم بالمعقولات إنما هي طريقة الكفار ~~فهم سلف للخلف بعدهم فبئس السلف وبئس الخلف ومن تأمل معارضة المشركين ~~والكفار للرسل بالعقول وجدها أقوى من معارضة الجهمية والنفاة لخبرهم عن ~~الله وصفاته وعلوه على خلقه وتكليمه لملائكته ورسله بعقولهم فإن كانت تلك ~~المعارضة باطلة فهذه أبطل وإن صحت هذه المعارضة فتلك أولى بالصحة منها وهذا ~~لا محيد لهم عنه يوضحه : # الوجه الرابع والأربعون بيان أن المشركين أعرف بالله من الجهمية لأنهم لم ~~يعترضوا على صفاته سبحانه # إن القرآن مملوء من ذكر الصفات والعلو على الخلق والاستواء على العرش ~~وتكلم الله وتكليمه للرسل وإثبات الوجه واليدين والسمع والبصر والحياة ~~والمحبة والغضب PageV03P898 @ والرضى للرب سبحانه وهذا عند النفاة بمنزلة ~~وصفه بالأكل والشرب والجوع والعطش والنوم والموت كل ذلك مستحيل عليه ومعلوم ~~أن أخبار الرسول عنه سبحانه بما هو مستحيل عليه من أعظم المنفرات عنه ~~ومعارضته فيه أسهل من معارضته فيما عداه ولم يعارضه أعداؤه في حرف واحد من ~~هذا الباب ولا أنكروا عليه كلمة واحدة منه مع حرصهم على معارضته بكل ما ~~يقدرون عليه فهلا عارضوه بما عارضته به الجهمية والنفاة وقالوا قد أخبرتنا ~~بما يخالف العقل الصريح فكيف يمكننا تصديقك بل كان القوم على شركهم وضلالهم ~~أعرف بالله وصفاته من النفاة الجهمية وأقرب إلى إثبات الأسماء والصفات ~~والقدر والمشيئة والفعل من شيوخ هؤلاء الفلاسفة وأتباعهم من السيناوية ~~والفارابية والطوسية الذين ليس للعالم عندهم رب يعبد ولا رسول يطاع ولا ~~معاد للخليقة ولا يزيل الله هذا العالم ويأتي بعالم آخر فهذه الأصول قد ~~اشتركت فيها أعداء الرسل وامتازت كفار قريش بإثباتهم الربوبية والصفات ~~والملائكة وخلق العالم وكون الرب فاعلا PageV03P899 @ بمشيئته وقدرته ولهذا ~~لم يعارضوا الرسول في شيء من ذلك # الوجه الخامس والأربعون بيان أنه لا يتم الإيمان مع وجود ما يناقض خبر ~~الرسول # أنه لو جاز أن يكون في العقول ما يناقض خبر الرسول لم يتصور ms290 الإيمان به ~~البتة لوجهين # أحدهما أنه لا سبيل إلى العلم بانتفاء جميع المعارض وما علق على الممتنع ~~فهو ممتنع # الثاني أن تصديقهم والإيمان بهم يكون موقوفا على الشرط والإيمان لا يصح ~~تعليقه بالشرط فلو قال آمنت بالرسول إن أذن لي أبي أو إن أعطيتموني كذا أو ~~إن جعل لي الأمر من بعده ونحو ذلك لم يكن مؤمنا بالاتفاق كما قال مسيلمة إن ~~جعل محمد الأمر لي من بعده آمنت به فلم يصر مؤمنا بذلك وكان من أكفر الكفار ~~فهكذا إذا قال آمنت بما أخبر به إلا ان يعارضه دليل عقلي وهذا حقيقة قول ~~هؤلاء فإن هذا لم يؤمن به باتفاق الأمة وهذا كما أنه كفر في الشرع فهو فاسد ~~في العقل فالواجب على الخلق الإيمان بالرسول إيمانا مطلقا جازما غير معلق ~~على شرط ومن قال أصدق بما صدق عقلي به وأرد ما رده عقلي أو عقل من هو أعقل ~~مني أو مثلي فهو كافر باتفاق الأمة فاسد العقل وهو نظير طائفة من اليهود ~~يقولون نصدق أنه رسول الله حقا ولكن لم يبعث إلينا وإنما بعث إلى العرب ~~فهذا في إنكار عموم رسالته في المرسل إليهم نظير إنكار PageV03P900 @ عموم ~~رسالته في المرسل به فتأمله وهؤلاء شر من الذين قال الله فيهم @QB@ وإذا ~~جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله @QE@ الأنعام 124 # فأولئك وقفوا الإيمان على أن يؤتوا نظير ما جاءت به الرسل وهؤلاء وقفوه ~~على ما يناقض ما جاءت به الرسل # الوجه السادس والأربعون بيان أن هذه المعارضة نشأت من الكبر واتباع الهوى # إن هذه المعارضة ميراث بالتعصيب من الذين ذمهم الله في كتابه بجدالهم في ~~آياته بغير سلطان وبغير علم وأخبر أن مصدر تلك المجادلة كبر واستكبار عن ~~قبول الحق ممن يرون أنهم أعلم منهم كما قال تعالى : @QB@ فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم @QE@ غافر 83 # وهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة إذا كان عندها شيء من علم قد تميزت به ~~عمن هو ms291 أجهل منها وحصل لها به نوع رياسة ومال فإذا جاءها من PageV03P901 @ ~~هو أعلم منها بحيث تمحى رسوم علومها ومعارفها في علمه ومعرفته عارضته بما ~~عندها من العلم وطعنت فيما عنده بأنواع المطاعن قال تعالى @QB@ كذلك يضل ~~الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر ~~مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ ~~34 # وقال تعالى @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ غافر 56 # والسلطان هو الكتاب المنزل من السماء وقال تعالى @QB@ وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق @QE@ غافر 5 # وقال تعالى @QB@ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين ~~كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا @QE@ الكهف ~~56 # وهذا كثير في القرآن يذم به سبحانه الذين عارضوا كتبه PageV03P902 @ ~~ورسله بما عندهم من الرأي والمعقول والبدع والكلام الباطل مشتق من الكفر ~~فمن عارض الوحي بآراء الرجال كان قوله مشتقا من أقوال هؤلاء الضلال قال ~~مالك أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم لجدله ومن وقف على أصول هؤلاء المعارضين ومصدرها تبين له ~~أنها نشأت من أصلين : # من كبر عن اتباع الحق وهوى معمي للبصيرة وصادمته شبهات كالليل المظلم ~~فكيف لا يعارض من هذا وصفه خبر الأنبياء بعقله وعقل من يحسن به الظن ثم ~~دخلت تلك الشبهات في قلوب قوم لهم دين وعندهم إيمان وخير فعجزوا عن دفعها ~~فاتخذوها دينا وظنوها تحقيقا لما بعث الله به رسوله فحاربوا عليها واستحلوا ~~ممن خالفهم فيها ما حرمه الله ورسوله وهم بين جاهل مقلد ومجتهد مخطىء حسن ~~القصد وظالم معتد متعصب والقيامة موعد الجميع والأمر يومئذ لله PageV03P903 ~~@ # الوجه السابع والأربعون بيان # إن دلالة السمع على مدلوله متفق عليها بين العقلاء وإن اختلفوا في جهتها ~~هل هي قطعية أو ظنية وهل أرادت الرسل إفهام مدلولها واعتقاد ثبوته أم أرادت ~~إفهام غيره ms292 وتأويل تلك الأدلة وصرفها عن ظاهرها فلا نزاع بين العقلاء في ~~دلالتها على مدلولها ثم قال أتباع الرسل مدلولها ثابت في نفس الأمر وفي ~~الإرادة وقالت النفاة أصحاب التأويل مدلولها منتف في نفس الأمر وفي الإرادة ~~وقال أصحاب التخييل مدلولها ثابت في الإرادة منتف في نفس الأمر وأما دلالة ~~ما عارضها من العقليات على مدلوله فلم يتفق أربابها على دليل واحد منها بل ~~كل طائفة منهم تقول في أدلة خصومها إن العقل يدل على فسادها لا على صحتها ~~وأهل السمع مع كل طائفة تخالفه في دلالة العقل على فساد قول تلك الطائفة ~~المخالفة للسمع فكل طائفة تدعي فساد قول خصومها بالعقل يصدقهم أهل السمع ~~على ذلك ولكن يكذبونهم في دعواهم صحة قولهم بالعقل فقد تضمنت دعوى الطوائف ~~فسادها بفهم من العقل بشهادة بعضهم على بعض وشهادة أهل الوحي والسمع معهم ~~ولا يقال هذا ينقلب عليكم باتفاق شهادة PageV03P904 @ الفرق كلها على بطلان ~~ما دل عليه السمع وإن اختلفوا في أنفسهم لأن المطلوب أنهم كلهم متفقون على ~~أن السمع دل على الإثبات ولم يتفقوا على أن العقل دل على نقيضه فيمتنع ~~تقديم الدلالة التي لم يتفق عليها على الدلالة المتفق عليها وهو المطلوب # الوجه الخمسون بيان أن كل ما عارض السمع من العقليات ففساده معلوم بالعقل # أن يقال كل ما عارض السمع من العقليات ففساده معلوم بالعقل وإن لم يعارض ~~السمع فلسنا متوقفين في إبطاله والعلم بفساده على كونه عارض السمع بل هو ~~باطل في نفسه وفي معارضة السمع له دليل سمعي على بطلانه فقد اتفق على فساده ~~وبطلانه دليل العقل والسمع وما كان هكذا لم يصلح أن يعارض به عقل ولا سمع ~~وتفصيل هذه الجملة ببيان شبهة المخالفين للسمع وبيان فسادها ومخالفتها ~~لصريح العقل وهذا الأمر بحمد الله لم يزل أنصار الرسول يقومون به ويتكفلون ~~ببيانه وهم فيه درجات عند الله على منازلهم من العلم والإيمان والبيان ~~PageV03P905 @ # ولا ترى مسألة واحدة عورض بها الرسول إلا وقد ردها أنصاره وحزبه وبينوا ~~فسادها ms293 وسخافة عقل أربابها المعارضين بها في كل نوع من أنواع العلم وقد ~~أجرى الله سنته وعادته أن يكشف عن عورة المعارض ويفضحه ويخذله في عقله حتى ~~يقول ما يضحك منه الإنسان كما خذل المعارض بكلامه حتى أضحك عليه الناس فيما ~~عارضه به وهذا من إتمام أدلة النبوة وبراهين صحة ا لوحي أن تجد المعارض له ~~يأتي بما يضحك منه العقلاء فلعل قائلا يقول ما جاءت به الرسل قد يكون له ~~معارض صحيح فإذا وقف على المعارض وسخفه وتحقق بطلانه زاده قوة في إيمانه ~~ويقينه وصار ذلك بمثابة رجل ادعى أن معه طيبا ليس مع أحد مثله ولا مثل ريحه ~~فعارضه آخر بأن معه مثله أو أفضل منه فلما أخرجه إذ هو أنتن شيء وأخبثه ~~ريحا ولكن هناك عقول جعلية نشأت في النتن والحشوش فلا تألف غير ما نشأت فيه # الوجه الحادي والخمسون بيان أن ما علم بالاضطرار ومنها صفات الله امتنع ~~أن يقوم على بطلانه دليل # إن الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها كإثبات علو الله على خلقه ~~واستوائه على عرشه وتكلمه ورؤية العباد له في الآخرة وإثبات الصفات له هي ~~ما علم بالاضطرار أن الرسول جاء بها وعلم بالاضطرار صحة نبوته PageV03P906 ~~@ ورسالته وما علم بالاضطرار امتنع أن يقوم على بطلانه دليل وامتنع أن يكون ~~له معارض صحيح إذ لو جاز أن يكون له معارض صحيح لم يبق لنا وثوق بمعلوم ~~أصلا لا حسي ولا عقلي وهذا يبطل حقيقة الإنسانية بل حقيقة الحيوانية ~~المشتركة بين الحيوانات فإن لها تميزا وإدراكا للحقائق بحسبها وهذا الوجه ~~في غاية الظهور غني بنفسه عن التأمل وهو مبني على مقدمتين قطعيتين إحداهما ~~أن الرسول أخبر عن الله بذلك والثانية أنه صادق ففي أي المقدمتين يقدح ~~المعارض بين العقل والنقل # الوجه الثاني والخمسون بيان أن العقل شاهد لخبر الرسول بأنه صدق وحق # إن دليل العقل هو إخباره عن الذي خلقه وفطره أنه وضع فيه ذلك وعلمه إياه ~~وأرشده إليه # ودليل السمع هو الخبر عن الله ms294 أنه قال ذلك وتكلم به وأوحاه وعرف به ~~الرسول وأمره أن يعرف الأمة ويخبرهم به ولا يكون أحدهما صحيحا حتى يكون ~~الآخر مطابقا لمخبره وأن الأمر كما أخبر به وحينئذ فقد شهد العقل لخبر ~~الرسول بأنه صدق وحق فعلمنا مطابقته لمخبره بمجموع الأمرين بخبر الرسول به ~~وشهادة العقل الصريح بأنه لا يكذب في خبره وأما خبر العقل عن الله بما يضاد ~~ذلك بأن الله وضع فيه ذلك وعلمه إياه فلم يشهد PageV03P907 @ له الرسول ~~بصحة هذا الخبر بل شهد ببطلانه فليس معه إلا شهادته لنفسه بأنه صادق فيما ~~أخبر به فكيف يقبل شهادته لنفسه مع عدم شهادة الرسول له فكيف مع تكذيبه ~~إياه فكيف مع تكذيب العقل الصريح المؤيد بنور الوحي له فكيف مع تهاتر ~~أصحابه وتكاذبهم وتناقضهم يزيده إيضاحا : # الوجه الثالث والخمسون # وهو أن الأدلة السمعية نوعان النوع الأول # نوع دل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي فهو عقلي سمعي ومن هذا ~~غالب أدلة النبوة والمعاد والصفات والتوحيد ما تقدم التنبيه على اليسير جدا ~~منه وإذا تدبرت القرآن رأيت هذا أغلب النوعين عليه وهذا النوع يمتنع أن ~~يقوم دليل صحيح على معارضته لاستلزامه مدلوله وانتقال الذهن فيه من الدليل ~~إلى المدلول ضروري وهو أصل للنوع الثاني الدال بمجرد الخبر فالقدح في ~~النوعين بالعقل ممتنع بالضرورة أما الأول فلما تقدم وأما الثاني فلإستلزام ~~القدح فيه القدح في العقل الذي أثبته PageV03P908 @ وإذا بطل العقل الذي ~~أثبت السمع بطل ما عارضه من العقليات كما تقدم تقريره يوضحه : # الوجه الرابع والخمسون ذكر الأدلة العقلية على إثبات صفات الله تعالى # إنه ليس في القرآن صفة إلا وقد دل العقل الصريح على إثباتها لله فقد ~~تواطأ عليها دليل العقل ودليل السمع فلا يمكن أن يعارض بثبوتها دليل صحيح ~~البتة لا عقلي ولا سمعي بل إن كان المعارض سمعيا كان كذبا مفترى أو مما ~~أخطأ المعارض في فهمه وإن كان عقليا فهو شبه خيالية وهمية لا دليل عقلي ~~برهاني وأعلم أن هذه دعوى عظيمة ينكرها كل جهمي ms295 وناف وفيلسوف وقرمطي وباطني ~~ويعرفها من نور الله قلبه بنور الإيمان وباشر قلبه معرفة الذي دعت إليه ~~الرسل وأقرت به الفطر وشهدت به العقول الصحيحة المستقيمة لا المنكوسة ~~الموكوسة التي نكست قلوب أصحابها فرأت الحق باطلا والباطل حقا والهدى ضلالة ~~والضلالة هدى وقد نبه الله سبحانه في كتابه على ذلك وأرشد إليه ودل عليه في ~~غير موضع منه وبين أن ما وصف به نفسه هو الكمال الذي لا يستحقه سواه فجاحده ~~جاحد لكمال الرب فإنه يمدح بكل صفة وصف بها نفسه وأثنى بها على نفسه ومجد ~~بها نفسه وحمد بها نفسه فذكرها سبحانه على وجه المدحة له والتعظيم ~~PageV03P909 @ والتمجيد وتعرف بها إلى عباده ليعرفوا كماله وعظمته ومجده ~~وجلاله وكثيرا ما يذكرها عند ذكر آلهتهم التي عبدوها من دونه وجعلوها شركاء ~~له فيذكر سبحانه من صفات كماله وعلوه على عرشه وتكلمه وتكليمه وإحاطة علمه ~~ونفوذ مشيئته ما هو منتف عن آلهتهم فيكون ذلك من أدل الدليل على بطلان ~~آلهيتها وفساد عبادتها من دونه ويذكر ذلك عند دعوته عباده إلى ذكره وشكره ~~وعبادته # فيذكر لهم من أوصاف كماله ونعوت جلاله ما يجذب قلوبهم إلى المبادرة إلى ~~دعوته والمسارعة إلى طاعته والتنافس في القرب منه ويذكر صفاته أيضا عند ~~ترغيبه لهم وترهيبه وتخويفه ليعرف القلوب من تخافه وترجوه وترغب إليه وترهب ~~منه ويذكر صفاته أيضا عند أحكامه وأوامره ونواهيه فقل أن تجد آية حكم من ~~أحكام المكلفين إلا وهي مختتمة بصفة من صفاته أو صفتين وقد يذكر الصفة في ~~أول الآية ووسطها وآخرها كقوله : @QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك في ~~زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير @QE@ ~~المجادلة 1 # فيذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله عنه ويذكرها PageV03P910 @ عند سؤالهم ~~له عن أحكامه حتى إن الصلاة لا تنعقد إلا بذكر أسمائه وصفاته فذكر أسمائه ~~وصفاته روحها وسرها يصحبها من أولها إلى آخرها وإنما أمر بإقامتها ليذكر ~~بأسمائه وصفاته وأمر عباده أن يسألوه بأسمائه وصفاته ففتح لهم باب الدعاء ~~رغبا ms296 ورهبا ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها ولهذا كان أفضل ~~الدعاء وأجوبه ما توسل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته قال الله تعالى : ~~@QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها @QE@ الأعراف 180 # وكان اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين آية الكرسي وفاتحة آل عمران ~~لاشتمالهما على صفة الحياة PageV03P911 @ المصححة لجميع الصفات وصفة ~~القيومية المتضمنة لجميع الأفعال ولهذا كانت سيدة آي القرآن وأفضلها ولهذا ~~كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لأنها أخلصت للخبر عن الرب تعالى وصفاته ~~دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو ~~اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات ~~والأرض ياذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم وسمع آخر يدعو اللهم إني أسألك ~~بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي PageV03P912 ~~@ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لأحدهما لقد سألت الله باسمه ~~الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وقال للآخر سل تعطه وذلك لما ~~تضمنه هذا الدعاء من أسماء الرب وصفاته وأحب ما دعاه الداعي به أسماؤه ~~وصفاته وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أصاب عبدا قط ~~هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وبن عبدك وبن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك ~~عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو ~~استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء ~~حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا قالوا أفلا ~~نتعلمهن يا رسول الله قال بلى ينبغي لمن PageV03P913 @ يسمعهن أن يتعلمهن # وقد نبه سبحانه على إثبات صفاته وأفعاله بطريق المعقول فاستيقظت لتنبيهه ~~العقول الحية واستمرت على رقدتها العقول الميتة فقال الله تعالى في صفة ~~العلم @QB@ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ الملك 14 # فتأمل صحة هذا الدليل مع غاية إيجاز لفظه ms297 واختصاره وقال سبحانه @QB@ أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق @QE@ النحل 17 # فما أصح هذا الدليل وما أوجزه وقال تعالى في صفة الكلام @QB@ واتخذ قوم ~~موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا @QE@ الأعراف 148 # نبه بهذا الدليل على أن من لا يكلم ولا يهدي لا يصلح أن يكون آلها وكذلك ~~قوله في الآية الأخرى عن العجل PageV03P914 @ @QB@ أفلا يرون ألا يرجع ~~إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا @QE@ طه 89 # فجعل امتناع صفة الكلام والتكليم وعدم ملك الضر والنفع دليلا على عدم ~~الإلهية وهذا دليل عقلي سمعي على أن الإله لا بد أن يكلم ويتكلم ويملك ~~لعابده الضر والنفع وإلا لم يكن إلها وقال : @QB@ ألم نجعل له عينين ولسانا ~~وشفتين وهديناه النجدين @QE@ 8 # نبهك بهذا الدليل العقلي القاطع أن الذي جعلك تبصر وتتكلم وتعلم أولى أن ~~يكون بصيرا متكلما عالما فأي دليل عقلي قطعي أقوى من هذا وأبين وأقرب إلى ~~المعقول وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين : @QB@ ألهم أرجل يمشون بها ~~أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها @QE@ ~~الأعراف 195 # فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر دليلا على عدم إلهية من عدمت ~~فيه هذه الصفات فالبطش والمشي من أنواع الأفعال والسمع والبصر من أنواع ~~الصفات PageV03P915 @ # وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أربابهم وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية ~~فوصف نفسه بالسمع والبصر والفعل باليدين والمجيء والإتيان وذلك ضد صفات ~~الأصنام التي جعل امتناع هذه الصفات عليها منافيا لإلهيتها فتأمل آيات ~~التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف # تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس ~~له فيه شبه ولا مثال وأي دليل في العقل أوضح من إثبات الكمال المطلق لخالق ~~هذا العالم ومدبره وملك السماوات والأرض وقيومها فإذا لم يكن في العقل ~~إثبات جميع أنواع الكمال له فأي قضية تصح في العقل بعد هذا ومن شك ms298 في أن ~~صفة السمع والبصر والكلام والحياة والإرادة والقدرة والغضب والرضا والفرح ~~والرحمة والرأفة كمال فهو ممن سلب خاصة الإنسانية وانسلخ من العقل بل من شك ~~أن إثبات الوجه واليدين وما أثبته لنفسه معهما كمال فهو مؤوف مصاب في عقله ~~ومن شك أن كونه يفعل باختياره ما يشاء ويتكلم إذا شاء وينزل إلى حيث شاء ~~ويجيء إلى حيث شاء كمال فهو جاهل بالكمال والجامد عنده أكمل من الحي الذي ~~تقوم به الأفعال الاختيارية كما أن عند شقيقه الجهمي PageV03P916 @ أن ~~الفاقد لصفات الكمال أكمل من الموصوف بها كما أن عند أستاذهما وشيخهما ~~الفيلسوف أن من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا له حياة ولا قدرة ولا إرادة ~~ولا فعل ولا كلام ولا يرسل رسولا ولا ينزل كتابا ولا يتصرف في هذا العالم ~~بتحويل وتغيير وإزالة ونقل وإماتة وإحياء أكمل ممن يتصف بذلك فهؤلاء كلهم ~~قد خالفوا صريح المعقول وسلبوا الكمال عمن هو أحق بالكمال من كل ما سواه ~~ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا الكمال نقصا وعدمه كمالا فعكسوا الأمر وقلبوا ~~الفطر وأفسدوا العقول فتأمل شبههم ا لباطلة وخيالاتهم الفاسدة التي عارضوا ~~بها الوحي هل تقاوم هذا الدليل الدال على إثبات الصفات والأفعال للرب ~~سبحانه ثم اختر لنفسك بعد ما شئت # وهذا قطرة من بحر نبهنا به تنبيها يعلم به اللبيب ما وراءه وإلا فلو ~~أعطينا هذا الموضع حقه وهيهات أن يصل إلى ذلك علمنا أو قدرتنا لكتبنا فيه ~~عدة أسفار وكذا كل وجه من هذه الوجوه فإنه لو بسط وفصل لاحتمل سفرا أو أكثر ~~والله المستعان وبه التوفيق # الوجه الخامس والخمسون # إن غاية ما ينتهي إليه من ادعى معارضة العقل للوحي أحد أمور أربعة لا بد ~~له منها إما تكذيبها وجحدها وإما اعتقاد أن الرسل خاطبوا الخلق بها خطابا ~~جمهوريا PageV03P917 @ لا حقيقة له وإنما أرادوا منهم التخييل وضرب الأمثال ~~وإما اعتقاد أن المراد تأويلها وصرفها عن حقائقها وما تدل عليه إلى ~~المجازات والاستعارات وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها واعتقاد ms299 أنه لا ~~يعلم ما أريد بها إلا الله فهذه أربع مقامات وقد ذهب إلى كل مقام منها ~~طوائف من بني آدم # المقام الأول مقام التكذيب والجحد وهؤلاء استراحوا من كلفة النصوص ~~والوقوع في التجسيم والتشبيه وخلعوا ربقة الإيمان من أعناقهم وقالوا لسائر ~~الطوائف منكم إلى هذه النصوص وأما نحن فلسنا منها في شيء لأن عقولنا لما ~~عارضتها دفعناها في صدر من جاء بها وقابلناه بالتكذيب # المقام الثاني مقام أهل التخييل قالوا إن الرسل لم يمكنهم مخاطبة الخلق ~~بالحق في نفس الأمر فخاطبوهم بما يخيل إليهم وضربوا لهم الأمثال وعبروا عن ~~المعاني المعقولة بالأمور القريبة من الحس وسلكوا ذلك في باب الإخبار عن ~~الله وأسمائه وصفاته واليوم الاخر وأقروا باب الطلب على حقيقته ومنهم من ~~سلك هذا المسلك في الطلب أيضا وجعل الأمر والنهي أمثالا وإشارات ورموزا فهم ~~ثلاث فرق هذه إحداها PageV03P918 @ # والثانية سلكت ذلك في الخبر دون الأمر # والثالثة سلكت ذلك في الخبر عن الله وصفاته دون المعاد والجنة والنار ~~وذلك كله إلحاد في أسماء الرب وصفاته ودينه واليوم الاخر والملحد لا يتمكن ~~من الرد على الملحد وقد وافقه في الأصل وإن خالفه في فروعه فلهذا استطال ~~على هؤلاء الملاحدة كابن سينا وأتباعه غاية الاستطالة وقالوا القول في نصوص ~~المعاد كالقول في نصوص الصفات # قالوا بل الأمر فيها أسهل من نصوص الصفات لكثرتها وتنوعها وتعدد طرقها ~~وإثباتها على وجه يتعذر معه التأويل فإذا كان الخطاب بها خطابا جمهوريا ~~فنصوص المعاد أولى قال فإن قلتم نصوص الصفات قد عارضها ما يدل على انتفائها ~~من العقل قلنا ونصوص المعاد قد عارضها من العقل ما يدل على انتفائها ثم ذكر ~~العقليات المعارضة للمعاد بما يعلم به العاقل أن العقليات المعارضة للصفات ~~من جنسها أو أضعف منها # المقام الثالث مقام أهل التأويل قالوا لم يرد منا اعتقاد حقائقها وإنما ~~أريد منا تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها وحقيقتها فتكلفوا لها وجوه ~~التأويلات المستكرهة والمجازات PageV03P919 @ المستنكرة التي يعلم العقلاء ~~أنها أبعد شيء عن احتمال ألفاظ النصوص ms300 لها وأنها بالتحريف أشبه منها ~~بالتفسير # والطائفتان اتفقتا على أن الرسول لم يبين الحق للأمة في خطابه لهم ولا ~~أوضحه بل خاطبهم بما ظاهره باطل ومحال ثم اختلفوا فقال أصحاب التخييل أراد ~~منهم اعتقاد خلاف الحق والصواب وإن كان في ذلك مفسدة فالمصلحة المترتبة ~~عليه أعظم من المفسدة التي فيه وقال أصحاب التأويل بل أراد منا أن نعتقد ~~خلاف ظاهره وحقيقته ولم يبين لنا المراد تعريضا لنا إلى حصول الثواب ~~بالاجتهاد والبحث والنظر وإعمال الفكر في معرفة الحق بعقولنا وصرف تلك ~~الألفاظ عن حقائقها وظواهرها لننال ثواب الاجتهاد والسعي في ذلك فالطائفتان ~~متفقتان على أن ظاهر خطاب الرسول ضلال وكفر وباطل وأنه لم يبين الحق ولا ~~هدى إليه الخلق # المقام الرابع مقام اللاأدرية الذين يقولون لا ندري معاني هذه الألفاظ ~~ولا ما أريد منها ولا ما دلت عليه وهؤلاء ينسبون طريقتهم إلى السلف وهي ~~التي يقول المتأولون إنها أسلم ويحتجون عليها بقوله تعالى PageV03P920 @ ~~@QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ آل عمران 7 # ويقولون هذا هو الوقف التام عند جمهور السلف وهو قول أبي بن كعب وعبد ~~الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وغيرهم من السلف ~~والخلف وعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل ~~الله عليهم من هذه النصوص ولا الصحابة والتابعون لهم بإحسان بل يقرأون ~~كلاما لا يعقلون معناه ثم هم متناقضون أفحش تناقض فإنهم يقولون تجري على ~~ظاهرها وتأويلها باطل ثم يقولون لها تأويل لا يعلمه إلا الله وقول هؤلاء ~~أيضا باطل فإن الله سبحانه أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله وأخبر أنه بيان ~~وهدى وشفاء لما في الصدور وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ومن أعظم ~~الاختلاف اختلافهم في باب الصفات والقدر والأفعال واللفظ الذي لا يعلم ما ~~أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان وهؤلاء طرقوا ~~لأهل الإلحاد والزندقة والبدع أن يستنبطوا الحق من عقولهم وآرائهم فإن ~~النفوس طالبة لمعرفة هذا الأمر أعظم طلب ms301 والمقتضى التام لذلك فيها موجود ~~فإذا قيل لها إن ألفاظ القرآن والسنة في ذلك لها تأويل لا يعلمه إلا الله ~~PageV03P921 @ ولا يعلم أحد معناها وما أريد بها وما دلت عليه فروا إلى ~~عقولهم ونظرهم وآرائهم فسد هؤلاء باب الهدى والرشاد وفتح أولئك باب الزندقة ~~والبدعة والإلحاد وقالوا قد أقررتم بأن ما جاءت به الرسل في هذا الباب لا ~~يحصل منه علم بالحق ولا يهدي إليه فهو في طريقتنا لا في طريقة الأنبياء ~~فإنا نحن نعلم ما نقوله ونثبته بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا تأويل ~~ما قالوه ولا بينوا مراد المتكلم به وأصاب هؤلاء من الغلط على السمع ما ~~أصاب أولئك من الخطأ في العقل وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف بقولهم لا يعلم ~~تأويل المتشابه إلا الله فإن التأويل في عرف السلف المراد به التأويل في ~~مثل قوله تعالى : @QB@ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين ~~نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق @QE@ الأعراف 53 # وقوله تعالى @QB@ ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ النساء 59 # وقول يوسف @QB@ يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا @QE@ ~~يوسف 100 # وقول يعقوب @QB@ ويعلمك من تأويل الأحاديث @QE@ يوسف 6 # وكذلك PageV03P922 @ @QB@ وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم ~~بتأويله @QE@ يوسف 45 # وقال يوسف @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما @QE@ يوسف 37 # فتأويل الكلام الطلبي هو نفس فعل المأمور به والمنهي عنه كما قال بن ~~عيينة السنة تأويل الأمر والنهي وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك يتأول القرآن وأما ~~تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر ~~الله عنها وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره ولهذا ~~قال مالك وربيعة الاستواء معلوم والكيف مجهول PageV03P923 @ وكذلك قال بن ~~الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من السلف إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به ~~عن نفسه وإن ms302 كنا نعلم تفسيره ومعناه وقد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج ~~بها الجهمية من المتشابه وقال إنهم تأولوها على غير تأويلها وبين معناها ~~وكذلك الصحابة والتابعون فسروا القرآن وعلموا المراد بآيات الصفات كما ~~علموا المراد من آيات الأمر والنهي وإن لم يعلموا الكيفية كما علموا معاني ~~ما أخبر الله به في الجنة والنار وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته فمن قال ~~من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى فهو حق وأما من ~~قال إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلا الله فهذا ~~غلط والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه قال مجاهد عرضت المصحف على ~~بن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها وقال عبد الله ~~بن مسعود ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت وقال الحسن البصري ~~ما أنزل الله آية إلا PageV03P924 @ وهو يحب أن يعلم ما أراد بها وقال ~~مسروق ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه ~~وقال الشعبي ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها والمقصود أن من ~~ادعى معارضة العقل للسمع لا بد له أن يسلك أحد هذه المسالك الأربعة الباطلة ~~وأسلمها هذا المسلك الرابع وقد علمت بطلانه وإنما كان أقل بطلانا لأنه لا ~~يتضمن الخبر الكاذب على الله ورسوله فإن صاحبه يقول لا أفهم من هذه النصوص ~~شيئا ولا أعرف المراد بها وأصحاب تلك المسالك تتضمن أقوالهم تكذيب الله ~~ورسوله أو الإخبار عن النصوص بالتكذيب وبالله التوفيق # الوجه السادس والخمسون بيان # إن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم التي هي في الحقيقة جهليات ~~إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة محتملة تحتمل معاني متعددة ويكون ~~ما فيها من الاشتباه في المعنى والإجمال في اللفظ يوجب تناولها PageV03P925 ~~@ بحق وباطل فبما فيها من الحق يقبل من لم يحط بها علما ما فيها من الباطل ~~لأجل الاشتباه والالتباس ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص ms303 الأنبياء وهذا ~~منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع كلها فإن البدعة لو كانت ~~باطلا محضا لما قبلت ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها ولو كانت حقا محضا لم ~~تكن بدعة وكانت موافقة للسنة ولكنها تشتمل على حق وباطل ويلتبس فيها الحق ~~بالباطل كما قال تعالى : @QB@ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم ~~تعلمون @QE@ البقرة 42 # فنهى عن لبس الحق بالباطل وكتمانه ولبسه به خلطه به حتى يلتبس أحدهما ~~بالآخر ومنه التلبيس وهو التدليس والغش الذي يكون باطنه خلاف ظاهره فكذلك ~~الحق إذا لبس بالباطل يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحق وتكلم بلفظ ~~له معنيان معنى صحيح ومعنى باطل فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح ~~ومراده الباطل فهذا من الإجمال في اللفظ # وأما الاشتباه في المعنى فيكون له وجهان هو حق من أحدهما وباطل من الآخر ~~فيوهم إرادة الوجه PageV03P926 @ الصحيح ويكون مراده الباطل فأصل ضلال بني ~~آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ولا سيما إذا صادفت أذهانا مخبطة ~~فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوى وتعصب فسل مثبت القلوب أن يثبت قلبك على دينه ~~وأن لا يوقعك في هذه الظلمات قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في الرد على ~~الجهمية الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ~~يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ~~ويبصرون بكتاب الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال ~~قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب ~~الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية ~~البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون PageV03P927 @ ~~للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله ~~بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم ~~فنعوذ بالله من فتن المضلين وهذه الخطبة تلقاها الإمام أحمد عن عمر بن ~~الخطاب أو ms304 وافقه فيها فقد ذكرها محمد بن وضاح في أول كتابه في الحوادث ~~والبدع فقال حدثنا أسد ثنا رجل يقال له يوسف ثقة عن أبي عبد الله الواسطي ~~رفعه إلى عمر بن الخطاب أنه قال الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في ~~كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون ~~منهم على الأذى يحيون بكتاب الله أهل العمى كم من قتيل لإبليس قد أحيوه ~~وضال تائه قد هدوه بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد فما أحسن أثرهم ~~على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم وما نسيهم ربك وما كان ربك نسيا جعل ~~قصصهم هدى PageV03P928 @ وأخبر عن حسن مقالاتهم فلا تقصر عنهم فإنهم في ~~منزلة رفيعة وإن أصابتهم الوضيعة اه # فقوله يتكلمون بالمتشابه من الكلام هو الذي له وجهان يخدعون به جهال ~~الناس كما ينفق أهل الزغل النقد المغشوش الذي له وجهان يخدعون به من لم ~~يعرفه من الناس فلا إله إلا الله كم قد ضل بذلك طوائف من بني آدم لا يحصيهم ~~إلا الله واعتبر ذلك بأظهر الألفاظ والمعاني في القرآن والسنة وهو التوحيد ~~الذي حقيقته إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عن أضدادها وعبادته وحده لا ~~شريك له فاصطلح أهل الباطل على وضعه للتعطيل المحض ثم دعوا الناس إلى ~~التوحيد فخدعوا به من لم يعرف معناه في اصطلاحهم وظن أن ذلك التوحيد هو ~~الذي دعت إليه الرسل والتوحيد اسم لستة معان توحيد الفلاسفة وتوحيد الجهمية ~~وتوحيد القدرية الجبرية وتوحيد الاتحادية فهذه الأربعة أنواع من التوحيد ~~جاءت الرسل بإبطالها ودل على بطلانها العقل والنقل فأما توحيد الفلاسفة فهو ~~إنكار ماهية الرب PageV03P929 @ الزائدة على وجوده وإنكار صفات كماله وأنه ~~لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا كلام ولا وجه ولا يدين ~~وليس فيه معنيان متميز أحدهما عن الآخر البتة قالوا لأنه لو كان كذلك لكان ~~مركبا وكان جسما مؤلفا ولم يكن واحدا من كل وجه فجعلوه من جنس الجوهر ms305 الفرد ~~الذي لا يحس ولا يرى ولا يتميز منه جانب عن جانب بل الجوهر الفرد يمكن ~~وجوده # وهذا الواحد الذي جعلوه حقيقة رب العالمين يستحيل وجوده فلما اصطلحوا على ~~هذا المعنى في التوحيد وسمعوا قوله @QB@ وإلهكم إله واحد @QE@ البقرة 163 # وقوله @QB@ وما من إله إلا إله واحد @QE@ المائدة 73 # نزلوا لفظ القرآن على هذا المعنى الاصطلاحي وقالوا لو كان له صفة أو كلام ~~أو مشيئة أو علم أو حياة أو قدرة أو سمع أو بصر لم يكن واحدا وكان مركبا ~~مؤلفا فسموا أعظم التعطيل بأحسن الأسماء وهو التوحيد وكسوه ثوبه وسموا أصح ~~الأشياء وأحقها بالثبوت وهو صفات الرب ونعوت كماله بأقبح الأسماء وهو ~~التركيب والتأليف فتولد من بين هذه التسمية PageV03P930 @ المنكرة للمعنى ~~الصحيح وتلك التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحد حقائق أسماء الرب وصفاته بل ~~وجحد ماهيته وذاته وتكذيب رسله ونشأ من نشأ على اصطلاحهم من إعراضه عن ~~استفادة الهدى والحق من الوحي فلم يعرف سوى الباطل الذي اصطلحوا عليه فجعله ~~أصلا لدينه فلما رأى ما جاءت به الرسل يعارضه قال إذا تعارض العقل والنقل ~~قدم العقل # التوحيد الثاني توحيد الجهمية وهو مشتق من توحيد الفلاسفة وهو نفي صفات ~~الرب كعلمه وكلامه وسمعه وبصره وحياته وعلوه على عرشه ونفي وجهه ويديه وقطب ~~رحى هذا التوحيد جحد حقائق أسمائه وصفاته # التوحيد الثالث توحيد القدرية الجبرية وهو إخراج أفعال العباد أن تكون ~~فعلا لهم وأن تكون واقعة بكسبهم أو إرادتهم بل هي نفس فعل الله فهو الفاعل ~~لها دونهم فنسبتها إليهم وأنهم فعلوها مناف للتوحيد عندهم # التوحيد الرابع توحيد القائلين بوحدة الوجود وأن الوجود عندهم واحد ليس ~~عندهم وجودان قديم وحادث وخالق ومخلوق وواجب وممكن بل الوجود PageV03P931 @ ~~عندهم واحد بالعين والذي يقال له الخلق المشبه هو الحق المنزه والكل من عين ~~واحدة بل هو العين الواحدة # فهذه الأنواع الأربعة سماها أهل الباطل توحيدا فاعتصموا بالاسم من إنكار ~~المسلمين عليهم وقالوا نحن الموحدون ودعوا الناس إلى الباطل باسم التوحيد ~~فجعلوه جنة وترسا ووقاية وسموا ms306 التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنبياءه ~~تركيبا وتجسيما وتشبيها وجعلوا هذه الألقاب له سهاما وسلاحا يقاتلون بها ~~أهله فتترسوا بما عند أهل الحق من الأسماء الصحيحة وقاتلوهم بالأسماء ~~الباطلة التي سموا بها ما بعث الله به رسوله فقاتلوهم باسم التركيب ~~والتجسيم والتشبيه وتترسوا منهم باسم التوحيد والتنزيه وقد قال جابر في ~~الحديث الصحيح في حجة الوداع فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد ~~لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك ~~لك فهذا توحيد الرسول المتضمن لإثبات صفات الكمال التي يستحق عليها الحمد ~~ولإثبات الأفعال التي استحق بها أن يكون منعما ولإثبات القدرة والمشيئة ~~والإرادة والتصرف والغضب والرضا والغنى والجود الذي هو حقيقة ملكه وعند ~~PageV03P932 @ الفلاسفة والجهمية والمعطلة لا حمد له في الحقيقة ولا نعمة ~~ولا ملك والله يعلم أنا لم نجازف في نسبة ذلك إليهم بل هو حقيقة قولهم فأي ~~حمد لمن لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يتكلم ولا يفعل ولا هو في هذا ~~العالم ولا خارج عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن ~~يمينه ولا عن يسرته وأي نعمة لمن لا يقوم به فعل البتة وأي ملك لمن لا وصف ~~له ولا فعل فانظر إلى توحيد الرسل وتوحيد من خالفهم ومن العجب أنهم سموا ~~توحيد الرسل شركا وتجسيما وتشبيها مع أنه غاية الكمال وسموا تعطيلهم ~~واتحادهم ونفيهم توحيدا وهو غاية النقص ثم نسبوا اتباع الرسل إلى نقص الرب ~~وقد سلبوه كل كمال وزعموا أنهم أثبتوا له الكمال وقد نزهوه عنه فهذا توحيد ~~الملاحدة والجهمية والمعطلة التوحيد الخامس # وأما توحيد الرسل فهو إثبات صفات الكمال له سبحانه وإثبات كونه فاعلا ~~بمشيئته وقدرته واختياره وأن له فعلا حقيقة وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ~~ويخاف ويرجى ويتوكل عليه فهو المستحق لغاية الحب بغاية الذل وليس لخلقه من ~~دونه وكيل ولا ولي ولا شفيع ولا واسطة بينه وبينهم في رفع حوائجهم إليه وفي ~~تفريج ms307 كرباتهم وإغاثة لهفاتهم وإجابة دعواتهم وبينه PageV03P933 @ وبينهم ~~واسطة في تبليغ أمره ونهيه وخبره إليهم فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه ويبغضه ~~ويسخطه ولا حقائق أسمائه وتفصيل ما يجب له ويمتنع عليه ويوصف به إلا من جهة ~~هذه الواسطة فجاء هؤلاء الملاحدة فعكسوا الأمر وقلبوا الحقائق فنفوا كون ~~الرسل وسائط في ذلك وقالوا تلقى بواسطة العقل ونفوا حقائق أسمائه وصفاته ~~وقالوا هذا التوحيد # فهذا توحيدهم وهذا إيمانهم بالرسل ويقولون نحن ننزهه عن الأعراض والأغراض ~~والأبعاض والحدود والجهات وحلول الحوادث فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ ~~فيتوهم منها أنهم ينزهون الله عما يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب ~~والنقائص والحاجة فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه ويكشف الناقد البصير ما ~~تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد وتكذيب الرسل وتعطيل الرب تعالى عما ~~يستحقه من كماله فتنزيهه عن الأعراض هو جحد صفاته كسمعه وبصره وحياته وعلمه ~~وكلامه وإرادته فإن هذه أعراض لا تقوم إلا بجسم فلو كان متصفا بها لكان ~~جسما وكانت أعراضا له وهو منزه عن الأعراض وأما الأغراض فهي الغاية والحكمة ~~التي لأجلها يفعل ويخلق ويأمر وينهى PageV03P934 @ ويثيب ويعاقب وهي ~~الغايات المحمودة المطلوبة له من أمره ونهيه وفعله فيسمونها عللا وأغراضا ~~ثم ينزهونه عنها # وأما الأبعاض فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس له وجه ولا يدان ولا يمسك ~~السماوات على أصبع والأرض على أصبع والشجر على أصبع والماء على أصبع فإن ~~ذلك كله أبعاض والله منزه عن الأبعاض وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه ~~عنها أنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله ولا يشار إليه بالأصابع ~~إلى فوق كما أشار إليه أعلم الخلق به ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ~~ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا رفع المسيح إليه ولا عرج برسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم إليه إذ لو كان ذلك للزم إثبات الحدود والجهات له وهو ~~منزه عن ذلك وأما حلول الحوادث فيريدون به أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته ولا ~~ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم ms308 القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد ~~أن كان راضيا ولا يرضى بعد أن كان غضبان ولا يقوم به فعل البتة ولا أمر ~~مجدد بعد أن لم يكن ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريدا له ولا يقول له كن ~~حقيقة ولا استوى على PageV03P935 @ عرشه بعد أن لم يكن مستويا عليه ولا ~~يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولا ينادي ~~عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا لهم ولا يقول للمصلي إذا قال : ~~@QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ الفاتحة 2 # حمدني عبدي فإذا قال @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ الفاتحة 3 # قال أثنى علي عبدي وإذا قال @QB@ مالك يوم الدين @QE@ الفاتحة 4 # قال مجدني عبدي فإن هذه كلها حوادث وهو منزه عن حلول الحوادث وبعضهم ~~يختصر العبارة ويقول أنا أنزهه عن التعدد والتحدد والتجدد فيتوهم السامع ~~الجاهل بمراده أنه ينزهه عن تعدد الآلهة وعن تحدد محيط به حدود وجودية ~~تحصره وتحويه كتحدد البيت ونحوه وعن تجدد إلهيته وربوبيته ومراده بالتعدد ~~الذي ينزه عنه تعدد أسمائه وصفاته وأنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا ولا ~~يتكلم ومراده بالتحدد أنه ليس فوق PageV03P936 @ خلقه ولا هو مستو على عرشه ~~ولا فوق العرش إله يعبد وليس فوق العرش إلا العدم # ومراده بالتجدد أنه لا يقوم به فعل ولا إرادة ولا كلام بمشيئته وقدرته ~~وبعضهم يقتصر على حرفين فيقول نحن ننزهه عن التكثر والتغير فيتوهم السامع ~~تكثر الآلهة وتغيره سبحانه واستحالته من حال إلى حال وحقيقة هذا التنزيه ~~أنه لا صفة له ولا فعل التوحيد السادس # وكذلك قول الجهمية نحن نثبت قديما واحدا ومثبتو الصفات يثبتون عدة قدماء ~~قال والنصارى أثبتوا ثلاثة قدماء مع الله بفكرهم فكيف من أثبت سبعة قدماء ~~أو أكثر فانظر إلى هذا التلبيس والتدليس الذي يوهم السامع أنهم أثبتوا ~~قدماء مع الله وإنما أثبتوا قديما واحدا بصفاته وصفاته داخلة في مسمى اسمه # إنما أثبتوا إلها واحدا ولم يجعلوا كل صفة من صفاته إلها بل هو الإله ~~الواحد ms309 بجميع أسمائه وصفاته وهذا بعينه متلقى عن عباد الأصنام المشركين ~~بالله المكذبين لرسوله حيث قالوا يدعو محمد إلى إله واحد ثم يقول يا الله ~~يا رحمن يا سميع يا بصير فيدعو آلهة متعددة فأنزل الله عز وجل PageV03P937 ~~@ @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ~~@QE@ الإسراء 110 # أي إنكم إنما تدعون إلها واحدا له الأسماء الحسنى فأي اسم دعوتموه فإنما ~~دعوتم المسمى بذلك الاسم فأخبر سبحانه أنه إله واحد وإن تعددت أسماؤه ~~الحسنى المشتقة من صفاته ولهذا كانت حسنى وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون ~~لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى ولكانت ~~أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها فنزلت الآية على توحيد الذات ~~وكثرة النعوت والصفات ومن ذلك قول هؤلاء المعطلة أخص صفات الإله القديم ~~فإذا أثبتم معه صفات قديمة لزم أن تكون آلهة فلا يكون الإله واحدا بل يكون ~~لكم آلهة متعددة فيقال لهؤلاء المدلسين الملبسين على أمثالهم من أشباه ~~الأنعام المحذور الذي نفاه العقل والشرع والفطرة وأجمعت الأنبياء من أولهم ~~إلى آخرهم على بطلانه أن يكون مع الله آلهة أخرى لا أن يكون إله العالمين ~~الواحد القهار حيا قيوما سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه له ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى فلم ينف العقل والشرع والفطرة أن يكون للإله ~~الواحد صفات كمال ونعوت جلال يختص بها لذاته فلبستم على المخدوعين ~~PageV03P938 @ المغرورين وأوهمتموهم أنه لو كان فوق عرشه موصوفا بصفات ~~الكمال يرى بالأبصار عيانا يوم القيامة لم يكن إلها واحدا وكان هناك آلهة ~~متعددة وقدماء متغايرة وأعراض وأبعاض وحدود وجهات وتكثر وتغير وتحدد وتجرد ~~وتجسم وتشبيه وتركيب وأكثر الناس إذا سمعوا هذه الألفاظ نفرت عقولهم من ~~مسماها ونبت أسماعهم عنها وقد علم المؤمنون المصدقون للرسول العارفون بالله ~~وصفاته وأسمائه أنكم توسلتم بها إلى نفي صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه فلم ~~ترفعوا بها رأسا ولم تروا لها حرمة ولم ترقبوا فيها ذمة وغرت ضعاف العقول ~~الجاهلين بحقائق الإيمان فضلوا بها وأضلوا ms310 كثيرا وضلوا عن سواء السبيل # فلفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فتكون له حرمة الإثبات ولا نفيا ~~فيكون له إلغاء النفي فمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به فإن قال ~~أردت الجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم ~~سواه ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء فهذه اللغة وكتبها بين ~~أظهرنا فهذا المعنى منفي عن الله عقلا وسمعا وإن أردتم به المركب من المادة ~~والصورة أو المركب من الجواهر الفردة فهذا منفي عن الله قطعا PageV03P939 @ ~~والصواب نفيه عن الممكنات أيضا فليس الجسم المخلوق مركبا من هذا ولا من هذا # وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ~~ويبصر ويرضى ويغضب فهذه المعاني ثابتة للرب تعالى وهو موصوف بها فلا ننفيها ~~عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض ~~لمن يحبهم ويواليهم نواصب ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية ~~لمن أثبته جبريا ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ~~لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية # ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه لتسمية الفرعونية ~~المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها # ( فإن كان تجسيما ثبوت استوائه % على عرشه إني إذا لمجسم ) # ( وإن كان تشبيها ثبوت صفاته % فمن ذلك التشبيه لا أتكتم ) # ( وإن كان تنزيها جحود استوائه % وأوصافه أو كونه يتكلم ) # ( فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا % بتوفيقه والله أعلى وأعلم PageV03P940 @ # ورضي الله عن الشافعي حيث فتح للناس هذا الباب في قوله # ( يا راكبا قف بالمحصب من منى % واهتف بقاعد خيفها والناهض ) # ( إن كان رفضا حب آل محمد % فليشهد الثقلان أني رافض ) # ورضي الله عن شيخنا إذ يقول # ( فإن كان نصبا ولاء الصحاب % فإني كما زعموا ناصبي ) # ( وإن كان رفضا ولاء آله % فلا برح الرفض من جانبي ) # وهذا كله كأنه مأخوذ من قول الأول # ( وعيرني الواشون أني أحبها % وذلك ذنب لست منه أتوب ) # وقول الآخر ms311 # ( فإن كان ذنبي حبكم وولاءكم % فإني مصر ما بقيت على الذنب ) # وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار إليه أعرف الخلق به ~~بأصبعه رافعا لها إلى السماء يشهد PageV03P941 @ الجمع الأعظم مشيرا له أو ~~أردتم بالجسم ما يقال أين هو فقد سأل أعلم الخلق به عنه بأين منبها على ~~علوه على عرشه وسمع السؤال بأين وأجاب عنه ولم يقل هذا السؤال إنما يكون عن ~~المجسم # وإن أردتم بالجسم ما يلحقه من وإلى فقد نزل جبريل من عنده ونزل كلامه من ~~عنده وعرج برسوله إليه وإليه يصعد الكلم الطيب وعنده المسيح رفع إليه # وإن أردتم بالجسم ما يتميز منه أمر عن أمر فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال ~~جميعها من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة وهذه صفات متميزة متغايرة ~~ومن قال إنها صفة واحدة فهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء وقد قال أعلم ~~الخلق به أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك والمستعاذ ~~به غير المستعاذ منه وأما استعاذته صلى الله عليه وسلم به منه فباعتبارين ~~مختلفين فإن الصفة المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها صفتان لموصوف واحد ~~ورب واحد فالمستعيذ PageV03P942 @ بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذ بالموصوف ~~بهما منه # وإن أردتم بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى ~~وبيديه وبسمعه وبصره وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه # وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويا على غيره فهو سبحانه فوق ~~عباده مستو على عرشه وكذلك إن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني التي دل ~~عليها الوحي والعقل فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى ~~وجناية على ألفاظ الوحي والعقل وحقائق صفات الرب أما الخطأ اللفظي فتسميتكم ~~الموصوف بذلك جسما مركبا مؤلفا مشبها لغيره وتسميتكم هذه الصفات تجسيما ~~وتركيبا وتشبيها فكذبتم على القرآن وعلى الرسول وعلى اللغة ووضعتم لصفاته ~~ألفاظا منكم بدأت وإليكم تعود وأما خطأكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات ~~كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب فنفيكم المعنى الحق وسميتموه بالاسم ms312 ~~المنكر وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء ولم يره فسأل عنه فقيل ~~له مائع رقيق أصفر يشبه العذرة تتقيأه الزنابير ومن لم يعرف العسل ينفر عنه ~~بهذا التعريف ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له ورغبة ~~فيه وما أحسن ما قال القائل PageV03P943 @ # ( تقول هذا جني النحل تمدحه % وإن تشاء قلت ذا قيء الزنابير ) # ( مدحا وذما وما جاوزت وصفهما % والحق قد يعتريه سوء تعبير ) # وأشد ما حاول أعداء الرسول من التنفير عنه سوء التعبير عما جاء به وضرب ~~الأمثال القبيحة له والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ ~~منكرة ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين فوصلت إلى قلوبهم فنفرت منه وهذا ~~شأن كل مبطل وكل من يكيد الحق وأهله هذه طريقه ومسلكه وأكثر العقول كما ~~عهدت تقبل القول بعبارة وترده بعينه بعبارة أخرى وكذلك إذا قال الفرعوني لو ~~كان فوق السماوات رب أو على العرش إله لكان مركبا قيل له لفظ المركب في ~~اللغة هو الذي ركبه غيره في محله كقوله تعالى : @QB@ في أي صورة ما شاء ~~ركبك @QE@ الانفطار 8 # وقولهم ركبت الخشبة والباب # أو ما تركب من أخلاط وأجزاء بحيث كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمعت وركبت حتى ~~صار شيئا واحدا كقولهم PageV03P944 @ ركبت الدواء وركبت الطعام من كذا وكذا ~~فإن أردتم بقولكم لو كان فوق العرش كان مركبا هذا التركيب المعهود أو أنه ~~كان متفرقا فاجتمع فهو كذب وفرية وبهت على الله وعلى الشرع وعلى العقل # وإن أردتم أنه لو كان فوق عرشه لكان عاليا على خلقه بائنا منهم مستويا ~~على عرشه ليس فوقه شيء فهذا المعنى حق وكأنك قلت لو كان فوق العرش لكان فوق ~~العرش فنفيت الشيء بتغيير العبارة عنه وقلبها إلى عبارة أخرى وهذا شأنكم في ~~أكثر مطالبكم # وإن أردت بقولك كان مركبا أنه يتميز منه شيء عن شيء فقد وصفته أنت بصفات ~~يتميز بعضها عن بعض فهل كان هذا عندك تركيبا فإن قلت هذا لا يقال لي وإنما ~~يقال ms313 لمن أثبت شيئا من الصفات وأما أنا فلا أثبت له صفة واحدة فرارا من ~~التركيب قيل لك العقل لم يدل على نفي المعنى الذي سميته أنت تركيبا وهبك ~~سميته تركيبا وقد دل العقل والوحي والفطر على ثبوته أفتنفيه لمجرد تسميتك ~~الباطلة فإن التركيب يطلق ويراد به خمس معاني تركيب الذات من الوجود ~~والماهية عند من يجعل وجودها زائدا على ماهيتها فإذا نفيت هذا التركيب ~~جعلته PageV03P945 @ وجودا مطلقا إنما هو في الأذهان لا وجود له في الأعيان ~~المعنى الثاني # الثاني تركيب الماهية من الذات والصفات فإذا نفيت هذا التركيب جعلته ذاتا ~~مجردة عن كل وصف لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر ولا يريد ولا له حياة ~~ولا مشيئة ولا صفة أصلا فكل ذات في المخلوقات أكمل من هذه الذات فاستفدت ~~بنفيك هذا التركيب كفرك بالله وجحدك لذاته وصفاته وأفعاله فكان اسم التركيب ~~ملقيا لك في أعظم الكفر وموجبا لك أشد التعذيب # الثالث تركيب الماهية الجسمية من الهيولى والصورة كما يقوله الفلاسفة # الرابع تركيبها من الجواهر الفردة كما يقوله كثير من أهل الكلام # الخامس تركيب الماهية من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت وتركبت # فإن أردت بقولك لو كان فوق العرش لكان مركبا ما تدعيه الفلاسفة ~~والمتكلمون قيل لك جمهور العقلاء عندهم أن الأجسام المحدثة المخلوقة ليست ~~مركبة لا من هذا PageV03P946 @ ولا من هذا فلو كان فوق العرش جسم مخلوق ~~محدث لم يلزم أن يكون مركبا بهذا الاعتبار فكيف يلزم ذلك في حق خالق المفرد ~~والمركب الذي يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويؤلف بين الأجزاء فيركبها كما ~~يشاء # والعقل إنما دل على إثبات إله واحد ورب واحد لا شريك له ولا شبيه له ولم ~~يدل على أن ذلك الرب الواحد لا اسم له ولا صفة له ولا وجه ولا يدين ولا هو ~~فوق خلقه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء فدعوى ذلك على العقل كذب صريح ~~عليه كما هي كذب صريح على الوحي وكذلك قولهم ننزهه عن الجهة إن أردتم أنه ms314 ~~منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف للمظروف وحصره له ~~فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى ولكن لا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعنى # وإن أردتم بالجهة أمرا يوجب مباينة الخالق للمخلوق وعلوه على خلقه ~~واستوائه على عرشه فنفيكم لهذا المعنى باطل وتسميتكم له جهة اصطلاح منكم ~~توسلتم به إلى نفي ما دل عليه العقل والنقل والفطرة فسميتم ما فوق العالم ~~جهة وقلتم منزه عن الجهات وسميتم العرش حيزا وقلتم الرب ليس بمتحيز وسميتم ~~الصفات PageV03P947 @ أعراضا وقلتم الرب منزه عن قيام الأعراض به وسميتم ~~حكمته غرضا وقلتم إنه منزه عن الأغراض وسميتم كلامه بمشيئته ونزوله إلى ~~سماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء وإرادته ومشيئته المقارنة ~~لمراده وإدراكه المقارن لوجود المدرك وغضبه إذا عصى ورضاه إذا أطيع وفرحه ~~إذا تاب إليه العباد ونداءه لموسى حين أتى إلى الشجرة ونداءه للأبوين حين ~~أكلا من الشجرة في الجنة ونداءه لعباده يوم القيامة ومحبته لمن كان يبغضه ~~في حال كفره ثم صار يحبه بعد إيمانه وسميتم شؤون ربوبيته التي هو كل يوم في ~~شأن منها حوادث وقلتم الرب منزه عن حلول الحوادث وحقيقة هذا التنزيه أنه ~~منزه عن الوجود وعن الإلهية وعن الربوبية وعن الملك وعن كونه فعالا لما ~~يريد بل عن الحياة والقيومية ولا يتقرر كونه ربا للعالمين وإلها للعباد إلا ~~بالتنزيه عن هذا التنزيه والإجلال عن هذا الإجلال فانظر ماذا تحت تنزيه ~~المعطلة النفاة بقولهم ليس بجسم ولا جوهر ولا مركب ولا تقوم به الأعراض ولا ~~يوصف بالأبعاض ولا يفعل الأغراض ولا تحله الحوادث ولا تحيط به الجهات ولا ~~يقال في حقه أين # وليس بمتحيز كيف كسوا حقائق أسمائه وصفاته وعلوه على خلقه واستوائه على ~~عرشه وتكليمه لعباده ورؤيتهم له بالأبصار في دار كرامته هذه الألفاظ ثم ~~توصلوا إلى نفيها PageV03P948 @ بواسطتها وكفروا وضللوا من أثبتها واستحلوا ~~منه مالم يستحلوه من أعداء الله من اليهود والنصارى فالله الموعد وإليه ~~التحاكم وبين يديه التخاصم # ( ونحن وإياهم نموت % ولا ms315 أفلح عند الحساب من ندما ) # | فصل # ومن ذلك لفظ العدل جعلته القدرية اسما لإنكار قدرة الرب على أفعال عباده ~~وخلقه لها ومشيئته فجعلوا إخراجها عن قدرته ومشيئته وخلقه هو العدل وجعل ~~سلفهم إخراجها عن تقدم علمه وكتابته من العدل وسموا أنفسهم بالعدلية وعمدوا ~~إلى إثبات عموم قدرته على كل شيء من الأعيان والأفعال وخلقه لكل شيء وشمول ~~مشيئته له فسموه حيزا ثم نفوا هذا المعنى الصحيح وعبروا عنه بهذا الاسم ~~المنكر واثبتوا ذلك المعنى الباطل وعبروا عنه بالاسم المعروف ثم سموا ~~أنفسهم أهل العدل والتوحيد وسموا من أثبت صفات الرب وأثبت قدره وقضاءه أهل ~~التشبيه والجبر # وكذلك فعل الرافضة سواء سموا موالاة PageV03P949 @ الصحابة نصبا ~~ومعاداتهم موالاة لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكذلك المرجئة سموا من قال في الإيمان بقول الصحابة والتابعين واستثنى ~~فيه فقال أنا مؤمن إن شاء الله شكاكا # وهكذا شأن كل مبتدع وملحد وهذا ميراث من تسمية كفار قريش لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه الصبأة وصار هذا ميراثا منهم لكل مبطل وملحد ومبتدع ~~يلقب الحق وأهله بالألقاب الشنيعة المنفرة فإذا أطلقوا لفظ الجسم صوروا في ~~ذهن السامع جثة من الجثث الكثيفة أو بدنا له حامل يحمله وإذا قالوا مركبا ~~صوروا في ذهنه أجزاء كانت متفرقة فركبها مركب وهذا حقيقة المركب لغة وعرفا ~~فإذا قالوا يلزم أن تحله الحوادث صوروا في ذهنه ذاتا تعتور عليها الآفات ~~وحوادث الزمان وإذا قالوا لا تقوم به الأعراض صوروا في الذهن ذاتا تنزل بها ~~الأعراض النازلة بالمخلوقين كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم بن آدم وأمله ~~PageV03P950 @ وأجله والأعراض إلى جانبه إن أخطأه هذا أصابه هذا # وإذا قالوا يقولون بالحيز والجهة صوروا في الذهن موجودا محصورا بالأحياز ~~وإذا قالوا لزم الجبر صوروا في الذهن قادرا ظالما يجبر الخلق على ما لا ~~يريدون ويعاقبهم على ما لا يفعلون وإذا قالوا أنتم نواصب صوروا في الذهن ~~قوما نصبوا العداوة لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته واستحلوا ~~حرماتهم ms316 وإذا قالوا لمن قال أنا مؤمن إن شاء الله شكاكا صوروا في الذهن ~~قوما يشكون في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه لا يجزمون بذلك ~~وإذا قالوا لمن أثبت الصفات إنه مشبه صوروا في الذهن قوما يقولون إن الله ~~مثلهم وله وجه كوجوههم وسمع كأسماعهم وبصر كأبصارهم ويدان كأيديهم ونزول ~~كنزولهم واستواء كاستوائهم وفرح كفرحهم # وإذا قالوا حشوية صوروا في ذهن السامع قوما قد حشوا في الدين ما ليس منه ~~وأدخلوه فيه وهو حشو PageV03P951 @ لا أصل له فتنفر القلوب من هذه الألقاب ~~وأهلها ولو ذكروا حقيقة قولهم لما قبلت العقول السليمة والفطر المستقيمة ~~سواه والله يعلم وملائكته ورسله وهم أيضا أنهم براء من هذه المعاني الباطلة ~~وأنهم أبعد الخلق منها وأن خصومهم جمعوا بين أذى الله ورسوله بتعطيل صفاته ~~وبين أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقعدوا تحت قوله @QB@ إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا @QE@ الأحزاب 57 58 # أفيظن الجاهلون أنا نجحد صفات ربنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه ~~وتكلمه بالقرآن العربي وتكليمه لموسى حقيقة كلاما أسمعه إياه بغير واسطة ~~وننكر سمعه وبصره وعلمه وقدرته وحياته وإرادته ووجهه الكريم ويديه كلتا ~~يديه يمين اللتين يقبض سماواته بإحداهما والأرض بالأخرى ورؤية وجهه ~~PageV03P952 @ الكريم في جنات عدن ومحبته ورضاه وفرحه بتوبة التائبين ~~ونزوله إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء ~~بين الخلائق لأسماء سموها هم وسلفهم ما أنزل الله بها من سلطان وألقاب ~~وضعوها من تلقاء أنفسهم لم يأت بها سنة ولا قرآن وشبهات قذفت بها قلوب ما ~~استنارت بنور الوحي ولا خالطتها بشاشة الإيمان وخيالات هي بتخييلات ~~الممرورين وأصحاب الهوس أشبه منها بقضايا العقل والبرهان ووهميات نسبتها ~~إلى العقل الصحيح كنسبة السراب إلى الإبصار في القيعان وألفاظ مجملة ومعان ~~مشتبهة قد لبس فيها الحق بالباطل فصار داحضا وكتمان فدعونا من هذه الدعاوي ~~الباطلة التي لا ms317 تفيد إلا إتعاب الإنسان وكثرة الهذيان وحاكمونا إلى الوحي ~~والميزان لا إلى منطق يونان ولا إلى قول فلان ورأي فلان فهذا كتاب الله ليس ~~فوق بيانه مرتبة في البيان وهذه سنة رسوله مطابقة له أعظم من مطابقة البنان ~~للبنان وهذه أقوال أعقل الأمم بعده والتابعين لهم بإحسان لا يختلف منهم في ~~هذا الباب إثنان ولا يوجد عنهم فيه قولان PageV03P953 @ متنافيان بل قد ~~تتابعوا كلهم على إثبات الصفات وعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه ~~وإثبات تكلمه وتكليمه وسائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله كتتابع الأسنان ~~وقالوا للأمة هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم وإلى من بعدكم إلى آخر ~~الزمان وهذا هو الذي نادى به المنادي وأذن به على رؤوس الملأ في السر ~~والإعلان فحي على الصلاة وراء هذا الإمام يا أهل الإيمان وحي على الفلاح ~~بمتابعته يا أهل القرآن والصلاة خير من النوم في ظلمة ليلة الشكوك والإفك ~~والكفران فلا تصح القدوة بمن أقر على نفسه وصدقه المؤمنون بأنه تائه في ~~بيداء الآراء والمذاهب حيران وأنه لم يصل إلى اليقين بشيء منها لا هو ولا ~~من قبله من أمثاله على تطاول الأزمان وأن غاية ما وصلوا إليه الشك والتشكيك ~~والحيرة ولقلقة اللسان فالحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وخصهم بكمال ~~العقول وصحة الفطر ونور البرهان وجعلهم هداة مهتدين مستبصرين مبصرين أئمة ~~للمتقين يهدون بأمره ويبصرون بنوره ويدعون إلى داره ويحاربون كل مفتن فتان ~~فحي على خير العمل بمتابعة المبعوث بالفرقان وتحكيمه وتلقي حكمه ~~PageV03P954 @ بالتسليم والقبول والإذعان ومقابلة ما خالف حكمه بالإنكار ~~والرد والهوان ومطاعنة المعارضين له بعقولهم بالسيف والسنان وإلا فبالقلم ~~واللسان فالعقول السليمة والفطر المستقيمة لنصوص الوحي يسجدان ويصدقان بما ~~شهدت به ولا يكذبان ويقران أن لها عليهما أعظم السلطان وأنهما إن خرجا عنها ~~غلبا ولا ينتصران وإن لم يخرجا عنها ظفرا بالهدى والعلم # الوجه السابع والخمسون بيان أن من عارض الوحي بالعقل لم يؤمن بنبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم # إن المعارضة بين العقل ms318 ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد المسلمين المؤمنين ~~بالنبوة حقا ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين بحقيقة النبوة وليست ~~هذه المعارضه من الإيمان بالنبوة في شيء وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر ~~بالنبوة على قواعد الفلسفة ويجريها على أوضاعهم وأن الإيمان بالنبوة عندهم ~~هو الاعتراف بموجود حكيم له طالع مخصوص يقتضي طالعه أن يكون متبوعا فإذا ~~أخبرهم بما لا تدركه عقولهم عارضوا خبره بعقولهم وقدموها على خبره فهؤلاء ~~هم الذين عارضوا بين العقل ونصوص الأنبياء فعارضوا نصوص الأنبياء في باب ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر في هذه الأصول الخمس ~~بعقولهم فلم يصدقوا بشيء منها على PageV03P955 @ طريقة الرسل ثم سرت ~~معارضتهم في المنتسبين إلى الرسل فتقاسموها تقاسم الوارث لتركة مورثهم فكل ~~طائفة كان الوحي على خلاف مذهبهم وقول من قلدوه لجأوا إلى هذه المعارضة ~~واعتصموا بها دون نصوص الوحي ومعلوم أن هذا يناقض الإيمان بالنبوة وإن ~~تناقض القائل به فغايته أن يثبت كون النبي رسولا للعمليات دون العلميات أو ~~في بعض العلميات التي أخبر بها دون البعض وهذا أسوأ حالا ممن جعله رسولا ~~إلى بعض الناس دون بعض فإن القائل بهذا يجعله رسولا في العلميات والعمليات ~~ولا يعارض بين خبره وبين العقل وإن تناقض في جحده عموم رسالته بالنسبة إلى ~~كل مكلف فهذا جحد عموم رسالته إلى المدعوين وذاك جحد عموم رسالته في المدعو ~~إليه المخبر به ولم يؤمن في الحقيقة برسالته لا هذا ولا هذا فإنه يقال لهذا ~~إن كان رسول الله إلى هؤلاءحقا فهو رسوله إلى الآخرين قطعا لأنه أخبر بذلك ~~ومن ضرورة تصديقه الإيمان بعموم رسالته ويقال للآخر إن كان رسول الله في ~~العمليات وإنها حق من عند رسول الله فهو رسوله في العمليات وإنها حق من عند ~~الله فهو رسوله في العلميات فإنه أخبر عنه بهذا وهذا PageV03P956 @ # الوجه الثامن والخمسون بيان أن ما يأتي به النبي من الوحي لا يمكن أن ~~يأتي به عقل # إن أمر النبوة وما يخبر به الرسول عن الله ms319 هو طور آخر وراء مدارك الحس ~~والعقل والخيال والوهم والمنام والكشف والعقل معزول عما يدرك بنور النبوة ~~وطرق الوحي كعزل السمع عن إدراك الأكوان والبصر عن إدراك الأصوات وسائر ~~الحواس عن إدراك المعقولات فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي يحصل فيه عين ~~يبصر بها أنواعا من المعقولات والحواس معزولة عنها فالنبوة طور آخر يحصل ~~فيه عين لها نور يظهر في نورها أمور لا يدركها العقل بل هو معزول عنها كعزل ~~الحواس عن مدارك العقول فتكذيب ما يدرك بنور النبوة يعجز العقل عن إدراكه ~~وكونه معزولا عنه كتكذيب ما يدركه العقل لعجز الحواس عن إدراكه وكونها ~~معزولة عنه فإن الإنسان كما قال الله عز وجل @QB@ والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا @QE@ النحل 78 # فهو في أصل الخلقة خلق خاليا ساذجا لا علم له بشيء من المعقولات ولا ~~المحسوسات البتة فأول ما يخلق فيه حاسة اللمس فيدرك بها أجناسا من ~~الموجودات كالحرارة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة وغيرها فاللمس قاصر ~~عن الألوان والأصوات بل هي كالمعدومة بالنسبة إليه ثم يخلق له البصر فيدرك ~~به الألوان والأشكال والقرب والبعد والصغر والكبر والطول والقصر والحركة ~~والسكون وغير ذلك PageV03P957 @ ثم ينفتح له السمع فيسمع الأصوات الساذجة ~~والنغمات ثم يترقى في مدارك هذه الحاسة على التدريج حتى يسمع من البعد مالم ~~يكن يسمعه قبل ذلك ويتفاوت الناس في قوة هذين الإدراكين وضعفهما تفاوتا ~~بينا حتى يدرك الواحد ما يجزم الآخر بكذبه فيه والمدرك مشاهد له لا يمكنه ~~تكذيب نفسه فيه وذنبه عند المكذب له أنه اختص بإدراكه دونه ثم يخلق له ~~الذوق فيدرك به تفاضل الطعوم من الحلاوة والحموضة والمرارة وما بين ذلك ~~مالم يكن له به شعور قبل ذلك وكذلك الشم هو أكمله وليس عنده من المعقولات ~~عين ولا أثر ولا حس ولا خبر ثم يخلق فيه التمييز وهو طور آخر من أطوار ~~وجوده فيدرك في هذا الطور أمورا أخر زائدة على المحسوسات لم يكن يدركها قبل ~~ذلك ثم يترقى إلى طور آخر ms320 يدرك به الواجب والجائز والمستحيل وأن حكم الشيء ~~حكم مثله والضد لا يجتمع مع ضده والنقيضان إذا صدق أحدهما كذب الآخر ونحو ~~ذلك من أوائل العلوم الضرورية ثم يترقى إلى طور آخر يستنتج فيه العلوم ~~النظرية من تلك الضروريات التي تقدم علمه بها ثم يترقى في هذا الطور من أمر ~~إلى أمر فوقه وأغمض منه نسبة ما قبله إليه كنسبة الحس إلى العقل ثم وراء ~~ذلك كله طور آخر نسبة ما قبله إليه كنسبة أطوار PageV03P958 @ الإنسان إلى ~~طور العقل أو دون هذه النسبة ينفتح فيه عين يبصر بها الغيب وما سيكون في ~~المستقبل وأمور العقل معزول عنها كعزل الحس عن مدركات العقل وهذا هو طور ~~النبوة الذي نسبة نور العقل المجرد إليه دون نسبة ضوء السراج إلى الشمس ~~فإنكار العقل لما يخبر به النبي عين الجهل ولا مستند له في إنكاره إلا أنه ~~لم يبلغه ولم يصل إليه فيظن أنه غير ثابت في نفسه يوضحه : # الوجه التاسع والخمسون بيان أن معارضة العقل للأمور المشاهدة المحسوسة لو ~~أمكن ذلك أقوى من معارضته للوحي # وهو أنك إذا جعلت العقل ميزانا ووضعت في أحد كفتيه كثيرا من الأمور ~~المشاهدة المحسوسة التي ينالها العيان ووضعت في الكفة الأخرى الأمور التي ~~أخبرت بها الرسل عن الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~وجدت ترجيحه لهذه الكفة وتصديقه بها فوق ترجيحه للتي قبلها وتصديقه بها ~~أقوى ولولا الحس والمشاهدة تمنعه من إنكار ذلك لأنكره وهذه دعوى نعلم أنك ~~تتعجب ممن يدعيها وتنسبه إلى المجازفة وقلة التحصيل والخطابة التي تليق ~~بالعامة ولعمر الله إن مدعيها ليعجب من إنكارك لها وتوقفك فيها بعد البيان ~~فنقول وبالله التوفيق انسب إلى PageV03P959 @ العقل حيوانا يرى ويسمع ويحس ~~ويتكلم ويعمل فغشيه أمر ألقي له كأنه خشبة لا روح فيها وزال إحساسه وإدراكه ~~وتوارى عنه سمعه وبصره وعقله بحيث لا يعلم شيئا فأدرك في هذه الحال من ~~العلوم العجيبة والأمور الغائبة مالم يدركه حال حضور ذهنه واجتماع حواسه ~~ووفور عقله وعلم من ms321 أمور الغيب المستقبلة مالم يكن له دليل ولا طريق إلى ~~العلم به وأنسب إليه أيضا حيوانا خرج من إحليله مجة ماء مستحيلة عن حصول ~~الطعام والشراب كالمخطة فامتزجت بمثلها في مكان ضيق فأقامت هناك برهة من ~~الدهر فانقلبت دما قد تغير لونها وشكلها وصفاتها فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت ~~قطعة لحم فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت عظاما وأعصابا وعروقا وأظفارا مختلفة ~~الأشكال والأوضاع وهي جماد لا إحساس لها ثم عادت حيوانا يتحرك ويتغذى ~~وينقلب ثم أقام ذلك الحيوان مدة طويلة في مكان لا يجد فيه متنفسا وهو داخل ~~أوعية بعضها فوق بعض ثم انفتح له باب ضيق عن مسلك الذكر فلا يسلكه إلا ~~بضغطه وعصره فوسع له ذلك الباب حتى خرج منه وانسب إليه أيضا شيئا بقدر ~~الحبة ترسله في مدينة عظيمة من أعظم المدن فيأكل المدينة وكل من فيها ثم ~~يقبل على نفسه فيأكلها PageV03P960 @ وهو النار وأنسب إليه أيضا شيئا بقدر ~~بزر الخشخاش يحمله الإنسان بين ثيابه مدة فينقلب حيوانا يتغذى بورق الشجر ~~برهة ثم إنه يبني على نفسه قبابا مختلفة الألوان من أبيض وأصفر وأحمر بناء ~~محكما متقنا فيقيم في ذلك البناء مدة من الزمان لا يتغذى بشيء البتة فينقلب ~~في القبة طائرا له أجنحة يطير بها بعد أن كان دودا يمشي على بطنه فيفتح على ~~نفسه باب القبة ويطير وذلك دود القز إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما يشاهد ~~بالعيان مما لو جلي لمن لم يره لعجب من عقل من حكاه له وقال وهل يصدق بهذا ~~عاقل وضرورة العقل تدفع هذا وأقام الأدلة العقلية على استحالته فقام في ~~النائم مثلا القوى الحساسة أسباب لإدراك الأمور الوجودية وآلة لها فمن لا ~~يدرك الشيء مع وجودها واستجماعها ووفورها فأن يتعذر عليه إدراكه مع وجودها ~~وبطلان أفعالها أولى وأحرى وهذا قياس أنت تجده أقوى من الأقيسة التي يعارض ~~بها خبر الأنبياء والحس والعيان يدفعه ومن له خبرة بمواد الأدلة وترتيب ~~مقدماتها وله أدنى بيان يمكن أن ينظم أدلة عقلية على ms322 استحالة كثير من ~~الأمور المشاهدة المحسوسة وتكون مقدمات تلك الأدلة من جنس مقدمات الأدلة ~~التي تعارض بها النصوص أو اصح منها وأنسب إلى العقل وجود ما أخبرت به الرسل ~~عن الله PageV03P961 @ وصفاته وأفعاله وملائكته وعن اليوم الآخر وثبوت هذه ~~الأمور التي ذكرنا اليسير منها ومالم نذكره ولم يخطر لنا ببال أعجب من ذلك ~~بكثير نجد تصديق العقل بما أخبرت به الرسل أقرب إليه من تصديقه بهذه الأمور ~~ولولا المشاهدة لكذب بها فيالله العجب كيف يستجيز العقل إنكار ما أخبرت به ~~الرسل بعد أن رأى وعاين وسمع ما لولا الحس لأنكره غاية الإنكار ومن ها هنا ~~قال من صح عقله وإيمانه إن نسبة العقل إلى الوحي أدق وأقل بكثير من نسبة ~~منادى سن التمييز إلى العقل # الوجه الستون # إن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي لا يمكنهم إثبات الصانع بل نفيه ~~بالكلية لازم قولهم لزوما بينا ولا أن العالم مخلوق له ولا يمكنهم إقامة ~~الدليل على استحالة إلهين ولا يمكنهم إقامة دليل واحد على استحالة كون ~~الصانع جسما ولا يمكنهم إثبات كونه عالما ولا قادرا ولا ربا فهم عاجزون عن ~~إثبات وجود الصانع فضلا عن تنزيهه ونقتصر من هذه الجملة على بيان عجزهم عن ~~إثبات وجوده سبحانه فضلا عن تنزيهه عن صفات كماله فنقول المعارضون بين ~~الوحي والعقل في الأصل هم الزنادقة المنكرون للنبوات وحدوث العالم والمعاد ~~ووافقهم في هذا الأصل الجهمية والمعطلة لصفات الرب وأفعاله PageV03P962 @ ~~والطائفتان لم تثبت للعالم صانعا البتة فإن الصانع الذي أثبتوه وجوده ~~مستحيل فضلا عن كونه واجب الوجود قديما طريقة زنادقة الفلاسفة في إثبات ~~الصانع # أما زنادقة الفلاسفة فإنهم أثبتوا للعالم صانعا لفظا لا معنى ثم لبسوا ~~على الناس وقالوا إن العالم صنعه وفعله وخلقه وهو في الحقيقة عندهم غير ~~مصنوع ولا مخلوق ولا مفعول ولا يمكن على أصلهم أن يكون العالم مخلوقا ولا ~~مفعولا قال أبو حامد وذلك لثلاثة أوجه وجه في الفاعل ووجه في الفعل ووجه في ~~نسبة مشتركة بين الفعل والفاعل أما الذي في ms323 الفاعل فهو أنه لا بد أن يكون ~~مريدا مختارا عالما بما يريده حتى يكون فاعلا لما يريده والله تعالى عندهم ~~ليس مريدا بل لا صنعة له أصلا وما يصدر عنه فيلزم لزوما ضروريا # والثاني أن العالم قديم عندهم والفعل هو الحادث # والثالث أن الله تعالى عندهم واحد من كل وجه PageV03P963 @ والواحد لا ~~يصدر عنه عندهم إلا واحد والعالم مركب من مختلفات فكيف يصدر عنه # قال ولنحقق وجه كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة مع جدالهم في دفعه فنقول ~~الفاعل عبارة عمن يصدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار ومع ~~العلم بالمراد وعندهم أن العالم مع الله كالمعلول مع العلة يلزم لزوما ~~ضروريا لا يتصور من الله دفعه كلزوم الظل للشخص والنور للشمس وليس هذا من ~~الفعل في شيء بل من قال إن السراج يفعل الضوء والشخص يفعل الظل فقد تجوز ~~وتوسع في التجوز توسعا خارجا عن الحد واستعار اللفظ اكتفاء بوقوع المشاركة ~~بين المستعار له والمستعار منه في وصف واحد وهو أن الفاعل سبب على الجملة ~~والسراج سبب للضوء والشمس سبب PageV03P964 @ للنور والفاعل لم يسم فاعلا ~~صانعا بمجرد كونه سببا بل بكونه سببا على وجه الإرادة والاختيار حتى لو قال ~~قائل الجدار ليس بفاعل والحجر ليس بفاعل والجماد ليس بفاعل وإنما الفعل ~~للحيوان لم ينكر ذلك ولم يكن قوله كذبا وللحجر فعل عندهم وهو الهوي إلى ~~السفل والميل إلى المركز كما أن للنار فعلا وهو التسخين وللحائط فعلا وهو ~~الميل إلى المركز ووقوع الظل لأن ذلك صادر عنه وهذا محال # قال فإن قيل كل موجود ليس بواجب الوجود لذاته بل هو موجود بغيره فإنا ~~نسمي ذلك الشيء PageV03P965 @ مفعولا ونسمي سببه فاعلا ولا نبالي كان ~~المسبب فاعلا بالطبع أو بالإرادة كما أنكم لا تبالون أنه كان فاعلا بآلة أو ~~بغير آلة بل الفعل جنس ينقسم إلى ما يقع بالطبع وإلى ما يقع بالاختيار ~~بدليل أنا إذا قلنا فعل بالطبع لم يكن قولنا بالطبع ضدا لقولنا فعل ولا ~~دفعا ولا ms324 نقضا له بل كان بيانا لنوع الفعل كما أنا إذا قلنا فعل مباشرة ~~بغير آله لم يكن نقضا بل كان تنويعا وبيانا وإذا قلنا فعل بالاختيار لم يكن ~~تكرارا بل كان بيانا لنوع الفعل كقولنا فعل بآلة ولو كان قولنا فعل يتضمن ~~الإرادة وكانت الإرادة ذاتية للفعل من حيث إنه فعل لكان قولنا فعل بالطبع ~~متناقضا كقولنا فعل وما فعل # قلنا هذه التسمية فاسدة لا يجوز أن يسمى كل سبب PageV03P966 @ بأي وجه ~~كان فاعلا ولا كل سبب مفعولا ولو كان ذلك ما صح أن يقال الجماد لا فعل له ~~وإنما الفعل للحيوان وهذه من الكليات المشهورة الصادقة فإن سمي الجماد ~~فاعلا فبالإستعارة كما يسمى طالبا مريدا على سبيل المجاز إذ يقال الحجر ~~يهوي لأنه يريد المركز ويطلبه والطلب والأمر حقيقة لا يتصور إلا مع العلم ~~بالمراد المطلوب فلا يتصور إلا مع الحيوان # وأما قولكم إن قولنا فعل عام وينقسم إلى ما هو بالطبع وإلى ما هو ~~بالإرادة غير مسلم وهو كقول القائل قولنا أراد عام وينقسم إلى من يريد مع ~~العلم بالمراد وإلى من يريد ولا يعلم ما يريد وهو فاسد إذ الإرادة تتضمن ~~العلم بالضرورة وكذلك الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة # وأما قولكم إن قولنا فعل بالطبع ليس بنقض PageV03P967 @ للأول فليس كذلك ~~فإنه نقض له من حيث الحقيقة ولكنه لا يسبق إلى الفهم التناقض ولا يشتد نفور ~~الطبع عنه فإنه لما أن كان سببا بوجه ما والفاعل أيضا سبب سمي فعلا مجازا # وإذا قال فعل بالاختيار فهو تكرير على التحقيق كقوله أراد وهو عالم بما ~~أراد إلا أنه لما تصور أن يقال فعل وهو مجاز ويقال فعل وهو حقيقة لم تنفر ~~النفس عن قوله فعل بالاختيار وكان معناه فعل فعلا حقيقيا لا مجازيا كقول ~~القائل تكلم بلسانه ونظر بعينه فإنه لما جاز أن يستعمل النظر في القلب ~~مجازا أو الكلام في تحريك الرأس واليد مجازا لم يستقبح أن يقال قال بلسانه ~~ونظر بعينه ويكون معناه نفي احتمال المجاز فهذه مزلة ms325 القدم PageV03P968 @ # فإن قيل تسمية الفاعل فاعلا إنما تعرف من اللغة وإلا فقد ظهر في العقل أن ~~ما يكون سببا للشيء ينقسم إلى ما يكون مريدا وإلى مالا يكون فوقع النزاع في ~~أن اسم الفاعل على كلا القسمين حقيقة أم لا # إذ العرب تقول النار تحرق والثلج يبرد والسيف يقطع والخبز يشبع والماء ~~يروي فقولنا يقطع معناه يفعل القطع وقولنا تحرق معناه تفعل الإحراق فإن ~~قلتم إن ذلك مجاز فأنتم متحكمون من غير مستند قال والجواب أن ذلك بطريق ~~المجاز وإنما الفعل الحقيقي ما يكون بالإرادة والدليل عليه أنا لو فرضنا ~~حادثا توقف حصوله على أمرين أحدهما إرادي والآخر غير إرادي أضاف العقل ~~الفعل إلى الإرادي فكذا اللغة فإن من ألقى إنسانا في نار فمات فيقال هو ~~القاتل دون النار حتى إذا قيل ما قتله إلا فلان كان صادقا فإن كان اسم ~~PageV03P969 @ الفاعل على المريد وعلى غير المريد على وجه واحد لا بطريق ~~كون أحدهما أصلا والأخر مستعارا فلم يضاف القتل إلى المريد لغة وعرفا وعقلا ~~مع أن النار هي العلة القريبة في القتل وكأن الملقي لم يتعاط إلا الجمع ~~بينه وبين النار ولكن لما كان الجمع بالإرادة وتأثير النار بغير إرادة سمي ~~قاتلا ولم تسم النار قاتلة إلا بمعنى استعارة فعلم أن الفاعل من يصدر الفعل ~~عن إرادته وإذا لم يكن الله مريدا عندهم ولا مختارا لفعل العالم لم يكن ~~صانعا ولا فاعلا إلا مجازا قال فإن قيل نحن نعني بكون الله فاعلا أنه سبب ~~لوجود كل موجود سواه وأن العالم قوامه به ولولا وجود الباري لما تصور وجود ~~العالم ولو قدر عدم الباري لانعدم العالم كما لو قدر عدم الشمس لانعدم ~~الضوء فهذا ما نعنيه بكونه فاعلا فإن كان الخصم يأبى أن يسمي هذا المعنى ~~فعلا فلا مشاحة في الأسامي PageV03P970 @ بعد ظهور المعنى قلنا غرضنا أن ~~نبين أن هذا المعنى لا يسمى فعلا وصنعا وإنما يسمى بالفعل والصنع ما يصدر ~~عن الإرادة حقيقة وقد نفيتم حقيقة معنى الفعل ونطقتم ms326 بلفظه تجملا ~~بالإسلاميين ولا يتم الدين بإطلاق الألفاظ الفارغة عن المعاني فصرحوا بأن ~~الله لا فعل له حتى يتضح أن معتقدكم مخالف لدين المسلمين ولا تلبسوا بقولكم ~~إن الله صانع العالم وإن العالم صنعه فإن هذه لفظة أطلقتموها ونفيتم ~~حقيقتها ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا التلبيس فقط ثم ساق الكلام إلى ~~آخر المسألة قلت ولا ريب أن أصولهم التي عارضوا بها الوحي تنفي وجود الصانع ~~فضلا عن كونه صانعا للعالم بل تجعله ممتنع الوجود فضلا عن كونه واجب الوجود ~~لأن الصفات التي وصفوه بها صفات معدوم ممتنع في العقل والخارج فلا العقل ~~يتصور إلا على سبيل الفرض الممتنع كما يفرض المستحيلات ولا يمكن في الخارج ~~وجوده فإن ذاتا هي وجود مطلق لا ماهية لها سوى الوجود المطلق المجرد على ~~PageV03P971 @ كل ماهية ولا صفة لها البتة ولا فيها معنيان متغايران في ~~المفهوم ولا هي هذا العالم ولا صفة من صفاته ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه ~~ولا متصلة به ولا منفصلة عنه ولا مجانبة له ولا مباينة ولا فوقه ولا تحته ~~ولا يمينه ولا يسرته ولا ترى ولا يمكن أن ترى ولا تدرك شيئا ولا تدرك هي ~~بشيء من الحواس ولا هي متحركة ولا ساكنة ولا توصف بغير السلوب والإضافات ~~العدمية ولا نعتت بشيء من الأمور الثبوتية هي بامتناع الوجود أحق منها ~~بإمكان الوجود فضلا عن وجوبه وتكليف العقل بالاعتراف بوجود هذه الذات ~~ووجوبها كتكليفه الجمع بين النقيضين ومعلوم أن مثل هذه الذات لا تصلح لفعل ~~ولا ربوبية ولا إلهية وأي ذات فرضت في الوجود فهي أكمل منها فالذي جعلوه ~~واجب الوجود هو أعظم استحالة من كل ما يقدر مستحيلا فلا يكثر عليهم بعد هذا ~~إنكارهم لصفاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ولا إنكارهم لكلامه ~~وتكليمه فضلا عن استوائه على عرشه ونزوله إلى سماء الدنيا ومجيئه وإتيانه ~~وفرحه وحبه وغضبه ورضاه فمن هدم قواعد البيت من أصلها هان عليه هدم السقف ~~والجدران ولهذا كان PageV03P972 @ حقيقة قول هؤلاء القول بالدهر وإنكار ms327 ~~الخالق بالكلية وقولهم @QB@ ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا ~~إلا الدهر @QE@ الجاثية 24 # وإنما صانعوا المسلمين بألفاظ لا حقيقة لها واشتق إخوانهم الجهمية النفي ~~والتعطيل من أصولهم فسدوا على أنفسهم طريق العلم بإثبات الخالق وتوحيده ~~بمشاركتهم لهم في الأصل المذكور وإن باينوهم في بعض لوازمهم كإثباتهم كون ~~الرب تعالى قادرا مريدا فاعلا بالاختيار وإثباتهم معاد الأبدان والنبوة ~~ولكن لم يثبتوا ذلك على الوجه الذي جاءت به الرسل ولا نفوه نفي إخوانهم ~~الملاحدة بل اشتقوا مذهبا بين المذهبين وسلكوا طريقا بين الطريقين لا ~~للملاحدة فيه وافقوا ولا للرسل اتبعوا ولهذا عظمت بهم البلية على الإسلام ~~وأهله بانتسابهم إليه وظهورهم في مظهر ينصرون به الإسلام ويردون به على ~~الملاحدة فلا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا بل أتباع الرسل كفروهم ~~وضللوهم وصاحوا بهم من أقطار الأرض امتازوا من المسلمين أيها المعطلون ~~وانحازوا إلى إخوانكم من الملاحدة الذين هم بربهم يعدلون وخلوا عن نصوص ~~الوحي فكم بها تتلاعبون فمرة تقولون هي أدلة لفظية معزولة عن إفادة العلم ~~واليقين ومرة تقولون هي مجازات واستعارات لا حقيقة لها عند العارفين ومرة ~~تقولون PageV03P973 @ لا سبيل إلى تحكيمها والالتفات إليها وقد عارضها ~~المعقول وقواطع البراهين ومرة تقولون أخبار أحاد فلا يحتج بها في المسائل ~~القطعية التي يطلب منها اليقين فأرضيتم بذلك إخوانكم من الملاحدة أعداء ~~الدين وكنتم بذلك لهم موافقين فصالوا عليكم به فيما أثبتموه وكنتم به من ~~الإسلام وأهله متقربين وصال عليكم المسلمون بما وافقتم فيه إخوانكم من ~~الضلال المبين فتدافعكم الفريقان تدافع الكرة بين الضاربين فدعونا من ~~التلبيس والمصانعة بالله هل أثبتم للعالم ربا بائنا عنه وهل عندكم فوق ~~العرش إله يعبد ويصلى له ويسجد أم ليس فوق العرش إلا العدم الذي لا شيء هو ~~وهل أثبتم لصانع العالم سبحانه صفة ثبوتية تقوم به فهل أثبتم له علما حقيقة ~~وسمعا وبصرا وحياة ومشيئة وإرادة حقيقية وهل تعتقدون أنه تكلم أو كلم أحدا ~~حقيقة أو أمر أو نهي أو قال أو يقول أو نادى ms328 أو ينادي أو أخبر أو نبأ أو ~~أنبأ أو عهد أو وصى أو خاطب أو ناجى أو أثنى على نفسه أو على أحد من خلقه ~~أو قال قط @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا @QE@ طه 14 # أو نزل من عنده شيء أو صعد إليه شيء أو قام به PageV03P974 @ فعل البتة ~~يجب أن يكون به فاعلا أو قام به حب أو بغض أو رضى أو سخط أو له وجه أعلى أو ~~خلق آدم بيديه أو غرس جنة عدن بيده أو كتب التوراة بيده أو يقبض سمواته ~~السبع بيده والأرضين السبع بيده أو كتب بيده كتابا فهو عنده موضوع على ~~العرش إن رحمته سبقت غضبه أو يراه أنبياؤه ورسله والمؤمنون في دار الجزاء ~~فضلا عن أن يتجلى لهم من فوقهم يضحك إليهم ويسلم عليهم فبالله هل لهذا كله ~~عندكم حقيقة أم إذا تجملتم وأجملتم قلتم كل ذلك مجازات واستعارات ليس له ~~حقيقة فاسألوا بالله إذن إخوانكم من أرباب المعقولات هل يصدق أحد منكم أن ~~إنسانا خلق من تراب وأنه يعود حيا بعد ما صار إلى التراب وأن عصا انقلبت ~~فصارت حية عظيمة أكلت ما مرت عليه PageV03P975 @ ثم انقلبت فصارت عصا كما ~~كانت وأن يدا خرجت بيضاء لها ضوء مثل ضوء الشمس وأن بحرا من بحار العالم ~~انفلق بعسكر عظيم اثني عشر طريقا وصار الماء بين الطرق كالحيطان وأن جبلا ~~قلع من موضعه على قدر عسكر عظيم ووقف على رؤوسهم بين السماء والأرض وهم ~~ينظرون إليه عيانا ثم عاد إلى مكانه وأن حجرا مربعا يحمل مع قوم يضرب بعصا ~~فينفجر منه اثنا عشر نهرا كل نهر لطائفة عظيمة يختصون بمشربه لا يشركهم فيه ~~الآخرون وأن قتيلا ضرب بعضو من بقرة مذبوحة فقام القتيل حيا وأن إنسانا رمي ~~به في نار تأجج فلم تحرق منه شيئا وعادت خضراء وروضة وأن مدائن قلعت من ~~أصولها كما يقلع الشجر ثم رفعت في الهواء ثم قلبت بمن فيها فماتوا موتة رجل ~~واحد وأن صخرة تمخضت وتحركت ms329 ثم انفلقت عن ناقة كأحسن النوق وأن قمرا انشق ~~في السماء شقتين ثم عاد فالتأم كما كان وأن يدا وضعت في ماء لا يغمرها ~~فتفجر PageV03P976 @ الماء من بين أصابعها وثار كأمثال العيون حتى روي منه ~~عسكر عظيم جرار وملئوا منه كل قربة وكل إناء معهم وأن رجلا ولد من غير أب ~~وأن امرأة ولدت من غير أم وأن رجلا حمل من مكة إلى بيت المقدس ثم رفع حتى ~~جاوز السماوات السبع ثم عاد إلى فراشه في ليلته وأن عسكرا عظيما قاموا ~~بدوابهم وخدمهم وعددهم على بساط واحد بين السماء والأرض على متن الريح ~~مسيرة شهر في مقدار غدوة من النهار ثم يرجعون في مقدار ذلك ولا تمس ركابهم ~~الأرض فبالله يا أرباب المعقولات ويا أهل الذاتي والعرضي وأهل المقولات ~~العشر والكليات الخمس ويا أهل المختلطات والموجهات والقضايا المسورات ~~والمهملات ويا أهل الشكل الأول والثاني والثالث PageV03P977 @ والرابع ~~وأصحاب القياس الحملي والشرطي وأهل العقول المقدمة بزعم أربابها على الوحي ~~هل تصدقون بشيء من هذا وهل يصدق أفراخكم وتلامذتكم بشيء مما ذكرنا من شأن ~~الربوبية أم التكذيب بهذا وهذا ثمرة عقولكم وحاصل معقولكم # ( فعلى عقولكم العفاء فإنكم % عاديتم المعقول والمنقولا ) # ( وطلبتم أمرا محالا وهو إدراك % الهدى لا تبتغون رسولا ) # ( وزعمتم أن العقول كفيلة % بالحق أين العقل كان كفيلا ) # ( وهو الذي يقضي فينقض حكمه % عقل ترون كليهما معقولا PageV03P978 @ # ( وتراه يجزم بالقضاء وبعد ذا % يلفى لديه باطلا معلولا ) # ( لا يستقل العقل دون هداية % بالوحي تأصيلا ولا تفصيلا ) # ( كالطرف دون النور ليس بمدرك % حتى يراه بكرة وأصيلا ) # ( وإذا الظلام تلاطمت أمواجه % وطمعت بالإبصار كنت محيلا ) # ( فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها % فالعقل لا يهديك قط سبيلا ) # ( نور النبوة مثل نور الشمس % للعين البصيرة فاتخذه دليلا ) # ( طرق الهدى مسدودة إلا على % من أم هذا الوحي والتنزيلا ) # ( فإذا عدلت عن الطريق تعمدا % فاعلم بأنك ما أردت وصولا ) # ( يا طالبا درك الهدى بالعقل % دون النقل لن تلق لذاك دليلا ) # ( كم رام قبلك ذاك من متلذذ % حيران عاش مدى الزمان جهولا ms330 PageV03P979 @ # ( ما زالت الشبهات تغزو قلبه % حتى تشحط بينهن قتيلا ) # ( فتراه بالكلي والجزئي والذاتي % والعرضي طول زمانه مشغولا ) # ( فإذا أتاه الوحي لم يأذن له % ويقوم بين عداه مثيلا ) # ( ويقول تلك أدلة لفظية % معزولة عن أن تكون دليلا ) # ( وإذا تمر عليه قال لها إذهبي % نحو المجسم أو خذي التأويلا ) # ( وإذا أبت إلا النزول عليه كان % لها القرى التحريف والتبديلا ) # ( فيحل بالأعداء ما تلقاه من % كيد يكون لحقها تعطيلا PageV03P980 @ # ( واضرب لهم مثلا بعميان خلوا % في ظلمة لا يهتدون سبيلا ) # ( فتصادموا بأكفهم وعصيهم % ضربا يدير رحا القتال طويلا ) # ( حتى إذا ملوا القتال رأيتهم % مشجوجا أو مفجوجا أو مقتولا ) # ( وتسامع العميان حتى أقبلوا % للصلح فازداد الصياح عويلا ) # الوجه الحادي والستون بيان أن الطريقة التي سلكها الفلاسفة والمتكلمون في ~~إثبات الصانع تنفي وجوده # وهو أن الطرق التي سلكها هؤلاء المعارضون بين الوحي والعقل في إثبات ~~الصانع هي بعينها تنفي وجوده فإنها متضمنة لنفي صفاته وأفعاله صريحا وهي ~~تنفي وجوده لزوما فإن هؤلاء المعارضين صنفان الفلاسفة والجهمية طريقة ~~الفلاسفة : # أما الفلاسفة فأثبتوا وجود الصانع بطريق التركيب وهو أن الأجسام مركبة ~~والمركب يفتقر إلى أجزائه وكل مفتقر ممكن والممكن لا بد له من وجود واجب ~~وتستحيل الكثرة في ذات الواجب بوجه من الوجوه إذ يلزم PageV03P981 @ تركيبه ~~وافتقاره وذلك ينافي وجوبه وهذا هو غاية توحيدهم وبه أثبتوا الخالق على ~~زعمهم ومعلوم أن هذا من أعظم الأدلة على نفي الخالق فإنه ينفي قدرته ~~ومشيئته وعلمه وحياته إذ لو ثبتت له هذه الصفات بزعمهم لكان مركبا والمركب ~~مفتقر إلى غيره فلا يكون واجبا بنفسه وفي هذه الشبهة من التلبيس والتدليس ~~والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ما يطول وصفه وقد انتدب لإفسادها جنود ~~الإسلام على اختلاف مذاهبهم فإن المركب لفظ مجمل يراد به ما ركبه غيره وما ~~كان متفرقا فاجتمعت أجزاؤه وما يمكن تفريق بعضه عن بعض والله سبحانه منزه ~~عن هذه التراكيب ويراد به في اصطلاح هؤلاء ماله ماهية خاصة يتميز بها عن ~~سائر الماهيات وما له ذات وصفات بحيث يتميز بعض ms331 صفاته عن بعض وهذا ثابت له ~~سبحانه وإن سماه هؤلاء تركيبا كما تقدم وكذلك لفظ الافتقار لفظ مجمل يراد ~~به فقر الماهية إلى موجد غيرها بتحقيق وجودها به والله سبحانه غني عن هذا ~~الافتقار ويراد به أن الماهية مفتقرة في ذاتها إلى ذاتها ولا قوام لذاتها ~~إلا بذاتها وأن الصفة لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بالموصوف وهذا المعنى حق ~~وإن سماه هؤلاء الملبسون فقرا وكذلك لفظ الغير فيه إجمال يراد بالغيرين ما ~~مفارقة أحدهما للآخر ذاتا أو مكانا أو زمانا فصفات القديم PageV03P982 @ ~~سبحانه ليست غيرا له بهذا الاعتبار ويراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما ~~دون الآخر وهذا المعنى حق في ذاته وصفاته سبحانه وإن سماه هؤلاء أغيارا # فإن المخلوق يعلم من الخالق صفة بعد صفة وقد قال أعلم الخلق به لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وهذا لكثرة أسمائه وصفات كماله ونعوت ~~جلاله وقال أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك والمستعاذ به غير ~~المستعاذ منه والمقصود أن تسمية هذا تركيبا وافتقارا وغيرا وضع وضعه هؤلاء ~~وليس الشأن في الألفاظ إنما الشأن في المعاني وقولهم إنه مفتقر إلى جزئية ~~تلبيس فإن القديم الموصوف بالصفات اللازمة له تمتنع أن تفارقه صفاته وليست ~~له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال إن تلك الحقيقة مفتقرة إلى غيرها وإن ~~سميت تلك الصفة غيرا فالذات والصفات متلازمان لا يوجد أحدهما إلا مع ~~PageV03P983 @ الآخر وهذا التلازم لا يقتضي حاجة الذات والصفات إلى موجد ~~أوجدها وفاعل فعلها والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرا إلى ما هو خارج عن ~~نفسه فإما أن لا يكون له صفة ولا ذات ولا يتميز منه أمر عن أمر فلا يلزم ~~ذلك من وجوبه وكونه غنيا بنفسه عن كل ما سواه فقول الملبس إنه مفتقر إلى ~~ذلك كقوله لو كان له ماهية لكان مفتقرا إلى ماهيته والله سبحانه اسم للذات ~~المتصفة بكمال العلم والقدرة والحياة والمشيئة وسائر صفات الكمال ليس اسما ~~لذات مجردة عن الأوصاف والنعوت فكل ذات أكمل ms332 من هذه الذات تعالى الله عن ~~قول الملحدين في أسمائه وصفاته علوا كبيرا والمقصود أن هذه الطريق التي ~~سلكها هؤلاء في إثبات الصانع هي أعظم الطرق في نفيه وإنكار وجوده وكذلك كان ~~سالكوها لا يؤمنون بالله ولا بملائكته وكتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر وإن ~~صانع من صانع منهم لأهل الملل بألفاظ لا حاصل لها # | فصل طريقة المتكلمين # وأما المتكلمون فلما رأوا بطلان هذه الطريق عدلوا عنها إلى طريق الحركة ~~والسكون والاجتماع PageV03P984 @ والافتراق وتماثل الأجسام وتركبها من ~~الجواهر المفردة وأنها قابلة للحوادث وما يقبل الحوادث فهو حادث فالأجسام ~~كلها حادثة فإذا يجب أن يكون لها محدث ليس بجسم فنفوا العلم بإثبات الصانع ~~على حدوث الأجسام واستدلوا على حدوثها بأنها مستلزمة للحركة والسكون ~~والاجتماع والافتراق ثم قالوا إن تلك أعراض والأعراض حادثة ومالا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث فاحتاجوا في هذه الطريق إلى إثبات الأعراض أولا ثم إثبات ~~لزومها للجسم ثانيا ثم إبطال حوادث لا أول لها ثالثا ثم التزام بطلان حوادث ~~لا نهاية لها رابعا عند فريق منكم وإلزام الفرق عند فريق آخر ثم إثبات ~~الجوهر الفرد خامسا ثم إلزام كون العرض لا يبقى زمانين سادسا فيلزم حدوثه ~~والجسم لا يخلو منه ومالا يخلو عن الحوادث فهو حادث ثم إثبات تماثل الأجسام ~~سابعا فيصح على بعضها ما يصح على جميعها فعلمهم بإثبات الخالق سبحانه مبني ~~على هذه الأمور الشنيعة فلزمهم من سلوك هذه الطريق إنكار كون الرب تعالى ~~فاعلا في الحقيقة وإن سموه فاعلا بألسنتهم فإنه لا يقوم به عندهم فعل وفاعل ~~بلا فعل كقائم بلا قيام وضارب بلا ضرب وعالم بلا علم وضم الجهمية إلى ذلك ~~أنه لو قام به صفة لكان جسما ولو كان جسما لكان حادثا PageV03P985 @ فيلزم ~~من إثبات صفاته إنكار ذاته فعطلوا صفاته وأفعاله بالطريق الذي أثبتوا بها ~~وجوده فكانت أبلغ الطرق في تعطيل صفاته وأفعاله وعن هذه الطريق أنكروا علوه ~~على عرشه وتكلمه بالقرآن وتكليمه لموسى ورؤيته بالأبصار في الآخرة ونزوله ~~إلى سماء الدنيا كل ms333 ليلة ومجيئه لفصل القضاء بين الخلائق وغضبه ذلك اليوم ~~غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وجميع ما وصف به نفسه من وصف ~~ذاتي أو معنوي أو فعلي فأنكروا وجهه الأعلى وأنكروا أن له يدين وأن له سمعا ~~وبصرا وحياة وأنه يفعل ما شاء حقيقة وإن سمي فاعلا فلم يستحق ذلك الفعل ~~الذي قام به بل فعله هو عين مفعوله PageV03P986 @ # وكذلك الطريق التي سلكوها في إثبات النبوة لم يثبتوا بها نبوة في الحقيقة ~~فإنهم بنوها على مجرد خرق العادة وهو مشترك بين النبي وغيره وحاروا في ~~الفرق فلم يأتوا فيه بما يثلج له الصدر ولا يحصل به برد اليقين مع أن ~~النبوة التي أثبتوها لا ترجع إلى وصف وجودي بل هي تعلق الخطاب الأزلي ~~بالنبي والتعلق عندهم أمر عدمي فعادت النبوة عندهم إلى أمر عدمي وقد صرحوا ~~بأنها لا ترجع إلى صفة ثبوتية قائمة بالنبي وأيضا فحقيقة النبوة والرسالة ~~إنباء الله سبحانه وتعالى لرسوله وأمره بتبليغ كلامه إلى عباده وعندهم أن ~~الله لا يتكلم ولا يقوم به كلام # وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد وقالوا لا ~~يتأتى التصديق بالمعاد إلا بإثباته وهو في الحقيقة باطل لا أصل له ~~والمثبتون له يعترفون بأن القول به في غاية الإشكال وأدلته متعارضة وكثير ~~منهم له قولان في إثباته ونفيه وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور ~~العقلاء ولم يوافقوا ما جاءت به الأنبياء فقالوا إن الله سبحانه يعدم أجزاء ~~العالم كلها حتى تصير عدما محضا ثم يعيد المعدوم ويقلبه وجودا حتى إن يعيد ~~زمنه PageV03P987 @ بعينه وينشئوه لا من مادة كما قالوا في المبدأ فجنوا ~~على العقل والشرع وأغروا أعداء الشرع به وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل # وأما المبدأ فإنهم قالوا كان الله سبحانه معطلا في الأزل والفعل غير ممكن ~~مع قولهم كان قادرا عليه ثم صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من غير تجدد أمر ~~أصلا وانقلب الفعل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي وذات ms334 الفاعل قبل ~~الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها بين ~~الوحي والعقل وهذه طرقهم العقلية التي لم يثبتوا بها ربا ولا رسالة ولا ~~مبدأ ولا معادا ونحن إنما أشرنا إلى ذلك أدنى إشارة وإلا فبسط ذلك في غير ~~هذا الموضع وقد بسطه شيخنا في عامة كتبه المطولات والمبسوطات وبينه بيانا ~~شافيا فمن أحب الوقوف عليه وجده في مظانه وبالله التوفيق # الوجه الثاني والستون بيان أن المعارضين للوحي بعقولهم ارتكبوا أربع ~~عظائم # إن هؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم ارتكبوا أربع عظائم إحداها ردهم لنصوص ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم الثانية إساءة الظن به وجعله منافيا ~~للعقل مناقضا له الثالثة جنايتهم على العقل بردهم PageV03P988 @ ما يوافق ~~النصوص من المعقول فإن موافقة العقل للنصوص التي زعموا أن العقل يردها أظهر ~~للعقل من معارضته لها الرابعة تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم لمن خالفهم في ~~أصولهم التي اخترعوها وأقوالهم التي ابتدعوها مع أنها مخالفة للعقل والنقل ~~فصوبوا رأي من تمسك بالقول المخالف للعقل والنقل وخطأوا من تمسك بما ~~يوافقهما وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورا ولم يشرق على قلبه نور ~~النبوة # الوجه الثالث والستون بيان أن من عارض بين العقل والوحي فقد قال بتكافؤ ~~الأدلة # أن من عارض بين الوحي والعقل فقد قال بتكافؤ الأدلة لأن العقل الصحيح لا ~~يكذب والوحي أصدق منه وهما دليلان صادقان فإذا تعارضا تكافآ فإن لم يقدم ~~أحدهما بقي في الحيرة والشك وإن قدم أحدهما على الآخر أبطل موجب الدليل ~~الصحيح وأخرجه عن كونه دليلا فيبقى حائرا بين أمرين لا بد له من أحدهما إما ~~أن يسيء الظن بالوحي أو بالعقل والعقل عنده أصل الوحي فلا يمكنه أن يسيء ~~الظن به فيسطو على الوحي تارة بالتحريف والتأويل وتارة بالتخييل وتارة ~~بالدفع والتكذيب إن أمكن وذلك في نصوص السنة PageV03P989 @ وتارة يدعي ذلك ~~في نصوص القرآن كما يدعيه غلاة الرافضة وكثير من القرامطة وأشباههم وهذا ~~كله إنما نشأ من ظنونهم الفاسدة أن العقل الصحيح يعارض الوحي ms335 الصريح وأما ~~أهل العلم والإيمان أهل السمع والنقل فعندهم أن فرض هذه المسألة محال وأن ~~فرضها كفرض مسألة إذا تعارض العقل وأدلة ثبوت النبوة والرسالة وإذا تعارض ~~العقل وأدلة ثبوت الخالق وتوحيده والمعارضة بين العقل والوحي كالمعارضة بين ~~العقل وإثبات الصانع وتوحيده ورسالة رسله ولهذا طردوا منع هذه القاعدة في ~~ذلك الأصل وقالوا الباب كله واحد # الوجه الرابع والستون بيان أن هؤلاء قلبوا الحقائق فجعلوا كلامهم المحكم ~~وكلام الله هو المتشابه # إن هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل بنوا أمرهم على أصل فاسد وهو أنهم جعلوا ~~أقوالهم التي ابتدعوها وجعلوها أصول دينهم ومعتقدهم في رب العالمين هي ~~المحكمة وجعلوا قول الله ورسوله هو المتشابه الذي لا يستفاد منه علم ولا ~~يقين فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم والمحكم من كلام الله ورسوله هو ~~المتشابه ثم ردوا تشابه الوحي إلى محكم كلامهم وقواعدهم وهذا كما جعلوا ما ~~أحدثوه من الأصول التي نفوا بها صفات الرب PageV03P990 @ جل جلاله ونعوت ~~كماله ونفوا بها كلامه وتكليمه وعلوه على عرشه ورؤيته في الدار الآخرة ~~محكما وجعلوا النصوص الدالة على خلاف تلك القواعد والأصول متشابهة يقضي ~~بتلك القواعد عليها وترد النصوص إليها فتارة يحرفون النصوص عن مواضعها ~~ويسمون ذلك التحريف تأويلا في اللفظ وتنزيها في المعنى وتارة يقول من تجمل ~~منهم فأحسن أراد الله ورسوله من هذه النصوص أمورا لا نعرفها ولا ندري ما ~~أراد وتارة يقولون قصد خطاب الجمهور فأفهمهم الأمر على خلاف حقيقته لأن ~~مصلحتهم في ذلك وتارة يفسرون صفة بصفة كما يفسرون الحب والبغض والغضب ~~والرضا والرحمة بالإرادة والسمع والبصر والكلام بالعلم ثم يجعلون ذلك نفس ~~الذات ومنهم من يجعل العلم نفس المعلوم كما قاله أفضل متأخريهم عندهم ~~وأجهلهم بالله وأكفرهم نصير الكفر والشرك الطوسي فأما أهل العلم والإيمان ~~فطريقهم عكس هذه الطريقة من كل وجه يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي ~~يعتمد عليه ويرد ما يتنازع الناس فيه إليه فما وافقه كان حقا وما خالفه كان ~~باطلا وإذا ورد عليهم لفظ مشتبه ليس ms336 في القرآن ولا في السنة لم يتلقوه ~~بالقبول ولم يردوه بالإنكار حتى يستفصلوا قائله عن مراده فإن كان حقا ~~موافقا للعقل PageV03P991 @ والنقل قبلوه وإن كان باطلا مخالفا للعقل ~~والنقل ردوه ونصوص الوحي عندهم أعظم وأكبر في صدورهم من أن يقدموا عليها ~~ألفاظا مجملة لها معان مشتبهة وبنوا أصولهم على أربع قواعد # أحدها بيان أن ما جاء به الوحي هو الهدى والحق واليقين # الثانية بيان أن ما يقدر من الاحتمالات المعارضة لظاهره وحقيقته باطل لغة # الثالثة بيان أن ما يدعى أنه معارض لذلك من العقل فهو باطل # الرابعة بيان أن العقل موافق له معاضد لا معارض مناقض فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون # الوجه الخامس والستون بيان أن المعارضين للوحي بعقولهم قد فارقوا العقل ~~والنقل # إن هؤلاء المعارضين بين العقل والنقل قد فارقوا العقل والنقل فلا عقل ولا ~~نقل وهم الذين يقولون @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ~~@QE@ الملك 10 # أما النقل فإنهم قد سمحوا بمفارقته وهان عليهم أمره # وأما العقل فلو تدبروا أقوالهم ومعقولهم الذي عارضوا به النقل لاستحيوا ~~من أهل العقل الذين هم أهله فإن هؤلاء يجعلون الاثنين واحدا والواحد اثنين ~~PageV03P992 @ والمستحيل واجبا والواجب ممتنعا والكلي جزءا من المعين ~~الجزئي والمعدوم موجودا والموجود معدوما والثابت منتفيا والمنتفي ثابتا ~~ويفرقون بين الشيء ونظيره في الحكم ويحملون على الشيء بحكم ضده ونقيضه ~~وينفون النقيضين تارة ويثبتونهما تارة ويثبتون الشيء وينفون لازمه البين ~~للزوم اللازم ويثبتون ملزومه فيجعلون الصفة هي عين الصفة الأخرى ثم ~~يجعلونها هي نفس الموصوف كما يقولون العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة ~~والسمع هو البصر ثم يقولون إن ذلك هو نفس العالم القادر المريد ويجعلون ~~تارة العلم هو المعلوم وتارة يجعلون الفعل هو عين المفعول ويجعلون الصفة ~~التي لا تقوم إلا بمحل قائمة بنفسها كما يقولون الرب تعالى مريد بإرادة ~~قديمة لا في محل ويجعلون الأمر هو عين النهي وهما عين الخبر وهو عين ~~الاستفهام ويجعلون وجود الرب تعالى وجودا مطلقا بشرط الإطلاق ms337 أو بلا شرط ثم ~~يصرحون بأن المطلق لا وجود له في الخارج ويجعلون الشيء المعين لهذا الإنسان ~~مثلا عدة جواهر حيوانا PageV03P993 @ وناطقا وحساسا ويجعلون كلا من هذه ~~الجواهر عين الآخر ومعلوم أنه جوهر واحد له صفات متعددة ويفرقون بين المادة ~~والصورة ويجعلونها جوهرين عقليين قائمين بأنفسهما والمعقول قيام الصفات ~~بالموصوفات والأعراض بالجواهر ويجعلون الصور الذهنية ثابتة في الخارج ~~كقولهم في المجردات المفارقات المادة وليس معهم ما يثبت أنه مفارق إلا ~~النفس الناطقة إذا فارقت البدن بالموت والمجردات هي الكليات التي تجردها ~~النفس من الأعيان المشخصة فيرجع الأمر إلى النفس وما يقوم بها ويجعلون ~~المعدوم الممتنع الذي لا يتصور وجوده هو الواجب الذي يمتنع عدمه كما أثبتوا ~~لصانع العالم وجودا مطلقا مقيدا بسلب الأمور الثبوتية ليس له ماهية غير ذلك ~~الوجود ويثبتون كونه حيا بلا حياة وعالما بلا علم وقادرا بلا قدرة إلى ~~أضعاف أضعاف ذلك من ضلالهم في عقلياتهم التي جعلوها معارضة للوحي وقدموها ~~عليه وكلما تدبر العاقل الذكي المنصف أحوال هؤلاء ومن وافقهم على بعضها ~~تبين له أن القوم لا عقل ولا نقل وتفصيل هذا يستدعي بسطا طويلا والله ~~المستعان PageV03P994 @ # الوجه السادس والستون بيان منهجهم في التضليل # إن هؤلاء في معارضتهم للوحي سلكوا طريقا سحروا بها عقول ضعفاء الناس ~~وبصائرهم فشبهت عليهم وخيل إليهم أنها حق فأصابهم في ذلك مثل ما أصاب ~~السحرة حين عارضوا عصى موسى بما خيل إلى أبصار الناظرين أنه حق فإن هؤلاء ~~عمدوا إلى ألفاظ مجملة تحتها معاني مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني ~~متعددة وأدخلوا فيها من المعاني غير المفهوم منها في لغات الأمم ثم ركبوها ~~وألفوها تأليفا طويلا بنوا بعضه على بعض ففكروا فيه وقدروا وأطالوا التفكير ~~والتقدير ثم عظموا قولهم وهولوه في نفوس من لم يفهمه ولا ريب أن فيه دقة ~~وغموضا لما فيه من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة فإذا دخل معهم الطالب ~~وسمع منهم ما تنفر عنه فطرته فأخذ يعترض عليهم قالوا له أنت لا تفهم هذا ~~وهذا لا يصلح لك ms338 وهذا أمر قد صقلته الأذهان على تطاول الأزمان وتلقته ~~العقول بالقبول والتسليم وفزعت إليه عند التخاصم والتحاكم فيبقى ما في ~~النفوس من الحمية والإلفة يحملها على تسليم تلك الأمور قبل تحقيقها وعلى ~~ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل فيأخذها مسلمة ~~فإذا جاءت لوازمها لم يجد بدا من التزامها ويرى أن التزام PageV03P995 @ ~~تلك اللوازم أهون عليه من القدح في تلك القواعد وإبطالها فهذا أصل ضلال من ~~ضل من أهل النظر والبحث في المعقولات وأما الأعمى المقلد فليس معه أكثر من ~~هكذا قال العقلاء وهذا القدر الذي وقع من ضلال هؤلاء لم يقصده عقلاؤهم ~~ابتداء بل كان قصدهم تحصيل العلوم والمعارف ولكن أخطأوا بطلبها من غير ~~طريقها فضلوا وأضلوا وقد سئل شيخنا رضي الله عنه عن بعض رؤساء هؤلاء ممن له ~~علم وعقل وسلوك وقصد ثم أخطأ الصواب فقال طلب الأمور العلية من غير الطرق ~~النبوية فقادته قسرا إلى المناهج الفلسفية وما أحسن ما قال فإن من طلب أمرا ~~عاليا من غير طريقه لم يحصل إلا على ضده فالواجب على من يريد كشف ضلال ~~هؤلاء وامثالهم أن لا يوافقهم على لفظ مجمل حتى يتبين معناه ويعرف مقصوده ~~فيكون الكلام في معنى معقول يتوارد النفي والإثبات فيه على محل واحد لا في ~~لفظ مجمل مشتبه المعنى وهذا نافع في الشرع والعقل والدين والدنيا وبالله ~~التوفيق # السابع والستون بيان أن هذا تقديم بين يدي الله ورسوله # إن الله سبحانه نهى المؤمنين أن يتقدموا بين يدي رسوله وأن يرفعوا ~~أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحذرهم من حبوط ~~أعمالهم بذلك فقال : @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي @QE@ الحجرات 21 PageV03P996 @ # فإذا كان سبحانه قد نهى عن التقديم بين يديه فأي تقدم أبلغ من تقديم عقله ~~على ما جاء به قال غير واحد من السلف ولا تقولوا حتى يقول ms339 ولا تفعلوا حتى ~~يأمر ومعلوم قطعا أن من قدم عقله أو عقل غيره على ما جاء به فهو أعصى الناس ~~لهذا النبي صلى الله عليه وسلم وأشدهم تقدما بين يديه وإذا كان سبحانه قد ~~نهاهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته فكيف برفع معقولاتهم فوق كلامه وما جاء ~~به ومن المعلوم قطعا أنه لم يكن يفعل هذا في عهده إلا الكفار والمنافقون ~~فهم الذين حكى الله سبحانه عنهم معارضة ما جاء به بعقولهم وآرائهم وصارت ~~تلك المعارضة ميراثا في أشباههم كما حكى الله عن المشركين معارضة شرعه ~~وأمره بقضائه وقدره وورثهم في هذه المعارضة طائفتان إحداهما إخوانهم ~~المباحية الذين خلعوا ربقة الشريعة من أعناقهم ودانوا بالقدر # والثانية الذين عارضوا قضاءه وقدره بأمره وقالوا PageV03P997 @ لا يمكن ~~الجمع بينهما فأبطلوا القدر بالأمر وأولئك أقعد بالميراث من هؤلاء وقد ذكر ~~سبحانه الأمثال العقلية التي عارض المشركون بها الوحي لتكون عبرة للمؤمنين ~~ومثلا للمعارضين : @QB@ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله ~~لسميع عليم @QE@ الأنفال 42 # الوجه الثامن والستون بيان أن إبليس أول من قدم العقل على الوحي # إن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة فهو أول من عارض السمع ~~بالعقل وقدمه عليه فإن الله سبحانه لما أمره بالسجود لآدم عارض أمره بقياس ~~عقلي مركب من مقدمتين حمليتين : # إحداهما قوله @QB@ أنا خير منه @QE@ فهذه هي PageV03P998 @ الصغرى ~~والكبرى محذوفة تقديرها والفاضل لا يسجد للمفضول وذكر مستند المقدمة الأولى ~~وهو أيضا قياس حملي حذف إحدى مقدمتيه فقال @QB@ خلقتني من نار وخلقته من ~~طين @QE@ # والمقدمة الثانية كأنها معلومة أي ومن خلق من نار أفضل ممن خلق من طين ~~فهما قياسان متداخلان وهذه يسميها المنطقيون الأقيسة المتداخلة فالقياس ~~الأول هكذا أنا خير منه وخير المخلوقين لا يسجد لمن هو دونه وهذا من الشكل ~~الأول والقياس الثاني هكذا خلقتني من نار وخلقته من طين والمخلوق من النار ~~خير من المخلوق من الطين فنتيجة هذا القياس العقلي أنا خير منه ونتيجة ~~الأول ولا ينبغي لي ms340 أن أسجد له # وأنت إذا تأملت مادة هذا القياس وصورته رأيته أقوى من كثير من قياساتهم ~~التي عارضوا بها الوحي وقدموها عليه والكل باطل وقد اعتذر أتباع الشيخ له ~~بأعذار : # ومنها أنه لما تعارض عنده العقل والنقل قدم العقل الثاني # ومنها أن الخطاب بصيغة الضمير في قوله اسجدوا لا عموم له فإن الضمائر ~~ليست من صيغ العموم الثالث # ومنها أنه وإن كان اللفظ عاما فإنه خصه بالقياس PageV03P999 @ المذكور ~~ومنها أنه لم يعتقد أن الأمر للوجوب بل حمله على الاستحباب لأنه المتيقن أو ~~على الرجحان دفعا للاشتراك والمجاز الخامس # ومنها أنه حمله على التراخي ولم يحمله على الفور السادس # ومنها أنه صان جناب الرب أن يسجد لغيره ورأى أنه لا يليق به السجود لسواه ~~فبالله تأمل هذه التأويلات وقابل بينها وبين كثير من التأويلات التي يذكرها ~~كثير من الناس والمعارضات التي عارض بها النصوص وفي بني آدم من يصوب رأي ~~إبليس وقياسه ويقول الصواب معه ولهم في ذلك تصانيف وكان بشار بن برد الأعمى ~~الشاعر على هذا المذهب يقول في قصيدته الرائية : # ( الأرض مظلمة سوداء مقتمة % والنار معبودة مذ كانت النار PageV03P1000 @ # ولما علم الشيخ أنه قد أصيب من معارضة الوحي بالعقل وعلم أنه لا شيء أبلغ ~~في مناقضة الوحي والشرع وإبطاله من معارضته بالعقول أوحى إلى تلامذته ~~وإخوانه من الشبهات الخيالية ما يعارض به الوحي وأوهم أصحابه وتلاميذه أنها ~~قواطع عقلية وقال إن قدمتم الوحي عليها فسدت عقولكم قال تعالى : @QB@ وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون @QE@ ~~الأنعام 121 # ومن المعلوم أن وحيهم إنما هو شبه عقلية وقال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ~~ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب @QE@ PageV03P1001 @ يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت ms341 كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين ) 112 # الوجه التاسع والستون # في بيان فساد معقول الشيخ الذي عارض به الوحي وذلك من وجوه أحدها إنه ~~قياس في مقابلة النص والقياس إذا صادم النص وقابله كان قياسا باطلا ويسمى ~~قياسا إبليسيا فإنه يتضمن معارضة الحق بالباطل وتقديمه عليه ولهذا كانت ~~عقوبته أن أفسد عليه عقله ودنياه وآخرته وقد بينا فيما تقدم أنه ما عارض ~~أحد الوحي بعقله إلا أفسد الله عليه عقله حتى يقول ما يضحك منه العقلاء # الثاني إن قوله أنا خير منه كذب ومستنده في ذلك باطل فإنه لا يلزم من ~~تفضيل مادة على مادة تفضيل المخلوق منها على المخلوق من الأخرى فإن الله ~~سبحانه يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من المخلوق من غيرها وهذا من ~~كمال قدرته سبحانه ولهذا كان محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح والرسل أفضل ~~من الملائكة ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة وإن كانت ~~PageV03P1002 @ مادتهم نورا ومادة البشر ترابا فالتفضيل ليس بالمواد ~~والأصول ولهذا كان العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرا وأفضل ~~عند الله ممن ليس مثلهم من قريش وبني هاشم وهذه المعارضة الإبليسية صارت ~~ميراثا في أتباعه في التقديم بالأصول والأنساب على الإيمان والتقوى وهي ~~التي أبطلها الله عز وجل بقوله : @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله ~~عليم خبير @QE@ الحجرات 13 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وفخرها ~~بالآباء الناس مؤمن تقي وفاجر شقي وقال صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربي ~~على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأبيض على أسود PageV03P1003 @ ولا لأسود ~~على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب فانظر إلى سريان ms342 هذه ~~النكتة الإبليسية في نفوس أكثر الناس من تفضيلهم بمجرد الأصول والأنساب # الثالث إن ظنه أن النار خير من التراب باطل مستنده ما فيها من الإضاءة ~~والخفة وما في التراب من الثقل والظلمة ونسي الشيخ ما في النار من الطيش ~~والخفة وطلب العلو والإفساد بالطبع حتى لو وقع منها شواظ بقدر الحبة في ~~مدينة عظيمة لأفسدها كلها ومن فيها بل التراب خير من النار وأفضل من وجوه ~~متعددة # منها أن طبعه السكون والرزانة والنار بخلافه الثاني # ومنها أنه مادة الحيوان والنبات والأقوات والنار بخلافه الثالث # ومنها أنه لا يمكن أحدا العيش بدونه ودون ما خلق منه البتة ويمكنه أن ~~يعيش برهة بلا نار قالت عائشة يمر بنا الشهر والشهران ما نوقد في بيوتنا ~~نارا أو ما نرى نارا قال لها عروة فما كان قوتكم قالت الأسودان التمر ~~والماء الرابع # ومنها أن الأرض تؤدي إليك بما فيها من البركة PageV03P1004 @ أضعاف أضعاف ~~ما تودعه من الحب والنوى وتربيه لك وتغذيه وتنميه والنار تفسده عليك وتمحق ~~بركته الخامس # ومنها أن الأرض مهبط وحي الله ومسكن رسله وأنبيائه وأوليائه وكفاتهم ~~أحياء وأمواتا والنار مسكن أعدائه ومأواهم السادس # ومنها أن في الأرض بيته الذي جعله إماما للناس وقياما لهم وجعل حجه محطا ~~لأوزارهم ومكفرا لسيئاتهم وجالبا لهم مصالح معاشهم ومعادهم السابع # ومنها أن النار طبعها العلو والفساد وأن الله لا يحب المستكبرين ولا يحب ~~المفسدين والأرض طبعها الخشوع والإخبات والله يحب المخبتين الخاشعين وقد ~~ظهر هذا بخلق إبراهيم ومحمد وموسى وعيسى والرسل من المادة الأرضية وخلق ~~إبليس وجنوده من المادة النارية نعم وخلق من المادة الأرضية الكفار ~~والمشركين ومن المادة النارية صالحي الجن ولكن ليس في هؤلاء مثل إبليس وليس ~~PageV03P1005 @ في أولئك مثل الرسل والأنبياء فمعلم الخير من المادة ~~الأرضية ومعلم الشر من المادة النارية الثامن # ومنها أن النار لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل تقوم به لا تستغني ~~عنه وهي محتاجة إلى المادة الترابية في قوامها وتأثيرها والأرض قائمة ~~بنفسها لا ms343 تحتاج إلى محل تقوم به ولا يفتقر قوامها ونفعها إلى النار التاسع # ومنها أن التراب يفسد صورة النار ويبطلها ويقهرها وإن علت عليه العاشر # ومنها أن الرحمة تنزل على الأرض فتقبلها وتحي بها وتخرج زينتها وأقواتها ~~وتشكر ربها وتنزل على النار فتأباها وتطفيها وتمحوها وتذهب بها فبينها وبين ~~الرحمة معاداة وبين الأرض وبين الرحمة موالاة وإخاء الحادي عشر # ومنها أن النار تطفأ عند التكبير فتضمحل عند ذكر كبرياء الرب ولهذا يهرب ~~المخلوق منها عند الأذان حتى لا يسمعه والأرض تبتهج بذلك وتفرح ~~PageV03P1006 @ به وتشهد به لصاحبه يوم القيامة ويكفي في فضل المخلوق من ~~الأرض على المخلوق من النار أن الله سبحانه خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه ~~وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء فهل حصل للمخلوق من النار واحدة من ~~هذه فقد تبين لك حال هذه المعارضة العقلية للسمع وفسادها من هذه الوجوه ~~وأكثر منها وهي من شيخ القوم ورئيسهم ومعلمهم الأول فما الظن بمعارضة ~~التلامذة ونحن نقول قولا نقدم بين يديه مشيئة الله وحوله والاعتراف بمنته ~~علينا وفضله لدينا وأنه محض منته وجوده وفضله فهو المحمود أولا وآخرا على ~~توفيقنا له وتعليمنا إياه إن كل شبهة من شبه أرباب المعقولات عارضوا بها ~~الوحي فعندنا ما يبطلها بأكثر من PageV03P1007 @ الوجوه التي أبطلنا بها ~~معارضة شيخ القوم وإن مد الله في الأجل أفردنا في ذلك كتابا كبيرا ولو نعلم ~~أن في الأرض من يقول ذلك ويقوم به تبلغ إليه أكباد الإبل لاقتدينا بالمسير ~~إليه بموسى في سفره إلى الخضر وبجابر بن عبد الله في سفره إلى عبد الله بن ~~أنيس لسماع حديث واحد ولكن أزهد الناس في العالم قومه وقد قام قبلنا بهذا ~~الأمر من برز به على أهل الأرض في عصره وفي الأعصار قبله فأدرك من قبله ~~وحيدا وسبق من بعده سبقا بعيدا واستنقذ النصوص من أيدي الملحدين ونفى عنها ~~تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وجعل ملوك أرباب المعقولات ~~المعارضين لها أسرى في أيدي المسلمين وأخذ عليهم بمجامع ms344 الطرق حتى لم يبق ~~لهم مدد ولا كمين فجرى عليه من تلامذة هذا الشيخ وأتباعه من الجاهلين ~~والمعاندين والمعطلين ما جرى على من قام مقامه على مر السنين # ( مضوا ومضى ثم التقوا عند ربهم % فأخرهم للحكم يوم التخاصم PageV03P1008 ~~@ # الوجه السبعون بيان أن هؤلاء عكسوا طريقة الرسل فجاؤوا بالنفي المفصل في ~~باب الأسماء والصفات # إن العقل الذي عارض به هؤلاء السمع هو النفي والذي دل عليه السمع هو ~~الإثبات فإن السمع دل على إثبات الصفات والكلام والتكليم وعلو الرب على ~~خلقه واستوائه على عرشه ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ومجيئه وإتيانه ~~وإثبات وجهه الأعلى ويديه اللتين كلتاهما يمين وغير ذلك والعقل عندهم دل ~~على نفي ذلك كله فالمعارضة التي ادعوها هي معارضة بين النفي والإثبات ~~فالرسل جاؤوا بالإثبات المفصل للأسماء والصفات والأفعال فجاء أرباب هذا ~~العقل بالنفي المفصل لها وادعوا التعارض بين دليل هذا الإثبات ودليل النفي ~~ثم قدموا دليل النفي فيقال الكلام معكم في مقامين الرد عليهم : أحدهما أن ~~العقل لم يدل على ثبوتها # والثاني أنه دل على انتفائها فإن أردتم بدلالة العقل المقام الأول فنفيها ~~خطأ فإنه لونفى كل مالم يدل عليه عقل أو حس نفيت أكثر الموجودات التي لا ~~ندركها بعقولنا ولا حواسنا وهذا هو حاصل ما عند القوم عند التحقيق ومن تدبر ~~أدلتهم حق التدبر علم أنه ليس فيها دليل واحد يدل على النفي ومعلوم أن ~~الشيء لا ينفي لانتفاء دليل يدل عليه وإن انتفى العلم به فنفي العلم لا ~~يستلزم نفي المعلوم فكيف والعقل الصريح قد دل على ثبوتها كما نبهنا ~~PageV03P1009 @ عليه وسنذكره وإن أردتم الثاني وهو أن العقل دل على ~~انتفائها فيقال العقل إنما يدل على نفي الشيء إذا علم ثبوت نقيضه فيعلم ~~حينئذ أن النقيض الآخر منتف فأين في العقل المقطوع بحكمه أو المظنون ما يدل ~~على نقيض ما أخبرت به الرسل بوجه من الوجوه الأدلة الصحيحة فالمسلمون ~~يقولون قد دل العقل والوحي معا على إثبات علم الرب تعالى آمرا ناهيا وعلى ~~كونه ms345 فوق العالم كله وعلى كونه يفعل بقدرته ومشيئته وعلى أنه يرضى ويغضب ~~ويثيب ويعاقب ويحب ويبغض فقد شهد بذلك العقل والنقل أما النقل فلا يمكنكم ~~المكابرة فيه وأما العقل فلأن ذات الرب أكمل من كل ذات على الإطلاق بل ليس ~~الكمال المطلق التام من كل وجه إلا له وحده فيستحيل وصفه بما يضاد كماله ~~وكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فهو صفة كمال ثبوتها له أكمل من نفيها ~~عنه وقد اتفقت الأمم على أن الله سبحانه موصوف بالكمال منزه عن أضداده وإن ~~تنازعوا في كون الصفة المعينة والفعل المعين كمالا أو ليس بكمال والذين ~~نفوه تخيلوا أن إثباته يستلزم النقص والحدوث وأن الكمال في نفيه وإن كان ~~كثير من طوائف بني آدم يستجيزون وصفه بالنقائص والعيوب مع علمهم بأنها عيوب ~~ونقائص كما PageV03P1010 @ صرحت به اليهود من قولهم وإنه فقير وإنه تعب لما ~~خلق العالم وأنه بكى على الطوفان حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة وإنه ندم ~~على خلق آدم وذريته ندما عظيما حتى عض أنامله ويقولون في صلاتهم يا إلهنا ~~انتبه من رقدتك كم تنام ونحو ذلك والنصارى لا يخفى على أحد منهم أن نزوله ~~عن عرشه ودخوله في رحم امرأة وإقامته هناك تسعة أشهر بين الحيض والبول ثم ~~خروجه طفلا صغيرا يرضع ويبكي ويأكل ويشرب ويبول وينام ويألم ثم تمكن أعدائه ~~منه وصفعه وتسمير يديه ورجليه وصلبه بين نصبين وعلى رأسه تاج من الشوك أن ~~هذا غاية التنقص المنافي لكماله والاتحادية مصرحون بأنه موصوف بكل صفة ~~مذمومة عقلا وعرفا وشرعا ومعلوم أن هذه النقائص هي التي دل العقل الصريح ~~واتفاق المرسلين من أولهم إلى آخرهم على نفيها عن الله وتنزيهه عنها فمن ~~جعل دلالته على نفي علمه وسمعه وبصره وقوته وقدرته وحياته وإرادته وكماله ~~وتكليمه وعلوه على عرشه ووجهه الأعلى ويديه وغضبه ورضاه كدلالته على نفي ~~تلك العيوب والنقائص PageV03P1011 @ وإثباتها له كإثبات تلك العيوب ~~والنقائص وإن العقل يوجب نفي هذا وهذا فهو من أسخف الناس عقلا وأعظمهم ms346 جهلا ~~وأفسدهم فطرة وكان الذين وصفوه سبحانه بتلك العيوب والنقائص أقرب إلى العقل ~~منه فإنهم وصفوه بالكمال والنقص وهؤلاء نزهوه عن الكمال وهو يستلزم وصفه ~~بالنقص فقط ومعلوم أن ذاتا موصوفة بالكمال والنقائص أكمل من ذات لا توصف ~~بشيء من الكمالات البتة وتوصف بأضدادها وأيضا فإن تلك الذات يمكن وجودها ~~وهذه الذات يمتنع وجودها والمقصود أنه قد دل العقل مع السمع على إثبات ما ~~يقول هؤلاء إن العقل عارضه وغاية ما معهم أن عقولهم لم تدل على إثباته وقد ~~بينا أنه يستحيل دلالة العقل على نفيه فإن العقل إنما يدل على نفي ما علم ~~ثبوت نقيضه بالعقل والعقل لم يعلم به ثبوت نقيض الصفات العلى والأسماء ~~الحسنى واستواء الرب على عرشه وتكلمه ورؤية أوليائه له في الآخرة عيانا ~~بالأبصار فوق رؤوسهم حتى يكون نفي ذلك معلوما بالعقل فإن قيل نحن ما نفينا ~~ذلك إلا لدلالة العقل على نفيه فإنه لو كان فوق العرش أو كان يرى بالأبصار ~~أو كان مكلما متكلما أو كان له وجه ويد وسمع وبصر لزم أن يكون جسما ويلزم ~~من كونه جسما أن يكون مركبا من الجواهر المفردة أو من المادة PageV03P1012 ~~@ والصورة وإن قلنا بتماثل الأجسام لزم أن يكون مماثلا لكل جسم ويلزم من ~~كونه مركبا أن يكون مفتقرا إلى أجزائه وأجزاء المركب غيره ويلزم من افتقاره ~~إلى غيره أن يكون مخلوقا مصنوعا فهذا الدليل العقلي الذي أوجب لنا أن ننفي ~~ما نفيناه لنثبت آلهيته وربوبيته وقدمه وأما أنتم فلما أثبتم له هذه الصفات ~~لزمكم نفي قدمه ونفي ربوبيته قيل هذا الدليل هو الذي خرب دياركم وقلع ~~الإيمان بشروشه من قلوبكم وسهل عليكم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وتعطيله ~~عن كل كمال وسلبه عنه وهو في الحقيقة مستلزم لجحد وجود الخالق سبحانه ~~وإنكار أن يكون للعالم صانع على الحقيقة ففررتم من إثبات الكمالات له ~~سبحانه لظنكم أنها تستلزم افتقاره وحدوثه فوقعتم في شر من ذلك وهو تعطيل ~~العالم عن رب يدبره فعطلتم الصانع عن كماله وعطلتم ms347 العالم عن صانعه ولقد ~~أقامت الدهرية والمعطلة أربعين شبهة التي ذكرتموها واحدة من تلك الأربعين ~~فقالوا لو كان للعالم PageV03P1013 @ رب أو صانع أو خالق لكان إما جسما ~~وإما عرضا ودليل هذا الحصر أنه إما أن يكون قائما بنفسه وهو الذي يعني ~~بالجسم وأما أن يكون قائما بغيره وهو الذي يعني بالعرض فلا يجوز أن يكون ~~عرضا لأنه لا يقوم بنفسه فهو مفتقر إلى محل يقوم به ولا يجوز أن يكون جسما ~~لما ذكرتم من الدليل المتقدم بعينه وكل ما تجيبون به إخوانكم في الأصل عن ~~هذه الشبهة فهو جواب أهل السمع والعقل لكم بعينه فإن قلتم بل هو قائم بنفسه ~~وليس بجسم قال لكم أهل السمع والعقل فقولوا هو فوق عرشه موصوف بصفات كماله ~~ونعوت جلاله وحقائق أسمائه وليس بجسم فإن قلتم هذا لا يعقل قيل لكم فكيف ~~عقلتم ذاتا قائمة بنفسها فاعلة بغيرها ليست بجسم فإن قلتم دل الدليل على ~~انتهاء الممكنات والمصنوعات إلى ذات هذا شأنها فأثبتناها بالدليل قيل لكم ~~ودل الدليل على انتهاء المخلوقات والمصنوعات إلى ذات موصوفة بالصفات التي ~~يؤثر بها في المخلوقات ومقاديرها وصفاتها وأشكالها وهيآتها وإعدامها بعد ~~إيجادها وإيجادها وإيجاد بدل منها ودلالته على ذات هذا شأنها أعظم من ~~دلالته على ذات مجردة لا فعل لها ولا صفة ولا قدرة ولا مشيئة ولا إرادة فإن ~~قلتم يلزم من ثبوت صفاتها حدوثها ولا يلزم من تجردها عنها حدوثها قيل ~~PageV03P1014 @ لكم بل يلزم من تجردها عنها عدمها وامتناع وجودها فلو لزم ~~من ثبوت صفاتها ما لزم كان خيرا من جحدها ونفيها بالكلية كيف وتلك اللوازم ~~التي ركبتم بعضها على بعض فيها من التلبيس والتدليس والإجمال اللفظي ~~والاشتباه المعنوي ما إذا كشف أمره تبين أنها زغل ومحال وأشد شيء منافاة ~~للعقل والسمع وكل مقدماتها دعاو كاذبة باطلة بصريح العقل والسمع فلا يلزم ~~من كونه فوق سمواته على عرشه يسمع ويرى ويأمر وينهى ويتكلم ويكلم أن يكون ~~مركبا من جواهر فردة ولا من مادة وصورة ولا ان يكون ms348 مماثلا لخلقه فدعوى هذا ~~اللزوم عين البهت والكذب الصراح بل العرش خلق من خلقه ولا يلزم من كونه فوق ~~السماوات كلها أن يكون مركبا من الجواهر الفردة ولا من المادة والصورة ولا ~~مماثلا لغيره من الأجسام وكذلك جبريل مخلوق من مخلوقاته وهو ذو قوة وحياة ~~وسمع وبصر وأجنحة ويصعد وينزل ويرى بالأبصار ولا يلزم من وصفه بذلك أن يكون ~~مركبا من الجواهر الفردة ولا من المادة والصورة ولا أن يكون جسمه مماثلا ~~لأجسام الشياطين فدعونا من هذا الفشر والهذيان والدعاوي الكاذبة والتفاوت ~~الذي بين الله وخلقه أعظم من التفاوت الذي بين جسم العرش وجسم الثرى ~~والهواء PageV03P1015 @ والماء وأعظم من التفاوت الذي بين أجسام الملائكة ~~وأجسام الشياطين والعاقل إذا أطلق على جسم صفة من صفاته وعنده من كل وجه ~~موصوف بتلك الصفة لم يلزم من ذلك تماثلها أطلق على الرجيع الذي قد بلغ غاية ~~الخبث أنه جسم قائم بنفسه ذو رائحة ولون وأطلق على ذلك على المسك لم يقل ذو ~~حس سليم ولا عقل مستقيم إنهما متماثلان وأين التفاوت الذي بينهما من ~~التفاوت الذي بين الله وخلقه فكم تلبسون وكم تدلسون وتموهون فاشتراك ~~الذاتين في معنى من المعاني لا يستلزم تماثلهما عند أحد من العقلاء وإن ~~المختلفات والمتضادات تشترك في أشياء متعددة فمشاركة الماء للنار في مسمى ~~بالجسمية والحركة وإدراك الحس لهما لا يوجب تماثلهما وليس معكم دليل واحد ~~صحيح يدل على تركب الأجسام كما ذكرتم فكيف ولو أقمتم الدليل على ذلك لم ~~يلزم منه تركب خالق الأجسام وجواهرها وأعراضها مما تركبت منه الأجسام بوجه ~~من الوجوه سوى الدعوى الكاذبة وهو أنه لو كان فوق عرشه أو موصوفا بالصفات ~~أو يرى بالأبصار لزم أن يكون مركبا وليس العجب من عقول رضيت لنفسها بمثل ~~هذا الهذيان حتى اعتقدته غاية الغايات العقلية ونهايات المعارف الإلهية ~~والمباحث الحكمية ثم قدمته على نصوص الوحي فإن هذا في الأصل وضع من قصد ~~معارضة الأنبياء ورد ما جاؤوا به بل العجب من قوم صدقوا الأنبياء وشهدوا أن ms349 ~~الرسول حق وجاءهم البينات وعلموا أنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ~~PageV03P1016 @ @QB@ إن هو إلا وحي يوحى @QE@ النجم 4 # ثم ولج هذا الهذيان في آذانهم فسمعوه ودخل إلى قلوبهم فقبلوه وعظموا ~~أصحابه وسموهم المحققين وقدموا أقوالهم على نصوص الوحي المبين فضلا عن ~~تقديمه على كلام الصحابة والتابعين ولقد أحسن القائل فيهم وإن قصد سواهم : # ( خفافيش أعشاها الظلام بضوئه % ولاءمها قطع من الليل مظلم ) # وهذه الحجة الداحضة باطلة من أكثر من سبعين وجها تذكر في غير هذا الموضع ~~فلا يلزم من استوائه على عرشه وثبوت صفات كماله وتكلمه وتكليمه ورؤيته ~~بالأبصار أن يكون جسما بالمعنى الذي اصطلحوا عليه ولو لزم أن يكون جسما لم ~~يلزم أن يكون مركبا بالاعتبار الذي ذكروه ولو لزم أن يكون مركبا لم يلزم أن ~~يكون مفتقرا إلى مركب ركبه ولا محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه ولو لزم أن ~~يكون جسما مركبا لم يلزم أن يكون مماثلا للأجسام بوجه من الوجوه فشيء من ~~ذلك غير لازم لعلوه على عرشه وثبوت صفاته لا عقلا ولا سمعا إلا بالدعاوي ~~الكاذبة حتى لو قدر لزوم ذلك كله لكان التزامه أسهل من تعطيل علوه على عرشه ~~وتعطيل كلامه وإبطال أمره ونهيه وتعطيل صفاته وأفعاله وجعله بمنزلة المعدوم ~~الممتنع الذي لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا له PageV03P1017 @ فعل يقوم ~~به ولا صفة كمال يتصف بها فلا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر ولا يريد ~~ولا يفعل شيئا فأي ذات من الذوات المخلوقة المتصفة بذلك فرضت فهي أكمل من ~~هذه الذات وقد تقدم أن الدليل العقلي الصحيح إنما دل على انتهاء المخلوقات ~~إلى خالق واحد قديم غير مخلوق ولا مصنوع ولا محتاج إلى سواه بوجه من الوجوه ~~وكل ما عداه محتاج إليه من جميع الوجوه ولم يدل على أن هذا الواحد سبحانه ~~معطل عن الأفعال والصفات وحقائق الأسماء الحسنى وأن الدليل العقلي إنما دل ~~على خلاف ذلك وأنه أحق بكل صفة كمال من غيره وأن كل كمال ثبت للمخلوق ms350 لا ~~نقص فيه فلا يستلزم نقصا فمعطيه وموجده أحق به وأولى فكيف يكون المخلوق ~~يتكلم وخالقه لا يتكلم وكيف يكون سميعا بصيرا وخالقه لا يسمع ولا يبصر وكيف ~~يكون حيا عليما قديرا حكيما وخالقه ليس كذلك وكيف يكون ملكا آمرا ناهيا ~~مرسلا مثيبا معاقبا وخالقه ليس كذلك وكيف يكون فاعلا باختياره ومشيئته ~~وخالقه ليس كذلك وكيف يكون قويا وخالقه ليس له قوة وكيف يكون رحيما وخالقه ~~لم تقم به صفة رحمة ولا رأفة وكيف يكون كريما حليما جوادا ماجدا وخالقه ليس ~~كذلك هذا ومن المعلوم بالضرورة أن ما يرى أكمل ممن لا يمكن أن يرى فإنه إما ~~معدوم وإما عرض والمرئي أكمل منهما وما يتكلم أكمل ممن لا يتكلم فإنه ~~PageV03P1018 @ إما جماد وإما عرض وإما معدوم والمتكلم أكمل من ذلك وما له ~~سمع وبصر ووجه ويدان أكمل من الفاقد لذلك بالضرورة وهكذا سائر الصفات فلا ~~أحسن الله في تلك العقول عن أصحابها إذا أحسن عن الصابئين ولا حياها بما ~~حيا به عباده المرسلين ولا زكاها بما زكى به أتباعهم من المؤمنين ونسأله أن ~~لا يبتلينا بما ابتلاهم به من مفارقة المنقول والمعقول وتلقي العلم واليقين ~~من غير مشكاة الرسول وأن لا يجعلنا من أتباع قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل # الوجه الحادي والسبعون بيان أنه ليس كمثله شيء # أنه سبحانه وصف نفسه بأنه ليس كمثله شيء وأنه لا سمي له ولا كفؤ له وهذا ~~يستلزم وصفه بصفات الكمال التي فات بها شبه المخلوقين واستحق بقيامها به أن ~~يكون @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وهكذا كونه ليس له سمي أي مثيل يساميه في ~~صفاته وأفعاله ولا من يكافيه فيها ولو كان مسلوب الصفات والأفعال والكلام ~~والاستواء والوجه واليدين ومنفيا عنه مباينة العالم ومحايثته واتصاله به ~~وانفصاله عنه وعلوه عليه وكونه PageV03P1019 @ يمنته أو يسرته وأمامه أو ~~وراءه لكان كل عدم مثلا له في ذلك فيكون قد نفى عن نفسه مشابهة الموجودات ~~وأثبت لها مماثلة المعدومات فهذا النفي واقع على أكمل ms351 الموجودات وعلى العدم ~~المحض فإن العدم المحض لا مثل له ولا كفؤ ولا سمي فلو كان المراد بهذا نفي ~~صفاته وأفعاله واستوائه على عرشه وتكلمه بالوحي وتكليمه لمن يشاء من خلقه ~~لكان ذلك وصفا له بغاية العدم فهذا النفي واقع على العدم المحض وعلى من ~~كثرت أوصاف كماله ونعوت جلاله وأسماؤه الحسنى حتى تفرد بذلك الكمال فلم يكن ~~له شبه في كماله ولا سمي ولا كفوء فإذا أبطلتم هذا المعنى الصحيح تعين ذلك ~~المعنى الباطل قطعا وصار المعنى أنه لا يوصف بصفة أصلا ولا يفعل فعلا ولا ~~له وجه ولا يد ولا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر تحقيقا لمعنى ليس كمثله ~~شيء وقال إخوانكم من الملاحدة ليس له ذات أصلا تحقيقا لهذا النفي وقال ~~غلاتهم ولا وجود له تحقيقا لهذا النفي وأما الرسل وأتباعهم فقالوا إنه حي ~~وله حياة وليس كمثله شيء في حياته وهو قوي وله القوة وليس مثله شيء في قوته ~~وهو سميع بصير له السمع والبصر يسمع ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره ~~ومتكلم ومكلم وليس كمثله شيء في كلامه وتكليمه وله وجه ويدان وليس كمثله ~~شيء وهو مستو على عرشه وليس كمثله شيء وهذا النفي لا يتحقق إلا بإثبات صفات ~~الكمال فإنه مدح له وثناء PageV03P1020 @ أثنى به على نفسه والعدم المحض لا ~~يمدح به أحد ولا يثني به عليه ولا يكون كمالا له بل هو أنقص النقص وإنما ~~يكون كمالا إذا تضمن الإثبات كقوله تعالى @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ ~~البقرة 255 # لكمال حياته وقيوميته وقوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ ~~لكمال غناه وملكه وربوبيته وقوله @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ @QB@ ولا ~~يظلم ربك أحدا @QE@ @QB@ وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ غافر 31 # لكمال عدله وغناه ورحمته وقوله @QB@ وما مسنا من لغوب @QE@ ق 38 # لكمال قدرته وقوله @QB@ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء @QE@ @QB@ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء @QE@ ~~إبراهيم 38 # ونظائر ms352 ذلك لكمال علمه وقوله PageV03P1021 @ @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ ~~الأنعام 103 # لعظمته وإحاطته بما سواه وأنه أكبر من كل شيء وأنه واسع فيرى ولكن لا ~~يحاط به إدراكا كما يعلم ولا يحاط به علما فيرى ولا يحاط به رؤية فهكذا ليس ~~كمثله شيء هو متضمن لإثبات جميع صفات الكمال على وجه الإجمال وهذا هو ~~المعقول في نظر الناس وعقولهم وإذا قالوا فلان عديم المثل أو قد أصبح ولا ~~مثل له في الناس أو ما له شبيه ولا له من يكافيه إنما يريدون بذلك أنه تفرد ~~من الصفات والأفعال والمجد بما لم يلحقه فيه غيره فصار واحدا من الجنس لا ~~مثيل له ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده لكان ذلك ~~عندهم غاية الذم والتنقص له فإذا أطلق ذلك في سياق المدح والثناء لم يشك ~~عاقل في أنه إنما أراد كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه التي لها حقائق تحمل ~~عليها فهل يقول عاقل لمن لا علم له ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا يتصرف ~~بنفسه ولا يفعل شيئا ولا يتكلم ولا له وجه ولا يد ولا قوة ولا فضيلة من ~~الفضائل إنه لا شبيه له ولا مثل له وإنه وحيد دهره وفريد عصره ونسيج وحده ~~وهل فطر الله PageV03P1022 @ الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك ~~وهل كان رب العالمين أهل الثناء والمجد إلا بأوصاف كماله ونعوت جلاله ~~وأفعاله وأسمائه الحسنى وإلا فبماذا يثني عليه المثنون وبماذا يثني على ~~نفسه أعظم مما يثني به عليه جميع خلقه ولأي شيء يقول أعرف خلقه به لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ومعلوم أن هذا الثناء الذي أخبر أنه لا ~~يحصيه لو كان بالنفي لكان هؤلاء أعلم به منه وأشد إحصاء له فإنهم نفوا عنه ~~حقائق الأسماء والصفات نفيا مفصلا وذلك مما يحصيه المحصي بلا كلفة ولا تعب ~~وقد فصله النفاة وأحصوه وحصروه # الوجه الثاني والسبعون بيان أن كل ما نفاه الله عن نفسه هو لإثبات كمال ~~ضده # أن الله سبحانه ms353 إنما نفى عن نفسه ما يناقض الإثبات ويضاد ثبوت الصفات ~~والأفعال فلم ينف إلا أمرا عدميا أو ما يستلزم العدم فنفى السنة والنوم ~~المستلزم لعدم كمال الحياة والقيومية ونفى العزوب والخفاء المستلزم لنفي ~~كمال العلم ونفي اللغوب المستلزم نفي كمال القدرة ونفي الظلم المستلزم لنفي ~~كمال الغنى والعدل ونفي العبث المستلزم لنفي كمال الحكمة والعلم ونفي ~~PageV03P1023 @ الصاحبة والولد المستلزمين لعدم كمال الغنى وكذلك نفي ~~الشريك والظهير والشفيع المقدم بالشفاعة المستلزم لعدم كمال الغنى والقهر ~~والملك ونفي الشبيه والمثيل والكفؤ المستلزم لعدم التفرد بالكمال المطلق ~~ونفي إدراك الأبصار له وإحاطة العلم به المستلزمين لعدم كمال عظمته ~~وكبريائه وسعته وإحاطته وكذلك نفي الحاجة والأكل والشرب عنه سبحانه ~~لاستلزام ذلك عدم غناه الكامل وإذا كان إنما نفى عن نفسه العدم أو ما ~~يستلزم العدم علم أنه أحق بكل وجود وثبوت وكل أمر وجودي لا يستلزم عدما ولا ~~نقصا ولا عيبا وهذا هو الذي دل عليه صريح العقل فإنه سبحانه له الوجود ~~الدائم القديم الواجب لنفسه الذي لم يستفده من غيره ووجود كل موجود مفتقر ~~إليه ومتوقف في تحقيقه عليه والكمال وجود كله والعدم نقص كله فإن العدم ~~كاسمه لا شيء فعاد النفي الصحيح إلى نفي النقائص والعيوب ونفي المماثلة في ~~الكمال وعاد الأمران إلى نفي النقص وحقيقة ذلك نفي العدم وما يستلزم العدم ~~فتأمل هل نفى القرآن والسنة عنه سبحانه سوى ذلك وتأمل هل ينفي العقل الصحيح ~~الذي لم يفسد بشبه هؤلاء الضلال الحيارى غير ذلك فالرسل جاؤوا بإثبات ما ~~يضاده وهو سبحانه أخبر أنه لم يكن له كفوا أحد بعد وصفه نفسه بأنه الصمد ~~والصمد السيد ا لذي PageV03P1024 @ كمل في سؤدده ولهذا كانت العرب تسمي ~~أشرافها بهذا الاسم لكثرة الصفات المحمودة في المسمى به قال شاعرهم : # ( ألا بكر الناعي بخير بني أسد % بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد ) # فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة وذلك لكثرة خصال الخير ~~فيه وكثرة الأوصاف الحميدة له ولهذا قال جمهور السلف منهم عبد الله بن ms354 عباس ~~الصمد السيد الذي كمل سؤدده فهو العالم الذي كمل علمه القادر الذي كملت ~~قدرته الحكيم الذي كمل حكمه الرحيم الذي كملت رحمته الجواد الذي كمل جوده ~~ومن قال إنه الذي لا جوف له فقوله لا يناقض PageV03P1025 @ هذا التفسير فإن ~~اللفظ من الاجتماع فهو الذي PageV03P1026 @ اجتمعت فيه صفات الكمال ولا جوف ~~له فإنما لم يكن أحد كفوا له لما كان صمدا كاملا في صمديته فلو لم تكن صفات ~~كمال ونعوت جلال ولم يكن له علم ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا كلام ولا ~~وجه ولا يد ولا سمع ولا بصر ولا فعل يقوم به ولا يفعل شيئا البتة ولا هو ~~داخل العالم ولا خارجه ولا فوق عرشه ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض ~~ولا هو فعال لما يريد ولا يرى ولا يمكن أن يرى ولا يشار إليه ولا يمكن أن ~~يشار إليه لكان العدم المحض كفوا فإن هذه الصفات منطبقة على المعدوم فلو ~~كان ما يقوله المعطلون هو الحق لم يكن صمدا وكان العدم كفوا له وكذلك قوله ~~: @QB@ رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له ~~سميا @QE@ مريم 65 PageV03P1027 @ # فأخبر أنه لا سمي له عقيب قول العارفين به @QB@ وما نتنزل إلا بأمر ربك ~~له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السماوات ~~والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا @QE@ 64 # فهذا الرب الذي له هذا الجند العظيم ولا ينزلون إلا بأمره وهو المالك ما ~~بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك فهو الذي قد كملت قدرته وسلطانه وملكه ~~وكمل علمه فلا ينسى شيئا أبدا وهو القائم بتدبير أمر السماوات والأرض وما ~~بينهما كما هو الخالق لذلك كله وهو ربه ومليكه فهذا الرب هو الذي لا سمي له ~~لتفرده بكمال هذه الصفات والأفعال فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق ~~لأسمائه إن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني فالعدم سمي له وكذلك قوله تعالى ms355 ~~: @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ الشورى 11 # فإنه سبحانه ذكر ذلك بعد ذكر نعوت كماله وأوصافه فقال @QB@ حم عسق كذلك ~~يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم له ما في السماوات وما في ~~الأرض وهو العلي العظيم تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل @QE@ ~~PageV03P1028 ) - 1 # إلى قوله @QB@ فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن ~~الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ الشورى 11 # فهذا الموصوف بهذه الصفات والنعوت والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة ~~والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية وإحياء ~~الموتى والقدرة التامة الشاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السماوات ~~والأرض وهو السميع البصير فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه ~~وأسمائه وأفعاله وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء فالمثبت ~~للصفات والعلو والكلام والأفعال وحقائق الأسماء هو الذي يصفه سبحانه بأنه ~~ليس كمثله شيء # وأما المعطل النافي لصفاته وحقائق أسمائه فإن وصفه له بأنه ليس كمثله شيء ~~مجاز لا حقيقة كما يقول في سائر أوصافه وأسمائه ولهذا قال من قال من السلف ~~إن النفاة PageV03P1029 @ جمعوا بين التشبيه والتعطيل فسموا تعطيلهم تنزيها ~~وسموا ما وصف به نفسه تشبيها وجعلوا ما يدل على ثبوت صفات الكمال وكثرتها ~~دليلا على نفيها وتعطيلها وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورا واغتر به ~~من شاء الله وهدى الله من اعتصم بالوحي والعقل والفطرة والله يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم # الوجه التاسع والسبعون بيان المثل الأعلى # أنه سبحانه وصف نفسه بأن له المثل الأعلى فقال تعالى @QB@ للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم @QE@ النحل ~~60 # وقال تعالى @QB@ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ الروم 27 # فجعل مثل السوء المتضمن ms356 للعيوب والنقائص وسلب الكمال للمشركين وأربابهم ~~وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده ولهذا كان ~~المثل الأعلى وهو أفعل تفضيل أي أعلى من غيره PageV03P1030 @ فكيف يكون ~~أعلى وهو عدم محض ونفي صرف وأي مثل أدنى من هذا تعالى الله عن قول المعطلين ~~علوا كبيرا # فمثل السوء لعادم صفات الكمال ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده وكلامه ~~وحكمته لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملا وهي الإيمان والعلم ~~والمعرفة واليقين والعبادة لله والتوكل عليه والإنابة إليه والزهد في ~~الدنيا والرغبة في الآخرة والصبر والرضا والشكر وغير ذلك من الصفات التي ~~اتصف بها من آمن بالآخرة فلما سلبت تلك الصفات عنهم وهي صفات كمال صار لهم ~~مثل السوء فمن سلب صفات الكمال عن الله وعلوه على خلقه وكلامه وعلمه وقدرته ~~ومشيئته وحياته وسائر ما وصف به نفسه فقد جعل له مثل السوء ونزهه عن المثل ~~الأعلى فإن مثل السوء هو العدم وما يستلزمه وضده المثل الأعلى وهو الكمال ~~المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في ~~الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره ولما كان الرب تعالى هو الأعلى ووجهه ~~الأعلى وكلامه الأعلى وسمعه الأعلى وبصره وسائر صفاته عليا كان له المثل ~~الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى ~~اثنان لأنهما PageV03P1031 @ إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر وإن لم ~~يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده يستحيل أن يكون لمن له المثل ~~الأعلى مثل أو نظير وهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال على استحالة ~~التمثيل والتشبيه فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة ونظير هذا القهر ~~المطلق مع الوحدة فإنهما متلازمان فلا يكون القهار إلا واحدا إذ لو كان معه ~~كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارا على الإطلاق وإن قهره لم يكن كفؤا وكان ~~القهار واحدا فتأمل كيف كان قوله : @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ الشورى 11 # وقوله @QB@ وله المثل الأعلى @QE@ الروم 27 # من أعظم الأدلة على ms357 ثبوت صفات كماله سبحانه فإن قلت قد فهمت هذا وعرفته ~~فما حقيقة المثل الأعلى قلت قد أشكل هذا على جماعة من المفسرين واستشكلوا ~~قول السلف فيه فإن بن عباس وغيره قالوا @QB@ مثل السوء @QE@ العذاب والنار ~~ولله المثل الأعلى ) شهادة أن لا إله إلا الله وقال قتادة هو الإخلاص ~~والتوحيد PageV03P1032 @ وقال الواحدي هذا قول المفسرين في هذه الآية ولا ~~أدري لم قيل للعذاب مثل السوء وللإخلاص المثل الأعلى قال وقال قوم المثل ~~السوء الصفة السوء من احتياجهم إلى الولد وكراهتهم للإناث خوف العيلة ~~والعار ولله المثل الأعلى الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد قال وهذا ~~قول صحيح فالمثل كثيرا ما يرد بمعنى الصفة قاله جماعة من المتقدمين وقال بن ~~كيسان مثل السوء ما ضرب الله للأصنام وعبدتها من الأمثال والمثل الأعلى نحو ~~قوله @QB@ الله نور السماوات والأرض مثل نوره @QE@ النور 35 # وقال بن جرير @QB@ وله المثل الأعلى @QE@ نحو قوله هو الأطيب والأفضل ~~والأحسن والأجمل وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره تحليل بن القيم ~~لعبارات السلف في المثل الأعلى PageV03P1033 @ # قلت المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمي ~~والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة ~~بقلوب عابديه وذاكريه فهاهنا أربعة أمور ثبوت الصفات العليا لله سبحانه في ~~نفس الأمر علمها العباد أو جهلوها وهذا معنى قول من فسره بالصفة # الثاني وجودها في العلم والتصور وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف ~~إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه ~~وهذا الذي في قلوبهم كما اختص في ذاته وهذا معنى قول من قال من المفسرين ~~أهل السماء يعظمونه ويحبونه ويعبدونه وأهل الأرض يعظمونه ويجلونه وإن أشرك ~~به من أشرك وعصاه من عصاه وجحد صفاته من جحدها فكل أهل الأرض معظمون له ~~مجلون له خاضعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته قال تعالى : @QB@ بل له ما ~~في السماوات والأرض كل له قانتون @QE@ البقرة 116 # فلست تجد أحدا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر ms358 في صدره وأكمل وأعظم من ~~كل سواه PageV03P1034 @ # الثالث ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل # الرابع محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه ~~وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى فعبارات السلف ~~تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها وقد ضرب الله سبحانه مثل السوء ~~للأصنام بأنها لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ~~ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وقال تعالى : @QB@ ضرب الله مثلا ~~عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا ~~وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون @QE@ النحل 75 @QB@ وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه ~~لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم @QE@ النحل ~~76 # فهذان مثلان ضربهما لنفسه وللأصنام فللأصنام مثل السوء وله المثل الأعلى ~~وقال تعالى @QB@ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين @QE@ ~~PageV03P1035 @ تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا لا يسستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق ~~قدره إن الله لقوي عزيز ) 73 # فهذا المثل الأعلى الذي له سبحانه # والأول مثل السوء للصنم وعابديه وقد ضرب سبحانه للمعارضين بين الوحي ~~وعقولهم مثل السوء بالكلب تارة وبالحمر تارة وبالأنعام تارة وبأهل القبور ~~تارة وبالعمي الصم تارة وغير ذلك من الأمثال السوء التي ضربها لهم ~~ولأوثانهم وأخبر عن مثله الأعلى بما ذكره من أسمائه وصفاته وأفعاله وضرب ~~لأوليائه وعابديه أحسن الأمثال ومن تدبر القرآن فهم المراد بالمثل الأعلى ~~ومثل السوء وبالله التوفيق # الوجه الثمانون بيان أن من قدم العقل على النقل فلا بد أن يعادي النصوص ~~المخالفة لعقله # إن كل من عارض بين الوحي والعقل ورد نصوص الكتاب والسنة بالرأي الذي ~~يسميه عقلا لا بد أن ينقض تلك النصوص المخالفة لعقله ويعاديها ويود أنها لم ~~تكن جاءت ms359 وإذا سمعها وجد لها على قلبه من الثقل والكراهة PageV03P1036 @ ~~بحسب حاله واشمأز لها قلبه والله يعلم ذلك من قلوبهم وهم يعلمونه أيضا حتى ~~حمل جهما الإنكار والبغض لقوله : @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # على أن قال لو أمكنني كشطها من المصحف كشطتها وحمل آخربغض قوله : @QB@ ~~وكلم الله موسى تكليما @QE@ النساء 164 # على أن حرفها وقرأها بالنصب وكلم الله موسى تكليما أي أن موسى هو الذي ~~كلم الله وخاطبه والله لم يكلمه فقال له أبو عمرو بن العلاء فكيف تصنع ~~بقوله : @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه @QE@ الأعراف 143 # فبهت المعطل وجرى بيني وبين بعض رؤساء هؤلاء مناظرة في مسألة الكلام فقال ~~نحن وسائر الأمة نقول القرآن كلام الله لا ينازع في هذه الإضافة أحد ولكن ~~PageV03P1037 @ لا يلزم منها أن يكون الله بنفسه متكلما ولا أنه يتكلم فمن ~~أين لكم ذلك فقال له بعض من كان معي من أصحابنا قد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا تكلم الله بالوحي وقالت عائشة ولشأني كان أحقر من أن يتكلم الله ~~في بوحي يتلى فرأيت الجهمي قد عبس وبسر وكلح وزوى وجهه عنه كالذي شم رائحة ~~كريهة أعرض عنها بوجهه أو ذاق طعاما كريها مرا مذاقه وهذا أمر لم يزل عليه ~~كل مبطل إذا واجهته بالحق المخالف له وصدمته به وقل من يتبصر منهم عند ~~الصدمة الأولى ولهذا قال بعض السلف ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة ~~الحديث من قلبه وقال بعض رؤساء الجهمية إما بشر المريسي أو غيره ليس شيء ~~أبغض لقولنا من القرآن فأقروا به ثم أولوه وقال بشر أيضا إذا احتجوا عليكم ~~بالقرآن فغالطوهم بالتأويل وإذا احتجوا بالأخبار فادفعوها PageV03P1038 @ ~~بالتكذيب وقال الإمام أحمد قل من نظر في الكلام إلا وفي قلبه غل على ~~الإسلام # وجاء أفضل متأخريهم فنصب على حصون الوحي أربعة مجانيق # الأول أنها أدلة لفظية لا تفيد اليقين # الثاني أنها مجازات واستعارات لا حقيقة لها # الثالث أن العقل عارضها فيجب تقديمه عليها # الرابع أنها أخبار آحاد ms360 وهذه المسائل علمية فلا يجوز أن يحتج فيها ~~بالأخبار ولهذا تجد كثيرا من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية أو إظهارها ~~وإشاعتها وقد يشترطون في أماكن يقفونها أن لا يقرأ فيها أحاديث الصفات وكان ~~بعض متأخريهم وهو أفضلهم عندهم كلف بإعدام PageV03P1039 @ كتب السنة ~~المصنفة في الصفات وكتمانها وإخفائها وبلغني عن كثير منهم أنه كان يهم ~~بالقيام والانصراف عند ختم صحيح البخاري وما فيه من التوحيد والرد على ~~الجهمية وسمع منه الطعن في محمد بن إسماعيل وما ذنب البخاري وقد بلغ ما ~~قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال آخر من هؤلاء لقد شأن البخاري ~~صحيحه بهذا الذي أتى به في آخره ومعلوم أن هذه مضادة صريحة لما يحبه الله ~~ورسوله من التبليغ عنه حيث يقول ليبلغ الشاهد الغائب # وقال بلغوا عني ولو آية وقال نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من ~~لم يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وقد ذم ~~الله في PageV03P1040 @ كتابه الذين يكتمون ما أنزله من البينات والهدى ~~وهؤلاء يختارون كتمان ما أنزل الله لأنه يخالف ما يقولونه ويعارض ما حكمت ~~به عقولهم وآراؤهم وهؤلاء الذين قال فيهم عمر إنهم أعداء السنن يوضحه # الوجه الحادي والثمانون بيان أن من أبغض شيئا من النصوص ففيه عداوة لله ~~ورسوله بحسب ذلك # أن كل من أبغض شيئا من نصوص الوحي ففيه من عداوة الله ورسوله بحسب ذلك ~~ومن أحب نصوص الوحي ففيه من ولاية الله ورسوله بحسب ذلك وأصل العداوة البغض ~~كما أن أصل الولاية الحب قال عبد الله بن مسعود لا يسأل أحدكم عن نفسه غير ~~القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ~~ومن تأمل قوله تعالى : @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ الأنعام 112 PageV03P1041 @ # وجده منطبقا على هؤلاء أتم انطباق فإنهم يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا والزخرف هو الكلام ms361 المزين كما يزين الشيء بالزخرف وهو الذهب وهو ~~الغرور لأنه يغر المستمع والشبهات المعارضة للوحي هي كلام زخرف يغر المستمع ~~: @QB@ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون @QE@ الأنعام 113 # فانظر إلى إصغاء المستجيبين لهؤلاء ورضاهم بذلك واقترافهم المترتب عليه ~~فتأمل # الوجه الثاني والثمانون بيان أن من قدم العقل على النقل فقد زعم أن ~~القرآن مجمل # وهو قوله تعالى @QB@ أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب ~~مفصلا @QE@ الأنعام 114 # وهذا يبين أن الحكم بين الناس هو الله عز وجل وحده بما أنزله من الكتاب ~~المفصل كما قال في الآية الأخرى @QB@ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله @QE@ الشورى 10 # وقال تعالى PageV03P1042 @ @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~@QE@ البقرة 213 # وقال تعالى @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله @QE@ النساء 105 # وقال @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ النساء 65 # فقوله @QB@ أفغير الله أبتغي حكما @QE@ الأنعام 114 # استفهام إنكار يقول كيف أطلب حكما غير الله وقد أنزل كتابا مفصلا فإن ~~قوله @QB@ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا @QE@ جملة في موضع الحال وقوله ~~@QB@ مفصلا @QE@ يبين أن الكتاب الحاكم مفصل بين ضد ما يصفه به من يزعم أن ~~عقول الرجال وآراءهم تعارض بعض نصوصه وإن نصوصه خيلت وأفهمت خلاف الحق ~~لمصلحة المخاطب وإن لها معان لا تفهم ولا يعلم المراد منها أو أن لها ~~تأويلات باطلة خلاف ما دلت عليه ظواهرها PageV03P1043 @ فهؤلاء كلهم ليس ~~الكتاب عندهم مفصلا بل مجمل ما دل أو لا يعلم المراد منه خلاف ظاهره أو ~~إفهام خلاف الحق ثم قال @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق فلا تكونن من الممترين @QE@ الأنعام 114 # وذلك أن الكتاب الأول مصدق للقرآن فمن نظر فيه علم علما يقينا أن هذا ~~وهذا من مشكاة ms362 واحدة لا سيما في باب التوحيد والأسماء والصفات فإن التوراة ~~مطابقة للقرآن في ذلك موافقة له وهذا يدل على أن ما في التوراة من ذلك ليس ~~هو من المبدل المحرف الذي أنكره الله عليهم بل هو من الحق الذي شهد للقرآن ~~وصدقه ولهذا لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ما في التوراة من ~~الصفات ولا عابهم به ولا جعله تشبيها وتجسيما وتمثيلا كما فعل كثير من ~~النفاة وقالوا اليهود أمة التشبيه والتجسيم ولا ذنب لهم في ذلك فإنهم فسروا ~~ما في التوراة فالذي عابهم الله به من تأويل التحريف والتبديل لم يعبهم به ~~المعطلة النفاة بل شاركوهم فيه والذي استشهد الله سبحانه على نبوة رسوله به ~~من موافقة PageV03P1044 @ ما عندهم من التوحيد والصفات عابوهم به ونسبوهم ~~فيه إلى التجسيم والتشبيه وهذا ضد ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فإنهم كانوا إذا ذكروا له شيئا من هذا الذي تسميه المعطلة تجسيما ~~وتشبيها صدقهم عليه أو أقرهم ولم ينكره كما صدقهم في خبر الحبر المتفق على ~~صحته من حديث عبد الله بن مسعود وضحك تعجبا وتصديقا له وفي غير ذلك ثم قال ~~: @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته @QE@ الأنعام 115 # فقرر أن ما أخبر به فهو صدق وما أمر به فهو عدل وهذا يبين أن ما في ~~النصوص من الخبر فهو صدق علينا أن نصدق به لا نعرض عنه ولا نعارضه ومن دفعه ~~أو عارضه بعقله لم يصدق به ولو صدقه تصديقا PageV03P1045 @ مجملا ولم يصدقه ~~تصديقا مفصلا في أعيان ما أخبر به لم يكن مؤمنا ولو أقر بلفظه مع جحد معناه ~~أو حرفه إلى معان أخر غير ما أريد به لم يكن مصدقا بل هو إلى التكذيب أقرب # الوجه الثالث والثمانون # أنه سبحانه أخبر أن كل حكم خالف حكمه الذي أنزله على رسوله فهو من أحكام ~~الهوى لا من أحكام العقل وهو من أحكام الجاهلية لا من حكم العلم والهدى ~~فقال تعالى : @QB@ وأن احكم بينهم ms363 بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم ~~أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن ~~يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون @QE@ 49 # فأخبر سبحانه وتعالى أنه ليس وراء ما أنزله إلا اتباع الهوى الذي يضل عن ~~سبيله وليس وراء حكمه إلا حكم الجاهلية وكل هذه الآراء والمعقولات المخالفة ~~لما جاء به الرسول هي من قضايا الهوى وأحكام الجاهلية وإن سماها أربابها ~~بالقواطع العقلية والبراهين اليقينية كتسمية المشركين أوثانهم وأصنامهم ~~آلهة وتسمية المنافقين السعي في الأرض بالفساد وصد القلوب عن الإيمان ~~إصلاحا وإحسانا وتوفيقا وقال تعالى PageV03P1046 @ @QB@ فإن لم يستجيبوا لك ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين @QE@ القصص 50 # وقال @QB@ ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير @QE@ البقرة 120 # وقال @QB@ ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين @QE@ البقرة 145 # وقال @QB@ فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم @QE@ الشورى 15 # وقال @QB@ ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وهم بربهم يعدلون @QE@ الأنعام 150 # وهؤلاء وإن أقروا بألفاظ الوحي فقد كذبوا بمعاني آياته وجحدوا حقائقها ~~ولهذا اتفق السلف على تسميتهم PageV03P1047 @ أهل الأهواء وأخبروا أن سبب ~~ظهورهم خفاء السنن كما قال عبد الله بن المبارك إذا خفيت السنة ظهرت ~~الأهواء وإذا قل العلم ظهر الجفاء بل أهل الأهواء أحسن حالا من المعارضين ~~للوحي بعقولهم فإنهم عند السلف إنما سموا أهل الأهواء لأنهم تأولوا النصوص ~~على تأويلات نزلوها على أهوائهم وهؤلاء عارضوا بينها وبين معقولاتهم # الوجه الرابع والثمانون بيان أن من عارض الوحي بالعقل فقد لزمه لازم من ~~خمسة لوازم # أن من عارض نصوص الوحي بالعقل لزمه لازم من خمسة لا محيد له البتة وإما ~~تكذيبها أو كتمانها وإما تحريفها وإما تخييلها وإما تجهيلها وهو ms364 نسبة ~~المصدقين لها إلى الجهل إما البسيط وإما المركب وفساد اللازم يدل على فساد ~~الملزوم # وبيان الملازمة أنه إذا اعتقد أن العقل يخالف ظاهرها فقد اعتقد أن ظاهرها ~~باطل ومحال فإما أن يقر بلفظها وأن الرسول جاء به أو لا فإن لم يقر بذلك ~~فهو مكذب وإن أقر بألفاظها فإما أن يقر بأنه أراد معانيها وحقائقها أم لا ~~فإن أقر بذلك لزمه اعتقاد التخييل فيها والخطاب الجمهوري وإن لم يقر بأنه ~~أراد حقائقها وما دلت عليه فإما أن يقول إنه أراد خلاف ظواهرها وحقائقها أو ~~لا فإن قال أراد خلاف حقائقها وظواهرها لزمه التحريف والتأويل PageV03P1048 ~~@ الباطل وإن قال لم يرد ذلك فإما أن يقول لم يرد بها معنى أصلا بل هي ~~بمنزلة الألفاظ المهملة التي لا معنى لها أو يقول أراد بها معنى لا يفهمه ~~ولا يعرفه وهذا هو التجهيل وقد ذهب إلى كل تقدير من هذه التقادير طائفة من ~~الناس وقد ذم الله سبحانه الجميع قال تعالى : @QB@ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم ~~بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أو لا يعلمون أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم ~~إلا يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون @QE@ ~~- 75 # فذم سبحانه وتعالى المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا ~~مجرد التلاوة وهي الأماني والذين يكتبون فيكتبون الباطل ويقولون هذا حق وهو ~~من عند الله وذم في عدة مواضع الذين يكتمون ما أنزله من الكتاب والبينات ~~والهدى وهذه الأنواع الأربعة المذمومة موجودة في هؤلاء المعرضين عن نصوص ~~الوحي المعارضين لها بآرائهم PageV03P1049 @ وعقولهم وأهوائهم فإنهم تارة ~~يكتمون الأحاديث والآيات المخالفة لأقوالهم ومنهم طوائف تضع ms365 أحاديث على وفق ~~مذاهبهم وأهوائهم في الأصول والفروع ويقولون هذا من عند الله وتارة يضعون ~~كتبا بآرائهم وعقولهم وأذواقهم وخيالاتهم ويدعون أنها الدين الذي يجب ~~اتباعه ويقدمونها على نصوص الوحي # وأما تحريفهم للنصوص بأنواع التأويلات الفاسدة التي يحرفون بها الكلم عن ~~مواضعه فأكثر وأشهر من أن تذكر كتأويلات القرامطة والباطنية والفلاسفة ~~والرافضة والجهمية والقدرية # وأما التخييل فكثير منهم يصرحون بأن الرسل قصدت من النصوص إفهام خلاف ~~الحق للمصلحة الجمهورية # وأما التجهيل فكثير منهم يصرحون بأن هذه النصوص لا معنى لها وإنما هي ~~ألفاظ مجردة ومن أحسن منهم وأجمل يقول لها معان استأثر الله بعلمها ولم ~~يجعل لنا سبيلا إلى العلم بها وأكثر هذه الطوائف لا يعرف الحديث ~~PageV03P1050 @ ولا يسمعه وكثير منهم لا يصدق به إذا سمعه ثم إذا صدقوا به ~~فإن تحريفهم له وإعراضهم عن معانيه أعظم من تحريف القرآن والإعراض عنه ~~ولهذا يقر بعض هؤلاء بما في القرآن من الصفات دون ما في الحديث وحده # الوجه الخامس والثمانون # إن المعارضين للوحي ب آرائهم خمس طوائف : # طائفة عارضته بعقولهم في الخبريات وقدمت عليه العقل فقالوا لأصحاب الوحي ~~لنا العقل ولكم النقل # وطائفة عارضته بآرائهم وقياساتهم فقالوا لأهل الحديث لكم الحديث ولنا ~~الرأي والقياس # وطائفة عارضته بحقائقهم وأذواقهم وقالوا لكم الشريعة ولنا الحقيقة # وطائفة عارضته بسياساتهم وتدبيرهم فقالوا أنتم أصحاب الشريعة ونحن أصحاب ~~السياسة # وطائفة عارضته بالتأويل الباطن فقالوا أنتم أصحاب الظاهر ونحن أصحاب ~~الباطن # ثم إن كل طائفة من هذه الطوائف لا ضابط لما تأتي به من ذلك بل ما تأتي به ~~تبع لأهوائها كما قال تعالى PageV03P1051 @ @QB@ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم ~~أنما يتبعون أهواءهم @QE@ القصص 50 # وقال @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم @QE@ المائدة ~~49 # فما هو إلا الهوى أو الوحي كما قال تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى @QE@ 3 # فجعل النطق نوعين نطقا عن الوحي ونطقا عن الهوى ثم إذا رد على كل من ~~هؤلاء باطله رجع إلى طاغوته وقال في ms366 العقل مالا يقتضيه النقل وقال الآخر في ~~الرأي والقياس مالا يجيزه الحديث وقال الآخر في الذوق والحقيقة مالا تسوغه ~~الشريعة وقال الآخر في السياسة ما تمنع منه الشريعة وقال الآخر في الباطن ~~ما يكذبه الظاهر فباطل هؤلاء كلهم لا ضابط له بخلاف الوحي فإنه أمر مضبوط ~~مطابق لما عليه الأمر في نفسه تلقاه الصادق المصدوق من لدن حكيم عليم # الوجه السادس والثمانون بيان أن الصحابة لم يعارضوا الوحي بعقولهم وإنما ~~كان ذلك فعل الكفار # أن الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص فيه فيوردون إشكالاتهم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيجيبهم عنها وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي ~~PageV03P1052 @ يوهم ظاهرها التعارض ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولا ~~يعارض النص البتة ولا عرف فيهم أحد وهم أكمل الأمم عقولا عارض نصا بعقله ~~يوما من الدهر وإنما حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار كما تقدم وثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من نوقش الحساب عذب فقالت ~~عائشة يا رسول الله أليس الله يقول : @QB@ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف ~~يحاسب حسابا يسيرا @QE@ 7 # فقال بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب فأشكل عليها الجمع بين ~~النصين حتى بين لها صلوات الله وسلامه عليه أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب ~~اليسير هو العرض الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله كما قال تعالى ~~: @QB@ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية @QE@ الحاقة 18 # حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه ~~الحساب عذبه ولا بد ولما قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة قالت له ~~حفصة أليس الله يقول PageV03P1053 @ @QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ مريم 71 # قال ألم تسمعي قوله تعالى @QB@ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا @QE@ مريم 72 # فأشكل عليها الجمع بين النصين وظنت الورود دخولها كما يقال ورد المدينة ~~إذا دخلها فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن ورود المتقين غير ورود ~~الظالمين فإن PageV03P1054 @ المتقين ms367 يردونها ورودا ينجون به من عذابها ~~والظالمين يردونها ورودا يصيرون جثيا فيها به فليس الورود كالورود وقال عمر ~~يوم الحديبية ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به فقال هل قلت لك إنك ~~تدخله العام قال لا قال فإنك آتيه ومطوف به فأشكل على عمر رجوعهم عام ~~الحديبية ولم يدخلوا المسجد الحرام ولا طافوا بالبيت وظن أن الدخول والطواف ~~الذي بشرهم به ووعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك العام فبين له أن ~~اللفظ مطلق لا دليل فيه على ذلك العام بعينه فتنزيله على ذلك العام غلط ~~فرجع عمر وعلم أنه غلط في فهمه ولما أنزل الله عز وجل : @QB@ ليس بأمانيكم ~~ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به @QE@ النساء 123 # قال أبو بكر الصديق يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا ~~فقال يا أبا بكر ألست PageV03P1055 @ تنصب ألست تحزن أليست تصيبك اللأواء ~~قال بلى قال فذلك مما تجزون به فأشكل على الصديق أمر النجاة مع هذه الآية ~~وظن أن الجزاء في الآخرة ولا بد فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن جزاءه ~~وجزاء المؤمنين بما يعملونه من السوء في الدنيا بما يصيبهم من النصب والحزن ~~والمشقة واللأواء فيكون ذلك كفارة لسيئاتهم ولا يعاقبون عليها في الآخرة ~~وهذا مثل قوله : @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم @QE@ الشورى 30 # ومثل قوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~@QE@ النساء 79 PageV03P1056 @ # وقوله @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من ~~عند أنفسكم @QE@ آل عمران 165 # وإن كان قوله @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ النساء 123 # أعم لأنه يتناول الجزاء في الدنيا والآخرة ولما نزل قوله تعالى @QB@ ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ ~~الأنعام 82 # قال الصحابة وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم قال ذلك الشرك ألم ~~تسمعوا قول العبد الصالح @QB@ إن الشرك لظلم عظيم @QE@ لقمان 13 # فلما أشكل عليهم المراد ms368 بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه وأن من ظلم ~~نفسه أي ظلم كان لا يكون آمنا أجابهم صلوات الله وسلامه عليه بأن الظلم ~~الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك وهذا والله الجواب الذي يشفي ~~العليل ويروي الغليل فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة ~~في غير موضعها PageV03P1057 @ والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا ~~والآخرة والهدى إلى الصراط المستقيم فالظلم المطلق التام مانع من الأمن ~~والهدى المطلق ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعا من مطلق الأمن ومطلق ~~الهدى فتأمله # فالمطلق للمطلق والحصة للحصة ولما أنزل الله سبحانه قوله @QB@ لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ البقرة 284 # أشكل ذلك على بعض الصحابة وظنوا أن ذلك من تكليفهم مالا يطيقونه فأمرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يقابلوا النص بالقبول لا بالعصيان فبين الله ~~سبحانه وتعالى بعد ذلك أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وأنه لا يؤاخذهم بما ~~نسوه وأخطأوا فيه وأنه لا يحمل عليهم إصرا كما حمله على الذين من قبلهم ~~وأنه لا يحملهم مالا طاقة لهم به وأنهم إن قصروا في بعض ما أمروا به أو ~~نهوا عنه ثم استعفوه واستغفروه عفى عنهم وغفر لهم ورحمهم فانظر ماذا أعطاهم ~~الله لما قابلوا خبره بالرضا PageV03P1058 @ والتسليم والقبول والانقياد ~~دون المعارضة والرد ومن ذلك أن عائشة لما سمعت قوله صلى الله عليه وسلم إن ~~الميت يعذب ببكاء أهله عليه عارضته بقوله تعالى : @QB@ ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى @QE@ الأنعام 164 # ولم تعارضه بالعقل بل غلطت الراوي والصواب عدم المعارضة وتصويب الرواة ~~فإنهم ممن لا يتهم وهم عمر وابنه والمغيرة بن شعبة وغيرهم والعذاب الحاصل ~~للميت ببكاء أهله عليه وهو تألمه وتأذيه ببكائهم عليه والوزر المنفي حمل ~~غير صاحبه له هو عقوبة البريء وأخذه بجريمة غيره وهذا لا ينفي تأذي البريء ~~السليم بمصيبة غيره فالقوم لم يكونوا يعارضون النصوص بعقولهم ms369 وآرائهم وإن ~~كانوا يطلبون الجمع بين نصين يوهم ظاهرهما التعارض ولهذا لما عارض بلال بن ~~عبد الله قوله PageV03P1059 @ صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا إماء الله ~~مساجد الله برأيه وعقله وقال والله لنمنعهن أقبل عليه أبوه عبد الله فسبه ~~سبا ما سبه مثله وقال أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول والله ~~لنمنعهن ولما حدث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله إن ~~الحياء خير كله فعارضه معارض بقوله إن منه وقارا ومنه ضعفا فاشتد غضب عمران ~~بن حصين وقال أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول منه كذا ومنه ~~كذا وظن أن المعارض زنديق PageV03P1060 @ فقيل له يا عبد الله لا بأس به ~~ولما حدث عبادة بن الصامت بقول النبي صلى الله عليه وسلم الفضة بالفضة ربا ~~إلا هاء وهاء الحديث قال معاوية ما أرى بهذا بأسا يعني بيع آنية الفضة ~~بالفضة متفاضلا غضب عبادة وقال تراني أقول قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتقول ما أرى بهذا بأسا لا أساكنك بأرض أنت بها أبدا ومعاوية لم يعارض ~~النص بالرأي وكان أتقى لله من ذلك وإنما خصص عمومه وقيد مطلقه بهذه الصورة ~~وما شابهها ورأى أن التفاضل في مقابل أثر الصنعة لم يدخل في الحديث وهذا ~~مما يسوغ فيه الاجتهاد وإنما أنكر عليه عبادة مقابلته لما رواه بهذا الرأي ~~ولو قال له نعم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرأس والعين ولا ~~يجوز مخالفته بوجه ولكن هذه الصورة لا تدخل في لفظه فإنه إنما قال الفضة ~~بالفضة مثلا بمثل وزنا بوزن وهذه الزيادة ليست في مقابلة الفضة وإنما هي في ~~مقابلة الصنعة ولا تذهب الصنعة هدرا لما أنكر عليه عبادة فإن هذا من تمام ~~فهم النصوص وبيان ما أريد بها كما أنه هو PageV03P1061 @ ومعاذ بن جبل ~~وغيرهما من الصحابة لما ورثوا المسلم من الكافر ولم يورثوا الكافر من ~~المسلم لم يعارضوا قوله لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم بآرائهم ms370 ~~وعقولهم بل قيدوا مطلق هذا اللفظ أو خصوا عمومه وظنوا أن المراد به الحربي ~~كما فعل ذلك بعض الفقهاء بقوله لا يقتل مسلم بكافر حيث حملوه على الحربي ~~دون الذمي والمعاهد والصحابة في ذلك التقييد والتخصيص أعذر من هؤلاء من ~~وجوه كثيرة ليس هذا موضعها وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء ~~الرجال ولا يقرون المعارض على ذلك وكان PageV03P1062 @ عبد الله بن عباس ~~يحتج في مسألة متعة الحج بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره لأصحابه ~~بها فيقولون له إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا فلما أكثروا عليه ~~قال يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال رسول الله وتقولون ~~قال أبو بكر وعمر فرحم الله بن عباس كيف لو رأى أقواما يعارضون قول الله ~~ورسوله بقول أرسطو وأفلاطون وبن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي ~~وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم # ولقد سئل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له إن أباك نهى ~~عنها فقال إن أبي لم يرد ما تقولون فلما أكثروا عليه قال أفرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحق أن تتبعوا أم عمر ولما حدث حماد عن ثابت عن أنس ~~PageV03P1063 @ عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله @QB@ فلما تجلى ~~ربه للجبل @QE@ الأعراف 143 # قال وضع إصبعه على طرف خنصره فساخ الجبل أنكر عليه بعض الحاضرين وقال ~~أتحدث بهذا فضرب حماد في صدره وقال أحدثك عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتقول أتحدث بهذا وهذا PageV03P1064 @ كثير جدا لا يتسع له هذا ~~الموضع فكانت نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورهم وأعظم في ~~قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحد من الناس كائنا من كان ولا يثبت قدم ~~الإيمان إلا على ذلك وفتح باب هذه المعارضة الباطلة سد لباب الإيمان والله ~~المستعان # الوجه السابع والثمانون بيان أن تقديم العقل يؤدي إلى عدم الاحتجاج ~~بالقرآن والسنة # إن حقيقة قول المعارضين بين النصوص ms371 الإلهية النبوية وآراء الرجال وتقديم ~~الآراء عليها أن لا يحتج بالقرآن والسنة على شيء من المسائل العلمية بل ولا ~~يستفاد التصديق الجازم بشيء من أخبار الله ورسوله البتة فإذا جاز أن يكون ~~فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل ويجب ~~تقديم العقل عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل ~~ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل فالإنسان لا يخلو من حالين ~~PageV03P1065 @ # فإنه إذا سمع النصوص التي أخبر الله ورسوله فيها عما لا يدركه عقله فإما ~~أن يقدر أن له رأيا مخالفا للنص أو ليس له رأي يخالفه فإن كان عنده معقول ~~بزعمه يناقض خبر الله ورسوله قدم معقوله وألقى خبر الله ورسوله وحينئذ فكل ~~من اقتضى عقله مناقضة خبر من أخبار الله ورسوله قدم عقله ولم يستفد بخبر ~~الرسول العلم بثبوت مخبره ولم يستفد منه فائدة علمية بل غايته أن يستفيد ~~إتعاب قلبه وإعمال فكره فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل ~~عليها الخطاب ليصرف دلالة الخطاب إليها ومعلوم أن المقصود من الخطاب ~~الإفهام وهذا لم يستفد من الخطاب الإفهام ولا الصواب فإن الحق إنما استفاده ~~من عقله والمعنى الذي دل عليه الخطاب الدلالة المألوفة لم يقصد بالخطاب ~~إفهامه والمعنى البعيد الذي صرف اللفظ إليه وحمله عليه وهو عالم بثبوته ~~بدون الخطاب فلم يكن في خطاب الله ورسوله عند هؤلاء فائدة علمية البتة ولقد ~~صرحوا بهذا وقالوا المقصود تعريض متأوليه للثواب ومضمون هذا أن نصوص الوحي ~~إنما أفادت تضليل الإنسان وإتعاب الأذهان والتفريق بين أهل الإيمان وإلقاء ~~العداوة بينهم والشنآن وتمكين أهل الإلحاد من الطعن في القرآن والإيمان ~~PageV03P1066 @ هذا إن كان في عقله معارض لخبر الله ورسوله وإن لم يكن عنده ~~معقول يعارض النصوص لم يجزم بأنه ليس في عقول جميع الناس ما يعارض ذلك ~~الخبر وعدم العلم بالمعارض لا يستلزم العلم بعدمه فهو يجوز أن يكون ثم ~~معارض ولا علم له به وهذا يمنع الجزم بالتصديق قطعا ms372 كما تقدم التنبيه عليه ~~فظهر أن هذه الطريقة تمنع التصديق الجازم فيما أخبر به الرسول من الغيب ~~وتحول بين القلب وبين الإيمان # وسر المسألة أنه متى جوز أن يكون في العقل ما يناقض خبر الله ورسوله ~~امتنع منه الإيمان الجازم # والإيمان اليقيني الجازم وهذا التجويز لا يجتمعان أبدا يوضحه # الوجه الثامن والثمانون بيان # أن المعقولات ليس لها ضابط يحصرها أن المعقولات ليس لها ضابط يضبطها ولا ~~هي منحصرة في نوع معين فإنه ما من أمة من الأمم إلا ولهم عقليات يختصون بها ~~فللفرس عقليات وللهند عقليات ولليونان عقليات وللمجوس عقليات وللصابئة ~~عقليات بل كل طائفة من هذه الطوائف ليسوا متفقين على العقليات بل بينهم ~~فيها من الاختلاف والتباين ما هو معروف عند المعتنين به ونحن نعفيكم من ~~المعقولات PageV03P1067 @ واضطرابها ونحاكمكم إلى المعقولات التي في هذه ~~الأمة فإنه ما من مدة من المدد وإلا وقد ابتدعت فيها بدع يزعم أربابها أن ~~العقل دل عليها ونحن نسوق لك الأمر من أوله إلى أن يصل إليك بعون الله وحسن ~~توفيقه فنقول لما أظلمت الأرض وبعد عهد أهلها بنور الوحي وتفرقوا في الباطل ~~فرقا وأحزابا لا يجمعهم جامع ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم فإنهم فقدوا نور ~~النبوة ورجعوا إلى مجرد العقول فكانوا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروي عن ربه أنه قال إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين ~~فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ~~أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا ~~من أهل الكتاب فكان أهل العقول كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم ~~يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان أو الصلبان أو ~~النيران أو الكواكب والشمس والقمر أو الحيرة والشك أو السحر أو تعطيل ~~الصانع والكفر به فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه لهم وإعراضه عنهم فأطلع ~~الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجا منيرا وأنعم بها على أهل الأرض في ms373 ~~عقولهم وقلوبهم PageV03P1068 @ ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكورا ~~فأبصروا بنور الوحي مالم يكونوا بعقولهم يبصرونه ورأوا في ضوء الرسالة ما ~~لم يكونوا بآرائهم يرونه فكانوا كما قال الله تعالى : @QB@ الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور @QE@ البقرة 257 # وقال @QB@ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد @QE@ إبراهيم 1 # وقال @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ الشورى 52 # وقال @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ الأنعام 122 # فمضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ولم تلتبس به ~~ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم وأن لا ~~يخرجوا عن طريقهم فلما كان في أواخر عصرهم حدثت PageV03P1069 @ الشيعة ~~والخوارج والقدرية والمرجئة فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة ومع ~~هذا فلم يفارقوه بالكلية بل كانوا للنصوص معظمين وبها مستدلين ولها على ~~العقول والآراء مقدمين ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص وإنما ~~أتوا من سوء الفهم فيها والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم ورأوا ~~أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم فصاح بهم من أدركهم من الصحابة ~~وكبار التابعين من كل قطر ورموهم بالعظائم وتبرأوا منهم وحذروا من سبيلهم ~~أشد التحذير ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم وكلامهم فيهم معروف في كتب ~~السنة وهو أكثر من أن يذكر ها هنا فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين ~~كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي ومع هذا كانوا قليلين أولا مقموعين ~~مذمومين عند الأئمة وأولهم PageV03P1070 @ شيخهم الجعد بن درهم وإنما نفق ~~عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى ~~مروان الجعدي وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ~~ومزقهم ms374 كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة فلما اشتهر أمره في المسلمين طلبه ~~خالد بن عبد الله القسري وكان أميرا على العراق حتى ظفر به فخطب الناس في ~~يوم الأضحى وكان آخر ما قال في خطبته أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ~~فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ ~~إبراهيم خليلا تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل ~~المنبر فكان ضحية PageV03P1071 @ ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي ~~بها والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ~~موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليما وتجلى ~~للجبل فجعله دكا هشيما إلى أن جاء أول المائة الثالثة وولي على الناس عبد ~~الله المأمون وكان يحب أنواع العلوم وكان مجلسه عامرا بأنواع المتكلمين في ~~العلوم فغلب عليه حب المعقولات فأمر بتعريب كتب يونان وأقدم لها المترجمين ~~من البلاد فعربت له واشتغل بها الناس والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه فغلب ~~على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتبعهم بالحبس ~~والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها واستحسنها ودعا الناس إليها ~~وعاقبهم عليها فلم تطل مدته فصار الأمر بعده إلى المعتصم وهو الذي ضرب ~~الإمام أحمد بن حنبل فقام بالدعوة بعده والجهمية تصوب فعله وتدعوه إليه ~~وتخبره أن ذلك هو تنزيه الرب عن التشبيه والتمثيل والتجسيم وهم الذين قد ~~غلبوا على قربه ومجلسه والقضاة والولاة منهم فإنهم تبع لملوكهم ومع هذا فلم ~~يكونوا يتجاسرون PageV03P1072 @ على إلغاء النصوص وتقديم الآراء والعقول ~~عليها فإن الإسلام كان في ظهور وقوة وسوق الحديث نافقة ورؤوس السنة على ظهر ~~الأرض ولكن كانوا على ذلك يحومون وحوله يدندنون وأخذوا الناس بالرغبة ~~والرهبة فمن بين أعمى مستجيب ومن بين مكره مقيد نفسه منهم بإعطاء ما سألوه ~~وقلبه مطمئن بالإيمان وثبت الله أقواما جعل قلوبهم في نصر دينه أقوى من ~~الصخر وأشد من ms375 الحديد وأقامهم لنصر دينه وجعلهم أئمة يقتدي بهم المؤمنون ~~لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون فإنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ~~قال الله تعالى : @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون @QE@ السجدة 24 # فصبروا من الجهمية على الأذى الشديد ولم يتركوا سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما أرغبوهم به من الوعد وما تهددوهم به من الوعيد ثم أطفأ الله ~~برحمته تلك الفتنة وأخمد تلك الكلمة ونصر السنة نصرا عزيزا وفتح لأهلها ~~فتحا مبينا حتى خرج بها على رؤوس المنابر ودعي إليها في كل باد وحاضر وصنف ~~ذلك الزمان في PageV03P1073 @ السنة مالا يحصيه إلا الله ثم انقضى ذلك ~~العصر وأهله وقام بعدهم ذريتهم يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله على بصيرة ~~إلى أن جاء ما لا قبل لأحد به وهم جنود إبليس حقا المعارضون لما جاءت به ~~الرسل بعقولهم وآرائهم من القرامطة والباطنية والملاحدة ودعوتهم إلى العقل ~~المجرد وأن أمور الرسل تعارض المعقول فهم القائمون بهذه الطريقة حق القيام ~~بالقول والفعل فجرى على الإسلام وأهله منهم ما جرى وكسروا عسكر الخليفة ~~مرارا عديدة وقتلوا الحاج قتلا ذريعا وانتهوا إلى مكة فقتلوا بها من وصل من ~~الحاج إليها وقلعوا الحجر الأسود من مكانه وقويت شوكتهم واستفحل أمرهم ~~وعظمت بهم الرزية واشتدت بهم البلية وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد ~~عارضه العقل وإذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل قالوا فنحن أنصار العقل ~~الداعون إليه المخاصمون به المحاكمون إليه وفي زمانهم استولى الكفار على ~~كثير من بلاد الإسلام في الشرق والغرب وكاد الإسلام أن ينهد ركنه لولا دفاع ~~الذي ضمن حفظه إلى أن يرث الأرض ومن عليها ثم خمدت دعوة هؤلاء في ~~PageV03P1074 @ المشرق وظهرت من المغرب قليلا قليلا حتى استفحلت وتمكنت ~~واستولى أهلها على كثير من بلاد المغرب ثم أخذوا يطوون البلاد حتى وصلوا ~~إلى بلاد مصر فملكوها وبنوا بها القاهرة وأقاموا على هذه الدعوة مصرحين بها ~~غير متحاشين منها هم وولاتهم وقضاتهم وأتباعهم وفي زمانهم صنفت ms376 رسائل إخوان ~~الصفا والإشارات والشفا وكتب بن سينا فإنه قال كان أبي من أهل الدعوة ~~الحاكمية وعطلت في زمانهم السنة وكتبها والآثار جملة إلا في الخفية بحيث ~~يكون قارؤها وذاكرها وكاتبها على أعظم خطر وشعار هذه الدعوة تقديم العقل ~~على الوحي واستولوا على بلاد المغرب ومصر والشام والحجاز واستولوا على ~~العراق سنة وأهل السنة فيهم كأهل الذمة بين المسلمين بل كان لأهل الذمة من ~~الأمان والجاه والعز عندهم مالا يصل إليه أحد من أهل السنة ولا يطمع فيه ~~فكم أغمدت سيوفهم في أعناق العلماء وكم مات في PageV03P1075 @ سجونهم من ~~ورثة الأنبياء وكم ماتت بهم سنة وقامت بهم بدعة وضلالة حتى استنقذ الله ~~الأمة والملة من أيديهم في أيام نور الدين وبن أخيه صلاح الدين فأبل ~~الإسلام من علته بعد ما وطن المسلمون أنفسهم على العراء وانتعش بعد طول ~~الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء وأبدر هلاله بعد أن دخل في المحاق ~~وثابت إليه روحه بعد ما بلغت التراقي وقيل من راق واستنقذ الله سبحانه ~~بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب وأخذ كل من أنصار الله ورسوله ~~من نصرة دينه بنصيب وعلت كلمة الإسلام والسنة وأذن بها على رؤوس ~~PageV03P1076 @ الأشهاد ونادى المنادي يا أنصار الله لا تنكلوا عن الجهاد ~~فإنه أبلغ الزاد ليوم المعاد فعاش الناس في ذلك النور مدة حتى استولت ~~الظلمة على بلاد الشرق وطغى نور النبوة والوحي وقدموا العقول والآراء ~~والسياسة والأذواق والرأي على الوحي فظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها ~~فبعث الله عليهم عبادا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وعاثوا في ~~القرى والأمصار وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رسمه وكان مشار هذه ~~الفرقة وعالمها الذي يرجعون إليه زعيمها الذي يعولون عليه شيخ شيوخ ~~المعارضين بين الوحي والعقل وإمامهم في وقته نصير الكفر والشرك الطوسي فلم ~~يعلم في عصره أحد عارض بين العقل والنقل معارضته فرام إبطال السمع بالكلية ~~وإقامة الدعوة الفلسفية وجعل الإشارات بدلا عن السور والآيات وقال هذه ~~عقليات قطعية برهانية قد ms377 عارضت تلك النقليات الخطابية واستعرض علماء ~~الإسلام وأهل القرآن والسنة على السيف فلم يبق منهم إلا من أعجزه قصدا ~~لإبطال الدعوة الإسلامية وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للنجسة السحرة ~~والمنجمين والفلاسفة PageV03P1077 @ والملاحدة والمنطقيين ورام إبطال ~~الآذان وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي فحال بينه وبين ذلك من تكفل بحفظ ~~الإسلام ونصره وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل وتقديم العقل ~~على السمع ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك على ذكر كل وقت فإنه أول من عارض ~~بين العقل والنقل وقدم العقل فكان من أمره ما قص الله عليك وورث هذا الشيخ ~~تلامذته هذه المعارضة فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل محنة ~~وبلية وأصل كل بلية في العالم كما قال محمد الشهرستاني من معارضة النص ~~بالرأي وتقديم الهوى على الشرع والناس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة وشؤم ~~عاقبتها فإلى الله المشتكى وبه المستعان ثم إنه خرج مع هذا الشيخ المتأخر ~~المعارض بين العقل والنقل أشياء لم تكن تعرف قبله جست العميدي وحقائق بن ~~PageV03P1078 @ عربي وتشكيكات الرازي وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم ~~أعداءالرسل التي فرحوا بها لما جاءتهم رسلهم بالبينات وصارت الدولة والدعوة ~~لأرباب هذه العلوم ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه وأقام جندا ~~تغزوا ملوك هؤلاء بالسيف والسنان وجندا تغزوا علماءهم بالحجة والبرهان ثم ~~نبغت نابغة منهم في رأس القرن الثامن فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا ~~العباس بن تيمية قدس الله روحه فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب ~~واللسان وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم وقابلهم بصريح المعقول ~~وصحيح المنقول وشفى واشتفى وبين مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به ~~يدلون وإليه يدعون وإنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه فلا وحي PageV03P1079 ~~@ ولا عقل فأرداهم في حفرهم ورشقهم بسهامهم وبين أن صحيح معقولاتهم خدم ~~لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه فمن نصح ~~نفسه ورغب عن قوله : @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ~~@QE@ الزخرف 23 # يتبين له حقيقة الأمر @QB@ ومن لم ms378 يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ ~~النور 40 # والمقصود أن كل بلية طرقت العالم عامة أو خاصة فأصلها من معارضة الوحي ~~بالعقل وتقديم الهوى على الأمر والمعصوم من عصمه الله # الوجه التاسع والثمانون بيان ثبوت صفات الكمال لله بالعقل والنقل # إنه قد ثبت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ثبوت صفات الكمال للرب سبحانه ~~وأنه أحق بالكمال من كل ما سواه وأنه يجب أن تكون القوة كلها له والعزة ~~كلها له والعلم كله له والقدرة كلها له والجمال كله له وكذلك سائر صفات ~~الكمال وقام البرهان السمعي والعقلي على أنه يمتنع أن يشترك في الكمال ~~التام اثنان وأن الكمال التام لا يكون إلا لواحد وهاتان مقدمتان يقينتان ~~معلومتان بصريح العقل وجاءت نصوص الأنبياء مفصلة لما في صريح PageV03P1080 ~~@ العقل إدراكه قطعا فاتفق على ذلك العقل والنقل قال تعالى : @QB@ ولو يرى ~~الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا @QE@ البقرة 165 # وقد اختلف في تعلق قوله @QB@ أن القوة لله جميعا @QE@ بماذا فقالت طائفة ~~هو مفعول يرى أي ولو يرون أن القوة لله جميعا لما عصوه ولما كذبوا رسله ~~وقدموا عقولهم على وحيه وقالت طائفة بل المعنى لأن القوة لله جميعا وجواب ~~لو محذوف على التقديرين أي لو يرى هؤلاء حالهم وما أعد الله لهم إذ يرون ~~العذاب لرأوا أمرا عظيما ثم قال @QB@ أن القوة لله جميعا @QE@ وهو متضمن ~~للتهديد الشديد والوعيد وقال تعالى : @QB@ بل لله الأمر جميعا @QE@ الرعد ~~31 # وقال @QB@ إن الأمر كله لله @QE@ آل عمران 154 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح لبيك وسعديك والخير كله ~~بيديك وفي الأثر الآخر اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله ~~PageV03P1081 @ وإليك يرجع الأمر كله فلله سبحانه كل صفة كمال وهو موصوف ~~بتلك الصفات كلها ونذكر من ذلك صفة واحدة تعتبر بها سائر الصفات وهو أنك لو ~~فرضت جمال الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمع لشخص واحد منهم ثم كان ~~الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص لكان ms379 نسبته إلى جمال الرب تبارك وتعالى دون ~~نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس وكذلك قوته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه ~~وقدرته ورحمته وحكمته وجوده وسائر صفاته وهذا مما دلت عليه آياته الكونية ~~السمعية وأخبرت به رسله عنه كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم إن الله ~~لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل ~~النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما ~~انتهى إليه بصره من خلقه فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من ~~خلقه ولو كشف حجاب النور عن تلك السبحات PageV03P1082 @ لاحترق العالم ~~العلوي والسفلي فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله ~~وجلاله وإذا كانت السماوات مع عظمتها وسعتها يجعلها على أصبع من أصابعه ~~والأرض على أصبع والجبال على أصبع والبحار على أصبع فما الظن باليد الكريمة ~~التي هي صفة من صفات ذاته وإذا كان يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على ~~تفنن الحاجات في أقطار الأرض والسموات فلا يشتبه عليه ولا يختلط ولا يلتبس ~~ولا يغلطه سمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء تحت أطباق الأرض ~~في الليلة الظلماء ويعلم ما تسره القلوب وأخفى منه وهو مالم يخطر لها أنه ~~سبحانه سيخطر لها ولو كان البحر المحيط بالعالم مدادا ويحيط به من بعده ~~سبعة أبحر كلها مداد وجميع أشجار الأرض وهو كل نبت قام على ساق مما يحصد ~~ومما لا يحصد أقلام يكتب بها نفدت البحار والأقلام ولم ينفد كلامه وهذا ~~وغيره بعض ما تعرف به إلى عباده من كلامه وإلا فلا يمكن أحدا قط أن يحصي ~~ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه فكل الثناء وكل الحمد وكل المجد وكل ~~الكمال له سبحانه هذا الذي وصلت إليه عقول أهل الإثبات وتلقوه عن الرسول ~~ولا يحتاجون في ثبوت علمهم وجزمهم بذلك إلى الجواب عن الشبه القادحة في ذلك ~~وإذا وردت عليهم لم تقدح PageV03P1083 @ فيما علموه وعرفوه ضرورة من كون ms380 ~~ربهم تبارك وتعالى كذلك وفوق ذلك فلو قال لهم قائل هذا الذي علمتموه لا ~~يثبت إلا بجواب عما عارضه من العقليات قالوا لقائل هذه المقالة هذا كذب ~~وبهت فإن الأمور الحسية والعقلية واليقينية قد وقع فيها شبهات كثيرة تعارض ~~ما علم بالحس والعقل فلو توقف علمنا بذلك على الجواب عنها وحلها لم يثبت ~~لها ولا لأحد علم بشيء من الأشياء ولا نهاية لما تقذف به النفوس من الشبه ~~وهي من جنس الوساوس والخطرات والخيالات التي لا تزال تحدث في النفوس شيئا ~~فشيئا بل إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما يناقض ثبوته ولم يكن ما ~~يقدر من الشبه الخيالية على نقيضه مانعا من جزمنا به ولو كانت الشبه ما ~~كانت فما من موجود يدركه الحس إلا ويمكن كثيرا من الناس أن يقيم على عدمه ~~شبها كثيرة يعجز السامع عن حلها ولو شئنا لذكرنا لك طرفا منها تعلم أنه ~~أقوى من شبه الجهمية النفاة لعلو الرب على خلقه وكلامه وصفاته وقد رأيت أو ~~سمعت ما أقامه كثير من المتكلمين من الشبه على أن الإنسان تبدل نفسه ~~الناطقة في الساعة الواحدة أكثر من ألف وكل لحظة تذهب روحه وتفارق وتحدث له ~~روح أخرى غيرها وهكذا أبدا وما أقاموه من الشبه على أن السماوات والأرض ~~والجبال والبحار تتبدل كل لحظة ويخلفها غيرها وما أقاموه من الشبه على أن ~~روح PageV03P1084 @ الإنسان ليست فيه ولا خارجة عنه وزعموا أن هذا أصح ~~المذاهب في الروح وما أقاموه من الشبه على أن الإنسان إذا انتقل من مكان ~~إلى مكان لم يمر على تلك الأجزاء التي بين مبدأ حركته ونهايتها ولا قطعها ~~ولا حاذاها وهي مسألة طفرة النظام وأضعاف أضعاف ذلك وهؤلاء طائفة الملاحدة ~~من الاتحادية كلهم يقول إن ذات الخالق هي عين ذات المخلوق لا فرق بينهما ~~البتة وأن الاثنين واحد وإنما الحس والوهم يغلط في التعدد ويقيمون على ذلك ~~شبها كثيرة وقد نظمها بن الفارض في قصيدته PageV03P1085 @ وذكرها صاحب ~~الفتوحات في فصوصه وغيرهما وهذه الشبهة كلها ms381 من واد واحد ومشكاة واحدة ~~وخزانة واحدة وهي مشكاة الوساوس وخزانة الخيال فلو لم يجزم بما علمناه إلا ~~بعد التعرض لتلك الشبهة على التفصيل وحلها والجواب عنها لم يثبت لنا علم ~~بشيء أبدا فالعاقل إذا علم أن هذا الخبر صادق علم أن كل ما عارضه فهو كذب ~~ولم يحتج أن يعرف أعيان الأخبار المعارضة له ولا وجوهها وبالله المستعان # الوجه التسعون # إن هؤلاء المعارضين لنصوص الوحي بعقولهم ليس عندهم علم ولا هدى ولا كتاب ~~مبين فمعارضتهم باطلة وهم فيها أتباع كل @QB@ شيطان مريد كتب عليه أنه من ~~تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير @QE@ الحج 4 3 # فهذه حال كل من عارض آيات الله بمعقوله ليس عنده إلا الجهل والضلال ورتب ~~سبحانه هذه الأمور الثلاثة أحسن ترتيب فبدأ بالأعم وهو العلم وأخبر أنه لا ~~علم عند المعارض لآياته بعقله ثم انتقل منه إلى PageV03P1086 @ ما هو أخص ~~وهو الهدى ثم انتقل إلى ما هو أخص وهو الكتاب المبين فإن العلم أعم مما ~~يدرك بالعقل والسمع والفطرة وأخص منه الهدى الذي لا يدرك إلا من جهة الرسل ~~وأخص منه الكتاب الذي أنزله الله على رسوله فإن الهدى قد يكون كتابا وقد ~~يكون سنة وهذه الثلاثة منتفية عن هؤلاء قطعا أما الكتاب والهدى المأخوذ عن ~~الرسل فقد قالوا إنه لايفيد علما ولا يقينا والمعقول يعارضه فقد أقروا أنهم ~~ليس معهم كتاب ولا سنة وبقي العلم فهم يدعونه والله تعالى قد نفاه عنهم وقد ~~قام البرهان والدليل العقلي المستلزم لمدلوله على صدق الرب في خبره فعلم ~~قطعا أن هذا الذي عارضوا به الوحي ليس بعلم إذ لو كان علما لبطل دليل العقل ~~الدال على صدق الرب تعالى في خبره فهذا يكفي في العلم بفساد كون ما عارضوا ~~به علما فكيف وقد قام الدليل العقلي الصحيح المقدمات على فساد تلك المعارضة ~~وأنها تخص الجهل المركب فكيف وقد اتفق على فساد تلك المعارضة العقل والنقل ~~ونحن نطالب هؤلاء المعارضين بواحدة من ثلاث إما كتاب منزل أو ms382 أثارة من علم ~~يؤثر عن نبي من الأنبياء أو معقول صحيح المقدمات وقد اتفق العقلاء على صحة ~~مقدماته # وهم يعلمون والله شهيد عليهم بأنهم عاجزون عن PageV03P1087 @ هذا وهذا ~~فترك ما علمناه من كتاب ربنا وسنة نبينا وما نزل به جبريل من رب العالمين ~~على قلب رسوله الأمين بلسان عربي مبين لوحي الشياطين وشبه الملحدين ~~وتأويلات المعطلين # فإن قيل فما الفرق بين الصنف الأول الذي يجادل في الله بغير علم ويتبع كل ~~شيطان مريد والصنف الثاني الذي يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب ~~منير كما ذكرهم سبحانه صنفين # قيل قد ذكر سبحانه ثلاثة أصناف صنفا يجادل في الله بغير علم ويتبع كل ~~شيطان مريد مكتوبا عليه إضلال من تولاه وهذه حال المتبع لأهل الضلال وصنفا ~~يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيله ~~وهذه حال المتبوع المستكبر الصاد عن سبيل الله فالأول حال الأتباع والثاني ~~حال المتبوعين ثم ذكر حال من يعبد الله على حرف وهذه حال المتبع لهواه الذي ~~إن حصل له ما يهواه من الدنيا عبد الله وإن أصابه ما يمتحن به في دنياه ~~ارتد عن دينه وهذه حال من كان مريضا في إرادته وقصدة وهي حال أهل الشهوات ~~والأهواء ولهذا ذكر ذلك في العبادة فأصلها القصد والإرادة وأما الأولان ~~PageV03P1088 @ فحال الضال والمضل وذلك مرض في العلم والمعرفة وهي حال أهل ~~الشبهات والنظر الفاسد والجدال بالباطل والله سبحانه يحب البصر الناقد عند ~~ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ولا صلاح للعبد إلا ~~بمعرفة الحق وقصده كما قال تعالى : @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ الفاتحة 7 6 # فمن لم يعرف الحق كان ضالا ومن عرفه ولم يتبعه كان مغضوبا عليه ومن عرفه ~~واتبعه فقد هدي إلى الصراط المستقيم وأول الشر الضلال ومنتهاه الغضب كما أن ~~أول الخير الهدى ومنتهاه الرحمة والرضوان فذكر سبحانه في آيات الحج ما يعرض ~~في العلم من ms383 الضلال والإضلال وما يعرض في الإرادة والعمل من اتباع الأهواء ~~كما جمع بينهما في قوله : @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى @QE@ النجم 23 # فقال أولا @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ~~@QE@ الحج 3 PageV03P1089 @ # وهذا يتضمن الجدال فيه بغير هدى ولا كتاب منير فإن من جادل بغير ذلك فقد ~~جادل بغير علم فنفي العلم يقتضي نفي كل ما يكون علما بأي طريقة حصل وذلك ~~ينفي أن يكون مجادلا بهدى أو كتاب منير هذه حال الضال المتبع لمن يضله فلم ~~يحتج إلى تفصيل فبين أنه يجادل بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب على ذلك ~~الشيطان أن من اتبعه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وهذه حال مقلدة أئمة ~~الضلال من الكفار وأهل الأهواء والبدع # ثم ذكر حال المتبوع الذي يثني عطفه تكبرا كما قال : @QB@ وإذا تتلى عليه ~~آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها @QE@ لقمان 7 # وذكر التفصيل في مجادلة المتبوع الداعي وأنها في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير واكتفى في ذكر التابع بنفي العلم المستلزم لنفي هذه الثلاثة ~~فإن مجادلة المتبوع أصل وهو أقعد بها من مجادلة التابع ومصدرها كبر ومصدر ~~مجادلة التابع ضلال وتقليد فذكر حال المتبوع على PageV03P1090 @ التفصيل ~~ولهذا ذكر فساد قصده وعلمه وذكر من عقوبته أشد مما ذكر من عقوبة التابع ~~وهذا وأمثاله من أسرار القرآن التي حرمها الله على من عارض بينه وبين العقل ~~وقدم العقل عليه # الوجه الحادي والتسعون بيان أن الشرع والعقل متلازمان ويمتنع تعارض ~~المتلازمين # إن العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد ~~الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم ومن نفي اللازم نفي الملزوم فكيف ~~إذا كان التلازم من الجانبين فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج إذ يلزم من ~~ثبوت هذا الملزوم ثبوت لازمه ومن ثبوت لازمه المساوي ثبوته ومن نفي اللازم ~~نفي ملزومه ومن نفي ملزومه المساوي نفيه وهذا شأن كل ms384 شيئين بينهما تلازم من ~~الطرفين وبيان ذلك ها هنا أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة ~~السمع كما تقدم وقد بينا أن العقل ليس أصلا للسمع في ثبوته في نفس الأمر بل ~~هو أصل في ثبوت علمنا أي دليل لنا على صحته وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن ~~الدليل يجب طرده وهو ملزوم للمدلول عليه فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول ~~عليه PageV03P1091 @ ولا يجب عكسه فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول فإن ~~المخلوقات آيات ودلائل على الخالق سبحانه يلزم من ثبوتها ثبوته ولا يلزم من ~~عدمها عدمه ولا من وجوده وجودها # وكذلك الآيات الدالة على نبوة رسله هذا إذا لم يكن الدليل لازما للمدلول ~~عليه فإن كان لازما أمكن أن يكون مدلولا له إذ المتلازمان يمكن أن يستدل ~~لكل منهما على الاخر مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي فإنه ~~يلزم من عدم دليله عدمه وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله إذا لم ~~ينقل فإنه يلزم من عدم نقله عدمه وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة ~~الشرع لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في ~~نفس الأمر # لكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع إلا ذلك العقل لزم من ~~علمنا بالشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه ولزم من علمنا بذلك الدليل ~~العقلي علمنا به فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه فإذا كان ~~صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي فإنه يلزم من علمنا بصحة الشرع علمنا ~~بالدليل العقلي الدال عليه ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة ~~الشرع ويلزم أيضا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع ولا ~~يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل وإذا كان العلم بصحة الشرع لازما للعلم ~~بالمعقول الدال عليه PageV03P1092 @ وملزوما له فمن الممتنع تناقض اللازم ~~والملزوم فضلا عن تعارض المتلازمين # فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما ms385 انتفاء الآخر ~~كالضدين والنقيضين # والمتلازمين يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه فكيف ~~يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين أو متضادين فهؤلاء عمدوا إلى ~~المتلازمين المتصادقين فأبطلوا أحدهما بالآخر ولزم من بطلانه بطلانهما ~~جميعا كما تقدم بيانه وقد تبين أن الدليل العقلي الذي به يعلم صحة الشرع ~~مستلزم للعلم بصحة الشرع ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر وعلمنا بالشرع ~~يستلزم العلم بالدليل العقلي الذي قيل إنه أصل الشرع والعلم بصحة الشرع ~~موقوف عليه وليس ثبوت الشرع في نفسه مستلزما لثبوت ذلك الدليل العقلي فعلم ~~أن ثبوت الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر فإن ~~ثبوت الشرع في علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي إن قيل إنه يمكن أن يعلم ~~صحته بغير ذلك الدليل وإلا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين وإذا كان ~~كذلك كان القدح في الشرع قدحا في دليله العقلي الدال على صحته بخلاف العكس ~~وكان القدح في الشرع قدحا في هذا العقلي # وليس القدح في الشرع قدحا في هذا العقلي وليس PageV03P1093 @ القدح في ~~هذا العقلي مستلزما للقدح في الشرع مطلقا وأما ما سوى المعقول الدال على ~~صحة الشرع فذلك لا يلزم من بطلانه بطلان الشرع كما لا يلزم من صحته صحة ~~الشرع # الوجه الثاني والتسعون بيان أن المعارضين للوحي بعقولهم فرقتان هما ~~الفلاسفة وجهمية المتكلمين وكل من الفريقين ينقض حجج الآخر # إن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي هم في الأصل فرقتان الفلاسفة وجهمية ~~المتكلمين وهؤلاء لهم طريق قد سلكوها وأولئك لهم طريقة أخرى وكل من ~~الفريقين ينقض حجج الفريق الآخر ويبين فساد طريقته ثم كل فرقة منهما تنقض ~~بعضهم حجج بعض واعتبر هذا بالرازي والآمدي فإنهما جمعا خلاصة ما ذكره ~~النفاة من أهل الفلسفة والكلام ثم إنهما أفسدا عامة تلك الطرق التي سلكوها ~~فكل طائفة تبطل الطريقة العقلية التي اعتمدت عليها الأخرى بما يظهر به ~~بطلانها بالعقل الصريح وليسوا متفقين على طريقة واحدة وهذا يبين خطأهم كلهم ~~من وجهين # من جهة ms386 العقل الصريح الذي يبين به كل قوم فساد ما قاله الآخرون # ومن جهة أنه ليس معهم معقول اشتركوا فيه فضلا عن أن يكون من صريح المعقول ~~بل المقدمة التي تدعي طائفة من النظار صحتها تقول الأخرى هي باطلة وهذا ~~بخلاف مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرسول فإنها من ~~PageV03P1094 @ العقليات التي تقبلها فطر العقلاء السليمة بل الفطر التي لم ~~تفسد متفقة عليها ولا ينازع فيها إلا من تلقى تعلما من غيره لا من موجب ~~فطرته فإنما يقدح فيها مقدمة تقليدية وهو يدعي أنها عقلية فطرية ومن تدبر ~~ما عند المعارضين ولم يقلدهم فيه تبين له أن جميع المقدمات التي ترجع إليها ~~أدلة المعارضين إنما ترجع إلى تقليد منهم لأسلافهم لا إلى ما يعلم بضرورة ~~العقل ولا نظره فهم يعارضون ما قامت الأدلة العقلية على ثبوت تصديقه ~~وسلامته من الخطأ بما قامت الأدلة العقلية على أنه لا يجب تصديقه بل قد علم ~~جواز الخطأ عليه وعلم وقوع الخطأ فيه فيما هو دون الإلهيات فضلا عن ~~الإلهيات التي تيقن خطأ من خالف الرسل فيها بالأدلة المجملة والمفصلة بل ~~يعارضون ما يجب تصديقه بما يعلم بصريح العقل أنه خطأ بل يعارضون السمعيات ~~التي يعلم أن العقل الصريح موافق لها بما يعلم العقل الصريح أنه باطل ~~والمقصود أن الطرق التي سلكها الفلاسفة في إبطال الصفات والأفعال قد أفسدها ~~عليهم المتكلمون وبينوا خطأهم فيها بصريح العقل كما هو موجود في كتب هؤلاء ~~وهؤلاء فانظر ما فعل أبو علي وأبو هاشم والقاضي عبد الجبار والأشعري ~~PageV03P1095 @ وأبو بكر بن الباقلاني وأبو الحسين البصري والجويني ~~والغزالي وأمثالهم بطريقة الفلاسفة # وانظر ما فعل بن سينا وبن رشد والطوسي وأمثالهم بطرق المتكلمين فإنك تجد ~~ذلك من أعظم النصرة للنصوص النبوية والمثال المنطبق عليهم بعسكر الإسلام ~~خرج عليه عسكر كثيف يغزونهم فخرج على ذلك العدد من ورائهم فأقبلوا إليهم ~~واشتغلوا بهم فيصادم بعضهم بعضا ويكسر بعضهم سلاح بعض وعسكر الإسلام في حصن ~~من الطائفتين ولكن إذا اصطلح العسكران فإنهما يصطلحون ms387 على المسلمين ومن علم ~~ما في الوجود تبين له مطابقة هذا المثال وبالله التوفيق # الوجه الثالث والتسعون بيان # إن الطريقة التي سلكها نفاة الصفات في معارضة النصوص هي الطريقة التي ~~سلكها الملاحدة في نصوص المعاد إن الطريقة التي سلكها نفاة الصفات والعلو ~~والتكليم من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم وما يسمونه معقولا هي بعينها ~~الطريقة التي سلكها إخوانهم من الملاحدة في معارضة نصوص المعاد بآرائهم ~~وعقولهم ومقدماتهم ثم نقلوها بعينها إلى ما أمروا به من الأعمال كالصلوات ~~الخمس والزكاة والحج والصيام فجعلوها للعامة دون الخاصة فآل بهم الأمر إلى ~~أن ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفق عليها جميع الملل وجاءت بها جميع ~~الرسل وهي الإيمان بالله واليوم الآخر والأعمال الصالحة قال الله تعالى : ~~@QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ ~~البقرة 62 PageV03P1096 @ # فهؤلاء الملاحدة يحتجون على نفاة الصفات بما وافقوهم عليه من الإعراض عن ~~نصوص الوحي ونفي الصفات كما ذكر بن سينا في الرسالة الأضحوية فإنه قال فيها ~~لما ذكر حجة من أثبت معاد البدن وأن الداعي لهم إلى ذلك ما ورد به الشرع من ~~بعث الأموات فقال وأما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد وهو أن ~~الشرع والملة الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة # ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد ~~من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا عن الكم والكيف والأين والمتى والوضع ~~والتغير حتى يصير الإعتقاد به أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون لها شريك في ~~النوع أو يكون لها جزء وجودي كمي أو معنوي ولا يمكن أن تكون خارجة عن ~~العالم ولا داخلة فيه ولا حيث تصح الإشارة إليه بأنه هنا أو هناك ممتنع ~~إلقاؤه إلى الجمهور ولو ألقى هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة أو ~~العبرانيين الأجلاف PageV03P1097 @ لسارعوا إلى العناد واتفقوا على أن ~~الإيمان المدعو ms388 إليه إيمان بمعدوم لا وجود له أصلا ولهذا ورد ما في في ~~التوراة تشبيها كله ثم أنه لم يرد في الفرقان من الإشارة إلى هذا الأمر ~~الأهم شيء ولا أتى بصريح ما يحتاج إليه في التوحيد بيان مفصل بل أتى بعضه ~~على سبيل التشبيه في الظاهر وبعضه جاء تنزيها مطلقا عاما جدا لا تخصيص ولا ~~تفسير له # وأما الأخبار التشبيهية فأكثر من أن تحصى ولكن لقوم أن لا يقبلوه فإذا ~~كان الأمر في التوحيد هكذا فكيف بما هو بعده من الأمور الاعتقادية ولبعض ~~الناس أن يقولوا PageV03P1098 @ إن للعرب توسعا في الكلام ومجازا وإن ~~الألفاظ التشبيهية مثل الوجه واليد والإتيان في ظلل من الغمام والمجيء ~~والذهاب والضحك والحياء والغضب صحيحة ولكن هي مستعملة استعارة ومجازا قال ~~ويدل على استعمالها غير مجازية ولا مستعارة بل محققة أن المواضع التي ~~يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه المعاني بالاستعارات والمجاز على غير ~~معانيها الظاهرة مواضع في مثلها يصلح أن تستعمل على غير هذا الوجه ولا يقع ~~فيها تلبيس ولا تدليس # وأما قوله @QB@ في ظلل من الغمام @QE@ وقوله : @QB@ هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ 158 # على القسمة المذكورة وما جرى مجراه فليس تذهب الأوهام فيه البتة إلى أن ~~العبارة مستعارة أو مجازية PageV03P1099 @ فإن كان أريد فيها ذلك إضمارا ~~فقد رضي بوقوع الغلط والتشبيه والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحا # وأما قوله @QB@ يد الله فوق أيديهم @QE@ الفتح 10 # وقوله @QB@ ما فرطت في جنب @QE@ الزمر 56 # فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام ولا يشك في ذلك إثنان من ~~فصحاء العرب ولا يلتبس على ذي معرفة في لغتهم كما يلتبس في تلك الأمثلة فإن ~~هذه الأمثلة لا تقع شبهة في أنها استعارة مجازية كذلك في تلك لا تقع شبهة ~~في أنها ليست استعارية ولا مرادا فيها شيء غير الظاهر # ثم هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد PageV03P1100 @ ~~والعبارة المشيرة بالتصريح إلى التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة ms389 هذا ~~الدين المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة ثم قال في ضمن كلامه إن ~~الشريعة الجائية على لسان نبينا جاءت أفضل ما يمكن ان تجيء عليه الشرائع ~~وأكمله # ولهذا صلحت أن تكون خاتمة للشرائع وآخر الملل قال وأين الإشارة إلى ~~الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد مثل إنه عالم بالذات أو عالم ~~بعلم قادر بالذات أو قادر بقدرة واحد بالذات على كثرة الأوصاف أو قابل ~~للكثرة تعالى عنها بوجه من الوجوه متحيز بالذات أو منزه عن الجهات فإنه لا ~~يخلو إما أن تكون هذه المعاني واجبا تحققها وإتقان المذهب الحق فيها أو يسع ~~PageV03P1101 @ الصدوف عنها وإغفال البحث والرؤية فيها فإن كان البحث عنها ~~معفوا عنه وغلط الإعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به فجل مذهب هؤلاء القوم ~~المخاطبين بهذه الجملة تكلف وعنه غنية وإن كان فرضا محكما فواجب أن يكون ~~مما صرح به في الشريعة وليس التصريح المعمى أو الملتبس أو المقتصر فيه ~~بالإشارة والإيماء بل التصريح المستقصى فيه والمنبه عليه والموفى حق البيان ~~والإيضاح والتعريف لمعانيه فإن المبرزين المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات ~~عمرهم على تمرين أذهانهم وتزكية أفهامهم وترسيخ نفوسهم لسرعة الوقوف على ~~المعاني الغامضة يحتاجون في فهم هذه المعاني إلى فضل بيان وشرح عبارة فكيف ~~غتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب PageV03P1102 @ # لعمري لو كلف الله رسولا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور ~~من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم ثم سامه أن ~~يتنجز منهم الإيمان والإجابة غير متمهل فيه وسامه أن يتولى رياضة نفوس ~~الناس قاطبة حتى يستعد الوقوف عليها لكلفه شططا وأن يفعل ما ليس في قوة ~~البشر # اللهم إلا أن تدركه خاصة إلهية وقوة علوية وإلهام سماوي فتكون حينئذ ~~وساطة الرسول مستغنى عنها وتبليغه غير محتاج إليه # ثم هب أن الكتاب العربي جاء على لغة العرب وعبارة لسانهم في الاستعارة ~~والمجاز فما قولهم في الكتاب العبراني وكله من أوله إلى آخره تشبيه صرف ~~وليس PageV03P1103 @ لقائل أن يقول إن ذلك الكتاب محرف ms390 كله وأنى يحرف كلية ~~كتاب منتشر في أمم لا يطاق تعديدهم وبلادهم متباينة وأوهامهم متباينة منهم ~~يهودي ونصراني وهم أمتان متعاديتان فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة ~~بخطاب الجمهور بما يفهمون مقربا مالا يفهمون إلى أفهامهم بالتمثيل والتشبيه ~~ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة قال فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في ~~هذا الباب يعني أمر المعاد ولو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة ~~بعيدة عن إدراك بدائة الأذهان تحقيقها لم يكن سبيل الشرائع إلى الدعوة ~~إليها أو التحذير عنها إلا بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقربة إلى ~~الأفهام فكيف يكون وجود شيء حجة على وجود شيء آخر لو لم يكن الشيء الآخر ~~على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول على حالته فهذا كله هو الكلام على ~~تعريف من طلب أن يكون خاصا من الناس لا عاما PageV03P1104 @ إن ظاهر ~~الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب فتأمل كلام هذا الملحد بل رأس ~~ملاحدة الملة ودخوله إلى الإلحاد من باب نفي الصفات وتسلطه في إلحاده على ~~المعطلة النفاة بما وافقوه عليه من النفي وإلزامه لهم أن يكون الخطاب ~~بالمعاد جمهوريا أو مجازا أو استعارة كما قالوا في نصوص الصفات التي اشترك ~~هو وهم في تسميتها تشبيها وتجسيما مع أنها أكثر تنوعا وأظهر معنى وأبين ~~دلالة من نصوص المعاد فإذا ساغ لكم أن تصرفوها عن ظاهرها بما لا تحتمله ~~اللغة فصرف هذه عن ظواهرها أسهل ثم زاد هذا الملحد عليهم باعترافه أن نصوص ~~الصفات لا يمكن حملها كلها على المجاز والاستعارة وأن يقال إن المراد غير ~~ظاهرها وإن لذلك الاستعمال مواضع تليق به بحيث تكون دعوى ذلك في غيرها غلطا ~~محضا كما في مثل قوله : @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ~~أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ الأنعام 158 # فمع هذا التقسيم والتنويع يمتنع المجاز والاستعارة فإنما أريد ما دل ~~اللفظ عليه ظاهرا ومع هذا فقد ساعدهم على PageV03P1105 @ امتناعه لقيام ~~الدليل العقلي عليه فهكذا نفعل نحن في نصوص ms391 المعاد سواء فهذا حاصل كلامه ~~وإلزامه ودخوله إلى الإلحاد من باب نفي الصفات والتجهم وطريق الرد المستقيم ~~بإبطال قوله وقول المعطلة جميعا والمقصود أن هؤلاء الجهمية والمعتزلة لما ~~وافقوا هذا الملحد على نفي الصفات وأن هذا النفي هو التوحيد الحق احتج ~~عليهم بهذه الموافقة على أن الرسل لم يثبتوا ما هو الحق في نفسه في معرفة ~~توحيد الله ومعرفة اليوم الآخر ولم يذكروا ما هو الذي يصلح لخاصة بني آدم ~~وأولى العقول بينهم أن يفهموه ويعقلوه من هذا الباب وأن نصوص الوحي من كتب ~~الله المنزلة وكلام رسله لا يحتج بها في باب الإيمان بالله ولا في اليوم ~~الآخر لا في الخلق ولا في البعث لا المبدأ ولا المعاد وأن الكتب الإلهية ~~إنما أفادت تخييلا ينتفع به العامة لا تحقيقا يفيد العلم والمعرفة وأن أعظم ~~العلوم وأجلها وأشرفها هو العلم بالله لم تثبته الرسل ولم تنطق به ولم يهد ~~إليه الخلق فلم يتبين معرفة الله ولا معرفة المبدأ ولا المعاد بل نطقت فيه ~~بخلاف الصواب فاشتركت المعطلة الجهمية والملاحدة في نسبة الرسول إلى ذلك في ~~باب الصفات وامتازت عليها الملاحدة بأن الرسول أراد إفهام ظاهرها وقالت ~~المعطلة أراد إتعاب الأذهان في إفهام خلاف ظاهرها وعرض الأمة إلى الباطل في ~~اعتقاده ظاهرها PageV03P1106 @ # الوجه الرابع والتسعون إما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم ما دل ~~عليه العقل بزعمكم من نفي الصفات أولا # أن يقال لا يخلو إما أن يكون الرسول يعرف ما دل عليه العقل بزعمكم من ~~إنكار علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وتكليمه لرسله وملائكته أو لم ~~يكن يعرف ذلك فإن قلتم لم يكن يعرفه كانت الجهمية والمعطلة والملاحدة ~~والمعتزلة والقرامطة الباطنية والنصيرية والإسماعيلية وأمثالهم وأفراخهم ~~وتلامذتهم أعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه من رسله ~~وأتباعه # وإن كان يعرفه امتنع أن لا يتكلم به يوما من الدهر مع أحد من خاصته ~~والمطلعين على سره ومن المعلوم قطعا أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم ms392 ~~يتكلم مع أحد بما يناقض ما أظهره للناس ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه ~~نقيض ما أظهره للناس بل كل من كان به أخص وبحاله أعرف كان أعظم موافقة له ~~وتصديقا له على ما أظهره وبينه وأخبر به فلو كان الحق في الباطن خلاف ما ~~أظهره لزم أحد الأمرين إما أن يكون جاهلا به أو كاتما له عن الخاصة والعامة ~~ومظهرا خلافه للخاصة والعامة وهذا من أعظم الأمور امتناعا ومدعيه في غاية ~~الوقاحة والبهت ولهذا لما علم هؤلاء أنه يستحيل كتمان ذلك عن خواصه وضعوا ~~أحاديث بينوا فيها أنه كان له خطاب مع خاصته غير الخطاب العامي مثل الحديث ~~المختلق المفترى PageV03P1107 @ عن عمر أنه قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتحدث مع أبي بكر وكنت كالزنجي بينهما ومثل ما تدعيه الرافضة أنه ~~كان عند علي علم خاص باطن يخالف هذا الظاهر ولما علم أنه سبحانه أن ذلك ~~يدعى في علي وفق من سأله هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ~~خصكم به دون الناس فقال لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما أسر إلينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم شيئا كتمه عن غيرنا إلا فهما يؤتيه الله عبدا في ~~كتابه وما في هذه الصحيفة وكان فيها العقول الديات وفكاك الأسير وأن لا ~~يقتل مسلم بكافر وهذا الحديث متفق على صحته وفي لفظ في الصحيح عهد إليك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس فقال لا والذي فلق ~~الحبة وبرأ النسمة # الوجه الخامس والتسعون # إن الله سبحانه أنزل كتبه حاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه قال الله ~~تعالى PageV03P1108 @ @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ ~~البقرة 213 # وقال تعالى @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله @QE@ النساء 105 # وقال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ النساء ~~59 # فكيف يحكم بين الناس في ms393 مواطن الخلاف والنزاع كلام وخطاب ليس فيه علم ولا ~~هدى ينتفع به أولوا الألباب كما زعم هؤلاء أن الكتب الإلهية لا يحتج بها في ~~مثل هذه الأبواب فكيف تكون حاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه وأي اختلاف ~~أعظم من الاختلاف في أجل الأمور وهو معرفة الله تعالى واليوم الآخر والخلاف ~~الحقيقي إنما يكون في الأمور العلمية والقضايا الخبرية التي لا تقبل النسخ ~~والتغيير فأما العمليات التي تقبل النسخ فتلك تنوع في الشريعة الواحدة فكيف ~~بالشرائع المتنوعة وما جاز تنوعه لم يكن الخلاف فيه حقيقيا فإنهما إن كانا ~~مشروعين في وقتين أو برسولين فكلاهما حق وإن كان الخلاف في المشروع منهما ~~أيهما هو فهذا يعلم بالخبر المنقول عن الصادق وحينئذ فنقول في PageV03P1109 ~~@ # الوجه السادس والتسعون في مناقشة بن القيم لكلام بن سينا # ما ذكره بن سينا وأمثاله في أنه لم يرد في القرآن من الإشارة إلى توحيدهم ~~شيء فكلام صحيح وهذا دليل على أنه باطل لا حقيقة له وأن من وافقهم عليه فهو ~~جاهل ضال وكذلك ما ذكره أن من المواضع التي ذكرت فيها الصفات مالا يحتمل ~~اللفظ فيها إلا معنى واحدا لا يحتمل ما يدعيه أهل التأويل من الاستعارة ~~والمجاز كما ذكره في قوله : @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة @QE@ البقرة 210 # وقوله @QB@ أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ الأنعام 158 # وهذا حجة على من نفى حقيقة ذلك ومدلوله من المعطلة نفاة الصفات وهو حجة ~~عليه وعليهم جميعا وموافقتهم له على التعطيل لا ينفعه فإن ذلك حجة جدلية لا ~~علمية إذ تسليمهم له ذلك لا يوجب على غيرهم أن يسلم ذلك له فإذا تبين ~~بالعقل الصريح ما يوافق النقل الصحيح دل ذلك على فساد قوله وقولهم جميعا ~~وكذلك قوله هب إن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد والدلالة ~~بالتصريح على التوحيد المحض الذي يدعو PageV03P1110 @ إليه حقيقة هذا الدين ~~القيم المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة كلام صحيح لو كان ما ~~قاله ms394 النفاة حقا فإنه على قولهم لا يكون هذا الدين القيم قد بين التوحيد ~~الحق أصلا وحينئذ فنقول في # الوجه السابع والتسعون بيان # إن التوحيد الذي دعى إليه هؤلاء الملاحدة وذكروا أنه التوحيد الحق هو من ~~أعظم الإلحاد في في أسماء الرب وصفاته وأفعاله وهو حقيقة الكفر به وتعطيل ~~العالم عن صانعه وتعطيل الصانع الذي أثبتوه عن صفات كماله فشرك عباد ~~الأصنام والأوثان والكواكب والشمس والقمر خير من توحيد هؤلاء بكثير فإنه ~~شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله وقدرته ومشيئته وعلمه ~~بالكليات والجزئيات وتوحيد هؤلاء تعطيل الربوبية والإلهية وسائر صفاته وهذا ~~التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلا كان ~~أعظم شركا ولا تجد معطلا نافيا إلا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل ~~وتوحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل من كل وجه فإن مضمون توحيد ~~الجهمية إنكار حياة الرب وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستوائه على ~~عرشه ورؤية المؤمنين له PageV03P1111 @ بأبصارهم عيانا من فوقهم يوم ~~القيامة وإنكار وجهه الأعلى ويديه ومجيئه وإتيانه ومحبته ورضاه وغضبه وضحكه ~~وسائر ما أخبر به الرسول عنه ومعلوم أن هذا التوحيد هو نفس تكذيب الرسول ~~فيما أخبر به عن الله وجحده فاستعار له أصحابه اسم التوحيد وقالوا نحن ~~الموحدون كما استعار المنكرون للقدر اسم العدل بجحده ودفعه وقالوا نحن أهل ~~التوحيد والعدل فهذا توحيدهم وهذا عدلهم والعدل والتوحيد الذي جاء به ~~الرسول خلاف هذا وهذا قال الله تعالى : @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين ~~عند الله الإسلام @QE@ 18 # الوجه الثامن والتسعون بيان # أنه لو كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة لقبلته الفطر ولم تقبل الآيات ~~أنه لو كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة المعطلون وإخوانهم من الملاحدة ~~لكان قبول الفطر له أعظم من قبولها للإثبات الذي هو ضلال وباطل عندهم فإن ~~الله سبحانه نصب على الحق الأدلة والأعلام الفارقة بين الحق والباطل والنور ~~والظلام ms395 وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ومعرفتها ولولا ما في القلوب ~~من الاستعداد لمعرفة PageV03P1112 @ الحقائق لم يمكن النظر والاستدلال ~~والخطاب والكلام والفهم والإفهام وكما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة ~~للاغتذاء بالطعام والشراب ولولا ذاك لما أمكن تغذيتها وتربيتها وكما أن في ~~الأبدان قوة تفرق بين الغذاء الملائم والمنافي ففي القلوب قوة تفرق بين ~~الحق والباطل أعظم من ذلك فخاصة العقل التفريق بين الحق والباطل وتمييز هذا ~~من هذا كما أن خاصة السمع التمييز بين الأصوات حسنها وقبيحها وخاصة الشم ~~التمييز بين أنواع الروائح طيبها وخبيثها وكذلك خاصة الذوق في الطعوم فإذا ~~ادعيتم على العقول أنها لا تقبل الحق وأنها لو صرح لها به لأنكرته ولم تذعن ~~إلى الإيمان فقد سلبتم العقول خاصتها وقلبتم الحقيقة التي خلقها الله ~~وفطرها عليه وكان نفس ما ذكرتم أن الرسل لو خاطبت به الناس لنفروا عن ~~الإيمان من أعظم الحجج عليكم وأنه مخالف للعقل والفطرة كما هو مخالف للسمع ~~والوحي فتأمل هذا الوجه فإنه كاف في إبطال قولهم ولهذا لو أراد أهله أن ~~يدعوا الناس إليه ويقبلوه منهم وطأوا له توطئات وقدموا له مقدمات بنوها في ~~القلب PageV03P1113 @ درجة بعد درجة ولا يصرحون به أولا حتى إذا أحكموا ذلك ~~البناء استعاروا له ألفاظا مزخرفة واستعاروا لما خالفه ألفاظا شنيعة فتجتمع ~~تلك المقدمات التي قدموها وتلك الألفاظ التي زخرفوها وتلك الشناعات التي ~~على من خالفهم شنعوها فهناك إن لم يمسك الإيمان من يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا وإلا ترحل عن القلب ترحل الغيث استدبرته الريح يوضحه # الوجه التاسع والتسعون # إنا نعرض على الفطر السليمة والعقول التي لم تفسد بتلقي المقالات الفاسدة ~~وتلقيها عن المعلمين خصمين اختصموا في ربهم فقال أحدهما هو الله الذي لا ~~إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه حي له الحياة قدير ~~له صفة القدرة ms396 مريد له صفة الإرادة كلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا ~~هشيما فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه يرى من فوق سبع سماوات ويسمع ~~ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ويرى دبيب النملة السوداء ~~على الصخرة الصماء في غياهب PageV03P1114 @ الظلمات لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ~~ولا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسموات ~~ترفع إليه الحاجات وتصعد إليه الكلمات الطيبات وينزل من عنده الأمر بتدبير ~~المخلوقات له القوة كلها والعز كله والجمال كله والعلم كله والكمال كله وهو ~~الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم موصوف بكل جمال منزه عن كل نقص وعيب ~~لا تضرب له الأمثال ولا يشبه بالمخلوقات فعال لما يريد لوجهه سبحات الجلال ~~وهو الجميل الذي له كل الجمال إحدى يديه للجود والفضل والأخرى للقسط والعدل ~~يقبض سماواته السبع بإحدى يديه والأرضين السبع باليد الأخرى ثم يهزهن ثم ~~يقول أنا الملك لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه ~~عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه ~~لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه قريب مجيد رحيم ودود لطيف ~~خبير # | فصل # وقال الآخر بل هو موصوف بالسلوب والإضافات فلا سمع له ولا بصر ولا حياة ~~ولا إرادة ولا يتكلم ولا يكلم أحدا من خلقه ولا هو داخل العالم ولا خارجه ~~PageV03P1115 @ ولا فوق العرش ولا تحته ولا يمينه ولا يساره ولا خلفه ولا ~~أمامه ولا له وجه ولا يد ولا يرضى ولا يغضب ولا يسخط ولا يضحك ولا يفرح ~~بتوبة تائب ولا استوى على عرشه ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي ~~يوم القيامة ولا يجيء لفصل القضاء ولا يراه المؤمنون بأبصارهم ولا يستمعون ~~كلامه ولا يقوم به فعل البتة ولا وصف ولا له حقيقة وماهية غير وجود مطلق ~~وهو وجه كله وسمع كله وبصر كله ويد كله علمه ذاته وسمعه وبصره علمه ليس ms397 له ~~يد غير القدرة خلق بها آدم وكتب بها التوراة وغرس بها جنة عدن يقبض بها ~~السماوات وليس له وجه يراه المؤمنون بأبصارهم ليس بجوهر ولا جسم ولا متحيز ~~ولا متحرك ولا ساكن ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه ~~شيء ولا يحبه أحد ولا يحب أحدا إلى أمثال ذلك من النفي فاعرض أقوال هذين ~~الخصمين على الفطرة الصحيحة والعقل واجلس مجلس الحكومة بينهما ثم تحيز إلى ~~أي الفئتين شئت فما ثم إلا الإثبات من كل وجه لما أثبته الله لنفسه وأثبته ~~رسوله أو التعطيل الصرف والنفي المحض فاختر لنفسك إحدى الخطتين واجعلها مع ~~إحدى الفئتين فالمرء مع من أحب وحينئذ فنقول في PageV03P1116 @ # الوجه المائة # إن الأعمال الصالحة والفاسدة نتائج الاعتقادات الصحيحة والباطلة فانظر ~~رؤوس المثبتة والنفاة وملوكهم وأتباعهم يبين لك حقيقة الأمر فرؤوس المثبتة ~~آدم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب وإبراهيم الخليل وسائر الأنبياء من ذريته ~~وموسى الكليم وعيسى وجاء خاتمهم وآخرهم وأعلمهم بالله سيد ولد آدم محمد بن ~~عبد الله عبدالله ورسوله فجاء بالإثبات المفصل الذي لم يأت رسول بمثله فصرح ~~من إثبات الصفات والأفعال بما لم يصرح به نبي قبله وذلك لكمال عقول أمته ~~وكمال تصديقهم وصحة أذهانهم فرسول الله صلى الله عليه وسلم حامل لواء ~~الإثبات وتحت ذلك اللواء آدم وجميع الأنبياء وأتباعهم ثم المهاجرون ~~والأنصار وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وسائر الصحابة ثم التابعون لهم بإحسان ~~ممن لا يحصيهم إلا الله ثم أتباع التابعين ثم أئمة الفقه في الأعصار ~~والأمصار منهم الأئمة الأربعة ثم أهل الحديث قاطبة وأئمة التفسير والتصوف ~~والزهد والعبادة المقبولون عند الأمة ممن لا يحصي عددهم إلا الله فهل سمع ~~في الأولين والآخرين بمثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المشهود لهم ~~بالجنة وسائر المهاجرين والأنصار وهل سمع بقوم أتم عقولا وأصح أذهانا وأكمل ~~علما ومعرفة وأزكى PageV03P1117 @ قلوبا من هؤلاء الذين قال الله فيهم @QB@ ~~قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى @QE@ قال غير واحد من السلف ms398 هم ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال فيهم عبد الله بن مسعود من كان منكم ~~مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ~~أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة ~~نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدي ~~المستقيم فهؤلاء أمراء هذا الشأن وأما الجند والعساكر فالتابعون كلهم ثم ~~الذين يلونهم مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وحماد بن زيد ~~وحماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه ~~والإمام أحمد والشافعي PageV03P1118 @ وعلي بن المديني ويحيى بن معين ~~والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ومحمد بن أسلم الطوسي وأبي ~~حاتم وأبي زرعة الرازيين وأمثالهم PageV03P1119 @ # وأما عامتهم فأهل الدين والصدق والورع والزهد والعبادة والإخلاص واجتناب ~~المحارم وتوقي المآثم # وأما رؤوس النفاة والمعطلين ففرعون إذ يقول @QB@ يا هامان ابن لي صرحا ~~لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا ~~@QE@ 36 # وجنوده كلهم ونمرود بن كنعان هذا خصم إبراهيم الخليل وذاك خصم موسى ~~الكليم وأرسطاطاليس وبقراطيس وأضرابهما وطمطم وتنكلوسا وبن وخشيه وأضرابهم ~~وبن سينا والفارابي وكل فيلسوف لا يؤمن بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا ~~رسله ولا لقائه # وأما عوامهم فاعتبر عوام النصيرية والإسماعيلية PageV03P1120 @ والدرزية ~~والحاكمية والطرقية والعرباء وعبادهم البخشية والطوسية وعلماؤهم السحرة ~~وعساكرهم المشركون والقرامطة الذين هم أعظم الأمم إفسادا للدنيا والدين ~~فليعتبر العاقل خواص هؤلاء وهؤلاء وعوام هؤلاء وهؤلاء وليقابل بين ~~الطائفتين وحينئذ يتبين له أنه ما كان ولا يكون ولي لله إلا من أهل الإثبات ~~وما كان ولا يكون ولي للشيطان إلا من أهل النفي والتعطيل إما تعطيل الصانع ~~عن صفات كماله ونعوت جلاله وإما تعطيل القلب عن توحيده وعبوديته وإخلاص ~~الدين له واعتبر ذلك بإمام النفاة في زمانه وما جرى على أهل السنة منه بن ~~أبي دؤاد وأصحابه الذين سعوا في ضرب الإمام PageV03P1121 @ أحمد وقتل كثير ~~من أهل السنة وحبسهم وتشتيتهم في ms399 البلاد وقطع أرزاقهم ثم إمامهم في زمانه ~~نصير الكفر والشرك الطوسي وما جرى على المسلمين منه من قتل خليفتهم ~~وعلمائهم وعبادهم وإذا اعتبرت أحوال القوم رأيت عوام اليهود والنصارى أقل ~~فسادا في الدين والدنيا من أئمة هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم ~~وغاية الواحد من هؤلاء إذا أراد الجاه أن يتقرب إلى الملوك الجهلة الظلمة ~~بما يناسبهم من السحر فيصنف لهم فيه ويتقرب به إليهم فهؤلاء علماؤهم ~~وملوكهم وعوامهم فكيف يكون هؤلاء أحظى بالعقل وأسعد به من الرسل وأتباعهم # وسيرة هؤلاء وهؤلاء معلومة في العالم وأعمالهم وعلومهم ومعارفهم وآثارهم ~~دالة لمن له أدنى عقل على حقيقة الحال والله أعلم # الوجه الحادي والمائة # إن تجويز معارضة العقل للوحي يوجب وصف الوحي بضد ما وصفه الله به فإن ~~الله سبحانه وصفه بكونه هدى في غير موضع وأخبر أنه يهدي للتي هي أقوم الطرق ~~وهي أقربها إلى الحق فإن الطريق المستقيم هو أقرب خط موصل بين PageV03P1122 ~~@ نقطتين وكلما تعوج بعد وأخبر سبحانه أنه شفاء لما في الصدور وهذا يتضمن ~~أنه يشفي ما فيها من الجهل والشك والحيرة والريب كما أن الهدى يتضمن أنه ~~موصل إلى المقصود فالهدى يوصلها إلى الحق المقصود من أقرب الطرق والشفاء ~~يزيل عنها أمراضها المانعة لها من معرفة الحق وطلبه فهذا الجهل المقتضي ~~وهذا يزيل المانع ومن المحال أن تكون هذه صفة كلام مخالف للعقل ومعارض له ~~وكذلك أخبر أنه نور كما قال تعالى : @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ الأعراف 157 # وقال @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ الشورى 52 # فهو نور البصائر من العمى كما هو شفاء الصدور من الجهل والشك ومحال أن ~~تتنور البصائر بما يخالف صريح العقل فإنما يخالف العقل موجب الظلمة وأخبر ~~سبحانه أنه برهان فقال PageV03P1123 @ @QB@ يا أيها الناس قد جاءكم برهان ~~من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا @QE@ النساء 174 # ومحال أن ms400 يكون ما يخالف صريح العقل برهانا وأخبر سبحانه أنه علم كما قال ~~@QB@ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم @QE@ آل عمران 61 # وما يخالف العقل الصريح لا يكون علما وأخبر أنه حق والعقل الصريح لا ~~يخالف الحق فقال تعالى @QB@ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك ~~الكتاب بالحق @QE@ - 1 # وقال @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق @QE@ النساء 105 # وقال @QB@ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين @QE@ يونس 94 # وقال @QB@ إن هذا لهو القصص الحق @QE@ آل عمران 62 # وحينئذ فكونه حقا يدل على أن ما خالفه مما يسمى PageV03P1124 @ معقولا ~~باطل فإن كان ما خالفه حقا لزم أن يكون باطلا وإن كان هو الحق فما خالفه ~~باطل قطعا وأخبر أنه آيات بينات وما يخالف صريح العقل لا يكون كذلك وأخبر ~~أنه أحسن القصص وأحسن الحديث ولو خالف صريح العقل لكان موصوفا بضد ذلك ~~وأخبر أنه أصدق الكلام فقال : @QB@ ومن أصدق من الله قيلا @QE@ @QB@ ومن ~~أصدق من الله حديثا @QE@ النساء 87 # ولو خالف العقل لم يكن كذلك وكان كلام هؤلاء الضالين المضلين أصدق منه ~~وأخبر أن القلوب تطمئن به أي تسكن إليه من قلق الجهل والريب والشك كما ~~يطمئن القلب إلى الصدق ويرتاب بالكذب فقال تعالى : @QB@ الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب @QE@ الرعد 28 # وجعل هذا من أعظم الآيات على صدقه وأنه حق من عنده ولهذا ذكره جوابا لقول ~~الكفار @QB@ لولا أنزل عليه آية من ربه @QE@ فقال @QB@ قل إن الله يضل من ~~يشاء ويهدي إليه من أناب @QE@ @QB@ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ~~@QE@ أي بكتابه الذي أنزله وهو ذكره وكلامه ولو كان في العقل الصريح ما ~~يخالفه لم تطمئن به قلوب العقلاء والعاقل اللبيب إذا تدبر القرآن وتدبر ~~كلام هؤلاء المعارضين له تبين أن الريبة كلها في كلامهم والطمأنينة في كلام ~~الله ورسوله وأخبر سبحانه أن PageV03P1125 @ التوراة التي هو أكمل وأجل ~~منها إمام للناس فقال تعالى : @QB@ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ms401 @QE@ ~~الأحقاف 12 # والإمام هو القدوة الذي يؤتم به وكيف يقتدي بكلام يخالف صريح العقل وسماه ~~سبحانه فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل فلو خالف صريح العقل لم يكن ~~فرقانا ولكان الفرقان كلام هؤلاء الضالين المضلين وأخبر أنه كتاب مبارك ~~والمبارك الكثير البركة والخير والهدى والرحمة وهذا لا يكون فيما يرده ~~العقل ويقضي بخلافه وأخبر أن الباطل لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه ولو ~~كان العقل يخالفه لأتاه الباطل من كل جهة وأخبر أنه كتاب أحكمت آياته وأنه ~~حكيم وأنه فصل وما يخالفه العقل لا يوصف بشيء من ذلك وأخبر أنه مهيمن على ~~كل كتاب أي أمين عليه وحاكم وشاهد وقيم ولو خالفه العقل لكان مهيمنا عليه ~~وكانت معقولات هؤلاء الضالين المضلين هي المهيمنة عليه ولم يكن هو المهيمن ~~عليها وأخبر أنه لا عوج فيه وأنه قيم فقال : @QB@ الحمد لله الذي أنزل على ~~عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما @QE@ 1 PageV03P1126 @ # وأي عوج أعظم من مخالفة صريح العقل له وقال تعالى : @QB@ ولقد ضربنا ~~للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج @QE@ ~~الزمر 28 # ومن تدبره وتدبر ما خالفه عرف أن القدح كله فيما خالفه # وعلمه بتعوج ما خالفه يعرف من طريقتين من جهة الكلام في نفسه وأنه باطل ~~ومن جهة مخالفته للقرآن وجعله سبحانه حجة على خلقه كما قال تعالى : @QB@ ~~وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل ~~الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا ~~أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن ~~أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب بما كانوا يصدفون @QE@ - 155 # وقال تعالى @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل @QE@ النساء 165 # وكيف تقوم الحجة بكلام يخالف صريح العقل وحينئذ فنقول في PageV03P1127 @ # الوجه الثاني والمائة بيان أن الله تعالى ضمن الهدى لمن ms402 تبع القرآن ~~والضلال لمن أعرض عنه 2 # إن الله سبحانه ضمن الهدى والفلاح لمن اتبع القرآن والضلال والشقي لمن ~~أعرض عنه فكيف بمن عارضه بمعقول أو رأي أو حقيقة باطلة أو سياسة ظالمة أو ~~قياس إبليسي أو خيال فلسفي ونحو ذلك قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ 123 # فضمن سبحانه لمن اتبع هداه وهو كلامه الهدى في الدنيا والآخرة والسعادة ~~في الدنيا والآخرة فهاهنا أمران : # طريقة وغاية فالطريقة الهدى والغاية السعادة والفلاح فمن لم يسلك هذه ~~الطريقة لم يصل إلى هذه الغاية والله سبحانه قد أخبر أن كتابه الذي أنزله ~~هو الهدى والطريق فلو كان العقل الصريح يخالفه لما كان طريقا إلى الفلاح ~~والرشد وقد أخبر سبحانه أن الذين اتبعوا النور الذي أنزل مع رسوله هم ~~المفلحون لا غيرهم وقال تعالى PageV03P1128 @ @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك ~~على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ - 1 # وكما جعل سبحانه الهدى والفلاح لمن اتبع كتابه وآمن به وقدمه على غيره ~~جعل الضلال والشقاء لمن أعرض عنه واتبع غيره وعارضه برأيه ومعقوله وقياسه ~~قال تعالى : @QB@ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون @QE@ البقرة 257 # وقال @QB@ إن المجرمين في ضلال وسعر @QE@ القمر 47 # وقال @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ~~@QE@ طه 124 # فوصفه بالعمى الذي هو ضد الهدى وبالمعيشة الضنك التي هي ضد السعادة فكتاب ~~الله أوله هداية وآخره سعادة وكلام المعارضين له بمعقولهم أوله ضلال وآخره ~~شقاوة PageV03P1129 @ # الوجه الثالث بعد المائة بيان ms403 أن تقديم العقل على النقل من المجادلة ~~بالباطل # أن الله سبحانه ذم المجادلين في آياته بالباطل في غير آية من كتابه فقال ~~تعالى : @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند ~~الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ غافر 35 # وقال @QB@ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ غافر 56 # وقال @QB@ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم @QE@ إلى ~~قوله @QB@ فبئس مثوى المتكبرين @QE@ - 69 # وأنت إذا تأملت أقوال هؤلاء وسيرتهم رأيت هذه الآيات منطبقة عليهم وهم ~~المرادون بها ومن أعظم الجدال في آيات الله جدال من يعارض النقل بالعقل ثم ~~يقدمه عليه فإن جداله يتضمن أربع مقامات أحدها أنه تبين أن الأدلة النقلية ~~من الكتاب والسنة لا تفيد علما ولا يقينا PageV03P1130 @ # الثاني أن ظاهرها يدل على الباطل والتشبيه والتمثيل # الثالث أن صريح العقل يخالفها # الرابع أنه يتعين تقديمه عليها ولا يصل إلى هذه المقامات إلا بأعظم ~~الجدال # فهو مراد بهذه الآيات قطعا وأعمالهم شاهدة عليهم لمن لم يطلع على حقيقة ~~أقوالهم وهي التكبر والتجبر والفرح في الأرض بغير الحق والمرح وطلب العلو ~~في الأرض والفساد ولا تجد من يعارض الوحي بالعقل ويقدمه عليه إلا بهذه ~~المنزلة فهذه علومهم وعقائدهم وهذه إرادتهم وأعمالهم # الوجه الرابع والمائة # إن الله سبحانه وصف المعرضين عن الوحي المعارضين له بعقولهم وآرائهم ~~بالجهل والضلال والحيرة والشك والعمى والريب فلا يجوز وصفهم بالعلم والعقل ~~والهدى ومنشأ ضلال هؤلاء من شيئين : # أحدهما الإعراض عما جاء به الرسول # والثاني معارضته بما يناقضه فمن ذلك نشأت الاعتقادات المخالفة للكتاب ~~والسنة فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإيمان بالله ~~وأسمائه PageV03P1131 @ وصفاته وأفعاله واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه ~~وعارضه سواء اعتقد ذلك بجنانه أو قاله بلسانه أو كتبه ببنانه وهذا ms404 حال أهل ~~الجهل المركب ومن أعرض عما جاء به الرسول ولم يعرفه ولم يتبينه ولا عارضه ~~بمعقول أو رأي فهو من أهل الجهل البسيط وهو أصل المركب فإن القلب إذا كان ~~خاليا من معرفة الحق واعتقاده والتصديق به ومحبته كان معرضا لاعتقاد نقيضه ~~والتصديق به لا سيما في الأمور الإلهية التي هي غاية مطالب البرية وهي أفضل ~~العلوم وأعلاها وأشرفها وأسماها وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس ~~فيها المتنافسون وجرى إليها المتسابقون فإلى نحوها تمتد الأعناق وإليها ~~تتجه القلوب الصحيحة بالأشواق فالصادقون فيها أهل الإثبات أئمة الهدى ~~كإبراهيم خليل الرحمن وأهل بيته والكاذبون فيها أهل النفي والتعطيل كفرعون ~~وقومه وقال تعالى في أئمة الهدى : @QB@ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا ~~إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين @QE@ ~~الأنبياء 73 PageV03P1132 @ # وقال في أئمة الضلال @QB@ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون @QE@ القصص 41 # فمن لم يكن فيها على طريق أئمة الهدى كان على طريق أئمة الضلال إذ كان ~~ثغر قلبه مفسوحا لهم يلقون فيه أنواع الضلال ويصدونهم عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون ومصداق هذا أن ما وقع في هذه الأمة من البدع والضلال كان من ~~أسبابه التقصير في إظهار السنة والهدى فإن الجهل المركب الذي وقع فيه أهل ~~التعطيل والنفي في توحيد الله وأسمائه وصفاته كان من أعظم أسبابه التقصير ~~في إثبات ما جاء به الرسول عن الله وفي معرفة معاني أسمائه وآياته حتى إن ~~كثيرا من المنتسبين إلى السنة يعتقدون أن طريقة السلف هي الإيمان بألفاظ ~~النصوص والإعراض عن تدبر معانيها وتفقهها وتعقلها فلما أفهموا النفاة ~~والمعطلة أن هذه طريقة السلف قال من قال منهم طريقة السلف أسلم وطريقة ~~الخلف أعلم وأحكم لأنه اعتقد أن طريقة الخلف متضمنة لطلب معاني نصوص ~~الإثبات ولنفي حقائقها وظواهرها الذي هو باطل عنده فكانت متضمنة للعلم ~~والتنزيه وكان فيها علم بمعقول وتأويل لمنقول ومذهب السلف عنده عدم النظر ~~في النصوص وفهم المراد منها دون النظر إلى التعارض والاحتمالات وهذا ms405 ~~PageV03P1133 @ عنده أسلم لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معاني فحمله على ~~بعضها دون بعض مخاطرة وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة فلو تبين ~~لهذا البائس وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من ~~الصفات وفهمها وتدبرها وتعقل معانيها وتنزيه الرب عن تشبيهه فيها بخلقه كما ~~ينزهونه عن العيوب والنقائص وإبطال طريقة النفاة المعطلة وبيان مخالفتها ~~لصريح المعقول كما هي مخالفة لصحيح المنقول علم أن طريقة السلف أعلم وأحكم ~~وأسلم وأهدى إلى الطريق الأقوم وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر وفهم ~~ذلك ومعرفته ولا يناقض ذلك إلا ما هو باطل وكذب وخيال ومن جعل طريقة السلف ~~عدم العلم بمعاني الكتاب والسنة وعدم إثبات ما تضمناه من الصفات فقد أخطأ ~~خطأ فاحشا على السلف كما أن من قال على الرسول أنه لم يبعث بالإثبات وإنما ~~بعث بالنفي كان من أعظم الناس افتراء عليه فهؤلاء المعطلة مفترون على الله ~~ورسوله وعلى سلف الأمة وعلى العقول والفطر وما نصبه الله من الأدلة العقلية ~~والبراهين اليقينية والكذب قرين الشرك كما قرن الله بينهما في غير موضع ~~كقوله تعالى : @QB@ واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به @QE@ 30 ~~PageV03P1134 @ # وقال @QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ الأعراف 152 # وقال @QB@ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل ~~أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون @QE@ - 74 # وقوله @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون @QE@ الأعراف 33 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين أو ~~ثلاثا PageV03P1135 @ # الوجه الخامس والمائة بيان أن طريقة المتكلمين مشتقة من طريقة المخالفين ~~للرسل # أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم ومعقولاتهم لا يمكنهم أن يقولوا كل ~~واحد من الدليلين المتعارضين يقيني وأنهما قد تعارضا ms406 على وجه لا يمكن الجمع ~~بينهما فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقول ولكن نهاية ما يقولون إن الأدلة ~~الشرعية لا تفيد اليقين وأن ما ناقضها من الأدلة البدعية التي يسمونها هم ~~العقليات تفيد اليقين فينفون إفادة اليقين عن كلام الله ورسوله ويثبتونه ~~لما ناقضه من أدلتهم المبتدعة التي يدعون أنها براهين قطعية ولهذا كان لازم ~~قولهم لا محالة الإلحاد والنفاق والإعراض عما جاء به الرسول وهذه حال الذين ~~ذكرهم الله في قوله @QB@ وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب @QE@ غافر 5 وقوله @QB@ وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو ~~شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون @QE@ الأنعام 112 PageV03P1136 @ # فجنس هؤلاء هم المكذبون للرسل ولا يحتج عليهم بما هم مكذبون به ولا بما ~~يزعمون أن العقل الصريح عارضه ولكن المقصود تعريف حال هؤلاء وأن طريقتهم ~~مشتقة من طريقة المكذبين للرسل وأما طريق الرد عليهم فلأتباع الرسول ~~وأنصاره فيه مسالك : # الأول بيان فساد ما ادعوه معارضا للنصوص من عقلياتهم # الثاني بيان أن ما جاء به الرسول من الإثبات معلوم بالضرورة من دينه كما ~~هو معلوم بالأدلة اليقينية فلا يمكن مع تصديق الرسول مخالفة ذلك # الثالث بيان أن المعقول الصريح يوافق ما جاء به الرسول لا يعارضه وبيان ~~أن ذلك معلوم بضرورة العقل تارة وبنظره تارة وهذا أقطع لحجة المعارضين ~~للوحي فإنهم يدلون بالعقل والعقل الصحيح من أقوى الأدلة على بطلان قولهم # الوجه السادس والمائة # أن هذه المعقولات التي عارضوا بها الوحي لها معقولات تعارضها هي أقوى ~~منها ومقدماتها أصح من مقدماتها فيجب تقديمها عليها لو قدر تعارضهما ولا ~~يمكن هؤلاء أن يدفعوا كون النصوص من جانب هذه PageV03P1137 @ المعقولات ~~وحينئذ فمعقول تشهد له النصوص أولى بالصحة والقبول من معقول تدفعه النصوص ~~فنحن ندفع معقولاتهم بهذه المعقولات تارة وبالنصوص تارة وبهما تارة ولا ~~يمكنهم القدح في هذه المعقولات إلا بمقدمات يردها النص وهذا العقل فكيف ترد ms407 ~~هذه المعقولات والنصوص بتلك وهذا قاطع لمن تدبره واعتبر ذلك بالمعقولات ~~التي أقامها المعطلة على نفي علو الله على خلقه ومباينته للعالم والمعقولات ~~التي أقامها أهل الإثبات على ضد قولهم يتبين لك ما بينهما من التفاوت وتسلم ~~نصوص الوحي عن المعارض ونحن نعلم أن المعطلة تقدح في مقدمات هذه المعقولات ~~الدالة على الإثبات ولكن القدح فيها من جنس القدح في الضروريات والبديهيات ~~ولا ينفعهم كون طائفة من العقلاء منكرين لها والضروريات لا ينكرها أحد فإن ~~هذا ينتقض عليهم فكل طائفة من طوائف بني آدم قالوا ما يخالف ضرورة العقل مع ~~كونهم أكثر من هؤلاء النفاة وكل طائفة تشهد على الأخرى أنها خالفت ضرورة ~~العقل فيشهد أصحاب العقل والسمع على النفاة أنهم كما خالفوا صحيح النقل ~~خالفوا صريح العقل وسيشهدون على ذلك PageV03P1138 @ @QB@ إذا بعثر ما في ~~القبور وحصل ما في الصدور @QE@ 9 # وقال المعارضون للوحي @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ~~@QE@ الملك 10 # الوجه السابع والمائة في رد زعمهم بأن القرآن أريد منه خلاف ظاهره # أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن من خاطب الناس في علم من أنواع العلوم من ~~الطب أو الحساب أو النحو أو الهيئة أو غير ذلك بكلام ذكر أنه بين لهم فيه ~~حقيقة ذلك العلم وأوضح مشكلاته وبين غوامضه ولم يحوجهم بعده إلى كتاب سواه ~~ولم يكن في ذلك الكتاب بيان ذلك العلم ولا معرفة ذلك المطلوب بل كانت دلالة ~~الكتاب على نقيض ذلك العلم أكمل وعلى خلافه أدل أو كان العقل الصريح يدل ~~على خلاف ما دل عليه ذلك الكتاب كان هذا المصنف مفرطا في الجهل والضلال أو ~~في المكر والاحتيال أو في الكذب والمحال فكيف بكتاب لم ينزل من السماء كتاب ~~أهدى منه خضعت له الرقاب وسجدت له عقول ذوي الألباب وشهدت العقول والفطر ~~بأن مثله ليس من كلام البشر وأن فضله على كل كلام كفضل المتكلم به على ~~الأنام وأنه نور البصائر من عماها وجلاء القلوب من صداها وشفاء الصدور ms408 من ~~أدوائها وجواها فهو حياها الذي PageV03P1139 @ به حباها ونورها الذي انقشعت ~~به عنها ظلماؤها وغذاؤها الذي به قوام قوتها ودواؤها الذي به حفظ صحتها وهو ~~البرهان الذي زاد على برهان الشمس ضياء ونورا فلو : @QB@ اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا @QE@ الإسراء 88 # فيه نبأ ما كان قبلنا وخبر ما يكون بعدنا وحكم ما بيننا وهو الجد ليس ~~باللعب والفصل ليس بالهزل وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم ~~والصراط المستقيم والنبأ العظيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به ~~الألسن ولا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيتشعب ولا تخلق بهجته على كثرة الترداد بل ~~لا يزداد على تتابع التلاوة إلا بهجة وطلاوة وحلاوة من تركه من جبار قصمه ~~الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ومن أعرض عنه أو عارضه بعقله أو ~~رأيه أو سياسته أو خياله فالضلال منتهاه والنار منقلبه ومثواه والخذلان ~~قرينه PageV03P1140 @ والشقاء صاحبه وخدينه من قال به صدق ومن حكم به عدل ~~ومن حاكم به أفلح ومن خاصم به استظهر بأقوى الحجج ومن استنصر به فهو مؤيد ~~ومنصور ومن عدل عنه فهو مخذول ومثبور فبغاه هؤلاء النفاة المعطلة عوجا ~~وجعلوا دون الاهتداء به بابا مرتجا وعزلوه عن إفادة العلم واليقين وقالوا ~~قد عارض ما أثبتته العقول والبراهين وقالوا لم يدل على الحق في الأمور ~~الإلهية ولا أفاد علما ولا يقينا في هذه المطالب العلية بل دلالته ظاهرة في ~~نقيض الصواب مفهمة لنقيض ما يقوله أولو العقول والألباب فالواجب أن نحترمه ~~بالإمساك والتفويض أو نسلط عليه التأويل إن أفهم الخلاف والضد والنقيض فإن ~~عجزنا عن ذلك أتينا بالقانون المشهور بيننا والمقبول أنه إذا تعارض العقل ~~والنقل قدمنا المعقول PageV03P1141 @ على المنقول فهذا حقيقة قول هؤلاء ~~النفاة المعطلين في كلام رب العالمين وكلام رسوله الأمين # الوجه الثامن والمائة بيان أن قولهم إن القرآن أريد به خلاف ظاهره يتضمن ~~الصد عنه # أن هذا يتضمن الصد عن آيات ms409 الله وبغيها عوجا وقد ذم الله سبحانه من فعل ~~ذلك وتوعده بأليم العقاب فقال @QB@ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد ~~@QE@ - 1 # وقال @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول ~~الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين ~~يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون @QE@ 18 # وهؤلاء المعارضون للوحي بعقولهم جمعوا بين الأمور الثلاثة الكذب على الله ~~والصد عن سبيل الله وبغيها عوجا أما الكذب على الله فإنهم نفوا عنه ما ~~أثبته لنفسه من صفات الكمال ووصفوه بما لم يصف به نفسه وأما صدهم عن سبيله ~~وبغيها عوجا فإنهم أفهموا الناس بل PageV03P1142 @ صرحوا لهم بأن كلام الله ~~ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد علما ولا يقينا وأن العقول عارضتها فيجب تقديم ~~العقول عليها وأي عوج أعظم من عوج مخالفة العقل الصريح وقد وصف الله كتابه ~~بأنه غير ذي عوج ولا ريب أن الله هو الصادق في ذلك وأنهم هم الكاذبون # فإن قلت يبغونها متعدي إلى مفعول واحد فما وجه انتصاب عوجا قيل فيه وجوه ~~أحدها أنه نصب على الحال أي يطلبونها ذات عوج لا يطلبونها مستقيمة والمعنى ~~يطلبون لها العوج # الثاني أن عوجا مفعول يبغونها على تقدير حذف اللام أي يطلبون لها عوجا ~~يرمونها به ويصفونها به وأحسن منهما أن تضمن يبغونها إما معنى يعوجونها ~~فيكون عوجا منصوبا على المصدر ودل فعل البغي على طلب ذلك وابتغائه # وأما معنى يسومونها ويؤولونها وعلى كل تقدير فسبيل الله هداه وكتابه ~~الهادي للطريق الأقوم والسبيل الأقصد فمن زعم أن في العقل ما يعارضه فقد ~~بغاه عوجا ودعا إلى الصد عنه ومن له خبرة بالمعقول الصحيح يعلم أن العوج في ~~كلام هؤلاء المعوجين الذين ms410 هم عن الصراط ناكبون وعن سبيل الرشد حائدون وعن ~~آيات الله بعيدون وبالباطل PageV03P1143 @ والقضايا الكاذبة يصدقون وفي ~~ضلالهم يعمهون وفي ريبهم يترددون وهم للعقل الصريح والسمع الصحيح مخالفون : ~~@QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما ~~آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون الله ~~يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون @QE@ - 11 # الوجه التاسع والمائة بيان أن الرسل تكلموا في هذا الباب بالإثبات ~~المناقض لقول هؤلاء # أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يسكتوا عن الكلام في هذا الباب بل ~~تكلموا فيه بغاية الإثبات المناقض لما عليه الجهمية المعطلة وعند الجهمية ~~أن الساكت عنه خير من المتكلم فيه بالإثبات المناقض لتعطيلهم والمتكلم فيه ~~بالنفي والتعطيل الذي يسمونه تنزيها خير من الساكت عنه فجعلوا المتكلم فيه ~~بالإثبات آخر المراتب وهو أحسنها ولا ريب أن هذا يستلزم غاية القدح في ~~الرسل والتنقص لهم ونسبتهم إلى القبيح ووصفهم بخلاف ما وصفهم الله به ~~ومضمون هذا أنهم لم يهدوا الخلق ولم يعلموهم الحق بل لبسوا عليهم ودلسوا ~~وأضلوهم وعرضوهم للجهل المركب ولو تركوهم في جهلهم البسيط لكان خيرا ~~PageV03P1144 @ لهم بل تركوهم في حيرة مذبذبين لا يعرفون الحق من الباطل ~~ولا الهدى من الضلال فعند هؤلاء الضالين كلام الأنبياء لا يشفي عليلا ولا ~~يروي غليلا ولا يبين الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال بل يكون كلام من ~~تسفسط في العقليات وتقرمط في السمعيات وهو كخيط السحار والمشعوذ يخرجه تارة ~~أحمر وتارة أبيض وتارة أسود أهدى سبيلا من نصوص الوحي فإن نصوص الوحي عند ~~هؤلاء أضلت الخلق وأفسدت عقولهم وعرضتهم لاعتقاد الباطل ومن راعى حرمة ~~النصوص منهم قال فائدة إنزالها اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها ~~وحقائقها بالأدلة المعارضة لها حتى تنال النفوس كل الاجتهاد وتنهض إلى ms411 ~~التفكر والاستدلال بالأدلة العقلية المعارضة لها الموصلة إلى الحق فحقيقة ~~الأمر عند المعطلة أن الرسل خاطبوا الخلق بما لا يبين الحق ولا ينال منه ~~الهدى بل ظاهره يدل على الباطل ويفهم منه الضلال ليكون انتفاع الخلق بخطاب ~~الرسول اجتهادهم في رد PageV03P1145 @ ما أظهرته الرسل وأفهمته الخلق ~~ليصلوا برده إلى معرفة الحق الذي استنبطوه بعقولهم ولم يحتاجوا فيه إلى ~~الرسل بل احتاجوا فيه إلى رد ما جاؤوا به بالقانون العقلي أو رد معناه ~~بالتأويل اللفظي وحينئذ فنقول في # الوجه العاشر بعد المائة في رد زعمهم أن الرسل أرادوا خلاف ما أظهروه ~~للناس # إن مثل ما جاءت به الرسل عند النفاة والمعطلة مثل من ارسل مع الحاج أدلاء ~~يدلونهم في طريق مكة وأوصى الأدلاء بأن يخاطبوهم بخطاب يدلهم على غير ~~الطريق ليكون ذلك الخطاب سببا لنظرهم واستدلالهم حتى يعرفوا الطريق بنظرهم ~~واستدلالهم لا بأولئك الأدلة وحينئذ يردون ما فهموا من كلام الأدلة وخطابهم ~~ويجتهدون في نفي دلالته وإبطال مفهومه ومقتضاه ومن المعلوم أن خلقا كثيرا ~~لا يتبعون إلا الأدلاء الذين يدعون أنهم أخبر بالطريق منهم وأن ولاة الأمور ~~قلدوهم دلالة الحاج وتعريفهم الطريق وإن درك ذلك عليهم والطائفة التي ظنت ~~أن الأدلاء لم يريدوا بكلامهم الدلالة والإرشاد إلى PageV03P1146 @ سبيل ~~الرشاد صار كل منهم يستدل بنظره واجتهاده فاختلفوا في الطرق وتشتتوا فمنهم ~~من سلك طرقا أخرى غير طرق مكة فأفضت بهم إلى مفاوز معطشه وأودية مهلكة وأرض ~~مسبعة فأهلكتهم وطائفة أخرى شكوا وحاروا فلا مع الأدلاء سلكوا فأدركوا ~~المقصود ولا لطرق المخالفين للأدلاء اتبعوا بل وقفوا مواقف التائهين ~~الحائرين حتى هلكوا في أمكنتهم أيضا جوعا وعطشا كما هلك أرباب تلك الطرق ~~فلم ينجوا من المكروه ولم يظفروا بالمطلوب وآخرون اختصموا فيما بينهم ~~فصاروا حزبين حزبا يقولون الصواب مع الأدلاء فإنهم أهل هذا الشأن الذي ~~نصبوا له دون غيرهم وحزبا يقولون بل الصواب مع هؤلاء الذين يقولون إنهم ~~أخبر وأصدق وكلامهم في الأدلة أبين وأصدق فاقتتل الفريقان وطال بينهم ~~الخصام والجدال وانتشر القيل والقال ms412 وشهد آخرون الوقعة فوقفوا بين هؤلاء ~~وهؤلاء وخذلوا الفريقين ولم يتحيزوا إلى واحدة من الطائفتين فهلك الحجيج ~~وكثر الضجيج وعظم البكاء والنشيج واضطربت الآراء وعصفت الأهواء وصار حالهم ~~كحال قوم سفر نزلوا في ليلة ظلماء فهجم عليهم عدو وهم نيام فقاموا في ظلمة ~~PageV03P1147 @ الليل على وجوههم هاربين لا يهتدون سبيلا ولا يتبعون دليلا ~~وهذا كله إنما نشأ من قول السلطان للأدلاء خاطبوا الناس بما يدلهم على غير ~~الطريق ليجتهدوا بعقولهم ونظرهم في معرفة الطريق فهل يكون من فعل هذا ~~بالحجيج قد هداهم السبيل أو أرشدهم إلى اتباع الدليل أو أراد بهم ما يريده ~~الراعي المشفق على رعيته الناصح لهم وهل هذا مطابق لقول الدليل @QB@ يا قوم ~~لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم @QE@ الأعراف 93 # وقوله @QB@ وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون @QE@ الأعراف 62 # وقوله @QB@ وأنا لكم ناصح أمين @QE@ الأعراف 68 # فأين النصح والأمانة على قول المعطلين النفاة فإذا قال هذا الدليل إنما ~~قصدت بذلك أن يجتهد الحاج في معرفة الطريق بعقولهم وبحثهم ونظرهم ولا ~~يستدلوا بكلامي فهل يكون هذا دليلا أم قاطع طريق فهذا مثال ما يقوله هؤلاء ~~PageV03P1148 @ المعطلة النفاة في رسل الله الذين أرسلهم الله سبحانه إلى ~~الخلق ليعلموهم ويهدوهم ويدعوهم إلى الله وإلى السبيل الموصلة إليه فجعل ~~هؤلاء المعطلة الجهاد في إفساد سبيل الله جهادا في سبيله والاجتهاد في رد ~~ما جاءت به رسله اجتهادا في الإيمان به والسعي في إطفاء نور الله سعيا في ~~إظهار نوره والحرص على أن لا يصدق كلامه ولا تقبل شهادته ولا تتبع دلالته ~~حرصا على أن تكون كلمة الحق هي العليا والمبالغة في طريق أهل الإشراك ~~والتعطيل مبالغة في طريق التوحيد الموصلة إلى سواء السبيل فقلبوا الحقائق ~~وأفسدوا الطرائق وأضلوا الخلائق وعطلوا الخالق وإنما يعرف حقيقة هذا المثل ~~ومطابقته للواقع من ضرب في الكتاب والسنة بسهم وحصل منها على نصيب وافر ~~واطلع على حقيقة أقوال المعطلين النفاة في دلائلهم ومسائلهم ونظر إلى ~~غايتها من خلال كلماتهم ومن البلية العظمى أن ms413 كثيرا ممن لهم علم وفقه ~~وعبادة وزهد ولسان صدق في العامة وقد ضرب في العلم والدين بسهم قد التبس ~~عليه كثير من كلامهم فقبله معتقدا أنه حق وأن أصحابه محققون فسمع كلام الله ~~وكلام رسوله وكلام أهل العلم والإيمان وكلام هؤلاء وغيرهم من أهل الإلحاد ~~فيؤمن بهذا وهذا إيمانا مجملا ويصدق الطائفتين ولا يدخل في تحقيق طريق ~~هؤلاء ولا هؤلاء فإذا سمع القرآن والحديث قال هذا كلام الله PageV03P1149 @ ~~وكلام رسوله وإذا سمع كلام الملاحدة والمعطلة الذين حسن ظنه بهم قال هذا ~~كلام العارفين المحققين والنظار أصحاب العقول والبراهين وإذا سمع كلام ~~الاتحادية الملاحدة الذين هم أكفر طوائف بني آدم قال هذا كلام أولياء الله ~~أو كلام خاتم الأولياء ومرتبتنا تقصر عن فهمه فضلا عن الاعتراض عليه ~~وبالجملة فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أتباع خاصة وعامة ولمسيلمة الكذاب ~~أتباع خاصة وعامة والله تعالى جعل للهدى أئمة وأتباعا إلى آخر الدهر ~~وللضلال أئمة وأتباعا إلى آخر الدهر # الوجه الحادي عشر بعد المائة بيان أن قولهم إن الرسل أرادوا خلاف ما ~~أظهروه للناس يستلزم الكفر والإلحاد # إن لوازم هذا القول معلومة البطلان بالضرورة من دين الإسلام وهي من أعظم ~~الكفر والإلحاد وبطلان اللازم يستلزم بطلان ملزومه فإن من لوازمه أن لا ~~يستفاد من خبر الرسول عن الله في هذا الباب علم ولا هدى ولا بيان للحق في ~~نفسه # ومن لوازمه أن يكون كلامه مضمونا لضد ذلك ظاهره وحقيقته # ومن لوازمه القدح في علمه ومعرفته أو في فصاحته وبيانه أو في نصحه ~~وإرادته كما تقدم تقريره مرارا # ومن لوازمه أن يكون المعطلة النفاة أعلم بالله منه أو أفصح أو انصح # ومن لوازمه أن يكون أشرف الكتب وأشرف الرسل قد PageV03P1150 @ قصر في هذا ~~الباب غاية التقصير بل أفرط في التجسيم والتشبيه غاية الإفراط وتنوع فيه ~~غاية التنوع فمرة يقول أين ومرة يقر عليها لمن سأله ولا ينكرها ومرة يشير ~~بإصبعه ومرة يضع يده على عينه وأذنه حين يخبر عن سمع الرب وبصره ومرة يصفه ms414 ~~بالنزول والمجيء والإتيان والانطلاق والمشي والهرولة ومرة يثبت له الوجه ~~والعين واليد والإصبع والقدم والرجل والضحك والفرح والرضى والغضب والكلام ~~والتكليم والنداء بالصوت والمناجاة ورؤية أهل الجنة له مواجهة عيانا ~~بالأبصار من فوقهم ومحاضرته لهم محاضرة ورفع الحجب بينه وبينهم وتجليه لهم ~~واستدعائهم لزيارته وسلامه عليهم سلاما حقيقيا قولا من رب رحيم واستماعه ~~وأذنه لحسن الصوت إذا تلا كلامه وخلقه ما شاء بيده وكتابة كلامه بيده ويصفه ~~بالإرادة والمشيئة والقوة والقدرة PageV03P1151 @ والحياة والحياء وقبض ~~السماوات وطئها بيده والأرض بيده الأخرى ووضعه السماوات على إصبع والأرض ~~على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع وأضعاف ذلك مما إذا سمعه ~~المعطلة سبحوا الله ونزهوه جحودا وإنكارا لا إيمانا وتصديقا فما ضحك منه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا لقائله يعبس منه هؤلاء إنكارا ~~وتكذيبا وما شهد لقائله بالإيمان شهد هؤلاء له بالكفر والضلال وما أوحى ~~بتبليغه إلى الأمة وإظهاره يوصي هؤلاء بكتمانه وإخفائه وما أطلقه على ربه ~~لئلا يطلق عليه ضده ونقيضه يطلق هؤلاء عليه ضده ونقيضه لئلا يطلق هو عليه ~~وما نزه ربه عنه من العيوب والنقائص يمسكون عن تنزيهه عنه وإن اعتقدوا أنه ~~منزه عنه ويبالغون في تنزيهه عن ما وصف به نفسه فتراهم يبالغون أعظم ~~المبالغة في تنزيهه عن علوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه بالقرآن ~~حقيقة وإثبات الوجه واليد والعين له مالا يبالغون مثله ولا قريبا منه في ~~تنزيهه عن الظلم والعيب والفعل لا لحكمة والتكلم بما ظاهره ضلال ومحال ~~وتراهم إذا أثبتوا أثبتوا مجملا لا تعرفه القلوب ولا تميز بينه وبين العدم ~~وإذا نفوا نفوا مفصلا نفيا يتضمن تعطيل ما أثبته الرسول حقيقة فهذا وأضعافه ~~وأضعاف أضعافه من لوازم قول المعطلة ومن لوازمه أن القلوب لا تحبه ولا ~~تريده ولا تبتهج به PageV03P1152 @ ولا تشتاق إليه ولا تلتذ بالنظر إلى ~~وجهه الكريم في دار النعيم كما صرحوا بذلك وقالوا هذا كله إنما يصح تعلقه ~~بالمحدث لا بالقديم قالوا وإرادته ومحبته محال لأن الإرادة إنما تتعلق ms415 ~~بالمعدوم لا بالموجود والمحبة إنما تكون لمناسبة بين المحب والمحبوب ولا ~~مناسبة بين القديم والمحدث # ومن لوازمه أعظم العقوق لأبيهم آدم فإن من خصائصه أن الله خلقه بيده ~~فقالوا إنما خلقه بقدرته فلم يجعلوا له مزية على إبليس في خلقه # ومن لوازمه بل صرحوا به جحدهم حقيقة خلة إبراهيم وقالوا هي حاجته وفاقته ~~وفقره إلى الله فلم يثبتوا له بذلك مزية على أحد من الخلق إذ كل أحد فقير ~~إليه في كل نفس وطرفة عين # ومن لوازمه بل صرحوا به أن الله لم يكلم موسى تكليما وإنما خلق كلاما في ~~الهواء أسمعه إياه فكلمه في الريح لا أنه أسمعه كلامه الذي هو صفة من صفاته ~~قائم بذاته لا يصدق الجهمي بهذا أبدا # ومن لوازمه بل صرحوا به أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرج به إلى ~~الله حقيقة ولم يدن من ربه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ولم يرفع من عند ~~موسى إلى عند ربه مرارا يسأل التخفيف لأمته فإن من وإلى عندهم في حق الله ~~محال فإنها تستلزم المكان ابتداء وانتهاء # ومن لوازمه أن الله سبحانه لم يفعل شيئا ولا يفعل شيئا PageV03P1153 @ ~~البتة فإن الفعل عندهم عين المفعول وهو غير قائم بالرب تعالى فلم يقم به ~~عندهم فعل أصلا وسموه فاعلا من غير فعل يقوم به كما سموه مريدا من غير ~~إرادة تقوم به وسموه متكلما من غير كلام يقوم به وسماه زعيمهم المستأخر عند ~~الله وعند عباده عالما من غير علم يقوم به حيث قال العلم هو المعلوم كما ~~قالوا الفعل هو المفعول # ومن لوازمه أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض فإن ~~ذلك من مقولة أن ينفعل وهذه المقولة لا تتعلق به وهي في حقه محال كما نفوا ~~علوه على خلقه واستواءه على عرشه لكون ذلك من مقولة الأين وهي عليه محال ~~ونفوا كلامه وحياته وقدرته ومشيئته وإرادته وسائر صفاته لأنها من مقولة ~~العرض وهي ممتنعة عليه كما ms416 نفوا استوائه على عرشه لأنه من مقولة الوضع ~~المستحيل ثبوتها له ولوازم قولهم أضعاف أضعاف ما ذكرناه وإنما أشرنا إلى ~~بعضها إشارة يتفطن بها اللبيب لما وراءها وبالله التوفيق # الوجه الثاني عشر بعد المائة بيان # أن الرسول إذا لم يبين للناس أصول إيمانهم ولا عرفهم علما يهتدون به في ~~أعظم أمور الدين وأصل مقاصد الدعوة النبوية وأجل ما خلق الخلق له وأفضل ما ~~أدركوه PageV03P1154 @ وحصلوه وظفروا به وهو معرفة الله ومعرفة أسمائه ~~وصفاته وأفعاله وما يجب له ويمتنع عليه بل إنما يبين لهم الأمور العملية ~~كانت رسالته مقصورة على أدنى المقصودين فإن الرسالة لها مقصودان عظيمان ~~أحدهما تعريف العباد ربهم ومعبودهم بما هو عليه من الأسماء والصفات # والثاني محبته وطاعته والتقرب إليه فإذا لم يكن الرسول قد بين للأمة أجل ~~المقصودين وأفضلهما كانت رسالته قاصرة جدا فكيف إذا أخبرهم فيه بما تحيله ~~عقولهم وأذهانهم وإذا كان النفاة المعطلة قد بينوا ذلك بيانا مفصلا يجب على ~~كل أحد اعتقاده فحينئذ ما أتوا به أفضل مما جاء به الرسول في القسمين فإن ~~النفي عندهم هو الحق والإثبات باطل فما جاؤوا به من ذلك خير عندهم مما جاء ~~به الرسول من هذا الوجه ومن جهة أن العلم أشرف من العمل ومن المعلوم أن ~~النفاة المعطلة ليس فيهم أحد من أئمة الإسلام ومن لهم في الأمة لسان صدق ~~وإنما أئمتهم الكبار القرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم ~~من ملاحدة الفلاسفة كابن سينا والفارابي وأمثالهما وملاحدة المتصوفة ~~القائلين بوحدة الوجود PageV03P1155 @ كابن سبعين وصاحب الفصوص وصاحب نظم ~~السلوك وأمثالهم ثم من أئمتهم من هو أمثل من هؤلاء كأئمة الجهمية كالجهم بن ~~صفوان والجعد بن درهم وأبي الهذيل العلاف وإبراهيم النظام وبشر المريسي ~~وثمامة بن أشرس وأمثال هؤلاء ممن هم من أجهل الخلق بما بعث الله به رسوله ~~فيا للعقول ويا للعجب أيكون ما أتى به هؤلاء من التعطيل والنفي أكمل مما ~~أتى به موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله خاتم الرسل وإخوانهما من المرسلين ~~صلوات الله ms417 وسلامه عليهم فإن الرسل عند النفاة لم يبينوا أفضل العلم ~~والمعرفة وإنما هم الذين بينوا ذلك ودلائله تأصيلا وتفصيلا وقد صرح ملاحدة ~~هؤلاء بأن الرسل راموا إفادة PageV03P1156 @ ما بينوا هؤلاء الملاحدة كما ~~قال بن سبعين في خطبة كتابه أما بعد فإني قد عزمت على إفشاء السر الذي رمز ~~إليه هرامسة الدهور الأولية ورامت إفادته الهداية النبوية ويقول صاحب ~~الفصوص أن الرسل يستفيدون معرفة ذلك من مشكاة خاتم الأولياء وأن هذا الخاتم ~~يأخذ العلم من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فهو ~~أعلى إسنادا من الرسول وأقرب تلقيا على قوله وطائفة من الفلاسفة تقول إن ~~الفيلسوف أفضل من النبي وأكمل منه بناء على هذا الأصل الملعون ومن لم يصل ~~إلى هذا الذي هو غاية تحقيقهم من أهل التعطيل والتجهيم ومبتدعة المتصوفين ~~فقد شاركهم في الأصل وقاسمهم في الربح والثمرة والله الموفق PageV03P1157 @ # الوجه الثالث عشر بعد المائة بيان تناقض أقوال هؤلاء # إن أقوال هؤلاء النفاة المعطلة متناقضة مختلفة وذلك يدل على بطلانها ~~وأنها ليست من عند الله وما جاء به الرسول متسق متفق يصدق بعضه بعضا ويوافق ~~بعضه بعضا وهذا يدل على أنه حق في نفسه قال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ~~ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ 82 # وأنت إذا تأملت مقالات القوم ومعقولاتهم وجدتها أعظم شيء تناقضا ولا تجد ~~أحدا من فضلائهم ورؤسائهم أصلا إلا وهو يقول الشيء ويقول ما يخالفه ويناقضه ~~تارة في المسألة الواحدة وتارة يقول القول ثم ينقضه في مسألة أخرى من ذلك ~~الكتاب بعينه # وأما قوله الشيء وقول نقيضه في الكتاب الآخر فمن له فهم واطلاع على كتب ~~القوم يعلم ذلك وأما الجاهل المقلد فلا تعبأ به ولا يسوءك سبه وتكفيره ~~وتضليله فإنه كنباح الكلب فلا تجعل للكلب عندك قدرا أن ترد عليه كلما نبح ~~عليك ودعه يفرح بنباحه وأفرح أنت بما فضلت به عليه من العلم والإيمان ~~والهدى واجعل الإعراض عنه من بعض شكر نعمة الله التي ساقها ms418 إليك وأنعم بها ~~عليك # ولولا خشية الإطالة لذكرنا في هذا الموضع من تناقضهم في مسائلهم ودلائلهم ~~في كل مسألة ما يتعجب منه العاقل PageV03P1158 @ ويتنبه به الغافل وأما ~~مناقضة بعضهم بعضا ومعارضة بعضهم بعضا في الأدلة والأحكام فأمر لا خفاء به ~~فالواحد منهم متناقض مع نفسه وأصحابه متناقضون فيما بينهم وهم وخصومهم في ~~هذا الباب أشد تناقضا ومناقضتهم لنصوص الوحي معلومة وهم متناقضون لما تعلم ~~صحته بصريح العقل فهم في @QB@ كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها @QE@ النور 40 # ولكن لا يرى هذه الظلمات إلا من هو في نور السمع والعقل @QB@ ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور @QE@ النور 40 # الوجه الرابع عشر بعد المائة # أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل يستلزم قولهم ثلاث مقدمات تناقض ~~دعواهم غاية المناقضة # المقدمة الأولى ثبوت الرسالة في نفس الأمر على قاعدة أهل الملل وأن ~~الرسول جاء من عند الله برسالة ليس PageV03P1159 @ مقدورا لبشر نيلها ~~باكتساب ولا رياضة ولا صناعة من الصنائع # الثانية أنه جاء بهذا الكلام الذي ادعوا أن العقل عارضه # الثالثة أنه أراد به حقيقته وظاهره فلا تتم دعوى المعارضة إلا بهذه ~~الأمور وحينئذ فإما أن يقر المعارض بها أو ينكرها فإن أقر بها ثم ادعى ~~المعارضة كان قوله في غاية وحالة القدح في المرسل والرسول وإن أنكرها كان ~~الكلام معه في أصل ثبوت الرسالة واحتج عليه بما يحتج على منكري النبوات وإن ~~أقر بالنبوة على طريقة ملاحدة الفلاسفة ومن سلك سبيلهم أنها مكتسبة وأن ~~خاصة النبي قوة ينال بها العلم وقوة يتصرف فيها في المعقولات فيشكلها في ~~نفسه خيالات ترى وتسمع وهي المسماة بالملائكة كما يقوله شيوخ هؤلاء كابن ~~سينا وأتباعه ولم يمكنه أن يجزم بأن النبي عالم بما يقول معصوم عن الخطأ ~~فيه فكيف وهو يقول إن النبي قد يقول ما يعلم خلافه فهو لا يستفيد بخبر ~~النبي حقا البتة فكيف يتكلم في ms419 المعارضة التي هي فرع الاعتراف بصحة الدليل ~~ولكن قد PageV03P1160 @ عارضه غيره فيكون مقام هذا مقام منع لا مقام معارضة ~~فإما أن يمنع كون النبي عالما بما يقول أو كونه جازما معصوما فيه أو كونه ~~جاء بذلك أو كونه أراد به خلاف ما دل العقل بزعمه عليه وإلا فمع إقراره ~~بذلك تستحيل المعارضة أن ترجع حقيقتها إلى أن ما جاء به حق وأنه باطل وهذا ~~جمع بين النقيضين فثبت أن هذه الطريقة طريقة ممانعة لا طريقة معارضة وأن ~~دعوى المعارض تستلزم الجمع بين النقيضين فمن لم يعلم أن الرسول معصوم صادق ~~فيما يخبر به كيف تمكنه المعارضة ومن لم يعلم أنه جاء بكذا لم تمكنه ~~المعارضة ومن لم يعلم أنه أراده بكلامه لم تمكنه المعارضة ومن علم هذه ~~الأمور الثلاثة وأقر بها لم يمكنه المعارضة فبطلت دعوى المعارضة على ~~التقريرين وبالله التوفيق يوضحه # الوجه الخامس عشر بعد المائة # إن من عرف بطلان هذه المعقولات التي يعارض هؤلاء بها السمع امتنع عنده أن ~~يحصل بها المعارضة لامتناع ثبوت المعارضة بين الحق والباطل ومن اعتقد صحتها ~~فاعتقاد صحتها عنده ملزوم لبطلان السمع فيلزم من صحتها بطلانه وتمتنع ~~المعارضة أيضا فالمعارضة ممتنعة على تقدير صحتها وفسادها PageV03P1161 @ # الوجه السادس عشر بعد المائة بيان أن تجويز المعارضة بين العقل والنقل ~~تضاد الإيمان # إن تجويز التعارض بين السمع والعقل والإيمان بالله ورسوله لا يمكن ~~اجتماعها البتة فإن صحت المعارضة امتنع الإيمان وإن صح الإيمان امتنعت ~~المعارضة فإن الإيمان مبناه على أن الرسول صادق فيما يخبر به عن الله معصوم ~~في خبره وعلى أنه جاء بهذا الكتاب وعلى أنه أراد من الأمة أن يثبتوا حقائقه ~~ويفهموه ويتدبروه ولا ينفوا حقائق ما أخبر به ويقروا بلفظه فلا يمكن وجود ~~الأيمان بالرسول إلا بهذه الأصول الثلاثة فإذا جوزنا معارضة العقل الصريح ~~لما جاء له لزم القدح والطعن فيها أو في بعضها والطعن في الأمرين الأولين ~~مناقض للإيمان بالذات والطعن في الثالث يستلزم الطعن فيهما إذ غايته ~~الاعتراف بأنه جاء بهذه ms420 الألفاظ ولم يجيء بحقائقها ومعانيها وهذا جحد لما ~~أرسل به حقيقة فثبت أن الإيمان وهذه المعارضة لا يجتمعان أبدا يوضحه # الوجه السابع عشر بعد المائة بيان أن هذا يؤدي إلا عزل الرسول عن موجب ~~رسالته # وهو أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم إما أن تردوا هذه النصوص ~~وتكذبوها وإما أن تصدقوها وتقبلوها والأول إلحاد وكفر ظاهر وإن قبلتموها ~~فإما أن تعتقدوا أن الرسول أراد حقائقها ومعانيها المفهومة منها أولا فإن ~~اعتقدتم أنه اراد حقائقها فإما أن تعتقدوا ثبوت تلك PageV03P1162 @ الحقائق ~~في نفس الأمر وانتفائها أو تشكون في الأمر ولا ريب أنه مع اعتقاد ثبوت تلك ~~الحقائق تمتنع المعارضة وأنه مع الشك تمتنع المعارضة فلا تمكن المعارضة إلا ~~على تقدير العلم بانتفاء تلك الحقائق في نفس الأمر وحينئذ فإذا أراد ~~إفهامها فقد أراد إفهام خلاف الحق فإما أن توافقوه في مراده وتمنعوا ~~تأويلها بما يخالف حقائقها لأنه مناقضة لمراده وإما أن توجبوا تأويلها بما ~~يخرجها عن حقائقها ومعانيها المفهومة منها والأول يستلزم الإقرار على ~~الباطل وإفهام أقبح الكذب وهو الكذب على الله واسمائه وصفاته وهذا يرجع على ~~أصل الرسالة ومقصودها بالإبطال فلم يبق إلا التأويل ولا يمكنكم سلوك طريقه ~~لأنكم تناقضون فيه أقبح التناقض # فإنكم إما تتأولوا الجميع وليس في المنتسبين إلى القبلة من يجوز ذلك ولا ~~يمكنه وإما تتأولوا البعض دون البعض فيقال لكم ما الفرق بين ما جوزتم ~~تأويله فصرفتموه عن حقيقته ومعناه الظاهر منه وبين ما أقررتموه على حقيقته ~~فإن قلتم ما يقوله جمهوركم أن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه وما لم يعارضه ~~عقلي قاطع أقررناه # قيل لكم فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء فإنكم لا يمكنكم نفي جميع ~~المعارضات العقلية PageV03P1163 @ كما تقدم إذ غاية ما معكم نفي العلم بها ~~وعدم العلم لا يستلزم عدم المعلوم وأيضا فمعقولات الناس ليست على حد واحد ~~فهب أن معقولاتكم ليست تعارض ما أقررتموه فقد ادعى غيركم أن مقدماتكم التي ~~عارضتم بها ما تأولتموه ومثلها وأيضا فعدم العلم بالمعارض العقلي القطعي ms421 لا ~~يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي فإنكم إذا جوزتم على الرسول أن يقول قولا ~~له معنى وهو لا يريده لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر ~~الناس أو لا تخطر ببال الخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك جاز أن يريد بما ~~أقررتموه ما يخالف مقتضاه وعدم العلم بما يعارضه من العقليات لا يستلزم عدم ~~المعارض في نفس الأمر وهذا مما لا جواب لكم عنه # فإن قلتم نتأول ما لا يعلم بالاضطرار أنه جاء به وأراده وما علم ~~بالاضطرار أنه جاء به وأراد معناه أقررناه # قيل لكم فخصومكم من أهل الباطل يقولون لكم فيما أقررتموه نحن لم نعلم أنه ~~جاء بهذا ولا أراد معناه كما قلتم أنتم فيما تأولتموه سواء فدعواكم من جنس ~~دعواهم لا فرق بينهما فما الذي جعل قولكم أولى بالصواب من قولهم واتباع ~~الرسول وحزبه العالمون بما جاء به الذين هم خاصته يعلمون بالاضطرار من دينه ~~أنه جاء بما يخالف تأويلاتكم وتأويلات إخوانكم وتعلمون بالضرورة أنها ~~مناقضة لما جاء به مناقضة ظاهرة ولا يدعون عليكم أنكم PageV03P1164 @ ~~تعلمون ذلك فإنكم لا علم لكم بما جاء به وأنتم من أبعد الناس عنه فإذا قلتم ~~لا نعلم أنه جاء به صدقوكم في ذلك ولكن جهلكم بما جاء به وإعراضكم عنه لا ~~يوجب مشاركتهم لكم في هذا الجهل فالمثبتون لعلو الله على خلقه واستوائه على ~~عرشه وتكلمه بالقرآن حقيقة وتكليمه لعبده موسى حقيقة منه إليه بلا واسطة ~~كلاما أسمعه إياه وتكليم عباده في الآخرة وتكليمه ملائكته وإثبات صفاته ~~ورؤية المؤمنين له في الجنة من فوقهم عيانا جهرة بأبصارهم يعلمون أن نبيهم ~~جاء بذلك ضرورة كما أنه جاء بالوضوء والغسل من الجنابة والصلاة وصوم رمضان ~~والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش فكيف تنكرون ذلك لعدم علمكم ولما علم ~~أئمة هؤلاء وفضلاؤهم أن هذا لازم لا محالة صرحوا بأنه لا يستفاد من ~~السمعيات علم ولا يقين إذ هي موقوفة على أمور عشرة ومنها نفي المعارض ~~العقلي ولا سبيل إلى العلم بانتفائه وهذا ms422 أتم ما يكون من عزل الرسول عن ~~موجب رسالته وبالله التوفيق # الوجه الثامن عشر بعد المائة بيان أن من أعرض عن طريق السمع فليس له إلا ~~طريق النظار أو طريق الكشف # أن هؤلاء المعرضين عن الأدلة السمعية المعارضين لها إذا فعلوا ذلك لم يبق ~~لهم إلا طريقان إما طريق النظار وهي الأدلة القياسية العقلية وإما طريق ~~الكشف وما بدرك بالرياضة وصفاء الباطن وكل من هاتين PageV03P1165 @ ~~الطريقتين باطلة أضعاف حقه وفيها من التناقض والاضطراب والفساد مالا يحصيه ~~إلا رب العباد ولهذا تجد غاية من سلك الطريق الأولى الحيرة والشك وغاية من ~~سلك الطريق الثانية الشطح فغاية أولئك عدم التصديق بالحق وغاية هؤلاء ~~التصديق بالباطل وحال أولئك تشبه حال المغضوب عليهم وحال هؤلاء تشبه حال ~~الضالين ونهاية أولئك التعطيل والنفي ونهاية هؤلاء الإلحاد والقول بالوحدة ~~والاتحاد ولهذا لما وصل حذاقهم في طريقة النظر إلى آخرها ورأوا غوائلها ~~وآفاتها ورأوها لا توصل إلى المطلوب الصحيح رجعوا إلى طريقة الوحي والآثار ~~النبوية كما صرح به الرازي وبن أبي الحديد وأبو حامد وأبو المعالي وغيرهم ~~واعترفوا في آخر الأمر أن الطرق كلها مسدودة إلا طريق الوحي والأثر # الوجه التاسع عشر بعد المائة # أن يقال لمن جوز مجيء الرسول بما يخالف صريح العقل ما تقول إذا سمعت ~~كلامه قبل أن تعلم هل في العقل ما يخالفه أم لا هل تبادر إلى رده وإنكاره ~~أم إلى قبوله واعتقاده أم تتوقف فيه ولا تصدقه ولا تكذبه ولا تقبله ولا ~~ترده أم تعلق تصديقه والإقرار به على الشرط وتقول أنا أعتقد موجبه إن لم ~~يكن في العقل ما يرده فلا بد لك من واحد من هذه الأمور الأربعة فالأول ~~والثالث والرابع مناقض للإيمان بالرسول مناقضة صريحة والثاني PageV03P1166 ~~@ لا سبيل لك إليه لأنك قد جوزت أن يكون في صريح العقل ما يناقض ما أخبر به ~~فكيف تجزم مع ذلك بصحته فالقسم الإيماني قد سددت طريقه على نفسك والأقسام ~~الثلاثة مستلزمة لعدم الإيمان وهذا إنما نشأ من تجويز أن يكون في ms423 العقل ~~الصريح ما يناقض ما أخبر به يوضحه # الوجه العشرون بعد المائة بيان أن من لم يقر بما جاء به الرسول إلا بعد ~~أن يقوم عنده دليل على صحته لا يكون مؤمنا به # أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول إلا بعد أن يقوم على صحته عنده دليل ~~منفصل من عقل أو كشف أو منام أو إلهام لم يكن مؤمنا به قطعا وكان من جنس ~~الذين قال الله فيهم @QB@ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله @QE@ الأنعام 124 # بل قد يكون هؤلاء خيرا منهم من وجه فإنهم علقوا الإيمان بأن يؤتوا سمعا ~~مثل ما أوتيه الرسل وهؤلاء علقوا الإيمان على قيام دليل عقلي على صحة ما ~~أخبروا به وإذا كان من فعل هذا ليس بمؤمن بالرسل فكيف من عارض ما جاؤوا به ~~بمعقوله ثم قدمه عليه # الوجه الحادي والعشرون بعد المائة بيان أن حال هؤلاء ضد حال أهل الإيمان ~~من كل وجه # إن حال هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل ضد حال أهل الإيمان من كل وجه ~~فإن الله سبحانه أخبر عن أهل PageV03P1167 @ الإيمان بأنهم كلما سمعوا نصوص ~~الوحي زادتهم إيمانا وفرحا واستبشارا وأن الذين في قلوبهم مرض وريب يزيدهم ~~رجسا إلى رجسهم ويودون أنها لم تنزل قال الله تعالى : @QB@ وإذا ما أنزلت ~~سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ~~وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون @QE@ 124 # وإذا أردت أن تعرف حقيقة الحال فانظر إلى وجوه القوم وشمائلهم عند استماع ~~آيات الصفات وأخبارها كيف تجدهم ورثة الذين قال الله فيهم : @QB@ وإذا ما ~~أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ~~بأنهم قوم لا يفقهون @QE@ التوبة 127 # وقال تعالى @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك @QE@ الرعد ~~36 # وهؤلاء يسوءهم ما يخالف قواعدهم الباطلة مما أنزل إليه PageV03P1168 @ # وقال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا ms424 بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~@QE@ الحجرات 15 # وهؤلاء في أعظم الريب في أشرف ما جاء به الرسول ومن جوز أن يكون فيما ~~أخبر به ما يعارضه صريح المعقول لم يزل في ريب من ثبوت ما أخبر به ولا يزال ~~بنيانهم لتلك القواعد التي بنوها مما يعارض ما جاء به الرسول @QB@ ريبة في ~~قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم @QE@ وقال تعالى : @QB@ أفمن ~~يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب ~~@QE@ الرعد 19 # وهؤلاء يرون أن أشرف ما أنزل إليه يخالفه صريح العقل وقال تعالى @QB@ ~~ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد @QE@ سبأ 6 # وهؤلاء يرون أن أشرف ما أنزل إليه وأجله يخالف المعقول ويهدي إلى التشبيه ~~والتجسيم والضلال PageV03P1169 @ # الوجه الثاني والعشرون بعد المائة بيان أن هؤلاء جعلوا كلام الله من طرق ~~الاستدلال الضعيفة # إن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم جعلوا كلام الله ورسوله من الطرق ~~الضعيفة المزيفة التي لا يتمسك فيها في العلم واليقين ولعلك تقول إنا حكينا ~~ذلك عنهم بلازم قولهم فاسمع حكاية ألفاظهم قال الرازي في نهايته : # | فصل # في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله وذكر ~~القياس وذكر الإلزامات ثم قال والرابع هو التمسك بالسمعيات # وهذا تصريح بأن التمسك بكلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة وأخذ ~~في تقرير ذلك فقال المطالب على أقسام ثلاثة : # منها ما يستحيل حصول العلم بها بواسطة السمع # ومنها ما يستحيل حصول العلم بها إلا من السمع PageV03P1170 @ # ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى # قال أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته ~~استحال تصحيحه بالسمع مثل العلم بوجود الصانع وكونه مختارا وعالما بكل ~~المعلومات وصدق الرسول # قال وإما القسم الثاني فهو ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر إذا لم يجده ~~الإنسان من نفسه ولم يدركه بشيء من حواسه فإن جلوس غراب على قلة جبل ms425 قاف ~~إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقا وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلا ~~وهو غائب عن الحس والنفس استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق ~~PageV03P1171 @ # وأما القسم الثالث وهو معرفة وجوب الواجبات أو إمكان الممكنات أو استحالة ~~المستحيلات التي لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها ~~واستحالتها مثل مسألة الرؤية والصفات والوحدانية وغيرها ثم عدد أمثلة # ثم قال إذا عرفت ذلك فنقول إما أن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في ~~الأصول في القسم الأول فهو ظاهر وإلا وقع الدور وإما أنه يجب استعمالها في ~~القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف # وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال وذلك لأنا ~~لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل ~~السمعي فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي لأنه إذا لم ~~يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى الدليل العقلي فإما أن نكذب بالعقل ~~وإما أن PageV03P1172 @ يأول النقل فإن كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن ~~إثباته إلا بالعقل فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا ~~بالعقل فحينئذ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه فإذا لا ~~يكون العقل مقطوع الصحة فإذا تصحيح النقل برد العقل يتضمن القدح في النقل ~~وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلا وتعين تأويل النقل # فإذا الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله إلا بشرط أن لا يوجد ~~دليل عقلي على خلاف ظاهره فحينئذ لا يكون الدليل النقلي مفيدا للمطلوب إلا ~~إذا أثبتنا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره ولا طريق لنا إلى إثبات ~~ذلك إلا من وجهين إما أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل ~~النقلي وحينئذ يصير الاستدلال بالنقل فضلا غير محتاج إليه # وإما بأن نزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل PageV03P1173 @ وذلك ~~ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا يكون هناك معارض أصلا ms426 ~~إلا أن نقول إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه ولو كنا زيفنا هذه ~~الطريقة يعني انتفاء الشيء لانتفاء دليله أو نقيم دلالة قاطعة على أن ~~المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص ولا المقدمة الأخرى وحينئذ نحتاج ~~إلى إقامة الدليل على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية لها غير ~~معارضة لهذا الظاهر # فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين لعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي وثبت أن ~~الدليل النقلي تتوقف إفادته لليقين على ذلك فإذا الدليل النقلي تتوقف ~~إفادته اليقين على مقدمة غير يقينية وهي عدم دليل عقلي وكل ما يبتنى صحته ~~على مالا يكون يقينا لا يكون هو أيضا يقينا PageV03P1174 @ فثبت أن ذلك ~~الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدا لليقين # قال وهذا بخلاف الأدلة العقلية فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفي فيها بأن ~~لا يعلم فسادها بل لا بد وأن يعلم بالبديهة صحتها أو يعلم بالبديهة لزومها ~~مما علم صحته بالبديهة ومتى كان كذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لاستحالة ~~التعارض في العلوم البديهية # ثم قال فإن قيل إن الله سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره ~~بشيء فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ~~ببال المكلف ذلك الدليل وإلا كان ذلك تلبيسا من الله تعالى وإنه غير جائز # قلنا هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح وأنه يجب على الله سبحانه شيء ونحن ~~لا نقول بذلك ثم إن PageV03P1175 @ سلمنا ذلك فلم قلتم إنه يجب على الله أن ~~يخطر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبسا ~~على المكلف لو أسمعه كلاما يمتنع عقلا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره ~~وليس الأمر كذلك لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر فبتقدير أن يكون الأمر كذلك ~~لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر فعلى هذا إذا سمع ذلك ~~الظاهر فبتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله ms427 من ذلك الكلام ما أشعر ~~به الظاهر فعلى هذا إذا أسمع الله تعالى المكلف ذلك الكلام فلو قطع المكلف ~~بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان ذلك التقدير تقصيرا واقعا ~~من المكلف لا من قبل الله تعالى حيث قطع لا في موضع القطع فثبت أنه لا يلزم ~~من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل ~~السمعي أن يكون ملبسا # قال فخرج ما ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل ~~العقلية نعم يجوز التمسك PageV03P1176 @ بها في المسائل النقلية تارة ~~لإفادة اليقين كما في مسألة الإجماع وخبر الواحد وتارة لإفادة الظن كما في ~~الأحكام الشرعية انتهى # فليتدبر المؤمن هذا الكلام وليرد أوله على آخره وآخره على أوله ليتبين له ~~ما ذكرنا عنهم من العزل التام للقرآن والسنة عن أن يستفاد منهما علم أو ~~يقين في باب معرفة الله وما يجب له وما يمتنع عليه وأنه لا يجوز أن يحتج ~~بكلام الله ورسوله في شيء من هذه المسائل وأن الله تعالى يجوز عليه التلبيس ~~والتدليس على الخلق وتوريطهم في طرق الضلال وتعريضهم لاعتقاد الباطل ~~والمحال وأن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على ~~حقيقته وقطعوا بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك إذ قد يكون في العقل ~~ما يعارضه ويناقضه فإن غاية ما يمكن أن يحتج بكلام الله ورسوله عليه من ~~الجزئيات ما كان مثل الإخبار بأن على قلة جبل قاف غرابا صنعته كيت وكيت أو ~~على مسألة الإجماع وخبر الواحد وأن مقدمات أدلة القرآن والسنة غير معلومة ~~ولا متيقنة الصحة ومقدمات أدلة أرسطو صاحب المنطق والفارابي وبن سينا ~~وإخوانهم قطعية معلومة الصحة وأنه لا طريق لنا إلى العلم بصحة الأدلة ~~السمعية في باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته PageV03P1177 @ البتة لتوقفها ~~على انتفاء مالا طريق لنا إلى العلم بانتفائه وأن الاستدلال بكلام الله ~~ورسوله في ذلك فضلة لا يحتاج إليها بل هو مستغن عنه إذا كان موافقا للعقل # فتأمل ms428 هذا البنيان الذي بنوه والأصل الذي أصلوه هل في قواعد الإلحاد أعظم ~~هدما منه لقواعد الدين وأشد مناقضة منه لوحي رب العالمين وبطلان هذا الأصل ~~معلوم بالاضطرار من دين جميع الرسل وعند جميع أهل الملل # وهذه الوجوه المتقدمة التي ذكرناها هي قليل من كثير مما يدل على بطلانه ~~ومقصودنا من ذكره اعترافهم به بألسنتهم لا بإلزامنا لهم به وتمام إبطاله أن ~~نبين فساد كل مقدمة من مقدمات الدليل الذي عارضوا به النقل وأنها مخالفة ~~للعقل كما هي مناقضة للوحي والله يعلم أنا عازمون على ذلك وبيانه على ~~التفصيل في جميع أدلتهم إن ساعد التوفيق ويجب على كل مؤمن بالله ورسوله أن ~~يعتقد ذلك جملة وإن لم يحط به تفصيلا ولا يضع قدمه في أول درجة من درجات ~~الإيمان إلا بذلك والمقصود أن مناقضة هذا الأصل الإيمان بالله ورسوله ~~كمناقضة أحد الضدين للآخر وبالله التوفيق PageV03P1178 @ # الوجه الثالث والعشرون بعد المائة الرد على قولهم إن ما يجب لله وما ~~يمتنع عليه لا يمكن استفادته من الرسول # أن يقال كل ما أخبر به الرسول عن الله سبحانه إثباتا ونفيا فهو واجب عليه ~~وممتنع عليه أو ما أثبته له فهو كمال والكمال كله واجب له وما نفاه عنه فهو ~~نقص والنقائص كلها ممتنعة عليه وقد صرح هؤلاء بأن ما يجب لله ويمتنع عليه ~~لا تمكن استفادته من الرسول لأنه إن أخبر بما يخالفه العقل من ذلك لم يجز ~~إثباته ولم يلتفت إلى خبره فيه وإن أخبر بما يدل عليه العقل كان الاستدلال ~~بخبره فضلة غير محتاج إليها لا سيما وقد صرحوا بأنه ليس في حق الرب ما يمكن ~~أن يوصف به ومالا يمكن بل إما واجب وإما محال والعلم بوجوب الواجبات ~~واستحالة المحالات لا يتوقف على السمع ولا يحتاج إليه فيه وهذا تصريح بأنه ~~لا يحتج بكلام الله ورسوله على شيء من هذه المسائل # ولا يصدق بشيء من خبر الرسول في ذلك لكونه أخبر به بل لكون العقل دل عليه ~~وذلك يستلزم الكفر والإلحاد ms429 والزندقة وهذا لازم لكل من سلك هذه الطريق لأنه ~~إذا جوز المجوز أن يكون في الأدلة العقلية التي يجب اتباعها ما يناقض ما ~~أخبر الله به ورسوله من ذكر صفاته سبحانه وصفات ملائكته وعرشه والجنة ~~والنار والمعاد والعقوبات التي أخبر بها عن الأمم والمعجزات التي أيد بها ~~أنبياءه ورسله لم يمكنه أن يعرف ثبوت شيء كما أخبر PageV03P1179 @ به ~~الرسول إذا لم يعلم انتفاء المعارض ولا طريق له إلى ذلك إلا أن يحيط علما ~~بكل ما يخطر ببال بني آدم في كل وقت مما يظن أنه دليل عقلي وهذا أمر لا ~~ينضبط وليس له حد فلا تزال الشبه العقلية تتولد في نفوسهم تولد الوساوس ~~والخطرات وحديث النفس وقد اعترف هؤلاء بأنه لا سبيل إلى العلم بانتفاء ~~المعارض على التفصيل وحينئذ فلا يمكن الجزم بانتفاء المعارض أبدا فلا يمكن ~~الجزم بشيء مما أخبر به الرسول أبدا إن لم يكن في العقل الصريح ما يقتضي ~~ثبوته وحقيقة هذا سلب الإيمان برسالة الرسول وعدم تصديقه # فهذا الأصل الباطل الجائر الظالم مستلزم للزندقة والإلحاد فمن طرده أداه ~~إلى الكفر والنفاق والزندقة ومن لم يطرده تناقض وفارق المعقول الصريح ومن ~~هذا دخلت الملاحدة والقرامطة والباطنية على كل فرقة من الطوائف الذين ~~وافقوهم على هذا الأصل أو على بعض شعبه حتى إن من استجاب لهم إلى بعضه دعوه ~~إلى طرده إن أمكنهم وإلا رضوا منه بما وافقهم فيه # الوجه الرابع والعشرون بعد المائة # أن هؤلاء يعيبون أهل السنة والحديث المتمسكين بها التاركين لما خالفها ~~بالتقليد وإنما يأخذون ما يعتقدونه PageV03P1180 @ مسلما من غير قيام برهان ~~عقلي على اعتقاده فإن كان تمسكهم بكلام المعصوم تقليدا واقتداؤهم بآثار ~~أصحابه تقليدا فهم لا ينكرون هذا التقليد ولا ينفرون عن عيبهم به ولكن ~~العيب كل العيب تقليد المشركين وعباد الأصنام والمجوس والهند والصابئين ~~عبدة الكواكب والملاحدة الذين لا يؤمنون بالله ولا رسله ولا كتبه ولا ~~ملائكته ولا باليوم الآخر فإن مقدمات هذه الأدلة العقلية التي عارضوا بها ~~النصوص وقدموها عليها متلقاة عن ms430 هؤلاء فخلفهم مقلدون لسلفهم إذا حاققتهم ~~عليها وطلبت منهم البرهان على صحتها قال هكذا قال العقلاء أرباب المعقولات ~~وسلفهم ليسوا فيها على بصيرة بل على خرص وحدس وتخمين فالسلف خراصون والخلف ~~عمي مقلدون وإذا تأملها اللبيب العاقل الفطن وجدها مبنية على ألفاظ مجملة ~~ومعاني مشتبهة حتى إذا استفسرتهم عن معانيها وفصلت مجملها تجدها دعاوى ~~كاذبة تتضمن الجمع بين المختلفات والتفريق بين المتماثلات فيجمعون بين ~~الشيئين اللذين هما في غاية التباين لاشتراكهما في بعض الصفات ويفرقون بين ~~المثلين من كل وجه بالدعاوى الكاذبات ويثبتون الشيء وينفون لازمه وينفون ~~الشيء ويثبتون ملزومه ويقدحون في الضروريات بالقضايا PageV03P1181 @ ~~الوهميات ويجعلون الذهني خارجا ويصفون الوجود الخارجي بما ينافي وجوده ~~وواجب الوجود بما يجعله ممتنع الوجود ويجردون الماهية عن صفاتها التي لا ~~تحقق إلا بها ثم يجعلون الصفة هي الذات ويجعلون العاقل والمعقول والعقل ~~شيئا واحدا ويجعلون العلم هو نفس المعلوم والفعل هو عين المفعول وواجب ~~الوجود الذي يمتنع عدمه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو بغير شرط الذي ~~يمتنع وجوده إلى أضعاف أضعاف ذلك من مقالاتهم التي هي عند من فهمها وعرف ~~مضمونها ضحكة للعاقل تارة وأعجوبة له تارة ومغضبة له تارة # ومثل هذه المعقولات لو تصرف بها الرجل في تجارة أو صناعة من الصناعات ~~لأفسدت التجارة والصناعة فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات رب ~~البرية ثم يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وإنما عظمت ~~الشبهة بذلك بأن أقواما لهم نوع ذكاء يميزون به في أنواع من العلوم ولم تكن ~~لهم خبرة بالأمور الإلهية كخبرتهم بتلك العلوم فخاضوا فيها بعقولهم وظنوا ~~أنهم يبرزون فيها كما برزوا في تلك العلوم وظن المقلدون لهم ذلك أيضا فركب ~~من ظنهم وظن مقلدهم اعتقادها والدعوة إليها وإساءة الظن بما خالفها ثم إنهم ~~رأوا النصوص واقفة في طريقها فقاموا لها وقعدوا وجدوا في PageV03P1182 @ ~~دفعها واجتهدوا فتارة سطوا عليها بالتأويل وتارة نسبوا من تكلم بها إلى قصد ~~التخييل ووقفوا بجهدهم في الصدور منها والأعجاز ms431 وقالوا لا مقام لك عندنا ~~ولا عبور لك علينا وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز وتارة قالوا هذه أخبار ~~آحاد والمسألة من المسائل العلمية # وإن كان قرآنا أو خبرا متواترا قالوا تلك أدلة لفظية معزولة عن إفادة ~~العلم واليقين وغايتها إفادة الظن والتخمين وإن أعجزهم ذلك أو طال عليهم ~~طريقه لجأوا إلى القانون المجتث لقواعد الإيمان الكفيل بالإلحاد والكذب ~~والبهتان الذي جعلوه أصلا لتقديم آرائهم الباطلة على السنة والقرآن وقالوا ~~قد تعارض العقل والنقل ولا سبيل إلى الجمع وتقديم النقل قدح في العقل فتعين ~~تقديم العقل بهذا البرهان والمقصود أنك إذا حققت الأمر على هؤلاء المعارضين ~~لم يكن عندهم إلا رجوع إلى تقليد أسلافهم الماضين # وقولهم هذه أمور عقلية قد صقلتها الأذهان منذ دهر وزمان وإذا دعوتهم إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله دعوك إلى قول أرسطو عابد الأوثان وإلى ما أصله من ~~منطق اليونان وإن أحسنوا دعوك إلى أصول جهم بن صفوان وقول الجعد بن درهم ~~معلم مروان الذي ضحى به خالد بن عبد الله PageV03P1183 @ القسري يوم ذبائح ~~القربان وإن زادوا في الإحسان دعوك إلى قول أبي الهذيل العلاف ويعقوب ~~الشحام وإبراهيم النظام وأبي علي وأبي هاشم الجبائيين فإنهم تلقوا كلمات ~~هؤلاء يدرسونها لا كدرس القرآن ويحاربون بها أهل العلم والإيمان ويحرفون ~~بها التنزيل عن مواضعه إذا عجزوا عن اللي والكتمان وآخر أمرهم أن يصلوا إلى ~~هكذا قال فلان وهكذا قال فلان فإذا ذكرت لهم الحجة الصحيحة التي يقبلها ~~العقل وفطرة الإنسان قالوا كيف يظن بأرسطو وبن سينا وأبي الهذيل وأبي علي ~~وابنه وأمثالهم أن يخفى عليهم مثل هذا وهم أهل العقل والحجة والبرهان هذا ~~وهم يرون تعصبا وجهلا تقليد من @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ~~@QE@ ومن قام الدليل على عصمته وعلمه ومعرفته وصدق اللهجة منه PageV03P1184 ~~@ واللسان فما أشبههم بإبليس أبي الجان حين استكبر عن السجود لآدم ورضي أن ~~يكون قوادا لأهل الفسوق والعصيان وما أشبههم بأعداء الرسول إذ أنفوا أن ~~ينقادوا لرسول من نوع ms432 الإنسان ثم رضوا بعبادة الشيطان والأوثان والصلبان ~~والنيران وسلكوا سبيل هؤلاء في تنزيه الرب تعالى عن صفات كماله خشية ~~التجسيم والتشبيه المستلزم عندهم للنقصان ثم شبهوه بالناقصات بل بالمعدومات ~~بل بالممتنعات التي لا تدخل تحت قضايا الإمكان فنزهوه خشية الحصر عن ~~استوائه على عرشه الذي هو فوق جميع الأكوان ثم قالوا هو في كل مكان فيا ~~للعقول أي الأمكنة أشرف وأجل أعرش الوحي أم الآبار والأنجاس والمواطن التي ~~يرغب عن ذكرها كل إنسان فاسأل مقلب القلوب أن يثبت قلبك على دينه الذي أرسل ~~به رسوله وأنزل به الفرقان وأن لا يزيغه بعد أن هداه عن سبيل الهدى ~~والإيمان وقل اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث ~~وعليك التكلان # الوجه الخامس والعشرون بعد المائة بيان أن هؤلاء لم يؤمنوا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حق الإيمان # أن الدين تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر وكل منهما نوعان مطلق ~~ومقيد PageV03P1185 @ # فالمقيد مثل أن يقول لا أصدقه إلا فيما علمت صحته بعقلي أو فيما يخالف ~~عقلي أو وافقه فيه شيخي وإمامي وأصحاب مذهبي والمقيد من طاعة الأمر أن ~~يطيعه فيما وافق حظه وهواه فإن جاء أمره بخلاف ذلك قدم حظه وهواه عليه فهذا ~~غير مطيع للرسول في الحقيقة بل هو متبع لهواه كما أن ذاك غير مصدق له في ~~الحقيقة بل إن وافق قوله عقله أو قول شيخه وإمامه ومتبوعه قبله لا لكونه ~~قاله كما أن مطيعه فيما وافق هواه إنما هو متبع لما يحبه ويهواه فإن جاء ~~الأمر بما يهواه فعله وإلا لم يفعله وهذا حال أكثر الناس وأحسن أحوال هؤلاء ~~أن يكونوا من الذين قال الله فيهم : @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا ~~يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم @QE@ الحجرات 14 # ثم ذكر وصف أهل الإيمان فقال : @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ms433 أولئك هم ~~الصادقون @QE@ الحجرات 15 # فالتصديق والطاعة لا يكون إيمانا حتى يكون مطلقا فإذا تقيد فأعلى أحواله ~~إن سلم من الشك أن يكون إسلاما ويكون صاحبه من عوام المسلمين لا من خواص ~~المؤمنين PageV03P1186 @ # الوجه السادس والعشرون بعد المائة بيان أن السمع والعقل حجة لله على خلقه # أن السمع حجة الله على خلقه وكذلك العقل فهو سبحانه أقام عليهم حجته بما ~~ركب فيهم من العقل وبما أنزل إليهم من السمع والعقل الصريح لا يتناقض في ~~نفسه كما أن السمع الصحيح لا يتناقض في نفسه وكذلك العقل مع السمع فحجج ~~الله وبيناته لا تتناقض ولا تتعارض ولكن تتوافق وتتعاضد وأنت لا تجد سمعا ~~صحيحا عارضه معقول مقبول عند كافة العقلاء أو أكثرهم ولا تجده ما دام الحق ~~حقا والباطل باطلا بل العقل الصريح يدفع المعقول المعارض للسمع الصحيح ~~ويشهد ببطلانه وهذا يظهر بالامتحان في كل مسألة عورض فيها السمع بالمعقول ~~ونحن نذكر من ذلك مثالا واحدا يعلم به ما عداه بيان طريقة المتكلمين في ~~إثبات حدوث العالم ونفي كون الله جسما وإمكان المعاد # فنقول قالت الفرقة الجامعة بين التجهم ونفي القدر معطلة الصفات المكذبة ~~بالقدر صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه وقيام المعجزة ~~موقوف على العلم بأن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة والعلم بذلك موقوف على ~~الصحة بقبحه وعلى أن الله لا يفعل القبيح وتنزيهه عن فعل القبيح موقوف على ~~العلم بأنه غني عنه عالم بقبحه والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله ~~وغناه عنه موقوف على أنه ليس بجسم وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام ~~الأعراض والحوادث به وهي الصفات والأفعال ونفي ذلك موقوف على ما دل على ~~حدوث PageV03P1187 @ الأجسام والذي دلنا على حدوث الأجسام أنها لا تخلو عن ~~الحوادث ومالا يخلو عن الحوادث لا يسبقها ومالا يسبق الحوادث فهو حادث ~~وأيضا فإنها لا تخلو عن الأعراض والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة فإذا لم ~~تخل الأجسام عنها لزم حدوثها وأيضا فإن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة ms434 ~~والمركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثا ~~مخلوقا # وأيضا فالأجسام متماثلة كل ما صح على بعضها صح على جميعها وقد صح على ~~بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها قالوا ~~وبهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسما وإمكان المعاد فلو ~~بطل الدليل على حدوث الجسم بطل الدليل الدال على إثبات الصانع وصدق الرسول ~~فصار العلم بإثبات الصانع وصدق الرسول وحدوث العالم وإمكان المعاد موقوف ~~على نفي الصفات والأفعال فإذا جاء في السمع ما يدل على إثبات الصفات ~~والأفعال لم يمكن القول بموجبه ويعلم أن الرسول لم يرد إثبات ذلك لأن ~~إرادته لإثباته تنافي تصديقه ثم إما أن يكذب الناقل وإما أن يتأول المنقول ~~وإما أن يعرض عن ذلك جملة كافة ويقول لا نعلم المراد # فهذا أصل ما بنى عليه القوم دينهم وإيمانهم ولم يقيض PageV03P1188 @ لهم ~~من يبين لهم فساد هذا الأصل وبطلانه ومخالفته لصريح العقل بل قيض لهم من ~~المنتسبين إلى السنة من وافقهم عليه ثم أخذ يشنع عليهم القول بنفي الصفات ~~والأفعال وتكليم الرب لخلقه ورؤيته في الدار الآخرة وعلوه على خلقه ~~واستوائه على عرشه ونزوله إلى سماء الدنيا فأضحكهم عليه وأغراهم به ونسبوه ~~إلى ضعف العقل والحشو والبله والمصيبة مركبة من عدوان هؤلاء وبغيهم وظلمهم ~~وتقصير أولئك وموافقتهم لهم في الأصل ثم تكفيرهم وتبديعهم في القول بفروعه ~~ولوازمه # وهذه الطريق من الناس من يظنها من لوازم الإيمان وأن الإيمان لا يتم إلا ~~بها ومن لم يعرف ربه بهذه الطريق لم يكن مؤمنا به ولا بما جاء به رسوله ~~وهذا يقوله الجهمية والمعتزلة ومتأخرو الأشعرية بل أكثرهم وكثير من ~~المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وكثير من أهل الحديث والصوفية ومن ~~PageV03P1189 @ الناس من يقول ليس الإيمان موقوفا عليها ولا هي من لوازمه ~~وليست طريقة الرسل ويحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وإن لم يعتقد ~~بطلانها وهذا قول أبي الحسن الأشعري نفسه فإنه صرح بذلك في رسالته إلى أهل ms435 ~~الثغر وبين أنها طريقة خطرة مذمومة محرمة وإن كانت غير باطلة # ووافقه على هذا جماعة من أصحابه من أتباع الأئمة وقالت طائفة أخرى بل هي ~~طريق في نفسها متناقضة مستلزمة لتكذيب الرسول لا يتم سلوكها إلا بنفي ما ~~أثبته وهي مستلزمة لنفي الصانع بالكلية كما هي مستلزمة لنفي صفاته ونفي ~~أفعاله وهي مستلزمة لنفي المبدأ والمعاد فإن هذه الطريقة لا تتم إلا بنفي ~~سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلا عن نفي علوه على خلقه ~~ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها ولا تتم إلا بنفي أفعاله جملة وأنه ~~لا يفعل شيئا البتة PageV03P1190 @ إذ لم يقم به فعل وفاعل بلا فعل محال في ~~بدائه العقول فلو صحت هذه الطريق نفت الصانع وصفاته وأفعاله وكلامه وخلقه ~~للعالم وتدبيره له وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو ~~لفظ لا معنى له فأنتم تثبتون ذلك وتصرحون بنفي لوازمه البينة التي لا ريب ~~في لزومها فتثبتون مالا حقيقة له بل ما يخالف العقل الصريح كما تنفون ما دل ~~العقل الصريح على إثباته فهي مستلزمة لإنكار جميع الصفات والأفعال والعلو ~~والكلام وذلك يستلزم نفي الرسالة فحقيقتها جحد الرسالة والمرسل ولوازمها ~~الباطلة اكثر من مائة لازم لا تحصى إلا بكلفة فأول لوازمها نفي الصفات ونفي ~~الأفعال ونفي العلو ونفي الكلام ونفي الرؤية # ومن لوازمها القول بخلق القرآن وبهذه الطريق استجيز ضرب الإمام أحمد لما ~~قال بما يخالفها من إثبات الصفات وتكلم الله بالقرآن ورؤيته في الدار ~~الآخرة وكان أرباب هذه الطريقة هم المستولين على الخليفة فقالوا له اضرب ~~عنقه فإنه كافر مشبه مجسم فقيل له إنك إن قتلته ثارت عليك العامة ولم تأمن ~~معرتهم فأمسكوا عن قتله لذلك بعد الضرب الشديد PageV03P1191 @ # ومن لوازمه أن الرب تعالى كان معطلا عن الفعل من الأزل والفعل ممتنع عليه ~~ثم انتقل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بغير موجب في ذلك الوقت ~~دون ما قبله وهذا مما اعترى الفلاسفة بالقول بقدم العالم ورأوا أنه ms436 خير من ~~القول بذلك بل حقيقة هذا القول أن الفعل لم يزل ممتنعا منه أزلا وأبدا إذ ~~يستحيل قيامه به وعن هذه الطريق قال جهم ومن وافقه بفناء الجنة وفناء أهلها ~~وعدمهم عدما محضا وعنها قال أبو الهذيل العلاف بفناء حركاتهم دون ذواتهم ~~فإذا رفع أحدهم اللقمة إلى فيه وفنيت الحركات بقيت يده ممدودة لا تتحرك ~~وتبقى كذلك أبد الآبدين وإذا جامع الحوراء وفنيت الحركات يبقيان كذلك في ~~تلك الحال أبد الآبدين فيبقون في سكون الأحجار وعن هذه الطريق قالت الجهمية ~~إن الله في كل مكان بذاته وقال إخوانهم ليس في العالم ولا خارج العالم ولا ~~متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محادثا له ولا فوقه ولا خلفه ~~PageV03P1192 @ ولا أمامه ولا وراءه وعنها قال من قال إن ما شاهده من ~~الأعراض الثابتة كالأكوان والمقادير والأشكال تتبدل في كل نفس ولحظة ~~ويخلفها غيرها حتى قال من قال إن الروح عرض وإن الإنسان يستحدث في كل ساعة ~~عدة أرواح تذهب له روح وتجيء غيرها # وعنها قال من قال إن جسم أنتن الرجيع وأخبثه مماثل لجسم أطيب الطيب في ~~الحد والحقيقة لا فرق بينهما إلا بأمر عرض وإن جسم النار مساو لجسم الماء ~~في الحد والحقيقة # وعنها قالوا إن الروائح والأصوات والمعارف والعلوم تؤكل وتشرب وترى وتسمع ~~وتلمس وإن الحواس الخمس تتعلق بكل موجود وعنها قالوا إن الله سبحانه لم ~~يكلم موسى تكليما ولا اتخذ إبراهيم خليلا ولا تجلى للجبل ولا يتجلى لعباده ~~يوم القيامة وقالوا ليس له وجه يراه المؤمنون ولا يد خلق بها آدم وكتب بها ~~التوراة وغرس بها جنة عدن ويقبض بها السماوات والأرض بيد أخرى ليس بشيء من ~~ذلك حقيقة إن هو إلا مجازات واستعارات وتخيلات وعنها قالوا إن الله لا يحب ~~ولا يحب ولا يغضب ولا يرضى ولا يضحك PageV03P1193 @ ولا يفرح ولا له رحمة ~~ولا رأفة في الحقيقة بل ذلك كله إرادة محضة أو ثواب منفصل مخلوق سمي بهذه ~~الأسماء وعنها قالوا إن الكلام معنى ms437 واحد بالعين لا ينقسم ولا يتبعض ولا له ~~جزء ولا كل وهو الأمر بكل مأمور والنهي عن كل منهي والخبر عن كل مخبر عنه ~~والاستخبار عن كل مستخبر عنه كل ذلك حقيقة واحدة بالعين وكذلك قالوا في ~~العلم إنه أمر واحد فالعلم بوجود الشيء هو عين العلم بعدمه لا فرق بينهما ~~البتة وإنما يتعدد التعلق وكذلك قالوا إن إرادة إيجاد الشيء هو نفس إرادة ~~إعدامه ليس هنا إرادات وكذلك رؤية زيد هي نفس رؤية عمرو ومعلوم أن هذا لا ~~يعقل بل هو مخالف لصريح العقل وهذا كله وأمثاله نشأ عن هذه الطريق واعتقاد ~~صحتها # ومن العجب أنهم لم يثبتوا بها في الحقيقة صانعا ولا صفة من صفاته ولا ~~فعلا من أفعاله ولا نبوة ولا مبدأ ولا معادا ولا حكمة بل هي مستلزمة لنفي ~~ذلك كله صريحا أو لزوما بينا أو متوسطا فالطريق التي جعلوها أصلا للدين هي ~~أصل المناقضة للدين وتكذيب الرسول # وجاء آخرون فراموا إثبات الصفات والأفعال PageV03P1194 @ وموافقتهم في ~~هذه الطريق فتجشموا أمرا ممتنعا واشتقوا طريقة لم يمكنهم الوفاء بها فجاؤوا ~~بطريقة بين النفي والإثبات لم يوافقوا فيها المعطلة النفاة ولم يسلكوا فيها ~~مسلك أهل الإثبات فجاءت طريقا بين الطريقتين ومقالة بين المقالتين لم ~~يكونوا فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وظنوا أنهم بذلك يجمعون بين ~~المعقول والمنقول ويصلون في هذه الطريق إلى تصديق الرسول وصار كثير من ~~الناس يحب النظر والبحث والمعقول وهو مع ذلك يريد أن يخرج عما جاء به ~~الرسول ويرى أن هذا المسلك أصح من مسلك أولئك النفاة وأنه لا طريق غير ~~الطريقين وتلك لا سبيل إلى المصير إليها فتعين المصير إلى هذه الطريق ولما ~~أصل هؤلاء هذا الأصل وجاءوا إلى تفصيله ظهر سر تاصيلهم في تفصيلهم ودل ~~بطلان تفصيلهم على فساد تأصيلهم فإنهم أصلوا تأصيلا مستلزما لبطلان التفصيل ~~ثم فصلوا تفصيلا دل على بطلان الأصل وفساده فصاروا حائرين بين التأصيل ~~والتفصيل وصار من طرد منهم هذا الأصل خرج عن العقل والسمع بالكلية وبالغ في ms438 ~~التعطيل والإلحاد ومن لم يطرده تناقض واضطربت أقواله وقد سلك الناس في ~~إثبات الصانع وحدوث العالم طرقا متعددة سهلة قريبة موصلة إلى المقصود لم ~~يتعرضوا فيها لطريقة هؤلاء بوجه وذموا هذه الطريقة رأي الخطابي في هذه ~~PageV03P1195 @ الطريقة قال الخطابي وإنما سلك المتكلمون في الاستدلال ~~بالأعراض مذهب الفلاسفة وأخذوه عنهم وفي الأعراض اختلاف كثير منهم من ~~ينكرها ولا يثبتها رأسا ومنهم من لا يفرق بينها وبين الجواهر في أنها قائمة ~~بأنفسها كالجواهر قلت ومنهم من يقول بكمونها وظهورها ومنهم من يقول بعدم ~~بقائها ثم سلك طرقا في إثبات الصانع منها الاستدلال بأحوال الإنسان من ~~مبدئه إلى غايته والاستدلال بأحوال الحيوان والنبات والأجرام العلوية وغير ~~ذلك ثم قال والاستدلال بطريق الأعراض لا يصح إلا بعد استبراء هذه الشبه ~~وطريقنا الذي سلكناه بريء من هذه الآفات سليم من هذه الريب قال وقد سلك بعض ~~مشايخنا في هذا طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة التي ~~دلائلها مأخوذة من طرق الحس لمن شاهدها PageV03P1196 @ ومن طريق استفاضة ~~الخبر لمن غاب عنها فلما ثبتت النبوة صارت أصلا في وجوب قبول ما دعى إليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال وهذا النوع مقنع في الاستدلال لمن لم يتسع ~~فهمه لإدراك وجوه الأدلة ولم يتبين معاني تعلق الأدلة بمدلولاتها ولا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها قلت وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على ~~الصانع وصفاته وأفعاله وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط ~~الأدلة ا لعقلية الصريحة بمدلولاتها فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل ~~ودلالتها ضرورية بنفسها ولهذا يسميها الله سبحانه آيات بينات وليس في طرق ~~الأدلة أوثق ولا أقوى منها فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ~~ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته ~~وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات وعلى رسالة الرسول وعلى المبدأ ~~والمعاد فكل قواعد الدين في هذه العصا وكذلك اليد وفلق البحر طرقا والماء ~~قائم بينهما كالحيطان ونتق الجبل من موضعه ورفعه على قدر ms439 العسكر العظيم ~~PageV03P1197 @ فوق رؤوسهم وضرب حجر مربع بعصا فتسيل منه إثنتا عشرة عينا ~~تكفي أمة عظيمة وكذلك سائر آيات الأنبياء فإخراج ناقة عظيمة من صخرة تمخضت ~~بها ثم انصدعت عنها والناس حولها ينظرون وكذلك تصوير طائر من طين ثم ينفخ ~~فيه النبي فينقلب طائرا ذا لحم ودم وريش وأجنحة يطير بمشهد من الناس وكذلك ~~إيماء الرسول إلى القمر فينشق نصفين بحيث يراه الحاضر والغائب فيخبر به كما ~~رآه الحاضرون وأمثال ذلك مما هو من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله ~~وصدق رسله واليوم الآخر وهذه من طرق القرآن التي أرشد إليها عباده ودلهم ~~بها كما دلهم بما يشاهدونه من أحوال الحيوان والنبات والمطر والسحاب ~~والحوادث التي في الجو وفي الأرض وأحوال المعلومات من السماء والشمس والقمر ~~والنجوم وأحوال النطفة وتقلبها طبقا بعد طبق حتى صارت إنسانا سميعا بصيرا ~~حيا متكلما عالما قادرا يفعل الأفعال العجيبة ويعلم العلوم العظيمة فكل ~~طريق من هذه الطرق أصح وأقرب وأسهل وأوصل من طرق المتكلمين التي لو صحت ~~لكان فيها من التطويل والتعقيد والتعسير ما يمنع الحكمة الإلهية والرحمة ~~الربانية أن يدل بها عباده عليه وعلى صدق رسله وعلى اليوم الآخر ~~PageV03P1198 @ فأين هذه الطريق الطويلة العسرة الباطلة المستلزمة لتعطيل ~~الرب عن صفاته وأفعاله وكلامه وعلوه على خلقه وإنكار وجهه الأعلى ويديه ~~الكريمتين ورؤيته في الدار الآخرة وسائر ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه ~~رسوله إلى طرق القرآن التي هي ضد هذه الطريق من كل وجه وكل طريق منها كافية ~~شافية هادية وإن صرفها الله لعباده ونوعها : @QB@ ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم @QE@ الأنفال 42 # هذا وإن القرآن وحده لمن جعل الله له نورا أعظم آية ودليل وبرهان على هذه ~~المطالب وليس في الأدلة أقوى ولا أظهر ولا أصح دلالة منه من وجوه متعددة ~~جدا كيف وقد أرشد ذوي العقول والألباب فيه إلى أدلة هي للعقل مثل ضوء الشمس ~~للبصر لا يلحقها إشكال ولا يغير في ms440 وجه دلالتها إجمال ولا يعارضها تجويز ~~واحتمال تلج الأسماع بلا استئذان وتحل من العقول محل الماء الزلال من ~~الصادي الظمآن فضلها على أدلة أهل العقول والكلام كفضل الله على الأنام لا ~~يمكن أحدا أن يقدح فيها قدحا يوقع في اللبس إلا إن أمكنه أن يقدح بالظهيرة ~~صحوا في طلوع الشمس ومن عجيب شأنها أنها تستلزم المدلول استلزاما ~~PageV03P1199 @ بينا وتنبه على جواب المعترض تنبيها لطيفا ففيها إقامة ~~الدلالة والجواب عن المعارضة والشبهة وهذا الأمر إنما هو لمن نور الله ~~بصيرته وفتح عين قلبه لأدلة القرآن وآتاه فهما في كتابه فلا يعجب من منكر ~~أو معترض أو معارض # ( وقل للعيون العمي للشمس أعين % سواك تراها في مغيب ومطلع ) # ( وسامح نفوسا أطفأ الله نورها % بأهوائها لا تستفيق ولا تعي ) # فأي دليل على الله سبحانه أصح من الأدلة التي تضمنها كتابه كقوله : @QB@ ~~أفي الله شك فاطر السماوات والأرض @QE@ إبراهيم 10 # وقوله @QB@ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ~~ثم إليه ترجعون @QE@ البقرة 28 # وقوله @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم @QE@ 21 PageV03P1200 @ # وقوله @QB@ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي ~~تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون @QE@ البقرة 164 # وقوله @QB@ قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ~~@QE@ 31 # وقوله @QB@ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون @QE@ الرعد 2 @QB@ وهو ms441 الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ~~ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير ~~صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون @QE@ 3 PageV03P1201 @ # وقوله @QB@ إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من ~~دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من ~~رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون @QE@ - 3 # وقوله @QB@ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ومن آياته يريكم البرق خوفا ~~وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ~~إذا أنتم تخرجون @QE@ - 20 # وقوله @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل ~~من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج ~~كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا ~~نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون @QE@ PageV03P1202 ) - 9 # وقوله @QB@ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا ms442 شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ~~أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين ~~حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون أم من يهديكم في ~~ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى ~~الله عما يشركون أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض ~~أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ 59 # وقوله @QB@ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين @QE@ PageV03P1203 ) ~~الأعراف 54 # وقوله @QB@ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ~~ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون @QE@ الأعراف 57 # وقوله @QB@ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ~~وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره ~~وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ~~والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى ~~عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار وكل في فلك يسبحون وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون ~~إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين @QE@ - 33 PageV03P1204 @ # وقوله @QB@ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب ~~والترائب @QE@ - 5 # وقوله @QB@ فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض ~~شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا ms443 وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا ~~@QE@ - 24 # وقوله @QB@ ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا ~~نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ~~ونباتا وجنات ألفافا @QE@ - 6 # إلى أضعاف أضعاف ذلك كما ذكر في سورة ق والذاريات والطور والرحمن ~~والمرسلات وسورة إبراهيم والحجر والنحل فتأمل أدلة سورة النحل من أولها إلى ~~قوله : @QB@ فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين @QE@ @QB@ يعرفون نعمة ~~الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون @QE@ النحل 83 # وما ذكر في سورة لقمان والسجدة و @QB@ هل أتى على @QE@ PageV03P1205 @ ~~الإنسان ) وآخر الغاشية وسورة البلد والشمس وضحاها وما ذكر في سورة الأنعام ~~وسورة الصافات وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والفرقان من الأدلة التي هي ~~للبصائر كالشمس للأبصار فأبى المتكلمون إلا دليل الجواهر والأعراض والحركة ~~والسكون والاجتماع والافتراق ولعمر الله لم يزل إيمان الخلق صحيحا حتى حدثت ~~هذه الأدلة المبتدعة الباطلة فأوقعت الأمة في العناء الطويل وفرقت الكلمة ~~وعارضت بين العقل والوحي وألقت بينهم العداوة والتباغض والتلاعن حتى استحل ~~بعضهم من بعض ما لم يستحل مثلها المحاربون للإسلام وأهله وحتى فتح على ~~النصوص باب التحريف والتأويل ورميت بأنها أدلة لفظية لا تفيد اليقين وساءت ~~ظنون أتباع هؤلاء بوحي رب العالمين وهذا كله ببركة هذه الطريق المخالفة ~~للسمع والعقل فالله سبحانه نهج لعباده الطريق الموصلة إلى معرفته والإقرار ~~بأسمائه وصفاته وأفعاله فأعرض عنها هؤلاء واشتقوا طريقا موصلة إلى تعطيل ~~الخالق ونفي أسمائه وصفاته وأفعاله وقالوا للناس لا يتم إيمانكم ومعرفتكم ~~بالصانع إلا بهذه الطريق فلما سلكها من سلكها أدت به إلى ما أسره الحيرة ~~والشك والتأويل والتجهيل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء ~~الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله الوجه السابع والعشرون بعد المائة ~~PageV03P1206 @ # الوجه السابع والعشرون بعد المائة # إن هذه المعارضة بين الوحي والعقل نتيجة جهلين عظيمين جهل بالوحي وجهل ~~بالعقل # أما الجهل بالوحي فإن المعارض لم يفهم مضمونه وما دل عليه بل فهم منه ~~خلاف الحق ms444 الذي دل عليه وأريد به ثم عارض ما دل عليه بالرأي والمعقول ونحن ~~ننزل معه درجة ونبين أن المعقول الذي ذكره لا يصلح لمعارضة المعنى الباطل ~~الذي فهمه من الوحي فضلا عن المعنى الصحيح الذي دل عليه الوحي فإنه يستحيل ~~أن يعارض معارضة صحيحة البتة بل هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال والله ~~تعالى هو الحق وكلامه حق ورسوله حق ودينه حق ووحيه حق وما خالف ذلك فهو ~~الباطل المحض الذي لا يقوم على صحته دليل بل الأدلة الصحيحة التي تنتهي ~~مقدماتها إلى الضروريات تدل على بطلانه # وأما الجهل بالعقل فإنه لا يتصور أن يعارض العقل الصحيح الوحي أبدا ولكن ~~الجاهل يظن أن تلك الشبهة عقلية وهي جهلية خيالية من جنس شبه السوفسطائية ~~فالحاصل أنه إن عارض ما فهمه من النص بما هو الباطل كان جاهلا بالوحي ~~ومدلوله وإن عارض مدلوله وحقيقته PageV04P1207 @ التي دل عليها فهو جاهل ~~بالعقل فلا يتصور أن يجتمع لهذا المعارض علم بالوحي والعقل أصلا بل إما أن ~~يكون جاهلا بهما وهو الأغلب على هؤلاء أو بأحدهما ولسنا ندفع معرفتهم ببعض ~~العقليات المشتركة بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس وعباد الأصنام بل ~~ولا ندفع تبريزهم فيها وحذقهم بها وإنما نبين بالبراهين الواضحة أنهم من ~~أجهل الناس بالعقليات المتعلقة بأسماء الرب وصفاته وأفعاله كما هم جهال ~~بوحيه وبما جاءت به رسله وقد نفى الله سبحانه السمع والعقل عمن أعرض عن ~~رسله فكيف بمن عارض ما جاؤوا به وأخبر سبحانه أنه لا بد أن يظهر لهم في ~~معادهم أنهم لم يكونوا من أهل السمع ولا من أهل العقل # الوجه الثامن والعشرون بعد المائة # أن هؤلاء المعارضين كما تقدم هم صنفان ملاحدة دهرية ومعطلة جهمية ~~والملاحدة الدهرية أصل معارضتهم تكذيب الرسل والطعن فيما جاؤوا به فهم خصوم ~~الرسل في الأصل وهؤلاء الجهمية المعطلة قولهم مأخوذ من قول أولئك بعينه ~~وطريقتهم مشتقة من طريقتهم بل كلماتهم واحدة ولكن أولئك سلكوا المعارضة بين ~~العقل ونفس الرسالة وهؤلاء سلكوا المعارضة بين العقل وبين ms445 أشرف ما جاءت به ~~الرسل وأفضله وأجله فتأمل موافقة الجهمية لفرعون خصم موسى وعدوه فإنه ~~PageV04P1208 @ أنكر الصانع وهؤلاء وافقوه على إنكار صفاته وأقروا بصانع لا ~~صفة له ولا فعل ولهذا قال بعض الأئمة كان فرعون أعقل من هؤلاء فإنهم ~~اشتركوا في مخالفة صريح العقل وتناقضت الجهمية فقالوا هو صانع للعالم من ~~غير صنع يقوم به ولا وصف ولا مباينة للعالم ولا دخول فيه وجحد فرعون أن ~~يكون الله فوق سماواته على عرشه وكذب موسى في ذلك ووافقته الجهمية على هذا ~~النفي وبهذا احتج عليهم الأشعري في كتبه كلها والقاضي أبو بكر وأبو عمر بن ~~عبدالبر وجمهور أئمة السنة وأنكر فرعون أن يكون الله كلم موسى ووافقه ~~الجهمية على ذلك وأنكر أعداء الرسل من المشركين عباد الأصنام والكواكب ~~والفلاسفة وغيرهم معاد الأبدان وخراب العالم وحقيقة الجنة والنار ووافقهم ~~بن سينا وأتباعه على ذلك وأخذ الجهمية بعض هذا الإنكار فقالوا تفنى الجنة ~~والنار وهذا قول شيخهم جهم وكلهم أنكروا أشرف ما في الجنة وأجل نعيمها ~~وأفضله على الإطلاق الذي ما طابت الجنة إلا به وهو النظر إلى وجه الرب ~~تبارك وتعالى من فوقهم وسماع كلامه وتسليمه عليهم وخطابه لهم بل هذا حقيقة ~~الجنة ورأس نعيمها فنفوه وكذبوا به وأثبتوا أكلا وشربا وجماعا ثم قالوا ~~بنفاده وانقطاعه وهذا باب إذا PageV04P1209 @ تتبعه من يعلم ما عند القوم ~~وما جاءت به الرسل ويعتبر هذا بهذا يجد أقوالهم مشتقة من أقوال أعداء الرسل # ( فإن لا يكنها أو تكنه فإنه % أخوها غذته أمه بلبانها ) # الوجه التاسع والعشرون بعد المائة # أن الكلام في الدين نوعان أمر وخبر فما عارض الأمر كان من باب الهوى الذي ~~يأمر به الشيطان والنفس وما عارض الخبر كان من باب الظن والخرص الذي هو ~~أكذب الحديث وهؤلاء لا تجدهم إلا وقد جمعوا بين الأمرين فهم في الإرادات ~~تابعون لأهوائهم وفي الاعتقادات تابعون لظنونهم قال الله : @QB@ إن يتبعون ~~إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ النجم 23 # وقال تعالى @QB@ كالذين من ms446 قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا @QE@ التوبة 69 PageV04P1210 @ # فالاستمتاع بالخلاق اتباع الهوى والشهوات والخوض اتباع الباطل والشبهات ~~وقد نزه سبحانه رسوله عن طريقة هؤلاء فقال تعالى : @QB@ والنجم إذا هوى ما ~~ضل صاحبكم وما غوى @QE@ النجم 2 1 # فنزهه عن الضلال الذي هو نقيض الهدى وعن الغي الذي هو نقيض الرشد وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في خلفائه عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي والمقصود أن ما ناقض خبر الرسل كان كذبا وضلالا وقولا على الله غير ~~الحق وقد نهى الله سبحانه PageV04P1211 @ أن يقال عليه غير الحق وأخذ ~~الميثاق على اتباع الرسل بذلك فقال : @QB@ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن ~~لا يقولوا على الله إلا الحق @QE@ الأعراف 169 # وقال @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ~~@QE@ النساء 171 # وأخبر سبحانه أنه لا بد أن ينال المفترين غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وأعظم الافتراء الفرية عليه سبحانه في أسمائه وصفاته وأفعاله وقد ~~ضمن سبحانه أنه لا بد أن يخيب أهل الافتراء ولا يهديهم وأنه يسحتهم بعذابه ~~أي يستأصلهم قال تعالى إخبارا عن كليمه موسى أنه قال لرؤوس المعطله وأئمتهم ~~: @QB@ ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى @QE@ ~~طه 62 # وهذه الأصول التي عارضوا بها الكتاب والسنة تشتمل على الكذب والفرية في ~~مسائلها ودلائلها كأصول الملاحدة من الفلاسفة والدهرية النافين لما أخبر ~~الله به من PageV04P1212 @ أصول الإيمان الخمسة وأصول الجهمية المناقضة لما ~~أخبر به من اسمائه وصفاته وأفعاله وأصول القدرية المعارضة لما أخبر به من ~~عموم قدرته ومشيئته وأصول الملاحدة الاتحادية التي رفعت العقل والنقل والحس ~~وأبطلت الخلق والأمر والنبوة والرسالة والثواب والعقاب وأصول هؤلاء كلهم ~~أصول الزندقة والاتحاد المناقضة للعقل والدين # الوجه الثلاثون بعد المائة # إن هؤلاء المعارضين لا يتم لهم ما ادعوه من المعارضة إلا بأربعة أمور ~~يستلزمها قولهم لبس الحق بالباطل ms447 فهذه أربعة مقامات تتضمنها أصولهم بل هذه ~~الأربعة هي قواعدهم التي يبنون عليها أما لبس الحق بالباطل فأنتم تسمون ما ~~أثبته الله لنفسه من الصفات والكلام والعلو والاستواء تركيبا وتجسيما ~~وتشبيها وتسمون عرشه حيزا واستواءه عليه تحيزا وتسمون صفاته أعراضا ~~وتنزهونه عنها وأفعاله حوادث وتنفونها عنه وحكمته أغراضا وتبطلونها ووجهه ~~الكريم ويديه جوارح وينكرونها ويسمون نفيهم وتعطيلهم تنزيها وتقديسا ~~وتوحيدا فيلتبس الحق بالباطل على من لم يعرف مرادهم من هذا التنزيه ~~والتوحيد PageV04P1213 @ والتقديس ولا من ذلك التجسيم والتشبيه والتمثيل ~~فإذا وقعوا في هذا اللبس والتلبيس ترتب عليه ضرورة كتمان الحق والتكذيب به ~~والتصديق بالباطل ولهذا جعل سبحانه كل اثنين من هذه الأربعة فريقين أما ~~الأولان فقال تعالى : @QB@ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم ~~تعلمون @QE@ البقرة 42 # وقد اختلف في قوله @QB@ وتكتموا @QE@ هل هو منصوب أو مجزوم على قولين ~~مبنيين على الواو هل هي واو عطف أو واو صرف فمن جعلها واو عطف قال النهي ~~تعلق بكل واحد من الأمرين على انفراده ولو كانت واو صرف لكان المنهي عنه ~~جمعهما لا أفرادهما ومن جعلها واو صرف قال لبس الحق بالباطل مستلزم لكتمانه ~~كما يكتم الحق من لبسه بما يستره ويغشيه فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن ~~الآخر فالنهي عن أحدهما نهي عن الآخر بطريق اللزوم ففي كون الواو واو جمع ~~إفادة هذا المعنى وإن كتمان الحق ملازم للبسه بالباطل لا ينفك عنه ولا يمكن ~~إيقاع أحدهما إلا بالآخر وهذا شأن كل متلازمين وهذا القول أميز من الأول ~~وأعرب وأما القرينان الآخران فقال تعالى : @QB@ والذين آمنوا بالباطل ~~وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون @QE@ العنكبوت 52 PageV04P1214 @ # وقال تعالى @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين @QE@ العنكبوت 68 # وقال @QB@ فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين @QE@ الزمر 32 # وهذان أيضا متلازمان فكل من صدق بالباطل كذب بضده وهو الحق وإذا عرف هذا ~~فما أثبته الله لنفسه ms448 من صفاته وكلامه وتكليمه واستوائه على عرشه وعلوه على ~~خلقه هو الحق عقلا وسمعا وما خالفه هو الباطل والله سبحانه قد فصل لنا هذا ~~من هذا ولم يدعه ملتبسا @QB@ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ~~@QE@ الأنفال 42 # فلبس النفاة المعطلة هذا بهذا فاضطرهم اللبس إلى كتمان الحق والتكذيب به ~~والتصديق بضده وإذا أردت معرفة هذا فامتحنه في مسائلهم ودلائلهم وكلماتهم ~~المجملة الألفاظ المشتبهة المعاني وبالله التوفيق يوضحه PageV04P1215 @ # الوجه الحادي والثلاثون بعد المائة # أنه ما من حق وباطل إلا وبينهما اشتراك من بعض الوجوه ولو في أصل الوجود ~~أو في أصل الإخبار أو في مجرد المعلومية بأن يكون هذا معلوما مذكورا وهذا ~~معلوما مذكورا ولكل واحد منهما خصائص يتميز بها عن الآخر فأحظى الناس بالحق ~~وأسعدهم به الذي يقع على الخصائص المميزة الفارقة ويلغي القدر المشترك ~~فيحكم بالقدر الفارق على القدر المشترك ويفصله به وأبعدهم عن الحق والهدى ~~من عكس هذا السير وسلك ضد هذه الطريق فألغى الخصائص الفارقة وأخذ القدر ~~المشترك وحكم به على القدر الفارق وأضل منه من أخذ خصائص كل من النوعين ~~فأعطاها للنوع الآخر فهذان طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شعب ~~ضلالهم وباطلهم مثال ذلك أن أعداء الرسل المكذبين لهم الجاحدين لما جاؤوا ~~به من الحق لما أرادوا تلبيس الحق الذي جاؤوا به بالباطل أخذوا بينه وبين ~~الباطل قدرا مشتركا ثم ألغوا القدر الفارق وما اختص به أحد النوعين فقالوا ~~هذا الرسول شاعر وكاهن ومجنون وطالب ملك ورياسة وصيت في العالم فأخذوا قدرا ~~مشتركا بين الشعر وبين كلامه الذي جاء به من الترغيب والترهيب وحسن التعبير ~~عن المعاني باللفظ الذي يروق المسامع ويهز القلوب ويحرك النفوس فقالوا هو ~~شاعر وهذا شعر وضربوا عن الخصائص الفارقة صفحا وقالوا هو كاهن لأن الكاهن ~~كان عندهم معروفا بالإخبار عن الأمور الغائبة التي لا يخبر بها غيره وكذلك ~~PageV04P1216 @ هذا المدعي لذلك مثله وقالوا مجنون لأن المجنون يقول ويفعل ~~خلاف ما اعتاده الناس وقالوا ساحر لأن ms449 الساحر يأخذ بالقلوب والعيون ويحبب ~~تارة وينفر أخرى ولهذا قال لهم الوليد بن المغيرة وقد سألوه ماذا يقولون ~~للناس في أمر محمد ففكر وقدر ورأى أن أقرب ما يقولون هو ساحر لأنه يفرق بين ~~المرء وزوجه ومحمد يفعل ذلك فإن المرأة إذا أسلمت دون زوجها أو اسلم زوجها ~~دونها وقعت الفرقة بينهما والعداوة # وكذلك قولهم عن القرآن أساطير الأولين أخذوا قدرا مشتركا بينهما وهو جنس ~~الإخبار عما أخبر عنه الأولون وهكذا قولهم هو طالب ملك ورياسة وصيت ~~والمقصود أن كل مبطل فإنه يتوصل إلى باطله بهذه الطريق ثم يلبس ما يدعو ~~إليه خصائص الحق وما ينفر عنه خصائص الباطل وهذا شأن الساحر فكلامه يخرج ~~الحق في صورة الباطل فينفر عنه والباطل في صورة الحق فيرغب فيه إذا عرف هذا ~~فهؤلاء أخذوا قدرا مشتركا بين ما أثبته الله لنفسه من الصفات والأفعال وبين ~~ما للمخلوقين من ذلك وحكموا بذلك القدر المشترك على خصائص الرب سبحانه ثم ~~ألغوا حكم تلك الخصائص واعتبارها ثم جعلوا PageV04P1217 @ حكمها حكم خصائص ~~المخلوقين فأخطأوا من أربعة أوجه مثاله أنهم أخذوا قدرا مشتركا بين اليد ~~القديمة والحادثة ثم حكموا بما فهموه من ذلك القدر المشترك على القديمة ثم ~~ألغوا القدر الفارق بين اليد واليد ثم جعلوا خصائص أحدهما هي خصائص الأخرى ~~واعتبر هذا منهم في كل صفة يريدون نفيها يوضحه : # الوجه الثاني والثلاثون بعد المائة # إنك إذا أخذت لوازم المشترك والمميز وميزت هذا من هذا صح نظرك ومناظرتك ~~وزال عنك اللبس والتلبيس وذلك أن الصفة يلزمها لوازم من حيث هي هي فهذه ~~اللوازم يجب إثباتها ولا يصح نفيها إذ نفيها ملزوم كنفي الصفة مثاله الفعل ~~والإدراك للحياة فإن كل حي فعال مدرك وإدراك المسموعات بصفة السمع وإدراك ~~المبصرات بصفة البصر وكشف المعلومات بصفة العلم والتمييز لهذه الصفات فهذه ~~اللوازم ينتفي رفعها عن الصفة فإنها ذاتية لها ولا يرتفع إلا برفع الصفة ~~ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة للقديم مثل كونها واجبة قديمة عامة ~~PageV04P1218 @ التعلق فإن صفة العلم واجبة ms450 لله قديمة غير حادثة متعلقة بكل ~~معلوم على التفصيل وهذه اللوازم منتفية عن العلم الذي هو صفة للمخلوق ~~ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة له مثل كونها ممكنة حادثة بعد أن لم تكن ~~مخلوقة غير صالحة للعموم مفارقة له فهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى القديم ~~واجعل هذا التفصيل ميزانا لك في جميع الصفات والأفعال واعتصم به في نفي ~~التشبيه والتمثيل وفي بطلان النفي والتعطيل واعتبره في العلو والاستواء تجد ~~هذه الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والحديث فهذا اللازم حق ~~لا يجوز نفيه ويلزمها كون السافل حاويا للأعلى محيطا به حاملا له والأعلى ~~مفتقر إليه وهذا في بعض المخلوقات لا في كلها بل بعضها لا يفتقر فيه الأعلى ~~إلى الأسفل ولا يحويه الأسفل ولا يحيط به ولا يحمله كالسماء مع الأرض فالرب ~~تعالى أجل شأنا وأعظم أن يلزم من علوه ذلك بل لوازم علوه من خصائصه وهي ~~حمله PageV04P1219 @ للسافل وفقر السافل إليه وغناه سبحانه عنه وإحاطته عز ~~وجل به فهو فوق العرش مع حمله العرش وحملته وغناه عن العرش وفقر العرش إليه ~~وإحاطته بالعرش وعدم إحاطة العرش به وحصره للعرش وعدم حصر العرش له وهذه ~~اللوازم منتفية عن المخلوق وأصحاب التلبيس واللبس لا يميزون هذا التمييز ~~ولا يفصلون هذا التفصيل ولو ميزوا وفصلوا لهدوا إلى سواء السبيل وعلموا ~~مطابقة العقل الصريح للتنزيل ولسلكوا خلف الدليل ولكن فارقوا الدليل وضلوا ~~عن سواء السبيل # الوجه الثالث والثلاثون بعد المائة # إن الأصل الذي قادهم إلى النفي والتعطيل واعتقاد المعارضة بين العقل ~~والوحي أصل واحد هو منشأ ضلال بني آدم وهو الفرار من تعدد صفات الواحد ~~وتكثر أسمائه الدالة على صفاته وقيام الأمور المتجددة به وهذا لا محذور فيه ~~وهو الحق الذي لا يثبت كونه سبحانه ربا وإلها وخالقا إلا به ونفيه جحد ~~للصانع بالكلية وإنكار له وهذا القدر لازم لجميع طوائف أهل الأرض على ~~اختلاف مللهم ونحلهم حتى لمن جحد الصانع بالكلية وأنكره رأسا فإنه يضطر إلى ~~الإقرار بذلك وإن قام ms451 عنده ألف شبهة PageV04P1220 @ أو أكثر على خلافه أما ~~من أقر بالصانع فإنه مضطر إلى أن يقر بكونه حيا عالما قادرا مريدا حليما ~~فعالا ومع إقراره بهذا فقد اضطر إلى القول بتعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه ~~وأفعاله فلو تكثرت بعد ما تكثرت لم يلزم من تكثرها وتعددها محذور بوجه من ~~الوجوه وإن قال أنا أنفيها جملة ولا أثبت تعددها بوجه فقيل له فهل تثبته ~~موجودا أم لا فإن قال أثبته موجودا قيل له فهو هذه الموجودات أم غيرها فإن ~~قال غيرها قيل له فهل هو خالقها أم لا فإن قال هو خالقها قيل له فهل هو ~~قادر عليها عالم بها مريد لها أم لا فإن قال نعم هو كذلك اضطر إلى تكثر ~~صفاته وتعددها وإن نفى ذلك كان جاحدا للصانع بالكلية نافيا له فيستدل عليه ~~بما يستدل على الزنادقة الدهرية المنكرين لربهم تعالى ويقال له ما قالت ~~الرسل لأممهم @QB@ أفي الله شك @QE@ إبراهيم 10 # وهل يستدل عليه بدليل هو أظهر للعقول من إقرارها به وبربوبيته # ( وليس يصح في الأذهان شيء % إذا احتاج النهار إلى دليل PageV04P1221 @ # وإن قال أنا أثبته موجودا واجب الوجود لا صفة له قيل له بل زعمت أنه ~~معدوم ممتنع الوجود وكل موجود محقق أو مقدر أكمل منه على هذا التقدير فضلال ~~اليهود والنصارى وعباد الأصنام أعرف به منك وأقرب إلى الحق والصواب منك ~~وأما فرارك من قيام الأمور المتجددة به ففررت من أمر لا يثبت كونه إلها ~~وربا وخالقا إلا به ولا يتقدر كونه صانعا لهذا العالم مع نفيه أبدا وهو ~~لازم لجميع طوائف أهل الأرض على اختلافهم حتى للفلاسفة الذين هم أبعد الخلق ~~من إثبات الصفات والأفعال هو لازم لهم لزوما لا انفكاك لهم عنه ولهذا قال ~~بعض عقلاء الفلاسفة إنه لا يتقرر كونه ربا للعالمين إلا بإثبات ذلك ثم قال ~~والإجلال من هذا الإجلال واجب والتنزيه من هذا التنزيه متعين قال بعض أهل ~~العلم وهذه المسألة تقوم عليها رتب من ألف دليل عقلي وسمعي والكتب الإلهية ms452 ~~والنصوص النبوية ناطقة بذلك وإنكاره لما علم بالضرورة من دين الرسل أنهم ~~جاؤوا به ونحن نقول إن كل سورة من سور القرآن تتضمن إثبات هذه المسألة ~~وفيها أنواع من الأدلة عليها فأدلتها تزيد على عشرة آلاف دليل # فأول سورة من القرآن تدل عليها من وجوه كثيرة وهي سورة أم الكتاب فإن ~~قوله @QB@ الحمد لله @QE@ يدل عليها فإنه PageV04P1222 @ سبحانه يحمد على ~~أفعاله كما حمد نفسه عليها في كتابه وحمده عليها رسله وملائكته والمؤمنون ~~من عباده فمن لا فعل له البتة كيف يحمد على ذلك فالأفعال هي المقتضية للحمد ~~ولهذا نجده مقرونا بها كقوله : @QB@ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ~~@QE@ الأنعام 1 @QB@ الحمد لله الذي هدانا لهذا @QE@ الأعراف 43 @QB@ الحمد ~~لله الذي أنزل على عبده الكتاب @QE@ الكهف 1 @QB@ الحمد لله فاطر السماوات ~~والأرض @QE@ فاطر 1 # الثاني قوله @QB@ رب العالمين @QE@ وربوبيته للعالم تتضمن تصرفه فيه ~~وتدبيره له ونفاذ أمره كل وقت فيه وكونه معه كل ساعة في شأن يخلق ويرزق ~~ويميت ويحيي ويخفض ويرفع ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويصرف الأمور بمشيئته ~~وإرادته وإنكار ذلك إنكار لربوبيته وإلهيته وملكه # الثالث قوله @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ وهو الذي يرحم بقدرته ومشيئته من لم ~~يكن راحما له قبل ذلك # الرابع قوله @QB@ مالك يوم الدين @QE@ والملك هو المتصرف فيما هو ملك ~~عليه ومالك له ومن لا تصرف PageV04P1223 @ له ولا يقوم به فعل البتة لا ~~يعقل له ثبوت ملك ولا مالك # الخامس قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ فهذا سؤال لفعل يفعله بهم ~~لم يكن موجودا قبل ذلك وهو الهداية التي هي فعله فيترتب عليها الاهتداء ~~الذي هو مطاوع وهو فعلهم # السادس قوله @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ ونعمته عليهم وفعله القائم ~~به وهو الإنعام فلو لم يقم به فعل الإنعام لم يكن للنعمة وجود البتة # السابع قوله @QB@ غير المغضوب عليهم @QE@ وهم الذين غضب الله عليهم بعد ~~ما أوجدهم وقام بهم سبب الغضب فالغضب على المعدوم محال وقد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا قال @QB@ الحمد لله رب العالمين ms453 @QE@ يقول ~~الله حمدني عبدي فإذا قال @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ يقول الله أثنى علي عبدي ~~فإذا قال @QB@ مالك يوم الدين @QE@ قال الله مجدني عبدي فإذا قال @QB@ إياك ~~نعبد وإياك نستعين @QE@ قال الله هذه بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها ~~لعبدي فإذا قال @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ إلى آخرها قال الله هذا ~~PageV04P1224 @ لعبدي ولعبدي ما سأل فهذه أدلة من الفاتحة وحدها فتأمل أدلة ~~الكتاب العزيز بعد على هذا الأصل تجدها فوق عد العادين وإحصاء المحصين حتى ~~أنك تجد في الآية الواحدة على اختصار لفظها عدة أدلة كقوله : @QB@ إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ يس 82 # ففي هذه الآية عدة أدلة : # أحدها قوله @QB@ إنما أمره @QE@ وهذا أمر التكوين الذي لا يتأخر عنه أمر ~~المكون بل يعقبه # الثاني قوله @QB@ إذا أراد شيئا @QE@ وإذا تخلص الفعل للاستقبال # الثالث قوله @QB@ أن يقول له @QE@ وإن تخلص المضارع للاستقبال # الرابع أن يقول فعل مضارع إما للحال وإما للاستقبال # الخامس قوله @QB@ كن @QE@ وهما حرفان سبق أحدهما الآخر ويتعقبه الثاني ~~PageV04P1225 @ # السادس قوله @QB@ فيكون @QE@ والفاء للتعقيب يدل على أنه يكون عقيب قوله ~~له كن سواء لا يتأخر عنه # السابع أن قوله @QB@ كن @QE@ تكوين قائم به سبحانه والكون قد تعقبه ولم ~~ينزح عنه وقوله تعالى @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه @QE@ الأعراف ~~143 # فهو سبحانه إنما كلمه ذلك الوقت وقوله @QB@ وناديناه @QE@ مريم 52 @QB@ ~~ويوم يناديهم فيقول @QE@ القصص 62 # وقوله @QB@ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة @QE@ الأعراف 22 # فالنداء إنما حصل ذلك الوقت وقوله @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ~~@QE@ البقرة 210 @QB@ وجاء ربك @QE@ الفجر 22 @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ ~~الأعراف 54 @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية @QE@ الإسراء 16 @QB@ فعال لما ~~يريد @QE@ البروج 16 @QB@ يريد الله بكم اليسر @QE@ البقرة 185 @QB@ يريد ~~الله أن يخفف عنكم @QE@ النساء 28 PageV04P1226 @ @QB@ والله يريد أن يتوب ~~عليكم @QE@ النساء 27 @QB@ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون @QE@ القصص ms454 6 5 @QB@ والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل @QE@ الأحزاب 4 @QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما @QE@ المجادلة 1 @QB@ إنني معكما أسمع ~~وأرى @QE@ طه 46 @QB@ إنا معكم مستمعون @QE@ الشعراء 15 @QB@ كل يوم هو في ~~شأن @QE@ الرحمن 29 # وهذا عند النفاة لا حقيقة له بل الشؤون للمفعولات وأما هو فله شأن واحد ~~قديم فهذه الأدلة السمعية وأضعاف أضعافها مما يشهد بها صريح العقل وشهد ~~ببطلان ما خالفها # فإنكار ذلك وإنكار تكثر الصفات وتعدد الأسماء هو الذي أفسد العقل والنقل ~~وفتح باب المعارضة PageV04P1227 @ بينهما وتفصيل أدلة هذه المسألة وبيان ~~بطلان الشبه المعارضة لها يستدعي مجلدا كبيرا ولعلنا إن ساعد القدر أن ~~نكتبه والله المستعان # الوجه الرابع والثلاثون بعد المائة # إن من أئمة هؤلاء المعرضين من يقول إنه ليس في العقل ما يوجب تنزيه الرب ~~سبحانه وتعالى عن النقائص ولم يقم على ذلك دليل عقلي أصلا كما صرح به ~~الرازي وتلقاه عن الجويني وأمثاله قالوا وإنما نفينا النقائص عنه بالإجماع ~~وقد قدح الرازي وغيره من النفاة في دلالة الإجماع وبينوا أنها ظنية لا ~~قطعية فالقوم ليسوا قاطعين بتنزيه الله عن النقائص بل غاية ما عندهم في ذلك ~~الظن فيا للعقلاء ويا لأولي الألباب كيف تقوم الأدلة القطعية على نفي صفات ~~كماله ونعوت جلاله وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه بالقرآن حقيقة ~~وتكليمه لموسى حقيقة بكلامه القائم به ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عيانا من ~~فوقهم في الجنة حتى تدعي أن الأدلة السمعية الدالة على ذلك قد عارضها صريح ~~العقل وأما تنزيهه عن العيوب والنقائص فلم يقم عليه دليل عقلي ولكن علمناه ~~بالإجماع وقد قلتم دلالته ظنية فوالله لو قال المشبه المجسم بزعمكم ما قال ~~ما رضي لنفسه بهذا ولكان رب العالمين وقيوم السماوات والأرض أكبر في صدره ~~PageV04P1228 @ وأجل في قلبه من أن لا يكون في عقله دليل ينزهه عن النقائص ~~ولعل جاهلا أن يقول إنا قلنا عليهم ما لم يقولوا أو استجزنا ما يستجيزونه ~~هم من ms455 حكاية مذاهب الناس عنهم فما يعتقدونه هم لازم لأقوالهم فيكذبون عليهم ~~كذبا صريحا يقولون مذهب الحنابلة إن الله يجوز أن يتكلم بشيء ولا يعني به ~~شيئا ومذهبهم أن الله لا يجوز أن يرى وأمثال ذلك مما هو كذب صريح وفرية ~~مستندهم فيها ما فهموه من لازم قولهم فنحن لا نستجيز ذلك على أحد من الناس ~~ولكن هذه كتب القوم فراجعها ولا تقلد الحاكي عنهم ويكفيك من فساد عقل يعارض ~~الوحي أنه لم يقم عنده دليل عقلي ينزه ربه وخالقه عن العيوب والنقائص فلقد ~~كشف لك صاحب هذا العقل عن حقيقة معقوله وأقر على نفسه وعقله أنه أقل وأحقر ~~شأنا أن يعارض الوحي ونصوص الأنبياء ثم يتقدم عليها وبالله التوفيق # الوجه الخامس والثلاثون بعد المائة # أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم لا يمكنكم تنزيه الرب سبحانه عن ~~النقائص والعيوب إلا أن يتحيزوا إلى أهل السنة ويصيروا أضيافا لهم ~~ويستضيئوا بنورهم وإلا فلا يمكنكم على أصولكم تنزيه الرب عن العيوب البتة ~~فإنكم نزهتموه عن صفات كماله وزعمتم PageV04P1229 @ أنها تستلزم التجسيم ~~وهو يستلزم الحدوث فبذلك نفيتم صفاته وأفعاله فلما قال لكم أهل الإثبات ~~نفيكم لهذه الصفات يستلزم ثبوت ضدها له وهو نقص وهو محال على من له الكمال ~~كله أجبتموه بأن هذا إنما يلزم في القابل للشيء وضده وأما الرب سبحانه فإنه ~~لا يقبل هذه الصفات ولا أضدادها فلا يلزم من سلبها عنه ثبوت أضدادها كما لا ~~يلزم من سلب الكلام والسمع والبصر والحياة عن الحجر وصفه بالخرس والطرش ~~والعمى والموت فقال لكم أهل الإثبات لو جعلتموه قابلا لصفات الكمال ~~وسلبتموها عنه لكان أكمل ممن لا يقبل صفات الكمال البتة فالأعمى والأخرس ~~والأصم والعاجز أكمل من الحجر والتراب فنزلتم درجة أخرى وشبهتموه بأنقص ~~الناقصات وهو مالا يقبل الكمال بوجه فلو أثبتم له صفات الكمال كلها على وجه ~~التشبيه والتمثيل بخلقه لكان خيرا من تشبيهكم له بأنقص الناقصات من ~~الجمادات التي لا تقبل الكمال فإن الحيوان الذي يقبل أن يتعاقب عليه العدم ~~والملكة فيكون ms456 تارة سميعا وتارة أصم أكمل من الجماد PageV04P1230 @ الذي لا ~~يقبل هذا ولا هذا بل الحيوان الموصوف بهذه النقائص مع إمكان اتصافه بهذا ~~الكمال أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك فإذا قلتم إن الرب لا يقبل الاتصاف ~~بصفات الكمال مع أن المتصف بالنقائص يمكنه الاتصاف بها جعلتموه أنقص من ~~الحيوانات وكان من وصفه بهذه النقائص خيرا منكم وهم يشنعون بما يحكي عن ~~ضلال اليهود والنصارى أن الله ندم على الطوفان حتى عض أصبعه وجرى الدم وبكى ~~على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وأمثال ذلك وهؤلاء مع كفرهم وضلالهم ~~أحسن قولا فيه ممن يقول إنه لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال بل من جعله يأكل ~~ويشرب وينام ويألم خير ممن جعله بمنزلة الأحجار والجامدات التي لا تقبل هذه ~~الصفات فالمشبهة المحضة خير منكم وأحسن قولا في ربهم وخالقهم وأما خصومكم ~~من أهل السنة والحديث فهم لا يقولون بتشبيهكم ولا بتشبيه إخوانكم وإن كان ~~تشبيهكم شرا من تشبيههم وإنما يصفون الله بصفات كماله ونعوت جلاله ويثبتون ~~أفعاله حقيقة لا مجازا كما يثبتون ذاته وصفاته ولا يشبهون الله بخلقه ولا ~~يمثلونه بهم والله سبحانه أجل في صدورهم وأعظم في قلوبهم من أن يشبهوه ~~بخلقه أو ينفوا عنه صفات كماله وأفعاله فيشبهونه بالجامدات العادمة للكمال ~~وقبوله يوضحه PageV04P1231 @ # الوجه السادس والثلاثون بعد المائة # وهو أن الله سبحانه عاب آلهة المشركين بنفس ما وصفتم الإله الحق سبحانه ~~به فعابها بأنها لا تتكلم ولا تكلم عابديها وقلتم إن هذا من خصائص الربوبية ~~وعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر وقلتم إن إثبات السمع والبصر للرب يقتضي ~~التشبيه والتجسيم وعابها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تهدي السبيل فنفى عنها ~~هذه الأفعال وقلتم ليس للقديم فعل يقوم به البتة فإنه لو قامت به الأفعال ~~لكان محلا للحوادث وعابها بأنها لا يد لها تبطش بها ولا رجل تمشي بها ولا ~~عين تبصر بها وقلتم بأن الرب سبحانه كذلك فإنا لو وصفناه بذلك وصفناه ~~بالجوارح والأبعاض وجميع ما عابها به إنما هو ms457 نفي وسلب لم يعبها بصفة ~~ثبوتية البتة وعندكم أعظم التنزيه السلب والنفي الذي هو جماع ما عاب به ~~آلهة المشركين # الوجه السابع والثلاثون بعد المائة # إن الطوائف كلها اتفقت على إثبات موجود واجب بنفسه قديم أزلي لا يجوز ~~عليه العدم ثم تنازعوا فيما يجب له ويمتنع عليه تنازعا لا يحصيه إلا رب ~~العباد ولم تختلف مقالات أهل الأرض في شيء كاختلافهم في ربهم تعالى ~~PageV04P1232 @ وأحدث الأمم عهدا هذه الأمة وهذه مقالاتهم قد فاتت الحصر ~~وقد حكى منها أهل المقالات ما بلغهم وأعظم من استوعبها الأشعري في مقالاته ~~وقد حدث بعده مقالات لم يحكها ولم يودعها كتابه وكل يدعي أن العقل دله على ~~تلك المقالة وصحتها وإذا جاء السمع بخلافها لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت ~~الأربعة ومقالة النفاة المعطلة شر مقالات أهل الأرض على الإطلاق وأشدها ~~مناقضة للمعقول والمنقول فإنهم يصفونه بصفات المعدوم الصرف بل بصفات ~~الممتنع الوجود يعني بصفات المعدوم والممتنع ما يخبر به عنه ويحكم به عليه ~~وإلا فليس هناك صفة ولا موصوف فيقولون ليس هو فوق خلقه ولا هو مستو على ~~عرشه ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا ~~له ولا محايثا ولا مجاورا ولا فوق ولا تحت ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل من ~~عنده ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا رفع المسيح إليه ولا عرج برسول ~~إليه ودنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ولا يقرب منه شيء ولا يقرب من شيء ~~ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام ~~ولا يجيء للفصل بين عباده ولا ترفع إليه الأيدي ولا يشار إليه بالأصابع ولا ~~يمكن PageV04P1233 @ رؤيته البتة ولا قال ولا يقول ولا يكلم ولا يتكلم ولا ~~نادى ولا ينادي ولا له علم ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا إرادة ~~ولا وجه ولا يد ولا عين ولا إصبع وغلاتهم يقولون لا يسمى حيا عالما قادرا ~~إلا بطريق المجاز ms458 ويقولون لو أثبتنا هذه الصفات لزم أن يكون جسما والجسم ~~مركب والمركب ممكن والممكن محدث فإثبات هذه الصفات تنافي قدمه ووجوب وجوده ~~وأما أهل الإثبات فيقولون الموصوف بهذه الصفات السلبية المنفي عنه الصفات ~~الثبوتية لا يكون إلا ممتنعا والامتناع ينافي الوجود فضلا عن وجوبه والذين ~~وصفوه بهذه السلوب وصفوه بما لا يتصف به إلا ما يمتنع وجوده ومن وصف ما يجب ~~وجوده بما يمتنع وجوده فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود ويقولون للمعطلة ~~النفاة أنتم فررتم من وصفه بما يستلزم الإنكار بزعمكم فوصفتموه بما يستلزم ~~الامتناع من وصفه ومن وصف بما يستلزم الحدوث على ظنكم فوصفتموه بما يستلزم ~~العدم والأجسام الجامدة خير من المسلوب عنه هذه الصفات فضلا عن الأجسام ~~الحية الناقصة فضلا عن الأجسام الحية الكاملة قالوا ومن المعلوم أنه إذا ~~دار الأمر بين وجود حي كامل وبين معدوم أو ممتنع كان الموجود خيرا من ~~المعدوم يوضحه # الوجه الثامن والثلاثون بعد المائة # أن اللوازم التي تلزم المعطلة النفاة شر من اللوازم التي PageV04P1234 @ ~~تلزم المشبهة المحضة دع المثبتة لحقائق الأسماء والصفات المنزهين الله عن ~~شبه المخلوقات فإنهم يلزمهم عشرة لوازم # أحدها جحد الصانع ونفيه # الثاني سلب كماله عنه # الثالث وصفه بالنقائص والعيوب # الرابع تشبيهه بالجمادات الناقصة # الخامس تشبيهه بالمعدومات بل بالممتنعات # السادس الطعن فيما أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله # السابع القدح في علم الرسول أو بيانه أو نصحه أو الجمع # الثامن إفساد الفطر والعقول وتغييرها عما فطرت عليه كإفساد الشياطين لها ~~بالشرك واتباع الغي # التاسع إلقاء العداوة بين الوحي والعقل ودعوى تناقضهما وتعارضهما # العاشر القدح في شهادة العقل فإنهم إذا جوزوا معارضته ومناقضته لكلام ~~الله ورسوله فقد قدحوا فيه أعظم القدح وجرحوه أبين الجرح ويكفي في جرحه ~~والطعن في شهادته إقرارهم بأنه مضاد مناقض لما بعث الله به رسوله وأنزل به ~~كتابه وحينئذ فنقول في PageV04P1235 @ # الوجه التاسع والثلاثين بعد المائة # إنكم أسأتم القول في العقل غاية الإساءة وقدحتم فيه أعظم القدح فإن الله ~~سبحانه ركب العقول في ms459 عباده ليعرفوا بها صدقه وصدق رسله ويعرفوه بها ~~ويعرفوا كماله وصفاته وعظمته وجلاله وربوبيته وتوحيده وأنه الإله الحق وما ~~سواه باطل فهذا هو الذي أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول وهداهم به ~~إلى مصالح معاشهم التي تكون عونا لهم على ما خلقوا لأجله وأعطوا العقول له ~~فأعظم ثمرة العقل معرفته لخالقه وفاطره ومعرفة صفات كماله ونعوت جلاله ~~وأفعاله وصدق رسله والخضوع والذل والتعبد له فإذا أقررتم على العقل بأنه لا ~~يدرك ذلك ولا يصدق ذلك به بل يعارضه ويكذبه ويرده فقد نسبتموه إلى أقبح ~~الجهل وأعظم شهادة الزور وما كان هكذا فلا تقبل له شهادة في شيء فضلا عن ~~تقديم شهادته على ما شهد الله به لنفسه وشهدت له به رسله من أولهم إلى ~~آخرهم وحينئذ فنقول في : # الوجه الأربعين بعد المائة # أن الشهادة تعتمد على الشاهد وصدقه فإنها خبر ولا بد أن يكون المخبر به ~~عالما صادقا وقد علم كذب العقل المعارض لما جاءت به الرسل قطعا وجملة فإنه ~~لا يجتمع PageV04P1236 @ صدقه وصدق الرسل ولا صحة ما أخبر به وصحة ما أخبرت ~~به الرسل لاستحالة الجمع بين النقيضين وحينئذ فيلزم من قبول شهادته تكذيب ~~شهادة الرسل هذا لو لم يعلم كذبه فيما شهد به إلا بمجرد مخالفته لما شهدت ~~به الرسل فكيف إذا علم كذبه بشهادة عقل آخر أصح منه وأذكى وأصدق كيف وقد ~~علم كذب العقل الشاهد بخلاف ما جاءت به الرسل بوجوه كثيرة من مناقضته ~~واضطرابه وإثباته للشيء ثم نفيه للوازمه ونفيه للوازمه ثم إثباته ~~لملزوماتها وتفريقه بين المتساويين وجمعه بين المختلفين فقد علم كذبه وجهله ~~من هذه الوجوه الثلاثة فلا يصلح أن يستشهد به على مخالفة السمع بوجه من ~~الوجوه يوضحه # الوجه الحادي والأربعون بعد المائة # وهو أن هؤلاء المعارضين ردوا حكم العقل الصريح المبني على المقدمات ~~الضرورية الفطرية ونسبوه إلى البطلان وحينئذ فلا يمكنهم أن يقيموا معقولا ~~صحيحا على خلاف ما دل عليه السمع البتة لأن حكم العقل الذي ردوه وأبطلوه ~~أظهر وأبين وأصدق من ms460 حكم العقل الذي قدموه على كلام الله ورسوله بما لا ~~نسبة بينهما فصاروا في ذلك بمثابة حاكم فاسق ظالم رد شهادة العدول المبرزين ~~في العدالة وقبل شهادة المجهولين والمعروفين بالكذب والزور والفسق ثم لم ~~يكفه ذلك حتى عارض شهادة أولئك العدول الصادقين بشهادة هؤلاء الفسقة ~~الكاذبين ثم قدمها عليها PageV04P1237 @ وطعن في أولئك العدول فارتكب ~~أنواعا من الجهل والظلم جمع فيها بين إبطال الحق وتحقيق الباطل وتزكية شهود ~~الزور والطعن في شهادة العدول فتوهوا العقول الصحيحة والنصوص الصريحة ~~وضيقوها واستدعوا العقول الفاسدة والأقوال الكاذبة فولوها مكانها ~~واستعملوها كما قال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الأشعري ~~وأصحابه في كتاب الصفات مما نقله عنه أبو بكر بن فورك فقال في الكتاب ~~المذكور في باب القول في الاستواء وهذا لفظه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعا به يجيز السؤال بأين ~~وبقوله ويستصوب قول القائل إنه في السماء ويشهد له بالإيمان عند ذلك # وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين PageV04P1238 @ زعموا ويحيلون ~~القول به ولو كان خطأ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالإنكار له ~~وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فهو قسمان إنه عز وجل محدود في مكان ~~دون مكان ولكن قولي إنه في كل مكان لأنه الصواب دون ما قلت كلا لقد أجازه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه وأنه أصوب الأقاويل والأمر ~~الذي يجب به الإيمان لقائله ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته وكيف يكون ~~الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له قال ولو لم يشهد بصحة مذهب ~~الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي كيف ~~وقد غرس الله في الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك مالا شيء أبين منه ولا أوكد ~~لا بل لا تسأل أحدا من الناس عنه عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا ~~فتقول أين ربك ms461 إلا قال في السماء إن أفصح أو أومأ بيده وأشار بطرفه إن كان ~~لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل ولا رأينا أحدا داعيا ~~إلا رافعا يديه إلى السماء ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول ~~في كل مكان كما يقولون وهم يزعمون أنهم أفضل الخلق كلهم فتاهت العقول وسقطت ~~الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون PageV04P1239 @ رجلا معه نعوذ بالله من ~~الخذلان ومعضلات الفتن ثم ألزمهم بن كلاب بمذهب الدهرية الملاحدة وأن ~~يكونوا وهم بمنزلة واحدة فقال في هذا الكتاب يقال للجهمية أليست الدهرية ~~كفارا ملحدين في قولهم إن الدهر هو واحد إلا أنه لا ينفك عن العالم ولا ~~ينفك العالم عنه ولا يباين العالم ولا يباينه ولا يماس العالم ولا يماسه ~~ولا يداخل شيئا من العالم ولا يداخله لأنه واحد والعالم غير مفارق له فإذا ~~قالوا نعم قيل لهم صدقتم فلم أثبتم المعبود بمعنى الدهر وأكفرتم من قال ~~بمثل مقالتكم هل تجدون بينكم وبينه فرقا أكثر من أن سميتموه بغير ما سموه ~~به وقد قلتم إنه غير مفارق العالم ولا العالم مفارق له ولا هو داخل في ~~العالم ولا العالم داخل فيه ولا مماس للعالم ولا العالم مماس له ولم رجعتم ~~على من خالفكم بالتكفير وزعمتم أنهم كفروا لأنهم قالوا واحد منفرد بأين فلم ~~لا كنتم أولى بالكفر والتشبيهة منهم إذا زعمتم مثل زعم الملحدين وقلتم مثل ~~مقالة الضالين وخرجتم من توحيد رب العالمين # وقال في موضع آخر من هذا الكتاب وأخرج من PageV04P1240 @ العقل والخبر من ~~قال إنه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه لأنه نفاه نفيا مستويا وألزم ~~الجهمية في موضع آخر منه مفارقة صريح المعقول حيث زعموا بأنه سبحانه فعل ~~الأشياء لا بائنة عنه ولا قائمة به حالة فيه وهذا لا يثبته عقل عاقل وأخذ ~~هذا من حجة الإمام أحمد وأئمة السنة على هؤلاء المعطلة الجهمية # قال الإمام أحمد في كتابه الذي خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية وذكره ~~الخلال ms462 في الجامع والقاضي أبو يعلى وسائر أصحاب أحمد قال في باب ما أنكرت ~~الجهمية الضلال أن يكون الله على العرش وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب ~~على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس ~~الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له حين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجا من ~~نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر ~~حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجا PageV04P1241 ~~@ من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفرا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش ~~قذر رديء فإن قال خلقهم خارجا من نفسه ولم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع # فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته من أنه لا بد إذا ~~خلق الخلق من أن يخلقه مباينا له أو محايثا له ومع المحايثة إما أن يكون هو ~~في العالم وإما أن يكون العالم فيه لأنه سبحانه قائم بنفسه إذا كان محايثا ~~لغيره فلا بد أن يكون أحدهما حالا في الآخر بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات ~~فإنها تكون قائمة بغيرها فهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده وكذلك ~~قول من يقول لا هو مباين ولا محايث لما كان صريح العقل يدل على بطلانه لم ~~يدخله في التقسيم والمقصود أن أئمة الكلام وأئمة السنة متفقون على ان قول ~~الجهمية مخالف لصريح العقل والنقل وفطرة الله التي فطر عليها عباده وأنه لا ~~يمكن أحدا أن يقول بقولهم حتى يتوه العقل والسمع ويفارق حكمهما ~~PageV04P1242 @ # الوجه الثاني والأربعون بعد المائة # أن فحول الكلام وأئمة النظر والبحث الذين سبروا المقالات وتبحروا في ~~المعقولات قد شهدوا لطريقة النفاة المعطلة بمناقضتها للسمع والعقل وأن ~~السمع والعقل إنما يقتضيان الإثبات وعلو الرب على جميع المخلوقات واستواءه ~~على عرشه فوق سبع سماوات # قال أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة والموجز والمقالات وهذا ms463 لفظه في ~~كتاب الموجز إذ هو من أجل كتبه المتوسطات إن قال قائل ما تقولون في ~~الاستواء قيل له نقول إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال : @QB@ الرحمن ~~على العرش استوى @QE@ طه 5 # وقد قال @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ فاطر 10 # وقال @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ النساء 158 PageV04P1243 @ # وقال @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ السجدة 5 # وقال حكاية عن فرعون @QB@ يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا @QE@ غافر 37 36 # كذب موسى في قوله أن الله عز وجل فوق السماوات وقال عز وجل @QB@ أأمنتم ~~من في السماء أن يخسف بكم الأرض @QE@ الملك 16 # والسماوات فوقها العرش الذي هو فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء فالعرش ~~أعلى السماوات وليس إذا قال أأمنتم من في السماء يعني جميع السماء وإنما ~~أراد العرش الذي هو أعلى السماوات ألا ترى أن الله سبحانه ذكر السماوات ~~فقال @QB@ وجعل القمر فيهن نورا @QE@ نوح 16 # ولم يرد أن القمر ملأهن جميعا وأنه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا ~~يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله PageV04P1244 @ عز وجل مستو ~~على العرش الذي هو فوق السماوات فلولا أن الله عز وجل مستو على العرش لم ~~يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض قال وقال ~~قائلون من الجهمية والمعتزلة والحرورية إن معنى قوله @QB@ الرحمن على العرش ~~استوى @QE@ طه 5 # إنه استولى وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه ~~كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة قال ولو كان هذا كما ذكروه ~~كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله قادر على كل شيء والأرض ~~فالله قادر عليها وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستو على العرش بمعنى ~~الاستيلاء وهو سبحانه مستول على الأشياء كلها كان مستويا على العرش وعلى ~~الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار ms464 لأنه قادر على الأشياء ومستول ~~عليها وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن ~~يقول إن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش ~~الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص ~~بالعرش دون الأشياء كلها قال وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في ~~PageV04P1245 @ كل مكان فلزمهم أنه في بطن مريم والحشوش والأخلية وهذا خلاف ~~الدين تعالى عن قولهم ثم قال ودليل آخر وهو قوله سبحانه @QB@ وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~@QE@ الشورى 51 # فقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس هو من جنس البشر ولو كانت الآية ~~عامة للبشر وغيرهم كان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع الآية أن ~~يقول وما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب فيرتفع الشك ~~والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب ويترك أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون ~~غيرهم # ومقصود الأشعري بهذا الكلام أنه على قول النفاة لا فرق بين البشر وغيرهم ~~فإنه عندهم لا يحجب الله تعالى أحدا بحجاب منفصل عنه بل هو محتجب من جميع ~~الخلق بمعنى أنه لا يمكن أحدا أن يراه فاحتجابه عن بعضهم دون بعض دليل على ~~نقيض قولهم وذلك أن نفاة المباينة PageV04P1246 @ يفسرون الاحتجاب بمعنى ~~عدم الرؤية لامتناع قبول الذات لها لا لمانع منفصل يمنعها من حجاب منفصل عن ~~المحجوب وإذا كانت الذات غير قابلة للرؤية بل حجابها عدم قبولها لتعلق ~~الرؤية بها كان هذا الحجاب إلى جميع المخلوقات واحدا ولم يختص به البشر دون ~~غيرهم فلما أخبر أنه يكلم البشر من وراء حجاب دل على أنه قد يكلم غيرهم مع ~~رفع ذلك الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله إن ms465 ~~الله ما كلم أحدا إلا من وراء حجاب وإنه أحيا أباك وكلمه كفاحا وكما في ~~PageV04P1247 @ الحديث ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ~~يحجبه ولا ترجمان فلا يناقض هذا ما دلت عليه الآية فإن هذا في الدنيا وما ~~دلت عليه السنة في دار الآخرة وتكليم عبد الله بن حرام والد جابر كان بعد ~~الموت لم يكن في الدنيا قال الأشعري دليل آخر قال الله عز وجل @QB@ ثم ردوا ~~إلى الله مولاهم الحق @QE@ الأنعام 62 # وقال تعالى @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق @QE@ ~~الأنعام 30 # وقال @QB@ ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم @QE@ السجدة 12 # وقال تعالى @QB@ وعرضوا على ربك صفا @QE@ الكهف 48 # قال كل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو على عرشه ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا الذين لم يثبتوا له في وصفهم ~~حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع ~~أوصافهم تدل على النفي يريدون بذلك زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله ~~من تنزيه يوجب النفي والتعطيل PageV04P1248 @ # ووجه استدلاله بهذه النصوص أنها صريحة في المباينة والمقابلة والوقوف بين ~~يديه ولو كان غير داخل في العالم ولا خارجه لم يصح شيء من ذلك فهذه النصوص ~~صريحة في مباينة العالم ومقابلته للواقف بين يديه حتى يكون ناكس الرأس ~~قدامه فلو لم يكن فوق العرش بطلت هذه النصوص جملة # قال الأشعري وروت العلماء عن بن عباس أنه قال تفكروا في خلق الله ولا ~~تفكروا في ذات الله فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز وجل فوق ذلك # وهذا الحديث قد رواه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة من حديث عبد الوهاب ~~الوراق ثنا علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس ~~تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله فإن ما بين كرسيه إلى السماء ~~السابعة سبعة آلاف نور وهو فوق ms466 ذلك ثم قال عبد الوهاب الرجل الصالح العالم ~~الذي سئل الإمام PageV04P1249 @ أحمد من يسأل بعدك فقال سلوا عبد الوهاب ~~الوراق # قال من زعم أن الله ها هنا فهو جهمي خبيث إن الله فوق العرش وعلمه محيط ~~بالدنيا والآخرة # قال الأشعري ومما يؤكد أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله ~~أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث النزول كقوله ينزل ~~ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر ~~له هل من داع فأستجيب له حتى يطلع الفجر # قال ودليل آخر قال تعالى @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ النحل 50 # وقال تعالى @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ المعارج 4 # وقال @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان @QE@ فصلت 11 PageV04P1250 @ # وقال @QB@ ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا @QE@ الفرقان 59 # وقال @QB@ ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ ~~السجدة 4 # وكل ذلك يدل على أنه في السماء مستو على عرشه قال # ودليل آخر قوله عز وجل @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ الفجر 22 # وقال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة @QE@ البقرة 210 # وقال تعالى @QB@ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما ~~أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى @QE@ النجم 12 - 8 # وقال تعالى لعيسى @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ آل عمران 55 ~~PageV04P1251 @ # وقال @QB@ وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه @QE@ # وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء # قال الأشعري ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في ~~الأمر النازل بهم أن يقولوا جميعا يا ساكن العرش لا والذي احتجب بسبع ~~سماوات # فقد حكى أبو الحسن الأشعري إجماع المسلمين على أن الله فوق العرش وأن ~~خلقه محجوبون عنه بالسماوات وهذا مناقض لقول من يقول إنه لا داخل العالم ~~ولا خارجه فإن هؤلاء يقولون ليس للعرش به اختصاص ms467 وليس شيء من المخلوقات ~~يحجب عنه شيئا وقال لسان المتكلمين القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب ~~الإبانة والتمهيد وغيرهما فإن قال قائل أتقولون إنه في كل PageV04P1252 @ ~~مكان قيل معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # وقال @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ فاطر 10 # وقال @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض @QE@ الملك 16 # ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان PageV04P1253 @ # وفي المواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق ~~منها مالم يكن وينقص بنقصانها إذا أبطل منها ما كان ولصح أن يرغب إليه إلى ~~نحو الأرض وإلى خلفنا وعن أيماننا وشمائلنا وهذا قد أجمع المسلمون على ~~خلافه وتخطئة قائله # وقد ذكرنا في كتاب اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية ~~أضعاف أضعاف هذه النقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة نصا ~~صريحا عنهم نقله أصحابهم وغيرهم وأئمة التفسير وأئمة اللغة وأئمة النحو ~~وأئمة الفقه وسادات الصوفية وشعراء الجاهلية والإسلام مما في بعضه كفاية ~~لمن أراد الله هدايته ومن طبع الله على قلبه فإن آيات الله تتلى عليه وكلام ~~رسوله ولا يزيده ذلك إلا مرضا على مرضه والله الموفق للصواب لا إله غيره ~~ولا رب سواه # الوجه الثالث والأربعون بعد المائة # إن هؤلاء لم يكفهم أن سدوا على أنفسهم باب الرد على أعداء الإسلام بما ~~وافقوهم فيه من النفي والتعطيل حتى PageV04P1254 @ فتحوا لهم الباب وطرقوا ~~لهم الطريق إلى محاربة القرآن والسنة فلما دخلوا من بابهم وسلكوا من طريقهم ~~تحيزوا معهم وصاروا جميعا حربا للوحي وادعوا أن العقل يخالفه ولا يمكن الرد ~~على أهل الباطل إلا مع أتباع السنة من كل وجه وإلا فإذا وافقها الرجل من ~~وجه وخالفها من وجه طمع فيه خصومه من الوجه الذي خالفها فيه واحتجوا عليه ~~بما وافقهم فيه من تلك المقدمات المخالفة للسنة ومن تدبر عامة ما يحتج به ~~أهل الباطل على من هو أقرب ms468 إلى الحق منهم وجد حجتهم إنما تقوى على من ترك ~~شيئا من الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه فيكون ما تركه من ~~الحق أعظم حجة للمبطل عليهم ويجد كثيرا من أهل الكلام يوافقون خصومهم على ~~الباطل تارة ويخالفونهم في الحق تارة فيتسلطون عليهم بما وافقوهم فيه من ~~الباطل وبما خالفوهم من الحق وليس لمبطل بحمد الله حجة ولا سبيل بوجه من ~~الوجوه على من وافق السنة ولم يخرج عنها حتى إذا خرج عنها قدر أنملة تسلط ~~عليه المبطل بحسب القدر الذي خرج به عن السنة فالسنة حصن الله الحصين الذي ~~من دخله كان من الآمنين وصراطه المستقيم الذي من سلكه كان إليه من الواصلين ~~وبرهانه المبين الذي من استضاء به كان من المهتدين فمن وافق مبطلا على شيء ~~من باطله جره بما وافقه منه إلى نفي باطله # وقد ضرب بعض أهل العلم لذلك مثلا مطابقا فقال PageV04P1255 @ مثل الحق ~~مثل طريق مستقيم واسع وعلى جنبيه قطاع ولصوص وعندهم خواطئ قد ألبسوهن الحلي ~~والحلل وزينوهن للناظرين فيمر الرجل بالطريق فيتعرضن له فإن التفت إليهن ~~طمعن في حديثه فألقين إليه الكلام فإن راجعهن وأجابهن دعينه إلى الذبح فإذا ~~دخل عرين الموت صار في قبضتهن أسيرا أو قتيلا فكيف يحارب قوما من هو أسير ~~في قبضتهم قتيل سلاحهم بل يصير هذا عونا من أعوانهم قاطعا من قطاع الطريق ~~ولا يعرف حقيقة هذا المثل إلا من عرف الطريق المستقيم وقطاع الطريق ومكرهم ~~وحيلهم وبالله التوفيق وهو المستعان # وقد نصب الله سبحانه الجسر الذي يمر الناس من فوقه إلى الجنة ونصب ~~بجانبيه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فهكذا كلاليب الباطل من تشبيهات الضلال ~~وشهوات الغي تمنع صاحبها من الاستقامة على طريق الحق وسلوكه والمعصوم من ~~عصمه الله # الوجه الرابع والأربعون بعد المائة # أن يقال لهذه الفرقة المعارضة بين النقل والعقل أتدعون هذه المعارضة بين ~~العقل وجميع النقل أو بعضه والأول PageV04P1256 @ لا يقوله مسلم بل ولا ~~عاقل ولا أحد من بني آدم فلا حاجة إلى ms469 الكلام على تقريره وإذا ادعيتم أن ~~التعارض واقع بين العقل وبين بعض المنقول قيل لكم المنقول أنواع متعددة # نوع يتعلق بالأمر والنهي والإباحة # ونوع يتعلق بمبدأ الخليقة وتخليق العالم ومادته ومبدئه # ونوع يتعلق بالمعاد وحشر الأجساد وطي العالم وخرابه وإنشاء الخلق نشأة ~~أخرى # ونوع يتعلق بالإخبار عن الأمم السالفة والقرون الماضية وأحوالهم وما ~~أصابهم من نعمة ونقمة # ونوع يتعلق بالإخبار عن عجائب المخلوقات وبدائع الآيات في الأرض والسماء # ونوع يتعلق بأسماء الرب وصفاته وأفعاله وما يجب له ويمتنع عليه # فأي هذه الأنواع تدعون معارضة العقل لها حتى يقع الكلام معكم فيه # ومعلوم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا وقد عارضه طائفة من شياطين ~~الإنس بآرائهم وعقولهم وقد قدمنا معارضة شيخ القوم للأمر بمعقوله وأن العقل ~~يقتضي أن لا يسجد الفاضل للمفضول وبينا سريان تلك المعارضة في PageV04P1257 ~~@ تلامذته وأتباعه حتى إن منهم من عارض الأمر كله بعقله وذكروا وجوها عقلية ~~تدفع الأمر والنهي والله يعلم أن الوجوه العقلية التي ذكرها المعطلة النفاة ~~لدفع علو الرب واستوائه على عرشه وصفات كماله أوهى منها أو من جنسها وطائفة ~~أخرى عارضت نصوص المبدأ والمعاد بمعقولات هي من جنس معقولات نفاة الصفات ~~فهل يوافقون هؤلاء في صحة هذه المعارضة أم يخالفونهم وفي أي الأنواع تدعون ~~المعارضة فإن قصرتموه على نوع الأسماء والصفات قيل لكم فالمعارضة ثابتة بين ~~العقل وبين سائر هذا النوع أم بينه وبين بعضه ولا ضابط لفرقة منكم في دعوى ~~هذه المناقضة أصلا بل كل من نفى شيئا مما أثبته الرسول قال قد عارضه صريح ~~العقل فإمامكم الذي تقدمون نصوص إشاراته على نصوص القرآن والسنة عنده إن ~~صريح العقل معارض لنصوص المعاد وحدوث العالم وإثبات الصفات والقدرية ~~المجوسية عندهم أن صريح العقل معارض للنصوص المثبتة للقدر والجهمية المعطلة ~~عندهم أن العقل الصريح معارض لنصوص الرؤية والعلو والاستواء على العرش وصفة ~~التكلم والتكليم وغير ذلك من الصفات فمع من أنتم من أرباب هذه المعارضات ~~وأهل هذه المعقولات هل تصوبون جميعهم أم بعضهم ms470 ومن PageV04P1258 @ البعض ~~المصيب ومن المخطىء وفي أي شيء اصاب هؤلاء وأخطأ هؤلاء ولقد صدق القائل ~~إنكم لا ترجعون في الحقيقة إلى شيء وإن منتهاكم الشك والحيرة وبالله ~~التوفيق # وحينئذ فنقول في # الوجه الخامس والأربعين بعد المائة # إن نهاية أمر هؤلاء المعارضين لنصوص الوحي بالرأي انتهاؤهم إلى الشك ~~والتشكيك والحيرة في أمرهم فتجدهم يشكون في أوضح الواضحات وفيما يجزم عوام ~~الناس به ويتعجبون ممن يشك فيه ولا تعطيك كتبهم وبحوثهم إلا الشك والتشكيك ~~والحيرة والإشكالات وكلما ازددت فيها إمعانا ازددت حيرة وشكا حتى يؤول بك ~~الأمر إلى الشك في الواضحات واعتبر هذا بإمام الشك والتشكيك أفضل متأخريهم ~~وكتبه تجده شاكا في الزمان والمكان لم يعرف حقيقته وماهيته وشاكا في وجود ~~الرب تعالى هل هو عين ماهيته أو زائد عليها وهل الوجود مقول على الواجب ~~والممكن بالتواطؤ أو بالاشتراك اللفظي وهل PageV04P1259 @ الوجود الواجب ~~وجود محض لا يقارن شيئا من الماهيات أم وجود مقارن لماهية غير معلومة للبشر # وشاكا في الرب سبحانه هل كان معطلا في الأزل والفعل ممتنع عليه ثم انقلب ~~من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا تجدد أمر حصل في الفاعل كما ~~يقوله المتكلمون أو لم يزل فعله مقارنا له كما يقوله الفلاسفة وهو حائر بين ~~هذين القولين معارض أدلة كل منهما بأدلة الآخر وتارة يرجح أدلة المتكلمين ~~في كتبه الكلامية وتارة يرجح أدلة الفلاسفة في كتبه الفلسفية وتارة يصف ~~الجيشين ويلقي الحرب بينهما ولا يتحيز إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما في كتبه ~~الجامعة بين الطريقتين # وشاكا في الجوهر الفرد فمرة يثبته ويوقف الإيمان بالمبدأ والمعاد عليه ~~وتارة ينفيه ويبطله # وشاكا في تماثل الأجسام فتارة يثبته ويحتج عليه وتارة ينفيه # وشاكا في مسألة حلول الحوادث فتارة ينفيها وتارة يقول بها ويقوي أمرها ~~ويلزمها جميع الطوائف PageV04P1260 @ وشاكا في النبوات هل هي ثابتة على ~~طريق الفلاسفة أو على طريق المعتزلة أم على طريق الأشعرية # وشاكا في مسألة التحسين والتقبيح فتارة يسلك فيها مسلك النفاة وتارة مسلك ~~المثبتين # وشاكا في إثبات الصفات ms471 ففي كتبه الفلسفية ينفيها وفي الكتب الكلامية ~~يثبتها إثباتا لا حقيقة له بل هو لفظ بلا معنى # وشاكا في الإنسان هل هو هذا البدن المشهود أم أمر آخر وراءه وهو الروح أم ~~مجموع الأمرين # وشاكا في الروح وحقيقتها وماهيتها وهل هي جسم أو جوهر مجرد لا داخل ~~العالم ولا خارجه أو عرض من أعراض البدن # وشاكا في مسألة الكلام والرؤية فمرة يقوي فيها قول المعتزلة ومرة قول ~~الأشعرية إلى أضعاف ما ذكرنا من المسائل ولهذا تجد أتباعه أكثر الناس شكا ~~وتشكيكا # والفاضل عندهم الشاك وكلما كان الرجل أعظم شكا كان عندهم أفضل فهذا شكهم ~~في الدنيا وأما عند الموت PageV04P1261 @ فقد قال العارف بحقيقة أمرهم أكثر ~~الناس شكا عند الموت أرباب الكلام # وقد أقروا على أنفسهم بالشك وعدم اليقين في كتبهم وعند موتهم كما تقدم ~~حكاية ذلك عن أفاضلهم ورؤوسهم حتى قال بعضهم عند موته والله ما أدري على ~~ماذا أموت عليه ثم قال اشهدوا على أني على عقيدة أمي وقال الآخر اشهدوا علي ~~أني أموت وما عرفت إلا مسألة واحدة وهي أن الممكن مفتقر إلى الواجب ثم قال ~~الافتقار أمر عدمي بل أموت وما عرفت شيئا # وقال الآخر أضع الإزار على وجهي ثم أقابل بين أقوال هؤلاء وهؤلاء حتى ~~يطلع الفجر ولا يتبين لي منها شيء # ويقول الآخر لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي ~~عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ فاطر 10 ~~PageV04P1262 @ # واقرأ في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ الشورى 11 @QB@ ولا يحيطون به ~~علما @QE@ طه 110 # ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وقد حكينا كلامه فيما تقدم # وقال الآخر لعمري # ( لقد طفت في تلك المعاهد كلها % وسيرت طرفي بين تلك المعالم ) # ( فلم أر إلا واضعا كف حائر % على ذقن أو قارعا سن نادم ) # وهذا باب طويل من أراد الوقوف عليه فليطالع أخبار القوم وسيرتهم وما ~~أقروا به على أنفسهم وحينئذ ms472 فنقول في # الوجه السادس والأربعين بعد المائة # إن أئمة الإسلام وملوك السنة لما عرفوا أن طرق المتكلمين إنما تنتهي إلى ~~هذا وما هو شر منه تنوعوا في ذمها والطعن فيها وعيب أهلها والحكم بعقوبتهم ~~وإشهارهم والتحذير منهم PageV04P1263 @ # قال أبو القاسم بن عساكر وقد حفظ عن غير واحد من علماء الإسلام عيب ~~المتكلمين وذم أهل الكلام ولو لم يذمهم غير الشافعي لكفى فإنه قد بالغ في ~~ذمهم وأوضح حالهم وشفى ثم ذكر بإسناده إلى الفريابي حدثني بشر بن الوليد ~~قال سمعت أبا يوسف يقول من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب غرائب الحديث ~~كذب ومن طلب المال بالكيمياء أفلس قال البيهقي وروي هذا الكلام عن مالك بن ~~أنس ثم ذكر بن عساكر عن الشافعي أنه قال لئن يبتلى العبد بكل ما نهى الله ~~عنه سوى الشرك خير له من أن يبتلى بالكلام ولقد اطلعت من أهل الكلام على ~~شيء ما ظننت أن مسلما يقوله PageV04P1264 @ # وقال بن أبي حاتم حدثنا أحمد بن أصرم المزني قال قال أبو ثور سمعت ~~الشافعي يقول ما تردى أحد بالكلام فأفلح وقال حدثنا الربيع قال رأيت ~~الشافعي وهو نازل من الدرجة وقوم في المجلس يتكلمون بشيء من الكلام فصاح ~~فقال إما أن تجاورونا بخير وإما أن تقوموا عنا # وذكر أيضا عن بن عبدالحكم قال سمعت الشافعي يقول لو علم الناس ما في ~~الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد # وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة سمعت يونس بن عبدالأعلى يقول جئت الشافعي ~~بعد ما كلم حفصا الفرد فقال غبت عنا يا أبا موسى لقد اطلعت من أهل الكلام ~~على شيء ما توهمته قط ولأن يبتلى المرء بكل PageV04P1265 @ ما نهى الله عنه ~~ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام # وقال الإمام أحمد علماء الكلام زنادقة # قال شيخنا والكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وذم أصحابه ~~والنهي عنه وتجهيل أربابه وتبديعهم وتضليلهم وهو هذه الطرق الباطلة التي ~~بنوا عليها نفي الصفات والعلو ms473 والاستواء على العرش وجعلوا بها القرآن ~~مخلوقا ونفوا بها رؤية الله في الدار الآخرة وتكلمه بالقرآن وتكليمه لعباده ~~ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ~~فإنهم سلكوا فيه طرقا غير مستقيمة واستدلوا PageV04P1266 @ بقضايا متضمنة ~~للكذب فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصريح المعقول ~~وكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ورسائلهم وأحكامهم ~~ودلائلهم # وكلام السلف والأئمة في ذلك مشهور وما من أحد قد شدا طرفا من العلم إلا ~~وقد بلغه من ذلك بعضه لكن كثيرا من الناس لم يحيطوا علما بكثير من أقوال ~~السلف والأئمة وقد أفرد الناس في ذلك مصنفات مثل أبي عبد الرحمن السلمي ~~ومثل شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري وسمى كتابه ذم ~~الكلام وأهله وممن ذكر اتفاق السلف على ذلك PageV04P1267 @ أبو حامد ~~الغزالي في أجل كتبه الذي سماه إحياء علوم الدين قال فيه فإن قلت فعلم ~~الكلام والجدل مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه فاعلم أن الناس ~~في هذا غلوا وإسرافا في الطرفين فمن قائل إنه بدعة وحرام وإن العبد أن يلقى ~~الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام ومن قائل إنه واجب فرض ~~إما على الكفاية أو على الأعيان وإنه أجل الأعمال وأعلى القربات وإنه تحقيق ~~لعلم التوحيد ونضال عن دين الله # قال وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن PageV04P1268 @ حنبل وسفيان ~~وجميع أهل الحديث من السلف ثم ذكر بعض نصوص الشافعي التي تقدمت # قال وقال أحمد بن حنبل لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر ~~في الكلام إلا وفي قلبه دغل قال وبالغ فيه حتى هجر الحارث المحاسبي قال ~~وقال الإمام أحمد أيضا علماء الكلام زنادقة # قال وقال مالك أرأيت إن جاء رجل أجدل من PageV04P1269 @ رجل يدع الرجل ~~دينه كل يوم لدين جديد قال وقال مالك لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع قال ~~بعض أصحابه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي ms474 مذهب كانوا وهذا الذي حكى ~~عنه أبو حامد تأويل قول مالك هو محمد بن خويز منداد البصري المالكي # قال إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم هم أهل الكلام ~~قال وكل متكلم هو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه أشعريا كان أو ~~غير أشعري هكذا ذكره عنه أبو عمر بن عبدالبر في كتاب فضل العلم ثم ذكر أبو ~~حامد كلام أبي يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق قال وقد اتفق أهل الحديث من ~~السلف على هذا ولا ينحصر عنهم ما نقل من التشديدات فيه وقالوا ما سكت عنه ~~الصحابة رضي الله عنهم مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من ~~غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد عنه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV04P1270 @ هلك المتنطعون هلك المتنطعون أي المتعمقون في البحث ~~والاستقصاء # قال واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني على أربابه فقد علمهم الاستنجاء وندبهم إلى ~~حفظ الفرائض ونهاهم عن الكلام في القدر وعلى هذا استمر الصحابة فالزيادة ~~على الأستاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة ونحن الأتباع والتلامذة إلى ~~أن قال وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه ~~وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف وهذا إذا سمعته من محدث أو ~~حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم ~~قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى ~~التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من ~~هذا الوجه مسدود PageV04P1271 @ # قال ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على ~~سبيل الندور في أمور جليلة تكاد تفهم قبل التعمق في صناعة الكلام قل بل ~~منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع ~~الجدل فإن العامي يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا ومعارضة الفاسد ms475 بالفاسد ~~نافعة ثم قال وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون صاحبه ~~كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر أن لا يضعه إلا في موضعه وعلى قدر ~~الحاجة وقال إن فيه من المضرة من إثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن ~~الجزم والتصميم وفيه مضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيته في صدورهم بحيث ~~تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه ويمكن هذا الإصرار بواسطة ~~التعصب الذي يثور عن الجهل # فهذا كلام أبي حامد مع معرفته بالكلام والفلسفة PageV04P1272 @ وتعمقه في ~~ذلك يذكر اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام ويذكر أنه ليس فيه فائدة إلا ~~الذب عن هذه العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول أمته وإذا لم يكن فيه ~~فائدة إلا الذب عن هذه العقائد امتنع أن يكون معارضا لها فضلا عن أن يكون ~~مقدما عليها فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول معارضا للكتاب والسنة ~~وما كان معارضا لهما فهو من الكلام الباطل المردود المرذول الذي لا ينازع ~~في ذمه أحد من أهل الإسلام لا من السلف ولا من أتباعهم من الخلف هذا مع أن ~~السلف والأئمة يذمون ما كان من العقليات والجدل والكلام مبتدعا وإن قصد به ~~نصر السنة فكيف ذمهم لمن عارض السنة بالبدعة والوحي بالرأي وجادل في آيات ~~الله بالباطل ليدحض به الحق وهذا الذم من أبي حامد للكلام وأهله ذم متوسط ~~بحسب ما اطلع عليه من غوائله وآفاته وبحسب ما بلغه من السلف ولم يكن جزمه ~~بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول كجزمه بما سلكه من طريق الكلام ~~والفلسفة فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم والخبرة ما فيه من ~~الجانب الذي هو به أخبر من غيره فإن ما ذكره من أن مضرته في إثارة الشبهات ~~في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما يقال إذا كان الكلام في نفسه حقا ~~بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة بل معلوماته فإذا كان مع ذلك قد يورث النظر ~~فيه شبها وعداوة قيل فيه ذلك PageV04P1273 @ # وأما السلف فلم يكن ms476 ذمهم للكلام لمجرد ذلك ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ ~~اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته ~~وأفعاله بل كانوا أعلم الناس بذلك ولا حرموا نظرا صحيحا في دليل صحيح يفضي ~~إلى علم نافع ولا مناظرة في ذلك إما لهدى مسترشد وأما لقطع مبطل بل هم أكمل ~~الناس نظرا واستدلالا واعتبارا وهم نظروا في أصح الأدلة وأقومها فإن القوم ~~كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه وأدله على الحق وأوصله إلى المقصود ~~بأقرب الطرق وهو كلام الله وكانوا ينظرون في آيات الله تعالى الأفقية ~~والنفسية فيرون منها من الأدلة ما يبين أن القرآن حق فيتطابق عندهم السمع ~~والعقل ويتصادق الوحي والفطرة كما قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ فصلت 53 # وقال @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق @QE@ ~~سبأ 6 # والإنسان له حالتان إما أن يكون ناظرا وإما أن يكون PageV04P1274 @ ~~مناظرا والناظر له حالتان أحدهما يحمد فيها والثانية يذم فيها والمناظر له ~~حالتان أيضا # قال تعالى @QB@ قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم ~~تتفكروا ما بصاحبكم من جنة @QE@ سبأ 46 # فأشار بقيامهم إثنين إثنين إلى المناظرة وفرادى إلى النظر والتفكر # وكل منهما ينقسم إلى محمود ومذموم فالنظر المحمود النظر في الطريق الصحيح ~~ليتوصل به إلى معرفة الحق والنظر المذموم نوعان # أحدهما النظر في الطريق الباطل وإن قصد به التوصل إلى الحق فإن الطريق ~~الباطل لا يفضي إلى الحق # والثاني النظر والفكر الذي يقصد به رد قول خصمه مطلقا حقا كان أو باطلا ~~فهو ينظر نظرا يرد به قول من يبغضه ويعاديه بأي وجه كان # فأما المناظرة فتقسم إلى محمودة ومذمومة والمحمودة نوعان والمذمومة نوعان ~~وبيان ذلك أن المناظر إما أن يكون عالما بالحق وإما أن يكون طالبا له وإما ~~أن لا يكون عالما به ولا طالبا له وهذا الثالث هو المذموم وأما الأولان فمن ~~كان عالما بالحق فمناظرته التي تحمد أن يبين ms477 لغيره الحجة التي PageV04P1275 ~~@ تهديه إن كان مسترشدا طالبا للحق أو تقطعه أو تكسره إن كان معاندا غير ~~طالب للحق ولا متبع له أو توقفه وتبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن ~~أنه على الحق وقصده الحق # قال تعالى @QB@ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي ~~هي أحسن @QE@ النحل 125 # فذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو فإنه إما ~~أن يكون طالبا للحق راغبا فيه محبا له مؤثرا له على غيره إذا عرفه فهذا ~~يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال وإما أن يكون معرضا مشتغلا بضد ~~الحق ولكن لو عرفه عرفه وآثره واتبعه فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة ~~بالترغيب والترهيب وإما أن يكون معاندا معارضا فهذا يجادل بالتي هي أحسن ~~فإن رجع إلى الحق وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن فلمناظرة ~~المبطل فائدتان # أحدهما أن يرد عن باطله ويرجع إلى الحق # الثانية أن ينكف شره وعداوته ويتبين للناس أن الذي معه باطل وهذه الوجوه ~~كلها لا يمكن أن تنال بأحسن من حجج القرآن ومناظرته للطوائف فإنه كفيل بذلك ~~على أتم الوجوه لمن تأمله وتدبره ورزق فهما فيه وحججه مع أنها في أعلى ~~مراتب الحجج وهي طريقة أخرى غير طريقة المتكلمين وأرباب الجدل والمعقولات ~~فهي أقرب شيء تناولا وأوضح دلالة وأقوى برهانا وأبعد من كل شبهة وتشكيك ~~PageV04P1276 @ # وأما طريق المتكلمين وأرباب الجدل فهي كما قال الخبير بها # ( حجج تهافت كالزجاج تخالها % حقا وكل كاسر مكسور ) # وأخص أوصافها أنها تعطيك مناقضة الخصوم واضطراب أقوالهم وأما أن تعطيك ~~علما وهدى # ( فإذا بعثت إلى السباخ برائد % تبغي الرياض فقد ظلمت الرائدا ) # وإذا كان هذا حالها وهي خير من طريق الفلاسفة وأقرب إلى الحق فكيف يعارض ~~الوحي بهذه الطرق وهذه ثم تقدم عليه # الوجه السابع والأربعون بعد المائة # أن الله سبحانه منح عباده فطرة فطرهم عليها لا تقبل سوى الحق ولا تؤثر ~~عليه غيره لو تركت وأيدها بعقول تفرق بين الحق والباطل وكملها ms478 بشرعة تفصل ~~لها ما هو مستقر في الفطرة وأدركه العقل مجملا فالفطرة قابلة PageV04P1277 ~~@ والعقل مزك والشرع مبصر مفصل لما هو مركوز في الفطرة مشهود أصله دون ~~تفاصيله بالعقل فاتفقت فطرة الله المستقيمة والعقل الصريح والوحي المبصر ~~المكمل على الإقرار بموجود فطر هذا العالم بجميع ما فيه عاليه وسافله وما ~~بينهما وشهدت الفطر والعقول والشرائع المنزلة كلها بأنه ليس من جنس العالم ~~ولا مماثلا له وأنه مباين له غير ممتزج به ولا متحد به ولا حال فيه وأنه ~~فوق جميع العالم عال عليه بجميع أنواع العلو ذاتا وقهرا وعظمة وأنه موصوف ~~بجميع الكمال المقدس من لوازم ذاته فتوهم رفعه عنه كتوهم عدم ذاته ومن لم ~~يكن هذا الأصل معلوما عنده علما لا يشك فيه ولا يرتاب بل هو لقلبه ~~كالمشاهدات لبصره وإلا اضطرب عليه باب معرفة الله ووحدانيته وتصديق رسله ~~فلا يجوز أن يقدح في مقدمات هذا الأصل التي هي في أعلى مراتب الضروريات ~~بمقدمات يدعي أربابها أنها نظريات ومن خالفهم فيها يقول إنها غير صحيحة بل ~~معلومة الفساد إما بضرورة العقل أو بالنظر الصحيح المفضي إلى الضرورة # ومن أبين ما شهدت به الفطر والعقول والشرائع علوه سبحانه فوق جميع العالم ~~فإن الله فطر على هذا الخليقة حتى الحيوان البهيم ومن أنكر هذا فهو في جانب ~~والفطر السليمة والعقول المستقيمة وجميع الكتب السماوية ومن أرسل بها في ~~جانب PageV04P1278 @ # قال الشيخ عبدالقادر الكيلاني المتفق على كراماته وآياته وولايته المقبول ~~عند جميع الفرق أن كون الله سبحانه فوق سماواته على عرشه في كل كتاب أنزل ~~على كل نبي أرسل وصدق قدس الله روحه فإن الرسل من أولهم إلى آخرهم ليس ~~بينهم اختلاف في أسماء الرب وصفاته وأفعاله وإن تنوعت شرائعهم العملية بحسب ~~المصلحة فلم يختلف منهم اثنان في باب الأسماء والصفات وإن كان في الكتابين ~~اللذين لم ينزل من السماء كتاب أهدى منهما من ذلك ما ليس في غيرهما حتى ~~زعمت أئمة المعطلة أنهما كتابا تشبيه ومن جاء بهما إماما المشبهة وقال بعض ms479 ~~من تتبع النصوص النبوية في ذلك والآثار السلفية إنه وجدها تزيد على ألف ~~وقال غيره إنها تزيد على مائة ألف ولا تنافي بينهما فإن الأول أراد ما يدل ~~على نصوص العلو والاستواء والثاني أراد ما يدل على المباينة وأن الله ~~سبحانه بائن من خلقه # وأما تقرير ذلك بالأدلة العقلية الصريحة فمن طرق كثيرة جدا منها ~~PageV04P1279 @ # أنه إذا ثبت بضرورة العقل أنه سبحانه مبائن للمخلوقات وثبت أن العالم كرى ~~كما اعترف به النفاة المعطلة وجعلوه عمدتهم في جحد علوه سبحانه لزم أن يكون ~~الرب تعالى في العلو ضرورة وذلك لأن العالم إذا كان مستديرا فله جهتان ~~حقيقيتان العلو والسفل فقط فإذا كان الرب تعالى مباينا للعالم امتنع أن ~~يكون في السفل فوجب قطعا أن يكون في العلو فإذا كان العالم كريا وقد ثبت ~~بالضرورة أنه إما مداخل له وإما مباين له وليس بمداخل قطعا ثبت أنه مباين ~~قطعا وإذا كان مباينا فإما أن يكون تحته أو فوقه قطعا وليس تحته بالضرورة ~~وجب أن يكون فوقه بالضرورة ولا جواب عن هذا البتة إلا بنفي النقيضين وهو ~~أنه لا مباين ولا مداخل وهذا حقيقة العدم المحض ونفيهما بطريقي العدم ~~والحدوث عنه وأن يقال ليس بقديم ولا حادث فإن القدم والحدوث من مقولة متى ~~وهي ممتنعة عليه كما أن المباينة والمداخلة من مقولة أين وهي ممتنعة عليه ~~فالشبه والأدلة التي تنفي وجود الصانع من جنس الشبه التي تنفي مباينته ~~للعالم وعلوه عليه لا فرق بينهما البتة PageV04P1280 @ # الطريق الثاني أن يقال علوه سبحانه على العالم وأنه فوق السماوات كلها ~~وأنه فوق عرشه أمر مستقر في فطر العباد معلوم لهم بالضرورة كما اتفق عليه ~~جميع الأمم إقرارا بذلك وتصديقا من غير تواطؤ منهم على ذلك ولا تشاعر وهم ~~يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون ذلك بالضرورة وجميع الطوائف تنكر قول المعطلة ~~إلا من تلقاه منهم وأما العامة من جميع الأمم ففطرهم جميعهم مقرة بأن الله ~~فوق العالم وإذا قيل لهم لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ms480 ولا تحته ولا ~~مباين له ولا محايث ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء ولا يقرب إليه شيء ~~ولا يقرب هو من شيء ولا يحجب العباد عنه حجاب منفصل ولا ترفع إليه الأيدي ~~ولا تتوجه إليه القلوب نحو العلو أنكرت فطرهم ذلك غاية الإنكار ودفعته غاية ~~الدفع # قال أبو الحسن الأشعري في كتبه ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا ~~دعوا نحو السماء لأن الله عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السماوات ~~فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو السماء كما لا ~~يحطونها إذا دعوا نحو الأرض هذا لفظه في أجل كتبه وأكبرها وهو الموجز وفي ~~أشهرها وهو الإبانة التي اعتمد عليها أبصر الناس له وأعظمهم ذبا عنه من أهل ~~الحديث أبو القاسم بن عساكر فإنه اعتمد على هذا الكتاب وجعله PageV04P1281 ~~@ من أعظم مناقبه في كتاب تبيين كذب المفتري ثم قال في كتابه ومن دعاء أهل ~~الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم يقولون يا ~~ساكن العرش ويقولون لا والذي احتجب بسبع سماوات # وقال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب في كتاب الصفات وقد ذكر مسألة ~~الاستواء وقد تقدم حكاية لفظه قال ولو لم يشهد بصحة مذهب الجماعة في هذا ~~إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي كيف وقد غرس في بنية الفطرة ~~ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدا عنه ~~عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول أين ربك إلا قال في السماء إن ~~أفصح أو أومأ بيده أو اشار بطرفه إن كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من ~~أرض ولا سهل ولا جبل ولا رأينا أحدا داعيا إلا رافعا يديه إلى السماء # وقال بن عبدالبر إمام أهل السنة ببلاد المغرب في التمهيد لما تكلم على ~~حديث النزول قال هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل ~~الحديث ms481 في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار PageV04P1282 @ العدول ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش ~~فوق سبع سماوات كما قال الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن ~~الله بكل مكان قال والدليل على صحة قول أهل الحق قوله تعالى وذكر عدة آيات ~~إلى أن قال وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من ~~حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم وهذا قليل من ~~كثير من كلام من ذكر أن مسألة العلو فطرية ضرورية وأما من نقل إجماع ~~الأنبياء والرسل والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فأكثر من أن يذكر ولكن ~~ننبه على اليسير منه # قال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له وأئمتنا كسفيان الثوري ~~ومالك بن أنس وسفيان بن PageV04P1283 @ عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد ~~وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم ~~الحنظلي متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه ~~يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ~~ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء ~~وأبو نصر هذا كان مقيما بمكة في أثناء المائة الخامسة وقال قبله الشيخ أبو ~~عمر الطلمنكي المالكي أحد أئمة وقته بالأندلس في كتاب الوصول إلى معرفة ~~الأصول قال وأجمع المسلمون من أهل السنة على معنى قوله @QB@ وهو معكم أين ~~ما كنتم @QE@ الحديد 4 # ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على ~~عرشه كيف شاء وقال أيضا قال أهل السنة في قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ إن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز ~~PageV04P1284 @ # وقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي الشيخ المشهور في كتابه الحجة له إن قال ~~قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من اتباع كتاب الله ms482 وسنة رسوله وما ~~أجمع عليه الأئمة والعلماء والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة فاذكر ~~مذاهبهم وما أجمعوا عليه من اعتقادهم وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم ~~فالجواب أن الذي أدركت عليه أهل العلم ومن لقيتهم وأخذت عنهم ومن بلغني ~~قوله من غيرهم فذكر جل اعتقاد أهل السنة وفيه أن الله مستو على عرشه بائن ~~من خلقه كما قال في كتابه @QB@ أحاط بكل شيء علما @QE@ الطلاق 12 @QB@ ~~وأحصى كل شيء عددا @QE@ الجن 28 # وقال قبله الحافظ أبو نعيم الأصبهاني المشهور PageV04P1285 @ صاحب ~~التصانيف المشهورة كحلية الأولياء وغيرها في عقيدته المشهورة عنه طريقتنا ~~طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة فما اعتقدوه اعتقدناه فمما ~~اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش ~~واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ~~وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو ~~مستو على عرشه في سماواته من دون أرضه # وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة في ~~العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة وهي العقيدة التي كتبها ~~للخليفة القادر بالله وقرأها على الناس وجمع الناس عليها وأقر بها طوائف ~~أهل السنة وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة PageV04P1286 @ ~~والرافضة ونحوهم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وكان حينئذ قد تحرك ولاة الأمور ~~لإظهار السنة لما كان الحاكم المصري وأمثاله من الملاحدة قد انتشر أمرهم ~~فكان أهل بن سينا وأمثالهم من أهل دعوتهم وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين ~~لعنة أهل البدع على المنابر وأظهر السنة وتناظر عنده بن الهيضم وبن فورك في ~~مسألة العلو فرأى قوة كلام بن الهيضم فرجح ذلك ويقال إنه قال لابن فورك فلو ~~أردت أن تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا وقال فرق لي بين هذا الرب ~~الذي تصفه وبين المعدوم وأن بن فورك كتب إلى أبي إسحاق الإسفراييني يطلب ~~الجواب عن ذلك فلم يكن الجواب إلا أنه ms483 لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسما ~~ومن الناس من يقول إن السلطان لما ظهر له فساد قول بن فورك سقاه السم حتى ~~قتله وتناظر عنده فقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وغيرهم PageV04P1287 @ ~~وفقهاء الرأي فرأى قوة مذهب أهل الحديث فرجحه وغزا المشركين بالهند وهذه ~~العقيدة مشهورة وفيها كان ربنا وحده ولا شيء معه ولا مكان يحويه خلق كل شيء ~~بقدرته وخلق العرش لا لحاجة إليه فاستوى عليه استواء استقرار كيف شاء وأراد ~~لا استواء راحة كما يستريح الخلق وهو يدبر السماوات والأرض ويدبر ما فيهما ~~ومن في البر والبحر لا مدبر غيره ولا حافظ سواه يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ~~ويميتهم والخلق كلهم عاجزون والملائكة والنبيون والمرسلون وسائر الخلق ~~أجمعين والقادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد وهو السميع بسمع ~~والبصير ببصر يعرف صفتهما من نفسه ولا يبلغ كنههما أحد من خلقه متكلم بكلام ~~يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو ~~وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه ~~فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز # وقال أبو عمر أيضا أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل ~~قالوا في تأويل قوله تعالى PageV04P1288 @ @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا ~~هو رابعهم @QE@ المجادلة 7 # هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله # وقال أيضا أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن ~~والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون ~~شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة محصورة # وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل ~~شيئا على الحقيقة ويزعم أن من أقر بها مثبتة وهم عند من أقر بها نافون ~~للمعبود يلاشون أي يقولون لا شيء والحق فيها ما قاله القائلون بما نطق به ~~كتاب الله وسنة رسول الله وهم أئمة الجماعة # وقال الشيخ العارف معمر بن أحمد الأصفهاني PageV04P1289 @ أحد ms484 شيوخ ~~الصوفية في أواخر المائة الرابعة أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة ~~وموعظة من الحكمة # وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين ~~والمتأخرين قال فيها وإن الله مستو على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل ~~والاستواء معقول والكيف مجهول وإنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه ~~والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة لأنه الفرد ~~البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق وإن الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ~~ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة ~~إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له ~~هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع الفجر # ونزول الرب إلى سماء الدنيا بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر النزول ~~أو تأول فهو مبتدع ضال # وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة يعني ~~في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا ~~وشاما ويمنا وكان من مذاهبهم أن الإيمان قول PageV04P1290 @ وعمل يزيد ~~وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته إلى أن قالوا إن الله على ~~عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف أحاط بكل ~~شيء علما # وقال الشيخ الإمام المتفق على إمامته وعلمه وصلاحه وكراماته أبو محمد ~~موفق الدين بن قدامة المقدسي إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء ووصفه بذلك ~~رسوله خاتم الأنبياء وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء ~~والأئمة من الفقهاء وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع الله ~~عليه قلوب المسلمين وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين فتراهم عند نزول ~~الكرب يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم وينظرون مجيء ~~الفرج من ربهم وينطقون بذلك بألسنتهم ولا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته ~~أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته PageV04P1291 @ # قال وأنا ms485 ذاكر في هذا الجزء ما بلغني في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصحابته والأئمة المقتدين بسنته على وجه يحصل القطع واليقين بصحة ذلك ~~عنهم ويعلم تواتر الرواية بوجوده منهم ليزداد من وقف عليه من المؤمنين ~~إيمانا ويثبته من خفي عليه ذلك حتى يصير كالمشاهد له عيانا # وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي في شرح الأسماء الحسنى لما ذكر اختلاف ~~الناس في تفسير الاستواء قال وأظهر الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الآي ~~والأخبار وقاله الفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى ~~لسان نبيه بلا كيف بائن من خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم ~~الثقات PageV04P1292 @ # وقال أيضا في كتابه في التفسير لما تكلم على آية الاستواء قال هذه مسألة ~~الاستواء وللعلماء فيها كلام وقد بينا أقوال العلماء في شرح الأسماء الحسنى ~~وذكرنا فيها أربعة عشر قولا وذكر قول النفاة المعطلين فقال وإنهم يقولون ~~إذا وجب تنزيه الرب عن الجهة والحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه تنزيه الرب عن ~~الجهة فليس بجهة فوق عندهم لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون ~~في مكان أو حيز ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون ويلزم من ذلك ~~التغير والحدوث قال وكان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ~~ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه ~~وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه مستو على عرشه حقيقة وإنما ~~جهلوا كيفية الاستواء PageV04P1293 @ # وقال أبو بكر النقاش حدثنا أبو العباس السراج قال سمعت قتيبة بن سعيد ~~يقول هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة نعرف ربنا في السماء ~~السابعة على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وقال الخلال في ~~كتاب السنة أخبرنا المروزي حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا سليمان ~~بن داود الخفاف قال قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال الله تبارك وتعالى ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ فهو فوق سماواته على عرشه ويعلم كل شيء ms486 ~~في أسفل الأرض السابعة وفي PageV04P1294 @ قعر البحار وفي رؤوس الأكام ~~وبطون الأودية وفي كل موضع كما يعلم علم ما في السماوات السبع وما دون ~~العرش أحاط بكل شيء علما فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات ~~الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب قد عرف ذلك وأحصاه ولا يعجزه معرفة شيء ~~عن معرفة غيره # وفي كتاب السنة لعبدالله بن الإمام أحمد وكتاب الرد على الجهمية ~~لعبدالرحمن بن أبي حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا ~~من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم شر قولا ~~من اليهود والنصارى قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على ~~أن الله فوق العرش وقالوا هم ليس عليه شيء # ورويا أيضا في هذين الكتابين عن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور قال ~~أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا ليس في ~~PageV04P1295 @ السماء شيء وأن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن ~~تابوا وإلا قتلوا # وروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن عباد بن العوام الواسطي من طبقة ~~عبد الرحمن بن مهدي وذويه قال كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر فرأيت آخر ~~كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء # وقال علي بن عاصم شيخ البخاري ناظرت جهميا فتبين من كلامه أنه لا يرى أن ~~في السماء ربا ذكره عبد الله بن أحمد وبن أبي حاتم # وروى عبد الله بن أحمد عن سليمان بن حرب قال سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء ~~الجهمية فقال إنما يجادلون أن يقولوا ليس في السماء شيء وروى عن أبيه ~~PageV04P1296 @ حدثنا شريح بن النعمان قال سمعت عبد الله بن نافع الصانع ~~قال سمعت مالك بن أنس يقول الله في السماء وعلمه في كل مكان # وروى البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال كنا نحن والتابعون متوافرون ~~نقول إن الله تعالى فوق عرشه نؤمن بما وردت به السنة من صفاته ms487 فقد ذكر ~~الأوزاعي وهو أحد الأئمة في عصر تابعي التابعين الذين كان فيهم مالك وبن ~~الماجشون وبن أبي ذئب ونحوهم من أئمة أهل الحجاز والليث بن سعد ونحوه من ~~أئمة مصر والثوري وبن أبي ليلى وأبو حنيفة ونحوهم من أئمة أهل الكوفة وحماد ~~بن زيد وحماد بن سلمة وبن عيينة ونحوهم من أئمة أهل البصرة فهؤلاء وأمثالهم ~~أئمة الإسلام شرقا وغربا في ذلك الزمان وقد حكى الأوزاعي شهرة القول بأن ~~الله فوق عرشه في زمن التابعين وقال أبو حنيفة من قال لا أعرف ربي في ~~السماء أم في الأرض فقد كفر لأن الله يقول @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ وعرشه فوق سبع PageV04P1297 @ سماوات قال أبو مطيع قلت فإن قال إنه ~~على العرش وقال لا أدري العرش في السماء أم في الأرض قال هو كافر لأنه أنكر ~~أن يكون الله في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين وهو يدعي من أعلى لا من ~~أسفل وفي لفظ آخر قال أبو مطيع سألت أبا حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في ~~السماء أو في الأرض قال قد كفر لأن الله يقول @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ وعرشه فوق سبع سماوات قال فإنه يقول على العرش استوى ولكنه لا يدري ~~العرش في الأرض أم في السماء قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ذكره ~~البيهقي وغيره # وروى عبد الله بن أحمد وغيره عن عبد الله بن المبارك بأسانيد صحيحة بأنه ~~سئل بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول ~~كما تقول الجهمية بأنه ها هنا في الأرض وهكذا قال الإمام أحمد فيما حكاه ~~الخلال عنه في الجامع قال في رواية ابنه عبد الله باب ما أنكرت الجهمية ~~الضلال أن يكون الله على العرش قلنا لم أنكرتم أن الله على العرش وقد قال ~~جل ثناؤه PageV04P1298 @ @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # وقال @QB@ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~@QE@ الحديد 4 # ثم قال وقد أخبرنا ms488 أنه في السماء فقال @QB@ أم أمنتم من في السماء أن ~~يرسل عليكم حاصبا @QE@ الملك 17 # وقال جل ثناؤه @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ فاطر ~~10 # وقال @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ آل عمران 55 # وقال @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ النساء 158 # وقال @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن عنده @QE@ الأنبياء 19 # وقال @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ النحل 50 # وقال @QB@ ذي المعارج @QE@ المعارج 3 # وقال @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ الأنعام 18 PageV04P1299 @ # وقال @QB@ وهو العلي العظيم @QE@ البقرة 255 # وقد أخبر الله أنه في السماء ووجدنا كل شيء أسفل مذموما يقول جل ثناءه ~~@QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار @QE@ النساء 145 # إلى أن قال ومعنى قول الله عز وجل @QB@ وهو الله في السماوات وفي الأرض ~~@QE@ الأنعام 3 # يقول هو إله من في السماوات وإله من في الأرض وهو الله على العرش وقد ~~أحاط علمه بما دون العرش لا يخلو من علم الله مكان ونصوص أحمد في ذلك كثيرة ~~جدا مذكورة في غير هذا الموضع # وأما الشافعي فقد صرح في خطبة الرسالة بأن الله سبحانه لا يوصف إلا بما ~~وصف به نفسه وصرح بأن خلافة الصديق حق قضاها الله فوق سماواته وجمع عليها ~~قلوب عباده وصرح في باب الكفارة في حديث الجارية وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لها أين الله قال الشافعي PageV04P1300 @ فلما وصفت الإيمان قال ~~أعتقها فإنها مؤمنة فجعل إقرارها بأن الله في السماء إيمانا # وذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال عن وهب بن جرير أحد أئمة الإسلام قال ~~الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى وعن حماد بن زيد ~~القرآن كلام الله نزل به جبريل ما يجادلون إلا أنه ليس في السماء إله # وقال بن المبارك لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ها هنا بل على ~~العرش استوى وقيل له كيف نعرف ربنا قال فوق سمواته على عرشه وقال لرجل من ~~الجهمية أبطنك خال منه فبهت الآخر # وذكر البخاري في هذا الكتاب أيضا قول سعيد ms489 بن عامر وقد تقدم وقال عن شيخه ~~علي بن عاصم PageV04P1301 @ احذر من المريسي وأصحابه فإن كلامهم أبوجاد ~~الزندقة وأنا كلمت أستاذهم جهما فلم يثبت أن في السماء إلها وقال يزيد بن ~~هارون من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة ~~فهو جهمي وقال صدقة سمعت سليمان التيمي يقول لو سئلت أين الله تعالى لقلت ~~في السماء فإن قال فأين كان عرشه قبل السماء لقلت على الماء فإن قال فأين ~~كان عرشه قبل الماء لقلت لا أعلم # وفي مسائل جرت لأحمد وإسحاق إن الله سبحانه وصف نفسه في كتابه بصفات ~~استغنى الخلق أن يصفوه بغيرها فمما وصف به نفسه من ذلك قوله تعالى @QB@ هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام @QE@ البقرة 210 PageV04P1302 ~~@ # وقوله @QB@ وترى الملائكة حافين من حول العرش @QE@ الزمر 75 # وآيات مثلها تصف العرش وقد ثبتت الروايات في العرش وأعلى شيء فيه وأثبته ~~قول الله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # وذكر عن خارجة بن مصعب قال الجهمية كفار لا تنكحوا إليهم ولا تنكحوهم ولا ~~تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم وبلغوا نساءهم أنهن طوالق وأنهن لا يبحن ~~لأزواجهن وقرأ طه إلى قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # ثم قال وهل يكون الاستواء إلا الجلوس وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن ~~خزيمة من لم يقل بأن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب ~~فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ~~ولا أهل الذمة ذكره عنه أبو عبد الله الحاكم في كتاب علوم الحديث له وفي ~~كتاب تاريخ نيسابور وذكره أبو عثمان النيسابوري في رسالته المشهورة وروى ~~PageV04P1303 @ الخلال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة ~~بن أبي عبد الرحمن عن قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ فقال الاستواء ~~معلوم والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا ~~التصديق # وقد روي هذا الكلام عن الإمام مالك ms490 من وجوه متعددة وروى بن أبي حاتم عن ~~هشام بن عبيد الله الرازي أنه حبس رجلا في التجهم فجيء به إلى هشام ليمتحنه ~~فقال أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه قال لا أدري ما بائن من خلقه ~~فقال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب # وروي أيضا عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه جعل يضرب قرابة له بالنعل ~~على رأسه يرى رأي جهم قال لا حتى يقول الرحمن على العرش استوى بائن من خلقه # وروي أيضا عن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال كلام الجهمية أوله عسل ~~وآخره سم وإنما يجادلون أن يقولوا ليس في السماء إله # وقال أبو الوليد بن رشد في كتاب مناهج الأدلة PageV04P1304 @ القول في ~~الجهة وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله حتى ~~نفتها المعتزلة وتبعهم على ذلك متأخرو الأشعرية وساق أدلة القرآن عليها إلى ~~أن قال والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء وأن منها تنزل الملائكة ~~بالوحي إلى النبيين وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى قال وجميع الحكماء قد اتفقوا ~~على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك ثم قرر ~~ذلك بالدليل العقلي وبين بطلان شبهة المعطلة وهذه النقول التي حكيناها قليل ~~من كثير وقد ذكرنا أضعاف أضعافها في كتاب اجتماع العساكر الإسلامية على غزو ~~الفرقة الجهمية وهي تبين كذب من قال إنه لم يقل بذلك إلا الكرامية ~~والحنبلية وفريته وجهله والمقصود بأن علو PageV04P1305 @ الخالق على ~~المخلوقات كلها وكونه فوق العالم أمر مستقر في فطر العباد معلوم بالضرورة ~~كما اتفق عليه جميع الأمم من غير تواطؤ وتشاعر بخلاف النفي والتعطيل فإنه ~~يتلقاه بعضهم عن بعض كسائر المقالات الباطلة المخالفة لصريح العقل والنقل # | فصل # ومما ينصرف إلى ذلك أن العباد كلهم مضطرون إلى دعاء الرب سبحانه وسؤاله ~~وقصده والافتقار إليه كما قال الله تعالى @QB@ يسأله من في السماوات والأرض ms491 ~~كل يوم هو في شأن @QE@ الرحمن 29 # وهم مضطرون إلى توجيه قلوبهم إلى العلو كما أنهم مضطرون إلى دعائه وقصده ~~وسؤاله كما أنهم يضطرون إلى الإقرار به وأنه ربهم وخالقهم ومليكهم ولا ~~يجدون فرقا بين هذا الاضطرار وهذا فكما لا تتوجه قلوبهم إلى رب غيره ولا ~~إلى إله سواه فكذلك لا يجدون في قلوبهم توجها إلى جهة أخرى غير العلو بل ~~يجدون قلوبهم مضطرة إلى قصد جهة العلو دون سائر الجهات وهذا يتضمن اضطرارهم ~~إلى قصده سبحانه في العلو وإقرارهم وإيمانهم بذلك PageV04P1306 @ # | فصل # الطريق الثالث # إنه قد ثبت بصريح العقل أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال ~~والآخر صفة نقص فإن الله سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص ولهذا لما ~~تقابل الموت والحياة وصف بالحياة دون الموت ولما تقابل العلم والجهل وصف ~~بالعلم دون الجهل وكذلك العجز والقدرة والكلام والخرس والبصر والعمى والسمع ~~والصمم والغنى والفقر ولما تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له وصف ~~بالمباينة دون المداخلة وإذا كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو ~~سفوله عنه وتقابل العلو والسفول وصف بالعلو دون السفول وإذا كان مباينا ~~للعالم كان من لوازم مباينته أن يكون فوق العالم ولما كان العلو صفة كمال ~~كان ذلك من لوازم ذاته فلا يكون مع وجود العالم إلا عاليا عليه ضرورة ولا ~~يكون سبحانه إلا فوق المخلوقات كلها ولا تكون المخلوقات محيطة به أصلا وإذا ~~قابلت بين هذه المقدمات ومقدمات شبه المعطلة ظهر لك الحق من الباطل ~~PageV04P1307 @ # | فصل # الطريق الرابع # إنه إذا كان سبحانه مباينا للعالم فإما أن يكون محيطا به أو لا يكون ~~محيطا به فإن كان محيطا به لزم علوه عليه قطعا ضرورة علو المحيط على المحاط ~~به ولهذا لما كانت السماء محيطة بالأرض كانت عالية عليها ولما كان الكرسي ~~محيطا بالسماوات كان عاليا عليها ولما كان العرش محيطا بالكرسي كان عاليا ~~فما كان محيطا بجميع ذلك كان عاليا عليه ضرورة ولا يستلزم ذلك محايثته لشيء ~~مما هو محيط به ولا مماثلته ومشابهته له ms492 فإذا كانت السماء محيطة بالأرض ~~وليست مماثلة لها فالتفاوت الذي بين العالم ورب العالم أعظم من التفاوت ~~الذي بين الأرض والسماء وإن لم يكن محيطا بالعالم بأن لا يكون العالم كريا ~~بل تكون السماوات كالسقف المستوي فهذا وإن كان خلاف الإجماع وخلاف ما دل ~~عليه العقل والحس فلو قال به قائل لزم أيضا أن يكون الرب تعالى عاليا على ~~العالم لأنه إذا كان مباينا وقدر أنه غير محيط فالمباينة تقتضي ضرورة أن ~~يكون في العلو أو في جهة غيره ومن المعلوم بالضرورة أن العلو أشرف بالذات ~~من سائر الجهات فوجب ضرورة اختصاص الرب بأشرف الأمرين وأعلاهما والمعطلة ~~تقول هذه القضية خطابية لا برهانية ولعمر الله إنك لو سألت كل صحيح التمييز ~~والفطرة عن ذلك لوجدت في فطرته أن الرب تعالى PageV04P1308 @ أولى وأحق ~~بهذه القضية التي يسميها هؤلاء خطابية وليس في المعقول أصح من هذه المقدمة ~~وتسميتها خطابية لا تقتضي جحد العقول الصحيحة لها وإنكارها للرب سبحانه # | فصل # الطريق الخامس # ما احتج به الإمام أحمد نفسه على الجهمية فقال وإذا أردت أن تعلم أن ~~الجهمي كاذب على الله فقل له أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له فحين ~~خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لا بد ~~له من واحد منها إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر حين زعم أنه خلق ~~الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا ~~أيضا كفرا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء وإن قال خلقهم خارجا من ~~نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة وبقي ها هنا ~~قسمان سكت الإمام أحمد عن التعرض لإبطالهما لأن بطلانهما معلوم بالضرورة ~~فإن أحدهما يتضمن إثبات النقيضين والآخر يتضمن رفعهما # فالأول يكون خلقهم خارجا عن نفسه وداخلا في نفسه PageV04P1309 @ # والثاني أن يكون غير خارج عنهم ولا داخل فيهم أو يكونوا ms493 غير خارجين عنه ~~ولا داخلين فيه فإن نفي هذا كنفي أن يكون قائما بنفسه وقائما بغيره وأن ~~يكون قديما ومحدثا ونحو ذلك مما ينفي فيه النقيضان ولا يغني الجهمي في هذا ~~المقام اعتذاره بأنه غير قابل للدخول والخروج والمباينة والمحايثة لثلاثة ~~أوجه # أحدها أن يقال له وهكذا قال أخوك معطل الذات سواء إنه غير قابل للقدم ~~والحدوث فما كان جوابك له فهو جواب أهل الإثبات لك # الثاني أن هذا التقسيم يتناول كل موجود ولا يخرج عنه إلا العدم المحض ~~فإنه تقسيم حاصر ولا واسطة بين نفيه وإثباته البتة بل هذا حكم كل موجودين ~~بالضرورة فإنه إما أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو غير مبائن له كما يقال ~~إما أن يكون أحدهما قائما بالآخر أو غير قائم به وإن كان هذا مكابرة صريحة ~~للعقل وكذلك إما أن يكون متقدما عليه أو مقارنا له فقولكم إن هذا فيما هو ~~قابل كلام باطل يتضمن رفع النقيضين والخلو منهما # الثالث أن يقال لا يتصور العقل شيئا غير قابل لذلك إلا العدم المحض ~~والنفي الصرف ودعواكم على العقل أنه يثبت قسما آخر غير قابل للنقيضين كذب ~~على العقل وفرية PageV04P1310 @ # | فصل # يوضحه الطريق السادس # أن يقال كل موجودين فإما أن يكون أحدهما قائما بنفسه أو قائما بالآخر فإن ~~كان قائما بالآخر امتنع قيام الآخر به ضرورة وإن كان قائما بنفسه فحقيقته ~~خارجة عن حقيقة الآخر ضرورة وإلا لزم اتحادهما وإذا كانت حقيقته خارجة عن ~~حقيقة الآخر كان مباينا له بالضرورة وهذا برهان ضروري لا يقدح فيه إلا ما ~~يقدح في سائر الضروريات # | فصل # الطريق السابع # أن يقال الرب سبحانه إما أن يكون موجودا خارج الأذهان موجودا في الأعيان ~~أو لا يكون له وجود خارجي فإن قلتم ليس له وجود خارجي وهو حقيقة قولكم كان ~~خيالا ذهنيا لا حقيقة له وإن قلتم بل هو موجود خارج الذهن في الأعيان ~~منفصلا عن الأذهان مباينا لها فقد أقررتم بأنه قابل للخروج والانفصال ~~والمباينة فهلا جعلتم جملة العالم كالذهني وقلتم ms494 بأنه خارج عنه منفصل مباين ~~له وكيف صح بل وجب أن يكون خارج الأذهان مباينا لها منفصلا عنها ولم يلزم ~~من ذلك محال وامتنع أن يكون خارج العالم مباينا له ولزم من ذلك المحال فمن ~~ها هنا قيل إنكم فارقتم حكم العقل والسمع وكان أتباع الرسل أسعد بالمعقول ~~والمنقول منكم PageV04P1311 @ # | فصل # الطريق الثامن # إذا ثبت له سبحانه وجود خارج الأذهان فإما أن يكون هو العالم المشهود أو ~~صفة من صفاته وعرضا من أعراضه أو غيره # فإن قلتم بالأول فهو حقيقة قول الاتحادية الملاحدة الذين لا يثبتون خالقا ~~ومخلوقا وصانعا ومصنوعا بل حقيقة الرب عندهم هي هذا الوجود بعينه وإن قلتم ~~هو عرض من أعراض العالم وصفة من صفاته فهو من أمحل المحال لا يقوله أحد من ~~بني آدم فتعين أن يكون غير هذا العالم وحينئذ يلزم مباينته له ضرورة إذ ~~الغيران اللذان لا يكون أحدهما صفة للآخر ولا أحدهما قائما بالآخر لا بد أن ~~يتباينا إذ لو لم يتباينا لزم اتحاد أحدهما بالآخر أو حلوله فيه حلول الصفة ~~في الموصوف أو حلول الحال في المحل ولا ينفعكم قولكم إن هذا إنما يلزم فيما ~~هو قابل لذلك لما تقدم بيانه # | فصل # الطريق التاسع # أنا إذا عرضنا على العقل الصريح الذي لم يفسد بتلقي الآراء والمذاهب ~~الباطلة التصديق بموجودين قائمين PageV04P1312 @ بأنفسهما وأحدهما مباين ~~للآخر مع كونه غير مماثل له ولا هو من جنسه وعرضنا عليه التصديق بموجودين ~~قائمين بأنفسهما ليس أحدهما مباينا للآخر ولا مداخلا له ولا فوقه ولا تحته ~~ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا محايثا له ولا مباينا علمنا بالضرورة ~~تصديقه بالأول ودفعه الثاني وإنكاره وكل شبهة تقدح في هذا فهي قادحة في ~~الضروريات وكل شبهة تقام على الثاني فهي من الشبهة التي تقام على إمكان ~~الممتنعات # | فصل # الطريق العاشر # أنه عند المعطلة النفاة كون الله سبحانه فوق العالم مستو على عرشه بمنزلة ~~كونه يأكل ويشرب وينام بل هو بمنزلة إثبات الزوجة والولد له في كون هذا ~~منافيا لإلهيته ms495 وربوبيته وقدمه وكون علوه على خلقه واستوائه على عرشه ~~منافيا لذلك وهذا من أعظم القدح في العقول والفطر والشرائع والنبوات والكتب ~~المنزلة فإنها فرقت بين الأمرين تفرقة معلومة بالاضطرار لكل من له أدنى ~~مسكة من عقل فمن سوى بين الأمرين وجعل تنزيه الرب عنها من لوازم الإقرار به ~~فليبك على عقله وإيمانه PageV04P1313 @ # | فصل # الطريق الحادي عشر # أن يقال للمعطلة تنزيهكم له سبحانه عن كونه مباينا لخلقه تنزيه له عن ~~غناه ووجوده وتنزيهكم له عن استوائه على عرشه تنزيه له عن كماله والمثبت لو ~~شبهه بخلقه بافترائكم وكذبكم عليه تعالى الله عن ذلك لكان قد أثبت موجودا ~~قائما بنفسه مباينا لخلقه له الكمال المطلق مع نوع تشبيه وهذا خير من ~~تنزيهكم وأقرب إلى العقول والفطر فكيف وهو مع ذلك يثبت أنه لا يماثل خلقه ~~ولا يشابههم وأنه لا يلزم من علوه على خلقه واستوائه على عرشه أن يكون من ~~جنسهم مماثلا لهم يوضحه # الطريق الثاني عشر # إن الله سبحانه جعل بعض مخلوقاته عاليا على بعض ولم يلزم من ذلك مماثلة ~~العالي للسافل ومشابهته له فهذا الماء فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار ~~فوق الهواء والأفلاك فوق ذلك وليس عاليها مماثلا لسافلها والتفاوت الذي بين ~~الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الذي بين المخلوقات فكيف يلزم من علوه ~~تشبيهه بخلقه # فإن قلتم وإن لم يلزم التشبيه لكن يلزم التجسيم PageV04P1314 @ قيل ~~انفصلوا أولا عن قول معطلة الصفات لكم لو كان له سمع أو بصر أو حياة أو علم ~~أو قدرة أو كلام لزم التجسيم فإذا انفصلتم عنهم وتخلصتم من أسرهم لكم عاد ~~عليكم أهل السنة بالرأفة والرحمة وجبروكم وخلصوكم من هذا الوثاق الذي شدكم ~~به الملاحدة المعطلة فإن أبيتم إلا الجواب قيل لكم ما تعنون بالتجسيم ~~أتعنون به العلو على العالم والاستواء على العرش وهذا حاصل قولكم وحينئذ ~~فما زدتم على إبطال ذلك بمجرد الدعوى التي اتحد فيها اللازم والملزوم ~~بتغيير العبارة وكأنكم قلتم لو كان فوق العالم مستويا على عرشه لكان فوق ~~العالم ms496 ولكنكم لبستم وأوهمتم وإن عنيتم بالجسم المركب من الجواهر الفردة ~~فجمهور العقلاء ينازعونكم في إثبات الجوهر الفرد فضلا عن تركب الأجسام ~~الحادثة منه فالملازمة باطلة كاذبة وإن عنيتم به المركب من الهيولى والصورة ~~فأنتم قد قررتم بطلان تركب الأجسام من ذلك فأنتم أبطلتم هذا التركيب الذي ~~يدعيه الفلاسفة وهم أبطلوا التركيب الذي تدعونه من الجواهر الفردة وجمهور ~~العقلاء أبطلوا هذا وهذا فإذا كان هذا غير لازم في الأجسام المحسوسة ~~المشاهدة بل هو باطل فكيف يدعى لزومه فيمن ليس كمثله شيء وإن عنيتم ~~بالتجسيم تميز شيء منه عن شيء قيل لكم انفصلوا أولا عن قول نفاة الصفات لو ~~كان له سمع وبصر وحياة وقدرة لزم أن يتميز منه شيء عن شيء وذلك عين ~~PageV04P1315 @ التجسيم فإذا انفصلتم منهم أجبناكم بما تجيبونهم به فإن ~~أبيتم إلا الجواب منا قلنا إنما قام الدليل على إثبات إله قديم غني بنفسه ~~عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه كل أحد يحتاج إليه وليس محتاجا إلى ~~أحد ووجود كل شيء مستفاد منه ووجوده ليس مستفادا من غيره ولم يقم الدليل ~~على استحالة تكثر أوصاف كماله وتعدد أسمائه الدالة على صفاته وأفعاله بل هو ~~إله واحد ورب واحد وإن تكثرت صفاته وتعددت أسماؤه فلا إله غيره ولا رب سواه # | فصل # الطريق الثالث عشر # أن يقال أخبر الناس بمقالات الفلاسفة قد حكى اتفاق الحكماء على أن الله ~~والملائكة في السماء كما اتفقت على ذلك الشرائع وقرر ذلك بطريق عقلي من جنس ~~تقرير بن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري ~~والقاضي أبي بكر PageV04P1316 @ بن الباقلاني وأبي الحسن بن الزاغوني ~~وغيرهم ممن يقول إن الله فوق العرش وليس بجسم قال هؤلاء وإثبات صفة العلو ~~والفوقية له سبحانه لا يوجب الجسمية بل ولا إثبات المكان وبنى الفلاسفة ذلك ~~على ما ذكره بن رشد إن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي ~~للسطح الظاهر من الجسم المحوي فكان الإنسان عندهم هو باطن الهواء المحيط به ~~وكل سطح ms497 باطن فهو مكان للسطح الظاهر فيما يلاقيه ومعلوم أنه ليس وراء ~~الأجسام سطح جسم باطن يحوي شيئا فلا مكان هناك إذ لو كان هناك مكان حاو ~~لسطح الجسم لكان الحاوي جسما ولهذا قال فإذا قام البرهان على وجود موجود في ~~هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم فالذي يمتنع وجوده هناك هو وجود جسم لا ~~وجود ما ليس بجسم وقرر إمكان ذلك كما قرر إثباته بما ذكر من أنه لا بد من ~~نسبة بينه وبين العالم المحسوس فيجب أن يكون في جهة العلو والذي يمكن ~~منازعيه من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة أن يقولوا لا يمكن أن يوجد هناك ~~شيء لا جسم ولا غير جسم أما الجسم فلما ذكر وأما غير الجسم فلأن كونه مشارا ~~إليه بأنه PageV04P1317 @ هناك يستلزم أن يكون جسما وحينئذ فيقول هؤلاء ~~المثبتون لمن نازعهم في ذلك وجود موجود قائم بنفسه ليس وراء أجسام العالم ~~ولا داخلا في العالم إما أن يكون ممكنا أو لا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل ~~قولكم وإن كان ممكنا فوجود موجود وراء أجسام العالم وليس بجسم أولى بالجواز ~~يوضحه # | فصل # الطريق الرابع عشر # وهو أنا إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه لا في العالم ولا ~~خارجا عنه ولا يشار إليه وعرضنا عليه وجود موجود يشار إليه فوق العالم ليس ~~بجسم كان إنكار العقل للأول أعظم وامتناعه فيه أظهر من إنكاره للثاني ~~وامتناعه فيه فإن كان حكم العقل في الأول مقبولا وجب قبول الثاني وإن كان ~~الثاني مردودا وجب رد الأول ولا يمكن العقل الصريح أن يقبل الأول ويرد ~~الثاني أبدا # | فصل # الطريق الخامس عشر # أنه سبحانه لو لم يقبل الإشارة الحسية إليه كما أشار إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم حسا بإصبعه بمشهد الجمع الأعظم وقبل ممن شهد لها بالإيمان ~~الإشارة الحسية PageV04P1318 @ إليه فإما أن يقال إنه يقبل الإشارة ~~المعنوية فقط أولا يقبلها أيضا كما لا يقبل الحسية فإن لم يقبل هذه ولا هذه ~~فهو عدم محض بل العدم المقيد المضاف ms498 يقبل الإشارة المعنوية وإن قيل يقبل ~~الإشارة المعنوية دون الحسية لزم أن يكون معنى من المعاني لا ذاتا خارجية ~~وهذا مما لا حيلة في دفعه فمن أنكر جواز الإشارة الحسية إليه فلا بد له من ~~أحد أمرين إما أن يجعله معدوما أو معنى من المعاني لا ذاتا قائمة بنفسها # | فصل # الطريق السادس عشر # إن من أعجب العجب أن هؤلاء الذين فروا من القول بعلو الله فوق المخلوقات ~~واستوائه على عرشه خشية التشبيه والتجسيم قد اعترفوا بأنهم لا يمكنهم إثبات ~~الصانع إلا بنوع من التشبيه والتمثيل ونحن لا نحيلك على عدم بل نحكي ~~ألفاظهم بعينها معزوة إلى مكانها قال الآمدي في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر ~~حجة القائلين بالعدم الوجه PageV04P1319 @ العاشر لو كان العالم محدثا ~~فمحدثه إما أن يكون مساويا له من كل وجه أو مخالفا له من كل وجه أو مماثلا ~~له من وجه ومخالفا له من وجه فإن كان الأول فهو حادث والكلام فيه كالكلام ~~في الأول ويلزم التسلسل الممتنع وإن كان الثاني فالمحدث له ليس بموجود وإلا ~~لما كان مخالفا له من كل وجه وهو خلاف العرض وإذا لم يكن موجودا امتنع أن ~~يكون موجدا للموجود وإن كان الثالث فمن جهة ما هو مماثل للحادث يجب أن يكون ~~حادثا والكلام فيه كالأول وهو تسلسل محال وهذه المحالات إنما نشأت من القول ~~بكونه محدثا للعالم قال والجواب عن هذه الشبهة أن المختار من أقسامها إنما ~~هو القسم الأخير ولا يلزم من كون القديم مماثلا للحوادث من وجهة أن يكون ~~مماثلا للحادث من جهة كونه حادثا بل لا مانع من الاختلاف بينهما في صفة ~~القدم والحدوث وإنما تماثلا بأمر آخر وهذا PageV04P1320 @ كالسواد والبياض ~~يختلفان من وجه دون وجه لاستحالة اختلافهما من كل وجه وإلا لما اشتركا في ~~العرضية والكونية والحدوث واستحالة تماثلهما من كل وجه وإلا كان السواد ~~بياضا ومع ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجه أن يكون مماثلا له ~~في صفة البياضية فيقال يالله العجب هلا ms499 طردتم هذا الجواب وسلكتم هذا الطريق ~~في إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وإثبات صفات كماله كلها ~~وإثبات الصفات الخبرية كلها وأجبتم بهذا الجواب لمن قال لكم من المعطلة ~~النفاة لو كان له صفات لزم مماثلته للمخلوقات وهلا تقنعون من أهل السنة ~~المثبتين لصفات كماله ونعوت جلاله وعلوه على مخلوقاته واستوائه على عرشه ~~بمثل هذا الجواب الذي أجبتم به من أنكر حدوث العالم بل إذا أجابوكم به ~~قلبتم لهم ظهر المجن وصرحتم بتكفيرهم وتبديعهم وإذا أجبتم أنتم به بعينه ~~كنتم موحدين ناصرين لله ورسوله # | فصل # الطريق السابع عشر # أن يقال هل للرب تعالى ماهية متميزة على سائر الماهيات يختص بها لذاته أم ~~تقولون لا ماهية له فإن قلتم بالثاني كان هذا إنكارا له سبحانه وجحودا ~~وجعله وجودا PageV04P1321 @ مطلقا لا ماهية له وإن قلتم بل له ذات مخصوصة ~~وماهية متميزة عن سائر الماهيات قيل لكم ماهيته وذاته سبحانه غير متناهية ~~بل ذاهبه في الأبعاد إلى غير نهاية أم متناهية فإن قلتم بالأول لزم منه ~~محالات غير واحدة وإن قلتم بالثاني بطل قولكم ولزم إثبات المباينة والجهة ~~وهذا لا محيد عنه وإن قلتم لا نقول له ماهية ولا ليست له ماهية قيل لا يليق ~~بالعقول المخالفة لما جاءت به الرسل إلا هذا المحال والباطل وإن قلتم بل له ~~ذات مخصوصة وماهية متميزة عن سائر الماهيات ولا نقول إنها متناهية ولا غير ~~متناهية لأنها لا تقبل واحدا من الأمرين قلنا التناهي وعدم التناهي ~~يتقابلان تقابل السلب والإيجاب فلا واسطة بينهما كما لا واسطة بين الوجود ~~والعدم والقدم والحدوث والسبق والمقارنة والقيام بالنفس والقيام بالغير ~~وتقدير قسم آخر لا يقبل واحدا من الأمرين تقدير ذهني يفرضه الذهن كما يفرض ~~سائر المحالات ولا يدل ذلك على وجوده في الخارج ولا إمكانه ألا ترى أن ~~قائلا لو قال التقسيم يقتضي المعلوم إما قديم وإما حادث وإما قديم حادث ~~وإما لا قديم ولا حادث وكذلك إما أن يكون متناهيا أو غير متناه أو متناهيا ~~ولا ms500 غير متناه أو قائما بنفسه أو بغيره أو بنفسه وبغيره أولا بنفسه ولا ~~بغيره أو داخلا في العالم أو خارجا عنه أو داخلا خارجا أو لا داخلا ولا ~~خارجا كان ذلك كله بمنزلة واحدة وكان التقسيم تقسيما ذهنيا لا خارجيا وإن ~~سلب النقيضين في ذلك كله في الإحالة كإثبات النقيضين PageV04P1322 @ # | فصل # الطريق الثامن عشر # أن يقال ذاته سبحانه إما أن تكون قابلة للعلو على العالم أو لا تكون ~~قابلة فإن كانت قابلة وجب وجود المقبول لأنه صفة كمال وإلا لم يقبله ولأن ~~قبولها لذلك هو من لوازمها لقبول الذات للعلم والحياة والقدرة والسمع ~~والبصر فوجود هذه لازم للذات ضرورة ولأنها إذا قبلته فلو لم تتصف به لاتصفت ~~بضده وهو نقص يتعالى ويتقدس عنه وإن لم تكن قابلة للعلو لزم أن يكون قابل ~~العلو أكمل منها لأن ما يقبل أن يكون عاليا وإن لم يكن عاليا أكمل ممن لا ~~يقبل العلو وما قبله وكان عاليا أكمل ممن قبله ولم يكن عاليا فالمراتب ثلاث ~~أدناها مالا يقبل العلو وأعلاها ما قبله واتصف به والذي يوضح ذلك أن مالا ~~يقبل أن يكون فوق غيره إما أن يكون عرضا من الأعراض لا يقوم بنفسه ولا يقبل ~~أن يكون عاليا على غيره وإما أن يكون أمرا عدميا لا يقبل ذلك وإما إثبات ~~ذات قائمة بنفسها متصفة بالسمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة والعلم ~~والفعل ومع ذلك لا تقبل أن تكون عالية على غيرها فهذا يطالب بإمكان ~~PageV04P1323 @ تصوره قبل التصديق بوجوده وليس مع من ادعى إمكانه إلا ~~الكليات والمجردات وكلاهما وجوده ذهني لا وجود له في الخارج وإلا فما له ~~وجود خارجي وهو قائم بنفسه له ذات يختص بها عن سائر الذوات موصوف بصفات ~~الحي الفعال لا يمكن إلحاقه بالكليات والمجردات التي هي خيالات ذهنية لا ~~أمور خارجية وقد اعترف المتكلمون بأن وجود الكليات والمجردات إنما هو في ~~الأذهان لا في الأعيان # | فصل # الطريق التاسع عشر # إن الجهمية المعطلة معترفون بوصفه تعالى بعلو القهر وعلو القدر وإن ms501 ذلك ~~كمال لا نقص فإنه من لوازم ذاته فيقال ما أثبتم به هذين النوعين من العلو ~~والفوقية هو بعينه حجة خصومكم عليكم في إثبات علو الذات له سبحانه وما ~~نفيتم به علو الذات يلزمكم أن تنفوا به ذينك الوجهين من العلو فأحد الأمرين ~~لازم لكم ولا بد إما أن تثبتوا له سبحانه العلو المطلق من كل جهة ذاتا ~~وقهرا وقدرا وإما أن PageV04P1324 @ تنفوا ذلك كله فإنكم إذا نفيتم علو ~~ذاته سبحانه بناء على لزوم التجسيم وهو لازم لكم فيما أثبتموه من وجهي ~~العلو فإن الذات القاهرة لغيرها التي هي أعلى قدرا من غيرها إن لم يعقل ~~كونها غير جسم لزمكم التجسيم وإن عقل كونها غير جسم فكيف لا يعقل أن تكون ~~الذات العالية على سائر الذوات غير جسم وكيف لزم التجسيم من هذا العلو ولم ~~يلزم من ذلك العلو فإن قلتم لأن هذا العلو يستلزم تميز شيء عن شيء منه قيل ~~لكم في العلم أو في الخارج فإن قلتم في الخارج كذبتم وافتريتم وأضحكتم ~~عليكم المجانين فضلا عن العقلاء وإن قلتم في الذهن فهذا لازم لكل من أثبت ~~للعالم ربا خالقا ولا خلاص من ذلك إلا بإنكار وجوده رأسا يوضحه # | فصل # الطريق العشرون # إن الفلاسفة لما أوردوا عليكم هذه الحجة بعينها في نفي الصفات أجبتم عنها ~~بأن قلتم واللفظ للرازي في نهايته فقال قوله يلزم من إثبات الصفات وقوع ~~الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة قلنا إن عنيتم به ~~احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال استناد PageV04P1325 @ ~~تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها ~~على تلك الذات المخصوصة فذلك مما يلزمه فأين المحال قال وأيضا فعندكم ~~الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصفات في الصور ~~المرتسمة في ذاته من المعقولات تلك ومما يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا ~~إن الله عالم بالكليات وقالوا إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية ~~للمعلوم في العالم وقالوا إن صورة ms502 المعلومات موجودة في ذات الله تعالى حتى ~~بن سينا قال إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات كانت من لوازم الذات ~~ومن كان هذا مذهبا PageV04P1326 @ له كيف يمكنه أن ينكر الصفات قال ~~وبالجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة إلا أن الصفاتية يقولون إن ~~الصفات قائمة بالذات والفلاسفة يقولون هذه الصور العقلية عوارض متقومة ~~بالذات والذي تسميه الصفاتية صفة يسميه الفلسفي عارضا والذي يسميه الصفاتي ~~قياما يسميه الفيلسوف قواما ومقوما فلا فرق إلا بالعبارات وإلا فلا فرق في ~~المعنى هذا لفظه فيقول له مثبتوا العلو هلا قنعت منا بهذا الجواب بعينه حين ~~قلت يلزم من علوه أن يتميز منه شيء عن شيء ويلزم وقوع الكثرة في الحقيقة ~~الإلهية وتكون قد وافقت الشرع ونصوص الأنبياء وكتب الله كلها وأدلة العقول ~~والفطر الصحيحة وإجماع أهل السنة قاطبة PageV04P1327 @ # | فصل # الطريق الحادي والعشرون # إن هذه الحجة العقلية القطعية وهي الاحتجاج بكون الرب قائما بنفسه على ~~كونه مباينا للعالم وذلك ملزوم لكونه فوقه عاليا عليه بالذات لما كانت حجة ~~صحيحة لا يمكن مدافعتها وكانت مما ناظر بها الكرامية لأبي إسحاق ~~الإسفرائيني فر أبو إسحاق إلى كون الرب قائما بنفسه بالمعنى المعقول وقال ~~لا نسلم أنه قائم بنفسه إلا بمعنى أنه غني عن المحل فجعل قيامه بنفسه وصفا ~~عدميا لا ثبوتيا وهذا لازم لسائر المعطلة النفاة لعلوه ومن المعلوم أن كون ~~الشيء قائما بنفسه أبلغ من كونه قائما بغيره وإذا كان قيام العرض بغيره ~~يمتنع أن يكون عدميا فقيام الشيء بنفسه أحق أن لا يكون أمرا عدميا بل ~~وجوديا وإذا كان قيام المخلوق بنفسه صفة كمال وهو مفتقر بالذات إلى غيره ~~فقيام الغني بذاته بنفسه أحق وأولى # | فصل # الطريق الثاني والعشرون # وهو أن القيام بالنفس صفة كمال فالقائم بنفسه أكمل ممن لا يقوم بنفسه ومن ~~كان غناه من لوازم ذاته فقيامه بنفسه PageV04P1328 @ من لوازم ذاته وهذه ~~حقيقة قيوميته سبحانه وهو الحي القيوم فالقيوم القائم بنفسه المقيم لغيره ~~فمن أنكر قيامه بنفسه بالمعنى المعقول فقد ms503 أنكر قيوميته وأثبت له قياما ~~بالنفس يشاركه فيه العدم المحض بل جعل قيوميته أمرا عدميا لا وصفا ثبوتيا ~~وهي عدم الحاجة إلى المحل ومعلوم أن العدم لا يحتاج إلى محل وأيضا فإنه ~~يقال له ما تعني بعدم الحاجة إلى المحل تعني به الأمر المعقول من قيام ~~الشيء بنفسه الذي يفارق به العرض القائم بغيره أم تعني به أمرا آخر فإن ~~عنيت الأول فهو المعنى المعقول والدليل قائم والإلزام صحيح وإن عنيت به ~~أمرا آخر فإما أن يكون وجوديا أو عدميا فإن كان عدميا فالعدم لا شيء كاسمه ~~فتعود قيوميته تعالى إلى لا شيء وإن عنيت به أمرا وجوديا غير المعنى ~~المعقول الذي يعقله الخاصة والعامة فلا بد من بيانه لينظر فيه هل يستلزم ~~المباينة أم لا # | فصل # الطريق الثالث والعشرون # إن كل من أقر بوجود رب خالق للعالم مدبر له لزمه الإقرار بمباينته لخلقه ~~وعلوه عليهم وكل من أنكر مباينته وعلوه لزمه إنكاره وتعطيله فهاتان دعوتان ~~في جانب النفي والإثبات أما الدعوى الأولى فإنه إذا أقر بالرب فإما أن ~~PageV04P1329 @ يقر بأن له ذاتا وماهية مخصوصة أو لا فإن لم يقر بذلك لم ~~يقر بالرب فإن ربا لا ذات له ولا ماهية سواء والعدم وإن أقر بأن له ذاتا ~~مخصوصة وماهية فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة فإن لم يقر ~~بأنها معينة كانت خيالا في الذهن لا موجودا في الخارج فإنه لا يوجد في ~~الخارج إلا معين لا سيما وتعين تلك الذات أولى من تعين كل متعين فإنه ~~يستحيل وقوع الشركة فيها وأن يوجد لها نظير فتعين ذاته سبحانه واجب وإذا ~~أقر بأنها معينة لا كلية والعالم المشهود معين لا كلي لزم قطعا مباينة أحد ~~المعنيين للآخر إذ لو لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه فإن قيل هو يتعين ~~بكونه لا داخلا فيه ولا خارجا عنه قيل هذا والله حقيقة قولكم وهو عين ~~المحال وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية تخصه فإنه لو كان ms504 له ماهية ~~يختص بها لكان تعينه لماهيته وذاته المخصوصة وأنتم إنما جعلتم تعينه بأمر ~~عدمي محض ونفي صرف وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه وهذا التعيين لا ~~يقتضي وجوده فإنه يصح على العدم المحض وأيضا فالعدم المحض لا يعين المتعين ~~فإنه لا شيء وإما تعيينه ذاته المخصوصة وصفاته فلزم قطعا من إثبات ذاته ~~تعين تلك الذات بعينها ومن تعينها مباينتها للمخلوقات ومن المباينة العلو ~~عليها لما تقدم تقريره وصح مقتضى العقل والنقل والفطرة ولزم من صحة هذه ~~الدعوى صحة PageV04P1330 @ الدعوى الثانية وهي أن من أنكر مباينته للعالم ~~وعلوه عليه لزمه إنكار ربوبيته وكونه إلها للعالم # | فصل # الطريق الرابع والعشرون # أنه قد دل البرهان الضروري والعقل الصريح على استغنائه سبحانه بنفسه وأنه ~~الغني بذاته عن كل ما سواه فغناه من لوازم ذاته ولا يكون غنيا على الإطلاق ~~إلا إذا كان قائما بنفسه إذ القيام بالغير يستلزم فقر القائم إلى ما قام به ~~وعدم القيام بالنفس وبالغير يستلزم العدم فصح ضرورة وجوب قيامه بنفسه وهذا ~~حقيقة المباينة ونفي المباينة والمداخلة كنفي القيام بالنفس وبالغير ولا ~~تتصور العقول قط قائما بنفسه مع قائم بنفسه إلا إذا كان مباينا له أو ~~محايثا والفرق بين هذا الوجه وبين الاستدلال بقيامه بنفسه أن ذاك استدلال ~~بالقيام بالنفس وهذا استدلال بغناه المستلزم للأمرين # | فصل # الطريق الخامس والعشرون # أنه قد ثبت بالعقل إمكان رؤيته سبحانه وبالشرع وقوعها في الدار الآخرة ~~فاتفق العقل والشرع على إمكان PageV04P1331 @ الرؤية ووقوعها وقد ذكرنا في ~~كتاب صفة الجنة أربعين دليلا على مسألة الرؤية من الكتاب والسنة والعقل ~~الصريح شاهد بذلك فإن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود وما كان أكمل ~~وجودا كان أحق بأن يرى فالباري سبحانه أحق بأن يرى من كل ما سواه لأن وجوده ~~أكمل من وجود كل ما سواه يوضحه أن تعذر الرؤية إما لخفاء المرئي وإما لآفة ~~وضعف في الرائي والرب سبحانه أظهر من كل موجود وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا ~~لضعف القوة الباصرة عن النظر ms505 إليه فإذا كان الرائي في دار البقاء كانت قوة ~~الباصرة في غاية القوة لأنها دائمة فقويت على رؤيته تعالى وإذا جاز أن يرى ~~سبحانه فالرؤية المعقولة عند جميع بني آدم عربهم وعجمهم وتركهم وسائر ~~طوائفهم أن يكون المرئي مقابلا للرائي مواجها له مباينا عنه لا تعقل الأمم ~~رؤية غير ذلك وإذا كانت الرؤية مستلزمة لمواجهة الرائي ومباينته للمرئي لزم ~~ضرورة أن يكون مرئيا له من فوقه أو من تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو ~~خلفه أو أمامه وقد دل النقل الصريح على أنهم إنما يرونه سبحانه من فوقهم لا ~~من تحتهم كما قال صلى الله عليه وسلم بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم ~~نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله PageV04P1332 @ قد أشرف عليهم من ~~فوقهم فقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله @QB@ سلام قولا من رب رحيم ~~@QE@ يس 58 # ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم فلا يجتمع الإقرار ~~بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة لهذا ولهذا الجهمية المغل تنكر علوه على ~~خلقه ورؤية المؤمنين له في الآخرة ومخانيثهم يقرون بالرؤية وينكرون العلو ~~وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرؤية تحصل من غير مواجهة للمرئي ~~ومباينة له وقالوا هذا رد لما هو مركوز في أوائل العقول قال المنكرون ~~الإنسان يرى صورته في المرآة وليست صورته في جهة منه قال العقلاء هذا تلبيس ~~فإنه إنما يرى خيال صورته وهو عرض منطبع في الجسم الصقيل وهو في جهة منه ~~ولا يرى حقيقة صورته القائمة به والذين قالوا يرى من غير مقابلة ولا مباينة ~~قالوا مصحح الرؤية الوجود وكل موجود يصح أن يرى فالتزموا جواز رؤية ~~PageV04P1333 @ الأصوات والروائح والعلوم والإرادات والمعاني كلها وجواز ~~أكلها وشربها وشمها ولمسها فهذا منتهى عقلهم الذي عارضوا به الكتاب والسنة ~~ثم قدموه عليهما وتقرير هذه المسألة له موضع آخر # | فصل # الطريق السادس والعشرون # أنه قد ثبت بالعقل والنقل والفطرة أن الله سبحانه سميع بصير وهو سبحانه ~~يرى كل المرئيات لا يخفى ms506 عليه منها شيء ورؤيته لخلقه تستلزم مباينته لهم ~~ضرورة كما تقدم في الوجه الذي قبله فذاك استدلال بكونه مرئيا وهذا استدلال ~~بكونه رائيا ولا يعقل واحد من الأمرين إلا مع مباينته لخلقه ولهذا لما علم ~~منكرو العلو والفوقية أن هذا يلزمهم ولا بد قالوا لا يرى بالأبصار وإنما ~~الحاصل في الآخرة مزيد علم ومعرفة به تسمى رؤية وطرد الجهمية هذا في رؤيته ~~لخلقه فقالوا بصره ورؤيته هي علمه لا أن هناك بصرا حقيقة ورؤية حقيقة وأما ~~مخانيثهم فتناقضوا فقالوا بل يبصر ويرى من غير مباينة للمرئي المبصر ولا ~~مقابلة له فكانت فحولهم أقرب إلى العقل من هؤلاء وهؤلاء وإن تناقضوا تناقضا ~~بينا فهم أقرب إلى الوحي بما أثبتوه من الرؤية PageV04P1334 @ وأبعد عنه ~~مما نفوه من المباينة والعلو والطائفتان خارجتان عن حكم الوحي والعقل # | فصل # الطريق السابع والعشرون # إن كل من أثبت الصفات أو شيئا منها لزمه إثبات المباينة وإلا تناقض غاية ~~التناقض فإن الصفات نوعان أحدهما ما له تعلق بالمخلوق كالقدرة والمشيئة ~~والرحمة والعلم والسمع والبصر والثاني ما لا يتعلق به كالصفات اللازمة ~~كالحياة والجمال وإثبات النوعين يستلزم المباينة أما النوع الأول فلأن تعلق ~~تلك الصفات بمتعلقاتها لا تعقل إلا مع ثبوت المباينة بينهما وبين تلك ~~المتعلقات كمباينة العلم للمعلوم والقدرة للمقدور والسمع للمسموع فلو قيل ~~صفة السمع ليست مباينة للمسموع كان مكابرة وردا لأوائل العقول وبدائهها ~~وإذا لزم من تحقق الصفة وإمكان تعلقها بمتعلقها مباينتها له فهذه المباينة ~~تابعة لمباينة الذات فإن الصفة لا تقوم بنفسها فإذا باين العلم والسمع ~~والبصر والقدرة والإرادة لمتعلقاتها بمعنى انفصالها عنه فمباينة الذات أولى ~~وهذا لا محيص عنه ويلزم من ثبوت هذه المباينة ثبوتها بين النوع الاخر وبين ~~المخلوق بطريق الأولى PageV04P1335 @ # | فصل # الطريق الثامن والعشرون # أنهم إذا اعترفوا بقيام الصفات بالذات وأنها زائدة على الذات المجردة ولم ~~يكن ذلك تجسيما ولا تركيبا يستلزم الحدوث بطلت كل شبهة لهم تمنع العلو ~~والاستواء على العرش فإن مدارها على أن ذلك يستلزم التركيب والتجسيم وهو ~~يستلزم ms507 الافتقار والحدوث وقد صرحوا هم بالتزام هذا القدر ولم ينكروه لأجل ~~تسمية المعطلة له تركيبا وتجسيما وقالوا لخصومهم من نفاة الصفات التركيب ~~خمسة أنواع أحدها تركيب الموجود من الوجود والماهية والثاني تركيب الحقيقة ~~من الوجود والوجوب # والثالث تركيب الذات الموصوفة من الذات والصفات قالوا وهذه الأقسام ~~الثلاثة لا تنافي وجوب الوجود ولا يتحاشى من إلقائها والدليل لا يدل على ~~بطلانها لأن الدليل إنما دل على انتهاء الممكنات إلى واجب بذاته لا علة له ~~ولم يدل على أنه لا ماهية له ولا صفة له # والرابع من التركيب تركب الجسم من الجواهر الفردة # والخامس تركبه من المادة والصورة عند من يقول بهذا وهذا ولا ريب أنه ~~يمتنع وجود موجود قائم بنفسه بدون ثبوت PageV04P1336 @ الأقسام الثلاثة ~~الأولى وتسميتهم لذلك تركيبا خطأ وكذب على اللغة وإن قالوا نحن اصطلحنا على ~~تسميته تركيبا قيل فلا ترتفع بسبب اصطلاحكم المتضمن للتلبيس والإيهام ~~الحقائق الموجودة والمعاني العقلية ولا تنكر بتشبيه علم الرب وحياته وقوته ~~وسمعه وبصره وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه فإنه ليس في العقل ما ~~ينفي ذلك بل العقل الصريح يصدق السمع الدال على إثبات صفات الرب سبحانه ~~ومباينته لمخلوقاته والعقل أثبت موجودا واجبا بنفسه غنيا عما سواه وأما كون ~~ذلك الموجود مجردا عن الصفات الثبوتية لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات ~~العدمية فالعقل لا يدل على ذلك بل يدل على خلافه كما يدل السمع # | فصل # الطريق التاسع والعشرون # أن يقال ما أثبته هؤلاء المعطلة من المباينة لا يبطل الحلول والاتحاد ~~فإنهم أثبتوا مباينة في المفهوم كمباينة طعم التفاحة للونها وريحها وشكلها ~~ومعلوم أن هذه المباينة لا تقتضي انفصال كل من المتباينين من الآخر بل هي ~~ثابتة مع قيام هذه الصفات كلها بمحل واحد وهذه المباينة معناها أن هذا غير ~~هذا وهذا القدر الذي أثبته النفاة من المباينة PageV04P1337 @ لا ينافي ~~كونه حالا في غيره ولا حلول غيره فيه ولا تقتضي قيامه بنفسه ولا انفصال ~~ذاته عن ذات خلقه بل ولا يقتضي تنزيهه عن التشبيه والتمثيل ms508 وأما المباينة ~~التي دل عليها العقل والنقل والفطرة فأعظم من ذلك فإنها مباينة تستلزم ~~تفرده بصفات كماله ونعوت جلاله وكونه أعظم من كل شيء وفوق كل شيء وعاليا ~~على كل شيء وأن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء ~~والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء فباين خلقه بذاته ~~وصفاته وأفعاله وأوليته وآخريته ووجوب وجوده وامتناع عدمه وكثرة أوصافه ~~التي ليس كمثله فيها شيء فهو العليم الذي ليس كمثله شيء في علمه البصير ~~الذي ليس كمثله شيء في بصره القدير الذي ليس كمثله شيء في قدرته الحي ~~القيوم الذي ليس كمثله شيء في حياته وقيوميته العلي الذي ليس كمثله شيء في ~~علوه بل هو منفرد بذاته وصفاته عن مماثلة مخلوقاته فله أعظم المباينة ~~وأجلها وأكملها كما له من كل صفة كمال أعظمها وأكملها فهذه هي المباينة ~~التي لا يليق به غيرها فأثبت له النفاة المعطلة مباينة لا حقيقة لها ولا ~~ترجع إلى أمر وجودي بل المباينة التي أثبتوها من جنس مباينة العدم للوجود ~~والمباينة التي أثبتها لنفسه مباينة فوق كل مباينة PageV04P1338 @ # | فصل # الطريق الثلاثون # إنه لو لم يكن مباينا للعالم لزم أحد أمور ثلاثة قد قال بكل منها قائل ~~أحدها أن يكون هو هذا العالم كما قال أهل وحدة الوجود والذي قادهم إلى هذا ~~القول هو نفي المباينة كأن قلوبهم وفطرهم طلبت معبودا فلما اعتقدوا أنه غير ~~مباين للعالم وتيقنوا أنه موجود قائم بنفسه قالوا فهو هذا العالم بعينه ~~الثاني قول من يقول بل هو حال في العالم وهو قول الحلولية الثالث قول من ~~يقول لا هو العالم ولا هو حال فيه ولا بائن عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه ~~وهو قول الجهمية ومعلوم أنه إذا عرض على العقول الصحيحة هذه الأقوال ~~الأربعة علمت أن الصواب منها القول بأنه سبحانه بائن من خلقه وإذا كان ~~القولان الآخران مخالفين لصريح العقل فالقول الثالث أشد مخالفة لصريح العقل ~~منهما لأنه يتضمن نفي النقيضين ms509 وإن كان ممكنا في العقل فالقولان أقرب إلى ~~الإمكان منه PageV04P1339 @ فإما أن يكون واجبا والقولان مخالفان للعقل ~~فهذا تحكم باطل # فهذه ثلاثون طريقا مضافة إلى الوجه السابع والأربعين بعد المائة في بيان ~~عدم معارضة العقل للنقل وبيان موافقتهما وتطابقهما وحينئذ فنقول في # الوجه الثامن والسبعين بعد المائة # أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم وعقولهم تتضمن معارضتهم الفرية على ~~الوحي والعقل واللغة والفطرة وإفسادها # أما فريتهم على الوحي فإنهم متى اعتقدوا معارضة العقل له لزمهم أحد أمرين ~~باطلين إما أن يقولوا إن الرسل أرادوا من الناس اعتقاد الباطل وخلاف الصواب ~~أو أنهم أتعبوهم غاية التعب وكلفوهم أعظم الحرج وهو اعتقاد خلاف ما دلت ~~عليه النصوص ومعرفة الحق بعقولهم وفطرهم والاجتهاد في صرف ألفاظ الوحي عن ~~حقائقها وظواهرها المفهومة منها وبيان ذلك أنهم إما أن يريدوا منهم اعتقاد ~~الظاهر أو يريدوا منهم خلافه فإن أرادوا الأول وهو باطل عند النفاة فقد ~~أرادوا منهم اعتقاد الباطل وإن أرادوا الثاني لزمت تلك المفاسد العظيمة ~~وعلى التقديرين فلا يكونون قد بينوا الحق ولا هدوا الخلق PageV04P1340 @ # وأما فريتهم على العقل فإنهم جاؤوا إلى المقدمات الفطرية التي فطر الله ~~عليها عباده فجعلوها من حكم الوهم والخيال وجاءوا إلى المقدمات الباطلة ~~فجعلوها من أحكام العقل فافتروا على العقل في النفي والإثبات # وأما فريتهم على الفطرة فإن الله فطر عباده على الإقرار بعلوه كما فطرهم ~~على الإقرار بأنه ربهم وخالقهم فغيروا الفطرة وأفسدوها بإنكار ذلك # وأما فريتهم على اللغة فإنهم أزالوا دلالة الألفاظ الدالة على ذلك دلالة ~~صريحة لا يحتمل غير معناها عن مواضعها وأنشأوا لها معاني أخر حملوها عليها ~~لقطع من له إلف بتلك اللغة أن المتكلم لم يرد بتلك الألفاظ ما ذكروه من ~~المعاني كما حملوا قوله @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ النحل 50 # على معنى قول القائل الذهب فوق الفضة والمسك فوق العنبر أي في القيمة ~~والقدر ومعلوم أن هذا التركيب الخاص لا يحتمل هذا المعنى في لغة أمة من ~~الأمم ولا يجوز أن يراد باللفظ وكذلك قوله ms510 إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون ~~القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها ~~سحاب فمثل هذا اللفظ إذا حمل على PageV04P1341 @ غير معناه الظاهر لكل أحد ~~كان فرية على اللغة كما هو فرية على المتكلم به وعامة تأويلات النفاة ~~المعطلة من هذا الباب لمن تدبرها ورزق هداية وإنصافا وأما الأعمى المتبع ~~هواه فكما قال الله عز وجل @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~@QE@ النور 40 # الوجه التاسع والسبعون بعد المائة # إن المعارضين للوحي بعقولهم في الأصل هم أعداء الرسل المكذبون لهم كما ~~تقدم ودونهم طوائف الجهمية المعطلة وملاحدة الصوفية وزنادقة الباطنية وخونة ~~الولاة وظلمتهم فالجهمي يقول قال لي عقلي وملاحدة المتصوفة يقول قائلهم قال ~~لي قلبي وزنادقة الباطنية يقولون لكل شيء تأويل وباطن يعلمه أهل الباطن ~~وينكره أهل الظاهر وخونة الولاة يقولون لا تستقيم أمور الرعية إلا بهذه ~~السياسة ولو وكلناهم إلى الشريعة لفسدت أمورهم ولقد وقعت على فصل من كلام ~~أبي الوفاء بن عقيل في ذلك قال المتكلمون دققوا النظر بأدلة العقول ~~فتفلسفوا والصوفية اهتموا بالمتوهمات على واقعهم فتكهنوا لأن الفلاسفة ~~اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم والكهان اعتمدوا على ما يلقى إليهم ~~من الاطلاع وهم جميعا خوارج على الشرائع هذا يتجاسر أن يتكلم في المسائل ~~التي PageV04P1342 @ فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول بمقتضى ما يزعم ~~أنه حكم العقل وهذا يقول قال لي قلبي عن ربي فلا على هؤلاء أصبحت ولا على ~~هؤلاء أمسيت لا كان مذهب جاء على غير طريق السفراء والرسل ولا نفق فقد طبع ~~على غير السكة النبوية هل يعلم للصوفية عمل في إباحة دم أو فرج أو تحريم ~~معاملة أو فتوى معمول بها في عبادة أو معاقدة أو للمتكلمين بحكم الكلام ~~حاكم ينفذ حكمه في بلد أو رستاق أو تصيب للمتوهمة فتاوي وأحكاما إنما أهل ~~الدولة الإسلامية والشريعة المحمدية المحدثون والفقهاء هؤلاء يروون أحاديث ~~الشرع وينفون الكذب عن النقل ويحمون النقل عن الاختلاف والغلط ms511 وهؤلاء ينفون ~~عن الأخبار تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وهؤلاء هم ~~الذين عدلهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدوله فهم العدول على PageV04P1343 @ سائر الطوائف فقبل قولهم على الناس ~~ولا يقبل قول الناس عليهم والخارج عن هؤلاء وإن خفقت بنوده وكثرت جموعه ~~وسعى حتى ضرب له الدرهم والدينار وخطب باسمه على رؤوس المنابر لا تكون ~~أموره إلا على المغالطة والمجالسة لأنه كالخارج على الملك الذي دانت له ~~الرعايا ونفذ حكمه في البلاد فالخارج عليه لا يزال خائفا مستوحشا يخشى من ~~أن يقابله الملك بقتال أو يصافه بحرب لأن في نفس الخارجي بقية من الحماس ~~الباطل والملك وإن قلت جموعه فعنده صولة الحق وهيبة الملك ولذلك الغريب ~~المداوي للناس بزعمه مع الطبيب المقيم هذا مجتاز يطلب من الأدوية ما يسكن ~~الألم في الحال ويضع على الأمراض الأدوية الحارة العاملة بسرعة فيأخذ ~~الخلعة والعطية لسكون الألم وإزالة المرض ويصبح على أرض أخرى ومنزل بعيد ~~فطبه مجازفة لأنه يأمن المعاتبة والمواقعة والأطباء المقيمون يلامون على ~~تطويل العلاج وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المركبة دون الحارة لأن الحارة ~~من الأدوية وإن عجلت سكون الآلام فإنها غير مأمونة الغوائل ولا سليمة ~~العواقب لأن ما يعطي الأدوية الحارة من السكون إنما هو لغلبة المرض وحينما ~~غلبت الأمراض أوهشت قوى المحل الذي حلت به فهو كما قيل الدواء للبدن ~~كالصابون PageV04P1344 @ للثوب ينقيه ويبليه كذلك كلما أحد الصابون وجاد ~~أخلق الثوب فكذلك الفقهاء والمحدثون يقصرون عن الاستقصاء في إزالة الشبهة ~~لأنهم عن النقل يتكلمون وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ~~ويحققون فهم حال الأجوبة ينظرون في العواقب والمبتدعة والمتوهمة يهجمون ~~فعلومهم فرح ساعة ليس لها ثبات فإن اشتبه على قوم ما دله جهال الصوفية ~~عليهم من الأخذ بقوله صلى الله عليه وسلم في أمتي محدثون وملهمون وعمر منهم ~~قيل لو نطق عمر برأيه ما نطق ولم يصدقه الوحي لم يلتفت إلى واقعاته وما ~~يحدث به ولا يبني الشرع والأحكام على ms512 فراسته ألا ترى إلى قول من هو خير منه ~~أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي سبحان الله العظيم ~~يقول الصديق هذا PageV04P1345 @ وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد على شمعة ~~ويأكل من الحرام شبعة ويسمع الغناء في مجالس المردان من النساء الأجانب ~~والصبيان تهزه الأشعار الخماريات وتثقل عليه الايات البينات يرقص على ذكر ~~المليح والمليحة طلبا ورغبا ويتواجد على المواصيل والألحان طربا قد اتخذ ~~دينه لهوا ولعبا تقرب أولياء الله إليه بالقرآن وتقرب هو باستماع المعازف ~~والألحان مفتون في نفسه فاتن لأشباهه وبني جنسه فإذا لمت أحدهم قال أنا خير ~~أم الشيخ فلان وذاك لعمرو الله من أولياء الشيطان قد نصبه شبكة يصطاد به ~~جهلة العوام ويحتج به على أشباه الأنعام فما أعظم على الناس فتنته وما أشد ~~على الدين محنته يقول أتباعه المفتونون وحزبه المغرورون نسلم إلى الشيخ ~~طريقته وأي طريقة مع الشرع هل أبقت الشريعة لقائل مقالا أو لمتصرف بعدها ~~مجالا وهل جاءت إلا بهدم العوائد ونقض الطرائق ما على الشريعة أضر من ~~مبتدعة المتكلمين وجهلة المتصوفين هؤلاء يفسدون العقول بتوهمات وشبهات تشبه ~~المعقول وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأزمان يحبون البطالات ~~والاجتماعات على اللذات وسماع أصوات المشوشات للمعايش والطاعات أولئك ~~يجرئون الشباب والأحداث على البحث وكثرة السؤال والاعتراضات وتتبع الشرع ~~PageV04P1346 @ بالمعارضات والمناقضات وما عرفنا للسلف الصالح أحوال أولئك ~~البطالين أصحاب الشهوات ولا أحوال هؤلاء المتكلمين أرباب الشبهات بل كانوا ~~عبيد إيمان وتسليم عن معرفة تامة وبصيرة نافذة وجد وتشمير في الطاعات ~~فنصيحتي لإخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبصار قلوبهم كلام ~~المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين بل الشغل بالمعائش أولى ~~من بطالة المتصوفة والوقوف على النصوص أولى من شبهات المتخيلة المتوهمة وقد ~~خبرت طريق الفريقين غاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح قال والمتكلمون عندي ~~خير من المتصوفة لأن المتكلمين مؤداهم مع التحقيق مزيد الشكوك في حق بعض ~~الأشخاص ومؤدي المتصوفة إلى توهم الإشكال والتشبيه وهو الغاية في الإبطال ~~بل ms513 هو حقيقة المحال # ما يسقط المشايخ من عيني وإن نبلوا عند الناس أقدارا وأنسابا وعلوما ~~وأخطارا إلا قول العاقل منهم إذا خوطب بمقتضى الشرع عادتنا كذا يشير إلى ~~طريقة قد قننوها لأنفسهم تخرج عن سمت الشرع قد اختلقوا طريقة واستحدثوا ~~رسوما وكل مختلق مستحدث فبدعة PageV04P1347 @ والاستمرار على ترك السنن ~~خذلان قال أحمد رضي الله عنه وقد سئل عن رجل استمر على ترك الوتر هذا رجل ~~سوء إياك أن تتبع شيخا يقتدي بنفسه ولا يكون له إمام يعزى إليه ما يدعوك ~~إليه ويتصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الله الله ~~الثقة بالأشخاص ضلال والركون إلى الآراء ابتداع اللين والانطباع في الطريقة ~~مع السنة أحب إلي من الخشونة والانقباض مع البدعة لا تتقرب إلى الله تعالى ~~بالامتناع مما لم يمنع منه كما لا تتقرب إليه بعمل مالم يأذن فيه # أصحاب الحديث رسل السفير إلينا والفقهاء تراجم لمعاني كلامه ولا يتم ~~اتباع إلا بمنقول ولا فهم منقول إلا بترجمان وما عداهما تكلف لا يفيد إلا ~~التعب والعناء وإلى هذين القسمين انقسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نقلة وفقهاء ولا يعرف فيهم ثالث إلا أصحاب المعاش والتجارات لا مشايخ ربط ~~ولا مناخات البطالات ولا أصحاب زوايا ينتظرون الفتوحات ولا رقاصون على ~~الغناء والأصوات المطربات ولا متكلمون بالتخيلات والشبهات ولا بالشطحات ~~والتوهمات ولا بالكلمات الخمس والمقولات العشر PageV04P1348 @ والموجهات ~~والمختلطات بل كانوا بحبل الوحي معتصمين وبكتاب ربهم وسنة نبيهم متمسكين ~~وهو في قلوبهم أجل من أن تضرب له الأمثال أو تتقدم إليه آراء الرجال # يا أصحاب المخالطات والمعاملات عليكم بالورع ويا أصحاب الزوايا والانقطاع ~~عليكم بحسم مواد الطمع ويا أرباب العلم والنظر إياكم واستحسان طرائق أهل ~~العلم والخدع ليست السنة بحب معاوية ويزيد ولا بمجرد حب أبي بكر وعمر ولا ~~بإزعاج أعضائك بالصلاة على السفر ولا بالاكتحال يوم عاشوراء والتوسعة على ~~العيال السنة تتبع طريق الرسول واقتفاء آثاره والوقوف عند مراسمه وحدوده من ~~غير تقصير ولا غلو وأن لا ms514 يتقدم بين يديه ولا تختار لنفسك قولا لم يتبين لك ~~أنه جاء به فالسنة مقابلة أوامره بالامتثال ونواهيه بالانكفاف وأخباره ~~بالتصديق ومجانبة الشبه والآراء وكل ما خالف النقل وإن كانت له حلاوة في ~~السمع وقبول في القلب ليست القلوب والعقول والآراء معيارا على الشرع ليس ~~لله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه وعن رسوله وما أحدثوا وعولوا على ما رووا ~~لا على ما رأوا الوقوف مع النقل مقام الصديقين وورثة النبيين والمرسلين هذه ~~نصيحتي لنفسي ولإخواني من المؤمنين فهذا كلام من دخل مع PageV04P1349 @ ~~المتكلمين إلى غايتهم ووقف على نهايتهم وخبر الكلام وقلاه وعرف مداه ~~ومنتهاه وقد تقدم حكاية كلام معاصره ومناظره أبي حامد الغزالي في ذم الكلام ~~وهما من أعلم أهل عصرهما بمذاهب المتكلمين # الوجه الثمانون بعد المائة # إنه من المعلوم عند جميع العقلاء أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم هم ~~أعقل الخلق وعقولهم أكمل العقول ولهذا كان ما جاؤوا به فوق عقول البشر ~~ولهذا حصل على أيديهم من الخير مالم يحصل على أيدي سواهم وصلح من أحوال ~~النفوس والقلوب وعمارتها بالخير وتزكيتها بالعلم والعمل مالم يحصل لأحد ~~غيرهم فعمارة القلوب والدنيا والآخرة على أيديهم وكل فساد في العالم عاما ~~وخاصا فإنما سببه العدول عما جاؤوا به ومخالفتهم فإذا استقريت جميع الشرور ~~التي في العالم جزئياتها وكلياتها وكل فتنة وبلية ورزية رأيت سببها معصيتهم ~~وكل خير ونعمة في الدنيا والآخرة فسببه طاعتهم واستقر هذا من زمن نوح إلى ~~ساعتك التي أنت فيها وما عذبت به الأمم من أنواع العذاب وما جرى على هذه ~~الأمة حتى ما أصيب به المسلمون مع نبيهم يوم أحد كان سببه معصية أمره ~~وللعاقل البصير عبرة في نفسه وأحواله خاصة فهذا شأن هذه العقول الزاكية ~~الكاملة وشأن من خلقهم بمعقوله وإذا كان هذا التفاوت بين عقولهم ~~PageV04P1350 @ وعقول الناس في الأمور المتعلقة بالإرادات والأعمال والحب ~~والبغض فما الظن بالتفاوت الذي بين عقولهم وعقول الناس في العلوم والمعارف ~~فما الظن بما يتعلق بمعرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وشأنه ms515 ويالله العجب ~~كيف يقدم قول من يقول قال لي عقلي عن بن سينا والفارابي وارسطاطاليس ~~وأشباههم أو عن أبي الهذيل العلاف والشحام والنظام وأضرابهم أو عمن تلقى عن ~~هؤلاء على قول من يقول قال لي جبريل عن رب العالمين فالرسول يقول قال لي ~~ربي وهذا المعارض يقول قال لي عقلي أو قال أرسطاطاليس ونحوه # الوجه الحادي والثمانون بعد المائة # لو عورض ما جاء به خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه بموسى وعيسى كانت ~~هذه المعارضة ضلالا وانسلاخا من الدين بالكلية كما صرح به صلى الله عليه ~~وسلم وقد رأى بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة من التوراة فقال ~~أمتهوكون يا بن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان ~~موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم فإذا كان اتباع موسى مع وجود محمد ~~صلوات الله وسلامه عليه ضلالا فكيف باتباع أرسطو وبن سينا ورؤوس الجهمية ~~والمعطلة وفي بعض ألفاظ هذا الحديث كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير ~~PageV04P1351 @ كتابهم أنزل على نبي غير نبيهم فأنزل الله تعالى @QB@ أو لم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب @QE@ العنكبوت 51 # فكيف بضلالة قوم اتبعوا كتابا أوحاه الشيطان إلى رؤوس المشركين وأهل ~~الضلال لم ينزله الله على نبي من أنبيائه فلا نزل به وحي ولا نطق به نبي ~~كما قال تعالى عن هؤلاء المعارضين للوحي @QB@ وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون @QE@ الأنعام 121 # وقال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون @QE@ ~~الأنعام 113 112 # يوضحه # الوجه الثاني والثمانون بعد المائة # وهو أن الله سبحانه أنكر على من لم يكتف بكتابه فقال @QB@ أو لم يكفهم ~~أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون @QE@ ~~العنكبوت 51 # ومن المحال أن يكون الكتاب الذي يخالفه صريح PageV04P1352 @ العقل ms516 كافيا ~~وإنما يكون كافيا لمن قدمه على كل معقول ورأي وقياس وذوق وحقيقة وسياسة ~~فهذا الكتاب في حقه كاف له كما أنه إنما يكون رحمة وذكرى له دون غيره وأما ~~من أعرض عنه أو عارضه بآراء الرجال فليس بكاف له ولا هو في حقه هدى ولا ~~رحمة بل هو من الذين آمنو بالباطل وكفروا بالله يوضحه # الوجه الثالث والثمانون بعد المائة # أن هؤلاء الذين لم يكتفوا بكتابه حتى سلكوا بزعمهم طريقة العقل وعارضوه ~~به وقدموه عليه من جنس الذين لم يكتفوا به سبحانه إلها حتى جعلوا له أندادا ~~يعبدونهم كما يعبدون الله بل أولئك لم يقدموا أندادهم على الله فهؤلاء ~~جعلوا لله ندا يطيعونه ويعظمونه ويعبدونه كما يعظمون الله ويعبدونه وهؤلاء ~~جعلوا لكتابه ندا يتحاكمون إليه ويقبلون حكمه ويقدمونه على حكم كتابه بل ~~الأمران متلازمان فمن لم يكتف بكتابه لم يكتف به فمتى جعل لكتابه ندا فقد ~~جعل له ندا لا يكون غير ذلك البتة # فلا ترى من عارض الوحي برأيه وجعله ندا له إلا مشركا بالله قد اتخذ من ~~دون الله أندادا ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين لا ينفك ~~أحدهما عن صاحبه فإن المعطل قد جعل آراء الرجال وعقولهم ندا لكتاب الله ~~والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندا له ومما يبين تلازم التعطيل والشرك ~~أن القلوب PageV04P1353 @ خلقت متحركة طالبة للتأله والمحبة فهي لا تسكن ~~إلا لمحبوب تطمئن إليه وتسكن عنده يكون هو غاية محبوبها ومطلوبها ولا قرار ~~لها ولا طمأنينة ولا سكون بدون هذا المطلوب والظفر به والوصول إليه ولو ~~ظفرت بما ظفرت به سواه لم يزدها ذلك إلا فاقة وفقرا وحاجة وقلقا واضطرابا # فطلب هذا المراد المطلوب كامن مستقر فيها وإن أعرضت عنه واشتغلت بغيره ~~ولم تشعر به فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به بل وجوده شيء والشعور به شيء ~~وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور والمعرفة بالمطلوب المراد وصفات كماله ~~ونعوت جلاله وجماله فكيف إذا انضاف إلى ذلك معرفته بشدة الحاجة إليه ms517 ~~والفاقة والضرورة وأنه لا حياة له في الحقيقة ولا فلاح ولا لذة ولا سرور ~~ولا نعيم إلا بقربه والإنس به والتنعم بذكره وأن منزلة ذلك من الروح منزلة ~~الروح من البدن فإذا فقدته الروح كانت كالبدن الفاقد لروحه بل القلب مضطر ~~إليه فقير إليه أعظم من ضرورة البدن إلى روحه إذ غاية ما يقدر بفوات الروح ~~موت البدن وقد يعقبه راحة العبد وأما إذا فات الروح والقلب هذا المطلوب ~~المحبوب ماتت موتا يتضمن كل ألم وهم وغم وحزن وخوف واضطراب فلو أن ما يحصل ~~للقلب من الموت مثل موت البدن لكان في الموت راحة ولكنه موت يتجرع صاحبه ~~كاسات الآلام من الهموم والغموم والحسرات PageV04P1354 @ @QB@ ولا يكاد ~~يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت @QE@ إبراهيم 17 # وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا وإذا كانت الروح مفطورة ~~على تأله فاطرها وخالقها وهي فقيرة إليه أعظم الافتقار من جهة كونه ربها ~~وخالقها وممسكها وحافظها ومغذيها وطبيبها ومداويها ومن جهة كونه إلهها ~~ومحبوبها ومطلوبها وغاية مناها فهي إلى معرفة هذا المطلوب ومعرفة كماله ~~وجماله وأوصاف جلاله أشد شيء ضرورة وكلما كانت معرفتها بذلك أوفر كانت ~~محبتها له أقوى مالم يعقها عائق ويمنعها مانع من مرض يتعطل به أو تضعف عن ~~نهوضها بالجد في طلب هذا المحبوب # وهذا العائق شيئان إما جهل بهذا المطلوب وكونه لم يقدره حق قدره ولم تهتد ~~من معرفة كماله وجماله وجلاله إلى ما يدعوها إلى طلبه وإيثاره على غيره ~~وإما فساد في إرادتها لماتعلقت بغيره وآثرته عليه ففسدت فطرتها التي فطرت ~~عليها فانتقلت بفسادها عنه إلى غيره وهذه مقدمات فطرية ضرورية لا ينازع ~~فيها سليم العقل والفطرة وإذا عرف هذا فالرسل جاؤوا بكمال الأمرين على أتم ~~الوجوه فإنهم ذكروا من صفات هذا الرب الذي تألهه القلوب PageV04P1355 @ ~~وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيا إلى محبته وأمروا الناس من توحيده ~~وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه فجاءت النفاة المعارضون ~~للوحي بعقولهم ms518 وآرائهم فوقفوا في طريق الرسل وأتوا بما يضاد دعوتهم فنفوا ~~صفاته التي تعرف بها إلى عباده وجعلوا إثباتها تجسيما وتشبيها ووصفوه من ~~السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته وأكدوا ذلك بأنه لا يحب ولا ~~يحب ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة فضلا عن أن يحصل لهم ~~لذة هناك بالنظر إليه ولا يكلمهم ولا يخاطبهم ولا يسلم عليهم من فوقهم فلما ~~استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات فأشركت به في ~~المحبة ولا بد وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل فانظر ~~إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما وكونهما # ( رضيعي لبان ثدي أم تقاسما % بأسحم داج عوض لا نتفرق ) # الوجه الرابع والثمانون بعد المائة # إن هؤلاء المعطلة النفاة المعارضين للوحي بآرائهم ومعقولاتهم من الظانين ~~بالله وكتابه ورسوله ظن السوء ولم يجيء في القرآن وعيد أعظم من وعيد من ظن ~~به ظن السوء قال تعالى PageV04P1356 @ @QB@ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله ~~فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ~~ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت ~~مصيرا @QE@ الفتح 6 5 # وقال تعالى @QB@ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم ~~الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين @QE@ فصلت 23 22 # فهؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات فكيف بمن ظن أنه لا علم له ولا سمع ~~ولا بصر ولا تكلم ولا يتكلم ولا استوى على عرشه ولا له فعل حقيقة يدبر به ~~الأمر ولا له حكمة يفعل ما يفعل لأجلها وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله ~~وأن يجعل الدائرة عليه وعلى المؤمنين # ومنكرو الحكمة والتعليل يجوزون عليه أن يعذب أنبياءه ورسله قالوا ولا ~~نعلم تنزيهه عن ذلك بالعقل وإنما نعلم بالخبر ومن أعظم ظن السوء به وبكتابه ~~أن يظن أن العقل الصريح مخالف له وأي نقص وعيب أبلغ من نقص كلام ms519 مخالف ~~لصريح المعقول وأي إساءة ظن أعظم من هذه الإساءة يوضحه PageV04P1357 @ # الوجه الخامس والثمانون بعد المائة # إن هذا نسبة له إلى كونه كذبا في نفسه فإنه إذا خالف صريح العقل لم يكن ~~مطابقا لمخبره فيكون المتكلم به قد أخبر بخبر لم يطابق مخبره وهذا حقيقة ~~الكذب بل هو من أقبح الكذب فإن الكذب نوعان أحدهما كذب يجوز أن يكون متعلقه ~~واقعا كمن يقول مات فلان أو تزوج أو ولد له ولم يكن ذلك والثاني كذب لا ~~يجوز أن يقع متعلقه وهو ما يحيله العقل وهذا أقبح نوعي الكذب فكيف يجوز على ~~أصدق الكلام وأهداه وأفضله أن يكون فيه أقبح نوعي الكذب # الوجه السادس والثمانون بعد المائة # إن من ادعى معارضة العقل لما جاءت به الرسل من صفاته وأفعاله وحقائق ~~أسمائه لم يقدره حق قدره وقد ذم الله تعالى من لم يقدره حق قدره في ثلاثة ~~مواضع من كتابه أحدها قوله @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل ~~الله على بشر من شيء @QE@ الأنعام 91 # الثاني قوله @QB@ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ~~@QE@ PageV04P1358 ) الحج 74 73 # الثالث قوله @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ الزمر 67 # فأخبر أنه لم يقدره حق قدره من أنكر إرساله للرسل وإنزال كتبه عليهم وهذا ~~حقيقة قول من قال إنه لا يتكلم ولم ينزل له إلى الأرض كلام ولا كلم موسى ~~تكليما ومعلوم أن هذا إنكار لكمال ربوبيته وحقيقة إلهيته ولحكمته ولم يقدره ~~حق قدره من عبد من دونه إلها غيره ولم يقدره حق قدره من جحد صفات كماله ~~ونعوت جلاله وقد وصف سبحانه نفسه بأنه العلي العظيم وحقيقة قول المعطلة ~~النفاة أنه ليس بعلي ولا عظيم فإنهم يردون علوه وعظمته ms520 إلى مجرد أمر معنوي ~~كما يقال الذهب أعلى وأعظم من الفضة والبر أعلى وأعظم من الشعير وقد صرحوا ~~بذلك فقالوا معناه علي القدر وعظيم القدر قال شيخنا فيقال لهم أتريدون أنه ~~في نفسه علي الذات عظيم القدر وإن له في نفسه قدرا عظيما أم تريدون أن ~~عظمته PageV04P1359 @ وقدره في النفوس فقط فإن أردتم الأول فهو الحق الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة والعقل فإذا كان في نفسه عظيم القدرفهو في قلوب ~~الخلق كذلك ومع ذلك فلا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه ولا ~~يقدر أحد قدره ولا يعلم عظم قدره إلا هو وتلك صفة يمتاز بها ويختص بها عن ~~خلقه إذ هي من لوازم ماهيته وذاته التي اختص بها عن خلقه كما قال الإمام ~~أحمد لما قالت الجهمية إنه في المخلوقات نحن نعلم مخلوقات كثيرة ليس فيها ~~من عظم الرب شيء وإن أعدتم ذلك إلى مجرد تعظيم القلوب له من غير أن يكون ~~هناك صفات ثبوتية وقدر عظيم يختص به فذاك اعتقاد لا حقيقة له وصاحبه قد ~~عظمه بأن اعتقد فيه عظمة لا حقيقة لها وذلك يضاهي اعتقاد المشركين في ~~آلهتهم # وإن قالوا بل يزيد معنى ثالثا لا هذا ولا هذا وهو أن له في نفسه قدرا ~~يستحقه لكنه قدر معنوي قيل لهم أتريدون أن له حقيقة عظيمة يختص بها عن غيره ~~وصفات عظيمة يتميز بها وذاتا عظيمة تمتاز عن الذوات وماهية عظيمة ~~PageV04P1360 @ أعظم من كل ماهية ونحو ذلك من المعاني المعقولة فذلك أمر ~~وجودي محقق وإذا أضيف ذلك إلى الرب كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه ~~المخلوق كما أنه إذا أضيف إلى المخلوق كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه ~~الخالق فهو في حق الخالق تعالى قدر يليق بعظمته وجلاله وفي حق المخلوق قدر ~~يناسبه كما قال تعالى @QB@ قد جعل الله لكل شيء قدرا @QE@ الطلاق 3 # فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه والقدر يكون علميا ويكون ~~عينيا فالأول هو ms521 التقدير العلمي وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب ~~كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا ومن ~~هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها ثم ~~كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه # فالقدر الإلهي نوعان أحدهما في العلم والكتابة والثاني خلقها وبرأها ~~وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء والخلق يتضمن الإبداع والتقدير ~~جميعا والمقصود أن كل موجود فله قدر والعباد لا يقدرون الخالق قدره والكفار ~~منهم لا يقدرونه حق قدره ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم قال تعالى ~~PageV04P1361 @ @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر ~~من شيء @QE@ الأنعام 91 # وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة من المشركين ~~واليهود وغيرهم وقال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره @QE@ ولم يقل وما ~~قدروا الله قدره فإن حق قدره هو الحق الذي لقدره فهو حق عليهم لقدره سبحانه ~~فجحدوا ذلك الحق وأنكروه وما قاموا بذلك الحق معرفة ولا إقرارا ولا عبودية ~~وذلك جحود وإنكار لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله لجحودهم أن يتكلم أو ~~يعلم الجزئيات أو يقدر على إحداث فعل فشبهات منكري الرسالة ترجع إلى ذلك ~~أما إنكار علمه تعالى أو إنكار قدرته أو إنكار كلامه فمن أقر بما أرسل به ~~رسله وأنه عالم به متكلم بكتبه التي أنزلها عليهم قادر على الإرسال لا يليق ~~بحكمته تركه فقد قدره حق قدره من هذا الوجه إن لم يقدره حق قدره مطلقا ~~وكذلك ذكر الآية الأخرى في سياق خطابه للمشركين ولمنكري آياته كقوله @QB@ ~~وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون @QE@ ~~الزمر 54 # إلى قوله @QB@ بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ~~@QE@ الزمر 59 # إلى قوله PageV04P1362 @ @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة @QE@ الزمر 67 # فكان هذا ردا على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده ولصفاته كما كان ~~ذلك ردا على منكري كتبه ورسله ms522 وهذان أصلا الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله وهذا الذي وصف به نفسه ها هنا يتضمن من اقتداره على ~~تغيير العالم وتبديله ما يبطل قول أعدائه الملاحدة المكذبين بالمبدأ ~~والمعاد أئمة هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل والرأي وقال تعالى في آية الحج ~~@QB@ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق ~~قدره إن الله لقوي عزيز @QE@ @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ~~@QE@ الحج 75 73 # فما قدره من عبد من دونه من لا يخلق ذبابا واحدا وإن سلبه الذباب شيئا ~~مما عليه من خلوق وغيره لم يقدر على استنقاذه منه ولا يكون أضعف من هذا ~~الإله وعابده PageV04P1363 @ فكيف يعبد من دون من له القوة كلها والعزة ~~كلها ولما كان هذا من جهلهم بالله وترك تعظيمه الذي ينبغي له قال كثير من ~~المفسرين في معنى ذلك ما عظموه حق عظمته وقال بعضهم ما عرفوه حق معرفته ~~وقال بعضهم ما عبدوه حق عبادته وقال آخرون ما وصفوه حق صفته ولما كان أهل ~~العلم والإيمان قد قاموا من ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي أعانهم بها ~~ووفقهم بها لمعرفته وعبادته وتعظيمه لم يتناولهم هذا الوصف فإن التعظيم له ~~سبحانه والمعرفة والعبادة ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به عباده وأعانهم ~~عليه ورضي منهم بمقدورهم من ذلك وإن كانوا لا يقدرونه قدره ولا يقدر أحد من ~~العباد قدره فإنه إذا كانت السماوات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا ~~والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك فكيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له ~~يدان فضلا عن أن يقبض بهما شيئا فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة ~~وإنما ذلك مجاز لا حقيقة له وللجهمية والمعطلة نفاة الصفات من هذا الذم ~~أوفر نصيب وللمتفلسفة وأفراخهم وأتباعهم ذنوب مثل ذنوب أصحابهم وأكثر # وقد شرع الله سبحانه لعباده ذكر هذين الاسمين PageV04P1364 @ العلي ~~العظيم ms523 في الركوع والسجود كما ثبت في الصحيح أنه لما نزلت @QB@ فسبح باسم ~~ربك العظيم @QE@ قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت ~~@QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ قال اجعلوها في سجودكم وهو سبحانه كثيرا ما ~~يقرن في وصفه بين هذين الاسمين كقوله @QB@ وهو العلي العظيم @QE@ البقرة ~~255 # وقوله @QB@ هو العلي الكبير @QE@ الحج 62 # وقوله @QB@ عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال @QE@ الرعد 9 # يثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته فالعلو رفعته والعظمة عظمة قدره ~~ذاتا ووصفا # وعند الجهمية ليس له علو ولا عظمة إلا ما في النفوس من اعتقاد كونه أفضل ~~من غيره PageV04P1365 @ # | فصل # الوجه السابع والثمانون بعد المائة # إن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل من الجهمية المعطلة والفلاسفة ~~الملاحدة ومن اتبع سبلهم هم دائما يدلون بنفي التشبيه والتمثيل ويجعلونه ~~جنة لتعطيلهم ونفيهم فجحدوا علوه على خلقه ومباينته لهم وتكلمه بالقرآن ~~والتوراة والإنجيل وسائر كتبه وتكليمه لموسى واستوائه على عرشه ورؤية ~~المؤمنين له بأبصارهم من فوقهم في الجنة وسلامه عليهم وتجليه لهم ضاحكا ~~وغير ذلك مما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله وتترسوا بنفي التشبيه ~~واتخذوه جنة يصدون به القلوب عن الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وكل من نفى ~~شيئا مما وصف به نفسه جعل نفي التشبيه له كالوقاية في الفعل حتى آل ذلك ~~ببعضهم إلى أن نفى ذاته وماهيته خشية التشبيه فقال هو وجود محض لا ماهية له ~~ونفى آخرون وجوده بالكلية خشية التشبيه وقالوا يلزمنا في الوجود ما لزم ~~مثبتي الصفات والكلام والعلو في ذلك فنحن نسد الباب بالكلية PageV04P1366 @ # ولا ريب أن المشبهة المحضة خير من هؤلاء وأحسن قولا في ربهم وأحسن ثناء ~~عليه منهم # والطائفة المعطلة بمنزلة من قدح في ملك الملك وسلطانه ونفى قدرته وعلمه ~~وتدبيره لمملكته وسائر صفات الملك # والطائفة الثانية بمنزلة من شبهه بملك غيره موصوف بأكمل الصفات وأحسن ~~النعوت فينبغي أن تعلم في هذا قاعدة نافعة جدا وهي أن نفي الشبه والمثل ~~والنظير ليس في نفسه صفة مدح ولا كمال ولا يحمد ms524 به المنفي عنه ذلك بمجرده ~~فإن العدم المحض الذي هو أخس المعلومات وأنقصها ينفي عنه الشبه والمثل ~~والنظير ولا يكون ذلك كمالا ومدحا إلا إذا تضمن كون من نفى عنه ذلك قد اختص ~~من صفات الكمال ونعوت الجلال بأوصاف باين بها غيره وخرج بها عن أن يكون له ~~نظير أو شبه فهو لتفرده بها عن غيره صح أن ينفي عنه الشبه والمثل والنظير ~~والكفؤ فلا يقال لمن لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا علم ولا كلام ولا فعل ~~ليس له شبه ولا مثل ولا نظير اللهم إلا في باب الذم والعيب أي قد سلب صفات ~~الكمال كلها بحيث صار لا شبه له في النقص هذا الذي عليه فطر الناس وعقولهم ~~واستعمالهم في المدح والذم كما قال شاعر القوم PageV04P1367 @ # ( ليس كمثل الفتى زهير % خلق يساويه في الفضائل ) # وقال الآخر # ( ما أن كمثلهم في الناس من أحد % ) # وقال الفرزدق # ( فما مثله في الناس إلا مملكا % أبو أمه حي أبوه يقاربه ) # أي ما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك هو خاله # وقال الآخر # ( فما مثله فيهم ولا هو كائن % وليس يكون الدهر ما دام يذبل ) # نفى أن يكون له مثل في الحال والماضي والمستقبل # وقال الآخر # ( ولم أقل مثلك أعني به % سواك يا فردا بلا شبه ) # ومنه قولهم فلان نسيج وحده شبهه بثوب لم ينسج له نظير في حسنه وصفاته ~~فعكس المعطلة المعنى وقلبوا PageV04P1368 @ الحقائق وأزالوا دلالة اللفظ عن ~~موضعها وجعلوا @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ الشورى 11 # جنة وترسا لنفي علوه سبحانه على عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات كماله ~~ومما ينبغي أن يعلم أن كل سلب ونفي لا يتضمن إثباتا فإن الله لا يوصف به ~~لأنه عدم محض ونفي صرف لا يقتضي مدحا ولا كمالا ولا تعظيما ولهذا كان ~~تسبيحه وتقديسه سبحانه متضمنا لعظمته ومستلزما لصفات كماله ونعوت جلاله ~~وإلا فالمدح بالعدم المحض كلا مدح والعدم في نفسه ليس بشيء يمدح به ويحمد ~~عليه ولا يكسب القلب علما بالمذكور ولا محبة ms525 وقصدا له ولهذا كان عدم السنة ~~والنوم مدحا وكمالا في حقه سبحانه لتضمنه واستلزامه كمال حياته وقيوميته ~~ونفي اللغوب عنه كمال لاستلزامه كمال قدرته وقوته ونفي النسيان عنه كمال ~~لتضمنه كمال علمه وكذلك نفي عزوب شيء عنه ونفي الصاحبة والولد كمال لتضمنه ~~كمال غناه وتفرده بالربوبية وأن من في السماوات والأرض عبيد له وكذلك نفي ~~الكفؤ والسمي والمثل عنه كمال لأنه يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال له على ~~أكمل الوجوه واستحالة وجود مشارك له فيها فالذين يصفونه PageV04P1369 @ ~~بالسلوب فقط من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به الرسل ~~وعرفوه به إلى الخلق وهو الوجه الذي يحمده به ويثني عليه به ويمجد وتعرف به ~~عظمته وجلاله وإنما عرفوه من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة ~~والإيمان به بعدم اعتقادهم الحق واعتقادهم خلاف الحق وحقيقة أمرهم أنهم لم ~~يثبتوا لله عظمة إلا ما تخيلوه في نفوسهم من السلوب والنفي الذي لا عظمة ~~فيه ولا مدح فضلا عن أن يكون كمالا بل ما أثبتوه مستلزم لنفي ذاته رأسا # وأما الصفاتية الذين يؤمنون ببعض ويجحدون بعضا فإذا أثبتوا علما وقدرة ~~وإرادة وغيرها تضمن ذلك إثبات ذات تقوم بها هذه الصفات وتتميز بحقيقتها ~~وماهيتها سواء سموه قدرا أو لم يسموه فإن لم يثبتوا ذاتا متميزة بحقيقتها ~~وماهيتها كانوا قد أثبتوا صفات بلا ذات كما أثبت إخوانهم ذاتا بلا صفات ~~وأثبتوا أسماء بلا معان ولا حقائق وذلك كله مخالفة لصريح المعقول وهم يدعون ~~أنهم أرباب عقليات فلا بد من إثبات ذات محققة لها الأسماء الحسنى التي لا ~~تكون حسنى إلا إذا كانت دالة على صفات كمال وإلا فالأسماء فارغة لا معنى ~~لها PageV04P1370 @ لا توصف بحسن فضلا عن كونها أحسن من غيرها يوضح ذلك # الوجه الثامن والثمانون بعد المائة # أنه سبحانه فرق بين هذين الاسمين الدالين على علوه وعظمته في آخر آية ~~الكرسي وفي سورة الشورى وفي سورة الرعد وفي سورة سبأ في قوله @QB@ قالوا ~~ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ سبأ ms526 23 # ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات وذكر معها قيوميته ~~المقتضية لذاته وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه من النوم والسنة والعجز ~~وغيرها ثم ذكر كمال ملكه ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده ~~أحد إلا بإذنه ثم ذكر سعة علمه وإحاطته ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم ~~شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه ثم ذكر سعة كرسيه منبها به ~~على سعته سبحانه وعظمته وعلوه وذلك توطئة بين يدي ذكر علوه وعظمته ثم أخبر ~~عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا ~~تعب ثم ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في ~~نفسه وقال في سورة طه PageV04P1371 @ @QB@ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون به علما @QE@ طه 110 # وقد اختلف في تفسير الضمير في به فقيل هو الله سبحانه أي ولا يحيطون ~~بالله علما وقيل هو ما بين أيديهم وما خلفهم فعلى الأول يرجع إلى العالم ~~وعلى الثاني يرجع إلى المعلوم وهذا القول يستلزم الأول من غير عكس لأنهم ~~إذا لم يحيطوا ببعض معلوماته المتعلقة بهم فأن لا يحيطوا علما به سبحانه ~~أولى وكذلك الضمير في قوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه @QE@ البقرة 255 # يجوز أن يرجع إلى الله ويجوز أن يرجع إلى @QB@ ما بين أيديهم وما خلفهم ~~@QE@ أي ولا يحيطون بشيء من علم ذلك إلا بما شاء فعلى الأول يكون المصدر ~~مضافا إلى الفاعل وعلى الثاني يكون مضافا إلى المفعول والمقصود أنه لو كان ~~@QB@ العلي العظيم @QE@ إنما يراد به اتصافه بالعلم والقدرة والملك وتوابع ~~ذلك كان تكريرا بل دون التكرير فإن ذكر ذلك مفصلا أبلغ من الدلالة عليه بما ~~لا يفهم إلا بكلفة وكذلك إذا قيل إن علوه وعظمته مجرد كونه أعظم من ~~مخلوقاته وأفضل منها فهذا هضم عظيم لهاتين الصفتين العظيمتين وهذا لا يليق ~~ولا يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض الرد لمن سوى بينه ms527 وبين غيره في ~~العبادة والتأله كقوله @QB@ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله ~~خير أما يشركون @QE@ النمل 59 PageV04P1372 @ # وقول يوسف الصديق @QB@ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار @QE@ ~~يوسف 39 # وقوله تعالى عن السحرة إنهم قالوا لفرعون @QB@ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى @QE@ طه 73 # فهذا السياق يقال في مثله إن الله خير مما سواه من الآلهة الباطلة وأما ~~بعد أن يذكر أنه مالك الكائنات ويقال مع ذلك هو أفضل من مخلوقاته وأعظم من ~~مصنوعاته فهذا ينزه عنه كلام الله وإنما يليق هذا بهؤلاء الذين يجعلون له ~~مثل السوء في كلامه ويجعلون ظاهره كفرا تارة وضلالة تارة وتشبيها وتجسيما ~~تارة ومخالفا لصريح العقل تارة ويحرفونه بالتحريفات الباطلة ويقولون فيه ~~مالا يرضى أحدهم أن يقال مثله في كلامه فيجعلون لكلامه مثل السوء كما جعلوا ~~له سبحانه مثل السوء بإنكارهم صفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى ولو تأول ~~أحد كلامهم أو كلام من يعظمونه على ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله لقامت ~~قيامة أحدهم وإذا حقق الأمر عليهم تبين أن ما يتأولون عليه كلام الله ~~ورسوله من التأويلات الفاسدة لا يليق حمل كلام آحاد فضلاء بني آدم عليها ~~ولهذا PageV04P1373 @ سقطت حرمة الإيمان والقرآن والرسول من قلوبهم ولهذا ~~يصرحون بأن القرآن والسنة لا تفيدان علما ولا يقينا في هذا الباب ويقولون ~~إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن وإنها في منطق اليونان يوضحه # الوجه التاسع والثمانون بعد المائة # أن العظيم يوصف به الأعيان والكلام والصفات والمعاني أما الأعيان فكقوله ~~تعالى @QB@ ورب العرش العظيم @QE@ المؤمنون 6 # وقوله @QB@ ولها عرش عظيم @QE@ النمل 23 # وأما المعاني فكقوله تعالى @QB@ وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ القلم 4 # وقوله @QB@ سبحانك هذا بهتان عظيم @QE@ النور 16 # فيوصف بالذوات وصفاتها وأفعالها وكل موصوف فصفته بحسبه فعظم الذات شيء ~~وعظم صفاتها شيء وعظم القول شيء وعظم الفعل شيء والرب تعالى له العظمة بكل ~~اعتبار وكل وجه بذاته والمعطلة تنكر عظمة ذاته ولا يثبتون إلا عظمة ms528 معنوية ~~لا يثبتون عظمة الذات كما يقولون مثل ذلك في العلو أنه علو PageV04P1374 @ ~~معنوي لا أن ذاته عالية على كل المخلوقات فليس عندهم عليا ولا عظيما إلا ~~باعتبار معنوي فقط كعلو قيمة الجوهر على قيمة الخزف وأهل السنة أثبتوا له ~~العلو والعظمة بكل اعتبار ومثل هذا وصفه سبحانه بأنه الكبير المتعالي ~~فالكبير يوصف به الذات وصفاتها القائمة بها فيقال هذا أكبر من هذا حسا ~~ومعنى وسنا وكذلك الطول يقال هو أطول يدا منه صورة ومعنى كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لنسائه أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا فكلهن يمددن أيديهن أيهن ~~أطول وكانت زينب أولهن موتا وكانت أطولهن يدا بالخير والصدقة وكذلك السعة ~~والبسطة تكون في الذوات والمعاني كما قال تعالى @QB@ وزاده بسطة في العلم ~~والجسم @QE@ البقرة 247 # فكبر قدره في باطنه بالعلم وفي ظاهره باشتداد الجسم PageV04P1375 @ فكمل ~~ظاهره وباطنه ومعناه وصورته وهذا أكمل من أن يكمل معناه وفكره دون ذاته ~~وصورته وهذا شأنه سبحانه فيما يريد تكميله من خلقه فإنه يكمله ذاتا ومعنى ~~ظاهرا وباطنا كما قال تعالى في أهل الجنة @QB@ ولقاهم نضرة وسرورا @QE@ ~~الإنسان 11 # فكمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالمسرة وقال تعالى @QB@ وحلوا أساور من ~~فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا @QE@ الإنسان 21 # فهذا زينة ظواهرهم وهذا زينة بواطنهم وقال @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة @QE@ القيامة 23 - 22 # فكمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه وقال تعالى @QB@ يا بني آدم ~~قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير @QE@ ~~الأعراف 26 # وأنعم على عباده بزينتين ولباسين زينة تجمل ظواهرهم وزينة من التقوى تجمل ~~بواطنهم وقال تعالى PageV04P1376 @ @QB@ فيهن خيرات حسان @QE@ الرحمن 70 # قال المفسرون خيرات الأخلاق حسان الوجوه وقد روي هذا التفسير مسندا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة وهو في معجم الطبراني وغيره وقال ~~تعالى @QB@ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد ~~@QE@ الصافات 7 6 # فجعل المصابيح زينة لظاهرها ولباطنها بالحراسة من الشياطين فهي زينة ~~الظاهر والباطن وقال ms529 تعالى @QB@ علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى @QE@ النجم ~~6 5 # وهو جبريل عليه الصلاة والسلام والمرة المنظر البهي الجميل فأعطاه كمال ~~القوة في باطنه وجمال المنظر في ظاهره وهذان الكمالان هما اللذان أرتهما ~~امرأة العزيز النسوة اللاتي لمنها في محبة يوسف فإنها أجلستهن في البيت ~~PageV04P1377 @ @QB@ وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن ~~حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم @QE@ يوسف 31 # فأخبرتهن أن باطنه أحسن وأجمل @QB@ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد ~~راودته عن نفسه فاستعصم @QE@ يوسف 32 # فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن والمقصود أن أهل السنة ~~يثبتون لله سبحانه العلو الذاتي والمعنوي والعظمة الذاتية والمعنوية ~~والجمال والجلال الذاتي والمعنوي ومن هذا قول المسلمين الله أكبر فإنه افعل ~~تفضيل يقتضي كونه أكبر من كل شيء بجميع الاعتبارات وبهذا فسره النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وبن حبان في صحيحه من ~~حديث عدي بن حاتم في قصة إسلامه حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم يا ~~عدي ما يفرك PageV04P1378 @ أيضرك أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم من إله ~~سوى الله ثم قال يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئا ~~أكبر من الله فالله سبحانه أكبر من كل شيء ذاتا وقدرا ومعنى وعزة وجلالة ~~فهو أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله كما هو فوق كل شيء وعال على كل ~~شيء وأعظم من كل شيء وأجل من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله يوضحه # الوجه التسعون بعد المائة # إن تعطيل ذاته المقدسة عن وصفها بذلك وجعل ذلك مجرد أمر معنوي يقتضي سلب ~~ذلك عنه بالكلية ولا سيما عند الجهمية النفاة لصفاته وأفعاله فإنه عندهم لا ~~تقوم به صفة ثبوتية يستحق بها أن يكون أعظم من غيره وأكبر منه وفوقه وأعلى ~~منه فإنهم لا يجعلون ذلك عائدا إلى ذاته لأنه يلزم منه عندهم التجسيم فليست ~~ذاته عندهم موصوفة بكبر ولا عظمة ولا علو ms530 ولا فوقية وليس له عندهم صفة ~~ثبوتية تكون عظمته وفوقيته وعلوه لأجلها فإن إثبات الصفات عندهم يستلزم ~~التركيب ولا له فعل يقوم به يكون به أعظم وأكبر من غيره فإن ذلك يستلزم ~~عندهم حلول الحوادث وقيامها به فلا حقيقة عندهم لكونه أكبر وأعظم وأجل من ~~غيره إلا ما يرجع إلى مجرد السلب والنفي والعدم مثل كونه لا داخل العالم ~~ولا خارجه ولا تحله الحوادث PageV04P1379 @ ولا يفعل لحكمة ولا مصلحة ولا ~~له وجه ولا يدان ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا هو مستو على عرشه ~~ولا يأتي يوم القيامة لفصل القضاء ولا يراه المؤمنون في الجنة ولا يكلمهم ~~ولا كلم موسى في الدنيا ولا أحدا من الخلق ولا يشار إليه بالأصابع ولا يرفع ~~إليه الكلم الطيب ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا عرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليه ولا دنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ونحو ذلك من ~~النفي والسلب الذي يفرون عنه بنفي التشبيه والتجسيم والتركيب فيوهمون ~~السامع أن إثبات ذلك تشبيه وتجسيم ثم ينفونه عنه وحقيقة ذلك نفي ذاته ~~وصفاته وأفعاله فهذا حقيقة كونه أكبر من كل شيء وأعظم منه وفوقه وعاليا ~~عليه عندهم وحقيقة ذلك نفي هذا عنه وجعل كل شيء أكبر منه لأن ما لا ذات له ~~ولا صفة ولا فعل فكل ذات لها صفة أكبر منه فالقوم كبروه وعظموه ونزهوه في ~~الحقيقة عن وجوده فضلا عن صفات كماله وأفعاله يوضحه # الوجه الحادي والتسعون بعد المائة # وهو أنه قد علم بالاضطرار أن الله سبحانه له ذات مخصوصة يقال ذات الله ~~كما قال خبيب PageV04P1380 @ # ( وذلك في ذات الإله وإن يشأ % يبارك على أوصال شلو ممزع ) # ولفظ ذات في الأصل تأنيث ذو أي ذات كذا وذو كذا والذي يضاف إليه ذو نوعان # وصف ويضاف إليه إضافة الموصوف إلى صفته كقوله تعالى @QB@ إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين @QE@ الذاريات 58 # وقوله @QB@ إن الله لذو فضل على الناس @QE@ يونس 60 # فالفضل وصفه وفعله وكان ms531 النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده ~~سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة # والثاني إضافته إلى مخلوق منفصل كقوله تعالى PageV04P1381 @ @QB@ وهو ~~الغفور الودود ذو العرش المجيد @QE@ البروج 15 14 # فإذا أطلقوا لفظ الذات من غير تقييدها بإضافة معين دلت على ماهية لها ~~صفات تقوم بها فكأنهم قالوا صاحبة الصفات المخصوصة القائمة بتلك الماهية ~~فدلوا بلفظ الذات على الحقيقة وصفاتها القائمة بها ومحال أن يصح وجود ذات ~~لا صفات لها ولا قدر وإن فرضها الذهن فرضا لا وجود لمتعلقه في الخارج إلا ~~كما يفرض سائر الممتنعات فالذات هي قابلة للصفات والموصوفة بالصفات القائمة ~~بها ومنه ذات الصدور أي ما فيها من خير وشر # وقال بن الأنباري معناه عليم بحقيقة القلوب من المضمرات فتأنيث ذات لهذا ~~المعنى كما قال @QB@ وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم @QE@ الأنفال 7 # فأنث لمعنى الطائفة كما يقال لقيته ذات يوم لأن PageV04P1382 @ مقصدهم ~~لقيته مرة في يوم # وقال الواحدي ذات الصدور يحتمل معنيين # أحدهما أن يكون نفس الصدور لأن ذات الشيء نفسه وعينه يقال فهمت ذات كلامك ~~كما يقال فهمت كلامك # قال تطوف بذات البيت والحر طاهر # وقال وفيه معنى التأكيد فيكون المعنى والله عليم بالصدور # والثاني أن ذات الصدور الأشياء التي في الصدور وهي الأسرار والضمائر وهي ~~ذات الصدور لأنها فيها تحلها وتصاحبها وصاحب الشيء ذوه وصاحبته ذاته قلت ~~أكثر استعمالهم ذات الشيء بمعنى السبيل والطريق الموصلة إليه كقول خبيب ~~وذلك في ذات الإله وكذلك الجنب كقوله @QB@ أن تقول نفس يا حسرتى على ما ~~فرطت في جنب الله @QE@ الزمر 56 # فليست الذات والجنب هنا هي نفس الحقيقة ومنه قوله @QB@ فإذا أوذي في الله ~~@QE@ العنكبوت 10 # وقول النبي صلى الله عليه وسلم ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ~~PageV04P1383 @ # وأما استعمالهم ذات الشيء بمعنى عينه ونفسه فلا يكاد يظفر به وكذلك قوله ~~@QB@ إنه عليم بذات الصدور @QE@ ليس المراد به عليما بمجرد الصدور فإن هذا ~~ليس فيه كبير أمر وهو بمنزلة أن يقال عليم بالرؤوس والظهور ms532 والأيدي والأرجل ~~وإنما المراد به عليم بما تضمره الصدور من خير وشر أي بالأسرار التي في ~~الصدور وصاحبة الصدور فأضافها إليها بلفظ يعم جميع ما في الصدور من خير وشر # وأما استعمال لفظ ذات في حقيقة الشيء الخارجية فأظنه استعمالا مولدا وهو ~~من العربية المولدة لا العربية العرباء ولما ولدوا هذا الاستعمال أدخلوا ~~عليها الألف واللام وهو من العربية المولدة أيضا فقالوا الذات والعرب لا ~~تستعملها إلا مضافة وقد تنازع فيها أهل العربية فكثير منهم يغلط أصحاب هذا ~~الاستعمال ويقول هو خلاف لغة العرب وبعضهم يجعله قياس اللغة وإن لم ينطقوا ~~به والصواب أنه من العربية المولدة كما قالوا الكل والبعض والكافة والعرب ~~لا تستعملها إلا مضافة # وقريب من هذا لفظ الماهية والكمية والكيفية والآنية PageV04P1384 @ ~~ونحوها فإن العرب لم تنطق بها فهي عربية مولدة ويشبه هذا قولهم الدمعزة ~~والطلبقة لقولهم دام عزك وطال بقاؤك وهذا لم ينطق به العرب وإن نطقت بنظيره ~~كالبسملة والحوقلة والحيعلة ولما استعملوا الذات بمعنى النفس قالوا جاء ~~بذاته ومنه قول أهل السنة استوى على عرشه بذاته أي ذاته فوق العرش عالية ~~عليه وقد غلط بعضهم من قال جاء بذاته وجاء بنفسه وقال الصواب جاء زيد ذاته ~~ونفسه ونازعهم في ذلك آخرون وجوزوا هذا الاستعمال والمقصود أن إثبات الذات ~~ونفي قدرها وصفاتها جمع بين النقيضين فإنه إثبات للشيء ونفي لما يستلزم ~~نفيه فإن أبين لوازم الذات تمييزها بحقيقتها وماهيتها عن غيرها ومباينتها ~~له ولو بالتعيين فمن أنكر مباينة الرب لخلقه وصفاته التي وصف بها نفسه فقد ~~جحد ذاته وأنكرها وإن أقر بها لفظا # الوجه الثاني والتسعون بعد المائة # إن كل من عارض الوحي بالرأي والعقل فهو من خصماء الله لأنه قد خاصم الله ~~في الوحي الذي أنزله على رسوله واحتج على بطلانه ويكفي العبد خذلانا وجهلا ~~وعمى أن يكون خصم ربه تبارك وتعالى ولهذا أخبر تعالى عن هؤلاء المعارضين ~~للكتاب بعقولهم بذلك قال تعالى @QB@ أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة ~~فإذا هو خصيم مبين ms533 @QE@ يس 77 PageV04P1385 @ # ثم ذكر سبحانه مخاصمته لربه فيما ضربه من المثل قال @QB@ وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم @QE@ يس 78 # وفي الصحيح قال كان المشركون يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~القدر فنزلت @QB@ يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر @QE@ القمر 49 48 # فهؤلاء إنما كانت خصومتهم خصومة معارضة للوحي بعقولهم وآرائهم كخصومة من ~~خاصم في المعاد وكذلك مجادلتهم في الله وآياته كذا كانت جدال معارضة للوحي ~~بالرأي والعقل فهؤلاء خصماء الله حقيقة وفي الاثر ينادي مناد يوم القيامة ~~ألا ليقم خصماء الله فيذهب بهم إلى النار فخصماء الله حقيقة هم المعارضون ~~لكتابه وما بعث به رسله بعقولهم وآرائهم وإن لم يكن هؤلاء خصماء الله فمن ~~هم خصماؤه غيرهم وقد حكم الله سبحانه بين خصمائه وبين من خاصمهم فيه أحسن ~~الحكومة وأعدلها وهي حكومة يحمده عليها الفريقان كما يحمده عليها أهل ~~السماوات والأرض فقال تعالى PageV04P1386 @ @QB@ هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ~~ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ~~أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق @QE@ الحج 22 19 # ثم حكم لخصومهم الذين خاصموا به وله فقال @QB@ إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ~~@QE@ الحج 24 23 ) # ولا يستوي من خاصم بكتاب الله وحاكم إليه وعول فيما يثبته لله وينفيه عنه ~~عليه كمن خاصم كتاب الله وحاكم إلى منطق يونان وكلام أرسطو وبن سينا والجهم ~~بن صفوان وشيعتهم وعول فيما يثبته وينفيه على أقوالهم وآرائهم وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاح صلاة الليل اللهم لك أسلمت وبك آمنت ~~وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فالرسل PageV04P1387 @ إنما ~~خاصموا قومهم بالوحي ms534 وإليه حاكموهم به كانت لهم عليهم الحجة البالغة وكيف ~~يعارض من يقول قال لي ربي كذا وكذا بقول من يقول قال لي عقلي أو قلبي أو ~~قال فلان فهذا هو المخصوم الداحضة حجته في الدنيا والآخرة الذي لا يمكنه ~~تنفيذ ضلاله وباطله إلا بالعقوبة والتهديد والوعيد أو بالرغبة العاجلة في ~~الدنيا وزخرفها كما فعل المنافقون بنو عبيد حين أظهروا دعوتهم فإنهم ~~استولوا على النفوس الصغيرة الجاهلة المبطلة بالرغبة والرهبة العاجلة من ~~نوع شبهة وإذا انضاف الهوى إلى الشبهة ترحل العقل والإيمان وتمكن الهوى ~~والشيطان والنفس موكلة بحب العاجل بدون شبهة تدعوها إليه فكيف إذا قويت ~~الشبهة وأظلم ليلها وغابت شمس الهدى والإيمان وحيل بين القلوب وبين حقائق ~~القرآن بتلك الطواغيت التي عزلوه بها عن إفادة الإيقان يوضحه PageV04P1388 ~~@ # الوجه الثالث والتسعون بعد المائة # إن هؤلاء النفاة المعطلة إذا غلبوا مع أهل الإثبات وقامت حجتهم عليهم ~~عدلوا إلى عقوبتهم وإلزامهم بالأخذ بأقوالهم ومذاهبهم بالضرب والحبس والقتل ~~وتارة يأخذونهم بالرغبة في الدنيا ومناصبها وزينتها فلا تقبل أقوالهم إلا ~~برغبة أو رهبة والناس إلا القليل منهم عبيد رغبة أو رهبة وبهذه الطريقة أخذ ~~إمام المعطلة فرعون قومه حين قال للسحرة لما ظهرت حجة موسى عليه وصحت دعوته ~~وصحت نبوته وألقى السحرة ساجدين إيمانا بالله وتصديقا برسوله @QB@ فلأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل @QE@ طه 71 # ولما تمكن الإيمان من قلوبهم علموا أن عقوبة الدنيا أسهل من عقوبة الآخرة ~~وأقل بقاء وأن ما يحصل لهم في الآخرة من ثواب الإيمان أعظم وأنفع وأكثر ~~بقاء # فهذه العقول التي قدموا بها خير الآخرة على خير الدنيا وعقوبة الدنيا ~~وألمها المنقضي على عقوبة الآخرة وألمها الدائم هي العقول التي أثبتوا بها ~~صانع العالم وصفاته وعلوه على عرشه وتكليمه لموسى وغضبه ورضاه ومحبته ~~ورحمته وسمعه وبصره ومجيئه وإتيانه وأفعاله وأما إمام المعطلة النفاة ~~PageV04P1389 @ وقومه فإنهم بالعقول التي قدموا بها عاجل الدنيا وزينتها ~~وزخرفها على آجل الآخرة وباعوا بها الذهب الباقي بالخزف الفاني وآثروا بها ~~خسران الدنيا والآخرة ms535 على العبودية والانقياد لموسى والإيمان بالله وحده هي ~~العقول التي نفوا بها مباينة الله لخلقه واستوائه على عرشه وتكليمه لموسى ~~ونفوا بها صفات كماله من السمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة بل نفى بها ~~شيخهم وإمامهم نفس الذات فقال @QB@ ما علمت لكم من إله غيري @QE@ القصص 38 # فهذه العقول التي دلتهم في النفي والتعطيل هي تلك العقول التي آثروا بها ~~الدنيا على الآخرة ففاتتهم الدنيا والآخرة بل آثروا بها العقوبة العاجلة ~~وأسبابها على العافية والنعمة فمن الذي يتخير بعد ذلك تقديم ما حكمت به هذه ~~العقول السخيفة من التعطيل والنفي على ما جاءت به الرسل من الإثبات المفصل # والمقصود أن هؤلاء إنما يأخذون الناس بالرغبة والرهبة لا بالحجة والبيان ~~ولهذا لما علم إمامهم فرعون أنه لا يقاوم بها موسى عدل معه إلى الوعيد ~~بالسجن فقال @QB@ لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين @QE@ الشعراء ~~29 PageV04P1390 @ # وكذلك فعل أصحاب الأخدود مع المؤمنين وكان ذنبهم عند ربهم أن آمنوا بالله ~~وصفاته ورسله وكتبه ولقائه وكذلك فعلت الجهمية بأولياء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخلفائه في أمته أهل السنة والحديث والنقل من الضرب والحبس ما ~~فعلوه بأحمد بن حنبل وأمثاله وكان ذنبهم عند ربهم أن أثبتوا لله صفات كماله ~~ونعوت جلاله ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفه رسوله من غير تجاوز ولا ~~تقصير ولما لم يقم لهم عليهم حجة نقلية ولا عقلية وفي المحال أن تقوم حجة ~~صحيحة على نقيض ما أخبرت به الرسل عن الله عدلوا معهم إلى العقوبة وتوصلوا ~~بالتدليس والتلبيس على أولياء الأمر والجهال فأوقعوا في نفوسهم أن هؤلاء ~~مشبهة مجسمة # و @QB@ كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله @QE@ المائدة 64 @QB@ ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون @QE@ التوبة 32 # الوجه الرابع والتسعون بعد المائة # إن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم وعقولهم في الأصل صنفان صنف مباينون ~~للرسل محادون لهم مكذبون لهم في أصل الرسالة كالفلاسفة الصابئين والمجوس ~~وعباد الأوثان والسحرة وأتباعهم وصنف منتسبون إلى الرسل في الأصل غير ~~مكذبين ms536 لهم في أصل الرسالة وهم الجهمية والمعطلة PageV04P1391 @ ومن سلك ~~سبيلهم ووافقهم على بعض باطلهم وخالفهم في بعضه وقد تقدم أن الصنف الأول ~~يستطيلون على الصنف الثاني بما وافقوهم فيه من التعطيل ويجرونهم به إلى ~~موافقتهم في القدر الذي خالفوهم فيه والجهمية المغل يستطيلون على الجهمية ~~المخانيث بما وافقوهم فيه من النفي ويجرونهم به إلى موافقتهم في القدر الذي ~~خالفوهم فيه وهؤلاء المخانيث يستطيلون على أهل السنة والحديث أيضا بالقدر ~~الذي وافقوهم فيه ويدعونهم به إلى موافقتهم في الباقي فلم يستطل المبطل على ~~المحق من حيث خالفه وإنما استطال عليه من حيث وافقه فما أصيب المحق إلا ~~بطاعته للمبطل في بعض أمره وأصول هؤلاء يكرهون ما أنزل الله مما هو بخلاف ~~عقولهم وآرائهم وقواعدهم فمن أطاعهم في بعض أمرهم كان من الذين قال الله عز ~~وجل فيهم @QB@ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ~~سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم @QE@ محمد 26 25 # ولهذا تجد هؤلاء المبطلين إنما يصولون على من وافقهم في بعض باطلهم ~~فيعلقون له برهانا يطالبونه وأما أتباع الرسل المصدقون لهم في كل ما جاؤوا ~~به المثبتون لحقائقه لست أعني المقرين بمجرد ألفاظه مع اعتقادهم فيها ~~التخييل PageV04P1392 @ والتحريف والتأويل أو التجهيل فليس للمبطلين عليهم ~~سبيل البتة لكن بالافتراء والتلبيس والكذب والألقاب الذين هم أحق بها ~~وأهلها دونهم وما رتبوا على ذلك من الأذى الذي يبلغونه منهم وذلك مما يحقق ~~ميراثهم من إمامهم ومتبوعهم الذي أوذي في الله هو وأصحابه وقال له ورقة بن ~~نوفل لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي فكل من دعا إلى نفس ما جاء به ~~الرسول فهو من أتباعه فلا بد أن يناله من الأذى من أتباع الشيطان بحسب حاله ~~وحالهم والله المستعان والمقصود أن المبطلين لا سبيل لهم على أتباع الرسول ~~البتة قال تعالى @QB@ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا @QE@ ~~السناء 141 ms537 # قيل بالحجة والبرهان فإن حجتهم داحضة عند ربهم وقيل هذا في الآخرة وأما ~~في الدنيا فقد يتسلطون عليهم بالضرر لهم والأذى وقيل لا يجعل لهم عليهم ~~سبيلا مستقرة بل وإن نصروا عليهم في وقت فإن الدائرة تكون عليهم ويستقر ~~النصر لأتباع الرسول وقيل بل الآية على ظاهرها وعمومها ولا إشكال فيها بحمد ~~الله فإن الله PageV04P1393 @ سبحانه ضمن أن لا يجعل للكافرين على المؤمنين ~~سبيلا فحيث كانت لهم سبيل ما عليهم فهم الذين جعلوها بتسببهم ترك بعض ما ~~أقروا به أو ارتكاب بعض ما نهوا عنه فهم جعلوا لهم السبيل عليهم بخروجهم عن ~~طاعة الله ورسوله في ما أوجب تسلط عدوهم عليهم من هذه الثغرة التي أخلوها ~~كما أخلى الصحابة يوم أحد الثغرة التي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلزومها وحفظها فوجد العدو منها طريقا إليهم فدخلوا منها قال تعالى @QB@ أو ~~لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن ~~الله على كل شيء قدير @QE@ آل عمران 165 # فذكر السبب الذي أصيبوا به وذكر القدرة التي هي مناط الجزاء فذكر عدله ~~فيهم بما ارتكبوه من السبب وقدرته عليهم بما نالهم به من المكروه وقال ~~تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ ~~الشورى 30 # وفي الحديث الصحيح الإلهي يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ~~PageV04P1394 @ # الوجه الخامس والتسعون بعد المائة # إنه كيف يكون النفاة المعطلة من الجهمية ومن تبعهم أولى بالصواب والحق في ~~معرفة الله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه وشهداء الله في أرضه من ~~جميع أقطار الأرض يشهدون عليهم بالضلالة والحيرة والكذب على الله ورسوله ~~وكتابه ويرمونهم بالعظائم ويشهدون عليهم بالكفر والإلحاد في أسماء الله ~~وصفاته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أنتم شهداء الله في الأرض فمن ~~أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له ms538 النار فكيف ~~إذا كان الشهداء على هؤلاء قد شهد لهم بأنهم أولوا العلم وعدلهم من جعله ~~الله شهيدا عليهم وهو رسوله صلوات الله وسلامه عليهكما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم معدلا لهؤلاء الشهود يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه ~~تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فاسمع الآن بعض شهادات ~~هؤلاء العدول على أهل النفي والتعطيل قال إمام أهل السنة والحديث محمد بن ~~إسماعيل البخاري في كتاب خلق الأفعال حدثنا PageV04P1395 @ أبو نعيم سليمان ~~الفارسي سمعت سفيان الثوري قال قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا فلان ~~المشرك أني بريء من دينه وكان يقول إن القرآن مخلوق وذكر عن خالد بن عبد ~~الله القسري أنه خطبهم بواسط في يوم أضحى وقال ارجعوا فضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم ~~يتخذ إبراهيم خليلا تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه ~~أخبرنا محمد بن عبد الله أبو جعفر البغدادي قال سمعت أبا زكريا يحيى بن ~~يوسف قال كنت عند عبد الله بن إدريس فجاء رجل فقال يا أبا محمد ما تقول في ~~قوم يقولون القرآن مخلوق قال أمن اليهود قال لا قال أفمن النصارى قال لا ~~قال أفمن المجوس قال لا قال فممن قال من أهل التوحيد قال ليس هؤلاء من أهل ~~التوحيد هؤلاء الزنادقة من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق يقول ~~الله عز وجل @QB@ بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ فالله لا يكون مخلوقا ~~والرحمن لا يكون مخلوقا والرحيم لا يكون مخلوقا فهذا أصل الزندقة من قال ~~هذا فعليه لعنة الله PageV04P1396 @ لا تجالسوهم ولا تناكحوهم قال البخاري ~~وقال وهب بن جرير الجهمية زنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى قال ~~البخاري وحلف يزيد بن هارون بالله الذي لا إله إلا هو من قال القرآن مخلوق ~~زنديق يستتاب فإن تاب وإلا قتل قال وقيل لأبي بكر بن عياش إن قوما ببغداد ~~يقولون ms539 إنه مخلوق فقال ويلك من قال هذا على من قال إن القرآن مخلوق لعنة ~~الله وهو كافر زنديق لا تجالسوهم قال وقال الثوري من قال القرآن مخلوق فهو ~~كافر وقال حماد بن زيد القرآن كلام الله نزل به جبريل ما يحاولون إلا أن ~~ليس في السماء إله قال وقال بن مقاتل سمعت بن المبارك يقول من قال @QB@ ~~إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ مخلوق فقد كفر ولا ينبغي لمخلوق ~~أن يقول ذلك وقال بن المبارك # ( ولا أقول بقول الجهم إن له % قولا يضارع أهل الشرك أحيانا PageV04P1397 ~~@ # ( ولا أقول تخلى عن بريته % رب العباد وولي الأمر شيطانا ) # ( ما قال فرعون هذا في تجبره % فرعون موسى ولا فرعون هامانا ) # ومن شعره أيضا فيه ولم يذكره البخاري # ( عجبت لشيطان دعى الناس جهرة % إلى النار واشتق اسمه من جهنم ) # قال البخاري قال بن المبارك لا نقول كما قالت الجهمية أنه في الأرض ها ~~هنا بل على العرش استوى وقيل له كيف نعرف ربنا قال فوق سماواته على عرشه ~~وقال رجل لرجل منهم أبطنك خال منه فبهت الآخر وقال من قال @QB@ لا إله إلا ~~أنا @QE@ مخلوق فهو كافر وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن ~~نحكي كلام الجهمية قال وقال سعيد بن عامر PageV04P1398 @ للجهمية أشر قولا ~~من اليهود والنصارى قد أجمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان أن الله تبارك ~~وتعالى على العرش وقالوا هم ليس على العرش قال وقال ضمرة عن بن شوذب ترك ~~جهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك خاصمه بعض السمنية فأقام أربعين يوما ~~لا يصلي قال ضمرة وقد رآه بن شوذب قال البخاري وقال عبد العزيز بن أبي سلمة ~~الماجشون كلام جهم صفة بلا معنى بناء بلا أساس ولم يعد قط من أهل العلم قال ~~ولقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل الدخول فقال عليها العدة قال وقال علي ~~بن عاصم ما الذين قالوا إن لله ولدا بأكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم ~~وقال PageV04P1399 @ احذر من ms540 المريسي وأصحابه فإن كلامهم أبوجاد الزنادقة ~~وأنا كلمت أستاذهم جهما فلم يثبت أن في السماء إلها قال البخاري وكان ~~إسماعيل بن أبي أويس يسميهم زنادقة العراق وقيل له سمعت أحدا يقول القرآن ~~مخلوق فقال هؤلاء الزنادقة والله لقد فررت إلى اليمن حين تكلم أبو العباس ~~ببغداد بنحو هذا فرارا من هذا الكلام قال وقال علي بن الحسن سمعت أبا مصعب ~~يقول كفرت الجهمية في غير موضع من كتاب الله وقال أبلغوا الجهمية أنهم كفار ~~وأن نساءهم طوالق قال وقال عفان من قال @QB@ قل هو الله أحد @QE@ مخلوق فهو ~~كافر # قال وقال علي بن عبد الله القرآن كلام الله من قال إنه مخلوق فهو كافر لا ~~يصلى خلفه قال وقال وكيع من كذب بحديث إسماعيل عن قيس عن جرير عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فهو جهمي فاحذروه قلت يريد حديث الرؤية قال وقال أبو الوليد ~~هو الطيالسي من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن لم يعقد قلبه على أن القرآن ~~ليس بمخلوق فهو كافر خارج عن الإسلام وقال أبو عبيد نظرت في كلام اليهود ~~PageV04P1400 @ والنصارى والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم من الجهمية ~~وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم قال وقال عبد الرحمن بن ~~عفان سمعت سفيان بن عيينة يقول ويحكم القرآن كلام الله قد صحبت الناس ~~وأدركتهم هذا عمرو بن دينار وهذا بن المنكدر حتى ذكر منصورا والأعمش ومسعر ~~بن كدام فما يعرف القرآن إلا كلام الله فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله ما ~~أشبه هذا القول بقول النصارى لا تجالسوهم ولا تسمعوا منهم # قال البخاري وحدثني الحكم بن محمد الطبري كتبت عنه بمكة حدثنا سفيان بن ~~عيينة قال أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون القرآن ~~كلام الله ليس بمخلوق قال وقال الحميدي حدثنا سفيان ثنا حصين عن مسلم بن ~~صبيح عن بشر بن شكل عن عبد الله قال ما خلق الله من أرض ولا سماء ولا جنة ~~ولا ms541 نار أعظم من PageV04P1401 @ @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ ~~البقرة 255 # قال سفيان تفسيره أن كل شيء مخلوق والقرآن ليس بمخلوق وكلامه أعظم من ~~خلقه لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون فلا يكون شيء أعظم مما يكون به الخلق ~~والقرآن كلام الله قال وقال زهير السجستاني سمعت سلام بن أبي مطيع يقول ~~الجهمية كفار # وقال جرير بن عبد الحميد جهم كافر بالله العظيم وقال وقال وكيع أحدث ~~هؤلاء المرجئة الجهمية والجهمية كفار والمريسي جهمي وعلمهم كيف كفروا قال ~~يكفيك المعرفة وهذا كفر والمرجئة يقولون الإيمان قول بلا عمل وهذا بدعة ومن ~~قال القرآن مخلوق فهو كافر بما أنزل على محمد يستتاب فإن تاب وإلا ضربت ~~عنقه وقال وكيع على المريسي لعنه الله يهودي أو نصراني فقال له رجل كان ~~أبوه أو جده يهوديا أو نصرانيا قال وكيع وعلى أصحابه لعنة الله القرآن كلام ~~الله وضرب وكيع إحدى يديه على الأخرى فقال PageV04P1402 @ هو ببغداد يقال ~~له المريسي يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه # قال البخاري وقال يزيد بن هارون لقد حرضت أهل بغداد على قتله جهدي ولقد ~~أخبرت من كلامه بشيء وجدت وجعه في صلبي بعد ثلاث وقال علي بن عبد الله إنما ~~كان غايته أن يدخل الناس في كفره وقال عبيد الله بن عائشة لا يصلى خلف من ~~قال القرآن مخلوق ولا كرامة له وقال سليمان بن داود الهاشمي وسهل بن مزاحم ~~من صلى خلف من يقول القرآن مخلوق أعاد الصلاة وقال بن أبي الأسود سمعت بن ~~مهدي يقول ليحيى بن سعيد لو أن جهميا بيني وبينه قرابة ما استحللت من ~~ميراثه شيئا وقال بن مهدي لو رأيت رجلا على الجسر وبيدي سيف يقول القرآن ~~مخلوق لضربت عنقه وقال يزيد بن هارون المريسي أضر من سحالي قال أبو عبد ~~الله البخاري ما أبالي أصليت خلف الجهمي PageV04P1403 @ أو الرافضي أم صليت ~~خلف اليهودي والنصراني ولا يسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ~~ولا تؤكل ذبائحهم وقال عبد الرحمن بن ms542 مهدي هما ملتان الجهمية والرافضة قال ~~شيخ الإسلام وهذا الكلام الذي قاله الإمام عبد الرحمن بن مهدي قد قاله غيره ~~وهو كلام عظيم فإن هاتين الفرقتين هما أعظم الفرق فسادا في الدين وأصلهما ~~من الزنادقة المنافقين ليستا من ابتداع المتأولين مثل قول الخوارج والمرجئة ~~والقدرية فإن هذه الآراء ابتدعها قوم مسلمون بجهلهم قصدوا بها طاعة الله ~~فوقعوا في معصيته ولم يقصدوا بها مخالفة الرسول ولا محادته بخلاف الرفض ~~والتجهم فإن مبدأهما من قوم منافقين مكذبين لما جاء به الرسول مبغضين له ~~لكن التبس أمر كثير منهم على كثير من المسلمين الذين ليسوا بمنافقين ولا ~~زنادقة فدخلوا في أشياء من الأقوال والأفعال التي ابتدعها الزنادقة ~~والمنافقون ولبسوا الحق بالباطل وفي المسلمين سماعون للمنافقين كما قال ~~الله تعالى @QB@ وفيكم سماعون لهم @QE@ التوبة 47 # أي قابلون مستجيبون لهم فإذا كان جيل القرآن كان بينهم منافقون وفيهم ~~سماعون لهم فما الظن بمن PageV04P1404 @ بعدهم فلا يزال المنافقون في الأرض ~~ولا يزال في المؤمنين سماعون لهم لجهلهم بحقيقة أمرهم وعدم معرفتهم بغور ~~كلامهم وأما الرفض فإن الذي ابتدعه زنديق منافق وهو عبد الله بن سبأ الذي ~~أظهر الإسلام وكان يبطن الكفر وقصده فساد الإسلام والتجهم مأخوذ في الأصل ~~عن الصابئين والمشركين وهم أعظم من الرفض ولهذا تأخر دخوله في الأمة فهاتان ~~الملتان يناقضان أصلي الإسلام وهما شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن ~~محمدا رسول الله أما التجهم فإنه نقض للتوحيد وإن سمى أصحابه أنفسهم موحدين ~~ولهذا كان السلف يترجمون الرد على الجهمية بالتوحيد والرد على الزنادقة ~~والجهمية كما ترجم البخاري آخر كتاب الجامع بكتاب التوحيد والرد على ~~الجهمية والزنادقة وكذلك بن خزيمة سمى كتابه التوحيد وهو في الرد على ~~الجهمية وأما الرافضة فقدحهم وطعنهم في الأصل الثاني وهو شهادة أن محمدا ~~رسول الله وإن كانوا يظهرون موالاة أهل بيت الرسول ومحبتهم قال طائفة من ~~أهل العلم منهم مالك بن أنس وغيره هؤلاء قوم أرادوا الطعن في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يمكنهم ms543 ذلك فطعنوا في الصحابة ليقول القائل رجل سوء كان ~~له أصحاب سوء ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين والرافضة PageV04P1405 ~~@ المتقدمون لم يكونوا جهمية معطلة وأما المتأخرون منهم من حدود أواخر ~~المائة الثالثة فضموا إلى بدعة الرفض التجهم والقدر فتغلظ أمرهم وظهر منهم ~~حينئذ القرامطة والباطنية واشتهرت الزندقة الغليظة والنفاق الأعظم في ~~أمرائهم وعلمائهم وعامتهم وأخذوا من دين المجوس والصابئة والمشركين ما ~~خلطوه في الإسلام وهم أعظم الطوائف نفورا عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وحديثه وآثار أصحابه لمضادة ذلك لبدعتهم كنفور الجهمية عن آيات الصفات ~~وأخبارها قال البخاري وقيل لأبي عبيد القاسم بن سلام إن المريسي سئل عن ~~ابتداء خلق الأشياء وقول الله @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون @QE@ النحل 40 # فقال هذا كلام صلة أي هو مثل قوله قالت السماء وقال الجدار يعني أن الله ~~لم يتكلم قال أبو عبيد أما تشبيهه قول الله @QB@ إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون @QE@ بقالت السماء وقال الجدار وبين PageV04P1406 @ بطلان قوله ثم ~~قال ومن قال هذا فليس شيء من الكفر إلا وهو دونه ومن قال هذا فقد قال على ~~الله مالم يقله اليهودي والنصراني ومذهبه التعطيل للخالق قال البخاري قال ~~علي وسمعت بشر بن المفضل وذكر بعض الجهمية بالبصرة فقال هو كافر وسئل وكيع ~~عن مثنى الأنماطي فقال هو كافر وقال عبد الله بن داود لو كان لي على مثنى ~~الأنماطي سبيل لنزعت لسانه من قفاه وكان جهميا وقال سليمان بن داود الهاشمي ~~من قال القرآن مخلوق فهو كافر قال وقال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي ~~أنا أكفر برب يزول من مكانه فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء قال وقال بن ~~علية ومعاذ بن معاذ وحجاج بن محمد ويزيد بن هارون وهاشم بن القاسم ~~PageV04P1407 @ والربيع بن نافع الحلبي ومحمد بن يوسف وعاصم بن علي ويحيى ~~بن يحيى وأهل العلم من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن زعم أن الله لم يكلم ~~موسى فهو ms544 كافر وقال محمد بن يوسف من قال إن الله ليس على عرشه فهو كافر قال ~~وقيل لأحمد بن يونس أدركت الناس فهل سمعت أحدا يقول القرآن مخلوق فقال ~~الشيطان تكلم بهذا # فمن تكلم بهذا فهو جهمي والجهمي كافر وذكر عن وكيع قال لا تستخفوا بقولهم ~~القرآن مخلوق فإنه من شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل قال وحدثني أبو ~~جعفر سمعت الحسن بن يونس الأشيب وذكر الجهمية فنال منهم ثم قال أدخل رأس من ~~رؤساء الزنادقة يقال له شمعلة على المهدي فقال دلني على أصحابك فقال أصحابي ~~أكثر من ذلك فقال دلني عليهم فقال صنفان ممن ينتحل القبلة الجهمية والقدرية ~~الجهمي إذا غلا قال ليس ثم شيء وأشار الأشيب إلى السماء والقدري إذا غلا ~~قال هما اثنان خالق خير وخالق شر فضرب عنقه PageV04P1408 @ وصلبه قال ~~وحدثني أبو جعفر حدثني يحيى بن أيوب قال سمعت أبا نعيم شجاعا البلخي يقول ~~كان رجل من أهل مرو صديقا لجهم ثم قطعه وجفاه فقيل له لم جفوته قال جاء منه ~~مالا يحتمل قرأت يوما آية كذا وكذا نسيها يحيى فقال ما كان أظرف محمدا حين ~~قالها واحتملتها ثم قرأ سورة طه فلما بلغ @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~قال أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها لحككتها من المصحف فاحتملتها ثم قرأ ~~سورة القصص فلما انتهى إلى ذكر موسى قال ما هذا ذكر قصة في موضع فلم يتمها ~~ثم ذكرها هنا فلم يتمها ثم رمى المصحف من حجره برجليه فوثبت عليه حدثني أبو ~~جعفر سمعت يحيى بن أيوب قال كنا ذات يوم عند مروان بن معاوية الفزاري فسأله ~~رجل عن حديث الرؤية فلم يحدثه فقال إن لم تحدثني به فأنت جهمي فقال مروان ~~يقول لي جهمي وجهم مكث أربعين ليلة لا يعرف ربه حدثني أبو جعفر حدثني هارون ~~بن معروف ويحيى بن أيوب قائلا قال بن المبارك كل قوم يعرفون من ~~PageV04P1409 @ يعبدون إلا الجهمية حدثنا أبو جعفر سمعت يزيد بن هارون ~~حدثنا حديث إسماعيل عن قيس ms545 عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنكم ترون ~~ربكم قال يزيد من كذب بهذا فقد برئ من الله ورسوله حدثنا أبو جعفر حدثنا ~~أحمد بن خلاد سمعت يزيد بن هارون ذكر أبا بكر الأصم والمريسي فقال هما ~~والله زنديقان كافران بالرحمن حلالا الدم وقال عبد الرحمن بن مهدي من زعم ~~أن الله لم يكلم موسى فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وقال يزيد بن هارون ~~والله الذي لا إله إلا هو ما هم إلا زنادقة أو قال مشركون وسئل عبد الله بن ~~إدريس عن الصلاة خلف أهل البدع فقال لم يزل في الناس إذا كان فيهم مرض أو ~~عدل فصل خلفه قلت فالجهمية قال لا هذه من المقاتل هؤلاء لا يصلى خلفهم ولا ~~يناكحون وعليهم التوبة وسئل حفص بن غياث فقال فيهم ما قال بن إدريس قيل ~~فالجهمية قال لا أعرفهم قيل له قوم يقولون القرآن مخلوق قال لا جزاك الله ~~خيرا أوردت على قلبي مالم يسمع به قط PageV04P1410 @ قلت فإنهم يقولونه قال ~~هؤلاء لا يناكحون ولا تجوز شهادتهم وسئل بن عيينة فقال نحو ذلك قال فأتيت ~~وكيعا فوجدته من أعلمهم بهم فقال يكفرون من وجه كذا ويكفرون من وجه كذا حتى ~~أكفرهم من كذا وكذا وجها وقال وكيع الرافضة شر من القدرية والحرورية شر ~~منهما والجهمية شر هذه الأصناف قال الله تعالى @QB@ وكلم الله موسى تكليما ~~@QE@ النساء 164 # ويقولون لم يكلمه ويقولون الإيمان بالقلب قال البخاري يقال سلم بن أحوز ~~الذي قتل جهما # | فصل # قال البخاري حدثنا محمد بن كثير حدثنا إسرائيل ثنا عثمان بن المغيرة عن ~~سالم عن جابر قال كان النبي PageV04P1411 @ صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه ~~بالموقف فقال ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ~~ربي # وقال أنس بن مالك لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة ~~فإذا موسى في السماء السابعة بتفضيل كلام الله عز وجل وقال أبو ذر قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms546 قال الله عز وجل عطائي كلام وعذابي كلام إذا أردت ~~شيئا فإنما أقول له كن فيكون # قال وقال عبد الله بن أنيس سمعت PageV04P1412 @ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن الله يحشر العباد يوم القيامة فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما ~~يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل ~~الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة # وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قضى الله الأمر في ~~السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ~~PageV04P1413 @ @QB@ إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير @QE@ سبأ 23 # وقال خباب بن الأرت تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء ~~أحب إليه من كلامه # وقال نيار بن مكرم الأسلمي لما نزلت @QB@ الم غلبت الروم في أدنى الأرض ~~@QE@ الروم 3 - 1 # خرج أبو بكر يصيح كلام ربي كلام ربي وكانت أسماء بنت أبي بكر إذا سمعت ~~القراءة قالت كلام ربي # وقال أبو عبد الرحمن السلمي فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الرب على ~~خلقه PageV04P1414 @ # وقال أبو ذر قلت يا رسول الله من أول الأنبياء قال آدم قلت إنه لنبي قال ~~نعم مكلم # وقال بن عباس لما كلم الله موسى كان النداء في السماء وكان الله في ~~السماء ثم ذكر حديث عبد الله # قال بن مسعود أصدق الحديث كلام الله # قال وقال أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الشفاعة قال يقول نوح ~~انطلقوا إلى موسى فإن الله كلمه تكليما وقال أبو هريرة وبن عمر عن النبي ~~PageV04P1415 @ صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى موسى بكلامه ورسالته # وقال عدي بن حاتم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا ~~سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا ما قدم من ~~عمله فينظر عن يساره فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر بين يديه ms547 فلا يرى ~~إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة # وقال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم ألا أبشرك بما لقي ~~الله به أباك إن الله كلم أباك من غير حجاب فقال له عبدي سلني قال يا رب ~~ردني إلى الدنيا حتى أقتل فيك قال إني قد قضيت عليهم أن لا يرجعون قال ~~فأبلغهم عنا فأنزل الله @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون @QE@ آل عمران 169 PageV04P1416 @ # قال أبو عبد الله وهو عبد الله بن عمرو بن حرام قتل يوم أحد شهيدا وقال ~~جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل على عرشه فوق ~~سماواته وسمواته فوق أراضيه مثل القبة # وقال بن مسعود في قوله @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ الأعراف 54 # قال العرش على الماء والله فوق العرش وهويعلم ما أنتم عليه # وقال قتادة في قوله @QB@ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله @QE@ ~~الزخرف 84 PageV04P1417 @ # قال يعبد في السماء ويعبد في الأرض # وقال بن عباس في قوله @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ~~في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون @QE@ السجدة 5 # قال من أيام السنة وقال تعالى @QB@ أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم ~~حاصبا فستعلمون كيف نذير @QE@ الملك 17 # وقال عمران بن حصين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي كم تعبد اليوم ~~قال سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك ~~قال الذي في السماء قال أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك فلما أسلم ~~الحصين قال يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني قال قل اللهم ألهمني ~~رشدي وأعذني من شر نفسي # قال البخاري وقال بعض أهل العلم إن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا ربهم ~~بالصنم والأصم والأبكم PageV04P1418 @ الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا ~~يخلق وقالت الجهمية كذلك لا يتكلم ولا يبصر وقالوا ms548 إن اسم الله مخلوق # ولقد اختصم يهودي ومسلم إلى بعض معطلتهم فقضى باليمين على المسلم فقال ~~اليهودي حلفه فقال المخاصم له احلف بالله الذي لا إله إلا هو فقال اليهودي ~~حلفه بالخالق لا بالمخلوق فإن هذا من القرآن وزعمت أن القرآن مخلوق فحلفه ~~بالخالق فبهت الآخر وقال قوما حتى أنظر في أمركما وخسر هنالك المبطلون # وفي تاريخ الخطيب في ترجمة بشر المريسي عن إسحاق بن أحمد بن منيع قال كان ~~بشر المريسي يقول صنف من الزنادقة سماهم صنف كذا وكذا يقولون ليس بشيء وذكر ~~فيه عن علي بن عاصم PageV04P1419 @ قال كنت عند أبي فاستأذن عليه بشر ~~المريسي فقلت يا أبت يدخل عليك مثل هذا فقال يا بني فما قال قلت إنه يقول ~~إن القرآن مخلوق وإن الله عز وجل معه في الأرض وإن الجنة والنار لم يخلقا ~~وإن منكرا ونكيرا باطل وإن الصراط باطل وإن الميزان باطل وإن الشفاعة باطلة ~~مع كلام كثير قال فأدخله علي قال فأدخلته عليه قال فقال يا بشر ادن ويلك يا ~~بشر ادن مرتين أو ثلاثا فلم يزل يدنيه حتى قرب منه قال ويلك يا بشر من تعبد ~~وأين ربك قال فقال وما ذاك يا أبا الحسن قال أخبرت عنك أنك تقول إن القرآن ~~مخلوق وإن الله معك في الأرض مع كلام كثير ولم أر شيئا أشد على أبي من قول ~~القرآن مخلوق وإن الله معه في الأرض فقال يا أبا الحسن لم أجيء لهذا وإنما ~~جئت في كتاب خالد لتقرأه علي فقال له ولا كرامة حتى أعلم ما أنت عليه أين ~~ربك ويلك قال أو تعفيني قال ما كنت لأعفيك قال أما إذا أبيت فإن ربي نور في ~~نور قال فجعل يزحف إليه ويقول ويحكم اقتلوه فإنه والله زنديق وقد كلمت هذا ~~الصنف بخراسان # وذكر فيه أيضا عن أبي يوسف القاضي أنه قال PageV04P1420 @ لبشر المريسي ~~طلب العلم بالكلام هو الجهل والجهل بالكلام هو العلم وإذا صار رأسا في ~~الكلام قيل زنديق أو يرمى بالزندقة ms549 يا بشر بلغني أنك تتكلم في القرآن إن ~~أقررت أن لله علما خصمت وإن جحدت العلم كفرت # وذكر عبد الله بن أحمد وبن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال ليس ~~في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى ~~ويريدون أن يقولوا ليس في السماء شيء وإن الله ليس على العرش أرى أن ~~يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا # وذكر أيضا عن سعيد بن عامر الضبعي أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم شر قولا ~~من اليهود والنصارى قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على ~~أن الله على العرش وهم قالوا ليس عليه شيء # فهذا وأضعافه قليل من كثير من شهادة شهداء الله في أرضه الذين استشهدهم ~~على توحيده وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته وعدلهم رسوله صلى الله ~~عليه وسلم PageV04P1421 @ بقوله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله وهؤلاء ~~شهداء الله على الناس يوم القيامة كما قال تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا @QE@ البقرة 143 # فإنهم قاموا بشروط الشهادة وهي العلم والعدل فإن الشاهد لا يكون مقبولا ~~حتى يكون عالما بما يشهد له عدلا في نفسه ولم يكن الله سبحانه ليجمع شهادة ~~هؤلاء الذين هم ورثة رسوله وأنصار دينه ولهم لسان الصدق في الأمة على باطل ~~وزور وتكون شهادة اتباع أهل الفلسفة الصابئين والمشركين وشهادة الجهمية ~~الجاحدين لصفات رب العالمين وكلامه وعلوه على خلقه وأوقاح المعتزلة وأفراخ ~~المجوس وأمثالهم هي المقبولة عند الله وهي شهادة الحق بل هؤلاء هم المشهود ~~عليهم بين يدي الله فإنهم خصماؤه وخصماء وحيه ورسوله حيث نسبوا كلامه وكلام ~~رسوله إلى ما لا يليق به وظنوا به أسوأ الظن واعتقدوا أن ظاهره باطل ومحال ~~وتشبيه وضلال فكيف يقبل أحكم الحاكمين وأعدل العادلين شهادة هؤلاء ~~المتهوكين المتجبرين على حزبه وأنصاره وأنصار كتابه وسنة رسوله الذين قدموا ~~كتابه وسنة رسوله على كل ما خالفهما ولم يقدموا ما خالفهما عليهما ~~PageV04P1422 @ وتركوا الآراء الباطلة ms550 والمعقولات السخيفة لهما ولم ~~يتركوهما لأجلها وقرروا بالعقل الصريح صحة ما جاء به الرسول ولم يقروا ~~بالعقل الفاسد بطلان ما جاء به وأنه مخالف للعقل الصريح ورأوا أن اليقين كل ~~اليقين مستفاد من كلام الله ورسوله ولم يقولوا إنه لا يستفاد منه علم ولا ~~يقين ورأوا أن ما أخبر به عن أسمائه وصفاته وأفعاله حقيقة ولم يقولوا إنه ~~مجاز لا حقيقة له فأي الفريقين أحق بالعلم والعدالة وقبول الشهادة عند الله ~~وعند ملائكته وعند جميع المؤمنين وأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون # الوجه السادس والتسعون بعد المائة # إن هؤلاء أصلوا أصولا جعلوها أساسا لبنائهم وسموها قواطع عقلية وسموا ~~أدلتها براهين يقينية فجاءت فروع تلك الأصول ولوازمها والبناء الذي ارتفع ~~عليها من أبطل الفروع وأفسد اللوازم وأضعف البناء وأوهاه وذلك بين لكل ذي ~~عقل سليم وفطرة صحيحة لم تفسد بالتقليد ولم تعم بالهوى والتعصب عن فساد تلك ~~الأصول ومناقضتها للمعقول والمنقول وهذا موضع يستدعي عدة PageV04P1423 @ ~~أسفار لكن نذكر منه أدنى تنبيه على طريق الاختصار يكون منبها على ما وراءه ~~مثال ذلك أن المتفلسفة لما أصلوا أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد بني على ~~ذلك من اللوازم الباطلة في المصدر والصادر ما هو متضمن لأعظم أنواع الباطل # أما المصدر فإنهم التزموا أن لا يكون فيه معنيان متغايران أصلا فنفوا عنه ~~جميع الصفات إذ لو ثبت له صفة وجودية لم يكن عندهم واحدا وقد فرضوه واحدا ~~من كل وجه فنفوا علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وكلامه واختياره ومشيئته ~~وأن يكون فاعلا باختياره لشيء من العالم ونفوا علوه على خلقه ومباينته ~~للعالم واستواءه على عرشه ولو ثبت له ذلك لكان جسما والأجسام مركبة فلم يكن ~~واحدا من كل جهة # ولزمهم من ذلك نفي ماهيته وذاته وأن يقولوا إنه لا ماهية له سوى الوجود ~~المطلق إما بغير شرط أو بشرط الإطلاق ومن المعلوم أن المطلق لا وجود له في ~~الخارج ولا سيما إذا أخذ بشرط الإطلاق # فلزمهم من هذا الأصل نفي وجود الخالق ms551 سبحانه في الخارج وأن يكون وجوده ~~ذهنيا لا خارجيا # ولزمهم عنه لو صح لهم إثباته أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يميت ولا يحيي ولا ~~يعلم شيئا ولا يرسل رسولا ولا يأمر ولا ينهى ولا يبعث من في القبور ~~PageV04P1424 @ # ولزمهم منه أن يكون هذا العالم قد وجد من غير خالق أو أنه لم يزل موجودا ~~قديما أزليا ولما كان اللازم الأول أشنع وأظهر فسادا لكل عاقل التزموا ~~الثاني # وأما الباطل الذي لزمهم في جانب الصادر فهو أن يكون واحدا من كل وجه ولا ~~يكون فيه كثرة بوجه ما ليس مصدره واحد كذلك فالصادر عنه أيضا يجب أن يكون ~~كذلك وهلم جرا والحس يكذبه ولا ينفعهم الجواب بأن الصادر له وجوه واعتبارات ~~لأجلها تعدد الصادر عنه فإن تلك الوجوه إن كانت وجودية لزم صدور الكثرة عن ~~الوحدة وبطل أصلهم وإن كانت عدمية لم يكن مصدرا للموجود وهذا قاطع # | فصل # ولما أصلوا هم وأتباعهم من الجهمية أن المختص بصفة أو حقيقة أو قدر لا بد ~~له من تخصيص منفصل لزمهم من هذا الأصل إنكار حقيقته وذاته وصفاته إذ لو ~~أثبتوا له ذلك بزعمهم لزم أن يكون له مخصص غيره خصصه بتلك الماهية والصفات ~~والقدر فلزم أيضا من هذا الأصل الباطل ما لزم من الأصل الذي قبله وهم طردوا ~~هذا الأصل وجحدوا حقيقة الرب وصفاته وإخوانهم من الجهمية لما لم يمكنهم أن ~~يصرحوا به بين أظهر المسلمين PageV04P1425 @ صرحوا بالأصل وبما أمكنهم أن ~~يصرحوا به من اللوازم كنفي الصفات ونفي العلو والمباينة والكلام والوجه ~~واليدين والاستواء والنزول ولما أصلوا ذلك لزمهم القول بأنه في كل مكان ~~بذاته وأنه تعالى في الأجواف والأمكنة التي يتعالى عنها فلما صاح عليهم أهل ~~العلم والإيمان من كل قطر من أقطار الأرض قالوا نقول إنه لا داخل العالم ~~ولا خارجه ولا فوق العرش ولا تحته فلما رأى عبادهم ومتصوفوهم أن الإرادة ~~والعبادة والطلب لا تعلق بمعبود هذا شأنه وأن القلوب لا تعرفه والألسنة لا ~~تعرفه فروا إلى أن قالوا ms552 فهو عين هذا العالم لا غيره وكل هذه اللوازم أسست ~~على ذلك الأصل الفاسد # ولما أصلوا أن الصفات أعراض لا تقوم إلا بأجسام لزمهم إنكارها رأسا ومن ~~أثبت منهم صفة ونفى غيرها أضحك أهل العقل والنقل على عقله ولما أصلوا هذا ~~الأصل لزمهم عنه أن الله لم يتكلم ولا يكلم أحدا من خلقه ولم ينزل له إلى ~~الأرض كلام تكلم به وإنما خلق أصواتا وحروفا في الريح سميت كلامه مجازا لا ~~حقيقة فلما فهم سفهاؤهم هذا وأنه ليس لله في الأرض كلام وأنه ليس في المصحف ~~إلا صفة المخلوقين ومدادهم وما عملت أيديهم صار فيهم من يكتب @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ PageV04P1426 @ بما يستحي من ذكره ومنهم من يلقي المصحف في ~~المكان الذي يرغب عن ذكره ويقول إنما ألقيت كاغدا ومدادا ومنهم من يجعله ~~كرسيا له يضعه تحت رجليه ويرقى عليه ويتناول به حاجته ومنهم من يكون له ~~وعاء يضع فيه المصحف ونعله وغيره ومنهم من يتوسده إلى غير ذلك من الأنواع ~~التي فيها من الاستخفاف بالمصحف والإهانة له ما يدل على براءة فاعله من ~~الله ورسوله وكتابه ودينه # وأما إطلاقهم العبارات القبيحة الدالة على الاستهانة فهم لا يتحاشون منها ~~بل يصرحون بقولهم أي شيء في المصحف سوى المداد والورق ويقولون ليس في ~~المصحف كلام الله ولم ينزل إلى الأرض لله كلام وهذا الذي يقرأه المسلمون ~~ليس بكلام الله حقيقة وقد رأينا نحن وغيرنا هؤلاء مشاهدة وسمعنا بعض ~~أقوالهم التي حكيناها وهذه الفروع واللوازم فروع ذلك الأصل الباطل # كما أنهم لما أصلوا تعطيل الرب من صفة العلو وتعطيل العرش من استواء ربه ~~عليه لزمهم التكذيب بما لا يحصى من الآيات والأحاديث وإن أقروا بألفاظها ~~ولزمهم الطعن في خيار الأمة وساداتها وأئمة الإسلام وأهل PageV04P1427 @ ~~السنة الحديث ولزمهم إنكار نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة وإنكار مجيئه ~~وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده وإن أقروا بذلك أقروا به مجازا ~~لا حقيقة ولزمهم من ذلك التكذيب بمعراج رسول الله صلى الله عليه وسلم ms553 إلى ~~ربه ودنوه منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى وتردده بين موسى وبين ربه مرارا ~~كل ذلك لا حقيقة له عندهم كما صرح به أفضل متأخريهم وملك مناظريهم في كلامه ~~على المعراج وجعله خيالا لا حقيقة له # ولما أصلوا أنه سبحانه لا تقوم به الأفعال الاختيارية وسموا ذلك حلول ~~الحوادث لزمهم عنه أنه لا يفعل شيئا البتة فإنه لا يتكلم بمشيئته وأن يكون ~~بمنزلة الجمادات التي لا تفعل شيئا فإنهم جعلوا المفعول عين الفعل ومن ~~المعلوم أن مفعولا بلا فعل أبلغ في الاستحالة والبطلان من مفعول بلا فاعل ~~أو هما سواء فلزمهم من هذا الأصل مخالفة صريح المعقول والمنقول والفطرة ~~والتكذيب بما لا يحصى من النصوص # ولما أصلت القدرية أن الله سبحانه لو شاء أفعال عباده وقدر عليها وخلقها ~~ثم كلفهم بها وعاقبهم عليها لكان ذلك ظلما ينافي العدل # لزمهم عن هذا الأصل لوازم مخالفة للعقل والشرع منها التكذيب بقدر الله ~~وتكذيب غلاتهم بعلمه السابق وإنكار كمال قدرته ونسبته إلى أن يكون في ملكه ~~PageV04P1428 @ ما لا يشاء ويشاء مالا يكون وإخراج أشرف ما في ملكه عن أن ~~يكون قادرا عليه أو خالقا له وهو طاعات أنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه ~~وأن تكون أفعالهم حدثت من غير خالق محدث أو يكونوا هم الخالقين المحدثين ~~لها وأن تكون إرادتهم مشيآت حادثة بلا محدث ولزمهم تكذيبهم بنصوص القدر كله ~~والطعن في نقلة أخبارها وتحريفها عن مواضعها بالتأويلات التي هي كذب على ~~اللغة وعلى الله وعلى رسوله إلى أضعاف ذلك من اللوازم الباطلة ولزم هؤلاء ~~كلهم أن الكتاب والسنة جاءا بما يخالف العقل الصريح وأنه إذا تعارض العقل ~~والنقل قدم العقل وأطرح النقل فهذه الأصول الرديئة الخبيثة تولدت عنها هذه ~~الأولاد المناسبة لها ومن أشبه أباه فما ظلم فإذا قابلت بين أصول أهل ~~الإثبات وما تولد عنها وبين أصول المعطلة النفاة وما تولد عنها تبين لك ~~الفرق بين هذه الأصول وفروعها وهذه الأصول وفروعها والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم # الوجه السابع والتسعون ms554 بعد المائة # إن من تأمل أقوال هؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم وآرائهم وجدها قد جمعت ~~أمرين كل منهما يدل على بطلانها # أحدهما اختلافها في نفسها واضطرابها وتهافتها وهذا يدل على أنها ليست من ~~عند الله كما قال تعالى PageV04P1429 @ @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ النساء 82 # فيكفيك من فساد القول اختلافه واضطرابه وتناقضه # الثاني أن مصدرها الخرص والظن والتخمين ليست صادرة عن وحي علمت عصمته ولا ~~عن فطرة وعقل اشترك العقلاء فيما أثبته ونفاه # وقد أخبر سبحانه عن حقيقة أقوال المخالفين لكتابه وسنة رسوله بهذين ~~الأمرين في قوله @QB@ والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا ~~فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع والسماء ذات الحبك إنكم ~~لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون @QE@ ~~الذاريات 11 - 1 # فأقسم سبحانه بمخلوقاته طبقا بعد طبق فأقسم أولا بالرياح الذاريات ثم بما ~~فوقها وهي السحاب الحاملات وقرا ثم بما فوقها وهي النجوم الجاريات يسرا ثم ~~بما فوقها وهي الملائكة المقسمات أمرا ثم أقسم بالسماء ذات الحبك وهي ~~الطرائق التي هي كطرائق الماء حين تحركه الرياح ومنه في وصف الدجال شعره ~~حبك PageV04P1430 @ أي فيه تجعد وتثن ومنه قوله في السماء موج مكفوف وهذا ~~يتضمن حسنها وبهجتها وكمال خلقها # فأقسم بذلك على أن الرادين لما بعث به رسوله المعارضين له بعقولهم في قول ~~مختلف ولهذا نجدهم دائما في قول مختلف لا يثبت لهم قدم على شيء يعولون عليه ~~فتأمل أي مسألة أردت من مسائلهم ودلائلهم تجدهم مختلفين فيها غاية الاختلاف ~~يقول هذا قولا وينقضه الآخر فيجيء الثالث فيقول قولا غير ذينك القولين ~~وينقضهما ويبطل أدلتهما ولا تجد لهم مسألة واحدة إلا وقد اضطربوا فيها حكما ~~ودليلا فهم أعظم الناس اختلافا حتى تجد الواحد منهم يقول القول ويدعي أنه ~~قطعي ثم يقول خلافه ويبطله ويدعي أنه قطعي ثم أخبر سبحانه أن ذلك القول ~~المختلف يؤفك عنه من أفك أي يصرف بشبه عن الحق من ms555 صرف فلما كان انصرافه عن ~~الحق بشبه صار كأنه منفصل عنه وإفكه صادر عنه ثم قال تعالى @QB@ قتل ~~الخراصون @QE@ الذاريات 10 # وأصل الخرص القول بلا علم بل بالظن والتخمين والقذف بالكلام من غير برهان ~~على صحته ومنه سمي الكاذب خارصا وصاحب الظن والتخمين خارصا وهذا الوصف ~~منطبق على هؤلاء أتم انطباق فليس معهم PageV04P1431 @ إلا الخرص واتباع ~~الظن كما قال تعالى في وصف سلفهم المعارضين لشرعه بالقدر @QB@ إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون @QE@ الأنعام 116 # وهذا بخلاف متبع الوحي فإنه يتبع قولا يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض لا ~~اختلاف فيه ولا اضطراب متصلا برب العالمين قوله ووحيه الذي نزله على رسوله ~~فمصدره منه سبحانه ومظهره على لسان رسوله فعليه سبحانه البيان وعلى رسوله ~~البلاغ وعلينا التسليم وقد فعل سبحانه ما عليه وفعل رسوله ما عليه فماذا ~~نشأ بعد ذلك إلا أن نأتي بما علينا وبالله التوفيق # الوجه الثامن والتسعون بعد المائة # إن هؤلاء النفاة المعطلة لا بد لهم من أصل يقررون به قولهم الذي ابتدعوه ~~وأصل ينفون به ما أخبرت به الرسل وهذا حال كل من وضع رأيا أو نصب مذهبا لا ~~بد له من أصل يقرر به رأيه وأصل يبطل به قول مخالفه # وعلى هذين الأصلين بنوا مذاهبهم الفاسدة فكلامهم كله يدور على هاتين ~~القاعدتين فإذا تكلموا في توحيدهم الذي هو غاية الإلحاد والتعطيل والتشبيه ~~بالأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم كما قال حافظ الإسلام محمد بن ~~إسماعيل البخاري في كتاب خلق الأفعال PageV04P1432 @ وهو من أجل كتبه ~~الصغار وهذا لفظه وقال بعض أهل العلم إن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا ~~ربهم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخلق ~~وقالت الجهمية كذلك لا يتكلم لا يبصر نفسه والمقصود أن توحيدهم غاية ~~التعطيل والتشبيه فإذا تكلموا فيه قرروه بالأصل الأول فإذا جاؤوا إلى ~~الكتاب والسنة قرروا نفي دلالتهما بوجوه أحدها أن النصوص أدلة لفظية لا ~~تفيد علما ولا يقينا # والثاني أن الأخبار ms556 أخبار آحاد لا تفيد العلم وهذه المسائل علمية # الثالث أن العقل إذا عارض النقل وجب تقديم العقل عليه # الرابع استعمال التأويلات وأنواع الاستعارات والمجازات في نصوص الصفات ~~وقد أوصاهم سلفهم بكلمتين يتداولونها عنهم آخر عن أول قالوا إذا احتج عليكم ~~أهل الحديث بالقرآن فغالطوهم بالتأويل وإذا احتجوا بالأخبار فقابلوها ~~بالتكذيب # وإذا مهدوا هذين الأصلين انبنى لهم عليهما أصلان آخران أدهى منهما وأمر ~~التكذيب بالحق الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وإساءة الظن به وتسليط ~~التحريف عليه والتصديق بالباطل الذي يسمونه قواطع PageV04P1433 @ عقلية ~~وصدقوا وكذبوا فهي قواطع ولكن عن الإيمان بالله ورسوله وأسماء الرب وصفاته ~~وهي خيالات جهلية شبهت عليهم فظنوها قواطع عقلية # وترتب لهم على هذين الأصلين أصلان آخران # تلقيب الحق المنزل وأصحابه بالألقاب الشنيعة المنفرة كتلقيبه بالتجسيم ~~والتشبيه والتمثيل والتركيب # وتلقيب الآخذين به بالمشبهة والمجسمة والحشوية وتلقيب الكفر والضلال ~~والإلحاد بالألقاب المستحسنة كالتوحيد والتنزيه والعدل وتلقيب أصحابه ~~بالموحدين أهل العدل والتوحيد والتنزيه # فرتب لهم على ذلك أصلان آخران الإعراض عن القرآن والسنة جملة ومعارضتهما ~~بآراء الرجال وعقولهم الفاسدة المتهافتة المتناقضة # ثم ترتب لهم على ذلك أصلان آخران معاداة أهل الحق وموالاة أهل الباطل ~~وبقي أمران آخران إنما يظهران إذا بعث ما في القبور وحصل ما في الصدور ~~هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون # الوجه التاسع والتسعون بعد المائة # إن هؤلاء المعطلة النفاة من الجهمية ومن اتبعهم لا يمكن على أصولهم التي ~~أصلوها وقواعدهم التي أسسوها محبة الله ولا مدحه ولا حمده وتمجيده والثناء ~~عليه PageV04P1434 @ ولا الرضى به ولا الابتهاج بقربه ولا الفرح به ولا ~~اللذة العظمى برؤية وجهه ولا لذة الآذان والأرواح بسماع كلامه بل ولا الشوق ~~إليه ولا الأمان ولا الطمأنينة به وإليه ولا الأمن من عذابه لهم بغير جرم ~~أصلا ومن إبطاله أعمالهم الصالحة بغير سبب بل أعظم من ذلك أنهم سدوا على ~~أنفسهم طريق العلم بإثباته وإثبات ربوبيته إلا بما ينافي صفاته وأفعاله ~~فليس لهم ms557 طريق إلى إثبات ذاته إلا بما يستلزم نفي ذاته وصفاته وأفعاله ~~وسدوا على أنفسهم طريق العلم بصدق رسله بتجويزهم عليه كل شيء حتى إنه يجوز ~~عليه تأييد الكاذب المفتري عليه بأعظم المعجزات وليس في العقل ما يحيل ذلك ~~عندهم وسدوا على أنفسهم طريق العلم بالمعاد لأنهم بنوه على إثبات الجوهر ~~الفرد ولا حقيقة له وهذه جملة إنما يظهر تفصيلها عند الكلام على مسائلهم ~~ودلائلهم # أما محبة الرب سبحانه فإنهم صرحوا بأنه لا يحب ولا يحب واستدلوا على ذلك ~~بما هو مناقض للفطرة والعقل والشرائع كما سنذكره إن شاء الله وأصل الدين هو ~~كونه سبحانه يحب ولا يحب فإن الشرائع مبناها على شهادة أن لا إله إلا الله ~~والإله هو المستحق لكمال الحب بكمال التعظيم والإجلال والذل له والخضوع له ~~فإنكار المحبة PageV04P1435 @ إنكار لنفس الإلهية وأما فروعها فمبناها على ~~كونه سبحانه يحب أقوالا وأعمالا ويمدح فاعليها ويثني عليهم ويقربهم منه ~~ويبغض أقوالا وأعمالا ويذم فاعليها ويبغضهم ويبعدهم منه وعنده أنه لا يحب ~~ولا يبغض بل كل ما شاءه فهو محبوب له ومالم يشأه فهو مبغوض فإن محبته عندهم ~~هي إرادته ولهذا قالوا لا يحبه أحد لأن المحبة نوع من الإرادة والقديم لا ~~يمكن أن يراد وأما أنه لا يمدح ولا يحمد فلما قرروا أن المدح هو مجرد ~~الإخبار عن استحقاق الممدوح ما يلتذ به ويفرح به واللذة والألم عليه محال ~~كما سنذكر ألفاظهم بعد هذا الوجه والكلام عليها # وأما الرضا به والابتهاج والسرور بقربه فذلك من توابع المحبة وعندهم أنه ~~لا يمكن تعلق المحبة به بوجه وأما اللذة برؤية وجهه وسماع كلامه فليس له ~~عندهم وجه ولا يرى بحال ولا يكلم ولا يمكن أن يتكلم وأما الإنابة إليه فأصل ~~الإنابة محبة القلب وخضوعه وذله للمحبوب المراد فمن لا يحب لا يمكن الإنابة ~~إليه وكذلك الفرح والسرور بقربه عندهم أنه أمر محال # وأما الطمأنينة به والأمن من عذابه بغير جرم فلا طريق لهم إلى ذلك لأنهم ~~يجوزون عليه أن يعذب أعظم أهل ms558 طاعته وينعم أكفر الخلق به وكلاهما بالنسبة ~~إليه سواء عندهم وإنما يعلم ضد ذلك بخبر صادق والأدلة اللفظية عندهم لا ~~تفيد اليقين وكثير منهم يشك في العموم أو ينكره والقدرة صالحة ولا حسن ولا ~~قبح هناك البتة PageV04P1436 @ # وأما طريق العلم بإثباته فإنهم إنما أثبتوه بطريق الجواهر والأعراض ~~والحركة والسكون وأن ما قامت به الأعراض والحوادث يجب أن يكون حادثا فلزمهم ~~نفي جميع صفاته وأفعاله إذ لو أثبتوها بزعمهم لأفسد عليهم طريق إثباته ~~والعلم به ولزمهم إنكار علوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه وأن يكون ~~له كلام يسمع منه فضلا أن ينزل إلى الأرض ومن استهجن منهم هذا ارتكب ~~التناقض وأثبت بعضها ونفى بعضا ولم يوف ما أثبته حقه بل نفى حقيقته وأثبت ~~لفظه أو أثبته من وجه ونفاه من غيره أو أثبت منه مالا يعقل فهم سلكوا في ~~طريق إثبات وجوده أعظم الطرق المنافية لوجوده فضلا عن ثبوت صفات كماله ~~وأفعاله # وأما طريق العلم بالنبوة فإنهم أصلوا أنه سبحانه يجوز عليه كل ممكن وأنه ~~يجوز عليه تأييد الكذابين بأنواع المعجزات وأنه لا فرق بالنسبة إليه سبحانه ~~بين ذلك وبين تأييد الصادقين بها فإن العقل لا يقبل ذلك ولا يحسن هذا وليس ~~إلا مجرد القدرة والمشيئة فلما أورد عليهم العقلاء أن هذا يسد طريق العلم ~~بالنبوة عدلوا إلى نوع من المعارضة لخصومهم من المعتزلة وقالوا هذا يلزمنا ~~ويلزمكم فإن وجوب النظر في المعجزة عندكم وإن وجب بالعقل لكن وجوبه نظري ~~فالمكلف يقول لا أنظر حتى يجب علي ولا يجب علي حتى أنظر فسددتم على أنفسكم ~~PageV04P1437 @ طريق إثبات النبوة فانظر كيف آل أمر الفريقين إلى الاعتراف ~~بأن العلم بإثبات النبوة طريقه مسدودة عليهم وماذا يفيدكم مشاركة خصومكم ~~لكم في هذا الضلال المبين والكفر المستبين فأبعد الله أصولا وقواعد هذا ~~حاصلها ورأس مال أصحابها أفلا يستحي من هذا حاصل معقوله وعلمه ومنتهى ~~معرفته أن يذكر أنصار الله ورسوله وحزبه بما لا يليق أو ينسبهم إلى ما هو ~~أولى به منهم من الجهل ms559 ومخالفة المعقول والمنقول وهذا موضع المثل الساير ~~رمتني بدائها وانسلت وقد تقدم ما ذكره إمام أهل السنة محمد بن إسماعيل ~~البخاري عن بعض أهل العلم أن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا الله سبحانه ~~بالأصنام والموات ومما يوضح الأمر # الوجه الموفي مائتين وجها # وهو أن هؤلاء كما وضعوا قانونا أصلوه لنفي كلامه وسمعه وبصره ومباينته ~~لخلقه واستوائه على عرشه ومجيئه لفصل القضاء بين عباده ورؤية أنبيائه ~~وأوليائه له في دار الكرامة بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه والتمثيل ~~والتركيب وحلول الحوادث وضعوا قانونا آخر يتضمن نفي ما وصف به نفسه من ~~الرأفة والرحمة والمحبة والمودة والحنان والغضب والرضى والفرح والضحك ~~والتعجب قالوا PageV04P1438 @ لأن هذه الأمور متضمنة للألم واللذة والله ~~سبحانه منزه عن ذلك قالوا ولأنها تستلزم الشهوة والنفرة وهو سبحانه منزه ~~عنهما # فانظر كيف توصلوا إلى نفي ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله من هذه ~~الأمور بهذه الألفاظ المجملة المتشابهة المتضمنة للحق والباطل فهي ذات ~~وجهين حق وباطل فتقبل من الوجه الحق وترد من الوجه الباطل فلفظ الشهوة ~~واللذة والألم والنفرة من الألفاظ التي فيها إجمال وإبهام فكثير من الناس ~~إنما يطلقها بإزاء شهوة الحيوان من الأكل والشرب والنكاح والله تعالى قد ~~جعل الباعث على إتيان الذكور الشهوة المجردة لا الحاجة إلى ذلك فإن الله لم ~~يحرم على عباده ما يحتاج العباد إليه ويطلق الشهوة بإزاء ما هو أعم من ذلك ~~كشهوة الجاه والمال والعز والنصر والعلم قال الإمام أحمد محمد بن إسحاق ~~صاحب حديث يشتهى حديثه وقد قال تعالى في الجنة @QB@ وفيها ما تشتهيه الأنفس ~~وتلذ الأعين @QE@ الزخرف 71 # وهذا يعم كل ما تشتهيه الأنفس من مأكول ومشروب ومسموع ومرئي وغيره # وتطلق الشهوة على الإرادة نفسها فيقال لمن له إرادة PageV04P1439 @ في ~~الشيء ومحبة له هو يشتهيه كما يقال فلان يشتهي لقاء فلان ويشتهي قربه ~~ويشتهي الحج بل يقال لمن يريد ما تكره نفسه لمصلحة أنه يشتهيه كما يقال ~~فلان يشتهي الشهادة في سبيل الله ويشتهي شرب الدواء # فنقول أتعنون بالشهوة ms560 التي نفيتموها عن الله الشهوة الحيوانية أم الشهوة ~~التي هي أعم أم الإرادة والمحبة # فإن أردتم الأول فنفيه حق ودعواكم لزومه من ما أثبته لنفسه من الفرح ~~والرضى والضحك ونحوها باطلة تتضمن الكذب والتلبيس # وإن أردتم الثالث فنفيه باطل وتوسلكم إلى نفيه بتسميته شهوة تلبيس وتدليس ~~ونفي للمعنى الحق الثابت بتسميته بالاسم المستهجن في حق من وصف به # وإن أردتم الثاني استفصلناكم عن مرادكم فإن فسرتموه بما يمتنع وصفه به ~~قبلناه وإن فسرتموه بما وصف به نفسه قابلناه بالإنكار والرد وإن فسرتموه ~~بأمر مجمل محتمل استفصلناه فقبلنا حقه ورددنا باطله # وهؤلاء النفاة تجدهم دائما يعتمدون هذه الطريقة المتضمنة للتلبيس ~~والتدليس وينفون بها حقائق ما أخبر الله به عن نفسه فيأتون إلى ألفاظ ~~معناها في اللغة العربية أخص من معناها في اصطلاحهم فينفون معناها العام ~~الذي اصطلحوا عليه ويوهمون الناس أنهم إنما نفوا معناها PageV04P1440 @ ~~المعروف في اللغة والناس أول ما يسمعون تلك الألفاظ إنما يفهمون منها ~~معناها اللغوي فيوافقونهم على النفي تعظيما لله وتنزيها له ومرادهم نفي ~~المعنى العام الذي اصطلحوا عليه وقد جمعوا في ذلك تحريف لغة العرب عن ~~مواضعها وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه ولبس الحق بالباطل في النفي ~~والإثبات # فمعرفة مراد هؤلاء وكلامهم من تمام مقاصد الدين ليتمكن أهل السنة والحديث ~~من رد باطلهم وتبيين إفكهم وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت ~~أن يتعلم كتاب اليهود فكان يكتب له كتبهم ويقرأ له كتبهم وسأل رجل عبد الله ~~بن عمر عن PageV04P1441 @ الأنبذة وقال أخبرني عنها بلغتكم وفسرها لي ~~بلغتنا فإن لكم لغة ولنا لغة فذكرها بن عمر باللفظ الذي قاله النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم فسرها بلغة السائل # فنقول أنتم في هذا المقام إنما نظركم في المعاني العقلية لا في إطلاق ~~الألفاظ فإن أهل السنة والحديث أعلم بذلك منكم وأولى بمراعاة الألفاظ ~~الشرعية وهم أبعد عن أن يصفوا الله إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ~~منكم فما مقصودكم من نفي الشهوة ms561 والنفرة واللذة والألم عنه إن عنيتم به ما ~~هو من خصائص المخلوقين فلا ريب في انتفائه عنه سبحانه لأن كماله المقدس ~~ينفيه فإثباته نقص وعيب وأنتم قد اعترفتم أنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه ~~عن العيوب والنقائص وإنما استندتم فيه إلى الإجماع واعترفتم بأن دلالته ~~ظنية وهذا موجود في إرشادكم PageV04P1442 @ ونهايتكم وغيرها ونحن نقرر نفي ~~ذلك بالأدلة القطعية والبراهين اليقينية فإنه سبحانه لا يجوز أن يماثل خلقه ~~في شيء من صفاتهم وأفعالهم فهو منزه عن أن يطلب ما يقبح طلبه أو يريد ما لا ~~يحسن إرادته أو يطلب ويكره ويحب ما لا يصلح طلبه وكراهته ومحبته إلا ~~للمخلوق وكل ما ينزه سبحانه عنه من العيوب والنقائص فهو داخل فيما نزه نفسه ~~عنه وفيما يسبح به ويقدس ويحمد ويمجد وداخل في معاني أسمائه الحسنى وبذلك ~~كانت حسنى أي أحسن من غيرها فهي أفعل تفضيل معرفة باللام أي لا أحسن منها ~~بوجه من الوجوه بل لها الحسن الكامل التام المطلق وأسماؤه الحسنى وآياته ~~البينات متضمنة لذلك ناطقة به صريحة فيه وإن ألحد فيها الملحدون وزاغ عنها ~~الزائغون # وقد بينا فيما تقدم أن كل ما ينزه الرب عنه إن لم يكن متضمنا لإثبات ~~كماله ومستلزما لأمر ثبوتي يوصف به لم يكن في تنزيهه عنه مدح ولا حمد ولا ~~تمجيد ولا تسبيح إذ العدم المحض كاسمه لا حمد فيه ولا مدح وإنما يمدح ~~سبحانه بنفي أمور تستلزم أمورا هي حق ثابت موجود يستحق الحمد عليها وذلك ~~الحق الموجود ينافي ذلك الباطل المنفي فيستدل برفع أحدهما على ثبوت الآخر ~~فتارة يستدل بثبوت تلك المحامد والكمالات على نفي النقائص PageV04P1443 @ ~~التي تنافيها وتارة يستدل بنفي تلك النقائص على ثبوت الكمالات التي تنافيها ~~فهو سبحانه القدوس السلام كما قال @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ البقرة ~~255 # لكمال حياته وقيوميته و @QB@ لا يعزب عنه مثقال ذرة @QE@ سبأ 3 # لكمال علمه @QB@ وما مسنا من لغوب @QE@ ق 38 # لكمال قدرته @QB@ ولا يظلم ربك أحدا @QE@ الكهف 49 # لكمال عدله وغناه ورحمته ms562 و @QB@ لا يضل ربي ولا ينسى @QE@ طه 52 # لكمال علمه وحفظه @QB@ ولا يؤوده حفظهما @QE@ البقرة 255 # لكمال قدرته وقوته @QB@ وهو يطعم ولا يطعم @QE@ الأنعام 14 و @QB@ لم يلد ~~ولم يولد @QE@ الإخلاص 3 # لكمال صمديته @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ الإخلاص 4 # لتفرده بالكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه غيره @QB@ ولم يكن له ولي من ~~الذل @QE@ الإسراء 111 # لكمال عزته وسلطانه @QB@ ولا يخاف عقباها @QE@ الشمس 15 PageV04P1444 @ # فنفى عن نفسه خوف عاقبة ما فعله من إهلاك أعدائه بخلاف المخلوق فإنه إذا ~~انتقم من عدوه يخاف عاقبة ذلك إما من الله وإما من المنتصرين لعدوه وذلك ~~على الله محال والخوف يتضمن نقصان العلم والقدرة والإرادة فإن العالم بأن ~~الشيء لا يكون لا يخافه والعالم بأنه يكون ولا بد قد يئس من النجاة منه فلا ~~يخاف وإن خاف فخوفه دون خوف الراجي وأما نقص القدرة فلأن الخائف من الشيء ~~هو الذي لا يمكنه دفعه عن نفسه فإذا تيقن أنه قادر على دفعه لم يخفه # وأما نقص الإرادة فلأن الخائف يحصل له الخوف بدون مشيئته واختياره وذلك ~~محال في حق من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ومن لا يكون شيء إلا ~~بمشيئته وإرادته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهذا لا ينافي كراهته ~~سبحانه وبغضه وغضبه فإن هذه الصفات لا تستلزم نقصا لا في علمه ولا في قدرته ~~ولا في إرادته بل هي كمال لأن سببها العلم بقبح المكروه المبغوض المغضوب ~~عليه وكلما كان العلم بحاله أهم كانت كراهته وبغضه أقوى ولهذا يشتد غضبه ~~سبحانه على من قتل نبيه أو قتله نبيه # | فصل # وإن قال أعني بذلك ما هو أعم من شهوة الحيوان وألمه ولذته ونفرته قيل له ~~الشهوة والنفرة جنسهما الحب PageV04P1445 @ والبغض فكل مشته لشيء فهو محب ~~له وكل نافر عن شيء فهو مبغض له وإن كان من المحبة والبغض ما لا يسمى في ~~لغة القوم شهوة ونفرة كمحبتنا لله ورسوله وإذا كان كذلك فمعلوم أن الله ~~سبحانه قد ms563 وصف نفسه بالمحبة والبغض في غير موضع من كتابه وسنة رسوله وهو ~~موصوف بالإرادة والكراهة المتضمنة للحب والبغض والشهوة والنفرة أيضا تتضمن ~~معنى الإرادة والكراهة فإن المشتهي فيه نوع إرادة والنافر فيه نوع كراهة ~~والإرادة والكراهة من لوازم الحياة فكل حي مريد كاره والشهوة والنفرة من ~~لوازم الحيوان فإنه يشتهي ما يتضمن بقاء ذاته ويلائمه وينفر من ضد ذلك # وهذه الأسماء قد تتنوع إما بحسب صفاتها في أنفسها وإما بحسب متعلقها وهو ~~المحبوب المكروه لما في لغة العرب من التفريق بين اللفظين لأدنى فرق بين ~~المعنيين لقوة التمييز في عقولهم وألسنتهم بخلاف الأمم الذين يضعف فيهم ~~التمييز فإنهم يغلب عليهم الاقتصار على القدر المشترك في العقل واللسان ~~وثبوت تلك الفروق اللفظية في المعاني والألفاظ لا يمنع ثبوت القدر المشترك ~~بينها والذي تدركه سائر الأمم فيجب إثبات القدر المشترك والقدر المميز # وإذا كان بين الشهوة والمحبة والإرادة والرضى والفرح قدر مشترك وبين ~~النفرة والبغض والكراهة والسخط PageV04P1446 @ ونحوها قدر مشترك فمن نفى ~~مسمى أحد هذه الألفاظ فإن عنى به نفي جميع مسماه لزم نفي القدر المشترك ~~الثابت في البواقي وإن نفى ما يختص به مما هو من خصائص المخلوقين فقد أصاب ~~والله سبحانه منزه في جميع ذلك إن أثبت له وإن نفي عنه شيء من ذلك مما هو ~~مختص به لأجل ما يظنه مستلزما لنقص فذلك لازم له في جميع ما يوصف به فإنه ~~سبحانه إنما يوصف من كل نوع بأكمل ذلك النوع على وجه لا يستلزم نقصا ولا ~~تمثيلا # | فصل # يبين ذلك أن الحب والبغض من لوازم الحياة فلا يكون حي إلا محب مبغض كما ~~لا يكون حي إلا وله علم وإرادة وفعل بل حب الله سبحانه لما يحبه وبغضه لما ~~يبغضه وإرادته لما يريده وكراهته لما يكرهه أكمل الحب والبغض والإرادة ~~والكراهة كما قال تعالى @QB@ لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم @QE@ غافر 10 # وقال تعالى @QB@ والله أشد بأسا وأشد تنكيلا @QE@ النساء 84 # وهذا تابع لشدة غضبه ومقته وقال تعالى @QB@ أولم ms564 يروا أن الله الذي خلقهم ~~هو أشد منهم قوة @QE@ فصلت 15 # وكذلك هو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأعلم العالمين فهو أكبر في كل ~~صفة من صفاته كما هو أكبر في جميع صفاته وذاته وأفعاله PageV04P1447 @ # | فصل # وقد ذكر أفضل متأخريهم أدلتهم على امتناع هذه الأمور على الله وأبطلها ~~كلها فكفانا مؤنتها ثم اختار لنفسه مسلكا هو أبطل منها فقال والمعتمد أن ~~نقول لو صحت اللذة على الله تعالى لكان خلقه للملتذ به إما أن يكون في ~~الأزل أو لا يكون والقسمان باطلان فالقول بصحة اللذة على الله محال وإنما ~~قلنا إنه لا يصح خلقه للملتذ به في الأزل لأن الفعل الأزلي محال وإنما قلنا ~~يستحيل أن يكون حادثا لأنه إذا كان حادثا كان ممكنا قبل كونه وإلا كان ~~ممتنعا ثم انقلب إلى الإمكان وهو محال وإذا كان ممكنا فالله قادر على ~~إيجاده قبل ذلك وإلا كان منتقلا من القدرة إلى العجز وهو محال وإذا ثبت ذلك # فنقول كل من صحت عليه اللذة إذا كان عالما بقدرته على تحصيل الملتذ به ~~وكان الملتذ به في نفسه ممكنا فإنه يكون كالملجأ إلى إيجاد الملتذ به وإذا ~~كان كذلك لزم كونه تعالى فاعلا للملتذ به قبل فعله وذلك محال فثبت أن القول ~~بصحة اللذة على الله محال لأنه يفضي إلى المحال وما أفضى إلى المحال محال ~~ومضمون هذه الحجة بعد تطويل مقدماتها أن جواز ذلك عليه مستلزم لكون الملتذ ~~به حادثا وكونه متقدما على حدوثه وكون الشيء PageV04P1448 @ متقدما على ~~وجوده محال وفسادها بين من وجوه # أحدها # النقض والمعارضة بالإرادة والمحبة والرحمة والرضى بأن يقال لو صحت على ~~الله الإرادة والمحبة والرضى لكان فعله للمراد المحبوب المرضي إما في الأزل ~~وهو محال وإما في مالم يزل وهو محال لما ذكره بعينه من مقدمات دليله # الوجه الثاني # أن لفظ اللذة والألم من الألفاظ التي فيها إجمال واشتباه كلفظ الجسم ~~والحيز والتركيب وغيرها وليس لها ذكر في الكتاب والسنة بنفي ولا إثبات بل ~~جاء في القرآن والسنة ms565 وصفه بالمحبة والرضى والفرح والضحك ووصفه بأنه يصبر ~~على ما يؤذيه وإن كان العباد لا يبلغون نفعه فينفعونه ولا ضره فيضرونه ~~والذي نفاه هؤلاء يدرجون تحته ما وصف به نفسه وهو إبطال لما جاءت به الرسل ~~ونزلت به الكتب ولما خلق الخلق لأجله فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ~~ليدعو الخلق إلى ما يحبه ويرضاه وينهوهم عما يبغضه ويسخطه وقد أخبر رسوله ~~عنه من محبته ورضاه وفرحه وضحكه وتسليته لأوليائه وأحبائه وأهل طاعته وعن ~~غضبه وسخطه وبغضه ومقته وكراهته لأعدائه PageV04P1449 @ وأهل مخالفته مما ~~يضيق هذا المكان عن استقصائه وعلى هذا الأصل تنشأ مسألة التحسين والتقبيح ~~وقد ذكرناها مستوفاة في كتاب المفتاح وذكرنا على صحتها فوق الخمسين دليلا ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى يؤذيني بن آدم يسب ~~الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار وقال لا أحد أصبر على أذى يسمعه من ~~الله يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم وقال حاكيا عن ربه شتمني بن آدم ~~وما ينبغي له ذلك وكذبني بن آدم وما ينبغي له ذلك وقد فرق الله بين أذاه ~~وأذى رسوله وأذى المؤمنين والمؤمنات فقال @QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله ~~لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ PageV04P1450 @ بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما ~~مبينا ) الأحزاب 57 # وليس أذاه سبحانه من جنس الأذى الحاصل للمخلوقين كما أن سخطه وغضبه ~~وكراهته ليست من جنس ما للمخلوقين # الوجه الثالث # إن ما وصف الله سبحانه به نفسه من المحبة والرضى والفرح والغضب والبغض ~~والسخط من أعظم صفات الكمال إذ في العقول أنا إذا فرضنا ذاتين إحداهما لا ~~تحب شيئا ولا تبغضه ولا ترضاه ولا تفرح به ولا تبغض شيئا ولا تغضب منه ولا ~~تكرهه ولا تمقته # والذات الأخرى تحب كل جميل من الأقوال والأفعال والأخلاق والشيم وتفرح به ~~وترضى به وتبغض كل قبيح يسمى وتكرهه وتمقته وتمقت أهله وتصبر على الأذى ولا ~~تجزع منه ولا تتضرر به كانت هذه ms566 الذات أكمل من تلك الموصوفة بصفات العدم ~~والموات والجهل الفاقدة للحس فإن هذه الصفات لا تسلب إلا عن الموات أو عمن ~~فقد حسه أو بلغ في النهاية والضعف والعجز والجهل إلى الغاية التي لم تدع له ~~حبا ولا بغضا ولا غضبا ولا رضى بل اليهود الذين وصفوه بالغم والحزن والبكاء ~~والندم أحسن حالا من الذين سلبوه هذا الكمال كما أن المشبهة المحضة ~~PageV04P1451 @ خير من المعطلة النفاة لصفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى ~~وأهل الحق أنصار الله ورسوله وكتبه والسنة براء من الفريقين # الوجه الرابع # أنه لا كمال في مجرد سلب ذلك عنه كما قدمنا أن السلب إن لم يتضمن إثباتا ~~وإلا لم يكن مدحا ولا كمالا فليس له من مجرد كونه لا يحب ولا يرضى ولا يفرح ~~ولا يضحك ولا يغضب حمد ولا كمال فإنه نفي صرف وعدم محض فلا يحمد به وهذا ~~بخلاف نفي الغم والهم والحزن والندم عنه فإنه يتضمن ثبوتا وهو كمال قدرته ~~وعلمه فإن أسباب هذه الأمور إما عجز مناف للقدرة وإما جهل مناف للعلم وكمال ~~قدرته وعلمه يناقض وصفه بذلك وهذا وغيره مما يبين أن النفاة والمعطلة أقل ~~الناس تحميدا وتمجيدا وتسبيحا وثناء على الله وأن أهل الإثبات أعظم تسبيحا ~~وتحميدا وثناء على الله كما سنقرره فيما بعد إن شاء الله # الوجه الخامس # أن يقال ما المانع من أن يكون رضاه ومحبته وفرحه من كماله في نفسه وما هو ~~عليه من الجلال والجمال ولا يحتاج في ذلك إلى شيء مخلوق بل يكفي في حصوله ~~جماله وجلاله وحينئذ فيقال قولك لو صح الرضى والفرح PageV04P1452 @ الذي ~~تسميه أنت لذة عليه لكان خلق المفروح المرضي به إما في الأزل أو بعده إنما ~~يجب ذلك إذا امتنع أن تكون محبته لنفسه ورضاه بنفسه وفرحه بنفسه سبحانه ~~وحينئذ فلا ينتفي المعنى الذي سميته لذة إلا إذا امتنع هذا وأنت لم تقم ~~دليلا على امتناعه بل أنت في نفي هذا أضعف حجة ممن نفى التذاذ أوليائه ~~بالنظر إلى وجهه فإن أصحاب رسول ms567 الله صلى الله عليه وسلم والتابعين كلهم ~~وأهل السنة كلهم متفقون على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ولكن زعم ~~بعض أهل الكلام أنه لا يحصل لهم بذلك لذة كما زعم أبو المعالي الجويني في ~~رسالته النظامية أن نفس النظر إليه سبحانه لا لذة فيه إذ اللذة إنما تكون ~~بالمناسب ولا مناسبة بين القديم والمحدث وزعم أن هذا من أسرار التوحيد ~~وكذلك أبو الوفا بن عقيل سمع قائلا يقول أسألك لذة النظر إلى وجهك فقال يا ~~هذا هب أن له وجها أفتلتذ بالنظر إليه وهذه نزعة اعتزالية وإلا فأهل ~~المعرفة بالله وخاصة أولياء الله ليس عندهم شيء ألذ من النظر إلى وجهه ~~الكريم وليس بين هذه اللذة ولذة الأكل والشرب والنعيم المنفصل نسبة أصلا ~~كما لا نسبة بين PageV04P1453 @ الرب جل جلاله وبين شيء من مخلوقاته ~~فالنسبة بين اللذتين لا تدرك أصلا قال شيخنا وعلى ذلك جميع أهل السنة وسلف ~~الأمة وأئمة الإسلام قال الحسن البصري شيخ الإسلام في زمن التابعين لو علم ~~العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقا إليه # وقال الشافعي رحمه الله لو علم محمد بن إدريس أنه لا يرى ربه في الآخرة ~~لما عبده في الدنيا وقال أنا أخالف بن علية في كل شيء حتى في قول لا إله ~~إلا الله فإني أقول لا إله إلا الله الذي يرى في الآخرة وهو يقول لا إله ~~إلا الله الذي لا يرى في الآخرة وكذلك جاءت السنن عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV04P1454 @ قال إذا أدخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن ~~لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل ~~موازيننا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما ~~أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة فأخبر الصادق المصدوق أن ~~نظرهم إليه أحب إليهم من كل ms568 ما أعطاهموه وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأهل ~~السنن وبن حبان في صحيحه من حديث عمار بن ياسر أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدعو اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا ~~لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب ~~والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى وأسألك الرضا ~~بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع ~~وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة ~~مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين يوضحه # الوجه السادس # وهو أن اللذة والفرح تابعة للمحبة في الكمال والقوة والمحبة تابعة لمعرفة ~~المحب بصفات المحبوب وجماله فكلما كان العلم به أكمل كانت محبته أقوى وكلما ~~كانت المحبة PageV04P1455 @ أقوى كانت اللذة والفرح به أكمل وأتم وإذا ثبت ~~هذا فإذا كان العباد يحصل لهم بمعرفته وذكره ورؤيته واستماع كلامه منه ما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهو سبحانه أعلم بنفسه من ~~غيره وكذلك كان حمده لنفسه وثناؤه على نفسه أعظم من حمد الحامدين له وثناء ~~المثنين عليه فإن الحمد والثناء تابع للمعرفة والعلم بصفات المحمود ولهذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس حمدا لربه وثناء عليه لما كان ~~أعلم الخلق به فثناء الرب سبحانه على نفسه وحمده لنفسه وتمجيده لنفسه ~~ومحبته لنفسه ورضاه عن نفسه فوق ما يخطر ببال الخلق أو يدور في قلوبهم أو ~~تجري به ألسنتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك يوضحه # الوجه السابع # أنه سبحانه إذا كان يحب بعض ما خلقه ويرضى عنه ويفرح به لما أعطاه من ~~صفات الكمال فمحبته لنفسه ورضاه عن نفسه أولى وأحرى وأعظم من محبته لمخلوقه ~~وأنه إذا أحب أهل العلم وأهل الرحمة وأحب المحسنين وأحب الصابرين وأحب ~~الشاكرين وأثنى عليهم وهو الذي أعطاهم ms569 هذه الصفات وأحبهم لأجلها فما الظن ~~بمحبته لنفسه وثنائه عليها ومن المعلوم أن محبته لهم وثناءه عليهم تبع ~~لمحبته لنفسه وثنائه على نفسه PageV04P1456 @ # الوجه الثامن # إن الجهمي أبطل هذا بقوله إن اللذة إدراك الملائم فيلزم أن يقال ذات الله ~~ملائمة لذاته وذلك غير معقول لأن الملائمة لا تتقرر إلا بين شيئين وهذا ~~الذي قرره باطل من وجوه # أحدها أن اللذة ليست نفس إدراك الملائم كما زعم بل هي حالة تنشأ عن ~~الإدراك فالإدراك سببها لا نفسها فهاهنا ثلاثة أشياء ملائم وإدراكه وما ~~ينشأ عن الإدراك من الالتذاذ والفرح والسرور وكذلك الألم ليس هو نفس إدراك ~~المنافي بل حالة تنشأ عن إدراكه وعلى هذا فإدراك الذات ملائم والفرح والرضى ~~الذي سميته لذة مترتب على إدراك الذات وهذا أمر معقول لكل عاقل فإن المخلوق ~~يدرك من ذاته كما لا يلتذ بإدراكه ويسر ويفرح به مع كون ذلك الكمال ناقصا ~~بين عدمين وهو من غيره ليس منه فكيف بمن له الكمال المطلق الواجب السرمد ~~وهو لم يستنفده من غيره وهو أعلم بكماله وكل ما سواه # الثاني قولك الملائمة لا تتقرر إلا بين اثنين جوابه أن مثل هذا يكون في ~~الذات الواحدة باعتبارين كما قال تعالى @QB@ ونهى النفس عن الهوى @QE@ ~~النازعات 40 # وقال @QB@ إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ يوسف 51 # وقال آدم @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا @QE@ الأعراف 23 PageV04P1457 @ # فالنفس واحدة وهي الناهية المنهية والأمارة المأمورة والظالمة المظلومة ~~كما تكون هي العاقلة المعقولة والإنسان يحب نفسه فيكون المحب المحبوب فإذا ~~كان هذا أمرا معقولا في المخلوق غير ممتنع فكيف يمتنع في حق الخالق # الثالث أنه سبحانه يحب صفاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إنك ~~عفو تحب العفو وقال إن الله جميل يحب الجمال وإن الله نظيف يحب النظافة وإن ~~الله وتر يحب الوتر وإن الله PageV04P1458 @ طيب لا يقبل إلا طيبا وروي إني ~~عليم أحب كل عليم وإذا كان يحب صفاته وهي قائمة بذاته فكيف بمحبته لذاته # الوجه التاسع # أن يقال ما المانع أن يحب ms570 ويرضى ويفرح ويضحك بما يكون من الأمور الحادثة ~~الموافقة لمحبته ورضاه كما في الأحاديث المستفيضة المتواترة مثلما في صحيح ~~البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله ~~تعالى # أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني والله أفرح بتوبة عبده من أحدكم ~~يجد ضالته في الفلاة PageV04P1459 @ ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ~~ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإذا أقبل يمشي أقبلت إليه أهرول # وفي الصحيح عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ~~تقول بفرح عبد إذا انفلتت منه راحلته تجر زمامها بأرض قفر ليس فيها طعام ~~ولا شراب وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شق عليه ثم مرت بجذل شجرة فتعلق ~~زمامها فوجدها متعلقة به قلنا شديد يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أما والله لله أشد فرحا بتوبة عبده من الرجل براحلته وفي الصحيح ~~عن أنس أن PageV04P1460 @ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من أحدكم إذا سقط على بعيره قد أضله بأرض فلاة وفي كتاب العلل ~~للدارقطني لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد والمضل الواجد والظمآن ~~الوارد هذا أو نحوه ولو كان في المفروح به أعلى من هذا المثال لذكره فتأمل ~~سائرا وحده بأرض مفازة معطشة لا ماء بها ولا زاد ضلت راحلته فيها فاشتد ~~جوعه وظمأه فأيس من الحياة فاضطجع في أصل شجرة ينتظر الموت ثم استيقظ فإذا ~~الراحلة قائمة على رأسه وعليها طعامه وشرابه كما جاء ذلك مصرحا به في بعض ~~طرق هذا الحديث فهل في الفرح قط أعظم من هذا ولهذا الفرح بتوبة العبد سر ~~أكثر الخلق محجوبون عنه لا تبلغه عقولهم وبه يعرف سر تقدير ما يثاب منه على ~~العبد لأنه يترتب عليه ما هو أحب إلى الرب سبحانه من عدمه فلو لم يكن في ~~تقدير الذنب من الحكم PageV04P1461 @ إلا هذه وحدها لكانت كافية فكيف وفيه ~~من الحكم ms571 ما لا يحصيه إلا الله مما ليس هذا موضعه # الوجه العاشر # إن الجهمي احتج على امتناع ذلك عليه بأن هذا انفعال وتاثير عن العبد ~~والمخلوق لا يؤثر في الخالق فلو أغضبه أو فعل ما يفرح به لكان المحدث قد ~~أثر في القديم تلك الكيفيات وهذا محال وهذه الشبهة من جنس شبههم التي تدهش ~~السامع أول ما تطرق وتأخذ منه وتروعه كالسحر الذي يدهش الناظر أول ما يراه ~~ويأخذ ببصره وكصولة المبطل الجبان الذي يحمل أول أمره على خصمه وهكذا شبه ~~القوم كلها هي كحبال السحرة وعصيهم التي خيل إلى موسى أنها تسعى @QB@ فأوجس ~~في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما ~~صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ طه - 67 # فهكذا الحجة الحق تبطل جميع الشبه الباطلة التي هي للعقول كحبال السحرة ~~وعصيهم للأبصار وجواب هذه الشبهة من وجوه # أحدها أن الله سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وكل ما في الكون من أعيان ~~وأفعال وحوادث فهو بمشيئته وتكوينه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~PageV04P1462 @ قضيتان لا تخصيص فيهما بوجه من الوجوه وكل ما يشاؤه فإنما ~~يشاؤه بحكمة اقتضاها حمده ومجده فحكمته البالغة أوجبت كل ما في الكون من ~~الأسباب والمشيئات فهو سبحانه خالق الأسباب التي ترضيه وتغضبه وتسخطه ويفرح ~~بها والأشياء التي يحبها ويكرهها هو سبحانه خالق ذلك كله فالمخلوق أعجز ~~وأضعف أن يؤثر فيه سبحانه بل هو الذي خلق ذلك كله على علمه بأنه يحب هذا ~~ويرضى به ويبغض هذا ويسخط ويفرح بهذا فما أثر غيره فيه بوجه # الثاني أن التأثير لفظ فيه اشتباه وإجمال أتريد أن غيره يعطيه كمالا لم ~~يكن له ولا وجد فيه صفة كان فاقدها فهذا معلوم بالضرورة أنه يريد به أن ~~غيره لا يسخطه ولا يبغضه ولا يفعل ما يفرح به أو يحبه أو يكرهه أو نحو ذلك ~~فهذا غير ممتنع وهو أول المسألة وليس معك في نفيه إلا ms572 نفس الدعوى بتسمية ~~ذلك تأثيرا في الخالق وليس الشأن في الأسماء إنما الشأن في المعاني ~~والحقائق وقد قال تعالى @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله @QE@ محمد 28 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في أهل الصفة إن كنت أغضبتهم لقد ~~أغضبت ربك فما الدليل العقلي أو النقلي على استحالة هذا PageV04P1463 @ # الثالث أن هذا يبطل محبته لطاعات المؤمنين وبغضه لمعاصي المخالفين ~~وكراهته لظلم الظالمين إذا فعلوا ذلك وهذا معلوم البطلان بالضرورة والعقل ~~والفطرة الإنسانية واتفاق أهل الأديان كلهم وإطباق الرسل بل هذا حقيقة دعوة ~~الرسل بعد التوحيد # الرابع أن هذا ينتقض بإجابة دعواتهم وإغاثة لهفاتهم وسماع أصواتهم ورؤية ~~حركاتهم وأفعالهم فإن هذه كلها أمور متعلقة بأفعالهم فما كان جوابك عنها في ~~محل الإلزام فهو جواب منازعيك لك في هذا المقام # | فصل # الوجه الحادي عشر # إن قولك يستحيل أن يخلق الملتذ به في الأزل وأن لا يخلقه في الأزل إلى ~~آخره مبني الحجة على مقدمتين # إحداهما إنكار وجود الملتذ به قبل وجوده والثانية وجوب حصوله إذا كان ~~كذلك ونحن نتكلم عن المقدمتين فنقول لا نسلم وجوب وجود الملتذ به والحالة ~~هذه ولا أنه يكون كالملجأ إليه فإن قلت داعية اللذة إذا تحققت خالية عن ~~الموانع وكان الملتذ به ممكن الحصول فالعلم الضروري حاصل بوجوب حصوله ~~فالجواب أن الداعي الجازم مع القدرة التامة توجب وجود المقدور بلا ريب ~~والداعي هو إما الإرادة الحادثة أو العلم المقتضي للإرادة أو مجموعهما وإما ~~مجرد كون الشيء سببا للذة فهذا لا يوجب الإرادة PageV04P1464 @ الحادثة بل ~~العلم الضروري الحاصل بضد ذلك فقد يحصل للإنسان نوع ما من أنواع الالتذاذ ~~بالشيء مع قدرته عليه ولا يفعله وذلك أن اللذة تتبع المحبة وقد لا تتم محبة ~~الملتذ به وإرادته فلا يوجد لضعف المحبة والإرادة المتعلقة به أو لاستلزامه ~~فوات ما هو أحب إليه منه أو لحصول ما هو أكره إليه والمعهود في بني آدم أن ~~الإرادة الجارية لا يجب حصولها منهم إلا للذة التي يوجب فقدها ألما فمتى ms573 ~~استلزم عدم اللذة وجود الألم قصدوا دفع الألم بالذات وحصول اللذة بالعرض ~~وقد يتعلق القصد الذاتي بالأمرين وقد يغيب بشعوره بأحدهما عن الآخر ~~لاستيلاء سلطانه على الآخر أما إذا لم يكن أحدهم متألما بعدم اللذة ولكن في ~~وجود الملتذ به زيادة لذة فقط وليس في فقده ألم فهذا ليس الواقع وجوب تعلق ~~الإرادة به بل قد يريد ذلك وقد لا يريده استغناء بما عنده من اللذة عن تلك ~~الزيادة فلا يجب فيه حصول الداعي التام وهذا أمر محسوس # الوجه الثاني عشر # إنا لو فرضنا في حقنا أنه يجب تحصيل المفروح به مع القدرة عليه فلم قلت ~~إنه في حق الرب تعالى كذلك وليس معك إلا مجرد القياس التمثيلي الذي يتضمن ~~تمثيل الله بخلقه والقضية الكلية التي ادعيتها ممنوعة والعلم الضروري إذا ~~سلم فإنما هو في حق المخلوق فأما في حق PageV04P1465 @ الخالق فليس هناك ~~إلا مجرد القياس وهو منتقض بسائر الأمور الفارقة بين الله وبين خلقه ومن ~~جملتها الإرادة والمحبة والرضى فإن الإنسان إذا أراد الفعل وهو قادر عليه ~~وجب وجوده منه والله تعالى مريد لجميع الكائنات وهو قادر عليها ومع هذا فلا ~~توجد إلا في مواقيتها لا توجد قبل ذلك والعبد يقع مراده حين قدرته عليه ~~والله تعالى متأخر مراده مع دوام قدرته عليه # الوجه الثالث عشر # أن العبد إنما يحب مع قدرته وداعية حصول مراده ولذته لأنه يتضرر بعدم ~~حصوله فإن كماله وصلاحه بحصول ما يحبه ويريده ويلتذ به وبعدمه يكون متضررا ~~ناقصا والله سبحانه لا يلحقه الضرر بوجه ما # الوجه الرابع عشر # لم قلت بأن كل ما يحبه الرب سبحانه ويرضاه ويفرح به يمكن وجوده في وقت ~~واحد فإن ذلك قد يستلزم الجمع بين النقيضين فإن الحوادث المتعاقبة يستحيل ~~اجتماعها في آن واحد فإذا كان يحب ما يمتنع حصوله كله في آن واحد كانت ~~محبته ورضاه وفرحه به متعلقا به وقت وجوده PageV04P1466 @ وحصوله ووجوده ~~قبل ذلك محال والمحال لاتتعلق به المحبة والفرح يوضحه # الوجه الخامس عشر # إنه سبحانه ms574 إذا كان يحب أمورا وتلك الأمور المحبوبة لها لوازم يمتنع ~~وجودها بدونها كان وجود تلك الأمور مستلزما للوازمها التي لا توجد بدونها ~~مثاله محبته للعفو والمغفرة والتوبة وهذه المحبوبات تستلزم وجود ما يعفو ~~عنه ويغفره ويتوب إليه العبد منه ووجود الملزوم بدون لازمه محال فلا يمكن ~~حصول محبوباته سبحانه من التوبة والمغفرة والعفو بدون الذي يتاب منه ويغفره ~~ويعفو عن صاحبه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لو لم ~~تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم وهذا هو الذي ~~وردت الأحاديث الصحيحة بالفرح به وهذا المفروح به يمتنع وجوده قبل الذنب ~~فضلا عن أن يكون قديما فهذا المفروح به يجب تأخره قطعا ومثل هذا ما روي أن ~~آدم لما رأى PageV04P1467 @ بنيه ورأى تفاوتهم قال يا رب هلا سويت بين ~~عبادك قال إني أحببت أن أشكر ومعلوم أن محبته للشكر على ما فضل به بعضهم ~~على بعض يوجب تفضيل بعضهم على بعض ولا يحصل ذلك مع التسوية بينهم فإن الجمع ~~بين التسوية والتفضيل جمع بين النقيضين وذلك محال # الوجه السادس عشر # أن يقال اللذة التي هي الفرح والرضى والسرور ونحوها يجب وجودها من القادر ~~إذا كان مستغنيا عنها بلذة أخرى أكمل منها أم مطلقا إن قلتم بالثاني فهو ~~ممنوع وإن قلتم بالأول قيل فإن الله سبحانه مستغن عن أن يحدث كل ما يقدر ~~عليه من هذه الأمور في وقت واحد بل إذا كان العبد مستغنيا عن فعل ما هو من ~~جنس اللذات مع قدرته على ذلك فالله أجل وأعظم فإن قال إذا كان غنيا عنها لم ~~تكن لذة قيل إن صح هذا فهو حجة عليكم ومبطل لحجتكم # الوجه السابع عشر # أن يقال هو لا يحدثها إلا إذا أحبها ورضيها وتضمنت فرحه بها وحيث لا يكون ~~ذلك لا تكون محبوبة ولا مرضية له ولا مفروحا بها فالأمور التي يحبها الله ~~ويرضاها ويفرح بها لها صفات ومقادير تقتضي أن تكون محبوبة مرضية مفروحا بها ~~في ms575 وقت دون وقت كما تقتضي أن يكون مراده في وقت دون وقت ما فإن قلت هذا ~~يقتضي حلول الحوادث PageV04P1468 @ به قيل هذا لا يمتنع على أصول الطائفتين ~~فمن قال بهذه المسألة من المتكلمين والصوفية والفقهاء وجمهور أهل الحديث ~~وأكثر الفلاسفة لم يرد هذا عليه ومن منع ذلك فإنه يقول فيه ما يقوله في ~~محبته ورضاه أنه قديم أزلي لم يزل محبا راضيا مواليا لمن أحبه ورضيه ووالاه ~~ولم يزل غضبان مبغضا لمن غضب عليه وأبغضه وعاداه ويقول إن المتجدد هو ~~التعلق فقط وهذا قول بن كلاب والأشعري ومن وافقه من الفقهاء والمحدثين ~~والمتكلمين # الوجه الثامن عشر # أن يقال لو صح ما ذكرته كان مستلزما أن لا يخلق الرب تعالى شيئا أو يخلق ~~كل شيء قبل خلقه إياه وهو من جنس شبه الدهرية الفلاسفة في قدم العالم قالوا ~~المقتضي لوجود العالم إن كان تاما في الأزل وجب وجوده وإن لم يكن تاما لزم ~~أن لا يوجد وهذا منقوض بما يوجد من الحوادث اليومية ووجه الإلزام أن يقال ~~لو صح عليه الخلق والإبداع والإرادة لكان إما خالقا لمراده في الأزل وهو ~~محال وإما أن لا يخلقه في الأزل وهو محال لأنه ممكن مقدور وكل من صحت عليه ~~الإرادة والخلق والإبداع إذا كان عالما بقدرته على تحصيل مراده وهو ممكن ~~مقدور فإنه يكون كالملجأ إلى إيجاد مراده فإن قلت الإرادة من شأنها أن تخصص ~~وتميز والله سبحانه أراد وجود كل شيء في وقته على صفة PageV04P1469 @ ~~ومقدار وجعل لكل شيء قدرا قلت هذا حق في نفسه ولكن هو حجة عليك لا لك فإنه ~~سبحانه كما أراد وجود كل شيء في وقته على صفة ومقدار يختص به فهكذا محبته ~~ورضاه لما يرضى به وفرحه بما يفرح به سواء # الوجه التاسع عشر # إنا متى رجعنا إلى الموجود فمتى علمنا أن أحدنا إذا كانت إرادته جازمة ~~وقدرته تامة وجب وجود الفعل منه مقترنا بإرادته وقدرته ولا يتأخر الفعل إلا ~~لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة وهذا ms576 أمر يجده الإنسان من نفسه وهذا ~~النافي لا ينازع في ذلك ويقر به ويقرره فإذا كان هذا حالنا فيما نريده ~~ونقدر عليه فإذا كان الله عندك قادرا مريدا إرادة جازمة وجب وجود جميع ~~مراده في الأزل وذلك محال ووجب أن لا يكون في الأزل لأنه متعاقب وهو محال ~~لوجود القدرة التامة والإرادة الجازمة وما أفضى إلى المحال فهو محال فيلزم ~~انتفاء القدرة والإرادة كما ذكرت في انتفاء المحبة والفرح والرضى الذي ~~أدخلته في قسم اللذة سواء بسواء ومهما أجيب به عن هذا فهو بعينه جوابنا لك ~~إن قلت إن إرادة الله لا تقاس بإرادة خلقه قيل لك وفرحه ورضاه لا يقاس ~~بفرحهم ورضاهم # وإن قلت إرادة الله تخصيص الأشياء بخواصها قيل لك هذا بعينه موجود في ~~محبته ورضاه فإنه مستلزم للإرادة أو نوع منها وذلك مستلزم لما نفيته من ~~لوازمه وهو للفلاسفة PageV04P1470 @ # ألزم فإن كل كائن له ما يختص به صفة وقدرا وللحوادث أوقات يختص بها فذاته ~~سبحانه إن كانت مقتضية لوجود كل موجود وجب وجود كل ممكن مقارنا لوجوده وإن ~~لم تكن مقتضية للوجود لزم أن لا يوجد عنه شيء فإذا قالوا لا يمكن للأمر إلا ~~كذا كان هذا جوابنا بعينه في هذا المقام # الوجه العشرون # إنهم فسروا في مسألة التحسين والتقبيح الحمد والذم بما يستلزم اللذة ~~والألم كما فعل بن الخطيب وغيره لما ناظروا القائلين بالتحسين والتقبيح ~~العقليين قال بعد مطالبته لهم بحقيقة المدح والذم فإن قيل فما حقيقة المدح ~~والذم عندكم قلنا المدح هو الإخبار عن كون الممدوح مستحقا لأن يفعل به ما ~~يفرح به أو يلتذ به والذم هو الإخبار عن كونه مستحقا لأن يفعل به ما يحزن ~~به قال ولكن إذا فسرنا المدح والذم بذلك استحال تصوره في حق الله لاستحالة ~~الفرح والغم عليه قال وقد حكينا أن توجه هذا السؤال ابتداء على سبيل ~~المطالبة من غير التزام لتقسيم خاص فنقول # معنى الاتضاع والارتفاع الأمر الذي يسوءه ويحزن به PageV04P1471 @ والذي ~~يسره ويفرح به أو أمر ms577 آخر وراء ذلك فإن كان الأول لم يتقرر معناه في حق ~~الله تعالى لاستحالة الفرح والحزن عليه وإن كان الثاني فبينوه فإنا بعد ~~الإنصاف جربنا أنفسنا فلم نجد للمدح والذم حاصلا وراء الفعل المؤدي إلى ~~الفرح والحزن فليتدبر العاقل هذا الكلام حق التدبر وما يلزم منه فإنه إذا ~~كان حقيقة المدح هو الخبر الذي يتضمن فرح الممدوح ولذته والذم خبر يتضمن ~~ألم المذموم فلا يتصور مدح ولا ذم عنده إلا مع اللذة والألم وقد علم ~~بالاضطرار من دين المسلمين كلهم بل ومن دين جميع الرسل أن الله سبحانه يحمد ~~ويمدح ويثنى عليه وأنه يحب ذلك ويرضاه ويأمر به بل حمده والثناء عليه من ~~أعظم الطاعات وأجل القربات # وفي المسند من حديث الأسود بن سريع قال أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقلت يا رسول الله إني قد حمدت ربي تبارك وتعالى بمحامد ومدح وإياك ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن ربك تعالى يحب المدح هات ما ~~امتدحت به ربك فقال فجعلت أنشده # وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال PageV04P1472 @ قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا أحد أغير من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه ولمسلم وليس ~~أحد أحب إليه العذر من الله ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ومن محبته سبحانه ~~الثناء عليه صدق المثني عليه بأوصاف كماله كما في النسائي والترمذي وبن ~~ماجة من حديث الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قال العبد لا إله إلا الله والله ~~أكبر قال يقول تبارك وتعالى لا إله إلا أنا وأنا الله أكبر وإذا قال لا إله ~~إلا الله وحده قال صدق عبدي لا إله إلا أنا وحدي وإذا قال لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له قال صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا شريك ms578 لي وإذا قال ~~PageV04P1473 @ لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال صدق عبدي لا إله ~~إلا أنا لي الملك ولي الحمد وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله قال صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي فمن محبته ~~للثناء عليه صدق المثني عليه ووافقه في ثنائه عليه # ونظير هذا ما في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم يقول ~~الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ~~ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ قال الله ~~حمدني عبدي فإذا قال @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ قال الله أثنى علي عبدي فإذا ~~قال @QB@ مالك يوم الدين @QE@ قال الله مجدني عبدي فإذا قال @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ قال هذه بيني وبين عبدي فإذا قال @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ قال ~~هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل # ولما كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة التي هي عماد ~~الإسلام ورأس الطاعات شرع في أولها ووسطها وآخرها وجميع أركانها ففي دعاء ~~الاستفتاح يحمد PageV04P1474 @ ويثنى عليه ويمجد وفي ركن القراءة يحمد ~~ويثنى عليه ويمجد وفي الركوع يثنى عليه بالتسبيح والتعظيم وبعد رفع الرأس ~~منه يحمد ويثنى عليه ويمجد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ربنا ولك ~~الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد ~~أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ~~ينفع ذا الجد منك الجد وفي السجود يثنى عليه بالتسبيح المتضمن لكماله ~~المقدس والعلو المتضمن لمباينته لخلقه وفي التشهد يثنى عليه بأطيب الثناء ~~من التحيات ويختم ذلك بذكر حمده ومجده # | فصل # ومن محبته للثناء عليه شرعه للداعي قبل سؤاله ودعائه ليكون وسيلة له بين ~~يدي حاجته كالمتقرب إلى المسؤول بما يحبه ويسأله بين يدي مطلوبه كما في ~~السنن والمسند من PageV04P1475 @ حديث ms579 فضالة بن عبيد قال جاء رجل فصلى فقال ~~اللهم اغفر لي وارحمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجلت أيها المصلي ~~إذا صليت ففرغت فاحمد الله ما هو أهله ثم صل على النبي ثم ادعه قال ثم صلى ~~رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم أيها المصلي ادع تجب وفي السنن عن بن مسعود قال ~~كنت أصلي فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم سل تعطه سل تعطه # وهكذا في أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح لما يأتوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليشفع لهم فقال فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي فيلهمني ~~محامد فأحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقول ~~يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع وفي لفظ فأثني على ربي ~~بثناء وتمجيد يعلمنيه # فمن محبته سبحانه للثناء عليه ألهم رسوله منه في ذلك المقام ما يكون ~~وسيلة بين يدي شفاعته PageV04P1476 @ # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده اللهم إني أعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك # وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك وعد الجنة وقد تقدم ذلك من حديث ~~بن مسعود وفي الدعاء المأثور اللهم لك الحمد حمدا يشرق له وجهك وفي الأثر ~~الآخر اللهم لك الحمد حتى ترضى وفي الحديث الآخر سبحان الله عدد خلقه ورضى ~~نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته أي تسبيح يبلغ رضى نفسه PageV04P1477 @ # | فصل # ومن محبته لحمده والثناء عليه أنه جعل حمده مفتاح كل كلام ذي بال وخاتمة ~~كل أمر وافتتح كتابه بحمده وختم آخره بحمده وافتتح خلقه ms580 بحمده وجعل حمده ~~خاتمة الفصل بينهم فقال تعالى @QB@ الحمد لله فاطر السماوات والأرض @QE@ ~~فاطر 1 # وقال @QB@ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور @QE@ ~~الأنعام 1 # وقال @QB@ وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين @QE@ الزمر 75 # فافتتح خلقه وأمره بحمده وختمهما بحمده # وفي المسند والسنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل ~~أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم ولهذا كانت سنة المسلمين في ~~PageV04P1478 @ صلاتهم وخطبهم كلها افتتاحها بالحمد حتى خطبة الحاجة ولقد ~~كان أول من يدعى إلى الجنة الحامدون والنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ~~بيده لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت ذلك اللواء فخص اللواء بالحمد لأنه أحب ~~شيء إلى الله واشتق لأحب خلقه إليه وألزمهم عليه من الحمد اسمين يتضمنان ~~كثرة حمده وفضله وهما محمد وأحمد وسمى أمته الحامدين وأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن أفضل الدعاء الحمد PageV04P1479 @ # | فصل # ومن محبته للثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله أنه أمر من ذكره بما لم ~~يأمر به في غيره فقال تعالى @QB@ واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون @QE@ ~~الجمعة 10 # فعلق الفلاح بكثرة ذكره وقال @QB@ الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم @QE@ آل عمران 191 # فعم بذكره أحوال العباد كلها لأن العبد إما أن يكون قائما أو قاعدا أو ~~مضطجعا فأراد منه ذكره في هذه الأحوال كلها وأخبر أنه من ألهاه ماله وولده ~~عن ذكره فهو خاسر فقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون @QE@ المنافقون 9 # وأمر بذكره في أعظم المواطن التي يذهل الإنسان فيها عن نفسه وهي حاله عند ~~ملاقاة عدوه فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا @QE@ الأنفال 45 # وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV04P1480 @ أنه قال ~~إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه # وجعل سبحانه ذكره سببا لصلاته على عبده وذكره له فقال ms581 تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما @QE@ الأحزاب ~~41 43 # وقال تعالى @QB@ فاذكروني أذكركم @QE@ البقرة 152 # وجعل ترك ذكره والثناء عليه سببا لنسيانه لعبده وإنسائه نفسه فلا يلهمه ~~مصالحه ولا يوفقه لإرادتها وطلبها فقال تعالى @QB@ نسوا الله فنسيهم @QE@ ~~التوبة 67 # وقال تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم @QE@ الحشر ~~19 # فلما نسوا ذكره والثناء عليه وتحميده وتمجيده نسيهم من رحمته وأنساهم ~~مصالح نفوسهم فلم يعرفوها ولم يطلبوها بل تركوها مهملة معطلة مع نقصها ~~وعيوبها PageV04P1481 @ # | فصل # ومن محبته للثناء عليه وتحميده وتمجيده أنه وعد عليه بما لم يعد به على ~~غيره كما في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد ~~البحر وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مجالس الذكر رياض الجنة كما في ~~السنن والمسند من حديث جابر قال خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض ~~فارتعوا في رياض الجنة قالوا وأين رياض الجنة قال مجالس الذكر فاغدوا ~~وروحوا في ذكر الله وذكروه أنفسكم من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله ~~فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه ~~PageV04P1482 @ # وفي الترمذي وصحيح الحاكم عن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني بشيء أتشبث به ~~فقال لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله # وفي السنن وصحيح الحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبق المفردون قالوا يا رسول الله وما المفردون قال الذين يهمزون في ~~ذكر الله وفي لفظ وضع الذكر عنهم أثقالهم فوردوا القيامة خفافا ~~PageV04P1483 @ # وفيهما عن أبي ms582 الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا ~~مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه وفيهما عنه أيضا ألا أنبئكم بخير ~~أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخيرا لكم من إعطاء الذهب ~~والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا وما ذاك يا ~~رسول الله قال ذكر الله وقال معاذ بن جبل ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب ~~الله من ذكر الله وفيهما أيضا من PageV04P1484 @ حديث النعمان بن بشير قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يذكرون من جلال الله التحميد ~~والتسبيح والتكبير والتهليل ينعطفن حول عرش الرحمن لهن دوي كدوي النحل ~~يذكرن بصاحبهن أفلا يحب أحدكم أن يكون له عند الرحمن شيء يذكر به وفي صحيح ~~الحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لم يسبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد ~~كان بعده إلا من عمل عملا أفضل من عمله PageV04P1485 @ # وفيه أيضا عن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال سبحان الله ~~وبحمده غرست له نخلة في الجنة وفي الترمذي وصحيح الحاكم أيضا عن عبد الله ~~بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما على الأرض رجل يقول لا ~~إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~إلا كفرت عنه ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر وفي صحيح الحاكم أيضا عن ~~أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله أنا عند ظن عبدي بي ~~وأنا PageV04P1486 @ معك إذا ذكرتني وفي صحيح الحاكم وبن حبان عن أنس قال ~~كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد ~~تشهد ودعا فقال اللهم إني أسألك بأن ms583 لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع ~~السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به ~~أعطى وفيهما أيضا عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول ~~اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد سألت ~~الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب فأخبر أن هذا هو ~~الاسم الأعظم لما تضمنه من الحمد والثناء والمجد والتوحيد ولمحبة الرب ~~تعالى لذلك أجاب من دعا به وهذا باب يطول تتبعه جدا # والمقصود أنه إذا كان لا معنى للمدح إلا الإخبار المتضمن فرح الممدوح ~~وليس أحد أحب إليه المدح من الله وحمده والثناء عليه وذلك عنده بالمنزلة ~~التي لا يمكن وصفها ولا يحيط بها البشر كان المنكر لفرحه وما يستلزمه فرحه ~~منكر لحقيقة حمده ومدحه والثناء عليه وتمجيده وحينئذ فنقول في PageV04P1487 ~~@ # لوجه الحادي والعشرين # إن هؤلاء الجهمية يقرون بظاهر من القول وينكرون حقيقته ويصدون عن سبيل ~~الله ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل وينفرون من أحب الأشياء إلى الله ~~وأكرمها عليه وأعظمها عنده وهو ذكره بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله ~~والثناء عليه ومدحه بها وحمده عليها بل يكفرون من يثني عليه بها وينسبونه ~~إلى التشبيه والتجسيم ويستحلون منه مالا يستحله المحاربون من أعدائهم وذلك ~~عين العداوة لله ولرسوله كما قال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن إسحاق أنا ~~بن المبارك عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال ما عادى عبد ربه أشد عليه من ~~أن يكره ذكره وذكر من يذكره ومن المعلوم أن ذكره سبحانه إنما يتم بإثبات ~~حقائق أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله لا بألفاظ مجردة لا حقيقة لها # فهؤلاء المعطلة النفاة أبعد شيء عن حقيقة ذكر الله كما هم أبعد ms584 شيء عن ~~محبته كما أقروا بذلك على أنفسهم من أنه لا يحبه أحد ولا يحب أحدا فهم لا ~~يحبونه ولا يذكرونه وإن ذكروه فإنما يذكرونه بالسلب والعدم الذي هو أنقص ~~النقص وإن أحبوه فإنما يحبون ثوابه المنفصل لا ذاته ولا صفاته ولا يثبتون ~~ألذ ما في الجنة وأطيب ما فيها وأعظم نعيمها وهو النظر إلى وجهه وسماع ~~كلامه فهم PageV04P1488 @ عمدوا إلى لب الدين وقلبه فنبذوه وأبطلوه ووقفوا ~~في طريق الرسل وعارضوهم في دعوتهم وبيانه # بالوجه الثاني والعشرين # وهو أن دعوة الرسل تدور على ثلاثة أمور تعريف الرب المدعو إليه بأسمائه ~~وصفاته وأفعاله # الأصل الثاني معرفة الطريق الموصلة إليه وهي ذكره وشكره وعبادته التي ~~تجمع كمال حبه وكمال الذل له # الأصل الثالث تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم ~~الذي أفضله وأجله رضاه عنهم وتجليه لهم ورؤيتهم وجهه الأعلى وسلامه عليهم ~~وتكليمه إياهم ومحاضرتهم في مجالسهم # فيثبت الأصل الأول بذكر أوصاف الرب تعالى ونعوت جلاله على التفصيل وإثبات ~~حقائق أسمائه على وجه التفصيل ونفوا عنه ما يتضمن هذا الإثبات ويستلزمه ~~كالنسيان واللغوب والظلم والسنة والنوم والمثل والكفوء والند والصاحبة ~~والولد والسمي والجهمية عكسوا الأمر فسلبوا صفاته على التفصيل وأثبتوا له ~~ما يتضمن نفي ذاته وصفاته # وأما الأصل الثاني فإن الرسل أمرت الأمم بإدامة ذكره وشكره وحسن عبادته ~~فصدت النفاة القلوب والألسنة عن PageV04P1489 @ ذكره بإنكار صفاته وهم في ~~الحقيقة لا يشكرونه لأن الشكر إنما يكون على الأفعال وعندهم لا يقوم به فعل ~~لأنه يستلزم حلول الحوادث به فلا يشكر على فعل يقوم به وإن شكروه فإنما ~~يشكرونه على مفعولاته وهي منفصلة عنه فلم يشكر على أمر يقوم به عندهم # وأيضا فإن رأس الشكر الثناء والحمد وقد اعترفوا بأنه لا حقيقة له إلا ما ~~يقتضي فرح المحمود المثنى عليه وذلك في حقه محال عندهم كما تقدم حكاية ~~لفظهم # وكذلك هم منكرون لحقيقة عبادته وإن قاموا بصورها وظواهرها فإن حقيقة ~~العبودية كمال محبته وكمال الذل له وهم قد أقروا بأنه ms585 لا يحبه أحد ولا يمكن ~~أن يحب واحتجوا على ذلك بأن المحبة تستلزم المناسبة بين المحب والمحبوب ولا ~~مناسبة بين الخالق والمخلوق وهذا إنكار لحقيقة لا إله إلا الله فأن الإله ~~هو المألوه المستحق لغاية الحب بغاية التعظيم فنفوا هذا المعنى بتسميته ~~مناسبة كما نفوا محبته ورضاه وفرحه وغضبه وسخطه وكرامته ورأفته ورحمته ~~وضحكه وتعجبه بتسميتها كيفيات محسوسة ونفوا حياته وسمعه وبصره وقدرته ~~وكلامه وعلمه بتسميتها أعراضا ونفوا أفعاله بتسميتها حوادث ونفوا علوه على ~~خلقه PageV04P1490 @ واستوائه على عرشه والمعراج برسوله إليه بتسمية ذلك ~~تجسيما وتركيبا # وأما الأصل الثالث وهو تعريف الأمم حالهم بعد الوصول إليه فإنهم أنكروا ~~أجل ما فيه وأشرفه وأفضله وهو رؤية وجهه وسماع كلامه وإنما أثبتوا أمورا ~~منفصلة يتنعم بها من الأكل والشرب والنكاح ونحوها ومما يوضح ذلك # الوجه الثالث والعشرون # وهو ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال قيل يا رسول الله أرأيت ~~الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن ~~فأخبر صلى الله عليه وسلم أن حمد الناس للمؤمن بشارة معجلة في الدنيا ~~كالرؤية الصالحة كما في الصحيح عن PageV04P1491 @ عبادة بن الصامت أنه سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى @QB@ لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة @QE@ يونس 64 # قال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له فجعل حمد الناس له ~~في اليقظة والرؤيا الصالحة في المنام بشارة له في الدنيا والبشارة نوع من ~~الخبر وهو الخبر بما يسر فالحمد هو الخبر بما يسر المحمود ويفرحه فإنكار ~~فرحه ولوازم فرحه إنكار للحمد في الحقيقة # وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه ومعاذا ~~إلى اليمن قال لهما بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وعند مسلم كان ~~PageV04P1492 @ إذا بعث أحدا من الصحابة قال بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا ~~تعسروا وذلك أن الكلام نوعان إنشاء وإخبار فأمرهم في الإخبار أن يبشروا ولا ~~ينفروا وفي الإنشاء أن ييسروا ولا يعسروا فمن ms586 جعل المحمود والممدوح يحمد ~~ويمدح بما لا يحبه ولا يفرح به فقد عطل حقيقة حمده ومدحه التي تعطيلها ~~تعطيل لحقيقة الدين ومما يوضح ذلك # الوجه الرابع والعشرون # وهو أن الحسن والقبح سواء عرف بالشرع أو بالعقل إنما يعود إلى الملائم ~~والمنافي # والملائم يعود إلى الفرح ولوازمه والمنافي يعود إلى الغضب ولوازمه ~~والمثبتون للحسن والقبح العقليين رأوا ما يعلمه العبد بضرورته وفطرته من ~~حسن بعض الأعمال وقبح بعضها وأن ذلك من لوازم الفطرة فأثبتوه ولكن أخطأوا ~~في موضعين # أحدهما قياس الخالق على المخلوق في ذلك وأن ما حسن وقبح منهم حسن وقبح ~~منه وكذلك كانوا مشبهة الأفعال معطلة الصفات # الموضع الثاني نفيهم لوازم ذلك من الفرح والرضى والمحبة وتسميتهم ذلك لذة ~~وألما وكيفيات نفسانية # وأما النفاة فأصابوا في الفرق بين الله وبين الخلق وأن لا يقاس بخلقه ولا ~~يلزم أن ما حسن وقبح منهم يقبح PageV04P1493 @ ويحسن منه وأصابت أيضا في رد ~~ذلك إلى الملائمة والمنافرة وأخطأت في موضعين # أحدهما سلب الأفعال صفاتها التي باعتبارها كانت حسنة وقبيحة وجعلهم ذلك ~~مجرد نسب وإضافات عدمية # والموضع الثاني نفيهم لوازم ذلك عن الرب تعالى من محبته ورضاه وفرحه ~~وغضبه وسخطه وكراهته ومقته بتسميتها ذلك لذة وألما والفريقان جميعا لم ~~يهتدوا في تحقيق المسألة إلى أن كل حسن وقبح ثبت بشرع أو عقل أو عرف أو ~~فطرة فإنما يعود إلى الملائمة والمنافرة ولم يهتدوا أيضا إلى ثبوت الحسن في ~~أفعال الله بمعنى محبته ورضاه وفرحه وأنه لا يفعل إلا ما يمدح على فعله ~~ويحمد عليه وحمده ومدحه خبر بما يرضى به ويفرح به ويحبه وأنه منزه عن أن ~~يفعل ما يذم عليه والذم هو الخبر المتضمن لما يؤذي المذموم ويؤلمه وإن كان ~~أعداؤه من المشركين يؤذونه ويشتمونه كما في الحديث الصحيح لا أحد أصبر على ~~أذى من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم وفي الصحيح أيضا ~~يقول الله شتمني عبدي بن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني بن آدم وما ينبغي له ~~ذلك ms587 فأما شتمه إياي فزعم أني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم ~~يولد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي ~~من إعادته ومن ذلك قول أعدائه إنه فقير وإن يده مغلولة وإنه اتخذ صاحبة ~~PageV04P1494 @ وولدا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وحينئذ ~~فنقول في # الوجه الخامس والعشرين # إنه سبحانه كما يبغض هذا الإفك والباطل الذي قاله فيه أعداؤه ويشتد غضبه ~~منه ويؤذيه ذلك إذ لا ينقصه كما أخبر به عن نفسه بقوله يؤذيني بن آدم فهو ~~سبحانه يفرح بثناء المثني عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله أعظم فرح ويرضى به ~~ويحبه وإذا كان يفرح بتوبة التائب أعظم فرح يقدر فكيف فرحه سبحانه بالثناء ~~عليه وحمده ومدحه وتمجيده بما يصفه به أعداؤه مما لا يليق بكماله مما يتضمن ~~فرحه ومحبته ورضاه أعظم من ذلك فإن محبته تغلب غضبه وفضله أوسع من عدله وهو ~~سبحانه كما أنه موصوف بكل كمال فهو منزه عن كل نقص وعيب فكما أنه موصوف في ~~أفعاله بكل حمد وحكمة وغاية محمودة فهو منزه فيها عن كل عيب وظلم وقبيح ~~وبهذا استحق أن يكون محمودا على كل حال وأن يكون محمودا على المكاره كما هو ~~محمود على المحاب كما في صحيح الحاكم وغيره من حديث عائشة قالت كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم ~~الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال الحمد لله على كل حال واللفظ العام إذا ~~ورد على سبب وجب دخول السبب فيه PageV04P1495 @ فيوجب هذا الحمد أنه محمود ~~على هذا الأمر المكروه لأنه حسن منه وحكمة وصواب فيستحق أن يحمد عليه ~~وممايوضح ذلك # الوجه السادس والعشرون # وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين محبة الرب سبحانه للمدح ومحبته ~~للعذر كما في حديث المغيرة بن شعبة لا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ~~ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله من ms588 أجل ذلك ~~وعد الجنة وكذلك جمع بينهما في حديث بن مسعود فهو سبحانه شديد المحبة لأن ~~يحمد وأن يعذر ومن محبته للعذر إرسال رسله وإنزال كتبه ومن محبته للحمد ~~ثناؤه على نفسه فهو يحب أن يعذر على عقاب المجرمين المخالفين لكتبه ورسله ~~ولا يلام على ذلك ولا يذم عليه ولا ينسب فيه إلى جور ولا ظلم كما يحب أن ~~يحمد على إحسانه وإنعامه وأياديه عند أوليائه وأهل كرامته وحمده متضمن هذا ~~وهذا فهو محمود على عدله في أعدائه وإحسانه إلى أوليائه كما قال تعالى @QB@ ~~وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين @QE@ الزمر # فأخبر عن حمد الكون أجمعه له عقيب قضائه بالحق بين الخلائق وإدخال هؤلاء ~~إلى جنته وهؤلاء إلى ناره وحذف PageV04P1496 @ فاعل الحمد إرادة لعمومه ~~وإطلاقه حتى لا يسمع إلا حامد له من أوليائه وأعدائه كما قال الحسن البصري ~~لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه حجة ولا سبيلا وهو ~~سبحانه قد أعذر إلى عباده وأقام عليهم الحجة وجمع صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث بين ما يحبه ويبغضه فإنه قال فيه لا أحد أغير من الله من أجل ذلك ~~حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ~~ذلك مدح نفسه فإن الغيرة تتضمن البغض والكراهة فأخبر أنه لا أحد أغير منه ~~وأن من غيرته حرم الفواحش ولا أحد أحب إليه المدحة منه والغيرة عند المعطلة ~~النفاة من الكيفيات النفسية كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهية ~~فيستحيل وصفه عندهم بذلك ومعلوم أن هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة ~~عقلا وشرعا وعرفا وفطرة وأضدادها مذمومة عقلا وشرعا وعرفا وفطرة فإن الذي ~~لا يغار بل تستوي عنده الفاحشة وتركها مذموم غاية الذم مستحق للذم القبيح ~~وهؤلاء المعطلة النفاة لحقيقة محبته ورضاه وغضبه عندهم الأمران سواء ~~بالنسبة إليه وأن ما وجد من ذلك فهو يحبه ويرضاه وما لم يوجد من طاعاته ~~وامتثال أوامره فهو يبغضه ويسخطه بناء على أصلهم الفاسد أن ms589 PageV04P1497 @ ~~المحبة هي عين الإرادة والمشيئة فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه وإذا جاء هؤلاء ~~إلى النصوص الدالة على أنه لا يرضى بها ولا يحبها ولا يريدها وأولوها بمعنى ~~أنه لا يشرعها ولا يأمر بها ولا يحبها ولا يرضاها دينا وهو التأويل الأول ~~بتغيير العبارة وحينئذ فنقول في # الوجه السابع والعشرين # إنه سبحانه عما يقول الجاهلون به إذا كان لا يفرح ولا يرضى بمدحه وحمده ~~والثناء عليه ولا يغضب ولا يسخط ويبغض شتمه وما قال فيه أعداؤه بل نسبة ~~الأمرين إلى ذاته وصفاته بنسبة واحدة إذ لو حصل فيه سبحانه فرح ورضى ومحبة ~~من ذلك وغضب وسخط وكراهة من هذا للحقته الكيفيات النفسية كان لا فرق عنده ~~بين الحسن والقبيح والمدح والذم وهذا غاية النقص والعيب شرعا وعقلا وفطرة ~~وعادة ومن كلام الشافعي من استرضي ولم يرض فهو جبار ومن استغضب ولم يغضب ~~فهو حمار وهذا يدل على موت القلب وبطلان الحسن وفقد الحياة ولهذا كان أكمل ~~الناس حياة أشدهم حياء وكان PageV04P1498 @ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أشد حياء من العذراء في خدرها لكمال حياة قلبه والله سبحانه الحي القيوم ~~وقد وصف نفسه بالحياء ووصفه رسوله فهو الحيي الكريم كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما ~~صفرا وقالت أم سليم يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق وأقرها على ذلك ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء ~~في أعجازهن PageV04P1499 @ # والحياء عند هؤلاء من الكيفيات النفسانية فلا يجوز عندهم وصف القديم بها ~~المقصود أنه كلما كانت صفات الكمال في الحي كان فرحه ومحبته ورضاه وغضبه ~~ومقته أكمل ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غضب لم يقم لغضبه شيء ~~وفي الأثر إن موسى كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته وكان أشد بني إسرائيل حياء ~~حتى أنه لا يغتسل إلا وحده من شدة حيائه # وإذا كانت هذه صفات كمال ms590 فلا يجوز سلبها عمن هو أحق بالكمال المطلق من كل ~~أحد بمجرد تسميتها كيفيات نفسية وأعراضا وانفعالات ونحو ذلك فإن هذا من ~~اللبس والتلبيس وتسمية المعاني الصحيحة الثابتة بالأسماء القبيحة المنفرة ~~وتلك طريقة للنفاة مألوفة وسجية معروفة وإذا عرف هذا تبين أن هؤلاء المعطلة ~~النفاة أضاعوا PageV04P1500 @ حق الله الذي يستحقه لنفسه والذي بعث به رسله ~~وأنزل به كتبه والذي هو أصل دينه ومنتهى عبادته بما هم متناقضون فيه # وقد سبق لك أنهم معترفون بما فطر الله عليه خلقه أن المدح يتضمن فرح ~~الممدوح ولوازمه ولهذا لزمهم القول بخلاف ما يعلم بالضرورة من دين الرسل من ~~أولهم إلى آخرهم إن الله لا يفرح بمدحه وحمده وتمجيده والثناء عليه ولا ~~يرضى نفسه بذلك ولا يكون محبوبا له على الحقيقة وهذا هم معترفون به لا ~~يتحاشون منه ولا يستكنفون من إطلاقه وإنما العجب تصريحهم بأنه لا يمدح بمدح ~~والمدح هو أصل الثناء والحمد # وقد صرحوا باستحالة ذلك في حقه كما قالوا المدح هو الإخبار عن كونه ~~مستحقا لأن يفعل به ما يفرح به ويلتذ به والذم هو الإخبار عن كونه مستحقا ~~لأن يفعل به ما يحزن به ويتألم به قالوا وإذا فسرنا المدح والذم بذلك ~~استحال تصورهما في حق الله تعالى لاستحالة الفرح والغم عليه وقد أبطل ~~فأضلهم طرق الناس وعول على هذه الطريقة كما تقدم حكاية لفظه وهذا اعتراف ~~منه PageV04P1501 @ بأنه ليس للمدح والذم حاصل إلا ما لا يتصور في حق الله ~~فلا يتصور عنده أن يكون الله محمودا ممدوحا بحال ومعلوم أن فساد هذا في دين ~~الرسل كلهم وجميع فطر بني آدم من أوضح الواضحات وحينئذ فنقول في # الوجه الثامن والعشرين # قولكم إن المدح يستحيل تصوره في حق الله من أوضح الكفر وأقبح المعاداة ~~لله والمناقضة لكتبه ورسله واستدلالكم على ذلك بأن الفرح يستحيل عليه أبطل ~~وأبطل بل قد علم بالاضطرار عقلا وفطرة وشرعا أن المستحق لغاية المدح الكامل ~~المطلق هو الرب سبحانه فهذا أحق الحق ولازمه حق فإنه لا يلزم ms591 من الأحق إلا ~~حق فإن كان الفرح لازما لهذا المدح فهو حق وقد أثبته له سبحانه أعلم خلقه ~~وأعرفهم به وبصفاته وما يجب له ويمتنع عليه وقرب فرحه سبحانه إلى الأذهان ~~بما هو أعظم من أنواع الفرح وهو فرحه بتوبة التائب إليه فكيف بما هو أعظم ~~من ذلك من حمد الحامدين له ومدحهم له وثنائهم عليه فإذا كان المدح مستلزما ~~للفرح وقد علم أنه يستحق المدح أجمع علم أنه يفرح بمدحه وإثبات الملزوم ~~ونفي لازمه محال ولهذا لما تفطن هؤلاء لذلك علموا أنه لا يمكن إثبات ~~الملزوم ونفي لازمه صرحوا بنفي اللازم والملزوم وقالوا يستحيل ثبوت المدح ~~والفرح في حقه فنقول في PageV04P1502 @ # الوجه التاسع والعشرين # إنه من المعلوم أن كونه سبحانه يستحق المدح والمحامد أبين في الشرع ~~والعقل والفطرة من كونه لا يفرح والواجب أن يستدل بالمعلوم على المجهول ~~وبالواضح على الخفي أما أن يستدل بانتفاء الفرح على انتفاء كونه مستحقا ~~للمدح فهذا من أبطل الباطل وهو خروج عن مقتضى السمع والعقل وهو من فعل أهل ~~التلبيس والتدليس وإذا تبين ذلك عرف أن هؤلاء الجهمية المعطلة الذين يذكرون ~~ما وصف الله به نفسه من الرضى والفرح يلزم لزوما بينا أن يجحدوا حمده ~~سبحانه ومدحه والثناء عليه واستحقاقه لذلك بموجب هذه القضية الكاذبة ~~الباطلة التي قرروها وهذا شأن جميع قضاياهم الكاذبة التي تتضمن تعطيل ما ~~وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله فإنها تستلزم إثبات الباطل وإبطال الحق ~~ويأبى الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه والحمد لله رب العالمين # الوجه الثلاثون # أن يقال قولكم إن المدح والذم لا معنى لهما إلا بمجرد الخبر عن استحقاق ~~ما يفرح ويؤلم ليس كذلك والتحقيق أن فيهما معنى زائدا على الخبر المجرد ~~سواء دل اللفظ على ذلك المعنى الزائد بالتضمن أو باللزوم فإن الحامد المادح ~~يقترن بحمده ومدحه محبة المحمود والرضى عنه وتعظيمه وكذلك PageV04P1503 @ ~~الذام يقترن بذمه بغض المذموم وتنقصه وقلاه ولهذا فسر كثير من الناس الحمد ~~بالرضى واختاره الآمدي في ابكاره وغيره ms592 فالآمدي فسره بالرضى وهو من باب ~~الإرادات والرازي فسره بالخبر وهو من باب الاعتقادات والتحقيق أن الحمد ~~والذم يتضمن الأمرين جميعا فالمادح يعتقد أن في الممدوح والمحمود ما يحبه ~~ويرضى به ويفرح به ويكون مع هذا الإعتقاد والخبر في قلبه من محبته والرضا ~~به والفرح ما استحق به أن يكون حامدا له ومادحا وهذا أمر يجده الحامد ~~المادح من نفسه إذا كان مادحا بحق وصدق بخلاف المدح بالباطل فإنه كذب لا ~~يستلزم شيئا من ذلك فالمدح والحمد أصلهما الخبر ويتبعه الحب والرضا والذم ~~أصله الخبر ويتبعه البغض والسخط والصلاة على من يصلى عليه أصلها الطلب ~~والإرادة ويتبعها الخبر ولعنة من يلعن أصلها طلب إهانته وإقصائه ويتبعها ~~الخبر وهذان النوعان من الخبر وهما الإخبار عن الشيء بالخبر السيء وطلب ~~السوء له والإخبار عنه بالخبر الحسن وطلب الخير له الأول أصل اللعن والثاني ~~أصل الصلاة وهو سبحانه يلعن أعداءه ومن يفعل ما يبغضه ويسخطه ويصلي على ~~أوليائه وأهل طاعته وذكره وفي صحيح مسلم PageV04P1504 @ عنه صلى الله عليه ~~وسلم لا يكون الطعانون واللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة فإن الشهادة ~~من باب الخبر والشفاعة من باب الطلب ومن يكون كثير الطعن على الناس وهو ~~الشهادة عليهم بالسوء وكثير اللعن لهم وهو طلب السوء لهم لا يكون شهيدا ~~عليهم ولا شفيعا لهم لأن الشهادة مبناها على الصدق وذلك لا يكون فيمن يكثر ~~الطعن فيهم ولا سيما فيمن هو أولى بالله ورسوله منه والشفاعة مبناها على ~~الرحمة وطلب الخير وذلك لا يكون ممن يكثر اللعن لهم ويترك الصلاة عليهم ومن ~~أعظم أسباب سعادة العبد أن يكون موافقا لربه سبحانه في صلاته على من صلى ~~عليه ولعنته لمن لعنه كما في مسند الإمام أحمد وصحيح الحاكم من حديث زيد بن ~~ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه وأمره أن يتعاهد أهله في كل ~~صباح لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وإليك اللهم فما قلت من ~~قول أو حلفت من حلف أو نذرت ms593 من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك كله ما شئت كان وما ~~لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بك إنك على كل شيء قدير اللهم ما صليت ~~من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت أنت وليي في الدنيا ~~والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء ~~وبرد العيش بعد الموت ولذة PageV04P1505 @ النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك ~~في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم أو أعتدي أو ~~يعتدى علي أو أكسب خطيئة أو ذنبا لا تغفره اللهم فاطر السماوات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة ذا الجلال والإكرام فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا ~~وأشهدك وكفى بك شهيدا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك ~~ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك وأشهد أن وعدك ~~حق ولقاءك حق والساعة آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور وأنك إن ~~تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك ~~فاغفر لي ذنوبي كلها إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وتب علي إنك أنت التواب ~~الرحيم فهذه ثلاثون وجها مضافة إلى المائتين فصارت مائتين وثلاثين وجها ~~تبطل معارضتهم للنصوص بالتوهمات والظنون الكاذبة التي يسمونها عقليات # الوجه الحادي والثلاثون بعد المائتين # أن نقول إذا عارضتم بين المعقول والمنقول فإما أن تكذبوا المنقول وإما أن ~~تصدقوه فإن كذبتموه ألحقتم بأعداء الرسل المكذبين لهم وانسلختم من العقل ~~والدين كانسلاخ الشعرة من العجين وإن صدقتم المنقول فإما أن تعتقدوا أن له ~~معنى أو تقولوا لا معنى له ولا يمكنكم أن تقولوا بالثاني إذ تستحيل ~~المعارضة على هذا التقدير وتبطل المسألة التي PageV04P1506 @ أصلتموها من ~~أصلها وإن قلتم بل للمنقول معان قصدها المتكلم وأراد من العباد اعتقادها ~~والإقرار بها فإما أن يدل اللفظ عليها أو لا يدل فإن لم يدل اللفظ عليها ~~كان ذلك متضمنا للمحال ms594 والعبث والقدح في الرب تعالى ورسله وكلامه من وجوه ~~متعددة فكيف يحسن به وبرحمته وحكمته وعنايته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم ~~أن يخاطبهم بكلام يريد منهم أن يفهموا منه مالا يدل عليه بوجه ما وهو ~~سبحانه قد أكذب هذا الظن الكاذب الجائر بقوله @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه ليبين لهم @QE@ إبراهيم 4 # وقوله @QB@ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ~~@QE@ فصلت 44 # فخطابهم بذلك من جنس خطاب كل أمة بلغة لا تفهمها البتة بل أبعد منه لأنها ~~يمكنها التوصل إلى معرفة المراد بهذا الخطاب بالترجمة كما يترجم التراجم ~~بين الرسل والملوك وأما الخطاب بما لا يدل على المعنى المراد بوجه في لغة ~~من اللغات وإرادة اعتقاد ذلك المعنى منه فلا يفعله عاقل ويصان عنه عقلاء ~~البشر فضلا عن أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعدل العادلين وهذا لو كان ~~المراد منه معاني لا يناقضها الكلام ولا يدل عليها بنفي ولا إثبات فكيف إذا ~~كان الكلام المخاطب به له معان تناقض تلك المعاني التي أراد منهم فهمها ~~ومخالفتها فهذا أبلغ في PageV04P1507 @ الإحالة وإن قلتم بل له معان ظاهرة ~~مفهومة أراد من العباد اعتقادها والإقرار بها فإما أن تقولوا هي في نفسها ~~حق مطابق للواقع أو تقولوا ليس لها وجود بل هي منتفية في نفس الأمر فإن ~~قلتم بالأول صدقتم ورجعتم إلى موجب العقل والنقل وإن قلتم بالثاني لزمكم أن ~~يكون الله ورسوله أراد من العباد اعتقاد الباطل والظلال والتشبيه والتجسيم ~~وهذا غاية المشقة والقدح في الحكمة والرحمة وإن قلتم له معان ظاهرة مفهومة ~~أراد من العباد نفيها وإنكارها وعدم اعتقادها وهذا هو حقيقة قولكم لزمكم ~~نسبة الله ورسوله إلى ما لا يليق بآحاد العقلاء فضلا عن رب الأرض والسماء ~~وخاتم الرسل وسيد الأنبياء فإنه يكون قد خاطبهم بإثبات ما أراد منهم نفيه ~~وتحقيق ما أراد منهم إبطاله وعرضهم لأنواع الكفر والضلال والتشبيه وكان ~~بمنزلة من أراد أن يصف لعليل دواء يستشفي به فوصف له دواء قاتلا وأخبره أن ms595 ~~فيه الشفاء والعافية وأراد منه أن يأخذ من ألفاظ ذلك الدواء ما لا يدل عليه ~~بل على خلافه فهل يكون هذا المداوي إلا من أجهل الناس وأعظمهم تلبيسا ~~وتدليسا فلا بد لكم من أحد هذه الأقسام المذكورة فإن كان ها هنا قسم آخر ~~فبينوه وبينوا صحته يوضحه # الوجه الثاني والثلاثون بعد المائتين # وهو أن الأدلة العقلية التي زعمتم أنها تعارض النقل وتنفي موجبه هي ~~بعينها تنفي المعاني التي تأولتم النقل عليها وحرفتم معناه إليها فإنكم لا ~~يمكنكم تعطيل دلالة PageV04P1508 @ النصوص بالكلية وجعلها بمنزلة الكلام ~~المهمل الذي لم يستعمله العقلاء بل لا بد لكم من حملها على معاني أخر غير ~~حقائقها التي دلت عليها وحينئذ فالأدلة العقلية التي نفيتم بها حقائق ~~النصوص تنفي تلك المعاني التي تأولتموها عليها بعينها مثاله أنكم تأولتم ~~الرحمة والرأفة بالإرادة وزعمتم أن الدليل العقلي يقتضي نفي الرحمة والرأفة ~~حقيقة وهو إما دليل الإعراض وإما دليل التركيب وإما الدليل الذي ينفي ~~التجسيم والتشبيه وإما دليل التوحيد الذي ينفي ثبوت شيء من الصفات وإما ~~دليل امتناع الكيفيات النفسانية عليه وإما دليل امتناع الاختصاص بغير مخصص ~~أو غير ذلك فجميع هذه الشبه الباطلة تنفي كل معنى حملتم عليه النصوص ~~ويلزمكم فيما أثبتموه نظير ما لزمكم فيما نفيتموه وإذا كان الإلزام ثابتا ~~على التقديرين لم تستفيدوا بتأويل النصوص وحملها على خلاف حقائقها إلا ~~تحريف الكلم عن مواضعه والقول على الله بلا علم والجناية على الكتاب والسنة ~~فلو أنكم تخلصتم بالتحريف مما فررتم منه من التشبيه والتجسيم كنتم قد صنعتم ~~شيئا ولكن أصابكم في ذلك ما أصاب القائل # ( وأفقرني فيمن أحب وما استغنى % ) # فهذان وجهان يعمان كل ما ينفون من الصفات الإلهية ويتأولونه على غير ~~تأويله من النصوص النبوية ويعتمدون عليه من الأقيسة العقلية PageV04P1509 @ # الوجه الثالث والثلاثون بعد المائتين # إن لازم هذا القول بل حقيقته أن أسماء الرب تعالى إنما تطلق عليه مجازا ~~لا حقيقة فإنه إذا قام الدليل العقلي على انتفاء حقائقها صار إطلاقها بطريق ~~المجاز والاستعارة لا بطريق الحقيقة ms596 فيكون إطلاقها على المخلوق بطريق ~~الحقيقة إذ لا يمكن أن يكون مجازا في الشاهد والغائب وقد نفيتم أن يكون ~~حقيقة في حق الرب سبحانه فتكون حقيقة في المخلوق مجازا في الخالق فيكون ~~المخلوق أحسن حالا فيها من الخالق وتكون حسنى في حقه دون حق الرب تعالى ~~لأنها إنما كانت حسنى باعتبار معانيها وحقائقها لا بمجرد ألفاظها فمن له ~~حقائقها فهي في حقه حسنى دون من انتفت عنه حقائقها وكفى بهذا خروجا عن ~~العقل والسمع وإلحادا في أسمائه سبحانه قال تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون @QE@ ~~الأعراف 180 # فإن قلتم حقائقها بالنسبة إليه ما يليق به وهو ما تأولناها عليه وحينئذ ~~فتكون حسنى بذلك الاعتبار وتكون حقيقة لا مجازا قيل فهلا حملتموها على ~~حقائقها المفهومة منها على وجه يليق به ولا يماثله في خلقه كما فعلتم ~~بحملها على تلك المعاني التي صرفتموها إليها فإن قلتم حملها على ذلك يستلزم ~~محذورا من تلك المحاذير قيل PageV04P1510 @ فكيف لم يستلزمه فيما أثبتموه ~~من تلك المعاني واستلزمه فيما نفيتموه وإذا كنتم قد أثبتم تلك على وجه يختص ~~به ولا يماثل خلقه فيه فأثبتوا له حقائقها على هذا الوجه وتكونون للعقل ~~والنقل موافقين وللكتاب والسنة مصدقين ولسلف الأمة وأعلمها بالله وصفاته ~~وأسمائه موافقين وعن سبيل أهل الإلحاد والتعطيل عادلين # الوجه الرابع والثلاثون بعد المائتين # إن الناس في هذه الأسماء التي تقال على الرب وعلى العبد مختلفون على ~~أقوال فقالت غلاة المعطلة من الجهمية إنها مجاز في حق الخالق حقيقة في حق ~~المخلوق وإنها استعيرت له من أسمائهم وهذا كما قيل خر عليهم السقف من تحتهم ~~لا عقل ولا قرآن فكيف يستعار للقديم الخالق سبحانه أسماء من المحدث المخلوق ~~وكيف يستقرض للغني الواجد من الفقير المعدم أترى لم يكن في الممكن أن يكون ~~للرب سبحانه من الأسماء إلا ما استعير له من أسماء خلقه ولما رأت طائفة من ~~العقلاء شناعة هذا المذهب وبطلانه قابلوا قائليه وقالوا بل هي ms597 حقيقة في ~~الرب مجاز في العبد وهذا قول أبي العباس الهاشمي وقد وافقه عليه طائفة ~~ويلزم أصحاب هذا القول صحة نفيها عن المخلوق كما يلزم أصحاب القول الأول ~~صحة نفيها عن الخالق والقولان باطلان مع أن أصحاب هذا القول وإن ~~PageV04P1511 @ كانوا خيرا من أولئك فهم متناقضون فإنهم إن أثبتوا للرب ~~تعالى حقائقها المفهومة منها فجعلها مجازا في المخلوق ممتنع فإن المعنى ~~الذي كانت به حقيقة في الغائب موجود في الشاهد وإن كان غير مماثل بل للرب ~~منه ما يختص به ولا يماثله فيه المخلوق وللمخلوق منه ما يختص به ولا يماثله ~~فيه الخالق وهذا لا يوجب أن تكون مجازا في حق المخلوق كالوجود والشيء ~~والذات وإن أثبتوها على غير حقائقها المفهومة منها بل جعلوا معناها ما ~~تأولوها عليه فقلبوا الحقائق وعكسوا اللغة وأفسدوها وجعلوا المجاز حقيقة ~~والحقيقة مجازا هذا وهم أعذر من أولئك وأقل خطأ فإنهم جعلوها مجازا في حق ~~من هو أولى بها من خلقه # وأولى من تثبت له على أتم الوجوه وأكملها أزلا وأبدا ووجوبا وبراءة عن كل ~~ما ينافي ذلك وجعلوها حقيقة في حق من استعيرت له على وجه الحدوث والضعف ~~والنقص فهؤلاء أعظم قلبا للحقائق ومخالفة للمعقول من أولئك وقالت طائفة ~~ثالثة بل هي حقيقة في الغائب والشاهد كالوجود والشيء والذات وإن لم تماثل ~~الحقيقة الحقيقة ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة هي مقولة عليها بالاشتراك ~~اللفظي لتباين الحقيقتين من كل وجه وهذا من أفسد الأقوال فإن كل عاقل يفرق ~~بين لفظي العين ولفظ المشتري ولفظ العين ونحوها وبين لفظ السميع والبصير ~~PageV04P1512 @ والحي والعليم والقدير ويفهم المعنى من هذه الألفاظ عند ~~إطلاقها دون تلك فلو كانت مشتركة لم يفهم منها شيء عند الإطلاق # وقالت طائفة أخرى بل يقال على القديم والحادث بطريق التواطىء وهي موضوعة ~~للقدر المشترك والخصائص لا تدخل في مسمى اللفظ قالوا ولهذا يصح تقسيم ~~معانيها إلى واجب وممكن وقديم ومحدث ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام # وقالت طائفة بل يقال على الرب والعبد بطريق التشكيك ms598 لأنها في الرب أولى ~~وأتم وأكمل ولا ريب أن المتواطئ يعم ما تساوت أفراده فيه وما تفاوتت ~~فالمشكك نوع من المتواطىء وإذا عرف هذا فمن نفى حقائقها عن الرب سبحانه ~~جعلها مجازا في حقه حقيقة في المخلوق يوضحه # الوجه الخامس والثلاثون بعد المائتين # إنه قد علم أن المعنى المستعار يكون في المستعار منه أكمل منه في ~~المستعار وأن المعنى الذي دل عليه اللفظ بطريق الحقيقة أكمل من المعنى الذي ~~دل عليه بطريق المجاز وإنما يستعار لتكميل معنى المجاز مثل الأسد فإن ~~شجاعته لما كانت أكمل من شجاعة بن آدم والبحر لما كان أوسع من PageV04P1513 ~~@ بن آدم والشمس والقمر لما كانا أبهى وأحسن استعيرت أسماؤها لما دونها ~~فإذا قيل إن هذه الأسماء مجاز في حق الرب حقيقة في حق العبد كانت في العبد ~~أكمل وأتم منها في الرب وكانت تسمية الرب سبحانه بها تقريبا وتمثيلا لما هو ~~حقيقة في العبد وهل في الباطل والضلال والكفر والمحال فوق هذا والظاهر ~~والله أعلم أن أكثر هؤلاء النفاة المعطلة جهال لا يتصورون حقيقة أقوالهم ~~ولوازمها وإلا فمن آمن بالله وكان له في قلبه جلالة وعظمة ووقار لا يرضى ~~بذلك ولا يعتقده وإن كان كثير من الناس لا يتحاشى من ذلك ولا يأنف منه لقلة ~~وقار الله في قلبه وبعده عن معرفته وإساءة ظنه بأهل الإثبات وإحسان ظنه ~~بطائفته وأهل نحلته وضلال بني آدم لا يحيط به إلا من هو بكل شيء محيط # الوجه السادس والثلاثون بعد المائتين # إن أعقل الخلق على الإطلاق الرسل وأتباعهم بعدهم أعقل الأمم وأهل الكتاب ~~والشرائع الكبار أعقلهم وأعقل هؤلاء المسلمون وأعقل المسلمين أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان وأهل السنة والحديث أعقل ~~الأمة بعدهم على الإطلاق والبرهان القاطع على هذا أنه قد ظهر على أيدي ~~الرسل من العلم النافع والعمل الصالح ومصالح الدنيا والآخرة PageV04P1514 @ ~~ما لم يظهر مثله ولا قريب منه ولا ماله البتة نسبة بوجه من الوجوه على أيدي ~~غيرهم من العقلاء ومن تدبر ms599 سيرتهم في أنفسهم وفي خاصتهم وفي العامة وصبرهم ~~وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الله وما عنده واشتمالهم من الأخلاق على ~~أزكاها ومن الشيم على أرضاها وأنهم أصدق الخلق وأبرهم قلوبا وأزكاهم نفوسا ~~وأعظمهم أمانة وأكرمهم عشرة وأعفهم ضمائر وأطهرهم سريرة لم يشك أنهم أعقل ~~خلق الله على الإطلاق ولا ريب أن كل من كان إليهم أقرب كان حظه من العقل ~~أوفر والعلوم والأعمال والسيرة والدلائل على ذلك وأما أعدائهم وخصومهم فقد ~~ظهر من نقصان عقولهم ما كان الحيوان البهيم أحسن به حالا منهم فإنه لا يقدم ~~على هلاكه وخصماء الرسل وخصماء أتباعهم متهافتون في أسباب هلاكهم تهافت ~~الفراش في النار وظهر نقصان هذه العقول في علومهم ومعارفهم مثل ظهوره في ~~أعمالهم أو أعظم فإن كل من له نور وبصيرة إذا عرض على العقل الصحيح والفطرة ~~السليمة ما جاءت به الرسل وما قالته النفاة المعطلة في الله جل جلاله تبين ~~له الذي بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق ومن أعظم المحال أن ~~يكون أعقل الخلق PageV04P1515 @ وأعقل الأمم مطيعين على الانقياد لكتاب قد ~~خالفه صريح العقل ويكون ذلك الكتاب متضمنا لخلاف الصواب في أعظم مطالب ~~الدعوة الإلهية وظاهره ظلال ومحال ويطبق عليه أعقل بني آدم ويتلقونه ~~بالقبول وتشهد عقولهم وفطرهم أنه الحق والصواب وأن ما خالفه فهو الباطل ~~والإفك والمحال وتصح به قلوبهم وتطمئن به وتسكن إليه وتزكوا به النفوس أعظم ~~زكا وهذا من المحال أن يحصل بما يخالف صريح العقل ويكون الصواب في خلاف ما ~~دل عليه فإن القلوب الصحيحة والفطر السليمة والعقول المستقيمة لا تطمئن ~~بباطل أبدا بل يكون أهله كما قال الله سبحانه @QB@ بل كذبوا بالحق لما ~~جاءهم فهم في أمر مريج @QE@ ق 5 # وقال تعالى @QB@ إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك @QE@ الذاريات 8 # وقال @QB@ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا @QE@ ~~الإسراء 48 # ووصف سبحانه المصدقين به الذين لا يقدمون عليه غيره بطمأنينتهم به وجعل ~~ذلك من أعظم آيات صدقه في أنه ms600 لو كان باطلا مخالفا للعقول لم تطمئن به ~~القلوب بل كانت ترتاب به أعظم ريب فإن الكذب في الأمور الجزئية ~~PageV04P1516 @ ريبة فكيف بالكذب في باب أسماء الرب وصفاته وشأنه والصدق في ~~الأمور الجزئية طمأنينة فكيف بالصدق في هذا الباب قال تعالى @QB@ الم ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين @QE@ البقرة 1 # وقال تعالى @QB@ وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق ~~الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين @QE@ يونس 37 # وقال تعالى @QB@ الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين @QE@ السجدة ~~1 # فجعل سبحانه من أعظم أدلة صدقه نفي الريب عنه في مثل هذه المطالب التي هي ~~أصل مطالب بني آدم وأجل معارفهم وعلومهم على الإطلاق فلو كان فيه ما يخالف ~~صريح العقل لكان فيه أعظم الريب ولما اطمأنت به القلوب ولا ثلجت به الصدور ~~وقد قال تعالى @QB@ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب @QE@ الرعد 28 # وذكره ها هنا هو كناية وهو الذكر الحكيم فكيف يجوز على أعقل الأمم ~~وأفضلها أن تطمئن قلوبهم بما يخالف العقل الصريح وهل هذا إلا قدح في عقولهم ~~كما هو قدح في نبيهم وفي كتابهم ومن تكلم به وجعله هدى وشفاء ورحمة وعصمة ~~ونورا وروحا والله ورسوله وملائكته وأولو العلم PageV04P1517 @ يعلمون أن ~~كلام هؤلاء المعطلة النفاة المعارضين للوحي بعقولهم وآرائهم فيه أعظم الريب ~~وأبعد شيء عن طمأنينة القلوب به وسكونها إليه وأشد شيء مخالفة للمعقول ~~الصريح وهذه سنة الله في خلقه أن أنقص الناس عقولا وأعظمهم سفها يرمون أعقل ~~الخلق وأفضلهم بنقصان العقول ولا تنسى قول أعداء الرسل في الرسل أنهم ~~مجانين لا عقول لهم فهكذا ورثتهم يرمون ورثة الرسل بدائهم إلى يوم القيامة ~~يوضحه # الوجه السابع والثلاثون بعد المائتين # إنه لو كان ظاهر الكتاب مخالفا لصريح المعقول لكان في الصدور أعظم حرج ~~منه وضيق وهذا خلاف المشهود بالباطن لكل ذي عقل سليم فإنه كلما كان الرجل ~~أتم عقلا كان الحرج بالكتاب ms601 أبعد منه قال تعالى لرسوله @QB@ المص كتاب أنزل ~~إليك فلا يكن في صدرك حرج منه @QE@ الأعراف 1 # والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم ~~الحرج والضيق فلما أنزل كتابه ارتفع به عنها ذلك الحرج وبقي الحرج والضيق ~~على من لم يؤمن به كما قال تعالى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ الأنعام 125 # ومن آمن به من وجه دون وجه ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به ~~دون ذلك الوجه فمن أقر PageV04P1518 @ أنه منزل من عند الله أنزله على ~~رسوله ولم يقر بأنه كلامه الذي تكلم به بل جعله مخلوقا من جملة مخلوقاته ~~كان في صدره من الضيق والحرج ما يناسب ذلك ومن أقر بأنه تكلم بشطره وهو ~~المعاني دون شطره الآخر وهو حروفه كان في صدره من الحرج منه ما يناسب ذلك ~~ومن زعم أنه غير كاف في معرفة الحق وأن العباد يحتاجون معه إلى معقولات ~~وآراء ومقاييس وقواعد منطقية ومباحث عقلية ففي صدره منه أعظم حرج وأعظم ~~حرجا منه من اعتقد أن فيه ما يناقض العقل الصريح ويشهد العقل بخلافه وكذلك ~~من زعم أن آياته لا يستفاد منها علم ولا يقين ففي صدره منه من الحرج ما ~~الله به عليم ومن زعم أن الخطاب به خطاب جمهوري يخيل للعامة ما ينتفعون به ~~مما ليس له حقيقة في نفس الأمر ففي صدره منه أعظم حرج ومن زعم أن أجل ما ~~فيه وأشرفه وأفضله وهو قسم التوحيد المتضمن للأسماء والصفات مجازات ~~واستعارات وتشبيهات لا حقائق ففي صدره منه أعظم حرج فكل هذه الطوائف في ~~صدورهم منه حرج وريب وليس في حقهم هدى ولا شفاء ولا رحمة ولا هو كاف لهم ~~بشهادتهم على أنفسهم وشهادة الله وملائكته والشهداء من عباده عليهم وبالله ~~التوفيق PageV04P1519 @ # وقد أقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله في كل ما ~~شجر بينهم ولا يكفي ذلك في ms602 حصول الإيمان حتى يزول الحرج من نفوسهم بما حكم ~~به في ذلك أيضا حتى يحصل منهم الرضا والتسليم فقال تعالى @QB@ فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ النساء 65 # فأكد ذلك بضروب من التأكيد # أحدها تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي المتضمن لتأكيد النفي المقسم ~~عليه وهو في ذلك كتصدير الجملة المثبتة بإن # الثاني القسم بنفسه سبحانه # الثالث أنه أتى بالمقسم عليه بصيغة الفعل الدالة على الحدوث أي لا يقع ~~منهم إيمان ما حتى يحكموك # الرابع أنه أتى في الغاية بحتى دون إلا المشعرة بأنه لا يوجد الإيمان إلا ~~بعد حصول التحكيم لأن ما بعد حتى يدخل فيما قبلها # الخامس أنه أتى المحكم فيه بصيغة الموصول الدالة على العموم وهو قوله ~~@QB@ فيما شجر بينهم @QE@ أي في جميع ما تنازعوا فيه من الدقيقة والجليلة ~~PageV04P1520 @ # السادس أنه ضم إلى ذلك انتفاء الحرج وهو الضيق من حكمه # السابع أنه أتى به نكرة في سياق النفي أي لا يجدون نوعا من أنواع الحرج ~~البتة # الثامن أنه أتى بذكر ما قضى به بصيغة العموم فإنها إما مصدرية أي من ~~قضائك أو موصولة أي من الذي قضيته وهذا يتناول كل فرد من أفراد قضائه # التاسع أنه لم يكتف منهم بذلك حتى يضيفوا إليه التسليم وهو قدر زائد على ~~التحكيم وانتفاء الحرج فما كل من حكم انتفى عنه الحرج ولا كل من انتفى عنه ~~الحرج يكون مسلما منقادا فإن التسليم يتضمن الرضا بحكمه والانقياد له # العاشر أنه أكد فعل التسليم بالمصدر المؤكد ونحن نناشد هؤلاء الجهمية ~~بالله الذي لا إله إلا هو هل يجدون في أنفسهم هذا التسليم والانقياد ~~والتحكيم للنصوص وهل هم مع الرسول وما جاء به بهذه المنزلة فوالله إن ~~قلوبهم وألسنتهم وكتبهم لتشهد عليهم بضد ذلك كما يشهد به عليهم المؤمنون ~~والملائكة وأولو العلم والله سبحانه وكفى بالله شهيدا PageV04P1521 @ # الوجه الثامن والثلاثون بعد المائتين # إن جماع ما يرد به المبطلون ما ثبت ms603 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الأمور العلمية الخبرية والأمور العملية الطلبية نوعان # أحدهما منع دلالة ما جاء به على تلك المسألة # والثاني معارضة الدلالة بما يمنع اتباعها فردهم نوعان منع ومعارضة فوضعوا ~~لهذين النوعين قانونين فوضعوا لمنع الدلالة قانون التحريف والتأويل الفاسد ~~ووضعوا للمعارضة قانون تعارض العقل والسمع وتقديم العقل فيتضمن هذان ~~القانونان أن لا يستفاد من القرآن والسنة في باب الأسماء والصفات علم ولا ~~يقين # وأما الطلبيات فإما أن يكون في المسألة إجماع أولا فإن كان فيها إجماع ~~استغني به عن النظر في الكتاب والسنة وإن لم يكن فيها إجماع ففرضه التقليد ~~لبعض الأئمة لأن النصوص فيها الناسخ والمنسوخ وفيها ما قد ترك العمل به ~~وفيها الخاص والعام وغير ذلك وقد كفانا الأئمة مؤنة النظر والاستدلال وكلفة ~~الاجتهاد فيتعين المصير إلى أقوالهم وليس لنا أن نستدرك عليهم ولا نخالفهم ~~فهم قد كفونا مؤنة الفروع وشيوخنا المتكلمون قد كفونا مؤنة الأصول فلا ~~يفيدنا النظر في الكتاب والسنة إلا التعب PageV04P1522 @ والعناء وغايتنا ~~أن نصل إلى ما وصلوا إليه إن أصبنا وإن خالفناهم كنا نحن المخطئين وهم ~~المصيبون فالأولى بنا أن نتلقى الأصول عن المتكلمين والفروع عن مشايخنا ~~الذين هذبوا لنا مذاهب الأئمة وضبطوا قواعدها وأصولها فيقال هذا إخبار منكم ~~بحالكم وما يليق بكم وما أنتم أهله # وأما من رفع له علم الكتاب والسنة فشمر إليه وآنس من مشكاتهما نور ~~الهداية فطلبه وحرص عليه وكان كتاب الله وسنة رسوله أجل في صدره وأعظم في ~~نفسه وأوقر في قلبه من أن يجعل لهما عيارا يعيرهما به وميزانا يزنهما به ~~وندا يحاكم إليه ويخاصم به دونهما فهذا كتاب الله بين أظهرنا كما أنزل محضا ~~لم يشب وهذه سنة رسوله هل يسوغ لنا الإعراض عنها إلى ما ذكرتم وهل يوجد ~~فيهما دليل واحد على هذه الطريق التي سلكتم وهل تجدون فيهما الحوالة على ~~غيرهما بوجه من الوجه وهل تجدون فيهما ما يتضمن ذلك أو يدل عليه أو يشير ~~إليه أو يسوغه وكأنكم ms604 تتمسكون بقوله @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء @QE@ الأعراف 3 # وبقوله PageV04P1523 @ @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم @QE@ الآية النساء 65 # وبقوله @QB@ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله @QE@ الشورى 10 # وبقوله @QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون @QE@ ~~الأنعام 155 # وبقوله @QB@ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون @QE@ الأعراف 158 # وبقوله @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ ~~الشورى 21 # وبقوله @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون @QE@ الأعراف 33 PageV04P1524 @ # وبقوله @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ الإسراء 36 # وبقوله @QB@ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا @QE@ المائدة 104 # وبقوله @QB@ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة @QE@ التوبة 16 # أي وليجة ممن اتخذ رجلا بعينه عيارا على كلام الله ورسوله وكلام سائر ~~علماء الأمة يزن القرآن والسنة وكلام سائر العلماء على قوله فما خالفه رده ~~وما وافقه قبله وبقوله @QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~@QE@ الزمر 17 # والقول ها هنا ما قاله الله ورسوله واتباع أحسنه هو الاقتداء به فهذا ~~أحسن من قول كل قائل عداه وبقوله PageV04P1525 @ @QB@ قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ آل عمران 31 # وبقوله @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله @QE@ الأنعام 153 # وبقوله @QB@ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا @QE@ طه 123 # وذكره هو كتابه الذي أنزله فمن أعرض عنه مكتفيا بقول واحد من بني ms605 آدم عنه ~~فقد أتى بحقيقة الإعراض وبقوله @QB@ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله @QE@ القصص 50 # فقسم الناس إلى مستجيبين للرسول ومتبع هواه فمن ترك استجابته إذا ظهرت له ~~سنة وعدل عنها إلى خلافها فقد اتبع هواه وهذا أكثر من أن يذكر والمقصود أن ~~الواجب على الخلق بعد وفاته هو الواجب عليهم في حياته سواء ففرض من سمع ~~كلامه أن يأخذ به ومن خفي عليه قوله سأل من يعرفه فإذا سمعه ففرض عليه أن ~~يأخذ به PageV04P1526 @ فإن خفي عليه فغاية قول غيره أن يسوغ له الأخذ به ~~فيكون سائغ الاتباع بعد خفاء السنة لا واجب الاتباع ولا سيما مع ظهور السنة ~~وبالله التوفيق # الوجه التاسع والثلاثون بعد المائتين # إن كل واحد من هذين الأمرين أعني المنع والمعارضة ينقسم إلى درجات متعددة ~~فأما المنع فهو على ثلاث درجات أحدها منع كون الرسول جاء بذلك أو قاله ~~الدرجة الثانية منع دلالته على ذلك المعنى وهذه الدرجة بعد التنزل إلى ~~الاعتراف بكونه قاله الدرجة الثالثة منع كون قوله حجة في هذه المسائل # والدرجات الثلاث قد استعملها المعطلة النفاة فأما الأولى فاستعملوها في ~~الأحاديث المخالفة لأقوالهم وقواعدهم ونسبوا رواتها إلى الكذب والغلط ~~والخطأ في السمع واعتقاد أن كثيرا منها من كلام الكفار والمشركين كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يحكيه عنهم فربما أدركه الواحد في أثناء كلامه بعد ~~تصديره بالحكاية فيسمع المحكي فيعتقده قائلا له لا حاكيا فيقول قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما قاله بعضهم في حديث قتادة بن النعمان في ~~الاستلقاء قال يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم حدث به عن بعض أهل ~~الكتاب على طريق الإنكار عليهم فلم يفهم عنه قتادة بن PageV04P1527 @ ~~النعمان إنكاره فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعضد هذا الاحتمال ~~بما رواه من حديث بن أبي أويس حدثني بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عبد ~~الله بن عروة بن الزبير ms606 أن الزبير بن العوام سمع رجلا يحدث حدثنا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فاستمع الزبير له حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له ~~الزبير أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرجل نعم ~~قال هذا وأشباهه مما يمنعنا أن نتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قد لعمري ~~سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حاضر ولكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ابتدأ هذا الحديث فحدثنا عن رجل من أهل الكتاب حدثه ~~إياه فجئت أنت يومئذ بعد أن قضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب ~~فظننت أنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا فلهذا الاحتمال ~~تركنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله عز وجل فتأمل ما في هذا الوجه ~~من الأمر العظيم أن يشتبه على أعلم الناس بالله وصفاته وكلامه وكلام رسوله ~~كلام الرسول الحق الذي قاله مدحا وثناء على الله بكلام الكفار المشركين ~~الذي هو تنقص وعيب فلا تميز بين هذا وهذا ويقول قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما PageV04P1528 @ يكون من كلام ذلك المشرك الكافر فأي نسبة جهل ~~واستجهال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا أنه لا يميز أحدهم ~~بين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الكفار والمشركين ويميز ~~بينهما أفراخ الجهمية والمعطلة وكيف يستجيز من للصحابة في قلبه وقار وحرمة ~~أن ينسب إليهم مثل ذلك ويا لله العجب هل بلغ بهم الجهل المفرط إلى أن لا ~~يفرقوا بين الكلام الذي يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ~~المشركين والكفار والذي يقوله حاكيا له عن جبريل عن رب العالمين ولا بين ~~الوصف بما هو مدح وثناء وتمجيد لله ووصفه بما هو ضد ذلك فتأمل جناية هذه ~~المعرفة على النصوص ومن تأمل أحاديث الصفات وطرقها وتعدد مخارجها ومن رواها ~~من الصحابة علم بالضرورة بطلان هذا الاحتمال وأنه من أبين الكذب والمحال ~~فوالله لو قاله صاحب ms607 رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند نفسه لكان أولى ~~بقبوله واعتقاده من قول الجهمي المعطل النافي فكيف إذا نسبه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمقصود أن هذه الدرجات الثلاث قد وضعت الجهمية أرجلهم ~~فيها فهذه درجة منه كون الرسول قاله وأكدوا أمر هذه الدرجة بأن أخبار ~~الآحاد يتطرق إليها الكذب PageV04P1529 @ والخطأ والغلط فلا يجوز أن يحتج ~~بها في باب معرفة الله وما يجب له ويمتنع عليه وسيمر بك إن شاء الله تعالى ~~ما يقلع هذه الدرجة من أصلها # الدرجة الثانية منع الدلالة وهذه الدرجة المسماة بأن الأدلة اللفظية لا ~~تفيد اليقين وقد تقدم فسادها من خمسة وسبعين وجها فيما مضى وبينا أن هذا ~~القول لا يجامع دين الإسلام بل مناقضته للدين معلومة بالضرورة بعد التأمل ~~لحقيقته ولازمه # الدرجة الثالثة تسليم دلالته على ذلك ولكن يمنع كون قول الرسول حجة في ~~ذلك وهذه الدرجة ينزلها طائفتان أحدهما من يجوز على الرسول أن يخاطب الأمة ~~بخلاف ما هو في نفس الأمر لمصلحتهم # الطائفة الثانية من يعتقد أن لكلامه باطنا يخالف ظاهره وتأويلا يخالف ~~حقيقته فالطريقة الأولى للمتفلسفة ومن يتلمذ لهم والطريقة الثانية للجهمية ~~ومن اقتفى آثارهم وكثير من المتأخرين يجمع بين الطريقتين فيتفلسف تارة ~~ويتجهم تارة ويجمع بين الإدامين تارة فهذه درجات المنع وأما درجات المعارضة ~~فثلاثة أيضا PageV04P1530 @ # إحداها أن يعارض المنقول بمثله ويسقط دلالتهما أو يرجح دلالة المعارض كما ~~عارض الجهمي قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ طه 5 # بقوله @QB@ قل هو الله أحد @QE@ الإخلاص 1 # وزعم أنه لو كان على العرش لم يكن أحدا وعارضه بقوله @QB@ وهو معكم أين ~~ما كنتم @QE@ الحديد 4 # وزعم أنه لو كان على عرشه لم يكن معنا وعارضه بقوله @QB@ الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به @QE@ غافر 7 # وهذه معارضة الزمخشري في كشافه قال وفيها التنبيه على أن الأمر لو كان ~~كما يقوله المجسمة كان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين ولما وصفوا ~~بالإيمان لأنه إنما يوصف بالإيمان الغائب ms608 ولما وصفوا به على سبيل الثناء ~~عليهم علم أن إيمانهم وإيمان من في الأرض PageV04P1531 @ وكل من غاب عن ذلك ~~المقام سواء في إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير وأنه لا طريق ~~إلى معرفته إلا هذا وأنه منزه عن صفات الأجرام فلو كان المجسم بزعمك جسما ~~حقيقة لما رضي لنفسه ولمن يخاطبه بمثل هذا الكلام الذي هو من أقبح الكلام ~~وأبطله ولشح على زمانه وأوراقه أن يضيعه بمثله ولمنعه وقار القرآن وعظمته ~~في صدره أن يفسره بمثل هذا الكلام الذي هو كما قيل مثل حجارة الكنيف ترجع ~~وتنجس فقد صرح قائله بأن إيمان محمد بن عبد الله وإبراهيم الخليل وموسى ~~الكليم وجميع الأنبياء والمرسلين إنما هو عن نظر واستدلال وهم بسعادتهم قد ~~سدوا جميع طرق الإيمان والمعرفة إلا طريق الجواهر والأعراض والاجتماع ~~والافتراق وإبطال حوادث لا أول لها وزعموا أن من لم يعرف ربه من تلك الطريق ~~مات ولم يعرف له ربا ولم يقر بأن له إلها وخالقا وزادوا في الافتراء والكذب ~~والبهت فزعموا أن إيمان جبريل وميكائيل والملائكة المقربين وجميع المرسلين ~~مبني على هذه الطريقة وأن إيمانهم كلهم سواء وأنهم لا طريق لهم إلى معرفته ~~إلا هذا النظر والاستدلال الذي وضعه لهم شيوخ الجهمية ومبتدعة المتكلمين ~~وضلال أهل الاعتزال فها هنا يسجد المجسم بزعمكم شكرا لله إذ عافاه الله من ~~مثل هذا البلاء العظيم وهذا القول أقل وأحقر من أن يتكلف للوجوه التي تدل ~~على بطلانه بأكثر من حكايته ومن هذا PageV04P1532 @ معارضة غيره لنصوص ~~الاستواء والعلو بقوله لا تفضلوني على يونس بن متى قال قائل هذا دليل على ~~أن الله ليس فوق العالم ولا مستويا على العرش قال لأن يونس نزل إلى قرار ~~البحر ومحمد صلى الله عليه وسلم رفع إلى فوق السماوات فكانا في القرب من ~~الله على حد سواء لا يفضل أحدهما على الآخر في القرب منه سبحانه فلو أن ~~المجسم نزل إلى الأرض السابعة لم يرض لنفسه ولمعرفته ولفهمه عن نبيه بمثل ~~هذا ومن هذا معارضة ms609 نصوص الاستواء والعلو بقوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ~~الشورى 11 # فلبسوا على الجهال بإيهامهم أن من أثبت كونه سبحانه فوق سمواته على عرشه ~~فقد جعل له مثلا ومن هذا معارضة بعضهم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تكلم ~~فيها النبي صلى الله عليه وسلم بأين الله وسمع السؤال بأين الله واقر ~~السائل عليه ولم ينكره كما كفره هؤلاء فعارضوها كلها بحديث مكذوب موضوع في ~~إسناده من لا يدري من أي الدواب هو كشيخه الذي لا ذكر له في شيء من كتب ~~الحديث ولعل بعض الوضاعين نسبه إلى هذا الشيخ والحديث أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV04P1533 @ قال وقد سئل أين الله فقال لا يقال أين لمن ~~أين الأين فعارض هذا الأحاديث الصحيحة المستفيضة التي نطق فيها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالأين وأقر على إطلاقها بهذا الحديث الوثيل الذي يستحي ~~من التكلم به آحاد الناس فضلا عن سيد ولد آدم وأقبح من هذا معارضة الأحاديث ~~المتواترة التي تزيد على مائتي طريق وأصلها نحو الثلاثين في رؤية الرب ~~تعالى في الآخرة بقوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ الأنعام 103 # فيا للعقول نحن إنما تلقينا هذه الأحاديث عمن أنزلت عليه الآية فهو الذي ~~جاء بهذا وهذا فكيف يستجيز مسلم أن يعارض كلامه بما فهمه من ظاهر القرآن ~~فهما فاسدا ولو فهمه كما ينبغي لعلم أن القرآن موافق للسنة لا مناقض لها ~~كما تقدم تقريره # | فصل # الدرجة الثانية من المعارضة معارضة النص بالرأي وهذه المعارضة في الأصل ~~هي من فعل المشركين أعداء الرسل وتلقاها ورثتهم من بعدهم كما تقدم بيانه ~~PageV04P1534 @ # الدرجة الثالثة المعارضة بالتقليد واتباع الآباء والمشائخ والمعظمين في ~~النفوس وإذا تأملت الغالب على بني آدم وجدته من هذا النوع واعلم أنه لا ~~يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يبرأ من هذه الممانعة والمعارضة فحينئذ ~~يدخل في دائرة الإسلام ولا يمكن تحكيم الرسول وانتفاء الحرج ووقوع التسليم ~~حتى تنتفي هذه الممانعة والمعارضة من كل وجه وبالله التوفيق يوضحه # الوجه الأربعون بعد المائتين # وهو أنه مع ms610 التصديق الجازم يمتنع وقوع المعارضة والممانعة وحيث وجد ذلك ~~فهو ملزوم لانتفاء التصديق ووجود الملزوم بدون لازمه محال فها هنا أمران ~~تصديق جازم يلزمه انتفاء المنع والمعارضة ومنع ومعارضة يلزمه انتفاء ~~التصديق الجازم فيستدل بوجود الملزوم منهما على وجود لازمة وبانتفاء اللازم ~~على انتفاء ملزومه وهذا أمر قطعي لكنه موقوف على صحة اللزوم فنقول متى حصل ~~الإقرار بأن المتكلم عالم بما أخبر به صادق في خبره يستحيل عليه الجهل ~~والكذب عمدا أو خطأ امتنع والحالة هذه أن يقوم بقلب من اعتقد ذلك منع لخبره ~~أو معارضة له # ووجود المنع والمعارضة وهذا الإقرار والتصديق لا يجتمعان وإذا ثبت اللزوم ~~المذكور لزم من وجود الملزوم وجود لازمه ومن انتفاء اللازم انتفاء ملزومه ~~والعجب أن PageV04P1535 @ هؤلاء من شدة تمسكهم بالعقليات واعتنائهم بها حين ~~عارضوا بينها وبين الوحي يجمعون بين النقيضين ويثبتون الشيء وينفون لازمه ~~وينفون اللازم ويثبتون ملزومه وذلك مخالفة لصريح العقل فإنهم يدعون الإيمان ~~بما جاء به الرسول وينفون لازمه وإذا نفوا اللازم انتفى الملزوم ولكن من ~~حكمة أحكم الحاكمين أن يسلب هؤلاء خاصة عقولهم وحال بينهم وبينها وكشف لأهل ~~العقل والسمع أنهم من أبعد الناس عن العقل والسمع وهذا كما ظهر لأتباع ~~الرسل في الدنيا فإنه سيظهر لأولئك حين يقول المعارضون للرسل بعقولهم @QB@ ~~لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ الملك 10 # الوجه الحادي والأربعون بعد المائتين # إن الله سبحانه أنزل على عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه في أفضل ~~الأيام وأفضل الشهور وأفضل الأماكن ومعه أفضل الخلق @QB@ اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ المائدة 3 # وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث PageV04P1536 @ طارق بن شهاب قال ~~جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين آية تقرأونها ~~في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت فعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه ~~عيدا فقال عمر أية آية هي قال @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ms611 @QE@ المائدة 3 # فقال عمر إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه أنزلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية الجمعة ونحن معه بعرفة وفي مسند علي ~~للحافظ مطين حدثنا يحيى الحماني حدثنا قيس عن إسماعيل بن سليمان عن أبي عمر ~~البزار عن بن الحنفية عن علي قال نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو واقف عشية عرفة @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ PageV04P1537 @ # وقال عبد بن حميد أخبرنا يزيد بن هارون ثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي ~~عمار قال قرأ بن عباس @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ وعنده يهودي فقال لو ~~نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا فقال بن عباس نزلت في يوم عيدين ~~يوم جمعة ويوم عرفة # وقال وحدثنا أبو نعيم عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال نزلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو بعرفة # قال كما نقل عنه إني سلمت أن الباري إلهي وإله الخلق عالم قادر ولا يسأل ~~عن قدرته ومشيئته وإذا أراد شيئا قال له @QB@ كن فيكون @QE@ وهو حكيم إلا ~~أنه يتوجه على مساق حكمته أسئلة سبعة # أولها قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل فلم خلقني أولا وما الحكمة ~~في خلقه إياي PageV04P1538 @ # الثاني إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلفني بمعرفته وطاعته وما ~~الحكمة في التكليف بعد ألا ينتفع بطاعته ولا يتضرر بمعصيته # الثالث إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت فلم ~~كلفني بطاعة آدم والسجود له وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن ~~لا يزيد ذلك في طاعتي ومعرفتي # والرابع إذ خلقني وكلفني على الإطلاق وكلفني هذا التكليف على الخصوص فإذا ~~لم أسجد لعنني وأخرجني من الجنة ما الحكمة في ذلك بعد إذ لم أرتكب قبيحا ~~إلا قولي لا أسجد إلا لك # الخامس إذ خلقني وكلفني مطلقا وخصوصا ولم أطع فلعنني وطردني فلم طرقني ~~إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا ms612 وغررته بوسوستي فأكل من الشجرة المنهي عنها ~~وأخرجه من الجنة معي وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة ~~استراح مني آدم وبقي خالدا في الجنة # والسادس إذ خلقني وكلفني عموما وخصوصا PageV04P1539 @ ولعنني ثم طرقني ~~إلى الجنة وكانت الخصومة بيني وبين آدم فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من ~~حيث لا يرونني وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم وقدرتهم ~~واستطاعتهم وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يجتالهم ~~عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى وأليق بالحكمة # والسابع سلمت هذا كله خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا وحيث لم أطع لعنني ~~وطردني ومكنني من دخول الجنة وطرقني وإذ عملت عملي أخرجني ثم سلطني على بني ~~آدم فلم إذ استمهلته أمهلني فقلت @QB@ فأنظرني إلى يوم يبعثون @QE@ ص 79 # فقال @QB@ فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم @QE@ ص 80 # وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي ~~شر في العالم أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر قال ~~فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسألة PageV04P1540 @ # قال شارح الإنجيل فأوحى الله إلى الملائكة قولوا له فإنك في مسألتك ~~الأولى أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت أني رب العالمين ~~ما احتكمت علي بلم فأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق ~~مسؤولون قال هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته ~~وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهة ~~وقعت لبني آدم فإنما وقعت من إضلال الشيطان ووساوسه ونشأت من شبهاته وإذا ~~كانت الشبهات محصورة في سبع عادت كبار البدع والضلال إلى سبع ولا يجوز أن ~~تعدو شبهات فرق أهل الزيغ والكفر هذه الشبهات وإن اختلفت العبارات وتباينت ~~الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذر وترجع جملتها إلى إنكار ~~الأمر بعد الاعتراف بالحق وإلى الجنوح إلى ms613 الهوى والرأي في مقابلة النص ~~والذين جادلوا نوحا وهودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا PageV04P1541 @ ~~وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم كلهم نسجوا على منوال اللعين ~~الأول في إظهار شبهاته # وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب التكاليف والشرائع ~~بأسرهم إذ لا فرق بين قولهم @QB@ أبشر يهدوننا @QE@ التغابن 6 # وبين قوله @QB@ أأسجد لمن خلقت طينا @QE@ الإسراء 61 # وعن هذا صار مفصل الخلاف ومحز الإشكال والافتراق كما هو في قوله @QB@ وما ~~منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ~~@QE@ الإسراء 94 # فبين أن المانع من الإيمان هو هذا المعنى كما قال للمتقدم الأول @QB@ ما ~~منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه @QE@ الأعراف 12 PageV04P1542 @ # وقال المتأخر من ذريته كما قال المتقدم @QB@ أم أنا خير من هذا الذي هو ~~مهين ولا يكاد يبين @QE@ الزخرف 52 # وكذلك لو تعقبنا أحوال المتقدمين منهم وجدناها مطابقة لأقوال المتأخرين ~~@QB@ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم @QE@ البقرة 118 ~~@QB@ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل @QE@ يونس 74 # فاللعين الأول لما حكم العقل على من لا يحكم عليه العقل أجرى حكم الخالق ~~في الخلق وحكم الخلق في الخالق والأول غلو والثاني تقصير فثار من الشبهة ~~الأولى مذاهب الحلولية والتناسخية والمشبهة PageV04P1543 @ والغلاة من ~~الرافضة حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بأوصاف الإله وثار من ~~الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية والمجسمة حيث قصروا في وصفه تعالى ~~بصفات المخلوقين والمعتزلة مشبهة الأفعال والمشبهة مشبهة الصفات وكل منهما ~~أعور فإن من قال يحسن منه ما يحسن منا ويقبح منه ما يقبح منا فقد شبه ~~الخالق بالخلق ومن قال يوصف الباري بما يوصف به الخلق أو يوصف الخلق بما ~~يوصف به الخالق فقد اعتزل عن الحق وسنخ القدرية طلب العلة في كل شيء وذلك ~~من سنخ اللعين الأول إذ طلب العلة في الخلق أولا والحكمة في التكليف ثانيا ~~والفائدة في تكليف السجود لآدم ثالثا ثم ذكر الخوارج والمعتزلة ms614 ~~PageV04P1544 @ والروافض وقال رأيت بدء شبهاتهم كلها نشأت من شبهات اللعين ~~الأول وتلك في الأول مصدرها وهذه في الآخر مظهرها وإليه أشار التنزيل بقوله ~~@QB@ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين @QE@ البقرة 68 # وقد قال صلى الله عليه وسلم لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة ~~والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه فهذه القصة والمناظرة هي من ~~نقل أهل الكتاب ونحن لا نصدقها ولا نكذبها وكأنها والله أعلم مناظرة وضعت ~~على لسان إبليس وعلى كل حال فلا بد من الجواب عنها سواء صدرت منه أو قيلت ~~على لسانه فلا ريب أنها من كيده وقد أخبر الله سبحانه @QB@ إن كيد الشيطان ~~كان ضعيفا @QE@ النساء 76 # فهذه الأسئلة والشبهات من أضعف الأسئلة عند أهل العلم والإيمان وإن صعب ~~موقعها عند من أصل أصولا فاسدة PageV04P1545 @ فاسدة كانت سدا بينه وبين ~~ردها وأما من لم يؤصل غير كتاب الله وسنة رسوله فهذه الأسئلة عنده من جنس ~~أسئلة تلامذته وأصحابه التي يوردونها على الرسل وما جاؤا به وهي أسئلة ~~فاسدة مبنية على أصول فاسدة وقد افترقت طرق الناس في الأجوبة عنها أشد ~~افتراق وسلكوا في إبطالها كل طريق يخطر بالبال ونحن نذكر طرقهم # فقال المنجمون وزنادقة الطبيعيين والفلاسفة لا حقيقة لآدم ولا لإبليس ولا ~~لشيء من ذلك بل لم يزل الوجود هكذا ولا يزال نسلا بعد نسل وأمة بعد أمة ~~وإنما ذلك أمثال مضروبة لانفعال القوى النفسانية الصالحة لهذا البشر وهذه ~~القوى هي المسماة في الشرائع بالملائكة واستعصاء القوى الغضبية والشهوانية ~~عليه هي المسماة بالشياطين فعبر عن خضوع القوى الفاضلة بالسجود وعبر عن ~~إباء القوى الشريرة الفاسدة بالإباء والاستكبار وترك السجود قالوا والحكمة ~~الإلهية اقتضت تركيب الإنسان على هذا الوجه وإسكان هذه القوى فيه وانقياد ~~بعضها له وإباء بعضها فهذا شأن الإنسان ولو كان على غير هذا التركيب لم يكن ~~إنسانا قالوا وبهذا تندفع الأسئلة كلها ويظهر بطلانها وأنها بمنزلة أن يقال ~~لم أحوج الإنسان PageV04P1546 @ إلى الأكل والشرب واللباس ولما أحوجه إليه ~~فلم ms615 جعله يبول ويتغوط ويتمخط ولم جعله يمرض ويهرم ويموت فإن هذه الأمور من ~~لوازم النشأة الإنسانية التي لو قدر ارتفاعها لارتفعت هذه النشأة فهذه ~~الطائفة رفعت القواعد من أصلها وأبطلت آدم وإبليس والملائكة وردت الأمر إلى ~~مجرد قوى نفسانية وأمور معنوية # وقالت الجبرية ومنكروا الحكم والتعليل هذه الأسئلة إنما ترد على من يفعل ~~لعلة أو لغرض أو لغاية فأما من لا علة لفعله ولا غاية ولا غرض بل يفعل ما ~~يفعله بلا سبب ولا غاية وإنما مصدر مفعولاته محض مشيئة وغايتها مطابقتها ~~لعلمه وإرادته فجاء فعله على وفق إرادته وعلمه وعلى هذا فهذه الأسئلة فاسدة ~~كلها إذ مبناها على أصل واحد وهو تعليل أفعال من لا تعلل أفعاله ولا يوصف ~~بحسن ولا قبح عقليين بل الحسن ما فعله وما فعله فكله حسن لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون قالوا والقبح والظلم هو تصرف الإنسان في ملك غيره بغير إذنه ~~فأما تصرف المالك الحق في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجر أو أمر آمر أو ~~نهي ناه فإنه لا يكون ظلما ولا قبيحا فرفع هؤلاء الأسئلة من أصلها وسدوا ~~على أنفسهم طريق استماعها والجواب عنها والتزموا لوازم هذا الأصل من إبطال ~~الحكم والتعليل والأسباب والتحسين PageV04P1547 @ والتقبيح ووجوب شكر ~~المنعم عقلا ومنعت لأجله أن يجب على الله شيء أو يحرم عليه شيء أو يقبح منه ~~ممكن بل كل ممكن فهو جائز عليه لا يقبح منه # وقالت القدرية هذا لا يرد على أصولنا وإنما يرد على أصول الجبرية ~~القائلين بأن الله خالق أفعال العباد طاعاتهم ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم ~~وأنه قدر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له فخلق أهل الكفر ~~للكفر وأهل الفسوق للفسوق وقدر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم فهذه ~~الأسئلة واردة عليهم # وأما نحن فعندنا أن الله سبحانه عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم عليه ~~ومكنهم منه ورضيه لهم وأحبه ولكن هم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان وآثروه ~~على الإيمان والطاعة والله سبحانه لم يكرههم على ذلك ولم يلجئهم ms616 إليه ولا ~~شاءه منهم ولا كتبه عليهم ولا قدره ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم ولكنها ~~أعمال هم لها عاملون وشرورهم لها فاعلون فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته ~~ولم يخلقه لمعصيته والكفر به وصرح قدماء هذه الفرقة بأنه سبحانه لم يكن ~~يعلم من إبليس حين خلقه أن يصدر منه ما صدر ولو علم ذلك لم يخلقه وأبى ~~متأخروهم ذلك وقالوا بل كان سبحانه عالما به وبشأنه وخلقه امتحانا لعباده ~~ليظهر المطيع له من العاصي والمؤمن من الكافر وليثيب عباده على معاداته ~~ومحاربته PageV04P1548 @ ومعصيته أفضل الثواب قالوا هذه الحكمة اقتضت بقاءه ~~حتى تنقضي الدنيا وأهلها قالوا وأمره بالسجود ليطيع فيثيبه ويقر به ويكرمه ~~فاختار لنفسه المعصية والكفر من غير إكراه للرب تعالى ولا ألجأه إلى ذلك ~~ولا حال بينه وبين السجود ولا منعه ولا سلطه على آدم وذريته قهرا وإكراها ~~لهم وقد اعترف عدو الله بذلك حيث يقول @QB@ وما كان لي عليكم من سلطان @QE@ ~~إبراهيم 22 # وقال تعالى @QB@ وما كان له عليهم من سلطان @QE@ سبأ 21 # قالوا فاندفعت تلك الأسئلة وبطلت وظهر أنها ترد على أصول الجبرية لا على ~~أصولنا # وقالت الفرقة الناجية حزب الرسول وأنصاره وبنك الإسلام وعصابة الإيمان ~~الذين لم يتحيزوا إلى فئة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذهبوا إلى ~~مقالة غير ما دلت عليه سنته ولم ينتسبوا إلى غيره بوجه من الوجوه كيف يطمع ~~في الرد على عدو الله وإبطال قوله من قد شاركه في أصله أو في بعض شعبه فإن ~~عدو الله أصل معارضة النص بالرأي فترتب على تأصيله هذه الأسئلة وأمثالها ~~فمن عارض العقل بالنقل في أمر من الأمور PageV04P1549 @ فهو شريكه من هذا ~~الوجه فلا يتمكن من الرد التام عليه ولهذا لما شاركه زنادقة الفلاسفة ~~والمنجمين والطبائعيين في هذا الأصل أنكروا وجوده ووجود آدم والملائكة فضلا ~~عن قصة أمره بالسجود وإبائه وما ترتب عليها # ولما أنكرت الجبرية الحكمة والتعليل والأسباب وأبطلت هذا الأصل بعقولها ~~وآرائها عجزوا عن جواب أسئلته وسدوا على نفوسهم باب ms617 استماعها والجواب عنها ~~وفتحوا باب مكابرة العقول الصريحة وإنكار تحسين العقل وتقبيحه وإنكار ~~الأسباب والقوى والطبائع والحكم والغايات المحمودة التي لأجلها يفعل الرب ~~ما يفعله ويأمر بما يأمر به وجوزوا عليه أن يفعل كل شيء وأن يأمر بجميع ما ~~نهى عنه وينهى عن كل ما أمر به ولا فرق عنده البتة بين المأمور والمحظور ~~والكل سواء في نفس الأمر ولكن هذا صار حسنا بأمره لا أنه في نفسه وذاته حسن ~~وهذا صار قبيحا بنهيه لا أنه في نفسه وذاته قبيح # ولما أصلت القدرية إنكار عموم قدرة الله سبحانه ومشيئته لجميع الكائنات ~~وأخرجت أفعال عباده خيرها وشرها عن قدرته ومشيئته وخلقه وأثبتت لله سبحانه ~~شريعة بعقولهم حكمت عليه بها واستحسنت منه ما استحسنته من أنفسها واستقبحت ~~منه ما استقبحته من نفوسها PageV04P1550 @ وعارضت بين الأدلة السمعية ~~الدالة على خلاف ما أصلوه وبين العقل ثم راموا الرد على عدو الله فعجزوا عن ~~الرد التام عليه وأجابت كل فرقة من هذه الفرق من الرد عليه بحسب ما وافقت ~~فيه السمع والعقل # وإنما يتمكن من الرد عليه كل الرد من تلقى أصوله عن مشكاة الوحي ونور ~~النبوة ولم يؤصل أصلا برأيه وعقله وآراء الرجال وعقولهم ولم يخرج من مشكاة ~~الوحي ولم يظهر من معدنه بل تلقى أصوله كلها عن قول من لا ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى # فأول ذلك أنه علم أن هذه الأسئلة ليست من كلام الله الذي أنزله على موسى ~~وعيسى مخبرا بها عن عدوه كما أخبر عنه في القرآن بكثير من أقواله وأفعاله ~~وإدخال بعض أهل الكتاب لها في تفسير التوراة والإنجيل هو كما تجد في ~~المسلمين وما بالعهد من قدم من يدخل في تفسير القرآن كثيرا من الأحاديث ~~والأخبار التي لا أصل لها والقصص المعلوم كذبها وإذا كان هذا في هذه الأمة ~~التي هي أكمل الأمم علوما ومعارف وعقولا فما الظن بأهل الكتاب # | فصل # الوجه الثاني # أن نقول لعدو الله قد ناقضت في أسئلتك ما اعترفت به وسلمته ms618 غاية المناقضة ~~وجعلت ما أسلفته من التسليم PageV04P1551 @ والاعتراف مبطلا لجميع أسئلتك ~~متضمنا للجواب عنها قبل ذكرها وذلك أنك قلت @QB@ رب بما أغويتني @QE@ الحجر ~~39 # وقلت @QB@ خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ الأعراف 12 # وقلت @QB@ فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ ص 82 # فاعترفت بأنه ربك وخالقك ومالكك وأنك مخلوق له مربوب تحت أوامره ونواهيه ~~إنما شأنك أن تتصرف في نفسك تصرف العبد المأمور المنهي المستعد لأوامر سيده ~~ونواهيه وهذه هي الغاية التي خلقت لها وهي غاية الخلق وكمال سعادتهم ~~وصلاحهم وهذا الاعتراف منك بربوبيته وقدرته وعزته يتضمن إقرارك بكمال علمه ~~وحكمته وغناه وأنه في كل ما أمر به عليم حكيم لم يأمر عبده لحاجة منه إلى ~~أمره به ولم ينهه بخلا عليه بما نهاه عنه بل أمره رحمة منه به وإحسانا إليه ~~بما فيه صلاحه في معاشه ومعاده وما لا صلاح له إلا به ونهاه عما في ارتكابه ~~فساده في معاشه ومعاده فكانت نعمته عليه بأمره ونهيه أعظم من نعمته عليه ~~بمأكله ومشربه ولباسه وصحة بدنه بما لا نسبة بينهما كما قال سبحانه في آخر ~~قصتك مع الأبوين @QB@ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ~~ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون @QE@ PageV04P1552 ) ~~الأعراف 26 # فأخبر سبحانه أن لباس التقوى وزينتها خير من المال والرياش والجمال ~~الظاهر فالله سبحانه خلق عباده وجمل ظواهرهم بأحسن تقويم وجمل بواطنهم ~~بهدايتهم إلى الصراط المستقيم # ولهذا كانت صورتك قبل معصية ربك وإيثارك معاداته على طاعته وموالاته من ~~أحسن الصور وأنت مع الملائكة الأكرمين فلما وقع ما وقع جعل قبح صورتك ~~وبشاعة منظرك مثلا يضرب لكل قبيح كما قال تعالى @QB@ طلعها كأنه رؤوس ~~الشياطين @QE@ الصافات 65 # فهذه أول فقرة تعجلتها من معصيته ولا ريب أنك تعلم أنه أحكم الحاكمين ~~وأعلم العالمين وأغنى الأغنياء وأرحم الراحمين وأنه لم يأمر العباد إلا بما ~~فعله خير لهم وأصلح وأنفع وأحسن تأويلا وأعظم عائدة من تركه كما أنه لم ~~يرزقهم إلا ما تناوله ms619 أنفع لهم من تركه فأمره لهم بما أمرهم به كرزقه لهم ~~ما رزقهم إياه فالسعداء استعملوا أمره وشرعه لحفظ صحة قلوبهم وكمالها ~~وصلاحها بمنزلة استعمالهم رزقه لحفظ صحة أجسامهم وصلاحها وتيقنوا أنه كما ~~لا بقاء للبدن ولا صحة ولا صلاح إلا بتناول غذائه الذي جعل له فلذلك لا ~~صلاح للقلب والروح ولا فلاح ولا نعيم إلا بتناول غذائه الذي جعل له هذا وإن ~~ألقيت إلى طائفة من الناس أنه لا مصلحة PageV04P1553 @ للمكلفين فيما أمروا ~~به ونهوا عنه ولا منفعة لهم فيه ولا خير ولا فرق في نفس الأمر بين فعل هذا ~~وترك هذا ولكن أمروا ونهوا لمجرد الامتحان والاختبار ولا فرق في نفس الأمر ~~بين ما أمروا به ونهوا عنه فلم يؤمروا بحسن ولم ينهوا عن قبيح بل ليس في ~~نفس الأمر لا حسن ولا قبيح # ومن عجيب أمرك وأمرهم أنك أوحيت إليهم هذا فردوا به عليك وجعلوه عصمتهم ~~في جواب أسئلتك فدفعوها كلها وقالوا إنما تتوجه هذه الأسئلة في حق من يفعل ~~لغرض أو لعلة وأما من فعله بريئا من العلل والأغراض فلا يتوجه عليه سؤال ~~واحد من هذه الأسئلة فإن كانت هذه القاعدة حقا فقد اندفعت أسئلتك كلها وإن ~~كانت باطلا والحق في خلافها فقد بطلت أسئلتك أيضا لما تقدم فقد بطلت أسئلتك ~~على التقديرين يوضحه # الوجه الثالث # أن نقول لعدو الله إما أن تسلم حكمة الله في خلقه وأمره وإما أن تجحدها ~~وتنكرها فإن سلمتها وأنه سبحانه حكيم في خلقك حكيم في أمرك بالسجود بطلت ~~الأسئلة وكنت معترفا بأنك أوردتها على من تميز حكمته العقول ولم تجعل أحدا ~~من خلقه شريكا له في ما فعل بحكمته فإنه لا يشرك في حكمه أحدا كما لم ~~يشركهم في علمه PageV04P1554 @ وقدرته وملكه وربوبيته وحينئذ فتسليمك هذه ~~الحكمة التي لا سبيل للمخلوقين لمشاركة الخالق فيها البتة قد عادت على ~~أسئلتك الفاسدة بالنقض والإبطال # وإن رجعت عن الإقرار له سبحانه بالحكمة وقلت إنه لا يفعل لحكمة البتة بل ~~لا يسأل عما يفعل ms620 وهم يسألون فما وجه إيراد هذه الأسئلة على من لم يفعل ~~بحكمة ولا يسأل عما يفعل فقد أوردت الأسئلة على من لا يسأل عما يفعل وطعنت ~~في حكمة من كل أفعاله حكمة ومصلحة وعدل وخير بمعقولك الفاسد وعقلك الصغير ~~الذي آثرت به داعي الكبر والكفر على داعي العبودية والإيمان يوضحه # الوجه الرابع # وهو أنك قد كشفت للخلائق عن محصول علمك ومعرفتك وقدر عقلك الذي صرت به ~~ضحكة لهم وسخرية على ألسنتهم فإنك انتصرت لنفسك ورياستك ودلك عقلك على أن ~~عزك في معصيتك ورياستك في إبائك من السجود وكان هذا أعظم أسباب ذلك وخيبتك ~~ويأسك من روح الله وبعدك من رحمته وطردك من جنته ومبائتك بلعنته فأضعت عزك ~~وأخملت شرفك ووضعت قدرك من حيث زعمت أنك تحفظه فكنت كآكل السم الذي فيه ~~تلفه ليحفظ به قوته وصحته ثم رضيت لنفسك أن صرت خادما وقوادا لكل فاسق ~~وفاجر وخبيث فمن هذا قدر PageV04P1555 @ عقله ونهاية معرفته وعلمه ألا ~~يستحي من إيراد هذه الأسئلة اللائقة به على من ملأت حكمته الوجود وبهرت ~~العقول حتى صارت للبصائر أظهر من نور الشمس للأبصار يوضحه # الوجه الخامس # إن غاية معقولك وحاصل عقلك هو القياس الذي عارضت به النص وقدمته عليه وقد ~~بان فساده للعقلاء من أكثر من ثلاثين وجها قد تقدم ذكرها فلا حاجة إلى ~~إعادتها فإذا كان هذا شأن أقوى أسئلتك التي أوردتها على ربك وسائر أسئلتك ~~مبنية عليه ومردودة إليه فما الظن بفروع هذا أصلها فمن نادى على مقدار عقله ~~ومحصول معرفته على رؤوس الملأ من الملائكة بقوله @QB@ أنا خير منه خلقتني ~~من نار وخلقته من طين @QE@ الأعراف # واستجاز معارضة الأمر المتضمن لغاية الحكمة والمصلحة بهذا الرأي الفاسد ~~والسفه البارد كيف يتوجه له سؤال على الحكيم العليم # الوجه السادس # أن هذه الأسئلة يرجع حاصلها كلها إلى القدح والطعن في علم الرب سبحانه أو ~~حكمته أو قدرته أو اثنين منها أو كلها إذ حاصلها أنه سبحانه إما أن يكون ~~عالما بما يحصل مني وما يكون من ms621 أمري أو لا يكون عالما فإن لم يكن عالما ~~لزم القدح في علمه وإن كان عالما فإما أن يكون قادرا على PageV04P1556 @ ~~منعي من هذا الفساد والضرر الواقع ببني آدم مني أو لا يكون قادرا فإن لم ~~يكن قادرا لزم القدح في قدرته وإن كان قادرا ولم يمنعني بل مكنني وأبقاني ~~وسلطني لزم القدح في حكمته فهذا غاية ما عند تلامذة عدو الله وأصحابه وهو ~~الذي أوحاه إليهم وألقاه على ألسنتهم وجعله دائرا بينهم وحينئذ فيقال له ~~هذا إنكار منك لما علم بالضرورة التي هي فوق كل ضرورة من وجود رب العالمين ~~وإله من في السماء والأرض الذي هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم ~~الحاكمين فإنكار علمه وحكمته وقدرته جحود وإنكار له ونفي أن يكون لك أو ~~للعالمين رب عليم مدبر حكيم فإن الجاهل العاجز السفيه لا يكون ربا ولا إلها ~~فلا تتم لك هذه الأسئلة إلا بقول أخيك وشقيقك فرعون @QB@ وما رب العالمين ~~@QE@ الشعراء 23 # وقوله @QB@ يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري @QE@ القصص 38 # فإن عدو الله علم أنه إن اقر بوجود فاطر السماوات والأرض وبصفاته وعلوه ~~فوق العالم وتكليمه لموسى PageV04P1557 @ أوجب عليه هذا الإقرار الانقياد ~~والعبودية والإيمان بموسى فلم يجد بدا من إنكار الرب وعدم الإقرار به وهكذا ~~هذه الأسئلة لا تتوجه إلا مع إنكاره سبحانه وجحوده وإلا فمع الإقرار بأنه ~~بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه أحكم الحاكمين فلا تتوجه البتة وهذا ~~حقيقة الرب وحينئذ فنقول في # الوجه السابع # إن مثل هذا النمط من الاعتراضات والأسئلة فاسد عند جميع أهل الأرض فإنه ~~يتضمن اعتراض الجاهل على أحذق الناس بصناعة قد أحكم آلاتها وأسبابها وقدرها ~~على أكمل الوجوه وأحسنها وأوفقها لما يقصد منها فجاء رجل جاهل لا مناسبة ~~بينه وبين ذلك الحاذق بوجه ما فأخذ يعترض عليه في أجزاء تلك الصناعة ~~وآلاتها وأشكالها ومقاديرها ويقول هلا كان هذا أكبر مما هو أو أصغر أو على ~~شكل آخر أو كان كذا ms622 في موضع كذا أو عمل هذا في وقت كذا ونحو هذا مما يسخر ~~منه العقلاء ويعدون صاحبه في زمرة السفهاء مع أنه يمكن المعترض مشاركة ذلك ~~الأستاذ الحاذق في صناعته ومساواته فيها وتقدمه عليه فيها فإذا كان اعتراضه ~~عليه مدفوعا عند كل عاقل فما الظن بالاعتراض على من لا شريك له في حكمته ~~ولا شبيه له فيها والتفاوت PageV04P1558 @ الذي بينه وبين المعترض في حكمته ~~كالتفاوت الذي بينه وبينه في العلم والقدرة والغنى وسائر الصفات أفلا يستحي ~~من يرى الاعتراض على مخلوق مثله قد فاقه في صناعة وعلم قبيحا لا يجد عليه ~~إلا تعريضه نفسه للذم ومبادلته عليها بالجهل من إيراد مثل هذه الأسئلة على ~~الحكيم العليم # الوجه الثامن # أن يقال لعدو الله إيرادك هذه الأسئلة إما أن تكون على وجه الظن في الرب ~~تعالى وأنه فعل مالا ينبغي له فعله أو على وجه الاسترشاد وطلب الهداية فإن ~~كان على وجه الطعن والقدح فكيف تجامع اعترافك بربوبيته ومكله وخلقه وإقرارك ~~بعزته وحكمته ثم تقدح فيه وإن كان على وجه الاسترشاد وطلب الحكمة فذلك فرع ~~عن التسليم لأمره والإذعان لعبوديته والانقياد لحكمته فلا يجتمع مع تصريحك ~~بالعداوة والكفر والاستكبار عن طاعته فإن معصيتك له وقد أمرك منه إليك بلا ~~واسطة أعظم من استكبار من استكبر عن طاعته التي أمر بها على ألسنة رسله ~~فإذا آثرت الكفر والاستكبار والعداوة فكيف سألت مسائل المسترشد المهتدي ~~فالسؤال نوعان إما سؤال جاهل بالحكمة في طلب معرفتها وإما سؤال قادح في ~~الحكمة بما يبطلها وينقضها وحينئذ فنقول في PageV04P1559 @ # الوجه التاسع # لا تتوجه هذه الأسئلة على واحدة من الطريقتين # إما على الطريقة الأولى فلأن الاستعداد والقبول لمعرفة تفاصيل الحكمة ~~يكون شرطا في قبول الأسئلة والجواب عنها والقوى البشرية ليست مستعدة للعلم ~~بتفاصيل حكمة الله في خلقه وأمره وحينئذ فيكون بيان تفاصيل الحكم عبثا ~~ضائعا وهو مناف للحكمة وإما على الطريقة الثانية فلأن أسئلته تتضمن قدح ~~العبد في الرب والمخلوق في الخالق والجاهل في العالم والسفيه في الحكيم فهي ms623 ~~من أبطل الأسئلة ولا يحتاج في بيان بطلانها إلى أكثر من ذلك يوضحه # الوجه العاشر # إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة ~~عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ولهذا لم يحك الله سبحانه ~~عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما ~~أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها بل ~~انقادت وسلمت وأذعنت وما عرفت من الحكمة عرفته وما خفي عنها لم تتوقف في ~~انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته ولا جعلت طلبه من شأنها وكان ~~رسولها أعظم في صدورها من سؤالها عن PageV04P1560 @ ذلك كما في الإنجيل يا ~~بني إسرائيل لا تقولوا لم أمر ربنا ولكن قولوا بم أمر ربنا ولهذا كانت هذه ~~الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما لا تسأل نبيها لم أمر الله ~~بذلك ولم نهى عن كذا ولم قدر كذا ولم فعل كذا لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان ~~والاستسلام وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم وذلك يوجب تعظيم ~~الرب تعالى وأمره ونهيه فلا يتم الإيمان إلا بتعظيمه ولا يتم تعظيمه إلا ~~بتعظيم أمره ونهيه فعلى قدر تعظيم العبد لله سبحانه يكون تعظيمه لأمره ~~ونهيه وتعظيم الأمر دليل على تعظيم الآمر وأول مراتب تعظيم الأمر التصديق ~~به ثم العزم الجازم على امتثاله ثم المسارعة إليه والمبادرة به رغم القواطع ~~والموانع ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه ثم فعله لكونه ~~مأمورا به بحيث يتوقف الإنسان على معرفة حكمته فإن ظهرت له فعله وإلا عطله ~~فهذا من عدم عظمته في صدره بل يسلم لأمر الله وحكمته ممتثلا ما أمر به سواء ~~ظهرت له حكمته أو لم تظهر فإن ورد الشرع بذكر حكمة الأمر أو فقهها العقل ~~كانت زيادة في البصيرة والداعية في الامتثال وإن لم تظهر له حكمته لم يوهن ~~ذلك انقياده ولم يقدح في امتثاله فالمعظم لأمر الله يجري الأوامر والنواهي ~~على ما ms624 PageV04P1561 @ جاءت لا يعللها بعلل توهنها وتخدش في وجه حسنها فضلا ~~عن أن يعارضها بعلل تقتضي خلافها فهذا حال ورثة إبليس والتسليم والانقياد ~~والقبول حال ورثة الأنبياء # الوجه الحادي عشر # إن المعترضين على الرب سبحانه قسمان قسم اعترضوا عليه في أمره ونهيه وقسم ~~اعترضوا عليه في قضائه وقدره وربما اجتمع النوعان في حق المعترض وقد ينفرد ~~أحدهما وإبليس ممن جمع النوعين فاعترض أولا عليه في أمره له بالسجود لآدم ~~وزعم أنه مخالف للحكمة وأن الحكمة إنما تقتضي خضوع المفضول للفاضل لا ضد ~~ذلك وزعم أنه أفضل وخير من آدم ثم اعترض بعد ذلك على القضاء والقدر بهذه ~~الأسولة فجمع بين الاعتراض على أمره وقدره وبث هذين النوعين في أصحابه ~~وتلامذته وأخرجها لهم في كل قالب وصورة يقبلونها فيها وآخر ذلك أوحى إليهم ~~أن يعترضوا على خبره عن نفسه وخبر رسله عنه بالعقل فعارض عدو الله أمره ~~بأنه خلاف الحكمة وقدره بأنه خلاف العدل وخبره بأنه خلاف العقل وسرت هذه ~~المعارضات الثلاث في أتباعه فهم خلفاؤه ونوابه فهم على قدر أنصابهم منها ~~ومعلوم أن هذه الأنواع الثلاثة مضادة له ومجاهرة بالعداوة ومن التلبيس ~~إخراج المعترض لها في صورة العلم والحب والمعرفة PageV04P1562 @ بألفاظ ~~مزخرفة تغر السامع وتصغي إليها أفئدة أشباه الأنعام وتنفعل عنها قلوبهم ~~بالرضى بها وألسنتهم بالتكلم بها وجوارحهم بالعمل بمقتضاها # الوجه الثاني عشر # إن أعداءه المشركين اعترضوا على أمره وشرعه بقضائه وقدره فجعلهم سبحانه ~~بذلك كاذبين جاهلين مشركين وهذه الأسولة الإبليسية تتضمن الاعتراض على ~~قضائه وقدره بحكمته وأن الحكمة تعارض ما قضاه وقدره كما أن اعتراض المشركين ~~يتضمن أن القضاء والقدر يعارض ما شرعه وأمر به وهذه المعارضات كلها من ~~مشكاة واحدة فإذا كان الاعتراض على دينه وشرعه بقضائه وقدره باطلا فكذلك ~~الاعتراض على قضائه وقدره بحكمته يوضحه # الوجه الثالث عشر # إن الأمر والقدر تفصيل للحكمة ومظهرها فإنها خفية فلا بد لظهورها من شرع ~~يأمر به وقدر يقضيه ويكونه فتظهر حكمته سبحانه في هذا وهذا فكيف يكون تفصيل ~~الشيء وما يظهره ms625 مناقضا له منافيا بل يمتنع أن يكون إلا مصدقا موافقا فإن ~~التفصيل متى ناقض الأصل وضاده كان دليلا على بطلانه يوضحه # الوجه الرابع عشر # وهو أن الرب سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى وأسماؤه متضمنة لصفات كماله ~~وأفعاله ناشئة عن صفاته PageV04P1563 @ فإنه سبحانه لم يستفد كمالا بأفعاله ~~بل له الكمال التام المطلق وفعاله عن كماله والمخلوق كماله عن فعاله فإنه ~~فعل فكمل بفعله وأسماؤه الحسنى تقتضي آثارها وتستلزمها استلزام المقتضى ~~الموجب لموجبه ومقتضاه فلا بد من ظهور آثارها في الوجود فإن من أسمائه ~~الخلاق المقتضي لوجود الخلق ومن أسمائه الرزاق المقتضي لوجود الرزق ~~والمرزوق وكذلك الغفار والتواب والحكيم والعفو وكذلك الرحمن الرحيم وكذلك ~~الحكم العدل إلى سائر الأسماء ومنها الحكيم المستلزم لظهور حكمته في الوجود ~~والوجود متضمن لخلقه وأمره @QB@ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين @QE@ الأعراف 54 # فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره ~~فمصدر الخلق والأمر عن هذين المتضمنين لهاتين الصفتين ولهذا يقرن سبحانه ~~بينهما عند ذكر إنزال كتابه وعند ذكر ملكه وربوبيته إذ هما مصدر الخلق ~~والأمر ولما كان سبحانه كاملا في جميع أوصافه ومن أجلها حكمته كانت عامة ~~التعلق بكل مقدور كما أن علمه عام التعلق بكل معلوم ومشيئته عامة التعلق ~~بكل موجود وسمعه وبصره عام التعلق بكل مسموع ومرئي فهذا من لوازم صفاته فلا ~~بد أن تكون حكمته عامة PageV04P1564 @ التعلق بكل ما خلقه وقدره وأمر به ~~ونهى عنه وهذا أمر ذاتي للصفة يمتنع تخلفه وانفكاكه عنها كما يمتنع تخلف ~~الصفة نفسها وانفكاكها عنه وهذا وحده برهان كاف شاف في إبطال تلك الأسولة ~~كلها وأنه يكفي في إبطالها إثبات عموم تعلق صفاته وذلك يستلزم إثبات الصفات ~~وهي تستلزم إثبات الذات فإثبات ذات الرب تعالى كاف في بطلان الأسولة ~~الإبليسية # نعم الجهمي المعطل وأصحابه يعجزون عن الجواب عنها على هذه الطريق وإن ~~أجابوا عنها على غيرها لم يشفوا عليلا ولم يرووا غليلا إذ هي أجوبة مبنية ~~على أصول باطلة والمبنية على الباطل ms626 لا تكون صحيحة من كل وجه وقد قدمنا ~~مجامع طرق الناس في الأجوبة وبان أن الأصول الفاسدة خذلتهم عن الجواب ~~الصحيح الشافي # الوجه الخامس عشر # إن الله سبحانه وتعالى فطر عباده حتى الحيوان البهيم على استحسان وضع ~~الشيء في موضعه والإتيان به في وقته وحصوله على الوجه المطلوب منه وعلى ~~استقباح ضد ذلك وخلافه وأن الأول دال على كمال فاعله وعلمه وقدرته وخبرته ~~وضده دال على نقصه وعلى نقص علمه وقدرته وخبرته وهذه فطرة لا يمكنهم الخروج ~~عن موجبها ومعلوم أن الذي فطرهم على ذلك وجعله فيهم أولى به منهم ~~PageV04P1565 @ فهو سبحانه يضع الأشياء في مواضعها التي لا يليق بها سواها ~~ويخصها من الصفات والأشكال والهيئات والمقادير بما هو أعلم بها من غيره ~~ويبرزها في أوقاتها وأزمنتها المناسبة لها التي لا يليق بها سواها ومن له ~~نظر صحيح وفكر مستقيم وأعطى التأمل حقه شهد بذلك فيما رآه وعلمه واستدل بما ~~شاهده على ما خفي عنه فإن الكل صنع الحكيم العليم ويكفي في هذا ما يعلمه من ~~حكمة خلق الحيوان وأعضائه وصفاته وهيئاته ومنافعه واشتماله على الحكمة ~~المطلوبة منه أتم اشتمال وقد ندب سبحانه عباده إلى ذلك فقال @QB@ وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ الذاريات 21 # وقال @QB@ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت @QE@ الغاشية 17 # إلى آخرها وكذلك جميع ما يشاهد من مخلوقاته عاليها وسافلها وما بين ذلك ~~إذا تأملها صحيح التأمل والنظر وجدها مؤسسة على غاية الحكمة مغشاة بالحكمة ~~فقرأ سطور الحكمة على صفحاتها وينادي عليها هذا صنع PageV04P1566 @ العليم ~~الحكيم وتقدير العزيز العليم فإن وجدت العقول أوفق من هذا فلتقترحه أو رأت ~~أحسن منه فلتبده ولتوضحه ذلك صنع @QB@ الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في ~~خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب ~~إليك البصر خاسئا وهو حسير @QE@ الملك 4 3 # ومن نظر في هذاالعالم وتأمل أمره حق التأمل علم قطعا أن خالقه أتقنه ~~وأحكمه غاية الإتقان والإحكام فإنه إذا تأمله وجده كالبيت المبني ms627 المعد فيه ~~جميع عتاده فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم منضودة ~~كالمصابيح والمنافع مخزونة كالذخائر كل شيء منها لأمر يصلح له والإنسان ~~كالمالك المخول فيه وضروب النبات مهيأة لمآربه وصنوف الحيوان مصرفة في ~~مصالحه فمنها ما هو للدر والنسل والغذاء فقط ومنها ما هو للركوب والحمولة ~~فقط ومنها ما هو للجمال والزينة ومنها ما يجمع ذلك كله كالإبل وجعل أجوافها ~~خزائن لما هو شراب وغذاء ودواء وشفاء ففيها عبرة للناظرين وآيات للمتوسمين ~~وفي الطير واختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها ومقاديرها ومنافعها وأصواتها ~~صافات وقابضات وغاديات ورائحات ومقيمات وظاعنات أعظم عبرة وأبين دلالة على ~~حكمة الخلاق العليم وكل ما أوجده الناس وأولوه بالا بالأفكار الطويلة ~~PageV04P1567 @ والتجارب المتعددة من أصناف الآلات والمصانع وغيرها إذا فكر ~~فيها المتفكر وجدها مشتقة من الخلقة مستنبطة من الصنع الإلهي مثال ذلك ~~القبان مستنبطة من خلقة البعير كأنهم لما رأوه ينهض بحمله وينوء به يمد ~~عنقه ويوازن حمله برأسه استنبطوا القبان من ذلك وجعلوا طول حديدته في ~~مقابلة طول العنق ورمانة القبان في مقابلة رأس البعير فتم لهم ما استنبطوه ~~وكذلك استنبطوا بناء الأقباء من ظهره فإنهم وجدوه يحمل ما لا يحمله غيره ~~فتأملوا ظهره فإذا هو كالقبو فعلموا أن القبو يحمل ما لا يحمله السطح وكذلك ~~ما استنبطه الحذاق لمن كل بصره أن يديم النظر إلى إجانة مملوءة خضر ماء ~~استنباطا من حكمة الخلاق العليم في لون السماء فإن لونها أشد الألوان ~~موافقة للبصر وتقويته فجعل أديمها بهذا اللون PageV04P1568 @ لتمسك الأبصار ~~ولا تنكأ فيها بطول مباشرتها لها ومن هذا استنبط الأطباء لمن أصابه سوء في ~~بصره إدمان النظر إلى الخضرة وإذا فكرت في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي ~~الليل والنهار ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم فكم في طلوعها من الحكم ~~والمصالح وكيف كان حال الحيوان لو أمسكت عنهم وجعل الليل عليهم سرمدا ~~والدنيا مظلمة عليهم فبأي نور كانوا يتصرفون وينقلبون وكيف كانت تنضج ~~ثمارهم وتكمل أقواتهم وتعتدل صورهم وأبدانهم فالحكم في طلوعها أعظم من أن ms628 ~~تخفى أو تحصى ولكن تأمل الحكمة في غروبها فلولا غروبها لم يكن للحيوان هدوء ~~ولا قرار مع شدة حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانهم وإجمام حواسهم وأيضا لو ~~دامت على الأرض لاشتد حموها بدوام طلوعها عليها فأحرق كل ما عليها من حيوان ~~ونبات فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في ~~وقت وتغيب في وقت بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليا ليقضوا مآربهم ثم يغيب ~~عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدوا وصار ضياء النهار وحرارته وظلام الليل وبرده ~~على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين على PageV04P1569 @ ما فيه صلاح ~~العالم وقوامه ومنافع أهله ثم اقتضت حكمته أن جعل للشمس ارتفاعا وانحطاطا ~~لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما فيها من قيام الحيوان والنبات ففي ~~زمن الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيها مواد الثمار ويغلظ ~~الهواء بسبب ا لبرد فتصير مادة للسحاب فيرسل العزيز الحكيم الريح المثيرة ~~فيثيره فزعا ثم يرسل عليه الريح المؤلفة فتؤلف بينه حتى يصير طبقا واحدا ثم ~~يرسل عليه الريح اللاقحة التي فيها مادة الماء فيلقحه كما يلقح الذكر ~~الأنثى فيحمل الماء من وقته فإذا كان بروز الحمل وانفصاله أرسل عليه الريح ~~الذارية فتذروه وتفرقه في الهواء لئلا يقع صبة واحدة فيهلك ما أصابه ويقل ~~الانتفاع به فإذا سقى ما أمر بسقيه وفرغت حاجتهم منها أرسل عليه الرياح ~~السائقة فتسوقه وتزيحه إلى قوم آخرين وأرض أخرى محتاجة إليه فإذا جاء ~~الربيع تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء فخرج النبات وأخذت ~~الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج فإذا جاء الصيف سخن الهواء ~~فنضجت الثمار ويبست الحبوب فصلحت للحفظ والخزن وتحللت فضلات الأبدان فإذا ~~جاء الخريف كسر ذلك السموم والحرور وصفا الهواء واعتدل وأخذت الأرض والشجر ~~في الراحة والجموم والاستعداد للحمل الآخر واقتضت حكمته سبحانه أن أنزل ~~الشمس والقمر في PageV04P1570 @ البروج وقدر لهما المنازل ليعلم العباد عدد ~~السنين والحساب من الشهور والأعوام قسم بذلك مصالحهم ويعلم آجال معاملاتهم ~~ومواقيت حجهم وعباداتهم ومدد أعمارهم وغير ms629 ذلك من مصالح حسابهم فالزمان ~~مقدار الحركة ألا ترى أن السنة الشمسية مقدار مسير الشمس من الحمل إلى ~~الحمل واليوم مقدار مسيرها من الشرق إلى الغرب وبحركة الشمس والقمر كان ~~الزمان من حين خلقا إلى أن يجمع الله بينهما ويعزلهما عن سلطانهما ويرى ~~عابديهما أنهم عبدوا الباطل من دونه وأن سلطان معبودهم قد بطل واضمحل وأن ~~سلطان الحق والملك الحق لله الواحد القهار قال تعالى @QB@ هو الذي جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون @QE@ يونس 5 # وقال تعالى @QB@ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا @QE@ الإسراء 12 # ففي القمر وتقدير منازله آيات وحكم لا تخفى على الناظرين واقتضت حكمته ~~سبحانه في تدبيره أن فاوت PageV04P1571 @ بين مقادير الليل والنهار فلم ~~يجعلهما دائما على حد سواء ولا أطول مما هما عليه ولا أقصر بل جاء ~~استواؤهما وأخذ أحدهما من الآخر على وفق الحكمة حتى إن المكان الذي يقصر ~~أحدهما فيه جدا لا يكون فيه حيوان ونبات كالمكان الذي لا تطلع عليه الشمس ~~ولا تغرب عنه فلو كان النهار مقدار مائة ساعة أو أكثر أو كان الليل كذلك ~~لتعطلت المصالح التي نظمها الله بهذا المقدار من الليل والنهار ثم تأمل ~~الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه مع الحاجة إلى الظلمة ~~لهدوء الحيوان وبرد الهواء لم تقتض المصلحة أن يكون الليل ظلمة واحدة داجية ~~لا ضياء فيها فلا يمكن فيه شيء من العمل وربما احتاج الناس إلى العمل ~~بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولإفراط الحر فيه فاحتاجوا إلى العمل في ~~الليل في نور القمر من حرث الأرض وقطع الزرع وغير ذلك فجعل ضوء القمر في ~~الليل معونة للناس على هذه الأعمال وجعل في الكواكب جزءا يسيرا من النور ~~لتسد مسد القمر إذا لم يكن وجعلت زينة السماء ومعالم يهتدى بها ms630 في ظلمات ~~البر والبحر ودلالات واضحات على الخلاق العليم وغير ذلك من الحكم التي بها ~~انتظام هذا العالم وجعلت الشمس على حالة واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان ~~لئلا تتعطل PageV04P1572 @ الحكمة المقصودة منها وجعل القمر على حالة تقبل ~~الزيادة والنقصان لئلا تتعطل الحكمة المقصودة من جعله كذلك وكان في نوره من ~~التبريد والتصليب ما يقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل فتنتظم ~~المصلحة وتتم الحكمة من هذا التسخين والتبريد وتأمل اللفظ والحكمة الإلهية ~~في جعل الكواكب السيارة ومنازلها تظهر في بعض السنين وتحتجب في بعضها لأنها ~~لو ظهرت دائما أو احتجبت دائما لذابت الحكمة المطلوبة منها وكما اقتضت ~~الحكمة أن يظهر بعضها ويحتجب بعضها فلا تظهر كلها دفعة واحدة ولا تحتجب ~~دفعة واحدة بل ينوب ظاهرها عن خفيها في الدلالة وجعل بعضها ظاهرا لا يحتجب ~~أصلا بمنزلة الأعلام المنصوبة التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في ~~البر والبحر فهم ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها حيث شاءوا فجاء ~~الأمران على وفق الحكمة ثم تأمل حال النجوم واختلاف مسيرها ففرقة منها لا ~~تريم مراكزها من الفلك ولا تسير إلا مجتمعة كالجيش الواحد وفرقة منها مطلقة ~~تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها فكل واحد منها يسير سيرين مختلفين أحدهما ~~عام مع الفلك نحو الغرب والآخر خاص لنفسه نحو الشرق فله حركتان مختلفتان ~~على وفق الحكمة وذلك من أعظم الدلالة على PageV04P1573 @ الفاعل المختار ~~العليم الحكيم وعلى كمال علمه وقدرته وحكمته وتأمل كيف صار هذا الفلك بشمسه ~~وقمره ونجومه وبروجه يدور على هذا العالم هذا الدوران العظيم السريع ~~المستمر بتقدير محكم لا يزيد ولا ينقص ولا يختل عن نظامه بل هو تقدير ~~العزيز العليم كما أشار تعالى إلى أن ذلك التقدير صادر عن كمال عزته وعلمه ~~فقال تعالى @QB@ والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم @QE@ يس ~~38 # وقال تعالى @QB@ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين @QE@ إلى ~~قوله @QB@ فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء ~~الدنيا ms631 بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم @QE@ فصلت 12 - 9 # وقال تعالى @QB@ فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك ~~تقدير العزيز العليم @QE@ الأنعام 96 PageV04P1574 @ # فذكر سبحانه أن هذا التقدير لمسير الشمس والقمر والليل والنهار وحركات ~~النجوم في مطالعها ومغاربها تقدير ناشئ عن عزته وعلمه وذلك متضمن وقوعه على ~~وجه الحكمة الغائية ولتسخير الشمس والقمر والكواكب وتذليلها لعزته وجار على ~~وفق حكمته فجاءت على وفق ما قدرها له فهل يخفى على ذي لب أن ذلك تقدير مقدر ~~قادر عزيز حكيم وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV04P1575 ms632