######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007345 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007345 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7345 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7345 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علي بن محمد الدخيل الله #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1408هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | مقدمة # ... # الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة # ابن قيم الجوزية # بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين # رب يسر بفضلك يا كريم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~أجمعين. # الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ~~وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الموصوف بصفات الجلال المنعوت ~~بنعوت الكمال المنزه عما يضاد كماله من سلب حقائق أسمائه وصفاته المستلزم ~~لوصفه بالنقائص وشبه المخلوقين فنفي حقائق أسمائه متضمن للتعطيل والتشبيه ~~وإثبات حقائقها على وجه الكمال الذي لا يستحقه سواه هو حقيقة التوحيد ~~والتنزيه فالمعطل جاحد لكمال المعبود والممثل. # PageV01P147 # مشبه له بالعبيد والموحد مبين لحقائق أسمائه وكمال أوصافه وذلك قطب رحى ~~التوحيد فالمعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما والموحد يعبد ربا ليس كمثله ~~شيء له الأسماء الحسنى والصفات العلى وسع كل شيء رحمة وعلما وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه وحجته على عباده فهو رحمته ~~المهداة إلى العالمين ونعمته التي أتمها على أتباعه من المؤمنين أرسله على ~~حين فترة من الرسل ودروس من الكتب وطموس من السبل وقد استوجب أهل الأرض أن ~~ينزل بساحتهم العذاب وقد نظر الجبار جل جلاله إليهم فمقتهم عربهم وعجمهم ~~إلا بقايا من أهل الكتاب وكانت الأمم إذ ذاك ما بين مشرك بالرحمن عابد ~~للأوثان. # PageV01P148 # وعابد للنيران وعابد للصلبان أو عابد للشمس والقمر والنجوم كافر بالله ~~الحي القيوم أو تائه في بيداء ضلالته حيران قد استهواه الشيطان وسد عليه ~~طريق الهدى والإيمان فالمعروف عنده ما وافق إرادته ورضاه والمنكر ما خالف ~~هواه قد تخلى عنه الرحمن وقارنه الخذلان يسمع ويبصر بهواه لا بمولاه ويبطش ~~ويمشي بنفسه وشيطانه لا بالله فباب الهدى دونه مسدود وهو عن الوصول إلى ~~معرفة ربه واتباع مرضاته مصدود فأهل الأرض بين تائه حيران وعبد للدنيا فهو ~~عليها لهفان ومنقاد للشيطان جاهل أو جاحد أو مشرك بالرحمن فالأرض قد غشيتها ~~ظلمة الكفر والشرك والجهل والعناد وقد استولى عليها أئمة الكفر وعساكر ms001 ~~الفساد وقد استند كل قوم إلى ظلمات آرائهم وحكموا على الله بين عباده ~~بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم فسوق الباطل نافقة لها القيام وسوق الحق كاسدة ~~لا تقام فالأرض قد صالت جيوش الباطل في أقطارها # PageV01P149 # ونواحيها وظنت أن تلك الدولة تدوم لها وأنه لا مطمع بجند الله وحزبه فيها ~~فبعث الله رسوله وأهل الأرض أحوج إلى رسالته من غيث السماء ومن نور الشمس ~~الذي يذهب عنهم حنادس الظلمات فحاجتهم إلى رسالته فوق جميع الحاجات ~~وضرورتهم إليها مقدمة على جميع الضرورات فإنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا ~~لذة ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها ~~بأسمائه وصفاته وأفعاله ويكون أحب إليها مما سواه ويكون سعيها في ما يقربها ~~إليه ويدنيها من مرضاته ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك ~~وإدراكه على التفصيل فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين ~~وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ومن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة ~~رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله إذ على هذه المعرفة ~~تنبني مطالب الرسالة جميعها وإن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية ~~تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود. # PageV01P150 # ولما كان مفتاح الدعوة الإلهية معرفة الرب تعالى قال أفضل الداعين إليه ~~سبحانه لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فليكن ~~أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا عرفوا ~~الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وذكر باقي ~~الحديث وهو في الصحيحين وهذا اللفظ لمسلم # فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم معرفة الله سبحانه بأسمائه ~~وصفاته وأفعاله ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان # أحدهما: تعريف الطريق الموصلة إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه # الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفد ~~وقرة العين التي لا تنقطع # وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول ومبنيان عليه فأعرف الناس بالله ~~أتبعبهم للطريق الموصل إليه وأعرفهم # PageV01P151 # بحال السالكين ms002 عند القدوم عليه ولهذا سمى الله سبحانه ما أنزل على رسوله ~~روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه ونورا لتوقف الهداية عليه قال الله تبارك ~~وتعالى: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر15] في موضعين من ~~كتابه وقال عز وجل {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى52] # فلا روح إلا فيما جاء به ولا نور إلا في الاستضاءة به فهو الحياة والنور ~~والعصمة والشفاء والنجاة والأمن والله سبحانه وتعالى أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق فلا هدى إلا فيما جاء به ولا يقبل الله من أحد دينا يدينه به إلا ~~أن يكون موافقا لدينه وقد نزه سبحانه وتعالى نفسه عما يصفه به العباد إلا ~~ما وصفه به المرسلون فقال: # PageV01P152 # {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} [الصافات 160] # قال غير واحد من السلف هم الرسل وقال الله سبحانه وتعالى: {سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} فنزه نفسه عما ~~يصفه به الخلق ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب ~~ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد # ومن ها هنا أخذ إمام أهل السنة محمد بن إدريس الشافعي قدس الله روحه ونور ~~ضريحه خطبة كتابه حيث قال: الحمد لله الذي هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به ~~خلقه فأثبت في هذه الكلمة أن صفاته إنما تتلقى بالسمع لا بآراء الخلق وأن ~~أوصافه فوق ما يصفه به الخلق فتضمنت هذه الكلمة إثبات صفات الكمال الذي ~~أثبته لنفسه وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل وأن ما وصف به نفسه فهو ~~الذي يوصف به # PageV01P153 # لا ما وصفه به الخلق ثم قال: والحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه ~~إلا بنعمة منه توجب على مؤدى شكر ماضي نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه ~~شكره بها فأثبت في هذا القدر أن فعل الشكر إنما هو بنعمته ms003 على الشاكر وهذا ~~يدل على أنه رحمه الله مثبت للصفات والقدر وعلى ذلك درج بزل الإسلام ~~والرعيل الأول ثم فرق على أثرهم التابعون وتبعهم على منهاجهم اللاحقون يوصي ~~بها الأول الآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق وهم في ذلك بنبيهم مقتدون وعلى ~~منهاجه سالكون # PageV01P154 # قال الله تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} ~~[يوسف108] # فمن اتبعني إن كان عطفا على الضمير في أدعو إلى الله فهو دليل أن أتباعه ~~هم الدعاة إلى الله وإن كان عطفا على الضمير المنفصل فهو صريح أن أتباعه هم ~~أهل البصيرة فيما جاء به دون من عداهم. # والتحقيق أن العطف يتضمن المعنيين فأتباعه هم أهل البصيرة الذين يدعون ~~إلى الله وقد شهد سبحانه لمن يرى أن ما جاء به من عند الله هو الحق لا آراء ~~الرجال بالعلم فقال تعالى {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك ~~هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} [سبأ6] وقال تعالى {أفمن يعلم أنما ~~أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} [الرعد19] فمن تعارض عنده حقائق ما جاء ~~به وآراء الرجال فقدمها عليه أو توقف فيه أو قدحت في كمال معرفته # PageV01P155 # وإيمانه به لم يكن من الذين شهد الله لهم بالعلم ولا يجوز أن يسمى بأنه ~~من أهل العلم فكيف يكون الداعي إلى الله على بصيرة الذي وصفه الله بأنه ~~سراج منير وبأنه هاد إلى صراط مستقيم وبأن من اتبع النور الذي أنزل معه فهو ~~المفلح لا غيره وأن من لم يحكمه في كل ما ينازع فيه المتنازعون وينقاد ~~لحكمه ولا يكون عنده حرج منه فليس بمؤمن لأن الرسول عنده قد أخبر الأمة عن ~~الله وأسمائه وصفاته بما الحق في خلاف ظاهره والهدى في إخراجه عن حقائقه ~~وحمله على وحشي اللغات ومستكرهات التأويل وأن حقائقه ضلال وتشبيه وإلحاد ~~والهدى والعلم في مجازه وإخراجه عن حقائقه وإحالة الأمه فيه على آراء ~~المتحيرين وعقول المتهوكين فيقول إذا أخبرتكم عن الله وصفاته العلى بشيء ~~فلا ms004 تعتقدوا حقيقته وخذوا معرفة مرادي به من آراء الرجال ومعقولها فإن ~~الهدى والعلم فيه والدين إذا أحيل على تأويلات المتأولين انتقضت # PageV01P156 # عراه كلها ولا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على ~~مذهبها إلا وجدت السبيل إليه وقالت لمن فتح لها باب التأويل إنا تأولنا كما ~~تأولتم والنصوص أخبرت بما تأولناه كما أخبرت بما تأولتموه فما الذي جعلكم ~~في تأويلكم مأجورين وجعلنا عليه مأزورين والذي قادكم إلى التأويل ما تقولون ~~إنه معقول فمعنا نظيره أو أقوى منه أو دونه وسيأتي تمام هذا في بيان عجز ~~المتأولين عن الفرق بين ما يسوغ تأويله وما لا يسوغ # والمقصود أن الله سبحانه قد أخبر أنه أكمل له ولأمته به دينهم وأتم عليهم ~~به نعمته ومحال مع هذا أن يدع أهم ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل وأنزلت ~~به الكتب ونصبت عليه القبلة وأسست عليه الملة وهو باب الإيمان به ومعرفته ~~ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله ملتبسا مشتبها حقه بباطله لم يتكلم فيه بما ~~هو الحق بل تكلم بما ظاهره الباطل والحق في إخراجه عن ظاهره وكيف يكون أفضل ~~الرسل وأجل الكتب غير واف بتعريف ذلك على أتم الوجود مبين له بأكمل البيان ~~موضح له غاية الإيضاح مع شدة حاجة النفوس إلى معرفته ومع # PageV01P157 # كونه أفضل ما اكتسبته النفوس وأجل ما حصلته القلوب ومن أبين المحال أن ~~يكون أفضل الرسل قد علم أمته آداب البول قبله وبعده ومعه وآداب الوطء وآداب ~~الطعام والشراب ويترك أن يعلمهم ما يقولونه بألسنتهم وتعتقده قلوبهم في ~~ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف والوصول إليه أجل المطالب وعبادته ~~وحده لا شريك له أقرب الوسائل ويخبرهم فيه بما ظاهره باطل وإلحاد ويحيلهم ~~في فهم ما أخبرهم به على مستكرهات التأويلات ومستنكرات المجازات ثم يحيلهم ~~في معرفة الحق على ما تحكم به عقولهم وتوجبه أراؤهم هذا وهو القائل: ~~"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وهو القائل ~~"ما بعث الله من نبي إلا كان حقا ms005 عليه أن يدل على أمته على # PageV01P158 # خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" وقال أبو ذر لقد توفي رسول ~~الله وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما # وقال عمر بن الخطاب قام فينا رسول الله مقاما فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل ~~الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه ذكره ~~البخاري وصلى بهم رسول الله صلاة الظهر ثم خطبهم حتى حضرت العصر فصلى العصر ~~ثم خطب بهم حتى غربت الشمس فلم يدع شيئا كان ولا يكون # PageV01P159 # من خلق آدم إلى قيام الساعة حتى أخبرهم به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه. # فكيف يتوهم من لله ولرسوله ودينه في قلبه وقار أن يكون رسول الله قد أمسك ~~عن بيان هذا الأمر العظيم ولم يتكلم فيه بالصواب بل تكلم بما ظاهره خلاف ~~الصواب بل لا يتم الإيمان إلا باعتقاد أن بيان ذلك قد وقع من الرسول على ~~أتم الوجوه وأوضحه غاية الإيضاح ولم يدع بعده لقائل مقالا ولا لمتأول ~~تأويلا ثم من المحال أن يكون خير الأمة وأفضلها وأعلمها وأسبقها إلى كل فضل ~~وهدى ومعرفة قصروا في هذا الباب فجفوا عنه أو تجاوزوا فغلوا فيه وإنما ~~ابتلي من خرج عن منهاجهم بهذين الداءين وهدوا لأحد الإنحرافين وبزل الإسلام ~~وعصابة الإيمان وحماة الدين هم الذين كانوا في هذا الباب قائلين بالحق ~~معتقدين له داعين إليه # PageV01P160 # فإن قيل القوم كانوا عن هذا الباب معرضين وبالزهد والعبادة والجهاد ~~مشتغلين لم يكن هذا الباب من همتهم ولا عنايتهم به قيل هذا من أبين المحال ~~وأبطل الباطل بل كانت عنايتهم بهذا الباب فوق كل عناية واهتمامهم به فوق كل ~~اهتمام وذلك بحسب حياة قلوبهم ومحبتهم لمعبودهم ومنافستهم في القرب منه فمن ~~في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه فطلبه لهذا ~~الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التبصر فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو ~~أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته وليست القلوب الصحيحة ms006 والنفوس ~~المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ولا فرحها بشيء ~~أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه فكيف يمكن مع قيام هذا المقتضى الذي ~~هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه أثره في خيار الأمة وسادات أهل العلم ~~والإيمان الذين هممهم أشرف الهمم ومطالبهم أجل المطالب ونفوسهم أزكى النفوس ~~فكيف يظن بهم الإعراض عن مثل هذا الأمر العظيم أو الغفلة عنه أو التكلم ~~بخلاف الصواب فيه واعتقاد الباطل ومن المحال أن يكون تلاميذ المعتزلة وورثة # PageV01P161 # الصابئين وأفراخ اليونان الذين شهدوا على أنفسهم بالحيرة والشك وعدم ~~العلم الذي يطمئن إليه القلب وأشهدوا الله وملائكته عليهم به وشهد به عليهم ~~الأشهاد من أتباع الرسل أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأعرف به ممن شهد الله ~~ورسوله لهم بالعلم والإيمان وفضلهم على من سبقهم ومن يجيء بعدهم إلى يوم ~~القيامة ما خلا النبيين والمرسلين وهل يقول هذا إلا غبي جاهل لم يقدر قدر ~~السلف ولا عرف الله ورسوله وما جاء به. # قال شيخنا وإنما أتى هؤلاء المبتدعة الذين # PageV01P162 # فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد ~~الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها ~~واعتقدوا أنهم بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم {ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني} [البقرة78] # وأن طريقة المتأخرين هي استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع ~~المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات فهذا الظن الفاسد أوجب تلك ~~المقالة التي مضمونها نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وراء ~~ظهورهم فجمعوا # PageV01P163 # بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة ~~الخلف # وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص فلما ~~اعتقدوا التعطيل وانتفاء الصفات في نفس الأمر ورأوا أنه لا بد للنصوص من ~~معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وهذا الذي هو طريقة ~~السلف عندهم وبين صرف اللفظ عن حقيقته وما وضع له إلى ما لم يوضع له ms007 ولا دل ~~عليه بأنواع من المجازات والتكلفات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها ~~بالبيان والهدى كما سيأتي بيانه مفصلا إن شاء الله # وصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل والجهل بالسمع فلا سمع ولا عقل فإن ~~النفي # PageV01P164 # والتعطيل إنما اعتمدوا فيه على شبهات فاسدة ظنوها معقولات صحيحة فحرفوا ~~لها النصوص السمعية عن مواضعها فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين ~~الكاذبتين كانت النتيجة استجهال السابقين الذين هم أعلم الأمة بالله وصفاته ~~واعتقاد أنهم كانوا أميين بمنزلة الصالحين البله الذين لم يتبحروا في حقائق ~~العلم بالله ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي وأن الخلف هم الفضلاء العلماء ~~الذين حازوا قصب السبق واستولوا على الغاية وظفروا من الغنيمة بما فات ~~السابقين الأولين # فكيف يتوهم من له أدنى مسكة من عقل وإيمان أن # PageV01P165 # هؤلاء المتحيرين الذين كثر في باب العلم بالله اضطرابهم وغلظ عن معرفة ~~الله حجابهم وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم ~~وأنه الشك والحيرة حيث يقول لعمري. # لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # PageV01P166 # ويقول الآخر # نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # وقال الآخر # لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه ~~والآن إن # PageV01P167 # لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي # وقال آخر أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام. وقال آخر منهم عند موته ~~أشهدوا علي أني أموت وما عرفت شيئا إلا أن الممكن يفتقر إلى واجب ثم قال ~~والافتقار أمر عدمي فلم أعرف شيئا # وقال آخر وقد نزلت به نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث قال ~~ثم استغثت برب الجهمية فلم يغثني ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني ثم ~~استغثت برب المعتزلة فلم يغثني قال ms008 فاستغثت برب العامة فأغاثني. # PageV01P168 # قال شيخنا وكيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون الحيارى المتهوكون أعلم ~~بالله وصفاته وأسمائه وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل ومصابيح الدجى وأعلام ~~الهدى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا الذين ~~وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء وأحاطوا ~~من حقائق المعارف بما لو جمعت حكمة من عداهم وعلومهم إليه # PageV01P169 # لاستحى من يطلب المقابلة ثم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند ~~واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلال الصابئين وأشباههم وأشكالهم أعلم ~~بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان اه. # فصل # فهذه مقدمة بين يدي جواب السؤال المذكور وإنما تتبين حقيقة الجواب بفصول # الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا # الفصل الثاني: في انقسام التأويل إلى صحيح وباطل # الفصل الثالث: أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء. # PageV01P170 # الفصل الرابع في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب # الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ~~يمتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما. # الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من ~~آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ. # الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه # الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي ~~تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل. # الفصل التاسع: في الوظائف الواجبة على المتأول التي لا يقبل منه تأويله ~~إلا بها. # الفصل العاشر: في أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل ~~والتلاعب بالنصوص. # الفصل الحادي عشر: في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ~~ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد. # PageV01P171 # الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه ~~يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور ~~وما تشتد الحاجة إلى بيانه. # الفصل الثالث عشر: في بيان ms009 أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل ~~المخالف لحقيقته وظاهره. # الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات ~~بالإبطال # الفصل الخامس عشر: في جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم ~~وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل. # الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله. # الفصل السابع عشر: في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع ~~الثقة بالكلام إن سلط عليه ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه. # الفصل الثامن عشر: في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب ~~تخييل وأصحاب تمثيل وأصحاب تجهيل وأصحاب سواء السبيل. # PageV01P172 # الفصل التاسع عشر: في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل ~~مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله. # الفصل العشرون: في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي ~~على مبطل أبدا. # الفصل الحادي والعشرون: في الأسباب الجالبة للتأويل. # الفصل الثاني والعشرون: في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام ~~الاختلاف إلى محمود ومذموم. # الفصل الثالث والعشرون: في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم ~~على أصل واحد وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله. # الفصل الرابع والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب ~~التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم ~~الإيمان وهي قولهم إن كلام الله وكلام رسوله أدلة لفظية لا تفيد علما ولا ~~يحصل منها يقين. # وقولهم إن آيات الصفات وأحاديث الصفات مجازات لا حقيقة لها. # PageV01P173 # وقولهم إن أخبار رسول الله الصحيحة لا تفيد العلم وغايتها أن تفيد الظن. # وقولهم إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي. # والله المسؤول أن يرينا الحق حقا ويوفقنا لاتباعه ويرينا الباطل باطلا ~~ويعيننا على اجتنابه وأن لا يجعلنا ممن يتقدم بين يديه ويدي رسوله ولا ممن ~~يقدم آراء الرجال وما نحتته أفكارها على نصوص الوحي وهو المسؤول أن يوفقنا ~~لما طلبناه وأن يجعله خالصا لوجهه ms010 مدنيا من رضاه إنه خير مسؤول وأكرم مأمول ~~وبه المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله. # PageV01P174 ### | الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا # التأويل تفعيل من آل يؤول إلى كذا إذا صار إليه فالتأويل التصيير وأولته ~~تأويلا إذا صيرته إليه فآل وتأول وهو مطاوع أولته. # وقال الجوهري التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء وقد أولته وتأولته تأولا ~~بمعنى قال الأعشى # على أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعي السقاب فأصحبا # PageV01P175 # قال أبو عبيدة يعني تفسير حبها ومرجعه أي أنه كان صغيرا في قلبه فلم يزل ~~ينبت حتى صار قديما كهذا السقب الصغير لم يزل يشب حتى صار كبيرا مثل أمه ~~وصار له ابن يصحبه انتهى كلامه ثم تسمى العاقبة تأويلا لأن الأمر يصير ~~إليها ومنه قوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء59] وتسمى حقيقة ~~الشيء المخبر به تأويلا لأن الأمر ينتهي إليها ومنه قوله {تأويله يقول ~~الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف53] فمجيء تأويله مجيء ~~نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله والجنة والنار ~~ويسمى تعبير الرؤيا تأويلا بالاعتبارين فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما ~~تؤول إليه وقال يوسف لأبيه {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} [يوسف100] # PageV01P176 # أي حقيقتها ومصيرها إلى ها هنا انتهت وتسمى العلة الغائية والحكمة ~~المطلوبة بالفعل تأويلا لأنها بيان لمقصود الفاعل وغرضه من الفعل الذي لم ~~يعرف الرائي له غرضه به ومنه قول الخضر لموسى عليهما السلام بعد أن ذكر له ~~الحكمة المقصودة بما فعله من تخريق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار بلا ~~عوض {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} [الكهف78] فلما أخبره بالعلة ~~الغائية التي انتهى إليها فعله قال {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} ~~[الكهف82] فالتأويل في كتاب الله سبحانه وتعالى المراد به حقيقة المعنى ~~الذي يؤول اللفظ إليه وهي الحقيقة الموجودة في الخارج فإن الكلام نوعان ms011 خبر ~~وطلب فتأويل الخبر هو الحقيقة وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود ~~والمتوعد به وتأويل ما أخبر الله به من صفاته وأفعاله نفس ما هو عليه ~~سبحانه وما هو موصوف به من الصفات العلى وتأويل الأمر هو نفس الأفعال ~~المأمور بها قالت عائشة كان رسول الله يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ~~ربنا وبحمدك يتأول القرآن # PageV01P177 # فهذا التأويل هو نفس فعل المأمور به فهذا التأويل في كلام الله ورسوله ~~وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم ~~به معنى التفسير والبيان ومنه قول ابن جرير وغيره القول في تأويل قوله ~~تعالى كذا وكذا يريد تفسيره ومنه قول الإمام أحمد في كتابه في الرد على ~~الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير تأويله فأبطل تلك التأويلات التي ~~ذكروها وهي تفسيرها المراد بها وهو تأويلها عنده فهذا التأويل يرجع إلى فهم ~~المعنى وتحصيله في الذهن والأول يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج. # وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف ~~اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره وهذا هو الشائع في عرف ~~المتأخرين من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون التأويل على خلاف الأصل ~~والتأويل يحتاج إلى دليل. # وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من # PageV01P178 # الجانبين فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فورك ~~وابن مهدي الطبري وغيرهما وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال تلك التأويلات ~~كالقاضي أبي يعلى والشيخ موفق الدين بن # PageV01P179 # قدامة وهو الذي حكى عن غير واحد إجماع السلف على عدم القول به كما ستأتي ~~حكاية ألفاظهم إن شاء الله. فصل وعلى هذا ينبني الكلام في. # PageV01P180 ### | الفصل الثاني: انقسام التأويل إلى صحيح وباطل # ... # الفصل الثاني وهو انقسام التأويل إلى صحيح وباطل # فالتأويل الصحيح هو القسمان الأولان وهما حقيقة المعنى وما يؤول إليه في ~~الخارج أو تفسيره وبيان معناه وهذا التأويل يعم المحكم والمتشابه والأمر ~~والخبر. # قال جابر بن عبد الله في حديث حجة الوداع ورسول الله صلى الله ms012 عليه وسلم ~~بين أظهرنا ينزل عليه القرآن وهو يعلم تأويله فما عمل به من شيء عملنا به ~~فعلمه بتأويله هو علمه بتفسيره وما يدل عليه وعمله به هو تأويل ما أمر به ~~ونهى عنه. # PageV01P181 # ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن ~~رواحة آخذ بخطام ناقته وهو يقول # خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله # يا رب إني مؤمن بقيله ... أعرف حق الله في قبوله # نحن قتلناكم على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله # قال ابن هشام نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر # PageV01P182 # الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم والدليل على ذلك أن ابن رواحة ~~إنما أراد المشركين والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل ~~من أقر بالتنزيل. # وهذا لا يلزم إن صح الشعر عن ابن رواحة لأن المراد بقتالهم على التأويل ~~هو تأويل قوله تعالى {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} [الفتح27] ~~وكان دخولهم المسجد الحرام عام القضية آمنين هو تأويل هذه الرؤيا التي رآها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزلها الله في كتابه ويدل عليه أن الشعر ~~إنما يناسب خطاب الكفار بقي أن يقال فلم يكن هناك # PageV01P183 # قتال حتى يقول نحن قتلناكم فيقال هذا تخويف وتهديد أي إن قاتلتمونا ~~قاتلناكم وقتلناكم على التأويل والتنزيل وعلى التقديرين فليس المراد ~~بالتأويل صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه. # ومن هذا قول الزهري وقعت الفتنة وأصحاب محمد متوافرون فأجمعوا أن كل مال ~~أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة أهل الجاهلية أي إن ~~القبيلتين في الفتنة إنما اقتتلوا على تأويل القرآن وهو تفسيره وما ظهر لكل ~~طائفة منه حتى دعاهم إلى القتال فأهل الجمل وصفين إنما اقتتلوا على تأويل ~~القرآن وهؤلاء يحتجون به وهؤلاء يحتجون به نعم التأويل الباطل تأويل أهل ~~الشام قوله لعمار "تقتلك # PageV01P184 # الفئة الباغية" فقالوا نحن لم نقتله إنما قتله من جاء به حتى أوقعه ms013 بين ~~رماحنا فهذا هو التأويل الباطل المخالف لحقيقة اللفظ وظاهره فإن الذي قتله ~~هو الذي باشر قتله لا من استنصر به ولهذا رد عليهم من هو أولى بالحق ~~والحقيقة منهم فقالوا فيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الذين ~~قتلوا حمزة والشهداء معه لأنهم أتوا بهم حتى أوقعوهم تحت سيوف المشركين. # ومن هذا قول عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة فرضت الصلاة ركعتين ~~ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر فقيل له فما بال عائشة أتمت في ~~السفر قال تأولت كما تأول عثمان وليس مراده # PageV01P185 # أن عائشة وعثمان تأولا آية القصر على خلاف ظاهرها وإنما مراده أنهما ~~تأولا دليلا قام عندهما اقتضى جواز الإتمام فعملا به فكان عملهما به هو ~~تأويله فإن العمل بدليل الأمر هو تأويله كما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتأول قوله تعالى {فسبح بحمد ربك واستغفره} [النصر3] بامتثاله بقوله ~~سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي فكأن عائشة وعثمان تأولا قوله ~~{فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} [النساء103] وإن إتمامها من إقامتها. # وقيل تأولت عائشة أنها أم المؤمنين وأن أمهم حيث كانت فكأنها مقيمة بينهم ~~وأن عثمان كان إمام المسلمين فحيث كان فهو منزله أو أنه كان قد عزم على ~~الاستيطان بمنى أو أنه كان قد تأهل بها ومن تأهل بلد لم يثبت له حكم ~~المسافر أو أن الأعراب كانوا قد كثروا في ذلك الموسم فأحب أن يعلمهم فرض ~~الصلاة وأنه أربع أو غير ذلك من التأويلات التي ظناها أدلة مقيدة لمطلق ~~القصر # PageV01P186 # أو مخصصة لعمومه وإن كانت كلها ضعيفة والصواب هدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه كان إمام المسلمين وعائشة أم المؤمنين في حياته وبعد وفاته ~~وقد قصرت معه ولم يكن عثمان ليقيم بمكة وقد بلغه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنما رخص بها للمهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا والمسافر إذا تزوج في ~~طريقه لم يثبت له حكم الإقامة بمجرد التزوج مالم يزمع الإقامة وقطع السفر. # وبالجملة ms014 فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ~~ويطابقها هو التأويل الصحيح والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت ~~به السنة هو التأويل الفاسد ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك وكل تأويل ~~وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود فالتأويل الباطل ~~أنواع # أحدها: مالم يحتمله اللفظ بوضعه كتأويل قوله" حتى يضع رب العزة عليها ~~رجله" بأن # PageV01P187 # الرجل جماعة من الناس فإن هذا لا يعرف في شيء من لغة العرب البتة. # الثاني: مالم يحتلمه اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع وإن احتمله ~~مفردا كتأويل قوله {لما خلقت بيدي} [ص75] بالقدرة. # الثالث: مالم يحتمله سياقه وتركيبه وإن احتمله في غير ذلك السياق كتأويل ~~قوله {هل ينظرون إلان تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} ~~[الأنعام158] # PageV01P188 # بأن إتيان الرب إتيان بعض آياته التي هي أمره وهذا يأباه السياق كل ~~الإباء فإنه يمتنع حمله على ذلك مع التقسيم والترديد والتنويع. # وكتأويل قوله "إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر صحوا ليس ~~دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب" فتأويل الرؤية ~~في هذا السياق بما يخالف حقيقتها وظاهرها في غاية الامتناع وهو رد وتكذيب ~~تستر صاحبه بالتأويل. # الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألف في ~~الاصطلاح الحادث وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس وضلت فيه أفهامهم ~~حيث تأولوا كثيرا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة ~~العرب البتة وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين وهذا مما ينبغي التنبه له ~~فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل. # PageV01P189 # كما تأولت طائفة قوله تعالى {فلما أفل} [الأنعام77 , 76] بالحركة وقالوا ~~استدل بحركته على بطلان ربوبيته ولا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن أن ~~الأفول هو الحركة البتة في موضع واحد. # وكذلك تأويل الأحد بأنه الذي لا يتميز منه شيء عن شيء البتة ثم قالوا ms015 لو ~~كان فوق العرش لم يكن أحدا فإن تأويل الأحد بهذا المعنى لا يعرفه أحد من ~~العرب ولا أهل اللغة ولا يعرف استعماله في لغة القوم في هذا المعنى في موضع ~~واحد أصلا وإنما هو اصطلاح # PageV01P190 # الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ومن وافقهم. # وكتأويل قوله {ثم استوى على العرش} [الأعراف54] بأن المعنى أقبل على خلق ~~العرش فإن هذا لا يعرف في لغة العرب بل ولا غيرها من الأمم أن من أقبل على ~~الشيء يقال قد استوى عليه ولا يقال لمن أقبل على الرحل قد استوى عليه ولا ~~لمن أقبل على عمل من الأعمال من قراءة أو كتابة أو صناعة قد استوى عليها ~~ولا لمن أقبل على الأكل قد استوى على الطعام فهذه لغة القوم وأشعارهم ~~وألفاظهم موجودة ليس في شيء منها ذلك البتة. # وهذا التأويل يبطل من وجوه كثيرة سنذكرها في موضعها لو لم يكن منها إلا ~~تكذيب رسول الله صلى الله # PageV01P191 # عليه وسلم لصاحب هذا التأويل لكفاه فإنه قد ثبت في الصحيح" أن الله قدر ~~مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على ~~الماء" فكان العرش موجودا قبل خلق السموات والأرض بأكثر من خمسين ألف سنة ~~فكيف يقال إنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أقبل على خلق العرش. # والتأويل إذا تضمن تكذيب الرسول فحسبه ذلك بطلانا وأكثر تأويلات القوم من ~~هذا الطراز وسيمر بك منها ما هو قرة عين لكل موحد وسخنة عين لكل ملحد. # الخامس: ما ألف استعماله في ذلك المعنى لكن في غير التركيب الذي ورد به ~~النص فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب آخر ~~يحتمله وهذا من أقبح الغلط والتلبيس كتأويل اليدين في قوله تعالى # PageV01P192 # {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص75] بالنعمة ولا ريب أن العرب تقول ~~لفلان عندي يد وقال عروة بن مسعود للصديق لولا يد لك عندي لم أجزك بها ~~لأجبتك ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف سبحانه فيه الفعل ms016 إلى نفسه ~~ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم وهي اليد وجعل ذلك ~~خاصة خص بها صفيه آدم دون البشر كما خص المسيح بأنه نفخ فيه من روحه وخص ~~موسى بأنه كلمه بلا واسطة فهذا مما يحيل تأويل اليد في النص بالنعمة وإن ~~كانت في تركيب آخر تصلح لذلك فلا يلزم من صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب ~~صلاحيته له في كل تركيب. # وكذلك قوله {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة23 , 22] # PageV01P193 # يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب فإنه أضاف النظر إلى الوجوه التي ~~هي محله وعداه بحرف إلى التي إذا اتصل بها فعل النظر كان من نظر العين ليس ~~إلا ووصف الوجوه بالنضرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به لا مع ~~التنغيص بانتظاره ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤية وإن كان ~~النظر بمعنى الانتظار قد استعمل في قوله {انظرونا نقتبس من نوركم} ~~[الحديد13] وقوله تعالى {فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل35] ومثل هذا قول ~~الجهمي الملبس إذا قال لك المشبه {الرحمن على العرش استوى} [طه5] فقل له ~~العرش له عندنا سبعة معان والاستواء له خمسة معان فأي ذلك المراد فإن ~~المشبه يتحير ولا يدري ما يقول ويكفيك مؤونته. # فيقال لهذا الجاهل الظالم الفاتن المفتون ويلك # PageV01P194 # ما ذنب الموحد الذي سميته أنت وأصحابك مشبها وقد قال لك نفس ما قال الله ~~فوالله لو كان مشبها كما تزعم لكان أولى بالله ورسوله منك لأنه لم يتعد ~~النص. # وأما قولك للعرش سبعة معان أو نحوها وللاستواء خمسة معان فتلبيس منك ~~وتمويه على الجهال وكذب ظاهر فإنه ليس لعرش الرحمن الذي استوى عليه إلا ~~معنى واحد وإن كان للعرش من حيث الجملة عدة معان فاللام للعهد وقد صار بها ~~العرش معينا وهو عرش الرب جل جلاله الذي هو سرير ملكه الذي اتفقت عليه ~~الرسل وأقرت به الأمم إلا من نابذ الرسل. # وقولك الاستواء له عدة معان تلبيس آخر فإن الاستواء المعدى بأداة على ليس ~~له ms017 إلا معنى واحد وأما الاستواء المطلق فله عدة معان فإن العرب تقول استوى ~~كذا إذا انتهى وكمل ومنه قوله تعالى {ولما بلغ أشده واستوى} [القصص14] ~~وتقول استوى وكذا إذا ساواه نحو قولهم استوى الماء والخشبة واستوى الليل ~~والنهار وتقول استوى إلى كذا # PageV01P195 # إذا قصد إليه علوا وارتفاعا نحو استوى إلى السطح والجبل واستوى على كذا ~~أي إذا ارتفع عليه وعلا عليه لا تعرف العرب غير هذا فالاستواء في هذا ~~التركيب نص لا يحتمل غير معناه كما هو نص في قوله {ولما بلغ أشده واستوى} ~~[القصص14] لا يحتمل غير معناه ونص في قولهم استوى الليل والنهار في معناه ~~لا يحتمل غيره فدعوا التلبيس فإنه لا يجدي عليكم إلا مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا. # السادس: اللفظ الذي اطرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه ولم يعهد استعماله ~~في المعنى المؤول أو عهد استعماله فيه نادرا فتأويله حيث ورد وحمله على ~~خلاف المعهود من استعماله باطل فإنه يكون تلبيسا وتدليسا يناقض البيان ~~والهداية بل إذا أرادوا استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حفوا به من ~~القرائن ما يبين للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف ومن ~~تأمل لغة القوم وكمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبين له صحة ذلك. وأما أنهم ~~يأتون إلى لفظ له معنى قد ألف استعماله فيه فيخرجونه عن معناه ويطردون ~~استعماله في غيره مع تأكيده # PageV01P196 # بقرائن تدل على أنهم أرادوا معناه الأصلي فهذا من أمحل المحال مثاله قوله ~~تعالى {وكلم الله موسى تكليما} [النساء164] وقوله ما منكم إلا من سيكلمه ~~ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ولا حاجب يحجبه وقوله إنكم ترون ربكم ~~عيانا وهذا شأن أكثر نصوص الصفات إذا تأملها من شرح الله صدره لقبولها وفرح ~~بما أنزل على الرسول منها يراها قد حفت من القرائن والمؤكدات بما ينفي عنها ~~تأويل المتأول. # السابع: كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال # PageV01P197 # فهو باطل كتأويل قوله أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ~~بحمله ms018 على الأمة فإن هذا التأويل مع شدة مخالفته لظاهر اللفظ يرجع على أصل ~~النص بالإبطال وهو قوله فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها ومهر ~~الأمة إنما هو للسيد فقالوا نحمله على المكاتبة وهذا يرجع على أصل النص ~~بالإبطال من وجه آخر فإنه أتى فيه ب أي الشرطية التي هي من أدوات العموم ~~وأكدها ب ما المقتضية تأكيد العموم وأتى بالنكرة في سياق الشرط وهي تقتضي ~~العموم وعلق بطلان النكاح بالوصف المناسب له المقتضي لوجود الحكم بوجوده ~~وهو نكاحها نفسها ونبه على العلة المقتضية للبطلان # PageV01P198 # وهي افتياتها على وليها وأكد الحكم بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات فحمله ~~على صورة لا تقع في العالم إلا نادرا يرجع على مقصود النص بالإبطال وأنت ~~إذا تأملت عامة تأويلات الجهمية رأيتها من هذا الجنس بل أشنع. # الثامن: تأويل اللفظ الذي له معنى ظاهر لا يفهم منه عند إطلاقه سواه ~~بالمعنى الخفي الذي لا يطلع عليه إلا أفراد من أهل النظر والكلام كتأويل ~~لفظ الأحد الذي يفهمه الخاصة والعامة بالذات المجردة عن الصفات التي لا ~~يكون فيها معنيان بوجه ما فإن هذا لو أمكن ثبوته في الخارج لم يعرف إلا بعد ~~مقدمات طويلة صعبة جدا فكيف وهو محال في الخارج وإنما يفرضه الذهن فرضا ثم ~~يستدل على وجوده الخارجي فيستحيل وضع اللفظ المشهور عند كل أحد لهذا المعنى ~~الذي هو في غاية الخفاء وستمر بك نظائره إن شاء الله تعالى. # التاسع: التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في # PageV01P199 # غاية العلو والشرف ويحطه إلى معنى دونه بمراتب كثيرة وهو شبيه بعزل سلطان ~~عن ملكه وتوليته مرتبة دون الملك بكثير مثاله تأويل الجهمية قوله {وهو ~~القاهر فوق عباده} [الأنعام18] وقوله {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل50] ~~ونظائره بأنها فوقية الشرف كقولهم الدرهم فوق الفلس والدينار فوق الدرهم. # فتأمل تعطيل المتأولين حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية ~~وهي المستلزمة لعظمة الرب جل جلاله وحطها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم ~~وأنه أشرف ms019 منهم. # وكذلك تأويلهم علوه بهذا المعنى وأنه كعلو الذهب على الفضة وكذلك تأويلهم ~~استواءه على عرشه بقدرته عليه وأنه غالب له فيالله العجب هل ضلت العقول ~~وتاهت الحلام وشكت العقلاء في كونه سبحانه غالبا لعرشه قادرا عليه حتى يخبر ~~به سبحانه في سبعة مواضع من كتابه مطردة بلفظ واحد ليس فيها موضع واحد يراد ~~به المعنى الذي أبداه المتأولون وهذا التمدح والتعظيم كله لأجل أن # PageV01P200 # يعرفنا أنه قد غلب عرشه وقدر عليه وكان ذلك بعد خلق السموات والأرض أفترى ~~لم يكن سبحانه غالبا للعرش قادرا عليه في مدة تزيد على خمسين ألف سنة ثم ~~تجدد له ذلك بعد خلق هذا العالم. # العاشر: تأويل اللفظ بمعنى لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة ~~تقتضيه فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه إذ لو قصده لحف بالكلام ~~قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ ~~فإن الله سبحانه أنزل كلامه بيانا وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم تحف به ~~قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بيانا ولا ~~هدى. # فهذه بعض الوجوه التي يفرق بيها بين التأويل الصحيح والباطل وبالله ~~المستعان # PageV01P201 ### | الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء # فهذا الموضع مما يغلط فيه كثير من الناس غلطا قبيحا فإن المقصود فهم مراد ~~المتكلم بكلامه فإذا قيل معنى اللفظ كذا وكذا كان إخبارا بالذي عناه ~~المتكلم فإن لم يكن هذا الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم ويعرف مراد ~~المتكلم بطرق متعددة. # منها أن يصرح بإرادة ذلك المعنى. ومنها أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ~~ظاهر بالوضع ولا تبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى فكيف إذا ~~حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له. # كقوله {وكلم الله موسى تكليما} [النساء164] # PageV01P202 # "وإنكم ترون ربكم عيانا كماترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب "، و ~~"الله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم ms020 أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها ~~طعامه وشرابه فأيس منها فنام ثم استيقظ فإذا راحلته عند رأسه فالله أشد ~~فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته" فهذا مما يقطع السامع فيه بمراد المتكلم ~~فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة ~~له كان صادقا في إخباره وأما إذا تأول كلامه بما لم يدل عليه لفظه ولا ~~اقترن به ما يدل عليه فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه. # PageV01P203 # فقول القائل يحمل اللفظ على كذا وكذا يقال له ما تعني بالحمل أتعني به أن ~~اللفظ موضوع لهذا المعنى فهذا نقل مجرد موضعه كتب اللغة فلا اثر لحملك أم ~~تعني به اعتقاد أن المتكلم أراد ذلك المعنى الذي حملته عليه فهذا قول عليه ~~بلا علم وهو كذب مفترى إن لم تأت بدليل يدل على أن المتكلم أراده أم تعني ~~به أنك أنشأت له معنى فإذا سمعته اعتقدت أن ذلك معناه وهذا حقيقة قولك وإن ~~لم ترده فالحمل إما أخبار عن المتكلم بأنه أراد ذلك المعنى فهذا الخبر إما ~~صادق إن كان ذلك المعنى هو المفهوم من لفظ المتكلم وإما كاذب إن كان لفظه ~~لم يدل عليه وإما إنشاء لاستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى وهذا إنما يكون ~~في كلام تنشئه أنت لا في كلام الغير. # وحقيقة الأمر أن قول القائل نحمله على كذا أو نتأوله بكذا إنما هو من باب ~~دفع دلالة اللفظ على ما وضع له فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه دفع ~~وروده دفع معناه وقال أحمله على خلاف ظاهره. # فإن قيل بل للحمل معنى آخر لم تذكروه وهو أن اللفظ لما استحال أن يراد به ~~حقيقته وظاهره ولا يمكن تعطيله # PageV01P204 # استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره على أن مجازه هو المراد فحملناه عليه ~~دلالة لا ابتداء وإنشاء. # قيل فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده وهو إما صدق أو كذب ~~كماتقدم ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى ms021 ~~الذي أراده بل يقترن بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة ونحن لا نمنع أن المتكلم ~~قد يريد بكلامه خلاف ظاهره إذا قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ذلك كما في ~~المعاريض التي يجب أو يسوغ تعاطيها ولكن المنكر غاية الإنكار أن يريد ~~بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته إذا قصد البيان والإيضاح وإفهام مراده فالخطاب ~~نوعان نوع يقصد به التعمية على السامع ونوع يقصد به البيان والهداية ~~والإرشاد فإطلاق اللفظ وإرادة خلاف حقيقته وظاهره من غير قرائن تحتف به ~~تبين المعنى المراد محله النوع الأول لا الثاني والله أعلم. # PageV01P205 ### | الفصل الرابع: في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب # لما كان الكلام نوعين خبر وطلب وكان المقصود من الخبر تصديقه ومن الطلب ~~امتثاله كان المقصود من تأويل الخبر هو تصديق مخبره ومن تأويل الطلب هو ~~امتثاله وكان كل تأويل يعود على المخبر بالتعطيل وعلى الطلب بالمخالفة ~~تأويلا باطلا. # والمقصود الفرق بين تأويل الأمر والنهي وتأويل الخبر فالأول معرفته فرض ~~على كل مكلف لأنه لا يمكنه الامتثال إلا بعد معرفة تأويله. # قال سفيان بن عيينة: " السنة هي تأويل الأمر # PageV01P206 # والنهي ولا خلاف بين الأمة أن الراسخين في العلم يعلمون هذا التأويل ~~وأرسخهم في العلم أعلمهم به ولو كان معرفة هذا التأويل ممتنعا على البشر لا ~~يعلمه إلا الله لكان العمل بنصوصه ممتنعا كيف والعمل بها واجب فلا بد أن ~~يكون في الأمة من يعرف تأويلها وإلا كانت الأمة كلها مضيعة لما أمرت به. # وقد يكون معنى النص بينا جليا فلا تختلف الأمة في تأويله وإن وقع الخلاف ~~في حكمه لخفائه على من لم يبلغه أو لقيام معارض عنده أو لنسيانه فهذا يعذر ~~فيه المخالف إذا كان قصده اتباع الحق ويثيبه الله على قصده وأما من بلغه ~~النص وذكره ولم يقم عنده ما يعارضه فإنه لا يسعه مخالفته ولا يعذر عند الله ~~بتركه لقول أحد كائنا من كان. # وقد تكون دلالة اللفظ غير جلية فيشتبه المراد به بغيره فهنا معترك النزاع ~~بين أهل الاجتهاد في تأويله ms022 ولأجل التشابه وقع النزاع فيفهم هذا منها معنى ~~فيؤولها به ويفهم منها غيره معنى آخر فيؤولها به وقد يكون كلا الفهمين ~~صحيحا والآية دلت على هذا وهذا ويكون الراسخ في العلم هو الذي أولها بهذا ~~وهذا ومن أثبت أحد المعنيين ونفى الآخر أقل رسوخا وقد يكون أحد المعنيين هو ~~المراد # PageV01P207 # لا سيما إذا كانا متضادين والراسخ في العلم هو الذي أصابه فالتأويل في ~~هذا القسم مأمور به مأجور عليه صاحبه إما أجرا واحدا وإما أجرين. وقد تنازع ~~الصحابة في تأويل قوله تعالى {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة237] ~~هل هو الأب أو الزوج. وتنازعوا في تأويل قوله {أو لامستم النساء} ~~[النساء43] هل هو الجماع أو اللمس باليد والقبلة ونحوها. وتنازعوا في تأويل ~~قوله {ولا جنبا إلا عابري سبيل} [النساء43] هل هو المسافر يصلي بالتيمم مع ~~الجنابة أو المجتاز بمواضع الصلاة كالمساجد وهو جنب. # وتنازعوا في تأويل ذوي القربى المستحقين من الخمس هل هم قرابة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو قرابة الإمام. # PageV01P208 # وتنازعوا في تأويل قوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} ~~[الأعراف204] هل يدخل فيه قراءة الصلاة الواجبة أم لا. # وتنازعوا في تأويل قوله {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة234] هل يتناول اللفظ الحامل أم هو ~~للحائل فقط. # وتنازعوا في قوله {حرمت عليكم الميتة} [المائدة3] هل يدخل فيه ما مات في ~~البحر أم لا. # وتنازعوا في تأويل الكلالة. # وفي تأويل قوله تعالى {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء11] # PageV01P209 # وأمثال ذلك ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد بل ~~اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها ~~وإثبات حقائقها وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا وأن العناية ببيانها ~~أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين وإثباتها من لوازم التوحيد فبيها الله ~~ورسوله بيانا شافيا لا يقع فيه لبس ولا إشكال يوقع الراسخين في العلم في ~~منازعة ولا اشتباه ومن شرح الله لها صدره ونور لها ms023 قلبه يعلم أن دلالتها ~~على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها ولهذا آيات ~~الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس وأما آيات الأسماء ~~والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه ~~والكيفية ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله {يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود} حتى بين لهم بقوله {من الفجر} [البقرة187] # PageV01P210 # ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع إذا دعان} [البقرة186] وأمثالها من آيات الصفات وأشكل على عمر ~~بن الخطاب آية الكلالة ولم يشكل عليه أول الحديد وآخر الحشر وأول سورة طه ~~ونحوها من آيات الصفات وأيضا فإن بعض آيات الأحكام مجملة عرف بيانها بالسنة ~~كقوله تعالى {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة196] فهذا مجمل في قدر ~~الصيام والإطعام فبينته السنة بأنه # PageV01P211 # صيام ثلاثة ايام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة وكذلك قوله {وليطوفوا ~~بالبيت العتيق} مجمل في مقدار الطواف فبينته السنة بأنه سبع ونظائره كثيرة ~~كآية السرقة وآية الزكاة وآية الحج وليس في آيات الصفات وأحاديثها مجمل ~~يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها وإن جاءت السنة بزيادة في البيان ~~والتفصيل فلم تكن آيات الصفات مجملة محتملة لا يفهم المراد منها إلا بالسنة ~~بخلاف آيات الأحكام. # فإن قيل هذا يرده ما قد عرف أن آيات الأمر والنهي والحلال والحرام محكمة ~~وآيات الصفات متشابهة فكيف يكون المتشابه أوضح من المحكم. # قيل التشابه والإحكام نوعان تشابه وإحكام يعم الكتاب كله وتشابه وإحكام ~~يخص بعضه دون بعض فالأول كقوله تعال {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} ~~[الزمر23] وقوله {كتاب أحكمت آياته} [هود1] وقوله # PageV01P212 # وقوله: # {يس والقرآن الحكيم} [يس2 , 1] والثاني كقوله {هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران7] فإن اردتم بتشابه ~~آيات الصفات النوع الأول فنعم هي متشابهة غير متناقضة يشبه بعضها بعضا ~~وكذلك آيات الأحكام وإن أردتم أنه يشتبه ms024 المراد بها بغير المراد فهذا وإن ~~كان يعرض لبعض الناس فهو أمر نسبي إضافي فيكون متشابها بالنسبة إليه دون ~~غيره ولا فرق في هذا بين آيات الأحكام وآيات الصفات فإن المراد قد يشتبه ~~فيهما بغيره على بعض الناس دون بعض. # وقد تنازع الناس في المحكم والمتشابه تنازعا كثيرا ولم يعرف عن أحد من ~~الصحابة قط أن المتشابهات آيات الصفات بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك ~~فكيف تكون آيات الصفات متشابهة عندهم وهم لا يتنازعون في شيء منها وآيات ~~الأحكام هي المحكمة وقد وقع بينهم # PageV01P213 # النزاع في بعضها وإنما هذا قول بعض المتأخرين وسيأتي إشباع الكلام في هذا ~~في الفصل المعقود له إن شاء الله تعالى. # PageV01P214 ### | الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما # ذكر الله سبحانه التحريف وذمه حيث ذكره وذكر التفسير وذكر التأويل ~~فالتفسير هو إبانة المعنى وإيضاحه قال الله تعالى {ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان33] وهذا غاية الكمال أن يكون المعنى في ~~نفسه حقا والتعبير عنه أفصح تعبير وأحسنه وهذا شأن القرآن وكلام الرسول ~~والتحريف العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره وهو نوعان تحريف لفظه ~~وتحريف معناه والنوعان مأخوذان من الأصل عن اليهود فهم الراسخون فيهما وهم # PageV01P215 # شيوخ المحرفين وسلفهم فإنهم حرفوا كثيرا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن ~~تحريف لفظه حرفوا معناه ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم ~~ودرج على آثارهم الرافضة فهم أشبه بهم من القذة بالقذة والجهمية فإنهم ~~سلكوا في تحريف النصوص الواردة في الصفات مسالك إخوانهم من اليهود ولما لم ~~يتمكنوا من تحريف نصوص القرآن حرفوا معانيه وسطوا عليها وفتحوا باب التأويل ~~لكل ملحد يكيد الدين فإنه جاء فوجد بابا مفتوحا وطريقا مسلوكة ولم يمكنهم ~~أن يخرجوه من باب أو يردوه من طريق قد شاركوه فيها وإن كان الملحد قد وسع ~~بابا هم فتحوه وطريقا هم اشتقوه فهما بمنزلة رجلين ائتمنا على مال فتأول ms025 ~~أحدهما وأكل منه دينارا فتأول الآخر وأكل منه عشرة فإذا أنكر عليه صاحبه ~~قال إن حل # PageV01P216 # أكل الدينار بالتأويل حل أكل العشرة به ولا سيما إذا زعم آكل الدينار أن ~~الذي ائتمنه إنما أراد منه التأويل وأن المتأول أعلم بمراده من المالك ~~فيقول له صاحبه أنا أسعد منك وأولى بأكل هذا المال. # والمقصود أن التأويل يتجاذبه أصلان التفسير والتحريف فتأويل التفسير هو ~~الحق وتأويل التحريف هو الباطل فتأويل التحريف من جنس الإلحاد فإنه هو ~~الميل بالنصوص عن ما هي عليه إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع ~~الإقرار بلفظها وكذلك الإلحاد في أسماء الله تارة يكون بجحد معانيها ~~حقائقها وتارة يكون بإنكار المسمى بها وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره ~~فيها فالتأويل الباطل هو إلحاد وتحريف وإن سماه أصحابه تحقيقا وعرفانا ~~وتأويلا. # فمن تأويل التحريف والإلحاد تأويل الجهمية قوله تعالى {وكلم الله موسى ~~تكليما} [النساء164] أي جرح قلبه بالحاكم والمعارف تجريحا ومن تحريف اللفظ ~~تحريف إعراب قوله {وكلم الله} في الرفع إلى النصب وقال وكلم الله أي موسى ~~كلم الله ولم يكلمه # PageV01P217 # الله وهذا من جنس تحريف اليهود بل أقبح منه واليهود في هذا الموضع أولى ~~بالحق منهم ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد ~~فكيف تصنع بقوله {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} [الأعراف43] فبهت ~~المحرف. # ومن هذا أن بعض الفرعونية سأل بعض أئمة العربية هل يمكن أن يقرأ العرش ~~بالرفع في قوله 2 {الرحمن على العرش استوى} [طه5] وقصد الفرعوني بهذا ~~التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق ولو تيسر لهذا الفرعوني ~~هذا التحريف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الآيات. # ومن تأويل التحريف تأويل قوله إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات كجر ~~السلسلة على الصفوان فيصعفون فيكون أول من يفيق جبريل. # PageV01P218 # قالوا تأويله إذا تكلم ملك الله بالوحي لا أن الله يتكلم فجعلوا صعق ~~الملائكة وخرورهم سجدا لكلام جبريل الذي قد صعق معهم من كلام نفسه. # ومن تأويل ms026 التحريف تأويل القدرية المجوسية نصوص القدر بما أخرجها عن ~~حقائقها ومعانيها وتأويل الجهمية نصوص الصفات بما أخرجها عن حقائقها وأوجب ~~تعطيل الرب جل جلاله عن صفات كماله كما عطلته القدرية عن كمال قدرته ~~ومشيئته فنحن لا ننكر التأويل بل حقيقة العلم هو التأويل والراسخون في ~~العلم هم أهل التأويل ولكن أي التأويلين فنحن أسعد بتأويل التفسير من غيرنا ~~وغيرنا أشقى بتأويل التحريف منا والله الموفق للصواب. # PageV01P219 ### | الفصل السادس في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ # لا ريب أن الله سبحانه وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء وأخبر عن نفسه ~~بأفعال فسمى نفسه بالرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ~~العزيز الجبار المتكبر إلى سائر ما ذكر من أسمائه الحسينى ووصف نفسه بما ~~ذكره من الصفات كسورة الإخلاص وأول الحديد وأول طه وغير ذلك ووصف نفسه بأنه ~~يحب ويكره ويمقت ويرضى ويغضب ويأسف ويسخط ويجيء ويأتي وينزل إلى سماء ~~الدنيا وأنه استوى على عرشه وأن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا ~~ووجها وأن له يدين # PageV01P220 # وأنه فوق عباده وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل بالأمر من عنده وأنه قريب ~~وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين وأن السموات مطويات بيمينه. # ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك مما ~~وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيقال للمتأول هل تتأول هذا كله على خلاف ظاهره ~~وتمنع حمله على حقيقته أم تقر الجميع على ظاهره وحقيقته أم تفرق بين بعض ~~ذلك وبعضه # فإن تأولت الجميع وحملته على خلاف حقيقته كان ذلك عنادا ظاهرا وكفرا ~~صراحا وجحدا للربوبية وحينئذ فلا تستقر لك قدم على إثبات ذات الرب تعالى ~~ولا صفة من صفاته ولا فعل من أفعاله فإن أعطيت هذا من نفسك ولم تستهجنه ~~التحقت بإخوانك الدهرية الملاحدة الذين لا يثبتون للعالم خالقا ولا ربا. # فإن قلت بل أثبت أن للعالم صانعا وخالقا ولكن لا أصفه بصفة تقع على خلقه ~~وحيث ms027 وصف بما يقع على المخلوق أتأوله. # PageV01P221 # قيل لك فهذه الأسماء الحسنى والصفات التي وصف بها نفسه هل تدل على معان ~~ثابتة هي حق في نفسها أم لا تدل فإن نفيت دلالتها على معنى ثابت كان ذلك ~~غاية التعطيل وإن أثبت دلالتها على معان هي حق ثابت قيل لك فما الذي سوغ لك ~~تأويل بعضها دون بعض وما الفرق بين ما أثبته ونفيته وسكت عن إثباته ونفيه ~~من جهة السمع أو العقل. # ودلالة النصوص على أن له سمعا وبصرا وعلما وقدرة وإرادة وحياة وكلاما ~~كدلالتها على أن له رحمة ومحبة وغضبا ورضى وفرحا وضحكا ووجها ويدين فدلالة ~~النصوص على ذلك سواء فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه وضحكه ~~وأولتها بنفس الإرادة فإن قلت لأن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستتلزم ~~تشبيها وتجسيما وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم فإنها لا ~~تعقل إلا في الأجسام فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان والمحبة ميل # PageV01P222 # النفس لجلب ما ينفعها والغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام والفرح انبساط ~~دم القلب لورود ما يسره عليه قيل لك وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ~~ينفعها ودفع ما يضرها وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أعراض قائمة ~~بالأجسام في الشاهد فإن العلم انطباع صورة المعلوم في نفس العالم أو صفة ~~عرضية قائمة به وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف فكيف لزم ~~التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه فإن قلت لأني ~~أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشابهها قيل لك فهلا أثبت الجميع على ~~وجه لا يماثل صفات المخلوقين ولا يشابهها ولم فهمت من إطلاق هذا التشبيه ~~والتجسيم وفهمت من إطلاق ذلك التنزيه والتوحيد وهلا قلت أثبت له وجها ومحبة ~~وغضبا ورضى وضحكا ليس من جنس صفات المخلوقين فإن قلت هذا لا يعقل قيل لك ~~فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ومشيئة ليست من جنس صفات المخلوقين فإن ~~قلت أنا أفرق بين ما يتأول وبين ما ms028 لا يتأول بأن ما دل # PageV01P223 # العقل على ثبوته يمتنع تأويله كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر وما ~~لا يدل عليه العقل يجب أو يسوغ تأويله كالوجه واليد والضحك والفرح والغضب ~~والرضى فإن الفعل المحكم دل على قدرة الفاعل وإحكامه دل على علمه والتخصيص ~~دل على الإرادة فيمتنع مخالفة ما دل عليه صريح العقل. # قيل لك أولا وكذلك الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دل على ~~الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة سواء والتخصيص بالكرامة والاصطفاء ~~والاجتباء دال على المحبة كدلالة ما ذكرت على الإرادة والإهانة والطرد ~~والإبعاد والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الحب والرضى. # والعقوبة والبطش والانتقام دال على الغضب كدلالة ضده على الرضى. # ويقال ثانيا هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها فإنه ~~لا ينفيها والسمع دليل مستقل بنفسه بل الطمأنينة إليه في هذا الباب أعظم من ~~الطمأنينة إلى مجرد العقل فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله. ويقال لك ثالثا إن ~~كان ظاهر النصوص يقتضي تشبيها # PageV01P224 # أو تجسيما فهو يقتضيه في الجميع فأول الجميع وإن كان لا يقتضي ذلك لم يجز ~~تأويل شيء منه وإن زعمت أن بعضها يقتضيه وبعضها لا يقتضيه طولبت بالفرق بين ~~الأمرين وعادت المطالبة جذعا. # ولما تفطن بعضهم لتعذر الفرق قال ما دل عليه الإجماع كالصفات السبع لا ~~يتأول وما لم يدل عليه إجماع فإنه يتأول وهذا كما تراه من أفسد الفروق فإن ~~مضمونه أن الإجماع اثبت ما يدل على التجسيم والتشبيه ولولا ذلك لتأولناه ~~فقد اعترفوا بانعقاد الإجماع على التشبيه والتجسيم. وهذا قدح في الإجماع ~~فإنه لا ينعقد على باطل. # ثم يقال إن كان الإجماع قد انعقد على إثبات هذه الصفات وظاهرها يقتضي ~~التجسيم والتشبيه بطل نفيكم لذلك وإن لم ينعقد عليها بطل التفريق به. # ثم يقال خصومكم من المعتزلة لم يجمعوا معكم على إثبات هذه الصفات فإن ~~قلتم انعقد الإجماع قبلهم قيل صدقتم والله والذين أجمعوا قبلهم على هذه ~~الصفات # PageV01P225 # أجمعوا على إثبات سائر الصفات ولم يخصوها بسبع ms029 بل تخصيصها بسبع خلاف قول ~~السلف وقول الجهمية والمعتزلة فالناس كانوا طائفتين سلفية وجهمية فحدثت ~~الطائفة السبعية واشتقت قولا بين القولين فلا للسلف اتبعوا ولا مع الجهمية ~~بقوا. # وقالت طائفة أخرى ما لم يكن ظاهره جوارح وأبعاض كالعلم والحياة والقدرة ~~والإرادة والكلام لا يتأول وما كان ظاهره جوارح وأبعاض كالوجه واليدين ~~والقدم والساق والإصبع فإنه يتعين تأويله لاستلزام إثباته التركيب ~~والتجسيم. # قال المثبتون جوابنا لكم بعين الجواب الذي تجيبون به خصومكم من الجهمية ~~والمعتزلة نفاة الصفات فإنهم قالوا لكم لو قام به سبحانه صفة وجودية كالسمع ~~والبصر والعلم والقدرة والحياة لكان محلا للأعراض ولزم التركيب والتجسيم ~~والانقسام كما قلتم لو كان له وجه ويد وإصبع لزم # PageV01P226 # التركيب والانقسام فحينئذ فما هو جوابكم لهؤلاء نجيبكم به. # فإن قلتم نحن نثبت هذه الصفات على وجه لا تكون أعراضا ولا نسميها أعراضا ~~فلا يستلزم تركيبا ولا تجسيما. # قيل لكم ونحن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه إذ نفيتموها أنتم عنه ~~على وجه لا يستلزم الأبعاض والجوارح ولا يسمى المتصف بها مركبا ولا جسما ~~ولا منقسما. # فإن قلتم هذه لا يعقل منها إلا الأجزاء والأبعاض. # قلنا لكم وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض. # فإن قلتم العرض لا يبقى زمانين وصفات الرب باقية قديمة أبدية فليست ~~أعراضا. # قلنا وكذلك الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها وانفكاكها وذلك في حق ~~الرب تعالى محال فليست أبعاضا ولا جوارح فمفارقة الصفات الإلهية للموصوف ~~بها مستحيل مطلقا في النوعين والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه. # فإن قلتم إن كان الوجه عين اليد وعين الساق والإصبع فهو محال وإن كان ~~غيره لزم التمييز ويلزم التركيب. # قلنا لكم وإن كان السمع هو عين البصر وهما نفس العلم وهي نفس الحياة ~~والقدرة فهو محال وإن تميزت لزم التركيب # PageV01P227 # فما هو جواب لكم فالجواب مشترك فإن قلتم نحن نعقل صفات ليست أعراضا تقوم ~~بغير جسم متحيز وإن لم يكن لها نظير في الشاهد. # قلنا لكم فاعقلوا صفات ليست بأبعاض تقوم بغير جسم وإن ms030 لم يكن له في ~~الشاهد نظير ونحن لا ننكر الفرق بين النوعين في الجملة ولكن فرق غير نافع ~~لكم في التفريق بين النوعين وأن أحدهما يستلزم التجسيم والتركيب والآخر لا ~~يستلزمه ولما أخذ هذا الإلزام بحلوق الجهمية قالوا الباب كله عندنا واحد ~~ونحن ننفي الجميع. # فتبين أنه لا بد لكم من واحد من أمور ثلاثة إما هذا النفي العام والتعطيل ~~المحض وإما أن تصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ولا تتجاوزوا ~~القرآن والحديث وتتبعوا في ذلك سبيل السلف الماضين # PageV01P228 # الذين هم أعلم الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا وأشد تعظيما لله وتنزيها له ~~عما لا يليق بجلاله فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات ~~فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه ولا يترك تدبرها ومعرفتها فيكون ~~ذلك مشابهة للذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صما وعميانا ولا يقال هي ~~ألفاظ لا تعقل معانيها ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات دالة على أشرف المعاني وأجلها ~~قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان إثباتا بلا تشبيه ~~وتنزيها بلا تعطيل كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك فكان ~~الباب عندهم بابا واحدا قد اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم فأنسوا من ~~صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطلون وسكنت قلوبهم إلى ~~ما نفر منه الجاحدون وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات فكما أن ذاته سبحانه ~~لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات فما جاءهم من الصفات عن المعصوم ~~تلقوه بالقبول وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار لعلمهم بأنه صفة من لا ~~شبيه لذاته ولا لصفاته. # PageV01P229 # قال الإمام أحمد إنما التشبيه أني قول يد كيد أو وجه كوجه فأما إثبات يد ~~ليست كالأيدي ووجه ليس كالوجوه فهو كإثبات ذات ليست كالذوات وحياة ليست ~~كغيرها من الحياة وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار وليس إلا هذا المسلك أو ~~مسلك التعطيل المحض أو التناقض الذي لا ms031 يثبت لصاحبه قدم في النفي ولا في ~~الإثبات وبالله التوفيق. # وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها ومذهبها فالعيار على ما ~~يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه والقواعد التي أصلتها فما ~~وافقها أقروه ولم يتأولوه وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه ولهذا ~~لما أصلت الرافضة عداوة الصحابة ردوا كل ما جاء في فضائلهم والثناء عليهم ~~أو تأولوه ولما أصلت الجهمية أن الله لا يتكلم ولا يكلم أحدا ولا يرى # PageV01P230 # بالأبصار ولا هو فوق عرشه مبائن لخلقه ولا له صفة تقوم به أولوا كل ما ~~خالف ما أصلوه. # ولما اصلت القدرية أن الله سبحانه لم يخلق أفعال عباده ولم يقدرها عليهم ~~أولوا كل ما خالف أصولهم ولما أصلت المعتزلة القول بنفوذ الوعيد وأن من دخل ~~النار لم يخرج منها أبدا أولوا كل ما خالف أصولهم. # ولما أصلت المرجئة أن الإيمان هو المعرفة وأنها لا تزيد ولا تنقص أولوا ~~ما خالف أصولهم. # وما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا يقوم به # PageV01P231 # ما يتعلق بقدرته ومشيئته وسموا ذلك حلول الحوادث أولوا كل ما خالف هذا ~~الأصل. ولما أصلت الجبرية أن قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل بوجه من ~~الوجوه وأن حركات العباد بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار أولوا كل ما ~~جاء بخلاف ذلك. # فهذا في الحقيقة هو عيار التأويل عند الفرق كلها حتى المقلدين في الفروع ~~أتباع الأئمة الذين اعتقدوا المذهب ثم طلبوا الدليل عليه ضابط ما يتأول ~~عندهم وما لا يتأول ما خالف المذهب أو وافقه ومن تأمل مقالات الفرق ~~ومذاهبها رأى ذلك عيانا وبالله التوفيق. # وكل من هؤلاء يتأول دليلا سمعيا ويقر على ظاهره نظيره أو ما هو أشد قبولا ~~للتأويل منه لأنه ليس عندهم في نفس الأمر ضابط كلي مطرد منعكس يفرق ما ~~يتأول # PageV01P232 # وما لا يتأول إن هو إلا المذهب وقواعده وما قاله الشيوخ وهؤلاء لا يمكن ~~أحدا منهم أن يحتج على مبطل بحجة سمعية لأنه يسلك في تأويلها نظير ما سلكه ms032 ~~هو في تأويل ما خالف مذهبه كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله. # PageV01P233 ### | الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه # هذا فصل بديع لمن تأمله يعلم به أن المتأولين لم يستفيدوا بتأويلهم إلا ~~تعطيل حقائق النصوص والتلاعب بها وانتهاك حرمتها وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه ~~محذورا بل هو لازم لهم فيما فروا إليه كلزومه فيما فروا منه بل قد يقعون ~~فيما هو أعظم محذورا كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء ~~فرارا من التحيز والحصر ثم قالوا هو في كل مكان بذاته فنزهوه عن استوائه ~~على عرشه ومباينته لخلقه وجعلوه في أجواف البيوت والآبار والأواني والأمكنة ~~التي يرغب عن ذكرها فهؤلاء قدماء الجهمية فلما علم متأخروهم فساد # PageV01P234 # ذلك قالوا ليس وراء العالم ولا فوق العرش إلا العدم المحض وليس هناك رب ~~يعبد ولا إله يصلى له ويسجد ولا هو أيضا في العالم فجعلوا نسبته إلى العرش ~~كنسبته إلى أخس مكان تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. # وكذلك فعل الذين نفوا القدر السابق تنزيها لله عن مشيئة القبائح وخلقها ~~ونسبوه إلى أن يكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون ولا يقدر على أن ~~يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يقلب قلب العاصي إلى الطاعة ولا المطيع إلى ~~المعصية. # وكذلك الذين نزهوه عن أفعاله وقيامها به وجعلوه كالجماد الذي لا يقوم به ~~فعل وكذلك الذين نزهوه عن الكلام القائم به بقدرته ومشيئته وجعلوه كالأبكم ~~الذي لا يقدر أن يتكلم وكذلك الذين نزهوه عن صفات كماله وشبهوه بالناقص ~~الفاقد لها أو بالمعدوم وهذه حال كل مبطل معطل لما وصف الله به نفسه ووصفه ~~به رسوله. # والمقصود أن المتأول يفر من أمر فيقع في نظيره. # مثاله إذا تأول المحبة والرحمة والرضى والغضب والمقت بالإرادة قيل له ~~يلزمك في الإرادة ما لزمك في هذه الصفات كما تقدم تقريره. # PageV01P235 # وإذا تأمل الوجه بالذات قيل له فيلزمك في الذات ما لزمك في الوجه فإن لفظ ~~الذات يقع ms033 على القديم والمحدث كما يقع لفظ الوجه على القديم والمحدث وإذا ~~تأول لفظ اليد بالقدرة فالقدرة يوصف بها الخالق والمخلوق فإن فررت من اليد ~~لأنها تكون للمخلوق ففر من القدرة لأنه يوصف بها وإذا تأول السمع والبصر ~~بالعلم فرارا من التشبيه لزمه ما فر منه في العلم وإذا تأول الفوقية بفوقية ~~القهر لزمه فيها ما فر منه من فوقية الذات فإن القاهر من اتصف بالقوة ~~والغلبة ولا يعقل هذا إلا جسما فإن أثبته العقل غير جسم لم يعجز عن إثبات ~~فوقية الذات لغير جسم. # وكذلك من تأول الإصبع بالقدرة فإن القدرة أيضا صفة قائمة بالموصوف وعرض ~~من أعراضه ففر من صفة إلى صفة وكذلك من تأول الضحك بالرضى والرضى بالإرادة ~~إنما فر من صفة إلى صفة فهلا أقر النصوص على ما هي عليه ولم ينتهك حرمتها ~~إذ كان التأويل لا يخرجه مما فر منه فإن المتأول إما أن يذكر معنى ثبوتيا ~~أو يتأول اللفظ بما هو عدم محض فإن تأوله بمعنى ثبوتي كائنا ما كان لزمه ~~فيه نظير ما فر منه فإن قال أنا أثبت ذلك المعنى على وجه لا يستلزم تشبيها. # PageV01P236 # قيل له فهلا أثبت المعنى الذي تأولته على وجه لا يستلزم تشبيها. # فإن قال ذلك أمر لا يعقل. # قيل له فكيف عقلته في المعنى الذي أثبته وأنت وسائر أهل الأرض إنما تفهم ~~المعاني الغائبة بما تفهمها به في الشاهد ولولا ذلك لما عقلت أنت ولا أحد ~~شيئا غائبا البتة فما أبديته في التأويل إن كان له نظير في الشاهد لزمك ~~التشبيه وإن لم يكن له نظير لم يمكنك تعقله البتة وإن أولت النص بالعدم ~~عطلته فأنت في تأويلك بين التعطيل والتشبيه مع جنايتك على النص وانتهاكك ~~حرمته فهلا عظمت قدره وحفظت حرمته وأقررته وأمررته مع نفي التشبيه والتخلص ~~من التعطيل وبالله التوفيق. # PageV01P237 ### | الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل # هذا الفصل من عجيب أمر المتأولين فإنهم فهموا ms034 من النصوص الباطل الذي لا ~~يجوز إرادته ثم أخرجوها عن معناها الحق المراد منها فأساءوا الظن بها ~~وبالمتكلم بها وعطلوها عن حقائقها التي هي عين كمال الموصوف بها ونقتصر من ~~ذلك على مثال ذكره بعض الجهمية ونذكر ما عليه فيه. # قال الجهمي: ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر الأعين وذكر العين الواحدة ~~وذكر الجنب الواحد وذكر الساق الواحد وذكر الأيدي وذكر اليدين وذكر اليد # PageV01P238 # الواحدة فلو أخذنا بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين ~~كثيرة وله جنب واحد عليه أيد كثيرة وله ساق واحد ولا يرى في الدنيا شخص ~~أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة ولا يظن أن عاقلا يرى أن يصف ربه بهذه ~~الصفة. # قال السني المعظم لحرمات كلام الله قد ادعيت أيها الجهمي أن ظاهر القرآن ~~الذي هو حجة الله على عباده والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه وهو ~~الذي هدى الله به عباده وجعله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولم ~~ينزل كتاب من السماء أهدى منه ولا أحسن ولا أكمل فانتهكت حرمته وعضهته ~~ونسبته إلى أقبح النقص والعيب فادعيت أن ظاهره ومدلوله إثبات شخص له وجه ~~وفيه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحد فادعيت أن ظاهر ~~ما وصفه الله بن نفسه في كتابه يدل على # PageV01P239 # هذه الصفة الشنعية المستقبحة فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأشنع الصفات في ~~ظاهر كلامه فأي طعن في القرآن أعظم من طعن من يجعل هذا ظاهره ومدلوله وهل ~~هذا إلا من جنس قول الذين جعلوا القرآن عضين فعضهوه بالباطل وقالوا هو سحر ~~أو شعر أو كذب مفترى بل هذا أقبح من قولهم من وجه فإن أولئك أقروا بعظمة ~~الكلام وشرف قدره وعلوه وجلالته حتى قال فيه رأس الكفر والله إن لكلامه ~~لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لجنى وإنه ليعلو وما ~~يعلى وما يشبه كلام البشر. # ولم يدع أعداء الرسول الذين جاهروه بالمحاربة والعداوة أن ظاهر كلامه ~~أبطل الباطل ms035 وأبين المحال وهو وصف الخالق سبحانه بأقبح الهيئات والصور # PageV01P240 # ولو كان ذلك ظاهر القرآن لكان ذلك من أقرب الطرق لهم إلى الطعن فيه ~~وقالوا كيف يدعونا إلى عبادة رب له وجه عليه عيون كثيرة وجنب واحد وساق ~~واحد وأيد كثيرة فكيف كانوا يسكتون له على ذلك وهم يوردون عليه ما هو أقل ~~من هذا بكثير كما أوردوا عليه المسيح لما قال {إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء98] فتعلقوا بظاهر ما لم يدل على ما ~~أوردوه وهو دخول المسيح فيما عبد من دون الله إما بعموم لفظ ما وإما بعموم ~~المعنى فأوردوا على هذا الظاهر هذا الإيراد. # PageV01P241 # وأورد أهل الكتاب على قوله {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء} [مريم28] ~~إن بين هارون عيسى ما بينهما وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه ~~وكانوا يتفننون فيما يوردونه على القرآن هذا ودونه فكيف يجدون ما ظاهره ~~إثبات رب شأنه وهيئته ما ذكره هذا الجهمي ولا يصيحون به على رؤوس الأشهاد ~~ويشنعون عليه بإثباته في كل حاضر وباد فالقوم على شركهم وشدة عدواتهم لله ~~ورسوله كانوا أصح أفهاما من الجهمية الذين نسبوا ظاهر القرآن إلى هذه الصفة ~~القبيحة ولكن الأذهان الغلف والقلوب العمي والبصائر الخفاشية لا يكثر عليها ~~أن تفهم هذا من ظاهر القرآن. # PageV01P242 # قال أنصار الله ونحن نبين أن هذه الصورة الشنيعة ليست تفهم من ظاهر ~~القرآن من وجوه # أحدها: أن الله سبحانه إنما قال: {تجري بأعيننا} [القمر14] وقال: {أولم ~~يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} [يس71] فدعوى الجهمي أن ظاهر ~~هذا إثبات أعين كثيرة وأيد كثيرة فرية ظاهرة فإنه إن دل ظاهره على إثبات ~~أعين كثيرة وأيد كثيرة دل على خالقين كثيرين فإن لفظ الأيدي مضاف إلى ضمير ~~الجمع فأدع أيها الجهمي أن ظاهره إثبات أيد كثيرة لآلهة متعددة وإلا فدعواك ~~أن ظاهره أيد كثيرة لذات واحدة خلاف الظاهر وكذلك قوله: {تجري بأعيننا} ~~[القمر14] إنما ظاهره بزعمك أعين كثيرة على ذوات ms036 متعددة لا على ذات واحدة. # PageV01P243 # الثاني: أن يقال لك دعواك أن ظاهر القرآن إثبات أيد كثيرة في جنب واحد ~~كذب آخر فأين في ظاهر القرآن أن الأيدي في الجنب وكأنك إنما أخذت هذا من ~~القياس على بني آدم فشبهت أولا وعطلت ثانيا وكذلك جعلك الأعين الكثيرة في ~~الوجه الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا وإنما أخذته من التشبيه ~~بالآدمي والحيوان ولهذا قال بعض أهل العلم إن كل معطل مشبه ولا يستقيم له ~~التعطيل إلا بعد التشبيه. # الثالث: أن يقال أين في ظاهر القرآن إثبات ساق واحد لله وجنب واحد فإنه ~~سبحانه قال {يوم يكشف عن ساق} [القلم42] وقال {أن تقول نفس يا حسرتى على ما ~~فرطت في جنب الله} [الزمر56] فعلى تقدير أن يكون الساق والجنب من الصفات ~~فليس من ظاهر القرآن ما يوجب أنه لا يكون له إلا ساق واحد وجنب واحد فلو دل ~~على ما ذكرت لم يدل على نفي ما زاد على ذلك لا بمنطوقه ولا بمفهومه حتى إن ~~القائلين بمفهوم # PageV01P244 # اللقب لا يدل ذلك عندهم على نفي ما عدا المذكور لأنه متى كان للتخصيص ~~بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مرادا بالاتفاق وليس المراد ~~بالآيتين إثبات الصفة حتى يكون تخصيص أحد الأمرين بالذكر مرادا بل المقصود ~~حكم آخر وهو بيان تفريط العبد في حق الله وبيان سجود الخلائق إذا كشف عن ~~ساق وهذا حكم قد يختص بالمذكور دون غيره فلا يكون له مفهوم. # الرابع: هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة فمن أين في ~~ظاهر الآية أنه ليس له إلا تلك الصفة الواحدة وأنت لو سمعت قائلا يقول كشفت ~~عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي أو قدمي أو يدي هل يفهم منه أنه ليس له ~~إلا ذلك الواحد فقط # PageV01P245 # فكم هذا التلبيس والتدليس فلو قال واحد من الناس هذا لم يكن ظاهر كلامه ~~ذلك فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام وأبينه ذلك. # الخامس: أن المفرد المضاف يراد ms037 به ما هو أكثر من واحد كقوله {وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها} [النحل18] وقوله {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} ~~[التحريم12] وقوله {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة187] فلو ~~كان الجنب والساق صفة لكان بمنزلة قوله {بيده الملك} [الملك1] # PageV01P246 # و {بيدك الخير} [آل عمران26] و {ولتصنع على عيني} [طه39] السادس أن يقال ~~من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد هو صفة الله ومن المعلوم أن هذا لا ~~يثبته أحد من بني آدم وأعظم الناس إثباتا للصفات هم أهل السنة والحديث الذي ~~يثبتون لله الصفات الخبرية ولا يقولون إن لله جنبا واحدا ولا ساقا واحدة ~~قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي وادعى المعارض زورا على قوم ~~أنهم يقولون في تفسير قول الله {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} ~~[الزمر56] إنهم يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو وليس ذلك على ما يتوهمونه. # PageV01P247 # قال الدارمي فيقال لهذا المعارض ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإن ~~كنت صادقا في دعواك فأشربها إلى أحد من بني آدم قاله وإلا فلم تشنع بالكذب ~~على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك ~~إنما تفسيرها عندهم تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي ~~تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم ~~الساخرين فهذا تفسير الجنب عندهم فمن أنبأك أنهم قالوا جنب من الجنوب فإنه ~~لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلا عن علمائهم. وقد قال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه الكذب مجانب للإيمان وقال ابن مسعود لا يجوز من ~~الكذب # PageV01P248 # جد ولا هزل وقال الشعبي من كان كذابا فهو منافق اه وتوجيه ذلك أن الله ~~قال {أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ~~أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي ~~كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي ms038 فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين} [الزمر59-56] # PageV01P249 # فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به وعامة هذه النفوس ~~لا تعلم أن لله جنبا ولا تقر بذلك كما هو الموجود منها في الدنيا فكيف يكون ~~ظاهر القرآن أن الله أخبر عنهم بذلك وقد قال عنهم {يا حسرتى على ما فرطت في ~~جنب الله} [الزمر56] والتفريط فعل أو ترك فعل وهذا لا يكون قائما بذات الله ~~لا في جنب ولا في غيره بل يكون منفصلا عن الله وهذا معلوم بالحس والمشاهدة ~~وظاهر القرآن يدل على أن قول القائل {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} ~~ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه فأين في ظاهر ~~القرآن ما يدل على أنه ليس لله إلا جنب واحد يعني به الشق. السابع أن يقال ~~هب أن القرآن دل ظاهره على إثبات جنب هو صفة فمن أين يدل ظاهره أو باطنه ~~على أنه جنب واحد وشق واحد ومعلوم أن إطلاق مثل هذا لا يدل على أنه شق واحد ~~كما قال النبي لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن # PageV01P250 # لم تستطع فعلى جنب وهذا لا يدل على أنه ليس لعمران بن حصين إلا جنب واحد ~~فإن قيل المراد على جنب من جنبيك قلنا فقد علم أن ذكر الجنب مفردا لا ينفي ~~أن يكون معه غيره ولا يدل ظاهر اللفظ على ذلك بوجه. # ونظير هذا اللفظ القدم إذا ذكر مفردا لم يدل على أنه ليس لمن نسب إليه ~~إلا قدم واحد كما في الحديث الصحيح "حتى يضع عليها رب العزة قدمه" وفي ~~الحديث "أنا العاقب الذي يحشر الناس على قدمي ". # PageV01P251 # الثامن: أن نقول من أين في ظاهر القرآن أن لله ساقا وليس معك إلا قوله ~~تعالى {يوم يكشف عن ساق} [القلم42] والصحابة متنازعون في تفسير الآية هل ~~المراد الكشف عن الشدة أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ ~~عن الصحابة والتابعين نزاع ms039 فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا ~~الموضع وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة لله لأنه سبحانه لم يضف ~~الساق إليه وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا والذين أثبتوا ذلك صفة ~~كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد ~~الخدري المتفق على صحته وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه " فيكشف الرب عن ساقه ~~فيخرون له سجدا" ومن حمل الآية على ذلك قال قوله تعالى {يوم يكشف عن ساق ~~ويدعون إلى السجود} [القلم42] # PageV01P252 # مطابق لقوله فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه ~~قال يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل ~~أو شبيه قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه فإن لغة القوم في مثل ذلك ~~أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها كما قال الله تعالى {فلما كشفنا ~~عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون} [الزخرف50] وقال {ولو رحمناهم ~~وكشفنا ما بهم من ضر} [المؤمنون75] فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف ~~عنه وأيضا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة وهناك لا يدعون ~~إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة. # PageV01P253 # التاسع: أن دعوى الجهمي أن ظهر القرآن يدل على أن لله سبحانه أيديا كثيرة ~~على جنب واحد وأعينا كثيرة على وجه واحد عضه للقرآن وتنقص له وذم ولا يدل ~~ظاهر القرآن ولا باطنه على ذلك بوجه ما ولا فهمه من له عقل ولو كان ذلك ~~ظاهر القرآن لكان المخبر به منفرا للمدعوين عن الإيمان بالله ورسوله ومطرقا ~~لهم إلى الطعن عليه والله سبحانه قال {تجري بأعيننا} [القمر14] وقال {واصنع ~~الفلك بأعيننا} [هود37] وقال {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور48] وقال ~~{أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} [يس71] # PageV01P254 # وقال في قصة موسى {ولتصنع على عيني} [طه39] فذكر العين المفردة مضافة إلى ~~الضمير المفرد والأعين مجموعة مضافة إلى ضمير الجمع ms040 وذكر العين مفردة لا ~~يدل على أنها عين واحدة ليس إلا كما يقول القائل أفعل هذا على عيني وأجيئك ~~على عيني وأحمله على عيني ولا يريد به أن له عينا واحدة فلو فهم أحد هذا من ~~ظاهر كلام المخلوق لعد أخرق وأما إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرا أو ~~مضمرا فالأحسن جمعها مشاكلة للفظ كقوله {تجري بأعيننا} [القمر14] وقوله ~~{واصنع الفلك بأعيننا} [هود37] وهذا نظير المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى ~~المفرد كقوله {بيده الملك} [الملك1] و {بيدك الخير} [آل عمران26] # PageV01P255 # وإن أضيفت إلى ضمير جمع جمعت كقوله {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينا أنعاما} [يس71] وكذلك إضافة اليد والعين إلى اسم الجمع الظاهر كقوله ~~{بما كسبت أيدي الناس} [الروم41] وقوله {قالوا فأتوا به على أعين الناس} ~~[الأنبياء61] وقد نطق القرآن والسنة بذكر اليد مضافة إليه سبحانه مفردة ~~ومثناة ومجموعة. وبلفظ العين مضافة إليه مفردة ومجموعة ونطقت السنة ~~بإضافتها إليه مثناة كما قال عطاء عن أبي هريرة عن النبي إن العبد إذا قام ~~في الصلاة قام بين عيني الرحمن فإذا التفت قال له ربه إلى من تلتفت إلى خير ~~لك مني وقول النبي صلى الله عليه # PageV01P256 # وسلم: "إن ربكم ليس بأعور" صريح في أنه ليس المراد # PageV01P258 # إثبات عين واحدة ليس إلا فإن ذلك عور ظاهر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ~~وهل يفهم من قول الداعي "اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام" أنها عين واحدة ~~ليس إلا إلا ذهن أقلف وقلب أغلف. # قال خلف بن تميم حدثنا عبد الجبار بن كثير قال قيل لإبراهيم بن أدهم هذا ~~السبع فنادى يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشيء وإلا يعني فاذهب فضرب بذنبه ~~وولى مدبرا فنظر إبراهيم إلى أصحابه وقال قولوا اللهم # PageV01P259 # احرسنا بعينك التي لا تنام وأكنفنا بكنفك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك ~~علينا ولا نهلك وأنت الرجاء. قال عثمان الدارمي الأعور ضد البصير بالعينين ~~وقد قال النبي في الدجال "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور" وقد احتج ms041 السلف على ~~إثبات العينين له سبحانه بقوله {تجري بأعيننا} [القمر14] وممن صرح بذلك ~~إثباتا واستدلالا أبو الحسن الأشعري في كتبه كلها فقال في المقالات والموجز ~~والإبانة وهذا لفظه فيها وجملة قولنا أن نقر بالله وملائكته # PageV01P260 # وكتبه ورسله إلى أن قال وإن الله مستوي على عرشه كما قال {الرحمن على ~~العرش استوى} [طه5] وأن له وجها كما قال {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والأكرام} [الرحمن27] وأن له يدين كما قال {بل يداه مبسوطتان} [المائدة64] ~~وقال {لما خلقت بيدي} [ص75] وأن له عينين بلا كيف كما قال: # PageV01P261 # {تجري بأعيننا} [القمر14] فهذا الأشعري والناس قبله وبعده ومعه لم يفهموا ~~من الأعين أعينا كثيرة على وجه ولم يفهموا من الأيدي أيديا كثيرة على شق ~~واحد حتى جاء هذا الجهمي فعضه القرآن وادعى أن هذا ظاهره وإنما قصد هذا ~~وأمثاله التشنيع على من بدعه وضلله من أهل السنة والحديث وهذا شأن الجهمية ~~في القديم والحديث وهم بهذا الصنيع على الله ورسوله وكتابه يشنعون {وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون} [التوبة105] فما ذنب أهل السنة والحديث إذا نطقوا ~~بما نطقت به النصوص وأمسكوا عما أمسكت عنه ووصفوا الله بما وصف به نفسه ~~ووصفه رسوله وردوا تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين الذين عقدوا ألوية ~~الفتنة وأطلقوا أعنة المحنة وقالوا على الله وفي الله بغير علم فردوا ~~باطلهم وبينوا زيفهم وكشفوا إفكهم ونافحوا عن الله ورسوله # PageV01P262 # فلم يقدروا على أخذ الثأر منهم إلا بأن سموهم مشبهة ممثلة مجسمة حشوية ~~ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أن التلقيب بهذه الألقاب ليس لهم وإنما هو لمن ~~جاء بهذه النصوص وتكلم بها ودعى الأمة إلى الإيمان بها ومعرفتها ونهاهم عن ~~تحريفها وتبديلها فدعوا التشنيع بما تعلمون أنتم وكل عاقل منصف أنه كذب ~~ظاهر وإفك مفترى لا يعلم به قائل يناظر عن مقالته فهل تدفعون عن أنفسكم ~~التعطيل ونفي حقائق صفات الكمال عن رب العالمين وأنها مجاز لا حقيقة لها ~~وأن ظاهرها كفر وتشبيه ms042 وإلحاد فلو كان خصومكم كما زعمتم وحاشاهم مشبهة ~~ممثلة مجسمة لكانوا أقل تنقصا لرب العالمين وكتابه وأسمائه وصفاته منكم ~~بكثير كثير لو كان قولهم يقتضي التنقص فكيف وهو لا يقتضيه ولو صرحوا به ~~فإنهم يقولون نحن أثبتنا لله غاية الكمال ونعوت الجلال ووصفناه بكل صفة ~~كمال فإن لزم من هذا تجسيم أو تشبيه لم يكن هذا نقصا ولا عيبا ولا ذما بوجه ~~من الوجوه فإن لازم الحق حق وما لزم من إثبات كمال الرب ليس بنقص وأما أنتم ~~فنفيتم عنه صفات الكمال ولا ريب أن لازم هذا النفي وصفه بأضدادها من العيوب ~~والنقائص فما سوى الله ولا رسوله ولا عقلاء عباده بين من # PageV01P263 # نفى كماله المقدس حذرا من التجسيم وبين من أثبت كماله الأعظم وصفاته ~~العلى بلوازم ذلك كائنة ما كانت. # فلو فرضنا في الأمة من يقول له سمع كسمع المخلوق وبصر كبصره لكان أدنى ~~إلى الحق ممن يقول لا سمع له ولا بصر. # ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه متحيز على عرشه تحيط به الحدود والجهات ~~لكان أقرب إلى الصواب من قول من يقول ليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى ~~له ويسجد ولا ترفع إليه الأيدي ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا ~~هو فوق خلقه ولا محايثهم ولا مباينهم. # ولو فرضنا في الأمة من يقول إنه يتكلم كما يتكلم الآدمي وأن كلامه بآلات ~~وأدوات تشبه آلات الآدميين وأدواتهم لكان خيرا ممن يقول إنه ما تكلم ولا ~~يتكلم ولا قال ولا يقول ولا يقوم به كلام البتة فإن هذا القائل يشبهه ~~بالأحجار والجمادات التي لا تعقل وذلك المشبه وصفه بصفات الأحياء الناطقين. # وكذلك لو فرضنا في الأمة من يقول له يدان كأيدينا لكان خيرا ممن يقول ليس ~~له يدان فإن هذا معطل مكذب لله # PageV01P264 # راد على الله ورسوله وذلك المشبه غالط مخطىء في فهمه فالمشبه على زعمكم ~~الكاذب لم يشبهه تنقيضا له وجحدا لك8ماله بل ظنا إن إثبات الكمال لا يمكن ~~إلا بذلك ms043 فقابلتموه بتعطيل كماله وذلك غاية التنقص. # العاشر: أنك أيها الجهمي في فهمك عن الله أن ظاهر كلامه إثبات أيد متعددة ~~على جنب واحد وعيون متعددة في وجه واحد قد ضاهيت النصارى الذين احتجوا على ~~تثليثهم وإثبات آلهة متعددة بظاهر قوله {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا} [ق43] ~~وأمثاله. وفي هؤلاء أنزل الله تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران7] وفي الصحيح عن عائشة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا عائشة إذا رأيتم الذين يتبعون ما ~~تشابه منه # PageV01P265 # فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" وهذا الفهم الفاسد إنما أتى من قبل عجم ~~القلوب والألسن فهم الذين أفسدوا الدين وشوشوا على الناس وإلا فلغة العرب ~~متنوعة في إفراد المضاف وتثنيته وجمعه بحسب أحوال المضاف إليه فإن أضافوا ~~الواحد المتصل إلى مفرد أفردوه وإن أضافوه إلى اسم جمع ظاهر أو مضمر جمعوه ~~وإن أضافوه إلى اسم مثنى فالأفصح من لغتهم جمعه لقوله تعالى {فقد صغت ~~قلوبكما} [التحريم4] وإنما هما قلبان لا غير وقوله {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة38] وتقول العرب إضرب أعناقهما واقطع ألسنتهما ~~وهذا أفصح استعمالهم وتارة يفردون المضاف فيقولون # PageV01P266 # لسانهما وقلبهما وظهرهما وتارة يثنونه كقوله ظهراهما مثل ظهور الترسين ~~والقرآن إنما نزل بلغة العرب لا بلغة العجم والطماطم والأنباط الذين أفسدوا ~~الدين وتلاعبوا بالنصوص وانتهكوا حرماتها وجعلوها عرضة لتأويل الجاهلين ~~وانتحال المبطلين وإذا كان من لغتهم وضع الجمع موضع التثنية لئلا يجمعوا في ~~لفظ واحد بين # PageV01P267 # تثنيتين ولا لبس هناك فلأن يوضع الجمع موضع التثنية فيما إذا كان المضاف ~~إليه مجموعا أولى بالجواز يدل عليه أنك لا تكاد تجد في كلامهم عينينا ~~ويدينا ونحو ذلك ولا يلبس على السامع قول المتكلم نراك بأعيننا ونأخذك ~~بأيدينا ونحو ذلك ولا يفهم منه بشر على وجه الأرض عيونا كثيرة على وجه واحد ~~وأيديا متعددة على بدن واحد فهل قدر القرآن حق قدره من زعم أن هذا ظاهره. # الوجه الحادي: عشر لفظ اليد جاء في ms044 القرآن على ثلاثة أنواع مفردا ومثنى ~~ومجموعا فالمفرد كقوله {بيده الملك} [الملك1] والمثنى كقوله {خلقت بيدي} ~~[ص75] والمجموع كقوله {عملت أيدينا} [يس71] فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل ~~إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء إليهما فقال {خلقت بيدي} [ص75] # PageV01P268 # وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعد الفعل بالباء فهذه ثلاثة ~~فروق فلا يحتمل {خلقت بيدي} [ص75] من المجاز ما يحتمله عملت أيدينا فإن كل ~~أحد يفهم من قوله عملت أيدينا ما يفهمه من قوله عملنا وخلقنا كما يفهم ذلك ~~من قوله {فبما كسبت أيديكم} [الشورى30] وأما قوله {خلقت بيدي} [ص75] فلو ~~كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل ~~معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء فكيف إذا ثنيت. # وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد والمراد الإضافة إليه كقوله # PageV01P269 # {بما قدمت يداك} [الحج10] {فبما كسبت أيديكم} [الشورى30] وأما إذا أضيف ~~إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى يده مفردة أو مثناة فهو ما باشرته يده ولهذا ~~قال عبد الله بن عمرو إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق آدم بيده وغرس ~~جنة الفردوس بيده وذكر الثالثة فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص ~~بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة وقد أخبر النبي أن ~~أهل الموقف يأتونه يوم القيامة فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله ~~بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ~~ربك فذكروا أربعة أشياء كلها خصائص وكذلك قال # PageV01P270 # آدم لموسى في محاجته له اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده وفي لفظ ~~آخر كتب لك التوراة بيده وهو من أصح الأحاديث وكذلك الحديث الآخر المشهور ~~"أن الملائكة قالوا يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون ~~فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله تعالى لا أجعل صالح ذرية من خلقت ~~بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان" ms045 وهذا التخصيص إنما فهم من قوله ~~{خلقت بيدي} [ص75] فلو كانت مثل قوله {مما عملت أيدينا} لكان هو والأنعام ~~في ذلك سواء فلما فهم المسلمون أن قوله {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ~~موجبا له تخصيصا # PageV01P271 # وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له وفهم ذلك أهل الموقف ~~حين جعلوه من خصائصه كانت التسوية بينه وبين قوله {أولم يروا أنا خلقنا لهم ~~مما عملت أيدينا أنعاما} [يس71] خطأ محضا. # وكذلك قول النبي في الحديث الصحيح "يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد ~~الأخرى" وقوله "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء # PageV01P272 # الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه ~~وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع" وقال تعالى {وقالت اليهود يد الله مغلولة ~~غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان} [المائدة64] وفي الحديث ~~الذي رواه مسلم في صحيحه في أعلى أهل الجنة منزلة: " أولئك الذين غرست ~~كرامتهم بيدي وختمت # PageV01P273 # عليها " وقال أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلق الله ~~جنة عدن وغرس أشجارها بيده فقال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون" وقال ~~عبد الله بن الحارث قال النبي: "إن الله خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده ~~وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده ثم قال وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ~~ديوث " وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: " تكون الأرض يوم القيامة خبزة # PageV01P274 # واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل ~~الجنة" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاح الصلاة: "لبيك ~~وسعديك والخير كله في يديك" وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء ~~الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". # وقال عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأيدي ثلاثة ~~فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها # PageV01P275 # ويد السائل السفلى" وفي الصحيح عنه صلى ms046 الله عليه وسلم: "المقسطون عند ~~الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين ~~يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" وفي المسند وغيره من # PageV01P276 # حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللع عليه وسلم: "لما خلق الله آدم ونفخ فيه ~~الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذن الله فقال له ربه رحمك ربك يا آدم ~~وقال له إذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم فذهب ~~فقالوا وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك ~~وتحية بنيك بينهم فقال الله تعالى ويداه مقبوضتان إختر أيهما شئت فقال ~~اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته" ~~وذكر الحديث. # وقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خلق الله ~~آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل ~~الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل ~~أهل النار يعملون. # PageV01P277 # وقال هشام بن حكيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أخذ ذرية ~~بني آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه فقال هؤلاء ~~للجنة وهؤلاء للنار". # PageV01P278 # وقال عبد الله بن عمرو ولما خلق الله آدم نفضه نفض المزود فخرج منه مثل ~~الذر فقبض قبضتين فقال لما في اليمين في الجنة ولما في الأخرى في النار. # وقال أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خلق آدم من قبضة ~~قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فمنهم الأحمر والأبيض ~~والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والطيب والخبيث". # PageV01P279 # وقال سلمان الفارسي إن الله تعالى خمر طينة آدم أربعين ليلة أو أربعين ~~يوما ثم ضرب بيده فيها فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بيده الأخرى ثم خلط ~~بينهما. # وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تصدق أحد بصدقة من ~~طيب ولا ms047 يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربوا ~~في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل متفق على صحته ". # وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن # PageV01P280 # الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف فقال أبو بكر زدنا يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهكذا وجمع يديه قال زدنا يا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال وهكذا قال زدنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال عمر حسبك فقال أبو بكر دعني يا عمر وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا ~~قال عمر إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحدة فقال النبي صدق عمر". # وقال نافع بن عمر سألت ابن أبي مليكة عن يد # PageV01P281 # الله أواحدة أم اثنتان فقال لا بل اثنتان. وقال ابن عباس ما السموات ~~السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم. # وقال ابن عمر وابن عباس أول شيء خلقه الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه ~~يمين فكتب الدنيا وما فيها من عمل معمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه ~~عنده. وقال ابن عباس في قوله تعالى {والسماوات مطويات بيمينه} يقبض الله ~~عليها فيرى طرفاها في يده. # PageV01P282 # وقال ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر فقال: ~~"إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السموات والأرض في قبضته ثم قال ~~هكذا ومد يده وبسطها ثم يقول أنا الله أنا الرحمن" وذكر الحديث. وقال ابن ~~وهب عن أسامة عن نافع عن # PageV01P283 # ابن عمر أن النبي قرأ على المنبر {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر67] قال: "مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي ~~الغلام بالكرة". # وقال عبيد الله بن مقسم نظرت إلى عبد الله بن عمر كيف صنع حيث يحكي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " يأخذ الله سماواته وأرضه بيده فيقول أنا ~~الله ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول أنا الرحمن الرحيم أنا ms048 الملك" حتى نظرت ~~إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه # PageV01P284 # حتى إني أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال زيد بن أسلم ~~لما كتب الله التوراة بيده قال بسم الله هذا كتاب من الله بيده لعبده موسى ~~يسبحني ويقدسني ولا يحلف بإسمي آثما فإني لا أزكي من حلف باسمي آثما. # PageV01P285 # وإنما ذكرنا هذه النصوص التي هي غيض من فيض ليعلم الواقف عليها أنه لا ~~يفهم أحد من عقلاء بني آدم منها شخصا له شق واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق ~~واحد وله وجه واحد وفيه عيون كثيرة فهذه نصوص القرآن والسنة كما ترى هل ~~يفهم منها مسلم ما ذكره هذا الجهمي أو أحد ممن له أدنى فهم ومن هذا قدر ~~النصوص عنده فهو حقيق بأن لا يقبل منها شيئا ولا ينال منها هدى ولا يظفر ~~منها بعلم وهي في حقه كما قال الله تعالى {وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء82] وقوله تعالى ~~{وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم} [التوبة125 , 124] # PageV01P286 # وقوله {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل ~~هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت44] وقوله {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ~~وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة26] والله يعلم أن هذا من أعظم العضه لها ~~والتنقص بها والطعن على من تكلم بها وجاء بها أو يقال له هذا ظاهر كلامك ~~وحقيقته فانظر إلى أقبح التشبيه والتمثيل الذي ادعوا أنه ظاهر النصوص وإلى ~~التعطيل الذي سطوا به عليها وسموه تأويلا فصح أنهم جمعوا بين فهم التشبيه ~~منها واعتقاد التعطيل ونسبة قائلها إلى قصد ما يضاد البيان والإرشاد والله ~~المستعان. # PageV01P287 ### | الفصل التاسع: في الوظائف الواجبة على المتأول الذي لا يقبل منه تأويله إلا ms049 بها # لما كان الأصل في الكلام هو الحقيقة والظاهر كان العدول به عن حقيقته ~~وظاهره مخرجا له عن الأصل فاحتاج مدعي ذلك إلى دليل يسوغ له إخراجه عن أصله ~~فعليه أربعة أمور لا تتم له دعواه إلا بها. # PageV01P288 # الأمر الأول بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي ~~وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة منشئا وضعا من عنده فإن اللفظ قد لا ~~يحتمل ذلك المعنى لغة. # وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص وكثير من المتأولين لا ~~يبالي إذا تهيأ له حمل اللفظ على ذلك المعنى بأي طريق أمكنه أن يدعي حمله ~~عليه إذ مقصوده دفع الصائل فبأي طريق اندفع عنه دفعه والنصوص قد صالت على ~~قواعده الباطلة فبأي طريق تهيأ له دفعها دفعها ليس مقصوده أخذ الهدى والعلم ~~والإرشاد منها فإنه قد أصل أنها أدلة لفظية لا يستفاد منها يقين ولا علم ~~ولا معرفة بالحق وإنما المعول على آراء الرجال وما تقتضيه عقولها وأنت إذا ~~تأملت تأويلاتهم رأيت كثيرا منها لا يحتمله اللفظ في اللغة التي وقع بها ~~التخاطب وإن احتمله لم يحتمله في ذلك التركيب الذي تأوله وليس لأحد أن يحمل ~~كلام الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة أو الاصطلاح لبعض الشعراء أو ~~الخطباء أو الكتاب أو العامة إلا إذا كان ذلك غير مخالف لما علم من وصف ~~الرب تعالى وشأنه وما تضافرت به صفاته لنفسه وصفات # PageV01P289 # رسوله له وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما يجوز ويصلح نسبتها إلى ~~الله ورسوله لا سيما والمتأول يخبر عن مراد الله ورسوله فإن تأويل كلام ~~المتكلم بما يوافق ظاهره أو يخالفه إنما هو بيان لمراده فإذا علم أن ~~المتكلم لم يرد هذا المعنى وأنه يمتنع أن يريده وأن في صفات كماله ونعوت ~~جلاله ما يمنع من إرادته وأنه يستحيل عليه من وجوه كثيرة أن يريده استحال ~~الحكم عليه بإرادته فهذا أصل عظيم يجب معرفته ومن أحاط به معرفة تبين له أن ~~كثيرا مما ms050 يدعيه المحرفون من التأويلات مما يعلم قطعا أن المتكلم لا يصح أن ~~يريده بذلك الكلام وإن كان ذلك مما يسوغ لبعض الشعراء وكتاب الإنشاء واللغة ~~من القاصدين التعمية لغرض من الأغراض فلا بد أن يكون المعنى الذي تأوله ~~المتأول مما يسوغ استعمال اللفظ فيه في تلك اللغة التي وقع بها التخاطب. # وأن يكون ذلم المعنى مما تجوز نسبته إلى الله وأن # PageV01P290 # لا يعود على شيء من صفات كماله بالإبطال والتعطيل وأن يكون معه قرائن ~~تحتف به تبين أنه مراد باللفظ وإلا كانت دعوى إرادته كذبا على المتكلم ونحن ~~نذكر لذلك أمثلة: # المثال الأول: تأويل قوله تعالى {خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش} [الأعراف54] بأنه أقبل على خلقه فهذا إنشاء منهم لوضع لفظ ~~استوى على أقبل على خلقه وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة فإنهم ذكروا معاني ~~استوى ولم يذكر أحد منهم أصلا في معانيه الإقبال على الخلق فهذه كتب اللغة ~~طبق الأرض هل تجدون أحدا منهم يحكي ذلك على اللغة وأيضا فإن استواء الشيء ~~والاستواء إليه وعليه يستلزم وجوده ووجود ما نسبت إليه الاستواء بإلى أو ~~بعلى فلا يقال استوى إلى أمر معدوم ولا استوى عليه فهذا التأويل إنشاء محض ~~لا إخبار صادق عن استعمال أهل اللغة. # PageV01P291 # وكذلك تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فإن هذا لا تعرفه العرب من لغاتها ولم ~~يقله أحد من أئمة اللغة وقد صرح أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره بأنه لا ~~يعرف في اللغة ولو احتمل ذلك لم يحتمله هذا التركيب فإن استيلاءه سبحانه ~~وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السموات والأرض والعرش مخلوق قبل خلقها بأكثر ~~من خمسين ألف سنة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق فيما صح عنه وبطلان هذا ~~التأويل من أربعين وجها سنذكرها في موضعها في هذا الكتاب إن شاء الله. # والمقصود ذكر الوظائف التي على المتأول فعليه أن يبين احتمال اللفظ ~~للمعنى الذي ذكره أولا. # ويبين تعيين ذلك المعنى ثانيا فإنه إذا أخرج عن حقيقته قد يكون له معان ms051 ~~فتعيين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل. # الثالث: إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره فإن دليل المدعي ~~للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه. # PageV01P292 # الرابع: الجواب عن المعارض فإن مدعي الحقيقة قد أقام الدليل العقلي ~~والسمعي على إرادة الحقيقة. # أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه. # وأما العقلي فمن وجهين عام وخاص فالعام الدليل الدال على كمال علم ~~المتكلم وكمال بيانه وكمال نصحه والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه ~~الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع ~~فمخالفة تلك الشبه الخيالية أولى بالجواز وإن لم تجز مخالفة تلك الشبه ~~فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى. # وأما الخاص فإن كل صفة وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله فهي صفة كمال ~~قطعا فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها فالدليل العقلي ~~الذي دل على ثبوت الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر دل نظيره ~~على ثبوت الحكمة والرحمة والرضا والغضب والفرح والضحك والذي دل على أنه ~~فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به وذلك عين الكمال المقدس وكل ~~صفة دل عليها القرآن والسنة فهي صفة كمال والعقل جازم بإثبات صفات الكمال ~~للرب سبحانه ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا وهذا الدليل ~~أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة يوضحه أن أدلة مباينة الرب لخلقه وعلوه على ~~جميع مخلوقاته أدلة عقلية # PageV01P293 # فطرية توجب العلم الضروري بمدلولها وأما السمعية فتقارب الف دليل فعلى ~~المتأول أن يجيب عن ذلك كله وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك فنحن نطالبه ~~بجواب صحيح عن دليل واحد وهو أن الرب تعالى إما أن يكون له وجود خارجي عن ~~الذهن ثابت في الأعيان أولا فإن لم يكن له وجود خارجي كان خيالا قائما ~~بالذهن لا حقيقة له وهذا حقيقة قول المعطلة وإن تستروا بزخرف من القول وإن ~~كان وجوده خارج الذهن فهو مباين له إذ هو منفصل عنه إذ لو كان قائما به ms052 ~~لكان عرضا من أعراضه وحينئذ فإما أن يكون هو هذا العالم أو غيره فإن كان ~~هذا العالم فهو تصريح بقول أصحاب وحدة الوجود وأنه ليس لهذا العالم رب ~~مباين له منفصل عنه وهذا أكفر أقوال أهل الأرض وإن كان غيره فإما أن يكون ~~قائما بنفسه أو قائما بالعالم فإن كان قائما بالعالم فهو جزء من أجزائه أو ~~صفة من صفاته وليس هذا بقيوم السموات والأرض وإن كان قائما بنفسه وقد علم ~~أن العالم قائم بنفسه فذاتان قائمتان بأنفسهما ليست إحداهما داخلة في ~~الأخرى ولا خارجة عنها ولا متصلة بها ولا منفصلة عنها ولا محايثة ولا ~~مباينة ولا فوقها ولا تحتها ولا خلفها ولا أمامها ولا عن يمينها ولا عن ~~شمالها كلام له خبىء لا يخفى على عاقل منصف والبديهة الضرورية حاكمة ~~بامتناع هذا واستحالة تصوره فضلا عن التصديق به قالوا فنحن نطالبكم بجواب ~~صحيح عن هذا الدليل الواحد # PageV01P294 # من جملة ألف دليل ونعلم قبل المطالبة أنه لو اجتمع كل جهمي على وجه الأرض ~~لما أجابوا عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والتنفير ~~والسب وهذه وظيفة كل مبطل قامت عليه حجة الله فدعوا الشناعة بالفرية والكذب ~~والاختلاق هل يمكنكم الخروج من دائرة المعطلين الذين قالوا لو كان للعالم ~~صانع قائم بنفسه لكان إما داخلا فيه أو خارجا عنه وإما متصلا أو منفصلا عنه ~~وإما محايثا له أو مباينا له وإما فوقه أو تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو ~~خلفه أو أمامه فحيث لم يثبت له شيء من ذلك استحال أن يكون مغايرا للعالم ~~قائما بنفسه قالوا وهذه العقول والفطر حاضرة إذا عرض عليها ذلك وجدته من ~~باب الجمع بين النقيضين فدعونا من إخراج نصوص الوحي عن حقائقها ودعوى أنها ~~مجازات لا حقائق لها لا تفيد يقينا ولا يستفاد منها علم بما يجب لله ويمتنع ~~عليه البتة إذ هي أدلة لفظية وظواهر غير مفيدة لليقين وأجيبوا هؤلاء ~~المعطلة وأولئك المجسمة بزعمكم وإلا فليستحي من مراجمة الناس بالأحجار من ms053 ~~سقف بيته من الزجاج # PageV01P295 ### | الفصل العاشر: في أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها # فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات. # وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص وانتهاكه لحرمتها وإساءة الظن بها ونسبة ~~قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال فجمعوا بين أربعة محاذير: ~~اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله المحال الباطل ففهموا التشبيه أولا ثم ~~انتقلوا عنه إلى المحذور الثاني: وهو التعطيل فعطلوا حقائقها بناء منهم على ~~ذلك الفهم الذي يليق بهم ولا يليق بالرب جل جلاله. المحذور الثالث: نسبة ~~المتكلم الكامل العلم الكامل البيان التام النصح إلى ضد البيان والهدى ~~والإرشاد وإن # PageV01P296 # المتحيرين المتهوكين أجادوا العبادة في هذا الباب وعبروا بعبارة لا توهم ~~من الباطل ما أوهمته عبارة المتكلم بتلك النصوص ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك ~~يتضمن أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح أو أنصح للناس. # المحذور الرابع تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها فلو رأيتها وهم يلوكونها ~~بأفواههم وقد حلت بها المثلات وتلاعبت بها أمواج التأويلات وتقاذفت بها ~~رياح الآراء واحتوشتها رماح الأهواء ونادى عليها أهل التأويل في سوق من ~~يزيد فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد فلو شاهدتها بينهم وقد ~~تخطفتها أيدي الاحتمالات ثم قيدت بعدما كانت مطلقة بأنواع الإشكالات وعزلت ~~عن سلطنة اليقين وجعلت تحت حكم تأويل الجاهلين هذا وطالما نصبت لها حبائل ~~الإلحاد وبقيت عرضة للمطاعن والإفساد وقعد النفاة على صراطها المستقيم ~~بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا لا طريق لك علينا وإن كان لا بد فعلى ~~سبيل المجاز فنحن # PageV01P297 # أهل المعقولات وأصحاب البراهين وأنت أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد ~~العلم ولا اليقين فسندك آحاد وهو عرضة للطعن في الناقلين وإن صح وتواتر ~~ففهم مراد المتكلم منه موقوف على انتفاء عشرة أشياء لا سبيل إلى العلم ~~بانتفائها عند الناظرين والباحثين فلا إله إلا الله والله أكبر كم هدمت ~~بهذه المعاول من معاقل الإيمان وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن وكم ~~أطلقت في نصوص ms054 الوحي من لسان كل جاهل أخرق ومنافق أرعن وطرقت لأعداء الدين ~~الطريق وفتحت الباب لكل مبتدع وزنديق ومن نظر في التأويلات المخالفة لحقائق ~~النصوص رأى من ذلك ما يضحك عجبا ويبكي حزنا ويثير حمية للنصوص وغضبا # PageV01P298 # قد أعاد عذب النصوص ملحا أجاجا وخرجت الناس من الهدى والعلم أفواجا ~~فتحيزت كل طائفة إلى طاغوتها وتصادمت تصادم النصارى في شأن ناسوتها ~~ولاهوتها ثم تمالأ الكل على غزو جند الرحمن ومعاداة حزب السنة والقرآن ~~فتداعوا إلى حربهم تداعي الأكلة إلى قصعتها وقالوا نحن وإن كنا مختلفين ~~فإنا على محاربة هذا الجند متفقون فميلوا بنا عليهم ميلة واحدة حتى تعود ~~دعوتهم باطلة وكلمتهم خامدة وغر المخدوعين كثرتهم التي ما زادتهم عند الله ~~ورسوله وحزبه إلا قلة وقواعدهم التي ما زادتهم إلا ضلالا وبعدا عن الملة ~~وظنوا أنهم بجموعهم المعلولة يملأون قلوب أهل السنة إرهابا منهم وتعظيما. ~~{ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} [الأحزاب22] وأنت إذا تأملت تأويلات ~~القرامطة # PageV01P299 # والملاحدة والفلاسفة والرافضة والقدرية والجهمية ومن سلك سبيل هؤلاء من ~~المقلدين لهم في الحكم والدليل ترى الإخبار بمضمونها عن الله ورسوله لا ~~يقصر عن الإخبار عنه بالأحاديث الموضوعة المصنوعة التي هي مما عملته أيدي ~~الوضاعين وصاغته ألسنة الكذابين فهؤلاء اختلقوا عليه ألفاظا وضعوها وهؤلاء ~~اختلقوا في كلامه معاني ابتدعوها فيا محنة الكتاب والسنة بين الفريقين وما ~~نازلة نزلت بالإسلام إلا من الطائفتين فهما عدوان للإسلام كائدان وعن ~~الصراط المستقيم ناكبان وعن قصد السبيل جائران فلو رأيت ما يصرف إليه ~~المحرفون أحسن الكلام وأبينه وأفصحه وأحقه بكل هدى وبيان وعلم من المعاني ~~الباطلة والتأويلات الفاسدة لكدت تقضي من ذلك عجبا وتتخذ في بطن الأرض سربا ~~فتارة تعجب # PageV01P300 # وتارة تغضب وتارة تبكي وتارة تضحك وتارة تتوجع لما نزل بالإسلام وحل ~~بساحة الوحي ممن هم أضل من الأنعام. # فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم وفساد قواعدهم من أفضل الجهاد في سبيل ~~الله وقد قال النبي صلى الله عليه ms055 وسلم لحسان بن ثابت: "إن روح القدس معك ~~ما دمت تنافح عن رسوله" وقال: "أهجهم أو هاجهم وجبريل معك" وقال: "اللهم ~~أيده بروح القدس ما دام ينافح عن رسولك " وقال عن هجائه # PageV01P301 # لهم: "والذي نفسي بيده لهو أشد فيهم من النبل" وكيف لا يكون بيان ذلك من ~~الجهاد في سبيل الله وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة ~~والتابعين وأهل الحديث قاطبة وأئمه الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صدق ~~يتضمن من عبث المتكلم بالنصوص وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طعن الذين ~~يلمزون الرسول ودينه وأهل النفاق والإلحاد لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه ~~إفك ومحال وكفر وضلال وتشبيه وتمثيل أو تخييل ثم صرفها إلى معان يعلم أن ~~إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي والألغاز لا يصدر ممن قصده نصح وبيان ~~فالمدافعة عن كلام الله ورسوله والذب عنه من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله ~~وأنفعها للعبد ومن رزقه الله بصيرة نافذة علم سخافة عقول هؤلاء المحرفين ~~وأنهم من أهل الضلال المبين وأنهم إخوان الذين ذمهم الله بأنهم يحرفون ~~الكلم عن مواضعه الذين لا يفقهون ولا يتدبرون القول وشبههم بالحمر ~~المستنفرة تارة وبالحمار الذي يحمل أسفارا تارة ومن قبل التأويلات المفتراة ~~على الله # PageV01P302 # ورسوله التي هي تحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه فهو من جنس الذين ~~قبلوا قرآن مسيلمة المختلق المفترى وقد زعم أنه شريك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان رئيسا كبيرا مطاعا بجعله شريكا له في التصديق والطاعة ~~والقبول إن لم يقدمه عليه لا سيما الغالية من الجهمية والباطنية والرافضة ~~والاتحادية فإن عندهم # PageV01P303 # من كلام ساداتهم وكبرائهم ما يضاهون به كلام الله ورسوله وكثيرا ما ~~يقدمونه عليه علما وعملا ويدعون فيه من التحقيق والتدقيق والعلم والعرفان ~~ما لا يثبتون مثله للسنة والقرآن ومن تلبس منهم بالإسلام يقول كلامنا يوصل ~~إلى الله والقرآن وكلام الرسول يوصل إلى الجنة وكلامنا للخواص والقرآن ~~للعوام وكثير منهم يقول كلامنا برهان وطريق القرآن خطابة ومنهم من يقول ~~القرآن والسنة ms056 طريق السلامة وكلامنا طريق العلم والتحقيق وكثير منهم يقول ~~لم يكن الصحابة معنيين بهذا الشأن بل كانوا قوما أميين فتحوا البلاد ~~وأقاموا الدين بالسيف وسلموا إلينا النصوص نتصرف فيها ونستنبط منها فلهم ~~علينا مزية الجهاد والزهد والورع ولنا عليهم مزية العلم بالحقائق والتأويل ~~وإن لم يعلموا هذا من قلوبهم والله يشهد به عليهم ويعلمه كامنا في صدورهم ~~يبدو على فلتات لسان من لم يصرح به منهم ومن محققي هؤلاء من يدعي أن الرسل ~~يستفيدون العلم بالله من طريقهم ويتلقونه من مشكاتهم ولكن يخاطبون الناس ~~على قدر عقولهم فلم يصرحوا لهم بالحق ولم ينصحوا لهم به وكل من هؤلاء قد ~~نصب دون الله ورسوله طاغوتا يعول عليه ويدعو عند # PageV01P304 # التحاكم إليه فكلامه عنده محكم لا يسوغ تأويله ولا يخالف ظاهره وكلام ~~الله ورسوله إذا لم يوافقه فهو مجمل متشابه يجب تأويله أو يسوغ فضابط ~~التأويل عندهم ما خالف تلك الطواغيت ومن تدبر هذا الموضع انتفع به غاية ~~النفع وتخلص به من أشراك الضلال فإن الذين يقرون برسالة النبي وفيهم نوع ~~إيمان به منهم من يجعل له شريكا في الطاعة كما كان المنافقون يطيعون عبد ~~الله بن أبي رأس المنافقين وكبيرهم وكان كثير ممن في قلبه نوع مرض وإن لم ~~يكن منافقا خالصا يطيعه في كثير من الأمور ويقبل منه كما قال تعالى {وفيكم ~~سماعون لهم} [التوبة47] والمعنى على أصح القولين وفيكم مستجيبون لهم قابلون ~~منهم كما قال الله تعالى {سماعون للكذب} [المائدة42] أي قابلون له ومن حمل ~~الآية على العيون والجواسيس فقوله ضعيف لوجوه كثيرة ليس هذا # PageV01P305 # موضعها وكما كان أصحاب مسيلمة يقولون إنه شريكه في الطاعة وإنه يقبل منه ~~كما يقبل عن النبي وكان عبد الله بن أبي يقدم سياسته ورأيه على ما جاء به ~~أحيانا ويغضب إذا لم يسمع منه ويغضب له قومه وكذلك رئيس الخوارج السجاد ~~العباد الذي بين عينيه أثر السجود قدم عقله ورأيه على ما جاء به في قسمة ~~المال وزعم أنه لم يعدل فيها وكذلك ms057 غلاة الرافضة قدموا عقولهم وآرائهم على ~~ما جاء به وزعموا أنه لم يعدل حيث أمر أبا بكر أن يصلي بالناس وابن عمه ~~حاضر ولم يعدل # PageV01P306 # حيث أثنى على أبي بكر وعمر وعظمهما فأوجب أن الأمة بعده ولوهما دون ابن ~~عمه وكذلك الجهمية قدموا عقولهم وآراءهم على ما جاء به وزعموا أنه لم يعدل ~~في العبارة حيث عدل عن العبارة التي عبروا هم بها عن الله سبحانه وعبر بما ~~أوقع الأمة في اعتقاد التشبيه والتجسيم وحملهم كلفة التأويل وجشمهم مشقته ~~وأوقع الخلاف بين الأمة بتلك العبارات التي عباراتهم بزعمهم أعظم تنزيها ~~لله وأقل إيهاما للمحال منها فهؤلاء وأمثالهم هم السلف لكل خلف يدعي أن ~~لغير الله ورسوله معه حكما في مضمون الرسالة إما في العلميات وإما في ~~العمليات وإما في الإرادات والأحوال وإما في السياسات وأحكام الأموال فيطاع ~~هذا الغير كما يطاع الرسول بل الله يعلم أن كثيرا منهم أو أكثرهم قد قدموا ~~طاعته على طاعة الرسول وكل هؤلاء فيهم شبه من أتباع مسيلمة وابن أبي وذي ~~الخويصرة فلكل # PageV01P307 # خلف سلف ولكل تابع متبوع ولكل مرؤوس رئيس فمن قرن بالرسالة رئاسة مطاعة ~~أو سياسة حاكمة بحيث يجعل طاعتها كطاعة الرسالة ففيهم شبه من اتباع عبد ~~الله بن أبي ومن اعترض على الكتاب والسنة بنوع تأويل من قياس أو ذوق أو عقل ~~أو حال ففيه شبه من الخوارج أتباع ذي الخويصرة ومن نصب طاغوتا دون الله ~~ورسوله يدعو ويحاكم إليه ففيه شبه من أتباع مسيلمة وقد يكون في هؤلاء من هو ~~شر من أولئك كما كان فيهم من هو خير منهم أو مثلهم وهؤلاء كلهم قد أعقبهم ~~هذا الصنيع نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقون ربهم وإنما تبين لهم حقيقته إذا ~~بليت السرائر ومدت الضمائر وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ولا يستقر ~~للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه وسره على أن الدين كله لله لا رب سواه ~~ولا متبوع غيره # PageV01P308 # وأن كلام غيره يعرض على كلامه فإن وافقه ms058 قبلناه لا لأنه قاله بل لأنه ~~أخبر به عن الله ورسوله وإن خالفه رددناه واطرحناه ولا يعرض كلامه على آراء ~~القياسيين ولا عقول الفلاسفة والمتكلمين ولا على سياسة الولاة الحاكمين ~~والسلاطين ولا أذواق المتزهدين والمتعبدين بل تعرض هذه كلها على ما جاء به ~~عرض الدراهم المجهول حاملها على أخبر الناقدين فما حكم بصحته منها فهو ~~المقبول وما حكم برده فهو المردود والله الموفق للصواب # PageV01P309 ### | الفصل الحادي عشر: في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى وأن القصدين متنافيان وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى # لما كان المقصود بالخطاب دلالة السامع وإفهامه مراد المتكلم بكلامه ~~وتبيينه له ما في نفسه من المعاني ودلالته عليها بأقرب الطرق كان ذلك ~~موقوفا على أمرين: الأول: بيان المتكلم، الثاني: ولكن السامع من الفهم فإن ~~لم يحصل البيان من المتكلم أو حصل له ولم يتمكن السامع من الفهم لم يحصل ~~مراد المتكلم فإذا بين المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده ولم يعلم ~~السامع معنى تلك الألفاظ لم يحصل له البيان فلا بد من تمكن السامع من الفهم ~~وحصول الإفهام من المتكلم فحينئذ لو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته ~~وظاهره الذي # PageV01P310 # يفهمه المخاطب لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه بل بما يدل ~~على نقيض مراده وأراد منه فهم النفي بما يدل على غاية الإثبات وفهم الشيء ~~بما يدل على ضده وأراد منه أن يفهم أنه ليس فوق العرش إله يعبد ولا إله ~~يصلى له ويسجد وأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا خلفه ~~ولا أمامه بقوله {قل هو الله أحد} [الإخلاص1] قوله {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى11] وأراد النبي إفهام أمته هذا المعنى بقوله: "لا تفضلوني على يونس ~~بن متى" وأراد إفهام كونه خلق آدم بقدرته ومشيئته بقوله {ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدي} [ص75] # PageV01P311 # وأراد إفهام تخريب السموات والأرض وإعادتها إلى العدم بقوله: ms059 "يقبض الله ~~سماواته بيده اليمنى والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك" ~~وأراد إفهام معنى من ربك ومن تعبد بقوله أين الله واشار بإصبعه إلى السماء ~~مستشهدا بربه وليس هناك رب ولا إله وإنما أراد إفهام السامعين أن الله قد ~~سمع قوله وقولهم وأراد # PageV01P312 # بالإشارة بإصبعه بيان كونه قد سمع قولهم وأمثال ذلك من التأويلات ~~الباطلة. كقول بعضهم في معنى قوله عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ~~خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع إن معناه ضرب عليهم الجزية وهذا كذب ~~على اللفظ وكذب على الرسول فإنه ليس ذلك معنى اللفظ وأهل خيبر لم يضرب ~~عليهم الجزية لأنه صالحهم وفتحها قبل نزول فرض الجزية. # وكتأويل بعضهم قوله: "لا تحرم المصة والمصتان" أن المراد به التقام الثدي ~~من غير ارتضاع اللبن ودخوله إلى جوفه إلى أضعاف أضعاف ذلك من التأويلات ~~الباطلة التي يعلم السامع قطعا أنها لم ترد # PageV01P313 # بالخطاب بقصد المتكلم لها بتلك الألفاظ الدالة على نقيضها من كل وجه فلا ~~يجامع قصد البيان والدلالة. # قال شيخ الإسلام إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يوجد ما ~~يقولونه في الكتاب والسنة وكلام القرون الثلاثة المعظمة على سائر القرون ~~ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام المقتدى بهم بل ما في الكتاب والسنة وكلام ~~السلف والأئمة يوجد دالا على خلاف الحق عندهم إما نصا وإما ظاهرا بل دالا ~~عندهم على الكفر والضلال لزم من ذلك لوازم باطلة منها # الأول: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ~~ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التسبيه والتمثيل. # الثاني: ومنها أن يكون قد نزل بيان الحق والصواب لهم ولم يفصح به بل رمز ~~إليه رمزا وألغزه إلغازا لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد. # الثالث: ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها ~~وظواهرها وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ms060 ~~ذلك. # PageV01P314 # الرابع: ومنها أن يكون دائما متكلما في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق ~~بأنواع متنوعة من الخطاب تارة بأنه استوى على عرشه وتارة بأنه فوق عباده ~~وتارة بأنه العلي الأعلى وتارة بأن الملائكة تعرج إليه وتارة بأن الأعمال ~~الصالحة ترفع إليه وتارة بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من ~~عنده وتارة بأنه رفيع الدرجات وتارة بأنه في السماء وتارة بأنه الظاهر الذي ~~ليس فوقه شيء وتارة بأنه فوق سمواته على عرشه وتارة بأن الكتاب نزل من عنده ~~وتارة بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وتارة بأنه يرى بالأبصار عيانا ~~يراه المؤمنون فوق رؤوسهم إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك ولا يتكلم ~~فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو ~~الصواب فيه لا نصا ولا ظاهرا ولا يبينه. # الخامس: ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى ~~آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان وذلك ~~إما جهل ينافي العلم وإما كتمان ينافي البيان ولقد أساء الظن بخيار الأمة ~~من نسبهم إلى ذلك ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلم بالباطل والسكوت عن بيان ~~الحق تولد من بينهما جهل الحق وإضلال الخلق ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل # PageV01P315 # صاروا يأتون من العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصا وظاهرا ولا ~~يتكلمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصا ولا ظاهرا وإذا ورد عليهم من ~~النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرفوه أنواع التحريفات وطلبوا له ~~مستكره التأويلات. # السادس: ومنها أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين ~~على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل ولم تكن الحقائق من شأنهم. # السابع: ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى ~~الصواب فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال ولم يستفيدوا منها ~~يقينا ولا علما بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك وإنما يستفاد من ms061 عقول ~~الرجال وآرائها. # فإن قيل: استفدنا منها الثواب على تلاوتها وانعقاد الصلاة بها قيل هذا ~~تابع للمقصود بها بالقصد الأول وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات ~~حقائقها ومعانيها والإيمان بها فإن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة وانعقاد ~~الصلاة عليه بل أنزل ليتدبر ويعقل ويهدى به علما وعملا ويبصر من العمى ~~ويرشد من الغي ويعلم من الجهل ويشفي من الغي ويهدي إلى صراط مستقيم وهذا ~~القصد ينافي قصد تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرهة التي هي من ~~جنس الألغاز والأحاجي فلا يجتمع قصد الهدى والبيان وقصد ما يضاده أبدا ~~وبالله التوفيق. # PageV01P316 # ومما يبين ذلك أن الله تعالى وصف كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير فقال ~~تعالى {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل89] وقال {وما أنزلنا ~~عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} ~~[النحل64] فأين بيان المختلف فيه والهدى والرحمة في ألفاظ ظاهرها باطل ~~والمراد منها يطلب بأنواع التأويلات المستنكرة المستكرهة لها التي يفهم ~~منها ضدها وقال تعالى {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} ~~[النحل44] فأين يبين الرسول ما يقوله النفاة والمتأولون وقد قال تعالى ~~{والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب4] # PageV01P317 # فأخبر أنه يقول الحق ويهدي السبيل بقوله وعند النفاة إذا حصلت الهداية ~~بأبكار أفكارهم ونتائج آرائهم وعقولهم وقال تعالى {فبأي حديث بعده يؤمنون} ~~[الأعراف185] وقال {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} [الجاثية6] وعند ~~النفاة المخرجين لنصوص الوحي عن إفادة اليقين إنما حصل له الإيمان بالحديث ~~الذي أسسه الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم فبه آمنوا وبه اهتدوا وبه ~~عرفوا الحق من الباطل وبه صحت عقولهم ومعارفهم وقال تعالى {أفلا يتدبرون ~~القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء82] وأنت ~~لا تجد الاختلاف في شيء أكثر منه في آراء # PageV01P318 # المتأولين وسوانح أفكارهم وزبالة أذهانهم التي يسمونها قواطع عقلية ~~وبراهين يقينية وهي عند التحقيق خيالات وهمية وقوادح فكرية نبذوا بها ~~القرآن والسنة وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما {يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف ms062 القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون أفغير الله أبتغي ~~حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين} [الأنعام117-112] # PageV01P319 ### | الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه # نكتفي من هذا الفصل بذكر مناظرة جرت بين جهمي معطل وسني مثبت حدثني ~~بمضمونها شيخنا عبد الله بن تيمية رحمه الله أنه جمعه وبعض الجهمية مجلس ~~فقال الشيخ قد تطابقت نصوص الكتاب # PageV01P320 # والسنة والآثار على إثبات الصفات لله وتنوعت دلالتها عليها أنواعا توجب ~~العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاد ما دلت عليه والقرآن مملوء من ~~ذكر الصفات والسنة ناطقة بمثل مانطق به القرآن مقررة له مصدقة له مشتملة ~~على زيادة في الإثبات فتارة بذكر الاسم المشتمل على الصفة كالسميع البصير ~~العليم القدير العزيز الحكيم وتارة بذكر المصدر وهو الوصف الذي اشتقت منه ~~تلك الصفة كقوله {أنزله بعلمه} [النساء166] وقوله {إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين} [الذاريات58] وقوله {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي} [الأعراف144] وقوله {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص82] # PageV01P321 # وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت ~~سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" وقوله في دعاء الاستخارة: "اللهم ~~إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وقوله أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على ~~الخلق" وقول عائشة # PageV01P322 # الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ونحوه وتارة يكون بذكر حكم تلك الصفة ~~كقوله {قد سمع الله} [المجادلة1] و {إنني معكما أسمع ms063 وأرى} [طه46] وقوله ~~{فقدرنا فنعم القادرون} [المرسلات23] وقوله {علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم} [البقرة187] ونظائر ذلك # PageV01P323 # ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص وبلفظ العلو والاستواء وأنه في السماء ~~وأنه ذو المعارج وأنه رفيع الدرجات وأنه تعرج إليه الملائكه وتنزل من عنده ~~وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عيانا من فوقهم إلى ~~أضعاف أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام ~~وآثارها. # ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره ودعوى ~~المجاز فيه والاستعارة وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي ~~المرادة من هذه النصوص إذ يلزم من ذلك أحد محاذير ثلاثة لا بد منها أو من ~~بعضها وهي القدح في علم المتكلم بها. أو في بيانه. أو في نصحه. # وتقرير ذلك أن يقال إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في ~~تأويلات النفاة المعطلين أو لا يعلم ذلك. فإن لم يعلم ذلك والحق فيها كان ~~ذلك قدحا في # PageV01P324 # علمه وإن كان عالما أن الحق فيها فلا يخلو إما أن يكون قادرا على التعبير ~~بعباراتهم التي هي تنزيه لله بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم وأنه لا ~~يعرف الله من لم ينزهه بها أو لا يكون قادرا على تلك العبارات فإن لم يكن ~~قادرا على التعبير بذلك لزم القدح في فصاحته وكان ورثة الصابئة وأفراخ ~~الفلاسفة وأوقاح المعتزلة والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا ~~وتعبيرا عن الحق وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه موافقوه ~~ومخالفوه فإن مخالفيه لم يشكوا في أنه أفصح الخلق وأقدرهم على حسن التعبير ~~بما يطابق المعنى ويخلصه من اللبس والإشكال. # وإن كان قادرا على ذلك ولم يتكلم به وتكلم دائما بخلافه وما يناقضه كان ~~ذلك قدحا في نصحه وقد وصف الله رسله بكمال النصح والبيان فقال تعالى {وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم4] # PageV01P325 # وأخبر عن رسله بأنهم أنصح الناس لأممهم فمع النصح والبيان والمعرفة ~~التامة كيف ms064 يكون مذهب النفاة المعطلة أصحاب التحريف هو الصواب وقول أهل ~~الإثبات أتباع القرآن والسنة باطلا هذا مضمون المناظرة فقال له الجهمي انزل ~~بنا إلى الوطاة. # قلت له ما أراد بذلك قال أراد أنك خاطبتني من فوق وتجوهت علي بجاه لا ~~يمكنني مقاومته فانزل بنا إلى مباحث الفضلاء وقواعد النظار أو نحو هذا من ~~الكلام فليتدبر الناصح لنفسه الموقن بأن الله لا بد سائله عما أجاب به ~~رسوله في هذا المقام وليتحيز بعد إلى أين شاء فلم يكن الله ليجمع بين ~~النفاة المعطلين المحرفين وبين أنصاره وأنصار رسوله وكتابه إلا جمع امتحان ~~وابتلاء كما جمع بين الرسل وأعدائهم في هذه الدار. # PageV01P326 # قلت وقريب من هذه المناظرة ما جرى لي مع بعض علماء أهل الكتاب فإنه جمعني ~~وإياه مجلس خلوة أفضى بيننا الكلام إلى أن جرى ذكر مسبة النصارى لرب ~~العالمين مسبة ما سبه إياها أحد من البشر فقلت له وأنتم بإنكاركم نبوة محمد ~~قد سببتم الرب تعالى أعظم مسبة قال وكيف ذلك قلت لأنكم تزعمون أن محمدا ملك ~~ظالم ليس برسول صادق وأنه خرج يستعرض الناس بسيفه فيستبيح أموالهم ونساءهم ~~وذراريهم ولا يقتصر على ذلك حتى يكذب على الله ويقول الله أمرني بهذا ~~وأباحه لي ولم يأمره الله ولا أباح له ذلك ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه شيء ~~وينسخ شرائع الأنبياء من عنده ويبطل منها ما يشاء ويبقي منها ما يشاء وينسب ~~ذلك كله إلى الله ويقتل أولياءه وأتباع رسله ويسترق نساءهم وذرياتهم فإما ~~أن يكون الله سبحانه رائيا لذلك كله عالما به مطلعا عليه أو لا. فإن قلتم ~~إن ذلك بغير علمه واطلاعه نسبتموه إلى الجهل والغباوة وذلك من أقبح السب ~~وإن كان عالما به # PageV01P327 # رائيا له مشاهدا لما يفعله فإما أن يقدر على الأخذ على يديه ومنعه من ذلك ~~أو لا. # فإن قلتم إنه غير قادر على منعه والأخذ على يده نسبتموه إلى العجز والضعف ~~وإن قلتم بل هو قادر على منعه ولم يفعل نسبتموه إلى السفه والظلم ms065 والجور ~~هذا وهو من حين ظهر إلى أن توفاه ربه يجيب دعواته ويقضي حاجاته ولا يسأله ~~حاجة إلا قضاها له ولا يدعوه بدعوة إلا أجابها له ولا يقوم له عدو إلا ظفر ~~به ولا تقوم له راية إلا نصرها ولا لواء إلا رفعه ولا من يناوئه ويعاديه ~~إلا بتره ووضعه فكان أمره من حين ظهر إلى أن توفي يزداد على الأيام ~~والليالي ظهورا وعلوا ورفعة وأمر مخالفيه لا يزداد إلا سفولا واضمحلالا. # ومحبته في قلوب الخلق تزيد على ممر الأوقات وربه تعالى يؤيده بأنواع ~~التأييد ويرفع ذكره غاية الرفع هذا وهو عندكم من أعظم أعدائه وأشدهم ضررا ~~على الناس فأي قدح في رب العالمين وأي مسبة له وأي طعن فيه أعظم من ذلك. # فأخذ الكلام منه مأخذا ظهر عليه وقال حاش لله # PageV01P328 # أن نقول فيه هذه المقالة بل هو نبي صادق كل من اتبعه فهو سعيد وكل منصف ~~منا يقر بذلك ويقول أتباعه سعداء في الدارين قلت له فما يمنعك من الظفر ~~بهذه السعادة فقال وأتباع كل نبي من الأنبياء كذلك فأتباع موسى أيضا سعداء. # قلت له فإذا أقررت أنه نبي صادق فقد كفر من لم يتبعه واستباح دمه وماله ~~وحكم له بالنار فإن صدقته في هذا وجب عليك اتباعه وإن كذبته فيه لم يكن ~~نبيا فكيف يكون أتباعه سعداء فلم يحر جوابا وقال حدثنا في غير هذا فانظر ~~هذه الموازنة والمشابهة بين مالزم الجهمية النفاة من القدح والطعن في ~~المتكلم بنصوص الصفات وما لزم منكري نبوة محمد من الطعن والقدح في الرب ~~تعالى. # إذا ضممت هذا إلى ما يلزمهم من الطعن في كلامه وأمره واشتماله على ما ~~ظاهره كفر وضلال وباطل ومحال علمت حقيقة الحال وتبين لك الهدى من الضلال ~~والله المستعان. # PageV01P329 ### | الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره # أنزل الله سبحانه الكتاب شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولذلك ~~كانت معانيه أشرف المعاني وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها ms066 مطابقة ~~لمعانيها المرادة منها كما وصف سبحانه به كتابه في قوله {ولا يأتونك بمثل ~~إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان33] فالحق هو المعنى والمدلول الذي ~~تضمنه الكتاب والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره ~~وبيانه. # والتفسير أصله في الظهور والبيان وباقيه في # PageV01P330 # الاشتقاق الأكبر الإسفار ومنه أسفر الفجر إذا أضاء ووضح ومنه السفر لبروز ~~المسافر من البيوت وظهوره ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيه من العلم ~~وبيانه فلا بد من أن يكون التفسير مطابقا للمفسر مفهما له وكلما كان فهم ~~المعنى منه أوضح وأبين كان التفسير أكمل وأحسن ولهذا لا تجد كلاما أحسن ~~تفسيرا ولا أتم بيانا من كلام الله سبحانه ولهذا سماه سبحانه بيانا وأخبر ~~أنه يسره للذكر وتيسيره للذكر يتضمن أنواعا من التيسير: # إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ. # الثاني: تيسير معانيه للفهم. # الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للإمتثال. # PageV01P331 # ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرا له بل كان ~~معسرا عليه فهكذا إذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من ~~المعاني أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير وهو مناف للتيسير فإنه لا ~~شيء أعسر على الأمة من أن يراد منهم أن يفهموا كونه سبحانه لا داخل العالم ~~ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا ولا يرى ~~بالأبصار عيانا ولا له وجه ولا يد من قوله {قل هو الله أحد} [الإخلاص1] ومن ~~قول رسوله: "لا تفضلوني على يونس بن متى" ومن قوله {الذين يحملون العرش ومن ~~حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به} [غافر7] وأن يجهدوا أنفسهم ويكابدوا ~~أعظم المشقة في طلب أنواع الاستعارات وضروب المجازات ووحشي اللغات ليحملوا ~~عليه آيات الصفات وأخبارها فيصرفوا قلوبهم وأفهامهم عما تدل عليه ويفهموا ~~منها ما لا تدل عليه بل تدل على خلافه ويقول اعلموا يا عبادي أني # PageV01P332 # أردت منكم أن تعلموا أني لست فوق العالم ولا تحته ولا فوق عرشي ولا ترفع ~~الأيدي إلي ولا ms067 يعرج إلي شيء ولا ينزل من عندي شيء من قولي {الرحمن على ~~العرش استوى} [طه5] ومن قولي {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل50] ومن قولي ~~{تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج4] ومن قولي {بل رفعه الله إليه} ~~[النساء158] ومن قولي {رفيع الدرجات ذو العرش} [غافر15] ومن قولي {وهو ~~العلي العظيم} [البقرة255] ومن قولي {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى1] # PageV01P333 # ومن قولي {وجوه يومئذ ناضرة ربها ناظرة} [القيامة23-22] ومن قولي {أأمنتم ~~من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك16] ومن قولي {تنزيل من حكيم حميد} ~~[فصلت42] ومن قولي {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [النحل102] وأن تفهموا ~~أنه ليس لي يدان. من قولي {لما خلقت بيدي} [ص75] ومن قولي {بل يداه ~~مبسوطتان} [المائدة64] ولا عين من قولي {ولتصنع على عيني} [طه39] فإنكم إذا ~~فهمتم من هذه الألفاظ حقائقها وظواهرها فهمتم خلاف مرادي منها بل مرادي ~~منكم أن تفهموا منها # PageV01P334 # ما يدل على خلاف حقائقها وظواهرها فأي تيسير يكون هناك وأي تعقيد وتعسير ~~لم يحصل بذلك ومعلوم أن خطاب الرجل بما لا يفهمه إلا بترجمة أيسر عليه من ~~خطابه بما كلف أن يفهم منه خلاف موضوعه وحقيقته بكثير فإن تيسير القرآن ~~مناف لطريقة النفاة المحرفين أعظم منافاة ولهذا لما عسر عليهم أن يفهموا ~~منه النفي وعز عليهم ذلك عولوا فيه على الشبه الخيالية التي سموها قواطع ~~عقلية وقواعد يقينية وإذا تأملها من نور الله قلبه وكحل عين بصيرته بمرود ~~الإيمان رآها لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ~~وهي من # PageV01P335 # جنس خيالات الممرورين وأصحاب الهوس وقد سودوا بها القلوب والأوراق ~~فطريقتهم ضد طريقة القرآن من كل وجه إذ طريقة القرآن حق بأحسن تفسير وأبين ~~عبارة وطريقتهم معان باطلة بأعقد عبارة وأطولها وأبعدها من الفهم فيجهد ~~الرجل الظمآن نفسه وراءهم حتى تنفذ قواه فإذا هو قد اطلع على سراب بقيعة ~~{يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ~~والله سريع الحساب أو كظلمات ms068 في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه ~~سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور} [النور40-39] والله يعلم أنا لم نقل ذلك تقليدا لغيرنا ~~بل إخبارا عما شاهدناه ورأيناه وإذا أحببت أن تعلم ذلك حقيقة فتأمل عامة ~~مطالبهم وأدلتهم عليها وكيف تجدها مطالب بعد التعب الشديد والجهد الجهيد لا ~~تحصل منها على مطلب صحيح فإنهم بعد الكد والجهد لم يثبتوا للعالم ربا ~~مباينا عنه منفصلا منه بل بعد الجهد الشديد في إثبات # PageV01P336 # موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه هم شاكون في ~~وجوده هل هو نفس ذاته أو زائد عليها فمن ذاهب إلى أنه زائد ومن ذاهب إلى ~~أنه ليس بزائد ومن متوقف في وجوده شاك فيه هل هو نفس ذاته أوزائد عليها ثم ~~هم شاكون في أن صفاته هل هي وجوديةأو عدمية أو لا وجودية ولا عدمية وهل هي ~~زائدة على الموصوف أو ليست زائدة فكيف تثبت له على وجه لا يوجب تكثرا في ~~الذات ولا مغايرة بينها فبعضهم يجعلها أمورا عدمية وبعضهم أحوالا نسبية ~~وبعضهم يتوقف فيها ومنهم من يجعل علمه نفس ذاته فيجعل ذاته علما ومنهم من ~~يجعل علمه نفس معلومه ومنهم من يجعل علمه واحدا لا يتعدد ولا ينقسم فيجعل ~~علمه بوجود الشيء هو عين علمه بعدمه وعلمه بكونه يطاع هو نفس علمه بكونه ~~يعصى هذا إذا أثبت علمه بالمعينات والجزئيات ومن لم يثبته منهم قال لا يعلم ~~من الموجودات المعينة شيئا البتة. # وكذلك اضطربوا في كلامه فمنهم من لم يثبت له كلاما # PageV01P337 # البتة فلا قال عنده ولا يقول ولا أمر ولا نهي ولا كلم ولا يتكلم ومن يقرب ~~منهم إلى الإسلام قال كل ذلك مخلوق خلقه في الهواء أو في اللوح المحفوظ ~~ومنهم من قال كلامه معنى واحد فالمعنى ليس له بعض ولا كل وليس بحروف ولا ~~أصوات وذلك المعنى الواحد الذي لا ينقسم ms069 هو معاني كتبه كلها فالقرآن هو نفس ~~التوراة وهما نفس الإنجيل والزبور اختلفت أسماؤها باختلاف التعبير عن ذلك ~~المعنى الواحد ثم ذلك المعنى ليس من جنس العلوم ولا الإرادات بل حقيقته ~~مغايرة لحقيقتها ثم ذلك المعنى المشار إليه يجوز تعلق الحواس الخمس به ~~فيسمع ويرى ويلمس ويشم ويذاق وكذلك سائر الأعراض يجوز تعلق الإدراكات كلها ~~بها فيجوز أن تشم الأصوات وترى وتذاق وتلمس ويجوز أن تسمع الروائح وتلمس ~~قالوا وهذا حكم سائر الصفات فجعلوا الإرادة واحدة بالعين وإرادة إيجاد ~~الشيء هي عين إرادة إعدامه وإرادة تحريكه هي عين إرادة تسكينه وإرادة ~~إبقائه هي عين إرادة إفنائه # PageV01P338 # وإنما المختلف تعلقاتها فقط وكذلك قالوا في القدرة وأما إذا حضروا على ~~مطلب الجوهر الفرد ومطلب العرض هل يبقى زمانين أم لا ومطلب الأجسام هل هي ~~متماثلة أو متباينة ومطلب الأحوال هل هي ثابتة أم لا وهل هي وجودية أو ~~عدمية أو لا ذا ولا ذا ومطلب الزمان والمكان ما حقيقتهما وهل هما وجوديان ~~أو عدميان ومطلب الكسب هل له حقيقة أم لا وما حقيقته # PageV01P339 # ومطلب الفعل هل هو قائم بالفاعل أم لا فإن قام به فهل هو مقارن له أم لا ~~فإن تأخر عنه فما الموجب لتأخره وإن قارنه فهل كان قديما بقدمه وإن لم يقم ~~به فكيف يكون فاعلا بلا فعل يقوم به كما لا يكون سميعا بصيرا مريدا قادرا ~~بلا سمع ولا بصر ولا إرادة تقوم به إلى غاية مطالبهم التي إذا انتهى جمعهم ~~وصلوا إلى ما يحيله العقل والسمع فترى أحدهم يبني حتى إذا ظن أنه قد ارتفع ~~بناؤه جاء الآخر بمعاول من التشبيه والتشكيك فهدم عليه جميع ما بناه وبنى ~~مكانه بناء آخر # PageV01P340 # حتى إذا ظن أن بناءه قد كمل عاد الباني الأول بنظير تلك المعاول فهدم ~~بناءه فلا يزالون كذلك كما قال شاعرهم # ونظيري في العلم مثلي أعمى ... فترانا في حندس نتصادم # فهذه القواعد الفاسدة هي التي حملتهم على تلك التأويلات الباطلة لأنهم ~~رأوها لا تلائم نصوص الوحي ms070 بل بينها وبينها الحرب العوان فأجهدوا أنفسهم ~~وكدوا خواطرهم في الصلح وزعموا أن ذلك إحسان وتوفيق وكأن الله سبحانه أنزل ~~هذه الآيات في شأنهم {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ~~ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ~~وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما ~~قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك ~~الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا ~~بليغا} [النساء63-60] # PageV01P341 ### | الفصل الرابع عشر في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال # لما جعل الله سبحانه نوع الإنسان يحتاج بعضه إلى بعض فلا يمكن لإنسان أن ~~يعيش وحده بل لا بد له من مشارك ومعاون من بني جنسه كما قيل الإنسان مدني ~~بالطبع وكان لا يعرف كل منهم ما يريد صاحبه من الأفعال والتروك إلا بعلامة ~~تدل على ذلك وتلك العلامة إما تحريك جسم من الأجسام المنفصلة عنه أو تحريك ~~بعض أعضائه فيجعل لكل معنى حركة خاصة ومعلوم أن في الأول من العسر والمشقة ~~وعدم الإحاطة بالتعريف ما يمنع وضعه فكان تحريك الأعضاء أسهل وأدل وأعم ~~وكانت حركة الأعضاء نوعين نوع للبصر ونوع للأذن والذي # PageV01P342 # للأذن أعم والإنسان إليه أحوج وكان أولى هذه الأعضاء بأن يجعل حركاتها ~~دالة معرفة هو اللسان لأن حركته أخف وأسهل وتنوعها أعظم وأكثر من تنوع حركة ~~غيره وترجمته عما في القلب أظهر من ترجمة غيره ويتمكن المعرف بحركاته من ~~حركات مفردة ومؤلفة يحصل بها من الفرق والتمييز ما لا يحصل بغيره كان أقرب ~~الطرق إلى هذا المقصد هو الكلام الذي جعله الله سبحانه في اللسان وجعله ~~دليلا على ما في الجنان وجعل ذلك من دلائل ربوبيته ووحدانيته وكمال علمه ~~وحكمته. # قال الله تعالى {الرحمن علم القرآن خلق الأنسان علمه البيان} [الرحمن4-1] ~~وقال ms071 تعالى {ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين} [البلد10-8] # PageV01P343 # وقال الشاعر # إن البيان من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # PageV01P344 # هكذا قال الشاعر هذا البيت وهكذا هو في ديوانه. # قال أبو البيان أنا رأيته في ديوانه كذلك فحرفه عليه بعض النفاة وقالوا: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الكلام دليلا # والمقصود أن العبد لا يعلم ما في ضمير صاحبه إلا بالألفاظ الدالة على ذلك ~~فإذا حمل السامع كلام المتكلم على خلاف ماوضع له وخلاف ما يفهم منه عند ~~التخاطب عاد على مقصود اللغات بالإبطال ولم يحصل مقصود المتكلم ولا مصلحة ~~المخاطب وكان ذلك أقبح من تعطيل اللسان عن كلامه. # PageV01P345 # فإن غاية ذلك أن تفوت مصلحة البيان وإذا حمل على ضد مقصوده فوت مصلحة ~~البيان وأوقع في ضد المقصود ولهذا قال بعض العقلاء اللسان الكذوب شر من ~~لسان الأخرس لأن لسان الأخرس قد تعطلت منفعته ولم يحدث منه فساد ولسان ~~الكذوب قد تعطلت منفعته وزاد بمفسدة الكذب فالمتكلم بما ظاهره وحقيقته ~~ووضعه باطل وضلال وهو يريد به أن يفهم منه خلاف وضعه وحقيقته أضر على ~~المخاطب ولسان الأخرس أقل مفسدة منه فترك وضع اللغات أنفع للناس من تعريضها ~~للتأويل المخالف لمفهومها وحقائقها وهكذا كل عضو خلق لمنفعة إذا لم يحصل ~~منه إلا ضد تلك المنفعة كان عدمه خيرا من وجوده. # يوضح ذلك أن المتكلم بكلام له حقيقة وظاهر لا يفهم منه غيره مريد بكلامه ~~خلاف حقيقته وما يدل عليه ويفهم منه فإذا ادعى أني أردت بكلامي خلاف ظاهره ~~وما يفهم منه كان كاذبا إما في دعوى إرادة ذلك أو في دعوى إرادة البيان ~~والإفهام فحمل كلامه على التأويل الباطل تكذيب له في أحد الأمرين ولا بد. # PageV01P346 # ولهذا كان التأويل الباطل فتحا لباب الزندقة والإلحاد وتطريقا لأعداء ~~الدين على نقضه وبيانه بذكر. # PageV01P347 ### | الفصل الخامس عشر: في جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل # إذا تأمل المتأمل فساد العالم وما وقع ms072 فيه من التفرق والاختلاف وما دفع ~~إليه أهل الإسلام وجده ناشئا من جهة التأويلات المختلفة المستعملة في آيات ~~القرآن وأخبار الرسول التي تعلق بها المختلفون على اختلاف أصنافهم في أصول ~~الدين وفروعه فإنها أوجبت ما أوجبت من التباين والتحارب وتفرق الكلمة وتشتت ~~الأهواء وتصدع الشمل وانقطاع الحبل وفساد ذات البين حتى صار يكفر ويلعن ~~بعضهم بعضا وترى طوائف منهم تسفك دماء الآخرين وتستحل منهم أنفسهم وحرمهم ~~وأموالهم ما هو أعظم مما يرصدهم به # PageV01P348 # أهل دار الحرب من المنابذين لهم فالآفات التي جنتها ويجنيها كل وقت ~~أصحابها على الملة والأمة من التأويلات الفاسدة أكثر من أن تحصى أو يبلغها ~~وصف واصف أو يحيط بها ذكر ذاكر ولكنها في جملة القول أصل كل فساد وفتنة ~~وأساس كل ضلال وبدعة والمولدة لكل اختلاف وفرقة والناتجة أسباب كل تباين ~~وعداوة وبغضة ومن عظيم آفاتها ومصيبة الأمة بها أن الأهواء المضلة والآراء ~~المهلكة التي تتولد من قبلها لا تزال تنمو وتتزايد على ممر الأيام وتعاقب ~~الأزمنة وليست الحال في الضلالات التي حدثت من قبل أصول الأديان الفاسدة ~~كذلك فإن فساد تلك معلوم عند الأمة وأصحابها لا يطمعون في إدخالها في دين ~~الإسلام فلا تطمع أهل الملة اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ولا ~~الثانوية ونحوهم أن يدخلوا # PageV01P349 # أصول مللهم في الإسلام ولا يدعوا مسلما إليه ولا يدخلوه إليهم من بابه ~~أبدا بخلاف فرقة التأويل فإنهم يدعون المسلم من باب القرآن والسنة ~~وتعظيمهما وأن لنصوصهما تأويلا لا يوجد إلا عند خواص أهل العلم والتحقيق ~~وأن العامة في عمى عنه فضرر هذه الفرقة على الإسلام وأهله أعظم من ضرر ~~أعدائه المنابذين له ومثلهم ومثل أولئك كمثل قوم في حصن حاربهم عدو لهم فلم ~~يطمع في فتح حصنهم والدخول عليهم فعمد جماعة من أهل الحصن ففتحوه له وسلطوه ~~على الدخول إليه فكان مصاب أهل الحصن من قبلهم وبالجملة فالأهواء المتولدة ~~من قبل التأويلات الباطلة غير محصورة ولا متناهية بل هي متزايدة نامية بحسب ~~سوانح المتأولين وخواطرهم وما تخرجه إليه ms073 ظنونهم وأوهامهم ولذلك لا يزال ~~المستقصي عناء نفسه في البحث عن المقالات # PageV01P350 # وتتبعها يهجم على أقوال من مذاهب أهل التأويل لم تكن تخطر له على بال ولا ~~تدور له في خيال ويرى أمواجا من زبد الصدور تتلاطم ليس لها ضابط إلا سوانح ~~وخواطر وهوس تقذف به النفوس التي لم يؤيدها الله بروح الحق ولا أشرقت عليها ~~شمس الهداية ولا باشرت حقيقة الإيمان فخواطرها وهوسها لا غاية له يقف عندها ~~فإن أردت الإشراف على ذلكف تأمل كتب المقالات والآراء والديانات تجد كل ~~مايخطر ببالك قد ذهب إليه ذاهبون وصار إليه صائرون ووراء ذلك ما لم يخطر لك ~~على بال وكل هذه الفرق تتأول نصوص الوحي على قولها وتحمله على تأويلها ومع ~~ذلك فتجد أولي العقول الضعيفة إلى الاستجابة لهم مسارعين وفي القبول منهم ~~راغبين فهم يبادرون إلى ألآخذ ما يوردونه عليهم وقبولهم إياه عنهم وعلى ~~الدعوة إليه هم أشد حرصا منهم على الدعوة إلى الحق الذي جاءت به الرسل ولم ~~يوجد الأمر في قبول دعوة الرسل كذلك بل قد علم ما لقي المرسلون في الدعوة ~~إلى الله من الجهد والمشقة والمكابدة ولقوا أشد # PageV01P351 # العناء والمكروه وقاسوا أبلغ الأذى حتى استجاب لهم من استجاب إلى الحق ~~الذي هو موجب الفطر وشقيق الأرواح وحياة القلوب وقرة العيون ونجاة النفوس ~~حتى إذا أطلع شيطان التأويل رأسه وأبدى لهم عن ناجذيه ورفع لهم علما من ~~التأويل طاروا إليه زرافات ووحدانا فهم إخوان السفلة الطعام أشباه الأنعام ~~بل أضل من الأنعام طبل يجمعهم وعصا تفرقهم فانظر ما لقيه نوح وإبراهيم ~~وصالح وهود وشعيب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم في الدعوة إلى ~~الله من الرد عليهم والتكذيب لهم وقصدهم بأنواع الأذى حتى ظهرت دعوة من ~~ظهرت دعوته منهم وأقاموا دين الله. # وانظر سرعة المستجيبين لدعاة الرافضة والقرامطة الباطنية والجهمية ~~والمعتزلة وإكرامهم لدعاتهم وبذل أموالهم وطاعتهم لهم من غير برهان أتوهم ~~به أو آية # PageV01P352 # أروهم إياها غير أنهم دعوهم إلى تأويل تستغربه النفوس وتستطرفه العقول ~~وأوهموهم ms074 أنه من وظيفة الخاصة الذين ارتفعوا به عن طبقة العامة فالصائر ~~إليه معدود في الخواص مفارق للعوام فلم تر شيئا من المذاهب الباطلة والآراء ~~الفاسدة المستخرجة بالتأويل قوبل الداعي إليه الآتي به أولا بالتكذيب له ~~والرد عليه بل ترى المخدوعين المغرورين يجفلون إليه إجفالا ويأتون إليه ~~أرسالا تؤزهم إليه شياطينهم ونفوسهم أزا وتزعجهم إليه إزعاجا فيدخلون فيه ~~أفواجا يتهافتون فيه تهافت الفراش في النار ويثوبون إليه مثابة الطير إلى ~~الأوكار ثم من عظيم آفاته سهولة الأمر على المتأولين في نقل المدعوين عن ~~مذاهبهم وقبيح اعتقادهم إليهم ونسخ الهدى من صدورهم فإنهم ربما اختاروا ~~للدعوة إليه رجلا مشهورا بالديانة والصيانة معروفا بالأمانة # PageV01P353 # حسن الأخلاق جميل الهيئة فصيح اللسان صبورا على التقشف والتزهد مرتاضا ~~لمخاطبة الناس على اختلاف طبقاتهم ويتهيأ لهم مع ذلك من عيب أهل الحق ~~والطعن عليهم والإزراء بهم ما يظفر به المفتش عن العيوب فيقولون للمغرور ~~المخدوع وازن بين هؤلاء وهؤلاء وحكم عقلك وانظر إلى نتيجة الحق والباطل ~~فيتهيأ لهم بهذا الخداع مالا يتهيأ بالجيوش وما لا يطمع في الوصول إليه ~~بدون تلك الجهة. # ثم من أعظم جنايات التأويل على الدين وأهله وأبلغها نكاية فيه أن المتأول ~~يجد بابا مفتوحا لما يقصده من تشتيت كلمة أهل الدين وتبديد نظامهم وسبيلا ~~سهلة إلى ذلك فإنه يحتجز من المسلمين بإقراره معهم بأصل التنزيل ويدخل نفسه ~~في زمرة أهل التأويل ثم بعد ذلك يقول ما شاء ويدعي ما أحب ولا يقدر على ~~منعه من # PageV01P354 # ذلك لادعائه أن أصل التنزيل مشترك بينك وبينه وأن عامة الطوائف المقرة به ~~قد تأولت كل طائفة لنفسها تأويلا ذهبت إليه فهو يبدي نظير تأويلاتهم ويقول ~~ليس لك أن تبدي في التأويل مذهبا إلا ومثله سائغ لي فما الذي أباحه لك ~~وحظره علي وأنا وأنت قد أقررنا بأصل التنزيل واتفقنا على تسويغ التأويل فلم ~~كان تأويلك مع مخالفته لظاهر التنزيل سائغا وتأويلي أنا محرما فتعلقه بهذا ~~أبلغ مكيدة يستعملها وأنكى سلاح يحارب به فهذه الآفات وأضعافها إنما لقيها ms075 ~~أهل الأديان من التأويل فالتأويل هو الذي فرق اليهود إحدى وسبعين فرقة ~~والنصارى ثنتين وسبعين فرقة وهذه الأمة ثلاثا وسبعين فرقة. # فأما اليهود فإنهم بسبب التأويلات التي # PageV01P355 # استخرجوها بآرائهم من كتبهم صاروا فرقا مختلفة بعد اتفاقهم على أصل الدين ~~والإيمان بما في التوراة والزبور وكتب أنبيائهم التي يدرسونها ويؤمنون بها ~~وبسبب التأويلات الباطلة مسخوا قردة وخنازير وجرى عليهم من الفتن والمحن ما ~~قصه الله وبالتأويل الباطل عبدوا العجل حتى آل أمرهم إلى ما آل وبالتأويل ~~الباطل فارقوا حكم التوراة واستحلوا المحارم وارتكبوا المآثم فهم أئمة ~~التأويل والتحريف والتبديل والناس لهم فيه تبع فلا تبلغ فرقة مبلغهم فيه ~~وبالتأويل استحلوا محارم الله بأقل الحيل وبالتأويل قتلوا الأنبياء فإنهم ~~قتلوهم وهم مصدقون بالتوراة وبموسى وبالتأويل والتحريف حلت بهم المثلات ~~وتتابعت عليهم العقوبات وقطعوا في الأرض أمما وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباءو # PageV01P356 # بغضب من الله وبالتأويل دفعوا نبوة عيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما ~~وقد استهلت التوراة وكتب الأنبياء بالبشارة بهما وظهورهما ولا سيما ~~البشارات بمحمد فإنها متظاهرة في كتبهم بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومخرجه ومبعثه ودعوته وكتابه وصفة أمته وسيرتهم وأحوالهم بحيث كان علماؤهم ~~لما رأوه وشاهدوه عرفوه معرفتهم أبناءهم ومع هذا فجحدوا أمره ودفعوه على ~~قومه وظهوره بالتأويلات التي استخرجوها من تلك الألفاظ التي تضمنتها ~~البشارات حتى التبس الأمر بذلك على أتباعهم ومن لا يعلم الكتاب إلا أماني ~~وخيل إليهم بتلك التأويلات التي هي من جنس تأويلات الجهمية والرافضة ~~والقرامطة أنه ليس هو فسطوا على تلك البشارات بكتمان ما وجدوا السبيل # PageV01P357 # إلى كتمانه وما غلبوا عن كتمانه حرفوا لفظه عن ما هو عليه وما عجزوا عن ~~تحريف لفظه حرفوا معناه بالتأويل وورثهم أشباههم من المنتسبين إلى الملة في ~~هذه الأمور الثلاثة وكان عصبة الوارثين لهم في ذلك ثلاث طوائف الرافضة ~~والجهمية والقرامطة فإنهم اعتمدوا في النصوص المخالفة لضلالهم هذه الأمور ~~الثلاثة والله سبحانه ذمهم على التحريف والكتمان والتحريف نوعان تحريف ~~اللفظ وهو تبديله وتحريف المعنى وهو صرف اللفظ ms076 عنه إلى غيره مع بقاء صورة ~~اللفظ. # وأما فساد دين النصارى من جهة التأويل فأول ذلك ما عرض في التوحيد الذي ~~هو عمود الدين فإن سلف المثلثة قالوا في الربوبية بالتثليث وحديث الأقانيم ~~والأب والابن وروح القدس ثم اختلف من بعدهم في تأويل كلامهم اختلافا ~~تباينوا به غاية التباين وإنما عرض لهم هذا الاختلاف من جهة التأويلات ~~الباطلة وكانت حالهم فيما جنت عليهم التأويلات الباطلة أفسد حالا من اليهود ~~فإنهم لم يصلوا بتأويلهم إلى ما وصل إليه عباد الصليب من نسبة الرب تعالى ~~إلى ما لا يليق به ثم دفعوا # PageV01P358 # بالتأويلات إلى إبطال شرائع التوراة فأبطلوا الختان واستحلوا السبت ~~واستباحوا الخنزير وعطلوا الغسل من الجنابة وكان الذي فتح عليهم أبواب هذه ~~التأويلات بولس فاستخف جماعة من ضعفاء العقول فقبلوا منه تلك التأويلات ثم ~~أورثت الخلاف بينهم حتى آل أمرهم إلى ما آل إليه من انسلاخهم عن شريعة ~~المسيح في التوحيد والعمليات ثم تأولت اليعقوبية أتباع يعقوب # PageV01P359 # البراذعي تأويلا فتأولت النسطورية أتباع نسطور بن عبرة فتأولت الملكية ~~وهم الذين على دين الملك عبرة فاضمحل الدين وخرجوا منه خروج الشعرة من # PageV01P360 # العجين فلو تأملت تأويلاتهم لرأيتها والله من جنس تأويلات الجهمية ~~والرافضة والمعتزلة ورأيت الجميع من مشكاة واحدة ولولا خوف التطويل لذكرنا ~~لك تلك التأويلات ليعلم أنها وتأويلات المحرفين من هذه الأمة # رضيعا لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق # ولو رأيت تأويلاتهم لنصوص التوراة في الإخبار والأمر والنهي لقلت إن أهل ~~التأويل الباطل من هذه الأمة إنما تلقوا تأويلاتهم عنهم وعجبت من تشابه ~~قلوبهم وقوع الحافر على الحافر والخاطر على الخاطر ولم يزل أمر بني إسرائيل ~~مستقيما حتى فشا فيهم المولدون أبناء سبايا # PageV01P361 # الأمم فاشتقوا لهم الرأي وسلطوا التأويل على نصوص التوراة فضلوا وأضلوا ~~وهؤلاء النصارى لم يزل أمرهم بعد المسيح على منهاج الاستقامة حتى ظهر فيهم ~~المتأولون فأخذت عرى دينهم تنتقض والمتأولون يجتمعون مجمعا بعد مجمع وفي كل ~~مجمع يخرج لهم تأويلات تناقض الدين الصحيح فيلقاهم أصحاب المجمع ms077 الآخر ولا ~~يوافقوا لهم عليها حتى جمعهم الملك # PageV01P362 # قسطنطين من أقطار الأرض فبلغوا ثلاثمائة وثمانية عشر بتركا وأسقفا # PageV01P363 # فتأولوا لهم هذه الأمانة التي بأيديهم اليوم وأبطلوا من دين المسيح ما ~~شاءوا وزادوا فيه ونقصوا ووضعوا من الشرائع ما شاءوا كل ذلك بالتأويل وقد ~~ذكروا الظواهر التي تأولوها وبالتأويل جعلوا الله ثالث ثلاثة وجعلوا المسيح ~~ابنه وجعلوه هو الله فقالوا هذا وهذا وهذا تعالى الله عن قولهم وبالتأويل ~~تركوا الختان وأباحوا الخنزير وهم يعلمون أن المسيح اختتن وحرم الخنزير ~~وبالتأويل نقلوا الصوم من محله إلى الفصل الربيعي وزادوه حتى صار خمسين ~~يوما وبالتأويل عبدوا الصليب والصور وبالتأويل فارقوا حكم التوراة ~~والإنجيل. # PageV01P364 # فصل # ومن أعظم آفات التأويل وجناياته أنه إذا سلط على أصول الإيمان والإسلام ~~اجتثها وقلعها فإن أصول الإيمان خمسة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر وأصول الإسلام خمسة وهي كلمة الشهادتين وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فعمد أرباب التأويل إلى أصول الإيمان ~~والإسلام فهدموها بالتأويل وذلك أن معقد هذه الأصول العشرة تصديق الرسول ~~فيما أخبر وطاعته فيما أمر فعمدوا إلى أجل الأخبار وهو ما أخبر به عن الله ~~من أسمائه وصفاته ونعوت كماله فأخرجوه عن حقيقته وما وضع له وهذا القسم من ~~الأخبار أشرف أنواع الخبر والإيمان به أصل الإيمان بما عداه واشتمال القرآن ~~بل والكتب الإلهية عليه أكثر من اشتمالها على ما عداه وتنوع الدلالة بها ~~على ثبوت مخبره أعظم من تنوعها في غيره وذلك لشرف متعلقة وعظمته وشدة ~~الحاجة إلى معرفته وكانت الطرق إلى تحصيل معرفته أكثر وأسهل وأبين من غيره ~~وهذا من كمال حكمة الرب تبارك وتعالى وتمام نعمته وإحسانه # PageV01P365 # أنه كل ما كانت حاجة العباد إلى الشيء أقوى وأتم كان بذله لهم أكثر وطرق ~~وصولهم إليه أكثر وأسهل وهذا في الخلق والأمر فإن حاجتهم لما كانت إلى ~~الهواء أكثر من الماء والقوت كان موجودا معهم في كل مكان وزمان وهو أكثر من ~~غيره وكذلك لما كانت حاجتهم بعده إلى الماء شديدة ms078 إذ هو مادة أقواتهم ~~ولباسهم وفواكههم وشرابهم كان مبذولا لهم أكثر من غيره وكذلك حاجتهم إلى ~~القوت لما كانت أشد من حاجتهم إلى الإيواء كان وجود القوت أكثر وهكذا الأمر ~~في مراتب الحاجات ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم ومعبودهم جل ~~جلاله فوق مراتب هذه الحاجات كلها فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا ~~نعيم إلا بأن يعرفوه ويعبدوه ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ونهاية مرادهم ~~وذكره والتقرب إليه قرة عيونهم وحياة قلوبهم فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ ~~حالا من الأنعام بكثير وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة ~~في الآجل وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه ومحبته وعبادته والتقرب ~~إليه فوق كل ضرورة كانت الطرق المعرفة لهم ذلك أيسر طرق العلم على # PageV01P366 # الإطلاق وأسهلها وأهداها وأقربها وبيان الرب تعالى لها فوق كل بيان فإذا ~~سلط التأويل على النصوص المشتملة عليها فتسليطه على النصوص التي ذكرت فيها ~~الملائكة أقرب بكثير يوضحه أن الرب تعالى لم يذكر للعباد من صفات ملائكته ~~وشأنهم وأفعالهم وأسمائهم عشر معشار ما ذكر لهم من نعوت جلاله وصفات كماله ~~وأسمائه وأفعاله فإذا كانت هذه قابلة للتأويل فالآيات التي ذكرت فيها ~~الملائكة أولى بقبوله ولذلك تأولها الملاحدة كما تأولوا نصوص المعاد واليوم ~~الآخر وأبدوا له تأويلات ليست بدون تأويلات الجهمية لنصوص الصفات وأولت هذه ~~الطائفة عامة نصوص الأخبار الماضية والآتية وقالوا للمتأولين من الجهمية ~~بيننا وبينكم حاكم العقل فإن القرآن بل الكتب المنزلة مملوءة بذكر الفوقية ~~وعلو الله على عرشه وأنه تكلم ويتكلم وأنه موصوف # PageV01P367 # بالصفات وأن له أفعالا تقوم به هو بها فاعل وأنه يرى بالأبصار إلى غير ~~ذلك من نصوص الصفات التي إذا قيس إليها نصوص حشر هذه الأجساد وخراب هذا ~~العالم وإعدامه وإنشاء عالم آخر وجدت نصوص الصفات أضعاف أضعافها فهذه ~~الآيات والأخبار الدالة على علو الرب تعالى على خلقه وفوقيته واستوائه على ~~عرشه قد قيل إنها تقارب الألف وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم ms079 ~~فما الذي سوغ لكم تأويلها وحرم علينا تأويل نصوص حشر الأجساد وخراب العالم. # فإن قلتم: الرسل أجمعوا على المجيء به فلا يمكن تأويله. # قيل: وقد أجمعوا على أن الله فوق عرشه وأنه متكلم مكلم فاعل حقيقة موصوف ~~بالصفات فإن منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يمنع هاهنا. # فإن قلتم: العقل أوجب تأويل نصوص الصفات ولم يوجب تأويل نصوص المعاد. ~~قلنا: هاتوا أدلة العقول التي تأولتم بها الصفات # PageV01P368 # ونحضر نحن أدلة العقول التي تأولنا بها المعاد وحشر الأجساد ونوازن بينها ~~ليتبين أيها أقوى. # فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيب لما علم من دين الرسل بالضرورة. # قلنا: وإنكار صفات الرب وأنه متكلم آمر ناه فوق سمواته وأن الأمر ينزل من ~~عنده ويصعد إليه تكذيب لما علم أنهم جاءوا به ضرورة. # فإن قلتم: تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها لا يستلزم تكذيبهم ورد أخبارهم. ~~قلنا: فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها في المعاد يستلزم تكذيبهم ~~ورد أخبارهم دون تأويلكم إلا لمجرد التحكم والتشهي. # فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية وقالت ما الذي سوغ لكم تأويل الأخبار ~~وحرم علينا # PageV01P369 # تأويل الأمر والنهي والتحريم والإيجاب ومورد الجميع من مشكاة واحدة فنحن ~~سلكنا في تأويل الشرائع العملية نظير ما سلكتم في تأويل النصوص الخبرية?. # قالوا: وأين تقع نصوص الأمر والنهي من نصوص الخبر. # قالوا: وكثير منكم قد فتحوا لنا باب التأويل في الأمر فأولوا أوامر ~~ونواهي كثيرة صريحة الدلالة أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يخرجها عن ~~حقائقها وظواهرها فهلم نضعها في كفة ونضع تأويلاتنا في كفة ونوازن بينهما ~~ونحن لا ننكر أنا أكثر تأويلا منهم وأوسع لكنا وجدنا بابا مفتوحا فدخلناه ~~وطريقا مسلوكا فسلكناه فإن كان التأويل حقا فنحن أسعد الناس به وإن كان ~~باطلا فنحن وأنتم مشتركون فيه ومستقل ومستكثر. # فهذا من شؤم جناية التأويل على أصول الإيمان والإسلام. # وقد قيل: إن طرد إبليس ولعنه إنما كان بسبب التأويل فإنه عارض النص ~~بالقياس وقدمه عليه وتأول # PageV01P370 # لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم على نص الأمر ms080 بالسجود فإنه قال {أنا خير ~~منه} [الأعراف12] وهذا دليل قد حذفت إحدى مقدمتيه وهي أن الفاضل لا يخضع ~~للمفضول وطوى ذكر هذه المقدمة كأنها مقررة لكونها معلومة وقرر المقدمة ~~الأولى بقوله {خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف12] فكان نتيجة ~~المقدمتين امتناعه من السجود وظن أن هذه الشبهة العقلية تنفعه في تأويله ~~فجرى عليه ما جرى وصار إماما لكل من عارض نصوص الوحي بتأويله الباطل إلى ~~يوم القيامة ولا إله إلا الله كم لهذا الإمام اللعين من أتباع من العالمين ~~وأنت إذا تأملت عامة شبه المتأولين التي تأولوا لأجلها النصوص وعطلوها ~~رأيتها من جنس شبهته والقائل إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل من هاهنا ~~اشتق هذه القاعدة وجعلها أصلا لرد # PageV01P371 # نصوص الوحي التي يزعم أن العقل يخالفها كما زعم إمامه أن دليل العقل ~~يخالف نص الأمر بالسجود حين قدمه عليه وعرضت لعدو الله هذه الشبهة من ناحية ~~كبره الذي منعه من الانقياد المحض لنص الوحي وهكذا تجد كل مجادل في نصوص ~~الوحي بالباطل إنما يحمله على ذلك كبر في صدره ما هو ببالغه قال تعالى {إن ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} [غافر56] . # وكذلك خروج آدم من الجنة إنما كان بسبب التأويل وإلا فهو لم يقصد بالأكل ~~معصية الرب والتجرؤ على مخالفة نهيه وأن يكون ظالما مستحقا للشقاء بخروجه ~~من الجنة هذا لم يقصده أبو البشر قطعا ثم اختلف الناس في وجه تأويله فقالت ~~طائفة تأول بحمله النهي المطلق على الشجرة المعينة وغره عدو الله بأن جنس ~~تلك الشجرة هي شجرة الخلد وأطمعه في أنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة وفي ~~هذا الذي قالوه نظر طاهر فإن الله سبحانه أخبر أن إبليس قال له # PageV01P372 # {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين} [الأعراف 20] فذكر لهما عدو الله الشجرة التي نهيا عنها إما ~~بعينها أو بجنسها وصرح ms081 لهما بأنها هي المنهي عنها ولو كان عند آدم أن ~~المنهي عنه تلك الشجرة المعينة دون سائر النوع لم يكن عاصيا بأكله من غيرها ~~ولا أخرجه الله من الجنة ونزع عنه لباسه وقالت فرقة أخرى تأول آدم أن النهي ~~نهي تنزيه لا نهي تحريم فأقدم على الأكل لذلك وهذا باطل قطعا من وجوه كثيرة ~~يكفي منها قوله تعالى {فتكونا من الظالمين} [البقرة35] وأيضا فحيث نهى الله ~~عن فعل الشيء بقربانه لم يكن إلا للتحريم كقوله تعالى {ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن} [البقرة222] {ولا تقربوا الزنى} [الإسراء32] {ولا تقربوا مال ~~اليتيم} [الأنعام152] # PageV01P373 # وأيضا لو كان للتنزيه لما أخرجه الله من الجنة وأخبر أنه عصى ربه وقالت ~~طائفة: بل كان تأويله أن النهي إنما كان عن قربانهما وأكلهما معا لا عن أكل ~~كل منهما على انفراده لأن قوله {ولا تقربا} [البقرة35] نهى لهما على الجمع ~~ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الانفراد وهذا التأويل ذكره ~~ابن الخطيب في تفسيره وهو كما ترى في البطلان والفساد ونحن نقطع أن هذا ~~التأويل لم يخطر بقلب آدم وحواء البته وهما كانا أعلم بالله من ذلك وأصح ~~إفهاما أفترى فهم أحد عن الله من قوله {ولا تقربوا مال اليتيم} ~~[الأنعام152] {ولا تقربوا الزنى} [الإسراء32] ونظائره أي إنما نهيتكم عن ~~اجتماعكم على ذلك دون انفراد كل واحد منكم به فيا للعجب من أوراق وقلوب ~~تسود على هذه الهذيانات وتجد لها حاملا وقابلا يستحسنها ويصغي بقلبه وسمعه ~~إليها # PageV01P374 # والصواب في ذلك أن يقال إن آدم صلوات الله وسلامه عليه لما قاسمه عدو ~~الله أنه ناصح وأخرج الكلام على أنواع متعتددة من التأكيد # أحدها: القسم # الثاني: تصديرها بالجملة اسمية لا فعلية # الثالث: تصديرها بأداة التأكيد # الرابع: الإتيان بلام التأكيد في الخبر # الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحدث # السادس: تقديم المعمول على العامل فيه # ولم يكن آدم يظن أن أحدا يقسم بالله كاذبا يمين غموس يتجرأ فيها على الله ~~هذه الجرأة فغره عدو الله ms082 بهذا التأكيد والمبالغة فظن آدم صدقه وأنه إن أكل ~~منها لم يخرج من الجنة ورأى أن الأكل وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح ~~ولعله يتأتى له استدراك مفسدة النهي أثناء ذلك إما باعتذار وإما بتوبة وإما ~~بغير ذلك كما تجد هذا التأويل قائما في نفس كل من يؤمن بالله واليوم الآخر ~~إيمانا لا شك فيه إذا اقدم على المعصية فوازن بين هذا التأويل وبين تأويلات ~~المحرفين يظهر لك الصواب من الخطأ والله الموفق للصواب # PageV01P375 # فصل # ومن جنايات التأويل ما وقع في الإسلام من الحوادث بعد موت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا بل في حياته صلوات الله وسلامه عليه فإن ~~خالد بن الوليد قتل بني جذيمة بالتأويل ولهذا نبرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من صنعه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" ومنع الزكاة من ~~منعها من العرب بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويل وقالوا إنما ~~قال الله لرسوله # PageV01P376 # {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} ~~[التوبة103] وهذا لا يكون لغيره فجرى بسبب هذا التأويل الباطل على الإسلام ~~وأهله ما جرى ثم جرت الفتنة التي جرت قتل عثمان بالتأويل ولم يزل التأويل ~~يأخذ مأخذه حتى قتل به عثمان فأخذ بالزيادة والتولد حتى قتل به بين علي ~~ومعاوية بصفين سبعين ألفا أو أكثر من المسلمين وقتل أهل الحرة بالتأويل ~~وقتل يوم الجمل بالتأويل من قتل ثم كان قتل ابن الزبير ونصب المنجنيق على ~~البيت بالتأويل ثم كانت فتنة ابن الأشعث وقتل من # PageV01P377 # قتل من المسلمين بدير الجماجم بالتأويل ثم كانت فتنة الخوارج وما لقي ~~المسلمون من حروبهم وأذاهم بالتأويل ثم خروج أبي مسلم وقتله بني أمية وتلك ~~الحروب العظام بالتأويل ثم خروج العلويين وقتلهم وحبسهم ونفيهم بالتأويل ~~إلى # PageV01P378 # أضعاف أضعاف ما ذكرنا من حوادث الإسلام التي جرها التأويل وما ضرب مالك ~~بالسياط وطيف به إلا بالتأويل ولا ضرب الإمام أحمد بالسياط وطلب قتله إلا ~~بالتأويل ms083 ولا قتل أحمد بن نصر الخزاعي إلا بالتأويل ولا جرى على نعيم بن ~~حماد الخزاعي ما جرى وتوجع أهل الإسلام # PageV01P379 # لمصابه إلا بالتأويل ولا جرى على محمد بن إسماعيل البخاري ما جرى ونفى ~~وأخرج من بلده إلا بالتأويل ولا قتل من قتل خلفاء الإسلام وملوكه إلا ~~بالتأويل ولا جرى على شيخ الإسلام عبد الله أبي إسماعيل الأنصاري ما جرى ~~وطلب قتله بضعة وعشرين مرة إلا بالتأويل ولا جرى على أئمة السنة والحديث ما ~~جرى حين حبسوا # PageV01P380 # وشردوا وأخرجوا من ديارهم إلا بالتأويل ولا جرى على شيخ الإسلام ابن ~~تيمية ما جرى من خصومه بالسجن وطلب قتله أكثر من عشرين مرة إلا بالتأويل ~~فقاتل الله التأويل الباطل وأهله وأخذ حق دينه وكتابه ورسوله وأنصاره منهم ~~فماذا هدموا من معاقل الإسلام وهدوا من أركانه وقلعوا من قواعده ولقد تركوه ~~أرق من الثوب الخلق البالي الذي تطاولت عليه السنون وتوالت عليه الأهوية ~~والرياح ولو بسطنا هذا الفصل وحده ما جناه التأويل على الأديان والشرائع ~~وخراب العالم لقام منه عدة أسفار وإنما نبهنا تنبيها يعلم به العاقل ما ~~وراءه وبالله التوفيق # PageV01P381 ### | الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله # لما كان وضع الكلام للدلالة على مراد المتكلم وكان مراده لا يعلم إلا ~~بكلامه انقسم كلامه ثلاثة أقسام # أحدها ما هو نص في مراده لا يحتمل غيره # الثاني ما هو ظاهر في مراده وإن احتمل أن يريد غيره # الثالث ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد بل هو مجمل يحتاج إلى البيان ~~فالأول يستحيل دخول التأويل فيه وتحميله التأويل كذب ظاهر على المتكلم وهذا ~~شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها كنصوص آيات الصفات # PageV01P382 # والتوحيد وأن الله سبحانه مكلم متكلم آمر ناه قائل مخبر موحي حاكم واعد ~~موعد منبىء هاد داع إلى دار السلام فوق عباده علي على كل شيء مستو على عرشه ~~ينزل الأمر من عنده ويعرج إليه وأنه فعال حقيقة وأنه كل يوم في شأن فعال ~~لما يريد ms084 وأنه ليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع ولا ظهير وأنه المنفرد ~~بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية وأنه يعلم السر وأخفى وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر ويرى ما في ~~السماوات والأرض ولا يخفى عليه منها ذرة واحدة وأنه على كل شيء قدير فلا ~~يخرج مقدور واحد عن قدرته البتة كما لا يخرج عن علمه وتكوينه وأن له ملائكة ~~مدبرات بأمره للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتنتقل من مكان إلى مكان وأنه يذهب ~~بالدنيا ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة ويبعث من في القبور جل جلاله إلى ~~أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها كدلالة لفظ العشرة ~~والثلاثة على مدلوله وكدلالة لفظ الشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر ~~والخيل والبغال والإبل والبقر والغنم والذكر والأنثى على مدلولها لا فرق ~~بين ذلك البتة # PageV01P383 # ولهذا لما سلطت الجهمية التأويل على نصوص الصفات سلطت الباطنية التأويل ~~على هذه الأمور وجعلوها أمثالا مضروبة اريد بها خلاف حقائقها وظواهرها ~~وجعلوا القرآن والشرع كله مؤولا ولهم في التأويل كتب مستقلة نظير كتب ~~الجهمية في تأويل آيات الصفات وأحاديثها فهذا القسم إن سلط التأويل عليه ~~عاد الشرع كله متأولا لأنه أظهر أقسام القرآن ثبوتا وأكثرها ورودا ودلالة ~~القرآن عليه متنوعة غاية التنوع فقبول ما سواه للتأويل أقرب من قبوله بكثير # فصل: القسم الثاني ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل # فهذا ينظر في وروده فإن أطرد استعماله على وجه واحد استحال تأويله بم ~~يخالف ظاهره لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء نادرا خارجا عن نظائره منفردا # PageV01P384 # عنها فيؤول حتى يرد إلى نظائره وتأويل هذا غير ممتنع لأنه إذا عرف من ~~عادة المتكلم بإطراد كلامه في توارد استعماله معنى ألفه المخاطب فإذا جاء ~~موضع يخالفه رده السامع بما عهد من عرف المخاطب إلى عادته المطردة هذا هو ~~المعقول في الأذهان والفطر وعند كافة العقلاء وقد صرح أئمة العربية بأن ~~الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه ms085 حذفه قد استعمل فيه ~~ثبوته أكثر من حذفه فلا بد أن يكون موضع ادعاء الحذف عندهم صالحا للثبوت ~~ويكون الثبوت مع ذلك أكثر من الحذف حتى إذا جاء ذلك محذوفا في موضع علم ~~بكثرة ذكره في نظائره أنه قد أزيل من هذا الموضع فحمل عليه فهذا شان من ~~يقصد البيان والدلالة وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأن آخر والقصد أن ~~الظاهر في معناه إذا أطرد استعماله في موارده مستويا امتنع تأويله وإن جاز ~~تأويل ظاهر # PageV01P385 # مالم يطرد في موارد استعماله ومثال ذلك إطراد قوله {الرحمن على العرش ~~استوى} [طه54] {ثم استوى على العرش} [الأعراف54] في جميع موارده من أولها ~~إلى آخرها على هذا اللفظ فتأويله باستولى باطل وإنما كان يصح أن لو كان ~~أكثر مجيئه بلفظ استولى ثم يخرج موضع عن نظائره ويرد بلفظ استوى فهذا كان ~~يصح تأويله باستولى فتفطن لهذا الموضع واجعله قاعدة فيما يمتنع تأويله من ~~كلام المتكلم وما يجوز تأويله ونظير هذا إطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا ~~ترون ربكم تنظرون إلى ربكم {إلى ربها ناظرة} [القيامة 23] ولم يجىء في موضع ~~واحد ترون ثواب ربكم فيحمل عليه ما خرج عن نظائره # PageV01P386 # ونظير ذلك إطراد قوله {وناديناه} [مريم52] {ويوم يناديهم} [القصص62] ~~{وناداهما ربهما} [الأعراف22] {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} [القصص46] ~~{إذ ناداه ربه بالواد المقدس} [النازعات16} ونظائرها ولم يجىء في موضع واحد ~~أمرنا من يناديه ولا ناداه ملكنا فتأويله بذلك عين المحال والباطل ونظير ~~ذلك إطراد قوله: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول ### | .... # " في نحو ثلاثين حديثا كلها مصرحة # PageV01P387 # بإضافة النزول إلى الرب ولم يجىء موضع واحد بقوله ينزل ملك ربنا حتى يحمل ~~ما خرج عن نظائره عليه وإذا تأملت نصوص الصفات التي لا تسمح الجهمية بأن ~~يسموها نصوصا فإذا احترموها قالوا ظواهر سمعية وقد عارضتها القواطع العقلية ~~وجدتها كلها من هذا الباب ومما يقضي منه العجب أن كلام شيوخهم ومصنفيهم ~~عندهم نص في مراده لا يحتمل التأويل وكلام الموافقين عندهم نص لا ms086 يجوز ~~تأويله حتى إذا جاءوا إلى كلام الله ورسوله وقفوه على التأويل ووقفوا ~~التأويل عليه فقل ما شئت وحرف ما شئت أفترى بيان هؤلاء لمرادهم أتم من بيان ~~الله ورسوله أم كانوا مستولين على بيان الحقائق التي سكت الله ورسوله عن ~~بيانها بل أولئك هم الجاهلون المنهوكون. # PageV01P388 # فصل: القسم الثالث: الخطاب المجمل الذي أحيل بيانه على خطاب آخر # فهذا أيضا لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي بينه وقد يكون بيانه معه وقد ~~يكون منفصلا عنه والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل قد يكون له عدة ~~معان وليس معه ما يبين مراد المتكلم فهذا للتأويل فيه مجال واسع وليس في ~~كلام الله ورسوله من هذا النوع شيء من الجمل المركبة وإن وقع في الحروف ~~المفتتح بها السور بل إذا تأمل من بصره الله طريقة القرآن والسنة وجدها ~~متضمنة لرفع ما يوهمه الكلام من خلاف ظاهره وهذا موضع لطيف جدا في فهم ~~القرآن نشير إلى بعضه فمن ذلك قوله تعالى {وكلم الله موسى تكليما} ~~[النساء164] رفع سبحانه توهم المجاز في تكليمه لكليمة بالمصدر المؤكد الذي ~~لا يشك عربي القلب واللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة كما تقول العرب ~~مات موتا ونزل نزولا ونظيره التأكيد بالنفس والعين وكل وأجمع والتأكيد ~~بقوله حقا ونظائره # PageV01P389 # ومن ذلك قوله تعالى {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة1] فلا يشك صحيح ~~الفهم البتة في هذا الخطاب أنه نص صريح لا يحتمل التأويل بوجه في إثبات صفة ~~السمع للرب تعالى حقيقة وأنه بنفسه سمع ومن ذلك قوله {والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} ~~[الأعراف42] فرفع توهم السامع أن المكلفين عملوا جميع الصالحات المقدور ~~والمعجوز عنها كما يجوزه أصحاب تكليف ما لا يطاق رفع هذا التوهم بجملة ~~اعترض بها بين المبتدأ وخبره يزيل الإشكال ونظيره قوله تعالى {وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} ms087 [الأنعام152] ومن ذلك قوله تعالى ~~{فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} [النساء84] # PageV01P390 # فلما أمره بالقتال أخبره أنه لا يكلف بغيره بل إنما كلف نفسه ثم أتبع ذلك ~~بقوله {وحرض المؤمنين} لئلا يتوهم سامع أنه وإن لم يكلف بهم فإنه يهملهم ~~ويتركهم ومن ذلك قوله تعالى {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين} [الطور21] ~~فتأمل كم في هذا الكلام من رفع إيهام وإزالة ما عسى أن يعرض للمخاطب من لبس ~~فمنها # PageV01P391 # قوله {واتبعتهم ذريتهم بإيمان} لئلا يتوهم أن الاتباع في نسب أو تربية أو ~~حرية أو رق وغير ذلك ومنها قوله {وما ألتناهم من عملهم} [الطور21] رفعا ~~لوهم متوهم أنه يحط الآباء إلى درجة الأبناء ليحصل الإلحاق والتبعية فأزال ~~هذا الوهم بقوله {وما ألتناهم من عملهم} أي ما نقصنا الآباء بهذا الاتباع ~~شيئا من عملهم بل رفعنا الذرية إليهم قرة لعيونهم وإن لم يكن لهم أعمال ~~يستحقون بها تلك الدرجة ومنها قوله {كل امرئ بما كسب رهين} [الطور21] فلا ~~يتوهم أن هذا الاتباع حاصل في أهل الجنة وأهل النار بل هو للمؤمنين دون ~~الكفار فإن الله سبحانه # PageV01P392 # لا يعذب أحدا إلا بكسبه وقد يثيبه من غير كسب منه ومنها قوله تعالى {يا ~~نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في ~~قلبه مرض وقلن قولا معروفا} [الأحزاب32] فلما أمرهن بالتقوى التي من شأنها ~~التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع بالقول لئلا يطمع فيهن ذو المرض ثم ~~أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف رفعا لتوهم الإذن في الكلام المنكر لما نهين ~~عن الخضوع بالقول ومن ذلك قوله {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر} [البقرة187] فرفع توهم فهم الخيطين من الخيوط بقوله {من ~~الفجر} ومن ذلك قوله تعالى {لمن شاء منكم أن يستقيم} [التكوير28] # PageV01P393 # فأثبت لهم مشيئة فلعل متوهما يتوهم استقلاله بها وأنه إن شاء أتى بها وإن ~~شاء ms088 لم يأت بها فأزال سبحانه ذلك بقوله {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} ~~[التكوير29 الإنسان30] ثم لعل متوهما يتوهم أنه يشاء الشيء بلا حكمة ولا ~~علم بمواقع مشيئته وحيث تصلح فأزال ذلك بقوله {وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله} [الإنسان30] ونظير ذلك قوله تعالى {كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما ~~يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة} [المدثر54 - 56] # PageV01P394 # ومن ذلك قوله {وعدا عليه حقا في التوراة والأنجيل والقرآن} [التوبة111] ~~فلعل متوهما بتوهم أن الله سبحانه يجوز عليه ترك الوفاء بما وعد به فأزال ~~ذلك بقوله {ومن أوفى بعهده من الله} [التوبه111] ومن ذلك قوله تعالى {هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} [الأنعام158] فلما ذكر إتيانه ~~سبحانه ربما توهم متوهم أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهم ورفع ~~الإشكال بقوله {أو يأتي بعض آيات ربك} فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع ~~نصا صريحا في معناه لا يحتمل غيره وإذا تأملت أحاديث الصفات رأيت هذا لائحا ~~على صفحاتها باديا على ألفاظها كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم ترون ربكم ~~عيانا كما ترى الشمس في الظهيرة # PageV01P395 # صحوا ليس دونها سحاب وكما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب" وقوله: ~~"ما منكم إلا من سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ولا حاجب ~~يحجبه" فلما كان تكليم الملوك قد يقع بواسطة الترجمان ومن وراء الحجاب أزال ~~هذا الوهم من الأفهام وكذلك الحديث الآخر أنه قرأ {وكان الله سميعا بصيرا} ~~وضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه رفعا # PageV01P396 # لتوهم أن المراد بالسمع والبصر غير الصفتين المعلومتين وأمثال هذا كثير ~~في القرآن والسنة كما في الحديث الصحيح أنه قال: "يقبض الله سماواته بيده ~~والأرض باليد الأخرى" ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ~~ويبسطها تحقيقا لإثبات اليد وإثبات صفة القبض ومن هذا إشارته بأصبعه إلى ~~السماء حين استشهد ربه تبارك وتعالى على الصحابة أنه قد بلغهم تحقيقا ~~لإثبات صفة العلو وأن الرب الذي ms089 استشهده فوق العالم مستو على عرشه فهذه ~~أمثلة يسيرة ذكرناها ليعرف الفهم المنصف القاصد للهدى والنجاة منها ما يقبل ~~التأويل وما لا يقبله ولا عبرة بغيرة والله المستعان # PageV01P397 ### | المجلد الثاني ### | الفصل السابع عشر: في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع الثقة بالكلام ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه # ... # الفصل السابع عشر: في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع ~~الثقة بالكلام ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه # معلوم أن العلوم إنما قصد بها مصنفوها بيانها وإيضاحها للمتعلمين ~~وتفهيمهم إياها بأقرب ما يقدرون عليه من الطرق فإن سلط التأويل على ألفاظهم ~~وحملها على غير ظواهرها لم ينتفع بها وفسدت وعاد ذلك إلى موضوعها ومقصودها ~~بالإبطال فإذا حمل كلام الأطباء على غير عرفهم المعروف من خطابهم وتأول ~~المخاطب كلامهم على غير ظاهره لم يصل إلى فهم مرادهم البتة بل أفسد عليهم ~~علمهم وصناعتهم وهكذا أصحاب علم الحساب والنحو وجميع أرباب العلوم إذا سلط ~~التأويل على كلامهم لم يوصل إلى شيء من تلك العلوم مع أنه يجوز عليهم الخطأ ~~والتناقض والتلبيس في بعض المواضع والتعمية ومع # PageV02P399 # قصورهم في البيان ووجوه التعبير ومع نقصان إدراكهم للحقائق وعلومهم ~~ومعارفهم فكيف يسلط التأويل على كلام من لا يجوز عليه الخطأ والغلط ~~والتناقض وضد البيان والإرشاد هذا مع كمال علمه وكمال قدرته على أعلى أنواع ~~البيان وكمال نصحه وهداه وإحسانه وقصده الإفهام والبيان لا التعمية ~~والإلغاز. # ولهذا لما سلط المحرفون التأويلات الباطلة على نصوص الشرع فسد الدين ~~فسادا لولا أن الله سبحانه تكفل بحفظه وأقام له حرسا وكلهم بحمايته من ~~تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين لجرى عليه ما جرى على الأديان السالفة ~~ولكن الله برحمته وعنايته بهذه الأمة يبعث لها عند دروس السنة وظهور البدعة ~~من يجدد لها دينها ولا يزال يغرس في دينه غرسا يستعملهم فيه علما وعملا. # وكما أن التأويل إن سلط على علوم الخلائق أفسدها فكذلك إذا استعمل في ~~مخاطباتهم أفسد الأفهام والفهم ولم يمكن لأمة ms090 أن تعيش عليه أبدا فإنه ضد ~~البيان الذي علمه الله الإنسان لقيام مصالحه في معاشه ومعاده وقد تقدم ~~تقرير ذلك بما فيه الكفاية وبالله التوفيق # PageV02P400 # فصل: في بيان أنه إن سلط على آيات التوحيد القولي العلمي وأخباره لزم ~~تسليطه على آيات التوحيد العملي وأخباره وفسد التوحيد معرفة وقصدا. # هذا فصل عظيم النفع جليل القدر إنما ينتفع به من عرف نوعي التوحيد القولي ~~العلمي الخبري والتوحيد القصدي الإرادي العملي كما دل على الأول سورة: {قل ~~هو الله أحد} [الإخلاص1] وعلى الثاني سورة: {قل يا أيها الكافرون} ~~[الكافرون1] وكذلك دل على الأول قوله تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا} الآية [البقرة136] وعلى الثاني قوله تعالى {قل يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} الآية [آل عمران64] ولهذا كان النبي يقرأ ~~بهاتين # PageV02P401 # السورتين في سنة الفجر وسنة المغرب ويقرأ بهما في ركعتي الطواف ~~ويقرأبالآيتين في سنة الفجر لتضمنهما التوحيد العلمي والعملي والتوحيد ~~العلمي أساسه إثبات صفات الكمال للرب تعالى ومباينته لخلقه وتنزيهه عن # PageV02P402 # العيوب والنقائص والتمثيل والتوحيد العملي أساسه تجريد القصد بالحب ~~والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والاستعانة والاستغاثة والعبودية بالقلب ~~واللسان والجوارح لله وحده فمدار ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه على ~~هذين التوحيدين وأقرب الخلق إلى الله أقومهم بهما علما وعملا ولهذا كانت ~~الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أقرب الخلق إلى الله وأقربهم إليه وسيلة ~~أولو العزم وأقربهم الخليلان وخاتمهم سيد ولد آدم وأكرمهم على الله لكمال ~~توحيده وعبوديته لله فهذان الأصلان هما قطب رحى القرآن وعليهما مداره ~~وبيانهما من أهم الأمور والله سبحانه بينهما غاية البيان بالطرق الفطرية ~~والعقلية والنظرية والأمثال المضروبة ونوع سبحانه الطرق في إثباتهما أكمل ~~التنويع بحيث صارت معرفة القلوب الصحيحة والفطر السليمة لها بمنزلة رؤية ~~الأعين المبصرة التي لا آفة بها للشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء فذاك ~~للبصيرة بمنزلة هذا للبصر فإن سلط التأويل على التوحيد الخبري العلمي كان ~~تسليطه على التوحيد العملي القصدي أسهل وانمحت رسوم التوحيد وقامت معالم ~~التعطيل والشرك ms091 ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمين لا ينفك أحدهما عن صاحبه ~~وإمام المعطلين المشركين فرعون فهو إمام كل معطل ومشرك إلى يوم القيامة كما ~~أن إمام الموحدين إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما إلى يوم القيامة ~~قال الله تعالى لإمام المعطلين وأتباعه: # PageV02P403 # {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} [القصص41] وقال وقام لإمام الحنفاء {إني ~~جاعلك للناس إماما} [البقرة124] وقال لأتباعه {وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة24] فلا يأتي المعطل ~~للتوحيد الخبري بتأويل إلا أمكن المشرك المعطل للتوحيد العملي أن يأتي ~~بتأويل من جنسه وقد اعترف بذلك حذاق الفلاسفة وفضلاؤهم فقال أبو الوليد بن ~~رشد في كتاب الكشف عن مناهج الأدلة القول في الجهة وأما هذه الصفة فلم يزل # PageV02P404 # أهل الشريعة يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها ~~متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله وظواهر الشرع كلها تقتضي ~~إثبات الجهة مثل قوله {الرحمن على العرش استوى} [طه5] # PageV02P405 # ومثل قوله {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة255] ومثل قوله {ويحمل عرش ~~ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [الحاقة17] ومثل قوله {يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} [السجدة5] ومثل ~~قوله {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج4] ومثل قوله {أأمنتم من في ~~السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك16] إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط ~~التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد ~~الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء وأن منه ~~تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن # PageV02P406 # من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي حتى قرب من سدرة المنتهى ~~وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع ~~الشرائع على ذلك. والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا ~~أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية ونحن ~~نقول إن إثبات هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان ms092 وذلك أن الجهة هي إما ~~سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقا وأسفل ~~ويمينا وشمالا وأماما وخلفا وإما سطوح جسم آخر يحيط بالجسم ذي الجهات الست ~~فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا وأما ~~سطوح الأجسام المحيطة به فهي له مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان ~~وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي أيضا مكان للهواء وهكذا الأفلاك بعضها ~~محيطة ببعض ومكان له وأما سطح الفلك الخارجي فقد برهن أنه ليس خارجه جسم ~~لأنه # PageV02P407 # لو كان كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ويمر الأمر إلى غير ~~نهاية فإذا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا إذ ليس يمكن أن يوجد فيه ~~جسم لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم فإذا إن قام البرهان على وجود ~~موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم والذي يمنع وجوده هناك هو عكس ما ~~ظنه القوم وهو موجود هو جسم لا موجود ليس بجسم وليس لهم أن يقولوا إن خارج ~~العالم خلاء وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه لأن ما يدل ~~عليه اسم الخلاء ليس هو شيئا أكثر من أبعاد ليس فيها جسم أعني طولا وعرضا ~~وعمقا لأنه إن رفعت الأبعاد عنه عاد عدما وإن أنزل الخلاء موجودا لزم أن ~~تكون أعراضا موجودة في غير جسم وذلك أن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا ~~بد ولكنه قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة إن ذلك الموضع هو ~~مسكن الروحانيين يريدون الله والملائكة وذلك أن ذلك الموضع ليس هو مكان # PageV02P408 # ولا يحويه زمان وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان فاسدا فقد يلزم ~~أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن وقد تبين هذا المعنى مما أقوله وذلك ~~أنه لما لم يكن ها هنا شيء إلا هذا الموجود المحسوس أو العدم وكان من ~~المعروف بنفسه أن الموجود إنما ينسب إلى الوجود أعني أنه يقال ms093 إنه موجود أي ~~في الوجود إذ لا يمكن أن يقال إنه موجود في العدم فإن كان ها هنا موجودا هو ~~أشرف الموجودات فواجب أن ينسب من الموجود المحسوس إلى الجزء الأشرف وهي ~~السموات ولشرف هذا الجزء قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر57] وهذا كله يظهر على التمام ~~للعلماء الراسخين في العلم فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع ~~والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه وإن إبطال # PageV02P409 # هذه القاعدة إبطال للشرائع وإن وجه العسر في تفهيم هذا المعنى مع نفي ~~الجسمية هو أنه ليس في الشاهد مثال له فهو بعينه السبب في أنه لم يصرح ~~الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم ~~الغائب متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد مثل العلم بالصانع فإنه لما كان ~~في الشاهد شرطا في وجوده كان شرطا في وجود الصانع الغائب وأما متى كان ~~الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر ولا يعلمه إلا ~~العلماء الراسخون فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة ~~إلى معرفته مثل العلم بالنفس أو يضرب له مثالا من الشاهد إن كان بالجمهور ~~حاجة إلى معرفته في سعادتهم والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند # PageV02P410 # الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور إليها لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس ~~بجسم فيجب أن يمتثل في هذا كله فعل الشرع وأن لا يتأول ما لم يصرح الشرع ~~بتأويله. والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث مراتب: # صنف لا يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى وخاصة متى تركت هذه الأشياء ~~على ظاهرها في الشرع وهؤلاء هم الأكثر وهم الجمهور. # وصنف عرفوا حقيقة هذه الأشياء وهم العلماء الراسخون في العلم وهؤلاء هم ~~ألأقل من الناس. # وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها وهؤلاء هم فوق ~~العامة ودون العلماء وهذا الصنف هم الذين يوجد ms094 في حقهم التشابه في الشرع ~~وهم الذين ذمهم الله. # PageV02P411 # وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه فعلى هذا المعنى ينبغي أن ~~يفهم التشابه ومثال ما عرض لهذا الصنف مع الشرع مثال ما يعرض في خبز البر ~~مثلا الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان أن يكون لأقل الأبدان ضارا وهو ~~نافع للأكثر وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر وربما ضر الأقل ولهذا ~~الإشارة بقوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة26] ولكن هذا إنما ~~يعرض في آيات الكتاب العزيز في الأقل منها والأقل من الناس وأكثر ذلك هي ~~الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في الشاهد ~~فيعبر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها وأكثرها شبها بها فيعرض ~~لبعض الناس أن يأخذ # PageV02P412 # الممثل به هو المثال نفسه فيلزمه الحيرة والشك وهو الذي يسمى متشابها في ~~الشرع وهذا ليس يعرض للعلماء ولا الجمهور وهم صنفا الناس في الحقيقة لأن ~~هؤلاء هم الأصحاء والغذاء الملائم إنما يوافق أبدان الأصحاء وأما أولئك ~~فمرضى والمرضى هم الأقل ولذلك قال الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران7] وهؤلاء أهل الجدل والكلام وأشد ما عرض ~~على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره وقالوا ~~إن هذا التأويل هو المقصود به وإنما أتى الله به في صورة المتشابه ابتلاء ~~لعباده واختبارا لهم ونعوذ بالله من هذا الظن بالله بل نقول إن كتاب الله ~~العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان فإذا ما أبعد من مقصد الشرع ~~من قال فيما ليس بمتشابه إنه متشابه ثم أول ذلك # PageV02P413 # المتشابه بزعمه وقال لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل مثل ما ~~قالوه في آيات الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه. ~~وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذ ~~تؤولت وجدت ليس يقوم عليها برهان ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها ~~وعملهم بها ms095 فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور إنما هو العمل فما كان ~~أنفع في العمل فهو أجدر وأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران ~~جميعا أعني العلم والعمل. # ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي قصده الشرع وصرح ~~بذلك التأويل للجمهور مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة ~~جميع الناس أو الأكثر فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة ~~مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض الأدوية التي صرح ~~باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركب لم يرد به ذلك ~~الدواء التي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك # PageV02P414 # الاسم عليه وإنما أراد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة ~~بعيدة فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم وجعل فيه بدله الدواء ~~الذي ظن أنه الذي قصده الطبيب وقال للناس هذا هو الذي قصده الطبيب الأول ~~فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه ذلك المتأول ~~ففسدت به أمزجة كثير من الناس فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس عن ذلك ~~الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء ~~الأول فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول فجاء ثالث فتأول في ~~أدوية ذلك المركب غيرالتأويل الأول والثاني فعرض من ذلك للناس نوع ثالث من ~~المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية ~~المتقدمة فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة فلما طال ~~الزمن بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها ~~وبدلوها عرض منه للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء ~~المركب في حق أكثر الناس وهذه هي حال هذه الفرق # PageV02P415 # الحادثة في الشريعة مع الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة ~~تأويلا غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه الذي قصده صاحب ~~الشرع صلى ms096 الله عليه وسلم حتى تمزق الشرع كل ممزق وبعد جدا عن موضوعه الأول ~~ولما علم صاحب الشرع أن مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال: "ستفترق أمتي ~~على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" يعني بالواحدة التي سلكت ~~ظاهر الشرع ولم تؤوله. # PageV02P416 # وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض ~~فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح وأول من غير هذا الدواء ~~الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو ~~حامد فطم الوادي على القرى اه وذكر كلاما بعد ذلك يتعلق بكتب أبي حامد ليس ~~لنا غرض في حكايته. # PageV02P417 ### | الفصل الثامن عشر: في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب تخييل وأصحاب تجهيل وأصحاب تمثيل وأصحاب سواء السبيل # هذه خمسة أصناف انقسم الناس إليها في هذا الباب بحسب اعتقادهم ما أريد ~~بالنصوص: # الصنف الأول: أصحاب التأويل وهم أشد الأصناف اضطرابا إذ لم يثبت لهم قدم ~~في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول ولا ضابط مطرد منعكس تجب مراعاته وتمنع ~~مخالفته بخلاف سائر الفرق فإنهم جروا على ضابط واحد وإن كان فيهم من هو أشد ~~خطأ من أصحاب التأويل كما سنذكره. # الصنف الثاني: أصحاب التخييل وهم الذين # PageV02P418 # اعتقدوا أن الرسل لم تفصح للخلق بالحقائق إذ ليس في قواهم إدراكها وإنما ~~خيلت لهم وأبرزت المعقول في صورة المحسوس قالوا ولو دعت الرسل أممهم إلى ~~الإقرار برب لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايثا له ولا مباينا له ولا ~~متصلا به ولا منفصلا عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ~~لنفرت عقولهم من ذلك ولم تصدق بإمكان وجود هذا الموجود فضلا عن وجوب وجوده ~~وكذلك لو أخبروهم بحقيقة كلامه وأنه فيض فاض من المبدأ الأول على العقل ~~الفعال ثم فاض من ذلك العقل على النفس الناطقة الزكية المستعدة لم يفهموا ~~ذلك ولو أخبروهم عن المعاد الروحاني بما هو عليه لم ms097 يفهموه فقربوا لهم ~~الحقائق المعقولة في إبرازها في الصور المحسوسة وضربوا لهم الأمثال بقيام ~~الأجساد من القبور في يوم العرض والنشور ومصيرها إلى جنة فيها أكل وشرب ~~ولحم وخمر وجوار حسان أو نار فيها أنواع العذاب تفهيما للذة الروحانية بهذه ~~الصورة والألم الروحاني # PageV02P419 # بهذه الصورة وهكذا فعلوا في وجود الرب وصفاته وأفعاله ضربوا لهم الأمثال ~~بموجود عظيم جدا أكبر من كل موجود وله سرير عظيم وهو مستو فوق سريره يسمع ~~ويبصر ويتكلم ويأمر وينهى ويرضى ويغضب ويأتي ويجيء وينزل وله يدان ووجه ~~ويفعل بمشيئته وإرادته وإذا تكلم العباد سمع كلامهم وإذا تحركوا رأى ~~حركاتهم وإذا هجس في قلب أحد منهم هاجس علمه وأنه ينزل كل ليلة إليهم إلى ~~سمائهم هذه فيقول: "من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له" إلى غير ذلك ~~مما نطقت به الكتب الإلهية قالوا ولا يحل لأحد أن يتأول ذلك على خلاف ظاهره ~~للجمهور لأنه يفسد ما وضعت له الشرائع والكتب الإلهية. # وأما الخاصة فهم يعلمون أن هذه أمثال مضروبة لأمور عقلية تعجز عن إدراكها ~~عقول الجمهور فتأويلها جناية على الشريعة والحكمة وإقرارها إقرار للشريعة # PageV02P420 # والحكمة قالوا وعقول الجمهور بالنسبة إلى هذه الحقائق أضعف من عقول ~~الصبيان بالنسبة إلى ما يدركه عقلاء الرجال وأهل الحكمة منهم والحكيم إذا ~~أراد أن يخوف الصغير أو يبسط أمله خوفه ورجاه بما يناسب فهمه وطبعه. # وحقيقة الأمر عند هذه الطائفة: أن الذي أخبرت به الرسل عن الله وصفاته ~~وأفعاله وعن اليوم الآخر لا حقيقة له يطابق ما أخبروا به ولكنه أمثال ~~وتخييل وتفهيم بضرب الأمثال وقد ساعدهم أرباب التأويل على هذا المقصد في ~~باب معرفة الله وأسمائه وصفاته وصرحوا في ذلك بمعنى ما صرح به هؤلاء في باب ~~المعاد وحشر الأجساد بل نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص الاستواء والفوقية ~~ونصوص الصفات الخبرية لكن هؤلاء أوجبوا أو سوغوا تأويلها بما يخرجها عن ~~حقائقها وظواهرها وظنوا أن الرسل قصدت ذلك من المخاطبين تعريضا لهم إلى ~~الثواب الجزيل ببذل الجهد في تأويلها أو استخراج ms098 معان تليق بها وحملها ~~عليها وأولئك حرموا التأويل ورأوه عائدا على ما قصدته # PageV02P421 # الأنبياء بالإبطال والطائفتان متفقتان على انتفاء حقائقها المفهومة منها ~~في نفس الأمر. # والصنف الثالث: أصحاب التجهيل الذين قالوا نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل ~~معانيها ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها ولكن نقرأها ألفاظا لا معاني ~~لها ونعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وهي عندنا بمنزلة: {كهيعص} ~~[مريم1] و {حم عسق} [الشورى2 , 1] و {المص} [الأعراف1] فلو ورد علينا منها ~~ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلا ولا تشبيها ولم نعرف معناه وننكر على من تأوله ~~ونكل علمه إلى الله وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف وأنهم لم يكونوا يعرفون ~~حقائق الأسماء والصفات ولا يفهمون معنى قوله: {لما خلقت بيدي} [ص75] وقوله ~~{والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر67] # PageV02P422 # وقوله {الرحمن على العرش استوى} [طه5] وأمثال ذلك من نصوص الصفات. وبنوا ~~هذا المذهب على أصلين: أحدهما أن هذه النصوص من المتشابه. والثاني: أن ~~للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأنهم ~~كانوا يقرأون: {الرحمن على العرش استوى} [طه5] و {بل يداه مبسوطتان} ~~[المائدة64] ويروون "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" ولا يعرفون معنى ~~ذلك ولا ما أريد به ولازم قولهم إن الرسول كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه ~~ثم تناقضوا أقبح تناقض فقالوا تجري على ظواهرها وتأويلها مما يخالف الظواهر ~~باطل ومع ذلك فلها تأويل لا يعمله إلا الله فكيف # PageV02P423 # يثبتون لها تأويلا ويقولون تجر على ظواهرها ويقولون الظاهر منها غير مراد ~~والرب منفرد بعلم تأويلها وهل في التناقض أقبح من هذا. # وهؤلاء غلطوا في المتشابه وفي جعل هذه النصوص من المتشابه وفي كون ~~المتشابه لا يعلم معناه إلا الله فأخطأوا في المقدمات الثلاث واضطرهم إلى ~~هذا التخلص من تأويلات المبطلين وتحريفات المعطلين وسدوا على نفوسهم الباب ~~وقالوا لا نرضى بالخطأ ولا وصول لنا إلى الصواب فهؤلاء تركوا التدبر ~~المأمور به والتذكر والعقل ms099 لمعاني النصوص الذي هو أساس الإيمان وعمود ~~اليقين وأعرضوا عنه بقلوبهم وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك ~~وظنوا أنها أنزلت للتلاوة والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها والتفكر ~~فيها. فأولئك جعلوها عرضة للتأويل والتحريف كما جعلها أصحاب التخييل أمثالا ~~لا حقيقة لها وقابلهم: # PageV02P424 # الصنف الرابع: وهم أصحاب التشبيه والتمثيل ففهموا منها مثل ما للمخلوقين ~~وظنوا أن لا حقيقة لها سوى ذلك وقالوا محال أن يخاطبنا الله سبحانه بما لا ~~نعقله ثم يقول: {لعلكم تعقلون} [البقرة73] {لعلكم تتفكرون} [البقرة219] ~~{ليدبروا آياته} [ص29] ونظائر ذلك وهؤلاء هم المشبهة. # فهذه الفرق لا تزال تبدع بعضهم بعضا وتضلله وتجهله وقد تصادمت كما ترى ~~فهم كزمرة من العميان تلاقوا فتصادموا كما قال أعمى البصر والبصيرة منهم: # ونظيري في العلم مثلي أعمى ... فترانا في حندس نتصادم # وهدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى # PageV02P425 # فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها وأثبتوا لله حقائق الأسماء ~~والصفات ونفوا عنه مماثلة المخلوقات فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى بين ~~ضلالتين خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين كما خرج ~~اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين وقالوا نصف الله بما وصف ~~به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا ~~تمثيل بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات ونفي مشابهة المخلوقات فلا ~~نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل ولا نقول ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ~~ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا استوى على عرشه ولا نقول له يدان كأيدي ~~المخلوق ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستوى كأسماعهم وأبصارهم ~~وقدرتهم واستوائهم بل نقول له ذات حقيقة ليست كالذوات وله صفات حقيقة لا ~~مجازا ليست كصفات المخلوقين وكذلك قولنا في وجهه تبارك وتعالى ويديه وسمعه ~~وبصره وكلامه واستوائه ولا يمنعنا ذلك أن نفهم # PageV02P426 # المراد من تلك الصفات وحقائقها كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات ~~الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها فإن من ms100 أثبت له سبحانه السمع والبصر ~~أثبتهما حقيقة وفهم معناهما فهكذا سائر صفاته المقدسة يجب أن تجري هذا ~~المجرى وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها فإن الله سبحانه لم ~~يكلف عباده بذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلا بل كثير من ~~مخلوقاته أو أكثرها لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة كنهه وكيفيته وهذه أرواحهم ~~التي هي أدنى إليهم من كل دان قد حجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها وجعل لهم ~~السبيل إلى معرفتها والتمييز بينها وبين أرواح البهائم وقد أخبرنا سبحانه ~~عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل ~~الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يعرفوا كيفيته وكنهه فلا يشك المسلمون أن في ~~الجنة أنهارا من خمر وأنهارا من عسل وأنهارا من لبن ولكن لا يعرفون كنه ذلك ~~ومادته وكيفيته إذ كانوا لا يعرفون في الدنيا الخمر إلا ما اعتصر من ~~الأعناب والعسل إلا ما قذفت به النحل في بيوتها واللبن إلا ما خرج من ~~الضروع والحرير إلا ما خرج من فم دود القز وقد # PageV02P427 # فهموا معاني ذلك في الجنة من غير أن يكون مماثلا لما في الدنيا كما قال ~~ابن عباس ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء ولم يمنعهم عدم النظير ~~في الدنيا من فهم ما أخبروا به من ذلك فهكذا الأسماء والصفات لم يمنعهم ~~انتفاء نظيرها في الدنيا ومثالها من فهم حقائقها ومعانيها بل قام بقلوبهم ~~معرفة حقائقها وانتفاء التمثيل والتشبيه عنها وهذا هو المثل الأعلى الذي ~~أثبته سبحانه لنفسه في ثلاثة مواضع من القرآن: أحدها قوله {للذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} [النحل60] # PageV02P428 # الثاني: قوله {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الروم27] الثالث: قوله ~~تعالى {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى11] فنفى سبحانه المماثلة ~~عن هذا المثل الأعلى وهو ما في قلوب أهل سمواته وأرضه من معرفته والإقرار ~~بربوبيته ms101 وأسمائه وصفاته وذاته فهذا المثل الأعلى هو الذي آمن به المؤمنون ~~وأنس بها لعارفون وقامت شواهده في قلوبهم بالتعريفات الفطرية المكملة ~~بالكتب الإلهية المقبولة بالبراهين العقلية فاتفق على الشهادة بثبوته العقل ~~والسمع والفطرة فإذا قال المثبت يا الله قام بقلبه ربا قيوما قائما بنفسه ~~مستويا على عرشه مكلما متكلما سامعا رآئيا قديرا مريدا فعالا لما يشاء يسمع ~~دعاء الداعين ويقضي حوائج السائلين ويفرج عن # PageV02P429 # المكروبين ترضيه الطاعات وتغضبه المعاصي تعرج الملائكة بالأمر إليه وتنزل ~~بالأمر من عنده وإذا شئت زيادة تعريف بهذا المثل الأعلى فقدر قوى جميع ~~المخلوقات اجتمعت لواحد منهم ثم كان جميعهم على قوة ذلك الواحد فإذا نسبت ~~قوته إلى قوة الرب تبارك وتعالى لم تجد لها نسبة وإياها ألبتة كما لا تجد ~~نسبة بين قوة البعوضة وقوة الأسد فإذا قدرت علوم الخلائق اجتمعت لرجل واحد ~~ثم قدرت جميعهم بهذه المثابة كانت علومهم بالنسبة إلى علمه تعالى كنقرة ~~عصفور من بحر وإذا قدرت حكمة جميع المخلوقين على هذا التقدير لم يكن لها ~~نسبة إلى حكمته وكذلك إذا قدرت كل جمال في الوجود اجتمع لشخص واحد ثم كان ~~الخلق كلهم بذلك الجمال كان نسبته إلى جمال الرب تعالى وجلاله دون نسبة ~~السراج الضعيف إلى جرم الشمس. # وقد نبهنا الله سبحانه على هذا المعنى بقوله: # PageV02P430 # {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله إن الله عزيز حكيم} [لقمان27] فقدر البحر المحيط بالعالم مدادا ~~ووراءه سبعة أبحر تحيط به كلها مداد تكتب به كلمات الله نفدت البحار وفنيت ~~الأقلام التي لو قدرت جميع أشجار الأرض من حين خلقت إلى آخر الدنيا ولم ~~تنفد كلمات الله. # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "إن السموات السبع في الكرسي كحلقة ~~ملقاة بأرض فلاة والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة والعرش لا يقدر ~~قدره إلا الله وهو سبحانه فوق عرشه يرى ما عباده عليه" فهذا هو الذي قام ~~بقلوب المؤمنين المصدقين العارفين به ms102 # PageV02P431 # سبحانه من المثل الأعلى فعرفوه به وعبدوه به وسألوه به فأحبوه وخافوه ~~ورجوه وتوكلوا عليه وأنابوا إليه واطمأنوا بذكره وأنسوا بحبه بواسطة هذا ~~التعريف فلم يصعب عليهم بعد ذلك فهم استوائه على عرشه وسائر ما وصف به نفسه ~~من صفات كماله إذ قد أحاط عليهم بأنه لا نظير لذلك ولا مثل له ولم يخطر ~~بقلوبهم مماثلته لشيء من المخلوقات وقد أعلمهم سبحانه على لسان رسوله "أنه ~~يقبض سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن"، "وأن السماوات السبع ~~والأرضين السبع في كفه تعالى كخردلة في كف أحدكم"، "وأنه يضع السماوات على ~~أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع وسائر الخلق على ~~أصبع" فأي أيدي # PageV02P432 # للخلق وأي أصبع تشبه هذه اليد وهذه الأصبع حتى يكون إثباتها تشبيها ~~وتمثيلا فقاتل الله أصحاب التحريف والتأويل وأصحاب التخييل وأصحاب التجهيل ~~وأصحاب التشبيه والتمثيل ماذا حرفوه من الحقائق الإيمانية والمعارف الإلهية ~~وماذا تعوضوابه من زبالة الأذهان ونخالة الأفكار فما أشبههم بمن كان غذاؤهم ~~المن والسلوى بلا تعب ولا كلفة فآثروا عليه الفوم والعدس والبصل وقد جرت ~~عادة الله سبحانه أن يذل من آثر الأدنى على الأعلى ويجعله عبرة للعقلاء. ~~فأول هذا الصنف إبليس ترك السجود لآدم كبرا فابتلاه الله بالقيادة لفساق ~~ذريته وعباد الأصنام لم يقروا بنبي من البشر ورضوا بإله من الحجر والجهمية ~~نزهوا الله عن # PageV02P433 # عرشه لئلا يحويه مكان ثم جعلوه في الآبار والأنجاس وفي كل مكان وهكذا ~~طوائف الباطل لم يرضوا بنصوص الوحي فابتلوا بزبالة أذهان المتحيرين وورثة ~~الصابئين وأفراخ الفلاسفة الملحدين و: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف17] # PageV02P434 ### | الفصل التاسع عشر: في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله # التأويل يجري مجرى مخالفة الطبيعة الإنسانية والفطرة التي فطر عليها ~~العبد فإنه رد الفهم من جريانه مع الأمر المعتاد المألوف إلى الأمر الذي لم ~~يعهد ولم يؤلف وما كان هذا سبيله فإن ms103 الطباع السليمة لا تتقاضاه بل تنفر ~~منه # PageV02P435 # وتأباه فلذلك وضع له أربابه أصولا ومهدوا له أسبابا تدعو إلى قبوله وهي ~~أنواع: # السبب الأول: أن يأتي به صاحبه مموها مزخرف الألفاظ ملفق المعاني مكسوا ~~حلة الفصاحة والعبارة الرشيقة فتسرع العقول الضعيفة إلى قبوله واستحسانه ~~وتبادر إلى اعتقاده وتقليده ويكون حاله في ذلك حال من يعرض سلعة مموهة ~~مغشوشة على من لا بصيرة له بباطنها وحقيقتها فيحسنها في عينه ويحببها إلى ~~نفسه وهذا الذي يعتمده كل من أراد ترويج باطل فإنه لا يتم له ذلك إلا ~~بتمويهه وزخرفته وإلقائه إلى جاهل بحقيقته. # قال الله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} ~~[الأنعام112] # PageV02P436 # فذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء بما يزخرفه بعضهم ~~لبعض من القول فيغتر به الأغمار وضعفاء العقول فذكر السبب الفاعل والقابل ~~ثم ذكر سبحانه انفعال هذه النفوس الجاهلة به بصغوها وميلها إليه ورضاها به ~~لما كسي من الزخرف الذي يغر السامع فلما أصغت إليه ورضيته اقترفت ما تدعو ~~إليه من الباطل قولا وعملا فتأمل هذه الآيات وما تحتها من هذا المعنى ~~العظيم القدر الذي فيه بيان أصول الباطل والتنبيه على مواقع الحذر منها ~~وعدم الاغترار بها وإذا تأملت مقالات أهل الباطل رأيتهم قد كسوها من ~~العبارات وتخيروا لها من الألفاظ الرائقة ما يسرع إلى قبوله كل من ليس له ~~بصيرة نافذة وأكثر الخلق كذلك حتى إن الفجار ليسمون أعظم أنواع الفجور ~~بأسماء لا ينبو عنها # PageV02P437 # السمع ويميل إليها الطبع فيسمون أم الخبائث أم الأفراح ويسمون اللقمة ~~الملعونة لقيمة الذكر والفكر التي تثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ~~ويسمون مجالس الفجور والفسوق مجالس الطيبة حتى إن بعضهم لما عذل عن شيء من ~~ذلك قال لعاذله ترك المعاصي والتخوف منها إساءة ظن برحمة الله وجرأة على ~~سعة عفوه ومغفرته فانظر ماذا تفعل هذه الكلمة في قلب ممتلئ بالشهوات ضعيف ~~العلم والبصيرة. # فصل # السبب ms104 الثاني: أن يخرج المعنى الذي يريد إبطاله بالتأويل في صورة مستهجنة ~~تنفر عنها القلوب وتنبو عنها الأسماع فيتخير له من الألفاظ أكرهها وأبعدها ~~وصولا إلى القلوب وأشدها نفرة عنها فيتوهم السامع أن معناها هو الذي دلت ~~عليه تلك الألفاظ فيسمى التدين ثقالة # PageV02P438 # وعدم الانبساط إلى السفهاء والفساق والبطالين سوء خلق والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والغضب لله والحمية لدينه فتنة وشرا وفضولا فكذلك أهل ~~البدع والضلال من جميع الطوائف هذا معظم ما ينفرون به عن الحق ويدعون به ~~إلى الباطل فيسمون إثبات صفات الكمال لله تجسيما وتشبيها وتمثيلا ويسمون ~~إثبات الوجه واليدين له تركيبا ويسمون إثبات استوائه على عرشه وعلوه على ~~خلقه فوق سمواته تحيزا وتجسيما ويسمون العرش حيزا وجهة ويسمون الصفات ~~أعراضا والأفعال حوادث والوجه واليدين أبعاضا والحكم والغايات التي يفعل ~~لأجلها أغراضا فلما وضعوا لهذه المعاني الصحيحة الثابتة تلك الألفاظ ~~المستنكرة الشنيعة تم لهم من نفيها وتعطيلها ما أرادوه فقالوا للأغمار ~~والأغفال اعلموا أن ربكم منزه عن الأعراض والأغراض والأبعاض والجهات ~~والتركيب والتجسيم والتشبيه فلم يشك أحد لله في قلبه وقار وعظمة في تنزيه ~~الرب تعالى عن ذلك وقد اصطلحوا على تسمية سمعه وبصره وعلمه وقدرته وإرادته ~~وحياته أعراضا وعلى تسمية وجهه الكريم ويديه المبسوطتين أبعاضا وعلى تسمية ~~استوائه على عرشه وعلوه على خلقه وأنه فوق عباده تحيزا وعلى تسمية نزوله ~~إلى سماء الدنيا # PageV02P439 # وتكلمه بقدرته ومشيئته إذا شاء وغضبه بعد رضاه ورضاه بعد غضبه حوادث وعلى ~~تسمية الغاية التي يفعل ويتكلم لأجلها غرضا واستقر ذلك في قلوب المتلقين ~~عنهم فلما صرحوا لهم بنفي ذلك بقي السامع متحيرا أعظم حيرة بين نفي هذه ~~الحقائق التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له جميع رسله وسلف الأمة بعدهم ~~وبين إثباتها وقد قام معه شاهد نفيها بما تلقاه عنهم فمن الناس من فر إلى ~~التخييل ومنهم من فر إلى التعطيل ومنهم من فر إلى التجهيل ومنهم من فر إلى ~~التمثيل ومنهم من فر إلى الله ورسوله وكشف زيف هذه الألفاظ وبين زخرفها ms105 ~~وزغلها وأنها ألفاظ مموهة بمنزلة طعام طيب الرائحة في إناء حسن اللون ~~والشكل ولكن الطعام مسموم فقالوا ما قاله إمام أهل السنة باتفاق أهل السنة ~~أحمد بن حنبل لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين. # ولما أراد المتأولون المعطلون تمام هذا الغرض اخترعوا # PageV02P440 # لأهل السنة الألقاب القبيحة فسموهم حشوية ونوابت ونواصب ومجبرة ومجسمة ~~ومشبهة ونحو ذلك فتولد من تسميتهم لصفات الرب تعالى وأفعاله ووجهه ويديه ~~وحكمته بتلك الأسماء وتلقيب من أثبتها له بهذه الألقاب لعنة أهل الإثبات ~~والسنة وتبديعهم وتضليلهم وتكفيرهم وعقوبتهم ولقوا منهم ما لقي الأنبياء ~~وأتباعهم من أعدائهم وهذا الأمر لا يزال في الأرض إلى أن يرثها الله ومن ~~عليها. # فصل # السبب الثالث: أن يعزو المتأول تأويله وبدعته إلى جليل القدر نبيه الذكر ~~من العقلاء أو من آل البيت النبوي أو من حل له في الأمة ثناء جميل ولسان ~~صدق ليحليه بذلك في قلوب الأغمار والجهال فإن من شأن الناس تعظيم كلام من ~~يعظم قدره في نفوسهم وأن يتلقوه بالقبول والميل إليه وكلما كان ذلك القائل ~~أعظم في نفوسهم كان قبولهم لكلامه أتم حتى إنهم ليقدمونه على كلام الله ~~ورسوله ويقولون هو أعلم بالله ورسوله منا وبهذه الطريق # PageV02P441 # توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى تنفيق باطلهم ~~وتأويلاتهم حتى أضافوها إلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم # PageV02P442 # وموالاتهم وإجلالهم فانتموا إليهم وأظهروا من محبتهم وموالاتهم واللهج ~~بذكرهم وذكر مناقبهم ما خيل إلى السامع أنهم أولياؤهم وأولى الناس بهم ثم ~~نفقوا باطلهم وإفكهم بنسبته إليهم فلا إله إلا الله كم من زندقة وإلحاد ~~وبدعة وضلالة قد نفقت في الوجود بنسبتها إليهم وهم براء منها براءة ~~الأنبياء من التجهم والتعطيل وبراءة المسيح من عبادة الصليب والتثليث ~~وبراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدع والضلالات. # وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس وليس معهم سوى ~~إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله ولا حجة ms106 قادتهم إلى ذلك وهذا ميراث ~~بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف فإنهم ~~لحسن ظنهم بهم وتعظيمهم لهم آثروا ما كانوا عليه على ما جاءتهم به الرسل ~~وكانوا أعظم في صدورهم من أن يخالفوهم ويشهدوا عليهم بالكفر والضلال وإنهم ~~كانوا على الباطل وهذا شأن كل مقلد لمن يعظمه فيما خالف فيه الحق إلى يوم ~~القيامة. # PageV02P443 # فصل # السبب الرابع: أن يكون ذلك التأويل قد قبله ورضيه مبرز في صناعة من ~~الصناعات أو علم من العلوم الدقيقة أو الجليلة فيعلو له بما برز به ذكر في ~~الناس ويشتهر له به صيت فإذا سمع الغمر الجاهل بقبوله لذلك التأويل وتلك ~~البدعة واختياره له أحسن الظن به وارتضاه مذهبا لنفسه ورضي من قبله إماما ~~له وقال إنه لم يكن ليختار مع جودة قريحته وذكائه وصحة ذهنه ومهارته ~~بصناعته وتبريزه فيها على بني جنسه إلا الأصوب والأفضل من الاعتقادات ~~والأرشد والأمثل من التأويلات وأين يقع اختياري من اختياره فرضيت لنفسي ~~مارضيه لنفسه فإن عقله وذهنه وقريحته إنما تدله على الصواب كما دلته على ما ~~خفي عن غيره من صناعته وعلمه. وهذه الآفة قد هلك بها أمم لا يحصيهم إلا ~~الله رأواالفلاسفة قد برزوا في العلوم الرياضية والطبية واستنبطوا # PageV02P444 # بعقولهم وجودة قرائحهم وصحة أفكارهم ما عجز أكثر الناس عن تعلمه فضلا عن ~~استنباطه فقالوا للعلوم الإلهية والمعارف الربانية أسوة بذلك فحالهم فيها ~~مع الناس كحالهم في هذه العلوم سواء فلا إله إلا الله كم أهلكت هذه البلية ~~من أمة وكم ضربت من دار وكم أزالت من نعمة وجلبت من نقمة وجرأت كثيرا من ~~النفوس على تكذيب الرسل واستجهالهم وما عرف أصحاب هذه الشبهة أن الله ~~سبحانه قد يعطي أجهل الناس به وبأسمائه وصفاته وشرعه من الحذق في العلوم ~~الرياضية والصنايع العجيبة ما تعجز عنه عقول أعلم الناس به ومعارفهم وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بدنياكم" # PageV02P445 # وصدق صلوات الله وسلامه عليه فإن العلوم الرياضية والهندسية وعلم ~~الأرتماطيقي والموسيقى والجغرافيا ms107 وإيرن وهو علم جر الأثقال ووزن المياه ~~وحفر الأنهار وعمارة الحصون وعلم الفلاحة وعلم الحميات وأجناسها ومعرفة ~~الأبوال وألوانها وصفائها وكدرها وما يدل عليه وعلم الشعر وبحوره وعلله # PageV02P446 # وزحافه وعلم الفنيطة ونحو ذلك من العلوم هم أعلم بها وأحذق فيها. # وأما العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك فإلى ~~الرسل قال الله تعالى: {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم7 , ~~6] قال بعض السلف: يبلغ من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيعلم ~~وزنه ولا علم له بشيء من دينه وقال تعالى في علوم هؤلاء واغترارهم بها: ~~{فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون} [غافر83] وقد فاوت الله سبحانه بين عباده فيما تناله عقولهم ~~وأذهانهم أعظم تفاوت والعقل يعطي صاحبه فائدته في النوع الذي يلزمه به ~~ويشغله به ويقصره عليه مالا يعطيه في # PageV02P447 # غيره وإن كان غيره أسهل منه بكثير كما يعطيه همته وقريحته في الصناعة ~~التي هو معني بها ومقصور العناية عليها مالا يعطيه في صناعة غيرها وكثيرا ~~ما تجد الرجل قد برز في اللطيف من أبواب العلم والنظر وتخلف في الجليل ~~منهما وأصاب الأغمض الأدق منها وأخطأ الأجل الأوضح هذا أمر واقع تحت العيان ~~فكيف وعلوم الأنبياء ومعارفهم من وراء طور العقل والعقل وإن لم يستقل ~~بإدراكها فإنه لا يحيلها بل إذا أوردت عليه أقر بصحتها وبادر إلى قبولها ~~وأذعن بالانقياد إليها وعلم أن نسبة العلوم التي نالها الناس بأفكارهم ~~إليها دون نسبة علوم الصبيان ومعارفهم إلى علوم هؤلاء بما لا يدرك. # فصل # السبب الخامس: الإغراب على النفوس بما لم تكن عارفة به من المعاني ~~الغريبة التي إذا ظفر الذهن بإدراكها # PageV02P448 # ناله لذة من جنس لذة الظفر بالصيد الوحشي الذي لم يكن يطمع فيه وهذا شأن ~~النفوس فإنها موكلة بكل غريب تستحسنه وتؤثره وتنافس فيه حتى إذا كثر ورخص ~~وناله المثري والمقل زهدت ms108 فيه مع كونه أنفع لها وخيرا لها ولكن لرخصه وكثرة ~~الشركاء فيه وتطلب ما تتميز به عن غيرها للذة التفرد والاختصاص ثم اختاروا ~~لتلك المعاني الغريبة ألفاظا أغرب منها وألقوها في مسامع الناس وقالوا إن ~~المعارف العقلية والعلوم اليقينية تحتها فتحركت النفوس لطلب فهم تلك ~~الألفاظ الغريبة وإدراك تلك المعاني واتفق أن صادفت قلوبا خالية من حقائق ~~الإيمان وما بعث الله به رسوله فتمكنت منها فعز على أطباء الأديان ~~استنقاذها منها وقد تحكمت فيها كما قيل: # تالله ما أسر الهوى من وامق ... إلا وعز على الورى استنقاذه # ولمكان الاستغراب وقبول النفس لكل غريب لهج الناس بالأخبار الغريبة ~~وعجائب المخلوقات # PageV02P449 # والألغاز والأحاجي والصور الغريبة وإن كانت المألوفة أعجب منها وأحسن ~~وأتم خلقة. # فصل # السبب السادس: تقديم مقدمات قبل التأويل تكون كالأطناب والأوتاد لفسطاطه ~~فمنها ذم أصحاب الظواهر وعيبهم والإزراء بهم وأنهم قوم جهال لا عقول لهم ~~وإنما هم أصحاب ظواهر سمعية وينقلون من مثالبهم وبلههم ما بعضه صدق وأكثره ~~كذب كما يحكى أن بعضهم سئل عن قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه5] هل هو ~~حقيقة أو مجاز قال لا حقيقة ولا مجاز فقال له جزاك الله عن ظاهريتك خيرا ~~وأمثال هذا ويحكون عنهم إنكار أدلة العقول والبحث والنظر وجدال أهل الباطل ~~والنفوس طالبة للنظر والبحث والتعقل. ومنها قولهم إن الخطاب بالمجاز ~~والاستعارة أعذب # PageV02P450 # وأوفق وألطف وقد قال بعض أئمة النحاة أكثر اللغة مجاز فإذا كان أكثر ~~اللغة مجازا سهل على النفوس أنواع التأويلات فقل ما شئت وأول ما شئت وأنزل ~~عن الحقيقة ولا يضرك أي مجاز ركبته. # ومنها قولهم إن أدلة القرآن والسنة أدلة لفظية وهي لا تفيد علما ولا ~~يقينا والعلم إنما يستفاد من أدلة المعقول وقواعد المنطق. # ومنها قولهم إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل على النقل فهذه المقدمات ~~ونحوها هي أساس التأويل فإذا انضمت هذه الأسباب بعضها إلى بعض وتقاربت فيا ~~محنة القرآن والسنة وقد سلكا في قلوب قد تمكنت منها هذه الأسباب فهنالك ~~التأويل والتحريف والتبديل والإضمار ms109 والإجمال. # PageV02P451 ### | الفصل العشرون: في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا # هذا من أعظم آفات التأويل وجنايته على الإسلام أنه يبطل حجج الله على ~~المبطلين على ألسنة المتأولين وإلا فلا تبطل حجج الله وبيناته أبدا. # من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئا من الباطل قد شاركه في بعضه أو ~~في نظيره فإنه لا يتمكن من دحض حجته وكسر باطله لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما ~~سلط هو به عليه وهذا شأن أهل الأهواء مع بعضهم بعضا ولهذا كان عامة ما ~~يأتون به أبدا يناقض # PageV02P452 # بعضهم بعضا ويكسر أقوال بعضهم ببعض وفي هذا منفعة جليلة لطالب الحق فإنه ~~يكتفي بإبطال كل فرقة لقول الفرقة الأخرى فيقول إذا احتج المؤول بحجة سمعية ~~على مبطل أمكن خصمه أن يقول له أنا أتأول هذه الحجة كما تأولت أنت كيت ~~وكيت. # مثاله أن يحتج من يتأول الصفات الخبرية وآيات الفوقية والعلو على من ينكر ~~ثبوت صفة السمع والبصر والعلم بالآيات والأحاديث الدالة على ثبوتها فيقول ~~له خصمه هذه عندي مؤولة كما أولت أنت نصوص الاستواء والفوقية والوجه ~~واليدين والنزول والضحك والفرح والغضب والرضا ونحوها فما الذي جعلك أولى ~~بالصواب في تأويلك مني فلا يذكر سببا حمله على التأويل إلا أتاه خصمه بسبب ~~من جنسه أو أقوى منه أو دونه يحمله على التأويل. # وإذا استدل المتأول على منكري المعاد وحشر الأجساد # PageV02P453 # بنصوص الوحي أبدوا لها تأويلات تخالف ظاهرها وحقائقها وقالوا لمن استدل ~~بها عليهم تأويلنا لهذه الظواهر كتأويلك لنصوص الصفات ولا سيما أنها أكثر ~~وأصرح فإذا تطرق التأويل إليها فهو إلى ما دونها أقرب تطرقا. # وإذا استدل على الرافضة بالنصوص الدالة على فضل الشيخين وسائر الصحابة ~~تأولوها بما هو من جنس تأويل الجهمي لآيات الصفات وقد تكون تأويلاتهم في ~~كثير من المواضع أقوى من تأويلات الجهمي كما تكون مثلها ودونها. # وإذا احتج الجهمي على الخارجي بالنصوص الدالة على إيمان مرتكب الكبائر ~~وأنه لا يكفر ولا يخلد في النار واحتج ms110 بها على الوعيدية القائلين بنفوذ ~~الوعيد والتخليد قالوا هذه متأولة. # PageV02P454 # وتأويله أقرب من تأويل نصوص الصفات. # وإذا احتج على المرجئة بالنصوص الدالة على أن الإيمان قول وعمل ونية يزيد ~~وينقص قالوا هذه النصوص قابلة للتأويل كما قبلته نصوص الاستواء والفوقية ~~والصفات الخبرية فنعمل فيها ما عملتم أنتم في تلك النصوص والقواعد التي ~~حملتكم على تأويلها عندنا قواعد حملتنا على تأويل هذه الظواهر. # وإذا احتج أهل الجبر على أهل القدر بالنصوص الدالة على أن أفعال العباد ~~مخلوقة لله واقعة بقدرته ومشيئته تأولوها بنظير ما تأول به خصومهم النصوص ~~الدالة على أنها أفعال للعباد حقيقة وأنها واقعة بقدرتهم ومشيئتهم وكذلك ~~خصومهم معهم بهذه المثابة. # PageV02P455 # وإذا احتج من أثبت الرؤية في الآخرة من أهل التأويل على من نفاها قال له ~~أتأول هذه الظواهر بما تأولت به أنت آيات الصفات الخبرية وأحاديثها. وإذا ~~احتج من أثبت العلم بجميع المعلومات جزئياتها وكلياتها لله من أهل ~~التأويلات بالنصوص الدالة على ذلك قال له المنكر ليست هذه النصوص بأكثر من ~~نصوص الفوقية والعلو واستواء الرب على عرشه ونزول الأمر من عنده وعروج ~~الملائكة إليه فإذا كانت تلك مؤولة عندك على كثرتها وتضافرها فهذه أولى ~~بقبول التأويل. # فقد بان أنه لا يمكن أهل التأويل أن يقيموا على مبطل حجة من كتاب ولا سنة ~~فحينئذ فيترك الاستدلال بالكتاب والسنة على كل مبطل ولم يبق إلا تصادم ~~الآراء ونتائج الأفكار لا سيما وقد أعطى الجهمي من نفسه أن أكثر اللغة مجاز ~~وأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين وأن العقل إذا عارض السمع وجب تقديم ~~العقل والإعراض عن السمع وإهداره ثم إما أن يشتغل بتأويله # PageV02P456 # وهي طريقة الخلف العالمين أو يفوضه ولا يحتج به وهي طريقة السلف السالمين ~~فكيف يقوم بعد هذا حجة من كتاب أو سنة على مبطل من العالمين. # ولهذا كان فتح باب التأويل على النصوص يتضمن عيبها والطعن فيها وعزلها عن ~~سلطانها وولاية الآراء الباطلة والشبه الفاسدة. # بل نقول إنه لا يمكن أرباب التأويل أن يقيموا على مبطل ms111 حجة عقلية أبدا ~~وهذا أعجب من الأول وبيانه: أن الحجج السمعية مطابقة للمعقول والسمع الصحيح ~~لا ينفك عن العقل الصريح بل هما أخوان نصيران وصل الله بينهما وقرن أحدهما ~~بصاحبه فقال تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الأحقاف26] . # فذكر ما ينال به العلوم وهي السمع والبصر والفؤاد الذي هو محل العقل وقال ~~تعالى: # PageV02P457 # {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك10] فأخبروا ~~أنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل. # وقال تعالى {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} [يونس67] {إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون} [الرعد4] وقال {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} ~~[محمد24] فدعاهم إلى استماعه بأسماعهم وتدبره بعقولهم ومثله قوله {أفلم ~~يدبروا القول} [المؤمنون68] وقال تعالى {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد} [ق37] . فجمع سبحانه بين السمع والعقل وأقام بهما ~~حجته على عباده فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلا فالكتاب المنزل والعقل ~~المدرك حجة الله على خلقه وكتابه هو الحجة العظمى فهو الذي عرفنا ما لم يكن ~~لعقولنا سبيل إلى # PageV02P458 # استقلالها بإدراكه أبدا فليس لأحد عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع في مجهول ~~يعلمه ومشكل يستبينه وملتبس يوضحه فمن ذهب عنه فإليه يرجع ومن دفع حكمه فبه ~~يحاج خصيمه إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية والمعارف اليقينية ~~التي بالعباد إليها أعظم حاجة فمن رد من مدعي البحث والنظر حكومته ودفع ~~قضيته فقد كابر وعاند ولم يكن لأحد سبيل إلى إفهامه ولا محاجته ولا تقرير ~~الصواب عنده وليس لأحد أن يقول إني غير راض بحكمه بل بحكم العقل فإنه متى ~~رد حكمه فقد رد حكم العقل الصريح وعاند الكتاب والعقل. # والذين زعموا من قاصري العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند ~~تعارضهما إنما أتوا من جهلهم بحكم العقل ms112 ومقتضى السمع فظنوا ما ليس بمعقول ~~معقولا وهو في الحقيقة شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك أو من جهلهم ~~بالسمع إما لنسبتهم إلى الرسول ما لم يرده بقوله وإما لعدم تفريقهم بين ما ~~لا يدرك بالعقول وبين ما تدرك استحالته بالعقول فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ~~ظن التعارض بين السمع والعقل. # أحدها: كون القضية ليست من قضايا العقول. # الثاني: كون ذلك السمع ليس من السمع الصحيح المقبول. # الثالث: عدم فهم مراد المتكلم به. # الرابع: عدم التمييز بين ما يحيله العقل ومالا يدركه. # PageV02P459 # والله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به ~~وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولا وأقلها تكلفا وأعظمها ~~غناء ونفعا وأجلها ثمرة وفائدة فحججه سبحانه العقلية التي بينها في كتابه ~~جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة قليلة المقدمات سهلة الفهم قريبة ~~التناول قاطعة للشكوك والشبه ملزمة للمعاند والجاحد ولهذا كانت المعارف ~~التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ولعموم الخلق أنفع. # وإذا تتبع المتتبع ما في كتاب الله مما حاج به عباده في إقامة التوحيد ~~وإثبات الصفات وإثبات الرسالة والنبوة وإثبات المعاد وحشر الأجساد وطرق ~~إثبات علمه بكل خفي وظاهر وعموم قدرته ومشيئته وتفرده بالملك والتدبير وأنه ~~لا يستحق العبادة سواه وجد الأمر في ذلك على ما ذكرناه من تصرف المخاطبة ~~منه سبحانه في ذلك على أجل وجوه الحجاج وأسبقها إلى القلوب وأعظمها ملاءمة ~~للعقول وأبعدها من الشكوك والشبه في أوجز لفظ وأبينه وأعذبه وأحسنه وأرشقه ~~وأدله على المراد وذلك مثل قوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد ~~وبطلان الشرك وقطع أسبابه وحسم مواده كلها: # PageV02P460 # {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} [سبأ23 , 22] فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين ~~بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه فإن ms113 ~~العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم ~~يتعلق قلبه به وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينفع بها ~~عابده أو شريكا لمالكها أو ظهيرا أو وزيرا ومعاونا له أو وجيها ذا حرمة ~~وقدر يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت انتفت أسباب ~~الشرك وانقطعت مواده فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات ~~والأرض فقد يقول المشرك هي شريكة لمالك الحق فنفى شركتها له فيقول المشرك ~~قد تكون ظهيرا ووزيرا ومعاونا فقال {وما له منهم من ظهير} # PageV02P461 # فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا ~~بإذنه فهو الذي يأذن للشافع فإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه كما ~~يكون في حق المخلوقين فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل ~~شفاعته وإن لم يأذن له فيها. # وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته وهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف ~~يشفع عنده أحد بدون إذنه. # وكذلك قوله سبحانه مقررا لبرهان التوحيد أحسن تقرير وأوجزه وأبلغه: {قل ~~لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء42] ~~فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه كانوا يعترفون بأنها عبيده ~~ومماليكه ومحتاجة إليه فلو كانوا آلهة كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده ~~دون غيره فكيف يعبدونهم من دونه وقد أفصح سبحانه بهذا يعينه في قوله: ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه} [الإسراء57] . # PageV02P462 # أي هؤلاء الذين يعبدونهم من دوني هم عبيدي كما أنتم عبيدي يرجون رحمتي ~~ويخافون عذابي كما ترجون أنتم رحمتي وتخافوني عذابي فلماذا تعبدونهم من ~~دوني. وقال تعالى {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} [المؤمنون91] فتأمل هذا ~~البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين فإن الإله الحق ms114 لا بد أن يكون ~~خالقا فاعلا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر فلو كان معه سبحانه إله ~~لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه بل إن قدر على ~~قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به ~~كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضا بممالكهم. # إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه فلا بد من أحد أمور ~~ثلاثة: # PageV02P463 # إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه. # وإما أن يعلو بعضهم على بعض. # وإما أن يكون كلهم تحت قهر إله واحد وملك واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون ~~فيه ويمتنع من حكمهم عليه ولا يمتنعون من حكمه عليهم فيكون وحده هو الإله ~~الحق وهم العبيد المربوبون المقهورون. # وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام ~~محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد لا إله غيره كما دل ~~دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب له غيره فذاك تمانع في الفعل ~~والإيجاد وهذا تمانع في العبادة والإلهية فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان ~~خالقان متكافئان يستحيل أن يكون له إلهان معبودان. # PageV02P464 # ومن ذلك قوله تعالى {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} ~~[لقمان11] فلله ما أحلى هذا اللفظ وأوجزه وأدله على بطلان الشرك فإنهم إن ~~زعموا أن آلهتهم خلقت شيئا مع الله طولبوا بأن يروه إياه وإن اعترفوا بأنها ~~أعجز وأضعف واقل من ذلك كانت آلهيتها باطلا ومحالا. # ومن ذلك قوله تعالى {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن ~~كنتم صادقين} [الأحقاف4] فطالبهم بالدليل العقلي والسمعي. وقال تعالى {قل ~~من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا ms115 كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار} [الرعد16] . # PageV02P465 # فاحتج على تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق وعلى بطلان إلهية ما سواه بعجزهم ~~عن الخلق وعلى أنه واحد بأنه قهار والقهر التام يستلزم الوحدة فإن الشركة ~~تنافي تمام القهر. # وقال تعالى {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} [الحج74 ~~, 73] فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه فمن لم يستمعه فقد عصى ~~أمره كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأصح برهان في أوجز عبارة وأحسنها ~~وأحلاها وأسجل على جميع آلهة المشركين أنهم # PageV02P466 # لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد وساعد بعضهم بعضا وعاونه بأبلغ المعاونة ~~لعجزوا عن خلق ذباب واحد ثم بين ضعفهم وعجزهم عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب ~~إياه حين يسقط عليهم فأي إله أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب ~~نفعه وخيره فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها. # فأقام سبحانه حجة التوحيد وبين إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب ألفاظ ~~وأحسنها لم يستكرهها غموض ولم يشنها تطويل ولم يعبها تقصير ولم تزر بها ~~زيادة ولا نقص بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز مالا يتوهم ~~متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها وتحتها من المعنى الجليل ~~القدر العظيم الشرف البالغ في النفع ما هو أجل من الألفاظ. # ومن ذلك احتجاجه سبحانه على نبوة رسوله وصحة ما جاء به من الكتاب وأنه من ~~عنده وكلامه الذي يتكلم به وأنه ليس من صنعة البشر ولا من كلامهم بقوله: ~~{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين} [البقرة23] . # PageV02P467 # فأمر من ارتاب في هذا القرآن الذي نزله على عبده وأنه كلامه أن يأتي ~~بسورة واحدة مثله وهذا يتناول أقصر سورة ms116 من سوره ثم فسح له إن عجز عن ذلك ~~أن يستعين بمن أمكنه الاستعانة به من المخلوقين. # وقال تعالى {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين} [يونس38] وقال {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر ~~سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} [هود13] ~~وقال {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} ~~[الطور34-33] ثم أسجل سبحانه عليهم إسجالا عاما في # PageV02P468 # كل زمان ومكان بعجزهم عن ذلك ولو تظاهر عليه الثقلان فقال {قل لئن اجتمعت ~~الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا} [الإسراء88] فانظر أي موقع يقع من الأسماع والقلوب هذا الحجاج ~~القاطع الجليل الواضح الذي لا يجد طالب الحق ومؤثره ومريده عنه محيدا ولا ~~فوقه مزيدا ولا وراءه غاية ولا أظهر منه آية ولا أصح منه برهانا ولا أبلغ ~~منه بيانا. # وقال في إثبات نبوة رسوله باعتبار التأمل لأحواله وتأمل دعوته وما جاء به ~~{أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم ~~فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون} ~~[المؤمنون70-68] فدعاهم سبحانه إلى تدبر القول وتأمل حال القائل فإن كون ~~القول للشيء كذبا وزورا يعلم من نفس القول تارة وتناقضه واضطرابه وظهور ~~شواهد الكذب عليه # PageV02P469 # فالكذب باد على صفحاته وباد على ظاهره وباطنه ويعرف من حال القائل تارة ~~فإن المعروف بالكذب والفجور والمكر والخداع لا تكون أقواله إلا مناسبة ~~لأفعاله ولا يتأتى منه من القول والفعل ما يتأتى من البار الصادق المبرأ من ~~كل فاحشة وغدر وكذب وفجور بل قلب هذا وقصده وقوله وعمله يشبه بعضه بعضا ~~وقلب ذلك وقوله وعمله وقصده يشبه بعضه بعضا فدعاهم سبحانه إلى تدبر القول ~~وتأمل سيرة القائل وأحواله وحينئذ تتبين لهم حقيقة الأمر وأن ما جاء به في ~~أعلى مراتب الصدق. # وقال تعالى {قل لو شاء ms117 الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله أفلا تعقلون} [يونس16] فتأمل هاتين الحجتين القاطعتين تحت هذا ~~اللفظ الوجيز إحداهما أن هذا من الله لا من قبلي ولا هو مقدور لي ولا من ~~جنس مقدور البشر وأن الله سبحانه وتعالى # PageV02P470 # لو شاء لأمسك عنه قلبي ولساني وأسماعكم وأفهامكم فلم أتمكن من تلاوته ~~عليكم ولم تتمكنوا من درايته وفهمه. # الحجة الثانية: أني قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به وأنتم تشاهدوني ~~وتعرفون حالي وتصحبوني حضرا وسفرا وتعرفون دقيق أمري وجليله وتتحققون سيرتي ~~هل كانت سيرة من هو من أكذب الخلق وأفجرهم وأظلمهم فإنه لا أكذب ولا أظلم ~~ولا أقبح سيرة ممن جاهر ربه وخالفه بالكذب والفرية عليه وطلب إفساد العالم ~~وظلم النفوس والبغي في الأرض بغير الحق. # هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ كتابا ولا أخطه بيميني ولا صاحبت من ~~أتعلم منه بل صحبتكم أنتم في أسفاركم لمن تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار ~~الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم ~~الذي فيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل. # PageV02P471 # فأي برهان أوضح من هذا وأي عبارة أفصح وأوجز من هذه العبارة المتضمنة له. ~~وقال تعالى {إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} [سبأ46] ولما كان ~~للإنسان الذي يطلب معرفة الحق والصواب حالتان: أحدهما: أن يكون ناظرا مع ~~نفسه. # والثانية: أن يكون مناظرا لغيره. # أمرهم بخصلة واحدة وهي أن يقوموا لله إثنين إثنين فيتناظران ويتساءلان ~~بينهما وواحدا واحدا يقوم كل واحد مع نفسه فيتفكر في أمر هذا الداعي وما ~~يدعو إليه ويستدعي أدلة الصدق والكذب ويعرض ما جاء به عليها ليتبين له ~~حقيقة الحال. فهذا هو الحجاج الجليل والإنصاف البين والنصح التام. # PageV02P472 # وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي ~~العظام وهي رميم قل ms118 يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس79 , ~~78] إلى آخر السورة. # فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه ~~الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح ~~الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ~~ذلك. # فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في ~~قوله سبحانه {ونسي خلقه} ما وفى بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما ~~أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا ~~الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه ~~لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما ~~تضمنه قوله {ونسي خلقه} وصرح به جوابا له عن مسألته فقال: {قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة} [يس79] . # PageV02P473 # فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل ~~عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن ~~الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على ~~مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله {وهو بكل خلق عليم} [يس79] فهو ~~عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع. # وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام ~~العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر ~~بحجة قاهرة وبرهان # PageV02P474 # ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت ~~طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة ~~رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر ~~البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ~~فإذا أنتم منه توقدون} [يس80] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في ~~غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة ms119 والبرودة فالذي ~~يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو ~~الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا ~~بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر وأن كل عاقل يعلم أن ~~من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر. # PageV02P475 # فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال {أوليس الذي ~~خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} [يس81] فأخبر سبحانه أن الذي ~~أبدع السموات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب ~~خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى ~~كما قال في موضع آخر: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون} [غافر57] وقال {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} ~~[الأحقاف33] . ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع ~~شبهة كل ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات ~~والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة # PageV02P476 # ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله ~~للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. # فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم ~~استعصائه عليه. # ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله ~~وهوقوله: {وإليه ترجعون} [يس83] فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في ~~نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير ~~الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها ~~عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد. # ومن هذا قوله سبحانه: # PageV02P477 # {وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة ms120 ~~أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول ~~مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء52-49] فتأمل ما ~~أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولا إذا كنا عظاما ورفاتا ~~أئنا لمبعوثون خلقا جديدا فقيل لهم في جواب هذا السؤال إن كنتم تزعمون أنه ~~لا خالق لكم ولا رب فهلا كنتم خلقا جديدا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد ~~أو ما هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم لنا رب خالق خلقنا على هذه الصفة ~~وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ولم يجعلنا حجارة ولا حديدا فقد ~~قامت عليكم الحجة بإقراركم فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم ~~خلقا جديدا. # PageV02P478 # وللحجة تقرير آخر وهو أنكم لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما ~~لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال. # ومن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ~~ونقلها من حال إلى حال فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ~~ونقله من حال إلى حال. # فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم من يعيدنا إذا استحالت ~~أجسامنا وفنيت فأجابهم بقوله {قل الذي فطركم أول مرة} [الإسراء51] وهذا ~~الجواب نظير جواب قول السائل {من يحيي العظام وهي رميم} [يس78] فلما أخذتهم ~~الحجة ولزمهم حكمها ولم يجدوا عنها معدلا انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به ~~كما يتعلل المقطوع بالحجاج بمثل ذلك وهو قولهم متى هو فأجيبوا بقوله: # PageV02P479 # {عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا ~~قليلا} [الإسراء52 , 51] ومن هذا قوله سبحانه {أيحسب الأنسان أن يترك سدى ~~ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر ~~والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} [القيامة40-36] فاحتج سبحانه ~~على أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن ms121 الأمر والنهي والثواب والعقاب وأن ~~حكمته وقدرته تأبى ذلك فإن من نقله من نطفة مني إلى العلقة ثم إلى المضغة ~~ثم خلقه وشق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب ~~والرباطات التي هي أسره وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام وأخرجه على هذا ~~الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه ~~مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدى فلا يليق ذلك بحكمته ~~ولا تعجز عنه قدرته. # PageV02P480 # فانظر إلى هذاالحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان ~~الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب ~~منه. # وكذلك ما احتج به سبحانه على النصارى مبطلا لدعوى إلهية المسيح كقوله {لو ~~أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} [الأنبياء17] فأخبر أن ~~هذا الذي أضافه من نسبة الولد إلى الله من مشركي العرب والنصارى غير سائغ ~~في العقول إذا تأمله المتأمل ولو أراد الله أن يفعل هذا لكان يصطفي لنفسه ~~ويجعل هذا الولد المتخذ من الجوهر الأعلى السماوي الموصوف بالخلوص والنقاء ~~من عوارض البشر المجبول على الثبات والبقاء لا من جوهر هذا العالم الفاني ~~الدائر الكثير الأوساخ والأدناس والأقذار ولما كان هذا الحجاج كما ترى في ~~هذه القوة والجلالة أتبعه بقول {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق} [الأنبياء18] # PageV02P481 # ونظير هذا قوله {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} ~~[الزمر4] وقال سبحانه {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى ~~يؤفكون} [المائدة75] وقد تضمنت هذه الحجة دليلين ببطلان إلهية المسيح وأمه ~~أحدهما: حاجتهما إلى الطعام والشراب وضعف بنيتهما عن القيام بنفسهما بل هي ~~محتاجة فيما يقيمها إلى الغذاء والشراب والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها إذ ~~من لوازم الإله أن يكون غنيا. # الثاني: أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون ms122 من الإنسان من الفضلات ~~القذرة التي يستحي الإنسان من نفسه وغيره حال انفصالها عنه بل يستحي من ~~التصريح بذكرها. # PageV02P482 # ولهذا والله أعلم كنى سبحانه عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل ~~الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة فكيف يليق بالرب سبحانه أن يتخذ ~~صاحبة وولدا من هذا الجنس. ولو كان يليق به ذلك أو يمكن لكان الأولى به أن ~~يكون من جنس لا يأكل ولا يشرب ولا يكون منه الفضلات المستقذرة التي يستحي ~~منها ويرغب عن ذكرها. # فانظر ما تضمنه هذا الكلام الوجيز البليغ المشتمل على هذا المعنى العظيم ~~الجليل الذي لا يجد سامعه مغمزا له ولا مطعنا فيه ولا تشكيكا ولا سؤالا ~~يورده عليه بل يأخذ بقلبه وسمعه. # ومن ذلك قوله تعالى {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} [الزخرف18 , 17] ~~احتج سبحانه على هؤلاء الذين جعلوا له البنات بأن أحدهم لا يرضى بالبنات ~~وإذا بشر بالأنثى حصل له من الحزن والكآبة ما ظهر منه السواد على وجهه فإذا ~~كان أحدكم # PageV02P483 # لا يرضى بالإناث بناتا فكيف تجعلونها لي كما قال تعالى {ويجعلون لله ما ~~يكرهون} [النحل62] ثم ذكر سبحانه ضعف هذا الجنس الذي جعلوه له وأنه أنقص ~~الجنسين ولهذا يحتاج في كماله إلى الحلية وأضعفهما بيانا فقال تعالى {أومن ~~ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} [الزخرف18] فأشار بنشأتهن في ~~الحلية إلى أنهن ناقصات فيحتجن إلى حلية يكملن بها وأنهن عييات فلا يبن عن ~~حجتهن وقت الخصومة. # مع أن في قوله {أومن ينشأ في الحلية} تعريضا بما وضعت له الحلية من ~~التزين لمن يفترشهن ويطأهن وتعريضا بأنهم لا ينشأن في الحرب والطعان ~~والشجاعة # PageV02P484 # فذكر الحلية التي هي علامة الضعف والعجز والوهن. # ومن هذا ما حكاه سبحانه في محاجة إبراهيم قومه بقوله: {وحاجه قومه قال ~~أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ~~ربي كل شيء ms123 علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله مالم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ~~[الأنعام82 , 81 , 80] فهذا الكلام لم يخرج في ظاهره مخرج كلام البشر الذي ~~يتكلفه أهل النظر والجدال والمقايسة والمعارضة بل خرج في صورة كلام خبري ~~يشتمل على مبادئ الحجاج ومقاطعه مشيرا إلى مقدمات الدليل ونتائجه بأوضح ~~عبارة وأفصحها وأقربها تناولا. # PageV02P485 # والغرض منه أن إبراهيم قال لقومه متعجبا مما دعوه إليه من الشرك أتحاجوني ~~في الله وتطمعون أن تستنزلوني عن توحيده بعد أن هداني وتأكدت بصيرتي ~~واستحكمت معرفتي بتوحيده بالهداية التي رزقنيها وقد علمتم أن من كانت هذه ~~حاله في اعتقاده أمرا من الأمور عن بصيرة لا يعارضه فيها ريب ولا يتخالجه ~~فيها شك فلا سبيل إلى استنزاله عنها. # وأيضا فإن المحاجة والمجادلة بعد وضوح الشيء وظهوره نوع من العبث بمنزلة ~~المحاجة في طلوع الشمس وقد رآها من يحاجونه بأعينهم فكيف يؤثر حجاجكم له ~~أنها لم تطلع بعد. # ثم قال {ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} وكأنه صلوات الله ~~وسلامه عليه يذكر أنهم # PageV02P486 # خوفوه آلهتهم أن يناله منها معرة كما قاله قوم هود له {إن نقول إلا ~~اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود54] فقال إبراهيم إن أصابني مكروه فليس ذلك من ~~قبل هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله وهي أقل من ذلك فإنها ليست مما ~~يرجى ويخاف بل يكون ذلك الذي أصابني من قبل الحي الفعال الذي يفعل ما يشاء ~~الذي بيده الضر والنفع يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # ثم ذكر سعة علمه سبحانه في هذا المقام منبها على موقع احتراز لطيف وهو أن ~~لله سبحانه علما في وفيكم وفي هذه الآلهة لا يصل إليه علمي فإذا شاء أمرا ~~من الأمور فهو أعلم بما يشاء فإنه وسع كل شيء علما فإذا أراد أن يصيبني ~~بمكروه لا علم لي من أي جهة أتاني ms124 فعلمه محيط بما لم أعلمه وهذا غاية ~~التفويض والتبري من الحول والقوة وأسباب النجاة وأنها بيد الله لا بيدي ~~وهكذا قال شعيب لقومه: # PageV02P487 # {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا} [الأعراف89] فردت الرسل العلم بما يفعله الله إليه وأنه إذا ~~شاء شيئا فهو أعلم بما يشاؤه ولا علم لنا بامتناعه وعدم كونه. # ثم رجع الخليل إليهم مقررا للحجة فقال {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون ~~أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن ~~كنتم تعلمون} [الأنعام81] # يقول لقومه كيف يسوغ في عقل أو عند ذي لب أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا ~~في الإلهية وهي ليست بموضع نفع ولا ضر وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله ~~في إلهيته أشياء لم ينزل بها حجة عليكم ولا شرعها لكم فالذي أشرك بخالقه ~~وفاطره وباريه الذي يقر بأنه خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه ومالك ~~الضر والنفع آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ~~ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وجعلها ندا # PageV02P488 # له ومثلا في الإلهية تعبد ويسجد لها ويخضع لها ويتقرب إليها أحق بالخوف ~~ممن لم يجعل مع الله إلها آخر بل وحده وأفرده بالإلهية والربوبية والعظمة ~~والسلطان والحب والخوف والرجاء فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ~~فحكم الله سبحانه بينهما بأحسن حكم خضعت له القلوب وأقرت به الفطر وانقادت ~~له العقول فقال {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون} [الأنعام82] # فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكل ما وجب في العقل ~~أن يرد به ما دعوه إليه وأرادوا حمله عليه وأخذه بمجامع الحجة التي لم تبق ~~لطاعن مطعنا ولا سؤالا ولما كانت بهذه المثابة أشار سبحانه بذكرها وعظمها ~~بالإشارة إليها وأضافها إلى نفسه ms125 تعظيما لشأنها فقال: {وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} [الأنعام83] . # PageV02P489 # فعلم السامع بإضافته إياها إلى نفسه أنه هو الذي فهمها خليله ولقنها إياه ~~وعنه سبحانه أخذها الخليل وكفى بحجة يكون الله عز وجل ملقنها لخليله وحبيبه ~~أن تكون قاطعة لمواد العناد قامعة لأهل الشرك والإلحاد. # وشبيه بهذا الاحتجاج القصة الثانية لإبراهيم في محاجة المشرك الذي أخبر ~~الله سبحانه عما جرى بينه وبينه في قوله {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ~~ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي ~~وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت ~~الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة258] # فإن من تأمل موقع الحجاج وقطع المجادل فيما تضمنته هذه الآية وقف على ~~أعظم برهان بأوجز عبارة فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي ~~يحيي ويميت أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة وهو أنه يقتل من يريد ~~ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا فألزمه إبراهيم # PageV02P490 # على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي ~~الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة. # فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا تصح به دعواه وليس هذا انتقالا من ~~حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته ~~إن كانت صحيحة. ومن ذلك احتجاجه سبحانه على إثبات علمه بالجزئيات كلها ~~بأحسن دليل وأوضحه وأصحه حيث يقول {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم ~~بذات الصدور} [الملك13] # ثم قرر علمه بذلك بقوله {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك14] # وهذا من أبلغ التقرير فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه والصانع يعلم ~~مصنوعه وإذا كنتم مقرين بأنه خالقكم وخالق صدوركم وما تضمنته فكيف تخفى ~~عليه وهي خلقه وهذا # PageV02P491 # التقرير مما يصعب على القدرية فهمه فإنه لم يخلق عندهم ما في ms126 الصدور فلم ~~يكن في الآية على أصولهم دليل على علمه بها ولهذا طرد غلاة القوم ذلك ونفوا ~~علمه فأكفرهم السلف قاطبة. # وهذا التقرير من الآية صحيح على التقديرين أعني تقدير أن تكون من في محل ~~رفع على الفاعلية وفي محل نصب على المفعولية فعلى التقدير الأول ألا يعلم ~~الخالق الذي شأنه الخلق وعلى التقدير الثاني ألا يعلم الرب مخلوقه ومصنوعه. # ثم ختم الحجة باسمين مقتضيين لثبوتها وهما اللطيف الذي لطف صنعه وحكمته ~~ودق حتى عجزت عنه الأفهام والخبير الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن ~~الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها فكيف يخفى على اللطيف الخبير ماتحويه ~~الضمائر وتخفيه الصدور. # ومن هذا احتجاجه سبحانه على المشركين بالدليل # PageV02P492 # المقسم الحاصر الذي لا يجد سامعه إلى رده ولا معارضته سبيلا حديث يقول ~~تبارك وتعالى {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات ~~والأرض بل لا يوقنون} [الطور36 , 35] فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن ~~لإقامة الحجة بأقرب طريق وأفصح عبارة يقول تعالى هؤلاء مخلوقون بعد أن لم ~~يكونوا فهل خلقوا من غير خالق خلقهم فهذا من المحال الممتنع عند كل من له ~~فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع ومخلوق من غير خالق. # ولو مر رجل بأرض قفر لا بناء فيها ثم مر بها فرأى فيها بنيانا وقصورا ~~وعمارات محكمة لم يتخالجه شك ولا ريب أن صانعا صنعها وبانيا بناها. # ثم قال أم هم الخالقون وهذا أيضا من المستحيل أن يكون العبد موجدا خالقا ~~لنفسه فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ~~ساعة واحدة ولا أصبعا ولا ظفرا ولا شعرة كيف يكون خالقا لنفسه في حال عدمه. # PageV02P493 # وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقا خلقهم وفاطرا فطرهم فهو الإله الحق ~~الذي يستحق عليهم العبادة والشكر فكيف يشركون به إلها غيره وهو وحده الخالق ~~لهم. فإن قيل فما موقع قوله {أم خلقوا السماوات والأرض} [الطور36] # من هذه الحجة قيل أحسن موقع فإنه بين بالقسمين الأولين أن لهم ms127 خالقا ~~وفاطرا وأنهم مخلوقون وبين بالقسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم ~~عاجزون غير خالقين فإنهم لم يخلقوا نفوسهم ولم يخلقوا السموات والأرض وأن ~~الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السموات ~~والأرض فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن بخلق العالم العلوي والسفلي وما ~~فيه. # ومن هذا ما حكاه الله سبحانه عن محاجة صاحب يس لقومه بقوله {يا قوم ~~اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس21 , 20] # فنبه على موجب الاتباع وهو كون المتبوع رسولا لمن لا ينبغي أن يخالف ولا ~~يعصى وأنه على هداية ونبه على # PageV02P494 # انتفاء المانع وهو عدم سؤال الأجر فلا يريد منكم دنيا ولا رياسة فموجب ~~الاتباع كونه مهتديا والمانع منه منتف وهو طلب العلو في الأرض والفساد وطلب ~~الأجر. # ثم قال: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} [يس22] # أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفا لهم ونبه على أن عبادة ~~العبد لمن فطره أمر واجب في العقول مستهجن تركها قبيح الإخلال بها فإن خلقه ~~لعبده أصل إنعامه عليه ونعمة كلها بعد تابعة لإيجاده وخلقه وقد جبل الله ~~العقول والفطر على شكر المنعم ومحبة المحسن ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة ~~التحسين والتقبيح # PageV02P495 # في ذلك فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع ثم أقبل ~~عليهم مخوفا لهم تخويف الناصح فقال: {وإليه ترجعون} [يس22] # ثم أخبر عن الآلهة التي تعبد من دونه أنها باطلة وأن عبادتها باطلة فقال: ~~{أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون} [يس23] . # PageV02P496 # فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه وإنما إذا أرادني ~~الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك ~~الضر ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر فبأي ~~وجه يستحق العبادة و: {ني إذا لفي ضلال مبين} [يس24] إن عبدت من دون الله ~~مما هذا شأنه. # وهذا ms128 الذي ذكرناه من حجاج القرآن يسير من كثير وإنما نبهنا على ما لم ~~يذكر منه. # والمقصود أنه يتضمن الأدلة العقلية والبراهين القطعية التي لا مطمع في ~~التشكيك والأسئلة عليها إلا لمعاند مكابر. والمتأول لا يمكنه أن يقيم على ~~مبطل حجة نقلية ولا عقلية: # PageV02P497 # أما النقل فلأنه عنده قابل للتأويل وهو لا يفيد اليقين. # وأما العقل فلأنه قد خرج عن صريحه وموجبه بالقواعد التي قادته إلى تأويل ~~النصوص وإخراجها من ظواهرها وحقائقها فصارت تلك القواعد الباطلة حجابا بينه ~~وبين العقل والسمع. # فإذا احتج على خصمه بحجة عقلية نازعه خصمه في مقدماتها بما سلم له من ~~القواعد التي يخالفها. # فإن المعقول الصريح هو ما دلت عليه النصوص فإذا أبطله بالتأويل لم يبق ~~معه معقول صريح يحتج به على خصمه كما لم يبق معه منقول صحيح. # فإنه قد عرض المنقول للتأويل والمعقول الصريح خرج عنه بالذي ظن أنه معقول # ومثال هذا أن العقل الصريح الذي لا يكذب ولا يغلط قد حكم حكما لا يقبل ~~الغلط أن كل ذاتين قائمتين بأنفسهما إما أن تكون كل منهما مباينة للأخرى أو ~~محايثة لها # PageV02P498 # وأنه يمتنع أن تكون هذه الذات قائمة بنفسها وهذه قائمة بنفسها وإحداهما ~~ليست فوق الأخرى ولا تحتها ولا عن يمينها ولا عن يسارها ولا خلفها ولا ~~أمامها ولا متصلة بها ولا منفصلة عنها ولا مجاورة لها ولا محايثة ولا داخلة ~~فيها ولا خارجة عنها. # فإذا خولف مقتضى هذا المعقول الصريح ودفع موجبه فأي دليل عقلي احتج به ~~المخالف بعد هذاعلى مبطل أمكنه دفعه بما دفع هو به حكم هذاالعقل. # فإذا قال الجهمي: هذا من حكم الوهم لا من حكم العقل. # قال له خصمه: فيما احتج به عليه من قضايا العقل هذا أيضا من حكم الوهم. # فإنك لو قلت إن في النفس حاكمين الوهم والعقل. # فإذا ادعيت فيما تشهد به العقول والفطر أنه من حكم الوهم كان ادعاء ذلك ~~فيما هو دون هذه القضية بكثير أقرب وأقرب وأمثلة ذلك لا يتسع لها هذا ~~الموضع. ms129 # وإذا تأملت القواعد الحاملة لأرباب التأويل عليه وجدتها مخالفة لصريح ~~العقل ومن خالف صريح العقل لم تقم له حجة عقلية ولا سمعية وبالله التوفيق. # PageV02P499 ### | الفصل الحادي والعشرون: في الأسباب الجالبة للتأويل # وهي أربعة أسباب: اثنان من المتكلم واثنان من السامع # فالسببان اللذان من المتكلم: إما نقصان بيانه وإما سوء قصده # واللذان من السامع: إما سوء فهمه وإما سوء قصده # فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة انتفى التأويل الباطل وإذا وجدت أو بعضها ~~وقع التأويل فنقول وبالله التوفيق. # لما كان المقصود من التخاطب التقاء قصد المتكلم وفهم # PageV02P500 # المخاطب على محز واحد كان أصح الإفهام وأسعد الناس بالخطاب ما التقى فيه ~~فهم السامع ومراد المتكلم وهذا هو حقيقة الفقه الذي أثنى الله ورسوله به ~~على أهله وذم من فقده فقال تعالى: {ولكن المنافقين لا يفقهون} [المنافقون7] ~~وقال: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} [النساء78] وقال في ~~الثناء على أهله: {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} [الأنعام98] وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ". # PageV02P501 # وقال لزياد بن لبيد: "إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة " فالفقه فهم مقصود ~~المتكلم من كلامه وهذا الأمر زائد على مجرد الفهم. # فإذا كان المتكلم قد وفى البيان حقه وقصد إفهام المخاطب وإيضاح المعنى له ~~وإحضاره في ذهنه فوافق من # PageV02P502 # المخاطب معرفة بلغة المتكلم وعرفه المطرد في خطابه وعلم من كمال نصحه أنه ~~لا يقصد بخطابه التعمية والإلغاز لم يخف عليه معنى كلامه ولم يقع في قلبه ~~شك في معرفة مراده. # وإن كان المتكلم قد قصر في بيانه وخاطب السامع بألفاظ مجملة تحتمل عدة ~~معان ولم يتبين له ما أراده منها فإن كان عاجزا أتى السامع من عجزه لا من ~~قصده وإن كان قادرا عليه ولم يفعله حيث ينبغي فعله أتى السامع من سوء قصده. # وقد يحسن ذلك من المتكلم إذا كان في التعمية على المخاطب مصلحة راجحة ~~فيتكلم بالمجمل ليجعل لنفسه سبيلا إلى تفسيره بما يتخلص به أو ليوهم السامع ~~أنه أراد ms130 ما يخاف إفهامه إياه أو لغير ذلك من الأسباب التي يحسن معها ~~التعريض والكناية والخطاب بضد البيان وهذا من خاصة العقل وقد قال تعالى: ~~{ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة235] . # PageV02P503 # وفي الحديث "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وقد عرض إبراهيم الخليل ~~للجبار بقوله عن امرأته هذه أختي وعرض النبي للرجل الذي سأله في طريقه ممن ~~أنتم فقال: "نحن من ماء" وعرض الصديق لمن جعل يسأله في طريق الهجرة من هذا ~~معك فقال هاد يهديني السبيل. # PageV02P504 # فهذه المواضع ونحوها يحسن فيها ترك البيان إما بكناية عن المقصود أو ~~تعريض عنه والفرق بينهما أنه في الكناية قاصد لإفهام المخاطب مراده بلفظ ~~أخفى لا يفهمه كل أحد فيكنى عن المعنى الذي يريده بلفظ أخفى من لفظه الصريح ~~كما كنى الله سبحانه عن الجماع بالدخول وبالمس واللمس والإفضاء وكما يكنى ~~عن الفرج بالهن ونحو ذلك. # وأما التعريض فإفهام السامع معنى ويراد خلافه كالتعريض بالقذف مثلا فإذا ~~قال ما أنا بزان أفهم السامع نفي الزنا عن نفسه ومراده إثباته للسامع كما ~~قال الحماسي: # ليسوا من الشر في شيء وإن هانا ... لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد # PageV02P505 # كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا # فإنه أوهم السامع تنزيههم عن الشرور ووصفهم بخشية الله ومراده وصفهم ~~بالعجز والجبن. # ومثله قول الآخر: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل # PageV02P506 # فصل # وأما السببان اللذان من السامع: # فأحدهما سوء الفهم فإن درجات الفهم متفاوتة في الناس أعظم تفاوت فإن قوى ~~الأذهان كقوى الأبدان والناس متفاوتون في هذا وهذا تفاوتا لا ينضبط وقد سئل ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ~~دون الناس فقال "لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا ~~في كتابه وما في هذه الصحيفة وكان فيها العقل أي الديات وفكاك الأسير". # وكان أبو بكر ms131 الصديق أفهم الأمة لكلام الله ورسوله ولهذا لما أشكل على ~~عمر مع قوة فهمه قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} ~~[الفتح27] . # PageV02P507 # وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: "إنكم تأتونه وتطوفون به" فأورده ~~عليه عام الحديبية فقال له الصديق أقال لك إنك تأتيه العام قال لا قال فإنك ~~آتيه ومطوف به فأجابه بجواب النبي وأشكل عليه قتال الصديق لمانعي الزكاة ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فقال ألم يقل "إلا بحقها" ~~فإيتاء الزكاة من حقها. # ولما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عبدا خيره الله بين الدنيا ~~وبين ما عنده فاختار ما عند الله" بكى # PageV02P508 # أبو بكر وقال نفديك بأبنائنا وأمهاتنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هو المخير وكان أبو بكر أعلم الأمة به. وكذلك فهم عمر بن الخطاب وعبد الله ~~بن عباس من سورة: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر1] أنها إعلام لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بحضور أجله ولذلك كان الصحابة أعلم الأمة على ~~الإطلاق وبينهم وبين من بعدهم في العلم واليقين كما بينهم وبينهم في الفضل ~~والدين. # ولهذا كان ما فهمه الصحابة من القرآن أولى أن يصار إليه مما فهمه من ~~بعدهم فانضاف حسن قصدهم إلى حسن فهمهم فلم يختلفوا في التأويل في باب معرفة ~~الله # PageV02P509 # وصفاته وأسمائه وأفعاله واليوم الاخر ولا يحفظ عنهم في ذلك خلاف لا مشهور ~~ولا شاذ فلما حدث بعد انقضاء عصرهم من ساء فهمه وساء قصده وقعوا في أنواع ~~من التأويل بحسب سوء الفهم وفساد القصد وقد يجتمعان وقد ينفردان وإذا ~~اجتمعا تولد من بينهما جهل بالحق ومعاداة لأهله واستحلال ماحرم الله منهم. # وإذا تأملت أصول المذاهب الفاسدة رأيت أربابها قد اشتقوها من بين هذين ~~الأصلين وحملهم عليها منافسة في رياسة أو مال أو توصل إلى عرض من أعراض ~~الدنيا تخطبه الآمال وتتبعه الهمم وتشرئب إليه النفوس فيتفق ms132 للعبد شبهة ~~وشهوة وهما أصل كل فساد ومنشأ كل تأويل باطل وقد ذم الله سبحانه من اتبع ~~الظن وما تهوى الأنفس فالظن الشبهات وما تهوى الأنفس الشهوات وهما اللذان ~~ذكرهما في سورة براءة في قوله تعالى: # PageV02P510 # {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا ~~بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي ~~خاضوا} [التوبة69] . # فذكر الاستمتاع بالخلاق وهو التمتع بالشهوات وهو نصيبهم الذي آثروه في ~~الدنيا على حظهم من الآخرة. # فالخوض الذي اتبعوا فيه الشبهات فاستمتعوا بالشهوات وخاضوا بالشبهات فنشأ ~~عنهما التفرق المذموم الذي ذم الله أهله في كتابه ونهى عباده المؤمنين عن ~~التشبه بهم فقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران106 , ~~105] # قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة ~~والاختلاف. # PageV02P511 # وأخبر سبحانه أن الحامل لهم على التفرق بعد البيان إنما هو البغي فقال ~~تعالى {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ~~[البقرة213] فأخبر سبحانه أن الذين آمنوا هدوا لما اختلف فيه أهل التأويل ~~الباطل الذي أوقعهم في الاختلاف والتفرق. # وقال تعالى {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة ~~سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي ~~شك منه مريب} [الشورى14] وقال تعالى {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ~~والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من ~~الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [الجاثية17 , 16] . # PageV02P512 # فأخبر سبحانه أن المختلفين بالتأويل لم يختلفوا لخفاء العلم الذي ms133 جاءت به ~~الرسل عليهم وإنما اختلفوا بعد مجيء العلم وهذا كثير في القرآن كقوله {ولقد ~~بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم ~~العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [يونس93] ~~وقال تعالى {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} ~~[البينة4] فهؤلاء المختلفون بالتأويل بعد مجيء الكتاب كلهم مذمومون والحامل ~~لهم على التفرق والاختلاف البغي وسوء القصد. # PageV02P513 ### | الفصل الثاني والعشرون: في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام الاختلاف إلى محمود ومذموم # الاختلاف في كتاب الله نوعان: # أحدهما: أن يكون المختلفون كلهم مذمومين وهم الذين اختلفوا بالتأويل وهم ~~الذين نهانا الله سبحانه عن التشبه بهم في قوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا} [آل عمران105] وهم الذين تسود وجوههم يوم القيامة وهم الذين قال ~~الله تعالى فيهم {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد} [البقرة176] فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد. وهذا ~~النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف وفساد ~~ذات البين ويوقع التحزب والتباين. # PageV02P514 # والنوع الثاني: اختلاف ينقسم إهله إلى محمود ومذموم فمن أصاب الحق فهو ~~محمود ومن أخطأه مع اجتهاده في الوصول إليه فاسم الذم موضوع عنه وهو محمود ~~في اجتهاده معفو عن خطئه وإن أخطأه مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم. # ومن هذا النوع المنقسم قوله تعالى {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ~~من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} ~~[البقرة253] وقال تعالى {ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى10] # والاختلاف المذموم: كثيرا ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقر ~~له خصمه به بل يجحده إياه بغيا ومنافسة فيحمله ذلك على تسليط التأويل ~~الباطل على النصوص التي مع خصمه وهذا شأن جميع المختلفين بخلاف أهل الحق ~~فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به فيأخذون حق جميع الطوائف ويردون باطلهم ~~فهؤلاء الذين ms134 قال الله فيهم: # PageV02P515 # {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة213] فأخبر سبحانه أنه هدى عباده لما اختلف ~~فيه المختلفون. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم رب ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم ~~بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك ~~تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". # فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان ولو كان مع من ~~يبغضه ويعاديه ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه فهو ممن ~~هدى لما اختلف فيه من الحق. فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلا وأقومهم قيلا ~~وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا فاختلافهم اختلاف رحمة # PageV02P516 # وهدى يقر بعضهم بعضا عليه ويواليه ويناصره وهو داخل في باب التعاون ~~والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم بالتناظر ~~والتشاور وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب ~~فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركه قوة بصيرته فإذا قوبل بين الآراء ~~المختلفة والأقاويل المتباينة وعرضت على الحاكم الذي لا يجور وهو كتاب الله ~~وسنة رسوله وتجرد الناظر عن التعصب والحمية واستفرغ وسعه وقصد طاعة الله ~~ورسوله فقل أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال وما هو أقرب إليه والخطأ ~~وما هو أقرب إليه فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب وما هو أقرب إليه ~~والخطأ وما هو أقرب إليه ومراتب القرب والبعد متفاوتة. # وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقا في الكلمة ولا تبديدا ~~للشمل فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع ~~كالجد مع الإخوة وعتق أم الولد بموت سيدها ووقوع الطلاق الثلاث بكلمة # PageV02P517 # واحدة وفي الخلية والبرية والبتة وفي بعض مسائل الربا وفي بعض نواقص ~~الوضوء وموجبات الغسل وبعض مسائل الفرائض وغيرها فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة ~~ولا قطع بينه وبينه ms135 عصمة بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر ~~عليه ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة من ~~غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنا ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم بل يدل ~~المستفتي عليه مع مخالفته له ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه. فهذا ~~الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده ~~وتحريه الحق. وهنا نوع آخر من الاختلاف وهو وفاق في الحقيقة وهو اختلاف في ~~الاختيار والأولى بعد الاتفاق على جواز # PageV02P518 # الجميع كالاختلاف في أنواع الأذان والإقامة وصفات التشهد والاستفتاح ~~وأنواع النسك الذي يحرم به قاصد الحج والعمرة وأنواع صلاة الخوف والأفضل من ~~القنوت أو تركه ومن الجهر بالبسملة أو إخفائها ونحو ذلك فهذا وإن كان صورته ~~صورة اختلاف فهو اتفاق في الحقيقة. # فصل # ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم ~~وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه وإلا فإذا كان ~~الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب وكل من المختلفين قصده طاعة ~~الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية ~~ولكن إذا كان الأصل واحدا والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة ~~لم يكد يقع اختلاف وإن وقع كان اختلافا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة ~~فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله والقصد واحد وهو ~~طاعة الله ورسوله والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها ~~على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة. # PageV02P519 ### | الفصل الثالث والعشرون: في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم على أصل واحد وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله # ذكر الحميدي في هذا فصلا من كلام أبي محمد بن حزم وهو من أحسن كلامه ~~فرأينا سياقه بلفظه قال الحميدي قال لنا الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن ~~سعيد اليزيدي الفارسي في بيان أصل الاختلاف الشرعي وأسبابه تطلعت النفس بعد ~~تيقنها أن ms136 الأصل المتفق عليه المرجوع إليه أصل واحد لا يختلف وهو ما جاء عن # PageV02P520 # صاحب الشرع إما في القرآن وإما من فعله أو قوله الذي لا ينطق عن الهوى ~~فيه. لما رأيت وشاهدت من اختلاف علماء الأمة فيما سبيله واحد وأصله غير ~~مختلف فبحثت عن السبب الموجب للاختلاف ولترك من ترك كثيرا مما صح من السنن ~~فوضح لها بعد التفتيش والبحث أن كل واحد من العلماء بشر ينسى كما ينسى ~~البشر وقد يحفظ الرجل الحديث ولا يحضره ذكره فيفتي بخلافه وقد يعرض هذا في ~~آي القرآن ألا ترى أن عمر رضي الله عنه أمر على المنبر ألا يزاد مهور ~~النساء على عدد ذكره ميلا إلى أن النبي لم يزد على # PageV02P521 # ذلك العدد في مهور نسائه حتى ذكرته امرأة من جانب المسجد بقوله تعالى ~~{وآتيتم إحداهن قنطارا} [النساء20] فترك قوله وقال: "كل أحد أعلم منك حتى ~~النساء" وفي رواية أخرى "امرأة أصابت ورجل أخطأ" علما # PageV02P522 # منه رضي الله عنه بأن النبي وإن كان لم يزد في مهور النساء على عدد ما ~~فإنه لم يمنع مما سواه والآية أعم. # وكذلك أمر رضي الله عنه برجم امرأة ولدت لستة أشهر فذكره علي رضي الله ~~عنه بقوله تعالى {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف15] # مع قوله {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة233] فرجع عن ~~الأمر برجمها. # PageV02P523 # وهم أن يسطو بعيينة بن حصن إذ جفا عليه حتى ذكره الحر بن قيس بقول الله ~~عز وجل {وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف199] . # PageV02P524 # فأمسك عمر. # وقال رضي الله عنه يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما مات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يموت حتى يكون آخرنا حتى قرئ عليه {إنك ~~ميت وإنهم ميتون} [الزمر30] فرجع عن ذلك" وقد كان علم الآية ولكنه نسيها ~~لعظم الخطب الوارد عليه. وقد يذكر العالم الآية والسنة ولكن يتأول # PageV02P525 # فيهما تأويلا من خصوص أو نسخ أو معنى ما وإن كان كل ذلك يحتاج إلى دليل ~~ولا شك أن الصحابة رضي الله ms137 عنهم كانوا بالمدينة حوله مجتمعين وكانوا ذوي ~~معايش يطلبونها وفي ضنك من القوت فمن محترف في الأسواق ومن قائم على نخله ~~ويحضره في كل وقت منهم طائفة إذا وجدوا أدنى فراغ مما هم بسبيله. # وقد نص على ذلك أبو هريرة فقال إن إخواني من # PageV02P526 # المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم ~~القيام على نخلهم وكنت امرءا مسكينا أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~ملء بطني. وقد قال عمر رضي الله عنه ألهاني الصفق بالأسواق في حديث استئذان ~~أبي موسى وكان # PageV02P527 # صلى الله عليه وسلم يسأل عن المسألة ويحكم بالحكم ويأمر بالشيء ويفعل ~~الشيء فيحضره من حضره ويغيب عنه من غاب عنه فلما مات ولي أبو بكر كان إذا ~~جاءته القضية ليس عنده فيها نص سأل من بحضرته من الصحابة عنها فإن وجد ~~عندهم نصا رجع إليه وإلا اجتهد في الحكم فيها وكان اجتهاده واجتهاد غيره ~~منهم رضي الله عنهم رجوعهم إلى نص عام أو إلى أصل إباحة متقدمة أو إلى نوع ~~من هذا يرجع إلى أصل ولا يجوز أن يظن أحد أن اجتهاد احد منهم هو أن يشرع ~~شريعة باجتهاد ما أو يخترع حكما لا أصل له حاشاهم من ذلك. # فلما ولي عمر رضي الله عنه فتحت الأمصار وتفرقت # PageV02P528 # الصحابة في الأقطار فكانت الحكومة تنزل بالمدينة أو بغيرها من البلاد فإن ~~كان عند الصحابة الحاضرين لها نص حكم به وإلا اجتهدوا في ذلك وقد يكون في ~~تلك القضية نص موجود عند صاحب آخر في بلد آخر. # وقد حضر المدني مالم يحضر المصري وحضر المصري مالم يحضر الشامي وحضر ~~الشامي مالم يحضر البصري والبصري مالم يحضر الكوفي والكوفي مالم يحضر ~~البصري والمدني مالم يحضر الكوفي والبصري كل هذا موجود في الآثار وتقتضيه ~~الحالة التي ذكرنا من # PageV02P529 # مغيب بعضهم عن مجلسه في بعض الأوقات وحضور غيره يم مغيب الذي حضر وحضور ~~الذي غاب فيدري كل واحد منهم ما حضره ويفوته ما غاب عنه هذا أمر مشاهد. ms138 # وقد كان علم التيمم عند عمار وغيره وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا لا ~~يتيمم الجنب ولو لم يجد الماء شهرين. # وكان حكم المسح على الخفين عند علي وحذيفة ولم تعلمه عائشة ولا ابن عمر ~~ولا أبو هريرة على أنهم # PageV02P530 # مدنيون. # وكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود وغاب ذلك عن أبي موسى وكان ~~حكم الاستئذان عند أبي موسى وأبي سعيد الخدري وأبي وغاب عن عمر. # PageV02P531 # وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر قبل أن تطوف عند ابن عباس وأم سليم ولم ~~يعلمه ابن عمر وزيد بن ثابت. # وكان حكم المتعة والحمر الأهلية عند علي وغيره ولم يعلمه ابن عباس وكان ~~حكم الصرف عند عمر وأبي سعيد وغيرهما وغاب ذلك عن طلحة وابن عباس وابن عمر. # PageV02P532 # وكذلك حكم إجلاء أهل الذمة من بلاد العرب كان عند ابن عباس وعمر فنسيه ~~عمر سنتين فتركهم حتى ذكر بذلك فذكره فأجلاهم ومثل هذا كثير فمضى الصحابة ~~على هذا ثم خلف بعدهم # PageV02P533 # التابعون الآخذون عنهم وكل طبقة من التابعين في البلاد التي ذكرنا فإنما ~~تفقهوا بمن كان عندهم من الصحابة وكانوا لا يتعدون فتاويهم لا تقليدا لهم ~~ولكن لأنهم أخذوا ورووا عنهم إلا اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم ~~من الصحابة رضي الله عنهم كإتباع أهل المدينة في الأكثر فتاوي ابن عمر ~~وإتباع أهل مكة في الأكثر فتاوي ابن عباس وإتباع أهل الكوفة في الأكثر ~~فتاوي ابن مسعود. # ثم أتى من بعد التابعين فقهاء الأمصار كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى ~~بالكوفة وابن # PageV02P534 # جريج بمكة ومالك وابن الماجشون بالمدينة وعثمان البتي # PageV02P535 # وسوار بالبصرة والأوزاعي بالشام والليث بمصر فجروا على تلك الطريقة من ~~أخذ كل واحد منهم عن التابعين من أهل بلده وتابعوهم عن # PageV02P536 # الصحابة فيما كان عندهم وفي اجتهادهم فيما ليس عندهم وهو موجود عند غيرهم ~~ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وكل من ذكرنا مأجور على ما أصاب فيه أجرين ~~ومأجور فيما خفي عنه ولم يبلغه أجرا ms139 واحدا قال تعالى {لأنذركم به ومن بلغ} ~~[الأنعام19] وقد يبلغ الرجل ممن ذكرنا نصان ظاهرهما التعارض فيميل إلى ~~أحدهما بضرب من الترجيحات ويميل غيره إلى النص الآخر الذي تركه بضرب آخر من ~~الترجيحات كما روى # PageV02P537 # عثمان بن عفان في الجمع بين الأختين أحلتهما آية وحرمتهما آية وكما مال ~~ابن عمر إلى تحريم نساء أهل الكتاب جملة بقوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات ~~حتى يؤمن} [البقرة221] وقال لا أعلم شركا أعظم من قول المرأة إن عيسى ربها ~~وغلب ذلك على الإباحة المنصوصة في الآية الأخرى ومثل هذا كثير. # فعلى هذه الوجوه ترك بعض العلماء ما تركوا من الحديث ومن الآيات وعلى هذه ~~الوجوه خالفهم # PageV02P538 # نظراؤهم فأخذ هؤلاء ما ترك أولئك وأخذ أولئك ما ترك هؤلاء لا قصدا إلى ~~خلاف النصوص ولا تركا لطاعتها ولكن لأحد الأعذار التي ذكرنا إما من نسيان ~~وإما أنها لم تبلغهم وإما لتأويل ما وإما لأخذ بخبر ضعيف لم يعلم الآخذ به ~~ضعف رواته وعلمه غيره فيأخذ بخبر آخر أصح منه أو بظاهر آية وقد يتنبه بعضهم ~~في النصوص الواردة إلى معنى ويلوح منه حكم بدليل ما ويغيب عن غيره وقد كثرت ~~الرحل إلى الآفاق وتداخل الناس وانتدب أقوام لجمع حديث النبي وضمه وتقييده ~~ووصل من البلاد # PageV02P539 # البعيدة إلى من لم يكن عنده وقامت الحجة على من بلغه شيء منه وجمعت ~~الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأولة في الحديث وعرف الصحيح من ~~السقيم وزيف الاجتهاد المؤدي إلى خلاف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإلى ترك عمله وسقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن ببلوغها إليه وقيام ~~الحجة بها عليه ولم يبق إلا العناد والتقليد. # وعلى هذه الطريقة كان الصحابة رضي الله عنهم وكثير من التابعين يرحلون في ~~طلب الحديث الأيام الكثيرة طلبا للسنن والتزاما لها. # وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر في حديث واحد إلى عقبة بن عامر ورحل ~~علقمة والأسود إلى # PageV02P540 # عائشة وابن عمر ورحل علقمة إلى أبي الدرداء بالشام وكتب معاوية ms140 إلى ~~المغيرة اكتب إلي بما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل هذا كثير ~~انتهى كلامه. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية جماع الأعذار في # PageV02P541 # ترك من ترك من الأئمة حديثا ثلاثة أصناف: # أحدها: عدم اعتقاده أن النبي قاله # الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول # الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ # وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة # السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن ~~يكون عالما بموجبه فإذا لم يبلغه وقد قال في تلك النازلة بموجب ظاهر آية أو ~~حديث آخر أو بموجب قياس أو استصحاب فقد يوافق الحديث المتروك تارة ويخالفه ~~أخرى وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض ~~الأحاديث فإن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من ~~الأئمة واعتبر ذلك # PageV02P542 # بالخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسننه وأحواله وخصوصا الصديق الذي لم يكن يفارقه لا سفرا ولا حضرا ~~وكان عنده غالب الأوقات حتى كان يسمر عنده بالليل وكان كثيرا ما يقول: ~~"دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" # PageV02P543 # "وذهبت أنا وأبو بكر وعمر" ثم مع ذلك الاختصاص خفي على أبي بكر ميراث ~~الجدة وكان علمه عند المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة وعمران بن الحصين وليس ~~هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر ولا قريبا منه في العلم وخفي على عمر سنة ~~الاستئذان وتوريث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي ~~وهو أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض البوادي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فترك رأيه لذلك وقال # PageV02P544 # لو لم نسمع هذا لقضينا بخلافه وخفي عليه حكم المجوس حتى أخبره عبد الرحمن ~~بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب وخفي ~~عليه حكم الطاعون ms141 حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إذا وقع # PageV02P545 # بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا ~~عليه". # وتذاكر هو وابن عباس أمر الذي شك في صلاته فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك ~~حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي أنه يطرح الشك ويبني على ما استيقن. # PageV02P546 # وكان مرة في السفر فهاجت ريح فجعل يقول من يحدثنا عن الريح قال أبو هريرة ~~فبلغني ذلك وأنا في أخريات الناس فحثثت راحلتي حتى أدركته فحدثته بما أمر ~~به النبي عند هبوب الريح. # فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من عمر أعلم منه بكثير. # ومواضع أخرى لم يبلغه ما فيها من السنة فقضى وأفتى بغيرها كما قضى في دية ~~الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها وقد كان عند أبي موسى # PageV02P547 # وابن عباس وهما دونه في العلم أن النبي قال: "هذه وهذه سواء" فبلغت هذه ~~السنة معاوية في إمارته فقضى بها ولم يجد المسلمون بدا من اتباع ذلك. # وكان عمر ينهى المحرم عن التطيب قبل الإحرام وقبل الإفاضة إلى مكة بعد ~~رمي الجمرة هو وابنه عبد الله وغيرهما من أهل العلم ولم يبلغهم حديث عائشة ~~رضي الله عنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ~~ولحله قبل أن يطوف بالبيت # PageV02P548 # وكان أمر لابس الخف أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير توقيت واتبعه على ~~ذلك طائفة من السلف ولم تبلغهم أحاديث التوقيت التي صحت عند من عمر أعلم ~~منه. # وكذلك عثمان لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد في منزل الموت ~~حتى حدثته الفريعة بنت مالك # PageV02P549 # أخت أبي سعيد الخدري بقصتها لما توفي زوجها وأن النبي قال لها امكثي في ~~بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله فأخذ به عثمان وترك فتواه. # وأهدي له مرة صيد كان قد صيد لأجله وهو محرم فهم بأكله حتى أخبره علي رضي ~~الله عنهما بأن النبي رد لحما ms142 أهدي له وهو محرم. # PageV02P550 # وأفتى علي وابن عباس وغيرهما أن المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد أقصى ~~الأجلين ولم تكن قد بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيعة ~~الأسلمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتاها حين وضعت حملها بأنها قد ~~حلت للأزواج. # PageV02P551 # وأفتى هو وزيد بن ثابت وابن عمر وغيرهم بأن المفوضة إذا مات عنها زوجها ~~فلا مهر لها ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت ~~واشق وهذا باب واسع. # وأما المنقول فيه عن من بعد الصحابة والتابعين # PageV02P552 # فأكثر من أن يحصى فإذا خفي على أعلم الأمة وأفقهها بعض السنة فما الظن ~~بمن بعدهم فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل فرد من الأئمة أو إماما ~~معينا فقد أخطأ خطأ فاحشا. # قال أبو عمر وليس أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد خفيت ~~عليه بعض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة فمن بعدهم. # وصدق أبو عمر رضي الله عنه فإن مجموع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أقواله وأفعاله وإقراره لا يوجد عند رجل واحد أبدا ولو كان أعلم أهل ~~الأرض فإن قيل فالسنة قد دونت وجمعت وضبطت وصار ما تفرق منها عند الفئة ~~الكثيرة مجموعا عند واحد. # PageV02P553 # قيل هذه الدواوين المشهورة في السنن إنما جمعت بعد انقراض عصر الأئمة ~~المتبوعين. # ومع هذا فلا يجوز أن يدعى انحصار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~دواوين معينة ثم لو فرض انحصار السنة في هذه الدواوين فليس كل ما فيها ~~يعلمه العالم ولا يكاد يحصل ذلك لأحد أبدا بل قد يكون عند الرجل الدواوين ~~الكثيرة وهو لا يحيط علما بما فيها بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين ~~كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا ~~يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع أو لا يبلغنا بالكلية وكانت دواوينهم ~~صدورهم التي تحوي أضعاف ms143 ما في الدواوين. # PageV02P554 # فصل # السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه ~~أو من فوقه مجهول عنده أو سيء الحفظ أو متهم أو لم يبلغه مسندا بل منقطعا ~~أو لم يضبط له لفظ الحديث ويكون ذلك الحديث بعينه قد رواه الثقات لغيره ~~بإسناد صحيح متصل بأن يعلم غيره عدالة ذلك المجهول أو يرويه له ثقة غيره ~~ويتصل له من غير تلك الجهة المنقطعة ويضبطه له من لم يضبطه للآخر أو يقع له ~~من الشواهد والمتابعات مالم يقع لغيره فيكون الحديث حجة على من بلغه من هذا ~~الوجه وليس بحجة على من بلغه من الوجه الأول ولهذا علق كثير من الأئمة ~~القول بموجب الحديث على صحته فيقول قولي فيها كيت وكيت وقد روي فيها حديث ~~بخلافه فإن صح فهو قولي وأمثلة هذا كثيرة جدا. # PageV02P555 # فصل # السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره فقد يعتقد ~~أحد المجتهدين ضعف رجل ويعتقد الآخر ثقته وقوته وقد يكون الصواب مع المضعف ~~لاطلاعه على سبب خفي على الموثق وقد يكون الصواب مع الآخر لعلمه بأن ذلك ~~السبب غير قادح في روايته وعدالته إما لأن جنسه غير قادح وإما لأن له فيه ~~عذرا أو تأويلا يمنع الجرح. # وقد لا يعتقد الذي بلغه الحديث أن راويه سمعه من غيره لأسباب معروفة عنده ~~خفيت على غيره. # وقد يكون للمحدث حالان: حال استقامة وحال اضطراب فلا يدري الرجل أن حديثه ~~المعين حدث به في حال الاستقامة أو في حال الاضطراب فيتوقف فيه ويعلم غيره ~~أنه حدث به في حال الاستقامة فيقبله. # PageV02P556 # وقد يكون المحدث قد نسي الحديث الذي قد حدث به فينكره فيبلغ المجتهد ~~إنكاره له ولا يعمل به ويرى غيره أن نسيانه له لا يقدح في صحة الحديث ووجوب ~~العمل به. # وأيضا فكثير من الحجازيين لا يحتج بحديث عراقي ولا شامي إن لم يكن له أصل ~~بالحجاز حتى قال بعض من يذهب هذا المذهب نزلوا أحاديث أهل العراق منزلة ~~أحاديث ms144 أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقيل لبعض من كان يذهب إلى هذا ~~المذهب سفيان عن منصور # PageV02P557 # عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة قال إن لم يكن له أصل بالحجاز فلا. ~~وكان الشافعي يرى هذا المذهب أولا ثم رجع عنه وقال للإمام أحمد يا أبا عبد ~~الله إذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميا كان أو عراقيا # PageV02P558 # ولم يقل أو حجازيا لأنه لم يكن يشك هو ولا غيره في أحاديث أهل الحجاز. # وأكثر أهل العلم على خلاف هذا المذهب وأن الحديث إذا صح وجب العمل به من ~~أي مصر من الأمصار كان مخرجه وعلى هذا إجماع أهل الحديث قاطبة. # فصل # السبب الرابع: اشتراط بعضهم في خبر الواحد العدل شروطا يخالفه فيها غيره ~~كاشتراط بعضهم أن يكون الراوي فقيها إذا خالف ما رواه القياس واشتراط بعضهم ~~انتشار الحديث وظهوره إذا كان مما تعم به البلوى واشتراط بعضهم أن لا يكون ~~الحديث قد تضمن زيادة على نص القرآن لئلا يلزم منه نسخ القرآن به وهذه ~~مسائل معروفة. # PageV02P559 # فصل # السبب الخامس: أن ينسى الحديث أو الآية كما نسي عمر قوله تعالى {إنك ميت ~~وإنهم ميتون} [الزمر30] ونسي قوله {وآتيتم إحداهن قنطارا} [النساء20] ونسي ~~فتوى النبي له ولعمار بالتيمم للجنابة في السفر وكذلك ما روي أن عليا ذكر ~~الزبير يوم الجمل شيئا عهده إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ~~فانصرف عن القتال قلت فيكون الناسي معذورا بفتواه بخلاف النص فما عذر ~~الذاكر # PageV02P560 # للنص إذا قلد الناس وخالف الذاكر والذكر. # فصل # السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث إما لكون لفظ الحديث غريبا عنده ~~مثل لفظ المزابنة والمحاقلة # PageV02P561 # والمخابرة والملامسة والمنابذة والحصاة والغرر # PageV02P562 # ونحوها من الكلمات الغريبة التي يختلف العلماء في تأويلها ومثل قوله لا ~~طلاق ولا عتاق في إغلاق. # فإنهم فسروا الإغلاق بالإكراه قلت هذا تفسير كثير من الحجازيين. # ومنهم من فسره بالغضب وهو تفسير العراقيين ونص عليه أحمد وأبو عبيد وأبو ~~داود. # ومنهم من فسره بجمع الثلاث في كلمة ms145 واحدة فإنه مأخوذ من غلق الباب أي ~~أغلق عليه باب الطلاق جملة وصحح بعضهم هذاالتفسير وجعله أولى التفاسير # PageV02P563 # وممن حكى الأقوال الثلاثة صاحب مطالع الأنوار وصاحب مشارق الأنوار وهذا ~~الباب يعرض منه اختلاف كثير سببه أن يكون لذلك اللفظ في لغته وعرفه معنى ~~غير معناه في لغة الرسول أو أعم منه أو أخص فتفطن لهذا الموضع فإنه منشأ ~~لغلط كثير على صاحب الشرع # والصواب في لفظ الإغلاق أنه الذي يغلق على صاحبه باب تصوره أو قصده ~~كالجنون والسكر # PageV02P564 # والإكراه والغضب كأنه لم ينفتح قلبه لقصده ولا وطر له فيه ومن هذا لفظ ~~الخمر فإنه في لغة الشارع اسم لكل مسكر لا يختص بنوع من أنواعه وهذا المعنى ~~مطابق لاشتقاقه فتخصيصه ببعض الأنواع المسكرة دون بعض اصطلاح حادث حصل بحمل ~~كلام الشارع عليه تخصيص لما قصد الشارع تعميمه ولهذا لم يختلف المخاطبون ~~بالقرآن أولا وهم الصحابة في تحريم ذلك كله. # فصل # ومن هذا الخلاف العارض من جهة كون اللفظ مشتركا أو مجملا أو مترددا بين ~~حمله على معناه عند الإطلاق وهو المسمى بالحقيقة أو على معناه عند التقييد ~~وهو المسمى بالمجاز كاختلافهم في المراد من القرء هل هو الحيض أو الأطهار ~~ففهمت طائفة منه الحيض # PageV02P565 # وأخرى الطهر وكما فهمت طائفة من الخيط الأبيض والأسود الخيطين المعروفين ~~وفهم غيرهم بياض النهار وسواد الليل وكما فهمت طائفة من قوله في التيمم ~~{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة6] المسح إلى الآباط ففعلوه وفهم ~~آخرون المسح إلى المرافق ففعلوه وأسعد الناس بفهم الآية من فهم منها المسح ~~إلى الكوع وهذا هو الذي فهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآية وهو ~~نظير فهمه # PageV02P566 # القطع من الكوع من آية السرقة. # وكما فهمت طائفة من قوله: {وامسحوا برؤوسكم} البعض مقدرا أو غير مقدر ~~وفهم آخرون مسح الجميع وفهمهم مؤيد بفعل الرسول. # وكما فهم بعضهم من قوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء11] # PageV02P567 # الثلاثة فصاعدا اعتمادا على الحقيقة وفهم الآخرون الإثنين فصاعدا اعتمادا ~~على فهم الجنس ms146 الزائد على الواحد وهؤلاء أسعد بفهم الآية. # وكما فهم الصديق ومن معه من الكلالة التي يرث معها الإخوة والأخوات للأب ~~أنها عدم الولد وإن سفل والأب وإن علا وفهم آخرون منها عدم الأب دون من ~~فوقه والصديق أسعد بفهم الآية كما اتفق المسلمون على أن الكلالة في قوله: # PageV02P568 # {كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} ~~[النساء12] أنها عدم الولد وإن سفل والأب وإن علا وكما فهم من فهم من السلف ~~والخلف من قوله تعالى {الطلاق مرتان} [البقرة229] # أنه مرة بعد مرة مثل قوله {سنعذبهم مرتين} [التوبة101] وقوله {فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله} [النور6] # وقوله في الحديث " فلما أقر أربع مرات رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~" وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين ~~لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} [النور58] . # PageV02P569 # وجميع ما ذكر فيه تعدد المرة فهذا سبيله فالثلاث المجموعة بكلمة واحدة ~~مرة واحدة وفهم آخرون منها الجمع والإفراد ولا يخفى أي الفهمين أولى. # وكما فهم من أباح نكاح التحليل ذلك من قوله {حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة230] وفهم المحرمون المبطلون له بطلانه من نفس الآية من عدة أوجه ~~منها قوله {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة230] ونكاح التحليل لا يدخل في ~~النكاح المطلق كما لم يدخل فيه نكاح الشغار والمتعة ونكاح المعتدة ونكاح ~~المحرمة فإن الذي أخرج هذه الأنواع من النكاح المطلق المأذون فيه هو الذي ~~أخرج نكاح التحليل منه بنصوص أكثر وأصرح من تلك النصوص. # ومنها تسميته سبحانه لهذا الثاني زوجا وأحكام الزوج عرفا وشرعا منتفية عن ~~المحلل وانتفاء الأحكام # PageV02P570 # مستلزم لانتفاء الاسم شرعا وعرفا وكذلك هو فإن أهل العرف لا يسمونه زوجا ~~والشارع إنما سماه تيسا مستعارا فلا يجوز تسميته زوجا إلا على وجه التقييد ~~بأن يقال زوج ملعون أو زوج في نكاح تحليل أو في نكاح باطل. # ومنها أنه جعل الزوج الثاني وطلاقه بمنزلة الزوج الأول وطلاقه فالمفهوم ~~منها واحد وغير ذلك من الوجوه التي ms147 أفهمت منها الآية بطلان نكاح المحلل وهي ~~عشرة قد ذكرناها في موضع آخر ولا ريب أن فهم هؤلاء أولى بالصواب. # PageV02P571 # ومن هذا فهم بعضهم إباحة العينة من قوله تعالى {إلا أن تكون تجارة حاضرة ~~تديرونها بينكم} [البقرة282] وفهم آخرون منها تحريمها وبطلانها فإن لفظ ~~التجارة البيع المقصود الذي يقصد به كل واحد من المتعاقدين الربح والانتفاع ~~ولا يعرف أهل اللغة والعرف من لفظ التجارة إلا ذلك ولا يعد أحد منهم قط ~~الحيلة على الربا تجارة وإن كان المرابي يعد ذلك تجارة كما يعد بيع الدرهم ~~بالدرهمين فالعينة لا تعد تجارة لغة ولا شرعا ولا عرفا. # وكما فهم من فهم من قوله تعالى {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} ~~[النور3] أنه العقد وفهم آخرون أنه نفس الوطء وفهم الأولين أصوب لخلو الآية ~~عن الفائدة إذا حمل على الوطء. وكما فهم أهل الحجاز من قوله تعالى {أو ~~ينفوا من الأرض} [المائدة33] . # PageV02P572 # طرده من الأرض من موضع إلى موضع وفهم أهل العراق منه الحبس. وبالجملة ~~فهذا الفصل معترك النزاع. # فصل # السبب السابع: أن يكون عارفا بدلالة اللفظ وموضوعه ولكن لا يتفطن لدخول ~~هذا الفرد المعين تحت اللفظ إما لعدم إحاطته بحقيقة ذلك الفرد وأنه مماثل ~~لغيره من الأفراد الداخلة تحته وإما لعدم حضور ذلك الفرد بباله وإما ~~لاعتقاده اختصاصه بخصيصة يخرجه من اللفظ العام وإما لاعتقاده العموم فيما ~~ليس بعام أو الإطلاق فيما هو مقيد فيذهل عن المقيد كما يذهل عن المخصص. # PageV02P573 # فصل # السبب الثامن: اعتقاده أن لا دلالة في ذلك اللفظ على الحكم المتنازع فيه ~~فهاهنا أربعة أمور أحدها أن لا يعرف مدلول اللفظ في عرف الشارع فيحمله على ~~خلاف مدلوله. الثاني أن يكون له في عرف الشارع معنيان فيحمله على أحدهما ~~ويحمله غيره على المعنى الآخر. # الثالث أن يفهم من العام خاصا أو من الخاص عاما أو من المطلق مقيدا أو من ~~المقيد مطلقا. # الرابع أن ينفي دلالة اللفظ وتارة يكون مصيبا في نفس الدلالة وتارة يكون ~~مخطئا فمن نفى ms148 دلالة قوله {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض} ~~[البقرة187] على حل أكل ذي الناب والمخلب أصاب ومن نفى دلالة قوله {وأنكحوا ~~الأيامى منكم} [النور32] . # PageV02P574 # على جواز نكاح الزانية أصاب ومن نفى دلالة قوله {قل لا أجد في ما أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام145] على الإذن في أكل ما عدا المذكور ~~في الآية أصاب ومن نفى دلالة العام على ما عدا محل التخصيص غلط ومن نفى ~~دلالته على ما عدا محل السبب غلط ومن نفى دلالة الأمر على الوجوب والنهي ~~على التحريم غلط ومن هذا ما يعرض من الاختلاف في الأفعال المنفية بعد وجود ~~صورتها كقوله "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " "ولا صيام لمن لم يبيت ~~الصيام من الليل" # PageV02P575 # ولا صلاة لفذ خلف الصف ونحو ذلك. وطائفة لم تفهم المراد منه فجعلته مجملا ~~يتوقف العمل به على البيان. # وطائفة فهمت منه نفي الكمال المستحب وهذا ضعيف جدا فإن النفي المطلق بعيد ~~منه. # وطائفة فهمت نفي الأجزاء والصحة وفهم هؤلاء أقرب إلى اللغة والعرف ~~والشرع. # وطائفة فهمت نفي المسمى الشرعي وهؤلاء أسعد الناس بفهم المراد. # فصل # هذا كله قبل الوصول إلى السبب التاسع: وهو اعتقاده أن تلك الدلالة قد ~~عارضها ما هو مساو لها # PageV02P576 # فيجب التوقف أو ما هو أقوى منها فيجب تقديمه وهذه المعارضة نوعان معارضة ~~في الدليل ومعارضة في مقدمة من مقدماته. # فالمعارضة في الدليل أن يعتقد أنه قد عارضه ما هو أرجح منه فيجب عليه ~~العمل بالراجح وقد يكون مصيبا في ذلك وقد لا يكون مصيبا فالمصيب من اعتقد ~~المعارضة بناسخ يصح فيه دلالته ومقاومته وتأخره فإن انتفى بعضها كان واهما ~~في اعتقاد المعارضة وإبطال النص بها. # وأما المعارضة في المقدمة فأن يقوم عنده معارض كجزء الدليل مثاله أن ~~يعتقد تحريم الميسر بالنص الدال على تحريمه ويدل عنده دليل على دخول ~~الشطرنج فيه ثم يقوم عنده دليل معارض لهذا الدليل يدل على أن الشطرنج ليس ~~من الميسر فها هنا أربعة أمور # PageV02P577 # أحدها: أن لا ms149 يعتقد دلالة اللفظ على المعنى. # الثاني: أن يعتقد دلالته ولكن يقوم عنده معارض للدليل. # الثالث: أن يقوم عنده معارض لمقدمة من مقدماته. # الرابع: أن يتعارض عنده الدلالتان والتعارض قد يقع في الدليلين وقد يقع ~~في الدلالتين والفرق بينهما أن تعارض الدليلين يكون مع اعتقاد دلالة كل ~~واحد منهما على مطلوبه. # وتعارض الدلالتين يقع في الدليل الواحد فيكون له وجهان ثم قد يتبين رجحان ~~المعارض فيصير إلى الراجح وقد لا يتبين له الرجحان فيتوقف وقد يترك الحديث ~~لظنه انعقاد الإجماع على خلافه إذ لم يبلغه الخلاف ويكون إنما معه عدم ~~العلم بالمخالف لا العلم بوجود المخالف وهذا العذر لم يكن أحد من الأئمة # PageV02P578 # والسلف يصير إليه وإنما لهج به المتأخرون وقد أنكره أشد الإنكار الشافعي ~~والإمام أحمد وقال الشافعي مالا يعلم فيه خلاف لا يقال له إجماع هذا لفظه ~~وأما الإمام أحمد فقال من ادعى الإجماع فقد كذب وما يدريه لعل الناس ~~اختلفوا وقد كتبت نصوصه ونصوص الشافعي في غير هذا الموضع ولا خلاف بين ~~الأئمة أنه إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن عدم ~~العلم بالقائل به مسوغا لمخالفته فإنه دليل موجب للاتباع وعدم العلم ~~بالمخالف لا يصلح أن يكون معارضا فلا يجوز ترك الدليل له وإذا تأملت هذا ~~الموضع وجدت كثيرا من أعيان العلماء قد صاروا إلى أقوال متمسكهم فيها عدم ~~العلم بالمخالف مع قيام الأدلة الظاهرة على # PageV02P579 # خلاف تلك الأقوال وعذرهم رضي الله عنهم أنهم لم يكن لأحد منهم أن يبتدئ ~~قولا لم يعلم به قائلا مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه فيتركب من هذا ~~العلم وعدم ذلك العلم الإمساك عن اتباع ذلك الدليل. # وها هنا انقسم العلماء ثلاثة أقسام: فقسم أخذوا بما بلغهم من أقوال أهل ~~العلم وقالوا لا يجوز لنا أن نخالفهم ونقول قولا لم نسبق إليه وهؤلاء ~~معذورون قبل وصول الخلاف إليهم فأما من وصل إليه الخلاف وعلم بذلك القول ~~قائلا فما أدري ما عذره عند الله في مخالفته ms150 صريح الدليل. # وقسم توقفوا وعلقوا القول فقالوا إن كان في المسألة إجماع فهو أحق ما ~~اتبع وإلا فالقول فيها كيت وكيت وهو موجب الدليل ولو علم هؤلاء قائلا به ~~لصرحوا بموافقته فإذا علم به قائل فالذي ينبغي ولا يجوز غيره أن يضاف ذلك ~~القول إليهم لأنهم إنما تركوه لظنهم أنه لا قائل # PageV02P580 # به وأنه لو كان به قائل لصاروا إليه فإذا ظهر به قائل لم يجز أن يضاف ~~إليهم غيره إلا على الوجه المذكور وهذه الطريقة أسلم. # وقسم ثالث: اتبعوا موجب الدليل وصاروا إليه ولم يقدموا عليه قول من ليس ~~قوله حجة ثم انقسم هؤلاء قسمين. # فطائفة علمت أنه يستحيل أن تجمع الأمة على خلاف هذا الدليل وعلمت أنه لا ~~بد أن يكون في الأمة من قال بموجبه وإن لم يبلغهم قوله فما كل ما قاله كل ~~واحد من أهل العلم وصل إلى كل واحد من المجتهدين وهذا لا يدعيه عاقل ولا ~~يدعي في أحد وقد نص الشافعي على مثل ذلك فذكر البيهقي عنه في المدخل أنه ~~قال له # PageV02P581 # بعض من ناظره فهل تجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثابتة متصلة ~~خالفها الكل قلت لا لم أجدها قط كما وجدت المرسل. # وطائفة قالت: يجوز أن لا يتقدم به قائل ولكن لا يلزم انعقاد الإجماع على ~~خلافه إذ لعل تلك النازلة تكون قد نزلت فأفتى فيها بعض العلماء أو كثير ~~منهم أو أكثرهم بذلك القول ولم يستفت فيها الباقون ولم تبلغهم فحفظ فيها ~~قول طائفة من أهل العلم ولم يحفظ لغيرهم فيها قول والذين حفظ قولهم فيها ~~ليسوا كل الأمة فيحرم مخالفتهم. # قالوا فنحن في مخالفتنا لمن ليس قوله حجة أعذر منكم في مخالفتكم لمن قوله ~~حجة فإن كنتم معذورين في مخالفة الدليل لقول من بلغتكم أقوالهم مع أنهم ~~ليسوا كل الأمة فنحن في مخالفتهم لقيام الدليل أعذر عند الله ورسوله منكم ~~وهذا كما تراه لا يمكن دفعه إلا بمكابرة أو إجماع متيقن معلوم لا شك فيه ~~وبالله التوفيق. ms151 # PageV02P582 # ومما يوضح هذا أن كل من ترك موجب الدليل لظن الإجماع فإنه قد تبين لغيره ~~أنه لا إجماع في تلك المسألة والخلاف فيها قائم ونحن نذكر من ذلك طرفا ~~يسيرا يستدل به العالم على ما وراءه. # فمن ذلك قول مالك لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد وصدق رضي الله عنه فلم ~~يعلم أحدا أجازها وعلمه غيره فأجازها علي بن أبي طالب وأنس بن مالك وشريح ~~القاضي حكاه الإمام أحمد وغيره وروى أحمد عن أنس قال لا أعلم أحدا رد شهادة ~~العبد وقال لا أعلم أحدا أوجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P583 # في الصلاة ووجوبها محفوظ عن أبي جعفر الباقر وقال الشافعي أجمعوا على أن ~~المعتق بعضه لا يرث وقد صح توريثه عن علي وابن مسعود وقال الشافعي وقد قيل ~~له فهل من مرسل ما قال به أحد قال نعم أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن المنكدر ~~أن رجلا جاء إلى النبي فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي مالا ~~وعيالا وإن لأبي مالا وعيالا يريد أن يأخذ مالي # PageV02P584 # فيطعمه عياله فقال: "أنت ومالك لأبيك" قال الشافعي فقال محمد بن الحسن ~~أما نحن فلا نأخذ بها ولكن هل من أصحابك من يأخذ به قلت لا لأن من أخذ بهذا ~~جعل للأب الموسر أن يأخذ من مال ابنه قال أجل ما يقول بهذا أحد قال فلم ~~يخالفه الناس قلت لأنه لم يثبت فإن الله لما فرض للأب ميراثه من ابنه فجعله ~~كوارث غيره وقد يكون أنقص حظا من كثير من # PageV02P585 # الورثة دل ذلك على أن ابنه مالك للمال دونه وقد قال بهذا الحديث جماعة من ~~السلف منهم شيخ الشافعي سفيان بن عيينة وصاحبه الإمام أحمد وغيرهما ولم ~~يعلم به الشافعي قائلا واعتذر عن مخالفته بأنه مرسل لم يثبت ولم يعتذر عن ~~مخالفته بالإجماع وقد صح اتصاله. # وقال الثوري فيما إذا طلق المدخول بها ثم راجعها ثم طلقها قبل دخول ثان ~~بعد الرجعة فإن أكثر العلماء على أنها ms152 تستأنف العدة قال سفيان أجمع الفقهاء ~~على هذا وسفيان من كبار أئمة الإسلام وقد حكى الإجماع على هذا والنزاع في ~~ذلك موجود قبله وبعده # PageV02P586 # فإن مذهب عطاء أنها تبنى على ما مضى كما لو طلقها قبل الرجعة وهو أحد ~~قولي الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد وحكى عن مالك قول ثالث أنه إن قصد ~~الإضرار بها بنت وإلا استأنفت وحكي عن داود قول رابع أنه لا عدة عليها بحال ~~جعلها مطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها بالطلاق الثاني والأول انقطعت عدته ~~بالرجعة والأكثرون يقولون هي زوجة مدخول بها. # ومن ذلك أن الليث بن سعد حكى الإجماع على أن المسافر لا يقصر الصلاة في ~~اقل من يومين هذا مع سعة علمه وفقهه وجلالة قدره والنزاع في مسافة القصر عن ~~الصحابة والتابعين أشهر من أن يذكر. # ومن ذلك ما ذكره مالك في موطأه فقال فمن الحجة على من قال ذلك القول أي ~~أنه لا يقضى بشاهد # PageV02P587 # ويمين لأنه ليس في القرآن فيقال أرأيت لو أن واحدا ادعى على رجل مالا ~~أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه وإن حلف بطل ذلك الحق عنه وإن نكل عن ~~اليمين حلف صاحب الحق إن حقه لحق وثبت حقه على صاحبه قال فهذا مما لا خلاف ~~فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلاد اه والحلف بالقضاء بالنكول وحده ~~دون اشتراط رد اليمين أشهر من أن يذكر. # وإبراهيم النخعي لا يقول بالرد بحال ومذهب أبي حنيفة وأصحابه لا يرون ~~لزوم تحليف المدعي بحال بل يقضون بالنكول وأبو ثور ذكر في المسألة قولا ~~ثالثا أنه إذا امتنع أن يحلف وسأل حبس المدين حبسه له. # وأحمد وإن كان يحلف المدعي في بعض الصور # PageV02P588 # كالقسامة والقضاء بشاهد ويمين فإن المشهور عنه أنه يقضي بالنكول دون ~~الرد. وفي مذهب أحمد قول آخر أنه يقضي بالرد وهو اختيار أبي الخطاب وأبي ~~محمد المقدسي في العمدة. وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه من قضى بالنكول ~~نقض حكمه. ومع هذا فأبو عبيد يحكي ms153 الإجماع على خلاف هذا # PageV02P589 # فإنه قال في كتاب القضاء لما ذكر أحاديث القضاء إن اليمين على المدعى ~~عليه قال وفي ذلك سنة يستدل عليها بالتأويل وذلك أنه لما قضى أنه لا براءة ~~للمطلوب إلا باليمين إلى الطالب كان فيه دليل على أن ترك أدائها إيجاب ~~للدعوى عليه وتصديق لما يدعي. # قال وقد زعم بعض من يدعي النظر في الفقه أن إباء اليمين لا يوجب عليه حقا ~~ولكنه زعم يحبس حتى يقر أو يحلف وهذا خلاف التأويل والأخبار وإجماع ~~العلماء. # ومن ذلك ما قاله مالك في موطئه الأمر المجمع عليه عندنا والذي سمعت ممن ~~أرضى به في القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث أن يبدأ ~~بيمين المدعين في القسامة وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين إما أن يقول ~~المقتول دمي عند # PageV02P590 # فلان أو يأتي ولاة الدم بلوث فهذا يوجب القسامة للمدعين للدم على من ~~ادعوه عليه. # قال مالك ولا تجب القسامة إلا بأحد هذين الوجهين قال مالك وتلك السنة ~~التي لا اختلاف فيها عندنا والذي لم يزل عليه الناس أن المبدئين بالقسامة ~~أهل الدم الذي يدعونه في العمد والخطأ. # قال ابن عبد البر وقد أنكر العلماء على مالك قوله إن القسامة لا تجب إلا ~~بقول المقتول دمي عند فلان أو يأتي بلوث يشهدون به لأن المقتول بخيبر لم ~~يدع على أحد ولا قال دمي عند أحد ولا قال النبي للأنصار تأتون بلوث قالوا ~~وقد جعل مالك سنة ما ليس له مدخل في السنة. # وكذلك أنكروا عليه أيضا في هذا الباب قوله الأمر # PageV02P591 # المجمع عليه أن يبدأ المدعون بالإيمان في القسامة قالوا فكيف اجتمعت ~~الأئمة في الفقه والحديث وابن شهاب يروي عن سليمان بن يسار وأبي سلمة بن ~~عبد الرحمن عن رجل من الأنصار أن النبي بدأ اليهود في الإيمان قال وهذا ~~الحديث وإن لم يكن من روايته عن ابن شهاب فمن روايته عن ابن شهاب عن سليمان ~~بن يسار وعراك بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للجهني ms154 الذي ادعى دية وليه على ~~رجل من بني سعد بن ليث وكان أجرى فرسه فوطئ على إصبع الجهني فنزى منها الدم ~~فمات فقال عمر للذي ادعى عليهم: # PageV02P592 # أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات منها فأبوا وتحرجوا وقال للمدعين ~~احلفوا فأبوا فقضى بشطر الدية على السعديين قالوا فأي أمة اجتمعت على هذا. # ومن ذلك قال الشافعي في مختصر المزني في مسألة اليمين الغموس ودل إجماعهم ~~على أن من حلق في الإحرام عمدا أو خطأ أو قتل صيدا عمدا أو خطأ في الكفارة ~~سواء وعلى أن الحالف بالله وقاتل المؤمن عمدا أو خطأ في الكفارة سواء فقد ~~ذكر الإجماع على التسوية بين العامد والمخطئ في قتل الصيد وحلق الشعر ~~ومعلوم ثبوت النزاع في ذلك قديما وحديثا فمذهب جماعة من السلف أن قاتل ~~الصيد خطأ لا جزاء عليه ويروى ذلك عن ابن عباس وطاوس # PageV02P593 # وسعيد بن جبير ويروى ذلك عن القاسم وسالم وعطاء ومجاهد وهو قول ابن ~~المنذر # PageV02P594 # وداود وأصحابه وقول إسحاق في الشعر وهو رواية عن أحمد في الصيد وخرج ~~أصحابه في مذهبه في الحلق والتقليم قولا مثله وكذلك ذكره ابن أبي هريرة ~~قولا للشافعي في # PageV02P595 # الصيد وذكر أبو إسحاق وغيره أن له قولا مخرجا في الحلق والتقليم في الخطأ ~~أنه لا كفارة فيه كالطيب واللباس فصار في المسألة ثلاثة أقوال الكفارة ~~فيهما وعدم الكفارة فيهما والكفارة في الصيد دون الحلق والتقليم. # ومن ذلك ما حكاه ابن المنذر قال أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن ~~الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار فطلقها ثلاثا ثم تزوجت ~~بعد ما انقضت عدتها ثم نكحها الحالف الأول ثم دخلت الدار أنه لا يقع عليها ~~الطلاق لأن طلاق الملك قد انقضى والنزاع في هذه المسألة معروف فإن هذه ~~المسألة لها صورتان: # PageV02P596 # إحداهما: أن لا توجد الصفة فإن الصفة تعود في المشهور في مذهب أحمد حتى ~~إن من أصحابه من يقول تعود الصفة هنا رواية واحدة وهذا أحد أقوال الشافعي ms155 ~~بل هو الصحيح عند العراقيين من أصحابه كما ذكره أبو إسحاق وغيره وهو قول ~~حماد بن أبي سليمان وزفر وكذلك ذكره الطحاوي عن الأوزاعي وعثمان البتي وابن ~~الماجشون # PageV02P597 # إذا طلق ثم تزوج تعود اليمين قال الطحاوي ولم يذكروا بعد الثلاث. # والقول الثاني: لا تعود الصفة بحال وهو قول أبي ثور والمزني وقد حكى ابن ~~حامد رواية فيمن قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ثم باعه قبل الدخول ثم ~~اشتراه لم يعتق عليه بحال فذكر عنه في العتق أن الصفة لا تعود وفي الطلاق ~~أولى كما صرح أصحابه بمثل ذلك القول. # الثالث: أنه إن أبانها بالثلاث لم ترجع # PageV02P598 # الصفة وبدونها ترجع وهو مذهب أبي حنيفة وقول الشافعي ومن ذلك ما حكاه ابن ~~المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لامرأته أنت ~~طالق إن شئت فقالت قد شئت إن شاء فلان أنها قد ردت الأمر ولا يلزمه الطلاق ~~إن شاء فلان كذلك قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الشافعي. # ولأصحاب الشافعي في هذه المسألة وجهان حكاهما الماوردي وغيره ومن ذلك قال ~~ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لامرأته ~~أنت طالق ثلاثا إلا إثنتين أنها تطلق واحدة وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا ~~واحدة أنها تطلق ثنتين فإن قال: أنت طالق # PageV02P599 # ثلاثا إلا ثلاثا طلقت ثلاثا وممن حفظ هذا عنه الثوري والشافعي وأبو ثور ~~وأصحاب الرأي # والخلاف في المسألة مشهور فمذهب أحمد المنصوص عنه إذا قال أنت طالق ثلاثا ~~إلا ثنتين وقعت الثلاث لأن استثناء الأكثر عنده باطل وإذا قال ثلاثا إلا ~~واحدة صح الاستثناء في المشهور من مذهبه. # وقال أبو بكر عبد العزيز لا يصح الاستثناء في الطلاق وهو نظير أشهر ~~الروايتين عند شريح فيما إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار أنها تطلق ولا ~~يتعلق بالشرط المؤخر وهي رواية ثابتة عن أحمد وأكثر أجوبته كقول الجمهور. # ومن ذلك ما حكاه أن ابن عبد البر ms156 نقل # PageV02P600 # الإجماع على أن الاعتكاف يلزم بالشروع فقال وقال مالك يلزمه بالنية مع ~~الدخول وإن قطعه لزمه قضاؤه. # قال ابن عبد البر لا يختلف في ذلك الفقهاء ويلزمه القضاء عند جمهور ~~العلماء والخلاف في ذلك أشهر شيء فمذهب الشافعي وأحمد في مشهور قوله إنه لا ~~يلزم وقال الشافعي كل عمل لك أن لا تدخل فيه فإذا دخلت فيه فليس عليك أن ~~تقضي إلا الحج والعمرة. # ومن ذلك ما حكاه صالح بن أحمد عن أبيه أنه قال لا اختلاف أنه لا يرث ~~المسلم الكافر ولا الكافر المسلم والخلاف في ذلك مشهور عن الصحابة ~~والتابعين. # ومن ذلك ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار قال وأما القراءة في ~~الركوع والسجود # PageV02P601 # فجميع العلماء على أن ذلك لا يجوز اه وليس ذلك بإجماع فقد سئل عطاء عن ~~ذلك فقال رأيت عبيد بن عمير يقرأوهو راكع وحكي عن سلمان بن ربيعة أنه كان ~~يقرأوهو ساجد وقال مغيرة عن إبراهيم في الرجل يقرأ فيترك الآية فيذكرها وهو ~~راكع قال يقرأها وهو راكع وقال مغيرة كانوا يقرأون في الركوع الآية ~~والآيتين إذا بقي على الرجل من قراءته. # PageV02P602 # ومن ذلك ما حكاه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في كتاب الطهور وقد ذكر من ~~كان يتوضأ من مس الذكر ثم قال وهو منسوخ لأن أهل العلم اجتمعوا على خلاف ~~هذا. # ومن ذلك ما ذكره أبو عمر بن عبد البر فقال وأما الشهادة على رؤية الهلال ~~فأجمع الفقهاء على أنه لا يقبل في شهادة شوال في الفطر إلا شهادة رجلين ~~عدلين والخلاف في ذلك مشهور وقد حكى ابن المنذر عن أبي ثور وطائفة من أهل ~~الحديث القول بقول الواحد في الصوم والفطر. # ومن ذلك ما قاله أبو ثور لا يختلفون أن أقل الطهر خمسة عشر يوما والخلاف ~~في ذلك مشهور وقد قال إسحاق توقيت هؤلاء بخمسة عشر باطل وقال أحمد في إحدى ~~الروايتين عنه أقله ثلاثة عشر يوما. # PageV02P603 # ومن ذلك ما حكاه غير واحد من العلماء أن الحالف بالطلاق ms157 والعتاق إذا حنث ~~في يمينه أنه تطلق عليه زوجته ويعتق عليه عبده أو جاريته حكى ذلك بضعة عشر ~~من أهل العلم وعذرهم أنهم قالوا بموجب علمهم وإلا فالخلاف في ذلك ثابت عن ~~السلف والخلف من وجوه: # الوجه الأول: ما رواه الأنصاري حدثنا أشعث ثنا بكر عن أبي # PageV02P604 # رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت هي يوما يهودية ~~ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله وعليها المشي إلى ~~بيت الله إن لم تفرق بينهما فسألت عائشة وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة ~~فكلهم قال لها أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت وأمروها أن تكفر يمينها ~~وتخلي بينهما. # وقال يحيى بن سعيد القطان عن سليمان # PageV02P605 # التيمي حدثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع فذكره عن زينب ورواه الأوزاعي ~~حدثني حسن بن الحسن حدثني بكر بن عبد الله المزني حدثني # PageV02P606 # رافع فذكره وذكر فيه العتق فهذه ثلاث طرق فقد برىء سليمان التيمي من عهدة ~~التفرد بذكر العتق بمتابعة أشعث وحسن بن الحسن له حتى ولو تفرد بها التيمي ~~فهو أجل من أن يرد ما تفرد به وهو أجل من الذين لم يذكروا الزيادة فصح ذكر ~~العتق في هذا الأثر وزال الارتياب فهؤلاء ستة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يعلم لهم مخالف أفتوا من قالت كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين ~~مملوكها وبين امرأته أن تكفر يمينها وتخلي بين الرجل وامرأته وهم ابن عباس ~~في سعة علمه وابن عمر في شدة ورعه وتحريه وأبو هريرة مع كثرة حفظه وعائشة ~~وحفصة وأم سلمة وهؤلاء من أفقه نساء الصحابة أو أفقههن على الإطلاق. # فإن كان التقليد فمن جعل هؤلاء بينه وبين الله أعذر عند الله ممن جعل ~~بينه وبينه من لا يدانيهم وأن # PageV02P607 # كان الدليل والحجة فهاتوا دليلا واحدا لا يطعن فيه من كتاب الله أو سنة ~~رسوله أو قياس يستوي فيه حكم الأصل والفرع على وقوع الطلاق المحلوف به ms158 ~~وأكثركم لم يعول في ذلك إلا على ما ظنه من الإجماع وهو معذور قبل الاطلاع ~~على النزاع فما عذره بعد الاطلاع على أن المسألة مسألة خلاف بين الأئمة إذا ~~استحل عقوبة من يفتي بها وجاهر بالكذب والبهت أنه خالف إجماع الأمة أفترى ~~هؤلاء الذين هم من سادات الأمة وعلمائها يفتون بالكفارة في العتق وبلزوم ~~الطلاق وهل يمكن بشر على وجه الأرض أن يفرق بين قول الحالف إن فعلت كذا ~~فعبدي حر وبين قوله إن فعلت كذا وكذا فإمرأتي طالق بفرق تلوح منه رائحة ~~الفقه. # الوجه الثاني: من الوجوه المثبتة أن المسألة مسألة # PageV02P608 # نزاع لا مسألة إجماع ما رواه عبد الرزاق في جامعه حدثنا معمر عن ابن طاوس ~~عن أبيه أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا قلت أكان يراه يمينا قال لا ~~أدري. # الوجه الثالث: ما رواه سنيد بن داود في تفسيره حدثنا عباد بن عباد ~~المهلبي عن عاصم الأحول عن عكرمة في رجل قال لغلامه إن لم أجلدك مائة سوط ~~فامرأتي طالق. # PageV02P609 # قال لا يجلد غلامه ولا تطلق امرأته هذا من خطوات الشيطان. # الوجه الرابع: أن في الطلاق المعلق بالشرط قولين للعلماء أحدهما يقع عند ~~وقوع شرطه والثاني لا يقع بحال ولا يتعلق الطلاق بالشرط كما لا يتعلق ~~النكاح به وهذا اختيار أجل أصحاب الشافعي الذي أخذ عنه وكان يلازمه أبو عبد ~~الرحمن ولا ينزل اختياره عن درجة من له وجه من المتأخرين بل هو أجل من ~~أصحاب الوجوه وهو مذهب داود بن علي الأصبهاني وابن حزم وأصحابهما. # قال أبو محمد بن حزم واليمين بالطلاق لا يلزم # PageV02P610 # سواء بر أو حنث لا يقع به طلاق ولا طلاق إلا كما أمر الله عز وجل ولا ~~يمين إلا كما أمر الله على لسان رسوله والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق ~~باليمين لا يجوز وكل ذلك لا يلزم ولا يكون طلاق إلا كما أمر الله عز وجل به ~~وعلمه وهو القصد إلى الطلاق وأما ما عدا ذلك فباطل وممن قال بقولنا في ms159 أن ~~اليمين بالطلاق ليس شيئا ولا يقضى به على من حلف به علي بن أبي طالب وشريح ~~وطاوس ولا يعرف لعلي مخالف من الصحابة. # الوجه الخامس: أن أبا الحسين القدوري ذكر في # PageV02P611 # شرحه أنه إذا قال طلاقك علي واجب أو لازم أو فرض أو ثابت أو إن فعلت كذا ~~فطلاقك علي واجب أو لازم أو ثابت ففعلت قال فعلى قول أبي حنيفة لا يقع ~~الطلاق في الكل وعند أبي يوسف إن نوى الطلاق يقع في الكل وعن محمد يقع في ~~قوله لازم ولا يقع في قوله واجب قال صاحب الذخيرة: وكان الشيخ ظهير الدين ~~المرغيناني يفتي بعدم الوقوع في الكل # الوجه السادس: إن القفال أفتى في قوله الطلاق # PageV02P612 # يلزمني أنه لا يقع به الطلاق نواه أو لم ينوه قال قال أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن يونس في شرح التنبيه في قول المصنف وإن قال الطلاق والعتاق لازم ~~لي ونواه لزمه لأنهما يقعان بالكناية مع النية وهذا اللفظ يحتمل فجعل كناية ~~فقال الروياني الطلاق لازم صريح وعد ذلك في صرايح الطلاق ولعل وجهه عنده ~~استعماله لإرادة الطلاق وقال القفال في فتاويه ليس بصريح ولا كناية حتى لا ~~يقع به الطلاق وإن نواه. # PageV02P613 # الوجه السابع: إن أشهب بن عبد العزيز وهو من أجل أصحاب مالك أفتى فيمن ~~قال لإمرأته إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق ففعلته تقصد وقوع الطلاق به أنها ~~لا تطلق مقابلة لها بنقيض قصدها كما لو قتل الوارث مورثه أو المدبر سيده أو ~~الموصي له ونظائر ذلك مما يقابل به الرجل بنقيض قصده ذكر ذلك عنه ابن رشد ~~في مقدماته وهذا محض الفقه لو كان الحلف يقع به الطلاق. # PageV02P614 # الوجه الثامن: أن أصحاب مالك من أشد الناس في هذا الباب فلا يعذرون ~~الحالف بجهل ولا نسيان ويوقعون الطلاق على من حلف على مالا يعلم فبان كما ~~حلف عليه ومع هذا فقد حكوا عدم الوقوع بالحلف بالطلاق عن علي بن أبي طالب ~~وشريح وطاوس ونحن نذكر ألفاظهم قال أبو القاسم ms160 عبد العزيز بن إبراهيم بن ~~أحمد بن بزيزة في كتاب مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام الباب الثالث في ~~حكم اليمين بالطلاق فقد قدمنا في كتاب الإيمان اختلاف العلماء في اليمين ~~بالطلاق والعتق والمشي # PageV02P615 # وغير ذلك هل يلزم أم لا فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشريح وطاوس ~~لا يلزم عن ذلك شيء ولا يقضى بالطلاق على من حلف به فحنث ولا يعرف لعلي في ~~ذلك مخالف من الصحابة هذا لفظه مع اعتقاده وقوع الطلاق على من حلف به فحنث ~~ولم يطعن في هذا النقل ولم يعترضه باعتراض. # الوجه التاسع: إن فقهاء الإمامية من أولهم إلى آخرهم ينقلون عن أهل البيت ~~أنه لا يقع الطلاق المحلوف به وهذا متواتر عندهم عن جعفر بن محمد وغيره من ~~أهل البيت. # وهب أن مكابرا كذبهم كلهم وقال قد تواطئوا # PageV02P616 # على الكذب عن أهل البيت ففي القوم فقهاء وأصحاب علم ونظر في اجتهاد وإن ~~كانوا مخطئين مبتدعين في أمر الصحابة فلا يوجب ذلك الحكم عليهم كلهم بالكذب ~~والجهل وقد روى أصحاب الصحيح عن جماعة من الشيعة وحملوا حديثهم واحتج به ~~المسلمون ولم يزل الفقهاء ينقلون خلافهم ويبحثون معهم والقوم وإن أخطأوا في ~~بعض المواضع لم يلزم من ذلك أن يكون جميع ما قالوه خطأ حتى يرد عليهم هذا ~~لو انفردوا بذلك عن الأمة فكيف وقد وافقوا في قولهم من قد حكينا قولهم ~~وغيره ممن لم تقف على قوله. # الوجه العاشر: إنه لم يزل أئمة الإسلام يفتون بما يظهر لهم من الدليل وإن ~~لم يتقدمهم إليه أحد وإذا شئت أن تقف على ذلك فانظر إلى كثير من فتاوي ~~الأئمة التي لا تحفظ عن أحد من أهل العلم قبلهم. # وقال إسحاق بن منصور الكوسج سألت إسحاق عن مسألة فذكر قوله فيها فقلت إن ~~أخاك # PageV02P617 # أحمد بن حنبل أجاب فيها بمثل جوابك فقال ما ظننت أن أحدا يوافقني عليها. # وقال ابن المنذر وهو من أعلم الناس بالإجماع والاختلاف لم يسبق الشافعي ~~إلى نجاسة الأبوال أحد ms161 يريد بول ما يؤكل لحمه وقال شيخنا لم يسبق أحمد بن ~~حنبل إلى الحكم بإسلام أولاد أهل الذمة الصغار بموت آبائهم أحد ولم يسبقه ~~إلى إقعاد المرأة أول ما ترى الدم يوما وليلة ثم تصلي وهي ترى الدم أحد. # وأما غيره فمن له أدنى اطلاع على أقوال السلف والخلف لا يخفى عليه ذلك ~~ولكثرته تركنا ذكره. # الوجه الحادي عشر: أنا لو لم نعلم النزاع في هذه المسألة لم يكن لنا علم ~~بالإجماع المعلوم الذي تكون مخالفته # PageV02P618 # كفرا أو فسقا عليها بل ولا ظن به فإنا قد رأينا أكثر هؤلاء الذين يحكون ~~الإجماع إنما يحكونه على حسب اطلاعهم ومعناه عدم العلم بالمخالف وقد رأيت ~~من نقض إجماعاتهم التي حكوها ما هو قليل من كثير. # فغاية هذه الإجماعات أن تفيدنا عدم علم ناقلها بالخلاف وهذا بمجرده لا ~~يكون عذرا للمجتهد في ترك موجب الدليل والله أعلم. # فصل # ومن ذلك نقل من نقل الإجماع على أن المتكلم بالطلاق الثلاث في مرة واحدة ~~يقع به الثلاث وقال بموجب علمه وما بلغه وإلا فالخلاف في هذه المسألة ثابت ~~من وجوه: # الوجه الأول: إنه على عهد الصديق إنما كان يفتي بأنها واحدة كما روى مسلم ~~في صحيحه أن أبا الصهباء قال # PageV02P619 # لعبد الله بن عباس ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر من طلق ثلاثا جعلت واحدة قال نعم ~~وذكر الحديث ومن تتبع ألفاظه وطرقه جزم ببطلان تلك التأويلات التي غايتها ~~أن يتطرق إلى بعض ألفاظه وسياق طرقه وألفاظه صريحة في المراد فلو قال ~~القائل إن هذا مذهب أبي بكر الصديق وجميع الصحابة في عهده أصاب وصدق حاش من ~~لم يصرح منهم بأنها ثلاث وهم جمع من الصحابة صح ذلك عنهم بلا ريب فأقل ~~أحوال المسألة أن تكون مسألة نزاع بين الصحابة. # PageV02P620 # الوجه الثاني: إنه صح عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه أفتى بأنها واحدة ذكر ~~ذلك أبو داود وغيره # الوجه الثالث: إن هذا مذهب ms162 الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف حكاه ~~عنهما ابن وضاح وابن مغيث في وثائقه وغيرهما # الوجه الرابع: إنه إحدى الروايتين عن علي وابن مسعود وابن عباس # الوجه الخامس: إنه مذهب طاوس وخلاس بن عمرو # PageV02P621 # ومحمد بن إسحاق وداود وجمهور أصحابه # الوجه السادس: أنه مذهب إسحاق بن راهويه في غير المدخول بها صرح به في ~~كتاب اختلاف العلماء له وهو مذهب بعض فقهاء التابعين # الوجه السابع: أنه أحد القولين في مذهب مالك حكاه التلمساني في شرح ~~التفريع قال ابن الجلاب ومن # PageV02P622 # طلق امرأته ثلاثا في كلمة واحدة حرمت عليه قال الشارح إذا كان ذلك في ~~كلمات فلا خلاف في حرمتها لقوله تعالى {الطلاق مرتان} [البقرة229] إلى قوله ~~{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة230] وإن كان في ~~كلمة ففيه خلاف هل يرجع إلى الواحدة والمشهور من المذهب أنها ثلاث ثم قال ~~الشارع في موضع آخر في قوله من طلق امرأته ثلاثا في كلمة قال هذا تنبيه على ~~الخلاف وهو أن الثلاث في كلمة ترجع إلى الواحدة وهو قول شاذ في المذهب ~~ووجهه ما روي أن الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت واحدة. # الوجه الثامن: أنه أحد القولين في مذهب أبي حنيفة اختاره محمد بن مقاتل ~~الرازي حكاه عنه الطحاوي. # PageV02P623 # الوجه التاسع: أنه أحد القولين في مذهب أحمد حكاه شيخنا واختاره وأفتى به ~~وأقل درجات اختياراته أن يكون وجها في المذهب ومن الممتنع أن يكون اختيار ~~ابن عقيل وأبي الخطاب والشيخ أبي محمد وجوها يفتى بها واختيارات شيخ ~~الإسلام لا تصل إلى هذه المرتبة فالذي يجزم به أن دخول الكفارة في الحلف ~~بالطلاق وكون الثلاث في كلمة واحدة واحدة أحد الوجهين في مذهب أحمد وهو ~~مخرج على أصوله أصح تخريج والغرض نقض قول من ادعى الإجماع في ذلك ولتقرير ~~هذه المسألة موضع آخر. # PageV02P624 # الوجه العاشر: أنه من المحال أن تجمع الأمة على لزوم الثلاث وفيها حديثان ~~صحيحان صريحان عن رسول الله صلى ms163 الله عليه وسلم لا معارض لهما ولا ناسخ ~~وحديث آخر ظاهر في عدم الوقوع. # الحديث الأول: حديث أبي الصهباء عن ابن عباس وقد رواه مسلم في صحيحه ~~الحديث الثاني قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي ~~حدثنا محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن ~~عباس قال طلق ركانة بن عبد يزيد أخو المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن ~~عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف طلقها قال ~~طلقتها ثلاثا قال في مجلس واحد قال نعم قال فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت ~~قال فرجعها". # PageV02P625 # قال وكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر ورواه محمد بن عبد الواحد ~~المقدسي في مختارته التي هي أصح من صحيح الحاكم فهذا من رواية عكرمة عن ابن ~~عباس والأول من رواية طاوس وكان طاوس وعكرمة يقولان هي واحدة. # قال إسماعيل بن إبراهيم ثنا أيوب عن عكرمة # PageV02P626 # إذ قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة قال أبو داود وروى حماد بن زيد ~~عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة ~~فهؤلاء رواة الحديث عن ابن عباس قد أفتوا به ومنهم محمد بن إسحاق كان يفتي ~~بأن من قال أنت طالق ثلاثا فهي واحدة. # وكان يقول من جهل السنة فيرد إليها وهذا عين الفقه فإن العامي الجاهل إذا ~~جهل سنة الطلاق وطلق رد طلاقه إلى السنة لقوله كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ~~رد. # وأما الحديث الظاهر في عدم لزوم الثلاث فهو حديث محمود بن لبيد قال أخبر ~~النبي عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان # PageV02P627 # ثم قال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" حتى قام رجل فقال يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ألا أقتله رواه النسائي ولم يقل إنه أجازه عليه بل ~~الظاهر برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقرب من القطع أن رسول ms164 الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يجيز حكما تلاعب موقعه بكتاب الله بل هو أشد ردا له ~~وإبطالا والله المستعان. # فصل # ومن ذلك حكاية من حكى الإجماع على وقوع الطلاق في الحيض بحسب ما بلغه ~~والمسألة مسألة نزاع لا مسألة إجماع فصح عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق ~~امرأته وهي حائض لا تعتد بذلك وصح عن طاوس أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف ~~وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول وجه الطلاق أن يطلقها # PageV02P628 # طاهرا من غير جماع أو إذا استبان حملها وصح عن خلاس بن عمرو أنه قال في ~~الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال لا يعتد بها قال أبو محمد بن حزم ويكفي من ~~هذا كله المسند البين الثابت الذي خرجه أبو داود السجستاني قال حدثنا أحمد ~~بن صالح حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد ~~الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع كيف ترى في ~~رجل طلق امرأته حائضا فقال ابن عمر طلق ابن عمر امرأته وهي # PageV02P629 # حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض قال عبد ~~الله فردها علي ولم يرها شيئا وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك" وقرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق1] # قال وهذا إسناد في غاية الصحة لا يحتمل التوجيهات والكلام على هذا الحديث ~~وعلى الحديث # PageV02P630 # الآخر أرأيت إن عجز واستحمق وبيان عدم التعارض بينهما له موضع آخر ~~والمقصد أن المسألة من مسائل النزاع لا من مسائل الإجماع فأحد الوجهين في ~~مذهب الإمام أحمد أنه لا يقع الطلاق في زمن الحيض اختاره شيخ الإسلام ابن ~~تيمية وبالله التوفيق فلنرجع إلى ما كنا فيه وهو المقصود بذكر هذا الفصل ~~وهو الوهم الواقع بظن الإجماع فيما فيه النزاع حتى يقدم على ms165 مقتضى الحديث ~~أو مقتضى الدليل ثم يسلك من ظن الإجماع في تلك الأدلة مسلك التأويل فيكون ~~الحامل له على التأويل ما ظنه من الإجماع فإذا تبين الخلاف الثابت في ~~المسألة لم يبق للتأويل بما يخالف الظاهر مساغ وبالله التوفيق. # PageV02P631 ### | الفصل الرابع والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان ### | مدخل # ... # الفصل الرابع والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب ~~التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم ~~الإيمان # وهي قولهم: إن كلام الله وكلام رسوله أدلة لفظية لا تفيد علما ولا يحصل ~~منها يقين # وقولهم: إن آيات الصفات وأحاديث الصفات مجازات لا حقيقة لها # وقولهم: إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي رواها ~~العدول وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد العلم وغايتها أن تفيد الظن # وقولهم: إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي # فهذه الطواغيت الأربع هي التي فعلت بالإسلام ما فعلت وهي التي محت رسومه ~~وأزالت معالمه وهدمت قواعده وأسقطت حرمة النصوص من القلوب ونهجت طريق الطعن ~~فيها لكل زنديق وملحد فلا يحتج عليه # PageV02P632 # المحتج بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله إلا لجأ إلى طاغوت من هذه ~~الطواغيت واعتصم به واتخذه جنة يصد به عن سبيل الله والله تعالى بحوله ~~وقوته ومنه وفضله قد كسر هذه الطواغيت طاغوتا طاغوتا على ألسنة خلفاء رسله ~~وورثة أنبيائه فلم يزل أنصار الله ورسوله يصيحون بأهلها من أقطار الأرض ~~ويرجمونهم بشهب الوحي وأدلة المعقول ونحن نفرد الكلام عليها طاغوتا طاغوتا # PageV02P633 ### | الطاغوت الأول: قولهم نصوص الوحي أدلة لفظية وهي لا تفيد اليقين # قال متكلمهم مسألة الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة ~~عصمة رواة تلك الألفاظ وإعرابها وتصريفها وعدم الاشتراك والمجاز والنقل ~~والتخصيص بالأشخاص والأزمنة وعدم الإضمار والتقديم والتأخير والنسخ وعدم ~~المعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه إذ ترجيح النقل على العقل يقتضي ~~القدح # PageV02P633 # في ms166 العقل المستلزم للقدح في النقل لافتقاره إليه فإذا كان المنتج ظنيا ~~فما ظنك بالنتيجة # قال شيخ الإسلام والجواب عن هذا من وجوه # أحدها: أنا لا نسلم أنه موقوف على هذه المقدمات العشر بل نقول ليس موقوفا ~~على ما به يعرف مراد المتكلم فإن مراد القائل بقوله الأدلة اللفظية لا تفيد ~~اليقين أنه لا يعلم بها مراد المتكلم فأما كون مراده مطابقا للحق فذاك مبني ~~على ثبوت صدقه وعلمه وليس مرادهم هذا وإن أرادوا ذلك دون الأول فهو موقوف ~~على ثبوت عصمة المتكلم ومعرفة صدقه فقط فمن عرف أن الرسول أراد هذا المعنى ~~وعرف أنه صادق حصل له العلم اليقيني # والمقدمة الثانية: إيمانية فإن كل من شهد أن محمدا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم علم أنه خبر مطابق لمخبره فلا يجوز عليه الإخبار بما لا يطابق ~~مخبره وأما المقدمة الأولى فتعرفها علماء أمته وورثته وخلفاؤه قلت هاهنا ~~أمران أحدهما اليقين بمراد المتكلم والثاني اليقين بأن ما أراده هو الحق ~~فقول القائل كلام # PageV02P634 # الله ورسوله لا يفيد اليقين يحتمل أن يريد به مجموع الأمرين أي لا يفيد ~~علما بمراده ولو أفاد علما بالمراد لم يفد علما بكون ذلك المراد مطابقا ~~للحق في نفس الأمر ويحتمل أن يريد به المعنى الأول فقط وأنه لو حصل لنا ~~اليقين بمراده لحصل لنا اليقين بكونه حقا في نفس الأمر ويحتمل أن يريد به ~~المعنى الثاني فقط وهو أنه لو حصل اليقين بمراده لم يحصل اليقين بكونه ~~مطابقا للحق فإن ذلك لا يعلم إلا بأدلة والمعقول لا يعلم بمجرد الخبر فهذه ~~ثلاثة احتمالات فإن أراد المعنى الأول أو الثالث كان ذلك قدحا في الإيمان ~~به وتجويز الكذب عليه وأمثال ذلك مناف للجزم بتصديقه وإن أراد المعنى ~~الثاني وحده وهو أنها لا يحصل منها اليقين بمراده ولو حصل ذلك منها لحصل ~~اليقين بكونه حقا فهذا وإن لم يقدح في تصديقه فهو قادح في تحكيمه والتحاكم ~~إليه والاهتداء بكلامه موجب لعزله عن ذلك والإعراض عنه لأن التحاكم إلى ms167 من ~~لا يفيدك كلامه علما ولا يقينا لا يحصل به المقصود. # فإذا انضم إلى هذه المقدمة أن النقل إذا عارض العقل وجب تقديم العقل كمل ~~عزل الوحي واستحكم الإعراض عنه في باب معرفة الله عز وجل واسمائه وصفاته ~~وأفعاله فنقول معرفة مراد المتكلم تحصل بالنقل المتواتر كما حصل العلم بأنه ~~قال ذلك اللفظ بالنقل المتواتر فإنا نعلم أن قوله {لله على الناس حج البيت} ~~[آل عمران97] # PageV02P635 # متواتر نقل لفظه ونقل معناه عن الرسول ونعلم أن المراد بالله رب العالمين ~~وبالناس بنو آدم وبالبيت الكعبة التي يحجها الناس بمكة كما علمنا بالمتواتر ~~أن الرسول بلغ هذا الكلام عن الله وكذلك نعلم بالتواتر أن قوله تعالى {شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة185] المراد به هذا الشهر الذي بين ~~شعبان وشوال وأن القرآن هذا الكتاب الذي بين دفتي المصحف وكذلك عامة ألفاظ ~~القرآن نعلم قطعا مراد الله ورسوله منها كما نعلم قطعا أن الرسول بلغها عن ~~الله فغالب معاني القرآن معلوم أنها مراد الله خبرا كانت أو طلبا بل العلم ~~بمراد الله من كلامه أوضح وأظهر من العلم بمراد كل متكلم من كلامه لكمال ~~علم المتكلم وكمال بيانه وكمال هداه وإرشاده وكمال تيسيره للقرآن حفظا ~~وفهما عملا وتلاوة فكما بلغ الرسول ألفاظ القرآن للأمة بلغهم معانيه بل ~~كانت عنايته بتبليغ معانيه أعظم من مجرد تبليغ ألفاظه ولهذا وصل العلم ~~بمعانيه إلى من لم يصل إليه حفظ ألفاظه والنقل لتلك المعاني أشد تواترا ~~وأقوى اضطرارا فإن حفظ المعنى أيسر من حفظ اللفظ وكثير من الناس يعرف صورة ~~المعنى ويحفظها ولا يحفظ اللفظ والذين نقلوا الدين عنه علموا مراده قطعا ~~لما تلا عليهم من تلك الألفاظ. # ومعلوم أن المقتضى التام لفهم الكلام الذي بلغهم إياه # PageV02P636 # قائم وهم قادرون على فهمه وهو قادر على إفهامهم وإذا حصل المقتضى التام ~~لزم وجود مقتضاه وبالجملة فالأدلة السمعية اللفظية قد تكون مبنية على ~~مقدمتين يقينتين # إحداهما: أن الناقلين إلينا فهموا مراد المتكلم # والثانية: أنهم نقلوا إلينا ذلك المراد ms168 كما نقلوا اللفظ الدال عليه وكلا ~~المقدمتين معلومة بالاضطرار فإن الذين خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~باسم الصلاة والزكاة والصوم والحج والوضوء والغسل وغيرها من ألفاظ القرآن ~~في سائر الأنواع من الأعمال والأعيان والأزمنة والأمكنة وغيرها يعلم ~~بالاضطرار أنهم فهموا مراده من تلك الألفاظ التي خاطبهم بها أعظم من حفظهم ~~لها وهذا مما جرت به العادة في كل من خاطب قوما بخطبة أو دارسهم علما أو ~~بلغهم رسالة وإن حرصه وحرصهم على معرفة مراده أعظم من حرصهم على مجرد حفظ ~~ألفاظه ولهذا يضبط الناس من معاني المتكلم أكثر مما يضبطونه من لفظه فإن ~~المقتضى لضبط المعنى أقوى من المقتضى لحفظ اللفظ لأنه هو المقصود واللفظ ~~وسيلة إليه وإن كانا مقصودين فالمعنى أعظم المقصودين والقدرة عليه أقوى ~~فاجتمع عليه قوة الداعي وقوة القدرة وشدة الحاجة فإذا كانوا قد نقلوا ~~الألفاظ التي قالها الرسول مبلغا لها عن الله # PageV02P637 # وألفاظه التي تكلم بها يقينا فكذلك نقلهم لمعانيها فهم سمعوها يقينا ~~وفهموها يقينا ووصل إلينا لفظها يقينا ومعانيها يقينا وهذه الطريقة إذا ~~تدبرها العاقل علم أنها قاطعة وأن الطاعن في حصول العلم بمعاني القرآن شر ~~من الطاعن في حصول العلم بألفاظه ولهذا كان الطعن في نقل بعض ألفاظه من فعل ~~الرافضة وأما الطعن في حصول العلم بمعانيه فإنه من فعل الباطنية الملاحدة ~~فإنهم سلموا بأن الصحابة نقلوا الألفاظ التي قالها الرسول وأن القرآن منقول ~~عنه لكن ادعوا أن لها معاني تخالف المعاني التي يعلمها المسلمون وتلك هي ~~باطن القرآن وتأويله. وقول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين دهليز # PageV02P638 # إلى مذهب هؤلاء ومرقاة إليه لكن الفرق بينهما أنه يقول لا أعلم مراد ~~المتكلم بها وهم يقولون مراده هذه التأويلات الباطنة. # وما جاء به الرسول نوعان طلب وخبر فالطلب يقولون المراد به تحصيل الأخلاق ~~التي تستعد بها النفس لنيل العلوم العقلية فإذا حصلت لها تلك المعارف لم ~~يكن لاشتغالها بتلك الأسباب التي أمرت بها فائدة فسقط عنها ما يجب على ~~غيرها من النفوس الجاهلة ويباح ms169 لها ما يحرم على غيرها وعند هؤلاء مقصود ~~الشرائع تعديل النفوس بالأخلاق التي تعدها لإدراك العلوم. # وأما الأخبار فعقلاؤهم ورؤوسهم يعلمون قطعا أن الرسل إنما أرادت إفهام ~~الخلق ظواهرها وما دلت عليه لكن لا حقيقة لها في نفس الأمر والرسل كانت ~~تعلم ذلك لكن خيلوا إلى الناس ما ينتفعون به ويكونون به أدعى إلى الانقياد ~~ولم يكن ذلك إلا بإظهار ما لا حقيقة له وذلك سائغ للمصلحة إذ كان فهم ~~الجمهور عندهم للحقائق في نفس الأمر يوجب انحلالهم وانهماكهم في الشهوات. # وطائفة منهم تزعم أن الرسل إنما قصدت إفهام تلك التأويلات لكن أهل الظاهر ~~غلظ حجابهم وكثفت أفهامهم عن إدراكها فوقعوا بسبب قصور أفهامهم في العناء ~~والمشقة وتحمل أعباء التكاليف وهؤلاء وضعوا لهم قانونا في تأويل الأمر ~~والنهي والخبر كما وضعت الجهمية # PageV02P639 # والقدرية لهم قانونا في تأويل آيات الصفات وأخبارها واتفقت الطائفتان على ~~تقديم ما ظنوه من العقليات على نصوص الوحي وأنها لا يستفاد منها علم أصلا ~~ولا يعرف أحد من فرق الإسلام قبل ابن الخطيب وضع هذا الطاغوت وقرره وشيد ~~بنيانه وأحكمه مثله بل المعتزلة والأشعرية والشيعة والخوارج وغيرهم يقولون ~~بفساد هذا القانون وإن اليقين يستفاد من كلام الله ورسوله وإن كان بعض هذه ~~الطوائف يوافقون صاحب هذا القانون في بعض المواضع فلم يقل أحد منهم قط إنه ~~لا يحصل اليقين من كلام الله ورسوله البتة. # PageV02P640 # فصل # الطريق الثاني: في إبطال هذا الأصل أن يقال من المعلوم أن دلالة الأدلة ~~اللفظية لا تختص بالقرآن والسنة بل جميع بني آدم يدل بعضهم بعضا بالأدلة ~~اللفظية والإنسان حيوان ناطق فالنطق ذاتي له وهو مدني بالطبع لا يمكن أن ~~يعيش وحده كما يعيش الوحش بل لا يمكنه أن يعيش إلا مع بني جنسه فلا بد أن ~~يعرف بعضهم مراد بعض ليحصل التعاون فعلمهم الحكيم العليم تعريف بعضهم بعضا ~~مراده بالألفاظ كما قال تعالى {الرحمن علم القرآن خلق الأنسان علمه البيان} ~~[الرحمن4 , 1] وقال تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة31] وقال {علم ~~الأنسان ما ms170 لم يعلم} [العلق5] فكانت حكمة ذلك التعليم تعريف مراد المتكلم ~~فلو لم يحصل له المعرفة كان في ذلك إبطال لحكمة الله وإفساد لمصالح بني آدم ~~وسلب الإنسان خاصيته التي ميزه بها على سائر الحيوان وهذه الطريق يستدل بها ~~من وجوه # PageV02P641 # أحدها: أن هذا المقصود ضروري في حياة بني آدم فلا بد من وجوده فلو لم تفد ~~الأدلة اللفظية العلم بمراد المتكلم لم يعش بنو آدم واللازم منتف فالملزوم ~~مثله # الثاني: أنا نعلم قطعا أن جميع الأمم يعرف بعضهم مراد بعض بلفظه ويقطع به ~~ويتيقنه فقول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين قدح في العلوم الضرورية ~~التي اشترك الناس في العلم بها. # الثالث: أن معرفة الناس بمراد المتكلم منهم بكلامه أعظم من معرفتهم عامة ~~العلوم العقلية فمعرفتهم مراد المتكلم لهم بكلامه أتم وأقوى من معرفتهم ~~بتلك القوانين التي وضعها أربابها للقدح في إفادة الخطاب لليقين. # الرابع: أن الطفل أول ما يميز يعرف مراد من يربيه بلفظه قبل أن يعرفه ~~شيئا من العلوم الضرورية فلا أقدم عنده ولا اسبق من تيقنه لمراد من يخاطبه ~~بلفظه فالعلم بذلك مقدم على سائر العلوم الضرورية فمن جعل العقليات تفيد ~~اليقين والسمعيات لا تفيد معرفة مراد المتكلم فقد قلب الحقائق وناقض الفطرة ~~وعكس الواقع. # PageV02P642 # الخامس: أن كل إنسان يدل غيره بالأدلة اللفظية على ما يعرفه ويعرف مراد ~~غيره بالأدلة اللفظية وأما الاستدلال بالعقليات الكلية فلا يعرفه إلا بعض ~~الناس وما يعرفه كل أحد ويتيقنه فهو أظهر مما لا يعرفه إلا بعض الناس. # السادس: أن التعريف بالأدلة اللفظية أصل للتعريف بالأدلة العقلية فمن لم ~~يكن له سبيل إلى العلم بمدلول هذه لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول تلك بل ~~العلم بمدلول الأدلة اللفظية أسبق فإنه يوجد في أول تمييز الإنسان وحينئذ ~~فالقدح في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدح في حصول العلم بمدلول ~~الأدلة العقلية بل هي أصل العلم بها فإذا بطل الأصل بطل فرعه يوضحه: # الوجه السابع: وهو أن الإنسان في فهمه وإفهامه للدليل العقلي ms171 محتاج إلى ~~معرفة مراد المخبر به الذاكر له لمن يخاطبه فإذا لم يحصل له علم بمراده من ~~الدليل فكيف يحصل له علم بالمدلول. # الوجه الثامن: أن تعليم الأدلة اللفظية يحسنه كل أحد فما من أحد إلا ~~ويمكنه أن يعرف غيره لغته ويعرفه ما يعرفه بالأدلة اللفظية وأما تعليم ~~الدلالة العقلية فلا يحسنه كل أحد. # PageV02P643 # الوجه التاسع: أن الله سبحانه هدى البهائم والطير أن يعرف بعضها بعضا ~~مرادها بأصواتها كما يشاهد في أجناس الحيوان والطيور فالديك يصوت فيعرف ~~الدجاج مراده والفرس يصهل فيعرف الخيل مراده والكلب ينبح فتعرف الكلاب ~~مراده والهر تنوء فتعرف أولادها مرادها والدجاجة تعرف أفراخها مرادها ~~بصوتها وهذا من تمام عناية الخالق سبحانه بخلقه وهدايته العامة كما قال ~~موسى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه50] وقال تعالى {سبح اسم ~~ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى} [الأعلى3-1] # فكيف لا يعلم الآدميون مراد بعضهم من بعض وخطابهم بألفاظهم ولا يجزمون ~~به. # الوجه العاشر: أن أبلد الناس وأبعدهم فهما يعلم مراد أكثر من يخاطبه ~~بالكلام الركيك العادم للبلاغة والفصاحة فكيف لا يعلم أذكى الناس وأصحهم ~~أذهانا وأفهاما مراد المتكلم بأفصح # PageV02P644 # الكلام وأبينه وأدله على المراد ويحصل لهم اليقين بالعلم بمراده وهل ذلك ~~إلا من أمحل المحال. # الوجه الحادي عشر: أن هذا يستلزم الطعن والقدح في بيان المتكلم وفصاحته ~~أو في فهم السامع وذهنه أو فيهما معا فإن عدم العلم بمراده إن كان لتقصير ~~في بيانه كان ذلك قدحا فيه وإن كان لقصور فهم السامع كان كذلك فإذا كان ~~المتكلم تام البيان والمخاطب تام الفهم فكيف يتخلف العلم عنه بمراده. # الوجه الثاني عشر: أنه إذا كان التفاهم والعلم بمراد الحيوان من غيره ~~حاصلا للحيوانات فما الظن بأشرف أنواعها وهو الإنسان فما الظن بأشرف هذا ~~النوع وهم العقلاء المعتنون بالبيان والإيضاح فما الظن بالأنبياء المخصوصين ~~من العلم والبيان والأفهام بما ليس مثله لسواهم فما الظن بأفضل الأنبياء ~~وأعلمهم وأكملهم بيانا وأتمهم فصاحة وأقدرهم على التعبير عن المعنى ms172 باللفظ ~~الذي لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ولا يوهم غيره وأحرصهم على تعليم الأمة ~~وتفهيمهم وأصحابه أكمل الأمم عقلا وفهما وفصاحة وحرصا على فهم مراده فكيف ~~لا يكونون قد تيقنوا مراده بألفاظه وكيف لا يكون التابعون لهم بإحسان قد ~~تيقنوا مرادهم مما بلغوهم إياه عن نبيهم ونقلوه إليهم. # PageV02P645 # الوجه الثالث عشر: أنا نعلم بالضرورة أن شيوخنا الذين كانوا يخاطبوننا ~~كانوا يعرفونا مرادهم بألفاظهم وقد عرفنا مرادهم يقينا وهكذا نحن فيمن ~~نعلمه ونخاطبه وهم كانوا أفضل منا وأكمل علما وتعليما ومن قبلهم كانوا أفضل ~~منهم وأكمل علما وتعليما ومن قبلهم كذلك وهلم جرا إلى أوائل هذه الأمة فكيف ~~يكون هؤلاء كلهم لم يعلموا مراد الله ورسوله من كلامه ولا حصل لهم يقين ~~بمعرفة مراده من ألفاظه؟ ومن تدبر هذا أو تصوره تبين له أن قول القائل ~~الأدلة اللفظية التي جاء بها الرسول لا تفيدنا علما ولا يقينا من أعظم ~~أنواع السفسطة وأكثر أسباب الزندقة وأن هؤلاء # PageV02P646 # شر من اللاأدرية وشر من الباطنية # الوجه الرابع عشر: أن دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلم أقوى من ~~دلالة الأدلة العقلية على الحقائق الثابتة كما تقدم تقريره فكيف بدلالة ~~المقدمات المشتبهة التي غايتها أن يكون فيها حق وباطل وليس مع أصحابها إلا ~~إحسان الظن بمن قالها فإذا طولبوا بالبرهان على صحتها قالوا هكذا قال ~~العقلاء وهذا أمر قد صقلته أذهانهم وقبلته عقولهم فبين دلالة الأدلة ~~اللفظية على مراد المتكلم ودلالة هذه المقدمات على الحقائق تفاوت عظيم فكيف ~~تفيد هذه اليقين دون تلك وهل هذا إلا قلب للفطر وتعكيس للأذهان. # الوجه الخامس عشر: أن دلالة قول الرسول على مراده أكمل من دلالة شبهات ~~هؤلاء العقلية على معارضته بما لا نسبة بينهما فكيف تكون شبهاتهم تفيد ~~اليقين وكلام الله ورسوله لا يفيد اليقين # PageV02P647 # الوجه السادس عشر: أنك إذا تأملت العقليات التي زعموا أنها تفيد اليقين ~~وقدموها على كلام الله ورسوله وجدتها مخالفة لصريح المعقول وقد اعترفوا ~~أنها مخالفة لظاهر المنقول وهذا لا يعرف إلا بالامتحان كحكم ms173 عقولهم بأن ~~العرض لا يبقى زمانين وأن الأجسام كلها متماثلة فجسم النار مساو لجسم الماء ~~في الحقيقة وإنما اختلفا بالأعراض وجسم البول مساو لجسم المسك بالحقيقة ~~وإنما اختلفا في أعراضهما وحكم عقولهم بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وأن ~~ذلك المصدر لا يسمى باسم ولا يوصف بصفة ولا له ماهية غير الوجود المطلق ثم ~~الذي صدر عنه إن وجب أن يكون كذلك كان مصدره أيضا كذلك ولم يكن بالعالم ~~تكثر وإن كان فيه نوع تكثر فقد صدر عنه أكثر من واحد ومثل حكمهم بأن العاقل ~~والمعقول والعقل شيء واحد فالمبدأ الأول عاقل ومعقول وعقل ومثل حكمهم بأن ~~في الخارج كليات لا تتقيد بقيد ولا تتشخص بتشخيص ولا تتعين بتعيين وليست ~~داخلة العالم ولا خارجة وأنها جزء من هذه المعينات ومثل حكمهم بأن ذات الرب ~~تعالى مع كونها خارجة الذهن فليست خارجة العالم ولا داخلة فيه ولا متصلة به ~~ولا منفصلة عنه ولا حالة فيه ولا مباينة له ومثل حكمهم # PageV02P648 # بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل في الأزل وحصول المقدور فيه محال ~~ثم انتقل الفعل من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي فلا يحدد بسبب أصلا ~~وحدث من غير تجدد أمر يقتضي حدوثه بل حال الفاعل قبله ومعه وبعده واحدة ~~ومثل حكمهم بأن كلامه معنى واحد لا ينقسم ولا يتجزأ ولا له بعض ولا كل وأن ~~الأمر هو عين النهي وهما عين الخبر والاستخبار فالكل حقيقة واحدة وأن ~~الحواس والإدراكات يصح تعلقها بكل موجود فتؤكل الأصوات وتشم وتذاق وتسمع ~~الروائح والطعوم إلى أضعاف أضعاف ذلك من خواص علومهم التي جعلوها قواطع ~~عقلية تفيد اليقين وكلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد اليقين فقد تبين ~~أن ما نفى عنه هؤلاء اليقين من أعظم ما يفيد اليقين وما أثبتوا له اليقين ~~أبعد شيء عن اليقين. # الوجه السابع عشر: أن هذا من أنواع السفسطة بل هو شر أنواعها فإن أنواعها ~~ثلاثة # أحدها: التجاهل وهو لا أدري وأصحابه يسمون اللاأدرية # الثاني: النفي والجحود ms174 الثالث قلب الحقائق وهو جعل الموجود معدوما # PageV02P649 # والمعدوم موجودا إما في نفس الأمر وإما بحسب الاعتقاد والذي يدعي قلب ~~الحقائق في نفس الأمر أشد سفسطة ممن يدعي أنها تبع لاعتقاد الإنسان فيها ~~فإذا جعلت الأدلة العقلية التي هي من جنس ما تقدم وغيره تفيد اليقين ~~بمدلولاتها الخارجية والأدلة اللفظية التي أعلاها كلام الله ورسوله لا تفيد ~~اليقين كان ذلك من أعظم أنواع السفسطة وأكثر أسباب الزندقة فإن قلت فهم لم ~~يجعلوا كل دليل عقلي يفيد اليقين بل ما كانت مقدماته يقينية وتأليفه صحيحا ~~يوضحه. # الوجه الثامن عشر: إن قول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين إما أن ~~يريد به نفي العموم أو عموم النفي فإن أراد نفي العموم لم يفده شيئا فإن ~~عاقلا لا يدعي أن كل دليل لفظي يفيد اليقين حتى ينصب معه الخلاف ويحتج عليه ~~وإن أراد به عموم النفي كان هذا مكابرة للعيان وبهتا ومجاهرة بالكذب ~~والباطل. # PageV02P650 # الوجه التاسع عشر: أنا نعلم بالاضطرار أن مصنفي العلوم على اختلاف ~~أنواعها علم الناس مرادهم من ألفاظهم علما يقينيا وإنما يقع الشك في قليل ~~من كلامهم ويقل ذلك ويكثر بحسب القابل وقوة إدراكه وجودة تصوره وإلفه ~~لكلامهم وغرائبه منه ومعلوم قطعا أن علم الرسول بما يقوله وحرصه على إفهامه ~~وتعليمه وشدة بيانه له وحرص أمته على فهمه أعظم من حرص هؤلاء المصنفين ومن ~~يتعلم منهم فإذا حصل لأولئك اليقين بمعرفة مراد أرباب التصانيف فحصول ~~اليقين لأهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله أولى وأحرى. # وليس الكلام في هذا المقام في تثبيت نبوته بل الكلام مع من يقر بنبوته ~~ويشك في معرفة مراده بألفاظه فيقال لا ريب عند كل مؤمن بالله ورسوله أنه ~~كان أعلم الخلق بما يخبر به وما يأمر به فهو أعلم الخلق بما أخبر به عن ~~الله واليوم الآخر وأعلمهم بدينه وشرعه الذي شرعه لعباده وأنه كان أفصح ~~الأمة وأقدرهم على البيان وكشف المعاني فإنه عربي والعرب أفصح الأمم وقرشي ~~وقريش أفصح العرب وهو في نفسه كان أفصح قريش ms175 على الإطلاق وقد أقر له أعداؤه ~~بذلك ولهذا قال أنا أفصح العرب بيد أني من قريش واسترضعت في بني سعد بن بكر ~~وقد تكلم # PageV02P651 # الناس في فصاحة الحاضرة والبادية وفي شعر الحاضرة والبادية ورجح هؤلاء من ~~وجه وهؤلاء من وجه ورسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الله له كمال فصاحة ~~البادية والحاضرة ومن تدبر كلامه الذي تكلم به والقرآن الذي بلغه عن الله ~~وأخبر أن الله تكلم به وجد التفاضل بين كلامه هو عليه السلام وكلام غيره من ~~البشر ثم من المعلوم بالاضطرار من حاله أنه كان أحرص الناس على هدى أمته ~~وتعليمهم والبيان لهم فاجتمع في حقه كمال القدرة وكمال الداعي وكمال العلم ~~فهو أعلم الناس بما يدعو إليه وأقدرهم على أسباب الدعوة وأعظمهم رغبة ~~وأتمهم نصيحة فإذا كان من هو دونه بمراتب لا تحصى في كل صفة من هذه الصفات ~~قد بين مراده بلفظه كان هو أحق وأولى من كل وجه أن يكون قد استولى على ~~الأمد الأقصى من البيان. # فمن قال إن اليقين لا يحصل بألفاظه ولا يستفاد العلم من كلماته كان قدحه ~~في بيانه أعظم من قدحه في مراد سائر العلماء المصنفين ومن قدحه في حصول ~~العلم واليقين بمرادها وإلا كان قدحه في مراد عامة الآدميين أقرب وقدحه # PageV02P652 # في معرفته مراد البهائم بلغاتها أقرب ومن كان قوله مستلزما لهذه اللوازم ~~كان قوله من أفسد أقوال بني آدم وكان قوله قدحا في العقليات والشرعيات ~~والضروريات. # الوجه العشرون: إنه من المعلوم أن الصحابة سمعوا القرآن والسنة من النبي ~~وقرأوه وأقرأوه من بعدهم وتكلم العلماء في معانيه وتفسيره ومعاني الحديث ~~وتفسيره وما يتعلق بالأحكام ومالا يتعلق بها وهم مجمعون على غالب معاني ~~القرآن والحديث ولم يتنازعوا إلا في قليل من كثير لا سيما القرون الأولى ~~فإن النزاع بينهم كان قليلا جدا بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه وكان النزاع في ~~التابعين أكثر وكلما تأخر الزمان كثر النزاع وحدث من الاختلاف بين ~~المتأخرين ما لم يكن في الذين قبلهم فإن ms176 القرآن تضمن الأمر بأوامر ظاهرة ~~وباطنة والنهي عن مناه ظاهرة وباطنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~مقادير الصلوات ومواقيتها وصفاتها والزكوات ونصبها ومقاديرها وكذلك سائر ~~العبادات وعامة هذه الأمور نقلتها الأمة نقلا عاما متواترا خلفا عن سلف ~~وحصل العلم الضروري للخلق بذلك كما حصل لهم العلم الضروري بأنه بلغهم ~~ألفاظها وأنه قاتل المشركين وأهل الكتاب وأنه بعث بمكة # PageV02P653 # وهاجر إلى المدينة وأنه دعا الأمة إلى أن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أن هذا القرآن كلام الله الذي ~~تكلم به لا كلامه ولا كلام مخلوق وأنه ليس قول البشر وأنه علمهم أن ربه فوق ~~سمواته على عرشه وإن الملك نزل من عنده إليه ثم يعرج إلى ربه وأن ربه يسمع ~~ويرى ويتكلم وينادي ويحب ويبغض ويرضى ويغضب وأن له يدين ووجها وأنه يعلم ~~السر وأخفى فلا يخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض وأنه يقيمهم من ~~قبورهم أحياء بعدما مزقهم البلى إلى دار النعيم أو إلى الجحيم فالعلم ~~الضروري بأنه جاء بذلك وأراده كالعلم الضروري بوجوده ومبعثه ومخرجه وقتاله ~~لمن خالفه فالقدح فيما أخبر به من ذلك وأنه لا يفيد اليقين كالقدح في مخبر ~~الأخبار المتواترة وأنه لا يفيد اليقين. # الوجه الحادي والعشرون: إن كل صنف من أصناف العلماء تكفلوا بعلم من ~~العلوم المنقولة عن الرسول متفقون على أكثر علمهم مسائله ودلائله. # فالفقهاء متفقون على غالب الشريعة عامها وخاصها وهم متفقون على أكثر ~~خاصها الذي لا يعرفه العامة وإذا كانوا قد عرفوا مراده بهذا فكيف لا يعرفون ~~مراده بالذي هو أظهر وأشهر وأكثر نصوصا وأعظم بيانا. # PageV02P654 # والمفسرون فسروا القرآن واتفقوا على المراد منه في غالب القرآن ونزاعهم ~~في القليل من ذلك وأكثره عند التحقيق ليس نزاعا في نفس الأمر بل هو اختلاف ~~في التعبير واختلاف تمثيل وتنويع لا اختلاف تناقض ولا تضاد. # وأهل الحديث متفقون على أحاديث الصحيحين وإن تنازعوا في أحاديث يسيرة ~~منها جدا وهم متفقون على ms177 لفظها ومعناها كما اتفق المسلمون على لفظ القرآن ~~ومعناه وهذا مما ينفرد بعلمه الخاصة وهم القليل من الناس وهم مع ذلك يعلمون ~~بالاضطرار بطلان تأويل القرآن والحديث بما يتأوله به الفلاسفة والقرامطة ~~والجهمية ويعلمون أنه خلاف مراد الرسول بالضرورة فكيف بما اشتركت الأمة ~~عامتها وخاصتها في نقله قرنا بعد قرن فكيف لا يعرفون مراد الرسول منه يقينا ~~فإن الأمة كلها تنقل عن من قبلها ومن قبلها عمن قبلها حتى ينتهي الأمر إلى ~~الرسول أن الله يرى ويسمع ويتكلم ويعلم وأنه فوق السموات السبع على العرش ~~وأنه يرى يوم القيامة جهرة وعلم الأمة بمراد الرسول من ذلك فوق علمهم ~~بمراده من أحاديث الشفعة والربا والحيض والفرائض ونحوها فكيف يقال حصل لهم ~~اليقين بمراده من ذلك دون هذا وهل هذا إلا من أقبح المكابرة. # PageV02P655 # الوجه الثاني والعشرون: أن يقال من المعلوم بالضرورة أن المخاطبين أولا ~~بالقرآن والسنة لم يتوقف حصول اليقين لهم بمراده على تلك المقدمات العشر ~~التي ذكروها ولا على شيء منها أما عصمة رواة اللغة فإنهم خوطبوا شفاها فلم ~~يحتاجوا إلى واسطة في نقل الكلام فضلا عن واسطة في نقل اللغة ولا إلى قاعدة ~~ينفون بها نفي احتمال اللفظ لغير المعنى الذي قصده المتكلم فإنهم علموا ~~مراده بالضرورة وإذا كانوا عالمين بمراده بالضرورة مع علمهم بصدقه امتنع ~~عندهم أن يكون في نفس الأمر معارض ينافي مراده. # وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي من كبار التابعين حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهم أنهم كانوا إذا ~~تعلموا من النبي عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم قالوا ~~فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا وكان يمكث أحدهم في السورة مدة حتى ~~يتعلمها وقد أقام ابن عمر على تعلم سورة البقرة ثماني # PageV02P656 # سنين وقال أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في أعيننا ولم ~~يتوقف معرفة مراد الله ورسوله من كلامه عندهم على شيء من تلك الأمور العشرة ~~ولا تابعي التابعين ولا أئمة ms178 الفقه المتبوعين ولا أئمة الحديث ولا أئمة ~~التفسير حتى نبغت قلف الأذهان عجم القلوب فزعموا أنهم لا يحصل لهم اليقين ~~بمراده إلا بعد هذه الأمور ثم قالوا ولا سبيل إلى العلم بانتفائه إذ غاية ~~ما يقدر بعد البحث والطلب التام عدم العلم بها ولا يلزم من عدم العلم عدم ~~المعلوم فلا سبيل لنا إلى العلم بمراد الرسول البتة وطلبت نفوسهم ما يحصل ~~لها به العلم فعادوا إلى العقول فوجدوها قد تصادمت فيما تقضي به من جائز ~~على الله وواجب ومستحيل أعظم تصادم فخرجوا عن السمع الصحيح ولم يظفروا ~~بدلالة العقل الصريح ففاتهم العقل والسمع جميعا. # الوجه الثالث والعشرون: إن جميع ما ذكروه من الوجوه العشرة يرجع إلى حرف ~~واحد وهو احتمال اللفظ لمعنى آخر غير ما يظهر من الكلام فإنه لا ينازع عاقل ~~أن غالب ألفاظ النصوص لها ظواهر هي موضوعة لها ومفهومة عند الإطلاق منها ~~لكن النزاع أن # PageV02P657 # اعتقاد ذلك المعنى يقيني لا يحتمل غيره أو ظني يحتمل غيره فالمدار كله ~~على احتمال إرادته معنى آخر غير الظاهر وعدم ذلك الاحتمال ومعلوم أن الطرق ~~التي يعلم بها انتفاء إرادته معنى يناقض ذلك المعنى طرق كثيرة لا يحتاج شيء ~~منها إلى ما ذكروه بل قد يعلم السامع انتفاء معنى يناقض المعنى الذي ذكره ~~المتكلم ضرورة وتارة يغلب على ظنه قرينة من الضرورة وتارة يحصل له ذلك ظنا ~~وتارة لا يفهم مراده وتارة يشتبه عليه المراد بغيره وهذا القطع والظن والشك ~~له أسباب غير الأمور التي ذكروها فقد يكون سبب الاحتمال كون السامع لم يألف ~~ذلك اللفظ في لغة قومه أو أن له في لغتهم معنى غير معناه في لغة المتكلم أو ~~أن اللفظ قد اقترنت به قرينة يقطع السامع معها بالمراد فخفيت عليه أو ذهل ~~عنها ولو نبه عليها لتنبه كما اقترن بلفظ المفاداة في أنه الخلع تقدم ~~طلقتين وتأخر طلقة ثالثة ووقع بين الطلقتين والطلقة الثالثة ففهم جمهور # PageV02P658 # الصحابة منه أنه غير محسوب من الثلاث واحتج بذلك ابن عباس ms179 وغيره وقد تكون ~~القرينة منفصلة في كلام آخر بحيث يجزم السامع بالمراد من مجموع الكلام ~~فيخفى أحدهما على السامع أو لا يتفطن له فلا يعرف المراد فهذا قد يقع لأعلم ~~الناس بخطابه وهو من لوازم الطبيعة الإنسانية ولكنه قليل جدا بالإضافة إلى ~~ما يتقنونه من مراده لا نسبة له إليه فلا يجوز أن يدعي لأجله أن كلام الله ~~ورسوله لا يفيد اليقين بمراد ولا سبيل لنا إلى اقتباس العلم واليقين منه. # الوجه الرابع والعشرون: إن قول القائل الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا ~~عند أمور عشرة نفي عام وقضية سالبة كلية فإن أراد قائلها أن أحدا من الناس ~~لا يعلم مراد متكلم ما يقينا إلا عند هذه الأمور العشرة فكذب ظاهر وإن أراد ~~به أنه لا يعلم أحد المراد بألفاظ القرآن والسنة إلا عند هذه الأمور ففرية ~~ظاهرة أيضا فإن الصحابة كلهم من أولهم إلى آخرهم والتابعين كلهم وأئمة ~~الفقه كلهم وأئمة التفسير كلهم لم يتوقف علمهم بمراد الرسول على هذه الأمور ~~بل لم يخطر ببالهم ولم يذكرها أحد منهم في كلامه. # وإن أراد أن من بعد الصحابة لا يعرف مراد الرسول # PageV02P659 # إلا بهذه الأمور العشرة فكذب أيضا فإن التابعين ومن بعدهم جازمون متيقنون ~~لمراده أعظم تيقن بل نحن ونسبتنا إليهم أقل نسبة متيقنون لمراد الله ورسوله ~~من كلامه يقينالا ريب فيه وجازمون به جزما لا شك فيه ومن قبلنا كان أعلم ~~منا وأعظم جزما ومن قبلهم كان كذلك فكيف يستحل الرجل أن يحكم حكما عاما ~~كليا أن أحدا لم يحصل له اليقين من كلام الله ورسوله وإن أراد به أنها لا ~~تفيد اليقين في شيء وتفيده في شيءآخر قيل له هذا لا يفيدك شيئا حتى تبين أن ~~محل النزاع بينك وبين أهل السنة وأنصار الله ورسوله من النوع الذي لا يفيد ~~اليقين فهم يزعمون أن استفادتهم اليقين منه أعظم من استفادتهم اليقين من ~~كلام كل متكلم وليس لك أن تحكم عليهم بأنهم لم يستفيدوا منه اليقين فإن ~~غاية ما ms180 عندك أنك أنت فاقد اليقين لم تظفر ببرده ولم تفز به فكيف ساغ لك أن ~~تحكم على غيرك بهذا. فإن أردت بذلك أني أنا لا أستفيد اليقين من هذه الأدلة ~~إلا بعد هذه الأمور العشرة فعلمت أن غيري كذلك قيل له هذا من أبطل الباطل ~~عند كل عاقل فإنه من المعلوم بالضرورة أن الشيء الواحد يكون مجهولا عند رجل ~~أو طائفة ومعلوما عند آخر وضروريا عند شخص ونظريا عند آخر والاشتراك في ~~المعلومات الضروريات غير واجب ولا واقع والواقع خلافه فالصحابة كانوا ~~يعلمون من أحوال النبي بالاضطرار # PageV02P660 # ما لم يعلمه غيرهم وكان أبو بكر يعلم من حال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكلامه يقينا مالا يعلمه غيره ولا يفهمه كما قال أبو سعيد الخدري وكان ~~أبو بكر أعلمنا به وكان التابعون يعلمون من أحوال الصحابة بالاضطرار مالا ~~يعلمه غيرهم والفقهاء وأهل الحديث يعلمون بالاضطرار أن النبي سجد سجدتي ~~السهو في الصلاة وقضى بالشفعة وجعل الدية على العاقلة وأخبر أن الله ينزل ~~إلى سماء الدنيا كل ليلة وأنه يرى بالأبصار جهرة يوم القيامة وأنه يدخل ~~النار قوما من أهل التوحيد ثم يخرجهم بالشفاعة وأنه أخبر بخروج الدجال ~~ونزول المسيح من السماء وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك مما يجهله كثير من ~~الناس ومن أقر به فهو عنده ظني وأهل الحديث جازمون به متيقنون له كتيقنهم ~~أنه بعث من مكة وهاجر إلى المدينة ومات بها وأهل المغازي والسير والحديث ~~يعلمون بالاضطرار أن غزوة بدر كانت قبل أحد وأن أحدا قبل الخندق والخندق ~~قبل الحديبية والحديبية قبل خيبر وخيبر قبل فتح مكة وفتح مكة قبل حنين ~~وحنين قبل الطائف والطائف قبل تبوك وتبوك آخر الغزوات ولم يكن فيها قتال ~~وكان الغزو # PageV02P661 # فيها للنصارى أهل الكتاب وفي خيبر لليهود وفي بدر وأحد للمشركين وأنه ~~أوقع باليهود أربع مرات ببني قينقاع وكانت بعد بدر وبالنضير وكانت بعد أحد ~~وبقريظة وكانت بعد الخندق وبأهل خيبر وكانت بعد الحديبية وأكثر الناس بل ~~كثير من العلماء والفقهاء ms181 لا يعلمون هذا التفصيل وكذلك العلماء بالتفسير ~~والحديث يعلمون بالاضطرار أن سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ~~والأنفال وبراءة مدنيات نزلن بعد الهجرة وسورة الأنعام والأعراف ويونس وهود ~~ويوسف والكهف والنحل مكيات نزلن قبل الهجرة وأكثر الناس لا يعلمون ذلك ~~ضرورة ولا نظرا فليس المعلوم من أقوال الرسول وسيرته ومراده بكلامه أمرا ~~مشتركا بين جميع الناس ولا بين المسلمين ولا بين العلماء وإذا لم يكن هذا ~~أمرا مضبوطا لا من العالم ولا في العلوم أمكن في كثير من مراد الرسول ~~بالاضطرار أن تكون مكتسبة عند قوم ضرورية عند آخرين وغير معلومة البتة عند ~~آخرين وإن قال أردت أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين عند من لا يعرف ~~مدلولها إلا بهذه المقدمات قيل له فهذا لا فائدة فيه فكأنك قلت من لم يعرف ~~مراد المتكلم إلا بمقدمة ظنية كان استدلاله بكلامه ظنيا وذلك من باب تحصيل ~~الحاصل وكذلك من لم يعرف # PageV02P662 # الدليل العقلي إلا بمقدمة ظنية كان استدلاله به ظنيا وأيضا فإنه إذا كان ~~هذا مرادك فكيف تحكم حكما عاما كليا أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين فبطل ~~حكم هذه القضية الكاذبة أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين على كل تقدير ~~ولله الحمد يوضحه. # الوجه الخامس والعشرون: إن الذين لم يحصل لهم اليقين بالأدلة العقلية ~~أضعاف أضعاف الذين حصل لهم اليقين بالأدلة السمعية والشكوك القادحة في ~~العقليات أكثر بكثير من الشكوك القادحة في السمعيات فأهل العلم والكتاب ~~والسنة متيقنون لمراد الله ورسوله جازمون به معتقدون لموجبه اعتقادا لا ~~يتطرق إليه شك ولا شبهة أما المتكلمون الذين عدلوا عن الاستدلال بالأدلة ~~السمعية إلى الأدلة العقلية في المسائل الكبار كمسألة حدوث العالم ومسألة ~~ما هي الحوادث ومسألة تماثل الأجسام وبقاء الأعراض ومسألة وجود الشيء هل هو ~~زائد على ماهيته أو هو نفس ماهيته ومسألة المعدوم هل هو شيء أم لا ومسألة ~~المصحح للتأثير هل هو الحدوث أو الإمكان وهل يمكن أن يكون الممكن قديما أم ~~لا ومسألة الجوهر الفرد وهل الأجسام مركبةمنه أم ms182 لا ومسالةالكلام وحقيقته ~~واضعاف ذلك من المسائل التي عولوا فيها على مجرد عقل أفضلهم وأشدهم حيرة ~~وتناقضا واضطرابا فيها # PageV02P663 # لا يثبت له فيها قول بل تارة يقول بالقول ويجزم به وتارة يقول بضده ويجزم ~~به وتارة يحار ويقف وتتعارض عنده الأدلة العقلية وأهل الكلام والفلسفة أشد ~~اختلافا وتنازعا بينهم فيها من جميع أرباب العلوم على الإطلاق ولهذا كلما ~~كان الرجل منهم أفضل كان إقراره بالجهل والحيرة على نفسه أعظم كما قال بعض ~~العارفين أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام وقال أفضل المتأخرين من ~~هؤلاء لتلاميذه عند الموت أشهدكم أني أموت وما عرفت مسألة واحدة إلا مسألة ~~افتقار الممكن إلى واجب ثم قال والافتقار أمر عدمي فهاأنذا أموت وما عرفت ~~شيئا وقال ابن الجويني عند موته لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام ~~وعلومهم وما أدري على ماذا أموت أشهدكم أني أموت على عقيدة أمي وقال آخر في ~~خطبة كتابه في الكلام لعمري: # لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # PageV02P664 # وقال الرازي في كتابه أقسام اللذات وقد ذكر أنواعها وأن أشرفها لذةالعلم ~~والمعرفة وأشرف العلم العلم الإلهي لشرف معلومه وشدة الحاجة إليه وأنه على ~~ثلاثة أقسام العلم بالذات وعليه عقدة وهي أن الوجود هل هو الماهية أو زائد ~~عليها والعلم بالصفات وعليه عقدة وهي أن الصفات هل هي أمور وجودية زائدة ~~على ذات الموصوف أم ليست بزائدة على الذات والعلم بالأفعال وعليه عقدة وهي ~~هل الفعل مقارن للفاعل أو متراخ عنه ثم قال ومن الذي وصل إلى هذا الباب أو ~~ذاق من هذا الشراب ثم أنشد: # نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فماتوا والجبال جبال # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي ms183 عليلا ولا ~~تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات: # PageV02P665 # {الرحمن على العرش استوى} [طه5] {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر10] واقرأ ~~في النفي {ليس كمثله شيء} [الشورى11] {ولا يحيطون به علما} [طه110] # ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي فليتأمل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل ~~من العبر فإنه لم يأت في المتأخرين من حصل من العلوم العقلية ما حصله ووقف ~~على نهايات أقدام العقلاء وغايات مباحث الفضلاء وضرب بعضها ببعض ومخضها أشد ~~المخض فما رآها تشفي علة داء الجهالة ولا تروي غلة ظمأ الشوق والطلب وأنها ~~لم تحل عنه عقدة واحدة من هذه العقد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على ~~قافية القلب فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله وصدق والله ~~فإنه شاك في ذات رب العالمين هل له ماهية غير الوجود المطلق يختص بها أم ~~ماهيته نفس وجوده الواجب ومات ولم تنحل له عقدتها وشاك في صفاته هل هي أمور ~~وجودية أم نسب إضافية عدمية ومات ولم تنحل له عقدتها وشاك في أفعاله هل هي ~~مقارنة له أزلا وأبدا لم تزل معه أم الفعل متأخر عنه تأخرا لا نهاية لأمده ~~فصار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا ومات لم تنحل له عقدتها فننظر في كتبه ~~الكلامية قول المتكلمين وفي كتبه # PageV02P666 # الفلسفية قول الفلاسفة وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال ~~هؤلاء بهؤلاء وهؤلاء بهؤلاء ويجلس بينهما حائرا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ~~وكذلك أفضل أهل زمانه ابن أبي الحديد فإنه مع بحثه ونظره وتصديه للرد على ~~الرازي حتى يقول في قصيدة له: # وحقك لو أدخلتني النار قلت لل ... ذين بها قد كنت ممن أحبه # وأفنيت عمري في فنون دقيقة ... وما بغيتي إلا رضاه وقربه # أما قلتم من كان فينا مجاهدا ... سيكرم مثواه ويعذب شربه # أما رد شك ابن الخطيب وزيفه ... وتمويهه في الدين إذ حل خطبه # PageV02P667 # يعترف بأن المعقولات لم تعطه إلا حيرة وأنه لم يصل منها إلى يقين ولا علم ms184 ~~حيث يقول: # فيك يا أغلوطة الفكر ... ضاع دهري وانقضى عمري # سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر # قاتل الله الأولى زعموا ... أنك المعروف بالنظر # كذبوا إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر # وقال بعض الطالبين من المتأخرين وقد سافر في طلب ربه على هذه الطريق فلم ~~يزدد إلا حيرة وبعدا من مطلبه حتى قيض الله له من أخذ بيده وسلك به على ~~الطريق التي سلك عليها الرسل وأتباعهم فجعل يهتف بصوته لأصحابه هلموا فهذه ~~والله الطريق وهذه أعلام مكة والمدينة وهذه آثار القوم لم تنسخها الرياح ~~ولم تزلها الأهوية ثم قال: # وكنت وصحبي في ظلام من الدجى ... نسير على غير الطريق ولا ندري # PageV02P668 # وكنا حيارى في القفار ولم يكن ... دليل لنا نرجوا الخلاص من القفر # ظماء إلى ورد يبل غليلنا ... وقد قطع الأعناق منا لظى الحر # فما هو إلا أن تبدى لناظري ... سنا بارق يبدو كخيط من الفجر # فقلت لصحبي هل ترون الذي أرى ... فقالوا اتئد ذاك السراب الذي يجري # فخلفتهم خلفي وأقبلت نحوه ... فأوردني عين الحياة لدى البحر # فناديت أصحابي فما سمعوا الندا ... ولو سمعوه ما استجابوا إلى الحشر # فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلة العقلية من ~~ضد اليقين ومن الحيرة والشك فمن الذي شكا من القرآن والسنة والأدلة اللفظية ~~هذه الشكاية ومن الذي ذكر أنها حيرته ولم تهده أو ليس بها هدى الله أنبياءه ~~ورسله وخير خلقه قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلا: {قل إن ضللت فإنما أضل ~~على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} [سبأ50] # PageV02P669 # فهذا أكمل الخلق عقلا يخبر أن اهتداءه بالأدلة اللفظية التي أوحاها الله ~~إليه وهؤلاء المتهوكون المتحيرون يقولون أنها لا تفيد يقينا ولا علما ولا ~~هدى وهذا موضع المثل المشهور رمتني بدائها وانسلت. # الوجه السادس والعشرون: أن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام نصوص لا ~~تحتمل إلا معنى واحدا وظواهر تحتمل غير معناها احتمالا بعيدا مرجوحا وألفاظ ~~تحتاج إلى بيان فهي بدون البيان عرضة الاحتمال. # فأما القسم الأول ms185 فهو يفيد اليقين بمدلوله قطعا كقوله تعالى {فلبث فيهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت14] فلفظ الألف لا يحتمل غير مسماه وكذلك ~~لفظ الخمسين وكذلك لفظ نوح ولفظ قومه وكقوله {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف142] . # PageV02P670 # وقوله {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [المجادلة4] وقوله {فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} [البقرة196] وقوله {يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة234] وعامة ألفاظ القرآن من هذا الضرب ~~هذا شأن مفرداته وأما تركيبه فجاء على أصح وجوه التركيب وأبعدها من اللبس ~~وأشدها مطابقة للمعنى فمفرداته نصوص أو كالنصوص في مسماها وتراكيبه صريحة ~~في المعنى الذي قصد بها والمخاطبون به تلك اللغة سجيتهم وطبيعتهم غير ~~متكلفة لهم فهم يعلمون بالاضطرار مراده منها. # والقسم الثاني: ظواهر قد تحتمل غير معانيها الظاهرة منها ولكن قد اطردت ~~في موارد استعمالها على معنى واحد فجرت مجرى النصوص التي لا تحتمل غير ~~مسماها والقسمان يفيدان اليقين والقطع بمراد المتكلم. # وأما القسم الثالث: إذا أحسن رده إلى القسمين قبله # PageV02P671 # عرف مراد المتكلم منه فالأول يفيد اليقين بنفسه والثاني يفيده باطراده في ~~موارد استعماله والثالث يفيده إحسان رده إلى القسمين قبله وهذا ظاهر جدا ~~لمن له عناية بالقرآن وألفاظه ومعانيه واقتباس المعارف واليقين منه ~~فاستفادته اليقين من أدلته أعظم من استفادة كل طالب علم اليقين من مواد ~~علمه وبراهينه. # الوجه السابع والعشرون: إن الذي حال بين هؤلاء وبين استفادتهم اليقين من ~~كلام الله ورسوله أن كثيرا من ألفاظ القرآن والسنة قد صار لها معان اصطلح ~~عليها النظار والمتكلمون وغيرهم وألف ذلك الاصطلاح وجرى عليه النشء وصار هو ~~المقصود بالتخاطب وإليه التحاكم فصار كثير من الناس لا يعرف سواه فلما ~~أرادوا أن يطابقوا بين معاني ألفاظ القرآن وبين تلك المعاني التي اصطلحوا ~~عليها أعجزهم ذلك فمرة قالوا ألفاظ القرآن مجاز ومرة طلبوا لها وجوه ~~التأويل ومرة قالوا لا تفيد اليقين ومرة جعلوها وقفا تتلى في الصلاة ويتبرك ~~بقراءتها ولا يتحاكم إليها ms186 مثال ذلك لفظ الجسم في القرآن هو البدن كما قال ~~تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} [المنافقون4] وهم اصطلحوا على تسمية كل ~~قائم بنفسه جسما مرئيا # PageV02P672 # كان أو غير مرئي وسموا الموصوف بالصفات جسما وسموا من له وجه ويدان جسما ~~ثم نفوا الجسم عن الصانع وأوهموا أنهم ينفون معناه لغة وقصدهم نفي معناه ~~اصطلاحا فسموه بخلاف اسمه في اللغة ونفوا به ما أثبته الرب لنفسه من صفات ~~الكمال وكذلك سموا صفاته أعراضا ثم نفوا عنه الأعراض بالمعنى الذي اصطلحوا ~~عليه لا بالمعنى الذي وضعت له ألفاظ الأعراض في اللغة وكذلك سموا أفعاله ~~حوادث ثم نفوها عنه بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا بمعناه في اللغة فإن ~~النبي قال لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا وقال إياكم والحدث في ~~الإسلام وقال: # PageV02P673 # لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأفإذا قالوا لا تحله الحوادث ~~أوهموا الناس هذه الحوادث ومرادهم أنه لا يتكلم ولا يكلم ولا يرى ولا يسمع ~~ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ~~ولا ينادي عباده يوم القيامة ولا يشاء مشيئة إلى أمثال ذلك. # وكذلك لفظ الاستواء حقيقة في العلو ثم حدث له معنى الاستيلاء في قول ~~الشاعر إن كان قاله: # قد استوى بشر على العراق # PageV02P674 # فهذا شعر مولد حدث بعد كتاب الله ولم يكن معروفا قبل نزول القرآن ولا في ~~عصر من أنزل عليه القرآن فحملوا لفظ القرآن على الشعر المولد الحادث بعد ~~نزوله ولم يكن من لغة من نزل القرآن عليه. # وكذلك لفظ المحلل والمحلل له فإنه في لغة من تكلم به ولغة أصحابه هو محلل ~~النكاح الذي يريد أن يتزوج المرأة ليحلها لمطلقها وفي اصطلاح بعض الفقهاء ~~هو الذي يحلل موليته لغيره بلا مهر والذي يشترط التحليل لفظا في صلب العقد. # وكذلك لفظ الخمر في لغة من تكلم به وصرح بتحريمه كل مسكر فاصطلح بعض ~~الفقهاء على تخصيص بعض أنواع الأشربة المسكرة باسم الخمر ثم حملوا النصوص ms187 ~~على تلك المعاني التي اصطلحوا عليها. # وكذلك لفظ الجار في لغته هو الجار المعروف فإذا اصطلح على تسمية الشريك ~~جارا قياسا على تسمية الزوجة جارا في قول الشاعر: # PageV02P675 # أجارتنا بيني فإنك طالقة # ثم حمل لفظ الشارع على المعنى الاصطلاحي لم يجز ذلك ومن هذا لفظ التركيب ~~فإنه في لغة القرآن تركيب الشيء في غيره كقوله {في أي صورة ما شاء ركبك} ~~[الانفطار8] ثم اصطلح عليه بعض الناس وجعل كل ما تميز منه شيء عن شيء مركبا ~~وإن كان حقيقته واحدة فالعرب إنما تطلق لفظ التركيب والمركب في نحو تركيب ~~الدواء وتركيب الخشبة على الجدار وتركيب المادة في صورة من الصور ولا يسمى ~~الهواء مركبا ولا النار ولا الماء ولا التراب وإنما المركب عندهم ما ركب ~~فيه شيء على شيء. # خالف المتأخرون الاصطلاح الحادث ثم نفوا # PageV02P676 # مسماه الاصطلاحي عن الرب سبحانه ورأوا الأدلة اللفظية من القرآن والسنة ~~لا تساعدهم على ذلك فقالوا لا تفيد اليقين. # الوجه الثامن والعشرون: إن هؤلاء القائلين إن كلام الله ورسوله لا يستفاد ~~منه علم ولا يقين إما أن يريد به نفي اليقين في باب الأسماء والصفات فقط ~~دون باب المعاد والأمر والنهي أو في باب الصفات وباب المعاد فقط دون الأمر ~~أوفي الجميع فإن أراد الأول وهو مراد الجهمية قيل له فما جوابك للفلاسفة ~~المنكرين لمعاد الأبدان حيث احتججت عليهم بأنا نعلم بالضرورة أن الرسل ~~جاءوا به فرده عليهم تكذيب لهم فقالوا الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين فإن ~~قلت الفرق بيننا وبينهم أن آيات الصفات وأخبارها قد عارضتها قواطع عقلية ~~تنفيها بخلاف نصوص المعاد قيل أما أهل القرآن والسنة فيجيبونك بأن تلك ~~المعارضات هذيانات لا حقيقة لها وشبهات خيالية: {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ~~ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع ~~الحساب} [النور39] وأما أشباهك من الفلاسفة فيقولون ونصوص # PageV02P677 # المعاد قد عارضها قواطع عقلية تنفيها فإن قلت بل هذه شبهات باطلة ومقدمات ~~كاذبة قيل صدقت والشبهات التي تعارض نصوص الصفات ms188 أبطل والمقدمات التي ~~تخالفها أكذب بكثير فإن الشبهات العقلية المعارضة لنصوص الأنبياء ليس لها ~~حد تقف عليه بل قد عارض أرباب المعقول الفاسد جميع ما جاءوا به من أوله إلى ~~آخره بعقولهم ومعارضة المشركين لما دعت إليه الرسل من التوحيد بشبهاتهم من ~~جنس معارضة الدهرية لما أخبروا به من المعاد بشبهاتهم فهلموا نضع الشبهات ~~جميعها في الميزان ونحكها على المحك يتبين أنها زغل وزيف كلها وإن زعمت ~~أنها لا تفيد اليقين لا في باب الخبر عن الله وصفاته ولا في باب المعاد ~~واليوم الآخر ولا في باب الأمر والنهي فقد انسلخت من العقل والإيمان انسلاخ ~~الحية من قشرها وجاهرت بالقدح في النبوات والشرائع وكنت في العقل الصحيح ~~أشد قدحا فإنه ليس في المعقول شيء أصح مما جاءت به الرسل عن الله وقد تقدم ~~تقرير هذا والمؤمنون يعرفونه جملة والراسخون في العلم يعرفونه تفصيلا. # PageV02P678 # الوجه التاسع والعشرون: إن دعوى المدعي أن كلام الله ورسوله لا يستفاد ~~منه يقين ولا علم إما أن يدعيه حيث لا يعارض العقل السمع بل يوافقه أو حيث ~~يعارضه في زعمه أو حيث لا يعارضه ولا يوافقه فإن ما جاء به الشرع عند هؤلاء ~~ثلاثة أقسام: # أحدها ما يخالف ظاهره صريح العقل # والثاني ما يوافق العقل # والثالث مالا يحيله العقل ولا يقتضيه فقول القائل إن كلام الله ورسوله لا ~~يفيد اليقين يقال له لا يفيد في شيء من هذه الأقسام الثلاثة عندك أو في ~~الأول منها خاصة أو فيه وفي الثالث فإن كان مراده النفي في جميع الأقسام ~~كان ذلك عنادا ظاهرا وإلحادا في كلام الله ورسوله وإن كان مراده أنه لا ~~يفيده فيما يخالف صريح العقل وهو الذي يريده هؤلاء قيل له هذا الفرض وإن ~~اعتقدته واقعا فهو محال فلا يعارض السمع الصحيح الصريح إلا معقول فاسد ~~تنتهي مقدماته إلى المكابرة أو التقليد أو التلبيس والإجمال وقد تدبر أنصار ~~الله ورسوله وسنته هذا فما وجدوا بحمد الله العقل الصريح يفارق النقل ~~الصحيح أصلا بل هو خادمه ms189 وصاحبه والشاهد له وما وجدوا العقل المعارض له إلا ~~من أفسد العقول وأسخفها وأشدها منافاة لصريح العقل وصحيحه ولولاالإطالة ~~لذكرنا ذلك # PageV02P679 # على التفصيل وقد تقدمت الإشارة إلى اليسير منه ويجب على المسلم الذي لله ~~ولكتابه وقار وعظمة في قلبه ان يعتقد هذا وإن لم يظهر له تفصيله فإذا ظهر ~~له تفصيله كان نورا على نور فإن الله سبحانه أقام الحجة على الخلق بكتابه ~~ورسوله فلا يمكن أن يكون فيهما ما يظهر منه خلاف الحق ولا ما يخالف العقل ~~ولا يمكن أن يحيل الرسول الناس في الهدى والعلم وصفاته وأفعاله على ما ~~يناقض كلامه من عقلياتهم وهذا واضح ولله الحمد # الوجه الثلاثون: إن قول القائل الأدلة اللفظية موقوفة على هذه المقدمات ~~أتريد به أن كل دليل منها يقف على مجموع الأمور العشرة أم تريد به أن جنسها ~~يقف على جنس هذه العشرة فإن أردت الأول فهو مكابرة ظاهرة يردها الواقع فإن ~~جمهور الناس يعلم مدلول الكلام من غير أن تخطر هذه العشرة أو شيء منها ~~بباله وإن أردت الثاني فالأدلة العقلية تتوقف على ما به مقدمة أو أكثر بهذا ~~الاعتبار فإنه ما من مسألة عقلية إلا وهي متوقفة على مقدمات غير المقدمات ~~التي يتوقف عليها مسألة أخرى فما يتوقف عليه دلالة الدليل لا ضابط له وإنما ~~هو أمر نسبي إضافي. # الوجه الحادي والثلاثون: إن حكمك بتوقف دلالة الدليل على معرفة الإعراب ~~والتصريف خطأ ظاهر فإن من عرف أن لله الأسماء الحسنى # PageV02P680 # كالرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن وأن الاسم يدل على المسمى في ~~لغة العرب لم يتوقف في العلم بدلالة هذه الأسماء على الرب سبحانه على ~~معرفته بأن الاسم مشتق من السمو أو من السمة والاختلاف بين البصريين ~~والكوفيين في ذلك ومعرفةأرجح القولين فإن جماهير أهل الأرض يعرفون أن الله ~~اسم لذات الخالق فاطر السموات والأرض ولا يعرفون تصريف الاسم واشتقاقه وأما ~~الإعراب فهؤلاء العامة يجزمون ويتيقنون مراد مكلمهم بكلامه ولا يتوقف ذلك ~~على معرفتهم بوجوه الإعراب. # فإن قلت إنما كلامنا ms190 في كلام العرب الفصحاء الذين يتوقف فهم معاني كلامهم ~~على الإعراب قيل ما يتوقف عليه فهم كلامهم من الإعراب سجية وطبيعة لهم وأما ~~من بعدهم فقد نقل إلينا ذلك نقلا متواترا عنهم كما نقل إلينا معاني مفردات ~~ألفاظهم. # الوجه الثاني والثلاثون: قولك إن ذلك يتوقف على نفي التخصيص والإضمار ~~فهذا لا يحتاج إليه في فهم معاني الألفاظ المفردة فإنها تدل على مسماها ~~دلالة سائر الألفاظ على معانيها كدلالة الأعلام ولفظ العدد وأسماء الأزمنة ~~والأمكنة والأجناس على موضوعاتها. # واحتمال كون اللفظ العام خاصا كاحتمال كون اللفظ الذي له حقيقة مستعملا ~~في غير حقيقته وهذا منفي بالأصل ولا يحتاج في فهم ما هو جار على أصله إلى ~~أن يعلم # PageV02P681 # انتفاء الدليل الذي يخرجه عن أصله وإلا لم يفهم مدلول لفظ أبدا لجواز أن ~~يكون خرج عن أصل موضوعه بنقل أو مجاز أو غير ذلك ولو ساغ ذلك لم يكن أحد ~~يحتج بدليل شرعي لجواز أن يكون منسوخا وهو لا يعلم ناسخه ولم يشهد أحد لأحد ~~بملك لجواز أن يكون خرج عن ملكه ببيع أو تبرع ولم يشهد أحد لأحد بزوجية ~~امرأة ولا رق عبد لجواز أن يكون طلق وأعتق وفتح باب التجويزات لا آخر له ~~ولا ثقة معه البتة. # وهذا الباب قد دخل منه على الإسلام مدخل عظيم وخطب جسيم وأهل الباطل على ~~اختلاف أصنافهم لا يزالون يتعلقون به ولا تزال تعمد كل طائفة منهم إلى آية ~~من كتاب الله فيقودها إلى مذهبه الذي يدعو إليه ويدعي أن لها دلالة خاصة ~~عليه وكذلك يفعل في كثير من الأخبار التي يجرها إلى معتقده. # وليست المحنة التي عرضت في هذا الباب مقصورة على أهل الإسلام فقط بل هي ~~مشتركة بين جميع أهل الأديان والملل ومن أعطى التأمل حقه وجد أكثر ما ادعاه ~~أهل التأويلات المستشنعة وأهل الباطل من جهة إخراج الألفاظ عن حقائقها وفتح ~~أبواب الاحتمالات والتجويزات عليها وتغليب الخصوص على العموم وادعائهم أن ~~الأغلب في ألفاظ العموم إنما هو الخصوص دون العموم ذهابا ms191 منهم في ذلك إلى ~~أن البيان الشافي إنما هو في المعنى الخاص دون # PageV02P682 # العام وأنه المتيقن من اللفظ فإن طفر به وإلا قال المراد خاص مجمل فتعطل ~~دلالة اللفظ العام الكلي بهذه الطريق كما تعطل دلالة اللفظ على حقيقته ~~باحتمال إرادة المجاز والاستعارة ودلالة أوامر الله ورسوله على وجوب ~~الإمتثال باحتمال إرادة الاستحباب ومطلق الرجحان ودلالة نواهيه على التحريم ~~باحتمال دلالتها على مجرد الكراهة وترك الأولى ودلالة النص الصريح الذي لا ~~يحتمل غير معناه باحتمال كونه منسوخا فقد أعد لكل دليل قانونا يدفع به ~~دلالته فإن كان خبر واحد قال يحتمل أن يكون راويه كذب أو أخطأ فإن أعجزه ~~القدح في راويه لشهرته بالصدق والعدالة قال لعله رواه بالمعنى الذي فهمه ~~وهو غير فقيه فإذا عارضه القياس كان المصير إليه أولى كما قال هؤلاء إذا ~~عارض النص العقل كان المصير إليه أولى فإن غلب وأمكنه ادعاء انعقاد الإجماع ~~على خلافه عارضه بالإجماع فإن غلب عن ذلك عارضه باحتمال النسخ فإن غلب عارض ~~دلالته بالاحتمالات وأنواع التأويلات فلله ما لقيت النصوص من هذه الفرق ~~وأرباب التأويلات والمتعصبين لمذاهبهم وإلى منزلها الشكاية وبه المستعان ~~وعليه التكلان. # الوجه الثالث والثلاثون: إن القدح في دلالة العام باحتمال الخصوص وفي ~~الحقيقة باحتمال المجاز والنقل والاشتراك وسائر ما ذكر يبطل حجج الله على ~~خلقه بآياته ويبطل أوامره ونواهيه وفائدة أخباره ونحن نبين ذلك بحمد الله ~~بيانا شافيا ونقدم # PageV02P683 # قبل بيانه مقدمة بين يديه وهي ذكر الوجوه التي تنقسم إليها معاني ألفاظ ~~القرآن وهي عشرة أقسام # القسم الأول: تعريفه سبحانه نفسه لعباده بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله ~~وأفعاله وأنه واحد لا شريك له وما يتبع ذلك. # القسم الثاني: ما استشهد به على ذلك من آيات قدرته وآثار حكمته فيما خلق ~~وذرأ في العالم الأعلى والأسفل من أنواع بريته وأصناف خليقته محتجا به على ~~من ألحد في أسمائه وتوحيده وعطله عن صفات كماله وعن أفعاله وكذلك البراهين ~~العقلية التي أقامها على ذلك والأمثال المضروبة والأقيسة العقلية التي ~~تقدمت ms192 الإشارة إلى الشيء اليسير منها. # القسم الثالث: ما اشتمل عليه بدء الخلق وإنشاؤه ومادته وابتداعه له وسبق ~~بعضه على بعض وعدد أيام التخليق وخلق آدم وإسجاد الملائكة وشأن إبليس ~~وتمرده وعصيانه وما يتبع ذلك # القسم الرابع: ذكر المعاد والنشأة الأخرى وكيفيته وصورته وإحالة الخلق ~~فيه من حال إلى حال وإعادتهم خلقا جديدا. # القسم الخامس: ذكر أحوالهم في معادهم وانقسامهم # PageV02P684 # إلى شقي وسعيد ومسرور بمنقلبه ومثبور به وما يتبع ذلك. القسم السادس ذكر ~~القرون الماضية والأمم الخالية وما جرى عليهم وذكر أحوالهم مع أنبيائهم وما ~~نزل بأهل العناد والتكذيب منهم من المثلات وما حل بهم من العقوبات ليكون ما ~~جرت عليه أحوال الماضين عبرة للمعاندين فيحذروا سلوك سبيلهم في التكذيب ~~والعصيان. # القسم السابع: الأمثال التي ضربها لهم والمواعظ التي وعظهم بها ينبههم ~~بها على قدر الدنيا وقصر مدتها وآفاقها ليزهدوا فيها ويتركوا الإخلاد إليها ~~ويرغبوا فيما أعد لهم في الآخرة من نعيمها المقيم وخيرها الدائم. # القسم الثامن: ما تضمنه من الأمر والنهي والتحليل والتحريم وبيان ما فيه ~~طاعته ومعصيته وما يحبه من الأعمال والأقوال والأخلاق وما يكرهه ويبغضه ~~منها وما يقرب إليه ويدني من ثوابه وما يبعد منه ويدني من عقابه وقسم هذا ~~القسم إلى فروض فرضها وحدود حدها وزواجر زجر عنها وأخلاق وشيم رغب فيها. # القسم التاسع: ما عرفهم إياه من شأن عدوهم ومداخله عليهم ومكايده لهم وما ~~يريده بهم وعرفهم إياه من طريق التحصن منه والاحتراز من بلوغ كيده منهم وما ~~يتداركون به ما أصيبوا به في معركة الحرب بينهم وبينه وما يتبع ذلك. # PageV02P685 # القسم العاشر: ما يختص بالسفير بينه وبين عباده عن أوامره ونواهيه وما ~~اختصه به من الإباحة والتحريم وذكر حقوقه على أمته وما يتعلق بذلك فهذه ~~عشرة أقسام عليها مدار القرآن وإذا تأملت الألفاظ المتضمنة لها وجدتها ~~ثلاثة أنواع. # أحدها: ألفاظ في غاية العموم فدعوى التخصيص فيها يبطل مقصودها وفائدة ~~الخطاب بها. الثاني: ألفاظ في غاية الخصوص فدعوى العموم فيها لا سبيل إليه. # الثالث: ألفاظ متوسطة ms193 بين العموم والخصوص فالنوع الأول كقوله {والله بكل ~~شيء عليم} [البقرة282] و {على كل شيء قدير} [البقرة109] و {خالق كل شيء} ~~[الأنعام102] وقوله {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} [فاطر15} و {يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة21] و {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي ~~خلقكم من نفس واحدة} [النساء1] وأمثال ذلك والنوع الثاني كقوله # PageV02P686 # {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة67] وقوله {قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب37] وقوله {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ~~إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب50] والنوع ~~الثالث كقوله {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج39] وقوله {يا أيها ~~الذين آمنوا} [البقرة104] و {قل يا أهل الكتاب} [آل عمران64] و {يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر53] ونحو ذلك مما يخص طائفة من الناس دون ~~طائفة وهذا النوع وإن كان متوسطا بين الأول والثاني فهو عام فيما قصد به ~~ودل عليه. # وغالب هذا النوع أو جميعه قد علقت الأحكام فيه بالصفات المقتضية لتلك ~~الأحكام فصار عمومه لما تحته من جهتين من جهة اللفظ والمعنى فتخصيصه ببعض ~~نوعه إبطال لما قصد به وإبطال دلالته إذ الوقف فيها لاحتمال # PageV02P687 # إرادة الخصوص به أشد إبطالها وعودا على مقصود المتكلم به بالإبطال فادعى ~~قوم من أهل التأويل في كثير من عمومات هذا النوع التخصيص وذلك في باب الوعد ~~والوعيد وفي باب القضاء والقدر أما باب الوعيد فإنه لما احتج عليهم ~~الوعيديه بقوله {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء93] وبقوله {إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} [النساء10] ~~وأمثال ذلك لجأوا إلى دعوى الخصوص وقالوا هذا في طائفة معينة ولجأوا إلى ~~هذا القانون وقالوا الدليل اللفظي العام مبني على مقدمات منها عدم التخصيص ~~وانتفاؤه غير معلوم وأما باب القدر فإن أهل الإثبات لما احتجوا على القدرية ~~بقوله {الله خالق كل شيء} [الرعد16] وقوله {وهو على كل شيء قدير} ~~[المائدة120] ونحوه ادعوا تخصيصه وأكثر طوائف أهل الباطل ادعاء ms194 لتخصيص ~~العمومات هم الرافضة فقل أن تجد في # PageV02P688 # القرآن والسنة لفظا عاما في الثناء على الصحابة إلا قالوا هذا في علي ~~وأهل البيت وهكذا تجد كل أصحاب مذهب من المذاهب إذا ورد عليهم عام يخالف ~~مذهبهم ادعوا تخصيصه وقالوا أكثر عمومات القرآن مخصوصة وليس ذلك بصحيح بل ~~أكثرها محفوظة باقية على عمومها. # فعليك بحفظ العموم فإنه يخلصك من أقوال كثيرة باطلة وقد وقع فيها مدعو ~~الخصوص بغير برهان من الله وأخطأوا من جهة اللفظ والمعنى أما من جهة اللفظ ~~فلأنك تجد النصوص التي اشتملت على لا وعيد أهل الكبائر مثلا في جيمع آيات ~~القرآن خارجة بألفاظها مخرج العموم المؤكد المقصود عمومه كقوله {ومن يظلم ~~منكم نذقه عذابا كبيرا} [الفرقان19] وقوله {ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال} [الأنفال16] وقوله {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} ~~[النساء93] و {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ~~[الزلزلة8 , 7] # PageV02P689 # وقد سمى النبي هذه الآية جامعة فاذة أي عامة فذة في بابها وقوله {إنه من ~~يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى فأولئك لهم الدرجات ~~العلى} [طه74 , 75] وقوله {إن الذين يأكلون أموال اليتامى} وقوله {والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان68] # وأضعاف أضعاف ذلك من عمومات القرآن المقصود عمومها التي إذا أبطل عمومها ~~بطل مقصود عامة القرآن ولهذا قال شمس الأئمة السرخسي إنكار العموم بدعة ~~حدثت في الإسلام بعد القرون الثلاثة. # وأما خطؤهم من جهة المعنى فلأن الله سبحانه إنما # PageV02P690 # علق الثواب والعقاب على الأفعال المقتضية له اقتضاء السبب لمسببه وجعلها ~~عللا لأحكامها والاشتراك في الموجب يقتضي الاشتراك في موجبه والعلة إذا ~~تخلف عنها معلولها من غير انتفاء شرط أو وجود مانع فسدت بل يستحيل تخلف ~~المعلول عن علته التامة وإلا لم تكن تامة ولكن غلط ها هنا طائفتان من أهل ~~التأويل الوعيدية حيث حجرت على الرب تعالى بعقولها الفاسدة أن يترك حقه ~~ويعفو عن من يشاء من أهل التوحيد وأوجبوا عليه أن يعذب العصاة ms195 ولا بد ~~وقالوا إن العفو عنهم وترك تعذيبهم إخلال بحكمته وطعن في خبره وقابلتهم ~~الطائفة الآخرى فقالوا لا نجزم بثبوت الوعيد لأحد فيجوز أن يعذب الله ~~الجميع وأن يعفو عن الجميع وأن ينفذ الوعيد في شخص واحد يكون هو المراد من ~~ذلك اللفظ ولا نعلم هل هذه الألفاظ للعموم أو للخصوص وهذا غلو في التعطيل ~~والأول غلو في التقييد والصواب غير المذهبين وأن هذه الأفعال سبب لما علق ~~عليها من الوعيد والسبب قد يتخلف عن مسببه لفوات شرط أو وجود مانع والموانع ~~متعددة منها ما هو متفق عليه بين الأمة كالتوبة النصوح ومنها الحسنات ~~الماحية والمصائب المكفرة وما يلحق العبد بعد موته من ثواب تسبب إلى تحصيله ~~أو دعاء أو استغفار له أو صدقة عنه ومنها شفاعة بإذن الله فيها لمن أراد أن ~~يشفع فيه ومنها رحمة تدركه من أرحم الراحمين يترك بها حقه قبله ويعفو عنه ~~وهذا لا يخرج العموم عن مقتضاه وعمومه ولا يحجر على الرب تعالى حجر ~~الوعيدية والقدرية وللرد على الطائفتين # PageV02P691 # موضع غير هذا والمقصود أن الأقسام الثلاثة التي تضمنها القرآن وهي الأعم ~~والعام والأخص كل منها يفيد العلم بمدلوله ولا يتوقف فهم المراد منه على ~~العلم بانتفاء المخصص والإضمار والحذف والمجاز فإن ذلك يبطل أحكام تلك ~~الأقسام العشرة التي اشتمل عليها القرآن وتحول بين الإنسان وبين فائدتها مع ~~كونها أهم الأمور والعناية الإلهية بها أشد وبيانها واقع موقع الضرورة فلو ~~صح قول القائل إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين لم يحصل لنا اليقين من ~~القرآن في شيء من تلك الأقسام العشرة البتة وهذا من أبطل الباطل وأبين ~~الكذب. # PageV02P692 # الوجه الرابع والثلاثون: إنك تجد عند كثير من المعروفين بالتفسير من رد ~~كثير من ألفاظ القرآن عن العموم إلى الخصوص نظير ما تجده من ذلك عند أرباب ~~التأويلات المستنكرة ومتى تأملت الحال فيما سوغوه من ذلك وجدتها عائدة من ~~الضرر على الدين بأعظم مما عاد من ضرر كثير من التأويلات وذلك لأنهم بالقصد ~~إلى ذلك فتحوا لأرباب ms196 التأويلات الباطلة السبيل إلى التهافت فيها فعظمت ~~بذلك الجناية من هؤلاء وهؤلاء على الدين وأهله. # وتجد الأسباب الداعية للطائفتين قصد الإغراب على الناس في وجوه التفسير ~~والتأويل وادعاؤهم أن عندهم منها نوادر لا توجد عند عامة الناس لعلمهم أن ~~الأمر الظاهر المعلوم يشترك الناس في معرفته فلا مزية فيه والشيء النادر ~~المستظرف يحل محل الإعجاب وتتحرك الهمم لسماعه واستفادته لما جبل الناس ~~عليه من إيثار المستظرفات والغرائب وهذا من أكثر أسباب الأكاذيب في ~~المنقولات والتحريف لمعانيها ونحلتها معاني غريبة غير مألوفة وإلا فلو ~~اقتصروا على ما يعرف من الآثار وعلى ما يفهمه # PageV02P693 # العامة من معانيها لسلم علم القرآن والسنة من التأويلات الباطلة ~~والتحريفات وهذا أمر موجود في غيرهم كما تجد المتعنتين بوجه القرآن يأتون ~~من القراءات البديعة المستشنعة في ألفاظها ومعانيها الخارجة عن قراءة ~~العامة وما ألفوه ما يغربون به على العامة وأنهم قد أوتوا من علم القرآن ما ~~لم يؤته سواهم وكذلك أصحاب الإعراب يذكرون من الوجوه المستكرهة البعيدة ~~المتعقدة ما يغربون به على الناس وكذلك كثير من المفسرين يأتون بالعجائب ~~التي تنفر عنها النفوس ويأباها القرآن أشد الإباء كقول بعضهم طه لفظة نبطية ~~معناها يا رجل ويا إنسان وقال بعضهم هي من أسماء النبي مع يس وعدوا في ~~أسمائه طه ويس وقال بعضهم في نون والقلم إنها الدواة كأنه لما رأى هذا ~~الحرف قد اقترن بالقلم جعله الدواة وقال بعضهم في صاد إنها فعل ماض مثل رام ~~وقاض وكما قال بعضهم في قوله {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} [الفرقان8] هو ~~الذي له سحر أي رئة افترى أراد بقوله لموسى {إني لأظنك يا موسى مسحورا} ~~[الإسراء101] هذا المعنى وأراد الكفار بقولهم # PageV02P694 # {إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} [الحجر15] هذا المعنى وكما قال ~~آخرون في قوله: {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة} [الحج15] ~~أن المعنى يرزقه واستشهدوا بقولهم أرض منصورة أي ممطورة ولو تأمل هذا ~~القائل سياق الآية وآخرها لعلم أن تفسير النصر بالرزق يزيل ms197 معنى الآيات عن ~~وجهه الذي قصد به وقال آخرون في قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك} [يونس92] أي ~~بدرعك وننجيك نلقيك على نجوة من الأرض وقال آخرون في قوله: {فصل لربك ~~وانحر} [الكوثر2] إن المراد به ضع يدك على نحرك وتكايس غيره وقال المعنى ~~استقبل القبلة بنحرك فهضموا معنى هذه الآية التي جمعت بين العبادتين ~~العظيمتين الصلاةوالنسك وقال آخرون في قوله: {أعجب الكفار نباته} ~~[الحديد20] إنهم الزراع وهل أطلق سبحانه الكفار في موضع واحد على غير ~~الكافرين به وكما قيل في قوله: {نوره كمشكاة فيها مصباح} [النور35] # PageV02P695 # إن المشكاة هذا الموضع الذي يشكو المتعبد فيه إلى الله وأضعاف أضعاف ذلك ~~من التفاسير المستنكرة المستكرهة التي قصد بها الإغراب والإتيان بخلاف ما ~~يتعارفه الناس كحقائق السلمي وغيره مما لو تتبع وبين بطلانه لجاء عدة أسفار ~~كبار ولولا قصد الإغراب والإتيان بما لم يسبق إليه غيره لما أقدم على ذلك ~~كما قال بعض الرافضة في قوله {مرج البحرين يلتقيان} [الرحمن19] هما علي ~~وفاطمة. # {بينهما برزخ لا يبغيان} [الرحمن 20] هو النبي صلى الله عليه وسلم. # {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن 22] هما الحسن والحسين. # وجناية هؤلاء على القرآن جناية عظيمة. وبسبب # PageV02P696 # ما اعتمدوه قال القائل كلام الله لا يستفاد منه يقين لاحتمال اللفظة منه ~~عدة وجوه وقد فسرت بذلك كله ولو شرح كتاب من كتب العلوم هذا الشرح لأفسده ~~الشارح على صاحبه ومسخ مقاصده وأزالها عن مواضعها والمقصود أن حمل عمومات ~~القرآن على الخصوص تعطيل لدلالتها وإخراج لها عما قصد بها وهضم لمعناها ~~وإزالة لفائدتها كقول بعضهم في قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} [المائدة55] إن ~~المراد به علي بن أبي طالب # وهذا كذب قطعا على الله أنه أراد عليا وحده بهذا اللفظ العام الشامل لكل ~~من اتصف بهذه الصفة وقول هذا القائل أو غيره في قوله تعالى {والذي جاء ~~بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء ~~المحسنين} [الزمر33 , 34} إنه علي ms198 بن أبي طالب. # وفي قوله {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~أولئك هم المفلحون} [الأعراف157] إنه علي بن أبي طالب. # PageV02P697 # وقول الآخر في قوله {محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه أشداء ~~على الكفار} عمر بن الخطاب # {رحماء بينهم} أبو بكر # {تراهم ركعا سجدا} عثمان {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} [الفتح 29] علي. # وقول الآخر في قوله {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر34] هم ~~الخبز # وفي قوله {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون} [الأنبياء 105] إنهاأرض فلسطين والأردن وفي قوله {وآتيناه الحكمة ~~وفصل الخطاب} [ص20] هو أما بعد # فهضموا هذا المعنى العظيم لإعطائه الحق في أتم بيان. # وفي قوله {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف31] المراد به المشط ومن هذا ~~يضع الرافضة المشط بين أيديهم في الصلاة. # PageV02P698 # فصل # وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العام بصورة خاصة على وجه التمثيل لا ~~على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك فيغير به المعنى فيجعله معنى اللفظة ~~في اللغة كما قال بعضهم في قوله {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر8] ~~إنه الماء البارد في الصيف فلم يرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحده. # وكما قيل في قوله {ويمنعون الماعون} [الماعون7] إنه القدر والفأس والقصعة ~~فالماعون اسم جامع لجميع ما ينتفع به فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلا ~~وتنبيها بالأدنى على الأعلى فإذا كان الويل لمن منع هذا فكيف بمن منع ما ~~الحاجة إليه أعظم وإذا كان العبد يسأل عن شكر الماء البارد فكيف بما هو ~~أعظم نعيما منه. # وفي قوله {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر34] هم الغداء والعشاء ~~وفي قله {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} [البقرة201] # PageV02P699 # إنها المرأة الموافقة فهذا كله من التمثيل للمعنى العام ببعض أنواعه فإن ~~أراد القائل أن الأدلة اللفظية موقوفة على عدم التخصيص أنها موقوفة على عدم ~~قصرها على هذا وأشباهه فنعم هي غير مقصورة عليه ولا مختصة به ولا يقال لفهم ms199 ~~هذه الأنواع منها تخصيصا. # ونظير هذا ما يذكره كثير من المفسرين في آيات عامة أنها في قوم مخصوصين ~~من المؤمنين والكفار والمنافقين وهذا تقصير ظاهر منهم وهضم لتلك العمومات ~~المقصود عمومها وكأن الغلط في ذلك إنما عرض من جهة أن أقواما في عصر الرسول ~~صلوات الله وسلامه عليه قالوا أقوالا وفعلوا أفعالا في الخير والشر فنزلت ~~بسبب الفريقين آيات حمد الله فيها المحسنين وأثنى عليهم ووعدهم جزيل ثوابه ~~وذم المسيئين ووعدهم وبيل عقابه فعمد كثير من المفسرين إلى تلك العمومات ~~فنسبوها إلى أولئك الأشخاص وقالوا إنهم المعنيون بها. # وكذالك الحال في أحكام وقعت في القرآن كان بدو افتراضها أفعال ظهرت من ~~أقوام فأنزل الله بسببها أحكاما صارت شرائع عامة إلى يوم القيامة فلم يكن ~~من الصواب أضافتها إليهم وأنهم هم المرادون بها إلا على وجه ذكر سبب النزول ~~فقط وأن تناولها لهم ولغيرهم تناول واحد فمن التقصير القبيح أن يقال في ~~قوله تعالى {أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة 21] # PageV02P700 # إن المراد بالناس أهل مكة فيأتي إلى لفظ من أشمل ألفاظ العموم أريد به ~~الناس كلهم عربهم وعجمهم قرنا بعد قرن إلى أن يطوي الله الدنيا فيقول ~~المراد به أهل مكة نعم هم أسبق وأول من أريد به إذ كانوا هم المواجهين ~~بالخطاب أولا وهذا كثير في كلامهم كقولهم المراد بقوله كذا وكذا أبو جهل أو ~~أبي بن خلف أو الوليد بن المغيرة أو عبد الله بن أبي # PageV02P701 # أو عبد الله بن سلام من سادة المؤمنين كما يقولون في كل موضع ذكر فيه ~~{ومن عنده علم الكتاب} [الرعد43] إنه عبد الله بن سلام وهذا باطل قطعا فإن ~~هذا مذكور في سورة مكية كسورة الرعد حيث لم يكن عبد الله بن سلام قد أسلم ~~ولا كان هناك. وكذلك يقولون في قوله {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا ~~تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة} [المنافقون] إن المراد به عبد الله بن أبي ~~وكان من أحسن الناس جسما والصواب أن اللفظ عام في من اتصف بهذه ms200 الصفات وهي ~~صحة الجسم وتمامه وحسن الكلام وخلوه من روح الإيمان ومحبة الهدى وإيثاره ~~كخلو الخشب المقطوعة التي قد تساند بعضها إلى بعض من روح الحياة التي ~~يعطيها النمو أو الزيادة والثمرة واتصافهم بالجبن والخور الذي يحسب صاحبه ~~أن كل صيحة عليه فمن # PageV02P702 # التقصير الزائد أن يقال إن المراد بهذا اللفظ هو عبد الله بن أبي ومن هذا ~~قولهم في قوله تعالى {إن شجرت الزقوم طعام الأثيم} [الدخان43 , 44] إنه أبو ~~جهل ابن هشام # وكذلك في قوله {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} [القيامة31 , 32] إنه ~~أبو جهل ابن هشام # وكذلك قوله {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} إلى آخرها ~~[المطففين29] وكذلك قوله {ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم} إلى آخرها ~~[القلم10 , 11} إنه الوليد بن المغيرة # وكذلك قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان6] # PageV02P703 # إنه النضر بن الحارث وفي قوله {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة8] # إنها في أناس معينين وأضعاف ذلك مما إذا طرق سمع كثير من الناس ظن أن هذا ~~شيء أريد به هؤلاء ومضى حكمه وبقي لفظه وتلاوته حتى قال بعض من قدم العقل ~~على النقل وقد احتج عليه بشيء من القرآن دعني من كلام قيل في أناس مضوا ~~وانقرضوا. # ومن تأمل خطاب القرآن وألفاظه وجلالة المتكلم به وعظمة ملكه وما أراد به ~~من الهداية العامة لجيمع الأمم قرنا بعد قرن إلى آخر الدهر وأنه جعله ~~إنذارا لكل من بلغه من الكلفين لم يخف عليه أن خطابه العام إنما جعل بإزاء ~~أفعال حسنة محمودة وأخرى قبيحة مذمومة وأنه ليس منها فعل إلا والشركة فيه ~~موجودة أو ممكنة وإذا كانت الأفعال مشتركة كان الوعد والوعيد المعلق بها ~~مشتركا ألا ترى أن الأفعال التي حكيت عن أبي جهل بن هشام والوليد بن # PageV02P704 # المغيرة والعاص بن وائل وأضرابهم وعن عبد الله بن أبي وأضرابه كان لهم ~~فيها شركاء كثيرون حكمهم فيها حكمهم. # ولهذا عدل الله سبحانه عن ذكرهم بأسمائهم وأعيانهم ms201 إلى ذكر أوصافهم ~~وأفعالهم وأقوالبهم لئلا يتوهم متوهم اختصاص الوعيد بهم وقصره عليهم وأنه ~~لا يجاوزهم فعلق سبحانه الوعيد وقصره عليهم وأنه لا يجاوزهم فعلق سبحانه ~~الوعيد على الموصوفين بتلك الصفات دون أسماء من قامت به إرادة لتعميم الحكم ~~وتناوله لهم ولأمثالهم ممن هو على مثل حالهم. # وهكذا الحكم فيمن أثنى عليه ومدحه بما صدر منه من قول أو فعل عدل سبحانه ~~عن ذكره باسمه وعينه إلى ذكره بوصفه وفعله ليتناول المدح لمن شركه في ذلك ~~من سائر الناس فإذا حمل السامع قوله {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون} [الزمر33] # PageV02P705 # وقوله {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} [الحديد19] ونظائرها ~~على أبي بكر الصديق أو علي بن أبي طالب فقد ظلم اللفظ والمعنى وقصر به غاية ~~التقصير وإن كان الصديق أول وأولى من دخل في هذا اللفظ العام وأريد به ~~ونظير ذلك ما ذكره بعضهم في قوله {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها ~~كافورا} إلى قوله {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان 5 - 8] إن المراد بذلك علي ~~بن أبي طالب فجمع إلى حمل هذا اللفظ العام المجاهرة بالكذب والبهت في دعواه ~~نزولها في علي فإن السورة مكية وعلي كان بمكة فقيرا قد رباه النبي في حجره ~~فإن أبا طالب لما مات اقتسم بنو عبد المطلب أولاده لأنه لم يكن له مال فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ورباه عنده وضمه إلى عياله فكان فيهم. # ومن تأمل هذه السورةعلم يقينا أنه لا يجوز أن يكون المراد بألفاظها ~~العامة إنسانا واحدا فإنها سورة عجيبة التبيان افتتحت بذكر خلق الإنسان ~~ومبدئه وجميع أحواله من بدايته إلى نهايته وذكره أقسام الخلق في أعمالهم ~~واعتقاداتهم ومنازلهم من السعادة والشقاوة فتخصيص العام فيها # PageV02P706 # بشخص واحد ظلم وهضم ظاهر للفظها ومعناها وشبيه بهذا ما ذكره بعضهم في ~~قوله تعالى {ووصينا الأنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها} ~~[الأحقاف15] إنها نزلت في أبي ms202 بكر الصديق وابنه عبد الرحمن ونظيره ما تقدم ~~من تفسير قوله {محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم} [الفتح29] إلى آخر ~~الآية وقسمة جملها بين العشرة من الصحابة ومن تأمل ذلك علم أن هذا تفسير ~~مختل مخل بمقصود الآية معدول به عن سنن الصواب وهذا باب يطول تتبعه جدا ولو ~~أن الذين ارتكبوا ما ذكرنا من التفاسير المستكرهة المستغربة وحملوا العموم ~~على الخصوص وأزالوا لفظ الآية عن موضوعه علموا ما في ذلك من تصغير شأن ~~القرآن وهضم معانيه من النفوس وتعريضه لجهل كثير من الناس بما عظم الله ~~قدره وأعلى خطره لأقلوا مما استكثروا منه ولزهدوا فيما أظهروا الرغبة فيه ~~وكان ذلك من فعلهم أحسن وأجمل وأولى بأن يوفى معه القرآن بعض حقه من ~~الإجلال والتعظيم والتفخيم ولو لم يكن في حمل تفسير القرآن على الخصوص دون ~~العمومم إلا ما يتصوره التالي له في نفسه من أن تلك الآيات إنما قصد بها ~~أقوام من الماضين # PageV02P707 # دون الغابرين فيكون نفعه وعائدته على البعض دون البعض لكان في ذلك ما ~~يوجب النفرة عن ذلك والرغبة عنه وبحكمة بالغة عدل الرب تعالى عن تسمية من ~~ذكر هؤلاء أنه مراد باللفظ إلى ذكر الأوصاف والأفعال التي يأخذ كل أحد منها ~~حظه ولو سمى سبحانه أصحابها بأسمائهم لقال القائل لست منهم يوضح ذلك. # الوجه الخامس والثلاثون إن ألفاظ القرآن التي وقعت في باب الحمد والذم ~~وقعت بما فيها من الفخامة والجلالة عامة وكان عمومها من تفخيمها وجلالة ~~قدرها وعظمة شأنها وذلك أن من شأن من يقصد تفخيم كلامه من عظماء الناس أن ~~يستعمل فيه أمرين أحدهما العدول بكلامه عن الخصوص إلى العموم إلى حيث تدعو ~~الحاجة إلى ذكر الخصوص لأمر لا بد منه ليكون خطابه كليا شاملا يدخل تحته ~~الخلق الكثير وكلما كان الداخلون تحت خطابه أعم واكثر كان ذلك أفخم لكلامه ~~وأعظم لشأنه فأين العظمة والجلالة في قوله {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} ~~[البقرة 21] # PageV02P708 # إلى العظمة في قوله يا أهل مكة اعبدوا ربكم فمن ms203 فخامة الكلام وجلالة ~~المتكلم به أن يدخل في اللفظة الواحدة جميع ما يصلح له فيدل باللفظ القصير ~~على المعاني الكثيرة العظيمة فتجمع العموم والإيجاز والاختصار والبيان وحسن ~~الدلالة فتأتي بالمعنى طبق اللفظ لا يقصر عنه ولا يوهم غيره ومن علم هذا ~~وتدبر القرآن وصرف إليه فكره علم أنه لم يقرع الأسماع قط كلام أوجز ولا ~~أفصح ولا أشد مطابقة بين معانيه وألفاظه منه # وليس يوجد في الكتب المنزلة من عند الله كتاب جمعت ألفاظه من الإيجاز ~~والاختصار والإحاطة بالمعاني الجليلة والجزالة والعذوبة وحسن الموقع من ~~الأسماع والقلوب ما تضمنته ألفاظ القرآن وقد شهد له بذلك أعداؤه وسمع بعض ~~الأعراب قارئا يقرأ {فاصدع بما تؤمر} [الحجر94] فسجد فقيل له ليست بآية ~~سجود فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام. فإذا تأملت طريقته وجدتها طريقة مخاطبة ~~ملك الناس كلهم لعبيده ومماليكه وهذا أحد الدلائل الدالة على أنه كلامه ~~الذي تكلم به حقيقة لا كلام غيره من المخلوقين وإذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلام وبين كلامه وكلام الله مالا يحصره نسبة ~~فكيف # PageV02P709 # يجوز في الأوهام والعقول أن تحمل جوامع كلمات الرب تعالى على ما يناقض ~~عمومها ويحطها من مرتبة عظمة العموم ومحاسنه وجلالة شأنه إلى حضيض الخصوص ~~بل الواجب أن يقال إن خطاب الله عز وجل في كل ما أمر به ونهى عنه وحمد أو ~~ذم عليه ووعد عليه بثوابه وعقابه خرج في ذلك كله مخرجا عاما كليا بحسب ما ~~تقتضيه جلالة الربوبية ومرتبة الملك والسلطان العام لجميع الخلق. # ولو ترك المتأولون ألفاظه تجري على دلائلها الكلية وأحكامها العامة ~~وظواهرها المفهومة منها وحقائقها الموضوعة لها لأفادتهم اليقين وجزموا ~~بمراد المتكلم بها ولانحسمت بذلك مواد أكثر التأويلات الباطلة والتحريفات ~~التي تأباها العقول السليمة ولما تهيأ لكل مبطل أن يعمد إلى آيات من القرآن ~~فينزلها على مذهبه الباطل ويتأولها عليه ويجعلها شاهدة له وهي في التحقيق ~~شاهدة عليه ولسلم القرآن والحديث من الآفات التي جناها عليهما المتأولون ~~وألصقها بهما المحرفون والله المستعان ms204 فهذا ما يتعلق بقوله إن الأدلة ~~النقلية موقوفة على العلم بعدم التخصيص بالأزمنة والأمكنة والأشخاص. # الوجه السادس والثلاثون قوله وعدم الإضمار يقال الإضمار على ثلاثة أنواع ~~نوع يعلم انتفاؤه قطعا وأن إرادته باطلة وهو الحال # PageV02P710 # وهو حال أكثر الكلام فإنه لو سلط عليه الإضمار فسد التخاطب وبطلت العقود ~~والأقارير والطلاق والعتاق والوصايا والوقوف والشهادات ولم يفهم أحد مراد ~~أحد إذ يمكنه أن يضمر كلمة تغير المعنى ولا يدل المخاطب عليها. # وباب الإضمار لا ضابط له فكل من أراد إبطال كلام متكلم ادعى فيه إضمارا ~~يخرجه عن ظاهره فيدعي ملحد الإضمار في قوله {وكلم الله موسى تكليما} ~~[النساء164] أي وكلم ملك الله موسى ويدعي في قوله {الرحمن على العرش استوى} ~~[طه5] إضمار ملك الرحمن كما ادعى بعضهم الإضمار في قوله ينزل ربنا أي ملك ~~ربنا وفي قوله {وجاء ربك} [الفجر22] أي ملك ربك ولو علم هذا القائل أنه قد ~~نهج الطريق وفتح الباب لكل ملحد على وجه الأرض وزنديق وصاحب بدعة يدعي فيما ~~يحتج به لمذهبه عليه إضمار كلمة أو كلمتين نظير ما ادعاه لاختار أن يخرس ~~لسانه # PageV02P711 # ولا يفتح هذا الباب على نصوص الوحي فإنه مدخل لكل ملحد ومبتدع ومبطل لحجج ~~الله من كتابه ومن رأى ما أضمره المتأولون من الرافضة والجهمية والقدرية ~~والمعتزلة مما حرفوا به الكلم عن مواضعه وأزالوه به عن ما قصد له من البيان ~~والدلالة. # علم أن لهم أوفر نصيب من مشابهة أهل الكتاب الذين ذمهم الله بالتحريف ~~واللي والكتمان أفترى يعجز الجهمي عن الإضمار في قوله إنكم ترون ربكم عيانا ~~فيضمر ملك ربكم ونعيمه وثوابه ونحو ذلك ويعجز الملحد عن الإضمار في قوله ~~{وأن الله يبعث من في القبور} [الحج7] أي أرواح من في القبور وإذا انفتح سد ~~يأجوج ومأجوج أقبلوا من كل حدب ينسلون. # PageV02P712 # النوع الثاني ما يشهد السياق والكلام به فكأنه مذكور في اللفظ وإن حذف ~~اختصارا كقوله تعالى {أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} [الشعراء63] فكل واحد ~~يعلم أن المعنى فضربه فانفلق فذكره ms205 نوع من بيان الواضحات فكان حذفه أحسن ~~فإن الوهم لا يذهب إلى خلافه. # وكذلك قوله تعالى: {وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم ~~يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون فلما رجعوا إلى أبيهم} [يوسف ~~62 , 63] فكل أحد يفهم من هذا السياق أنهم جعلوها في رحالهم وأنهم وصلوا ~~بها إلى أبيهم ومثل هذا في القرآن كثير جدا وفهم الكلام لا يتوقف على أن ~~يضمر فيه ذلك مع أنه مراد ولا بد فكيف يتوقف فهم الكلام الذي لا دليل فيه ~~على الإضمار بوجه وهو كلام مفيد قائم بنفسه معط لمعناه على دليل منفصل يدل ~~على أن المتكلم لم يضمر فيه خلاف ما أظهره وهل يتوقف أحد من العقلاء في فهم ~~خطاب غيره له على هذا الدليل أو يخطر بباله. # والنوع الثالث كلام يحتمل الإضمار ويحتمل عدمه فهذا إذا قام الدليل على ~~أن المتكلم به عالم ناصح مرشد قصده البيان والهدى والدلالة والإيضاح بكل ~~طريق وحسم مواد اللبس ومواقع الخطأ وأن هذا هو المعروف المألوف من # PageV02P713 # خطابه وأنه اللائق بحكمته لم يشك السامع في أن مراده ما دل عليه ظاهر ~~كلامه دون ما يحتمله باطنه من إضمار مالم يجعل للسامع عليه دليلا ولا له ~~إلى معرفته سبيلا إلا أن يجوز عليه أنه أراد منه ذلك وكلفه ما لا يطيقه ~~وعرضه للعناء والمشقة والعزلة ولم يقصد البيان ولا نكير على من ظن ذلك في ~~المتكلم أن يظن بكلامه ما هو مناسب لظنه به يوضحه # الوجه السابع والثلاثون إن الإضمار هو الإخفاء وهو أن يخفي المتكلم في ~~نفسه معنى ويريد من المخاطب أن يفهمه فهذا إما أن يجعل له عليه دليلا من ~~الخطاب أو لا فإن جعل له عليه دليلا من السياق لم يكن ذلك إضمارا محضا بل ~~يكون قد أظهره له بما دله عليه من السياق ودلالة اللفظ قد تحصل من صريحه ~~تارة ومن سياقه ومن قرائنه المتصلة به فهذا لا محذور فيه إذا كان المخاطب ~~قد دل السامع على مقصوده ومراده وإن ms206 لم يجعل له عليه دليلا فإنه لم يقصد ~~بيانه له بل عدل عن بيانه إلى بيان المذكور فلا يقال إن كلامه دل عليه ~~بالإضمار فإن هذا كذب صريح عليه فتأمله فإنه واضح. # الوجه الثامن والثلاثون قوله وعدم التقديم والتأخير فهذا أيضا من نمط ما ~~قبله فإنه نظم الكلام الطبيعي المعتاد الذي علمه الله للإنسان نعمة منه ~~عليه أن يكون جاريا على المألوف المعتاد # PageV02P714 # منه فالمقدم مقدم والمؤخر مؤخر فلا يفهم أحد قط من المضاف والمضاف إليه ~~في لغة العرب إلا تقديم هذا وتأخير هذا وحيث قدموا المؤخر من المفعول ونحوه ~~وأخروا المقدم من الفاعل ونحوه فلا بد أن يجعلوا في الكلام دليلا على ذلك ~~لئلا يلتبس الخطاب فإذا قالوا ضرب زيدا عمرو لم يكن في هذا التقديم ~~والتأخير إلباس فإذا قالوا ضرب موسى عيسى لم يكن عندهم المقدم إلا الفاعل ~~فإذا أرادوا بيان أنه المفعول أتوا بما يدل السامع على ذلك من تابع منصوب ~~يدل على أنه مفعول فلا يأتون بالتقديم والتأخير إلا حيث لا يلتبس على ~~السامع ولا يقدح في بيان مراد المتكلم كقوله تعالى {وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات} [البقرة124] وقوله {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} [الحج37] ~~وقوله {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} [الروم47] وقوله {إن في ذلك لآية} ~~[الشعراء8] وقوله {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا} [الأعراف82] # PageV02P715 # ونحوه فهذا من التقديم الذي لا يقدح في المعنى ولا في الفهم وله أسباب ~~تحسنه وتقتضيه مذكورة في علم المعاني والبيان. # وأما ما يدعى من التقديم والتأخير في غير ذلك كما يدعي من التقديم في ~~قوله: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان} [يوسف 24] وإن هذا قد تقدم ~~فيه جواب لولا عليها فهذا أولا لا يجيزه النحاة ولا دليل على دعواه ولا ~~يقدح في العلم بالمراد وكذلك ما يدعون من التقديم والتأخير في قوله {اذهب ~~بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون} [النمل28] قالوا ~~تقديره فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم ms207 فكأنهم لما فهموا من ~~قوله {تول عنهم} مجيئه إليه ذاهبا عنهم احتاجوا إلى أن يتكلفوا ذلك وهذا لا ~~حاجة إليه وإنما أمره بما جرت به عادة المرسل كتابه إلى غيره ليعلم ما يصنع ~~به أن يعطيه الكتاب ثم ينعزل عنه حتى ينظر ماذا يقابله به وليس مراده بقوله ~~{تول عنهم} أي أقبل إلي ولو أراد ذلك لقال فألقه إليهم وأقبل وقد علم من ~~كونه رسولا له أنه لا بد أن يرجع إليه فليس في ذلك كبير فائدة بخلاف أمره ~~بتأمله أحوال القوم عند قراءة كتابه وقد انعزل عنهم ناحية. # PageV02P716 # والتقديم والتأخير نوعان: نوع يخل تقديم المؤخر وتأخير المقدم فيه بفهم ~~أصل المعنى فهذا لا يقع في كلام من يقصد البيان والتفهيم وإنما يقع في ~~الألغاز والأحاجي وما يقصد المتكلم تعمية المعنى فيه وقد يقع بسبب شدة ~~الاختصار وضيق القافية عن الترتيب المفهم كقول الفرزدق # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # فهذه شبيه باللغز ومعناه وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه ~~أبوه وهذا النوع لا يقع في كلام الله ولا رسوله. # النوع الثاني التقديم والتأخير الذي لا يخل بأصل المعنى وإن أخل بالغرض ~~المقصود فيكون مراعاته من باب إخراج الكلام على مقتضى الحال وهذا هو الذي ~~يتكلم # PageV02P717 # عليه علماء المعاني والبيان قال سيبويه وهو يذكر الفاعل والمفعول كأنهم ~~يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ~~ويعنيانهم انتهى كلامه. # وهذا يقع في باب الاستفهام والنفي والمبتدأ والخبر والفاعل والمفعول فمن ~~ذلك أنك إذا قلت أفعلت كذا وبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه وكان الغرض ~~بالاستفهام علمك بوجوده وإذا قلت أنت فعلت كذا فبدأت بالاسم كان الشك في ~~الفاعل من هو وكان التردد فيه ففرق بين قولك أكتبت الكتاب وبين قولك أأنت ~~كتبته وهذا كما أنه قائم في الاستفهام فكذلك هو في التقرير فإذا قلت أنت ~~فعل هذا? كان المقصود تقريره بأنه هو الفاعل كما قال قوم إبراهيم ms208 له {أأنت ~~فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} [الأنبياء62] فلم يكن مرادهم السؤال عن الفعل ~~هل وجد أم لا ولو أرادوا ذلك لقالوا أكسرت أصنامنا? وإنما مرادهم السؤال عن ~~الفاعل ولهذا كان الجواب قوله: # PageV02P718 # {قال بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء63] قالقائل أفعلت? سائل عن الفعل من ~~غير تردد بين الفاعل وغيره وإذا قال أأنت فعلت? كان قد ردد الفعل بينه وبين ~~غيره ولم يكن منه تردد في نفس الفعل ومن هذا استفهام الإنكار كقوله تعالى ~~{أفأصفاكم ربكم بالبنين} [الإسراء40] وقوله: (أصطفى البنات على البنين} ~~[الصافات153] وقوله: {أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف45] فهذا ~~إذا قدم الاسم فيه استحال الكلام من إنكار الفعل إلى الإنكار في الفاعل مثل ~~قوله: {أأنت قلت للناس} [المائدة116] {آلله أذن لكم} [يونس59] وقول أهل ~~النار {أنحن صددناكم عن الهدى} [سبأ32] فهذا سؤال عن فعل وقع فتوجه الإنكار ~~إلى نسبته إلى الفاعل الذي نسب إليه وهذا كما إذا بلغك قول عن من لم تكن ~~تظنه به قلت أفلان قال ذلك ? وأما قوله تعالى: {آلذكرين حرم أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} [الأنعام143] # PageV02P719 # فإن الإنكار وإن توجه إلى نفس التحريم والمراد إنكاره من أصله فإنه خطاب ~~لمن قد أثبت تحريما في أشياء وحلا في نظائرها فسئل عن عين المحرم أهو هذا ~~فيشمل التحريم نظيره مما حلله أو الآخر فيشمل نظيره أيضا فكأنهم قيل لهم ~~أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم فيم هو أفي هذا أم في ذاك أم في ~~الثالث?ليتبين بطلان قولهم وتظهر فريتهم على الله وهذا كما تقول لمن يدعي ~~أمرا وأنت تنكره متى كان هذا أفي ليل أم نهار? وكذلك تقول من أمرك بهذا? أو ~~من إذن لك فيه? وأنت لا تريد أن آمر أمرعه به وأذن له فيه ولكن أخرجت ~~الكلام مخرج من كان قد يتنزل مع مخاطبه إلى أن ذلك قد كان ثم طالبه ببيان ~~عينه ووقته ومكانه والآمر به لكي يضيق عليه الجواب ويظهر كذبه حيث لا يمكنه ~~أن يحيل على شيء ms209 مما سئل عنه فيفتضح وكذلك إذا قلت أتفعل كذا? كنت مستفهما ~~له عن نفس الفعل وإذا قلت أأنت تفعل كذا? كنت مستفهما له عن كونه هو الفاعل ~~فقوله تعالى {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس99] فخرجه غير مخرج ~~قوله {أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف28] وقوله {أيحسب الأنسان ~~ألن نجمع عظامه} [القيامة3] # PageV02P720 # وقوله {نلزمكموها وأنتم لها كارهون} [هود28] فأنت تجد تحت قولك أأنت الذي ~~تقهرني? أن القاهر لي غيرك لا أنت وكذلك قوله {أفأنت تكره الناس} [يونس99] ~~{أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي} [الزخرف40] وكذلك الشأن في تقديم المفعول ~~وتأخيره كقوله تعالى {قل أغير الله أتخذ وليا} [الأنعام14] {أفغير الله ~~أبتغي حكما} [الأنعام114] وقوله {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون} [الأنعام40 , 41] ~~فلو أخر لكان الاستفهام عن مجرد الفعل فلما قدم كان الاستفهام عن الفعل ~~وكون المفعول المقدم مختصا به وكذلك قوله {أبشرا منا واحدا نتبعه} ~~[القمر24] لما كان الإنكار متوجها إلى كون المتبوع بشرا وأنه # PageV02P721 # منهم وأنه واحد وردوه ولم يقع إنكارهم على مجرد الاتباع في قوة كلامهم ~~أنه لو كان ملكا أو من غيرنا لا تلحقنا غضاضة برئاسته علينا أو عصبة كثيرة ~~لا يمتنع من متابعتهم لاتبعناهم وكذلك التقديم بدل التأخير في النفي فإذا ~~قلت ما فعلت كنت قد نفيت عنك الفعل ولم تتعرض لكونه فعل أو لم يفعل وإذا ~~قلت ما أنا فعلت كنت قد نفيته عن نفسك مدعيا بأن غيرك فعله ومن ها هنا كان ~~ذلك تعريضا بالقذف يوجب الحد في أصح القولين وبه عمل الصحابة في قول القائل ~~أنا زنيت كما رفع إلى عمر بن الخطاب رجل لاحى آخر فقال ما أنا بزان ولا أمي ~~بزانية فضربه الحد وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وكذلك إذا ~~قلت ما ضربت زيدا كنت قد نفيت الضرب لزيد عنك ولم تتعرض لضرب وقع منك على ~~غيره نفيا وإثباتا وإذا قلت ما زيدا ضربت ms210 كنت مفهما أن الضرب قد وقع منك ~~على إنسان غير زيد. # PageV02P722 # وكذلك الأمر في المبتدأ والخبر فهذا التقديم والتأخير يرجع إلى إيراد ~~الكلام على مقتضى الحال التي يقصدها المتكلم ومن عرف أسلوب كلام العرب ~~وطريقتهم في كلامهم فهم أحكام التقديم والتأخير وهذا غير مخرج لاستفادة ~~السامع اليقين من كلام المتكلم ولا موقف لفهمه على دليل يدل على أنه أراد ~~تأخير ما قدمه وتقديم ما أخره ليفهم خلاف المعنى الظاهر من كلامه. # الوجه التاسع والثلاثون: قوله وموقوف على نفي المعارض العقلي لئلا يفضي ~~إلى القدح في العقل الذي يفتقر إليه النقل جوابه أنا لا نسلم أن القدح فيما ~~عارض النقل من المعقول قدح فيما يحتاج إليه النقل فإن صحة النقل. # لا شيء عنده بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا ~~منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته. # وتأمل دلائلهم على ذلك يتبين أن العقل الصريح مع رسل الله كما معهم الوحي ~~الصحيح. # وتأمل أقوالهم على تناقضها واختلافها في كلامه كيف? تجدها مخالفة لصريح ~~العقل مخالفة بينة ودلائلهم على تلك # PageV02P723 # الأقوال المختلفة أبطل منها وكيف يجد العقل الصريح أنا نشهد بما جاءت به ~~الرسل أن الله سبحانه تكلم بكلام سمعه منه جبريل وبلغه إلى من أمر بتبليغه ~~وكلم نبيه موسى وكلم ملائكته بكلام حقيقي سمعوه منه وأنه يتكلم بمشيئته ~~وإرادته وكل قول خالف هذا فهو خلاف العقل الصريح وإن زخرفت له الألفاظ ~~ونسجت له الشبه وتأمل ما جاءت به النصوص إن كلماته لا نهاية لها وهل يقتضي ~~العقل الصريح غير ذلك? وتأمل ما جاءت به النصوص من شمول قدرته ومشيئته ~~لجميع الكائنات أعيانها وصفاتها وأفعالها وما خالف ذلك فهو مخالف لصريح ~~العقل. # كما أن النصوص جاءت بأن أفعال العباد أعمال لهم واقعة باختيارهم وإرادتهم ~~ليست أفعالا لله وإن كانت مفعولة له تجد ما خالف ذلك مخالفا لصريح العقل. # وتأمل ما جاءت به النصوص أنه سبحانه لم يزل ملكا ربا غفورا رحيما محسنا ~~قادرا لا يعجزه الفعل ولا يمتنع عليه ms211 وكيف لا تجد ما خالف ذلك مخالفا لصريح ~~العقل كقول الفلاسفة أنه لا يفعل باختياره ومشيئته وقول المتكلمين أنه كان ~~من الأزل إلى حيث خلق هذا العالم # PageV02P724 # معطلاعن الفعل غير متمكن منه والفعل مستحيل ثم انقلب من اإلإحالة الذاتية ~~إلى الإمكان الذاتي بأن تجدد سبب اقتضى ذلك فانظر أي هذه المذاهب مخالف ~~لصريح العقل كما هو مخالف لصحيح النقل وتأمل قولهم في الإرادة والقدرة ~~والعلم كيف أثبتوا إرادة لا تفعل وقدرة لا تفعل وعلما لا يعقل فقابلهم ~~طائفة من الفلاسفة كيحيى بن عدي النصراني قولها في الكلمة إنها الله كقول ~~المتكلمين في السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة أنها نفس الذات فانظر ~~مخالفة هذه الطوائف لصريح العقل وتأمل قولهم إن السمع هو عين البصر والبصر ~~هو عين السمع والبصر هو عين العلم والكل صفة واحدة فهل في مخالفة العقل ~~الصريح أشد من ذلك وتأمل قولهم إن الرب تعالى علة ثابتة في الأزل لجميع ~~المعلولات. # PageV02P725 # ووجودها في آن واحد مستحيل فجلعوه علة ثابتة لنا هو ممتنع الوجود في غير ~~وقته وهذا قول الفلاسفة فقابلهم المتكلمون في ذلك ولم يجعلوا الفعل ممكنا ~~له في الأزل بحال ولم يفرقوا بين نوع الفعل وعينه وخالف الفريقان صريح ~~العقل. # فتأمل قول الفريقين في الموجب بالذات والفاعل بالاختيار كيف تجدهم قد ~~خرجوا فيه عن صريح العقل وقالوا ما يشهد العقل ببطلانه. # وتأمل قولهم في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كيف خرجوا عن صريح العقل ~~في المصدر والصادر عنه. # وتأمل قولهم في إنكار قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه التي ترجموها ~~بمسألة حلول الحوادث كيف خرجوا فيها عن المعقول الصريح وكابروه أبين مكابرة ~~والتزموا لأجله تعطيل الحي الفعال عن كل فعل والتزموا لأجله حصول مفعول بلا ~~فعل ومخلوق بلا خلق فإن الفعل عندهم عين المفعول والخلق نفس المخلوق وهذا ~~مكابرة لصريح العقل. # PageV02P726 # وتأمل خروجهم عن العقل الصريح في إنكار الحكم والغايات التي يفعل الرب ~~تعالى لأجلها وإنه لا يرى عيانا لا فوق الذاتي ولا تحته ولا خلفه ms212 ولا أمامه ~~ولا عن يمينه ولا عن يساره ثم زادوا جواز تعلق الرؤية بكل موجود من الأصوات ~~والروائح والمعاني وتعلق الإدراكات الخمس بذلك فجوزوا سماع الرائحة وشم ~~الأصوات وسماع الطعوم فخرجوا عن صريح المعقول كما خرجوا عن صحيح المنقول أن ~~المسلمين يرون ربهم من فوقهم. # وتأمل خروجهم عن صريح العقل في مسألة الطفرة والأحوال والكسب ومسألة ~~النبوات وأن النبوة # PageV02P727 # لا ترجع إلى صفة وجودية وإنما هي تعلق الخطاب القديم بالشيء والتعلق أمر ~~عدمي. # وتأمل خروجهم عن صريح العقل بتجويزهم رؤية الشيء في غير جهة من الذاتي ~~وقولهم بأن المتولدات لا فاعل لها وقولهم بأن الله مريد بإرادة يخلقها لا ~~في محل فخالفوا صريح العقل من وجهين من إثبات كونه مريدا من غير قيام صفة ~~الإرادة به ومن جعلهم صفة الإرادة قائمة بغير محل ومن ذلك خروجهم عن صريح ~~العقل في قولهم إن الرب تعالى عالم بلا علم سميع بلا سمع بصير بلا بصر قادر ~~بلا قدرة حي بلا حياة فأنكر ذلك عليهم طوائف العقلاء ففر بعضهم إلى أن قال ~~علمه وسمعه وبصره وقدرته وحياته هي ذاته وقال أعقلهم عند نفسه وعند أتباعه ~~إنه سبحانه علم كله وقدرة كله وحياة كله وسمع كله وبصر كله إلى إضعاف أضاف ~~ما ذكرنا من # PageV02P728 # أقوالهم التي خرجوا فيها عن صريح العقل فهل تجد في نصوص الوحي التي ~~عارضوا فيها بين العقل والنقل مثل ذلك أو قريبا منه فتأملها وتأمل أقوالهم ~~تعلم أي النوعين معه العقل ومن الذي خرج عن صريحه وبالله التوفيق. # الوجه الأربعون: إن الأدلة القاطعة قد قامت على صدق الرسول في كل ما يخبر ~~به ودلالتها على صدقه أبين وأظهر من دلالة تلك الشبه العقلية على نقيض ما ~~أخبر به عند كافة العقلاء ولا يستريب في ذلك إلا موؤف في عقله مصاب في قلبه ~~وفطرته فأين الشبه النافية لعلو الله على خلقه وتكلمه بمشيئته وتكليمه ~~لخلقه ولصفات كماله ولرؤيته بالأبصار في الدار الآخرة ولقيام أفعاله به إلى ~~براهين نبوته وصدقه التي زادت ms213 على الألف وتنوعت كل تنوع فكيف يقدح في ~~البراهين العقلية الضرورية بالشبه الخيالية المتناقضة إلا من هو من أفسد # PageV02P729 # الناس عقلا ونظرا وهل ذلك إلا من جنس الشبه التي أوردوها في التشكيك في ~~الحسيات والبديهيات فإنها وإن عجز كثير من الناس عن حلها فهم يعلمون أنها ~~قدح فيما علموه بالحس والإضطرار فمن قدر على حلها وإلا لم يتوقف جزمه بما ~~علمه بحسه واضطراره على حلها وكذلك الحال في الشبه التي عارضت ما أخبر به ~~الرسول سواء فإن المصدق به وبما جاء به يعلم أنها لا تقدح في صدقه ولا في ~~الإيمان به وإن عجز عن حلها فإن تصديقه بما جاء به الرسول ضروري وهذه الشبه ~~عنده لا تزيل ما علمه بالضرورة فكيف إذا تبين بطلانها على التفصيل يوضحه: # الوجه الحادي والأربعون: وهو أن الرسول بين مراده وقد بين لنا أكثر مما ~~تبين لنا كثيرا من دقائق المعقولات الصحيحة فمعرفتنا بمراد الرسول من كلامه ~~فوق معرفتنا بتلك الدقائق إذا كانت صحيحة المقدمات في نفسها صادقة النتيجة ~~غير كاذبة فكيف إذا كان الأمر فيها بخلاف ذلك فتلك التي تسمى معقولات قد ~~تكون خطأ # PageV02P730 # ولكن لم يتفطن لخطئها وأما كلام المعصوم فقد قام البرهان القاطع على صدقه ~~وأنه حق ولكن قد يحصل الغلط في فهمه فيفهم منه ما يخالف صريح العقل فيقع ~~التعارض بين ما فهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح العقل فهذا لا يدفع ولكن ~~إذا تأمله من وهبه الله حسن القصد وصحة التصور تبين له أن المعارضة واقعة ~~بين ما فهمه النفاة من النصوص وبين العقل الصريح وأنها غير واقعة بين ما دل ~~عليه النقل وبين العقل. # ومن أراد معرفة هذا فليوازن بين مدلول النصوص وبين العقل الصريح ليبين له ~~مطابقة أحدهما للآخر ثم يوازن بين أقوال النفاة وبين العقل الصريح فإنه ~~يعلم حينئذ أن النفاة أخطأوا خطأين خطأ بينا على السمع بأن فهموا منه خلاف ~~مراد المتكلم وخطأ على العقل بخروجهم عن حكمه فخرجوا عن العقل والسمع ~~جميعا. # الوجه ms214 الثاني والأربعون: إن المعارضين بين العقل والنقل وبين ما أخبر به ~~الرسول قد اعترفوا بأن العلم بانتفاء المعارض مطلقا لا سبيل إليه إذ ما من ~~معارض بنفسه إلا ويحتمل أن يكون له معارض آخر وهذا مما اعتمد عليه صاحب ~~نهاية # PageV02P731 # العقول وجعل السمعيات لا يحتج بها على العلم بحال وحاصل هذا أنا لا نعلم ~~ثبوت ما أخبر به الرسول حتى نعلم انتفاء ما يعارضه ولا سبيل إلى العلم ~~بانتفاء المعارض مطلقا لما تقدم وأيضا فلا يلزم من انتفاء العلم بالمعارض ~~العلم بانتفاء المعارض ولا ريب أن هذا القول من أفسد أقوال العالم وهو من ~~أعظم أصول أهل الإلحاد والزندقة وليس في عزل الوحي عن مرتبته أبلغ من هذا. # الوجه الثالث والأربعون: أن الله سبحانه قد أخبر في كتابه أن على الرسول ~~البلاغ المبين فقال تعالى {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور54] , ~~[العنكبوت18] وقال تعالى {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} ~~[المائدة67] # PageV02P732 # وقال {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} ~~[النحل44] وقد شهد الله له وكفى به شهيدا بالبلاغ الذي أمر به فقال {فتول ~~عنهم فما أنت بملوم} [الذاريات54] وشهد له أعقل الخلق وأفضلهم وأعلمهم بأنه ~~قد بلغ فأشهد الله عليهم بذلك في أعظم مجمع وأفضله فقال في خطبته بعرفات في ~~حجة الوداع إنكم مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون قالوا نشهد أنك بلغت وأديت ~~ونصحت فرفع إصبعه إلى السماء مستشهدا بربه الذي فوق سمواته وقال اللهم اشهد ~~فلو لم يكن قد عرف المسلمون وتيقنوا ما أرسل به وحصل لهم منه العلم اليقين ~~لم يكن قد حصل منه البلاغ المبين ولما رفع الله عنه اللوم ولما شهد له أعقل ~~الأمة بأنه قد بلغ وبين وغاية ما عند النفاة أنه بلغهم ألفاظا لا تفيدهم ~~علما ولا يقينا وأحالهم في # PageV02P733 # طلب العلم واليقين على عقولهم ونظرهم وأبحاثهم لا على ما أوحي إليه وهذا ~~معلوم البطلان بالضرورة. # الوجه الرابع والأربعون: إن عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ms215 أكمل عقول ~~أهل الأرض على الإطلاق فلو وزن عقله بعقولهم لرجح بها كلها وقد أخبر سبحانه ~~أنه قبل الوحي لم يكن يدري الإيمان كما لم يكن يدري الكتاب. # فقال تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى52] وقال ~~تعالى {ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى} [الضحى7 , 6] وتفسير هذه ~~الآية بالآية التي في آخر الشورى فإذا كان أعقل خلق الله على الإطلاق إنما ~~حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن ~~اهتديت فبما يوحي إلي ربي} [سبأ50] . # PageV02P734 # فكيف يحصل لسفهاء العقول وأخفاء الأحلام وفراش الألباب الاهتداء إلى ~~حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الأنبياء: {لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} [مريم90 , 89] # الوجه الخامس والأربعون: إن الله سبحانه قد أقام الحجة على خلقه بكتابه ~~ورسله فقال {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} ~~[الفرقان1] وقال {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام19] ~~فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله به وقال تعالى: # PageV02P735 # {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ~~[النساء165] وقال تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء15] وقال ~~تعالى {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا ~~نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} [الملك9 , ~~8] {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم ~~فسحقا لأصحاب السعير} [الملك11 , 10] وقال تعالى {وسيق الذين كفروا إلى ~~جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين} [الزمر71] وقال {يا معشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم ms216 هذا قالوا شهدنا على أنفسنا} ~~[الأنعام130] # PageV02P736 # فلو كان كلام الله ورسوله لا يفيد اليقين والعلم والعقل معارض للنقل فأي ~~حجة تكون قد قامت على المكلفين بالكتاب والرسول وهل هذا القول إلا مناقض ~~لإقامة حجة الله على خلقه بكتابه من كل وجه وهذا ظاهر لكل من فهمه ولله ~~الحمد. # الوجه السادس والأربعون: إن الله سبحانه وصف نفسه بأنه بين لعباده غاية ~~البيان وأمر رسوله بالبيان وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبين للناس ولهذا ~~قال الزهري من الله البيان وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم فهذا البيان ~~الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده ~~أو المعنى وحده أو اللفظ والمعنى جميعا ولا يجوز أن يكون المراد به بيان ~~اللفظ دون المعنى فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرسالة وبيان ~~المعنى وحده بدون دليله وهو اللفظ الدال عليه ممتنع فعلم قطعا أن المراد ~~بيان اللفظ والمعنى. والله تعالى أنزل كتابه ألفاظه ومعانيه وأرسل رسوله ~~ليبين اللفظ والمعنى فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بين اللفظ # PageV02P737 # فكذلك نقطع ونتيقن أنه بين المعنى بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من ~~عنايته ببيان اللفظ وهذا هو الذي ينبغي فإن المعنى هو المقصود وأما اللفظ ~~فوسيلة إليه ودليل عليه فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود ~~وكيف نتيقن بيانه للوسيلة ولا نتيقن بيانه للمقصود وهل هذا إلا من أبين ~~المحال فإن جاز عليه أن لا يبين المراد من ألفاظ القرآن جاز عليه أن لا ~~يبين بعض ألفاظه فلو كان المراد منها خلاف حقائقها وظواهرها ومدلولاتها وقد ~~كتمه عن الأمة ولم يبينه لها كان ذلك قدحا في رسالته وعصمته وفتحا للزنادقة ~~والملاحدة من الرافضة وإخوانهم باب كتمان بعض ما أنزل عليه وهذا مناف ~~للإيمان به وبرسالته يوضحه: # PageV02P738 # الوجه السابع والأربعون: إن القائل بأن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين ~~إما أن يقول إنها تفيد ظنا أو لا تفيد علما ولا ظنا فإن قال لا تفيد علما ~~ولا ظنا فهو ms217 مع مكابرته للعقل والسمع والفطرة الإنسانية من أعظم الناس كفرا ~~وإلحادا وإن قال بل تفيد ظنا غالبا وإن لم تفد يقينا قيل له فالله سبحانه ~~قد ذم الظن المجرد وأهله فقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا} [النجم28] فأخبر أنه ظن لا يوافق الحق ولا يطابقه وقال ~~تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ~~[النجم23] وقال أهل النار {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية32] ~~ولكان قوله تعالى عنهم {وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة4] خبرا غير مطابق فإن ~~علمهم بالآخرة إنما استفادوه من # PageV02P739 # الأدلة اللفظية لا سيما وجمهور المتكلمين يصرحون بأن المعاد إنما علم ~~بالنقل فإذا كان النقل لا يفيد يقينا لم يكن في الأمة من يوقن بالآخرة إذ ~~الأدلة العقلية لا مدخل لها فيها وكفى بهذا بطلانا وفسادا فإنه سبحانه لم ~~يكتف من عباده بالظن بل أمرهم بالعلم كقوله: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} ~~[محمد19] وقوله {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} ~~[المائدة98] وقوله {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} [البقرة223] ونظائر ~~ذلك وإنما يجوز اتباع الظن في بعض المواضع للحاجة كحادثة يخفى على المجتهد ~~حكمها أو في الأمور الجزئية كتقويم السلع ونحوه. # وأما ما بينه الله في كتابه وعلى لسان رسوله فمن لم يتيقن بل ظنه ظنا فهو ~~من أهل الوعيد ليس من أهل الإيمان فلو كانت الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ~~لكان ما بينه الله ورسوله بالكتاب والسنة لم يتيقنه أحد من الأمة. # PageV02P740 # الوجه الثامن والأربعون: إن الله سبحانه أخبر أن قلوب المؤمنين مطمئنة ~~بذكره وهو كتابه الذي هدى به عباده فقال تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب الذين ~~آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد28 , 27] ~~أجابهم سبحانه عن سؤالهم ترك إنزال آيات الاقتراح بجوابين: # أحدهما أنها لا توجب إيمانا بل الله هو الذي ms218 يهدي من يشاء ويضل من يشاء ~~لا الآيات التي اقترحتموها # الثاني أنه نبههم على أعظم الآيات وأشدها اقتضاء للإيمان وأنها في ~~اقتضائها للإيمان أبلغ من الآيات التي تقترحونها وهي كتابه الذي هو ذكره ~~وما تضمنه من الحق الذي تطمئن إليه القلوب وتسكن إليه النفوس ولو كان باطلا ~~لم يزد القلوب إلا شكا وريبا فإن الكذب ريبة والصدق طمأنينة فلو كانت ~~كلماته وألفاظه لا تفيد اليقين بمدلولها لم تطمئن به القلوب فإن الطمأنينة ~~هي سكون القلب إلى الشيء ووثوقه به وهذا لا يكون إلا مع اليقين بل هو ~~اليقين بعينه. # ولهذا تجد قلوب أصحاب الأدلة السمعية مطمئنة بالإيمان بالله وأسمائه ~~وصفاته وأفعاله وملائكته واليوم # PageV02P741 # الآخر لا يضطربون في ذلك ولا يتنازعون فيه ولا يعرض لهم الشك عند الموت ~~ولا يشهدون على أنفسهم ويشهدون على غيرهم بالحيرة والوقوف والشك فيكفي في ~~صحة مدلول الأدلة اللفظية وبطلان مدلول الشبه العقلية التي تخالفها هذا ~~القدر وحده. # فمتى رأيت أصحاب الأدلة السمعية يقول أحدهم عند الموت نهاية إقدام العقول ~~عقال أو يقول لعمري لقد طفت المعاهد كلها أو يقول فيك يا أغلوطة الفكر أو ~~يقول والله ما أدري على أي عقيدة أموت إلى أضعاف ذلك من أحوال أصحاب الشبه ~~العقلية وبالله التوفيق. # الوجه التاسع والأربعون: قوله إن العلم بمدلول الأدلة اللفظية موقوف على ~~نقل اللغة كلام ظاهر البطلان فإن دلالة القرآن والسنة على معانيها من جنس ~~دلالة لغة كل قوم على ما يعرفونه ويعتادونه من تلك اللغة وهذا لا يخص العرب ~~بل هو أمر # PageV02P742 # ضروري لجميع بني آدم يتوقف العلم بمدلول ألفاظهم على كونهم من أهل تلك ~~اللغة التي وقع بينهم بها التخاطب ولهذا لم يرسل الله رسولا إلا بلسان قومه ~~ليبين لهم فتقوم عليهم الحجة بما فهموه من خطابه لهم. # فدلالة اللفظ هي العلم بقصد المتكلم به ويراد بالدلالة أمران نقل الدال ~~وكون اللفظ بحيث يفهم معنى ولهذا يقال دله بكلامه دلالة ودل الكلام على هذا ~~دلالة فالمتكلم دال بكلامه وكلامه دال بنظامه وذلك ms219 يعرف من عادة المتكلم في ~~ألفاظه فإذا كانت عادته أنه قصد بهذا اللفظ هذا المعنى علمنا متى خاطبنا به ~~أنه أراده من وجهين: # أحدهما: أن دلالة اللفظ مبناها على عادة المتكلم التي يقصدها بألفاظه ~~ولهذا استدل على مراده بلغته التي عادته أن يتكلم بها فإذا عرف السامع ذلك ~~المعنى وعرف أن عادة المتكلم إذا تكلم بذلك اللفظ أن يقصده علم أنه مراده ~~قطعا وإلا لم يعلم مراد المتكلم أبدا وهو محال. # الثاني: إن المتكلم إذا كان قصده إفهام المخاطبين كلامه وعلم السامع من ~~طريقته وصفته أن ذلك قصده لا أن قصده التلبيس والإلغاز أفاده مجموع العلمين ~~اليقين بمراده ولم يشك فيه ولو تخلف عنه العلم لكان ذلك قادحا في أحد ~~العلمين إما قادحا في علمه بموضوع ذلك # PageV02P743 # اللفظ وإما في علمه بعبارة المتكلم به وصفاته وقصده فمتى عرف موضوعه وعرف ~~عادة المتكلم أفاده ذلك القطع يوضحه: # الوجه الخمسون: إن السامع متى سمع المتكلم يقول لبست ثوبا وركبت فرسا ~~وأكلت لحما وهو عالم بمدلول هذه الألفاظ من عرف المتكلم وعالم أن المتكلم ~~لا يقصد بقوله لبست ثوبا معنى ذبحت شاة ولا من قوله ركبت فرسا معنى لبست ~~ثوبا علم مراده قطعا. # فإن من قصد خلاف ذلك عد ملبسا مدلسا لا مبينا مفهما وهذا مستحيل على الله ~~ورسوله أعظم استحالة وإن جاز على أهل التخاطب فيما بينهم فاءذا إفادة كلام ~~الله ورسوله لليقين فوق استفادة ذلك من كلام كل متكلم وهو أدل على كلام ~~الله ورسوله من دلالة كلام غيره على مراده. # وكلما كان السامع أعرف بالمتكلم وصفاته وقصده وبيانه وعادته كان استفادته ~~للعلم بمراده أكمل وأتم. # الوجه الحادي والخمسون: إن معرفة مراد المتكلم تعرف بإطراد استعماله ذلك ~~اللفظ في ذلك المعنى في مجاري كلامه ومخاطباته فإذا ألف منه إطلاق ذلك ~~اللفظ أو اضطراده في استعماله في معنى ألف منه أنه متى أطلقه أراد ذلك ~~المعنى وألف منه تجريده في # PageV02P744 # موارد استعماله من اقتران ما يدل على خلاف موضوعه أفاد ذلك علما ms220 يقينا لا ~~ريب فيه لمراده. # الوجه الثاني والخمسون: إن من تأمل عامة ألفاظ القرآن وجدها نصوصا صريحة ~~دالة على معناها دلالة لا تحتمل غيرها بوجه من الوجوه وهذا كأسماء الأنبياء ~~وأسماء الأجناس وكأسماء الأعلام وكأسمائه سبحانه التي أطلقها على نفسه ~~فإنها لا تصلح أن يكون المراد بها غيره البتة ظاهرة كانت أم مضمرة وكأسماء ~~يوم القيامة والجنة والنار والسماء والأعداد وذكر الثقلين وخطابهم وعامة ~~ألفاظ القرآن فهل يفهم أحد قط من قوله {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله ~~الناس} [الناس3 , 1] غير الله سبحانه ومن {الوسواس الخناس} [الناس4] غير ~~الشيطان ومن {صدور الناس} [الناس5] . # PageV02P745 # غير بني آدم وهل يفهم من قوله {قل هو الله أحد} [الصمد1] غير ذات رب ~~العالمين وأنه واحد لا شريك له وأنه لم يولد من غيره ولم يلد منه غيره وليس ~~له من يماثله ويكائفه وهل يفهم من {تبت يدا أبي لهب وتب} إلى آخرها [المسد5 ~~, 1] غير ما دلت عليه وهكذا جميع سور القرآن وآياته مفيدة لليقين بالمراد ~~منها وإن أشكل على كثير من الناس كثير من ألفاظه فإن هذا لا يخرجه عن ~~إفادته اليقين ولا يسلب الأدلة اللفظية عن إفادتها اليقين بل كل علم من ~~علوم بني آدم اليقينية القطعية تشتمل على مسائل يتيقنها أصحاب ذلك العلم ~~وهي مسلمة عندهم ومجهولة عند كثير منهم ولا يخرج ذلك العلم عن كونه يقينيا ~~قطعيا فعزل الأدلة اللفظية جملة عن اليقين لألفاظ يسيرة مشتبهة على بعض ~~الناس كعزل العلوم اليقينية القطعية عن موضوعها لمسائل يسيرة فيها غير ~~يقينية ولا قطعية. # الوجه الثالث والخمسون: إن قوله إن فهم الأدلة اللفظية موقوف على نقل ~~النحو والتصريف جوابه إن القرآن نقل إعرابه كما نقلت ألفاظه # PageV02P746 # ومعانيه لا فرق في ذلك كله فألفاظه متواترة وإعرابه متواتر ونقل معانيه ~~أظهر من نقل ألفاظه وإعرابه كما تقدم بيانه فإن القرآن لغته ونحوه وتصريفه ~~ومعانيه كلها منقولة بالتواتر لا يحتاج في ذلك إلى نقل غيره بل نقل ذلك كله ~~بالتواتر أصح من نقل كل لغة ms221 نقلها ناقل على وجه الأرض وقواعد الإعراب ~~والتصريف الصحيحة مستفادة منه مأخوذة من إعرابه وتصريفه وهو الشاهد على صحة ~~غيرها مما يحتج له بها فهو الحجة لها والشاهد وشواهد الإعراب والمعاني منه ~~أقوى وأصح من الشواهد من غيره حتى إن فيه من قواعد الإعراب وقواعد علم ~~المعاني والبيان مالم تشتمل عليه ضوابط النحاة وأهل علم المعاني إلى الآن ~~كما أن فيه من قواعد البراهين العقلية والأدلة القطعية ووجوهها مالم تشتمل ~~عليه قواعد الأصوليين والجدليين إلى الآن وفيه من علم الأحكام وفقه القلوب ~~وأعمال الجوارح وطرق الحكم بين العباد مالم تتضمنه قواعد الفقهاء إلى الآن ~~وهذا أمر يتسارع الجهال والمقلدون إلى إنكاره والذين أوتوا العلم يعرفونه ~~حقا فبطل قولا هؤلاء إن الأدلة اللفظية تتوقف دلالتها على عصمة رواة مفردات ~~تلك الألفاظ ورواة إعرابها وتصريفها وظهر تدليسهم وتلبيسهم في هذا القول ~~وبالله التوفيق. # PageV02P747 # الوجه الرابع والخمسون: أن يقال هب أنه يحتاج إلى نقل ذلك لكن عامة ألفاظ ~~القرآن منقول معناها وإعرابها بالتواتر لا يحتاج الناس فيه إلى النقل عن ~~عدول أهل العربية كالخليل وسيبويه والأصمعي وأبي عبيدة والكسائي # PageV02P748 # والفراء حتى الألفاظ الغريبة في القرآن مثل {أبسلوا} و {قسمة ضيزى} و ~~{عسعس} ونحوها معانيها منقولة في اللغة بالتواتر لا يختص بنقلها الواحد ~~والاثنان فلم تتوقف دلالتها على عصمة رواة معانيها فكيف في الألفاظ الشهيرة ~~كالشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والجبال والشجر والدواب فهذه ~~الدعوى باطلة في الألفاظ الغريبة والألفاظ الشهيرة. # الوجه الخامس والخمسون: إن أصحاب هذا القانون الذي عزلوا به نصوص الوحي ~~عن إفادتها للعلم واليقين قالوا إن أظهر الألفاظ لفظ الله وقد اختلف الناس ~~فيه أعظم اختلاف هل # PageV02P749 # هو مشتق أم لا وهل هو مشتق من التأله أو من الوله أو من لاه إذا احتجب ~~وكذلك اسم الصلاة وفيه من الاختلاف ما فيه وهل هو مشتق من الدعاء أو من ~~الاتباع أو من تحريك الصلوين فإذا كان هذا في أظهر الأسماء فما الظن بغيره ~~فتأمل هذا الوهم والإيهام واللبس والتلبيس فإن ms222 جميع أهل الأرض علمائهم ~~وجهالهم ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه وعربهم وعجمهم يعلمون أن الله اسم ~~لرب العالمين خالق السموات والأرض الذي يحيي ويميت وهو رب كل شيء ومليكه ~~فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به هذا المسمى وهو أظهر عندهم وأعرف ~~وأشهر من كل اسم وضع لكل مسمى وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه فليس ذلك ~~بنزاع منهم في معناه وكذلك الصلاة لم يتنازعوا في معناها الذي أراده الله ~~ورسوله وإن اختلفوا في اشتقاقها وكذلك قوله: {يا أيها النبي} [الأنفال64] ~~لم يتنازعوا في المراد به وأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وإن اختلفوا ~~في اشتقاقه هل هو من النبأ أو من النبوة فليس ذلك نزاعا منهم في مسماه ~~وكذلك مواضع كثيرة تتنازع النحاة في وجه دلالتها مع اتفاقهم على المعنى ~~كقوله: # PageV02P750 # {وإن كنت من قبله لمن الغافلين} [يوسف3] فالبصريون يجعلونها مخففة من ~~الثقيلة واللام فارقة بين المخففة والنافية والكوفيون يجعلونها نافية ~~واللام بمعنى إلا. وليس هذا نزاعا في المعنى وإن كان نزاعا في وجه الدلالة ~~عليه وكذلك قوله: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء176] يقدره البصريون ~~كراهة أن تضلوا والكوفيون لئلا تضلوا وكذلك اختلافهم في التنازع وأمثال ذلك ~~إنما هو نزاع في وجه دلالة اللفظ على ذلك المعنى مع اتفاقهم على أن المعنى ~~واحد وهذا القدر لا يخرج اللفظ عن إفادته للسامع اليقين بمسماه. # الوجه السادس والخمسون أن يقال هذه الوجوه العشرة مدارها على حرف واحد ~~وهو أن الدليل اللفظي يحتمل أزيد من معنى واحد فلا نقطع بإرادة المعنى ~~الواحد فهذه الوجوه العشرة مضمونها كلها احتمال اللفظ لمعنيين فصاعدا حتى ~~لا يعرف # PageV02P751 # عين مراد المتكلم فنقول من المعلوم أن أهل اللغة لم يسوغوا للمتكلم أن ~~يتكلم بما يريد به خلاف ظاهره إلا مع قرينة تبين المراد والمجاز إنما يدل ~~مع القرينة بخلاف الحقيقة فإنها تدل على التجرد وكذلك الحذف والإضمار لا ~~يجوز إلا إذا كان في الكلام ما يدل عليه وكذلك التخصيص ليس لأحد ms223 أن يدعيه ~~إلا مع قرينة تدل عليه فلا يسوغ العقلاء لأحد أن يقول جاءني زيد وهو يريد ~~ابن زيد إلا مع قرينة كما في قوله: {واسأل القرية} [يوسف82] واسأل العير ~~عند من يقول إنه من هذا الباب فإنه يقول القرية والعير لا يسألون فعلم أنه ~~أراد أهلها ومن جعل القرية اسما للسكان والمسكن والعير اسما للركبان ~~والمركوب لم يحتج إلى هذا التقدير وإذا كانت هذه الأنواع لا تجوز مع تجرد ~~الكلام عن القرائن المبينة للمراد فحيث تجردت علمنا قطعا أنه لم يرد بها ~~ذلك وليس لقائل أن يقول قد تكون القرائن موجودة ولا نعلم بها لأن من ~~القرائن ما يجب أن يكون لفظيا كمخصصات الأعداد وغيرها ومنها ما يكون معنويا ~~كالقرائن الحالية # PageV02P752 # والمقالية والنوعان لا بد أن يكونا ظاهرين للمخاطب ليفهم من تلك القرائن ~~مراد المتكلم فإذا تجرد الكلام عن القرائن فهم معناه المراد عند التجرد ~~وإذا اقترن بتلك القرائن فهم معناه المراد عند الاقتران فلم يقع لبس في ~~الكلام المجرد ولا في الكلام المقيد إذ كل من النوعين مفهم لمعناه المختص ~~به. # وقد اتفقت اللغة والشرع على أن اللفظ المجرد إنما يراد به ما ظهر منه وما ~~يقدر من احتمال مجاز أو اشتراك أو حذف أو إضمار ونحوه إنما يقع مع القرينة ~~أما مع عدمها فلا والمراد معلوم على التقديرين يوضحه: # الوجه السابع والخمسون: إن غاية ما يقال إن في القرآن ألفاظا استعملت في ~~معان لم تكن تعرفها العرب وهي الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام ~~والاعتكاف ونحوها والأسماء الدينية كالإسلام والإيمان والكفر والنفاق ~~ونحوها وأسماء # PageV02P753 # مجملة لم يرد ظاهرها كالسارق والسارقة والزاني والزانية ونحوه وأسماء ~~مشتركة كالقرء وعسعس ونحوهما فهذه الأسماء لا تفيد اليقين بالمراد منها ~~فيقال هذه الأسماء جارية في القرآن ثلاثة أنواع نوع بيانه معه فهو مع بيانه ~~يفيد اليقين بالمراد منه ونوع بيانه في آية أخرى فيستفاد اليقين بالمراد من ~~مجموع الإثنين ونوع بيانه موكول إلى الرسول فيستفاد اليقين من المراد منه ~~ببيان الرسول ولم نقل ms224 نحن ولا أحد من العقلاء إن كل لفظ فهو مفيد لليقين ~~بالمراد منه بمجرده من غير احتياج إلى لفظ آخر متصل به أو منفصل عنه بل ~~نقول إن مراد المتكلم يعلم من لفظه المجرد تارة والمقرون تارة ومنه ومن لفظ ~~آخر يفيدان اليقين بمراده تارة ومنه ومن بيان آخر بالفعل أو القول يحيل ~~المتكلم عليه تارة وليس في القرآن خطاب أريد منه العلم بمدلوله إلا وهو ~~داخل في هذه الأقسام. # PageV02P754 # فالبيان المقترن كقوله {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر} [البقرة187] وكقوله {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله} [النساء95] وقوله {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما} [العنكبوت14] ونظائر ذلك والبيان المنفصل كقوله {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين} [البقرة233] وقوله {وفصاله في عامين} [لقمان14] مع ~~قوله {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف15] فأفاد مجموع اللفظين بأن مدة ~~الحمل ستة أشهر وكذلك قوله: # PageV02P755 # {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} ~~[النساء12] مع قوله {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} الآية ~~[النساء176] أفاد مجموع النصين العلم بالمراد من الكلالة وأنه من لا ولد له ~~وإن سفل ولا والد له وإن علا وكذلك قوله: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} ~~[الطلاق6] مع قوله {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} ~~[الطلاق2] أفاد مجموع الخطابين في الرجعيات دون البوائن ومنه قوله {والليل ~~إذا عسعس والصبح إذا تنفس} [التكوير17/18] مع قوله {كلا والقمر والليل إذ ~~أدبر والصبح إذا أسفر} [المدثر34-32] فإن مجموع الخطابين يفيدان العلم بأن ~~الرب سبحانه أقسم بإدبار هذا وإقبال هذا أو بإقبال كل منهما على من # PageV02P756 # فسر أدبر بأنه دبر النهار أي جاء في دبره وعسعس بأقبل فعلى هذا القول ~~يكون الإقسام بإقبال الليل وإقبال النهار وعلى القول الأول يكون قد وقع ~~الإقسام بإدبار الليل وإقبال النهار وقد يقال وقع الإقسام في الاثنين ~~بالنوعين. # وأما البيان الذي يحيل المتكلم عليه فكما أحال الله سبحانه وتعالى ms225 على ~~رسوله في بيان ما أمر به عباده من الصلاة والزكاة والحج وفرائض الإسلام ~~التي إنما علم مقاديرها وصفاتها وهيئاتها من بيان الرسول فلا يخرج خطاب ~~القرآن عن هذه الوجوه ولم يخاطب الله عباده بلفظ إلا وقد بين لهم مراده به ~~بأحد هذه الوجوه الأربعة فصار الخطاب مع بيانه مفيدا لليقين بالمراد منه ~~وإن لم يكن بيانه متصلا به وذلك لا يعزل كلام الله ورسوله عن إفاة العلم ~~واليقين. # الوجه الثامن والخمسون: إن حصول اليقين بمدلول الأدلة السمعية والعلم ~~بمراد المتكلم بها أيسر وأظهر من حصوله بمدلول الأدلة العقلية. # PageV02P757 # فإن الأدلة السمعية تدل بقصد الدال وإرادته وعلم المخاطب بذلك أيسر عليه ~~من علمه باقتضاء الدليل العقلي مدلوله ولهذا كان أول ما يفعله الطفل معرفة ~~مراد أبويه بخطابهما له قبل علمه بالأدلة العقلية وأيضا فمن قصد تعليم غيره ~~مقتضى الدليل العقلي لم يمكنه ذلك حتى يعرفه مدلول الألفاظ التي صاغ بها ~~الدليل العقلي فعلمه بمدلول الدليل السمعي الدال على مقتضى الدليل العقلي ~~أسبق إليه وأيسر عليه وهذا هو الترتيب الطبيعي الموجود في الناس كما يخاطب ~~المعلم المتعلم بالألفاظ الدالة على الدليل العقلي فلا بد أن يعرف مدلول ~~تلك الألفاظ أولا ثم يرتب مدلولها في ذهنه ترتيبا ينتج له العلم بالنتيجة ~~وليس أحد من البشر يستغني عن التعلم السمعي كيف وآدم أبوهم أول من علمه ~~الله أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها وكلمه قبيلا ونبأه وعلمه بخطاب ~~الوحي مالم يعلمه بمجرد العقل وهكذا جميع الأنبياء من ذريته علمهم بالأدلة ~~السمعية وهي الوحي مالم يعلموه بمجرد عقولهم وحصل لهم من اليقين # PageV02P758 # والعلم بالأدلة السمعية التي هي خطاب الله لهم مالم يحصل لهم بمجرد العقل ~~وأحيلوا هم وأممهم على الأدلة السمعية ولم يحالوا على العقل وهداهم الله ~~بالأدلة السمعية لا بمجرد العقل وأقام حجته على أممهم بالأدلة السمعية لا ~~بالعقل يوضحه: # الوجه التاسع والخمسون: وهو ما اتفقت عليه أهل الملل أن النبوة خطاب سمعي ~~بوحي يوحيه الملك إلى النبي عن الرب تعالى ليست مجرد ms226 معرفة الحقائق بقوة ~~قدسية في البشر تميز بها عن غيره وقوة تخيل وتخييل يتمكن بها من التصور ~~وحسن البصيرة وقوة تأثير يتمكن بها من التصرف في عناصر العالم كما يقول ~~المتفلسفة ويقولون إن ما يحصل للنبي من المعارف إنما هو بواسطة القياس ~~العقلي كغيره من البشر لكن هو أسرع وأكمل إدراكا للحد الأوسط من غيره ~~ويزعمون أن علم الرب كذلك والقائلون بأن اليقين والعلم إنما يحصل من الأدلة ~~العقلية لا من الأدلة السمعية هم هؤلاء وعنهم تلقى هذا الأصل ومنه أخذ فهو ~~أحد أصول الفلسفة # PageV02P759 # والإلحاد والزندقة الذي يتضمن عزل النبوات وما جاءت به الرسل عن الله من ~~الأدلة السمعية وتولية القواعد المنطقية والآراء الفلسفية فأخذه منهم ~~متأخرو الجهمية فصالوا به على أهل الكتاب والسنة ولقد كان قدماؤهم لا ~~يصرحون بذلك ولا يتجاسرون عليه فكشف المتأخرون القناع وألقوا جلباب الدين ~~وصرحوا بعزل الوحي عن درجه والمسلمون بل وأهل الملل قاطبة يعلمون بالضرورة ~~أن أكمل التعليم تعليم الله لصفيه آدم الأسماء كلها وأكمل التكليم تكليمه ~~سبحانه لكليمه موسى وأعلى أنواع العلوم وأعظمها إفادة لليقين العلوم التي ~~ألقاها الله سبحانه إلى أنبيائه بواسطة السمع وأن نسبة العلوم العقلية ~~المشتركة بين الناس إليها أقل وأصغر من نسبة علوم العجائز والأطفال إلى تلك ~~العلوم فبين العلوم الحاصلة من الأدلة السمعية للرسل وأتباعهم وبين العلوم ~~الصحيحة الحاصلة بأفكار العقلاء من التفاوت أضعاف ما بين الخردلة إلى الجبل # PageV02P760 # العظيم فكيف النسبة بين العلوم السمعية اليقينية للرسل وأتباعهم وبين ~~الشبه الخيالية التي هي من جنس شبه السوفسطائية في التحقيق فدعوى هؤلاء ~~المخدوعين المخادعين أن ما جاءت به الأنبياء لا يفيد اليقين وأن تلك ~~الهذيانات التي بنوا عليها واستدلوا بها هي المفيدة لليقين من جنس دعوى ~~فرعون وقوله: {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} [غافر29] ~~وقال عن موسى وما جاء به {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض ~~الفساد} [غافر26] فدعوى هؤلاء من جنس دعواه سواء وبالله التوفيق. # الوجه الستون: إن ms227 دلالة الأدلة السمعية على مدلولها من جنس دلالة الآيات ~~المعينة على مدلولها وهذان النوعان هما أكمل الأدلة وهما المستلزمان للعلم ~~بالرب تعالى وأسمائه وصفاته والمعاد وإثبات صدق الرسل بخلاف الأدلة العقلية ~~الكلية التي # PageV02P761 # طريقها صناعة المنطق فإنها إذا صحت مقدماتها وكانت يقينية وكانت منتجة ~~فإنما تنتج مطلوبا كليا لا يحصل به إثبات رب معين ولا رسول معين ولا إثبات ~~شيء من أصول الإيمان التي لا سعادة للعبد بدونها فإن غاية ما عند هؤلاء أن ~~الممكن يفتقر إلى واجب فبعد تقرير إمكان العالم والتخلص من الشبه الواردة ~~على الإمكان إنما استفادوا إثبات وجود واجب ومعلوم أن فرعون وهامان ونمرود ~~بن كنعان والمجوس والصابئة لا يشكون في إثبات وجود واجب بل عباد الأصنام ~~أهدى من هؤلاء حيث اعترفوا برب قيوم خالق قادر يفعل بمشيئته وقدرته وأصحاب ~~هذه الأدلة العقلية التي تفيد اليقين لم يصلوا فيما استفادوه بها إلى هذا ~~ولا قريب منه بل أثبتوا وجودا واجبا وهل هو هذا الفلك أو فلك وراءه أو وجود ~~مطلق أو علة أولى أو الوجود الكلي العام الساري في الموجودات كما قال بكل ~~من ذلك طائفة وأما كونه الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم القاهر فوق ~~عباده الذي استوى على عرشه يعلم ما تخفيه الضمائر ويرى ويسمع # PageV02P762 # ويتكلم ويكلم ويرضى ويغضب ويخلق ما يشاء فهذا لا تدل عليه مقدماتهم ~~المنطقية وأدلتهم الكلية فلا تفيد شيئا من مطالب الإيمان المشتركة بين أهل ~~الملل البتة وأما أدلة الرب سبحانه بآياته السمعية والخلقية فهي التي دلت ~~عباده على توحديه وصفات كماله ونعوت جلاله وصدق رسله وصحة معاد الأبدان ~~وقيام الناس من قبورهم إلى دار شقاوة وسعادة فلولا هذه الآيات السمعية لم ~~يعرفوا شيئا من ذلك وقد أخبر سبحانه عن هذه الآيات السمعية والخلقية بقوله: ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك ~~أنه على كل شيء شهيد} [فصلت53] فبين سبحانه أنه يري عباده من الآيات ~~المشهودة العيانية في الآفاق وفي أنفسهم ms228 ما يبين لهم به أن آياته السمعية ~~القرآنية حق وصدق فآيات الرب تعالى العيانية الأفقية والنفسية مستلزمة ~~لإثبات الأدلة السمعية ثم دلالة آياته السمعية التي لا تفيد اليقين عند ~~هؤلاء أكمل دلالة على المطالب الإيمانية من الأدلة الكلية المؤلفة من ~~القياسات المنطقية بل دلالتها على تلك المطالب كدلالة الشمس على # PageV02P763 # النهار ودلالة ضوء الصبح علىالصباح ودلالة الدخان على النار والمصنوع على ~~الصانع ودلالة النجوم على الطرق ونحو ذلك وهذا يبين أن أضعف أنواع الأدلة ~~هي الأدلة القياسية العقلية التي هي عند كثير من الفلاسفة والمتكلمين أكمل ~~الأدلة ثم الدليل القياسي التمثيلي أقوى وأظهر دلالة من الدليل القياسي ~~الشمولي خلاف ما يدعيه المنطقيون ومن اتبعهم فأدلة هؤلاء هي آخر المراتب ~~وأضعفها وأدلة القرآن في أعلى مراتب الأدلة وأشدها ارتباطا بمدلولها ~~واستلزاما له خلاف لمن عكس ذلك كابن سينا وابن الخطيب والآمدي وأشباههم. # فدلالة المقال أكمل من دلالة الحال ودلالة الحال المعينة # PageV02P764 # أكمل من الدلالة الكلية المنطقية ودلالة كلام الله أكمل من دلالة كل كلام ~~وإفادته اليقين فوق إفادة كل دليل اليقين بمدلوله ودلالة آياته العيانية ~~على مدلولها فوق إفادة كل دليل عقلي لمدلوله فقول من قال إنها لا تفيد ~~اليقين بمكدلولها لأنها أدلة لفظية والأدلة العقلية لا تفيد لكونها أمثالا ~~جزئية لا أقيسة كلية فيسمون آياته السمعية أدلة لفظية وآياته العيانية ~~تمثيلات جزئية ويقولون هذا تمثيل لا دليل وفي الأول هذا دليل لفظي لا عقلي ~~فقول هؤلاء قلب للحقائق وعكس لما فطر الله عليه عباده وقدح في المعلوم قطعا ~~ويقينا بالشبه الخيالية والأقيسة المنطقية وقد أفسدوا من الفطر وغيروها عما ~~فطرت عليه خلائق لا يحصيهم إلا الله وهؤلاء للملل بمنزل السوس في الخشب ~~والثياب وغيرهما ولهذا سماهم أنصار الله ورسوله سوس الملل وإذا شئت أن تعرف ~~حقيقة الأمر فانظر إلى أهل الأدلة السمعية وأهل الأدلة المنطقية العقلية ~~ووازن بين معارف هؤلاء وعلومهم وإيمانهم وهدايتهم ونفع الخلق بهم وسيرتهم ~~وبين علوم أولئك ومعارفهم وسيرتهم وضرر الخلق بهم وإخراجهم لمن أنشبوا ~~مخالبهم فيه ms229 من العقل والدين خروج الشعرة من العجين. # PageV02P765 # الوجه الحادي والستون إنه من أعظم المحال أن يكون المصنفون في جميع ~~العلوم قد بينوا مرادهم وعلم الناس مرادهم منها يقينا سواء كان ذلك المعلوم ~~مطابقا للحق أو غير مطابق له ويكون الله ورسوله لم يبين مراده بكلامه ولا ~~تيقنت الأمة إلى الآن ما أراد بكلامه فهذا لا يقوله إلا من هو من أجهل ~~الناس بالله ورسوله وكلامه ونحن لا ننكر أن في أرباب المعقولات من هو في ~~غاية البعد عن معرفة الله ورسوله وما جاء به وأنه لم يحصل له اليقين من ~~كلام الله ورسوله وذلك لبعده منه وعدم الثقة به وسوء ظنه به واعتقاده أن ~~كلامه خطابة لا برهان وإنه تخييل خيل به إلى النفوس وشبه لها الأمور ~~العقلية وأخرجها في الصور المحسوسة وأن القرآن إنما هو خطاب للعرب الجهال ~~الذين هم من أجهل الأمم بالعلوم والحقائق وأنهم لم تمكن دعوتهم إلا بالطريق ~~الخطابية التخييلية لا بالطريق البرهانية العقلية الحكمية وأن طريق الحكمة ~~والبرهان هي طرق الفلاسفة والمنطقيين والصابئة وأتباعهم فلا ريب أن القرآن ~~في حق مثل هذا لا يفيده اليقين بل هو عمى عليه وضلال في حقه كما قال تعالى: # PageV02P766 # {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم ~~عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت44] قال مجاهد بعيد من قلوبهم فهم ما ~~يتلى عليهم وقال الفراء تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك أنت تنادي من مكان ~~بعيد وقال صاحب النظم أي أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان ~~بعيد لم يسمع ولم يفهم وهذا حال هؤلاء الذين لا يستفيدون من كلام الله ~~ورسوله يقينا ولا علما وهذه أيضا حال الجهال ومن نشأ بالبوادي ومن لا فهم ~~له من أهل البله والبلادة وأمثال هؤلاء فإن هؤلاء لا يستفيدون من كلام الله ~~ورسوله علما ولا يقينا فقول القائل الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين لم يذكر ~~المفعول بل حذفه فإن أراد أنها لا ms230 تفيد اليقين لهاتين الطائفتين فصدق وإن ~~أراد أنها لا تفيده للراسخين في العلم وأهل الذكاء الذين هم أحسن الناس ~~قصودا وأصحهم أذهانا فقد كذب عليهم وبهتهم فإنهم قد استفادوا # PageV02P767 # منها من اليقين مالم يستفده أهل منطق اليونان وأتباع الفلاسفة وأفراخ ~~الصابئة وورثة الملاحدة وأوقاح الجهمية من قواعدهم الباطلة فدعواهم أنهم لم ~~يستفيدوا منها يقينا مكابرة لهم في الأمور الوجدانية الحاصلة لهم. # وإن قالوا نحن لم نستفد منها يقينا قيل لهم لا يلزم من ذلك أن لا تفيد ~~اليقين لأهل العلم والإيمان وقد قال من لم يستفد العلم واليقين من القرآن ~~للنبي ما حكاه الله عنهم بقوله: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ~~وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} [فصلت5] ولم يمنع هذا ارتفاع هذه ~~الموانع واستفادة الهدى واليقين في حق المؤمنين المصدقين بل كان في حقهم ~~هدى وشفاء. # وإن قال هي لا تفيد اليقين في نفسها وليست موضعا لذلك فهذا غاية البهت ~~والإلحاد يوضحه: # الوجه الثاني والستون أن يقال لهم ما تريدون بهذا النفي أتريدون بالأدلة ~~اللفظية جنس كلام بني آدم الدال على مرادهم في الخطاب والتصنيف وغيره أو ~~كلام الله ورسوله وهل مرادكم بهذا # PageV02P768 # السلب أن شيئا منها لا يفيد اليقين أو أن مجموعها لا يفيده وإن أفاده ~~بعضها. وهل المراد أنه لا يستفيد أحد منها اليقين البتة أو أن الناس كلهم ~~لا يستفيدون منها اليقين بل يستفيده بعضهم دون البعض. # وهل المراد بها لا تفيد اليقين بمراد المتكلم بها أو لا تفيد اليقين ~~بثبوت ما أخبر بثبوته ونفي ما أخبر بنفيه وإن تيقنا مراده فهما مقامان ~~والفرق بينهما معلوم فهذه ثمانية تقادير فبينوا مرادكم منها فإن أحدا من ~~العقلاء لا يمكنه أن ينفي حصول اليقين منها على هذه التقادير كلها. # وإذا كان المراد نفي اليقين على بعض التقادير المذكورة فبينوه بالدعوى ~~ليتوارد النفي والإثبات على محل واحد والظاهر والله أعلم أنكم تريدون أن ~~كلام الله ورسوله لا يستفاد منه علم ولا يقين في باب معرفة الله ms231 وأسمائه ~~وصفاته وأفعاله وإثبات ملائكته وصفاتهم وأنواعهم وإذا لم يفد اليقين في ذلك ~~وهو أعظم أقسام القرآن وأظهرها وأكثرها ورودا فيه فكيف يفيد في باب المعاد ~~والأحكام كما تقدم تقريره # الوجه الثالث والستون: إن هذا القانون مضمونه جحد الرسالة في الحقيقة وإن ~~أقر بها صاحبه بلسانه بل مضمونه إن ترك الناس بلا رسول # PageV02P769 # يرسل إليهم خير من أن يرسل إليهم رسول وإن الرسل لم يهتد بهم أحد في أصول ~~الدين بل ضل بهم الناس وذلك أن القرآن على ما اعتقده أرباب هذا القانون لا ~~يستفاد منه علم ولا حجة بل إذا علمنا بعقولنا سببا اعتقدناه ثم نظرنا في ~~القرآن فإن كان موافقا لذلك أقررناه على ظاهره لكونه معلوما بذلك الدليل ~~العقلي الذي استفدناه به لا بكون الرسول أخبر به وإن كان ظاهره مخالفا لما ~~عرفناه واستنبطناه بعقولنا اتبعنا العقل وسلكنا في السمع طريقة التأويل أو ~~الإعراض والتفويض فأي فائدة حصلت إذا بإخبار الرسول بل مضمون ذلك أنا حصلنا ~~على العناء الطويل لاستخراج وجوه التأويلات المستلزمة أو التعرض لاعتقاد ~~الباطل والضلال بحمل الكلام على ظاهره فكانت الأدلة اللفظية مقتضية لضلال ~~هؤلاء ولعناء أولئك فأين الهدى والشفاء الذي حصل بها لهؤلاء وهؤلاء ومن ~~العجب اعتراف أرباب هذا القانون بهذا وجوابهم عنه بجواب أهل الإلحاد وهو أن ~~المخاطبين لم يكونوا يفهمون الحقائق فضربت لهم الأمثال من غير أن يكون ~~المخبر ثابتا في نفس الأمر فراجع كتب القوم تجد ذلك فيها. # PageV02P770 # الوجه الرابع والستون: إن أصحاب هذا القانون في قول مختلف يؤفك عنه من ~~أفك فتارة يقولون نحن نعلم انتفاء الظاهر قطعا وأنه غير المراد وإن كنا لا ~~نعلم عين المراد وتارة يقولون بل الرسول خاطب الخلق خطابا جمهوريا يوافق ما ~~عندهم وما ألفوه ولو خاطبهم بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا ~~يتكلم ولا يكلم ولا يرى عيانا ولا يشار إليه لقالوا هذه صفات معدوم لا ~~موجود فوقعوا في التعطيل فكان الأصلح أن يأتي بألفاظ دالة على ما يناسب ما ~~نحلوه وألفوه ms232 فيخلصهم من التعطيل. # فكيف يجمع هذا القول وقولهم إن الظاهر غير مراد فإن كان قد أراد منهم ~~الظاهر بطل قولهم إن الظاهر غير مراد وإن أراد منهم التأويل يبطل قولهم إنه ~~قصد خطابهم بما يخيل إليهم ويتمكنون معه من إثبات الصانع ويتخلصون من ~~التعطيل فأي تناقض أشد من هذا فإن اراد الظاهر فقد أراد عندكم إفهام الباطل ~~الذي دل عليه لفظه وإن لم يرد الظاهر بل أراد منهم التأويل لم يحصل الغرض ~~الذي ذكرتموه ولم يخلصوا من التعطيل وهذا لا حيلة لكم في دفعه. فهما ~~طريقتان باطلتان مضادتان لقصد الرسالة هؤلاء # PageV02P771 # يقولون أراد منهم أن يتخيلوا ما ينفعهم وإن لم يكن حقا في نفس الأمر ~~وأصحاب التأويل يقولون أراد منهم ضد ذلك المعنى الذي دل عليه كلامه ونصه ~~وتارة يقولون أراد منهم تأويل النصوص وتارة يقولون أراد منهم تفويضها وقد ~~نزه الله رسوله عن أن يريد المعاني الباطلة أو يقصر في بيان ما أراده فإن ~~الأول كذب وتدليس وتلبيس والثاني تقصير في البيان وإذا كان الرسول منزها عن ~~هذا وهذا فالرب تعالى أولى بتنزيهه عن الأمرين. # وقد قام الدليل القطعي على تنزيه الله ورسوله عن ذلك فلا يقدح فيه بالشبه ~~الخيالية الفاسدة. # الوجه الخامس والستون: إن الله سبحانه قسم الأدلة السمعية إلى قسمين محكم ~~ومتشابه وجعل المحكم أصلا للمتشابه وأما له يرد إليه فما خالف ظاهر المحكم ~~فهو متشابه يرد إلى المحكم وقد اتفق المسلمون على هذا وأن المحكم هو الأصل ~~والمتشابه مردود إليه وأصحاب هذا القانون جعلوا الأصل المحكم ما يدعونه من ~~العقليات وجعلوا القرآن كله مردودا إليه فما خالفه فهو متشابه وما وافقه ~~فهو المحكم ولم يبق # PageV02P772 # عند أهل القانون في القرآن محكم يرد إليه المتشابه ولا هو أم الكتاب ~~وأصله. # الوجه السادس والستون إنه على قول أرباب القانون لا سبيل لأحد أن يعرف أن ~~شيئا من القرآن محكم فإن ذلك إنما يعرف إذا حصل اليقين بانتفاء المعارض ~~العقلي وهذا النفي غير معلوم إذ غاية ما يمكن انتفاء ms233 العلم بالمعارض لا ~~العلم بانتفائه. # فإن قلتم نحن نقول إن صرف اللفظ عن ظاهره وإخراجه عن كونه محكما لا يجوز ~~إلا عند قيام الدليل العقلي القطعي على أن ظاهره محال ممتنع قيل وأنتم ~~تقولون مع ذلك إن حمله على ظاهره لا يجب إلا إذا قام الدليل العقلي على أن ~~ظاهره حق فما لم يعضده دليل عقلي لم يجزم بثبوته فالمعتمد إذا عندكم في ~~النفي والإثبات على الدليل العقلي والقرآن عديم التأثير لا يجزم بنفي ما ~~نفاه ولا بإثبات ما أثبته وهذا قول من لم يؤمن بما أنزل الله من الكتاب ولا ~~بما أرسل به الرسول. # الوجه السابع والستون: إن أصحاب القانون لا يمكنهم إنكار أن الأدلة ~~اللفظية تفيد ظنا غالبا وإن لم تفدهم يقينا وما عندهم مما يسمونه أدلة ~~عقلية على نفي ما دل عليه القرآن والسنة من الصفات # PageV02P773 # إنما هي أقوال باطلة لا تفيد عند التحقيق لا علما ولا ظنا بل جهلا مركبا ~~يظن صاحبها أن معه علما وإنما معه الجهل المركب فهي في العلوم كأعمال من ~~خالف الرسل في الأعمال: {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور39] فهذا ~~مثل أعمال هؤلاء وعلوم أولئك ولا ريب أن الظن المستفاد من الأدلة السمعية ~~خير من هذا الجهل المركب إلا أن يقول أرباب القانون إن الأدلة اللفظية لا ~~يستفاد منها علم ولا ظن البتة ولا يبتعد هذا من قولهم. وهم يقولون إن ~~ظاهرها باطل وتشبيه وتجسيم وإذا انتهى الأمر إلى هنا انتقلنا إلى إثبات أن ~~محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن زاعم ذلك غير مقر برسالته في نفس ~~الأمر كما تقدم والله أعلم. # الوجه الثامن والستون: إن هذا يتضمن القدح في أعظم آيات الرب الدالة على ~~ربوبيته وحكمته وجحد ما هو من أعظم نعمه على عباده. # PageV02P774 # أما الأول فلأن الله سبحانه جعل من آيات ربوبيته الهداية العامة لخلقه ~~كما قال: {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق ms234 فسوى والذي قدر فهدى} [الأعلى3-1] ~~وقال فرعون لموسى {قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ~~ثم هدى} [طه50 , 49] فهدى كل نفس لجلب ما يصلحها وينفعها ودفع ما يضرها ~~ويفسدها وخص النوع الإنساني بأنواع أخر من الهداية التي يعرفها ويتمكن من ~~النطق بها لهداية غيره ومن أعلى أنواع هذا الهدى هدى البيان والدلالة ~~وتعريف الإنسان ومعرفته مراده ومراد غيره وذلك إنما هو بصفة النطق التي هي ~~أظهر ما في الإنسان ولذلك شبه الله سبحانه بها ما أخبر به من الغيب فقال: ~~{فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} [الذاريات23] . # PageV02P775 # وأما أن ذلك من أعظم نعم الله على عباده فلأن الإنسان إنما يميز عن سائر ~~الحيوان بكمال هذه القوة وتمامها فيه واقتداره منها على مالم تقتدر عليه ~~الحيوانات العجم. # ولذلك عدد ذلك من نعمه على عباده في جملة ما أنعم به عليهم فقال: {الرحمن ~~علم القرآن خلق الأنسان علمه البيان} [الرحمن4-1] وقال {اقرأ وربك الأكرم ~~الذي علم بالقلم علم الأنسان ما لم يعلم} [اقرأ5-3] وقال: {ألم نجعل له ~~عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين} [البلد10-8] فإنكار حصول العلم ~~واليقين من كلام المتكلم قدح في أعظم آيات الله وجحد لما هو من أعظم نعمه. # وكنا نظن أن قائل ذلك أراد أن بعض الأدلة اللفظية لا تفيد العلم واليقين ~~حتى رأيناه قد صرح بأن شيئا منها لا يفيد اليقين البتة ولا قدح في آياته ~~ولا جحد لنعمه أبلغ من ذلك. # PageV02P776 # الوجه التاسع والستون: إن هذا القول الذي قاله أصحاب القانون لم يعرف عن ~~طائفة من طوائف بني آدم لا طوائف المسلمين ولا اليهود ولا النصارى ولا أحد ~~من أهل الملل ولا طوائف الأطباء ولا النحاة ولا أهل اللغة ولا أهل المعاني ~~والبيان ولا غيرهم قبل هؤلاء وذلك لظهور العلم بفساده فإنه يقدح فيما هو ~~أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق فإن بني آدم يتخاطبون ويكلم بعضهم بعضا ~~مخاطبة ومكاتبة وقد أنطق الله سبحانه بعض الجمادات وبعض أنواع الحيوانات ~~بمثل ms235 نطق بني آدم فلم يسترب سامع ذلك النطق في حصول العلم واليقين به بل ~~كان ذلك عنده من أعظم العلوم الضرورية. # فقالت النملة لأمة النمل {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} [النمل18] فلم يشك النمل ولا سليمان في ~~مرادها وفهموه يقينا ولما علم سليمان مرادها يقينا تبسم ضاحكا منه وخاطب ~~الهدهد وخاطبه الهدهد فحصل للهدهد العلم اليقيني بمراد سليمان من كلامه ~~وحصل لسليمان ذلك من كلام # PageV02P777 # الهدهد وذهب الهدهد بكتاب سليمان لما حصل له اليقين من كلامه وأرسل ~~سليمان الهدهد والكتاب وفعل ما حكى الله لما حصل له اليقين بمراد الهدهد من ~~كلامه. # وأنطق سبحانه الجبال بالتسبيح مع داود وعلم سليمان منطق الطير وسمع ~~الصحابة تسبيح الطعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع رسوله تسليم ~~الحجر عليه أفيقول مؤمن أو عاقل إن اليقين لم يكن # PageV02P778 # يحصل للسامع بشيء من مدلول هذا الكلام فعلم أن هذا القول في غاية السفسطة ~~ومجد الحقائق وقلبها وإفساد العقول والفطر. # الوجه السبعون: إن حاصل كلام أرباب القانون يدور على ثلاث مقدمات # الأولى: إن العلم بمراد المتكلم موقوف على حصول العلم بما يدل على مراده # الثانية: إنه لا سبيل إلى العلم بمراده إلا بانتفاء هذه الأمور العشرة # الثالثة: إنه لا سبيل إلى العلم بانتفائها فهذه ثلاث مقدمات الأولى منها ~~صادقة والأخريان كاذبتان أما المقدمة الأولى فصحيحة والعلم بمراد المتكلم ~~كثيرا ما يكون علما اضطراريا كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة فإن الإنسان ~~إذا سمع مخبرا يخبر بأمر حصل عنده ظن ثم يقوى بالمخبر الآخر حتى يصير علما ~~ضروريا فكذلك إذا سمع كلام المتكلم فقد يعلم مراده ابتداء بالضرورة وقد ~~يظنه ثم يتكرر كلام المتكلم # PageV02P779 # أو يتكرر سماعه له ولما يدل على مراده فيصير علمه بمراده ضروريا. # وقد يكون الكلام بالمراد استدلالا نظريا وحينئذ فقد يتوقف على مقدمة ~~واحدة وقد يتوقف على مقدمتين أو أكثر بحسب حاجة السامع وما عنده من القوة ~~القريبة والبعيدة وسرعة إدراكه وبطئه وقلة تحصيله وكثرته وحضور ms236 ذهنه وغيبته ~~وكمال بيان المتكلم وضعفه فدعوى المدعي أن كل استدلال بدليل لفظي فإنه ~~يتوقف على عشر مقدمات فهذا باطل قطعا. # وأبطل منه دعواه أن كل مقدمة فهي ظنية فإن عامة المقدمات التي يتوقف ~~عليها فهم مراد المتكلم قطعية في الغالب. # وأبطل من ذلك دعواه أنه لا يعلم المراد إلا بعد العلم بانتفاء الدليل ~~الدال على نقيضه فإن هذا باطل قطعا إذ من المعلوم أن العلم بثبوت أحد ~~الضدين ينفي العلم بثبوت الضد الآخر فنفس العلم بالمراد ينفي كل احتمال ~~يناقضه. # وهكذا الكلام في نفي المعارض العقلي والسمعي فإنه # PageV02P780 # إذا علم المراد علم قطعا أنه لا ينفيه دليل آخر لا عقلي ولا سمعي لأن ذلك ~~نقيض له. وإذا علم ثبوت الشيء علم انتفاء نقيضه وحينئذ فينقلب هذا القانون ~~عليهم بأن نقول العلم بمدلول كلام الله ورسوله علم يقيني قطعي لا يحتمل ~~النقيض فنحن نستدل على بطلان كل ما يخالفه ويناقضه بثبوت العلم به. # فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الضد الاخر وحينئذ فيقطع ببطلان كل شبهة ~~عقلية تناقض مدلول كلام الله ورسوله وإن لم ينظر فيها على التفصيل. # وهذا الأصل العظيم أصح من قانونهم وأقرب إلى العقل والإيمان وتصديق الرسل ~~وإقرار كلام الله ورسوله على حقيقته وما يظهر منه يوضحه. # الوجه الحادي والسبعون: وهو أن أرباب هذا القانون الذي منعهم استفادة ~~اليقين من كلام الله ورسوله مضطربون في العقل الذي يعارض النقل أشد اضطراب ~~فالفلاسفة مع شدة اعتنائهم بالمعقولات أشد الناس اضطرابا في هذا الباب من ~~طوائف أهل الملل ومن أراد معرفة ذلك فليقف على مقالاتهم في # PageV02P781 # كتب أهل المقالات كالمقالات الكبير للأشعري والآراء والديانات للنوبختي ~~وغير ذلك وأما المتكلمون فاضطرابهم في هذا الباب من أشد اضطراب في العالم ~~فتأمل اختلاف فرق الشيعة والخوارج والمعتزلة وطوائف أهل الكلام ومقالاتهم ~~المذكورة في كتب المقالات. وقد ذكرها أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات # PageV02P782 # المصلين وغيره ممن صنف في المقالات وكل منهم يدعي أن صريح العقل معه وأن ~~مخالفه قد خرج عن صريح ms237 العقل فنحن نصدق جميعهم ونبطل عقل كل فرقة بعقل ~~الفرقة الأخرى ثم نقول للجميع بعقل من منكم يوزن كلام الله ورسوله وأي ~~عقولكم تجعل معيارا له فما وافقه قبل وأقر على ظاهره وما خالفه رد أو أول ~~أو فوض. # وأي عقولكم هو إحدى المقدمات العشر التي تتوقف إفادة كلام الله ورسوله ~~لليقين على العلم بعدم معارضته له أعقل أرسطو وشيعته # PageV02P783 # أم عقل أفلاطون وشيعته أم فيثاغورس أم أنبادقليس ### | .................... # PageV02P784 # أم سقراط أم تامسطيوس أم الإسكندر بن فيلبس أم عقل الفارابي أم عقل جهم ~~بن # PageV02P785 # صفوان أم عقل النظام أم عقل العلاف أم عقل الجبائي أم عقل بشر المريسي أم ~~عقل # PageV02P786 # الإسكافي أم عقل حسين النجار أم أبي يعقوب الشحام أم أبي الحسين الخياط ~~أم أبي القاسم # PageV02P787 # البلخي أم ثمامة بن أشرس أم جعفر بن مبشر أم جعفر بن حرب أم أبي الحسين ~~الصالحي # PageV02P788 # أم أبي الحسين البصري أم أبي معاذ التومني أم معمر بن عباد أم هشام ~~الفوطي أم عباد بن سليمان # PageV02P789 # أم ترضون بعقول المتأخرين الذين هذبوا العقليات ومحضوا زبدتها واختاروا ~~لنفوسهم ولم يرضوا بعقول سائر من تقدمهم فهذا أفضلهم عندكم محمد بن عمر ~~الرازي فبأي معقولاته تزنون نصوص الوحي وأنتم ترون اضطرابه فيها في كتبه ~~أشد الاضطراب فلا يثبت على قول فعينوا لنا عقلا واحدا من معقولاته ثبت عليه ~~ثم اجعلوه ميزانا. # أم ترضون بعقل نصير الشرك والكفر والإلحاد الطوسي فإن له عقلا آخر خالف ~~فيه سلفه من الملحدين ولم يوافق فيه أتباع الرسل. # أم ترضون عقول القرامطة والباطنية والإسماعيلية # PageV02P790 # أم عقول الاتحادية القائلين بوحدة الوجود فكل هؤلاء وأضعافهم وأضعاف ~~أضعافهم يدعي أن المعقول الصريح معه وأن مخالفيه خرجوا عن صريح المعقول ~~وهذه عقولهم تنادي عليهم في كتبهم وكتب الناقلين عنهم ولولا الإطالة ~~لعرضناها على السامع عقلا عقلا وقد عرضها المعتنون بذكر المقالات فاجمعوها ~~إن استطعتم أو خذوا منها عقلا واجعلوه ميزانا لنصوص الوحي وما جاءت به ~~الرسل وعيارا على ذلك ثم اعذروا بعد من قدم كتاب الله وسنة ms238 رسوله الذي ~~يسمونه الأدلة اللفظية على هذه العقول المضطربة المتناقضة بشهادة أهلها ~~وشهادة أنصار الله ورسوله عليها وقال إن كتاب الله وسنة رسوله يفيد العلم ~~واليقين وهذه العقول المضطربة المتناقضة إنما تفيد الشكوك والحيرة والريب ~~والجهل المركب فإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذ بالنقل الصريح ورمي بهذه ~~العقول تحت الأقدام وحطت حيث حطها الله وحط أصحابها. # الوجه الثاني والسبعون: إن الله سبحانه دعى إلى تدبر كتابه وتعقله وتفهمه ~~وذم الذين لا يفهمونه ولا يعقلونه وأسجل عليهم بالكفر والنفاق فقال عن ~~المنافقين: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} ~~[محمد16] . # PageV02P791 # وقال {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} ~~[الأنعام25] وقال {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون} [يونس42] وقال {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا ~~يظنون} [البقرة78] فالقائل إن كتاب الله وسنة رسوله لا يستفاد منهما يقين ~~من جنس هؤلاء لا فرق بينهم وبينه وأما من يستفيد منهما العلم واليقين فهم ~~الذين قال الله فيهم {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق} [سبأ6] وهؤلاء يرونه غير مفيد وقد كشف سبحانه حال الفريقين بقوله ~~{أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو ~~الألباب} [الرعد19] . # PageV02P792 # وقال {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا ~~تذكرون} [هود24] # الوجه الثالث والسبعون: إن أدلة القرآن والسنة التي يسميها هؤلاء الأدلة ~~اللفظية نوعان # أحدهما يدل بمجرد الخبر # والثاني يدل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي والقرآن مملوء من ~~ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله الدالة عليه وعلى ربوبيته ووحدانيته ~~وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته فآياته العيانية المشهودة في خلقه تدل على صدق ~~النوع الأول وهو مجرد الخبر فلم يتجرد إخباره سبحانه عن آيات تدل على صدقها ~~بل قد بين لعباده في كتابه من البراهين الدالة على صدقه ms239 وصدق رسوله ما فيه ~~شفاء وهدى وكفاية فقول القائل إن تلك الأدلة لا تفيد اليقين إن أراد به ~~النوع المتضمن لذكر الأدلة العقلية العيانية فهذا من أعظم البهت والوقاحة ~~والمكابرة فإن آيات الله التي جعلها أدلة # PageV02P793 # وحججا على وجوده ووحدانيته وصفات كماله إن لم تفد يقينا لم يفد دليل ~~بمدلول أبدا. وإن أراد به النوع الأول الدال بمجرد الخبر فقد أقام سبحانه ~~الأدلة القطعية والبراهين اليقينية على ثبوته فلم يحل عباده فيه على خبر ~~مجرد لا يستفيدون ثبوته إلا من الخبر نفسه دون الدليل الدال على صدق الخبر. # وهذا غير الدليل العام الدال على صدقه فيما أخبر به بل هو الأدلة ~~المتعددة الدالة على التوحيد وإثبات الصفات والنبوات والمعاد وأصول الإيمان ~~فلا تجد كتابا قد تضمن من البراهين والأدلة العقلية على هذه المطالب ما ~~تضمنه القرآن فأدلته لفظية عقلية فإن لم يفد اليقين: {فبأي حديث بعد الله ~~وآياته يؤمنون} [الجاثية6] # انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله فصل فهذا الطاغوت الأول # PageV02P794 ### | المجلد الثالث ### | الفصل الرابع والعشرون في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان (تابع) ### | الطاغوت الثاني: إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي # ... # فصل # فهذا الطاغوت الأول وهو قولهم إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين فإن قيل ~~فقد دل القرآن على أن فيه محكما ومتشابها ومعلوم أن المتشابه هو الذي يشبه ~~المراد به بغيره وهو آيات الصفات فلو أفادت اليقين لم تكن متشابهة. # قيل هذا السؤال مبني على ثلاث مقدمات # أحدها: أن القرآن متضمن للمتشابه # الثانية: أن المتشابه هو آيات الصفات # الثالثة: أن المتشابه لا يمكن حصول العلم واليقين بمعناه. # وسنفرد الكلام على هذا بفصل مستقل بعد كسر الطواغيت الأربعة التي نصبوها ~~لهدم معاقل الدين ونبين معنى المحكم بمعناه ونبين أن آيات الصفات محكمة ~~فإنها من أبين الكتاب إحكاما وإن ما تضمنته من الإحكام أعظم مما تضمنه ما ~~عداها بعون الله وتوفيقه. # PageV03P795 # فصل ms240 # في الطاغوت الثاني: وهو قولهم إن تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل ~~لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا إبطالهما ولا تقديم النقل لأن العقل أصل ~~النقل فلو قدمنا عليه النقل لبطل العقل وهو أصل النقل فلزم بطلان النقل ~~فيلزم من تقديم النقل بطلان العقل والنقل فتعين القسم الرابع وهو تقديم ~~العقل فهذا الطاغوت آخو ذلك القانون فهو مبني على ثلاث مقدمات # الأولى: ثبوت التعارض بين العقل والنقل # الثانية: انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة التي ذكرت فيه. # الثالثة: بطلان الأقسام الثلاثة ليتعين ثبوت الرابع. # وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه وبين بطلان هذه ~~الشبهة وكسر هذا الطاغوت في # PageV03P796 # كتابه الكبير ونحن نشير إلى كلمات يسيرة هي قطرة من بحره يتضمن كسره ~~ودحضه وذلك يظهر من وجوه # الوجه الأول: إن هذا التقسيم باطل من أصله والتقسيم الصحيح أن يقال إذا ~~تعارض دليلان سمعيان أو عقليان أو سمعي وعقلي فإما أن يكونا قطعيين وإما أن ~~يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا. # فأما القطعيان فلا يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة لأن الدليل القطعي ~~هو الذي يستلزم مدلوله قطعا فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين وهذا لا يشك ~~فيه أحد من العقلاء. # وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا تعين تقديم القطعي سواء كان جمعيا ظنين ~~صرنا إلى الترجيح ووجب تقديم الراجح منهما سمعيا كان أو عقليا. # فهذا تقسيم واضح متفق على مضمونه بين العقلاء. # PageV03P797 # فأما إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي ~~مطلقا فخطأ واضح معلوم الفساد عند العقلاء. الوجه الثاني: إن قوله إذا ~~تعارض العقل والنقل فإما أن يريد به القطعيين فلا نسلم إمكان التعارض وإما ~~أن يريد به الظنيين فالتقديم للراجح مطلقا وإما أن يريد ما يكون أحدهما ~~قطعيا والآخر ظنيا فالقطعي هو المقدم مطلقا فإذا قدر أن العقلي هو القطعي ~~كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ وأن جعل ~~جهة الترجيح كونه عقليا خطأ وأن جعل ms241 سبب التأخير والاطراح كونه نقليا خطأ. # الوجه الثالث: إنا لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكره من الأقسام الأربعة ~~إذ من الممكن أن يقال تقدم العقلي تارة والسمعي تارة فأيهما كان قطعيا قدم ~~فدعواه أنه لا بد من تقديم العقل مطلقا أو السمع مطلقا أو اعتبار الدليلين ~~معا أو إلغائهما معا دعوى كاذبة بل ههنا قسم غير هذه الأقسام وهو الحق وهو ~~ما ذكرناه. # PageV03P798 # الوجه الرابع: قوله: إن قدمنا النقل لزم الطعن فحاصله ممنوع فإن قوله ~~العقل أصل النقل إما أن يريد به أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر أو أصل في ~~علمنا بصحته فالأول لا يقوله عاقل فإن ما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفا ~~على علمنا به فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر. # فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم ~~نعلمه وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه كما أن رسول الله حق وإن كذبه من كذبه ~~كما أن وجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق سواء علمناه بعقولنا أو لم ~~نعلمه. # فلا يتوقف ذلك على وجودنا فضلا عن علومنا وعقولنا فالشرع المنزل من عند ~~الله مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه ~~بعقولنا فإذا علم العقل ذلك حصل له كمال لم يكن قبل ذلك وإذا فقده كان ~~ناقصا جاهلا. # وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته وهذا هو ~~مراده. # PageV03P799 # فيقال له أتعني بالعقل هنا القوة والغريزة التي فينا أم العلوم المستفادة ~~بتلك الغريزة؟ # فالأول: لم ترده وتمتنع إرادته بأن تلك الغريزة ليست علما يمكن معارضته ~~للنقل وإن كانت شرطا في كل علم عقلي أو سمعي وما كان شرطا في الشيء امتنع ~~أن يكون منافيا له. # وإن أردت العلم والمعرفة الحاصل بالعقل. # قيل لك ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن ~~المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن ms242 يتوقف على ما ~~به يعلم صدق الرسول من العقليات وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق ~~الرسول بل ذلك يعلم بالآيات والبراهين الدالة على صدقه. # فعلم أن جميع المعقولات ليس أصلا للنقل لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها ~~ولا بمعنى توقف ثبوته في نفس الأمر عليها لا سيما وأكثر متكلمي أهل الإثبات ~~كالأشعري في أحد قوليه وأكثر أصحابه يقولون إن # PageV03P800 # العلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات الحادثة التي تجري مجرى تصديق ~~الرسول بالقول علم ضروري فحينئذ فما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم ~~العقلي سهل يسير مع أن العلم بصدقه له طرق كثيرة متنوعة. # وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات مالا يتوقف العلم بصحة السمع ~~عليه لم يكن القدح فيه قدحا في أصل السمع وهذا بحمد الله بين واضح وليس ~~القدح في بعض العقليات قدحا في جميعها كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات ~~قدحا في جميعها فلا يلزم من صحة المعقولات التي يبنى عليها معرفتنا بالسمع ~~صحة غيرها من المعقولات ولا من فساد هذه فساد تلك فلا يلزم من تقديم السمع ~~على ما يقال إنه معقول في الجملة القدح في أصله # PageV03P801 # الوجه الخامس: أن يقال العقل إما أن يكون عالما يصدق الرسول وثبوت ما ~~أخبر به في نفس الأمر وإما أن لا يكون عالما بذلك وإن لم يكن عالما امتنع ~~التعارض عنه لأن المعقول إن كان معلوما له لم يتعارض معلوم ومجهول وإن لم ~~يكن معلوما لم يتعارض مجهولان وإن كان عالما بصدق الرسول امتنع أن لا يعلم ~~ثبوت ما أخبر به في نفس الأمر إذا علم أنه أخبر به وهو عالم بصدقه لزم ~~ضرورة أن يكون عالما بثبوت مخبره وإن كان كذلك استحال أن يقع عنده دليل ~~يعارض ما أخبر به ويكون ذلك المعارض واجب التقديم. # إذ مضمون ذلك أن يقال لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به لأن هذا ~~الاعتقاد ينافي ما علمت به أن المخبر صادق وحقيقة ذلك لا تصدقه في هذا ~~الخبر ms243 لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه فيقول وعدم تصديقي له فيه هو عين ~~اللازم المحذور. # فإذا قيل لي لا تصدقه لئلا يلزم عدم تصديقه كان كما لو قيل كذبه لئلا ~~يلزم تكذيبه فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علموا أنه ~~أخبر به بعد علمهم أنه رسول لئلا يفضي تصديقهم إلى عدم تصديقه يوضحه # PageV03P802 # الوجه السادس: وهو أن المنهي عنه من قبول هذا الخبر وتصديقه فيه هو عين ~~المحذور فيكون واقعا في المنهي عنه سواء أطاع أو عصى ويكون تاركا للمأمور ~~به سواء أطاع أو عصى ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير الطاعة أعجل ~~وأسبق منه على تقدير المعصية والمنهي عنه على هذا التقدير هو التصديق ~~والمأمور به هو التكذيب وحينئذ فلا يجوز النهي عنه سواء كان محذورا أو لم ~~يكن فإن لم يكن محذورا لم يجز أن ينهى عنه وإن كان محذورا فلا بد منه على ~~التقديرين فلا فائدة في النهي عنه. # الوجه السابع: إنه إذا قيل له لا تصدقه في هذا كان أمرا له بما يناقض ما ~~علم به صدقه وكان أمرا له بما يوجب ألا يثق بشيء من خبره فإنه متى جوز كذبه ~~أو غلطه في خبر جوز ذلك في غيره ولهذا آل الأمر بمن سلك هذه الطريق إلى ~~أنهم لا يستفيدون من جهة الرسول شيئا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات ~~الله سبحانه وأفعاله بل وباليوم الآخر عند بعضهم لاعتقادهم أن هذه الأخبار ~~على ثلاثة أنواع: # نوع يجب رده وتكذيبه ونوع يجب تأويله وإخراجه عن حقيقته ونوع يقر. # PageV03P803 # وليس لهم في ذلك أصل يرجعون إليه بل هذا يقول ما أثبته عقلك فأثبته وما ~~نفاه عقلك فانفه وهذا يقول ما أثبته كشفك فأثبته وما لا فلا. # ووجود الرسول عندهم كعدمه في المطالب الإلهية ومعرفة الربوبية بل على ~~قولهم وأصولهم وجوده أضر من عدمه لأنهم لم يستفيدوا من جهته علما بهذا ~~الشأن واحتاجوا إلى دفع ما جاء به إما بتكذيب وإما بتأويل وإما بإعراض ~~وتفويض. # فإن ms244 قيل لا يمكن أن يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل فإنه منزه عن ذلك وهو ~~ممتنع عليه. # قيل هذا إقرار باستحالة معارضة العقل للسمع واستحالة المسألة وعلم أن ~~جميع أخباره لا يناقض العقل فيها شيء. # فغدا النقل سالما من مناف ... واسترحنا من الصداع جميعا # فإن قيل بل المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهم بظاهر اللفظ وليست ~~ثابتة بين العقل وبين نفس ما أخبر به الرسول فالمعارضة ثابتة بين العقل ~~وبين ما يظهر أنه دليل # PageV03P804 # وليس بدليل وأن يكون دليلا ظنيا لتطرق الظن إلى بعض مقدماته إسنادا أو ~~متنا. # قيل وهذا يرفع صورة المسألة ويحيلها بالكلية وتصير صورتها هكذا إذا تعارض ~~الدليل العقلي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقلي. # وهذا كلام لا فائدة فيه ولا حاصل له وكل عاقل يعلم أن الدليل لا يترك لما ~~ليس بدليل ثم يقال إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر بل ~~اعتقاد دلالته جهل أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل فإن كان السمعي في نفس ~~الأمر كذلك لكونه خبرا مكذوبا أو صحيحا وليس فيه ما يدل على معارضة القول ~~بوجه وأثبتم التعارض والتقديم بين هذين النوعين فساعدناكم عليه وكنا بذلك ~~منكم فإنا أشد نفيا للأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأشد إبطالا لما تحمله من المعاني الباطلة وأولى بذلك منكم. # وإن كان الدليل السمعي صحيحا في نفسه ظاهر الدلالة بنفسه على المراد لم ~~يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة ومقدمات كاذبة إذا تأملها ~~العاقل حق التأمل ومشى إلى آخرها وجدها مخالفة لصريح المعقول وهذا ثابت في ~~كل دليل عقلي خالف دليلا سمعيا صحيح # PageV03P805 # الدلالة وحينئذ فإذا عارض هذا المسمى دليلا عقليا السمع وجب إطراحه ~~لفساده وبطلانه. # ولبيان العلم ببطلانه طريقان كلي وجزئي. # أما الكلي فنقطع بأن كل دليل عقلي خالف السمعي الصريح الصحيح فهو باطل في ~~نفسه مخالف للعقل قبل أن ينظر في مقدماته. # أما الجزئي فإنك إذا تأملت جميع ما يدعوك به معارض ms245 السمع وجدته ينتهي إلى ~~مقدمات باطلة بصريح العقل لكن تلقاها معود عن معود فظنوها عقليات وهي في ~~التحقيق جهل مركب وحينئذ فالواجب تقديم الدليل السمعي للعلم بصحته وما ~~عارضه فإما معلوم البطلان وإما غير معلوم الصحة وذلك أحسن أحواله. # الوجه الثامن: إنه إذا اعتقد في الدليل السمعي أنه ليس بدليل في نفس ~~الأمر بل اعتقاد دلالته على مخالف ما زعمتوه من العقل جهل أمكن اتباع الرسل ~~المصدقين بما جاءوا به أن يعتقدوا في أدلتكم العقلية أنها ليست بأدلة في ~~نفس الأمر وأن اعتقاد دلالتها جهل ويرمون أدلتكم بما رميتم به # PageV03P806 # الأدلة السمعية ثم الترجيح من جانبهم من وجوه متعددة وكانوا في هذا الرمي ~~أحسن حالا منكم وأعذر. # فإن معهم من البراهين الدالة على صحة ما أخبر به السمع إجمالا وتفصيلا من ~~المعقول أصح مما معكم ولا تذكرون معقولا يعارض ما ورد به الوحي إلا ومعهم ~~معقول أصح منه يصدقه ويؤيده # الوجه التاسع: أن يقال لو قدر تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لأن ~~العقل قد صدق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره والشرع لم يصدق العقل في ~~كل ما أخبر به ولا العلم بصدق الشرع موقوف على كل ما يخبر به العقل ومعلوم ~~أن هذا المسلك إذا سلك أصح من مسلكهم كما قال بعض أهل الإيمان يكفيك من ~~العقل أن يعرفك صدق الرسول ومعاني كلامه ثم يخلي بينك وبينه. # وقال آخر العقل سلطان ولى الرسول ثم عزل نفسه ولأن العقل دل على أن ~~الرسول يجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ولأن العقل يدل على صدق ~~الرسول دلالة عامة مطلقة ولا يدل على صدق قضايا نفسه دلالة عامة ولأن العقل ~~يغلط كما يغلط الحس وأكثر من غلطه بكثير فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ~~ويعرض فيه من الغلط ما يعرض فما الظن بالعقل؟ # PageV03P807 # الوجه العاشر: إن العقل مع الوحي كالعامي المقلد مع المفتي العالم بل ~~ودون ذلك بمراتب كثيرة لا تحصى فإن المقلد يمكنه أن يصير عالما ولا ms246 يمكن ~~للعالم أن يصير نبيا رسولا فإذا عرف المقلد عالما فدل عليه مقلدا آخر ثم ~~اختلف المفتي والدال فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون المقلد ~~الذي دله وعرفه بالمفتي. # فلوا قال له الدال الصواب معي دون المفتي لأني أنا الأصل في علمك بأنه ~~مفت فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفت فلزم ~~القدح في فرعه فيقول له المستفتي أنت لما شهدت بأنه مفت ودللت على ذلك شهدت ~~بوجوب تقليده دون تقليدك كما شهد به دليلك وموافقتي لك في هذا العلم المعين ~~لا تستلزم موافقتك في كل مسألة وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم ~~منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت وأنت إذا علمت أنه مفت باجتهاد ~~واستدلال ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئا الاجتهاد # PageV03P808 # والاستدلال الذي خالفت به من يجب عليك تقليده واتباع قوله وإن أصبت في ~~الاجتهاد والاستدلال الذي به علمت أنه مفت مجتهد يجب عليك تقليده هذا مع ~~علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن ~~الله ولا يجوز عليه الخطأ. # الوجه الحادي عشر: إن الدليل الدال على صحة الشيء أو ثبوته أو عدالته أو ~~قبول قوله لا يجب أن يكون أصلا له بحيث إذا قدم قول المشهود له والمدلول ~~عليه على قوله يلزم إبطاله وهذا لا يقوله من يدري ما يقول غاية ما يقال إن ~~العلم بالدليل أصل للعلم بالمدلول فإذا حصل العلم بالمدلول لم يلزم من ذلك ~~تقديم الدليل عليه في كل شيء فإذا شهد الناس لرجل بأنه خبير بالطب أو ~~التقويم أو العيافة دونهم ثم تنازع الشهود والمشهود له في ذلك وجب تقديم ~~قول المشهود له فلو قال نحن شهدنا لكم وزكيناكم وبشهادتنا ثبتت أهليتكم ~~فتقديم قولكم علينا والرجوع إليكم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولكم. # قالوا لهم أنتم شهدتم بما علمتم أنا أهل لذلك دونكم وأن أقوالنا فيه ~~مقبولة دون أقوالكم فلو قدمنا # PageV03P809 # قولكم على ms247 أقوالنا فيما اختلفنا فيه لكان ذلك قدحا في شهادتكم وعلمكم ~~بأنا أعلم منكم وحينئذ فهذا # وجه ثاني عشر: مستقل بكسر هذا الطاغوت وهو أن تقديم العقل على الشرع ~~يتضمن القدح في العقل والشرع لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه وأنه لا ~~نسبة له إليه وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى ~~جبل أو تلك التي تعلق بالأصبع بالنسبة إلى البحر فلو قدم حكم العقل عليه ~~لكان ذلك قدحا في شهادته وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله فتقديم العقل على ~~الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع وهذا ظاهر لا خفاء به يوضحه # الوجه الثالث عشر: وهو أن الشرع مأخوذ عن الله بواسطة الرسولين الملكي ~~والبشري بينه وبين عباده مؤيدا بشهادة الآيات وظهور البراهين على ما يوجبه ~~العقل ويقتضيه تارة ويستحسنه تارة ويجوزه تارة ويكع عن دركه تارة ولا سبيل ~~له إلى # PageV03P810 # الإحاطة به ولا بد له من التسليم والانقياد لحكمه والإذعان والقبول وهناك ~~يسقط لم ويبطل كيف ويزول هلا ويذهب لو وليت في الريح لأن هذه المواد عن ~~الوحي محبوسة واعتراض المعترض عليه مردود واقتراح المقترح ما يظن أنه أولى ~~منه سفه وجهل فالشريعة مشتملة على أعلى أنواع الحكمة علما وعملا التي لو ~~جمعت حكم جميع الأمم ونسبت إليها لم يكنى لها إليها نسبة وهي متضمنة لأعلى ~~المطالب بأقرب الطرق وأتم البيان فهي متكفلة بتعريف الخليقة ربها وفاطرها ~~المحسن إليها بأنواع الإحسان بأسمائه وصفاته وأفعاله وتعريف الطريق الموصل ~~إلى رضاه وكرامته والداعي لديه وتعريف حال السالكين بعد الوصول إليه ويقابل ~~هذه الثلاثة تعريفهم حال الداعي إلى الباطل والطرق الموصلة إليه وحال ~~السالكين تلك الطرق وإلى أين تنتهي بهم ولهذا تقبلها العقول الكاملة أحسن ~~تقبل وقابلتها بالتسليم والإذعان واستدارت حولها بحماية حوزتها والذب عن ~~سلطانها. # فبين ناصر باللغة السائغة وحام بالعقل الصريح # PageV03P811 # وذاب عنه بالبراهين ومجاهد بالسيف والرمح والسنان ومتفقه في الحلال ~~والحرام ومعني بتفسير القرآن وحافظ لمتون السنة وأسانيدها ومفتش عن أحوال ~~رواتها وناقد لصحتها ms248 من سقيمها ومعلولها من سليمها فهي الشريعة ابتداؤها من ~~الله وانتهاؤها إليه فمنه بدأت وإليه تعود ليس فيها حديث المنجم في تأثيرات ~~الكواكب وحركات الأفلاك وهيآتها ومقادير الأجرام ولا حديث التربيع والتثليث ~~والتسديس والمقارنة ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها واشتباك ~~الاستقصات وامتزاجها وقواها وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة # PageV03P812 # وما الفاعل منها وما المنفعل وكم درجاتها وإلى أين تسري قواها ولا فيها ~~حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها وأجسامها ~~وأضلاعها وزواياها ومعاطفها وما الكرة وما الدائرة وما الخط المستقيم ~~والمنحني ولا فيها هذيان المنطقيين وتحذلقهم في النوع والجنس والفصل ~~والخاصة والعرض العام # PageV03P813 # والمقولات العشر # PageV03P814 # والمختلطات والموجهات الصادرة عن رجل مشرك من يونان كان يعبد الأوثان ولا ~~يعرف الرحمن ولا يصدق بمعاد الأبدان ولا أن الله يرسل رسولا بكلامه إلى نوع ~~الإنسان فجعل هؤلاء المعارضين بين العقل والنقل عقل هذا الرجل عيارا على ~~كتب الله المنزلة وما أرسل به رسله فما زكاه منطقه وآلته وقانونه الذي وضعه ~~بعقله قبلوه وما لم يزكه تركوه ولو كانت هذه الأدلة التي أفسدت عقول هؤلاء ~~وأتباعهم صحيحة لكان صاحب # PageV03P815 # الشريعة يقوم شريعته بها ويكملها باستعمالها وكان الله سبحانه يثيبه ~~عليها ويحض على التمسك بها ويتقدم إلى عباده بالتمسك بها وبعلمها وتعليمها ~~ويفرض عليهم القيام بها. # فيا للعقول التي لم يخسف بها أين الدين من الفلسفة? وأين كلام رب ~~العالمين إلى آراء اليونان والمجوس وعباد الأصنام والصابئين وأين المعقولات ~~المؤيدة بنور النبوة إلى المعقولات المتلقاة عن أرسطو وأفلاطون والفارابي ~~وابن سينا وأتباع هؤلاء ممن لا يؤمن بالله ولا صفاته ولا أفعاله ولا ~~ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر? وأين العلم المأخوذ عن الوحي النازل من ~~عند رب العالمين من الشبه المأخوذة عن آراء المتهوكين والمتحيرين? فإن ~~أدلوا بالعقل فلا عقل أكمل من عقول ورثة الأنبياء وإن أدلوا برؤسائهم ~~وأئمتهم كفرعون ونمرود # PageV03P816 # وبطليموس وأرسطاطاليس ومقلدتهم وأتباعهم فلم يزل أعداء الرسل يعارضونهم ~~فهؤلاء وأمثالهم يقدمون عقولهم على ما جاءوا به ويالله العجب كيف يعرض ms249 قول ~~الرسول بقول الفيلسوف وعلى الفيلسوف أن يتبع الرسل وليس على الرسل أن تتبع ~~الفيلسوف فالرسول مبعوث والفيلسوف مبعوث إليه والوحي حاكم والعقل محكوم ~~عليه ولو كان العقل يكتفي به لم يكن للوحي فائدة ولا غنى على أن منازل ~~الخلق متفاوتة في العقل أعظم تفاوت وأبصارهم مختلفة وليس العقل بأسره في ~~واحد من الناس أو طائفة معينة حتى يكون تقديم عقولهم على ما جاءت به الرسل ~~بل لكل طائفة معقول مخالف معقول الأخرى فمن أظلم وأشد عداوة للرسل ممن جوز ~~لكل طائفة من طوائف العقلاء أن يقدم عقولها على ما جاءت به الرسل فإن قالوا # PageV03P817 # إنما نقدم العقل الصريح الذي لم يختلف فيه اثنان على نصوص الأنبياء فقد ~~رموا الأنبياء بما هم أبعد الخلق منه وهو أنهم جاءوا بما يخالف العقل ~~الصريح الذي لا يختلف فيه اثنان وهذا وقد شهد الله وكفى به شهيدا وشهد ~~بشهادته الملائكة وأولو العلم أن طريقة الرسل هي الطريقة البرهانية ~~المتضمنة للحكمة كما قال تعالى {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} ~~[النساء174] وقال {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} [113] قالطريقة ~~البرهانية هي الواردة بالوحي الناطقة بالرشد الداعية إلى الخير الواعدة ~~بحسن المآب المبينة لحقائق الأنبياء المعرفة بصفات رب الأرض والسماء وأن ~~التقليدية التخمينية الخرصية هي المأخوذة من المقدمتين والنتيجة والدعوى ~~التي ليس مع أصحابها إلا الرجوع إلى رجل من يونان كان يعبد الأوثان ويجحد ~~الرحمن # PageV03P818 # فوضع بعقله قانونا يصحح به بزعمه علوم الخلائق وعقولهم فلم يستفد به عاقل ~~تصحيح مسألة واحدة في شيء من علوم بني آدم بل ما وزن به علم إلا أفسده وما ~~برع فيه أحد إلا انسلخ من حقائق الإيمان كانسلاخ القميص عن الإنسان فما ~~استفيد بهذا العقل العائل إلا تعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله وعن ~~أفعاله والكفر بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ومن العجب أن هؤلاء ~~الأوقاح جعلوا نصوص الأنبياء من باب الظنون وهي من الوحي وجعلوا كلمات ~~المنطقيين وقواعد الفلاسفة والجهمية من باب اليقين ثم عارضوا بينهما ms250 وقدموا ~~هذا على نصوص الأنبياء فالشريعة ظهرت من الله على لسان أكمل الخلق عقلا ~~وأعظمهم معرفة وأتمهم يقينا وعقلياتكم ظهرت من جهة رجال فكروا وقدروا وظنوا ~~وخرصوا وتعبوا وما أغنوا ونصبوا وما أخذوا وحاموا وما وردوا ونسجوا فهلهلوا ~~ومشطوا ففلفلوا. # سافروا في درك المطالب العالية على غير الطريق فما # PageV03P819 # ربحوا إلا أذى السفر وبعثوا في البلاد بغير دليل فلم يقفوا للمطلوب على ~~عين ولا أثر. # رضوا بالدعاوى وابتلوا بخيالهم ... وخاضوا بحار الفكر والقوم ما ابتلوا # فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا # لهم كل وقت حيرة بعد حيرة ... وجهل على جهل فلا بورك الجهل # الوجه الرابع عشر: إن الأمة اختلفت ضروبا من الاختلاف في الأصول والفروع ~~وتنازعوا فنونا من التنازع في المشكل من الأحكام والحلال والحرام والتفسير ~~والتأويل والأخبار وتفرقت في آرائها ومذاهبها ومقالاتها فصارت أصنافا وفرقا ~~كالخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة فما فزعت طائفة من طوائف الأمة في ~~اختلافها إلى منطق ولا فيلسوف ولا إلى عقل يخالف صريح النقل ولا قالت طائفة ~~من هذه الطوائف عقولنا مقدمة على ما جاء به الرسول وإن أشقوا مذاهبهم ~~بالتأويل بما جاء به فلم تقدم طائفة منهم على ما أقدمت عليه هذه الفرقة ~~وقالوا العقل أولى بالاتباع مما جاء به # PageV03P820 # الرسول ولا قالت فرقة من هذه الفرق لأصحاب هذه المعقولات أعينونا بما ~~عندكم وأشهدوا لنا وعلينا بما قبلكم ولا حققت مقالتها بشهادتهم ولا استعانت ~~بطريقتهم ولا وجدت عندها علما ومعرفة لم تجده في كتاب ربها وسنة نبيها وكما ~~لم تجد أحدا من فرق هذه الأمة يفزع إلى أرباب هذه العقول في شيء من دينها ~~فلذلك كانت أمة موسى وعيسى لم تعول على هؤلاء في شيء من أمر دينها بل ما ~~زال أهل الملل يحذرون من هؤلاء أشد التحذير وينفرون منهم أشد التنفير علما ~~بأنهم سوس الملل وأعداء الرسل وأنت إذا تأملت أصول الفرق الإسلامية كلها ~~وجدتها متفقة على تقديم الوحي على العقل ولم يؤسسوا مقالاتهم على ما ms251 أسسها ~~عليه هؤلاء من تقديم آرائهم وعقولهم على نصوص الوحي فإن هذا أساس طريقة ~~أعداء الرسل فهم متفقون على هذا الأصل ومنهم أخذ وعنهم تلقي كما حكى الله ~~سبحانه عنهم في كتابه أنهم عارضوا شرعه ودينه بآرائهم وعقولهم ولكن الفرق ~~بينهم وبين هؤلاء أن أولئك جاهروا بتكذيب الرسل ومعاداتهم وهؤلاء أقروا ~~برسالاتهم وانتسبوا في الظاهر إليهم ثم نقضوا ما أقروا به وقالوا يجب تقديم ~~عقولنا وآرائنا على ما جاءوا به فهم أعظم ضررا على الإسلام وأهله من أولئك ~~لأنهم انتسبوا إليه وأخذوا في هدم قواعده وقلع أساسه وهم يتوهمون ويوهمون ~~أنهم ينصرونه. # PageV03P821 # الوجه الخامس عشر: إن التفاوت الذي بين الرسل وبين أرباب هذه المعقولات ~~أعظم بكثير من التفاوت الذي بين هؤلاء وبين أجهل الناس على إلإطلاق فإن هذا ~~الجاهل يمكنه مع الطلب والتعليم أن يصير عالما بما عند هؤلاء ولا يمكن أشد ~~هؤلاء حرصا وذكاء وقوة وفراغا أن يصير نبيا فإن النبوة خاصة من الله يختص ~~بها من يشاء من عباده لا تنال بكسب ولا باجتهاد فإذا علم الإنسان بعقله أن ~~هذا الرسول وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينافي خبره كان الواجب عليه ~~أن يسلم لما أخبر به الصادق الذي هو أعلم منه وينقاد له ويتهم عقله ويعلم ~~أن عقله بالنسبة إليه أقل من عقل أجهل الخلق بالنسبة إليه هو وأن التفاوت ~~الذي بينهما في العلم والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه أعظم ~~بكثير كثير من التفاوت الذي بين من لا خبرة له بصناعة الطب ومن هو أعلم أهل ~~زمانه بها فيا لله العجب إذا كان عقله يوجب عليه أن ينقاد لطبيب يهودي فيما ~~يخبر به من قوى الأدوية والأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات وصفاتها ~~وكمياتها ودرجاتها مع ما عليه في ذلك من الكلفة والألم ومقاساة المكروهات ~~لظنه أن هذا اليهودي أعلم بهذا الشأن منه وأنه إذا صدقه كان في تصديقه حصول ~~الشفاء والعافية # PageV03P822 # مع علمه بأنه يخطىء كثيرا وأن كثيرا من الناس لا يشفى بما يصفه الطبيب ms252 بل ~~يكون استعماله لما يصفه سببا من أسباب هلاكه وأن أسباب الموت أغلاط الأطباء ~~فكم لهم من قتيل أسكنوه المقابر بغلطهم وخطئهم وإن كان خطأ الطبيب إصابة ~~المقادير وكيف لا يسلك هذا المسلك مع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهم ~~الصادقون المصدقون ولا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ما أخبروا به والذين ~~عارضوا أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال المركب والبسيط ما لا يحصيه ~~إلإ من هو بكل شيء محيط. # الوجه السادس عشر: أن يقال تقديم العقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض ~~وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف فوجب الثاني وامتنع الأول بيانه ~~أن يكون الشيء معلوما بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس هو صفة لازمة لشيء من ~~الأشياء بل هو من الأمور النسبية الإضافية فإن زيدا قد يعلم بعقله مالا ~~يعلمه بكر بعقله وقد يعلم الأنسان في حال تعقله ما يجهله في وقت آخر ~~والمسائل التي يقال قد تعارض فيها العقل والشرع جميعا قد اضطرب فيها أرباب ~~العقل ولم يتفقوا فيها على أمر واحد بل كل منهم يقول إن العقل أثبت أو أوجب ~~أو سوغ ما يقول الآخر أن العقل نفاه # PageV03P823 # أو أحاله أو منع منه بل قد آل الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون إنه ~~من العلوم الضرورية فيقول هذا نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر إنه ~~غير معلوم بالضرورة العقلية وأبلغ من هذا أن يدعي بعضهم أن هذا محال بضرورة ~~العقل فيدعي الآخر أنه ممكن بضرورة العقل فأكثر العقلاء يقولون نحن نعلم ~~بضرورة العقل امتناع رؤيا مرئي من غير معاينة ومقابلة ويقول آخرون من ~~المنتسبين إلى المعقولات بل ذلك ممكن لا يحيله العقل. # ويقول أكثر العقلاء نحن نعلم أن حدوث حادث بلا سبب حادث ممتنع ويقول ~~آخرون بل ذلك ممكن. # ويقول أكثر العقلاء إن كون العالم عالما بلا علم وحيا بلا حياة ومريدا ~~بلا إرادة وسميعا بصيرا بلا سمع ولا بصر محال بضرورة العقل وآخرون يقولون ~~بل هو ممكن غير مستحيل بل هو الواجب ms253 في حق الله عز وجل. # ويقول جمهور العقلاء أن يكون المعنى الواحد أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ~~ممتنع في ضرورة العقل. # وآخرون يقولون هو ممكن واقع. # وجمهور العقلاء يقولون إن إثبات موجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما ~~مباينا للآخر ولا محايثا له ولا داخلا # PageV03P824 # فيه ولا خارجا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه مكابرة لصريح العقل ~~وآخرون يقولون بل هو ممكن واجب في العقل. # وجمهور العقلاء يقولون إن إثبات كون المريد مريدا بإرادة لا في محل ممتنع ~~في ضرورة العقل وآخرون ينازعونهم في ذلك وجمهور العقلاء يقولون إن الحروف ~~والأصوات من المتكلم الواحد مقترنة بعضها ببعض في آن واحد محال بضرورة ~~العقل. # وآخرون يقولون بل هو ممكن بل واجب في حق القديم إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا ~~فلو قيل بتقديم العقل على نصوص الوحي وهذا شأن العقل لزم المحال واجتماع ~~النقيضين أو أحيل الناس على شيء لا سبيل لهم إلى ثبوته ومعرفته. # وأما الوحي فهو قول الصادق وهو صفة لازمة لا تختلف باختلاف أحوال الناس ~~والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن ولهذا جاء الوحي من الله سبحانه برد ~~الناس عند التنازع إلى كتابه وسنة رسوله كما قال تعالى {يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا} [النساء59] # PageV03P825 # فأمر المؤمنين عند التنازع بالرد إلى كتابه وسنة رسوله وهذا نص في تقديم ~~السمع. قال هؤلاء بل الواجب الرد إلى العقل ورد السمع إن عارضه ولو رد ~~الناس الأمر عند النزاع إلى عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم لم يزدهم هذا ~~الرد إلا اختلافا واضطرابا وشكا وارتيابا فلا يمكن الحكم بين الناس في ~~موارد النزاع والاختلاف على الإطلاق إلا بكتاب منزل من السماء يرجع الجميع ~~إلى حكمه وإلا فكل واحد من أرباب المعقولات يقول عقلي أولى بالثقة به من ~~عقل منازعي وهذا يدلي بمعقول وهذا يدلي بمعقول. # الوجه السابع عشر: إن الله سبحانه قد ms254 تمم الدين بنبيه وأكمله به ولم ~~يحوجه ولا أمته بعده إلى عقل ولا نقل سواه ولا رأي ولا منام ولا كشوف قال ~~تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا} ~~[المائدة3] وأنكر على من لم يكتف بالوحي عن غيره فقال {أولم يكفهم أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} ~~[العنكبوت51] # PageV03P826 # ذكر هذا جوابا لطلبهم آية تدل على صدقه فأخبر أنه يكفيهم من كل آية فلو ~~كان ما تضمنه من الإخبار عنه وعن صفاته وأفعاله واليوم الآخر يناقض العقل ~~لم يكن دليلا على صدقه فضلا عن أن يكون كافيا وسيأتي في الوجه الذي بعد هذا ~~بيان أن تقديم العقل على النقل يبطل كون القرآن آية وبرهانا على صحة النبوة ~~والمقصود ان الله سبحانه تمم الدين وأكمله بنبيه وما بعثه به فلم يحوج أمته ~~إلى سواه فلو عارضه العقل وكان أولى بالتقديم منه لم يكن كافيا للأمة ولا ~~كان تاما في نفسه في مراسيل أبي داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى بيد ~~عمر بن الخطاب ورقة فيها شيء من التوراة فقال: "كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا ~~كتابا غير كتابهم أنزل على نبي غير نبيهم" فأنزل الله عز وجل {أولم يكفهم ~~أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} ~~[العنكبوت51] # PageV03P827 # وقال سبحانه {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} (النساء65] فأقسم سبحانه بنفسه ~~أنا لا نؤمن حتى نحكم رسوله في جميع ما شجر بيننا وتتسع صدورنا بحكمه فلا ~~يبقى منها حرج ونسلم لحكمه تسليما فلا نعارضه بعقل ولا رأي ولا هوى ولا ~~غيره فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون ~~العقل على ما جاء به الرسول وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين ~~بمعناه وإن آمنوا بلفظه وقال تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله} [الشورى10] ms255 وهذا نص صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردود إلى ~~الله وحده وهو الحاكم فيه على لسان رسوله فلو قدم حكم العقل على حكمه لم ~~يكن هو الحاكم بوحيه وكتابه وقال تعالى {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف3] # PageV03P828 # فأمر باتباع الوحي المنزل وحده ونهى عن اتباع ما خالفه وأخبر سبحانه أن ~~كتابه بينة وشفاء وهدى ورحمة ونور وفضل وبرهان وحجة وبيان فلو كان في العقل ~~ما يعارضه ويجب تقديمه على القرآن لم يكن فيه شيء من ذلك بل كانت هذه ~~الصفات للعقل دونه وكان عنها بمعزل فكيف يشفي ويهدي ويبين ويفصل ما يعارضه ~~صريح العقل. # الوجه الثامن عشر: إن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء ~~لايتصور أن يعارضه الشرع البتة ولا يأتي بخلافه ومن تأمل ذلك في ما ينازع ~~العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خالفت النصوص الصحيحة الصريحة شبهات ~~فاسدة يعلم بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للنقل فتأمل ~~ذلك في مسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد تجد ما يدل ~~عليه صريح العقل لم يخالفه سمع قط بل السمع الذي يخالفه إما أن يكون حديثا ~~موضوعا أو لا تكون دلالته مخالفة لما دل عليه العقل. # ونحن نعلم قطعا أن الرسل لا يخبرون بمحال العقول # PageV03P829 # وإن أخبروا بمحارات العقول فلا يخبرون بما يحيله العقل وإن أخبروا بما ~~يحار فيه العقل ولا يستقل بمعرفته ومن تأمل أدلة نفاة الصفات والأفعال ~~والقدر والحكمة والمعاد وأعطاها حقها من النظر العقلي علم بالعقل فسادها ~~وثبوت نقيضها ولله الحمد. # الوجه التاسع عشر: إن المسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والسمع ~~من المسائل المعلومة بصريح العقل كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات ~~اليقينية. # فلم يجىء في القرآن ولا في السنة حرف واحد يخالف العقل في هذا الباب وما ~~جاء من ذلك فهو مكذوب ومفترى كحديث إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق خيلا ~~فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق ms256 وحديث نزوله # PageV03P830 # عشية عرفة على جمل أورق يصافح الركبان ويعانق المشاة. # وكقول اليهود إنه سبحانه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وإنه ~~ندم على ذلك حتى عض أصابعه وإنه تبدى لإسرائيل وصارعه. # وكقول النصارى إنه اتخذ مريم زوجة وأولدها عيسى فهي صاحبته وعيسى ابنه ~~تعالى الله عما يقول أعداؤه فيه علوا كبيرا وكقولهم إنه نزل عن كرسي عظمته ~~ودخل في فرج مريم والتحم بناسوت المسيح. # وقول مشركي العرب إنه صاهر الجن فولدت له الملائكة وأمثال ذلك من الأقوال ~~المخالفة لصريح # PageV03P831 # العقل فكيف يجعل ما أثبته الله لنفسه في كتابه من صفاته وأفعاله وما صح ~~عن رسوله أنه أثبته له من علوه فوق سماواته على عرشه واستوائه عليه وتكلمه ~~وتكليمه وثبوت علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه الأعلى ورحمته وغضبه ~~ورضاه وفرحه وضحكه ويديه التي يمسك بإحداهما السماوات السبع وبالأخرى ~~الأرضين السبع ثم يهزهن ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ونحو ذلك من صفات ~~كماله ونعوت جلاله كيف يجعل هذا بمنزلة ذاك في مخالفة كل منهما لصريح ~~العقل؟ ويجعل إثبات هذا كإثبات ذلك ووصفه بهذا كوصفه بذاك كما صرح به ~~النفاة وقالوا إن هذا تشبيه وتجسيم فلا فرق بينه وبين ذاك التشبيه والتجسيم ~~فليبك على عقله وما أصيب به من سوى بين الأمرين أحسن الله عزاءه في عقله ~~ولا بورك له في علم هذه غايته التي لا يرضاها أعظم الناس انغماسا في جهله. # PageV03P832 # الوجه العشرون: إنه لا يعلم آية من كتاب الله ولا نص صحيح عن رسول الله ~~في باب أصول الدين اجتمعت الأمة على خلافه وغاية ما يقدر اختلاف الأمة في ~~القول بموجبه ومن له خبرة بمذاهب الناس وأقوال السلف يعلم قطعا أن الأمة ~~اجتمعت على القول به قبل ظهور المخالف كما اجتمعت بأن الله مستو على عرشه ~~فوق سماواته وأن المؤمنين يرونه عيانا بالأبصار من فوقهم في الجنة وأنه ~~سبحانه كلم نبيه موسى منه إليه بلا واسطة تكليما سمع به كلامه ولم يشك أنه ~~هو الذي كان يكلمه. ms257 # وأنه كتب مقادير الخلائق وقدرها قبل أن يخلقهم وأنه علم ما هم عاملوه قبل ~~أن يعملوه وأنه يحب ويبغض ويرضى ويغضب ويضحك ويفرح وأن له وجها ويدين. # فهذا إجماع معلوم متيقن عند جميع أهل السنة والحديث فالعقل الذي يعارض ~~هذا لم تجمع عليه الأمة ولم يعرف عن رجل واحد من السلف والأئمة أنه قاله ~~وغايته أ , يكون عقل فرقة من الفرق اشتقت لأنفسها مذهبا وادعت له معقولا ~~فلما صالت عليها نصوص الوحي التجأت إلى العقل وادعت أنه يخالفها وصدقت ~~وكذبت. # PageV03P833 # أما صدقها فإن نصوص الوحي تخالف معقولها هي وذلك من أدل دليل على فساده ~~في نفسه إذ شهدت له نصوص الوحي بالبطلان. # وأما كذبها فزعمها أن نصوص الوحي تخالف العقل المتفق عليه بين العقلاء ~~فهذا لم يقع ولا يقع ما دامت السماء سماء والأرض أرضا بل تزول السماء ~~والأرض وهذا لا يكون فأي ذنب للنصوص إذا خالفت عقول بعض الناس فقد وافقت ~~عقول أصح الناس عقلا {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام89] # الوجه الحادي العشرون: إن الأدلة السمعية هي الكتاب والسنة والإجماع وهو ~~إنما يصار إليه عند تعذر الوصول إليهما فهو في المرتبة الأخيرة ولهذا أخره ~~عمر في كتابه إلى أبي موسى حيث كتب إليه اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن ~~في كتاب الله فبما في سنة رسول الله فإن لم يكن في السنة فبما قضى به ~~الصالحون قبلك وهذا السلوك # PageV03P834 # هو كان سلوك الصحابة والتابعين ومن درج على آثارهم من الأئمة أول ما ~~يطلبون النازلة من القرآن فإن أصابوا حكمها فيه لم يعدوه إلى غيره وإن لم ~~يصيبوها فيه طلبوها من سنة رسول الله فإن أصابوها لم يعدوها إلى غيرها وإن ~~لم يصيبوها طلبوها من اتفاق العلماء وقد صان الله الأمة أن تجمع على خطأ أو ~~على ما يعلم بطلانه بصريح العقل فإذا كان الإجماع معصوما أن ينعقد على ما ~~يخالف العقل الصريح بل إذا ms258 وجدنا معقولا يخالفه الإجماع علمنا قطعا أنه ~~معقول فاسد فلأن يصان كتاب الله وسنة رسوله عن مخالفة العقل الصريح أولى ~~وأحرى. # الوجه الثاني والعشرون: إنه إذا قدر تعارض العقل والكتاب فرد العقل الذي ~~لم تضمن لنا عصمته إلى الكتاب المعلوم العصمة هو الواجب. # الوجه الثالث والعشرون: إن هؤلاء الخائضين في صفات الرب وأفعاله وما يجوز ~~عليه ومالا يجوز بآرائهم وعقولهم تراهم مختلفين متنازعين حيارى متهوكين ~~وحاصل ما مع أكثرهم حسن # PageV03P835 # الظن بإمامه الذي سلك طريقته وتقليده في أصوله وهو يرى بعقله خلافها ~~ويستشكلها ويقر بأنها مشكلة جدا ثم ينكس على رأسه ويقول هو أعلم بالمعقول ~~مني. # فنجد أتباع أرسطو الملحد المشرك عابد الأوثان يتبعونه فيما وضعه لهم من ~~قواعد المنطق الطبيعي والإلهي. # وكثير منهم يرى بعقله نقيض ما قاله ولكن لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته ~~وينسب التقصير إلى فهمه والنقص إلى عقله لعظمة أرسطو في نفسه ولعلمه بأنه ~~أعقل منه وهكذا شأن جميع أرباب المقالات والمذاهب يرى أحدهم في كلام متبوعه ~~ومن يقلده ما هو باطل وهو يتوقف في رد ذلك لاعتقاده أن إمامه وشيخه أكمل ~~منه علما وأوفر عقلا هذا مع علمه وعلم العقلاء أن متبوعه وشيخه ليس بمعصوم ~~من الخطأ فهلا سلكوا هذا المسلك مع نبيهم ورسولهم المضمون له العصمة ~~المعلوم صدقه في كل ما يخبر به وهلا قالوا عقله أوفر من عقولنا وعلمه أصح ~~من علومنا فنحن ننكر كل معقول يخالفه ونرده ولا نقبله كما فعلوه مع شيوخهم ~~ومتبوعيهم ولكن # PageV03P836 # {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله ~~أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة41] # الوجه الرابع والعشرون: إن كل من أعرض عن السمع لظنه أن العقل يخالفه إذ ~~لكون أدلته لا تفيد اليقين أو لأنه خاطب الخلق خطابا جمهوريا تخييليا لا ~~خطابا برهانيا تجد بينهم من النزاع والتفرق والشهادة من بعضهم على بعض ~~بالضلالة بحسب إعراضهم عن السمع وكل من كان عنه ms259 أبعد كان قوله أفسد واختلاف ~~طائفته أشد. # فالمعتزلة أكثر اختلافا من متكلمة أهل الإثبات وبين البصريين والبغداديين ~~منهم من النزاع ما يطول ذكره والبصريون أقرب إلى الإثبات والسنة من ~~البغداديين فالبصريون يثبتون كونه سبحانه سميعا بصيرا حيا عالما قديرا ~~ويثبتون له الإرادة ولا يوجبون عليه الأصلح في الدنيا ويثبتون خبر الواحد ~~والقياس ولا يؤثمون المجتهدين ثم بين المشايخية والحسينية من النزاع ما هو ~~معروف. # PageV03P837 # وأما الشيعة فأعظم تفرقا واختلافا من المعتزلة حتى قيل إنهم يبلغون ثنتين ~~وسبعين فرقة وذلك لأنهم أبعد طوائف الملة عن السنة. # وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع فتلاعب بالنبوات ولا تقف مع حدودها وقل ~~بعقلك ما شئت وقد صرت فيلسوفا حكيما وهم أعظم اختلافا من جميع طوائف ~~المسلمين واليهود والنصارى والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا هي ~~فلسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب المنطق وبينه وبين سلفه من النزاع ما يطول ~~ذكره ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه. # وأما سائر طوائف الفلاسفة فلو حكى لك اختلافهم في علم الهيئة وحده لرأيت ~~العجب العجاب هذا # PageV03P838 # والهيئة علم رياضي حسابي هو من أصح علومهم فكيف باختلافهم في الطبيعيات ~~فكيف بالإلهيات. # واعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية ~~كما نقله الأشعري في كتاب مقالات غير الإسلاميين وابن الباقلاني في كتاب ~~الدقائق وفي هذين الكتابين من الاختلاف بينهم أضعاف ما ذكره الشهرستاني ~~وابن الخطيب والكتاب الذي اتفق عليه جمهورهم وهو المجسطي لبطليموس فيه ~~قضايا كثيرة لا يقوم عليها دليل صحيح وقضايا ينازعه فيها غيره وقضايا مبنية ~~على أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب وفيه قضايا برهانية صادقة وهذا ~~من أجود علومهم وأصحها. # PageV03P839 # وأما الطبيعيات ففيها من الاضطراب والاختلاف ما ما لا يكاد يحصى وهو أكثر ~~من أن يذكر هذا وهو أقرب إلى الحس من العلم الإلهي. # وأما الإلهيات فإذا شئت مثالا يقرب إليك حالهم فمثلهم كمثل قوم نزلوا ~~بفلاة من الأرض في ليلة ظلماء فهجم عليهم العدو فقاموا في الظلمة هاربين ~~على وجوههم في ms260 كل ناحية ولا إله إلا الله كم لهم فيه من خبط وخرص وتخمين ~~وليسوا متفقين فيه على شيء أصلا وأساطينهم قد صرحوا بأنهم لا يصلون فيه إلى ~~اليقين وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأخلق ولهذا ظهر في السالكين خلفهم من ~~الحيرة والتوقف والاعتراف بأنهم لم يصلوا إلى شيء ما فيه عبرة لأهل الوحي ~~اتباع الرسل المقدمين لما نزل به الوحي على عقول هؤلاء وأشباههم وقد تقدم ~~إقرار الشهرستاني وابن الخطيب وابن أبي الحديد والخونجي والجويني وغيرهم ~~على أنفسهم بذلك وقد # PageV03P840 # قال ابن رشد وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه تهافت ~~التهافت ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به وهذا أفضل المتأخرين في ~~زمانه أبو الحسن الآمدي واقف في المسائل الكبار يذكر حجج الطوائف ويبقى ~~واقفا حائرا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} ~~[النساء88] وهذا صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها من # PageV03P841 # فرط ذكائه ومعرفته بالفلسفة والكلام ينتهي وقت الموت في هذه المسائل إلى ~~الوقف والحيرة ثم أعرض عن تلك الطرق واقبل على طريقة أهل الحديث وأقبل على ~~صحيح البخاري فمات وهو على صدره وحدثني شيخ الإسلام قال حكى لي بعض ~~الأذكياء وكان قد قرأ على أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة وهو ابن واصل ~~الحموي أنه قال له الشيخ أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين ~~أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء ولهذا ذهب طائفة ~~من أهل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة ومعناه أنها قد تكافأت وتعارضت فلم ~~يعرف الحق من الباطل وصدقوا وكذبوا. أما صدقهم فإن أدلتهم وطرقهم قد تكافأت ~~وتصادمت حتى قال شاعرهم: # PageV03P842 # ونظيري في العلم مثلي أعمى ... فترانا في حندس نتصادم # ولقد صدق هذا الأعمى البصر والبصيرة ووصف حال القوم فأحسن والله الفقه ~~وعبر عن حالهم بأشد عبارة مطابقة بزمرة عميان قاموا في ليلة مظلمة يتهاوشون ~~ويتصادمون. # وأما كذبهم فإن أدلة الحق وشبه الباطل لا تتكافأ حتى يتكافأ الضوء ms261 ~~والظلام والبياض والسواد والمسك وأنتن الجيف فسبحان من أعمى عن الحق بصائر ~~من شاء من خلقه كما أعمى عن الشمس أبصار من شاء منهم فالذنب لكلل البصائر ~~لا للحق كما أن الحجاب في تلك العيون لا في الشمس ولقد أحسن القائل في وصف ~~هؤلاء وبصائرهم أنها بمنزلة أبصار الخفاش تعجز عن ضوء النهار ولا تفتح ~~أعينها فيه ويلائمها ظلام الليل فتذهب فيه وتجيء ولهذا تجد أكثر هؤلاء لما ~~لم يتبين له الهدى في شيء من تلك الطرق نكص على عقبيه وخلع العذار # PageV03P843 # ونزع قيد الشريعة من قلبه وأقبل على شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته ~~وماله فأقبل على اللذات وسماع المطربات ومعاشرة الصور المستحسنات وذلك لخلو ~~قلبه عن حقائق العلم والإيمان الذي بعث الله به رسوله فلم يصل إليه ولا وصل ~~من طرق أصحابه إلا إلى الشك والحيرة فهؤلاء هم الذين عناهم الله سبحانه ~~بقوله: {ن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} [النجم23] فعلومهم ظنون {وإن ~~الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم28] وإرادتهم هوى نفوسهم وعلومهم تدعو ~~إلى إرادتهم وإرادتهم تدعو إلى علومهم فإن اتباع الهوى يصد عن الحق ويضل عن ~~سبيل الله فتولوا عن القرآن وآثروا عاجل الدنيا وهؤلاء الذين أمر الله ~~رسوله بالإعراض عنهم بعد إقامة الحجة عليهم فقال تعالى: {فأعرض عن من تولى ~~عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم} [النجم29] . # PageV03P844 # الوجه الخامس والعشرون: إن الله سبحانه لما أهبط الأبوين من الجنة عهد ~~إليهما عهدا تناولهما وتناول ذريتهما إلى يوم القيامة وضمن لمن تمسك بعهده ~~أنه لا يضل ولا يشقى ولمن أعرض عنه الضلال والشقاء فقال تعالى: {قال اهبطا ~~منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى} [طه126 , 123] قال ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن ~~وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في ms262 الآخرة ثم قرأ هذه الآية ~~وقوله: {ومن أعرض عن ذكري} [طه124] . # PageV03P845 # يتناول الذكر الذي أنزله وهو الهدى الذي جاءت به الرسل ويدل عليه سياق ~~الكلام وهو قوله {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} [طه126] فهذا هو الإعراض عن ~~ذكره فإذا كان هذا حال المعرض عنه فكيف حال المعارض له بعقله أو عقل من ~~قلده وأحسن الظن به فكما أنه لا يكون مؤمنا إلا من قبله وانقاد له فمن أعرض ~~عنه وعارضه من أبعد الناس عن الإيمان به. # الوجه السادس والعشرون: إن طالب الهدى في غير القرآن والسنة قد شهد الله ~~ورسوله له بالضلال فكيف يكون عقل الذي قد أضله الله مقدما على كتاب الله ~~وسنة رسوله قال تعالى في أرباب العقول التي عارضوا بها وحيه: {أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [الجاثية23] وقال {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام153] . # PageV03P846 # وقال فيمن قدم عقله على ما جاء به {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم23] والقرآن مملوء بوصف من قدم عقله على ~~ما جاء به بالضلال وروى الترمذي وغيره من حديث علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه قال سمعت رسول الله يقول إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول ~~الله قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم # PageV03P847 # وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره ~~أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو ~~الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق على كثرة الرد ولا ~~تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى ~~قالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد} [الجن2 , 1] من قال به صدق ~~ومن عمل به أجر ومن حكم ms263 به عدل ومن دعى إليه هدي إلى صراط مستقيم # الوجه السابع والعشرون: إن ما عارض به هؤلاء نصوص الأنبياء من المعقولات ~~قد شهدوا على أنفسهم بالحيرة والشك فيها وأنهم لم يجزموا فيها بشيء ولم ~~يظفروا منها بعلم ولا يقين كما تقدم ذكر # PageV03P848 # اليسير منه عن أفاضلهم وشهد به عليهم تناقضهم واضطرابهم واختلافهم فإن ما ~~كان من عند غير الله لا بد أن يقع فيه الاختلاف الكثير وشهد عليهم بذلك ~~أتباع الرسول وشهد به عليهم من هو على كل شيء شهيد وسيشهد به عليهم يوم ~~القيامة من أنزل عليه: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا} [النساء41] وشهد به عليهم نصوص الكتاب والسنة وشهد به عليهم أدلة ~~العقول الصريحة الموافقة للنصوص فهل عندهم مثل هؤلاء الشهود على صحة العقل ~~الذي عارضوا به نصوص الأنبياء نعم شهودهم أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس وابن ~~سينا والفارابي وجهم بن صفوان وأبو الهذيل العلاف والنظام وأوقاح الجهمية ~~والمعتزلة # PageV03P849 # وأفراخ الصابئين والمجوس ومن تعارضت عنده هذه البينات فلا ننكر أن يتعارض ~~عنده العقل والنقل وأن يقدم العقل على النقل. # الوجه الثامن والعشرون: إن أصحاب القرآن والإيمان قد شهد الله لهم وكفى ~~به شهيدا بالعلم واليقين والهدى وأنهم على بصيرة وبينة من ربهم وأنهم هم ~~أولو العقل والألباب والبصائر وأن لهم نورا على نور وأنهم المهتدون ~~المفلحون. # قال تعالى في حق الذين يؤمنون بالغيب ولا يعارضونه بعقولهم وآرائهم {الم ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة5 , ~~1] وقال {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى ~~صراط العزيز الحميد} [سبأ6] . # PageV03P850 # وهذا دليل ظاهر أن الذي نراه معارضا للنقل ويقدم العقل عليه ليس من الذين ~~أوتوا العلم في قبيل ولا دبير ولا قليل ولا كثير. # وقال {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ms264 ربك الحق كمن هو أعمى} [الرعد19] وهذه ~~شهادة من الله على عمى هؤلاء وهي موافقة لشهادتهم على أنفسهم بالحيرة والشك ~~وشهادة المؤمنين عليهم. # وقال {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} [النور35] . # فأخبر سبحانه عن مثل نور الإيمان به وبأسمائه وصفاته وأفعاله وصدق رسله ~~في قلوب عباده وموافقة # PageV03P851 # ذلك لنور عقولهم وفطرهم التي أبصروا بها نور الإيمان بهذا المثل المتضمن ~~لأعلى أنواع النور المشهود وأنه نور على نور. نور الوحي ونور العقل نور ~~الشرعة ونور الفطرة نور الأدلة السمعية ونور الأدلة العقلية. # وقال تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم} [الشورى52] وقال تعالى {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما ~~كانوا يعملون} [الأنعام122] . وقال تعالى {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف157] وقال تعالى: # PageV03P852 # {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} [البقرة257] ثم أخبر سبحانه عن حال المعرضين عن هذا النور ~~المعارضين للوحي بالعقل بمثلين يتضمن أحدهما وصفهم بالجهل المركب والآخر ~~بالجهل البسيط لأنهم بين ناظر وباحث ومقدر ومفكر وبين مقلد يحسن الظن بهم ~~فقال في الطائفتين: {بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه ~~موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها ومن ms265 لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور40 , 39] # الوجه التاسع والعشرون: أن يقال إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل ~~لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين # PageV03P853 # وإبطالهما معا إبطال للنقيضين وتقديم العقل ممتنع لأن العقل قد دل على ~~صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا ~~دلالة العقل وإذا بطلت دلالته لم يصلح أن يكون معارضا للنقل لأن ما ليس ~~بدليل لا يصلح لمعارضة الدليل فكان تقديم العقل موجبا لعدم تقديمه فلا يجوز ~~تقديمه وهذا بين جدا فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته وأن خبره ~~مطابق لمخبره فإما أن تكون هذه الدلالة صحيحة أو باطلة فإن كانت صحيحة ~~امتنع أن يكون في العقل ما يبطلها وإن كانت باطلة لزم أن لا يكون العقل ~~دليلا صحيحا وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يتبع بحال فضلا عن أن يقدم على ~~الدليل السمعي الصحيح فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل بانتفاء ~~لوازمه ومدلوله وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه والقدح فيه ~~يمنع دلالته وذلك يمنع معارضته استحال تقديمه عند المعارضة لأن تقديمه عند ~~المعارضة يبطل المعارضة وذلك يحيل المسألة من أصلها يوضحه: # PageV03P854 # الوجه الثلاثون: وهو أن يقال معارضة العقل لما دل العقل على أنه حق دليل ~~على تناقض دلالته وذلك يوجب فسادها وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا ~~تعارضها وتناقضها في نفسها وإن قدر أنه لم يعلم صحتها. # وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ~~مالم يعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ما يعلم فساده وهذا كالشاهد إذا ~~علم كذبه وفسقه لم يجز تقديم شهادته على شاهد مجهول لم يعلم كذبه فكيف إذا ~~كان الشاهد الكاذب هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته والعقل إذا صدق ~~السمع في كل ما يخبر به ثم قال إنه أخبر بخلاف الحق قد شهد للسمع بأنه يجب ~~قبول قوله وشهد له بأنه ms266 لا يجوز قبول قوله وشهد بأن ما أخبر به ليس بحق ~~وشهد له بأن ما أخبر به حق وهذا قدح في شهادته مطلقا وفي تزكيته ولا تقبل ~~شهادته الأولى ولا الثانية يوضحه: # الوجه الحادي والثلاثون: إن الآيات والبراهين اليقينية والأدلة القطعية ~~قد دلت على صدق الرسل وأنهم لا يخبرون عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ~~وأحكامه إلا بالحق المحض فهم صادقون فيما يبلغونه عن الله في الطلب والخبر ~~وهذا أول درجات # PageV03P855 # الإيمان فمتى علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزما لا يحتمل ~~النقيضين أنه حق وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به وأنه ~~يمتنع أن يعارضه دليل قطعي لا عقلي ولا سمعي فإن كل ما يظن أنه يعارضه من ~~ذلك فهي حجج داحضة وشبه فاسدة من جنس شبه السفسطة والقرمطة وإذا كان العقل ~~العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك وأنه ممتنع أن يعارض خبره دليلا صحيحا ~~كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما عارض ما أخبر به الرسول فهو باطل فيكون هذا ~~العقل الصحيح والسمع قد شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع. # الوجه الثاني والثلاثون: إن الشبهات القادحة في نبوات الأنبياء ووجود ~~الرب ومعاد الأبدان التي يسميها أصحابها حججا عقلية هي كلها معارضة للنقل ~~وهي أقوى من الشبه التي يدعي النفاة للصفات أنها معقولات خالفت النقل أو من ~~جنسها أو قريبة منها كما قيل: # PageV03P856 # دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها # فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها # فقد أورد على القدح في النبوات ثمانون شبهة أو أكثر وهي كلها عقلية وأورد ~~على إثبات الصانع سبحانه نحو أربعين شبهة كلها عقلية وأورد على المعاد نحو ~~ذلك والله يعلم أن هذه الشبه من شبه جنس نفاة الصفات وعلو الله على خلقه ~~وتكلمه وتكليمه ورؤيته بالأبصار عيانا في الآخرة لكن نفقت هذه الشبهة بجاه ~~نسبة أربابها إلى الرسول والإسلام وأنهم يذبون عن دينه وينزهون الرب عما لا ~~يليق به وإلا فعند ms267 التحقيق يسفر القاع عن فخ # PageV03P857 # كله ولا فرق بين الشبه المعارضة لأصل نبوة الرسول والشبه المعارضة لما ~~أخبر به الرسول. ومن تأمل هذا وهذا تبين له حقيقة الحال وربما وجد الشبه ~~القادحة في أصل النبوة أكثر من الشبه القادحة فيما أخبرت به الرسل فيقال ~~لمن قدم المعقول المعارض لما أخبر به الرسول هل تقدم المعقول المعارض لأصل ~~الرسالة والنبوة وأنت قد أوردته وأجبت عنه بما يعلم أن صدرك لم يثلج له فإن ~~تلك الأجوبة مبنية على قواعد قد اضطرب فيها قولك فمرة تثبتها ومرة تنفيها ~~ومرة تقف فيها أم تطرح تلك المعقولات وتهدرها وتشهد بفسادها فحينئذ فهلا ~~سلكت في المعقولات المعارضة لخبر الرسول ما سلكت في تلك وكانت السبيل ~~واحدة. # والطريق في ردها واضحة وأنت من أنصار الله ورسوله محام عن أصل الرسالة ~~وعما جاء به الرسول جازم له بعقلك لا تعارض خبره بعقلك وهذا في غاية الظهور ~~بحمد الله ولولا خشية الإطالة لذكرنا ما ذكره من الشبه العقلية القادحة في ~~إثبات الصانع ورسالة رسله وفي اليوم الآخر وفي الشبه القادحة في علوه على ~~خلقه وصفاته # PageV03P858 # وكلامه ورؤيته وعرضنا عليك الجميع ثم إليك الوزن يوضحه: # الوجه الثالث والثلاثون: وهو أن أرباب تلك الشبه إنما استطالوا على ~~النفاة والجهمية بما ساعدوهم عليه من تلك الشبه وقالوا كيف يكون رسولا ~~صادقا من يخبر بما يخالف صريح العقل وأنتم قد سلمتم لنا ذلك وساعدتمونا على ~~أن خالق العالم لا يختص بمكان ولا يتكملم ولا يرى ولا يشار إليه ولا ينتقل ~~من مكان إلى مكان ولا تحله الحوادث ولا له وجه ولا يد ولا إصبع ولا سمع ولا ~~بصر ولا علم ولا حياة ولا قدرة زائدة على مجرد ذاته ومن أصولنا وأصولكم أنه ~~لم يقم بذاته فعل ولا وصف ولا حركة ولا استواء ولا نزول ولا غضب في الحقيقة ~~ولا رضا فضلا عن الفرح والضحك. # ونحن وأنتم متفقون في نفس الأمر على أنه لم يتكلم بهذا القرآن ولا ~~بالتوراة ولا بالإنجيل وإنما ذلك كلام ms268 الشيء عنه بإذنه عندكم وبواسطة العقل ~~الفعال عندنا ونحن وأنت متفقون على أنه لم يتكلم به ولم يسمع منه ونحن ~~وأنتم متفقون على أنه لم يره ولا يراه ولم يسمع كلامه # PageV03P859 # ولا يسمعه أحد وأن هذا محال فهو عندنا وعندكم بمنزلة كونه يأكل ويشرب ~~وينام. فعند التحقيق نحن وأنتم متفقون على الأصول والقواعد التي نفت هذه ~~الأمور وهي بعينها تنفي صحة نبوة من أخبر بها فكيف يمكن أن يصدق من جاء بها ~~وقد اعترفتم معنا بأن العقل يدفع خبره ويرده فما للحرب بيننا وبينكم وجه ~~وكما تساعدنا نحن وأنتم على إبطال هذه الأخبار التي عارضت صريح العقل ~~فساعدونا على إبطال الأصل بنفس ما اتفقنا عليه جميعا في إبطال الأدلة ~~النقلية. # فانظر هذا الإخاء ما ألصقه والنسب ما أقربه وإذا أردت أن تعرف حقيقة ~~الحال فانظر حالهم مع هؤلاء الزنادقة في ردهم عليهم وبحوثهم معهم وخضوعهم ~~لهم فيها ومقاومة أعداء الرسل لهم واستطالتهم عليهم ومقاتلتهم لهم بأسلحتهم ~~التي استعاروها منهم. # فإن قلت كيف أصيب القوم مع عقولهم وبحثهم ونظرهم واجتهادهم قلت أصاب ~~عقولهم ما أصاب عقول كفار قريش وغيرهم من الأمم الذين كذبوا الرسل مع تلك ~~الأحلام # PageV03P860 # والعقول ولكن كادها باريها عبرة لكل ذي عقل صحيح إلى يوم القيامة وهذا ~~جزاء من لم يرض بوحي الله وما وهب لأنبيائه من العقول التي نسبتها إلى عقول ~~العالمين كنسبتهم إليهم يوضحه: # الوجه الرابع والثلاثون: وهو أن الله سبحانه اقتضت حكمته وعدله أن يفسد ~~على العبد عقله الذي خالف به رسله ولم يجعله منقادا لهم مسلما لما جاءوا به ~~مذعنا له بحيث يكون مع الرسول كمملوكه المنقاد من جميع الوجوه للمالك ~~المتصرف فيه ليس له معه تصرف بوجه من الوجوه فأول ما أفسد سبحانه عقل شيخهم ~~القديم إبليس حيث لم ينقد به لأمره وعارض النص بالعقل وذكر وجه المعارضة ~~فأفسد عليه عقله غاية الإفساد حتى آل الأمر إلى أن صار إمام المبطلين وقدوة ~~الملحدين وشيخ الكفار والمنافقين ثم تأمل كيف أفسد عقول من أعرض ms269 عن رسله ~~وعارض ما أرسلوا به فآل بهم فساد تلك العقول إلى ما قصه الله عنهم في كتابه ~~ومن فساد تلك العقول أنهم لم يرضوا بنبي من النبيين ورضوا بإله من الحجر ~~ومن فساد تلك العقول أنهم استحبوا # PageV03P861 # العمى على الهدى وآثروا عقوبة الدنيا والآخرة على سعادتهما وبدلوا نعمة ~~الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. # وأفسد عقول أهل الكتابين بكفرهم بالرسول حتى آل أمرهم إلى مقالات ~~الفلاسفة التي قدموها على ما جاءت به الرسل حتى قالوا ما أضحكوا به كافة ~~العقلاء وإن كانوا أصحاب صنائع وأفكار واستنبطوها بعقولهم لعجز غيرهم عنها ~~لكن أفسد عليهم العقل الذي ينال به سعادة الأبد حتى قالوا في فرية سلسلة ~~الموجودات عن واجب الوجود ما هو بسلسلة المجانين أشبه منه بكلام عقلاء ~~الآدميين. # وجعلوا العالم الذي شهدت عليه شواهد الصنعة والاحتياج والافتقار من كون ~~غالبه مسخرا مدبرا مقهورا على حركة لا يمكنه الخروج منها وعلى مكان لا ~~يمكنه مفارقته وعلى وضع لا يمكنه أن يزول عنه وعلى ترتيب شهد العقل والفطرة ~~أن غيره رتبه هذا الترتيب ووضعه في هذا الموضع وقهره على هذه الحركة. # وكون سافله منفعلا غير فاعل متأثرا غير مؤثر كل وقت في مبدأ ومعاد وشواهد ~~الفقر والحاجة والحدوث # PageV03P862 # ظاهرة على أجزائه وأنواعه فجعلوه قديما غير مخلوق ولا مصنوع فعطلوه عن ~~صانعه وخالقه ثم عطلوا الرب الذي فطر السماوات والأرض عن صفات كماله ونعوت ~~جلاله وأفعاله فلم يثبتوا له ذاتا ولا صفة ولا فعلا ولا تصرفا باختياره في ~~ملكه ولا عالما بشيء مما في العالم العلوي والسفلي وعاجزا من أنشأ النشأة ~~الأولى أن يعيدها مرة ثانية. # وفي الحقيقة لم يثبتوا ربا أنشأ شيئا ولا ينشئه ولا أثبتوا لله ملائكة ~~ولا رسلا ولا كلاما ولا إلهية ولا ربوبية. # وأما الاتحادية فأفسد عقولهم فلم يثبتوا ربا وظنوا أن في الخارج إنسانا ~~كليا وحيوانا كليا وجعلوا وجود الرب وجودا مطلقا مجردا عن الماهيات وقالوا ~~لا وجود للمطلق في الخارج. # وبالجملة فلم يصيبوا في الإلهيات في مسألة ms270 واحدة بل قالوا في جميعها ما ~~أضحكوا عليهم العقلاء. # PageV03P863 # وأما متكلموا الجهمية والمعتزلة فأفسد عقولهم عليهم حتى قالوا ما يسخر ~~العقلاء من قائله كما تقدم التنبيه على اليسير منه وقالوا يتكلم الرب بغير ~~كلام يقوم به وخالق بلا خلق يقوم به وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر وحي بلا ~~حياة وقدير بلا قدرة ومريد بلا إرادة وفعال لما يريد ولا فعل له ولا إرادة ~~وقالوا الرب موجود قائم بنفسه ليس في العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا ~~منفصلا عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره وقالوا إنه لم يزل ~~معطلا عن الفعل والفعل ممتنع ثم انقلب من الامتناع إلى الإمكان بغير تجدد ~~سبب أصلا وقالوا إن الأعراض لا تبقى زمانين وأنكروا القوى والطبائع ~~والغرائز والأسباب والحكم وجعلوا الأجسام كلها متماثلة وأثبتوا أحوالا لا ~~موجودة ولا معدومة وأثبتوا مصنوعا بلا صانع ومخلوقا بلا خالق إلى أضعاف ذلك ~~مما يسخر منه العقلاء. # وكلما كان الرجل عن الرسول أبعد كان عقله أقل وأفسد فأكمل الناس عقولا ~~أتباع الرسل وأفسدهم عقولا المعرض عنهم وعما جاءوا به ولهذا كان أهل السنة ~~والحديث أعقل الأمة وهم في الطوائف كالصحابة في الناس # PageV03P864 # وهذه القاعدة مطردة في كل شيء عصي الرب سبحانه به فإنه يفسده على صاحبه ~~فمن عصاه بماله أفسده عليه ومن عصاه بجاهه أفسده عليه ومن عصاه بلسانه أو ~~قلبه أو عضو من أعضائه أفسده عليه وإن لم يشعر بفساده فأي فساد أعظم من ~~فساد قلب خرب من محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه ~~والطمأنينة بذكره والأنس به والفرح بالإقبال عليه وهل هذا القلب إلا قلب قد ~~استحكم فساده والمصاب لا يشعر وأي فساد أعظم من فساد لسان تعطل عن ذكره وما ~~جاء به وتلاوة كلامه ونصيحة عباده وإرشادهم ودعوتهم إلى الله وأي فساد أعظم ~~من فساد جوارح عطلت عن عبودية فاطرها وخالقها وخدمته والمبادرة إلى مرضاته. ~~وبالجملة فما عصي الله بشيء إلا أفسده على صاحبه ومن أعظم معصية ms271 العقل ~~إعراضه عن كتابه ووحيه الذي هدى به رسوله وأتباعه والمعارضة بينه وبين كلام ~~غيره فأي فساد أعظم من فساد هذا العقل وقد أرى الله سبحانه أتباع رسوله من ~~فساد عقل هؤلاء ما هو من أقوى أسباب زيادة إيمانهم بالرسول وبما جاء به ~~وموجبا لشدة تمسكهم به ولقد أحسن القائل: # وإذا نظرت إلى أميري زادني ... نظري له حبا إلى الأمراء # PageV03P865 # الوجه الخامس والثلاثون: هذه القاعدة التي أسسها من عارض بين العقل ~~والنقل تقتضي أن لا ينتفع بخبر الأنبياء في باب الصفات والأفعال أحد من ~~الخاصة والعامة. أما الخاصة فهم مصرحون بأن علم ذلك ومعرفته موكول إلى ~~العقول فما دلت عليه وشهدت به قبل وما خالفها من السمع وجب رده فلم ~~يستفيدوا من جهة الخبر شيئا وإنما استفادوا الحق من جهة العقل المعارض لما ~~أخبرت به الرسل. # وأما العامة فإنهم اعتقدوا ما دل عليه الخبر وهو باطل في نفس الأمر فلم ~~يستفيدوا منه معرفة الحق بل إنما حصلوا على اعتقاد الباطل فأي معاداة لما ~~جاء به الرسول أعظم من هذه # الوجه السادس والثلاثون: إن الرجل إما أن يكون مقرا بالرسل أو جاحدا ~~لرسالتهم فإن كان منكرا فالكلام معه في تثبيت النبوة فلا وجه للكلام معه في ~~تعارض العقل والنقل فإن تعارضهما فرع الإقرار بصحة كل واحد منهما لو تجرد ~~عن # PageV03P866 # المعارض فمن لم يقر بالدليل العقلي لم يخاطب في تعارض الدليل العقلي ~~والشرعي. # وكذلك من لم يقر بالدليل الشرعي لم يخاطب في هذا التعارض فمن لم يقر ~~بالأنبياء لم يستفد من خبرهم دليلا شرعيا فهذا يتكلم معه في إثبات النبوات ~~أولا وإن كان مقرا بالرسالة فالكلام معه في مقامات: # أحدها: صدق الرسول فيما أخبر به فإن أنكر ذلك أنكر الرسالة والنبوة وإن ~~زعم أنه مقر بهما وأن الرسل خاطبوا الجمهور بخلاف الحق تقريبا إلى أفهامهم ~~ومضمون هذا أنهم كذبوا للمصلحة وهذا حقيقة قول هؤلاء وهو عندهم كذب حسن وإن ~~أقر بأنه صادق فيما أخبر به فالكلام معه في: # المقام الثاني: وهو ms272 هل يقر بأنه أخبر بهذا أو لا يقر به فإن لم يقر به ~~جهلا عرف ذلك بما يعرف به أنه ظهر ودعا إلى الله وحارب أعداءه فإن أصر على ~~إنكاره ذلك فقد خرج من جملة العقلاء وأنكر الأمور الضرورية كوجود بغداد ~~ومكة والهند وغيرها وإن أقر بأنه أخبر بذلك فالكلام معه في: # المقام الثالث: وهو أنه هل أراد ما دل عليه كلامه # PageV03P867 # ولفظه أو أراد خلافه فإن ادعى أنه أراده فالكلام معه في: # المقام الرابع: وهو أن هذا المراد حق في نفسه أم باطل فإن كان حقا لم ~~يتصور أن يعارضه دليل عقلي البتة وإن كان باطلا انتقلنا معه إلى: # مقام خامس: وهو أنه هل كان يعلم الحق في نفس الأمر أو لا يعلمه فإن قال ~~لم يكن عالما به فقد نسبه إلى الجهل وإن قال كان عالما به انتقلنا معه إلى: # مقام سادس: وهو أنه هل كان يمكنه التعبير والإفصاح عن الحق كما فعلتم ~~أنتم بزعمكم أو لم يكن ذلك ممكنا له فإن لم يكن ذلك ممكنا له كان تعجيزا له ~~ولمرسله عن أمر قدر عليه أفراخ الفلاسفة وتلامذة اليهود وأوقاح المعتزلة ~~والجهمية وإن كان ممكنا له ولم يفعله كان ذلك غشا للأمة وتوريطا لها في ~~الجهل بالله وأسمائه وصفاته واعتقاد مالا يليق بعظمته فيه وأن الجهمية ~~والمعتزلة وأفراخ اليونان وورثة الصابئين والمجوس هم الذين نزهوا الله ~~سبحانه عما لا يليق به ووصفوه بما يليق به وتكلموا بالحلق الذي كتمه الرسول # PageV03P868 # وهذا أمر لا محيد لكم عنه فاختاروا أي قسم شئتم من هذه الأقسام. # والظاهر أنكم متنازعون في الاختيار وأن عقلاءكم مختارون أن الرسول كان ~~يدري الحق في خلاف ما أخبر به وإن كان قادرا على التعبير عنه ولكن ترك ذلك ~~خشية التنفير فخاطب الناس خطابا جمهوريا يناسب عقولهم بما الأمر بخلافه ~~وهذا أحسن أقوالكم إذا آمنتم بالرسول وأقررتم بما جاء به. # الوجه السابع والثلاثون: إنه إذا جوز أن يكون في العقل ما يعارض ما أخبر ~~به الرسول كان ms273 الإيمان الجازم موقوفا على العلم بانتفاء ذلك المعارض ~~ومشروطا به والمشروط بالشيء يعدم عند عدمه ومعلوم أن ما يستخرجه الناس ~~بعقولهم أمر لا غاية له سواء كان حقا أو باطلا فإذا جوز المجوز أن يكون في ~~المعقولات ما يناقض خبر الرسول لم يمكنه أن يثق بشيء من أخبار الرسول لجواز ~~أن يكون في المعقولات # PageV03P869 # التي لم تظهر له بعد ما يناقض خبره فإن قال أنا أقر من السمعيات بما لم ~~ينفه العقل وأثبت من الصفات مالم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابط فإنه وقف ~~التصديق بالسمع على أمر لا ضابط له وما كان مشروطا بعدم أمر لا ينضبط لم ~~ينضبط فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان جازم البتة. # ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه إيمان أبدا ولا ~~يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بالرسول إيمانا جازما ليس مشروطا بعدم معارض ~~فإذا قال أنا أؤمن بخبره مالم يظهر له معارض يدفعه لم يكن مؤمنا به كما لو ~~قال أنا أشهد أن لا إله إلا الله إلا أن يكون في العقل دليل يدل على إثبات ~~إله آخر أو يقول أنا أؤمن بالمعاد إلا أن يكون في العقل دليل ينفيه أو يقول ~~أنا أؤمن بالرسول إلا أن يكون في العقل ما يبطل رسالته فهذا وأمثاله ليس ~~بمؤمن جازم بإيمانه وأحسن أحواله أن يكون شاكا. # الوجه الثامن والثلاثون: إن طرق العلم الحس والعقل والمركب منهما ~~فالمعلومات ثلاثة أقسام: # أحدهما: ما يعلم بالعقل # والثاني: ما يعلم بالسمع # والثالث: ما يعلم بالعقل والسمع # وكل منهما ينقسم إلى ضروري ونظري وإلى معلوم ومظنون وموهوم فليس كل ما ~~يحكم به العقل علما بل قد يكون ظنا وقد يكون وهما كاذبا كما أن ما يدركه ~~السمع والبصر كذلك. # PageV03P870 # فلا بد من حكم يفصل بين هذه الأنواع ويميز بين معلومها ومظنونها وموهومها ~~فإذا اتفق العقل والسمع والعقل والحس على قضية كانت معلومة يقينية وإن ~~انفرد بها الحس عن العقل كانت وهمية كما ذكر من أغلاط الحس ms274 في رؤية المتحرك ~~أشد الحركة وأسرعها ساكنا والساكن متحركا والواحد اثنين والإثنين واحدا ~~والعظيم الجرم صغيرا والصغير كبيرا والنقطة دائرة وأمثال ذلك. # فهذه الأمور يجزم بغلطها تفرد الحس بها عن العقل وكذلك حكم السمع قد يكون ~~كاذبا وقد يكون صادقا ضرورة ونظرا وقد يكون ظنيا فإذا قارنه العقل كان حكمه ~~علما ضروريا أو نظريا كالعلم بمجرد الأخبار المتواترة فإنه حصل بواسطة ~~السمع والعقل فإن السمع أدى إلى العقل ما سمعه من ذلك والعقل حكم بأن ~~المخبرين لا يمكن تواطؤهم على الكذب فأفاده علما ضروريا أو نظريا على ~~الاختلاف في ذلك بوجود المخبر به والنزاع في كونه ضروريا أو نظريا لفظي لا ~~فائدة فيه. # وكذلك الوهم يدرك أمورا لا يدري صحيحة هي # PageV03P871 # إم باطلة فيردها إلى العقل الصريح فما صححه منها قبله وما حكم ببطلانه ~~رده فهذا أصل يجب الاعتناء به ومراعاته وبه يعلم الصحيح من الباطل فإذا عرف ~~هذا فمعلوم أن السمع الذي دل العقل على صحته أصح من السمع الذي لم يشهد له ~~عقل ولهذا كان الخبر المتواتر أعرف عند العقل من الآحاد وما ذاك إلا لأن ~~دلالة العقل قد قامت على أن المخبرين لا يتواطؤن على الكذب وإن كان الذي ~~أخبروا به مخالفا لما اعتاده المخبر وألفه وعرفه فلا تجد محيدا عن تصديقهم ~~فالأدلة العقلية البرهانية على صدق الرسل وتثبيت نبوتهم أضعاف الأدلة ~~الدالة على صدق المخبرين خبر التواتر فإن أولئك لم يقم على صدق كل واحد ~~منهم دليل وإنما أفاد اجتماعهم على الخبر دليلا على صدقهم والرسل صلاة الله ~~وسلامه عليهم قد قامت البراهين اليقينية على صدق كل فرد منهم وقد اتفقت ~~كلمتهم وتواطأ خبرهم على إثبات العلو والفوقية لله وأنه على عرشه فوق ~~سمواته بائن من خلقه وأنه مكلم متكلم آمر ناه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويحب ~~ويبغض. # فإفادة خبرهم العلم لمخبره أعظم من إفادة الأخبار المتواترة لمخبرها فإن ~~الأخبار المتواترة مستندة إلى حس قد # PageV03P872 # يغلط وأخبار الأنبياء مستندة إلى وحي لا يغلط فالقدح فيها بالعقل ms275 من جنس ~~شبه السوفسطائية القادحة في الحس والعقل ولو التفتنا إلى كل شبهة يعارض بها ~~الدليل القطعي لم يبق لنا وثوق بشيء نعلمه بحس أو عقل أو بهما يوضحه # الوجه التاسع والثلاثون: إن المعلومات الغائبة التي لا تدرك إلا بالخبر ~~أضعاف أضعاف المعلومات التي تدرك بالحس والعقل بل لا نسبة بينهما بوجه من ~~الوجوه ولهذا كان إدراك السمع أعم وأشمل من إدراك البصر فإنه يدرك الأمور ~~المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة والعلوم التي لا تدرك بالحس وهذه حجة ~~من فضل السمع على البصر من النظار وغيرهم وخالفهم آخرون فرجحوا البصر على ~~السمع لقوة إدراكه وجزمه بما يدركه وبعده من الغلط وبين الفريقين مباحثات ~~يطول ذكرها قد ذكرها ابن قتيبة وأبو المعالي الجويني وغيرهما. # PageV03P873 # وفصل النزاع بينهما أن ما يدرك بالسمع أعم وأشمل وما يدرك بالبصر أتم ~~وأكمل فهذا له القوة والتمام وذاك له العموم والإحاطة والمقصود أن الأمور ~~الغائبة عن الحس نسبه المحسوس إليها كقطر في بحر ولا سبيل إلى العلم بها ~~إلا بخبر الصادق وقد اصطفى الله من خلقه أنبياء نبأهم من هذا الغيب بما ~~يشاء وأطلعهم منه على ما لم يطلع عليه غيرهم كما قال تعالى {ما كان الله ~~ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} [آل عمران179] وقال ~~تعالى {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك ~~من بين يديه ومن خلفه رصدا} [الجن26 , 27] وقال تعالى {الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير} [الحج75] فهو سبحانه يصطفي من ~~يطلعه من أنباء الغيب على ما لم يطلع عليه غيره ولذلك سمي نبيا من الإنباء # PageV03P874 # وهو الإخبار لأنه مخبر من جهة الله ومخبر عنه فهو منبأ ومنبىء وليس كل ما ~~أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون خبرهم بل ولا أكثره ولهذا كان أكمل ~~الأمم علما أتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في ms276 علم الرمل والنجوم ~~والهندسة والسفسطة وعلم الكم المتصل والمنفصل وعلم النبض والقارورة ~~والأبوال ومعرفة قوامها وطعومها ورائحتها ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم ~~رسلهم بالبينات فرحوا بها وآثروها على علوم الرسل وما جاءوا به وهي كما قال ~~الواقف على نهاياتها الواصل إلى غاياتها وهي بين ظنون كاذبة وإن بعض الظن ~~إثم وبين علوم غير نافعة نعوذ بالله من علم # PageV03P875 # لا ينفع وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع العيش العاجل ~~بالنسبة إلى الآخرة ودوامها. # فليس العلم في الحقيقة إلا ما أخبرت به الرسل عن الله عز وجل طلبا وخبرا ~~فهو العلم المزكي للنفوس المكمل للفطر المصحح للعقول الذي خصه الله باسم ~~العلم وسمى ما عارض ظنا لا يغني من الحق شيئا وخرصا وكذبا فقال تعالى {فمن ~~حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} [آل عمران61] وشهد لأهله أنهم أولو ~~العلم فقال تعالى {وقال الذين أوتوا العلم والأيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث} [الروم56] وقال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم} [آل عمران18] والمراد أولو العلم بما أنزله على رسله ليس إلا ~~وليس المراد أولو العلم بالمنطق والفلسفة وفروعهما. # PageV03P876 # وقال تعالى {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني ~~علما} [طه114] فالعلم الذي أمره باستزادته هو علم الوحي لا علم الكلام ~~والفلسفة والمنطق. وقال تعالى {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} ~~[النساء166] أي أنزله وفيه علم لا يعلمه البشر. فالباء للمصاحبة مثل قوله ~~{فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} [هود14] أي أنزل وفيه علم ~~الله وذلك من أعظم البراهين على صحة نبوة من جاء به. ولم يصنع شيئا من قال ~~إن المعنى أنزله وهو يعلمه وهذا وأن كان حقا فإن الله يعلم كل شيء فليس في ~~ذلك دليل وبرهان على صحة الدعوى فإن البله يعلم الحق والباطل بخلاف ما إذا ~~كان المعنى أنزله متضمنا لعلمه الذي لا يعلمه غيره إلا من أطلعه عليه ~~وأعلمه ms277 به # PageV03P877 # فإن هذا من أعظم أعلام النبوة والرسالة وقال فيما عارضه من الشبه الفاسدة ~~التي يسميها أربابها قواطع عقلية {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا} [النجم28] وقال {إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} [148] ~~وقال لمن أنكر المعاد بعقله {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية24] ~~والظن الذي أثبته سبحانه للمعارضين نصوص الوحي بعقولهم ليس هو الاعتقاد ~~الراجح بل هو أكذب الحديث. # وقال {قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون} [الذاريات10 , 11] وأنت إذا ~~تأملت ما عند هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم رأيته كله خرصا وعلمت ~~أنهم هم الخراصون. # PageV03P878 # وإن العلم في الحقيقة ما نزل به الوحي على الأنبياء والمرسلين وهو الذي ~~أقام الله به حجته وهدى به أنبياءه ورسله وأتباعهم به وأمتن عليه فقال {كما ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} ~~[151البقرة , 152] وقال {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} [النساء113] وقال {لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران164] وقال {هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة2] # PageV03P879 # فهذه النعمة والمنة والتزكية إنما هي لمن عرف أن ما جاء به الرسول وأخبر ~~به عن الله وصفاته وأفعاله هو الحق كما أخبر به لا كمن زعم أن ذلك مخالف ~~لصريح العقل وأن العقول مقدمة عليه والله المستعان. # الوجه الأربعون: إن علم الأنبياء وما جاءوا به عن الله لا يمكن أن يدرك ~~بالعقل ولا يكتسب وإنما هو وحي أوحاه الله إليهم بواسطة الملك أو كلام يكلم ~~به رسوله منه إليه بغير واسطة كما ms278 كلم موسى وهذا متفق عليه بين جميع أهل ~~الملل المقرين بالنبوة والمصدقين بالرسل وإنما خالفهم في ذلك جهلة الفلاسفة ~~وسفلتهم الذين يقولون إن الأنبياء يعلمون ما يعلمونه بقوة عقلية وهم أكمل ~~من غيرهم في قوة الحدس ويسمونها القوة القدسية قالوا ويتميز النبي عن غيره ~~بقون التخيل والتخييل فيتخيل الأمور للعقول في الصور المحسوسة ويخيلها إلى ~~الناس في قوالب تلك الصور ويتميز أيضا بقوة النفس فيتصرف بقوتها في مواد ~~العلم وعناصره بقلب بعضها إلى بعض فهذه عندهم خواص النبوة فالأنبياء عندهم ~~من جنس غيرهم من البشر # PageV03P880 # ونبواتهم من جنس صنائع الناس وسياساتهم ورياضاتهم حتى قال أقرب هؤلاء إلى ~~الإسلام اعلم أن أصول الصناعات أربعة صنعة التجارة والحدادة والنساجة ~~والسياسة وأصعبها صنعة السياسة وأصعب هذه الصناعة صناعة النبوة هذا كلامه ~~بعينه في كتابه. # فلما كانت النبوة عندهم في هذه المرتبة كانت علومها وأعمالها من جنس علوم ~~البشر وأعمالهم فالعقل مشترك بينهم وبين كافة العقلاء فلما جاءت الرسل بما ~~لا تدركه عقولهم وليس في قواعدهم ونظرهم ومنطقهم ما يدل عليه قابلوه ~~بالإنكار وقالوا قد تعارض العقل وما جئتم به وإذا تعارض العقل وخبركم فلا ~~سبيل إلى تقديم أخباركم على العقل لأن ذلك يتضمن القدح فيه فهؤلاء هم الذين ~~عارضوا أولا بين العقل والوحي وهم الذين أسسوا هذه القاعدة ووضعوا هذا ~~البناء إذ كانت علوم الأنبياء وعقولهم عندهم من جنس علومهم وعقولهم وربما ~~رجحوا علم الفيلسوف وعقله وبعضهم يرجح النبي من وجه والفيلسوف من وجه ~~فهؤلاء إذا عارضوا بين العقل والنقل ثم قدموا العقل على النقل عملوا بمقتضى ~~أصولهم وقواعدهم أما من عرف الرسل وأمرهم وعلم أن الله أرسلهم وأوحى إليهم ~~من غيبه ما لم يطلع عليه سواهم وأن # PageV03P881 # نسبة عقول العالمين وعلومهم إليهم أقل بكثير من نسبة عقول صبيان المكاتب ~~إلى عقول العقلاء وأن بين ما جاءوا به من عند الله وبين ما عند هؤلاء كما ~~يدخل الرجل أصبعه في اليم والأمر فوق ذلك يوضحه # الوجه الحادي والأربعون: وهو أن يقال لهؤلاء المعارضين ms279 بين العقل ونصوص ~~الوحي أخبرونا عن خلق هذا النوع الإنساني من قبضة تراب وعن رجل دعا على ~~قومه أن لا يدع الله منهم على الأرض ديارا فأرسل السماء عليهم وأنبع الماء ~~من تحتهم حتى علا الماء فوق رؤوس شواهق الجبال علوا عظيما ثم ابتلعته الأرض ~~شيئا فشيئا حتى عادت يبسا. # وعن رجل دعا على قومه وهم أعظم الناس أجساما وأشدهم قوة فأرسلت عليهم ~~بدعوته ريح عاصف جعلت تحملهم بين السماء والأرض ثم تدق أعناقهم. # وعن أمة كذبت نبيها وسألوه آية فانفلقت صخرة بمحضر لهم وتمخضت عن ناقة من ~~أعظم النوق قائمة وشكلا وهيئة فلما تمادوا على تكذيبه سمعوا صيحة من # PageV03P882 # السماء قطعت أكبادهم وقلوبهم في أجوافهم فماتوا موتة رجل واحد. # وعن نار عظيمة أوقدت برهة من الدهر حتى كان الطير يمر عليها من عال فيقع ~~مشويا ألقي فيها رجل مكتوفا فصارت عليه بردا وسلاما وعادت روضة خضرا وماء ~~جاريا وعن رجل ألقى عصا في يده فعادت ثعبانا عظيما ابتلع ما بحضرته من حبال ~~وعصي لا يحصيها إلا الله ثم عادت عصا كما كانت وعن يد أدخلها صاحب هذه ~~العصا إلى جيبه ثم أخرجها فإذا لها شعاع كشعاع الشمس وعن ماء انقلب دما في ~~آنيته ومواضعه وعن كثيب عظيم ضربه بعصاه فاستحال قملا كله سلط على أهل بلد ~~عظيم وعن بحر ضربه بعصاه فانفلق إثني عشر طريقا ثم أرسلت عليه الريح والشمس ~~فأيبسته في ساعة وقام الماء بين تلك الطرق كالحياض فلما جاوزه وسلكه آخرون ~~ضربه بعصاه فالتأم عليهم فلم يفلت منهم إنسان وعن جبل قلع من مكانه على قدر ~~عسكر عظيم # PageV03P883 # حتى رفع فوق رؤوسهم وقيل لهم إن تقبلوا ما أمرتم به وإلا أطبق عليكم ثم ~~رد إلى مكانه وعن قوم أمسوا وهم في صور بني آدم فأصبحوا وهم في صور القردة ~~والخنازير. # وعن مدن قلعت من أصولها ثم رفعت في الهواء ثم أفلت بأهلها وجعل عاليها ~~سافلها وأتبعت بمطر من الحجارة وعن رجل ولد من غير أب وامرأة خرجت ms280 من غير ~~أم ورجل يمسح على عين الذي ولد أكمه ويدعو الله فإذا به يبصر بعينين ~~كالصحيح ويمسح الأبرص ليبرأ كأن لم يكن به بأس وينفخ في كبة من الطير ~~فينقلب طائرا له لحم ودم وريش وجماعة ينامون في غار ثلثمائة وتسع سنين لم ~~تأكل الأرض لحومهم ثم ينتبهون من نومهم قياما ينظرون وعن رجل أدركه الموت ~~هو وحماره فمكثا مائة عام ثم قام الرجل حيا وشاهد عظام حماره وهي تكسى ~~اللحم ويتصل بعضها ببعض حتى قام الحمار حيا وشاهد طعامه لم يتغير بل هو على ~~حاله وعن قتيل قتل بين ظهراني قوم فأمرهم نبيهم أن يذبحوا البقرة ويضربوه ~~ببعضها ففعلوا فقام القتيل حيا ناطقا وقال فلان قتلني. # PageV03P884 # وعن رسول سأله قومه آية فأومأ إلى القمر فانشق فلقتين وهم يشاهدونهما ثم ~~عاد فالتأم وقدم السفر فأخبروا برؤية ذلك عيانا. # وأنه قبض قبضة من تراب ثم رمى بها في وجوه عسكر لا يلتقي طرفاه فلم يبق ~~منهم أحد إلا ملأت عينه وأنه وضع يده في ماء لا يواريها فعاد الماء حتى ~~ملأوا منه كل قربة وكل وعاء في العسكر الجرار وأن جماعة كثيرة # PageV03P885 # شبعت من برمة بقدر جسم القطا وأن جذعا حن حنين الناقة العشار إلى ولدها ~~إليه وأن الحصى كان يسبح في كفه وكف بعض أصحابه تسبيحا يسمعه الحاضرون وأن ~~الحجر كان يسلم عليه سلاما يسمعه بأذنه وأن بطنه شق من ثغرة نحره إلى أسفله ~~ثم استخرج قلبه فغسل ثم أعيد وهو حي ينظر وأن # PageV03P886 # شجرتين دعا بهما فأقبلتا تجران الأرض حتى قامتا بين يديه فالتزقتا ثم ~~رجعت كل واحدة منها إلى مكانها وأن ذيبا تكلم وأن بقرة # PageV03P887 # تكلمت وأن نبيا كان يأمر بعسكره فيقعد على بساط فرسخ في فرسخ فيأمر الريح ~~فترتفع به بين السماء والأرض فتحمل العسكر على متنها مسيرة شهر مقبلة ~~ومسيرة شهر مدبرة في كل يوم واحد وأنه أمر بسرير عظيم لملكة فشق الأرض وصار ~~بين يديه في اسرع من رد الطرف إلى أضعاف أضعاف ما ms281 ذكرنا مما يشاهده الناس ~~بأبصارهم عيانا. # فهل مخالفة الأدلة القطعية لما أخبرت به الأنبياء عن الله أعظم من ~~مخالفتها لهذه الأمور والشبه العقلية التي تذكر على استحالة هذه الأمور ~~أكثر واقوى من الشبه التي يذكرونها في معارضة نصوص الوحي بل لا نسبة بينهما ~~فإذا تعارضت أدلة العقول بزعمكم وهذه الأمور ماذا تصنعون؟ # PageV03P888 # أتقدمونها على أدلة العقول فتدخلون في المؤمنين بالله ورسله أم تكذبون ~~بذلك وتقولون العقل يناقض ذلك ويبطله ومعارضة العقل عندكم لهذه الآيات من ~~جنس معارضته لخبر الأنبياء لا فرق بينهما البتة بل الشبه التي يقيمها أعداء ~~الرسل من العقل على بطلان هذه الآيات أقوى من الشبه التي ذكرها الجهمية ~~والنفاة على بطلان ما أخبرت به الرسل من صفات الله وعلوه على خلقه واستوائه ~~على عرشه وكلامه وتكليمه وقيام أفعاله به. # فعلم أن من قدم ما يظنه من العقل على نصوص الوحي لم يبق معه من الإيمان ~~بالرسل عين ولا أثر ولا حس ولا خبر. # وإذا كان هذا حالهم في الأمور التي قد وقعت وشاهدها الناس بأبصارهم فكيف ~~حالهم في الإيمان ببشر ينزل من السماء بين ملكين واضعا يديه على مناكبهما ~~والناس يرونه عيانا وكيف حالهم في الإيمان بأن الشمس تطلع من # PageV03P889 # مغربها والناس يرونها عيانا وكيف بحالهم إلى غير ذلك مما أخبر به الصادق ~~كدابة تنشق عنها الأرض فتخرج تكلم الناس وتخاطبهم إلى غير ذلك مما يقيمون ~~بعقولهم شبها يسمونها أدلة عقلية تحيل ذلك فمن قدم العقل على الوحي لم ~~يمكنه أن يجزم بصدق شيء من ذلك والله المستعان. # الوجه الثاني والأربعون: إن هؤلاء عكسوا شرعة الله وحكمته وضادوه في أمره ~~فإن الله سبحانه جعل الوحي إماما والعقل مؤتما به وجعله حاكما والعقل ~~محكوما عليه ورسولا والعقل مرسلا إليه وميزانا والعقل موزونا به وقائدا ~~والعقل منقادا له فصاحب الوحي مبعوث وصاحب العقل مبعوث إليه # PageV03P890 # والآتي بالشرع مخصوص بوحي من الله وصاحب العقل مخصوص ببحث عن رأي وفكرة ~~وصاحب الوحي ملقى وصاحب العقل كادح طالب هذا يقول أمرت ونهيت ms282 وأوحى إلي ~~وقيل لي وما أقول شيئا من تلقاء نفسي ولا من قبل عقلي ولا من جهة فكري ~~ونظري وذاك المتخلف يقول نظرت ورأيت وفكرت وقدرت واستحسنت واستنتجت ~~والمتخلف يقول معي آلة المنطق والكليات الخمس والمقولات العشر والمختلطات ~~والموجهات أهتدي بها والرسول يقول معي كتاب الله وكلامه ووحيه والمتخلف ~~يقول معي العقل والرسول يقول معي نور خالق العقل به أهدي وأهتدي والرسول ~~يقول قال الله كذا قال جبريل عن الله كذا والمتخلف يقول قال أفلاطون قال ~~بقراط قال أرسطو # PageV03P891 # كذا قال ابن سينا قال الفارابي. # فيسمع من الرسول ظاهر التنزيل وصحيح التأويل وشرع سنة وأمر بمعروف ونهي ~~عن منكر وخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخبر عن السماء والملائكة ~~واليوم الاخر ويسمع من الآخر الهيولى والصورة والطبيعة والاستقص والذاتي ~~والعرض والجنس والنوع والفصل والخاصة والأيس والليس وعكس النقيض # PageV03P892 # والعكس المستوي وما شاكل هذا مما لا يسمع من مسلم ولا يهودي ولا نصراني ~~ولا مجوسي إلا من رضي لنفسه بما يرضى به هؤلاء المتخلفون لأنفسهم ورغب فيما ~~رغبوا فيه وبالجملة فهما طريقان متباينان فمن أراد أن يتمعقل بعقول هؤلاء ~~فليعزل نظره عن الوحي ويخلي بينه وبين أهله ومن أحب أن يكون من أهل العقل ~~والوحي فليعتصم بالوحي ويستمسك بغرز من جاء به ويسلم إليه أعظم من تسليم ~~الصبي لأستاذه ومعلمه بكثير فإن # PageV03P893 # التباين الذي بين النبي وبين صاحب المعقول أضعاف أضعاف التباين الذي بين ~~الصبي والأستاذ. # ومن العجب أن هؤلاء المقدمين عقولهم على الوحي خاضعون لأئمتهم وسلفهم ~~مستسلمون لهم في أمور كثيرة يقولون هم أعلم بها منا وعقولهم أكمل من عقولنا ~~فليس لنا أن نعترض عليهم فكيف يعترض على الوحي بعقله من نسبته إليه أدق ~~وأقل من نسبة عقل الطفل إلى عقله وجماع الأمر أن قضايا المعقول مشتملة على ~~العلم والظن والوهم وقضايا الوحي كلها حق فأين قضايا مأخوذة عن عقل قاصر ~~عاجز عرضة للخطأ من قضايا مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته # الوجه الثالث والأربعون: إن العقل تحت ms283 حجر الشرع فيما يطلبه ويأمر به ~~وفيما يحكم به ويخبر عنه فهو محجور عليه في الطلب والخبر وكما أن من عارض ~~أمر الرسل بعقله لم يؤمن بهم وبما جاءوا به فكذلك من عارض خبرهم بعقله ولا ~~فرق بين الأمرين أصلا يوضحه أن الله سبحانه وتعالى حكى عن الكفار معارضة ~~أمره بعقولهم كما حكى عنهم معارضة خبره بعقولهم. # PageV03P894 # أما الأول: ففي قوله تعالى {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم ~~الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل ~~الله البيع وحرم الربا} [البقرة275] فعارضوا تحريمه للربا بعقولهم التي سوت ~~بين الربا والبيع فهذا معارضة النص بالرأي ونظير ذلك مما عارضوا به تحريم ~~الميتة بقياسها على المذكي وقالوا تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله ~~وفي ذلك أنزل الله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام121] . # PageV03P895 # وعارضوا أمره بتحويل القبلة بعقولهم وقالوا إن كانت القبلة الأولى حقا ~~فقد تركت الحق وإن كانت باطلا فقد كنت على باطل وإمام هؤلاء شيخ الطريقة ~~إبليس عدو الله فإنه أول من عارض أمر الله بعقله وزعم أن العقل يقتضي ~~خلافه. # وأما الثاني وهو معارضة خبره بالعقل فكما حكى سبحانه عن منكري المعاد ~~أنهم عارضوا ما أخبر به عنه بعقولهم فقال تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ~~قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس78] وأخبر سبحانه أنهم عارضوا ما أخبر به ~~من التوحيد بعقولهم وعارضوا أخباره عن النبوات بعقولهم وعارضوا بعض الأمثال ~~التي ضربها بعقولهم وعارضوا أدلة نبوة رسوله بمعارضة عقلية وهي قولهم: # PageV03P896 # {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف31] . وأنت إذا ~~صغت هذه المعارضة صوغا مزخرفا وجدتها من جنس معارضة المعقول بالمنقول ~~وعارضوا آيات نبوته بمعارضة عقلية أخرى وهي قولهم: {وقالوا مال هذا الرسول ~~يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى ~~إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها} [الفرقان8 , 7] أي لو كان رسولا لخالق ms284 ~~السموات والأرض لما أحوجه أن يمشي بيننا في الأسواق في طلب المعيشة ولأغناه ~~عن أكل الطعام ولأرسل معه ملكا من الملائكة ولألقى إليه كنزا يغنيه عن طلب ~~الكسب وعارضوا شرعه سبحانه ودينه الذي شرعه لهم على لسان رسوله وتوحيده ~~بمعارضة عقلية استندوا فيها على القدر فقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم ~~حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن ~~أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام149 ~~, 148] . # PageV03P897 # وحكى مثل هذه المعارضة عنهم في سورة النحل وفي الزخرف وإذا تأملتها حق ~~التأمل رأيتها أقوى بكثير من معارضه النفاة آيات الصفات وأخبارهم بعقولهم ~~فإن إخوانهم عارضوا بمشيئة الله الكائنات والمشيئة ثابتة في نفس الأمر ~~والنفاة عارضوا بأصول فاسدة وهم وضعوها من تلقاء أنفسهم أو تلقوها عن أعداء ~~الرسل من الصابئة والمجوس والفلاسفة وهي خيالات فاسدة ووهميات ظنوها قضايا ~~عقلية وبالجملة فمعارضة أمر الرسل وخبرهم بالمعقولات إنما هي طريقة الكفار ~~فهم سلف للخلف بعدهم فبئس السلف وبئس الخلف ومن تأمل معارضة المشركين ~~والكفار للرسل بالعقول وجدها أقوى من معارضة الجهمية والنفاة لخبرهم عن ~~الله وصفاته وعلوه على خلقه وتكليمه لملائكته ورسله بعقولهم فإن كانت تلك ~~المعارضة باطلة فهذه أبطل وإن صحت هذه المعارضة فتلك أولى بالصحة منها وهذا ~~لا محيد لهم عنه يوضحه # الوجه الرابع والأربعون: إن القرآن مملوء من ذكر الصفات والعلو على الخلق ~~والاستواء على العرش وتكلم الله وتكليمه للرسل وإثبات الوجه واليدين والسمع ~~والبصر والحياة والمحبة والغضب # PageV03P898 # والرضى للرب سبحانه وهذا عند النفاة بمنزلة وصفه بالأكل والشرب والجوع ~~والعطش والنوم والموت كل ذلك مستحيل عليه ومعلوم أن أخبار الرسول عنه ~~سبحانه بما هو مستحيل عليه من أعظم المنفرات عنه ومعارضته فيه أسهل من ~~معارضته فيما عداه ولم يعارضه أعداؤه في حرف واحد من هذا الباب ولا أنكروا ~~عليه كلمة واحدة منه مع حرصهم على ms285 معارضته بكل ما يقدرون عليه فهلا عارضوه ~~بما عارضته به الجهمية والنفاة وقالوا قد أخبرتنا بما يخالف العقل الصريح ~~فكيف يمكننا تصديقك بل كان القوم على شركهم وضلالهم أعرف بالله وصفاته من ~~النفاة الجهمية وأقرب إلى إثبات الأسماء والصفات والقدر والمشيئة والفعل من ~~شيوخ هؤلاء الفلاسفة وأتباعهم من السيناوية والفارابية والطوسية الذين ليس ~~للعالم عندهم رب يعبد ولا رسول يطاع ولا معاد للخليقة ولا يزيل الله هذا ~~العالم ويأتي بعالم آخر فهذه الأصول قد اشتركت فيها أعداء الرسل وامتازت ~~كفار قريش بإثباتهم الربوبية والصفات والملائكة وخلق العالم وكون الرب ~~فاعلا # PageV03P899 # بمشيئته وقدرته ولهذا لم يعارضوا الرسول في شيء من ذلك. # الوجه الخامس والأربعون: أنه لو جاز أن يكون في العقول ما يناقض خبر ~~الرسول لم يتصور الإيمان به البتة لوجهين: # أحدهما: أنه لا سبيل إلى العلم بانتفاء جميع المعارض وما علق على الممتنع ~~فهو ممتنع. # الثاني: أن تصديقهم والإيمان بهم يكون موقوفا على الشرط والإيمان لا يصح ~~تعليقه بالشرط فلو قال آمنت بالرسول إن أذن لي أبي أو إن أعطيتموني كذا أو ~~إن جعل لي الأمر من بعده ونحو ذلك لم يكن مؤمنا بالاتفاق كما قال مسيلمة إن ~~جعل محمد الأمر لي من بعده آمنت به فلم يصر مؤمنا بذلك وكان من أكفر الكفار ~~فهكذا إذا قال آمنت بما أخبر به إلا ان يعارضه دليل عقلي وهذا حقيقة قول ~~هؤلاء فإن هذا لم يؤمن به باتفاق الأمة وهذا كما أنه كفر في الشرع فهو فاسد ~~في العقل فالواجب على الخلق الإيمان بالرسول إيمانا مطلقا جازما غير معلق ~~على شرط ومن قال أصدق بما صدق عقلي به وأرد ما رده عقلي أو عقل من هو أعقل ~~مني أو مثلي فهو كافر باتفاق الأمة فاسد العقل وهو نظير طائفة من اليهود ~~يقولون نصدق أنه رسول الله حقا ولكن لم يبعث إلينا وإنما بعث إلى العرب ~~فهذا في إنكار عموم رسالته في المرسل إليهم نظير إنكار # PageV03P900 # عموم رسالته في المرسل به فتأمله وهؤلاء ms286 شر من الذين قال الله فيهم {وإذا ~~جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام124] ~~فأولئك وقفوا الإيمان على أن يؤتوا نظير ما جاءت به الرسل وهؤلاء وقفوه على ~~ما يناقض ما جاءت به الرسل. # الوجه السادس والأربعون: إن هذه المعارضة ميراث بالتعصيب من الذين ذمهم ~~الله في كتابه بجدالهم في آياته بغير سلطان وبغير علم وأخبر أن مصدر تلك ~~المجادلة كبر واستكبار عن قبول الحق ممن يرون أنهم أعلم منهم كما قال ~~تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر83] ~~وهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة إذا كان عندها شيء من علم قد تميزت به عمن ~~هو أجهل منها وحصل لها به نوع رياسة ومال فإذا جاءها من # PageV03P901 # هو أعلم منها بحيث تمحى رسوم علومها ومعارفها في علمه ومعرفته عارضته بما ~~عندها من العلم وطعنت فيما عنده بأنواع المطاعن قال تعالى {كذلك يضل الله ~~من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا ~~عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [غافر35 ~~, 34] وقال تعالى {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر56] والسلطان هو الكتاب المنزل من ~~السماء وقال تعالى {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} [غافر5] وقال تعالى ~~{وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ~~به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا} [الكهف56] وهذا كثير في القرآن يذم ~~به سبحانه الذين عارضوا كتبه # PageV03P902 # ورسله بما عندهم من الرأي والمعقول والبدع والكلام الباطل مشتق من الكفر ~~فمن عارض الوحي بآراء الرجال كان قوله مشتقا من أقوال هؤلاء الضلال قال ~~مالك أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى النبي لجدله ~~ومن وقف على أصول هؤلاء المعارضين ومصدرها تبين له أنها نشأت من أصلين: # من كبر عن اتباع الحق وهوى معمي للبصيرة وصادمته شبهات كالليل ms287 المظلم ~~فكيف لا يعارض من هذا وصفه خبر الأنبياء بعقله وعقل من يحسن به الظن ثم ~~دخلت تلك الشبهات في قلوب قوم لهم دين وعندهم إيمان وخير فعجزوا عن دفعها ~~فاتخذوها دينا وظنوها تحقيقا لما بعث الله به رسوله فحاربوا عليها واستحلوا ~~ممن خالفهم فيها ما حرمه الله ورسوله وهم بين جاهل مقلد ومجتهد مخطىء حسن ~~القصد وظالم معتد متعصب والقيامة موعد الجميع والأمر يومئذ لله. # PageV03P903 # الوجه السابع والأربعون: إن دلالة السمع على مدلوله متفق عليها بين ~~العقلاء وإن اختلفوا في جهتها هل هي قطعية أو ظنية وهل أرادت الرسل إفهام ~~مدلولها واعتقاد ثبوته أم أرادت إفهام غيره وتأويل تلك الأدلة وصرفها عن ~~ظاهرها فلا نزاع بين العقلاء في دلالتها على مدلولها ثم قال أتباع الرسل ~~مدلولها ثابت في نفس الأمر وفي الإرادة وقالت النفاة أصحاب التأويل مدلولها ~~منتف في نفس الأمر وفي الإرادة وقال أصحاب التخييل مدلولها ثابت في الإرادة ~~منتف في نفس الأمر وأما دلالة ما عارضها من العقليات على مدلوله فلم يتفق ~~أربابها على دليل واحد منها بل كل طائفة منهم تقول في أدلة خصومها إن العقل ~~يدل على فسادها لا على صحتها وأهل السمع مع كل طائفة تخالفه في دلالة العقل ~~على فساد قول تلك الطائفة المخالفة للسمع فكل طائفة تدعي فساد قول خصومها ~~بالعقل يصدقهم أهل السمع على ذلك ولكن يكذبونهم في دعواهم صحة قولهم بالعقل ~~فقد تضمنت دعوى الطوائف فسادها بفهم من العقل بشهادة بعضهم على بعض وشهادة ~~أهل الوحي والسمع معهم ولا يقال هذا ينقلب عليكم باتفاق شهادة # PageV03P904 # الفرق كلها على بطلان ما دل عليه السمع وإن اختلفوا في أنفسهم لأن ~~المطلوب أنهم كلهم متفقون على أن السمع دل على الإثبات ولم يتفقوا على أن ~~العقل دل على نقيضه فيمتنع تقديم الدلالة التي لم يتفق عليها على الدلالة ~~المتفق عليها وهو المطلوب. # الوجه الخمسون1: أن يقال كل ما عارض السمع من العقليات ففساده معلوم ~~بالعقل وإن لم يعارض السمع فلسنا متوقفين في إبطاله ms288 والعلم بفساده على كونه ~~عارض السمع بل هو باطل في نفسه وفي معارضة السمع له دليل سمعي على بطلانه ~~فقد اتفق على فساده وبطلانه دليل العقل والسمع وما كان هكذا لم يصلح أن ~~يعارض به عقل ولا سمع وتفصيل هذه الجملة ببيان شبهة المخالفين للسمع وبيان ~~فسادها ومخالفتها لصريح العقل وهذا الأمر بحمد الله لم يزل أنصار الرسول ~~يقومون به ويتكفلون ببيانه وهم فيه درجات عند الله على منازلهم من العلم ~~والإيمان والبيان. PageV03P905 # ولا ترى مسألة واحدة عورض بها الرسول إلا وقد ردها أنصاره وحزبه وبينوا ~~فسادها وسخافة عقل أربابها المعارضين بها في كل نوع من أنواع العلم وقد ~~أجرى الله سنته وعادته أن يكشف عن عورة المعارض ويفضحه ويخذله في عقله حتى ~~يقول ما يضحك منه الإنسان كما خذل المعارض بكلامه حتى أضحك عليه الناس فيما ~~عارضه به وهذا من إتمام أدلة النبوة وبراهين صحة الوحي أن تجد المعارض له ~~يأتي بما يضحك منه العقلاء فلعل قائلا يقول ما جاءت به الرسل قد يكون له ~~معارض صحيح فإذا وقف على المعارض وسخفه وتحقق بطلانه زاده قوة في إيمانه ~~ويقينه وصار ذلك بمثابة رجل ادعى أن معه طيبا ليس مع أحد مثله ولا مثل ريحه ~~فعارضه آخر بأن معه مثله أو أفضل منه فلما أخرجه إذ هو أنتن شيء وأخبثه ~~ريحا ولكن هناك عقول جعلية نشأت في النتن والحشوش فلا تألف غير ما نشأت ~~فيه. # الوجه الحادي والخمسون: إن الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها ~~كإثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه ورؤية العباد له في ~~الآخرة وإثبات الصفات له هي ما علم بالاضطرار أن الرسول جاء بها وعلم ~~بالاضطرار صحة نبوته # PageV03P906 # ورسالته وما علم بالاضطرار امتنع أن يقوم على بطلانه دليل وامتنع أن يكون ~~له معارض صحيح إذ لو جاز أن يكون له معارض صحيح لم يبق لنا وثوق بمعلوم ~~أصلا لا حسي ولا عقلي وهذا يبطل حقيقة الإنسانية بل حقيقة الحيوانية ~~المشتركة بين الحيوانات فإن ms289 لها تميزا وإدراكا للحقائق بحسبها وهذا الوجه ~~في غاية الظهور غني بنفسه عن التأمل وهو مبني على مقدمتين قطعيتين إحداهما ~~أن الرسول أخبر عن الله بذلك والثانية أنه صادق ففي أي المقدمتين يقدح ~~المعارض بين العقل والنقل. # الوجه الثاني والخمسون: إن دليل العقل هو إخباره عن الذي خلقه وفطره أنه ~~وضع فيه ذلك وعلمه إياه وأرشده إليه. # ودليل السمع هو الخبر عن الله أنه قال ذلك وتكلم به وأوحاه وعرف به ~~الرسول وأمره أن يعرف الأمة ويخبرهم به ولا يكون أحدهما صحيحا حتى يكون ~~الآخر مطابقا لمخبره وأن الأمر كما أخبر به وحينئذ فقد شهد العقل لخبر ~~الرسول بأنه صدق وحق فعلمنا مطابقته لمخبره بمجموع الأمرين بخبر الرسول به ~~وشهادة العقل الصريح بأنه لا يكذب في خبره وأما خبر العقل عن الله بما يضاد ~~ذلك بأن الله وضع فيه ذلك وعلمه إياه فلم يشهد # PageV03P907 # له الرسول بصحة هذا الخبر بل شهد ببطلانه فليس معه إلا شهادته لنفسه بأنه ~~صادق فيما أخبر به فكيف يقبل شهادته لنفسه مع عدم شهادة الرسول له فكيف مع ~~تكذيبه إياه فكيف مع تكذيب العقل الصريح المؤيد بنور الوحي له فكيف مع ~~تهاتر أصحابه وتكاذبهم وتناقضهم يزيده إيضاحا: # الوجه الثالث والخمسون: وهو أن الأدلة السمعية نوعان نوع دل بطريق ~~التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي فهو عقلي سمعي ومن هذا غالب أدلة ~~النبوة والمعاد والصفات والتوحيد ما تقدم التنبيه على اليسير جدا منه وإذا ~~تدبرت القرآن رأيت هذا أغلب النوعين عليه وهذا النوع يمتنع أن يقوم دليل ~~صحيح على معارضته لاستلزامه مدلوله وانتقال الذهن فيه من الدليل إلى ~~المدلول ضروري وهو أصل للنوع الثاني الدال بمجرد الخبر فالقدح في النوعين ~~بالعقل ممتنع بالضرورة أما الأول فلما تقدم وأما الثاني فلإستلزام القدح ~~فيه القدح في العقل الذي أثبته # PageV03P908 # وإذا بطل العقل الذي أثبت السمع بطل ما عارضه من العقليات كما تقدم ~~تقريره يوضحه: # الوجه الرابع والخمسون: إنه ليس في القرآن صفة إلا وقد دل العقل الصريح ~~على إثباتها ms290 لله فقد تواطأ عليها دليل العقل ودليل السمع فلا يمكن أن يعارض ~~بثبوتها دليل صحيح البتة لا عقلي ولا سمعي بل إن كان المعارض سمعيا كان ~~كذبا مفترى أو مما أخطأ المعارض في فهمه وإن كان عقليا فهو شبه خيالية ~~وهمية لا دليل عقلي برهاني وأعلم أن هذه دعوى عظيمة ينكرها كل جهمي وناف ~~وفيلسوف وقرمطي وباطني ويعرفها من نور الله قلبه بنور الإيمان وباشر قلبه ~~معرفة الذي دعت إليه الرسل وأقرت به الفطر وشهدت به العقول الصحيحة ~~المستقيمة لا المنكوسة الموكوسة التي نكست قلوب أصحابها فرأت الحق باطلا ~~والباطل حقا والهدى ضلالة والضلالة هدى وقد نبه الله سبحانه في كتابه على ~~ذلك وأرشد إليه ودل عليه في غير موضع منه وبين أن ما وصف به نفسه هو الكمال ~~الذي لا يستحقه سواه فجاحده جاحد لكمال الرب فإنه يمدح بكل صفة وصف بها ~~نفسه وأثنى بها على نفسه ومجد بها نفسه وحمد بها نفسه فذكرها سبحانه على ~~وجه المدحة له والتعظيم # PageV03P909 # والتمجيد وتعرف بها إلى عباده ليعرفوا كماله وعظمته ومجده وجلاله وكثيرا ~~ما يذكرها عند ذكر آلهتهم التي عبدوها من دونه وجعلوها شركاء له فيذكر ~~سبحانه من صفات كماله وعلوه على عرشه وتكلمه وتكليمه وإحاطة علمه ونفوذ ~~مشيئته ما هو منتف عن آلهتهم فيكون ذلك من أدل الدليل على بطلان آلهيتها ~~وفساد عبادتها من دونه ويذكر ذلك عند دعوته عباده إلى ذكره وشكره وعبادته. # فيذكر لهم من أوصاف كماله ونعوت جلاله ما يجذب قلوبهم إلى المبادرة إلى ~~دعوته والمسارعة إلى طاعته والتنافس في القرب منه ويذكر صفاته أيضا عند ~~ترغيبه لهم وترهيبه وتخويفه ليعرف القلوب من تخافه وترجوه وترغب إليه وترهب ~~منه ويذكر صفاته أيضا عند أحكامه وأوامره ونواهيه فقل أن تجد آية حكم من ~~أحكام المكلفين إلا وهي مختتمة بصفة من صفاته أو صفتين وقد يذكر الصفة في ~~أول الآية ووسطها وآخرها كقوله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله ms291 سميع بصير} [المجادلة1] فيذكر ~~صفاته عند سؤال عباده لرسوله عنه ويذكرها # PageV03P910 # عند سؤالهم له عن أحكامه حتى إن الصلاة لا تنعقد إلا بذكر أسمائه وصفاته ~~فذكر أسمائه وصفاته روحها وسرها يصحبها من أولها إلى آخرها وإنما أمر ~~بإقامتها ليذكر بأسمائه وصفاته وأمر عباده أن يسألوه بأسمائه وصفاته ففتح ~~لهم باب الدعاء رغبا ورهبا ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها ~~ولهذا كان أفضل الدعاء وأجوبه ما توسل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته قال ~~الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} [الأعراف180] وكان اسم الله ~~الأعظم في هاتين الآيتين آية الكرسي وفاتحة آل عمران لاشتمالهما على صفة ~~الحياة # PageV03P911 # المصححة لجميع الصفات وصفة القيومية المتضمنة لجميع الأفعال ولهذا كانت ~~سيدة آي القرآن وأفضلها ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لأنها ~~أخلصت للخبر عن الرب تعالى وصفاته دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه وسمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي ~~لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام يا حي يا ~~قيوم " وسمع آخر يدعو "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله ~~إلا أنت الأحد الصمد الذي # PageV03P912 # لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فقال لأحدهما "لقد سألت الله باسمه ~~الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى " وقال للآخر "سل تعطه" وذلك ~~لما تضمنه هذا الدعاء من أسماء الرب وصفاته وأحب ما دعاه الداعي به أسماؤه ~~وصفاته وفي الحديث الصحيح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: " ما أصاب عبدا ~~قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في ~~حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك ~~أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء ~~حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا" قالوا أفلا ~~نتعلمهن ms292 يا رسول الله قال "بلى ينبغي لمن # PageV03P913 # يسمعهن أن يتعلمهن". # وقد نبه سبحانه على إثبات صفاته وأفعاله بطريق المعقول فاستيقظت لتنبيهه ~~العقول الحية واستمرت على رقدتها العقول الميتة فقال الله تعالى في صفة ~~العلم {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك14] فتأمل صحة هذا الدليل ~~مع غاية إيجاز لفظه واختصاره وقال سبحانه {أفمن يخلق كمن لا يخلق} ~~[النحل17] فما أصح هذا الدليل وما أوجزه وقال تعالى في صفة الكلام {واتخذ ~~قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا} [الأعراف148] نبه بهذا الدليل على أن من لا يكلم ولا يهدي لا ~~يصلح أن يكون آلها وكذلك قوله في الآية الأخرى عن العجل: # PageV03P914 # {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} [طه89] فجعل ~~امتناع صفة الكلام والتكليم وعدم ملك الضر والنفع دليلا على عدم الإلهية ~~وهذا دليل عقلي سمعي على أن الإله لا بد أن يكلم ويتكلم ويملك لعابده الضر ~~والنفع وإلا لم يكن إلها وقال: {ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه ~~النجدين} [البلد10 , 8] نبهك بهذا الدليل العقلي القاطع أن الذي جعلك تبصر ~~وتتكلم وتعلم أولى أن يكون بصيرا متكلما عالما فأي دليل عقلي قطعي أقوى من ~~هذا وأبين وأقرب إلى المعقول وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين: {ألهم ~~أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان ~~يسمعون بها} [الأعراف195] فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر ~~دليلا على عدم إلهية من عدمت فيه هذه الصفات فالبطش والمشي من أنواع ~~الأفعال والسمع والبصر من أنواع الصفات. # PageV03P915 # وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أربابهم وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية ~~فوصف نفسه بالسمع والبصر والفعل باليدين والمجيء والإتيان وذلك ضد صفات ~~الأصنام التي جعل امتناع هذه الصفات عليها منافيا لإلهيتها فتأمل آيات ~~التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها ~~كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها ms293 وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه ~~شبه ولا مثال وأي دليل في العقل أوضح من إثبات الكمال المطلق لخالق هذا ~~العالم ومدبره وملك السموات والأرض وقيومها فإذا لم يكن في العقل إثبات ~~جميع أنواع الكمال له فأي قضية تصح في العقل بعد هذا ومن شك في أن صفة ~~السمع والبصر والكلام والحياة والإرادة والقدرة والغضب والرضا والفرح ~~والرحمة والرأفة كمال فهو ممن سلب خاصة الإنسانية وانسلخ من العقل بل من شك ~~أن إثبات الوجه واليدين وما أثبته لنفسه معهما كمال فهو مؤوف مصاب في عقله ~~ومن شك أن كونه يفعل باختياره ما يشاء ويتكلم إذا شاء وينزل إلى حيث شاء ~~ويجيء إلى حيث شاء كمال فهو جاهل بالكمال والجامد عنده أكمل من الحي الذي ~~تقوم به الأفعال الاختيارية كما أن عند شقيقه الجهمي # PageV03P916 # أن الفاقد لصفات الكمال أكمل من الموصوف بها كما أن عند أستاذهما وشيخهما ~~الفيلسوف أن من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا له حياة ولا قدرة ولا إرادة ~~ولا فعل ولا كلام ولا يرسل رسولا ولا ينزل كتابا ولا يتصرف في هذا العالم ~~بتحويل وتغيير وإزالة ونقل وإماتة وإحياء أكمل ممن يتصف بذلك فهؤلاء كلهم ~~قد خالفوا صريح المعقول وسلبوا الكمال عمن هو أحق بالكمال من كل ما سواه ~~ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا الكمال نقصا وعدمه كمالا فعكسوا الأمر وقلبوا ~~الفطر وأفسدوا العقول فتأمل شبههم الباطلة وخيالاتهم الفاسدة التي عارضوا ~~بها الوحي هل تقاوم هذا الدليل الدال على إثبات الصفات والأفعال للرب ~~سبحانه ثم اختر لنفسك بعد ما شئت. # وهذا قطرة من بحر نبهنا به تنبيها يعلم به اللبيب ما وراءه وإلا فلو ~~أعطينا هذا الموضع حقه وهيهات أن يصل إلى ذلك علمنا أو قدرتنا لكتبنا فيه ~~عدة أسفار وكذا كل وجه من هذه الوجوه فإنه لو بسط وفصل لاحتمل سفرا أو أكثر ~~والله المستعان وبه التوفيق. # الوجه الخامس والخمسون: إن غاية ما ينتهي إليه من ادعى معارضة العقل ~~للوحي أحد أمور أربعة لا ms294 بد له منها إما تكذيبها وجحدها وإما اعتقاد أن ~~الرسل خاطبوا الخلق بها خطابا جمهوريا # PageV03P917 # لا حقيقة له وإنما أرادوا منهم التخييل وضرب الأمثال وإما اعتقاد أن ~~المراد تأويلها وصرفها عن حقائقها وما تدل عليه إلى المجازات والاستعارات ~~وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها واعتقاد أنه لا يعلم ما أريد بها إلا ~~الله فهذه أربع مقامات وقد ذهب إلى كل مقام منها طوائف من بني آدم. # المقام الأول: مقام التكذيب والجحد وهؤلاء استراحوا من كلفة النصوص ~~والوقوع في التجسيم والتشبيه وخلعوا ربقة الإيمان من أعناقهم وقالوا لسائر ~~الطوائف منكم إلى هذه النصوص وأما نحن فلسنا منها في شيء لأن عقولنا لما ~~عارضتها دفعناها في صدر من جاء بها وقابلناه بالتكذيب. # المقام الثاني: مقام أهل التخييل قالوا إن الرسل لم يمكنهم مخاطبة الخلق ~~بالحق في نفس الأمر فخاطبوهم بما يخيل إليهم وضربوا لهم الأمثال وعبروا عن ~~المعاني المعقولة بالأمور القريبة من الحس وسلكوا ذلك في باب الإخبار عن ~~الله وأسمائه وصفاته واليوم الاخر وأقروا باب الطلب على حقيقته ومنهم من ~~سلك هذا المسلك في الطلب أيضا وجعل الأمر والنهي أمثالا وإشارات ورموزا فهم ~~ثلاث فرق هذه إحداها. # PageV03P918 # والثانية: سلكت ذلك في الخبر دون الأمر # والثالثة: سلكت ذلك في الخبر عن الله وصفاته دون المعاد والجنة والنار ~~وذلك كله إلحاد في أسماء الرب وصفاته ودينه واليوم الاخر والملحد لا يتمكن ~~من الرد على الملحد وقد وافقه في الأصل وإن خالفه في فروعه فلهذا استطال ~~على هؤلاء الملاحدة كابن سينا وأتباعه غاية الاستطالة وقالوا القول في نصوص ~~المعاد كالقول في نصوص الصفات. # قالوا بل الأمر فيها أسهل من نصوص الصفات لكثرتها وتنوعها وتعدد طرقها ~~وإثباتها على وجه يتعذر معه التأويل فإذا كان الخطاب بها خطابا جمهوريا ~~فنصوص المعاد أولى قال فإن قلتم نصوص الصفات قد عارضها ما يدل على انتفائها ~~من العقل قلنا ونصوص المعاد قد عارضها من العقل ما يدل على انتفائها ثم ذكر ~~العقليات المعارضة للمعاد بما يعلم به العاقل أن ms295 العقليات المعارضة للصفات ~~من جنسها أو أضعف منها. # المقام الثالث: مقام أهل التأويل قالوا لم يرد منا اعتقاد حقائقها وإنما ~~أريد منا تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها وحقيقتها فتكلفوا لها وجوه ~~التأويلات المستكرهة والمجازات # PageV03P919 # المستنكرة التي يعلم العقلاء أنها أبعد شيء عن احتمال ألفاظ النصوص لها ~~وأنها بالتحريف أشبه منها بالتفسير. # والطائفتان اتفقتا على أن الرسول لم يبين الحق للأمة في خطابه لهم ولا ~~أوضحه بل خاطبهم بما ظاهره باطل ومحال ثم اختلفوا فقال أصحاب التخييل أراد ~~منهم اعتقاد خلاف الحق والصواب وإن كان في ذلك مفسدة فالمصلحة المترتبة ~~عليه أعظم من المفسدة التي فيه وقال أصحاب التأويل بل أراد منا أن نعتقد ~~خلاف ظاهره وحقيقته ولم يبين لنا المراد تعريضا لنا إلى حصول الثواب ~~بالاجتهاد والبحث والنظر وإعمال الفكر في معرفة الحق بعقولنا وصرف تلك ~~الألفاظ عن حقائقها وظواهرها لننال ثواب الاجتهاد والسعي في ذلك فالطائفتان ~~متفقتان على أن ظاهر خطاب الرسول ضلال وكفر وباطل وأنه لم يبين الحق ولا ~~هدى إليه الخلق. # المقام الرابع: مقام اللاأدرية الذين يقولون لا ندري معاني هذه الألفاظ ~~ولا ما أريد منها ولا ما دلت عليه وهؤلاء ينسبون طريقتهم إلى السلف وهي ~~التي يقول المتأولون إنها أسلم ويحتجون عليها بقوله تعالى: # PageV03P920 # {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران7] ويقولون هذا هو الوقف التام عند ~~جمهور السلف وهو قول أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ~~وعائشة وعروة بن الزبير وغيرهم من السلف والخلف وعلى قول هؤلاء يكون ~~الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا ~~الصحابة والتابعون لهم بإحسان بل يقرأون كلاما لا يعقلون معناه ثم هم ~~متناقضون أفحش تناقض فإنهم يقولون تجري على ظاهرها وتأويلها باطل ثم يقولون ~~لها تأويل لا يعلمه إلا الله وقول هؤلاء أيضا باطل فإن الله سبحانه أمر ~~بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في الصدور وحاكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه ومن أعظم الاختلاف ms296 اختلافهم في باب الصفات ~~والقدر والأفعال واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ~~ولا هدى ولا شفاء ولا بيان وهؤلاء طرقوا لأهل الإلحاد والزندقة والبدع أن ~~يستنبطوا الحق من عقولهم وآرائهم فإن النفوس طالبة لمعرفة هذا الأمر أعظم ~~طلب والمقتضى التام لذلك فيها موجود فإذا قيل لها إن ألفاظ القرآن والسنة ~~في ذلك لها تأويل لا يعلمه إلا الله # PageV03P921 # ولا يعلم أحد معناها وما أريد بها وما دلت عليه فروا إلى عقولهم ونظرهم ~~وآرائهم فسد هؤلاء باب الهدى والرشاد وفتح أولئك باب الزندقة والبدعة ~~والإلحاد وقالوا قد أقررتم بأن ما جاءت به الرسل في هذا الباب لا يحصل منه ~~علم بالحق ولا يهدي إليه فهو في طريقتنا لا في طريقة الأنبياء فإنا نحن ~~نعلم ما نقوله ونثبته بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا تأويل ما قالوه ~~ولا بينوا مراد المتكلم به وأصاب هؤلاء من الغلط على السمع ما أصاب أولئك ~~من الخطأ في العقل وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف بقولهم لا يعلم تأويل ~~المتشابه إلا الله فإن التأويل في عرف السلف المراد به التأويل في مثل قوله ~~تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف53] وقوله تعالى {لك خير وأحسن تأويلا} ~~[النساء59] وقول يوسف {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا} ~~[يوسف100] وقول يعقوب {ويعلمك من تأويل الأحاديث} [يوسف6] وكذلك # PageV03P922 # {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله} [يوسف45] وقال ~~يوسف {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} ~~[يوسف37] فتأويل الكلام الطلبي هو نفس فعل المأمور به والمنهي عنه كما قال ~~ابن عيينة السنة تأويل الأمر والنهي وقالت عائشة كان رسول الله يقول في ~~ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك يتأول القرآن وأما تأويل ما أخبر ~~الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر الله عنها وذلك ~~في حق الله هو ms297 كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره ولهذا قال مالك وربيعة ~~الاستواء معلوم والكيف مجهول # PageV03P923 # وكذلك قال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من السلف إنا لا نعلم كيفية ~~ما أخبر الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه وقد فسر الإمام أحمد ~~الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه وقال إنهم تأولوها على غير ~~تأويلها وبين معناها وكذلك الصحابة والتابعون فسروا القرآن وعلموا المراد ~~بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي وإن لم يعلموا الكيفية ~~كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار وإن لم يعلموا حقيقة كنهه ~~وكيفيته فمن قال من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى ~~فهو حق وأما من قال إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه ~~إلا الله فهذا غلط والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه قال مجاهد ~~عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله ~~عنها وقال عبد الله بن مسعود ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت ~~وقال الحسن البصري ما أنزل الله آية إلا # PageV03P924 # وهو يحب أن يعلم ما أراد بها وقال مسروق ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا ~~وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه وقال الشعبي ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي ~~كتاب الله بيانها والمقصود أن من ادعى معارضة العقل للسمع لا بد له أن يسلك ~~أحد هذه المسالك الأربعة الباطلة وأسلمها هذا المسلك الرابع وقد علمت ~~بطلانه وإنما كان أقل بطلانا لأنه لا يتضمن الخبر الكاذب على الله ورسوله ~~فإن صاحبه يقول لا أفهم من هذه النصوص شيئا ولا أعرف المراد بها وأصحاب تلك ~~المسالك تتضمن أقوالهم تكذيب الله ورسوله أو الإخبار عن النصوص بالتكذيب ~~وبالله التوفيق. # الوجه السادس والخمسون: إن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم التي ~~هي في الحقيقة جهليات إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة محتملة ~~تحتمل معاني متعددة ويكون ما فيها من ms298 الاشتباه في المعنى والإجمال في اللفظ ~~يوجب تناولها # PageV03P925 # بحق وباطل فبما فيها من الحق يقبل من لم يحط بها علما ما فيها من الباطل ~~لأجل الاشتباه والالتباس ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء وهذا ~~منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع كلها فإن البدعة لو كانت ~~باطلا محضا لما قبلت ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها ولو كانت حقا محضا لم ~~تكن بدعة وكانت موافقة للسنة ولكنها تشتمل على حق وباطل ويلتبس فيها الحق ~~بالباطل كما قال تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم ~~تعلمون} [البقرة42] فنهى عن لبس الحق بالباطل وكتمانه ولبسه به خلطه به حتى ~~يلتبس أحدهما بالآخر ومنه التلبيس وهو التدليس والغش الذي يكون باطنه خلاف ~~ظاهره فكذلك الحق إذا لبس بالباطل يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحق ~~وتكلم بلفظ له معنيان معنى صحيح ومعنى باطل فيتوهم السامع أنه أراد المعنى ~~الصحيح ومراده الباطل فهذا من الإجمال في اللفظ. # وأما الاشتباه في المعنى فيكون له وجهان هو حق من أحدهما وباطل من الآخر ~~فيوهم إرادة الوجه # PageV03P926 # الصحيح ويكون مراده الباطل فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة ~~والمعاني المشتبهة ولا سيما إذا صادفت أذهانا مخبطة فكيف إذا انضاف إلى ذلك ~~هوى وتعصب فسل مثبت القلوب أن يثبت قلبك على دينه وأن لا يوقعك في هذه ~~الظلمات قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في الرد على الجهمية الحمد لله الذي ~~جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ~~ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بكتاب الله أهل ~~العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم ~~على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين ~~وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان ~~الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون # PageV03P927 # للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يقولون على ms299 الله وفي الله وفي كتاب الله ~~بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم ~~فنعوذ بالله من فتن المضلين وهذه الخطبة تلقاها الإمام أحمد عن عمر بن ~~الخطاب أو وافقه فيها فقد ذكرها محمد بن وضاح في أول كتابه في الحوادث ~~والبدع فقال حدثنا أسد ثنا رجل يقال له يوسف ثقة عن أبي عبد الله الواسطي ~~رفعه إلى عمر بن الخطاب أنه قال الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في ~~كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون ~~منهم على الأذى يحيون بكتاب الله أهل العمى كم من قتيل لإبليس قد أحيوه ~~وضال تائه قد هدوه بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد فما أحسن أثرهم ~~على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم وما نسيهم ربك وما كان ربك نسيا جعل ~~قصصهم هدى # PageV03P928 # وأخبر عن حسن مقالاتهم فلا تقصر عنهم فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم ~~الوضيعة اه. # فقوله يتكلمون بالمتشابه من الكلام هو الذي له وجهان يخدعون به جهال ~~الناس كما ينفق أهل الزغل النقد المغشوش الذي له وجهان يخدعون به من لم ~~يعرفه من الناس فلا إله إلا الله كم قد ضل بذلك طوائف من بني آدم لا يحصيهم ~~إلا الله واعتبر ذلك بأظهر الألفاظ والمعاني في القرآن والسنة وهو التوحيد ~~الذي حقيقته إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عن أضدادها وعبادته وحده لا ~~شريك له فاصطلح أهل الباطل على وضعه للتعطيل المحض ثم دعوا الناس إلى ~~التوحيد فخدعوا به من لم يعرف معناه في اصطلاحهم وظن أن ذلك التوحيد هو ~~الذي دعت إليه الرسل والتوحيد اسم لستة معان توحيد الفلاسفة وتوحيد الجهمية ~~وتوحيد القدرية الجبرية وتوحيد الاتحادية فهذه الأربعة أنواع من التوحيد ~~جاءت الرسل بإبطالها ودل على بطلانها العقل والنقل فأما توحيد الفلاسفة فهو ~~إنكار ماهية الرب # PageV03P929 # الزائدة على وجوده وإنكار صفات كماله وأنه لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ~~ولا حياة ولا إرادة ولا ms300 كلام ولا وجه ولا يدين وليس فيه معنيان متميز ~~أحدهما عن الآخر البتة قالوا لأنه لو كان كذلك لكان مركبا وكان جسما مؤلفا ~~ولم يكن واحدا من كل وجه فجعلوه من جنس الجوهر الفرد الذي لا يحس ولا يرى ~~ولا يتميز منه جانب عن جانب بل الجوهر الفرد يمكن وجوده. # وهذا الواحد الذي جعلوه حقيقة رب العالمين يستحيل وجوده فلما اصطلحوا على ~~هذا المعنى في التوحيد وسمعوا قوله {وإلهكم إله واحد} [البقرة163] وقوله ~~{وما من إله إلا إله واحد} [المائدة73] # نزلوا لفظ القرآن على هذا المعنى الاصطلاحي وقالوا لو كان له صفة أو كلام ~~أو مشيئة أو علم أو حياة أو قدرة أو سمع أو بصر لم يكن واحدا وكان مركبا ~~مؤلفا فسموا أعظم التعطيل بأحسن الأسماء وهو التوحيد وكسوه ثوبه وسموا أصح ~~الأشياء وأحقها بالثبوت وهو صفات الرب ونعوت كماله بأقبح الأسماء وهو ~~التركيب والتأليف فتولد من بين هذه التسمية # PageV03P930 # المنكرة للمعنى الصحيح وتلك التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحد حقائق ~~أسماء الرب وصفاته بل وجحد ماهيته وذاته وتكذيب رسله ونشأ من نشأ على ~~اصطلاحهم من إعراضه عن استفادة الهدى والحق من الوحي فلم يعرف سوى الباطل ~~الذي اصطلحوا عليه فجعله أصلا لدينه فلما رأى ما جاءت به الرسل يعارضه قال ~~إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل. # التوحيد الثاني: توحيد الجهمية وهو مشتق من توحيد الفلاسفة وهو نفي صفات ~~الرب كعلمه وكلامه وسمعه وبصره وحياته وعلوه على عرشه ونفي وجهه ويديه وقطب ~~رحى هذا التوحيد جحد حقائق أسمائه وصفاته. # التوحيد الثالث: توحيد القدرية الجبرية وهو إخراج أفعال العباد أن تكون ~~فعلا لهم وأن تكون واقعة بكسبهم أو إرادتهم بل هي نفس فعل الله فهو الفاعل ~~لها دونهم فنسبتها إليهم وأنهم فعلوها مناف للتوحيد عندهم. # التوحيد الرابع: توحيد القائلين بوحدة الوجود وأن الوجود عندهم واحد ليس ~~عندهم وجودان قديم وحادث وخالق ومخلوق وواجب وممكن بل الوجود # PageV03P931 # عندهم واحد بالعين والذي يقال له الخلق المشبه هو الحق المنزه والكل من ~~عين واحدة ms301 بل هو العين الواحدة. # فهذه الأنواع الأربعة سماها أهل الباطل توحيدا فاعتصموا بالاسم من إنكار ~~المسلمين عليهم وقالوا نحن الموحدون ودعوا الناس إلى الباطل باسم التوحيد ~~فجعلوه جنة وترسا ووقاية وسموا التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنبياءه ~~تركيبا وتجسيما وتشبيها وجعلوا هذه الألقاب له سهاما وسلاحا يقاتلون بها ~~أهله فتترسوا بما عند أهل الحق من الأسماء الصحيحة وقاتلوهم بالأسماء ~~الباطلة التي سموا بها ما بعث الله به رسوله فقاتلوهم باسم التركيب ~~والتجسيم والتشبيه وتترسوا منهم باسم التوحيد والتنزيه وقد قال جابر في ~~الحديث الصحيح في حجة الوداع فأهل رسول الله بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك ~~لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك فهذا توحيد الرسول ~~المتضمن لإثبات صفات الكمال التي يستحق عليها الحمد ولإثبات الأفعال التي ~~استحق بها أن يكون منعما ولإثبات القدرة والمشيئة والإرادة والتصرف والغضب ~~والرضا والغنى والجود الذي هو حقيقة ملكه وعند # PageV03P932 # الفلاسفة والجهمية والمعطلة لا حمد له في الحقيقة ولا نعمة ولا ملك والله ~~يعلم أنا لم نجازف في نسبة ذلك إليهم بل هو حقيقة قولهم فأي حمد لمن لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يتكلم ولا يفعل ولا هو في هذا العالم ولا خارج ~~عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن ~~يسرته وأي نعمة لمن لا يقوم به فعل البتة وأي ملك لمن لا وصف له ولا فعل ~~فانظر إلى توحيد الرسل وتوحيد من خالفهم ومن العجب أنهم سموا توحيد الرسل ~~شركا وتجسيما وتشبيها مع أنه غاية الكمال وسموا تعطيلهم واتحادهم ونفيهم ~~توحيدا وهو غاية النقص ثم نسبوا اتباع الرسل إلى نقص الرب وقد سلبوه كل ~~كمال وزعموا أنهم أثبتوا له الكمال وقد نزهوه عنه فهذا توحيد الملاحدة ~~والجهمية والمعطلة. # وأما توحيد الرسل: فهو إثبات صفات الكمال له سبحانه وإثبات كونه فاعلا ~~بمشيئته وقدرته واختياره وأن له فعلا حقيقة وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ~~ويخاف ويرجى ويتوكل عليه ms302 فهو المستحق لغاية الحب بغاية الذل وليس لخلقه من ~~دونه وكيل ولا ولي ولا شفيع ولا واسطة بينه وبينهم في رفع حوائجهم إليه وفي ~~تفريج كرباتهم وإغاثة لهفاتهم وإجابة دعواتهم وبينه # PageV03P933 # وبينهم واسطة في تبليغ أمره ونهيه وخبره إليهم فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه ~~ويبغضه ويسخطه ولا حقائق أسمائه وتفصيل ما يجب له ويمتنع عليه ويوصف به إلا ~~من جهة هذه الواسطة فجاء هؤلاء الملاحدة فعكسوا الأمر وقلبوا الحقائق فنفوا ~~كون الرسل وسائط في ذلك وقالوا تلقى بواسطة العقل ونفوا حقائق أسمائه ~~وصفاته وقالوا هذا التوحيد. # فهذا توحيدهم وهذا إيمانهم بالرسل ويقولون نحن ننزهه عن الأعراض والأغراض ~~والأبعاض والحدود والجهات وحلول الحوادث فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ ~~فيتوهم منها أنهم ينزهون الله عما يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب ~~والنقائص والحاجة فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه ويكشف الناقد البصير ما ~~تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد وتكذيب الرسل وتعطيل الرب تعالى عما ~~يستحقه من كماله فتنزيهه عن الأعراض هو جحد صفاته كسمعه وبصره وحياته وعلمه ~~وكلامه وإرادته فإن هذه أعراض لا تقوم إلا بجسم فلو كان متصفا بها لكان ~~جسما وكانت أعراضا له وهو منزه عن الأعراض وأما الأغراض فهي الغاية والحكمة ~~التي لأجلها يفعل ويخلق ويأمر وينهى # PageV03P934 # ويثيب ويعاقب وهي الغايات المحمودة المطلوبة له من أمره ونهيه وفعله ~~فيسمونها عللا وأغراضا ثم ينزهونه عنها. # وأما الأبعاض: فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس له وجه ولا يدان ولا يمسك ~~السموات على أصبع والأرض على أصبع والشجر على أصبع والماء على أصبع فإن ذلك ~~كله أبعاض والله منزه عن الأبعاض وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها ~~أنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق ~~كما أشار إليه أعلم الخلق به ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا تعرج ~~الملائكة والروح إليه ولا رفع المسيح إليه ولا عرج برسوله محمد إليه إذ لو ~~كان ذلك للزم إثبات الحدود والجهات له وهو منزه عن ms303 ذلك وأما حلول الحوادث ~~فيريدون به أنه لا يتكلم بقدرته وميشئته ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ~~ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد أن كان راضيا ولا يرضى بعد أن ~~كان غضبان ولا يقوم به فعل البتة ولا أمر مجدد بعد أن لم يكن ولا يريد شيئا ~~بعد أن لم يكن مريدا له ولا يقول له كن حقيقة ولا استوى على # PageV03P935 # عرشه بعد أن لم يكن مستويا عليه ولا يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله ~~مثله ولن يغضب بعده مثله ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا ~~لهم ولا يقول للمصلي إذا قال: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة2] حمدني ~~عبدي فإذا قال {الرحمن الرحيم} [الفاتحة3] قال أثنى علي عبدي وإذا قال ~~{مالك يوم الدين} [الفاتحة4] قال مجدني عبدي فإن هذه كلها حوادث وهو منزه ~~عن حلول الحوادث وبعضهم يختصر العبارة ويقول أنا أنزهه عن التعدد والتحدد ~~والتجدد فيتوهم السامع الجاهل بمراده أنه ينزهه عن تعدد الآلهة وعن تحدد ~~محيط به حدود وجودية تحصره وتحويه كتحدد البيت ونحوه وعن تجدد إلهيته ~~وربوبيته ومراده بالتعدد الذي ينزه عنه تعدد أسمائه وصفاته وأنه لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يعلم شيئا ولا يتكلم ومراده بالتحدد أنه ليس فوق # PageV03P936 # خلقه ولا هو مستو على عرشه ولا فوق العرش إله يعبد وليس فوق العرش إلا ~~العدم. # ومراده بالتجدد أنه لا يقوم به فعل ولا إرادة ولا كلام بمشيئته وقدرته ~~وبعضهم يقتصر على حرفين فيقول نحن ننزهه عن التكثر والتغير فيتوهم السامع ~~تكثر الآلهة وتغيره سبحانه واستحالته من حال إلى حال وحقيقة هذا التنزيه ~~أنه لا صفة له ولا فعل. # وكذلك قول الجهمية: نحن نثبت قديما واحدا ومثبتو الصفات يثبتون عدة قدماء ~~قال والنصارى أثبتوا ثلاثة قدماء مع الله بفكرهم فكيف من أثبت سبعة قدماء ~~أو أكثر فانظر إلى هذا التلبيس والتدليس الذي يوهم السامع أنهم أثبتوا ~~قدماء مع الله وإنما أثبتوا قديما واحدا بصفاته وصفاته داخلة في مسمى ms304 اسمه. # إنما أثبتوا إلها واحدا ولم يجعلوا كل صفة من صفاته إلها بل هو الإله ~~الواحد بجميع أسمائه وصفاته وهذا بعينه متلقى عن عباد الأصنام المشركين ~~بالله المكذبين لرسوله حيث قالوا يدعو محمد إلى إله واحد ثم يقول يا الله ~~يا رحمن يا سميع يا بصير فيدعو آلهة متعددة فأنزل الله عز وجل: # PageV03P937 # {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} ~~[الإسراء110] أي إنكم إنما تدعون إلها واحدا له الأسماء الحسنى فأي اسم ~~دعوتموه فإنما دعوتم المسمى بذلك الاسم فأخبر سبحانه أنه إله واحد وإن ~~تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته ولهذا كانت حسنى وإلا فلو كانت كما ~~يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن ~~حسنى ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها فنزلت الآية على ~~توحيد الذات وكثرة النعوت والصفات ومن ذلك قول هؤلاء المعطلة أخص صفات ~~الإله القديم فإذا أثبتم معه صفات قديمة لزم أن تكون آلهة فلا يكون الإله ~~واحدا بل يكون لكم آلهة متعددة فيقال لهؤلاء المدلسين الملبسين على أمثالهم ~~من أشباه الأنعام المحذور الذي نفاه العقل والشرع والفطرة وأجمعت الأنبياء ~~من أولهم إلى آخرهم على بطلانه أن يكون مع الله آلهة أخرى لا أن يكون إله ~~العالمين الواحد القهار حيا قيوما سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه ~~له الأسماء الحسنى والصفات العلى فلم ينف العقل والشرع والفطرة أن يكون ~~للإله الواحد صفات كمال ونعوت جلال يختص بها لذاته فلبستم على المخدوعين # PageV03P938 # المغرورين وأوهمتموهم أنه لو كان فوق عرشه موصوفا بصفات الكمال يرى ~~بالأبصار عيانا يوم القيامة لم يكن إلها واحدا وكان هناك آلهة متعددة ~~وقدماء متغايرة وأعراض وأبعاض وحدود وجهات وتكثر وتغير وتحدد وتجرد وتجسم ~~وتشبيه وتركيب وأكثر الناس إذا سمعوا هذه الألفاظ نفرت عقولهم من مسماها ~~ونبت أسماعهم عنها وقد علم المؤمنون المصدقون للرسول العارفون بالله وصفاته ~~وأسمائه أنكم توسلتم بها إلى نفي صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه فلم ترفعوا ~~بها رأسا ولم تروا ms305 لها حرمة ولم ترقبوا فيها ذمة وغرت ضعاف العقول الجاهلين ~~بحقائق الإيمان فضلوا بها وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. # فلفط الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فتكون له حرمة الإثبات ولا نفيا ~~فيكون له إلغاء النفي فمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به فإن قال ~~أردت الجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم ~~سواه ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء فهذه اللغة وكتبها بين ~~أظهرنا فهذا المعنى منفي عن الله عقلا وسمعا وإن أردتم به المركب من المادة ~~والصورة أو المركب من الجواهر الفردة فهذا منفي عن الله قطعا # PageV03P939 # والصواب نفيه عن الممكنات أيضا فليس الجسم المخلوق مركبا من هذا ولا من ~~هذا. # وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ~~ويبصر ويرضى ويغضب فهذه المعاني ثابتة للرب تعالى وهو موصوف بها فلا ننفيها ~~عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض ~~لمن يحبهم ويواليهم نواصب ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية ~~لمن أثبته جبريا ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفاله ~~لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية. # ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه لتسمية الفرعونية ~~المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها. # فإن كان تجسيما ثبوت استوائه ... على عرشه إني إذا لمجسم # وإن كان تشبيها ثبوت صفاته ... فمن ذلك التشبيه لا أتكتم # وإن كان تنزيها جحود استوائه ... وأوصافه أو كونه يتكلم # فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... بتوفيقه والله أعلى وأعلم # PageV03P940 # ورضي الله عن الشافعي حيث فتح للناس هذا الباب في قوله # يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض # إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافض # ورضي الله عن شيخنا إذ يقول # فإن كان نصبا ولاء الصحاب ... فإني كما زعموا ناصبي # وإن كان رفضا ولاء آله ... فلا برح الرفض من جانبي # هذا كله كأنه ms306 مأخوذ من قول الأول # وعيرني الواشون أني أحبها ... وذلك ذنب لست منه أتوب # وقول الآخر # فإن كان ذنبي حبكم وولاءكم ... فإني مصر ما بقيت على الذنب # وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار إليه أعرف الخلق به ~~بأصبعه رافعا لها إلى السماء يشهد # PageV03P941 # الجمع الأعظم مشيرا له أو أردتم بالجسم ما يقال أين هو فقد سأل أعلم ~~الخلق به عنه بأين منبها على علوه على عرشه وسمع السؤال بأين وأجاب عنه ولم ~~يقل هذا السؤال إنما يكون عن المجسم. # وإن أردتم بالجسم ما يلحقه من وإلى فقد نزل جبريل من عنده ونزل كلامه من ~~عنده وعرج برسوله إليه وإليه يصعد الكلم الطيب وعنده المسيح رفع إليه. # وإن أردتم بالجسم ما يتميز منه أمر عن أمر فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال ~~جميعها من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة وهذه صفات متميزة متغايرة ~~ومن قال إنها صفة واحدة فهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء وقد قال أعلم ~~الخلق به أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك والمستعاذ ~~به غير المستعاذ منه وأما استعاذته به منه فباعتبارين مختلفين فإن الصفة ~~المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها صفتان لموصوف واحد ورب واحد فالمستعيذ # PageV03P942 # بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذ بالموصوف بهما منه. # وإن أردتم بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى ~~وبيديه وبسمعه وبصره وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه. # وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويا على غيره فهو سبحانه فوق ~~عباده مستو على عرشه وكذلك إن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني التي دل ~~عليها الوحي والعقل فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى ~~وجناية على ألفاظ الوحي والعقل وحقائق صفات الرب أما الخطأ اللفظي فتسميتكم ~~الموصوف بذلك جسما مركبا مؤلفا مشبها لغيره وتسميتكم هذه الصفات تجسيما ~~وتركيبا وتشبيها فكذبتم على القرآن وعلى الرسول وعلى اللغة ووضعتم لصفاته ~~ألفاظا منكم بدأت وإليكم تعود وأما خطأكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم ms307 لصفات ~~كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب فنفيتم المعنى الحق وسميتموه بالاسم ~~المنكر وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء ولم يره فسأل عنه فقيل ~~له مائع رقيق أصفر يشبه العذرة تتقيأه الزنابير ومن لم يعرف العسل ينفر عنه ~~بهذا التعريف ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له ورغبة ~~فيه وما أحسن ما قال القائل: # PageV03P943 # تقول هذا جني النحل تمدحه ... وإن تشاء قلت ذا قيء الزنابير # مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير # وأشد ما حاول أعداء الرسول من التنفير عنه سوء التعبير عما جاء به وضرب ~~الأمثال القبيحة له والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ ~~منكرة ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين فوصلت إلى قلوبهم فنفرت منه وهذا ~~شأن كل مبطل وكل من يكيد الحق وأهله هذه طريقه ومسلكه وأكثر العقول كما ~~عهدت تقبل القول بعبارة وترده بعينه بعبارة أخرى وكذلك إذا قال الفرعوني لو ~~كان فوق السموات رب أو على العرش إله لكان مركبا قيل له لفظ المركب في ~~اللغة هو الذي ركبه غيره في محله كقوله تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك} ~~[الانفطار8] وقولهم ركبت الخشبة والباب أو ما تركب من أخلاط وأجزاء بحيث ~~كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمعت وركبت حتى صار شيئا واحدا كقولهم: # PageV03P944 # ركبت الدواء وركبت الطعام من كذا وكذا فإن أردتم بقولكم لو كان فوق العرش ~~كان مركبا هذا التركيب المعهود أو أنه كان متفرقا فاجتمع فهو كذب وفرية ~~وبهت على الله وعلى الشرع وعلى العقل. # وإن أردتم أنه لو كان فوق عرشه لكان عاليا على خلقه بائنا منهم مستويا ~~على عرشه ليس فوقه شيء فهذا المعنى حق وكأنك قلت لو كان فوق العرش لكان فوق ~~العرش فنفيت الشيء بتغيير العبارة عنه وقلبها إلى عبارة أخرى وهذا شأنكم في ~~أكثر مطالبكم. # وإن أردت بقولك كان مركبا أنه يتميز منه شيء عن شيء فقد وصفته أنت بصفات ~~يتميز بعضها عن بعض فهل كان هذا ms308 عندك تركيبا فإن قلت هذا لا يقال لي وإنما ~~يقال لمن أثبت شيئا من الصفات وأما أنا فلا أثبت له صفة واحدة فرارا من ~~التركيب قيل لك العقل لم يدل على نفي المعنى الذي سميته أنت تركيبا وهبك ~~سميته تركيبا وقد دل العقل والوحي والفطر على ثبوته أفتنفيه لمجرد تسميتك ~~الباطلة فإن التركيب يطلق ويراد به خمس معاني: تركيب الذات من الوجود ~~والماهية عند من يجعل وجودها زائدا على ماهيتها فإذا نفيت هذا التركيب ~~جعلته # PageV03P945 # وجودا مطلقا إنما هو في الأذهان لا وجود له في الأعيان. # الثاني: تركيب الماهية من الذات والصفات فإذا نفيت هذا التركيب جعلته ~~ذاتا مجردة عن كل وصف لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر ولا يريد ولا له ~~حياة ولا مشيئة ولا صفة أصلا فكل ذات في المخلوقات أكمل من هذه الذات ~~فاستفدت بنفيك هذا التركيب كفرك بالله وجحدك لذاته وصفاته وأفعاله فكان اسم ~~التركيب ملقيا لك في أعظم الكفر وموجبا لك أشد التعذيب. # الثالث: تركيب الماهية الجسمية من الهيولى والصورة كما يقوله الفلاسفة # الرابع: تركيبها من الجواهر الفردة كما يقوله كثير من أهل الكلام # الخامس: تركيب الماهية من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت وتركبت # فإن أردت بقولك لو كان فوق العرش لكان مركبا ما تدعيه الفلاسفة ~~والمتكلمون قيل لك جمهور العقلاء عندهم أن الأجسام المحدثة المخلوقة ليست ~~مركبة لا من هذا # PageV03P946 # ولا من هذا فلو كان فوق العرش جسم مخلوق محدث لم يلزم أن يكون مركبا بهذا ~~الاعتبار فكيف يلزم ذلك في حق خالق المفرد والمركب الذي يجمع المتفرق ويفرق ~~المجتمع ويؤلف بين الأجزاء فيركبها كما يشاء والعقل إنما دل على إثبات إله ~~واحد ورب واحد لا شريك له ولا شبيه له ولم يدل على أن ذلك الرب الواحد لا ~~اسم له ولا صفة له ولا وجه ولا يدين ولا هو فوق خلقه ولا يصعد إليه شيء ولا ~~ينزل منه شيء فدعوى ذلك على العقل كذب صريح عليه كما هي كذب صريح على الوحي ms309 ~~وكذلك قولهم ننزهه عن الجهة إن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به ~~وتحويه وتحصره إحاطة الظرف للمظروف وحصره له فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر ~~وأعلى ولكن لا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعنى. وإن أردتم بالجهة أمرا ~~يوجب مباينة الخالق للمخلوق وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه فنفيكم لهذا ~~المعنى باطل وتسميتكم له جهة اصطلاح منكم توسلتم به إلى نفي ما دل عليه ~~العقل والنقل والفطرة فسميتم ما فوق العالم جهة وقلتم منزه عن الجهات ~~وسميتم العرش حيزا وقلتم الرب ليس بمتحيز وسميتم الصفات # PageV03P947 # أعراضا وقلتم الرب منزه عن قيام الأعراض به وسميتم حكمته غرضا وقلتم إنه ~~منزه عن الأغراض وسميتم كلامه بمشيئته ونزوله إلى سماء الدنيا ومجيئه يوم ~~القيامة لفصل القضاء وإرادته ومشيئته المقارنة لمراده وإدراكه المقارن ~~لوجود المدرك وغضبه إذا عصى ورضاه إذا أطيع وفرحه إذا تاب إليه العباد ~~ونداءه لموسى حين أتى إلى الشجرة ونداءه للأبوين حين أكلا من الشجرة في ~~الجنة ونداءه لعباده يوم القيامة ومحبته لمن كان يبغضه في حال كفره ثم صار ~~يحبه بعد إيمانه وسميتم شؤون ربوبيته التي هو كل يوم في شأن منها حوادث ~~وقلتم الرب منزه عن حلول الحوادث وحقيقة هذا التنزيه أنه منزه عن الوجود ~~وعن الإلهية وعن الربوبية وعن الملك وعن كونه فعالا لما يريد بل عن الحياة ~~والقيومية ولا يتقرر كونه ربا للعالمين وإلها للعباد إلا بالتنزيه عن هذا ~~التنزيه والإجلال عن هذا الإجلال فانظر ماذا تحت تنزيه المعطلة النفاة ~~بقولهم ليس بجسم ولا جوهر ولا مركب ولا تقوم به الأعراض ولا يوصف بالأبعاض ~~ولا يفعل الأغراض ولا تحله الحوادث ولا تحيط به الجهات ولا يقال في حقه ~~أين. # وليس بمتحيز كيف كسوا حقائق أسمائه وصفاته وعلوه على خلقه واستوائه على ~~عرشه وتكليمه لعباده ورؤيتهم له بالأبصار في دار كرامته هذه الألفاظ ثم ~~توصلوا إلى نفيها # PageV03P948 # بواسطتها وكفروا وضللوا من أثبتها واستحلوا منه مالم يستحلوه من أعداء ~~الله من اليهود والنصارى فالله الموعد وإليه ms310 التحاكم وبين يديه التخاصم. # ونحن وإياهم نموت ... ولا أفلح عند الحساب من ندما # فصل # ومن ذلك لفظ العدل جعلته القدرية اسما لإنكار قدرة الرب على أفعال عباده ~~وخلقه لها ومشيئته فجعلوا إخراجها عن قدرته ومشيئته وخلقه هو العدل وجعل ~~سلفهم إخراجها عن تقدم علمه وكتابته من العدل وسموا أنفسهم بالعدلية وعمدوا ~~إلى إثبات عموم قدرته على كل شيء من الأعيان والأفعال وخلقه لكل شيء وشمول ~~مشيئته له فسموه حيزا ثم نفوا هذا المعنى الصحيح وعبروا عنه بهذا الاسم ~~المنكر واثبتوا ذلك المعنى الباطل وعبروا عنه بالاسم المعروف ثم سموا ~~أنفسهم أهل العدل والتوحيد وسموا من أثبت صفات الرب وأثبت قدره وقضاءه أهل ~~التشبيه والجبر. # وكذلك فعل الرافضة سواء سموا موالاة # PageV03P949 # الصحابة نصبا ومعاداتهم موالاة لأهل بيت رسول الله وكذلك المرجئة سموا من ~~قال في الإيمان بقول الصحابة والتابعين واستثنى فيه فقال أنا مؤمن إن شاء ~~الله شكاكا. # وهكذا شأن كل مبتدع وملحد وهذا ميراث من تسمية كفار قريش لرسول الله ~~وأصحابه الصبأة وصار هذا ميراثا منهم لكل مبطل وملحد ومبتدع يلقب الحق ~~وأهله بالألقاب الشنيعة المنفرة فإذا أطلقوا لفظ الجسم صوروا في ذهن السامع ~~جثة من الجثث الكثيفة أو بدنا له حامل يحمله وإذا قالوا مركبا صوروا في ~~ذهنه أجزاء كانت متفرقة فركبها مركب وهذا حقيقة المركب لغة وعرفا فإذا ~~قالوا يلزم أن تحله الحوادث صوروا في ذهنه ذاتا تعتور عليها الآفات وحوادث ~~الزمان وإذا قالوا لا تقوم به الأعراض صوروا في الذهن ذاتا تنزل بها ~~الأعراض النازلة بالمخلوقين كما مثل النبي ابن آدم وأمله # PageV03P950 # وأجله والأعراض إلى جانبه إن أخطأه هذا أصابه هذا. # وإذا قالوا يقولون بالحيز والجهة صوروا في الذهن موجودا محصورا بالأحياز ~~وإذا قالوا لزم الجبر صوروا في الذهن قادرا ظالما يجبر الخلق على ما لا ~~يريدون ويعاقبهم على ما لا يفعلون وإذا قالوا أنتم نواصب صوروا في الذهن ~~قوما نصبوا العداوة لآل رسول الله وأهل بيته واستحلوا حرماتهم وإذا قالوا ~~لمن قال أنا مؤمن إن شاء ms311 الله شكاكا صوروا في الذهن قوما يشكون في الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه لا يجزمون بذلك وإذا قالوا لمن أثبت ~~الصفات إنه مشبه صوروا في الذهن قوما يقولون إن الله مثلهم وله وجه كوجوههم ~~وسمع كأسماعهم وبصر كأبصارهم ويدان كأيديهم ونزول كنزولهم واستواء ~~كاستوائهم وفرح كفرحهم. وإذا قالوا حشوية صوروا في ذهن السامع قوما قد حشوا ~~في الدين ما ليس منه وأدخلوه فيه وهو حشو # PageV03P951 # لا أصل له فتنفر القلوب من هذه الألقاب وأهلها ولو ذكروا حقيقة قولهم لما ~~قبلت العقول السليمة والفطر المستقيمة سواه والله يعلم وملائكته ورسله وهم ~~أيضا أنهم براء من هذه المعاني الباطلة وأنهم أبعد الخلق منها وأن خصومهم ~~جمعوا بين أذى الله ورسوله بتعطيل صفاته وبين أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ~~ما اكتسبوا فقعدوا تحت قوله {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ~~ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب57 , 58] أفيظن ~~الجاهلون أنا نجحد صفات ربنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه وتكلمه ~~بالقرآن العربي وتكليمه لموسى حقيقة كلاما أسمعه إياه بغير واسطة وننكر ~~سمعه وبصره وعلمه وقدرته وحياته وإرادته ووجهه الكريم ويديه كلتا يديه يمين ~~اللتين يقبض سماواته بإحداهما والأرض بالأخرى ورؤية وجهه # PageV03P952 # الكريم في جنات عدن ومحبته ورضاه وفرحه بتوبة التائبين ونزوله إلى سماء ~~الدنيا حين يمضي شطر الليل ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق ~~لأسماء سموها هم وسلفهم ما أنزل الله بها من سلطان وألقاب وضعوها من تلقاء ~~أنفسهم لم يأت بها سنة ولا قرآن وشبهات قذفت بها قلوب ما استنارت بنور ~~الوحي ولا خالطتها بشاشة الإيمان وخيالات هي بتخييلات الممرورين وأصحاب ~~الهوس أشبه منها بقضايا العقل والبرهان ووهميات نسبتها إلى العقل الصحيح ~~كنسبة السراب إلى الإبصار في القيعان وألفاظ مجملة ومعان مشتبهة قد لبس ~~فيها الحق بالباطل فصار داحضا وكتمان فدعونا من هذه الدعاوي الباطلة التي ~~لا تفيد إلا إتعاب الإنسان وكثرة الهذيان وحاكمونا إلى الوحي والميزان ms312 لا ~~إلى منطق يونان ولا إلى قول فلان ورأي فلان فهذا كتاب الله ليس فوق بيانه ~~مرتبة في البيان وهذه سنة رسوله مطابقة له أعظم من مطابقة البنان للبنان ~~وهذه أقوال أعقل الأمم بعده والتابعين لهم بإحسان لا يختلف منهم في هذا ~~الباب إثنان ولا يوجد عنهم فيه قولان # PageV03P953 # متنافيان بل قد تتابعوا كلهم على إثبات الصفات وعلو الله على خلقه ~~واستوائه على عرشه وإثبات تكلمه وتكليمه وسائر ما وصف به نفسه ووصفه به ~~رسوله كتابع الأسنان وقالوا للأمة هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم ~~وإلى من بعدكم إلى آخر الزمان وهذا هو الذي نادى به المنادي وأذن به على ~~رؤوس الملأ في السر والإعلان فحي على الصلاة وراء هذا الإمام يا أهل ~~الإيمان وحي على الفلاح بمتابعته يا أهل القرآن والصلاة خير من النوم في ~~ظلمة ليلة الشكوك والإفك والكفران فلا تصح القدوة بمن أقر على نفسه وصدقه ~~المؤمنون بأنه تائه في بيداء الآراء والمذاهب حيران وأنه لم يصل إلى اليقين ~~بشيء منها لا هو ولا من قبله من أمثاله على تطاول الأزمان وأن غاية ما ~~وصلوا إليه الشك والتشكيك والحيرة ولقلقة اللسان فالحمد لله وسلام على ~~عباده الذين اصطفى وخصهم بكمال العقول وصحة الفطر ونور البرهان وجعلهم هداة ~~مهتدين مستبصرين مبصرين أئمة للمتقين يهدون بأمره ويبصرون بنوره ويدعون إلى ~~داره ويحاربون كل مفتن فتان فحي على خير العمل بمتابعةالمبعوث بالفرقان ~~وتحكيمه وتلقي حكمه # PageV03P954 # بالتسليم والقبول والإذعان ومقابلة ما خالف حكمه بالإنكار والرد والهوان ~~ومطاعنة المعارضين له بعقولهم بالسيف والسنان وإلا فبالقلم واللسان فالعقول ~~السليمة والفطر المستقيمة لنصوص الوحي يسجدان ويصدقان بما شهدت به ولا ~~يكذبان ويقران أن لها عليهما أعظم السلطان وأنهما إن خرجا عنها غلبا ولا ~~ينتصران وإن لم يخرجا عنها ظفرا بالهدى والعلم. # الوجه السابع والخمسون: إن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على ~~قواعد المسلمين المؤمنين بالنبوة حقا ولا على أصول أحد من أهل الملل ~~المصدقين بحقيقة النبوة وليست هذه المعارضه من الإيمان ms313 بالنبوة في شيء ~~وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة ويجربها على ~~أوضاعهم وأن الإيمان بالنبوة عندهم هو الاعتراف بموجود حكيم له طالع مخصوص ~~يقتضي طالعه أن يكون متبوعا فإذا أخبرهم بما لا تدركه عقولهم عارضوا خبره ~~بعقولهم وقدموها على خبره فهؤلاء هم الذين عارضوا بين العقل ونصوص الأنبياء ~~فعارضوا نصوص الأنبياء في باب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر في هذه الأصول الخمس بعقولهم فلم يصدقوا بشيء منها على # PageV03P955 # طريقة الرسل ثم سرت معارضتهم في المنتسبين إلى الرسل فتقاسموها تقاسم ~~الوارث لتركة مورثهم فكل طائفة كان الوحي على خلاف مذهبهم وقول من قلدوه ~~لجأوا إلى هذه المعارضة واعتصموا بها دون نصوص الوحي ومعلوم أن هذا يناقض ~~الإيمان بالنبوة وإن تناقض القائل به فغايته أن يثبت كون النبي رسولا ~~للعمليات دون العلميات أو في بعض العلميات التي أخبر بها دون البعض وهذا ~~أسوأ حالا ممن جعله رسولا إلى بعض الناس دون بعض فإن القائل بهذا يجعله ~~رسولا في العلميات والعمليات ولا يعارض بين خبره وبين العقل وإن تناقض في ~~جحده عموم رسالته بالنسبة إلى كل مكلف فهذا جحد عموم رسالته إلى المدعوين ~~وذاك جحد عموم رسالته في المدعو إليه المخبر به ولم يؤمن في الحقيقة ~~برسالته لا هذا ولا هذا فإنه يقال لهذا إن كان رسول الله إلى هؤلاءحقا فهو ~~رسوله إلى الآخرين قطعا لأنه أخبر بذلك ومن ضرورة تصديقه الإيمان بعموم ~~رسالته ويقال للآخر إن كان رسول الله في العمليات وإنها حق من عند الله فهو ~~رسوله في العلميات فإنه أخبر عنه بهذا وهذا. # PageV03P956 # الوجه الثامن والخمسون: إن أمر النبوة وما يخبر به الرسول عن الله به طور ~~آخر وراء مدارك الحس والعقل والخيال والوهم والمنام والكشف والعقل معزول ~~عما يدرك بنور النبوة وطرق الوحي كعزل السمع عن إدراك الأكوان والبصر عن ~~إدراك الأصوات وسائر الحواس عن إدراك المعقولات فكما أن العقل طور من أطوار ~~الآدمي يحصل فيه عين يبصر بها أنواعا من المعقولات والحواس ms314 معزولة عنها ~~فالنبوة طور آخر يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها أمور لا يدركها العقل ~~بل هو معزول عنها كعزل الحواس عن مدارك العقول فتكذيب ما يدرك بنور النبوة ~~يعجز العقل عن إدراكه وكونه معزولا عنه كتكذيب ما يدركه العقل لعجز الحواس ~~عن إدراكه وكونها معزولة عنه فإن الإنسان كما قال الله عز وجل {والله ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل78] فهو في أصل الخلقة خلق ~~خاليا ساذجا لا علم له بشيء من المعقولات ولا المحسوسات البتة فأول ما يخلق ~~فيه حاسة اللمس فيدرك بها أجناسا من الموجودات كالحرارة والرطوبة واليبوسة ~~واللين والخشونة وغيرها فاللمس قاصر عن الألوان والأصوات بل هي كالمعدومة ~~بالنسبة إليه ثم يخلق له البصر فيدرك به الألوان والأشكال والقرب والبعد ~~والصغر والكبر والطول والقصر والحركة والسكون وغير ذلك # PageV03P957 # ثم ينفتح له السمع فيسمع الأصوات الساذجة والنغمات ثم يترقى في مدارك هذه ~~الحاسة على التدريج حتى يسمع من البعد مالم يكن يسمعه قبل ذلك ويتفاوت ~~الناس في قوة هذين الإدراكين وضعفهما تفاوتا بينا حتى يدرك الواحد ما يجزم ~~الآخر بكذبه فيه والمدرك مشاهد له لا يمكنه تكذيب نفسه فيه وذنبه عند ~~المكذب له أنه اختص بإدراكه دونه ثم يخلق له الذوق فيدرك به تفاضل الطعوم ~~من الحلاوة والحموضة والمرارة وما بين ذلك مالم يكن له به شعور قبل ذلك ~~وكذلك الشم هو أكمله وليس عنده من المعقولات عين ولا أثر ولا حس ولا خبر ثم ~~يخلق فيه التمييز وهو طور آخر من أطوار وجوده فيدرك في هذا الطور أمورا أخر ~~زائدة على المحسوسات لم يكن يدركها قبل ذلك ثم يترقى إلى طور آخر يدرك به ~~الواجب والجائز والمستحيل وأن حكم الشيء حكم مثله والضد لا يجتمع مع ضده ~~والنقيضان إذا صدق أحدهما كذب الآخر ونحو ذلك من أوائل العلوم الضرورية ثم ~~يترقى إلى طور آخر يستنتج فيه العلوم النظرية من تلك الضروريات التي تقدم ~~علمه بها ثم يترقى في هذا الطور من أمر ms315 إلى أمر فوقه وأغمض منه نسبة ما ~~قبله إليه كنسبة الحس إلى العقل ثم وراء ذلك كله طور آخر نسبة ما قبله إليه ~~كنسبة أطوار # PageV03P958 # الإنسان إلى طور العقل أو دون هذه النسبة ينفتح فيه عين يبصر بها الغيب ~~وما سيكون في المستقبل وأمور العقل معزول عنها كعزل الحس عن مدركات العقل ~~وهذا هو طور النبوة الذي نسبة نور العقل المجرد إليه دون نسبة ضوء السراج ~~إلى الشمس فإنكار العقل لما يخبر به النبي عين الجهل ولا مستند له في ~~إنكاره إلا أنه لم يبلغه ولم يصل إليه فيظن أنه غير ثابت في نفسه يوضحه: # الوجه التاسع والخمسون: وهو أنك إذا جعلت العقل ميزانا ووضعت في أحد ~~كفتيه كثيرا من الأمور المشاهدة المحسوسة التي ينالها العيان ووضعت في ~~الكفة الأخرى الأمور التي أخبرت بها الرسل عن الله وأسمائه وصفاته وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وجدت ترجيحه لهذه الكفة وتصديقه بها فوق ترجيحه ~~للتي قبلها وتصديقه بها أقوى ولولا الحس والمشاهدة تمنعه من إنكار ذلك ~~لأنكره وهذه دعوى نعلم أنك تتعجب ممن يدعيها وتنسبه إلى المجازفة وقلة ~~التحصيل والخطابة التي تليق بالعامة ولعمر الله إن مدعيها ليعجب من إنكارك ~~لها وتوقفك فيها بعد البيان فنقول وبالله التوفيق انسب إلى # PageV03P959 # العقل حيوانا يرى ويسمع ويحس ويتكلم ويعمل فغشيه أمر ألقي له كأنه خشبة ~~لا روح فيها وزال إحساسه وإدراكه وتوارى عنه سمعه وبصره وعقله بحيث لا يعلم ~~شيئا فأدرك في هذه الحال من العلوم العجيبة والأمور الغائبة مالم يدركه حال ~~حضور ذهنه واجتماع حواسه ووفور عقله وعلم من أمور الغيب المستقبلة مالم يكن ~~له دليل ولا طريق إلى العلم به وأنسب إليه أيضا حيوانا خرج من إحليله مجة ~~ماء مستحيلة عن حصول الطعام والشراب كالمخطة فامتزجت بمثلها في مكان ضيق ~~فأقامت هناك برهة من الدهر فانقلبت دما قد تغير لونها وشلكها وصفاتها ~~فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت قطعة لحم فأقامت كذلك مدة ثم انقلبت عظاما ~~وأعصابا وعروقا وأظفارا مختلفة الأشكال والأوضاع وهي ms316 جماد لا إحساس لها ثم ~~عادت حيوانا يتحرك ويتغذى وينقلب ثم أقام ذلك الحيوان مدة طويلة في مكان لا ~~يجد فيه متنفسا وهو داخل أوعية بعضها فوق بعض ثم انفتح له باب ضيق عن مسلك ~~الذكر فلا يسلكه إلا بضغطه وعصره فوسع له ذلك الباب حتى خرج منه وانسب إليه ~~أيضا شيئا بقدر الحبة ترسله في مدينة عظيمة من أعظم المدن فيأكل المدينة ~~وكل من فيها ثم يقبل على نفسه فيأكلها # PageV03P960 # وهو النار وأنسب إليه أيضا شيئا بقدر بزر الخشخاش يحمله الإنسان بين ~~ثيابه مدة فينقلب حيوانا يتغذى بورق الشجر برهة ثم إنه يبني على نفسه قبابا ~~مختلفة الألوان من أبيض وأصفر وأحمر بناء محكما متقنا فيقيم في ذلك البناء ~~مدة من الزمان لا يتغذى بشيء البتة فينقلب في القبة طائرا له أجنحة يطير ~~بها بعد أن كان دودا يمشي على بطنه فيفتح على نفسه باب القبة ويطير وذلك ~~دود القز إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا مما يشاهد بالعيان مما لو جلي لمن لم ~~يره لعجب من عقل من حكاه له وقال وهل يصدق بهذا عاقل وضرورة العقل تدفع هذا ~~وأقام الأدلة العقلية على استحالته فقام في النائم مثلا القوى الحساسة ~~أسباب لإدراك الأمور الوجودية وآلة لها فمن لا يدرك الشيء مع وجودها ~~واستجماعها ووفورها فأن يتعذر عليه إدراكه مع وجودها وبطلان أفعالها أولى ~~وأحرى وهذا قياس أنت تجده أقوى من الأقيسة التي يعارض بها خبر الأنبياء ~~والحس والعيان يدفعه ومن له خبرة بمواد الأدلة وترتيب مقدماتها وله أدنى ~~بيان يمكن أن ينظم أدلة عقلية على استحالة كثير من الأمور المشاهدة ~~المحسوسة وتكون مقدمات تلك الأدلة من جنس مقدمات الأدلة التي تعارض بها ~~النصوص أو اصح منها وأنسب إلى العقل وجود ما أخبرت به الرسل عن الله # PageV03P961 # وصفاته وأفعاله وملائكته وعن اليوم الآخر وثبوت هذه الأمور التي ذكرنا ~~اليسير منها ومالم نذكره ولم يخطر لنا ببال أعجب من ذلك بكثير نجد تصديق ~~العقل بما أخبرت به الرسل أقرب إليه من ms317 تصديقه بهذه الأمور ولولا المشاهدة ~~لكذب بها فيالله العجب كيف يستجيز العقل إنكار ما أخبرت به الرسل بعد أن ~~رأى وعاين وسمع ما لولا الحس لأنكره غاية الإنكار ومن هاهنا قال من صح عقله ~~وإيمانه إن نسبة العقل إلى الوحي أدق وأقل بكثير من نسبة منادى سن التمييز ~~إلى العقل. # الوجه الستون: إن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي لا يمكنهم إثبات ~~الصانع بل نفيه بالكلية لازم قولهم لزوما بينا ولا أن العالم مخلوق له ولا ~~يمكنهم إقامة الدليل على استحالة إلهين ولا يمكنهم إقامة دليل واحد على ~~استحالة كون الصانع جسما ولا يمكنهم إثبات كونه عالما ولا قادرا ولا ربا ~~فهم عاجزون عن إثبات وجود الصانع فضلا عن تنزيهه ونقتصر من هذه الجملة على ~~بيان عجزهم عن إثبات وجوده سبحانه فضلا عن تنزيهه عن صفات كماله فنقول ~~المعارضون بين الوحي والعقل في الأصل هم الزنادقة المنكرون للنبوات وحدوث ~~العالم والمعاد ووافقهم في هذا الأصل الجهمية والمعطلة لصفات الرب وأفعاله # PageV03P962 # والطائفتان لم تثبت للعالم صانعا البتة فإن الصانع الذي أثبتوه وجوده ~~مستحيل فضلا عن كونه واجب الوجود قديما. # أما زنادقة الفلاسفة فإنهم أثبتوا للعالم صانعا لفظا لا معنى ثم لبسوا ~~على الناس وقالوا إن العالم صنعه وفعله وخلقه وهو في الحقيقة عندهم غير ~~مصنوع ولا مخلوق ولا مفعول ولا يمكن على أصلهم أن يكون العالم مخلوقا ولا ~~مفعولا قال أبو حامد وذلك لثلاثة أوجه: # وجه في الفاعل ووجه في الفعل ووجه في نسبة مشتركة بين الفعل والفاعل أما ~~الذي في الفاعل فهو أنه لا بد أن يكون مريدا مختارا عالما بما يريده حتى ~~يكون فاعلا لما يريده والله تعالى عندهم ليس مريدا بل لا صنعة له أصلا وما ~~يصدر عنه فيلزم لزوما ضروريا. # والثاني: أن العالم قديم عندهم والفعل هو الحادث # والثالث: أن الله تعالى عندهم واحد من كل وجه # PageV03P963 # والواحد لا يصدر عنه عندهم إلا واحد والعالم مركب من مختلفات فكيف يصدر ~~عنه قال ولنحقق وجه كل واحد من هذه ms318 الوجوه الثلاثة مع جدالهم في دفعه فنقول ~~الفاعل عبارة عمن يصدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار ومع ~~العلم بالمراد وعندهم أن العالم مع الله كالمعلول مع العلة يلزم لزوما ~~ضروريا لا يتصور من الله دفعه كلزوم الظل للشخص والنور للشمس وليس هذا من ~~الفعل في شيء بل من قال إن السراج يفعل الضوء والشخص يفعل الظل فقد تجوز ~~وتوسع في التجوز توسعا خارجا عن الحد واستعار اللفظ اكتفاء بوقوع المشاركة ~~بين المستعار له والمستعار منه في وصف واحد وهو أن الفاعل سبب على الجملة ~~والسراج سبب للضوء والشمس سبب # PageV03P964 # للنور والفاعل لم يسم فاعلا صانعا بمجرد كونه سببا بل بكونه سببا على وجه ~~الإرادة والاختيار حتى لو قال قائل الجدار ليس بفاعل والحجر ليس بفاعل ~~والجماد ليس بفاعل وإنما الفعل للحيوان لم ينكر ذلك ولم يكن قوله كذبا ~~وللحجر فعل عندهم وهو الهوي إلى السفل والميل إلى المركز كما أن للنار فعلا ~~وهو التسخين وللحائط فعلا وهو الميل إلى المركز ووقوع الظل لأن ذلك صادر ~~عنه وهذا محال. # قال فإن قيل كل موجود ليس بواجب الوجود لذاته بل هو موجود بغيره فإنا ~~نسمي ذلك الشيء # PageV03P965 # مفعولا ونسمي سببه فاعلا ولا نبالي كان المسبب فاعلا بالطبع أو بالإرادة ~~كما أنكم لا تبالون أنه كان فاعلا بآلة أو بغير آلة بل الفعل جنس ينقسم إلى ~~ما يقع بآلة وإلى ما يقع بغير آلة فكذلك هو جنس ينقسم إلى ما يقع بالطبع ~~وإلى ما يقع بالاختيار بدليل أنا إذا قلنا فعل بالطبع لم يكن قولنا بالطبع ~~ضدا لقولنا فعل ولا دفعا ولا نقضا له بل كان بيانا لنوع الفعل كما أنا إذا ~~قلنا فعل مباشرة بغير آله لم يكن نقضا بل كان تنويعا وبيانا وإذا قلنا فعل ~~بالاختيار لم يكن تكرارا بل كان بيانا لنوع الفعل كقولنا فعل بآلة ولو كان ~~قولنا فعل يتضمن الإرادة وكانت الإرادة ذاتية للفعل من حيث إنه فعل لكان ~~قولنا فعل بالطبع متناقضا كقولنا فعل ms319 وما فعل. # قلنا هذه التسمية فاسدة لا يجوز أن يسمى كل سبب # PageV03P966 # بأي وجه كان فاعلا ولا كل سبب مفعولا ولو كان ذلك ما صح أن يقال الجماد ~~لا فعل له وإنما الفعل للحيوان وهذه من الكليات المشهورة الصادقة فإن سمي ~~الجماد فاعلا فبالإستعارة كما يسمى طالبا مريدا على سبيل المجاز إذ يقال ~~الحجر يهوي لأنه يريد المركز ويطلبه والطلب والأمر حقيقة لا يتصور إلا مع ~~العلم بالمراد المطلوب فلا يتصور إلا مع الحيوان. # وأما قولكم إن قولنا فعل عام وينقسم إلى ما هو بالطبع وإلى ما هو ~~بالإرادة غير مسلم وهو كقول القائل قولنا أراد عام وينقسم إلى من يريد مع ~~العلم بالمراد وإلى من يريد ولا يعلم ما يريد وهو فاسد إذ الإرادة تتضمن ~~العلم بالضرورة وكذلك الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة. # وأما قولكم إن قولنا فعل بالطبع ليس بنقض # PageV03P967 # للأول فليس كذلك فإنه نقض له من حيث الحقيقة ولكنه لا يسبق إلى الفهم ~~التناقض ولا يشتد نفور الطبع عنه فإنه لما أن كان سببا بوجه ما والفاعل ~~أيضا سبب سمي فعلا مجازا. # وإذا قال فعل بالاختيار فهو تكرير على التحقيق كقوله أراد وهو عالم بما ~~أراد إلا أنه لما تصور أن يقال فعل وهو مجاز ويقال فعل وهو حقيقة لم تنفر ~~النفس عن قوله فعل بالاختيار وكان معناه فعل فعلا حقيقيا لا مجازيا كقول ~~القائل تكلم بلسانه ونظر بعينه فإنه لما جاز أن يستعمل النظر في القلب ~~مجازا أو الكلام في تحريك الرأس واليد مجازا لم يستقبح أن يقال قال بلسانه ~~ونظر بعينه ويكون معناه نفي احتمال المجاز فهذه مزلة القدم. # PageV03P968 # فإن قيل تسمية الفاعل إنما تعرف من اللغة وإلا فقد ظهر في العقل أن ما ~~يكون سببا للشيء ينقسم إلى ما يكون مريدا وإلى مالا يكون فوقع النزاع في أن ~~اسم الفاعل على كلا القسمين حقيقة أم لا. # إذ العرب تقول النار تحرق والثلج يبرد والسيف يقطع والخبز يشبع والماء ~~يروي فقولنا يقطع معناه يفعل القطع وقولنا ms320 تحرق معناه تفعل الإحراق فإن ~~قلتم إن ذلك مجاز فأنتم متحكمون من غير مستند قال والجواب أن ذلك بطريق ~~المجاز وإنما الفعل الحقيقي ما يكون بالإرادة والدليل عليه أنا لو فرضنا ~~حادثا توقف حصوله على أمرين أحدهما إرادي والآخر غير إرادي أضاف العقل ~~الفعل إلى الإرادي فكذا اللغة فإن من ألقى إنسانا في نار فمات فيقال هو ~~القاتل دون النار حتى إذا قيل ما قتله إلا فلان كان صادقا فإن كان اسم # PageV03P969 # الفاعل على المريد وعلى غير المريد على وجه واحد لا بطريق كون أحدهما ~~أصلا والأخر مستعارا فلم يضاف القتل إلى المريد لغة وعرفا وعقلا مع أن ~~النار هي العلة القريبة في القتل وكأن الملقي لم يتعاط إلا الجمع بينه وبين ~~النار ولكن لما كان الجمع بالإرادة وتأثير النار بغير إرادة سمي قاتلا ولم ~~تسم النار قاتلة إلا بمعنى استعارة فعلم أن الفاعل من يصدر الفعل عن إرادته ~~وإذا لم يكن الله مريدا عندهم ولا مختارا لفعل العالم لم يكن صانعا ولا ~~فاعلا إلا مجازا فإن قيل نحن نعني بكون الله فاعلا أنه سبب لوجود كل موجود ~~سواه وأن العالم قوامه به ولولا وجود الباري لما تصور وجود العالم ولو قدر ~~عدم الباري لانعدم العالم كما لو قدر عدم الشمس لانعدم الضوء فهذا ما نعنيه ~~بكونه فاعلا فإن كان الخصم يأبى أن يسمي هذا المعنى فعلا فلا مشاحة في ~~الأسامي # PageV03P970 # بعد ظهور المعنى قلنا غرضنا أن نبين أن هذا المعنى لا يسمى فعلا وصنعا ~~وإنما يسمى بالفعل والصنع ما يصدر عن الإرادة حقيقة وقد نفيتم حقيقة معنى ~~الفعل ونطقتم بلفظه تجملا بالإسلاميين ولا يتم الدين بإطلاق الألفاظ ~~الفارغة عن المعاني فصرحوا بأن الله لا فعل له حتى يتضح أن معتقدكم مخالف ~~لدين المسلمين ولا تلبسوا بقولكم إن الله صانع العالم وإن العالم صنعه فإن ~~هذه لفظة أطلقتموها ونفيتم حقيقتها ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا ~~التلبيس فقط ثم ساق الكلام إلى آخر المسألة قلت ولا ريب أن أصولهم التي ms321 ~~عارضوا بها الوحي تنفي وجود الصانع فضلا عن كونه صانعا للعالم بل تجعله ~~ممتنع الوجود فضلا عن كونه واجب الوجود لأن الصفات التي وصفوه بها صفات ~~معدوم ممتنع في العقل والخارج فلا العقل يتصور إلا على سبيل الفرض الممتنع ~~كما يفرض المستحيلات ولا يمكن في الخارج وجوده فإن ذاتا هي وجود مطلق لا ~~ماهية لها سوى الوجود المطلق المجرد على # PageV03P971 # كل ماهية ولا صفة لها البتة ولا فيها معنيان متغايران في المفهوم ولا هي ~~هذا العالم ولا صفة من صفاته ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه ولا متصلة به ولا ~~منفصلة عنه ولا مجانبة له ولا مباينة ولا فوقه ولا تحته ولا يمينه ولا ~~يسرته ولا ترى ولا يمكن أن ترى ولا تدرك شيئا ولا تدرك هي بشيء من الحواس ~~ولا هي متحركة ولا ساكنة ولا توصف بغير السلوب والإضافات العدمية ولا نعتت ~~بشيء من الأمور الثبوتية هي بامتناع الوجود أحق منها بإمكان الوجود فضلا عن ~~وجوبه وتكليف العقل بالإعتراق بوجود هذه الذات ووجوبها كتكليفه الجمع بين ~~النقيضين ومعلوم أن مثل هذه الذات لا تصلح لفعل ولا ربوبية ولا إلهية وأي ~~ذات فرضت في الوجود فهي أكمل منها فالذي جعلوه واجب الوجود هو أعظم استحالة ~~من كل ما يقدر مستحيلا فلا يكثر عليهم بعد هذا إنكارهم لصفاته كعلمه وقدرته ~~وحياته وسمعه وبصره ولا إنكارهم لكلامه وتكليمه فضلا عن استوائه على عرشه ~~ونزوله إلى سماء الدنيا ومجيئه وإتيانه وفرحه وحبه وغضبه ورضاه فمن هدم ~~قواعد البيت من أصلها هان عليه هدم السقف والجدران ولهذا كان # PageV03P972 # حقيقة قول هؤلاء القول بالدهر وإنكار الخالق بالكلية وقولهم {وقالوا ما ~~هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية24] وإنما ~~صانعوا المسلمين بألفاظ لا حقيقة لها واشتق إخوانهم الجهمية النفي والتعطيل ~~من أصولهم فسدوا على أنفسهم طريق العلم بإثبات الخالق وتوحيده بمشاركتهم ~~لهم في الأصل المذكور وإن باينوهم في بعض لوازمهم كإثباتهم كون الرب تعالى ~~قادرا مريدا فاعلا بالاختيار وإثباتهم معاد الأبدان والنبوة ms322 ولكن لم يثبتوا ~~ذلك على الوجه الذي جاءت به الرسل ولا نفوه نفي إخوانهم الملاحدة بل اشتقوا ~~مذهبا بين المذهبين وسلكوا طريقا بين الطريقين لا للملاحدة فيه وافقوا ولا ~~للرسل اتبعوا ولهذا عظمت بهم البلية على الإسلام وأهله بانتسابهم إليه ~~وظهورهم في مظهر ينصرون به الإسلام ويردون به على الملاحدة فلا للإسلام ~~نصروا ولا لأعدائه كسروا بل أتباع الرسل كفروهم وضللوهم وصاحوا بهم من ~~أقطار الأرض امتازوا من المسلمين أيها المعطلون وانحازوا إلى إخوانكم من ~~الملاحدة الذين هم بربهم يعدلون وخلوا عن نصوص الوحي فكم بها تتلاعبون فمرة ~~تقولون هي أدلة لفظية معزولة عن إفادة العلم واليقين ومرة تقولون هي مجازات ~~واستعارات لا حقيقة لها عند العارفين ومرة تقولون: # PageV03P973 # لا سبيل إلى تحكيمها والالتفات إليها وقد عارضها المعقول وقواطع البراهين ~~ومرة تقولون أخبار أحاد فلا يحتج بها في المسائل القطعية التي يطلب منها ~~اليقين فأرضيتم بذلك إخوانكم من الملاحدة أعداء الدين وكنتم بذلك لهم ~~موافقين فصالوا عليكم به فيما أثبتموه وكنتم به من الإسلام وأهله متقربين ~~وصال عليكم المسلمون بما وافقتم فيه إخوانكم من الضلال المبين فتدافعكم ~~الفريقان تدافع الكرة بين الضاربين فدعونا من التلبيس والمصانعة بالله هل ~~أثبتم للعالم ربا بائنا عنه وهل عندكم فوق العرش إله يعبد ويصلى له ويسجد ~~أم ليس فوق العرش إلا العدم الذي لا شيء هو وهل أثبتم لصانع العالم سبحانه ~~صفة ثبوتية تقوم به فهل أثبتم له علما حقيقة وسمعا وبصرا وحياة ومشيئة ~~وإرادة حقيقية وهل تعتقدون أنه تكلم أو كلم أحدا حقيقة أو أمر أو نهي أو ~~قال أو يقول أو نادى أو ينادي أو أخبر أو نبأ أو أنبأ أو عهد أو وصى أو ~~خاطب أو ناجى أو أثنى على نفسه أو على أحد من خلقه أو قال قط {إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا} [طه14] أو نزل من عنده شيء أو صعد إليه شيء أو قام به # PageV03P974 # فعل البتة يجب أن يكون به فاعلا أو قام به حب أو ms323 بغض أو رضى أو سخط أو له ~~وجه أعلى أو خلق آدم بيديه أو غرس جنة عدن بيده أو كتب التوراة بيده أو ~~يقبض سمواته السبع بيده والأرضين السبع بيده أو كتب بيده كتابا فهو عنده ~~موضوع على العرش إن رحمته سبقت غضبه أو يراه أنبياؤه ورسله والمؤمنون في ~~دار الجزاء فضلا عن أن يتجلى لهم من فوقهم يضحك إليهم ويسلم عليهم فبالله ~~هل لهذا كله عندكم حقيقة أم إذا تجملتم وأجملتم قلتم كل ذلك مجازات ~~واستعارت ليس له حقيقة فاسألوا بالله إذن إخوانكم من أرباب المعقولات هل ~~يصدق أحد منكم أن إنسانا خلق من تراب وأنه يعود حيا بعدما صار إلى التراب ~~وأن عصا انقلبت فصارت حية عظيمة أكلت ما مرت عليه # PageV03P975 # ثم انقلبت فصارت عصا كما كانت وأن يدا خرجت بيضاء لها ضوء مثل ضوء الشمس ~~وأن بحرا من بحار العالم انفلق بعسكر عظيم اثني عشر طريقا وصار الماء بين ~~الطرق كالحيطان وأن جبلا قلع من موضعه على قدر عسكر عظيم ووقف على رؤوسهم ~~بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه عيانا ثم عاد إلى مكانه وأن حجرا مربعا ~~يحمل مع قوم يضرب بعصا فينفجر منه اثنا عشر نهرا كل نهر لطائفة عظيمة ~~يختصون بمشربه لا يشركهم فيه الآخرون وأن قتيلا ضرب بعضو من بقرة مذبوحة ~~فقام القتيل حيا وأن إنسانا رمي به في نار تأجج فلم تحرق منه شيئا وعادت ~~خضراء وروضة وأن مدائن قلعت من أصولها كما يقلع الشجر ثم رفعت في الهواء ثم ~~قلبت بمن فيها فماتوا موتة رجل واحد وأن صخرة تمخضت وتحركت ثم انفلقت عن ~~ناقة كأحسن النوق وأن قمرا انشق في السماء شقتين ثم عاد فالتأم كما كان وأن ~~يدا وضعت في ماء لا يغمرها فتفجر # PageV03P976 # الماء من بين أصابعها وثار كأمثال العيون حتى روي منه عسكر عظيم جرار ~~وملئوا منه كل قربة وكل إناء معهم وأن رجلا ولد من غير أب وأن امرأة ولدت ~~من غير أم وأن رجلا حمل من مكة ms324 إلى بيت المقدس ثم رفع حتى جاوز السموات ~~السبع ثم عاد إلى فراشه في ليلته وأن عسكرا عظيما قاموا بدوابهم وخدمهم ~~وعددهم على بساط واحد بين السماء والأرض عل متن الريح مسيرة شهر في مقدار ~~غدوة من النهار ثم يرجعون في مقدار ذلك ولا تمس ركابهم الأرض فبالله يا ~~أرباب المعقولات ويا أهل الذاتي والعرضي وأهل المقولات العشر والكليات ~~الخمس ويا أهل المختلطات والموجهات والقضايا المسورات والمهملات ويا أهل ~~الشكل الأول والثاني والثالث # PageV03P977 # والرابع وأصحاب القياس الحملي والشرطي وأهل العقول المقدمة بزعم أربابها ~~على الوحي هل تصدقون بشيء من هذا وهل يصدق أفراخكم وتلامذتكم بشيء مما ~~ذكرنا من شأن الربوبية أم التكذيب بها وهذا ثمرة عقولكم وحاصل معقولكم. # فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... عاديتم المعقول والمنقولا # وطلبتم أمرا محالا وهو إدراك ... الهدى لا تبتغون رسولا # وزعمتم أن العقول كفيلة ... بالحق أين العقل كان كفيلا # وهو الذي يقضي فينقض حكمه ... عقل ترون كليهما معقولا # PageV03P978 # وتراه يجزم بالقضاء وبعد ذا ... يلفى لديه باطلا معلولا # لا يستقل العقل دون هداية ... بالوحي تأصيلا ولا تفصيلا # كالطرف دون النور ليس بمدرك ... حتى يراه بكرة وأصيلا # وإذا الظلام تلاطمت أمواجه ... وطمعت بالإبصار كنت محيلا # فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها ... فالعقل لا يهديك قط سبيلا # نور النبوة مثل نور الشمس ... للعين البصيرة فاتخذه دليلا # طرق الهدى مسدودة إلا على ... من أم هذا الوحي والتنزيلا # فإذا عدلت عن الطريق تعمدا ... فاعلم بأنك ما أردت وصولا # يا طالبا درك الهدى بالعقل ... دون النقل لن تلق لذاك دليلا # كم رام قبلك ذاك من متلذذ ... حيران عاش مدى الزمان جهولا # PageV03P979 # ما زالت الشبهات تغزو قلبه ... حتى تشحط بينهن قتيلا # فتراه بالكلي والجزئي والذاتي ... والعرضي طول زمانه مشغولا # فإذا أتاه الوحي لم يأذن له ... ويقوم بين عداه مثيلا # ويقول تلك أدلة لفظية ... معزولة عن أن تكون دليلا # وإذا تمر عليه قال لها إذهبي ... نحو المجسم أو خذي التأويلا # وإذا أبت إلا النزول عليه كان ... لها القرى التحريف والتبديلا # فيحل بالأعداء ما تلقاه من ms325 ... كيد يكون لحقها تعطيلا # PageV03P980 # واضرب لهم مثلا بعميان خلوا ... في ظلمة لا يهتدون سبيلا # فتصادموا بأكفهم وعصيهم ... ضربا يدير رحا القتال طويلا # حتى إذا ملوا القتال رأيتهم ... مشجوجا أو مفجوجا أو مقتولا # وتسامع العميان حتى أقبلوا ... للصلح فازداد الصياح عويلا # الوجه الحادي والستون: وهو أن الطرق التي سلكها هؤلاء المعارضون بين ~~الوحي والعقل في إثبات الصانع هي بعينها تنفي وجوده فإنها متضمنة لنفي ~~صفاته وأفعاله صريحا وهي تنفي وجوده لزوما فإن هؤلاء المعارضين صنفان ~~الفلاسفة والجهمية: # أما الفلاسفة فأثبتوا وجود الصانع بطريق التركيب وهو أن الأجسام مركبة ~~والمركب يفتقر إلى أجزائه وكل مفتقر ممكن والممكن لا بد له من وجود واجب ~~وتستحيل الكثرة في ذات الواجب بوجه من الوجوه إذ يلزم # PageV03P981 # تركيبه وافتقاره وذلك ينافي وجوبه وهذا هو غاية توحيدهم وبه أثبتوا ~~الخالق على زعمهم ومعلوم أن هذا من أعظم الأدلة على نفي الخالق فإنه ينفي ~~قدرته ومشيئته وعلمه وحياته إذ لو ثبتت له هذه الصفات بزعمهم لكان مركبا ~~والمركب مفتقر إلى غيره فلا يكون واجبا بنفسه وفي هذه الشبهة من التلبيس ~~والتدليس والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ما يطول وصفه وقد انتدب ~~لإفسادها جنود الإسلام على اختلاف مذاهبهم فإن المركب لفظ مجمل يراد به ما ~~ركبه غيره وما كان متفرقا فاجتمعت أجزاؤه وما يمكن تفريق بعضه عن بعض والله ~~سبحانه منزه عن هذه التراكيب ويراد به في اصطلاح هؤلاء ماله ماهية خاصة ~~يتميز بها عن سائر الماهيات وما له ذات وصفات بحيث يتميز بعض صفاته عن بعض ~~وهذا ثابت له سبحانه وإن سماه هؤلاء تركيبا كما تقدم وكذلك لفظ الافتقار ~~لفظ مجمل يراد به فقر الماهية إلى موجد غيرها بتحقيق وجودها به والله ~~سبحانه غني عن هذا الافتقار ويراد به أن الماهية مفتقرة في ذاتها إلى ذاتها ~~ولا قوام لذاتها إلا بذاتها وأن الصفة لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بالموصوف ~~وهذا المعنى حق وإن سماه هؤلاء الملبسون فقرا وكذلك لفظ الغير فيه إجمال ~~يراد بالغيرين ما مفارقة أحدهما للآخر ذاتا ms326 أو مكانا أو زمانا فصفات القديم # PageV03P982 # سبحانه ليست غيرا له بهذا الاعتبار ويراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما ~~دون الآخر وهذا المعنى حق في ذاته وصفاته سبحانه وإن سماها هؤلاء أغيارا. # فإن المخلوق يعلم من الخالق صفة بعد صفة وقد قال أعلم الخلق به: "لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وهذا لكثرة أسمائه وصفات كماله ونعوت ~~جلاله وقال: "أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك" والمستعاذ به غير ~~المستعاذ منه والمقصود أن تسمية هذا تركيبا وافتقارا وغيرا وضع وضعه هؤلاء ~~وليس الشأن في الألفاظ إنما الشأن في المعاني وقولهم إنه مفتقر إلى جزئية ~~تلبيس فإن القديم الموصوف بالصفات اللازمة له تمتنع أن تفارقه صفاته وليست ~~له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال إن تلك الحقيقة مفتقرة إلى غيرها وإن ~~سميت تلك الصفة غيرا فالذات والصفات متلازمان لا يوجد أحدهما إلا مع # PageV03P983 # الآخر وهذا التلازم لا يقتضي حاجة الذات والصفات إلى موجد أوجدها وفاعل ~~فعلها والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرا إلى ما هو خارج عن نفسه فإما أن ~~لا يكون له صفة ولا ذات ولا يتميز منه أمر عن أمر فلا يلزم ذلك من وجوبه ~~وكونه غنيا بنفسه عن كل ما سواه فقول الملبس إنه مفتقر إلى ذلك كقوله لو ~~كان له ماهية لكان مفتقرا إلى ماهيته والله سبحانه اسم للذات المتصفة بكمال ~~العلم والقدرة والحياة والمشيئة وسائر صفات الكمال ليس اسما لذات مجردة عن ~~الأوصاف والنعوت فكل ذات أكمل من هذه الذات تعالى الله عن قول الملحدين في ~~أسمائه وصفاته علوا كبيرا والمقصود أن هذه الطريق التي سلكها هؤلاء في ~~إثبات الصانع هي أعظم الطرق في نفيه وإنكار وجوده وكذلك كان سالكوها لا ~~يؤمنون بالله ولا بملائكته وكتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر وإن صانع من ~~صانع منهم لأهل الملل بألفاظ لا حاصل لها. # فصل # وأما المتكلمون فلما رأوا بطلان هذه الطريق عدلوا عنها إلى طريق الحركة ~~والسكون والاجتماع # PageV03P984 # والافتراق وتماثل الأجسام وتركبها من الجواهر ms327 المفردة وأنها قابلة ~~للحوادث وما يقبل الحوادث فهو حادث فالأجسام كلها حادثة فإذا يجب أن يكون ~~لها محدث ليس بجسم فنفوا العلم بإثبات الصانع على حدوث الأجسام واستدلوا ~~على حدوثها بأنها مستلزمة للحركة والسكون والاجتماع والافتراق ثم قالوا إن ~~تلك أعراض والأعراض حادثة ومالا يخلو عن الحوادث فهو حادث فاحتاجوا في هذه ~~الطريق إلى إثبات الأعراض أولا ثم إثبات لزومها للجسم ثانيا ثم إبطال حوادث ~~لا أول لها ثالثا ثم التزام بطلان حوادث لا نهاية لها رابعا عند فريق منكم ~~وإلزام الفرق عند فريق آخر ثم إثبات الجوهر الفرد خامسا ثم إلزام كون العرض ~~لا يبقى زمانين سادسا فيلزم حدوثه والجسم لا يخلو منه ومالا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث ثم إثبات تماثل الأجسام سابعا فيصح على بعضها ما يصح على ~~جميعها فعلمهم بإثبات الخالق سبحانه مبني على هذه الأمور الشنيعة فلزمهم من ~~سلوك هذه الطريق إنكار كون الرب تعالى فاعلا في الحقيقة وإن سموه فاعلا ~~بألسنتهم فإنه لا يقوم به عندهم فعل وفاعل بلا فعل كقائم بلا قيام وضارب ~~بلا ضرب وعالم بلا علم وضم الجهمية إلى ذلك أنه لو قام به صفة لكان جسما ~~ولو كان جسما لكان حادثا # PageV03P985 # فيلزم من إثبات صفاته إنكار ذاته فعطلوا صفاته وأفعاله بالطريق الذي ~~أثبتوا بها وجوده فكانت أبلغ الطرق في تعطيل صفاته وأفعاله وعن هذه الطريق ~~أنكروا علوه على عرشه وتكلمه بالقرآن وتكليمه لموسى ورؤيته بالأبصار في ~~الآخرة ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة ومجيئه لفصل القضاء بين الخلائق ~~وغضبه ذلك اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وجميع ما وصف ~~به نفسه من وصف ذاتي أو معنوي أو فعلي فأنكروا وجهه الأعلى وأنكروا أن له ~~يدين وأن له سمعا وبصرا وحياة وأنه يفعل ما شاء حقيقة وإن سمي فاعلا فلم ~~يستحق ذلك الفعل الذي قام به بل فعله هو عين مفعوله. # PageV03P986 # وكذلك الطريق التي سلكوها في إثبات النبوة لم يثبتوا بها نبوة في الحقيقة ~~فإنهم بنوها على ms328 مجرد خرق العادة وهو مشترك بين النبي وغيره وحاروا في ~~الفرق فلم يأتوا فيه بما يثلج له الصدر ولا يحصل به برد اليقين مع أن ~~النبوة التي أثبتوها لا ترجع إلى وصف وجودي بل هي تعلق الخطاب الأزلي ~~بالنبي والتعلق عندهم أمر عدمي فعادت النبوة عندهم إلى أمر عدمي وقد صرحوا ~~بأنها لا ترجع إلى صفة ثبوتية قائمة بالنبي وأيضا فحقيقة النبوة والرسالة ~~إنباء الله سبحانه وتعالى لرسوله وأمره بتبليغ كلامه إلى عباده وعندهم أن ~~الله لا يتكلم ولا يقوم به كلام. # وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد وقالوا لا ~~يتأتى التصديق بالمعاد إلا بإثباته وهو في الحقيقة باطل لا أصل له ~~والمثبتون له يعترفون بأن القول به في غاية الإشكال وأدلته متعارضة وكثير ~~منهم له قولان في إثباته ونفيه وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور ~~العقلاء ولم يوافقوا ما جاءت به الأنبياء فقالوا إن الله سبحانه يعدم أجزاء ~~العالم كلها حتى تصير عدما محضا ثم يعيد المعدوم ويقلبه وجودا حتى إن يعيد ~~زمنه # PageV03P987 # بعينه وينشئوه لا من مادة كما قالوا في المبدأ فجنوا على العقل والشرع ~~وأغروا أعداء الشرع به وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل. # وأما المبدأ فإنهم قالوا كان الله سبحانه معطلا في الأزل والفعل غير ممكن ~~مع قولهم كان قادرا عليه ثم صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من غير تجدد أمر ~~أصلا وانقلب الفعل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي وذات الفاعل قبل ~~الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها بين ~~الوحي والعقل وهذه طرقهم العقلية التي لم يثبتوا بها ربا ولا رسالة ولا ~~مبدأ ولا معادا ونحن إنما أشرنا إلى ذلك أدنى إشارة وإلا فبسط ذلك في غير ~~هذا الموضع وقد بسطه شيخنا في عامة كتبه المطولات والمبسوطات وبينه بيانا ~~شافيا فمن أحب الوقوف عليه وجده في مظانه وبالله التوفيق. # الوجه الثاني والستون: إن هؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم ارتكبوا أربع ~~عظائم إحداها ردهم ms329 لنصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم الثانية إساءة ~~الظن به وجعله منافيا للعقل مناقضا له الثالثة جنايتهم على العقل بردهم # PageV03P988 # ما يوافق النصوص من المعقول فإن موافقة العقل للنصوص التي زعموا أن العقل ~~يردها أظهر للعقل من معارضته لها الرابعة تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم لمن ~~خالفهم في أصولهم التي اخترعوها وأقوالهم التي ابتدعوها مع أنها مخالفة ~~للعقل والنقل فصوبوا رأي من تمسك بالقول المخالف للعقل والنقل وخطأوا من ~~تمسك بما يوافقهما وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورا ولم يشرق على قلبه ~~نور النبوة. # الوجه الثالث والستون: أن من عارض بين الوحي والعقل فقد قال بتكافؤ ~~الأدلة لأن العقل الصحيح لا يكذب والوحي أصدق منه وهما دليلان صادقان فإذا ~~تعارضا تكافآ فإن لم يقدم أحدهما بقي في الحيرة والشك وإن قدم أحدهما على ~~الآخر أبطل موجب الدليل الصحيح وأخرجه عن كونه دليلا فيبقى حائرا بين أمرين ~~لا بد له من أحدهما إما أن يسيء الظن بالوحي أو بالعقل والعقل عنده أصل ~~الوحي فلا يمكنه أن يسيء الظن به فيسطو على الوحي تارة بالتحريف والتأويل ~~وتارة بالتخييل وتارة بالدفع والتكذيب إن أمكن وذلك في نصوص السنة # PageV03P989 # وتارة يدعي ذلك في نصوص القرآن كما يدعيه غلاة الرافضة وكثير من القرامطة ~~وأشباههم وهذا كله إنما نشأ من ظنونهم الفاسدة أن العقل الصحيح يعارض الوحي ~~الصريح وأما أهل العلم والإيمان أهل السمع والنقل فعندهم أن فرض هذه ~~المسألة محال وأن فرضها كفرض مسألة إذا تعارض العقل وأدلة ثبوت النبوة ~~والرسالة وإذا تعارض العقل وأدلة ثبوت الخالق وتوحيده والمعارضة بين العقل ~~والوحي كالمعارضة بين العقل وإثبات الصانع وتوحيده ورسالة رسله ولهذا طردوا ~~منع هذه القاعدة في ذلك الأصل وقالوا الباب كله واحد. # الوجه الرابع والستون: إن هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل بنوا أمرهم على ~~أصل فاسد وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها وجعلوها أصول دينهم ~~ومعتقدهم في رب العالمين هي المحكمة وجعلوا قول الله ورسوله هو المتشابه ~~الذي لا يستفاد منه علم ولا يقين ms330 فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم ~~والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه ثم ردوا تشابه الوحي إلى محكم ~~كلامهم وقواعدهم وهذا كما جعلوا ما أحدثوه من الأصول التي نفوا بها صفات ~~الرب # PageV03P990 # جل جلاله ونعوت كماله ونفوا بها كلامه وتكليمه وعلوه على عرشه ورؤيته في ~~الدار الآخرة محكما وجعلوا النصوص الدالة على خلاف تلك القواعد والأصول ~~متشابهة يقضي بتلك القواعد عليها وترد النصوص إليها فتارة يحرفون النصوص عن ~~مواضعها ويسمون ذلك التحريف تأويلا في اللفظ وتنزيها في المعنى وتارة يقول ~~من تجمل منهم فأحسن أراد الله ورسوله من هذه النصوص أمورا لا نعرفها ولا ~~ندري ما أراد وتارة يقولون قصد خطاب الجمهور فأفهمهم الأمر على خلاف حقيقته ~~لأن مصلحتهم في ذلك وتارة يفسرون صفة بصفة كما يفسرون الحب والبغض والغضب ~~والرضا والرحمة بالإرادة والسمع والبصر والكلام بالعلم ثم يجعلون ذلك نفس ~~الذات ومنهم من يجعل العلم نفس المعلوم كما قاله أفضل متأخريهم عندهم ~~وأجهلهم بالله وأكفرهم نصير الكفر والشرك الطوسي فأما أهل العلم والإيمان ~~فطريقهم عكس هذه الطريقة من كل وجه يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي ~~يعتمد عليه ويرد ما يتنازع الناس فيه إليه فما وافقه كان حقا وما خالفه كان ~~باطلا وإذا ورد عليهم لفظ مشتبه ليس في القرآن ولا في السنة لم يتلقوه ~~بالقبول ولم يردوه بالإنكار حتى يستفصلوا قائله عن مراده فإن كان حقا ~~موافقا للعقل # PageV03P991 # والنقل قبلوه وإن كان باطلا مخالفا للعقل والنقل ردوه ونصوص الوحي عندهم ~~أعظم وأكبر في صدورهم من أن يقدموا عليها ألفاظا مجملة لها معان مشتبهة ~~وبنوا أصولهم على أربع قواعد # أحدها: بيان أن ما جاء به الوحي هو الهدى والحق واليقين # الثانية: بيان أن ما يقدر من الاحتمالات المعارضة لظاهره وحقيقته باطل ~~لغة # الثالثة: بيان أن ما يدعى أنه معارض لذلك من العقل فهو باطل # الرابعة: بيان أن العقل موافق له معاضد لا معارض مناقض فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون # الوجه الخامس والستون: إن هؤلاء المعارضين ms331 بين العقل والنقل قد فارقوا ~~العقل والنقل فلا عقل ولا نقل وهم الذين يقولون {وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك10] أما النقل فإنهم قد سمحوا بمفارقته ~~وهان عليهم أمره وأما العقل فلو تدبروا أقوالهم ومعقولهم الذي عارضوا به ~~النقل لاستحيوا من أهل العقل الذين هم أهله فإن هؤلاء يجعلون الاثنين واحدا ~~والواحد اثنين # PageV03P992 # والمستحيل واجبا والواجب ممتنعا والكلي جزءا من المعين الجزئي والمعدوم ~~موجودا والموجود معدوما والثابت منتفيا والمنتفي ثابتا ويفرقون بين الشيء ~~ونظيره في الحكم ويحملون على الشيء بحكم ضده ونقيضه وينفون النقيضين تارة ~~ويثبتونهما تارة ويثبتون الشيء وينفون لازمه البين للزوم اللازم ويثبتون ~~ملزومه فيجعلون الصفة هي عين الصفة الأخرى ثم يجعلونها هي نفس الموصوف كما ~~يقولون العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة والسمع هو البصر ثم يقولون إن ~~ذلك هو نفس العالم القادر المريد ويجعلون تارة العلم هو المعلوم وتار ~~يجعلون الفعل هو عين المفعول ويجعلون الصفة التي لا تقوم إلا بمحل قائمة ~~بنفسها كما يقولون الرب تعالى مريد بإرادة قديمة لا في محل ويجعلون الأمر ~~هو عين النهي وهما عين الخبر وهو عين الاستفهام ويجعلون وجود الرب تعالى ~~وجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو بلا شرط ثم يصرحون بأن المطلق لا وجود له في ~~الخارج ويجعلون الشيء المعين لهذا الإنسان مثلا عدة جواهر حيوانا # PageV03P993 # وناطقا وحساسا ويجعلون كلا من هذه الجواهر عين الآخر ومعلوم أنه جوهر ~~واحد له صفات متعددة ويفرقون بين المادة والصورة ويجعلونها جوهرين عقليين ~~قائمين بأنفسهما والمعقول قيام الصفات بالموصوفات والأعراض بالجواهر ~~ويجعلون الصور الذهنية ثابتة في الخارج كقولهم في المجردات المفارقات ~~المادة وليس معهم ما يثبت أنه مفارق إلا النفس الناطقة إذا فارقت البدن ~~بالموت والمجردات هي الكليات التي تجردها النفس من الأعيان المشخصة فيرجع ~~الأمر إلى النفس وما يقوم بها ويجعلون المعدوم الممتنع الذي لا يتصور وجوده ~~هو الواجب الذي يمتنع عدمه كما أثبتوا لصانع العالم وجودا مطلقا مقيدا بسلب ~~الأمور الثبوتية ليس له ماهية غير ms332 ذلك الوجود ويثبتون كونه حيا بلا حياة ~~وعالما بلا علم وقادرا بلا قدرة إلى أضعاف أضعاف ذلك من ضلالهم في عقلياتهم ~~التي جعلوها معارضة للوحي وقدموها عليه وكلما تدبر العاقل الذكي المنصف ~~أحوال هؤلاء ومن وافقهم على بعضها تبين له أن القوم لا عقل ولا نقل وتفصيل ~~هذا يستدعي بسطا طويلا والله المستعان. # PageV03P994 # الوجه السادس والستون: إن هؤلاء في معارضتهم للوحي سلكوا طريقا سحروا بها ~~عقول ضعفاء الناس وبصائرهم فشبهت عليهم وخيل إليهم أنها حق فأصابهم في ذلك ~~مثل ما أصاب السحرة حين عارضوا عصى موسى بما خيل إلى أبصار الناظرين أنه حق ~~فإن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة تحتها معاني مشتبهة تحتمل في لغات الأمم ~~معاني متعددة وأدخلوا فيها من المعاني غير المفهوم منها في لغات الأمم ثم ~~ركبوها وألفوها تأليفا طويلا بنوا بعضه على بعض ففكروا فيه وقدروا وأطالوا ~~التفكير والتقدير ثم عظموا قولهم وهولوه في نفوس من لم يفهمه ولا ريب أن ~~فيه دقة وغموضا لما فيه من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة فإذا دخل ~~معهم الطالب وسمع منهم ما تنفر عنه فطرته فأخذ يعترض عليهم قالوا له أنت لا ~~تفهم هذا وهذا لا يصلح لك وهذا أمر قد صقلته الأذهان على تطاول الأزمان ~~وتلقته العقول بالقبول والتسليم وفزعت إليه عند التخاصم والتحاكم فيبقى ما ~~في النفوس من الحمية والإلفة يحملها على تسليم تلك الأمور قبل تحقيقها وعلى ~~ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل فيأخذها مسلمة ~~فإذا جاءت لوازمها لم يجد بدا من التزامها ويرى أن التزام # PageV03P995 # تلك اللوازم أهون عليه من القدح في تلك القواعد وإبطالها فهذا أصل ضلال ~~من ضل من أهل النظر والبحث في المعقولات وأما الأعمى المقلد فليس معه أكثر ~~من هكذا قال العقلاء وهذا القدر الذي وقع من ضلال هؤلاء لم يقصده عقلاؤهم ~~ابتداء بل كان قصدهم تحصيل العلوم والمعارف ولكن أخطأوا بطلبها من غير ~~طريقها فضلوا وأضلوا وقد سئل شيخنا رضي الله عنه عن بعض رؤساء هؤلاء ممن ms333 له ~~علم وعقل وسلوك وقصد ثم أخطأ الصواب فقال طلب الأمور العلية من غير الطرق ~~النبوية فقادته قسرا إلى المناهج الفلسفية وما أحسن ما قال فإن من طلب أمرا ~~عاليا من غير طريقه لم يحصل إلا على ضده فالواجب على من يريد كشف ضلال ~~هؤلاء وامثالهم أن لا يوافقهم على لفظ مجمل حتى يتبين معناه ويعرف مقصوده ~~فيكون الكلام في معنى معقول يتوارد النفي والإثبات فيه على محل واحد لا في ~~لفظ مجمل مشتبه المعنى وهذا نافع في الشرع والعقل والدين والدنيا وبالله ~~التوفيق. # السابع والستون: إن الله سبحانه نهى المؤمنين أن يتقدموا بين يدي رسوله ~~وأن يرفعوا أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحذرهم ~~من حبوط أعمالهم بذلك فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات21] . # PageV03P996 # فإذا كان سبحانه قد نهى عن التقديم بين يديه فأي تقدم أبلغ من تقديم عقله ~~على ما جاء به قال غير واحد من السلف ولا تقولوا حتى يقول ولا تفعلوا حتى ~~يأمر ومعلوم قطعا أن من قدم عقله أو عقل غيره على ما جاء به فهو أعصى الناس ~~لهذا النبي وأشدهم تقدما بين يديه وإذا كان سبحانه قد نهاهم أن يرفعوا ~~أصواتهم فوق صوته فكيف برفع معقولاتهم فوق كلامه وما جاء به ومن المعلوم ~~قطعا أنه لم يكن يفعل هذا في عهده إلا الكفار والمنافقون فهم الذين حكى ~~الله سبحانه عنهم معارضة ما جاء به بعقولهم وآرائهم وصارت تلك المعارضة ~~ميراثا في أشباههم كما حكى الله عن المشركين معارضة شرعه وأمره بقضائه ~~وقدره وورثهم في هذه المعارضة طائفتان إحداهما إخوانهم المباحية الذين ~~خلعوا ربقة الشريعة من أعناقهم ودانوا بالقدر. # والثانية: الذين عارضوا قضاءه وقدره بأمره وقالوا # PageV03P997 # لا يمكن الجمع بينهما فأبطلوا القدر بالأمر وأولئك أقعد بالميراث من ~~هؤلاء وقد ذكر سبحانه الأمثال العقلية التي عارض المشركون بها الوحي لتكون ms334 ~~عبرة للمؤمنين ومثلا للمعارضين: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ~~وإن الله لسميع عليم} [الأنفال42] # الوجه الثامن والستون: إن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة ~~فهو أول من عارض السمع بالعقل وقدمه عليه فإن الله سبحانه لما أمره بالسجود ~~لآدم عارض أمره بقياس عقلي مركب من مقدمتين حمليتين: # إحداهما: قوله {أنا خير منه} فهذه هي # PageV03P998 # الصغرى والكبرى محذوفة تقديرها والفاضل لا يسجد للمفضول وذكر مستند ~~المقدمة الأولى وهو أيضا قياس حملي حذف إحدى مقدمتيه فقال {خلقتني من نار ~~وخلقته من طين} . # والمقدمة الثانية: كأنها معلومة أي ومن خلق من نار أفضل ممن خلق من طين ~~فهما قياسان متداخلان وهذه يسميها المنطقيون الأقيسة المتداخلة فالقياس ~~الأول هكذا أنا خير منه وخير المخلوقين لا يسجد لمن هو دونه وهذا من الشكل ~~الأول والقياس الثاني هكذا خلقتني من نار وخلقته من طين والمخلوق من النار ~~خير من المخلوق من الطين فنتيجة هذا القياس العقلي أنا خير منه ونتيجة ~~الأول ولا ينبغي لي أن أسجد له. # وأنت إذا تأملت مادة هذا القياس وصورته رأيته أقوى من كثير من قياساتهم ~~التي عارضوا بها الوحي وقدموها عليه والكل باطل وقد اعتذر أتباع الشيخ له ~~بأعذار: ومنها أنه لما تعارض عنده العقل والنقل قدم العقل # ومنها أن الخطاب بصيغة الضمير في قوله اسجدوا لا عموم له فإن الضمائر ~~ليست من صيغ العموم # ومنها أنه وإن كان اللفظ عاما فإنه خصه بالقياس # PageV03P999 # المذكور ومنها أنه لم يعتقد أن الأمر للوجوب بل حمله على الاستحباب لأنه ~~المتيقن أو على الرجحان دفعا للاشتراك والمجاز. # ومنها أنه حمله على التراخي ولم يحمله على الفور # ومنها أنه صان جناب الرب أن يسجد لغيره ورأى أنه لا يليق به السجود لسواه ~~فبالله تأمل هذه التأويلات وقابل بينها وبين كثير من التأويلات التي يذكرها ~~كثير من الناس والمعارضات التي عارض بها النصوص وفي بني آدم من يصوب رأي ~~إبليس وقياسه ويقول الصواب معه ولهم في ذلك تصانيف وكان ms335 بشار بن برد الأعمى ~~الشاعر على هذا المذهب يقول في قصيدته الرائية: # الأرض مظلمة سوداء مقتمة ... والنار معبودة مذ كانت النار # PageV03P1000 # ولما علم الشيخ أنه قد أصيب من معارضة الوحي بالعقل وعلم أنه لا شيء أبلغ ~~في مناقضة الوحي والشرع وإبطاله من معارضته بالعقول أوحى إلى تلامذته ~~وإخوانه من الشبهات الخيالية ما يعارض به الوحي وأوهم أصحابه وتلاميذه أنها ~~قواطع عقلية وقال إن قدمتم الوحي عليها فسدت عقولكم قال تعالى: {وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} ~~[الأنعام121] # ومن المعلوم أن وحيهم إنما هو شبه عقلية وقال تعالى {وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ~~ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب # PageV03P1001 # مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من ~~الممترين وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم وإن ~~تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا ~~يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [الأنعام117 , ~~112] . # الوجه التاسع والستون: في بيان فساد معقول الشيخ الذي عارض به الوحي وذلك ~~من وجوه: أحدها إنه قياس في مقابلة النص والقياس إذا صادم النص وقابله كان ~~قياسا باطلا ويسمى قياسا إبليسيا فإنه يتضمن معارضة الحق بالباطل وتقديمه ~~عليه ولهذا كانت عقوبته أن أفسد عليه عقله ودنياه وآخرته وقد بينا فيما ~~تقدم أنه ما عارض أحد الوحي بعقله إلا أفسد الله عليه عقله حتى يقول ما ~~يضحك منه العقلاء. # الثاني: إن قوله أنا خير منه كذب ومستنده في ذلك باطل فإنه لا يلزم من ~~تفضيل مادة على مادة تفضيل المخلوق منها على المخلوق من الأخرى فإن الله ~~سبحانه يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من المخلوق من غيرها وهذا ms336 من ~~كمال قدرته سبحانه ولهذا كان محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح والرسل أفضل ~~من الملائكة ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة وإن كانت # PageV03P1002 # مادتهم نورا ومادة البشر ترابا فالتفضيل ليس بالمواد والأصول ولهذا كان ~~العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرا وأفضل عند الله ممن ليس ~~مثلهم من قريش وبني هاشم وهذه المعارضة الإبليسية صارت ميراثا في أتباعه في ~~التقديم بالأصول والأنساب على الإيمان والتقوى وهي التي أبطلها الله عز وجل ~~بقوله: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات13] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وفخرها ~~بالآباء الناس مؤمن تقي وفاجر شقي" وقال صلى الله عليه وسلم: "لا فضل لعربي ~~على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأبيض على أسود # PageV03P1003 # ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب" فانظر إلى ~~سريان هذه النكتة الإبليسية في نفوس أكثر الناس من تفضيلهم بمجرد الأصول ~~والأنساب. # الثالث: إن ظنه أن النار خير من التراب باطل مستنده ما فيها من الإضاءة ~~والخفة وما في التراب من الثقل والظلمة ونسي الشيخ ما في النار من الطيش ~~والخفة وطلب العلو والإفساد بالطبع حتى لو وقع منها شواظ بقدر الحبة في ~~مدينة عظيمة لأفسدها كلها ومن فيها بل التراب خير من النار وأفضل من وجوه ~~متعددة. # منها أن طبعه السكون والرزانة والنار بخلافه # ومنها أنه مادة الحيوان والنبات والأقوات والنار بخلافه # ومنها أنه لا يمكن أحدا العيش بدونه ودون ما خلق منه البتة ويمكنه أن ~~يعيش برهة بلا نار قالت عائشة يمر بنا الشهر والشهران ما نوقد في بيوتنا ~~نارا أو ما نرى نارا قال لها عروة فما كان قوتكم قالت الأسودان التمر ~~والماء. # ومنها أن الأرض تؤدي إليك بما فيها من البركة # PageV03P1004 # أضعاف أضعاف ما تودعه من الحب والنوى وتربيه لك وتغذيه وتنميه والنار ~~تفسده عليك وتمحق بركته ms337 # ومنها أن الأرض مهبط وحي الله ومسكن رسله وأنبيائه وأوليائه وكفاتهم ~~أحياء وأمواتا والنار مسكن أعدائه ومأواهم # ومنها أن في الأرض بيته الذي جعله إماما للناس وقياما لهم وجعل حجه محطا ~~لأوزارهم ومكفرا لسيئاتهم وجالبا لهم مصالح معاشهم ومعادهم. # ومنها أن النار طبعها العلو والفساد وأن الله لا يحب المستكبرين ولا يحب ~~المفسدين والأرض طبعها الخشوع والإخبات والله يحب المخبتين الخاشعين وقد ~~ظهر هذا بخلق إبراهيم ومحمد وموسى وعيسى والرسل من المادة الأرضية وخلق ~~إبليس وجنوده من المادة النارية نعم وخلق من المادة الأرضية الكفار ~~والمشركين ومن المادة النارية صالحي الجن ولكن ليس في هؤلاء مثل إبليس وليس # PageV03P1005 # في أولئك مثل الرسل والأنبياء فمعلم الخير من المادة الأرضية ومعلم الشر ~~من المادة النارية. # ومنها أن النار لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل تقوم به لا تستغني ~~عنه وهي محتاجة إلى المادة الترابية في قوامها وتأثيرها والأرض قائمة ~~بنفسها لا تحتاج إلى محل تقوم به ولا يفتقر قوامها ونفعها إلى النار. # ومنها أن التراب يفسد صورة النار ويبطلها ويقهرها وإن علت عليه # ومنها أن الرحمة تنزل على الأرض فتقبلها وتحي بها وتخرج زينتها وأقواتها ~~وتشكر ربها وتنزل على النار فتأباها وتطفيها وتمحوها وتذهب بها فبينها وبين ~~الرحمة معاداة وبين الأرض وبين الرحمة موالاة وإخاء. # ومنها أن النار تطفأ عند التكبير فتضمحل عند ذكر كبرياء الرب ولهذا يهرب ~~المخلوق منها عند الأذان حتى لا يسمعه والأرض تبتهج بذلك وتفرح # PageV03P1006 # به وتشهد به لصاحبه يوم القيامة ويكفي في فضل المخلوق من الأرض على ~~المخلوق من النار أن الله سبحانه خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ~~ملائكته وعلمه أسماء كل شيء فهل حصل للمخلوق من النار واحدة من هذه فقد ~~تبين لك حال هذه المعارضة العقلية للسمع وفسادها من هذه الوجوه وأكثر منها ~~وهي من شيخ القوم ورئيسهم ومعلمهم الأول فما الظن بمعارضة التلامذة ونحن ~~نقول قولا نقدم بين يديه مشيئة الله وحوله والاعتراف بمنته علينا وفضله ~~لدينا وأنه ms338 محض منته وجوده وفضله فهو المحمود أولا وآخرا على توفيقنا له ~~وتعليمنا إياه إن كل شبهة من شبه أرباب المعقولات عارضوا بها الوحي فعندنا ~~ما يبطلها بأكثر من # PageV03P1007 # الوجوه التي أبطلنا بها معارضة شيخ القوم وإن مد الله في الأجل أفردنا في ~~ذلك كتابا كبيرا ولو نعلم أن في الأرض من يقول ذلك ويقوم به تبلغ إليه ~~أكباد الإبل لاقتدينا بالمسير إليه بموسى في سفره إلى الخضر وبجابر بن عبد ~~الله في سفره إلى عبد الله بن أنيس لسماع حديث واحد ولكن أزهد الناس في ~~العالم قومه وقد قام قبلنا بهذا الأمر من برز به على أهل الأرض في عصره وفي ~~الأعصار قبله فأدرك من قبله وحيدا وسبق من بعده سبقا بعيدا واستنقذ النصوص ~~من أيدي الملحدين ونفى عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين وجعل ملوك أرباب المعقولات المعارضين لها أسرى في أيدي المسلمين ~~وأخذ عليهم بمجامع الطرق حتى لم يبق لهم مدد ولا كمين فجرى عليه من تلامذة ~~هذا الشيخ وأتباعه من الجاهلين والمعاندين والمعطلين ما جرى على من قام ~~مقامه على مر السنين. # مضوا ومضى ثم التقوا عند ربهم ... فأخرهم للحكم يوم التخاصم # PageV03P1008 # الوجه السبعون: إن العقل الذي عارض به هؤلاء السمع هو النفي والذي دل ~~عليه السمع هو الإثبات فإن السمع دل على إثبات الصفات والكلام والتكليم ~~وعلو الرب على خلقه واستوائه على عرشه ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ~~ومجيئه وإتيانه وإثبات وجهه الأعلى ويديه اللتين كلتاهما يمين وغير ذلك ~~والعقل عندهم دل على نفي ذلك كله فالمعارضة التي ادعوها هي معارضة بين ~~النفي والإثبات فالرسل جاءوا بالإثبات المفصل للأسماء والصفات والأفعال ~~فجاء أرباب هذا العقل بالنفي المفصل لها وادعوا التعارض بين دليل هذا ~~الإثبات ودليل النفي ثم قدموا دليل النفي فيقال الكلام معكم في مقامين: # أحدهما: أن العقل لم يدل على ثبوتها # والثاني: أنه دل على انتفائها فإن أردتم بدلالة العقل المقام الأول ~~فنفيها خطأ فإنه لونفى كل مالم يدل عليه عقل أو حس ms339 نفيت أكثر الموجودات ~~التي لا ندركها بعقولنا ولا حواسنا وهذا هو حاصل ما عند القوم عند التحقيق ~~ومن تدبر أدلتهم حق التدبر علم أنه ليس فيها دليل واحد يدل على النفي ~~ومعلوم أن الشيء لا ينعنى لانتفاء دليل يدل عليه وإن انتفى العلم به فنفي ~~العلم لا يستلزم نفي المعلوم فكيف والعقل الصريح قد دل على ثبوتها كما ~~نبهنا # PageV03P1009 # عليه وسنذكره وإن أردتم الثاني وهو أن العقل دل على انتفائها فيقال العقل ~~إنما يدل على نفي الشيء إذا علم ثبوت نقيضه فيعلم حينئذ أن النقيض الآخر ~~منتف فأين في العقل المقطوع بحكمه أو المظنون ما يدل على نقيض ما أخبرت به ~~الرسل بوجه من وجوه الأدلة الصحيحة فالمسلمون يقولون قد دل العقل والوحي ~~معا على إثبات علم الرب تعالى آمرا ناهيا وعلى كونه فوق العالم كله وعلى ~~كونه يفعل بقدرته ومشيئته وعلى أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويحب ويبغض فقد ~~شهد بذلك العقل والنقل أما النقل فلا يمكنكم المكابرة فيه وأما العقل فلأن ~~ذات الرب أكمل من كل ذات على الإطلاق بل ليس الكمال المطلق التام من كل وجه ~~إلا له وحده فيستحيل وصفه بما يضاد كماله وكل ما وصف به نفسه أو وصفه به ~~رسوله فهو صفة كمال ثبوتها له أكمل من نفيها عنه وقد اتفقت الأمم على أن ~~الله سبحانه موصوف بالكمال منزه عن أضداده وإن تنازعوا في كون الصفة ~~المعينة والفعل المعين كمالا أو ليس بكمال والذين نفوه تخيلوا أن إثباته ~~يستلزم النقص والحدوث وأن الكمال في نفيه وإن كان كثير من طوائف بني آدم ~~يستجيزون وصفه بالنقائص والعيوب مع علمهم بأنها عيوب ونقائص كما # PageV03P1010 # صرحت به اليهود من قولهم وإنه فقير وإنه تعب لما خلق العالم وأنه بكى على ~~الطوفان حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة وإنه ندم على خلق آدم وذريته ندما ~~عظيما حتى عض أنامله ويقولون في صلاتهم يا إلهنا انتبه من رقدتك كم تنام ~~ونحو ذلك والنصارى لا يخفى على أحد منهم أن نزوله ms340 عن عرشه ودخوله في رحم ~~امرأة وإقامته هناك تسعة أشهر بين الحيض والبول ثم خروجه طفلا صغيرا يرضع ~~ويبكي ويأكل ويشرب ويبول وينام ويألم ثم تمكن أعدائه منه وصفعه وتسمير يديه ~~ورجليه وصلبه بين نصبين وعلى رأسه تاج من الشوك أن هذا غاية التنقص المنافي ~~لكماله والاتحادية مصرحون بأنه موصوف بكل صفة مذمومة عقلا وعرفا وشرعا ~~ومعلوم أن هذه النقائص هي التي دل العقل الصريح واتفاق المرسلين من أولهم ~~إلى آخرهم على نفيها عن الله وتنزيهه عنها فمن جعل دلالته على نفي علمه ~~وسمعه وبصره وقوته وقدرته وحياته وإرادته وكماله وتكليمه وعلوه على عرشه ~~ووجهه الأعلى ويديه وغضبه ورضاه كدلالته على نفي تلك العيوب والنقائص # PageV03P1011 # وإثباتها له كإثبات تلك العيوب والنقائص وإن العقل يوجب نفي هذا وهذا فهو ~~من أسخف الناس عقلا وأعظمهم جهلا وأفسدهم فطرة وكان الذين وصفوه سبحانه ~~بتلك العيوب والنقائص أقرب إلى العقل منه فإنهم وصفوه بالكمال والنقص ~~وهؤلاء نزهوه عن الكمال وهو يستلزم وصفه بالنقص فقط ومعلوم أن ذاتا موصوفة ~~بالكمال والنقائص أكمل من ذات لا توصف بشيء من الكمالات البتة وتوصف ~~بأضدادها وأيضا فإن تلك الذات يمكن وجودها وهذه الذات يمتنع وجودها ~~والمقصود أنه قد دل العقل مع السمع على إثبات ما يقول هؤلاء إن العقل عارضه ~~وغاية ما معهم أن عقولهم لم تدل على إثباته وقد بينا أنه يستحيل دلالة ~~العقل على نفيه فإن العقل إنما يدل على نفي ما علم ثبوت نقيضه بالعقل ~~والعقل لم يعلم به ثبوت نقيض الصفات العلى والأسماء الحسنى واستواء الرب ~~على عرشه وتكلمه ورؤية أوليائه له في الآخرة عيانا بالأبصار فوق رؤوسهم حتى ~~يكون نفي ذلك معلوما بالعقل فإن قيل نحن ما نفينا ذلك إلا لدلالة العقل على ~~نفيه فإنه لو كان فوق العرش أو كان يرى بالأبصار أو كان مكلما متكلما أو ~~كان له وجه ويد وسمع وبصر لزم أن يكون جسما ويلزم من كونه جسما أن يكون ~~مركبا من الجواهر المفردة أو من المادة # PageV03P1012 # والصورة وإن ms341 قلنا بتماثل الأجسام لزم أن يكون مماثلا لكل جسم ويلزم من ~~كونه مركبا أن يكون مفتقرا إلى أجزائه وأجزاء المركب غيره ويلزم من افتقاره ~~إلى غيره أن يكون مخلوقا مصنوعا فهذا الدليل العقلي الذي أوجب لنا أن ننفي ~~ما نفيناه لنثبت آلهيته وربوبيته وقدمه وأما أنتم فلما أثبتم له هذه الصفات ~~لزمكم نفي قدمه ونفي ربوبيته قيل هذا الدليل هو الذي خرب دياركم وقلع ~~الإيمان بشروشه من قلوبكم وسهل عليكم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وتعطيله ~~عن كل كمال وسلبه عنه وهو في الحقيقة مستلزم لجحد وجود الخالق سبحانه ~~وإنكار أن يكون للعالم صانع على الحقيقة ففررتم من إثبات الكمالات له ~~سبحانه لظنكم أنها تستلزم افتقاره وحدوثه فوقعتم في شر من ذلك وهو تعطيل ~~العالم عن رب يدبره فعطلتم الصانع عن كماله وعطلتم العالم عن صانعه ولقد ~~أقامت الدهرية والمعطلة أربعين شبهة التي ذكرتموها واحدة من تلك الأربعين ~~فقالوا لو كان للعالم # PageV03P1013 # رب أو صانع أو خالق لكان إما جسما وإما عرضا ودليل هذا الحصر أنه إما أن ~~يكون قائما بنفسه وهو الذي يعني بالجسم وأما أن يكون قائما بغيره وهو الذي ~~يعني بالعرض فلا يجوز أن يكون عرضا لأنه لا يقوم بنفسه فهو مفتقر إلى محل ~~يقوم به ولا يجوز أن يكون جسما لما ذكرتم من الدليل المتقدم بعينه وكل ما ~~تجيبون به إخوانكم في الأصل عن هذه الشبهة فهو جواب أهل السمع والعقل لكم ~~بعينه فإن قلتم بل هو قائم بنفسه وليس بجسم قال لكم أهل السمع والعقل ~~فقولوا هو فوق عرشه موصوف بصفات كماله ونعوت جلاله وحقائق أسمائه وليس بجسم ~~فإن قلتم هذا لا يعقل قيل لكم فكيف عقلتم ذاتا قائمة بنفسها فاعلة بغيرها ~~ليست بجسم فإن قلتم دل الدليل على انتهاء الممكنات والمصنوعات إلى ذات هذا ~~شأنها فأثبتناها بالدليل قيل لكم ودل الدليل على انتهاء المخلوقات ~~والمصنوعات إلى ذات موصوفة بالصفات التي يؤثر بها في المخلوقات ومقاديرها ~~وصفاتها وأشكالها وهيآتها وإعدامها بعد إيجادها وإيجادها وإيجاد بدل ms342 منها ~~ودلالته على ذات هذا شأنها أعظم من دلالته على ذات مجردة لا فعل لها ولا ~~صفة ولا قدرة ولا مشيئة ولا إرادة فإن قلتم يلزم من ثبوت صفاتها حدوثها ولا ~~يلزم من تجردها عنها حدوثها قيل # PageV03P1014 # لكم بل يلزم من تجردها عنها عدمها وامتناع وجودها فلو لزم من ثبوت صفاتها ~~ما لزم كان خيرا من جحدها ونفيها بالكلية كيف وتلك اللوازم التي ركبتم ~~بعضها على بعض فيها من التلبيس والتدليس والإجمال اللفظي والاشتباه المعنوي ~~ما إذا كشف أمره تبين أنها زغل ومحال وأشد شيء منافاة للعقل والسمع وكل ~~مقدماتها دعاو كاذبة باطلة بصريح العقل والسمع فلا يلزم من كونه فوق سمواته ~~على عرشه يسمع ويرى ويأمر وينهى ويتكلم ويكلم أن يكون مركبا من جواهر فردة ~~ولا من مادة وصورة ولا ان يكون مماثلا لخلقه فدعوى هذا اللزوم عين البهت ~~والكذب الصراح بل العرش خلق من خلقه ولا يلزم من كونه فوق السموات كلها أن ~~يكون مركبا من الجواهر الفردة ولا من المادة والصورة ولا مماثلا لغيره من ~~الأجسام وكذلك جبريل مخلوق من مخلوقاته وهو ذو قوة وحياة وسمع وبصر وأجنحة ~~ويصعد وينزل ويرى بالأبصار ولا يلزم من وصفه بذلك أن يكون مركبا من الجواهر ~~الفردة ولا من المادة والصورة ولا أن يكون جسمه مماثلا لأجسام الشياطين ~~فدعونا من هذا الفشر والهذيان والدعاوي الكاذبة والتفاوت الذي بين الله ~~وخلقه أعظم من التفاوت الذي بين جسم العرش وجسم الثرى والهواء # PageV03P1015 # والماء وأعظم من التفاوت الذي بين أجسام الملائكة وأجسام الشياطين ~~والعاقل إذا أطلق على جسم صفة من صفاته وعنده من كل وجه موصوف بتلك الصفة ~~لم يلزم من ذلك تماثلها أطلق على الرجيع الذي قد بلغ غاية الخبث أنه جسم ~~قائم بنفسه ذو رائحة ولون وأطلق ذلك على المسك لم يقل ذو حس سليم ولا عقل ~~مستقيم إنهما متماثلان وأين التفاوت الذي بينهما من التفاوت الذي بين الله ~~وخلقه فكم تلبسون وكم تدلسون وتموهون فاشتراك الذاتين في معنى من المعاني ~~لا ms343 يستلزم تماثلهما عند أحد من العقلاء وإن المختلفات والمتضادات تشترك في ~~أشياء متعددة فمشاركة الماء للنار في مسمى بالجسمية والحركة وإدراك الحس ~~لهما لا يوجب تماثلهما وليس معكم دليل واحد صحيح يدل على تركب الأجسام كما ~~ذكرتم فكيف ولو أقمتم الدليل على ذلك لم يلزم منه تركب خالق الأجسام ~~وجواهرها وأعراضها مما تركبت منه الأجسام بوجه من الوجوه سوى الدعوى ~~الكاذبة وهو أنه لو كان فوق عرشه أو موصوفا بالصفات أو يرى بالأبصار لزم أن ~~يكون مركبا وليس العجب من عقول رضيت لنفسها بمثل هذا الهذيان حتى اعتقدته ~~غاية الغايات العقلية ونهايات المعارف الإلهية والمباحث الحكمية ثم قدمته ~~على نصوص الوحي فإن هذا في الأصل وضع من قصد معارضة الأنبياء ورد ما جاءوا ~~به بل العجب من قوم صدقوا الأنبياء وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات ~~وعلموا أنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: # PageV03P1016 # {إن هو إلا وحي يوحى} [النجم4] ثم ولج هذا الهذيان في آذانهم فسمعوه ودخل ~~إلى قلوبهم فقبلوه وعظموا أصحابه وسموهم المحققين وقدموا أقوالهم على نصوص ~~الوحي المبين فضلا عن تقديمه على كلام الصحابة والتابعين ولقد أحسن القائل ~~فيهم وإن قصد سواهم: # خفافيش أعشاها الظلام بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل مظلم # وهذه الحجة الداحضة باطلة من أكثر من سبعين وجها تذكر في غير هذا الموضع ~~فلا يلزم من استوائه على عرشه وثبوت صفات كماله وتكلمه وتكليمه ورؤيته ~~بالأبصار أن يكون جسما بالمعنى الذي اصطلحوا عليه ولو لزم أن يكون جسما لم ~~يلزم أن يكون مركبا بالاعتبار الذي ذكروه ولو لزم أن يكون مركبا لم يلزم أن ~~يكون مفتقرا إلى مركب ركبه ولا محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه ولو لزم أن ~~يكون جسما مركبا لم يلزم أن يكون مماثلا للأجسام بوجه من الوجوه فشيء من ~~ذلك غير لازم لعلوه على عرشه وثبوت صفاته لا عقلا ولا سمعا إلا بالدعاوي ~~الكاذبة حتى لو قدر لزوم ذلك كله لكان التزامه أسهل من تعطيل علوه على عرشه ~~وتعطيل كلامه ms344 وإبطال أمره ونهيه وتعطيل صفاته وأفعاله وجعله بمنزلة المعدوم ~~الممتنع الذي لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا له # PageV03P1017 # فعل يقوم به ولا صفة كمال يتصف بها فلا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر ~~ولا يريد ولا يفعل شيئا فأي ذات من الذوات المخلوقة المتصفة بذلك فرضت فهي ~~أكمل من هذه الذات وقد تقدم أن الدليل العقلي الصحيح إنما دل على انتهاء ~~المخلوقات إلى خالق واحد قديم غير مخلوق ولا مصنوع ولا محتاج إلى سواه بوجه ~~من الوجوه وكل ما عداه محتاج إليه من جميع الوجوه ولم يدل على أن هذا ~~الواحد سبحانه معطل عن الأفعال والصفات وحقائق الأسماء الحسنى وأن الدليل ~~العقلي إنما دل على خلاف ذلك وأنه أحق بكل صفة كمال من غيره وأن كل كمال ~~ثبت للمخلوق لا نقص فيه فلا يستلزم نقصا فمعطيه وموجده أحق به وأولى فكيف ~~يكون المخلوق يتكلم وخالقه لا يتكلم وكيف يكون سميعا بصيرا وخالقه لا يسمع ~~ولا يبصر وكيف يكون حيا عليما قديرا حكيما وخالقه ليس كذلك وكيف يكون ملكا ~~آمرا ناهيا مرسلا مثيبا معاقبا وخالقه ليس كذلك وكيف يكون فاعلا باختياره ~~ومشيئته وخالقه ليس كذلك وكيف يكون قويا وخالقه ليس له قوة وكيف يكون رحيما ~~وخالقه لم تقم به صفة رحمة ولا رأفة وكيف يكون كريما حليما جوادا ماجدا ~~وخالقه ليس كذلك هذا ومن المعلوم بالضرورة أن ما يرى أكمل ممن لا يمكن أن ~~يرى فإنه إما معدوم وإما عرض والمرئي أكمل منهما وما يتكلم أكمل من لا ~~يتكلم فإنه # PageV03P1018 # إما جماد وإما عرض وإما معدوم والمتكلم أكمل من ذلك وما له سمع وبصر ووجه ~~ويدان أكمل من الفاقد لذلك بالضرورة وهكذا سائر الصفات فلا أحسن الله في ~~تلك العقول عن أصحابها إذا أحسن عن الصابئين ولا حياها بما حيا به عباده ~~المرسلين ولا زكاها بما زكى به أتباعهم من المؤمنين ونسأله أن لا يبتلينا ~~بما ابتلاهم به من مفارقة المنقول والمعقول وتلقي العلم واليقين من غير ~~مشكاة الرسول ms345 وأن لا يجعلنا من أتباع قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا ~~عن سواء السبيل. # الوجه الحادي والسبعون: أنه سبحانه وصف نفسه بأنه ليس كمثله شيء وأنه لا ~~سمي له ولا كفؤ له وهذا يستلزم وصفه بصفات الكمال التي فات بها شبه ~~المخلوقين واستحق بقيامها به أن يكون {ليس كمثله شيء} وهكذا كونه ليس له ~~سمي أي مثيل يساميه في صفاته وأفعاله ولا من يكافيه فيها ولو كان مسلوب ~~الصفات والأفعال والكلام والاستواء والوجه واليدين ومنفيا عنه مباينة ~~العالم ومحايثته واتصاله به وانفصاله عنه وعلوه عليه وكونه # PageV03P1019 # يمنته أو يسرته وأمامه أو وراءه لكان كل عدم مثلا له في ذلك فيكون قد نفى ~~عن نفسه مشابهة الموجودات وأثبت لها مماثلة المعدومات فهذا النفي واقع على ~~أكمل الموجودات وعلى العدم المحض فإن العدم المحض لا مثل له ولا كفؤ ولا ~~سمي فلو كان المراد بهذا نفي صفاته وأفعاله واستوائه على عرشه وتكلمه ~~بالوحي وتكليمه لمن يشاء من خلقه لكان ذلك وصفا له بغاية العدم فهذا النفي ~~واقع على العدم المحض وعلى من كثرت أوصاف كماله ونعوت جلاله وأسماؤه الحسنى ~~حتى تفرد بذلك الكمال فلم يكن له شبه في كماله ولا سمي ولا كفوء فإذا ~~أبطلتم هذا المعنى الصحيح تعين ذلك المعنى الباطل قطعا وصار المعنى أنه لا ~~يوصف بصفة أصلا ولا يفعل فعلا ولا له وجه ولا يد ولا يسمع ولا يبصر ولا ~~يعلم ولا يقدر تحقيقا لمعنى ليس كمثله شيء وقال إخوانكم من الملاحدة ليس له ~~ذات أصلا تحقيقا لهذا النفي وقال غلاتهم ولا وجود له تحقيقا لهذا النفي ~~وأما الرسل وأتباعهم فقالوا إنه حي وله حياة وليس كمثله شيء في حياته وهو ~~قوي وله القوة وليس مثله شيء في قوته وهو سميع بصير له السمع والبصر يسمع ~~ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره ومتكلم ومكلم وليس كمثله شيء في كلامه ~~وتكليمه وله وجه ويدان وليس كمثله شيء وهو مستو على عرشه وليس كمثله شيء ~~وهذا النفي لا يتحقق ms346 إلا بإثبات صفات الكمال فإنه مدح له وثناء # PageV03P1020 # أثنى به على نفسه والعدم المحض لا يمدح به أحد ولا يثني به عليه ولا يكون ~~كمالا له بل هو أنقص النقص وإنما يكون كمالا إذا تضمن الإثبات كقوله تعالى ~~{لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة255] . # لكمال حياته وقيوميته وقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ~~[البقرة255] لكما غناه وملكه وربوبيته وقوله {وما ربك بظلام للعبيد} ~~[فصلت46] {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف49] {وما الله يريد ظلما للعباد} ~~[غافر31] لكمال عدله وغناه ورحمته وقوله {وما مسنا من لغوب} [ق38] لكمال ~~قدرته وقوله {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء} ~~[يونس61] {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} [إبراهيم38] ~~ونظائر ذلك لكمال علمه وقوله # PageV03P1021 # {لا تدركه الأبصار} [الأنعام103] لعظمته وإحاطته بما سواه وأنه أكبر من ~~كل شيء وأنه واسع فيرى ولكن لا يحاط به إدراكا كما يعلم ولا يحاط به علما ~~فيرى ولا يحاط به رؤية فهكذا ليس كمثله شيء هو متضمن لإثبات جميع صفات ~~الكمال على وجه الإجمال وهذا هو المعقول في نظر الناس وعقولهم وإذا قالوا ~~فلان عديم المثل أو قد أصبح ولا مثل له في الناس أو ما له شبيه ولا له من ~~يكافيه إنما يريدون بذلك أنه تفرد من الصفات والأفعال والمجد بما لم يلحقه ~~فيه غيره فصار واحدا من الجنس لا مثيل له ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي ~~صفاته وأفعاله ومجده لكان ذلك عندهم غاية الذم والتنقص له فإذا أطلق ذلك في ~~سياق المدح والثناء لم يشك عاقل في أنه إنما أراد كثرة أوصافه وأفعاله ~~وأسمائه التي لها حقائق تحمل عليها فهل يقول عاقل لمن لا علم له ولا قدرة ~~ولا سمع ولا بصر ولا يتصرف بنفسه ولا يفعل شيئا ولا يتكلم ولا له وجه ولا ~~يد ولا قوة ولا فضيلة من الفضائل إنه لا شبيه له ولا مثل له وإنه وحيد دهره ~~وفريد عصره ونسيج وحده وهل ms347 فطر الله # PageV03P1022 # الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك وهل كان رب العالمين أهل ~~الثناء والمجد إلا بأوصاف كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه الحسنى وإلا ~~فبماذا يثني عليه المثنون وبماذا يثني على نفسه أعظم مما يثني به عليه جميع ~~خلقه ولأي شيء يقول أعرف خلقه به "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك" ومعلوم أن هذا الثناء الذي أخبر أنه لا يحصيه لو كان بالنفي لكان ~~هؤلاء أعلم به منه وأشد إحصاء له فإنهم نفوا عنه حقائق الأسماء والصفات ~~نفيا مفصلا وذلك مما يحصيه المحصي بلا كلفة ولا تعب وقد فصله النفاة وأحصوه ~~وحصروه. # الوجه الثاني والسبعون: أن الله سبحانه إنما نفى عن نفسه ما يناقض ~~الإثبات ويضاد ثبوت الصفات والأفعال فلم ينف إلا أمرا عدميا أو ما يستلزم ~~العدم فنفى السنة والنوم المستلزم لعدم كمال الحياة والقيومية ونفى العزوب ~~والخفاء المستلزم لنفي كمال العلم ونفي اللغوب المستلزم نفي كمال القدرة ~~ونفي الظلم المستلزم لنفي كمال الغنى والعدل ونفي العبث المستلزم لنفي كمال ~~الحكمة والعلم ونفي # PageV03P1023 # الصاحبة والولد المستلزمين لعدم كمال الغنى وكذلك نفي الشريك والظهير ~~والشفيع المقدم بالشفاعة المستلزم لعدم كمال الغنى والقهر والملك ونفي ~~الشبيه والمثيل والكفؤ المستلزم لعدم التفرد بالكمال المطلق ونفي إدراك ~~الأبصار له وإحاطة العلم به المستلزمين لعدم كمال عظمته وكبريائه وسعته ~~وإحاطته وكذلك نفي الحاجة والأكل والشرب عنه سبحانه لاستلزام ذلك عدم غناه ~~الكامل وإذا كان إنما نفى عن نفسه العدم أو ما يستلزم العدم علم أنه أحق ~~بكل وجود وثبوت وكل أمر وجودي لا يستلزم عدما ولا نقصا ولا عيبا وهذا هو ~~الذي دل عليه صريح العقل فإنه سبحانه له الوجود الدائم القديم الواجب لنفسه ~~الذي لم يستفده من غيره ووجود كل موجود مفتقر إليه ومتوقف في تحقيقه عليه ~~والكمال وجود كله والعدم نقص كله فإن العدم كاسمه لا شيء فعاد النفي الصحيح ~~إلى نفي النقائص والعيوب ونفي المماثلة في الكمال وعاد الأمران إلى نفي ~~النقص وحقيقة ذلك نفي العدم ms348 وما يستلزم العدم فتأمل هل نفى القرآن والسنة ~~عنه سبحانه سوى ذلك وتأمل هل ينفي العقل الصحيح الذي لم يفسد بشبه هؤلاء ~~الضلال الحيارى غير ذلك فالرسل جاءوا بإثبات ما يضاده وهو سبحانه أخبر أنه ~~لم يكن له كفوا أحد بعد وصفه نفسه بأنه الصمد والصمد السيد الذي # PageV03P1024 # كمل في سؤدده ولهذا كانت العرب تسمي أشرافها بهذا الاسم لكثرة الصفات ~~المحمودة في المسمى به قال شاعرهم: # ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة وذلك لكثرة خصال الخير ~~فيه وكثرة الأوصاف الحميدة له ولهذا قال جمهور السلف منهم عبد الله بن عباس ~~الصمد السيد الذي كمل سؤدده فهو العالم الذي كمل علمه القادر الذي كملت ~~قدرته الحكيم الذي كمل حكمه الرحيم الذي كملت رحمته الجواد الذي كمل جوده ~~ومن قال إنه الذي لا جوف له فقوله لا يناقض # PageV03P1025 # هذا التفسير فإن اللفظ من الاجتماع فهو الذي # PageV03P1026 # اجتمعت فيه صفات الكمال ولا جوف له فإنما لم يكن أحد كفوا له لما كان ~~صمدا كاملا في صمديته فلو لم تكن صفات كمال ونعوت جلال ولم يكن له علم ولا ~~قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا كلام ولا وجه ولا يد ولا سمع ولا بصر ولا فعل ~~يقوم به ولا يفعل شيئا البتة ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا فوق عرشه ~~ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض ولا هو فعال لما يريد ولا يرى ولا يمكن ~~أن يرى ولا يشار إليه ولا يمكن أن يشار إليه لكان العدم المحض كفوا فإن هذه ~~الصفات منطبقة على المعدوم فلو كان ما يقوله المعطلون هو الحق لم يكن صمدا ~~وكان العدم كفوا له وكذلك قوله: {رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده ~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} [مريم65] . # PageV03P1027 # فأخبر أنه لا سمي له عقيب قول العارفين به {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما ~~بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما ms349 كان ربك نسيا رب السماوات والأرض وما ~~بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} [مريم65 , 64] . # فهذا الرب الذي له هذا الجند العظيم ولا ينزلون إلا بأمره وهو المالك ما ~~بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك فهو الذي قد كملت قدرته وسلطانه وملكه ~~وكمل علمه فلا ينسى شيئا أبدا وهو القائم بتدبير أمر السموات والأرض وما ~~بينهما كما هو الخالق لذلك كله وهو ربه ومليكه فهذا الرب هو الذي لا سمي له ~~لتفرده بكمال هذه الصفات والأفعال فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق ~~لأسمائه إن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني فالعدم سمي له وكذلك قوله تعالى: ~~{ليس كمثله شيء} [الشورى11] فإنه سبحانه ذكر ذلك بعد ذكر نعوت كماله ~~وأوصافه فقال {حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز ~~الحكيم له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم # PageV03P1028 # تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن ~~في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم والذين اتخذوا من دونه أولياء الله ~~حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل} [الشورى6-1] إلى قوله {فاطر السماوات ~~والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرأكم فيه ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير} [الشورى11] . # فهذا الموصوف بهذه الصفات والنعوت والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة ~~والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية وإحياء ~~الموتى والقدرة التامة الشاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السموات والأرض ~~وهو السميع البصير فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه ~~وأفعاله وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء فالمثبت للصفات ~~والعلو والكلام والأفعال وحقائق الأسماء هو الذي يصفه سبحانه بأنه ليس ~~كمثله شيء. # وأما المعطل النافي لصفاته وحقائق أسمائه فإن وصفه له بأنه ليس كمثله شيء ~~مجاز لا حقيقة كما يقول في سائر أوصافه وأسمائه ولهذا قال من قال من السلف ~~إن النفاة # PageV03P1029 # جمعوا بين التشبيه والتعطيل فسموا تعطيلهم تنزيها وسموا ما وصف ms350 به نفسه ~~تشبيها وجعلوا ما يدل على ثبوت صفات الكمال وكثرتها دليلا على نفيها ~~وتعطيلها وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورا واغتر به من شاء الله وهدى ~~الله من اعتصم بالوحي والعقل والفطرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # الوجه التاسع والسبعون: أنه سبحانه وصف نفسه بأن له المثل الأعلى فقال ~~تعالى {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز ~~الحكيم} [النحل60] وقال تعالى {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ~~وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الروم27] فجعل ~~مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال للمشركين وأربابهم وأخبر أن ~~المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده ولهذا كان المثل الأعلى ~~وهو أفعل تفضيل أي أعلى من غيره # PageV03P1030 # فكيف يكون أعلى وهو عدم محض ونفي صرف وأي مثل أدنى من هذا تعالى الله عن ~~قول المعطلين علوا كبيرا. # فمثل السوء لعادم صفات الكمال ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده وكلامه ~~وحكمته لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملا وهي الإيمان والعلم ~~والمعرفة واليقين والعبادة لله والتوكل عليه والإنابة إليه والزهد في ~~الدنيا والرغبة في الآخرة والصبر والرضا والشكر وغير ذلك من الصفات التي ~~اتصف بها من آمن بالآخرة فلما سلبت تلك الصفات عنهم وهي صفات كمال صار لهم ~~مثل السوء فمن سلب صفات الكمال عن الله وعلوه على خلقه وكلامه وعلمه وقدرته ~~ومشيئته وحياته وسائر ما وصف به نفسه فقد جعل له مثل السوء ونزهه عن المثل ~~الأعلى فإن مثل السوء هو العدم وما يستلزمه وضده المثل الأعلى وهو الكمال ~~المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في ~~الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره ولما كان الرب تعالى هو الأعلى ووجهه ~~الأعلى وكلامه الأعلى وسمعه الأعلى وبصره وسائر صفاته عليا كان له المثل ~~الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى ~~اثنان لأنهما # PageV03P1031 # إن تكافآ لم ms351 يكن أحدهما أعلى من الآخر وإن لم يتكافآفالموصوف بالمثل ~~الأعلى أحدهما وحده يستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير وهذا ~~برهان قاطع من إثبات صفات الكمال على استحالة التمثيل والتشبيه فتأمله فإنه ~~في غاية الظهور والقوة ونظير هذا القهر المطلق مع الوحدة فإنهما متلازمان ~~فلا يكون القهار إلا واحدا إذ لو كان معه كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارا ~~على الإطلاق وإن قهره لم يكن كفؤا وكان القهار واحدا فتأمل كيف كان قوله: ~~{ليس كمثله شيء} [الشورى11] وقوله {وله المثل الأعلى} [الروم27] من أعظم ~~الأدلة على ثبوت صفات كماله سبحانه فإن قلت قد فهمت هذا وعرفته فما حقيقة ~~المثل الأعلى قلت قد أشكل هذا على جماعة من المفسرين واستشكلوا قول السلف ~~فيه فإن ابن عباس وغيره قالوا {مثل السوء} العذاب والنار {ولله المثل ~~الأعلى} شهادة أن لا إله إلا الله وقال قتادة هو الإخلاص والتوحيد # PageV03P1032 # وقال الواحدي هذا قول المفسرين في هذه الآية ولا أدري لم قيل للعذاب مثل ~~السوء وللإخلاص المثل الأعلى قال وقال قوم المثل السوء الصفة السوء من ~~احتياجهم إلى الولد وكراهتهم للإناث خوف العيلة والعار ولله المثل الأعلى ~~الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد قال وهذا قول صحيح فالمثل كثيرا ما ~~يرد بمعنى الصفة قاله جماعة من المتقدمين وقال ابن كيسان مثل السوء ما ضرب ~~الله للأصنام وعبدتها من الأمثال والمثل الأعلى نحو قوله {الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره} [النور35] وقال ابن جرير {وله المثل الأعلى} نحو ~~قوله هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا ~~إله غيره. # PageV03P1033 # قلت المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمي ~~والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة ~~بقلوب عابديه وذاكريه فهاهنا أربعة أمور ثبوت الصفات العليا لله سبحانه في ~~نفس الأمر علمها العباد أو جهلوها وهذا معنى قول من فسره بالصفة. # الثاني: وجودها في العلم والتصور وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف ms352 ~~إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه ~~وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه بل يختص به في ~~قلوبهم كما اختص في ذاته وهذا معنى قول من قال من المفسرين أهل السماء ~~يعظمونه ويحبونه ويعبدونه وأهل الأرض يعظمونه ويجلونه وإن أشرك به من أشرك ~~وعصاه من عصاه وجحد صفاته من جحدها فكل أهل الأرض معظمون له مجلون له ~~خاضعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته قال تعالى: {بل له ما في السماوات ~~والأرض كل له قانتون} [البقرة116] فلست تجد أحدا من أوليائه وأعدائه إلا ~~والله أكبر في صدره وأكمل وأعظم من كل سواه. # PageV03P1034 # الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل # الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة ~~إليه وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى فعبارات ~~السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها وقد ضرب الله سبحانه مثل ~~السوء للأصنام بأنها لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا ~~لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وقال تعالى: {ضرب الله ~~مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه ~~سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل75] . {وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه ~~لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} [النحل76] . # فهذان مثلان ضربهما لنفسه وللأصنام فللأصنام مثل السوء وله المثل الأعلى ~~وقال تعالى {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين # PageV03P1035 # تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب ~~شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله ~~لقوي عزيز} [الحج74 , 73] . # فهذا المثل الأعلى الذي له سبحانه. والأول مثل السوء للصنم وعابديه وقد ~~ضرب سبحانه للمعارضين بين الوحي وعقولهم مثل السوء ms353 بالكلب تارة وبالحمر ~~تارة وبالأنعام تارة وبأهل القبور تارة وبالعمي الصم تارة وغير ذلك من ~~الأمثال السوء التي ضربها لهم ولأوثانهم وأخبر عن مثله الأعلى بما ذكره من ~~أسمائه وصفاته وأفعاله وضرب لأوليائه وعابديه أحسن الأمثال ومن تدبر القرآن ~~فهم المراد بالمثل الأعلى ومثل السوء وبالله التوفيق. # الوجه الثمانون: إن كل من عارض بين الوحي والعقل ورد نصوص الكتاب والسنة ~~بالرأي الذي يسميه عقلا لا بد أن ينقض تلك النصوص المخالفة لعقله ويعاديها ~~ويود أنها لم تكن جاءت وإذا سمعها وجد لها على قلبه من الثقل والكراهة # PageV03P1036 # بحسب حاله واشمأز لها قلبه والله يعلم ذلك من قلوبهم وهم يعلمونه أيضا ~~حتى حمل جهما الإنكار والبغض لقوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه5] على أن ~~قال لو أمكنني كشطها من المصحف كشطتها وحمل آخربغض قوله: {وكلم الله موسى ~~تكليما} [النساء164] على أن حرفها وقرأها بالنصب وكلم الله موسى تكليما أي ~~أن موسى هو الذي كلم الله وخاطبه والله لم يكلمه فقال له أبو عمرو ابن ~~العلاء فكيف تصنع بقوله: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} [الأعراف143] ~~فبهت المعطل وجرى بيني وبين بعض رؤساء هؤلاء مناظرة في مسألة الكلام فقال ~~نحن وسائر الأمة نقول القرآن كلام الله لا ينازع في هذه الإضافة أحد ولكن # PageV03P1037 # لا يلزم منها أن يكون الله بنفسه متكلما ولا أنه يتكلم فمن أين لكم ذلك ~~فقال له بعض من كان معي من أصحابنا قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~تكلم الله بالوحي" وقالت عائشة ولشأني كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي ~~يتلى فرأيت الجهمي قد عبس وبسر وكلح وزوى وجهه عنه كالذي شم رائحة كريهة ~~أعرض عنها بوجهه أو ذاق طعاما كريها مرا مذاقه وهذا أمر لم يزل عليه كل ~~مبطل إذا واجهته بالحق المخالف له وصدمته به وقل من يتبصر منهم عند الصدمة ~~الأولى ولهذا قال بعض السلف ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من ~~قلبه وقال بعض رؤساء الجهمية إما بشر ms354 المريسي أو غيره ليس شيء أبغض لقولنا ~~من القرآن فأقروا به ثم أولوه وقال بشر أيضا إذا احتجوا عليكم بالقرآن ~~فغالطوهم بالتأويل وإذا احتجوا بالأخبار فادفعوها # PageV03P1038 # بالتكذيب وقال الإمام أحمد قل من نظر في الكلام إلا وفي قلبه غل على ~~الإسلام. # وجاء أفضل متأخريهم فنصب على حصون الوحي أربعة مجانيق. # الأول: أنها أدلة لفظية لا تفيد اليقين # الثاني: أنها مجازات واستعارات لا حقيقة لها # الثالث: أن العقل عارضها فيجب تقديمه عليها # الرابع: أنها أخبار آحاد وهذه المسائل علمية فلا يجوز أن يحتج فيها ~~بالأخبار ولهذا تجد كثيرا من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية أو إظهارها ~~وإشاعتها وقد يشترطون في أماكن يقفونها أن لا يقرأ فيها أحاديث الصفات وكان ~~بعض متأخريهم وهو أفضلهم عندهم كلف بإعدام # PageV03P1039 # كتب السنة المصنفة في الصفات وكتمانها وإخفائها وبلغني عن كثير منهم أنه ~~كان يهم بالقيام والانصراف عند ختم صحيح البخاري وما فيه من التوحيد والرد ~~على الجهمية وسمع منه الطعن في محمد بن إسماعيل وما ذنب البخاري وقد بلغ ما ~~قاله رسول الله وقال آخر من هؤلاء لقد شان البخاري صحيحه بهذا الذي أتى به ~~في آخره ومعلوم أن هذه مضادة صريحة لما يحبه الله ورسوله من التبليغ عنه ~~حيث يقول: " ليبلغ الشاهد الغائب". # وقال: "بلغوا عني ولو آية" وقال: "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى ~~من لم يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" وقد ~~ذم الله في # PageV03P1040 # كتابه الذين يكتمون ما أنزله من البينات والهدى وهؤلاء يختارون كتمان ما ~~أنزل الله لأنه يخالف ما يقولونه ويعارض ما حكمت به عقولهم وآراؤهم وهؤلاء ~~الذين قال فيهم عمر إنهم أعداء السنن يوضحه. # الوجه الحادي والثمانون: أن كل من أبغض شيئا من نصوص الوحي ففيه من عداوة ~~الله ورسوله بحسب ذلك ومن أحب نصوص الوحي ففيه من ولاية الله ورسوله بحسب ~~ذلك وأصل العداوة والبغض كما أن أصل الولاية الحب قال عبد الله بن مسعود لا ms355 ~~يسأل أحدكم عن نفسه غير القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله وإن كان ~~يبغض القرآن فهو يبغض الله ومن تأمل قوله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام112] . # PageV03P1041 # وجده منطبقا على هؤلاء أتم انطباق فإنهم يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا والزخرف هو الكلام المزين كما يزين الشيء بالزخرف وهو الذهب وهو ~~الغرور لأنه يغر المستمع والشبهات المعارضة للوحي هي كلام زخرف يغر ~~المستمع: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما ~~هم مقترفون} [الأنعام113] . فانظر إلى إصغاء المستجيبين لهؤلاء ورضاهم بذلك ~~واقترافهم المترتب عليه فتأمل # الوجه الثاني والثمانون: وهو قوله تعالى {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب مفصلا} [الأنعام114] وهذا يبين أن الحكم بين الناس هو ~~الله عز وجل وحده بما أنزله من الكتاب المفصل كما قال في الآية الأخرى {وما ~~اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى10] وقال تعالى # PageV03P1042 # {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة213] وقال تعالى ~~{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء105] ~~وقال {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء65] فقوله {أفغير الله أبتغي حكما} ~~[الأنعام114] استفهام إنكار يقول كيف أطلب حكما غير الله وقد أنزل كتابا ~~مفصلا فإن قوله {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} جملة في موضع الحال ~~وقوله {مفصلا} يبين أن الكتاب الحاكم مفصل بين ضد ما يصفه به من يزعم أن ~~عقول الرجال وآراءهم تعارض بعض نصوصه وإن نصوصه خيلت وأفهمت خلاف الحق ~~لمصلحة المخاطب وإن لها معان لا تفهم ولا يعلم المراد منها أو أن لها ~~تأويلات باطلة خلاف ما دلت عليه ظواهرها # PageV03P1043 # فهؤلاء كلهم ليس الكتاب عندهم مفصلا بل مجمل ما دل أو لا يعلم المراد منه ~~خلاف ظاهره ms356 أو إفهام خلاف الحق ثم قال {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين} [الأنعام114] وذلك أن الكتاب ~~الأول مصدق للقرآن فمن نظر فيه علم علما يقينا أن هذا وهذا من مشكاة واحدة ~~لا سيما في باب التوحيد والأسماء والصفات فإن التوراة مطابقة للقرآن في ذلك ~~موافقة له وهذا يدل على أن ما في التوراة من ذلك ليس هو من المبدل المحرف ~~الذي أنكره الله عليهم بل هو من الحق الذي شهد للقرآن وصدقه ولهذا لم ينكر ~~النبي عليهم ما في التوراة من الصفات ولا عابهم به ولا جعله تشبيها وتجسيما ~~وتمثيلا كما فعل كثير من النفاة وقالوا اليهود أمة التشبيه والتجسيم ولا ~~ذنب لهم في ذلك فإنهم فسروا ما في التوراة فالذي عابهم الله به من تأويل ~~التحريف والتبديل لم يعبهم به المعطلة النفاة بل شاركوهم فيه والذي استشهد ~~الله سبحانه على نبوة رسوله به من موافقة # PageV03P1044 # ما عندهم من التوحيد والصفات عابوهم به ونسبوهم فيه إلى التجسيم والتشبيه ~~وهذا ضد ما كان عليه الرسول وأصحابه فإنهم كانوا إذا ذكروا له شيئا من هذا ~~الذي تسميه المعطلة تجسيما وتشبيها صدقهم عليه أو أقرهم ولم ينكره كما ~~صدقهم في خبر الحبر المتفق على صحته من حديث عبد الله بن مسعود وضحك تعجبا ~~وتصديقا له وفي غير ذلك ثم قال: {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته} [الأنعام115] فقرر أن ما أخبر به فهو صدق وما أمر به فهو عدل وهذا ~~يبين أن ما في النصوص من الخبر فهو صدق علينا أن نصدق به لا نعرض عنه ولا ~~نعارضه ومن دفعه أو عارضه بعقله لم يصدق به ولو صدقه تصديقا # PageV03P1045 # مجملا ولم يصدقه تصديقا مفصلا في أعيان ما أخبر به لم يكن مؤمنا ولو أقر ~~بلفظه مع جحد معناه أو حرفه إلى معان أخر غير ما أريد به لم يكن مصدقا بل ~~هو إلى التكذيب أقرب. # الوجه الثالث والثمانون: أنه سبحانه أخبر أن كل حكم ms357 خالف حكمه الذي أنزله ~~على رسوله فهو من أحكام الهوى لا من أحكام العقل وهو من أحكام الجاهلية لا ~~من حكم العلم والهدى فقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما ~~يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم ~~الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة50 , 49] فأخبر ~~سبحانه وتعالى أنه ليس وراء ما أنزله إلا اتباع الهوى الذي يضل عن سبيله ~~وليس وراء حكمه إلا حكم الجاهلية وكل هذه الآراء والمعقولات المخالفة لما ~~جاء به الرسول هي من قضايا الهوى وأحكام الجاهلية وإن سماها أربابها ~~بالقواطع العقلية والبراهين اليقينية كتسمية المشركين أوثانهم وأصنامهم ~~آلهة وتسمية المنافقين السعي في الأرض بالفساد وصد القلوب عن الإيمان ~~إصلاحا وإحسانا وتوفيقا وقال تعالى: # PageV03P1046 # {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [القصص50] . وقال {ولئن ~~اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} ~~[البقرة120] وقال {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين} [البقرة145] وقال {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم} ~~[الشورى15] وقال {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وهم بربهم يعدلون} [الأنعام150] وهؤلاء وإن أقروا بألفاظ الوحي فقد ~~كذبوا بمعاني آياته وجحدوا حقائقها ولهذا اتفق السلف على تسميتهم # PageV03P1047 # أهل الأهواء وأخبروا أن سبب ظهورهم خفاء السنن كما قال عبد الله بن ~~المبارك إذا خفيت السنة ظهرت الأهواء وإذا قل العلم ظهر الجفاء بل أهل ~~الأهواء أحسن حالا من المعارضين للوحي بعقولهم فإنهم عند السلف إنما سموا ~~أهل الأهواء لأنهم تأولوا النصوص على تأويلات نزلوها على أهوائهم وهؤلاء ~~عارضوا بينها وبين معقولاتهم. # الوجه الرابع والثمانون: أن من عارض نصوص الوحي بالعقل لزمه لازم من خمسة ~~لا محيد له البتة ms358 إما تكذيبها أو كتمانها وإما تحريفها وإما تخييلها وإما ~~تجهيلها وهو نسبة المصدقين لها إلى الجهل إما البسيط وإما المركب وفساد ~~اللازم يدل على فساد الملزوم. # وبيان الملازمة أنه إذا اعتقد أن العقل يخالف ظاهرها فقد اعتقد أن ظاهرها ~~باطل ومحال فإما أن يقر بلفظها وأن الرسول جاء به أو لا فإن لم يقر بذلك ~~فهو مكذب وإن أقر بألفاظها فإما أن يقر بأنه أراد معانيها وحقائقها أم لا ~~فإن أقر بذلك لزمه اعتقاد التخييل فيها والخطاب الجمهوري وإن لم يقر بأنه ~~أراد حقائقها وما دلت عليه فإما أن يقول إنه أراد خلاف ظواهرها وحقائقها أو ~~لا فإن قال أراد خلاف حقائقها وظواهرها لزمه التحريف والتأويل # PageV03P1048 # الباطل وإن قال لم يرد ذلك فإما أن يقول لم يرد بها معنى أصلا بل هي ~~بمنزلة الألفاظ المهملة التي لا معنى لها أو يقول أراد بها معنى لا يفهمه ~~ولا يعرفه وهذا هو التجيهل وقد ذهب إلى كل تقدير من هذه التقادير طائفة من ~~الناس وقد ذم الله سبحانه الجميع قال تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد ~~كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم ~~بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم ~~إلا يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} ~~[البقرة79-75] . # فذم سبحانه وتعالى المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا ~~مجرد التلاوة وهي الأماني والذين يكتبون فيكتبون الباطل ويقولون هذا حق وهو ~~من عند الله وذم في عدة مواضع الذين يكتمون ما أنزله من الكتاب والبينات ~~والهدى وهذه الأنواع الأربعة المذمومة موجودة في هؤلاء المعرضين عن نصوص ~~الوحي المعارضين لها بآرائهم # PageV03P1049 # وعقولهم وأهوائهم ms359 فإنهم تارة يكتمون الأحاديث والآيات المخالفة لأقوالهم ~~ومنهم طوائف تضع أحاديث على وفق مذاهبهم وأهوائهم في الأصول والفروع ~~ويقولون هذا من عند الله وتارة يضعون كتبا بآرائهم وعقولهم وأذواقهم ~~وخيالاتهم ويدعون أنها الدين الذي يجب اتباعه ويقدمونها على نصوص الوحي. # وأما تحريفهم للنصوص بأنواع التأويلات الفاسدة التي يحرفون بها الكلم عن ~~مواضعه فأكثر وأشهر من أن تذكر كتأويلات القرامطة والباطنية والفلاسفة ~~والرافضة والجهمية والقدرية. # وأما التخييل فكثير منهم يصرحون بأن الرسل قصدت من النصوص إفهام خلاف ~~الحق للمصلحة الجمهورية. # وأما التجهيل فكثير منهم يصرحون بأن هذه النصوص لا معنى لها وإنما هي ~~ألفاظ مجردة ومن أحسن منهم وأجمل يقول لها معان استأثر الله بعلمها ولم ~~يجعل لنا سبيلا إلى العلم بها وأكثر هذه الطوائف لا يعرف الحديث # PageV03P1050 # ولا يسمعه وكثير منهم لا يصدق به إذا سمعه ثم إذا صدقوا به فإن تحريفهم ~~له وإعراضهم عن معانيه أعظم من تحريف القرآن والإعراض عنه ولهذا يقر بعض ~~هؤلاء بما في القرآن من الصفات دون ما في الحديث وحده. # الوجه الخامس والثمانون: إن المعارضين للوحي ب آرائهم خمس طوائف: # طائفة عارضته بعقولهم في الخبريات وقدمت عليه العقل فقالوا لأصحاب الوحي ~~لنا العقل ولكم النقل. # وطائفة عارضته بآرائهم وقياساتهم فقالوا لأهل الحديث لكم الحديث ولنا ~~الرأي والقياس. # وطائفة عارضته بحقائقهم وأذواقهم وقالوا لكم الشريعة ولنا الحقيقة. # وطائفة عارضته بسياساتهم وتدبيرهم فقالوا أنتم أصحاب الشريعة ونحن أصحاب ~~السياسة. # وطائفة عارضته بالتأويل الباطن فقالوا أنتم أصحاب الظاهر ونحن أصحاب ~~الباطن. # ثم إن كل طائفة من هذه الطوائف لا ضابط لما تأتي به من ذلك بل ما تأتي به ~~تبع لأهوائها كما قال تعالى: # PageV03P1051 # {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} [القصص50] وقال {وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة49] فما هو إلا الهوى ~~أو الوحي كما قال تعالى {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم4 , ~~3] فجعل النطق نوعين نطقا عن الوحي ونطقا عن الهوى ثم إذا رد على كل ms360 من ~~هؤلاء باطله رجع إلى طاغوته وقال في العقل مالا يقتضيه النقل وقال الآخر في ~~الرأي والقياس مالا يجيزه الحديث وقال الآخر في الذوق والحقيقة مالا تسوغه ~~الشريعة وقال الآخر في السياسة ما تمنع منه الشريعة وقال الآخر في الباطن ~~ما يكذبه الظاهر فباطل هؤلاء كلهم لا ضابط له بخلاف الوحي فإنه أمر مضبوط ~~مطابق لما عليه الأمر في نفسه تلقاه الصادق المصدوق من لدن حكيم عليم. # الوجه السادس والثمانون: أن الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص فيه ~~فيوردون إشكالاتهم على النبي فيجيبهم عنها وكانوا يسألونه عن الجمع بين ~~النصوص التي # PageV03P1052 # يوهم ظاهرها التعارض ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولا يعارض النص البتة ~~ولا عرف فيهم أحد وهم أكمل الأمم عقولا عارض نصا بعقله يوما من الدهر وإنما ~~حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار كما تقدم وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "من نوقش الحساب عذب" فقالت عائشة يا رسول الله أليس ~~الله يقول: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [الانشقاق8 ~~, 7] فقال: "بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب" فأشكل عليها الجمع ~~بين النصين حتى بين لها أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض ~~الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله كما قال تعالى: {يومئذ تعرضون ~~لا تخفى منكم خافية} [الحاقة18] حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى ~~بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد ولما قال لا يدخل ~~النار أحد بايع تحت الشجرة قالت له حفصة أليس الله يقول: # PageV03P1053 # {وإن منكم إلا واردها} [مريم71] قال ألم تسمعي قوله تعالى {ثم ننجي الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم72] فأشكل عليها الجمع بين النصين ~~وظنت الورود دخولها كما يقال ورد المدينة إذا دخلها فأجاب النبي بأن ورود ~~المتقين غير ورود الظالمين فإن # PageV03P1054 # المتقين يردونها ورودا ينجون به من عذابها والظالمين يردونها ورودا ~~يصيرون جثيا فيها به فليس الورود كالورود وقال عمر يوم ms361 الحديبية ألم تكن ~~تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به فقال: "هل قلت لك إنك تدخله العام" قال لا ~~قال: " فإنك آتيه ومطوف به " فأشكل على عمر رجوعهم عام الحديبية ولم يدخلوا ~~المسجد الحرام ولا طافوا بالبيت وظن أن الدخول والطواف الذي بشرهم به ~~ووعدهم النبي بذلك العام فبين له أن اللفظ مطلق لا دليل فيه على ذلك العام ~~بعينه فتنزيله على ذلك العام غلط فرجع عمر وعلم أنه غلط في فهمه ولما أنزل ~~الله عز وجل: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} ~~[النساء123] قال أبو بكر الصديق يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم ~~يعمل سوءا فقال: "يا أبا بكر ألست # PageV03P1055 # تنصب ألست تحزن أليست تصيبك اللأواء قال بلى قال فذلك مما تجزون به" ~~فأشكل على الصديق أمر النجاة مع هذه الآية وظن أن الجزاء في الآخرة ولا بد ~~فأخبره النبي أن جزاءه وجزاء المؤمنين بما يعملونه من السوء في الدنيا بما ~~يصيبهم من النصب والحزن والمشقة واللأواء فيكون ذلك كفارة لسيئاتهم ولا ~~يعاقبون عليها في الآخرة وهذا مثل قوله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم} [الشورى30] ومثل قوله {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك} [النساء79] # PageV03P1056 # وقوله {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم} [آل عمران165] وإن كان قوله {من يعمل سوءا يجز به} [النساء123] أعم ~~لأنه يتناول الجزاء في الدنيا والآخرة ولما نزل قوله تعالى {الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام82] قال ~~الصحابة وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم قال ذلك الشرك ألم تسمعوا ~~قول العبد الصالح {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان13] فلما أشكل عليهم المراد ~~بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون ~~آمنا أجابهم بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك وهذا ~~والله الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل ms362 فإن الظلم المطلق التام هو ~~الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها # PageV03P1057 # والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة والهدى إلى الصراط ~~المستقيم فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق ولا يمنع ذلك أن ~~يكون مطلق الظلم مانعا من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله. # فالمطلق للمطلق والحصة للحصة ولما أنزل الله سبحانه قوله {لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة284] أشكل ذلك على بعض الصحابة وظنوا ~~أن ذلك من تكليفهم مالا يطيقونه فأمرهم النبي أن يقابلوا النص بالقبول لا ~~بالعصيان فبين الله سبحانه وتعالى بعد ذلك أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وأنه ~~لا يؤاخذهم بما نسوه وأخطأوا فيه وأنه لا يحمل عليهم إصرا كما حمله على ~~الذين من قبلهم وأنه لا يحملهم مالا طاقة لهم به وأنهم إن قصروا في بعض ما ~~أمروا به أو نهوا عنه ثم استعفوه واستغفروه عفى عنهم وغفر لهم ورحمهم فانظر ~~ماذا أعطاهم الله لما قابلوا خبره بالرضا # PageV03P1058 # والتسليم والقبول والانقياد دون المعارضة والرد ومن ذلك أن عائشة لما ~~سمعت قوله إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه عارضته بقوله تعالى: {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} [الأنعام164] ولم تعارضه بالعقل بل غلطت الراوي والصواب ~~عدم المعارضة وتصويب الرواة فإنهم ممن لا يتهم وهم عمر وابنه والمغيرة بن ~~شعبة وغيرهم والعذاب الحاصل للميت ببكاء أهله عليه وهو تألمه وتأذيه ~~ببكائهم عليه والوزر المنفي حمل غير صاحبه له هو عقوبة البريء وأخذه بجريمة ~~غيره وهذا لا ينفي تأذي البريء السليم بمصيبة غيره فالقوم لم يكونوا ~~يعارضون النصوص بعقولهم وآرائهم وإن كانوا يطلبون الجمع بين نصين يوهم ~~ظاهرهما التعارض ولهذا لما عارض بلال بن عبد الله قوله صلى # PageV03P1059 # الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " برأيه وعقله وقال ~~والله لنمنعهن أقبل عليه أبوه عبد الله فسبه سبا ما سبه مثله وقال أحدثك عن ~~رسول الله وتقول ms363 والله لنمنعهن ولما حدث عمران بن حصين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: "إن الحياء خير كله" فعارضه معارض بقوله إن منه وقارا ~~ومنه ضعفا فاشتد غضب عمران بن حصين وقال أحدثك عن رسول الله وتقول منه كذا ~~ومنه كذا وظن أن المعارض زنديق # PageV03P1060 # فقيل له يا عبد الله لا بأس به ولما حدث عبادة بن الصامت بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "الفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء" الحديث قال معاوية ما أرى ~~بهذا بأسا يعني بيع آنية الفضة بالفضة متفاضلا غضب عبادة وقال تراني أقول ~~قال رسول الله وتقول ما أرى بهذا بأسا لا أساكنك بأرض أنت بها أبدا ومعاوية ~~لم يعارض النص بالرأي وكان أتقى لله من ذلك وإنما خصص عمومه وقيد مطلقه ~~بهذه الصورة وما شابهها ورأى أن التفاضل في مقابل أثر الصنعة لم يدخل في ~~الحديث وهذا مما يسوغ فيه الاجتهاد وإنما أنكر عليه عبادة مقابلته لما رواه ~~بهذا الرأي ولو قال له نعم حديث رسول الله على الرأس والعين ولا يجوز ~~مخالفته بوجه ولكن هذه الصورة لا تدخل في لفظه فإنه إنما قال: "الفضة ~~بالفضة مثلا بمثل وزنا بوزن" وهذه الزيادة ليست في مقابلة الفضة وإنما هي ~~في مقابلة الصنعة ولا تذهب الصنعة هدرا لما أنكر عليه عبادة فإن هذا من ~~تمام فهم النصوص وبيان ما أريد بها كما أنه هو # PageV03P1061 # ومعاذ بن جبل وغيرهما من الصحابة لما ورثوا المسلم من الكافر ولم يورثوا ~~الكافر من المسلم لم يعارضوا قوله: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر ~~المسلم" بآرائهم وعقولهم بل قيدوا مطلق هذا اللفظ أو خصوا عمومه وظنوا أن ~~المراد به الحربي كا فعل ذلك بعض الفقهاء بقوله لا يقتل مسلم بكافر حيث ~~حملوه على الحربي دون الذمي والمعاهد والصحابة في ذلك التقييد والتخصيص ~~أعذر من هؤلاء من وجوه كثيرة ليس هذا موضعها وقد كان السلف يشتد عليهم ~~معارضة النصوص بآراء الرجال ولا يقرون المعارض على ذلك وكان # PageV03P1062 # عبد الله بن عباس يحتج ms364 في مسألة متعة الحج بسنة رسول الله وأمره لأصحابه ~~بها فيقولون له إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا فلما أكثروا عليه ~~قال يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال رسول الله وتقولون ~~قال أبو بكر وعمر فرحم الله ابن عباس كيف لو رأى أقواما يعارضون قول الله ~~ورسوله بقول أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر ~~المريسي وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم. # ولقد سئل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له إن أباك نهى ~~عنها فقال إن أبي لم يرد ما تقولون فلما أكثروا عليه قال أفرسول الله أحق ~~أن تتبعوا أم عمر ولما حدث حماد عن ثابت عن أنس # PageV03P1063 # عن النبي في تفسير قوله {فلما تجلى ربه للجبل} [الأعراف143] قال وضع ~~إصبعه على طرف خنصره فساخ الجبل أنكر عليه بعض الحاضرين وقال أتحدث بهذا ~~فضرب حماد في صدره وقال أحدثك عن ثابت عن أنس عن النبي وتقول أتحدث بهذا ~~وهذا # PageV03P1064 # كثير جدا لا يتسع له هذا الموضع فكانت نصوص رسول الله أجل في صدورهم ~~وأعظم في قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحد من الناس كائنا من كان ولا يثبت ~~قدم الإيمان إلا على ذلك وفتح باب هذه المعارضة الباطلة سد لباب الإيمان ~~والله المستعان. # الوجه السابع والثمانون: إن حقيقة قول المعارضين بين النصوص الإلهية ~~النبوية وآراء الرجال وتقديم الآراء عليها أن لا يحتج بالقرآن والسنة على ~~شيء من المسائل العلمية بل ولا يستفاد التصديق الجازم بشيء من أخبار الله ~~ورسوله البتة فإذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة ~~أخبار يعارضها صريح العقل ويجب تقديم العقل عليها من غير بيان من الله ~~ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح ~~العقل فالإنسان لا يخلو من حالين: # PageV03P1065 # فإنه إذا سمع النصوص التي أخبر الله ورسوله فيها عما لا يدركه عقله فإما ~~أن يقدر أن له رأيا مخالفا للنص أو ليس له رأي ms365 يخالفه فإن كان عنده معقول ~~بزعمه يناقض خبر الله ورسوله قدم معقوله وألقى خبر الله ورسوله وحينئذ فكل ~~من اقتضى عقله مناقضة خبر من أخبار الله ورسوله قدم عقله ولم يستفد بخبر ~~الرسول العلم بثبوت مخبره ولم يستفد منه فائدة علمية بل غايته أن يستفيد ~~إتعاب قلبه وإعمال فكره فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل ~~عليها الخطاب ليصرف دلالة الخطاب إليها ومعلوم أن المقصود من الخطاب ~~الإفهام وهذا لم يستفد من الخطاب الإفهام ولا الصواب فإن الحق إنما استفاده ~~من عقله والمعنى الذي دل عليه الخطاب الدلالة المألوفة لم يقصد بالخطاب ~~إفهامه والمعنى البعيد الذي صرف اللفظ إليه وحمله عليه وهو عالم بثبوته ~~بدون الخطاب فلم يكن في خطاب الله ورسوله عند هؤلاء فائدة علمية البتة ولقد ~~صرحوا بهذا وقالوا المقصود تعريض متأوليه للثواب ومضمون هذا أن نصوص الوحي ~~إنما أفادت تضليل الإنسان وإتعاب الأذهان والتفريق بين أهل الإيمان وإلقاء ~~العداوة بينهم والشنآن وتمكين أهل الإلحاد من الطعن في القرآن والإيمان # PageV03P1066 # هذا إن كان في عقله معارض لخبر الله ورسوله وإن لم يكن عنده معقول يعارض ~~النصوص لم يجزم بأنه ليس في عقول جميع الناس ما يعارض ذلك الخبر وعدم العلم ~~بالمعارض لا يستلزم العلم بعدمه فهو يجوز أن يكون ثم معارض ولا علم له به ~~وهذا يمنع الجزم بالتصديق قطعا كما تقدم التنبيه عليه فظهر أن هذه الطريقة ~~تمنع التصديق الجازم فيما أخبر به الرسول من الغيب وتحول بين القلب وبين ~~الإيمان. # وسر المسألة أنه متى جوز أن يكون في العقل ما يناقض خبر الله ورسوله ~~امتنع منه الإيمان الجازم. # والإيمان اليقيني الجازم وهذا التجويز لا يجتمعان أبدا يوضحه. # الوجه الثامن والثمانون: أن المعقولات ليس لها ضابط يضبطها ولا هي منحصرة ~~في نوع معين فإنه ما من أمة من الأمم إلا ولهم عقليات يختصون بها فللفرس ~~عقليات وللهند عقليات ولليونان عقليات وللمجوس عقليات وللصابئة عقليات بل ~~كل طائفة من هذه الطوائف ليسوا متفقين على العقليات بل ms366 بينهم فيها من ~~الاختلاف والتباين ما هو معروف عند المعتنين به ونحن نعفيكم من المعقولات # PageV03P1067 # واضطرابها ونحاكمكم إلى المعقولات التي في هذه الأمة فإنه ما من مدة من ~~المدد وإلا وقد ابتدعت فيها بدع يزعم أربابها أن العقل دل عليها ونحن نسوق ~~لك الأمر من أوله إلى أن يصل إليك بعون الله وحسن توفيقه فنقول لما أظلمت ~~الأرض وبعد عهد أهلها بنور الوحي وتفرقوا في الباطل فرقا وأحزابا لا يجمعهم ~~جامع ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم فإنهم فقدوا نور النبوة ورجعوا إلى مجرد ~~العقول فكانوا كما قال النبي فيما يروي عن ربه أنه قال إني خلقت عبادي ~~حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض ~~فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب فكان أهل العقول كلهم في مقته ~~إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا ~~عبادة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو الكواكب والشمس والقمر أو الحيرة ~~والشك أو السحر أو تعطيل الصانع والكفر به فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه ~~لهم وإعراضه عنهم فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجا منيرا وأنعم ~~بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم # PageV03P1068 # ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكورا فأبصروا بنور الوحي مالم ~~يكونوا بعقولهم يبصرونه ورأوا في ضوء الرسالة لما لم يكونوا بآرائهم يرونه ~~فكانوا كما قال الله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور} [البقرة257] وقال {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم1] وقال {وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى52] وقال {أومن كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} ~~[الأنعام122] فمضى الرعيل الأول في ضوء ms367 ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ~~ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه ~~منهم وأن لا يخرجوا عن طريقهم فلما كان في أواخر عصرهم حدثت # PageV03P1069 # الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل ~~الأمة ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية بل كانوا للنصوص معظمين وبها مستدلين ~~ولها على العقول والآراء مقدمين ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض ~~النصوص وإنما أتوا من سوء الفهم فيها والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من ~~قبلهم ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم فصاح بهم من أدركهم من ~~الصحابة وكبار التابعين من كل قطر ورموهم بالعظائم وتبرأوا منهم وحذروا من ~~سبيلهم أشد التحذير ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم وكلامهم فيهم معروف ~~في كتب السنة وهو أكثر من أن يذكر هاهنا فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر ~~التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي ومع هذا كانوا قليلين أولا ~~مقموعين مذمومين عند الأئمة وأولهم # PageV03P1070 # شيخهم الجعد بن درهم وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان ~~بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي وعلى رأسه سلب الله بني أمية ~~الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة ~~فلما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد الله القسري وكان أميرا على ~~العراق حتى ظفر به فخطب الناس في يوم الأضحى وكان آخر ما قال في خطبته أيها ~~الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم ~~يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا تعالى الله عما يقول الجعد علوا ~~كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضحية # PageV03P1071 # ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها والناس إذ ذاك عنق واحد أن ~~الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال ~~وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما إلى ms368 أن جاء ~~أول المائة الثالثة وولي على الناس عبد الله المأمون وكان يحب أنواع العلوم ~~وكان مجلسه عامرا بأنواع المتكلمين في العلوم فغلب عليه حب المعقولات فأمر ~~بتعريب كتب يونان وأقدم لها المترجمين من البلاد فعربت له واشتغل بها الناس ~~والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه فغلب على مجلسه جماعة ممن الجهمية مما كان ~~أبوه الرشيد قد أقصاهم وتبعهم بالحبس والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه ~~وقلبه فقبلها واستحسنها ودعا الناس إليها وعاقبهم عليها فلم تطل مدته فصار ~~الأمر بعده إلى المعتصم وهو الذي ضرب الإمام أحمد بن حنبل فقام بالدعوة ~~بعده والجهمية تصوب فعله وتدعوه إليه وتخبره أن ذلك هو تنزيه الرب عن ~~التشبيه والتمثيل والتجسيم وهم الذين قد غلبوا على قربه ومجلسه والقضاة ~~والولاة منهم فإنهم تبع لملوكهم ومع هذا فلم يكونوا يتجاسرون # PageV03P1072 # على إلغاء النصوص وتقديم الآراء والعقول عليها فإن الإسلام كان في ظهور ~~وقوة وسوق الحديث نافقة ورؤوس السنة على ظهر الأرض ولكن كانوا على ذلك ~~يحومون وحوله يدندنون وأخذوا الناس بالرغبة والرهبة فمن بين أعمى مستجيب ~~ومن بين مكره مقيد نفسه منهم بإعطاء ما سألوه وقلبه مطمئن بالإيمان وثبت ~~الله أقواما جعل قلوبهم في نصر دينه أقوى من الصخر وأشد من الحديد وأقامهم ~~لنصر دينه وجعلهم أئمة يقتدي بهم المؤمنون لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون ~~فإنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين قال الله تعالى: {وجعلنا منهم ~~أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة24] . # فصبروا من الجهمية على الأذى الشديد ولم يتركوا سنة رسول الله لما ~~أرغبوهم به من الوعد وما تهددوهم به من الوعيد ثم أطفأ الله برحمته تلك ~~الفتنة وأخمد تلك الكلمة ونصر السنة نصرا عزيزا وفتح لأهلها فتحا مبينا حتى ~~خرج بها على رؤوس المنابر ودعي إليها في كل باد وحاضر وصنف ذلك الزمان في # PageV03P1073 # السنة مالا يحصيه إلا الله ثم انقضى ذلك العصر وأهله وقام بعدهم ذريتهم ~~يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله على بصيرة إلى أن جاء ms369 ما لا قبل لأحد به ~~وهم جنود إبليس حقا المعارضون لما جاءت به الرسل بعقولهم وآرائهم من ~~القرامطة والباطنية والملاحدة ودعوتهم إلى العقل المجرد وأن أمور الرسل ~~تعارض المعقول فهم القائمون بهذه الطريقة حق القيام بالقول والفعل فجرى على ~~الإسلام وأهله منهم ما جرى وكسروا عسكر الخليفة مرارا عديدة وقتلوا الحاج ~~قتلا ذريعا وانتهوا إلى مكة فقتلوا بها من وصل من الحاج إليها وقلعوا الحجر ~~الأسود من مكانه وقويت شوكتهم واستفحل أمرهم وعظمت بهم الرزية واشتدت بهم ~~البلية وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل وإذا تعارض ~~العقل والنقل قدمنا العقل قالوا فنحن أنصار العقل الداعون إليه المخاصمون ~~به المحاكمون إليه وفي زمانهم استولى الكفار على كثير من بلاد الإسلام في ~~الشرق والغرب وكاد الإسلام أن ينهد ركنه لولا دفاع الذي ضمن حفظه إلى أن ~~يرث الأرض ومن عليها ثم خمدت دعوة هؤلاء في # PageV03P1074 # المشرق وظهرت من المغرب قليلا قليلا حتى استفحلت وتمكنت واستولى أهلها ~~على كثير من بلاد المغرب ثم أخذوا يطوون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر ~~فملكوها وبنوا بها القاهرة وأقاموا على هذه الدعوة مصرحين بها غير متحاشين ~~منها هم وولاتهم وقضاتهم وأتباعهم وفي زمانهم صنفت رسائل إخوان الصفا ~~والإشارات والشفا وكتب ابن سينا فإنه قال كان أبي من أهل الدعوة الحاكمية ~~وعطلت في زمانهم السنة وكتبها والآثار جملة إلا في الخفية بحيث يكون قارؤها ~~وذاكرها وكاتبها على أعظم خطر وشعار هذه الدعوة تقديم العقل على الوحي ~~واستولوا على بلاد المغرب ومصر والشام والحجاز واستولوا على العراق سنة ~~وأهل السنة فيهم كأهل الذمة بين المسلمين بل كان لأهل الذمة من الأمان ~~والجاه والعز عندهم مالا يصل إليه أحد من أهل السنة ولا يطمع فيه فكم أغمدت ~~سيوفهم في أعناق العلماء وكم مات في # PageV03P1075 # سجونهم من ورثة الأنبياء وكم ماتت بهم سنة وقامت بهم بدعة وضلالة حتى ~~استنقذ الله الأمة والملة من أيديهم في أيام نور الدين وابن أخيه صلاح ~~الدين فأبل الإسلام من علته ms370 بعدما وطن المسلمون أنفسهم على العراء وانتعش ~~بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء وأبدر هلاله بعد أن دخل في ~~المحاق وثابت إليه روحه بعدما بلغت التراقي وقيل من راق واستنقذ الله ~~سبحانه بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب وأخذ كل من أنصار الله ~~ورسوله من نصرة دينه بنصيب وعلت كلمة الإسلام والسنة وأذن بها على رؤوس # PageV03P1076 # الأشهاد ونادى المنادي يا أنصار الله لا تنكلوا عن الجهاد فإنه أبلغ ~~الزاد ليوم المعاد فعاش الناس في ذلك النور مدة حتى استولت الظلمة على بلاد ~~الشرق وطغى نور النبوة والوحي وقدموا العقول والآراء والسياسة والأذواق ~~والرأي على الوحي فظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها فبعث الله عليهم ~~عبادا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وعاثوا في القرى والأمصار وكاد ~~الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رسمه وكان مشار هذه الفرقة وعالمها الذي ~~يرجعون إليه زعيمها الذي يعولون عليه شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل ~~وإمامهم في وقته نصير الكفر والشرك الطوسي فلم يعلم في عصره أحد عارض بين ~~العقل والنقل معارضته فرام إبطال السمع بالكلية وإقامة الدعوة الفلسفية ~~وجعل الإشارات بدلا عن السور والآيات وقال هذه عقليات قطعية برهانية قد ~~عارضت تلك النقليات الخطابية واستعرض علماء الإسلام وأهل القرآن والسنة على ~~السيف فلم يبق منهم إلا من أعجزه قصدا لإبطال الدعوة الإسلامية وجعل مدارس ~~المسلمين وأوقافهم للنجسة السحرة والمنجمين والفلاسفة # PageV03P1077 # والملاحدة والمنطقيين ورام إبطال الآذان وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي ~~فحال بينه وبين ذلك من تكفل بحفظ الإسلام ونصره وهذا كله من ثمرة المعارضين ~~بين الوحي والعقل وتقديم العقل على السمع ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك ~~على ذكر كل وقت فإنه أول من عارض بين العقل والنقل وقدم العقل فكان من أمره ~~ما قص الله عليك وورث هذا الشيخ تلامذته هذه المعارضة فلم يزل يجري على ~~الأنبياء وأتباعهم منها كل محنة وبلية وأصل كل بلية في العالم كما قال محمد ~~الشهرستاني من معارضة النص بالرأي وتقديم الهوى على الشرع ms371 والناس إلى اليوم ~~في شرور هذه المعارضة وشؤم عاقبتها فإلى الله المشتكى وبه المستعان ثم إنه ~~خرج مع هذا الشيخ المتأخر المعارض بين العقل والنقل أشياء لم تكن تعرف قبله ~~جست العميدي وحقائق ابن # PageV03P1078 # عربي وتشكيكات الرازي وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداءالرسل التي ~~فرحوا بها لما جاءتهم رسلهم بالبينات وصارت الدولة والدعوة لأرباب هذه ~~العلوم ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه وأقام جندا تغزوا ملوك ~~هؤلاء بالسيف والسنان وجندا تغزوا علماءهم بالحجة والبرهان ثم نابغة طائفة ~~منهم في رأس القرن الثامن فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن ~~تيمية قدس الله روحه فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان وكشف ~~للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول ~~وشفى واشتفى وبين مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون وإليه يدعون ~~وإنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه فلا وحي # PageV03P1079 # ولا عقل فأرداهم في حفرهم ورشقهم بسهامهم وبين أن صحيح معقولاتهم خدم ~~لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه فمن نصح ~~نفسه ورغب عن قوله: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} ~~[الزخرف23] يتبين له حقيقة الأمر {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} ~~[النور40] والمقصود أن كل بلية طرقت العالم عامة أو خاصة فأصلها من معارضة ~~الوحي بالعقل وتقديم الهوى على الأمر والمعصوم من عصمه الله. # الوجه التاسع والثمانون: إنه قد ثبت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ثبوت ~~صفات الكمال للرب سبحانه وأنه أحق بالكمال من كل ما سواه وأنه يجب أن تكون ~~القوة كلها له والعزة كلها له والعلم كله له والقدرة كلها له والجمال كله ~~له وكذلك سائر صفات الكمال وقام البرهان السمعي والعقلي على أنه يمتنع أن ~~يشترك في الكمال التام اثنان وأن الكمال التام لا يكون إلا لواحد وهاتان ~~مقدمتان يقينتان معلومتان بصريح العقل وجاءت نصوص الأنبياء مفصلة لما في ~~صريح # PageV03P1080 # العقل إدراكه قطعا فاتفق على ذلك العقل والنقل قال تعالى: {ولو يرى ms372 الذين ~~ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا} [البقرة165] وقد اختلف في تعلق ~~قوله {أن القوة لله جميعا} بماذا فقالت طائفة هو مفعول يرى أي ولو يرون أن ~~القوة لله جميعا لما عصوه ولما كذبوا رسله وقدموا عقولهم على وحيه وقالت ~~طائفة بل المعنى لأن القوة لله جميعا وجواب لو محذوف على التقديرين أي لو ~~يرى هؤلاء حالهم وما أعد الله لهم إذ يرون العذاب لرأوا أمرا عظيما ثم قال ~~{أن القوة لله جميعا} وهو متضمن للتهديد الشديد والوعيد وقال تعالى: {بل ~~لله الأمر جميعا} [الرعد31] وقال {إن الأمر كله لله} [آل عمران154] وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: "لبيك وسعديك والخير كله ~~بيديك" وفي الأثر الآخر "اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله # PageV03P1081 # وإليك يرجع الأمر كله" فلله سبحانه كل صفة كمال وهو موصوف بتلك الصفات ~~كلها ونذكر من ذلك صفة واحدة تعتبر بها سائر الصفات وهو أنك لو فرضت جمال ~~الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمع لشخص واحد منهم ثم كان الخلق كلهم على ~~جمال ذلك الشخص لكان نسبته إلى جمال الرب تبارك وتعالى دون نسبة سراج ضعيف ~~إلى جرم الشمس وكذلك قوته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه وقدرته ورحمته ~~وحكمته وجوده وسائر صفاته وهذا مما دلت عليه آياته الكونية السمعية وأخبرت ~~به رسله عنه كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام ولا ~~ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل ~~النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه" فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه ولو ~~كشف حجاب النور عن تلك السبحات # PageV03P1082 # لاحترق العالم العلوي والسفلي فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته ~~وكبريائه وكماله وجلاله وإذا كانت السموات مع عظمتها وسعتها يجعلها على ~~أصبع من أصابعه والأرض على أصبع والجبال على أصبع والبحار على أصبع ms373 فما ~~الظن باليد الكريمة التي هي صفة من صفات ذاته وإذا كان يسمع ضجيج الأصوات ~~باختلاف اللغات على تفنن الحاجات في أقطار الأرض والسموات فلا يشتبه عليه ~~ولا يختلط ولا يلتبس ولا يغلطه سمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة ~~الصماء تحت أطابق الأرض في الليلة الظلماء ويعلم ما تسره القلوب وأخفى منه ~~وهو مالم يخطر لها أنه سبحانه سيخطر لها ولو كان البحر المحيط بالعالم ~~مدادا ويحيط به من بعده سبعة أبحر كلها مداد وجميع أشجار الأرض وهو كل نبت ~~قام على ساق مما يحصد ومما لا يحصد أقلام يكتب بها نفدت البحار والأقلام ~~ولم ينفد كلامه وهذا وغيره بعض ما تعرف به إلى عباده من كلامه وإلا فلا ~~يمكن أحدا قط أن يحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه فكل الثناء وكل ~~الحمد وكل المجد وكل الكمال له سبحانه هذا الذي وصلت إليه عقول أهل الإثبات ~~وتلقوه عن الرسول ولا يحتاجون في ثبوت علمهم وجزمهم بذلك إلى الجواب عن ~~الشبه القادحة في ذلك وإذا وردت عليهم لم تقدح # PageV03P1083 # فيما علموه وعوفوه ضرورة من كون ربهم تبارك وتعالى كذلك وفوق ذلك فلو قال ~~لهم قائل هذا الذي علمتموه لا يثبت إلا بجواب عما عارضه من العقليات قالوا ~~لقائل هذه المقالة هذا كذب وبهت فإن الأمور الحسية والعقلية واليقينية قد ~~وقع فيها شبهات كثيرة تعارض ما علم بالحس والعقل فلو توقف علمنا بذلك على ~~الجواب عنها وحلها لم يثبت لها ولا لأحد علم بشيء من الأشياء ولا نهاية لما ~~تقذف به النفوس من الشبه وهي من جنس الوساوس والخطرات والخيالات التي لا ~~تزال تحدث في النفوس شيئا فشيئا بل إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما ~~يناقض ثبوته ولم يكن ما يقدر من الشبه الخيالية على نقيضه مانعا من جزمنا ~~به ولو كانت الشبه ما كانت فما من موجود يدركه الحس إلا ويمكن كثيرا من ~~الناس أن يقيم على عدمه شبها كثيرة يعجز السامع عن حلها ولو شئنا ms374 لذكرنا لك ~~طرفا منها تعلم أنه أقوى من شبه الجهمية النفاة لعلو الرب على خلقه وكلامه ~~وصفاته وقد رأيت أو سمعت ما أقامه كثير من المتكلمين من الشبه على أن ~~الإنسان تبدل نفسه الناطقة في الساعة الواحدة أكثر من ألف وكل لحظة تذهب ~~روحه وتفارق وتحدث له روح أخرى غيرها وهكذا أبدا وما أقاموه من الشبه على ~~أن السموات والأرض والجبال والبحار تتبدل كل لحظة ويخلفها غيرها وما أقاموه ~~من الشبه على أن روح # PageV03P1084 # الإنسان ليست فيه ولا خارجة عنه وزعموا أن هذا أصح المذاهب في الروح وما ~~أقاموه من الشبه على أن الإنسان إذا انتقل من مكان إلى مكان لم يمر على تلك ~~الأجزاء التي بين مبدأحركته ونهايتها ولا قطعها ولا حاذاها وهي مسألة طفرة ~~النظام وأضعاف أضعاف ذلك وهؤلاء طائفة الملاحدة من الاتحادية كلهم يقول إن ~~ذات الخالق هي عين ذات المخلوق لا فرق بينهما البتة وأن الاثنين واحد وإنما ~~الحس والوهم يغلط في التعدد ويقيمون على ذلك شبها كثيرة وقد نظمها ابن ~~الفارض في قصيدته # PageV03P1085 # وذكرها صاحب الفتوحات في فصوصه وغيرهما وهذه الشبهة كلها من واد واحد ~~ومشكاة واحدة وخزانة واحدة وهي مشكاة الوساوس وخزانة الخيال فلو لم يجزم ~~بما علمناه إلا بعد التعرض لتلك الشبهة على التفصيل وحلها والجواب عنها لم ~~يثبت لنا علم بشيء أبدا فالعاقل إذا علم أن هذا الخبر صادق علم أن كل ما ~~عارضه فهو كذب ولم يحتج أن يعرف أعيان الأخبار المعارضة له ولا وجوهها ~~وبالله المستعان. # الوجه التسعون: إن هؤلاء المعارضين لنصوص الوحي بعقولهم ليس عندهم علم ~~ولا هدى ولا كتاب مبين فمعارضتهم باطلة وهم فيها أتباع كل {شيطان مريد كتب ~~عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} [الحج4 , 3] فهذه حال ~~كل من عارض آيات الله بمعقوله ليس عنده إلا الجهل والضلال ورتب سبحانه هذه ~~الأمور الثلاثة أحسن ترتيب فبدأبالأعم وهو العلم وأخبر أنه لا علم عند ~~المعارض لآياته بعقله ثم انتقل منه إلى # PageV03P1086 # ما هو أخص ms375 وهو الهدى ثم انتقل إلى ما هو أخص وهو الكتاب المبين فإن العلم ~~أعم مما يدرك بالعقل والسمع والفطرة وأخص منه الهدى الذي لا يدرك إلا من ~~جهة الرسل وأخص منه الكتاب الذي أنزله الله على رسوله فإن الهدى قد يكون ~~كتابا وقد يكون سنة وهذه الثلاثة منتفية عن هؤلاء قطعا أما الكتاب والهدى ~~المأخوذ عن الرسل فقد قالوا إنه لايفيد علما ولا يقينا والمعقول يعارضه فقد ~~أقروا أنهم ليس معهم كتاب ولا سنة وبقي العلم فهم يدعونه والله تعالى قد ~~نفاه عنهم وقد قام البرهان والدليل العقلي المستلزم لمدلوله على صدق الرب ~~في خبره فعلم قطعا أن هذا الذي عارضوا به الوحي ليس بعلم إذ لو كان علما ~~لبطل دليل العقل الدال على صدق الرب تعالى في خبره فهذا يكفي في العلم ~~بفساد كون ما عارضوا به علما فكيف وقد قام الدليل العقلي الصحيح المقدمات ~~على فساد تلك المعارضة وأنها تخص الجهل المركب فكيف وقد اتفق على فساد تلك ~~المعارضة العقل والنقل ونحن نطالب هؤلاء المعارضين بواحدة من ثلاث إما كتاب ~~منزل أو أثارة من علم يؤثر عن نبي من الأنبياء أو معقول صحيح المقدمات وقد ~~اتفق العقلاء على صحة مقدماته. # وهم يعلمون والله شهيد عليهم بأنهم عاجزون عن # PageV03P1087 # هذا وهذا فترك ما علمناه من كتاب ربنا وسنة نبينا وما نزل به جبريل من رب ~~العالمين على قلب رسوله الأمين بلسان عربي مبين لوحي الشياطين وشبه ~~الملحدين وتأويلات المعطلين. # فإن قيل فما الفرق بين الصنف الأول الذي يجادل في الله بغير علم ويتبع كل ~~شيطان مريد والصنف الثاني الذي يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب ~~منير كما ذكرهم سبحانه صنفين قيل قد ذكر سبحانه ثلاثة أصناف صنفا يجادل في ~~الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد مكتوبا عليه إضلال من تولاه وهذه حال ~~المتبع لأهل الضلال وصنفا يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~ثاني عطفه ليضل عن سبيله وهذه حال المتبوع المستكبر ms376 الصاد عن سبيل الله ~~فالأول حال الأتباع والثاني حال المتبوعين ثم ذكر حال من يعبد الله على حرف ~~وهذه حال المتبع لهواه الذي إن حصل له ما يهواه من الدنيا عبد الله وإن ~~أصابه ما يمتحن به في دنياه ارتد عن دينه وهذه حال من كان مريضا في إرادته ~~وقصدة وهي حال أهل الشهوات والأهواء ولهذا ذكر ذلك في العبادة فأصلها القصد ~~والإرادة وأما الأولان # PageV03P1088 # فحال الضال والمضل وذلك مرض في العلم والمعرفة وهي حال أهل الشبهات ~~والنظر الفاسد والجدال بالباطل والله سبحانه يحب البصر الناقد عند ورود ~~الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ولا صلاح للعبد إلا بمعرفة ~~الحق وقصده كما قال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة7 , 6] فمن لم يعرف الحق كان ضالا ~~ومن عرفه ولم يتبعه كان مغضوبا عليه ومن عرفه واتبعه فقد هدي إلى الصراط ~~المستقيم وأول الشر الضلال ومنتهاه الغضب كما أن أول الخير الهدى ومنتهاه ~~الرحمة والرضوان فذكر سبحانه في آيات الحج ما يعرض في العلم من الضلال ~~والإضلال وما يعرض في الإرادة والعمل من اتباع الأهواء كما جمع بينهما في ~~قوله: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ~~[النجم23] فقال أولا {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان ~~مريد} [الحج3] . # PageV03P1089 # وهذا يتضمن الجدال فيه بغير هدى ولا كتاب منير فإن من جادل بغير ذلك فقد ~~جادل بغير علم فنفي العلم يقتضي نفي كل ما يكون علما بأي طريقة حصل وذلك ~~ينفي أن يكون مجادلا بهدى أو كتاب منير هذه حال الضال المتبع لمن يضله فلم ~~يحتج إلى تفصيل فبين أنه يجادل بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب على ذلك ~~الشيطان أن من اتبعه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وهذه حال مقلدة أئمة ~~الضلال من الكفار وأهل الأهواء والبدع. # ثم ذكر حال المتبوع الذي يثني عطفه تكبرا كما قال: {وإذا تتلى عليه ~~آياتنا ولى ms377 مستكبرا كأن لم يسمعها} [لقمان7] وذكر التفصيل في مجادلة ~~المتبوع الداعي وأنها في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير واكتفى في ~~ذكر التابع بنفي العلم المستلزم لنفي هذه الثلاثة فإن مجادلة المتبوع أصل ~~وهو أقعد بها من مجادلة التابع ومصدرها كبر ومصدر مجادلة التابع ضلال ~~وتقليد فذكر حال المتبوع على # PageV03P1090 # التفصيل ولهذا ذكر فساد قصده وعلمه وذكر من عقوبته أشد مما ذكر من عقوبة ~~التابع وهذا وأمثاله من أسرار القرآن التي حرمها الله على من عارض بينه ~~وبين العقل وقدم العقل عليه. # الوجه الحادي والتسعون: إن العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له ومعلوم ~~أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم ومن ~~نفي اللازم نفي الملزوم فكيف إذا كان التلازم من الجانبين فإن هذا التلازم ~~يستلزم أربع نتائج إذ يلزم من ثبوت هذا الملزوم ثبوت لازمه ومن ثبوت لازمه ~~المساوي ثبوته ومن نفي اللازم نفي ملزومه ومن نفي ملزومه المساوي نفيه وهذا ~~شأن كل شيئين بينهما تلازم من الطرفين وبيان ذلك هاهنا أنه إذا كان العقل ~~هو الأصل الذي به عرف صحة السمع كما تقدم وقد بينا أن العقل ليس أصلا للسمع ~~في ثبوته في نفس الأمر بل هو أصل في ثبوت علمنا أي دليل لنا على صحته وإذا ~~كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده وهو ملزوم للمدلول عليه فيلزم من ~~ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه # PageV03P1091 # ولا يجب عكسه فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول فإن المخلوقات آيات ~~ودلائل على الخالق سبحانه يلزم من ثبوتها ثبوته ولا يلزم من عدمها عدمه ولا ~~من وجوده وجودها. # وكذلك الآيات الدالة على نبوة رسله هذا إذا لم يكن الدليل لازما للمدلول ~~عليه فإن كان لازما أمكن أن يكون مدلولا له إذ المتلازمان يمكن أن يستدل ~~لكل منهما على الاخر مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي فإنه ~~يلزم من عدم دليله عدمه وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله إذا لم ms378 ~~ينقل فإنه يلزم من عدم نقله عدمه وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة ~~الشرع لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في ~~نفس الأمر. # لكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع إلا ذلك العقل لزم من ~~علمنا بالشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه ولزم من علمنا بذلك الدليل ~~العقلي علمنا به فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه فإذا كان ~~صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي فإنه يلزم من علمنا بصحة الشرع علمنا ~~بالدليل العقلي الدال عليه ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة ~~الشرع ويلزم أيضا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع ولا ~~يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل وإذا كان العلم بصحة الشرع لازما للعلم ~~بالمعقول الدال عليه # PageV03P1092 # وملزوما له فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم فضلا عن تعارض المتلازمين. # فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر ~~كالضدين والنقيضين. # والمتلازمين يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه فكيف ~~يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين أو متضادين فهؤلاء عمدوا إلى ~~المتلازمين المتصادقين فأبطلوا أحدهما بالآخر ولزم من بطلانه بطلانهما ~~جميعا كما تقدم بيانه وقد تبين أن الدليل العقلي الذي به يعلم صحة الشرع ~~مستلزم للعلم بصحة الشرع ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر وعلمنا بالشرع ~~يستلزم العلم بالدليل العقلي الذي قيل إنه أصل الشرع والعلم بصحة الشرع ~~موقوف عليه وليس ثبوت الشرع في نفسه مستلزما لثبوت ذلك الدليل العقلي فعلم ~~أن ثبوت الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر فإن ~~ثبوت الشرع في علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي إن قيل إنه يمكن أن يعلم ~~صحته بغير ذلك الدليل وإلا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين وإذا كان ~~كذلك كان القدح في الشرع قدحا في دليله العقلي الدال على صحته بخلاف العكس ~~وكان القدح في الشرع قدحا في هذا ms379 العقلي. # وليس القدح في الشرع قدحا في هذا العقلي وليس # PageV03P1093 # القدح في هذا العقلي مستلزما للقدح في الشرع مطلقا وأما ما سوى المعقول ~~الدال على صحة الشرع فذلك لا يلزم من بطلانه بطلان الشرع كما لا يلزم من ~~صحته صحة الشرع. # الوجه الثاني والتسعون: إن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي هم في الأصل ~~فرقتان الفلاسفة وجهمية المتكلمين وهؤلاء لهم طريق قد سلكوها وأولئك لهم ~~طريقة أخرى وكل من الفريقين ينقض حجج الفريق الآخر ويبين فساد طريقته ثم كل ~~فرقة منهما تنقض بعضهم حجج بعض واعتبر هذا بالرازي والآمدي فإنهما جمعا ~~خلاصة ما ذكره النفاة من أهل الفلسفة والكلام ثم إنهما أفسدا عامة تلك ~~الطرق التي سلكوها فكل طائفة تبطل الطريقة العقلية التي اعتمدت عليها ~~الأخرى بما يظهر به بطلانها بالعقل الصريح وليسوا متفقين على طريقة واحدة ~~وهذا يبين خطأهم كلهم من وجهين. # من جهة العقل الصريح الذي يبين به كل قوم فساد ما قاله الآخرون ومن جهة ~~أنه ليس معهم معقول اشتركوا فيه فضلا عن أن يكون من صريح المعقول بل ~~المقدمة التي تدعي طائفة من النظار صحتها تقول الأخرى هي باطلة وهذا بخلاف ~~مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرسول فإنها من # PageV03P1094 # العقليات التي تقبلها فطر العقلاء السليمة بل الفطر التي لم تفسد متفقة ~~عليها ولا ينازع فيها إلا من تلقى تعلما من غيره لا من موجب فطرته فإنما ~~يقدح فيها مقدمة تقليدية وهو يدعي أنها عقلية فطرية ومن تدبر ما عند ~~المعارضين ولم يقلدهم فيه تبين له أن جميع المقدمات التي ترجع إليها أدلة ~~المعارضين إنما ترجع إلى تقليد منهم لأسلافهم لا إلى ما يعلم بضرورة العقل ~~ولا نظره فهم يعارضون ما قامت الأدلة العقلية على ثبوت تصديقه وسلامته من ~~الخطأ بما قامت الأدلة العقلية على أنه لا يجب تصديقه بل قد علم جواز ~~الخطأعليه وعلم وقوع الخطأ فيه فيما هو دون الإلهيات فضلا عن الإلهيات التي ~~تيقن خطأ من خالف الرسل فيها بالأدلة المجملة والمفصلة بل ms380 يعارضون ما يجب ~~تصديقه بما يعلم بصريح العقل أنه خطأ بل يعارضون السمعيات التي يعلم أن ~~العقل الصريح موافق لها بما يعلم العقل الصريح أنه باطل والمقصود أن الطرق ~~التي سلكها الفلاسفة في إبطال الصفات والأفعال قد أفسدها عليهم المتكلمون ~~وبينوا خطأهم فيها بصريح العقل كما هو موجود في كتب هؤلاء وهؤلاء فانظر ما ~~فعل أبو علي وأبو هاشم والقاضي عبد الجبار والأشعري # PageV03P1095 # وأبو بكر ابن الباقلاني وأبو الحسين البصري والجويني والغزالي وأمثالهم ~~بطريقة الفلاسفة. وانظر ما فعل ابن سينا وابن رشد والطوسي وأمثالهم بطرق ~~المتكلمين فإنك تجد ذلك من أعظم النصرة للنصوص النبوية والمثال المنطبق ~~عليهم بعسكر الإسلام خرج عليه عسكر كثيف يغزونهم فخرج على ذلك العدد من ~~ورائهم فأقبلوا إليهم واشتغلوا بهم فيصادم بعضهم بعضا ويكسر بعضهم سلاح بعض ~~وعسكر الإسلام في حصن من الطائفتين ولكن إذا اصطلح العسكران فإنهما يصطلحون ~~على المسلمين ومن علم ما في الوجود تبين له مطابقة هذا المثال وبالله ~~التوفيق. # الوجه الثالث والتسعون: إن الطريقة التي سلكها نفاة الصفات والعلو ~~والتكليم من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم وما يسمونه معقولا هي بعينها ~~الطريقة التي سلكها إخوانهم من الملاحدة في معارضة نصوص المعاد بآرائهم ~~وعقولهم ومقدماتهم ثم نقلوها بعينها إلى ما أمروا به من الأعمال كالصلوات ~~الخمس والزكاة والحج والصيام فجعلوها للعامة دون الخاصة فآل بهم الأمر إلى ~~أن ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفق عليها جميع الملل وجاءت بها جميع ~~الرسل وهي الإيمان بالله واليوم الآخر والأعمال الصالحة قال الله تعالى: ~~{إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~[البقرة62] . # PageV03P1096 # فهؤلاء الملاحدة يحتجون على نفاة الصفات بما وافقوهم عليه من الإعراض عن ~~نصوص الوحي ونفي الصفات كما ذكر ابن سينا في الرسالة الأضحوية فإنه قال ~~فيها لما ذكر حجة من أثبت معاد البدن وأن الداعي لهم إلى ذلك ما ورد به ~~الشرع من بعث الأموات فقال وأما أمر ms381 الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد ~~وهو أن الشرع والملة الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب ~~الجمهور كافة. # ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد ~~من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا عن الكم والكيف والأين والمتى والوضع ~~والتغير حتى يصير الاعتقاد به أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون لها شريك في ~~النوع أو يكون لها جزء وجودي كمي أو معنوي ولا يمكن أن تكون خارجة عن ~~العالم ولا داخلة فيه ولا حيث تصح الإشارة إليه بأنه هنا أو هناك ممتنع ~~إلقاؤه إلى الجمهور ولو ألقى هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة أو ~~العبرانيين الأجلاف # PageV03P1097 # لسارعوا إلى العناد واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمان بمعدوم لا ~~وجود له أصلا ولهذا ورد ما في التوراة تشبيها كله ثم أنه لم يرد في الفرقان ~~من الإشارة إلى هذا الأمر الأهم شيء ولا أتى بصريح ما يحتاج إليه في ~~التوحيد بيان مفصل بل أتى بعضه على سبيل التشبيه في الظاهر وبعضه جاء ~~تنزيها مطلقا عاما جدا لا تخصيص ولا تفسير له. # وأما الأخبار التشبيهية فأكثر من أن تحصى ولكن لقوم أن لا يقبلوه فإذا ~~كان الأمر في التوحيد هكذا فكيف بما هو بعده من الأمور الاعتقادية ولبعض ~~الناس أن يقولوا # PageV03P1098 # إن للعرب توسعا في الكلام ومجازا وإن الألفاظ التشبيهية مثل الوجه واليد ~~والإتيان في ظلل من الغمام والمجيء والذهاب والضحك والحياء والغضب صحيحة ~~ولكن هي مستعملة استعارة ومجازا قال ويدل على استعمالها غير مجازية ولا ~~مستعارة بل محققةأن المواضع التي يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه ~~المعاني بالاستعارات والمجاز على غير معانيها الظاهرة مواضع في مثلها يصلح ~~أن تستعمل على غير هذا الوجه ولا يقع فيها تلبيس ولا تدليس. # وأما قوله {الله في ظلل من الغمام} وقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام 158] على القسمة ~~المذكورة وما جرى مجراه فليس تذهب ms382 الأوهام فيه البتة إلى أن العبارة ~~مستعارة أو مجازية # PageV03P1099 # فإن كان أريد فيها ذلك إضمارا فقد رضي بوقوع الغلط والتشبيه والاعتقاد ~~المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحا. وأما قوله {يد الله فوق أيديهم} [الفتح10] ~~وقوله {ما فرطت في جنب الله} [الزمر56] فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع ~~في الكلام ولا يشك في ذلك إثنان من فصحاء العرب ولا يلتبس على ذي معرفة في ~~لغتهم كما يلتبس في تلك الأمثلة فإن هذه الأمثلة لا تقع شبهة في أنها ~~استعارة مجازية كذلك في تلك لا تقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مرادا ~~فيها شيء غير الظاهر. ثم هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد # PageV03P1100 # والعبارة المشيرة بالتصريح إلى التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا ~~الدين المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة ثم قال في ضمن كلامه إن ~~الشريعة الجائية على لسان نبينا جاءتأفضل ما يمكن ان تجيء عليه الشرائع ~~وأكمله. # ولهذا صلحت أن تكون خاتمة للشرائع وآخر الملل قال وأين الإشارة إلى ~~الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد مثل إنه عالم بالذات أو عالم ~~بعلم قادر بالذات أو قادر بقدرة واحد بالذات على كثرة الأوصاف أو قابل ~~للكثرة تعالى عنها بوجه من الوجوه متحيز بالذات أو منزه عن الجهات فإنه لا ~~يخلو إما أن تكون هذه المعاني واجبا تحققها وإتقان المذهب الحق فيها أو يسع # PageV03P1101 # الصدوف عنها وإغفال البحث والرؤية فيها فإن كان البحث عنها معفوا عنه ~~وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به فجل مذهب هؤلاء القوم المخاطبين ~~بهذه الجملة تكلف وعنه غنية وإن كان فرضا محكما فواجب أن يكون مما صرح به ~~في الشريعة وليس التصريح المعمى أو الملتبس أو المقتصر فيه بالإشارة ~~والإيماء بل التصريح المستقصى فيه والمنبه عليه والموفى حق البيان والإيضاح ~~والتعريف لمعانيه فإن المبرزين المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على ~~تمرين أذهانهم وتزكية أفهامهم وترسيخ نفوسهم لسرعة الوقوف على المعاني ~~الغامضة يحتاجون في فهم هذه المعاني إلى فضل بيان وشرح عبارة فكيف غتم ms383 ~~العبرانيين وأهل الوبر من العرب. # PageV03P1102 # لعمري لو كلف الله رسولا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور ~~من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم ثم سامه أن ~~يتنجز منهم الإيمان والإجابة غير متمهل فيه وسامه أن يتولى رياضة نفوس ~~الناس قاطبة حتى يستعد الوقوف عليها لكلفه شططا وأن يفعل ما ليس في قوة ~~البشر. # اللهم إلا أن تدركه خاصة إلهية وقوة علوية وإلهام سماوي فتكون حينئذ ~~وساطة الرسول مستغنى عنها وتبليغه غير محتاج إليه. # ثم هب أن الكتاب العربي جاء على لغة العرب وعبارة لسانهم في الاستعارة ~~والمجاز فما قولهم في الكتاب العبراني وكله من أوله إلى آخره تشبيه صرف ~~وليس # PageV03P1103 # لقائل أن يقول إن ذلك الكتاب محرف كله وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في أمم ~~لا يطاق تعديدهم وبلادهم متباينة وأوهامهم متباينة منهم يهودي ونصراني وهم ~~أمتان متعاديتان فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما ~~يفهمون مقربا مالا يفهمون إلى أفهامهم بالتمثيل والتشبيه ولو كان غير ذلك ~~لما أغنت الشرائع البتة قال فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب يعني ~~أمر المعاد ولو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة بعيدة عن إدراك ~~بدائة الأذهان تحقيقها لم يكن سبيل الشرائع إلى الدعوة إليها أو التحذير ~~عنها إلا بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقربة إلى الأفهام فكيف يكون ~~وجود شيء حجة على وجود شيء آخر لو لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة ~~لكان الشيء الأول على حالته فهذا كله هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون ~~خاصا من الناس لا عاما # PageV03P1104 # إن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب فتأمل كلام هذا الملحد ~~بل رأس ملاحدة الملة ودخوله إلى الإلحاد من باب نفي الصفات وتسلطه في ~~إلحاده على المعطلة النفاة بما وافقوه عليه من النفي وإلزامه لهم أن يكون ~~الخطاب بالمعاد جمهوريا أو مجازا أو استعارة كما قالوا في نصوص الصفات التي ~~اشترك هو وهم في تسميتها تشبيها وتجسيما مع ms384 أنها أكثر تنوعا وأظهر معنى ~~وأبين دلالة من نصوص المعاد فإذا ساغ لكم أن تصرفوها عن ظاهرها بما لا ~~تحتمله اللغة فصرف هذه عن ظواهرها أسهل ثم زاد هذا الملحد عليهم باعترافه ~~أن نصوص الصفات لا يمكن حملها كلها على المجاز والاستعارة وأن يقال إن ~~المراد غير ظاهرها وإن لذلك الاستعمال مواضع تليق به بحيث تكون دعوى ذلك في ~~غيرها غلطا محضا كما في مثل قوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ~~يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام158] فمع هذا التقسيم والتنويع ~~يمتنع المجاز والاستعارة فإنما أريد ما دل اللفظ عليه ظاهرا ومع هذا فقد ~~ساعدهم على # PageV03P1105 # امتناعه لقيام الدليل العقلي عليه فهكذا نفعل نحن في نصوص المعاد سواء ~~فهذا حاصل كلامه وإلزامه ودخوله إلى الإلحاد من باب نفي الصفات والتجهم ~~وطريق الرد المستقيم بإبطال قوله وقول المعطلة جميعا والمقصود أن هؤلاء ~~الجهمية والمعتزلة لما وافقوا هذا الملحد على نفي الصفات وأن هذا النفي هو ~~التوحويد الحق احتج عليهم بهذه الموافقة على أن الرسل لم يثبتوا ما هو الحق ~~في نفسه في معرفة توحيد الله ومعرفة اليوم الآخر ولم يذكروا ما هو الذي ~~يصلح لخاصة بني آدم وأولى العقول بينهم أن يفهموه ويعقلوه من هذا الباب وأن ~~نصوص الوحي من كتب الله المنزلة وكلام رسله لا يحتج بها في باب الإيمان ~~بالله ولا في اليوم الآخر لا في الخلق ولا في البعث لا المبدأ ولا المعاد ~~وأن الكتب الإلهية إنما أفادت تخييلا ينتفع به العامة لا تحقيقا يفيد العلم ~~والمعرفة وأن أعظم العلوم وأجلها وأشرفها هو العلم بالله لم تثبته الرسل ~~ولم تنطق به ولم يهد إليه الخلق فلم يتبين معرفة الله ولا معرفة المبدأ ولا ~~المعاد بل نطقت فيه بخلاف الصواب فاشتركت المعطلة الجهمية والملاحدة في ~~نسبة الرسول إلى ذلك في باب الصفات وامتازت عليها الملاحدة بأن الرسول أراد ~~إفهام ظاهرها وقالت المعطلة أراد إتعاب الأذهان في إفهام خلاف ظاهرها وعرض ~~الأمة إلى الباطل في اعتقاده ms385 ظاهرها. # PageV03P1106 # الوجه الرابع والتسعون: أن يقال لا يخلو إما أن يكون الرسول يعرف ما دل ~~عليه العقل بزعمكم من إنكار علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وتكليمه ~~لرسله وملائكته أو لم يكن يعرف ذلك فإن قلتم لم يكن يعرفه كانت الجهمية ~~والمعطلة والملاحدة والمعتزلة والقرامطة الباطنية والنصيرية والإسماعيلية ~~وأمثالهم وأفراخهم وتلامذتهم أعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع ~~عليه من رسله وأتباعه. # وإن كان يعرفه امتنع أن لا يتكلم به يوما من الدهر مع أحد من خاصته ~~والمطلعين على سره ومن المعلوم قطعا أن الرسول لم يتكلم مع أحد بما يناقض ~~ما أظهره للناس ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه نقيض ما أظهره للناس بل كل ~~من كان به أخص وبحاله أعرف كان أعظم موافقة له وتصديقا له على ما أظهره ~~وبينه وأخبر به فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره لزم أحد الأمرين إما ~~أن يكون جاهلا به أو كاتما له عن الخاصة والعامة ومظهرا خلافه للخاصة ~~والعامة وهذا من أعظم الأمور امتناعا ومدعيه في غاية الوقاحة والبهت ولهذا ~~لما علم هؤلاء أنه يستحيل كتمان ذلك عن خواصه وضعوا أحاديث بينوا فيها أنه ~~كان له خطاب مع خاصته غير الخطاب العامي مثل الحديث المختلق المفترى # PageV03P1107 # عن عمر أنه قال كان رسول الله يتحدث مع أبي بكر وكنت كالزنجي بينهما ومثل ~~ما تدعيه الرافضة أنه كان عند علي علم خاص باطن يخالف هذا الظاهر ولما علم ~~أنه سبحانه أن ذلك يدعى في علي وفق من سأله هل عندكم من رسول الله شيء خصكم ~~به دون الناس فقال لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما أسر إلينا رسول الله ~~شيئا كتمه عن غيرنا إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة ~~وكان فيها العقول الديات وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر وهذا الحديث ~~متفق على صحته وفي لفظ في الصحيح عهد إليك رسول الله شيئا لم يعهده إلى ~~الناس فقال لا والذي فلق الحبة ms386 وبرأ النسمة. # الوجه الخامس والتسعون: إن الله سبحانه أنزل كتبه حاكمة بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه قال الله تعالى: # PageV03P1108 # {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة213] وقال تعالى ~~{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء105] ~~وقال تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء59] فكيف ~~يحكم بين الناس في مواطن الخلاف والنزاع كلام وخطاب ليس فيه علم ولا هدى ~~ينتفع به أولوا الألباب كما زعم هؤلاء أن الكتب الإلهية لا يحتج بها في مثل ~~هذه الأبواب فكيف تكون حاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه وأي اختلاف أعظم ~~من الاختلاف في أجل الأمور وهو معرفة الله تعالى واليوم الآخر والخلاف ~~الحقيقي إنما يكون في الأمور العلمية والقضايا الخبرية التي لا تقبل النسخ ~~والتغيير فأما العمليات التي تقبل النسخ فتلك تنوع في الشريعة الواحدة فكيف ~~بالشرائع المتنوعة وما جاز تنوعه لم يكن الخلاف فيه حقيقيا فإنهما إن كانا ~~مشروعين في وقتين أو برسولين فكلاهما حق وإن كان الخلاف في المشروع منهما ~~أيهما هو فهذا يعلم بالخبر المنقول عن الصادق وحينئذ فنقول في. # PageV03P1109 # الوجه السادس والتسعين: ما ذكره ابن سينا وأمثاله في أنه لم يرد في ~~القرآن من الإشارة إلى توحيدهم شيئ فكلام صحيح وهذا دليل على أنه باطل لا ~~حقيقة له وأن من وافقهم عليه فهو جاهل ضال وكذلك ما ذكره أن من المواضع ~~التي ذكرت فيها الصفات مالا يحتمل اللفظ فيها إلا معنى واحدا لا يحتمل ما ~~يدعيه أهل التأويل من الاستعارة والمجاز كما ذكره في قوله: {هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} [البقرة210] وقوله {هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام158] ~~وهذا حجة على من نفى حقيقة ذلك ومدلوله من المعطلة نفاة الصفات وهو حجة ~~عليه وعليهم جميعا وموافقتهم له على التعطيل لا ينفعه فإن ذلك حجة ms387 جدلية لا ~~علمية إذ تسليمهم له ذلك لا يوجب على غيرهم أن يسلم ذلك له فإذا تبين ~~بالعقل الصريح ما يوافق النقل الصحيح دل ذلك على فساد قوله وقولهم جميعا ~~وكذلك قوله هب إن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد والدلالة ~~بالتصريح على التوحيد المحض الذي يدعو # PageV03P1110 # إليه حقيقة هذا الدين القيم المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة ~~كلام صحيح لو كان ما قاله النفاة حقا فإنه على قولهم لا يكون هذا الدين ~~القيم قد بين التوحيد الحق أصلا وحينئذ فنقول في. # الوجه السابع والتسعين: إن التوحيد الذي دعى إليه هؤلاء الملاحدة وذكروا ~~أنه التوحيد الحق هو من أعظم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وأفعاله وهو ~~حقيقة الكفر به وتعطيل العالم عن صانعه وتعطيل الصانع الذي أثبتوه عن صفات ~~كماله فشرك عباد الأصنام والأوثان والكواكب والشمس والقمر خير من توحيد ~~هؤلاء بكثير فإنه شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله ~~وقدرته ومشيئته وعلمه بالكليات والجزئيات وتوحيد هؤلاء تعطيل الربوبية ~~والإلهية وسائر صفاته وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان ~~الرجل أعظم تعطيلا كان أعظم شركا ولا تجد معطلا نافيا إلا وفيه من الشرك ~~بقدر ما فيه من التعطيل وتوحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل من كل ~~وجه فإن مضمون توحيد الجهمية إنكار حياة الرب وعلمه وقدرته وسمعه وبصره ~~وكلامه واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له # PageV03P1111 # بأبصارهم عيانا من فوقهم يوم القيامة وإنكار وجهه الأعلى ويديه ومجيئه ~~وإتيانه ومحبته ورضاه وغضبه وضحكه وسائر ما أخبر به الرسول عنه ومعلوم أن ~~هذا التوحيد هو نفس تكذيب الرسول فيما أخبر به عن الله وجحده فاستعار له ~~أصحابه اسم التوحيد وقالوا نحن الموحدون كما استعار المنكرون للقدر اسم ~~العدل بجحده ودفعه وقالوا نحن أهل التوحيد والعدل فهذا توحيدهم وهذا عدلهم ~~والعدل والتوحيد الذي جاء به الرسول خلاف هذا وهذا قال الله تعالى: {شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ms388 ~~العزيز الحكيم إن الدين عند الله الأسلام} [آل عمران19 , 18] # الوجه الثامن والتسعون: أنه لو كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة ~~المعطلون وإخوانهم من الملاحدة لكان قبول الفطر له أعظم من قبولها للإثبات ~~الذي هو ضلال وباطل عندهم فإن الله سبحانه نصب على الحق الأدلة والأعلام ~~الفارقة بين الحق والباطل والنور والظلام وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك ~~الحقائق ومعرفتها ولولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة # PageV03P1112 # الحقائق لم يمكن النظر والاستدلال والخطاب والكلام والفهم والإفهام وكما ~~أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب ولولا ذاك لما ~~أمكن تغذيتها وتربيتها وكما أن في الأبدان قوة تفرق بين الغذاء الملائم ~~والمنافي ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل أعظم من ذلك فخاصة العقل ~~التفريق بين الحق والباطل وتمييز هذا من هذا كما أن خاصة السمع التمييز بين ~~الأصوات حسنها وقبيحها وخاصة الشم التمييز بين أنواع الروائح طيبها وخبيثها ~~وكذلك خاصة الذوق في الطعوم فإذا ادعيتم على العقول أنها لا تقبل الحق ~~وأنها لو صرح لها به لأنكرته ولم تذعن إلى الإيمان فقد سلبتم العقول خاصتها ~~وقلبتم الحقيقة التي خلقها الله وفطرها عليه وكان نفس ما ذكرتم أن الرسل لو ~~خاطبت به الناس لنفروا عن الإيمان من أعظم الحجج عليكم وأنه مخالف للعقل ~~والفطرة كما هو مخالف للسمع والوحي فتأمل هذا الوجه فإنه كاف في إبطال ~~قولهم ولهذا لو أراد أهله أن يدعوا الناس إليه ويقبلوه منهم وطأوا له ~~توطئات وقدموا له مقدمات بنوها في القلب # PageV03P1113 # درجة بعد درجة ولا يصرحون به أولا حتى إذا أحكموا ذلك البناء استعاروا له ~~ألفاظا مزخرفة واستعاروا لما خالفه ألفاظا شنيعة فتجتمع تلك المقدمات التي ~~قدموها وتلك الألفاظ التي زخرفوها وتلك الشناعات التي على من خالفهم شنعوها ~~فهناك إن لم يمسك الإيمان من يمسك السموات والأرض أن تزولا وإلا ترحل عن ~~القلب ترحل الغيث استدبرته الريح يوضحه. # الوجه التاسع والتسعون: إنا نعرض على الفطر السليمة والعقول التي لم تفسد ~~بتلقي المقالات الفاسدة وتلقيها عن المعلمين خصمين اختصموا ms389 في ربهم فقال ~~أحدهما هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ~~الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا ~~من بعد إذنه حي له الحياة قدير له صفة القدرة مريد له صفة الإرادة كلم موسى ~~تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما فوق سماواته مستو على عرشه بائن من ~~خلقه يرى من فوق سبع سماوات ويسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن ~~الحاجات ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في غياهب # PageV03P1114 # الظلمات لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا يعزب عن ~~علمه مثقال ذرة في الأرض والسموات ترفع إليه الحاجات وتصعد إليه الكلمات ~~الطيبات وينزل من عنده الأمر بتدبير المخلوقات له القوة كلها والعز كله ~~والجمال كله والعلم كله والكمال كله وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا ~~نوم موصوف بكل جمال منزه عن كل نقص وعيب لا تضرب له الأمثال ولا يشبه ~~بالمخلوقات فعال لما يريد لوجهه سبحات الجلال وهو الجميل الذي له كل الجمال ~~إحدى يديه للجود والفضل والأخرى للقسط والعدل يقبض سماواته السبع بإحدى ~~يديه والأرضين السبع باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك لا ينام ولا ~~ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ~~وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى ~~إليه بصره من خلقه قريب مجيد رحيم ودود لطيف خبير. # فصل # وقال الآخر بل هو موصوف بالسلوب والإضافات فلا سمع له ولا بصر ولا حياة ~~ولا إرادة ولا يتكلم ولا يكلم أحدا من خلقه ولا هو داخل العالم ولا خارجه # PageV03P1115 # ولا فوق العرش ولا تحته ولا يمينه ولا يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا له ~~وجه ولا يد ولا يرضى ولا يغضب ولا يسخط ولا يضحك ولا يفرح بتوبة تائب ولا ~~استوى على عرشه ms390 ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة ولا ~~يجيء لفصل القضاء ولا يراه المؤمنون بأبصارهم ولا يستمعون كلامه ولا يقوم ~~به فعل البتة ولا وصف ولا له حقيقة وماهية غير وجود مطلق وهو وجه كله وسمع ~~كله وبصر كله ويد كله علمه ذاته وسمعه وبصره علمه ليس له يد غير القدرة خلق ~~بها آدم وكتب بها التوراة وغرس بها جنة عدن يقبض بها السموات وليس له وجه ~~يراه المؤمنون بأبصارهم ليس بجوهر ولا جسم ولا متحيز ولا متحرك ولا ساكن ~~ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء ولا يحبه أحد ولا ~~يحب أحدا إلى أمثال ذلك من النفي فاعرض أقوال هذين الخصمين على الفطرة ~~الصحيحة والعقل واجلس مجلس الحكومة بينهما ثم تحيز إلى أي الفئتين شئت فما ~~ثم إلا الإثبات من كل وجه لما أثبته الله لنفسه وأثبته رسوله أو التعطيل ~~الصرف والنفي المحض فاختر لنفسك إحدى الخطتين واجعلها مع إحدى الفئتين ~~فالمرء مع من أحب وحينئذ فنقول في: # PageV03P1116 # الوجه المائة: إن الأعمال الصالحة والفاسدة نتائج الاعتقادات الصحيحة ~~والباطلة فانظر رؤوس المثبتة والنفاة وملوكهم وأتباعهم يبين لك حقيقةالأمر ~~فرؤوس المثبتة آدم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب وإبراهيم الخليل وسائر ~~الأنبياء من ذريته وموسى الكليم وعيسى وجاء خاتمهم وآخرهم وأعلمهم بالله ~~سيد ولد آدم محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله فجاء بالإثبات المفصل الذي ~~لم يأت رسول بمثله فصرح من إثبات الصفات والأفعال بما لم يصرح به نبي قبله ~~وذلك لكمال عقول أمته وكمال تصديقهم وصحة أذهانهم فرسول الله حامل لواء ~~الإثبات وتحت ذلك اللواء آدم وجميع الأنبياء وأتباعهم ثم المهاجرون ~~والأنصار وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وسائر الصحابة ثم التابعون لهم بإحسان ~~ممن لا يحصيهم إلا الله ثم أتباع التابعين ثم أئمة الفقه في الأعصار ~~والأمصار منهم الأئمة الأربعة ثم أهل الحديث قاطبة وأئمة التفسير والتصوف ~~والزهد والعبادة المقبولون عند الأمة ممن لا يحصي عددهم إلا الله فهل سمع ms391 ~~في الأولين والآخرين بمثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المشهود لهم ~~بالجنة وسائر المهاجرين والأنصار وهل سمع بقوم أتم عقولا وأصح أذهانا وأكمل ~~علما ومعرفة وأزكى # PageV03P1117 # قلوبا من هؤلاء الذين قال الله فيهم {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى} قال غير واحد من السلف هم أصحاب محمد قال فيهم عبد الله بن مسعود من ~~كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك ~~أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم ~~الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا ~~على الهدي المستقيم فهؤلاء أمراء هذا الشأن وأما الجند والعساكر فالتابعون ~~كلهم ثم الذين يلونهم مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وحماد ~~بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه ~~والإمام أحمد والشافعي # PageV03P1118 # وعلي بن المديني ويحيى بن معين والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي ~~والنسائي ومحمد بن أسلم الطوسي وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وأمثالهم. # PageV03P1119 # وأما عامتهم فأهل الدين والصدق والورع والزهد والعبادة والإخلاص واجتناب ~~المحارم وتوقي المآثم. # وأما رؤوس النفاة والمعطلين ففرعون إذ يقول {يا هامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب أسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} ~~[غافر37 , 36] وجنوده كلهم ونمرود بن كنعان هذا خصم إبراهيم الخليل وذاك ~~خصم موسى الكليم وأرسطاطاليس وبقراطيس وأضرابهما وطمطم وتنكلوسا وابن وخشيه ~~وأضرابهم وابن سينا والفارابي وكل فيلسوف لا يؤمن بالله ولا ملائكته ولا ~~كتبه ولا رسله ولا لقائه. # وأما عوامهم فاعتبر عوام النصيرية والإسماعيلية # PageV03P1120 # والدرزية والحاكمية والطرقية والعرباء وعبادهم البخشية والطوسية وعلماؤهم ~~السحرة وعساكرهم المشركون والقرامطة الذين هم أعظم الأمم إفسادا للدنيا ~~والدين فليعتبر العاقل خواص هؤلاء وهؤلاء وعوام هؤلاء وهؤلاء وليقابل بين ~~الطائفتين وحينئذ يتبين له أنه ما كان ولا يكون ولي لله إلا من أهل الإثبات ~~وما كان ولا يكون ولي للشيطان إلا من أهل النفي والتعطيل إما تعطيل الصانع ms392 ~~عن صفات كماله ونعوت جلاله وإما تعطيل القلب عن توحيده وعبوديته وإخلاص ~~الدين له واعتبر ذلك بإمام النفاة في زمانه وما جرى على أهل السنة منه ابن ~~أبي دؤاد وأصحابه الذين سعوا في ضرب الإمام # PageV03P1121 # أحمد وقتل كثير من أهل السنة وحبسهم وتشتيتهم في البلاد وقطع أرزاقهم ثم ~~إمامهم في زمانه نصير الكفر والشرك الطوسي وما جرى على المسلمين منه من قتل ~~خليفتهم وعلمائهم وعبادهم وإذا اعتبرت أحوال القوم رأيت عوام اليهود ~~والنصارى أقل فسادا في الدين والدنيا من أئمة هؤلاء المعارضين لنصوص ~~الأنبياء بعقولهم وغاية الواحد من هؤلاء إذا أراد الجاه أن يتقرب إلى ~~الملوك الجهلة الظلمة بما يناسبهم من السحر فيصنف لهم فيه ويتقرب به إليهم ~~فهؤلاء علماؤهم وملوكهم وعوامهم فكيف يكون هؤلاء أحظى بالعقل وأسعد به من ~~الرسل وأتباعهم. # وسيرة هؤلاء وهؤلاء معلومة في العالم وأعمالهم وعلومهم ومعارفهم وآثارهم ~~دالة لمن له أدنى عقل على حقيقة الحال والله أعلم. # الوجه الحادي والمائة: إن تجويز معارضة العقل للوحي يوجب وصف الوحي بضد ~~ما وصفه الله به فإن الله سبحانه وصفه بكونه هدى في غير موضع وأخبر أنه ~~يهدي للتي هي أقوم الطرق وهي أقربها إلى الحق فإن الطريق المستقيم هو أقرب ~~خط موصل بين # PageV03P1122 # نقطتين وكلما تعوج بعد وأخبر سبحانه أنه شفاء لما في الصدور وهذا يتضمن ~~أنه يشفي ما فيها من الجهل والشك والحيرة والريب كما أن الهدى يتضمن أنه ~~موصل إلى المقصود فالهدى يوصلها إلى الحق المقصود من أقرب الطرق والشفاء ~~يزيل عنها أمراضها المانعة لها من معرفة الحق وطلبه فهذا الجهل المقتضي ~~وهذا يزيل المانع ومن المحال أن تكون هذه صفة كلام مخالف للعقل ومعارض له ~~وكذلك أخبر أنه نور كما قال تعالى: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف157] وقال {وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى52] فهو نور البصائر من ms393 العمى كما هو ~~شفاء الصدور من الجهل والشك ومحال أن تتنور البصائر بما يخالف صريح العقل ~~فإنما يخالف العقل موجب الظلمة وأخبر سبحانه أنه برهان فقال: # PageV03P1123 # {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا} ~~[النساء174] ومحال أن يكون ما يخالف صريح العقل برهانا وأخبر سبحانه أنه ~~علم كما قال {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} [آل عمران61] وما ~~يخالف العقل الصريح لا يكون علما وأخبر أنه حق والعقل الصريح لا يخالف الحق ~~فقال تعالى {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق} ~~[آل عمران3-1] وقال {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} [النساء105] وقال {لقد ~~جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} [يونس94] وقال {إن هذا لهو القصص ~~الحق} [آل عمران62] وحينئذ فكونه حقا يدل على أن ما خالفه مما يسمى # PageV03P1124 # معقولا باطل فإن كان ما خالفه حقا لزم أن يكون باطلا وإن كان هو الحق فما ~~خالفه باطل قطعا وأخبر أنه آيات بينات وما يخالف صريح العقل لا يكون كذلك ~~وأخبر أنه أحسن القصص وأحسن الحديث ولو خالف صريح العقل لكان موصوفا بضد ~~ذلك وأخبر أنه أصدق الكلام فقال: {من أصدق من الله قيلا} [النساء122] {ومن ~~أصدق من الله حديثا} [النساء87] ولو خالف العقل لم يكن كذلك وكان كلام ~~هؤلاء الضالين المضلين أصدق منه وأخبر أن القلوب تطمئن به أي تسكن إليه من ~~قلق الجهل والريب والشك كما يطمئن القلب إلى الصدق ويرتاب بالكذب فقال ~~تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} ~~[الرعد28] وجعل هذا من أعظم الآيات على صدقه وأنه حق من عنده ولهذا ذكره ~~جوابا لقول الكفار {لولا أنزل عليه آية من ربه} فقال {قل إن الله يضل من ~~يشاء ويهدي إليه من أناب} {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} أي بكتابه ~~الذي أنزله وهو ذكره وكلامه ولو كان في العقل الصريح ما يخالفه لم تطمئن به ~~قلوب العقلاء والعاقل اللبيب إذا ms394 تدبر القرآن وتدبر كلام هؤلاء المعارضين ~~له تبين أن الريبة كلها في كلامهم والطمأنينة في كلام الله ورسوله وأخبر ~~سبحانه أن # PageV03P1125 # التوراة التي هو أكمل وأجل منها إمام للناس فقال تعالى: {ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة} [الأحقاف12] والإمام هو القدوة الذي يؤتم به وكيف يقتدي ~~بكلام يخالف صريح العقل وسماه سبحانه فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل فلو ~~خالف صريح العقل لم يكن فرقانا ولكان الفرقان كلام هؤلاء الضالين المضلين ~~وأخبر أنه كتاب مبارك والمبارك الكثير البركة والخير والهدى والرحمة وهذا ~~لا يكون فيما يرده العقل ويقضي بخلافه وأخبر أن الباطل لا يأتيه من بين ~~يديه ولا من خلفه ولو كان العقل يخالفه لأتاه الباطل من كل جهة وأخبر أنه ~~كتاب أحكمت آياته وأنه حكيم وأنه فصل وما يخالفه العقل لا يوصف بشيء من ذلك ~~وأخبر أنه مهيمن على كل كتاب أي أمين عليه وحاكم وشاهد وقيم ولو خالفه ~~العقل لكان مهيمنا عليه وكانت معقولات هؤلاء الضالين المضلين هي المهيمنة ~~عليه ولم يكن هو المهيمن عليها وأخبر أنه لا عوج فيه وأنه قيم فقال: {الحمد ~~لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما} [الكهف2 , 1] . # PageV03P1126 # وأي عوج أعظم من مخالفة صريح العقل له وقال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في ~~هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج} [الزمر28] . ~~ومن تدبره وتدبر ما خالفه عرف أن القدح كله فيما خالفه. # وعلمه بتعوج ما خالفه يعرف من طريقتين من جهة الكلام في نفسه وأنه باطل ~~ومن جهة مخالفته للقرآن وجعله سبحانه حجة على خلقه كما قال تعالى: {وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل ~~الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا ~~أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن ~~أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب بما كانوا يصدفون} [الأنعام157-155] ms395 . وقال تعالى {رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء165] وكيف تقوم ~~الحجة بكلام يخالف صريح العقل وحينئذ فنقول في: # PageV03P1127 # الوجه الثاني والمائة: إن الله سبحانه ضمن الهدى والفلاح لمن اتبع القرآن ~~والضلال والشقي لن أعرض عنه فكيف بمن عارضه بمعقول أو رأي أو حقيقة باطلة ~~أو سياسة ظالمة أو قياس إبليسي أو خيال فلسفي ونحو ذلك قال تعالى {فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ~~قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه126 , 123] فضمن سبحانه ~~لمن اتبع هداه وهو كلامه الهدى في الدنيا والآخرة والسعادة في الدنيا ~~والآخرة فهاهنا أمران: # طريقة وغاية فالطريقة الهدى والغاية السعادة والفلاح فمن لم يسلك هذه ~~الطريقة لم يصل إلى هذه الغاية والله سبحانه قد أخبر أن كتابه الذي أنزله ~~هو الهدى والطريق فلو كان العقل الصريح يخالفه لما كان طريقا إلى الفلاح ~~والرشد وقد أخبر سبحانه أن الذين اتبعوا النور الذي أنزل مع رسوله هم ~~المفلحون لا غيرهم وقال تعالى: # PageV03P1128 # {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة5-1] ~~. وكما جعل سبحانه الهدى والفلاح لمن اتبع كتابه وآمن به وقدمه على غيره ~~جعل الضلال والشقاء لمن أعرض عنه واتبع غيره وعارضه برأيه ومعقوله وقياسه ~~قال تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون} [البقرة257] وقال {إن المجرمين في ضلال وسعر} [القمر47] ~~وقال {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} ~~[طه124] فوصفه بالعمى الذي هو ضد الهدى وبالمعيشة الضنك التي هي ضد السعادة ~~فكتاب الله ms396 أوله هداية وآخره سعادة وكلام المعارضين له بمعقولهم أوله ضلال ~~وآخره شقاوة. # PageV03P1129 # الوجه الثالث بعد المائة: أن الله سبحانه ذم المجادلين في آياته بالباطل ~~في غير آية من كتابه فقال تعالى: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ~~جبار} [غافر35] . # وقال {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا ~~كبر ما هم ببالغيه} [غافر56] . # وقال {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون لذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم} إلى قوله ~~{فبئس مثوى المتكبرين} [غافر76-69] . # وأنت إذا تأملت أقوال هؤلاء وسيرتهم رأيت هذه الآيات منطبقة عليهم وهم ~~المرادون بها ومن أعظم الجدال في آيات الله جدال من يعارض النقل بالعقل ثم ~~يقدمه عليه فإن جداله يتضمن أربع مقامات أحدها أنه تبين أن الأدلة النقلية ~~من الكتاب والسنة لا تفيد علما ولا يقينا. # PageV03P1130 # الثاني: أن ظاهرها يدل على الباطل والتشبيه والتمثيل # الثالث أن صريح العقل يخالفها # الرابع: أنه يتعين تقديمه عليها ولا يصل إلى هذه المقامات إلا بأعظم ~~الجدال. # فهو مراد بهذه الآيات قطعا وأعمالهم شاهدة عليهم لمن لم يطلع على حقيقة ~~أقوالهم وهي التكبر والتجبر والفرح في الأرض بغير الحق والمرح وطلب العلو ~~في الأرض والفساد ولا تجد من يعارض الوحي بالعقل ويقدمه عليه إلا بهذه ~~المنزلة فهذه علومهم وعقائدهم وهذه إرادتهم وأعمالهم. # الوجه الرابع والمائة: إن الله سبحانه وصف المعرضين عن الوحي المعارضين ~~له بعقولهم وآرائهم بالجهل والضلال والحيرة والشك والعمى والريب فلا يجوز ~~وصفهم بالعلم والعقل والهدى ومنشأ ضلال هؤلاء من شيئين: # أحدهما: الإعراض عما جاء به الرسول # والثاني: معارضته بما يناقضه فمن ذلك نشأت الاعتقادات المخالفة للكتاب ~~والسنة فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإيمان بالله ~~وأسمائه # PageV03P1131 # وصفاته وأفعاله واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه وعارضه سواء اعتقد ذلك ~~بجنانه أو ms397 قاله بلسانه أو كتبه ببنانه وهذا حال أهل الجهل المركب ومن أعرض ~~عما جاء به الرسول ولم يعرفه ولم يتبينه ولا عارضه بمعقول أو رأي فهو من ~~أهل الجهل البسيط وهو أصل المركب فإن القلب إذا كان خاليا من معرفة الحق ~~واعتقاده والتصديق به ومحبته كان معرضا لاعتقاد نقيضه والتصديق به لا سيما ~~في الأمور الإلهية التي هي غاية مطالب البرية وهي أفضل العلوم وأعلاها ~~وأشرفها وأسماها وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها ~~المتنافسون وجرى إليها المتسابقون فإلى نحوها تمتد الأعناق وإليها تتجه ~~القلوب الصحيحة بالأشواق فالصادقون فيها أهل الإثبات أئمة الهدى كإبراهيم ~~خليل الرحمن وأهل بيته والكاذبون فيها أهل النفي والتعطيل كفرعون وقومه ~~وقال تعالى في أئمة الهدى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل ~~الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} [الأنبياء73] . # PageV03P1132 # وقال في أئمة الضلال {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ~~ينصرون} [القصص41] . # فمن لم يكن فيها على طريق أئمة الهدى كان على طريق أئمة الضلال إذ كان ~~ثغر قلبه مفسوحا لهم يلقون فيه أنواع الضلال ويصدونهم عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون ومصداق هذا أن ما وقع في هذه الأمة من البدع والضلال كان من ~~أسبابه التقصير في إظهار السنة والهدى فإن الجهل المركب الذي وقع فيه أهل ~~التعطيل والنفي في توحيد الله وأسمائه وصفاته كان من أعظم أسبابه التقصير ~~في إثبات ما جاء به الرسول عن الله وفي معرفة معاني أسمائه وآياته حتى إن ~~كثيرا من المنتسبين إلى السنة يعتقدون أن طريقة السلف هي الإيمان بألفاظ ~~النصوص والإعراض عن تدبر معانيها وتفقهها وتعقلها فلما أفهموا النفاة ~~والمعطلة أن هذه طريقة السلف قال من قال منهم طريقة السلف أسلم وطريقة ~~الخلف أعلم وأحكم لأنه اعتقد أن طريقة الخلف متضمنة لطلب معاني نصوص ~~الإثبات ولنفي حقائقها وظواهرها الذي هو باطل عنده فكانت متضمنة للعلم ~~والتنزيه وكان فيها علم بمعقول وتأويل لمنقول ومذهب السلف عنده عدم النظر ~~في النصوص وفهم المراد منها دون النظر ms398 إلى التعارض والاحتمالات وهذا # PageV03P1133 # عنده أسلم لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معاني فحمله على بعضها دون بعض ~~مخاطرة وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة فلو تبين لهذا البائس ~~وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من الصفات وفهمها ~~وتدبرها وتعقل معانيها وتنزيه الرب عن تشبيهه فيها بخلقه كما ينزهونه عن ~~العيوب والنقائص وإبطال طريقة النفاة المعطلة وبيان مخالفتها لصريح المعقول ~~كما هي مخالفة لصحيح المنقول علم أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم وأهدى ~~إلى الطريق الأقوم وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر وفهم ذلك ومعرفته ~~ولا يناقض ذلك إلا ما هو باطل وكذب وخيال ومن جعل طريقة السلف عدم العلم ~~بمعاني الكتاب والسنة وعدم إثبات ما تضمناه من الصفات فقد أخطأ خطأ فاحشا ~~على السلف كما أن من قال على الرسول أنه لم يبعث بالإثبات وإنما بعث بالنفي ~~كان من أعظم الناس افتراء عليه فهؤلاء المعطلة مفترون على الله ورسوله وعلى ~~سلف الأمة وعلى العقول والفطر وما نصبه الله من الأدلة العقلية والبراهين ~~اليقينية والكذب قرين الشرك كما قرن الله بينهما في غير موضع كقوله تعالى: ~~{واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} [الحج31 , 30] . # PageV03P1134 # وقال {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وبذلة في الحياة الدنيا ~~وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف152] . # وقال {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة ~~شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون} ~~[القصص75-74] . # وقوله {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير ~~الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} [الأعراف33] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين ~~أو ثلاثا". # PageV03P1135 # الوجه الخامس والمائة: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم ومعقولاتهم لا ~~يمكنهم أن يقولوا كل واحد من الدليلين المتعارضين يقيني وأنهما قد تعارضا ~~على وجه لا يمكن الجمع بينهما فإن ms399 هذا لا يقوله من يفهم ما يقول ولكن نهاية ~~ما يقولون إن الأدلة الشرعية لا تفيد اليقين وأن ما ناقضها من الأدلة ~~البدعية التي يسمونها هم العقليات تفيد اليقين فينفون إفادة اليقين عن كلام ~~الله ورسوله ويثبتونه لما ناقضه من أدلتهم المبتدعة التي يدعون أنها براهين ~~قطعية ولهذا كان لازم قولهم لا محالة الإلحاد والنفاق والإعراض عما جاء به ~~الرسول وهذه حال الذين ذكرهم الله في قوله {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} [غافر5] . وقوله ~~{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} [الأنعام112] . # PageV03P1136 # فجنس هؤلاء هم المكذبون للرسل ولا يحتج عليهم بما هم مكذبون به ولا بما ~~يزعمون أن العقل الصريح عارضه ولكن المقصود تعريف حال هؤلاء وأن طريقتهم ~~مشتقة من طريقة المكذبين للرسل وأما طريق الرد عليهم فلأتباع الرسول ~~وأنصاره فيه مسالك: # الأول: بيان فساد ما ادعوه معارضا للنصوص من عقلياتهم # الثاني: بيان أن ما جاء به الرسول من الإثبات معلوم بالضرورة من دينه كما ~~هو معلوم بالأدلة اليقينية فلا يمكن مع تصديق الرسول مخالفة ذلك # الثالث: بيان أن المعقول الصريح يوافق ما جاء به الرسول لا يعارضه وبيان ~~أن ذلك معلوم بضرورة العقل تارة وبنظره تارة وهذا أقطع لحجة المعارضين ~~للوحي فإنهم يدلون بالعقل والعقل الصحيح من أقوى الأدلة على بطلان قولهم. # الوجه السادس والمائة: أن هذه المعقولات التي عارضوا بها الوحي لها ~~معقولات تعارضها هي أقوى منها ومقدماتها أصح من مقدماتها فيجب تقديمها ~~عليها لو قدر تعارضهما ولا يمكن هؤلاء أن يدفعوا كون النصوص من جانب هذه # PageV03P1137 # المعقولات وحينئذ فمعقول تشهد له النصوص أولى بالصحة والقبول من معقول ~~تدفعه النصوص فنحن ندفع معقولاتهم بهذه المعقولات تارة وبالنصوص تارة وبهما ~~تارة ولا يمكنهم القدح في هذه المعقولات إلا بمقدمات يردها النص وهذا العقل ~~فكيف ترد هذه المعقولات والنصوص بتلك وهذا قاطع لمن تدبره واعتبر ms400 ذلك ~~بالمعقولات التي أقامها المعطلة على نفي علو الله على خلقه ومباينته للعالم ~~والمعقولات التي أقامها أهل الإثبات على ضد قولهم يتبين لك ما بينهما من ~~التفاوت وتسلم نصوص الوحي عن المعارض ونحن نعلم أن المعطلة تقدح في مقدمات ~~هذه المعقولات الدالة على الإثبات ولكن القدح فيها من جنس القدح في ~~الضروريات والبديهيات ولا ينفعهم كون طائفة من العقلاء منكرين لها ~~والضروريات لا ينكرها أحد فإن هذا ينتقض عليهم فكل طائفة من طوائف بني آدم ~~قالوا ما يخالف ضرورة العقل مع كونهم أكثر من هؤلاء النفاة وكل طائفة تشهد ~~على الأخرى أنها خالفت ضرورة العقل فيشهد أصحاب العقل والسمع على النفاة ~~أنهم كما خالفوا صحيح النقل خالفوا صريح العقل وسيشهدون على ذلك: # PageV03P1138 # {إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور} [العاديات10 , 9] . وقال ~~المعارضون للوحي {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} ~~[الملك10] . # الوجه السابع المائة: أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن من خاطب الناس في علم ~~من أنواع العلوم من الطب أو الحساب أو النحو أو الهيئة أو غير ذلك بكلام ~~ذكر أنه بين لهم فيه حقيقة ذلك العلم وأوضح مشكلاته وبين غوامضه ولم يحوجهم ~~بعده إلى كتاب سواه ولم يكن في ذلك الكتاب بيان ذلك العلم ولا معرفة ذلك ~~المطلوب بل كانت دلالة الكتاب على نقيض ذلك العلم أكمل وعلى خلافه أدل أو ~~كان العقل الصريح يدل على خلاف ما دل عليه ذلك الكتاب كان هذا المصنف مفرطا ~~في الجهل والضلال أو في المكر والاحتيال أو في الكذب والمحال فكيف بكتاب لم ~~ينزل من السماء كتاب أهدى منه خضعت له الرقاب وسجدت له عقول ذوي الألباب ~~وشهدت العقول والفطر بأن مثله ليس من كلام البشر وأن فضله على كل كلام كفضل ~~المتكلم به على الأنام وأنه نور البصائر من عماها وجلاء القلوب من صداها ~~وشفاء الصدور من أدوائها وجواها فهو حياها الذي # PageV03P1139 # به حباها ونورها الذي انقشعت به عنها ظلماؤها وغذاؤها الذي به قوام ms401 قوتها ~~ودواؤها الذي به حفظ صحتها وهو البرهان الذي زاد على برهان الشمس ضياء ~~ونورا فلو: { ... اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء88] . # فيه نبأ ما كان قبلنا وخبر ما يكون بعدنا وحكم ما بيننا وهو الجد ليس ~~باللعب والفصل ليس بالهزل وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم ~~والصراط المستقيم والنبأ العظيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به ~~الألسن ولا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيتشعب ولا تخلق بهجته على كثرة الترداد بل ~~لا يزداد على تتابع التلاوة إلا بهجة وطلاوة وحلاوة من تركه من جبار قصمه ~~الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ومن أعرض عنه أو عارضه بعقله أو ~~رأيه أو سياسته أو خياله فالضلال منتهاه والنار منقلبه ومثواه والخذلان ~~قرينه # PageV03P1140 # والشقاء صاحبه وخدينه من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن حاكم به أفلح ومن ~~خاصم به استظهر بأقوى الحجج ومن استنصر به فهو مؤيد ومنصور ومن عدل عنه فهو ~~مخذول ومثبور فبغاه هؤلاء النفاة المعطلة عوجا وجعلوا دون الاهتداء به بابا ~~مرتجا وعزلوه عن إفادة العلم واليقين وقالوا قد عارض ما أثبتته العقول ~~والبراهين وقالوا لم يدل على الحق في الأمور الإلهية ولا أفاد علما ولا ~~يقينا في هذه المطالب العلية بل دلالته ظاهرة في نقيض الصواب مفهمة لنقيض ~~ما يقوله أولو العقول والألباب فالواجب أن نحترمه بالإمساك والتفويض أو ~~نسلط عليه التأويل إن أفهم الخلاف والضد والنقيض فإن عجزنا عن ذلك أتينا ~~بالقانون المشهور بيننا والمقبول أنه إذا تعارض العقل والنقل قدمنا المعقول # PageV03P1141 # على المنقول فهذا حقيقة قول هؤلاء النفاة المعطلين في كلام رب العالمين ~~وكلام رسوله الأمين. # الوجه الثامن والمائة: أن هذا يتضمن الصد عن آيات الله وبغيها عوجا وقد ~~ذم الله سبحانه من فعل ذلك وتوعده بأليم العقاب فقال {الر كتاب أنزلناه ~~إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ~~الله ms402 الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد ~~الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ~~أولئك في ضلال بعيد} [إبراهيم3-1] . وقال {ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم ~~بالآخرة هم كافرون} [هود19 , 18] . # وهؤلاء المعارضون للوحي بعقولهم جمعوا بين الأمور الثلاثة الكذب على الله ~~والصد عن سبيل الله وبغيها عوجا أما الكذب على الله فإنهم نفوا عنه ما ~~أثبته لنفسه من صفات الكمال ووصفوه بما لم يصف به نفسه وأما صدهم عن سبيله ~~وبغيها عوجا فإنهم أفهموا الناس بل # PageV03P1142 # صرحوا لهم بأن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد علما ولا يقينا وأن ~~العقول عارضتها فيجب تقديم العقول عليها وأي عوج أعظم من عوج مخالفة العقل ~~الصريح وقد وصف الله كتابه بأنه غير ذي عوج ولا ريب أن الله هو الصادق في ~~ذلك وأنهم هم الكاذبون. # فإن قلت يبغونها متعدي إلى مفعول واحد فما وجه انتصاب عوجا قيل فيه وجوه # أحدها: أنه نصب على الحال أي يطلبونها ذات عوج لا يطلبونها مستقيمة ~~والمعنى يطلبون لها العوج. # الثاني: أن عوجا مفعول يبغونها على تقدير حذف اللام أي يطلبون لها عوجا ~~يرمونها به ويصفونها به وأحسن منهما أن تضمن يبغونها إما معنى يعوجونها ~~فيكون عوجا منصوبا على المصدر ودل فعل البغي على طلب ذلك وابتغائه. # وأما معنى يسومونها ويؤولونها وعلى كل تقدير فسبيل الله هداه وكتابه ~~الهادي للطريق الأقوم والسبيل الأقصد فمن زعم أن في العقل ما يعارضه فقد ~~بغاه عوجا ودعا إلى الصد عنه ومن له خبرة بالمعقول الصحيح يعلم أن العوج في ~~كلام هؤلاء المعوجين الذين هم عن الصراط ناكبون وعن سبيل الرشد حائدون وعن ~~آيات الله بعيدون وبالباطل # PageV03P1143 # والقضايا الكاذبة يصدقون وفي ضلالهم يعمهون وفي ريبهم يترددون وهم للعقل ~~الصريح والسمع الصحيح مخالفون: {وإذا قيل لهم ms403 لا تفسدوا في الأرض قالوا ~~إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا ~~كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا ~~يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} ~~[البقرة15-11] . # الوجه التاسع والمائة: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يسكتوا عن ~~الكلام في هذا الباب بل تكلموا فيه بغاية الإثبات المناقض لما عليه الجهمية ~~المعطلة وعند الجهمية أن الساكت عنه خير من المتكلم فيه بالإثبات المناقض ~~لتعطيلهم والمتكلم فيه بالنفي والتعطيل الذي يسمونه تنزيها خير من الساكت ~~عنه فجعلوا المتكلم فيه بالإثبات آخر المراتب وهو أحسنها ولا ريب أن هذا ~~يستلزم غاية القدح في الرسل والتنقص لهم ونسبتهم إلى القبيح ووصفهم بخلاف ~~ما وصفهم الله به ومضمون هذا أنهم لم يهدوا الخلق ولم يعلموهم الحق بل ~~لبسوا عليهم ودلسوا وأضلوهم وعرضوهم للجهل المركب ولو تركوهم في جهلهم ~~البسيط لكان خيرا # PageV03P1144 # لهم بل تركوهم في حيرة مذبذبين لا يعرفون الحق من الباطل ولا الهدى من ~~الضلال فعند هؤلاء الضالين كلام الأنبياء لا يشفي عليلا ولا يروي غليلا ولا ~~يبين الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال بل يكون كلام من تسفسط في ~~العقليات وتقرمط في السمعيات وهو كخيط السحار والمشعوذ يخرجه تارة أحمر ~~وتارة أبيض وتارة أسود أهدى سبيلا من نصوص الوحي فإن نصوص الوحي عند هؤلاء ~~أضلت الخلق وأفسدت عقولهم وعرضتهم لاعتقاد الباطل ومن راعى حرمة النصوص ~~منهم قال فائدة إنزالها اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها وحقائقها ~~بالأدلة المعارضة لها حتى تنال النفوس كل الاجتهاد وتنهض إلى التفكر ~~والاستدلال بالأدلة العقلية المعارضة لها الموصلة إلى الحق فحقيقة الأمر ~~عند المعطلة أن الرسل خاطبوا الخلق بما لا يبين الحق ولا ينال منه الهدى بل ~~ظاهره يدل على الباطل ويفهم منه الضلال ليكون انتفاع الخلق بخطاب الرسول ~~اجتهادهم في رد # PageV03P1145 # ما ms404 أظهرته الرسل وأفهمته الخلق ليصلوا برده إلى معرفة الحق الذي استنبطوه ~~بعقولهم ولم يحتاجوا فيه إلى الرسل بل احتاجوا فيه إلى رد ما جاءوا به ~~بالقانون العقلي أو رد معناه بالتأويل اللفظي وحينئذ فنقول في # الوجه العاشر بعد المائة: إن مثل ما جاءت به الرسل عند النفاة والمعطلة ~~مثل من ارسل مع الحاج أدلاء يدلونهم في طريق مكة وأوصى الأدلاء بأن ~~يخاطبوهم بخطاب يدلهم على غير الطريق ليكون ذلك الخطاب سببا لنظرهم ~~واستدلالهم حتى يعرفوا الطريق بنظرهم واستدلالهم لا بأولئك الأدلة وحينئذ ~~يردون ما فهموا من كلام الأدلة وخطابهم ويجتهدون في نفي دلالته وإبطال ~~مفهومه ومقتضاه ومن المعلوم أن خلقا كثيرا لا يتبعون إلا الأدلاء الذين ~~يدعون أنهم أخبر بالطريق منهم وأن ولاة الأمور قلدوهم دلالة الحاج وتعريفهم ~~الطريق وإن درك ذلك عليهم والطائفة التي ظنت أن الأدلاء لم يريدوا بكلامهم ~~الدلالة والإرشاد إلى # PageV03P1146 # سبيل الرشاد صار كل منهم يستدل بنظره واجتهاده فاختلفوا في الطرق وتشتتوا ~~فمنهم من سلك طرقا أخرى غير طرق مكة فأفضت بهم إلى مفاوز معطشه وأودية ~~مهلكة وأرض مسبعبه فأهلكتهم وطائفة أخرى شكوا وحاروا فلا مع الأدلاء سلكوا ~~فأدركوا المقصود ولا لطرق المخالفين للأدلاء اتبعوا بل وقفوا مواقف ~~التائهين الحائرين حتى هلكوا في أمكنتهم أيضا جوعا وعطشا كما هلك أرباب تلك ~~الطرق فلم ينجوا من المكروه ولم يظفروا بالمطلوب وآخرون اختصموا فيما بينهم ~~فصاروا حزبين حزبا يقولون الصواب مع الأدلاء فإنهم أهل هذا الشأن الذي ~~نصبوا له دون غيرهم وحزبا يقولون بل الصواب مع هؤلاء الذين يقولون إنهم ~~أخبر وأصدق وكلامهم في الأدلة أبين وأصدق فاقتتل الفريقان وطال بينهم ~~الخصام والجدال وانتشر القيل والقال وشهد آخرون الوقعة فوقفوا بين هؤلاء ~~وهؤلاء وخذلوا الفريقين ولم يتحيزوا إلى واحدة من الطائفتين فهلك الحجيج ~~وكثر الضجيج وعظم البكاء والنشيج واضطربت الآراء وعصفت الأهواء وصار حالهم ~~كحال قوم سفر نزلوا في ليلة ظلماء فهجم عليهم عدو وهم نيام فقاموا في ظلمة # PageV03P1147 # الليل على وجوههم هاربين لا يهتدون سبيلا ولا يتبعون ms405 دليلا وهذا كله إنما ~~نشأ من قول السلطان للأدلاء خاطبوا الناس بما يدلهم على غير الطريق ~~ليجتهدوا بعقولهم ونظرهم في معرفة الطريق فهل يكون من فعل هذا بالحجيج قد ~~هداهم السبيل أو أرشدهم إلى اتباع الدليل أو أراد بهم ما يريده الراعي ~~المشفق على رعيته الناصح لهم وهل هذا مطابق لقول الدليل {يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم} [الأعراف93] وقوله {ربي وأنصح لكم وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون} [الأعراف62] وقوله {ربي وأنا لكم ناصح أمين} ~~[الأعراف68] فأين النصح والأمانة على قول المعطلين النفاة فإذا قال هذا ~~الدليل إنما قصدت بذلك أن يجتهد الحاج في معرفة الطريق بعقولهم وبحثهم ~~ونظرهم ولا يستدلوا بكلامي فهل يكون هذا دليلا أم قاطع طريق فهذا مثال ما ~~يقوله هؤلاء # PageV03P1148 # المعطلة النفاة في رسل الله الذين أرسلهم الله سبحانه إلى الخلق ليعلموهم ~~ويهدوهم ويدعوهم إلى الله وإلى السبيل الموصلة إليه فجعل هؤلاء المعطلة ~~الجهاد في إفساد سبيل الله جهادا في سبيله والاجتهاد في رد ما جاءت به رسله ~~اجتهادا في الإيمان به والسعي في إطفاء نور الله سعيا في إظهار نوره والحرص ~~على أن لا يصدق كلامه ولا تقبل شهادته ولا تتبع دلالته حرصا على أن تكون ~~كلمة الحق هي العليا والمبالغة في طريق أهل الإشراك والتعطيل مبالغة في ~~طريق التوحيد الموصلة إلى سواء السبيل فقلبوا الحقائق وأفسدوا الطرائق ~~وأضلوا الخلائق وعطلوا الخالق وإنما يعرف حقيقة هذا المثل ومطابقته للواقع ~~من ضرب في الكتاب والسنة بسهم وحصل منها على نصيب وافر واطلع على حقيقة ~~أقوال المعطلين النفاة في دلائلهم ومسائلهم ونظر إلى غايتها من خلال ~~كلماتهم ومن البلية العظمى أن كثيرا ممن لهم علم وفقه وعبادة وزهد ولسان ~~صدق في العامة وقد ضرب في العلم والدين بسهم قد التبس عليه كثير من كلامهم ~~فقبله معتقدا أنه حق وأن أصحابه محققون فسمع كلام الله وكلام رسوله وكلام ~~أهل العلم والإيمان وكلام هؤلاء وغيرهم من أهل الإلحاد فيؤمن بهذا وهذا ~~إيمانا مجملا ويصدق الطائفتين ولا ms406 يدخل في تحقيق طريق هؤلاء ولا هؤلاء فإذا ~~سمع القرآن والحديث قال هذا كلام الله # PageV03P1149 # وكلام رسوله وإذا سمع كلام الملاحدة والمعطلة الذين حسن ظنه بهم قال هذا ~~كلام العارفين المحققين والنظار أصحاب العقول والبراهين وإذا سمع كلام ~~الاتحادية الملاحدة الذين هم أكفر طوائف بني آدم قال هذا كلام أولياء الله ~~أو كلام خاتم الأولياء ومرتبتنا تقصر عن فهمه فضلا عن الاعتراض عليه ~~وبالجملة فلرسول الله أتباع خاصة وعامة ولمسيلمة الكذاب أتباع خاصة وعامة ~~والله تعالى جعل للهدى أئمة وأتباعا إلى آخر الدهر وللضلال أئمة وأتباعا ~~إلى آخر الدهر. # الوجه الحادي عشر بعد المائة: إن لوازم هذا القول معلومة البطلان ~~بالضرورة من دين الإسلام وهي من أعظم الكفر والإلحاد وبطلان اللازم يستلزم ~~بطلان ملزومه فإن من لوازمه أن لا يستفاد من خبر الرسول عن الله في هذا ~~الباب علم ولا هدى ولا بيان للحق في نفسه. # ومن لوازمه أن يكون كلامه مضمونا لضد ذلك ظاهره وحقيقته. # ومن لوازمه القدح في علمه ومعرفته أو في فصاحته وبيانه أو في نصحه ~~وإرادته كما تقدم تقريره مرارا. # ومن لوازمه أن يكون المعطلة النفاة أعلم بالله منه أو أفصح أو انصح. ومن ~~لوازمه أن يكون أشرف الكتب وأشرف الرسل قد # PageV03P1150 # قصر في هذا الباب غاية التقصير بل أفرط في التجسيم والتشبيه غاية الإفراط ~~وتنوع فيه غاية التنوع فمرة يقول أين ومرة يقر عليها لمن سأله ولا ينكرها ~~ومرة يشير بإصبعه ومرة يضع يده على عينه وأذنه حين يخبر عن سمع الرب وبصره ~~ومرة يصفه بالنزول والمجيء والإتيان والانطلاق والمشي والهرولة ومرة يثبت ~~له الوجه والعين واليد والإصبع والقدم والرجل والضحك والفرح والرضى والغضب ~~والكلام والتكليم والنداء بالصوت والمناجاة ورؤية أهل الجنة له مواجهة ~~عيانا بالأبصار من فوقهم ومحاضرته لهم محاضرة ورفع الحجب بينه وبينهم ~~وتجليه لهم واستدعائهم لزيارته وسلامه عليهم سلاما حقيقيا قولا من رب رحيم ~~واستماعه وأذنه لحسن الصوت إذا تلا كلامه وخلقه ما شاء بيده وكتابة كلامه ~~بيده ويصفه بالإرادة والمشيئة والقوة ms407 والقدرة # PageV03P1151 # والحياة والحياء وقبض السماوات وطيها بيده والأرض بيده الأخرى ووضعه ~~السماوات على إصبع والأرض على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع ~~وأضعاف ذلك مما إذا سمعه المعطلة سبحوا الله ونزهوه جحودا وإنكارا لا ~~إيمانا وتصديقا فما ضحك منه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا ~~لقائله يعبس منه هؤلاء إنكارا وتكذيبا وما شهد لقائله ببالإيمان شهد هؤلاء ~~له بالكفر والضلال وما أوحى بتبليغه إلى الأمة وإظهاره يوصي هؤلاء بكتمانه ~~وإخفائه وما أطلقه على ربه لئلا يطلق عليه ضده ونقيضه يطلق هؤلاء عليه ضده ~~ونقيضه لئلا يطلق هو عليه وما نزه ربه عنه من العيوب النقائض يمسكون عن ~~تنزيهه عنه وإن اعتقدوا أنه منزه عنه ويبالغون في تنزيهه عن ما وصف به نفسه ~~فتراهم يبالغون أعظم المبالغة في تنزيهه عن علوه على خلقه واستوائه على ~~عرشه وتكلمه بالقرآن حقيقة وإثبات الوجه واليد والعين له مالا يبالغون مثله ~~ولا قريبا منه في تنزيهه عن الظلم والعيب والفعل لا لحكمة والتكلم بما ~~ظاهره ضلال ومحال وتراهم إذا أثبتوا أثبتوا مجملا لا تعرفه القلوب ولا تميز ~~بينه وبين العدم وإذا نفوا نفوا مفصلا نفيا يتضمن تعطيل ما أثبته الرسول ~~حقيقة فهذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من لوازم قول المعطلة ومن لوازمه أن ~~القلوب لا تحبه ولا تريده ولا تبتهج به # PageV03P1152 # ولا تشتاق إليه ولا تلتذ بالنظر إلى وجهه الكريم في دار النعيم كما صرحوا ~~بذلك وقالوا هذا كله إنما يصح تعلقه بالمحدث لا بالقديم قالوا وإرادته ~~ومحبته محال لأن الإرادة إنما تتعلق بالمعدوم لا بالموجود والمحبة إنما ~~تكون لمناسبة بين المحب والمحبوب ولا مناسبة بين القديم والمحدث. ومن ~~لوازمه أعظم العقوق لأبيهم آدم فإن من خصائصه أن الله خلقه بيده فقالوا ~~إنما خلقه بقدرته فلم يجعلوا له مزية على إبليس في خلقه. # ومن لوازمه بل صرحوا به جحدهم حقيقة خلة إبراهيم وقالوا هي حاجته وفاقته ~~وفقره إلى الله فلم يثبتوا له بذلك مزية على أحد من الخلق إذ كل أحد فقير ~~إليه ms408 في كل نفس وطرفة عين. # ومن لوازمه بل صرحوا به أن الله لم يكلم موسى تكليما وإنما خلق كلاما في ~~الهواء أسمعه إياه فكلمه في الريح لا أنه أسمعه كلامه الذي هو صفة من صفاته ~~قائم بذاته لا يصدق الجهمي بهذا أبدا. # ومن لوازمه بل صرحوا به أن الرسول لم يعرج به إلى الله حقيقة ولم يدن من ~~ربه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ولم يرفع من عند موسى إلى عند ربه مرارا ~~يسأل التخفيف لأمته فإن من وإلى عندهم في حق الله محال فإنها تستلزم المكان ~~ابتداء وانتهاء. # ومن لوازمه أن الله سبحانه لم يفعل شيئا ولا يفعل شيئا # PageV03P1153 # البتة فإن الفعل عندهم عين المفعول وهو غير قائم بالرب تعالى فلم يقم به ~~عندهم فعل أصلا وسموه فاعلا من غير فعل يقوم به كما سموه مريدا من غير ~~إرادة تقوم به وسموه متكلما من غير كلام يقوم به وسماه زعيمهم المستأخر عند ~~الله وعند عباده عالما من غير علم يقوم به حيث قال العلم هو المعلوم كما ~~قالوا الفعل هو المفعول. # ومن لوازمه أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض فإن ~~ذلك من مقولة أن ينفعل وهذه المقولة لا تتعلق به وهي في حقه محال كما نفوا ~~علوه على خلقه واستواءه على عرشه لكون ذلك من مقولة الأين وهي عليه محال ~~ونفوا كلامه وحياته وقدرته ومشيئته وإرادته وسائر صفاته لأنها من مقولة ~~العرض وهي ممتنعة عليه كما نفوا استوائه على عرشه لأنه من مقولة الوضع ~~المستحيل ثبوتها له ولوازم قولهم أضعاف أضعاف ما ذكرناه وإنما أشرنا إلى ~~بعضها إشارة يتفطن بها اللبيب لما وراءها وبالله التوفيق. # الوجه الثاني عشر بعد المائة: أن الرسول إذا لم يبين للناس أصول إيمانهم ~~ولا عرفهم علما يهتدون به في أعظم أمور الدين وأصل مقاصد الدعوة النبوية ~~وأجل ما خلق الخلق له وأفضل ما أدركوه # PageV03P1154 # وحصلوه وظفروا به وهو معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله وما ms409 يجب ~~له ويمتنع عليه بل إنما يبين لهم الأمور العملية كانت رسالته مقصورة على ~~أدنى المقصودين فإن الرسالة لها مقصودان عظيمان # أحدهما: تعريف العباد ربهم ومعبودهم بما هو عليه من الأسماء والصفات. # والثاني: محبته وطاعته والتقرب إليه فإذا لم يكن الرسول قد بين للأمة أجل ~~المقصودين وأفضلهما كانت رسالته قاصرة جدا فكيف إذا أخبرهم فيه بما تحيله ~~عقولهم وأذهانهم وإذا كان النفاة المعطلة قد بينوا ذلك بيانا مفصلا يجب على ~~كل أحد اعتقاده فحينئذ ما أتوا به أفضل مما جاء به الرسول في القسمين فإن ~~النفي عندهم هو الحق والإثبات باطل فما جاؤوا به من ذلك خير عندهم مما جاء ~~به الرسول من هذا الوجه ومن جهة أن العلم أشرف من العمل ومن المعلوم أن ~~النفاة المعطلة ليس فيهم أحد من أئمة الإسلام ومن لهم في الأمة لسان صدق ~~وإنما أئمتهم الكبار القرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم ~~من ملاحدة الفلاسفة كابن سينا والفارابي وأمثالهما وملاحدة المتصوفة ~~القائلين بوحدة الوجود # PageV03P1155 # كابن سبعين وصاحب الفصوص وصاحب نظم السلوك وأمثالهم ثم من أئمتهم من هو ~~أمثل من هؤلاء كأئمة الجهمية كالجهم ابن صفوان والجعد بن درهم وأبي الهذيل ~~العلاف وإبراهيم النظام وبشر المريسي وثمامة بن أشرس وأمثال هؤلاء ممن هم ~~من أجهل الخلق بما بعث الله به رسوله فيا للعقول ويا للعجب أيكون ما أتى به ~~هؤلاء من التعطيل والنفي أكمل مما أتى به موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله ~~خاتم الرسل وإخوانهما من المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم فإن الرسل عند ~~النفاة لم يبينوا أفضل العلم والمعرفة وإنما هم الذين بينوا ذلك ودلائله ~~تأصيلا وتفصيلا وقد صرح ملاحدة هؤلاء بأن الرسل راموا إفادة # PageV03P1156 # ما بينوا هؤلاء الملاحدة كما قال ابن سبعين في خطبة كتابه أما بعد فإني ~~قد عزمت على إفشاء السر الذي رمز إليه هرامسة الدهور الأولية ورامت إفادته ~~الهداية النبوية ويقول صاحب الفصوص أن الرسل يستفيدون معرفة ذلك من مشكاة ~~خاتم الأولياء وأن هذا الخاتم يأخذ العلم من المعدن ms410 الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحى به إلى الرسول فهو أعلى إسنادا من الرسول وأقرب تلقيا على قوله ~~وطائفة من الفلاسفة تقول إن الفيلسوف أفضل من النبي وأكمل منه بناء على هذا ~~الأصل الملعون ومن لم يصل إلى هذا الذي هو غاية تحقيقهم من أهل التعطيل ~~والتجهيم ومبتدعة المتصوفين فقد شاركهم في الأصل وقاسمهم في الربح والثمرة ~~والله الموفق. # PageV03P1157 # الوجه الثالث عشر بعد المائة: إن أقوال هؤلاء النفاة المعطلة متناقضة ~~مختلفة وذلك يدل على بطلانها وأنها ليست من عند الله وما جاء به الرسول ~~متسق متفق يصدق بعضه بعضا ويوافق بعضه بعضا وهذا يدل على أنه حق في نفسه ~~قال تعالى {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا} [النساء 82] . # وأنت إذا تأملت مقالات القوم ومعقولاتهم وجدتها أعظم شيء تناقضا ولا تجد ~~أحدا من فضلائهم ورؤسائهم أصلا إلا وهو يقول الشيء ويقول ما يخالفه ويناقضه ~~تارة في المسألة الواحدة وتارة يقول القول ثم ينقضه في مسألة أخرى من ذلك ~~الكتاب بعينه. # وأما قوله الشيء وقول نقيضه في الكتاب الآخر فمن له فهم واطلاع على كتب ~~القوم يعلم ذلك وأما الجاهل المقلد فلا تعبأ به ولا يسوءك سبه وتكفيره ~~وتضليله فإنه كنباح الكلب فلا تجعل للكلب عندك قدرا أن ترد عليه كلما نبح ~~عليك ودعه يفرح بنابحه وأفرح أنت بما فضلت به عليه من العلم والإيمان ~~والهدى واجعل الإعراض عنه من بعض شكر نعمة الله التي ساقها إليك وأنعم بها ~~عليك. # ولولا خشية الإطالة لذكرنا في هذا الموضع من تناقضهم في مسائلهم ودلائلهم ~~في كل مسألة ما يتعجب منه العاقل # PageV03P1158 # ويتنبه به الغافل وأما مناقضة بعضهم بعضا ومعارضة بعضهم بعضا في الأدلة ~~والأحكام فأمر لا خفاء به فالواحد منهم متناقض مع نفسه وأصحابه متناقضون ~~فيما بينهم وهم وخصومهم في هذا الباب أشد تناقضا ومناقضتهم لنصوص الوحي ~~معلومة وهم متناقضون لما تعلم صحته بصريح العقل فهم في {أو كظلمات في بحر ~~لجي يغشاه موج من فوقه موج ms411 من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده ~~لم يكد يراها} [النور40] ولكن لا يرى هذه الظلمات إلا من هو في نور السمع ~~والعقل {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور40] # الوجه الرابع عشر بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل ~~يستلزم قولهم ثلاث مقدمات تناقض دعواهم غاية المناقضة # المقدمة الأولى: ثبوت الرسالة في نفس الأمر على قاعدة أهل الملل وأن ~~الرسول جاء من عند الله برسالة ليس # PageV03P1159 # مقدورا لبشر نيلها باكتساب ولا رياضة ولا صناعة من الصنائع. # الثانية: أنه جاء بهذا الكلام الذي ادعوا أن العقل عارضه. # الثالثة: أنه أراد به حقيقته وظاهره فلا تتم دعوى المعارضة إلا بهذه ~~الأمور وحينئذ فإما أن يقر المعارض بها أو ينكرها فإن أقر بها ثم ادعى ~~المعارضة كان قوله في غاية وحالة القدح في المرسل والرسول وإن أنكرها كان ~~الكلام معه في أصل ثبوت الرسالة واحتج عليه بما يحتج على منكري النبوات وإن ~~أقر بالنبوة على طريقة ملاحدة الفلاسفة ومن سلك سبيلهم أنها مكتسبة وأن ~~خاصة النبي قوة ينال بها العلم وقوة يتصرف فيها في المعقولات فيشكلها في ~~نفسه خيالات ترى وتسمع وهي المسماة بالملائكة كما يقوله شيوخ هؤلاء كابن ~~سينا وأتباعه ولم يمكنه أن يجزم بأن النبي عالم بما يقول معصوم عن الخطأ ~~فيه فكيف وهو يقول إن النبي قد يقول ما يعلم خلافه فهو لا يستفيد بخبر ~~النبي حقا البتة فكيف يتكلم في المعارضة التي هي فرع الاعتراف بصحة الدليل ~~ولكن قد # PageV03P1160 # عارضه غيره فيكون مقام هذا مقام منع لا مقام معارضة فإما أن يمنع كون ~~النبي عالما بما يقول أو كونه جازما معصوما فيه أو كونه جاء بذلك أو كونه ~~أراد به خلاف ما دل العقل بزعمه عليه وإلا فمع إقراره بذلك تستحيل المعارضة ~~أن ترجع حقيقتها إلى أن ما جاء به حق وأنه باطل وهذا جمع بين النقيضين فثبت ~~أن هذه الطريقة طريقة ممانعة لا طريقة معارضة وأن دعوى المعارض تستلزم ms412 ~~الجمع بين النقيضين فمن لم يعلم أن الرسول معصوم صادق فيما يخبر به كيف ~~تمكنه المعارضة ومن لم يعلم أنه جاء بكذا لم تمكنه المعارضة ومن لم يعلم ~~أنه أراده بكلامه لم تمكنه المعارضة ومن علم هذه الأمور الثلاثة وأقر بها ~~لم يمكنه المعارضة فبطلت دعوى المعارضة على التقريرين وبالله التوفيق يوضحه # الوجه الخامس عشر بعد المائة: إن من عرف بطلان هذه المعقولات التي يعارض ~~هؤلاء بها السمع امتنع عنده أن يحصل بها المعارضة لامتناع ثبوت المعارضة ~~بين الحق والباطل ومن اعتقد صحتها فاعتقاد صحتها عنده ملزوم لبطلان السمع ~~فيلزم من صحتها بطلانه وتمتنع المعارضة أيضا فالمعارضة ممتنعة على تقدير ~~صحتها وفسادها. # PageV03P1161 # الوجه السادس عشر بعد المائة: إن تجويز التعارض بين السمع والعقل ~~والإيمان بالله ورسوله لا يمكن اجتماعها البتة فإن صحت المعارضة امتنع ~~الإيمان وإن صح الإيمان امتنعت المعارضة فإن الإيمان مبناه على أن الرسول ~~صادق فيما يخبر به عن الله معصوم في خبره وعلى أنه جاء بهذا الكتاب وعلى ~~أنه أراد من الأمة أن يثبتوا حقائقه ويفهموه ويتدبروه ولا ينفوا حقائق ما ~~أخبر به ويقروا بلفظه فلا يمكن وجود الأيمان بالرسول إلا بهذه الأصول ~~الثلاثة فإذا جوزنا معارضة العقل الصريح لما جاء له لزم القدح والطعن فيها ~~أو في بعضها والطعن في الأمرين الأولين مناقض للإيمان بالذات والطعن في ~~الثالث يستلزم الطعن فيهما إذ غايته الاعتراف بأنه جاء بهذه الألفاظ ولم ~~يجيء بحقائقها ومعانيها وهذا جحد لما أرسل به حقيقة فثبت أن الإيمان وهذه ~~المعارضة لا يجتمعان أبدا يوضحه # الوجه السابع عشر بعد المائة: وهو أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي ~~بآرائهم إما أن تردوا هذه النصوص وتكذبوها وإما أن تصدقوها وتقبلوها والأول ~~إلحاد وكفر ظاهر وإن قبلتموها فإما أن تعتقدوا أن الرسول أراد حقائقها ~~ومعانيها المفهومة منها أولا فإن اعتقدتم أنه اراد حقائقها فإما أن تعتقدوا ~~ثبوت تلك # PageV03P1162 # الحقائق في نفس الأمر وانتفائها أو تشكون في الأمر ولا ريب أنه مع اعتقاد ~~ثبوت تلك الحقائق تمتنع المعارضة وأنه ms413 مع الشك تمتنع المعارضة فلا تمكن ~~المعارضة إلا على تقدير العلم بانتفاء تلك الحقائق في نفس الأمر وحينئذ ~~فإذا أراد إفهامها فقد أراد إفهام خلاف الحق فإما أن توافقوه في مراده ~~وتمنعوا تأويلها بما يخالف حقائقها لأنه مناقضة لمراده وإما أن توجبوا ~~تأويلها بما يخرجها عن حقائقها ومعانيها المفهومة منها والأول يستلزم ~~الإقرار على الباطل وإفهام أقبح الكذب وهو الكذب على الله واسمائه وصفاته ~~وهذا يرجع على أصل الرسالة ومقصودها بالإبطال فلم يبق إلا التأويل ولا ~~يمكنكم سلوك طريقه لأنكم تناقضون فيه أقبح التناقض. # فإنكم إما تتأولوا الجميع وليس في المنتسبين إلى القبلة من يجوز ذلك ولا ~~يمكنه وإما تتأولوا البعض دون البعض فيقال لكم ما الفرق بين ما جوزتم ~~تأويله فصرفتموه عن حقيقته ومعناه الظاهر منه وبين ما أقررتموه على حقيقته? ~~فإن قلتم ما يقوله جمهوركم أن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه وما لم يعارضه ~~عقلي قاطع أقررناه. # قيل لكم فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء فإنكم لا يمكنكم نفي جميع ~~المعارضات العقلية # PageV03P1163 # كما تقدم إذ غاية ما معكم نفي العلم بها وعدم العلم لا يستلزم عدم ~~المعلوم وأيضا فمعقولات الناس ليست على حد واحد فهب أن معقولاتكم ليست ~~تعارض ما أقررتموه فقد ادعى غيركم أن مقدماتكم التي عارضتم بها ما تأولتموه ~~ومثلها وأيضا فعدم العلم بالمعارض العقلي القطعي لا يوجب الجزم بمدلول ~~الدليل السمعي فإنكم إذا جوزتم على الرسول أن يقول قولا له معنى وهو لا ~~يريده لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر ~~ببال الخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك جاز أن يريد بما أقررتموه ما يخالف ~~مقتضاه وعدم العلم بما يعارضه من العقليات لا يستلزم عدم المعارض في نفس ~~الأمر وهذا مما لا جواب لكم عنه. # فإن قلتم نتأول ما لا يعلم بالاضطرار أنه جاء به وأراده وما علم ~~بالاضطرار أنه جاء به وأراد معناه أقررناه. # قيل لكم فخصومكم من أهل الباطل يقولون لكم فيما أقررتموه نحن لم ms414 نعلم أنه ~~جاء بهذا ولا أراد معناه كما قلتم أنتم فيما تأولتموه سواء فدعواكم من جنس ~~دعواهم لا فرق بينهما فما الذي جعل قولكم أولى بالصواب من قولهم واتباع ~~الرسول وحزبه العالمون بما جاء به الذين هم خاصته يعلمون بالاضطرار من دينه ~~أنه جاء بما يخالف تأويلاتكم وتأويلات إخوانكم وتعلمون بالضرورة أنها ~~مناقضة لما جاء به مناقضة ظاهرة ولا يدعون عليكم أنكم # PageV03P1164 # تعلمون ذلك فإنكم لا علم لكم بما جاء به وأنتم من أبعد الناس عنه فإذا ~~قلتم لا نعلم أنه جاء به صدقوكم في ذلك ولكن جهلكم بما جاء به وإعراضكم عنه ~~لا يوجب مشاركتهم لكم في هذا الجهل فالمثبتون لعلو الله على خلقه واستوائه ~~على عرشه وتكلمه بالقرآن حقيقة وتكليمه لعبده موسى حقيقة منه إليه بلا ~~واسطة كلاما أسمعه إياه وتكليم عباده في الآخرة وتكليمه ملائكته وإثبات ~~صفاته ورؤية المؤمنين له في الجنة من فوقهم عيانا جهرة بأبصارهم يعلمون أن ~~نبيهم جاء بذلك ضرورة كما أنه جاء بالوضوء والغسل من الجنابة والصلاة وصوم ~~رمضان والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش فكيف تنكرون ذلك لعدم علمكم ~~ولما علم أئمة هؤلاء وفضلاؤهم أن هذا لازم لا محالة صرحوا بأنه لا يستفاد ~~من السمعيات علم ولا يقين إذ هي موقوفة على أمور عشرة ومنها نفي المعارض ~~العقلي ولا سبيل إلى العلم بانتفائه وهذا أتم ما يكون من عزل الرسول عن ~~موجب رسالته وبالله التوفيق. # الوجه الثامن عشر بعد المائة: أن هؤلاء المعرضين عن الأدلة السمعية ~~المعارضين لها إذا فعلوا ذلك لم يبق لهم إلا طريقان إما طريق النظار وهي ~~الأدلة القياسية العقلية وإما طريق الكشف وما بدرك بالرياضة وصفاء الباطن ~~وكل من هاتين # PageV03P1165 # الطريقتين باطلة أضعاف حقه وفيها من التناقض والاضطراب والفساد مالا ~~يحصيه إلا رب العباد ولهذا تجد غاية من سلك الطريق الأولى الحيرة والشك ~~وغاية من سلك الطريق الثانية الشطح فغاية أولئك عدم التصديق بالحق وغاية ~~هؤلاء التصديق بالباطل وحال أولئك تشبه حال المغضوب عليهم وحال هؤلاء تشبه ~~حال الضالين ms415 ونهاية أولئك التعطيل والنفي ونهاية هؤلاء الإلحاد والقول ~~بالوحدة والاتحاد ولهذا لما وصل حذاقهم في طريقة النظر إلى آخرها ورأوا ~~غوائلها وآفاتها ورأوها لا توصل إلى المطلوب الصحيح رجعوا إلى طريقة الوحي ~~والآثار النبوية كما صرح به الرازي وابن أبي الحديد وأبو حامد وأبو المعالي ~~وغيرهم واعترفوا في آخر الأمر أن الطرق كلها مسدودة إلا طريق الوحي والأثر. # الوجه التاسع عشر بعد المائة: أن يقال لمن جوز مجيء الرسول بما يخالف ~~صريح العقل ما تقول إذا سمعت كلامه قبل أن تعلم هل في العقل ما يخالفه أم ~~لا? هل تبادر إلى رده وإنكاره? أم إلى قبوله واعتقاده? أم تتوقف فيه ولا ~~تصدقه ولا تكذبه ولا تقبله ولا ترده? أم تعلق تصديقه والإقرار به على الشرط ~~وتقول أنا أعتقد موجبه إن لم يكن في العقل ما يرده? فلا بد لك من واحد من ~~هذه الأمور الأربعة فالأول والثالث والرابع مناقض للإيمان بالرسول مناقضة ~~صريحة والثاني # PageV03P1166 # لا سبيل لك إليه لأنك قد جوزت أن يكون في صريح العقل ما يناقض ما أخبر به ~~فكيف تجزم مع ذلك بصحته فالقسم الإيماني قد سددت طريقه على نفسك والأقسام ~~الثلاثة مستلزمة لعدم الإيمان وهذا إنما نشأ من تجويز أن يكون في العقل ~~الصريح ما يناقض ما أخبر به يوضحه # الوجه العشرون بعد المائة: أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول إلا بعد أن ~~يقوم على صحته عنده دليل منفصل من عقل أو كشف أو منام أو إلهام لم يكن ~~مؤمنا به قطعا وكان من جنس الذين قال الله فيهم {وإذا جاءتهم آية قالوا لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام124] بل قد يكون هؤلاء خيرا ~~منهم من وجه فإنهم علقوا الإيمان بأن يؤتوا سمعا مثل ما أوتيه الرسل وهؤلاء ~~علقوا الإيمان على قيام دليل عقلي على صحة ما أخبروا به وإذا كان من فعل ~~هذا ليس بمؤمن بالرسل فكيف من عارض ما جاءوا به بمعقوله ثم قدمه عليه # الوجه الحادي ms416 والعشرون بعد المائة: إن حال هؤلاء المعارضين بين الوحي ~~والعقل ضد حال أهل الإيمان من كل وجه فإن الله سبحانه أخبر عن أهل # PageV03P1167 # الإيمان بأنهم كلما سمعوا نصوص الوحي زادتهم إيمانا وفرحا واستبشارا وأن ~~الذين في قلوبهم مرض وريب يزيدهم رجسا إلى رجسهم ويودون أنها لم تنزل قال ~~الله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة125 , 124] . وإذا أردت أن تعرف ~~حقيقة الحال فانظر إلى وجوه القوم وشمائلهم عند استماع آيات الصفات ~~وأخبارها كيف تجدهم ورثة الذين قال الله فيهم: {وإذا ما أنزلت سورة نظر ~~بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا ~~يفقهون} [التوبة127] . # وقال تعالى {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك} [الرعد36] . # وهؤلاء يسوءهم ما يخالف قواعدهم الباطلة مما أنزل إليه. # PageV03P1168 # وقال تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} ~~[الحجرات15] . # وهؤلاء في أعظم الريب في أشرف ما جاء به الرسول ومن جوز أن يكون فيما ~~أخبر به ما يعارضه صريح المعقول لم يزل في ريب من ثبوت ما أخبر به ولا يزال ~~بنيانهم لتلك القواعد التي بنوها مما يعارض ما جاء به الرسول {ريبة في ~~قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم} وقال تعالى: {أفمن يعلم أنما ~~أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} [الرعد19] . # وهؤلاء يرون أن أشرف ما أنزل إليه يخالفه صريح العقل وقال تعالى {ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز ~~الحميد} [سبأ6] . # وهؤلاء يرون أن أشرف ما أنزل إليه وأجله يخالف المعقول ويهدي إلى التشبيه ~~والتجسيم والضلال. # PageV03P1169 # الوجه الثاني والعشرون بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم ~~جعلوا كلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة التي لا يتمسك فيها في ~~العلم واليقين ولعلك تقول إنا ms417 حكينا ذلك عنهم بلازم قولهم فاسمع حكاية ~~ألفاظهم قال الرازي في نهايته: # فصل # في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله وذكر ~~القياس وذكر الإلزامات ثم قال والرابع هو التمسك بالسمعيات. # وهذا تصريح بأن التمسك بكلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة وأخذ ~~في تقرير ذلك فقال المطالب على أقسام ثلاثة: منها ما يستحيل حصول العلم بها ~~بواسطة السمع ومنها ما يستحيل حصول العلم بها إلا من السمع # PageV03P1170 # ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى # قال أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته ~~استحال تصحيحه بالسمع مثل العلم بوجود الصانع وكونه مختارا وعالما بكل ~~المعلومات وصدق الرسول. # قال وإما القسم الثاني فهو ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر إذا لم يجده ~~الإنسان من نفسه ولم يدركه بشيء من حواسه فإن جلوس غراب على قلة جبل قاف ~~إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقا وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلا ~~وهو غائب عن الحس والنفس استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق. # PageV03P1171 # وأما القسم الثالث وهو معرفة وجوب الواجبات أو إمكان الممكنات أو اسحتالة ~~المستحيلات التي لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها ~~واستحالتها مثل مسألة الرؤية والصفات والوحدانية وغيرها ثم عدد أمثلة. # ثم قال إذا عرفت ذلك فنقول إما أن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في ~~الأصول في القسم الأول فهو ظاهر وإلا وقع الدور وإما أنه يجب استعمالها في ~~القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف. # وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال وذلك لأنا ~~لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل ~~السمعي فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي لأنه إذا لم ~~يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى الدليل العقلي فإما أن نكذب بالعقل ~~وإما أن # PageV03P1172 # يأول النقل فإن كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل فإن ms418 ~~الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا بالعقل فحينئذ تكون صحة ~~النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه فإذا لا يكون العقل مقطوع الصحة ~~فإذا تصحيح النقل برد العقل يتضمن القدح في النقل وما أدى ثبوته إلى ~~انتفائه كان باطلا وتعين تأويل النقل. # فإذا الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله إلا بشرط أن لا يوجد ~~دليل عقلي على خلاف ظاهره فحينئذ لا يكون الدليل النقلي مفيدا للمطلوب إلا ~~إذا أثبتنا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره ولا طريق لنا إلى إثبات ~~ذلك إلا من وجهين إما أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل ~~النقلي وحينئذ يصير الاستدلال بالنقل فضلا غير محتاج إليه. # وإما بأن نزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل # PageV03P1173 # وذلك ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا يكون هناك ~~معارض أصلا إلا أن نقول إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه ولو كنا ~~زيفنا هذه الطريقة يعني انتفاء الشيء لانتفاء دليله أو نقيم دلالة قاطعة ~~على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص ولا المقدمة الأخرى وحينئذ ~~نحتاج إلى إقامة الدليل على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية لها ~~غير معارضة لهذا الظاهر. # فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين لعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي وثبت أن ~~الدليل النقلي تتوقف إفادته لليقين على ذلك فإذا الدليل النقلي تتوقف ~~إفادته اليقين على مقدمة غير يقينية وهي عدم دليل عقلي وكل ما يبتنى صحته ~~على مالا يكون يقينا لا يكون هو أيضا يقينا # PageV03P1174 # فثبت أن ذلك الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدا لليقين. # قال وهذا بخلاف الأدلة العقلية فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفي فيها بأن ~~لا يعلم فسادها بل لا بد وأن يعلم بالبديهة صحتها أو يعلم بالبديهة لزومها ~~مما علم صحته بالبديهة ومتى كان كذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لاستحالة ~~التعارض في العلوم البديهية. # ثم قال ms419 فإن قيل إن الله سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره ~~بشيء كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ~~ببال المكلف ذلك الدليل وإلا كان ذلك تلبيسا من الله تعالى وإنه غير جائز. # قلنا هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح وأنه يجب على الله سبحانه شيء ونحن ~~لا نقول بذلك ثم إن # PageV03P1175 # سلمنا ذلك فلم قلتم إنه يجب على الله أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل ~~العقلي وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبسا على المكلف لو أسمعه كلاما ~~يمتنع عقلا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره وليس الأمر كذلك لأن المكلف ~~إذا سمع ذلك الظاهر فبتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك ~~الكلام ما أشعر به الظاهر فعلى هذا إذا أسمع الله تعالى المكلف ذلك الكلام ~~فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان ذلك ~~التقدير تقصيرا واقعا من المكلف لا من قبل الله تعالى حيث قطع لا في موضع ~~القطع فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف ذلك الدليل ~~العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون ملبسا. # قال فخرج ما ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل ~~العقلية نعم يجوز التمسك # PageV03P1176 # بها في المسائل النقلية تارة لإفادة اليقين كما في مسألة الإجماع وخبر ~~الواحد وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية انتهى. # فليتدبر المؤمن هذا الكلام وليرد أوله على آخره وآخره على أوله ليتبين له ~~ما ذكرنا عنهم من العزل التام للقرآن والسنة عن أن يستفاد منهما علم أو ~~يقين في باب معرفة الله وما يجب له وما يمتنع عليه وأنه لا يجوز أن يحتج ~~بكلام الله ورسوله في شيء من هذه المسائل وأن الله تعالى يجوز عليه التلبيس ~~والتدليس على الخلق وتوريطهم في طرق الضلال وتعريضهم لاعتقاد الباطل ~~والمحال وأن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على ~~حقيقته وقطعوا ms420 بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك إذ قد يكون في العقل ~~ما يعارضه ويناقضه فإن غاية ما يمكن أن يحتج بكلام الله ورسوله عليه من ~~الجزئيات ما كان مثل الإخبار بأن على قلة جبل قاف غرابا صنعته كيت وكيت أو ~~على مسألة الإجماع وخبر الواحد وأن مقدمات أدلة القرآن والسنة غير معلومة ~~ولا متيقنة الصحة ومقدمات أدلة أرسطو صاحب المنطق والفارابي وابن سينا ~~وإخوانهم قطعية معلومة الصحة وأنه لا طريق لنا إلى العلم بصحة الأدلة ~~السمعية في باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته # PageV03P1177 # البتة لتوقفها على انتفاء مالا طريق لنا إلى العلم بانتفائه وأن ~~الاستدلال بكلام الله ورسوله في ذلك فضلة لا يحتاج إليها بل هو مستغن عنه ~~إذا كان موافقا للعقل. # فتأمل هذا البنيان الذي بنوه والأصل الذي أصلوه هل في قواعد الإلحاد أعظم ~~هدما منه لقواعد الدين وأشد مناقضة منه لوحي رب العالمين وبطلان هذا الأصل ~~معلوم بالاضطرار من دين جميع الرسل وعند جميع أهل الملل. # وهذه الوجوه المتقدمة التي ذكرناها هي قليل من كثير مما يدل على بطلانه ~~ومقصودنا من ذكره اعترافهم به بألسنتهم لا بإلزامنا لهم به وتمام إبطاله أن ~~نبين فساد كل مقدمة من مقدمات الدليل الذي عارضوا به النقل وأنها مخالفة ~~للعقل كما هي مناقضة للوحي والله يعلم أنا عازمون على ذلك وبيانه على ~~التفصيل في جميع أدلتهم إن ساعد التوفيق ويجب على كل مؤمن بالله ورسوله أن ~~يعتقد ذلك جملة وإن لم يحط به تفصيلا ولا يضع قدمه في أول درجة من درجات ~~الإيمان إلا بذلك والمقصود أن مناقضة هذا الأصل الإيمان بالله ورسوله ~~كمناقضة أحد الضدين للآخر وبالله التوفيق. # PageV03P1178 # الوجه الثالث والعشرون بعد المائة: أن يقال كل ما أخبر به الرسول عن الله ~~سبحانه إثباتا ونفيا فهو واجب عليه وممتنع عليه أو ما أثبته له فهو كمال ~~والكمال كله واجب له وما نفاه عنه فهو نقص والنقائص كلها ممتنعة عليه وقد ~~صرح هؤلاء بأن ما يجب لله ويمتنع عليه لا ms421 تمكن استفادته من الرسول لأنه إن ~~أخبر بما يخالفه العقل من ذلك لم يجز إثباته ولم يلتفت إلى خبره فيه وإن ~~أخبر بما يدل عليه العقل كان الاستدلال بخبره فضلة غير محتاج إليها لا سيما ~~وقد صرحوا بأنه ليس في حق الرب ما يمكن أن يوصف به ومالا يمكن بل إما واجب ~~وإما محال والعلم بوجوب الواجبات واستحالة المحالات لا يتوقف على السمع ولا ~~يحتاج إليه فيه وهذا تصريح بأنه لا يحتج بكلام الله ورسوله على شيء من هذه ~~المسائل. # ولا يصدق بشيء من خبر الرسول في ذلك لكونه أخبر به بل لكون العقل دل عليه ~~وذلك يستلزم الكفر والإلحاد والزندقة وهذا لازم لكل من سلك هذه الطريق لأنه ~~إذا جوز المجوز أن يكون في الأدلة العقلية التي يجب اتباعها ما يناقض ما ~~أخبر الله به ورسوله من ذكر صفاته سبحانه وصفات ملائكته وعرشه والجنة ~~والنار والمعاد والعقوبات التي أخبر بها عن الأمم والمعجزات التي أيد بها ~~أنبياءه ورسله لم يمكنه أن يعرف ثبوت شيء كما أخبر # PageV03P1179 # به الرسول إذا لم يعلم انتفاء المعارض ولا طريق له إلى ذلك إلا أن يحيط ~~علما بكل ما يخطر ببال بني آدم في كل وقت مما يظن أنه دليل عقلي وهذا أمر ~~لا ينضبط وليس له حد فلا تزال الشبه العقلية تتولد في نفوسهم تولد الوساوس ~~والخطرات وحديث النفس وقد اعترف هؤلاء بأنه لا سبيل إلى العلم بانتفاء ~~المعارض على التفصيل وحينئذ فلا يمكن الجزم بانتفاء المعارض أبدا فلا يمكن ~~الجزم بشيء مما أخبر به الرسول أبدا إن لم يكن في العقل الصريح ما يقتضي ~~ثبوته وحقيقة هذا سلب الإيمان برسالة الرسول وعدم تصديقه. # فهذا الأصل الباطل الجائر الظالم مستلزم للزندقة والإلحاد فمن طرده أداه ~~إلى الكفر والنفاق والزندقة ومن لم يطرده تناقض وفارق المعقول الصريح ومن ~~هذا دخلت الملاحدة والقرامطة والباطنية على كل فرقة من الطوائف الذين ~~وافقوهم على هذا الأصل أو على بعض شعبه حتى إن من استجاب لهم إلى بعضه ms422 دعوه ~~إلى طرده إن أمكنهم وإلا رضوا منه بما وافقهم فيه. # الوجه الرابع والعشرون بعد المائة: أن هؤلاء يعيبون أهل السنة والحديث ~~المتمسكين بها التاركين لما خالفها بالتقليد وإنما يأخذون ما يعتقدونه # PageV03P1180 # مسلما من غير قيام برهان عقلي على اعتقاده فإن كان تمسكهم بكلام المعصوم ~~تقليدا واقتداؤهم بآثار أصحابه تقليدا فهم لا ينكرون هذا التقليد ولا ~~ينفرون عن عيبهم به ولكن العيب كل العيب تقليد المشركين وعباد الأصنام ~~والمجوس والهند والصابئين عبدة الكواكب والملاحدة الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا رسله ولا كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر فإن مقدمات هذه الأدلة ~~العقلية التي عارضوا بها النصوص وقدموها عليها متلقاة عن هؤلاء فخلفهم ~~مقلدون لسلفهم إذا حاققتهم عليها وطلبت منهم البرهان على صحتها قال هكذا ~~قال العقلاء أرباب المعقولات وسلفهم ليسوا فيها على بصيرة بل على خرص وحدس ~~وتخمين فالسلف خراصون والخلف عمي مقلدون وإذا تأملها اللبيب العاقل الفطن ~~وجدها مبنية على ألفاظ مجملة ومعاني مشتبهة حتى إذا استفسرتهم عن معانيها ~~وفصلت مجملها تجدها دعاوى كاذبة تتضمن الجمع بين المختلفات والتفريق بين ~~المتماثلات فيجمعون بين الشيئين اللذين هما في غاية التباين لاشتراكهما في ~~بعض الصفات ويفرقون بين المثلين من كل وجه بالدعاوى الكاذبات ويثبتون الشيء ~~وينفون لازمه وينفون الشيء ويثبتون ملزومه ويقدحون في الضروريات بالقضايا # PageV03P1181 # الوهميات ويجعلون الذهني خارجا ويصفون الوجود الخارجي بما ينافي وجوده ~~وواجب الوجود بما يجعله ممتنع الوجود ويجردون الماهية عن صفاتها التي لا ~~تحقق إلا بها ثم يجعلون الصفة هي الذات ويجعلون العاقل والمعقول والعقل ~~شيئا واحدا ويجعلون العلم هو نفس المعلوم والفعل هو عين المفعول وواجب ~~الوجود الذي يمتنع عدمه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو بغير شرط الذي ~~يمتنع وجوده إلى أضعاف أضعاف ذلك من مقالاتهم التي هي عند من فهمها وعرف ~~مضمونها ضحكة للعاقل تارة وأعجوبة له تارة ومغضبة له تارة. # ومثل هذه المعقولات لو تصرف بها الرجل في تجارة أو صناعة من الصناعات ~~لأفسدت التجارة والصناعة فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي ms423 صفات رب ~~البرية ثم يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وإنما عظمت ~~الشبهة بذلك بأن أقواما لهم نوع ذكاء يميزون به في أنواع من العلوم ولم تكن ~~لهم خبرة بالأمور الإلهية كخبرتهم بتلك العلوم فخاضوا فيها بعقولهم وظنوا ~~أنهم يبرزون فيها كما برزوا في تلك العلوم وظن المقلدون لهم ذلك أيضا فركب ~~من ظنهم وظن مقلدهم اعتقادها والدعوة إليها وإساءة الظن بما خالفها ثم إنهم ~~رأوا النصوص واقفة في طريقها فقاموا لها وقعدوا وجدوا في # PageV03P1182 # دفعها واجتهدوا فتارة سطوا عليها بالتأويل وتارة نسبوا من تكلم بها إلى ~~قصد التخييل ووقفوا بجهدهم في الصدور منها والأعجاز وقالوا لا مقام لك ~~عندنا ولا عبور لك علينا وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز وتارة قالوا هذه ~~أخبار آحاد والمسألة من المسائل العلمية. # وإن كان قرآنا أو خبرا متواترا قالوا تلك أدلة لفظية معزولة عن إفادة ~~العلم واليقين وغايتها إفادة الظن والتخمين وإن أعجزهم ذلك أو طال عليهم ~~طريقه لجأوا إلى القانون المجتث لقواعد الإيمان الكفيل بالإلحاد والكذب ~~والبهتان الذي جعلوه أصلا لتقديم آرائهم الباطلة على السنة والقرآن وقالوا ~~قد تعارض العقل والنقل ولا سبيل إلى الجمع وتقديم النقل قدح في العقل فتعين ~~تقديم العقل بهذا البرهان والمقصود أنك إذا حققت الأمر على هؤلاء المعارضين ~~لم يكن عندهم إلا رجوع إلى تقليد أسلافهم الماضين. # وقولهم هذه أمور عقلية قد صقلتها الأذهان منذ دهر وزمان وإذا دعوتهم إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله دعوك إلى قول أرسطو عابد الأوثان وإلى ما أصله من ~~منطق اليونان وإن أحسنوا دعوك إلى أصول جهم بن صفوان وقول الجعد بن درهم ~~معلم مروان الذي ضحى به خالد بن عبد الله # PageV03P1183 # القسري يوم ذبائح القربان وإن زادوا في الإحسان دعوك إلى قول أبي الهذيل ~~العلاف ويعقوب الشحام وإبراهيم النظام وأبي علي وأبي هاشم الجبائيين فإنهم ~~تلقوا كلمات هؤلاء يدرسونها لا كدرس القرآن ويحاربون بها أهل العلم ~~والإيمان ويحرفون بها التنزيل عن مواضعه إذا عجزوا عن ms424 اللي والكتمان وآخر ~~أمرهم أن يصلوا إلى هكذا قال فلان وهكذا قال فلان فإذا ذكرت لهم الحجة ~~الصحيحة التي يقبلها العقل وفطرة الإنسان قالوا كيف يظن بأرسطو وابن سينا ~~وأبي الهذيل وأبي علي وابنه وأمثالهم أن يخفى عليهم مثل هذا وهم أهل العقل ~~والحجة والبرهان هذا وهم يرون تعصبا وجهلا تقليد من {وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى} ومن قام الدليل على عصمته وعلمه ومعرفته وصدق اللهجة منه # PageV03P1184 # واللسان فما أشبههم بإبليس أبي الجان حين استكبر عن السجود لآدم ورضي أن ~~يكون قوادا لأهل الفسوق والعصيان وما أشبههم بأعداء الرسول إذ أنفوا أن ~~ينقادوا لرسول من نوع الإنسان ثم رضوا بعبادة الشيطان والأوثان والصلبان ~~والنيران وسلكوا سبيل هؤلاء في تنزيه الرب تعالى عن صفات كماله خشية ~~التجسيم والتشبيه المستلزم عندهم للنقصان ثم شبهوه بالناقصات بل بالمعدومات ~~بل بالممتنعات التي لا تدخل تحت قضايا الإمكان فنزهوه خشية الحصر عن ~~استوائه على عرشه الذي هو فوق جميع الأكوان ثم قالوا هو في كل مكان فيا ~~للعقول أي الأمكنة أشرف وأجل أعرش الوحي أم الآبار والأنجاس والمواطن التي ~~يرغب عن ذكرها كل إنسان فاسأل مقلب القلوب أن يثبت قلبك على دينه الذي أرسل ~~به رسوله وأنزل به الفرقان وأن لا يزيغه بعد أن هداه عن سبيل الهدى ~~والإيمان وقل اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث ~~وعليك التكلان. # الوجه الخامس والعشرون بعد المائة: أن الدين تصديق الرسول فيما أخبر ~~وطاعته فيما أمر وكل منهما نوعان مطلق ومقيد. # PageV03P1185 # فالمقيد مثل أن يقول لا أصدقه إلا فيما علمت صحته بعقلي أو فيما يخالف ~~عقلي أو وافقه فيه شيخي وإمامي وأصحاب مذهبي والمقيد من طاعة الأمر أن ~~يطيعه فيما وافق حظه وهواه فإن جاء أمره بخلاف ذلك قدم حظه وهواه عليه فهذا ~~غير مطيع للرسول في الحقيقة بل هو متبع لهواه كما أن ذاك غير مصدق له في ~~الحقيقة بل إن وافق قوله عقله أو قول شيخه وإمامه ومتبوعه قبله لا ms425 لكونه ~~قاله كما أن مطيعه فيما وافق هواه إنما هو متبع لما يحبه ويهواه فإن جاء ~~الأمر بما يهواه فعله وإلا لم يفعله وهذا حال أكثر الناس وأحسن أحوال هؤلاء ~~أن يكونوا من الذين قال الله فيهم: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم ~~من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم} [الحجرات14] . # ثم ذكر وصف أهل الإيمان فقال: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~[الحجرات15] . # فالتصديق والطاعة لا يكون إيمانا حتى يكون مطلقا فإذا تقيد فأعلى أحواله ~~إن سلم من الشك أن يكون إسلاما ويكون صاحبه من عوام المسلمين لا من خواص ~~المؤمنين. # PageV03P1186 # الوجه السادس والعشرون بعد المائة: أن السمع حجة الله على خلقه وكذلك ~~العقل فهو سبحانه أقام عليهم حجته بما ركب فيهم من العقل وبما أنزل إليهم ~~من السمع والعقل الصريح لا يتناقض في نفسه كما أن السمع الصحيح لا يتناقض ~~في نفسه وكذلك العقل مع السمع فحجج الله وبيناته لا تتناقض ولا تتعارض ولكن ~~تتوافق وتتعاضد وأنت لا تجد سمعا صحيحا عارضه معقول مقبول عند كافة العقلاء ~~أو أكثرهم ولا تجده ما دام الحق حقا والباطل باطلا بل العقل الصريح يدفع ~~المعقول المعارض للسمع الصحيح ويشهد ببطلانه وهذا يظهر بالامتحان في كل ~~مسألة عورض فيها السمع بالمعقول ونحن نذكر من ذلك مثالا واحدا يعلم به ما ~~عداه. # فنقول قالت الفرقة الجامعة بين التجهم ونفي القدر معطلة الصفات المكذبة ~~بالقدر صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه وقيام المعجزة ~~موقوف على العلم بأن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة والعلم بذلك موقوف على ~~الصحة بقبحه وعلى أن الله لا يفعل القبيح وتنزيهه عن فعل القبيح موقوف على ~~العلم بأنه غني عنه عالم بقبحه والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله ~~وغناه عنه موقوف على أنه ليس بجسم وكونه ليس بجسم موقوف على ms426 عدم قيام ~~الأعراض والحوادث به وهي الصفات والأفعال ونفي ذلك موقوف على ما دل على ~~حدوث # PageV03P1187 # الأجسام والذي دلنا على حدوث الأجسام أنها لا تخلو عن الحوادث ومالا يخلو ~~عن الحوادث لا يسبقها ومالا يسبق الحوادث فهو حادث وأيضا فإنها لا تخلو عن ~~الأعراض والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة فإذا لم تخل الأجسام عنها لزم ~~حدوثها وأيضا فإن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة والمركب مفتقر إلى جزئه ~~وجزؤه غيره وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثا مخلوقا. # وأيضا فالأجسام متماثلة كل ما صح على بعضها صح على جميعها وقد صح على ~~بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها قالوا ~~وبهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسما وإمكان المعاد فلو ~~بطل الدليل على حدوث الجسم بطل الدليل الدال على إثبات الصانع وصدق الرسول ~~فصار العلم بإثبات الصانع وصدق الرسول وحدوث العالم وإمكان المعاد موقوف ~~على نفي الصفات والأفعال فإذا جاء في السمع ما يدل على إثبات الصفات ~~والأفعال لم يمكن القول بموجبه ويعلم أن الرسول لم يرد إثبات ذلك لأن ~~إرادته لإثباته تنافي تصديقه ثم إما أن يكذب الناقل وإما أن يتأول المنقول ~~وإما أن يعرض عن ذلك جملة كافة ويقول لا نعلم المراد. # فهذا أصل ما بنى عليه القوم دينهم وإيمانهم ولم يقيض # PageV03P1188 # لهم من يبين لهم فساد هذا الأصل وبطلانه ومخالفته لصريح العقل بل قيض لهم ~~من المنتسبين إلى السنة من وافقهم عليه ثم أخذ يشنع عليهم القول بنفي ~~الصفات والأفعال وتكليم الرب لخلقه ورؤيته في الدار الآخرة وعلوه على خلقه ~~واستوائه على عرشه ونزوله إلى سماء الدنيا فأضحكهم عليه وأغراهم به ونسبوه ~~إلى ضعف العقل والحشو والبله والمصيبة مركبة من عدوان هؤلاء وبغيهم وظلمهم ~~وتقصير أولئك وموافقتهم لهم في الأصل ثم تكفيرهم وتبديعهم في القول بفروعه ~~ولوازمه. # وهذه الطريق من الناس من يظنها من لوازم الإيمان وأن الإيمان لا يتم إلا ~~بها ومن لم يعرف ربه بهذه الطريق لم يكن مؤمنا ms427 به ولا بما جاء به رسوله ~~وهذا يقوله الجهمية والمعتزلة ومتأخرو الأشعرية بل أكثرهم وكثير من ~~المنتسبين إلى الأئمة الأربعة وكثير من أهل الحديث والصوفية ومن # PageV03P1189 # الناس من يقول ليس الإيمان موقوفا عليها ولا هي من لوازمه وليست طريقة ~~الرسل ويحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وإن لم يعتقد بطلانها وهذا ~~قول أبي الحسن الأشعري نفسه فإنه صرح بذلك في رسالته إلى أهل الثغر وبين ~~أنها طريقة خطرة مذمومة محرمة وإن كانت غير باطلة. # ووافقه على هذا جماعة من أصحابه من أتباع الأئمة وقالت طائفة أخرى بل هي ~~طريق في نفسها متناقضة مستلزمة لتكذيب الرسول لا يتم سلوكها إلا بنفي ما ~~أثبته وهي مستلزمة لنفي الصانع بالكلية كما هي مستلزمة لنفي صفاته ونفي ~~أفعاله وهي مستلزمة لنفي المبدأ والمعاد فإن هذه الطريقة لا تتم إلا بنفي ~~سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلا عن نفي علوه على خلقه ~~ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها ولا تتم إلا بنفي أفعاله جملة وأنه ~~لا يفعل شيئا البتة # PageV03P1190 # إذ لم يقم به فعل وفاعل بلا فعل محال في بدائه العقول فلو صحت هذه الطريق ~~نفت الصانع وصفاته وأفعاله وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له وما يثبته أصحاب ~~هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له فأنتم تثبتون ذلك ~~وتصرحون بنفي لوازمه البينة التي لا ريب في لزومها فتثبتون مالا حقيقة له ~~بل ما يخالف العقل الصريح كما تنفون ما دل العقل الصريح على إثباته فهي ~~مستلزمة لإنكار جميع الصفات والأفعال والعلو والكلام وذلك يستلزم نفي ~~الرسالة فحقيقتها جحد الرسالة والمرسل ولوازمها الباطلة اكثر من مائة لازم ~~لا تحصى إلا بكلفة فأول لوازمها نفي الصفات ونفي الأفعال ونفي العلو ونفي ~~الكلام ونفي الرؤية. # ومن لوازمها القول بخلق القرآن وبهذه الطريق استجيز ضرب الإمام أحمد لما ~~قال بما يخالفها من إثبات الصفات وتكلم الله بالقرآن ورؤيته في الدار ~~الآخرة وكان أرباب هذه الطريقة هم المستولين على الخليفة فقالوا ms428 له اضرب ~~عنقه فإنه كافر مشبه مجسم فقيل له إنك إن قتلته ثارت عليك العامة ولم تأمن ~~معرتهم فأمسكوا عن قتله لذلك بعد الضرب الشديد. # PageV03P1191 # ومن لوازمه أن الرب تعالى كان معطلا عن الفعل من الأزل والفعل ممتنع عليه ~~ثم انتقل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بغير موجب في ذلك الوقت ~~دون ما قبله وهذا مما اعترى الفلاسفة بالقول بقدم العالم ورأوا أنه خير من ~~القول بذلك بل حقيقة هذا القول أن الفعل لم يزل ممتنعا منه أزلا وأبدا إذ ~~يستيحل قيامه به وعن هذه الطريق قال جهم ومن وافقه بفناء الجنة وفناء أهلها ~~وعدمهم عدما محضا وعنها قال أبو الهذيل العلاف بفناء حركاتهم دون ذواتهم ~~فإذا رفع أحدهم اللقمة إلى فيه وفنيت الحركات بقيت يده ممدودة لا تتحرك ~~وتبقى كذلك أبد الآبدين وإذا جامع الحوراء وفنيت الحركات يبقيان كذلك في ~~تلك الحال أبد الآبدين فيبقون في سكون الأحجار وعن هذه الطريق قالت الجهمية ~~إن الله في كل مكان بذاته وقال إخوانهم ليس في العالم ولا خارج العالم ولا ~~متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محادثا له ولا فوقه ولا خلفه # PageV03P1192 # ولا أمامه ولا وراءه وعنها قال من قال إن ما شاهده من الأعراض الثابتة ~~كالأكوان والمقادير والأشكال تتبدل في كل نفس ولحظة ويخلفها غيرها حتى قال ~~من قال إن الروح عرض وإن الإنسان يستحدث في كل ساعة عدة أرواح تذهب له روح ~~وتجيء غيرها. # وعنها قال من قال إن جسم أنتن الرجيع وأخبثه مماثل لجسم أطيب الطيب في ~~الحد والحقيقة لا فرق بينهما إلا بأمر عرض وإن جسم النار مساو لجسم الماء ~~في الحد والحقيقة. # وعنها قالوا إن الروائح والأصوات والمعارف والعلوم تؤكل وتشرب وترى وتسمع ~~وتلمس وإن الحواس الخمس تتعلق بكل موجود وعنها قالوا إن الله سبحانه لم ~~يكلم موسى تكليما ولا اتخذ إبراهيم خليلا ولا تجلى للجبل ولا يتجلى لعباده ~~يوم القيامة وقالوا ليس له وجه يراه المؤمنون ولا يد خلق بها آدم ms429 وكتب بها ~~التوراة وغرس بها جنة عدن ويقبض بها السماوات والأرض بيد أخرى ليس بشيء من ~~ذلك حقيقة إن هو إلا مجازات واستعارات وتخيلات وعنها قالوا إن الله لا يحب ~~ولا يحب ولا يغضب ولا يرضى ولا يضحك # PageV03P1193 # ولا يفرح ولا له رحمة ولا رأفة في الحقيقة بل ذلك كله إرادة محضة أو ثواب ~~منفصل مخلوق سمي بهذه الأسماء وعنها قالوا إن الكلام معنى واحد باعلين لا ~~ينقسم ولا يتبعض ولا له جزء ولا كل وهو الأمر بكل مأمور والنهي عن كل منهي ~~والخبر عن كل مخبر عنه والاستخبار عن كل مستخبر عنه كل ذلك حقيقة واحدة ~~بالعين وكذلك قالوا في العلم إنه أمر واحد فالعلم بوجود الشيء هو عين العلم ~~بعدمه لا فرق بينهما البتة وإنما يتعدد التعلق وكذلك قالوا إن إرادة إيجاد ~~الشيء هو نفس إرادة إعدامه ليس هنا إرادات وكذلك رؤية زيد هي نفس رؤية عمرو ~~ومعلوم أن هذا لا يعقل بل هو مخالف لصريح العقل وهذا كله وأمثاله نشأ عن ~~هذه الطريق واعتقاد صحتها. # ومن العجب أنهم لم يثبتوا بها في الحقيقة صانعا ولا صفة من صفاته ولا ~~فعلا من أفعاله ولا نبوة ولا مبدأ ولا معادا ولا حكمة بل هي مستلزمة لنفي ~~ذلك كله صريحا أو لزوما بينا أو متوسطا فالطريق التي جعلوها أصلا للدين هي ~~أصل المناقضة للدين وتكذيب الرسول. وجاء آخرون فراموا إثبات الصفات ~~والأفعال # PageV03P1194 # وموافقتهم في هذه الطريق فتجشموا أمرا ممتنعا واشتقوا طريقة لم يمكنهم ~~الوفاء بها فجاءوا بطريقة بين النفي والإثبات لم يوافقوا فيها المعطلة ~~النفاة ولم يسلكوا فيها مسلك أهل الإثبات فجاءت طريقا بين الطريقتين ومقالة ~~بين المقالتين لم يكونوا فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وظنوا أنهم بذلك ~~يجمعون بين المعقول والمنقول ويصلون في هذه الطريق إلى تصديق الرسول وصار ~~كثير من الناس يحب النظر والبحث والمعقول وهو مع ذلك يريد أن يخرج عما جاء ~~به الرسول ويرى أن هذا المسلك أصح من مسلك أولئك النفاة وأنه لا طريق ms430 غير ~~الطريقين وتلك لا سبيل إلى المصير إليها فتعين المصير إلى هذه الطريق ولما ~~أصل هؤلاء هذا الأصل وجاءوا إلى تفصيله ظهر سر تاصيلهم في تفصيلهم ودل ~~بطلان تفصيلهم على فساد تأصيلهم فإنهم أصلوا تأصيلا مستلزما لبطلان التفصيل ~~ثم فصلوا تفصيلا دل على بطلان الأصل وفساده فصاروا حائرين بين التأصيل ~~والتفصيل وصار من طرد منهم هذا الأصل خرج عن العقل والسمع بالكلية وبالغ في ~~التعطيل والإلحاد ومن لم يطرده تناقض واضطربت أقواله وقد سلك الناس في ~~إثبات الصانع وحدوث العالم طرقا متعددة سهلة قريبة موصلة إلى المقصود لم ~~يتعرضوا فيها لطريقة هؤلاء بوجه وذموا هذه # PageV03P1195 # الطريقة قال الخطابي وإنما سلك المتكلمون في الاستدلال بالأعراض مذهب ~~الفلاسفة وأخذوه عنهم وفي الأعراض اختلاف كثير منهم من ينكرها ولا يثبتها ~~رأسا ومنهم من لا يفرق بينها وبين الجواهر في أنها قائمة بأنفسها كالجواهر ~~قلت ومنهم من يقول بكمونها وظهورها ومنهم من يقول بعدم بقائها ثم سلك طرقا ~~في إثبات الصانع منها الاستدلال بأحوال الإنسان من مبدئه إلى غايته ~~والاستدلال بأحوال الحيوان والنبات والأجرام العلوية وغير ذلك ثم قال ~~والاستدلال بطريق الأعراض لا يصح إلا بعد استبراء هذه الشبه وطريقنا الذي ~~سلكناه بريء من هذه الآفات سليم من هذه الريب قال وقد سلك بعض مشايخنا في ~~هذا طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة التي دلائلها مأخوذة من ~~طرق الحس لمن شاهدها # PageV03P1196 # ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها فلما ثبتت النبوة صارت أصلا في وجوب ~~قبول ما دعى إليه النبي قال وهذا النوع مقنع في الاستدلال لمن لم يتسع فهمه ~~لإدراك وجوه الأدلة ولم يتبين معاني تعلق الأدلة بمدلولاتها ولا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها قلت وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع ~~وصفاته وأفعاله وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة ~~العقلية الصريحة بمدلولاتها فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل ودلالتها ~~ضرورية بنفسها ولهذا يسميها الله سبحانه آيات بينات وليس في طرق الأدلة ~~أوثق ولا أقوى منها فإن انقلاب ms431 عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ما يمر ~~به ثم يعود عصا كما كانت من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته ~~وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات وعلى رسالة الرسول وعلى المبدأ والمعاد ~~فكل قواعد الدين في هذه العصا وكذلك اليد وفلق البحر طرقا والماء قائم ~~بينهما كالحيطان ونتق الجبل من موضعه ورفعه على قدر العسكر العظيم # PageV03P1197 # فوق رؤوسهم وضرب حجر مربع بعصا فتسيل منه إثنتا عشرة عينا تكفي أمة عظيمة ~~وكذلك سائر آيات الأنبياء فإخراج ناقة عظيمة من صخرة تمخضت بها ثم انصدعت ~~عنها والناس حولها ينظرون وكذلك تصوير طائر من طين ثم ينفخ فيه النبي ~~فينقلب طائرا ذا لحم ودم وريش وأجنحة يطير بمشهد من الناس وكذلك إيماء ~~الرسول إلى القمر فينشق نصفين بحيث يراه الحاضر والغائب فيخبر به كما رآه ~~الحاضرون وأمثال ذلك مما هو من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق ~~رسله واليوم الآخر وهذه من طرق القرآن التي أرشد إليها عباده ودلهم بها كما ~~دلهم بما يشاهدونه من أحوال الحيوان والنبات والمطر والسحاب والحوادث التي ~~في الجو وفي الأرض وأحوال المعلومات من السماء والشمس والقمر والنجوم ~~وأحوال النطفة وتقلبها طبقا بعد طبق حتى صارت إنسانا سميعا بصيرا حيا ~~متكلما عالما قادرا يفعل الأفعال العجيبة ويعلم العلوم العظيمة فكل طريق من ~~هذه الطرق أصح وأقرب وأسهل وأوصل من طرق المتكلمين التي لو صحت لكان فيها ~~من التطويل والتعقيد والتعسير ما يمنع الحكمة الإلهية والرحمة الربانية أن ~~يدل بها عباده عليه وعلى صدق رسله وعلى اليوم الآخر # PageV03P1198 # فأين هذه الطريق الطويلة العسرة الباطلة المستلزمة لتعطيل الرب عن صفاته ~~وأفعاله وكلامه وعلوه على خلقه وإنكار وجهه الأعلى ويديه الكريمتين ورؤيته ~~في الدار الآخرة وسائر ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله إلى طرق ~~القرآن التي هي ضد هذه الطريق من كل وجه وكل طريق منها كافية شافية هادية ~~وإن صرفها الله لعباده ونوعها: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ~~وإن الله لسميع ms432 عليم} [الأنفال42] . # هذا وإن القرآن وحده لمن جعل الله له نورا أعظم آية ودليل وبرهان على هذه ~~المطالب وليس في الأدلة أقوى ولا أظهر ولا أصح دلالة منه من وجوه متعددة ~~جدا كيف وقد أرشد ذوي العقول والألباب فيه إلى أدلة هي للعقل مثل ضوء الشمس ~~للبصر لا يلحقها إشكال ولا يغير في وجه دلالتها إجمال ولا يعارضها تجويز ~~واحتمال تلج الأسماع بلا استئذان وتحل من العقول محل الماء الزلال من ~~الصادي الظمآن فضلها على أدلة أهل العقول والكلام كفضل الله على الأنام لا ~~يمكن أحدا أن يقدح فيها قدحا يوقع في اللبس إلا إن أمكنه أن يقدح بالظهيرة ~~صحوا في طلوع الشمس ومن عجيب شأنها أنها تستلزم المدلول استلزاما # PageV03P1199 # بينا وتنبه على جواب المعترض تنبيها لطيفا ففيها إقامة الدلالة والجواب ~~عن المعارضة والشبهة وهذا الأمر إنما هو لمن نور الله بصيرته وفتح عين قلبه ~~لأدلة القرآن وآتاه فهما في كتابه فلا يعجب من منكر أو معترض أو معارض. # وقل للعيون العمي للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع # وسامح نفوسا أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي # فأي دليل على الله سبحانه أصح من الأدلة التي تضمنها كتابه كقوله: {أفي ~~الله شك فاطر السموات والأرض} [إبراهيم10] وقوله: {كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [البقرة28] . # وقوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم} [البقرة22 , 21] . # PageV03P1200 # وقوله {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي ~~تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة164] . # وقوله {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن ms433 يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا ~~تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} ~~[يونس32 , 31] . # وقوله {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم ~~توقنون} [الرعد2] . {وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل ~~الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير ~~صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون} [الرعد4 , 3] . # PageV03P1201 # وقوله {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة ~~آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون تلك آيات الله ~~نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} [الجاثية 3-6] . # وقوله {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن ~~خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ومن آياته يريكم البرق خوفا ~~وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ~~إذا أنتم تخرجون} [الروم20 -25] . وقوله {ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها ~~سبلا لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك ~~تخرجون والذي خلق الأزواج # PageV03P1202 # كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا ~~نعمة ربكم إذا استويتم ms434 عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} [الزخرف9-14] . وقوله {قل الحمد لله وسلام ~~على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل ~~لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ~~أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا ~~وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ~~أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ~~قليلا ما تذكرون أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن ~~يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} ~~[النمل59 , 64] . # وقوله {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر # PageV03P1203 # والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} ~~[الأعراف54] . وقوله {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} [الأعراف57] . وقوله {وآية لهم ~~الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من ~~نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا ~~يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ~~يعلمون وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر ~~لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ~~لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ~~وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ~~وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا ms435 هم ينقذون إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين} ~~[يس33 -44] . # PageV03P1204 # وقوله {فلينظر الأنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب ~~والترائب} [الطارق7-5] . # وقوله {فلينظر الأنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا ~~فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا} ~~[عبس31-24] . # وقوله {ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا ~~نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا جعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ~~ونباتا وجنات ألفافا} [النبأ16-6] إلى أضعاف أضعاف ذلك كما ذكر في سورة ق ~~والذاريات والطور والرحمن والمرسلات وسورة إبراهيم والحجر والنحل فتأمل ~~أدلة سورة النحل من أولها إلى قوله: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ~~يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} [النحل83] . # وما ذكر في سورة لقمان والسجدة و {هل أتى على # PageV03P1205 # الأنسان} وآخر الغاشية وسورة البلد والشمس وضحاها وما ذكر في سورة ~~الأنعام وسورة الصافات وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والفرقان من الأدلة ~~التي هي للبصائر كالشمس للأبصار فأبى المتكلمون إلا دليل الجواهر والأعراض ~~والحركة والسكون والاجتماع والافتراق ولعمر الله لم يزل إيمان الخلق صحيحا ~~حتى حدثت هذه الأدلة المبتدعة الباطلة فأوقعت الأمة في العناء الطويل وفرقت ~~الكلمة وعارضت بين العقل والوحي وألقت بينهم العداوة والتباغض والتلاعن حتى ~~استحل بعضهم من بعض ما لم يستحل مثلها المحاربون للإسلام وأهله وحتى فتح ~~على النصوص باب التحريف والتأويل ورميت بأنها أدلة لفظية لا تفيد اليقين ~~وساءت ظنون أتباع هؤلاء بوحي رب العالمين وهذا كله ببركة هذه الطريق ~~المخالفة للسمع والعقل فالله سبحانه نهج لعباده الطريق الموصلة إلى معرفته ~~والإقرار بأسمائه وصفاته وأفعاله فأعرض عنها هؤلاء واشتقوا طريقا موصلة إلى ~~تعطيل الخالق ونفي أسمائه وصفاته وأفعاله وقالوا للناس لا يتم إيمانكم ~~ومعرفتكم بالصانع إلا بهذه الطريق فلما سلكها من سلكها أدت به إلى ما أسره ~~الحيرة والشك والتأويل والتجهيل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. # انتهى الجزء الثالث ويليه الجزء ms436 الرابع وأوله الوجه السابع والعشرون بعد ~~المائة # PageV03P1206 ### | المجلد الرابع ### | الفصل الرابع والعشرون في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان (تابع) ### | الطاغوت الثاني: إذا تعارض العقل ونصوص الوحي أخذنا بالعقل ولم نلتفت إلى الوحي (تابع) # ... # الوجه السابع والعشرون بعد المائة: إن هذه المعارضة بين الوحي والعقل ~~نتيجة جهلين عظيمين جهل بالوحي وجهل بالعقل. # أما الجهل بالوحي فإن المعارض لم يفهم مضمونه وما دل عليه بل فهم منه ~~خلاف الحق الذي دل عليه وأريد به ثم عارض ما دل عليه بالرأي والمعقول ونحن ~~ننزل معه درجة ونبين أن المعقول الذي ذكره لا يصلح لمعارضة المعنى الباطل ~~الذي فهمه من الوحي فضلا عن المعنى الصحيح الذي دل عليه الوحي فإنه يستحيل ~~أن يعارض معارضة صحيحة البتة بل هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال والله ~~تعالى هو الحق وكلامه حق ورسوله حق ودينه حق ووحيه حق وما خالف ذلك فهو ~~الباطل المحض الذي لا يقوم على صحته دليل بل الأدلة الصحيحة التي تنتهي ~~مقدماتها إلى الضروريات تدل على بطلانه. # وأما الجهل بالعقل فإنه لا يتصور أن يعارض العقل الصحيح الوحي أبدا ولكن ~~الجاهل يظن أن تلك الشبهة عقلية وهي جهلية خيالية من جنس شبه السوفسطائية ~~فالحاصل أنه إن عارض ما فهمه من النص بما هو الباطل كان جاهلا بالوحي ~~ومدلوله وإن عارض مدلوله وحقيقته # PageV04P1207 # التي دل عليها فهو جاهل بالعقل فلا يتصور أن يجتمع لهذا المعارض علم ~~بالوحي والعقل أصلا بل إما أن يكون جاهلا بهما وهو الأغلب على هؤلاء أو ~~بأحدهما ولسنا ندفع معرفتهم ببعض العقليات المشتركة بين المسلمين واليهود ~~والنصارى والمجوس وعباد الأصنام بل ولا ندفع تبريزهم فيها وحذقهم بها وإنما ~~نبين بالبراهين الواضحة أنهم من أجهل الناس بالعقليات المتعلقة بأسماء الرب ~~وصفاته وأفعاله كما هم جهال بوحيه وبما جاءت به رسله وقد نفى الله سبحانه ~~السمع والعقل عمن أعرض عن رسله فكيف بمن عارض ما جاءوا به ms437 وأخبر سبحانه أنه ~~لا بد أن يظهر لهم في معادهم أنهم لم يكونوا من أهل السمع ولا من أهل ~~العقل. # الوجه الثامن والعشرون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين كما تقدم هم صنفان ~~ملاحدة دهرية ومعطلة جهمية والملاحدة الدهرية أصل معارضتهم تكذيب الرسل ~~والطعن فميا جاءوا به فهم خصوم الرسل في الأصل وهؤلاء الجهمية المعطلة ~~قولهم مأخوذ من قول أولئك بعينه وطريقتهم مشتقة من طريقتهم بل كلماتهم ~~واحدة ولكن أولئك سلكوا المعارضة بين العقل ونفس الرسالة وهؤلاء سلكوا ~~المعارضة بين العقل وبين أشرف ما جاءت به الرسل وأفضله وأجله فتأمل موافقة ~~الجهمية لفرعون خصم موسى وعدوه فإنه # PageV04P1208 # أنكر الصانع وهؤلاء وافقوه على إنكار صفاته وأقروا بصانع لا صفة له ولا ~~فعل ولهذا قال بعض الأئمة كان فرعون أعقل من هؤلاء فإنهم اشتركوا في مخالفة ~~صريح العقل وتناقضت الجهمية فقالوا هو صانع للعالم من غير صنع يقوم به ولا ~~وصف ولا مباينة للعالم ولا دخول فيه وجحد فرعون أن يكون الله فوق سماواته ~~على عرشه وكذب موسى في ذلك ووافقته الجهمية على هذا النفي وبهذا احتج عليهم ~~الأشعري في كتبه كلها والقاضي أبو بكر وأبو عمر بن عبد البر وجمهور أئمة ~~السنة وأنكر فرعون أن يكون الله كلم موسى ووافقه الجهمية على ذلك وأنكر ~~أعداء الرسل من المشركين عباد الأصنام والكواكب والفلاسفة وغيرهم معاد ~~الأبدان وخراب العالم وحقيقة الجنة والنار ووافقهم ابن سينا وأتباعه على ~~ذلك وأخذ الجهمية بعض هذا الإنكار فقالوا تفنى الجنة والنار وهذا قول شيخهم ~~جهم وكلهم أنكروا أشرف ما في الجنة وأجل نعيمها وأفضله على الإطلاق الذي ما ~~طابت الجنة إلا به وهو النظر إلى وجه الرب تبارك وتعالى من فوقهم وسماع ~~كلامه وتسليمه عليهم وخطابه لهم بل هذا حقيقة الجنة ورأس نعيمها فنفوه ~~وكذبوا به وأثبتوا أكلا وشربا وجماعا ثم قالوا بنفاده وانقطاعه وهذا باب ~~إذا # PageV04P1209 # تتبعه من يعلم ما عند القوم وما جاءت به الرسل ويعتبر هذا بهذا يجد ~~أقوالهم مشتقة من أقوال أعداء الرسل. # فإن ms438 لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها # الوجه التاسع والعشرون بعد المائة: أن الكلام في الدين نوعان أمر وخبر ~~فما عارض الأمر كان من باب الهوى الذي يأمر به الشيطان والنفس وما عارض ~~الخبر كان من باب الظن والخرص الذي هو أكذب الحديث وهؤلاء لا تجدهم إلا وقد ~~جمعوا بين الأمرين فهم في الإرادات تابعون لأهوائهم وفي الاعتقادات تابعون ~~لظنونهم قال الله: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى} [النجم23] . # وقال تعالى {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضو} [التوبة69] . # PageV04P1210 # فالاستمتاع بالخلاق اتباع الهوى والشهوات والخوض اتباع الباطل والشبهات ~~وقد نزه سبحانه رسوله عن طريقة هؤلاء فقال تعالى: {والنجم إذا هوى ما ضل ~~صاحبكم وما غوى} [النجم2 , 1] . # فنزهه عن الضلال الذي هو نقيض الهدى وعن الغي الذي هو نقيض الرسد وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في خلفائه: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~من بعدي" والمقصود أن ما ناقض خبر الرسل كان كذبا وضلالا وقولا على الله ~~غير الحق وقد نهى الله سبحانه # PageV04P1211 # أن يقال عليه غير الحق وأخذ الميثاق على اتباع الرسل بذلك فقال: {ألم ~~يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} [الأعراف169] ~~وقال {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} ~~[النساء171] وأخبر سبحانه أنه لا بد أن ينال المفترين غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا وأعظم الافتراء الفرية عليه سبحانه في أسمائه وصفاته وأفعاله ~~وقد ضمن سبحانه أنه لا بد أن يخيب أهل الافتراء ولا يهديهم وأنه يستحتهم ~~بعذابه أي يستأصلهم قال تعالى إخبارا عن كليمه موسى أنه قال لرؤوس المعطله ~~وأئمتهم: {ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى} ~~[طه62] وهذه الأصول التي عارضوا بها الكتاب والسنة تشتمل على الكذب والفرية ~~في مسائلها ودلائلها كأصول الملاحدة من الفلاسفة والدهرية ms439 النافين لما أخبر ~~الله به من # PageV04P1212 # أصول الإيمان الخمسة وأصول الجهمية المناقضة لما أخبر به من اسمائه ~~وصفاته وأفعاله وأصول القدرية المعارضة لما أخبر به من عموم قدرته ومشيئته ~~وأصول الملاحدة الاتحادية التي رفعت العقل والنقل والحس وأبطلت الخلق ~~والأمر والنبوة والرسالة الثواب والعقاب وأصول هؤلاء كلهم أصول الزندقة ~~والاتحاد المناقضة للعقل والدين. # الوجه الثلاثون بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين لا يتم لهم ما ادعوه من ~~المعارضة إلا بأربعة أمور يستلزمها قولهم لبس الحق بالباطل فهذه أربعة ~~مقامات تتضمنها أصولهم بل هذه الأربعة هي قواعدهم التي يبنون عليها أما لبس ~~الحق بالباطل فأنتم تسمون ما أثبته الله لنفسه من الصفات والكلام والعلو ~~والاستواء تركيبا وتجسيما وتشبيها وتسمون عرشه حيزا واستواءه عليه تحيزا ~~وتسمون صفاته أعراضا وتنزهونه عنها وأفعاله حوادث وتنفونها عنه وحكمته ~~أغراضا وتبطلونها ووجهه الكريم ويديه حوارح وينكرونها ويسمون نفيهم ~~وتعطيلهم تنزيها وتقديسا وتوحيدا فيلتبس الحق بالباطل على من لم يعرف ~~مرادهم من هذا التنزيه والتوحيد # PageV04P1213 # والتقديس ولا من ذلك التجسيم والتشبيه والتمثيل فإذا وقعوا في هذا اللبس ~~والتلبيس ترتب عليه ضرورة كتمان الحق والتكذيب به والتصديق بالباطل ولهذا ~~جعل سبحانه كل اثنين من هذه الأربعة فريقين أما لأولان فقال تعالى: {ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة42] وقد اختلف في ~~قوله {وتكتموا} هل هو منصوب أو مجزوم على قولين مبنيين على الواو هل هي واو ~~عطف أو واو صرف فمن جعلها واو عطف قال النهي تعلق بكل واحد من الأمرين على ~~انفراده ولو كانت واو صرف لكان المنهي عنه جمعهما لا أفرادهما ومن جعلها ~~واو صرف قال لبس الحق بالباطل مستلزم لكتمانه كما يكتم الحق من لبسه بما ~~يستره ويغشيه فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر فالنهي عن أحدهما نهي ~~عن الآخر بطريق اللزوم ففي كون الواو واو جمع إفادة هذا المعنى وإن كتمان ~~الحق ملازم للبسه بالباطل لا ينفك عنه ولا يمكن إيقاع أحدهما إلا بالآخر ~~وهذا شأن كل متلازمين وهذا القول أميز من ms440 الأول وأعرب وأما القرينان ~~الآخران فقال تعالى: {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم ~~الخاسرون} [العنكبوت52] . # PageV04P1214 # وقال تعالى {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين} [العنكبوت68] . # وقال {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين} [الزمر32] . # وهذان أيضا متلازمان فكل من صدق بالباطل كذب بضده وهو الحق وإذا عرف هذا ~~فما أثبته الله لنفسه من صفاته وكلامه وتكليمه واستوائه على عرشه وعلوه على ~~خلقه هو الحق عقلا وسمعا وما خالفه هو الباطل والله سبحانه قد فصل لنا هذا ~~من هذا ولم يدعه ملتبسا. {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} ~~[الأنفال42] . # فلبس النفاة المعطلة هذا بهذا فاضطرهم اللبس إلى كتمان الحق والتكذيب به ~~والتصديق بضده وإذا أردت معرفة هذا فامتحنه في مسائلهم ودلائلهم وكلماتهم ~~المجملة الألفاظ المشتبهة المعاني وبالله التوفيق يوضحه: # PageV04P1215 # الوجه الحادي والثلاثون بعد المائة: أنه ما من حق وباطل إلا وبينهما ~~اشتراك من بعض الوجوه ولو في أصل الوجود أو في أصل الإخبار أو في مجرد ~~المعلومية بأن يكون هذا معلوما مذكورا وهذا معلوما مذكورا ولكل واحد منهما ~~خصائص يتميز بها عن الآخر فأحظى الناس بالحق وأسعدهم به الذي يقع على ~~الخصائص المميزة الفارقة ويلغي القدر المشترك فيحكم بالقدر الفارق على ~~القدر المشترك ويفصله به وأبعدهم عن الحق والهدى من عكس هذا السير وسلك ضد ~~هذه الطريق فألغى الخصائص الفارقة وأخذ القدر المشترك وحكم به على القدر ~~الفارق وأضل منه من أخذ خصائص كل من النوعين فأعطاها للنوع الآخر فهذان ~~طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شعب ضلالهم وباطلهم مثال ذلك أن ~~أعداء الرسل المكذبين لهم الجاحدين لما جاءوا به من الحق لما أرادوا تلبيس ~~الحق الذي جاءوا به بالباطل أخذوا بينه وبين الباطل قدرا مشتركا ثم ألغوا ~~القدر الفارق وما اختص به أحد النوعين فقالوا هذا الرسول شاعر وكاهن ومجنون ~~وطالب ملك ورياسة وصيت في العالم ms441 فأخذوا قدرا مشتركا بين الشعر وبين كلامه ~~الذي جاء به من الترغيب والترهيب وحسن التعبير عن المعاني باللفظ الذي يروق ~~المسامع ويهز القلوب ويحرك النفوس فقالوا هو شاعر وهذا شعر وضربوا عن ~~الخصائص الفارقة صفحا وقالوا هو كاهن لأن الكاهن كان عندهم معروفا بالإخبار ~~عن الأمور الغائبة التي لا يخبر بها غيره وكذلك # PageV04P1216 # هذا المدعي لذلك مثله وقالوا مجنون لأن المجنون يقول ويفعل خلاف ما ~~اعتاده الناس وقالوا ساحر لأن الساحر يأخذ بالقلوب والعيون ويحبب تارة ~~وينفر أخرى ولهذا قال لهم الوليد بن المغيرة وقد سألوه ماذا يقولون للناس ~~في أمر محمد ففكر وقدر ورأى أن أقرب ما يقولون هو ساحر لأنه يفرق بين المرء ~~وزوجه ومحمد يفعل ذلك فإن المرأة إذا أسلمت دون زوجها أو اسلم زوجها دونها ~~وقعت الفرقة بينهما والعداوة. # وكذلك قولهم عن القرآن أساطير الأولين أخذوا قدرا مشتركا بينهما وهو جنس ~~الإخبار عما أخبر عنه الأولون وهكذا قولهم هو طالب ملك ورياسة وصيت ~~والمقصود أن كل مبطل فإنه يتوصل إلى باطله بهذه الطريق ثم يلبس ما يدعو ~~إليه خصائص الحق وما ينفر عنه خصائص الباطل وهذا شأن الساحر فكلامه يخرج ~~الحق في صورة الباطل فينفر عنه والباطل في صورة الحق فيرغب فيه إذا عرف هذا ~~فهؤلاء أخذوا قدرا مشتركا بين ما أثبته الله لنفسه من الصفات والأفعال وبين ~~ما للمخلوقين من ذلك وحكموا بذلك القدر المشترك على خصائص الرب سبحانه ثم ~~ألغوا حكم تلك الخصائص واعتبارها ثم جعلوا # PageV04P1217 # حكمها حكم خصائص المخلوقين فأخطأوا من أربعة أوجه مثاله أنهم أخذوا قدرا ~~مشتركا بين اليد القديمة والحادثة ثم حكموا بما فهموه من ذلك القدر المشترك ~~على القديمة ثم ألغوا القدر الفارق بين اليد واليد ثم جعلوا خصائص أحدهما ~~هي خصائص الأخرى واعتبر هذا منهم في كل صفة يريدون نفيها يوضحه: # الوجه الثاني والثلاثون بعد المائة: إنك إذا أخذت لوازم المشترك والمميز ~~وميزت هذا من هذا صح نظرك ومناظرتك وزال عنك اللبس والتلبيس وذلك أن الصفة ~~يلزمها لوازم من ms442 حيث هي هي فهذه اللوازم يجب إثباتها ولا يصح نفيها إذ ~~نفيها ملزوم كنفي الصفة مثاله الفعل والإدراك للحياة فإن كل حي فعال مدرك ~~وإدراك المسموعات بصفة السمع وإدراك المبصرات بصفة البصر وكشف المعلومات ~~بصفة العلم والتمييز لهذه الصفات فهذه اللوازم ينتفي رفعها عن الصفة فإنها ~~ذاتية لها ولا يرتفع إلا برفع الصفة ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة للقديم ~~مثل كونها واجبة قديمة عامة # PageV04P1218 # التعلق فإن صفة العلم واجبة لله قديمة غير حادثة متعلقة بكل معلوم على ~~التفصيل وهذه اللوازم منتفية عن العلم الذي هو صفة للمخلوق ويلزمها لوازم ~~من حيث كونها صفة له مثل كونها ممكنة حادثة بعد أن لم تكن مخلوقة غير صالحة ~~للعموم مفارقة له فهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى القديم واجعل هذا ~~التفصيل ميزانا لك في جميع الصفات والأفعال واعتصم به في نفي التشبيه ~~والتمثيل وفي بطلان النفي والتعطيل واعتبره في العلو والاستواء تجد هذه ~~الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والحديث فهذا اللازم حق لا ~~يجوز نفيه ويلزمها كون السافل حاويا للأعلى محيطا به حاملا له والأعلى ~~مفتقر إليه وهذا في بعض المخلوقات لا في كلها بل بعضها لا يفتقر فيه الأعلى ~~إلى الأسفل ولا يحويه الأسفل ولا يحيط به ولا يحمله كالسماء مع الأرض فالرب ~~تعالى أجل شأنا وأعظم أن يلزم من علوه ذلك بل لوازم علوه من خصائصه وهي ~~حمله # PageV04P1219 # للسافل وفقر السافل إليه وغناه سبحانه عنه وإحاطته عز وجل به فهو فوق ~~العرش مع حمله العرش وحملته وغناه عن العرش وفقر العرش إليه وإحاطته بالعرش ~~وعدم إحاطة العرش به وحصره للعرش وعدم حصر العرش له وهذه اللوازم منتفية عن ~~المخلوق وأصحاب التلبيس واللبس لا يميزون هذا التمييز ولا يفصلون هذا ~~التفصيل ولو ميزوا وفصلوا لهدوا إلى سواء السبيل وعلموا مطابقة العقل ~~الصريح للتنزيل ولسلكوا خلف الدليل ولكن فارقوا الدليل وضلوا عن سواء ~~السبيل. # الوجه الثالث والثلاثون بعد المائة: إن الأصل الذي قادهم إلى النفي ~~والتعطيل واعتقاد المعارضة بين العقل ms443 والوحي أصل واحد هو منشأ ضلال بني آدم ~~وهو الفرار من تعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه الدالة على صفاته وقيام ~~الأمور المتجددة به وهذا لا محذور فيه وهو الحق الذي لا يثبت كونه سبحانه ~~ربا وإلها وخالقا إلا به ونفيه جحد للصانع بالكلية وإنكار له وهذا القدر ~~لازم لجميع طوائف أهل الأرض على اختلاف مللهم ونحلهم حتى لمن جحد الصانع ~~بالكلية وأنكره رأسا فإنه يضطر إلى الإقرار بذلك وإن قام عنده ألف شبهة # PageV04P1220 # أو أكثر على خلافه أما من أقر بالصانع فإنه مضطر إلى أن يقر بكونه حيا ~~عالما قادرا مريدا حليما فعالا ومع إقراه بهذا فقد اضطر إلى القول بتعدد ~~صفات الواحد وتكثر أسمائه وأفعاله فلو تكثرت بعد ما تكثرت لم يلزم من ~~تكثرها وتعددها محذور بوجه من الوجوه وإن قال أنا أنفيها جملة ولا أثبت ~~تعددها بوجه فقيل له فهل تثبته موجودا أم لا فإن قال أثبته موجودا قيل له ~~فهو هذه الموجودات أم غيرها فإن قال غيرها قيل له فهل هو خالقها أم لا فإن ~~قال هو خالقها قيل له فهل هو قادر عليها عالم بها مريد لها أم لا فإن قال ~~نعم هو كذلك اضطر إلى تكثر صفاته وتعددها وإن نفى ذلك كان جاحدا للصانع ~~بالكلية نافيا له فيستدل عليه بما يستدل على الزنادقة الدهرية المنكرين ~~لربهم تعالى ويقال له ما قالت الرسل لأممهم {أفي الله شك} [إبراهيم10] . # وهل يستدل عليه بدليل هو أظهر للعقول من إقرارها به وبربوبيته # وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # PageV04P1221 # وإن قال أنا أثبته موجودا واجب الوجود لا صفة له قيل له بل زعمت أنه ~~معدوم ممتنع الوجود وكل موجود محقق أو مقدر أكمل منه على هذا التقدير فضلال ~~اليهود والنصارى وعباد الأصنام أعرف به منك وأقرب إلى الحق والصواب منك ~~وأما فرارك من قيام الأمور المتجددة به ففررت من أمر لا يثبت كونه إلها ~~وربا وخالقا إلا به ولا يتقدر كونه صانعا لهذا العالم مع نفيه ms444 أبدا وهو ~~لازم لجميع طوائف أهل الأرض على اختلافهم حتى للفلاسفة الذين هم أبعد الخلق ~~من إثبات الصفات والأفعال هو لازم لهم لزوما لا انفكاك لهم عنه ولهذا قال ~~بعض عقلاء الفلاسفة إنه لا يتقرر كونه ربا للعالمين إلا بإثبات ذلك ثم قال ~~والإجلال من هذا الإجلال واجب والتنزيه من هذا التنزيه متعين قال بعض أهل ~~العلم وهذه المسألة تقوم عليها رتب من ألف دليل عقلي وسمعي والكتب الإلهية ~~والنصوص النبوية ناطقة بذلك وإنكاره لما علم بالضرورة من دين الرسل أنهم ~~جاءوا به ونحن نقول إن كل سورة من سور القرآن تتضمن إثبات هذه المسألة ~~وفيها أنواع من الأدلة عليها فأدلتها تزيد على عشرة آلاف دليل. # فأول سورة من القرآن تدل عليها من وجوه كثيرة وهي سورة أم الكتاب فإن ~~قوله {الحمد لله} يدل عليها فإنه # PageV04P1222 # سبحانه يحمد على أفعاله كما حمد نفسه عليها في كتابه وحمده عليها رسله ~~وملائكته والمؤمنون من عباده فمن لا فعل له البتة كيف يحمد على ذلك ~~فالأفعال هي المقتضية للحمد ولهذا نجده مقرونا بها كقوله: {الحمد لله الذي ~~خلق السماوات والأرض} [الأنعام1] {الحمد لله الذي هدانا لهذا} [الأعراف43] ~~{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} [الكهف1] {الحمد لله فاطر السماوات ~~والأرض} [فاطر1] # الثاني: قوله {رب العالمين} وربوبيته للعالم تتضمن تصرفه فيه وتدبيره له ~~ونفاذ أمره كل وقت فيه وكونه معه كل ساعة في شأن يخلق ويرزق ويميت ويحيي ~~ويخفض ويرفع ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويصرف الأمور بمشيئته وإرادته وإنكار ~~ذلك إنكار لربوبيته وإلهيته وملكه. # الثالث: قوله {الرحمن الرحيم} وهو الذي يرحم بقدرته ومشيئته من لم يكن ~~راحما له قبل ذلك. # الرابع: قوله {مالك يوم الدين} والملك هو المتصرف فيما هو ملك عليه ومالك ~~له من لا تصرف # PageV04P1223 # له ولا يقوم به فعل البتة لا يعقل له ثبوت ملك ولا مالك. # الخامس: قوله {اهدنا الصراط المستقيم} فهذا سؤال لفعل يفعله بهم لم يكن ~~موجودا قبل ذلك وهو الهداية التي هي فعله فيترتب عليها الاهتداء الذي ms445 هو ~~مطاوع وهو فعلهم. # السادس: قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} ونعمته عليهم وفعله القائم به وهو ~~الإنعام فلو لم يقم به فعل الإنعام لم يكن للنعمة وجود البتة. # السابع: قوله {عليهم غير المغضوب عليهم} وهم الذين غضب الله عليهم بعدما ~~أوجدهم وقام بهم سبب الغضب فالغضب على المعدوم محال وقد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أن العبد إذا قال: {الحمد لله رب العالمين} يقول الله: ~~حمدني عبدي فإذا قال {الرحمن الرحيم} يقول الله: أثنى علي عبدي فإذا قال ~~{مالك يوم الدين} قال الله مجدني عبدي فإذا قال {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~قال الله: هذه بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي فإذا قال {اهدنا ~~الصراط المستقيم} إلى آخرها قال الله: هذا # PageV04P1224 # لعبدي ولعبدي ما سأل" فهذه أدلة من الفاتحة وحدها فتأمل أدلة الكتاب ~~العزيز بعد على هذا الأصل تجدها فوق عد العادين وإحصاء المحصين حتى أنك تجد ~~في الآية الواحدة على اختصار لفظها عدة أدلة كقوله: {إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس82] ففي هذه الآية عدة أدلة: # أحدها: قوله {إنما أمره} وهذا أمر التكوين الذي لا يتأخر عنه أمر الكون ~~بل يعقبه # الثاني: قوله {إذا أراد شيئا} وإذا تخلص الفعل للاستقبال # الثالث: قوله {أن يقول له} وإن تخلص المضارع للاستقبال # الرابع: أن يقول فعل مضارع إما للحال وإما للاستقبال # الخامس: قوله {كن} وهما حرفان سبق أحدهما الآخر ويتعقبه الثاني # PageV04P1225 # السادس: قوله {فيكون} والفاء للتعقيب يدل على أنه يكون عقيب قوله له كن ~~سواء لا يتأخر عنه السابع أن قوله {كن} تكوين قائم به سبحانه والكون قد ~~تعقبه ولم ينزح عنه وقوله تعالى {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} ~~[الأعراف143] فهو سبحانه إنما كلمه ذلك الوقت وقوله {وناديناه} [مريم52] ~~{ويوم يناديهم فيقول} [القصص62] وقوله {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة} [الأعراف22] فالنداء إنما حصل ذلك الوقت وقوله {هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله} [البقرة210] {وجاء ربك} [الفجر22] {ثم استوى على العرش} ~~[الأعراف54] ms446 {وإذا أردنا أن نهلك قرية} [الإسراء16] {فعال لما يريد} ~~[البروج16] {يريد الله بكم اليسر} [البقرة185] {يريد الله أن يخفف عنكم} ~~[النساء28] # PageV04P1226 # {والله يريد أن يتوب عليكم} [النساء27] {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ~~في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون ~~وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص6 , 5] {والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل} [الأحزاب4] {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله والله يسمع تحاوركما} [المجادلة1] {إنني معكما أسمع وأرى} [طه46] ~~{بآياتنا إنا معكم مستمعون} [الشعراء15] {كل يوم هو في شأن} [الرحمن29] ~~وهذا عند النفاة لا حقيقة له بل الشؤون للمفعولات وأما هو فله شأن واحد ~~قديم فهذه الأدلة السمعية وأضعاف أضعافها مما يشهد بها صريح العقل وشهد ~~ببطلان ما خالفها. # فإنكار ذلك وإنكار تكثر الصفات وتعدد الأسماء هو الذي أفسد العقل والنقل ~~وفتح باب المعارضة # PageV04P1227 # بينهما وتفصيل أدلة هذه المسألة وبيان بطلان الشبه المعارضة لها يستدعي ~~مجلدا كبيرا ولعلنا إن ساعد القدر أن نكتبه والله المستعان. # الوجه الرابع والثلاثون بعد المائة: إن من أئمة هؤلاء المعرضين من يقول ~~إنه ليس في العقل ما يوجب تنزيه الرب سبحانه وتعالى عن النقائص ولم يقم على ~~ذلك دليل عقلي أصلا كما صرح به الرازي وتلقاه عن الجويني وأمثاله قالوا ~~وإنما نفينا النقائص عنه بالإجماع وقد قدح الرازي وغيره من النفاة في دلالة ~~الإجماع وبينوا أنها ظنية لا قطعية فالقوم ليسوا قاطعين بتنزيه الله عن ~~النقائص بل غاية ما عندهم في ذلك الظن فيا للعقلاء ويا لأولي الألباب كيف ~~تقوم الأدلة القطعية على نفي صفات كماله ونعوت جلاله وعلوه على خلقه ~~واستوائه على عرشه وتكلمه بالقرآن حقيقة وتكليمه لموسى حقيقة بكلامه القائم ~~به ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عيانا من فوقهم في الجنة حتى تدعي أن الأدلة ~~السمعية الدالة على ذلك قد عارضها صريح العقل وأما تنزيهه عن العيوب ~~والنقائص فلم يقم عليه دليل عقلي ولكن علمناه بالإجماع وقد قلتم دلالته ~~ظنية فوالله لو قال المشبه ms447 المجسم بزعمكم ما قال ما رضي لنفسه بهذا ولكان ~~رب العالمين وقيوم السماوات والأرض أكبر في صدره # PageV04P1228 # وأجل في قلبه من أن لا يكون في عقله دليل ينزهه عن النقائص ولعل جاهلا أن ~~يقول إنا قلنا عليهم ما لم يقولوا أو استجزنا ما يستجيزونه هم من حكاية ~~مذاهب الناس عنهم فما يعتقدونه هم لازم لأقوالهم فيكذبون عليهم كذبا صريحا ~~يقولون مذهب الحنابلة إن الله يجوز أن يتكلم بشيء ولا يعني به شيئا ومذهبهم ~~أن الله لا يجوز أن يرى وأمثال ذلك مما هو كذب صريح وفرية مستندهم فيها ما ~~فهموه من لازم قولهم فنحن لا نستجيز ذلك على أحد من الناس ولكن هذه كتب ~~القوم فراجعها ولا تقلد الحاكي عنهم ويكفيك من فساد عقل يعارض الوحي أنه لم ~~يقم عنده دليل عقلي ينزه ربه وخالقه عن العيوب والنقائص فلقد كشف لك صاحب ~~هذا العقل عن حقيقة معقوله وأقر على نفسه وعقله أنه أقل وأحقر شأنا أن ~~يعارض الوحي ونصوص الأنبياء ثم يتقدم عليها وبالله التوفيق. # الوجه الخامس والثلاثون بعد المائة: أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي ~~بعقولهم لا يمكنكم تنزيه الرب سبحانه عن النقائص والعيوب إلا أن يتحيزوا ~~إلى أهل السنة ويصيروا أضيافا لهم ويستضيئوا بنورهم وإلا فلا يمكنكم على ~~أصولكم تنزيه الرب عن العيوب البتة فإنكم نزهتموه عن صفات كماله وزعمتم # PageV04P1229 # أنها تستلزم التجسيم وهو يستلزم الحدوث فبذلك نفيتم صفاته وأفعاله فلما ~~قال لكم أهل الإثبات نفيكم لهذه الصفات يستلزم ثبوت ضدها له وهو نقص وهو ~~محال على من له الكمال كله أجبتموه بأن هذا إنما يلزم في القابل للشيء وضده ~~وأما الرب سبحانه فإنه لا يقبل هذه الصفات ولا أضدادها فلا يلزم من سلبها ~~عنه ثبوت أضدادها كما لا يلزم من سلب الكلام والسمع والبصر والحياة عن ~~الحجر وصفه بالخرس والطرش والعمى والموت فقال لكم أهل الإثبات لو جعلتموه ~~قابلا لصفات الكمال وسلبتموها عنه لكان أكمل ممن لا يقبل صفات الكمال البتة ~~فالأعمى والأخرس والأصم والعاجز أكمل من الحجر ms448 والتراب فنزلتم درجة أخرى ~~وشبهتموه بأنقص الناقصات وهو مالا يقبل الكمال بوجه فلو أثبتم له صفات ~~الكمال كلها على وجه التشبيه والتمثيل بخلقه لكان خيرا من تشبيهكم له بأنقص ~~الناقصات من الجمادات التي لا تقبل الكمال فإن الحيوان الذي يقبل أن يتعاقب ~~عليه العدم والملكة فيكون تارة سميعا وتارة أصم أكمل من الجماد # PageV04P1230 # الذي لا يقبل هذا ولا هذا بل الحيوان الموصوف بهذه النقائص مع إمكان ~~اتصافه بهذا الكمال أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك فإذا قلتم إن الرب لا ~~يقبل الاتصاف بصفات الكمال مع أن المتصف بالنقائص يمكنه الاتصاف بها ~~جعلتموه أنقص من الحيوانات وكان من وصفه بهذه النقائص خيرا منكم وهم يشنعون ~~بما يحكي عن ضلال اليهود والنصارى أن الله ندم على الطوفان حتى عض أصبعه ~~وجرى الدم وبكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وأمثال ذلك وهؤلاء مع ~~كفرهم وضلالهم أحسن قولا فيه ممن يقول إنه لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال بل ~~من جعله يأكل ويشرب وينام ويألم خير ممن جعله بمنزلة الأحجار والجامدات ~~التي لا تقبل هذه الصفات فالمشبهة المحضة خير منكم وأحسن قولا في ربهم ~~وخالقهم وأما خصومكم من أهل السنة والحديث فهم لا يقولون بتشبيهكم ولا ~~بتشبيه إخوانكم وإن كان تشبيهكم شرا من تشبيههم وإنما يصفون الله بصفات ~~كماله ونعوت جلاله ويثبتون أفعاله حقيقة لا مجازا كما يثبتون ذاته وصفاته ~~ولا يشبهون الله بخلقه ولا يمثلونه بهم والله سبحانه أجل في صدورهم وأعظم ~~في قلوبهم من أن يشبهوه بخلقه أو ينفوا عنه صفات كماله وأفعاله فيشبهونه ~~بالجامدات العادمة للكمال وقبوله يوضحه: # PageV04P1231 # الوجه السادس والثلاثون بعد المائة: وهو أن الله سبحانه عاب آلهة ~~المشركين بنفس ما وصفتم الإله الحق سبحانه به فعابها بأنها لا تتكلم ولا ~~تكلم عابديها وقلتم إن هذا من خصائص الربوبية وعابها بأنها لا تسمع ولا ~~تبصر وقلتم إن إثبات السمع والبصر للرب يقتضي التشبيه والتجسيم وعابها ~~بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تهدي السبيل فنفى عنها هذه الأفعال وقلتم ليس ms449 ~~للقديم فعل يقوم به البتة فإنه لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث ~~وعابها بأنها لا يد لها تبطش بها ولا رجل تمشي بها ولا عين تبصر بها وقلتم ~~بأن الرب سبحانه كذلك فإنا لو وصفناه بذلك وصفناه بالجوارح والأبعاض وجميع ~~ما عابها به إنما هو نفي وسلب لم يعبها بصفة ثبوتية البتة وعندكم أعظم ~~التنزيه السلب والنفي الذي هو جماع ما عاب به آلهة المشركين. # الوجه السابع والثلاثون بعد المائة: إن الطوائف كلها اتفقت على إثبات ~~موجود واجب بنفسه قديم أزلي لا يجوز عليه العدم ثم تنازعوا فيما يجب له ~~ويمتنع عليه تنازعا لا يحصيه إلا رب العباد ولم تختلف مقالات أهل الأرض في ~~شيء كاختلافهم في ربهم تعالى # PageV04P1232 # وأحدث الأمم عهدا هذه الأمة وهذه مقالاتهم قد فاتت الحصر وقد حكى منها ~~أهل المقالات ما بلغهم وأعظم من استوعبها الأشعري في مقالاته وقد حدث بعده ~~مقالات لم يحكها ولم يودعها كتابه وكل يدعي أن العقل دله على تلك المقالة ~~وصحتها وإذا جاء السمع بخلافها لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت الأربعة ~~ومقالة النفاة المعطلة شر مقالات أهل الأرض على الإطلاق وأشدها مناقضة ~~للمعقول والمنقول فإنهم يصفونه بصفات المعدوم الصرف بل بصفات الممتنع ~~الوجود يعني بصفات المعدوم والممتنع ما يخبر به عنه ويحكم به عليه وإلا ~~فليس هناك صفة ولا موصوف فيقولون ليس هو فوق خلقه ولا هو مستو على عرشه ولا ~~هو داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا ~~محايثا ولا مجاورا ولا فوق ولا تحت ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل من عنده ولا ~~تعرج الملائكة والروح إليه ولا رفع المسيح إليه ولا عرج برسول إليه ودنا ~~منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ولا يقرب منه شيء ولا يقرب من شيء ولا ينزل ~~كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام ولا يجيء ~~للفصل بين عباده ولا ترفع إليه الأيدي ولا يشار إليه بالأصابع ولا ms450 يمكن # PageV04P1233 # رؤيته البتة ولا قال ولا يقول ولا يكلم ولا يتكلم ولا نادى ولا ينادي ولا ~~له علم ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا إرادة ولا وجه ولا يد ولا ~~عين ولا إصبع وغلاتهم يقولون لا يسمى حيا عالما قادرا إلا بطريق المجاز ~~ويقولون لو أثبتنا هذه الصفات لزم أن يكون جسما والجسم مركب والمركب ممكن ~~والممكن محدث فإثبات هذه الصفات تنافي قدمه ووجوب وجوده وأما أهل الإثبات ~~فيقولون الموصوف بهذه الصفات السلبية المنفي عنه الصفات الثبوتية لا يكون ~~إلا ممتنعا والامتناع ينافي الوجود فضلا عن وجوبه والذين وصفوه بهذه السلوب ~~وصفوه بما لا يتصف به إلا ما يمتنع وجوده ومن وصف ما يجب وجوده بما يمتنع ~~وجوده فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود ويقولون للمعطلة النفاة أنتم ~~فررتم من وصفه بما يستلزم الإنكار بزعمكم فوصفتموه بما يستلزم الامتناع من ~~وصفه ومن وصف بما يستلزم الحدوث على ظنكم فوصفتموه بما يستلزم العدم ~~والأجسام الجامدة خير من المسلوب عنه هذه الصفات فضلا عن الأجسام الحية ~~الناقصة فضلا عن الأجسام الحية الكاملة قالوا ومن المعلوم أنه إذا دار ~~الأمر بين وجود حي كامل وبين معدوم أو ممتنع كان الموجود خيرا من المعدوم ~~يوضحه. # الوجه الثامن والثلاثون بعد المائة: أن اللوازم التي تلزم المعطلة النفاة ~~شر من اللوازم التي تلزم المشبهة المحضة دع المثبتة لحقائق الأسماء والصفات ~~المنزهين الله عن شبه المخلوقات فإنهم يلزمهم عشرة لوازم # PageV04P1234 # أحدها: جحد الصانع ونفيه # الثاني: سلب كماله عنه # الثالث: وصفه بالنقائص والعيوب # الرابع: تشبيهه بالجمادات الناقصة # الخامس: تشبيهه بالمعدومات بل بالممتنعات # السادس: الطعن فيما أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله # السابع: القدح في علم الرسول أو بيانه أو نصحه أو الجمع # الثامن: إفساد الفطر والعقول وتغييرها عما فطرت عليه كإفساد الشياطين لها ~~بالشرك واتباع الغي # التاسع: إلقاء العداوة بين الوحي والعقل ودعوى تناقضهما وتعارضهما # العاشر: القدح في شهادة العقل فإنهم إذا جوزوا معارضته ومناقضته لكلام ~~الله ورسوله فقد قدحوا فيه أعظم القدح ms451 وجرحوه أبين الجرح ويكفي في جرحه ~~والطعن في شهادته إقرارهم بأنه مضاد مناقض لما بعث الله به رسوله وأنزل به ~~كتابه وحينئذ فنقول في: # PageV04P1235 # الوجه التاسع والثلاثين بعد المائة: إنكم أسأتم القول في العقل غاية ~~الإساءة وقدحتم فيه أعظم القدح فإن الله سبحانه ركب العقول في عباده ~~ليعرفوا بها صدقه وصدق رسله ويعرفوه بها ويعرفوا كماله وصفاته وعظمته ~~وجلاله وربوبيته وتوحيده وأنه الإله الحق وما سواه باطل فهذا هو الذي ~~أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول وهداهم به إلى مصالح معاشهم التي ~~تكون عونا لهم على ما خلقوا لأجله وأعطوا العقول له فأعظم ثمرة العقل ~~معرفته لخالقه وفاطره ومعرفة صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وصدق رسله ~~والخضوع والذل والتعبد له فإذا أقررتم على العقل بأنه لا يدرك ذلك ولا يصدق ~~ذلك به بل يعارضه ويكذبه ويرده فقد نسبتموه إلى أقبح الجهل وأعظم شهادة ~~الزور وما كان هكذا فلا تقبل له شهادة في شيء فضلا عن تقديم شهادته على ما ~~شهد الله به لنفسه وشهدت له به رسله من أولهم إلى آخرهم وحينئذ فنقول في: # الوجه الأربعين بعد المائة: أن الشهادة تعتمد على الشاهد وصدقه فإنها خبر ~~ولا بد أن يكون المخبر به عالما صادقا وقد علم كذب العقل المعارض لما جاءت ~~به الرسل قطعا وجملة فإنه لا يجتمع # PageV04P1236 # صدقه وصدق الرسل ولا صحة ما أخبر به وصحة ما أخبرت به الرسل لاستحالة ~~الجمع بين النقيضين وحينئذ فيلزم من قبول شهادته تكذيب شهادة الرسل هذا لو ~~لم يعلم كذبه فيما شهد به إلا بمجرد مخالفته لما شهدت به الرسل فكيف إذا ~~علم كذبه بشهادة عقل آخر أصح منه وأذكى وأصدق كيف وقد علم كذب العقل الشاهد ~~بخلاف ما جاءت به الرسل بوجوه كثيرة من مناقضته واضطرابه وإثباته للشيء ثم ~~نفيه للوازمه ونفيه للوازمه ثم إثباته لملزوماتها وتفريقه بين المتساويين ~~وجمعه بين المختلفين فقد علم كذبه وجهله من هذه الوجوه الثلاثة فلا يصلح أن ~~يستشهد به على مخالفة السمع بوجه من الوجوه ms452 يوضحه. # الوجه الحادي والأربعون بعد المائة: وهو أن هؤلاء المعارضين ردوا حكم ~~العقل الصريح المبني على المقدمات الضرورية الفطرية ونسبوه إلى البطلان ~~وحينئذ فلا يمكنهم أن يقيموا معقولا صحيحا على خلاف ما دل عليه السمع البتة ~~لأن حكم العقل الذي ردوه وأبطلوه أظهر وأبين وأصدق من حكم العقل الذي قدموه ~~على كلام الله ورسوله بما لا نسبة بينهما فصاروا في ذلك بمثابة حاكم فاسق ~~ظالم رد شهادة العدول المبرزين في العدالة وقبل شهادة المجهولين والمعروفين ~~بالكذب والزور والفسق ثم لم يكفه ذلك حتى عارض شهادة أولئك العدول الصادقين ~~بشهادة هؤلاء الفسقة الكاذبين ثم قدمها عليها # PageV04P1237 # وطعن في أولئك العدول فارتكب أنواعا من الجهل والظلم جمع فيها بين إبطال ~~الحق وتحقيق الباطل وتزكية شهود الزور والطعن في شهادة العدول فتوهوا ~~العقول الصحيحة والنصوص الصريحة وضيقوها واستدعوا العقول الفاسدة والأقوال ~~الكاذبة فولوها مكانها واستعملوها كما قال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن ~~كلاب إمام الأشعري وأصحابه في كتاب الصفات مما نقله عنه أبو بكر بن فورك ~~فقال في الكتاب المذكور في باب القول في الاستواء وهذا لفظه ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعا به ~~يجيز السؤال بأين وبقوله ويستصوب قول القائل إنه في السماء ويشهد له ~~بالإيمان عند ذلك. # وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين # PageV04P1238 # زعموا ويحيلون القول به ولو كان خطأكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق ~~بالإنكار له وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فهو قسمان إنه عز وجل ~~محدود في مكان دون مكان ولكن قولي إنه في كل مكان لأنه الصواب دون ما قلت ~~كلا لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه وأنه أصوب ~~الأقاويل والأمر الذي يجب به الإيمان لقائله ومن أجله شهد لها بالإيمان حين ~~قالته وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له قال ولو لم ~~يشهد بصحة مذهب الجماعة في هذا الفن ms453 خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان ~~فيه ما يكفي كيف وقد غرس الله في الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك مالا شيء ~~أبين منه ولا أوكد لا بل لا تسأل أحدا من الناس عنه عربيا ولا عجميا ولا ~~مؤمنا ولا كافرا فتقول أين ربك إلا قال في السماء إن أفصح أو أومأ بيده ~~وأشار بطرفه إن كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل ~~ولا رأينا أحدا داعيا إلا رافعا يديه إلى السماء ولا وجدنا أحدا غير ~~الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون وهم يزعمون أنهم أفضل ~~الخلق كلهم فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون # PageV04P1239 # رجلا معه نعوذ بالله من الخذلان ومعضلات الفتن ثم ألزمهم ابن كلاب بمذهب ~~الدهرية الملاحدة وأن يكونوا وهم بمنزلة واحدة فقال في هذا الكتاب يقال ~~للجهمية أليست الدهرية كفارا ملحدين في قولهم إن الدهر هو واحد إلا أنه لا ~~ينفك عن العالم ولا ينفك العالم عنه ولا يباين العالم ولا يباينه ولا يماس ~~العالم ولا يماسه ولا يداخل شيئا من العالم ولا يداخله لأنه واحد والعالم ~~غير مفارق له فإذا قالوا نعم قيل لهم صدقتم فلم أثبتم المعبود بمعنى الدهر ~~وأكفرتم من قال بمثل مقالتكم هل تجدون بينكم وبينه فرقا أكثر من أن سميتموه ~~بغير ما سموه به وقد قلتم إنه غير مفارق العالم ولا العالم مفارق له ولا هو ~~داخل في العالم ولا العالم داخل فيه ولا مماس للعالم ولا العالم مماس له ~~ولم رجعتم على من خالفكم بالتكفير وزعمتم أنهم كفروا لأنهم قالوا واحد ~~منفرد بأين فلم لا كنتم أولى بالكفر والتشبيهة منهم إذا زعمتم مثل زعم ~~الملحدين وقلتم مثل مقالة الضالين وخرجتم من توحيد رب العالمين وقال في ~~موضع آخر من هذا الكتاب وأخرج من # PageV04P1240 # العقل والخبر من قال إنه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه لأنه نفاه نفيا ~~مستويا وألزم الجهمية في موضع آخر منه مفارقة صريح المعقول ms454 حيث زعموا بأنه ~~سبحانه فعل الأشياء لا بائنة عنه ولا قائمة به حالة فيه وهذا لا يثبته عقل ~~عاقل وأخذ هذا من حجة الإمام أحمد وأئمة السنة على هؤلاء المعطلة الجهمية. # قال الإمام أحمد في كتابه الذي خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية وذكره ~~الخلال في الجامع والقاضي أبو يعلى وسائر أصحاب أحمد قال في باب ما أنكرت ~~الجهمية الضلال أن يكون الله على العرش وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب ~~على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس ~~الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له حين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجا من ~~نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر ~~حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجا # PageV04P1241 # من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفرا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش ~~قذر رديء فإن قال خلقهم خارجا من نفسه ولم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع. # فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته من أنه لا بد إذا ~~خلق الخلق من أن يخلقه مباينا له أو محايثا له ومع المحايثة إما أن يكون هو ~~في العالم وإما أن يكون العالم فيه لأنه سبحانه قائم بنفسه إذا كان محايثا ~~لغيره فلا بد أن يكون أحدهما حالا في الآخر بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات ~~فإنها تكون قائمة بغيرها فهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده وكذلك ~~قول من يقول لا هو مباين ولا محايث لما كان صريح العقل يدل على بطلانه لم ~~يدخله في التقسيم والمقصود أن أئمة الكلام وأئمة السنة متفقون على ان قول ~~الجهمية مخالف لصريح العقل والنقل وفطرة الله التي فطر عليها عباده وأنه لا ~~يمكن أحدا أن يقول بقولهم حتى يتوه العقل والسمع ويفارق حكمهما. # PageV04P1242 # الوجه الثاني والأربعون بعد المائة: أن فحول ms455 الكلام وأئمة النظر والبحث ~~الذين سبروا المقالات وتبحروا في المعقولات قد شهدوا لطريقة النفاة المعطلة ~~بمناقضتها للسمع والعقل وأن السمع والعقل إنما يقتضيان الإثبات وعلو الرب ~~على جميع المخلوقات واستواءه على عرشه فوق سبع سماوات. # قال أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة والموجز والمقالات وهذا لفظه في ~~كتاب الموجز إذ هو من أجل كتبه المتوسطات إن قال قائل ما تقولون في ~~الاستواء قيل له نقول إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال: {الرحمن على ~~العرش استوى} [طه5] وقد قال {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ~~[فاطر10] وقال {بل رفعه الله إليه} [النساء158] # PageV04P1243 # وقال {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} [السجدة5] وقال ~~حكاية عن فرعون {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} [غافر37 , 36] كذب موسى في قوله أن ~~الله عز وجل فوق السماوات وقال عز وجل {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم ~~الأرض} [الملك16] والسماوات فوقها العرش الذي هو فوق السماوات وكل ما علا ~~فهو سماء فالعرش أعلى السماوات وليس إذا قال أأمنتم من في السماء يعني جميع ~~السماء وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات ألا ترى أن الله سبحانه ذكر ~~السماوات فقال {وجعل القمر فيهن نورا} [نوح16] ولم يرد أن القمر ملأهن ~~جميعا وأنه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو ~~السماء لأن الله # PageV04P1244 # عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السماوات فلولا أن الله عز وجل مستو ~~على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض ~~قال وقال قائلون من الجهمية والمعتزلة والحرورية إن معنى قوله {الرحمن على ~~العرش استوى} [طه5] إنه استولى وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن ~~يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة قال ~~ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله قادر ~~على ms456 كل شيء والأرض فالله قادر عليها وعلى كل ما في العالم فلو كان الله ~~مستو على العرش بمعنى الاستيلاء وهو سبحانه مستول على الأشياء كلها كان ~~مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر ~~على الأشياء ومستول عليها وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد ~~من المسلمين أن يقول إن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون ~~الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون ~~معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها قال وزعمت المعتزلة والحرورية ~~والجهمية أن الله في # PageV04P1245 # كل مكان فلزمهم أنه في بطن مريم والحشوش والأخلية وهذا خلاف الدين تعالى ~~عن قولهم ثم قال ودليل آخر وهو قوله سبحانه {وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى51] ~~فقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس هو من جنس البشر ولو كانت الآية ~~عامة للبشر وغيرهم كان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع الآية أن ~~يقول وما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب فيرتفع الشك ~~والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن يكمله الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب ويترك أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون ~~غيرهم. # ومقصود الأشعري بهذا الكلام أنه على قول النفاة لا فرق بين البشر وغيرهم ~~فإنه عندهم لا يحجب الله تعالى أحدا بحجاب منفصل عنه بل هو محتجب من جميع ~~الخلق بمعنى أنه لا يمكن أحدا أن يراه فاحتجابه عن بعضهم دون بعض دليل على ~~نقيض قولهم وذلك أن نفاة المباينة # PageV04P1246 # يفسرون الاحتجاب بمعنى عدم الرؤية لامتناع قبول الذات لها لا لمانع منفصل ~~يمنعها من حجاب منفصل عن المحجوب وإذا كانت الذات غير قابلة للرؤية بل ~~حجابها عدم قبولها لتعلق الرؤية بها كان هذا الحجاب إلى جميع المخلوقات ~~واحدا ولم ms457 يختص به البشر دون غيرهم فلما أخبر أنه يكلم البشر من وراء حجاب ~~دل على أنه قد يكلم غيرهم مع رفع ذلك الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لجابر بن عبد الله: "إن الله ما كلم أحدا إلا من وراء حجاب وإنه أحيا ~~أباك وكلمه كفاحا" وكما في # PageV04P1247 # الحديث "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب يحجبه ولا ~~ترجمان" فلا يناقض هذا ما دلت عليه الآية فإن هذا في الدنيا وما دلت عليه ~~السنة في دار الآخرة وتكليم عبد الله بن حرام والد جابر كان بعد الموت لم ~~يكن في الدنيا قال الأشعري دليل آخر قال الله عز وجل {ثم ردوا إلى الله ~~مولاهم الحق} [الأنعام62] وقال تعالى {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس ~~هذا بالحق} [الأنعام30] وقال {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم} ~~[السجدة12] وقال تعالى {وعرضوا على ربك صفا} [الكهف48] قال كل ذلك يدل على ~~أنه ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو على عرشه سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له ~~بذكرهم إياه وحدانية إذ كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على ~~النفي يريدون بذلك زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب ~~النفي والتعطيل. # PageV04P1248 # ووجه استدلاله بهذه النصوص أنها صريحة في المباينة والمقابلة والوقوف بين ~~يديه ولو كان غير داخل في العالم ولا خارجه لم يصح شيء من ذلك فهذه النصوص ~~صريحة في مباينة العالم ومقابلته للواقف بين يديه حتى يكون ناكس الرأس ~~قدامه فلو لم يكن فوق العرش بطلت هذه النصوص جملة. # قال الأشعري وروت العلماء عن ابن عباس أنه قال تفكروا في خلق الله ولا ~~تفكروا في ذات الله فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز وجل فوق ~~ذلك. # وهذا الحديث قد رواه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة من حديث عبد الوهاب ~~الوراق ثنا علي بن عاصم عن ms458 عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس" ~~تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله فإن ما بين كرسيه إلى السماء ~~السابعة سبعة آلاف نور وهو فوق" ذلك ثم قال عبد الوهاب الرجل الصالح العالم ~~الذي سئل الإمام # PageV04P1249 # أحمد من يسأل بعدك؟ فقال سلوا عبد الوهاب الوراق. # قال من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث إن الله فوق العرش وعلمه محيط ~~بالدنيا والآخرة. # قال الأشعري ومما يؤكد أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله ~~أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث النزول كقوله ينزل ~~ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر ~~له هل من داع فأستجيب له حتى يطلع الفجر. قال ودليل آخر قال تعالى {يخافون ~~ربهم من فوقهم} [النحل50] وقال تعالى {تعرج الملائكة والروح إليه} ~~[المعارج4] وقال {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت11] # PageV04P1250 # وقال {ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} [الفرقان59] وقال {ثم ~~استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} [السجدة4] وكل ذلك يدل ~~على أنه في السماء مستو على عرشه قال ودليل آخر قوله عز وجل {وجاء ربك ~~والملك صفا صفا} [الفجر22] وقال تعالى {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام والملائكة} [البقرة210] وقال تعالى {ثم دنا فتدلى فكان قاب ~~قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ~~ما يرى} [النجم12-8] وقال تعالى لعيسى {إني متوفيك ورافعك إلي} [آل ~~عمران55] # PageV04P1251 # وقال {وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه} وأجمعت الأمة على أن الله رفع ~~عيسى إلى السماء. قال الأشعري ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى ~~الله عز وجل في الأمر النازل بهم أن يقولوا جميعا يا ساكن العرش لا والذي ~~احتجب بسبع سماوات. # فقد حكى أبو الحسن الأشعري إجماع المسلمين على أن الله فوق العرش وأن ~~خلقه محجوبون ms459 عنه بالسماوات وهذا مناقض لقول من يقول إنه لا داخل العالم ~~ولا خارجه فإن هؤلاء يقولون ليس للعرش به اختصاص وليس شيء من المخلوقات ~~يحجب عنه شيئا وقال لسان المتكلمين القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب ~~الإبانة والتمهيد وغيرهما فإن قال قائل أتقولون إنه في كل # PageV04P1252 # مكان قيل معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال {الرحمن ~~على العرش استوى} [طه5] وقال {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ~~[فاطر10] وقال {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك16] ولو كان ~~في كل مكان لكان في بطن الإنسان # PageV04P1253 # وفي المواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق ~~منها مالم يكن وينقص بنقصانها إذا أبطل منها ما كان ولصح أن يرغب إليه إلى ~~نحو الأرض وإلى خلفنا وعن أيماننا وشمائلنا وهذا قد أجمع المسلمون على ~~خلافه وتخطئة قائله. # وقد ذكرنا في كتاب اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية ~~أضعاف أضعاف هذه النقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة نصا ~~صريحا عنهم نقله أصحابهم وغيرهم وأئمة التفسير وأئمة اللغة وأئمة النحو ~~وأئمة الفقه وسادات الصوفية وشعراء الجاهلية والإسلام مما في بعضه كفاية ~~لمن أراد الله هدايته ومن طبع الله على قلبه فإن آيات الله تتلى عليه وكلام ~~رسوله ولا يزيده ذلك إلا مرضا على مرضه والله الموفق للصواب لا إله غيره ~~ولا رب سواه. # الوجه الثالث والأربعون بعد المائة: إن هؤلاء لم يكفهم أن سدوا على ~~أنفسهم باب الرد على أعداء الإسلام بما وافقوهم فيه من النفي والتعطيل حتى # PageV04P1254 # فتحوا لهم الباب وطرقوا لهم الطريق إلى محاربة القرآن والسنة فلما دخلوا ~~من بابهم وسلكوا من طريقهم تحيزوا معهم وصاروا جميعا حربا للوحي وادعوا أن ~~العقل يخالفه ولا يمكن الرد على أهل الباطل إلا مع أتباع السنة من كل وجه ~~وإلا فإذا وافقها الرجل من وجه وخالفها من وجه طمع فيه خصومه من الوجه الذي ~~خالفها فيه واحتجوا عليه بما وافقهم فيه ms460 من تلك المقدمات المخالفة للسنة ~~ومن تدبر عامة ما يحتج به أهل الباطل على من هو أقرب إلى الحق منهم وجد ~~حجتهم إنما تقوى على من ترك شيئا من الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به ~~كتابه فيكون ما تركه من الحق أعظم حجة للمبطل عليهم ويجد كثيرا من أهل ~~الكلام يوافقون خصومهم على الباطل تارة ويخالفونهم في الحق تارة فيتسلطون ~~عليهم بما وافقوهم فيه من الباطل وبما خالفوهم من الحق وليس لمبطل بحمد ~~الله حجة ولا سبيل بوجه من الوجوه على من وافق السنة ولم يخرج عنها حتى إذا ~~خرج عنها قدر أنملة تسلط عليه المبطل بحسب القدر الذي خرج به عن السنة ~~فالسنة حصن الله الحصين الذي من دخله كان من الآمنين وصراطه المستقيم الذي ~~من سلكه كان إليه من الواصلين وبرهانه المبين الذي من استضاء به كان من ~~المهتدين فمن وافق مبطلا على شيء من باطله جره بما وافقه منه إلى نفي ~~باطله. # وقد ضرب بعض أهل العلم لذلك مثلا مطابقا فقال # PageV04P1255 # مثل الحق مثل طريق مستقيم واسع وعلى جنبيه قطاع ولصوص وعندهم خواطئ قد ~~ألبسوهن الحلي والحلل وزينوهن للناظرين فيمر الرجل بالطريق فيتعرضن له فإن ~~التفت إليهن طمعن في حديثه فألقين إليه الكلام فإن راجعهن وأجابهن دعينه ~~إلى الذبح فإذا دخل عرين الموت صار في قبضتهن أسيرا أو قتيلا فكيف يحارب ~~قوما من هو أسير في قبضتهم قتيل سلاحهم بل يصير هذا عونا من أعوانهم قاطعا ~~من قطاع الطريق ولا يعرف حقيقة هذا المثل إلا من عرف الطريق المستقيم وقطاع ~~الطريق ومكرهم وحيلهم وبالله التوفيق وهو المستعان. # وقد نصب الله سبحانه الجسر الذي يمر الناس من فوقه إلى الجنة ونصب ~~بجانبيه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فهكذا كلاليب الباطل من تشبيهات الضلال ~~وشهوات الغي تمنع صاحبها من الاستقامة على طريق الحق وسلوكه والمعصوم من ~~عصمه الله. # الوجه الرابع والأربعون بعد المائة: أن يقال لهذه الفرقة المعارضة بين ~~النقل والعقل أتدعون هذه المعارضة بين العقل وجميع النقل ms461 أو بعضه والأول # PageV04P1256 # لا يقوله مسلم بل ولا عاقل ولا أحد من بني آدم فلا حاجة إلى الكلام على ~~تقريره وإذا ادعيتم أن التعارض واقع بين العقل وبين بعض المنقول قيل لكم ~~المنقول أنواع متعددة نوع يتعلق بالأمر والنهي والإباحة ونوع يتعلق بمبدأ ~~الخليقة وتخليق العالم ومادته ومبدئه ونوع يتعلق بالمعاد وحشر الأجساد وطي ~~العالم وخرابه وإنشاء الخلق نشأة أخرى ونوع يتعلق بالإخبار عن الأمم ~~السالفة والقرون الماضية وأحوالهم وما أصابهم من نعمة ونقمة ونوع يتعلق ~~بالإخبار عن عجائب المخلوقات وبدائع الآيات في الأرض والسماء ونوع يتعلق ~~بأسماء الرب وصفاته وأفعاله وما يجب له ويمتنع عليه فأي هذه الأنواع تدعون ~~معارضة العقل لها حتى يقع الكلام معكم فيه ومعلوم أنه ما من نوع من هذه ~~الأنواع إلا وقد عارضه طائفة من شياطين الإنس بآرائهم وعقولهم وقد قدمنا ~~معارضة شيخ القوم للأمر بمعقوله وأن العقل يقتضي أن لا يسجد الفاضل للمفضول ~~وبينا سريان تلك المعارضة في # PageV04P1257 # تلامذته وأتباعه حتى إن منهم من عارض الأمر كله بعقله وذكروا وجوها عقلية ~~تدفع الأمر والنهي والله يعلم أن الوجوه العقلية التي ذكرها المعطلة النفاة ~~لدفع علو الرب واستوائه على عرشه وصفات كماله أوهى منها أو من جنسها وطائفة ~~أخرى عارضت نصوص المبدأ والمعاد بمعقولات هي من جنس معقولات نفاة الصفاة ~~فهل يوافقون هؤلاء في صحة هذه المعارضة أم يخالفونهم وفي أي الأنواع تدعون ~~المعارضة فإن قصرتموه على نوع الأسماء والصفات قيل لكم فالمعارضة ثابتة بين ~~العقل وبين سائر هذا النوع أم بينه وبين بعضه ولا ضابط لفرقة منكم في دعوى ~~هذه المناقضة أصلا بل كل من نفى شيئا مما أثبته الرسول قال قد عارضه صريح ~~العقل فإمامكم الذي تقدمون نصوص إشاراته على نصوص القرآن والسنة عنده إن ~~صريح العقل معارض لنصوص المعاد وحدوث العالم وإثبات الصفات والقدرية ~~المجوسية عندهم أن صريح العقل معارض للنصوص المثبتة للقدر والجهمية المعطلة ~~عندهم أن العقل الصريح معارض لنصوص الرؤية والعلو والاستواء على العرش وصفة ~~التكلم والتكليم وغير ذلك ms462 من الصفات فمع من أنتم من أرباب هذه المعارضات ~~وأهل هذه المعقولات هل تصوبون جميعهم أم بعضهم ومن # PageV04P1258 # البعض المصيب ومن المخطئ وفي أي شيء اصاب هؤلاء وأخطأ هؤلاء ولقد صدق ~~القائل إنكم لا ترجعون في الحقيقة إلى شيء وإن منتهاكم الشك والحيرة وبالله ~~التوفيق. وحينئذ فنقول في # الوجه الخامس والأربعين بعد المائة: إن نهاية أمر هؤلاء المعارضين لنصوص ~~الوحي بالرأي انتهاؤهم إلى الشك والتشكيك والحيرة في أمرهم فتجدهم يشكون في ~~أوضح الواضحات وفيما يجزم عوام الناس به ويتعجبون ممن يشك فيه ولا تعطيك ~~كتبهم وبحوثهم إلا الشك والتشكيك والحيرة والإشكالات وكلما ازددت فيها ~~إمعانا ازددت حيرة وشكا حتى يؤول بك الأمر إلى الشك في الواضحات واعتبر هذا ~~بإمام الشك والتشكيك أفضل متأخريهم وكتبه تجده شاكا في الزمان والمكان لم ~~يعرف حقيقته وماهيته وشاكا في وجود الرب تعالى هل هو عين ماهيته أو زائد ~~عليها وهل الوجود مقول على الواجب والممكن بالتواطؤ أو بالاشتراك اللفظي ~~وهل # PageV04P1259 # الوجود الواجب وجود محض لا يقارن شيئا من الماهيات أم وجود مقارن لماهية ~~غير معلومة للبشر وشاكا في الرب سبحانه هل كان معطلا في الأزل والفعل ممتنع ~~عليه ثم انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا تجدد أمر حصل في ~~الفاعل كما يقوله المتكلمون أو لم يزل فعله مقارنا له كما يقوله الفلاسفة ~~وهو حائر بين هذين القولين معارض أدلة كل منهما بأدلة الآخر وتارة يرجح ~~أدلة المتكلمين في كتبه الكلامية وتارة يرجح أدلة الفلاسفة في كتبه ~~الفلسفية وتارة يصف الجيشين ويلقي الحرب بينهما ولا يتحيز إلى هؤلاء ولا ~~إلى هؤلاء كما في كتبه الجامعة بين الطريقتين. # وشاكا في الجوهر الفرد فمرة يثبته ويوقف الإيمان بالمبدأ والمعاد عليه ~~وتارة ينفيه ويبطله. # وشاكا في تماثل الأجسام فتارة يثبته ويحتج عليه وتارة ينفيه. # وشاكا في مسألة حلول الحوادث فتارة ينفيها وتارة يقول بها ويقوي أمرها ~~ويلزمها جميع الطوائف. # PageV04P1260 # وشاكا في النبوات هل هي ثابتة على طريق الفلاسفة أو على طريق المعتزلة أم ~~على طريق الأشعرية. ms463 # وشاكا في مسألة التحسين والتقبيح فتارة يسلك فيها مسلك النفاة وتارة مسلك ~~المثبتين. # وشاكا في إثبات الصفات ففي كتبه الفلسفية ينفيها وفي الكتب الكلامية ~~يثبتها إثباتا لا حقيقة له بل هو لفظ بلا معنى. # وشاكا في الإنسان هل هو هذا البدن المشهود أم أمر آخر وراءه وهو الروح أم ~~مجموع الأمرين # وشاكا في الروح وحقيقتها وماهيتها وهل هي جسم أو جوهر مجرد لا داخل ~~العالم ولا خارجه أو عرض من أعراض البدن # وشاكا في مسألة الكلام والرؤية فمرة يقوي فيها قول المعتزلة ومرة قول ~~الأشعرية إلى أضعاف ما ذكرنا من المسائل ولهذا تجد أتباعه أكثر الناس شكا ~~وتشكيكا. # والفاضل عندهم الشاك وكلما كان الرجل أعظم شكا كان عندهم أفضل فهذا شكهم ~~في الدنيا وأما عند الموت # PageV04P1261 # فقد قال العارف بحقيقة أمرهم أكثر الناس شكا عند الموت أرباب الكلام. # وقد أقروا على أنفسهم بالشك وعدم اليقين في كتبهم وعند موتهم كما تقدم ~~حكاية ذلك عن أفاضلهم ورؤوسهم حتى قال بعضهم عند موته والله ما أدري على ~~ماذا أموت عليه ثم قال اشهدوا على أني على عقيدة أمي وقال الآخر اشهدوا علي ~~أني أموت وما عرفت إلا مسألة واحدة وهي أن الممكن مفتقر إلى الواجب ثم قال ~~الافتقار أمر عدمي بل أموت وما عرفت شيئا. # وقال الآخر أضع الإزار على وجهي ثم أقابل بين أقوال هؤلاء وهؤلاء حتى ~~يطلع الفجر ولا يتبين لي منها شيء. # ويقول الآخر لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي ~~عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات ~~{الرحمن على العرش استوى} [طه5] {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر10] # PageV04P1262 # واقرأ في النفي {ليس كمثله شيء} [الشورى11] {ولا يحيطون به علما} [طه110] ~~ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وقد حكينا كلامه فيما تقدم. # وقال الآخر لعمري # لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # وهذا باب طويل من ms464 أراد الوقوف عليه فليطالع أخبار القوم وسيرتهم وما ~~أقروا به على أنفسهم وحينئذ فنقول في # الوجه السادس والأربعين بعد المائة: إن أئمة الإسلام وملوك السنة لما ~~عرفوا أن طرق المتكلمين إنما تنتهي إلى هذا وما هو شر منه تنوعوا في ذمها ~~والطعن فيها وعيب أهلها والحكم بعقوبتهم وإشهارهم والتحذير منهم. # PageV04P1263 # قال أبو القاسم بن عساكر وقد حفظ عن غير واحد من علماء الإسلام عيب ~~المتكلمين وذم أهل الكلام ولو لم يذمهم غير الشافعي لكفى فإنه قد بالغ في ~~ذمهم وأوضح حالهم وشفى ثم ذكر بإسناده إلى الفريابي حدثني بشر بن الوليد ~~قال سمعت أبا يوسف يقول من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب غرائب الحديث ~~كذب ومن طلب المال بالكيمياء أفلس قال البيهقي وروي هذا الكلام عن مالك بن ~~أنس ثم ذكر ابن عساكر عن الشافعي أنه قال لئن يبتلى العبد بكل ما نهى الله ~~عنه سوى الشرك خير له من أن يبتلى بالكلام ولقد اطلعت من أهل الكلام على ~~شيء ما ظننت أن مسلما يقوله. # PageV04P1264 # وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن أصرم المزني قال قال أبو ثور سمعت ~~الشافعي يقول ما تردى أحد بالكلام فأفلح وقال حدثنا الربيع قال رأيت ~~الشافعي وهو نازل من الدرجة وقوم في المجلس يتكلمون بشيء من الكلام فصاح ~~فقال إما أن تجاورونا بخير وإما أن تقوموا عنا. # وذكر أيضا عن ابن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول لو علم الناس ما في ~~الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد. # وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول جئت الشافعي ~~بعدما كلم حفصا الفرد فقال غبت عنا يا أبا موسى لقد اطلعت من أهل الكلام ~~على شيء ما توهمته قط ولأن يبتلى المرء بكل # PageV04P1265 # ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام. وقال ~~الإمام أحمد علماء الكلام زنادقة. # قال شيخنا والكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وذم أصحابه ~~والنهي عنه ms465 وتجهيل أربابه وتبديعهم وتضليلهم وهو هذه الطرق الباطلة التي ~~بنوا عليها نفي الصفات والعلو والاستواء على العرش وجعلوا بها القرآن ~~مخلوقا ونفوا بها رؤية الله في الدار الآخرة وتكلمه بالقرآن وتكليمه لعباده ~~ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ~~فإنهم سلكوا فيه طرقا غير مستقيمة واستدلوا # PageV04P1266 # بقضايا متضمنة للكذب فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة ~~وصريح المعقول وكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ورسائلهم ~~وأحكامهم ودلائلهم. # وكلام السلف والأئمة في ذلك مشهور وما من أحد قد شدا طرفا من العلم إلا ~~وقد بلغه من ذلك بعضه لكن كثيرا من الناس لم يحيطوا علما بكثير من أقوال ~~السلف والأئمة وقد أفرد الناس في ذلك مصنفات مثل أبي عبد الرحمن السلمي ~~ومثل شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري وسمى كتابه ذم ~~الكلام وأهله وممن ذكر اتفاق السلف على ذلك # PageV04P1267 # أبو حامد الغزالي في أجل كتبه الذي سماه إحياء علوم الدين قال فيه فإن ~~قلت فعلم الكلام والجدل مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه فاعلم ~~أن الناس في هذا غلوا وإسرافا في الطرفين فمن قائل إنه بدعة وحرام وإن ~~العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام ومن قائل ~~إنه واجب فرض إما على الكفاية أو على الأعيان وإنه أجل الأعمال وأعلى ~~القربات وإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله. قال وإلى التحريم ذهب ~~الشافعي ومالك وأحمد بن # PageV04P1268 # حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف ثم ذكر بعض نصوص الشافعي التي ~~تقدمت. قال وقال أحمد بن حنبل لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا ~~نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل قال وبالغ فيه حتى هجر الحارث المحاسبي قال ~~وقال الإمام أحمد أيضا علماء الكلام زنادقة. # قال وقال مالك أرأيت إن جاء رجل أجدل من # PageV04P1269 # رجل يدع الرجل دينه كل يوم لدين جديد قال وقال مالك لا تجوز ms466 شهادة أهل ~~الأهواء والبدع قال بعض أصحابه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب ~~كانوا وهذا الذي حكى عنه أبو حامد تأويل قول مالك هو محمد بن خويز منداد ~~البصري المالكي. # قال إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم هم أهل الكلام ~~قال وكل متكلم هو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه أشعريا كان أو ~~غير أشعري هكذا ذكره عنه أبو عمر بن عبد البر في كتاب فضل العلم ثم ذكر أبو ~~حامد كلام أبي يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق قال وقد اتفق أهل الحديث من ~~السلف على هذا ولا ينحصر عنهم ما نقل من التشديدات فيه وقالوا ما سكت عنه ~~الصحابة رضي الله عنهم مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من ~~غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد عنه ولذلك قال النبي صلى الله # PageV04P1270 # عليه وسلم: "هلك المتنطعون هلك المتنطعون " أي المتعمقون في البحث ~~والاستقصاء. # قال واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به النبي ويعلم ~~طريقه ويثني على أربابه فقد علمهم الاستنجاء وندبهم إلى حفظ الفرائض ونهاهم ~~عن الكلام في القدر وعلى هذا استمر الصحابة فالزيادة على الأستاذ طغيان ~~وظلم وهم الأستاذون والقدوة ونحن الأتباع والتلامذة إلى أن قال وأما منفعته ~~فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيهات فليس في ~~الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوى ربما خطر ~~ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة ~~الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم ~~أخرى سوى نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه ~~مسدود. # PageV04P1271 # قال ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على ~~سبيل الندور في أمور جليلة تكاد تفهم قبل التعمق في صناعة الكلام قل بل ~~منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع ms467 ~~الجدل فإن العامي يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا ومعارضة الفاسد بالفاسد ~~نافعة ثم قال وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون صاحبه ~~كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر أن لا يضعه إلا في موضعه وعلى قدر ~~الحاجة وقال إن فيه من المضرة من إثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن ~~الجزم والتصميم وفيه مضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيته في صدورهم بحيث ~~تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه ويمكن هذا الإصرار بواسطة ~~التعصب الذي يثور عن الجهل. # فهذا كلام أبي حامد مع معرفته بالكلام والفلسفة # PageV04P1272 # وتعمقه في ذلك يذكر اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام ويذكر أنه ليس فيه ~~فائدة إلا الذب عن هذه العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول أمته وإذا لم ~~يكن فيه فائدة إلا إلا الذب عن هذه العقائد امتنع أن يكون معارضا لها فضلا ~~عن أن يكون مقدما عليها فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول معارضا ~~للكتاب والسنة وما كان معارضا لهما فهو من الكلام الباطل المردود المرذول ~~الذي لا ينازع في ذمه أحد من أهل الإسلام لا من السلف ولا من أتباعهم من ~~الخلف هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من العقليات والجدل والكلام ~~مبتدعا وإن قصد به نصر السنة فكيف ذمهم لمن عارض السنة بالبدعة والوحي ~~بالرأي وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحق وهذا الذم من أبي حامد ~~للكلام وأهله ذم متوسط بحسب ما اطلع عليه من غوائله وآفاته وبحسب ما بلغه ~~من السلف ولم يكن جزمه بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول كجزمه بما ~~سلكه من طريق الكلام والفلسفة فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من ~~العلم والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره فإن ما ذكره من أن ~~مضرته في إثارة الشبهات في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما يقال إذا ~~كان الكلام في نفسه حقا بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة بل معلوماته فإذا ~~كان مع ذلك قد ms468 يورث النظر فيه شبها وعداوة قيل فيه ذلك. # PageV04P1273 # وأما السلف فلم يكن ذمهم للكلام لمجرد ذلك ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ ~~اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته ~~وأفعاله بل كانوا أعلم الناس بذلك ولا حرموا نظرا صحيحا في دليل صحيح يفضي ~~إلى علم نافع ولا مناظرة في ذلك إما لهدى مسترشد وأما لقطع مبطل بل هم أكمل ~~الناس نظرا واستدلالا واعتبارا وهم نظروا في أصح الأدلة وأقومها فإن القوم ~~كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه وأدله على الحق وأوصله إلى المقصود ~~بأقرب الطرق وهو كلام الله وكانوا ينظرون في آيات الله تعالى الأفقية ~~والنفسية فيرون منها من الأدلة ما يبين أن القرآن حق فيتطابق عندهم السمع ~~والعقل ويتصادق الوحي والفطرة كما قال تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت53] وقال {ويرى الذين أوتوا العلم ~~الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} [سبأ6] والإنسان له حالتان إما أن يكون ~~ناظرا وإما أن يكون # PageV04P1274 # مناظرا والناظر له حالتان أحدهما يحمد فيها والثانية يذم فيها والمناظر ~~له حالتان أيضا قال تعالى {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ~~ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} [سبأ46] فأشار بقيامهم إثنين إثنين إلى ~~المناظرة وفرادى إلى النظر والتفكر. وكل منهما ينقسم إلى محمود ومذموم ~~فالنظر المحمود النظر في الطريق الصحيح ليتوصل به إلى معرفة الحق والنظر ~~المذموم نوعان # أحدهما: النظر في الطريق الباطل وإن قصد به التوصل إلى الحق فإن الطريق ~~الباطل لا يفضي إلى الحق. # والثاني: النظر والفكر الذي يقصد به رد قول خصمه مطلقا حقا كان أو باطلا ~~فهو ينظر نظرا يرد به قول من يبغضه ويعاديه بأي وجه كان. # فأما المناظرة فتقسم إلى محمودة ومذمومة والمحمودة نوعان والمذمومة نوعان ~~وبيان ذلك أن المناظر إما أن يكون عالما بالحق وإما أن يكون طالبا له وإما ~~أن لا يكون عالما به ولا طالبا له وهذا الثالث هو المذموم وأما الأولان ms469 فمن ~~كان عالما بالحق فمناظرته التي تحمد أن يبين لغيره الحجة التي # PageV04P1275 # تهديه إن كان مسترشدا طالبا للحق أو تقطعه أو تكسره إن كان معاندا غير ~~طالب للحق ولا متبع له أو توقفه وتبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن ~~أنه على الحق وقصده الحق. # قال تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن} [النحل125] فذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال ~~المدعو فإنه إما أن يكون طالبا للحق راغبا فيه محبا له مؤثرا له على غيره ~~إذا عرفه فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال وإما أن يكون ~~معرضا مشتغلا بضد الحق ولكن لو عرفه عرفه وآثره واتبعه فهذا يحتاج مع ~~الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب وإما أن يكون معاندا معارضا فهذا ~~يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع إلى الحق وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد ~~إن أمكن فلمناظرة المبطل فائدتان # أحدهما: أن يرد عن باطله ويرجع إلى الحق # الثانية: أن ينكف شره وعداوته ويتبين للناس أن الذي معه باطل وهذه الوجوه ~~كلها لا يمكن أن تنال بأحسن من حجج القرآن ومناظرته للطوائف فإنه كفيل بذلك ~~على أتم الوجوه لمن تأمله وتدبره ورزق فهما فيه وحججه مع أنها في أعلى ~~مراتب الحجج وهي طريقة أخرى غير طريقة المتكلمين وأرباب الجدل والمعقولات ~~فهي أقرب شيء تناولا وأوضح دلالة وأقوى برهانا وأبعد من كل شبهة وتشكيك. # PageV04P1276 # وأما طريق المتكلمين وأرباب الجدل فهي كما قال الخبير بها # حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور # وأخص أوصافها أنها تعطيك مناقضة الخصوم واضطراب أقوالهم وأما أن تعطيك ~~علما وهدى # فإذا بعثت إلىالسباخ برائد ... تبغي الرياض فقد ظلمت الرائدا # وإذا كان هذا حالها وهي خير من طريق الفلاسفة وأقرب إلى الحق فكيف يعارض ~~الوحي بهذه الطرق وهذه ثم تقدم عليه. # الوجه السابع والأربعون بعد المائة: أن الله سبحانه منح عباده فطرة فطرهم ~~عليها لا تقبل سوى الحق ولا تؤثر عليه غيره لو تركت ms470 وأيدها بعقول تفرق بين ~~الحق والباطل وكملها بشرعة تفصل لها ما هو مستقر في الفطرة وأدركه العقل ~~مجملا فالفطرة قابلة # PageV04P1277 # والعقل مزك والشرع مبصر مفصل لما هو مركوز في الفطرة مشهود أصله دون ~~تفاصيله بالعقل فاتفقت فطرة الله المستقيمة والعقل الصريح والوحي المبصر ~~المكمل على الإقرار بموجود فطر هذا العالم بجميع ما فيه عاليه وسافله وما ~~بينهما وشهدت الفطر والعقول والشرائع المنزلة كلها بأنه ليس من جنس العالم ~~ولا مماثلا له وأنه مباين له غير ممتزج به ولا متحد به ولا حال فيه وأنه ~~فوق جميع العالم عال عليه بجميع أنواع العلو ذاتا وقهرا وعظمة وأنه موصوف ~~بجميع الكمال المقدس من لوازم ذاته فتوهم رفعه عنه كتوهم عدم ذاته ومن لم ~~يكن هذا الأصل معلوما عنده علما لا يشك فيه ولا يرتاب بل هو لقلبه ~~كالمشاهدات لبصره وإلا اضطرب عليه باب معرفة الله ووحدانيته وتصديق رسله ~~فلا يجوز أن يقدح في مقدمات هذا الأصل التي هي في أعلى مراتب الضروريات ~~بمقدمات يدعي أربابها أنها نظريات ومن خالفهم فيها يقول إنها غير صحيحة بل ~~معلومة الفساد إما بضرورة العقل أو بالنظر الصحيح المفضي إلى الضرورة. # ومن أبين ما شهدت به الفطر والعقول والشرائع علوه سبحانه فوق جميع العالم ~~فإن الله فطر على هذا الخليقة حتى الحيوان البهيم ومن أنكر هذا فهو في جانب ~~والفطر السليمة والعقول المستقيمة وجميع الكتب السماوية ومن أرسل بها في ~~جانب. # PageV04P1278 # قال الشيخ عبد القادر الكيلاني المتفق على كراماته وآياته وولايته ~~المقبول عند جميع الفرق أن كون الله سبحانه فوق سماواته على عرشه في كل ~~كتاب أنزل على كل نبي أرسل وصدق قدس الله روحه فإن الرسل من أولهم إلى ~~آخرهم ليس بينهم اختلاف في أسماء الرب وصفاته وأفعاله وإن تنوعت شرائعهم ~~العملية بحسب المصلحة فلم يختلف منهم اثنان في باب الأسماء والصفات وإن كان ~~في الكتابين اللذين لم ينزل من السماء كتاب أهدى منهما من ذلك ما ليس في ~~غيرهما حتى زعمت أئمة المعطلة أنهما كتابا ms471 تشبيه ومن جاء بهما إماما ~~المشبهة وقال بعض من تتبع النصوص النبوية في ذلك والآثار السلفية إنه وجدها ~~تزيد على ألف وقال غيره إنها تزيد على مائة ألف ولا تنافي بينهما فإن الأول ~~أراد ما يدل على نصوص العلو والاستواء والثاني أراد ما يدل على المباينة ~~وأن الله سبحانه بائن من خلقه. # وأما تقرير ذلك بالأدلة العقلية الصريحة فمن طرق كثيرة جدا منها # PageV04P1279 # الطريق الأول (وهو الوجه الثامن والأربعون بعد المائة1) : أنه إذا ثبت ~~بضرورة العقل أنه سبحانه مبائن للمخلوقات وثبت أن العالم كرى كما اعترف به ~~النفاة المعطلة وجعلوه عمدتهم في جحد علوه سبحانه لزم أن يكون الرب تعالى ~~في العلو ضرورة وذلك لأن العالم إذا كان مستديرا فله جهتان حقيقيتان العلو ~~والسفل فقط فإذا كان الرب تعالى مباينا للعالم امتنع أن يكون في السفل فوجب ~~قطعا أن يكون في العلو فإذا كان العالم كريا وقد ثبت بالضرورة أنه إما ~~مداخل له وإما مباين له وليس بمداخل قطعا ثبت أنه مباين قطعا وإذا كان ~~مباينا فإما أن يكون تحته أو فوقه قطعا وليس تحته بالضرورة وجب أن يكون ~~فوقه بالضرورة ولا جواب عن هذا البتة إلا بنفي النقيضين وهو أنه لا مباين ~~ولا مداخل وهذا حقيقة العدم المحض ونفيهما بطريقي العدم والحدوث عنه وأن ~~يقال ليس بقديم ولا حادث فإن القدم والحدوث من مقولة متى وهي ممتنعة عليه ~~كما أن المباينة والمداخلة من مقولة أين وهي ممتنعة عليه فالشبه والأدلة ~~التي تنفي وجود الصانع من جنس الشبه التي تنفي مباينته للعالم وعلوه عليه ~~لا فرق بينهما البتة. PageV04P1280 # الطريق الثاني (الوجه التاسع والأربعون بعد المائة) : أن يقال علوه ~~سبحانه على العالم وأنه فوق السماوات كلها وأنه فوق عرشه أمر مستقر في فطر ~~العباد معلوم لهم بالضرورة كما اتفق عليه جميع الأمم إقرارا بذلك وتصديقا ~~من غير تواطؤ منهم على ذلك ولا تشاعر وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون ذلك ~~بالضرورة وجميع الطوائف تنكر قول المعطلة إلا من تلقاه منهم وأما ms472 العامة من ~~جميع الأمم ففطرهم جميعهم مقرة بأن الله فوق العالم وإذا قيل لهم لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباين له ولا محايث ولا يصعد إليه ~~شيء ولا ينزل منه شيء ولا يقرب إليه شيء ولا يقرب هو من شيء ولا يحجب ~~العباد عنه حجاب منفصل ولا ترفع إليه الأيدي ولا تتوجه إليه القلوب نحو ~~العلو أنكرت فطرهم ذلك غاية الإنكار ودفعته غاية الدفع. # قال أبو الحسن الأشعري في كتبه ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا ~~دعوا نحو السماء لأن الله عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السماوات ~~فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو السماء كما لا ~~يحطونها إذا دعوا نحو الأرض هذا لفظه في أجل كتبه وأكبرها وهو الموجز وفي ~~أشهرها وهو الإبانة التي اعتمد عليها أبصر الناس له وأعظمهم ذبا عنه من أهل ~~الحديث أبو القاسم ابن عساكر فإنه اعتمد على هذا الكتاب وجعله # PageV04P1281 # من أعظم مناقبه في كتاب تبيين كذب المفتري ثم قال في كتابه ومن دعاء أهل ~~الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم يقولون يا ~~ساكن العرش ويقولون لا والذي احتجب بسبع سماوات. # وقال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب في كتاب الصفات وقد ذكر مسألة ~~الاستواء وقد تقدم حكاية لفظه قال ولو لم يشهد بصحة مذهب الجماعة في هذا ~~إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي كيف وقد غرس في بنية الفطرة ~~ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدا عنه ~~عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول أين ربك إلا قال في السماء إن ~~أفصح أو أومأ بيده أو اشار بطرفه إن كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من ~~أرض ولا سهل ولا جبل ولا رأينا أحدا داعيا إلا رافعا يديه إلى السماء وقال ~~ابن عبد البر إمام أهل السنة ms473 ببلاد المغرب في التمهيد لما تكلم على حديث ~~النزول قال هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث ~~في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار # PageV04P1282 # العدول عن النبي وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش فوق سبع ~~سماوات كما قال الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن الله بكل ~~مكان قال والدليل على صحة قول أهل الحق قوله تعالى وذكر عدة آيات إلى أن ~~قال وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته ~~لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم وهذا قليل من كثير من ~~كلام من ذكر أن مسألة العلو فطرية ضرورية وأما من نقل إجماع الأنبياء ~~والرسل والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فأكثر من أن يذكر ولكن ننبه على ~~اليسير منه. # قال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له وأئمتنا كسفيان الثوري ~~ومالك بن أنس وسفيان بن # PageV04P1283 # عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض ~~وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون على أن الله سبحانه بذاته ~~فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ~~ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئا من ذلك ~~فهو منهم بريء وهم منه براء وأبو نصر هذا كان مقيما بمكة في أثناء المائة ~~الخامسة وقال قبله الشيخ أبو عمر الطلمنكي المالكي أحد أئمة وقته بالأندلس ~~في كتاب الوصول إلى معرفة الأصول قال وأجمع المسلمون من أهل السنة على معنى ~~قوله {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد4] ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه وأن ~~الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء وقال أيضا قال أهل السنة في ~~قوله {الرحمن على العرش استوى} إن الاستواء من الله على عرشه المجيد على ~~الحقيقة لا على المجاز. # PageV04P1284 # وقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي الشيخ المشهور في ms474 كتابه الحجة له إن قال ~~قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما ~~أجمع عليه الأئمة والعلماء والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة فاذكر ~~مذاهبهم وما أجمعوا عليه من اعتقادهم وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم ~~فالجواب أن الذي أدركت عليه أهل العلم ومن لقيتهم وأخذت عنهم ومن بلغني ~~قوله من غيرهم فذكر جل اعتقاد أهل السنة وفيه أن الله مستو على عرشه بائن ~~من خلقه كما قال في كتابه {أحاط بكل شيء علما} [الطلاق12] {وأحصى كل شيء ~~عددا} [الجن28] وقال قبله الحافظ أبو نعيم الأصبهاني المشهور # PageV04P1285 # صاحب التصانيف المشهورة كحلية الأولياء وغيرها في عقيدته المشهورة عنه ~~طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة فما اعتقدوه اعتقدناه ~~فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي في العرش واستواء الله عليه ~~يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن من ~~خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في ~~سماواته من دون أرضه. # وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة في ~~العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة وهي العقيدة التي كتبها ~~للخليفة القادر بالله وقرأها على الناس وجمع الناس عليها وأقر بها طوائف ~~أهل السنة وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة # PageV04P1286 # والرافضة ونحوهم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وكان حينئذ قد تحرك ولاة الأمور ~~لإظهار السنة لما كان الحاكم المصري وأمثاله من الملاحدة قد انتشر أمرهم ~~فكان أهل ابن سينا وأمثالهم من أهل دعوتهم وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين ~~لعنة أهل البدع على المنابر وأظهر السنة وتناظر عنده ابن الهيضم وابن فورك ~~في مسألة العلو فرأى قوة كلام ابن الهيضم فرجح ذلك ويقال إنه قال لابن فورك ~~فلو أردت أن تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا وقال فرق لي بين هذا ~~الرب الذي تصفه وبين المعدوم وأن ابن فورك كتب إلى أبي ms475 إسحاق الإسفراييني ~~يطلب الجواب عن ذلك فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون ~~جسما ومن الناس من يقول إن السلطان لما ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السم ~~حتى قتله وتناظر عنده فقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وغيرهم # PageV04P1287 # وفقهاء الرأي فرأى قوة مذهب أهل الحديث فرجحه وغزا المشركين بالهند وهذه ~~العقيدة مشهورة وفيها كان ربنا وحده ولا شيء معه ولا مكان يحويه خلق كل شيء ~~بقدرته وخلق العرش لا لحاجة إليه فاستوى عليه استواء استقرار كيف شاء وأراد ~~لا استواء راحة كما يستريح الخلق وهو يدبر السماوات والأرض ويدبر ما فيهما ~~ومن في البر والبحر لا مدبر غيره ولا حافظ سواه يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ~~ويميتهم والخلق كلهم عاجزون والملائكة والنبيون والمرسلون وسائر الخلق ~~أجمعين والقادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد وهو السميع بسمع ~~والبصير ببصر يعرف صفتهما من نفسه ولا يبلغ كنههما أحد من خلقه متكلم بكلام ~~يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو ~~وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة ~~مجاز. # وقال أبو عمر أيضا أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل ~~قالوا في تأويل قوله تعالى: # PageV04P1288 # {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة7] هو على العرش وعلمه ~~في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. # وقال أيضا أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن ~~والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون ~~شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة محصورة. # وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل ~~شيئا على الحقيقة ويزعم أن من أقر بها مثبتة وهم عند من أقر بها نافون ~~للمعبود يلاشون أي يقولون لا شيء والحق فيها ما قاله القائلون بما نطق به ~~كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ms476 أئمة الجماعة. # وقال الشيخ العارف معمر بن أحمد الأصفهاني # PageV04P1289 # أحد شيوخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من ~~السنة وموعظة من الحكمة. # وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين ~~والمتأخرين قال فيها وإن الله مستو على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل ~~والاستواء معقول والكيف مجهول وإنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه ~~والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة لأنه الفرد ~~البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق وإن الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ~~ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة ~~إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له ~~هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع الفجر. # ونزول الرب إلى سماء الدنيا بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر النزول ~~أو تأول فهو مبتدع ضال. # وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة يعني ~~في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا ~~وشاما ويمنا وكان من مذاهبهم أن الإيمان قول # PageV04P1290 # وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته إلى أن قالوا ~~إن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا ~~كيف أحاط بكل شيء علما. # وقال الشيخ الإمام المتفق على إمامته وعلمه وصلاحه وكراماته أبو محمد ~~موفق الدين بن قدامة المقدسي إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء ووصفه بذلك ~~رسوله خاتم الأنبياء وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء ~~والأئمة من الفقهاء وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع الله ~~عليه قلوب المسلمين وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين فتراهم عند نزول ~~الكرب يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم وينظرون مجيء ~~الفرج من ربهم وينطقون بذلك بألسنتهم ولا ينكر ذلك إلا مبتدع غال ms477 في بدعته ~~أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته. # PageV04P1291 # قال وأنا ذاكر في هذا الجزء ما بلغني في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصحابته والأئمة المقتدين بسنته على وجه يحصل القطع واليقين بصحة ذلك ~~عنهم ويعلم تواتر الرواية بوجوده منهم ليزداد من وقف عليه من المؤمنين ~~إيمانا ويثبته من خفي عليه ذلك حتى يصير كالمشاهد له عيانا. # وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي في شرح الأسماء الحسنى لما ذكر اختلاف ~~الناس في تفسير الاستواء قال وأظهر الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الآي ~~والأخبار وقاله الفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى ~~لسان نبيه بلا كيف بائن من خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم ~~الثقات. # PageV04P1292 # وقال أيضا في كتابه في التفسير لما تكلم على آية الاستواء قال هذه مسألة ~~الاستواء وللعلماء فيها كلام وقد بينا أقوال العلماء في شرح الأسماء الحسنى ~~وذكرنا فيها أربعة عشر قولا وذكر قول النفاة المعطلين فقال وإنهم يقولون ~~إذا وجب تنزيه الرب عن الجهة والحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه تنزيه الرب عن ~~الجهة فليس بجهة فوق عندهم لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون ~~في مكان أو حيز ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون ويلزم من ذلك ~~التغير والحدوث قال وكان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ~~ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه ~~وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه مستو على عرشه حقيقة وإنما ~~جهلوا كيفية الاستواء. # PageV04P1293 # وقال أبو بكر النقاش حدثنا أبو العباس السراج قال سمعت قتيبة بن سعيد ~~يقول هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة نعرف ربنا في السماء ~~السابعة على عرشه كما قال {الرحمن على العرش استوى} وقال الخلال في كتاب ~~السنة أخبرنا المروزي حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا سليمان بن ~~داود الخفاف قال قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال الله تبارك وتعالى ~~{الرحمن على ms478 العرش استوى} فهو فوق سماواته على عرشه ويعلم كل شيء في أسفل ~~الأرض السابعة وفي # PageV04P1294 # قعر البحار وفي رؤوس الأكام وبطون الأودية وفي كل موضع كما يعلم علم ما ~~في السموات السبع وما دون العرش أحاط بكل شيء علما فلا تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب قد عرف ذلك ~~وأحصاه ولا يعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره. # وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وكتاب الرد على الجهمية لعبد ~~الرحمن ابن أبي حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا من ~~طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم شر قولا من ~~اليهود والنصارى قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن ~~الله فوق العرش وقالوا هم ليس عليه شيء. ورويا أيضا في هذين الكتابين عن ~~عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور قال أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله ~~لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا ليس في # PageV04P1295 # السماء شيء وأن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ~~قتلوا. # وروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن عباد بن العوام الواسطي من طبقة ~~عبد الرحمن بن مهدي وذويه قال كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر فرأيت آخر ~~كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء. # وقال علي بن عاصم شيخ البخاري ناظرت جهميا فتبين من كلامه أنه لا يرى أن ~~في السماء ربا ذكره عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم. # وروى عبد الله بن أحمد عن سليمان بن حرب قال سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء ~~الجهمية فقال إنما يجادلون أن يقولوا ليس في السماء شيء وروى عن أبيه # PageV04P1296 # حدثنا شريح بن النعمان قال سمعت عبد الله بن نافع الصانع قال سمعت مالك ~~بن أنس يقول الله في السماء وعلمه في كل مكان. # وروى البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال كنا نحن والتابعون متوافرون ~~نقول ms479 إن الله تعالى فوق عرشه نؤمن بما وردت به السنة من صفاته فقد ذكر ~~الأوزاعي وهو أحد الأئمة في عصر تابعي التابعين الذين كان فيهم مالك وابن ~~الماجشون وابن أبي ذئب ونحوهم من أئمة أهل الحجاز والليث بن سعد ونحوه من ~~أئمة مصر والثوري وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ونحوهم من أئمة أهل الكوفة ~~وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة ونحوهم من أئمة أهل البصرة فهؤلاء ~~وأمثالهم أئمة الإسلام شرقا وغربا في ذلك الزمان وقد حكى الأوزاعي شهرة ~~القول بأن الله فوق عرشه في زمن التابعين وقال أبو حنيفة من قال لا أعرف ~~ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر لأن الله يقول {الرحمن على العرش استوى} ~~وعرشه فوق سبع # PageV04P1297 # سماوات قال أبو مطيع قلت فإن قال إنه على العرش وقال لا أدري العرش في ~~السماء أم في الأرض قال هو كافر لأنه أنكر أن يكون الله في السماء لأنه ~~تعالى في أعلى عليين وهو يدعي من أعلى لا من أسفل وفي لفظ آخر قال أبو مطيع ~~سألت أبا حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض قال قد كفر لأن ~~الله يقول {الرحمن على العرش استوى} وعرشه فوق سبع سماوات قال فإنه يقول ~~على العرش استوى ولكنه لا يدري العرش في الأرض أم في السماء قال إذا أنكر ~~أنه في السماء فقد كفر ذكره البيهقي وغيره. # وروى عبد الله بن أحمد وغيره عن عبد الله بن المبارك بأسانيد صحيحة بأنه ~~سئل بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول ~~كما تقول الجهمية بأنه هاهنا في الأرض وهكذا قال الإمام أحمد فيما حكاه ~~الخلال عنه في الجامع قال في رواية ابنه عبد الله باب ما أنكرت الجهمية ~~الضلال أن يكون الله على العرش قلنا لم أنكرتم أن الله على العرش وقد قال ~~جل ثناؤه # PageV04P1298 # {الرحمن على العرش استوى} [طه5] وقال {هو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ms480 ثم استوى على العرش} [الحديد4] ثم قال وقد أخبرنا أنه في السماء ~~فقال {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} [الملك17] وقال جل ثناؤه ~~{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر10] وقال {إني متوفيك ~~ورافعك إلي} [آل عمران55] وقال {بل رفعه الله إليه} [النساء158] وقال {وله ~~من في السماوات والأرض ومن عنده} [الأنبياء19] وقال {يخافون ربهم من فوقهم} ~~[النحل50] وقال {ذي المعارج} [المعارج3] وقال {وهو القاهر فوق عباده} ~~[الأنعام18] # PageV04P1299 # وقال {وهو العلي العظيم} [البقرة255] وقد أخبر الله أنه في السماء ووجدنا ~~كل شيء أسفل مذموما يقول جل ثناؤه {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} ~~[النساء145] إلى أن قال ومعنى قول الله عز وجل {وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض} [الأنعام3] يقول هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو الله ~~على العرش وقد أحاط علمه بما دون العرش لا يخلو من علم الله مكان ونصوص ~~أحمد في ذلك كثيرة جدا مذكورة في غير هذا الموضع. # وأما الشافعي فقد صرح في خطبة الرسالة بأن الله سبحانه لا يوصف إلا بما ~~وصف به نفسه وصرح بأن خلافة الصديق حق قضاها الله فوق سماواته وجمع عليها ~~قلوب عباده وصرح في باب الكفارة في حديث الجارية وقول النبي لها أين الله ~~قال الشافعي # PageV04P1300 # فلما وصفت الإيمان قال أعتقها فإنها مؤمنة فجعل إقرارها بأن الله في ~~السماء إيمانا. # وذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال عن وهب بن جرير أحد أئمة الإسلام قال ~~الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى وعن حماد بن زيد ~~القرآن كلام الله نزل به جبريل ما يجادلون إلا أنه ليس في السماء إله. # وقال ابن المبارك لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض هاهنا بل على ~~العرش استوى وقيل له كيف نعرف ربنا قال فوق سمواته على عرشه وقال لرجل من ~~الجهمية أبطنك خال منه فبهت الآخر. # وذكر البخاري في هذا الكتاب أيضا قول سعيد بن عامر وقد تقدم وقال عن شيخه ms481 ~~علي بن عاصم # PageV04P1301 # احذر من المريسي وأصحابه فإن كلامهم أبوجاد الزندقة وأنا كلمت أستاذهم ~~جهما فلم يثبت أن في السماء إلها وقال يزيد بن هارون من زعم أن الرحمن على ~~العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي وقال صدقة سمعت ~~سليمان التيمي يقول لو سئلت أين الله تعالى لقلت في السماء فإن قال فأين ~~كان عرشه قبل السماء لقلت على الماء فإن قال فأين كان عرشه قبل الماء لقلت ~~لا أعلم. # وفي مسائل جرت لأحمد وإسحاق إن الله سبحانه وصف نفسه في كتابه بصفات ~~استغنى الخلق أن يصفوه بغيرها فمما وصف به نفسه من ذلك قوله تعالى {هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة210] # PageV04P1302 # وقوله: {وترى الملائكة حافين من حول العرش} [الزمر75] وآيات مثلها تصف ~~العرش وقد ثبتت الروايات في العرش وأعلى شيء فيه وأثبته قول الله {الرحمن ~~على العرش استوى} [طه5] وذكر عن خارجة بن مصعب قال الجهمية كفار لا تنكحوا ~~إليهم ولا تنكحوهم ولا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم وبلغوا نساءهم ~~أنهن طوالق وأنهن لا يبحن لأزواجهن وقرأ طه إلى قوله {الرحمن على العرش ~~استوى} [طه5] ثم قال وهل يكون الاستواء إلا الجلوس وقال إمام الأئمة محمد ~~بن إسحاق بن خزيمة من لم يقل بأن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ~~وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ~~ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة ذكره عنه أبو عبد الله الحاكم في كتاب علوم ~~الحديث له وفي كتاب تاريخ نيسابور وذكره أبو عثمان النيسابوري في رسالته ~~المشهورة وروى # PageV04P1303 # الخلال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن عن قوله {الرحمن على العرش استوى} فقال الاستواء معلوم والكيف غير ~~معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق. وقد روي هذا ~~الكلام عن الإمام مالك من وجوه متعددة وروى ابن أبي حاتم عن هشام بن عبيد ms482 ~~الله الرازي أنه حبس رجلا في التجهم فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال أتشهد ~~أن الله على عرشه بائن من خلقه قال لا أدري ما بائن من خلقه فقال ردوه إلى ~~الحبس فإنه لم يتب. # وروي أيضا عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه جعل يضرب قرابة له بالنعل ~~على رأسه يرى رأي جهم قال لا حتى يقول الرحمن على العرش استوى بائن من ~~خلقه. # وروي أيضا عن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال كلام الجهمية أوله عسل ~~وآخره سم وإنما يجادلون أن يقولوا ليس في السماء إله. # وقال أبو الوليد بن رشد في كتاب مناهج الأدلة # PageV04P1304 # القول في الجهة وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر ~~يثبتونها لله حتى نفتها المعتزلة وتبعهم على ذلك متأخرو الأشعرية وساق أدلة ~~القرآن عليها إلى أن قال والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء وأن ~~منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن من السماء نزلت الكتب وإليها ~~كان الإسراء بالنبي حتى قرب من سدرة المنتهى قال وجميع الحكماء قد اتفقوا ~~على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك ثم قرر ~~ذلك بالدليل العقلي وبين بطلان شبهة المعطلة وهذه النقول التي حكيناها قليل ~~من كثير وقد ذكرنا أضعاف أضعافها في كتاب اجتماع العساكر الإسلامية على غزو ~~الفرقة الجهمية وهي تبين كذب من قال إنه لم يقل بذلك إلا الكرامية ~~والحنبلية وفريته وجهله والمقصود بأن علو # PageV04P1305 # الخالق على المخلوقات كلها وكونه فوق العالم أمر مستقر في فطر العباد ~~معلوم بالضرورة كما اتفق عليه جميع الأمم من غير تواطؤ وتشاعر بخلاف النفي ~~والتعطيل فإنه يتلقاه بعضهم عن بعض كسائر المقالات الباطلة المخالفة لصريح ~~العقل والنقل. # فصل # ومما ينصرف إلى ذلك أن العباد كلهم مضطرون إلى دعاء الرب سبحانه وسؤاله ~~وقصده والافتقار إليه كما قال الله تعالى {يسأله من في السماوات والأرض كل ~~يوم هو في شأن} [الرحمن29] وهم مضطرون إلى توجيه قلوبهم إلى العلو كما أنهم ms483 ~~مضطرون إلى دعائه وقصده وسؤاله كما أنهم يضطرون إلى الإقرار به وأنه ربهم ~~وخالقهم ومليكهم ولا يجدون فرقا بين هذا الاضطرار وهذا فكما لا تتوجه ~~قلوبهم غلى رب غيره ولا إلى إله سواه فكذلك لا يجدون في قلوبهم توجها إلى ~~جهة أخرى غير العلو بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى قصد جهة العلو دون سائر ~~الجهات وهذا يتضمن اضطرارهم إلى قصده سبحانه في العلو وإقرارهم وإيمانهم ~~بذلك. # PageV04P1306 # فصل: الطريق الثالث (الوجه الخمسون بعد المائة) : إنه قد ثبت بصريح العقل ~~أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص فإن الله ~~سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص ولهذا لما تقابل الموت والحياة وصف ~~بالحياة دون الموت ولما تقابل العلم والجهل وصف بالعلم دون الجهل وكذلك ~~العجز والقدرة والكلام والخرس والبصر والعمى والسمع والصمم والغنى والفقر ~~ولما تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة وإذا ~~كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو سفوله عنه وتقابل العلو والسفول ~~وصف بالعلو دون السفول وإذا كان مباينا للعالم كان من لوازم مباينته أن ~~يكون فوق العالم ولما كان العلو صفة كمال كان ذلك من لوازم ذاته فلا يكون ~~مع وجود العالم إلا عاليا عليه ضرورة ولا يكون سبحانه إلا فوق المخلوقات ~~كلها ولا تكون المخلوقات محيطة به أصلا وإذا قابلت بين هذه المقدمات ~~ومقدمات شبه المعطلة ظهر لك الحق من الباطل. # PageV04P1307 # فصل: الطريق الرابع (الوجه الحادي والخمسون بعد المائة) : إنه إذا كان ~~سبحانه مباينا للعالم فإما أن يكون محيطا به أو لا يكون محيطا به فإن كان ~~محيطا به لزم علوه عليه قطعا ضرورة علو المحيط على المحاط به ولهذا لما ~~كانت السماء محيطة بالأرض كانت عالية عليها ولما كان الكرسي محيطا ~~بالسماوات كان عاليا عليها ولما كان العرش محيطا بالكرسي كان عاليا فما كان ~~محيطا بجميع ذلك كان عاليا عليه ضرورة ولا يستلزم ذلك محايثته لشيء مما هو ~~محيط به ولا مماثلته ومشابهته له فإذا كانت السماء محيطة بالأرض وليست ~~مماثلة ms484 لها فالتفاوت الذي بين العالم ورب العالم أعظم من التفاوت الذي بين ~~الأرض والسماء وإن لم يكن محيطا بالعالم بأن لا يكون العالم كريا بل تكون ~~السماوات كالسقف المستوي فهذا وإن كان خلاف الإجماع وخلاف ما دل عليه العقل ~~والحس فلو قال به قائل لزم أيضا أن يكون الرب تعالى عاليا على العالم لأنه ~~إذا كان مباينا وقدر أنه غير محيط فالمباينة تقتضي ضرورة أن يكون في العلو ~~أو في جهة غيره ومن المعلوم بالضرورة أن العلو أشرف بالذات من سائر الجهات ~~فوجب ضرورة اختصاص الرب بأشرف الأمرين وأعلاهما والمعطلة تقول هذه القضية ~~خطابية لا برهانية ولعمر الله إنك لو سألت كل صحيح التمييز والفطرة عن ذلك ~~لوجدت في فطرته أن الرب تعالى # PageV04P1308 # أولى وأحق بهذه القضية التي يسميها هؤلاء خطابية وليس في المعقول أصح من ~~هذه المقدمة وتسميتها خطابية لا تقتضي جحد العقول الصحيحة لها وإنكارها ~~للرب سبحانه. # فصل: الطريق الخامس (الوجه الثاني والخمسون بعد المائة) : ما احتج به ~~الإمام أحمد نفسه على الجهمية فقال وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على ~~الله فقل له أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له فحين خلق الخلق خلقه ~~في نفسه أو خارجا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لا بد له من واحد منها ~~إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين ~~في نفسه وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفرا حين ~~زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم لم ~~يدخل فيهم رجع قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة وبقي هاهنا قسمان سكت ~~الإمام أحمد عن التعرض لإبطالهما لأن بطلانهما معلوم بالضرورة فإن أحدهما ~~يتضمن إثبات النقيضين والآخر يتضمن رفعهما. # فالأول: يكون خلقهم خارجا عن نفسه وداخلا في نفسه. # PageV04P1309 # والثاني أن يكون غير خارج عنهم ولا داخل فيهم أو يكونوا غير خارجين عنه ms485 ~~ولا داخلين فيه فإن نفي هذا كنفي أن يكون قائما بنفسه وقائما بغيره وأن ~~يكون قديما ومحدثا ونحو ذلك مما ينفي فيه النقيضان ولا يغني الجهمي في هذا ~~المقام اعتذاره بأنه غير قابل للدخول والخروج والمباينة والمحايثة لثلاثة ~~أوجه # أحدها: أن يقال له وهكذا قال أخوك معطل الذات سواء إنه غير قابل للقدم ~~والحدوث فما كان جوابك له فهو جواب أهل الإثبات لك. # الثاني: أن هذا التقسيم يتناول كل موجود ولا يخرج عنه إلا العدم المحض ~~فإنه تقسيم حاصر ولا واسطة بين نفيه وإثباته البتة بل هذا حكم كل موجودين ~~بالضرورة فإنه إما أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو غير مبائن له كما يقال ~~إما أن يكون أحدهما قائما بالآخر أو غير قائم به وإن كان هذا مكابرة صريحة ~~للعقل وكذلك إما أن يكون متقدما عليه أو مقارنا له فقولكم إن هذا فيما هو ~~قابل كلام باطل يتضمن رفع النقيضين والخلو منهما. # الثالث: أن يقال لا يتصور العقل شيئا غير قابل لذلك إلا العدم المحض ~~والنفي الصرف ودعواكم على العقل أنه يثبت قسما آخر غير قابل للنقيضين كذب ~~على العقل وفرية. # PageV04P1310 # فصل: يوضحه الطريق السادس (الوجه الثالث والخمسون بعد المائة) : أن يقال ~~كل موجودين فإما أن يكون أحدهما قائما بنفسه أو قائما بالآخر فإن كان قائما ~~بالآخر امتنع قيام الآخر به ضرورة وإن كان قائما بنفسه فحقيقته خارجة عن ~~حقيقة الآخر ضرورة وإلا لزم اتحادهما وإذا كانت حقيقته خارجة عن حقيقة ~~الآخر كان مباينا له بالضرورة وهذا برهان ضروري لا يقدح فيه إلا ما يقدح في ~~سائر الضروريات. # فصل: الطريق السابع (الوجه الرابع والخمسون بعد المائة) : أن يقال الرب ~~سبحانه إما أن يكون موجودا خارج الأذهان موجودا في الأعيان أو لا يكون له ~~وجود خارجي فإن قلتم ليس له وجود خارجي وهو حقيقة قولكم كان خيالا ذهنيا لا ~~حقيقة له وإن قلتم بل هو موجود خارج الذهن في الأعيان منفصلا عن الأذهان ~~مباينا لها فقد أقررتم بأنه قابل للخروج والانفصال ms486 والمباينة فهلا جعلتم ~~جملة العالم كالذهني وقلتم بأنه خارج عنه منفصل مباين له وكيف صح بل وجب أن ~~يكون خارج الأذهان مباينا لها منفصلا عنها ولم يلزم من ذلك محال وامتنع أن ~~يكون خارج العالم مباينا له ولزم من ذلك المحال فمن هاهنا قيل إنكم فارقتم ~~حكم العقل والسمع وكان أتباع الرسل أسعد بالمعقول والمنقول منكم. # PageV04P1311 # فصل: الطريق الثامن (الوجه الخامس والخمسون بعد المائة) : إذا ثبت له ~~سبحانه وجود خارج الأذهان فإما أن يكون هو العالم المشهود أو صفة من صفاته ~~وعرضا من أعراضه أو غيره. # فإن قلتم بالأول فهو حقيقة قول الاتحادية الملاحدة الذين لا يثبتون خالقا ~~ومخلوقا وصانعا ومصنوعا بل حقيقة الرب عندهم هي هذا الوجود بعينه وإن قلتم ~~هو عرض من أعراض العالم وصفة من صفاته فهو من أمحل المحال لا يقوله أحد من ~~بني آدم فتعين أن يكون غير هذا العالم وحينئذ يلزم مباينته له ضرورة إذ ~~الغيران اللذان لا يكون أحدهما صفة للآخر ولا أحدهما قائما بالآخر لا بد أن ~~يتباينا إذ لو لم يتباينا لزم اتحاد أحدهما بالآخر أو حلوله فيه حلول الصفة ~~في الموصوف أو حلول الحال في المحل ولا ينفعكم قولكم إن هذا إنما يلزم فيما ~~هو قابل لذلك لما تقدم بيانه. # فصل: الطريق التاسع (الوجه السادس والخمسون بعد المائة) : أنا إذا عرضنا ~~على العقل الصريح الذي لم يفسد بتلقي الآراء والمذاهب الباطلة التصديق ~~بموجودين قائمين # PageV04P1312 # بأنفسهما وأحدهما مباين للآخر مع كونه غير مماثل له ولا هو من جنسه ~~وعرضنا عليه التصديق بموجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما مباينا للآخر ولا ~~مداخلا له ولا فوقه ولا تحته ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا محايثا له ~~ولا مباينا علمنا بالضرورة تصديقه بالأول ودفعه الثاني وإنكاره وكل شبهة ~~تقدح في هذا فهي قادحة في الضروريات وكل شبهة تقام على الثاني فهي من ~~الشبهة التي تقام على إمكان الممتنعات. # فصل: الطريق العاشر (الوجه السابع والخمسون بعد المائة) : أنه عند ~~المعطلة النفاة كون الله سبحانه فوق ms487 العالم مستو على عرشه بمنزلة كونه يأكل ~~ويشرب وينام بل هو بمنزلة إثبات الزوجة والولد له في كون هذا منافيا ~~لإلهيته وربوبيته وقدمه وكون علوه على خلقه واستوائه على عرشه منافيا لذلك ~~وهذا من أعظم القدح في العقول والفطر والشرائع والنبوات والكتب المنزلة ~~فإنها فرقت بين الأمرين تفرقة معلومة بالاضطرار لكل من له أدنى مسكة من عقل ~~فمن سوى بين الأمرين وجعل تنزيه الرب عنها من لوازم الإقرار به فليبك على ~~عقله وإيمانه. # PageV04P1313 # فصل: الطريق الحادي عشر (الوجه الثامن والخمسون بعد المائة) : أن يقال ~~للمعطلة تنزيهكم له سبحانه عن كونه مباينا لخلقه تنزيه له عن غناه ووجوده ~~وتنزيهكم له عن استوائه على عرشه تنزيه له عن كماله والمثبت لو شبهه بخلقه ~~بافترائكم وكذبكم عليه تعالى الله عن ذلك لكان قد أثبت موجودا قائما بنفسه ~~مباينا لخلقه له الكمال المطلق مع نوع تشبيه وهذا خير من تنزيهكم وأقرب إلى ~~العقول والفطر فكيف وهو مع ذلك يثبت أنه لا يماثل خلقه ولا يشابههم وأنه لا ~~يلزم من علوه على خلقه واستوائه على عرشه أن يكون من جنسهم مماثلا لهم ~~يوضحه. # الطريق الثاني عشر (الوجه التاسع والخمسون بعد المائة) : إن الله سبحانه ~~جعل بعض مخلوقاته عاليا على بعض ولم يلزم من ذلك مماثلة العالي للسافل ~~ومشابهته له فهذا الماء فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الهواء ~~والأفلاك فوق ذلك وليس عاليها مماثلا لسافلها والتفاوت الذي بين الخالق ~~والمخلوق أعظم من التفاوت الذي بين المخلوقات فكيف يلزم من علوه تشبيهه ~~بخلقه. # فإن قلتم وإن لم يلزم التشبيه لكن يلزم التجسيم # PageV04P1314 # قيل انفصلوا أولا عن قول معطلة الصفات لكم لو كان له سمع أو بصر أو حياة ~~أو علم أو قدرة أو كلام لزم التجسيم فإذا انفصلتم عنهم وتخلصتم من أسرهم ~~لكم عاد عليكم أهل السنة بالرأفة والرحمة وجبروكم وخلصوكم من هذا الوثاق ~~الذي شدكم به الملاحدة المعطلة فإن أبيتم إلا الجواب قيل لكم ما تعنون ~~بالتجسيم أتعنون به العلو على العالم والاستواء على ms488 العرش وهذا حاصل قولكم ~~وحينئذ فما زدتم على إبطال ذلك بمجرد الدعوى التي اتحد فيها اللازم ~~والملزوم بتغيير العبارة وكأنكم قلتم لو كان فوق العالم مستويا على عرشه ~~لكان فوق العالم ولكنكم لبستم وأوهمتم وإن عنيتم بالجسم المركب من الجواهر ~~الفردة فجمهور العقلاء ينازعونكم في إثبات الجوهر الفرد فضلا عن تركب ~~الأجسام الحادثة منه فالملازمة باطلة كاذبة وإن عنيتم به المركب من الهيولى ~~والصورة فأنتم قد قررتم بطلان تركب الأجسام من ذلك فأنتم أبطلتم هذا ~~التركيب الذي يدعيه الفلاسفة وهم أبطلوا التركيب الذي تدعونه من الجواهر ~~الفردة وجمهور العقلاء أبطلوا هذا وهذا فإذا كان هذا غير لازم في الأجسام ~~المحسوسة المشاهدة بل هو باطل فكيف يدعى لزومه فيمن ليس كمثله شيء وإن ~~عنيتم بالتجسيم تميز شيء منه عن شيء قيل لكم انفصلوا أولا عن قول نفاة ~~الصفات لو كان له سمع وبصر وحياة وقدرة لزم أن يتميز منه شيء عن شيء وذلك ~~عين # PageV04P1315 # التجسيم فإذا انفصلتم منهم أجبناكم بما تجيبونهم به فإن أبيتم إلا الجواب ~~منا قلنا إنما قام الدليل على إثبات إله قديم غني بنفسه عن كل ما سواه وكل ~~ما سواه فقير إليه كل أحد يحتاج إليه وليس محتاجا إلى أحد ووجود كل شيء ~~مستفاد منه ووجوده ليس مستفادا من غيره ولم يقم الدليل على استحالة تكثر ~~أوصاف كماله وتعدد أسمائه الدالة على صفاته وأفعاله بل هو إله واحد ورب ~~واحد وإن تكثرت صفاته وتعددت أسماؤه فلا إله غيره ولا رب سواه. # فصل: الطريق الثالث عشر (الوجه الستون بعد المائة) : أن يقال أخبر الناس ~~بمقالات الفلاسفة قد حكى اتفاق الحكماء على أن الله والملائكة في السماء ~~كما اتفقت على ذلك الشرائع وقرر ذلك بطريق عقلي من جنس تقرير ابن كلاب ~~والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر # PageV04P1316 # ابن الباقلاني وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم ممن يقول إن الله فوق العرش ~~وليس بجسم قال هؤلاء وإثبات صفة العلو والفوقية له سبحانه لا يوجب الجسمية ~~بل ms489 ولا إثبات المكان وبنى الفلاسفة ذلك على ما ذكره ابن رشد إن المكان هو ~~السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي فكان ~~الإنسان عندهم هو باطن الهواء المحيط به وكل سطح باطن فهو مكان للسطح ~~الظاهر فيما يلاقيه ومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسم باطن يحوي شيئا ~~فلا مكان هناك إذ لو كان هناك مكان حاو لسطح الجسم لكان الحاوي جسما ولهذا ~~قال فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم ~~فالذي يمتنع وجوده هناك هو وجود جسم لا وجود ما ليس بجسم وقرر إمكان ذلك ~~كما قرر إثباته بما ذكر من أنه لا بد من نسبة بينه وبين العالم المحسوس ~~فيجب أن يكون في جهة العلو والذي يمكن منازعيه من الفلاسفة والجهمية ~~والمعتزلة أن يقولوا لا يمكن أن يوجد هناك شيء لا جسم ولا غير جسم أما ~~الجسم فلما ذكر وأما غير الجسم فلأن كونه مشارا إليه بأنه # PageV04P1317 # هناك يستلزم أن يكون جسما وحينئذ فيقول هؤلاء المثبتون لمن نازعهم في ذلك ~~وجود موجود قائم بنفسه ليس وراء أجسام العالم ولا داخلا في العالم إما أن ~~يكون ممكنا أو لا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل قولكم وإن كان ممكنا فوجود ~~موجود وراء أجسام العالم وليس بجسم أولى بالجواز يوضحه # فصل: الطريق الرابع عشر (الوجه الحادي والستون بعد المائة) : وهو أنا إذا ~~عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه لا في العالم ولا خارجا عنه ولا ~~يشار إليه وعرضنا عليه وجود موجود يشار إليه فوق العالم ليس بجسم كان إنكار ~~العقل للأول أعظم وامتناعه فيه أظهر من إنكاره للثاني وامتناعه فيه فإن كان ~~حكم العقل في الأول مقبولا وجب قبول الثاني وإن كان الثاني مردودا وجب رد ~~الأول ولا يمكن العقل الصريح أن يقبل الأول ويرد الثاني أبدا. # فصل: الطريق الخامس عشر (الوجه الثاني والستون بعد المائة) : أنه سبحانه ~~لو لم يقبل الإشارة الحسية إليه كا أشار إليه النبي ms490 حسا بإصبعه بمشهد الجمع ~~الأعظم وقبل ممن شهد لها بالإيمان الإشارة الحسية # PageV04P1318 # إليه فإما أن يقال إنه يقبل الإشارة المعنوية فقط أولا يقبلها أيضا كما ~~لا يقبل الحسية فإن لم يقبل هذه ولا هذه فهو عدم محض بل العدم المقيد ~~المضاف يقبل الإشارة المعنوية وإن قيل يقبل الإشارة المعنوية دون الحسية ~~لزم أن يكون معنى من المعاني لا ذاتا خارجية وهذا مما لا حيلة في دفعه فمن ~~أنكر جواز الإشارة الحسية إليه فلا بد له من أحد أمرين إما أن يجعله معدوما ~~أو معنى من المعاني لا ذاتا قائمة بنفسها. # فصل: الطريق السادس عشر (الوجه الثالث والستون بعد المائة) : إن من أعجب ~~العجب أن هؤلاء الذين فروا من القول بعلو الله فوق المخلوقات واستوائه على ~~عرشه خشية التشبيه والتجسيم قد اعترفوا بأنهم لا يمكنهم إثبات الصانع إلا ~~بنوع من التشبيه والتمثيل ونحن لا نحيلك على عدم بل نحكي ألفاظهم بعينها ~~معزوة إلى مكانها قال الآمدي في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر حجة القائلين ~~بالعدم الوجه # PageV04P1319 # العاشر لو كان العالم محدثا فمحدثه إما أن يكون مساويا له من كل وجه أو ~~مخالفا له من كل وجه أو مماثلا له من وجه ومخالفا له من وجه فإن كان الأول ~~فهو حادث والكلام فيه كالكلام في الأول ويلزم التسلسل الممتنع وإن كان ~~الثاني فالمحدث له ليس بموجود وإلا لما كان مخالفا له من كل وجه وهو خلاف ~~العرض وإذا لم يكن موجودا امتنع أن يكون موجدا للموجود وإن كان الثالث فمن ~~جهة ما هو مماثل للحادث يجب أن يكون حادثا والكلام فيه كالأول وهو تسلسل ~~محال وهذه المحالات إنما نشأت من القول بكونه محدثا للعالم قال والجواب عن ~~هذه الشبهة أن المختار من أقسامها إنما هو القسم الأخير ولا يلزم من كون ~~القديم مماثلا للحوادث من وجهة أن يكون مماثلا للحادث من جهة كونه حادثا بل ~~لا مانع من الاختلاف بينهما في صفة القدم والحدوث وإنما تماثلا بأمر آخر ~~وهذا # PageV04P1320 # كالسواد والبياض يختلفان ms491 من وجه دون وجه لاستحالة اختلافهما من كل وجه ~~وإلا لما اشتركا في العرضية والكونية والحدوث واستحالة تماثلهما من كل وجه ~~وإلا كان السواد بياضا ومع ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجه أن ~~يكون مماثلا له في صفة البياضية فيقال يالله العجب هلا طردتم هذا الجواب ~~وسلكتم هذا الطريق في إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وإثبات ~~صفات كماله كلها وإثبات الصفات الخبرية كلها وأجبتم بهذا الجواب لمن قال ~~لكم من المعطلة النفاة لو كان له صفات لزم مماثلته للمخلوقات وهلا تقنعون ~~من أهل السنة المثبتين لصفات كماله ونعوت جلاله وعلوه على مخلوقاته ~~واستوائه على عرشه بمثل هذا الجواب الذي أجبتم به من أنكر حدوث العالم بل ~~إذا أجابوكم به قلبتم لهم ظهر المجن وصرحتم بتكفيرهم وتبديعهم وإذا أجبتم ~~أنتم به بعينه كنتم موحدين ناصرين لله ورسوله. # فصل: الطريق السابع عشر (الوجه الرابع والستون بعد المائة) : أن يقال هل ~~للرب تعالى ماهية متميزة على سائر الماهيات يختص بها لذاته أم تقولون لا ~~ماهية له فإن قلتم بالثاني كان هذا إنكارا له سبحانه وجحودا وجعله وجودا # PageV04P1321 # مطلقا لا ماهية له وإن قلتم بل له ذات مخصوصة وماهية متميزة عن سائر ~~الماهيات قيل لكم ماهيته وذاته سبحانه غير متناهية بل ذاهبه في الأبعاد إلى ~~غير نهاية أم متناهية فإن قلتم بالأول لزم منه محالات غير واحدة وإن قلتم ~~بالثاني بطل قولكم ولزم إثبات المباينة والجهة وهذا لا محيد عنه وإن قلتم ~~لا نقول له ماهية ولا ليست له ماهية قيل لا يليق بالعقول المخالفة لما جاءت ~~به الرسل إلا هذا المحال والباطل وإن قلتم بل له ذات مخصوصة وماهية متميزة ~~عن سائر الماهيات ولا نقول إنها متناهية ولا غير متناهية لأنها لا تقبل ~~واحدا من الأمرين قلنا التناهي وعدم التناهي يتقابلان تقابل السلب والإيجاب ~~فلا واسطة بينهما كما لا واسطة بين الوجود والعدم والقدم والحدوث والسبق ~~والمقارنة والقيام بالنفس والقيام بالغير وتقدير قسم آخر لا يقبل واحدا ms492 من ~~الأمرين تقدير ذهني يفرضه الذهن كما يفرض سائر المحالات ولا يدل ذلك على ~~وجوده في الخارج ولا إمكانه ألا ترى أن قائلا لو قال التقسيم يقتضي المعلوم ~~إما قديم وإما حادث وإما قديم حادث وإما لا قديم ولا حادث وكذلك إما أن ~~يكون متناهيا أو غير متناه أو متناهيا ولا غير متناه أو قائما بنفسه أو ~~بغيره أو بنفسه وبغيره أولا بنفسه ولا بغيره أو داخلا في العالم أو خارجا ~~عنه أو داخلا خارجا أو لا داخلا ولا خارجا كان ذلك كله بمنزلة واحدة وكان ~~التقسم تقسيما ذهنيا لا خارجيا وإن سلب النقيضين في ذلك كله في الإحالة ~~كإثبات النقيضين. # PageV04P1322 # فصل: الطريق الثامن عشر (الوجه الخامس والستون بعد المائة) : أن يقال ~~ذاته سبحانه إما أن تكون قابلة للعلو على العالم أو لا تكون قابلة فإن كانت ~~قابلة وجب وجود المقبول لأنه صفة كمال وإلا لم يقبله ولأن قبولها لذلك هو ~~من لوازمها لقبول الذات للعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر فوجود هذه ~~لازم للذات ضرورة ولأنها إذا قبلته فلو لم تتصف به لاتصفت بضده وهو نقص ~~يتعالى ويتقدس عنه وإن لم تكن قابلة للعلو لزم أن يكون قابل العلو أكمل ~~منها لأن ما يقبل أن يكون عاليا وإن لم يكن عاليا أكمل ممن لا يقبل العلو ~~وما قبله وكان عاليا أكمل ممن قبله ولم يكن عاليا فالمراتب ثلاث أدناها ~~مالا يقبل العلو وأعلاها ما قبله واتصف به والذي يوضح ذلك أن مالا يقبل أن ~~يكون فوق غيره إما أن يكون عرضا من الأعراض لا يقوم بنفسه ولا يقبل أن يكون ~~عاليا على غيره وإما أن يكون أمرا عدميا لا يقبل ذلك وإما إثبات ذات قائمة ~~بنفسها متصفة بالسمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة والعلم والفعل ومع ~~ذلك لا تقبل أن تكون عالية على غيرها فهذا يطالب بإمكان # PageV04P1323 # تصوره قبل التصديق بوجوده وليس مع من ادعى إمكانه إلا الكليات والمجردات ~~وكلاهما وجوده ذهني لا وجود له في الخارج وإلا فما له وجود ms493 خارجي وهو قائم ~~بنفسه له ذات يختص بها عن سائر الذوات موصوف بصفات الحي الفعال لا يمكن ~~إلحاقه بالكليات والمجردات التي هي خيالات ذهنية لا أمور خارجية وقد اعترف ~~المتكلمون بأن وجود الكليات والمجردات إنما هو في الأذهان لا في الأعيان. # فصل: الطريق التاسع عشر (الوجه السادس والستون بعد المائة) : إن الجهمية ~~المعطلة معترفون بوصفه تعالى بعلو القهر وعلو القدر وإن ذلك كمال لا نقص ~~فإنه من لوازم ذاته فيقال ما أثبتم به هذين النوعين من العلو والفوقية هو ~~بعينه حجة خصومكم عليكم في إثبات علو الذات له سبحانه وما نفيتم به علو ~~الذات يلزمكم أن تنفوا به ذينك الوجهين من العلو فأحد الأمرين لازم لكم ولا ~~بد إما أن تثبتوا له سبحانه العلو المطلق من كل جهة ذاتا وقهرا وقدرا وإما ~~أن # PageV04P1324 # تنفوا ذلك كله فإنكم إذا نفيتم علو ذاته سبحانه بناء على لزوم التجسيم ~~وهو لازم لكم فيما أثبتموه من وجهي العلو فإن الذات القاهرة لغيرها التي هي ~~أعلى قدرا من غيرها إن لم يعقل كونها غير جسم لزمكم التجسيم وإن عقل كونها ~~غير جسم فكيف لا يعقل أن تكون الذات العالية على سائر الذوات غير جسم وكيف ~~لزم التجسيم من هذا العلو ولم يلزم من ذلك العلو فإن قلتم لأن هذا العلو ~~يستلزم تميز شيء عن شيء منه قيل لكم في العلم أو في الخارج فإن قلتم في ~~الخارج كذبتم وافتريتم وأضحكتم عليكم المجانين فضلا عن العقلاء وإن قلتم في ~~الذهن فهذا لازم لكل من أثبت للعالم ربا خالقا ولا خلاص من ذلك إلا بإنكار ~~وجوده رأسا يوضحه. # فصل: الطريق العشرون (الوجه السابع والستون بعد المائة) : إن الفلاسفة ~~لما أوردوا عليكم هذه الحجة بعينها في نفي الصفات أجبتم عنها بأن قلتم ~~واللفظ للرازي في نهايته فقال قوله يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في ~~الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة قلنا إن عنيتم به احتياج تلك ~~الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال استناد # PageV04P1325 # تلك الصفات إلى ms494 الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها ~~على تلك الذات المخصوصة فذلك مما يلزمه فأين المحال قال وأيضا فعندكم ~~الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصفات في الصور ~~المرتسمة في ذاته من المعقولات تلك ومما يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا ~~إن الله عالم بالكليات وقالوا إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية ~~للمعلوم في العالم وقالوا إن صورة المعلومات موجودة في ذات الله تعالى حتى ~~ابن سينا قال إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات كانت من لوازم ~~الذات ومن كان هذا مذهبا # PageV04P1326 # له كيف يمكنه أن ينكر الصفات قال وبالجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين ~~الفلاسفة إلا أن الصفاتية يقولون إن الصفات قائمة بالذات والفلاسفة يقولون ~~هذه الصور العقلية عوارض متقومة بالذات والذي تسميه الصفاتية صفة يسميه ~~الفلسفي عارضا والذي يسميه الصفاتي قياما يسميه الفيلسوف قواما ومقوما فلا ~~فرق إلا بالعبارات وإلا فلا فرق في المعنى هذا لفظه فيقول له مثبتوا العلو ~~هلا قنعت منا بهذا الجواب بعينه حين قلت يلزم من علوه أن يتميز منه شيء عن ~~شيء ويلزم وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية وتكون قد وافقت الشرع ونصوص ~~الأنبياء وكتب الله كلها وأدلة العقول والفطر الصحيحة وإجماع أهل السنة ~~قاطبة. # PageV04P1327 # فصل: الطريق الحادي والعشرون (الوجه الثامن والستون بعد المائة) : إن هذه ~~الحجة العقلية القطعية وهي الاحتجاج بكون الرب قائما بنفسه على كونه مباينا ~~للعالم وذلك ملزوم لكونه فوقه عاليا عليه بالذات لما كانت حجة صحيحة لا ~~يمكن مدافعتها وكانت مما ناظر بها الكرامية لأبي إسحاق الإسفرائيني فر أبو ~~إسحاق إلى كون الرب قائما بنفسه بالمعنى المعقول وقال لا نسلم أنه قائم ~~بنفسه إلا بمعنى أنه غني عن المحل فجعل قيامه بنفسه وصفا عدميا لا ثبوتيا ~~وهذا لازم لسائر المعطلة النفاة لعلوه ومن المعلوم أن كون الشيء قائما ~~بنفسه أبلغ من كونه قائما بغيره وإذا كان قيام العرض بغيره يمتنع أن يكون ~~عدميا فقيام الشيء بنفسه أحق أن ms495 لا يكون أمرا عدميا بل وجوديا وإذا كان ~~قيام المخلوق بنفسه صفة كمال وهو مفتقر بالذات إلى غيره فقيام الغني بذاته ~~بنفسه أحق وأولى. # فصل: الطريق الثاني والعشرون (الوجه التاسع والستون بعد المائة) : وهو أن ~~القيام بالنفس صفة كمال فالقائم بنفسه أكمل ممن لا يقوم بنفسه ومن كان غناه ~~من لوازم ذاته فقيامه بنفسه # PageV04P1328 # من لوازم ذاته وهذه حقيقة قيوميته سبحانه وهو الحي القيوم فالقيوم القائم ~~بنفسه المقيم لغيره فمن أنكر قيامه بنفسه بالمعنى المعقول فقد أنكر قيوميته ~~وأثبت له قياما بالنفس يشاركه فيه العدم المحض بل جعل قيوميته أمرا عدميا ~~لا وصفا ثبوتيا وهي عدم الحاجة إلى المحل ومعلوم أن العدم لا يحتاج إلى محل ~~وأيضا فإنه يقال له ما تعني بعدم الحاجة إلى المحل تعني به الأمر المعقول ~~من قيام الشيء بنفسه الذي يفارق به العرض القائم بغيره أم تعني به أمرا آخر ~~فإن عنيت الأول فهو المعنى المعقول والدليل قائم والإلزام صحيح وإن عنيت به ~~أمرا آخر فإما أن يكون وجوديا أو عدميا فإن كان عدميا فالعدم لا شيء كاسمه ~~فتعود قيوميته تعالى إلى لا شيء وإن عنيت به أمرا وجوديا غير المعنى ~~المعقول الذي يعقله الخاصة والعامة فلا بد من بيانه لينظر فيه هل يستلزم ~~المباينة أم لا. # فصل: الطريق الثالث والعشرون (الوجه السبعون بعد المائة) : إن كل من أقر ~~بوجود رب خالق للعالم مدبر له لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم وكل ~~من أنكر مباينته وعلوه لزمه إنكاره وتعطيله فهاتان دعوتان في جانب النفي ~~والإثبات أما الدعوى الأولى فإنه إذا أقر بالرب فإما أن # PageV04P1329 # يقر بأن له ذاتا وماهية مخصوصة أو لا فإن لم يقر بذلك لم يقر بالرب فإن ~~ربا لا ذات له ولا ماهية سواء والعدم وإن أقر بأن له ذاتا مخصوصة وماهية ~~فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة فإن لم يقر بأنها معينة كانت ~~خيالا في الذهن لا موجودا في الخارج فإنه لا يوجد في الخارج إلا معين لا ms496 ~~سيما وتعين تلك الذات أولى من تعين كل متعين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها ~~وأن يوجد لها نظير فتعين ذاته سبحانه واجب وإذا أقر بأنها معينة لا كلية ~~والعالم المشهود معين لا كلي لزم قطعا مباينة أحد المعنيين للآخر إذ لو لم ~~يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه فإن قيل هو يتعين بكونه لا داخلا فيه ولا ~~خارجا عنه قيل هذا والله حقيقة قولكم وهو عين المحال وهو تصريح منكم بأنه ~~لا ذات له ولا ماهية تخصه فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينه ~~لماهيته وذاته المخصوصة وأنتم إنما جعلتم تعنيه بأمر عدمي محض ونفي صرف وهو ~~كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه وهذا التعيين لا يقتضي وجوده فإنه يصح ~~على العدم المحض وأيضا فالعدم المحض لا يعين المتعين فإنه لا شيء وإما ~~تعيينه ذاته المخصوصة وصفاته فلزم قطعا من إثبات ذاته تعين تلك الذات ~~بعينها ومن تعينها مباينتها للمخلوقات ومن المباينة العلو عليها لما تقدم ~~تقريره وصح مقتضى العقل والنقل والفطرة ولزم من صحة هذه الدعوى صحة # PageV04P1330 # الدعوى الثانية وهي أن من أنكر مباينته للعالم وعلوه عليه لزمه إنكار ~~ربوبيته وكونه إلها للعالم. # فصل: الطريق الرابع والعشرون (الوجه الحادي والسبعون بعد المائة) : أنه ~~قد دل البرهان الضروري والعقل الصريح على استغنائه سبحانه بنفسه وأنه الغني ~~بذاته عن كل ما سواه فغناه من لوازم ذاته ولا يكون غنيا على الإطلاق إلا ~~إذا كان قائما بنفسه إذ القيام بالغير يستلزم فقر القائم إلى ما قام به ~~وعدم القيام بالنفس وبالغير يستلزم العدم فصح ضرورة وجوب قيامه بنفسه وهذا ~~حقيقة المباينة ونفي المباينة والمداخلة كنفي القيام بالنفس وبالغير ولا ~~تتصور العقول قط قائما بنفسه مع قائم بنفسه إلا إذا كان مباينا له أو ~~محايثا والفرق بين هذا الوجه وبين الاستدلال بقيامه بنفسه أن ذاك استدلال ~~بالقيام بالنفس وهذا استدلال بغناه المستلزم للأمرين. # فصل: الطريق الخامس والعشرون (الوجه الثاني والسبعون بعد المائة) : أنه ~~قد ثبت بالعقل إمكان رؤيته سبحانه وبالشرع ms497 وقوعها في الدار الآخرة فاتفق ~~العقل والشرع على إمكان # PageV04P1331 # الرؤية ووقوعها وقد ذكرنا في كتاب صفة الجنة أربعين دليلا على مسألة ~~الرؤية من الكتاب والسنة والعقل الصريح شاهد بذلك فإن الرؤية أمر وجودي لا ~~يتعلق إلا بموجود وما كان أكمل وجودا كان أحق بأن يرى فالباري سبحانه أحق ~~بأن يرى من كل ما سواه لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه يوضحه أن تعذر ~~الرؤية إما لخفاء المرئي وإما لآفة وضعف في الرائي والرب سبحانه أظهر من كل ~~موجود وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا لضعف القوة الباصرة عن النظر إليه فإذا ~~كان الرائي في دار البقاء كانت قوة الباصرة في غاية القوة لأنها دائمة ~~فقويت على رؤيته تعالى وإذا جاز أن يرى سبحانه فالرؤية المعقولة عند جميع ~~بني آدم عربهم وعجمهم وتركهم وسائر طوائفهم أن يكون المرئي مقابلا للرائي ~~مواجها له مباينا عنه لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك وإذا كانت الرؤية مستلزمة ~~لمواجهة الرائي ومباينته للمرئي لزم ضرورة أن يكون مرئيا له من فوقه أو من ~~تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه وقد دل النقل الصريح على ~~أنهم إنما يرونه سبحانه من فوقهم لا من تحتهم كما قال بينا أهل الجنة في ~~نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله # PageV04P1332 # قد أشرف عليهم من فوقهم فقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله {سلام ~~قولا من رب رحيم} [يس58] ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ~~ديارهم فلا يجتمع الإقرار بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة لهذا ولهذا ~~الجهمية المغل تنكر علوه على خلقه ورؤية المؤمنين له في الآخرة ومخانيثهم ~~يقرون بالرؤية وينكرون العلو وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرؤية ~~تحصل من غير مواجهة للمرئي ومباينة له وقالوا هذا رد لما هو مركوز في أوائل ~~العقول قال المنكرون الإنسان يرى صورته في المرآة وليست صورته في جهة منه ~~قال العقلاء هذا تلبيس فإنه إنما يرى خيال صورته وهو ms498 عرض منطبع في الجسم ~~الصقيل وهو في جهة منه ولا يرى حقيقة صورته القائمة به والذين قالوا يرى من ~~غير مقابلة ولا مباينة قالوا مصحح الرؤية الوجود وكل موجود يصح أن يرى ~~فالتزموا جواز رؤية # PageV04P1333 # الأصوات والروائح والعلوم والإرادات والمعاني كلها وجواز أكلها وشربها ~~وشمها ولمسها فهذا منتهى عقلهم الذي عارضوا به الكتاب والسنة ثم قدموه ~~عليهما وتقرير هذه المسألة له موضع آخر # فصل: الطريق السادس والعشرون (الوجه الثالث والسبعون بعد المائة) : أنه ~~قد ثبت بالعقل والنقل والفطرة أن الله سبحانه سميع بصير وهو سبحانه يرى كل ~~المرئيات لا يخفى عليه منها شيء ورؤيته لخلقه تستلزم مباينته لهم ضرورة كما ~~تقدم في الوجه الذي قبله فذاك استدلال بكونه مرئيا وهذا استدلال بكونه ~~رائيا ولا يعقل واحد من الأمرين إلا مع مباينته لخلقه ولهذا لما علم منكرو ~~العلو والفوقية أن هذا يلزمهم ولا بد قالوا لا يرى بالأبصار وإنما الحاصل ~~في الآخرة مزيد علم ومعرفة به تسمى رؤية وطرد الجهمية هذا في رؤيته لخلقه ~~فقالوا بصره ورؤيته هي علمه لا أن هناك بصرا حقيقة ورؤية حقيقة وأما ~~مخانيثهم فتناقضوا فقالوا بل يبصر ويرى من غير مباينة للمرئي المبصر ولا ~~مقابلة له فكانت فحولهم أقرب إلى العقل من هؤلاء وهؤلاء وإن تناقضوا تناقضا ~~بينا فهم أقرب إلى الوحي بما أثبتوه من الرؤية # PageV04P1334 # وأبعد عنه مما نفوه من المباينة والعلو والطائفتان خارجتان عن حكم الوحي ~~والعقل. # فصل: الطريق السابع والعشرون (الوجه الرابع والسبعون بعد المائة) : إن كل ~~من أثبت الصفات أو شيئا منها لزمه إثبات المباينة وإلا تناقض غاية التناقض ~~فإن الصفات نوعان أحدهما ما له تعلق بالمخلوق كالقدرة والمشيئة والرحمة ~~والعلم والسمع والبصر والثاني ما لا يتعلق به كالصفات اللازمة كالحياة ~~والجمال وإثبات النوعين يستلزم المباينة أما النوع الأول فلأن تعلق تلك ~~الصفات بمتعلقاتها لا تعقل إلا مع ثبوت المباينة بينهما وبين تلك المتعلقات ~~كمباينة العلم للمعلوم والقدرة للمقدور والسمع للمسموع فلو قيل صفة السمع ~~ليست مباينة للمسموع كان مكابرة وردا لأوائل ms499 العقول وبدائهها وإذا لزم من ~~تحقق الصفة وإمكان تعلقها بمتعلقها مباينتها له فهذه المباينة تابعة ~~لمباينة الذات فإن الصفة لا تقوم بنفسها فإذا باين العلم والسمع والبصر ~~والقدرة والإرادة لمتعلقاتها بمعنى انفصالها عنه فمباينة الذات أولى وهذا ~~لا محيص عنه ويلزم من ثبوت هذه المباينة ثبوتها بين النوع الاخر وبين ~~المخلوق بطريق الأولى. # PageV04P1335 # فصل: الطريق الثامن والعشرون (الوجه الخامس والسبعون بعد المائة) : أنهم ~~إذا اعترفوا بقيام الصفات بالذات وأنها زائدة على الذات المجردة ولم يكن ~~ذلك تجسيما ولا تركيبا يستلزم الحدوث بطلت كل شبهة لهم تمنع العلو ~~والاستواء على العرش فإن مدارها على أن ذلك يستلزم التركيب والتجسيم وهو ~~يستلزم الافتقار والحدوث وقد صرحوا هم بالتزام هذا القدر ولم ينكروه لأجل ~~تسمية المعطلة له تركيبا وتجسيما وقالوا لخصومهم من نفاة الصفات التركيب ~~خمسة أنواع أحدها تركيب الموجود من الوجود والماهية والثاني تركيب الحقيقة ~~من الوجود والوجوب. # والثالث: تركيب الذات الموصوفة من الذات والصفات قالوا وهذه الأقسام ~~الثلاثة لا تنافي وجوب الوجود ولا يتحاشى من إلقائها والدليل لا يدل على ~~بطلانها لأن الدليل إنما دل على انتهاء الممكنات إلى واجب بذاته لا علة له ~~ولم يدل على أنه لا ماهية له ولا صفة له. # والرابع: من التركيب تركب الجسم من الجواهر الفردة. # والخامس: تركبه من المادة والصورة عند من يقول بهذا وهذا ولا ريب أنه ~~يمتنع وجود موجود قائم بنفسه بدون ثبوت # PageV04P1336 # الأقسام الثلاثة الأولى وتسميتهم لذلك تركيبا خطأوكذب على اللغة وإن ~~قالوا نحن اصطلحنا على تسميته تركيبا قيل فلا ترتفع بسبب اصطلاحكم المتضمن ~~للتلبيس والإيهام الحقائق الموجودة والمعاني العقلية ولا تنكر بتشبيه علم ~~الرب وحياته وقوته وسمعه وبصره وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه ~~فإنه ليس في العقل ما ينفي ذلك بل العقل الصريح يصدق السمع الدال على إثبات ~~صفات الرب سبحانه ومباينته لمخلوقاته والعقل أثبت موجودا واجبا بنفسه غنيا ~~عما سواه وأما كون ذلك الموجود مجردا عن الصفات الثبوتية لا يوصف إلا ~~بالسلوب والإضافات العدمية فالعقل لا يدل ms500 على ذلك بل يدل على خلافه كما يدل ~~السمع. # فصل: الطريق التاسع والعشرون (الوجه السادس والسبعون بعد المائة) : أن ~~يقال ما أثبته هؤلاء المعطلة من المباينة لا يبطل الحلول والاتحاد فإنهم ~~أثبتوا مباينة في المفهوم كمباينة طعم التفاحة للونها وريحها وشكلها ومعلوم ~~أن هذه المباينة لا تقتضي انفصال كل من المتباينين من الآخر بل هي ثابتة مع ~~قيام هذه الصفات كلها بمحل واحد وهذه المباينة معناها أن هذا غير هذا وهذا ~~القدر الذي أثبته النفاة من المباينة # PageV04P1337 # لا ينافي كونه حالا في غيره ولا حلول غيره فيه ولا تقتضي قيامه بنفسه ولا ~~انفصال ذاته عن ذات خلقه بل ولا يقتضي تنزيهه عن التشبيه والتمثيل وأما ~~المباينة التي دل عليها العقل والنقل والفطرة فأعظم من ذلك فإنها مباينة ~~تستلزم تفرده بصفات كماله ونعوت جلاله وكونه أعظم من كل شيء وفوق كل شيء ~~وعاليا على كل شيء وأن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس ~~بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء فباين خلقه ~~بذاته وصفاته وأفعاله وأوليته وآخريته ووجوب وجوده وامتناع عدمه وكثرة ~~أوصافه التي ليس كمثله فيها شيء فهو العليم الذي ليس كمثله شيء في علمه ~~البصير الذي ليس كمثله شيء في بصره القدير الذي ليس كمثله شيء في قدرته ~~الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء في حياته وقيوميته العلي الذي ليس كمثله ~~شيء في علوه بل هو منفرد بذاته وصفاته عن مماثلة مخلوقاته فله أعظم ~~المباينة وأجلها وأكملها كما له من كل صفة كمال أعظمها وأكملها فهذه هي ~~المباينة التي لا يليق به غيرها فأثبت له النفاة المعطلة مباينة لا حقيقة ~~لها ولا ترجع إلى أمر وجودي بل المباينة التي أثبتوها من جنس مباينة العدم ~~للوجود والمباينة التي أثبتها لنفسه مباينة فوق كل مباينة. # PageV04P1338 # فصل: الطريق الثلاثون (الوجه السابع والسبعون بعد المائة) : إنه لو لم ~~يكن مباينا للعالم لزم أحد أمور ثلاثة قد قال بكل منها قائل أحدها أن يكون ~~هو ms501 هذا العالم كما قال أهل وحدة الوجود والذي قادهم إلى هذا القول هو نفي ~~المباينة كأن قلوبهم وفطرهم طلبت معبودا فلما اعتقدوا أنه غير مباين للعالم ~~وتيقنوا أنه موجود قائم بنفسه قالوا فهو هذا العالم بعينه الثاني قول من ~~يقول بل هو حال في العالم وهو قول الحلولية الثالث قول من يقول لا هو ~~العالم ولا هو حال فيه ولا بائن عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه وهو قول ~~الجهمية ومعلوم أنه إذا عرض على العقول الصحيحة هذه الأقوال الأربعة علمت ~~أن الصواب منها القول بأنه سبحانه بائن من خلقه وإذا كان القولان الآخران ~~مخالفين لصريح العقل فالقول الثالث أشد مخالفة لصريح العقل منهما لأنه ~~يتضمن نفي النقيضين وإن كان ممكنا في العقل فالقولان أقرب إلى الإمكان منه # PageV04P1339 # فإما أن يكون واجبا والقولان مخالفان للعقل فهذا تحكم باطل. # فهذه ثلاثون طريقا مضافة إلى الوجه السابع والأربعين بعد المائة في بيان ~~عدم معارضة العقل للنقل وبيان موافقتهما وتطابقهما وحينئذ فنقول في # الوجه الثامن والسبعين بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم ~~وعقولهم تتضمن معارضتهم الفرية على الوحي والعقل واللغة والفطرة وإفسادها. # أما فريتهم على الوحي فإنهم متى اعتقدوا معارضة العقل له لزمهم أحد أمرين ~~باطلين إما أن يقولوا إن الرسل أرادوا من الناس اعتقاد الباطل وخلاف الصواب ~~أو أنهم أتعبوهم غاية التعب وكلفوهم أعظم الحرج وهو اعتقاد خلاف ما دلت ~~عليه النصوص ومعرفة الحق بعقولهم وفطرهم والاجتهاد في صرف ألفاظ الوحي عن ~~حقائقها وظواهرها المفهومة منها وبيان ذلك أنهم إما أن يريدوا منهم اعتقاد ~~الظاهر أو يريدوا منهم خلافه فإن أرادوا الأول وهو باطل عند النفاة فقد ~~أرادوا منهم اعتقاد الباطل وإن أرادوا الثاني لزمت تلك المفاسد العظيمة ~~وعلى التقديرين فلا يكونون قد بينوا الحق ولا هدوا الخلق. # PageV04P1340 # وأما فريتهم على العقل فإنهم جاءوا إلى المقدمات الفطرية التي فطر الله ~~عليها عباده فجعلوها من حكم الوهم والخيال وجاءوا إلى المقدمات الباطلة ~~فجعلوها من أ ; كام العقل فافتروا على العقل في ms502 النفي والإثبات. # وأما فريتهم على الفطرة فإن الله فطر عباده على الإقرار بعلوه كما فطرهم ~~على الإقرار بأنه ربهم وخالقهم فغيروا الفطرة وأفسدوها بإنكار ذلك. # وأما فريتهم على اللغة فإنهم أزالوا دلالة الألفاظ الدالة على ذلك دلالة ~~صريحة لا يحتمل غير معناها عن مواضعها وأنشأوا لها معاني أخر حملوها عليها ~~لقطع من له إلف بتلك اللغة أن المتكلم لم يرد بتلك الألفاظ ما ذكروه من ~~المعاني كما حملوا قوله {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل50] على معنى قول ~~القائل الذهب فوق الفضة والمسك فوق العنبر أي في القيمة والقدر ومعلوم أن ~~هذا التركيب الخاص لا يحتمل هذا المعنى في لغة أمة من الأمم ولا يجوز أن ~~يراد باللفظ وكذلك قوله: "إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر ~~ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب" فمثل هذا ~~اللفظ إذا حمل على # PageV04P1341 # غير معناه الظاهر لكل أحد كان فرية على اللغة كما هو فرية على المتكلم به ~~وعامة تأويلات النفاة المعطلة من هذا الباب لمن تدبرها ورزق هداية وإنصافا ~~وأما الأعمى المتبع هواه فكما قال الله عز وجل {ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور} [النور40] # الوجه التاسع والسبعون بعد المائة: إن المعارضين للوحي بعقولهم في الأصل ~~هم أعداء الرسل المكذبون لهم كما تقدم ودونهم طوائف الجهمية المعطلة ~~وملاحدة الصوفية وزنادقة الباطنية وخونة الولاة وظلمتهم فالجهمي يقول قال ~~لي عقلي وملاحدة المتصوفة يقول قائلهم قال لي قلبي وزنادقة الباطنية يقولون ~~لكل شيء تأويل وباطن يعلمه أهل الباطن وينكره أهل الظاهر وخونة الولاة ~~يقولون لا تستقيم أمور الرعية إلا بهذه السياسة ولو وكلناهم إلى الشريعة ~~لفسدت أمورهم ولقد وقعت على فصل من كلام أبي الوفاء بن عقيل في ذلك قال ~~المتكلمون دققوا النظر بأدلة العقول فتفلسفوا والصوفية اهتموا بالمتوهمات ~~على واقعهم فتكهنوا لأن الفلاسفة اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم ~~والكهان اعتمدوا على ما يلقى إليهم من الاطلاع وهم جميعا خوارج على الشرائع ~~هذا ms503 يتجاسر أن يتكلم في المسائل التي # PageV04P1342 # فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول بمقتضى ما يزعم أنه حكم العقل وهذا ~~يقول قال لي قلبي عن ربي فلا على هؤلاء أصبحت ولا على هؤلاء أمسيت لا كان ~~مذهب جاء على غير طريق السفراء والرسل ولا نفق فقد طبع على غير السكة ~~النبوية هل يعلم للصوفية عمل في إباحة دم أو فرج أو تحريم معاملة أو فتوى ~~معمول بها في عبادة أو معاقدة أو للمتكلمين بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في ~~بلد أو رستاق أو تصيب للمتوهمة فتاوي وأحكاما إنما أهل الدولة الإسلامية ~~والشريعة المحمدية المحدثون والفقهاء هؤلاء يروون أحاديث الشرع وينفون ~~الكذب عن النقل ويحمون النقل عن الاختلاف والغلط وهؤلاء ينفون عن الأخبار ~~تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وهؤلاء هم الذين عدلهم ~~النبي بقوله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله فهم العدول على # PageV04P1343 # سائر الطوائف فقبل قولهم على الناس ولا يقبل قول الناس عليهم والخارج عن ~~هؤلاء وإن خفقت بنوده وكثرت جموعه وسعى حتى ضرب له الدرهم والدينار وخطب ~~باسمه على رؤوس المنابر لا تكون أموره إلا على المغالطة والمجالسة لأنه ~~كالخارج على الملك الذي دانت له الرعايا ونفذ حكمه في البلاد فالخارج عليه ~~لا يزال خائفا مستوحشا يخشى من أن يقابله الملك بقتال أو يصافه بحرب لأن في ~~نفس الخارجي بقية من الحماس الباطل والملك وإن قلت جموعه فعنده صولة الحق ~~وهيبة الملك ولذلك الغريب المداوي للناس بزعمه مع الطبيب المقيم هذا مجتاز ~~يطلب من الأدوية ما يسكن الألم في الحال ويضع على الأمراض الأدوية الحارة ~~العاملة بسرعة فيأخذ الخلعة والعطية لسكون الألم وإزالة المرض ويصبح على ~~أرض أخرى ومنزل بعيد فطبه مجازفة لأنه يأمن المعاتبة والمواقعة والأطباء ~~المقيمون يلامون على تطويل العلاج وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المركبة ~~دون الحارة لأن الحارة من الأدوية وإن عجلت سكون الآلام فإنها غير مأمونة ~~الغوائل ولا سليمة العواقب لأن ما يعطي الأدوية الحارة من السكون إنما هو ~~لغلبة المرض وحينما غلبت ms504 الأمراض أوهشت قوى المحل الذي حلت به فهو كما قيل ~~الدواء للبدن كالصابون # PageV04P1344 # للثوب ينقيه ويبليه كذلك كلما أحد الصابون وجاد أخلق الثوب فكذلك الفقهاء ~~والمحدثون يقصرون عن الاستقصاء في إزالة الشبهة لأنهم عن النقل يتكلمون ~~وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويحققون فهم حال الأجوبة ~~ينظرون في العواقب والمبتدعة والمتوهمة يهجمون فعلومهم فرح ساعة ليس لها ~~ثبات فإن اشتبه على قوم ما دله جهال الصوفية عليهم من الأخذ بقوله في أمتي ~~محدثون وملهمون وعمر منهم قيل لو نطق عمر برأيه ما نطق ولم يصدقه الوحي لم ~~يلتفت إلى واقعاته وما يحدث به ولا يبني الشرع والأحكام على فراسته ألا ترى ~~إلى قول من هو خير منه أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ~~برأيي سبحان الله العظيم يقول الصديق هذا # PageV04P1345 # وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد على شمعة ويأكل من الحرام شبعة ويسمع ~~الغناء في مجالس المردان من النساء الأجانب والصبيان تهزه الأشعار ~~الخماريات وتثقل عليه الايات البينات يرقص على ذكر المليح والمليحة طلبا ~~ورغبا ويتواجد على المواصيل والألحان طربا قد اتخذ دينه لهوا ولعبا تقرب ~~أولياء الله إليه بالقرآن وتقرب هو باستماع المعازف والألحان مفتون في نفسه ~~فاتن لأشباهه وبني جنسه فإذا لمت أحدهم قال أنا خير أم الشيخ فلان وذاك ~~لعمرو الله من أولياء الشيطان قد نصبه شبكة يصطاد به جهلة العوام ويحتج به ~~على أشباه الأنعام فما أعظم على الناس فتنته وما أشد على الدين محنته يقول ~~أتباعه المفتونون وحزبه المغرورون نسلم إلى الشيخ طريقته وأي طريقة مع ~~الشرع هل أبقت الشريعة لقائل مقالا أو لمتصرف بعدها مجالا وهل جاءت إلا ~~بهدم العوائد ونقض الطرائق ما على الشريعة أضر من مبتدعة المتكلمين وجهلة ~~المتصوفين هؤلاء يفسدون العقول بتوهمات وشبهات تشبه المعقول وهؤلاء يفسدون ~~الأعمال ويهدمون قوانين الأزمان يحبون البطالات والاجتماعات على اللذات ~~وسماع أصوات المشوشات للمعايش والطاعات أولئك يجرئون الشباب والأحداث على ~~البحث وكثرة السؤال والاعتراضات وتتبع الشرع # PageV04P1346 # بالمعارضات والمناقضات ms505 وما عرفنا للسلف الصالح أحوال أولئك البطالين ~~أصحاب الشهوات ولا أحوال هؤلاء المتكلمين أرباب الشبهات بل كانوا عبيد ~~إيمان وتسليم عن معرفة تامة وبصيرة نافذة وجد وتشمير في الطاعات فنصيحتي ~~لإخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبصار قلوبهم كلام المتكلمين ولا ~~تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين بل الشغل بالمعائش أولى من بطالة ~~المتصوفة والوقوف على النصوص أولى من شبهات المتخيلة المتوهمة وقد خبرت ~~طريق الفريقين غاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح قال والمتكلمون عندي خير ~~من المتصوفة لأن المتكلمين مؤداهم مع التحقيق مزيد الشكوك في حق بعض ~~الأشخاص ومؤدي المتصوفة إلى توهم الإشكال والتشبيه وهو الغاية في الإبطال ~~بل هو حقيقة المحال. # ما يسقط المشايخ من عيني وإن نبلوا عند الناس أقدارا وأنسابا وعلوما ~~وأخطارا إلا قول العاقل منهم إذا خوطب بمقتضى الشرع عادتنا كذا يشير إلى ~~طريقة قد قننوها لأنفهسم تخرج عن سمت الشرع قد اختلقوا طريقة واستحدثوا ~~رسوما وكل مختلق مستحدث فبدعة # PageV04P1347 # والاستمرار على ترك السنن خذلان قال أحمد رضي الله عنه وقد سئل عن رجل ~~استمر على ترك الوتر هذا رجل سوء إياك أن تتبع شيخا يقتدي بنفسه ولا يكون ~~له إمام يعزى إليه ما يدعوك إليه ويتصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى الرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الله الثقة بالأشخاص ضلال والركون إلى الآراء ابتداع ~~اللين والانطباع في الطريقة مع السنة أحب إلي من الخشونة والانقباض مع ~~البدعة لا تتقرب إلى الله تعالى بالامتناع مما لم يمنع منه كما لا تتقرب ~~إليه بعمل مالم يأذن فيه. # أصحاب الحديث رسل السفير إلينا والفقهاء تراجم لمعاني كلامه ولا يتم ~~اتباع إلا بمنقول ولا فهم منقول إلا بترجمان وما عداهما تكلف لا يفيد إلا ~~التعب والعناء وإلى هذين القسمين انقسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نقلة وفقهاء ولا يعرف فيهم ثالث إلا أصحاب المعاش والتجارات لا مشايخ ربط ~~ولا مناخات البطالات ولا أصحاب زوايا ينتظرون الفتوحات ولا رقاصون على ~~الغناء والأصوات المطربات ولا متكلمون بالتخيلات ms506 والشبهات ولا بالشطحات ~~والتوهمات ولا بالكلمات الخمس والمقولات العشر # PageV04P1348 # والموجهات والمختلطات بل كانا بحبل الوحي معتصمين وبكتاب ربهم وسنة نبيهم ~~متمسكين وهو في قلوبهم أجل من أن تضرب له الأمثال أو تتقدم إليه آراء ~~الرجال. # يا أصحاب المخالطات والمعاملات عليكم بالورع ويا أصحاب الزوايا والانقطاع ~~عليكم بحسم مواد الطمع ويا أرباب العلم والنظر إياكم واستحسان طرائق أهل ~~العلم والخدع ليست السنة بحب معاوية ويزيد ولا بمجرد حب أبي بكر وعمر ولا ~~بإزعاج أعضائك بالصلاة على السفر ولا بالاكتحال يوم عاشوراء والتوسعة على ~~العيال السنة تتبع طريق الرسول واقتفاء آثاره والوقوف عند مراسمه وحدوده من ~~غير تقصير ولا غلو وأن لا يتقدم بين يديه ولا تختار لنفسك قولا لم يتبين لك ~~أنه جاء به فالسنة مقابلة أوامره بالامتثال ونواهيه بالانكفاف وأخباره ~~بالتصديق ومجانبة الشبه والآراء وكل ما خالف النقل وإن كانت له حلاوة في ~~السمع وقبول في القلب ليست القلوب والعقول والآراء معيارا على الشرع ليس ~~لله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه وعن رسوله وما أحدثوا وعولوا على ما رووا ~~لا على ما رأوا الوقوف مع النقل مقام الصديقين وورثة النبيين والمرسلين هذه ~~نصيحتي لنفس ولإخواني من المؤمنين فهذا كلام من دخل مع # PageV04P1349 # المتكلمين إلى غايتهم ووقف على نهايتهم وخبر الكلام وقلاه وعرف مداه ~~ومنتهاه وقد تقدم حكاية كلام معاصره ومناظره أبي حامد الغزالي في ذم الكلام ~~وهما من أعلم أهل عصرهما بمذاهب المتكلمين. # الوجه الثمانون بعد المائة: إنه من المعلوم عند جميع العقلاء أن الرسل ~~صلوات الله وسلامه عليهم هم أعقل الخلق وعقولهم أكمل العقول ولهذا كان ما ~~جاءوا به فوق عقول البشر ولهذا حصل على أيديهم من الخير مالم يحصل على أيدي ~~سواهم وصلح من أحوال النفوس والقلوب وعمارتها بالخير وتزكيتها بالعلم ~~والعمل مالم يحصل لأحد غيرهم فعمارة القلوب والدنيا والآخرة على أيديهم وكل ~~فساد في العالم عاما وخاصا فإنما سببه العدول عما جاءوا به ومخالفتهم فإذا ~~استقريت جميع الشرور التي في العالم جزئياتها وكلياتها وكل فتنة وبلية ms507 ~~ورزية رأيت سببها معصيتهم وكل خير ونعمة في الدنيا والآخرة فسببه طاعتهم ~~واستقر هذا من زمن نوح إلى ساعتك التي أنت فيها وما عذبت به الأمم من أنواع ~~العذاب وما جرى على هذه الأمة حتى ما أصيب به المسلمون مع نبيهم يوم أحد ~~كان سببه معصية أمره وللعاقل البصير عبرة في نفسه وأحواله خاصة فهذا شأن ~~هذه العقول الزاكية الكاملة وشأن من خلقهم بمعقوله وإذا كان هذا التفاوت ~~بين عقولهم # PageV04P1350 # وعقول الناس في الأمور المتعلقة بالإرادات والأعمال والحب والبغض فما ~~الظن بالتفاوت الذي بين عقولهم وعقول الناس في العلوم والمعارف فما الظن ~~بما يتعلق بمعرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وشأنه ويالله العجب كيف يقدم ~~قول من يقول قال لي عقلي عن ابن سينا والفارابي وارسطاطاليس وأشباههم أو عن ~~أبي الهذيل العلاف والشحام والنظام وأضرابهم أو عمن تلقى عن هؤلاء على قول ~~من يقول قال لي جبريل عن رب العالمين فالرسول يقول قال لي ربي وهذا المعارض ~~يقول قال لي عقلي أو قال أرسطاطاليس ونحوه # الوجه الحادي والثمانون بعد المائة: لو عورض ما جاء به خاتم الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليه بموسى وعيسى كانت هذه المعارضة ضلالا وانسلاخا من الدين ~~بالكلية كما صرح به وقد رأى بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة من ~~التوراة فقال أمتهوكون يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء ~~نقية ولو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم فإذا كان اتباع موسى ~~مع وجود محمد ضلالا فكيف باتباع أرسطو وابن سينا ورؤوس الجهمية والمعطلة ~~وفي بعض ألفاظ هذا الحديث كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير # PageV04P1351 # كتابهم أنزل على نبي غير نبيهم فأنزل الله تعالى {أولم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب} [العنكبوت51] فكيف بضلالة قوم اتبعوا كتابا أوحاه الشيطان إلى ~~رؤوس المشركين وأهل الضلال لم ينزله الله على نبي من أنبيائه فلا نزل به ~~وحي ولا نطق به نبي كما قال تعالى عن هؤلاء المعارضين للوحي {وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ms508 وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام121] ~~وقال تعالى {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} ~~[الأنعام113 , 112] يوضحه # الوجه الثاني والثمانون بعد المائة: وهو أن الله سبحانه أنكر على من لم ~~يكتف بكتابه فقال {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت51] ومن المحال أن يكون الكتاب الذي ~~يخالفه صريح # PageV04P1352 # العقل كافيا وإنما يكون كافيا لمن قدمه على كل معقول ورأي وقياس وذوق ~~وحقيقة وسياسة فهذا الكتاب في حقه كاف له كما أنه إنما يكون رحمة وذكرى له ~~دون غيره وأما من أعرض عنه أو عارضه بآراء الرجال فليس بكاف له ولا هو في ~~حقه هدى ولا رحمة بل هو من الذين آمنو بالباطل وكفروا بالله يوضحه # الوجه الثالث والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء الذين لم يكتفوا بكتابه حتى ~~سلكوا بزعمهم طريقة العقل وعارضوه به وقدموه عليه من جنس الذين لم يكتفوا ~~به سبحانه إلها حتى جعلوا له أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله بل أولئك لم ~~يقدموا أندادهم على الله فهؤلاء جعلوا لله ندا يطيعونه ويعظمونه ويعبدونه ~~كما يعظمون الله ويعبدونه وهؤلاء جعلوا لكتابه ندا يتحاكمون إليه ويقبلون ~~حكمه ويقدمونه على حكم كتابه بل الأمران متلازمان فمن لم يكتف بكتابه لم ~~يكتف به فمتى جعل لكتابه ندا فقد جعل له ندا لا يكون غير ذلك البتة. فلا ~~ترى من عارض الوحي برأيه وجعله ندا له إلا مشركا بالله قد اتخذ من دون الله ~~أندادا ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين لا ينفك أحدهما عن ~~صاحبه فإن المعطل قد جعل آراء الرجال وعقولهم ندا لكتاب الله والمشرك قد ~~جعل ما يعبده من الأوثان ندا له ومما يبين تلازم التعطيل والشرك أن القلوب # PageV04P1353 # خلقت متحركة طالبة للتأله والمحبة فهي لا تسكن إلا بمحبوب تطمئن إليه ~~وتسكن ms509 عنده يكون هو غاية محبوبها ومطلوبها ولا قرار لها ولا طمأنينة ولا ~~سكون بدون هذا المطلوب والظفر به والوصول إليه ولو ظفرت بما ظفرت به سواه ~~لم يزدها ذلك إلا فاقة وفقرا وحاجة وقلقا واضطرابا. # فطلب هذا المراد المطلوب كامن مستقر فيها وإن أعرضت عنه واشتغلت بغيره ~~ولم تشعر به فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به بل وجوده شيء والشعور به شيء ~~وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور والمعرفة بالمطلوب المراد وصفات كماله ~~ونعوت جلاله وجماله فكيف إذا انضاف إلى ذلك معرفته بشدة الحاجة إليه ~~والفاقة والضرورة وأنه لا حياة له في الحقيقة ولا فلاح ولا لذة ولا سرور ~~ولا نعيم إلا بقربه والإنس به والتنعم بذكره وأن منزلة ذلك من الروح منزلة ~~الروح من البدن فإذا فقدته الروح كانت كالبدن الفاقد لروحه بل القلب مضطر ~~إليه فقير إليه أعظم من ضرورة البدن إلى روحه إذ غاية ما يقدر بفوات الروح ~~موت البدن وقد يعقبه راحة العبد وأما إذا فات الروح والقلب هذا المطلوب ~~المحبوب ماتت موتا يتضمن كل ألم وهم وغم وحزن وخوف واضطراب فلو أن ما يحصل ~~للقلب من الموت مثل موت البدن لكان في الموت راحة ولكنه موت يتجرع صاحبه ~~كاسات الآلام من الهموم والغموم والحسرات # PageV04P1354 # {ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت} [إبراهيم17] وهذا ~~أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا وإذا كانت الروح مفطورة على تأله ~~فاطرها وخالقها وهي فقيرة إليه أعظم الافتقار من جهة كونه ربها وخالقها ~~وممسكها وحافظها ومغذيها وطبيها ومداويها ومن جهة كونه إلهها ومحبوبها ~~ومطلوبها وغاية مناها فهي إلى معرفة هذا المطلوب ومعرفة كماله وجماله ~~وأوصاف جلاله أشد شيء ضرورة وكلما كانت معرفتها بذلك أوفر كانت محبتها له ~~أقوى مالم يعقها عائق ويمنعها مانع من مرض يتعطل به أو تضعف عن نهوضها ~~بالجد في طلب هذا المحبوب. # وهذا العائق شيئان إما جهل بهذا المطلوب وكونه لم يقدره حق قدره ولم تهتد ~~من معرفة كماله ms510 وجماله وجلاله إلى ما يدعوها إلى طلبه وإيثاره على غيره ~~وإما فساد في إرادتها لماتعلقت بغيره وآثرته عليه ففسدت فطرتها التي فطرت ~~عليها فانتقلت بفسادها عنه إلى غيره وهذه مقدمات فطرية ضرورية لا ينازع ~~فيها سليم العقل والفطرة وإذا عرف هذا فالرسل جاءوا بكمال الأمرين على أتم ~~الوجوه فإنهم ذكروا من صفات هذا الرب الذي تألهه القلوب # PageV04P1355 # وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيا إلى محبته وأمروا الناس من توحيده ~~وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه فجاءت النفاة المعارضون ~~للوحي بعقولهم وآرائهم فوقفوا في طريق الرسل وأتوا بما يضاد دعوتهم فنفوا ~~صفاته التي تعرف بها إلى عباده وجعلوا إثباتها تجسيما وتشبيها ووصفوه من ~~السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته وأكدوا ذلك بأنه لا يحب ولا ~~يحب ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة فضلا عن أن يحصل لهم ~~لذة هناك بالنظر إليه ولا يكلمهم ولا يخاطبهم ولا يسلم عليهم من فوقهم فلما ~~استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات فأشركت به في ~~المحبة ولا بد وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل فانظر ~~إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما وكونهما # رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق # الوجه الرابع والثمانون بعد المائة: إن هؤلاء المعطلة النفاة المعارضين ~~للوحي بآرائهم ومعقولاتهم من الظانين بالله وكتابه ورسوله ظن السوء ولم ~~يجيء في القرآن وعيد أعظم من وعيد من ظن به ظن السوء قال تعالى: # PageV04P1356 # {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} [الفتح6 , 5] وقال تعالى {ولكن ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} [فصلت23 , 22] فهؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض ~~الجزئيات فكيف بم ظن أنه لا ms511 علم له ولا سمع ولا بصر ولا تكلم ولا يتكلم ولا ~~استوى على عرشه ولا له فعل حقيقة يدبر به الأمر ولا له حكمة يفعل ما يفعل ~~لأجلها وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله وأن يجعل الدائرة عليه وعلى ~~المؤمنين. # ومنكرو الحكمة والتعليل يجوزون عليه أن يعذب أنبياءه ورسله قالوا ولا ~~نعلم تنزيهه عن ذلك بالعقل وإنما نعلم بالخبر ومن أعظم ظن السوء به وبكتابه ~~أن يظن أن العقل الصريح مخالف له وأي نقص وعيب أبلغ من نقص كلام مخالف ~~لصريح المعقول وأي إساءة ظن أعظم من هذه الإساءة يوضحه. # PageV04P1357 # الوجه الخامس والثمانون بعد المائة: إن هذا نسبة له إلى كونه كذبا في ~~نفسه فإنه إذا خالف صريح العقل لم يكن مطابقا لمخبره فيكون المتكلم به قد ~~أخبر بخبر لم يطابق مخبره وهذا حقيقة الكذب بل هو من أقبح الكذب فإن الكذب ~~نوعان أحدهما: كذب يجوز أن يكون متعلقه واقعا كمن يقول مات فلان أو تزوج أو ~~ولد له ولم يكن ذلك والثاني: كذب لا يجوز أن يقع متعلقه وهو ما يحيله العقل ~~وهذا أقبح نوعي الكذب فكيف يجوز على أصدق الكلام وأهداه وأفضله أن يكون فيه ~~أقبح نوعي الكذب # الوجه السادس والثمانون بعد المائة: إن من ادعى معارضة العقل لما جاءت به ~~الرسل من صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه لم يقدره حق قدره وقد ذم الله تعالى ~~من لم يقدره حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه: أحدها قوله: {وما قدروا الله ~~حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام91] # الثاني: قوله {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم # PageV04P1358 # الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره ~~إن الله لقوي عزيز} [الحج74 , 73] # الثالث: قوله {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر67] فأخبر أنه لم ~~يقدره ms512 حق قدره من أنكر إرساله للرسل وإنزال كتبه عليهم وهذا حقيقة قول من ~~قال إنه لا يتكلم ولم ينزل له إلى الأرض كلام ولا كلم موسى تكليما ومعلوم ~~أن هذا إنكار لكمال ربوبيته وحقيقة إلهيته ولحكمته ولم يقدره حق قدره من ~~عبد من دونه إلها غيره ولم يقدره حق قدره من جحد صفات كماله ونعوت جلاله ~~وقد وصف سبحانه نفسه بأنه العلي العظيم وحقيقة قول المعطلة النفاة أنه ليس ~~بعلي ولا عظيم فإنهم يردون علوه وعظمته إلى مجرد أمر معنوي كما يقال الذهب ~~أعلى وأعظم من الفضة والبر أعلى وأعظم من الشعير وقد صرحوا بذلك فقالوا ~~معناه علي القدر وعظيم القدر قال شيخنا فيقال لهم أتريدون أنه في نفسه علي ~~الذات عظيم القدر وإن له في نفسه قدرا عظيما أم تريدون أن عظمته # PageV04P1359 # وقدره في النفوس فقط فإن أردتم الأول فهو الحق الذي دل عليه الكتاب ~~والسنة والعقل فإذا كان في نفسه عظيم القدرفهو في قلوب الخلق كذلك ومع ذلك ~~فلا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه ولا يقدر أحد قدره ولا ~~يعلم عظم قدره إلا هو وتلك صفة يمتاز بها وبختص بها عن خلقه إذ هي من لوازم ~~ماهيته وذاته التي اختص بها عن خلقه كما قال الإمام أحمد لما قالت الجهمية ~~إنه في المخلوقات نحن نعلم مخلوقات كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء وإن ~~أعدتم ذلك إلى مجرد تعظيم القلوب له من غير أن يكون هنانك صفات ثبوتية وقدر ~~عظيم يختص به فذاك اعتقاد لا حقيقة له وصاحبه قد عظمه بأن اعتقد فيه عظمةلا ~~حقيقة لها وذلك يضاهي اعتقاد المشركين في آلهتهم. # وإن قالوا بل يزيد معنى ثالثا لا هذا ولا هذا وهو أن له في نفسه قدرا ~~يستحقه لكنه قدر معنوي قيل لهم أتريدون أن له حقيقة عظيمة يختص بها عن غيره ~~وصفات عظيمة يتميز بها وذاتا عظيمة تمتاز عن الذوات وماهية عظيمة # PageV04P1360 # أعظم من كل ماهية ونحو ذلك من المعاني المعقولة ms513 فذلك أمر وجودي محقق وإذا ~~أضيف ذلك إلى الرب كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه المخلوق كما أنه إذا ~~أضيف إلى المخلوق كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه الخالق فهو في حق ~~الخالق تعالى قدر يليق بعظمته وجلاله وفي حق المخلوق قدر يناسبه كما قال ~~تعالى {قد جعل الله لكل شيء قدرا} [الطلاق3] فما من مخلوق إلا وقد جعل الله ~~له قدرا يخصه والقدر يكون علميا ويكون عينيا فالأول هو التقدير العلمي وهو ~~تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن ~~يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير ~~الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه ~~وكتبه. # فالقدر الإلهي نوعان: # أحدهما: في العلم والكتابة # والثاني: خلقها وبرأها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء والخلق ~~يتضمن الإبداع والتقدير جميعا والمقصود أن كل موجد فله قدر والعباد لا ~~يقدرون الخالق قدره والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره ولهذا لم يذكر ذلك ~~سبحانه إلا في حقهم قال تعالى: # PageV04P1361 # {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} ~~[الأنعام91] وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة من ~~المشركين واليهود وغيرهم وقال تعالى {وما قدروا الله حق قدره} ولم يقل وما ~~قدروا الله قدره فإن حق قدره هو الحق الذي لقدره فهو حق عليهم لقدره سبحانه ~~فجحدوا ذلك الحق وأنكروه وما قاموا بذلك الحق معرفة ولا إقرارا ولا عبودية ~~وذلك جحود وإنكار لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله لجحودهم أن يتكلم أو ~~يعلم الجزئيات أو يقدر على إحداث فعل فشبهات منكري الرسالة ترجع إلى ذلك ~~أما إنكار علمه تعالى أو إنكار قدرته أو إنكار كلامه فمن أقر بما أرسل به ~~رسله وأنه عالم به متكلم بكتبه التي أنزلها عليهم قادر على الإرسال لا يليق ~~بحكمته تركه فقد قدره حق قدره من هذا الوجه إن لم يقدره حق ms514 قدره مطلقا ~~وكذلك ذكر الآية الأخرى في سياق خطابه للمشركين ولمنكري آياته كقوله ~~{وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} ~~[الزمر54] إلى قوله {بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين} [الزمر59 إلى قوله: # PageV04P1362 # {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر67] فكان ~~هذا ردا على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده ولصفاته كما كان ذلك ردا ~~على منكري كتبه ورسله وهذان أصلا الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الذي وصف به نفسه هاهنا يتضمن من ~~اقتداره على تغيير العالم وتبديله ما يبطل قول أعدائه الملاحدة المكذبين ~~بالمبدأ والمعاد أئمة هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل والرأي وقال تعالى في ~~آية الحج {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق ~~قدره إن الله لقوي عزيز} {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج75 ~~, 73] فما قدره من عبد من دونه من لا يخلق ذبابا واحدا وإن سلبه الذباب ~~شيئا مما عليه من خلوق وغيره لم يقدر على استنقاذه منه ولا يكون أضعف من ~~هذا الإله وعابده # PageV04P1363 # فكيف يعبد من دون من له القوة كلها والعزة كلها ولما كان هذا من جهلهم ~~بالله وترك تعظيمه الذي ينبغي له قال كثير من المفسرين في معنى ذلك ما ~~عظموه حق عظمته وقال بعضهم ما عرفوه حق معرفته وقال بعضهم ما عبدوه حق ~~عبادته وقال آخرون ما وصفوه حق صفته ولما كان أهل العلم والإيمان قد قاموا ~~من ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي أعانهم بها ووفقهم بها لمعرفته وعبادته ~~وتعظيمه لم يتناولهم هذا الوصف فإن التعظيم له سبحانه والمعرفة والعبادة ~~ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به عباده وأعانهم عليه ورضي منهم بمقدورهم من ~~ذلك وإن كانوا لا يقدرونه قدره ولا يقدر أحد من العباد قدره فإنه إذا كانت ms515 ~~السماوات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا والأرضون السبع في يده الأخرى ~~كذلك فكيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له يدان فضلا عن أن يقبض بهما ~~شيئا فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة وإنما ذلك مجاز لا حقيقة له ~~وللجهمية والمعطلة نفاة الصفات من هذا الذم أوفر نصيب وللمتفلسفة وأفراخهم ~~وأتباعهم ذنوب مثل ذنوب أصحابهم وأكثر. # وقد شرع الله سبحانه لعباده ذكر هذين الاسمين # PageV04P1364 # العلي العظيم في الركوع والسجود كما ثبت في الصحيح أنه لما نزلت {فسبح ~~باسم ربك العظيم} قال النبي اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت {سبح اسم ربك ~~الأعلى} قال اجعلوها في سجودكم وهو سبحانه كثيرا ما يقرن في وصفه بين هذين ~~الاسمين كقوله {وهو العلي العظيم} [البقرة255] وقوله {هو العلي الكبير} ~~[الحج62] وقوله {عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال} [الرعد9] يثبت بذلك ~~علوه على المخلوقات وعظمته فالعلو رفعته والعظمة عظمة قدره ذاتا ووصفا. # وعند الجهمية ليس له علو ولا عظمة إلا ما في النفوس من اعتقاد كونه أفضل ~~من غيره. # PageV04P1365 # فصل: الوجه السابع والثمانون بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين بين الوحي ~~والعقل من الجهمية المعطلة والفلاسفة الملاحدة ومن اتبع سبلهم هم دائما ~~يدلون بنفي التشبيه والتمثيل ويجعلونه جنة لتعطيلهم ونفيهم فجحدوا علوه على ~~خلقه ومباينته لهم وتكلمه بالقرآن والتوراة والإنجيل وسائر كتبه وتكليمه ~~لموسى واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له بأبصارهم من فوقهم في الجنة ~~وسلامه عليهم وتجليه لهم ضاحكا وغير ذلك مما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه ~~رسوله وتترسوا بنفي التشبيه واتخذوه جنة يصدون به القلوب عن الإيمان بالله ~~وبأسمائه وصفاته وكل من نفى شيئا مما وصف به نفسه جعل نفي التشبيه له ~~كالوقاية في الفعل حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن نفى ذاته وماهيته خشية التشبيه ~~فقال هو وجود محض لا ماهية له ونفى آخرون وجوده بالكلية خشية التشبيه ~~وقالوا يلزمنا في الوجود ما لزم مثبتي الصفات والكلام والعلو في ذلك فنحن ~~نسد الباب بالكلية. # PageV04P1366 # ولا ريب أن المشبهة ms516 المحضة خير من هؤلاء وأحسن قولا في ربهم وأحسن ثناء ~~عليه منهم. # والطائفة المعطلة بمنزلة من قدح في ملك الملك وسلطانه ونفى قدرته وعلمه ~~وتدبيره لمملكته وسائر صفات الملك. # والطائفة الثانية بمنزلة من شبهه بملك غيره موصوف بأكمل الصفات وأحسن ~~النعوت فينبغي أن تعلم في هذا قاعدة نافعة جدا وهي أن نفي الشبه والمثل ~~والنظير ليس في نفسه صفة مدح ولا كمال ولا يحمد به المنفي عنه ذلك بمجرده ~~فإن العدم المحض الذي هو أخس المعلومات وأنقصها ينفي عنه الشبه والمثل ~~والنظير ولا يكون ذلك كمالا ومدحا إلا إذا تضمن كون من نفى عنه ذلك قد اختص ~~من صفات الكمال ونعوت الجلال بأوصاف باين بها غيره وخرج بها عن أن يكون له ~~نظير أو شبه فهو لتفرده بها عن غيره صح أن ينفي عنه الشبه والمثل والنظير ~~والكفؤ فلا يقال لمن لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا علم ولا كلام ولا فعل ~~ليس له شبه ولا مثل ولا نظير اللهم إلا في باب الذم والعيب أي قد سلب صفات ~~الكمال كلها بحيث صار لا شبه له في النقص هذا الذي عليه فطر الناس وعقولهم ~~واستعمالهم في المدح والذم كما قال شاعر القوم # PageV04P1367 # ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يساويه في الفضائل # وقال الآخر # ما أن كمثلهم في الناس من أحد ... # وقال الفرزدق # فما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # أي ما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك هو خاله. # وقال الآخر # فما مثله فيهم ولا هو كائن ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل # نفى أن يكون له مثل في الحال والماضي والمستقبل. # وقال الآخر # ولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فردا بلا شبه # ومنه قولهم فلان نسيج وحده شبهه بثوب لم ينسج له نظير في حسنه وصفاته ~~فعكس المعطلة المعنى وقلبوا # PageV04P1368 # الحقائق وأزالوا دلالة اللفظ عن موضعها وجعلوا {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى11] جنة وترسا لنفي علوه سبحانه على عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات ms517 ~~كماله ومما ينبغي أن يعلم أن كل سلب ونفي لا يتضمن إثباتا فإن الله لا يوصف ~~به لأنه عدم محض ونفي صرف لا يقتضي مدحا ولا كمالا ولا تعظيما ولهذا كان ~~تسبيحه وتقديسه سبحانه متضمنا لعظمته ومستلزما لصفات كماله ونعوت جلاله ~~وإلا فالمدح بالعدم المحض كلا مدح والعدم في نفسه ليس بشيء يمدح به ويحمد ~~عليه ولا يكسب القلب علما بالمذكور ولا محبة وقصدا له ولهذا كان عدم السنة ~~والنوم مدحا وكمالا في حقه سبحانه لتضمنه واستلزامه كمال حياته وقيوميته ~~ونفي اللغوب عنه كمال لاستلزامه كمال قدرته وقوته ونفي النسيان عنه كمال ~~لتضمنه كمال علمه وكذلك نفي عزوب شيء عنه ونفي الصاحبة والولد كمال لتضمنه ~~كمال غناه وتفرده بالربوبية وأن من في السماوات والأرض عبيد له وكذلك نفي ~~الكفؤ والسمي والمثل عنه كمال لأنه يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال له على ~~أكمل الوجوه واستحالة وجود مشارك له فيها فالذين يصفونه # PageV04P1369 # بالسلوب فقط من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به ~~الرسل وعرفوه إلى الخلق وهو الوجه الذي يحمده به ويثني عليه ويمجد وتعرف به ~~عظمته وجلاله وإنما عرفوه من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة ~~والإيمان به بعدم اعتقادهم الحق واعتقادهم خلاف الحق وحقيقة أمرهم أنهم لم ~~يثبتوا لله عظمة إلا ما تخيلوه في نفوسهم من السلوب والنفي الذي لا عظمة ~~فيه ولا مدح فضلا عن أن يكون كمالا بل ما أثبتوه مستلزم لنفي ذاته رأسا. # وأما الصفاتية الذين يؤمنون ببعض ويجحدون بعضا فإذا أثبتوا علما وقدرة ~~وإرادة وغيرها تضمن ذلك إثبات ذات تقوم بها هذه الصفات وتتميز بحقيقتها ~~وماهيتها سواء سموه قدرا أو لم يسموه فإن لم يثبتوا ذاتا متميزة بحقيقتها ~~وماهيتها كانوا قد أثبتوا صفات بلا ذات كما أثبت إخوانهم ذاتا بلا صفات ~~وأثبتوا أسماء بلا معان ولا حقائق وذلك كله مخالفة لصريح المعقول وهم يدعون ~~أنهم أرباب عقليات فلا بد من إثبات ذات محققة لها الأسماء الحسنى التي لا ~~تكون حسنى إلا إذا كانت ms518 دالة على صفات كمال وإلا فالأسماء فارغة لا معنى ~~لها # PageV04P1370 # لا توصف بحسن فضلا عن كونها أحسن من غيرها يوضح ذلك. # الوجه الثامن والثمانون بعد المائة: أنه سبحانه فرق بين هذين الاسمين ~~الدالين على علوه وعظمته في آخر آية الكرسي وفي سورة الشورى وفي سورة الرعد ~~وفي سورة سبأ في قوله {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} ~~[سبأ23] ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات وذكر معها ~~قيوميته المقتضية لذاته وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه من النوم والسنة ~~والعجز وغيرها ثم ذكر كمال ملكه ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا ~~يشفع عنده أحد إلا بإذنه ثم ذكر سعة علمه وإحاطته ثم عقبه بأنه لا سبيل ~~للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه ثم ذكر سعة ~~كرسيه منبها به على سعته سبحانه وعظمته وعلوه وذلك توطئة بين يدي ذكر علوه ~~وعظمته ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ~~ولا مشقة ولا تعب ثم ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ~~ذاته وعظمته في نفسه وقال في سورة طه # PageV04P1371 # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} [طه110] وقد اختلف في ~~تفسير الضمير في به فقيل هو الله سبحانه أي ولا يحيطون بالله علما وقيل هو ~~ما بين أيديهم وما خلفهم فعلى الأول يرجع إلى العالم وعلى الثاني يرجع إلى ~~المعلوم وهذا القول يستلزم الأول من غير عكس لأنهم إذا لم يحيطوا ببعض ~~معلوماته المتعلقة بهم فأن لا يحيطوا علما به سبحانه أولى وكذلك الضمير في ~~قوله {ولا يحيطون بشيء من علمه} [البقرة255] يجوز أن يرجع إلى الله ويجوز ~~أن يرجع إلى {ما بين أيديهم وما خلفهم} أي ولا يحيطون بشيء من علم ذلك إلا ~~بما شاء فعلى الأول يكون المصدر مضافا إلى الفاعل وعلى الثاني يكون مضافا ~~إلى المفعول والمقصود أنه لو كان {العلي العظيم} إنما يراد به اتصافه ~~بالعلم ms519 والقدرة والملك وتوابع ذلك كان تكريرا بل دون التكرير فإن ذكر ذلك ~~مفصلا أبلغ من الدلالة عليه بما لا يفهم إلا بكلفة وكذلك إذا قيل إن علوه ~~وعظمته مجرد كونه أعظم من مخلوقاته وأفضل منها فهذا هضم عظيم لهاتين ~~الصفتين العظيمتين وهذا لا يليق ولا يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض ~~الرد لمن سوى بينه وبين غيره في العبادة والتأله كقوله {قل الحمد لله وسلام ~~على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون} [النمل59] . # PageV04P1372 # وقول يوسف الصديق {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف39] ~~وقوله تعالى عن السحرة إنهم قالوا لفرعون {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} [طه73] . # فهذا السياق يقال في مثله إن الله خير مما سواه من الآلهة الباطلة وأما ~~بعد أ , يذكر أنه مالك الكائنات ويقال مع ذلك هو أفضل من مخلوقاته وأعظم من ~~مصنوعاته فهذا ينزه عنه كلام الله وإنما يليق هذا بهؤلاء الذين يجعلون له ~~مثل السوء في كلامه ويجعلون ظاهره كفرا تارة وضلالة تارة وتشبيها وتجسيما ~~تارة ومخالفا لصريح العقل تارة ويحرفونه بالتحريفات الباطلة ويقولون فيه ~~مالا يرضى أحدهم أن يقال مثله في كلامه فيجعلون لكلامه مثل السوء كما جعلوا ~~له سبحانه مثل السوء بإنكارهم صفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى ولو تأول ~~أحد كلامهم أو كلام من يعظمونه على ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله لقامت ~~قيامة أحدهم وإذا حقق الأمر عليهم تبين أن ما يتأولون عليه كلام الله ~~ورسوله من التأويلات الفاسدة لا يليق حمل كلام آحاد فضلاء بني آدم عليها ~~ولهذا # PageV04P1373 # سقطت حرمة الإيمان والقرآن والرسول من قلوبهم ولهذا يصرحون بأن القرآن ~~والسنة لا تفيدان علما ولا يقينا في هذا الباب ويقولون إن الطريقة ~~البرهانية ليست في القرآن وإنها في منطق اليونان يوضحه # الوجه التاسع والثمانون بعد المائة: أن العظيم يوصف به الأعيان والكلام ~~والصفات والمعاني أما الأعيان فكقوله تعالى {ورب العرش العظيم} [المؤمنون6] ~~وقوله {ولها عرش عظيم} [النمل23] وأما ms520 المعاني فكقوله تعالى {وإنك لعلى خلق ~~عظيم} [القلم4] وقوله {سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور16] فيوصف بالذوات ~~وصفاتها وأفعالها وكل موصوف فصفته بحسبه فعظم الذات شيء وعظم صفاتها شيء ~~وعظم القول شيء وعظم الفعل شيء والرب تعالى له العظمة بكل اعتبار وكل وجه ~~بذاته والمعطلة تنكر عظمة ذاته ولا يثبتون إلا عظمة معنوية لا يثبتون عظمة ~~الذات كما يقولون مثل ذلك في العلو أنه علو # PageV04P1374 # معنوي لا أن ذاته عالية على كل المخلوقات فليس عندهم عليا ولا عظيما إلا ~~باعتبار معنوي فقط كعلو قيمة الجوهر على قيمة الخزف وأهل السنة أثبتوا له ~~العلو والعظمةة بكل اعتبار ومثل هذا وصفه سبحانه بأنه الكبير المتعالي ~~فالكبير يوصف به الذات وصفاتها القائمة بها فيقال هذا أكبر من هذا حسا ~~ومعنى وسنا وكذلك الطول يقال هو أطول يدا منه صورة ومعنى كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: لنسائه: "أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا" فكلهن يمددن أيديهن ~~أيهن أطول وكانت زينب أولهن موتا وكانت أطولهن يدا بالخير والصدقة وكذلك ~~السعة والبسطة تكون في الذوات والمعاني كما قال تعالى: {وزاده بسطة في ~~العلم والجسم} [البقرة247] فكبر قدره في باطنه بالعلم وفي ظاهره باشتداد ~~الجسم # PageV04P1375 # فكمل ظاهره وباطنه ومعناه وصورته وهذا أكمل من أن يكمل معناه وفكره دون ~~ذاته وصورته وهذا شأنه سبحانه فيما يريد تكميله من خلقه فإنه يكمله ذاتا ~~ومعنى ظاهرا وباطنا كما قال تعالى في أهل الجنة {ولقاهم نضرة وسرورا} ~~[الإنسان11] فكمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالمسرة وقال تعالى {وحلوا ~~أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا} [الإنسان21] فهذا زينة ظواهرهم وهذا ~~زينة بواطنهم وقال {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة23-22] فكمل ~~ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه وقال تعالى {يا بني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف26] وأنعم ~~على عباده بزينتين ولباسين زينة تجمل ظواهرهم وزينة من التقوى تجمل بواطنهم ~~وقال تعالى # PageV04P1376 # {فيهن خيرات حسان} [الرحمن70] قال المفسرون خيرات الأخلاق حسان الوجوه ~~وقد روي هذا التفسير مسندا ms521 إلى النبي في حديث أم سلمة وهو في معجم الطبراني ~~وغيره وقال تعالى {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان ~~مارد} [الصافات7 , 6] فجعل المصابيح زينة لظاهرها ولباطنها بالحراسة من ~~الشياطين فهي زينة الظاهر والباطن وقال تعالى {علمه شديد القوى ذو مرة ~~فاستوى} [النجم6 , 5] وهو جبريل عليه الصلاة والسلام والمرة المنظر البهي ~~الجميل فأعطاه كمال القوة في باطنه وجمال المنظر في ظاهره وهذان الكمالان ~~هما اللذان أرتهما امرأة العزيز النسوة اللاتي لمنها في محبة يوسف فإنها ~~أجلستهن في البيت. # PageV04P1377 # {وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا ~~بشرا إن هذا إلا ملك كريم} [يوسف31] فأخبرتهن أن باطنه أحسن وأجمل. {قالت ~~فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} [يوسف32] فأرتهن جماله ~~الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن والمقصود أن أهل السنة يثبتون لله سبحانه ~~العلو الذاتي والمعنوي والعظمة الذاتية والمعنوية والجمال والجلال الذاتي ~~والمعنوي ومن هذا قول المسلمين الله أكبر فإنه افعل تفضيل يقتضي كونه أكبر ~~من كل شيء بجميع الاعتبارات وبهذا فسره النبي في الحديث الذي رواه أحمد ~~والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عدي بن حاتم في قصة إسلامه حيث قال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عدي ما يفرك # PageV04P1378 # أيضرك أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم من إله سوى الله" ثم قال: "يا ~~عدي ما يفرك أيفرك أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئا أكبر من الله" فالله ~~سبحانه أكبر من كل شيء ذاتا وقدرا ومعنى وعزة وجلالة فهو أكبر من كل شيء في ~~ذاته وصفاته وأفعاله كما هو فوق كل شيء وعال على كل شيء وأعظم من كل شيء ~~وأجل من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله يوضحه. # الوجه التسعون بعد المائة: إن تعطيل ذاته المقدسة عن وصفها بذلك وجعل ذلك ~~مجرد أمر معنوي يقتضي سلب ذلك عنه بالكلية ولا سيما عند الجهمية النفاة ~~لصفاته وأفعاله فإنه عندهم لا تقوم به صفة ثبوتية يستحق بها أن ms522 يكون أعظم ~~من غيره وأكبر منه وفوقه وأعلى منه فإنهم لا يجعلون ذلك عائدا إلى ذاته ~~لأنه يلزم منه عندهم التجسيم فليست ذاته عندهم موصوفة بكبر ولا عظمة ولا ~~علو ولا فوقية وليس له عندهم صفة ثبوتية تكون عظمته وفوقيته وعلوه لأجلها ~~فإن إثبات الصفات عندهم يستلزم التركيب ولا له فعل يقوم به يكون به أعظم ~~وأكبر من غيره فإن ذلك يستلزم عندهم حلول الحوادث وقيامها به فلا حقيقة ~~عندهم لكونه أكبر وأعظم وأجل من غيره إلا ما يرجع إلى مجرد السلب والنفي ~~والعدم مثل كونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا تحله الحوادث # PageV04P1379 # ولا يفعل لحكمة ولا مصلحة ولا له وجه ولا يدان ولا ينزل كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا ولا هو مستو على عرشه ولا يأتي يوم القيامة لفصل القضاء ولا يراه ~~المؤمنون في الجنة ولا يكلمهم ولا كلم موسى في الدنيا ولا أحدا من الخلق ~~ولا يشار إليه بالأصابع ولا يرفع إليه الكلم الطيب ولا تعرج الملائكة ~~والروح إليه ولا عرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ولا دنا منه حتى ~~كان قاب قوسين أو أدنى ونحو ذلك من النفي والسلب الذي يفرون عنه بنفي ~~التشبيه والتجسيم والتركيب فيوهمون السامع أن إثبات ذلك تشبيه وتجسيم ثم ~~ينفونه عنه وحقيقة ذلك نفي ذاته وصفاته وأفعاله فهذا حقيقة كونه أكبر من كل ~~شيء وأعظم منه وفوقه وعاليا عليه عندهم وحقيقة ذلك نفي هذا عنه وجعل كل شيء ~~أكبر منه لأن ما لا ذات له ولا صفة ولا فعل فكل ذات لها صفة أكبر منه ~~فالقوم كبروه وعظموه ونزهوه في الحقيقة عن وجوده فضلا عن صفات كماله ~~وأفعاله يوضحه # الوجه الحادي والتسعون بعد المائة: وهو أنه قد علم بالاضطرار أن الله ~~سبحانه له ذات مخصوصة يقال ذات الله كما قال خبيب # PageV04P1380 # وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع # ولفظ ذات في الأصل تأنيث ذو أي ذات كذا وذو كذا والذي يضاف إليه ذو نوعان ~~وصف ms523 ويضاف إليه إضافة الموصوف إلى صفته كقوله تعالى {إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين} [الذاريات58] وقوله {إن الله لذو فضل على الناس} [يونس60] ~~فالفضل وصفه وفعله وكان النبي يقول في ركوعه وسجوده سبحان ذي الجبروت ~~والملكوت والكبرياء والعظمة. والثاني إضافته إلى مخلوق منفصل كقوله تعالى # PageV04P1381 # {وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد} [البروج15 , 14] فإذا أطلقوا لفظ ~~الذات من غير تقييدها بإضافة معين دلت على ماهية لها صفات تقوم بها فكأنهم ~~قالوا صاحبة الصفات المخصوصة القائمة بتلك الماهية فدلوا بلفظ الذات على ~~الحقيقة وصفاتها القائمة بها ومحال أن يصح وجود ذات لا صفات لها ولا قدر ~~وإن فرضها الذهن فرضا لا وجود لمتعلقه في الخارج إلا كما يفرض سائر ~~الممتنعات فالذات هي قابلة للصفات والموصوفة بالصفات القائمة بها ومنه ذات ~~الصدور أي ما فيها من خير وشر. وقال ابن الأنباري معناه عليم بحقيقة القلوب ~~من المضمرات فتأنيث ذات لهذا المعنى كما قال {وتودون أن غير ذات الشوكة ~~تكون لكم} [الأنفال7] فأنث لمعنى الطائفة كما يقال لقيته ذات يوم لأن # PageV04P1382 # قصدهم لقيته مرة في يوم. # وقال الواحدي ذات الصدور يحتمل معنيين # أحدهما أن يكون نفس الصدور لأن ذات الشيء نفسه وعينه يقال فهمت ذات كلامك ~~كما يقال فهمت كلامك. # قال تطوف بذات البيت والحر طاهر. # وقال وفيه معنى التأكيد فيكون المعنى والله عليم بالصدور. # والثاني أن ذات الصدور الأشياء التي في الصدور وهي الأسرار والضمائر وهي ~~ذات الصدور لأنها فيها تحلها وتصاحبها وصاحب الشيء ذوه وصاحبته ذاته قلت ~~أكثر استعمالهم ذات الشيء بمعنى السبيل والطريق الموصلةإليه كقول خبيب وذلك ~~في ذات الإله وكذلك الجنب كقوله {أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب ~~الله} [الزمر56] فليست الذات والجنب هنا هي نفس الحقيقة ومنه قوله {فإذا ~~أوذي في الله} [العنكبوت10] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولقد أوذيت في ~~الله وما يؤذي أحد". # PageV04P1383 # وأما استعمالهم ذات الشيء بمعنى عينه ونفسه فلا يكاد يظفر به وكذلك قوله ~~{إنه عليم بذات الصدور} ليس ms524 المراد به عليما بمجرد الصدور فإن هذا ليس فيه ~~كبير أمر وهو بمنزلة أن يقال عليم بالرؤوس والظهور والأيدي والأرجل وإنما ~~المراد به عليم بما تضمره الصدور من خير وشر أي بالأسرار التي في الصدور ~~وصاحبة الصدور فأضافها إليها بلفظ يعم جميع ما في الصدور من خير وشر. # وأما استعمال لفظ ذات في حقيقة الشيء الخارجية فأظنه استعمالا مولدا وهو ~~من العربية المولدة لا العربية العرباء ولما ولدوا هذا الاستعمال أدخلوا ~~عليها الألف واللام وهو من العربية المولدة أيضا فقالوا الذات والعرب لا ~~تستعملها إلا مضافة وقد تنازع فيها أهل العربية فكثير منهم يغلط أصحاب هذا ~~الاستعمال ويقول هو خلاف لغة العرب وبعضهم يجعله قياس اللغة وإن لم ينطقوا ~~به والصواب أنه من العربية المولدة كما قالوا الكل والبعض والكافة والعرب ~~لا تستعملها إلا مضافة. # وقريب من هذا لفظ الماهية والكمية والكيفية والآنية # PageV04P1384 # ونحوها فإن العرب لم تنطق بها فهي عربية مولدة ويشبه هذا قولهم الدمعزة ~~والطلبقة لقولهم دام عزك وطال بقاؤك وهذا لم ينطق به العرب وإن نطقت بنظيره ~~كالبسملة والحوقلة والحيعلة ولما استعملوا الذات بمعنى النفس قالوا جاء ~~بذاته ومنه قول أهل السنة استوى على عرشه بذاته أي ذاته فوق العرش عالية ~~عليه وقد غلط بعضهم من قال جاء بذاته وجاء بنفسه وقال الصواب جاء زيد ذاته ~~ونفسه ونازعهم في ذلك آخرون وجوزوا هذا الاستعمال والمقصود أن إثبات الذات ~~ونفي قدرها وصفاتها جمع بين النقيضين فإنه إثبات للشيء ونفي لما يستلزم ~~نفيه فإن أبين لوازم الذات تمييزها بحقيقتها وماهيتها عن غيرها ومباينتها ~~له ولو بالتعيين فمن أنكر مباينة الرب لخلقه وصفاته التي وصف بها نفسه فقد ~~جحد ذاته وأنكرها وإن أقر بها لفظا. # الوجه الثاني والتسعون بعد المائة: إن كل من عارض الوحي بالرأي والعقل ~~فهو من خصماء الله لأنه قد خاصم الله في الوحي الذي أنزله على رسوله واحتج ~~على بطلانه ويكفي العبد خذلانا وجهلا وعمى أن يكون خصم ربه تبارك وتعالى ~~ولهذا أخبر تعالى عن هؤلاء ms525 المعارضين للكتاب بعقولهم بذلك قال تعالى {أولم ~~ير الأنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} [يس77] . # PageV04P1385 # ثم ذكر سبحانه مخاصمته لربه فيما ضربه من المثل قال {وضرب لنا مثلا ونسي ~~خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس78] وفي الصحيح قال كان المشركون ~~يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت {يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر49 , 48] فهؤلاء ~~إنما كانت خصومتهم خصومة معارضة للوحي بعقولهم وآرائهم كخصومة من خاصم في ~~المعاد وكذلك مجادلتهم في الله وآياته كذا كانت جدال معارضة للوحي بالرأي ~~والعقل فهؤلاء خصماء الله حقيقة وفي الاثر ينادي مناد يوم القيامة ألا ليقم ~~خصماء الله فيذهب بهم إلى النار فخصماء الله حقيقة هم المعارضون لكتابه وما ~~بعث به رسله بعقولهم وآرائهم وإن لم يكن هؤلاء خصماء الله فمن هم خصماؤه ~~غيرهم وقد حكم الله سبحانه بين خصمائه وبين من خاصمهم فيه أحسن الحكومة ~~وأعدلها وهي حكومة يحمده عليها الفريقان كما يحمده عليها أهل السماوات ~~والأرض فقال تعالى: # PageV04P1386 # {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق} [الحج22 , ~~19] ثم حكم لخصومهم الذين خاصموا به وله فقال {إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد} ~~[الحج24 , 23 ولا يستوي من خاصم بكتاب الله وحاكم إليه وعول فيما يثبته لله ~~وينفيه عنه عليه كمن خاصم كتاب الله وحاكم إلى منطق يونان وكلام أرسطو وابن ~~سينا والجهم بن صفوان وشيعتهم وعول فيما يثبته وينفيه على أقوالهم وآرائهم ~~وكان النبي يقول في استفتاح صلاة الليل اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك ~~توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك ms526 حاكمت فالرسل # PageV04P1387 # إنما خاصموا قومهم بالوحي وإليه حاكموهم به كانت لهم عليهم الحجة البالغة ~~وكيف يعارض من يقول قال لي ربي كذا وكذا بقول من يقول قال لي عقلي أو قلبي ~~أو قال فلان فهذا هو المخصوم الداحضة حجته في الدنيا والآخرة الذي لا يمكنه ~~تنفيذ ضلاله وباطله إلا بالعقوبة والتهديد والوعيد أو بالرغبة العاجلة في ~~الدنيا وزخرفها كما فعل المنافقون بنو عبيد حين أظهروا دعوتهم فإنهم ~~استولوا على النفوس الصغيرة الجاهلة المبطلةبالرغبة والرهبة العاجلة من نوع ~~شبهة وإذا انضاف الهوى إلى الشبهة ترحل العقل والإيمان وتمكن الهوى ~~والشيطان والنفس موكلة بحب العاجل بدون شبهة تدعوها إليه فكيف إذا قويت ~~الشبهة وأظلم ليلها وغابت شمس الهدى والإيمان وحيل بين القلوب وبين حقائق ~~القرآن بتلك الطواغيت التي عزلوه بها عن إفادة الإيقان يوضحه. # PageV04P1388 # الوجه الثالث والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء النفاة المعطلة إذا غلبوا مع ~~أهل الإثبات وقامت حجتهم عليهم عدلوا إلى عقوبتهم وإلزامهم بالأخذ بأقوالهم ~~ومذاهبهم بالضرب والحبس والقتل وتارة يأخذونهم بالرغبة في الدنيا ومناصبها ~~وزينتها فلا تقبل أقوالهم إلا برغبة أو رهبة والناس إلا القليل منهم عبيد ~~رغبة أو رهبة وبهذه الطريقة أخذ إمام المعطلة فرعون قومه حين قال للسحرة ~~لما ظهرت حجة موسى عليه وصحت دعوته وصحت نبوته وألقى السحرة ساجدين إيمانا ~~بالله وتصديقا برسوله {فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل} [طه71] ولما تمكن الإيمان من قلوبهم علموا أن عقوبة الدنيا أسهل من ~~عقوبة الآخرة وأقل بقاء وأن ما يحصل لهم في الآخرة من ثواب الإيمان أعظم ~~وأنفع وأكثر بقاء. # فهذه العقول التي قدموا بها خير الآخرة على خير الدنيا وعقوبة الدنيا ~~وألمها المنقضي على عقوبة الآخرة وألمها الدائم هي العقول التي أثبتوا بها ~~صانع العالم وصفاته وعلوه على عرشه وتكليمه لموسى وغضبه ورضاه ومحبته ~~ورحمته وسمعه وبصره ومجيئه وإتيانه وأفعاله وأما إمام المعطلة النفاة # PageV04P1389 # وقومه فإنهم بالعقول التي قدموا بها عاجل الدنيا وزينتها وزخرفها على آجل ~~الآخرة وباعوا بها الذهب الباقي بالخزف الفاني وآثروا ms527 بها خسران الدنيا ~~والآخرة على العبودية والانقياد لموسى والإيمان بالله وحده هي العقول التي ~~نفوا بها مباينة الله لخلقه واستوائه على عرشه وتكليمه لموسى ونفوا بها ~~صفات كماله من السمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة بل نفى بها شيخهم ~~وإمامهم نفس الذات فقال {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص38] فهذه العقول ~~التي دلتهم في النفي والتعطيل هي تلك العقول التي آثروا بها الدنيا على ~~الآخرة ففاتتهم الدنيا والآخرة بل آثروا بها العقوبة العاجلة وأسبابها على ~~العافية والنعمة فمن الذي يتخير بعد ذلك تقديم ما حكمت به هذه العقول ~~السخيفة من التعطيل والنفي على ما جاءت به الرسل من الإثبات المفصل. # والمقصود أن هؤلاء إنما يأخذون الناس بالرغبة والرهبة لا بالحجة والبيان ~~ولهذا لما علم إمامهم فرعون أنه لا يقاوم بها موسى عدل معه إلى الوعيد ~~بالسجن فقال {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء29] . # PageV04P1390 # وكذلك فعل أصحاب الأخدود مع المؤمنين وكان ذنبهم عند ربهم أن آمنوا بالله ~~وصفاته ورسله وكتبه ولقائه وكذلك فعلت الجهمية بأولياء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخلفائه في أمته أهل السنة والحديث والنقل من الضرب والحبس ما ~~فعلوه بأحمد بن حنبل وأمثاله وكان ذنبهم عند ربهم أن أثبتوا لله صفات كماله ~~ونعوت جلاله ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفه رسوله من غير تجاوز ولا ~~تقصير ولما لم يقم لهم عليهم حجة نقلية ولا عقلية وفي المحال أن تقوم حجة ~~صحيحة على نقيض ما أخبرت به الرسل عن الله عدلوا معهم إلى العقوبة وتوصلوا ~~بالتدليس والتلبيس على أولياء الأمر والجهال فأوقعوا في نفوسهم أن هؤلاء ~~مشبهة مجسمة و {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة64] {ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} [التوبة32] # الوجه الرابع والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم ~~وعقولهم في الأصل صنفان صنف مباينون للرسل محادون لهم مكذبون لهم في أصل ~~الرسالة كالفلاسفة الصابئين والمجوس وعباد الأوثان والسحرة وأتباعهم وصنف ~~منتسبون إلى الرسل في الأصل غير مكذبين ms528 لهم في أصل الرسالة وهم الجهمية ~~والمعطلةلهم في أصل الرسالة وهم الجهمية والمعطلة # PageV04P1391 # ومن سلك سبيلهم ووافقهم على بعض باطلهم وخالفهم في بعضه وقد تقدم أن ~~الصنف الأول يستطيلون على الصنف الثاني بما وافقوهم فيه من التعطيل ~~ويجرونهم به إلى موافقتهم في القدر الذي خالفوهم فيه والجهمية المغل ~~يستطيلون على الجهمية المخانيث بما وافقوهم فيه من النفي ويجرونهم به إلى ~~موافقتهم في القدر الذي خالفوهم فيه وهؤلاء المخانيث يستطيلون على أهل ~~السنة والحديث أيضا بالقدر الذي وافقوهم فيه ويدعونهم به إلى موافقتهم في ~~الباقي فلم يستطل المبطل على المحق من حيث خالفه وإنما استطال عليه من حيث ~~وافقه فما أصيب المحق إلا بطاعته للمبطل في بعض أمره وأصول هؤلاء يكرهون ما ~~أنزل الله مما هو بخلاف عقولهم وآرائهم وقواعدهم فمن أطاعهم في بعض أمرهم ~~كان من الذين قال الله عز وجل فيهم {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما ~~تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما ~~نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم} [محمد26 , 25] ولهذا ~~تجد هؤلاء المبطلين إنما يصولون على من وافقهم في بعض باطلهم فيعلقون له ~~برهانا يطالبونه وأما أتباع الرسل المصدقون لهم في كل ما جاءوا به المثبتون ~~لحقائقه لست أعني المقرين بمجرد ألفاظه مع اعتقادهم فيها التخييل # PageV04P1392 # والتحريف والتأويل أو التجهيل فليس للمبطلين عليهم سبيل البتة لكن ~~بالافتراء والتلبيس والكذب والألقاب الذين هم أحق بها وأهلها دونهم وما ~~رتبوا على ذلك من الأذى الذي يبلغونه منهم وذلك مما يحقق ميراثهم من إمامهم ~~ومتبوعهم الذي أوذي في الله هو وأصحابه وقال له ورقة بن نوفل لم يأت أحد ~~بمثل ما جئت به إلا عودي فكل من دعا إلى نفس ما جاء به الرسول فهو من ~~أتباعه فلا بد أن يناله من الأذى من أتباع الشيطان بحسب حاله وحالهم والله ~~المستعان والمقصود أن المبطلين لا سبيل لهم على أتباع الرسول البتة قال ~~تعالى {ولن يجعل الله للكافرين على ms529 المؤمنين سبيلا} [السناء141] قيل بالحجة ~~والبرهان فإن حجتهم داحضة عند ربهم وقيل هذا في الآخرة وأما في الدنيا فقد ~~يتسلطون عليهم بالضرر لهم والأذى وقيل لا يجعل لهم عليهم سبيلا مستقرة بل ~~وإن نصروا عليهم في وقت فإن الدائرة تكون عليهم ويستقر النصر لأتباع الرسول ~~وقيل بل الآية على ظاهرها وعمومها ولا إشكال فيها بحمد الله فإن الله # PageV04P1393 # سبحانه ضمن أن لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا فحيث كانت لهم سبيل ~~ما عليهم فهم الذين جعلوها بتسببهم ترك بعض ما أقروا به أو ارتكاب بعض ما ~~نهوا عنه فهم جعلوا لهم السبيل عليهم بخروجهم عن طاعة الله ورسوله في ما ~~أوجب تسلط عدوهم عليهم من هذه الثغرة التي أخلوها كما أخلى الصحابة يوم أحد ~~الثغرة التي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها وحفظها فوجد العدو ~~منها طريقا إليهم فدخلوا منها قال تعالى {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} [آل ~~عمران165] فذكر السبب الذي أصيبوا به وذكر القدرة التي هي مناط الجزاء فذكر ~~عدله فيهم بما ارتكبوه من السبب وقدرته عليهم بما نالهم به من المكروه وقال ~~تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى30] ~~وفي الحديث الصحيح الإلهي "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". # PageV04P1394 # الوجه الخامس والتسعون بعد المائة: إنه كيف يكون النفاة المعطلة من ~~الجهمية ومن تبعهم أولى بالصواب والحق في معرفة الله وأسمائه وصفاته وما ~~يجب له ويمتنع عليه وشهداء الله في أرضه من جميع أقطار الأرض يشهدون عليهم ~~بالضلالة والحيرة والكذب على الله ورسوله وكتابه ويرمونهم بالعظائم ويشهدون ~~عليهم بالكفر والإلحاد في أسماء الله وصفاته وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "أنتم شهداء الله في الأرض فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة ومن ~~أثنيتم عليه بشر وجبت له ms530 النار" فكيف إذا كان الشهداء على هؤلاء قد شهد لهم ~~بأنهم أولو العلم وعدلهم من جعله الله شهيدا عليهم وهو رسوله كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم معدلا لهؤلاء الشهود: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ~~ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" فاسمع الآن بعض ~~شهادات هؤلاء العدول على أهل النفي والتعطيل قال إمام أهل السنة والحديث ~~محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب خلق الأفعال حدثنا # PageV04P1395 # أبو نعيم سليمان الفارسي سمعت سفيان الثوري قال قال لي حماد بن أبي ~~سليمان أبلغ أبا فلان المشرك أني بريء من دينه وكان يقول إن القرآن مخلوق ~~وذكر عن خالد بن عبد الله القسري أنه خطبهم بواسط في يوم أضحى وقال ارجعوا ~~فضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم ~~موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ~~ثم نزل فذبحه أخبرنا محمد بن عبد الله أبو جعفر البغدادي قال سمعت أبا ~~زكريا يحيى بن يوسف قال كنت عند عبد الله بن إدريس فجاء رجل فقال يا أبا ~~محمد ما تقول في قوم يقولون القرآن مخلوق قال أمن اليهود قال لا قال أفمن ~~النصارى قال لا قال أفمن المجوس قال لا قال فممن قال من أهل التوحيد قال ~~ليس هؤلاء من أهل التوحيد هؤلاء الزنادقة من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم ~~أن الله مخلوق يقول الله عز وجل {بسم الله الرحمن الرحيم} فالله لا يكون ~~مخلوقا والرحمن لا يكون مخلوقا والرحيم لا يكون مخلوقا فهذا أصل الزندقة من ~~قال هذا فعليه لعنة الله # PageV04P1396 # لا تجالسوهم ولا تناكحوهم قال البخاري وقال وهب بن جرير الجهمية زنادقة ~~إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى قال البخاري وحلف يزيد بن هارون بالله ~~الذي لا إله إلا هو من قال القرآن مخلوق زنديق يستتاب فإن تاب وإلا قتل قال ~~وقيل لأبي بكر بن عياش إن قوما ببغداد يقولون إنه مخلوق فقال ms531 ويلك من قال ~~هذا على من قال إن القرآن مخلوق لعنة الله وهو كافر زنديق لا تجالسوهم قال ~~وقال الثوري من قال القرآن مخلوق فهو كافر وقال حماد بن زيد القرآن كلام ~~الله نزل به جبريل ما يحاولون إلا أن ليس في السماء إله قال وقال ابن مقاتل ~~سمعت ابن المبارك يقول من قال {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} ~~مخلوق فقد كفر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك وقال ابن المبارك # ولا أقول بقول الجهم إن له ... قولا يضارع أهل الشرك أحيانا # PageV04P1397 # ولا أقول تخلى عن بريته ... رب العباد وولي الأمر شيطانا # ما قال فرعون هذا في تجبره ... فرعون موسى ولا فرعون هامانا # ومن شعره أيضا فيه ولم يذكره البخاري # عجبت لشيطان دعى الناس جهرة ... إلى النار واشتق اسمه من جهنم # قال البخاري قال ابن المبارك لا نقول كما قالت الجهمية أنه في الأرض ~~هاهنا بل على العرش استوى وقيل له كيف نعرف ربنا قال فوق سماواته على عرشه ~~وقال رجل لرجل منهم أبطنك خال منه فبهت الآخر وقال من قال {لا إله إلا أنا} ~~مخلوق فهو كافر وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام ~~الجهمية قال وقال سعيد بن عامر # PageV04P1398 # للجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى قد أجمعت اليهود والنصارى وأهل ~~الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش وقالوا هم ليس على العرش قال وقال ~~ضمرة عن ابن شوذب ترك جهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك خاصمه بعض ~~السمنية فأقام أربعين يوما لا يصلي قال ضمرة وقد رآه ابن شوذب قال البخاري ~~وقال عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون كلام جهم صفة بلا معنى بناء بلا أساس ~~ولم يعد قط من أهل العلم قال ولقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل الدخول ~~فقال عليها العدة قال وقال علي بن عاصم ما الذين قالوا إن لله ولدا بأكفر ~~من الذين قالوا إن الله لا يتكلم وقال # PageV04P1399 # احذر من المريسي وأصحابه فإن كلامهم ms532 أبوجاد الزنادقة وأنا كلمت أستاذهم ~~جهما فلم يثبت أن في السماء إلها قال البخاري وكان إسماعيل ابن أبي أويس ~~يسميهم زنادقة العراق وقيل له سمعت أحدا يقول القرآن مخلوق فقال هؤلاء ~~الزنادقة والله لقد فررت إلى اليمن حين تكلم أبو العباس ببغداد بنحو هذا ~~فرارا من هذا الكلام قال وقال علي بن الحسن سمعت أبا مصعب يقول كفرت ~~الجهمية في غير موضع من كتاب الله وقال أبلغوا الجهمية أنهم كفار وأن ~~نساءهم طوالق قال وقال عفان من قال {قل هو الله أحد} مخلوق فهو كافر. # قال وقال علي بن عبد الله القرآن كلام الله من قال إنه مخلوق فهو كافر لا ~~يصلى خلفه قال وقال وكيع من كذب بحديث إسماعيل عن قيس عن جرير عن النبي فهو ~~جهمي فاحذروه قلت يريد حديث الرؤية قال وقال أبو الوليد هو الطيالسي من قال ~~القرآن مخلوق فهو كافر ومن لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق فهو كافر ~~خارج عن الإسلام وقال أبو عبيد نظرت في كلام اليهود # PageV04P1400 # والنصارى والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم من الجهمية وإني لأستجهل من ~~لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم قال وقال عبد الرحمن بن عفان سمعت سفيان بن ~~عيينة يقول ويحكم القرآن كلام الله قد صحبت الناس وأدركتهم هذا عمرو بن ~~دينار وهذا ابن المنكدر حى ذكر منصورا والأعمش ومسعر بن كدام فما يعرف ~~القرآن إلا كلام الله فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله ما أشبه هذا القول ~~بقول النصارى لا تجالسوهم ولا تسمعوا منهم. # قال البخاري وحدثني الحكم بن محمد الطبري كتبت عنه بمكة حدثنا سفيان بن ~~عيينة قال أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون القرآن ~~كلام الله ليس بمخلوق قال وقال الحميدي حدثنا سفيان ثنا حصين عن مسلم بن ~~صبيح عن بشر بن شكل عن عبد الله قال ما خلق الله من أرض ولا سماء ولا جنة ~~ولا نار أعظم من # PageV04P1401 # {الله لا إله إلا هو ms533 الحي القيوم} [البقرة255] قال سفيان تفسيره أن كل ~~شيء مخلوق والقرآن ليس بمخلوق وكلامه أعظم من خلقه لأنه إنما يقول للشيء كن ~~فيكون فلا يكون شيء أعظم مما يكون به الخلق والقرآن كلام الله قال وقال ~~زهير السجستاني سمعت سلام بن أبي مطيع يقول الجهمية كفار. # وقال جرير بن عبد الحميد جهم كافر بالله العظيم وقال وقال وكيع أحدث ~~هؤلاء المرجئة الجهمية والجهمية كفار والمريسي جهمي وعلمهم كيف كفروا قال ~~يكفيك المعرفة وهذا كفر والمرجئة يقولون الإيمان قول بلا عمل وهذا بدعة ومن ~~قال القرآن مخلوق فهو كافر بما أنزل على محمد يستتاب فإن تاب وإلا ضربت ~~عنقه وقال وكيع على المريسي لعنه الله يهودي أو نصراني فقال له رجل كان ~~أبوه أو جده يهوديا أو نصرانيا قال وكيع وعلى أصحابه لعنة الله القرآن كلام ~~الله وضرب وكيع إحدى يديه على الأخرى فقال # PageV04P1402 # هو ببغداد يقال له المريسي يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. # قال البخاري وقال يزيد بن هارون لقد حرضت أهل بغداد على قتله جهدي ولقد ~~أخبرت من كلامه بشيء وجدت وجعه في صلبي بعد ثلاث وقال علي بن عبد الله إنما ~~كان غايته أن يدخل الناس في كفره وقال عبيد الله بن عائشة لا يصلى خلف من ~~قال القرآن مخلوق ولا كرامة له وقال سليمان بن داود الهاشمي وسهل بن مزاحم ~~من صلى خلف من يقول القرآن مخلوق أعاد الصلاة وقال ابن أبي الأسود سمعت ابن ~~مهدي يقول ليحيى بن سعيد لو أن جهميا بيني وبينه قرابة ما استحللت من ~~ميراثه شيئا وقال ابن مهدي لو رأيت رجلا على الجسر وبيدي سيف يقول القرآن ~~مخلوق لضربت عنقه وقال يزيد بن هارون المريسي أضر من سحالي قال أبو عبد ~~الله البخاري ما أبالي أصليت خلف الجهمي # PageV04P1403 # أو الرافضي أم صليت خلف اليهودي والنصراني ولا يسلم عليهم ولا يعادون ولا ~~يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم وقال عبد الرحمن بن مهدي هما ملتان ~~الجهمية والرافضة قال شيخ الإسلام وهذا ms534 الكلام الذي قاله الإمام عبد الرحمن ~~بن مهدي قد قاله غيره وهو كلام عظيم فإن هاتين الفرقتين هما أعظم الفرق ~~فسادا في الدين وأصلهما من الزنادقة المنافقين ليستا من ابتداع المتأولين ~~مثل قول الخوارج والمرجئة والقدرية فإن هذه الآراء ابتدعها قوم مسلمون ~~بجهلهم قصدوا بها طاعة الله فوقعوا في معصيته ولم يقصدوا بها مخالفة الرسول ~~ولا محادته بخلاف الرفض والتجهم فإن مبدأهما من قوم منافقين مكذبين لما جاء ~~به الرسول مبغضين له لكن التبس أمر كثير منهم على كثير من المسلمين الذين ~~ليسوا بمنافقين ولا زنادقة فدخلوا في أشياء من الأقوال والأفعال التي ~~ابتدعها الزنادقة والمنافقون ولبسوا الحق بالباطل وفي المسلمين سماعون ~~للمنافقين كما قال الله تعالى {وفيكم سماعون لهم} [التوبة47] أي قابلون ~~مستجيبون لهم فإذا كان جيل القرآن كان بينهم منافقون وفيهم سماعون لهم فما ~~الظن بمن # PageV04P1404 # بعدهم فلا يزال المنافقون في الأرض ولا يزال في المؤمنين سماعون لهم ~~لجهلهم بحقيقة أمرهم وعدم معرفتهم بغور كلامهم وأما الرفض فإن الذي ابتدعه ~~زنديق منافق وهو عبد الله بن سبأ الذي أظهر الإسلام وكان يبطن الكفر وقصده ~~فساد الإسلام والتجهم مأخوذ في الأصل عن الصابئين والمشركين وهم أعظم من ~~الرفض ولهذا تأخر دخوله في الأمة فهاتان الملتان يناقضان أصلي الإسلام وهما ~~شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أما التجهم فإنه نقض التوحيد وإن سمى أصحابه أنفسهم موحدين ولهذا كان السلف ~~يترجمون الرد على الجهمية بالتوحيد والرد على الزنادقة والجهمية كما ترجم ~~البخاري آخر كتاب الجامع بكتاب التوحيد والرد على الجهمية والزنادقة وكذلك ~~ابن خزيمة سمى كتابه التوحيد وهو في الرد على الجهمية وأما الرافضة فقدحهم ~~وطعنهم في الأصل الثاني وهو شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإن كانوا يظهرون موالاة أهل بيت الرسول ومحبتهم قال طائفة من أهل العلم ~~منهم مالك بن أنس وغيره هؤلاء قوم أرادوا الطعن في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلم يمكنهم ذلك فطعنوا ms535 في الصحابة ليقول القائل رجل سوء كان له أصحاب ~~سوء ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين والرافضة # PageV04P1405 # المتقدمون لم يكونوا جهمية معطلة وأما المتأخرون منهم من حدود أواخر ~~المائة الثالثة فضموا إلى بدعة الرفض التجهم والقدر فتغلظ أمرهم وظهر منهم ~~حينئذ القرامطة والباطنية واشتهرت الزندقة الغليظة والنفاق الأعظم في ~~أمرائهم وعلمائهم وعامتهم وأخذوا من دين المجوس والصابئة والمشركين ما ~~خلطوه في الإسلام وهم أعظم الطوائف نفورا عن سنة النبي وحديثه وآثار أصحابه ~~لمضادة ذلك لبدعتهم كنفور الجهمية عن آيات الصفات وأخبارها قال البخاري ~~وقيل لأبي عبيد القاسم بن سلام إن المريسي سئل عن ابتداء خلق الأشياء وقول ~~الله {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل40] فقال هذا ~~كلام صلة أي هو مثل قوله قالت السماء وقال الجدار يعني أن الله لم يتكلم ~~قال أبو عبيد أما تشبيهه قول الله {إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} بقالت ~~السماء وقال الجدار وبين # PageV04P1406 # بطلان قوله ثم قال ومن قال هذا فليس شيء من الكفر إلا وهو دونه ومن قال ~~هذا فقد قال على الله مالم يقله اليهودي والنصراني ومذهبه التعطيل للخالق ~~قال البخاري قال علي وسمعت بشر بن المفضل وذكر بعض الجهمية بالبصرة فقال هو ~~كافر وسئل وكيع عن مثنى الأنماطي فقال هو كافر وقال عبد الله بن داود لو ~~كان لي على مثنى الأنماطي سبيل لنزعت لسانه من قفاه وكان جهميا وقال سليمان ~~بن داود الهاشمي من قال القرآن مخلوق فهو كافر قال وقال الفضيل بن عياض إذا ~~قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول من مكانه فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء ~~قال وقال ابن علية ومعاذ بن معاذ وحجاج بن محمد ويزيد بن هارون وهاشم بن ~~القاسم # PageV04P1407 # والربيع بن نافع الحلبي ومحمد بن يوسف وعاصم بن علي ويحيى بن يحيى وأهل ~~العلم من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر ~~وقال محمد بن يوسف من قال ms536 إن الله ليس على عرشه فهو كافر قال وقيل لأحمد بن ~~يونس أدركت الناس فهل سمعت أحدا يقول القرآن مخلوق فقال الشيطان تكلم بهذا. # فمن تكلم بهذا فهو جهمي والجهمي كافر وذكر عن وكيع قال لا تستخفوا بقولهم ~~القرآن مخلوق فإنه من شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل قال وحدثني أبو ~~جعفر سمعت الحسن بن يونس الأشيب وذكر الجهمية فنال منهم ثم قال أدخل رأس من ~~رؤساء الزنادقة يقال له شمعلة على المهدي فقال دلني على أصحابك فقال أصحابي ~~أكثر من ذلك فقال دلني عليهم فقال صنفان ممن ينتحل القبلة الجهمية والقدرية ~~الجهمي إذا غلا قال ليس ثم شيء وأشار الأشيب إلى السماء والقدري إذا غلا ~~قال هما اثنان خالق خير وخالق شر فضرب عنقه # PageV04P1408 # وصلبه قال وحدثني أبو جعفر حدثني يحيى بن أيوب قال سمعت أبا نعيم شجاعا ~~البلخي يقول كان رجل من أهل مرو صديقا لجهم ثم قطعه وجفاه فقيل له لم جفوته ~~قال جاء منه مالا يحتمل قرأت يوما آية كذا وكذا نسيها يحيى فقال ما كان ~~أظرف محمدا حين قالها واحتملتها ثم قرأ سورة طه فلما بلغ {الرحمن على العرش ~~استوى} قال أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها لحككتها من المصحف فاحتملتها ~~ثم قرأ سورة القصص فلما انتهى إلى ذكر موسى قال ما هذا ذكر قصة في موضع فلم ~~يتمها ثم ذكرها هنا فلم يتمها ثم رمى المصحف من حجره برجليه فوثبت عليه ~~حدثني أبو جعفر سمعت يحيى بن أيوب قال كنا ذات يوم عند مروان بن معاوية ~~الفزاري فسأله رجل عن حديث الرؤية فلم يحدثه فقال إن لم تحدثني به فأنت ~~جهمي فقال مروان يقول لي جهمي وجهم مكث أربعين ليلة لا يعرف ربه حدثني أبو ~~جعفر حدثني هارون بن معروف ويحيى بن أيوب قائلا قال ابن المبارك كل قوم ~~يعرفون من # PageV04P1409 # يعبدون إلا الجهمية حدثنا أبو جعفر سمعت يزيد بن هارون حدثنا حديث ~~إسماعيل عن قيس عن جرير عن النبي صلى الله عليه ms537 وسلم: "أنكم ترون ربكم" قال ~~يزيد من كذب بهذا فقد برئ من الله ورسوله حدثنا أبو جعفر حدثنا أحمد بن ~~خلاد سمعت يزيد بن هارون ذكر أبا بكر الأصم والمريسي فقال هما والله ~~زنديقان كافران بالرحمن حلالا الدم وقال عبد الرحمن بن مهدي من زعم أن الله ~~لم يكلم موسى فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وقال يزيد بن هارون والله الذي ~~لا إله إلا هو ما هم إلا زنادقة أو قال مشركون وسئل عبد الله بن إدريس عن ~~الصلاة خلف أهل البدع فقال لم يزل في الناس إذا كان فيهم مرض أو عدل فصل ~~خلفه قلت فالجهمية قال لا هذه من المقاتل هؤلاء لا يصلى خلفهم ولا يناكحون ~~وعليهم التوبة وسئل حفص بن غياث فقال فيهم ما قال ابن إدريس قيل فالجهمية ~~قال لا أعرفهم قيل له قوم يقولون القرآن مخلوق قال لا جزاك الله خيرا أوردت ~~على قلبي مالم يسمع به قط # PageV04P1410 # قلت فإنهم يقولونه قال هؤلاء لا يناكحون ولا تجوز شهادتهم وسئل ابن عيينة ~~فقال نحو ذلك قال فأتيت وكيعا فوجدته من أعلمهم بهم فقال يكفرون من وجه كذا ~~ويكفرون من وجه كذا حتى أكفرهم من كذا وكذا وجها وقال وكيع الرافضة شر من ~~القدرية والحرورية شر منهما والجهمية شر هذه الأصناف قال الله تعالى {وكلم ~~الله موسى تكليما} [النساء164] ويقولون لم يكلمه ويقولون الإيمان بالقلب ~~قال البخاري يقال سلم ابن أحوز الذي قتل جهما. # فصل # قال البخاري حدثنا محمد بن كثير حدثنا إسرائيل ثنا عثمان بن المغيرة عن ~~سالم عن جابر قال كان النبي # PageV04P1411 # صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه بالموقف فقال: "ألا رجل يحملني إلى قومه ~~فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ". # وقال أنس بن مالك لما أسري بالنبي من مسجد الكعبة فإذا موسى في السماء ~~السابعة بتفضيل كلام الله عز وجل وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " قال الله عز وجل عطائي كلام وعذابي كلام إذا أردت شيئا فإنما ms538 أقول ~~له كن فيكون". # قال وقال عبد الله بن أنيس سمعت # PageV04P1412 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يحشر العباد يوم القيامة ~~فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ~~ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة". # وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا قضى الله الأمر في ~~السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان # PageV04P1413 # {إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} ~~[سبأ23] وقال خباب بن الأرت تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إلى ~~الله بشيء أحب إليه من كلامه. # وقال نيار بن مكرم الأسلمي لما نزلت {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} ~~[الروم3-1] خرج أبو بكر يصيح كلام ربي كلام ربي وكانت أسماء بنت أبي بكر ~~إذا سمعت القراءة قالت كلام ربي. # وقال أبو عبد الرحمن السلمي فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الرب على ~~خلقه. # PageV04P1414 # وقال أبو ذر قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الأنبياء قال ~~"آدم قلت إنه لنبي قال نعم مكلم". # وقال ابن عباس لما كلم الله موسى كان النداء في السماء وكان الله في ~~السماء ثم ذكر حديث عبد الله. # قال ابن مسعود أصدق الحديث كلام الله. قال وقال أبو بكر عن النبي وذكر ~~الشفاعة قال يقول نوح انطلقوا إلى موسى فإن الله كلمه تكليما وقال أبو ~~هريرة وابن عمر عن النبي # PageV04P1415 # صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى موسى بكلامه ورسالته". # وقال عدي بن حاتم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا ~~سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا ما قدم من ~~عمله فينظر عن يساره فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر بين يديه فلا يرى ~~إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة". # وقال ms539 جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أبشرك بما لقي ~~الله به أباك إن الله كلم أباك من غير حجاب فقال له عبدي سلني قال يا رب ~~ردني إلى الدنيا حتى أقتل فيك قال إني قد قضيت عليهم أن لا يرجعون قال ~~فأبلغهم عنا فأنزل الله {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران169] . # PageV04P1416 # قال أبو عبد الله وهو عبد الله بن عمرو بن حرام قتل يوم أحد شهيدا وقال ~~جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل على عرشه فوق ~~سماواته وسمواته فوق أراضيه مثل القبة". # وقال ابن مسعود في قوله {ثم استوى على العرش} [الأعراف54] قال العرش على ~~الماء والله فوق العرش وهويعلم ما أنتم عليه. # وقال قتادة في قوله {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [الزخرف84] . # PageV04P1417 # قال يعبد في السماء ويعبد في الأرض. # وقال ابن عباس في قوله {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} [السجدة5] قال من أيام السنة وقال تعالى ~~{أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} [الملك17] ~~وقال عمران بن حصين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي: "كم تعبد اليوم ~~قال سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك ~~قال الذي في السماء قال أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك فلما أسلم ~~الحصين قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمني الكلمتين اللتين وعدتني ~~قال قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي". # قال البخاري وقال بعض أهل العلم إن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا ربهم ~~بالصنم والأصم والأبكم # PageV04P1418 # الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخلق وقالت الجهمية كذلك لا يتكلم ~~ولا يبصر وقالوا إن اسم الله مخلوق. # ولقد اختصم يهودي ومسلم إلى بعض معطلتهم فقضى باليمين على المسلم فقال ms540 ~~اليهودي حلفه فقال المخاصم له احلف بالله الذي لا إله إلا هو فقال اليهودي ~~حلفه بالخالق لا بالمخلوق فإن هذا من القرآن وزعمت أن القرآن مخلوق فحلفه ~~بالخالق فبهت الآخر وقال قوما حتى أنظر في أمركما وخسر هنالك المبطلون. # وفي تاريخ الخطيب في ترجمة بشر المريسي عن إسحاق بن أحمد بن منيع قال كان ~~بشر المريسي يقول صنف من الزنادقة سماهم صنف كذا وكذا يقولون ليس بشيء وذكر ~~فيه عن علي بن عاصم # PageV04P1419 # قال كنت عند أبي فاستأذن عليه بشر المريسي فقلت يا أبت يدخل عليك مثل هذا ~~فقال يا بني فما قال قلت إنه يقول إن القرآن مخلوق وإن الله عز وجل معه في ~~الأرض وإن الجنة والنار لم يخلقا وإن منكرا ونكيرا باطل وإن الصراط باطل ~~وإن الميزان باطل وإن الشفاعة باطلة مع كلام كثير قال فأدخله علي قال ~~فأدخلته عليه قال فقال يا بشر ادن ويلك يا بشر ادن مرتين أو ثلاثا فلم يزل ~~يدنيه حتى قرب منه قال ويلك يا بشر من تعبد وأين ربك قال فقال وما ذاك يا ~~أبا الحسن قال أخبرت عنك أنك تقول إن القرآن مخلوق وإن الله معك في الأرض ~~مع كلام كثير ولم أر شيئا أشد على أبي من قول القرآن مخلوق وإن الله معه في ~~الأرض فقال يا أبا الحسن لم أجئ لهذا وإنما جئت في كتاب خالد لتقرأه علي ~~فقال له ولا كرامة حتى أعلم ما أنت عليه أين ربك ويلك قال أو تعفيني قال ما ~~كنت لأعفيك قال أما إذا أبيت فإن ربي نور في نور قال فجعل يزحف إليه ويقول ~~ويحكم اقتلوه فإنه والله زنديق وقد كلمت هذا الصنف بخراسان. # وذكر فيه أيضا عن أبي يوسف القاضي أنه قال # PageV04P1420 # لبشر المريسي طلب العلم بالكلام هو الجهل والجهل بالكلام هو العلم وإذا ~~صار رأسا في الكلام قيل زنديق أو يرمى بالزندقة يا بشر بلغني أنك تتكلم في ~~القرآن إن أقررت أن لله علما خصمت وإن جحدت العلم ms541 كفرت. # وذكر عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال ليس ~~في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى ~~ويريدون أن يقولوا ليس في السماء شيء وإن الله ليس على العرش أرى أن ~~يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا. # وذكر أيضا عن سعيد بن عامر الضبعي أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم شر قولا ~~من اليهود والنصارى قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على ~~أن الله على العرش وهم قالوا ليس عليه شيء. # فهذا وأضعافه قليل من كثير من شهادة شهداء الله في أرضه الذين استشهدهم ~~على توحيده وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته وعدلهم رسوله صلى الله ~~عليه # PageV04P1421 # وسلم بقوله: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"، وهؤلاء شهداء الله على ~~الناس يوم القيامة كما قال تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة143] فإنهم قاموا بشروط ~~الشهادة وهي العلم والعدل فإن الشاهد لا يكون مقبولا حتى يكون عالما بما ~~يشهد له عدلا في نفسه ولم يكن الله سبحانه ليجمع شهادة هؤلاء الذين هم ورثة ~~رسوله وأنصار دينه ولهم لسان الصدق في الأمة على باطل وزور وتكون شهادة ~~اتباع أهل الفلسفة الصابئين والمشركين وشهادة الجهمية الجاحدين لصفات رب ~~العالمين وكلامه وعلوه على خلقه وأوقاح المعتزلة وأفراخ المجوس وأمثالهم هي ~~المقبولة عند الله وهي شهادة الحق بل هؤلاء هم المشهود عليهم بين يدي الله ~~فإنهم خصماؤه وخصماء وحيه ورسوله حيث نسبوا كلامه وكلام رسوله إلى ما لا ~~يليق به وظنوا به أسوأ الظن واعتقدوا أن ظاهره باطل ومحال وتشبيه وضلال ~~فكيف يقبل أحكم الحاكمين وأعدل العادلين شهادة هؤلاء المتهوكين المتجبرين ~~على حزبه وأنصاره وأنصار كتابه وسنة رسوله الذين قدموا كتابه وسنة رسوله ~~على كل ما خالفهما ولم يقدموا ما خالفهما عليهما # PageV04P1422 # وتركوا الآراء الباطلة والمعقولات السخيفة لهما ولم يتركوهما لأجلها ~~وقرروا بالعقل الصريح صحة ما جاء به الرسول ولم يقروا بالعقل ms542 الفاسد بطلان ~~ما جاء به وأنه مخالف للعقل الصريح ورأوا أن اليقين كل اليقين مستفاد من ~~كلام الله ورسوله ولم يقولوا إنه لا يستفاد منه علم ولا يقين ورأوا أن ما ~~أخبر به عن أسمائه وصفاته وأفعاله حقيقة ولم يقولوا إنه مجاز لا حقيقة له ~~فأي الفريقين أحق بالعلم والعدالة وقبول الشهادة عند الله وعند ملائكته ~~وعند جميع المؤمنين وأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. # الوجه السادس والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء أصلوا أصولا جعلوها أساسا ~~لبنائهم وسموها قواطع عقلية وسموا أدلتها براهين يقينية فجاءت فروع تلك ~~الأصول ولوازمها والبناء الذي ارتفع عليها من أبطل الفروع وأفسد اللوازم ~~وأضعف البناء وأوهاه وذلك بين لكل ذي عقل سليم وفطرة صحيحة لم تفسد ~~بالتقليد ولم تعم بالهوى والتعصب عن فساد تلك الأصول ومناقضتها للمعقول ~~والمنقول وهذا موضع يستدعي عدة # PageV04P1423 # أسفار لكن نذكر منه أدنى تنبيه على طريق الاختصار يكون منبها على ما ~~وراءه مثال ذلك أن المتفلسفة لما أصلوا أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد بني ~~على ذلك من اللوازم الباطلة في المصدر والصادر ما هو متضمن لأعظم أنواع ~~الباطل. # أما المصدر فإنهم التزموا أن لا يكون فيه معنيان متغايران أصلا فنفوا عنه ~~جميع الصفات إذ لو ثبت له صفة وجودية لم يكن عندهم واحدا وقد فرضوه واحدا ~~من كل وجه فنفوا علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وكلامه واختياره ومشيئته ~~وأن يكون فاعلا باختياره لشيء من العالم ونفوا علوه على خلقه ومباينته ~~للعالم واستواءه على عرشه ولو ثبت له ذلك لكان جسما والأجسام مركبة فلم يكن ~~واحدا من كل جهة. # ولزمهم من ذلك نفي ماهيته وذاته وأن يقولوا إنه لا ماهية له سوى الوجود ~~المطلق إما بغير شرط أو بشرط الإطلاق ومن المعلوم أن المطلق لا وجود له في ~~الخارج ولا سيما إذا أخذ بشرط الإطلاق. # فلزمهم من هذا الأصل نفي وجود الخالق سبحانه في الخارج وأن يكون وجوده ~~ذهنيا لا خارجيا. # ولزمهم عنه لو صح لهم إثباته أنه لا ms543 يخلق ولا يرزق ولا يميت ولا يحيي ولا ~~يعلم شيئا ولا يرسل رسولا ولا يأمر ولا ينهى ولا يبعث من في القبور. # PageV04P1424 # ولزمهم منه أن يكون هذا العالم قد وجد من غير خالق أو أنه لم يزل موجودا ~~قديما أزليا ولما كان اللازم الأول أشنع وأظهر فسادا لكل عاقل التزموا ~~الثاني. # وأما الباطل الذي لزمهم في جانب الصادر فهو أن يكون واحدا من كل وجه ولا ~~يكون فيه كثرة بوجه ما ليس مصدره واحد كذلك فالصادر عنه أيضا يجب أن يكون ~~كذلك وهلم جرا والحس يكذبه ولا ينفعهم الجواب بأن الصادر له وجوه واعتبارات ~~لأجلها تعدد الصادر عنه فإن تلك الوجوه إن كانت وجودية لزم صدور الكثرة عن ~~الوحدة وبطل أصلهم وإن كانت عدمية لم يكن مصدرا للموجود وهذا قاطع. # فصل # ولما أصلوا هم وأتباعهم من الجهمية أن المختص بصفة أو حقيقة أو قدر لا بد ~~له من تخصيص منفصل لزمهم من هذا الأصل إنكار حقيقته وذاته وصفاته إذ لو ~~أثبتوا له ذلك بزعمهم لزم أن يكون له مخصص غيره خصصه بتلك الماهية والصفات ~~والقدر فلزم أيضا من هذا الأصل الباطل ما لزم من الأصل الذي قبله وهم طردوا ~~هذا الأصل وجحدوا حقيقة الرب وصفاته وإخوانهم من الجهمية لما لم يمكنهم أن ~~يصرحوا به بين أظهر المسلمين # PageV04P1425 # صرحوا بالأصل وبما أمكنهم أن يصرحوا به من اللوازم كنفي الصفات ونفي ~~العلو والمباينة والكلام والوجه واليدين والاستواء والنزول ولما أصلوا ذلك ~~لزمهم القول بأنه في كل مكان بذاته وأنه تعالى في الأجواف والأمكنة التي ~~يتعالى عنها فلما صاح عليهم أهل العلم والإيمان من كل قطر من أقطار الأرض ~~قالوا نقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق العرش ولا تحته فلما رأى ~~عبادهم ومتصوفوهم أن الإرادة والعبادة والطلب لا تعلق بمعبود هذا شأنه وأن ~~القلوب لا تعرفه والألسنة لا تعرفه فروا إلى أن قالوا فهو عين هذا العالم ~~لا غيره وكل هذه اللوازم أسست على ذلك الأصل الفاسد. # ولما أصلوا أن ms544 الصفات أعراض لا تقوم إلا بأجسام لزمهم إنكارها رأسا ومن ~~أثبت منهم صفة ونفى غيرها أضحك أهل العقل والنقل على عقله ولما أصلوا هذا ~~الأصل لزمهم عنه أن الله لم يتكلم ولا يكلم أحدا من خلقه ولم ينزل له إلى ~~الأرض كلام تكلم به وإنما خلق أصواتا وحروفا في الريح سميت كلامه مجازا لا ~~حقيقة فلما فهم سفهاؤهم هذا وأنه ليس لله في الأرض كلام وأنه ليس في المصحف ~~إلا صفة المخلوقين ومدادهم وما عملت أيديهم صار فيهم من يكتب {قل هو الله ~~أحد} # PageV04P1426 # بما يستحي من ذكره ومنهم من يلقي المصحف في المكان الذي يرغب عن ذكره ~~ويقول إنما ألقيت كاغدا ومدادا ومنهم من يجعله كرسيا له يضعه تحت رجليه ~~ويرقى عليه ويتناول به حاجته ومنهم من يكون له وعاء يضع فيه المصحف ونعله ~~وغيره ومنهم من يتوسده إلى غير ذلك من الأنواع التي فيها من الاستخفاف ~~بالمصحف والإهانة له ما يدل على براءة فاعله من الله ورسوله وكتابه ودينه. # وأما إطلاقهم العبارات القبيحة الدالة على الاستهانة فهم لا يتحاشون منها ~~بل يصرحون بقولهم أي شيء في المصحف سوى المداد والورق ويقولون ليس في ~~المصحف كلام الله ولم ينزل إلى الأرض لله كلام وهذا الذي يقرأه المسلمون ~~ليس بكلام الله حقيقة وقد رأينا نحن وغيرنا هؤلاء مشاهدة وسمعنا بعض ~~أقوالهم التي حكيناها وهذه الفروع واللوازم فروع ذلك الأصل الباطل. # كما أنهم لما أصلوا تعطيل الرب من صفة العلو وتعطيل العرش من استواء ربه ~~عليه لزمهم التكذيب بما لا يحصى من الآيات والأحاديث وإن أقروا بألفاظها ~~ولزمهم الطعن في خيار الأمة وساداتها وأئمة الإسلام وأهل # PageV04P1427 # السنة الحديث ولزمهم إنكار نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة وإنكار مجيئه ~~وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده وإن أقروا بذلك أقروا به مجازا ~~لا حقيقة ولزمهم من ذلك التكذيب بمعراج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~ربه ودنوه منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى وتردده بين موسى وبين ربه مرارا ~~كل ms545 ذلك لا حقيقة له عندهم كما صرح به أفضل متأخريهم وملك مناظريهم في كلامه ~~على المعراج وجعله خيالا لا حقيقة له. # ولما أصلوا أنه سبحانه لا تقوم به الأفعال الاختيارية وسموا ذلك حلول ~~الحوادث لزمهم عنه أنه لا يفعل شيئا البتة فإنه لا يتكلم بمشيئته وأن يكون ~~بمنزلة الجمادات التي لا تفعل شيئا فإنهم جعلوا المفعول عين الفعل ومن ~~المعلوم أن مفعولا بلا فعل أبلغ في الاستحالة والبطلان من مفعول بلا فاعل ~~أو هما سواء فلزمهم من هذا الأصل مخالفة صريح المعقول والمنقول والفطرة ~~والتكذيب بما لا يحصى من النصوص. # ولما أصلت القدرية أن الله سبحانه لو شاء أفعال عباده وقدر عليها وخلقها ~~ثم كلفهم بها وعاقبهم عليها لكان ذلك ظلما ينافي العدل. # لزمهم عن هذا الأصل لوازم مخالفة للعقل والشرع منها التكذيب بقدر الله ~~وتكذيب غلاتهم بعلمه السابق وإنكار كمال قدرته ونسبته إلى أن يكون في ملكه # PageV04P1428 # ما لا يشاء ويشاء مالا يكون وإخراج أشرف ما في ملكه عن أن يكون قادرا ~~عليه أو خالقا له وهو طاعات أنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه وأن تكون ~~أفعالهم حدثت من غير خالق محدث أو يكونوا هم الخالقين المحدثين لها وأن ~~تكون إرادتهم مشيآت حادثة بلا محدث ولزمهم تكذيبهم بنصوص القدر كله والطعن ~~في نقلة أخبارها وتحريفها عن مواضعها بالتأويلات التي هي كذب على اللغة ~~وعلى الله وعلى رسوله إلى أضعاف ذلك من اللوازم الباطلة ولزم هؤلاء كلهم أن ~~الكتاب والسنة جاءا بما يخالف العقل الصريح وأنه إذا تعارض العقل والنقل ~~قدم العقل وأطرح النقل فهذه الأصول الرديئة الخبيثة تولدت عنها هذه الأولاد ~~المناسبة لها ومن أشبه أباه فما ظلم فإذا قابلت بين أصول أهل الإثبات وما ~~تولد عنها وبين أصول المعطلة النفاة وما تولد عنها تبين لك الفرق بين هذه ~~الأصول وفروعها وهذه الأصول وفروعها والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # الوجه السابع والتسعون بعد المائة: إن من تأمل أقوال هؤلاء المعارضين ~~للوحي بعقولهم وآرائهم وجدها قد جمعت أمرين كل منهما ms546 يدل على بطلانها. # أحدهما اختلافها في نفسها واضطرابها وتهافتها وهذا يدل على أنها ليست من ~~عند الله كما قال تعالى # PageV04P1429 # {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ~~[النساء82] فيكفيك من فساد القول اختلافه واضطرابه وتناقضه. # الثاني أن مصدرها الخرص والظن والتخمين ليست صادرة عن وحي علمت عصمته ولا ~~عن فطرة وعقل اشترك العقلاء فيما أثبته ونفاه. # وقد أخبر سبحانه عن حقيقة أقوال المخالفين لكتابه وسنة رسوله بهذين ~~الأمرين في قوله {والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات ~~أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول ~~مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون} ~~[الذاريات11-1] فأقسم سبحانه بمخلوقاته طبقا بعد طبق فأقسم أولا بالرياح ~~الذاريات ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرا ثم بما فوقها وهي النجوم ~~الجاريات يسرا ثم بما فوقها وهي الملائكة المقسمات أمرا ثم أقسم بالسماء ~~ذات الحبك وهي الطرائق التي هي كطرائق الماء حين تحركه الرياح ومنه في وصف ~~الدجال شعره حبك # PageV04P1430 # أي فيه تجعد وتثن ومنه قوله في السماء موج مكفوف وهذا يتضمن حسنها ~~وبهجتها وكمال خلقها. # فأقسم بذلك على أن الرادين لما بعث به رسوله المعارضين له بعقولهم في قول ~~مختلف ولهذا نجدهم دائما في قول مختلف لا يثبت لهم قدم على شيء يعولون عليه ~~فتأمل أي مسألة أردت من مسائلهم ودلائلهم تجدهم مختلفين فيها غاية الاختلاف ~~يقول هذا قولا وينقضه الآخر فيجيء الثالث فيقول قولا غير ذينك القولين ~~وينقضهما ويبطل أدلتهما ولا تجد لهم مسألة واحدة إلا وقد اضطربوا فيها حكما ~~ودليلا فهم أعظم الناس اختلافا حتى تجد الواحد منهم يقول القول ويدعي أنه ~~قطعي ثم يقول خلافه ويبطله ويدعي أنه قطعي ثم أخبر سبحانه أن ذلك القول ~~المختلف يؤفك عنه من أفك أي يصرف بشبه عن الحق من صرف فلما كان انصرافه عن ~~الحق بشبه صار كأنه منفصل عنه وإفكه صادر عنه ثم قال تعالى {قتل الخراصون} ~~[الذاريات10] ms547 وأصل الخرص القول بلا علم بل بالظن والتخمين والقذف بالكلام ~~من غير برهان على صحته ومنه سمي الكاذب خارصا وصاحب الظن والتخمين خارصا ~~وهذا الوصف منطبق على هؤلاء أتم انطباق فليس معهم # PageV04P1431 # إلا الخرص واتباع الظن كما قال تعالى في وصف سلفهم المعارضين لشرعه ~~بالقدر {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام116] وهذا بخلاف ~~متبع الوحي فإنه يتبع قولا يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض لا اختلاف فيه ~~ولا اضطراب متصلا برب العالمين قوله ووحيه الذي نزله على رسوله قمصدره منه ~~سبحانه ومظهره على لسان رسوله فعليه سبحانه البيان وعلى رسوله البلاغ ~~وعلينا التسليم وقد فعل سبحانه ما عليه وفعل رسوله ما عليه فماذا نشأ بعد ~~ذلك إلا أن نأتي بما علينا وبالله التوفيق. # الوجه الثامن والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء النفاة المعطلة لا بد لهم من ~~أصل يقررون به قولهم الذي ابتدعوه وأصل ينفون به ما أخبرت به الرسل وهذا ~~حال كل من وضع رأيا أو نصب مذهبا لا بد له من أصل يقرر به رأيه وأصل يبطل ~~به قول مخالفه. # وعلى هذين الأصلين بنوا مذاهبهم الفاسدة فكلامهم كله يدور على هاتين ~~القاعدتين فإذا تكلموا في توحيدهم الذي هو غاية الإلحاد والتعطيل والتشبيه ~~بالأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم كما قال حافظ الإسلام محمد بن ~~إسماعيل البخاري في كتاب خلق الأفعال # PageV04P1432 # وهو من أجل كتبه الصغار وهذا لفظه وقال بعض أهل العلم إن الجهمية هم ~~المشبهة لأنهم شبهوا ربهم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يتكلم ولا يخلق وقالت الجهمية كذلك لا يتكلم لا يبصر نفسه والمقصود أن ~~توحيدهم غاية التعطيل والتشبيه فإذا تكلموا فيه قرروه بالأصل الأول فإذا ~~جاءوا إلى الكتاب والسنة قرروا نفي دلالتهما بوجوه أحدها: أن النصوص أدلة ~~لفظية لا تفيد علما ولا يقينا. # والثاني: أن الأخبار أخبار آحاد لا تفيد العلم وهذه المسائل علمية. # الثالث: أن العقل إذا عارض النقل وجب تقديم العقل عليه. # الرابع: استعمال التأويلات وأنواع ms548 الاستعارات والمجازات في نصوص الصفات ~~وقد أوصاهم سلفهم بكلمتين يتداولونها عنهم آخر عن أول قالوا إذا احتج عليكم ~~أهل الحديث بالقرآن فغالطوهم بالتأويل وإذا احتجوا بالأخبار فقابلوها ~~بالتكذيب. # وإذا مهدوا هذين الأصلين انبنى لهم عليهما أصلان آخران أدهى منهما وأمر ~~التكذيب بالحق الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وإساءة الظن به وتسليط ~~التحريف عليه والتصديق بالباطل الذي يسمونه قواطع # PageV04P1433 # عقلية وصدقوا وكذبوا فهي قواطع ولكن عن الإيمان بالله ورسوله وأسماء الرب ~~وصفاته وهي خيالات جهلية شبهت عليهم فظنوها قواطع عقلية. # وترتب لهم على هذين الأصلين أصلان آخران تلقيب الحق المنزل وأصحابه ~~بالألقاب الشنيعة المنفرة كتلقيبه بالتجسيم والتشبيه والتمثيل والتركيب. # وتلقيب الآخذين به بالمشبهة والمجسمة والحشوية وتلقيب الكفر والضلال ~~والإلحاد بالألقاب المستحسنة كالتوحيد والتنزيه والعدل وتلقيب أصحابه ~~بالموحدين أهل العدل والتوحيد والتنزيه. # فرتب لهم على ذلك أصلان آخران الإعراض عن القرآن والسنة جملة ومعارضتهما ~~بآراء الرجال وعقولهم الفاسدة المتهافتة المتناقضة. # ثم ترتب لهم على ذلك أصلان آخران معاداة أهل الحق وموالاة أهل الباطل ~~وبقي أمران آخران إنما يظهران إذا بعث ما في القبور وحصل ما في الصدور ~~هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون. # الوجه التاسع والتسعون بعد المائة: إن هؤلاء المعطلة النفاة من الجهمية ~~ومن اتبعهم لا يمكن على أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي أسسوها محبة الله ~~ولا مدحه ولا حمده وتمجيده والثناء عليه # PageV04P1434 # ولا الرضى به ولا الابتهاج بقربه ولا الفرح به ولا اللذة العظمى برؤية ~~وجهه ولا لذة الآذان والأرواح بسماع كلامه بل ولا الشوق إليه ولا الأمان ~~ولا الطمأنينة به وإليه ولا الأمن من عذابه لهم بغير جرم أصلا ومن إبطاله ~~أعمالهم الصالحة بغير سبب بل أعظم من ذلك أنهم سدوا على أنفسهم طريق العلم ~~بإثباته وإثبات ربوبيته إلا بما ينافي صفاته وأفعاله فليس لهم طريق إلى ~~إثبات ذاته إلا بما يستلزم نفي ذاته وصفاته وأفعاله وسدوا علىأنفسهم طريق ~~العلم بصدق رسله بتجويزهم عليه كل شيء حتى ms549 إنه يجوز عليه تأييد الكاذب ~~المفتري عليه بأعظم المعجزات وليس في العقل ما يحيل ذلك عندهم وسدوا على ~~أنفسهم طريق العلم بالمعاد لأنهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد ولا حقيقة له ~~وهذه جملة إنما يظهر تفصيلها عند الكلام على مسائلهم ودلائلهم. # أما محبة الرب سبحانه فإنهم صرحوا بأنه لا يحب ولا يحب واستدلوا على ذلك ~~بما هو مناقض للفطرة والعقل والشرائع كما سنذكره إن شاء الله وأصل الدين هو ~~كونه سبحانه يحب ولا يحب فإن الشرائع مبناها على شهادة أن لا إله إلا الله ~~والإله هو المستحق لكمال الحب بكمال التعظيم والإجلال والذل له والخضوع له ~~فإنكار المحبة # PageV04P1435 # إنكار لنفس الإلهية وأما فروعها فمبناها على كونه سبحانه يحب أقوالا ~~وأعمالا ويمدح فاعليها ويثني عليهم ويقربهم منه ويبغض أقوالا وأعمالا ويذم ~~فاعليها ويبغضهم ويبعدهم منه وعنده أنه لا يحب ولا يبغض بل كل ما شاءه فهو ~~محبوب له ومالم يشأه فهو مبغوض فإن محبته عندهم هي إرادته ولهذا قالوا لا ~~يحبه أحد لأن المحبة نوع من الإرادة والقديم لا يمكن أن يراد وأما أنه لا ~~يمدح ولا يحمد فلما قرروا أن المدح هو مجرد الإخبار عن استحقاق الممدوح ما ~~يلتذ به ويفرح به واللذة والألم عليه محال كما سنذكر ألفاظهم بعد هذا الوجه ~~والكلام عليها. # وأما الرضا به والابتهاج والسرور بقربه فذلك من توابع المحبة وعندهم أنه ~~لا يمكن تعلق المحبة به بوجه وأما اللذة برؤية وجهه وسماع كلامه فليس له ~~عندهم وجه ولا يرى بحال ولا يكلم ولا يمكن أن يتكلم وأما الإنابة إليه فأصل ~~الإنابة محبة القلب وخضوعه وذله للمحبوب المراد فمن لا يحب لا يمكن الإنابة ~~إليه وكذلك الفرح والسرور بقربه عندهم أنه أمر محال. وأما الطمأنينة به ~~والأمن من عذابه بغير جرم فلا طريق لهم إلى ذلك لأنهم يجوزون عليه أن يعذب ~~أعظم أهل طاعته وينعم أكفر الخلق به وكلاهما بالنسبة إليه سواء عندهم وإنما ~~يعلم ضد ذلك بخبر صادق والأدلة اللفظية عندهم لا تفيد اليقين وكثير ms550 منهم ~~يشك في العموم أو ينكره والقدرة صالحة ولا حسن ولا قبح هناك البتة. # PageV04P1436 # وأما طريق العلم بإثباته فإنهم إنما أثبتوه بطريق الجواهر والأعراض ~~والحركة والسكون وأن ما قامت به الأعراض والحوادث يجب أن يكون حادثا فلزمهم ~~نفي جميع صفاته وأفعاله إذ لو أثبتوها بزعمهم لأفسد عليهم طريق إثباته ~~والعلم به ولزمهم إنكار علوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه وأن يكون ~~له كلام يسمع منه فضلا أن ينزل إلى الأرض ومن استهجن منهم هذا ارتكب ~~التناقض وأثبت بعضها ونفى بعضا ولم يوف ما أثبته حقه بل نفى حقيقته وأثبت ~~لفظه أو أثبته من وجه ونفاه من غيره أو أثبت منه مالا يعقل فهم سلكوا في ~~طريق إثبات وجوده أعظم الطرق المنافية لوجوده فضلا عن ثبوت صفات كماله ~~وأفعاله. # وأما طريق العلم بالنبوة فإنهم أصلوا أنه سبحانه يجوز عليه كل ممكن وأنه ~~يجوز عليه تأييد الكذابين بأنواع المعجزات وأنه لا فرق بالنسبة إليه سبحانه ~~بين ذلك وبين تأييد الصادقين بها فإن العقل لا يقبل ذلك ولا يحسن هذا وليس ~~إلا مجرد القدرة والمشيئة فلما أورد عليهم العقلاء أن هذا يسد طريق العلم ~~بالنبوة عدلوا إلى نوع من المعارضة لخصومهم من المعتزلة وقالوا هذا يلزمنا ~~ويلزمكم فإن وجوب النظر في المعجزة عندكم وإن وجب بالعقل لكن وجوبه نظري ~~فالمكلف يقول لا أنظر حتى يجب علي ولا يجب علي حتى أنظر فسددتم على أنفسكم # PageV04P1437 # طريق إثبات النبوة فانظر كيف آل أمر الفريقين إلى الاعتراف بأن العلم ~~بإثبات النبوة طريقه مسدودة عليهم وماذا يفيدكم مشاركة خصومكم لكم في هذا ~~الضلال المبين والكفر المستبين فأبعد الله أصولا وقواعد هذا حاصلها ورأس ~~مال أصحابها أفلا يستحي من هذا حاصل معقوله وعلمه ومنتهى معرفته أن يذكر ~~أنصار الله ورسوله وحزبه بما لا يليق أو ينسبهم إلى ما هو أولى به منهم من ~~الجهل ومخالفة المعقول والمنقول وهذا موضع المثل الساير رمتني بدائها ~~وانسلت وقد تقدم ما ذكره إمام أهل السنة محمد بن إسماعيل البخاري عن بعض ms551 ~~أهل العلم أن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا الله سبحانه بالأصنام والموات ~~ومما يوضح الأمر # الوجه الموفي مائتين وجها: وهو أن هؤلاء كما وضعوا قانونا أصلوه لنفي ~~كلامه وسمعه وبصره ومباينته لخلقه واستوائه على عرشه ومجيئه لفصل القضاء ~~بين عباده ورؤية أنبيائه وأوليائه له في دار الكرامة بأن ذلك يستلزم ~~التجسيم والتشبيه والتمثيل والتركيب وحلول الحوادث وضعوا قانونا آخر يتضمن ~~نفي ما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة والمحبة والمودة والحنان والغضب ~~والرضى والفرح والضحك والتعجب قالوا # PageV04P1438 # لأن هذه الأمور مضتمنة للألم واللذة والله سبحانه منزه عن ذلك قالوا ~~ولأنها تستلزم الشهوة والنفرة وهو سبحانه منزه عنهما. # فانظر كيف توصلوا إلى نفي ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله من هذه ~~الأمور بهذه الألفاظ المجملة المتشابهة المتضمنة للحق والباطل فهي ذات ~~وجهين حق وباطل فتقبل من الوجه الحق وترد من الوجه الباطل فلفظ الشهوة ~~واللذة والألم والنفرة من الألفاظ التي فيها إجمال وإبهام فكثير من الناس ~~إنما يطلقها بإزاء شهوة الحيوان من الأكل والشرب والنكاح والله تعالى قد ~~جعل الباعث على إتيان الذكور الشهوة المجردة لا الحاجة إلى ذلك فإن الله لم ~~يحرم على عباده ما يحتاج العباد إليه ويطلق الشهوة بإزاء ما هو أعم من ذلك ~~كشهوة الجاه والمال والعز والنصر والعلم قال الإمام أحمد محمد بن إسحاق ~~صاحب حديث يشتهى حديثه وقد قال تعالى في الجنة {وفيها ما تشتهيه الأنفس ~~وتلذ الأعين} [الزخرف71] وهذا يعم كل ما تشتهيه الأنفس من مأكول ومشروب ~~ومسموع ومرئي وغيره. # وتطلق الشهوة على الإرادة نفسها فيقال لمن له إرادة # PageV04P1439 # في الشيء ومحبة له هو يشتهيه كما يقال فلان يشتهي لقاء فلان ويشتهي قربه ~~ويشتهي الحج بل يقال لمن يريد ما تكره نفسه لمصلحة أنه يشتهيه كما يقال ~~فلان يشتهي الشهادة في سبيل الله ويشتهي شرب الدواء. # فنقول أتعنون بالشهدة التي نفيتموها عن الله الشهوة الحيوانية أم الشهوة ~~التي هي أعم أم الإرادة والمحبة فإن أردتم الأول فنفيه حق ودعواكم لزومه من ~~ما أثبته ms552 لنفسه من الفرح والرضى والضحك ونحوها باطلة تتضمن الكذب والتلبيس. # وإن أردتم الثالث فنفيه باطل وتوسلكم إلى نفيه بتسميته شهوة تلبيس وتدليس ~~ونفي للمعنى الحق الثابت بتسميته بالاسم المستهجن في حق من وصف به. # وإن أردتم الثاني استفصلناكم عن مرادكم فإن فسرتموه بما يمتنع وصفه به ~~قبلناه وإن فسرتموه بما وصف به نفسه قابلناه بالإنكار والرد وإن فسرتموه ~~بأمر مجمل محتمل استفصلناه فقبلنا حقه ورددنا باطله. # وهؤلاء النفاة تجدهم دائما يعتمدون هذه الطريقة المتضمنة للتلبيس ~~والتدليس وينفون بها حقائق ما أخبر الله به عن نفسه فيأتون إلى ألفاظ ~~معناها في اللغة الغربية أخص من معناها في اصطلاحهم فينفون معناها العام ~~الذي اصطلحوا عليه ويوهمون الناس أنهم إنما نفوا معناها # PageV04P1440 # المعروف في اللغة والناس أول ما يسمعون تلك الألفاظ إنما يفهمون منها ~~معناها اللغوي فيوافقونهم على النفي تعظيما لله وتنزيها له ومرادهم نفي ~~المعنى العام الذي اصطلحوا عليه وقد جمعوا في ذلك تحريف لغة العرب عن ~~مواضعها وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه ولبس الحق بالباطل في النفي ~~والإثبات. # فمعرفة مراد هؤلاء وكلامهم من تمام مقاصد الدين ليتمكن أهل السنة والحديث ~~من رد باطلهم وتبيين إفكهم وقد أمر النبي زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ~~فكان يكتب له كتبهم ويقرأ له كتبهم وسأل رجل عبد الله بن عمر عن # PageV04P1441 # الأنبذة وقال أخبرني عنها بلغتكم وفسرها لي بلغتنا فإن لكم لغة ولنا لغة ~~فذكرها ابن عمر باللفظ الذي قاله النبي ثم فسرها بلغة السائل. # فنقول أنتم في هذا المقام إنما نظركم في المعاني العقلية لا في إطلاق ~~الألفاظ فإن أهل السنة والحديث أعلم بذلك منكم وأولى بمراعاة الألفاظ ~~الشرعية وهم أبعد عن أن يصفوا الله إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ~~منكم فما مقصودكم من نفي الشهوة والنفرة واللذة والألم عنه إن عنيتم به ما ~~هو من خصائص المخلوقين فلا ريب في انتفائه عنه سبحانه لأن كماله المقدس ~~ينفيه فإثباته نقص وعيب وأنتم قد اعترفتم أنه لم يقم دليل ms553 عقلي على تنزيهه ~~عن العيوب والنقائص وإنما استندتم فيه إلى الإجماع واعترفتم بأن دلالته ~~ظنية وهذا موجود في إرشادكم # PageV04P1442 # ونهايتكم وغيرها ونحن نقرر نفي ذلك بالأدلة القطعية والبراهين اليقينية ~~فإنه سبحانه لا يجوز أن يماثل خلقه في شيء من صفاتهم وأفعالهم فهو منزه عن ~~أن يطلب ما يقبح طلبه أو يريد ما لا يحسن إرادته أو يطلب ويكره ويحب ما لا ~~يصلح طلبه وكراهته ومحبته إلا للمخلوق وكل ما ينزه سبحانه عنه من العيوب ~~والنقائص فهو داخل فيما نزه نفسه عنه وفيما يسبح به ويقدس ويحمد ويمجد ~~وداخل في معاني أسمائه الحسنى وبذلك كانت حسنى أي أحسن من غيرها فهي أفعل ~~تفضيل معرفة باللام أي لا أحسن منها بوجه من الوجوه بل لها الحسن الكامل ~~التام المطلق وأسماؤه الحسنى وآياته البينات متضمنة لذلك ناطقة به صريحة ~~فيه وإن ألحد فيها الملحدون وزاغ عنها الزائغون. # وقد بينا فيما تقدم أن كل ما ينزه الرب عنه إن لم يكن متضمنا لإثبات ~~كماله ومستلزما لأمر ثبوتي يوصف به لم يكن في تنزيهه عنه مدح ولا حمد ولا ~~تمجيد ولا تسبيح إذ العدم المحض كاسمه لا حمد فيه ولا مدح وإنما يمدح ~~سبحانه بنفي أمور تستلزم أمورا هي حق ثابت موجود يستحق الحمد عليها وذلك ~~الحق الموجود ينافي ذلك الباطل المنفي فيستدل برفع أحدهما على ثبوت الآخر ~~فتارة يستدل بثبوت تلك المحامد والكمالات على نفي النقائص # PageV04P1443 # التي تنافيها وتارة يستدل بنفي تلك النقائص على ثبوت الكمالات التي ~~تنافيها فهو سبحانه القدوس السلام كما قال {تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة255] ~~لكمال حياته وقيوميته و {لا يعزب عنه مثقال ذرة} [سبأ3] لكمال علمه {وما ~~مسنا من لغوب} [ق38] لكمال قدرته {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف49] لكمال عدله ~~وغناه ورحمته و {لا يضل ربي ولا ينسى} [طه52] لكمال علمه وحفظه {ولا يؤوده ~~حفظهما وهو العلي العظيم} [البقرة255] لكمال قدرته وقوته {وهو يطعم ولا ~~يطعم} [الأنعام14] و {لم يلد ولم يولد} [الإخلاص3] لكمال صمديته {ولم يكن ~~له كفوا ms554 أحد} [الإخلاص4] لتفرده بالكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه غيره ~~{ولم يكن له ولي من الذل} [الإسراء111] لكمال عزته وسلطانه {ولا يخاف ~~عقباها} [الشمس15] # PageV04P1444 # فنفى عن نفسه خوف عاقبة ما فعله من إهلاك أعدائه بخلاف المخلوق فإنه إذا ~~انتقم من عدوه يخاف عاقبة ذلك إما من الله وإما من المنتصرين لعدوه وذلك ~~على الله محال والخوف يتضمن نقصان العلم والقدرة والإرادة فإن العالم بأن ~~الشيء لا يكون لا يخافه والعالم بأنه يكون ولا بد قد يئس من النجاة منه فلا ~~يخاف وإن خاف فخوفه دون خوف الراجي وأما نقص القدرة فلأن الخائف من الشيء ~~هو الذي لا يمكنه دفعه عن نفسه فإذا تيقن أنه قادر على دفعه لم يخفه. # وأما نقص الإرادة فلأن الخائف يحصل له الخوف بدون مشيئته واختياره وذلك ~~محال في حق من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ومن لا يكون شيء إلا ~~بمشيئته وإرادته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهذا لا ينافي كراهته ~~سبحانه وبغضه وغضبه فإن هذه الصفات لا تستلزم نقصا لا في علمه ولا في قدرته ~~ولا في إرادته بل هي كمال لأن سببها العلم بقبح المكروه المبغوض المغضوب ~~عليه وكلما كان العلم بحاله أهم كانت كراهته وبغضه أقوى ولهذا يشتد غضبه ~~سبحانه على من قتل نبيه أو قتله نبيه. # فصل # وإن قال أعني بذلك ما هو أعم من شهوة الحيوان وألمه ولذته ونفرته قيل له ~~الشهوة والنفرة جنسهما الحب # PageV04P1445 # والبغض فكل مشته لشيء فهو محب له وكل نافر عن شيء فهو مبغض له وإن كان في ~~المحبة والبغض ما لا يسمى في لغة القوم شهوة ونفرة كمحبتنا لله ورسوله وإذا ~~كان كذلك فمعلوم أن الله سبحانه قد وصف نفسه بالمحبة والبغض في غير موضع من ~~كتابه وسنة رسوله وهو موصوف بالإرادة والكراهة المتضمنة للحب والبغض ~~والشهوة والنفرة أيضا تتضمن معنى الإرادة والكراهة فإن المشتهي فيه نوع ~~إرادة والنافر فيه نوع كراهة والإرادة والكراهة من لوازم الحياة فكل حي ms555 ~~مريد كاره والشهة والنفرة من لوازم الحيوان فإنه يشتهي ما يتضمن بقاء ذاته ~~ويلائمه وينفر من ضد ذلك. # وهذه الأسماء قد تتنوع إما بحسب صفاتها في أنفسها وإما بحسب متعلقها وهو ~~المحبوب المكروه لما في لغة العرب من التفريق بين اللفظين لأدنى فرق بين ~~المعنيين لقوة التمييز في عقولهم وألسنتهم بخلاف الأمم الذين يضعف فيهم ~~التمييز فإنهم يغلب عليهم الاقتصار على القدر المشترك في العقل واللسان ~~وثبوت تلك الفروق اللفظية في المعاني والألفاظ لا يمنع ثبوت القدر المشترك ~~بينها والذي تدركه سائر الأمم فيجب إثبات القدر المشترك والقدر المميز. # وإذا كان بين الشهوة والمحبة والإرادة والرضى والفرح قدر مشترك وبين ~~النفرة والبغض والكراهة والسخط # PageV04P1446 # ونحوها قدر مشترك فمن نفى مسمى أحد هذه الألفاظ فإن عنى به نفي جميع ~~مسماه لزم نفي القدر المشترك الثابت في البواقي وإن نفى ما يختص به مما هو ~~من خصائص المخلوقين فقد أصاب والله سبحانه منزه في جميع ذلك إن أثبت له وإن ~~نفي عنه شيء من ذلك مما هو مختص به لأجل ما يظنه مستلزما لنقص فذلك لازم له ~~في جميع ما يوصف به فإنه سبحانه إنما يوصف من كل نوع بأكمل ذلك النوع على ~~وجه لا يستلزم نقصا ولا تمثيلا. # فصل # يبين ذلك أن الحب والبغض من لوازم الحياة فلا يكون حي إلا محب مبغض كما ~~لا يكون حي إلا وله علم وإرادة وفعل بل حب الله سبحانه لما يحبه وبغضه لما ~~يبغضه وإرادته لما يريده وكراهته لما يكرهه أكمل الحب والبغض والإرادة ~~والكراهة كما قال تعالى {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم} [غافر10] وقال ~~تعالى {والله أشد بأسا وأشد تنكيلا} [النساء84] وهذا تابع لشدة غضبه ومقته ~~وقال تعالى {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} [فصلت15] وكذلك ~~هو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأعلم العالمين فهو أكبر في كل صفة من ~~صفاته كما هو أكبر في جميع صفاته وذاته وأفعاله. # PageV04P1447 # فصل # وقد ذكر أفضل متأخريهم أدلتهم على امتناع هذه الأمور ms556 على الله وأبطلها ~~كلها فكفانا مؤنتها ثم اختار لنفسه مسلكا هو أبطل منها فقال والمعتمد أن ~~نقول لو صحت اللذة على الله تعالى لكان خلقه للملتذ به إما أن يكون في ~~الأزل أو لا يكون والقسمان باطلان فالقول بصحة اللذة على الله محال وإنما ~~قلنا إنه لا يصح خلقه للملتذ به في الأزل لأن الفعل الأزلي محال وإنما قلنا ~~يستحيل أن يكون حادثا لأنه إذا كان حادثا كان ممكنا قبل كونه وإلا كان ~~ممتنعا ثم انقلب إلى الإمكان وهو محال وإذا كان ممكنا فالله قادر على ~~إيجاده قبل ذلك وإلا كان منتقلا من القدرة إلى العجز وهو محال وإذا ثبت ~~ذلك. # فنقول كل من صحت عليه اللذة إذا كان عالما بقدرته على تحصيل الملتذ به ~~وكان الملتذ به في نفسه ممكنا فإنه يكون كالملجأ إلى إيجاد الملتذ به وإذا ~~كان كذلك لزم كونه تعالى فاعلا للملتذ به قبل فعله وذلك محال فثبت أن القول ~~بصحة اللذة على الله محال لأنه يفضي إلى المحال وما أفضى إلى المحال محال ~~ومضمون هذه الحجة بعد تطويل مقدماتها أن جواز ذلك عليه مستلزم لكون الملتذ ~~به حادثا وكونه متقدما على حدوثه وكون الشيء # PageV04P1448 # متقدما على وجوده محال وفسادها بين من وجوه # أحدها (الوجه الواحد والمائتان) النقض والمعارضة بالإرادة والمحبة ~~والرحمة والرضى بأن يقال لو صحت على الله الإرادة والمحبة والرضى لكان فعله ~~للمراد المحبوب المرضي إما في الأزل وهو محال وإما في مالم يزل وهو محال ~~لما ذكره بعينه من مقدمات دليله. # الوجه الثاني والمائتان: أن لفظ اللذة والألم من الألفاظ التي فيها إجمال ~~واشتباه كلفظ الجسم والحيز والتركيب وغيرها وليس لها ذكر في الكتاب والسنة ~~بنفي ولا إثبات بل جاء في القرآن والسنة وصفه بالمحبة والرضى والفرح والضحك ~~ووصفه بأنه يصبر على ما يؤذيه وإن كان العباد لا يبلغون نفعه فينفعونه ولا ~~ضره فيضرونه والذي نفاه هؤلاء يدرجون تحته ما وصف به نفسه وهو إبطال لما ~~جاءت به الرسل ونزلت به الكتب ولما ms557 خلق الخلق لأجله فإن الله سبحانه أرسل ~~رسله وأنزل كتبه ليدعو الخلق إلى ما يحبه ويرضاه وينهوهم عما يبغضه ويسخطه ~~وقد أخبر رسوله عنه من محبته ورضاه وفرحه وضحكه وتسليته لأوليائه وأحبائه ~~وأهل طاعته وعن غضبه وسخطه وبغضه ومقته وكراهته لأعدائه # PageV04P1449 # وأهل مخالفته مما يضيق هذا المكان عن استقصائه وعلى هذا الأصل تنشأ مسألة ~~التحسين والتقبيح وقد ذكرناها مستوفاة في كتاب المفتاح وذكرنا على صحتها ~~فوق الخمسين دليلا وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى: ~~"يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" وقال: "لا احد ~~أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم" وقال ~~حاكيا عن ربه: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي ~~له ذلك" وقد فرق الله بين أذاه وأذى رسوله وأذى المؤمنين والمؤمنات فقال ~~{إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات # PageV04P1450 # بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب58 , 57] وليس ~~أذاه سبحانه من جنس الأذى الحاصل للمخلوقين كما أن سخطه وغضبه وكراهته ليست ~~من جنس ما للمخلوقين. # الوجه الثالث والمائتان: إن ما وصف الله سبحانه به نفسه من المحبة والرضى ~~والفرح والغضب والبغض والسخط من أعظم صفات الكمال إذ في العقول أنا إذا ~~فرضنا ذاتين إحداهما لا تحب شيئا ولا تبغضه ولا ترضاه ولا تفرح به ولا تبغض ~~شيئا ولا تغضب منه ولا تكرهه ولا تمقته. # والذات الأخرى تحب كل جميل من الأقوال والأفعال والأخلاق والشيم وتفرح به ~~وترضى به وتبغض كل قبيح يسمى وتكرهه وتمقته وتمقت أهله وتصبر على الأذى ولا ~~تجزع منه ولا تتضرر به كانت هذه الذات أكمل من تلك الموصوفة بصفات العدم ~~والموات والجهل الفاقدة للحس فإن هذه الصفات لا تسلب إلا عن الموات أو عمن ~~فقد حسه أو بلغ في النهاية والضعف والعجز والجهل إلى الغاية التي لم تدع له ~~حبا ولا بغضا ولا ms558 غضبا ولا رضى بل اليهود الذين وصفوه بالغم والحزن والبكاء ~~والندم أحسن حالا من الذين سلبوه هذا الكمال كما أن المشبهة المحضة # PageV04P1451 # خير من المعطلة النفاة لصفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى وأهل الحق أنصار ~~الله ورسوله وكتبه والسنة براء من الفريقين. # الوجه الرابع والمائتان: أنه لا كمال في مجرد سلب ذلك عنه كما قدمنا أن ~~السلب إن لم يتضمن إثباتا وإلا لم يكن مدحا ولا كمالا فليس له من مجرد كونه ~~لا يحب ولا يرضى ولا يفرح ولا يضحك ولا يغضب حمد ولا كمال فإنه نفي صرف ~~وعدم محض فلا يحمد به وهذا بخلاف نفي الغم والهم والحزن والندم عنه فإنه ~~يتضمن ثبوتا وهو كمال قدرته وعلمه فإن أسباب هذه الأمور إما عجز مناف ~~للقدرة وإما جهل مناف للعلم وكمال قدرته وعلمه يناقض وصفه بذلك وهذا وغيره ~~مما يبين أن النفاة والمعطلة أقل الناس تحميدا وتمجيدا وتسبيحا وثناء على ~~الله وأن أهل الإثبات أعظم تسبيحا وتحميدا وثناء على الله كما سنقرره فيما ~~بعد إن شاء الله. # الوجه الخامس والمائتان: أن يقال ما المانع من أن يكون رضاه ومحبته وفرحه ~~من كماله في نفسه وما هو عليه من الجلال والجمال ولا يحتاج في ذلك إلى شيء ~~مخلوق بل يكفي في حصوله جماله وجلاله وحينئذ فيقال قولك لو صح الرضى والفرح # PageV04P1452 # الذي تسميه أنت لذة عليه لكان خلق المفروح المرضي به إما في الأزل أو ~~بعده إنما يجب ذلك إذا امتنع أن تكون محبته لنفسه ورضاه بنفسه وفرحه بنفسه ~~سبحانه وحينئذ فلا ينتفي ينتفي المعنى الذي سميته لذة إلا إذا امتنع هذا ~~وأنت لم تقم دليلا على امتناعه بل أنت في نفي هذاأضعف حجة ممن نفى التذاذ ~~أوليائه بالنظر إلى وجهه فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ~~كلهم وأهل السنة كلهم متفقون على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ولكن ~~زعم بعض أهل الكلام أنه لا يحصل لهم بذلك لذة كما زعم أبو المعالي الجويني ~~في رسالته النظامية أن ms559 نفس النظر إليه سبحانه لا لذة فيه إذ اللذة إنما ~~تكون بالمناسب ولا مناسبة بين القديم والمحدث وزعم أن هذا من أسرار التوحيد ~~وكذلك أبو الوفا بن عقيل سمع قائلا يقول أسألك لذة النظر إلى وجهك فقال يا ~~هذا هب أن له وجها أفتلتذ بالنظر إليه وهذه نزعة اعتزالية وإلا فأهل ~~المعرفة بالله وخاصة أولياء الله ليس عندهم شيء ألذ من النظر إلى وجهه ~~الكريم وليس بين هذه اللذة ولذة الأكل والشرب والنعيم المنفصل نسبة أصلا ~~كما لا نسبة بين # PageV04P1453 # الرب جل جلاله وبين شيء من مخلوقاته فالنسبة بين اللذتين لا تدرك أصلا ~~قال شيخنا وعلى ذلك جميع أهل السنة وسلف الأمة وأئمة الإسلام قال الحسن ~~البصري شيخ الإسلام في زمن التابعين لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في ~~الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقا إليه. # وقال الشافعي رحمه الله لو علم محمد بن إدريس أنه لا يرى ربه في الآخرة ~~لما عبده في الدنيا وقال أنا أخالف ابن علية في كل شيء حتى في قول لا إله ~~إلا الله فإني أقول لا إله إلا الله الذي يرى في الآخرة وهو يقول لا إله ~~إلا الله الذي لا يرى في الآخرة وكذلك جاءت السنن عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV04P1454 # قال: "إذا أدخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ~~ويدخلنا الجنة وينجنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة" فأخبر الصادق المصدوق أن نظرهم ~~إليه أحب إليهم من كل ما أعطاهموه وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن ~~وابن حبان في صحيحه من حديث عمار بن ياسر أنه سمع النبي يدعو: " اللهم ~~بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا ~~كانت الوفاة ms560 خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق ~~في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد ~~العيش بعد الموت وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك لذة النظر ~~إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا ~~بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين" يوضحه # الوجه السادس والمائتان: وهو أن اللذة والفرح تابعة للمحبة في الكمال ~~والقوة والمحبة تابعة لمعرفة المحب بصفات المحبوب وجماله فكلما كان العلم ~~به أكمل كانت محبته أقوى وكلما كانت المحبة # PageV04P1455 # أقوى كانت اللذة والفرح به أكمل وأتم وإذا ثبت هذا فإذا كان العباد يحصل ~~لهم بمعرفته وذكره ورؤيته واستماع كلامه منه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر وهو سبحانه أعلم بنفسه من غيره وكذلك كان حمده لنفسه ~~وثناؤه على نفسه أعظم من حمد الحامدين له وثناء المثنين عليه فإن الحمد ~~والثناء تابع للمعفرة والعلم بصفات المحمود ولهذا كان النبي أعظم الناس ~~حمدا لربه وثناء عليه لما كان أعلم الخلق به فثناء الرب سبحانه على نفسه ~~وحمده لنفسه وتمجيده لنفسه ومحبته لنفسه ورضاه عن نفسه فوق ما يخطر ببال ~~الخلق أو يدور في قلوبهم أو تجري به ألسنتهم كما قال النبي لا أحصي ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك يوضحه. # الوجه السابع والمائتان: أنه سبحانه إذا كان يحب بعض ما خلقه ويرضى عنه ~~ويفرح به لما أعطاه من صفات الكمال فمحبته لنفسه ورضاه عن نفسه أولى وأحرى ~~وأعظم من محبته لمخلوقه وأنه إذا أحب أهل العلم وأهل الرحمة وأحب المحسنين ~~وأحب الصابرين وأحب الشاكرين وأثنى عليهم وهو الذي أعطاهم هذه الصفات ~~وأحبهم لأجلها فما الظن بمحبته لنفسه وثنائه عليها ومن المعلوم أن محبته ~~لهم وثناءه عليهم تبع لمحبته لنفسه وثنائه على نفسه. # PageV04P1456 # الوجه الثامن والمائتان: إن الجهمي أبطل هذا بقوله إن اللذة إدراك ~~الملائم فيلزم أن يقال ذات الله ملائمة لذاته وذلك غير معقول لأن الملائمة ~~لا ms561 تتقرر إلا بين شيئين وهذا الذي قرره باطل من وجوه # أحدها: أن اللذة ليست نفس إدراك الملائم كما زعم بل هي حالة تنشأ عن ~~الإدراك فالإدراك سببها لا نفسها فهاهنا ثلاثة أشياء ملائم وإدراكه وما ~~ينشأ عن الإدراك من الالتذاذ والفرح والسرور وكذلك الألم ليس هو نفس إدراك ~~المنافي بل حالة تنشأ عن إدراكه وعلى هذا فإدراك الذات ملائم والفرح والرضى ~~الذي سميته لذة مترتب على إدراك الذات وهذا أمر معقول لكل عاقل فإن المخلوق ~~يدرك من ذاته كما لا يلتذ بإدراكه ويسر ويفرح به مع كون ذلك الكمال ناقصا ~~بين عدمين وهو من غيره ليس منه فكيف بمن له الكمال المطلق الواجب السرمد ~~وهو لم يستنفده من غيره وهو أعلم بكماله وكل ما سواه # الثاني: قولك الملائمة لا تتقرر إلا بين اثنين جوابه أن مثل هذا يكون في ~~الذات الواحدة باعتبارين كما قال تعالى {ونهى النفس عن الهوى} [النازعات40] ~~وقال {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف51] وقال آدم {ربنا ظلمنا أنفسنا} ~~[الأعراف23] . # PageV04P1457 # فالنفس واحدة وهي الناهية المنهية والأمارة المأمورة والظالمة المظلومة ~~كما تكون هي العاقلة المعقولة والإنسان يحب نفسه فيكون المحب المحبوب فإذا ~~كان هذا أمرا معقولا في المخلوق غير ممتنع فكيف يمتنع في حق الخالق # الثالث: أنه سبحانه يحب صفاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم ~~إنك عفو تحب العفو" وقال: "إن الله جميل يحب الجمال"، "وإن الله نظيف يحب ~~النظافة"، "وإن الله وتر يحب الوتر"، "وإن الله # PageV04P1458 # طيب لا يقبل إلا طيبا" وروي " إني عليم أحب كل عليم " وإذا كان يحب صفاته ~~وهي قائمة بذاته فكيف بمحبته لذاته # الوجه التاسع والمائتان: أن يقال ما المانع أن يحب ويرضى ويفرح ويضحك بما ~~يكون من الأمور الحادثة الموافقة لمحبته ورضاه كما في الأحاديث المستفيضة ~~المتواترة مثلما في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي"، "وأنا معه حيث يذكرني ~~والله أفرح بتوبة عبده من أحدكم ms562 يجد ضالته في الفلاة" # PageV04P1459 # "ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا ~~وإذا أقبل يمشي أقبلت إليه أهرول ". # وفي الصحيح عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"كيف تقول بفرح عبد إذا انفلتت منه راحلته تجر زمامها بأرض قفر ليس فيها ~~طعام ولا شراب وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شق عليه ثم مرت بجذل شجرة ~~فتعلق زمامها فوجدها متعلقة به قلنا شديد يا رسول الله فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أما والله لله أشد فرحا بتوبة عبده من الرجل براحلته" وفي ~~الصحيح عن أنس أن # PageV04P1460 # رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم ~~إذا سقط على بعيره قد أضله بأرض فلاة " وفي كتاب العلل للدارقطني " لله ~~أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد والمضل الواجد والظمآن الوارد " هذا أو ~~نحوه ولو كان في المفروح به أعلى من هذا المثال لذكره فتأمل سائرا وحده ~~بأرض مفازة معطشة لا ماء بها ولا زاد ضلت راحلته فيها فاشتد جوعه وظمأه ~~فأيس من الحياة فاضطجع في أصل شجرة ينتظر الموت ثم استيقظ فإذا الراحلة ~~قائمة على رأسه وعليها طعامه وشرابه كما جاء ذلك مصرحا به في بعض طرق هذا ~~الحديث فهل في الفرح قط أعظم من هذا ولهذا الفرح بتوبة العبد سر أكثر الخلق ~~محجوبون عنه لا تبلغه عقولهم وبه يعرف سر تقدير ما يثاب منه على العبد لأنه ~~يترتب عليه ما هو أحب إلى الرب سبحانه من عدمه فلو لم يكن في تقدير الذنب ~~من الحكم # PageV04P1461 # إلا هذه وحدها لكانت كافية فكيف وفيه من الحكم ما لا يحصيه إلا الله مما ~~ليس هذا موضعه # الوجه العاشر والمائتان: إن الجهمي احتج على امتناع ذلك عليه بأن هذا ~~انفعال وتاثير عن العبد والمخلوق لا يؤثر في الخالق فلو أغضبه أو فعل ما ~~يفرح به لكان المحدث قد أثر في القديم تلك الكيفيات وهذا محال وهذه الشبهة ms563 ~~من جنس شبههم التي تدهش السامع أول ما تطرق وتأخذ منه وتروعه كالسحر الذي ~~يدهش الناظر أول ما يراه ويأخذ ببصره وكصولة المبطل الجبان الذي يحمل أول ~~أمره علىخصمه وهكذا شبه القوم كلها هي كحبال السحرة وعصيهم التي خيل إلى ~~موسى أنها تسعى {فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ~~ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} ~~[طه69-67] فهكذا الحجة الحق تبطل جميع الشبه الباطلة التي هي للعقول كحبال ~~السحرة وعصيهم للأبصار وجواب هذه الشبهة من وجوه # أحدها: أن الله سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وكل ما في الكون من أعيان ~~وأفعال وحوادث فهو بمشيئته وتكوينه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # PageV04P1462 # قضيتان لا تخصيص فيهما بوجه من الوجوه وكل ما يشاؤه فإنما يشاؤه بحكمة ~~اقتضاها حمده ومجده فحكمته البالغة أوجبت كل ما في الكون من الأسباب ~~والمشيئات فهو سبحانه خالق الأسباب التي ترضيه وتغضبه وتسخطه ويفرح بها ~~والأشياء التي يحبها ويكرهها هو سبحانه خالق ذلك كله فالمخلوق أعجز وأضعف ~~أن يؤثر فيه سبحانه بل هو الذي خلق ذلك كله على علمه بأنه يحب هذا ويرضى به ~~ويبغض هذا ويسخط ويفرح بهذا فما أثر غيره فيه بوجه. # الثاني: أن التأثير لفظ فيه اشتباه وإجمال أتريد أن غيره يعطيه كمالا لم ~~يكن له ولا وجد فيه صفة كان فاقدها فهذا معلوم بالضرورة أنه يريد به أن ~~غيره لا يسخطه ولا يبغضه ولا يفعل ما يفرح به أو يحبه أو يكرهه أو نحو ذلك ~~فهذا غير ممتنع وهو أول المسألة وليس معك في نفيه إلا نفس الدعوى بتسمية ~~ذلك تأثيرا في الخالق وليس الشأن في الأسماء إنما الشأن في المعاني ~~والحقائق وقد قال تعالى {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله} [محمد28] وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في أهل الصفة: "إن كنت أغضبتهم لقد ~~أغضبت ربك" فما الدليل العقلي أو النقلي على استحالة ms564 هذا # PageV04P1463 # الثالث: أن هذا يبطل محبته لطاعات المؤمنين وبغضه لمعاصي المخالفين ~~وكراهته لظلم الظالمين إذا فعلوا ذلك وهذا معلوم البطلان بالضرورة والعقل ~~والفطرة الإنسانية واتفاق أهل الأديان كلهم وإطباق الرسل بل هذا حقيقة دعوة ~~الرسل بعد التوحيد. # الرابع: أن هذا ينتقض بإجابة دعواتهم وإغاثة لهفاتهم وسماع أصواتهم ورؤية ~~حركاتهم وأفعالهم فإن هذه كلها أمور متعلقة بأفعالهم فما كان جوابك عنها في ~~محل الإلزام فهو جواب منازعيك لك في هذا المقام. # فصل # الوجه الحادي عشر والمائتان: إن قولك يستحيل أن يخلق الملتذ به في الأزل ~~وأن لا يخلقه في الأزل إلى آخره مبني الحجة على مقدمتين # إحداهما: إنكار وجود الملتذ به قبل وجوده # والثانية: وجوب حصوله إذا كان كذلك ونحن نتكلم عن المقدمتين فنقول لا ~~نسلم وجوب وجود الملتذ به والحالة هذه ولا أنه يكون كالملجأ إليه فإن قلت ~~داعية اللذة إذا تحققت خالية عن الموانع وكان الملتذ به ممكن الحصول فالعلم ~~الضروري حاصل بوجوب حصوله فالجواب أن الداعي الجازم مع القدرة التامة توجب ~~وجود المقدور بلا ريب والداعي هو إما الإرادة الحادثة أو العلم المقتضي ~~للإرادة أو مجموعهما وإما مجرد كون الشيء سببا للذة فهذا لا يوجب الإرادة # PageV04P1464 # الحادثة بل العلم الضروري الحاصل بضد ذلك فقد يحصل للإنسان نوع ما من ~~أنواع الالتذاذ بالشيء مع قدرته عليه ولا يفعله وذلك أن اللذة تتبع المحبة ~~وقد لا تتم محبة الملتذ به وإرادته فلا يوجد لضعف المحبة والإرادة المتعلقة ~~به أو لاستلزامه فوات ما هو أحب إليه منه أو لحصول ما هو أكره إليه ~~والمعهود في بني آدم أن الإرادة الجارية لا يجب حصولها منهم إلا للذة التي ~~يوجب فقدها ألما فمتى استلزم عدم اللذة بالعرض وقد يتعلق القصد الذاتي ~~بالأمرين وقد يغيب بشعوره بأحدهما عن الآخر لاستيلاء سلطانه على الآخر أما ~~إذا لم يكن أحدهم متألما بعدم اللذة ولكن في وجود الملتذ به زيادة لذة فقط ~~وليس في فقده ألم فهذا ليس الواقع وجوب تعلق الإرادة به بل قد يريد ذلك ms565 وقد ~~لا يريده استغناء بما عنده من اللذة عن تلك الزيادة فلا يجب فيه حصول ~~الداعي التام وهذا أمر محسوس. # الوجه الثاني عشر والمائتان: إنا لو فرضنا في حقنا أنه يجب تحصيل المفروح ~~به مع القدرة عليه فلم قلت إنه في حق الرب تعالى كذلك? وليس معك إلا مجرد ~~القياس التمثيلي الذي يتضمن تمثيل الله بخلقه والقضية الكلية التي ادعيتها ~~ممنوعة والعلم الضروري إذا سلم فإنما هو في حق المخلوق فأما في حق # PageV04P1465 # الخالق فيس هناك إلا مجرد القياس وهو منتقض بسائر الأمور الفارقة بين ~~الله وبين خلقه ومن جملتها الإرادة والمحبة والرضى فإن الإنسان إذا أراد ~~الفعل وهو قادر عليه وجب وجوده منه والله تعالى مريد لجميع الكائنات وهو ~~قادر عليها ومع هذا فلا توجد إلا في مواقيتها لا توجد قبل ذلك والعبد يقع ~~مراده حين قدرته عليه والله تعالى متأخر مراده مع دوام قدرته عليه. # الوجه الثالث عشر والمائتان: أن العبد إنما يجب مع قدرته وداعية حصول ~~مراده ولذته لأنه يتضرر بعدم حصوله فإن كماله وصلاحه بحصول ما يحبه ويريده ~~ويلتذ به وبعدمه يكون متضررا ناقصا والله سبحانه لا يلحقه الضرر بوجه ما. # الوجه الرابع عشر والمائتان: لم قلت بأن كل ما يحبه الرب سبحانه ويرضاه ~~ويفرح به يمكن وجوده في وقت واحد? فإن ذلك قد يستلزم الجمع بين النقيضين ~~فإن الحوادث المتعاقبة يستحيل اجتماعها في آن واحد فإذا كان يحب ما يمتنع ~~حصوله كله في آن واحد كانت محبته ورضاه وفرحه به متعلقا به وقت وجوده # PageV04P1466 # وحصوله ووجوده قبل ذلك محال والمحال لاتتعلق به المحبة والفرح يوضحه. # الوجه الخامس عشروالمائتان: إنه سبحانه إذا كان يحب أمورا وتلك الأمور ~~المحبوبة لها لوازم يمتنع وجودها بدونها كان وجود تلك الأمور مستلزما ~~للوازمها التي لا توجد بدونها مثاله محبته للعفو والمغفرة والتوبة وهذه ~~المحبوبات تستلزم وجود ما يعفو عنه ويغفره ويتوب إليه العبد منه ووجود ~~الملزوم بدون لازمه محال فلا يمكن حصول محبوباته سبحانه من التوبة والمغفرة ~~والعفو بدون الذي ms566 يتاب منه ويغفره ويعفو عن صاحبه ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ~~ثم يستغفرون فيغفر لهم" وهذا هو الذي وردت الأحاديث الصحيحة بالفرح به وهذا ~~المفروح به يمتنع وجوده قبل الذنب فضلا عن أن يكون قديما فهذا المفروح به ~~يحب تأخره قطعا ومثل هذا ما روي "أن آدم لما رأى # PageV04P1467 # بنيه ورأى تفاوتهم قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكر" ~~ومعلوم أن محبته للشكر على ما فضل به بعضهم على بعض يوجب تفضيل بعضهم على ~~بعض ولا يحصل ذلك مع التسوية بينهم فإن الجمع بين التسوية والتفضيل جمع بين ~~النقيضين وذلك محال. # الوجه السادس عشر والمائتان: أن يقال اللذة التي هي الفرح والرضى والسرور ~~ونحوها يجب وجودها من القادر إذا كان مستغنيا عنها بلذة أخرى أكمل منها أم ~~مطلقا إن قلتم بالثاني فهو ممنوع وإن قلتم بالأول قيل فإن الله سبحانه ~~مستغن عن أن يحدث كل ما يقدر عليه من هذه الأمور في وقت واحد بل إذا كان ~~العبد مستغنيا عن فعل اهو من جنس اللذات مع قدرته على ذلك فالله أجل وأعظم ~~فإن قال إذا كان غنيا عنها لم تكن لذة قيل غن صح هذا فهو حجة عليكم ومبطل ~~لحجتكم. # الوجه السابع عشر والمائتان: أن يقال هو لا يحدثها إلا إذا أحبها ورضيها ~~ونضمنت فرحه بها وحيث لا يكون ذلك لا تكون محبوبة ولا مرضية له ولا مفروحا ~~بها فالأمور التي يحبها الله ويرضاها ويفرح بها لها صفات ومقادير تقتضي أن ~~تكون محبوبة مرضية مفروحا بها في وقت دون وقت كما تقتضي أن يكون مراده في ~~وقت دون وقت ما فإن قلت هذا يقتضي حلول الحوادث # PageV04P1468 # به قيل هذا لا يمتنع على أصول الطائفتين فمن قال بهذه المسألة من ~~المتكلمين والصوفية والفقهاء وجمهور أهل الحديث وأكثر الفلاسفة لم يرد هذا ~~عليه ومن منع ذلك فإنه يقول فيه ما يقوله في محبته ms567 ورضاه أنه قديم أزلي لم ~~يزل محبا راضيا مواليا لمن أحبه ورضيه وولاه ولم يزل غضبان مبغضا لمن غضب ~~عليه وأبغضه وعاداه ويقول إن المتجدد هو التعلق فقط وهذا قول ابن كلاب ~~والأشعري ومن وافقه من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين. # الوجه الثامن عشر والمائتان: أن يقال لو صح ما ذكرته كان مستلزما أن لا ~~يخلق الرب تعالى شيئا أو يخلق كل شيء قبل خلقه إياه وهو من جنس شبه الدهرية ~~الفلاسفة في قدم العالم قالوا المقتضي لوجود العالم إن كان تاما في الأزل ~~وجب وجوده وإن لم يكن تاما لزم أن لا يوجد وهذا منقوض بما يوجد من الحوادث ~~اليومية ووجه الإلزام أن يقال لو صح عليه الخلق والإبداع والإرادة لكان إما ~~خالقا لمراده في الأزل وهو محال وإما أن لا يخلقه في الأزل وهو محال لأنه ~~ممكن مقدور وكل من صحت عليه الإرادة والخلق والإبداع إذا كان عالما بقدرته ~~على تحصيل مراده وهو ممكن مقدور فإنه يكون كالملجأ إلى إيجاد مراده فإن قلت ~~الإرادة من شأنها أن تخصص وتميز والله سبحانه أراد وجود كل شيء في وقته على ~~صفة # PageV04P1469 # ومقدار وجعل لك شيء قدرا قلت هذا حق في نفسه ولكن هو حجة عليك لا لك فإنه ~~سبحانه كما أراد وجود كل شيء في وقته على صفة ومقدار يختص به فهكذا محبته ~~ورضاه لما يرضى به وفرحه بما يفرح به سواء. # الوجه التاسع عشر والمائتان: إنا متى رجعنا إلى الموجود فمتى علمنا أن ~~أحدنا إذا كانت إرادته جازمة وقدرته تامة وجب وجود الفعل منه مقترنا ~~بإرادته وقدرته ولا يتأخر الفعل إلا لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة ~~وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه وهذا النافي لا ينازع في ذلك ويقر به ويقرره ~~فإذا كان هذا حالنا فيما نريده ونقدر عليه فإذا كان الله عندك قادرا مريدا ~~إرادة جازمة وجب وجود جميع مراده في الأزل وذلك محال ووجب أن لا يكون في ~~الأزل لأنه متعاقب وهو محال لوجود القدرة التامة والإرادة ms568 الجازمة وما أفضى ~~إلى المحال فهو محال فيلزم انتفاء القدرة والإرادة كما ذكرت في انتفاء ~~المحبة والفرح والرضى الذي أدخلته في قسم اللذة سواء بسواء ومهما أجيب به ~~عن هذا فهو بعينه جوابنا لك إن قلت إن إرادة الله لا تقاس بإرادة خلقه قيل ~~لك وفرحه ورضاه لا يقاس بفرحهم ورضاهم وإن قلت إرادة الله تخصيص الأشياء ~~بخواصها قيل لك هذا بعينه موجود في محبته ورضاه فإنه مستلزم للإرادة أو نوع ~~منها وذلك مستلزم لما نفيته من لوازمه وهو للفلاسفة # PageV04P1470 # ألزم فإن كل كائن له ما يختص به صفة وقدرا وللحوادث أوقات يختص بها فذاته ~~سبحانه إن كانت مقتضية لوجود كل موجود وجب وجود كل ممكن مقارنا لوجوده وإن ~~لم تكن مقتضية للوجود لزم أن لا يوجد عنه شيء فإذا قالوا لا يمكن للأمر إلا ~~كذا كان هذا جوابنا بعينه في هذا المقام. # الوجه العشرون والمائتان: إنهم فسروا في مسألة التحسين والتقبيح الحمد ~~والذم بما يستلزم اللذة والألم كما فعل ابن الخطيب وغيره لما ناظروا ~~القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين قال بعد مطالبته لهم بحقيقة المدح ~~والذم فإن قيل فما حقيقة المدح والذم عندكم? قلنا المدح هو الإخبار عن كون ~~الممدوح مستحقا لأن يفعل به ما يفرح به أو يلتذ به والذم هو الإخبار عن ~~كونه مستحقا لأن يفعل به ما يحزن به قال ولكن إذا فسرنا مستحق المدح والذم ~~بذلك استحال تصوره في حق الله لاستحالة الفرح والغم عليه قال وقد حكينا أن ~~توجه هذا السؤال ابتداء على سبيل المطالبة من غير التزام لنقسيم خاص فنقول ~~معنى الاتضاع والاتفاع الأمر الذي يسوءه ويحزن به # PageV04P1471 # والذي يسره ويفرح به أو أمر آخر وراء ذلك فإن كان الأول لم يتقرر معناه ~~في حق الله تعالى لاستحالة الفرح والحزن عليه وإن كان الثاني فبينوه فإنا ~~بعد الإنصاف جربنا أنفسنا فلم نجد للمدح والذم حاصلا وراء الفعل المؤدي إلى ~~الفرح والحزن فليتدبر العاقل هذا الكلام حتى التدبر وما يلزم منه فإنه إذا ~~كان حقيقة ms569 المدح هو الخبر الذي يتضمن فرح الممدوح ولذته والذم حبر يتضمن ~~ألم المذموم فلا يتصور مدح ولا ذم عنده إلا مع اللذة والألم وقد علم ~~بالاضطرار من دين المسلمين كلهم بل ومن دين جميع الرسل أن الله سبحانه يحمد ~~ويمدح ويثنى عليه وأنه يحب ذلك ويرضاه ويأمر به بل حمده والثناء عليه من ~~أعظم الطاعات وأجل القربات. # وفي المسند من حديث الأسود بن سريع قال أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقلت يا رسول الله إني قد حمدت ربي تبارك وتعالى بمحامد ومدح وإياك ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إن ربك تعالى يحب المدح هات ما ~~امتدحت به ربك فقال فجعلت أنشده" وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ~~قال # PageV04P1472 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أغير من الله ولذلك حرم ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح ~~نفسه" ولمسلم "وليس أحد أحب إليه العذر من الله ولذلك أرسل الرسل وأنزل ~~الكتب ومن محبته سبحانه الثناء عليه صدق المثني عليه بأوصاف كماله" كما في ~~النسائي والترمذي وابن ماجة من حديث الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة ~~وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قال ~~العبد لا إله إلا الله والله أكبر قال يقول تبارك وتعالى لا إله إلا أنا ~~وأنا الله أكبر وإذا قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال صدق عبدي لا ~~إله إلا أنا ولا شريك لي وإذا قال # PageV04P1473 # ولا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال صدق عبدي لا إله إلا أنا لي ~~الملك ولي الحمد وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال ~~صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي" فمن محبته للثناء عليه ~~صسدق المثني عليه ووافقه في ثنائه عليه. # ونظير هذا ما في الصحيح من حديث ms570 أبي هريرة عنه "يقول الله عز وجل قسمت ~~الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال ~~العبد {الحمد لله رب العالمين} قال الله حمدني عبدي فإذا قال {الرحمن ~~الرحيم} قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال {مالك يوم الدين} قال الله مجدني ~~عبدي فإذا قال {إياك نعبد وإياك نستعين} قال هذه بيني وبين عبدي فإذا قال ~~{اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} قال هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل". # ولما كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة التي هي عماد اإسلام ~~ورأس الطاعات شرع في أولها ووسططها وآخرها وجميع أركانها ففي دعاء ~~الاستفتاح يحمد # PageV04P1474 # ويثنى عليه ويمجد وفي ركن القراءة يحمد ويثنى عليه ويمجد وفي الركوع يثنى ~~عليه بالتسبيح والتعظيم وبعد رفع الرأس منه يحمد ويثنى عليه ويمجد كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض ~~وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد ~~لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وفي ~~السجود يثنى عليه بالتسبيح المتضمن لكماله المقدس والعلو المتضمن لمباينته ~~لخلقه وفي التشهد يثنى عليه بأطيب الثناء من التحيات ويختم ذلك بذكر حمده ~~ومجده. # فصل # ومن محبته للثناء عليه شرعه للداعي قبل سؤاله ودعائه ليكون وسيلة له بين ~~يدي حاجته كالمتقرب إلى المسؤول بما يحبه ويسأله بين يدي مطلوبه كما في ~~السنن والمسند من # PageV04P1475 # حديث فضالة بن عبيد قال جاء رجل فصلى فقال اللهم اغفر لي وارحمني فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجلت أيها المصلي إذا صليت ففرغت فاحمد الله ~~ما هو أهله ثم صل على النبي ثم ادعه" قال ثم صلى رجل آخر بعد ذلك " فحمد ~~الله وصلى على النبي فقال له النبي أيها المصلي ادع تجب" وفي السنن عن ابن ~~مسعود قال كنت أصلي فلما جلست بدأت بالثناء على الله ms571 ثم الصلاة على النبي ~~ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سل تعطه سل تعطه". # وهكذا في أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح لما يأتوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليشفع لهم فقال: "فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ~~فيلهمني محامد فأحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ~~ساجدا فيقول يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع" وفي لفظ ~~فأثني على ربي بثناء وتمجيد يعلمنيه فمن محبته سبحانه للثناء عليه ألهم ~~رسوله منه في ذلك المقام ما يكون وسيلة بين يدي شفاعته. # PageV04P1476 # وفي الصحيح عنه أنه كان يقول في سجوده: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ~~وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك". وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك وعد الجنة" وقد تقدم ذلك ~~من حديث ابن مسعود وفي الدعاء المأثور " اللهم لك الحمد حمدا يشرق له وجهك ~~" وفي الأثر الآخر " اللهم لك الحمد حتى ترضى" وفي الحديث الآخر " سبحان ~~الله عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" أي تسبيح يبلغ رضى نفسه. # PageV04P1477 # فصل # ومن محبته لحمده والثناء عليه أنه جعل حمده مفتاح كل كلام ذي بال وخاتمة ~~كل أمر وافتتح كتابه بحمده ختم آخره بحمده وافتتح خلقه بحمده وجعل حمده ~~خاتمة الفصل بينهم فقال تعالى {الحمد لله فاطر السماوات والأرض} [فاطر1] ~~وقال {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} [الأنعام1] ~~وقال {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} [الزمر75] فافتتح خلقه ~~وأمره بحمده وختمهما بحمده. # وفي المسند والسنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم" ولهذا كانت سنة المسلمين ~~في # PageV04P1478 # صلاتهم وخطبهم كلها افتتاحها بالحمد حتى خطبة الحاجة ولقد كان أول من ~~يدعى إلى ms572 الجنة الحامدون والنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بيده لواء ~~الحمد وآدم ومن دونه تحت ذلك اللواء فخص اللواء بالحمد لأنه أحب شيء إلى ~~الله واشتق لأحب خلقه إليه وألزمهم عليه من الحمد اسمين يتضمنان كثرة حمده ~~وفضله وهما محمد وأحمد وسمى أمته الحامدين وأخبر النبي أن أفضل الدعاء ~~الحمد. # PageV04P1479 # فصل # ومن محبته للثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله أنه أمر من ذكره بما لم ~~يأمر به في غيره فقال تعالى {واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} الجمعة10] ~~فعلق الفلاح بكثرة ذكره وقال {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} ~~[آل عمران191] فعم بذكره أحوال العباد كلها لأن العبد إما أن يكون قائما أو ~~قاعدا أو مضطجعا فأراد منه ذكره في هذه الأحوال كلها وأخبر أنه من ألهاه ~~ماله وولده عن ذكره فهو خاسر فقال {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون9] ~~وأمر بذكره في أعظم المواطن التي يذهل الإنسان فيها عن نفسه وهي حاله عند ~~ملاقاة عدوه فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} [الأنفال45] وفي الترمذي وغيره عن النبي ~~صلى الله عليه # PageV04P1480 # وسلم أنه قال: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه". وجعل سبحانه ~~ذكره سببا لصلاته على عبده وذكره له فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما} [الأحزاب 41 , 43] ~~وقال تعالى {فاذكروني أذكركم} [البقرة 152] وجعل ترك ذكره والثناء عليه ~~سببا لنسيانه لعبده وإنسائه نفسه فلا يلهمه مصالحه ولا يوفقه لإرادتها ~~وطلبها فقال تعالى {نسوا الله فنسيهم} [التوبة 67] وقال تعالة {ولا تكونوا ~~كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر 19] فلما نسوا ذكره والثناء عليه ~~وتحميده وتمجيده نسيهم من رحمته وأنساهم مصالح نفوسهم فلم يعرفوها ولم ~~يطلبوها بل تركوها مهملة معطلة مع نقصها وعيوبها. # PageV04P1481 # فصل # ومن محبته للثناء عليه ms573 وتحميده وتمجيده أنه وعد عليه بما لم يعد به على ~~غيره كما في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: "من قال سبحان ~~الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" وأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن مجالس الذكر رياض الجنة كما في السنن والمسند ~~من حديث جابر قال خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس ~~إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في ~~رياض الجنة قالوا وأين رياض الجنة? قال مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر ~~الله وذكروه أنفسكم من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة ~~الله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه" # PageV04P1482 # وفي الترمذي وصحيح الحاكم عن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني بشيء أتشبث به ~~فقال: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله". وفي السنن وصحيح الحاكم عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبق المفردون قالوا يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما المفردون? قال الذين يهمزون في ذكر الله" وفي ~~لفظ " وضع الذكر عنهم أثقالهم فوردوا القيامة خفافا". # PageV04P1483 # وفيهما عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا ~~مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه" وفيهما عنه أيضا "ألا أنبئكم بخير ~~أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخيرا لكم من إعطاء الذهب ~~والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا وما ذاك يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم?قال ذكر الله" وقال معاذ بن جبل ما عمل آدمي ~~عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله وفيهما أيضا من # PageV04P1484 # حديث النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذين ~~يذكرون من جلال الله التحميد والتسبيح والتكبير والتهليل ينعطفن ms574 حول عرش ~~الرحمن لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن أفلا يحب أحدكم أن يكون له عند ~~الرحمن شيء يذكر به" وفي صحيح الحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال في يوم مائة مرة لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لم يسبقه ~~أحد كان قبله ولا يدركه أحد كان بعده إلا من عمل عملا أفضل من عمله". # PageV04P1485 # وفيه أيضا عن خالد أن النبي قال: "من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة ~~في الجنة" وفي الترمذي وصحيح الحاكم أيضا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "ما على الأرض رجل يقول لا إله إلا الله والله ~~أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله إلا كفرت عنه ذنوبه ~~وإن كانت أكثر من زبد البحر" وفي صحيح الحاكم أيضا عن أنس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا # PageV04P1486 # معك إذا ذكرتني وفي صحيح الحاكم ابن حبان عن أنس قال كنا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال اللهم ~~إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا ~~الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد دعا ~~الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى" وفيهما أيضا عن ~~بريدة أن النبي سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله ~~إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ~~وإذا دعي به أجاب" فأخبر أن هذا هو الاسم الأعظم لما تضمنه من ms575 الحمد ~~والثناء والمجد والتوحيد ولمحبة الرب تعالى لذلك أجاب من دعا به وهذا باب ~~يطول تتبعه جدا. # والمقصود أنه إذا كان لا معنى للمدح إلا الإخبار المتضمن فرح الممدوح ~~وليس أحد أحب إليه المدح من الله وحمده والثناء عليه وذلك عنده بالمنزلة ~~التي لا يمكن وصفها ولا يحيط بها البشر كان المنكر لفرحه وما يستلزمه فرحه ~~منكر لحقيقة حمده ومدحه والثناء عليه وتمجيده وحينئذ فنقول في # PageV04P1487 # الوجه الحادي والعشرين والمائتان: إن هؤلاء الجهمية يقرون بظاهر من القول ~~وينكرون حقيقته ويصدون عن سبيل الله ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~وينفرون من أحب الأشياء إلى الله وأكرمها عليه وأعظمها عنده وهو ذكره ~~بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه ومدحه بها وحمده عليها بل ~~يكفرون من يثني عليه بها وينسبونه إلى التشبيه والتجسيم ويستحلون منه مالا ~~يستحله المحاربون من أعدائهم وذلك عين العداوة لله ولرسوله كما قال الإمام ~~أحمد حدثنا إبراهيم بن إسحاق أنا ابن المبارك عن الأوزاعي عن حسان بن عطية ~~قال ما عادى عبد ربه أشد عليه من أن يكره ذكره وذكر من يذكره ومن المعلوم ~~أن ذكره سبحانه إنما يتم بإثبات حقائق أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله لا ~~بألفاظ مجردة لا حقيقة لها. # فهؤلاء المعطلة النفاة أبعد شيء عن حقيقة ذكر الله كما هم أبعد شيء عن ~~محبته كما أقروا بذلك على أنفسهم من أنه لا يحبه أحد ولا يحب أحدا فهم لا ~~يحبونه ولا يذكرونه وإن ذكروه فإنما يذكرونه بالسلب والعدم الذي هو أنقص ~~النقص وإن أحبوه فإنما يحبون ثوابه المنفصل لا ذاته ولا صفاته ولا يثبتون ~~ألذ ما في الجنة وأطيب ما فيها وأعظم نعيمها وهو النظر إلى وجهه وسماع ~~كلامه فهم # PageV04P1488 # عمدوا إلى لب الدين وقلبه فنبذوه وأبطلوه ووقفوا في طريق الرسل وعارضوهم ~~في دعوتهم وبيانه # بالوجه الثاني والعشرين والمائتان: وهو أن دعون الرسل تدور على ثلاثة ~~أمور: تعريف الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله. # الأصل الثاني: معرفة الطريق الموصلة إليه وهي ذكره وشكره ms576 وعبادته التي ~~تجمع كمال حبه وكمال الذل له. # الأصل الثالث: تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم ~~الذي أفضله وأجله رضاه عنهم وتجليه لهم ورؤيتهم وجهه الأعلى وسلامه عليهم ~~وتكليمه إياهم ومحاضرتهم في مجالسهم. # فيثبت الأصل الأول بذكر أوصاف الرب تعالى ونعوت جلاله على التفصيل وإثبات ~~حقائق أسمائه على وجه التفصيل ونفوا عنه ما يتضمن هذا الإثبات ويستلزمه ~~كالنسيان واللغوب والظلم والسنة والنوم والمثل والكفوء والند والصاحبة ~~والولد والسمي والجهمية عكسوا الأمر فسلبوا صفاته على التفصيل وأثبتوا له ~~ما يتضمن نفي ذاته وصفاته. # وأما الأصل الثاني فإن الرسل أمرت الأمم بإدامة ذكره وشكره وحسن عبادته ~~فصدت النفاة القلوب والألسنة عن # PageV04P1489 # ذكره بإنكار صفاته وهم في الحقيقة لا يشكرونه لأن الشكر إنما يكون على ~~الأفعال وعندهم لا يقوم به فعل لأنه يستلزم حلول الحوادث به فلا يشكر على ~~فعل يقوم به وإن شكروه فإنما يشكرونه على مفعولاته وهي منفصلة عنه فلم يشكر ~~على أمر يقوم به عندهم. # وأيضا فإن رأس الشكر الثناء والحمد وقد اعترفوا بأنه لا حقيقة له إلا ما ~~يقتضي فرح المحمود المثنى عليه وذلك في حقه محال عندهم كما تقدم حكاية ~~لفظهم. # وكذلك هم منكرون لحقيقة عبادته وإن قاموا بصورها وظواهرها فإن حقيقة ~~العبودية كمال محبته وكمال الذل له وهم قد أقروا بأنه لا يحبه أحد ولا يمكن ~~أن يحب واحتجوا على ذلك بأن المحبة تستلزم المناسبة بين المحب والمحبوب ولا ~~مناسبة بين الخالق والمخلوق وهذا إنكار لحقيقة لا إله إلا الله فأن الإله ~~هو المألوه المستحق لغاية الحب بغاية التعظيم فنفوا هذا المعنى بتسميته ~~مناسبة كما نفوا محبته ورضاه وفرحه وغضبه وسخطه وكرامته ورأفته ورحمته ~~وضحكه وتعجبه بتسميتها كيفيان محسوسة ونفوا حياته وسمعه وبصره وقدرته ~~وكلامه وعلمه بتسميتها أعراضا ونفوا أفعاله بتسميتها حوادث ونفوا علوه على ~~خلقه # PageV04P1490 # واستوائه على عرشه والمعراج برسوله إليه بتسمية ذلك تجسيما وتركيبا. # وأما الأصل الثالث: وهو تعريف الأمم حالهم بعد الوصول إليه فإنهم أنكروا ~~أجل ما فيه وأشرفه ms577 وأفضله وهو رؤية وجهه وسماع كلامه وإنما أثبتوا أمورا ~~منفصلة يتنعم بها من الأكل والشرب والنكاح ونحوها ومما يوضح ذلك # الوجه الثالث والعشرون والمائتان: وهو ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ~~ذر قال: قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من ~~الخير ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن" فأخبر أن حمد الناس ~~للمؤمن بشارة معجلة في الدنيا كالرؤية الصالحة كما في الصحيح عن # PageV04P1491 # عبادة بن الصامت أنه سأل النبي عن قوله تعالى {لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة} [يونس 64] قال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ~~ترى له فجعل حمد الناس له في اليقظة والرؤيا الصالحة في المنام بشارة له في ~~الدنيا والبشارة نوع من الخبر وهو الخبر بما يسر فالحمد هو الخبر بما يسر ~~المحمود ويفرحه فإنكار فرحه ولوازم فرحه إنكار للحمد في الحقيقة. # وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي لما بعثه ومعاذا إلى اليمن قال لهما: ~~" بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا" وعند مسلم كان # PageV04P1492 # إذا بعث أحدا من الصحابة قال بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا وذلك أن ~~الكلام نوعان إنشاء وإخبار فأمرهم في الإإخبار ألأن يبشروا ولا ينفروا وفي ~~الإنشاء أن ييسروا ولا يعسروا فمن جعل المحمود والممدوح يحمد ويمدح بما لا ~~يحبه ولا يفرح به فقد عطل حقيقة حمده ومدحه التي تعطيلها تعطيل لحقيقة ~~الدين ومما يوضح ذلك # الوجه الرابع والعشرون والمائتان: وهو أن الحسن والقبح سواء عرف بالشرع ~~أو بالعقل إنما يعود إلى الملائم والمنافي. # والملائم يعود إلى الفرح ولوازمه والمنافي يعود إلى الغضب ولوازمه ~~والمثبتون للحسن والقبح العقليين رأوا ما يعلمه العبد بضرورته وفطرته من ~~حسن بعض الأعمال وقبح بعضها وأن ذلك من لوازم الفطرة فأثبتوه ولكن أخطأوا ~~في موضعين. # أحدهما قياس الخالق على المخلوق في ذلك وأن ما حسن وقبح منهم حسن وقبح ~~منه وكذلك كانوا مشبهة لأفعال معطلة الصفات. # الموضع الثاني: نفيهم لوازم ذلك من الفرح والرضى والمحبة وتسميتهم ms578 ذلك ~~لذة وألما وكيفيات نفسانية. # وأما النفاة فأصابوا في الفرق بين الله وبين الخلق وأن لا يقاس بخلقه ولا ~~يلزم أن ما حسن وقبح منهم يقبح # PageV04P1493 # ويحسن منه وأصابت أيسضا في رد ذلك إلى الملائمة والمنافرة وأخطأت في ~~موضعين: أحدهما سلب الأفعال صفاتها التي باعتبارها كانت حسنة وقبيحة وجعلهم ~~ذلك مجرد نسب وإضافات عدمية. # والموضع الثاني نفيهم لوازم ذلك عن الرب تعالى من محبته ورضاه وفرحه ~~وغضبه وسخطه وكراهته ومقته بتسميتها ذلك لذة وألما والفريقان جميا لم ~~يهتدوا في تحقيق المسألة إلى أن كل حسن وقبح ثبت بشرع أو عقل أو عرف أو ~~فطرة فإنما يعود إلى الملائمة والمنافرة ولم يهتدوا أيضا إلى ثبوت الحسن في ~~أفعال الله بمعنى محبته ورضاه وفرحه وأنه لا يفعل إلا ما يمدح على فعله ~~ويحمد عليه وحمده ومدحه خبر بما يرضى به ويفرح به ويحبه وأنه منزه عن أن ~~يفعل ما يذم عليه والذم هو الخبر المتضمن لما يؤذي المذموم ويؤلمه وإن كان ~~أعداؤه من المشركين يؤذونه ويشتمونه كما في الحديث الصحيح لا أحد أصبر على ~~أذى من الله يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم في الصحيح أيضا ~~يقول الله شتمني عبدي ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي ~~له ذلك فأما شتمه إياي فزعم أني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ~~ولم يولد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته ومن ذلك قول أعدائه إنه فقير وإن يده مغلولة وإنه اتخذ صاحبة # PageV04P1494 # وولدا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وحينئذ فنقول في # الوجه الخامس والعشرين والمائتان: إنه سبحانه كما يبغض هذا الإفك والباطل ~~الذي قاله فيه أعداؤه ويشتد غضبه منه ويؤذيه ذلك إذ لا ينقصه كما أخبر به ~~عن نفسه بقوله "يؤذيني ابن آدم" فهو سبحانه يفرح بثناء المثني عليه بأوصاف ~~كماله ونعوت جلاله أعظم فرح ويرضى به ويحبه وإذا كان يفرح بتوبة التائب ~~أعظم فرح يقدر ms579 فكيف فرحه سبحانه بالثناء عليه وحمده ومدحه وتمجيده بما يصفه ~~به أعداؤه مما لا يليق بكماله مما يتضمن فرحه ومحبته ورضاه أعظم من ذلك فإن ~~محبته تغلب غضبه وفضله أوسع من عدله وهو سبحانه كما أنه موصوف بكل كمال فهو ~~منزه عن كل نقص وعيب فكما أنه موصوف في أفعاله بكل حمد وحكمة وغاية محمودة ~~فهو منزه فيها عن كل عيب وظلم وقبيح وبهذا استحق أن يكون محمودا على كل حال ~~وأن يكون محمودا على المكاره كما هو محمود على المحاب كما في صحيح الحاكم ~~وغيره من حديث عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر ~~يسره قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" وإذا أتاه الأمر يكرهه ~~قال: "الحمد لله على كل حال". واللفظ العام إذا ورد على سبب وجب دخول السبب ~~فيه # PageV04P1495 # فيوجب هذا الحمد أنه محمود على هذا الأمر المكروه لأنه حسن منه وحكمة ~~وصواب فيستحق أن يحمد عليه وممايوضح ذلك # الوجه السادس والعشرون والمائتان: وهو أن النبي جمع بين محبة الرب سبحانه ~~للمدح ومحبته للعذر كما في حديث المغيرة بن شعبة "لا أحد أحب إليه العذر من ~~الله من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ~~من أجل ذلك وعد الجنة" وكذلك جمع بينهما في حديث ابن مسعود فهو سبحانه شديد ~~المحبة لأن يحمد وأن يعذر ومن محبته للعذر إرسال رسله وإنزال كتبه ومن ~~محبته للحمد ثناؤه على نفسه فهو يحب أن يعذر على عقاب المجرمين المخالفين ~~لكتبه ورسله ولا يلام على ذلك ولا يذم عليه ولا ينسب فيه إلى جور ولا ظلم ~~كما يحب أن يحمد على إحسانه وإنعامه وأياديه عند أوليائه وأهل كرامته وحمده ~~متضمن هذا وهذا فهو محمود على عدله في أعدائه وإحسانه إلى أوليائه كما قال ~~تعالى {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} [الزمر75] فأخبر عن ~~حمد الكون أجمعه له عقيب قضائه بالحق بين الخلائق وإدخال هؤلاء إلى جنته ~~وهؤلاء إلى ms580 ناره وحذف # PageV04P1496 # فاعل الحمد إرادة لعمومه وإطلاقه حتى لا يسمع إلا حامد له من أوليائه ~~وأعدائه كما قال الحسن البصري لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما ~~وجدوا عليه حجة ولا سبيلا وهو سبحانه قد أعذر إلى عباده وأقام عليهم الحجة ~~وجمع صلى الله عليه وسلم في الحديث بين ما يحبه ويبغضه فإنه قال فيه: "لا ~~أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب ~~إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه" فإن الغيرة تتضمن البغض والكراهة ~~فأخبر أنه لا أحد أغير منه وأن من غيرته حرم الفواحش ولا أحد أحب إليه ~~المدحة منه والغيرة عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية كالحياء والفرح ~~والغضب والسخط والمقت والكراهية فيستحيل وصفه عندهم بذلك ومعلوم أن هذه ~~الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلا وشرعا وعرفا وفطرة وأضدادها مذمومة ~~عقلا وشرعا وعرفا وفطرة فإن الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشة وتركها ~~مذموم غاية الذم مستحق للذم القبيح وهؤلاء المعطلة النفاة لحقيقة محبته ~~ورضاه وغضبه عندهم الأمران سواء بالنسبة إليه وأن ما وجد من ذلك فهو يحبه ~~ويرضاه وما لم يوجد من طاعاته وامتثال أوامره فهو يبغضه ويسخطه بناء على ~~أصلهم الفاسد أن # PageV04P1497 # المحبة هي عين الإرادة والمشيئة فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه وإذا جاء ~~هؤلاء إلى النصوص الدالة علىلا أنه لا يرضى بها ولا يحبها ولا يريدها ألوها ~~بميعنى أنه لا يشرعها ولا يأمر بها ولا يحبها ولا يرضاها دينا وهو التأويل ~~الأول بتغيير العبارة وحينئذ فنقول في # الوجه السابع والعشرين والمائتان: إنه سبحانه عما يقول الجاهلون به إذا ~~كان لا يفرح ولا يرضى بمدحه وحمده الثناء عليه ولا يغضب ولا يسخط ويبغض ~~شتمه وما قال فيه أعداؤه بل نسبة الأمرين إلى ذاته وصفاته بنسبة واحدة إذ ~~لو حصل فيه سبحانه فرح ورضى ومحبة من ذلك وغضب وسخط وكراهة من هذا للحقته ~~الكيفيات النفسية كان لا فرق عنده بين الحسن والقبيح ms581 والمدح والذم وهذا ~~غاية النقص والعيب شرعا وعقلا وفطرة وعادة ومن كلام الشافعي من استرضي ولم ~~يرض فهو جبار ومن استغضب ولم يغضب فهو حمار وهذا يدل على موت القلب وبطلان ~~الحسن وفقد الحياة ولهذا كان أكمل الناس حياة أشدهم حياء وكان # PageV04P1498 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها لكمال حياة ~~قلبه والله سبحانه الحي القيوم وقد وصف نفسه بالحياء ووصفه سوله فهو الحيي ~~الكريم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله حيي كريم يستحي من ~~عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا" وقالت أم سليم يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله لا يستحي من الحق وأقرها على ذلك وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن". # PageV04P1499 # والحياء عند هؤلاء من الكيفايات النفسانية فلا يجوز عندهم وصف القديم بها ~~ولمقصود أنه كلما كانت صفات الكمال في الحي كان فرحه ومحبته ورضاه وغضبه ~~ومقته أكمل ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غضب لم يقم لغضبه شيء ~~وفي الأثر إن موسى كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته وكان أشد بني إسرائيل حياء ~~حتى أنه لا يغتسل إلا وحده من شدة حيائه. # وذا كانت هذه صفات كمال فلا يجوز سلبها عمن هو أحق بالكمال المطلق من كل ~~أحد بمجرد تسميتها كيفيات نفسية وأعراضا وانفعالات ونحو ذلك فإن هذا من ~~اللبس والتلبيس وتسمية المعاني الصحيحةالثابتة بالأسماء القبيحة المنفرة ~~وتلك طريقة للنفاة مألوفة وسجية معروفة وإذا عرف هذا تبين أن هؤلاء المعطلة ~~النفاة أضاعوا # PageV04P1500 # حق الله الذي يستحقه لنفسه والذي بعث به رسله وأنزل به كتبه والذي هو أصل ~~دينه ومنتهى عبادته بما هم متناقضون فيه. # وقد سبق لك أنهم معترفون بما فطر الله عليه خلقه أن المدح يتضمن فرح ~~الممدوح ولوازمه ولهذا لزمهم القول بخلاف ما يعلم بالضرورة من دين الرسل من ~~أولهم إلى آخرهم إن الله لا يفرح بمدحه وحمده وتمجيده والثناء ms582 عليه ولا ~~يرضى نفسه بذلك ولا يكون محبوبا له على الحقيقة وهذا هم معترفون به لا ~~يتحاشون منه ولا يستكنفون من إطلاقه وإنما العجب تصريحهم بأنه لا يمدح بمدح ~~والمدح هو أصل الثناء والحمد. # وقد صرحوا باستحالة ذلك في حقه كما قالوا المدح هو الإخبار عن كونه ~~مستحقا لأن يفعل به ما يفرح به ويلتذ به والذم هو الإخبار عن كونه مستحقا ~~لأن يفعل به ما يحزن به ويتألم به قالوا وإذا فسرنا المدح والذم بذلك ~~استحال تصورهما في حق الله تعالى لاستحالة الفرح والغم عليه وقد أبطل ~~فأضلهم طرق الناس وعول على هذه الطريقة كما تقدم حكاية لفظه وهذا اعتراف ~~منه # PageV04P1501 # بأنه ليس للمدح والذم حاصل إلا ما لا يتصور في حق الله فلا يتصور عنده أن ~~يكون الله محمودا ممدوحا بحال ومعلوم أن فساد هذا في دين الرسل كلهم وجميع ~~فطر بني آدم من أوضح الواضحات وحينئذ فنقول في # الوجه الثامن والعشرين والمائتان: قولكم إن المدح يستحيل تصوره في حق ~~الله من أوضح الكفر وأقبح المعاداة لله والمناقضة لكتبه ورسله واستدلالكم ~~على ذلك بأن الفرح يستحيل عليه أبطل وأبطل بل قد علم بالاضطرار عقلا وفطرة ~~وشرعا أن المستحق لغاية المدح الكامل المطلق هو الرب سبحانه فهذا أحق الحق ~~ولازمه حق فإنه لا يلزم من الأحق إلا حق فإن كان الفرح لازما لهذا المدح ~~فهو حق وقد أثبته له سبحانه أعلم خلقه وأعرفهم وبصفاته وما يجب له ويمتنع ~~عليه وقرب فرحه سبحانه إلى الأذهان بما هو أعظم من أنواع الفرح وهو فرحه ~~بتوبة التائب إليه فكيف بما هو أعظم من ذلك من حمد الحامدين له ومدحهم له ~~وثنائهم عليه فإذا كان المدح مستلزما للفرح وقد علم أنه يستحق المدح أجمع ~~علم أنه يفرح بمدحه وإثبات الملزوم ونفي لازمه محال ولهذا لما تفطن هؤلاء ~~لذلك علموا أنه لا يمكن إثبات الملزوم ونفي لازمه صرحوا بنفي اللازم ~~والملزوم وقالوا يستحيل ثبوت المدح والفرح في حقه فنقول في # PageV04P1502 # الوجه التاسع والعشرين والمائتان: ms583 إنه من المعلوم أن كونه سبحانه يستحق ~~المدح والمحامد أبين في الشرع والعقل والفطرة من كونه لا يفرح والواجب أن ~~يستدل بالمعلوم على المجهول وبالواضح على الخفي أما أن يستدل بانتفاء الفرح ~~على انتفاء كونه مستحقا للمدح فهذا من أبطل الباطل وهو خروج عن مقتضى السمع ~~والعقل وهو من فعل أهل التلبيس والتدليس وإذا تبين ذلك عرف أن هؤلاء ~~الجهمية المعطلة الذي يذكرون ما وصف الله به نفسه من الرضى والفرح يلزم ~~لزوما بينا أن يجحدوا حمده سبحانه ومدحه والثناء عليه واستحقاقه لذلك بموجب ~~هذه القضية الكاذبة الباطلة التي قرروها وهذا شأن جميع قضاياهم الكاذبة ~~التي تتضمن تعطيل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله فإنها تستلزم إثبات ~~الباطل وإبطال الحق ويأبى الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه والحمد لله رب ~~العالمين. # الوجه الثلاثون والمائتان: أن يقال قولكم إن المدح والذم لا معنى لهما ~~إلا بمجرد الخبر عن استحقاق ما يفرح ويؤلم ليس كذلك والتحقيق أن فيهما معنى ~~زائدا على الخبر المجرد سواء دل اللفظ على ذلك المعنى الزائد بالتضمن أو ~~باللزوم فإن الحامد المادح يقترن بحمده ومدحه محبة المحمود والرضى عنه ~~وتعظيمه وكذلك # PageV04P1503 # الذام يقترن بذمه بغض المذموم وتنقصه وقلاه ولهذا فسر كثير من الناس ~~الحمد بالرضى واختاره الآمدي في ابكاره وغيره فالآمدي فسره بالرضى وهو من ~~باب الإرادات والرازي فسره بالخبر وهو من باب الاعتقادات والتحقيق أن الحمد ~~والذم يتمضن الأمرين جميعا فالمادح يعتقد أن في الممدوح والمحمود ما يحبه ~~ويرضى به ويفرح به ويكون مع هذا الاعتقاد والخبر في قلبه من محبته والرضا ~~به والفرح ما استحق به أن يكون حامدا له ومادحا وهذا أمر يجده الحامد ~~المادح من نفسه إذا كان مادحا بحق وصدق بخلاف المدح بالباطل فإنه كذب لا ~~يستلزم شيئا من ذلك فالمدح والحمد أصلهما الخبر ويتبعه الحب والرضا والذم ~~أصله الخبر ويتبعه البغض والسخط والصلاة على من يصلى عليه أصلها الطلب ~~والإرادة ويتبعها الخبر ولعنة من يلعن أصلها طلب إهانته ms584 وإقصائه ويتبعها ~~الخبر وهذان النوعان من الخبر وهما الإخبار عن الشيء بالخبر السيء وطلب ~~السوء له والإخبار عنه بالخبر الحسن وطلب الخير له الأول أصل اللعن والثاني ~~أصل الصلاة وهو سبحانه يلعن أعداءه ومن يفعل ما يبغضه ويسخطه ويصلي على ~~أوليائه وأهل طاعته وذكره وفي صحيح مسلم # PageV04P1504 # عنه صلى الله عليه وسلم: "لا يكون الطعانون واللعانون شهداء ولا شفعاء ~~يوم القيامة" فإن الشهادة من باب الخبر والشفاعة من باب الطلب ومن يكون ~~كثير الطعن على الناس وهو الشهادة عليهم بالسوء وكثير اللعن لهم وهو طلب ~~السوء لهم لا يكون شهيدا عليهم ولا شفيعا لهم لأن الشهادة مبناها على الصدق ~~وذلك لا يكون فيمن يكثر الطعن فيهم ولا سيما فيمن هو أولى بالله ورسوله منه ~~والشفاعة مبناها على الرحمة وطلب الخير وذلك لا يكون ممن يكثر اللعن لهم ~~ويترك الصلاة عليهم ومن أعظم أسباب سعادة العبد أن يكون موافقا لربه سبحانه ~~في صلاته على من صلى عليه ولعنته لمن لعنه كما في مسند الإمام أحمد وصحيح ~~الحاكم من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه وأمره أن ~~يتعاهد أهله في كل صباح لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وإليك ~~اللهم فما قلت من قول أو حلفت من حلف أو نذرت من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك ~~كله ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بك إنك على كل شيء ~~قدير اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين اللهم إني أسألك ~~الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة # PageV04P1505 # النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة وأعوذ بك ~~فأن أظلم أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى علي أو أكسب خطيئة أو ذنبا لا تغفره ~~اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ذا الجلال والإكرام فإني ~~أعهد ms585 إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك وكفى بك شهيدا أني أشهد أن لا إله ~~إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير وأشهد أن ~~محمدا عبدك ورسولك وأشهد أن وعدك حق ولقاءك حق والساعة آتية لا ريب فيها ~~وأنك تبعث من في القبور وأنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب ~~وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لي ذنوبي كلها إنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" فهذه ثلاثون وجها مضافة إلى المائتين ~~فصارت مائتين وثلاثين وجها تبطل معارضتهم للنصوص بالتوهمات والظنون الكاذبة ~~التي يسمونها عقليات. # الوجه الحادي والثلاثون بعد المائتين: أن نقول إذا عارضتم بين المعقول ~~والمنقول فإما أن تكذبوا المنقول وإما أن تصدقوه فإن كذبتموه ألحقتم بأعداء ~~الرسل المكذبين لهم وانسلختم من العقل والدين كانسلاخ الشعرة من العجين وإن ~~صدقتم المنقول فإما أن تعتقدوا أن له معنى أو تقولوا لا معنى له ولا يمكنكم ~~أن تقولوا بالثاني إذ تستحيل المعارضة على هذا التقدير وتبطل المسألة التي # PageV04P1506 # أصلتموها من أصلها وإن قلتم بل للمنقول معان قصدها المتكلم وأراد من ~~العباد اعتقادها والإقرار بها فإما أن يدل اللفظ عليها أو لا يدل فإن لم ~~يدل اللفظ عليها كان ذلك متضمنا للمحال والعبث والقدح في الرب تعالى ورسله ~~وكلامه من وجوه متعددة فكيف إليهم أن يخاطبهم بكلام يريد منهم أن يفهموا ~~منه مالا يدل عليه بوجه ما وهو سبحانه قد أكذب هذا الظن الكاذب الجائر ~~بقوله {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم4] وقوله ~~{ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} [فصلت44] ~~فخطابهم بذلك من جنس خطاب كل أمة بلغة لا تفهمها البتة بل أبعد منه لأنها ~~يمكنها التوصل إلى معرفة المراد بهذا الخطاب بالترجمة كما يترجم التراجم ~~بين الرسل والملوك وأما الخطاب بما لا يدل على المعنى المراد بوجه في لغة ~~من اللغات وإرادة اعتقاد ذلك المعنى منه فلا ms586 يفعله عاقل ويصان عنه عقلاء ~~البشر فضلا عن أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعدل العادلين وهذا لو كان ~~المراد منه معاني لا يناقضها الكلام ولا يدل عليها بنفي ولا إثبات فكيف إذا ~~كان الكلام المخاطب به له معان تناقض تلك المعاني التي أراد منهم فهمها ~~ومخالفتها فهذا أبلغ في # PageV04P1507 # الإحالة وإن قلتم بل له معان ظاهرة مفهومة أراد من العباد اعتقادها ~~والإقرار بها فإما أن تقولوا هي في نفسها حق مطابق للواقع أو تقولوا ليس ~~لها وجود بل هي منتفية في نفس الأمر فإن قلتم بالأول صدقتم ورجعتم إلى موجب ~~العقل والنقل وإن قلتم بالثاني لزمكم أن يكون الله ورسوله أراد من العباد ~~اعتقاد الباطل والضلال والتشبيه والتجسيم وهذا غاية المشقة والقدح في ~~الحكمة والرحمة وإن قلتم له معان ظاهرة مفهومة أراد من العباد نفيها ~~وإنكارها وعدم اعتقادها وهذا هو حقيقة قولكم لزمكم نسبة الله ورسوله إلى ما ~~لا يليق بآحاد العقلاء فضلا عن رب الأرض والسماء وخاتم الرسل وسيد الأنبياء ~~فإنه يكون قد خاطبهم بإثبات ما أراد منهم نفيه وتحقيق ما أراد منهم إبطاله ~~وعرضهم لأنواع الكفر والضلال والتشبيه وكان بمنزلة من أراد أن يصف لعليل ~~دواء يستشفي به فوصف له دواء قاتلا وأخبره أن فيه الشفاء والعافية وأراد ~~منه أن يأخذ من ألفاظ ذلك الدواء ما لا يدل عليه بل على خلافه فهل يكون هذا ~~المداوي إلا من أجهل الناس وأعظمهم تلبيسا وتدليسا فلا بد لكم من أحد هذه ~~الأقسام المذكورة فإن كان ها هنا قسم آخر فبينوه وبينوا صحته يوضحه. # الوجه الثاني والثلاثون بعد المائتين: وهو أن الأدلة العقلية التي زعمتم ~~أنها تعارض النقل وتنفي موجبه هي بعينها تنفي المعاني التي تأولتم النقل ~~عليها وحرفتم معناه إليها فإنكم لا يمكنكم تعطيل دلالة # PageV04P1508 # النصوص بالكلية وجعلها بمنزلة الكلام المهمل الذي لم يستعمله العقلاء بل ~~لا بد لكم من حملها على معاني أخر غير حقائقها التي دلت عليها وحينئذ ~~فالأدلة العقلية التي نفيتم بها حقائق النصوص تنفي تلك المعاني التي ms587 ~~تأولتموها عليها بعينها مثاله أنكم تأولتم الرحمة والرأفة بالإرادة وزعمتم ~~أن الدليل العقلي يقتضي نفي الرحمة والرأفة حقيقة وهو إما دليل الإعراض ~~وإما دليل التركيب وإما الدليل الذي نفي التجسيم والتشبيه وإما دليل ~~التوحيد الذي ينفي ثبوت شيء من الصفات وإما دليل امتناع الكيفيات النفسانية ~~عليه وإما دليل امتناع الاختصاص بغير مخصص أو غير ذلك فجميع هذه الشبه ~~الباطلة تنفي كل معنى حملتم عليه النصوص ويلزمكم فيما أثبتموه نظير ما ~~لزمكم فيما نفيتموه وإذا كان الإلزام ثابتا على التقديرين لم تستفيدوا ~~بتأويل النصوص وحملها على خلاف حقائقها إلا تحريف الكلم عن مواضعه والقول ~~على الله بلا علم والجناية على الكتاب والسنة فلو أنكم تخلصتم بالتحريف مما ~~فررتم منه من التشبيه والتجسيم كنتم قد صنعتم شيئا ولكن أصابكم في ذلك ما ~~أصاب القائل. # وأفقرني فيمن أحب وما استغنى # فهذان وجهان يعمان كل ما ينفون من الصفات الإلهية ويتأولونه على غير ~~تأويله من النصوص النبوية ويعتمدون عليه من الأقيسة العقلية. # PageV04P1509 # الوجه الثالث والثلاثون بعد المائتين: إن لازم هذا القول بل حقيقته أن ~~أسماء الرب تعالى إنما تطلق عليه مجازا لا حقيقة فإنه إذا قام الدليل ~~العقلي على انتفاء حقائقها صار إطلاقها بطريق المجاز والاستعارة لا بطيق ~~الحقيقة فيكون إطلاقها على المخلوق بطريق الحقيقة إذ لا يمكن أن يكون مجازا ~~في الشاهد والغائب وقد نفيتم أن يكون حقيقة في حق الرب سبحانه فتكون حقيقة ~~في المخلوق مجازا في الخالق فيكون المخلوق أحسن حالا فيها من الخالق وتكون ~~حسنى في حقه دون حق الرب تعالى لأنها إنما كانت حسنى باعتبار معانيها ~~وحقائقها لا بمجرد ألفاظها فمن له حقائقها فهي في حقه حسنى دون من انتفت ~~عنه حقائقها وكفى بهذا خروجا عن العقل والسمع وإلحادا في أسمائه سبحانه قال ~~تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~سيجزون ما كانوا يعملون} [الأعراف180] فإن قلتم حقائقها بالنسبة إليه ما ~~يليق به وهو ما تأولناها عليه وحينئذ فتكون حسنى بذلك الاعتبار وتكون حقيقة ~~لا ms588 مجازا قيل فهلا حملتموها على حقائقها المفهومة منها على وجه يليق به ولا ~~يماثله في خلقه كما فعلتم بحملها على تلك المعاني التي صرفتموها إليها فإن ~~قلتم حملها على ذلك يستلزم محذورا من تلك المحاذير قيل # PageV04P1510 # فكيف لم يستلزمه فيما أثبتموه من تلك المعاني واستلزمه فيما نفيتموه وإذا ~~كنتم قد أثبتم تلك على وجه يختص به ولا يماثل خلقه فيه فأثبتوا له حقائقها ~~على هذا الوجه وتكونون للعقل والنقل موافقين وللكتاب والسنة مصدقين ولسلف ~~الأمة وأعلمها بالله وصفاته وأسمائه موافقين وعن سبيل أهل الإلحاد والتعطيل ~~عادلين. # الوجه الرابع والثلاثون بعد المائتين: إن الناس في هذه الأسماء التي تقال ~~على الرب وعلى العبد مختلفون على أقوال فقالت غلاة المعطلة من الجهمية إنها ~~مجاز في حق الخالق حقيقة في حق المخلوق وإنها استعيرت له من أسمائهم وهذا ~~كما قيل خر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن فكيف استعار للقديم ~~الخالق سبحانه أسماء من المحدث المخلوق وكيف يستقرض للغني الواجد من الفقير ~~المعدم أترى لم يكن في الممكن أن يكون للرب سبحانه من الأسماء إلا ما ~~استعير له من أسماء خلقه ولما رأت طائفة من العقلاء شناعة هذا المذهب ~~وبطلانه قابلوا قائليه وقالوا بل هي حقيقة في الرب مجاز في العبد وهذا قول ~~أبي العباس الهاشمي وقد وافقه عليه طائفة ويلزم أصحاب هذا القول صحة نفيها ~~عن المخلوق كما يلزم أصحاب القول الأول صحة نفيها عن الخالق والقولان ~~باطلان مع أن أصحاب هذا القول وإن # PageV04P1511 # كانوا خيرا من أولئك فهم متناقضون فإنهم إن أثبتوا للرب تعالى حقائقها ~~المفهومة منها فجعلها مجازا في المخلوق ممتنع فإن المعنى الذي كانت به ~~حقيقة في الغائب موجود في الشاهد وإن كان غير مماثل بل للرب منه ما يختص به ~~ولا يماثله فيه المخلوق وللمخلوق منه ما يختص به ولا يماثله فيه الخالق ~~وهذا لا يوجب أن تكون مجازا في حق المخلوق كالوجود والشيء والذات وإن ~~أثبتوها على غير حقائقها المفهومة منها بل جعلوا معناها ما ms589 تأولوها عليه ~~فقلبوا الحقائق وعكسوا اللغة وأفسدوها وجعلوا المجاز حقيقة والحقيقة مجازا ~~هذا وهم أعذر من أولئك وأقل خطأ فإنهم جعلوها مجازا في حق من هو أولى بها ~~من خلقه. # وأولى من تثبت له على أتم الوجوه وأكملها أزلا وأبدا ووجوبا وبراءة عن كل ~~ما ينافي ذلك وجعلوها حقيقة في حق من استعيرت له على وجه الحدوث والضعف ~~والنقص فهؤلاء أعظم قلبا للحقائق ومخالفة للمعقول من أولئك وقالت طائفة ~~ثالثة بل هي حقيقة في الغائب والشاهد كالوجود والشيء والذات وإن لم تماثل ~~الحقيقة الحقيقة ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة هي مقولة عليها بالاشتراك ~~اللفظي لتباين الحقيقتين من كل وجه وهذا من أفسد الأقوال فإن كل عاقل يفرق ~~بين لفظي العين ولفظ المشتري ولفظ العين ونحوها وبين لفظ السميع والبصير # PageV04P1512 # والحي والعليم والقدير ويفهم المعنى من هذه الألفاظ عند إطلاقها دون تلك ~~فلو كانت مشتركة لم يفهم منها شيء عند الإطلاق. # وقالت طائفة أخرى بل يقال على القديم والحادث بطريق التواطئ وهي موضوعة ~~للقدر المشترك والخصائص لا تدخل في مسمى اللفظ قالوا ولهذا يصح تقسيم ~~معانيها إلى واجب وممكن وقديم ومحدث ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام. # وقالت طائفة بل يقال على الرب والعبد بطريق التشكيك لأنها في الرب أولى ~~وأتم وأكمل ولا ريب أن المتواطئ يعم ما تساوت أفراده فيه وما تفاوتت ~~فالمشكك نوع من المتواطئ وإذا عرف هذا فمن نفى حقائقها عن الرب سبحانه ~~جعلها مجازا في حقه حقيقة في المخلوق يوضحه. # الوجه الخامس والثلاثون بعد المائتين: إنه قد علم أن المعنى المستعار ~~يكون في المستعار منه أكمل منه في المستعار وأن المعنى الذي دل عليه اللفظ ~~بطريق الحقيقة أكمل من المعنى الذي دل عليه بطريق المجاز وإنما يستعار ~~لتكميل معنى المجاز مثل الأسد فإن شجاعته لما كانت أكمل من شجاعة ابن آدم ~~والبحر لما كان أوسع من # PageV04P1513 # ابن آدم والشمس والقمر لما كانا أبهى وأحسن استعيرت أسماؤها لما دونها ~~فإذا قيل إن هذه الأسماء مجاز في حق الرب حقيقة ms590 في حق العبد كانت في العبد ~~أكمل وأتم منها في الرب وكانت تسمية الرب سبحانه بها تقريبا وتمثيلا لما هو ~~حقيقة في العبد وهل في الباطل والضلال والكفر والمحال فوق هذا والظاهر ~~والله أعلم أن أكثر هؤلاء النفاة المعطلة جهال لا يتصورون حقيقة أقوالهم ~~ولوازمها وإلا فمن آمن بالله وكان له في قلبه جلالة وعظمة ووقار لا يرضى ~~بذلك ولا يعتقده وإن كان كثير من الناس لا يتحاشى من ذلك ولا يأنف منه لقلة ~~وقار الله في قلبه وبعده عن معرفته وإساءة ظنه بأهل الإثبات وإحسان ظنه ~~بطائفته وأهل نحلته وضلال بني آدم لا يحيط به إلا من هو بكل شيء محيط. # الوجه السادس والثلاثون بعد المائتين: إن أعقل الخلق على الإطلاق الرسل ~~وأتباعهم بعدهم أعقل الأمم وأهل الكتاب والشرائع الكبار أعقلهم وأعقل هؤلاء ~~المسلمون وأعقل المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم ~~بإحسان وأهل السنة والحديث أعقل الأمة بعدهم على الإطلاق والبرهان القاطع ~~على هذا أنه قد ظهر على أيدي الرسل من العلم النافع والعمل الصالح ومصالح ~~الدنيا والآخرة # PageV04P1514 # ما لم يظهر مثله ولا قريب منه ولا ماله البتة نسبة بوجه من الوجوه على ~~أيدي غيرهم من العقلاء ومن تدبر سيرتهم في أنفسهم وفي خاصتهم وفي العامة ~~وصبرهم وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الله وما عنده واشتمالهم من الأخلاق ~~على أزكاها ومن الشيم على أرضاها وأنهم أصدق الخلق وأبرهم قلوبا وأزكاهم ~~نفوسا وأعظمهم أمانة وأكرمهم عشرة وأعفهم ضمائر وأطهرهم سريرة لم يشك أنهم ~~أعقل خلق الله على الإطلاق ولا ريب أن كل من كان إليهم أقرب كان حظه من ~~العقل أوفر والعلوم والأعمال والسيرة والدلائل على ذلك وأما أعدائهم ~~وخصومهم فقد ظهر من نقصان عقولهم ما كان الحيوان البهيم أحسن به حالا منهم ~~فإنه لا يقدم على هلاكه وخصماء الرسل وخصماء أتباعهم متهافتون في أسباب ~~هلاكهم تهافت الفراش في النار وظهر نقصان هذه العقول في علومهم ومعارفهم ~~مثل ظهوره في أعمالهم أو أعظم فإن كل من ms591 له نور وبصيرة إذا عرض على العقل ~~الصحيح والفطرة السليمة ما جاءت به الرسل وما قالته النفاة المعطلة في الله ~~جل جلاله تبين له الذي بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق ومن أعظم ~~المحال أن يكون أعقل الخلق # PageV04P1515 # وأعقل الأمم مطيعين على الانقياد لكتاب قد خالفه صريح العقل ويكون ذلك ~~الكتاب متضمنا لخلاف الصواب في أعظم مطالب الدعوة الإلهية وظاهره ضلال ~~ومحال ويطبق عليه أعقل بني آدم ويتلقونه بالقبول وتشهد عقولهم وفطرهم أنه ~~الحق والصواب وأن ما خالفه فهو الباطل والإفك والمحال وتصح به قلوبهم ~~وتطمئن به وتسكن إليه وتزكوا به النفوس أعظم زكا وهذا من المحال أن يحصل ~~بما يخالف صريح العقل ويكون الصواب في خلاف ما دل عليه فإن القلوب الصحيحة ~~والفطر السليمة والعقول المستقيمة لا تطمئن بباطل أبدا بل يكون أهله كما ~~قال الله سبحانه {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} [ق5] وقال ~~تعالى {إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك} [الذاريات9 , 8] وقال {انظر ~~كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} [الإسراء48] ووصف سبحانه ~~المصدقين به الذين لا يقدمون عليه غيره بطمأنينتهم به وجعل ذلك من أعظم ~~آيات صدقه في أنه لو كان باطلا مخالفا للعقول لم تطمئن به القلوب بل كانت ~~ترتاب به أعظم ريب فإن الكذب في الأمور الجزئية # PageV04P1516 # ريبة فكيف بالكذب في باب أسماء الرب وصفاته وشأنه والصدق في الأمور ~~الجزئية طمأنينة فكيف بالصدق في هذا الباب قال تعالى {الم ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة2 , 1] وقال تعالى {وما كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من ~~رب العالمين} [يونس37] وقال تعالى {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين} [السجدة2 , 1] فجعل سبحانه من أعظم أدلة صدقه نفي الريب عنه في ~~مثل هذه المطالب التي هي أصل مطالب بني آدم وأجل معارفهم وعلومهم على ~~الإطلاق فلو كان فيه ما يخالف صريح العقل لكان ms592 فيه أعظم الريب ولما اطمأنت ~~به القلوب ولا ثلجت به الصدور وقد قال تعالى {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد28] وذكره ها هنا هو كناية ~~وهو الذكر الحكيم فكيف يجوز على أعقل الأمم وأفضلها أن تطمئن قلوبهم بما ~~يخالف العقل الصريح وهل هذا إلا قدح في عقولهم كما هو قدح في نبيهم وفي ~~كتابهم ومن تكلم به وجعله هدى وشفاء ورحمة وعصمة ونورا وروحا والله ورسوله ~~وملائكته وأولو العلم # PageV04P1517 # يعلمون أن كلام هؤلاء المعطلة النفاة المعارضين للوحي بعقولهم وآرائهم ~~فيه أعظم الريب وأبعد شيء عن طمأنينة القلوب به وسكونها إليه وأشد شيء ~~مخالفة للمعقول الصريح وهذه سنة الله في خلقه أن أنقص الناس عقولا وأعظمهم ~~سفها يرمون أعقل الخلق وأفضلهم بنقصان العقول ولا تنسى قول أعداء الرسل في ~~الرسل أنهم مجانين لا عقول لهم فهكذا ورثتهم يرمون ورثة الرسل بدائهم إلى ~~يوم القيامة يوضحه # الوجه السابع والثلاثون بعد المائتين: إنه لو كان ظاهر الكتاب مخالفا ~~لصريح المعقول لكان في الصدور أعظم حرج منه وضيق وهذا خلاف المشهود بالباطن ~~لكل ذي عقل سليم فإنه كلما كان الرجل أتم عقلا كان الحرج بالكتاب أبعد منه ~~قال تعالى لرسوله {المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف2 ~~, 1] والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه وكانت قبل إنزال الكتاب في ~~أعظم الحرج والضيق فلما أنزل كتابه ارتفع به عنها ذلك الحرج وبقي الحرج ~~والضيق على من لم يؤمن به كما قال تعالى {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} [الأنعام125] ومن آمن به من ~~وجه دون وجه ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به دون ذلك الوجه ~~فمن أقر # PageV04P1518 # أنه منزل من عند الله أنزله على رسوله ولم يقر بأنه كلامه الذي تكلم به ~~بل جعله مخلوقا من جملة مخلوقاته كان في صدره من الضيق والحرج ما يناسب ذلك ~~ومن أقر بأنه تكلم بشطره ms593 وهو المعاني دون شطره الآخر وهو حروفه كان في صدره ~~من الحرج منه ما يناسب ذلك ومن زعم أنه غير كاف في معرفة الحق وأن العباد ~~يحتاجون معه إلى معقولات وآراء ومقاييس وقواعد منطقية ومباحث عقلية ففي ~~صدره منه أعظم حرج وأعظم حرجا منه من اعتقد أن فيه ما يناقض العقل الصريح ~~ويشهد العقل بخلافه وكذلك من زعم أن آياته لا يستفاد منها علم ولا يقين ففي ~~صدره منه من الحرج ما الله به عليم ومن زعم أن الخطاب به خطاب جمهوري يخيل ~~للعامة ما ينتفعون به مما ليس له حقيقة في نفس الأمر ففي صدره منه أعظم حرج ~~ومن زعم أن أجل ما فيه وأشرفه وأفضله وهو قسم التوحيد المتضمن للأسماء ~~والصفات مجازات واستعارات وتشبيهات لا حقائق ففي صدره منه أعظم حرج فكل هذه ~~الطوائف في صدورهم منه حرج وريب وليس في حقهم هدى ولا شفاء ولا رحمة ولا هو ~~كاف لهم بشهادتهم على أنفسهم وشهادة الله وملائكته والشهداء من عباده عليهم ~~وبالله التوفيق. # PageV04P1519 # وقد أقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله في كل ما ~~شجر بينهم ولا يكفي ذلك في حصول الإيمان حتى يزول الحرج من نفوسهم بما حكم ~~به في ذلك أيضا حتى يحصل منهم الرضا والتسليم فقال تعالى {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} [النساء65] فأكد ذلك بضروب من التأكيد # أحدها: تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي المتضمن لتأكيد النفي ~~المقسم عليه وهو في ذلك كتصدير الجملة المثبتة بإن. # الثاني: القسم بنفسه سبحانه. # الثالث: أنه أتى بالمقسم عليه بصيغة الفعل الدالة على الحدوث أي لا يقع ~~منهم إيمان ما حتى يحكموك. # الرابع: أنه أتى في الغاية بحتى دون إلا المشعرة بأنه لا يوجد الإيمان ~~إلا بعد حصول التحكيم لأن ما بعد حتى يدخل فيما قبلها. # الخامس: أنه أتى المحكم فيه بصيغة الموصول الدالة على العموم وهو قوله ~~{فيما شجر بينهم} ms594 أي في جميع ما تنازعوا فيه من الدقيقة والجليلة. # PageV04P1520 # السادس أنه ضم إلى ذلك انتفاء الحرج وهو الضيق من حكمه. # السابع: أنه أتى به نكرة في سياق النفي أي لا يجدون نوعا من أنواع الحرج ~~البتة. # الثامن: أنه أتى بذكر ما قضى به بصيغة العموم فإنها إما مصدرية أي من ~~قضائك أو موصولة أي من الذي قضيته وهذا يتناول كل فرد من أفراد قضائه. # التاسع: أنه لم يكتف منهم بذلك حتى يضيفوا إليه التسليم وهو قدر زائد على ~~التحكيم وانتفاء الحرج فما كل من حكم انتفى عنه الحرج ولا كل من انتفى عنه ~~الحرج يكون مسلما منقادا فإن التسليم يتضمن الرضا بحكمه والانقياد له. # العاشر: أنه أكد فعل التسليم بالمصدر المؤكد ونحن نناشد هؤلاء الجهمية ~~بالله الذي لا إله إلا هو هل يجدون في أنفسهم هذا التسليم والانقياد ~~والتحكيم للنصوص وهل هم مع الرسول وما جاء به بهذه المنزلة فوالله إن ~~قلوبهم وألسنتهم وكتبهم لتشهد عليهم بضد ذلك كما يشهد به عليهم المؤمنون ~~والملائكة وأولو العلم والله سبحانه وكفى بالله شهيدا. # PageV04P1521 # الوجه الثامن والثلاثون بعد المائتين: إن جماع ما يرد به المبطلون ما ثبت ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمور العلمية الخبرية والأمور ~~العملية الطلبية نوعان # أحدهما: منع دلالة ما جاء به على تلك المسألة. # والثاني: معارضة الدلالة بما يمنع اتباعها فردهم نوعان منع ومعارضة ~~فوضعوا لهذين النوعين قانونين فوضعوا لمنع الدلالة قانون التحريف والتأويل ~~الفاسد ووضعوا للمعارضة قانون تعارض العقل والسمع وتقديم العقل فيتضمن هذان ~~القانونان أن لا يستفاد من القرآن والسنة في باب الأسماء والصفات علم ولا ~~يقين. # وأما الطلبيات فإما أن يكون في المسألة إجماع أولا فإن كان فيها إجماع ~~استغني به عن النظر في الكتاب والسنة وإن لم يكن فيها إجماع ففرضه التقليد ~~لبعض الأئمة لأن النصوص فيها الناسخ والمنسوخ وفيها ما قد ترك العمل به ~~وفيها الخاص والعام وغير ذلك وقد كفانا الأئمة مؤنة النظر والاستدلال وكلفة ~~الاجتهاد فيتعين المصير إلى أقوالهم ms595 وليس لنا أن نستدرك عليهم ولا نخالفهم ~~فهم قد كفونا مؤنة الفروع وشيوخنا المتكلمون قد كفونا مؤنة الأصول فلا ~~يفيدنا النظر في الكتاب والسنة إلا التعب # PageV04P1522 # والعناء وغايتنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه إن أصبنا وإن خالفناهم كنا نحن ~~المخطئين وهم المصيبون فالأولى بنا أن نتلقى الأصول عن المتكلمين والفروع ~~عن مشايخنا الذين هذبوا لنا مذاهب الأئمة وضبطوا قواعدها وأصولها فيقال هذا ~~إخبار منكم بحالكم وما يليق بكم وما أنتم أهله. # وأما من رفع له علم الكتاب والسنة فشمر إليه وآنس من مشكاتهما نور ~~الهداية فطله وحرص عليه وكان كتاب الله وسنة رسوله أجل في صدره وأعظم في ~~نفسه وأوقر في قلبه من أن يجعل لهما عيارا يعيرهما به وميزانا يزنهما به ~~وندا يحاكم إليه ويخاصم به دونهما فهذا كتاب الله بين أظهرنا كما أنزل محضا ~~لم يشب وهذه سنة رسوله هل يسوغ لنا الإعراض عنها إلى ما ذكرتم وهل يوجد ~~فيهما دليل واحد على هذه الطريق التي سلكتم وهل تجدون فيهما الحوالة على ~~غيرهما بوجه من الوجوه وهل تجدون فيهما ما يتضمن ذلك أو يدل عليه أو يشير ~~إليه أو يسوغه وكأنكم تتمسكون بقوله {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف3] وبقوله # PageV04P1523 # {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} الآية [النساء65] وبقوله ~~{وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى10] وبقوله {وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} [الأنعام155] وبقوله {قل يا ~~أيها الناس إني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف158] وبقوله {أم ~~لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى21] وبقوله {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ms596 لا تعلمون} ~~[الأعراف33] # PageV04P1524 # وبقوله {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء36] وبقوله {وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} ~~[المائدة104] وبقوله {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} [التوبة16] أي وليجة ~~ممن اتخذ رجلا بعينه عيارا على كلام الله ورسوله وكلام سائر علماء الأمة ~~يزن القرآن والسنة وكلام سائر العلماء على قوله فما خالفه رده وما وافقه ~~قبله وبقوله {فبشر عباد لذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر18 , 17] ~~والقول ها هنا ما قاله الله ورسوله واتباع أحسنه هو الاقتداء به فهذا أحسن ~~من قول كل قائل عداه وبقوله # PageV04P1525 # {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران31] وبقوله {وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ~~[الأنعام153] وبقوله {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن ~~له معيشة ضنكا} [طه124 , 123] وذكره هو كتابه الذي أنزله فمن أعرض عنه ~~مكتفيا بقول واحد من بني آدم عنه فقد أتى بحقيقة الإعراض وبقوله {فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله} [القصص50] فقسم الناس إلى مستجيبين للرسول ومتبع هواه فمن ترك ~~استجابته إذا ظهرت له سنة وعدل عنها إلى خلافها فقد اتبع هواه وهذا أكثر من ~~أن يذكر والمقصود أن الواجب على الخلق بعد وفاته هو الواجب عليهم في حياته ~~سواء ففرض من سمع كلامه أن يأخذ به ومن خفي عليه قوله سأل من يعرفه فإذا ~~سمعه ففرض عليه أن يأخذ به # PageV04P1526 # فإن خفي عليه فغاية قول غيره أن يسوغ له الأخذ به فيكون سائغ الاتباع بعد ~~خفاء السنة لا واجب الاتباع ولا سيما مع ظهور السنة وبالله التوفيق. # الوجه التاسع والثلاثون بعد المائتين: إن كل واحد من هذين الأمرين أعني ~~المنع والمعارضة ينقسم إلى درجات متعددة فأما المنع فهو على ثلاث درجات ms597 ~~أحدها منع كون الرسول جاء بذلك أو قاله الدرجة الثانية منع دلالته على ذلك ~~المعنى وهذه الدرجة بعد التنزل إلى الاعتراف بكونه قاله الدرجة الثالثة منع ~~كون قوله حجة في هذه المسائل. # والدرجات الثلاث قد استعملها المعطلة النفاة فأما الأولى فاستعملوها في ~~الأحاديث المخالفة لأقوالهم وقواعدهم ونسبوا رواتها إلى الكذب والغلط ~~والخطأ في السمع واعتقاد أن كثيرا منها من كلام الكفار والمشركين كان النبي ~~يحكيه عنهم فربما أدركه الواحد في أثناء كلامه بعد تصديره بالحكاية فيسمع ~~المحكي فيعتقده قائلا له لا حاكيا فيقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما قاله بعضهم في حديث قتادة بن النعمان في الاستلقاء قال يحتمل أن يكون ~~النبي حدث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار عليهم فلم يفهم عنه قتادة ~~بن # PageV04P1527 # النعمان إنكاره فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعضد هذا الاحتمال ~~بما رواه من حديث ابن أبي أويس حدثني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن ~~عبد الله بن عروة بن الزبير أن الزبير بن العوام سمع رجلا يحدث حدثنا عن ~~النبي فاستمع الزبير له حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير أنت سمعت ~~هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرجل نعم قال هذا وأشباهه ~~مما يمنعنا أن نتحدث عن النبي قد لعمري سمعت هذا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا يومئذ حاضر ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ هذا ~~الحديث فحدثنا عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه فجئت أنت يومئذ بعد أن قضى ~~صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب فظننت أنه من حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالوا فلهذا الاحتمال تركنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات ~~الله عز وجل فتأمل ما في هذا الوجه من الأمر العظيم أن يشتبه على أعلم ~~الناس بالله وصفاته وكلامه وكلام رسوله كلام الرسول الحق الذي قاله مدحا ~~وثناء على الله بكلام الكفار المشركين الذي هو تنقص ms598 وعيب فلا تميز بين هذا ~~وهذا ويقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما # PageV04P1528 # يكون من كلام ذلك المشرك الكافر فأي نسبة جهل واستجهال لأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فوق هذا أنه لا يميز أحدهم بين كلام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكلام الكفار والمشركين ويميز بينهما أفراخ الجهمية والمعطلة ~~وكيف يستجيز من للصحابة في قلبه وقار وحرمة أن ينسب إليهم مثل ذلك ويا لله ~~العجب هل بلغ بهم الجهل المفرط إلى أن لا يفرقوا بين الكلام الذي يقوله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن المشركين والكفار والذي يقوله حاكيا ~~له عن جبريل عن رب العالمين ولا بين الوصف بما هو مدح وثناء وتمجيد لله ~~ووصفه بما هو ضد ذلك فتأمل جناية هذه المعرفة على النصوص ومن تأمل أحاديث ~~الصفات وطرقها وتعدد مخارجها ومن رواها من الصحابة علم بالضرورة بطلان هذا ~~الاحتمال وأنه من أبين الكذب والمحال فوالله لو قاله صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من عند نفسه لكان أولى بقبوله واعتقاده من قول الجهمي ~~المعطل النافي فكيف إذا نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود أن ~~هذه الدرجات الثلاث قد وضعت الجهمية أرجلهم فيها فهذه درجة منه كون الرسول ~~قاله وأكدوا أمر هذه الدرجة بأن أخبار الآحاد يتطرق إليها الكذب # PageV04P1529 # والخطأ والغلط فلا يجوز أن يحتج بها في باب معرفة الله وما يجب له ويمتنع ~~عليه وسيمر بك إن شاء الله تعالى ما يقلع هذه الدرجة من أصلها. # الدرجة الثانية منع الدلالة وهذه الدرجة المسماة بأن الأدلة اللفظية لا ~~تفيد اليقين وقد تقدم فسادها من خمسة وسبعين وجها فيما مضى وبينا أن هذا ~~القول لا يجامع دين الإسلام بل مناقضته للدين معلومة بالضرورة بعد التأمل ~~لحقيقته ولازمه. # الدرجة الثالثة تسليم دلالته على ذلك ولكن يمنع كون قول الرسول حجة في ~~ذلك وهذه الدرجة ينزلها طائفتان أحدهما من يجوز على الرسول أن يخاطب الأمة ~~بخلاف ما هو في نفس الأمر ms599 لمصلحتهم. # الطائفة الثانية من يعتقد أن لكلامه باطنا يخالف ظاهره وتأويلا يخالف ~~حقيقته فالطريقة الأولى للمتفلسفة ومن يتلمذ لهم والطريقة الثانية للجهمية ~~ومن اقتفى آثارهم وكثير من المتأخرين يجمع بين الطريقتين فيتفلسف تارة ~~ويتجهم تارة ويجمع بين الإدامين تارة فهذه درجات المنع وأما درجات المعارضة ~~فثلاثة أيضا # PageV04P1530 # إحداها أن يعارض المنقول بمثله ويسقط دلالتهما أو يرجح دلالة المعارض كما ~~عارض الجهمي قوله {الرحمن على العرش استوى} [طه5] بقوله {قل هو الله أحد} ~~[الإخلاص1] وزعم أنه لو كان على العرش لم يكن أحدا وعارضه بقوله {وهو معكم ~~أين ما كنتم} [الحديد4] وزعم أنه لو كان على عرشه لم يكن معنا وعارضه بقوله ~~{الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به} [غافر7] وهذه ~~معارضة الزمخشري في كشافه قال وفيها التنبيه على أن الأمر لو كان كما يقوله ~~المجسمة كان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين ولما وصفوا بالإيمان لأنه ~~إنما يوصف بالإيمان الغائب ولما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم علم أن ~~إيمانهم وإيمان من في الأرض # PageV04P1531 # وكل من غاب عن ذلك المقام سواء في إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال ~~لا غير وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا وأنه منزه عن صفات الأجرام فلو كان ~~المجسم بزعمك جسما حقيقة لما رضي لنفسه ولمن يخاطبه بمثل هذا الكلام الذي ~~هو من أقبح الكلام وأبطله ولشح على زمانه وأوراقه أن يضيعه بمثله ولمنعه ~~وقار القرآن وعظمته في صدره أن يفسره بمثل هذا الكلام الذي هو كما قيل مثل ~~حجارة الكنيف ترجع وتنجس فقد صرح قائله بأن إيمان محمد بن عبد الله ~~وإبراهيم الخليل وموسى الكليم وجميع الأنبياء والمرسلين إنما هو عن نظر ~~واستدلال وهم بسعادتهم قد سدوا جميع طرق الإيمان والمعرفة إلا طريق الجواهر ~~والأعراض والاجتماع والافتراق وإبطال حوادث لا أول لها وزعموا أن من لم ~~يعرف ربه من تلك الطريق مات ولم يعرف له ربا ولم يقر بأن له إلها وخالقا ~~وزادوا في الافتراء والكذب والبهت فزعموا أن إيمان جبريل ms600 وميكائيل ~~والملائكة المقربين وجميع المرسلين مبني على هذه الطريقة وأن إيمانهم كلهم ~~سواء وأنهم لا طريق لهم إلى معرفته إلا هذا النظر والاستدلال الذي وضعه لهم ~~شيوخ الجهمية ومبتدعة المتكلمين وضلال أهل الاعتزال فها هنا يسجد المجسم ~~بزعمكم شكرا لله إذ عافاه الله من مثل هذا البلاء العظيم وهذا القول أقل ~~وأحقر من أن يتكلف للوجوه التي تدل على بطلانه بأكثر من حكايته ومن هذا # PageV04P1532 # معارضة غيره لنصوص الاستواء والعلو بقوله لا تفضلوني على يونس بن متى قال ~~قائل هذا دليل على أن الله ليس فوق العالم ولا مستويا على العرش قال لأن ~~يونس نزل إلى قرار البحر ومحمد رفع إلى فوق السموات فكانا في القرب من الله ~~على حد سواء لا يفضل أحدهما على الآخر في القرب منه سبحانه فلو أن المجسم ~~نزل إلى الأرض السابعة لم يرض لنفسه ولمعرفته ولفهمه عن نبيه بمثل هذا ومن ~~هذا معارضة نصوص الاستواء والعلو بقوله {ليس كمثله شيء} [الشورى11] فلبسوا ~~على الجهال بإيهامهم أن من أثبت كونه سبحانه فوق سمواته على عرشه فقد جعل ~~له مثلا ومن هذا معارضة بعضهم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تكلم فيها ~~النبي بأين الله وسمع السؤال بأين الله واقر السائل عليه ولم ينكره كما ~~كفره هؤلاء فعارضوها كلها بحديث مكذوب موضوع في إسناده من لا يدري من أي ~~الدواب هو كشيخه الذي لا ذكر له في شيء من كتب الحديث ولعل بعض الوضاعين ~~نسبه إلى هذا الشيخ والحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P1533 # قال وقد سئل أين الله فقال " لا يقال أين لمن أين الأين" فعارض هذا ~~الأحاديث الصحيحة المستفيضة التي نطق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالأين وأقر على إطلاقها بهذا الحديث الوثيل الذي يستحي من التكلم به آحاد ~~الناس فضلا عن سيد ولد آدم وأقبح من هذا معارضة الأحاديث المتواترة التي ~~تزيد على مائتي طريق وأصلها نحو الثلاثين في رؤية الرب تعالى في الآخرة ~~بقوله تعالى {لا تدركه الأبصار} [الأنعام103] فيا ms601 للعقول نحن إنما تلقينا ~~هذه الأحاديث عمن أنزلت عليه الآية فهو الذي جاء بهذا وهذا فكيف يستجيز ~~مسلم أن يعارض كلامه بما فهمه من ظاهر القرآن فهما فاسدا ولو فهمه كما ~~ينبغي لعلم أن القرآن موافق للسنة لا مناقض لها كما تقدم تقريره. # فصل # الدرجة الثانية من المعارضة معارضة النص بالرأي وهذه المعارضة في الأصل ~~هي من فعل المشركين أعداء الرسل وتلقاها ورثتهم من بعدهم كما تقدم بيانه. # PageV04P1534 # الدرجة الثالثة المعارضة بالتقليد واتباع الآباء والمشائخ والمعظمين في ~~النفوس وإذا تأملت الغالب على بني آدم وجدته من هذا النوع واعلم أنه لا ~~يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يبرأ من هذه الممانعة والمعارضة فحينئذ ~~يدخل في دائرة الإسلام ولا يمكن تحكيم الرسول وانتفاء الحرج ووقوع التسليم ~~حتى تنتفي هذه الممانعة والمعارضة من كل وجه وبالله التوفيق يوضحه. # الوجه الأربعون بعد المائتين: وهو أنه مع التصديق الجازم يمتنع وقوع ~~المعارضة والممانعة وحيث وجد ذلك فهو ملزوم لانتفاء التصديق ووجود الملزوم ~~بدون لازمه محال فها هنا أمران تصديق جازم يلزمه انتفاء المنع والمعارضة ~~ومنع ومعارضة يلزمه انتفاء التصديق الجازم فيستدل بوجود الملزوم منهما على ~~وجود لازمة وبانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه وهذا أمر قطعي لكنه موقوف ~~على صحة اللزوم فنقول متى حصل الإقرار بأن المتكلم عالم بما أخبر به صادق ~~في خبره يستحيل عليه الجهل والكذب عمدا أو خطأ امتنع والحالة هذه أن يقوم ~~بقلب من اعتقد ذلك منع لخبره أو معارضة له. # ووجوه المنع والمعارضة وهذا الإقرار والتصديق لا يجتمعان وإذا ثبت اللزوم ~~المذكور لزم من وجود الملزوم وجود لازمه ومن انتفاء اللازم انتفاء ملزومه ~~والعجب أن # PageV04P1535 # هؤلاء من شدة تمسكهم بالعقليات واعتنائهم بها حين عارضوا بينها وبين ~~الوحي يجمعون بين النقيضين ويثبتون الشيء وينفون لازمه وينفون اللازم ~~ويثبتون ملزومه وذلك مخالفة لصريح العقل فإنهم يدعون الإيمان بما جاء به ~~الرسول وينفون لازمه وإذا نفوا اللازم انتفى الملزوم ولكن من حكمة أحكم ~~الحاكمين أن يسلب هؤلاء خاصة عقولهم وحال بينهم وبينها وكشف ms602 لأهل العقل ~~والسمع أنهم من أبعد الناس عن العقل والسمع وهذا كما ظهر لأتباع الرسل في ~~الدنيا فإنه سيظهر لأولئك حين يقول المعارضون للرسل بعقولهم {وقالوا لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك10] # الوجه الحادي والأربعون بعد المائتين: إن الله سبحانه أنزل على عبده ~~ورسوله في أفضل الأيام وأفضل الشهور وأفضل الأماكن ومعه أفضل الخلق {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا} [المائدة3] ~~وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث # PageV04P1536 # طارق بن شهاب قال جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير ~~المؤمنين آية تقرأونها في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت فعلم اليوم ~~الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدا فقال عمر أية آية هي قال {اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا} [المائدة3] فقال عمر إني ~~لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه أنزلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عشية الجمعة ونحن معه بعرفة وفي مسند علي للحافظ مطين حدثنا ~~يحيى الحماني حدثنا قيس عن إسماعيل بن سليمان عن أبي عمر البزار عن ابن ~~الحنفية عن علي قال نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~واقف عشية عرفة {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الأسلام دينا} . # PageV04P1537 # وقال عبد بن حميد أخبرنا يزيد بن هارون ثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي ~~عمار قال قرأ ابن عباس {اليوم أكملت لكم دينكم} وعنده يهودي فقال لو نزلت ~~هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا فقال ابن عباس نزلت في يوم عيدين يوم ~~جمعة ويوم عرفة. # وقال وحدثنا أبو نعيم عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال نزلت على النبي وهو ~~بعرفة. # قال كما نقل عنه إني سلمت أن الباري إلهي وإله الخلق عالم قادر ولا يسأل ~~عن قدرته ومشيئته وإذا أراد شيئا قال له {كن فيكون} وهو حكيم إلا أنه يتوجه ~~على مساق حكمته أسئلة ms603 سبعة # أولها قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل فلم خلقني أولا وما الحكمة ~~في خلقه إياي # PageV04P1538 # الثاني إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلفني بمعرفته وطاعته وما ~~الحكمة في التكليف بعد ألا ينتفع بطاعته ولا يتضرر بمعصيته # الثالث إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت فلم ~~كلفني بطاعة آدم والسجود له وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن ~~لا يزيد ذلك في طاعتي ومعرفتي # والرابع إذ خلقني وكلفني على الإطلاق وكلفني هذا التكليف على الخصوص فإذا ~~لم أسجد لعنني وأخرجني من الجنة ما الحكمة في ذلك بعد إذ لم أرتكب قبيحا ~~إلا قولي لا أسجد إلا لك # الخامس إذ خلقني وكلفني مطلقا وخصوصا ولم أطع فلعنني وطردني فلم طرقني ~~إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا وغررته بوسوستي فأكل من الشجرة المنهي عنها ~~وأخرجه من الجنة معي وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة ~~استراح مني آدم وبقي خالدا في الجنة. # والسادس إذ خلقني وكلفني عموما وخصوصا # PageV04P1539 # ولعنني ثم طرقني إلى الجنة وكانت الخصومة بيني وبين آدم فلم سلطني على ~~أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم ~~وقوتهم وقدرتهم واستطاعتهم وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة ~~دون من يجتالهم عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى وأليق بالحكمة. # والسابع سلمت هذا كله خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا وحيث لم أطع لعنني ~~وطردني ومكنني من دخول الجنة وطرقني وإذ عملت عملي أخرجني ثم سلطني على بني ~~آدم فلم إذ استمهلته أمهلني فقلت {فأنظرني إلى يوم يبعثون} [ص79] فقال ~~{فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} [ص81 , 80] وما الحكمة في ذلك ~~بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم أليس ~~بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر قال فهذه حجتي على ما ~~ادعيته في كل مسألة. # PageV04P1540 # قال شارح الإنجيل فأوحى الله إلى الملائكة ms604 قولوا له فإنك في مسألتك ~~الأولى أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت أني رب العالمين ~~ما احتكمت علي بلم فأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق ~~مسؤولون قال هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته ~~وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهة ~~وقعت لبني آدم فإنما وقعت من إضلال الشيطان ووساوسه ونشأت من شبهاته وإذا ~~كانت الشبهات محصورة في سبع عادت كبار البدع والضلال إلى سبع ولا يجوز أن ~~تعدو شبهات فرق أهل الزيغ والكفر هذه الشبهات وإن اختلفت العبارات وتباينت ~~الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذر وترجع جملتها إلى إنكار ~~الأمر بعد الاعتراف بالحق وإلى الجنوح إلى الهوى والرأي في مقابلة النص ~~والذين جادلوا نوحا وهودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا # PageV04P1541 # وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم كلهم نسجوا على منوال اللعين ~~الأول في إظهار شبهاته. # وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب التكاليف والشرائع ~~بأسرهم إذ لا فرق بين قولهم {أبشر يهدوننا} [التغابن6] وبين قوله {أأسجد ~~لمن خلقت طينا} [الإسراء61] وعن هذا صار مفصل الخلاف ومحز الإشكال ~~والافتراق كما هو في قوله {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن ~~قالوا أبعث الله بشرا رسولا} [الإسراء94] فبين أن المانع من الإيمان هو هذا ~~المعنى كما قال للمتقدم الأول {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه} ~~[الأعراف12] . # PageV04P1542 # وقال المتأخر من ذريته كما قال المتقدم {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ~~ولا يكاد يبين} [الزخرف52] وكذلك لو تعقبنا أحوال المتقدمين منهم وجدناها ~~مطابقة لأقوال المتأخرين {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} [البقرة118] ~~{فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} [يونس74] فاللعين الأول لما حكم ~~العقل على من لا يحكم عليه العقل أجرى حكم الخالق في الخلق وحكم الخلق في ~~الخالق والأول غلو والثاني تقصير فثار من ms605 الشبهة الأولى مذاهب الحلولية ~~والتناسخية والمشبهة # PageV04P1543 # والغلاة من الرافضة حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بأوصاف ~~الإله وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية والمجسمة حيث قصروا ~~من وصفه تعالى بصفات المخلوقين والمعتزلة مشبهة الأفعال والمشبهة مشبهة ~~الصفات وكل منهما أعور فإن من قال يحسن منه ما يحسن منا ويقبح منه ما يقبح ~~منا فقد شبه الخالق بالخلق ومن قال يوصف الباري بما يوصف به الخلق أو يوصف ~~الخلق بما يوصف به الخالق فقد اعتزل عن الحق وسنخ القدرية طلب العلة في كل ~~شيء وذلك من سنخ اللعين الأول إذ طلب العلة في الخلق أولا والحكمة في ~~التكليف ثانيا والفائدة في تكليف السجود لآدم ثالثا ثم ذكر الخوارج ~~والمعتزلة # PageV04P1544 # والروافض وقال رأيت بدء شبهاتهم كلها نشأت من شبهات اللعين الأول وتلك في ~~الأول مصدرها وهذه في الآخر مظهرها وإليه أشار التنزيل بقوله {ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} [البقرة68] وقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~"لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ~~ضب لدخلتموه" فهذه القصة والمناظرة هي من نقل أهل الكتاب ونحن لا نصدقها ~~ولا نكذبها وكأنها والله أعلم مناظرة وضعت على لسان إبليس وعلى كل حال فلا ~~بد من الجواب عنها سواء صدرت منه أو قيلت على لسانه فلا ريب أنها من كيده ~~وقد أخبر الله سبحانه {إن كيد الشيطان كان ضعيفا} [النساء76] فهذه الأسئلة ~~والشبهات من أضعف الأسئلة عند أهل العلم والإيمان وإن صعب موقعها عند من ~~أصل أصولا فاسدة # PageV04P1545 # فاسدة كانت سدا بينه وبين ردها وأما من لم يؤصل غير كتاب الله وسنة رسوله ~~فهذه الأسئلة عنده من جنس أسئلة تلامذته وأصحابه التي يوردونها على الرسل ~~وما جاؤا به وهي أسئلة فاسدة مبنية على أصول فاسدة وقد افترقت طرق الناس في ~~الأجوبة عنها أشد افتراق وسلكوا في إبطالها كل طريق يخطر بالبال ونحن نذكر ~~طرقهم. # فقال المنجمون وزنادقة الطبيعيين والفلاسفة: لا حقيقة لآدم ولا لإبليس ms606 ~~ولا لشيء من ذلك بل لم يزل الوجود هكذا ولا يزال نسلا بعد نسل وأمة بعد أمة ~~وإنما ذلك أمثال مضروبة لانفعال القوى النفسانية الصالحة لهذا البشر وهذه ~~القوى هي المسماة في الشرائع بالملائكة واستعصاء القوى الغضبية والشهوانية ~~عليه هي المسماة بالشياطين فعبر عن خضوع القوى الفاضلة بالسجود وعبر عن ~~إباء القوى الشريرة الفاسدة بالإباء والاستكبار وترك السجود قالوا والحكمة ~~الإلهية اقتضت تركيب الإنسان على هذا الوجه وإسكان هذه القوى فيه وانقياد ~~بعضها له وإباء بعضها فهذا شأن الإنسان ولو كان على غير هذا التركيب لم يكن ~~إنسانا قالوا وبهذا تندفع الأسئلة كلها ويظهر بطلانها وأنها بمنزلة أن يقال ~~لم أحوج الإنسان # PageV04P1546 # إلى الأكل والشرب واللباس ولما أحوجه إليه فلم جعله يبول ويتغوط ويتمخط ~~ولم جعله يمرض ويهرم ويموت فإن هذه الأمور من لوازم النشأة الإنسانية التي ~~لو قدر ارتفاعها لارتفعت هذه النشأة فهذه الطائفة رفعت القواعد من أصلها ~~وأبطلت آدم وإبليس والملائكة وردت الأمر إلى مجرد قوى نفسانية وأمور ~~معنوية. # وقالت الجبرية ومنكرو الحكم والتعليل: هذه الأسئلة إنما ترد على من يفعل ~~لعلة أو لغرض أو لغاية فأما من لا علة لفعله ولا غاية ولا غرض بل يفعل ما ~~يفعله بلا سبب ولا غاية وإنما مصدر مفعولاته محض مشيئة وغايتها مطابقتها ~~لعلمه وإرادته فجاء فعله على وفق إرادته وعلمه وعلى هذا فهذه الأسئلة فاسدة ~~كلها إذ مبناها على أصل واحد وهو تعليل أفعال من لا تعلل أفعاله ولا يوصف ~~بحسن ولا قبح عقليين بل الحسن ما فعله وما فعله فكله حسن لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون قالوا والقبح والظلم هو تصرف الإنسان في ملك غيره بغير إذنه ~~فأما تصرف المالك الحق في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجر أو أمر آمر أو ~~نهي ناه فإنه لا يكون ظلما ولا قبيحا فرفع هؤلاء الأسئلة من أصلها وسدوا ~~على أنفسهم طريق استماعها والجواب عنها والتزموا لوازم هذا الأصل من إبطال ~~الحكم والتعليل والأسباب والتحسين والتقبيح # PageV04P1547 # والتقبيح ووجوب شكر ms607 المنعم عقلا ومنعت لأجله أن يجب على الله شيء أو يحرم ~~عليه شيء أو يقبح منه ممكن بل كل ممكن فهو جائز عليه لا يقبح منه. # وقالت القدرية: هذا لا يرد على أصولنا وإنما يرد على أصول الجبرية ~~القائلين بأن الله خالق أفعال العباد طاعاتهم ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم ~~وأنه قدر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له فخلق أهل الكفر ~~للكفر وأهل الفسوق للفسوق وقدر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم فهذه ~~الأسئلة واردة عليهم. # وأما نحن فعندنا أن الله سبحانه عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم عليه ~~ومكنهم منه ورضيه لهم وأحبه ولكن هم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان وآثروه ~~على الإيمان والطاعة والله سبحانه لم يكرههم على ذلك ولم يلجئهم إليه ولا ~~شاءه منهم ولا كتبه عليهم ولا قدره ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم ولكنها ~~أعمال هم لها عاملون وشرورهم لها فاعلون فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته ~~ولم يخلقه لمعصيته والكفر به وصرح قدماء هذه الفرقة بأنه سبحانه لم يكن ~~يعلم من إبليس حين خلقه أن يصدر منه ما صدر ولو علم ذلك لم يخلقه وأبى ~~متأخروهم ذلك وقالوا بل كان سبحانه عالما به وبشأنه وخلقه امتحانا لعباده ~~ليظهر المطيع له من العاصي والمؤمن من الكافر وليثيب عباده على معاداته ~~ومحاربته # PageV04P1548 # ومعصيته أفضل الثواب قالوا هذه الحكمة اقتضت بقاءه حتى تنقضي الدنيا ~~وأهلها قالوا وأمره بالسجود ليطيع فيثيبه ويقر به ويكرمه فاختار لنفسه ~~المعصية والكفر من غير إكراه للرب تعالى ولا ألجأه إلى ذلك ولا حال بينه ~~وبين السجود ولا منعه ولا سلطه على آدم وذريته قهرا وإكراها لهم وقد اعترف ~~عدو الله بذلك حيث يقول {وما كان لي عليكم من سلطان} [إبراهيم22] وقال ~~تعالى {وما كان له عليهم من سلطان} [سبأ21] قالوا فاندفعت تلك الأسئلة ~~وبطلت وظهر أنها ترد على أصول الجبرية لا على أصولنا. # وقالت الفرقة الناجية حزب الرسول وأنصاره وبنك الإسلام وعصابة الإيمان ~~الذين لم يتحيزوا إلى فئة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ms608 ولم يذهبوا إلى ~~مقالة غير ما دلت عليه سنته ولم ينتسبوا إلى غيره بوجه من الوجوه كيف يطمع ~~في الرد على عدو الله وإبطال قوله من قد شاركه في أصله أو في بعض شعبه فإن ~~عدو الله أصل معارضة النص بالرأي فترتب على تأصيله هذه الأسئلة وأمثالها ~~فمن عارض العقل بالنقل في أمر من الأمور # PageV04P1549 # فهو شريكه من هذا الوجه فلا يتمكن من الرد التام عليه ولهذا لما شاركه ~~زنادقة الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين في هذا الأصل أنكروا وجوده ووجود ~~آدم والملائكة فضلا عن قصة أمره بالسجود وإبائه وما ترتب عليها. # ولما أنكرت الجبرية الحكمة والتعليل والأسباب وأبطلت هذا الأصل بعقولها ~~وآرائها عجزوا عن جواب أسئلته وسدوا على نفوسهم باب استماعها والجواب عنها ~~وفتحوا باب مكابرة العقول الصريحة وإنكار تحسين العقل وتقبيحه وإنكار ~~الأسباب والقوى والطبائع والحكم والغايات المحمودة التي لأجلها يفعل الرب ~~ما يفعله ويأمر بما يأمر به وجوزوا عليه أن يفعل كل شيء وأن يأمر بجميع ما ~~نهى عنه وينهى عن كل ما أمر به ولا فرق عنده البتة بين المأمور والمحظور ~~والكل سواء في نفس الأمر ولكن هذا صار حسنا بأمره لا أنه في نفسه وذاته حسن ~~وهذا صار قبيحا بنهيه لا أنه في نفسه وذاته قبيح. # ولما أصلت القدرية إنكار عموم قدرة الله سبحانه ومشيئته لجميع الكائنات ~~وأخرجت أفعال عباده خيرها وشرها عن قدرته ومشيئته وخلقه وأثبتت لله سبحانه ~~شريعة بعقولهم حكمة عليه بها واستحسنت منه ما استحسنته من أنفسها واستقبحت ~~منه ما استقبحته من نفوسها # PageV04P1550 # وعارضت بين الأدلة السمعية الدالة على خلاف ما أصلوه وبين العقل ثم راموا ~~الرد على عدو الله فعجزوا عن الرد التام عليه وأجابت كل فرقة من هذه الفرق ~~من الرد عليه بحسب ما وافقت فيه السمع والعقل. # وإنما يتمكن من الرد عليه كل الرد من تلقى أصوله عن مشكاة الوحي ونور ~~النبوة ولم يؤصل أصلا برأيه وعقله وآراء الرجال وعقولهم ولم يخرج من مشكاة ~~الوحي ولم يظهر من معدنه بل تلقى ms609 أصوله كلها عن قول من لا ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى. # فأول ذلك أنه علم أن هذه الأسئلة ليست من كلام الله الذي أنزله على موسى ~~وعيسى مخبرا بها عن عدوه كما أخبر عنه في القرآن بكثير من أقواله وأفعاله ~~وإدخال بعض أهل الكتاب لها في تفسير التوراة والإنجيل هو كما تجد في ~~المسلمين وما بالعهد من قدم من يدخل في تفسير القرآن كثيرا من الأحاديث ~~والأخبار التي لا أصل لها والقصص المعلوم كذبها وإذا كان هذا في هذه الأمة ~~التي هي أكمل الأمم علوما ومعارف وعقولا فما الظن بأهل الكتاب # فصل # الوجه الثاني: أن نقول لعدو الله قد ناقضت في أسئلتك ما اعترفت به وسلمته ~~غاية المناقضة وجعلت ما أسلفته من التسليم # PageV04P1551 # والاعتراف مبطلا لجميع أسئلتك متضمنا للجواب عنها قبل ذكرها وذلك أنك قلت ~~{رب بما أغويتني} [الحجر39] وقلت {خلقتني من نار وخلقته من طين} ~~[الأعراف12] وقلت {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} ~~[ص82 , 83] فاعترفت بأنه ربك وخالقك ومالكك وأنك مخلوق له مربوب تحت أوامره ~~ونواهيه إنما شأنك أن تتصرف في نفسك تصرف العبد المأمور المنهي المستعد ~~لأوامر سيده ونواهيه وهذه هي الغاية التي خلقت لها وهي غاية الخلق وكمال ~~سعادتهم وصلاحهم وهذا الاعتراف منك بربوبيته وقدرته وعزته يتضمن إقرارك ~~بكمال علمه وحكمته وغناه وأنه في كل ما أمر به عليم حكيم لم يأمر عبده ~~لحاجة منه إلى أمره به ولم ينهه بخلا عليه بما نهاه عنه بل أمره رحمة منه ~~به وإحسانا إليه بما فيه صلاحه في معاشه ومعاده وما لا صلاح له إلا به ~~ونهاه عما في ارتكابه فساده في معاشه ومعاده فكانت نعمته عليه بأمره ونهيه ~~أعظم من نعمته عليه بمأكله ومشربه ولباسه وصحة بدنه بما لا نسبة بينهما كما ~~قال سبحانه في آخر قصتك مع الأبوين {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري سوآتكم وريشا ولباس # PageV04P1552 # التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} [الأعراف26] فأخبر سبحانه ~~أن ms610 لباس التقوى وزينتها خير من المال والرياش والجمال الظاهر فالله سبحانه ~~خلق عباده وجمل ظواهرهم بأحسن تقويم وجمل بواطنهم بهدايتهم إلى الصراط ~~المستقيم. # ولهذا كانت صورتك قبل معصية ربك وإيثارك معاداته على طاعته وموالاته من ~~أحسن الصور وأنت مع الملائكة الأكرمين فلما وقع ما وقع جعل قبح صورتك ~~وبشاعة منظرك مثلا يضرب لكل قبيح كما قال تعالى {طلعها كأنه رؤوس الشياطين} ~~[الصافات65] فهذه أول فقرة تعجلتها من معصيته ولا ريب أنك تعلم أنه أحكم ~~الحاكمين وأعلم العالمين وأغنى الأغنياء وأرحم الراحمين وأنه لم يأمر ~~العباد إلا بما فعله خير لهم وأصلح وأنفع وأحسن تأويلا وأعظم عائدة من تركه ~~كما أنه لم يرزقهم إلا ما تناوله أنفع لهم من تركه فأمره لهم بما أمرهم به ~~كرزقه لهم ما رزقهم إياه فالسعداء استعملوا أمره وشرعه لحفظ صحة قلوبهم ~~وكمالها وصلاحها بمنزلة استعمالهم رزقه لحفظ صحة أجسامهم وصلاحها وتيقنوا ~~أنه كما لا بقاء للبدن ولا صحة ولا صلاح إلا بتناول غذائه الذي جعل له ~~فلذلك لا صلاح للقلب والروح ولا فلاح ولا نعيم إلا بتناول غذائه الذي جعل ~~له هذا وإن ألقيت إلى طائفة من الناس أنه لا مصلحة # PageV04P1553 # للمكلفين فيما أمروا به ونهوا عنه ولا منفعة لهم فيه ولا خير ولا فرق في ~~نفس الأمر بين فعل هذا وترك هذا ولكن أمروا ونهوا لمجرد الامتحان والاختبار ~~ولا فرق في نفس الأمر بين ما أمروا به ونهوا عنه فلم يؤمروا بحسن ولم ينهوا ~~عن قبيح بل ليس في نفس الأمر لا حسن ولا قبيح. # ومن عجيب أمرك وأمرهم أنك أوحيت إليهم هذا فردوا به عليك وجعلوه عصمتهم ~~في جواب أسئلتك فدفعوها كلها وقالوا إنما تتوجه هذه الأسئلة في حق من يفعل ~~لغرض أو لعلة وأما من فعله بريئا من العلل والأغراض فلا يتوجه عليه سؤال ~~واحد من هذه الأسئلة فإن كانت هذه القاعدة حقا فقد اندفعت أسئلتك كلها وإن ~~كانت باطلا والحق في خلافها فقد بطلت أسئلتك أيضا لما تقدم فقد بطلت أسئلتك ms611 ~~على التقديرين يوضحه. # الوجه الثالث: أن نقول لعدو الله إما أن تسلم حكمة الله في خلقه وأمره ~~وإما أن تجحدها وتنكرها فإن سلمتها وأنه سبحانه حكيم في خلقك حكيم في أمرك ~~بالسجود بطلت الأسئلة وكنت معترفا بأنك أوردتها على من تميز حكمته العقول ~~ولم تجعل أحدا من خلقه شريكا له في ما فعل بحكمته فإنه لا يشرك في حكمه ~~أحدا كما لم يشركهم في علمه # PageV04P1554 # وقدرته وملكه وربوبيته وحينئذ فتسليمك هذه الحكمة التي لا سبيل للمخلوقين ~~لمشاركة الخالق فيها البتة قد عادت على أسئلتك الفاسدة بالنقض والإبطال. # وإن رجعت عن الإقرار له سبحانه بالحكمة وقلت إنه لا يفعل لحكمة البتة بل ~~لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فما وجه إيراد هذه الأسئلة على من لم يفعل ~~بحكمة ولا يسأل عما يفعل فقد أوردت الأسئلة على من لا يسأل عما يفعل وطعنت ~~في حكمة من كل أفعاله حكمة ومصلحة وعدل وخير بمعقولك الفاسد وعقلك الصغير ~~الذي آثرت به داعي الكبر والكفر على داعي العبودية والإيمان يوضحه. # الوجه الرابع: وهو أنك قد كشفت للخلائق عن محصول علمك ومعرفتك وقدر عقلك ~~الذي صرت به ضحكة لهم وسخرية على ألسنتهم فإنك انتصرت لنفسك ورياستك ودلك ~~عقلك على أن عزك في معصيتك ورياستك في إبائك من السجود وكان هذا أعظم أسباب ~~ذلك وخيبتك ويأسك من روح الله وبعدك من رحمته وطردك من جنته ومبائتك بلغنته ~~فأضعت عزك وأخملت شرفك ووضعت قدرك من حيث زعمت أنك تحفظه فكنت كآكل السم ~~الذي فيه تلفه ليحفظ به قوته وصحته ثم رضيت لنفسك أن صرت خادما وقوادا لكل ~~فاسق وفاجر وخبيث فمن هذا قدر # PageV04P1555 # عقله ونهاية معرفته وعلمه ألا يستحي من إيراد هذه الأسئلة اللائقة به على ~~من ملأت حكمته الوجود وبهرت العقول حتى صارت للبصائر أظهر من نور الشمس ~~للأبصار يوضحه # الوجه الخامس: إن غاية معقولك وحاصل عقلك هو القياس الذي عارضت به النص ~~وقدمته عليه وقد بان فساده للعقلاء من أكثر من ثلاثين وجها قد تقدم ذكرها ms612 ~~فلا حاجة إلى إعادتها فإذا كان هذا شأن أقوى أسئلتك التي أوردتها على ربك ~~وسائر أسئلتك مبنية عليه ومردودة إليه فما الظن بفروع هذا أصلها فمن نادى ~~على مقدار عقله ومحصول معرفته على رؤوس الملأ من الملائكة بقوله {أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف12] واستجاز معارضة الأمر ~~المتضمن لغاية الحكمة والمصلحة بهذا الرأي الفاسد والسفه البارد كيف يتوجه ~~له سؤال على الحكيم العليم. # الوجه السادس: أن هذه الأسئلة يرجع حاصلها كلها إلى القدح والطعن في علم ~~الرب سبحانه أو حكمته أو قدرته أو اثنين منها أو كلها إذ حاصلها أنه سبحانه ~~إما أن يكون عالما بما يحصل مني وما يكون من أمري أو لا يكون عالما فإن لم ~~يكن عالما لزم القدح في علمه وإن كان عالما فإما أن يكون قادرا على # PageV04P1556 # منعي من هذا الفساد والضرر الواقع ببني آدم مني أو لا يكون قادرا فإن لم ~~يكن قادرا لزم القدح في قدرته وإن كان قادرا ولم يمنعني بل مكنني وأبقاني ~~وسلطني لزم القدح في حكمته فهذا غاية ما عند تلامذة عدو الله وأصحابه وهو ~~الذي أوحاه إليهم وألقاه على ألسنتهم وجعله دائرا بينهم وحينئذ فيقال له ~~هذا إنكار منك لما علم بالضرورة التي هي فوق كل ضرورة من وجود رب العالمين ~~وإله من في السماء والأرض الذي هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم ~~الحاكمين فإنكار علمه وحكمته وقدرته جحود وإنكار له ونفي أن يكون لك أو ~~للعالمين رب عليم مدبر حكيم فإن الجاهل العاجز السفيه لا يكون ربا ولا إلها ~~فلا تتم لك هذه الأسئلة إلا بقول أخيك وشقيقك فرعون {وما رب العالمين} ~~[الشعراء23] وقوله {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} [القصص38] فإن ~~عدو الله علم أنه إن اقر بوجود فاطر السموات والأرض وبصفاته وعلوه فوق ~~العالم وتكليمه لموسى # PageV04P1557 # أوجب عليه هذا الإقرار الانقياد والعبودية والإيمان بموسى فلم يجد بدا من ~~إنكار الرب وعدم الإقرار به وهكذا هذه ms613 الأسئلة لا تتوجه إلا مع إنكاره ~~سبحانه وجحوده وإلا فمع الإقرار بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه ~~أحكم الحاكمين فلا تتوجه البتة وهذا حقيقة الرب وحينئذ فنقول في # الوجه السابع: إن مثل هذا النمط من الاعتراضات والأسئلة فاسد عند جميع ~~أهل الأرض فإنه يتضمن اعتراض الجاهل على أحذق الناس بصناعة قد أحكم آلاتها ~~وأسبابها وقدرها على أكمل الوجوه وأحسنها وأوفقها لما يقصد منها فجاء رجل ~~جاهل لا مناسبة بينه وبين ذلك الحاذق بوجه ما فأخذ يعترض عليه في أجزاء تلك ~~الصناعة وآلاتها وأشكالها ومقاديرها ويقول هلا كان هذا أكبر مما هو أو أصغر ~~أو على شكل آخر أو كان كذا في موضع كذا أو عمل هذا في وقت كذا ونحو هذا مما ~~يسخر منه العقلاء ويعدون صاحبه في زمرة السفهاء مع أنه يمكن المعترض مشاركة ~~ذلك الأستاذ الحاذق في صناعته ومساواته فيها وتقدمه عليها فيها فإذا كان ~~اعتراضه عليه مدفوعا عند كل عاقل فما الظن بالاعتراض على من لا شريك له في ~~حكمته ولا شبيه له فيها والتفاوت # PageV04P1558 # الذي بينه وبين المعترض في حكمته كالتفاوت الذي بينه وبينه في العلم ~~والقدرة والغنى وسائر الصفات أفلا يستحي من يرى الاعتراض على مخلوق مثله قد ~~فاقه في صناعة وعلم قبيحا لا يجد عليه إلا تعريضه نفسه للذم ومبادلته عليها ~~بالجهل من إيراد مثل هذه الأسئلة على الحكيم العليم. # الوجه الثامن: أن يقال لعدو الله إيرادك هذه الأسئلة إما أن تكون على وجه ~~الظن في الرب تعالى وأنه فعل مالا ينبغي له فعله أو على وجه الاسترشاد وطلب ~~الهداية فإن كان على وجه الطعن والقدح فكيف تجامع اعترافك بربوبيته ومكله ~~وخلقه وإقرارك بعزته وحكمته ثم تقدح فيه وإن كان على وجه الاسترشاد وطلب ~~الحكمة فذلك فرع عن التسليم لأمره والإذعان لعبوديته والانقياد لحكمته فلا ~~يجتمع مع تصريحك بالعداوة والكفر والاستكبار عن طاعته فإن معصيتك له وقد ~~أمرك منه إليك بلا واسطة أعظم من استكبار من استكبر عن طاعته التي أمر ms614 بها ~~على ألسنة رسله فإذا آثرت الكفر والاستكبار والعداوة فكيف سألت مسائل ~~المسترشد المهتدي فالسؤال نوعان إما سؤال جاهل بالحكمة في طلب معرفتها وإما ~~سؤال قادح في الحكمة بما يبطلها وينقضها وحينئذ فنقول في # PageV04P1559 # الوجه التاسع: لا تتوجه هذه الأسئلة على واحدة من الطريقتين إما على ~~الطريقة الأولى فلأن الاستعداد والقبول لمعرفة تفاصيل الحكمة يكون شرطا في ~~قبول الأسئلة والجواب عنها والقوى البشرية ليست مستعدة للعلم بتفاصيل حكمة ~~الله في خلقه وأمره وحينئذ فيكون بيان تفاصيل الحكم عبثا ضائعا وهو مناف ~~للحكمة وإما على الطريقة الثانية فلأن أسئلته تتضمن قدح العبد في الرب ~~والمخلوق في الخالق والجاهل في العالم والسفيه في الحكيم فهي من أبطل ~~الأسئلة ولا يحتاج في بيان بطلانها إلى أكثر من ذلك يوضحه. # الوجه العاشر: إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم ~~وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ولهذا لم يحك ~~الله سبحانه عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل ~~الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها ولو فعلت ذلك لما كانت ~~مؤمنة بنبيها بل انقادت وسلمت وأذعنت وما عرفت من الحكمة عرفته وما خفي ~~عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته ولا جعلت طلبه ~~من شأنها وكان رسولها أعظم في صدورها من سؤالها عن # PageV04P1560 # ذلك كما في الإنجيل يا بني إسرائيل لا تقولوا لم أمر ربنا ولكن قولوا بم ~~أمر ربنا ولهذا كانت هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما لا ~~تسأل نبيها لم أمر الله بذلك ولم نهى عن كذا ولم قدر كذا ولم فعل كذا ~~لعلمهم أ , ذلك مضاد للإيمان والاستسلام وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على ~~درجة التسليم وذلك يوجب تعظيم الرب تعالى وأمره ونهيه فلا يتم الإيمان إلا ~~بتعظيمه ولا يتم تعظيمه إلا بتعظيم أمره ونهيه فعلى قدر تعظيم العبد لله ~~سبحانه يكون تعظيمه لأمره ونهيه وتعظيم الأمر دليل على تعظيم الآمر وأول ~~مراتب ms615 تعظيم الأمر التصديق به ثم العزم الجازم على امتثاله ثم المسارعة ~~إليه والمبادرة به رغم القواطع والموانع ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به ~~على أكمل الوجوه ثم فعله لكونه مأمورا به بحيث يتوقف الإنسان على معرفة ~~حكمته فإن ظهرت له فعله وإلا عطله فهذا من عدم عظمته في صدره بل يسلم لأمر ~~الله وحكمته ممتثلا ما أمر به سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر فإن ورد الشرع ~~بذكر حكمة الأمر أو فقهها العقل كانت زيادة في البصيرة والداعية في ~~الامتثال وإن لم تظهر له حكمته لم يوهن ذلك انقياده ولم يقدح في امتثاله ~~فالمعظم لأمر الله يجري الأوامر والنواهي على ما # PageV04P1561 # جاءت لا يعللها بعلل توهنها وتخدش في وجه حسنها فضلا عن أن يعارضها بعلل ~~تقتضي خلافها فهذا حال ورثة إبليس والتسليم والانقياد والقبول حال ورثة ~~الأنبياء. # الوجه الحادي عشر: إن المعترضين على الرب سبحانه قسمان قسم اعترضوا عليه ~~في أمره ونهيه وقسم اعترضوا عليه في قضائه وقدره وربما اجتمع النوعان في حق ~~المعترض وقد ينفرد أحدهما وإبليس ممن جمع النعين فاعترض أولا عليه في أمره ~~له بالسجود لآدم وزعم أنه مخالف للحكمة وأن الحكمة إنما تقتضي خضوع المفضول ~~للفاضل لا ضد ذلك وزعم أنه أفضل وخير من آدم ثم اعترض بعد ذلك على القضاء ~~والقدر بهذه الأسولة فجمع بين الاعتراض على أمره وقدره وبث هذين النوعين في ~~أصحابه وتلامذته وأخرجها لهم في كل قالب وصورة يقبلونها فيها وآخر ذلك أوحى ~~إليهم أن يعترضوا على خيره عن نفسه وخبر رسله عنه بالعقل فعارض عدو الله ~~أمره بأنه خلاف الحكمة وقدره بأنه خلاف العدل وخبره بأنه خلاف العقل وسرت ~~هذه المعارضات الثلاث في أتباعه فهم خلفاؤه ونوابه فهم على قدر أنصابهم ~~منها ومعلوم أن هذه الأنواع الثلاثة مضادة له ومجاهرة بالعداوة ومن التلبيس ~~إخراج المعترض لها في صورة العلم والحب والمعرفة # PageV04P1562 # بألفاظ مزخرفة تغر السامع وتصغي إليها أفئدة أشباه الأنعام وتنفعل عنها ~~قلوبهم بالرضى بها وألسنتهم بالتكلم بها وجوارحهم ms616 بالعمل بمقتضاها. # الوجه الثاني عشر: إن أعداءه المشركين اعترضوا على أمره وشرعه بقضائه ~~وقدره فجعلهم سبحانه بذلك كاذبين جاهلين مشركين وهذه الأسولة الإبليسية ~~تتضمن الاعتراض على قضائه وقدره بحكمته وأن الحكمة تعارض ما قضاه وقدره كما ~~أن اعتراض المشركين يتضمن أن القضاء والقدر يعارض ما شرعه وأمر به وهذه ~~المعارضات كلها من مشكاة واحدة فإذا كان الاعتراض على دينه وشرعه بقضائه ~~وقدره باطلا فكذلك الاعتراض على قضائه وقدره بحكمته يوضحه. # الوجه الثالث عشر: إن الأمر والقدر تفصيل للحكمة ومظهرها فإنها خفية فلا ~~بد لظهورها من شرع يأمر به وقدر يقضيه ويكونه فتظهر حكمته سبحانه في هذا ~~وهذا فكيف يكون تفصيل الشيء وما يظهره مناقضا له منافيا بل يمتنع أن يكون ~~إلا مصدقا موافقا فإن التفصيل متى ناقض الأصل وضاده كان دليلا على بطلانه ~~يوضحه. # الوجه الرابع عشر: وهو أن الرب سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى وأسماؤه ~~متضمنة لصفات كماله وأفعاله ناشئة عن صفاته # PageV04P1563 # فإنه سبحانه لم يستفد كمالا بأفعاله بل له الكمال التام المطلق وفعاله عن ~~كماله والمخلوق كماله عن فعاله فإنه فعل فكمل بفعله وأسماؤه الحسنى تقتضي ~~آثارها وتستلزمها استلزام المقتضى الموجب لموجبه ومقتضاه فلا بد من ظهور ~~آثارها في الوجود فإن من أسمائه الخلاق المقتضي لوجود الخلق ومن أسمائه ~~الرزاق المقتضي لوجود الرزق والمرزوق وكذلك الغفار والتواب والحكيم والعفو ~~وكذلك الرحمن الرحيم وكذلك الحكم العدل إلى سائر الأسماء ومنها الحكيم ~~المستلزم لظهور حكمته في الوجود والوجود متضمن لخلقه وأمره {ألا له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف54] فخلقه وأمره صدرا عن حكمته ~~وعلمه وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره فمصدر الخلق والأمر عن هذين ~~المتضمنين لهاتين الصفتين ولهذا يقرن سبحانه بينهما عند ذكر إنزال كتابه ~~وعند ذكر ملكه وربوبيته إذ هما مصدر الخلق والأمر ولما كان سبحانه كاملا في ~~جميع أوصافه ومن أجلها حكمته كانت عامة التعلق بكل مقدور كما أن علمه عام ~~التعلق بكل معلوم ومشيئته عامة التعلق بكل موجود وسمعه وبصره عام التعلق ~~بكل مسموع ms617 ومرئي فهذا من لوازم صفاته فلا بد أن تكون حكمته عامة # PageV04P1564 # التعلق بكل ما خلقه وقدره وأمر به ونهى عنه وهذا أمر ذاتي للصفة يمتنع ~~تخلفه وانفكاكه عنها كما يمتنع تخلف الصفة نفسها وانفكاكها عنه وهذا وحده ~~برهان كاف شاف في إبطال تلك الأسولة كلها وأنه يكفي في إبطالها إثبات عموم ~~تعلق صفاته وذلك يستلزم إثبات الصفات وهي تستلزم إثبات الذات فإثبات ذات ~~الرب تعالى كاف في بطلان الأسولة الإبليسية. # نعم الجهمي المعطل وأصحابه يعجزون عن الجواب عنها على هذه الطريق وإن ~~أجابوا عنها على غيرها لم يشفوا عليلا ولم يرووا غليلا إذ هي أجوبة مبنية ~~على أصول باطلة والمبنية على الباطل لا تكون صحيحة من كل وجه وقد قدمنا ~~مجامع طرق الناس في الأجوبة وبان أن الأصول الفاسدة خذلتهم عن الجواب ~~الصحيح الشافي. # الوجه الخامس عشر: إن الله سبحانه وتعالى فطر عباده حتى الحيوان البهيم ~~على استحسان وضع الشيء في موضعه والإتيان به في وقته وحصوله على الوجه ~~المطلوب منه وعلى استقباح ضد ذلك وخلافه وأن الأول دال على كمال فاعله ~~وعلمه وقدرته وخبرته وضده دال على نقصه وعلى نقص علمه وقدرته وخبرته وهذه ~~فطرة لا يمكنهم الخروج عن موجبها ومعلوم أن الذي فطرهم على ذلك وجعله فيهم ~~أولى به منهم # PageV04P1565 # فهو سبحانه يضع الأشياء في مواضعها التي لا يليق بها سواها ويخصها من ~~الصفات والأشكال والهيئات والمقادير بما هو أعلم بها من غيره ويبرزها في ~~أوقاتها وأزمنتها المناسبة لها التي لا يليق بها سواها ومن له نظر صحيح ~~وفكر مستقيم وأعطى التأمل حقه شهد بذلك فيما رآه وعلمه واستدل بما شاهده ~~على ما خفي عنه فإن الكل صنع الحكيم العليم ويكفي في هذا ما يعلمه من حكمة ~~خلق الحيوان وأعضائه وصفاته وهيئاته ومنافعه واشتماله على الحكمة المطلوبة ~~منه أتم اشتمال وقد ندب سبحانه عباده إلى ذلك فقال {وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون} [الذاريات21] وقال {أفلا ينظرون إلى الأبل كيف خلقت} [الغاشية17] ~~إلى آخرها وكذلك جميع ما يشاهد من مخلوقاته ms618 عاليها وسافلها وما بين ذلك إذا ~~تأملها صحيح التأمل والنظر وجدها مؤسسة على غاية الحكمة مغشاة بالحكمة فقرأ ~~سطور الحكمة على صفحاتها وينادي عليها هذا صنع # PageV04P1566 # العليم الحكيم وتقدير العزيز العليم فإن وجدت العقول أوفق من هذا ~~فلتقترحه أو رأت أحسن منه فلتبده ولتوضحه ذلك صنع {الذي خلق سبع سماوات ~~طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع ~~البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} [الملك4 , 3] ومن نظر في ~~هذاالعالم وتأمل أمره حق التأمل علم قطعا أن خالقه أتقنه وأحكمه غاية ~~الإتقان والإحكام فإنه إذا تأمله وجده كالبيت المبني المعد فيه جميع عتاده ~~فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم منضودة كالمصابيح ~~والمنافع مخزونة كالذخائر كل شيء منها لأمر يصلح له والإنسان كالمالك ~~المخول فيه وضروب النبات مهيأة لمآربه وصنوف الحيوان مصرفة في مصالحه فمنها ~~ما هو للدر والنسل والغذاء فقط ومنها ما هو للركوب والحمولة فقط ومنها ما ~~هو للجمال والزينة ومنها ما يجمع ذلك كله كالإبل وجعل أجوافها خزائن لما هو ~~شراب وغذاء ودواء وشفاء ففيها عبرة للناظرين وآيات للمتوسمين وفي الطير ~~واختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها ومقاديرها ومنافعها وأصواتها صافات ~~وقابضات وغاديات ورائحات ومقيمات وظاعنات أعظم عبرة وأبين دلالة على حكمة ~~الخلاق العليم وكل ما أوجده الناس وأولوه بالا بالأفكار الطويلة # PageV04P1567 # والتجارب المتعددة من أصناف الآلات والمصانع وغيرها إذا فكر فيها المتفكر ~~وجدها مشتقة من الخلقة مستنبطة من الصنع الإلهي مثال ذلك القبان مستنبطة من ~~خلقة البعير كأنهم لما رأوه ينهض بحمله وينوء به يمد عنقه ويوازن حمله ~~برأسه استنبطوا القبان من ذلك وجعلوا طول حديدته في مقابلة طول العنق ~~ورمانة القبان في مقابلة رأس البعير فتم لهم ما استنبطوه وكذلك استنبطوا ~~بناء الأقباء من ظهره فإنهم وجدوه يحمل ما لا يحمله غيره فتأملوا ظهره فإذا ~~هو كالقبو فعلموا أن القبو يحمل ما لا يحمله السطح وكذلك ما استنبطه الحذاق ~~لمن كل بصره أن يديم النظر إلى إجانة مملوءة ms619 خضر ماء استنباطا من حكمة ~~الخلاق العليم في لون السماء فإن لونها أشد الألوان موافقة للبصر وتقويته ~~فجعل أديمها بهذا اللون # PageV04P1568 # لتمسك الأبصار ولا تنكأ فيها بطول مباشرتها لها ومن هذا استنبط الأطباء ~~لمن أصابه سوء في بصره إدمان النظر إلى الخضرة وإذا فكرت في طلوع الشمس ~~وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم فكم ~~في طلوعها من الحكم والمصالح وكيف كان حال الحيوان لو أمسكت عنهم وجعل ~~الليل عليهم سرمدا والدنيا مظلمة عليهم فبأي نور كانوا يتصرفون وينقلبون ~~وكيف كانت تنضج ثمارهم وتكمل أقواتهم وتعتدل صورهم وأبدانهم فالحكم في ~~طلوعها أعظم من أن تخفى أو تحصى ولكن تأمل الحكمة في غروبها فلولا غروبها ~~لم يكن للحيوان هدوء ولا قرار مع شدة حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانهم ~~وإجمام حواسهم وأيضا لو دامت على الأرض لاشتد حموها بدوام طلوعها عليها ~~فأحرق كل ما عليها من حيوان ونبات فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز ~~الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في وقت وتغيب في وقت بمنزلة سراج يرفع لأهل ~~الدار مليا ليقضوا مآربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدوا وصار ضياء ~~النهار وحرارته وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين ~~على # PageV04P1569 # ما فيه صلاح العالم وقوامه ومنافع أهله ثم اقتضت حكمته أن جعل للشمس ~~ارتفاعا وانحطاطا لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما فيها من قيام ~~الحيوان والنبات ففي زمن الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيها ~~مواد اثمار ويغلظ الهواء بسبب البرد فتصير مادة للسحاب فيرسل العزيز الحكيم ~~الريح المثيرة فيثيره فزعا ثم يرسل عليه الريح المؤلفة فتؤلف بينه حتى يصير ~~طبقا واحدا ثم يرسل عليه الريح اللاقحة التي فيها مادة الماء فيلقحه كما ~~يلقح الذكر الأنثى فيحمل الماء من وقته فإذا كان بروز الحمل وانفصاله أرسل ~~عليه الريح الذارية فتذروه وتفرقه في الهواء لئلا يقع صبة واحدة فيهلك ما ~~أصابه ويقل الانتفاع به فإذا سقى ما أمر بسقيه وفرغت حاجتهم منها أرسل عليه ~~الرياح ms620 السائقة فتسوقه وتزيحه إلى قوم آخرين وأرض أخرى محتاجة إليه فإذا ~~جاء الربيع تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء فخرج النبات ~~وأخذت الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج فإذا جاء الصيف سخن ~~الهواء فنضجت الثمار ويبست الحبوب فصلحت للحفظ والخزن وتحللت فضلات الأبدان ~~فإذا جاء الخريف كسر ذلك السموم والحرور وصفا الهواء واعتدل وأخذت الأرض ~~والشجر في الراحة والجموم والاستعداد للحمل الآخر واقتضت حكمته سبحانه أن ~~أنزل الشمس والقمر في # PageV04P1570 # البروج وقدر لهما المنازل ليعلم العباد عدد السنين والحساب من الشهور ~~والأعوام قسم بذلك مصالحهم ويعلم آجال معاملاتهم ومواقيت حجهم وعباداتهم ~~ومدد أعمارهم وغير ذلك من مصالح حسابهم فالزمان مقدار الحركة ألا ترى أن ~~السنة الشمسية مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل واليوم مقدار مسيرها من ~~الشرق إلى الغرب وبحركة الشمس والقمر كان الزمان من حين خلقا إلى أن يجمع ~~الله بينهما ويعزلهما عن سلطانهما ويرى عابديهما أنهم عبدوا الباطل من دونه ~~وأن سلطان معبودهم قد بطل واضمحل وأن سلطان الحق والملك الحق لله الواحد ~~القهار قال تعالى {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون} ~~[يونس5] وقال تعالى {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا ~~آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل ~~شيء فصلناه تفصيلا} [الإسراء12] ففي القمر وتقدير منازله آيات وحكم لا تخفى ~~على الناظرين واقتضت حكمته سبحانه في تدبيره أن فاوت # PageV04P1571 # بين مقادير الليل والنهار فلم يجعلهما دائما على حد سواء ولا أطول مما ~~هما عليه ولا أقصر بل جاء استواؤهما وأخذ أحدهما من الآخر على وفق الحكمة ~~حتى إن المكان الذي يقصر أحدهما فيه جدا لا يكون فيه حيوان ونبات كالمكان ~~الذي لا تطلع عليه الشمس ولا تغرب عنه فلو كان النهار مقدار مائة ساعة أو ~~أكثر أو كان الليل كذلك لتعطلت المصالح التي نظمها الله بهذا المقدار من ~~الليل والنهار ms621 ثم تأمل الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه ~~مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان وبرد الهواء لم تقتض المصلحة أن يكون ~~الليل ظلمة واحدة داجية لا ضياء فيها فلا يمكن فيه شيء من العمل وربما ~~احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولإفراط الحر فيه ~~فاحتاجوا إلى العمل في الليل في نور القمر من حرث الأرض وقطع الزرع وغير ~~ذلك فجعل ضوء القمر في الليل معونة للناس على هذه الأعمال وجعل في الكواكب ~~جزءا يسيرا من النور لتسد مسد القمر إذا لم يكن وجعلت زينة السماء ومعالم ~~يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ودلالات واضحات على الخلاق العليم وغير ذلك ~~من الحكم التي بها انتظام هذا العالم وجعلت الشمس على حالة واحدة لا تقبل ~~الزيادة والنقصان لئلا تتعطل # PageV04P1572 # الحكمة المقصودة منها وجعل القمر على حالة تقبل الزيادة والنقصان لئلا ~~تتعطل الحكمة المقصودة من جعله كذلك وكان في نوره من التبريد والتصليب ما ~~يقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل فتنتظم المصلحة وتتم الحكمة من ~~هذا التسخين والتبريد وتأمل اللفظ والحكمة الإلهية في جعل الكواكب السيارة ~~ومنازلها تظهر في بعض السنين وتحتجب في بعضها لأنها لو ظهرت دائما أو ~~احتجبت دائما لذابت الحكمة المطلوبة منها وكما اقتضت الحكمة أن يظهر بعضها ~~ويحتجب بعضها فلا تظهر كلها دفعة واحدة ولا تحتجب دفعة واحدة بل ينوب ~~ظاهرها عن خفيها في الدلالة وجعل بعضها ظاهرا لا يحتجب أصلا بمنزلة الأعلام ~~المنصوبة التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر فهم ~~ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها حيث شاءوا فجاء الأمران على وفق ~~الحكمة ثم تأمل حال النجوم واختلاف مسيرها ففرقة منها لا تريم مراكزها من ~~الفلك ولا تسير إلا مجتمعة كالجيش الواحد وفرقة منها مطلقة تنتقل في البروج ~~وتفترق في مسيرها فكل واحد منها يسير سيرين مختلفين أحدهما عام مع الفلك ~~نحو الغرب والآخر خاص لنفسه نحو الشرق فله حركتان مختلفتان على وفق الحكمة ~~وذلك ms622 من أعظم الدلالة على # PageV04P1573 # الفاعل المختار العليم الحكيم وعلى كمال علمه وقدرته وحكمته وتأمل كيف ~~صار هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه يدور على هذا العالم هذا الدوران ~~العظيم السريع المستمر بتقدير محكم لا يزيد ولا ينقص ولا يختل عن نظامه بل ~~هو تقدير العزيز العليم كما أشار تعالى إلى أن ذلك التقدير صادر عن كمال ~~عزته وعلمه فقال تعالى {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} ~~[يس38] وقال تعالى {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} إلى قوله ~~{فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم} [فصلت12-9] وقال تعالى {فالق ~~الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} ~~[الأنعام96] . # PageV04P1574 # فذكر سبحانه أن هذا التقدير لمسير الشمس والقمر والليل والنهار وحركات ~~النجوم في مطالعها ومغاربها تقدير ناشئ عن عزته وعلمه وذلك متضمن وقوعه على ~~وجه الحكمة الغائية ولتسخير الشمس والقمر والكواكب وتذليلها لعزته وجار على ~~وفق حكمته فجاءت على وفق ما قدرها له فهل يخفى على ذي لب أن ذلك تقدير مقدر ~~قادر عزيز حكيم وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV04P1575 ms623