######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000100 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي #META# 011.AuthorBORN :: 691 هـ #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية :: مواضيع عقدية محددة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: شفاء العليل #META# 030.LibURI :: JK_000100 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد بدر الدين أبو فراس النعساني الحلبي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1398 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل الإمام ابن القيم ~~الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P001 @ # الحمد لله ذي الأفضال والأنعام # وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والأئمة الأعلام ( ~~أما بعد ) فإن أهم ما يجب معرفته على المكلف النبيل فضلا عن الفاضل الجليل # ما ورد في القضاء والقدر والحكمة والتعليل # فهو من أسنى المقاصد والايمان به قطب رحى التوحيد ونظامه # ومبدأ الدين المبين وختامه # فهو أحد أركان الإيمان # وقاعدة أساس الإحسان # التي يرجع إليها # ويدور في جميع تصاريفه عليها # فالعدل قوام الملك # والحكمة مظهر الحمد # والتوحيد متضمن لنهاية الحكمة # وكمال النعمة # ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير # فبالقدر والحكمة ظهر خلقه وشرعه المبين # ألا له الأمر والخلق تبارك الله رب العالمين $ فصل وقد سلك جماهير ~~العقلاء في هذا الباب في كل واد # وأخذوا في كل طريق # وتولجوا كل مضيق # وركبوا كل صعب وذلول # وقصدوا الوصول إلى معرفته # والوقوف على حقيقته # وتكلمت فيه الأمم قديما وحديثا # وساروا للوصول إلى مغزاه سيرا حثيثا # وخاضت فيه الفرق على تباينها واختلافها # وصنف فيه المصنفون الكتب على تنوع أصنافها # فلا أحد إلا وهو يحدث نفسه بهذا الشأن # ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان # فتراه إما مترددا فيه مع نفسه # أو مناظرا لبني جنسه # وكل قد اختار لنفسه قولا لا يعتقد الصواب في سواه # ولا يرتضي إلا إياه # وكلهم إلا من تمسك بالوحي عن طريق الصواب مردود # وباب الهدى في وجهه مسدود # تحسي علما غير طائل # وارتوى من ماء آجن # قد طاف على أبواب الأفكار # ففاز باخس الآراء والمطالب # فرح بما عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع # وقدم آراء من أحسن به الظن على الوحي المنزل المشروع # والنص المرفوع # حيران يأتم بكل حيران # يحسب كل شراب ماء فهو طول عمره ظمآن PageV01P002 @ # ينادي إلى الصواب من مكان بعيد # أقبل إلى الهدى فلا يستجيب إلى يوم الوعيد # قد فرح ms001 بما عنده من الضلال # وقنع بأنواع الباطل وأصناف المحال # منعه الكفر الذي اعتقده هدى وما هو ببالغه عن الهداة المهتدين # ولسان حاله أو قاله يقول أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين # | فصل ولما كان الكلام في هذا الباب نفيا وإثباتا موقوفا على الخبر عن ~~أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره وأسعد الناس بالصواب فيه من تلقى ~~ذلك من مشكاة الوحي المبين ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهوكين ~~وتشكيكات المشككين وتكلفات المتنطعين واستمطر ديم الهداية من كلمات أعلم ~~الخلق برب العالمين فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفت ~~وشفت وجمعت وفرقت وأوضحت وبينت وحلت محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن ~~ثم تلاه أصحابه من بعده على نهجه المستقيم وطريقه القويم فجاءت كلماتهم ~~كافية شافية مختصرة نافعة لقرب العهد ومباشرة التلقي من تلك المشكاة التي ~~هي مظهر كل نور ومنبع كل خير وأساس كل هدى ثم سلك آثارهم التابعون لهم ~~بإحسان فاقتفوا طريقهم وركبوا مناهجهم واهتدوا بهداهم ودعوا إلى ما دعوا ~~إليه ومضوا على ما كانوا عليه ثم نبغ في عهدهم وأواخر عهد الصحابة القدرية ~~مجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر وأن الأمر أنف فمن شاء هدى نفسه ومن ~~شاء أضلها ومن شاء بخسها حظها وأهملها ومن شاء وفقها للخير وكملها كل ذلك ~~مردود إلى مشيئة العبد ومقتطع من مشيئة العزيز الحميد فاثبتوا في ملكه مالا ~~يشاء وفي مشيئته ما لا يكون ثم جاء خلف هذا السلف فقرروا ما أسسه أولئك من ~~نفي القدر وسموه عدلا وزادوا عليه نفي صفاته سبحانه وحقائق أسمائه وسموه ~~توحيدا فالعدل عندهم إخراج أفعال الملائكة والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم ~~واراداتهم من قدرته ومشيئته وخلقه والتوحيد عند متأخريهم تعطيله عن صفات ~~كماله ونعوت جلاله وأنه لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ~~تقوم به ولا كلام ما تكلم ولا يتكلم ولا أمر ولا يأمر ولا قال ولا يقول إن ~~ذلك إلا أصوات وحروف مخلوقة ms002 منه في الهواء أو في محل مخلوق ولا استوى على ~~عرشه فوق سماواته ولا ترفع إليه الأيدي ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا ~~ينزل الأمر والوحي من عنده وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد ~~ما فوقه إلا العدم المحض والنفي الصرف فهذا توحيدهم وذاك عدلهم # فصل ثم نبغت طائفة أخرى من القدرية فنفت فعل العبد و قدرته و اختياره و ~~زعمت أن حركته الاختيارية و لا إختيار كحركة الأشجار عند هبوب الرياح و ~~كحركات الأمواج و إنه على الطاعة و المعصية مجبور و إنه غير ميسر لما خلق ~~له بل هو عليه مقسور و مجبور ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مقتدين و ~~لمناهجهم مقتفين فقرروا هذا المذهب و انتموا إليه و حققوه وزادوا عليه أن ~~تكاليف الرب تعالى لعباده كلها تكليف ما لا يطاق و إنها في الحقيقة كتكليف ~~المقعد أن يرقى إلى السبع الطباق فالتكليف بالإيمان و شرائعه تكليف بما ليس ~~من فعل العبد و لا هو له بمقدور و إنما هو تكليف بفعل من هو متفرد بالخلق و ~~هو على كل شيء قدير فكلف عباده بأفعاله و ليسوا عليها قادرين ثم عاقبهم ~~عليها وليسوا في الحقيقة لها فاعلين ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العباد ~~فقالوا ليس في الكون PageV01P003 @ # معصية البتة إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد كما قيل أصبحت منفعلا ~~لما يختاره منى ففعلي كله طاعات # ولاموا بعض هؤلاء على فعله فقال إن كنت عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومطيع ~~الإرادة غير ملوم وهو في الحقيقة غير مذموم وقرر محققوهم من المتكلمين هذا ~~المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحد فمحبته هي ~~نفس مشيئته وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه وكل ما شاءه فقد أحبه وأخبرني ~~شيخ الإسلام قدس الله روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغضه الله ~~ورسوله فقال له الملوم المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب وجميع ~~ما في الكون ms003 مرادة فأي شيء أبغض منه قال الشيخ فقلت له إذا كان قد سخط على ~~أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم فواليتهم أنت وأحببتهم وأحببت أفعالهم ~~ورضيتها تكون مواليا له أو معاديا قال فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة وزعمت ~~هذه الفرقة أنهم بذلك للسنة ناصرون وللقدر مثبتون ولأقوال أهل البدع مبطلون ~~هذا وقد طووا بساط التكليف وطففوا في الميزان غاية التطفيف وحملوا ذنوبهم ~~على الأقدار وبرأوا أنفسهم في الحقيقة من فعل الذنوب والأوزار وقالوا أنها ~~في الحقيقة فعل الخلاق العليم وإذا سمع المنزه لربه هذا قال سبحانك هذا ~~بهتان عظيم فالشر ليس إليك والخير كله في يديك ولقد ظنت هذه الطائفة بالله ~~أسوأ الظن ونسبته إلى أقبح الظلم وقالوا أن أوامر الرب ونواهيه كتكليف ~~العبد أن يرقى فوق السماوات وكتكليف الميت إحياء الأموات والله يعذب عباده ~~أشد العذاب على فعل ما لا يقدرون يقدرون على تركه وعلى ترك مالا يقدرون على ~~فعله بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور وليس أحد ميسر له بل ~~هو عليه مقهور ونرى العارف منهم ينشد مترنما ومن ربه متشكيا ومتظلما # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك أياك أن تبتل بالماء % # وليس عند القوم في نفس الأمر سبب ولا غاية ولا حكمة ولا قوة في الأجسام ~~ولا طبيعة ولا غريزة فليس في الماء قوة التبريد ولا في النار قوة التسخين ~~ولا في الأغذية قوة الغذاء ولا في الأدوية قوة الدواء ولا في العين قوة ~~الإبصار ولا في الأذن قوة السماع ولا في الأنف قوة الشم ولا في الحيوان قوة ~~فاعلة ولا جاذبة ولا ممسكة ولا دافعة والرب تعالى لم يفعل شيئا بشيء ولا ~~شيئا لشيء فليس في أفعاله باء تسبب ولا لام تعليل وما ورد من ذلك فمحمول ~~على باء المصاحبة ولام العاقبة وزادوا على ذلك أن الأفعال لا تنقسم في ~~نفسها إلى حسن وقبيح ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والبر والفجور ~~والعدل والظلم والسجود للرحمن والسجود للشيطان والإحسان إلى ms004 الخلق والإساءة ~~إليهم ومسبة الخالق والثناء عليه وإنما نعلم الحسن من ذلك من القبيح بمجرد ~~الأمر والنهي ولذلك يجوز النهي عن كل ما أمر به والأمر بكل ما نهى عنه ولو ~~فعل ذلك لكان هذا قبيحا وهذا حسنا وزاد بعض محققيهم على هذا أن الأجسام ~~كلها متماثلة فلا فرق في الحقيقة بين جسم النار وجسم الماء ولا بين جسم ~~الذهب وجسم الخشب ولا بين المسك والرجيع وإنما تفترق بصفاتها وأعراضها مع ~~تماثلها في الحد والحقيقة وزادوا على ذلك بأن قالوا الأعراض كلها لا تبقى ~~زمانين ولا تستقر وقتين فإذا جمعت بين قولهم بعدم بقاء الأعراض وقولهم ~~بتماثل الأجسام وتساوي الأفعال وأن العبد لا فعل له البتة وأنه لا سبب في ~~PageV01P004 @ الوجود ولا قوة ولا غريزة ولا طبيعة وقولهم أن الرب تعالى ~~ليس له فعل يقوم به وفعله غير مفعوله وقولهم أنه ليس بمباين لخلقه ولا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه وقولهم أنه لا يتكلم ولا ~~يكلم ولا قال ولا يقول ولا سمع أحد خطابه ولا يسمعه ولا يراه المؤمنون يوم ~~القيامة جهرة بأبصارهم من فوقهم أنتجت لك هذه الأصول عقلا يعارض السمع ~~ويناقض الوحي وقد أوصاك الأشياخ عند التعارض بتقديم هذا المعقول على ما جاء ~~به الرسول % فلو أني بليت بهاشمي % % % خؤلته بنو عبد المدان % % لهان على ~~ما ألقى ولكن % % % تعالوا فانظروا بمن ابتلاني % $ فصل ولما كانت معرفة ~~الصواب في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل واقعة في مرتبة الحاجة بل ~~في مرتبة الضرورة اجتهدت في جمع هذا الكتاب وتهذيبه وتحريره وتقريبه فجاء ~~فردا في معناه بديعا في مغزاه وسميته شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر ~~والحكمة والتعليل وجعلته أبوابا & الباب الأول في تقدير المقادير قبل خلق ~~السماوات والأرض & الباب الثاني في تقدير الرب تعالى شقاوة العباد وسعادتهم ~~وأرزاقهم وآجالهم قبل خلقهم وهو تقدير ثان بعد الأول & الباب الثالث في ذكر ~~احتجاج آدم وموسى في ذلك وحكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم & الباب ~~الرابع في ms005 ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه & الباب الخامس في ~~التقدير الرابع ليلة القدر & الباب السادس في ذكر التقدير الخامس اليومي & ~~الباب السابع في أن سبق المقادير بالسعادة والشقاوة لا يقتضي ترك الأعمال ~~بل يوجب الاجتهاد والحرص لأنه تقدير بالأسباب & الباب الثامن في قوله تعالى ~~أن الذين سبقت لهم منا الحسنى & الباب التاسع في قوله إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر & الباب العاشر في مراتب القضاء والقدر التي من استكمل معرفتها ~~والإيمان بها فقد آمن بالقدر وذكر المرتبة الأولى & الباب الحادي عشر في ~~ذكر المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة الكتابة & الباب ~~الثاني عشر في ذكر المرتبة الثالثة وهي مرتبة المشيئة & الباب الثالث عشر ~~في ذكر المرتبة الرابعة وهي مرتبة خلق الأعمال & الباب الرابع عشر في الهدي ~~والضلال ومراتبهما & الباب الخامس عشر في الطبع والختم والقفل والغل والسد ~~والغشاوة ونحوها وأنه مفعول الرب & الباب السادس عشر في تفرد الرب بالخلق ~~للذات والصفات والأفعال & الباب السابع عشر في الكتب والجبر ومعناهما لغة ~~واصطلاحا واطلاقهما نفيا وإثباتا & الباب الثامن عشر في فعل وافعل في ~~القضاء والقدر وذكر الفعل والانفعال & الباب التاسع عشر في ذكر مناظرة بين ~~جبري وسني & الباب العشرون في مناظرة بين قدري وسني & الباب الحادي ~~والعشرون في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر ودخوله في المقضي & الباب الثاني ~~والعشرون في طرق إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره واثبات الغايات ~~المطلوبة والعواقب الحميدة التي فعل وأمر لأجلها وهو من أجل أبواب الكتاب & ~~الباب الثالث والعشرون في استيفاء شبه نفاة الحكمة وذكر الأجوبة المفصلة ~~عنها # & الباب الرابع والعشرون في معنى قول السلف في الإيمان بالقدر خيره وشره ~~وحلوه ومره & الباب الخامس والعشرون في بيان بطلان قول من قال إن الرب ~~تعالى مريد للشر وفاعل له وامتناع اطلاق ذلك نفيا وإثباتا & الباب السادس ~~والعشرون فيما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ ~~PageV01P005 @ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك من تحقيق القدر واثباته وأسرار ~~هذا الدعاء # & الباب السابع ms006 والعشرون في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد ~~تحت قوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك وما تضمنه الحديث من قواعد الدين & ~~الباب الثامن والعشرون في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك وتحقيق ~~القول فيه & الباب التاسع والعشرون في انقسام القضاء والقدر والإرادة ~~والكتابة والحكم والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم ~~والعطاء والمنع إلى كوني يتعلق بخلقه وديني يتعلق بأمره وما في تحقيق ذلك ~~من إزالة اللبس والإشكال & الباب الموفي ثلاثين في الفطرة الأولى التي فطر ~~الله عباده عليها وبيان أنها لا تنافي القضاء والعدل بل توافقه وتجامعه # وهذا حين الشروع في المقصود فما كان فيه من صواب فمن الله وحده هو المان ~~به وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله # فيا أيها المتأمل له الواقف عليه لك غنمه # وعلى مؤلفه غرمه # ولك فائدته # وعليه عائدته # فلا تعجل بإنكار ما لم يتقدم لك أسباب معرفته ولا يحملنك شنآن مؤلفه ~~وأصحابه على أن تحرم ما فيه من الفوائد التي لعلك لا تظفر بها في كتاب ولعل ~~أكثر من تعظمه ماتوا بحسرتها ولم يصلوا إلى معرفتها والله يقسم فضله بين ~~خلقه بعلمه وحكمته وهو العليم الحكيم والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ~~ذو الفضل العظيم & الباب الأول في تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض # عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وعرشه على الماء رواه مسلم في الصحيح وفيه دليل على أن خلق العرش سابق على ~~خلق القلم وهذا أصح القولين لما روى أبو داود في سننه عن أبي حفصة الشامي ~~قال عبادة بن الصامت لإبنه يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما ~~أصابك لم يك ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب ms007 فقال رب وماذا أكتب قال ~~أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول من مات على غير هذا فليس مني وكتابة القلم للقدر كان في الساعة ~~التي خلق فيها لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت قال ~~حدثني أبي قال دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت يا أبتاه ~~أوصني واجتهد لي فقال أجلسوني فلما أجلسوه قال يا بني إنك لن تجد طعم ~~الإيمان ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله تبارك وتعالى حتى تؤمن بالقدر خيره ~~وشره قلت يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره قال تعلم أن ما أخطأك ~~لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله تعالى القلم ثم قال أكتب فجرى في تلك ~~الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار # وهذا الذي كتبه القلم هو القدر لما رواه ابن وهب أخبرني عمر بن محمد اذ ~~سليمان بن مهران حدثه قال قال عبادة بن الصامت ادع لي ابني وهو يموت لعلي ~~أخبره بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول شيء خلقه الله ~~من حلقه القلم فقال له أكتب فقال يا رب ماذا أكتب قال القدر قال رسول الله ~~PageV01P006 @ صلى الله عليه وسلم فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله ~~بالنار وعن عبد الله بن عباس قال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ~~فقال لي يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا ~~سألت فسل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ~~ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك ~~لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت ms008 الصحف رواه الترمذي ~~وقال حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة قال قلت يا رسول الله إني رجل شاب وأنا ~~أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني ثم قلت مثل ذلك ~~فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك إذ رواه البخاري في ~~صحيحه قال حدثنا أصبغ ثنا ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أبي هريرة ورواه ابن وهب في كتاب القدر وقال فيه فأذن لي أن ~~أختصي قال فسكت عنى حتى قلت ذلك ثلاث مرات فقال جف القلم بما أنت لاق وقال ~~أبو داود الطيالسي ثنا عبد المؤمن هو ابن عبد الله قال كنا عند الحسن فأتاه ~~يزيد بن أبي مريم السلولي يتوكأ على عصا فقال يا أبا سعيد أخبرني عن قول ~~الله عز وجل ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ~~أن نبرأها فقال الحسن نعم والله أن الله ليقضي القضية في السماء ثم يضرب ~~لها أجلا أنه كائن في يوم كذا وكذا في ساعة كذا وكذا في الخاصة والعامة حتى ~~ان الرجل ليأخذ العصا ما يأخذها إلا بقضاء وقدر قال يا أبا سعيد والله لقد ~~أخذتها وإني عنها لغني ثم لا صبر لي عنها قال الحسن أو لا ترى واختلف في ~~الضمير قوله من قبل أن نبرأها فقيل هو عائد على الأنفس لقربها منه وقيل هو ~~عائد على الأرض وقيل عائد على المصيبة والتحقيق أن يقال هو عائد على البرية ~~التي تعم هذا كله ودل عليه السياق وقوله نبرأها فينتظم التقادير الثلاثة ~~انتظاما واحدا والله أعلم وقال ابن وهب أخبرني عمر بن محمد أن سليمان بن ~~مهران حدثه قال قال عبد الله بن مسعود إن أول شيء خلقه الله عز وجل من خلقه ~~القلم فقال له اكتب فكتب ms009 كل شيء يكون في الدنيا إلى يوم القيامة فيجمع بين ~~الكتاب الأول وبين أعمال العباد فلا يخالف ألفا ولا واوا وميما وعن عبد ~~الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله عز وجل ~~خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور شيء اهتدى ~~ومن أخطأه ضل قال عبد الله فلذلك أقول جف القلم بما هو كائن رواه الإمام ~~أحمد وقال أبو داود حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد قال أخبرني أبي قال سمعت ~~الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن يزيد ويحيى بن أبي عمرو الشيباني قال حدثني ~~عبد الله بن فيروز الديلمي قال دخلت على عبد الله بن عمرو ابن العاص وهو في ~~حائط له بالطائف يقال له الوهط فقلت خصال بلغتني عنك تحدث بها عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال من شرب الخمر لم تقبل توبته أربعين صباحا وأن ~~الشقي من شقي في بطن أمه وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن ~~الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور يومئذ ~~اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله ورواه الإمام أحمد في ~~مسنده أطول من هذا عن عبد الله بن فيروز الديلمي قال دخلت على عبد الله بن ~~عمرو وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط وهو محاضر فتى من قريش يزن بشرب ~~الخمر PageV01P007 @ فقلت بلغني عنك حديث أن من شرب شربة خمر لم تقبل توبته ~~أربعين صباحا وأن الشقي من شقي في بطن أمه وأن من أتى بيت المقدس لا ينهره ~~الا الصلاه فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه فلما سمع الفتى ذكر الخمر ~~اجتذب يده من يده ثم انطلق فقال عبد الله بن عمرو أني لا أحل لأحد أن يقول ~~علي ما لم أقل سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول من شرب من ms010 ~~الخمر شربة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فلا أدري ~~في الثالثة أو في الرابعة قال فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة ~~الخبال يوم القيامة قال وسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول أن ~~الله عز وجل خلق خلقه في ظلمه ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره ~~يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله وسمعت رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول أن سليمان بن داود سأل الله عز وجل ~~ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجوا أن تكون لنا الثالثة # سأل الله تعالى حكما يصادف حكمه فأعطاه الله إياه وسأله ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة ~~في هذا المسجد خرج من خطيئتة مثل يوم ولدته أمه فنحن نرجوا أن يكون الله ~~تعالى عز وجل قد أعطانا إياه ورواه الحاكم في صحيحه وهو على شرط الشيخين ~~ولا علة $ الباب الثاني في تقدير الرب تبارك وتعالى شقاوة العباد وسعادتهم ~~وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم وهو تقدير ثان بعد التقدير الأول # عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكث ~~بمحصرته ثم قال ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها ~~من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل يا رسول الله ~~أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى ~~عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ثم قرأ ~~@QB@ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى ~~وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ وفي لفظ اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة ~~فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة ms011 فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم ~~قرأ @QB@ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل ~~واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ # وعن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار ~~فقال نعم قيل ففيم يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له متفق عليه وفي بعض ~~طرق البخاري كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له # وعن أبي الأسود الدؤلي قال قال لي عمران بن حصين أرأيت ما يعمل الناس ~~اليوم ويكدحون فيه اشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما ~~يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقلت بل شيء قضى عليهم ~~ومضى عليهم قال فقال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا و قلت كل ~~شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون قال فقال لي يرحمك ~~الله أني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك إن رجلين من مزينة أتيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ~~ويكدحون فيه أشيء PageV01P008 @ قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما ~~يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال بل شيء قضى عليهم ومضى ~~فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل @QB@ ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها @QE@ رواه مسلم في صحيحه # وعن شغي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو قال خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي يده كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان قال قلنا لا ألا أن ~~تخبرنا يا رسول الله قال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين تبارك ~~وتعالى بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل عليهم فلا يزاد ~~فيهم ولا ينقص أبدا ثم قال للذي في يساره هذا كتاب أهل النار بأسمائهم ~~وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فهم ولا ينقص منهم أبدا ~~فقال أصحاب رسول الله ms012 صلى الله تعالى عليه وسلم فلأي شيء نعمل أن كان هذا ~~أمر قد فرغ منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سددوا وقاربوا فإن صاحب ~~الجنة يختم له بعمل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل ~~النار وإن عمل أي عمل ثم قال بيده فقبضها ثم قال فرغ ربكم عز وجل من العباد ~~ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال فريق في الجنة ونبذ باليسرى فقال فريق في ~~السعير رواه الترمذي عن قتيبة عن ليث أبي قبيل عن شغى وعن قتيبة عن بكر بن ~~نصر عن أبي قبيل به وقال حديث حسن صحيح غريب ورواه النسائي والإمام أحمد ~~وهذا السياق له # وفي صحيح الحاكم وغيره من حديث أبي جعفر الرازي ثنا الربيع بن أنس عن أبي ~~العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم @QE@ قال جمعهم له يومئذ جمعا ما هو كائن إلى يوم القيامة ~~فجعلهم أزواجا ثم صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق ~~وأشهدهم على أنفسهم @QB@ ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة ~~إنا كنا عن هذا غافلين @QE@ إلى قوله المبطلون قال فإني أشهد عليكم السموات ~~السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم ~~أو تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين فلا تشركوا بي شيئا فإني أرسل إليكم رسلي ~~يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي فقالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب ~~لنا غيرك ورفع لهم أبوهم آدم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة وغير ذلك ~~فقال رب لو سويت بين عبادك فقال إني أحب أن أشكر ورأى فيهم الأنبياء مثل ~~السرج وذكر تمام الحديث وفي صحيحه وجامع الترمذي من حديث هشام بن يزيد عن ~~زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى ~~يوم ms013 القيامة أمثال الذر ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم ~~عرضهم على آدم فقال من هؤلاء يا رب فقال هؤلاء ذريتك فرأى فيهم رجلا أعجبه ~~وبيض ما بين عينيه فقال يا رب من هذا قال ابنك داود يكون في آخر الأمم قال ~~كم جعلت له من العمر قال ستين سنة قال يا رب زده من عمري أربعين سنة قال ~~الله إذا يكتب ويختم لا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال أولم ~~يبق من عمري أربعون سنة قال له أولم تجعلها لإبنك داود قال فجحد فجحدت ~~ذريته ونسي فنسيت ذريته وخطئ فخطئت ذريته قال هذا على شرط مسلم وفي موطأ ~~مالك عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ~~أخبره عن مسلم إبن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية @QB@ وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم @QE@ فقال عمر سمعت رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم سئل عنها فقال إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره ~~PageV01P009 @ بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل ~~الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل ~~أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال إن الله إذا خلق ~~العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ~~فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على ~~عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار # قال الحاكم هذا الحديث على شرط مسلم وليس كما قاله بل هو حديث منقطع قال ~~أبو عمر هو حديث منقطع فإن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب بينهما ~~نعيم بن ربيعة هذا إن صح أن الذي رواه عن زيد بن أبي أنيسة فذكر فيه نعيم ~~بن ربيعة إذ ليس هو بأحفظ من مالك ولا ممن يحتج به إذا خالفه ms014 مالك ومع ذلك ~~فإن نعيم بن ربيعة ومسلم بن يسار جميعا مجهولان غير معروفين بحمل العلم ~~ونقل الحديث وليس هو مسلم بن يسار العابد البصري وإنما هو رجل مدني مجهول ~~ثم ذكر من تاريخ إبن أبي خيثمة قال قرأت على يحي بن معين حدث مالك هذا فكتب ~~بيده على مسلم بن يسار لا يعرف # قال أبو عمر هذا الحديث وإن كان عليل الإسناد فإن معناه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد روى من وجوه كثيرة من حديث عمر بن الخطاب وغيره وممن روى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه في القدر علي بن أبي طالب وأبي بن كعب ~~وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو سريحة العبادي وعبد ~~الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وذو اللحية الكلابي وعمران بن ~~حصين وعائشة وأنس بن مالك وسراقة بن جعثم وأبو موسى الأشعري وعبادة بن ~~الصامت قلت وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وحذيفة بن ~~أسيد وأبو ذر ومعاذ بن جبل وهشام بن حكيم وأبو عبد الله رجل من الصحابة روى ~~عنه أبو نصر وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبو الدرداء وعمرو بن العاص ~~وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن الزبير وأبو أمامة الباهلي وأبو الطفيل ~~وعبد الرحمن بن عوف وبعض أحاديثهم موقوفة وستمر بك جميعا متفرقة في أبواب ~~الكتاب إن شاء الله عز وجل # وقال إسحاق بن راهوية أخبرنا بقية بن الوليد قال أخبرني ألزبيدي محمد بن ~~الوليد عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة عن أبيه عن هشام بن حكيم ~~بن حزام أن رجلا قال يا رسول الله أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء فقال إن ~~الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم ثم افاض بهم في كفيه ~~فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة وأهل ~~النار ميسرون لعمل أهل النار قال إسحاق وأخبرنا عبد الصمد حدثنا حماد ms015 حدثنا ~~الحريري عن أبي نصرة أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقال ~~له أبو عبدالله دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي فقالوا له ما يبكي قال ~~سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إن الله قبض قبضة بيمينه ~~وأخرى بيده الأخرى قال هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي فلا أدري في أي ~~القبضتين أنا أخبرنا عمرو بن محمد بن اسماعيل بن رافع عن المقبري عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال إن الله تعالى خلق آدم من ~~تراب ثم جعله طينا ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار كان إبليس يمر به ~~فيقول خلقت لأمر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه قال يا رب ما ذريتي قال اختر ~~يا آدم قال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين فبسط الله كفه فإذا كل من هو ~~كائن من ذريته في كف الرحمن # أخبرنا النضر أخبرنا أبو معشر عن أبي سعيد المقبري ونافع مولى الزبير عن ~~أبي هريرة قال لما أراد الله PageV01P010 @ أن يخلق آدم فذكر خلق آدم فقال ~~له يا آدم أي يدي أحب إليك أن أريك ذريتك فيها قال يمين ربي وكلتا يدي ربي ~~يمين فبسط يمينه وإذا فيها ذريته كلهم ما هو خالق إلى يوم القيامة الصحيح ~~على هيئته والمبتلى على هيئته والأنبياء على هيئاتهم فقال ألا أعفيهم كلهم ~~فقال أني أحببت أن أشكر وذكر الحديث # وقال محمد بن نصر المروزي حدثنا محمد بن يحيى ثنا سعيد بن أبي مريم أنا ~~الليث بن سعد حدثني ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد ~~الله بن سلام قال خلق الله آدم ثم قال بيده فقبضها فقال اختر يا آدم فقال ~~اخترت يمين ربي وكلتا يديك يمين فبسطها فإذا فيها ذريته فقال من هؤلاء يا ~~رب قال من قضيت أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة قال وثنا ~~إسحاق بن راهوية أنا ms016 جعفر بن عون أنا هشام بن سعد عن زيد بن سالم عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ~~ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وذكر الحديث وقال اسحاق ~~بن الملاي ثنا المسعودي عن علي بن نديمة عن سعد عن ابن عباس في قوله تعالى ~~@QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم @QE@ قال أن الله أخذ على ~~آدم ميثاقه أنه ربه وكتب رزقه وأجله ومصيباته ثم أخرج من ظهره ولده كهيئة ~~الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم وكتب رزقهم وأجلهم ومصيباتهم قال وحدثنا ~~وكيع حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس قال مسح الله ظهر آدم ~~فأخرج كل طيب في يمينه وفي يده الأخرى كل خبيث وقال محمد بن نصر حدثنا ~~الحسن بن محمد الزعفراني وثنا حجاج عن أبن جريج عن الزبير بن موسى عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال إن الله ضرب منكبه الأيمن فخرجت كل نفس مخلوقة ~~للجنة بيضاء نقية فقال هؤلاء أهل الجنة ثم ضرب منكبه الأيسر فخرجت كل نفس ~~مخلوقة للنار سوداء فقال هؤلاء أهل النار ثم أخذ عهده على الإيمان والمعرفة ~~به والتصديق له وبأمره من بني آدم كلهم واشهدهم على أنفسهم فآمنوا وصدقوا ~~وعرفوا وأقروا # حدثنا إسحاق ثنا روح بن عبادة بن محمد بن عبد الملك عن أبيه عن الزبير بن ~~موسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بهذا الحديث وزاد قال ابن جريج وبلغني ~~أنه أخرجهم على كفه أمثال الخردل قال إسحاق وأخبرنا جرير عن منصور عن مجاهد ~~عن عبد الله بن عمرو في قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم قال أخذهم كما يؤخذ ~~بالمشط وفي تفسير أسباط عن السدي عن أصحابه أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس ~~وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله وإذ أخذ ربك من ms017 بني آدم الآية قال لما أخرج الله آدم من الجنة قبل ~~أن يهبط من السماء مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل ~~اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى ~~فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال أدخلوا النار ولا أبالي فذلك حين ~~يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال ألست بربكم ~~قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو ~~والملائكة @QB@ شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو ~~تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل @QE@ الآية فلذلك ليس أحد من ولد آدم الا ~~وهو يعرف أن الله ربه ولا مشرك إلا وهو يقول إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون فذلك قوله عز وجل @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم @QE@ وذلك حين يقول @QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~@QE@ وذلك حين يقول @QB@ قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ ~~PageV01P011 قال يعني يوم أخذ الميثاق # وقال إسحاق حدثنا وكيع حدثنا مضر عن ابن سليط قال قال أبو بكر رضي الله ~~عنه خلق الله الخلق قبضتين فقال لمن في يمينه ادخلوا الجنة بسلام وقال لمن ~~في يده الأخرى ادخلوا النار ولا أبالي وأخبرنا جرير بن الأعمش عن أبي ظبيان ~~عن رجل من الأنصار من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال لما خلق الله ~~الخلق قبض قبضتين بيده فقال لمن في يمينه أنتم أصحاب اليمين وقال لمن في ~~اليد الأخرى أنتم أصحاب الشمال فذهبت إلى يوم القيامة # وقال عبد الله بن وهب في كتاب القدر أخبرني جرير بن حازم عن أيوب ~~السختياني عن أبي قلابة قال أن الله عز وجل لما خلق آدم أخرج ذريته ثم ~~نشرهم في كفه ثم أفاضهم فألقى التي في يمينه عن يمينه والتي في يده الأخرى ~~عن شماله ثم قال هؤلاء لهذه ولا أبالي وهؤلاء لهذه ولا أبالي وكتب أهل ~~النار وما ms018 هم عاملون وأهل الجنة وما هم عاملون فطوى الكتاب ورفع القلم # وقال أبو داود ثنا مسدد ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي ~~صالح فذكره قال ابن وهب وأخبرني عمرو بن الحرث وحيوة ابن سريح عن ابن أبي ~~أسيد هكذا قال عن أبي فراس حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول أن الله عز ~~وجل لما خلق آدم نفضه نفض المرود فأخرج من ظهره ذريته أمثال النغف فقبضهم ~~قبضتين ثم ألقاهما ثم قبضهما فقال فريق في الجنة وفريق في السعير # قال ابن وهب وأخبرني يونس بن يزيد عن الآوزاعي عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص قال من كان يزعم أن مع الله قاضيا أو رازقا أو يملك لنفسه ضرا أو ~~نفعا أو موتا أو حياة أو نشورا لقي الله فأدحض حجته وأحرق لسانه وجعل صلاته ~~وصيامه هباء وقطع به الأسباب وأكبه الله على وجهه في النار وقال أن الله ~~خلق الخلق فأخذ منهم الميثاق وكان عرشه على الماء # وذكر أبو داود ثنا يحيى بن حبيب ثنا معتمر ثنا أبي عن أبي العالية في ~~قوله عز وجل @QB@ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ~~بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي ~~رحمة الله هم فيها خالدون @QE@ قال صاروا فريقين وقال لمن سود وجوههم ~~وغيرهم اكفرتم بعد أيمانكم قال هو الإيمان الذي كان حيث كانوا أمة واحدة ~~مسلمين قال أبو داود وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا أبو نعامة ~~السعدي قال كنا عند أبي عثمان النهدي فحمدنا الله عز وجل فذكرناه ودعوناه ~~فقلت لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره فقال أبو عثمان ثبتك الله كنا ~~عند سلمان فحمدنا الله عز وجل وذكرناه فقلت لانا بأول هذا الأمر أشد فرحا ~~مني بآخره فقال سلمان ثبتك الله أن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم مسح ظهره ~~فأخرج من ظهره ما هو ذارئ إلى يوم القيامة فخلق الذكر ms019 والأنثى والشقوة ~~والسعادة والأرزاق والآجال والألوان ومن علم السعادة فعل الخير ومجالس ~~الخير ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر وقال أبو داود حدثنا موسى بن ~~إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ~~مسح ربك تعالى ظهر آدم فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة أخذ عهودهم ~~ومواثيقهم قال سعيد فيرون أن القلم جف يومئذ # وقال الضحاك خرجوا كأمثال الذر ثم أعادهم فهذه وغيرها تدل على أن الله ~~سبحانه قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق ~~أبيهم وأراهم لا بيهم آدم صورهم وأشكالهم وحلاهم وهذا والله أعلم أمثالهم ~~وصورهم # وأما تفسير قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم الآية به ففيه ما فيه ~~وحديث عمر لو صح لم يكن تفسيرا للآية وبيان PageV01P012 @ إن ذلك هو المراد ~~بها فلا يدل الحديث عليه ولكن الآية دلت على أن هذا الآخذ من بني آدم لا من ~~آدم وأنه من ظهورهم لا من ظهره وأنهم ذرياتهم أمة بعد أمة وأنه إشهاد تقوم ~~به الحجة له سبحانه فلا يقول الكافر يوم القيامة كنت غافلا عن هذا ولا يقول ~~الولد اشرك أبي وتبعته فإن ما فطرهم الله عليه من الإقرار بربوبيته وأنه ~~ربهم وخالقهم وفاطرهم حجة عليهم ثم دل حديث عمر وغيره على أمر آخر لم تدل ~~عليه الآية وهو القدر السابق والميثاق الأول وهو سبحانه لا يحتج عليهم بذلك ~~وإنما يحتج عليهم برسله وهو الذي دلت عليه الآية فتضمنت الآية والأحاديث ~~إثبات القدر والشرع وإقامة الحجة والإيمان بالقدر فأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما سئل عنها بما يحتاج العبد إلى معرفته والإقرار به معها ~~وبالله التوفيق $ الباب الثالث في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك حكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم لآدم صلوات الله وسلامه عليهم # عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتج آدم وموسى فقال ~~موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال ms020 له آدم أنت موسى ~~اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل ~~أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى فحج آدم ~~موسى فحج آدم موسى وفي رواية كتب لك التوراة بيده وفي لفظ آخر تحاج آدم ~~وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من ~~الجنة فقال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس ~~برسالته قال نعم قال أفتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق # وفي لفظ آخر احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى فقال موسى أنت آدم ~~الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم ~~أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته ~~وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب ~~التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم هل وجدت فيها وعصى آدم ~~ربه فغوى قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله ~~قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى # وفي لفظ آخر احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من ~~الجنة وذكر الحديث متفق على صحته وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق ~~بخلق السماوات بخمسين ألف سنة # وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه ~~على ذلك وقال لو صح لبطلت نبوات الأنبياء فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل ~~الأمر والنهي فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر ~~السابق ارتفع اللوم عنه وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله ~~وسنته فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد ~~نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم ورواه أهل الحديث ms021 في كتبهم ~~وشهدوا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله وحكموا بصحته فما ~~لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم ~~مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين ~~برد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P013 @ التي تخالف قواعدهم ~~الباطلة وعقائدهم الفاسدة كما ردوا أحاديث الرؤية وأحاديث علو الله على ~~خلقه وأحاديث صفاته القائمة به وأحاديث الشفاعة وأحاديث نزوله إلى سمائه ~~ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباد وأحاديث تكلمه بالوحي كلاما يسمعه من شاء ~~من خلقه حقيقة إلى أمثال ذلك وكما ردت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل ~~الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وكما ردت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء ~~الراشدين وغيرهم من الصحابة وكما ردت المعطلة أحاديث الصفات والأفعال ~~الاختيارية وكما ردت القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق وكل من ~~أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها ~~فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما جاء به الرسول فهو أصلهم الذي ~~عليه يعولون وجنتهم التي إليها يرجعون # ثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى ~~فقالت فرقة إنما حجه لأن آدم أبوه فحجه كما يحج الرجل ابنه وهذا الكلام لا ~~محصل فيه البتة فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن ~~والعبد أو السيد ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة وقالت فرقة ~~إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة وهذا من جنس ما قبله إذ ~~لا تأثير لهذا في الحجة بوجه وهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها ~~المتقدمة عليها وأن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل الله شهادتهم عليهم ~~وإن كانوا من غير أهل شريعتهم وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه كان قد تاب من ~~الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لومه وهذا وإن كان أقرب مما ~~قبله فلا يصح لثلاثة أوجه أحدها ms022 أن آدم لم يذكر ذلك الوجه ولا جعله حجة على ~~موسى ولم يقل أتلومني على ذنب قد تبت منه الثاني أن موسى أعرف بالله سبحانه ~~وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله ~~واجتباه بعده وهداه فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلا عن كليم ~~الرحمن الثالث أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي صلى الله عليه وسلم وجه ~~الحجة واعتبار ما ألغاه فلا يلتفت إليه وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه لأمه ~~في غير دار التكليف ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه وهذا ~~أيضا فاسد من وجهين أحدهما أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف ~~وإنما قال أتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق فلم يتعرض للدار وإنما احتج ~~في القدر السابق الثاني أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار ~~التكليف فيلومهم بعد الموت ويلومهم يوم القيامة وقالت فرقة أخرى إنما حجه ~~لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته وإنه لا ~~تحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه وأنه لا راد لقضائه وقدره وأنه ما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن قالوا ومشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة لأنه شهد ~~نفسه عدما محضا والأحكام جارية عليه معروفة له وهو مقهور مربوب مدبر لا ~~حيلة له ولا قوة له قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم وهذا المسلك ~~أبطل مسلك سلك في هذا الحديث وهو شر من مسلك القدرية في رده وهم إنما ردوه ~~أبطالا لهذا القول وردا على قائليه وأصابوا في ردهم عليهم وأبطال قولهم ~~وأخطأوا في رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا المسلك لو صح ~~لبطلت الديانات جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود ~~معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكر أبدا ولهذا ~~قال شيخ الملحدين ابن سينا ms023 في إشارته العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر ~~الله تعالى في القدر وهذا كلام PageV01P014 @ منسلخ من الملل ومتابعة الرسل ~~وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر وأنما ~~أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف اعظم الناس انكارا للمنكر وإنما أرسلوا ~~لانكار المنكر فالعارف أعظم الناس انكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر فإن ~~الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام إياك ~~نعبد وإياك نستعين وفي مقام فاعبده وتوكل عليه فنعبده بأمره وقدره ونتوكل ~~عليه في تنفيذ أمره بقدره فهذا حقيقة المعرفة وصاحب هذا المقام هو العارف ~~بالله وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول % أصبحت ~~منفعلا لما يختاره % منى ففعلي كله طاعات % ويقول أنا وإن عصيت أمره فقد ~~أطعت إرادته ومشيئته ويقول العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في ~~القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من اتباعهم وإنما حكى الله ~~سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل فقال تعالى @QB@ سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا @QE@ الي قوله @QB@ قل فلله ~~الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء @QE@ إلى قوله @QB@ فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم أنفقوا من ما ~~رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون @QE@ فهذه أربع مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه ~~وشيخهم وإمامهم في ذلك عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال رب بما ~~أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين فإن قيل قد علم بالنصوص ~~والمعقول صحة قولهم لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولو شاء الرحمن ما عبدناهم فإنه ما ~~شاء الله كان وما 4 ms024 لم يشأ لم يكن وقد قال تعالى @QB@ ولو شاء ربك ما فعلوه ~~@QE@ وقال @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ فكيف أكذبهم ونفى عنهم ~~العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون وأهل السنة جميعا يقولون لو شاء ~~الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به كافر ولا عصاه أحد من خلقه فكيف ينكر ~~عليهم ما هم فيه صادقون قيل أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين ~~وأفجر الفاجرين ولم ينكر عليهم صدقا ولا حقا بل أنكر عليهم أبطل الباطل ~~فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتا لقدره وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه ~~وتوكلا عليه واستعانة به ولو قالوا كذلك لكانوا مصيبين وإنما قالوه معارضين ~~به لشرعه ودافعين به لأمره فعارضوا شرعه وأمره ودفعوه بقضائه وقدره ووافقهم ~~على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر وأيضا فإنهم احتجوا بمشيئتة العامة ~~وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال ~~معارضة الأمر بالقدر ودفعه به والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه ~~حيث شاءه وقضاه وإن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر وقد ورثهم في هذا ~~الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعى فيه ~~ذلك وقالوا العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم وقد وقع في كلام شيخ ~~الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله ~~منه فإنه قال في باب التوبة من منازل السائرين ولطائف التوبة ثلاثة أشياء # أولها أن ننظر في الجناية والقضية فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك وأتيانها ~~فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين أن يعرف عبرته في قضائه ~~وبره في مسيره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في ~~مغفرته # والثاني ليقيم على العبد حجة عدله فيعاقبه PageV01P015 @ على ذنبه بحجته # واللطيفة الثانية أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنته لم تبق له حسنه بحال ~~لأنه يسير بين مشاهدة المنة ويطلب عيب النفس والعمل # واللطيفة الثالثة ms025 أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا ~~استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم # فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح والشرائع ~~كلها مبناها على استحسان هذا واستقباح هذا بل مشاهدة الحكم تزيد البصير ~~استحسانا للحسن واستقباحا للقبيح وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته ~~وأمره قوى استحسانه واستقباله فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى الأسماء ~~الحسنى والصفات العلي وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر وغضبه لله ~~ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة وكلامه المتقدم ~~بين في رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسنه الله وهو ~~كالمحكم فيه وهذا متشابه فيرد إلى محكم كلامه والذي يليق به ما ذكره شيخنا ~~أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في الفناء ~~والاصطلاح فقال الفناء عبارة عن اصطلاح العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم ~~به في العبد فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما ~~يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور ~~المهمة مثاله رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض فأذهله ما ~~يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به وهذا تقريب والأمر فوق ذلك ~~فكيف بمن اشهده الله عز وجل فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء ~~مواتا لا قوام لها إلا بقدرته فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق ~~تعالى وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في ~~القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها وصفى الله عبده من ~~درنه ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء فمتى تجلت على العبد أنوار المشاهدة ~~الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية تلاشى الوجود الذي للعبد ~~واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ويكون العبد في ذلك آكلا ~~شاربا فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ~~ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء ms026 في أوقات سكره ويبقى وجوده كالخيال قائما ~~بالعبودية في حضرة ذي الجلال وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء ~~عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف وذلك هو البقاء ~~بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال ~~البقاء بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله عز وجل مشهده فيه ~~قيامه عليه بتدبيره ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد فيصير ~~به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح ووجه آخر وهو أن الفاني في حال ~~فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحوة والتمييز فيستر من قلبه محل ~~الزهد والصبر والورع لا بمعنى أن تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد لكن ~~بمعنى أن الشهود ستر محلها من القلب وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج ~~الحال النازل في الحال العالي فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا ~~وتبعا وصار القلب مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب ~~العبد لوجد فيه الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من ~~الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها وفي حال البقاء ~~والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه إذا علمت ذلك ~~انحل أشكال قوله إن مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة ~~PageV01P016 @ لصعوده إلى معنى الحكم أي أن صفة حكم الله حشت بصيرته ~~وملأتها فشهد قيام الله على الأشياء وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء ~~كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ من ~~الجمع عن التمييز والفرق ويسمى هذا جمعا لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في ~~كل حكم وقع في الكون وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات اجتمع ~~قلبه ولضعف قلبه حين هذا الاجتماع لم يتسع للتمييز الشرعي بين الحسن ~~والقبيح بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة ~~الساترة له عن التمييز لا بمعنى ms027 أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح بل ~~اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فتش لوجد حكم التحسين والتقبيح مستورا في طي ~~مشهده ذلك وبالله التوفيق # وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه الله أن للفعل وجهين وجه قائم بالرب تعالى وهو ~~قضاؤه وقدره له وعلمه به العبد له ملاحظتان ملاحظة للوجه الأول وملاحظة ~~للوجه الثاني والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى بل يشهد قضاء ~~الرب وقدره ومشيئته ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته فيشهد ~~الربوبية والعبودية فيجتمع في قلبه معنى قوله @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم ~~@QE@ مع قوله @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ وقوله @QB@ كلا إنه ~~تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله @QE@ فمن الناس من يتسع ~~قلبه لهذين الشهودين ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه ~~وضعف المحل فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود ~~الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل ~~وحكمه الشرعي وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ومنهم من ~~يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته ~~وكسبه وطاعته ومعصيته فيغيب بشهود الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته فإذا ~~لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو قبيحا وهذا أيضا إذا يضره إذا كان ~~علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم ~~على قلبه وبالله التوفيق # فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه وعباد ~~هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ولو ~~أغضبهم غيرهم وقصر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة ~~فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي الآمن هو من أجهل الناس وأظلمهم ~~وأتبعهم لهواه وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته ~~وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله وأنه ولى محبته ورضاه به لما شاءه منهم ~~@QB@ قل فلله ms028 الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ فأخبر سبحانه أن ~~الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان ~~بمعرفة أوامره ونواهيه وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجته ~~البالغة عليهم بذلك واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه ثم قرر تمام ~~الحجة بقوله @QB@ فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ فإن هذا يتضمن أنه المتفرد ~~بالربوبية والملك والتصرف في خلقه وأنه لا رب غيره ولا إله سواه فكيف ~~يعبدون معه إلها غيره فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم ~~وأن الأمر كله لله وأن كل شيء ما خلا الله باطل فالقضاء والقدر والمشيئة ~~النافذة من أعظم أدلة التوحيد فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك ~~فكانت حجة الله هي البالغة وحجتهم هي الداحضة وبالله التوفيق # إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب ~~منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه وآدم PageV01P017 @ أعرف بربه من ~~أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي ~~نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة ~~أبيهم فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة المحنة التي نالت الذرية ولهذا ~~قال له أخرجتنا ونفسك من الجنة وفي لفظ خيبتنا فاحتج آدم بالقدر على ~~المصيبة وقال أن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة ~~بقدره قبل خلقي والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على ~~مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة هذا جواب شيخنا رحمه الله ~~وقد يتوجه آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع ~~ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما ~~فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته ~~وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا ~~يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول ms029 ~~والقوة # يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا علي قبل أن ~~أخلق فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه ~~مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر ~~على قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا ~~محذور في الاحتجاج به وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال ~~والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج ~~بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما ~~احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا @QB@ لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا @QE@ @QB@ لو شاء الرحمن ما عبدناهم @QE@ فاحتجوا به ~~مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم ~~يقروا بفساده فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على ~~أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال كان ما كان بقدر الله # ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم ~~واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل # فإن قيل فقد احتج على بالقدر في ترك قيام الليل وأقره النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما في الصحيح عن علي أن رسول الله صلى الله عيه وسلم طرقه ~~وفاطمة ليلا فقال لهم ألا تصلون قال فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد ~~الله فإذا شاء ان يبعثها بعثها فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول @QB@ ~~وكان الإنسان أكثر شيء جدلا @QE@ # قيل على لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم وإنما قال أن نفسه ~~ونفس فاطمة بيد الله فإذا شاء أن يوقظها ويبعث أنفسها بعثها وهذا موافق ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ناموا في الوادي أن الله قبض ms030 أرواحنا ~~حيث شاء وردها حيث شاء وهذا احتجاج صحيح صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط ~~واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~الإحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الإحتجاج به فروى مسلم في صحيحه ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب ~~إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا ~~تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله ما شاء ~~فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول ~~الإيمان أحدها أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالمحبة وأنه PageV01P018 @ يحب ~~حقيقة الثاني أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها فهو القوي ويحب ~~المؤمن القوي وهو وتر يحب الوتر وجميل يحب الجمال وعليم يحب العلماء ونظيف ~~يحب النظافة ومؤمن يحب المؤمنين ومحسن يحب المحسنين وصابر يحب الصابرين ~~وشاكر يحب الشاكرين 2 # ومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض # ومنها أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده والحرص هو ~~بذل الجهد واستفراغ الوسع فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا ~~وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا وأن يكون حرصه على ما ~~ينتفع به فإن حرص على مالا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال ~~بحسب ما فاته من ذلك فالخير كله في الحرص على ما ينفع ولما كان حرص الإنسان ~~وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به ليجتمع له ~~مقام إياك نعبد وإياك نستعين فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله ولا تتم إلا ~~بمعونته فأمره بأن يعبده وأن يستعين به ثم قال ولا تعجز فإن العجز ينافي ~~حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله فالحريص على ما ينفعه المستعين ~~بالله ضد العاجز فهذا إرشاد له قبل رجوع المقدور إلى ما ms031 هو من أعظم أسباب ~~حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ومصدرها منه ~~ومردها إليه فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان حالة عجز وهي مفتاح عمل ~~الشيطان فيلقيه العجز إلى لو ولا فائدة في لو ههنا بل هي مفتاح اللوم ~~والجزع والسخط والأسف والحزن وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه صلى الله عليه ~~وسلم عن افتتاح عمله بهذا المفتاح وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى ~~القدر وملاحظته وأنه لو قدر له لم يفت ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له ههنا ~~أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجود المقدور وإذا انتفت ~~امتنع وجوده فلهذا قال فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل ~~قدر الله وما شاء فعل فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول مطلوبة ~~وحالة فواته فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد ابدا بل هو أشد ~~شيء إليه ضرورة وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ~~ظاهرا وباطنا في حالتي حطول المطلوب وعدمه وبالله التوفيق $ الباب الرابع ~~في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه ~~وأجله وعمله وسائر ما يلقاه وذكر الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك # عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق أن أحدكم ليجمع خلقا في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة ~~مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه ~~الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه واجله وعمله وشقي أو سعيد فو الذي لا ~~إله غيره أن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~الجنة فيدخلها متفق عليه وعن حذيفة بن ms032 أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس ~~وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب أذكر أم أنثى ~~PageV01P019 @ فيكتبان ويكتب عمله وأثره واجله ورزقه ثم تطوى الصحيفة فلا ~~يزاد فيها ولا ينقص رواه مسلم وعن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود ~~يقول الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه ~~بذلك من قول ابن مسعود فقال وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل أتعجب من ~~ذلك فأنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا مر بالنطفة ثنتان ~~وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها ~~وعظمها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول ~~يا رب أجله فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما ~~يشاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ~~ينقص وفي لفظ آخر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول أن ~~النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك قال زهير بن معاوية ~~أحسبه قال الذي يخلقها فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيجعله الله ذكرا أو أنثى ~~ثم يقول يا رب أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب ~~ما رزقه وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا وفي لفظ آخر إن ~~ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله ولبضع وأربعين ~~ليلة ثم ذكر نحوه وهذا الحديث بطرقه انفرد به مسلم وعن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل وكل بالرحم ms033 ملكا فيقول أي رب ~~نطفة أي رب علقة أي رب مضغة وإذا أراد أن يقضي خلقا قال الملك أي رب ذكر أو ~~أنثى شقي أو سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه متفق عليه ~~وقال ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سعيد بن عبد الرحمن بن هنيدة ~~حدثهم أن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد ~~الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام معها يا رب أذكر أم أنثى فيقضي الله ~~بأمره ثم يقول يا رب شقي أم سعيد فيقضي الله أمره ثم يكتب بين عينيه ما هو ~~لاق حتى النكبة ينكبها قال ابن وهب وأخبرني عبد الله بن لهيعة عن بكر بن ~~سوادة الجدمي عن أبي تميم الحبيشاني عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إذا دخلت يعني النطفة في الرحم أربعيمن أتى ملك النفس فعرج إلى الرب ~~فقال يا رب عبدك أذكر أو أنثى فيقضي الله بما هو قاض أشقي أم سعيد فيكتب ما ~~هو كائن وذكر بقية الحديث وقال ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن كعب بن علقمة ~~عن عيسى عن هلال عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال إذا مكثت النطفة في ~~رحم المرأة أربعين ليلة جاءها ملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الله تعالى أخلق ~~يا أحسن الخالقين فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره ثم تدفع إلى الملك ~~فيسأل الملك عند ذلك فيقول يا رب اسقط أم يتم فيبين له ثم يقول يا رب أواحد ~~أم توأم فيبين له ثم يقول له أقطع رزقه مع خلقه فيقضيهما جميعا فوالذي نفس ~~محمد بيده لا ينال إلا ما قسم له يومئذ إذا أكل رزقه قبض وقال عبد الله بن ~~أحمد أنا العلاء ثنا أبو الأشعث ثنا أبو عامر عن الزبير بن عبد الله حدثني ~~جعفر بن مصعب قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن عائشة عن النبي صلى الله ms034 ~~عليه وسلم قال أن الله سبحانه حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل ~~الرحم فيقول أي رب ماذا فيقول غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم ~~فيقول أي رب أشقي أم سعيد فيقول شقي أو سعيد فيقول أي رب ما أجله فيقول كذا ~~وكذا فيقول ما خلقه ما خلائقه فيقول PageV01P020 @ كذا وكذا فما شيء إلا ~~وهو يخلق معه في الرحم وفي المسند من حديث إسماعيل بن عبيد الله وهو ابن ~~أبي المهاجر أن أم الدرداء حدثته عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال فرغ الله عز وجل إلى كل عبد من خمس من أجله ورزقه ومضجعه وأثره ~~وشقي أم سعيد وقال ابن حميد ثنا يعقوب ابن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال إذا وقعت النطفة في الرحم تلبث أربعة أشهر وعشرا ثم تنفخ فيها ~~الروح ثم تلبث أربعين ليلة ثم يبعث إليها ملك فنقفها في نقرة القفا وكتب ~~شقيا أو سعيدا وروى ابن أبي خيثمة ثنا عبد الرحمن بن المبارك ثنا حماد بن ~~زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال السعيد ~~من سعد في بطن أمه رواه أبو داود في القدر عن عبد الرحمن عن حماد عن هشام ~~بن حسان عن محمد به وقال أحمد بن عبد أنبأنا علي بن عبد الله بن ميسر ثنا ~~عبد الحميد بن بيان ثنا خالد بن عبد الله عن يحيى بن عبيد الله عنل أبيه عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشقي من شقي في بطن أمه ~~والسعيد من سعد في بطن أمه وقال سعيد عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد ~~الله قال الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره وقال شعبة عن مخارق ~~عن طارق عن عبد الله بن مسعود قال أن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى ~~هدى محمد وشر الأمور محدثاتها ولا ms035 تبتدعوا فإن الشقي من شقي في بطن أمه ~~والسعيد من وعظ بغيره وأن شر الروايا روايا الكذب وشر الأمور محدثاتها وكل ~~ما هو آت قريب رواهن أبو داود في القدر وذكر الطبري من رواية أبي إسحاق عن ~~أبي عبدة عنه أنه كان يجيء كل يوم خميس يقوم قائما لا يجلس فيقول إنما هما ~~اثنتان فأحسن الهدى هدى محمد وأصدق الحديث كتاب الله وشر الأمور محدثاتها ~~وكل محدث ضلالة إن الشقي من شقي في بطن أمه وأن السعيد من وعظ بغيره إلا ~~فلا يطولن عليكم الأمد ولا يلهينكم الأمل فإن كل ما هو آت قريب وإنما ~~البعيد ما ليس آتيا وأن من شرار الناس بطال النهار جيفة الليل وأن قتل ~~المؤمن كفر وإن سبابه فسوق ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا إن شر ~~الروايا روايا الكذب وأنه لا يصلح من الكذب جد ولا هزل ولا أن يعد الرجل ~~صفيه ثم لا ينجزه الا وأن الكذب يهدى إلى الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار ~~وأن الصدق يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة وأن الصادق يقال له صدق ~~وبر وأن الكاذب يقال له كذب وفجر وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول أن العبد ليصدق فيكتب عند الله صديقا وأنه ليكذب حتى يكتب عند الله ~~كذابا الأهل تدرون ما العضة هي النميمة التي تفسد بين الناس وهذا متواتر عن ~~عبد الله وبلغ معاوية أن الوباء اشتد بأهل دار فقال لو حولناهم عن مكانهم ~~فقال له أبو الدرداء كيف لك يا معاولة بأنفس قد حضرت آجالها فكأن معاوية ~~وجد على أبي الدرداء فقال له كعب يا معاوية لا تجد على أخيك فإن الله ~~سبحانه لم يدع نفسا حين تستقر نطفتها في الرحم أربعين ليلة إلا كتب خلقها ~~وخلقها وأجلها ورزقها ثم لكل نفس ورقة خضراء معلقة بالعرش فإذا دنا أجلها ~~خلقت تلك الورقة حتى تيبس ثم تسقط فإذا يبست سقطت تلك النفس وانقطع أجلها ~~ورزقها ذكره أبو ms036 داود عن محمود بن خالد ثنا مروان ثنا معاوية بن سلام حدثني ~~أخي زيد بن سلام عن جده ابن سلام قال بلغ معاوية فذكره وقال أبو داود ثنا ~~واصل بن عبد الأعلى ثنا ابن فضيل عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن الحكم عن ~~مجاهد في قوله تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في PageV01P021 @ عنقه قال ما ~~من مولود يولد إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد وفي الصحيحين عن ~~أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الغلام الذي قتله ~~الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا وفي صحيح مسلم ~~عن عائشة قالت توفي صبي من الأنصار فقلت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم ~~يعمل السوء ولم يدركه فقال أو غير ذلك يا عائشة أن الله خلق للجنة أهلا ~~خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ولا يناقض هذا حديث سمرة بن جندب الذي رواه ~~البخاري في صحيحه من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أطفال المشركين حول ~~إبراهيم الخليل في الروضة فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد كالبالغين ~~فالذي رآه حول إبراهيم السعداء من أطفال المسلمين والمشركين وأنكر على ~~عائشة شهادتها للطفل المعين أنه عصفور من عصافير الجنة فاجتمعت هذه ~~الأحاديث والاثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته وسعادته وهو في بطن ~~أمه واختلفت في وقت هذا التقدير وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على ~~خلق السماوات والأرض وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق ~~أبيهم آدم ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من ~~حصول النطفة في الرحم وحديث أنس غير مؤقت وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت ~~فيه التقدير بأربعين يوما وفي لفظ بأربعين ليلة وفي لفظ ثنتين وأربعين ليلة ~~وفي لفظ بثلاث وأربعين ليلة وهو حديث تفرد به مسلم ولم يروه البخاري وكثير ~~من الناس يظن التعارض بين الحديثين ولا تعارض بينهما بحمد الله وأن الملك ~~الموكل بالنطفة يكتب ms037 ما يقدره الله سبحانه على رأس الأربيعين الأولى حتى ~~يأخذ في الطور الثاني وهو العلقة وأما الملك الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها ~~بعد الأربعين الثالثة فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتي رزقه وأجله وعمله ~~وشقاوته وسعادته وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل ~~بالنطفة ولهذا قال في حديث ابن مسعود ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ~~وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راتب معها ينقلها بإذن الله من حال إلى حال ~~فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق ويقدر ~~شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما فهو تقدير بعد تقدير ~~فاتفقت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق بعضها بعضا ودلت كلها على ~~إثبات القدر السابق ومراتب التقدير وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط ~~في الرواية ومتى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبين أن الأمر كله من مشكاة ~~واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق وبالله التوفيق $ الباب الخامس في ذكر ~~التقدير الرابع ليلة القدر # قال تعالى @QB@ حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين @QE@ وهذه هي ~~ليلة القدر قطعا لقوله تعالى @QB@ إنا أنزلناه في ليلة القدر @QE@ ومن زعم ~~أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط قال سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ليلة ~~القدر ليلة الحكم وقال سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير يؤذن للحجاج ~~في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد ~~فيهم ولا ينقص منهم وقال ابن علية ثنا ربيعة بن كلثوم قال قال رجل للحسن ~~وأنا أسمع أرأيت ليلة القدر في كل رمضان هي قال نعم والله الذي لا إله إلا ~~هو PageV01P022 @ إنها لفي كل رمضان وأنها لليلة القدر يفرق فيها كل امر ~~حكيم فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها وذكر يوسف بن مهران عن ابن ~~عباس قال يكتب ms038 من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ~~ورزق ومطر حتى الحجاج يقال يحج فلان ويحج فلان وذكر عن سعيد بن جبير في هذه ~~الآية أنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى وقال مقاتل ~~يقدر الله في ليلة القدر أمر السنة في بلاده وعباده إلى السنة القابلة وقال ~~أبو عبد الرحمن السلمي يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر وهذا هو الصحيح ~~أن القدر مصدر قدر الشيء يقدره قدرا فهي ليلة الحكم والتقدير وقالت طائفة ~~ليلة القدر ليلة الشرف والعظمة من قولهم لفلان قدر في الناس فإن أراد صاحب ~~هذا القول أن لها قدرا وشرفا مع ما يكون فيها من التقدير فقد أصاب وإن أراد ~~أن معنى القدر فيها هو الشرف والخطر فقد غلط أن الله سبحانه أخبر ان فيها ~~يفرق أي يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم الباب السادس في التقدير الخامس ~~اليومي # قال الله تعالى @QB@ يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن @QE@ ~~ذكر الحاكم في صحيحه من حديث أبي حمزة الثمالي عن سعيد ين جبير عن ابن عباس ~~أن مما خلق الله لوحا محفوظا من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور ~~وكتابه نور ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة أو مرة ففي كل نظرة منها ~~يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله @QB@ كل يوم هو ~~في شأن @QE@ وقال مجاهد والكلبي وعبيد ابن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل من ~~شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويمنع وينصر ويعز ويذل ويفك عانيا ويشفي مريضا ~~ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويتوب على قوم ويكشف كربا ويغفر ذنبا ويضع أقواما ~~ويرفع آخرين دخل كلام بعضهم في بعض وقد ذكر الطبراني في المعجم والستة ~~وعثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على المريسي عن عبد الله بن مسعود قال ~~أن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات والأرض نور وجهه وأن ~~مقدار ms039 كل يوم من أيامكم عنده ثنتي عشرة ساعة فيعرض عليه أعمالكم فيها على ~~ما يكره فيغضبه ذلك وأول من يعلم غضبه العرش يجدونه يثقل عليهم فيسبحه حملة ~~العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة ثم ينفخ جبريل في ~~القرن فلا يبقى شيء إلا سمع صوته فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ ~~الرحمن عز وجل رحمة فتلك ست ساعات ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات ~~فذلك قوله في كتابه @QB@ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء @QE@ وقوله ~~@QB@ يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير @QE@ فتلك تسع ساعات ثم يؤتى بالأرزاق ~~فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله في كتابه @QB@ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ~~@QE@ @QB@ كل يوم هو في شأن @QE@ قال هذا شأنكم وشأن ربكم تبارك وتعالى قال ~~الطبراني ثنا بشر بن موسى ثنا يحيى بن إسحاق أنا حماد بن سلمة عن أبي عبد ~~السلام عن عبد الله أو عبيد الله ابن مكرز عن ابن مسعود فذكره وقال عثمان ~~بن سعيد الدارمي ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن الزبير بن أبي ~~عبد السلام عن ايوب بن عبيد الله الفهري أن ابن مسعود قال أن ربكم ليس عنده ~~ليل ولا نهار فذكر الحديث إلى قوله فيسبحه حملة العرش وسرادقات العرش ~~والملائكة المقربون وسائر الملائكة فهذا تقدير يومي والذي قبله تقدير حولي ~~والذي قبله تقدير عمري عند تعلق النفس PageV01P023 @ به والذي قبله كذلك ~~عند أول تخليقة وكونه مضغة والذي قبله تقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق ~~السماوات والأرض والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق وفي ذلك دليل على ~~كمال علم الرب وقدرته وحكمته وزيادة تعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسه ~~وأسمائه وقد قال تعالى @QB@ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون @QE@ وأكثر ~~المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ فتستنسخ الملائكة ما يكون ~~من أعمال ms040 بني آدم قبل أن يعملوها فيجدون ذلك موافقا لما يعملونه فيثبت الله ~~تعالى منه ما فيه ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو وذكر ابن مردويه في تفسيره ~~من طرق إلى بقية عن أرطأة بن المنذر عن مجاهد عن ابن عمر يرفعه أن أول خلق ~~الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل ~~معمول من بر أو فجور رطب أو يابس فأحصاه عند الذكر وقال اقرؤا إن شئتم @QB@ ~~هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون @QE@ فهل تكون ~~النسخة إلا من شيء قد فرغ منه وقال آدم ثنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن ~~مقسم عن ابن عباس إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون قال تستنسخ الحفظة من أم ~~الكتاب ما يعمل بنو آدم فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم ~~الكتاب وفي تفسير الأشجع عن سفيان عن منصور عن مقسم عن ابن عباس قال كتب في ~~الذكر عنده كل شيء وهو كائن ثم بعث الحفظة على آدم وذريته وكل ملائكته ~~ينسخون من الذكر ما يعمل العباد ثم قرأ @QB@ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ~~إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون @QE@ وفي تفسير الضحاك عن ابن عباس في هذه ~~الآية قال هي أعمال أهل الدنيا الحسنات والسيئات تنزل من السماء كل غداة ~~وعشية ما يصيب الانسان في ذلك اليوم أو الليلة الذي يقتل والذي يغرق والذي ~~يقع من فوق بيت والذي يتردى من جبل والذي يقع والذي يحرق بالنار فيحفظوا ~~عليه ذلك كله وإذا كان الشيء صعدوا به إلى السماء فيجدونه كما في السماء ~~مكتوبا في الذكر الحكيم $ الباب السابع في أن سبق المقادير بالشقاوة ~~والسعادة لا يقضي ترك الأعمال بل يقضي الاجتهاد والحرص # يسبق إلى إفهام كثير من الناس أن القضاء والقدر إذا كان قد سبق فلا فائدة ~~في الأعمال وأن ما قضاه الرب سبحانه وقدره لا بد من وقوعه فتوسط العمل لا ~~فائدة فيه وقد سبق إيراد هذا السؤال ms041 من الصحابة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأجابهم بما فيه الشفاء والهدى ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال ~~كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ~~مخصرة فنكس فجعل ينكث بمخصرته ثم قال ما منكم من أحد مامن نفس منفوسة إلا ~~كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة فقال رجل يا رسول ~~الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير ~~إلى عمل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال ~~اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل ~~الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ @QB@ فأما من أعطى واتقى وصدق ~~بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ~~@QE@ وفي بعض طرق البخاري أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن PageV01P024 ~~@ ما كنت أشد اجتهادا مني الآن فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يقضي ~~به إلى رياض مونقة وبساتين معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا ~~تعب كان حرصه على سلوكها واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه ~~ولهذا قال أبو عثمان النهدي لسلمان لأنا باول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره ~~وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة وهيأه ويسره للوصول إليها كان ~~فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها ~~فإنها سبقت له من الله قبل الوسيلة منه وعلمها الله وشاءها وكتبها وقدرها ~~وهيأ له أسبابها لتوصله إليها فالأمر كله من فضله وجوده السابق فسبق له من ~~الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها فالمؤمن أشد فرحا بذلك من كون أمره ~~مجعولا إليه كما قال بعض السلف والله ما أحب أن يجعل أمري إلي إنه إذا كان ~~بيد الله خيرا من ان يكون بيدي فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث ~~عليها ومقتض لها لا انه مناف ms042 لها وصاد عنها وهذا موضع مزلة قدم من ثبتت ~~قدمه فاز بالنعيم المقيم ومن زلت قدمه عنه هوى إلى قرار الجحيم فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم أرشد الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة الإيمان ~~بالأقدار فإنه نظام التوحيد والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن ~~شره وذلك نظام الشرع فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر فأبى المنحرفون إلا ~~القدح بانكاره في أصل التوحيد أو القدح باثباته في أصل الشرع ولم تتسع ~~عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم ~~بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ~~فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والنبي صلى الله ~~عليه وسلم شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله إحرص على ~~ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن العاجز من لم يتسع للأمرين وبالله ~~التوفيق $ الباب الثامن في قوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون @QE@ # وقد تقدمت الأحاديث بوقوع أهل السعادة في إحدى القبضتين وكتابتهم ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم في ديوان السعداء قبل خلقهم وفي صحيح الحاكم من ~~حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزلت ~~@QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم @QE@ قال المشركون فالملائكة ~~وعيسى وعزيرا يعبدون من دون الله قال فنزلت @QB@ إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ وهذا إسناد صحيح وقال علي بن المديني ثنا ~~يحيى بن آدم ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم قال أخبرني أبو رزين عن أبي يحيى ~~عن ابن عباس أنه قال آية لا يسأل الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا ~~عنها أو جهلوها فلا يسألون عنها فقيل له وما هي فقال لما نزلت @QB@ إنكم ~~وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ شق ذلك على قريش أو ~~على أهل مكة وقالوا يشتم آلهتنا فجاء ابن الزبعري فقال مالكم ms043 قالوا يشتم ~~آلهتنا قال وما قال قالوا قال إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم ~~لها واردون قال ادعوه لي فلما دعي النبي صلى الله عليه وسلم قال يا محمد ~~هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله فقال لا بل لكل من عبد من ~~دون الله قال فقال ابن الزبعري خصمت ورب هذه البنية يعني الكعبة ألست تزعم ~~أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح وهذه بنو ~~مليح تعبد الملائكة وهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا قال فضج ~~أهل مكة فأنزل PageV01P026 @ الله عز وجل @QB@ إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها @QE@ قال ونزلت @QB@ ولما ضرب ~~ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون @QE@ قال هو الضجيج وهذا الإيراد الذي ~~أورده ابن الزبعري لا يرد على الآية فإنه سبحانه قال إنكم وما تعبدون من ~~دون الله ولم يقل ومن تعبدون ومالما لا يعقل فلا يدخل فيها الملائكة ~~والمسيح وعزير وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل وأيضا فإن السورة ~~مكية والخطاب فيها لعباد الأصنام فإنه قال إنكم وما تعبدون فلفظة أنكم ~~ولفظة ما تبطل سؤاله وهو رجل فصيح من العرب لا يخفى عليه ذلك ولكن إيراده ~~إنما كان من جهة القياس والعموم المعنوي الذي يعم الحكم فيه بعموم علته أي ~~ان كان كونه معبودا يوجب أن يكون حصب جهنم فهذا المعنى بعينه موجود في ~~الملائكة وعزير والمسيح فأحيب بالفارق وذلك من وجو # أحدها أن الملائكة والمسيح وعزيرا ممن سبقت لهم من الله الحسنى فهم سعداء ~~لم يفعلوا ما يستوجبون به النار فلا يعذبون بعبادة غيرهم مع بعضهم ~~ومعاداتهم لهم فالتسوية بينهم وبين الأصنام أقبح من التسوية بين البيع ~~والربا والميتة والذكي وهذا شأن أهل الباطل وإنما يسوون بين ما فرق الشرع ~~والعقل والفطرة بينه ويفرقون بين ما سوى الله ورسوله بينه # الفرق الثاني أن الأوثان حجارة غير مكلفة ولا ناطقة فإذا حصبت بها جهنم ms044 ~~إهانة لها ولعابديها لم يكن في ذلك من لا يستحق العذاب بخلاف الملائكة ~~والمسيح وعزير فإنهم أحياء ناطقون فلو حصبت بهم النار كان ذلك إيلاما ~~وتعذيبا لهم # الثالث أن من عبد هؤلاء بزعمه فإنه لم يعبدهم في الحقيقة فإنهم لم يدعوا ~~إلى عبادتهم وإنما عبد المشركون الشياطين وتوهموا أن العبادة لهؤلاء فإنهم ~~عبدوا بزعمهم من ادعى أنه معبود مع الله وأنه معه إله وقد برأ الله سبحانه ~~ملائكته والمسيح وعزيرا من ذلك وإنما ادعى ذلك الشياطين وهم بزعمهم يعتقدون ~~أنهم يرضون بأن يكونوا معبودين مع الله ولا يرضى بذلك إلا الشياطين ولهذا ~~قال سبحانه @QB@ ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم ~~مؤمنون @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين @QE@ فما عبد غير الله إلا ~~الشيطان وهذه الأجوبة منتزعة من قوله @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~@QE@ فتأمل الآية تجدها تلوح في صفحات ألفاظها وبالله التوفيق والمقصود ذكر ~~الحسنى التي سبقت من الله لأهل السعادة قبل وجودهم وقال عبد الرحمن بن أبي ~~حاتم ثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد ثنا أبو عامر العقدي ثنا عروة بن ثابت ~~الأنصاري ثنا الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف ~~مرض مرضا شديدا أغمي عليه فأفاق فقال أغمي علي قالوا نعم قال إنه أتاني ~~رجلان غليظان فأخذا بيدي فقالا انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين فانطلقا بي ~~فتلقاهما رجل وقال أين تريدان به قالا نحاكمه إلى العزيز الأمين فقال دعاه ~~فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه وقال عبد الله بن محمد ms045 البغوي ~~ثنا داود بن رشيد ثنا ابن علية حدثني محمد بن محمد القرشي عن عامر بن سعد ~~قال أقبل سعد من أرض له فإذا الناس عكوف على رجل فاطلع فإذا هو يسب طلحة ~~والزبير وعليا فنهاه فكأنما زاده إغراء فقال ويلك تريد أن تسب أقواما هم ~~خير منك لتنتهين أو لأدعون عليك فقال كأنما يخوفني PageV01P027 @ نبي من ~~الأنبياء فانظلق فدخل دارا فتوضأ ودخل المسجد ثم قال اللهم إن كان هذا قد ~~سب أقواما قد سبقت لهم منك حسنى أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم آية تكون ~~للمؤمينين آية وقال تخرج بختية من دار بني فلان لا يردها شيء حتى تنتهي ~~إليه ويتفرق الناس وتجعله بين قوائمها وتطأه حتى طفى قال فأنا رأيت سعدا ~~يتبعه الناس يقولون استجاب الله لك يا أبا إسحاق استجاب الله لك يا أبا ~~إسحاق وقال تعالى @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا @QE@ ~~أي الله سماكم من قبل القرآن وفي القرآن فسبقت تسمية الحق سبحانه لهم ~~مسلمين قبل إسلامهم وقبل وجودهم وقال تعالى @QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ وقال ابن عباس في ~~رواية الوالي عنه في قوله @QB@ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ~~@QE@ قال سبقت لهم السعادة في الذكر الأول وهذا لا يخالف قول من قال أنه ~~الأعمال الصالحة التي قدموها ولا قول من قال أنه محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإنه سبق لهم من الله في الذكر الأول السعادة بأعمالهم على يد محمد صلى ~~الله عليه وسلم فهو خير تقدم لهم من الله ثم قدمه لهم على يد رسوله ثم ~~يقدمهم عليه يوم لقائه وقد قال تعالى @QB@ لولا كتاب من الله سبق لمسكم ~~فيما أخذتم عذاب عظيم @QE@ وقد اختلف السلف في هذا الكتاب السابق فقال ~~جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم لولا قضاء من الله سبق لكم يا أهل ms046 بدر ~~في اللوح المحفوظ أن الغنائم حلال لكم لعاقبكم وقال آخرون لولا كتاب من ~~الله سبق أنه لا يعذب أحدا إلا بعد الحجة لعاقبكم وقال آخرون لولا كتاب من ~~الله سبق لأهل بدر أنه مغفور لهم وإن عملوا ما شاؤا لعاقبهم وقال آخرون وهو ~~الصواب لولا كتاب من الله سبق بهذا كله لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم والله ~~أعلم $ الباب التاسع في قوله تعالى @QB@ إنا كل شيء خلقناه بقدر @QE@ # قال سفيان عن زياد بن إسماعيل المخزومي ثنا محمد بن عباد بن جعفر ثنا أبو ~~هريرة قال جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمون في ~~القدر فنزلت هذه الآية @QB@ إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر @QE@ رواه مسلم وقد روى ~~الدارقطني من حديث حبيب بن عمرو الأنصاري عن أبيه قال قال رسول الله تعالى ~~صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين خصماء الله وهم ~~القدرية ولكن حبيب هذا قال الدارقطني مجهول والحديث مضطرب الاسناد ولا يثبت ~~والمخاصمون في القدر نوعان أحدهما من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره ~~كالذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا والثاني من ينكر قضاءه ~~وقدره السابق والطائفتان خصماء الله قال عوف من كذب بالقدر فقد كذب ~~بالإسلام إن الله تبارك وتعالى قدر اقدارا وخلق الخلق بقدر وقسم الآجال ~~بقدر وقسم الأرزاق بقدر وقسم البلاء بقدر وقسم العافية بقدر وأمر ونهى وقال ~~الإمام أحمد القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا وقال هذا يدل ~~على دقة علم أحمد وتبخره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء فإن ~~إنكار القدر انكار لقردة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها وسلف ~~القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم ~~وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله وفي تفسير علي بن أبي طلحة PageV01P028 @ ~~عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ إنما ms047 يخشى الله من عباده العلماء @QE@ قال ~~الذين يقولون إن الله على كل شيء قدير وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ~~ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة ~~حقها ولو كانوا يقرون فمنكر القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على ~~وجهها ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها بل يصرحون أنه ~~لا يقدر على فعل يقوم به ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن يفعل ~~ما يشاء لا يقر بأن الله على كل شيء قدير ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين ~~أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة ~~وأنه إن شاء يقيم القلب إقامه وإن شاء أن يزيغه إزاغة لا يقر بأن الله على ~~كل شيء قدير ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض ~~وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول من يسألني فأعطيه من يستغفرني ~~فأغفر له وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كلمة منها وأنه ينزل إلى الأرض قبل ~~يوم القيامة حين تخلو من سكانها وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده ~~وأنه يتجلى لهم الضحك وأنه يريهم نفسه المقدسة وأنه يضع رجله على النار ~~فيضيق بها أهلها وينزوي بعضها إلى بعض إلى غير ذلك من شؤنه وأفعاله التي من ~~لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير بأنه على كل شيء قدير فيا لها كلمة ~~من حبر الأمة وترجمان القرآن وقد كان ابن عباس شديدا على القدرية وكذلك ~~الصحابة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى $ الباب العاشر في مراتب القضاء ~~والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر # وهي أربع مراتب المرتبة الأولى على الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها ~~المرتبة الثانية كتابته لها قبل كونها المرتبة الثالثة مشيئته لها الرابعة ~~خلقه لها # فأما المرتبة الأولى وهي العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى ~~خاتمهم واتفق ms048 عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة وخالفهم مجوس الأمة ~~وكتابته السابقة تدل على علمه بها قبل كونها وقد قال تعالى @QB@ وإذ قال ~~ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ قال مجاهد ~~علم من إبليس المعصية وخلقه لها وقال قتادة كان في علمه أنه سيكون من تلك ~~الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة وقال ابن مسعود أعلم ما لا ~~تعلمون من إبليس وقال مجاهد أيضا علم من أبليس أنه لا يسجد لآدم وقال تعالى ~~@QB@ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير @QE@ وفي ~~المسند من حديث لقيط بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا رسول ~~الله ما عندك من علم الغييب فقال ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها ~~إلا الله وأشار بيده فقلت ما هن قال علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا ~~تعلمونه وعلم المنى حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه وعلم ما في غد ~~قد علم ما أنت طاعم ولا تعلمه وعلم يوم الغيث يشرق عليكم مشفقين فيظل يضحك ~~قد علم أن غوثكم إلى قريب قال لقيط لن نعدم من رب يضحك خيرا وعلم يوم ~~الساعة وقد تقدم حديث علي المتفق على صحته ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة ~~إلا وقد علم مكانها من الجنة أو النار وقال البزار حدثنا محمد بن عمر بن ~~هياج الكوفي ثنا عبيد الله بن موسى ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن ~~PageV01P029 @ أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه قال يؤتى ~~بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود فيقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ~~ولا رسول ويقول المعتوه أي رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول ~~المولود ms049 أي رب لم أدرك العمل قال فيرفع لهم نار فيقال لهم ردوها أو قال ~~ادخلوها فيردها من كان في علم الله سعيدا أن لو أدرك العمل قال ويمسك عنها ~~من كان في علم الله شقيا أن لو أدرك العمل فيقول تبارك وتعالى إياي عصيتم ~~فكيف رسلي بالغيب وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة جمعا هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ~~قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال الله أعلم بما كانوا ~~عاملين ومعنى الحديث الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا وقد قال تعالى ~~@QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم @QE@ قال ابن عباس علم ~~ما يكون قبل أن يخلقه وقال أيضا على علم قد سبق عنده وقال أيضا يريد الأمر ~~الذي سبق له في أم الكتاب وقال سعيد بن جبير ومقاتل على علمه فيه وقال أبو ~~إسحاق أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه وهذا الذي ذكره جمهور ~~المفسرين وقال الثعلبي على علم منه بعاقبة أمره قال وقيل على ما سبق في ~~علمه أنه ضال قبل أن يخلقه وكذلك ذكر البغوي وأبو الفرج بن الجوزي قال على ~~علمه السابق فيه أنه لا يهتدي وذكر طائفة منهم المهدوي وغيره قولين في ~~الآية هذا أحدهما قال المهدوي فأضله الله على علم علمه منه بأنه لا يستحقه ~~قال وقيل على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر وعلى الأول يكون على ~~علم حال من الفاعل المعنى أضله الله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه ~~وعلى الثاني حال من المفعول أي أضله الله في حال علم الكافر بأنه ضال قلت ~~وعلى الوجه الأول فالمعنى أضله الله عالما به وباقواله وما يناسبه ويليق به ~~ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده وأنه أهل للضلال وليس ms050 أهلا أن يهدي وأنه ~~لو هدى لكان قد وضع الهدى في غير محله وعند من لا يستحقه والرب تعالى حكيم ~~إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها فانتظمت الآية على هذا القول في ~~إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال وذكر العلم إذ هو الكاشف ~~المبين لحقائق الأمور ووضع الشيء في مواضعه وإعطاء الخير من يستحقه ومنعه ~~من لا يستحقه فإن هذا لا يحصل بدون العلم فهو سبحانه أضله على علمه بأحواله ~~التي تناسب ضلالة وتقتضيه وتستدعيه وهو سبحانه كثيرا ما يذكر ذلك مع إخباره ~~بأنه أضل الكافر كما قال @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون @QE@ وقال تعالى @QB@ يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ والله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ويضل الله الظالمين كذلك يضل ~~الله من هو مسرف مرتاب كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار كذلك يطبع ~~الله على قلوب الذين لا يعلمون وقد أخبر سبحانه أنه يفعل ذلك عقوبة لأرباب ~~هذه الجرائم وهذا إضلال ثان بعد الاضلال الأول كما قال تعالى @QB@ وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ وقال @QB@ وإذ قال موسى ~~لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ PageV01P030 وقال تعالى ~~@QB@ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا @QE@ وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول ms051 بين المرء ~~وقلبه وأنه إليه تحشرون @QE@ أي أن تركتم الاستجابة لله ورسوله عاقبكم بأن ~~يحول بينكم وبين قلوبكم فلا تقدرون على الاستجابة بعد ذلك ويشبه هذا أن لم ~~يكن بعينه قوله @QB@ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات وما كانوا ليؤمنوا @QE@ الآية وفي موضع آخر @QB@ تلك القرى نقص ~~عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ~~من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين @QE@ وفي هذه الآية ثلاثة أقوال ~~أحدها قال أبو إسحاق هذا اخبار عن قوم لا يؤمنون كما قال عن نوح @QB@ أنه ~~لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن @QE@ واحتج على هذا بقوله @QB@ كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين @QE@ قال وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم وقال ~~ابن عباس فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند ارسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ~~ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب ~~وقال مجاهد فما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ~~هلاكهم قلت وهو نظير قوله ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقال آخرون لما ~~جاءتهم رسلهم بالآيات التي اقترحوها وطلبوها ما كانوا ليؤمنوا بعد رؤيتها ~~ومعاينتها بما كذبوا به من قبل رؤيتها ومعاينتها فمنعهم تكذيبهم السابق ~~بالحق لما عرفوه من الإيمان به بعد ذلك وهذه عقوبة من رد الحق أو أعرض عنه ~~فلم يقبله فإنه يصرف عنه ويحال بينه وبينه ويقلب قلبه عنه فهذا إضلال ~~العقوبة وهو من عدل الرب في عبده وأما الاضلال السابق الذي ضل به عن قبوله ~~أولا والاهتداء به فهو اضلال ناشىء عن علم الله السابق في عبده أنه لا يصلح ~~للهدى ولا يليق به وأن محله غير قابل له فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه ~~كما هو أعلم حيث يجعل رسالته فهو أعلم حيث يجعلها أصلا وميراثا وكما أنه ~~ليس كل محل أهلا لتحمل الرسالة عنه وأدائها إلى الخلق فليس كل محل أهلا ~~لقبولها والتصديق بها ms052 كما قال تعالى @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ أي ابتلينا ~~واختبرنا بعضهم ببعض فابتلى الرؤساء والسادة بالاتباع والموالى والضعفاء ~~فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف إنفة وأنف أن يسلم وقال هذا ~~يمن الله عليه بالهدى والسعادة دوني قال الله تعالى @QB@ أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين @QE@ وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها ويشكرون الله عليها ~~بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم تعرفون قدر ~~نعمتي وتشكروني عليها وتذكروني بها وتخضعون لي كخضوعهم وتحبوني كحبهم لمننت ~~عليكم كما مننت عليهم ولكن لمنني ونعمي محال لا تليق إلا بها ولا تحسن إلا ~~عندها ولهذا يقرن كثيرا بين التخصيص والعلم كقوله ههنا @QB@ أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين @QE@ وقوله @QB@ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ وقوله @QB@ وربك يخلق ~~ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ~~ما تكن صدورهم وما يعلنون @QE@ أي سبحانه المتفرد بالخلق والاختيار مما خلق ~~وهو الاصطفاء والاجتباء ولهذا كان الوقف التام عند قوله ويختار ثم نفى عنهم ~~الاختيار الذي اقترحوه بإرادتهم وأن ذلك ليس إليهم بل إلى الخلاق العليم ~~الذي هو أعلم بمحال الاختيار ومواضعه لا من قال @QB@ لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم @QE@ فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم ~~PageV01P031 @ وأن البشر ليس لهم أن يختاروا على الله بل هو الذي يخلق ما ~~يشاء ويختار ثم نفى سبحانه أن تكون لهم الخيرة كما ليس لهم الخلق ومن زعم ~~أن ما مفعول يختار فقد غلط أذ لو كان هذا هو المراد لكانت الخيرة منصوبة ~~على أنها خبر كان ولا يصح المعنى ما كان لهم الخيرة فيه وحذف العائد فإن ~~العائد ههنا مجرور بحرف لم يجر الموصول بمثله فلو حذف مع الحرف لم يكن عليه ~~دليل فلا يجوز حذفه وكذلك لم يفهم معنى الآية من قال ان الاختيار ههنا هو ~~الإرادة ms053 كما يقوله المتكلمون أنه سبحانه فاعل بالاختيار فإن هذا الاصطلاح ~~حادث منهم لا يحمل عليه كلام الله بل لفظ الاختيار في القرآن مطابق لمعناه ~~في اللغة وهو اختيار الشيء على غيره وهو يقتضي ترجيح ذلك المختار وتخصيصه ~~وتقديمه على غيره وهذا أمر أخص من مطلق الإرادة والمشيئة قال في الصحاح ~~الخيرة الاسم من قولك خار الله لك في هذا الأمر والخيرة أيضا يقول محمد ~~خيرة الله من خلقه وخيرة الله أيضا بالتسكين والاختيار والاصطفاء وكذلك ~~التخيير والاستخارة طلب الخيرة يقال استخر الله يخر لك وخيرته بين الشيئين ~~فوضت إليه الاختيار انتهى فهذا هو الاختيار في اللغة وهو أخص مما اصطلح ~~عليه أهل الكلام ومن هذا قوله @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ واختار ~~موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا @QE@ أي اختار منهم وبهذا يحصل جواب السؤال ~~الذي تورده القدرية يقولون في الكفر والمعاصي هل هي واقعة باختيار الله أم ~~بغير اختياره فإن قلتم باختياره فكل مختار مرضى مصطفى محبوب فتكون مرضية ~~محبوبة له وإن قلتم بغير اختياره لم يكن بمشيئته واختياره وجوابه أن يقال ~~ما تعنون بالاختيار العام في اصطلاح المتكلمين وهو المشيئة والإرادة أم ~~تعنون به الاختيار الخاص الواقع في القرآن والسنة وكلام العرب وإن أردتم ~~بالإختيار الاول فهي واقعة باختياره بهذا الاعتبار لكن لا يجوز أن يطلق ذلك ~~عليها لما في لفظ الاختيار من معنى الاصطفاء والمحبة بل يقال واقعة بمشيئته ~~وقدرته وأن أردتم بالاختيار معناه في القرآن ولغة العرب فهي غير واقعة ~~باختياره بهذا المعنى وإن كانت واقعة بمشيئته فإن قيل فهل تقولون أنها ~~واقعة بإرادته أم لا تطلقون ذلك قيل لفظ الارادة في كتاب الله نوعان إرادة ~~كونية شاملة لجميع المخلوقات كقوله @QB@ فعال لما يريد @QE@ وقوله @QB@ ~~وإذا أردنا أن نهلك قرية @QE@ وقوله @QB@ إن كان الله يريد أن يغويكم @QE@ ~~ونظائر ذلك وإرادة دينية أمرية لا يجب وقوع مرادها كقوله @QB@ يريد الله ~~بكم اليسر @QE@ وقوله @QB@ والله يريد ms054 أن يتوب عليكم @QE@ فهي مرادة ~~بالمعنى الأول غير مرادة بالمعنى الثاني وكذلك أن قيل هل هي واقعة بإذنه أم ~~لا والإذن أيضا نوعان كوني كقوله @QB@ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله @QE@ وديني أمري كقوله @QB@ آلله أذن لكم @QE@ وقوله @QB@ أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا @QE@ ولفظ الاختيار مشتق من الخير المخالف للشر ولما ~~كان الأصل في الحي أنه يريد ما ينفعه وما هو خير سميت الإرادة اختيارا وهذا ~~يتضمن أن الإرادة اختيارا لا ترجح نوعا على نوع الا لمرجح رجح ذلك النوع ~~عند الفاعل والمقصود أنه يذكر العلم عند التخصيصات كقوله تعالى @QB@ ولقد ~~اخترناهم على علم على العالمين @QE@ لا خلاف بين الناس أن المعنى على علم ~~منا بأنهم أهل الاختيار فالجملة في موضع نصب على الحال أي اخترناهم عالمين ~~بهم وبأحوالهم وما يقضي اختيارهم من قبل خلقهم ذكر سبحانه اختيارهم وحكمته ~~في اختياره إياهم وذكر علمه الدال على مواضع حكمته واحتياره ومن هذا قوله ~~سبحانه @QB@ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين @QE@ وأصح ~~الأقوال في الآية أن المعنى من قبل نزول التوراة فإنه سبحانه قال @QB@ ولقد ~~آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين @QE@ PageV01P032 وقال @QB@ ~~وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون @QE@ ثم قال ولقد آتينا إبراهيم ~~رشده من قبل ذلك ولهذا قطعت قبل عن الاضافة وبنيت لأن المضاف منوي معلوم ~~وإن كان غير مذكور في اللفظ وذكر سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم أئمة الرسل ~~وأكرم الخلق عليه محمد وإبراهيم وموسى وقد قيل من قبل أي في حال صغره قبل ~~البلوغ وليس في اللفظ ما يدل على هذا السياق إنما يقتضي من قبل ما ذكر وقيل ~~المعنى بقوله من قبل أي في سابق علمنا وليس في الآية أيضا ما يدل على ذلك ~~ولا هو أمر مختص بإبراهيم بل كل مؤمن فقد قدر الله هداه في سابق علمه ~~والمقصود قوله وكنا به عالمين قال البغوي أنه أهل للهداية والنبوة وقال أبو ~~الفرج أي عالمين بأنه موضع لإيتاء الرشد وقال صاحب ms055 الكشاف المعنى علمه به ~~أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وحمدها حتى أهله ~~لمخالته ومخالصته وهذا كقولك في حر من الناس أنا عالم بفلان فكلامك هذا من ~~الاحتواء على محاسن الأوصاف وهذا كقوله @QB@ الله أعلم حيث يجعل رسالته ~~@QE@ وقوله @QB@ ولقد اخترناهم على علم @QE@ ونظيره قوله @QB@ إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض ~~والله سميع عليم @QE@ وقريب منه قوله @QB@ ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره ~~إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين @QE@ حيث وضعنا هذا ~~التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والاناسى & فصل # وهو سبحانه كما هو العليم الحكيم في اختياره من يختاره من خلقه وأضلاله ~~من يضله منهم فهو العليم الحكيم بما في أمره وشرعه من العواقب الحميدة ~~والغايات العظيمة قال تعالى @QB@ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون @QE@ بين سبحانه أن ما أمرهم به يعلم ما فيه من المصلحة والمنفعة ~~لهم التي اقتضت أن يختاره ويأمرهم به وهم قد يكرهونه أما لعدم العلم وأما ~~لنفور الطبع فهذا علمه بما في عواقب أمره مما لا يعلمونه وذلك علمه بما في ~~اختياره من خلقه بما لا يعلمونه فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر الله ~~وأن شق على النفوس وعلى الرضا بقضائه وإن كرهته النفوس وفي حديث الاستخارة ~~اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك فإنك تقدر ولا ~~أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير ~~لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فأقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت ~~تعلمه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه وأقدر لي ~~الخير حيث كان ثم رضني به # ولما كان العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى علم ما فيه من ~~المصلحة ms056 وقدره عليه وتيسره له وليس له من نفسه شيء من ذلك بل علمه ممن علم ~~الإنسان ما لم يعلم وقدرته منه فإن لم يقدره عليه والا فهو عاجز وتيسيره ~~منه فإن لم ييسره عليه والا فهو متعسر عليه بعد أقداره أرشده النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم إلى محض العبودية وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب ~~الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها وطلب القدرة منه فإنه إن لم يقدره والا فهو ~~عاجز وطلب فضله منه فإن لم ييسره له ويهيئه له والا فهو متعذر عليه ثم إذا ~~اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته ويسره له من فضله فهو يحتاج إلى أن ~~يبقيه عليه ويديمه بالبركة التي يضعها فيه والبركة تتضمن ثبوته ونموه وهذا ~~قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن ~~يرضيه به فإنه قد يهيء له ما يكرهه فيظل ساخطا ويكون قد خار الله له فيه ~~قال عبد الله بن عمران الرجل ليستخير الله فيختار له فيسخط على ربه فلا ~~يلبث ان ينظر في العاقبة فإذا هو قد خار له وفي المسند من PageV01P033 @ ~~حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم من سعادة ابن آدم ~~استخارته الله تعالى ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله ومن شقوة ابن ~~آدم تركة استخاره الله عز وجل ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله فالمقدور ~~يكتنفه أمران الاستخارة قبله والرضا بعده فمن توفيق الله لعبده واسعاده ~~إياه أن يختار قبل وقوعه ويرضى بعد وقوعه ومن خذلانه له أن لا يستخيره قبل ~~وقوعه ولا يرضى به بعد وقوعه وقال عمر بن الخطاب لا أبالي أصبحت على ما أحب ~~أو على ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره وقال الحسن لا ~~تكرهوا النقمات الواقعة والبلايا الحادثة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ولرب ~~أمر تؤثره فيه عطبك & فصل # ومما يناسب هذا قوله تعالى @QB@ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن ms057 ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما ~~لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا @QE@ بين سبحانه حكمة ما كرهوه عام ~~الحديبية من صد المشركين لهم حتى رجعوا ولم يعتمروا وبين لهم أن مطلوبهم ~~يحصل بعد هذا فحصل في العام القابل وقال سبحانه فعلم ما لم تعلموا فجعل من ~~دون ذلك فتحا قريبا وهو صلح الحديبية وهو أول الفتح المذكور في قوله @QB@ ~~إنا فتحنا لك فتحا مبينا @QE@ فإن بسببه حصل من مصالح الدين والدنيا والنصر ~~وظهور الإسلام وبطلان الكفر ما لم يكونوا يرجونه قبل ذلك ودخل الناس بعضهم ~~في بعض وتكلم المسلمون بكلمة الإسلام وبراهينه وأدلته جهرة لا يخافون ودخل ~~في ذلك الوقت في الإسلام قريب ممن دخل فيه إلى ذلك الوقت وظهر لكل أحد بغى ~~المشركين وعداوتهم وعنادهم وعلم الخاص والعام أن محمدا وأصحابه أولى الحق ~~والهدى وأن أعدائهم ليس بأيديهم الا العداوان والعناد فإن البيت الحرام لم ~~يصد عنه حاج ولا معتمر من زمن إبراهيم فتحققت العرب عناد قريش وعداوتهم ~~وكان ذلك داعية لبشر كثير إلى الإسلام وزاد عناد القوم وطغيانهم وذلك من ~~أكبر العون على نفوسهم وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم والتزامهم لحكم الله ~~وطاعة رسوله وذلك من أعظم أسباب نصرهم إلى غير ذلك من الأمور التي علمها ~~الله ولم يعلمها الصحابة ولهذا سماه فتحا وسئل النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفتح هو قال نعم & فصل ويشبه هذا قول يوسف الصديق @QB@ يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من ~~البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو ~~العليم الحكيم @QE@ فأخبر أنه يلطف لما يريده فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها ~~الناس واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق ~~الخفية ومنه التلطف كما قال أهل الكهف @QB@ وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا ~~@QE@ فكان ظاهر ما امتحن به يوسف من مفارقة أبيه ms058 والقائه في السجن وبيعه ~~رقيقا ثم مراودة التي هو في بيتها عن نفسه وكذبها عليه وسجنه محنا ومصائب ~~وباطنها نعما وفتحا جعلها الله سببا لسعادته في الدنيا والآخرة # ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب ويأمرهم به من المكاره ~~وينهاهم عنه من الشهوات هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل ~~وقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وقد قال صلى الله عليه وسلم لا ~~يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خير له إن أصابته سراء شكر فكان خير إله وإن ~~أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن فالقضاء كله خير لمن ~~أعطى الشكر والصبر جالبا ما جلب PageV01P034 @ وكذلك ما فعله بآدم وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم من الأمور التي هي في الظاهر محن ~~وابتلاء وهي في الباطن طرق خفية أدخلهم بها إلى غاية كمالهم وسعادتهم فتأمل ~~قصة موسى وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون للأطفال ووحيه إلى أمه أن ~~تلقيه في اليم وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدر هلاكه على يديه وهو يذبح ~~الأطفال في طلب فرماه في بيته وحجره على فراشه ثم قدر له سببا أخرجه من مصر ~~وأوصله به إلى موضع لا حكم لفرعون عليه ثم قدر له سببا أوصله به إلى النكاح ~~والغنى بعد العزوبة والعيلة ثم ساقه إلى بلد عدوه فأقام عليه به حجته ثم ~~أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم ~~وإهلاكهم وهم ينظرون وهذا كله مما يبين أنه سبحانه يفعل ما يفعله لما يريده ~~من العواقب الحميدة والحكم العظيمة التي لا تدركها عقول الخلق مع ما في ~~ضمنها من الرحمة التامة والنعمة السابغة والتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته ~~فكم في أكل آدم من الشجرة التي نهى عنها وإخراجه بسببها من الجنة من حكمه ~~بالغة لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها وكذلك ما قدره لسيد ولده من الأمور ~~التي أوصله بها إلى أشرف غاياته وأوصله بالطرق ms059 الخفية فيها إلى أحمد ~~العواقب وكذلك فعله بعباده وأوليائه يوصل إليهم نعمة ويسوقهم إلى كمالهم ~~وسعادتهم في الطرق الخفية التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا لاحت لهم ~~عواقبها وهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله ويحصر اللسان عن التعبير ~~عنه وأعرف خلق الله به أنبياؤه ورسله وأعرفهم به خاتمهم وأفضلهم وأمته في ~~العلم به على مراتبهم ودرجاتهم ومنازلهم من العلم بالله وبأسمائه وصفاته ~~وهو سبحانه قد أحاط علما بذلك كله قبل السماوات والأرض وقدره وكتبه عنده ثم ~~يأمر ملائكته بكتابه ذلك من الكتاب الأول قبل خلق العبد فيطابق حاله وشأنه ~~لما كتب في الكتاب ولما كتبته الملائكة لا يزيد شيئا ولا ينقص مما كتبه ~~سبحانه وأثبته عنده كان في علمه قبل أن يكتبه ثم كتبه كما في علمه ثم وجد ~~كما كتبه قال تعالى @QB@ ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك ~~في كتاب إن ذلك على الله يسير @QE@ والله سبحانه قد علم قبل أن يوجد عباده ~~أحوالهم وما هم عاملون وما هم اليه صائرون ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر ~~معلومة الذي علمه فيهم كما علمه وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما ~~أظهر معلومه فاستحقوا المدح والذم والثواب والعقاب بما قام بهم من الأفعال ~~والصفات المطابقة للعلم السابق ولم يكونوا يستحقون ذلك وهي في علمه قبل أن ~~يعملوها فأرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه أعذارا إليهم واقامة للحجة ~~عليهم لئلا يقولوا كيف تعاقبنا على علمك فينا وهذا لا يدخل تحت كسبنا ~~وقدرتنا فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم حصل العقاب على معلومه الذي أظهره ~~الابتلاء والاختبار وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زين لهم من ~~الدنيا وبما ركب فيهم من الشهوات فذلك ابتلاه بشرعه وأمره وهذا ابتلاء ~~بقضائه وقدره وقال تعالى @QB@ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا @QE@ وقال @QB@ وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء @QE@ فأخبر في هذه الآية أنه خلق السماوات والأرض ~~ليبتلي عباده ms060 بأمره ونهيه وهذا من الحق الذي خلق به خلقه وأخبر في الآية ~~التي قبلها أنه خلق الموت والحياة ليبتليهم أيضا فأحياهم ليبتليهم بأمره ~~ونهيه وقدر عليهم الموت الذي ينالوا به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب ~~والعقاب وإن خبر في الآية الأولى أنه زين لهم ما على الأرض ليبتليهم به ~~أيهم يؤثر ما عنده وابتلا بعضهم ببعض PageV01P035 @ وابتلاهم بالنعم ~~والمصائب فأظهر هذا الابتلاء علمه السابق فيهم موجودا عيانا بعد أن كان ~~غيبا في علمه فابتلى أبوى الإنس والجن كل منهما بالآخر فأظهر ابتلاء آدم ما ~~علمه منه وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه منه فلهذا قال للملائكة @QB@ إني أعلم ~~ما لا تعلمون @QE@ واستمر هذا الابتلاء في الذرية إلى يوم القيامة فابتلى ~~الأنبياء باممهم وابتلى أممهم بهم وقال لعبده ورسوله وخليله إني مبتليك ~~ومبتل بك وقال @QB@ ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون @QE@ وقال ~~@QB@ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة @QE@ وفي الحديث الصحيح أن ثلاثة أراد الله أن ~~يبتليهم أبرص وأقرع وأعمى فأظهر الإبتلاء حقائقهم التي كانت في علمه قبل أن ~~يخلقهم فأما الأعمى فاعترف بأنعام الله عليه وأنه أعمى فقيرا فأعطاه الله ~~البصر والغنى وبذل للسائل ما طلبه شكرا لله وأما الأقرع والأبرص فكلاهما ~~جحدا ما كان عليه قبل ذلك من سوء الحال والفقر وقال في الغنى إنما أوتيته ~~كابرا عن كابر وهذا حال أكثر الناس لا يعترف بما كان عليه أولا من نقص أو ~~جهل وفقر وذنوب وأن الله سبحانه نقله من ذلك إلى ضد ما كان عليه وأنعم بذلك ~~عليه ولهذا ينبه سبحانه الانسان على مبدأ خلقه الضعيف من الماء المهين ثم ~~نقله في أطباق خلقه وأطواره من حال إلى حال حتى جعله بشرا سويا يسمع ويبصر ~~ويقول وينطق ويبطش ويعلم فنسي مبدأه وأوله وكيف كان ولم يعترف بنعم ربه ~~عليه كما قال تعالى @QB@ أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا إنا ~~خلقناهم مما يعلمون @QE@ وأنت إذا تأملت ارتباط احدى الجملتين بالأخرى وجدت ~~تحتها كنزا عظيما من كنوز المعرفة والعلم فأشار ms061 سبحانه بمبدأ خلقه مما ~~يعلمون من النطفة وما بعدها إلى موضع الحجة والآية الدالة على وجوده ~~ووحدانيته وكماله وتفرده بالربوبية والإلهية وأنه لا يحسن به مع ذلك أن ~~يتركهم سدى لا يرسل إليهم رسولا ولا ينزل عليهم كتابا وأنه لا يعجز مع ذلك ~~أن يخلقهم بعد ما أماتهم خلقا جديدا ويبعثهم إلى دار يوفيهم فيها أعمالهم ~~من الخير والشر فكيف يطمعون في دخول الجنة وهم يكذبون ويكذبون رسلي ويعدلون ~~بي خلقي وهم يعلمون من أي شيء خلقتهم ويشبه هذا قوله @QB@ نحن خلقناكم ~~فلولا تصدقون @QE@ وهم كانوا مصدقين بأنه خالقهم ولكن احتج عليهم بخلقه لهم ~~على توحيده ومعرفته وصدق رسله فدعاهم منهم ومن خلقه إلى الاقرار بأسمائه ~~وصفاته وتوحيده وصدق رسله والإيمان بالمعاد وهو سبحانه يذكر عباده بنعمه ~~عليهم ويدعوهم بها إلى معرفته ومحبته وتصديق رسله والإيمان بلقائه كما ~~تضمنته سورة النعم وهي سورة النحل من قوله خلق الإنسان من نطفة إلى قوله ~~@QB@ والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ~~@QE@ فذكرهم بأصول النعم وفروعها وعددها عليهم نعمة نعمة وأخبر أنه أنعم ~~بذلك عليهم ليسلموا له فتكمل نعمه عليهم بالإسلام الذي هو رأس النعم ثم ~~أخبر عمن كفره ولم يشكر نعمه بقوله @QB@ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها @QE@ ~~قال مجاهد المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريش ثم ~~ينكرونه بأن يقولوا هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم وقال عون بن عبد الله ~~يقولون لولا فلان لكان كذا وكذا وقال الفراء وابن قتيبة يعرفون أن النعم من ~~الله ولكن يقولون هذه بشفاعة آلهتنا وقالت طائفة النعمة ههنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإنكارها جحدهم نبوته وهذا يروي عن مجاهد والسدى وهذا أقرب إلى ~~حقيقة الإنكار فانه انكار لما لما هو أجل النعم أن تكون نعمة وأما على ~~القول الأول والثاني والثالث فإنهم لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد ~~أنكروا PageV01P036 @ نعمة الله بنسبتها إلى غيره فإن ms062 الذي قال إنما كان ~~هذا لآبائنا ورثناه كابرا عن كابر جاحدا لنعمة الله عليه غير معترف بها وهو ~~كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما فأنكرا وقالا إنما ~~ورثنا هذا كابرا عن كابر فقال إن كنتما كاذبين فصيركما الله إلى ما كنتما ~~وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في أنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آباءهم ~~ثم ورثهم اياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمة وأما قول الآخرين لولا فلان لما ~~كان كذا فيتضمن قطع إضافة النعمة إلى من لولاه لم تكن وأضافتها إلى من لا ~~يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب أجرى ~~الله تعالى نعمته على يده والسبب لا يستقل بالإيجاد وجعله سببا هو من نعم ~~الله عليه وهو المنعم بتلك النعمة وهو المنعم بما جعله من أسبابها فالسبب ~~والمسبب من أنعامه وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب وقد ينعم بدونه فلا يكون ~~له أثر وقد يسلبه تسبيبته وقد يجعل لها معارضا يقاومها وقد يرتب على السبب ~~ضد مقتضاه فهو وحده المنعم على الحقيقة وأما قول القائل بشفاعة آلهتنا ~~فتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها فالآلهة التي تعبد من دون الله ~~أحقر وأذل من أن تشفع عند الله وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها ~~وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه ~~فالشفاعة بإذنه من نعمة فهو المنعم بالشفاعة وهو المنعم بقبولها وهو المنعم ~~بتأهيل المشفوع له إذ ليس كل أحد أهلا أن يشفع له فمن المنعم على الحقيقة ~~سواه قال تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ فالعبد لا خروج له عن ~~نعمته وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين لا في الدنيا ولا في الآخرة ولهذا ذم ~~الله سبحانه من أتاه شيئا من نعمة فقال إنما أوتيته على علم عندي وفي الآية ~~الأخرى @QB@ فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما ~~أوتيته على علم @QE@ وقال البغوي على علم ms063 من الله أني له أهل وقال مقاتل ~~على خير علمه الله عندي وقال آخرون على علم من الله أني له أهل ومضمون هذا ~~القول أن الله آتانيه على علمه بأني أهله وقال آخرون بل العلم له نفسه ~~ومعناه أوتيته على علم مني بوجوه المكاسب قاله قتادة وغيره وقيل المعنى قد ~~علمت أني لما أوتيت هذا في الدنيا فلي عند الله منزلة وشرف وهذا معنى قول ~~مجاهد أوتيته على شرف قال تعالى بل هي فتنة أي النعم التي أوتيتها فتنة ~~نختبره فيها ومحنة نمتحنه بها لا يدل على اصطفائه واجتبائه وأنه محبوب لنا ~~مقرب عندنا ولهذا قال في قصة قارون @QB@ أو لم يعلم أن الله قد أهلك من ~~قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا @QE@ فلو كان إعطاء المال ~~والقوة والجاه يدل على رضاء الله سبحانه عمن آتاه ذلك وشرف قدره وعلو ~~منزلته عنده لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون فلما أهلكهم مع ~~سعة هذا العطاء وبسطته علم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ورضا ~~واصطفاء لهم على غيرهم ولهذا قال في الآية الأخرى بل هي فتنة أي النعمة ~~فتنة لا كرامة ولكن أكثرهم لا يعلمون ثم أكد هذا المعنى بقوله @QB@ قد ~~قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما ~~كسبوا @QE@ أي قد قال هذه المقالة الذين من قبلهم لما آتيناهم نعمنا قال ~~قال ابن عباس كانوا قد بطروا نعمة الله إذ آتاهم الدنيا وفرحوا بها وطغوا ~~وقالوا هذه كرامة من الله لنا وقوله فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون المعنى ~~أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا ولم يكن كذلك لأنهم وقعوا في ~~العذاب ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا وتبين أن تلك النعم لم تكن لكرامتهم ~~علينا وهو أن من منعناه إياها وقال أبو إسحاق معنى الآية أن قولهم إنما ~~آتانا الله ذلك لكرامتنا عليه وإنا أهله أحبط أعمالهم فكنى عن إحباط العمل ~~بقوله @QB@ فما ms064 أغنى عنهم ما كانوا يكسبون @QE@ ثم أبطل PageV01P037 @ ~~سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله @QB@ أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر @QE@ والمقصود أن قوله على علم عندي إن أريد به علمه نفسه ~~كان المعنى أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة والمعرفة التي توصلت بها ~~إلى ذلك وحصلته بها وإن أريد به علم الله كان المعنى أوتيته على ما علم ~~الله عندي من الخير والاستحقاق وإني أهله وذلك من كرامتي عليه وقد يترجح ~~هذا القول بقوله أوتيته ولم يقل حصلته واكتسبته بعلمي ومعرفتي فدل على ~~اعترافه بأن غيره أياه ويدل عليه قوله تعالى @QB@ بل هي فتنة @QE@ أي محنة ~~واختبار والمعنى أنه لم يؤت هذا لكرامته علينا بل أوتيه امتحانا منا ~~وابتلاء واختبارا هل يشكر فيه أم يكفر وأيضا فهذا يوافق قوله @QB@ فأما ~~الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن @QE@ فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي ~~آتاه ذلك ولكن ظن أنه لكرامته عليه فالآية على التقدير الأول تتضمن ذم من ~~أضاف النعم إلى نفسه وعلمه وقوته ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه وذلك محض ~~الكفر بها فإن رأس الشكر الاعتراف بالنعمة وأنها من المنعم وحده فإذا أضيفت ~~إلى غيره كان جحدا لها فإذا قال أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي ~~حصلت بها ذلك فقد أضافها إلى نفسه وأعجب بها كما أضافها إلى قدرته الذين ~~قالوا من أشد منا قوة فهؤلاء اغتروا بقوتهم وهذا اغتر بعلمه فما أغنى عن ~~هؤلاء قوتهم ولا عن هذا علمه وعلى التقدير الثاني يتضمن ذم من اعتقد أن ~~أنعام الله عليه لكونه أهلا ومستحقا لها فقد جعل سبب النعمة ما قام به من ~~الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه وأن تلك النعمة جزاء له على ~~إحسانه وخيره فقد جعل سببها ما اتصف به هو لا ما قام بربه من الجود ~~والإحسان والفضل والمنة ولم يعلم أن ذلك ms065 ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر ~~ليس ذلك جزاء على ما هو منه ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به فالله ~~سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب فهو المنعم بالمسبب والجزاء والكل محض ~~منته وفضله وجوده وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير وعلى التقديرين ~~فهو لم يضف النعمة إلى الرب من كل وجه وإن أضافها إليه من وجه دون وجه وهو ~~سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابها ~~فأسبابها من نعمه على العبد وإن حصلت بكسبه فكسبه من نعمه فكل نعمة فمن ~~الله وحده حتى الشكر فإنه نعمة وهي منه سبحانه فلا يطيق أحد أن يشكره إلا ~~بنعمته وشكره نعمة منه عليه كما قال داود يا رب كيف اشكرك وشكري لك نعمه من ~~نعمك علي تستوجب شكرا آخر فقال الآن شكرتني يا داود ذكره الإمام أحمد وذكر ~~أيضا عن الحسن قال قال داود إلهي لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكر إنك ~~بالليل والنهار والدهر كله لما أدوا مالك علي من حق نعمة واحدة والمقصود أن ~~حال الشاكر ضد حال القائل إنما أوتيته على علم عندي ونظير ذلك قوله @QB@ لا ~~يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط ولئن أذقناه رحمة منا ~~من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي @QE@ قال ابن عباس يريد من عندي وقال مقاتل ~~يعني أنا أحق بهذا وقال مجاهد هذا بعملي وأنا محقوق به وقال الزجاج هذا ~~واجب بعملي استحقيته فوصف الإنسان بأقبح صفتين إن مسه الشر صار إلى حال ~~القانط ووجم وجوم الآيس فإذا مسه الخير نسي أن الله هو المنعم عليه المفضل ~~بما أعطاه فبطر وظن أنه هو المستحق لذلك ثم أضاف إلى ذلك تكذيبه بالبعث ~~فقال وما أظن الساعة قائمة ثم أضاف إلى ذلك ظنه الكاذب أنه إن بعث كان له ~~عند الله الحسنى فلم يدع هذا للجهل والغرور موضعا PageV01P038 @ & فصل وفي ~~قوله تعالى @QB@ وأضله الله على علم @QE@ قول آخر أنه ms066 على علم الضال كما ~~قيل على علم منه أن معبوده لا ينفع ولا يضر فيكون المعنى أضله الله مع علمه ~~الذي تقوم به عليه الحجة لم يضله على جهل وعدم علم هذا يشبه قوله @QB@ فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون @QE@ وقوله @QB@ فصدهم عن السبيل وكانوا ~~مستبصرين @QE@ وقوله @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم @QE@ وقوله @QB@ ~~وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها @QE@ وقول موسى لفرعون @QB@ لقد علمت ~~ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر @QE@ وقوله تعالى @QB@ الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ~~وهم يعلمون @QE@ وقوله @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون @QE@ وقوله @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ~~ما يتقون @QE@ ونظائره كثيرة وعلى هذا التقدير فهو ضال عن سلوك طريق رشده ~~وهو يراها عيانا كما في الحديث أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه ~~الله بعلمه فإن الضال عن الطريق قد يكون متبعا لهواه عالما بأن الرشد ~~والهدى في خلاف ما يعمل ولما كان الهدى هو معرفة الحق والعمل به كان له ~~ضدان الجهل وترك العمل به فالأول ضلال في العلم والثاني ضلال في القصد ~~والعمل فقد وقع قوله على علم في قوله تعالى @QB@ ولقد اخترناهم على علم ~~@QE@ وفي قوله وأضله الله على علم وفي قوله قال إنما أوتيته على علم فالأول ~~يرجع العلم فيه إلى الله قولا واحدا والثاني والثالث فيهما قولان والراجح ~~في قوله وأضله الله على علم أن يكون كالأول وهو قول عامة السلف والثالث فيه ~~قولان محتملان وقد ذكر توجههما والله أعلم والمقصود ذكر مراتب القضاء ~~والقدر علما وكتابة ومشيئة وخلقا PageV01P039 @ @QB@ وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين @QE@ فجمع بين الكتابين الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم ~~والكتاب المقارن لأعمالهم فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم للبعث ويجازيهم ~~بأعمالهم ونبه بكتابته لها على ذلك قال نكتب ما قدموا من خير أو شر فعلوه ~~في حياتهم وآثارهم ما سنوا من سنة خير أو شر فاقتدى بهم فيها بعد ms067 موتهم ~~وقال ابن عباس في رواية عطاء آثارهم ما أثروا من خير أو شر كقوله @QB@ ينبأ ~~الإنسان يومئذ بما قدم وأخر @QE@ فإن قلت قد استفيد هذا من قوله قدموا ضما ~~أفاد قوله اثارهم على قوله قلت أفاد فائدة جليلة وهو انه سبحانه يكتب ما ~~عملوه وما تولد من أعمالهم فيكون المتولد عنها كأنهم عملوه في الخير والشر ~~وهو أثر أعمالهم فآثارهم هي آثار أعمالهم المتولدة عنها وهذا القول أعم من ~~قول مقاتل وكأن مقاتلا أراد التمثيل والبيان على عادة السلف في تفسير ~~اللفظة العامة بنوع أو فرد من أفراد مدلولها تقريبا وتمثيلا لا حصرا وإحاطة ~~وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة نزلت هذه الآية في بني سلمة أرادوا أن ~~ينتقلوا إلى قرب المسجد وكانت منازلهم بعيدة فلما نزلت قالوا بل نمكث ~~مكاننا واحتج أرباب هذا القول بما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ~~قال كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت ~~هذه الآية @QB@ إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم @QE@ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم وقد روى مسلم في ~~صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس وفي هذا القول نظر فإن سورة يس مكية وقصة بني ~~سلمة بالمدينة إلا أن يقال هذه الآية وحدها مدنية وأحسن من هذا أن تكون ~~ذكرت عند هذه القصة ودلت عليها وذكروا بها عندها إما من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأما من جبريل فأطلق على ذلك النزول ولعل هذا مراد من قال في ~~نظائر ذلك نزلت مرتين والمقصود أن خطاهم إلى المساجد من آثارهم التي يكتبها ~~الله لهم قال عمر بن الخطاب لو كان الله سبحانه تاركا لابن آدم شيئا لترك ~~ما عفت عليه الرياح من أثر وقال مسروق ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو ~~سيئة والمقصود أن قوله @QB@ وكل شيء أحصيناه في إمام مبين @QE@ وهو اللوح ~~المحفوظ وهو أم الكتاب وهو الذكر الذي كتب ms068 فيه كل شيء يتضمن كتابة أعمال ~~العباد قبل أن يعملوها والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها وحفظها لها ~~والإحاطة بعددها واثباتها فيه وقال تعالى @QB@ وما من دابة في الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم ~~يحشرون @QE@ وقد اختلف في الكتاب ههنا هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ على ~~قولين فقالت طائفة المراد به القرآن وهذا من العام المراد به الخاص أي ما ~~فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه كقوله @QB@ ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء @QE@ ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه والمراد إن كل ~~شيء ذكر فيه مجملا ومفصلا كما قال ابن مسعود وقد لعن الواصلة والمستوصلة ما ~~لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه فقالت امرأة لقد قرأت القرآن فما وجدته ~~فقال إن كنت قرأتيه فقد وجدته قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا @QE@ ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة ~~والمستوصلة وقال الشافعي ما نزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله ~~سبيل الدلالة عليها وقالت طائفة المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ ~~الذي كتب الله فيه كل شيء وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس وكان هذا القول ~~أظهر في الآية والسياق يدل عليه فإنه قال @QB@ وما من دابة في الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم @QE@ وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في ~~الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول وأنها لم تخلق سدى PageV01P040 @ بل هي ~~معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر عاقبتها ~~ومصيرها بعد فنائها ثم قال إلى ربهم يحشرون فذكر مبدأها ونهايتها وأدخل بين ~~هاتين الحالتين قوله @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ أي كلها قد كتبت ~~وقدرت وأحصيت قبل أن توجد فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي وإنما يناسب ~~ذكر الكتاب الأول # ولمن نصر القول الأول أن يجيب عن هذا بأن في ذكر القرآن ههنا الأخبار عن ~~تضمنه لذكر ms069 ذلك والأخبار به فلم نفرط فيه من شيء بل أخبرناكم بكل ما كان ~~وما هو كائن إجمالا وتفصيلا ويرجحه أمر آخر وهو أن هذا ذكر عقيب قوله @QB@ ~~وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون @QE@ فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء ولم يفرط فيه من شيء ~~ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض وهذا يتضمن ~~التعريف بوجود الخالق وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه وكثرة جنوده والأمم التي ~~يحصيها غيره وهذا يتضمن أنه لا إله غيره ولا رب سواه وأنه رب العالمين فهذا ~~دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره وإنزال الكتاب الذي لم ~~يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه فهذا استدلال بأمره وذاك بخلقه ~~ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # وشهد لهذا أيضا قوله @QB@ وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما ~~الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ~~يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون @QE@ ولمن نصر إن المراد ~~بالكتاب اللوح المحفوظ أن يقول لما سألوا آية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك ~~إنزالها لعدم قدرته على ذلك فإنه قادر على ذلك وإنما لم ينزلها لحكمته ~~ورحمته بهم وإحسانه إليهم أذلوا أنزلها على وفق اقتراحهم لعوجلوا بالعقوبة ~~أن لم يؤمنوا ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا ~~يحصى عددها إلا هو فمن قدر على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها ~~وصفاتها وهيئاتها كيف يعجز عن إنزال آية ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن ~~هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم ~~يفرط فيه من شيء ثم يميتهم ثم يحشرهم إليه والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في ~~الظلمات عن النظر والاعتبار الذي يؤديهم إلى ms070 معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق ~~رسله ثم أخبر أن الآيات لا تستقل بالهدى ولو انزلها على وفق اقتراح البشر ~~بل الأمر كله له من يشأ يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم فهو أظهر ~~القولين والله أعلم وقال @QB@ حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم @QE@ قال ابن عباس في ~~اللوح المحفوظ المقري عندنا قال مقاتل أن نسخته في أصل الكتاب وهو اللوح ~~المحفوظ وأم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء اصله والقرآن كتبه الله في اللوح ~~المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض كما قال تعالى @QB@ بل هو قرآن مجيد في ~~لوح محفوظ @QE@ وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث ان كل ~~كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب وقد دل القرآن على أن الرب ~~تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله فكتب في اللوح أفعاله وكلامه ~~فتبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب وقوله لدينا يجوز فيه ~~أن تكون من صلة أم الكتاب أي أنه في الكتاب الذي عندنا وهذا اختيار ابن ~~عباس ويجوز أن يكون من صلة الخبر أنه علي حكيم عندنا ليس هو كما عند ~~المكذبين به أي وأن كذبتم به وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف ~~PageV01P041 @ والأحكام وقال تعالى @QB@ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب @QE@ قال سعيد بن جبير ومجاهد ~~وعطية أي ما سبق لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة ثم قرأ عطية @QB@ فريقا ~~هدى وفريقا حق عليهم الضلالة @QE@ والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كتب لهم من ~~الشقاوة وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء قال يريد ما سبق عليهم في علمي في ~~اللوح المحفوظ فالكتاب على هذا القول الكتاب الأول ونصيبهم ما كتب لهم من ~~الشقاوة وأسبابها وقال ابن زيد والقرطبي والربيع بن أنس ينالهم ما كتب لهم ~~من الأرزاق والاعمال فإذا فنى نصيبهم واستكملوه جاءتهم رسلنا يتوفونهم ورجح ~~بعضهم هذا ms071 القول لمكان حتى التي هي للغاية يعني أنهم يستوفون أرزاقهم ~~وأعمارهم إلى الموت ولمن نصر القول الأول أن يقول حتى في هذا الموضع هي ~~التي تدخل على الجمل ويتصرف الكلام فيها إلى الابتداء كما في كقوله فيا ~~عجبا حتى كليب تسبني والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين فهو ~~نصيبهم من الشقاوة ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها ونصيبهم من الأعمار ~~التي هي مدة اكتسابها ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك فعمت ~~الآية هذا النصيب كله وذكر هؤلاء بعضه وهؤلاء بعضه هذا على القول الصحيح ~~وأن المراد ما سبق لهم في أم الكتاب وقالت طائفة المراد بالكتاب القرآن قال ~~الزجاج معنى نصيبهم من الكتاب ما أخبر الله من جزائهم نحو قوله @QB@ ~~فأنذرتكم نارا تلظى @QE@ وقوله @QB@ يسلكه عذابا صعدا @QE@ قال أرباب هذا ~~القول وهذا هو الظاهر لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع ثم أخبر أنه ~~ينالهم نصيبهم منه والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه ~~قبل أن يخلقو ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين منه الرحمة ~~والسعادة ونصيب هؤلاء منه العذاب والشقاء فنصيب كل فريق منه ما اختاروه ~~لأنفسهم وآثروه على غيره كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة فحظ ~~هؤلاء منه الضلال والخيبة فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة ~~عليهم وقريب من هذا قوله @QB@ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون @QE@ أي تجعلونه ~~حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به قال الحسن تجعلون حظكم ~~ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا ~~التكذيب به وقال تعالى @QB@ وكل شيء فعلوه في الزبر @QE@ قال عطاء ومقاتل ~~كل شيء فعلوه مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ وروى حماد بن زيد عن داود بن ~~أبي هند عن الشعبي وكل شيء فعلوه في الزبر قال كتب عليهم قبل أن يعملوه ~~وقالت طائفة المعنى أنه يحصى عليهم في كتب أعمالهم وجمع أبو إسحاق بين ~~القولين فقال مكتوب عليهم قبل ms072 ان يفعلوه ومكتوب عليهم إذا فعلوه للجزاء ~~وهذا أصح وبالله التوفيق وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال ما رأيت شيئا ~~أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن الله ~~كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا ~~اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهى والفرج يصدق ذلك ويكذبه وفي الصحيح أيضا ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب على ابن آدم نصيبه ~~من الزنا مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما ~~الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطأ والقلب ~~يهوى ويتمنى ويصدق الفرج ذلك كله ويكذبه وفي صحيح البخاري وغيره عن عمران ~~بن حصين قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ~~ناس من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا ~~PageV01P042 @ مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال أقبلوا البشرى يا أهل ~~اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئنا ~~لنسألك عن هذا الأمر قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكاه عرشه على الماء ~~وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن ~~الحصين فانطلقت فإذا هي ينقطع دونها السراب فو الله لوددت أني كنت تركتها ~~فالرب سبحانه كتب ما يقوله وما يفعله وما يكون بقوله وفعله وكتب مقتضى ~~أسمائه وصفاته وآثارها كما في الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب في ~~كتابه فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي $ الباب الثاني عشر في ذكر ~~المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة المشيئة # وهذه المرتبة قد دل عليها اجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم وجميع الكتب ~~المنزلة من عند الله والفطرة التي فطر الله عليها خلقه وأدلة العقول ms073 ~~والعيان وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده فما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به والمسلمون من أولهم إلى ~~آخرهم مجمعون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وخالفهم في ذلك من ~~ليس منهم في هذا الموضع وأن كان منهم في موضع آخر فجوزوا أن يكون في الوجود ~~ما لا يشاء الله وأن يشاء ما لا يكون وخالف الرسل كلهم وأتباعهم من نفى ~~مشيئة الله بالكلية ولم يثبت له سبحانه مشيئة واختيارا أو جدبها الخلق كما ~~يقوله طوائف من أعداء الرسل من الفلاسفة وأتباعهم والقرآن والسنة مملوآن ~~بتكذيب الطائفتين فقوله تعالى @QB@ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ~~من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد @QE@ وقال تعالى @QB@ كذلك الله ~~يفعل ما يشاء @QE@ وقال @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون @QE@ وقال @QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا @QE@ وقال ~~@QB@ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة @QE@ وقال @QB@ ولو شاء الله لجمعهم ~~على الهدى @QE@ وقال @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ وقال @QB@ ولو ~~يشاء الله لانتصر منهم @QE@ وقال @QB@ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ~~@QE@ وقال @QB@ فإن يشأ الله يختم على قلبك @QE@ وقال @QB@ إن يشأ يذهبكم ~~أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا @QE@ وقال @QB@ لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين @QE@ وقال عن نوح أنه قال لقومه @QB@ إنما ~~يأتيكم به الله إن شاء @QE@ وقال إمام الحنفاء وأبو الأنبياء لقومه @QB@ ~~ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما @QE@ وقال ~~الذبيح له @QB@ ستجدني إن شاء الله من الصابرين @QE@ وقال خطيب الأنبياء ~~شعيب @QB@ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا ms074 كل ~~شيء علما على الله توكلنا @QE@ وقال الصديق الكريم ابن الكريم ابن الكريم ~~@QB@ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين @QE@ وقال حمو موسى @QB@ وما أريد أن ~~أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين @QE@ وقال كليم الرحمن للخضر @QB@ ~~ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا @QE@ وقال قوم موسى له @QB@ ~~وإنا إن شاء الله لمهتدون @QE@ وقال لسيد ولد آدم وأكرمهم عليه @QB@ ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله @QE@ وقال @QB@ قل لا أملك ~~لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله @QE@ وقال عن أهل PageV01P043 @ الجنة ~~@QB@ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك @QE@ وعن اهل ~~النار كذلك ليبين أن الأمر راجع إلى مشيئته ولو شاء لكان غير ذلك وقال @QB@ ~~ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم @QE@ وقال @QB@ يغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء @QE@ وقال @QB@ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في ~~الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء @QE@ وقال @QB@ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر @QE@ وقال @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ وقال @QB@ من يشإ الله ~~يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم @QE@ وقال @QB@ وما أرسلنا من رسول ~~إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز ~~الحكيم @QE@ وقال @QB@ ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء @QE@ وقال ~~@QB@ ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ وقال @QB@ قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ وقال @QB@ قل لو شاء ~~الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به @QE@ وقال @QB@ نحن خلقناهم وشددنا ~~أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا @QE@ وقال @QB@ وما يذكرون إلا أن ~~يشاء الله @QE@ وفي الآية الأخرى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ ~~فأخبر أن مشيئتهم وفعلهم موقوفان على مشيئته لهم هذا وهذا وقال @QB@ قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء ~~وتذل من تشاء @QE@ وقال @QB@ والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم @QE@ وقال @QB@ ويعذب المنافقين ms075 إن شاء أو يتوب عليهم @QE@ ~~وقوله @QB@ يختص برحمته من يشاء @QE@ وقوله @QB@ ولكن الله يزكي من يشاء ~~@QE@ وقوله @QB@ والله يضاعف لمن يشاء @QE@ وقوله @QB@ نصيب برحمتنا من ~~نشاء @QE@ وقوله @QB@ نرفع درجات من نشاء @QE@ وقوله @QB@ ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء @QE@ وقوله @QB@ ولكن الله يمن على من يشاء من عباده @QE@ ~~وقوله @QB@ فنجي من نشاء @QE@ وقوله @QB@ فيبسطه في السماء كيف يشاء @QE@ ~~وقوله @QB@ إن ربي لطيف لما يشاء @QE@ وقوله @QB@ يؤتي الحكمة من يشاء @QE@ ~~وقوله @QB@ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم @QE@ وقوله @QB@ ولو شاء الله لذهب ~~بسمعهم وأبصارهم @QE@ وقوله @QB@ إن يشأ يسكن الريح @QE@ وقوله @QB@ لو ~~نشاء لجعلناه حطاما @QE@ @QB@ لو نشاء جعلناه أجاجا @QE@ وقوله @QB@ فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شاء @QE@ وقوله @QB@ إن يشأ يذهبكم ويستخلف من ~~بعدكم ما يشاء @QE@ وقوله @QB@ ولو شاء الله لأعنتكم @QE@ وقوله @QB@ الله ~~يجتبي إليه من يشاء @QE@ وقوله عن كليمة موسى @QB@ إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدي من تشاء @QE@ وهذه الآيات ونحوها تتضمن الرد على طائفتي ~~الضلال نفاة المشيئة بالكلية ونفاة مشيئة أفعال العباد وحركاتهم وهداهم ~~وضلالهم وهو سبحانه تارة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته وتارة إن ما لم ~~يشأ لم يكن وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع وأنه لو شاء لكان خلاف القدر ~~الذي قدره وكتبه وأنه لو شاء ما عصى وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى ~~وجعلهم أمة واحدة فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته وأن ما لم يقع فهو لعدم ~~مشيئته وهذا حقيقة الربوبية وهو معنى كونه رب العالمين وكونه القائم بتدبير ~~عباده فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ~~ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه وكل ذلك بمشيئته ~~وتكوينه إذ لا مالك غيره ولا مدبر سواه ولا رب غيره قال تعالى @QB@ وربك ~~يخلق ما يشاء ويختار @QE@ وقال @QB@ ونقر في الأرحام ما نشاء @QE@ وقال ~~@QB@ في أي صورة ما شاء ركبك @QE@ وقال @QB@ لله ملك السماوات والأرض يخلق ~~ما يشاء يهب لمن يشاء ms076 إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشاء عقيما @QE@ وقال @QB@ يهدي الله لنوره من يشاء @QE@ وتقدم في ~~حديث حذيفة بن أسيد في صحيح مسلم في شأن الجنين فيقضي ربك ما يشاء ويكتب ~~الملك وفي صحيح البخاري من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء وفي صحيح البخاري من حديث ~~علي بن أبي طالب PageV01P044 @ حين طرقه النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة ~~ليلا فقال الا تصليان علي إنما انفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ~~وفي صحيحه أيضا في قصة نومهم في الوادي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أن ~~الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء وفي حديث ابن مسعود الذي في المسند ~~وغيره في قصة رجوعهم من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن الله لو شاء لم تناموا عنها ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم ~~فهكذا لمن نام ونسي وفي لفظ آخر أن الله سبحانه وتعالى لو شاء أيقظنا ولكنه ~~أراد أن يكون لمن بعدكم وفي مسند الامام أحمد عن طفيل بن سخيرة أخي عائشة ~~لامها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال من أنتم قالوا ~~نحن اليهود قال أنكم أنتم القوم لو أنكم تزعمون أن عزيرا أبن الله فقالت ~~اليهود وأنتم القوم لو أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد ثم مر برهط من ~~النصارى فقال من أنتم قالوا نحن النصارى قال أنكم أنتم القوم لولا أنكم ~~تقولون المسيح أبن الله قالوا وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله ~~وشاء محمد فلما أصبح أخبر بها من أخبر ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره فقال أخبرت أحدا قال نعم فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه فقال ~~أن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم وأنكم تقولون كلمة كان يمنعني ~~الحياء منكم زاد البيهقي فلا تقولوها ولكن قولوا ms077 ما شاء الله وحده لا شريك ~~له وروى جعفر عن عون عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال جاء رجل ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه في بعض الأمر فقال الرجل لرسول الله ما ~~شاء الله وشئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجعلتني لله عدلا بل ما ~~شاء الله وحده وروى سعيد عن منصور عن عبد الله بن يسار عن حذيفة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء ~~الله ثم شاء فلان قال الشافعي في رواية الربيع عنه المشيئة إرادة الله قال ~~الله عز وجل @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ فأعلم الله خلقه أن ~~المشيئة له دون خلقه وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله فيقال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما شاء ثم شئت ولا يقال ما شاء الله وشئت قال ~~ويقال من يطع الله ورسوله فأن الله تعبد العباد بأن فرض عليهم طاعة رسوله ~~فإذا أطيع رسول الله فقد اطيع الله بطاعة رسوله وفي صحيح مسلم من حديث ع ~~عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قلوب العباد بين أصبعين من ~~أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك وفي حديث النواس بن سمعان سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما من قلب الا بين أصبعين من أصابع الرحمن ~~أن شاء اقامه وان شاء أزاغه وكان رسول الله صلى اله عل وسلم يقول اللهم يا ~~مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك والميزان بيد الرحمن يرفع أقواما ويخفض ~~آخرين إلى يوم القيامة وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول انما بقاؤكم فيما سلف من ~~الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس وذكر الحديث وقال في آخره ~~فذلك ms078 فضلى أوتيه من أشاء وفي صحيح البخاري مرفوعا مثل الكافر كمثل الارزة ~~صماء معتدلة حتى يقصمها الله اذا شاء وقال عبد الرازق عن معمر عن همام هذا ~~ما حدثنا أبوهريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك ~~وتعالى لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فاني أنا الدهر أرسل الليل والنهار ~~فاذا شئت قبضتهما قال الشافعي تأويله والله أعلم أن العرب كان شأنها ~~PageV01P045 @ أن تذم الدهر وتسببه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو ~~هرم أو تلف أو غير ذلك فيقولون إنما يهلكنا الدهر وهو الليل والنهار ~~ويقولون أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر فيجعلون الليل والنهار يفعلان ~~الأشياء فيذمون الدهر بأنه الذي يفنيهم ويفعل بهم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تسبوا الدهر على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء ~~فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبون الله تبارك وتعالى فإنه فاعل ~~هذه الأشياء وفي حديث أنس يرفعه اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات ~~رحمة الله فإن لله عز وجل سحائب من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا ~~الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ~~قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال تبايعوني على أن لا تشركوا ~~بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ~~ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى ~~الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وفيهما أيضا من حديث احتجاج الجنة والنار ~~قول الله للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء وللنار أنت عذابي أعذب بك من ~~أشاء وفيه أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقل ~~أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت وارزقني إن شئت ليعزم مسئلته ~~إنه يفعل ما يشاء لا مكره له وفي صحيح مسلم عنه يرفعه المؤمن ms079 القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ~~ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما ~~شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان وفي حديث أبي ذر يا عبادي كلكم ضال إلا من ~~هديته الحديث وفي آخره ذلك بأني جواد افعل ما أشاء عطائي كلام فإذا أردت ~~شيئا فإنما أقول له كن فيكون وفي حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما أنعم الله على عبد من نعمة من أهل وولد فيقول ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله فيرى فيه آية دون الموت وهذا الحديث الصحيح مشتق من قوله تعالى ~~@QB@ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله @QE@ وفي حديث ~~الشفاعة فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني وفي حديث ~~آخر أهل الجنة دخولا إليها فيسكت ما شاء الله أن يسكت وفيه قوله سبحانه لا ~~أهزأ بك ولكني على ما أشاء فدير والحديثان الصحيحين وفيهما من حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكل نبي دعوة فأريد أن شاء الله أن ~~أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة وقال لا يدخل النار إن شاء الله من ~~أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد وقال إني لأطمع أن يكون حوضي إن شاء ~~الله أوسع ما بين أيلة إلى كذا وقال في المدينة لا يدخلها الطاعون ولا ~~الدجال إن شاء الله وقال في زيارة المقابر وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ~~وقال لما حاصر الطائف إنا قافلون غدا إن شاء الله وقال لما قدم مكة منزلنا ~~غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة وقال يوم بدر هذا مصرع فلان غدا إن شاء ~~الله وهذا مصرع فلان إن شاء الله وقال في بعض أسفاره إنكم تسيرون عشيتكم ~~وليلتكم ثم إنكم تأتون الماء غدا إن شاء الله وقال للأعرابي الذي عاده من ~~الحمى ms080 لا بأس طهور إن شاء الله وأخبر عن سليمان بن داود أنه قال لأطوفن ~~الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له ~~الملك قل إن شاء الله فلم يقل فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا أمرأة ~~واحدة جاءت بشق رجل وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في ~~سبيل الله فرسانا أجمعون وقال من حلف فقال إن شاء الله فإن PageV01P046 @ ~~شاء مضى وإن شاء رجع غير حنث وقال لأغزون قريشا ثم قال في الثالثة إن شاء ~~الله وقال ألا مشمر للجنة فقالت الصحابة نحن المشمرون لها يا رسول الله ~~فقال قولوا إن شاء الله وقال @QB@ واذكر ربك إذا نسيت @QE@ قال الحسن إذا ~~نسيت أن تقول إن شاء الله وهذا هو الاستثناء الذي كان يجوزه ابن عباس ~~متراخيا ويتأول عليه الآية لا الاستثناء في الاقرار واليمين والطلاق ~~والعتاق وهذا من كمال علم ابن عباس وفقهه في القرآن وقد أجمع المسلمون على ~~أن الحالف إذا استثنى في يمينه متصلا بها فقال لأفعلن كذا أو لا أفعله إن ~~شاء الله إنه لا يحنث إذا خالف ما حلف عليه لأن من أصل أهل الاسلام أنه لا ~~يكون شيء إلا بمشيئة الله فإذا علق الحالف الفعل أو الترك بالمشيئة لم يحنث ~~عند عدم المشيئة ولا تجب عليه الكفارة ولو ذهبنا نذكر كل حديث أو أثر جاء ~~فيه لفظ المشيئة وتعليق فعل الرب بها لطال الكتاب جدا واما الارادة فورودها ~~في نصوص القرآن والسنة معلوم أيضا كقوله @QB@ فعال لما يريد @QE@ @QB@ ~~فأراد ربك أن يبلغا أشدهما @QE@ وإذا أردنا أن نهلك قرية @QB@ يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون @QB@ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا @QE@ وقول نوح ~~@QB@ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ~~ربكم وإليه ترجعون @QE@ وقوله @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح ms081 صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ وقوله @QB@ وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا فلا مرد له @QE@ وقوله @QB@ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق ~~الإنسان ضعيفا @QE@ وأخبر أنه إذا لم يرد تطهير قلوب عباده لم يكن لهم سبيل ~~إلى تطهيرها فقال @QB@ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في ~~الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم @QE@ وقال @QB@ وأن الله يهدي من يريد ~~@QE@ @QB@ إن الله يحكم ما يريد @QE@ وقال @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج ولكن يريد ليطهركم @QE@ وقوله @QB@ فمن يملك من الله شيئا إن أراد ~~أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا @QE@ وقوله @QB@ إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت @QE@ وقوله @QB@ قل من ذا الذي ~~يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة @QE@ وقول صاحب يس @QB@ ~~أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ~~@QE@ وقوله @QB@ قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته @QE@ وقوله @QB@ يريد الله ~~ألا يجعل لهم حظا في الآخرة @QE@ وقوله @QB@ من كان يريد العاجلة عجلنا له ~~فيها ما نشاء لمن نريد @QE@ والنصوص النبوية في إثبات إرادة الله أكثرمن أن ~~تحصر كقوله من يرد الله به خيرا يفقه في الدين من يرد الله به خيرا يصب منه ~~إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إذا أراد الله رحمة أمة قبض ~~نبيها قبلها إذا أراد الله هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأقر عينه بهلكها إذا ~~أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا إذا أراد الله بعبد شرا أمسك ~~عنه توبته حتى يوافي يوم القيامة كأنه عير إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل ~~له إليها حاجة إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب الرفق إذا أراد ~~الله ms082 بقوم عذابا أصاب من كان فيهم ثم بعثوا على بناتهم والآثار النبوية في ~~ذلك أكثر من أن نستوعبها # | فصل وههنا أمر يجب التنبيه عليه والتنبه له وبمعرفته تزول إشكالات ~~كثيرة تعرض لمن بم يحط به علما وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر وأمره ~~سبحانه نوعان أمر كوني قدري وأمر ديني PageV01P047 @ شرعي فمشيئته سبحانه ~~متعلقة بخلقه وأمره الكوني وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه كله داخل تحت ~~مشيئته كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال ~~المسخوطة له وهو يبغضها فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله وأما محبته ورضاه ~~فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله فما وجد منه تعلقت به ~~المحبة والمشيئة جميعا فهو محبوب للرب واقع بمشيئته كطاعات الملائكة ~~والأنبياء والمؤمنين وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم ~~تتعلق به مشيئته وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته ولم ~~تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني وما لم يوجد منها لم تتعلق به ~~مشيئته ولا محبته فلفظ المشيئة كوني ولفظ المحبة ديني شرعي ولفظ الإرادة ~~ينقسم إلى إرادة كونية فتكون هي المشيئة وإرادة دينية فتكون هي المحبة إذا ~~عرفت هذا فقوله تعالى @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ وقوله @QB@ لا يحب ~~الفساد @QE@ وقوله @QB@ ولا يريد بكم العسر @QE@ لا يناقض نصوص القدر ~~والمشيئة العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره فإن المحبة غير ~~المشيئة والأمر غير الخلق ونظير هذا لفظ الأمر فإنه نوعان أمر تكوين وأمر ~~تشريع والثاني قد يعصي ويخالف بخلاف الأول فقوله تعالى @QB@ وإذا أردنا أن ~~نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها @QE@ لا يناقض قوله إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء ولا حاجة إلى تكلف تقدير أمرنا مترفيها فيها بالطاعة فعصونا ~~وفسقوا فيها بل الأمر ههنا أمر تكوين وتقدير لا أمر تشريع لوجوه أحدها أن ~~المستعمل في مثل هذا التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به كما تقول ~~أمراته فقام وأمراته فأكل كما لو صرح بلفظة أفعل كقوله ms083 تعالى @QB@ وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا @QE@ وهذا كما تقول دعوته فأقبل وقال تعالى ~~@QB@ يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده @QE@ الثاني أن الأمر بالطاعة لا يخص ~~المترفين فلا يصح حمل الآية عليه بل تسقط فائدة ذكر المترفين فإن جميع ~~المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة فلا يصح أن يكون أمر المترفين علة إهلاك ~~جميعهم الثالث أن هذا النسق العجيب والتركيب البديع مقتض ترتب ما يعد الفاء ~~على ما قبلها ترتب المسبب على سببه والمعلول على علته ألا ترى أن الفسق علة ~~حق القول عليهم وحق القول عليهم علة لتدميرهم فهكذا الأمر سبب لفسقهم ومقتض ~~له وذلك هو أمر التكوين لا التشريع الرابع أن أرادته سبحانه لإهلاكهم إنما ~~كانت بعد معصيتهم ومخالفتهم لرسله فمعصيتهم ومخالفتهم قد تقدمت فأراد الله ~~إهلاكهم فعاقبهم بأن قدر عليهم الأعمال التي يتحتم معها هلاكهم فإن قيل ~~فمعصيتهم السابقة سبب لهلاكهم فما الفائدة في قوله @QB@ أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها @QE@ وقد تقدم الفسق منهم قبل المعصية السابقة وإن كانت سببها ~~للهلاك لكن يجوز تخلف الهلاك عنها ولا يتحتم كما هو عادة الرب تعالى ~~المعلومة في خلقه أنه لا يتحتم هلاكهم بمعاصيهم فإذا أراد إهلاكهم ولا بد ~~أحدث سببا آخر يتحتم معه الهلاك ألا ترى أن ثمود ألم يهلكهم بكفرهم السابق ~~حتى أخرج لهم النافة فعقروها فأهلكوا حينئذ وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم ~~السابق بموسى حتى أراهم الآيات المتتابعات واستحكم بغيهم وعنادهم فحينئذ ~~أهلكوا أو كذلك قوم لوط لما أراد هلاكهم أرسل الملائكة إلى لوط في صورة ~~الأضياف فقصدوهم بالفاحشة ونالوا من لوط وتواعدوه وكذلك سائر الأمم إذا ~~أراد الله هلاكهم أحدث لها بغيا وعدوانا يأخذها على اثره وهذه عادته مع ~~عباده عموما وخصوصا فيعصيه العبد وهو يحلم عنه ولا يعاجله حتى إذا أراد ~~أخذه قيض له عملا يأخذه به مضافا إلى أعماله الأولى فيظن الظان أنه أخذه ~~بذلك العمل وحده وليس كذلك بل حق عليه القول بذلك وكان قبل ذلك PageV01P048 ~~@ لم يحق عليهم القول بأعماله الأولى حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق ms084 عليه ولكن ~~لم يحكم به أحكم الحاكمين ولم يمض الحكم فإذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب ~~عليه أمضى حكمه عليه وأنفذه قال تعالى @QB@ فلما آسفونا انتقمنا منهم @QE@ ~~وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر ~~واستحكم عليهم إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم فلما أيس من إيمانهم تقرر ~~الغضب واستحكم فحلت العقوبة فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير ~~الإلهي وفكر العبد فيه من أنفع الأمور له فإنه لا يدري أي المعاصي هي ~~الموجبة التي يتحتم عندها عقوبته فلا يقال بعدها والله المستعان وسنعقد ~~لهذا الفصل بابا في الفرق بين القضاء الكوني والديني نشبع الكلام فيه إن ~~شاء الله لشده الحاجة إليه إذ المقصود في هذا الباب مشيئة الرب وأنها ~~الموجبة لكل موجود كما أن عدم مشيئته موجب لعدم وجود الشيء فهما الموجبتان ~~ما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ وجب عدمه وامتناعه وهذا أمر يعم كل مقدور ~~من الأعيان والأفعال والحركات والسكنات فسبحانه أن يكون في مملكته ما لا ~~يشاء أو أن يشاء شيئا فلا يكون وإن كان فيها ما لا يحبه ولا يرضاه وإن كان ~~يحب الشيء فلا يكون لعدم مشيئته له ولو شاءه لوجد # الباب الثالث عشر في ذكر المرتبة الرابعة من مراتب القضاءوالقدر وهي ~~مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها # وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم وعليه اتفقت ~~الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار وخالف في ذلك مجوس الأمة فأخرجت ~~طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين وهي أشرف ما في العالم عن ~~ربوبيته وتكوينه ومشيئته بل جعلوهم هم الخالقون لها ولا تعلق لها بمشيئته ~~ولا تدخل تحت قدرته وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية فعندهم ~~أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضلي مهتديا ولا يقدر أن يجعل المسلم ~~مسلما والكافر كافرا والمصلي مصليا وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك لا يجعله ~~تعالى وقد نادى القرآن بل الكتب السماوية كلها ms085 والسنة وأدلة التوحيد ~~والعقول على بطلان قولهم وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض وصنف ~~حزب الإسلام وعصابة الرسول وعسكره التصانيف في الرد عليهم وهي أكثر من أن ~~يحصيها إلا الله ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم ونواصيهم تحت ~~أرجلهم إذ كانوا يردون باطلهم بالحق المحض وبدعتهم بالسنة والسنة لا يقوم ~~لها شيء فكانوا معهم كالذمة مع المسلمين إلى أن نبغت نابغة ردوا بدعتهم ~~ببدعة تقابلها وقابلوا باطلهم بباطل من جنسه وقالوا العبد مجبور على أفعاله ~~مقهور عليها لا تأثير له في وجودها البتة وهي واقعة بإرادته وإختياره وغلا ~~غلاتهم فقالوا بل هي عين أفعال الله ولا ينسب إلى العبد الأعلى المجاز ~~والله سبحانه يلوم العبد ويعاقبه ويخلده في النار على ما لم يكن للعبد فيه ~~صنع ولا هو فعله بل هو محض فعل الله وهذا قول الجبرية وهو أن لم يكن شرا من ~~القدرية فليس هو بدونه في البطلان وإجماع الرسل واتفاق الكتب الإلهية وأدلة ~~العقول والفطر والعيان يكذب هذا القول ويرده والطائفتان في عمي عن الحق ~~القويم والصراط المستقيم ولما راى القاضي وغيره بطلان هذا القول وتناقضه ~~للشرائع والعدل والجبلة قالوا قدرة العبد وإن لم تؤثر في وجود الفعل فهي ~~مؤثرة في صفة من صفاته PageV01P049 @ وتلك الضفة تسمى كسبا وهي متعلق الأمر ~~والنهي والثواب والعقاب فإن الحركة التي هي من طاعته والحركة التي هي من ~~معصيته قد اششتركا في نفس الحركة وامتازت إحداهما عن الأخرى بالطاعة ~~والمعصية فذات الحركة ووجودها واقع بقدرة الله وإيجاده وكونها طاعة ومعصية ~~واقع بقدرة العبد تأثيره وهذا وإن كان أقرب الصواب فالقائل به لم يوفه حقه ~~فإن كونها طاعة ومعصية هو موافقة الأمر ومخالفته فهذه الموافقة والمخالفة ~~إما أن تكون فعلا للعبد يتعلق بقدرته واختياره وإن كان لم يكن للعبد اختيار ~~ولا فعل ولا كسب البتة فلم يثبت هؤلاء من الكسب أمرا معقولا ولهذا يقال ~~محالات الكلام ثلاثة كسب الأشعري وأحوال أبي هاشم وطفرة النظام ولما رأى ~~طائفة فساد هذا ms086 قالوا المؤثر في وجود الفعل هو قدرة الرب على سبيل ~~الاستقلال قالوا ولا يمتنع اجتماع المؤثرين على أثر واحد ولم يستوحش هؤلاء ~~من القول بوقوع مفعول بين فاعلين ولا مقدور بين قادرين قالوا كما يمتنع ~~وقوع معلوم بين عالمين ومراد بين مريدين ومحبوب بين محبوبين ومكروه بين ~~مكروهين قالوا ونحن نشاهد قادرين مستقلين كل منهما يمكنه أن يستقل بالفعل ~~يقع بينهما مفعول واحد يشتركان في فعله والتأثير فيه قالوا وليس معكم ما ~~يبطل هذا الا قولكم أن إضافته إلى أحدهما على سبيل الاستقلال يمنع إضافته ~~إلى الآخر وإضافته إليهما وفي هذه الحجة إجمال لا بد له من تفصيل فيجوز ~~وقوع مفعول بين فاعلين لا يستقل أحدهما به كالمتعاونين على الأمر لا يقدر ~~عليه أحدهما وحده ويجوز وقوع مفعول بين فاعلين يشتركان فيه كل منهما يستقل ~~به على سبيل البدل وهذا ظاهر أيضا ويجوز وقوع مفعول بين فاعلين يشتركان فيه ~~وكل منهما يقدر عليه حال الانفراد كمكحول بحمله اثنان كل منهما يمكنه أن ~~يستقل بحمله وحده وكل هذه الأقسام ممكنة بل واقعة بقي قسم واحد وهو مفعول ~~بين فاعلين كل منهما فعله على سبيل الاستقلال فهذا محال فإن استقلال كل ~~منهما بفعله ينفي فعل الآخر له فاستقلالهما ينافي استقلالهما وأكثر الطوائف ~~يقر بوقوع مقدور بين قادرين وإن اختلفوا في كيفية وقوعه # فقالت طائفة الفعل يضاف إلى قدرة الله سبحانه على وجه الاستقلال بالتأثير ~~ويضاف إلى قدرة العبد لكنها غير مستقلة فإذا انضمت قدرة الله إلى قدرة ~~العبد صارت قدرة العبد مؤثرة على سبيل الاستقلال بتوسط إعانة قدرة الله ~~وجعل قدرة العبد مؤثرة والقائل بهذا لم يتخلص من الخطأ حيث زعم أن قدرة ~~العبد مستقلة بإعانة قدر الله له فعاد الأمر إلى اجتماع مؤثرين على أثر ~~واحد لكن قدرة أحدهما وتأثيره مستند إلى قدرة الآخر وتأثيره وكأنه والله ~~أعلم أراد أن قدرة الرب مستقلة بالتأثير في إيجاد الفعل وهذا قد قاله طائفة ~~من العلماء وقائل هذا لم يتخلص من الخطأ حيث جعل ms087 قدرة العبد مستقلة ~~بالتأثير في إيجاد المقدور وهذا باطل إذ غاية قدرة العبد أن تكون سببا بل ~~جزأ من السبب والسبب لا يستقل بحصول المسبب ولا يوجبه وليس في الوجود ما ~~يوجب حصول المقدور إلا مشيئة الله وحده وأصحاب هذا القول زعموا أن الله ~~أعطى العبد قدرة وأرادة وفوض اليه بهما الفعل والترك وخلاه وما يريد فهو ~~يفعل ويترك بقدرته وإرادته اللتين فوض إليه الفعل والترك بهما وقالت طائفة ~~أخرى مقدور العبد هو عين مقدور الرب بشرط أن يفعله العبد إذا تركه الرب ولم ~~يفعله لا على أنه يفعله والرب له فاعل لاستحالة خلق خالقين وهذا بعينه مذهب ~~من يقول بوقوع مفعول بين فاعلين على سبيل وهذا مذهب كثير من القدرية منهم ~~الشحام وغيره PageV01P050 @ وقالت طائفة يجوز وقوع فعل بين فاعلين بنسبتين ~~مختلفتين بإحداهما يكون محدثا وبالأخرى يكون كاسبا وهذا مذهب النجار وضرار ~~بن عمرو ومحمد بن عيسى بن حفص والفرق بين هذا المذهب ومذهب الأشعريين من ~~وجهين أحدهما أن صاحب هذا المذهب يقول العبد فاعل حقيقة وإن لم يكن محدثا ~~مخترعا للفعل والأشعري يقول العبد ليس بفاعل وأن نسب إليه الفعل وإنما ~~الفاعل في الحقيقة هو الله فلا فاعل سواه الثاني أنهم يقولون الرب هو ~~المحدث والعبد هو الفاعل وقالت فرقة بل أفعال العباد فعل لله على الحقيقة ~~وفعل العبد على المجاز وهذا أحد قولي الأشعري وقالت فرقة أخرى منهم ~~القلانسي وأبو إسحاق في بعض كتبه أنها فعل لله على الحقيقة وفعل الإنسان ~~على الحقيقة لا على معنى أنه أحدثها بل على معنى أنه كسب له وقالت طائفة ~~أخرى وهم جهم واتباعه أن القادر على الحقيقة هو الله وحده وهو الفاعل حقا ~~ومن سواه ليس بفاعل على الحقيقة ولا كاسب أصلا بل هو مضطر إلى جميع ما فيه ~~من حركة وسكون وقول القائل قام وقعد وأكل وشرب مجاز بمنزلة مات وكبر ووقع ~~وطلعت الشمس وغربت وهذا قول الجبرية الغلاة وقابلة طائفة أخرى فقالوا ~~العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرهم ms088 وأرادتهم والرب لا يوصف بالقدرة ~~على مقدور العبد ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته كما لا يوصف العباد بمقدور ~~الرب ولا تدخل أفعاله تحت قدرهم وهذا قول جمهور القدرية وكلهم متفقون على ~~أن الله سبحانه غير فاعل لأفعال العباد واختلفوا هي يوصف بأنه مخترعها ~~ومحدثها وأنه قادر عليها وخالق لها فجمهورهم نفوا ذلك ومن يقرب منهم إلى ~~السنة أثبت كونها مقدورة لله وأن الله سبحانه قادر على أعيانها وأن العباد ~~أحدثوها باقدار الله لهم على إحداثها وليس معنى قدرة الله عليها عندهم أنه ~~قادر على فعلها هذا عندهم عين المحال بل قدرته عليها إقدارهم على إحداثها ~~فأنما أحدثوها بقدرته وإقداره وتمكينه وهؤلاء أقرب القدرية إلى السنة ~~وأرباب هذه المذاهب مع كل طائفة منهم خطأ وصواب وبعضهم أقرب إلى الصواب ~~وبعضهم اقرب إلى الخطأ وأدلة كل منهم وحججه إنما تنهض على بطلان خطاء ~~الطائفه الأخرى لا على إبطال ما أصابوا فيه فكل دليل صحيح للجبرية إنما يدل ~~على إثبات قدرة الرب تعالى ومشيئته وأنه لا خالق غيره وأنه على كل شيء قدير ~~لا يستثنى من هذا العموم فرد واحد من أفراد الممكنات وهذا حق ولكن ليس معهم ~~دليل صحيح ينفي أن يكون العبد قادرا مريدا فاعلا بمشيئته وقدرته وأنه ~~الفاعل حقيقة وأفعاله قائمة به وأنها فعل له لا لله وأنها قائمة به لا ~~بالله وكل دليل صحيح يقيمه القدرية فأنما يدل على أن أفعال العباد فعل لهم ~~قائم بهم واقع بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأنهم مختارون لها غير مضطرين ولا ~~مجبورين ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون الله سبحانه قادرا على أفعالهم ~~وهو الذي جعلهم فاعلين فأدلة الجبرية متظافرة صحيحة على من نفى قدرة الرب ~~سبحانه على كل شيء من الأعيان والأفعال ونفى عموم مشيئته وخلقه لكل موجود ~~وأثبت في الوجود شيئا بدون مشيئته وخلقه وأدلة القدرية متظافرة صحيحة على ~~من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره وقال أنه ليس بفاعل شيئا والله ~~يعاقبه على ما لم يفعله ولا له قدرة عليه ms089 بل هو مضطر إليه مجبور عليه وأهل ~~السنة وحزب الرسول وعسكر الإيمان لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء بل هم مع هؤلاء ~~فيما أصابوا فيه وهم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه فكل حق مع طائفة من الطوائف ~~فهم يوافقونهم فيه وهم براء من باطلهم فمذهبهم جمع حق الطوائف بعضه إلى بعض ~~والقول PageV01P051 @ به ونصره وموالاة أهله من ذلك الوجه ونفى باطل كل ~~طائفة من الطوائف وكسرة ومعاداة أهله من هذا الوجه فهم حكام بين الطوائف لا ~~يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق ولا يردون حق طائفة من الطوائف ولا ~~يقابلون بدعة ببدعة ولا يردون باطلا بباطل ولا يحملهم شنآن قوم يعادونهم ~~ويكفرونهم على أن لا يعدلوا فيهم بل يقولون فيهم الحق ويحكمون في مقالالتهم ~~بالعدل والله سبحانه وتعالى أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال @QB@ فلذلك ~~فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ~~وأمرت لأعدل بينكم @QE@ فأمره سبحانه أن يدعو ألى دينه وكتابه وأن يستقيم ~~في نفسه كما أمره وأن لا يتبع هوى أحد من الفرق وأن يؤمن بالحق جميعه ولا ~~يؤمن ببعضه دون بعض وأن يعدل بين أرباب المقالات والديانات وأنت إذا تأملت ~~هذه الآية وجدت أهل الكلام الباطل وأهل الأهواء والبدع من جميع الطوائف ~~أبخس الناس منها حظا وأقلهم نصيبا ووجدت حزب الله ورسوله وأنصار سنته هم ~~أحق بها وأهلها وهم في هذه المسئلة وغيرها من المسائل أسعد بالحق من جميع ~~الطوائف فإنهم يثبتون قدرة الله على جميع الموجودات من الأعيان والأفعال ~~ومشيئته العامة وينزهونه ان يكون في ملكه ما لا يقدر عليه ولا هو واقع تحت ~~مشيئته ويثبتون القدرالسابق وأن العباد يعملون على ماقدره الله وقضاه وفرغ ~~منه وأنه لا يشاؤن إلا أن يشاء الله ولا يفعلون إلا من بعد مشيئته وإنه ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا تخصيص عندهم في هاتين القضيتين بوجه من ~~الوجوه والقدر عندهم قدرة الله تعالى وعلمه ومشيئته وخلقه فلا يتحرك ذرة ms090 ~~فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه وقدرته فهم المؤمنون بلا حول ولا قوة إلا ~~بالله على الحقيقة إذا قالها غيرهم على المجاز إذ العالم علويه وسفليه وكل ~~حي يفعل فعلا فإن فعله بقوة فيه على الفعل وهو في حول من ترك إلى فعل ومن ~~فعل إلى ترك ومن فعل إلى فعل وذلك كله بالله تعالى لا بالعبد ويؤمنون بأن ~~من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأنه هو الذي يجعل المسلم ~~مسلما والكافر كافرا والمصلي مصليا والمتحرك متحركا وهو الذي يسير عبده في ~~البر والبحر وهو المسير والعبد السائر وهو المحرك والعبد المتحرك وهو ~~المقيم والعبد القائم وهو الهادي والعبد المهتدي وأنه المطعم والعبد الطاعم ~~وهو المحي المميت والعبد الذي يحيى ويموت ويثبتون مع ذلك قدرة العبد ~~وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازا وهم متفقون على أن الفعل غير ~~المفعول كما حكاه عنهم البغوي وغيره فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة ~~وهي مفعولة لله سبحانه مخلوقة له حقيبقة والذي قام بالرب عز وجل علمه ~~وقدرته ومشيئته وتكوينه والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم ~~فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة وهو سبحانه هو المقدر لهم ~~على ذلك القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه لهم ومشيئته وفعله بعد مشيئته ~~فما يشاؤن إلا أن يشاء الله وما يفعلون إلا أن يشاء الله وإذا وازنت بين ~~هذا المذهب وبين ما عداه منالمذاهب وجدته هو المذهب الوسط والصراط المستقيم ~~ووجدت سائر المذاهب خطوطا عن يمينه وعن شماله فقريب منه وبعيد وبين ذلك ~~وإذا أعطيت الفاتحة حقها وجدتها من أولها إلى آخرها منادية على ذلك دالة ~~عليه صريحة فيه وإن كان حمده لا يقتضي غير ذلك وكذلك كمال ربوبيته للعالمين ~~لا يقتضي غير ذلك فكيف يكون الحمد كله لمن لا يقدر على مقدور اهل سماواته ~~وأرضه من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش بل يفعلون ما لا يقدر عليه ~~ولا يشاءه ويشاء ما لا يفعله PageV01P052 @ كثير منهم فيشاء ما لا يكون ~~ويكون ما ms091 الاشياء وهل يقتضي ذلك كمال حمده وهل يقتضيه كمال ربوبيته ثم قوله ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ مبطل لقول الطائفتين المنحرفتين عن قصد ~~السبيل فإنه يتضمن إثبات فعل العبد وقيام العبادة به حقيقة فهو العابد على ~~الحقيقة وإن ذلك لا يحصل له إلا بإعانة رب العالمين عز وجل له فإن لم يعنه ~~ولم يقدره ولم يشأ له العبادة لم يتمكن منها ولم يوجد منه البتة فالفعل ~~والأقدار والإعانة من الرب عز وجل ثم قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ ~~يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها وهي بيده إن شاء اطاها عبده وإن شاء ~~منعه إياها والهداية معرفة الحق والعمل به فمن لم يجعله الله تعالى عالما ~~بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الإهتداء فهو سبحانه المتفرد بالهداية ~~الموجبة للإهتداء التي لا يتخلف عنها وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له ~~مؤثرا له عاملا به فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي التي ~~قال سبحانه فيها @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ مع ~~قوله تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ فهذه هداية الدعوة ~~والتعليم والإرشاد وهي التي هدي بها ثمود فاستحبوا العمى عليها وهي التي ~~قال تعالى فيها @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون @QE@ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم ومنعهم الهداية ~~الموجبة للإهتداء التي لا يضل من هداه بها فذاك عدله فيهم وهذا حكمته ~~فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق بهم ~~وسنذكر في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى ذكر الهدى والضلال ~~ومراتبهما وأقسامهما فإنه عليه مدار مسائل القدر والمقصود ذكر بعض ما يدل ~~على إثبات هذه المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي خلق الله تعالى ~~لأفعال المكلفين ودخولها تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه وكتابه قال ~~تعالى @QB@ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل @QE@ وهذا عام محفوظ لا ~~يخرج عنه ms092 شيء من العالم أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته وليس مخصوصا بذاته ~~وصفاته فإنه الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق له واللفظ قد فرق بين ~~الخالق والمخلوق وصفاته سبحانه داخله في مسمى اسمه فإن الله سبحانه اسم ~~للإله الموصوف بكل صفة كمال المنزه عن كل صفة نقص ومثال والعالم قسمان ~~أعيان وأفعال وهو الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال كما أنه العالم ~~بتفاصيل ذلك فلا يخرج شيء منه عن علمه ولا عن قدرته ولا عن خلقه ومشيئته ~~قالت القدرية نحن نقول إن الله خالق أفعال العباد لا على أنه محدثها ~~ومخترعها لكن على معنى أنه مقدرها فإن الخلق التقدير كما قال تعالى @QB@ ~~فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ وقال الشاعر % ولأنت تفري ما خلقت وبعض ~~القوم يخلق ثم لا يفرى % $ أي لأنت تمضي ما قدرته بعرفك وتنف وقدرتك وبعض ~~القوم يقدر ثم لا قوة له ولا عزيمة على إنفاذ ما قدره بعرفك وتنفذه وإمضائه ~~فالله تعالى مقدر أفعال العباد وهم الذين أوجدوها وأحدثوها قال أهل السنة ~~قدماؤكم ينكرون تقدير الله سبحانه لأعمال العباد البتة فلا يمكنهم أن ~~يجيبوا بذلك ومن اعترف منكم بالتقدير فهو تقدير لا يرجع إلى تأثير وإنما هو ~~مجرد العلم بها والخبر عنها ليس التقدير عندكم جعلها على قدر كذا وكذا فإن ~~هذا عندكم غير مقدور للرب ولا مصنوع له وإنما هو صنع العبد واحداثه فرجع ~~التقدير إلى مجرد العلم والخبر وهذا لا يسمى خلقا في لغة أمة من الأمم ولو ~~كان هذا خلقا لكان من علم شيئا وعلم أسمائه وصفاته وأخبر عنه بذلك خلقا له ~~فالتقدير الذي أثبتموه أن كان متضمنا للتأثير PageV01P053 @ في إيجاد الفعل ~~فهو خلاف مذهبكم وإن لم يتضمن تأثيرا في إيجاده فهو راجع إلى محض العلم ~~والخبر # قالت القدرية قوله الله خالق كل شيء من العام المراد به الخاص ولا سيما ~~فإنكم قلتم إن القرآن لم يدخل في هذا العموم وهو من أعظم الأشياء وأجلها ~~فخصصنا مه أفعال العباد بالأدلة الدالة على كونها فعلهم ومنعهم قالت ms093 أهل ~~السنة القرآن كلام الله سبحانه وكلامه صفة من صفاته وصفات الخالق وذاته لم ~~تدخل في المخلوق فإن الخالق غير المخلوق فليس ههنا تخصيصا البتة بل الله ~~سبحانه بذاته وصفاته الخالق وكل ما عداه مخلوق وذلك عموم لا تخصيص فيه بوجه ~~إذ ليس إلا الخالق والمخلوق والله وحده الخالق وما سواه كله مخلوق وأما ~~الأدلة الدالة على أن أفعال العباد صنع لهم وإنما أفعالهم القائمة بهم ~~وأنهم هم الذين فعلوها فكلها حق نقول بموجبها ولكن لا ينبغي أن تكون أفعالا ~~لهم ومخلوقة مفعولة لله فإن الفعل غير المفعول ولا نقول أنها فعل لله ~~والعبد مضطر مجبور عليها ولا نقول أنها فعل للعبد والله غير قادر عليها ولا ~~جاعل للعبد فاعلا لها ولا نقول أنها مخلوقة بين مخلوقين مستقلين بالإيجاد ~~والتأثير وهذه الأقوال كلها باطلة # قالت القدرية يعني قوله تعالى @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ مما لا يقدر ~~عليه غيره وأما أفعال العباد التي يقدر عليها العباد فإضافتها إليهم ينفي ~~إضافتها إليه والألزم وقوع مفعولين بين فاعلين وهو محال # قالت أهل السنة إضافتها إليهم فعلا وكسبا لا ينفي إضافتها إليه سبحانه ~~خلقا ومشيئة فهو سبحانه الذي شاءها وخلقها وهم الذين فعلوها وكسبوها حقيقة ~~فلو لم تكن مضافة إلى مشيئته وقدرته وخلقه لاستحال وقوعها منهم إذ العباد ~~أعجز وأضعف من أن يفعلوا ما لم يشأه الله ولم يقدر عليه ولا خلقه $ فصل # ومما يدل على قدرته سبحانه على أفعالهم قوله @QB@ والله على كل شيء قدير ~~@QE@ واعتراض القدرية على الإستدلال بذلك والجواب عنه نظير الإعتراض على ~~قوله @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ وجوابه ونزيده تقريرا أن أفعالهم أشياء ~~ممكنة والله قادر على كل ممكن فهو الذي جعلهم فاعلين بقدرته ومشيئته ولو ~~شاء لحال بينهم وبين الفعل مع سلامة آلة الفعل منهم كما قال تعالى @QB@ ولو ~~شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا ~~فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ms094 ~~@QE@ وقال @QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا @QE@ فهو سبحانه ~~يحول بين المرء وقلبه وبين الإنسان ونطقه وبين اليد وبطشها وبين الرجل ~~ومشيها فكيف يظن به ظن السوء ويجعل له مثل السوء انه لا يقدر على ما يقدر ~~عليه عباده ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته تعالى الله عما يقول الظالمون ~~والجاحدون لقدرته علوا كبيرا نعم ولا نظن به ظن السوء ونجعل له مثل السوء ~~أنه يعاقب عباده على ما لم يفعلوه ولا قدرة لهم على فعله بل على ما فعله هو ~~دونهم واضطرهم إليه وجبرهم عليه وذلك بمنزلة عقوبة الزمن إذا لم يطر إلى ~~السماء وعقوبة أشل اليد على ترك الكتابة وعقوبة الأخرس على ترك الكلام ~~فتعالى الله عن هذين المذهبين الباطلين المنحرفين عن سواء السبيل $ فصل # ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله تعالى @QB@ والله جعل لكم مما خلق ~~ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم @QE@ فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة ~~ومادتها لا تسمى سرابيل إلا أن بعد تحيلها PageV01P054 @ صنعة الأدميين ~~وعملهم فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيآتها ~~ونظير هذا قوله @QB@ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم @QE@ فأخبر سبحانه أن ~~البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له وهي إنما صارت بيوتا بالصنعة ~~الآدمية ونظيره قوله تعالى @QB@ وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون @QE@ فأخبر سبحانه وتعالى أنه خالق ~~الفلك المصنوع للعباد وأبعد من قال أن المراد بمثله هو الإبل فإنه إخراج ~~المماثل حقيقة واعتبار لما هو بعيد عن المماثلة ونظير ذلك قوله تعالى حكاية ~~عن خليله أنه قال لقوه أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون فإن كانت ~~ما مصدرية كما قدره بعضهم فالإستدلال ظاهر وليس بقوى إذ لا تناسب بين ~~إنكاره عليهم عبادة ما ينحتونه بأيديهم وبين إخبارهم بأن الله خالق أعمالهم ms095 ~~من عبادة تلك الألهة ونحتها وغير ذلك فالأولى أن تكون ما موصولة أي والله ~~خلقكم وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم فهي مخلوقة له لا آلهة شركاء معه ~~فأخبر أنه خلق معمولهم وقد حله عملهم وصنعهم ولا يقال المراد مادته فإن ~~مادته غير معمولة لهم وإنما يصير معمولا بعد عملهم $ فصل # وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي جعل أئمة الخير يدعون إلى الهدى وأئمة الشر ~~يدعون إلى النار فتلك الإمامة والدعوة بجعله فهي مجعولة له وفعل لهم قال ~~تعالى عن آل فرعون @QB@ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار @QE@ وقال عن أئمة ~~الهدى @QB@ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا @QE@ فأخبر أن هذا وهذا بجعله مع ~~كونه كسبا وفعلا للأئمة ونظير ذلك قول الخليل ربنا واجعلنا مسلمين لك فأخبر ~~الخليل أنه سبحانه هو الذي يجعل المسلم مسلما وعند القدرية هو الذي جعل ~~نفسه مسلما لا ان الله مسلم ولا جعله إماما يهدي بأمره ولا جعل الآخر إماما ~~يدعوا إلى النار على الحقيقة بل هم الجاعلون لأنفسهم كذلك حقيقة ونسبة وهذا ~~الجعل إلى الله مجاز بمعنى التسمية أي سمنا مسلمين لك و كلذلك جعلناهم أئمة ~~أي سميناهم كذلك وهم جعلوا أنفسهم أئمة رشد وضلال فمنهم الحقيقة ومنه ~~المجاز والتعبير $ فصل # ومن ذلك إخباره سبحانه بأنه هو الذي يلهم العبد فجوره وتقواه والإلهام ~~الإلقاء في القلب لا مجرد البيان والتعليم كما قاله طائفة من المفسرين إذ ~~لا يقال لمن بين لغيره شيئا وعلمه إياه أنه قد ألهمه ذلك هذا لا يعرف في ~~اللغة البتة بل الصواب ما قاله ابن زيد قال جعل فيها فجورها وتقواها وعليه ~~حديث عمران بن حصين أن رجلا من مزينة أو جهينة أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قضى عليهم ~~ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم قال بل شيء ~~قضى عليهم ومضى قال ففيم العمل قال من خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله ~~بعمل أهلها وتصديق ذلك في ms096 كتاب الله @QB@ ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها @QE@ فقراءته هذه الآية عقيب إخباره بتقديم القضاء والقدر السابق ~~يدل على أن المراد بالإلهام استعمالها فيما سبق لها لا مجرد تعريفها فإن ~~التعريف والبيان لا يستلزم وقوع ما سبق به القضاء والقدر ومن فسر الآية من ~~السلف بالتعليم والتعريف فمراده تعريف مستلزم لحصول ذلك لا تعريف مجرد عن ~~الحصول فإنه لا يسمى إلهاما وبالله التوفيق $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ وذات الصدور كلمة لما يشتمل عليه ~~الصدر من الإعتقادات والإرادات PageV01P055 @ والحب والبغض أي صاحبة الصدور ~~فإنها لما كانت فيها قائمة بها نسبت إليها نسبة الصحبة والملازمة وقد أختلف ~~في إعراب من خلق هو النصب أو الرفع فإن كان مرفوعا فهو إستدلال على علمه ~~بذلك لخلقه له والتقدير ما تضمنته الصدور وكيف لا يعلم الخالق ما خلقه وهذا ~~الإستدلال في غاية الظهور والصحة فإن الخلق يستلزم حياة الخالق وقدرته ~~وعلمه ومشيئته وإن كان منصوبا فالمعنى ألا يعلم مخلوقه وذكر لفظه من تغليبا ~~ليتناول العلم العاقل وصفاته على التقديرين فالآية دالة على خلق ما في ~~الصدور كما هي على علمه سبحانه به وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في الصدور ~~دليلا على علمه بها فقال ألا يعلم من خلق أي كيف يخفى عليه ما في الصدور ~~وهو الذي خلقه فلو كان ذلك غير مخلوق له لبطل الإستدلال به على العلم فخلقه ~~سبحانه للشيء من أعظم الأدلة على علمه به فإذا انتفى الخلق انتفى دليل ~~العلم فلم يبق ما يدل على علمه بما ينطوي عليه الصدر إذا كان غير خالق لذلك ~~وهذا من أعظم الكفر برب العالمين وجحد لما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى ~~آخرهم وعلم بالضرورة أنهم القوة إلى الأمم كما ألقوا إليهم أنه إله واحد لا ~~شريك له $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال رب اجعلني مقيم ~~الصلاة ومن ذريتي وقوله فاجعل ms097 أفئدة من الناس تهوي إليهم وقوله تعالى @QB@ ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية @QE@ وقوله حكاية عن ~~زكريا أنه قال عن ولده @QB@ واجعله رب رضيا @QE@ وقال في الطرف الآخر @QB@ ~~فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية @QE@ وقال @QB@ وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا @QE@ وهذه الأكنة والوقر هي شدة ~~البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا والتحقيق أن ~~هذا ناشيء عن الأكنة والوقر فهو موجب ومقتضاه فمن فسر الأكنة والوقر به فقد ~~فسرهما بموجبهما ومقتضاهما وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من ~~أفعالهم وهي مجعولة لله سبحانه كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى ~~بيته هو من أفعالهم والله جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها ~~واراداتها واعتقاداتها فذلك كله مجعول مخلوق له وإن كان العبد فاعلا له ~~بإختياره وارادته فإن قيل هذا كله معارض بقوله تعالى @QB@ ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام @QE@ والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك ~~بجعل العباد لها فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجعله قيل لا تعارض بحمد الله ~~بين نصوص الكتاب بوجه ما والجعل ههنا جعل شرعي أمري لا كوني قدري فإن الجعل ~~في كتاب الله ينقسم إلى هذه النوعين كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء ~~والكتابة والتحريم كما سيأتي بيانه إن شاء الله فنفى سبحانه عن البحيرة ~~والسائبة جعله الديني الشرعي أي لم يشرع ذلك ولا أمر به ولكن الذين كفروا ~~افتروا عليه الكذب وجعلوا ذلك دينا له بلا علم ومن ذلك قوله تعالى @QB@ ~~ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم @QE@ ~~فأخبر سبحانه أن هذه الفتنة الحاصلة بما ألقى الشيطان هي بجعله سبحانه وهذا ~~جعل كوني قدري وممن هذا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الذي رواه ~~الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه اللهم اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا ~~لك مطواعا لك مخبتا لك أواها منيبا فسأل ربه أن يجعله كذلك وهذه كلها أفعال ~~اختيارية واقعة ms098 بإرادة العبد وإختياره وفي هذا الحديث وسدد لساني ~~وشديداللسان جعله ناطقا بالسداد من القول ومثله قوله في الحديث الآخر اللهم ~~اجعلني لك مخلصا ومثله قوله PageV01P056 @ اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ~~ذكرك واتبع نصيحتك واحفظ وصيتك ومثله قول المؤمنين ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وثبت أقدامنا فالصبر وثبات الأقدام فعلان اختياريان ولكن التصبير والتثبيت ~~فعل الرب تعالى وهو المسؤل والصبر والثبات فعلهم القائم بهم حقيقة ومثله ~~قوله @QB@ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل ~~صالحا ترضاه @QE@ وقال ابن عباس والمفسرون بعده الهمني قال أبو إسحاق ~~وتأويله في اللغة كفني عن الأشياء الا نفس شكر نعمتك ولهذا يقال في تفسير ~~الموزع المولع ومنه الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موزعا بالسؤال ~~أي مولعا به كأنه كف ومنع إلا منه وقال في الصحاح وزعته أزعه وزعا كففته ~~فاتزع عنه أي كف وأوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به فهو موزوع به واستوزعت ~~الله شكره فأوزعني أي استلهمته فألهمني فقد دار معنى اللفظة على معنى ~~ألهمني ذلك واجعلني مغري به وكفني عما سواه وعند القدرية إن هذا غير مقدور ~~للرب بل هو غير مقدور العبد $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون @QE@ فتحبيبه سبحانه الإيمان إلى عباده ~~المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم وهذا لا يقدر عليه سواه وأما تحبيب ~~العبد الشيء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو إلى محبته ~~فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين حبه وحسنه الداعي إلى ~~حبه وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان وإن ذلك محض فضله ~~ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب ~~والتزيين وتكريه ضده فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة والله عليم بمواقع فضله ~~ومن يصلح له ومن لا يصلح حكيم ms099 بجعله في مواضعه ومن ذلك قوله تعالى @QB@ هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ~~ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم @QE@ @QB@ واذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا @QE@ ~~وتأليف القلوب جعل بعضها يألف ويميل إليه ويحبه وهو من أفعالها الإختيارية ~~وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي فعل ذلك لا غيره ومن ذلك قوله @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف ~~أيديهم عنكم @QE@ فأخبر سبحانه بفعلهم وهو إلهم وبفعله وهو كفهم عما هموا ~~به ولا يصح أن يقال أنه سبحانه أشل أيديهم وأماتهم وأنزل عليهم عذابا حال ~~بينهم وبين ما هموا به بل كف قدرهم وارادتهم مع سلامة حواسهم وبنيتهم وصحة ~~آلات الفعل منهم وعند القدرية هذا محال بل هم الذين يكفون أنفسهم والقرآن ~~صريح في إبطال قولهم ومثله قوله @QB@ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم @QE@ فهذا كف أيدي الفريقين مع سلامتهما ~~وصحتهما وهو بأن حال بينهم وبين الفعل فكف بعضهم عن بعض ومن ذلك قوله تعالى ~~@QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ والإيمان والطاعة من أجل النعم بل هما ~~أجل النعم على الإطلاق فهما منه سبحانه تعليما وإرشادا وإلهاما وتوفيقا ~~ومشيئة وخلقا ولا يصح أن يقال أنها أمرا وبيانا فقط فإن ذلك حاصل بالنسبة ~~إلى الكفار والعصاة فتكون نعمته على أكفر الخلق كنعمته على أهل الإيمان ~~والطاعة والبر منهم إذ نعمة البيان والإرشاد مشتركة وهذا قول القدرية وقد ~~صرح به كثير منهم ولم يجعلوا لله على العبد نعمة في مشيئته PageV01P057 @ ~~وخلقه فعله وتوقيفه إياه حين فعله وهذا من قولهم الذي باينوا به جميع الرسل ~~والكتب وطردوا ذلك حين لم يجعلوا لله على العبد منه في إعطائه الجزاء بل ~~قالوا ذلك محض حقه الذي لا منة لله عليه فيه واحتجوا بقوله @QB@ لهم أجر ~~غير ممنون @QE@ قالوا أي ms100 غير ممنون به عليهم إذ هو جزاء أعمالهم وأجورها ~~قالوا والمنة تكدر النعمة والعطيه ولم يدعوا هؤلاء للجهل بالله موضعا ~~وقاسوا منته على منة المخلوق فإنهم مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات وليست ~~المنة في الحقيقة إلا لله فهو المان بفضله وأهل سمواته وأهل أرضه في محض ~~منته عليهم قال تعالى @QB@ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم ~~بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين @QE@ وقال تعالى لكليمه ~~موسى @QB@ ولقد مننا عليك مرة أخرى @QE@ وقال @QB@ ولقد مننا على موسى ~~وهارون @QE@ وقال @QB@ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين @QE@ ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار ألم ~~أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي قالوا الله ورسوله أمن ~~وقال الرسل لقومهم @QB@ إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده @QE@ فمنه سبحانه وتعالى محض إحسانه وفضله ورحمته وما طاب عيش أهل ~~الجنة فيها إلا بمنته عليهم ولهذا قال أهلها وقد أقبل بعضعهم على بعض ~~يتساءلون إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ~~فاجزوا لمعرفتهم بربهم وحقه عليهم أن نجاهم من عذاب السموم بمحض منته عليهم ~~وقد قال أعلم الخلق بالله وأحبهم إليه وأقربهم منه وأطوعهم له لن يدخل أحد ~~منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني ~~الله برحمة منه وفضل وقال إن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ~~ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم والأول في الصحيح ~~والثاني في المسند والسنن وصححه الحاكم وغيره فإخبر سيد العالمين والعاملين ~~أنه لا يدخل الجنة بعمله وقالت القدرية أنهم يدخلونها بأعمالهم لئلا يتكدر ~~نعيمهم عليهم بمشيئة الله بل يكون ذلك النعيم عوضا وما رمى السلف من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم القدرية عن قوس واحد إلا لعظم بدعهم ومنافاتها ~~لما بعث الله به أنبياءه ورسله فلو أتى العباد ms101 بكل طاعة وكانت أنفاسهم كلها ~~طاعات لله لكانوا في محض منته وفضله وكانت له المنة عليهم وكلما عظمت طاعة ~~العبد كانت منة الله عليه أعظم فهو المان بفضله فمن أنكر منته فقد أنكر ~~إحسانه وأما قوله تعالى @QB@ لهم أجر غير ممنون @QE@ فلم يختلف أهل العلم ~~بالله ورسوله وكتابه أن معناه غير مقطوع ومنه ريب المنون وهو الموت لأنه ~~يقطع العمر $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ~~@QE@ وقوله @QB@ وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة @QE@ وهذا ~~الإغراء والإلقاء محض فعله سبحانه والتعادي والتباغض أثره وهو محض فعلهم ~~وأصل ضلال القدرية والجبرية من عدم اهتدائهم إلى الفرق بين فعله سبحانه ~~وفعل العبد فالجبرية جعلوا التعادي والتباغض فعل الرب دون المتعاديين ~~والمتباغضين والقدرية جعلوا ذلك محض فعلهم الذي لا صنع لله فيه ولا قدرة ~~ولا مشيئة وأهل الصراط السوي جعلوا ذلك فعلهم وهو أثر فعل الله وقدرته ~~ومشيئته كما قال تعالى @QB@ هو الذي يسيركم في البر والبحر @QE@ فالتسيير ~~فعله والسير فعل العباد وهو أثر التسيير وكذلك الهدى والإضلال فعله ~~والإهتداء والضلال أثر فعله وهما أفعالنا القائمة بنا فهو الهادي والعبد ~~المهتدي وهو الذي يضل من يشاء والعبد الضال وهذا حقيقة وهذا PageV01P058 @ ~~حقيقة والطائفتان عن الصراط المستقيم $ فصل # ومن ذ لك قوله تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال @QB@ رب اجعل هذا البلد ~~آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام @QE@ فها هنا أمران تجنيب عبادتها ~~واجتنا به فسأل الخليل ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها ليحصل منهم إجتنابها ~~فالإجتناب فعلهم والتجنيب فعله ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله ونظير ذلك ~~قول يوسف الصديق @QB@ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو ~~السميع العليم @QE@ وصرف كيدهن هو صرف دواعي قلوبهن ومكرهن بألسنتهن ~~وأعمالهن وتلك أفعال إختيارية وهو سبحانه الصارف لها فالصرف فعله والإنصراف ~~أثر فعله وهو فعل النسوة ومن ذلك قوله سبحانه لنبيه محمد صلى ms102 الله عليه ~~وسلم @QB@ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا @QE@ فالتثبيت ~~فعله والثبات فعل رسوله فهو سبحانه المثبت وعبده الثابت ومثله قوله @QB@ ~~يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء @QE@ فأخبر سبحانه أن تثبيت المؤمنين ~~وإضلال الظالمين فعله فإنه يفعل ما يشاء وأما الثبات والضلال فمحض أفعالهم ~~ومن ذلك قوله تعالى @QB@ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ~~يحرفون الكلم عن مواضعه @QE@ فأخبرانه هو الذي قسى قلوبهم حتى صارت قاسية ~~فالقساوة وصفها وفعلها وهي أثر فعله وهو جعلها قاسية وذلك أثر معاصيهم ~~ونقضهم ميثاقهم وتركهم بعض ما ذكروا به فالآية مبطلة لقول القدرية والجبرية ~~$ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم @QE@ ~~وهم إنما خرجوا بإختيارهم وقد أخبر هو الذي أخرجهم فالأخراج فعله حقيقة ~~والخروج فعلهم حقيقة ولولا إخراجه لما خرجوا وهذا بخلاف قوله @QB@ والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا @QE@ وقوله @QB@ هو ~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر @QE@ وقوله @QB@ ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم @QE@ فإن هذا إخراج لا صنع لهم فيه فإنه بغير ~~اختيارهم وارادتهم وأما قوله @QB@ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق @QE@ فيحتمل ~~أن يكون إخراجا بقدره ومشيئته فيكون من الأول ويحتمل أن يكون إخراجا يوجبه ~~بأمره فلا يكون من هذا فيكون الإخراج في كتاب الله ثلاثة أنواع أحدها إخراج ~~الخارج بإختياره ومشيئته والثاني إخراجه قهرا وكرها والثالث إخراجه أمرا ~~وشرعا $ فصل # وقد ظن طائفة من الناس أن من هذا الباب قوله تعالى @QB@ فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ وجعلوا ذلك من أدلتهم على ~~القدرية ولم يفهموا مراد الآية وليست من هذا الباب فإن هذا خطاب لهم في ~~واقعة بدر حيث أنزل الله سبحانه وملائكته فقتلوا أعداءه فلم يفرد المسلمون ~~بقتلتهم بل قتلهم الملائكة وأما رميه صلى الله عليه وسلم فمقدوره كان هو ~~الحذف والإلقاء وأما إيصال ما رمى ms103 به إلى وجوه العدو مع البعد وإيصال ذلك ~~إلى وجوه جميعهم فلم يكن من فعله ولكنه فعل الله وحده فالرمي يراد به الحذف ~~والإيصال فأثبت له الحذف بقوله إذ رميت ونفى عنه الإيصال بقوله وما رميت $ ~~فصل # ومن ذلك قوله @QB@ وأنه هو أضحك وأبكى @QE@ والضحك والبكاء فعلان ~~اختياريان فهو سبحانه المضحك المبكي حقيقة والعبد هو الضاحك الباكي حقيقة ~~وتأويل الآية بخلاف ذلك إخراج للكلام PageV01P059 @ عن ظاهره بغير موجب ولا ~~منافاة بين ما يذكر من تلك التأويلات وبين ظاهره فإن إضحاك الأرض بالنبات ~~وإبكاء السماء بالمطر واصحاك العبد وابكاءه آلات الضحك والبكاء لله لا ~~ينافي حقيقة اللفظ وموضوعه ومعناه من أنه جاعل الضحك والبكاء فيه بل الجميع ~~حق $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا @QE@ ورؤية ~~البرق أمر واقع باحساسهم فالاراءة فعله والرؤية فعلنا ولا يقال أراءة البرق ~~خلقه فإن خلقه لا يسمى اراءة ولا يستلزم رؤيتنا له بل اراءتنا له جعلنا ~~نراه وذلك فعله سبحانه ومن ذلك قول الخضر لموسى @QB@ فأراد ربك أن يبلغا ~~أشدهما ويستخرجا كنزهما @QE@ فبلوغ الأشد ليس من فعلهما واستخراج الكنز من ~~أفعالهما الإختيارية وقد أخبر أن كليهما بإرادته سبحانه ومن ذلك قوله تعالى ~~عن السحرة @QB@ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله @QE@ وليس اذنه ها ~~هنا أمره وشرعه بل قضاؤه وقدره ومشيئته فهو إذا كوني قدري لا ديني أمري $ ~~فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها @QE@ ~~وكلمة التقوى هي الكلمة التي يتقي الله بها وأعلى أنواع هذه الكلمة هي قول ~~لا إله إلا الله ثم كل كلمة يتقي الله بها بعدها فهي من كلمة التقوى وقد ~~أخبر سبحانه أنه ألزمها عبادة المؤمنين فجعلها لازمة لهم لا ينفكون عنها ~~فبإلزامه التزموها ولولا الزامه لهم إياها لما التزاموها والتزمها فعل ~~إختياري تابع لإرادتهم واختيارهم فهو الملزم وهم الملتزمون $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا ~~مسه الخير منوعا @QE@ وهذا تفسير ms104 الهلوع وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه ~~الجزع والمنع فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك وذلك صرح في أن هلعه مخلوق ~~لله كما أن ذاته مخلوقة فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق ~~لله ليس فيه شيء خلق لله وشيء خلق لغيره بل الله خالق الإنسان بجملته ~~وأحواله كلها فالهلع فعله حقيقة والله خالق ذ لك فيه حقيقة فليس الله ~~سبحانه بهلوع ولا العبد هو الخالق لذلك $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ~~على الذين لا يعقلون @QE@ وإذنه ها هنا قضاؤه وقدره لا مجرد أمره وشرعه ~~كذلك قال السلف في تفسير هذه الآية قال ابن المبارك عن الثوري بقضاء الله ~~وقال محمد بن جرير يقول جل ذكره لنبيه وما لنفس خلقها من سبيل إلى أن تصدقك ~~إلا أن يأذن لها في ذلك فلا تجهدن نفسك في طلب هداها وبلغها وعيد الله ثم ~~خلها فإن هداها بيد خالقها وما قبل الآية وما بعدها لا يدل إلا على ذلك ~~فإنه سبحانه قال @QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله @QE@ أي لا ~~تكفي دعوتك في حصول الإيمان حتى يأذن الله لمن دعوته أن يؤمن ثم قال قل ~~انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ~~قال ابن جرير يقول تعالى يا محمد قل لهؤلاء السائلينك الآيات على صحة ما ~~تدعو إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان أنظروا أيها القوم ماذا في ~~السموات من الآيات الدالة على حقية ما أدعوكم إليه من توحيد الله من شمسها ~~وقمرها واختلاف ليلها ونهارها ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها وفي ~~الأرض من جبالها وتصدعها بنباتها وأقوات أهلها وسائر صنوف عجائبها فإن في ~~ذلك لكم أن عقلتم وتدبرتم PageV01P060 @ عظة ومعتبرا ودلالة على أن ذلك من ~~فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك ولا له ms105 على حفظه وتدبيره ظهير ~~يغنيكم عما سواه من الآيات وما يغني عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء وقضى ~~عليهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار فهم لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا ~~يصدقون به ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا @QE@ قال ابن جرير وكل إنسان ألزمناه ما قضي له ~~أنه عامله وما هو صائر إليه من شقاء أو سعادة بعمله في عنقه لا يفارقه وهذا ~~ما قاله الناس في الآية وهو ما طار له من الشقاء والسعادة وما طار عنه من ~~العمل ثم ذكر عن ابن عباس قال طائره عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما ~~كان وزائل معه أينما زال وكذلك قال ابن جريج وقتادة ومجاهد هو عمله زاد ~~مجاهد وما كتب له وقال قتادة أيضا سعادته وشقاوته بعمله قال ابن جرير فإن ~~قال قائل فكيف قال ألزمناه طائره في عنقه إن كان الأمر على ما وصفت ولم يقل ~~في يديه أو رجليه أو غير ذلك من أعضاء الجسد قيل إن العنق هي موضع السمات ~~وموضع القلائد والأطوقة وغير ذلك مما يزين أو يشين فجرى كلام العرب بنسبة ~~الأشياء اللازمة سائر الأبدان إلى الأعناق كما أضافوا جنايات أعضاء الأبدان ~~إلى اليد فقالوا ذلك بما كسبت يداه وإن كان الذي جره عليه على لسانه أو ~~فرجه فكذلك قوله @QB@ ألزمناه طائره في عنقه @QE@ وقال الفراء الطائر معناه ~~عندهم العمل قال الأزهري والأصل في هذا أن الله سبحانه لما خلق آدم علم ~~المطيع من ذريته والعاصي فكتب ما علمه منهم أجمعين وقضى بسعادة من علمه ~~مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا فطار لكل ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه ~~وأما قوله في عنقه فقال أبو إسحاق إنما يقال للشيء اللازم هذا في عنق فلان ~~أي لزومه له كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق قال أبو على مثل ms106 هذا ~~قولهم طوقتك كذا وقلدتك كذا أي صرفته نحوك وألزمتك إياه ومنه قلده السلطان ~~كذا أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق وقيل إنما ~~خص العنق لأن عمله لا يخلو أما أن يكون خيرا أو شرا وذلك مما يزين أو يشين ~~كالحلى والغل فأضيف إلى الأعناق قالت القدرية إلزامه ذلك وسمه به وتعليمه ~~بعلامة يعرف الملائكة أنه سعيد أو شقي والخبر عنه لا أنه ألزمه العمل فجعله ~~لازما له قال أهل السنة هذه طريقة لكم معروفة في تحريف الكلم عن مواضعه ~~سلكتموها في الجسم والطبع والعقل وهذا لا يعرفه أهل اللغة وهو خلاف حقيقة ~~اللفظ وما فسره به أعلم الأمة بالقرآن ولا يعرف ما قلتموه عن أحد من سلف ~~الأمة البتة ولا فسر الآية غيركم به ولا يصح حمل الآية عليه فإن الخبر عنه ~~بذلك والعلامة أعلم بها إنما حصل بعد طائره اللازم له من عمله فلما لزمه ~~ذلك الطائر ولم ينفك عنه أخبر عنه بذلك وصارت عليه علامة وسمة ونحن قد ~~أريناكم أقوال أئمة الهدى وسلف الأمة في الطائر فأرونا قولكم عن واحد منهم ~~قاله قبلكم وكل طائفة من أهل البدع تجر القرآن إلى بدعها وضلالها وتفسره ~~بمذاهبها وآرائها والقرآن بريء من ذلك وبالله التوفيق # | فصل ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون ~~كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به @QE@ وقد وقع هذا المعنى في ~~القرآن في موضعين هذا أحدهما والثاني في سورة الشعراء في قوله @QB@ ولو ~~نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين كذلك سلكناه في ~~قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم @QE@ PageV01P061 قال ~~ابن عباس سلك الشرك في قلوب المكذبين كما سلك الخرزة في الخيط وقال أبو ~~إسحاق أي كما فعل بالمجرمين الذين استهزؤا بمن تقدم من الرسل كذلك سلك ~~الضلال في قلوب المجرمين واختلفوا في مفسر الضمير في قوله نسلكه فقال ابن ~~عباس سلكنا الشرك وهو قول الحسن وقال الزجاج وغيره ms107 هو الضلال وقال الربيع ~~يعني الاستهزاء وقال الفراء التكذيب وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد ~~والتكذيب والاستهزاء والشرك كل ذلك فعلهم حقيقة وقد أخبر أنه سبحانه هو ~~الذي سلكه في قلوبهم وعندي في هذه الأقوال شيء فإن الظاهر أن الضمير في ~~قوله لا يؤمنون به هو الضمير في قوله سلكناه فلا يصح أن يكون المعنى لا ~~يؤمنون بالشرك والتكذيب والاستهزاء فلا تصح تلك الأقوال إلا بإختلاف مفسر ~~الضميرين والظاهر اتحاد فالذين لا يؤمنون به هو الذي سلكه في قلوبهم وهو ~~القرآن فإن قيل فما معنى سلكه إياه في قلوبهم وهم ينكرونه قبل سلكه في ~~قلوبهم بهذه الحال أي سلكناه غير مؤمنين به فدخل في قلوبهم مكذبا به كما ~~دخل في قلوب المؤمنين مصدقا به وهذا مراد من قال إن الذي سلكه في قلوبهم هو ~~التكذيب والضلال ولكن فسر الآية بالمعنى فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين به ~~فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم فإن قيل فما معنى إدخاله في قلوبهم وهم ~~لا يؤمنون به قيل لتقوم عليهم بذلك حجة الله فدخل في قلوبهم وعلموا أنه حق ~~وكذبوا به فلم يدخل في قلوبهم دخول مضدق به مؤمن به مرضي به وتكذيبهم به ~~بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرا من تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم فإن ~~المكذب بالحق بعد معرفته له شر من المكذب به ولم يعرفه فتأمله فإنه من فقه ~~التفسير والله الموفق للصواب # فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ~~أزا @QE@ فالإرسال هاهنا إرسال كوني قدري كإرسال الرياح وليس بإرسال ديني ~~شرعي فهو إرسال تسليط بخلاف قوله في المؤمنين @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان @QE@ فهذا السلطان المنفى عنه على المؤمنين هو الذي أرسل به جنده على ~~الكافرين قال أبو إسحاق ومعنى الإرسال ههنا التسليط تقول قد أرسلت فلانا ~~على فلان إذا سلطته عليه كما قال @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين @QE@ فاعلم أن من اتبعه هو ms108 مسلط عليه قلت ويشهد له قوله ~~تعالى @QB@ إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ وقوله ~~@QB@ تؤزهم أزا @QE@ فالأز في اللغة التحريك والتهييج ومنه يقال لغليان ~~القدر الأزيز لتحرك الماء عند الغليان وفي الحديث كان لصدر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أزيزا كأزيز المرجل من البكاء وعبارات السلف تدور على هذا ~~المعنى قال ابن عباس تغريهم إغراء وفي رواية أخرى عنه تسلهم سلا وفي رواية ~~أخرى تحرضهم تحريضا وفي أخرى تزعجهم للمعاصي إزعاجا وفي أخرى توقدهم إيقادا ~~أي كما يتحرك الماء بالوقد تحته قال أبو عبيدة الأزيز الإلهاب والحركة ~~كالتهاب النار في الحطب يقال إز قدرك أي ألهب تحتها النار وائتزت القدر إذا ~~اشتد غليانها وهذا اختيار الأخفش والتحقيق أن اللفظة تجمع المعنيين جميعا ~~قالت القدرية معنى أرسلنا الشياطين على الكافرين خلينا بينهم وبينها ليس ~~معناه التسليط قال أبو علي الإرسال يستعمل بمعنى التخلية بين المرسل وما ~~يريد فمعنى الآية خلينا بين الشياطين وبين الكافرين ولم يمنعهم منهم ولم ~~يعدهم بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم أن عبادي ليس لك عليهم سلطان قال ~~الواحدي وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية قال وليس المعنى على ~~PageV01P062 @ ما ذهبوا إليه وقال أبو إسحاق والمختار أنهم أرسلوا عليهم ~~وقيضوا لهم بكفرهم كما قال تعالى @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين @QE@ وقال @QB@ وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم @QE@ وإنما معنى الإرسال التسليط قلت وهذا هو المفهوم من ~~معنى الإرسال كما في الحديث إذا أرسلت كلبك المعلم أي سلطته ولو خلى بينه ~~وبين الصيد من غير إرسال منه لم يبح صيده وكذلك قوله @QB@ وفي عاد إذ ~~أرسلنا عليهم الريح العقيم @QE@ أي سلطناها وسخرناها عليهم وكذلك قوله @QB@ ~~وأرسل عليهم طيرا أبابيل @QE@ وكذلك قوله @QB@ إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة ~~@QE@ والتخليه بين المرسل وبين ما أرسل إليه من لوازم هذا المعنى ولا يتم ~~التسليط إلا به فإذا أرسل الشيء الذي من طبعه وشأنه أن تفعل فعلا ولم ms109 تمنعه ~~من فعله فهذا هو التسليط ثم أن القدرية تناقضوا في هذا القول فإنهم إن ~~جوزوا منعهم منهم وعصمتهم وإعادتهم فقد نقضوا أصلهم فإن منع المختار من ~~فعله الاختياري مع سلامة النية وصحة بنيته تدل على ان فعله وتركه مقدور ~~للرب وهذا عين قول أهل السنة وإن قالوا لا يقدر على منعهم وعصمهم منهم ~~وإعادتهم فقد جعلوا قدرتهم ومشيئتهم بفعل ما لا يقدر الرب على المنع منه ~~وهذا أبطل الباطل ثم قالت القدرية تؤزهم أزا تأمرهم بالمعاصي أمرا وحكوا ~~ذلك عن الضحاك وهذا لا يلتفت إليه إذ لا يقال لمن أمر غيره بشيء قد أزه ولا ~~تساعد اللغة على ذلك ولو كان ذلك صحيحا لكان يؤز المؤمنين أيضا فإنه يأمرهم ~~بالمعاصي أكثر من أمر الكافرين فإن الكافر سريع الطاعة والقبول من الشيطان ~~فلا يحتاج من أمره ما يحتاج إليه من أمر المؤمنين بل يأمر الكافر مرة ويأمر ~~المؤمن مرات فلو كان الأز الأمر لم يكن له اختصاص بالكافرين $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر ~~الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس @QE@ وقوله @QB@ ~~أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون @QE@ وقوله @QB@ فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ ومن المعلوم أن الإعاذة ~~من الشيطان الرجيم ليست بإماتته ولا تعطيل آلات كيده وإنما هي بأن يعصم ~~المستعيذ من أذاه له ويحول بينه وبين فعله الاختياري له فدل على أن فعله ~~مقدور له سبحانه إن شاء سلطه على العبد وإن شاء حال بينه وبينه وهذا على ~~أصول القدرية باطل فلا يثبتون حقيقة الإعاذة وإن أثبتوا حقيقة الاستعاذة من ~~العبد وجعلوا الآية ردا على الجبرية والجبرية أثبتوا حقيقة الإعاذة ولم ~~يثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد بل الاستعاذة فعل الرب حقيقة كما أن ~~الإعاذة فعله وقد ضل الطائفتان عن الصراط المستقيم وأصابت كل طائفة منهما ~~فيما أثبتته من الحق $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ واصبر وما صبرك إلا بالله ms110 @QE@ وقول هود وما ~~توفيقي إلا بالله ومعلوم أن الصبر والتوفيق فعل اختياري للعبد وقد أخبر أنه ~~به لا بالعبد وهذا لا ينبغي أن يكون فعلا للعبد حقيقة ولهذا أمر به وهو لا ~~يأمر عبده بفعل نفسه سبحانه وإنما يؤمر العبد بفعله هو ومع هذا فليس فعله ~~واقعا به وإنما هو بالخالق لكل شيء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~فالتصبير منه سبحانه وهو فعله والصبر هو القائم بالعبد وهو فعل العبد ولهذا ~~أثنى على من يسأله أن يصبره فقال تعالى @QB@ ولما برزوا لجالوت وجنوده ~~قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ~~فهزموهم بإذن الله @QE@ ففي الآية أربعة أدلة أحدها قولهم أفرغ علينا صبرا ~~والصبر فعلهم الاختياري فسألوه ممن هو PageV01P063 @ بيده ومشيئته وإذنه إن ~~شاء أعطاهموه وإن شاء منعهموه # والثاني قولهم وثبت أقدامنا وثبات الأقدام فعل اختياري ولكت التثبيت فعله ~~والثبات فعلهم ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله # الثالث قولهم وانصرنا على القوم الكافرين فسألوه النصر وذلك بأن يقوي ~~عزائمهم ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم ويلقي في قلوب أعداهم الخور والخوف والرعب ~~فيحصل النصر وأيضا فإن كون الإنسان منصورا على غيره إما أن يكون بأفعال ~~الجوارح وهو واقع بقدرة العبد واختياره وأما أن يكون بالحجة والبيان والعلم ~~وذلك أيضا فعل العبد وقد أخبر سبحانه أن النصر بجملته من عنده وأثنى على من ~~طلبه منه وعند القدرية لا يدخل تحت مقدور الرب # الرابع قوله فهزموهم بإذن الله وإذنه هاهنا هو الإذن الكوني القدري أي ~~بمشيئته وقضائه وقدره وليس هو الإذن الشرعي الذي بمعنى الأمر فإن ذلك لا ~~يستلزم الهزيمة بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني فإن المأمور المكون لا ~~يتخلف عنه البتة $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ~~@QE@ وفي الآية رد ظاهر على الطائفتين وإبطال لقولهما فإنه سبحانه أغفل قلب ~~العبد عن ذكره فغفل هو فالإغفال فعل الله والغفلة فعل العبد ثم أخبر عن ~~اتباعه هواه وذلك فعل العبد ms111 حقيقة والقدرية تحرف هذا النص وأمثاله بالتسمية ~~والعلم فيقولون معنى أغفلنا قلبه سميناه غافلا أو وجدناه غافلا أي علمناه ~~كذلك وهذا من تحريفهم بل أغفلته مثل أقمته وأقعدته وأغنيته وأفقرته أي ~~جعلته كذلك وأما أفعلته أو أوجدته كذلك كاحمدته وأجنبته وأبخلته وأعجزته ~~فلا يقع في أفعال الله البتة إنما يقع في أفعال العاجز أن يجعل جبانا ~~وبخيلا وعاجزا فيكون معناه صادفته كذلك وهل يخطر بقلب الداعي اللهم أقدرني ~~أو أوزعني وألهمني أي سمني وأعلمني كذلك وهل هذا إلا كذب عليه وعلى المدعو ~~سبحانه والعقلاء يعلمون علما ضروريا أن الداعي إنما سأل الله أن يخلق له ~~ذلك ويشاءه له ويقدره عليه حتى القدري إذا غابت عنه بدعته وما تقلده عن ~~أشياخه وأسلافه وبقي وفطرته لم يخطر بقلبه سوى ذلك وأيضا فلا يمكن أن يكون ~~العبد هو المغفل لنفسه عن الشيء فإن إغفاله لنفسه عنه مشروط بشعوره به وذلك ~~مضاد لغفلته عنه بخلاف إغفال الرب تعالى له فإنه لا يضاد علمه بما يغفل عنه ~~العبد وبخلاف غفلة العبد فإنها لا تكون إلا مع عدم شعوره بالمغفول عنه وهذا ~~ظاهر جدا فثبت إن الإغفال فعل الله بعبده والغفلة فعل العبد $ فصل # ومن ذلك قوله تعالى إخبارا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه @QB@ قد افترينا ~~على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا @QE@ وهذا يبطل تأويل القدرية المشيئة في ~~مثل ذلك بمعنى الأمر فقد علمت أنه من الممتنع على الله أن يأمر بالدخول في ~~ملة الكفر والشرك به ولكن استثنوا بمشيئته التي يضل بها من يشاء ويهدي من ~~يشاء ثم قال شعيب وسع ربنا كل شيء علما فرد الأمر إلى مشيئته وعلمه فإن له ~~سبحانه في خلقه علم محيط ومشيئته نافذة وراء ما يعلمه الخلائق فامتناعنا من ~~العود فيها هو مبلغ علومنا ومشيئتنا ولله علم آخر ومشيئة أخرى وراء علومنا ~~ومشيئتنا فلذلك رد الأمر إليه ومثله قول إبراهيم @QB@ ولا ms112 أخاف ما تشركون ~~به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون @QE@ فأعادت ~~الرسل بكمال معرفتها بالله أمورها إلى مشيئة الرب وعلمه ولهذا أمر الله ~~رسوله أن لا يقول لشيء أنه فاعله حتى يستثني بمشيئة الله فإنه إن شاء فعله ~~PageV01P064 @ وإن شاء لم يفعله وقد تقدم تقرير هذا المعنى وبالجملة فكل ~~دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا ~~كان إثبات القدر أساس التوحيد قال ابن عباس الإيمان بالقدر نظام التوحيد ~~فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيد & الباب الرابع عشر في الهدى والضلال ~~ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم # هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ~~ما يقسمه له الهدى وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال وكل نعمة دون ~~نعمة الهدى وكل مصيبة دون مصيبة الضلال وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى ~~أخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه ~~من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأن الهدى والإضلال بيده لا ~~بيد العبد وأن العبد هو الضال أو المهتدي فالهداية والإضلال فعله سبحانه ~~وقدره والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ~~ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن فأما مراتب الهدى فأربعة # إحداها الهدى العام وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها وهذا ~~أعم مراتبه # المرتبة الثانية الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح ~~العبد في معاده وهذا خاص بالمكلفين وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى ~~وأعم من الثالثة المرتبه الثالثه الهداية المستلزمة للاهتداء وهي هداية ~~التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه ~~للعبد وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل # المرتبة الرابعة الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار $ فصل # فأما المرتبة الأولى فقد قال سبحانه @QB@ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق ~~فسوى والذي ms113 قدر فهدى @QE@ فذكر سبحانه أربعة أمور عامة الخلق والتسوية ~~والتقدير والهداية وجعل التسوية من تمام الخلق والهداية من تمام التقدير ~~قال عطاء خلق فسوى أحسن ما خلقه وشاهده قوله تعالى @QB@ الذي أحسن كل شيء ~~خلقه @QE@ فإحسان خلقه يتضمن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل ~~بينها تفاوت يخل بالتناسب والاعتدال فالخلق الإيجاد والتسوية إتقانه وإحسان ~~خلقه وقال الكلبي خلق كل ذي روح فجمع خلقه وسواه باليدين والعينين والرجلين ~~وقال مقاتل خلق لك لدابة ما يصلح لها من الخلق وقال أبو إسحاق خلق الإنسان ~~مستويا وهذا تمثيل وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره قال تعالى @QB@ ~~ونفس وما سواها @QE@ وقال @QB@ فسواهن سبع سماوات @QE@ فالتسوية شاملة ~~لجميع مخلوقاته @QB@ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت @QE@ وما يوجد من ~~التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق فإن التسوية ~~أمر وجودي تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق ~~للتسوية وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير فتأمل ذلك فإنه يزيل ~~عنك الإشكال في قوله @QB@ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت @QE@ فالتفاوت ~~حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم ~~يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها وتمام هذا يأتي إن شاء الله في باب ~~دخول الشر في القضاء عند قول النبي صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك ~~والمقصود أن كل PageV01P065 @ مخلوق فقد سواه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه ~~وإن فاتته التسوية من وجه آخر لم يخلق له $ فصل # وأما التقدير والهداية فقال مقاتل قدر خلق الذكر والأنثى فهدى الذكر ~~للأنثى كيف يأتيها وقال ابن عباس والكلبي وكذلك قال عطاء قدر من النسل ما ~~أراد ثم هدى الذكر للأنثى واختار هذا القول صاحب النظم فقال معنى هدى هداية ~~الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه مختلف ~~لاختلاف الصور والخلق والهيآت فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف ~~يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك وقال مقاتل أيضا هداه لمعيشته ومرعاه وقال ms114 ~~السدي قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج وقال مجاهد هدى الإنسان ~~لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة وقال الفراء التقدير فهدى وأضل فاكتفى ~~من ذكر أحدهما بالآخر قلت الآية أعم من هذا كله وأضعف الأقوال فيها قول ~~الفراء إذا المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه ليس ~~المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته وهو نظير قوله @QB@ ربنا الذي أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى @QE@ فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج والهداية التعليم ~~والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه لا ~~تفسير مطابق للآية فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقة وبهيمه طيره ~~ودوابه فصيحة وأعجمه وكذلك قول من قال أنه هداية الذكر لإتيان الأنثى تمثيل ~~أيضا وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله وكذلك قول من ~~قال هداه للمرعى فإن ذلك من الهداية فإن الهداية إلى التقام الثدي عند ~~خروجه من بطن أمه والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت ~~والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه وهداية الطير والوحش ~~والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان كهداية النحل إلى سلوك ~~السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال ~~وما يغرس بنو آدم وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب وذلك أن لها أميرا ~~ومدبرا وهو اليعسوب وهو أكبر جسما من جميع النحل وأحسن لونا وشكلا وإناث ~~النحل تلد في إقبال الربيع وأكثر أولادها يكن إناثا وإذا وقع فيها ذكر لم ~~تدعه بينها بل إما أن تطرده وإما أن تقتله إلا طائفة يسيرة منها تكون حول ~~الملك وذلك أن الذكر منها لا تعمل شيئا ولا تكسب ثم تجمع الأمهات وفراخها ~~عند الملك فيخرج بها إلى المرعى من المروج والرياض والبساتين والمراتع في ~~أقصد الطرق وأقربها فيجتني منها كفايتها فيرجع بها الملك فإذا انتهوا إلى ~~الخلايا وقف على بابها ولم يدع ذكرا ولا نحلة غريبة تدخلها فإذا تكامل ms115 ~~دخولها دخل بعدها وتواجدت النحل على مقاعدها وأماكنها فيبتدئ الملك بالعمل ~~كأنه يعلمها إياه فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه ويترك الملك العمل ~~ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات ~~الأوراق والأنوار ثم تقتسم النحل فرقا فمنها فرقه تلزم الملك ولا تفارقه ~~ولا تعمل ولا تكسب وهم حاشية الملك من الذكورة ومنها فرقة تهيئ الشمع ~~وتصنعه والشمع هو ثفل العسل وفيه حلاوة كحلاوة التين وللنحل فيه عناية ~~شديدة فوق عنايتها بالعسل فينظفه النحل ويصفيه ويخلصه مما يخالطه من ~~أبوالها وغيرها وفرقة تبني البيوت وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها ~~وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل وإذا رأت بينها نحلة ~~مهينة بطالة قطعها وقتلها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال وتعديهن ببطالتها ~~ومهانتها وأول ما يبنى في الخلية مقعد الملك وبيته فيبنى له بيتا مربعا ~~يشبه السرير والتخت فيجلس عليه ويستدير حوله PageV01P066 @ طائفة من النحل ~~يشبه الأمراء والخدم والخواص لا يفارقنه ويجعل النحل بين يديه شيء يشبه ~~الحوض يصب فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه ويملأ منه الحوض يكون ذلك طعاما ~~للملك وخواصه ثم يأخذن في ابتناء البيوت على خطوط متساوية كأنها سكك ومحال ~~وتبنى بيوتها مسدسة متساوية الأضلاع كأنها قرأت كتاب اقليدس حتى عرفت أوفق ~~الأشكال لبيوتها لأن المطلوب من بناء الدور هو الوثاقة والسعة والشكل ~~المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلا مستديرا ~~كاستدارة الرحى ولا يبقى فيه فروج ولا خلل ويشد بعضه بعضا حتى يصير طبقا ~~واحدا محكما لا يدخل بين بيوته رؤوس الإبر فتبارك الذي ألهمها أن تبني ~~بيوتها هذا البناء المحكم الذي يعجز البشر عن صنع مثله فعلمت أنها محتاجة ~~إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين إحداهما أن لا يكون من زواياها ~~ضيقة حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلا الثانية أن تكون تلك البيوت مشكلة ~~بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض وامتلأت العرصة منها فلا يبقى منها ضائعا ثم ~~أنها علمت ms116 أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدس فقط فإن المثلثات ~~والمربعات وإن أمكن امتلاء العرصة منها إلا أن زواياها ضيقة وأما سائر ~~الأشكال وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العرصة منها بل يبقى ~~بينها فروج خاليه ضائعة وأما المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين فهداها ~~سبحانه على بناء بيوتها على هذا الشكل من غير مسطر ولا آلة ولا مثال يحتذى ~~عليه وأصنع بني آدم لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالآلات الكبيرة ~~فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها وتأتها ذللا لا تستعصي ~~عليها ولا تضل عنها وإن تجتني أطيب ما في المرعى وألطفه وأن تعود إلى ~~بيوتها الخالية فتصب فيها شرابا مختلفا ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون فإذا فرغت من بناء البيوت خرجت خماصا تسيح سهلا وجبلا ~~فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رؤوس الأزهار وورق الأشجار فترجع بطانا ~~وجعل سبحانه في أفواهها حرارة منضجة تنضج ما جنته فتعيده حلاوة ونضجا ثم ~~تمجه في البيوت حتى إذا امتلأت ختمتها وسدت رؤوسها بالشمع المصفى فإذا ~~امتلأت تلك البيوت عمدت إلى مكان آخر إن صادفته فاتخذت فيه بيوتا وفعلت كما ~~فعلت في البيوت الأولى فإذا برد الهوى وأخلف المرعى وحيل بينها وبين الكسب ~~لزمت بيوتها واغتذت بما ادخرته من العسل وهي في أيام الكسب والسعي تخرج ~~بكرة وتسيح في المراتع وتستعمل كل فرقة منها بما يخصها من العمل فإذا أمست ~~رجعت إلى بيوتها وإذا كان وقت رجوعها وقف على باب الخلية بواب منها ومعه ~~أعوان فكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب و يتفقدها فإن وجد منها رائحة ~~منكرة أو رأى بها لطخة من قذر منعها من الدخول وعزلها ناحية إلى أن يدخل ~~الجميع فيرجع إلى المعزولات الممنوعات من الدخول فيتفقدهن ويكشف أحوالهن ~~مرة ثانيه فمن وجده قد وقع على شيء منتن أو نجس قده نصفين ومن كانت جنايته ~~خفيفة تركه خارج الخلية هذا دأب البواب كل عشية وأما الملك فلا يكثر الخروج ~~من ms117 الخلية إلا نادرا إذا اشتهى التنزه فيخرج ومعه أمراء النحل والخدم فيطوف ~~في المروج والرياض والبساتين ساعة من النهار ثم يعود إلى مكانه ومن عجيب ~~أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو من صاحب الخلية أو من خدمه فيغضب ويخرج ~~من الخلية ويتباعد عنها ويتبعه جميع النحل وتبقى الخلية خالية فإذا رأى ~~صاحبها ذلك وخاف أن يأخذ النحل ويذهب بها إلى مكان آخر احتال لاسترجاعه ~~وطلب رضاه فيتعرف موضعه الذي صار إليه النحل فيعرفه PageV01P067 @ باجتماع ~~النحل إليه فإنها لا تفارقه وتجتمع عليه حتى تصير عليه عنقودا وهو إذا خرج ~~غضبا جالس على مكان مرتفع من الشجرة وطافت به النحل وانضمت إليه حتى يصير ~~كالكرة فيأخذ صاحب النحل رمحا أو قصبة طويلة ويشد على رأسه حزمة من النبات ~~الطيب الرائحة العطر النظيف ويدنيه إلى محل الملك ويكون معه إما مزهر أو ~~يراع أو شيء من آلات الطرب فيحركه وقد أدنى إليه ذلك الحشيش فلا يزال كذلك ~~إلى أن يرضى الملك فإذا رضي وزال غضبه طفر ووقع على الضغث وتبعه خدمه وسائر ~~النحل فيحمله صاحبه إلى الخلية فينزل ويدخلها هو وجنوده ولا يقع النحل على ~~جيفة ولا حيوان ولا طعام ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة ~~ولا تدين لطاعتها والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العسالة وهي تحاول ~~مقاتلة الطوال القليلة النفع وإخراجها ونفيها عن الخلايا وإذا فعلت ذلك جاد ~~العسل وتجتهد أن تقتل ما تريد قتلها خارج الخلية صيانة للخلية عن جيفته ~~ومنها صنف قليل النفع كبير الجسم وبينها وبين العسالة حرب فهي تقصدها ~~وتغتالها وتفتح عليها بيوتها وتقصد هلاكها والعسالة شديدة التيقظ والتحفظ ~~منها فإذا هجمت عليها في بيوتها حاولتها وألجأتها إلى أبواب البيوت فتتلطخ ~~بالعسل فلا تقدر على الطيران ولا يفلت منها الآ كل طويل العمر فإذا انقضت ~~الحرب وبرد القتال عادت إلى القتلى فحملتها وألقتها خارج الخلية وقد ذكرنا ~~ان الملك لا يخرج إلا في الأحايين وإذا خرج خرج في جموع من الفراخ والشبان ~~وإذا عزم ms118 على الخروج ظل قبل ذلك اليوم أو يومين يعلم الفراخ وينزلها ~~منازلها ويرتبها فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد دبره معهن لا يخرجن ~~عنه وإذا تولدت عنده ذكران عزف أنهن يتطلبن الملك فيجعل كل واحد منهم على ~~طائفة من الفراخ ولا يقتل ملك منها ملكا آخر لما في ذلك من فساد الرعية ~~وهلاكها وتفرقها وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد كثرت في الخلية وخاف من ~~تفرق النحل بسببهم احتال عليهم وأخذ الملوك كلها إلا واحدا ويحبس الباقي ~~عنده في إناء ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم حتى إذا حدث بالملك المنصوب ~~حدث مرض أو موت أو كان مفسدا فقتلته النحل أخذ من هؤلاء المحبوسين واحدا ~~وجعله مكانه لئلا يبقى النحل بلا ملك فيتشتت أمرها ومن عجيب أمرها أن الملك ~~إذا خرج متنزها ومعه الأمراء والجنود ربما لحقه إعياء فتحمله الفراخ وفي ~~النحل كرام عمال لها سعى وهمة واجتهاد وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة ~~للبطالة فالكرام دائما تطردها وتنفيها عن الخلية ولا تساكنها خشية أن تعدى ~~كرامها وتفسدها والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه ولذلك لا تلقى زبلها إلا حين ~~تطير وتكره النتن والروائح الخبيثة وابكارها وفراخها أحرس وأشد اجتهادا من ~~الكبار وأقل لسعا وأجود عسلا ولسعها إذا لسعت أقل ضررا من لسع الكبار ولما ~~كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته لما ~~لم يشركها فيه غيرها وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور ~~الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام كان أكثر الحيوان أعداء وكان ~~أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز ~~الحكيم # | فصل وهذه النمل من أهدى الحيوانات وهدايتها من أعجب شيء فإن النملة ~~الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها لطريق فإذا ظفرت به ~~حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل ~~إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان PageV01P068 @ فإذا خزنتها ~~عمدت ms119 إلى ما ينبت منها ففلقته فلقلتين لئلا ينبت فإن كان ينبت مع فلقه ~~بأثتين فلقته بأربعة فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به ~~يوما ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها ولا تتغذى ~~منها نملة مما جمعه غيرها ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في ~~القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها يا أيها ~~النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فاستفتحت ~~خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ثم أتت بالاسم المبهم ثم أتبعته بما ~~يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من ~~العسكر ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول وهو خشية أن يصيبهم معرة الجيش فيحطمهم ~~سليمان وجنوده ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده بأنهم لا يشعرون بذلك وهذا من ~~أعجب الهداية وتأمل كيف عظم الله سبحانه شأن النمل بقوله @QB@ وحشر لسليمان ~~جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون @QE@ ثم قال @QB@ حتى إذا أتوا على ~~وادي النمل @QE@ فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي ودل على أن ذلك ~~الوادي معروفا بالنمل كوادي السباع ونحوه ثم أخبر بما دل على شدة فطنه هذه ~~النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم فقد عرفت هي ~~والنمل أن لكل طائفة منها مسكنا لا يدخل عليهم فيه سواهم ثم قالت لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده فجمعت بين اسمه وعينه وعرفته بهما وعرفت جنوده ~~وقائدها ثم قالت وهم لا يشعرون فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش ~~بكونهم لا يشعرون وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا جذرهم ويدخلوا مساكنهم ~~ولذلك تبسم نبي الله ضاحكا من قولها وأنه لموضع تعجب وتبسم وقد روى الزهري ~~عن عبد الله بن عبد الله بن عيينة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصرد وفي الصحيح عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال نزل بني من ms120 الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة ~~فأمر بجهازه فأخرج وأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أمن أجل أن ~~قرصتك نملة احرقت أمة من الأمم تسبح فهلا نملة واحدة وذكر هشام بن حسان أن ~~أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند تنورين ~~فجلس عليه ثم تشهد ثم قال لتنتهن أو ليحرقن عليكن ونفعل قال فذهبن وروى عوف ~~بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال قال أبو موسى الأشعري أن لكل شيء سادة ~~حتى للنمل سادة ومن عجيب هدايتها أنها تعرف ربها بأنه فوق سمواته على عرشه ~~كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد من حديث أبي هريرة يرفعه قال خرج نبي ~~من الأنبياء بالناس يستسقون فأذا هم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو ~~مستلقية على ظهرها فقال ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركم ولهذا الأثر عدة ~~طرق ورواه الطحاوي في التهذيب وغيره وقال الإمام أحمد حدثنا قال خرج سليمان ~~بن داؤد يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي ~~تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنا عن سقياك ورزقك فأما أن تسقينا ~~وترزقنا وإما أن تهلكنا فقال ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم ولقد حدثني أن ~~نملة خرجت من بيتها فصادفت شق جرادة فحاولت أن تحمله فلم تطق فذهبت وجاءت ~~معها بأعوان يحملنه معها قال فرفعت ذلك من الأرض فطافت في مكانه فلم تجده ~~فانصرفوا وتركوها قال فوضعته فعادت تحاول حمله فلم تقدر فذهبت وجاءت بهم ~~فرفعته فطافت فلم تجده فانصرفوا قال فعلت ذلك مرارا فلما كان في المرة ~~الأخرى استدار PageV01P069 @ النمل حلقة ووضعوها في وسطها وقطعوها عضوا ~~عضوا قال شيخنا وقد حكيت له هذه الحكاية فقال هذه النمل فطرها الله سبحانه ~~على قبح الكذب وعقوبة الكذاب والنمل من أحرص الحيوان ويضرب بحرصه المثل ~~ويذكر أن سليمان صلوات الله وسلامه عليه بما رأى حرص النملة وشدة ادخارها ~~للغذاء استحضر نملة وسألها كم تأكل النملة من الطعام كل سنة قالت ثلاث ms121 حبات ~~من الحنطة فأمر بإلقائها في قارورة وسد فم القارورة وجعل معها ثلاث حبات ~~حنطة وتركها سنة بعد ما قالت ثم أمر بفتح القارورة عند فراغ السنة فوجد حبة ~~ونصف حبة فقال أين زعمك انت زغمت أن قوتك كل سنة ثلاث حبات فقالت نعم ولكن ~~لما رأيتك مشغولا بمصالح أبناء جنسك حسبت الذي بقي من عمري فوجدته أكثر من ~~المدة المضروبة فاقتصرت على نصف القوت واستبقيت نصفه استبقاء لنفسي فعجب ~~سليمان من شدة حرصها وهذا من أعجب الهداية والعطية ومن حرصها أنا تكد طوال ~~الصيف وتجمع للشتاء علما منها بأعواز الطلب في الشتاء وتعذر الكسب فيه وهي ~~على ضعفها شديدة القوى فإنها تحمل أضعاف أضعاف وزنها وتجره إلى بيتها ومن ~~عجيب أمرها أنك إذا أخذت عضو كزبرة يابس فأدنيته إلى انفك لم تشم له رائحة ~~فإذا وضعته على الأرض أقبلت النملة من مكان بعيد إليه فإن عجزت عن حمله ~~ذهبت وأتت معها بصف من النمل يحتملونه فكيف وجدت رائحة ذلك من جوف بيتها ~~حتى أقبلت بسرعة اليه فهي تدرك بالشم من البعد ما يدركه غيرها بالبصر أو ~~بالسمع فتأتي من مكان بعيد إلى موضع أكل فيه الإنسان وبقي فيه فتات من ~~الخبز أو غيره فتحلمه وتذهب به وإن كان أكبر منها فإن عجزت عن حمله ذهبت ~~إلى حجرها وجاءت معها بطائفة من أصحابها فجاؤا كخيط أسود يتبع بعضهم بعضا ~~حتى يتساعدوا على حمله ونقله وهي تأتي إلى السنبلة فتشمها فإن وجدتها حنطة ~~قطعتها ومزقتها وحملتها وإن وجدتها شعيرا فلا ولها صدق الشم وبعد الهمة ~~وشدة الحرص والجرأة على محاولة نقل ما هو أضعاف أضعاف وزنها وليس للنمل ~~قائد ورئيس يدبرها كما يكون للنحل إلا أن لها رائدا يطلب الرزق فإذا وقف ~~عليه أخبر أصحابه فيخرجن مجتمعات وكل نملة تجتهد في صلاح العامة منها غير ~~مختلسة من الحب شيئا لنفسها دون صواحباتها ومن عجيب أمرها أن الرجل إذا ~~أراد أن يحترز من النمل لا يسقط في عسل أو نحوه فإنه يحفر ms122 حفيرة ويجعل ~~حولها ماء أو يتخذ إناء كبيرا ويملأه ماء ثم يضع فيه ذلك الشيء فيأتي الذي ~~يطيف به فلا يقدر عليه فيتسلق في الحائط ويمشي على السقف إلى أن يحاذي ذلك ~~الشيء فتلقى نفسها عليه وجربنا نحن ذلك وأحمى صانع مرة طوقا بالنار ورماه ~~على الأرض ليبرد واتفق آن اشتمل الطوق على نمل فتوجه في الجهات ليخرج فلحقه ~~وهج النار فلزم المركز ووسط الطوق وكان ذلك مركزا له وهو أبعد مكان من ~~المحيط # فصل وهذا الهدهد من اهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه ~~غيره ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان وقد ~~فقده وتوعده فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة وخاطبه ~~خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال أحطت بما لم تحط به وفي ~~ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم له ~~شأن فلذلك قال وجئتك من سبأ بنبأ يقين والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس ~~متطلعة إلى معرفته ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب فهذه مقدمة بين ~~يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت PageV01P070 @ قلب المخبر لتلقى ~~الخبر وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته وهذا نوع من براعة ~~الاستهلال وخطاب التهييج ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد ~~فقال إني وجدت امرأة تملكهم ثم اخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك ~~بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر ~~عرشها التي تجلس عليه وأنه عرش عظيم ثم أخبره بما يدعوهم إلى قصدهم وغزوهم ~~في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله وحذف أداة العطف من هذه الجملة وأتى بها مستقلة غير معطوفة على ما ~~قبلها إيذانا بأنها هي المقصودة وما قبلها توطئة لها ثم أخبر عن المغوى لهم ~~الحامل لهم على ذلك ms123 وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل ~~المستقيم وهو السجود لله وحده ثم اخبر أن ذلك الصد حال بينهم وين الهداية ~~والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج ~~الخبء في السماوات والأرض وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن ~~وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من ~~أفعال الرب تعالى بخصوصه أشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت ~~الأرض قال صاحب الكشاف وفي إخراج الخبء إمارة على أنه من كلام الهدهد ~~لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض وذلك بألهام من يخرج الخبء في السموات ~~والأرض جلت قدرته ولطف علمه ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله ~~مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله فما عمل آدمي ~~عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله $ فصل وهذا الحمام من أعجب الحيوان ~~هداية حتى قال الشافعي أعقل الطير الحمام وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل ~~والكتب ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة المملوك والعبد فإن الغرض الذي ~~يحصل به لا يحصل بمملوك ولا بحيوان غيره لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من ~~مسيرة ألف فرسخ فما دونها وتنهى الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها ~~مهمات الممالك والدول والقيمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناء عظيما ~~فيفرقون بين ذكورها وإناثها وقت الفساد وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها ~~والإناث عن ذكورها ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها ويتعرفون ~~صحة طرقها ومحلها لا يأمنون أن تفسد الأنثى ذكرا من عرض الحمام فتعتريها ~~الهجنة والقيمون بأمرها لا يحفظون أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون ~~أرحام حمامهم ويحتاطون لها والقيمون لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية ~~الاعتناء بحيث إذا رأوا حماما ساقطا لم يخف عليهم حسبها ونسبها وبلدها ~~ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة وتسمح أنفسهم بالجعل الوافر له ويختارون ~~لحمل الكتب والرسائل الذكور منها ويقولون هو أحن إلى بينه لمكان أنثاه ms124 وهو ~~أشد متنا وأقوى بدنا وأحسن اهتداء وطائفة منهم يختار لذلك الإناث ويقولون ~~الذكر إذا سافر وبعد عهده حن إلى الإناث وتاقت نفسه إليهن فربما رأى أنثى ~~في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها فيترك المسير ومال إلى قضاء وطره منها ~~وهدايته على قدر التعليم والتوطين والحمام موصوف باليمن والألف للناس ويحب ~~الناس ويحبونه ويألف المكان ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه وإن أساء إليه ~~ويعود إليه من مسافات بعيدة وربما صد فترك وطنه عشر حجج وهو ثابت على ~~الوفاء حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه والحمام إذا أراد السفاد يلطف ~~للأنثى غاية اللطف فيبدأ بنشر ذنبه وإرخاء جناحه ثم يدنو من الأنثى فيهدر ~~لها ويقبلها ويزفها وينتفش PageV01P071 @ ويرفع صدره ثم يعتريه ضرب من ~~الوله والأنثى في ذلك مرسلة جناحها وكتفها على الأرض فإذا قضى حاجته منها ~~ركبته الأنثى وليس ذلك في شيء من الحيوان سواه وإذا علم الذكر أنه أودع رحم ~~الأنثى ما يكون منه الولد يقدم هو والأنثى بطلب القصب والحشيش وصغار ~~العيدان فيعملان منه أفحوصة وينسجانها نسجا متداخلا في الوضع الذي يكون ~~بقدر حيمان الحمامة ويجعلان حروفها شاخصة مرتفعة لئلا يتدحرج عنها البيض ~~ويكون حصنا للحاضن ثم يتعاودان ذلك المكان ويتعاقبان الأفحوص يسجنانه ~~ويطيبانه وينفيان طباعه الأول ويحدثان فيه طبعا آخر مشتقا ومستخرجا من طباع ~~أبدانهما ورائحتهما لكي تقع البيضة إذا وقعت في مكان هو أشبه المواضع ~~بأرحام الحمام ويكون على مقدار من الحر والبرد والرخاوة والصلابة ثم إذا ~~ضربها المخاض بادرت إلى ذلك المكان ووضعت فيه البيض فإن أفزعها رعد قاصف ~~رمت بالبيضة دون ذلك المكان الذي هيأته كالمرأة التي تسقط من الفزع فإذا ~~وضعت البيض في ذلك المكان لم يزالا يتعاقبان الحضن حتى إذا بلغ الحضن مداه ~~وانتهت أيامه انصدع عن الفرخ فأعاناه على خروجه فيبدآن أولا بنفخ الريح في ~~حلقه حتى تتسع حوصلته علما منهما بأن الحوصلة تضيق عن الغذاء فتتسع الحوصلة ~~بعد التحامها وتنفتق بعد ارتقاقها ثم يعلمان أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت ms125 ~~شيئا فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء فيزقانه بلعابهما المختلط بالغذاء ~~وفيه قوى الطعم ثم يعلمان أن طبع الحوصلة تضعف عن استمرار الغذاء وأنها ~~تحتاج إلى دفع وتقوية لتكون لها بعض المتانة فيلقطان من الغيطان الحب اللين ~~الرخو ويزقانه الفرخ ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد ولا يزالان ~~يزقانه بالحب والماء على تدريج بحسب قوة الفرخ وهو يطلب ذلك منهما حتى إذا ~~علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى اللقط ويعتاده وإذا ~~علما أن رئته في قويت ونمت وأنهما إن فطماه فطما تاما قوي على اللقط وتبلغ ~~لنفسه ضرباه إذا سألهما الزق ومنعاه ثم تنزع تلك الرحمة العجيبة منهما ~~وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام بنفسه والتكسب ~~ثم يبتدآن العمل ابتداء على ذلك النظام والحمام يشاكل الناس في أكثر طباعه ~~ومذاهبه فإن من إناثه أنثى لا تريد إلا زوجها وفيه أخرى لا ترد يد لامس ~~وأخرى لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث وأخرى تركب من أول وهلة وأول طلب وأخرى ~~لها ذكر معروف بها وهي تمكن ذكرا آخر منها إذا غاب زوجها لم تمتنع ممن ~~ركبها وأخرى تمكن من يغنيها عن زوجها وهو يراهما ويشاهدهما ولا تبالي ~~بحضوره وأخرى تعمط الذكر وتدعوه إلى نفسها وأنثى تركب انثى وتساحقها وذكر ~~يركب ذكرا ويعسفه وكل حالة توجد في الناس ذكورهم وإناثهم توجد في الحمام ~~وفيها من لا تبيض وإن باضت أفسدت البيضة كالمرأة التي لا تريد الولد كيلا ~~يشغلها عن شأنها وفي إناث الحمام من إذا عرض لها ذكر أي ذكر كان أسرعت ~~هاربة ولا تواتي غير زوجها البتة بمنزلة المرأة الحرة ومنا ما يأخذ أنثى ~~يتمتع بها تم ينتقل عنها إلى غيرها وكذلك الأنثى توافق ذكرا آخر عن زوجها ~~وتنتقل عنه وإن كانوا جميعا في برج واحد ومنها ما يتصالح على الأنثى منها ~~ذكران أو أكثر فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه وقهره مالت إليه ~~وأعرضت عن المغلوب ms126 وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى حمامة تتبع ~~حمامة فقال شيطان يتبع شيطانه ومنها ما يزق فراخه خاصه ومنا ما فيه شفقة ~~ورحمة بالغة يزق فراخه وغيرها ومن عجيب هداها أنها إذا حملت الرسائل سلكت ~~الطرق البعيدة عن القرى ومواضع الناس لئلا يعرض لها من PageV01P072 @ يصدها ~~ولا يرد مياههم بل يرد المياه التي لا يردها الناس ومن هدايتها أيضا أنه ~~إذا رأى الناس في الهواء عرف أي صنف يريده وأي نوع من الأنواع ضده فيخالف ~~فعله ليسلم منه ومن هدايته أنه في أول نهوضه يغفل ويمر بين النسر والعقاب ~~وبين الرخم والبازي وبين الغراب والصقر فيعرف من يقصده ومن لا يقصده وإن ~~رأى الشاهين فكأنه يرى السم الناقع وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية ~~الذئب والحمار عند مشاهدة الأسد ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى ~~يتقاسمان أمر الفراخ فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى وجلب ~~القوت والزق على الذكر فإن الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم والأم هي التي ~~تحبل وتلد وترضع ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ أن رجلا كان له زوج حمام ~~مقصوص وزوج طيار وللطيار فرخان قال ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة للدخول ~~والخروج وزق فراخهما قال فحبسني السلطان فجأة فاهتممت بشأن المقصوص غاية ~~الاهتمام ولم أشك في موتهما لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة وليس ~~عندهما ما يأكلان ويشربان قال فلما خلى سبيلي لم يكن لي هم غيرهما ففتحت ~~البيت فوجدت الفراخ قد كبرت ووجدت المقصوص على أحسن حال فعجبت فما لبث أن ~~جاء الزوج الطيار فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم ~~الفرخ فزقاهم فانظر إلى هذه الهداية فإن المقصوصبن لما شاهدا تلطف الفراخ ~~للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش فعلا كفعل الفرخين ~~فأدركتهما رحمة الطيارين فزقاهما كما يزقان فرخيهما ونظير ذلك ما ذكره ~~الجاحظ وغيره قال الجاحظ وهو أمر مشهور عندنا بالبصرة أنه لما وقع الطاعون ~~الجارف أتى على أهل دار فلم يشك أهل تلك ms127 المحلة أنه لم يبق منهم أحد فعمدوا ~~إلى باب الدار فسدوه وكان قد بقي صبي صغير يرضع ولم يفطنوا له فلما كان بعد ~~ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم ففتح الباب فلما أفضى إلى عرصة الدار ~~إذا هو بصبي يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعة ذلك فلم يلبث أن ~~أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار فلما رآها الصبي حبا إليها فأمكنته من ~~أطبائها فمصها وذلك أن الصبي لما اشتد جوعه ورأى جراء الكلبة يرتضعون من ~~أطباء الكلبة حبا إليها فعطفت عليه فلما سقته مرة أدامت له ذلك وأدام هو ~~الطلب ولا يستبعد هذا وما هو أعجب منه فإن الذي هدى المولود إلى مص إبهامه ~~ساعة يولد ثم هداه إلى التقام حلمة ثدي لم يتقدم له به عادة كأنه قد قيل له ~~هذه خزانة طعامك وشرابك التي كأنك لم تزل بها عارفا وفي هدايته للحيوان إلى ~~مصالحة ما هو أعجب من ذلك ومن ذلك أن الديك الشاب إذا لقي حبا لم يأكله حتى ~~يفرقه فإذا هرم وشاخ أكله من غير تفريق كما قال المدائني إن إياس بن معاوية ~~مر بديك ينقر حبا ولا يفرقه فقال ينبغي أن يكون هرما فإن الديك الشاب يفرق ~~الحب ليجتمع الدجاج حوله فتصيب منه والهرم قد فنيت رغبته فليس له همة إلا ~~نفسه قال إياس والديك يأخذ الحبة فهو يريها الدجاجة حتى يلقيها من فيه ~~والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجة وذكر ابن الأعرابي قال أكلت حبة بيض ~~مكاء فجعل المكاء يصوت ويطير على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها وهمت ~~به ألقى حسكة فأخذت بحلقها حتى ماتت وأنشد أبو عمرو الشيباني في ذلك قول ~~الأسدي % إن كنت أبصرتني عيلا ومصطلما % فربما قتل المكاء ثعبانا % وهداية ~~الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر حدث عنه ولا حرج ومن عجيب هدايتها أن ~~الثعلب إذا PageV01P073 @ امتلأ من البراغيث أخذ صوفة بفمه ثم عمد إلى ماء ~~رقيق فنزل فيه قليلا قليلا حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة فيلقيها ms128 في الماء ~~ومن يخرج عجيب أمره أن ذئبا أكل أولاده وكان للذئب أولاد وهناك زبية فعمد ~~الثعلب وألقى نفسه فيها وحفر فيها سردابا يخرج منه ثم عمد إلى أولاد الذئب ~~فقتلهم وجلس ناحية ينتظر الذئب فلما أقبل وعرف أنها فعلته هرب قدامه وهو ~~يتبعه فألقى نفسه في الزبية ثم خرج من السرداب فألقى الذئب نفسه وراءه فلم ~~يجده ولم يطق الخروج فقتله أهل الناحية ومن عجيب أمره أن رجلا كان معه ~~دجاجتان فاختفى له وخطف إحداهما وفر ثم أعمل فكرة في أخذ الأخرى فتراأى ~~لصاحبها من بعيد وفي فمه شيء شبيه بالطائر وأطمعه في استعادتها بأن تركه ~~وفر فظن الرجل أنها الدجاجة فأسرع نحوها وخالفه الثعلب فأخذها وذهب ومن ~~عجيب أمره أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فاعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا فلم ~~يطق فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير ففزع منه ~~فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة ~~حتى تواظب الطير على ذلك وألفته فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها وعبر ~~إلى الطير فلم يشك الطير أنه من جنس ما قبله فلم تنفر منه فوثب على طائر ~~منها وعدا به ومن عجيب أمر الذئب أنه عرض لإنسان يريد قتله فرأى معه قوسا ~~وسهما فذهب وجاء بعظم رأس جمل في فيه وأقبل نحو الرجل فجعل الرجل كلما رماه ~~بسهم اتقاه بذلك العظم حتى أعجزه وعاين نفاذ سهمه فصادف من استعان به على ~~طرد الذئب ومن عجيب أمر القرد ما ذكره البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون ~~الأودي قال رأيت في الجاهلية قردا وقردة زينا فاجتمع عليهما القرود ~~فرجموهما حتى ماتا فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم وهذه ~~البقر يضرب ببلادتها المثل وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا بينا ~~هو يسوق بقرة إذ ركبها فقالت لم أخلق لهذا فقال الناس سبحان الله بقرة ~~تتكلم فقال فإني أومن بهذا أنا ms129 وأبو بكر وعمر وما هما ثم قال وبينا رجل ~~يرعى غنما له إذ عدا الذئب على شاة منها فاستنقذها منه فقال الذئب هذه ~~استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس سبحان ~~الله ذئب يتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أومن بهذا أنا وأبو ~~بكر وعمر # وما هما ثم # ومن هداية الحمار الذي هو من أبلد الحيوان أن الرجل يسير به ويأتي به ~~منزله من البعد في ليلة مظلمة فيعرف المنزل فإذا خلى جاء إليه ويفرق بين ~~الصوت الذي يستوقف به والصوت الذي يحث به على السير # ومن عجيب أمر الفأر أنها إذا شربت من الزيت الذي في أعلا الجرة فنقص وعز ~~عليها الوصول إليه ذهبت وحملت في أفواهها ماء وصبته في الجرة حتى يرتفع ~~الزيت فتشربه والأطباء تزعم أن الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار إذا تعسر ~~عليه الذرق جاء إلى البحر المالح وأخذ بمنقاره منه واحتقن به فيخرج الذرق ~~بسرعة وهذا الثعلب إذا اشتد به الجوع انتفخ ورمى بنفسه في الصحراء كأنه ~~جيفة فتتداوله الطير فلا يظهر حركة ولا نفسا فلا تشك أنه ميت حتى إذا نقر ~~بمنقاره وثب عليها فضمها ضمة الموت وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي ~~والحيات عمدا إلى الصتر النهري فأكلاه كالترياق لذلك ومن عجيب أمر الثعلب ~~أنه إذا أصاب القنفذ قلبه لظهره لأجل شوكة فيجتمع القنفذ حتى يصير كبة شوك ~~فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فكيه فإذا أصابه البول اعتراه ~~الأسر فانبسط فيسلخه الثعلب من بطنه ويأكل مسلوخه وكثير من العقلاء يتعلم ~~من الحيوانات البهم أمورا تنفعه في معاشه وأخلاقه PageV01P074 @ وصناعته ~~وحربه وحزمه وصبره وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال تعالى @QB@ أم ~~تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا @QE@ ~~قال أبو جعفر الباقر والله ما اقتصر على تشبههم بالأنعام حتى جعلهم أضل ~~سبيلا منها فمن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها ms130 أن ترفعه في الهواء ~~أياما تهرب به من الذر والنمل لأنها تضعه كقطعة من لحم فهي تخاف عليه الذر ~~والنمل فلا تزال ترفعه وتضعه وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد وقال ابن ~~الأعرابي قيل لشيخ من قريش من علمك هذا كله وإنما يعرف مثله أصحاب التجارب ~~والتكسب قال علمني الله ما أعلم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي الوجهين جميعا ~~نصيبهما من حضانتها ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحد ~~وقيل لآخر من علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها ~~قال من علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط ثم تصعد ثم تسقط مرارا عديده ~~حتى تستمر صاعدة وقيل لآخر من علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به ~~قال من علم الطير تغدو خماصا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها لا ~~تسأم ذلك ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض وقيل لآخر من علمك السكون ~~والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته ~~فقال الذي علم السهر أن ترصد جحر الفأرة فلا تتحرك ولا تتلوى ولا تختلج ~~كأنها ميتة حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد وقيل لآخر من علمك ~~الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون قال من علم أبا أيوب صبره على الأثقال ~~والاعمال الثقيلة والمشي والتعب وغلظة الجمال وضربه فالثقل والكل على ظهره ~~ومرارة الجوع والعطش في كبده وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه ولا يعدل به ~~ذلك عن الصبر وقيل لآخر من علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل قال من علم ~~الديك يصادف الحبة في الأرض وهو يحتاج إليها فلا يأكلها بل يستدعي الدجاج ~~ويطلبهن طلبا حثيثا حتى تجيء الواحدة منهن فتلقطها وهو مسرور بذلك طيب ~~النفس به وإذا وضع له الحب الكثير فرقه هاهنا وهاهنا وإن لم يكن هناك دجاج ~~لأن طبعه قد ألف البذل والجود فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام وقيل ~~لآخر من علمك هذا التحيل في ms131 طلب الرزق ووجوه تحصيله قال من علم الثعلب تلك ~~الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها وهي أكثر من أن تذكر ومن علم ~~الأسد إذا مشى وخاف أن يقتفى أثره ويطلب عفى أثر مشيته بذنبه ومن علمه أن ~~يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه فينفخ في منخريه لأن اللبؤة تضعه ~~جروا كالميت فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك ومن الهم كرام ~~الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها وإذا مر بفريسة غيره لم يدن ~~منها ولو جهده الجوع ومن علم الأسد أن يخضع للبر ويذل له إذا اجتمعا حتى ~~ينال منه له ومن عجيب أمره أنه إذا استعصى عليه شيء من السباع دعا الأسد ~~فأجابه إجابة المملوك لمالكه ثم أمره فربض بين يديه فيبول في أذنيه فإذا ~~أراد السباع ذلك أذعنت له بالطاعة والخضوع ومن علم الثعلب إذا اشتد به ~~الجوع أن يستلقي على ظهره ويختلس نفسه إلى داخل بدنه حتى ينتفخ فيظن الظان ~~أنه ميتة فيقع عليه فيثب على من انقضى عمره منها ومن علمه إذا أصابه صدع أو ~~جرح أن يأتي إلى صبغ معروف فيأخذ منه ويضعه على جرحه كالمرهم ومن علم الدب ~~إذا أصابه كلم أن يأتي إلى نبت قد عرفه وجهله صاحب الحشائش فيتداوى به ~~فيبرأ ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها أن تأتي إلى الماء ~~فتلد فيه لأنها دون PageV01P075 @ الحيوانات لا تلد إلا قائمة لأن أوصالها ~~على خلاف أوصال الحيوان وهي عالية فتخاف أن تسقطه على الأرض فينصدع أو ينشق ~~فتأتي ما وسطها تضعه فيه فيكون كالفراش اللين والوطاء الناعم ومن علم ~~الذباب إذا سقط في مائع آن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الاخر ومن علم ~~الكلب إذا عاين الظباء آن يعرف المعتل من غيره والذكر من الأنثى فيقصد ~~الذكر مع علمه بأن عدوه أشد وأبعد وثبة ويدع الأنثى على نقصان عدوها لأنه ~~قد علم أن الذكر إذا عدا شوطا أو شوطين حقن ببوله وكل ms132 حيوان إذا اشتد فزعه ~~فإنه يدركه الحقن وإذا حقن الذكر لم يستطع البول مع شدة العدو فيقل عدوه ~~فيدركه كالكلب وأما الأنثى فتحذف بولها لسعة القبل وسهولة المخرج فيدوم ~~عدوها ومن علمه أنه إذا كسا الثلج الأرض أن يتأمل الموضع الرقيق الذي قد ~~انخسف فيعلم ان تحته جحر الأرنب فينبشه ويصطادها علما منه بأن حرارة ~~أنفاسها تذيب بعض الثلج فيرق ومن علم الذئب إذا نام أن يجعل النوم نوبا بين ~~عينيه فينام بإحداهما حتى إذا نعست الأخرى نام بها وفتح النائمة حتى إذا ~~قال بعض العرب % ينام بإحدى مقلتيه ويتقي % بأخرى المنايا فهو يقظان نائم % ~~ومن علم العصفور إذا سقط فرخها أن تستغيث فلا يبقى عصفور بجوارها حتى يجيء ~~فيطيرون حول الفرخ ويحركونه بأفعالهم ويحدثون له قوة وهمة وحركة حتى يطير ~~معهم قال بعض الصيادين ربما رأيت العصفور على الحائط فأومئ بيدي كأني أرميه ~~فلا يطير وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئا فلا يتحرك فإن مسست بيدي ~~أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدي ومن علم الحمامة إذا ~~حملت أن تأخذ هي والأب في بناء العش وأن يقيما له حروفا تشبه الحائط ثم ~~يسخناه ويحدثا فيه طبيعة أخرى ثم يقلبان البيض في الأيام ومن قسم بينهما ~~الحضانة والكد فأكثر ساعات الحضانة على الأنثى وأكثر ساعات جلب القوت على ~~الأب وإذا خرج الفرخ علما ضيق حوصلته عن الطعام فنفخا فيه نفخا متداركا حتى ~~تتسع حوصلته ثم يزقانه اللعاب أو شيئا قبل الطعام وهو كاللبا للطفل ثم ~~يعلمانه احتياج الحوصلة إلى دباغ فيزقانه من أصل الحيطان من شيء بين الملح ~~والتراب تندبغ به الحوصلة فإذا اندبغت زقاه الحب فإذا علما انه أطاق اللقط ~~منعاه الزق على التدريج فإذا تكاملت قوته وسألهما الكفالة ضرباه ومن علمهما ~~إذا أراد السفاد أن يبتدئ الذكر بالدعاء فتتطارد له الأنثى قليلا لتذيقه ~~حلاوة المواصلة ثم تطيعه في نفسها ثم تمتنع بعض التمنع ليشتد طلبه وحبه ثم ~~تتهادى وتتكسل وتريه معاطفها وتعرض ms133 محاسنها ثم يحدث بينهما من التغزل ~~والعشق والتقبيل والرشف ما هو مشاهد بالعيان ومن علم المرسلة منها إذا ~~سافرت ليلا أن تستدل ببطون الودية ومجاري المياه والجبال ومهاب الريح ومطلع ~~الشمس ومغربها فتستدل بذلك وبغيره إذا ضلت فاذا عرفت الطريق مرت كالريح ومن ~~علم اللبب وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض ويجمع نفسه فيرى الذبابة أنه ~~لاه عنها ثم يثب عليها وثوب الفهد ومن علم العنكبوت آن تنسج تلك الشبكة ~~الرفيعة المحكمة وتجعل في أعلاها خيطا ثم تتعلق به فإذا تعرقلت البعوضة في ~~الشبكة تدلت إليها فاصطادتها ومن علم الظبي أنه لا يدخل كناسة إلا مستدبرا ~~ليستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفه ومن علم النسور إذا رأى فأرة في ~~السقف آن يرفع رأسه كالمشير إليها بالعود ثم يشير إليها بالرجوع وإنما يريد ~~أن يدهشها فتزلق فتسقط ومن علم اليربوع أن يحفر بيته في سفح الوادي حيث ~~يرتفع عن مجرى السيل ليسلم من مدق الحافر ومجرى الماء ويعمقه ثم يتخذ في ~~زواياه PageV01P076 @ أبوابا عديدة ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزا رقيقا ~~فإذا أحس بالشر فتح بعضها بأيسر شيء وخرج منه ولما كان كثير النسيان لم ~~يحفر بيته إلا عند اكمة أو صخرة علامة له على البيت إذا ضل عنه ومن علم ~~الفهد إذا سمن أن يتوارى لتقل الحركة عليه حتى يذهب ذلك السمن ثم يظهر ومن ~~علم الأيل إذا سقط قرنه أن يتوارى لأن سلاحه قد ذهب فيسمن لذلك فإذا كمل ~~نبات قرنه تعرض للشمس والريح واكثر من الحركة ليشتد لحمه ويزول السمن ~~المانع له من العدو وهذا باب واسع جدا يكفي فيه قوله سبحانه @QB@ وما من ~~دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب ~~من شيء ثم إلى ربهم يحشرون والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ ~~الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم @QE@ وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ms134 وهذا يحتمل وجهين ~~أحدهما آن يكون إخبارا عن أمر غير ممكن فعله وهو أن الكلاب أمة لا يمكن ~~إفناؤها لكثرتها في الأرض فلو أمكن إعدامها من الأرض لأمرت بقتلها والثاني ~~أن يكون مثل قوله أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح فهي أمة ~~مخلوقة بحكمة ومصلحة فإعدامها وإفناؤها يناقض ما خلقت لأجله والله أعلم بما ~~أراد رسوله قال ابن عباس في رواية عطاء إلا أمم أمثالكم يريد يعرفونني ~~ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني مثل قوله تعالى @QB@ وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده @QE@ ومثل قوله @QB@ ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ~~والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه @QE@ ويدل على هذا قوله تعالى @QB@ ~~ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال والشجر والدواب @QE@ وقوله @QB@ ولله يسجد ما في السماوات وما في ~~الأرض من دابة @QE@ ويدل عليه قوله تعالى @QB@ يا جبال أوبي معه والطير ~~@QE@ ويدل عليه قوله @QB@ وأوحى ربك إلى النحل @QE@ وقوله @QB@ قالت نملة ~~يا أيها النمل @QE@ وقول سليمان @QB@ علمنا منطق الطير @QE@ وقال مجاهد أمم ~~أمثالكم أصناف مصنفة تعرف بأسمائها وقال الزجاج أمم أمثالكم في أنها تبعث ~~وقال ابن قتيبة أمم أمثالكم في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقى المهالك ~~وقال سفيان بن عيينة ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم فمنهم من ~~يهتصر اهتصار الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلب ~~ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ومنهم من يشبه الخنازير التي لو القى إليها ~~الطعام عافته فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه فلذلك تجد من الآدميين من ~~لو سمع خمسين حكمه لم يحفظ واحدة منها وان أخطأ رجل ترواه وحفظه قال ~~الخطابي ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة وذلك أن ~~الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره وجب المصير إلى باطنه وقد أخبر الله ~~عن وجود المماثلة بين الانسان وبين كل طائر ودابة وذلك ممتنع من جهة ms135 الخلقة ~~والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في ~~الطباع والأخلاق وإذا كان الأمر كذلك فاعلم انك إنما تعاشر البهائم والسباع ~~فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك انتهى كلامه والله سبحانه قد ~~جعل بعض الدواب كسوبا محتالا وبعضها متوكلا غير محتال وبعض الحشرات يدخر ~~لنفسه قوت سنته وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقا ~~مضمونا وأمر مقطوعا وبعضها يدخر وبعضها لا تكسب له وبعض الذكورة يعول ولده ~~وبعضها لا يعرف ولده البتة وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه وبعضها تضع ~~ولدها وتكفل ولد غيرها وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها وبعضها لا ~~تزال تعرفه وتعطف عليه PageV01P077 @ وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل ~~أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها وبعضها لا يلتمس الولد وبعضها يستفرغ ~~الهم في طلبه وبعضها يعرف الإحسان ويشكره وبعضها ليس ذلك عنده شيئا وبعضها ~~يؤثر على نفسه وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه ولم يدع أحدا يدنو منه ~~وبعضها يحب السفاد ويكثر منه وبعضها لا يفعله في السنة مرة وبعضها يقتصر ~~على أنثاه وبعضها لا يقف على أنثى ولو كانت أمه أو أخته وبعضها لا تمكن غير ~~زوجها من نفسها وبعضها لا ترد يد لامس وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم ~~وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار وبعضها لا ياكل الا الطيب وبعضها لا ~~يأكل إلا الخبائث وبعضها يجمع بين الأمرين وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في ~~أذاها وبعضها يؤذي من لا يؤذيها وبعضها حقود لا تنسى الإساءة وبعضها لا ~~يذكرها البتة وبعضها لا يغضب وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضي حتى يرضى ~~وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس وبعضها لا ~~معرفة له بشيء من ذلك البتة وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه وبعضها الحسن ~~والقبيح سواء عنده وبعضها يقبل التعليم بسرعة وبعضها مع الطول وبعضها لا ~~يقبل ذلك بحال وهذا كله من أدلة الدلائل على الخالق ms136 لها سبحانه وعلى إتقان ~~صنعه وعجيب تدبيره ولطيف حكمته فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض ~~الحيل وحسن التدبير والتأني لما تريده ما يستنطق الافواه بالتسبيح ويملأ ~~القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته وما يعلم به كل عاقل انه لم يخلق ~~عبثا ولم يترك سدى وإن له سبحانه في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة ~~وبرهانا قاطعا يدل على انه رب كل شيء ومليكه وأنه المنفرد بكل كمال دون ~~خلقه وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم # | فصل فلنرجع إلى ما ساقنا إلى هذا الموضع وهو الكلام على الهداية العامة ~~التي هي قرينة الخلق في الدلالة على الرب تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته ~~وتوحيده قال تعالى إخبارا عن فرعون انه قال @QB@ فمن ربكما يا موسى قال ~~ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى @QE@ قال مجاهد أعطى كل شيء خلقه لم يعط ~~الإنسان خلق البهائم ولا البهائم خلق الإنسان وأقوال أكثر المفسرين تدور ~~على هذا المعنى قال عطية ومقاتل أعطى كل شيء صورته وقال الحسن وقتادة أعطى ~~كل شيء صلاحه والمعنى أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له ثم ~~هداه لما خلق له وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه ~~وتصرفه هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين فيكون نظير قوله @QB@ ~~قدر فهدى @QE@ وقال الكلبي والسدى أعطى الرجل المرأة والبعير الناقة والذكر ~~الأنثى من جنسه ولفظ السدى أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه ثم هدى إلى الجماع ~~وهذا القول اختيار ابن قتيبة والفراء قال الفراء أعطى الذكر من الناس امرأة ~~مثله والشاة شاة والثور بقرة ثم الهم الذكر كيف يأتيها قال أبو إسحاق وهذا ~~التفسير جائز لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى ولم ير ذكرا قد أتى ~~أنثى قبله فألهمه الله ذلك وهداه إليه قال والقول الأول ينتظم هذا المعنى ~~لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة قلت أرباب هذا القول هضموا ~~الآية معناها فإن معناها أجل وأعظم مما ذكروه وقوله أعطى كل ms137 شيء يأبى هذا ~~التفسير فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصة ممتنع لا وجه له وكيف ~~يخرج من هذا اللفظ الملائكة والجن ومن لم يتزوج من بني آدم ومن لم يسافد من ~~الحيوان وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقا له وأين نظير هذا في ~~القرآن PageV01P078 @ وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ~~ذكروه وذكره بادل عبارة عليه واوضحها فقال @QB@ وأنه خلق الزوجين الذكر ~~والأنثى @QE@ فحمل قوله أعطى كل شيء خلقه على هذا المعنى غير صحيح فتأمله ~~وفي الآية قول آخر قاله الضحاك قال أعطى كل شيء خلقه أعطى اليد البطش ~~والرجل المشي واللسان النطق والعين البصر والأذن السمع ومعنى هذا القول ~~أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له والخلق على هذا بمعنى المفعول آي أعطى كل ~~عضو مخلوقه الذي خلقه له فإن هذه المعاني كلها مخلوقة لله أودعها الأعضاء ~~وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه لكن معنى الآية أعم والقول هو الأول ~~وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به ثم هداه لما خلق له ولا خالق سواه ~~سبحانه ولا هادي غيره فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته ~~فهذا وجه الاستذلال على عدو الله فرعون ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة ~~قاطعة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه عدل إلى سؤال فاسد عن وارد فقال @QB@ ~~فما بال القرون الأولى @QE@ أي فما للقرون الأولى لم تقر بهذا الرب ولم ~~تعبده بل عبدت الأوثان والمعنى لو كان ما تقوله حقا لم يخف على القرون ~~الأولى ولم يهملوه فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ربوبية رب ~~العالمين فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به وشرك المشركين وهذا شأن كل مبطل ~~ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة ~~والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل الضلال ~~منهم فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال @QB@ علمها عند ربي @QE@ آي ~~أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي قد أحصاه وحفظه ms138 وأودعه في كتاب ~~فيجازيهم عليه يوم القيامة ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال فإنه ~~سبحانه لا يضل ولا ينسى وعلى هذا فالكتاب ها هنا كتاب الأعمال وقال الكلبي ~~يعني به اللوح المحفوظ وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق والمعنى على هذا أنه ~~سبحانه قد علم أعمالهم وكتبها عنده قبل أن يعملوها فيكون هذا من تمام قوله ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فتأمله # فصل وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول ~~سورة أنزلها على رسوله @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ~~اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ وقوله @QB@ ~~الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان @QE@ وقوله @QB@ ألم نجعل له ~~عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة @QE@ وقوله @QB@ إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا @QE@ وقوله @QB@ أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم ~~من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة @QE@ الآيات ثم قال @QB@ أم من ~~يهديكم في ظلمات البر والبحر @QE@ فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي ~~والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني فهذا خلقه وهذا هداه وتعليمه # | فصل المرتبة الثانية من مراتب الهدايه هداية الإرشاد والبيان للمكلفين ~~وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق وإن كانت شرط فيه أو جزء ~~سبب وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب بل قد يتخلف عنه المقتضى إما لعدم ~~كمال السبب أو لوجود مانع ولهذا قال تعالى @QB@ وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى @QE@ وقال @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم ما يتقون @QE@ فهداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا ~~فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولا PageV01P079 @ بعد أن عرفوا الهدى ~~فأعرضوا عنه فأعماهم عنه بعد أن أراهموه وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم ~~عليه بنعمة فكفرها فإنه يسلبه إياها بعد إن كانت نصيبه وحظه كما قال تعالى ~~@QB@ ذلك بأن الله لم يك مغيرا ms139 نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~@QE@ وقال تعالى عن قوم فرعون @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا @QE@ أي جحدوا بآياتنا بعد أن تيقنوا صحتها وقال @QB@ كيف يهدي الله ~~قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي ~~القوم الظالمين @QE@ وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله حيث قال @QB@ وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية ~~التوفيق والإلهام بقوله @QB@ إنك لا تهدي من أحببت @QE@ ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهداية شيء وبعث إبليس مزينا ~~ومغويا وليس إليه من الضلالة شيء قال تعالى @QB@ والله يدعو إلى دار السلام ~~ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ فجمع سبحانه بين الهداء يتبين العامة ~~والخاصة فعم بالدعوة حجة مشيئة وعدلا وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلا وهذه ~~المرتبة أخص من التي قبلها فأنها هداية تخص المكلفين وهي حجة الله على خلقه ~~التي لا يعذب أحدا إلا بعد إقامتها عليه قال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا @QE@ وقال @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل @QE@ وقال @QB@ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب ~~الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين @QE@ ~~وقال @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير @QE@ ~~فإن قيل كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه قيل حجته ~~قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى وبيان الرسل لهم وأراءتهم الصراط ~~المستقيم حتى كانهم يشاهدونه عيانا وأقام لهم أسباب الهداية ظاهرا وباطنا ~~ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل أو صغر ~~لا تمييز معه أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله فإنه لا يعذبه ~~حتى يقيم عليه حجته فلم يمنعهم من هذا الهدى ولم يحل ms140 بينهم وبينه نعم قطع ~~عنهم توفيقه ولم يرد من نفسه أعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه فم يحل بينهم ~~وبين ما هو مقدور لهم وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه وهو فعله ~~ومشيئته وتوفيقه فهذا غير مقدور لهم وهو الذي منعوه وحيل بينهم وبينه فتأمل ~~هذا الموضع وأعرف قدره والله المستعان # فصل المرتبة الثالثة من مراتب الهداية هداية التوفيق والإلهام وخلق ~~المشيئة المستلزمة للفعل وهذه المرتبة أخص من التي قبلها وهي التي ضل جهال ~~القدرية بإنكارها وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم من نواحي الأرض ~~عصرا بعد عصر إلى وقتنا هذا ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم كما ظلموا ~~أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى وإنكار فعل العبد وقدرته وان يكون له تأثير ~~في الفعل البتة فلم يهتدوا لقول هؤلاء بل زادهم ضلال على ضلالهم وتمسكا بما ~~هم عليه وهذا شأن المبطل إذا دعى مبطلا آخر إلى ترك مذهبه لقوله ومذهبه ~~الباطل كالنصراني إذا دعى اليهودي إلى التثليث وعبادة الصليب وأن المسيح ~~إله تام غير مخلوق إلى أمثال ذلك من الباطل الذي هو عليه وهذه المرتبة ~~تستلزم أمرين أحدهما فعل لرب تعالى وهو الهدى والثاني فعل العبد وهو ~~الاهتداء وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي والعبد المهتدي قال تعالى @QB@ من ~~يهد الله فهو المهتد @QE@ ولا سبيل إلى وجود الأثر PageV01P080 @ إلا ~~بمؤثره التام فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد ولهذا قال تعالى @QB@ إن ~~تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل @QE@ وهذا صريح في أن هذا الهدى ~~ليس له صلى الله عليه وسلم ولو حرص عليه ولا إلى أحد غير الله وأن الله ~~سبحانه إذا أضل عبدا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته كما قال تعالى @QB@ من ~~يضلل الله فلا هادي له @QE@ وقال تعالى @QB@ من يشإ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أفرأيت من ms141 اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على ~~سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ وقال @QB@ ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ وقال @QB@ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا @QE@ وقال @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء @QE@ ~~وقال أهل الجنة @QB@ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله @QE@ ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم بل الهدى كله منه ~~ولولا هدايته لهم لما اهتدوا وقال تعالى @QB@ أليس الله بكاف عبده ويخوفونك ~~بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل ~~أليس الله بعزيز ذي انتقام @QE@ وقال @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم @QE@ ~~وقال @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة @QE@ وقال تعالى @QB@ يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء @QE@ وقال تعالى @QB@ كذلك يضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو @QE@ وقال @QB@ يضل به كثيرا ويهدي ~~به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين @QE@ وقال @QB@ يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم @QE@ وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كل ~~يوم وليلة في الصلوات الخمس وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه ~~كما أن الضلال نوعان ضلال عن الصراط فلا يهتدي إليه وضلال فيه فالأول ضلال ~~عن معرفته والثاني ضلال عن تفاصيله أو بعضها قال شيخنا ولما كان العبد في ~~كل حال مفتقرا إلى هذه الهداية في جميع ما ms142 يأتيه ويذره من أمور قد أتاها ~~على غير الهداية فهو محتاج إلى التوبة منها وأمور هدى إلى أصلها دون ~~تفصيلها أو هدى إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ~~ليزداد هدى وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ~~ما حصل له في الماضي وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية ~~وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية إلى غير ذلك من أنواع ~~الهدايات فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله وهي الصلاة ~~مرات متعددة في اليوم والليلة انتهى كلامه ولا يتم المقصود إلا بالهداية ~~إلى الطريق والهداية فيها فإن العبد قد يهتدي إلى طريق قصده وتنزيله عن ~~غيرها ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها وأوقات السير من غيره وزاد المسير ~~وآفات الطريق ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا @QE@ قال سبيلا وسنة وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير فالسبيل الطريق ~~وهي المنهاج والسنة الشرعة وهي تفاصيل الطريق وحزوناته وكيفية المسير فيه ~~وأوقات المسير وعلى هذا فقوله سبيلا وسنة يكون السبيل المنهاج PageV01P081 ~~@ والسنة الشرعة فالمقدم في الآية للمؤخر في التفسير وفي لفظ آخر سنة ~~وسبيلا فيكون المقدم للمقدم والمؤخر للتالي $ فصل ومن هذا إخباره سبحانه ~~بأنه طبع على قلوب الكافرين وختم عليها وأنه أصمها عن الحق وأعمى أبصارها ~~عنه كما قال تعالى @QB@ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم @QE@ والوقف التام هنا ثم قال ~~@QB@ وعلى أبصارهم غشاوة @QE@ كقوله @QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله ~~الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين @QE@ @QB@ كذلك نطبع على قلوب المعتدين ~~@QE@ @QB@ ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون @QE@ وأخبر سبحانه أن على بعض ~~القلوب أقفالا تمنعها من أن تنفتح لدخول الهدى إليها ms143 وقال @QB@ قل هو للذين ~~آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى @QE@ فهذا ~~الوقر والعمى حال بينهم وبين أن يكون لهم هدى وشفاء وقال تعالى @QB@ إنا ~~جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل @QE@ قرأها الكوفيون وصد بضم ~~الصاد حملا على زين وقال تعالى @QB@ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب @QE@ ~~وقال @QB@ والله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ ومعلوم أنه لم ينف هدى البيان ~~والدلالة الذي تقوم به الحجة فإنه حجته على عباده # والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على ~~غير بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له كقول بعضهم المراد من ذلك ~~تسمية الله العبد مهتديا وضالا فجعلوا هداه واضلاله مجرد تسمية العبد بذلك ~~وهذا مما يعلم قطعا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه وأنت إذا تأملتها ~~وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة وليس في لغة امة من الأمم فضلا عن أفصح ~~اللغات وأكملها هداه بمعنى سماه مهتديا وأضله سماه ضالا وهل يصح أن يقال ~~علمه إذا سماه عالما وفهمه إذا سماه فهما وكيف يصح هذا في مثل قوله تعالى ~~@QB@ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ فهل فهم أحد غير القدرية ~~المحرفة للقرآن من هذا ليس عليك تسميتم مهتدين ولكن الله يسمي من يشاء ~~مهتديا وهل فهم أحد قط من قوله تعالى @QB@ إنك لا تهدي من أحببت @QE@ لا ~~تسميه مهتديا ولكن الله يسميه بهذا الاسم وهل فهم أحد من قول الداعي اهدنا ~~الصراط المستقيم وقوله اللهم اهدني من عندك ونحوه اللهم سمني مهتديا وهذا ~~من جناية القدرية على القرآن ومعناه نظير جناية إخوانهم من الجهمية على ~~نصوص الصفات وتحريفها عن مواضعها وفتحوا للزنادقة والملاحدة جنايتهم على ~~نصوص المعاد وتأويلها بتاويلات إن لم تكن أقوى من تأويلاتهم لم تكن دونها ~~وفتحوا للقرامطة والباطنية تأويل نصوص الأمر والنهي بنحو تأويلاتهم فتأويل ~~التحريف الذي سلسلته هذه الطوائف أصل فساد ms144 الدنيا والدين وخراب العالم ~~وسنفرد إن شاء الله كتابا نذكر فيه جناية المتأولين على الدنيا والدين وأنت ~~إذا وازيت بين تأويلات القدرية والجهمية والرافضة لم تجد بينها وبين ~~تأويلات الملاحدة والزنادقة من القرامطة الباطنية وأمثالهم كبير فرق ~~والتأويل الباطل يتضمن تعطيل ما جاء به الرسول والكذب على المتكلم أنه أراد ~~ذلك المعنى فتتضمن إبطال الحق وتحقيق الباطل ونسبة المتكلم إلى ما لا يليق ~~به من التلبيس والألغاز مع القول عليه بلا علم أنه أراد هذا المعنى ~~فالمتأول عليه أن يبين صلاحية اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا واستعمال ~~المتكلم له في ذلك المعنى في أكثر PageV01P082 @ المواضع حتى إذا استعمله ~~فيما يحتمل غيره حمل على ما عهد منه استعماله فيه وعليه أن يقيم دليلا ~~سالما عن المعارض على الموجب لصرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه ~~واستعارته وإلا كان ذلك مجرد دعوى منه فلا تقبل # وتأويل بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق ~~الهدى في القلب فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة وهذا ~~التأويل من أبطل الباطل فإن الله سبحانه يخبر أنه أقسم هدايته قسمين قسما ~~لا يقدر عليه غيره وقسما مقدورا للعباد فقط في القسم المقدور للغير @QB@ ~~وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ وقال في غير المقدور للغير @QB@ إنك لا ~~تهدي من أحببت @QE@ وقال @QB@ من يضلل الله فلا هادي له @QE@ ومعلوم قطعا ~~أن البيان والدلالة قد تحصل له ولا تنفي عنه وكذلك قوله @QB@ فإن الله لا ~~يهدي من يضل @QE@ لا يصح حمله على هداية الدعوة والبيان فإن هذا يهدي وإن ~~أضله الله بالدعوة والبيان وكذا قوله @QB@ وأضله الله على علم وختم على ~~سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله @QE@ هل يجوز حمله ~~على معنى فمن يدعوه إلى الهدى ويبين له ما تقوم به حجة الله عليه وكيف يصنع ~~هؤلاء بالنصوص التي فيها أنه سبحانه هو الذي أضلهم أيجوز لهم حملها على أنه ~~دعاهم إلى الضلال فإن قالوا ليس ذلك ms145 معناها وإنما معناها الفاهم ووجدهم ~~كذلك أو أعلم ملائكته ورسله بضلالهم أو جعل على قلوبهم علامة يعرف الملائكة ~~بها أنهم ضلال قيل هذا من جنس قولكم أن هداه سبحانه واضلاله بتسميتهم ~~مهتدين وضالين فهذه أربع تحريفات لكم وهو أنه سماهم بذلك وعلمهم بعلامة ~~يعرفهم بها الملائكة وأخبر عنهم بذلك ووجدهم كذلك فالأخبار من جنس التسمية ~~وقد بينا أن اللغة لا تحتمل ذلك وأن النصوص إذا تأملها المتأمل وجدها أبعد ~~شيء من هذا المعنى وأما العلامة فيا عجبا لفرقة التحريف وما جنت على القرآن ~~والإيمان ففي أي لغة وأي لسان يدل قوله تعالى @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ~~@QE@ على معنى أنك لا تعلمه بعلامة ولكن الله هو الذي يعلمه بها وقوله @QB@ ~~من يضلل الله فلا هادي له @QE@ من يعلمه الله بعلامة الضلال لم يعلمه غيره ~~بعلامة الهدى وقوله @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ لعلمناها ~~بعلامة الهدى الذي خلقته هي لنفسها وأعطته نفسها وفي أي لغة يفهم من قول ~~الداعي اهدنا الصراط المستقيم علمنا بعلامة يعرف الملائكة بها إننا مهتدون ~~وقولهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا لا تعلمها بعلامة أهل الزيغ وقوله ~~يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك ~~وأمثال ذلك من النصوص ففي أي لغة وأي لسان يفهم من هذا علمنا بعلامة الثبات ~~والتصريف على طاعتك وفي أي لغة يكون معنى قوله @QB@ وجعلنا قلوبهم قاسية ~~@QE@ علمناها بعلامة القسوة أو وجدناها كذلك نعم لو نزل القرآن بلغة ~~القدرية والجهمية وأهل البدع لأمكن حمله على ذلك أو كان الحق تبعا لأهوائهم ~~وكانت نصوصه تبعا لبدع المبتدعين وآراء المتحيرين وأنت تجد جميع هذه ~~الطوائف تنزل القرآن على مذاهبهم وبدعها وآرائها فالقرآن عند الجهمية جهمي ~~وعند المعتزلة معتزلي وعند القدرية قدري وعند الرافضة رافضي وكذلك هو عند ~~جميع أهل الباطل وما كانوا أولياءه أن أولياءه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون وأما تحريفهم هذه النصوص وأمثالها بأن المعنى ألفاهم ووجدهم ففي ~~أيلسان وأي لغة ودتم ms146 هديت الرجل إذا وجدته معتديا وختم الله على قلبه وسمعه ~~وجعل على بصره غشاوة وجده كذلك وهل هذا الا افتراء محض على القرآن واللغة ~~فإن قالوا نحن لم نقل هذا في نحو ذلك وإنما قلناه في نحو أضله الله أي وجده ~~ضالا كما يقال أحمدت الرجل وأبجلته وأجننته إذا PageV01P083 @ وجدته كذلك ~~أو نسبته إليه فيقال لفرقة التحريف هذا إنما ورد في ألفاظ معدودة نادرة ~~وإلا فوضع هذا البناء على أنك فعلت ذلك به ولا سيما إذا كانت الهمزة ~~للتعدية من الثلاثي كقام وأقمته وقعد وأقعدته وذهب وأذهبته وسمع وأسمعته ~~ونام وانمته وكذا ضل وأضله الله وأسعده وأشقاه وأعطاه وأخزاه وأماته وأحياه ~~وازاغ قلبه وأقامه إلى طاعته وأيقظه من غفلته وأراه آياته وأنزله منزلا ~~مباركا واسكنه جنته إلى أضعاف ذلك هل تجد فيها لفظا واحدا معناه أنه وجده ~~كذلك تعالى الله عما يقول المحرفون ثم انظر في كتاب فعل وافعل هل تظفر فيه ~~بافعلته بمعنى وجدته مع سعة الباب إلا في الحرفين أو الثلاثة نقلا عن أهل ~~اللغة ثم انظر هل قال أحد من الأولين والآخرين من أهل اللغة أن العرب وضعت ~~اضله الله وهداه وختم على سمعه وقلبه وأزاغ قلبه وصرفه عن طاعته ونحو ذلك ~~لمعنى وجده كذلك ولما أراد سبحانه الإبانة عن هذا المعنى قال @QB@ ووجدك ~~ضالا فهدى @QE@ ولم يقل وأضلك وقال في حق من خالف الرسول وكفر بما جاء به ~~وأضله على علم ولم يقل ووجده الله ضالا ثم أي توحيد تمدح وتعريف للعباد أن ~~الأمر كله لله وبيده وأنه ليس لأحد من أمره شيء في مجرد التسمية والعلامة ~~ومصادفة الرب تعالى عباده كذلك ووجوده لهم على هذا الصفات من غير أن يكون ~~له فيها صنع أو خلق أو مشيئة وهل يعجز البشر عن التسمية والمصادفة والوجود ~~كذلك فأي مدح وأي ثناء يحسن على الرب تعالى بمجرد ذلك فأنتم وإخوانكم من ~~الجبرية لم تمدحوا الرب بما يستحق أن يمدح به ولم تثنوا عليه بأوصاف كماله ~~ولم تقدروه حق ms147 قدره واتباع الرسول وحزبه وخاصته بريئون منكم ومنهم في ~~باطلكم وباطلهم وهم معكم ومعهم فيما عندكم من الحق لا يتحيزون إلى غير ما ~~بينه الرسول وجاء به ولا ينحرفون عنه نصرة لآراء الرجال المختلفة وأهوائهم ~~المتشتتة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم قال ابن مسعود ~~علمنا رسول لله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة أن ~~الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا ~~مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا لله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله ويقرأ ثلاث آيات @QB@ اتقوا الله حق تقاته @QE@ الآية @QB@ واتقوا ~~الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا @QE@ @QB@ اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا @QE@ الآية قال الترمذي هذا حديث صحيح وقال أبو ~~داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن خالد الحذاء عن عبد الأعلى عن عبد ~~الله بن الحارث قال خطب عمر بن الخطاب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه وعنده ~~جاثليق يترجم له ما يقول فقال من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ~~فنفض جبينه كالمنكر لما يقول قال عمر ما يقول قالوا يا أمير المؤمنين يزعم ~~أن الله لا يضل أحدا قال عمر كذبت أي عدو الله بل الله خلقك وقد أضلك ثم ~~يدخلك النار أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك إن الله عز وجل خلق أهل ~~الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون فقال هؤلاء لهذه وهؤلاء ~~لهذه قال فتفرق الناس وما يختلفون في القدر $ فصل المرتبة الرابعة من مراتب ~~الهداية الهدايه إلى الجنة والنار يوم القيامة قال تعالى @QB@ احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح ~~بالهم @QE@ فهذه هداية بعد قتلهم فقيل المعنى سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح ~~حالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم وقال ms148 ابن PageV01P084 @ عباس ~~سيهديهم إلى ارشد الأمور وبعضهم أيام حياتهم في الدنيا واستشكل هذا القول ~~لأنه أخبر عن المقتولين في سبيله بأنهم سيهديهم واختاره الزجاج وقال يصلح ~~بالهم في المعاش وأحكام الدنيا قال وأراد به يجمع لهم خير الدنيا والآخرة ~~وعلى هذا القول فلا بد من حمل قوله قتلوا في سبيل الله على معنى يصح معه ~~إثبات الهداية وإصلاح البال & الباب الخامس عشر في الطبع والختم والقفل ~~والغل والسد والغشاوة والحائل بين الكافر وبين الإيمان وان ذلك مجعول للرب ~~تعالى قال تعالى @QB@ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه ~~وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم @QE@ وقال @QB@ كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين @QE@ وقال @QB@ ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ~~@QE@ وقال @QB@ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها @QE@ وقال @QB@ ~~لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي ~~إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم ~~فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون @QE@ وقد دخل ~~هذه الآيات ونحوها طائفتا القدرية والجبرية فحرفها القدرية بأنواع من ~~التحريف المبطل لمعانيها وما أريد منها وزعمت الجبرية أن الله أكرهها على ~~ذلك وقهرها عليه وأجبرها من غير فعل منها ولا إرادة ولا اختيار ولا كسب ~~البتة بل حال بينها وبين الهدى ابتداء من غير ذنب ولا سبب من العبد يقتضي ~~ذلك بل أمره وحال مع أمره بينه وين الهدى فلم ييسر إليه سبيلا ولا أعطاه ~~عليه قدره ولا مكنه منه بوجه وأراد بعضهم بل أحب له الضلال والكفر والمعاصي ~~ورضيه منه فهدى أهل السنة والحديث واتباع الرسول لما اختلف فيه هاتان ~~الطائفتان من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء ms149 إلى صراط مستقيم # قالت القدرية لا يجوز حمل هذه الآيات على أنه منعهم من الإيمان وحال ~~بينهم وبينه إذ يكون لهم الحجة على الله ويقولون كيف يأمرنا بأمر ثم يحول ~~بيننا وبينه ويعاقبنا عليه وقد منعنا من فعله وكيف يكلفنا بأمر لا قدرة لنا ~~عليه وهل هذا إلا بمثابة من أمر عبده بالدخول من باب ثم سد عليه الباب سدا ~~محكما لا يمكنه الدخول معه البتة ثم عاقبه أشد العقوبة على عدم الدخول ~~وبمنزلة من أمره بالمشي إلى مكان ثم قيده بقيد لا يمكنه معه نقل قدمه ثم ~~أخذ يعاقبه على ترك المشي وإذا كان هذا قبيحا في حق المخلوق الفقير المحتاج ~~فكيف ينسب إلى الرب تعالى مع كمال غناه وعلمه وإحسانه ورحمته قالوا وقد كذب ~~الله سبحانه الذين قالوا قلوبنا غلف وفي أكنة وأنها قد طبع عليها وذمهم على ~~هذا القول فكيف ينسب إليه تعالى ولكن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء ~~بهداه الذي بعث به رسله حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالاف والطبيعة ~~والسجية أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وصار هذا وقرا في آذانهم ~~وختما على قلوبهم وغشاوة على أعينهم فلا يخلص إليها الهدى وإنما أضاف الله ~~تعالى ذلك إليه لأن هذه الصفة قد صارت في تمكنها وقوة ثباتها كالخلقة التي ~~خلق عليها العبد قالوا ولهذا قال تعالى @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون @QE@ PageV01P085 وقال @QB@ بل طبع الله عليها بكفرهم @QE@ ~~وقال @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقال @QB@ فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون @QE@ ~~ولعمر الله أن الذي قاله هؤلاء حقه أكثر من باطله وصحيحه أكثر من سقيمه ~~ولكن لم يوفوه حقه وعظموا الله من جهة وأخلوا بتعظيمه من جهة فعظموه ~~بتنزيهه عن الظلم وخلاف الحكمة وأخلوا بتعظيمه من جهة التوحيد وكمال القدرة ~~ونفوذ المشيئة والقرآن يدل على صحة ما قالوه في الران والطبع والختم من وجه ~~وبطلانه من وجه وأما صحته فإنه سبحانه جعل ms150 ذلك عقوبة لهم وجزاء على كفرهم ~~وأعراضهم عن الحق بعد أن عرفوه كما قال تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ وقال @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ~~ما كانوا يكسبون @QE@ وقال @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ وقال @QB@ ثم انصرفوا صرف الله ~~قلوبهم @QE@ وقد اعترف بعض القدرية بأن ذلك خلق الله سبحانه ولكنه عقوبة ~~على كفرهم وإعراضهم السابق فإنه سبحانه يعاقب على الضلال المقدور بإضلال ~~بعده ويثيب على الهدى بهدى بعده كما يعاقب على السيئة بسيئة مثلها ويثيب ~~على الحسنة بحسنة مثلها وقال تعالى @QB@ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم ~~تقواهم @QE@ وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ~~يصلح لكم أعمالكم @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله ~~يجعل لكم فرقانا ويكفر @QE@ ومن الفرقان الهدى الذي يفرق به بين الحق ~~والباطل وقال في ضد ذلك @QB@ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما ~~كسبوا @QE@ وقال @QB@ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا @QE@ وقال @QB@ ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم @QE@ وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء حق والقرآن دل عليه ~~وهو موجب العدل والله سبحانه ماض في العبد حكمه عدل في عبده قضاؤه فإنه إذا ~~دعى عبده إلى معرفته ومحبته وذكره وشكره فأبى العبد إلا إعراضا وكفرا قضى ~~عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره وصده عن الإيمان به وحال بين قلبه وبين قبول ~~الهدى وذلك عدل منه فيه وتكون عقوبته بالختم والطبع والصد عن الإيمان ~~كعقوبته له بذلك في الآخرة مع دخول النار كما قال @QB@ كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم @QE@ فحجابه عنهم إضلال لهم وصد عن ~~رؤيتهم وكمال معرفته كما عاقب قلوبهم في هذه الدار بصدها عن الإيمان وكذلك ~~عقوبته لهم بصدهم عن السجود له يوم القيامة مع الساجدين هو جزاء امتناعهم ~~من السجود له في الدنيا وكذلك عماهم عن الهدى في الآخرة عقوبة لهم على ~~عماهم في الدنيا ولكن أسباب هذه الجرايم في ms151 الدنيا كانت مقدورة لهم واقعة ~~باختيارهم وإرادتهم وفعلهم فإذا وقعت عقوبات لم تكن مقدورة بل قضاء جار ~~عليهم ماض عدل فيهم وقال تعالى @QB@ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى وأضل سبيلا @QE@ ومن ههنا ينفتح للعبد باب واسع عظيم النفع جدا في ~~قضاء الله المعصية والكفر والفسوق على العبد وإن ذلك محض عدل فيه وليس ~~المراد بالعدل ما يقوله الجبرية أنه الممكن فكل ما يمكن فعله بالعبد فهو ~~عندهم عدل والظلم هو الممتنع لذاته فهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب الكلام ~~في الأسباب والحكم ولاالمراد به ما تقوله القدرية النفاة أنه إنكار عموم ~~قدرة الله ومشيئته على أفعال عباده وهدايتهم وإضلالهم وعموم مشيته لذلك وأن ~~الأمر إليهم لا إليه وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم ماض في حكمك عدل ~~في قضائك كيف ذكر العبد في القضاء مع الحكم النافذ وفي ذلك رد لقول ~~الطائفتين القدرة والجبرية فإن العدل الذي أثبتته القدرية مناف للتوحيد ~~معطل PageV01P086 @ لكمال قدرة الرب وعموم مشيئته والعدل الذي أثبته ~~الجبرية مناف للحكمة والرحمة ولحقيقة العدل والعدل الذي هو اسمه وصفته ~~ونعته سبحانه خارج عن هذا وهذا ولم يعرفه إلا الرسل واتباعهم ولهذا قال هود ~~عليه الصلاة والسلام لقومه @QB@ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة ~~إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم @QE@ فأخبر عن عموم قدرته ~~ونفوذ مشيئته وتصرفه في خلقه كيف شاء ثم أخبر أنه في هذا التصرف والحكم على ~~صراط مستقيم وقال أبو إسحاق أي هو سبحانه وأن كانت قدرته تنالهم بما شاء ~~فإنه لا يشاء إلا العدل وقال ابن الأنباري لما قال هو آخذ بناصيتها كان في ~~معنى لا يخرج من قبضته وأنه قاهر بعظيم سلطانه لكل دابة فاتبع قوله أن ربي ~~على صراط مستقيم قال وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا بحسن السيرة والعدل ~~والإنصاف قالوا فلان على طريقة حسنة وليس ثم طريق ثم ذكر وجها آخر فقال لما ~~ذكر أن سلطانه قد قهر كل دابة ms152 أتبع هذا قوله أن ربي على صراط مستقيم أي لا ~~تخفى عليه مشيئته ولا يعدل عنه هارب فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به ~~الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه كما قال إن ربك بالمرصاد # قلت فعلى هذا القول الأول يكون المراد أنه في تصرفه في ملكه يتصرف بالعدل ~~ومجازات المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ولا يظلم مثقال ذرة ولا يعاقب أحدا ~~بما لم يجنه ولا يهضمه ثواب ما عمله ولا يحمل عليه ذنب غيره ولا يأخذ أحدا ~~بجريرة أحد ولا يكلف نفسا ما لا تطيقه فيكون من باب له الملك وله الحمد ومن ~~باب ماض في حكمك عدل في قضاؤك ومن باب الحمد لله رب العالمين آي كما أنه رب ~~العالمين المتصرف فيهم بقدرته ومشيئته فهو المحمود على هذا التصرف وله ~~الحمد على جميعه وعلى القول الثاني المراد به التهديد والوعيد وأن مصير ~~العباد إليه طريقهم عليه ولا يفوته منهم أحد كما قال تعالى @QB@ قال هذا ~~صراط علي مستقيم @QE@ قال الفراء يقول مرجعهم إلي فأجازيهم كقوله أن ربك ~~لنا بالمرصاد قال وهذا كما تقول في الكلام طريقك علي وأنا على طريقك لمن ~~أوعدته وكذلك قال الكلبي والكسائي ومثل قوله وعلى الله قصد السبيل على إحدى ~~القولين في الآية وقال مجاهد الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه ومنها أي ومن ~~السبيل ما هو جائر عن الحق ولو شاء لهداكم أجمعين فأخبر عن عموم مشيئته وأن ~~طريق الحق عليه موصلة إليه فمن سلكها فإليه يصل ومن عدل عنها فإنه يضل عنه ~~والمقصود أن هذه الآيات تتضمن عدل الرب تعالى وتوحيده والله يتصرف في خلقه ~~بمكله وحمده وعدله وإحسانه فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وشرعه وقدره ~~وثوابه وعقابه يقول الحق ويفعل العدل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فهذا ~~العدل والتوحيد الذين دل عليهما القرآن لا يتناقضان وأما توحيد أهل القدر ~~والجبر وعدلهم فكل منهما يبطل الآخر ويناقضه # | فصل ومن سلك من القدرية هذه الطريق فقد توسط بين الطائفتين لكنه ms153 يلزمه ~~الرجوع إلى مثبت القدر قطعا وألا تناقض أبين تناقض فإنه إذا زعم أن الضلال ~~والطبع والختم والقفل والوقر وما يحول بين العبد وببين الإيمان مخلوق لله ~~وهو واقع بقدرته ومشيئته فقد أعطى أن أفعال العباد مخلوقة وأنها واقعة ~~بمشيئته فلا فرق بين الفعل الابتدائي والفعل الجزائي إن كان هذا مقدور الله ~~واقعا بمشيئته والآخر كذلك وإن لم يكن ذاك مقدورا ولا يصح دخوله تحت ~~المشيئة فهذا كذلك والتفريق بين النوعين تناقض محض وقد حكى هذا التفريق عن ~~بعض القدرية أبو القاسم الأنصاري في شرحه PageV01P087 @ الإرشاد فقال ولقد ~~اعترف بعض القدرية بأن الختم والطبع توابع غير أنها عقوبات من الله لأصحاب ~~الجرائم قال وممن صار إلى هذا المذهب عبد الواحد بن زيد البصري وبكر ابن ~~أخته قال وسبيل المعاقبين بذلك سبيل المعاقبين بالنار وهؤلاء قد بقي عليهم ~~درجة واحدة وقد تحيزوا إلى أهل السنة والحديث # فصل وقالت طائفة منهم الكافر هو الذي طبع على قلب نفسه في الحقيقة وختم ~~على قلبه والشيطان ايضا فعل ذلك ولكن لما كان الله سبحانه هو الذي أقدر ~~العبد والشيطان على ذلك نسب الفعل إليه لإقراره للفاعل على ذلك لأنه هو ~~الذي فعله # قال أهل السنة والعدل هذا الكلام فيه حق وباطل فلا يقبل مطلقا ولا يرد ~~مطلقا فقولكم أن الله سبحانه أقدر الكافر والشيطان على الطبع والختم كلام ~~باطل فإنه لم يقدره إلا على التزيين والوسوسة والدعوة إلى الكفر ولم يقدره ~~على خلق ذلك في قلب العبد البتة وهو أقل من ذلك وأعجز وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهداية شيء وخلق إبليس ~~مزينا وليس إليه من الضلالة شيء فمقدور الشيطان أن يدعو العبد إلى فعل ~~الأسباب التي إذا فعلها ختم الله على قلبه وسمعه وطبع عليه كما يدعوه إلى ~~الأسباب التي إذا فعلها عاقبه الله بالنار فعقابه بالنار كعقابه بالختم ~~والطبع وأسباب العقاب فعله وتزيينها وتحسينها فعل الشيطان والجميع مخلوق ~~لله # وأما ما في هذا الكلام ms154 من الحق فهو أن الله سبحانه أقدر العبد على الفعل ~~الذي أوجب الطبع والختم على قلبه فلولا أقدار الله له على ذلك لم يفعله ~~وهذا حق لكن القدرية لم توف هذا الموضوع حقه وقالت أقدره قدرة تصلح للضدين ~~فكان فعل أحدهما باختياره ومشيئته التي لا تدخل تحت مقدور الرب وإن دخلت ~~قدرته الصالحة لهما تحت مقدروه سبحانه فمشيئته واختياره وفعله غير واقع تحت ~~مقدور الرب وهذا من أبطل الباطل فإن كل ما سواه تعالى مخلوق وله داخل تحت ~~قدرته واقع بمشيئته ولو لم يشأ لم يكن # قلت القدرية لما أعرضوا عن التدبر ولم يصغوا إلى التذكر وكان ذلك مقارنا ~~لا يراد الله سبحانه حجته عليهم أضيفت أفعالهم إلى الله لأن حدوثها إنما ~~اتفق عند إيراد الحجة عليهم # قال أهل السنة هذا من أمحل المحال آن يضيف الرب إلى نفسه أمر ألا يضاف ~~إليه البتة لمقارنته ما هو من فعله من المعلوم أن الضد يقارن الضد فالشر ~~يقارن الخير والحق يقارن الباطل والصدق يقارن الكذب وهل يقال أن الله يحب ~~الكفر والفسوق والعصيان لمقارنتها ما يحبه من الإيمان والطاعة وأنه يحب ~~إبليس لمقارنة وجوده لوجود الملائكة فإن قيل قد ينسب الشيء إلى الشيء ~~لمقارنته له وإن لم يكن له فيه تأثير كقوله تعالى @QB@ وإذا ما أنزلت سورة ~~فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون @QE@ ومعلوم أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس بل قارن زيادة رجسهم ~~نزولها فنسب إليها قيل لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما ~~وهما أحداث السورة الرجس والثاني مقارنته لنزولها بل ههنا أمر ثالث وهو أن ~~السورة لما أنزلت اقتضى نزولها الإيمان بها والتصديق والإذعان لأوامرها ~~ونواهيها والعمل بما فيها فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك فازدادوا إيمانا ~~بسببها فنسبت زيادة الإيمان إليها إذ هي السبب في زيادته وكذب بها الكافرون ~~وجحدوها وكذبوا من جاء بها ووطنوا أنفسهم ms155 على مخالفة ما تضمنته وإنكاره ~~فازدادوا بذلك رجسا فنسب إليها إذ كان نزولها ووصولها إليهم هو السبب في ~~تلك PageV01P088 @ الزيادة فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم التي لا ~~تجوز نسبتها إلى الله عند دعوتهم إلى الإيمان وتدبر آياته على أن أفعالهم ~~القبيحة لا تنسب إلى الله سبحانه وإنما هي منسوبة إليهم والمنسوب إليه ~~سبحانه أفعاله الحسنة الجميلة المتضمنة للغايات المحمودة والحكم المطلوبة ~~والختم والطبع القفل والإضلال أفعال حسنة من الله وضعها في أليق المواضع ~~بها إذ لا يليق بذلك المحل الخبيث غيرها والشرك والكفر والمعاصي والظلم ~~أفعالهم القبيحة التي لا تنسب إلى الله فعلا وإن نسبت إليه خلقا فخلقها ~~غيرها والخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي والقدر ~~غير المقدور وستمر بك هذه المسألة مستوفاة إن شاء الله في باب اجتماع ~~الرضاء بالقضاء وسخط الكفر والفسوق والعصيان إن شاء الله # قالت القدرية لما بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى الإيمان لهم ~~الا بالقسر والإلجاء ولم تقتض حكمته تعالى أن يقسرهم على الإيمان لئلا تزول ~~حكمة التكليف عبر عن ترك الألجاء والقسر بالختم والطبع إعلاما لهم بأنهم ~~انتهوا في الكفر والإعراض إلى حيث لا ينتهون عنه إلا بالقسر وتلك الغاية في ~~وصف لجاجهم وتماديهم في الكفر # قال أهل السنة هذا كلام باطل فإنه سبحانه قادر على أن يخلق فيهم مشيئة ~~الإيمان وإرادته ومحبته فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء بل إيمان اختيار وطاعة ~~كما قال تعالى @QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا @QE@ وإيمان ~~القسر والإلجاء لا يسمى إيمانا ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم القيامة ولا يسمى ~~ذلك إيمانا لأنه عن الجاء واضطرار قال تعال @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها @QE@ وما يحصل للنفوس من المعرفة والتصديق بطريق الإلجاء والاضطرار ~~والقسر لا يسمى هدى وكذلك قوله @QB@ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله ~~لهدى الناس جميعا @QE@ فقولكم لم يبق طري إلى الإيمان إلا بالقسر باطل فإنه ~~بقي إلى إيمانهم طريق لم يرهم الله ms156 إياه وهو مشيئته وتوفيقه والهامة وإمالة ~~قلوبهم إلى الهدى وإقامتها على الصراط المستقيم وذلك أمر لا يعجز عنه رب كل ~~شيء ومليكه بل هو القادر عليه كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم ودرائهم ولكن ~~منعهم ذلك لحكمته وعدله فيهم وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم كما منع ~~السفل خصائص العلو ومنع الحار خصائص البارد ومنع الخبيث خصائص الطيب ولا ~~يقال فلم فعل هذا فإن ذلك من لوازم ملكه وربوبيته ومن مقتضيات أسمائه ~~وصفاته وهل يليق بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث والحسن والقبيح والجيد ~~والرديء ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين وتنويع المخلوقات وأخلاقها # فقول القائل لم خلق الرديء والخبيث واللئيم سؤال جاهل بأسمائه وصفاته ~~وملكه وربوبيته وهو سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق وذلك من كمال قدرته ~~وربوبيته فجعل منه ما يقبل جميع الكمال الممكن ومنه ما لا يقبل شيئا منه ~~وبين ذلك درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الخلاق العليم وهدى كل نفس إلى حصول ~~ما هي قابلة له والقابل والمقبول والقبول كله مفعوله ومخلوقه وأثر فعله ~~وخلقه وهذا هو الذي ذهب عن الجبرية والقدرية ولم يهتدوا إليه وبالله ~~التوفيق # قالت القدرية الختم والطبع هو شهادته سبحانه عليهم بأنهم لا يؤمنون وعلى ~~أسماعهم وعلى قلوبهم # قال أهل السنة هذا هو قولكم بأن الختم والطبع هو الإخبار عنهم بذلك وقد ~~تقدم فساد هذا بما فيه كفاية وأنه لا يقال في لغة من لغات الأمم لمن أخبر ~~عن غيره بأنه مطبوع على قلبه وأن عليه ختما أنه قد طبع على قلبه وختم عليه ~~بل هذا كذب على اللغات وعلى القرآن وكذلك قول من قال أن ختمه على قلوبهم ~~اطلاعه على ما فيها من الكفر وكذلك قول من قال أنه إحصاؤه PageV01P089 @ ~~عليهم حتى يجازيهم به وقول من قال أنه أعلامها بعلامة تعرفها بها الملائكة ~~وقد بينا بطلان ذلك بما فيه كفاية # قالت القدرية لا يلزم من الطبع والختم والقفل آن تكون مانعة من الأيمان ~~بل يجوز أن يجعل الله فيهم ذلك من غير آن ms157 يكون منعهم من الإيمان بل يكون ~~ذلك من جنس الغفلة والبلادة والغشا في البصر فيورث ذلك إعراضا عن الحق ~~وتعاميا عنه ولو أنعم النظر وتفكر وتدبر لما آثر على الإيمان غيره وهذا ~~الذي قالوه يجوز آن يكون في أول الأمر فإذا تمكن واستحكم من القلب ورسخ فيه ~~امتنع معه الإيمان ومع هذا فهو أثر فعله وإعراضه وغفلته وإيثاره وشهوته ~~وكبره على الحق والهدى فلما تمكن فيه واستحكم صار صفة راسخة وطبعا وختما ~~وقفلا ورانا فكان مبداه غير حائل بينهم وبين الإيمان والإيمان ممكن معه لو ~~شاؤا لآمنوا مع مبادئ تلك الموانع فلما استحكمت لم يبق إلى الإيمان سبيل ~~ونظير هذا أن العبد يستحسن ما يهواه فيميل إليه بعض الميل ففي هذه الحال ~~يمكن صرف الداعية له إذ الأسباب لم تستحكم فإذا استمر على ميله واستدعى ~~أسبابه واستمكنت لم يمكنه صرف قلبه عن الهوى والمحبة فيطبع على قلبه ويختم ~~عليه فلا يبقى فيه محل لغير ما يهواه ويحبه وكان الانصراف مقدورا له في أول ~~المر فلما تمكنت أسبابه لم يبق مقدورا له كما قال الشاعر % تولع بالعشق حتى ~~عشق % فلما استقل به لم يطق % % رأى لجة ظنها موجة % فلما تمكن منها غرق % ~~فلو أنهم بادروا في مبدأ الأمر إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى لسهل ~~عليهم ولما استعصى عليهم ولقدروا عليه ونظير ذلك المبادرة إلى إزالة العلة ~~قبل استحكام أسبابها ولزومها للبدن لزوما لا ينفك منها فإذا استحكمت العلة ~~وصارت كالجزء من البدن عز على الطبيب استنقاذ العليل منها ونظير ذلك ~~المتوحل في حمأة فإنه ما لم يدخل تحتها فهو قادر على التخلص فإذا توسط ~~معظمها عز عليه وعلى غيره انقاذه فمبادئ الأمور مقدورة للعبد فإذا استحكمت ~~أسبابها وتمكنت لم يبق الأمر مقدور له فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه من ~~أنفع الأشياء في باب القدر والله الموفق للصواب والله سبحانه جاعل ذلك كله ~~وخالقه فيهم بأسباب منهم وتلك الأسباب قد تكون أمورا عدمية يكفي فيها عدم ~~مشيئة أضدادها فلا يشاء ms158 سبحانه أن يخلق للعبد أسباب الهدى فيبقى على العدم ~~الأصلي وإن أراد من عبده الهداية فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته ~~وتوفيقه فإذا لم يرد سبحانه من نفسه ذلك لم تحصل الهداية # | فصل ومما ينبغي أن يعلم أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول ~~الإيمان بأن يفك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفل ذلك الختم ~~والطابع والقفل ويهديه بعد ضلاله ويعلمه بعد جهله ويرشده بعد غيه ويفتح قفل ~~قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر لم ~~يمتنع آن يمحوها ويكتب عليه السعادة والإيمان وقرا قارئ عند عمر بن الخطاب ~~افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها وعنده شاب فقال اللهم عليها ~~أقفالها ومفاتيحها بيدك لا يفتحها سواك فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا ~~وكان عمر يقول في دعائه اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا ~~فإنك تمحو ما تشاء وتثبت فالرب تعالى فعال لما يريد لا حجر عليه وقد ضل ~~ههنا فريقان القدرية حيث زعمت أن ذلك ليس مقدورا للرب ولا يدخل تحت فعله إذ ~~لو كان مقدورا له ومنعه العبد لناقض جوده ولطفه والجبرية حيث زعمت أنه ~~سبحانه إذا قدر قدرا أو علم PageV01P090 @ شيئا فإنه لا يغيره بعد هذا ولا ~~يتصرف فيه بخلاف ما قدره وعلمه والطائفتان حجرت على كل من لا يدخل تحت حجر ~~أحد أصلا وجميع خلقه تحت حجره شرعا وقدرا وهذه المسألة من أكبر مسائل القدر ~~وسيمر بك إن شاء الله في باب المحو والإثبات ما يشفيك فيها والمقصود انه مع ~~الطبع والختم والقفل لو تعرض العبد أمكنه فك ذلك الختم والطابع وفتح ذلك ~~القفل يفتحه من بيده مفاتيح كل شيء وأسباب الفتح مقدورة للعبد غير ممتنعة ~~عليه وإن كان فك الختم وفتح القفل غير مقدور له كما آن شرب الدواء مقدور له ~~وزوال العلة وحصول العافية غير مقدور فإذا استحكم به المرض وصار صفة لازمة ~~له لم يكن له عذر في تعاطي ms159 ما إليه من أسباب الشفاء وإن كان غير مقدور له ~~ولكن لما ألف العلة وساكنها ولم يحب زوالها ولا آثر ضدها عليها مع معرفته ~~بما بينها وبين ضدها من التفاوت فقد سد على نفسه باب الشفاء بالكلية والله ~~سبحانه يهدي عبده إذا كان ضالا وهو يحسب انه على هدى فإذا تبين له الهدى لم ~~يعدل عنه لمحبته وملاءمته لنفسه فإذا عرف الهدى فلم يحبه ولم يرض به وآثر ~~عليه الضلال مع تكرار تعريفه منفعة هذا وخيره ومضرة هذا وشره فقد سد على ~~نفسه باب الهدى بالكلية فلو أنه في هذه الحال تعرض وافتقر إلى من بيده هداه ~~وعلم أنه ليس إليه هدى نفسه وأنه ان لم يهده الله فهو ضال وسأل الله أن ~~يقبل بقلبه وأن يقيه شر نفسه وفقه وهداه بل لو علم الله منه كراهية لما هو ~~عليه من الضلال وأنه مرض قاتل إن لم يشفه منه أهلكه لكانت كراهته وبغضه ~~إياه مع كونه مبتلي به مكن أسباب الشفاء والهداية ولكن من أعظم أسباب ~~الشقاء والضلال محبته له ورضاه به وكراهته الهدى والحق فلو أن المطبوع على ~~قلبه المختوم عليه كره ذلك ورغب إلى الله في فك ذلك عنه وفعل مقدوره لكان ~~هداه أقرب شيء إليه ولكن إذا استحكم الطبع والختم حال بينه وبين كراهة ذلك ~~وسؤال الرب فكه وفتح قلبه # فصل فإن قيل فإذا جوزتم أن يكون الطبع والختم والقفل عقوبة وجزاء على ~~الجرايم الإعراض والكفر السابق على فعل الجرائم # قيل هذا موضع يغلط فيه أكثر الناس ويظنون بالله سبحانه خلاف موجب أسمائه ~~وصفاته والقرآن من أوله إلى آخره إنما يدل على أن الطبع والختم والغشاوة لم ~~يفعلها الرب سبحانه بعبده من اول وهلة حين أمره بالإيمان آو بينه له وإنما ~~فعله بعد تكرار الدعوة منه سبحانه والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار ~~الإعراض منهم والمبالغة في الكفر والعناد فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم ~~عليها فلا تقبل الهدى بعد ذلك والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع ms160 بل ~~كان اختيارا فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية فتأمل هذا المعنى في قوله @QB@ ~~إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم @QE@ ومعلوم أن هذا ~~ليس حكما يعم جميع الكفار بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان أكثرهم كفارا ~~قبل ذلك ولم يختم على قلوبهم وعلى أسماعهم فهذه الآيات في حق أقوام مخصوصين ~~من الكفار فعل الله بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا بهذا النوع من العقوبة ~~العاجلة كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير وبعضهم بالطمس على أعينهم فهو ~~سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب كما يعاقب بالطمس على الأعين وهو سبحانه قد ~~يعاقب بالضلال عن الحق عقوبة دائمة مستمرة وقد يعاقب به إلى وقت ثم يعافي ~~عبده ويهديه كما يعاقب بالعذاب كذلك PageV01P091 @ # | فصل وههنا عدة أمور عاقب بها لكفار بمنعهم عن الإيمان وهي الختم والطبع ~~والأكنة والغطاء والغلاف والحجاب والوقرة والغشاوه والران والغل والسد ~~والقفل والصمم والبكم والعمي والصد والصرف والشد على القلب والضلال ~~والإغفال والمرض وتقليب الأفئدة والحول بين المرء وقلبه وإزاغة القلوب ~~والخذلان والأركاس والتثبيط والتزيين وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم وإماتة ~~قلوبهم بعد خلق الحياة فيها فتبقى على الموت الأصلي وإمساك النور عنها ~~فتبقى في الظلمة الأصلية وجعل القلب قاسيا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته ~~وجعل الصدر ضيفا حرجا لا يقبل الإيمان وهذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب ~~كالختم والطبع والقفل والأكنة والإغفال والمرض ونحوها ومنها ما يرجع إلى ~~رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده ~~كالعمى والغشا ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي ~~وهو نتيجة البكم القلبي فإذا بكم القلب بكم اللسان ولا تصغ إلى قول من يقول ~~أن هذه مجازات واستعارات فإنه قال بحسب مبلغه من العلم والفهم عن الله ~~ورسوله وكان هذا القائل حقيقة الفعل عنده أن يكون من حديد والختم أن يكون ~~بشمع أو طين والمرض أن يكون ms161 حمى ينافض أو قولنج أو غيرهما من أمراض البدن ~~والموت هو مفارقة الروح للبدن ليس إلا والعمى ذهاب ضوء العين الذي تبصر به ~~وهذه الفرقة من أغلظ الناس حجابا فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محلها كانت ~~بحسب تلك المحال فنسبة قفل القلب إلى القلب كنسبة قفل الباب إليه وكذلك ~~الختم والطابع الذي عليه هو بالنسبة إليه كالختم والطابع الذي على الباب ~~والصندوق ونحوهما وكذلك نسبة الصمم والعمى إلى الأذن والعين وكذلك موته ~~وحياته نظير موت البدن وحياته بل هذه الأمور ألزم للقلب منها للبدن فلو قيل ~~أنها حقيقة في ذلك مجاز في الأجسام المحسوسة لكان مثل قول هؤلاء وأقوى منه ~~وكلاهما باطل فالعمى في الحقيقة والبكم والموت والقفل للقلب ثم قال تعالى ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور والمعنى أنه معظم ~~العمى وأصله وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم إنما الربا في السيئة وقوله ~~إنما الماء من الماء وقوله ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ~~وقوله ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان إنما ~~المسكين الذي لا يجد ما يعنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه وقوله ليس الشديد ~~بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ولم يرد نفي الاسم عن هذه ~~المسميات إنما أراد أن هؤلاء أولى بهذه الأسماء وأحق ممن يسمونه بها فهكذا ~~قوله لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقريب من هذا قوله ~~@QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر @QE@ الآية وعلى التقديرين فقد أثبت للقلب عمي حقيقة وهكذا ~~جميع ما نسب إليه ولما كان القلب ملك الأعضاء وهي جنوده وهو الذي يحركها ~~ويستعملها والإرادة والقوى والحركة الاختيارية تنبعث كانت هذه الأمثال أصلا ~~وللأعضاء تبعا فلنذكر هذه الأمور مفصلة ومواقعها في القرآن فقد تقدم الختم ~~قال الأزهري وأصله التغطية وختم البذر في الأرض إذ غطاه قال أبو إسحاق معنى ~~ختم وطبع في اللغة واحد وهو التغطية على ms162 الشيء والاستيثاق منه فلا يدخله ~~شيء كما قال تعالى أم على قلوب أقفالها وكذلك قوله طبع الله على قلوبهم قلت ~~الختم والطبع يشتركان فيما ذكر ويفترقان في معنى آخر وهو أن الطبع ختم يصير ~~سجية وطبيعة فهو تأثير لازم لا PageV01P092 @ يفارق وأما الأكنة ففي قوله ~~تعالى @QB@ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه @QE@ وهي جمع كنان كعنان ~~وأعنة وأصله من الستر والتغطية ويقال كنة وأكنة وكنان بمعنى واحد بل بينهما ~~فرق فأكنة إذا ستره وأخفاه كقوله تعالى @QB@ أو أكننتم في أنفسكم @QE@ وكنة ~~إذا صانه وحفظه كقوله بيض مكنون ويشتركان في الستر والكنان ماأكن الشيء ~~وستره وهو كالغلاف وقد أقروا على أنفسهم بذلك فقالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فذكروا غطاء القلب وهي ~~الأكنة وغطاء الأذن وهو الوقر وغطاء العين وهو الحجاب والمعنى لا نفقه ~~كلامك ولا نسمعه ولا نراك والمعنى إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفقه ~~ما تقول ولا يراك قال ابن عباس قلوبنا في أكنة مثل الكنانة التي فيها ~~السهام وقال مجاهد كجعبة النبل وقال مقاتل عليها غطاء فلا نفقه ما تقول # فصل وأما الغطاء فقال تعالى @QB@ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين ~~كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا @QE@ وهذا يتضمن ~~معنيين أحدهما أن أعينهم في غطاء عما تضمنه الذكر من آيات الله وأدلة ~~توحيده وعجائب قدرته والثاني أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن وتدبره ~~والاهتداء به وهذا الغطاء للقلب أولا ثم يسري منه إلى العين # | فصل وأما الغلاف فقال تعالى @QB@ وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله ~~بكفرهم @QE@ وقد اختلف في معنى قولهم قلوبنا غلف فقالت طائفة المعنى قلوبنا ~~أوعية للحكمة والعلم فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به أو لا تحتاج إليك ~~وعلى هذا فيكون غلف جمع غلاف والصحيح قول أكثر المفسرين أن المعنى قلوبنا ~~لا تفقه ولا تفهم ما تقول وعلى هذا فهو جمع أغلف كأحمر وحمر وقال أبو عبيدة ms163 ~~كل شيء في غلاف فهو أغلف كما يقال سيف أغلف وقوس أغلف ورجل أغلف غير مختون ~~قال ابن عباس وقتادة ومجاهد على قلوبنا غشاوة فهي في أوعية فلا تعي ولا ~~تفقه ما تقول وهذا هو الصواب في معنى الآية لتكرر نظائره في القرآن كقولهم ~~@QB@ قلوبنا في أكنة @QE@ وقوله تعالى @QB@ كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ~~@QE@ ونظائر ذلك وأما قول من قال هي أوعية للحكمة فليس في اللفظ ما يدل ~~عليه البتة وليس له في القرآن نظير يحمل عليه ولا يقال مثل هذا اللفظ في ~~مدح الإنسان نفسه بالعلم والحكمة فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل قلبي ~~غلاف وقلوب المؤمنين العالمين غلف أي أوعية للعلم والغلاف قد يكون وعاء ~~للجيد والرديء فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة ~~وهذا ظاهر جدا فإن قيل فالإضراب ببل على هذا القول الذي قويتموه ما معناه ~~وأما على القول الآخر فظاهر آي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة بل مطبوع ~~عليها قيل وجه الإضراب في غاية الظهور وهو أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح ~~لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته بل جعل قلوبهم داخلة في غلف ~~فلا تفقهه فكيف تقوم به عليه الحجة وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف فهم ~~معذورون في عدم الإيمان فاكذبهم الله وقال @QB@ بل طبع الله عليها بكفرهم ~~@QE@ وفي الآية الأخرى @QB@ بل لعنهم الله بكفرهم @QE@ فاخبر سبحانه أن ~~الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم ~~وآثروه على الإيمان فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة والمعنى لم نخلق قلوبهم ~~غلفا لا تعي ولا تفقه ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه بل ~~اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها # فصل وأما الحجاب ففي قوله تعالى حكاية عنهم @QB@ ومن بيننا وبينك حجاب ~~@QE@ وقوله @QB@ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا @QE@ PageV01P093 على أصح القولين والمعنى جعلنا بين القرآن ~~إذا قرأته وبينهم حجابا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره ms164 والإيمان به ويبينه ~~قوله @QB@ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا @QE@ وهذه ~~الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله @QB@ وقالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب @QE@ فأخبر سبحانه أن ذلك ~~جعله فالحجاب يمنع رؤية الحق والأكنة تمنع من فهمه والوقر يمنع من سماعه ~~وقال الكلبي الحجاب ههنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول الله بالأذى من ~~الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه ووصفه بكونه مستورا فقيل بمعنى ساتر ~~وقيل على النسب أي ذو ستر والصحيح أنه على بابه أي مستورا عن الإبصار فلا ~~يرى ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت والنسب في مفعول لم يشتق من فعله كمكان ~~مهول أي ذي هول ورجل مرطوب أي ذي رطوبة فأما مفعول فهو جار على فعله فهو ~~الذي وقع عليه الفعل كمضروب ومجروح ومستور # | فصل وأما الران فقد قال تعالى @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون @QE@ قال أبو عبيدة غلب عليها والخمر ترين على عقل السكران والموت ~~يرون على الميت فيذهب به ومن هذا حديث اسيفع جهينة وقول عمر فأصبح قدرين به ~~أي غلب عليه وأحاط به الرين وقال أبو معاذ النحوي الرين أن يسود القلب من ~~الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين والإقفال أشد من الطبع ~~وهو أن يقفل على القلب وقال الفراء كثرت الذنوب والمعاصي منهم فأحاطت ~~بقلوبهم فذلك الرين عليها وقال أبو إسحاق ران غطى يقال ران على قلبه الذنب ~~يرين رينا أي غشيه قال والرين كالغشاء يغشى القلب ومثله الغين قلت أخطأ أبو ~~إسحاق فألغين ألطف شيء وأرقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه ليغان ~~على قلبي وأني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة وأما الرين والران فهو من ~~أغلظ الحجب على القلب وأكثفها وقال مجاهد هو الذنب على الذنب حتى تحيط ~~الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلب وقال مقاتل غمرت القلوب أعمالهم الخبيثة ~~وفي سنن النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن ms165 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال أن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع ~~واستغفر وتاب صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر ~~الله @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ قال الترمذي هذا ~~حديث صحيح وقال عبد الله بن مسعود كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء حتى ~~يسود القلب كله فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على ~~قلوبهم فكان سبب الران منهم وهو خلق الله فيهم فهو خالق السبب ومسببه لكن ~~السبب باختيار العبد والمسبب خارج عن قدرته واختياره # فصل وأما الغل فقال تعالى @QB@ لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ~~إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون @QE@ قال الفراء حبسناهم ~~عن الإنفاق في سبيل الله وقال أبو عبيدة منعناهم عن الإيمان بموانع ولما ~~كان الغل مانعا للمغلول من التصرف والتقلب كان الغل الذي على القلب مانعا ~~من الإيمان فإن قيل فالغل المانع من الإيمان هو الذي في القلب فكيف ذكر ~~الغل الذي في العنق قيل لما كان عادة الغل أن يوضع في العنق ناسب ذكر محله ~~والمراد به القلب كقوله تعالى @QB@ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه @QE@ ~~PageV01P094 ومن هذا قولهم انما في عنقك وهذا في عنقك ومن هذا قوله @QB@ ~~ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك @QE@ شبه الإمساك عن الإنفاق باليد إذا غلت ~~إلى العنق ومن هذا قال الفراء أنا جعلنا في أعناقهم أغلالا حبسناهم عن ~~الإنفاق قال أبو إسحاق وإنما يقال للشيء اللازم هذا في عنق فلان أي لزومه ~~كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق قال أبو علي هذا مثل قولهم طوقتك ~~كذا وقلدتك كذا ومنه قلده السلطان كذا أي صارت الولاية في لزومها له في ~~موضع القلادة ومكان الطوق قلت ومن هذا قولهم قلدت فلانا حكم كذا وكذا كأنك ~~جعلته طوقا في ms166 عنقه وقد سمى الله التكاليف الشاقة أغلالا في قوله @QB@ ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم @QE@ فشبهها بالأغلال لشدتها وصعوبتها ~~قال الحسن هي الشدائد التي كانت في العبادة كقطع أثر البول وقتل النفس في ~~التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وتتبع العروق من اللحم وقال ابن قتيبة هي ~~تحريم الله سبحانه عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وجعلها أغلا لأن التحريم يمنع كما يقبض الغل اليد وقوله فهي إلى الأذقان ~~قالت طائفة الضمير يعود إلى الأيدي وإن لم تذكر لدلالة السياق عليها قالوا ~~لأن الغل يكون في العنق فتجمع إليه اليد ولذلك سمي جامعة وعلى هذا فالمعنى ~~فأيديهم أو فايمنهم مضمومة إلى أذقانهم هذا قول الفراء والزجاج وقالت طائفة ~~الضمير يرجع إلى الأغلال وهذا هو الظاهر وقوله فهي إلى الأذقان أي واصلة ~~وملزوزة إليها فهو غل عريض قد أحاط بالعنق حتى وصل إلى الذقن وقوله فهم ~~مقمحون قال الفراء والزجاج المقمح هو الغاض بصره بعد رفع رأسه ومعنى ~~الإقماح في اللغة رفع الرأس وغض البصر يقال أقمح البعير رأسه وقمح وقال ~~الأصمعي بعير قامح إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب قال الأزهري لما غلت ~~أيديهم إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل الرافعة ~~رؤوسها انتهى فإن قيل فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى ~~والإيمان قيل أحسن وجه وأبينه فإن الغل إذا كان في العنق واليد مجموعة ~~إليها منع اليد عن التصرف والبطش فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى ~~الذقن منع الرأس من تصويبه وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبه لا يستطيع له حركة ~~ثم أكد هذا المعنى والحبس بقوله @QB@ وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ~~سدا @QE@ قال ابن عباس منعهم من الهدى لما سبق في علمه والسد الذي جعل من ~~بين أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى فأخبر سبحانه عن الموانع ~~التي منعهم بها من الإيمان عقوبة لهم ومثلها بأحسن تمثيل وأبلغه وذلك حال ~~قوم قد وضعت ms167 الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم وضمت أيديهم ~~إليها وجعلوا بين السدين لا يستطيعون النفوذ من بينمها وأغشيت أبصارهم فهم ~~لا يرون شيئا وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق وتبين له ثم جحده وكفر ~~به وعاداه أعظم معاداة وجدت هذا المثل مطابقا له أتم مطابقة وانه قد حيل ~~بينه وبين الإيمان كما حيل بين هذا وبين التصرف والله المستعان # | فصل وأما القفل فقال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها @QE@ قال ابن عباس يريد على قلوب هؤلاء أقفال وقال مقاتل يعني ~~الطبع على القلب وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج الذي قد ضرب عليه قفل فإنه ~~ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما وراءه وكذلك ما لم يرفع ~~الختم والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان والقرآن وتأمل تنكير القلب وتعريف ~~الأقفال فإن تنكير القلوب يتضمن PageV01P095 @ إرادة قلوب هؤلاء وقلوب من ~~هم بهذه الصفة ولو قال أم على القلوب أقفالها لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة ~~وفي قوله أقفالها بالتعريف نوع تأكيد فإنه لو قال اقفال لذهب الوهم إلى ما ~~يعرف بهذا الاسم فلما أضافها إلى القلوب علم أن المراد بها ما هو للقلب ~~بمنزلة القفل للباب فكأنه أراد أقفالها المختصة بها التي لا تكون لغيرها ~~والله أعلم # فصل وأما الصمم والوقر ففي قوله @QB@ صم بكم عمي @QE@ وقوله @QB@ أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم @QE@ وقوله @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ~~آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون @QE@ وقوله ~~@QB@ والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان ~~بعيد @QE@ قال ابن عباس في آذانهم صمم عن استماع القرآن وهو عليهم عمي أعمى ~~الله قلوبهم فلا يفقهون أولئك ينادون من مكان بعبد مثل البهيمة التي لا ~~تفهم الادعاء ونداء وقال مجاهد بعيد من قلوبهم وقال الفراء تقول للرجل الذي ~~لا يفهم كذلك أنت تنادي ms168 من مكان بعيد قال وجاء في التفسير كأنما ينادون من ~~السماء فلا يسمعون انتهى والمعنى أنهم لا يسمعمون ولا يفهمون كما أن من دعى ~~من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم # | فصل وأما البكم فقال تعالى @QB@ صم بكم عمي @QE@ والبكم جمع أبكم وهو ~~الذي لا ينطق والبكم نوعان بكم القلب وبكم اللسان كما أن النطق نطقان نطق ~~القلب ونطق اللسان وأشدهما بكم القلب كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين ~~وصمم الأذن فوصفهم سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق ولا تنطق به ألسنتهم والعلم ~~يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب من سمعه وبصره وقلبه وقد عليهم سدت هذه ~~الأبواب الثلاثة فسد السمع بالصمم والبصر بالعمى اوالقلب بالبكم ونظيره ~~قوله تعالى @QB@ لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان ~~لا يسمعون بها @QE@ وقد جمع سبحانه بين الثلاثة في قوله @QB@ وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ~~إذ كانوا يجحدون بآيات الله @QE@ فإذا أراد سبحانه هداية عبد فتح قلبه ~~وسمعه وبصره وإذا أراد ضلالة أصمه وأعماه وأبكمه وبالله التوفيق # فصل وأما الغشاوة فهو غطاء العين كما قال تعالى @QB@ وجعل على بصره غشاوة ~~@QE@ وهذا الغطاء سري اليها من غطاء القلب فإن ما في القلب يظهر على العين ~~من الخير والشر فالعين مرآة القلب تظهر ما فيه وأنت إذا أبغضت رجلا بغضا ~~شديدا أو أبغضت كلامه ومجالسته تجد على عينك غشاوة عند رؤيته ومخالطته فتلك ~~أثر البغض والإعراض عنه وغلظت على الكفار عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن ~~الرسول وجعل الغشاوة عليها يشعر بالإحاطة على ما تحته كالعمامة ولما عشوا ~~عن ذكره الذي أنزله صار ذلك العشاء غشاوة على أعينهم فلا تبصر مواقع الهدى # | فصل وأما الصد فقال تعالى @QB@ وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن ~~السبيل @QE@ قرأ أهل الكوفة على البناء للمفعول حملا على زين وقرأ الباقون ~~وصد بفتح الصاد ويحتمل وجهين أحدهما أعرض فيكون لازما والثاني يكون صد غيره ~~فيكون ms169 متعديا والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان وأما الشد على القلب ففي ~~قوله تعالى @QB@ وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم @QE@ PageV01P096 @QB@ قال قد ~~أجيبت دعوتكما فاستقيما @QE@ فهذا الشد على القلب هو الصد والمنع ولهذا قال ~~ابن عباس يريدا منعها والمعنى قسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح ~~للإيمان وهذ ا مطابق لما في التوراة إن الله سبحانه قال لموسى اذهب إلى ~~فرعون فإني سأقسى قلبه فلا يؤمن حتى تظهر آياتي وعجائبي بمصر وهذا الشد ~~والتقسية من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه جعله عقوبة لهم على كفرهم ~~واعراضهم كعقوبته لهم بالمصائب ولهذا كان محمودا عليه فهو حسن منه وأقبح ~~شيء منهم فإنه عدل منه وحكمة وهو ظلم منهم وسفه فالقضاء والقدر فعل عادل ~~حكيم غنى عليم يضع الخير والشر في أليق المواضع بهما والمقضى المقدر يكون ~~ظلما وجورا وسفها وهو فعل جاهل ظالم سفيه # فصل وأما الصرف فقال تعالى @QB@ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل ~~يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون @QE@ فأخبر ~~سبحانه عن فعلهم وهو الانصراف وعن فعله فيهم وهو صرف قلوبهم عن القرآن ~~وتدبره لأنهم ليسوا أهلا له فالمحل غير صالح ولا قابل فإن صلاحية المحل ~~بشيئين حسن فهم وحسن قصد وهؤلاء قلوبهم لا تفقه وقصودهم سيئة وقد صرح ~~سبحانه بهذا في قوله @QB@ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون @QE@ فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم وأنهم لا ~~خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به وإن ~~سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجته فسماع الفهم الذي سمعه به والمؤمنون لم ~~يحصل لهم ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم يمنعهم من الإيمان لو ~~أسمعهم هذا السماع الخاص وهو الكبر والتولي والإعراض فالأول مانع من الفهم ~~والثاني مانع من ms170 الإنقياد والإذعان فإفهام سيئة وقصود ردية وهذه نسخة ~~الضلال وعلم الشقاء كما أن نسخة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح وقصد صالح ~~والله المستعان وتأمل قوله سبحانه @QB@ ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم @QE@ ~~كيف جعل هذه الجملة الثانية سواء كانت خبرا أو عادة عقوبة لانصرافهم ~~فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف الأول فإن انصرافهم كان لعدم إرادته ~~سبحانه ومشيئته لإقبالهم لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول فلم ينلهم الإقبال ~~والإذعان فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم عن القرآن فجازاهم على ~~ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة ~~غير الزيغ الأول @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ وهكذا إذا أعرض ~~العبد عن ربه سبحانه جازاه بأن يعرض عنه فلا يمكنه من الإقبال عليه ولتكن ~~قصة إبليس منك على ذكر تنتفع بها أتم انتفاع فإنه لما عصى ربه تعالى ولم ~~ينقد لأمره وأصر على ذلك عاقبة بأن جعله داعيا إلى كل معصية فعاقبه على ~~معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية وفروعها صغيرها وكبيرها وصار ~~هذا الإعراض والكفر منه عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق فمن عقاب السيئة ~~السيئة بعدها كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها فإن قيل فكيف يلتئم ~~إنكاره سبحانه عليهم الانصراف والإعراض عنه وقد قال تعالى @QB@ أنى يصرفون ~~@QE@ @QB@ أنى يؤفكون @QE@ وقال @QB@ فما لهم عن التذكرة معرضين @QE@ فإذا ~~كان هو الذي صرفهم وجعلهم معرضين ومأفوكين فكيف ينفي ذلك عليهم قيل هم ~~دائرون بين عدله وحجته عليهم فمكنهم وفتح لهم الباب ونهج لهم الطريق وهيأ ~~لهم الأسباب فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ودعاهم على السنة رسلة وجعل ~~لهم عقولا تميز بين الخير والشر والنافع والضار وأسباب PageV01P097 @ الردي ~~وأسباب الفلاح وجعل لهم أسماعا وأبصارا فآثروا الهوى على التقوى واستحبوا ~~العمى على الهدى وقالوا معصيتك آثر عندنا من طاعتك والشرك أحب إلينا من ~~توحيدك وعبادة سواك أنفع لنا في دنيانا من عبادتك فأعرضت قلوبهم عن ربهم ~~وخالقهم ومليكهم وانصرفت عن طاعته ومحبته فهذا عدله فيهم وتلك ms171 حجته عليهم ~~فهم سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختياره فسده عليهم اضطرارا ~~فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم وولاهم ما تولوه ومكنهم فيما ارتضوه وأدخلهم من ~~الباب الذي استبقوا إليه وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه وهم معرضون فلا ~~أقبح من فعلهم ولا أحسن من فعله ولو شاء لخلقهم على غير هذه الصفة ولأنشأهم ~~على غير هذه النشأة ولكنه سبحانه خالق العلو والسفل والنور والظلمة والنافع ~~والضار والطيب والخبيث والملائكة والشياطين والشاء والذياب ومعطيها آلاتها ~~وصفاتها وقواها وأفعالها ومستعملها فيما خلقت له فبعضها بطباعها وبعضها ~~بإرادتها ومشيئتها وكل ذلك جار على وفق حكمته وهو موجب حمده ومقتضى كماله ~~المقدس وملكه التام ولا نسبة لما علمه الخلق من ذلك إلى ما خفي عليهم بوجه ~~ما أن هو إلا كنقرة عصفور من البحر # | فصل وأما الإغفال فقال تعالى @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا @QE@ سئل أبو العباس ثعلب عن قوله @QB@ أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا @QE@ فقال جعلناه غافلا قال ويكون في الكلام أغفلته سميته ~~غافلا ووجدته غافلا قلت الغفل الشيء الفارغ والأرض الغفل التي لا علامة بها ~~والكتاب الغفل الذي لا شكل عليه فأغفلناه تركناه غفلا عن الذكر فارغا منه ~~فهو ابقاء له على العدم الأصلي لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر فبقي غافلا ~~فالغفلة وصفه والإغفال فعل الله فيه بمشيئته وعدم مشيئته لتذكره فكل منهما ~~مقتض لغفلته فإذا لم يشأ له التذ كر لم يتذكر وإذا شاء غفلته امتنع منه ~~الذكر فإن قيل فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب ~~أضدادها أم إلى مشيئته لوقوعها قيل القرآن قد نطق بهذا وبهذا قال تعالى ~~@QB@ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم @QE@ وقال @QB@ ومن يرد الله ~~فتنته فلن تملك له من الله شيئا @QE@ @QB@ ومن يرد أن يضله @QE@ فإن قيل ~~فكيف يكون عدم السبب المقتضى موجبا للأثر إن كان وجوديا فلا بد له من مؤثر ~~وجودي وأما العدم فيكفي فيه عدم سببه وموجبه فيبقى على ms172 العدم الأصلي فإذا ~~أضيف إليه كان من باب إضافة الشيء إلى دليله فعدم السبب دليل على عدم ~~المسبب وإذا سمي موجبا ومقتضيا بهذا الاعتبار فلا مشاحة في ذلك وأما أن ~~يكون العدم أثرا ومؤثرا فلا وهذا الإغفال ترتب عليه اتباع هواه وتفريطه في ~~أمره قال مجاهد كان أمره فرطا أي ضياعا وقال قتادة أضاع أكبر الضيعة وقال ~~السدة هلاكا وقال أبو الهيثم أمر فرط أي متهاون به مضيع والتفريط تقديم ~~العجز قال أبو اسحاق من قدم العجز في أمر إضاعه وأهلكه قال الليث الفرط ~~الأمر الذي يفرط فيه يقول كل أمر فلان فرط قال الفراء فرطا متروكا يفرط ~~فيما لا ينبغي التفريط فيه واتبع مالا ينبغي اتباعه وغفل عما لا يحسن ~~الغفلة عنه # فصل وأما المرض فقال تعالى @QB@ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا @QE@ ~~وقال @QB@ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض @QE@ وقال @QB@ ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا @QE@ ومرض القلب خروج عن صحته واعتداله فإن صحته ~~أن يكون عارفا بالحق محبا له مؤثرا له على غيره فمرضه إما بالشك فيه وإما ~~بإيثار غيره عليه فمرض PageV01P098 @ المنافقين مرض شك وريب ومرض العصاة ~~مرض غي وشهوة وقد سمى الله سبحانه كلا منهما مرضا قال ابن الأنباري أصل ~~المرض في اللغة الفساد مرض فلان فسد جسمه وتغيرت حاله ومرضت بالمرض تغيرت ~~وفسدت قالت ليلى الأخيلية % إذا هبط الحجاج أرضا مريضة % تتبع أقصى دائها ~~فشفاها % وقال آخر % ألم تر أن الأرض أضحت مريضة % لفقد الحسين والبلاد ~~اقشعرت % والمرض يدور على أربعة أشياء فساد وضعف ونقصان وظلمة ومنه مرض ~~الرجل في الأمر إذا ضعف فيه ولم يبالغ وعين مريضة النظر أي فاترة ضعيفة ~~وريح مريضة إذا هب هبوبها كما قال % راحت لأربعك الرياح مريضة % أي لينة ~~ضعيفة حتى لا يعفى أثرها وقال ابن الأعرابي أصل المرض النقصان ومنه بدن ~~مريض أي ناقص القوة وقلب مريض ناقص الدين ومرض في حاجتي إذا نقصت ms173 حركته ~~وقال الأزهري عن المنذري عن بعض أصحابه المرض أظلام الطبيعة واضطرابها بعد ~~صفائها قال والمرض الظلمة وأنشد % وليلة مرضت من كل ناحية % فما يضيء لها ~~شمس ولا قمر % هذا أصله في اللغة ثم الشك والجهل والحيرة والضلال وإرادة ~~الغي وشهوة الفجور في القلب تعود إلى هذه الأمور الأربعة فيتعاطى العبد ~~أسباب المرض حتى يمرض فيعاقبه الله بزيادة المرض لإيثاره أسبابه وتعاطيه ~~لها # | فصل وأما تقليب الأفئدة فقال تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ وهذا عطف على أنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون أي نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم تلك الآية فلا ~~يؤمنون واختلف في قوله كما لم يؤمنوا به أول مرة فقال كثير من المفسرين ~~المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية كما حلنا بينهم وبين ~~الإيمان أول مرة قال ابن عباس في رواية عطاء عنه ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي قال وهذا كقوله واعلموا أن الله يحول ~~بين المرء وقلبه وقال آخرون المعنى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان ~~به أول مرة فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم وهذ معنى حسن فإن كاف ~~التشبيه تتضمن نوعا من التلعيل كقوله @QB@ وأحسن كما أحسن الله إليك @QE@ ~~وقوله @QB@ كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم @QE@ والذ ي ~~حسن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير ~~والشر والتقليب تحويل الشيء من وجه إلى وجه وكان الواجب من مقتضى إنزال ~~الآية ووصولهم إليها كما سألوا أن يؤمنوا إذا جاءتهم لأنهم رأوها عيانا ~~وعرفوا أدلتها وتحققوا صدقها فإذا لم يؤمنوا كان تقليبا لقلوبهم وأبصارهم ~~عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله ~~بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن قلوب بني آدم كلها ~~بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ms174 ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك وروى الترمذي من ~~حديث أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول يا مقلب ~~PageV01P099 @ القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله آمنا بك وبما ~~جئت به فهل تخاف علينا قال نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها ~~كيف يشاء قال هذا حديث حسن وروى حماد عن أيوب وهشام ويعلي بن زياد عن الحسن ~~قال قالت عائشة رضي الله تعالى عنها دعوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكثر أن يدعو بها يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله دعوة ~~كثيرا ما تدعو بها قال إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله ~~فإذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أن يزيغه أزاغه وقوله @QB@ ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون @QE@ قال ابن عباس أخذلهم وأدعهم في ضلالهم يتمادون # فصل وأما إزاغة القلوب فقال تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ ~~وقال عن عباده المؤمنين أنهم سألوه ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وأصل ~~الزيغ الميل ومنه زاغت الشمس إذا مالت فأزاغه القلب إمالته وزيغه ميله عن ~~الهدى إلى الضلال والزيغ يوصف به القلب والبصر كما قال تعالى @QB@ وإذ زاغت ~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر @QE@ وقال قتادة ومقاتل شخصت فرقا وهذا تقريب ~~للمعنى فإن الشخوص غير الزيغ وهو أن يفتح عينيه ينظر إلى الشيء فلا يطرق ~~ومنه شخص بصر الميت ولما مالت الأبصار عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء ~~الذين أقبلوا إليهم من كل جانب اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر فمالت عنه ~~وشخصت بالنظر إلى الأحزاب وقال الكلبي مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم ~~وقال الفراء زاغت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها متحيرة تنظر إليه قلت ~~القلب إذا امتلأ رعبا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المخوف فزاغ البصر عن ~~الوقوع عليه وهو مقابلة # | فصل وأما الخذلان فقال ms175 تعالى @QB@ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن ~~يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده @QE@ وأصل الخذلان الترك والتخلية ويقال ~~للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى وتركت صواحباتها خذول قال محمد ~~بن إسحاق في هذه الآية إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس ولن يضرك خذلان ~~من خذلك وإن يخذلك فلن ينصرك الناس أي لا تترك أمري للناس وارفض الناس ~~لأمري والخذلان أن يخلي الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها ~~والتوفيق ضده أن لا يدعه ونفسه ولا يكله إليها بل يصنع له ويلطف به ويعينه ~~ويدفع عنه ويكلأه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه فمن خلى بينه ~~وبين نفسه هلك كل الهلاك ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم يا حي يا ~~قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك ~~أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك ~~فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس فإن تولاه الله لم ظفر به عدوه وإن ~~خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة فإن قيل فما ذنب ~~الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو ~~منه قيل لعمر الله إن الشيطان ذئب الإنسان كما قاله الصادق المصدوق ولكن لم ~~يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانا مع ضعفها فإذا أعطت ~~بيدها وسالمت الذئب ودعاها فلبت دعوته وأجابت أمره ولم تتخلف بل أقبلت نحوه ~~سريعة مطيعة وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل ودخلت في محل ~~الذئاب الذي من دخله كان صيدا لهم فهل الذئب كل الذئب إلا الشاة فكيف ~~والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها وقد رآها مصارع الشاة التي انفردت عن ~~الراعي ودخلت وادي PageV01P100 @ الذئاب قال أحمد بن مروان المالكي في كتاب ~~المجالسة سمعت ابن أبي الدنيا يقول أن لله سبحانه من العلوم ما لا يحصى ~~يعطي كل واحد من ذلك ما ms176 لا يعطي غيره لقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حمد ~~بن سعيد القطان ثنا عبيد الله بن بكر السهمي عن أبيه أن قوما كانوا في سفر ~~فكان فهم رجل يمر بالطائر فيقول أتدرون ما تقول هؤلاء فيقولون لا فيقول ~~تقول كذا وكذا فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق فيه هو أم كاذب إلى أن مروا ~~على غنم وفيها شاة قد تخلفت على سخلة لها فجعلت تحنو عنقها إليها وتثغو ~~فقال أتدرون ما تقول هذه الشاة قلنا لا قال تقول للسخلة إلحقي لا يأكلك ~~الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان قال فانتهينا إلى الراعي فقلنا ~~له ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا قال نعم ولدت سخلة عام أول فأكلها الذئب ~~بهذا المكان ثم أتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو ويحنو عنقه ~~إليها فقال أتدرون ما يقول هذا البعير قلنا لا قال فانه يلعن راكبته ويزعم ~~أنها رحلته على مخيط وهو في سنامه قال فانتهينا إليهم فقلنا يا هؤلاء إن ~~صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط وأنه ~~في سنامه قال فأناخوا البعير وحطوا عنه فإذا هو كما قال فهذه شاة قد حذرت ~~سخلتها من الذئب مرة فحذرت وقد حذر الله سبحانه آدم من ذئبه مرة بعد مره ~~وهو يأبى إلا أن يستجيب له إذا دعاه ويبيت معه ويصبح @QB@ وقال الشيطان لما ~~قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم ~~وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ~~@QE@ # فصل وأما الأركاس فقال تعالى @QB@ فما لكم في المنافقين فئتين والله ~~أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا @QE@ قال الفراء أركسهم ردهم إلى الكفر وقال أبو عبيدة يقال ركست ~~الشيء وأركسته لغتان إذا رددته والركس قلب ms177 الشيء على رأسه أورد أوله على ~~آخره والارتكاس الارتداد قال أمية % فاركسوا في حميم النار إنهم % كانوا ~~عصاة وقالوا الإفك الزورا % ومن هذا يقال للروث الركس لأنه رد إلى حال ~~النجاسة ولهذا المعنى سمي رجيعا والركس والنكس والمركوس والمنكوس بمعنى ~~واحد قال الزجاج أركسهم نكسهم وردهم والمعنى أنه ردهم إلى حكم الكفار من ~~الذل والصغار وأخبر سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله وإن كان أركاسه كان ~~بسبب كسبهم وأعمالهم كما قال @QB@ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ ~~فهذا توحيده وهذا عدله لا ما تقوله القدرية المعطلة من أن التوحيد إنكار ~~الصفات والعدل والتكذيب بالقدر # | فصل وأما التثبيط فقال تعالى @QB@ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين @QE@ والتثبيط رد ~~الإنسان عن الشيء الذي يفعله قال ابن عباس يريد خذلهم وكسلهم عن الخروج ~~وقال في رواية أخرى حبسهم قال مقاتل واوحى إلى قلوبهم اقعدوا مع القاعدين ~~وقد بين سبحانه حكمته في هذا التثبيط والخذلان قبل وبعد فقال @QB@ إنما ~~يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم ~~يترددون ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ~~وقيل اقعدوا مع القاعدين @QE@ فلما تركوا الإيمان به بلقائه وارتابوا بما ~~لا ريب فيه ولم يريدوا الخروج في طاعة الله ولم يستعدوا له ولا أخذوا أهبة ~~ذلك كره سبحانه انبعاث من هذا شأنه فإن من لم يرفع به وبرسوله أو كتابه ~~رأسا ولم يقبل هديته التي أهداها إليه على يد أحب PageV01P101 @ خلقه إليه ~~وأكرمهم عليه ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها بل بدلها كفرا فإن طاعة ~~هذا وخروجه مع رسوله يكرهه الله سبحانه فثبطه لئلا يقع ما يكره من خروجه ~~وأوحى إلى قلبه قدرا وكونا أن يقعد مع القاعدين ثم أخبر سبحانه عن الحكمة ~~التي تتعلق بالمؤمنين في تثبيط هؤلاء عنهم فقال @QB@ لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا @QE@ و الخبال الفساد و الاضطراب فلو خرجوا مع ~~المؤمنين لأفسدوا ms178 عليهم أمرهم فأوقعوا بينهم الاضطراب والاختلاف قال ابن ~~عباس ما زادوكم الا خبالا عجزا و جبنا يعني يجبنوهم عن لقاء العدو بتهويل ~~أمرهم و تعظيمهم في صدورهم ثم قال ولا وضعوا خلالكم أي أسرعوا في الدخول ~~بينكم للتفريق والإفساد قال ابن عباس يريد ضعفوا شجاعتكم يعني بالتفريق ~~بينهم لتفريق الكلمة فيجبنوا عن العدو وقال الحسن لا وضعوا خلالكم بالنميمة ~~لإفساد ذات البين وقال الكلبي ساروا بينكم يبغونكم العيب قال لبيد % أرانا ~~موضعين لختم عيب % وسحر بالطعام وبالشراب % أي مسرعين ومنه قول عمر بن أبي ~~ربيعة % تبا لهن بالعرفان لما عرفني % وقلن أمرؤ باغ أكل وأوضعا % أي اسرع ~~حتى كلت مطيته @QB@ يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم @QE@ قال قتادة وفيكم ~~من يسمع كلامهم ويطيعهم وقال ابن إسحاق وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما ~~يدعونهم إليه لشرفهم فيهم ومعناه على هذا القول وفيكم أهل سمع وطاعة لهم لو ~~صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم قلت فتضمن سماعين معنى مستجيبين وقال ~~مجاهد وابن زيد والكلبي المعنى وفيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم ~~أي جواسيس والقول هو الأول كما قال تعالى سماعون للكذب أي قابلون له ولم ~~يكن في المؤمنين جواسيس للمنافقين فان النافقين كانوا مختلطين بالمؤمنين ~~ينزلون معهم ويرحلون ويصلون معهم ويجالسونهم ولم يكونوا متحيزين عنهم قد ~~أرسلوا فيهم العيون ينقلون إليهم أخبارهم فإن هذا إنما يفعله من انحاز عن ~~طائفة ولم يخالطها وأرصد بينهم عيونا له فالقول قول قتادة وابن إسحاق أعلم ~~فإن قيل انبعاثهم إلى طاعته طاعة له فكيف يكرهها وإذا كان سبحانه يكرهها ~~فهو يحب ضدها لا محالة إذ كراهة أحد الضدين تستلزم محبة الضد الآخر فيكون ~~قعودهم محبوبا له فكيف يعاقبهم عليه قيل هذا سؤال له شأن وهو من أكبر ~~الأسئلة في هذا الباب وأجوبة الطوائف على حسب أصولهم فالجبرية تجيب عنه بأن ~~أفعاله لا تعلل بالحكم والمصالح وكل ممكن فهو جائز عليه ويجوز أن يعذبهم ~~على فعل ما يحبه ويرضاه وترك ما يبغضه ويسخطه والجميع بالنسبة إليه ms179 سواء ~~وهذه الفرقة قد سدت على نفسها باب الحكمة والتعليل والقدرية تجيب عنه على ~~أصولها بأنه سبحانه لم يثبطهم حقيقة ولم يمنعهم بل هم منعوا أنفسهم وثبطوها ~~عن الخروج وفعلوا ما لا يريد ولما كان في خروجهم المفسدة التي ذكرها الله ~~سبحانه ألقى في نفوسهم كراهة الخروج مع رسوله قالوا وجعل سبحانه إلقاء ~~كراهة الانبعاث في قلوبهم كراهة مشيئة من غيره أن يكره هو سبحانه انبعاثهم ~~فإنه أمرهم به قالوا وكيف يأمرهم بما يكرهه ولا يخفى على من نور الله ~~بصيرته فساد هذين الجوابين وبعدهما من دلالة القرآن فالجواب الصحيح أنه ~~سبحانه أمرهم بالخروج طاعة له ولأمره واتباعا لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~ونصرة له وللمؤمنين وأحب لك منهم ورضيه لهم دينا وعلم سبحانه أن خروجهم لو ~~خرجوا لم يقع على هذا PageV01P102 @ الوجه بل يكون خروجهم خروج خذلان ~~لرسوله وللمؤمنين فكان خروجا يتضمن خلاف ما يحبه ويرضاه ويستلزم وقوع ما ~~يكرهه ويبغضه فكان مكروها له من هذا الوجه ومحبوبا له من الوجه الذي خرج ~~عليه أولياؤه وهو يعلم أنه لا يقع منهم إلا على الوجه المكروه إليه فكرهه ~~وعاقبهم على ترك الخروج الذي يحبه ويرضاه لا على ترك الخروج الذي يبغضه ~~ويسخطه وعلى هذا فليس الخروج الذي كرهه منهم طاعة حتى لو فعلوه لم يثبهم ~~عليه ولم يرضه منهم وهذا الخروج المكروه له ضدان أحدهما الخروج المرضي ~~المحبوب وهذا الضد هو الذي يحبه والثاني التخلف عن رسوله والقعود عن الغزو ~~معه وهذا الضد يبغضه ويكرهه أيضا وكراهته للخروج على الوجه الذي كانوا ~~يخرجون عليه لا ينافي كراهته لهذاالضد فيقول للسائل قعودهم مبغوض له ولكن ~~ههنا أمران مكروهان له سبحانه وأحدهما أكره له من الآخر لأنه أعظم مفسدة ~~فإن قعودهم مكروه له وخروجهم على الوجه الذي ذكره أكره إليه ولم يكن لهم بد ~~من أحد المكروهين إليه سبحانه فدفع المكروه الأعلى بالمكروه الأدنى فإن ~~مفسدة قعودهم عنه أصغر من مفسدة خروجهم معه فإن مفسدة قعودهم تختص بهم ~~ومفسدة خروجهم تعود على ms180 المؤمنين فتأمل هذا لموضع فإن قلت فهلا وفقهم ~~للخروج الذي يحبه ويرضاه وهو الذي خرج عليه المؤمنون قلت قد تقدم جواب مثل ~~هذا السؤال مرارا وأن حكمته سبحانه تأبى أن يضع التوفيق في غير محله وعند ~~غيرأهله فالله أعلم حيث يجعل هداه وتوفيقه وفضله وليس كل محل يصلح لذلك ~~ووضع الشيء في غير محله لا يليق بحكمته فإن قلت وعلى ذلك فهلا جعل المحال ~~كلها صالحة قلت يأباه كمال ربوبيته وملكه وظهور آثار أسمائه وصفاته في ~~الخلق والأمر وهو سبحانه لو فعل ذلك لكان محبوبا له فإنه يحب أن يذكر ويشكر ~~ويضاع ويوحد ويعبد ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب إليه من استواء ~~أقدام الخلائق في الطاعة والإيمان وهو محبته لجهاز أعدائه والانتقام منهم ~~وإظهار قدر أوليائه وشرفهم وتخصيصهم بفضله وبذل نفوسهم له في معاداة من ~~عاداه وظهور عزته وقدرته وسطوته وشدة أخذه وأليم عقابه وأضعاف أضعاف هذه ~~الحكم التي لا سبيل للخلق ولو تناهوا في العلم والمعرفة إلى الإحاطة بها ~~ونسبة ما عقلوه منها إلى ما خفي عليهم كنقرة عصفور في بحر # فصل وأما التزيين فقال تعالى @QB@ كذلك زينا لكل أمة عملهم @QE@ وقال ~~@QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ~~@QE@ وقال @QB@ وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون @QE@ فأضاف التزيين إليه ~~منه سبحانه خلقا ومشيئة وحذف فاعله تارة ونسبة إلى سببه ومن أجراه على يده ~~تارة وهذا التزيين سبحانه حسن إذ هو ابتلاء واختبار بعيد ليتميز المطيع ~~منهم من العاصي والمؤمن من الكافر كما قال تعالى @QB@ إنا جعلنا ما على ~~الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا @QE@ وهو من الشيطان قبيح وأيضا ~~فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده ~~وعبوديته وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه الشيء من ~~الحسن فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه زينه سبحانه له وأعماه عن ~~رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحا وكل ظالم وفاجر ms181 وفاسق لا بد أن يريه الله تعالى ~~ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه فربما ~~رآه حسنا عقوبة له فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه وهو حجة ~~الله عليه فإذا تمادى في غيه وظلمه ذهب PageV01P103 @ ذلك النور فلم ير ~~قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم ومع هذا فحجة الله قائمة عليه بالرسالة ~~وبالتعريف الأول فتزيين الرب تعالى عدل وعقوبته حكمة وتزيين الشيطان إغواء ~~وظلم وهو السبب الخارج عن العبد والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه والرب ~~سبحانه خالق الجميع والجميع واقع بمشيئته وقدرته ولو شاء لهدى خلقه أجمعين ~~والمعصوم من عصمه الله والمخذول من خذله الله ألا له الخلق والأمر تبارك ~~الله رب العالمين $ فصل # وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى @QB@ أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم @QE@ وقال @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ ~~@QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا @QE@ وعدم مشيئته للشيء ~~مستلزم لعدم وجوده كما أن مشيئته تستلزم وجوده فما شاء الله وجب وجوده وما ~~لم يشأ امتنع وجوده وقد أخبر سبحانه أن العباد لا يشاؤن إلا بعد مشيئته ولا ~~يفعلون شيئا إلا بعد مشيئته فقال @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ ~~وقال @QB@ وما يذكرون إلا أن يشاء الله @QE@ فإن قيل فهل يكون الفعل مقدورا ~~للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن يفعله قيل إن أريد بكونه مقدورا سلامة ~~آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل وصحة أعضائه ووجوده قواه وتمكينه من ~~أسباب الفعل وتهيئة طريق فعله وفتح الطريق له فنعم هو مقدور بهذا الاعتبار ~~وأن أريد بكونه مقدورا القدرة المقارنة للفعل وهي الموجبة له التي إذا وجدت ~~لم يتخلف عنها الفعل فليس بمقدور بهذا الاعتبار وتقرير ذلك أن القدرة نوعان ~~قدرة مصححة وهي قدرة الأسباب والشروط وسلامة الآله وهي مناط التكليف وهذه ~~متقدمة على الفعل غير موجبة له وقدرة مقارنة للفعل مستلزمة له لا يتخلف ~~الفعل عنها وهذه ليست شرطا ms182 في التكليف فلا يتوقف صحته وحسنه عليها فايمان ~~من لم يشأ الله إيمانه وطاعة من لم يشأ طاعته مقدور بالاعتبار الأول غير ~~مقدور بالاعتبار الثاني وبهذا التحقيق تزول الشبهة في تكليف ما لا يطاق كما ~~يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى فإذا قيل هل خلق لمن علم أنه لا ~~يؤمن قدرة على الإيمان أم لم يخلق له قدرة قيل خلق له قدرة ومصححه متقدمة ~~على الفعل هي مناط الأمر والنهي ولم يخلق له قدرة موجبة للفعل مستلزمة له ~~لا يتخلف عنها فهذه فضله يؤتيه من يشاء وتلك عدلة التي تقوم بها حجته على ~~عبده فإن قيل فهل يمكنه الفعل ولم يخلق له هذه القدرة قيل هذا هو السؤال ~~السابق بعينه وقد عرفت جوابه وبالله التوفيق $ فصل وأما أماتة قلوبهم ففي ~~قوله @QB@ إنك لا تسمع الموتى @QE@ وقوله @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ ~~وقوله @QB@ لينذر من كان حيا @QE@ وقوله @QB@ وما أنت بمسمع من في القبور ~~@QE@ فوصف الكافر بأنه ميت وأنه بمنزلة أصحاب القبور وذلك أن القلب الحي هو ~~الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره فإذا مات القلب لم يبق فيه ~~إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل ولا إرادة للحق وكراهة للباطل بمنزلة ~~الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما وكذلك وصف سبحانه ~~كتابه ووحيه بأنه روح لحصول حياة القلب به فيكون القلب حيا ويزداد حياة ~~بروح الوحي فيحصل له حياة على حياة ونور على نور نور الوحي على نور الفطرة ~~قال @QB@ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده @QE@ وقال @QB@ وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ فجعله روحا لما يحصل PageV01P104 @ به ~~من الحياة ونورا لما يحصل به من الهدى والإضاءة وذلك نور وحياة زائدة على ~~نور الفطرة وحياتها فهو نور على نور وحياة على ms183 حياة ولهذا يضرب سبحانه لمن ~~عدم ذلك مثلا بمستوقد النار التي ذهب عنه ضوؤها وبصاحب الصيب الذي كان حظه ~~منه الصواعق والظلمات والرعد والبرق فلا استنار بما أوقد من النار ولا حيي ~~بما في الصيب من الماء ولذلك ضرب هذين المثلين في سورة الرعد لمن استجاب له ~~فحصل على الحياة والنور ولمن لم يستجب له وكان حظه الموت والظلمة فأخبر عمن ~~أمسك عنه نوره بأنه في الظلمة ليس له من نفسه نور فقال تعالى @QB@ الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء @QE@ ثم ذكر من ~~أمسك عنه هذا النور ولم يجعله له فقال @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور @QE@ وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من ~~نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على ~~علم الله وقال تعالى @QB@ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ ~~الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم @QE@ وهذه الظلمات ضد الأنوار ~~التي يتقلب فيها المؤمن فإن نور الإيمان في قلبه ومدخله نور ومخرجه نور ~~وعلمه نور ومشيته من الناس نور وكلامه نور ومصيره إلى نور والكافر بالضد # ولما كان النور من أسمائه الحسنى وصفاته كان دينه نورا ورسوله نورا ~~وكلامه نور وداره نورا يتلألأ والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين ويجري ~~على ألسنتهم ويظهر على ms184 وجوههم وكذلك لما كان الإيمان واسمه المؤمن لم يعطه ~~إلا أحب خلقه إليه وكذلك الإحسان صفته وهو المحسن ويحب المحسنين وهو صابر ~~يحب الصابرين شاكر يحب الشاكرين عفو يحب أهل العفو حي يحب أهل الحياء ستير ~~يحب أهل الستر قوى يحب أهل القوة من المؤمنين عليم يحب أهل العلم من عباده ~~جواد يحب أهل الجود جميل يحب المتجملين بر يحب الأبرار رحيم يحب الرحماء ~~عدل يحب أهل العدل رشيد يحب أهل الرشد وهو الذي جعل من يحبه من خلقه كذلك ~~وأعطاه من هذه الصفات ما شاء وأمسكها عمن يبغضه وجعله على أضدادها فهذا ~~عدله وذاك فضله والله ذو الفضل العظيم $ فصل وأما جعله القلب قاسيا فقال ~~تعالى @QB@ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به @QE@ والقسوة الشدة والصلابة في كل شيء يقال ~~حجر قاس وأرض قاسية لا تنبت شيئا قال ابن عباس قاسية عن الإيمان وقال الحسن ~~طبع عليها والقلوب ثلاثة قلب قاس وهو اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق ~~ولا تنطبع فيه وضده القلب اللين المتماسك وهو السليم من المرض الذي يقبل ~~صورة الحق بلينه ويحفظه بتماسكه بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه ~~لميعانه ورخاوته كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من ~~اللين ولكن رخاوته تمنعه من حفظها فخير القلب الصلب الصافي اللين فهو يرى ~~الحق بصفائه ويقبله بلينه PageV01P105 @ ويحفظه بصلابته وفي المسند وغيره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أصلبها ~~وأرقها وأصفاها وقد ذكر سبحانه أنواع القلوب في قوله @QB@ ليجعل ما يلقي ~~الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق ~~بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ~~@QE@ فذكر القلب المريض وهو الضعيف المنحل الذي لا تثبت فيه صورة الحق ~~والقلب القاسي اليابس الذي لا يقبلها ولا تنطبع فيه فهذان القلبان شقيان ~~معذبان ثم ذكر القلب ms185 المخبت المطمئن إليه وهو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به ~~قال الكلبي فتخبت له قلوبهم فترق للقرآن قلوبهم وقد بين سبحانه الأخبات ~~ووصف المخبتين في قوله @QB@ وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون @QE@ فذكر ~~للمخبتين أربع علامات وجل قلوبهم عند ذكره والوجل خوف مقرون بهيبة ومحبة ~~وصبرهم على أقداره وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرا وباطنا وإحسانهم ~~إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم وهذا إنما يتأتى للقلب المخبت قال ابن عباس ~~المخبتين المتواضعين وقال مجاهد المطمئنين إلى الله وقال الأخفش الخاشعين ~~وقال ابن جرير الخاضعين قال الزجاج اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض ~~وكل مخبت متواضع فالأخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع لله # فإن قيل كان معناه التواضع والخشوع فكيف عدى بالي في قوله @QB@ وأخبتوا ~~إلى ربهم @QE@ قيل ضمن معنى أنابوا واطمأنوا وتابوا وهذه عبارات السلف في ~~هذا الموضع والمقصود أن القلب المخبت ضد القاسي والمريض وهو سبحانه الذي ~~جعل بعض القلوب مخبتا إليه وبعضها قاسيا وجعل للقسوة آثارا واللأخبات آثارا ~~فمن آثاره القسوة تحريف الكلم عن مواضعه وذلك من سوء الفهم وسوء القصد ~~وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب ومنها نسيان ما ذكر به وهو ترك ماأمر به علما ~~وعملا ومن آثار الأخبات وجل القلوب لذكره سبحانه والصبر على أقداره ~~والأخلاص في عبوديته والإحسان إلى خلقه # | فصل وأما تضييق الصدر وجعله حرجا لا يقبل الإيمان فقال تعالى @QB@ فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السماء @QE@ والحرج هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم ~~يقال رجل حرج وحرج أي ضيق الصدر قال الشاعر % لا حرج حرج الصدر ولا عنيف % ~~وقال عبيد بن عمير قرأ ابن عباس هذه الآية فقال هل هنا أحد من بني بكر قال ~~رجل نعم قال ما الحرجة فيكم قالوا الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق فيه ~~فقال ابن عباس كذلك قلب الكافر وقرأ عمر بن ms186 الخطاب الآية فقال ايتوني رجلا ~~من كنانة واجعلوه راعيا فأتوه به فقال عمر يا فتى ما الحرجة فيكم فقال ~~الشجرة تحدق بها الأشجار الكثيرة فلا تصل إليها راعية ولا وحشية فقال عمر ~~كذلك قلب الكافر لا يصل اليه شيء من الخير قال ابن عباس يجعل صدره ضيقا ~~حرجا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وان ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ~~ذلك ولما كان القلب محلا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة وكانت هذه ~~الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها فإذا أراد الله هداية عبد وسع ~~صدره وشرحه فدخلت فيه وسكنته وإذا أراد ضلاله ضيق صدره وأحرجه فلم يجد محلا ~~يدخل فيه فيعدل عنه ولا يساكنه وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشيء ضاق به ~~وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق إلا القلب اللين فكلما أفرغ فيه الإيمان والعلم ~~اتسع وانفسح PageV01P106 @ وهذا من آيات قدرة الرب تعالى وفي الترمذي وغيره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل النور قلبه انفسح وانشرح قالوا فما ~~علامة ذلك يا رسول الله قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور ~~والاستعداد للموت قبل نزوله فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى وتضييقه من ~~أسباب الضلال كما ان شرحه من أجل النعم وتضييقه من أعظم النقم فالمؤمن ~~منشرح الصدر منفسحه في هذه الدار على ما ناله من مكروهها وإذا قوى الإيمان ~~وخالطت بشاشته القلوب كان على مكارهها اشرح صدرا منه على شهوتها ومحابها ~~فإذا فارقها كان انفساح روحه والشرح الحاصل له بفراقها أعظم بكثير كحال من ~~خرج من سجن ضيق إلى فضاء واسع موافق له فإنها سجن المؤمن فإذا بعثه الله ~~يوم القيامة رأى من انشرح صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله اليه فشرح الصدر ~~كما انه سبب الهداية فهو أصل كل نعمة وأساس كل خير وقد سأل كليم الرحمن ~~موسى بن عمران ربه أن يشرح له صدره لما علم انه لا يتمكن من يبلغ رسالته ~~والقيام بأعبائها الا إذا شرح له صدره ms187 وقد عدد سبحانه من نعمه على خاتم ~~أنبيائه ورسله شرح صدره له وأخبر عن اتباعه انه شرح صدورهم للإسلام فان قلت ~~فما الأسباب التي تشرح الصدور والتي تضيقه قلت السبب الذي يشرح الصدر النور ~~الذي يقذفه الله فيه فإذا دخله ذلك النور اتسع بحسب قوة النور وضعفه وإذا ~~فقد ذلك النور أظلم وتضايق فان قلت فهل يمكن اكتساب هذا النور أم هو وهبي ~~قلت هو وهبي وكسبي واكتسابه أيضا مجرد موهبة من الله تعالى فالأمر كله لله ~~والحمد كله له والخير كله بيديه وليس مع العبد من نفسه شيء البته بل الله ~~واهب الأسباب ومسبباتها وجاعلها أسبابا ومانحها من يشاء ومانعها من يشاء ~~إذا أراد بعبده خيرا وفقه لاستفراغ وسعه وبذل جهده في الرغبة والرهبة اليه ~~فانهما مادتا التوفيق فبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب يحصل التوفيق فان ~~قلت فالرغبة والرهبة بيده لا بيد العبد قلت نعم والله وهما مجرد فضله ومنته ~~وانما يجعلهما في المحل الذي يليق بهما ويحبسهما عمن لا يصلح لهما فان قلت ~~فما ذنب من لا يصلح قلت أكثر ذنوبه انه لا يصلح لان صلاحيته بما اختاره ~~لنفسه وآثره واحبه من الضلال وألغى على بصيرة من أمره فآثر هواه على حق ربه ~~ومرضاته واستحب العمى على الهدى وكان كفر المنعم عليه بصنوف النعم وجحدا ~~لهيئته والشرك به والسعي في مساخطه أحب اليه من شكره وتوحيده والسعي في ~~مرضاته فهذا من عدم صلاحيته لتوفيق خالقه ومالكه وأي ذنب فوق هذا فإذا أمسك ~~الحكم العدل توفيقه عمن هذا شأنه كان قد عدل فيه وانسدت عليه أبواب الهداية ~~وطرق الرشاد فاظلم قلبه فضاق عن دخول الإسلام والإيمان فيه فلو جاءته كل ~~آية لم تزده الإ ضلال وكفرا وإذا تأمل من شرح الله صدره للإسلام والإيمان ~~هذه الآية وما تضمنته من أسرار التوحيد والعذر والعدل وعظمة شأن الربوبية ~~صار لقلبه عبودية أخرى ومعرفة خاصة وعلم انه عبد من كل وجه وبكل اعتبار وان ~~الرب تعالى رب كل شيء وملكيه من ms188 الأعيان والصفات والأفعال والأمر كله بيده ~~والحمد كله له وأزمة الأمور بيده ومرجعها كلها اليه ولهذه الآية شأن فوق ~~عقولنا وأجل من إفهامنا وأعظم مما قال فيها المتكملون الذين ظلموها معناها ~~وأنفسهم كانوا يظلمون تالله لقد غلظ عنها حجابهم وكثفت عنها إفهامهم ~~ومنعتهم من الوصول إلى المراد بها أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي أسسوها ~~فإنها تضمنت إثبات التوحيد والعدل الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ~~العدل الذي يقوله معطلو الصفات ونفاه القدر PageV01P107 @ وتضمنت إثبات ~~الحكمة والقدرة والشرع والقدر والسبب والحكم والذنب والعقوبة ففتحت للقلب ~~الصحيح بابا واسعا من معرفة الرب تعالى بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله ~~وحكمته في شرعه وقدره وعدله في عقابه وفضله في ثوابه وتضمنت كمال توحيده ~~وربوبيته وقيوميته وإلهيته وان مصادر الأمور كلها عن محض إرادته ومردها إلى ~~كمال حكمته وان المهدى من خصه الله بهدايته وشرح صدره لدينه وشريعته وان ~~الضال من جعل صدره ضيقا حرجا عن معرفته ومحبته كأنما يتصاعد في السماء وليس ~~ذلك في قدرته وان ذلك عدل في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره وجحد كمال ربويته ~~وكفر بنعمته وآثر عبادة الشيطان على عبوديته فسد عليه باب توفيقه وهدايته ~~وفتح عليه أبواب غيه وضلاله فضاق صدره وقسا قلبه وتعطلت من عبودية ربها ~~جوارحه وامتلأت بالظلمة جوانحه والذنب له حيث أعرض عن الإيمان واستبدل به ~~الكفر والفسوق والعصيان ورضى بموالاة الشيطان وهانت عليه معاداة الرحمن فلا ~~يحدث نفسه بالرجوع إلى مولاه ولا يعزم يوما على إقلاعه عن هواه قد ضاد الله ~~في أمره بحب ما يبغضه وببغض ما يحبه ويوالي من يعاديه ويعادي من يواليه ~~يغضب إذا رضى الرب يرضى إذا غضب هذا وهو يتقلب في إحسانه ويسكن في داره ~~ويتغذى برزقه ويتقوى على معاصيه بنعمه فمن أعدل منه سبحانه عما يصفه به ~~الجاهلون والظالمون إذا جعل الوحي على أمثال هذا من الذين لا يؤمنون # فصل واذا شرح الله صدر عبده بنوره الذي يقذفه في قلبه أراه في ضوء ذلك ~~النور حقائق ms189 الأسماء والصفات التي تضل فيها معرفة العبد إذ لا يمكن أن ~~يعرفها العبد على ما هي عليه في نفس الأمر وأراه في ضوء ذلك النور حقائق ~~الإيمان وحقائق العبودية وما يصححها وما يفسدها وتفاوت معرفة الأسماء ~~والصفات والإيمان والإخلاص وأحكام العبودية بحسب تفاوتهم في هذا النور قال ~~تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به @QE@ ~~فيكشف لقلب المؤمن في ضوء ذلك النور عن حقيقة المثل الأعلى مستويا على عرش ~~الإيمان في قلب العبد المؤمن فيشهد بقلبه ربا عظيما قاهرا قادرا أكبر من كل ~~شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله السماوات السبع قبضة إحدى يديه والأرضون ~~السبع قبضة اليد الأخرى يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال ~~على أصبع والشجر على أصبع والثرى على أصبع ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك ~~فالسماوات السبع في كفه كخردلة في كف العبد يحيط ولا يحاط به ويحصر خلقه ~~ولا يحصرونه ويدركهم ولا يدركونه لو ان الناس من لدن آدم إلى آخر الخلق ~~قاموا صفا واحد ما أحاطوا به سبحانه ثم يشهده في علمه فوق كل عليم وفي ~~قدرته فوق كل قدير وفي جوده فوق كل جواد وفي رحمته فوق كل رحيم وفي جماله ~~فوق كل جميل حتى لو كان جمال الخلائق كلهم على شخص واحد منهم ثم أعطى الخلق ~~كلهم مثل ذلك الجمال لكانت نسبتة إلى جمال الرب سبحانه دون نسبة سراج ضعيف ~~إلى ضوء الشمس ولو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم ثم أعطى كل منهم ~~مثل تلك القوة لكانت نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى حملة ~~العرش ولو كان جودهم على رجل واحد وكل الخلائق على ذلك الجود لكانت نسبتة ~~إلى جوده دون نسبة قطرة إلى PageV01P108 @ البحر وكذلك علم الخلائق إذا ~~نسبة إلى علمه كان كنقرة ms190 عصفور من البحر وكذلك سائر صفاته كحياته وسمعه ~~وبصره وارادته فلو فرض البحر المحيط بالأرض مداد تحيط به سبعة أبحر وجميع ~~أشجار الأرض شيئا بعد شيء أقلام لفني ذلك المداد والأقلام ولا تفنى كلماته ~~ولا تنفد فهو أكبر في علمه من كل عالم وفي قدرته من كل قادر وفي وجوده من ~~كل جواد وفي غناه من كل غنى وفي علوه من كل عال وفي رحمته من كل رحيم استوى ~~على عرشه واستولى على خلقه متفرد بتدبير مملكته فلا قبض ولا بسط ولا منع ~~ولا ضلال ولا سعادة ولا شقاوة ولا موت ولا حياة ولا نفع ولا ضر إلا بيده لا ~~مالك غيره ولا مدبر سواه لا يستقل أحد معه بملك مثقال ذرة في السماوات ~~والأرض ولا له شركة في ملكها ولا يحتاج إلى وزير ولا ظهير ولا معين ولا ~~يغيب فيخلفه غيره ولا يعي فيعينة سواه ولا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه الا ~~من بعد إذنه لمن شاء وفيمن شاء فهو أول مشاهد المعرفة ثم يترقى منه إلى ~~مشهد فوقه لا يتم إلا به وهو مشهد الإلهية فيشهده سبحانه متجليا في كماله ~~بأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وفضله في ثوابه فيشهد ربا قيوما ~~متكلما آمرا ناهيا يحب ويبغض ويرضى ويغضب قد أرسل رسله وأنزل كتبه وأقام ~~على عباده الحجة البالغة وأتم عليهم نعمته السابغة يهدى من يشاء منه نعمة ~~وفضلا ويضل من يشاء حكمة منه وعدلا ينزل إليهم أوامره وتعرض عليه أعمالهم ~~لم يخلقهم عبثا ولم يتركهم سدى بل أمره جار عليهم في حركاتهم وسكناتهم ~~وظواهرهم وبواطنهم فلله عليهم حكم وأمر في كل تحريكة وتسكينة ولحظة ولفظة ~~وينكشف له في هذا النور عدله وحكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وبره في شرعه ~~واحكامه وأنها أحكام رب رحيم محسن لطيف حكيم قد بهرت حكمته العقول وأقرت ~~بها الفطر وشهدت لمنزلها بالوحدانية ولمن جاء بها بالرسالة والنبوة وينكشف ~~له في ضوء ذلك النور إثبات صفات الكمال وتنزيهه سبحانه عن النقص والمثال ~~وان كل ms191 كمال في الوجود فمعطيه وخالقه أحق به وأولى وكل نقص وعيب فهو سبحانه ~~منزه متعال عنه وينكشف له في ضوء هذا النور حقائق المعاد واليوم الآخر وما ~~أخبر به الرسول عنه حتى كأنه يشاهده عيانا وكأنه يخبر عن الله واسمائه ~~وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده إخبار من كأنه قد رأى وعاين وشاهد ما أخبر ~~به فمن أراد سبحانه هدايته شرح صدره لهذا فاتسع له وانفسح ومن أراد ضلالته ~~جعل صدره من ذلك في ضيق وحرج لا يجد فيه مسلكا ولا منفذا والله الموفق ~~المعين وهذا الباب يكفي اللبيب في معرفة القدر والحكمة ويطلعه على العدل ~~والتوحيد الذي تضمنهما قوله @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله ~~الإسلام @QE@ & الباب السادس عشر فيما جاء في السنة من تفرد الرب تعالى ~~بخلق أعمال العباد كما هو منفرد بخلق ذواتهم وصفاتهم قال البخاري في كتاب ~~خلق أفعال العباد حدثنا علي بن عبد الله ثنا مروان بن معاوية ثنا أبو مالك ~~PageV01P109 @ عن أبي ربعي بن حراش عن حذيفة قال قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن الله صنع كل صانع وصنعته قال البخاري وتلا بعضهم عند ذلك @QB@ ~~والله خلقكم وما تعملون @QE@ حدثنا محمد أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن ~~حذيفة نحوه موقوفا عليه وأما استشهاد بعضهم بقوله تعالى @QB@ والله خلقكم ~~وما تعملون @QE@ بحمل ما على المصدر أي خلقكم وأعمالكم فالظاهر خلاف هذا ~~وأنها موصولة أي خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها فهو يدل على خلق أعمالهم ~~من جهة اللزوم فإن الصنم اسم للآلهة التي حل فيها العمل المخصوص فإذا كان ~~مخلوقا لله كان خلقه متناولا لمادته وصورته قال البخاري وحدثنا عمرو بن ~~محمد حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن طاووس عن ابن عمر كل شيء بقدر حتى وضعك ~~يدك على خدك قال البخاري وحدثني إسماعيل قال حدثني مالك عن زياد بن سعد عن ~~عمرو بن مسلم عن طاووس قال أدركت ms192 ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقولون كل شيء بقدر حتى العجز والكيس ورواه مسلم في صحيحه عن طاووس ~~وقال سمعت عبد الله بن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء ~~بقدر حتى العجز والكيس قال البخاري وقال ليث عن طاووس عن ابن عباس @QB@ إنا ~~كل شيء خلقناه بقدر @QE@ حتى العجز والكيس قال البخاري سمعت عبيد الله بن ~~سعيد يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد ~~مخلوقة قال البخاري حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة وقال جابر ~~بن عبد الله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور ~~كما يعلمنا السورة من القرآن يقول أذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من ~~غير الفريضة ثم يقول اللهم أنه استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من ~~فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن ~~كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسره لي ثم بارك ~~لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه ~~عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال ويسمى حاجته قال ~~الترمذي هذا حديث حسن صحيح فقوله إذا هم أحدكم بالأمر صريح في أنه الفعل ~~الاختياري المتعلق بإرادة العبد وإذا علم ذلك فقوله استقدرك بقدرتك أي ~~أسألك أن تقدرني على فعله بقدرتك ومعلوم أنه لم يسأل القدرة المصححة التي ~~هي سلامة الأعضاء وصحة البنية وإنما سأل القدرة التي توجب الفعل فعلم أنها ~~مقدورة لله ومخلوقة له وأكد ذلك بقوله فإنك تقدر ولا أقدر أي تقدر أن ~~تجعلني قادرا فاعلا ولا أقدر أن أجعل نفسي كذلك وكذلك قوله تعلم ولا أعلم ~~أي حقيقة العلم بعواقب الأمور ومآلها والنافع منها والضار عندك وليس عندي ~~وقوله يسره لي اواصرفه عني فإنه طلب من الله تيسيره إن كان له فيه مصلحة ~~وصرفه عنه إن كان فيه ms193 مفسدة وهذ ا التيسير والصرف متضمن إلقاء داعية الفعل ~~في القلب وإلقاء داعية الترك فيه ومتى حصلت داعية الفعل حصل الفعل وداعية ~~الترك أمتنع الفعل وعند القدرية ترجيح فاعلية العبد على الترك منه ليس للرب ~~فيه صنع ولا تأثير فطلب هذ التيسير منه لا معنى له عندهم فإن تيسير الأسباب ~~التي لا قدرة للعبد عليها موجود ولم يسأله العبد وقوله ثم رضني به يدل على ~~أن حصول الرضا وهو فعل اختياري من أفعال القلوب أمر وقدور للرب تعالى وهو ~~الذي يجعل نفسه راضيا وقوله فاصرفه عني واصرفني عنه صريح في أنه سبحانه هو ~~الذي يصرف عبده عن فعله الاختياري إذا شاء صرفه عنه كما قال تعالى في حق ~~يوسف الصديق @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء @QE@ PageV01P110 وصرف ~~السوء والفحشاء هو صرف دواعي القلب وميله إليهما فينصرفان عنه بصرف ~~دواعيهما وقوله وأقدر لي الخير حيث كان يعم الخير المقدور للعبد من طاعته ~~وغير المقدور له فعلم أن فعل العبد للطاعة والخير أمر مقدور لله إن لم ~~يقدره الله لعبده لم يقع من العبد ففي هذا الحديث الشفاء في مسألة القدر ~~وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الداعي به أن يقدم بين يدي هذا الدعاء ~~ركعتين عبدوية منه بين يدي نجواه وإن يكونا من غير الفريضة ليتجرد فعلهما ~~لهذ الغرض المطلوب ولما كان الفعل الاختياري متوقفا على العلم والقدرة ~~والإرادة لا يحصل إلا بها توسل الداعي إلى الله بعلمه وقدرته وإرادته التي ~~يؤتيه بها من فضله وأكد هذا المعنى بتجرده وبراءته من ذلك فقال أنك تعلم ~~ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأمر الداعي أن يعلق التيسير بالخير والصرف بالشر ~~وهو علم الله سبحانه تحقيقا للتفويض إليه واعترافا بجهل العبد بعواقب ~~الأمور كما اعترف بعجزه ففي هذا الدعاء إعطاء العبودية حقها واعطء الربوبية ~~حقها وبالله المستعان وفي الترمذي وغيره من حديث الحسن بن علي قال علمني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر اللهم اهدني فيمن هديت ~~وعافني فيمن عافيت وتولني ms194 فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت ~~إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يزل من واليت تباركت وتعاليت فقوله أهجني ~~سؤال للهداية المطلقة التي لا يتخلف عنها الاهتداء وعند القدرية أن الرب ~~سبحانه وتعالى عن قوله لا يقدر علة هذا الهداية وإنما يقدر على هداية ~~البيان والدلالة المشتركة بين المؤمنين والكفار وقوله فيمن هديت فيه فوائد ~~أحدها أنه سؤال له أن يدخله في جملة المهديين وزمرتهم ورفقتهم الثانية توسل ~~إليه بإحسانه وأنعامه أي يا ربي قد هديت من عبادك بشرا كثيرا فضلا منك ~~وإحسانا فاحسن إلي منا أحسنت إليهم كما يقول الرجل للملك اجعلني من جملة من ~~أغنيته وأعطيته وأحسنت إليه الثالثة إن ما حصل لأولئك من الهدى لم يكن منهم ~~ولا بأنفسهم وإنما كان منك فأنت الذي هديتهم وقوله وعافني فيمن عافيت إنما ~~يسأل ربه العافية المطلقة وهي العافية من الكفر والفسوق والعصيان والغفلة ~~والإعراض وفعل ما لا يحبه وترك ما يحبه فهذا حقيقة العافية ولهذا ما سئل ~~الرب شيئا أحب إليه من العافية لأنها كلمة جامعة للتخلص من الشر كله ~~وأسبابه وقوله وتولني فيمن توليت سؤال للتولي الكامل ليس المراد به ما فعله ~~بالكافرين من خلق القدرة وسلامة الآلهة وبيان للطريق فإن كان هذا هو ولايته ~~للمؤمنين فهو ولي الكفار كما هو ولي المؤمنين وهو سبحانه يتولى أولياءه ~~بأمور لا توجد في حق الكفار من توفيقهم وإلهامهم وجعلهم مهديين مطيعين ويدل ~~عليه قوله أنه لا يذل من واليت فإنه منصور عزيز غالب بسبب توليك له وفي هذا ~~تنبيه على أن من حصل له ذل في الناس فهو بنقصان ما فاته من تولى الله وإلا ~~فمع الولاية الكاملة ينتفي الذل كله ولو سلط عليه بالأذى من في أقطارها فهو ~~العزيز غير الذليل وقوله وقني شر ما قضيت يتضمن أن الشر بقضائه فإنه هو ~~الذي يقي منه وفي المسند وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ~~بن جبل يا معاذ والله إني لأحبك ms195 فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني ~~على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وهذه أفعال اختيارية وقد سأل الله أن يعينه على ~~فعلها وهذا الطلب لا معنى له عند القدرية فإن الإعانة عندهم الأقدار ~~والتمكين وإزاحة الأعذار وسلامة الآلهة وهذا حاصل للسائل وللكفار أيضا ~~والإعانة التي سألها أن يجعله ذاكرا شاكرا محسنا لعبادته كما في حديث ابن ~~PageV01P111 @ عباس عنه صلى الله عليه وسلم في دعائه المشهور رب أعني ولا ~~تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي واهدني ويسر الهدى لي ~~وانصرني علي من بغى علي رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك ~~مخبتا إليك أواها منيبا رب تقبل توبتي واغسل حوبتي واجب دعوتي وثبت حجتي ~~واهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة صدري رواه الامام أحمد في المسند وفيه ~~أحد وعشرون دليلا فتأملها وفي الصحيحين إنه صلى الله عيه وسلم كان يقول بعد ~~انقضاء صلاته لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على ~~كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد ~~منك الجد وكان يقول ذلك الدعاء عند اعتداله من الركوع ففي هذا نفى الشريك ~~عنه بكل اعتبار واثبات عموم الملك له بكل اعتبار واثبات عموم الحمد واثبات ~~عموم القدرة وأن الله سبحانه إذا أعطى عبدا فلا مانع له وإذا منعه فلا معطى ~~له وعند القدرية أن العبد قد يمنع من أعطى الله ويعطي من منعه فإنه يفعل ~~باختياره عطاء ومنعا لم يشأه الله ولم يجعله معطيا مانعا فيتصور أن يكون ~~لمن أعطى مانع ولمن منع معط وفي الصحيح أن رجلا سأله أن يدله على عمل يدخل ~~به الجنة فقال أنه ليسير على من يسره الله عليه فدل على أن التيسير الصادر ~~من قبله سبحانه يوجب اليسر في العمل وعدم التيسير يستلزم عدم العمل لأنه ~~ملزومه والملزوم ينتفي لانتفاء لازمه والتيسير بمعنى التمكين وخلق الفعل ~~وإزاحة الأعذار وسلامة ms196 الأعضاء حاصل للمؤمن والكافر والتيسير المذكور في ~~الحديث أمر آخر وراء ذلك وبالله التوفيق والتيسير وفي الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لأبي موسى ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة لا حول ولا ~~قوة إلا بالله وقد أجمع المسلمون على هذه الكلمة وتلقيها بالقبول وهي شافية ~~كافية في اثبات القدر وإبطال قول القدرية وفي بعض الحديث إذا قالها العبد ~~قال الله أسلم عبدي واستسلم وفي بعضه فوض إلى عبدي قال بعض المنتسبين للقدر ~~لما كانت القدرة بالنسبة إلى الفعل وإلى الترك بحصول الدواعي على التسوية ~~وما دام الأمر كذلك امتنع صدور الفعل فإذا رجح جانب الفعل على الترك بحصول ~~الدواعي وإزالة الصوارف حصل الفعل وهذه القوة هي المشار إليها بقولنا لا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وشأن الكلمة أعظم مما قال فإن العالم ~~العلوي والسفلي له تحول من حال إلى حال وذلك التحول لا يقع إلا بقوة يقع ~~بها التحول فكذلك الحول وتلك القوة قائمة بالله وحده ليست بالتحويل فيدخل ~~في هذا كل حركة في العالم العلوي والسفلي وكل قوة على تلك الحركة سواء كانت ~~الحركة قسرية أو إرادية أو طبيعية وسواء كانت من الوسط أو إلى الوسط أو على ~~الوسط وسواء كانت في الكم أو الكيف أو في الأين كحركة النبات وحركة الطبيعة ~~وحركة الحيوان وحركة الفلك وحركة النفس والقلب والقوة على هذه الحركات التي ~~هي حول فلا حول ولا قوة إلا بالله ولما كان الكنز هو المال النفيس المجتمع ~~الذي يخفى على أكثر الناس وكان هذا شأن هذه الكلمة كانت كنزا من كنوز الجنة ~~فأوتيها النبي صلى الله عليه وسلم من كنز تحت العرش وكان قائلها أسلم ~~واستسلم لمن أزمة الامور بيديه وفوض أمره إليه وفي المسند والسنن عن أبي ~~الديلمي قال أتيت أبي كعب فقلت في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله ~~يذهبه عني من قلبي فقال أن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو ~~غير ظالم لهم ms197 ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ~~ذهبا ما قبله الله PageV01P112 @ منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم ~~يكن ليخطئك وماأخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير ذلك كنت من أهل النار ~~قال فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت فكل منهم حدثني ~~بمثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث حديث صحيح رواه ~~الحاكم في صحيحه وله شأن عظيم وهو دال على أن من تلكم به أعرف الخلق بالله ~~وأعظمهم له توحيدا وأكثرهم له تعظيما وفيه الشفاء التام في باب العدل ~~والتوحيد فإنه لا يزال يجول في نفوس كثير من الناس كيف يجتمع القضاء والقدر ~~والأمر والنهي وكيف يجتمع العدل والعقاب على المقضى المقدر الذي لا بد ~~للعبد من فعله ثم سلك كل طائفة في هذا المقام وأديا وطريقا فسلك الجبرية ~~وأدى الجبر وطريق المشيئة المحضة الذي يرجح مثلا على مثل من غير اعتبار علة ~~ولا غاية ولا حكمة قالوا وكل ممكن عدل والظلم هو الممتنع لذاته فلو عذب أهل ~~سمواته وأهل أرضه لكان متصرفا في ملكه والظلم تصرف القادر في غير ملكه وذلك ~~مستحيل عليه سبحانه قالوا ولما كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم تكن ~~الأعمال سببا للنجاة فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم فكانت رحمته ~~خيرا من أعمالهم وهؤلاء راعوا جانب الملك وعطلوا جانب الحمد والله سبحانه ~~له الملك وله الحمد وسلكت القدرية وأدى العدل والحكمة ولم يوفوه حقه وعطلوا ~~جانب التوحيد وحاروا في هذا الحديث ولم يدروا ما وجهه وربما قابله كثير ~~منهم بالتكذيب والرد له وأن الرسول لم يقل ذلك قالوا وأي ظلم يكون أعظم من ~~تعذيب من استنفذا أوقات عمره كلها واستفرغ قواه في طاعته وفعل ما يحبه ولم ~~يعصه طرفة عين وكان يعمل بأمره دائما فكيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن تعذيب هذا يكون عدلا لا ظلما ولا يقال أن حقه عليهم وما ينبغي له ms198 أعظم ~~من طاعاتهم فلا تقع تلك الطاعات في مقابلة نعمه وحقوقه فلو عذبهم لعذبهم ~~بحقه عليهم لأنهم إذا فعلوا مقدورهم من طاعته لم يكلفوه بغيره فكيف يعذبون ~~على ترك ما لا قدرة لهم عليه وهل ذلك إلا بمنزلة تعذيبهم على كونهم لم ~~يخلقوا السماوات والأرض ونحو ذلك مما لا يدخل تحت مقدورهم قالوا فلا وجه ~~لهذ ا الحديث الإ رده أو تاويله وحمله على معنى يصح وهو أنه لو أراد ~~تعذيبهم جعلهم أمة واحدة على الكفر فلو عذبهم في هذه الحال لكان غير ظالم ~~لهم وهو لم يقل لو عذبهم مع كونهم مطيعين له عابدين له لعذبهم وهو غير ظالم ~~لهم ثم أخبر أنه لو عمهم بالرحمة لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم ثم أخبر ~~أنه لا يقبل من العبد عمل حتى يؤمن بالقدر والقدر هو علم الله بالكائنات ~~وحكمه فيها ووقفت طائفة أخرى في وادي الحيرة بين القدر والأمر والثواب ~~والعقاب فتارة يغلب عليهم شهود القدر فيغيبون به عن الأمر وتارة يغلب عليهم ~~شهود الأمر فيغيبون عن القدر وتارة يبقون في حيرة وعمى وهذا كله إنما سببه ~~الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي بنوا عليها ولو جمعوا بين الملك ~~والحمد والربوبية والإلهية والحكمة والقدرة وأثبتوا له الكمال المطلق ~~ووصفوه بالقدرة التامة الشاملة والمشيئة العامة النافذة التي لا يوجد كائن ~~إلا بعد وجودها والحكمة البالغة التي ظهرت في كل موجود لعلموا حقيقة الأمر ~~وزالت عنهم الحيرة ودخلوا إلى الله سبحانه من باب أوسع من السماوات السبع ~~وعرفوا أنه لا يليق بكماله المقدس إلا ما أخبر به عن نفسه على ألسنة رسله ~~وأن ما خالفه ظنون كاذبة وأوهام باطلة تولدت بين أفكار باطلة وآراء مظلمة ~~فنقول وبالله التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله # الرب تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله PageV01P113 @ غيره هو المنعم على ~~الحقيقة بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه فإيجادهم نعمة منه ~~وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه وإعطائهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه ms199 ~~وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه وتعريفهم نفسه ~~بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته ~~على قلوبهم نعمة منه وحفظهم بعد أيجادهم نعمة منه وقيامه بمصالحهم دقيقها ~~وجليلها نعمة منه وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعايشهم نعمة منه وذكر نعمه ~~على سبيل التفصيل لا سبيل إليه ولا قدرة للبشر عليه ويكفي أن النفس من أدنى ~~نعمه التي لا يكادون يعدونها وهو أربعة وعشرون ألف نفس في كل يوم وليلة ~~فلله على العبد في النفس خاصة أربعة وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة دع ما ~~عدا ذلك من أصناف نعمه على العبد ولكل نعمة من هذه النعم حق من الشكر ~~يستدعيه ويقتضيه فإذا وزعت طاعات العبد كلها على هذه النعم لم يخرج قسط كل ~~نعمة منها إلا جزء يسير جدا لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة بوجه من الوجوه ~~قال أنس بن مالك ينشر للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه ذنوبه ~~وديوان فيه العمل الصالح فيأمر الله تعالى أصغر نعمة من نعمه فتقوم فتستوعب ~~عمله كله ثم تقول أي رب وعزتك وجلالك ما استوفيت ثمني وقد بقيت الذنوب ~~والنعم فإذا أراد الله بعبد خيرا قال ابن آدم ضعفت حسناتك وتجاوزت عن سيآتك ~~ووهبت لك نعمى فما بيني وبينك وفي صحيح الحاكم حديث صاحب الرمانة الذي عبد ~~الله خمسمائة سنة يأكل كل يوم رمانة تخرج له من شجرة ثم يقوم إلى صلاته ~~فسأل ربه وقت الآجل آن يقبضه ساجدا وان لا يجعل للأرض عليه سبيلا حتى يبعث ~~وهو ساجد فإذا كان يوم القيامة وقف بين يدي الرب فيقول تعالى ادخلوا عبدي ~~الجنة برحمتي فيقول رب بل بعملي فيقول الرب جل جلاله قايسوا عبدي بنعمتي ~~عليه وبعمله فتؤخذ نعمة البصر بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعمة الجسد فضلا ~~عليه فيقول ادخلوا عبدي النار فيجر إلى النار فينادي رب برحمتك رب برحمتك ~~ادخلني الجنة فيقول ردوه فيوقف بين يديه فيقول يا عبدي من خلقك ولم تكن ~~شيئا ms200 فيقول أنت يا رب فيقول من قواك على عبادة خمسمائة سنة فيقول أنت يا رب ~~فيقول من أنزلك في جبل وسط اللجة وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح ~~وأخرج لك كل يوم رمانة وانما تخرج مرة في السنة وسألتني آن اقبضك ساجدا ~~ففعلت ذلك بك فيقول أنت يا رب فيقول الله فذلك برحمتي وبرحمتي أدخلك الجنة ~~رواه من طريق يحيى بن بكير حدثنا الليث بن سعد عن سليمان بن هرم عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والإسناد صحيح ومعناه ~~صحيح لا ريب فيه فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال لن ينجو أحد منكم ~~بعمله وفي لفظ لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله ~~قال ولا أنا الا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فقد أخبر صلى الله عليه ~~وسلم انه لا ينجي أحدا عمله من الأولين ولا من الآخرين الا أن يرحمه ربه ~~سبحانه فتكون رحمته خير له من عمله لان رحمته تنجيه وعمله لا ينجيه فعلم ~~انه سبحانه لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم ببعض حقه عليهم ومما يوضحه انه ~~كلما كملت نعمة الله على العبد عظم حقه عليه وكان ما يطالب به من الشكر ~~أكثر مما يطالب من دونه فيكون حق الله عليه أعظم وأعماله لا تفي بحقه عليه ~~وهذا إنما يعرفه حق المعرفة من عرف الله وعرف نفسه هذا كله لو لم يحصل ~~للعبد من الغفلة والأعراض والذنوب ما يكون في قبالة طاعاته فكيف إذا حصل له ~~من ذلك ما يوازي طاعاته أو يزيد عليها فان من حق الله على عبده أن يعبده لا ~~يشرك به PageV01P114 @ شيئا وأن يذكره ولا ينساه وأن يشكره ولا يكفره وأن ~~يرضى به ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وليس الرضا ~~بذلك مجرد إطلاق هذا اللفظ وحاله وأرادته وتكذيبه وتخالفه فكيف يرضى به ربا ~~من يسخط ما يقضيه له إذا لم يكن موافقا ms201 لأرادته وهواه فيظل ساخطا به متبرما ~~يرضى وربه غضبان ويغضب وربه راض فهذا إنما رضي من ربه حظا لم يرض بالله ربا ~~وكيف يدعي الرضا بالإسلام دينا من ينبذ أصوله خلف ظهره إذا خالفت بدعته ~~وهواه وفروعه وراءه إذا لم يوافق غرضه وشهوته وكيف يصح الرضا بمحمد رسولا ~~من لم يحكمه على ظاهره وباطنه ويتلق أصول دينه وفروعه من مشكاته وحده وكيف ~~يرضى به رسولا من يترك ما جاء به لقول غيره ولا يترك قول غيره لقوله ولا ~~يحكمه ويحتج بقوله إلا إذا وافق تقليده ومذهبه فإذا خالفه لم يلتفت إلى ~~قوله والمقصود أن من حقه سبحانه على كل أحد من عبيده أن يرضى به ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وأن يكون حبه كله لله وبغضه في الله وقوله لله ~~وتركه لله وأن يذكره ولا ينساه ويطيعه ولا يعصيه ويشكره ولا يكفره وإذا قام ~~بذلك كله كانت نعم الله عليه أكثر من عمله بل ذلك نفسه من نعم الله عليه ~~حيث وفقه له ويسره وأعانه عليه وجعله من أهله وأختصه به على غيره فهو ~~يستدعي شكرا آخر عليه ولا سبيل له إلى القيام بما يجب لله من الشكر أبدا ~~فنعم الله تطالبه بالشكر وأعماله لا تقابلها وذنوبه وغفلته وتقصيره قد ~~تستنفد عمله فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفد أن طاعاته كلها هذا وأعمال ~~العبد مستحقة عليه بمقتضى كونه عبدا مملوكا مستعملا فيما يأمره به سيده ~~فنفسه مملوكة وأعماله مستحقة بموجب العبودية فليس له شيء من أعماله كما انه ~~ليس له ذرة من نفسه فلا هو مالك لنفسه ولا صفاته ولا أعماله ولا لما بيده ~~من المال في الحقيقة بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه لمالكه أعظم استحقاقا ~~من سيد أشترى عبدا بخالص ماله ثم قال اعمل وأد إلى فليس لك في نفسك ولا في ~~كسبك شيء فلو عمل هذا العبد من الأعمال ما عمل فإن ذلك كله مستحق عليه ~~لسيده وحق من حقوقه عليه فكيف بالمنعم المالك على الحقيقة الذي ms202 لا تعد نعمه ~~وحقوقه على عبده ولا يمكن أن تقابلها طاعاته بوجه فلو عذبه سبحانه لعذبه ~~وهو غير ظالم له وإذا رحمه فرحمته خير له من أعماله ولا تكون أعماله ثمنا ~~لرحمته البته فلولا فضل الله ورحمته ومغفرته ما هنا أحدا عيش البتة ولا عرف ~~خالقه ولا ذكره ولا آمن به ولا أطاعه فكما أن وجود العبد محض وجوده وفضله ~~ومنته عليه وهو المحمود على إيجاده فتوابع وجوده كلها كذلك ليس للعبد منها ~~شيء كما ليس له في وجوده شيء فالحمد كله لله والفضل كله له والأنعام كله له ~~والحق له على جميع خلقه ومن لم ينظر في حقه عليه وتقصيره وعجزه عن القيام ~~به فهو من أجهل الخلق بربه وبنفسه ولا تنفعه طاعاته ولا يسمع دعاؤه قال ~~الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال بلغني أن نبي الله ~~موسى مر برجل يدعو ويتضرع فقال يا رب أرحمه فإني قد رحمته فأوحى الله تعالى ~~إليه لو دعاني حتى ينقطع فؤاده ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه والعبد ~~يسير إلى الله سبحانه بين مشاهدة منته عليه ونعمته وحقوقه وبين رؤية عيب ~~نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته فهو يعلم أن ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد ~~عدل فيه وأن أقضيته كلها عدل فيه وأن ما فيه من الخير فمجرد فضله ومنته ~~وصدقته عليه ولهذا كان في حديث سيد الاستغفار أبوء لك بنعمتك علي وأبوء ~~بذنبي فلا يرى نفسه إلا مقصرا مذنبا ولا يرى ربه إلا محسنا PageV01P115 @ ~~متفضلا وقد قسم الله خلقه إلى قسمين لا ثالث لهما تائبين وظالمين فقال @QB@ ~~ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون @QE@ وكذلك جعلهم قسمين معذبين وتائبين فمن ~~لم يتب فهو معذب ولا بد قال تعالى @QB@ ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات @QE@ وأمر جميع ~~المؤمنين من أولهم إلى أخرهم بالتوبة ولا يستثني من ذلك أحد وعلق فلاحهم ~~بها قال تعالى @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ms203 @QE@ ~~وعدد سبحانه من جملة نعمه على خير خلقه وأكرمهم عليه وأطوعهم له وأخشاهم له ~~أن تاب عليه وعلى خواص أتباعه فقال @QB@ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~@QE@ ثم كرر توبته عليهم فقال @QB@ ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم @QE@ ~~وقدم توبته عليهم على توبة الثلاثة الذين خلفوا وأخبر سبحانه أن الجنة التي ~~وعدها أهلها في التوراة والإنجيل أنها يدخلها التائبون فذكر عموم التائبين ~~أولا ثم خص النبي والمهاجرين والأنصار بها ثم خص الثلاثة الذين خلفوا فعلم ~~بذلك احتياج جميع الخلق إلى توبته عليهم ومغفرته لهم وعفوه عنهم وقد قال ~~تعالى لسيد ولد آدم وأحب خلقه إليه عفا الله عنك فهذا خبر منه وهو أصدق ~~القائلين أو دعاء لرسوله بعفوه عنه وهو طلب من نفسه وكان صلى الله عليه ~~وسلم يقول في سجوده أقرب ما يكون من ربه أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من ~~عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقال لاطوع ~~نساء الأمة وأفضلهن وخيرهن الصديقة بنت الصديق وقد قالت له يا رسول الله ~~لئن وافقت ليلة القدر فما أدعو به قال قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو ~~عني قال الترمذي حديث حسن صحيح وهو سبحانه لمحبته للعفو والتوبة خلق خلقه ~~على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم وطلبهم عفوه ومغفرته ~~وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لو لم تذنبوا لذهب الله بكم و لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر ~~لهم و الله تعالى يحب التوابين و التوبة من أحب الطاعات إليه و يكفي في ~~محبتها شدة فرحه بها كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه و سلم قال الله عز و جل أنا عند ظن عبدي بي و أنا معه حين يذكرني ~~و الله لله أفرح بتوبة ms204 عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة و في الصحيحين من ~~حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لله أشد فرحا ~~بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه و ~~شرابه فنام فاستيقظ و قد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال ارجع إلى ~~المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ و ~~عنده راحلته عليها زاده و طعامه و شرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن ~~من هذا براحلته و زاده و في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي ~~صلى الله عليه و سلم قال لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده و مزاده ~~على بعير ثم سار حتى كان بفلاة فأدركته القائلة فنزل فقال تحت شجرة فغلبته ~~عينه و انسل بعيره فاستيقظ فسعى شرفا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثانيا ثم سعى ~~شرفا ثالثا فلم ير شيئا فأقبل حتى أتى إلى مكانه الذي قال فيه فبينما هو ~~قاعد فيه إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده فالله أشد فرحا بتوبة ~~العبد من هذا حين وجد بعيره فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل ~~الطاعات و أساسها فإن من زعم أن أحدا من الناس يستغني عنها ولا حاجة ~~PageV01P116 @ به إليها فقد جهل حق الربوبية و مرتبة العبودية و ينتقص بمن ~~أغناه بزعمه عن التوبة من حيث زعم أنه معظم له إذ عطله عن هذه الطاعة ~~العظيمة التي هي من أجل الطاعات و القربة الشريفة التي هي من أجل القربات و ~~قال لست من أهل هذه الطاعة و لا حاجة بك إليها فلا قدر الله حق قدره و لا ~~قدر العبد حق قدره و قد جعل بعض عباده غنيا عن مغفرة الله و عفوه و توبته ~~إليه و زعم أنه لا يحتاج إلى ربه في ذلك و في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ~~قال ms205 قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب ~~عن أحدكم من رجل كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ~~فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع وقد يئس من راحلته فبينا هو كذلك إذ هو بها ~~قائمة عنده ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ~~وأكمل الخلق أكملهم توبة وأكثرهم استغفارا وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والله إني لأستغفر الله وأتوب ~~إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ولما سمع أبو هريرة هذا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول ما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد عنه أني لأستغفر ~~الله في اليوم والليلة اثني عشر ألف مرة بقدر ديتي ثم ساقه من طريق آخر ~~وقال بقدر ذنبه وقال عبد الله ابن الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هرون أنبأنا ~~محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي هريرة قال ما جلست إلى أحد أكثر ~~استغفارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الرجل وما جلست إلى أحد أكثر ~~استغفارا من أبي هريرة وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال أنه ليغان على قلبي وأني لأستغفر الله في اليوم مائة ~~مرة وفي السنن والمسند من حديث ابن عمر قال كنا نعد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب ~~الرحيم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا أسمعيل ثنا ~~يونس عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال جلست إلى الشيخ من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في مسجد الكوفة فحدثني قال سمعت رسول الله أو قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل ~~واستغفروه فإني أتوب إلى الله واستغفره كل يوم ms206 مائة مرة قال الإمام أحمد ~~وثنا يحيى عن شعبة ثنا عمرو بن مرة قال سمعت أبا بردة قال سمعت الأغر يحدث ~~ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها الناس توبوا ~~إلى ربكم عز وجل فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة وقال أحمد ثنا يزيد أنا ~~حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن عائشة قالت كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا ~~أساؤا استغفروا وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في أول الصلاة عند ~~الاستفتاح بعد التكبير اللهم أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي ~~فاغفر لي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي كحسنها ~~إلا أنت لبيك وسعديك والخير في يديك وأنا بك وإليك تباركت وتعاليت استغفرك ~~وأتوب إليك رواه مسلم وفي الصحيحين عنه أنه كان يقول في دعائه اللهم باعد ~~بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي ~~بالماء والثلج والبرد وكان يقول هذا سرا لم يعلم به من خلفه حتى سأله عنه ~~أبو هريرة وروى عنه علي بن أبي طالب أنه كان إذا استفتح الصلاة قال لا إله ~~إلا أنت ظلمت نفسي وعملت سوأ فاغفر لي أنه لا يغفر PageV01P117 @ الذنوب ~~إلا أنت وفي الصحيحين أنه كان يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك اللهم اغفر لي وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمد الهم ربنا لك ~~الحمد ملأ السموات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد اللهم طهرني بالثلج ~~والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الوسخ وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله ms207 أوله وآخره ~~علانيته وسره وفي مسند الإمام أحمد أنه كان يقول في صلاته اللهم اغفر لي ~~ووسع على في ذاتي وبارك لي فيما رزقتني وفي صحيح مسلم عن فروة بن نوفل قال ~~قلت لعائشة حدثيني بشيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في صلاته ~~قالت نعم كان يقول اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت ومن شر ما لم أعلم وكان ~~يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني أجبرني واهدني وارزقني وكان يقول ~~في قيامه إلى الصلاة بالليل اللهم لك الحمد الحديث وفيه فاغفر لي ما قدمت ~~وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم ~~وأنت المؤخر لا إله إلا أنت وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي ~~في أمري وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير ~~وحقيقة الأمر أن العبد فقير إلى الله من كل وجه وبكل اعتبار فهو فقير إليه ~~من جهة ربوبيته له وإحسانه إليه وقيامه بمصالحه وتدبيره له وفقير إليه من ~~جهة إلهيته وكونه معبودة وإلهه ومحبوبة الأعظم الذي لا صلاح له ولا فلاح ~~ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شيء إليه فيكون أحب إليه من نفسه وأهله ~~وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم وفقير إليه من جهة معافاته له من أنواع ~~البلاء فإنه إن لم يعافيه منها هلك ببعضها وفقير إليه من جهة عفوه عنه ~~ومغفرته له فإن لم يعف عن العبد ويغفر له فلا سبيل إلى النجاة فما نجى أحد ~~إلا بعفو الله ولا دخل الجنة إلا برحمة الله وكثير من الناس ينظر إلى نفس ~~ما يتاب منه فيراه نقصا ولا ينظر إلى كمال الغاية الحاصلة بالتوبة وأن ~~العبد بعد التوبة النصوح خير منه قبل الذنب ولا ينظر إلى كمال الربوبية ~~وتفرد الرب بالكمال وحده وأن لوازم البشرية لا ms208 ينفك منها البشر ران التوبة ~~غاية كل أحد من ولد آدم وكماله كما كانت هي غايته وكماله فليس للعبد كمال ~~بدون التوبة البتة كما أنه ليس له إنفكاك عن سببها فإنه سبحانه هو المتفرد ~~المستأثر بالغنى والحمد من كل وجه وبكل اعتبار والعبد هو الفقير المحتاج ~~إليه المضطر إليه بكل وجه وبكل اعتبار فرحمته للعبد خير له من عمله فإن ~~عمله لا يستقل بنجاته ولا سعادته ولو وكل إلى عمله لم ينج به البتة فهذا ~~بعض ما يتعلق بقوله صلى الله عليه وسلم ان الله لو عذب أهل سمواته وأهل ~~أرضه لعذبهم وهو غير ظالم ومما يوضحه أن شكره سبحانه مستحق عليهم بجهة ~~ربوبيته لهم وكونهم عبيدة ومماليكه وذلك يوجب عليهم أن يعرفوه ويعظموه ~~ويوحدوه ويتقربوا إليه تقرب العبد المحب الذي يتقلب في نعمه ولا غناء به ~~عنه طرفة عين فهو يدأب في التقرب إليه بجهده ويستفرغ في ذلك وسعه وطاقته ~~ولا يعدل به سواه في شيء من الأشياء ويؤثر رضا سيده على إرادته وهواه بل لا ~~هوى له ولا إرادة إلا فيما يريد سيده ويحبه وهذا يستلزم علوما وأعمالا ~~وإرادات وغرائم لا يعارضها غيرها ولا يبقى له معها التفات إلى PageV01P118 ~~@ غيره بوجه ومعلوم أن ما يطبع عليه البشر لا يفي بذلك وما يستحقه الرب ~~تعالى لذاته وأنه أهل أن يعبد أعظم مما يستحقه لإحسانه فهو المستحق لنهاية ~~العبادة والخضوع والذل لذاته ولإحسانه وأنعامه وفي بعض الآثار لو لم أخلق ~~جنة ولا نارا لكنت أهلا أن أعبد ولهذا يقول أعبد خلقه له يوم القيامة وهو ~~الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فمن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من ~~عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يعبد به ويستحقه لذاته وإحسانه فلا نسبة ~~للواقع منهم إلى ما يستحقه بوجه من الوجوه فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه وهو ~~سبحانه أعلم بعباده منهم بأنفسهم فلو عذبهم لعذبهم بما يعلمه منهم وأن لم ~~يحيطوا به علما ولو عذبهم قبل أن يرسل رسله إليهم على أعمالهم ms209 لم يكن ظالما ~~لهم كما أنه سبحانه لم يظلمهم بمقته لهم قبل إرسال رسوله على كفرهم وشركهم ~~وقبائحهم فإنه سبحانه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من ~~أهل الكتاب ولكن أوجب على نفسه إذ كتب عليها الرحمة أنه لا يعذب أحدا إلا ~~بعد قيام الحجة عليه برسالته وسر المسئلة أنه لما كان شكر المنعم على قدره ~~وعلى قدر نعمه ولا يقوم بذلك أحد كان حقه سبحانه على كل أحد وله المطالبة ~~به وأن لم يغفر له ويرحمه وإلا عذبه فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه ~~كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه فإن لم يحفظهم هلكوا وإن لم يرزقهم هلكوا ~~وأن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء @QB@ ~~ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ وهذا ~~شأن ولده من بعده وقد قال موسى كليمه سبحانه @QB@ رب إني ظلمت نفسي فاغفر ~~لي @QE@ وقال @QB@ سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين @QE@ وقال @QB@ رب ~~اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين @QE@ وقال @QB@ أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين @QE@ وقال خليله إبراهيم @QB@ ~~رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي ~~وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ وقال @QB@ الذي خلقني فهو يهدين @QE@ إلى ~~قوله والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وقال أول رسله إلى أهل الأرض ~~@QB@ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين @QE@ وقال لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه @QB@ واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ وقال @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق @QE@ إلى ~~قوله واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما وقال @QB@ إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما @QE@ وقد تقدم حديث ابن عباس في دعائه صلى الله عليه وسلم رب ~~أعني ولا تعن على وفيه رب تقبل توبتي واغسل حوبتي الحديث وقد أخبر سبحانه ~~عن أعبد ms210 البشر داود أنه استغفر ربه راكعا وأناب وقال تعالى @QB@ فغفرنا له ~~ذلك @QE@ وقال عن نبيه سليمان @QB@ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت ~~الوهاب @QE@ وقال عن نبيه يونس أنه ناداه في الظلمات @QB@ لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين @QE@ وقال صديق الأمة وخيرها وأبرها وأتقاها ~~لله بعد رسوله يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال قل اللهم إني ~~ظلمت نفسي ظلما كبيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك ~~وارحمني أنك أنت الغفور الرحيم فاستفتح الخبر عن نفسه بأداة التوكيد التي ~~تقتضي تقرير ما بعدها ثم ثنى بالإخبار عن ظلمة لنفسه ثم وصف ذلك الظلم ~~بكونه ظلما كبيرا ثم طلب من ربه أن يغفر له مغفرة من عنده أي لا يبلغها ~~PageV01P119 @ علمه ولا سعيه بل هي محض منته وإحسانه وأكبر من عمله فإذا ~~كان هذا شأن من وزن بالأمة فرجح بهم فكيف بمن دونه & الباب السابع عشر في ~~الكسب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما نفيا وإثباتا # وما دل عليه السمع والعقل من ذلك # أما الكسب فأصله في اللغة الجمع قاله الجوهري وهو طلب الرزق يقال كسبت ~~شيئا واكتسبته بمعنى وكسبت أهلي خيرا وكسبت الرجل مالا فكسبه وهذا مما جاء ~~على فعلته ففعل والكواسب الجوارح وتكسب تكلف الكسب انتهى والكسب قد وقع في ~~القرآن على ثلاثة أوجه أحدها عقد القلب وعزمه كقوله تعالى @QB@ لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم @QE@ أي بما عزمتم ~~عليه وقصدتموه وقال الزجاج أي يؤاخذكم بعزمكم على أن لا تبروا وأن لا تتقوا ~~وأن تعتلوا في ذلك بأنكم حلفتم وكأنه التفت إلى لفظ المؤاخذة وأنها تقتضي ~~تعذيبا فجعل كسب قلوبهم عزمهم على ترك البر والتقوى لمكان اليمين والقول ~~الأول أصح وهو قول جمهور أهل التفسير فإنه قابل به لغو اليمين وهو أن لا ~~يقصد اليمين فكسب القلب المقابل للغو ms211 اليمين هو عقده وعزمه كما قال في ~~الآية الأخرى @QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ فتعقيد الإيمان هو ~~كسب القلب الوجه الثاني من الكسب كسب المال من التجارة قال تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض @QE@ ~~فالأول للتجار والثاني للزراع والوجه الثالث من الكسب السعي والعمل كقوله ~~تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت @QE@ ~~وقوله @QB@ بما كنتم تكسبون @QE@ وذكر به @QB@ أن تبسل نفس بما كسبت @QE@ ~~فهذا كله للعمل واختلف الناس في الكسب والاكتساب هل هما بمعنى واحد أم ~~بينهما فرق فقالت طائفة معناهما واحد قال أبو الحسن علي بن أحمد وهو الصحيح ~~عند أهل اللغة ولا فرق بينهما قال ذو الرمة % ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب % ~~وقال الآخرون الاكتساب أخص من الكسب لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره ~~ولا يقال يكتسب قال الحطيئة % ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة % فاغفر هداك مليك ~~الناس يا عمر % قلت والاكتساب افتعال وهو يستدعي اهتماما وتعملا واجتهادا ~~وأما الكسب فيصح نسبته بأدنى شيء ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أدنى ~~سعى وفي جانب العدل لم يجعل عليها إلا مالها فيه اجتهاد واهتمام وأما الجبر ~~فيرجع في اللغة إلى ثلاثة أصول أحدها أن يغنى الرجل من فقر أو يجبر عظمه من ~~كسر وهذا من الإصلاح وهذا الأصل يستعمل لازما ومتعديا يقول جبرت العظم وجبر ~~وقد جمع العجاج بينهما في قوله قد جبر الدين الإله فجبر الأصل الثاني ~~الإكراه والقهر وأكثر ما يستعمل هذا على أفعل يقال أجبرته على كذا إذا ~~أكرهته عليه ولا يكاد يجيء جبرته عليه إلا قليلا والأصل الثالث من العز ~~والامتناع ومنه نخله جبارة قال الجوهري والجبار من النخل ما طال وفات اليد ~~قال الأعشى % طريق وجبار رواء أصوله % عليه أبابيل من الطير تنعب % ~~PageV01P120 @ وقال الأخفش في قوله تعالى أن فيها قوما جبارين قال أراد ~~الطول والقوة والعظم ذهب في هذا إلى الجبار من النخل وهو الطويل ms212 الذي فات ~~الأيدي ويقال رجل جبار إذا كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل ~~قال قتادة كانت لهم أجسام وخلق عجيبة ليست لغيرهم وقيل الجبار ههنا من جبره ~~على الأمر إذا أكرهه عليه قال الأزهري وهي لغة معروفة كثير من الحجازيين ~~يقولونها وكان الشافعي رحمه الله يقول جبره السلطان ويجوز أن يكون الجبار ~~من أجبره على الأمر إذا أكرهه قال الفراء لم أسمع فعالا من أفعل إلا في ~~حرفين وهما جبار من أجبر ودراك من أدرك وهذا اختيار الزجاج قال الجبار من ~~الناس العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وأما الجبار من أسماء الرب تعالى ~~فقد فسره بأنه الذي يجبر الكسير ويغني الفقير والرب سبحانه كذلك ولكن ليس ~~هذا معنى اسمه الجبار ولهذا قرنه باسمه المتكبر وإنما هو الجبروت وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء ~~والعظمة فالجبار اسم من أسماء التعظيم كالمتكبر والملك والعظيم والقهار قال ~~ابن عباس في قوله تعالى الجبار المتكبر هو العظيم وجبروت الله عظمته ~~والجبار من أسماء الملوك والجبر الملك والجبابرة الملوك قال الشاعر % وأنعم ~~صباحا أيها الجبر % أي أيها الملك وقال السدى هو الذي يجبر الناس ويقهرهم ~~على ما يريد وعلى هذا فالجبار معناه القهار وقال محمد بن كعب إنما سمي ~~الجبار لأنه جبر الخلق على ما أراد والخلق أدق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة ~~عين إلا بمشيئته قال الزجاج الجبار الذي جبر الخلق على ما أراد وقال ابن ~~الأنباري الجبار في صفة الرب سبحانه الذي لا ينال ومنه قولهم نخلة جبارة ~~إذا فاتت يد المتناول فالجبار في صفة الرب سبحانه ترجع إلى ثلاثة معان ~~الملك والقهر والعلو فإن النخلة إذا طالت وارتفعت وفاتت الأيدي سميت جبارة ~~ولهذا جعل سبحانه اسمه الجبار مقرونا بالعزيز والمتكبر وكل واحد من هذه ~~الأسماء الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء ~~الثلاثة وهي الخالق البارئ المصور فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل ~~لمعنى اسم العزيز كما أن البارئ المصور ms213 تفصيل لمعنى اسم الخالق فالجبار من ~~أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك ولهذا كان من أسمائه الحسنى ~~وأما المخلوق فاتصافه بالجبار ذم له ونقص كما قال تعالى كذلك يطبع الله على ~~كل قلب متكبر جبار وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وما أنت عليهم ~~بجبار أي مسلط تقهرهم وتكرههم على الإيمان وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم ~~الناس $ فصل إذا عرف هذا فلفظ الكسب تطبقه القدرية على معنى والجبرية على ~~معنى وأهل السنة والحديث على معنى فكسب القدرية هو وقوع الفعل عندهم بإيجاد ~~العبد وأحداثه ومشيئته من غير أن يكون الله شاءه أو أوجده وكسب الجبرية لفظ ~~لا معنى له ولا حاصل تحته وقد اختلفت عباراتهم فيه وضربوا له الامثال ~~وأطالوا فيه المقال فقال القاضي الكسب ما وجدوا عليه قدرة محدثة وقيل أنه ~~المتعلق بالقادر على غير جهة الحدوث وقيل أنه المقدور بالقدرة الحادثة ~~قالوا ولسنا نريد بقولنا ما وجدوا عليه قدرة محدثة أنها قدرة على وجوده فإن ~~القادر على وجوده هو الله وحده وإنما نعني بذلك أن للكسب تعلقا بالقدرة ~~الحادثة لا من باب الحدوث والوجود وقال الأسفرائيني حقيقة الخلق من الخالق ~~وقوعه بقدرته من حيث صح انفراده به وحقيقة الفعل وقوعه بقدرته وحقيقة ~~PageV01P121 @ الكسب من المكتسب وقوعه بقدرته مع انفرداه به ويختص القديم ~~تعالى بالخلق ويشترك القديم والمحدث في الفعل ويختص المحدث بالكسب قلت ~~مراده أن إطلاق لفظ الخلق لا يجوز إلا على الله وحده وإطلاق لفظ الكسب يختص ~~بالمحدث وإطلاق لفظ الفعل يصح على الرب سبحانه والعبد وقال أيضا كل فعل يقع ~~على التعاون كان كسبا من المستعين قلت يريد أن الخالق يستقل بالخلق ~~والإيجاد والكاسب إنما يقع منه الفعل على وجهه المعاونة والمشاركة منه ومن ~~غيره لا يمكنه أن يستقل بإيجاد شيء البتة وقال آخرون قدرة المكتسب تتعلق ~~بمقدوره على وجه ما وقدرة الخالق تتعلق به من جميع الوجوه قالوا وليس كون ~~الفعل ms214 كسبا من حقائقه التي تخصه بل هو معنى طرأ عليه كما يقول منازعونا من ~~المعتزلة إن هذه الحركة لطف وهذا الفعل لطف وصيغة أفعل تصير أمرا بالإرادة ~~لأنها حدثت بالإرادة واعتقاد الشيء على ما هو به يصير علما بسكون النفس ~~إليه لا أنه يحدث كذلك به والأشياء قد تقترن في الوجود فتتغير أوصافها ~~وأحكامها قالوا فالحركة إذا صادفت المتحرك بها على وجه مخصوص تسمى سباحة ~~مثلا ولطما ومشيا ورقصا وقال الأشعري و ابن الباقلاني الواقع بالقدرة ~~الحادثة هو كون الفعل كسبا دون كونه موجودا أو محدثا فكونه كسبا وصف للوجود ~~بمثابة كونه معلوما ولخص بعض متأخريهم هذه العبارات بأن قال الكسب عبارة عن ~~الاقتران العادي بين القدرة المحدثة والفعل فإن الله سبحانه أجرى العادة ~~بخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته لا بهما فهذا الاقتران هو الكسب ولهذا ~~قال كثير من العقلاء إن هذا من محالات الكلام وإنه شقيق أحوال أبي هاشم ~~وطفرة النظام والمعنى القائم بالنفس الذي يسميه القائلون به كلاما وشيء من ~~ذلك غير معقول ولا متصور والذي استقر عليه قول الأشعري أن القدرة الحادثة ~~لا تؤثر في مقدورها ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بل المقدور بجميع ~~صفاته واقع بالقدرة القديمة ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه وتابعه على ذلك ~~عامة أصحابه والقاضي أبو بكر يوافقه مرة ومرة يقول القدرة الحادثة لا تؤثر ~~في إثبات الذات وأحداثها ولكنها تقتضي صفة للمقدور زائدة على ذاته تكون ~~حالا له ثم تارة يقول تلك الصفة التي هي من أثر القدرة الحادثة مقدورة لله ~~تعالى ولم يمتنع من إثبات هذا المقدور بين قادرين على هذا الوجه وقد اضطربت ~~آراء أتباع الأشعري في الكسب اضطرابا عظيما و اختلفت عباراتهم فيه اختلافا ~~كثيرا وقد ذكره كله أبو القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري في شرح الأرشاد ~~وذكر اختلاف طرائقهم واضطرابهم فيه ثم قال وقد قال الأستاذ في المختصر قول ~~أهل الحق في الكسب لا يرجع إلى إثبات قدرة للعبد عليه كما يقال أنه معلوم ~~له ms215 إلا أن الإمام ادعى على ألاستاذ أنه أثبت للقدرة الحادثة أثرا في الحدوث ~~فإنه لما نفي الأحوال وأثبت للقدرة الحادثة أثرا فلا يعقل الجمع بينهما إلا ~~أن يكون الأثر في الحدوث ثم ذكر لنفسه مذهبا ذكره في الكتاب المترجم ~~بالنظامية وانفرد به عن الأصحاب وهو قريب من مذهب المعتزلة والخلاف بينه ~~وبينهم فيه في الاسم قال وهذه العقدة التي تورط الأصحاب فيها في الكسب ~~شبيهة بالعقدة التي وقعت بين الأئمة في القراءة والمقروء قال وما ذكره ~~الإمام في النظامية له وجه غير أنه مما انفرد بإطلاقه ولكل ناظر نظره والله ~~يرحمنا وإياه قلت الذي قاله الإمام في النظامية أقرب إلى الحق مما قاله ~~الأشعري وابن الباقلاني ومن تابعهما ونحن نذكر كلامه بلفظه قال قد تقرر عند ~~كل حاظ بعقله مترق عن مراتب التقليد في قواعد التوحيد أن الرب سبحانه يطالب ~~عباده PageV01P122 @ بأعمالهم في حياتهم ودواعيهم إليها ومثيبهم ومعاقبهم ~~عليها في مآلهم وتبين بالنصوص التي لا تتعرض للتأويلات أنه أقدرهم على ~~الوفاء بما طالبهم به ومكنهم من التوصل إلى امتثال الأمر والإنكفاف عن ~~مواقع الزجر ولو ذهبت أتلو الآي المتضمنة لهذه المعاني لطال المرام ولا ~~حاجة إلى ذلك مع قطع اللبيب المنصف به ومن نظر في كليات الشرائع وما فيها ~~من الاستحثاث والزواجر عن الفواحش الموبقات وما نيط ببعضها من الحدود ~~والعقوبات ثم تلفت على الوعد والوعيد وما يجب عقده من تصديق المرسلين في ~~الأنباء عما يتوجه على المردة العتاة من الحساب والعقاب وسوء المنقلب ~~والمآب وقول الله لهم لم تعديتم وعصيتم وأبيتم وقد أرخيت لكم الطول وفسحت ~~لكم المهل وأرسلت الرسل وأوضحت المحجة لئلا يكون للناس علي حجة وأحاط بذلك ~~كله ثم استراب في أن أفعال العباد واقعة على حسب إيثارهم واختيارهم ~~واقتدارهم فهو مصاب في عقله أو مستقر على تقليده مصمم على جهله ففي المصير ~~إليه أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله قطع طلبات الشرائع والتكذيب بما جاء ~~به المرسلون فإن زعم من لم يوفق لمنهج الرشاد أنه ms216 لاأثر لقدرة العبد في ~~مقدوره أصلا وإذا طولب بمتعلق طلب الله بفعل العبد تحريما وفرضا ذهب في ~~الاب طولا وعرضا وقال لله أن يفعل ما يشاء ولا يتعرض للاعتراض عليه ~~المعترضون لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون قيل له ليس لما جئت به حاصل كلمة حق ~~أريد بها باطل نعم يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ولكن يتقدس عن الخلف ~~ونقيض الصدق وقد فهمنا بضرورات المعقول من الشرع المنقول أنه عزت قدرته ~~طالب عباده بما أخبر أنهم ممكنون من الوفاء به فلم يكلفهم إلا على مبلغ ~~الطاقة والوسع في موارد الشرع ومن زعم أنه لا أثر للقدرة الحادثة في ~~مقدورها كما لا أثر للعلم في معلومة فوجه مطالبة العبد بأفعاله عنده كوجه ~~مطالبته بأن يثبت في نفسه ألوانا وإدراكات وهذا خروج عن حد الاعتدال إلى ~~التزام الباطل والمحال وفيه أبطال الشرع ورد ما جاء به النبيون فإذا لزم ~~المصير بأن القدرة الحادثة تؤثر في مقدورها واستحال إطلاق القول بأن العبد ~~خالق أعماله فإن فيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة واقتحام ورطات الضلال ~~ولا سبيل إلى المصير إلى وقوع فعل العبد بقدرته الحادثة والقدرة القديمة ~~فإن الفعل الواحد يستحيل حدوثه بقادرين إذ الواحد لا ينقسم فإن وقع بقدرة ~~الله استقل بها وأسقط أثر القدرة الحادثة ويستحيل أن يقع بعضه بقدرة الله ~~تعالى فإن الفعل الواحد لا بعض له وهذه مهواة لا يسلم من غوائلها إلا مرشد ~~موفق إذ المرء بين أن يدعى الاستبداد وبين أن يخرج نفسه عن كونه مطالبا ~~بالشرائع وفيه أبطال دعوة المرسلين وبين أن يثبت نفسه شريكا لله في إيجاد ~~الفعل الواحد وهذه الأقسام بجملتها باطلة ولا ينجي من هذه الملتطم ذكر اسم ~~محض ولقب مجرد من غير تحصيل معنى وذلك أن قائلا لو قال العبد يكتسب وأثر ~~قدرته الاكتساب والرب سبحانه خالق لما العبد مكتسب له قيل له فما الكسب وما ~~معناه وأديرت الأقسام المتقدمة على هذا القائل فلا يجد عنه مهربا ثم قال ~~فنقول ms217 قدرة العبد مخلوقة لله تعالى باتفاق القائلين بالصانع والفعل المقدور ~~بالقدرة الحادثة واقع بها قطعا ولكنه يضاف إلى الله سبحانه تقديرا وخلقا ~~فإنه وقع بفعل الله وهو القدرة فعلا للعبد وإنما هي صفته وهي ملك لله وخلق ~~له فإذا كان موقع الفعل خلقا لله فالواقع به مضاف خلقا إلى الله تعالى ~~وتقديرا وقد ملك الله تعالى العبد اختيارا يصرف به القدرة فإذا أوقع ~~بالقدرة شيئا آل الواقع إلى حكم الله PageV01P123 @ من حيث أنه وقع بفعل ~~الله ولو اهتدت إلى هذا الفرقة الضالة لم يكن بيننا وبينهم خلاف ولكنهم ~~ادعوا استبدادا بالاختراع وانفراد بالخلق والابتداع فضلوا وأضلوا وتبين ~~تميزنا عنهم بتفريغ المذهبين فأنا لما أضفنا فعل العبد إلى تقدير الإله ~~سبحانه قلنا أحدث الله تعالى القدرة في العبد على أقدار أحاط بها علمه وهيأ ~~أسباب الفعل وسلب العبد العلم بالتفاصيل وأراد من العبد أن يفعل فأحدث فيه ~~دواع مستحثة وخيرة وإرادة وعلم أن الأفعال ستقع على قدر معلوم فوقعت ~~بالقدرة التي اخترعها العبد على ما علم وأراد فاختيارهم واتصافهم بالاقتداء ~~والقدرة خلق الله ابتداء ومقدورها مضاف إليه مشيئة وعلما وقضاء وخلقا من ~~حيث أنه نتيجة ما انفرد بخلقه وهو القدرة ولو لم يرد وقوع مقدورها لما ~~أقدره عليه ولما هيأ أسباب وقوعه ومن هدى لهذا استمر له الحق المبين فالعبد ~~فاعل مختار مطالب مأمور منهي وفعله تقدير لله من أدلة خلق مقضي ونحن نضرب ~~في ذلك مثلا شرعيا يستروح إليه الناظر في ذلك فنقول العبد لا يملك آن يتصرف ~~في مال سيده ولو استبد بالتصرف فيه لم ينفذ تصرفه فإذا أذن له في بيع ماله ~~فباعه نفذ والبيع في التحقيق معزو إلى السيد من حيث أن سببه أذنه ولولا ~~إذنه لم ينفذ التصرف ولكن العبد يؤمر بالتصرف وينهى ويوبخ على المخالفة ~~ويعاقب فهذا والله الحق الذي لا غطاء دونه ولا مراء فيه لمن وعاه حق وعيه ~~وأما الفرقة الضالة فإنهم اعتقدوا انفراد العبد بالخلق ثم صاروا إلى أنه ~~إذا عصى فقد ms218 انفرد بخلق فعله والرب كاره له فكان العبد على هذا الرأي ~~الفاسد مزاحما لربه في التدبير موقعا ما أراد إيقاعه شاء الرب أو كره # فإن قيل على ماذا تحملون آيات الطبع والختم والأضلال في القرآن وهي ~~متضمنة اضطرار الرب سبحانه للأشقياء إلى ضلالتهم # قلنا إذا أباح الله حل هذا الإشكال والجواب عن هذا السؤال لم يبق على ذوي ~~البصائر بعده غموض فنقول أولا من أنبأ الله سبحانه عن الطبع على قلوبهم ~~كانوا مخاطبين بالأيمان مطالبين بالإسلام والتزام الأحكام مطالبة تكاليف ~~ودعاء مع وصفهم بالتمكن والاقتدار والإيثار كما سبق تقريره ومن اعتقد أنهم ~~كانوا ممنوعين مأمورين مصدودين قهرا مدعوين فالتكليف عنده إذا بمثابة ما لو ~~شد من الرجل يداه ورجلاه رباطا وألقى في البحر ثم قيل له لا تبتل وهذا أمر ~~لا يحمل شرائع الرسل عليه الاعائب بنفسه مجترئ على ربه ولا فرق عند هذا ~~القائل بين أمر التسخير والتكوين في قوله @QB@ كونوا قردة خاسئين @QE@ ~~وقوله @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ وبين أمر ~~التكليف فإذا بطل ذلك فالوجه في الكلام على هذه الآي وقد غوى في حقائقها ~~أكثر الفرق أن يقول إذا أراد الله بعبد خيرا أكمل عقله وأتم بصيرته ثم صرف ~~عنه العوائق والدوافع وأزاح عنه الموانع ووفق له قرناء الخير وسهل له سبله ~~وقطع عنه الملهيات وأسباب الغفلات وقيض له ما يقربه إلى القربات فيوافيها ~~ثم يعتادها ويمرن عليها وإذا أراد الله بعبده شرا قدر له مما يبعده عن ~~الخير ويقصيه وهيأ له أسباب تماديه في الغي وحبب إليه التشوف إلى الشهوات ~~وعرضه للآفات وكلما غلبت عليه دواعي النفس خنست دواعي الخير ثم يستمر على ~~الشرور على مر الدهور ويأتي مهاويها ويتعاون عليه الوسواس ونزعات الشيطان ~~ونزفات النفس الإمارة بالسوء فتنسخ الغفلة على قلبه غشاوة بقضاء الله وقدره ~~فذلكم الطبع والختم والأكنة وأنا أضرب في ذلك مثلا فأقول لو فرضنا شابا ~~حديث العهد بحلمه لم تهذبه المذاهب ولم تحنكه التجارب وهو على نهاية في ms219 ~~غلمته وشهوته وقد استمكن من بلغة من الحطام PageV01P124 @ وخص بمسحة من ~~الجمال ولم يقم عليه قوام يزعه عن ورطات الردى ويمنعه عن الارتباك في شبكات ~~الهوى ووافاه أخدان الفساد وهو في غلواء شبابه يحدث نفسه بالبقاء أمدا ~~بعيدا فما أقرب من هذا وصفه من خلع العذار والبدار إلى شيم الأشرار وهو مع ~~ذلك كله مؤثر مختار ليس مجبرا على المعاصي والزلات ولا مصدودا عن الطاعات ~~ومعه من العقل ما يستوجب به اللائمة إذا عصى فمن هذا سبيله لا يستحيل في ~~العقل تكليفه فإنه ليس ممنوعا ولكن إن سبق له من الله سوء القضاء فهو صائر ~~إلى حكم الله الجزم وقضائه الفصل محجوج بحجة الله ألا أن يتغمده الله ~~برحمته وهو أرحم الراحمين وهذا الذي ذكرته بين في معاني الآيات لا يتمارى ~~فيه موفق قال الله تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أراد أنهم ~~استمروا على المخالفات وأصرا بانتهاك الحرمات فقست قلوبهم وقال تعالى ولا ~~تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فقد جمعت بين تفويض الأمور كلها نفعها وضرها ~~خيرها وشرها إلى الآلة جلت قدرته وبين إثبات حقائق التكليف وتقرير قواعد ~~الشرع على الوجه المعقول ألست في هذا أهدى سبيلا وأقوم قيلا ممن يقدر الطبع ~~منعا والختم صدا ودفعا ثم ينفي التكاليف بزعمه وقد افترق الخلق في هذا ~~المقام فرقا فذهب ذاهبون إلى أن المخذولين ممنوعون مدفوعون لا اقتدار لهم ~~على إجابة دعاة الحق وهم مع ذلك ملزمون وهذا خطب جسيم وأمر عظيم وهو طعن في ~~الشرائع وإبطال للدعوات وقد قال تعالى @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جاءهم الهدى @QE@ وقال إبليس @QB@ ما منعك أن تسجد @QE@ نعوذ بالله من سوء ~~النظر في مواقع الخطر وذهب طوائف من الضلال إلى أن العبد يعصي والرب لما ~~يأتي به كاره فهذا خبط في الأحكام الإلهية ومزاحمة في الربوبية ولو لم يرد ~~الرب من الفجار ما علمه منهم في أزليته لما فطرهم مع علمه بهم كيف وقد أكمل ~~قواهم وأمدهم بالعدد والعدد ms220 والعتاد وسهل لهم طريق الحيد عن السداد # فإن قيل فعل ذلك بهم ليطيعوه # قلنا أنى يستقيم ذلك وقد علم أنهم يعصونه ويهلكون أنفسهم ويهلكون أولياءه ~~وأنبيائه ويشقون شقاوة لا يسعدون بها أبدا ولو علم سيد عن وحي أو أخبار نبي ~~أنه لو أمد عبده بالمال لطغى وأبق وقطع الطريق فأمده بالمال زاعما أنه يريد ~~منه ابتغاء القناطر والمساجد وهو مع ذلك يقول أعلم أنه لا يفعل ذلك قطعا ~~فهذا السيد مفسد عبده وليس مصلحا له باتفاق من أرباب الألباب فقد زاغت ~~الفئتان وضلت الفرقتان واعترضت إحداهما على القواعد الشرعية وزاحمت الأخرى ~~أحكام الربوبية واقتصد الموفقون فقالوا مراد الله من عباده ما علم أنهم ~~إليه يصيرون ولكنه لم يسلبهم قدرتهم ولم يمنعهم مراشدهم فقرت الشريعة في ~~نصابها وجرت العقيدة في الأحكام الإلهية على صوابها # فإن قيل كيف يريد الحكيم السفه فقد أوضحنا أن الأفعال متساوية في حق من ~~لا ينتفع ولا يتضرر ولكن إذا أخبر أنه مكلف مطالب عباده مزيح عللهم فقوله ~~الحق وكلامه الصدق وأقرب أمر يعارضون أن الحكيم منا إذا رأى جواريه وعبيده ~~يمرج بعضهم في بعض وهم على محارمهم بمرأى منه ومسمع فلا يحسن تركهم على ما ~~هم عليه والرب سبحانه يطلع على سوء أفعالهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون ثم ~~قال قد أطلقت أنفاسي ولكن لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا ~~الفصل لكان وحق القائم على كل نفس بما كسبت أحب إلي من ملك الدنيا ~~بحذافيرها أطول أمدها انتهى كلامه بلفظه وهذا توسط حسن بين الفريقين وقد ~~أنكره عليه عامة أصحابه منهم الأنصاري شارح الإرشاد وغيره وقالوا هو أقرب ~~من مذهب PageV01P125 @ المعتزلة ولا يرجع الخلاف بينه وبينهم إلا إلى الاسم ~~فقط وأن هذا مما انفرد به ولكن بقي عليه فيه أمور منها أنه نفى كراهة الله ~~لما قدره من المعاصي بناء على أصله أن كل مراد له فهو محبوب له وأنه إذا ~~كان قد قدر الكفر والفسوق والعصيان فهو يريده ويحبه ولا يكرهه ms221 وإن كانت ~~قدرة العبد واختياره مؤثرة في إيجاد الفعل عنده بأقدار الرب سبحانه وقد ~~أصاب في هذا وأجاد ولكن القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان ~~ولا يكرهه إذا كان واقعا قول في غاية البطلان وهو مخالف لصريح العقل والنقل ~~والذي قاده إلى ذلك قوله أن المحبة هي الإرادة والمشيئة وأن كل ما شاءه فقد ~~أراده وأحبه ومن لم يفرق بين المشيئة والمحبة لزمه أحد أمرين باطلين لا بد ~~له من التزامه أما القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان أو ~~القول بأنه ما شاء ذلك ولا قدره ولا قضاه وقد قال بكل من المتلازمين طائفة ~~قالت طائفه لا يحبها ولا يرضاها فما شاءها ولا قضاها وقالت طائفة هي واقعة ~~بمشيئته وإرادته فهو يحبها ويرضاها فاشترك الطائفتان في هذا الأصل وتباينا ~~في لازمه وقد أنكر الله سبحانه على من احتج على محبته بمشيئته في ثلاثة ~~مواضع من كتابه في سورة الأنعام والنحل والزخرف فقال تعالى @QB@ سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب ~~الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون ~~إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون @QE@ وكذلك حكى عنهم في النحل ثم قال @QB@ ~~كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ وقال في ~~الزخرف @QB@ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون @QE@ فاحتجوا على محبته لشركهم ورضاه به بكونه أقرهم عليه وأنه لولا ~~محبته له ورضاه به لما شاءه منهم وعارضوا بذلك أمره ونهيه ودعوة الرسل ~~قالوا كيف يأمر بالشيء قد شاء منا خلافه وكيف يكره منا شيئا قد شاء وقوعه ~~ولو كرهه لم يمكنا منه ولحال بيننا وبينه فكذبهم سبحانه في ذلك وأخبر أن ~~هذا تكذيب منهم لرسله وأن رسله متفقون على أنه سبحانه يكره شركهم ويبغضه ~~ويمقته وأنه لولا بغضه وكراهته لما أذاق المشركين بالله عذابه فإنه لا يعذب ~~عبده ms222 على ما يحبه ثم طالبهم بالعلم على صحة مذهبهم بأن الله أذن فيه وأنه ~~يحبه ويرضى به ومجرد إقراره لهم قدرا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء ~~وإلا كان الظلم والفواحش والسعي في الأرض بالفساد والبغي محبوبا له مرضيا ~~ثم أخبر سبحانه أن مستندهم في ذلك إنما هو الظن وهو أكذب الحديث وأنهم لذلك ~~كانوا أهل الخرص والكذب ثم أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين إحداهما ~~ما ركبه فيهم من العقول التي يفرقون بها بين الحسن والقبيح والباطل ~~والإسماع والإبصار التي هي آلة إدراك الحق والتي يفرق بها بينه وبين الباطل ~~والثانية إرسال رسله وإنزال كتبه وتمكينهم من الإيمان والإسلام ولم يؤاخذهم ~~بأحد الأمرين بل بمجموعها لكمال عدله وقطعا لعذرهم من جميع الوجوه ولذلك ~~سمى حجته عليهم بالغة أي قد بلغت غاية البيان وأقصاه بحيث لم يبق معها مقال ~~لقائل ولا عذر لمعتذر ومن اعتذر إليه سبحانه بعذر صحيح قبله ثم ختم الآية ~~بقوله @QB@ فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته وهذا ~~من تمام حجته البالغة فإنه إذا امتنع الشيء لعدم مشيئته لزم وجوده عند ~~مشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كان هذا من أعظم أدلة التوحيد ومن ~~أبين أدلة بطلان ما أنتم عليه من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه فما احتججتم ~~به من المشيئة على ما أنتم عليه من الشرك هو من PageV01P126 @ أظهر الأدلة ~~على بطلانه وفساده فلو أنهم ذكروا القدر والمشيئة توحيدا له وافتقارا ~~والتجاء إليه وبراءة من الحول والقوة إلا به ورغبة إليه أن يقيلهم مما لو ~~شاء أن لا يقع منهم لما وقع لنفعهم ذلك ولفتح لهم باب الهداية ولكن ذكروه ~~معارضين به أمره ومبطلين به دعوة الرسل فما ازدادوا به إلا ضلالا والمقصود ~~أنه سبحانه قد فرق بين حجته ومشيئته وقد حكى أبو الحسن الأشعري في مقالاته ~~اتفاق أهل السنة والحديث على ذلك والذي حكى عنه ابن فورك في كتاب تجريده ~~لمقالاته أنه كان يفرق ms223 بين ذلك قال وكان لا يفرق بين الود والحب والإرادة ~~والمشيئة والرضا وكان لا يقول أن شيئا منها يخص بعض المردات دون بعض بل كان ~~يقول أن كل واحد منها بمعنى صاحبه على جهة التقييد الذي يزول معه الإبهام ~~وهو أن المؤمن محبوب لله أن يكون مؤمنا من أهل الخير كما علم والكافر أيضا ~~مراد أن يكون كافرا كما علم من أهل الشر ويحب أن يكون ذلك كذلك كما علم ~~وكذلك كان يقول في الرضا والاصطفاء والاختيار ويقيد اللفظ بذلك حتى لا ~~يتوهم فيه الخطأ انتهى والذي عليه أهل الحديث والسنة قاطبه والفقهاء كلهم ~~وجمهور المتكلمين والصوفية أنه سبحانه يكره بعض الأعيان والأفعال والصفات ~~وإن كانت واقعة بمشيئته فهو يبغضها ويمقتها كما يبغض ذات إبليس وذوات جنوده ~~ويبغض أعمالهم ولا يحب ذلك وإن وجد بمشيئته قال الله تعالى @QB@ والله لا ~~يحب الفساد @QE@ وقال @QB@ والله لا يحب الظالمين @QE@ وقال @QB@ إن الله ~~لا يحب كل مختال فخور @QE@ وقال @QB@ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~إلا من ظلم @QE@ وقال @QB@ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين @QE@ وقال ~~@QB@ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ فهذا إخبار ~~عن عدم محبته لهذه الأمور ورضاه بها بعد وقوعها فهذا صريح في إبطال قول من ~~تأول النصوص على أنه لا يحبها ممن لم تقع منه ويحبها إذا وقعت فهو يحبها ~~ممن وقعت منه ولا يحبها ممن لم تقع منه وهذا من أعظم الباطل والكذب على ~~الله بل هو سبحانه يكرهها ويبغضها قبل وقوعها وحال وقوعها وبعد وقوعها ~~فإنها قبائح وخبائث والله منزه عن محبة القبيح والخبيث بل هو أكره شيء إليه ~~قال الله تعالى @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها @QE@ وقد أخبر سبحانه ~~أنه يكره طاعات المنافقين ولأجل ذلك يثبطهم عنها فكيف يحب نفاقهم ويرضاه ~~ويكون أهله محبوبين له مصطفين عنده مرضيين ومن هذا الأصل الباطل نشأ قولهم ~~باستواء الأفعال بالنسبة إلى الرب سبحانه وأنها لا تنقسم في نفسها إلى حسن ~~وقبيح ms224 فلا فرق بالنسبة إليه سبحانه بين الشكر والكفر ولذلك قالوا لا يجب ~~شكره على نعمه عقلا فعن هذا الأصل قالوا أن مشيئته هي عين محبته وإن كل ما ~~شاءه فهو محبوب له ومرضى له ومصطفى ومختار فلم يمكنهم بعد تأصل هذا الأصل ~~أن يقولوا أنه يبغض الأعيان والأفعال التي خلقها ويحب بعضها بل كل ما فعله ~~وخلقه فهو محبوب له والمكروه المبغوض ما لم يشأه ولم يخلقه وإنما أصلوا هذا ~~الأصل محافظة منهم على القدر فحثوا به على الشرع والقدر والتزموا لأجله ~~لوازم شوشوا بها على القدر والحكمة وكابروا لأجلها صريح العقل وسووا بين ~~أقبح القبائح وأحسن الحسنات في نفس الأمر وقالوا هما سواء لا فرق بينهما ~~إلا بمجرد الأمر والنهي فالكذب عندهم والظلم والبغي والعدوان مساو للصدق ~~والعدل والإحسان في نفس الأمر ليس في هذا ما يقتضي حسنه ولا في هذا ما ~~يقتضي قبحه وجعلوا هذا المذهب شعارا لأهل السنة والقول بخلافه قول أهل ~~البدع من المعتزلة وغيرهم ولعمر الله أنه لمن أبطل الأقوال وأشدها منافاة ~~PageV01P127 @ للعقل والشرع ولفطرة الله التي فطر عليها خلقه وقد بينا ~~بطلانه من أكثر من خمسين وجها في كتاب المفتاح والمقصود أنه لما انضم القول ~~به إلى القول بأنه سبحانه لا يحب شيئا ويبغض شيئا بل كل موجود فهو محبوب له ~~وكل معدوم فهو مكروه له وانضم إلى هذين الآخرين إنكار الحكم والغايات ~~المطلوبة في أفعاله سبحانه وأنه لا يفعل شيئا لمعنى البتة وانضم إلى ذلك ~~إنكار الأسباب وأنه لا يفعل شيئا بشيء وإنكار القوى والطبائع والغرائز وأن ~~تكون أسبابا أو يكون لها أثر انسد عليهم باب الصواب في مسائل القدر ~~والتزموا لهذه الأصول الباطلة لوازم هي أظهر بطلانا و فسادا و هي من أول ~~شيء على فساد هذه الأصول وبطلانها فإن فساد اللازم من فساد ملزومه فإن قيل ~~الكراهة والمحبة ترجع إلى المنافرة والملائمة للطبع وذلك محال في حق من لا ~~يصف بطبع ولا منافرة ولا ملائمة قيل قد دلت النصوص التي لا ms225 تدفع على وصفه ~~تعالى بالمحبة و الكراهة فتبينكم حقائق ما دلت عليه بالتعبير عنها بملائمة ~~الطبع ومنافرته باطل وهو كنفي كل مبطل حقائق أسمائه وصفاته بالتعبير عنها ~~بعبارات اصطلاحية توصل بها إلى نفي ما وصف به نفسه كتسمية الجهمة المعطلة ~~صفاته أعراضا ثم توصلوا بهذه التسمية إلى نفيها وسموا أفعاله القائمة به ~~حوادث ثم توصلوا بهذه التسمية إلى نفيها وقالوا لا تحله الحوادث كما قالت ~~المعطلة لا تقوم به الإعراض وسموا علوه على خلقه واستواءه على عرشه وكونه ~~قاهرا فوق عباده تحيزا وتجسما ثم توصلوا بنفي ذلك إلى نفي علوه عن خلقه ~~واستوائه على عرشه وسموا ما أخبر به عن نفسه من الوجه واليدين والأصبع ~~جوارح وأعضاء ثم نفوا ما أثبته لنفسه بتسميتهم له بغير تلك الأسماء أن هي ~~إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن تتبعون إلا ~~الظن وما تهوى إلا نفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى فتوصلوا بالتشبيه والتجسيم ~~والتركيب والحوادث والإعراض والتحيز إلى تعطيل صفات كماله ونعوت جلاله ~~وأفعاله وأخلوا تلك الأسماء من معانيها وعطلوها من حقائقها فيقال لمن نفى ~~محبته وكراهته لاستلزامهما ميل الطبع ونفرته ما الفرق بينك وبين من نفى ~~كونه مريدا لاستلزام الإرادة حركة النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها ~~ونفى سمعه وبصره لاستلزام ذلك تأثر السمع والبصر بالمسموع والمبصر وانطباع ~~صورة المرئي في الرائي وحمل الهواء الصوت المسموع إلى إذن السامع ومن نفى ~~علمه لاستلزامه انطباع صورة المعلوم في النفس الناطقة ونفي غضبه ورضاه ~~لاستلزام ذلك حركة القلب وانفعاله بما يرد عليه من المؤلم والسار ونفى ~~كلامه لاستلزام الكلام محلا يقوم به ويظهر منه من شفة ولسان ولهوات ولما لم ~~يكن أحدا أقر بوجود رب العالمين طرد ذلك وقع في التناقض ولا بد فإن أي شيء ~~أثبته لزمه فيه ما التزم كمن أثبت ما نفاه هو من غير فرق البتة ولهذا قال ~~الإمام أحمد وغيره من أئمة ألسنة لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل ms226 شناعة ~~المشنعين والمقصود أنا لا نجحد محبته تعالى لما يحبه وكراهته لما يكرهه ~~لتسمية النفاة ذلك ملائمة ومنافرة وينبغي التفطن لهذا الموضع فإنه من أعظم ~~أصول الضلال فلا نسمى العرش حيزا ولا نسمي الاستواء تحيزا ولا نسمي الصفات ~~إعراضا ولا الأفعال حوادث ولا الوجه واليدين والأصابع جوارح وأعضاء ولا ~~إثبات صفات كماله التي وصف بها نفسه تجسما وتشبيها فنجني جنايتين عظيمتين ~~جناية على اللفظ وجناية على المعنى فنبدل الاسم ونعطل معناه ونظير هذا ~~تسمية خلقه سبحانه لافعال عباده وقضائه السابق حبرا ولذلك أنكر أئمة ألسنة ~~كالأوزاعي PageV01P128 @ وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد ~~وغيرهم هذا اللفظ قال الأوزاعي والزبيدي ليس في الكتاب والسنة لفظ جبر ~~وإنما جاءت ألسنة بلفظ الجبر كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لأشج عبد القيس أن فيك خلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين ~~تخلقت بهما أم جبلت عليهما فقال بل جبلت عليهما فقال الحمد لله الذي جبلني ~~على ما يحب فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جبله على الحلم والأناة ~~وهما من الأفعال الاختيارية وإن كانا خلقين قائمين بالعبد فإن من الأخلاق ~~ما هو كسبي ومنها ما لا يدخل تحت الكسب والنوعان قد جبل الله العبد عليهما ~~وهو سبحانه يهب ما جبل عبده عليه من محاسن الأخلاق ويكره ما جبله عليه من ~~مساويها فكلاهما بجبلة وهذا محبوب له وهذا مكروه كما أن جبريل صلوات الله ~~عليه مخلوق له وإبليس عليه لعائن الله مخلوق له وجبريل محبوب له مصطفى عنده ~~وإبليس بغض خلقه إليه ومما يوضح ذلك أن لفظ الجبر لفظ مجمل فإنه يقال أجبر ~~الأب ابنته على النكاح وجبر الحاكم الرجل على البيع ومعنى هذا الجبر أكرهه ~~عليه ليس معناه أنه جعله محبا لذلك راضيا به مختارا له والله تعالى إذا خلق ~~فعل العبد جعله محبا له مختارا لإيقاعه راضيا به كارها لعدمه فإطلاق لفظ ~~الجبر على ذلك فاسد لفظا ومعنى فإن الله سبحانه أجل وأعز من أن ms227 يجبر عبده ~~بذلك المعنى وإنما يجبر العاجز عن أن يجعل غيره فاعلا بإرادته ومحبته ورضاه ~~وأما من جعل فعل العبد مريدا محبا مؤثرا لما يفعله فكيف يقال أنه جبره عليه ~~فهو سبحانه أجل وأعظم وأقدر من أن يجبر عبده ويكرهه على فعل يشاؤه منه بل ~~إذا شاء من عبده أن يفعل فعلا جعله قادرا عليه مريدا له محبا مختارا ~~لإيقاعه وهو أيضا قادر على أن يجعله فاعلا له باختياره مع كراهته له وبغضه ~~ونفرته عنه فكل ما يقع من العباد بإرادتهم ومشيئاتهم فهو سبحانه الذي جعلهم ~~فاعلين له سواء أحبوه أو أبغضوه وكرهوه وهو سبحانه لم يجبرهم في النوعين ~~كما يجبر غيره من لا يقدر على جعله فاعلا بإرادته ومشيئته نعم نحن لا ننكر ~~استعمال لفظ الجبر فيما هو أعم من ذلك بحيث يتناول من قهر غيره وقدر على ~~جعله فاعلا لما يشاء فعله وتاركا لما لا يشاء فعله فإنه سبحانه المحدث ~~لإرادته له وقدرته عليه قال محمد بن كعب القرطبي في اسم الجبار أنه سبحانه ~~هو الذي جبر العباد على ما أراد وفي الدعاء المعروف عن علي رضي الله عنه ~~اللهم داحي المدحوات وبارئ المسموكات جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها ~~فالجبر بهذا المعنى معناه القهر والقدرة وأنه سبحانه قادر على أن يفعل ~~بعبده ما شاء وإذا شاء منه شيئا وقع ولا بد وأن لم يشأ لم يكن ليس كالعاجز ~~الذي يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء والفرق بين هذا الجبر وجبر المخلوق ~~لغيره من وجوه # أحدها أن المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدا للفعل محبا له والرب ~~تعالى قادر على جعل عبده كذلك # الثاني أن المخلوق قد يجبر غيره إجبارا يكون به ظالما معتديا عليه والرب ~~أعدل من ذلك فإنه لا يظلم أحدا من خلقه بل مشيئته نافذة فيهم بالعدل ~~والإحسان بل عدله فيهم من إحسانه إليهم كما سنبينه إن شاء الله تعالى # الثالث أن المخلوق يكون في جبره لغيره سفيها أو عائبا أو ms228 جاهلا والرب ~~تعالى إذا جبر عبده على أمر من الأمور كان له في ذلك من الحكمة والعدل ~~والإحسان والرحمة ما هو محمود عليه بجميع وجوه الحمد # الرابع أن المخلوق يجبر غيره لحاجته إلى ما جبره عليه ولانتفاعه بذلك ~~وهذا لأنه فقير بالذات وأما الرب تعالى فهو الغني بذاته الذي كل ما سواه ~~محتاج إليه وليس به حاجة إلى أحد # الخامس أن المخلوق يجبر غيره PageV01P129 @ لنقصه فيجبره ليحصل له الكمال ~~بما أجبره عليه والرب له الكمال المطلق من جميع الوجوه وكماله من لوازم ~~ذاته لم يستفده من خلقه بل هو الذي أعطاهم من الكمال ما يليق بهم فالمخلوق ~~يجبر غيره ليتكمل والرب تعالى منزه عن كل نقص فكماله المقدس ينفي الجبر # السادس أن المخلوق يجبر غيره على فعل يعينه به على غرضه لعجزه عن التوصل ~~إليه إلا بمعاونته له فصار الفعل من هذا والقهر والإكراه من هذا محصلا لغرض ~~المكره كما أن المعين لغيره باختياره شريك له في الفعل والرب تعالى غني عما ~~سواه بكل وجه فيستحيل في حقه الجبر # السابع أن المجبور على ما لا يريد فعله يجد من نفسه فرقا ضروريا بينه ~~وبين ما يريد فعله باختياره ومحبته فالتسوية بين الأمرين تسوية بين ما علم ~~بالحس والاضطرار الفرق بينهما وهو كالتسوية بين حركة المرتعش وحركة الكاتب ~~وهذا من أبطل الباطل # الثامن أن الله سبحانه قد فطر العباد على أن المجبور المكره على الفعل ~~معذور لا يستحق الذم والعقوبة ويقولون قد أكره على كذا وجبره السلطان عليه ~~وكما أنهم مفطورون على هذا فهم مفطورون أيضا على ذم من فعل القبائح ~~باختياره وشريعته سبحانه موافقة لفطرته في ذلك فمن سوى بين الأمرين فقد خرج ~~عن موجب الشرع والعقل والفطرة # التاسع أن من أمر غيره بمصلحة المأمور وما هو محتاج إليه ولا سعادة له ~~ولا فلاح إلا به لا يقال جبره على ذلك وإنما يقال نصحه وأرشده ونفعه وهداه ~~ونحو ذلك وقد لا يختار المأمور المنهي ذلك فيجبره الناصح له على ذلك ms229 من له ~~ولاية الإجبار وهذا جبر الحق وهو جائز بل واقع في شرع الرب وقدره وحكمته ~~ورحمته وإحسانه لا نمنع هذا الجبر # العاشر أن الرب ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فجعله ~~العبد فاعلا لقدرته ومشيئته واختياره أمر يختص به تبارك وتعالى والمخلوق لا ~~يقدر أن يجعل غيره فاعلا إلا بإكراهه له على ذلك فإن لم يكرهه لم يقدر على ~~غير الدعاء والأمر بالفعل وذلك لا يصير العبد فاعلا فالمخلوق هو يجبر غيره ~~على الفعل ويكرهه عليه فنسبه ذلك إلى الرب تشبيه له في أفعاله بالمخلوق ~~الذي لا يجعل غيره فاعلا إلا بجبره له وإكراهه فكمال قدرته تعالى وكمال ~~علمه وكمال مشيئته وكمال عدله واحسانه وكمال غناه وكمال ملكه وكمال حجته ~~على عبده تنفي الجبر $ فصل # فالطوائف كلها متفقة على الكسب ومختلفون في حقيقته فقالت القدرية هو ~~إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته واستقلاله وليس للرب صنع فيه ولا هو خالق ~~فعله ولا مكونه ولا مريدا له وقالت الجبرية الكسب اقتران الفعل بالقدرة ~~الحادثه من غير أن يكون لها فيه أمر وكلا الطائفتين فرق بين الخلق والكسب ~~ثم اختلفوا فيما وقع به الفرق فقال الأشعري في عامة كتبه معنى الكسب أن ~~يكون الفعل بقدرة محدثة فمن وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق ومن ~~وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب وقال قائلون من يفعل بغير آلة ولا جارحة فهو ~~خالق ومن يحتاج في فعله إلى الآلات والجوارح فهو مكتسب وهذا قول الإسكافي ~~وطوائف من المعتزلة قال واختلفوا هل يقال أن الإنسان فاعل على الحقيقة ~~فقالت المعتزلة كلها إلا الناشئ أن الإنسان فاعل محدث ومخترع ومنشئ على ~~الحقيقة دون المجاز وقال الناشئ الإنسان لا يفعل في الحقيقة ولا يحدث في ~~الحقيقة وكان يقول أن البارئ أحدث كسب الإنسان قال فلزمه محدث لا لمحدث في ~~الحقيقة ومفعول لا لفاعل في الحقيقة قلت وجه إلزامه ذلك أنه قد أعطى أن ~~الإنسان غير فاعل PageV01P130 @ لفعله وفعله مفعول وليس هو ms230 فعلا لله ولا ~~فعلا للعبد فلزمه مفعول من غير فاعل ولعمر الله أن هذا الإلزام لازم لأبي ~~الحسن وللجبرية فإن عندهم الإنسان ليس بفاعل حقيقة والفاعل هو الله وأفعال ~~الإنسان قائمة لم تقم بالله فإذا لم يكن الإنسان فاعلها مع قيامها به فكيف ~~يكون الله سبحانه هو فاعلها ولو كان فاعلها لعادت أحكامها عليه واشتقت له ~~منها أسماء وذلك مستحيل على الله فيلزمك أن تكون أفعالا لا فاعل لها فإن ~~العبد ليس بفاعل عندك ولو كان الرب فاعلا لها لاشتقت له منها أسماء وعاد ~~حكمها عليه # فإن قيل فما تقولون أنتم في هذا المقام # قلنا لا نقول بواحد من القولين بل نقول هي أفعال للعباد حقيقة ومفعولة ~~للرب فالفعل عندنا غير المفعول وهو إجماع من أهل السنة حكاه الحسين بن ~~مسعود البغوي وغيره فالعبد فعلها حقيقة والله خالقه وخالق ما فعل به من ~~القدرة والإرادة وخالق فاعليته وسر المسألة أن العبد فاعل منفعل باعتبارين ~~هل هو منفعل في فاعليته فربه تعالى هو الذي جعله فاعلا بقدرته ومشيئته ~~وأقدره على الفعل وأحدث له المشيئة التي يفعل بها قال الأشعري وكثير من أهل ~~الإثبات يقولون أن الإنسان فاعل في الحقيقة بمعنى مكتسب ويمنعون أنه محدث ~~قلت هؤلاء وقفوا عند ألفاظ الكتاب والسنة فإنهما مملوآن من نسبة الأفعال ~~إلى العبد باسمها العام وأسمائها الخاصة فالاسم العام كقوله تعالى تعملون ~~تفعلون تكسبون والأسماء الخاصة يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويؤمنون ~~ويخافون ويتوبون ويجاهدون وأما لفظ الأحداث فلم يجيء إلا في الذم كقوله صلى ~~الله عليه وسلم لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا فهذا ليس بمعنى الفعل ~~والكسب وكذلك قول عبد الله بن مغفل لابنه إياك والحدث في الإسلام ولا يمتنع ~~إطلاقه على فعل الخير مع التقييد قال بعض السلف إذا أحدث الله لك نعمة ~~فأحدث لها شكرا وإذا أحدثت ذنبا فاحدث له توبة ومنه قوله هل أحدثت توبة ~~وأحدث للذنب استغفارا ولا يلزم من ذلك إطلاق اسم المحدث عليه والإحداث على ~~فعله قال ms231 الأشعري وبلغني أن بعضهم أطلق في الإنسان أنه محدث في الحقيقة ~~بمعنى مكتسب قلت ههنا ألفاظ وهي فاعل وعامل ومكتسب وكاسب وصانع ومحدث وجاعل ~~ومؤثر ومنشئ وموجد وخالق وبارئ ومصور وقادر ومريد وهذه الألفاظ ثلاثة أقسام ~~قسم لم يطلق إلا على الرب سبحانه كالبارئ والبديع والمبدع وقسم لا يطلق إلا ~~على العبد كالكاسب والمكتسب وقسم وقع إطلاقه على الرب والعبد كاسم صانع ~~وفاعل وعامل ومنشئ ومريد وقادر وأما الخالق والمصور فإن استعملا مطلقين غير ~~مقيدين لم يطلقا إلا على الرب كقوله الخالق البارئ المصور وإن استعملا ~~مقيدين أطلقا على العبد كما يقال لمن قدر شيئا في نفيه أنه خلقه قال ولانت ~~تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفر أي لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما ~~قدرته في نفسك وغيرك يقدر أشياء وهو عاجز عن انفاذها وإمضائها وبهذا ~~الاعتبار صح إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى @QB@ فتبارك الله أحسن ~~الخالقين @QE@ أي أحسن المصورين والمقدرين والعرب تقول قدرت الأديم وخلقته ~~إذا قسته لتقطع منه مزاده أو قربه ونحوها قال مجاهد يصنعون ويصنع الله ~~والله خير الصانعين وقال الليث رجل خالق أي صانع وهن الخالقات للنساء وقال ~~مقاتل يقول تعالى هو أحسن خلقا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا ~~يتحرك منها شيء وأما البارئ فلا يصح إطلاقه إلا عليه سبحانه فإنه الذي برأ ~~الخليقة وأوجدها بعد عدمها PageV01P131 @ والعبد لا تتعلق قدرته بذلك إذ ~~غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب تعالى وبراه وتغييرها من حال ~~إلى حال على وجه مخصوص لا تتعداه قدرته ليس من هذا بريت القلم لأنه معتل لا ~~مهموز ولا برأت من المرض لأنه فعل لازم غير متعد وكذلك مبدع الشيء وبديعه ~~لا يصح إطلاقه إلا على الرب كقوله بديع السماوات والأرض الإبداع إيجاد ~~المبدع على غير مثال سبق والعبد يسمى مبتدعا لكونه أحدث قولا لم تمض به سنة ~~ثم يقال لمن اتبعه عليه مبتدع أيضا وأما لفظ الموجد فلم يقع في أسمائه ~~سبحانه ms232 وإن كان هو الموجد على الحقيقة ووقع في أسمائه الواجد وهو بمعنى ~~الغنى الذي له الوجد وأما الموجد فهو مفعل من أوجد وله معنيان أحدهما أن ~~يجعل الشيء موجودا وهو تعدية وجده وأوجده قال الجوهري وجد الشيء عن عدم فهو ~~موجد مثل حم فهو محموم وأوجده الله ولا يقال وجدوه والمعنى أوجده جعل له ~~جدة وغنى وهذا يتعدى إلى مفعولين قال في الصحاح أوجده الله مطلوبه أي أظفره ~~به وأوجده أي أغناه قلت وهذا يحتمل أمرين أحدهما أن يكون من باب حذف أحد ~~المفعولين أي أوجده مالا وغنى وأن يكون من باب صيره وأوجدا مثل أغناه ~~وأفقره إذا صيره غنيا وفقيرا فعلى التقديرالأول يكون تعديه وجد مالا وغنى ~~وأوجده الله إياه وعلى الثاني يكون تعديه وجد وجدا إذا استغنى ومصدر هذا ~~الوجد بالضم والفتح والكسر قال تعالى @QB@ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ~~@QE@ فغير ممتنع أن يطلق على من يفعل بالقدرة المحدثة أنه أوجد مقدوره كما ~~يطلق عليه أنه فعله وعمله وصنعه وأحدثه لا على سبيل الاستقلال وكذلك لفظ ~~المؤثر لم يرد إطلاقه في أسماء الرب وقد وقع اطلاق الأثر والتأثر على فعل ~~العبد قال تعالى @QB@ إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم @QE@ قال ~~ابن عباس ما أثروا من خير أو شر فسمى ذلك آثارا لحصوله بتأثيرهم ومن العجب ~~أن المتكلمين يمتنعون من اطلاق التأثير والمؤثر على من أطلق عليه في القرآن ~~والسنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة دياركم تكتب آثاركم أي ~~الزموا دياركم ويخصونه بمن لم يقع اطلاقه عليه في كتاب ولا سنة وإن استعمل ~~في حقه الإيثار والاستئثار كما قال أخو يوسف تالله لقد آثرك الله علينا وفي ~~الأثر إذا استأثر الله بشيء فاله عنه وقال الناظم # % استأثر الله بالثناء وبالحمد % وولى الملامة الرجلا ولما كان التأثير ~~تفعيلا من أثرت في كذا تأثير فأنا مؤثر لم يمتنع اطلاقه على العبد قال في ~~الصحاح التأثير ابقاء الأثر في الشيء وأما لفظ الصانع فلم يرد ms233 في أسماء ~~الرب سبحانه ولا يمكن ورودها فإن الصانع من صنع شيئا عدلا كان أو ظلما سفها ~~أو حكمة جائرا أو غير جائز وما انقسم مسماه إلى مدح وذم لم يجئ اسمه المطلق ~~في الأسماء الحسنى كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم لانقسام معاني ~~هذه الأسماء إلى محمود ومذموم بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير ~~وقد سمي النبي صلى الله عليه وسلم العبد صانعا قال البخاري حدثنا علي بن ~~عبد الله ثنا مروان بن معاوية ثنا أبو مالك عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يصنع كل صانع وصنعته وقد أطلق سبحانه ~~على فعله اسم الصنع فقال صنع الله الذي أتقن كل شيء وهو منصوب على المصدر ~~لأن قوله تعالى @QB@ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب @QE@ يدل ~~على الصنعة وقيل هو نصب على المفعولية أي انظروا صنع الله فعلى الأول يكون ~~صنع الله مصدرا بمعنى الفعل وعلى الثاني يكون PageV01P132 @ بمعنى المصنوع ~~المفعول فإنه الذي يمكن وقوع النظر والرؤية عليه وأما الإنشاء فإنما وقع ~~إطلاقه عليه سبحانه فعلا كقوله @QB@ وينشئ السحاب الثقال @QE@ وقوله @QB@ ~~فأنشأنا لكم به جنات @QE@ وقوله @QB@ وننشئكم في ما لا تعلمون @QE@ وهو ~~كثير ولم يرد لفظ المنشئ وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر وهو ~~شروعه في الفعل وابتداؤه له يقول أنشأ يحدثنا وأنشأ السير فهو منشأ لذلك ~~وهذا انشاء وأنشأ مقيد وإنشاء الرب إنشاء مطلق وهذه اللفظة تدور على معنى ~~الابتداء أنشأه الله أي ابتدأ خلقه وأنشأ يفعل كذا ابتداء وفلان ينشئ ~~الأحاديث أي يبتدئ وضعها والناشئ أول ما ينشأ من السحاب قال الجوهري وناشئة ~~الليل أول ساعاته قلت هذا قد قاله غير واحد من السلف إن ناشئة الليل أوله ~~التي منها ينشأ الليل والصحيح أنها لا تختص بالساعة الأولى بل هي ساعاته ~~ناشئة بعد ناشئة كلما انقضت ساعة نشأت بعدها أخرى وقال أبو عبيدة ناشئة ~~الليل ساعاته وآناؤه ناشئة بعد ناشئة قال الزجاج ناشئة الليل كلما نشأ منه ms234 ~~أي حدث منه فهو ناشئة قال ابن قتيبة هي آناء الليل وساعاته مأخوذة من نشأت ~~تنشأ نشأ أي ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء وأنشأها الله فنشأت والمعنى أن ~~ساعات الليل الناشئة وقول صاحب الصحاح منقول عن كثير من السلف قال علي بن ~~الحسين ناشئة الليل ما بين المغرب إلى العشاء وهذا قول أنس وثابت وسعيد بن ~~جبير والضحاك والحكم واختيار الكسائي قالوا ناشئة الليل أوله وهؤلاء راعوا ~~معنى الأولية في الناشة وفيها قول ثالث أن الليل كله ناشئة وهذا قول عكرمة ~~وأبي مجلز ومجاهد والسدى وابن الزبير وابن عباس في رواية قال ابن أبي مليكة ~~سألت ابن الزبير وابن عباس عن ناشئة الليل فقالا الليل كله ناشئة فهذه ~~أقوال من جعل ناشئة الليل زمانا وأما من جعلها فعلا ينشأ بالليل فالناشئة ~~عندهم اسم لما يفعل بالليل من القيام وهذا قول ابن مسعود ومعاوية بن قرة ~~وجماعة قالوا ناشئة الليل قيام الليل وقال آخرون منهم عائشة إنما يكون ~~القيام ناشئة إذا تقدمه نوم قالت عائشة ناشئة الليل القيام بعد النوم وهذا ~~قول ابن الأعرابي قال اذا نمت من أول الليل نومة ثم قمت فتلك النشأة ومنه ~~ناشئة الليل فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من إضافة نوع إلى جنسه أي ~~ناشئة منه وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في أي طاعة ناشئة فيه والمقصود أن ~~الإنشاء ابتداء سواء تقدمه مثله كالنشأة الثانية أو لم يتقدمه كالنشأة ~~الأولى وأما الجعل فقد أطلق على الله سبحانه بمعنيين أحدهما الإيجاد والخلق ~~والثاني التصيير فالأول يتعدى إلى مفعول كقوله وجعلنا الظلمات والنور ~~والثاني أكثر ما يتعدى إلى مفعولين كقوله @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ ~~وأطلق على العبد بالمعنى الثاني خاصة كقوله @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من ~~الحرث والأنعام نصيبا @QE@ وغالب ما يستعمل في حق العبد في جعل التسمية ~~والاعتقاد حيث لا يكون له صنع في المجعول كقوله @QB@ وجعلوا الملائكة الذين ~~هم عباد الرحمن إناثا @QE@ وقوله @QB@ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا ms235 @QE@ وهذا يتعدى إلى واحد وهو جعل اعتقاد وتسمية ~~وأما الفعل والعمل فإطلاقه على العبد كثير لبئس ما كانوا يفعلون لبئس مل ~~كانوا يعملون بما كنتم تعملون وأطلقه على نفسه فعلا وأسما فالأول كقوله ~~@QB@ ويفعل الله ما يشاء @QE@ والثاني كقوله @QB@ فعال لما يريد @QE@ وقوله ~~@QB@ وكنا فاعلين @QE@ في موضعين من كتابه أحدهما قوله @QB@ وسخرنا مع داود ~~الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين @QE@ والثاني قوله @QB@ يوم نطوي السماء ~~كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين @QE@ ~~فتأمل قوله كنا فاعلين في هذين الموضعين PageV01P133 @ المتضمن للصنع ~~العجيب الخارج عن العادة كيف تجده كالدليل على ما أخبر به وأنه لا يستعصي ~~على الفاعل حقيقة أي شأننا الفعل كما لا يخفى الجهر والاسرار بالقول على من ~~شأنه العلم والخبرة ولا تصعب المغفرة على من شأنه أن يغفر الذنوب ولا الرزق ~~على من شأنه أن يرزق العباد وقد وقع الزجاج على هذا المعنى بعينه فقال وكنا ~~فاعلين قادرين على فعل ما نشاء & الباب الثامن عشر في فعل وافعل في القضاء ~~والقدر والكسب وذكر الفعل والانفعال # ينبغي الاعتناء بكشف هذا الباب وتحقيق معناه فبذلك ينحل عن العبد أنواع ~~من ضلالات القدرية والجبرية حيث لم يعطوا هذا الباب حقه من العرفان # أعلم أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل والعبد فاعل منفعل وهو في فاعليته ~~منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه فالجبرية شهدت كونه منفعلا يجري عليه ~~الحكم بمنزلة الآلة والمحل وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار ولم يجعلوه ~~فاعلا إلا على سبيل المجاز فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة مرض ~~وألم ومات ونحو ذلك مما هو فيه منفعل محض والقدرية شهدت كونه فاعلا فمضا ~~غير منفعل في فعله وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء وأهل العلم والاعتدال ~~أعطوا كلا المقامين حقه ولم يبطلوا أحد الأمرين بالآخر فاستقام لهم نظرهم ~~ومناظرتهم واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه ومهدوا وقوع الثواب والعقاب ~~على من هو أولى به فأثبتوا نطق العبد حقيقة وانطاق الله له حقيقة قال ms236 تعالى ~~@QB@ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ~~@QE@ فالإنطاق فعل الله الذي لا يجوز تعطيله والنطق فعل العبد الذي لا يمكن ~~إنكاره كما قال تعالى @QB@ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ~~@QE@ فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر ~~به وأن هذا حقيقة لا مجاز ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازا لم يكن ناطقا ~~عنده حقيقه فلا يكون التشبيه بنطقه محققا لما أخبر به فتأمله ونظير هذا ~~قوله تعالى @QB@ وأنه هو أضحك وأبكى @QE@ فهو المضحك المبكي حقيقة والعبد ~~الضاحك الباكي حقيقة كما قال تعالى @QB@ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا @QE@ ~~وقال @QB@ أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون @QE@ فلولا المنطق ~~الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك ~~فإذا أحب عبدا أنطقه بما يحب وأثابه عليه وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه ~~فعاقبه عليه وهو الذي أنطق هذا وهذا وأجرى ما يحب على لسان هذا وما يكره ~~على لسان هذا كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه وعلى قلب هذا ما أبكاه ~~وكذلك قوله تعالى @QB@ هو الذي يسيركم في البر والبحر @QE@ وقوله @QB@ قل ~~سيروا في الأرض @QE@ فالتسيير فعله حقيقة والسير فعل العبد حقيقة فالتسيير ~~فعل محض والسير فعل وانفعال ومن هذا قوله تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها ~~وطرا زوجناكها @QE@ فهو سبحانه المزوج ورسوله المتزوج وكذلك قوله @QB@ ~~وزوجناهم بحور عين @QE@ فهو المزوج وهم المتزوجون وقد جمع سبحانه بين ~~الأمرين في قوله @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ فالإزاغة فعله ~~والزيغ فعلهم فإن قيل أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله وأنه ~~لولا إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا ولا ضحكوا ولا بكوا وقد دلت هذا ~~الآية على أن فعله بعد فعلهم وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن PageV01P134 @ زاغوا ~~وهذا يدل على أن إزاغة قلوبهم هو حكمه عليها بالزيغ لا جعلها زائغة وكذلك ~~قوله أنطقنا الله المراد جعل لنا آلة النطق ms237 وأضحك وأبكى جعل لهم آلة الضحك ~~والبكاء قيل أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير الإزاغة ~~التي زاغوا بها أولا عقوبة لهم على زيغهم والرب تعالى يعاقب على السيئة ~~بمثلها كما يثيب على الحسنة بمثلها فحدث لهم زيغ آخر غير الزيغ الأول فهم ~~زاغوا أولا فجازاهم الله بإزاغة فوق زيغهم # فإن قيل فالزيغ الأول من فعلهم وهو مخلوق لله فيهم على غير وجه الجزاء ~~وإلا تسلسل الأمر # قيل بل الزيغ الأول وقع جزاء لهم وعقوبة على تركهم الإيمان والتصديق لما ~~جاءهم من الهدى وهذا الترك أمر عدمي لا يستدعي فاعلا فإن تأثير الفاعل إنما ~~هو في الوجود لا في العدم # فإن قيل فهذا الترك العدمي له سبب أو لا سبب له # قيل سببه عدم سبب ضده فبقي على العدم الأصلي ويشبه هذا قوله @QB@ ولا ~~تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم @QE@ عاقبهم على نسيانهم له بأن ~~أنساهم أنفسهم فنسوا مصالحها أن يفعلوها وعيوبها أن يصلحوها وحظوظها أن ~~يتناولوها ومن أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها وهي لا نعيم ~~لها ولا سرور ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته والإقبال عليه ~~والإعراض عما سواه فأنساهم ذلك لما نسوه وأحدث لهم هذا النسيان نسيانا آخر ~~وهذا ضد حال الذين ذكروه ولم ينسوه فذكرهم مصالح نفوسهم ففعلوها وأوقفهم ~~على عيوبها فأصلحوها وعرفهم حظوظها العالية فبادروا إليها فجازى أولئك على ~~نسيانهم بأن أنساهم الإيمان ومحبته وذكره وشكره فلما خلت قلوبهم من ذلك لم ~~يجدوا عن ضده محيصا وهذا يبين لك كمال عدله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب ~~عليها وإذا كان قضاؤه عليها بالكفر والذنوب عدلا منه عليها فقضاؤه عليها ~~بالعقوبة أعدل وأعدل فهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه وله فيها ~~قضاآن قضاء السبب وقضاء المسبب وكلاهما عدل فيه فإنه لما ترك ذكره وترك فعل ~~ما يحبه عاقبة بنسيان نفسه فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه ويسخطه ~~بقضائه الذي هو عدل فترتب له على هذا الفعل والترك عقوبات ms238 وآلام لم يكن له ~~منها بد بل هي مترتبة عليه ترتب المسببات على أسبابها فهو عدل على محض من ~~الرب تعالى فعدل في العبد أولا وآخرا فهو محسن في عدله محبوب عليه محمود ~~فيه يحدمه من عدل فيه طوعا وكرها قال الحسن لقد دخلوا النار وأن حمده لفي ~~قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا وستزيد هذا الموضع بسطا وبيانا في باب دخول ~~الشر في القضاء الإلهي إن شاء الله إذ المقصود ههنا بيان كون العبد فاعلا ~~منفعلا والفرق في هذا الباب بين فعل وافعل وأن الله سبحانه أفعل والعبد فعل ~~فهو الذي أقام العبد وأضله وأماته والعبد هو الذي قام وضل ومات وأما قولكم ~~أن معنى أنطقه وأضحكه وأبكاه جعل له آلة ينطق بها ويضحك ويبكي فإعطاؤه ~~الآلة وحدها لا يكفي في صدق الفعل بأنه أنطقه وأضحكه فلو أن رجلا صمت يوما ~~كاملا فحلف حالف أن الله أنطقه لكان كاذبا حانثا ولو دعوت كافرين إلى ~~الإسلام فنطق أحدهما بكلمة الشهادة وسكت الآخر لم يقل أحد قط أن الله قد ~~أنطق الساكت كما أنطق المتكلم وكلاهما قد أعطى آلة النطق ومتعلق الأمر ~~والنهي والثواب والعقاب الفعل لا الأفعال # فإن قيل هل تطردون هذا في جميع أفعال العبد من كفره وزناه وسرقته فتقولون ~~ان الله أفعله وهو الذي فعل أو تخصون ذلك ببعض الأفعال فيظهر تناقضكم # قيل ههنا أمران أمر لغوي وأمر معنوي فأما اللغوي فإن ذلك لا يطرد في لغة ~~PageV01P135 @ العرب لا يقولون أزنى الله الرجل وأسرقه وأشربه وأقتله إذا ~~جعله يزني ويسرق ويشرب ويقتل وإن كان في لغتها أقامه وأقعده وأنطقه وأضحكه ~~وأبكاه وأضله وقد يأتي هذا مضاعفا كفهمه وعلمه وسيره وقال تعالى @QB@ ~~ففهمناها سليمان @QE@ فالتفيهم منه سبحانه والفهم من نبيه سليمان وكذلك ~~قوله @QB@ وعلمناه من لدنا علما @QE@ فالتعليم منه سبحانه وكذلك التسيير ~~والسير والتعلم من العبد فهذا المعنى ثابت في جميع الأفعال فهو سبحانه هو ~~الذي جعل العبد فاعلا كما قال @QB@ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا @QE@ @QB@ ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ms239 @QE@ فهو سبحانه الذي جعل أئمة الهدى يهدون ~~بأمره وجعل أئمة الضلال والبدع يدعون إلى النار فامتناع إطلاق أكلمه فتكلم ~~لا يمنع من إطلاق أنطقه فنطق وكذلك امتناع إطلاق أهداه بأمره وادعاه إلى ~~النار لا يمنع من إطلاق جعله يهدي بأمر ويدعو إلى النار # فإن قيل ومع ذلك كله هل تقولون أن الله سبحانه هو الذي جعل الزانيين ~~يزنيان وهو الذي جمع بينهما على الفعل وساق أحدهما إلى صاحبه # قيل أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل ~~فيطلقها من يريد حقها فينكرها من يريد باطلها فيرد عليه من يريد حقها وهذا ~~باب إذا تأمله الذكي الفطن رأى منه عجائب وخلصه من ورطات تورط فيها أكثر ~~الطوائف فالجعل المضاف إلى الله سبحانه يراد به الجعل الذي يحبه ويرضاه ~~والجعل الذي قدره وقضاه قال الله @QB@ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا ~~وصيلة ولا حام @QE@ فهذا نفي لجعله الشرعي الديني أي ما شرع ذلك ولا أمر به ~~ولا أحبه ورضيه وقال تعالى @QB@ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار @QE@ فهذا ~~بعل كوني قدري أي قدرنا ذلك وقضيناه وجعل العبد أماما يدعو إلى النار أبلغ ~~من جعله يزني ويسرق ويقتل وجعله كذلك أيضا لفظ مجمل يراد به أنه جبره ~~وأكرهه عليه واضطره إليه وهذا محال في حق الرب تعالى وكماله المقدس يأبى ~~ذلك وصفات كماله تمنع منه كما تقدم ويراد به أنه مكنه من ذلك وأقدره عليه ~~من غير أن يضطره إليه ولا إكرهه ولا أجبره فهذا حق # فإن قيل هذا كله عدول عن المقصود فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من ~~العدم إلى الوجود # قيل الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود ~~بأقدار الله له على ذلك وتمكينه منه من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى ~~فعلها # فإن قيل فمن الذي خلقها إذا # قيل لكم ومن الذي فعلها فإن قلتم الرب سبحانه هو الفاعل للفسوق والعصيان ~~أكذبكم العقل والفطرة وكتب الله المنزلة وإجماع رسله ms240 وإثبات حمده وصفات ~~كماله فإن فعله سبحانه كله خير وتعالى أن يفعل شرا بوجه من الوجوه فالشر ~~ليس إليه والخير هو الذي إليه ولا يفعل إلا خيرا ولا يريد إلا خيرا ولو شاء ~~لفعل غير ذلك ولكنه تعالى تنزه عن فعل مالا ينبغي وإرادته ومشيئته كما هو ~~منزه عن الوصف به والتسمية به # وإن قلتم العبد هو الذي فعلها بما خلق فيه من الإرادة والمشيئة # قيل فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها بهذا الاعتبار ولو سلك الجبري ~~مع القدري هذا المسلك لاستراح معه وأراحه وكذلك القدري معه ولكن انحرف ~~الفريقان عن سواء السبيل كما قال % سارت مشرقة وسرت مغربا % شتان بين مشرق ~~ومغرب % فإن قيل فهل يمكنه الامتناع منها وقد خلقت فيه نفسها أو أسبابها ~~الموجبة لها وخلق السبب الموجب خلق لمسببه وموجبه قيل هذا السؤال يورد على ~~وجهين أحدهما أن يراد به أنه يصير مضطرا إليها PageV01P136 @ ملجأ إلى ~~فعلها بخلقها أو خلق أسبابها بحيث لا يبقى له اختيار في نفسه ولا إرادة ~~وتبقى حركته قسرية لا إرادية الثاني أنه هل لاختياره وإرادته وقدرته تأثير ~~فيها أو التأثير لقدرة الرب ومشيئته فقط وذلك هو السبب الموجب للفعل فإن ~~أوردتموه على الوجه الأول فجوابه أنه يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل ولا يصير ~~مضطرا ملجأ بخلقها فيه ولا بخلق أسبابها ودواعيها فإنها إنما خلقت فيه على ~~وجه يمكنه فعلها وتركها ولو لم يمكنه الترك لزم اجتماع النقيضين وأن يكون ~~مريدا غير مريد فاعلا غير فاعل ملجأ غير ملجأ وأن أوردتموه على الوجه ~~الثاني فجوابه أن لإرادته واختياره وقدرته أثرا فيها وهي السبب الذي خلقها ~~الله به في العبد فقولكم أنه لا يمكنه الترك مع الاعتراف بكونه متمكنا من ~~الفعل جمع بين النقيضين فإنه إذا تمكن من الفعل كان الفعل اختياريا إن شاء ~~فعله وإن شاء لم يفعله فكيف يصح أن يقال لا يمكنه ترك الفعل الاختياري ~~الممكن هذا خلف من القول وحقيقة الأمر أنه يمكنه الترك لو أراده لكنه لا ~~يريده ms241 فصار لازما بالإرادة الجازمة # فإن قيل فهذا يكفي في كونه مجبورا عليه # قيل هذا من أدل شيء على بطلان الجبر فإنه إنما لزم بإرادته المنافية ~~للجبر ولو كان وجوب الفعل بالإرادة يقتضي الجبر لكان الرب تعالى وتقدس ~~مجبورا على أفعاله لوجوبها بإرادته ومشيئته وذلك محال # فإن قيل الفرق أن إرادة الرب تعالى من نفسه لم يجعله غيره مريدا والعبد ~~إرادته من ربه إذ هي مخلوقة له فإنه هو الذي جعله مريدا # قيل هذا موضع اضطرب فيه الناس فسلكت فيه القدرية واديا وسلكت الجبرية ~~واديا فقالت القدرية العبد هو الذي يحدث إرادته وليست مخلوقة لله والله ~~مكنه من إحداث إرادته بأن خلقه كذلك وقالت الجبرية بل الله هو الذي يحدث ~~إرادات العبد شيئا بعد شيء فإحداث الإرادات فيه كإحداث لونه وطوله وقصره ~~وسواده وبياضه مما لا صنع له فيه البتة فلو أراد أن لا يريد لما أمكنه ذلك ~~وكان كما لو أراد أن يكون طوله وقصره ولونه على غير ما هو عليه فهو مضطر ~~إلى الإرادة وكل إرادة من إراداته فهي متوقفة على مشيئة الرب لها بخصوصها ~~فهي مرادة له سبحانه كما هي معلومة مقدورة فلزمهم القول بالجبر من هذه ~~الجهة ومن جهة تفيهم أن يكون لإرادة العبد وقدرته أثر في الفعل # فإن قيل فأي واد تسلكونه غير هذين الواديين وأي طريق تمرون فيها سوى هذين ~~الطريقين # قيل نعم ههنا طريقة ثالثة لم يسلكها الفريقان ولم يهتد إليها الطائفتان ~~ولو حكمت كل طائفة ما معها من الحق والتزمت لوازمه وطردته لساقها إلى هذه ~~الطريق ولأوقعها على المحجة المستقيمة فنقول وبالله التوفيق وهو المستعان ~~وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله # العبد بجملته مخلوق لله جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله فهو مخلوق من ~~جميع الوجوه وخلق على نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله وتلك ~~النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه فهو الذي خلقه وكونه كذلك وهو لم يجعل ~~نفسه كذلك بل خالقه وباريه جعله محدثا لإرادته وأفعاله وبذلك أمره ونهاه ms242 ~~وأقام عليه حجته وعرضه للثواب والعقاب فأمره بما هو متمكن من إحداثه ونهاه ~~عما هو متمكن من تركه ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكنه ~~منها وأقدره عليها وناطها به وفطر خلقه على مدحه وذمه عليها مؤمنهم وكافرهم ~~المقر بالشرائع منهم والجاحد لها فكان مريدا شائيا بمشيئة الله له ولولا ~~مشيئة الله أن يكون ش شائيا لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائيا فالرب ~~سبحانه أعطاه مشيئة وقدره وإرادة وعرفه ما ينفعه وما يضره وأمره أن يجري ~~مشيئته وإرادته PageV01P137 @ وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية ~~صلاحه فإجراؤها في طريق هلاكه بمنزلة من أعطى عبده فرسا يركبها وأوقفه على ~~طريق نجاه وهلكه وقال أجرها في هذه الطريق فعدل بها إلى الطريق الأخرى ~~وأجراها فيها فغلبته بقوة رأسها وشدة سيرها وعز عليه ردها عن جهة جريها ~~وحيل بينه وبين أدارتها إلى ورائها مع اختيارها وإرادتها فلو قلت كان ردها ~~عن طريقها ممكنا له مقدورا أصبت وإن قلت لم يبق في هذه الحال بيده من أمرها ~~شيء ولا هو متمكن أصبت بل قد حال بينه وبين ردها من يحول بين المرء وقلبه ~~ومن يقلب أفئدة المعاندين وأبصارهم وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة فتأمل ~~حال من عرضت له سورة بارعة الجمال فدعاه حسنها إلى محبتها فنهاه عقله وذكره ~~ما في ذلك من التلف والعطب وأراه مصارع العشاق عن يمينه وعن شماله ومن بين ~~يديه ومن خلفه فعاد يعاود النظر مرة مرة ويحث نفسه على التعلق وقوة الإرادة ~~ويحرض على أسباب المحبة ويدني الوقود من النار حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ~~ورمت بشررها وقد أحاطت به طلب الخلاص قال له القلب هيهات لات حين مناص ~~وأنشده % تولع بالعشق حتى عشق % فلما استقل به لم يطق % % رأى لجة ظنها ~~موجة % فلما تمكن منها غرق % فكان الترك أولا مقدورا له لما لم يوجد السبب ~~التام والإرادة الحازمة الموجبة للفعل فلما تمكن الداعي واستحكمت الإرادة ~~قال المحب لعاذله % يا عاذلي والأمر في ms243 يده % هلا عذلت وفي يدي الأمر % ~~فكان أول الأمر إرادة واختيار ومحبة ووسطه اضطرارا وآخره عقوبة وبلاء ومثل ~~هذا برجل ركب فرسا لا يملكه راكبه ولا يتمكن من رده وأجراه في طريق ينتهي ~~به إلى موضع هلاك فكان الأمر إليه قبل ركوبها فلما توسطت به الميدان خرج ~~الأمر عن يده فلما وصلت به إلى الغاية حصل على الهلاك ويشبه هذا حال ~~السكران الذي قد زال عقله إذا جنى عليه في حال سكره لم يكن معذورا لتعاطيه ~~السبب اختيارا فلم يكن معذورا بما ترتب عليه اضطرارا وهذا مأخذ من أوقع ~~طلاقه من الأئمة ولهذا قالوا إذا زال عقله بسبب يعذر فيه لم يقع طلاقه ~~فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته والذين لو يوقعوا الطلاق قولهم ~~أفقه كما أفتى به عثمان بن عفان ولم يعلم له في الصحابة مخالف ورجع عليه ~~الإمام أحمد واستقر عليه قوله فإن الطلاق ما كان عن وطر والسكران لا وطر له ~~في الطلاق وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم عدم الطلاق في حال الغلق ~~والسكر من الغلق كما أن الإكراه والجنون من الغلق بل قد نص الإمام أحمد ~~وأبو عبيد وأبو داود على أن الغضب إغلاق وفسر به الإمام أحمد الحديث في ~~رواية أبي طالب وهذا يدل على أن مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع وهذا هو ~~الصحيح الذي يفتي به إذا كان الغضب شديدا قد أغلق عليه قصده فإنه يصير ~~بمنزلة السكران والمكره بل قد يكونان أحسن حالا منه فإن العبد في حال شدة ~~غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال وقد أخبر الله ~~سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذا الحال ولو أجابه لقضى إليه ~~أجله وقد عذر سبحانه من اشتد به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة بعدما ~~يأس منها فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك ولم يجعله بذلك كافرا لأنه أخطأ ~~بهذا القول من شدة الفرح فكمال PageV01P138 @ رحمته وإحسانه وجوده يقتضي أن ~~لا ms244 يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه وأهله وولده ولا بطلاقه لزوجته وأما ~~إذا زال عقله بالغضب فلم يعقل ما يقول فإن الأمة متفقة على أنه لا يقع ~~طلاقه ولا عتقه ولا يكفر بما يجري على لسانه من كلمة الكفر & الباب التاسع ~~عشر في ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس مذاكرة # قال الجبري القول بالجبر لازم لصحة التوحيد ولا يستقيم التوحيد إلا به ~~لأنا إن لم نقل بالجبر أثبتنا فاعلا للحوادث مع الله إن شاء فعل وإن شاء لم ~~يفعل وهذا شرك ظاهر لا يخلص منه إلا القول بالجبر قال السني بل القول ~~بالجبر مناف للتوحيد ومع منافاته للتوحيد فهو مناف للشرائع ودعوة الرسل ~~والثواب والعقاب فلو صح الجبر لبطلت الشرائع وبطل الأمر والنهي ويلزم من ~~بطلان ذلك بطلان الثواب والعقاب قال الجبري ليس من العجب دعواك منافاة ~~الجبر للأمر والنهي والثواب والعقاب فإن هذا لم يزل يقال وإنما العجب دعواك ~~منافاته للتوحيد وهو من أقوى أدلة التوحيد فكيف يكون المصور للشيء المقوى ~~له منافيا له قال السني منافاته للتوحيد من أظهر الأمور ولعلها أطهر من ~~منافاته الأمر والنهي وبيان ذلك أن أصل عقد التوحيد واثباته هو شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والجبر ينافي الكلمتين فإن الإله هو ~~المستحق لصفات الكمال المنعوت بنعوت الجلال وهو الذي تألهه القلوب وتصمد ~~إليه بالحب والخوف والرجاء فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو أفراد الرب ~~بالتأله الذ ي هو كمال الذل والخضوع والانقياد له مع كمال المحبة والإثابة ~~وبذل الجهد في طاعته ومرضاته وإيثار محابه ومراده الديني على محبة العبد ~~ومراده فهذا أصل دعوة الرسل وإليه دعوا الأمم وهو التوحيد الذي لا يقبل ~~الله من أحد دينا سواه لا من الأولين ولا من الآخرين وهو الذ ي أمر به رسله ~~وأنزل به كتبه ودعا إليه عباده ووضع لهم دار الثواب والعقاب لأجله وشرع ~~الشرائع لتكميله وتحصيله وكان من قولك أيها الجبري أن العبد لا قدرة له على ms245 ~~هذا البتة ولا أثر له فيه ولا هو فعله وأمره بهذا أمر له بما لا يطيق بل ~~أمر له بإيجاد فعل الرب وأن الرب سبحانه أمره بذلك وأجبره على ضده وحال ~~بينه وبين ما أمره به ومنعه منه وصده عنه ولم يجعل له إليه سبيلا بوجه من ~~الوجوه مع قولك أنه لا يحب ولا يحب فلا تتألهه القلوب بالمحبة والود والشوق ~~والطلب وإرادة وجهه والتوحيد معنى ينتظم من إثبات الخفيه واثبات العبودية ~~فرفعت معنى الإلهية بإنكار كونه محبوبا مودودا تتنافس القلوب في محبته ~~وإرادة وجهه والشوق إلى لقائه ورفعت حقيقة العبودية بإنكار كون العبد فاعلا ~~وعابدا ومحبا فإن هذا كله مجاز لا حقيقة له عندك فضاع التوحيد بين الجبر ~~وإنكار محبته وإرادة وجهه لا سيما والوصف الذي وصفته به منفر للقلوب عنه ~~حائل بينها وبين محبته فإنك وصفته بأنه يأمر عبده بما لا قدرة له على فعله ~~وينهاه عما لا يقدر على تركه بل يأمره بفعله هو سبحانه وينهاه عن فعله هو ~~سبحانه ثم يعاقبه أشد العقوبة على ما لم يفعله البتة بل يعاقبه على أفعاله ~~هو سبحانه وصرحت بأن عقوبته على ترك ماأمره وفعل ما نهاه بمنزله عقوبته على ~~ترك طيرانه إلى السماء وترك تحويله للجبال عن أماكنها ونقله مياه البحار عن ~~مواضعها وبمنزلة عقوبته له على ما لا صنع له فيه من لونه وطوله وقصره وصرحت ~~بأنه يجوز عليه أن يعذب أشد العذاب لمن لم يعصه طرفة عين وأن حكمته ورحمته ~~PageV01P139 @ لا تمنع ذلك بل هو جائز عليه ولولا خبره عن نفسه بأنه لا ~~يفعل ذلك لم ننزهه عنه وقلت أن تكليفه عبادة بما كلفهم بمنزلة تكليف الأعمى ~~للكتابة والزمن للطيران فبغضت الرب إلى من دعوته إلى هذا الإعتقاد ونفرته ~~عنه وزعمت أنك تقرر بذلك توحيده وقد قلعت شجرة التوحيد من أصلها وأما ~~منافاة الجبر للشرائع فأمر ظاهر لا خفاء به فإن مبنى الشرائع على الأمر ~~والنهي وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور ونهيه عن فعله ms246 لا فعل ~~المنهي عبث ظاهر فإن متعلق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته فمن لا ~~فعل له كيف يتصور أن يوقعه بطاعة أو معصية وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة ~~والمعصية ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب وكان ما يفعله الله بعباده يوم ~~القيامة من النعيم والعذاب أحكاما جارية بمحض المشيئة والقدرة لا أنها ~~بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم بل ههنا أمر آخر وهو أن الجبر مناف للخلق كما هو ~~مناف للأمر فإن الله سبحانه له الخلق والأمر وما قامت السماوات إلا بعد له ~~فالخلق قام بعدله ولعدله ظهر كما أن الأمر بعدله وبعدله وجد فالعدل سبب ~~وجود الخلق والأمر وغايته فهو علية الفاعلية الغائية والجبر لا يجامع العدل ~~ولا يجامع الشرع والتوحيد قال الجبري لقد نطقت أيها السني بغطيم وفهمت ~~بكبير وناقضت بين متوافقين وخالفت بين متلازمين فإن أدلة العقول والشرع ~~المنقول قائمة على الجبر وما دل عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب العقل ~~والشرع فاسمع الآن الدليل الباهر والبرهان القاهر على الجبر ثم تتبعه ~~بأمثال فنقول صدور الفعل عند حصول القدرة والداعي إما أن يكون واجبا أولا ~~يكون واجبا فإن كان واجبا كان فعل العبد اضطرا وذلك عين الجبر لأن حصول ~~القدرة والداعي ليس بالعبد والالزم التسلسل وهو ظاهر وإذا كان كذلك فعند ~~حصولهما يكون واجبا وعند عدم حصولهما يكون الفعل ممتنعا فكان الجبر لازما ~~لا محالة وأما إن لم يكن حصول الفعل عند حصول القدرة والداعي واجبا فأما أن ~~يتوقف رجحان الفعل على رجحان الترك على مرجح أولا يتوقف فإن توقف كان حصول ~~ذلك الفعل عند حصول المرجح واجبا والإعاد الكلام ولزم التسلسل وإذا كان ~~واجبا كان اضطراريا وهو عين الجبر وإن لم يتوقف على مرجح كان جائز الوقوع ~~وجائز العدم فوقوعه بغير مرجح يستلزم حصول الأثر بلا مؤثر وذلك محال # فإن قلت المرجح هو إرادة العبد # قلت لك إرادة العبد حادثة والكلام في حدوثها كالكلام في حدوث المراد بها ~~ويلزم التسلسل قال السني هذا أحد سهم في كنانتك وهو بحمد الله سهم ms247 لا ريش ~~له ولا نصل مع عوجه وعدم استقامته وأنا استفسرك عما في هذه الحجة من ~~الألفاظ المجملة المستعملة على حق وباطل وأبين فسادها فما تعنى بقولك إن ~~كان الفعل عند القدرة والداعي واجبا كان فعل العبد اضطراريا وهو عين الجبر ~~أتعني به أن يكون مع القدرة والداعي بمنزلة حركة المرتعش وحركة من نفضته ~~الحمى وحركة من رمى به من مكان عال فهو يتحرك في نزوله اضطرارا منه أم تعني ~~به أن الفعل عند اجتماع القدرة والداعي يكون لازم الوقوع بالقدرة فإن أردت ~~بكونه اضطراريا المعنى الأول كذبتك العقول والفطر والحس والعيان فإن الله ~~فطر عباده على التفريق بين حركة من رمى به من شاهق فهو يتحرك إلى أسفل وبين ~~حركة من يرقى في الجبل إلى علوه وبين حركة المرتعش وبين حركة المصفق وبين ~~حركة الزاني والسارق والمجاهد والمصلي وحركة المكتوف الذي قد أوثق رباطا ~~وجر على الأرض فمن سوى بين الحركتين فقد خلع ربقه العقل والفطرة ~~PageV01P140 @ والشرعة من عنقه وإن أردت المعنى الثاني وهو كون العقل لازم ~~الوجود عند القدرة والداعي كان لازم الوجود وهذا لا فائدة فيه وكونه لازما ~~وواجبا بهذا المعنى لا ينافي كونه مختارا مرادا له مقدورا له غير مكره عليه ~~ولا مجبور فهذا الوجوب واللزوم لا ينافي الاختيار ثم نقول لو صحت هذه الحجة ~~لزم أن يكون الرب سبحانه مضطرا على أفعاله مجبورا عليها بمعنى ما ذكرت من ~~مقدماتها وأنه سبحانه يفعل بقدرته ومشيئته وما ذكرت من وجوب الفعل عند ~~القدرة والداعي وامتناعه عند عدمهما ثابت في حقه سبحانه وقد اعترف أصحابك ~~بهذا الإلزام وأجابوا عنه بما لا يجدي شيئا قال ابن الخطيب عقيب ذكر هذه ~~الشبهة فإن قلت هذا ينفي كونه فاعلا مختارا قلت الفرق أن إرادة العبد محدثة ~~فافتقرت إلى إرادة يحدثها الله دفعا للتسلسل وإرادة الباري قديمة فلم يفتقر ~~إلى إرادة أخرى ورد هذا الفرق صاحب التحصيل فقال ولقائل أن يقول هذا لا ~~يدفع التقسيم المذكور قلت فإن التقسيم متردد بين لزوم ms248 الفعل عند الداعي ~~وامتناعه عند عدمه وهذا التقسيم ثابت في حق الغائب والشاهد وكون إرادة الرب ~~سبحانه قديمة من لوازم ذاته لا فاعل لها لا يمنع هذا الترديد والتقسيم فإن ~~عند تعلقها بالمراد يلزم وقوعه وعند عدم تعلقها به يمتنع وقوعه وهذا اللزوم ~~والامتناع لا يخرجه سبحانه عن كونه فاعلا مختارا ثم نقول هذا المعنى لا ~~يسمى جبرا ولا اضطرارا فإن حقيقة الجبر ما حصل بإكراه غير الفاعل له على ~~الفعل وحمله على إيقاعه بغير رضاه واختياره والرب سبحانه هو الخالق للإرادة ~~والمحبة والرضا في قلب العبد فلا يسمى ذلك جبرا لا لغة ولا عقلا ولا شرعا ~~ومن العجب احتجاجك بالقدرة والداعي على أن الفعل الواقع بهما اضطراري من ~~العبد والفعل عندكم لم يقع بهما ولا هو فعل العبد بوجه وإنما هو عين فعل ~~الله وذلك لا يتوقف على قدرة من العبد ولا داع منه ولا هناك ترجيح له عند ~~وجودهما ولا عدم ترجيح عند عدمهما بل نسبة الفعل إلى القدرة والداعي كنسبته ~~إلى عدمهما فالفعل عندك غير فعل الله فلا ترجيح هناك من العبد ولا مرجح ولا ~~تأثير ولا أثر قال السني وقد أجابك إخوانك من القدرية عن هذه الحجة بأجوبة ~~أخرى فقال أبو هاشم وأصحابه لا يتوقف فعل القادر على الداعي بل يكفي في ~~فعله مجرد قدرته قالوا فقولك عند حصول الداعي أما أن يجب الفعل أو لا يجب ~~عندنا لا يجب الفعل بالداعي ولا يتوقف عليه ولا يمكنك أيها الجبري الرد على ~~هؤلاء فإن الداعي عندك لا تأثير له في الفعل البتة ولا هو متوقف عليه ولا ~~على القدرة فإن القدرة الحادثة عندك لا تؤثر في مقدورها فكيف يؤثر الداعي ~~في الفعل فهذه الحجة لا تتوجه على أصولك البتة وغايتها الزام خصومك بها على ~~أصولهم وقال أبو الحسين البصري وأصحابه يتوقف الفعل على الداعي ثم قال أبو ~~الحسين إذا تجرد الداعي وجب وقوع الفعل ولا يخرج بهذا الوجوب عن كونه ~~اختياريا وقال محمود الخوارزمي صاحبه لا ينتهي ms249 بهذا الداعي إلى حد الوجوب ~~بل يكون وجوده أولى قالوا فنجيبك عن هذه الشبهة على الرأيين جميعا أما على ~~رأي أبي هاشم فنقول صدور إحدى الحركتين عنه دون الأخرى لا يحتاج إلى مرجح ~~بل من شأن القادر أن يوقع الفعل من غير مرجح لجانب وجوده على عدمه قالوا ~~ولا إستبعاد في العقل في وجود مخلوق متمكن من الفعل بدلا عن الترك وبالضد ~~من غير مرجح كما أن النائم والساهي يتحركان من غير داع وإرادة فإن قلتم بل ~~هناك داع وإرادة لا يذكرها النائم والناسي كان ذلك مكابرة قلت وأصحاب هذا ~~القول يقولون أن PageV01P141 @ القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل ~~وأصحاب القول الأول يقولون بل يفعل مع وجوب أن يفعل ومحمود الخوارزمي توسط ~~بين المذهبين وقال بل يفعل مع أولوية أن يفعل ولا ينتهي الترجيح إلى حد ~~الوجوب فالأقوال خمسة أحدها أن الفعل موقوف على الداعي فإذا إنضمت القدرة ~~إليه وجب الفعل بمجموع الأمرين وهذا قول جمهور العقلاء ولم يصنع ابن الخطيب ~~شيئا في نسبته له إلى الفلاسفة وأبي الحسين البصري من المعتزلة الثاني أن ~~الفعل يجب بقدرة الله وقدرة العبد وهذا قول من يقول أن قدرة العبد مؤثرة في ~~مقدوره مع قدرة الله على عين مقدور العبد وهذا قول أبي إسحاق وإختيار ~~الجويني في النظامية الثالث قول من يقول يجب بقدرة الله فقط وهذا قول ~~الأشعري والقاضي أبي بكر ثم إختلفا فقال القاضي كونه فعلا واقع بقدرة الله ~~وكونه صلاة أو حجا أو زنا أو سرقة واقع بقدرة العبد فتأثير قدرة الله في ~~ذات الفعل وتأثير قدرة العبد في صفة الفعل وقال الأشعري أصل الفعل ووصفه ~~واقعان بقدرة الله ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا الرابع قول من ~~يقول لا يجب الفعل من القادر البتة بل القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا ~~يفعل فلا ينتهي فعل القادر المختار إلى الوجوب أصلا وهذا قول أبي هاشم ~~وأصحابه الخامس أن يكون عند الداعي أولى بالوقوع ms250 ولا ينتهي إلى حد الوجوب ~~وهذا قول الخوارزمي وقد سلم أبو الحسين أن الفعل يجب مع الداعي وسلم أن ~~الداعي مخلوق لله وقال أن العبد مستقل بإيجاد فعله قال والعلم بذلك ضروري ~~قال ابن الخطيب وهذا غلو منه في القدر وقوله أنه يتوقف على الداعي والداعي ~~خلق لله غلو في الجبر فجمع بين القدر والجبر مع غلوة فيهما ولم ينصفه فليس ~~ما ذهب إليه غلو في قدر ولا جبر فإن توقف الفعل على الداعي ووجوبه عنده ~~بقدرة العبد ليس جبرا فضلا أن يكون غلوا فيه وكون العبد محدثا لفعله ضرورة ~~بما خلقه الله فيه من القدرة والإختيار ليس قولا بمذهب القدرية فضلا عن ~~كونه غلوا فيه $ فصل # قال الجبري إذا كان الداعي ليس من أفعالنا وهو علم القادر أن في ذلك ~~الفعل مصلحة له وذلك أمر مركوز في طبيعته التي خلق عليها وذلك مفعول لله ~~فيه والفعل واجب عنده فلا معنى للجبر إلا هذا # قال له السني أخوك القدري يجيبك عن هذا بأن ذلك الداعي قد يكون جهلا ~~وغلطا وهذه أمور يحدثها الإنسان في نفسه فيفعل على حسب ما يتوهم أن فيه ~~مصلحته صادفها أو لم يصادفها فالداعي لا ينحصر في العلم خاصته # قال الجبري لا يساوي هذا الجواب شيئا فإن العطشان مثلا يدعوه الداعي إلى ~~شرب الماء لعلمه بنفعه وشهوته وميله إلى شربه وذلك العلم وتلك الشهوة ~~والميل إلى الشرب من فعل الله فيجب على القدري أن يترك مذهبه صاغرا داخرا ~~ويعترف بأن ذلك الفعل مضاف إلى من خلق فيه الداعي المقتضى # قال القدري ذلك الداعي وإن كان من فعل الله إلا أنه جار مجرى فعل المكلف ~~لأنه قادر على أن يبطل أثره بأن يستحضر صارفا عن الشرب مثل أن يحجم عن ~~الشراب تجربة هل يقدر على مخالفة الداعي أم لا فاحجامه لأجل التجربة أثر ~~داع ثان هو الصارف يعارض الداعي فالحي قادر على تحصيله وقادر على إبقاء ~~الداعي الأول بحاله فإبقاؤه الداعي الاول بحاله وإعراضه عن إحضار المعارض ms251 ~~له أمر لولاه ما حصل الشرب فمن هذا الوجه كان الشرب فعلا له لأنه قادر على ~~تحصيل الأسباب المختلفة التي تصدر عنها الآثار ويصير هذا PageV01P142 @ كمن ~~شاهد إنسانا في نار متأججة وهو قادر على إطفائها عنه من غير مشقة ولا مانع ~~فإنه إن لم يطفئها إستحق الذم وإن كان الإحراق من أثر النار وقد أجاب ابن ~~أبي الحديد بجواب آخر فقال ويمكن أن يقال إذا تجرد الداعي كما ذكرتم في ~~صورة العطشان فإن التكليف بالفعل والترك يسقط لأنه يصير أسوأ حالا من ~~الملجأ وهذا من أفسد الأجوبة على أصول جميع الفرق فإن مقتضى التكليف قائم ~~فكيف يسقط مع حضور الفعل والقدرة وهذا قسم رابع من الذين رفع عنهم التكليف ~~أثبته هذا القدري زائدا على الثلاثة الذين رفع عنهم القلم وهذا خرق منه ~~لإجماع الأمة المعلوم بالضرورة ولو سقط التكليف عند تجرد الداعي لكان كل من ~~تجرد داعيه إلى فعل ما أمر به قد سقط عنه التكليف وهذا القول أقبح من القول ~~بتكليف ما لا يطاق ولهذا كان القائلون به أكثر من هذا القائل وقولهم يحكى ~~ويناظر عليه # قال الجبري إذا كان الداعي من الله وهو سبب الفعل والفعل واجب عنده كان ~~خالق الفعل هو خالق الداعي أي خالق السبب # قال السني هذا حق فإن الداعي مخلوق لله في العبد وهو سبب الفعل والفعل ~~يضاف إلى الفاعل لأنه صدر منه ووقع بقدرته ومشيئته وإختياره وذلك لا يمنع ~~إضافته بطريق العموم إلى من هو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير وأيضا ~~فالداعي ليس هو المؤثر بل هو شرط في تأثير القادر وكون الشرط ليس من العبد ~~لا يخرجه عن كونه فاعلا وغاية قدرة العبد وإرادته الجازمة أن يكون شرطا أو ~~جزء سبب والفعل موقوف على شروط وأسباب لا صنع للعبد فيها البتة وأسهل ~~الأفعال رفع العين لرؤية الشيء فهب أن فتح العين فعل العبد إلا أنه لا ~~يستقل بالإدراك فإن تمام الإدراك موقوف على خلق الدرك وكونه قابلا للرؤية ~~وخلق ms252 آلة الإدراك وسلامتها وصرف الموانع عنها فما تتوقف عليه الرؤية من ~~الأسباب والشروط التي لا تدخل تحت مقدور العبد أضعاف أضعاف ما يقدر عليه من ~~تقليب حدقته نحو المرئي فكيف يقول عاقل أن جزء السبب أو الشرط موجب مستقل ~~لوجود الفعل وهذا الموضع مما ضل فيه الفريقان حيث زعمت القدرية أنه موجب ~~للفعل وزعمت الجبرية أنه لا أثر له فيه فخالفت الطائفتان صريح المعقول ~~والمنقول وخرجت عن السمع والعقل والتحقيق أن قدرة العبد وإرادته ودواعيه ~~جزء من أجزاء السبب التام الذي يجب به الفعل فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل ~~مع أن أكثر أسبابه ليست إليه فقد خرج عن موجب العقل والشرع فهب أن دواعي ~~حركة الضرب منك مستقلا بها فهل سلامة الآلة منك وهل وجود المحل المنفعل ~~وقبوله منك وهل خلق الفضاء بينك وبين المضروب وخلوه عن المانع منك وهل ~~إمساك قدرته عن مضاربتك وغلبك منك وهل القوة التي في اليد والرباطات ~~والإتصالات التي بين عظامها وشد أسرها منك ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ~~ما في الفعل وأن وجود قدرته وإرادته وعدمهما بالنسبة إلى الفعل على السواء ~~فقد كابر العقل والحس # قال الجبري إن إنتهت سلسلة الترجيحات إلى مرجح من العبد فذلك المرجح ممكن ~~لا محالة فإن ترجح بلا مرجح إنسد عليكم باب إثبات الصانع إذا جوزتم رجحان ~~أحد طرفي الممكن وإن توقف على مرجح آخر لزم التسلسل فلا بد من إنتهائه إلى ~~مرجح من الله لا صنع للعبد فيه قال السني إما أخوانك القدرية فإنهم يقولون ~~القادر المختار يحدث إرادته وداعيته بلا مرجح من غيره قالوا والفطرة شاهدة ~~بذلك فإنا لا نفعل ما لم نرد ولا نريد ما لم نعلم إن في الفعل منفعة لها أو ~~دفع مضرة ولا نجد لهذه الإرادة إرادة PageV01P143 @ أحدثتها ولا لعلمنا بأن ~~لك نافع علما آخر أحدثه فالمرجح هو ما خلق عليه العبد وفطر عليه من صفاته ~~القائمة به فالله سبحانه أنشأ العبد نشأة يتحرك فيها بالطبع فحركته ~~بالإرادة والمشيئة من ms253 لوازم نشئه وكونه حيوانا فإرادته وميله من لوازم كونه ~~حيا فأفعال العبد الخاصة به هي الدواعي والإرادات لا غير وما يقع بها من ~~الأفعال شبيه بالفعل المتولد من حيث كان المتولد سببا وهذه الأفعال صادرة ~~عن الدواعي التي عرفها العبد ابتداء من غير واسطة فإشتراكهما في أن كل واحد ~~منهما مستند إلى فعل خاص بالعبد فهما متماثلان من هذه الجهة قال السني وهذا ~~جواب باطل بأبطل منه ورد فاسد بأفسد منه ومعاذ الله والله أكبر وأجل وأعظم ~~وأعز أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له ولا هو داخل تحت قدرته ومشيئته فما ~~قدر الله حق قدره من زعم ذلك ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق تعظيمه بل ~~العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق لله خلقا تصرف ~~به في عبده وقد بينا أن قدرته وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء سبب الفعل غير ~~مستقل بإيجاده ومع ذلك فهذا الجزء مخلوق لله فيه فهو عبد مخلوق من كل وجه ~~وبكل إعتبار وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته وقلبه بيد خالقه وبين ~~أصبعين من اصابعهم يقلبه كيف يشاء فيجعله مريدا لما شاء وقوعه منه كارها ~~لما لم يشأ وقوعه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ونعم والله سلسلة المرجحات ~~تنتهي إلى أمر الله الكوني ومشيئته النافذة التي لا سبيبل لمخلوق إلى ~~الخروج عنها ولكن الجبر لفظ مجمل يراد به حق وباطل كما تقدم فإن أردتم به ~~أن العبد مضطر في أفعاله وحركته في الصعود في السلم كحركته في وقوعه منه ~~فهذا مكابرة للعقول والفطر وإن أردتم به أنه لا حول له ولا قوة إلا بربه ~~وفاطره فنعم لا حول ولا قوة إلا بالله وهي كلمة عامة لا تخصيص فيها بوجه ما ~~فالقوة والقدرة والحول بالله فلا قدرة له ولا فعل إلا بالله فلا ننكر هذا ~~ولا نجحده لتسمية القدري له جبرا فليس الشأن في الأسماء إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ms254 بها من سلطان فلا نترك لهذه الأسماء ~~مقتضى العقل والإيمان والمحذور كل المحذور أن نقول أن الله يعذب عبده على ~~ما لاصنع له فيه ولا قدرة له عليه ولا تأثير له في فعله بوجه ما بل يعذبه ~~على فعله هو سبحانه وعلى حركته إذا سقط من علو إلى سفل نعم لا يمتنع أن ~~يعذبه على ذلك إذ كان قد تعاطي أسبابه بإرادته ومحبته كما يعاقب السكران ~~على ما جناه في حال سكره لتفريطه وعدوانه بإرتكاب السبب وكما يعاقب العاشق ~~الذي غلب على صبره وعقله وخرج الأمر عن يده لتفريطه السابق بتعاطي أسباب ~~العشق وكما يعاقب الذي آل به إعراضه وبغضه للحق إلى أن صار طبعا وقفلا ~~ورينا على قلبه فخرج الأمر عن يده وحيل بينه وبين الهدى فيعاقبه على ما لم ~~يبق له قدرة عليه ولا إرادة بل هو ممنوع منه وعقوبته عليه عدل محض لا ظلم ~~فيه بوجه ما # فإن قيل فهل يصير في هذه الحال مكلفا وقد حيل بينه وبين ما أمر به وصد ~~عنه ومنع منه أم يزول التكليف # قيل ستقف على الجواب الشافي إن شاء الله عن هذا السؤال في باب القول في ~~تكليف ما لا يطاق قريبا فإنه سؤال جيد إذ المقصود ههنا الكلام في الجبر وما ~~في لفظه من الإجمال وما في معناه من الهدى والضلال $ فصل # قال الجبري إذا صدر من العبد حركة معينة فإما أن تكون مقدورة للرب وحده ~~أو العبد وحده أو للرب والعبد اولا للرب ولا للعبد وهذا القسم الأخير باطل ~~قطعا والأقسام PageV01P144 @ الثلاثة قد قال بكل واحد منها طائفة فان كانت ~~مقدورة للرب وحده فهو الذي يقوله وذلك عين الجبر وان كانت مقدورة للعبد ~~وحده فذلك اخراج لبعض الأشياء عن قدرة الرب تعالى فلا يكون على كل شيء قدير ~~ويكون العبد المخلوق الضعيف قادرا على ما لم يقدر عليه خالقه وفاطره وهذا ~~هو الذي فارقت به القدرية للتوحيد وضاهت به المجوس وان كانت مقدورة للرب ~~والعبد لزمت الشركة ووقوع ms255 مفعول بين فاعلين ومقدور بين قادرين وأثر بين ~~مؤثرين وذلك محال لأن المؤثرين اذا اجتمعا استقلالا على أثر واحد فهو غني ~~عن كل منهما بكل منهما فيكون محتاجا اليهما مستغينيا عنهما قال السني قد ~~افترق الناس في هذا المقام فرقا شتى ففرقة قالت انما تقع الحركة بقدرة الله ~~وحده لا بقدرة العبد وتأثير قدرة العبد في كونها طاعة أو معصية فقدرة الرب ~~وحده إقتضت وجودها وقدرة العبد إقتضت صفتها وهذا قول القاضي أبي بكر ومن ~~إتبعه ولعمر الله أنه لغير شاف ولا كاف فان صفة الحركة ان كان اثرا وجوديا ~~فقد أثرت قدرته في امر موجود فلا يمتنع تأثيرها في نفس الحركة وان كان ~~صفتها أمرا عدميا كان متعلق قدرته عدما لا وجودا وذلك ممتنع اذ أثر القدرة ~~لا يكون عدما صرفا وفرقة أخرى قالت بل الفعل وصفته واقع بمحض قدرة الله ~~وحده ولا تأثير لقدرة العبد في هذا وهذا ولا هذا قول الأشعري ومن إتبعه ~~وفرقة قالت بل المؤثر قدرة العبد وحده دون قدرة الرب ثم أنقسمت هذه الفرقة ~~إلى فرقتين فرقة قالت ان قدرة العبد هي المؤثرة مع كون الرب قادرا على ~~الحركة وقالت ان مقدورات العباد مقدورة لله تعالى وهذا قول أبي الحسين ~~البصري واتباعه الحسينية وفرقة قالت ان قدرة العبد هي المؤثرة والله سبحانه ~~غير قادر على مقدور وهذا قول المشايخية اتباع أبي على وابي هاشم وليس عند ~~ابن الخطيب وجمهور المتكلمين غير هذه الأقوال التي لا تشفي عليلا ولا تروي ~~غليلا وليس عند اربابها إلا مناقضة بعضهم بعضا وقد اجاب بعض اصحاب أبي ~~الحسين عن هذا السؤال انه كان يقول بمقدور بين قادرين فله ان يقول في هذا ~~المقام ان كان الدليل الذي ذكرته دليلا صحيحا على استحالة اجتماعهما على ~~فعل واحد فإنما يدل على استحالته على فعلهما على سبيل الجمع ولا يستحيل على ~~سبيل البدل كما يستحيل حصول جوهرين في مكان واحد ولا يستحيل حصولهما فيه ~~على البدل وهذا جواب باطل قطعا فان مضمونه ms256 ان أحدهما لا يقدر عليه إلا اذا ~~تركه الآخر فحال تلبس العبد بالفعل بقدرته وارادته ان كان مقدورا لله فهو ~~القول بمقدور بين قادرين وان لم يكن مقدورا له لزم اخراج بعض الممكنات عن ~~قدرته فإن قلت هو قادر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد قيل لك فهذا تصريح ~~منك بأنه في حال قدرة العبد عليه لا يقدر عليه الرب فلا ينفعك القول بانه ~~قادرعليه على البدل وأيضا فإن قدر عليه بشرط ان لا يقدر عليه العبد فإذا ~~قدر العبد عليه انتفت قدرة الرب لإنتفاء شرطها وهذا مما صاح به عليكم أهل ~~التوحيد من أقطار الأرض ورموكم به عن قوس واحدة وانما صانعتم به أهل السنة ~~مصانعة وإلا فحقيقة هذا القول ان العبد يقدر عليه على مالا يقدر عليه الرب ~~وحكاية هذا الرأي الباطل كافية في فساده فإن قلت كما لا يمتنع معلوم واحد ~~بين عالمين ومراد واحد بين مريدين قيل هذا من أفسد القياس لأن المعلوم لا ~~يتأثر بالعالم والمراد لا يتأثر بالمريد فيصح الإشتراك في المعلوم والمراد ~~كما يصح الإشتراك في المرئي والمسموع وأما المقدور فيجوز اشتراك القادرين ~~فيه بالقدرة المصححة PageV01P145 @ وهي صحة وقوعه من كل واحد منهما وصحة ~~التأثير من أحدهما لا تنافي صحته من الأخر أما إشتراكهما فيه بالقدرة ~~الموجبة المقارنة لمقدورها فهو عين المحال إلا أن يراد الإشتراك على البدل ~~فيكون تأثير أحدهما فيه شرطا في تأثير الآخر ولما تفطن أبو الحسين لهذا قال ~~لست أقول أن إضافته إلى أحدهما هي إضافته إلى الآخر كما أن الشيء الواحد ~~يكون معلوما لعالمين ويمتنع أن يكون علم أحدهما به هو علم الآخر فهكذا أقول ~~في المقدور بين قادرين ليست قدرة أحدهما عليه هي قدرة الآخر والمفعول بين ~~فاعلين ليس فعل أحدهما فيه هو فعل الآخر وإنما قولي هذا أنه فعل لهذا ~~وتأثير له أنه لقدرته وداعيته وجد وليس معنى كونه وجد لقدرة هذا وداعيته هو ~~معنى كونه وجد لقدرة الآخر وداعيته قال وليس يمتنع في العقل ms257 إضافة شيء واحد ~~إلى شيئين لكنه يمتنع أن يكون إضافته إلى أحدهما هي عين إضافته إلى الآخر # وهذا لا يجدي عنه شيئا فإن التقسيم المذكور دائر فيه ونحن نقول قد دل ~~الدليل على شمول قدرة الرب سبحانه لكل ممكن من الذوات والصفات والأفعال ~~وأنه لا يخرج شيء عن مقدوره البتة ودل الدليل أيضا على أن العبد فاعل لفعله ~~بقدرته وإرادته وأنه فعل له حقيقة يمدح ويذم به عقلا وعرفا وشرعا وفطرة فطر ~~الله عليها العباد حتى الحيوان البهيم ودل الدليل على إستحالة مفعول واحد ~~بالعين بين فاعلين مستقلين وأثر واحد بين مؤثرين فيه على سبيل الإستقلال ~~ودل الدليل أيضا على إستحالة وقوع حادث لا محدث له ورجحان راجح لا مرجح له # وهذه أمور كتبها الله سبحانه في العقول وحجج العقل لا تتناقض ولا تتعارض ~~ولا يجوز أن يضرب بعضها ببعض بل يقال بها كلها ويذهب إلى موجبها فإنها يصدق ~~بعضها بعضا وإنما يعارض بينهما من ضعفت بصيرته وإن كثر كلامه وكثرت شكوكه ~~والعلم أمر آخر وراء الشكوك والإشكالات ولهذا تناقض الخصوم # وهذا رأس مال المتكلمين والقول الحق لم ينحصر في هذه الأقوال التي حكوها ~~في المسألة # والصواب أن يقال تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه ~~فالله سبحانه إذا أراد فعل العبد خلق له القدرة والداعي إلى فعله فيضاف ~~الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه ويضاف إلى قدرة الرب إضافة ~~المخلوق إلى الخالق فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين قدرة أحدهما أثر لقدرة ~~الآخر وهي جزء سبب وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير والتعبير عن هذا ~~المعنى بمقدور بين قادرين تعبير فاسد وتلبيس فإنه يوهم أنهما متكافئان في ~~القدرة كما تقول هذا الثوب بين هذين الرجلين وهذه الدار بين هذين الشريكين ~~وإنما المقدور واقع بالقدرة الحادثة وقوع المسبب بسببه والسبب أو المسبب ~~والفاعل والآلة كله أثر القدرة القديمة ولا نعطل قدرة الرب سبحانه عن ~~شمولها وكماله وتناولها لكل ممكن ولا نعطل قدرة الرب التي هي سبب عما ms258 جعلها ~~الله سببا له ومؤثرة فيه وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الرب ~~سبحانه وقدرته وكل ما سواه مخلوق له وهو أثر قدرته ومشيئته ومن أنكر ذلك ~~لزمه إثبات خالق سوى الله أو القول بوجود مخلوق لا خالق له فإن فعل العبد ~~إن لم يكن مخلوقا لله كان مخلوقا للعبد إما إستقلالا وإما على سبيل الشركة ~~وإما أن يقع بغير خالق ولا مخلص عن هذه الأقسام لمنكر دخول الأفعال تحت ~~قدرة الرب ومشيئته وخلقه وإذا عرف هذا فنقول الفعل وقع بقدرة الرب خلقا ~~وتكوينا كما وقعت سائر المخولقات بقدرته وتكوينه وبقدرة العبد سببا ومباشرة ~~والله خلق الفعل PageV01P146 @ والعبد فعله وباشره والقدرة الحادثة وأثرها ~~واقعان بقدرة الرب ومشيئته $ فصل # قال الجبري لو كان العبد فاعلا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها لأنه لا ~~يمكن أن يكون الفعل أزيد مما فعله أو أنقص فوقوعه على ذلك الوجه مشروط ~~بالعلم بتفصيله ومعلوم أن النائم والغافل قد يفعل الفعل ولا يشعر بكيفية ~~ولا قدرة وأيضا فالمتحرك يقطع المسافة ولا شعور له بتفاصيل الحركة ولا ~~أجزاء المسافة ومحرك أصبعه لأجزائها ولا يشعر بعدد أجزائها ولا بعدد ~~أحيازها والمنفس يتنفس بإختياره ولا يشعر في الغالب بنفسه فضلا عن أن يشعر ~~بكميته وكيفيته ومبدئه ونهايته والغافل قد يتكلم بالكلمة ويفعل الفعل ~~بإختياره ثم بعد فراغه منه يعلم أنه لم يكن قاصدا له فنحن نعلم علما ضروريا ~~من أنفسنا عدم علمنا بوجود أكثر حركاتنا وسكناتنا في حالة المشي والقيام ~~والقعود ولو أردنا فصل كل جزء من أجزاء حركاتنا في حالة إسراعنا بالمشي ~~والحركة والإحاطة به لم يمكنا ذلك بل ونعلم ذلك من حال أكمل العقلاء فما ~~الظن بالحيوانات العجم في مشيها وطيرانها وسباحتها حتى الذر والبعوض وهنا ~~مشاهد في السكران ومن اشتد به الغضب ولهذا قال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون @QE@ فدل على أن ~~السكران يصدر منه أقوال لا يعلم بها فكيف يكون هو المحدث لتلك الأقوال وهو ~~لا ms259 يشعر بها والإرادة فرع الشعور ولهذا أفتى الصحابة بأنه لا يقع طلاق ~~السكران نزلوا حركة لسانه منزلة تحريك غيره له بغير إرادته ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا طلاق في الإغلاق لأن الإغلاق يمنع العلم والإرادة ~~فكيف يكون التطليق فعله وهو غير عالم به ولا مريد له وأيضا فقد قال جمهور ~~الفقهاء أن الناسي غير مكلف لأن فعله لا يدخل تحت الإختيار ففعله غير مضاف ~~إليه مع أنه وقع بإختياره وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا ~~المعنى بعينه في قوله من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله ~~وسقاه فأضاف فعله إلى الله لا إليه فلم يكن له فعل في الأكل والشرب فلم ~~يفطر به قال السني هذا موضع تفصيل لا يليق به الا الإجمال فنقول ما يصدر من ~~العبد من الأفعال ينقسم أقساما متعددة بحسب قدرته وعلمه وداعيته وإرادته ~~فتارة يكون ملجأ إلى الفعل لا إرادة له فيه بوجه ما كمن أمسكت يده وضرب بها ~~غيره أو أمسكت أصبعه وقلع بها عين غيره فهذا فعله بمنزلة حركات الأشجار ~~بالريح ولهذا لا يترتب عليه حكم البتة ولا يمدح عليه ولا يذم ولا يثاب ولا ~~يعاقب وهذا لا يسمى فاعلا عقلا ولا شرعا ولا عرفا وتارة يكون مكرها على أن ~~يفعل فهذا فعله يضاف إليه وليس كالملجأ الذي لا فعل له واختلف الناس هل ~~يقال أنه فعل بإختياره وأنه يختار ما فعله أو لا يطلق عليه ذلك على قولين ~~والتحقيق أن النزاع لفظي فإنه فعل بإرادة هو محمول عليها مكره عليها فهو ~~مكره مختار مكره على أن يفعل بإرادته مريد ليفعل ما أكره عليه فإن أريد ~~بالمختار من يفعل بإرادته وأن كان كارها للفعل فالمكره مختار وأيضا فهو ~~مختار ليفعل ما أكره لتخلصه به مما هو أكره إليه من الفعل فلما عرض له ~~مكروهان أحدهما أكره إليه من الآخر اختار أيسرهما دفعا لأشقهما ولهذا يقتل ~~قصاصا إذا قتل عند الجمهور والملجأ لا يقتل بإتفاق ms260 الناس ومما يوضح هذا أن ~~المكره على التكلم لا يتأتي منه التكلم إلا بإختياره وإرادته ولهذا أوقع ~~طلاقه وعتاقه بعض العلماء والجمهور قالوا لا يقع لأن الله جعل كلام المكره ~~على كلمة الكفر لغو لا يترتب عليه أثره لأنه وإن قصد التكلم باللفظ دفعا عن ~~نفسه فلم يقصد معناه وموجبه حتى قال بعض الفقهاء لو قصد الطلاق بقلبه مع ~~الإكراه لم PageV01P147 @ يقع طلاقه لأن قوله هدر ولغو عند الشارع فوجوده ~~كعدمه في حكمه فبقي مجرد القصد وهو غير موجب للطلاق وهذا ضعيف فإن الشارع ~~إنما ألغى قول المكره إذا تجرد عن القصد وكان قلبه مطمئنا بضده فأما إذا ~~قارن اللفظ القصد واطمأن القلب بموجبه فإنه لا يعذر # فإن قيل فما تقولون فيمن ظن أن الإكراه لا يمنع وقوع الطلاق فقصده جاهلا ~~بأن الإكراه مانع من وقوعه # قيل هذا لا يقع طلاقه لأنه لما ظن أن الإكراه على الطلاق يوجب وقوعه إذا ~~تكلم به كان حكم قصده حكم لفظه فإنه إنما قصده دفعا عن نفسه لما علم أنه لا ~~يتخلص إلا به ولم يظن أن الكلمة بدون القصد لغوا ودهش عن ذلك ولا وطر له في ~~الطلاق فهذا لا يقع بخلاف الأول فإنه لما أكره على الطلاق نشأ له قصد ~~طلاقها إذ لا غرض له أن يقيم مع امرأة أكره على طلاقها وإن كان لو لم يكره ~~لم يبتدي طلاقها والمقصود أن المكره مريد لفعله غير ملجأ إليه $ فصل # وأما أفعال النائم فلا ريب في وقوع الفعل القليل منه والكلام المفيد ~~واختلف الناس هل تلك الأفعال مقدورة له أو مكتسبة أو ضرورية بعد اتفاقهم ~~على أنها غير داخلة تحت التكليف فقالت المعتزلة وبعض الأشعرية هي مقدورة له ~~والنوم لا يضاد القدرة وإن كان يضاد العلم وغيره من الإدراكات وذهب أبو ~~إسحاق إلى أن ذلك الفعل غير مقدور له وأن النوم يضاد القدرة كما يضاد العلم ~~وذهب القاضي أبو بكر وكثير من الأشعرية إلى أن فعل النائم لا يقطع بكونه ~~مكتسبا ولا ms261 بكونه ضروريا وكل من الأمرين ممكن قال أصحاب القدرة كان النائم ~~قادرا في يقظته وقدرته باقية والنوم لا ينافيها فوجب استصحاب حكمها قالوا ~~وأيضا فالنائم إذا انتبه فهو على ما كان عليه في نومه ولا يتجدد أمر وراء ~~زوال النوم وهو قادر بعد الانتباه وزوال النوم غير موجب للاقتدار ولا وجوده ~~نافيا لقدرة قالوا وأيضا قد يوجد من النائم ما لو وجد منه في حال اليقظة ~~لكان واقعا على حسب الداعي والاختيار والنوم وأن نافي القصد فلا ينافي ~~القدرة قال النافون للقدرة قولكم النوم لا ينافي القدرة دعوى كاذبة فإن ~~النائم منفعل محض متأثر صرف ولهذا لا يمتنع ممن يؤثر فيه وقولكم لم يتجدد ~~له أمر غير زوال النوم فالتجدد زوال المانع من القدرة فعاد إلى ما كان عليه ~~كمن أوثق غيره رباطا ومنعه من الحركة فإذا حل رباطه تجدد زوال المانع قالوا ~~نجد تفرقه ضرورية بين حركة النائم وحركة المرتعش والمفلوج وما ذاك إلا أن ~~حركته مقدورة له وحركة المرتعش غير مقدورة له والتحقيق أن حركة النائم ~~ضرورية له غير مكتسبة وكما فرقنا في حق المستيقظ بين حركة ارتعاشه وحركة ~~تصفيفه كذلك نجد تفرقه ضرورية بين حركة النائم وحركة المستيقظ $ فصل # وأما زائل العقل بجنون أو سكر فليست أفعاله اضطرارية كأفعال الملجأ ولا ~~اختيارية بمنزلة أفعال العامل العالم بما يفعله بل هي قسم آخر من الاضطرار ~~وهي جارية مجرى أفعال الحيوان وفعل الصبي الذي لا تمييز له بل لكل واحد من ~~هؤلاء داعية إلى الفعل يتصورها وله إرادة يقصد بها وقدرة ينفذ بها وإن كان ~~داعية نوع آخر غير داعي العاقل العالم بما يفعله فلا بد أن يتصور ما في ~~الفعل من الغرض ثم يريده ويفعله وهذه أفعال طبيعية واقعة بالداعي والإرادة ~~والقدرة والدواعي والإرادات تختلف ولهذا لا يكلف أحد هؤلاء بالفعل فأفعاله ~~لا تدخل تحت التكليف وليست كأفعال الملجأ ولا المكره وهي مضافة إليهم ~~مباشرة وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم خلقا فهي مفعولة وأفعال PageV01P148 @ لهم ~~والساهي الذي يفعل الفعل ms262 مع غفلته وذهوله فهو إنما يفعله بقدرته إذ لو كان ~~عاجزا لما تأتي منه الفعل وله إرادة لكنه غافل عنها فالإرادة شيء والشعور ~~بها شيء آخر فالعبد قد يكون له إرادة وهو ذاهل عن شعوره بها لاشتغال محل ~~التصور منه بأمر آخر منعه من الشعور بالإرادة فعملت عملها وهي غير مشعور ~~بها وأن كان لا بد من الشعور عند كل جزء من أجزائه وبالله التوفيق وبالجملة ~~فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة وأما الشعور به على ~~التفصيل فلا يستلزمه $ فصل # قال الجبري ضلال الكافر وجهله عند القدري مخلوق له موجود بإيجاده اختيارا ~~وهذا ممتنع فإنه لو كان لكان كذلك قاصدا له إذا القصد من لوازم الفعل ~~اختيارا واللازم ممتنع فإن عاقلا لا يريد لنفسه الضلال والجهل فلا يكون ~~فاعلا له اختيارا # قال السني عجبا لك أيها الجبري تنزه العبد أن يكون فاعلا للكفر والجهل ~~والظلم ثم تجعل ذلك كله فعل الله سبحانه ومن العجب قولك أن العاقل لا يقصد ~~لنفسه الكفر والجهل وأنت ترى كثيرا من الناس يقصد لنفسه ذلك عنادا وبغيا ~~وحسدا مع علمه بأن الرشد والحق في خلافه فيطيع دواعي هواه وغيه وجهله ~~ويخالف داعي رشده وهدا ويسلك طرق الضلال ويتنكب عن طريق الهدى وهو يراهما ~~جميعا # قال أصدق القائلين @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ~~@QE@ # وقال تعالى @QB@ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى @QE@ وقال ~~تعالى عن قوم فرعون @QB@ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ وقال تعالى @QB@ وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق @QE@ وقال @QB@ بئسما ~~اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على ~~من يشاء من ms263 عباده @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ~~وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم ~~تعلمون @QE@ وقال @QB@ يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها ~~عوجا وأنتم شهداء @QE@ وهذا في القرآن كثير يبين سبحانه فيه اختيارهم ~~الضلال والكفر عمدا على علم هذا وكم من قاصد أمرا يظن أنه رشد وهو ضلال وغي ~~$ فصل # قال الجبري لو جاز تأثير قدرة العبد في القول بالإيجاد لجاز تأثيرها في ~~إيجاد كل موجود لأن الوجود قضية واحدة مشتركة بين الموجودات الممكنة وأن ~~اختلفت محاله وجهاته ويلزم من صحة تأثير القدرة في بعضه صحة تأثيرها في ~~جميعه لاتحاد المتعلق وأن ما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر وأيضا فالمصحح ~~للتأثير هو الإمكان ويلزم من الاشتراك في المصحح للتأثير الاشتراك في الصحة ~~ومعلوم قطعا أن قدرة العبد لا تتعلق بإيجاد الأجسام وأكثر الأعراض إنما ~~تتعلق ببعض الأعراض القائمة لمحل قدرته # قال السني لقد كشف الله عوار مذهب يكون إثباته مستندا إلى مثل هذه ~~الخرافات التي حاصلها أنه يلزم من صحة قدرة العبد على قلع حصاة من الأرض ~~صحة قدرته على قلع الجبل ومن إمكان حمله لرطل إمكان حمله لمائة ألف رطل ومن ~~إيجاده للفعل القائم به من الأكل والشرب والصلاة وغيرها صحة إيجاده لخلق ~~السماوات والأرض وما بينهما وهل سمع في الهذيان PageV01P149 @ باسمج من هذا ~~واغث من هذا واشتراك الموجودات في مسمى الوجود الكلي العام لا يلزم منه أن ~~ما جاز على موجود ما جاز على كل موجود وهذا أسمج من الأول وأبين فسادا ولا ~~يلزم من ذلك تماثل البعوضة والفيل وتماثل الأجسام والإعراض ومن يجعل من ~~الجبرية للقدرة الحادثة تعلقا ما بفعل العبد يعترف بالفرق ويقول قدرته ~~تتعلق ببعض الأعراض ولا تتعلق بالأجسام ولا بكل الأعراض فإن احتج على إبطال ~~التأثير بهذه الشبهة أللغثة ألزم بها بعينها في عموم تعلق قدرته بكل موجود ~~$ فصل # قال الجبري دليل التوحيد ينفي كون العبد فاعلا وأن يكون لقدرته تأثير ms264 في ~~فعله وتقريره بدليل التمانع # قال السني دليل التوحيد إنما ينفي وجود رب ثان ويدل على أنه لا رب إلا هو ~~سبحانه ولا يدل على امتناع وجود مخلوق له قدرة وإرادة مخلوقة يحدث بها وهو ~~وقدرته وإرادته وفعله مخلوق لله فهو بعد طول مقدماته واعتراف فضلائكم ~~بالعجز عن تقريره وذكر ما في مقدماته من منع ومعارضة إنما ينفي وجود قادرين ~~متكافئين قدرة كل واحد منهما من لوازم ذاته ليست مستفادة من الآخر وهو دليل ~~صحيح في نفسه وإن عجزتم عن تقريره ولكن ليس فيه ما ينفي أن تكون قدرة العبد ~~وإراداته سببا لوجود مقدوره وتأثيرها فيه تأثير الأسباب في مسبباتها فلا ~~للتوحيد قررتم بدليل التمانع ولا للجبر وقد كفانا أفضل متأخريكم بيان تنافي ~~هذا الدليل من المنوع والمعارضات # قال الجبري دعنا من هذا كله أليس في القول بتأثير قدرة العبد في مقدوره ~~مع الاعتراف بأن اله سبحانه قادر على مقدور العبد إلزام وقوع المقدور ~~الواحد بين القادرين والدليل ينفيه # قال السني ما تعني بقولك يلزم وقوع مقدور بين قادرين أتعنى به قادرين ~~مستقلين متكافئين أم تعنى به قادرين تكون قدرة أحدهما مستفادة من الآخر فإن ~~عنيت الأول منعت الملازمة وإن عنيت الثاني منع انتفاء اللازم ومثبتو الكسب ~~يجيبون عن هذا بأنه لا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين لقدرة أحدهما تأثير في ~~إيجاده ولقدرة الآخر تأثير في صفته كما يقوله القاضي أبو بكر ومن تبعه ~~والأشعري يجيب عنه على أصله بأن الفعل وقع بين قادرين لا تأثير لقدرة ~~أحدهما في المقدور بل تعلق قدرته بمقدورها كتعلق العلم بمعلومه وإنما ~~الممتنع عنده وقوع مقدور بين قادرين مؤثرين وهذا الاعتذار لا يخرج عن الجبر ~~وأن زخرفت له العبارات # وأجاب عنه الحسينية بما حكيناه أنه لا يمتنع مقدرو بين قادرين على سبيل ~~البدل ويمتنع على سبيل الجمع وقد تقدم فساده وأجاب عنه المشايخية بأنه ~~مقدور للعبد وليس مقدورا للرب وهذا أبطل الأجوبة وأفسدها والقائلون به ~~يقولون أن الله سبحانه عن أفكهم يريد الشيء فلا ms265 يكون ويكون الشيء بغير ~~إرادته ومشيئته فيريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد وكفى بهذا بطلانا وفسادا # قال الجبري الفعل عند المرجح التام واجب والمرجح ليس من العبد وإلا لزم ~~التسلسل فهو من الرب فإذا وجب الفعل عنده فهو الجبر بعينه # قال السني قد تقدم هذا الدليل وبيان ما فيه وحيث أعدتموه بهذه العبارة ~~الوجيزة المختصرة فنحن نذكر الأجوبة عنه كذلك قولكم لا بد من مرجح يرجح ~~الفعل على الترك أو بالعكس مسلم قولكم المرجح إن كان من العبد لزم التسلسل ~~وأن كان من الرب لزم الجبر جوابه ما المانع أن يكون من فعل العبد ولا يلزم ~~التسلسل بأن يكون من فعله على وجه لا يكون الترك ممكنا له حينئذ ولا يلزم ~~من سلب الاختيار عنه في فعل المرجح سلبه عنه مطلقا ثم ما المانع أن يكون ~~المرجح من فعل الله ولا يلزم الجبر فإنكم إن PageV01P150 @ عنيتم بالجبر ~~أنه غير مختار للفعل ولا مريد له لم يلزم الجبر بهذا الاعتبار لأن الرب ~~سبحانه جعل المرجح اختيار العبد ومشيئته فانتفى الجبر وإن عنيتم بالجبر أنه ~~وجد لا بإيجاد العبد لم يلزم الجبر ايضا بهذا الاعتبار وإن عنيتم أنه يجب ~~عند وجود المرجح وأنه لا بد منه فنحن لا ننفي الجبر بهذا الاعتبار وتسمية ~~ذلك جبرا اصطلاح يختص بكم وهو اصطلاح فاسد فإن فعل الرب سبحانه يجب عند ~~وجود مرجحة التام ولا يكون ذلك جبرا بالنسبة إليه سبحانه ثم هذا لازم على ~~من اثبت الكسب منكم فنقول له في الكسب ما قاله في أصل الفعل سواء ومن لم ~~يثبت الكسب لزم ذلك في فعل الرب كما تقدم فإن قلتم الفرق أن صدور الفعل عن ~~القادر موقوف على الإرادة وأرادة العبد محدثة فافتقرت إلى محدث فإن كان ذلك ~~المحدث هو العبد لزم التسلسل فوجب انتهاء جميع الإرادات إلى إرادة ضرورية ~~يخلقها الله في القلب ابتداء ويلزم منه الجبر بخلاف إرادة الرب سبحانه ~~فإنها قديمة مستغنية عن إرادة أخرى فلا تسلسل قيل لكم ms266 لا يجدي هذا عليكم في ~~دفع الإلزام فإن الإرادة القديمة إما أن يصح معها الفعل بدلا عن الترك ~~وبالعكس أولا فإن كان الأول فلا بد لأحد الطرفين من مرجح والكلام في ذلك ~~المرجح كالكلام في الأول ويلزم التسلسل وإن كان الثاني لزم الجبر # قال الجبري معتمدي في الجبر على حرف لا خلاص لكم منه إلا بإلزام الجبر ~~وهو أن العبد لو كان فاعلا لفعله لكان محدثا له ولو كان محدثا له لكان ~~خالقا له والشرع والعقل ينفيه قال تعالى @QB@ يا أيها الناس اذكروا نعمة ~~الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو ~~فأنى تؤفكون @QE@ # قال السني قد دل العقل والشرع والحس على أن العبد فاعل له وأنه يستحق ~~عليه الذم واللعن كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى حمارا قد ~~وسم في وجهه فقال ألم أنه عن هذا لعن الله من فعل هذا وقال تعالى @QB@ ~~ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث @QE@ ~~وقال @QB@ هل تجزون إلا ما كنتم تعملون @QE@ وقال @QB@ ووفيت كل نفس ما ~~عملت @QE@ وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر والحس شاهد به فلا تقبل شبهة ~~تقام على خلافه ويكون حكم تلك الشبهة حكم القدح في الضروريات فلا يلتفت ~~إليه ولا يجب على العالم حل كل شبهة تعرض لكل أحد فإن هذا لا آخر له فقولكم ~~لو كان فاعلا لفعله لكان محدثا له إن أردتم بكونه محدثا صدور الفعل منه ~~أتحد اللازم والملزوم وصار حقيقة قولكم لو كان فاعلا لكان فاعلا وإن أردتم ~~بكونه محدثا كونه خالقا سألناكم ما تعنون بكونه خالقا هل تعنون به كونه ~~فاعلا أم تعنون به أمرا آخرا فإن أردتم الأول كان اللازم فيه عين الملزوم ~~وإن أردتم امرا آخر غير كونه فاعلا فبينوه # فإن قلتم نعني به كونه موجودا للفعل من العدم إلى الوجود # قيل هذا معنى كونه فاعلا فما الدليل على إحالة هذا المعنى فسموه ما شئتم ~~إحداثا ms267 أو أيجادا أو خلقا فليس الشأن في التسميات وليس الممتنع ألا أن يكون ~~مستقلا بالإيجاد وهذا غير لازم لكونه فاعلا فإنا قد بينا ان غاية قدرة ~~العبد وإراداته وداعية وحركته أن تكون جزء سبب وما توقف عليه الفعل من ~~الأسباب التي لا تدخل تحت قدرته أكثر من الجزء الذي إليه بأضعاف مضاعفة ~~والفعل لا يتم إلا بها # فإن قيل فهذا الجبر بعينه # قيل ذلك السبب الذي أعني به من القدرة والإرادة هو الذي أخرجه من الجبر ~~وأدخله في الاختيار وكون ذلك السبب من خالقه وفاطره ومنشية هو الذي أخرجه ~~من الشرك والتعطيل وأدخله في باب التوحيد فالأول PageV01P151 @ أدخله في ~~باب العدل والثاني أدخله في باب التوحيد ولم يكن ممن نقض التوحيد بالعدل ~~ولا ممن نقض العدل بالتوحيد فهؤلاء جنوا على التوحيد وهؤلاء جنوا على العدل ~~وهدى الله أهل السنة للتوحيد والعدل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم & ~~الباب العشرون في ذكر مناظرة بين قدري سني # قال القدري قد أضاف الله الأعمال إلى العباد بأنواع الإضافة العامة ~~والخاصة فأضافها إليهم بالاستطاعة تارة كقوله @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا ~~أن ينكح المحصنات المؤمنات @QE@ وبالمشيئة تارة كقوله لمن شاء منكم أن ~~يستقيم وبالإرادة تارة كقول الخضر فأردت أن أعيبها وبالفعل والكسب والصنع ~~كقوله يفعلون يعملون بما كنتم تكسبون لبئس ما كانوا يصنعون وأما بالإضافة ~~الخاصة فكإضافة الصلاة والصيام والحج والطهارة والزنا والسرقة والقتل ~~والكذب والكفر والفسوق وسائر أفعالهم إليهم وهذه الإضافة تمتنع إضافتها ~~إليه كما أن إضافة أفعاله تعالى تمتنع إضافتها إليهم فلا تجوز إضافة ~~أفعالهم إليه سبحانه دونهم ولا إليه معهم فهي إذا مضافة إليهم دونه قال ~~السني هذا الكلام مشتمل على حق وباطل أما قولك أنه أضاف الأفعال إليهم فحق ~~لا ريب فيه وهذا حجة لك على خصومك من الجبرية وهم يجيبونك بأن هذا الإسناد ~~لا حقيقة له وإنما هو نسبة مجازية صححها قيام الأفعال بهم كما يقال جرى ~~الماء برد وسخن ومات زيد ونحن نساعدك على بطلان هذا الجواب ms268 ومنافاته للعقول ~~والشرائع والفطر ولكن قولك هذه الإضافة تمنع إضافتها إليه سبحانه كلام فيه ~~إجمال وتلبيس فإن أردت بمنع الإضافة إليه منع قيامها به ووصفه بها وجريان ~~أحكامها عليه واشتقاق الأسماء منه له فنعم هي غير مضافة إليه بشيء من هذه ~~الاعتبارات والوجوه وإن أردت بعدم إضافتها إليه عدم إضافتها إلى علمه بها ~~وقدرته عليها ومشيئته العامة وخلقه فهذا باطل فإنها معلومة له سبحانه ~~مقدورة له مخلوقة وإضافتها إليهم لا تمنع هذه الإضافة كالأموال فإنها ~~مخلوقة له سبحانه وهي ملكه حقيقة قد أضافها إليهم فالأعمال والأموال خلقه ~~وملكه وهو سبحانه يضيفها إلى عبيده وهو الذي جعلهم مالكيها وعامليها فصحت ~~النسبتان وحصول الأموال بكسبهم وإرادتهم كحصول الأعمال وهو الذي خلق ~~الأموال وكاسبيها والأعمال وعامليها فأموالهم وأعمالهم ملكه وبيده كما أن ~~أسماعهم وأبصارهم وأنفسهم ملكه وبيده فهو الذي جعلهم يسمعون ويبصرون ~~ويعملون فأعطاهم حاسة السمع والبصر وقوة السمع والبصر وفعل الإسماع ~~والإبصار وأعطاهم آلة العمل وقوة العمل ونفس العمل فنسبة قوة العمل إلى ~~اليد والكلام إلى اللسان كنسبة قوة السمع إلى الأذن والبصر إلى العين ونسبة ~~الرؤية والاستماع اختيارا إلى محلهما كنسبة الكلام والبطش إلى محلهما وأن ~~كانوا هم الذين خلقوا لأنفسهم الرؤية والسمع فهل خلقوا محلهما وقوى المحل ~~والأسباب الكثيرة التي تصلح معها الرؤية والسمع أم الكل خلق من هو خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار قال القدري لو كان الله سبحانه هو الفاعل لأفعالهم ~~لاشتقت له منها الأسماء وكان أولى بأسمائها منهم إذ لا يعقل الناس على ~~اختلاف لغاتهم وعاداتهم ودياناتهم قائما إلا من فعل القيام وآكلا إلا من ~~فعل الأكل وسارقا إلا من فعل السرقة وهكذا جميع الأفعال لازمها ومتعديها ~~PageV01P152 @ فقلبتم أنتم الأمر وقلبتم الحقائق فقلتم من فعل هذه الأفعال ~~حقيقة لا يشتق له منها اسم وإنما يشتق منها الأسماء لمن لم يفعلها ولم ~~يحدثها وهذا خلاف العقول واللغات وما تتعارفه الأمم قال السني هذا إنما ~~يلزم إخوانك وخصومك الجبريه القائلين بأن العبد لم يفعل شيئا البتة وأما من ms269 ~~قال العبد فاعل لفعله حقيقة والله خالقه وخالق آلات فعله الظاهرة والباطنة ~~فإنه إنما يشتق الأسماء لمن فعل تلك الأفعال فهو القائم والقاعد والمصلي ~~والسارق والزاني حقيقة فإن الفعل إذا قام بالفاعل عاد حكمه إليه ولم يعد ~~إلى غيره واشتق له منه اسم ولم يشتق لمن لم يقم به فههنا أربعة أمور أمران ~~معنويان في النفي والإثبات وأمران لفظيان فيهما فلما قام الأكل والشرب ~~والزنا والسرقة بالعبد عادت أحكام هذه الأفعال إليه واشتقت له منها الأسماء ~~وامتنع عود أحكامهما إلى الرب واشتقاق أسمائها له ولكن من أين يمنع هذا أن ~~تكون معلومة للرب سبحانه مقدورة له مكونة له واقعة من العباد بقدرة ربهم ~~وتكوينه قال القدري لو كان خالقا لها لزمته هذه الأمور قال السني هذا باطل ~~ودعوى كاذبة فإنه سبحانه لا يشتق له اسم مما خلقه في غيره ولا يعود حكمه ~~عليه وإنما يشتق الاسم لمن قام به ذلك فإنه سبحانه خلق الألوان والطعوم ~~والروائح والحركات في محالها ولم يشتق له منها اسم ولا عادات أحكامها إليه ~~ومعنى عود الحكم إلى المحل الأخبار عنه بأنه يقوم ويقعد ويأكل ويشرب قال ~~السني ومن ههنا علم ضلال المعتزلة الذين يقولون أن القرآن مخلوقا خلقه الله ~~في محل ثم اشتق له اسم المتكلم باعتبار خلقه له وعاد حكمه إليه فأخبر عنه ~~أنه تكلم به ومعلوم أن الله سبحانه خالق صفات الأجسام وأعراضها وقواها فكيف ~~جاز أن يشتق له اسم مما خلقه من الكلام في غيره ولم يشتق له اسم مما خلقه ~~من الصفات والأعراض في غيره فأنت أيها القدري نقضت أصولك بعضها ببعض وأفسدت ~~قولك في مسألة الكلام بقولك في مسألة القدر وقولك في القدر بقولك في الكلام ~~فجعلنه متكلما بكلام قائم بغيره وأبطلت أن يكون فاعل الفعل قائما بغيره فإن ~~كنت أصبت في مسألة الكلام فقد نقضت أصلك في القدر وإن أصبت في هذا الأصل ~~لزم خطأك في مسألة الكلام فأنت مخطء على التقديرين قال القدري فما تقول أنت ~~في هذا ms270 المقام قال السني لا تناقض في هذا ولا في هذا بل أصفه سبحانه بما ~~قام به وامتنع من وصفه بما لم يقم قال القدري فالآن حمى الوطيس فأنت ~~والمسلمون وسائر الخلق تسمونه تعالى خالقا ورازقا ومميتا والخلق والرزق ~~والموت قائم بالمخلوق والمرزوق والميت إذ لو قام ذلك بالرب سبحانه فالخلق ~~إما قديم وإما حادث فإن كان قديما لزم قدم المخلوق لأنه نسبة بين الخالق ~~والمخلوق ويلزم من كونها قديمة قدم المصحح لها وإن كان حادثا لزم قيام ~~الحوادث به وافتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر فلزم التسلسل فثبت أن الخلق غير ~~قائم به سبحانه وقد اشتق له منه اسم قال السني أي لازم من هذه اللوازم ~~التزمه المرء كان خيرا من أن ينفي صفة الخالقية عن الرب سبحانه فإن حقيقة ~~هذا القول أنه غير خالق فإن اثبات خالق بلا خلق اثبات اسم لا معنى له وهو ~~كإثبات سميع لا سمع له وبصير لا بصر له ومتكلم وقادر لا كلام له ولا قدرة ~~فتعطيل الرب سبحانه عن فعله القائم به كتعطيله عن صفاته القائمة به ~~والتعطيل أنواع تعطيل المصنوع عن الصانع وهو تعطيل الدهرية والزنادقة ~~وتعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله وهو تعطيل الجهمية نفاة الصفات ~~وتعطيله عن أفعاله وهو أيضا تعطيل الجهمية وهم أبنائه ودب فيمن عداهم من ~~الطوائف فقالوا لا يقوم بذاته فعل لأن الفعل PageV01P153 @ حادث وليس محلا ~~للحوادث كما قال إخوانهم لا تقوم بذاته صفة لأن الصفة عرض وليس محلا ~~للأعراض فلو التزم الملتزم أي قول التزمه كان خيرا من تعطيل صفات الرب ~~وأفعاله فالمشبهة ضلالهم وبدعتهم خير من المعطلة ومعطلة الصفات خير من ~~معطلة الذات وإن كان التعطيلان متلازمين لاستحالة وجود ذات قائمة بنفسها لا ~~توصف بصفة فوجود هذه محال في الذهن وفي الخارج ومعطلة الأفعال خير من معطلة ~~الصفات فإن هؤلاء نفوا صفة الفعل وإخوانهم نفوا صفات الذات وأهل السمع ~~والعقل وحزب الرسول والفرقة الناجية برآء من تعطيل هؤلاء كلهم فإنهم أثبتوا ~~الذات والصفات والأفعال ms271 وحقائق الأسماء الحسنى إذ جعلها المعطلة مجازا لا ~~حقيقة له فشر هذه الفرق لخيرها الفداء والمقصود أنه أي قول لزمه الملتزم ~~كان خيرا من نفي الخلق وتعطيل هذه الصفة عن الله وإذا عرض على العقل السليم ~~مفعول لا فاعل له ومفعول لا فاعل لفعله لم يجد بين الأمرين فرقا في الإحالة ~~فمفعول بلا فعل كمفعول بلا فاعل لا فرق بينهما البتة فليعرض العاقل على ~~نفسه القول بتسلسل الحوادث والقول بقيام الأفعال بذات الرب سبحانه والقول ~~بوجود مخلوق حادث عن خلق قديم قائم 2 بذات الرب سبحانه والقول بوجود مفعول ~~بلا فعل ولينظر أي هذه الأقوال أبعد عن العقل والسمع وأيها أقرب إليهما ~~ونحن نذكر أجوبة الطوائف عن هذا السؤال فقالت طائفة يختار من هذا التقسيم ~~والترديد كون الخلق والتكوين قديما قائما بذات الرب سبحانه ولا يلزمنا قدم ~~المخلوق المكون كما نقول نحن وأنتم أن الإرادة قديمة ولا يلزم من قدمها قدم ~~المراد وكل ما أجبتم به في صورة الإلزام فهو جوابنا بعينه في مسألة المكون ~~وهذا جواب سديد وهو جواب جمهور الحنفية والصوفية واتباع الأئمة فإن قلتم ~~إنما لا يلزم من قدم الإرادة قدم المراد لأنها تتعلق بوجود المراد في وقته ~~فهو يريد كون الشيء في ذلك الوقت وأما تكوينه وخلقه قبل وجوده فمحال قيل ~~لكم لسنا نقول أنه كونه قبل وقت كونه بل التكوين القديم اقتضى كونه في وقته ~~كما اقتضت الإرادة القديمة كونه في وقته فإن قلتم كيف يعقل تكوين ولا مكون ~~قيل كما عقلتم إرادة ولا مراد فإن قلتم المريد قد يريد الشيء قبل كونه ولا ~~يكونه قبل كونه قيل كلامنا في الإرادة المستلزمة لوجوده في الإرادة التي لا ~~تستلزم المراد وإرادة الرب سبحانه ومشيئته تستلزم وجود مراده وكذلك التكوين ~~يوضحه أن التكوين هو اجتماع القدرة والإرادة وكلمة التكوين وذلك كله قديم ~~ولم يلزم منه قدم المكون فقالوا وإا عرضنا هذا على العقول السليمة وعرضنا ~~عليها مفعولا بلا فعل بادرت إلى قبول ذاك وإنكار هذا فهذا جواب ms272 هؤلاء وقالت ~~الكرامية بل نختار من هذا الترديد كون التكوين حادثا وقولكم يلزم من ذلك ~~قيام الحوادث بذات الرب سبحانه فالتكوين هو فعله وهو قائم به وكأنكم قلتم ~~يلزم من قيام فعله به قيامه به وسميتم أفعاله حوادث وتوسلتم بهذه التسمية ~~إلى تعطيلها كما سمى إخوانكم صفاته إعراضا وتوسلوا بهذه التسمية إلى نفيها ~~عنه وكما سموا علوه على مخلوقاته واستواءه على عرشه تحيزا وتوسلوا بهذه إلى ~~نفيه وكما سموا وجهه الأعلى ويديه جوارح وتوسلوا بذلك إلى نفيها قالوا ونحن ~~لا ننكر أفعال خالق السموات والأرض وما بينهما وكلامه وتكليمه ونزوله إلى ~~السماء واستواءه على عرشه ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده وندائه ~~لأنبيائه ورسله وملائكته وفعله ما شاء بتسميتكم لهذا كله حوادث ومن أنكر ~~ذلك فقد أنكر كونه PageV01P154 @ رب العالمين فانه لا يتقرر في العقول ~~والفطر كونه ربا للعالمين إلا بأن يثبت له الأفعال الاختيارية وذات لا تفعل ~~ليست مستحقة للربوبية ولا للألولهية فالأجلال من هذا الإجلال واجب والتنزيه ~~عن هذا التنزيه متعين فتنزيه الرب سبحانه عن قيام الأفعال به تنزيه له عن ~~الربوبية وملكه قالوا ولنا على صحة هذه المسألة أكثر من ألف دليل من القرآن ~~والسنة والعقول وقد اعترف أفضل متأخريكم بفساد شبهكم كلها على إنكار هذه ~~وذكرها شبهة شبهة وافسدها والتزم بها جميع الطوائف حتى الفلاسفة الذين هم ~~أبعد الطوائف من إثبات الصفات والأفعال قالوا ولا يمكن إثبات حدوث العالم ~~وكون الرب خالقا ومتكلما وسامعا ومبصرا ومجيبا للدعوات ومدبرا للمخلوقات ~~وقادرا ومريدا إلا القول بأنه فعال وأن أفعاله قائمة به فإذا بطل أن يكون ~~له فعل وأن تقوم بذاته الأمور المتجددة بطل هذا كله $ فصل # وقد أجاب عن هذا عبد العزيز بن يحيى الكناني في حيدته فقال في سؤاله ~~للمريسي بأي شيء حدثت الأشياء فقال له أحدثها الله بقدرته التي لم تزل فقلت ~~له أحدثها بقدرته كما ذكرت أو ليس تقول أنه لم يزل قادرا قال بلى قلت فتقول ~~أنه لم يزل يفعل قال لا أقول ms273 هذا قلت فلا بد أن نلزمك أن تقول أنه خلق ~~بالفعل الذي كان بالقدرة لأن القدرة صفة ثم قال عبد العزيز لم أقل لم يزل ~~الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل وإنما الفعل صفة والله يقدر عليه ولا ~~يمنعه منه مانع فأثبت عبد العزيز فعلا مقدورا لله هو صفة ليس من المخلوقات ~~وأنه به خلق المخلوقات وهذا صريح في أن مذهبه كمذهب السلف وأهل الحديث لأن ~~الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول كما حكاه البغوي إجماعا لأهل السنة ~~وقد صرح عبد العزيز أن فعله سبحانه القائم به وأنه خلق به المخلوقات كما ~~صرح به البخاري في آخر صحيحه وفي كتاب خلق الأفعال قال في صحيحه باب ما جاء ~~في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق وفعل الرب وأمره فالرب سبحانه ~~بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وأمره ~~وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون فصرح أمام السنة أن صفة التخليق هي ~~فعل الرب وأمره وأنه خالق بفعله وكلامه وجميع جند الرسول وحزبه مع محمد بن ~~إسماعيل في هذا والقرآن مملوء من الدلالة عليه كما دل عليه العقل والفطرة ~~قال تعالى @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~@QE@ ثم أجاب نفسه بقوله @QB@ بلى وهو الخلاق العليم @QE@ فأخبر أنه قادر ~~على نفس فعله وهو أن يخلق فنفس أن يخلق فعل له وهو قادر عليه ومن يقول لا ~~فعل له وأن الفعل هو عين المفعول يقول لا يقدر على فعل يقوم به البتة بل لا ~~يقدر إلا على المفعول المباين له الحادث بغير فعل منه سبحانه وهذا أبلغ في ~~الإحالة من حدوثه بغير قدرة بل هو في الإحالة كحدوثه بغير فاعل فإن المفعول ~~يدل على قدرة الفاعل باللزوم العقلي ويدل على فعله الذي وجد به بالتضمن ~~فإذا سلبت دلالته التضمنية كان سلب دلالته اللزومية وذكر قدرة الرب سبحانه ~~على أفعاله وتكوينه أسهل ودلالة المفعول على فاعله وفعله دلالة واحدة وهي ~~أظهر بكثير من دلالته ms274 قدرته وإرادته في القرآن كثير كقوله قل هو القادر على ~~أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم وأن يبعث هو نفس فعله والعذاب هو مفعوله ~~المباين له وكذلك قو 4 له @QB@ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى @QE@ ~~فإحياء الموتى نفس فعله وحياتهم مفعوله المباين له وكلاهما مقدور له وقال ~~تعالى @QB@ بلى قادرين على أن نسوي بنانه @QE@ فتسوية البنان فعله ~~واستواؤها PageV01P155 @ مفعوله ومنكرو الأفعال يقولون أن الرب سبحانه يقدر ~~على المفعولات المباينة له ولا يقدر على فعل يقوم بنفسه لا لازم ولا متعد ~~أهل السنة يقولون الرب سبحانه يقدر على هذا وعلى هذا وهو سبحانه له الخلق ~~والأمر فالجهمية أنكرت خلقه وأمره وقالوا خلقه نفس مخلوقه وأمره مخلوق من ~~مخلوقاته فلا خلق ولا أمر ومن أثبت له الكلام القائم بذاته ونفى أن يكون له ~~فعل فقد أثبت الأمر دون الخلق ولم يقل أحد بقيام أفعاله به ونفى صفة الكلام ~~عنه فيثبت الأمر دون الخلق وأهل السنة يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه من ~~الخلق والأمر فالخلق فعله والا قوله وهو سبحانه يقول ويفعل وأجابت طائفة ~~أخرى من أهل السنة والحديث عن هذا بالتزام التسلسل وقالوا ليس في العقل ولا ~~في الشرع ما ينفي دوام فاعلية الرب سبحانه وتعاقب أفعاله شيئا قبل شيء إلى ~~غير غاية كما تتعاقب شيئا بعد شيء إلى غير غاية فلم تزل أفعالا قالوا ~~والفعل صفة كمال ومن يفعل أكمل ممن لا يفعل قالوا ولا يقتضي صريح العقل إلا ~~هذا ومن زعم أن الفعل كان ممتنعا عليه سبحانه في مدد غير مقدورة لا نهاية ~~لها ولا يقدر أن يفعل ثم انقلب الفعل من الاستحالة الذاتية إلى الإمكان ~~الذاتي من غير حدوث سبب ولا تغير في الفاعل فقد نادى على عقله بين الأنام ~~قالوا وإذا كان هذا في العقول جاز أن ينقلب العالم من العدم إلى الوجود من ~~غير فاعل وأن امتنع هذا في بداية العقول فكذلك نجد إمكان الفعل وانقلابه من ~~الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب ms275 وأما أن يكون هذا ممكنا وذاك ~~ممتنعا فليس في العقول ما يقضي بذلك قالوا والتسلسل لفظ مجمل لم يرد بنفيه ~~ولا إثباته كتاب ناطق ولا سنة متبعة فيجب مراعاة لفظه وهو ينقسم إلى واجب ~~وممتنع وممكن كالتسلسل في المؤثر محال ممتنع لذاته وهو أن يكون مؤثرين كل ~~واحد منهم استفاد تاثيره ممن قبله لا إلى غاية والتسلسل الواجب ما دل عليه ~~العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد وأنه كلما انقضى لأهل ~~الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نفاد له وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه ~~من طرق الأزل وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر فهذا واجب في كلامه فإنه لم يزل ~~متكلما إذا شاء ولم تحدث له صفة الكلام في وقت وهكذا أفعاله التي هي من ~~لوازم حياته فإن كل حي فعال والفرق بين الحي والميت بالفعل ولهذا قال غير ~~واحد من السلف الحي الفعال # وقال عثمان بن سعيد كل حي فعال ولم يكن ربنا سبحانه قط في وقت من الأوقات ~~المحققة أو المقدرة معطلا عن كماله من الكلام والإرادة والفعل وأما التسلسل ~~الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف كما يتسلسل في طرف الأبد فإنه ~~إذا لم يزل حيا قادرا مزيدا متكلما وذلك من لوازم ذاته فالفعل ممكن هذه ~~الصفات له وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق ~~معه فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدم لا أول له فلكل مخلوق ~~أول والخالق سبحانه لا أول له فهو وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق كائن بعد ~~أن لم يكن قالوا وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه وكل من ~~اعترف بأن الرب سبحانه لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد الأمرين لا بد له ~~منهما أما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا وأما أن يقول لم يزل واقعا إلا ~~تناقض تناقضا بينا حيث زعم أن الرب سبحانه لم يزل قادرا على الفعل والفعل ms276 ~~محال ممتنع لذاته لو أراده لم يكن وجوده بل فرض إرادته عنده محال وهو مقدور ~~له وهذا قول ينقض بعضه بعضا وأجابت طائفة أخرى بالجواب المركب على جميع ~~التقادير فقالوا PageV01P156 @ تسلسل الآثار إما أن يكون ممكنا أو ممتنعا ~~فإن كان ممكنا فلا محذور في التزامه وإن كان ممتنعا لم يلزم من بطلانه ~~بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا ~~يكون إلا بفعل والمخلوق لا يكون إلا بخلق قبل العلم بجواز التسلسل وبطلانه # ولهذا كثير من الطوائف يقولون الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول مع ~~قولهم ببطلان التسلسل مثل كثير من اتباع الأئمة الأربعة وكثير من أهل ~~الحديث والصوفية والمتكلمين ثم من هؤلاء من يقول الخلق الذي هو التكوين صفة ~~كالإرادة ومنهم من يقول بل هي حادثة بعد إن لم تكن كالكلام والإرادة وهي ~~قائمة به سبحانه وهم الكرامية ومن وافقهم أثبتوا حدوثها وقيامها بذاته ~~وأبطلوا دوامها فرارا من القول بحوادث لا أول لها وكلا الفريقين يقول أن ~~ذلك التكوين والخلق مخلوق بل يقول أن المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة قالوا ~~فإذا كان القول بالتسلسل لازما لكل من قال أن الرب تعالى لم يزل قادرا على ~~الخلق يمكنه أن يفعل بلا ممانع فهو لازم لك كما ألزمته لخصومك فلا ينفردون ~~بجوابه دونك وأما ما ألزموك به من وجود مفعول بلا فعل ومخلوق بلا خلق فهو ~~لازم لك وحدك قالوا ونحن إنما قلنا الفعل صفة قائمة به سبحانه وهو قادر ~~عليه لا يمنعه منه مانع والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه فلا ~~يلزم أن يكون معه مخلوقا في الأزل إلا إذا ثبت أن الفعل اللازم يستلزم ~~الفعل المتعدي وأن المتعدي يستلزم دوام نوع المفعولات ودوام نوعها يستلزم ~~أن يكون معه سبحانه في الأزل شيء منها وهذه الأمور لا سبيل لك ولا لغيرك ~~إلى الاستدلال على ثبوتها كلها وحينئذ فنقول أي لازم لزم من إثبات فعله كان ~~القول به خيرا من نفي الفعل ms277 وتعطيله فإن ثبت قيام فعله به من غير قيام ~~الحوادث به كما يقوله كثير من الناس بطل قولكم وإن لزم من إثبات فعله قيام ~~الأمور الإختيارية به والقول بأنها مفتتحة ولها أول فهو خير من قولكم كما ~~تقوله الكرامية وإن لزم تسلسلها وعدم أوليتها في الأفعال اللازمة فهو خير ~~من قولكم وإن لزم تسلسل الآثار وكونه سبحانه لم يزل خالقا كما دل عليه النص ~~والعقل فهو خير من قولكم ولو قدر أنه يلزم أن الخلق لم يزل مع الله قديما ~~بقدمه كان خيرا من قولكم مع أن هذا لا يلزم ولم يقل به أحد من أهل الإسلام ~~بل ولا أهل الملل فكلهم متفقون على أن الله وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق ~~موجود بعد عدمه وليس معه غيره من المخلوقات يكون وجوده مساويا لوجوده فما ~~لزم بعد هذا من إثبات خلقه وأمره وصفات كماله ونعوت جلاله وكونه رب ~~العالمين وأن كماله المقدس من لوازم ذاته فأنا به قائلون وله ملتزمون كما ~~إنا ملتزمون لكل ما لزم من كونه حيا عليما قديرا سميعا بصيرا متكلما آمرا ~~ناهيا فوق عرشه بئن من خلقه يراه المؤمنون بأبصارهم عيانا في الجنة وفي ~~عرصات القيامة ويكلمهم ويكلمونه فإن هذا حق ولازم الحق مثله وما لم يلزم من ~~إثبات ذلك من الباطل الذي تتخيله خفافيش العقول فنحن له منكرون وعن القول ~~به عادلون وبالله التوفيق # قال القدري كون العبد موجدا لأفعاله وهو الفاعل لها من أجل الضروريات ~~والبديهيات فإن كل عاقل يعلم من نفسه أنه فاعل لما يصدر منه من الأفعال ~~الواقعة على وفق قصده وداعيته بخلاف حركة المرتعش والمجرور على وجهه وهذا ~~لا يتمارى فيه العاقل ولا يقبل التشكيك والقدح في ذلك والاستدلال على خلافه ~~استدلال على بطلان ما علمت صحته بالضرورة فلا يكون مقبولا # قال السني قد أجابك خصومك من الجبرية عن هذا بأن العاقل يعلم من نفسه ~~وقوع الفعل مقارنا لقدرته PageV01P157 @ ولا يعلم من نفسه أنه واقع بقدرته ~~والفرق بين الأمرين ظاهر ولو ms278 كان وقوعه بقدرته هو المعلوم بالضرورة لما ~~خالف فيه جمع عظيم من العقلاء يستحيل عليهم الإطباق على جحد الضروريات وهذا ~~الجواب مما لا يشفي عليلا ولا يروي غليلا وهو عبارات لا حاصل تحتها فإن كل ~~عاقل يجد من نفسه وقوع الفعل بقدرته وإراداته وداعيته فإن ذلك هو المؤثر في ~~الفعل ويجد تفرقة ضرورية بين مقارنة القدرة والداعية للفعل ومقارنة طوله ~~ولونه وشمه وغير ذلك من صفاته للفعل ونسبة ذلك كله عند الجبري إلى الفعل ~~نسبة واحدة والله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند القدرة والداعي لا ~~بهما وإنما اقترن الداعي والقدرة بالفعل اقترانا مجردا ومعلوم أن هذا قدح ~~في الضروريات ولا ريب أن من نظر إلى تصرفات العقلاء ومعاملاتهم مع بعضهم ~~بعضا وجدهم يطلبون الفعل من غيرهم طلب عالم بالاضطرار أن المطلوب منه الفعل ~~هو المحصل له فالواقع بقدرته وإراداته ولذلك يتلطفون لوقوع الفعل منه بكل ~~لطيفة ويحتالون عليه بكل حيلة فيعطونه تارة ويرجمونه تارة ويخوفونه تارة ~~ويتوصلون إلى إخراج الفعل منه بأنواع الرغبة والرهبة ويقولون قد فعل فلان ~~كذا فما لك لا تفعل كما فعل وهذا أمر مشاهد بالحس والضرورة فالعقلاء ساكنوا ~~لأنفس إلى أن الفعل من العبد يقع وبه يحصل ولو حرك أحدهم أصبعه فشتمت ~~المحرك لها لغضب وشتمك وقال كيف تشتمني ولم يقل لي لم تشتم ربي وهذا أوضح ~~من أن يضرب له المثال أو يبسط فيه المقال وما يعرض في ذلك من الشبه جار ~~مجرى السفسطة وقد فطر الله العقلاء على ذم فاعل الإساءة ومدح فاعل الإحسان ~~وهذا يدل على أنهم مفطورون على العلم بأنه فاعل لأن الذم فرع عليه ويستحيل ~~أن يكون الفرع معلوما باضطرار والأصل ليس كذلك والعقلاء قاطبة يعلمون أن ~~الكاتب مثلا يكتب إذا أراد ويمسك إذا أراد وكذلك الباني والصانع وانه اذا ~~عجزت قدرته أو عدمت ارادته بطل فعله فإن عادت إليه القدرة والأرادة عاد ~~الفعل وقولك لو كان ذلك أمرا ضروريا لأشترك العقلاء فيه جوابك انه لا يجب ~~الإشتراك في الضروريات ms279 فكثير من العقلاء يخالفون كثيرا من الضروريات لدخول ~~شبهة عليهم ولا سيما اذا تواطؤا عليها وتناقلوها كمخالفة الفلاسفة في ~~الإلهيات بيسير من الضروريات وهم جمع كثير من العقلاء وهؤلاء النصارى ~~يقولون ما يعلم فساده بضرورة العقل وهم يناظرون عليه وينصرونه وهؤلاء ~~الرافضة يزعمون أن أبا بكر وعمر لم يؤمنا بالله ورسوله طرفة عين ولم يزالا ~~عدوين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مترصدين لقتله وان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أقام عليا على رؤس جميع الصحابة وهم ينظرون إليه جهر ة وقال هذا ~~وصي وولي العهد من بعدي فكلكم له تسمعون وأطبقوا على كتمان هذا النص ~~وعصيانه وهؤلاء الجهمية ومن قال بقولهم يقولون ما يخالف صريح العقل من وجود ~~مفعول بلا فعل ومخلوق بلا خلق وهؤلاء الفلاسفة وهم المدلون بعقولهم يثبتون ~~ذواتا قائمة بأنفسهم خارج الذهن ليست في العالم ولا خارجة عن العالم ولا ~~متصلة به ولا منفصلة عنه ولا مباينة له ولا محايثة وهو ما يعلم بصريح العقل ~~فساده وهؤلاء طائفة الإتحادية تزعم أن الله هو هذا الوجود وان التعدد ~~والتكثير فيه وهم محض وهؤلاء منكرو الأسباب يزعمون أنه لا حرارة في النار ~~تحرق بها ولا رطوبة في الماء يروى بها وليس في الأجسام أصلا لا قوى ولا ~~طبائع ولا في العالم شيء يكون سببا لشيء آخر البتة وان لم تكن هذه الأمور ~~جحدا للضروريات فليس في العالم من جحد الضروريات وان كانت جحدا PageV01P158 ~~@ للضروريات بطل قولكم ان جمعا من العقلاء لايتفقون على ذلك والاقوال التي ~~يجحد بها المتكلمون الضروريات أضعاف أضعاف ماذكرناه فهم أجحد الناس لما ~~يعلم بضرورة العقل وكيف يصح في عقل سليم سميع لا سمع له بصير لا بصر له حي ~~لا حياة له أم كيف يصح عند عقل مرئي يرى بلأبصار عيانا لا فوق الرائي ولا ~~تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه أم كيف ~~يصح عند ذي عقل اثبات كلام قديم أزلي لو كان البحر يمده ms280 من بعده سبعة أبحر ~~وجميع أشجار الأرض على اختلافها وكبرها وصغرها أقلام يكتب به لنفدت البحار ~~وفنيت الأقلام ولم يفن ذلك الكلام ومع هذا فهو معنى واحد لا جزء له ولا ~~ينقسم وهو والنهي فيه عين الأمر والنفي فيه عين الإثبات والخبر فيه عين ~~الإستخبار والتوراة فيه عين الإنجيل وعين القرآن وذلك كله أمر واحد إنما ~~يختلف بمسمياته ونسبه وقد أطبق على هذا جمع عظيم من العقلاء وكفروا من ~~خالفهم فيه واستحلوا منهم ما حرمه الله وهؤلاء الجهمية يقولون أن للعالم ~~صانعا قائما بذاته ليس في العالم ولا هو خارج العالم ولا فوق العالم ولا ~~تحته ولا خلفه ولا أمامه ولا عن يمينه ولا عن يسرته ولا هو مباين له ولا ~~محايث له فوصفوا واجب الوجود بصفة ممتنع الوجود وكفروا من خالفهم في ذلك ~~واستحلوا دمه وقالوا ما يعلم فساده بصريح العقل ولو ذهبنا نذكر ما جحد فيه ~~أكثر الطوائف الضروريات لطال الكتاب جدا وهؤلاء النصارى قد طبقت شرق الأرض ~~وغربها وهم من أعظم الناس جحدا للضروريات وهؤلاء الفلاسفة هم أهل المعقولات ~~وهم من أكثر الناس جحدا للضروريات فإتفاق طائفة من الطوائف على المقالة لا ~~يدل على مخالفتها لصريح العقل وبالله التوفيق $ فصل # قال القدري قال الله سبحانه ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك وعند الجبري أن الكل فعل الله وليس من العبد شيء # قال الجبري في الكلام إستفهام مقدر تقديره أفمن نفسك فهو إنكار لا إثبات ~~وقرأها بعضهم فمن نفسك بفتح الميم ورفع نفسك أي من أنت حتى تفعلها وقال ولا ~~بد من تأويل الآية وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها وإن تصبهم حسنة ~~يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولون يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند اله فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعا من عنده لا من عند العبد # قال السني أخطأتما جميعا في فهم الآية أقبح الخطأ ومنشأ غلطكما أن ~~الحسنات والسيئات في الآية المراد بها الطاعات ms281 والمعاصي التي هي فعل العبد ~~الإختياري وهذا وهم محض في الآية وإنما المراد بها النعم والمصائب ولفظ ~~الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد به هذا تارة وهذ ا تارة فقوله تعالى ~~@QB@ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها @QE@ وقوله @QB@ إن ~~تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل @QE@ وقوله ~~@QB@ وبلوناهم بالحسنات والسيئات @QE@ وقوله @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور @QE@ وقوله @QB@ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ~~وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه @QE@ وقوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ المراد في هذا كله النعم والمصائب ~~وأما قوله @QB@ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها @QE@ وقوله @QB@ إن الحسنات يذهبن السيئات @QE@ وقوله @QB@ ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات @QE@ والمراد به في هذا كله الأعمال ~~المأمور بها والمنهي عنها وهو سبحانه إنما قال ما أصابك ولم يقل ما أصبت ~~وما كسبت فما يفعله العبد يقال فيه PageV01P159 @ ما أصبت وكسبت وعملت ~~كقوله @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن @QE@ وكقوله @QB@ من يعمل سوءا ~~يجز به @QE@ @QB@ ومن يكسب خطيئة أو إثما @QE@ وقول المذنب التائب يا رسول ~~الله أصبت ذنبا فأقم علي كتاب الله ولا يقال في هذا أصابك ذنب وأصابتك سيئة ~~وما يفعل به بغير إختياره يقال فيه أصابك كقوله @QB@ وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم @QE@ وقوله @QB@ وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من ~~قبل @QE@ وقوله @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها @QE@ فجمع الله ~~في الآية بين ما أصابوا بفعلهم وكسبهم وما أصابهم مما ليس فعلا لهم وقوله ~~@QB@ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده @QE@ وقوله @QB@ ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة @QE@ وقوله @QB@ فأصابتكم مصيبة ~~الموت @QE@ فقوله @QB@ ما أصابك من حسنة @QE@ هو من هذا القسم الذي يصيبه ~~العبد لا بإختياره وهذا إجماع من السلف في تفسير هذه الآية # قال أبو العالية وإن تصبكم حسنة هذا في السراء وإن ms282 تصبهم سيئة هذ في ~~الضراء # قال السدي الحسنة الخصب تنتج مواشيهم وأنعامهم ويحسن حالهم فتلد نساؤهم ~~الغلمان قالوا هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة قال الضر في أموالهم تشاءموا ~~بمحمد وقالوا هذه من عنده قالوا بتركنا ديننا وإتباعنا محمدا أصابنا ما ~~أصابنا فأنزل الله سبحانه ردا عليهم قل كل من عند الله الحسنة والسيئة وقال ~~الوالبي عن ابن عباس ما أصابك من حسنة فمن الله قال ما فتح الله عليك يوم ~~بدر وقال أيضا هو الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه يوم أحد شج في وجهه ~~وكسرت رباعيته وقال أما الحسنة فأنعم الله بها عليك وأما السيئة فابتلاك ~~بها وقا أيضا ما أصابك من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك ذكر ذلك كله ابن ~~أبي حاتم وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس إن تصبك حسنة الخصب وإن تصبك سيئة ~~الجدب والبلاء وقال ابن قتيبة في هذه الاية الحسنة النعمة والسيئة البلية ~~فإن قيل فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي عن أبي العالية أنه فسر الحسنة ~~والسيئة في هذه الآية بالطاعة والمعصية وهو من أعلم التابعين فالجواب أنه ~~لم يذكر بذلك إسنادا ولا نعلم صحته عن أبي العالية وقد ذكر ابن أبي حاتم ~~بإسناده عن أبي العاليه ما تقدم حكايته أن ذلك في السراء والضراء وهذا هو ~~المعروف عن أبي العالية ولم يذكر ابن أبي حاتم عنه غيره وهو الذي حكاه ابن ~~قتيبة عنه وقد يقال أن المعنيين جميعا مرادان بإعتبار أن ما يوفقه الله من ~~الطاعات فهو نعمة في حقه أصابته من الله كما قال وما بكم من نعمة فمن الله ~~فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا وما يقع منه من المعصية فهو مصيبة أصابته ~~من الله وإن كان سببها منه والذي يوضح ذلك أن الله سبحانه إذا جعل السيئة ~~هي الجزاء على المعصية من نفس العبد بقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه فلا منافاة بين أن تكون سيئة ms283 ~~العمل من نفسه وسيئة الجزاء من نفسه ولا ينافي ذلك أن يكون الجميع من الله ~~قضاء وقدرا ولكن هو من الله عدل وحكمه ومصلحة وحسن ومن العبد سيئه وقبيح ~~وقد وري عن ابن عباس أنه كان يقرأها وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا ~~قدرتها عليك وهذه القراءة زيادة بيان وإلا فقد دل قوله قبل ذلك قل كل من ~~عند الله على السابق القضاء والقدر النافذ والمعاصي قد تكون بعضها عقوبة ~~بعض فيكون لله على المعصية عقوبتان عقوبة بمعصية تتولد منها وتكون الأولى ~~سببا فيها وعقوبة بمؤلم يكون جزاءها كما في الحديث المتفق على صحته عن ابن ~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ~~والبر يهدي إلى الجنة PageV01P160 @ ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى ~~يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي ~~إلى النار ولا يزال الرجل يكذ ب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا وقد ~~ذكر الله سبحانه في غير موضع من كتابه أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب ~~الحسنة الأولى وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى فالأول كقوله ~~تعالى ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا ~~لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما وقال تعالى @QB@ ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ وقال @QB@ يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم @QE@ وأما قوله @QB@ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ~~سيهديهم ويصلح بالهم @QE@ فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية في ~~الآخرة إلى طريق الجنة فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم ويحتمل أن يكون منه ~~ويكون قوله سيهديهم ويصلح بالهم إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين ~~قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد ~~له كل وقت نوعا من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئا بعد شيء فإن قلت فكيف ms284 ~~يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا قلت الخبر قوله فلن يضل أعمالهم أي ~~أنه لا يبطلها عليهم ولا يترهم إياها هذا بعد أن قتلوا ثم أخبر سبحانه خبرا ~~مستأنفا عنهم أنه سيهديهم ويصلح بالهم لما علم أنهم سيقتلون في سبيله وأنهم ~~بذلوا أنفسهم له فلهم جزآن جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد وجزاء في ~~الآخرة بدخول الجنة فيرد السامع كل جملة إلى وقتها لظهور المعنى وعدم ~~التباسه وهو في القرآن كثير والله أعلم وقال تعالى @QB@ كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء @QE@ وقال @QB@ ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين @QE@ وقال @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا ~~قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ وقال @QB@ وإن تطيعوه ~~تهتدوا @QE@ وقال @QB@ ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن @QE@ فضمن ~~التمام معنى الإنعام فعداه بعلى أي أنعاما منا على الذي أحسن وهذا جزاء على ~~الطاعات بالطاعات وأما الجزاء بالمعاصي على المعاصي فكقوله @QB@ فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقوله @QB@ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم @QE@ وقوله @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ وقوله @QB@ إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا @QE@ وقوله @QB@ وقالوا قلوبنا ~~غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون @QE@ وقوله @QB@ ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين @QE@ وهو كثير في القرآن وعلى هذا فيكون النوعان من السيئات أعني ~~المصائب والمعايب من نفس الإنسان وكلاهما بقدر الله فشر النفس هو الذي أوجب ~~هذا وهذا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته المعروفة ونعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا فشر النفس نوعان صفة وعمل والعمل ~~ينشأ عن الصفة والصفة تتأكد وتقوى بالعمل فكل منهما يمد الآخر وسيئات ~~الأعمال نوعان قد فسرهما الحديث أحدهما مساويها وقبائحها فتكون الإضافة فيه ~~من النوع إلى جنسه وهي إضافة بمعنى من أي السيئات من أعمالنا والثاني ms285 أنها ~~ما يسوء العامل مما يعود عليه من عقوبة عمله فيكون من إضافة المسبب إلى ~~سببه وتكون الإضافة على معنى اللام وقد يرجح الأول بأنه يكون قد استعاذ من ~~الصفة والعمل الناشئ عنها وذلك يتضمن الاستعاذة من الجزاء السيئ ~~PageV01P161 @ المترتب على ذلك فتضمنت الاستعاذة ثلاثة أمور الاستعاذة من ~~العذاب ومن سببه الذي هو العمل ومن سبب العمل الذي هو الصفة وقد يرجح ~~الثاني أن شر النفس يعم النوعين كما تقدم فسيئات الأعمال ما يسوء من جزائها ~~ونبة بقوله سيئات أعمالنا على أن الذي يسوء من الجزاء إنما هو بسبب الأعمال ~~الإرادية لا من الصفات التي ليست من أعمالنا ولما كانت تلك الصفة شرا ~~استعاذ منها وأدخلها في شر النفس وقال الصديق رضي الله تعالى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل اللهم فاطر ا السماوات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ ~~بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوأ أو أجره إلى مسلم ~~قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك # ولما كان الشر له مصدر يبتدي منه وغاية ينتهي إليها وكان مصدرها أما من ~~نفس الإنسان وأما من الشيطان وغايته أن يعود على صاحبه أو على أخيه المسلم ~~تضمن الدعاء هذه المراتب الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأبينه $ فصل # قال السني فليس لك أيها القدري أن تحتج بالآية التي نحن فيها لمذهبك ~~لوجوه أحدها أنك تقول فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه لا من الله بل ~~الله سبحانه قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات ~~ولكن هذا أحدث من عند نفسه إرادة فعل بها الحسنات وهذا أحدث إرادة فعل بها ~~السيئات وليست واحدة من الإرادتين من إحداث الرب سبحانه البتة ولا أوجبتها ~~مشيئته والآية قد فرقت بين الحسنة والسيئة وأنتم لا تفرقون بينهما فإن الله ~~عندكم لم يشأ هذا ولا هذا قال القدري إضافة ms286 إلى نفس العبد لكونه هو الذي ~~أحدثها وأوجدها وأضاف الحسنة إليه سبحانه لكونه هو الذي أمر بها وشرعها قال ~~السني الله سبحانه أضاف إلى العبد ما أصابه من سيئة وأضاف إلى نفسه ما أصاب ~~العبد من حسنة ومعلوم أن الذي أصاب العبد هو الذي قام به والأمر لم يقم ~~بالعبد وإنما قام به المأمور وهو الذي أصابه فالذي أصابه لا تصح إضافته إلى ~~الرب عندكم والمضاف إلى الرب لم يقم بالعبد فعلم أن الذي أصابه من هذا وهذا ~~أمر قائم به فلو كان المراد به الأفعال الاختيارية من الطاعات والمعاصي ~~لاستوت الإضافة ولم يصح الفرق وإن افترقا في كون أحدهما مأمورا به والآخر ~~منهيا عنه على أن النهي أيضا من الله كما أن الأمر منه فلو كانت الإضافة ~~لأجل الأمر لاستوى المأمور والمنهي في الإضافة لأن هذا مطلوب إيجاده وهذا ~~مطلوب إعدامه قال القدري أنا أجوز تعلق الطاعة والمعصية بمشيئة الرب سبحانه ~~وإحداثه على وجه الجزاء لا على سبيل الابتداء وذلك أن الله سبحانه يعاقب ~~عبده بما شاء ويثيبه فكما يعاقبه بخلق الجزاء الذي يسوءه وخلق الثواب الذي ~~يسره ولذلك يحسن أن يعاقبه بخلق المعصية وخلق الطاعة فإن هذا يكون عدلا منه ~~وأما أن يخلق فيه الكفر والمعصية ابتداء بلا سبب فمعاذ الله من ذلك قال ~~السني هذا توسط حسن جدا لا يأباه العقل ولا الشرع ولكن من ابتدأ الأول وليس ~~هو عندك مقدورا لله ولا واقعا بمشيئته فقد أثبت في ملكه ما لا يقدر عليه ~~وأدخلت فيه ما لا يشاء ونقضت أصلك كله فإنك أصلت أن فعل العبد الاختياري ~~قدرة العبد عليه واختياره له ومشيئته تمنع قدرة الرب عليه ومشيئته له وهذا ~~الأصل لا فرق فيه بين الابتدائي والجزائي قال القدري فالقرآن قد فرق بين ~~النوعين وجعل الكفر والفسوق الثاني جزاء على الأول فعلم أن الأول من العبد ~~قطعا والأ لم يستقم PageV01P162 @ جعل أحدهما عقوبة على الآخر وقد صرح بذلك ~~في قوله @QB@ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ms287 @QE@ فأضاف ~~نقض الميثاق إليهم وتقسية القلوب إليه فالأول سبب منهم والثاني جزاء منه ~~سبحانه قال تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ فأضاف عدم الإيمان أولا إليهم إذ هو السبب ~~وتقليب القلوب وتركهم في طغيانهم هو الجزاء ومثله قوله @QB@ فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم @QE@ والآيات التي سمعتموها آنفا إنما تدل على هذا قال ~~السني هذا حق لكن ليس فيه إخراج السبب عن كونه مقدورا للرب سبحانه واقعا ~~بمشيئته ولو شاء لحال بين العبد وبينه ووفقه لضده فهي البقية التي بقيت ~~عليك من القدر كما أن إنكار إثبات الأسباب واقتضائها لمسبباتها وترتبها ~~عليها هي البقية التي بقيت على الجبري في المسألة أيضا وكلاكما مصيب من وجه ~~مخطئ من وجه ولو تخلص كل منكما من البقية التي بقيت عليه لوجدتما روح ~~الوفاق واصطلحتما على الحق وبالله التوفيق قال القدري فما تقول أنت أيها ~~السني في العقل الأول إذا لم يكون جزاء فما وجهه وأنت ممن يقول بالحكمة ~~والتعليل وتنزه الرب سبحانه عن الظلم الذي هو ظلم لا ما يقوله الجبري أنه ~~الجمع بين النقيضين قال السني لا يلزمني في هذ ا المقام بيان ذلك فإني لم ~~أنتصب له إنما انتصبت لابطال احتجاجك بالآية لمذهبك الباطل وقد وفيت به ~~ولله في ذلك حكم وغايات محمودة لا تبلغها عقول العقلاء ومباحث الاذكياء ~~فالله سبحانه إنما يضع فضله وتوفيقه وإنداده في المحل الذي يصلح له وما لا ~~يصلح له من المحال يدعه غفلا فارغا من الهدى والتوفيق فيجري مع طبعه الذي ~~خلق عليه ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون قال ~~القدري فإذا كان الله سبحانه قد أحدث فيهم تلك الإرادة والمشيئة المستلزمة ~~لوجود الفعل كان ذلك إيجادا منه سبحانه لذلك فيهم كما أوجد الهدى والإيمان ~~في أهله قال السني هذا معترك النزال وتفرق طرق العالم والله سبحانه أعطى ~~العبد مشيئة وقدرة وإرادة تصلح لهذا ولهذا ثم أمد أهل الفضل بأمور وجودية ~~زائدة على ms288 ذلك المشترك أوجب له الهداية والإيمان وأمسك ذلك الإمداد عمن علم ~~أنه لا يصلح له ولا يليق به فانصرفت قوى إرادته ومشيئته إلى ضده اختيارا ~~منه وحجة لا كرها واضطرارا قال القدري فهل كان يمكنه إرادة ما لم يعن عليه ~~ولم يوفق له بإمداد زائد على خلق الإرادة قال السني إن أردت بالإمكان أنه ~~يمكنه فعله لو أراده فنعم هو ممكن بهذا الاعتبار مقدور له وإن أردت به أنه ~~ممكن وقوعه بدون مشيئة الرب وإذنه فليس يمكن فإنه ما شاء الله كان ووجب ~~وجوده وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده قال القدري فقد سلمت حينئذ أنه غير ~~ممكن للعبد إذا لم يشأ الله منه أن يفعله فصار غير مقدور للعبد فقد عوقب ~~على ترك ما لا يقدر على فعله قال السني عدم إرادة الله سبحانه للعبد ~~ومشيئته أن يفعل لا يوجب كون الفعل غير مقدور له فإنه سبحانه لا يريد من ~~نفسه أن يعينه عليه مع كونه أقدره عليه ولا يلزم من إقداره عليه وقوعه حتى ~~توجد منه إعانة أخرى فانتفاء تلك الإعانة لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا ~~للعبد فإنه قد يكون قادرا على الفعل لكن يتركه كسلا وتهاونا وإيثارا لفعل ~~ضده فلا يصرف الله عنه ترك الواقع ولا يوجب عدم صرفه كونه عاجزا عن الفعل ~~فإن الله سبحانه يعلم أنه قادر عليه بالقدرة التي أقدره بها ويعلم أنه لا ~~يريده مع كونه قادرا عليه فهو سبحانه مريد له ومنه الفعل ولا يريد من نفسه ~~إعانته وتوفيقه وقطع هذه الإعانة والتوفيق لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا له ~~وإن جعلته غير مراد وسر PageV01P163 @ المسئلة الفرق بين تعلق الادارة بفعل ~~العبد وتعلقها بفعله هو سبحانه بعده فمن لم يحط معرفة بهذا الفرق لم يكشف ~~له حجاب المسئلة قال الجبري اما أن تقول ان الله علم أن العبد لا يفعل أو ~~لم يعلم ذلك والثاني محال واذا كان قد علم انه لا يفعله صار الفعل ممتنعا ~~قطعا اذ لو فعله ms289 لا نقلب العلم القديم جهلا قال السني هذه حجة باطلة من ~~وجوه احدهما ان هذا بعينه يقال فيما علم الله انه لا يفعله وهو مقدور له ~~فانه لا ينفع البتة مع كونه مقدورا له فما كان جوابك عن ذلك فهو جوابنا لك ~~وثانيها ان الله سبحانه يعلم الامور على ما هي عليه فهو يعلم انه لا يفعله ~~لعدم ارادته له لا لعدم قدرته عليه وثالثها ان العلم كاشف لا موجب وانما ~~الموجب مشيئة الرب والعلم يكشف حقائق المعلومات # عدنا إلى الكلام على الآية التي احتج بها القدرى وبيان انه لا حجة فيها ~~من ثلاثة أوجه احدها انه قال ما اصابك ولم يقل ما اصبت الثاني ان المراد ~~بالحسنة والسيئة النعمة والمصيبه الثالث انه قال قل كل من عند الله ~~فالانسان هو فاعل السيآت ويستحق علها العقاب والله هو المنعم عليه بالحسنات ~~عملا وجزاء والعادل فيه بالسيآت قضاء وجزاء ولو كان العمل الصالح من نفس ~~العبد كما كان السيء من نفسه لكان الامران كلاهما من نفسه والله سبحانه قد ~~فرق بين النوعين وفي الحديث الصحيح الإلهي يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها ~~لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن ~~إلا نفسه $ فصل # قال الجبري اول الآية محكم وهو قوله كل من عند الله وآخرها متشابه وهو ~~قوله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قال القدري ~~آخرها محكم وأولها متشابه قال السني أخطأتما جميعا بل كلاهما محكم مبين ~~وإنما أتيتما من قلة الفهم في القرآن وتدبره فليس بين اللفظين تناقض لا في ~~المعنى ولا في العبارة فإنه سبحانه وتعالى ذ كر عن هؤلاء الناكلين عن ~~الجهاد أنهم إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه من عندك أي سبب ما أمرتنا به من دينك وتركنا ~~ما كنا عليه أصابتنا هذه السيآت لأنك أمرتنا بما أوجبها فالسيآت ههنا هي ms290 ~~المصائب والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هي التي أمروا بها وقولهم في ~~السيئة التي تصيبهم هذه من عندك تتناول مصائب الجهاد التي حصلت لهم من ~~الهزيمة والجراح وقتل من قتل منهم وتتناول مصائب الرزق على وجه التطير ~~والتشاؤم أي أصابنا هذا بسبب دينك كما قال تعالى عن قوم فرعون فإذا جاءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيرا بموسى ومن معه أي إذا جاءهم ما ~~يسرون به ويتنعمون به من النعم قالوا نحن أهل ذلك ومستحقوه وإن أصابهم ما ~~يسوءهم قالوا هذا بسبب ما جاء به موسى وقال أهل القرية للمرسلين إنا تطيرنا ~~بكم وقال قوم صالح له عليه السلام اطيرنا بك وبمن معك وكانوا يقولون لما ~~ينالهم من سبب الحرب هذا منك لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة له وللمصائب ~~الحاصلة من غير جهة العدو وهذا أيضا منك أي بسبب مفارقتنا لديننا ودين ~~آبائنا والدخول في طاعتك وهذه حال كل من جعل طاعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم سببا لشر أصابه من السماء أو من الأرض وهؤلاء كثير في الناس وهم ~~الأقلون عند الله تعالى قدرا الأرذلون عنده ومعلوم أنهم لم يقولوا هذه من ~~عندك بمعنى أحدثتها ومن فهم هذا يتبين له أن قوله تعالى @QB@ ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ لا يناقض قوله تعالى قل كل ~~من عند الله بل هذا تحقيق له فإنه سبحانه PageV01P164 @ بين النعم والمصائب ~~كلها من عنده فهو الخالق لها المقدر لها المبتلي خلقه بها فهي من عنده ليس ~~بعضها من عنده وبعضها خلقا لغيره فكيف يضاف بعضها إلى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وبعضها إلى الله تعالى ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثها ~~فلم يبق إلا ظنهم أنه سبب لحصولها أما في الجملة كحال أهل التطير وأما في ~~الواقعة المعينة كحال اللائمين له في الجهاد فأبطل الله سبحانه وذلك الوهم ~~الكاذب والظن الباطل وبين ان ما جاء به لا يوجب الشر البتة بل الخير ms291 كله ~~فيما جاء صلى الله عليه وسلم به والشر بسبب أعمالهم وذنوبهم كما قال الرسل ~~عليهم السلام لأهل القرية طائركم معكم ولا يناقض هذا قول صالح عليه السلام ~~لقومه طائركم عند الله وقوله تعالى عن قوم فرعون @QB@ وإن تصبهم سيئة ~~يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله @QE@ بل هاتان النسبتان ~~نظير هاتين النسبتين في هذه الآية وهي نسبة السيئة إلى نفس العبد ونسبة ~~الحسنة والسيئة إلى أنهما من عند الله عز وجل فتأمل اتفاق القرآن وتصديق ~~بعضه بعضا فحيث جعل الطائر معهم والسيئة من نفس العبد فهو على وجهة السبب ~~والموجب أي الشر والشؤم الذ ي أصابكم هو منكم ومهما فإن أسبابه قائمة بكم ~~كما تقول شرك منك وشؤمك فيك يراد به العمل وطائرك معك وحيث جعل ذلك كله من ~~عنده فهو لأنه الخالق له المجازي به عدلا وحكمه فالطائر يراد به العمل ~~وجزاءه فالمضاف إلى العبد العمل والمضاف إلى الرب الجزاء فطائركم معكم طائر ~~العمل وطائركم عند الله الجزاء فما جاءت به الرسل ليس سببا لشيء من المصائب ~~ولا تكون طاعة الله ورسوله سببا لمصيبة قط بل طاعة الله ورسوله لا توجب إلا ~~خيرا في الدنيا والآخرة ولكن قد يصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ~~ذنوبهم وتقصيرهم في طاعة الله ورسوله كما لحقهم يوم أحد ويوم حنين وكذلك ما ~~أمتحنوا به من الضراء وأذى الكفار لهم ليس هو بسبب نفس إيمانهم ولا هو ~~موجبه وإنما امتحنوا به ليخلص ما فيهم من الشر فامتحنوا بذلك كما يمتحن ~~الذهب بالنار ليخلص من غشه والنفوس فيها ما هو من مقتضى طبعها فالإمتحان ~~يمحص المؤمن من ذلك الذي هو من موجبات طبعه كما قال تعالى @QB@ وليمحص الله ~~الذين آمنوا ويمحق الكافرين @QE@ وقال @QB@ وليبتلي الله ما في صدوركم @QE@ ~~فطاعة الله ورسوله لا تجلب إلا خيرا ومعصيته لا تجلب إلا شرا ولهذا قال ~~سبحانه @QB@ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا @QE@ فإنهم لو فقهوا ~~الحديث لعلموا أنه ليس في الحديث الذي أنزله الله ms292 على رسوله ما يوجب شرا ~~البتة ولعلموا أنه سبب كل خير ولو فقهوا لعلموا أن العقول والفطر تشهد بأن ~~مصالح المعاش والمعاد متعلقة بما جاء به الرسول فلو فقهوا القرآن علموا أنه ~~أمرهم بكل خير ونهاهم عن كل شر وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم حسنه ~~بالعقل وأنه كله مصلحة ورحمة ومنفعة وإحسان بخلاف ما يقوله كثير من أهل ~~الكلام الباطل أنه سبحانه يأمر العباد بما لا مصلحة لهم فيه بل يأمرهم بما ~~فيه مضرة لهم وقول هؤلاء تصديق وتقرير لقول المتطيرين بالرسل $ فصل # ومما يوضح الأمر في ذلك أنه سبحانه لما قال @QB@ ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ عقب ذلك بقوله @QB@ وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا @QE@ وذلك يتضمن أشياء منها تنبيه أمته على أن ~~رسوله الذي شهد له بالرسالة إذا أصابه ما يكره فمن نفسه فما الظن بغيره ~~ومنها أن حجة الله قد قامت عليهم بإرساله فإذا أصابهم سبحانه بما يسوءهم لم ~~يكن ظالما لهم في ذلك لأنه قد أرسل رسوله إليهم يعلمهم بما فيه مصالحهم وما ~~يجلبها لهم وما فيه مضرتهم وما يجلبها لهم PageV01P165 @ فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ومنها أنه سبحانه قد شهد ~~له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات الدالة على صدقه وأنه رسوله حقا ~~فلا يضره جحد هؤلاء الجاهلين الظالمين المتطيرين به لرسالته ومن شهد له رب ~~السموات والأرض ومنها أنهم أرادو أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتها حجة على ~~إبطال رسالته فشهد له بالرسالة وأخبر أن شهادته كافيه فكان في ضمن ذلك ~~إبطال قولهم أن المصائب من عند الرسول صلى الله عليه وسلم وإثبات أنها من ~~عند أنفسهم بطريق الأولى ومنها إبطال قول الجهمية المجبرة ومن وافقهم في ~~قولهم إن الله قد يعذب العباد بلا ذنب ومنها إبطال قول القدرية الذين ~~يقولون أن أسباب الحسنات والسيئات ليست من الله بل هي من العبد ومنها ذم من ~~لم ms293 يتدبر القرآن ولم يفقهه وإن إعراضه عن تدبره وفقهه يوجب له من الضلال ~~والشقاء بحسب إعراضه ومنها إثبات الأسباب وإبطال قول من ينفيها ولا يرى لها ~~إرتباطا بمسببابتها ومنها أن الخير كله من الله والشر كله من النفس فإن ~~الشر هو الذنوب وعقوبتها والذنوب من النفس وعقوباتها مترتبة عليها والله هو ~~الذي قدر ذلك وقضاه وكل من عنده قضاء وقدرا وإن كانت نفس العبد سببه بخلاف ~~الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل الله ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره ~~ومنها أنه سبحانه لما رد قولهم أن الحسنة من الله والسيئة من رسوله وأبطله ~~بقوله @QB@ قل كل من عند الله @QE@ رفع وهم من توهم أن نفسه لا تأثير لها ~~في السيئة ولا هي منها أصلا بقوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم ومنها أنه ~~قال في الرد عليهم @QB@ قل كل من عند الله @QE@ ولم يقل من الله لما جمع ~~بين الحسنات والسيئات والحسنة مضافة إلى الله من كل وجه والسيئة إنما تضاف ~~إليه قضاء وقدرا وخلقا وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة فلهذا قال @QB@ قل ~~كل من عند الله @QE@ وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة ~~كونها سيئة بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف إلى النفس ~~كونها سيئة ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال @QB@ ما أصابك من حسنة فمن ~~الله @QE@ ولم يقل من عند الله فالخير منه وانه موجب أسمائه وصفاته والشر ~~الذي هو بالنسبة إلى العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ~~ثم قال @QB@ وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ ولم يقل من عندك لأن النفس ~~طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها والجميع من عند الله فالسيئة من نفس ~~الإنسان بلا ريب والحسنة من الله بلا ريب وكلاهما من عنده سبحانه قضاء ~~وقدرا وخلقا ففرق بين ما من الله وبين ما من عنده والشر لا يضاف إلى ms294 الله ~~إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب ~~إلا الخير ولا يفعل شرا ولا يوصف به ولا يسمى باسمه وسنذكر في باب دخول ~~الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى قضائه وقدره إن شاء الله $ فصل # وقد اختلف في كاف الخطاب في قوله @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ هل هي لرسول الله أو هي لكل واحد من الآدميين # فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه الحسنة ما فتح الله عليه يوم بدر من ~~الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته # وقالت طائفة بل المراد جنس ابن آدم كقوله @QB@ يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم @QE@ روى سعيد عن قتادة @QB@ وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ ~~قال عقوبة يا ابن آدم بذنبك PageV01P166 @ ورجحت طائفة القول الأول # واحتجوا بقوله @QB@ وأرسلناك للناس رسولا @QE@ قالوا وأيضا فإنه لم يتقدم ~~ذكر الإنسان ولا خطابه وإنما تقدم ذكر الطائفة قالوا ما حكاه الله عنهم فلو ~~كانوا هم المرادين لقال ما أصابهم أو ما أصابكم على طريق الإلتفات قالوا ~~وهذا من باب السبب لأنه إذا كان سيد ولد آدم وهكذا حكمه فكيف بغيره ورجحت ~~طائفة القول الآخر # واحتجت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم معصوم لا يصدر عنه ما يوجب ~~أن تصيبه به سيئة قالوا والخطاب وإن كان له في الصورة فالمراد به الأمة ~~كقوله @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء @QE@ قالوا ولما كان أول الآية ~~خطابا له أجرى الخطاب جميعه على وجه واحد فأفرده في الثاني والمراد به ~~الجميع والمعنى وما أصابكم من سيئة فمن أنفسكم فالأول له والثاني لأمته ~~ولهذا لما أفرد أصابة السيئة قال @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم @QE@ وقال @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ~~قل هو من عند أنفسكم @QE@ وقال @QB@ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض ms295 بما رحبت ثم وليتم مدبرين @QE@ @QB@ ثم أنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين @QE@ فأخبر أن الهزيمة بذنوبهم ~~واعجابهم وأن النصر بما أنزله على رسوله وأيده به إذ لم يكن منه من سبب ~~الهزيمة ما كان منه وجمعت طائفة ثالثة بين القولين وقالوا صورة الخطاب له ~~صلى الله عليه وسلم والمراد العموم كقوله @QB@ يا أيها النبي اتق الله ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين @QE@ ثم قال @QB@ واتبع ما يوحى إليك من ربك @QE@ ~~ثم قال @QB@ وتوكل على الله @QE@ وكقوله @QB@ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من ~~الشاكرين @QE@ وقوله @QB@ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين ~~يقرؤون الكتاب من قبلك @QE@ قالوا وهذا الخطاب نوعان نوع يختص لفظه به لكن ~~يتناول غيره بطريق الأولى كقوله @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك @QE@ ثم قال @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ ~~ونوع يكون الخطاب له وللأمة فأفرده بالخطاب لكونه هو المواجه بالوحي وهو ~~الأصل فيه والمبلغ للامة والسفير بينهم وبين الله وهذا معنى قول كثير من ~~المفسرين الخطاب له والمراد غيره ولم يريدوا بذلك أنه لم يخاطب بذلك أصلا ~~ولم يرد به البتة بل المراد أنه لما كان أمام الخلائق ومقدمهم ومتبوعهم ~~أفرد بالخطاب وتبعته الأمة في حكمه كما يقول السلطان لمقدم العساكر أخرج ~~غدا وأنزل بمكان كا وأحمل على العدو وقت كا قالوا فقوله @QB@ ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ خطاب له وجميع الأمة داخلون ~~في ذلك بطريق الأولى بخلاف قوله @QB@ وأرسلناك للناس رسولا @QE@ فإن هذا له ~~خاصة قالوا وهذه الشرطية لا تستلزم الوقوع بل تربط الجزاء بالشرط وأما وقوع ~~الشرط والجزاء فلا يدل عليه فهو مقدر في حقه محقق في غيره والله أعلم # قال القدري إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة والنعم والمصائب مقدرة فلم ~~فرق سبحانه بين الحسنات التي هي النعم والسيآت التي هي المصائب فجعل هذه ~~منه سبحانه وهذه ms296 من نفس الإنسان والجميع مقدر # قال السني بينهما فروق الفرق الأول أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع ~~بلا كسب منهم أصلا بل الرب سبحانه ينعم عليهم بالعافية والرزق والنصر ~~وإرسال الرسل وإنزال الكتب وأسباب الهداية فيفعل ذلك من لم يكن منه سبب ~~يقتضيه وينشء للجنة خلقا يسكنهم إياها بغير سبب منهم ويدخل أطفال المؤمنين ~~ومجانينهم الجنة بلا عمل وأما العقاب فلا يعاقب أحدا إلا بعمله # الفرق الثاني أن عمل الحسنات من احسان الله PageV01P167 @ ومنه وتفضله ~~عليه بالهداية والإيمان كما قال أهل الجنة @QB@ الحمد لله الذي هدانا لهذا ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله @QE@ فخلق الرب سبحانه لهم الحياة ~~والسمع والبصر والعقول والأفئدة وإرسال الرسل وتبليغهم البلاغ الذي اهتدوا ~~به وإلهامهم الإيمان وتحبيبه إليهم وتزيينه في قلوبهم وتكريه ضده إليهم كل ~~ذلك من نعمه كما قال تعالى @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ~~ونعمة والله عليم حكيم @QE@ فجميع ما يتقلب فيه العالم من خير الدنيا ~~والآخرة هو نعمة محضة بلا سبب سابق يوجب ذلك لهم ومن غير حول وقوة منهم إلا ~~به وهو خالقهم وخالق أعمالهم الصالحة وخالق جزائها وهذا كله منه سبحانه ~~بخلاف الشر فإنه لا يكون إلا بذنوب العبد وذنبه من نفسه وإذا تدبر العبد ~~هذا علم أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله فشكر ربه على ذلك فزاده من ~~فضله عملا صالحا ونعما يفيضها عليه وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من ~~نفسه وبذنوبه استغفر ربه وتاب فزال عنه سبب الشر فيكون دائما شاكرا مستغفرا ~~فلا يزال الخير يتضاعف له والشر يندفع عنه كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول في خطبته الحمد لله فيشكر الله ثم يقول نستعينه ونستغفره نستعينه ~~على طاعته ونستغفره من معصيته ونحمده على فعله وإحسانه ثم قال ونعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا لما استغفره من الذنوب الماضية استعاذ به من الذنوب التي لم ms297 ~~تقع بعد ثم قال ومن سيئات أعمالنا فهذه استعاذه من عقوبتها كما تقدم ثم قال ~~من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فهذه شهادة للرب بأنه ~~المتصرف في خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه يهدي من يشاء ويضل من ~~يشاء فإذا هدى عبدا لم يضله أحد وإذا أضله لم يهده أحد وفي ذلك إثبات ~~ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وقضائه وقدره الذي هو عقد نظام التوحيد واساسه ~~وككل هذا مقدمة بين يدي قوله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله فإن الشهادتين إنما تتحققان بحمد الله واستعانته واستغفاره واللجأ ~~إليه والإيمان بأقداره والمقصود أنه سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات بعد ~~أن جمع بينهما في قوله كل من عند الله فجمع بينهما الجمع الذي لا يتم ~~الإيمان إلا به وهو اجتماعهما في قضائه وقدره ومشيئته وخلقه ثم فرق بينهما ~~الفرق الذي ينتفعون به وهو أن هذا الخير والحسنة نعمة منه فاشكروه عليه ~~يزدكم من فضله ونعمه وهذا الشر والسيئة بذنوبكم فاستغفروه يرفعه عنكم وأصله ~~من شرور أنفسكم فاستعيذوا به يخلصكم منها ولا يتم ذلك إلا بالإيمان بالله ~~وحده وهو الذي يهدي ويضل وهو الإيمان بالقدر فادخلوا عليه من بابه فإن أزمة ~~الأمور بيده فإذا فعلتم ذلك صدق منكم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله فهذه الخطبة العظيمة عقد نظام الإسلام والإيمان فلو اقتصر لهم ~~على الجمع دون الفرق أعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه والتوبة من ذنوبه ~~والاستعاذة من شرها وقام في قلبه شاهد الاحتجاج على ربه بالقدر وتلك حجة ~~داحضة تبع الأشقياء فيها إبليس وهي لا تزيد صاحبها الا شقاء وعذابا كما ~~زادت إبليس طردا وبعدا عن ربه وكما زادت المشركين ضلالا وشقاء حين قالوا لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا وكما تزيد الذي يقول يوم القيامة لو أن الله ~~هداني لكنت من المتقين حسرة وعذابا ولو اقتصر لهم على الفرق دون الجمع ~~لغابوا به في التوحيد والإيمان ms298 بالقدر واللجأ إلى الله في الهداية والتوفيق ~~والاستعاذة به من شر النفس وسيئات العمل والافتقار التام إلى إعانته وفضله ~~وكان في الجمع والفرق PageV01P168 @ بيان حق العبودية وسيأتي تمام هذا ~~الكلام على هذا الموضع العظيم القدر إن شاء الله بإثبات اجتماع القدر ~~والشرع وافتراقهما # الفرق الثالث أن الحسنة يضاعفها الله سبحانه وينميها ويكتبها للعبد بأدنى ~~سعي ويثيب على الهم بها والسيئة لا يؤاخذ على الهم بها ولا يضاعفها ويبطلها ~~بالتوبة والحسنة الماحية والمصائب المكفرة فكانت الحسنة أولى بالإضافة إليه ~~تعالى والسيئة أولى بالإضافة إلى النفس # الفرق الرابع أن الحسنة التي هي الطاعة والنعمة يحبها ويرضاها فهو سبحانه ~~يحب أن يطاع ويحب أن ينعم ويحسن ويجود وأن قدر المعصية وأراد المنع فالطاعة ~~أحب إليه والبذل والعطاء آثر عنده فكان إضافة نوعي الحسنة له وإضافة نوعي ~~السيئة إلى النفس أولى ولهذا تأدب العارفون من عباده بهذا الأدب فأضافوا ~~إليه النعم والخيرات وأضافوا الشرور إلى محلها كما قال أمام الحنفاء الذي ~~خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين فأضاف المرض ~~إلى نفسه والشفاء إلى ربه # وقال الخضر أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها ~~ثم قال وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما ~~وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما # وقال مؤمنوا الجن وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا # الفرق الخامس أن الحسنة مضافة إليه لأه أحسن بها من كل وجه وبكل اعتبار ~~كما تقدم فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه وأما السيئة فهو ~~سبحانه إنما قدرها وقضاها لحكمته وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن ~~الرب سبحانه لا يفعل سوأ قط كما لا يوصف به ولا يسمى باسمه بل فعله كله حسن ~~وخير وحكمة كما قال تعالى بيده الخير وقال أعرف الخلق به والشر ليس إليك ~~فهو لا يخلق شرا محضا من كل وجه بل كل ما خلقه ms299 ففي خلقه مصلحة وحكمة وإن ~~كان في بعضه شر جزئي إضافي وأما الشر الكلي المطلق من كل وجه فهو تعالى ~~منزه عنه وليس إليه # الفرق السادس أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها فهي أمور وجودية ~~متعلقة بمشيئة الرب وقدره ورحمته وحكمته وليست أمورا عدمية تضاف إلى غير ~~الله بل هي كلها أمور وجودية وكل موجود حادث والله محدثه وخالقه وذلك أن ~~الحسنات إما فعل مأمور أو ترك محظور والترك أمر وجودي فترك الإنسان لما نهى ~~عنه ومعرفته بأنه ذنب قبيح وبأنه سبب العذاب فبعضه له وكراهته له ومنع نفسه ~~إذا هويته وطلبته منه أمور وجودية كما أن معرفته بالحسنات كالعدل والصدق ~~حسنة وفعله لها أمر وجودي والإنسان إنما يثاب على ترك السيئات إذا تركها ~~على وجه الكراهة لها والامتناع عنها وكف للنفس عنها قال تعالى @QB@ ولكن ~~الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى @QE@ وقال ~~@QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ~~من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار وقد جعل صلى الله عليه وسلم البغض في الله من أوثق عرى الإيمان وهو ~~أصل الترك وجعل المنع لله من كمال الإيمان وهو أصل الترك فقال من أوثق عرى ~~الإيمان الحب في الله والبغض في الله وقال من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ~~ومنع لله فقد استكمل الإيمان وجعل إنكار المنكر بالقلب من مراتب الإيمان ~~PageV01P169 @ وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركه فلم يكن الترك من الإيمان ~~إلا بهذه الكراهة والبغض والامتناع والمنع لله وكذلك براءة الخليل وقومه من ~~المشركين ومعبودهم ليست تركا محضا بل تركا صادرا عن بغض ومعاداة وكراهة هي ~~أمور وجودية هي ms300 عبودية للقلب يترتب عليها خلو الجوارح من العمل كما أن ~~التصديق والإرادة والمحبة للطاعة من عبودية القلب يترتب عليها آثارها في ~~الجوارح وهذا الحب والبغض تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وهو إثبات تأله ~~القلب لله ومحبته ونفي تألهه لغيره وكراهته فلا يكفي أن يعبد الله ويحبه ~~ويتوكل عليه وينيب إليه ويخافه ويرجوه حتى يترك عبادة غيره والتوكل عليه ~~والإنابة إليه وخوفه ورجاه ويبغض ذلك وهذه كلها أمور وجودية وهي الحسنات ~~التي يثيب الله عليها وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة ولا ~~يكرهها بقلبه ويكف نفسه عنها بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه ولا يثاب على ~~هذا الترك فهذا تكون السيآت في حقه بمنزلتها في حق الطفل والنائم لكن قد ~~يثاب على اعتقاد تحريمها وإن لم يكن له إليها داعية البتة فالترك ثلاثة ~~أقسام قسم يثاب عليه وقسم يعاقب عليه وقسم لا يثاب لا يعاقب عليه فالأول ~~ترك العالم بتحريمها الكاف نفسه عنها لله مع قدرته عليها والثاني كترك من ~~يتركها لغير الله لا لله فهذا يعاقب على تركه لغير الله كما يعاقب على فعله ~~لغير الله فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال القلب فإذا عبد به غير ~~الله استحق العقوبة # والثالث كترك من لم يخطر على قلبه علما ولا محبة ولا كراهة بل بمنزلة ترك ~~النائم والطفل # فإن قيل كيف يعاقب على ترك المعصية حياء من الخلق وإبقاء على جاهه بينهم ~~وخوفا منهم أن يتسلطوا عليه والله سبحانه لا يذم على ذلك ولا يمنع منه # قيل لا ريب أنه لا يعاقب على ذلك وإنما يعاقب على تقربه إلى الناس بالترك ~~ومرآتهم به وأنه تركها خوفا من الله ومراقبة وهو في الباطن بخلاف ذلك ~~فالفرق بين ترك يتقرب به إليهم ومرآتهم به وترك يكون مصدره الحياء منهم ~~وخوف أذاهم له وسقوطه من أعينهم فهذا لا يعاقب عليه بل قد يثاب عليه إذا ~~كان له فيه غرض يحبه الله من حفظ مقام الدعوة إلى الله ms301 وقبولهم منه ونحو ~~ذلك وقد تنازع الناس في الترك هل هو أمر وجودي أم عدمي والأكثرون على أنه ~~وجودي # وقال أبو هاشم وأتباعه هو عدمي وأن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل لا ~~على ترك يقوم بقلبه وهؤلاء رتبوا الذم والعقاب على العدم المحض والأكثرون ~~يقولون إنما يثاب من ترك المحظور على ترك وجودي يقوم بنفسه ويعاقب تارك ~~المأمور على ترك وجودي يقوم بنفسه وهو امتناعه وكفه عن فعل ما أمر به إذا ~~تبين هذا فالحسنات التي يثاب عليها كلها وجودية فهو سبحانه الذي حبب ~~الإيمان والطاعة إلى العبد وزينه في قلبه وكره إليه اضدادها وأما السيئات ~~فمنشأها من الجهل والظلم فإن العبد لا يفعل القبيح إلا لعدم علمه بكونه ~~قبيحا أو لهواه وشهوته مع علمه بقبحه فالأول جهل والثاني ظلم ولا يترك حسنة ~~إلا لجهله بكونها حسنة أو لرغبته في ضدها لموافقته هواه وغرضه وفي الحقيقة ~~فالسيآت كلها ترجع إلى الجهل وإلا فلو كان علمه تاما برجحان ضررها لم ~~يفعلها فإن هذا خاصة الفعل فإنه إذا علم أن القاءه من مكان عال يضره لم ~~يقدم عليه وكذلك لبثه تحت حائط مائل وإلقاءه نفسه في ماء يغرق فيه وأكله ~~طعاما مسموما ولا يفعله لعلمه التام بمضرته الراجحة بل هذه فطرة الله عليها ~~الحيوان بهيمة وناطقة ومن لم يعلم أن ذلك يضره كالطفل والمجنون والسكران ~~الذي انتهى سكره فقد يفعله وأما من أقدم على ما يضره مع علمه PageV01P170 @ ~~بما فيه من الضرر فلا بد أن يقوم بقلبه أن منفعته له راجحة ولا بد من رجحان ~~المنفعة عنده أما في الظن وأما في المظنون ولو جزم راكب البحر بأنه يغرق ~~ويذهب ماله لم يركب أبدا بل لا بد من رجحان الانتفاع في ظنه وإن أخطأ في ~~ذلك وكذلك الذنوب والمعاصي فلو جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع لم يقدم على ~~السرقة بل يظن أنه يسلم ويظفر بالمال وكذلك القاتل والشارب والزاني فلو جزم ~~طالب الذنب بأنه يحصل له الضرر الراجح لم يفعله بل ms302 أما أن لا يكون جازما ~~بتحريمه أو لا يجزم بعقوبته بل يرجو العفو والمغفرة وأن يتوب ويأتي بحسنات ~~تمحو أثره وقد يغفل عن هذا كله بقوة وإرادة الشهوة واستيلاء سلطانها على ~~قلبه بحيث تغيبه عن مطالعة مضرة الذنب والغفلة من أضداد العلم كالغفلة ~~والشهوة أصل الشر كله قال تعالى @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا @QE@ وينبغي أن يعلم أن الهوى وحده لا يستقل ~~بفساد السيئات إلا مع الجهل وإلا فصاحب الهوى لو جزم بأن ارتكاب هواه يضره ~~ولا بد ضررا راجحا لانصرفت نفسه عن طاعته له بالطبع فإن الله سبحانه جعل في ~~النفس حبا لما ينفعها وبغضا لما يضرها فلا تفعل مع حضور عقلها ما تجزم بأنه ~~يضرها ضررا راجحا ولهذا يوصف تارك ذلك بالعقل والحجى واللب فالبلاء مركب من ~~تزيين الشيطان وجهل النفس فإنه يزين لها السيئات ويريها أنها في صور ~~المنافع واللذات والطيبات ويغفلها عن مطالعتها لمضرتها فتولد من بين هذا ~~التزيين وهذا الإغفال والأنساء لها إرادة وشهوة ثم يمدها بأنواع التزيين ~~فلا يزال يقوى حتى يصير عزما جازما يقترن به الفعل كما زين للأبوين الأكل ~~من الشجرة وأغفلها عن مطالعة مضرة لمعصية فالتزيين هو سبب إيثار الخير ~~والشر كما قال تعالى وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون وقال أفمن زين له ~~سوء عمله فرآه حسنا وقال في تزيين الخير @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم @QE@ وقال في تزيين النوعين كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم ~~إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون وتزيين الخير والهدى بواسطة ~~الملائكة والمؤمنين وتزيين الشر والضلال بواسطة الشياطين من الجن والإنس ~~كما قال تعالى وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم وحقيقة ~~الأمر أن التزيين إنما يغتر به الجاهل لأنه يلبس له الباطل والضار المؤذي ~~صورة الحق والنافع الملائم فأصل البلاء كله من الجهل وعدم العلم ولهذا قال ~~الصحابة كل من عصى الله فهو جاهل وقال تعالى @QB@ إنما التوبة على الله ~~للذين يعملون ms303 السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ وقال @QB@ وإذا جاءك ~~الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل ~~منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم @QE@ قال أبو ~~العالية سألت أصحاب محمد عن قوله إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فقالوا كل من عصى الله فهو جاهل ومن تاب قبل ~~الموت فقد تاب من قريب وقال قتادة أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله ~~فهو جاهل وقال مجاهد من شيخ أو شاب فهو بجهالة وقال من عصى ربه فهو جاهل ~~حتى ينزع عن خطيئته وقال هو وعطاء الجهالة العمد وقال مجاهد من عمل سوأ خطأ ~~أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع منه ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم ثم قال وروى عن ~~قتادة وعمرو بن مرة والثوري نحو ذلك خطأ أو عمدا وروى عن مجاهد والضحاك ليس ~~من جهالته أن لا يعلم حلالا ولا PageV01P171 @ حراما ولكن من جهالته حين ~~دخل فيه وقال عكرمة الدماء كلها جهالة ومما يبين ذلك قوله إنما يخشى الله ~~من عباده العلماء وكل من خشيه فأطاعه بفعل أوامره وترك نواهيه فهو عالم كما ~~قال تعالى @QB@ أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو ~~رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ وقال رجل للشعبي ~~أيها العالم فقال لسنا بعلماء إنما العالم من يخشى الله وقال ابن مسعود ~~وكفى بخشية الله علما وبالإغترار بالله جهلا وقوله إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء يقتضي الحصر من الطرفين أن لا يخشاه إلا العلماء ولا يكون عالما ~~إلا من يخشاه فلا يخشاه إلا عالم وما من عالم إلا وهو يخشاه فإذا انتفى ~~العلم انتفت الخشية وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم لكن وقع الغلط ~~في مسمى العلم اللازم لخشية حيث يظن ms304 أنه يحصل بدونها وهذا ممتنع فإنه ليس ~~في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدو من هو عالم بها مواجه لها وأنه ~~لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق ونحو ذلك فأمنه في هذه المواطن دليل ~~عدم علمه وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل إلى رتبة العلم اليقيني فإن ~~قيل فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس فإنها كانت عن علم لا عن جهل وبقوله ~~وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة وقال عن قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال ~~@QB@ وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل وكانوا مستبصرين @QE@ وقال موسى لفرعون @QB@ لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر @QE@ وقال @QB@ وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون @QE@ وقال @QB@ الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم @QE@ يعني القرآن أو محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وقال @QB@ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ~~@QE@ وقال فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بأيات الله يجحدون والجحود إنكار ~~الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن قيل حجج الله لا تتناقص بل كلها حق ~~يصدق بعضها بعضا وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به ~~وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة ~~التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر باياته وعادى رسله أليس ذلك ~~أجهل الجاهلين وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام ~~عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال @QB@ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ~~@QE@ فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول اله فها العلم لا ينافي ~~الحكم على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال ~~تعالى عن السحرة من اليهود ولقد علموا لمن اشتراه ماله ms305 في الآخرة من خلاق ~~ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون فأثبت لهم العلم الذي تقوم به ~~عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار وهذا نكتة المسئلة ~~وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل وهذا العلم لا يجتمع ~~مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله ~~واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا ~~يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة ~~الجاهل من كل وجه فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه ~~يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه ولكن حال الله بينه وبين هذا ~~العلم ليقضي أمره PageV01P172 @ وينفذ قضائه وقدره ولو ظن آدم وحواء أنهما ~~إذا أكلا من الشجرة خرجا من الجنة وجرى عليهما ما جرى ما قرباها ولو علم ~~أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما ~~عادوهم قال تعالى عن قوم فرعون @QB@ ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ~~@QE@ وقال @QB@ وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم ~~كانوا في شك مريب @QE@ وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين ~~صدقه عيانا وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون وقال ولكنكم فتنتم أنفسكم ~~وتربصتم وارتبتم وقال في قلوبهم مرض وهو الشك ولو كان هذا لعدم العلم الذي ~~تقوم به الحجة عليهم لما كانوا في الدرك الأسفل من النار بل هذا بعد قيام ~~الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض ~~واتباع الهوى وإيثار الشهوات وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده فتأمل ~~هذا الموضع حق تأمل فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل فالعلم يراد به ~~العلم التام المستلزم لا تره لاثره ويراد به المقتضى وأن لم يتم بوجود ~~شروطه وانتقاء موانعه فالثاني يجامع الجهل دون الأول فتبين أن أصل السيآت ~~الجهل وعدم العلم وإن كان كذلك فعدم العلم ليس أمرا وجوديا بل هو ms306 لعدم ~~السمع والبصر والقدرة والإرادة والعدم ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا مؤثرا فيه ~~بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب الموجب لضده والعدم المحض لا يضاف ~~إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه فإذا انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه ~~بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ~~ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت في أسباب الشر ولا بد $ فصل # والله سبحانه قد أنعم على عباده من جملة إحسانه ونعمه بأمرين هما أصل ~~السعادة أحدهما أن خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة فكل مولود يولد ~~على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها كما ثبت ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وشبه ذلك بخروج البهيمة صحيحة سالمة حتى يجدعها صاحبها ~~وثبت عنه أنه قال يقول الله تعالى أني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين ~~فاحتالهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ~~أنزل به سلطانا فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها ~~وعبادته وحده شيئا ولم تشرك به ولم تجحد كمال ربوبيته وكان أحب شيء إليها ~~وأطوع شيء لها وآثر شيء عندها ولكن يعدها من يقترن بها من شياطين الجن ~~والإنس بتزيينه وإغوائه حتى ينغمس موجبها وحكمها الأمر الثاني أنه سبحانه ~~هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة ومكنهم من أسبابها وبما ~~أنزل إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل وعلمهم ما لم يكونوا يعلمونه ففي ~~كل نفس ما يقتضي معرفتها بالحق ومحبتها له وقد هدى الله كل عبد إلى أنواع ~~من العلم يمكنه التوصل بها إلى سعادة الآخرة وجعل في فطرته محبة لذلك لكن ~~قد يعرض العبد عن طلب علم ما ينفعه فلا يريده ولا يعرفه وكونه لا يريد ذلك ~~ولا يعرفه أمر عدمي فلا يضاف إلى الرب لا هذا ولا هذا فإنه من هذه الحيثية ~~شر والذي يضاف إلى الرب علمه به وقضاؤه له بعدم مشيئته لضده وإبقائه على ms307 ~~العدم الأصلي وهو من هذه الجهة خير فإن العلم بالشر خير من الجهل به وعدم ~~رفعه بإثبات ضده إذا كان مقتضى الحكمة كان خيرا وإن كان شرا بالنسبة إلى ~~محله وسيأتي تمام تقرير هذا في باب دخول الشر في القضاء الإلهي إن شاء الله ~~سبحانه $ فصل # وههنا حياة أخرى غير الحياة الطبيعية الحيوانية نسبتها إلى القلب كنسبة ~~حياة PageV01P173 @ البدن إليه فإذا أمد عبده بتلك الحياة أثمرت له من ~~محبته واجلاله وتعظيمه والحياء منه ومراقبته وطاعته مثل ما تثمر حياة البدن ~~له من التصرف والفعل وسعادة النفس ونجاتها وفلاحها بهذه الحياة وهي حياة ~~دائمة سرمدية لا تنقطع ومتى فقدت هذه الحياة واعتاضت عنها بحياتها الطبيعية ~~الحيوانية كانت ضالة معذبة شقية ولم تسترح راحة الأموات ولم تعش عيش ~~الأحياء كما قال تعالى @QB@ سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار ~~الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى @QE@ فإن الجزاء من جنس العمل فإنه في ~~الدنيا لما لم يحي الحياة النافعة الحقيقية التي خلق لها بل كانت حياته من ~~جنس حياة البهائم ولم يكن ميتا عديم الإحساس كانت حياته في الآخرة كذلك فإن ~~مقصود الحياة حصول ما ينتفع به ويتلذ به والحي لا بد له من لذة أو ألم فإذا ~~لم تحصل له اللذه لم يحصل له مقصود الحياة كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض ~~عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء فهو يختار الموت ويتمناه ~~ولا يحصل له فلا هو مع الأحياء ولا مع الأموات إذا عرف هذا فالشر من لوازم ~~هذه الحياة وعدمها شر وهو ليس بشيء حتى يكون مخلوقا والله خالق كل شيء فإذا ~~أمسك عن عبد هذه الحياة كان إمساكها خيرا بالنسبة إليه سبحانه وإن كان شرا ~~بالإضافة إلى العبد لفوات ما يلتذ ويتنعم به فالسيئات من طبيعة النفس ولم ~~يمد بهذه الحياة التي تحول بينها وبينها فصار الشر كله من النفس والخير كله ~~من الله والجميع بقضائه وقدره وحكمته وبالله التوفيق $ فصل # قال القدري ونحن ms308 نعرف بهذا جميعه ونقر بأن الله خلق الإنسان مريدا ولكن ~~جعله ع على خلقه يريد بها وهو مريد بالقوة والقبول أي خلقه قابلا لأن يريد ~~هذا وهذا وأما كونه مريدا لهذا المعنى فليس ذلك بخلق الله ولكنه هو الذي ~~أحدثه بنفسه ليس هو من إحداث الله قال الجبري هذه الإرادة حادثة فلا بد لها ~~من محدث فالمحدث لها إما أن يكون نفس الإنسان أو مخلوق خارج عنها أو ربها ~~وفاطرها وخالقها والقسمان الأولان محال فتعين الثالث أما المقدمة الأولى ~~فظاهرة إذ المحدث إما النفس وإما أمر خارج عنها والخارج عنها إما الخالق أو ~~المخلوق وأما المقدمة الثانية فبيانها أن النفس لا يصح أن تكون هي المحدثة ~~لإرادتها فإنها إما أن تحدثها بإرادة أو بغير إرادة وكلاهما ممتنع فإنها لو ~~توقف أحداثها على إرادة أخرى فالكلام فيها كالكلام في الأولى ويلزم التسلسل ~~إلى غير نهاية فلا توجد إرادة حتى يتقدمها إرادات لا تتناهى وإن لم يتوقف ~~إحداثها على إرادة منها بطل أن تكون هي المؤثرة في إحداثها إذ وقوع الحادث ~~بلا إرادة من الفاعل المختار محال وإذا بطل أن تكون محدثة بإرادة بإدارة ~~وأن يحدثها بغير إرادة تعين أن يكون المحدث لتلك الإرادة أمرا خارجا عنها ~~فحينئذ إما أن يكون مخلوقا أو يكون هو الخالق سبحانه والأول محال لأن ذلك ~~المحدث إن كان غير مريد لم يمكنه جعل الإنسان مريدا وإن كان مريدا فالكلام ~~في إرادته كالكلام في ارادة الإنسان سواء فتعين أن يكون المحدث لتلك ~~الإرادة هو الخالق لكل شيء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قال القدري ~~قد اختلفت طرق أصحابنا في الجواب عن هذا الإلزام فقال الجاحظ العبد يحدث ~~أفعاله بغير إرادة منه بل مجرد قدرته وعلمه بما في الفعل من الملائمة فإذا ~~علم موافقة الفعل له وهو قادر عليه أحدثه بقدرته وعلمه وأنكر توقفه على ~~إرادة محدثه وأنكر حقيقة الإرادة في الشاهد ولم ينكر الميل والشهوة ولكن لا ~~يتوقف إحداث عليها فإن الإنسان قد ms309 يفعل ما لا يشتهيه ولا يميل إليه وخالفه ~~جميع PageV01P174 @ الأصحاب وأثبتوا الإرادة الحادثة ثم اختلفوا في سبب ~~حدوثها فقال طائفة منهم كون النفس مريدة أمر ذاتي لها وما بالذات لا يعلل ~~ولا يطلب سبب وجوده وطريقة التعليل تسلك ما لم يمنع منها مانع واختصاص ~~الذات بالصفة الذاتية لا تعلل فهكذا اختصاص النفس بكونها مريدة هو أمر ذاتي ~~لها وبذلك كانت نفسا فقول القائل لم أردت كذا وما تاذي أوجب لها إرادته ~~كقوله لم كانت نفسا وكقوله لم كانت النار محرقة أو متحركة ولم كان الماء ~~مائعا سيالا ولم كان الهواء خفيفا فكون النفس مريدة متحركة بالإرادة هو ~~معنى كونها نفسا فهو بمنزلة قول القائل لم كانت نفسا وحركتها بمنزلة حركة ~~الفلك فهي خلقت هكذا وقالت طائفة أخرى بل الله سبحانه أحدث فيها الإرادة ~~والإرادة صالحة للضدين فخلق فيها ارادة تصلح للخير فآثرت أحدهما على ألآخر ~~بشهوتها وميلها فأعطاها قدرة صالحة للضدين وإرادة صالحة لها فكانت القدرة ~~والإرادة من أحداثه سبحانه واختيارها أحد المقدورين المرادين من قبلها فهي ~~التي رجحته قالوا والقادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بغير مرجح ~~كالعطشان إذا قدم له قدحان متساويان من كل وجه والهارب إذا عن له طريقان ~~كذلك فإنه يرجح أحدهما بلا مرجح فالله سبحانه أحدث فيه إرادة الفعل ولكن ~~الإرادة لا توجب المراد فأحدثها فيه امتحانا له وابتلاء وأقدره على خلافها ~~وأمره بمخالفتها ولا ريب أنه قادر على مخالفتها فلا يلزم من كونها مخلوقة ~~لله حاصلة بإحداثه وجوب الفعل عندها وقال أبو الحسين البصري أن الفعل يتوقف ~~على الداعي والقدرة وهما من الله خلقا فيه وعندهما يجب وجود الفعل باختيار ~~العبد وداعيه فيكون هو المحدث له بما فيه من الدواعي والقدرة فهذه طرق ~~أصحابنا في الجواب عما ذكرتم فال السني لم تتخلصوا بذلك من الإلزام ولم ~~تبينوا به بطلان حجتهم المذكورة فلا منعتم مقدماتها وبيتهم فسادها ولا ~~عارضتموها بما هو أقوى منها كما أنهم لم يتخلصوا من إلزامكم ولم يبينوا ~~بطلان دليلكم وكان ms310 غاية ما عندكم وعندهم المعارضة وبيان كل منكم تناقض ~~الآخر وهذا لا يفيد نصرة الحق وإبطال الباطل بل يفيد بيان خطأكم وخطأهم ~~وعدو لكم وإياهم عن منهج الصواب فنقول وبالله التوفيق مع كل منكما صواب من ~~وجه وخطأ من وجه فأما صواب الجبري فمن جهة إسناده الحوادث كلها إلى مشيئة ~~الله وخلقه وقضائه وقدره والقدري خالف الضرورة في ذلك فإن كون العبد مريدا ~~فاعلا بعد أن لم يكن أمر حادث فأما أن يكون له محدث وأما أن لا يكون فإن لم ~~يكن له محدث لزم حدوث الحوادث بلا محدث وإن كان له محدث فأما أن يكون هو ~~العبد أو الله سبحانه أو غيرهما فإن كان هو العبد فالقول في إحداثه لتلك ~~الفاعلية كالقول في إحداث سببها ويلزم التسلسل وهو باطل ههنا بالاتفاق لأن ~~العبد كائن بعد أن لم يكن فيمتنع أن تقوم به حوادث لا أول لها وإن كان غير ~~الله فالقول فيه كالقول في العبد فتعين أن يكون الله هو الخالق المكون ~~لإرادة العبد وقدرته وإحداثه وفعله وهذه مقدمات يقينية لا يمكن القدح فيها ~~فمن قال إن إرادة العبد وإحداثه حصل بغير سبب اقتضى حدوث ذلك والعبد أحدث ~~ذلك وحاله عند إحداثه كما كان قبله بل خص أحد الوقتين بالإحداث من غير سبب ~~اقتضى تخصيصه وأنه صار مريدا فاعلا محدثا بعد أن لم يكن كذلك من غير من ~~جعله كذلك فقد قال ما لا يعقل بل يخالف صريح العقل وقال بحدوث حوادث بلا ~~محدث وقولكم أن الإرادة لا تعلل كلام باطل لا حقيقة له فإن الإرادة أمر ~~حادث فلا بد له من محدث ونظير هذا المحال قولكم في فعل الرب سبحانه أنه ~~بواسطة إرادة يحدثها PageV01P175 @ لا في محل من غير سبب اقتضى حدوثها يكون ~~مريدا بها للمخلوقات فارتكبتم ثلاث محالات حدوث حادث بلا إرادة من الفاعل ~~وحدوث حادث بلا سبب حادث وقيام الصفة بنفسها لا في محل وادعيتم مع ذلك أنكم ~~أرباب العقول والنظر فأي معقول أفسد من هذا ms311 وأي نظر أعمى منه وإن شئت قلت ~~كون العبد مريدا أمر ممكن والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح تام ~~أما من العبد وأما من مخلوق آخر وأما من الله سبحانه والقسمان الأولان ~~باطلان فتعين الثالث كما تقدم فهذه الحجة لا يمكن دفعها ولا يمكن دفع العلم ~~الضروري باستناد أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا وقدرتنا وإنا إذا اردنا ~~الحركة يمنوة لم تقع يسرة وبالعكس فهذه الحجة لا يمكن دفعها والجمع بين ~~الحجتين هو الحق فإن الله سبحانه خالق إرادة العبد وقدرته وجاعلهما سببا ~~لاحداثه الفعل فالعبد محدث لفعله بإرادته واختياره وقدرته حقيقة وخالق ~~السبب خالق للمسبب ولو لم يشأ سبحانه وجود فعله لما خلق له السبب الموجد له ~~فقال الفريقان للسني كيف يكون الرب تعالى محدثا لها والعبد أيضا # قال السني إحداث الله سبحانه لها بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه قائمة ~~بمحلها وهو العبد فجعل العبد فاعلا لها بما أحدث فيه من القدرة والمشيئة ~~وإحداث العبد لها بمعنى أنها قامت به وحدثت بإرادته وقدرته وكل من ~~الإحداثين مستلزم للآخر ولكن جهة الإضافة مختلفة فما أحدثه الرب سبحانه من ~~ذلك فهو تباين له قائم بالمخلوق مفعول له لا فعل وما أحدثه العبد فهو فعل ~~له قائم به يعود إليه حكمه ويشتق له منه اسمه وقد أضاف الله سبحانه كثيرا ~~من الحوادث إليه وأضافها إلى بعض مخلوقاته كقول الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها # وقال قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم وقال توفته رسلنا وقال إذ يوحي ~~ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب وقال @QB@ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~@QE@ وقال وأنزل الله عليك الكتاب وقال @QB@ قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق @QE@ وقال @QB@ فأخذهم العذاب @QE@ @QB@ فأخذتهم الصيحة @QE@ وقال ~~@QB@ فكلا أخذنا بذنبه @QE@ @QB@ فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر @QE@ وهذا كثير ~~فأضاف هذه الأفعال إلى نفسه إذ هي واقعة بخلقه ومشيئته وقضائه وأضافها إلى ~~أسبابهما إذ هو الذي جعلها ms312 أسبابا لحصولها بين الإضافتين ولا تناقض بين ~~السببين وإذا كان كذلك تبين أن إضافة الفعل الإختياري إلى الحيوان بطريق ~~التسبب وقيامه به ووقوعه بإرادته لا ينافي إضافته إلى الرب سبحانه خلقا ~~ومشيئة وقدرا ونظيره قوله تعالى @QB@ إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ~~@QE@ وقال لنوح فاحمل فيها من كل زوجين اثنين فالرب سبحانه هو الذي حملهم ~~فيها بإذنه وأمره ومشيئته ونوح حملهم بفعله ومباشرته $ فصل # وأما قول الجاحظ أن العبد يحدث أفعاله الإختيارية من غير إرادة منه بل ~~بمجرد القدرة والداعي فإن أراد نفي إرادة العبد وجحد هذه الصفة عنه فمكابرة ~~لا تنكر من طوائف هم أكثر الناس مكابرة وجحدا للمعلوم بالضرورة فلا أرخص من ~~ذلك هعدهم وأن أراد أن الإرادة أمر عدمي وهو كونه غير مغلوب ولا ملجأ فيقال ~~هذا العدم من لوازم الإرادة لا أنه نفسها وكون الإرادة أمرا عدميا مكابرة ~~أخرى وهي بمنزلة قول القائل القدرة أمر عدمي لأنها بمعنى عدم العجز والكلام ~~عدمي لأنه عدم الخرس والسمع والبصر عدمي لأنهما عدم الصمم والعمى وأما قوله ~~أن الفعل يقع بمجرد القدرة وعلم الفاعل بما فيه من الملائمة فمكابرة ثالثة ~~فإن العبد يجد من نفسه قدرة PageV01P176 @ على الفعل وعلما بمصلحته ولا ~~يفعله لعدم إرادته له لما في فعله من فوات محبوب له أو حصول مكروه إليه فلا ~~يوجب القدرة والعلم وقوع الفعل ما لم تقارنهما الإرادة $ فصل # وأما قول الآخر أن كون النفس مريدة أمر ذاتي لها فلا تعلل إلى آخره كلام ~~في غاية البطلان فهب أنا لا نطلب علة كونها مريدة فكونها كذلك هو مخلوق ~~فيها أم غير مخلوق وهي التي جعلت نفسها كذلك أم فاطرها وخالقها هو الذي ~~جعلها كذلك وإذا كان سبحانه هو الذي أنشأها بجميع صفاتها وطبيعتها وهيآتها ~~فكونها مريدة هو وصف لها وخالقها خالق لأوصافها فهو خالق لصفة المريدية ~~فيها فإذا كانت تلك الصفة سببا للفعل وخالق السبب خالق للمسبب والمسبب واقع ~~بقدرته ومشيئته وتكوينه وهذا مما لا ينكره إلا مكابر معاند $ فصل ms313 # وأما قول الطائفة الأخرى أن الله سبحانه خلق فيه إرادة صالحة للضدين ~~فاختار أحدهما على الآخر ولا ريب أن الأمر كذلك ولكن وقوع أحد الضدين ~~باختياره وايثاره له وداعية إليه لا يخرجه عن كونه مخلوقا للرب سبحانه ~~مقدورا له مقدرا على العبد واقعا بقضاء الرب وقدره وأنه لو شاء لصرف داعية ~~العبد وإرادته عنه إلى ضده فهذه هي البقية التي بقيت على هذه الفرقة من ~~إنكار القدر فلو ضموها إلى قولهم لأصابوا كل الإصابة ولكانوا أسعد بالحق في ~~هذه المسألة من سائر الطوائف وتحقيق ذلك أن الله سبحانه بعدله وحكمته أعطى ~~العبد قدرة وإرادة يتمكن بها من جلب ما ينفعه ودفع ما يضره فأعانه بأسباب ~~ظاهرة وباطنة ومن جملة تلك الأسباب القدرة والإرادة وعرفه طريق الخير والشر ~~ونهج له الطريق وأعانه بإرسال رسله وإنزال كتبه وقرن به ملائكته وأزال عنه ~~كل علة يحتج بها عليه ثم فطرهم سبحانه على إرادة ما ينفعهم وكراهة مما ~~يؤذيهم ويضرهم كما فطر على ذلك الحيوان البهيم ثم كان كثير مما ينفعهم لا ~~علم لهم به على التفصيل والذي يعلمونه من المنافع أمر مشترك بينهم وبين ~~الحيوانات وثم أمور عظيمة هي أنفع شيء لهم لا صلاح لهم ولا فلاح ولا سعادة ~~إلا بمعرفتها وطلبها وفعلها ولا سبيل لهم إلى ذلك إلا بوحي منه وتعريف خاص ~~فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فعرفهم ما هو الأنفع لهم ما فيه سعادتعم ~~وفلاحهم فصادفتهم الرسل مشتغلين بأضدادها قد ألفوها وساكنوها وجرت عليها ~~عوائدهم حين ألفتها الطباع فأخبرتهم الرسل أنها أضر شيء عليهم وأنها من ~~أعظم أسباب ألمهم وفوات أربهم وسرورهم فنهضت الإرادة طالبة للسعادة والفلاح ~~إذ الدعوة إلى ذلك محركة للقلوب والأسماع والأبصار إلى الإستجابة فقام داعي ~~الطبع والألف والعادة في وجه ذلك الداعي معارضا له يعد النفس ويمنيها ~~ويرغبها ويزين لها ما ألفته واعتادته لكونه ملائما له وهو نقد عاجل وراحة ~~مؤثرة ولذة مطلوبة ولهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر وداعي الفلاح يدعو إلى ~~أمر آجل في دار ms314 غير هذه الدار لا ينال إلا بمفارقة ملاذها وطيباتها ~~ومسراتها وتجرع مرارتها والتعرض لآفاتها وإيثار الغير لمحبوباتها ~~ومشتهياتها يقول خذ ما تراه ودع ما سمعت به فقامت الإرادة بين الداعيين ~~تصغي إلى هذا مرة وإلى هذا مرة فههنا معركة الحرب ومحل المحنة فقتيل وأسير ~~وفائز بالظفر والغنيمة فإذا شاء الله سبحانه وتعالى رحمة عبد جذب قوى ~~إرادته وعزيمته إلى ما ينفعه ويحييه الحياة الطيبة فأوحى إلى ملائكته أن ~~ثبتوا عبدي واصرفوا همته وإرادته إلى مرضاتي وطاعتي كما قال تعالى @QB@ إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا @QE@ PageV01P177 @ # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة ~~فلمة الملك ايعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب ~~بالحق ثم قرأ @QB@ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة ~~منه وفضلا @QE@ وإذا أراد خذلان عبد أمسك عنه تأييده وتثبيته وخلى بينه ~~وبين نفسه ولم يكن بذلك ضالا له لأنه قد أعطاه قدرة وإرادة وعرفه الخير ~~والشر وحذر طريق الهلاك وعرفه بها وحضه على سلوك طريق النجاة وعرفه بها ثم ~~تركه وما اختار لنفسه وولاه ما تولى فإذا وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه # قال القدري فتلك الإرادة المعينة المستلزمة للفعل المعين إن كانت بأحداث ~~العبد فهو قولنا وإن كانت بإحداث الرب سبحانه فهو قول الجبري وإن كانت بغير ~~محدث لزم المحال # قال السني لا تفتقر كل إرادة من العبد إلى مشيئة خاصة من الله توجب ~~حدوثها بل يكفي في ذلك المشيئة العامة لجعله مريدا فإن الإرادة هي حركة ~~النفس والله سبحانه شاء أن تكون متحركة وأما أن تكون كل حركة تستدعي مشيئة ~~مفردة فلا وهذا كما أنه سبحانه شاء أن يكون الحي متنفسا ولا يفتقر كل نفس ~~من أنفاسه إلى مشيئة خاصة وكذلك شاء أن يكون هذا الماء بجملته جاريا ولا ~~تفتقر كل قطرة منه إلى مشيئة خاصة يجري بها الماء وكذلك مشيئته لحركات ~~الأفلاك وهبوب الرياح ونزول الغيث وكذلك خطرات القلوب ووساوس النفس ms315 وكذلك ~~مشيئته أن يكون العبد متكلما لا يستلزم ان يكون كل حرف بمشيئته غير مشيئة ~~الحرف الآخر وإذا تبين ذلك فهو سبحانه شاء أن يكون عبده شائيا مريدا وتلك ~~الإرادة والمشيئة صالحة للضدين فإذا شاء أن يهدي عبدا صرف داعيه ومشيئته ~~وإرادته إلة معاشه ومعاده وإذا شاء أن يضله تركه ونفسه وتخلى عنه والنفس ~~متحركة بطبعها لا بد لها من مراد محبوب هو مألوهها ومعبودها فإن لم يكن ~~الله وحده هو معبودها ومرادها وإلا كان غيره لها معبودا ومرادا ولا بد فإن ~~حركتها ومحبتها من لوازم ذاتها فإن لم تحب ربها وفاطرها وتعبده أحبت غيره ~~وعبدته وإن لم تتعلق إرادتها بما ينفعها في معادها تعلقت بما يضرها فيه ولا ~~بد فلا تعطيل في طبيعتها وهكذا خلقت فإن قلت فأين مشيئة الله لهداها ~~وضلالها قلت إذا شاء اضلالها تركها ودواعيها وخلى بينها وبين ما تختاره ~~وإذا شاء هداها جذب دواعيها وارادتها إليه وصرف عنها موانع القبول فيمدها ~~على القدر المشترك بينها وبين سائر النفوس بإمداد وجودي ويصرف عنها الموانع ~~التي خلى بينها وبين غيرها فيها وهذا بمشيئته وقدرته فلم يخرج شيء من ~~الموجودات عن مشيئته وقدرته وتكوينه البتة لكن يكون ما يشاء بأسباب وحكم ~~ولو أن الجبرية أثبتت الأسباب والحكم لأنحلت عنها عقد هذه المسألة ولو أن ~~القدرية سحبت ذيل المشيئة والقدر والخلق على جميع الكائنات مع إثبات الحكم ~~والغايات المحمودة في أفعال الرب سبحانه لانحلت عنها عقدها وبالله التوفيق ~~& الباب الحادي والعشرون في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر # قال الله تعالى @QB@ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ~~ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير @QE@ ~~فصدر الآية سبحانه بتفرده بالملك كله وأنه هو PageV01P178 @ سبحانه هو الذي ~~يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء لا غيره فالأول تفرده بالملك والثاني تفرده ~~بالتصرف فيه وأنه سبحانه هو الذي يعز من يشاء بما يشاء من أنواع العز ويذل ~~من يشاء بسلب ذلك العز ms316 عنه وأن الخير كله بيديه ليس لأحد معه منه شيء ثم ~~ختمها بقوله إنك على كل شيء قدير فتناولت الآية ملكه وحده وتصرفه وعموم ~~قدرته وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده وأنها كلها خير فسلبه الملك عمن ~~يشاء وإذلاله من يشاء خير وإن كان شرا بالنسبة إلى المسلوب الذليل فإن هذا ~~التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة لا تخرج عن ذلك وهذا كله ~~خير يحمد عليه الرب ويثنى عليه به كما يحمد ويثني عليه بتنزيهه عن الشر ~~وأنه ليس إليه كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح في قوله لبيك وسعديك والخير في يديك ~~والشر ليس إليك أنابك وإليك تباركت وتعاليت فتبارك وتعالى عن نسبة الشر ~~إليه بل كل ما نسب إليه فهو خير والشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته وإضافته ~~إليه فلو أضيف إليه لم يكن شرا كما سيأتي بيانه وهو سبحانه خالق الخير ~~والشر فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره ~~خير كله ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه ~~كما تقدم فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله والشر ~~وضع الشيء في غير محله فإذا وضع في محله لم يكن شرا فعلم أن الشر ليس إليه ~~وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك فإن منها القدوس السلام العزيز الجبار المتكبر ~~فالقدوس المنزه من كل شر ونقص وعيب كما قال أهل التفسير هو الطاهر من كل ~~عيب المنزه عما لا يليق به وهذا قول أهل اللغة وأصل الكلمة من الطهارة ~~والنزاهة ومنه بيت المقدس لأنه مكان يتطهر فيه من الذنوب ومن أمة لا يريد ~~إلا الصلاة فيه رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه ومنه سميت الجنة حظيرة القدس ~~لطهارتها من آفات الدنيا ومنه سمي جبريل روح القدس لأنه طاهر من كل عيب ~~ومنه قول الملائكة ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقيل المعنى ونقدس ms317 أنفسنا لك ~~فعدى باللام وهذا ليس شيء والصواب أن المعنى نقدسك وننزهك عما لا يليق بك ~~هذا قول جمهور أهل التفسير # وقال ابن جرير ونقدس لك ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس ~~ومما أضاف إليك أهل الكفر بك قال وقال بعضهم نعظمك ونمحدك قاله أبو صالح # وقال مجاهد نعظمك ونكبرك انتهى وقال بعضهم ننزهك عن السوء فلا ننسبه إليك ~~واللام فيه على حدها في قوله ردف لكم لأن المعنى تنزيه الله لا تنزيه ~~نفوسهم لأجله قلت ولهذا قرن هذا اللفظ بقولهم نسبح بحمدك فإن التسبيح تنزيه ~~الله سبحانه عن كل سوء # قال ميمون بن مهران سبحان الله كلمة يعظم بها الرب ويحاشى بها من السوء ~~وقال ابن عباس هي تنزيه لله من كل سوء وأصل اللفظة من المباعدة من قولهم ~~سبحت في الأرض إذا تباعدت فيها ومنه كل في فلك يسبحون فمن أثنى على الله ~~ونزهه عن السوء فقد سبحه ويقال سبح الله وسبح له وقدسه وقدس له وكذلك اسمه ~~السلام فإنه الذي سلم من العيوب والنقائص ووصفه بالسلام أبلغ في ذلك من ~~وصفه بالسالم ومن موجبات وصفه بذلك سلامة خلقه من ظلمه لهم فسلم سبحانه من ~~إرادة الظلم والشر ومن التسمية به ومن فعله ومن نسبته إليه فهو السلام من ~~صفات النقص وأفعال النقص وأسماء النقص المسلم لخلقه من الظلم ولهذا وصف ~~سبحانه ليلة القدر بأنها سلام والجنة بأنها دار السلام وتحية أهلها السلام ~~وأثنى على أوليائه بالقول السلام PageV01P179 @ كل ذلك السالم من العيوب ~~وكذلك الكبير من أسمائه والمتكبر # قال قتادة وغيره هو الذي تكبر عن السوء وقال أيضا الذي تكبر عن السيئات ~~وقال مقاتل المتعظم عن كل سوء # وقال أبو إسحاق الذي يكبر عن ظلم عباده وكذلك اسمه العزيز الذي له العزة ~~التامة ومن تمام عزته براءته عن كل سوء وشر وعيب فإن ذلك ينافي العزة ~~التامة وكذلك اسمه العلي الذي علا عن كل عيب وسوء ونقص ومن كمال علوه أن لا ~~يكون فوقه ms318 شيء بل يكون فوق كل شيء وكذلك اسمه الحميد وهو الذي له الحمد كله ~~فكمال حمده يوجب أن لا ينسب إليه شر ولا سوء ولا نقص لا في أسمائه ولا في ~~أفعاله ولا في صفاته فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه مع ~~أنه سبحانه الخالق لكل شيء فهو الخالق للعباد وأفعالهم وحركاتهم وأقوالهم ~~والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشر والسوء والرب سبحانه هو ~~الذي جعله فاعلا لذلك وهذا الجعل منه عدل وحكمة وصواب فجعله فاعلا خير ~~والمفعول شر قبيح فهو سبحانه بها الجعل قد وضع الشيء موضعه لما له في ذلك ~~من الحكمة البالغة التي يحمد عليها فهو خير وحكمة ومصلحة وإن كان وقوعه من ~~العبد عيبا ونقصا وشرا وهذا أمر معقول في الشاهد فإن الصانع الخبير إذا أخذ ~~الخشبة العوجاء والحجر المكسور واللبنة الناقصة فوضع ذلك في موضع يليق به ~~ويناسبه كان ذلك منه عدلا وصوابا يمدح به وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب ~~يذم به المحل ومن وضع الخبائث في موضعها ومحلها اللائق بها كان ذلك حكمة ~~وعدلا وصوابا وإنما السفه والظلم أن يضعها في غير موضعها فمن وضع العمامة ~~على الرأس والنعل في الرجل والكحل في العين والزبالة في الكناسة فقد وضع ~~الشيء موضعه ولم يظلم النعل والزبالة إذ هذا محلهما ومن أسمائه سبحانه ~~العدل والحكيم الذي لا يضع الشيء الا في موضعه فهو المحسن الجواد الحكيم ~~العدل في كل ما خلقه وفي كل ما وضعه في محله وهيأه له وهو سبحانه له الخلق ~~والأمر فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين ويأمر بتحصيل المصالح ~~وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإذا تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما ~~وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل ~~إلا وعدمه خير من وجوده فإن قلت فإذا كان وجوده خيرا من عدمه فكيف لا يشاء ~~وجوده فإذا كان عدمه خيرا من وجوده فكيف يشاء وجوده فالمشيئة العامة ms319 تنقض ~~عليك هذه القاعدة الكلية قلت لا تنقضها لأن وجوده وإن كان خيرا من عدمه فقد ~~يستلزم وجوده فوات محبوب له هو أحب إليه من وقوع هذا المأمور من هذا المعنى ~~وعدم المنهي وأن كان خيرا من وجوده فقد يكون وجوده وسيلة وسببا إلى ما هو ~~أحب إليه من عدمه وسيأتي تمام تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع ~~وافتراقهما إن شاء الله والرب سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه وأراده ~~وبينه وهو لا يحب شيئا إلا ووجوده خير من عدمه وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه ~~وهو لا يبغض شيئا إلا وعدمه خير من وجوده هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا وأما ~~باعتبار افضائه إلى ما يحب ويكره فله حكم آخر ولها أمر سبحانه عباده أن ~~يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم فالأحسن هو المأمور به وهو خير من المنهي عنه ~~وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره فما ~~أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيرا من أن لا يخلقه ولا يفعله ~~وبالعكس وما كان عدمه خيرا من وجوده شر وهو لا يفعله بل هو منزه عنه والشر ~~ليس PageV01P180 @ إليه # فإن قلت فلم خلقه وهو شر # قلت خلقه له وفعله خير لا شر فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه والشر ~~يستحيل قيامه به واتصافه به وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته ~~إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيرا والذي شاءه كله خير والذي لم يشأ ~~وجوده بقي على العدم الأصلي وهو الشر فإن الشر كله عدم وأن سببه جهل وهو ~~عدم العلم أو ظلم وهو عدم العدل وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم ~~استعداد المحل وقبوله لأسباب الخيرات واللذات # فإن قلت كثير من الناس يطلق القول بأن الخير كله من الوجود ولوازمه والشر ~~كله من العدم ولوازمه والوجود خير والشر المحض لا يكون إلا عدما # قلت هذا اللفظ فيه إجمال فإن أريد به أن ms320 كل ما خلقه الله وأوجده ففيه ~~الخير ووجوده خير من عدمه وما لم يخلقه ولم يشأه فهو المعدوم الباقي على ~~عدمه ولا خير فيه إذ لو كان فيه خير لفعله فانه بيده الخير فهذا صحيح فالشر ~~العدمي هو عدم الخير وأن أريد أن كل ما يلزم الوجود فهو خير وكل ما يلزم ~~العدم فهو شر فليس بصحيح فإن الوجود قد يلزمه شر مرجوح والعدم قد يلزمه خير ~~راجح مثال الأول النار والمطر والحر والبرد والثلج ووجود الحيوانات فإن هذا ~~موجود ويلزمه شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما في وجود ذلك من الخير وكذلك ~~المأمور به قد يلزمه من الألم والمشقة ما هو شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما ~~فيه من الخير $ فصل # وتحقيق الأمر أن الشر نوعان شر محض حقيقي من كل وجه وشر نسبي إضافي من ~~وجه دون وجه فالأول لا يدخل في الوجود إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرا محضا ~~والثاني هو الذي يدخل في الوجود فالأمور التي يقال هي شرور إما أن تكون ~~أمورا عدمية أو أمورا وجودية فإن كانت عدمية فإنها إما أن تكون عدما لأمور ~~ضرورية للشيء في وجوده أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه أو ضرورية له في ~~كماله وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله وإن كان ~~وجودها خيرا من عدمها فهذه أربعة أقسام فالاول كالإحساس والحركة والنفس ~~للحيوان والثاني كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي والثالث ~~كصحته وسمعه وبصره وقوته والرابع كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها ~~خير من الجهل وليست ضرورية له وأما الأمور الوجودية فوجود كل ما يضاد ~~الحياة والبقاء والكمال كالأمراض وأسبابها والآلام وأسبابها والموانع ~~الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له المستعد لحصوله ~~كالمواد الردية المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به ~~وكالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب إذا عرف ~~هذا فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشيء في وجوده أو بقائه ms321 أو كماله ~~ولهذا العدم لوازم من شر أيضا فإن عدم العلم والعدل يلزمها من الجهل والظلم ~~ما هو شرور وجودية وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما هو شر ~~وجودي وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط والعلوم التي لا ~~يضر الجهل بها فليس بشر في الحقيقة ولا وجودها سببا للشر فإن العلم منه حيث ~~هو علم والغني منه حيث هو غني لم يوضع سببا للشر وإنما يترتب الشر من عدم ~~صفة تقتضي الخير كعدم العفة والصبر والعدل في حق الغنى فيحصل الشر له في ~~غناه بعدم هذه الصفات وكذلك عدم الحكمة ووضع الشيء موضعه وعدم إرادة الحكمة ~~في حق صاحب العلم يوجب ترتب الشر له على ذلك فظهر أن الشر لم يترتب إلا على ~~عدم وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرا ولا سببا للشر فالأمور ~~الوجودية ليست شرورا PageV01P181 @ بالذات بل بالعرض من حيث أنها تتضمن عدم ~~أمور ضرورية أو نافعة فإنك لا تجد شيئا من الأفعال التي هي شر إلا وهي كمال ~~بالنسبة إلى أمور وجهة الشر فيه بالنسبة إلى أمور أخر مثال ذلك أن الظلم ~~يصدر عن قوة تطلب الغلبة والقهر وهي القوة الغضبية التي كمالها بالغلبة ~~ولهذا خلقت فليس في ترتب أثرها عليها شر من حيث وجوده بل الشر عدم ترتب ~~أثرها عليها البتة فتكون ضعيفة عاجزة مقهورة وإنما الشر الوجودي الحاصل شر ~~إضافي بالنسبة إلى المظلوم بفوات نفسه أو ماله أو تصرفه وبالنسبة إلى ~~الظالم لا من حيث الغلبة والاستيلاء ولكن من حيث وضع الغلبة والقهر ~~والاستيلاء في غير موضعه فعدل به من محله إلى غير محله ولو استعمل قوة ~~الغضب في قهر المؤذي الباغي من الحيوانات الناطقة والبهيمة لكان خيرا ولكن ~~عدل به إلى غير محله فوضع القهر والغلبة موضع العدل والمصهة ووضع الغلظة ~~موضع الرحمة فلم يكن الشر في وجود هذه القوة ولا في ترتب أثرها عليها من ~~حيث هما كذلك بل في إجرائها في غير مجراها ومثال ذلك ماء ms322 جار في نهر إلى ~~أرض يسقيها وينفعها فكماله في جريانه حتى يصل إليها فإذا عدل به عن مجراه ~~وطريقه إلى أرض يضرها ويخرب دورها كان الشر في العدول به عما أعدله وعدم ~~وصوله إليه فهكذا الإرادة والغضب أعين بهما العبد ليتوصل بهما إلى حصول ما ~~ينفعه وقهر ما يؤذيه ويهلكه فإذا استعملا في ذلك فهو كمالها وهو خير وإذا ~~صرفا عن ذلك إلى استعمال هذه القوة في غير محلها وهذه في غير محلها صار ذلك ~~شرا إضافيا نسبيا وكذلك النار كمالها في إحراقها فإذا أحرقت ما ينبغي ~~إحراقه فهو خير وإن صادفت ما لا ينبغي إحراقه فأفسدته فهو شر إضافي بالنسبة ~~إلى المحل المعين وكذلك القتل مثلا هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق ~~اتصال البدن فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير وكون الآلة قابلة للتأثير ~~خير وكون المحل قابلا لذلك خير وإنما الشر نسبي إضافي وهو وضع هذا التأثير ~~في غير موضعه والعدول به عن المحل المؤذي إلى غيره وهذا بالنسبة إلى الفاعل ~~وأما بالنسبة إلى المفعول فهو شر إضافي أيضا وهو ما حصل له من التألم وفاته ~~من الحياة وقد يكون ذلك خيرا له من جهة أخرى وخير لغيرة وكذلك الوطء فإن ~~قوة الفاعل وقبول المحل كمال ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به ~~إلى محل لا يحسن ولا يليق وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية على ~~هذا المجرى فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة ~~لا أنها من حيث وجودها وذواتها شر وكذلك السجود ليس هو شرا من حيث ذاته ~~ووجوده فإذا أضيف إلى غير الله كان شرا بهذه النسبة والإضافة وكذلك كل ما ~~وجوده كفر وشرك إنما كان شرا بإضافته إلى ما جعله كذلك كتعظيم الأصنام ~~فالتعظيم من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلقه فإذا كان ~~تعظيما لله وكتابه ودينه ورسوله كان خيرا محضا وإن كان تعظيما للصنم ~~وللشيطان فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرا ms323 كما أن إضافة السجود إلى غير ~~الله جعلته كذلك $ فصل # ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا كالنبات ~~والحيوان أما إن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها أو بعد تكونها ~~فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة ~~الاستعداد فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب وليس ذلك بأن الفاعل ~~حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال ~~والتمام وعدم قبوله PageV01P182 @ أمر عدمي ليس بالفاعل وأما الذي بالفاعل ~~فهو الخير الوجودي الذي يتقبل به كماله وتمامه ونقصه والشر الذي حصل فيه هو ~~من عدم إمداده بسبب الكمال فبقي على العدم الأصلي وبهذا يفهم سر قوله تعالى ~~@QB@ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت @QE@ فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به ~~كمال المخلوق وتمامه وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله وعدم القبول ليس أمرا ~~مخلوقا يتعلق بفعل الفاعل فالخلق الوجودي ليس فيه تفاوت والتفاوت إنما حصل ~~بسبب هذا الخلق فإن الخالق سبحانه لم يخلق له استعدادا فحصل التفاوت فيه من ~~عدم الخلق لا من نفس الخلق فتأمله والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق وأما ~~العدم فليس هو بفاعل له فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي ~~كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه التفاوت وكذلك النبات $ فصل # وأما الثاني وهو أن الشر الحاصل بعد تكونه وإيجاده فهو نوعان أيضا أحدهما ~~أن يقطع عنه الإمداد الذي به كماله بعد وجوده كما يقطع عن النبات إمداده ~~بالسقي وعن الحيوان إمداده بالغذاء فهو شر مضاف إلى العدم أيضا وهو عدم ما ~~يكمل به الثاني حصول مضاد مناف وهو نوعان أحدهما قيام مانع في المحل يمنع ~~تأثير الأسباب الصالحة فيه كما تقوم بالبدن أخلاط ردية تمنع تأثير الغذاء ~~فيه وانتفاعه به وكما تقوم بالقلب إرادات واعتقادات فاسدة تمنع انتفاعه ~~بالهدى والعلم فهذا الشر وإن كان وجوديا وأسبابه وجودية فهو أيضا من عدم ~~القوة والإرادة التي يدفع بها ms324 ذلك المانع فلو وجدت قوة وإرادة تدفعه لم ~~يتأثر المحل به مثاله أن غلبة الأخلاط واستيلائها من عدم القوة المنضجة لها ~~أو القوة الدافعة لما يحتاج إلى خروج وكذلك استيلاء الإرادات الفاسدة لضعف ~~قوة العفة والصبر واستيلاء الاعتقادات الباطلة لعدم العلم المظطابق لمعلومه ~~فكل شر ونقص فإنما حصل لعدم سبب ضده وعدم سبب ضده ليس فاعلا له بل يكفي فيه ~~بقاؤه على العدم الأصلي الثاني مانع من خارج كالبرد الشديد والحرق والغرق ~~ونحو ذلك مما يصيب الحيوان والنبات فيحدث فيه الفساد فهذا لا ريب انه شر ~~وجودي مستند إلى سبب وجودي ولكنه شر نسبي إضافي وهو خير من وجه آخر فإن ~~وجود ذلك الحر والبرد والماء يترتب عليه مصالح وخيرات كلية هذا الشر ~~بالنسبة إليها جزئي فتعطيل تلك الأسباب لتفويت هذا الشر الجزئي يتضمن شرا ~~أكثر منه وهو فوات تلك الخيرات الحاصلة بها فإن ما يحصل بالشمس والريح ~~والمطر والثلج والحر والبرد من مصالح الخلق أضعاف اضعاف ما يحصل بذلك من ~~مفاسد جزئية هي في جنب تلك المصالح كقطرة في بحر هذا لو كان شرها حقيقيا ~~فكيف وهي خير من وجه وشر من وجه وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس ~~فما قدرها الرب سبحانه سدى ولا خلقها باطلا وعند هذا فيقال الوجود إما أن ~~يكون خيرا من كل وجه أو شرا من كل وجه أو خيرا من وجه شرا من وجه وهذا على ~~ثلاثة أقسام قسم خيره راجح على شره وعكسه وقسم مستو خيره وشره وأما أن لا ~~يكون فيه خير ولا شر فهذه ستة أقسام ولا مزيد عليها فبعضها واقع وبعضها غير ~~واقع فأما القسم الأول وهو الخير المحض من كل وجه الذي لا شر فيه بوجه ما ~~فهو أشرف الموجودات على الإطلاق وأكملها وأجلها وكل كمال وخير فيها فهو ~~مستفاد من خيره وكماله في نفسه وهي تستمد منه وهو لا يستمد منها وهي فقيرة ~~إليه وهو غني عنها كل منها يسأله كماله فالملائكة تسأله ما ms325 لا حياة لها إلا ~~به وإعانته على ذكره وشكره وحسن PageV01P183 @ عبادته وتنفيذ اوامره ~~والقيام بما جعل إليهم من مصالح العالم العلوي والسفلي وتسأله أن يغفر لبني ~~آدم والرسل تسأله أن يعينهم على أداء رسالاته وتبليغها وأن ينصرهم على ~~أعدائهم وغير ذلك من مصالحهم في معاشهم ومعادهم وبنو آدم كلهم يسألونه ~~مصالحهم على تنوعها واختلافها والحيوان كله يسأله رزقه وغذاءه وقوته وما ~~يقيمه ويسأله الدفع عنه والشجر والنبات يسأله غذاءه وما يكمل به والكون كله ~~يسأله إمداده بقاله وحاله @QB@ يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في ~~شأن @QE@ فأكف جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال ويده مبسوطة لهم ~~بالعطاء والنوال يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سجاء الليل والنهار وعطاؤه ~~وخيره مبذول للأبرار والفجار له كل كمال ومنه كل خير له الحمد كله وله ~~الثناء كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله تبارك اسمه وتباركت ~~أوصافه وتباركت أفعاله وتباركت ذاته فالبركة كلها له ومنه لا يتعاظمه خير ~~سئله ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله فلو صور كل كمال في العالم صورة ~~واحدة ثم كان العالم كله على تلك الصورة لكان نسبة ذلك إلى كماله وجلاله ~~وجماله دون نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس $ فصل # وأما الأقسام الخمسة الباقية فلا يدخل منها في الوجود إلا ما كانت ~~المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة والأقسام الأربعة لا ~~تدخل في الوجود أما الشر المحض الذي لا خير فيه فذاك ليس له حقيقة بل هو ~~العدم المحض # فإن قيل فإبليس شر محض والكفر والشر كذلك وقد دخلوا في الوجود فأي خير في ~~إبليس وفي وجود الكفر # قيل في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا ~~يعلمه إلا الله كما سننبه على بعضه فالله سبحانه لم يخلقه عبثا ولا قصد ~~بخلقه أضرار عباده وهلاكهم فكم لله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ~~ظاهرة ونعمة سابغة وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان ففي إيجاد ~~السموم ms326 من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها وأما الذي لا خير فيه ولا ~~شر فلا يدخل أيضا في الوجود فإنه عبث فتعالى الله عنه وإذا امتنع وجود هذا ~~القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع ومن ~~تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر ~~منها واللذات أكثر من الآلام والعافية أعظم من البلاء والغرق والحرق والهدم ~~ونحوها وإن كثرت فالسلامة أكثر ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ~~ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب وفوات الغالب شر غالب ومثال ذلك ~~النار فإن في وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ~~ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها وكذلك المطر والرياح والحر ~~والبرد وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ولكن خيرها ~~غالب وأما العالم العلوي فبريء من ذلك # فإن قيل فهلا خلق الخلاق الحكيم هذه خالية من الشر بحيث تكون خيرات محضة ~~فإن قلتم اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجا فيه اللذة بالألم والخير ~~بالشر قد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شر كالعالم العلوي سلمنا أن ~~وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه فأي خير ومصلحة في وجود رأس ~~الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه إبليس وأي خير في إبقائه إلى آخر الدهر وأي ~~خير يغلب في نشأة يكون فيها تسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة وأي خير ~~غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة حتى جرى على الأولاد ما جرى ولو داما في ~~الجنة لارتفع PageV01P184 @ الشر بالكلية وإذا كان قد خلقهم لعبادته فكيف ~~اقتضت حكمته أن صرف إليهم عنا ووفق لها الأقل من الناس وأي خير يغلب في خلق ~~الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي وأي خير في إيلام غير المكلفين ~~كالأطفال والمجانين فإن قلتم فائدته التعويض أنقض عليكم بإيلام البهائم ثم ~~وأي خير في خلق الدجال وتمكينه من الظهور والافتتان به وإذ ms327 قد اقتضت الحكمة ~~ذلك فأي خير حصل في تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب وأي خير في السحر ~~وما يترتب عليه من المفاسد والمضار وأي خير في إلباس الخلق شيعا وإذاقة ~~بعضهم بأس بعض وأي خير في خلق السموم وذات السموم والحيوانات العادية ~~المؤذية بطبعها وأي خير في خراب هذه البنية بعد خلقها في أحسن تقويم وردها ~~إلى أرذل العمر بعد استقامتها وصلاحها وكذلك خراب هذا الدار ومحو أثرها فإن ~~كان وجود ذلك خيرا غالبا فإبطاله إبطال للخير الغالب دع هذا كله فأي خير ~~راجح أو مرجوح في النار وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر ولا خلاص لكم ~~عن هذه الأسئلة إلا بسد باب الحكم والتعليل وإسناد الكون إلى محض المشيئة ~~أو القول بالإيجاب الذاتي وأن الرب لا يفعل باختياره ومشيئته وهذه الأسئلة ~~إنما ترد على من يقول بالفاعل المختار فلهذا لجأ القائلون إلى إنكار ~~التعليل جملة فاختاروا أحد المذهبين وتحيزوا إلى إحدى الفئتين وإلا فكيف ~~تجمعون بين القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور فالجواب بعد أن نقول ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر بل في تحقيق هذه ~~الكلمات الجواب الشافي ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار وما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك ~~الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض ~~مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط ~~بكل شيء علما جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدى والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه ما ترى في ~~خلق الرحمن من تفاوت بل ms328 هو في غاية التناسب واقع على أكمل الوجوه وأقربها ~~إلى حصول الغايات المحمودة والحكم المطلوبة فلم يكن تحصل تلك الحكم ~~والغايات التي انفرد الله سبحانه بعلمها على التفصيل وأطلع من شاء من عباده ~~على أيسر اليسير منها إلا بهذه الأسباب والبدايات وقد سأله الملائكة ~~المقربون عن جنس هذه الأسئلة وأصلها فقال إني أعلم ما لا تعلمون وأقروا له ~~بكمال العلم والحكمة وأنه في جميع أفعاله على صراط مستقيم وقالوا سبحانك لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ولما ظهر لهم ببعض حكمته فيما ~~سألوا عنه وأنهم لم يكونوا يعلمون قال @QB@ ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون @QE@ # $ فصل # ونحن نذكر أصولا مهمة نبين بها جواب هذه الأسئلة وقد اعترف كثير من ~~المتكلمين ممن له نظر في الفلسفة والكلام أنه لا يمكن الجواب عنها إلا ~~بالتزام القول بالموجب بالذات أو القول بإبطال الحكمة والتعليل وأنه سبحانه ~~لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لحكمة ولا جعل شيئا من الأشياء سببا لغيره ~~وما ثم إلا مشيئة محضة وقدرة ترجح مثلا على مثل بلا سبب ولا على وأنه لا ~~يقال PageV01P185 @ في فعله لم ولا كيف ولا لأي سبب وحكمة ولا هو معلل ~~بالمصالح قال الرازي في مباحثه فإن قيل فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء ~~عرية عن كل الشرور فنقول لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول وذلك ~~مما خرج عنه يعني كان ذلك هو القسم الذي هو خير محض لا شر فيه قال وبقي في ~~الفعل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالبا على شره وقد بينا أن الأولى بهذا ~~القسم أن يكون موجودا قال وهذا الجواب لا يعجبني لأن لقائل أن يقول أن جميع ~~هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله سبحانه وإرادته فالاحتراق ~~الحاصل عقيب النار ليس موجبا عن النار بل الله اختار خلقه عقيب مماسة النار ~~وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته فكان ms329 يمكنه ~~أن يختار خلق الإحراق عندما يكون خيرا ولا يختار خلقه عندما يكون شرا ولا ~~خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه فاعلا بالذات لا بالقصد والاختيار ~~ويرجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث فانظر كيف اعترف ~~بأنه لا خلاص عن هذه الأسئلة إلا بتكذيب جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم ~~وإبطال جميع الكتب المنزلة من عند الله ومخالفة صريح العقل في أن خالق ~~العالم سبحانه مريد مختار ما شاء كان بمشيئته وما لم يشأ لم يكن لعدم ~~مشيئته وإنه ليس في الكون شيء حاصل بدون مشيئته البتة فأقر على نفسه أنه لا ~~خلاص له في تلك الأسئلة إلا بالتزام طريقة أعداء الرسل والملل القائلين بأن ~~الله لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام ولا أوجد العالم بعد عدمه ولا ~~يفنيه بعد إيجاده وصدور ما صدر عنه بغير اختياره ومشيئته فلم يكن مختارا ~~مريدا للعالم وليس عنده إلا هذا القول أو قول الجبرية منكري الأسباب والحكم ~~والتعليل أو قول المعتزلة الذين أثبتوا حكمة لا ترجع إلى الفاعل وأوجبوا ~~رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا ~~عليه فيها وحرموا وحجروا عليه فالأقوال الثلاثة تتردد في صدره وتتقاذف به ~~أمواجها تقاذف السفينة إذا لعبت بها الرياح الشديدة والعاقل لا يرضى لنفسه ~~بواحد من هذه الأقوال لمنافاتها العقل والنقل والفطرة والقول الحق في هذه ~~الأقوال كيوم الجمعة في الأيام أضل عنه أهل الكتابين قبل هذه الأمة وهداهم ~~إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة أضل الله عنها من كان ~~قبلنا فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى ونحن هكذا نقول بحمد الله ~~ومنه القول الوسط الصواب لنا وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء ~~الرسول وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية وإنكار ~~عموم القدرة والمشيئة العائدة إلى الرب سبحانه من محبته وكراهته وموجب حمده ~~ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية ونحن نبرأ إلى ~~الله من هذه الأقوال وقائلها إلا من حق تتضمنه مقالة ms330 كل فرقة منهم فنحن به ~~قائلون وإليه منقادون وله ذاهبون $ فصل # الأصل الأول إثبات عموم علمه سبحانه وإحاطته بكل معلوم وأنه لا تخفى عليه ~~خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض بل قد أحاط بكل شيء علما ~~وأحصى كل شيء عددا والخلاف في هذا الأصل مع فرقتين إحداهما أعداء الرسل ~~كلهم وهم الذين ينفون علمه بالجزئيات وحاصل قولهم أنه لا يعلم موجودا البتة ~~فإن كل موجود جزئي معين فإذا لم يعلم الجزئيات لم يكن عالما بشيء من العالم ~~العلوي والسفلي والفرقة الثانية غلاة القدرية الذين اتفق السلف على كفرهم ~~وحكموا بقتلهم الذين يقولون لا يعلم أعمال العباد حتى يعلموها ولم يعلمها ~~قبل ذلك ولا كتبها ولا قدرها فضلا PageV01P186 @ عن أن يكون شاءها وكونها ~~وقول هؤلاء معلوم البطلان بالضرورة من أديان جميع المرسلين وكتب الله ~~المنزلة وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم مملوءة بتكذيبهم وإبطال قولهم ~~وإثبات عموم علمه الذي لا يشاركه فيه خلقه ولا يحيطون بشيء منه إلا بما شاء ~~أن يطلعهم عليه ويعلمهم به وما أخفاه عنهم ولم يطلعهم عليه لا نسبة لما ~~عرفوه إليه الا دون نسبة قطرة واحدة إلى البحار كلها كما قال الخضر لموسى ~~وهما أعلم أهل الأرض حينئذ ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا ~~العصفور من البحر ويكفي أن ما يتكلم به من علمه لو قدر أن البحر يمده من ~~بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض كلها من أول الدهر إلى آخره أقلام يكتب ~~به ما يتكلم به مما يعلمه لنفدت البحار وفنيت الأقلام ولم تنفذ كلماته ~~فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة قدرتهم إلى قدرته وغناهم إلى ~~غناه وحكمتهم إلى حكمته وإذا كان أعلم الخلق به على الإطلاق يقول لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ويقول في دعاء الاستخارة فإنك تقدر ولا ~~أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ويقول سبحانه للملائكة أني أعلم ما ~~لا تعلمون ويقول سبحانه لاعلم الأمم وهم أمة ms331 محمد صلى الله عليه وسلم كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ويقول لأهل الكتاب وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا وتقول رسله يوم القيامة حين يسألهم ماذا أجبتم قالوا لا ~~علم لنا الا ما علمتنا انك لنا أنت علام الغيوب وهذا هو الأدب المطابق للحق ~~في نفس الامر فإن علومهم وعلوم الخلائق تضمحل وتتلاشى في علمه سبحانه كما ~~يضمحل ضوء السراج الضعيف في عين الشمس فمن أظلم الظلم وأبين الجهل وأقبح ~~القبيح وأعظم القحة والجراءة آن يعترض من لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس ~~التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل التي لا نسبة لها إلى علم رب العالمين ~~عليه ويقدح في حكمته ويظن أن الصواب والأولى أن يكون غير ما جرى به قلمه ~~وسبق به علمه وأن يكون الأمر بخلاف ذلك فسبحان الله رب العالمين تنزيها ~~لربوبيته وإلهيته وعظمته وجلاله عما لا يليق به من كل ما نسبه إليه ~~الجاهلون الظالمون فسبحان الله كلمة يحاشى الله بها عن كل ما يخالف كماله ~~من سوء ونقص وعيب فهو المنزه التنزيه التام من كل وجه وبكل اعتبار عن كل ~~نقص متوهم وإثبات عموم حمده وكماله وتمامه ينفي ذلك واتصافه بصفات الإلهية ~~التي لا تكون لغيره وكونه أكبر من كل شيء في ذاته وأوصافه وأفعاله ينفي ذلك ~~لمن رسخت معرفته في معنى سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر وسافر قلبه في منازلها وتلقى معانيها من مشكاة النبوة لا من مشكاة ~~الفلسفة والكلام الباطل وآراء المتكلمين فهذا أصل يجب التمسك به في هذا ~~المقام وأن يعلم أن عقول العالمين ومعارفهم وعلومهم وحكمهم تقصر عن الإحاطة ~~بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته # الأصل الثاني أنه سبحانه حي حقيقة وحياته اكمل الحياة وأتمها وهي حياة ~~تستلزم جميع صفات الكمال ونفى أضدادها من جميع الوجوه ومن لوازم الحياة ~~الفعل الاختياري فإن كل ms332 حي فعال وصدور الفعل عن الحي بحسب كمال حياته ~~ونقصها وكل من كانت حياته أكمل من غيره كان فعله أقوى وأكمل وكذلك قدرته ~~ولذلك كان الرب سبحانه على كل شيء قدير وهو فعال لما يريد وقد ذكر البخاري ~~في كتاب خلق الأفعال عن نعيم بن حماد أنه قال الحي هو الفعال وكل حي فعال ~~فلا فرق بين الحي والميت إلا بالفعل والشعور وإذا كانت الحياة مستلزمة ~~للفعل وهو الأصل الثالث فالفعل PageV01P187 @ الذي لا يعقل الناس سواه هو ~~الفعل الاختياري الإرادي الحاصل بقدرة الفاعل وإرادته ومشيئته وما يصدر عن ~~الذات من غير سفير قدرة منها ولا إرادة لا يسميه أحد من العقلاء فعلا وإن ~~كان أثرا من آثارها ومتولدا عنها كتأثير النار في الإحراق والماء في ~~الإغراق والشمس في الحرارة فهذه آثار صادرة عن هذه الأجسام وليست أفعالا ~~لها وإن كانت بقوى وطبائع جعلها الله فيها فالفعل والعمل من الحي العالم لا ~~يقع إلا بمشيئته وقدرته وكون الرب سبحانه حيا فاعلا مختارا مريدا مما اتفقت ~~عليه الرسل والكتب ودل عليه العقل والفطرة وشهدت به الموجودات ناطقها ~~وصامتها جمادها وحيوانها علويها وسفليها فمن أنكر فعل الرب الواقع بمشيئته ~~واختياره وفعله فقد جحد ربه وفاطره وأنكر أن يكون للعامل رب # الأصل الرابع أنه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعا وقدراته وجعل ~~الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي وأمره الكوني القدري ومحل ملكه ~~وتصرفه فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات وقدح في العقول ~~والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء فقد جعل سبحانه مصالح العباد في ~~معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل ~~والحرمة كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله ~~سبب لما يصدر عنه بل الموجودات كلها أسباب ومسببات والشرع كله أسباب ~~ومسببات والمقادير أسباب ومسببات والقدر جار عليها متصرف فيها فالأسباب محل ~~الشرع والقدر والقرآن مملوء من إثبات الأسباب كقوله بما كنتم تعلمون بما ~~كنتم تكسبون ذلك بما قدمت يداك بما كسبت أيديكم كلوا واشربوا بما أسلفتم ms333 في ~~الأيام الخالية جزاء وفاقا فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بأيات الله وقتلهم الأنبياء بغير ~~حق وقولهم قلوبنا غلف إلى قوله وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ~~وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم وقوله فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ~~وجعلنا قلوبهم قاسية وقوله فبما رحمة من الله لنت لهم وقوله ذلك بأنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله وقوله ذلك بأنهم قالوا إنما ~~البيع مثل الربا وقوله ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم وقوله @QB@ فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية @QE@ ~~وقوله فكذبوهما فكانوا من المهلكين فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ~~فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها وقوله فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين وقوله @QB@ ونزلنا من ~~السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد @QE@ وقوله @QB@ حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات @QE@ وقوله @QB@ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام @QE@ ~~وقوله @QB@ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم @QE@ الآية وقوله @QB@ ~~وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا @QE@ وكل ~~موضع رتب فيه الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف أفاد كونه سببا له كقوله ~~@QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله @QE@ ~~وقوله @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ وقوله ~~@QB@ والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين @QE@ ~~وقوله @QB@ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما ~~كانوا يفسدون @QE@ وهذا أكثر من أن يستوعب وكل موضع تضمن الشرط والجزاء ~~أفاد سببه PageV01P188 @ الشرط والجزاء وهو أكثر من أن يستوعب كقوله @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا @QE@ وقوله @QB@ لئن ~~شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد @QE@ وكل موضع رتب فيه الحكم على ~~ما ms334 قبله بحرف أفاد التسبب وقد تقدم وكل موضع تقدم ذكرت فيه الباء تعليلا ~~لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب وكل موضع صرح فيه بأن كذا جزاء لكذا أفاد ~~التسبيب فإن العلة الغائية عله للعلة الفاعلية ولو تتبعنا ما يفيد إثبات ~~الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع ولم نقل ذلك مبالغة بل ~~حقيقة ويكفي شهادة الحس والعقل والفطر ولهذا قال من قال من أهل العلم تكلم ~~قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم وظنوا انهم بذلك ~~ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الرب ونعوت كماله وعلوه ~~على خلقه واستواءه على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لملائكته وعباده وظنوا ~~أنهم بذلك ينصرون التوحيد فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسله وتنزيهه عن كل ~~كمال ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل ونظير من نزه الله في أفعاله وأن يقوم ~~به فعل البتة وظن انه ينصر بذلك حدوث العالم وكونه مخلوقا بعد أن لم يكن ~~وقد أنكر اصل الفعل والخلق جملة ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات ~~والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب فإذا رأى ~~العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ~~ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به وأنت لا تجد كتابا من الكتب أعظم إثباتا ~~للأسباب من القرآن ويا لله العجب إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي ~~جعل هذا سببا لهذا والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة لحكمه إن ~~شاء أن يبطل سببيه الشيء أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم ~~وإغراق الماء على كليمه وقومه وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع ~~تأثيرها مع بقاء قواها وإن شاء خلى بينها وبين اقتضائه لآثارها فهو سبحانه ~~يفعل هذا وهذا وهذا فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد وأي شرك يترتب على ذلك ~~بوبه من الوجوه ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق والماء لا ~~يغرق والخبر لا يشبع والسيف لا يقطع ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ولا ms335 هو ~~سبب لهذا الأثر وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه ~~الآثار عند ملاقاة كذا لكذا قالت هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق ~~والتأثير ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد وتسليط لأعداء الرسل ~~على ما جاؤوا به كما تراه عيانا في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان ولا ~~ريب أن الصديق الماهر قد يضر مالا يضره العدو العاقل قال تعالى عن ذي ~~القرنين @QB@ وآتيناه من كل شيء سببا @QE@ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~علما قال قتادة وابن زيد وابن جريج والضحاك علما تسبب به إلى ما يريد وكذلك ~~قال إسحاق علما يوصله إلى حيث يريد وقال المبرد وكل ما وصل شيئا بشيء فهو ~~سبب وقال كثير من المفسرين آتيناه من كل ما بالخلق إليه حاجة علما ومعونة ~~له وقد سمى الله سبحانه الطريق سببا في قوله فأتبع سببا قال مجاهد طريقا ~~وقيل السبب الثاني هو الأول أي أتبع سببا من تلك الأسباب التي أوتيها مما ~~يوصله إلى مقصوده وسمى سبحانه أبواب السماء أسبابا إذ منها يدخل إلى السماء ~~قال تعالى عن فرعون @QB@ لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات @QE@ أي أبوابها ~~التي أدخل منها إليها وقال زهير % ومن هاب أسباب المنايا ينلنه % ولو رام ~~أسباب السماء بسلم % PageV01P189 @ وسمى الحبل سببا لأيصاله إلى المقصود ~~قال تعالى @QB@ فليمدد بسبب إلى السماء @QE@ قال بعض أهل اللغة السبب من ~~الحبال القوي الطويل ولا يدعى الحبل سببا حتى يصعد به وينزل ثم قيل لكل شيء ~~وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب يقال ما بيني وبين فلان سبب أي أصرة ~~رحم أو عاطفة مودة وقد سمى تعالى وصل الناس بينهم أسبابا وهي التي يتسببون ~~بها إلى قضاء حوائجهم بعضهم من بعض قال تعالى @QB@ إذ تبرأ الذين اتبعوا من ~~الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب @QE@ يعني الواصلات التي ~~كانت بينهم في الدنيا وقال ابن عباس وأصحابه يعني أسباب المودة الواصلات ~~التي كانت بينهم في الدنيا ms336 وقال ابن زيد هي الأعمال التي كانوا يؤملون أن ~~يصلوا بها إلى ثواب الله وقيل هي الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها وبالجملة ~~فسمى الله سبحانه ذلك اسبابا لأنها كانت يتوصل بها إلى مسبباتها وهذا كله ~~عند نفاة الأسباب وجماز لا حقيقة له وبالله التوفيق $ فصل # الأصل الخامس أنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ومصلحة ~~وحكمه هي الغاية المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة ~~لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل وقد دل كلامه وكلام ~~رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها ~~فنذكر بعض أنواعها # النوع الأول التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه كقوله حكمة بالغة وقوله ~~@QB@ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة @QE@ وقوله @QB@ ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا @QE@ والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح وسمي حكمة لأن ~~العلم والعمل قد تعلقا بمتعلقهما وأوصلا إلى غايتيهما وكذلك لا يكون الكلام ~~حكمة حتى يكون موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة فيكون مرشدا ~~إلى العلم النافع والعمل الصالح فتحصل الغاية المطلوبة فإذا كان المتكلم به ~~لم يقصد مصلحة المخاطبين ولا هداهم ولا إيصالهم إلى سعادتهم ودلالتهم على ~~أسبابها وموانعها ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة ولا تكلم لأجلها ~~ولا أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها ولا نصب الثواب والعقاب لأجلها لم يكن ~~حكيما ولا كلامه حكمة فضلا عن أن تكون بالغة # النوع الثاني إخباره أنه فعل كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا كقوله @QB@ ذلك ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض @QE@ وقوله @QB@ الله ~~الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله ~~على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما @QE@ وقال @QB@ جعل الله ~~الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ~~@QE@ وقوله @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ms337 للناس على الله حجة بعد ~~الرسل @QE@ وقوله @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله @QE@ وقوله @QB@ لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل ~~الله @QE@ وقوله @QB@ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه @QE@ وقوله @QB@ فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم @QE@ أي ليتمكنوا بهذا الحفظ ~~والرصد من تبليغ رسالاته فيعلم الله ذلك واقعا وقوله @QB@ وينزل عليكم من ~~السماء ماء ليطهركم به @QE@ @QB@ وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام @QE@ ~~وقوله @QB@ ويبطل الباطل @QE@ وقوله @QB@ وما جعله الله إلا بشرى لكم ~~ولتطمئن قلوبكم به @QE@ وقوله @QB@ قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت ~~الذين آمنوا @QE@ وقوله @QB@ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا @QE@ PageV01P190 وقوله @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا @QE@ وقوله @QB@ وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ وقوله @QB@ هذا بلاغ للناس ولينذروا به ~~وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب @QE@ وقوله @QB@ لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب @QE@ وقوله @QB@ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين @QE@ وقوله @QB@ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما ~~لا تعلمون @QE@ وهذا في القرآن فإن قيل اللام في هذا كله لام العاقبة كقوله ~~@QB@ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا @QE@ وقوله @QB@ وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا @QE@ وقوله @QB@ ليجعل ~~ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض @QE@ وقوله @QB@ ليهلك من هلك عن ~~بينة ويحيى من حي عن بينة @QE@ وقوله @QB@ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون @QE@ فإن ما بعد اللام في ~~هذا ليس هو الغاية المطلوبة ولكن لما كان الفعل منتهيا إليه وكان عاقبة ~~الفعل دخلت عليه ms338 لام التعليل وهي في الحقيقة لام العاقبة # فالجواب من وجهين # أحدهما أن لام العاقبة إنما تكون في حق من هو جاهل أو هو عاجز عن دفعها ~~فالأول كقوله @QB@ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا @QE@ والثاني ~~كقول الشاعر % لدوا للموت وابنوا للخراب % فكلكم يصير إلى ذهاب % وأما من ~~هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فيستحيل في حقه دخول هذه اللام وإنما ~~اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة # الجواب الثاني افراد كل موضع من تلك المواضع بالجواب أما قوله @QB@ ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا @QE@ فهو تعليل لقضاء الله سبحانه ~~بالتقاطه وتقديره له فإن التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره فهو سبحانه قدر ~~ذلك وقضى به ليكون لهم عدوا وحزنا وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه ~~حزنا لهم وحسرة عليهم فإن من اختار أخذ ما يكون هلاكه على يديه إذا أصيب به ~~كان أعظم لحزنه وغمه وحسرته من أن لا يكون فيه صنع ولا اختيار فإنه سبحانه ~~أراد أن يظهر لفرعون وقومه ولغيرهم من خلقه كمال قدرته وعلمه وحكمته ~~الباهرة وأن هذا الذي يذبح فرعون إلا بناء في طلبه هو الذي يتولى تربيته في ~~حجره وبيته باختياره وإرادته ويكون في قبضته وتحت تصرفه فذكر فعلهم به في ~~هذا أبلغ وأعجب من أن يذكر القضاء والقدر وقد اعلمنا سبحانه أن أفعال عباده ~~كلها واقعة بقضائه وقدره وأما قوله تعالى @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا @QE@ فلا ريب أن هذا تعليل لفعله ~~المذكور وهو امتحان بعض خلقه ببعض كما امتحن السادات والإشراف بالعبيد ~~والضعفاء والموالي فإذا نظر الشريف والسيد إلى العبد والضعيف والمسكين قد ~~أسلم أنف وحمى أن يسلم معه أو بعده ويقول هذا يسبقني إلى الخير والفلاح ~~وأتخلف أنا فلو كان ذلك خيرا وسعادة ما سبقنا هؤلاء إليه فهذا القول منهم ~~هو بعض الحكم والغاية المطلوبة بهذا الامتحان فإن هذا القول دال على إباء ~~واستكبار وترك الإنقياد للحق بعد ms339 المعرفة التامة به وهذا وإن كان علة فهو ~~مطلوب لغيره والعلل الغائية تارة تطلب لنفسها وتارة تطلب لغيرها فتكون ~~وسيلة إلى مطلوب لنفسه وقول هؤلاء ما قالوه وما يترتب عليه هذا القول موجب ~~لآثار مطلوبه للفاعل من إظهار عدله وحكمته وعزه وقهره وسلطانه وعطائه من ~~يستحق PageV01P191 @ عطاءه ويحسن وضعه عنده ومنعه من يستحق المنع ولا يليق ~~به غيره ولهذا قال تعالى @QB@ أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ الذين يعرفون ~~قدر النعمة ويشكرون المنعم عليهم فيما من عليهم من بين من لا يعرفها ولا ~~يشكر ربه عليها وكانت فتنة بعضهم ببعض لحصول هذا التمييز الذي ترتب عليه ~~شكر هؤلاء وكفر هؤلاء $ فصل # وأما قوله @QB@ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم @QE@ فهي على بابها وهي لام الحكمة والتعليل أخبر الله سبحانه أنه ~~جعل ما ألقاه الشيطان في أمنية الرسول محنة واختبارا لعباده فافتتن به ~~فريقان وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وعلم المؤمنين أن القرآن ~~والرسول حق وأن إلقاء الشيطان باطل فآمنوا بذلك وأخبتت له قلوبهم فهذه غاية ~~مطلوبة مقصودة بهذا القضاء والقدر والله سبحانه جعل القلوب على ثلاثة أقسام ~~مريضة وقاسية ومخبتة وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق ~~اعترافا وإذعانا أو لا تكون كذلك فالأول حال القلوب القاسية الحجرية التي ~~لا تقبل ما يبث فيها ولا ينطبع فيها الحق ولا ترتسم فيها العلوم النافعة ~~ولا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة وأما النوع الثاني فلا يخلوا إما أن يكون ~~الحق ثابتا فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه أو يكون ثابتا مع ضعف وانحلال ~~والثاني هو القلب المريض والأول هو الصحيح المخبت وهو جمع الصلابة والصفاء ~~واللين فيبصر الحق بصفائه ويشتد فيه بصلابته ويرحم الخلق بلينه كما في أثر ~~مروي القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله أصلبها وأرقها وأصفاها كما ~~قال تعالى في أصحاب هذه القلوب @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ ~~فهذا وصف منه للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم واشتدوا على ~~الكفار ms340 بصلابتها وتراحموا فيما بينهم بلينها وذلك أن القلب عضو من أعضاء ~~البدن وهو أشرف اعظائه وملكها المطاع وكل عضو كاليد مثلا أما أن تكون جامدة ~~ويابسة لا تلتوي ولا تبطش أو تبطش بضعف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون ~~مريضة ضعيفة عاجزة ولضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة ~~بقوة ولين فذلك مثل القلب العليم الرحيم فبالعلم خرج عن المرض الذي ينشأ من ~~الشهوة والشبهة وبالرحمة خرج عن القسوة ولهذا وصف سبحانه من عدا أصحاب ~~القلوب المريضة والقاسية بالعلم والإيمان والإخبات فتأمل ظهور حكمته سبحانه ~~في أصحاب هذه القلوب وهم كل الأمة فأخبر أن الذين أوتوا العلم علموا أنه ~~الحق من ربهم كما أخبر انهم في المتشابه يقولون آمنا به كل من عند ربنا ~~وكلا الوصفين موضع شبهة فكان حظهم منه الإيمان وحظ أرباب القلوب المنحرفة ~~عن الصحة الافتتان ولهذا جعل سبحانه أحكام آياته في مقابلة ما يلقى الشيطان ~~بإزاء الآيات المحكمات في مقابلة المتشابهات فالأحكام ههنا بمنزلة إنزال ~~المحكمات هناك ونسخ ما يلقي الشيطان ههنا في مقابلة رد المتشابه إلى المحكم ~~هناك والنسخ ههنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الرب سبحانه وللنسخ ~~معنى آخر هو النسخ من إفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده ولا دل اللفظ ~~عليه وإن اوهمه كما أطلق الصحابة النسخ على قوله @QB@ وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء @QE@ قالوا نسختها قوله ~~@QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ الآية فهذا نسخ من الفهم لا ~~نسخ للحكم الثابت فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا ~~أيضا ولهذا عمهم بالمحاسبة ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~ففهم PageV01P192 @ المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق ~~وسعها فرفع هذا المعنى من فهمه بقوله @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا @QE@ إلى آخرها فهذا رفع لفهم غير المراد من إلقاء الملك وذاك رفع ~~لما ألقاه غير الملك في ms341 أسماعهم أو في التمني وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة ~~والتابعين وهو ترك الظاهر إما بتخصيص عام أو بتقييد مطلق وهذا كثير في ~~كلامهم جدا وله معنى رابع وهو الذي يعرفه المتأخرون وعليه اصطلحوا وهو رفع ~~الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له فهذه أربعة معان للنسخ والأحكام له ~~ثلاثة معان # أحدها الأحكام الذي في مقابلة المتشابه كقوله @QB@ منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات @QE@ والثاني الأحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان ~~كقوله فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته وهذه الأحكام يعم ~~جميع آياته وهو إثباتها وتقريرها وبيانها ومنه قوله @QB@ كتاب أحكمت آياته ~~@QE@ # الثالث أحكام في مقابلة الآيات المنسوخة كما يقوله السلف كثيرا هذه الآية ~~محكمة غير منسوخة وذلك لأن الأحكام تارة يكون في التنزيل فيكون في مقابلة ~~ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ أو في سمع المبلغ فالحكم هنا ~~هو المنزل من عند الله أحكمه الله أي فصله من اشتباهه بغير المنزل وفصل منه ~~ما ليس منه بإبطاله وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره فلا ينسخ بعد ~~ثبوته وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله وهو تمييز المعنى المقصود من غيره ~~حتى لا يشتبه به والمقصود أن قوله ليجعل ما يلقى الشيطان فتنته للذين في ~~قلوبهم مرض هي لام التعليل على بابها وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف ~~القلوب الثلاثة فالقاسية والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر والمخبتة ظهر ~~خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه ~~وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء $ فصل # وأما اللام في قوله ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة فلام ~~التعليل على بابها فإنها مذكورة في بيان حكمته في جمع أوليائه وأعدائه على ~~غير ميعاد ونصرة أوليائه مع قلتهم ورقتهم وضعف عددهم وعدتهم على أصحاب ~~الشوكة والعدد والحد والحديد الذي لا يتوهم بشر أنهم ينصرون عليهم فكانت ~~تلك آية من أعظم آيات الرب سبحانه صدق بها رسوله وكتابه ليهلك بعدها من ~~اختار ms342 لنفسه الكفر والعناد عن بينة فلا يكون له على الله حجة ويحيي من حي ~~بالإيمان بالله ورسوله عن بينة فلا يبقى عنده شك ولا ريب وهذا من أعظم ~~الحكم ونظير هذا قوله @QB@ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين @QE@ $ فصل # وأما اللام في قوله ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة فهي على ~~بابها للتعليل فإنها إن كانت تعليلا لفعل العدو وهو إيحاء بعضهم إلى بعض ~~فظاهر وعلى هذا فيكون عطفا على قوله غرورا فإنه مفعول لأجله أي ليغروهم ~~بهذا الوحي ولتصغي إليه أفئدة من يلقى إليه فيرضاه ويعمل بموجبه فيكون ~~سبحانه قد أخبر بمقصودهم من الأيحاء المذكور وهوأربعة أمور غرور من يوحون ~~إليه وإصغاء أفئدتهم إليهم ومحبتهم لذلك وانفعالهم عنده بالاقتراف وإن كان ~~ذلك تعليلا لجعله سبحانه لكل نبي عدوا فيكون هذا الحكم من جملة الغايات ~~والحكم المطلوبة بهذا الجعل وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها لأنها مفضية إلى ~~أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه وفواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من ~~حصولها وعلى التقدين فاللام لام التعليل والحكمة PageV01P193 @ $ فصل # النوع الثالث الإتيان بكى الصريحة في التعليل كقوله تعالى ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم فعلل سبحانه تسمية الفيء بين هذه ~~الأصناف كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء والأقوياء دون الضعفاء وقوله ~~سبحانه @QB@ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ~~أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم @QE@ فأخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن ~~يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع وهو الأحسن ثم أخبر أن مصدر ~~ذلك قدرته عليه وأنه يسير عليه وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده ~~على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته ولا ms343 بد قد كتبت قبل ~~خلقهم هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه ولم يفرحوا بالحاصل لعلهم أن ~~المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل ~~خلقه ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته أو حصول مكروه أو ~~خوف حصوله نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله وعلى فوته ~~حيث لم يحصل ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل ~~وقوعها وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع وهذه هي أنواع المصائب فإذا تيقن ~~العبد أنها مكتوبة مقدرة وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ~~ليصيبه هانت عليه وخف حملها وأنزلها منزلة الحر والبرد $ فصل # النوع الرابع ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلل به كقوله @QB@ ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة @QE@ ونصب ذلك على المفعول له أحسن ~~من غيره كما صرح به في قوله لنبين للناس ما نزل إليهم وفي قوله @QB@ ولأتم ~~نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون @QE@ فإتمام النعمة هو الرحمة وقوله @QB@ وما ~~أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين @QE@ وقوله @QB@ ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر @QE@ أي لأجل الذكر كما قال @QB@ فإنما يسرناه بلسانك ~~لعلهم يتذكرون @QE@ وقوله فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا أي للأعذار والإنذار ~~وقوله @QB@ ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ~~ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون @QE@ فهذا كله مفعول لأجله وقوله @QB@ أنا ~~صببنا الماء صبا @QE@ إلى قوله @QB@ متاعا لكم ولأنعامكم @QE@ والمتاع واقع ~~موقع التمتيع كما يقع السلام موقع التسليم والعطاء موضع الإعطاء وأما قوله ~~@QB@ يريكم البرق خوفا وطمعا @QE@ فيحتمل أن يكون من ذلك أي إخافة لكم ~~وإطماعا وهو أحسن ويحتمل أن يكون معمول فعل محذوف أي فيرونهما خوفا وطمعا ~~فيكونان حالا وقوله @QB@ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها @QE@ ~~إلى قوله @QB@ تبصرة وذكرى لكل عبد منيب @QE@ أي لأجل التبصرة والذكرى ~~والفرق بينهما أن التبصرة توجب العلم والمعرفة والذكرى توجب الإنابة ~~والانقياد وبهما تتم الهداية ms344 $ فصل # النوع الخامس الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلا لما قبله كقوله ~~@QB@ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا @QE@ وقوله أن تقول ~~نفس يا حسرتا وقوله أن تضل أحداهما فتذكر أحداهما الأخرى ونظائره وفي ذلك ~~طريقان أحدهما للكوفيين والمعنى لئلا تقولوا ولئلا تقول نفس والثاني ~~المبصريين أن المفعول له محذوف أي كراهة أن تقولوا أو حذار أن تقولوا فإن ~~قيل كيف يستقيم الطريقان في قوله تعالى أن تضل أحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى فإنك إن PageV01P194 @ قدرت لئلا تضل أحداهما لم يستقم العطف فتذكر ~~إحداهما عليه وأن قدرت حذار أن تضل إحداهما لم يستقم العطف أيضا وإن قدرت ~~إرادة أن تضل لم تصح أيضا # قيل هذا من الكلام الذي ظهور معناه مزيل للإشكال فإن المقصود إذكار ~~إحداهما الأخرى إذا ضلت ونسيت فلما كان الضلال سببا للإذكار جعل موضع العلة ~~كما تقول أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها فإنما أعددتها للدعم ~~لا للميل وأعددت هذا الدواء أن أمرض فأتداوى به ونحوه وهذا قول سيبويه ~~والبصريين قال أهل الكوفة تقديره كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت فلما تقدم ~~الجزاء اتصل بما قبله ففتحت أن قال الفراء ومثله قوله ليعجبني أن يسأل ~~السائل فيعطي معناه ليعجبني أن يعطي السائل إن سأل لأنه إنما يعجبه الإعطاء ~~لا السؤال من ذلك قوله تعالى @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~@QE@ فذكر سبحانه من حكم أخذ الميثاق عليهم أن لا يحتجوا يوم القيامة ~~بغفلتهم عن هذا الأمر ولا بتقليد الأسلاف ومنه قوله وذكر به أن تبسل نفس ~~بما كسبت فالضمير في به للقرآن وأن تبسل في محل نصب على أنه مفعول له أي ~~حذار أن تسلم نفس إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء عملها $ فصل # النوع السادس ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من ms345 أجل كقوله من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا وقد ظنت طائفة أن قوله من أجل ذلك تعليل لقوله فأصبح من ~~النادمين أي من أجل قتله لأخيه وهذا ليس بشيء لأنه يشوش صحة النظم وتقل ~~الفائدة بذكره ويذهب شأن التعليل بذلك للكتابة المذكورة وتعظيم شأن القتل ~~حين جعل علة لهذا الكتابة فتأمله فإن قلت كيف يكون قتل أحد بني آدم للآخر ~~علة لحكمه على أمة أخرى بذلك الحكم وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس واحدة ~~بمنزلة قاتل الناس كلهم قلت الرب سبحانه يجعل أقضيته واقداره عللا وأسبابا ~~لشرعة وأمره فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمه الديني الأمري وذلك أن ~~القتل عنده لما كان من أعلى أنواع الظلم والفساد فخم أمره وعظم شأنه وجعل ~~إثمه أعظم من إثم غيره ونزل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها ولا ~~يلزم من التشبيه أن يكون المشبه بمنزلة المشبه به من كل الوجوه فإذا كان ~~قاتل الأنفس كلها يصلى النار وقاتل النفس الواحدة يصلاها صح تشبيهه به كما ~~يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر ومن شرب عدة قناطير وإن اختلف مقدار الإثم ~~وكذلك من زنى مرة واحدة وآخر زنا مرارا كثيرة كلاهما آثم وإن أختلف قدر ~~الإثم وهذا معنى قول مجاهد من قتل نفسا واحدة يصلى النار بقتلها كما يصلاها ~~من قتل الناس جميعا وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا في وصفه وإن شئت ~~قلت التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها فإنه لا يختلف بقلة القتل ~~وكثرته كما لو شرب قطرة فإن حده حد من شرب راوية ومن زنى بامرأة واحدة حده ~~حد من زنى بألف وهذا تأويل الحسن وابن زيد قالا يجب عليه من القصاص بقتلها ~~مثل الذ ي يجب عليه لو قتل الناس جميعا ولك أن تجعل التشبيه في الأذى والغم ~~الواصل إلى المؤمنين بقتل الواحد منهم فقد جعلهم كلهم خصماءه وأوصل إليهم ~~من الأذى ms346 والغم ما يشبه القتل وهذا تأويل ابن الأنباري وفي الآية تأويلات ~~أخر PageV01P195 @ $ فصل # النوع السابع التعليل بلعل وهي في كلام الله سبحانه وتعالى للتعليل مجردة ~~عن معنى الترجي فإنها إنما يقارنها معنى الترجي إذا كانت من المخلوق وأما ~~في حق من لا يصح عليه الترجي فهي للتعليل المحض كقوله أعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذ ين من قبلكم لعلكم تتقون فقيل هو تعليل لقوله أعبدوا ربكم وقيل ~~تعليل لقوله خلقكم والصواب أنه تعليل للأمرين لشرعه وخلقه ومنه قوله @QB@ ~~كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون @QE@ وقوله @QB@ ~~إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ وقوله @QB@ لعلكم تذكرون @QE@ ~~@QB@ لعله يتذكر أو يخشى @QE@ فلعل في هذا كله قد أخلصت للتعليل والرجاء ~~الذي فيها متعلق بالمخاطبين $ فصل # النوع الثامن ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له وتارة يذكر ~~بأن وتارة يقرن بالفاء وتارة يذكر مجردا فالأول كقوله @QB@ وزكريا إذ نادى ~~ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا ~~لنا خاشعين @QE@ وقوله @QB@ إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم ~~إنهم كانوا قبل ذلك محسنين @QE@ وقوله @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ~~إنه من عبادنا المخلصين @QE@ وقوله @QB@ والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا ~~الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين @QE@ والثاني كقوله @QB@ والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا @QE@ @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة @QE@ @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ والثالث كقوله إن المتقين في جنات وعيون إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ~~ربهم وهذا في التنزيل يزيد على عدة آلاف موضع بل القرآن مملوء منه فإن قيل ~~هذا إنما يفيد كون تلك الأفعال أسبابا لما رتب عليها لا يقتضي إثبات ~~التعليل في فعل الرب وأمره فأين هذا من هذا قيل لما جعل الرب سبحانه هذه ~~الأوصاف عللا لهذه الأحكام وأسبابا لها دل ذلك ms347 على أنه حكم بها شرعا وقدرا ~~لأجل تلك الأوصاف وأنه لم يحكم بها لغير علة ولا حكمة ولهذا كان كل من نفي ~~التعليل والحكم نفي الأسباب ولم يجعل لحكم الرب الكوني والديني سببا ولا ~~حكمة هي العلة الغائية وهؤلاء ينفون الأسباب والحكم ومن تأمل شرع الرب ~~وقدره وجزاءه جزم جزما ضروريا ببطلان قول النفاة والله سبحانه قد رتب ~~الأحكام على أسبابها وعللها وبين ذلك خبرا وحسا وفطرة وعقلا ولو ذكرنا ذلك ~~على التفصيل لقام منه عدة أسفار $ فصل # النوع التاسع تعليله سبحانه عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع منه ~~كقوله @QB@ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة @QE@ @QB@ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل ~~بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير @QE@ وقوله وما منعنا أن نرسل بالآيات ~~إلا أن كذب بها الأولون أي آيات الافتراح لا الآيات الدالة على صدق الرسل ~~التي يقيمها هو سبحانه ابتداء وقوله @QB@ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا ~~لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي @QE@ وقوله @QB@ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ~~ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون @QE@ فأخبر سبحانه عن المانع الذي منع من إنزل ~~الملك عيانا بحيث يشاهدونه وأن حكمته وعنايته بخلقه منعت من ذلك فإنه لو ~~أنزل الملك ثم عاينوه ولم يؤمنوا لعوجلوا PageV01P196 @ بالعقوبة ولم ~~ينظروا وأيضا فإنه جعل الرسول بشرا ليمكنهم التلقي عنه والرجوع إليه ولو ~~جعله ملكا فأما أن يدعه على هيئة الملائكة أو يجعله على هيئة البشر والأول ~~يمنعهم من التلقي عنه والثاني لا يحصل مقصودهم إذ كانوا يقولون هو بشر لا ~~ملك وقال تعالى @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ~~أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السماء ملكا رسولا @QE@ فأخبر سبحانه عن المانع من إنزال الملائكة ~~وهو أنه لم يجعل الأرض مسكنا لهم ولا يستقرون فيها مطمئنين ms348 بل يكون نزولهم ~~لينفذوا أوامر الرب سبحانه ثم يعرجون إليه ومن هذا قوله @QB@ وما منعنا أن ~~نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون @QE@ فأخبر سبحانه عن حكمته في ~~الامتناع من إرسال رسله بآيات الاقتراح والتشهي وهي أنها لا توجب الإيمان ~~فقد سألها الأولون فلما أوتوها كذبوا بها فأهلكوا فليس لهم مصلحة في ~~الإرسال بها بل حكمته سبحانه تابى ذلك كل الاباء ثم نبه على ما أصاب ثمود ~~من ذلك فانهم اقترحوا الناقة فلما اعطوا ما سالوا ظلموا ولم يؤمنوا فكان في ~~اجابتهم إلى ما سالوا هلاكهم واستئصالهم ثم قال @QB@ وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا @QE@ آي لاجل التخويف فهو منصوب نصب المفعول لاجله قال قتادة آن ~~الله يخوف الناس بما شاء من اياته لعلهم يعتبون آو يذكرون آو يرجعون وهذا ~~يعم اياته التي تكون مع الرسل والتي تقع بعدهم في كل زمان فانه سبحانه ~~لايزال يحدث لعباد من الايات ما يخوفهم بها ويذكرهم بها ومن ذلك قوله تعالى ~~@QB@ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون @QE@ أي لا يعلمون حكمته تعالى ومصلحة عباده في ~~الامتناع من إنزال الآيات التي يقترحها الناس على الأنبياء وليس المراد أن ~~أكثر الناس لا يعلمون أن الله قادر فانه لم ينازع في قدرة الله أحد من ~~المقربين بوجوده سبحانه ولكن حكمته في ذلك لا يعلمها أكثر الناس $ فصل # النوع العاشر إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره كقوله ~~@QB@ الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم @QE@ وقوله @QB@ ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا ~~وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار ~~معاشا @QE@ إلى قوله @QB@ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ~~ونباتا وجنات ألفافا @QE@ وقوله @QB@ ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ~~وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا @QE@ وقوله @QB@ والله جعل ~~لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ms349 تستخفونها يوم ظعنكم ~~ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله ~~جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم ~~الحر وسرابيل تقيكم بأسكم @QE@ وقوله @QB@ فلينظر الإنسان إلى طعامه @QE@ ~~إلى قوله @QB@ متاعا لكم ولأنعامكم @QE@ وقوله @QB@ ومن آياته أن خلق لكم ~~من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها @QE@ وقوله @QB@ الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك ~~لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر ~~لكم الليل والنهار @QE@ وقوله @QB@ الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك ~~فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون @QE@ إلى أضعاف أضعاف ذلك في ~~القرآن مما يفيد من له أدنى تأمل القطع بأنه سبحانه فعل ذلك للحكم والمصالح ~~التي ذكرها وغيرها مما لم يذكره وقوله @QB@ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي ~~من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ~~ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية ~~لقوم يتفكرون @QE@ PageV01P197 وقوله @QB@ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ~~مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون @QE@ وقوله @QB@ ~~والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ~~إن ربكم لرؤوف رحيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا ~~تعلمون @QE@ فهل يستقيم ذلك ويصح فيمن لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لغاية ~~هي مقصودة بالفعل ومعلوم بالضرورة أن هذا الإثبات وهذا النفي متقابلان أعظم ~~التقابل # $ فصل # النوع الحادي عشر إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا ~~لحكمة كقوله @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا @QE@ وقوله @QB@ أيحسب الإنسان ~~أن يترك سدى @QE@ وقوله @QB@ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهما إلا بالحق @QE@ والحق هو الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها ~~خلق ذلك كله وهو أنواع كثيرة منها أن ms350 يعرف الله تعالى بأسمائه وصفاته ~~وأفعاله وآياته ومنها أن يحب ويعبد ويشكر ويذكر ويطاع ومنها أن يأمر وينهى ~~ويشرع الشرائع ومنها أن يدبر الأمر ويبرم القضاء ويتصرف في المملكة بأنواع ~~التصرفات ومنها أن يثيت ويعاقب فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ~~فيوجد أثر عدله وفضله موجودا مشهودا فيحمد على ذلك ويشكر ومنها أن يعلم ~~خلقه أنه لا إله غيره ولا رب سواه ومنها أن يصدق الصادق فيكرمه ويكذب ~~الكاذب فيهينه ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود ~~الذهني والخارجي فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع ومنها شهادة ~~مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها وأنه وحده إلهها ومعبودها ~~ومنها ظهور أثر كماله المقدس فإن الخلق والصنع لازم كماله فإنه حي قدير ومن ~~كان ذلك كذلك لم يكن الا فاعلا مختارا ومنها أن يظهر أثر حكمته في ~~المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق به ومحبته على الوجه الذي تشهد ~~العقول والفطر بمشبه فتشهد حكمته الباهرة ومنها أنه سبحانه يحب أن يجود ~~وينعم ويعفو ويغفر ويسامح ولا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا ومنها أنه يحب أن ~~يثنى عليه ويمدح ويمجد ويسبح ويعظم ومنها كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته ~~وإلهيته إلى غير ذلك من الحكم التي يتضمنها الخلق مخلق مخلوقاته بسبب الحق ~~ولأجل الحق وخلقها ملتبس بالحق وهو في نفسه حق فمصدره حق وغايته حق وهو ~~يتضمن للحق وقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ~~ولا لغاية فقال تعالى @QB@ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا سبحانك @QE@ وأخبر أن هذا ظن أعدائه لا ظن أوليائه فقال @QB@ وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا @QE@ وكيف يتوهم ~~أنه عرفه من يقول أنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له ولا أمر لحكمة ولا نهى لحكمة ~~وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة لا لحكمة ولا لغاية مقصودة ~~وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده بل الخلق والأمر إنما قام ms351 بالحكم والغايات ~~فهما مظهران بحمده وحكمته فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره فإن الذي ~~أثبته المنكرون من ذلك ينزه عنه الرب ويتعالى عن نسبته إليه فإنهم أثبتوا ~~خلقا وأمرا لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر ~~بما لا مصلحة للمكلف فيه البتة وينهى عما فيه مصلحة والجميع بالنسبة إليه ~~سواء ويجوز PageV01P198 @ عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه وينهى عن جميع ما ~~أمر به ولا فرق بين هذا وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي ويجوز عندهم أن يعذب ~~من لم يعصه طرفة عين بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره وينعم على من لم ~~يطعه طرفة عين بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور فلا سبيل ~~إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول وإلا فهو جائز عليه وهذا من أقبح ~~الظن وأسوأه بالرب سبحانه وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور بل هذا هو ~~عين الظلم الذي يتعالى الله عنه والعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا ~~المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال ويزعمون أن ~~إثباتها تجسيم وتشبيه ولا ينزهونه عن هذا الظلم والجور ويزعمون أنه عدل وحق ~~وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه ~~وعلوه فوق سماواته وتكلمه وتكليمه وصفات كماله فلا يتم التوحيد عند هذه ~~الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات والله ولي التوفيق $ فصل # النوع الثاني عشر إنكاره سبحانه أن يسوي بين المختلفين أو يفرق بين ~~المتماثلين وأن حكمته وعدله يأبى ذلك أما الأول فكقوله @QB@ أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون @QE@ فأخبر أن هذا حكم باطل جائر ~~يستحيل نسبته إليه كما يستحيل نسبة الفقر والحاجة والظلم إليه ومنكرو ~~الحكمة والتعليل يجوزون نسبة ذلك اليه بل يقولون بوقوعه وقال تعالى @QB@ أم ~~نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار @QE@ وقال @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ms352 سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ فجعل سبحانه ~~ذلك حكما سيئا يتعالى ويتقدس عن أن يجوز عليه فضلا عن أن ينسب إليه بل أبلغ ~~من هذا أنه أنكر على من حسب أن يدخل الجنة بغير امتحان له وتكليف يبين به ~~صبره وشكره وأن حكمته تأبى ذلك كما قال تعالى @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين @QE@ وقال @QB@ أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء ~~والضراء وزلزلوا @QE@ وقال @QB@ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة @QE@ ~~فأنكر عليهم هذا الظن والحسبان لمخالفته بحكمته وأما الثاني وهو أن لا يفرق ~~بين المتماثلين فكقوله @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ ~~وقوله @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض @QE@ وقوله @QB@ ~~المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض @QE@ وقوله @QB@ فاستجاب لهم ربهم أني ~~لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض @QE@ وقوله @QB@ ولما ~~بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين @QE@ وقوله @QB@ أكفاركم ~~خير من أولئكم @QE@ وقوله @QB@ دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها @QE@ ~~وقوله @QB@ سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا @QE@ ~~وقوله @QB@ سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ ~~وقوله @QB@ سنة الله التي قد خلت من قبل @QE@ فسنته سبحانه عادته المعلومة ~~في أوليائه وأعدائه بإكرام هؤلاء وإعزازهم ونصرتهم وإهانة أولئك وإذلالهم ~~وكبتهم وقال تعالى @QB@ إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين ~~من قبلهم @QE@ والقرآن مملوء من هذا يخبر تعالى أن حكم الشيء في حكمته ~~وعدله حكم نظيره ومماثله وضع حكم مضاده ومخالفه وكل نوع من هذه PageV01P199 ~~@ الأنواع لو استوعبناه لجاء كتابا مفردا $ فصل # النوع الثالث عشر امره سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه وفي أوامره ~~ونواهيه وزواجره ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة ~~والعواقب الحميدة التي هي ms353 محل الفكر لما كان للتفكير فيه معنى وإنما دعاهم ~~إلى التفكر والتدبر ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة ما فيه من الغايات ~~والمصالح المحمودة التي توجب لمن عرفها إقراره بأنه تنزيل من حكيم حميد فلو ~~كان الحق ما يقوله النفاة وأن مرجع ذلك وتصوره مجرد القدرة والمشيئة التي ~~يجوز عليها تأييد الكاذب بالمعجزة ونصره وأعلائه وإهانة الحق وإذلاله وكسره ~~لما كان في التدبر والتفكر مما يدلهم على صدق رسله ويقيم عليهم حجته وكان ~~غاية ما دعوا إليه القدر المحض وذلك مشترك بين الصادق والكاذب والبر ~~والفاجر فهؤلاء بإنكارهم الحكمة والتعليل سدوا على نفوسهم باب الإيمان ~~والهدى وفتحوا عليهم باب المكابرة وجحد الضروريات فإن ما في خلق الله وأمره ~~من الحكم والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمر تشهد به ~~الفطره والعقول ولا ينكره سليم الفطرة وهم لا ينكرون ذلك وإنما يقولون وقع ~~بطريق الاتفاق لا بالقصد كما تسقط خشبة عظيمة فيتفق عبور حيوان مؤذ تحتها ~~فتهلكه ولا ريب أن هذا ينفي حمد الرب سبحانه على حصول هذه المنافع والحكم ~~لأنها لم تحصل بقصده وارادته بل بطريق الاتفاق الذي لا يحمد عليه صاحبه ولا ~~يثنى عليه بل هو عندهم بمثابة ما لو رمى درهما لا لغرض ولا لفائدة بل لمجرد ~~قدرته ومشيئته على طرحه فاتفق أن وقع في يد محتاج انتفع به فهذا من شأنه ~~الحكم والمصالح عند المنكرين $ فصل # النوع الرابع عشر اخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه فيذكر هذين ~~الإسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه تنبيها على أنهما إنما صدرا عن حكمة ~~مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام لقوله @QB@ وإنك لتلقى القرآن من لدن ~~حكيم عليم @QE@ وقوله @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم @QE@ فذكره ~~العزة المتضمنة لكمال القدرة والتصرف والحكمة المتضمنة لكمال الحمد والعلم ~~وقوله @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ~~والله عزيز حكيم @QE@ وسمع بعض الأعراب قارئا يقرأها والله غفور رحيم فقال ~~ليس هذا كلام الله فقال أتكذب بالقرآن فقال لا ولكن لا يحسن ms354 هذا فرجع ~~القارئ إلى خطئه فقال عزيز حكيم فقال صدقت وإذا تأملت ختم الآيات بالأسماء ~~والصفات وجدت كلامه مختتما بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام حتى كأنها ~~ذكرت دليلا عليه وموجبة له وهذا كقوله @QB@ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم @QE@ أي فإن مغفرتك لهم مصدر عن عزة هي كمال ~~القدرة لا عن عجز وجهل وقوله @QB@ ذلك تقدير العزيز العليم @QE@ في عدة ~~مواضع من القرآن يذكر ذلك عقيب ذكره الإجرام العلوية وما تضمنه من فلق ~~الأصباح وجعل الليل مسكنا وإجراء الشمس والقمر بحساب لا يعدوانه وتزيين ~~السماء الدنيا بالنجوم وحراستها وأخبر أن هذا التقدير المحكم المتقن صادر ~~عن عزته وعلمه ليس أمرا اتفاقيا لا يمدح به فاعله ولا يثنى عليه به كسائر ~~الأمور الاتفاقية ومن هذا ختمه سبحانه قصص الأنبياء وأممهم في سورة الشعراء ~~عقيب كل قصة @QB@ وإن الله لهو العزيز الحكيم @QE@ فإن ما حكم به لرسله ~~وابتباعهم ولأعدائهم صادر عن عزة ورحمة فوضع الرحمة في محلها وانتقم من ~~أعدائه بعزته ونجى رسله وأتباعهم برحمته والحكمة PageV01P200 @ الحاصلة من ~~ذلك أمر مطلوب مقصود وهي غاية الفعل لا أنها أمر اتفاقي $ فصل # النوع الخامس عشر إخباره بأن حكمه أحسن الحكام وتقديره أحسن التقادير ~~ولولا مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك إذ لو كان ~~حسنة لكونه مقدورا معلوما كما يقوله النفاة لكان هو وضده سواء فإنه بكل شيء ~~عليم وعلى كل شيء قدير فكان كل معلوم مقدور أحسن الأحكام وأحسن التقادير ~~وهذا ممتنع قال تعالى ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون وقال ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن فجعل هذا أن يختار لهم دينا سواه ويرتضي ~~دينا غيره كما يمتنع عليه العيب والظلم وقال تعالى @QB@ ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله وعمل صالحا @QE@ وقال @QB@ إنني من المسلمين @QE@ وقال @QB@ ~~فقدرنا فنعم القادرون @QE@ وقال @QB@ فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ فلا ~~أحسن من تقديره وخلقه لوقوعه على الوجه الذي اقتضته حكمته ورحمته وعلمه ~~وقال تعالى @QB@ ما ms355 ترى في خلق الرحمن من تفاوت @QE@ ولولا مجيئه على أكمل ~~الوجوه وأحسنها ومطابقتها للغايات المحمودة والحكم المطلوبة لكان كله ~~متفاوتا أو كان عدم تفاوته أمرا اتفاقيا لا يحمد فاعله لأنه لم يرده ولم ~~يقصده وإنما اتفق أن صار كذلك $ فصل # النوع السادس عشر إخباره سبحانه أنه على صراط مستقيم في موضعين من كتابه ~~أحدهما قوله حاكيا عن نبيه هود @QB@ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم @QE@ والثاني قوله @QB@ ~~وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم @QE@ ~~قال أبو إسحاق أخبر أنه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فهو لا يشاء إلا ~~العدل قال ابن الأنباري لما قال إلا هو آخذ بناصيتها كان في معنى لا تخرج ~~عن قبضته قاهر بعظيم سلطانه كل دابة فاتبع ذلك قوله @QB@ إن ربي على صراط ~~مستقيم @QE@ أي أنه على الحق قال وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا رجلا حين ~~السيرة والعدل والإنصاف قالوا فلان طريقه حسنة وليس ثم طريق وذكر في معنى ~~الآية أقوال أخر هي من لوازم هذا المعنى وآثاره كقول بعضهم أن ربي يدل على ~~صراط مستقيم فدلالته على الصراط من موجبات كونه في نفسه على صراط مستقيم ~~فإن تلك الدلالة والتعريف من تمام رحمته وإحسانه وعدله وحكمته وقال بعضهم ~~معناه لا يخفى عليه شيء ولا يعدل عنه هارب وقال بعضهم المعنى لا مسلك لأحد ~~ولا طريق له إلا عليه كقوله @QB@ إن ربك لبالمرصاد @QE@ وهذا المعنى حق ~~ولكن كونه هو المراد بالاية ليس بالبين فإن الناس كلهم لا يسلكون الصراط ~~المستقيم حتى يقال أنهم يصلون سلوكه إليه ولما أراد سبحانه هذا المعنى قال ~~إلينا مرجعهم إن الينا إيابهم إن ربك لبالمرصاد وإن إلى ربك المنتهى وأما ~~وصفه سبحانه بأنه على صراط مستقيم فهو كونه يقول الحق ويفعل الصواب فكلماته ~~صدق وعدل ms356 كله صواب وخير والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فلا يقول إلا ما ~~يحمد عليه لكونه حقا وعدلا وصدقا وحكمة في نفسه وهذا معروف في كلام للعرب ~~قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز % أمير المؤمنين على صراط % إذا اعوج ~~الموارد مستقيم % وإذا عرف هذا فمن ضرورة كونه على صراط مستقيم أنه لا يفعل ~~شيئا إلا بحكمة يحمد عليها وغاية هي PageV01P201 @ أولى بالإرادة من غيرها ~~فلا تخرج أفعاله عن الحكمة و المصلحة والإحسان والرحمة و العدل والصواب كما ~~لا تخرج أقواله عن العدل والصدق $ فصل # النوع السابع عشر حمده سبحانه لنفسه على جميع ما يفعله وأمره عباده بحمده ~~وهذا لما في أفعاله من الغايات والعواقب الحميدة التي يستحق فاعلها الحمد ~~فهو يحمد على نفس الفعل وعلى قصد الغاية الحميدة به وعلى حصولها فههنا ثلاث ~~أمور ومنكرو الحكم والتعليل ليس عندهم محمود على قصد الغاية ولا على حصولها ~~إذ قصدها عندهم مستحيل عليه وحصولها عندهم أمر اتفاقي غير مقصود كما صرحوا ~~به فلا يحمد على حصوله فلم يبق إلا نفس الفعل ومعلوم أن الفاعل لا يحمد على ~~فعله أن لم يكن له فيه غاية مطلوبة هي أولى به من عدمها وإلا فمجرد الفعل ~~الصادر عن الفاعل إذا لم يكن له غاية يقصده بها لا يحمد عليه بل وقوع هذا ~~الفعل من القادر المختار الحكيم محال ولا يقع الفعل على هذا الوجه إلامن ~~عائب والله منزه من العيب فحمده سبحانه من أعظم الأدلة على كمال حكمته ~~وقصده بما فعل يقع خلفه والإحسان إليهم ورحمتهم وإتمام نعمته عليهم وغير ~~ذلك من الحكم والغايات التي تعطيلها تعطيل لحقيقة حمده $ فصل # النوع الثامن عشر إخباره بأنعامه على خلقه وإحسانه إليهم وأنه خلق لهم ما ~~في السموات وما في الأرض وأعطاهم الأسماع والأبصار والافئدة ليتم نعمته ~~عليهم ومعلوم أن المنعم المحسن لا يكون كذلك ولا يستحق هذا الاسم حتى يقصد ~~الأنعام على غيره والإحسان إليه فلو لم يفعل سبحانه لغرض الإنعام والإحسان ~~لم يكن منعما في ms357 الحقيقة ولا محسنا إذ يستحيل أن يكون كذلك من لم يقصد ~~الأنعام والإحسان وهذا غني عن التقرير يوضحه أنه سبحانه حيث ذكر أنعامه ~~وإحسانه فإنما يذكره مقرونا بالحكم والمصالح والمنافع التي خلق الخلق وشرع ~~الشرائع لأجلها كقوله في آخر سورة النحل والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل ~~لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل وتقيكم بأسكم ~~كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فهذا في الخلق وقال في الشرع في أمره ~~بإستقبال الكعبة ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا ~~تخشوهم واخشون ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون وقال في أمره بالوضوء ~~والتيمم ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته ~~عليكم لعلكم تشكرون فجعل تمام نعمته في أن خلق ما خلق للإحسان وأمر بما أمر ~~لذلك $ فصل # النوع التاسع عشر اتصافه بالرحمة وأنه أرحم الراحمين وإن رحمته وسعت كل ~~شيء وذلك لا يتحقق إلا بأن تقصد رحمة خلقه بما خلقه لهم وبما أمرهم به فلو ~~لم تكن أوامره لأجل الرحمة والحكمة والمصلحة وإرادة الإحسان إليهم لما كان ~~رحمة ولو حصلت بها الرحمة لكانت اتفاقية لا مقصودة وذلك لا يوجب أن يكون ~~الآمر سبحانه أرحم الراحمين فتعطيل حكمته والغاية المقصودة التي لأجلها ~~يفعل إنكار لرحمته في الحقيقة وتعطيل لها وكان شيخ هذا المذهب جهم بن صفوان ~~يقف على الجذامى ويشاهد ما هم فيه من البلايا ويقول أرحم الراحمين يفعل مثل ~~هذا يعني أنه ليس ثم رحمة في الحقيقة وأن الأمر راجع إلى محض المشيئة ~~الخالية عن الحكمة والرحمة ولا حكمة PageV01P202 @ عنده ولا رحمة فإن ~~الرحمة لا تغفل إلا من فعل من يفعل الشيء لرحمة غيره ونفعه والإحسان إليه ~~فإذا لم يفعل لغرض ولا غاية ولا حكمة لم يفعل الرحمة والإحسان $ فصل # النوع العشرون جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في ~~أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو ms358 سبحانه وإن كان السائل لا يعلمها كما أجاب ~~الملائكة لما قال لهم @QB@ إني جاعل في الأرض خليفة @QE@ فقالوا @QB@ أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك @QE@ فأجابهم ~~بقوله @QB@ إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ ولو كان فعله مجردا عن الحكم ~~والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم به أن سألوا هذا السؤال ولم يصح ~~جوابهم بتفرده بعلم مالا يعلمونه من الحكم والمصلحة التي في خلق هذه ~~الخليفة ولهذا كان سؤالهم إنما وقع عن وجه الحكمة لم يكن اعتراضا على الرب ~~تعالى ولو قدر أنه على وجه الإعتراض فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئا ~~إلا لحكمة فلما رأوا أن خلق هذا الخليقة مناف للحكمة في الظاهر سألوه عن ~~ذلك ومن هذا قوله تعالى @QB@ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ~~ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ فأجابهم بأن حكمته وعلمه ~~يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهلها ولو كان الأمر راجعا إلى ~~محض المشيئة لم يكن في هذا جوابا بل كان الجواب أن أفعاله لا تعلل وهو يرجح ~~مثلا على مثل بغير مرجح والأمر عائد إلى مجرد القدرة كما يقوله المنكرون ~~وكذلك قوله @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ فلما سألوا عن التخصيص بمشيئة الله ~~وأنكروا ذلك أجيبوا بأن الله أعلم بمن يصلح لمشيئته وهو أهل لها وهم ~~الشاكرون الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون عليها المنعم فهؤلاء يصلحون ~~بمشيئته ولو كان الأمر عائدا إلى محض المشيئة لم يحسن هذا الجواب ولهذا ~~يذكر سبحانه صفة العلم حيث يذكر التخصيص والتفصيل بينهما على أنه إنما حصل ~~بعلمه سبحانه بما في التخصيص المفصل مما يقتضي تخصيصه وتفصيله وهو الذي ~~جعله أهلا لذلك كما قال تعالى @QB@ ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى ~~الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين @QE@ فذكر علمه عقيب تخصيصه ~~سليمان بتسخير الريح له وتخصيصه الأرض المذكورة بالبركة ومنه قوله @QB@ جعل ms359 ~~الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ~~@QE@ فذكر صفة العلم التي اقتضت تخصيص هذا المكان وهذا الزمان بأمر اختصا ~~به دون سائر الأمكنة والأزمنة ومن ذلك قوله سبحانه @QB@ فأنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان ~~الله بكل شيء عليما @QE@ فأخبر أنه وضع هذه الكلمة عند أهلها ومن هم أحق ~~بها وأنه أعلم بمن يستحقها من غيرهم فهل هذا وصف من يخص بمحض المشيئة لا ~~بسبب وغاية $ فصل # النوع الحادي والعشرون إخباره سبحانه عن تركه بعض مقدوره لما يستلزمه من ~~المفسدة وأن المصلحة في تركه ولو كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم يكن ~~ذلك علة للحكم كقوله تعالى @QB@ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا ~~يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون @QE@ ~~فعلل سبحانه عدم إسماعهم السماع الذي ينتفعون بهو وهو سماع الفهم بأنهم لا ~~خير فيهم يحسن معه أن يسمعهم وبأن فيهم مانعا آخر يمنع من الإنتفاع ~~بالمسموع لو سمعوه وهو الكبر PageV01P203 @ والأعراض فالأول من باب تعليل ~~عدم الحكم بعدم ما يقتضيه والثاني من باب تعليله بوجود مانعه وهذا إنما يصح ~~ممن يأمر وينهي ويفعل للحكم والمصالح وأما من يجرد فعله عن ذلك فإنه لا ~~يضاف عدم الحكم إلا إلى مجرد مسببه فقط ومن هذا تنزيه نفسه عن كثير مما ~~يقدر عليه فلا يفعله لمنافاته لحكمته وحمده كقوله تعالى @QB@ ما كان الله ~~ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب @QE@ وقوله @QB@ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون @QE@ ~~وقوله @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ~~@QE@ وقوله @QB@ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون @QE@ وقوله ~~@QB@ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ~~@QE@ فنزه نفسه ms360 عن هذه الأفعال لأنه لا يليق بكماله وينافي حكمته وحمده ~~وعند النفاة أنها ليست مما ينزه الرب عنه لأنها مقدورة له وهو إنما ينزه ~~عما لا يقدر عليه ولكن علمنا أنها لا تقع لعدم مسببه لها لا لقبحها في ~~نفسها # | فصل النوع الثاني والعشرون أن تعطيل الحكمة والغاية المطلوبة بالفعل ~~أما أن يكون لعدم علم الفاعل بها أو تفاصلها وهذا محال في حق من هو بكل شيء ~~عليم وأما لعجزه عن تحصيلها وهذا ممتنع في حق من هو على كل شيء قدير وأما ~~لعدم إرادته ومشيئته الإحسان إلى غيره وإيصال النفع إليه وهذا مستحيل في حق ~~أرحم الراحمين ومن إحسانه من لوازم ذاته فلا يكون إلا محسنا منعما منانا ~~وأما لمانع يمنع من إرادتها وقصدها وهذا مستحيل في حق من لا يمنعه مانع عن ~~فعل ما يريد وأما لإستلزامها نقصا ومنافاتها كمالا وهذا باطل بل هو قلب ~~للحقائق وعكس للفطر ومناقضة لقضايا العقول فإن من يفعل لحكمة وغاية مطلوبة ~~يحمد عليها أكمل ممن يفعل لا لشيء البتة كما أن من يخلق أكمل ممن لا يخلق ~~ومن يعلم أكمل ممن لا يعلم ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ومن يقدر ويريد ~~أكمل ممن لا يتصف بذلك وهذا مركوز في الفطر مستقر في العقول فنفي حكمتة ~~بمنزلة نفي هذه الأوصاف عنه وذلك يستلزم وصفه بأضدادها وهي أنقص النقائص ~~ولهذا صرح كثير من النفاة كالجويني والرازي بأنه لم يقم على نفي النقائض عن ~~الله دليل عقلي إلا مستند النفي السمع والإجماع وحينئذ فيقال لهؤلاء إن لم ~~يكن في إثبات الحكمة نقص لم يجز نفيها وإن كانت نقصا فأين في السمع أو في ~~الإجماع نفي هذا النقص وجمهور الأمة يثبت حكمته سبحانه والغايات المحمودة ~~في أفعاله فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع بل السمع والعقل والإجماع ~~والفطرة تشهد ببطلان قولهم والله الموفق للصواب وجماع ذلك إن كمال الرب ~~تعالى وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق ~~أسمائه الحسنى تمنع كون ms361 أفعاله صادرة منه لا لحكمة ولا لغاية مطلوبة وجميع ~~أسمائه الحسنى تنفي ذلك وتشهد ببطلانه وإنما نبهنا على بعض طرق القرآن وإلا ~~فالأدلة التي تضمنها إثبات ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وبالله التوفيق # فصل وكيف يتوهم ذو الفطرة صحيحة خلاف ذلك وهذا الوجود شاهد بحكمته ~~وعنايته بخلقه أتم عناية وما في مخلوقاته من الحكم والمصالح والمنافع ~~والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف أو يحصره عقل ~~ويكفي الإنسان فكره وخلقه وأعضائه ومنافعها وقواه وصفاته وهيأته فإنه لو ~~استنفد عمره لم يحط علما بجميع ما تضمنه خلقه من الحكم والمنافع على ~~التفصيل والعالم كله علويه وسفليه بهذه المثابة ولكن لشدة ظهور الحكمة ~~ووضوحها وجد الجاحد PageV01P204 @ السبيل إلى إنكارها و هذا شأن النفوس ~~الجاهلة الظالمة كما أنكرت وجود الصانع تعالى مع فرط ظهور آياته ودلائل ~~ربوبيته بحي استوعبت كل موجود ومع هذا فسمحت بالمكابرة في إنكاره وهكذا ~~أدلة علوه سبحانه فوق مخلوقاته مع شدة ظهورها وكرتها سمحت نفوس الجهمية ~~بإنكارها و هكذا سواها كصدق أنبيائه ولا سيما خاتمهم صلوات الله وسلامه ~~عليه فإن أدلة صدقة في الوضوح ورسله للعقول كالشمس في دلالتها على النهار ~~ومع هذا فلم يأنف الجاحدون والمكابرون من الإنكار وهكذا أدلة ثبوت صفات ~~الكمال لمعطي الكمال هي من أظهر الأشياء وأوضحها وقد أنكرها من أنكرها ولا ~~يستنكر هذا فإنك تجد الرجل منغمسا في النعم وقد أحاطت به من كل جانب وهو ~~يشكي حاله ويسخط مما هو فيه وربما أنكر النعمة فضلال النفوس وغيها لا حد له ~~تنتهي إليه ولا سيما النفوس الجاهلة الظالمة ومن أعجب العجب أن تسمح نفس ~~بإنكار الحكم والعلل الغائية والمصالح التي تضمنها هذه الشريعة الكاملة ~~التي هي من أدل الدلائل على صدق من جاء بها وأنه رسول الله حقا ولو لم يأت ~~بمعجزة سواها لكانت كافية شافية فإن ما تضمنته من الحكم والمصالح والغايات ~~الحميدة والعواقب السديدة شاهدة بأن الذي شرعها وأنزلها أحكم الحاكمين ~~وأرحم الراحمين وشهود ذلك في نضاعيفها ومضمونها كشهود ms362 الحكم والمصالح ~~والمنافع في المخلوقات العلوية والسفلية وما بينهما من الحيوان والنبات ~~والعناصر والآثار التي بها انتظام مصالح المعاش فكيف يرضى أحد لنفسه إنكار ~~ذلك وجحده وأن تجمل واستحى من العقلاء قال ذلك أمر اتفاقي غير مقصود بالأمر ~~والخلق وسبحان الله كيف يستجيز أحد أن يظن برب العالمين وأحكم الحاكمين أنه ~~يعذب كثيرا من خلقه أشد العذاب الأبدي لغير غاية ولا حكمة ولا سبب وإنما هو ~~محض مشيئة مجردة عن الحكمة والسبب فلا سبب هناك ولا حكمة ولا غاية وهل هذا ~~إلا من اسوء الظن بالرب تعالى وكيف يستجيز أن يظن بربه أنه أمر ونهى وأباح ~~وحرم وأحب وكره وشرع الشرائع وأمر بالحدود لا لحكمة ولا لمصلحة يقصدها بل ~~ما ثم إلا مشيئة محضة رجحت مثلا على مثل بغير مرجح وأي رحمة تكون في هذه ~~الشريعة وكيف يكون المبعوث بها رحمة مهداة للعالمين لو كان الأمر كما يقول ~~النفاة وهل يكون الأمر والنهي إلا عقوبة وكلفة وعبثا تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا ولو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من حكمة الله في خلقه ~~وأمره لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع مع قصور أذهاننا ونقص عقولنا ومعارفنا ~~وتلاشيها وتلاشي علوم الخلائق جميعهم في علم الله كتلاشي ضوء السراج في عين ~~الشمس وهذا تقريب وإلا فالأمر فوق ذلك وهل إبطاله الحكم والمناسبات ~~والأوصاف التي شرعت الأحكام لأجلها إلا إبطال للشرع جملة وهل يمكن فقيها ~~على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه مع اعتقاده بطلان الحكمة والمناسبة ~~والتعليل وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد وجناية هذا القول على الشرائع ~~من أعظم الجنايات فإن العقلاء لا يمكنهم إنكار الأسباب والحكم والمصالح ~~والعلل الغائية فإذا رأوا أن هذا لا يمكن القول به مع موافقة الشرائع ولا ~~يمكنهم رفعه عن نفوسهم خلوا الشرائع وراء ظهورهم وأساؤا بها الظن وقالوا لا ~~يمكننا الجمع بينها وبين عقولنا ولا سبيل لنا إلى الخروج عن عقولنا ورأوا ~~أن القول بالفاعل المختار لا يمكن إلا مع نفي الأسباب والحكم والقوى ms363 ~~والطبائع ولا سبيل إلى نفيها فنفوا الفاعل وأولئك لم يمكنهم القول بنفي ~~الفاعل المختار ورأوا أنه لا يمكنهم إثباته مع إثبات الأسباب والحكم والقوى ~~PageV01P205 @ والعلل فنفوها وبين الطائفتين بعد المشرقين ولا تستهن بأمر ~~هذه المسألة فإن شأنها أعظم وخطرها أجل وفروعها كثيرة ومن فروعها أنهم لما ~~تكلموا فيما يحدثه الله تعالى من المطر والنبات والحيوان والحر والبرد ~~والليل والنهار والإهلال والإبدار والكسوف والإستسرار وحوادث الجو وحوادث ~~الأرض انقسموا قسمين وصاروا طائفتين فطائفة جعلت الموجب لذلك مجرد ما رأوه ~~علة وسببا من الحركات الفلكية والقوى الطبيعية والنفوس والعقول فليس عندهم ~~لذلك فاعل مختار مريد وقابلهم طائفة من المتكلمين فلم يسببوا لذلك سببا إلا ~~مجرد المشيئة والقدرة وأن الفاعل المختار يرجح مثلا على مثل بلا مرجح ولا ~~سبب ولا حكمة ولا غاية يفعل لأجلها ونفوا الأسباب والقوى والطبائع والقرائن ~~والحكم والغايات حتى يقول من أثبت الجوهر الفرد منهم أن الفلك والرحا ~~ونحوهما مما يدور متفكك دائما عند الدوران والقادر المختار يعيده كل وقت ~~كما كان وأن الألوان والمقادير والأشكال والصفات تعدم على تعاقب الآنات ~~والقادر المختار يعيدها كل وقت وأن ملوحة ماء البحر كل لحظة تعدم وتذهب ~~ويعيدها القادر المختار كل ذلك بلا سبب ولا حكمة ولا علة غائية ورأوا أنهم ~~لا يمكنهم التخلص من قول الفلاسفة أعداء الرسل إلا بذلك ورأى أعداء الرسل ~~أنهم لا يمكنهم الدخول في الشريعة إلا بالتزام أصول هؤلاء ولم يهتد ~~الطائفتان للحق الذي لا يجوز غيره وهو انه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته ~~وإرادته ويفعل ما يفعله بأسباب وحكم وغايات محمودة وقد أودع العالم من ~~القوى والطبائع والغرائز والأسباب والمسببات ما به قام الخلق والأمر وهذا ~~قول جمهور أهل الإسلام وأكثر طوائف النظار وهو قول الفقهاء قاطبة إلا من ~~خلى الفقه ناحية وتكلم بأصول النفاة فعادى فقهه أصول دينه & الباب الثاني ~~والعشرون في استيفاء شبه النافعين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها قالت ~~النفاة قد اجلبتم علينا بما استطعتم من خيل الأدلة ورجلها فاسمعوا الآن ما ~~يبطله ثم ms364 أجيبوا عنه إن أمكنكم الجواب فنقول ما قاله أفضل متأخريهم محمد بن ~~عمر الرازي كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة أو لدفع مفسدة فإن كان تحصيل ~~تلك المصلحة أولى من عدم تحصيلها كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل ~~تحصيل ذلك ومن كان كذلك كان ناقصا بذاته مستكملا بغيره وهو في حق الله محال ~~وإن كان تحصيلها وعدمه بالنسبة إليه سواء فمع ذلك لا يحصل الرجحان فامتنع ~~تحصيلها ثم أورد سؤالا وهو لا يقال حصولها واللاحصولها بالنسبة إليه وإن ~~كان على التساوي إلا أن حصولها للعبد أولى من عدم حصولها له فلأجل هذه ~~الأولوية العائدة إلى العبد يرجح الله سبحانه الوجود على العدم ثم أجاب ~~بأنا نقول تحصيل تلك المصلحة وعدم تحصيلها له إما أن يكونا متساويين ~~بالنسبة إلى الله أو لا يستويان وحينئذ يعود التقسيم المذكور قال المثبتون ~~الجواب عن هذه الشبهة من وجوه أحدها أن قولك أن كل من فعل لغرض يكون ناقصا ~~بذاته مستكملا بغيره ما تعني بقولك أنه يكون ناقصا بذاته أتعني به أنه يكون ~~عادما لشيء من الكمال الذي لا يجب أن يكون له قبل حدوث ذلك المراد أم تعني ~~به أن يكون عادما لما ليس كمالا قبل وجوده أم تعني به معنى ثالث ~~PageV01P206 @ فإن عنيت الأول فالدعوى باطلة فإنه لا يلزم من فعله لغرض ~~حصوله أولى من عدمه أن يكون عادما لشيء من الكمال الواجب قبل حدوث المراد ~~فإنه يمتنع أن يكون كمالا قبل حصوله وإن عنيت الثاني لم يكن عدمه نقصا فإن ~~الغرض ليس كمالا قبل وجوده وما ليس بكمال في وقت لا يكون عدمه نقصا فيه فما ~~كان قبل وجوده عدمه أولى من وجوده وبعد وجوده وجوده أولى من عدمه لم يكن ~~عدمه قبل وجوده نقصا ولا وجوده بعد عدمه نقصا بل الكمال عدمه قبل وقت وجوده ~~وجوده وقت ووجوده وإذا كان كذلك فالحكم المطلوبة والغايات من هذا النوع ~~وجودها وقت وجودها هو الكمال وعدمها حينئذ نقص وعدمها وقت عدمها كمال ms365 ~~ووجودها حينئذ نقص وعلى هذا فالنافي هو الذي نسب النقص إلى الله لا المثبت ~~وإن عنيت به أمرا ثالثا فلا بد من بيانه حتى ننظر فيه الجواب الثاني إن ~~قولك يلزم أن يكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره أتعني به أن الحكمة التي يجب ~~وجودها إنما حصلت له من شيء خارج عنه أم تعني أن تلك الحكمة نفسها غير له ~~وهو مستكمل بها فإن عنيت الأول فهو باطل فإنه لا رب غيره ولا خالق سواه ولم ~~يستفد سبحانه من غيره كمالا بوجه من الوجوه بل العالم كله إنما استفاد ~~الكمال الذي فيه منه سبحانه وهو لم يستفد كماله من غيره كما لم يستفد وجوده ~~من غيره وإن عنيت الثاني فتلك الحكمة صفته سبحانه وصفاته ليست غيرا له فإن ~~حكمته قائمة به وهو الحكيم الذي له الحكمة كما أنه العليم الذي له العلم ~~والسميع الذي له السمع والبصير الذي له البصر فثبوت حكمته لا يستلزم ~~استكمالا بغير منفصل عنه كما أن كماله سبحانه بصفاته وهو لم يستفدها من ~~غيره الجواب الثالث أنه سبحانه إذا كان إنما يفعل لأجل أمر هو أحب إليه من ~~عدمه كان اللازم من ذلك حصول مراده الذي يحبه وفعل لأجله وهذا غاية الكمال ~~وعدمه هو النقص فإن من كان قادرا على تحصيل ما يحبه وفعله في الوقت الذي ~~يحب على الوجه الذي يحب فهو الكامل حقا لا من لا محبوب له أو له محبوب لا ~~يقدر على فعله الجواب الرابع أن يقال يقال أنت ذكرت في كتبك أنه لم يقم على ~~نفي النقص عن الله دليل عقلي وأتبعت في ذلك الجويني وغيره وقلتم إنما ينفي ~~النقص عنه عز وجل بالسمع وهو الإجماع فلم تنفوه عن الله عز وجل بالعقول ولا ~~بنص منقول عن الرسول بل بما ذكرتموه من الإجماع وحينئذ فإنما ينفي بالإجماع ~~ما انعقد الإجماع على نفيه والفعل بحكمه لم ينعقد الإجماع على نفيه فلم ~~تجمع الأمة على انتفاء التعليل لأفعال الله فإذا سميت أنت ذلك نقصا ms366 لم تكن ~~هذه التسمية موجبة لانعقاد الإجماع على نفيها فإن قلت أهل الإجماع أجمعوا ~~على نفي النفص وهذا نقص قيل نعم الأمة مجمعة على ذلك ولكن الشأن في هذا ~~الوصف المعني أهو نقص فيكون قد أجمعت على نفيه فهذا أول المسألة والقائلون ~~بإثباته ليس هو عندهم نقصا بل هو عين الكمال ونفيه عين النقص وحينئذ فنقول ~~في الجواب الخامس أن إثبات الحكمة كمال كما تقدم تقريره ونفيه نقص والأمة ~~مجمعة على انتفاء النقص عن الله بل العلم بانتفائه عن الله تعالى من أعلى ~~العلوم الضرورية المستقرة في فطر الخلق فلو كانت أفعاله معطلة عن الحكم ~~والغايات المحمودة لزم النقص وهو محال ولزوم النقص من انتفاء الحكم أظهر في ~~العقول والفطر والعلوم الضرورية والنظرية من لزوم النقص من إثبات ذلك ~~وحينئذ فتقول في الجواب السادس النقص إما أن يكون جائزا أو ممتعا فإن كان ~~جائزا بطل دليلك وإن كان ممتنعا بطل دليلك أيضا فبطل الدليل على التقديرين ~~الجواب السابع أن النقص منتف عن الله عز PageV01P207 @ وجل عقلا كما هو ~~منتف عنه سمعا والعقل والنقل يوجب اتصافه بصفات الكمال والنقص هو ما يضاد ~~صفات الكمال فالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة صفات ~~كمال وأضدادها نقص فوجب تنزيهه عنها لمنافاتها لكماله وأما حصول ما يحبه ~~الرب تعالى في الوقت الذي يحبه فإنما يكون كمالا إذا حصل على الوجه الذي ~~يحبه فعدمه قبل ذلك ليس نقصا إذ كان لا يحب وجوده قبل ذلك الجواب الثامن أن ~~يقال الكمال الذي يستحقه سبحانه وتعالى هو الكمال الممكن أو الممتنع فالأول ~~مسلم والثاني باطل قطعا فلم قلت أن وجود الحادث في غير وقته الذي وجد فيه ~~ممكن بل وجود الحادث في الأزل ممتنع فعدمه لا يكون نقصا الجواب التاسع إن ~~عدم الممتنع لا يكون كمالا فإن الممتنع ليس بشئ في الخارج وما ليس بشيء لا ~~يكون عدمه نقصا فإنه إن كان في المقدور ما لا يحدث إلا شيئا بعد شيء كان ~~وجوده في الأزل ممتنعا فلا ms367 يكون عدمه نقصا وإنما يكون الكمال وجوده حين ~~يمكن وجوده # الجواب العاشر أن يقال أنه تعالى أحدث أشياء بعد أن لم يكن محدثا لها ~~كالحوادث المشهودة حتى أن القائلين بكون الفلك قديما عن عله موجبة يقرون ~~بذلك ويقولون أنه يحدث الحوادث بواسطته وحينئذ فنقول هذا الامراث إما أن ~~يكون صفة كمال وإما أن لا يكون فإن كان صفة كمال فقد كان فاقدا لها قبل ذلك ~~وإن لم يكن صفة كمال فقد اتصف بالنقص فإن قلت نحن نقول بأنه ليس صفة كمال ~~ولا نقص قيل فهلا قلتم ذلك في التعليل وأيضا فهذا محال في حق الرب تعالى ~~فإن كل ما يفعله يستحق عليه الحمد وكل ما يقوم من صفاته فهو صفة كمال وضده ~~نقص وقد ينازع النظار في الفاعلية هل هي صفة كمال أم لا وجمهور المسلمين من ~~جميع الفرق يقولون هي صفة كمال وقالت طائفة ليست صفة كمال ولا نقص وهو قول ~~أكثر الأشعرية فإذا التزم له هذا القول قيل له الجواب من وجهين أحدهما أن ~~من المعلوم تصريح العقل أن من يخلق أكمل ممن لا يخلق كما قال تعالى @QB@ ~~أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون @QE@ وهذا استفهام إنكار يتضمن الإنكار ~~على من سوى بين الأمرين يعلم أن أحدهما أكمل من الآخر قطعا ولا ريب أن ~~تفضيل من يخلق على من لا يخلق في الفطر والعقول كتفضيل من يعلم على من لا ~~يعلم ومن يقدر على من لايقدر ومن يسمع ويبصر على من لا يسمع ولا يبصر ولما ~~كان هذا مستقرا في فطر بني آدم جعله الله تعالى من آلة توحيده وحججه على ~~عباده قال تعالى @QB@ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل ~~على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو ms368 على ~~صراط مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا ~~الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات @QE@ وقال تعالى @QB@ مثل ~~الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون @QE@ ~~فمن سوى بين صفة الخالقية وعدمها فلم يجعل وجودها كمالا ولا عدمها نقصا فقد ~~أبطل حجج الله وأدلة توحيده وسوى بين ما جعل بينهما أعظم التفاوت وحينئذ ~~فنقول في الجواب الحادي عشر إذا كان الأمر كما ذكرتم فلم لا يجوز أن يفعل ~~لحكمة يكون وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء كما أنه عندكم لم يحدث ما ~~يحدثه مع كون الأحداث والخلق وعدمه بالنسبة إليه سواء مع أن هذه إرادة لا ~~تعقل في PageV01P208 @ الشاهد فقولوا مثل ذلك في الحكمة وأن ذلك لا يعقل لا ~~سيما والفعل عندكم هو المفعول المنفصل فجوزوا أيضا أن يفعل لحكمة منفصلة ~~وأنتم إنما قلتم ذلك فرارا من قيام الحوادث به ومن التسلسل فكذلك قولوا ~~بنظير ذلك في الحكمة والذي يلزم ئك فهو نظير ما يلزمكم سواء # الجواب الثاني عشر أن يقال العقل الصريح يقضي بأن من لا حكمة لفعله ولا ~~غاية يقصدها به أولى بالنقص ممن يفعل لحكمة كانت معدومة ثم صارت موجوده في ~~الوقت الذي اقتضت حكمته إحداث الفعل فيه فكيف يسوغ لعاقل أن يقول فعله ~~للحكمة يستلزم النقص وفعله لا لحكمة لا نقص فيه # الجواب الثالث عشر أن هؤلاء النفاة يقولون أنه سبحانه يفعل ما يشاء من ~~غير اعتبار حكمة فيجوزون عليه كل ممكن حتى الأمر بالشرك والكذب والظلم ~~والفواحش والنهي عن التوحيد والصدق والعدل والعقاب وحينئذ فنقول إذا جازت ~~عليه هذه المرادات وليس في إرادتها نقص وهذا مراد فلا نقص فيه فقولهم من ~~فعل شيئا لشيء كان ناقصا بدونه قضية كلية ممنوعة العموم وعمومها أولى ~~بالمنع من قول القائل من أكرم أهل الجهل والظلم والفساد وأهان أهل العلم ~~والعدل والبر كان سفيها جائرا وهذا عند النفاة جائز على الله ولم ms369 يكن به ~~سفيها جائرا وكذلك قول القائل من أرسل أماءه وعبيده يفجر بعضهم ببعض ويقتل ~~بعضهم بعضا وهو قادر على أن يكفيهم كان سفيها والله قد فعل ذلك ولم يدخل في ~~عموم هذه القضية فكذا القضية الكلية التي ادعوا ثبوتها في محل النزاع أولى ~~أن تكون باطلة منتقضة # الجواب الرابع عشر أنه لو سلم لهم أنه مستكمل بأمر حادث لكان هذا من ~~الحوادث المرادات وكل ما هو حادث مراد عندهم فليس بقبيح فان تقبح عندهم ليس ~~إلا مخالفة الأمر والنهي والله ليس فوقه آمر ولا ناه فلا ينزه عندهم عن شيء ~~من الممكنات البتة إلا ما أخبر بأنه لا يكون فإنهم ينزهونه عن كونه لمخالفة ~~حكمته والقبيح عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة وما دخل تحت ~~القدرة لم يكن قبيحا ولا مستلزما نقصا عندهم وجماع ذلك بالجواب الخامس عشر ~~انه ما من محذور يلزم من تجويز فعله لحكمة إلا والمحاذير التي يلزم من كونه ~~يفعل لا لحكمة أعظم امتناعا فإن كانت تلك المحاذير غير ممتنعة كانت محاذير ~~إثبات الحكمة أولى بعدم الامتناع وإن كانت محاذير إثبات الحكمة ممتنعة ~~فمحاذير نفيها أولى بالامتناع # الجواب السادس عشر أن فعل الحي العالم الاختاري لا لغاية ولا نعض يدعوه ~~إلى فعله لا يعقل بل هو من الممتنعات لهذا لا يصدر إلا من مجنون أو انائم ~~أو زائل العقل فإن الحكمة والعلة الغائية هي التي تجعل المريد مريدا فإنه ~~إذا علم بمصلحة الفعل ونفعه وغايته انعثت إرادته إليه فإذا لم يفعل في ~~الفعل مصلحة ولا كان له فيه غرض صحيح ولا داع يدعوه إليه فلا يقع منه إلا ~~على سبيل العبث هذا الذي لا يعقل العقلاء سواه وحينئذ فنفى الحكمة والعلة ~~والغاية عن فعل أحكم الحاكمين نفى لعفله الاختياري في الحقيقة وذلك أنقص ~~النقص وقد تقدم تقرير ذلك وبالله التوفيق $ فصل # قال نفاة الحكمة هب أن الحجة بطلت فلا يلزم من بطلان دليل بطلان الحكم ~~فنحن نذكر حجة غيرها فنقول لو كان فعله ms370 تعالى معللا بعلة فتلك العلة إن ~~كانت قديمة لزم من قدمها قدم الفعل وهو محال وإن كانت محدثة افتقر كونه ~~موجودا لتلك العلة إلى علة أخرى وهو محال وهذا معنى قول القائل علة كل شيء ~~صنعه ولا علة لصنعه قالوا ونحن نقرر هذه الحجة تقريرا PageV01P209 @ أبسط ~~من هذا فنقول لو كان فعله تعالى لحكمة فتلك الحكمة إما قديمة أو محدثة فإن ~~كانت قديمة فإما أن يلزم من قدمها الفعل قدم الفعل أو لا يلزم فان لزم فهو ~~محال وأن لم يلزم القدم والفعل موجود بدونها فالحكمة غير حاصلة من ذلك ~~الفعل لحصوله دونها وما لا يكون الحكمة متوقفة على حصوله لا يكون متوقفا ~~عليها وهو المطلوب وإن كانت الحكمة حادثة بحدوث الفعل فإما أن تفتقر إلى ~~فاعل أو لا تفتقر إلى فاعل فإن لم تفتقر لزم حدوث من غير فاعل وهو محال وإن ~~افتقرت إلى فاعل فذلك الفاعل إما أن يكون هو الله أو غيره لا يجوز أن يكون ~~غيره لأنه لا خالق إلا الله وإن كان هو الله فإما أن يكون له في فعله غرض ~~أو لا غرض له فيه فإن كان الأول فالكلام فيه كالكلام في الأول ويلزم ~~التسلسل وإن كان الثاني فقد خلا فعله عن الغرض وهو المطلوب فإن قلت فعله ~~لذلك الغرض لغرض هو نفسه فما خلا عن غرض ولم يلزم التسلسل قلنا فيلزم مثله ~~في كل مفعول مخلوق وهو أن يكون الغرض منه هو نفسه من غير حاجة إلى غرض آخر ~~وهو المطلوب فهذه حجة باهرة وافية بالغرض قال أهل الحكمة بل هي حجة داحضة ~~باطلة من وجوه والجواب عنها من وجوه الجواب الأول أن نقول لا يخلو إما أن ~~يمكن أن يكون الفعل قديم العين أو قديم النوع أو لايمكن واحد منهما فإن ~~أمكن أن يكون قديم العين أو النوع أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها ~~أن تكون كذلك وإن لم يمكن أن يكون الفعل قديم العين ولا النوع فيقال إذا ~~كان فعله ms371 حادث العين أو النوع كانت الحكمة كذلك فالحكمة يحذى بها حذو الفعل ~~فما جاز عليه جاز عليها وما امتنع عليه امتنع عليها الجواب الثاني أن من ~~قال أنه خالق مكون في الزل لما لم يكن بعد قال قولي هذا كقول من قال هو ~~مريد في الأزل لما لم يكن بعد فقولي بقدم كونه فاعلا كقول هؤلاء بقدم كونه ~~مريدا وعلى هذا فيمكنني أن أقول بقدم الحكمة التي يخلق ويريد لأجلها ولا ~~يلزم من قدم الحكمة قدم الفعل كما لم يلزم من قدم الإرادة قدم المراد وكما ~~يلزم من قدم صفة التكوين قدم المكون فقولي في قدم الحكمة مع حدوث الفعل ~~التي فعل لأجلها كقولكم في قدم الإرادة والتكوين سواء وما لزمني لزمكم مثله ~~وجوابكم هو جوابي بعينه ولا يمتنع ذلك على أصول طائفة من الطوائف فإن من ~~قال من الفلاسفة أن فعله قديم للمفعول المعني يقول أن الحكمة قديمة ومن قال ~~بحدوث أعيان الفعل ودوام نوعه يقول ذلك في الحكمة سواء ومن قال بحدوث نوع ~~الفعل وقيامه بالرب قال ذلك في الحكمة أيضا كما يقوله كثير من النظار فلا ~~يمتنع على أصل طائفة من الطوائف إثبات الحكمة في فعله سبحانه الجواب الثالث ~~قولك يفتقر كونه محدثا لتلك العلة إلى علة أخرى ممنوع فإن هذا إنما يلزم أن ~~لو قيل كل حادث فلا بد له من علة ونحن لا نقول هذا بل نقول يفعله لحكمة ~~ومعلوم أن المفعول لأجله مراد للفاعل محبوب له والمراد المحبوب تارة يكون ~~مرادا لنفسه وتارة يكون مرادا لغيره والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى ~~المراد لنفسه قطعا للتسلسل وهذا كما نقوله في خلقه بالأسباب أنه يخلق كذا ~~بسبب كذا وكذا بسبب كذا حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة ~~الرب فكذلك يخلق لحكمة وتلك الحكمة لحكمة حتى ينتهي الأمر إلى حكمة لا حكمة ~~فوقها الجواب الرابع أن النفاة يقولون كل مخلوق فهو مراد لنفسه لا لغيره ~~وحينئذ فلا يمتنع أن يكون بعض ms372 المخلوقات مرادا لغيره وينتهي الأمر إلى مراد ~~لنفسه بل هذا أولى بالجواز من جعل كل مخلوق مرادا لنفسه وكذلك في الأمر ~~يكون مرادا لغيره حتى PageV01P210 @ ينتهي إلى أمر مراد لنفسه الجواب ~~الخامس أن يقال غاية ما ذكرتم أنه يستلزم التسلسل ولكن أي نوعي التسلسل هو ~~اللازم التسلسل الممتنع أو الجائز فإن عنيتم الأول منع اللزوم وإن عنيتم ~~الثاني منع انتخاء اللازم فإن التسلسل في الآثار المستقبلة ممكن بل واجب ~~وفي الآثار الماضية فيه قولان للناس والتسلسل في العلل والفاعلين محال ~~باتفاق العقلاء بأن يكون لهذا الفاعل فاعل قبله وكذلك ما قبله إلى غير ~~نهاية وأما أن يكون الفاعل الواحد القديم الأبدي لم يزل يفعل ولا يزال فهذا ~~غير ممتنع إذا عرف هذا فالحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده ~~فإذا كان بعدها حكمة أخرى فغاية ذلك أن يلزم حوادث لا نهاية لها وهذا جائز ~~بل واجب باتفاق المسلمين ولم ينازع إلا بعض اهل البدع من الجهمية والمعتزلة ~~فإن قيل فيلزم من هذا أن لا تحصل الغاية المطلوبة أبدا قيل بل اللازم أن لا ~~تزال الغاية المطلوبة حاصلة دائما وهذا أمر معقول في الشاهد فإن الواحد من ~~الناس يفعل الشيء لحكمة يحصل بها محبوبة ثم يلزم من حصول محبوبة محبوب آخر ~~يفعل لأجله وهلم جرا حتى لو تصور دوامه أبدا لكانت هذه حاله وكماله فلم تزل ~~محبوباته تحصل شيئا بعد شيء وهذا هو الكمال الذي يريده مع غناه التام ~~الكامل عن كل ما سواه وفقر ما سواه إليه من جميع الوجوه وهل الكمال إلا ذلك ~~وفواته هو النقص وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة والإحسان فرحمته وإحسانه ~~من لوازم ذاته فلا يكون إلا رحيما محسنا وهو سبحانه إنما أمر العباد بما ~~يحبه ويرضاه وأراد لهم من إحسانه ورحمته ما يحبه ويرضاه لكن فرق بين ما ~~يريد هو سبحانه أن يخلقه ويفعله لما يحصل به من الحكمة التي يحبها فهذا ~~يفعله سبحانه ولا بد من وجوده وبين ما يريد من العباد ms373 أن يفعلوه ويأمرهم ~~بفعله ويحب أن يقع منهم ولا يشاء خلقه وتكوينه ففرق بين ما يريد خلقه وما ~~يأمر به ولا يريد خلقه فإن الفرق بين ما يريد الفاعل أن يفعله وما يريد من ~~المأمور ان يفعله فرق واضح والله سبحانه له الخلق والأمر فالخلق فعله ~~والأمر قوله ومتعلقه أفعال عباده وهو سبحانه قد يأمر عبده ويريد من نفسه أن ~~يعين عبده على فعل ما أمره لتحصل حكمته ومحبته من ذلك المأمور به وقد يأمره ~~ولا يريد من نفسه إعانته على فعل المأمور لما له من الحكمة الثابتة في هذا ~~الأمر وهذا الترك يأمره لئلا يكون له عليه حجة ولئلا يقول ما جاءني من نذير ~~ولو أمرتني لبادرت إلى طاعتك ولم يرد من نفسه إعانته لأن محله غير قابل ~~لهذه النعمة والحكمة التامة تقتضي أن لا توضع النعم عند غير أهلها وأن تمنع ~~من أهلها قال تعالى والزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وقال @QB@ ~~أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ وقال @QB@ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~@QE@ ولا يقال فهلا سوى بين خلقه في جعلهم كلهم أهلا لذلك فإن هذا ممكن له ~~ولا أن يقال فهلا سوى بين صورهم وأشكالهم وأعمارهم وأرزاقهم ومعاشهم وهذا ~~وإن كان ممكنا فالذي وقع من التفاوت بينهم هو مقتضى حكمته البالغة وملكه ~~التام وربوبيته فاقتضت حكمته أن سوى بينهم في الأمر وفاوت بينهم في الإعانة ~~عليه كما فاوت بينهم في العلوم والقدر والغنى والحسن والفصاحة وغير ذلك ~~والتخصيصات الواقعة في ملكه لا تناقض حكمته بل هي من أدل شيء على كمال ~~حكمته ولولاها لم يظهر فضله ومنه قال تعالى @QB@ ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون @QE@ فضلا من الله ونعمة والله عليم بمن يصلح لهذه النعمة حكيم في ~~وضعها عند أهلها ومنعها غير أهلها وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ~~ويغفر لكم والله غفور ms374 رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل ~~الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ ~~PageV01P211 وقال تعالى @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا من يرتد ~~منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله واسع عليم @QE@ وقالت الرسل لقومهم @QB@ إن نحن إلا ~~بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات @QE@ ~~الآية وفي حديث مثل المؤمنين واليهود والنصارى قال تعالى لأهل الكتاب هل ~~ظلمتكم من حقكم من شيء قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء وقال تعالى ~~@QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى ~~بالله عليما @QE@ أين يعلم أين يضع فضله ومن يصلح له ممن لا يصلح بل يمنعه ~~غير أهله ولا يضعه عند غير اهله وهذا كثير في القرآن يذكر أن تخصيصه هو ~~فضله ورحمته فلو ساوى بين الخلائق لم يعرف قدر فضله ونعمته ورحمته فهذا بعض ~~ما في تخصيصه من الحكمة وفي كتاب الزهد للأمام أحمد أن موسى قال يا رب هلا ~~سويت بين عبادك قال أني أحببت أن أشكر فمواضع التحصل ومواقع الفصل التي ~~يقدح بها نفاة الحكمة هي من أدل شيء على كمال حكمته سبحانه ووضعه للفضل ~~مواضعه وجعله عند أهله الذين هم أحق به وأولى من غيرهم وهو الذي جعلهم كذلك ms375 ~~بحكمته وعلمه وعزته وملكه فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين ولا يجب ~~بل لا يمكن المشاركة في حكمته بل ما حصل للخلائق كلهم من العلم بها كنقرة ~~عصفور في البحر المحيط وأي نقص في دوام حكمته شيئا بعد شيء كما تدوم إرادته ~~وكلامه وأفعاله وإحسانه وجوده وأنعامه وهل الكمال إلا في هذا التسلسل فماذا ~~نفر النفاة منه أنفرهم أن يقال لم يزل ولا يزل حيا عليما قديرا حكيما ~~متكلما محسنا جوادا ملكا موصوفا بكل كمال غنيا عن كل ما سواه لا تنفد ~~كلماته ولا تتناهى حكمته ولا تعجز قدرته ولا يبيد ملكه ولا تنقطع إرادته ~~ومشيئته بل لم يزل ولا يزال له الخلق والأمر والحكمة والحكم وهل النقص الا ~~سلب ذلك عنه والله الموفق بفضله وإعانته الجواب السادس إن الرب تبارك ~~وتعالى إذا خلق شيأ فلا من وجود لوازمه ولا بد من عدم أضداده فوجود الملزوم ~~بدون لازمه محال ووجود الضد مع ضده ممتنع والمحال ليس بشيء ولا يتصور العقل ~~وجوده في الخارج وإذا كان هذا التسلسل الجائز من لوازم خلقه وحكمته لم يكن ~~في القول محذور بل كان المحذور في نفيه توضيحه الجواب السابع أنه لم يقم د ~~عقلي ولا سمعي على إمتناع دوام أفعال الرب في الماضي والمستقبل أصلا وكل ~~أدلة النفاة من أولها إلى آخرها باطلة وقد كفى مؤنة أبطالها الرازي والآمدي ~~في أكثر كتبهما وغيرها وإما إثبات الحكمة فقد قام على صحته العقل والسمع ~~والفطرة وسائر أنواع الأدلة مما تقدمت الإشارة إلى بعض PageV01P212 @ ذلك ~~فكيف يقدح في هذا المعلوم الصحيح بذلك النفي الذي لم يقم على صحته دليل ~~البته الجواب الثامن أن التسلسل إما أن يكون ممكنا أو لمتعنا فإن كان ممكنا ~~بطل إستدلالكم وإن كان ممتنعا أمكن أن يقال في دفعه تنتهي المرادات إلى ~~مراد لنفسه لا لغيره وينقطع التسلسل الجواب التاسع أن يقال ما المانع أن ~~تكون الفاعلية معللة بعلة قديمة قولكم يلزم من قدمها قدم المعلول ينتقص ~~عليكم بالإرادة فأنها قديمة ولم يلزم ms376 من قدمها قدم المراد فإن قلتم الإرادة ~~القديمة تعلقت بالمراد الحادث في وقت حدوثه وإقتضت الحاجة حينئذ فهلا قلتم ~~ان الحكمة القديمة تعلقت بالمراد وقت حدو في الإرادة فاذا قلتم شأن الادارة ~~التخصيص قيل لكم وكذلك الحكمة شأنها تخصيص الشيء بزمانه ومكانه وصفته ~~فالتخصيص مصدره الحكمة والإرادة والعلم والقدرة فإن لزم من قدم الحكمة قدم ~~الفعل لزم من قدم الإرادة قدمه وإن لم يلزم ذلك لم يلزم هذا هذا الجواب ~~العاشر أن يقال لو لم يكن فعله لحكمة وغاية مطلوبة لم يكن مريدا فان المريد ~~لا يعقل كونه مريدا الا إذا كان يريد لغرض وحكمة فإذا إنتفت الحكمة والغرض ~~إنتفت الإرادة ويلزم من أنتفاء الإرادة أن يكون موجبا بالذات وهو علة تامة ~~في الأزل لمعلوله فيلزم أن يقارنه جميع معلوله ولا يتأخر فيلزم من ذلك قدم ~~الحوادث المشهودة وإنما لزم ذلك من إنتفاء الحكمة والغرض المستلزمة لنفي ~~الإرادة المستلزمة للإيمان الذاتي المستلزم لقدم الحوادث وتقرير هذا وبسطه ~~في غير هذا الموضع $ فصل # قال نفاة الحكمة جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين تحصيل اللذة والسرور ~~ودفع الألم والحزن والغم والله سبحانه قادر على تحصيل هذين المطلوبين ~~إبتداء من غير شئ من الوسائط ومن كان قادرا على تحصيل المطلوب إبتداء بغير ~~واسطة كان توسله إلى تحصيله بالوسائط عبثا وهو على الله محال قال أصحاب ~~الحكمة عن هذه الشبهة أجوبة الجواب الأول أن يقال لا ريب إن الله على كل شئ ~~قدير لكن لا يلزم إذا كان الشيء مقدورا ممكنا أن تكون الحكمة المطلوبة ~~لوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه كما ~~يمتنع حصول الإبن بكونه إبنا بدون الأب فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال ~~والجمع بين الضدين محال ولا يقال فيلزم العجز لأن المحال ليس بشيء فلا ~~تتعلق به القدرة والله على كل شئ قدير فلا يخرج ممكن عن قدرته البتة # الجواب الثاني أن دعوى كون توسط أحد الأمرين إذا كان شرطا أو سببا له عبث ~~دعوى ms377 كاذبة باطلة فإن العبث هو الذي لا فائدة فيه وأما توسط الشرط أو السبب ~~أو المادة التي يحدث فيها ما يحدثه فليس بعبث توضيحه # الجواب الثالث أن حصول الأعراض والصفات التي يحدثها الله سبحانه في ~~موادها شروط لحصول تلك المواد ولا يتصور وجودها بدونها فتوسطها أمر ضروري ~~لا بد منه فينقلب عليكم دليلكم ونقول هل يقدر سبحانه على إيجاد تلك الحوادث ~~بدون توسط موادها الحاملة لها أولا يمكن فإن قلتم يمكن ذلك كان توسطها عبثا ~~وإن قلتم قلتم لا يقدر كان تعجيزا فإن قلتم هذا فرض مستحيل والمحال ليس ~~بشيء قيل صدقتم وهذا جوابنا بعينه # الجواب الرابع أن يقال إذا كان في خلق تلك الوسائط حكم أخرى تحصل بخلقها ~~للفاعل وفي خلقها مصالح ومنافع لتلك الوسائط لم يكن توسطها عبثا ولم تكن ~~الحكمة حاصلة بعدمها كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض خلقه في البخارات مثلا ~~فإقتضى ذلك أن تخليق الصانع إلى من يحتاج فينتفع هؤلاء بالصانع وهؤلاء ~~باليمن PageV01P213 @ كان في ذلك مصلحة هؤلاء وهؤلاء وإذا تأملت الوجود ~~رأيته قائما بذلك شاهدا على منكري الحكمة فكم لله سبحانه في إحداث تلك ~~الوسائط من حكم ومصالح ومنافع للعباد لو بطلت تلك الوسائط لفاتت تلك الحكم ~~والمصالح # الجواب الخامس قولك يلزم العبث وهو على الله محال فيقال إن كان العبث ~~عليه محالا لزم أن لا يفعل ولا يأمر إلا لمصلحة وحكمة فبطل قولك بقولك وإن ~~لم يكن العبث عليه محالا بطلت هذه الحجة فيتحقق بطلانها على التقديرين # الجواب السادس أن يقال ما المانع أن يفعل سبحانه أشياء معللة وأشياء غير ~~معللة بل مرادة لذاتها وإذا جاز هذا جاز أن يقال أن هذه الوسائط غير معللة ~~ولا يمكنك نفي هذا القسم إلا بان تقول أن شيئا من أفعاله غير معلل البتة ~~وأنت إنما نفيت هذا بلزوم العبث في توسط تلك الأمور ولا يلزم من انتفاء ~~التعليل في بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع فإنه لا يجب أن يكون كل شيء لعلة ~~فأنت نفيت جواز ms378 التعليل وغاية هذه الحجة لو صحت أن تدل على أنه لا يجب في ~~كل شيء أن يكون لعلة فلم يثبت الحكم والدليل وهذا كما يقول الفقهاء مع ~~قولهم بالتعليل أن من الأحكام ما يفيد غير معلل فهلا قلت في الخلق كقولهم ~~في الأمر وهذا إنما هو بطريق الإلزام وإلا فالحق أن جميع أفعاله وشرعه لها ~~حكم وغايات لأجلها شرع وفعل وأن لم يعلمها الخلق على التفصيل فلا يلزم من ~~عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها # الجواب السابع أن غاية هذه الشبهة آن يكون سبحانه قادرا على تح تلك الحكم ~~بدون تلك الوسائط كما هو قادر على تحصيلها بها وإذا كان الأمران مقدوران له ~~لم يكن العدول عن أحد المقدورين إلى الآخر عبثا إلا إذا كان المقدور الآخر ~~مساويا لهذا من كل وجه ولا يمكن عاقلا أن يقول أن تعطيل تلك الوسائط وعدمها ~~مساو من كل وجه لوجودها وهذا من أعظم البهت وأبطل الباطل وهو يتضمن القدح ~~في الحس والعقل والشرع كما هو قدح في الحكمة فإن من جعل وجود الرسل وعدمهم ~~سواء ووجود الشمس والقمر والنجوم والمطر والنبات والحيوان وعدمها سواء ~~ووجود هذه الوسائط جميعها وعدمها سواء فلم يدع للمكابرة موضعها # الجواب الثامن الخطأ في الاصل قولك جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين ~~اللذة الهم والحزن أتريد به الغرض الذي يفعل لأجلها الحيوان أو الحكمة التي ~~يفعل الله سبحانه لأجلها أم تريد به ما هو أعم من ذلك فإن أردت الأول لم ~~تفدك شيئا وإن أردت الثاني أو الثالث كانت دعوى مجردة لا برهان عليها فإن ~~حكمة الرب تعالى فوق تحصيل اللذة ودفع الغم والحزن فإنه يتعالى عن ذلك بل ~~ليس كمثل حكمته شيء كما أنه موصوف بالإرادة وليست كإرادة الحيوان فإن ~~الحيوان يريد ما يرده ليجلب له منفعة أو يدفع به عنه مضرة وكذلك غضبه ليس ~~مشابها لغضب خلقه فإن غضب المخلوق هو غليان دم قلبه طلبا للانتقام والله ~~يتعالى عن ذلك وكذلك سائر صفاته فكما أنه ليس كمثله ms379 شيء في إرادته ورضاه ~~وغضبه ورحمته وسائر صفاته فهكذا حكمته سبحانه لا تماثل حكمة المخلوقين بل ~~هي أجل وأعلى من أن يقال أنها تحصيل لذة أو دفع حزن فالمخلوق لنقصه يحتاج ~~أن يفعل ذلك لأن مصالحه لا تتم إلا به والله سبحانه غني بذاته عن كل ما ~~سواه لا يستفيد من خلقه كمالا بل خلقهم يستفيدون كمالهم منه # الجواب الثامن أن يقال قد دل الوحي مع العقل على أنه سبحانه يحب ويبغض ~~أما الوحي فالقرآن مملوء من ذلك وأما العقل فما نشاهد في العالم من إكرام ~~أوليائه وأهل طاعته وإهانة أعدائه وأهل معصيته شاهد لمحبته لهؤلاء ورضاه ~~PageV01P214 @ عنهم وبغضه لهؤلاء وسخطه عليهم ومعلوم قطعا أن من يحب ويبغض ~~أكمل محبة وبغض وهو قادر على تحصيل محابه فإن حكمته فيما يفعله ويتركه أتم ~~حكمة وأكملها فهو يفعل ما يفعله لأنه يوصل إلى محابه ويترك ما يتركه لأنه ~~لا يحبه وإذا فعل ما يكرهه لم يفعله إلا لافضائه إلى ما يحب وإن كان مكروها ~~في نفسه فإن أردت باللذة والسرور والهم والحزن الحب والبغض فالرب تعالى يحب ~~ويبغض لم يلزم من كونه يفعل لحكمة أن يتصف بذلك # الجواب التاسع أنه سبحانه إذا كان قادرا على تحصيل ذلك بدون الوسائط وهو ~~قادر على تحصيله بها كان فعل النوعين أكمل وأبلغ في القدرة وأعظم في ملكه ~~وربوبيته من كونه لا يفعل إلا بأحد النوعين والرب تعالى تتنوع أفعاله لكمال ~~قدرته وحكمته وربوبيته فهو سبحانه قادر على تحصيل تلك الحكمة بواسطة أحداث ~~مخلوق من فصل وبدون إحداثه بل بما يقوم به من أفعاله اللازمة وكلماته ~~وثنائه على نفسه وحمده لنفسه فمحبوبه يحصل بهذا وهذا وذلك أكمل ممن لا يحصل ~~محبوبه إلا بأحد النوعين # الجواب العاشر أن الرب سبحانه كامل في أوصافه وأسمائه وأفعاله فلا بد من ~~ظهور آثارها في العالم فإنه محسن ويستحيل وجود الإحسان بدون من يحسن إليه ~~وزراق فلا بد من وجود من يرزقه وغفار وحليم وجواد ولطيف بعباده ومنان ووهاب ~~وقابض وباسط ms380 وخافض ورافع ومعز ومذل وهذه الأسماء تقتضي متعلقات تتعلق بها ~~وآثارها تتحقق بها فلم يكن بد من وجود متعلقاتها وإلا تعطلت تلك الأوصاف ~~وبطلت تلك الأسماء فتوسط تلك الآثار لا بد منه في تحقق معاني تلك الأسماء ~~والصفات فكيف يقال أنه عبث لا فائدة فيه وبالله التوفيق $ فصل # قال نفاة الحكمة لو وجب أن يكون خلقه وأمره معللا بحكمة وغرض لكان خلق ~~الله العالم في وقت معين دون ما قبله ودون ما بعده معللا برعاية غرض ومصلحة ~~ثم تلك المصلحة والغرض أما أن يقال كان حاصلا قبل ذلك الوقت أو لم يكن ~~حاصلا قبله فإن كان ما لا جله أوجد الله العالم في ذلك الوقت حاصلا قبل أن ~~أوجده فيلزم أن يقال أنه كان موجودا له قبل أن لم يكن موجدا له وذلك محال ~~وإن قلنا آن ذلك الغرض والمصلحة لم يكن حاصلا قبل ذلك الوقت وإنما حدث في ~~ذلك الوقت فنقول حصول ذلك الغرض في ذلك الوقت إما أن يكون مفتقرا إلى ~~المحدث أو لا يفتقر فإن لم يفتقر فقد حدث الشيء لا عن موجد ومحدث وهو محال ~~وأن افتقر إلى محدث فإن افتقر تخصص إحداث ذلك الغرض بذلك الوقت إلى غرض آخر ~~عاد التقسيم الأول فيه ولزم التسلسل وإن لم يفتقر إلى رعاية غرض آخر فحينئذ ~~تكون موجدية الله سبحانه وخالقيته غنية عن الأغراض والمصالح وهذا هو ~~المطلوب قالوا وهذه الحجة كما أنها قائمة في اختصاص العالم بذلك الوقت ~~المعين فهي قائمة في اختصاص كل حادث من الحوادث بوقته المعين وملخصها أن ~~أحداث الحادث في وقته إن كان لغرض فإن كان ذلك الغرض حاصلا قبله لزم حدوثه ~~قبل حدوثه وإلا افتقر إلى الأحداث فأحداثه إن كان لغرض تسلسل وإلا ثبت ~~المطلوب قال أهل الحكمة هذه الحجة بعينها مذكورة في ضمن الحجة الثانية التي ~~تقدمت وكأنكم يعجبكم التشييع بكر ه الباطل وجميع ما أجبناكم به هناك فهو ~~الجواب ههنا بعينه فغاية هذا أنه تسلسل في الآثار لا في المؤثرات ms381 وتسلسل في ~~الحوادث المستقلة وذلك جائز بل واجب باتفاق المسلمين سوى قول حبهم والعلاف ~~وغاية الأمر أن يكون في الحوادث PageV01P215 @ ما يراد لنفسه وفيها ما يراد ~~لغيره والحكمة المطلوبة لنفسها لا تفتقر إلى أخرى تراد لأجلها وأن هذا ~~الدليل أو صحت مقدماته وهيهات فإنما يدل على أن أفعاله تعالى لا يجب ~~تعليلها ولا يلزم من ذلك أن لا يجوز تعليلها فنفي الوجوب شيء ونفي الجواز ~~شيء فهب أنا سلمنا الأول فأين دليل الثاني وغايتها أنها تدل على عدم تعليل ~~بعض الحوادث لا على عدم تعليل جميعها وبالجملة فما تقدم هناك مغزاها عن ~~الإطالة في الأجوبة وسر المسألة أن دوام فاعليته في المستقبل متفق عليه ~~والسلف على دوامها في الماضي وإنما خالف في ذلك كثير من أهل الكلام $ فصل # قال نفاة الحكمة قد قام الدليل على أنه سبحانه خالق كل شيء فاي حكمة أو ~~مصلحة في خلق الكفر والفسوق والعصيان وأي حكمة في خلق من علم أنه يكفر ~~ويفسق ويظلم ويفسد الدنيا والدين وأي حكمة في خلق كثير من الجمادات التي ~~وجودها وعدمها سواء وكذلك كثير من الأشجار والنبات والمعادن المعطلة ~~والحيوانات المهملة بل العادية المؤذية وأي حكمة في خلق السموم والأشياء ~~المضرة وأي حكمة في خلق إبليس والشياطين وإن كان في خلقهم حكمة فأي حكمة في ~~بقائه إلى آخر الدهر وأماته الرسل والأنبياء وأي حكمة في إخراج آدم وحواء ~~من الجنة وتعريض الذرية لهذا البلاء العظيم وقد أمكن أن يكونوا في أعظم ~~العافية وأي حكمة في إيلام الحيوانات وإن كان في إيلام المكلفين منها حكمة ~~فما الحكمة في إيلام غير المكلف كالبهائم والأطفال والمجانين وأي حكمة له ~~في خلقه خلقا يعذبهم بأنواع العذاب الدائم الذي لا ينقطع وأي حكمة في تسليط ~~أعدائه على أوليائه يسومونهم سوء العذاب قتلا وأسرا وعقوبة وإستبعادا وأى ~~حكمة في تكليف النقلين وتعريضهما بالتكليف لأنواع المشاق والعذاب قالوا ~~ونحن والعقلاء نعلم علما ضروريا إن خلود أهل النار فيها فعل الله ونعلم ~~ضرورة أنه لا فائدة في ms382 ذلك تعود إليه ولا إلى المعذبين ولا إلى غيرهم قالوا ~~أو يكفينا في ذلك مناظرة الأشعري لأبي هاشم 3 الجبائي حين سأله عن ثلاثة ~~إخوة مات أحدهم مسلما قبل البلوغ وبلغ الآخران فمات أحدهما مسلما والآخر ~~كافرا فاجتمعوا عند رب العالمين فبلغ المسلم البالغ المرتبة العليا بعمله ~~وإسلامه فقال أخوه يا رب هلا رفعتني إلى منزلة أخي المسلم فقال أنه عمل ~~أعمالا لم تعملها فقال يا رب فهلا أحييتني حتى أعمل مثل عمله قال علمت أن ~~موتك صغيرا خير لك إذ لو بلغت لكفرت فصاح الأخ الثالث من أطباق الجحيم وقال ~~يا رب فهلا أمتني صغيرا قبل البلوغ كما فعلت بأخي فما جوابه قال فانقطع ~~الشيخ ولم يذكر جوابا قال نفاة الحكمة وهذا قاطع في المسئلة لا غبار عليه ~~وقال تعالى @QB@ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء @QE@ وقال @QB@ لله ما في ~~السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ @QB@ لا يسأل عما يفعل @QE@ فرد الأمر ~~إلى محض مشيئتة وأخبر أن صدور الأشياء كلها عنها وقالوا وأصل ضلال الخلق هو ~~طلب تعليل أفعال الرب كما قال شيخ الإسلام في تائيته وأصل ضلال الخلق من كل ~~فرقة هو الخوض في فعل الإله بعلة فإنهم لما طلبوا علة أفعاله فأعجزهم العلم ~~بها إفترقوا بعد ذلك فطائفة ردت الأمر إلى الطبيعة والأفلاك التزمت مكابرة ~~الحس والعقل وقالوا أن أهل خلود النار في النار أنفع لهم وأصلح PageV01P216 ~~@ من كونهم في الجنة وإن إبقاء إبليس يغوي الخلق ويضلهم أنفع لهم من أماتته ~~وإن أماتة الأنبياء أصلح للأمم من إبقائهم بينهم وإن تعذيب الأطفال خير لهم ~~من رحمتهم إلى بحر ذلك من المحالات التي قادهم إليها الخوض في تعليل أفعال ~~من لا يسئل عما يفعل فلذلك قلنا أن الصواب القول بعدم التعليل وتخلصنا من ~~الحبائل والإشراك التي وقعتم فيها قال أهل الحكمة ليست هذه ألاسئلة ~~والإعتراضات التي قد جئتم بها في حكمة أحكم الحاكمين بأقوى ms383 من الأسئلة ~~المكذبين لرسله وقد حكيتم أنتم عنهم ثمانين إعتراضا وكذلك الأعتراضات التي ~~قدح بها المعطلة في إثبات صفات كماله قد علمتم شأنها وكبرها وكذلك ~~والاعتراضات التي قدح بها أهل الإلحاد في وجوده سبحانه وقد أقاموا أربعين ~~شبهة تنفي وجوده وكذلك الإعتراضات التي نفي بها الجهمية علوه على خلقه ~~وإستواءه على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لعباده وقد علمتم الإعتراضات التي ~~إعترض بها أهل الفلسفة على كونه خالقا للعالم في ستة أيام وعلى كونه يقيم ~~الناس من قبورهم ويبعثهم إلى دار السعادة أو الشقاء ويبدل هذا العالم ويأتي ~~بغيره وإعتراضات هؤلاء وأسئلتهم أضعاف إعتراضات نفاة الحكمة وغايات أفعاله ~~المقصودة وكذلك أعتراضات نفاة القدر وأسئلتهم إلى غير ذلك وقد إقتضت حكمة ~~أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكل حق جاحدا ولكل صواب معاندا كما ~~أقام لكل نعمة حاسدا ولكل شر رائدا وهذا من تمام حكمته الباهرة وقدرته ~~القاهرة ليتم عليه كلمته وينفذ فيهم مشيئته ويظهر فيهم حكمته ويقضي بينهم ~~بحكمه ويفاضل بينهم بعلمه ويظهر فيهم آثار صفاته العليا وأسمائه الحسنى ~~ويتبين لأوليائه وأعدائه يوم القيامة أنه لم يخل لحكمة ولم يخلق خلقه عبثا ~~ولا يتركهم سدا وأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا وأن له ~~الحمد التام الكامل على جميع ما خلقه وقدره وقضاه وعلى ما أمر به ونهى عنه ~~وعلى ثوابه وعقابه وأنه لم يضع من ذلك شيئا إلا في محله الذي لا يليق به ~~سواه قال تعالى @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى ~~وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه ~~وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين @QE@ وإذا تبين لأهل الموقف ونفذ ~~فيهم قضاؤه الفصل وحكمه العدل نطق الكون أجمعه بحمده كما قال تعالى @QB@ ~~وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين @QE@ وجواب هذه الأسئلة من ~~وجوه أحدها أن الحكمة إنما تتعلق بالحدوث والوجود والكفر والشرور وأنواع ~~المعاصي راجعة إلى مخالفة نهي الله ورسوله وترك ما أمر به وليس ms384 ذلك من ~~متعلق الإيجاد في شيء ونحن إنما التزمنا أن ما فعله الله وأوجده فله فيه ~~حكمة وغاية مطلوبة وأما ما تركه سبحانه ولم يفعله فإنه وإن كان كان إنما ~~تركه لحكمة في ذلك فلم يدخل في كلامنا فلا يرد علينا وقد قيل أن الشر ليس ~~إليه بوجه فإنه عدم الخير وأسبابه والعدم ليس بشيء كإسمه فإذا قلنا أن ~~أفعال الرب تعالى واقعة وغاية محمودة لم يرد علينا تركه يوضحه الجواب ~~الثاني وهو أنه سبحانه قد يترك ما لو خلقه لكان في خلقه له حكمة فيتركه ~~لعدم محبته لوجوده أو لكون وجوده يضاد ما هو أحب أو لاستلزام وجوده فوات ~~محبوب له آخر وعلى هذا فتكون حكمته في عدم خلقه أرجح من حكمته في خلقه ~~والجمع بين الضدين مستحيل فرجح سبحانه أعلى الحكمتين بتفويت أدناهما وهذا ~~غاية الحكمة فخلقه وأمره مبني على تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بتفويت ~~المرجوحة التي لا يمكن الجمع بينها وبين تلك الراجحة وعلى دفع المفاسد ~~PageV01P217 @ الخالصة أو الراجحة وإن وجدت المفاسد المرجوحة التي لا يمكن ~~الجمع بين عدمها وعدم تلك الراجحة وخلاف هذا هو خلاف الحكمة والصواب الجواب ~~الثالث أن يقال غاية ذلك انتفاء الحكمة في هذا النوع من المقدورات فيلزم من ~~ذلك انتفاؤها في جميع خلقه وحكمه فهب أن هذا النوع لا حكمة فيه فمن أين ~~يستلزم ذلك نفي الحكمة والغرض في كل شيء كيف وفيه من الحكم والغايات ~~المحمودة ما هو معلوم لأهل البصائر الراسخين في العلم كما سننبه على ذلك ~~منه إن شاء الله # الجواب الرابع أنا لم ندع حكمة يجب آو يمكن اطلاع الخلق على تفاصيلها فإن ~~حكمة الله أعظم وأجل من ذلك فما المانع من اشتمال ما ذكرتم من الصور وغيرها ~~على الحكم حجة ينفرد الله بعلمها كما قال للملائكة وقد سألوه عن ذلك أني ~~أعلم ما لا تعلمون فمن يقول بلزوم الحكمة لأفعاله وأحكامه مطلقا لا يوجب ~~مشاركة خلقه له في العلم بها # الجواب الخامس أن الله سبحانه ليس ms385 كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله وله في جميع ما ذكرتم وغيره حكمة ليست من جنس الحكمة التي للمخلوقين ~~كما أن فعله ليس مماثلا فعلهم ولا قدرته وإرادته ومشيئته ومحبته ورضاه ~~وغضبه مماثلا لصفات المخلوقين # الجواب السادس أن الحكمة تابعة للعلم والقدرة فمن كان أعلم واقدر كانت ~~أفعاله أحكم وأكمل والرب منفرد بكمال العلم والقدرة فحكمته بحسب علمه ~~وقدرته كما تقدم تقريره فحكمته متعلقة بكل ما تعلق به علمه وقدرته # الجواب السابع أن الأدلة القاطعة قد قامت على أنه حكيم في أفعاله وأحكامه ~~فيجب القول بموجبها وعدم العلم بحكمته في الصور المذكورة لا يكون مسوغا ~~لمخالفة تلك الأدلة القاطعة لا سيما وعدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم ~~بعدمه # الجواب الثامن أن كماله المقدس يمنع خلو هذه الصور التي تقصيتم عن الحكمة ~~وكماله أيضا يأبى اطلاع خلقه على جميع حكمته فحكمته تمنع اطلاع خلقه على ~~جميع حكمته بل الواحد منا لو أطلع غيره على جميع شأنه وأمره سفيها جاهلا ~~وشأن الرب أعظم من أن يطلع كل واحد من خلقه على تفاصيل حكمته # الجواب التاسع انكم إما أن تعترفوا بأن له حكمة في شيء من خلقه وأمره أو ~~تنكروا أن يكون له في شيء من خلقه وأمره حكمة فإن أنكرتم ذلك وما هو من ~~الظالمين ببعيد كذبتم جميع كتب الله ورسوله والعقل والفطرة والحسن وكذبتم ~~عقولكم قبل تكذيب العقلاء فإن جحد حكمة الله الباهرة في خلقه وأمره منزلة ~~جحد الشمس والقمر والليل والنهار وغير مستنكر لكثير من الطوائف أهل الكلام ~~المكابرة في جحد الضروريات وأن أقررتم بحكمة في بعض خلقه وأمره قيل لكم فأي ~~الأمرين أولى به وجود تلك الحكمة أم عدمها فإن قلتم عدمها أولى من وجودها ~~كان هذا غاية الكذب والبهت والمحال وإن قلتم وجودها أكمل قيل فهل هو قادر ~~على تحصيلها في جميع خلقه وأحكامه أم غير قادر فإن قلتم غير قادر جئتم ~~بالعظيمة في العقل والدين وانسلختم من عقولكم وأذهانكم وأن قلتم بل هو ms386 قادر ~~على ذلك قيل فإذا كان قادرا على شيء وهو كمال في نفسه ووجوده خير من عدمه ~~وهو أولى به فكيف يجوز نفيه عنه فإن قلتم إنما نفياه لأنا لم نطلع على ~~حقيقته قيل صدقتم والله سائلكم في جميع ما تنفونه عن الله إنما مستندكم في ~~نفيه عدم الإطلاع على حقيقته ولم تكتفوا بقبول قول الرسل فصرتم إلى النفي ~~الجواب العاشر أن العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل إذا فعل أفعالا ظهرت ~~فيها حكمته ووقعت على أتم الوجوه وأوفقها للمصالح المقصودة بها ثم إذا رأوا ~~أفعاله قد تكررت كذلك ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه لم ~~يسعهم غير التسليم PageV01P218 @ لما عرفوا من حكمته واستقر في عقولهم منها ~~وردوا منها ما جهلوه إلى محكم ما علموه هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم ~~حتى أن النفاة يسلكون هذا المسلك بعينه مع أئمتهم وشيوخهم فإذا جاءهم أشكال ~~على قواعد أئمتهم ومذاهبهم قالوا هم أعلم منا وهم فوقنا في كل علم ومعرفة ~~وحكمة ونحن معهم كالصبي مع معلمه وأستاذه فهلا سلكوا هذا السبيل مع ربهم ~~وخالقهم الذي بهرت حكمته العقول وكان نسبتها إلى حكمته أولى من نسبة عين ~~الخفاش إلى جرم الشمس ولو أن العالم الفاضل المبرز في علوم كثيرة أعرض على ~~من لا يشاركه في صنعته ولا هو من أهلها وقدح في أوضاعها لخرج عن موجب العقل ~~والعلم وعد ذلك نقصا وسفها فكيف بأحكم الحاكمين وأعلم العالمين وأقدر ~~القادرين الجواب الحادي عشر أن الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات والمتقابلات ~~كالليل والنهار والعلو والسفل والطيب والخبيث والخفيف والثقيل والحلو والمر ~~والبرد والألم واللذة والحياة والموت والداء والدواء فخلق هذه المتقابلات ~~هو محل ظهور الحكمة الباهرة ومحل ظهور القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ~~والملك الكامل التام فتوهم تعطيل خلق هذه المتضادات تعطيل لمقتضيات تلك ~~الصفات وأحكامها وآثارها وذلك عين المحال فإن لكل صفة من الصفات العليا ~~حكما ومقتضيات وأثرا هو مظهر كمالها وإن كانت كاملة في نفسها لكن ظهور ~~آثارها وأحكامها ms387 من كمالها فلا يجوز تعطيله فإن صفة القادر تستدعي مقدورا ~~وصفة الخالق تستدعي مخلوقا وصفة الوهاب الرازق المعطي المانع الضار النافع ~~المقدم المؤخر المعز المذل العفو الرؤف تستدعي آثارها وأحكامها فلو عطلت ~~تلك الصفات عن المخلوق المرزوق المغفور له المرحوم المعفو عنه لم يظهر ~~كمالها وكانت معطلة عن مقتضياتها وموجباتها فلو كان الخلق كلهم مطيعون ~~عابدون حامدون لتعطل أثر كثير من الصفات العلى والأسماء الحسنى وكيف كان ~~يظهر أثر صفة العفو والمغفرة والصفح والتجاوز والانتقام والعز والقهر ~~والعدل والحكمة التي تنزل الأشياء منازلها وتضعها مواضعها فلو كان الخلق ~~كلهم أمة واحدة لفاتت الحكم والآيات والعبر والغايات المحمودة في خلقهم على ~~هذا الوجه وفات كمال الملك والتصرف فإن الملك إذا اقتصر تصرفه على مقدور ~~واحد من مقدوراته فأما أن يكون عاجزا عن غيره فيتركه عجزا أو جاهلا بما في ~~تصرفه في غيره من المصلحة فيتركه جهلا وأما أقدر القادرين وأعلم العالمين ~~وأحكم الحاكمين فتصرفه في مملكته لا يقف على مقدور واحد لأن ذلك نقص في ~~ملكه فالكمال كل الكمال في العطاء والمنع والخفض والرفع والثواب والعقاب ~~والإكرام والإهانة والأعزاز والإذلال والتقديم والتأخير والضر والنفع ~~وتخصيص هذا على هذا وإيثار هذا على هذا ولو فعل هذا كله بنوع واحد متماثل ~~افراد لكان ذلك منافيا لحكمته وحكمته تأباه كل الآباء فإنه لا يفرق بين ~~متماثلين ولا يسوي بين مختلفين وقد عاب على من يفعل ذلك وأنكر على من نسبه ~~إليه والقرآن مملوء من عيبه على من يفعل ذلك فكيف يجعل له العبيد ما يكرهون ~~ويضربون له مثل السوء وقد فطر الله عباده على إنكار ذلك من بعضهم على بعض ~~وطعنهم على من يفعله وكيف يعيب الرب سبحانه من عباده شيئا ويتصف به وهو ~~سبحانه إنما عابه لأنه نقص فهو أولى أن يتنزه عنه وإذا كان لا بد من ظهور ~~آثار الأسماء والصفات ولا يمكن ظهور آثارها إلا في المتقابلات والمتضادات ~~لم يكن في الحكمة بد من إيجادها إذ لو فقدت لتعطلت الأحكام بتلك ms388 الصفات وهو ~~محال يوضحه الوجه الثاني عشر أن من أسمائه الأسماء المزدوجة PageV01P219 @ ~~كالمعز المذل والخافض الرافع والقابض الباسط والمعطي المانع ومن صفاته ~~الصفات المتقابلة كالرضا والسخط والحب والبغض والعفو والانتقام وهذه صفات ~~كمال والا لم يتصف بها ولم يتسم بأسمائها وإذا كانت صفات كمال فأما أن ~~يتعطل مقتضاها وموجبها وذلك يستلزم تعطيلها في أنفسها واما أن تتعلق بغير ~~محلها الذي يليق بأحكامها وذلك نقص وعيب يتعالى عنه فيتعين تعلقها بمحالها ~~التي تليق بها وهذا وحده كاف في الجواب لمن كان له فقه في باب الأسماء ~~والصفات ولا غيره يغيره يوضحه الوجه الثالث عشر أن من أسمائه الملك ومعنى ~~الملك الحقيقي ثابت له سبحانه بكل وجه وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال ~~إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة ولا إرادة ~~ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به وكيف يوصف بالملك من لا ~~يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب ولا يعطي ولا يمنع ولا يعز ويذل ويهين ~~ويكرم وينعم وينتقم ويخفض ويرفع ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته ويتقدم إلى ~~عبيده بأوامره ونواهيه فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك وهذا يبين أن ~~المعطلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه ويأنف أحدهم أن يقال في ~~أمره وملكه ما يقوله هو في ربه فصفة ملكية الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم ~~التصرف إلا به والكل منه سبحانه فلم يتوقف كمال ملكه على غيره فإن كل ما ~~سواه مسند إليه متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه يوضحه الوجه الرابع عشر إن ~~كمال ملكه بأن يكون مقارنا بحمده فله الملك وله الحمد والناس في هذا المقام ~~ثلاث فرق فالرسل وأتباعهم أثبتوا له الملك والحمد وهذا مذهب من اثبت له ~~القدر والحكمة وحقائق الأسماء والصفات ونزهه عن النقائص ومشابهة المخلوقات ~~ويوحشك في هذا المقام جميع الطوائف غير أهل السنة الذين لم يتحيزوا إلى ~~نحلة ولا مقالة ولا متبوع من أهل الكلام الفرقة الثانية الذين أثبتوا ms389 له ~~الملك وعطلوا حقيقة الحمد وهم الجبرية نفاة الحكمة والتعليل القائلين بأنه ~~يجوز عليه كل ممكن ولا ينزه عن فعل قبيح بل كل ممكن فإنه لا يقبح منه وإنما ~~القبيح المستحيل لذاته كالجمع بين النقيضين فيجوز عليه تعذيب ملائكته ~~وأنبيائه ورسله وأهل طاعته وإكرام إبليس وجنوده وجعلهم فوق أوليائه في ~~النعيم المقيم أبدا ولا سبيل لنا إلى العلم باستحالة ذلك إلا من نفى الخلف ~~في خبره فقط فيجوز أن يأمر بمشيئته ومشيئة أنبيائه والسجود للأصنام وبالكذب ~~والفجور وسفك ونهب الأموال وينهى عن البر والصدق والإحسان والعفاف ولا فرق ~~في نفس الأمر بين ما أمر به ونهى عنه إلا التحكم بمحض المشيئة وأنه أمر ~~بهذا ونهى عن هذا من غير أن يكون فيما أمر به صفة حسن تقتضي محبته والأمر ~~به ولا فيما نهى عنه صفة قبح تقتضي كراهته والنهي عنه فهؤلاء عطلوا حمده في ~~الحقيقة وأثبتوا له ملكا بلا حمد مع أنهم في الحقيقة لم يثبتوا له ملكا ~~فإنهم جعلوه معطلا في الأزل والأبد لا يقوم به فعل البتة وكثير منهم عطله ~~عن صفات الكمال التي لا يتحقق كونه ملكا وربا وإلها إلا بها فلا ملك أثبتوا ~~ولا حمد الفرقة الثالثة أثبتوا له نوعا من الحمد وعطلوا كمال ملكه وهم ~~القدرية الذين أثبتوا نوعا من الحكمة ونفوا لأجلها كمال قدرته فحافظوا على ~~نوع من الحمد عطلوا له كمال الملك وفي الحقيقة لم يثبتوا لا هذا ولا هذا ~~فإن الحكمة التي أثبتوها جعلوها راجعة إلى المخلوق لا يعود إليه سبحانه ~~حكمها والملك الذي أثبتوه فإنهم في الحقيقة إنما قرروا نفيه لنفي قيام ~~الصفات التي لا يكون ملكا حقا إلا بها ونفى قيام الأفعال PageV01P220 @ ~~الاختيارية فلم يقم به عندهم وصف ولا فعل ولا له إرادة ولا كلام ولا سمع ~~ولا بصر ولا فعل ولا له حب ولا بغض معطل عن حقيقة الملك والحمد والمقصود أن ~~عموم ملكه يستلزم إثبات القدر وأن لا يكون في ملكه شيء بغير مشيئته فالله ~~أكبر من ذلك ms390 وأجل وعموم حمده يستلزم أن لا يكون في خلقه وأمره ما لا حكمة ~~فيه ولا غاية محمودة يفعل لأجلها ويأمر لأجلها فالله أكبر وأجل من ذلك ~~يوضحه الوجه الخامس عشر أن مجرد الفعل من غير قصد ولا حكمة ولا مصلحة يقصده ~~الفاعل لأجلها لا يكون متعلقا للحمد فلا يحمد عليه حتى لو حصلت به مصلحة من ~~غير قصد الفاعل لحصولها لم يستحق الحمد عليها كما تقدم تقريره بل الذي يقصد ~~الفعل لمصلحة وحكمة وغاية محمودة وهو عاجز عن تنفيذ مراده أحق بالحمد من ~~قادر لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لقصد الإحسان هذا المستقر في فطر الخلق ~~والرب سبحانه حمده قد ملأ السماوات والأرض وما بينهما وما بعد ذلك فملأ ~~العالم العلوي والسفلي والدنيا والآخرة ووسع حمده ما وسع علمه فله الحمد ~~التام على جميع خلقه ولا حكم يحكم إلا بحمده ولا قامت السماوات والأرض إلا ~~بحمده ولا يتحول شيء في العالم العلوي والسفلي من حال إلى حال إلا بحمده ~~ولا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار إلا بحمده كما قال الحسن رحمة ~~الله عليه لقد دخل أهل النار النار وأن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه ~~سبيلا وهو سبحانه إنما أنزل الكتاب بحمده وأرسل الرسل بحمده وأمات خلقه ~~بحمده ويحييهم بحمده ولهذا حمد نفسه على ربوبيته الشاملة لذلك كله فالحمد ~~لله رب العالمين وحمد نفسه على إنزال كتبه فالحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب وحمد نفسه على خلق السماوات والأرض الحمد لله الذي خلق السماوات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور وحمد نفسه على كمال ملكه الحمد لله الذي له ما ~~في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير محمد ملأ ~~الزمان والمكان والأعيان وعم الأقوال كلها فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون وكيف لا يحمد على ~~خلقه كله وهو الذي أحسن كل شيء خلقه وعلى صنعه وقد أتقنه صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء وعلى أمره ms391 وكله حكمة ورحمة وعدل ومصلحة وعلى نهيه وكل ما نهى ~~عنه شر وفساد وعلى ثوابه وكله رحمة وإحسان وعلى عقابه وكله عدل وحق فلله ~~الحمد وكله وله الملك كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله والمقصود ~~أنه كلما كان الفاعل أعظم حكمة كان أعظم حمدا وإذا عدم الحكمة ولم يقصدها ~~بفعله وأمره عدم الحمد الوجه السادس عشر أنه سبحانه يجب أن يشكر ويجب أن ~~يشكر عقلا وشرعا وفطرة فوجوب شكره أظهر من وجوب شكره أظهر من وجوب كل واجب ~~وكيف لا يجب على العباد حمده وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه وتعظيمه ~~وتكبيره والخضوع له والتحدث بنعمته والإقرار بها بجميع طرق الوجوب فالشكر ~~أحب شيء إليه وأعظم ثوابا وأنه خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع وذلك ~~يستلزم خلق الأسباب التي يكون الشكر بها أكمل ومن جملتها أن فاوت بين عباده ~~في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم ~~وآجالهم فإذا رأى المعافي المبتلي والغني الفقير والمؤمن الكافر عظم شكره ~~لله وعرف قدر نعمته عليه وما خصه به وفضله به على غيره فازداد شكرا وخضوعا ~~واعترافا بالنعمة # وفي أثر ذكره الإمام أحمد في الزهد أن موسى قال يا رب هلا سويت بين عبادك ~~قال اني أحببت أن أشكر فإن قيل فقد كان PageV01P221 @ من الممكن أن يسوي ~~بينهم في النعم ويسوي بينهم في الشكر كما فعل بالملائكة قيل لو فعل ذلك ~~لكان الحاصل من الشكر نوع آخر غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه والشكر ~~الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره ولهذا كان شكر الملائكة ~~وخضوعهم وذلهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له ومن هاروت ~~وماروت ما شاهدوه أعلى وأكمل مما كان قبله وهذه حكمة الرب ولهذا كان شكر ~~الأنبياء وأتباعهم بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم وانتقام الرب منهم وما أنزل ~~بهم من بأسه أعلى وأكمل وكذلك شكر أهل الجنة في الجنة وهم يشاهدون أعداءه ~~المكذبين لرسله المشركين به في ذلك العذاب فلا ريب ms392 أن شكرهم حينئذ ورضاهم ~~ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قدر اشتراك جميع الخلق في النعيم فالمحبة ~~الحاصلة من أوليائه له والرضا والشكر وهم يشاهدون بين جنسهم في ضد ذلك من ~~كل وجه أكمل وأتم # فالضد يظهر حسنه الضد # وبضدها تتبين الأشياء # ولولا خلق القبيح لما عرفت فضيلة الجمال والحسن ولولا خلق الظلام لما ~~عرفت فضيلة النور ولولا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر العافية ولولا الجحيم ~~لما عرف قدر الجنة ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدا لما عرف قدره ولو جعل ~~الليل سرمدا لما عرف قدره وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء وأعرفهم ~~بقدر الفقر من قاسى مرائر الفقر والحاجة ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة ~~من الجمال لما عرف قدر الجمال وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عرف قدر ~~الإيمان والنعمة به فتبارك من له في خلقه وأمره الحكم البوالغ والنعم ~~السوابغ يوضحه الوجه السابع عشر أنه سبحانه يجب أن يعبد بأنواع العبودية ~~ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه ~~والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته ومعارضة أعدائه وهذا النوع هو ~~ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها وهو أحب أنواعها إليه وهو موقوف على ما ~~لا يحصل بدونه من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به والأرواح التي ~~تعاديه وتكفر به ويسلط بعضها على بعض لتحصل بذلك محابة على أتم الوجوه ~~وتقرب أوليائه إليه لجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه وإذلالهم وكبتهم ومخالفة ~~سبيلهم فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته ويتبين بذلك شرف علوها ~~وظهورها ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلي أي شيء كانت كلمته ~~ودعوته تعلو فإن العلو أمر لشيء يستزم غالبا ما يعلى عليه وعلو الشيء على ~~نفسه محال والوقوف على الشي لا يحصل بدونه يوضحه الوجه الثامن عشر أن من ~~عبوديته العتق والصدقة والإيثار والمواساة والعفو والصفح والصبر وكظم الغيظ ~~واحتمال المكاره ونحو ذلك مما لا يتم إلا بوجود متعلقه وأسبابه فلولا لم ~~تحصل عبودية العتق ms393 فالرق من أثر الكفر ولولا الظلم والإساءة والعدوان لم ~~تحصل عبودية الصبر والمغفرة وكظم الغيظ ولولا الفقر والحاجة لم تحصل عبودية ~~الصدقة والإيثار والمواساة فلو سوى بين خلقه جميعهم لتعطلت هذه العبوديات ~~التي هي أحب شيء إليه ولأجلها خلق الجن والإنس ولأجلها شرع الشرائع وانزل ~~الكتب وأرسل الرسل وخلق الدنيا والآخرة وكما أن ذلك من صفات كماله فلو لم ~~يقدر الأسباب التي يحصل بها ذلك لغاب هذا الكمال وتعطلت أحكام تلك الصفات ~~كما مر توضيحه الوجه التاسع عشر أنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ~~أعظم فرح يقدر أو يخطر ببال أو يدور في خلد وحصول هذا الفرح موقوف على ~~التوبة الموقوفة على وجود ما يتاب منه PageV01P222 @ وما يتوقف عليه الشيء ~~لا يوجد بدونه فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال ولا ريب أن وجود الفرح ~~أكمل من عدمه فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه وقد نبه أعلم الخلق ~~بالله على هذا المعنى بعينه حيث يقول في الحديث الصحيح لو لم تذنبوا لذهب ~~الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم فلو لم يقدر الذنوب ~~والمعاصي فلمن يغفر وعلى من يتوب وعمن يعفو ويسقط حقه ويظهر فضله وجوده ~~وحلمه وكرمه وهو واسع المغفرة فكيف يعطل هذه الصفة أم كيف يتحقق بدون ما ~~يغفر ومن يغفر له ومن يتوب وما يتاب عنه فلو لم يكن في تقدير الذنوب ~~والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده لكفى به حكمة وغاية محمودة فكيف والحكم ~~والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر بالبال ~~وكان بعض العباد يدعو في طوافه اللهم اعصمني من المعاصي ويكرر ذلك فقيل له ~~في المنام أنت سألتني العصمة وعبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتكم من الذنوب ~~فلمن أغفر وعلى من أتوب وعمن أعفو ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ~~ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه يوضحه الوجه العشرون أنه قد يترتب على خلق من ~~يكفر به ويشرك به ويعاديه من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن ms394 يحصل ~~بدون ذلك فولا كفر قوم نوح لما ظهرت آية الطوفان وبقيت يتحدث بها الناس على ~~ممر الزمان ولولا كفر عاد لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمرت ما مرت عليه ~~ولولا كفر قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة ولا كفر فرعون لما ظهرت ~~تلك الآيات والعجائب يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة واهتدى من شاء الله فهلك ~~بها من هلك عن بينه وحي بها من حي عن بينة وظهر بها فضل الله وعدله وحكمته ~~وآيات رسله وصدقهم فمعارضة الرسل وكسر حججهم ودحضها والجواب عنها وإهلاك ~~الله لهم من أعظم أدلة صدقهم وبراهينه ولولا مجيء المشريكن بالحد والحديد ~~والعدد والشوكة يوم بدر لما حصلت تلك الآية العظيمة التي يترتب عليها من ~~الإيمان والهدى والخير ما لم يكن حاصلا مع عدمها وقد بينا أن الموقوف على ~~الشيء لا يوجد بدونه ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع فلله كم غمرت قصة بدر ~~من ربع أصبح آهلا بالإيمان وقد فتحت لأولى النهى من باب وصلوا منه إلى ~~الهدى والإيقان وكم حصل بها من محبوب للرحمن وغيظ للشيطان وتلك المفسدة ~~التي حصلت في ضمنها للكفار مغمورة جدا بالنسبة إلى مصالحها وحكمها وهي ~~كمفسدة المطر إذا قطع المسافر وبل الثياب وخرب بعض البيوت بالنسبة إلى ~~مصلحة العامة وتأمل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون للأمم من الهدى والإيمان ~~الذي غمر مفسدة من هلك به حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته فكم لله من حكمة ~~في آياته التي ابتلى بها أعداءه وأكرم فيها أولياءه وكم له فيها من آية ~~وحجة وتبصرة وتذكرة ولهذا أمر سبحانه رسوله أن يذكر بها أمته فقال تعالى ~~@QB@ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم ~~بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ~~ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم @QE@ فذكرهم بأيامه وأنعامه ~~ونجاهم من عدوهم وإهلاكهم ms395 وهم ينظرون فحصل بذلك من ذكره وشكره ومحبته ~~وتعظيمه وإجلاله ما تلاشت فيه مفسدة إهلاك الأبناء وذبحهم واضمحلت فإنهم ~~صاروا إلى النعيم وخلصوا من مفسدة العبودية لفرعون إذ اكبروا وسومهم له سوء ~~العذاب وكان الألم الذي PageV01P223 @ ذاقه الأبوان عند الذبح أيسر من ~~الآلام التي يكانوا تجرعوها باستبعاد فرعون وقومه لهم بكثير فحظي بذلك ~~الآباء والأبناء وأراد سبحانه أن يرى عباده ما هو من أعظم آياته وهو أن ~~يربي هذا المولود الذي ذبح فرعون ما شاء الله من الأولاد في طلبه في حجر ~~فرعون وفي بيته وعلى فراشه فكم في ضمن هذه الآية من حكمة ومصلحة ورحمة ~~وهداية وتبصرة وهي موقوفة على لوازمها وأسبابها ولم تكن لتوجد بدونها فإنه ~~ممتنع فمصلحة تلك الآية وحكمتها غمرت مفسدة ذبح الأبناء وجعلتها كأن لم تكن ~~وكذلك الآيات التي يأظهرها سبحانه على يد الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن ~~الكريم والعجائب والحكم والمصالح والفوائد التي في تلك القصة التي يتزيد ~~على الألف لم تكن لتحصل بدون ذلك السبب الذي كان فيه مفسدة حزونه يعقوب ~~ويوسف ثم انقلبت تلك النفسدة مصالح اضمحلت في جنبها تلك المفسدة بالكلية ~~وصارت سببا لأعظم المصالح في حقه وحق يوسف وحق الأخوة وحق امرأة العزيز وحق ~~أهل مصر وحق المؤمنين إلى يوم القيامة فكم جنى أهل المعرفة بالله وأسمائه ~~وصفاته ورسله من هذه القصة من ثمرة وكم استفادوا بها من علم وحكمة وتبصرة ~~وكذلك المفسدة التي حصلت لأيوب من مس الشيطان به بنصب وعذاب اضمحلت وتلاشت ~~في جنب المصلحة والمنفعة التي حصلت له ولغيره عند مفارقة البلاء وتبدله ~~بالنعماء بل كان ذلك السبب المكروه هو الطريق الموصل إليها والشجرة التي ~~جنيت ثمار تلك النعم منها وكذلك الأسباب التي أوصلت خليل الرحمن إلى أن ~~صارت النار عليه بردا وسلاما من كفر قومه وشركهم وتكسيره أصنامهم وغضبهم ~~لها وإيقاد النيران العظيمة له وإلقائه فيها بالمنجنيق حتى وقع في روضة ~~خضراء في وسط النار وصارت آية وحجة وعبرة ودلالة للأمم قرنا بعد قرن فكم ms396 ~~لله سبحانه في ضمن هذه الآية من حكمة بالغة ونعمة سابغة ورحمة وحجة وبينة ~~لو تعطلت تلك الأسباب لتعطلت هذه الحكم والمصالح والآيات وحكمته وكماله ~~المقدس يأبى ذلك وحصول الشيء بدون لازمه ممتنع وكم بين ما وقع من المفاسد ~~الجزئية في هذه القصة وبين جعل صاحبها أماما للحنفاء إلى يوم القيامة وهل ~~تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة الحر والبرد والمطر والثلج بالنسبة إلى ~~مصالحها بكثير ولكن الإنسان كما قال الله تعالى ظلوم جهول ظلوم لنفسه جهول ~~بربه وعظمته وجلاله وحكمته وإتقان صنعه وكم بين إخراج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من مكة على تلك الحال ودخوله إليها ذلك الدخول الذي لم يفرح به ~~بشر حبورا لله وقد اكتنفه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ~~والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به والملائكة من فوقهم والوحي من الله ينزل ~~عليه وقد أدخله حرمه ذلك الدخول فأين مفسدة ذلك الإخراج الذي كان كأن لم ~~يكن ولولا معارضة السحرة لموسى بإلقاء العصى والحبال حتى أخذوا أعين الناس ~~واسترهبوهم لما ظهرت آية عصا موسى حتى ابتلعت عصيهم وحبالهم ولهذا أمرهم ~~موسى أن يلقوا أولا ثم يلقي هو بعدهم ومن تمام ظهور آيات الرب تعالى وكمال ~~اقتداره وحكمته أن يخلق مثل جبريل صلوات الله وسلامه عليه الذي هو أطيب ~~الأرواح العلوية وأزكاها وأطهرها وأشرفها وهو السفير في كل خير وهدى وإيمان ~~وصلاح ويخلق مقابله مثل روح اللعين إبليس الذي هو أخبث الأرواح وأنجسها ~~وشرها وهو الداعي إلى كل شر وأصله ومادته وكذلك من تمام قدرته وحكمته أن ~~خلق الضياء والظلام والأرض والسماء والجنة والنار PageV01P224 @ وسدرة ~~المنتهى وشجرة الزقوم وليلة القدر وليلة الوباء والملائكة والشياطين ~~والمؤمنين والكفار والأبرار والفجار والحر والبرد والداء والدواء والآلام ~~واللذات والأحزان والمسرات واستخرج سبحانه من بين ما هو من أحب الأشياء ~~إليه من أنواع العبوديات والتعرف إلى خلقه بأنواع الدلالات ولولا خلق ~~الشياطين والهوى والنفس الأمارة لما حصلت عبودية الصبر ومجاهدة النفس ~~والشيطان ومخالفتهما وترك ما يهواه العبد ms397 ويحبه لله فإن لهذه العبودية شأنا ~~ليس لغيرها ولولا وجود الكفار لما حصلت عبودية الجهاد ولما نال أهله درجة ~~الشهادة ولما ظهر من يقدم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده ومن يقدم ~~أدنى حظ من الحظوظ عليه فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحملهم لله أنواع ~~المكاره والمشاق وأنواع العبودية المتعلقة بالدعوة وإظهارها لولا وجود ~~الكفار وتلك العبودية تقتضي علمه وفضله وحكمته ويستخرج منه حمده وشكره ~~ومحبته والرضا عنه يوضحه الوجه الحادي والعشرون أنه قد استقرت حكمته سبحانه ~~أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب ولا ~~يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق ولذلك حف الجنة ~~بالمكاره والنار بالشهوات ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة وقد خلقها له ~~واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب فما أخرجه ~~منها إلا ليدخله إليها أتم دخول فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني ~~من التفاوت وكم بين دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في جواد المطعم ~~بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد ~~مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها وكم بين فرحة من عافاه بعد ~~ابتلائه واغناه بعد فقره وهداه بعد ضلاله وجمع قلبه بعد شتاته وفرحة من لم ~~يذق تلك المرارات وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره اسباب اللذات ~~والخيرات كما قال تعالى @QB@ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون @QE@ % وربما كان مكروه النفوس إلى % محبوبها سببا ما مثله سبب % ~~يوضحه الوجه الثاني والعشرون أن العقلاء قاطبة متفقون على استحسان أتعاب ~~النفوس في تحصيل كمالاتها من العلم والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة وطلب ~~محمدة من ينفعهم حمده وكل من كان اتعب في تحصيل ذلك كان أحسن حالا وأرفع ~~قدرا وكذلك يستحسنون أتعاب النفوس في تحصيل الغنى والعز والشرف ويذمون ~~القاعد عن ذلك وينسبونه ms398 إلى دناءة الهمة وخسة النفس وضعة القدر % دع ~~المكارم لا تنهض لبغيتها % واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي % وهذا التعب ~~والكد يستلزم آلاما وحصول مكاره ومشاق هي الطريق إلى تلك الكمالات ولم ~~يقدحوا بتحمل تلك في حكمة من يحملها ولا يعدونه عائبا بل هو العقل الوافر ~~ومن أمر غيره به فهو حكيم في أمره ومن نهاه عن ذلك فهو سفيه عدو له هذا في ~~مصالح المعاش فكيف بمصالح الحياة الأبدية الدائمة والنعيم المقيم كيف لا ~~يكون الآمر بالتعب القليل في الزمن اليسير الموصل إلى الخير الدائم حكيما ~~رحيما محسنا ناصحا لمن يأمره وينهاه عن ضده من الراحة واللذة التي تقطعه عن ~~كماله ولذته ومسرته الدائمة هذا إلى ما في أمره ونهيه من المصالح العاجلة ~~التي بها سعادته وفلاحه وصلاحه ونهيه عما فيه PageV01P225 @ مضرته وعطبه ~~وشقاوته فاوامر الرب تعالى رحمة وإحسان وشفاء ودواء وغذاء للقلوب وزينة ~~للظاهر والباطن وحياة للقلب والبدن وكم في ضمنه من مسرة وفرحة ولذة وبهجة ~~ونعيم وقرة عين فما يسميه هؤلاء تكاليف إنما هو قرة العيون وبهجة النفوس ~~وحياة القلوب ونور العقول وتكميل للفطر وإحسان تام إلى النوع الإنساني أعظم ~~من إحسانه اليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس فنعمته على عباده ~~بإرسال الرسل إليهم وإنزال كتبه عليهم وتعريفهم امره ونهيه وما يحبه وما ~~يبغضه أعظم النعم وأجلها وأعلاها وأفضلها بل لا نسبة لرحمتهم بالشمس والقمر ~~والغيث والنبات إلى رحمتهم بالعلم والإيمان والشرائع والحلال والحرام فكيف ~~يقال أي حكمة في ذلك وإنما هو مجرد مشقة ونصب بغير فائدة فوالله أن من زعم ~~ذلك وظنه في أحكم الحاكمين لاضل من الأنعام واسوأ حالا من الخمير ونعوذ ~~بالله من الخذلان والجهل بالرحمن وأسمائه وصفاته وهل قامت مصالح الوجود إلا ~~بالأمر والنهي وإرسال الرسل وإنزال الكتب ولولا ذلك لكان الناس بمنزلة ~~البهائم يتهارجون في الطرقات ويتسافدون تسافد الحيوانات لا يعرفون معروفا ~~ولا ينكرون منكرا ولا يمتنعون من قبيح ولا يهتدون إلى صواب وأنت ترى ~~الأمكنة والأزمنة التي خفيت فيها آثار النبوة كيف ms399 حال أهلها وما دخل عليهم ~~من الجهل والظلم والكفر بالخالق والشرك بالمخلوق واستحسان القبائح وفساد ~~العقائد والأعمال فإن الشرائع بتنزيل الحكيم العليم أنزلها وشرعها الذي ~~يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد وأسباب سعادتهم ~~الدنيوية والأخروية فجعلها غذاء ودواء وشفاء وعصمة وحصنا وملجأ وجنة ووقاية ~~وكانت بالقياس إلى مصالح إلابدان بمنزلة حكيم عالم ركب للناس أمرا يصلح لكل ~~مرض ولكل ألم وجعله مع ذلك غذاء للأصحاء فمن يغذي به من الأصحاء غذاه ومن ~~يداوي به من المرض شفاه وشرائع الرب تعالى فوق ذلك وأجل منه وإنما هو تمثيل ~~وتقريب فلا أحسن من أمره ونهيه وتحليله وتحريمه أمره قوت وغذاء وشفاء ونهيه ~~حمية وصيانة فلم يأمر عباده بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا عبثا بل رحمة ~~وإحسانا ومصلحة ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه بخلا عليهم بل حماية ~~وصيانة عما يؤذيهم ويعود عليهم بالضرر أن تناولوه فكيف يتوهم من له مسكة من ~~عقل خلوها من الحكم والغايات المحمودة المطلوبة لأجلها ولهذا استدل كثير من ~~العقلاء على النبوة بنفس الشريعة وستغنوا بها عن طلب المعجزة وهذا من أحسن ~~الاستدلال فإن دعوة الرسل من أكبر شواهد صدقهم وكل من له خبرة بنوع من ~~أنواع العلوم إذا رأى حاذقا قد صنف فيه كتابا جليلا عرف انه من أهل ذلك ~~العلم بنظره في كتابه وهكذا كل من له عقل وفطرة سليمة وخبرة بأقوال الرسل ~~ودعوتهم إذا نظر في هذه الشريعة قطع قطعا نظير القطع بالمحسوسات أن الذي ~~جاء بهذه الشريعة رسول صادق وأن الذي شرعها أحكم الحاكمين ولقد شهد لها ~~عقلاء الفلاسفة بالكمال والتمام وأنه لم يطرق العالم ناموس أكمل ولا أحكم ~~هذه شهادة الأعداء وشهد لها من زعم انه من الأولياء بأنها لم تشرع لحكمة ~~ولا لمصلحة وقالوا أي حكمة في الإلزام بهذه التكاليف الشاقة المتعبة وأي ~~مصلحة للمكلف في ذلك واي غرض للمكلف وما هي إلا محض المشيئة المجردة من قصد ~~غاية أو حكمة ولو استحيى هؤلاء من ms400 العقلاء لمنعهم الحياء من تسويد القلوب ~~والأوراق بمثل ذلك وهل تركت الشريعة خيرا ومصلحة إلا جاءت به وأمرت به ~~وندبت إليه وهل تركت شرا ومفسدة إلا نهت عنه وهل تركت لمفرح أفراحا ~~PageV01P226 @ أو لمتعنت تعنتا أو لسائل مطلبا فمن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون وعند نفاة الحكم أنه يجوز عليه ضد ذلك الحكم من كل وجه وأنه لا فرق ~~بينه وبين ضده في نفس الأمر إلا لمجرد التحكم والمشيئة فلوا اجتمعت حكمة ~~جميع الحكماء من أول الدهر إلى آخره ثم قيست إلى حكمة هذه الشريعة الكاملة ~~الحكيمة الفاضلة لكانت كقطرة من بحر وإنما نعني بذلك الشريعة التي أنزلها ~~الله على رسوله وشرعها للأمة ودعاهم إليها لا الشريعة المبدلة ولا المؤولة ~~ولا ما غلط فيه الغالطون وتأوله المتأولون فإن هذين النوعين قد يشتملان على ~~فساد وشر بل الشر والفساد الواقع بين الأمة من هاتين الشريعيتن اللتين ~~نسبتا إلى الشريعة المنزلة من عند الله عمدا أو خطأ وإلا فالشريعة على ~~وجهها خير محض ومصلحة من كل وجه ورحمة وحكمة ولطف بالمكلفين وقيام مصالحهم ~~بها فوق قيام مصالح أبدانهم بالطعام والشراب فهي مكملة للفطر والعقول مرشدة ~~إلى ما يحبه الله ويرضاه ناهية عما يبغضه ويسخطه مستعملة لكل قوة وعضو حركة ~~في كماله الذي لا كمال له سواه آمره بمكارم الأخلاق ومعاليها ناهية عن ~~دنيئها وسفسافها واختصار ذلك أنه شرع استعمال كل قوة وكل عضو وكل حركة في ~~كمالها ولا سبيل إلى معرفة كمالها على الحقيقة إلا بالوحي فكانت الشرائع ~~ضرورية في مصالح الخلق وضرورتها له فوق كل ضرورة تقدر فهي أسباب موصلة إلى ~~سعادة الدارين ورأس الأسباب الموصلة إلى حفظ صحة البدن وقوته واستفراغ ~~أخلاطه ومن لم يتصور الشريعة على هذه الصورة فهو من أبعد الناس عنها وقد ~~جعل الحكيم العليم لكل قوة من القوى ولكل حاسة من الحواس ولكل عضو من ~~الأعضاء كمالا حسيا وكمالا معنويا وفقد كماله المعنوي شر من فقد كماله ~~الحسي فكماله المعنوي بمنزلة الروح والحسي بمنزلة الجسم ms401 فأعطاه كماله الحسي ~~خلقا وقدرا وأعطاه كماله المعنوي شرعا وأمرا فبلغ بذلك غاية السعادة ~~والانتفاع بنفسه فلم يدع للإحسان إليه والاعتناء بمصالحه وإرشاده إليها ~~وإعانته على تحصيلها أفراحا يفرحه ولا شفاء يطلبه بل أعطاه من ذلك ما لم ~~يصل إليه أفراحه ولا تدرك معرفته ويكفي العاقل البصير الحي القلب فكرة في ~~فرع واحد من فروع الأمر والنهي وهو الصلاة وما اشتملت عليه من الحكم ~~الباهرة والمصالح الباطنة والظاهرة والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن ~~والقوى التي لو اجتمع حكماء العالم قاطبة واستفرغوا قواهم وأذهانهم لما ~~أحاطوا بتفاصيل حكمها وأسرارها وغاياتها المحمودة بل انقطعوا كلهم دون ~~أسرار الفاتحة وما فيها من المعارف الإلهية والحكم الربانية والعلوم ~~النافعة والتوحيد التام والثناء على الله بأصول أسمائه وصفاته وذكر أقسام ~~الخلقة باعتبار غاياتهم ووسائلهم وما في مقدماتها وشروطها من الحكم العجيبة ~~من تظهير الأعضاء والثياب والمكان وأخذ الزينة واستقبال بيته الذي جعله ~~إماما للناس وتفريغ القلب وإخلاص النية وافتتاحها بكلمة جامعة لمعاني ~~العبودية دالة على أصول الثناء وفروعه وخرجة من القلب الالتفات إلى ما سواه ~~والاقبال على غيره فيقدم بقلبه الوقوف بين يدي عظيم جليل أكبر من كل شيء ~~وأجل من كل شيء وأعظم من كل شيء بلا سبب في كبريائه السماوات وما أظلت ~~والأرض وما أقلت والعوالم كلها عنت له الوجوه وخضعت له الرقاب وذلت له ~~الجبابرة قاهر عباده ناظر إليهم عالم بما تكن صدورهم يسمع كلامهم ويرى ~~مكانهم لا يخفى عليه خافية من أمرهم ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكر تبارك ~~اسمه وتعالى جده وتفرده بالإهية ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يثنى عليه ~~به من حمده وذكر ربوبيته للعالم وإحسانه إليهم PageV01P227 @ ورحمته بهم ~~وتمجديه بالملك الأعظم في اليوم الذي لا يكون فيه ملك سواه حتى يجمع ~~الأولين والآخرين في صعيد واحد ويدينهم بأعمالهم ثم إفراده بنوعي التوحيد ~~توحيد ربوبيته استعانة به وتوحيد إلهيته عبودية له ثم سؤاله أفضل مسؤل وأجل ~~مطلوب على الإطلاق وهو هداية الصراط المستقيم الذي نصبه لأنبيائه ورسله ms402 ~~وأتباعهم وجعله صراطا موصلا لمن سلكه إليه وإلى جنته وانه صراط من اختصهم ~~بنعمته بأن عرفهم الحق وجعلهم متبعين له دون صراط أمة الغضب الذي عرفو الحق ~~ولم يتبعوه وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته وأتباعه فتضمنت تعريف الرب ~~والطريق الموصل إليه والغاية بعد الوصول وتضمنت الثناء والدعاء وأشرف ~~الغايات وهي العبودية وأقرب الوسائل إليها وهي الاستعانة مقدما فيها على ~~الوسيلة والمعبود المستعان على الفعل إيذانا لاختصاصه وإن ذلك لا يصلح إلا ~~له سبحانه وتضمنت ذكر الإلهية والربوبية والرحمة فيثنى عليه ويعبد بإلهيته ~~ويخلق ويرزق ويميت ويحيى ويدبر الملك ويضل من يستحق الإضلال ويغضب على من ~~يستحق الغضب بربوبيته وحكمته وينعم ويرحم ويجود ويعفو ويغفر ويهدي ويتوب ~~برحمته فلله كم في هذه السورة من أنواع المعارف والعلوم والتوحيد وحقائق ~~الإيمان ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلوب وشفاء الصدور ونور البصائر ~~وحياة الأرواح وهو كلام رب العالمين فيحل به في ما شاء لم روضات مونقات ~~وحدائق معجبات زاهية أزهارها مونقة ثمارها قد ذللت قطوفها تذليلا وسهلت ~~لمتناولها تسهيلا فهو يجتني من تلك الثمار خيرا يؤمر به وشرا ينهى عنه ~~وحكمة وموعظة وتبصرة وتذكرة وعبرة وتقريرا لحق ودحضا لباطل وإزالة لشبهة ~~وجوابا عن مسألة وإيضاحا لمشكل وترغيبا في أسباب فلاح وسعادة وتحذيرا من ~~أسباب خسران وشقاوة ودعوة إلى هدى ورد عن ردي فتنزل على القلوب نزول الغيث ~~على الأرض التي لا حياة لها بدونه ويحل منها محل الأرواح من أبدانها فأي ~~نعيم وقرة عين ولذة قلب وابتهاج وسرور لا يحصل له في هذه المناجاة والرب ~~تعالى يسمع لكلامه جاريا على لسان عبده ويقول حمدني عبدي أثنى علي عبدي ~~مجدني عبدي ثم يعود إلى تكبير ربه عز وجل فيجد ربه عهد التذكرة كونه أكبر ~~من كل شيء بحق عبوديته وما ينبغي أن يعامل به ثم يرجع جاثيا له ظهره خضوعا ~~لعظمته وتذللا لعزته واستكانة لجبروته مسبحا له بذكر اسمه العظيم فنزه ~~عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه وقابل تلك العظمة بهذا ms403 الذل والانحناء ~~والخضوع قد تطامن وطأطأ رأسه وطوى ظهره وربه فوقه يرى خضوعه وذلة ويسمع ~~كلامه فهو ركن تعظيم وإجلال كما قال صلى الله عليه وسلم أما الركوع فعظموا ~~فيه الرب ثم عاد إلى حاله من القيام حامدا لربه مثنيا عليه بأكمل محامده ~~وأجمعها وأعمها مثنيا عليه بأنه أهل الثناء والمجد ومعترفا بعبوديته شاهدا ~~بتوحيده وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وأنه لا ينفع أصحاب الجدد ~~والأموال والحظوظ جدودهم عنه ولو عظمت ثم يعود إلى تكبيره ويخر له ساجدا ~~على أشرف ما فيه وهو الوجه فيعفره في التراب ذلا بين يديه ومسكنه وانكسارا ~~وقد أخذ كل عضو من البدن حظه من هذا الخضوع حتى أطراف الأنامل ورؤس الأصابع ~~وندب له أن يسجد معه ثيابه وشعره فلا يكفيه وأن لا يكون بعضه محمولا على ~~بعض وأن يتأسر التراب بجبهته وينال قبل وجهة المصلي ويكون رأسه أسفل ما فيه ~~تكميلا للخضوع والتذليل لمن له العز كله والعظمة كلها وهذا أيسر اليسير من ~~حقه على عبده فلو PageV01P228 @ دام كذلك من حين خلق إلى أن يموت لما أدى ~~حق ربه عليه ثم أمر أن يسبح ربه الأعلى فيذكر علوه سبحانه في حال سفوله هو ~~وينزهه عن مثل هذه الحال وأن من هو فوق كل شيء وعال على كل شيء ينزه عن ~~السفول بكل معنى بل هو الأعلى بكل معنى من معاني العلو ولما كان هذا غاية ~~ذل العبد وخضوعه وانكساره كان أقرب ما يكون الرب منه في هذه الحال فأمر أن ~~يجتهد في الدعاء لقربه من القريب المجيب وقد قال تعالى فاسجد واقترب وكان ~~الركوع كالمقدمة بين يدي السجود والتوطئة له فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل ~~وأتم منه وأرفع شأنا وفصل بينهما بركن مقصود في نفسه يجتهد فيه بالحمد ~~والثناء والتمجيد وجعل بين خضوع خضوع قبله وخضوع بعده وجعل خضوع السجود بعد ~~الحمد والثناء والمجد كما جعل خضوع الركوع بعد ذلك فتأمل هذا الترتيب ~~العجيب وهذا التنقل في مراتب العبودية ms404 كيف ينتقل من مقام الثناء على الرب ~~بأحسن اوصافه وأسمائه وأكمل محامده إلى من له خضوعه وتذلله أن له هذا ~~الثناء ويستصحب في مقامه خضوعه بما يناسب ذلك المقام ويليق به فتذكر عظمة ~~الرب في حال خضوعه وعلوه في حال سفوله ولما كان أشرف إذكار الصلاة القرآن ~~شرع في أشرف أحوال الإنسان وهي هيئة القيام التي قد انتصب فيها قائما على ~~أحسن هيئة ولما كان أفضل أركانها الفعلية السجود شرع فيها بوصف التكرار ~~وجعل خاتمة الركعة وغايتها التي انتهت إليها مطابق افتتاح الركعة بالقرآن ~~واختتامها بالسجود أول سورة افتتح بها الوحي فإنها بدئت بالقراءة وختمت ~~بالسجود وشرع له بين هذين الخضوعين أن يجلس جلسة العبيد ويسأل ربه أن يغفر ~~له ويرحمه ويرزقه ويهديه ويعافيه وهذه الدعوات تجمع له خير دنياه وآخرته ثم ~~شرع له تكرار هذه الركعة مرة بعد مرة كما شرع تكرار الأذكار والدعوات مرة ~~بعد مرة ليستعد بالأول لتكميل ما بعده ويجبر بما بعده ما قبله وليشبع القلب ~~من هذا الغذاء وليأخذ رواه ونصيبه وافرا من الدواء ليقاومه فإن منزلة ~~الصلاة من القلب منزلة الغذاء والدواء فإذا تناول الجائع الشديد الجوع من ~~اللقمة أو اللقمتين كان غناؤها عنه وسدها من جوعه يسيرا جدا وكذلك المرض ~~الذي يحتاج إلى قدر يغني من الدواء إذا أخذ منه المريض قيراطا من ذلك لم ~~يزل مرضه بالكلية وأزال بحسبه فما حصل الغذاء أو الشفاء للقلب بمثل الصلاة ~~وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاء البدن ودوائه ثم لما أكمل صلاته شرع له أن ~~يقعد قعدة العبد الذليل المسكين لسيده ويثني عليه بأفضل التحيات ويسلم على ~~من جاء بهذا الحظ الجزيل ومن نالته الأمة على يديه ثم يسلم على نفسه وعلى ~~سائر عباد الله المشاركين له في هذه العبودية ثم يتشهد شهادة الحق ثم يعود ~~فيصلي على من نعظم الأمة هذا الخير ودلهم عليه ثم شرع له أن يسال حوائجه ~~ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربه مقبلا عليه فإذا قضى ذلك أذن له ms405 في ~~الخروج منها بالتسليم على المشاركين له في الصلاة هذا إلى ما تضمنته ~~الأحوال والمعارف من أول المقامات إلى آخرها فلا تجد منزلة من منازل السير ~~إلى الله ولا مقاما من مقامات العارفين إلا وهو في ضمن الصلاة وهذا الذي ~~ذكرناه من شأنها كقطرة من بحر فكيف يقال أنها تكليف محض لم يشرع لحكمة ولا ~~لغاية قصدها الشارع بل هي محض وكلفة ومشقة مستندة إلى محض المشيئة لا لغرض ~~ولا لفائدة البتة بل مجرد قهر وتكليف وليست سببا لشيء من مصالح الدنيا ~~والآخرة ثم تأمل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها كيف PageV01P229 @ تجدها ~~مشحونة بالحكم المقصودة والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها التي لولاها ~~لكان الناس كالبهائم بل أسوأ حالا فكم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب ~~والبدن وتفريح للقب وتنشيط للجوارح وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة ~~وألقاه عز النفس من درن المخالفات فهي منظفة للقلب والروح والبدن وفي غسل ~~الجنابة من زيادة النعومة والأخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما ~~هو من أنفع الأمور وتأمل كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل ~~فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق وهذه الأبواب هي ~~أبواب المعاصي والذنوب كلها منها يدخل إليها ثم جعل في اليدين وهما طرفاه ~~وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ~~ويسعى ولما كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة جعل مكانه المسح وجعل ذلك ~~مخرجا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره كما ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال إذا توضأ العبد المسلم ~~أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع ~~آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان يبطشها يداه مع ~~الماء أو مع آخر قطر فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو ~~مع آخر قطر الماء حتى ms406 يخرج نقيا من الذنوب رواه مسلم وفي صحيح مسلم أيضا عن ~~عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من توضأ فأحسن الوضوء ~~خرجت خطاياه حتى يخرج من تحت أظفاره فهذا من أجل حكم الوضوء وفوائده وقال ~~نفاة الحكمة أنه تكليف ومشقة وعناء محض لا مصلحة فيه ولا حكمة شرع لأجلها ~~ولو لم يكن في مصلحته وحكمته إلا أنه سيماء هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم ~~وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ليست لأحد غيرهم ولو لم يكن فيه من المصلحة ~~والحكمة إلا أن المتوضيء يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ~~ربه ومناجاته والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب فأي حكمة ورحمة ~~ومصلحة فوق هذا ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى أن تحت كل شعرة ~~شهوة سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن تحت كل شعرة جنابة فأمر أني يوصل الماء إلى أصل كل شعرة فيبرد حرارة ~~الشهوة فتسكن النفس وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه ~~فوالله لو أن أبقراط ودونه أوصوا بمثل هذا لخضع أتباعهم لهم فيه وعظموهم ~~عليه غاية التعظيم وأبدوا له من الحكم والفوائد ما قدروا عليه ثم لما كان ~~العبد خارج الصلاة مهمل جوارحه قد أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ أمر ~~العبودية بجميع جوارحه كلها على ربه بحظها من عبوديته فيسلم قلبه وبدننه ~~وجوارحه وحواسه وقواه لربه عز وجل واقفا بين نقبلا بكله عليه معرضا عمن ~~سواه متنصلا من إعراضه عنه وجنايته على حقه ولما كان هذا طبعه وذاته أمران ~~يجدد هذا الركوع إليه والإقبال عليه وقتا بعد وقت لئلا يطول عليه الأمد ~~فينسى ربه وينقطع عنه بالكلية وكانت الصلاة من أعظم نعم الله عليه وأفضل ~~هداياه التي ساقها إليه فأبى نفاة الحكمة إلا جعلها كلفة وعناء وتعبا لا ~~لحكمة ولا لمصلحة البتة إلا مجرد القهر والمشيئة وقد فتح ذلك الباب فساق ~~الشريعة كلها من أولها إلى آخرها هذا ms407 المساق واستدل بما ظهر لك على ما خفي ~~عنك ولعل الحكمة فيما لم تعلمه أعظم منها فيما علمته فإن الذي علمته على ~~قدر عقلك وفهمك وما خفي عنك فهو فوق PageV01P230 @ عقلك وفهمك ولو تتبعنا ~~تفصيل ذلك لجاء عدة أسفار فيكتفي منه بأدنى بينة والله المستعان # الوجه الثالث والعشرون أن هذه الجمادات والحيوانات المختلفة الأشكال ~~والمقادير والصفات والمنافع والقوى والأغذية والنباتات التي هي كذلك فيها ~~من الحكم والمنافع ما قد أكثرت الأمم في وصفه وبحربته على ممر الدهور ومع ~~ذلك فلم يصلوا منه إلا إلى أيسر شيء وأقله بل لو اتفق جميع الأمم لم يحيطوا ~~علما بجميع ما أودع واحد من ذلك النوع من الحكم والمصالح هذا إلى ما في ضمن ~~ذلك من الاعتبار والدلالة الظاهرة على وجود الخالق ومشيئته واختياره وعلمه ~~وقدرته وحكمته فإن المادة الواحدة لا تحتمل بنفسها هذه الصورة الغريبة ~~والأشكال المتنوعة والمنافع والصفات ولو تركبت مع غيرها فليس حدوث هذه ~~الأنواع والصور بنفس التركيب أيضا ولا هو مفيض له فحصول هذا التنوع ~~والتفاوت والاختلاف في الحيوان والنبات من أعظم آيات الرب تعالى ودلائل ~~ربوبيته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه فعال لما يريد اختيارا ومشيئة فتنويع ~~مخلوقاته وحدوثها شيأ بعد شئ من أظهر الدلالات وتأمل كيف أرشد القرآن إلى ~~ذلك في غير موضع كقوله تعالى @QB@ وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ~~إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ~~وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل ~~دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ~~@QE@ وقوله @QB@ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ~~إن في ذلك لآيات للعالمين @QE@ وقوله @QB@ هو الذي أنزل من السماء ماء لكم ~~منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع ms408 والزيتون والنخيل والأعناب ~~ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون @QE@ وقول تعالى @QB@ والله ~~خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ~~من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير @QE@ فتأمل ~~كيف نبه سبحانه باختلاف الحيوانات في المشي مع اشتراكها في المادة على ~~الاختلاف فيما وراء ذلك من أعضائها وأشكالها وقواها وأفعالها وأغذيتها ~~ومساكنها فنبه على الإشتراك والاختلاف فيشير إلى يسير منه فالطير كلها ~~تشترك في الريش والجناح وتتفاوت فيما وراء ذلك أعظم تفاوت واشتراك ذوات ~~الحوافر في الحافر كالفرس والحمار والبغل وتفاوتها في ما وراء ذلك واشتراك ~~ذوات الأظلاف في الظلف وتفاوتها في غير ذلك واشتراك ذوات القرون فيها ~~وتفاوتها في الخلق والمنافع والأشكال واشتراك حيوانات الماء في كونها سابحة ~~تأوي فيها وتتكون فيها وتفاوتها أعظم تفاوت عجز البشر إلى الآن عن حصره ~~واشتراك الوحوش في البعد عن الناس والتفاوت عنهم وعن مساكنهم وتفاوتها في ~~صفاتها وأشكالها وطبائعها وأفعالها أعظم تفاوت يعجز البشر عن حصره واشتراك ~~الماشي منها على بطنه في ذلك وتفاوت نوعه واشتراك الماشي على رجلين في ذلك ~~وتفاوت نوعه أعظم تفاوت وكل من هذه الأنواع له علم وإدراك وتحليل على جلب ~~مصالحه ودفع مضاره يعجز كثير منها نوع الإنسان فمن أعظم الحكم الدلالة ~~الظاهرة على معرفة الخالق الواحد المستولي بقوته وقدرته وحكمته على ذلك كله ~~بحيث جاءت كلها مطيعة منقادة منساقة إلى ما خلقها له على وفق مشيئته وحكمته ~~وذلك أدل شيء على قوته PageV01P231 @ القاهرة وحكمته البالغة وعلمه الشامل ~~فيعلم إحاطة قدرة واحدة وعلم واحد وحكمة واحدة أعنى بالنوع من قادر واحد ~~حكيم واحد بجميع هذه الأنواع وأضعافها مما لا تعلمه العقول البشرية كما قال ~~@QB@ ويخلق ما لا تعلمون @QE@ وقال @QB@ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ~~@QE@ فيجمع غايات فعله وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة هي منتهى الغايات ~~وهي إلهية الحق التي كل إلهية سواها فهي باطل ومحال فهي غاية ms409 الغايات ثم ~~ينزل منها إلى غايات أخر هي وسائل بالنسبة اليها وغايات بالنسبة إلى ما ~~دونها وان إلى ربك المنتهى فليس وراءه معلوم ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم ~~المحض وليس في الوجود إلا الله ومفعولاته وهي آثار أفعاله وأفعاله آثار ~~صفاته وصفاته قائمة به من لوازم ذاته والمقصود إن الغايات المطلوبة العلم ~~بإحاطة علم واحد من عالم واحد وفعل واحد من فاعل واحد وقدرة واحدة من قادر ~~واحد وحكمة واحدة من حكيم واحد بجميع ما فيه على اختلاف ما فيه واجتمعت ~~غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية كما ~~ابتدأت كلها من خالق واحد وقادر واحد ورب واحد ودل على الأمرين أعنى توحيد ~~الربوبية والإلهية النظام الواحد والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع ضدها ~~وتعذرها ودل افتقار بعضها إلى بعض وتشبك بعضها ببعض ومعاونة بعضها ببعض ~~وارتباطه به على انها صنع فاعل واحد ورب واحد فلو كان معه الهة وأرباب غيره ~~كما لا ترضى ملوك الدنيا أن يحتاج مملوك احدهم إلى مملوك غيره مثله لما في ~~ذلك من النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغناء ودل انتظامها في ~~الوجود ووقوعها في ثباتها واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها على انتهائها ~~إلى غاية واحدة ومطلوب واحد هو إلهها الحق ومعبودها الأعلى الذي لا إله لها ~~غيره ولا معبود لها سواه فتأمل كيف دل اختلاف الموجودات وثباتها واجتماعها ~~فيما اجتمعت فيه وافتراقها فيما افترقت على إله واحد ورب واحد ودلت على ~~صفات كماله ونعوت جلاله فالموجودات بأسرها كعسكر واحد له ملك واحد وسلطان ~~واحد يحفظ بعضه ببعض وينظم مصالح بعضه ببعض ويسد خلل بعضه ببعض فيمد هذا ~~بهذا ويقوي هذا بهذا وينقص من هذا فيزيده في الآخر يولج الليل بالنهار ~~ويولج النهار بالليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويبيد هذا ~~فينشي مكانه من جنسه ما يقوم مقامه ويسد مسده فيشهد حدوث الثاني إن الذي ~~أحدثه وأوجده هو الذي أحدث الأول لا غيره وإن حكمته لم تتغير ms410 وعلمه لم ينقص ~~وقدرته لم تضعف وإنه لا يتغير بتغير ما يغير منها ولا يضمحل باضمحلاله ولا ~~يتلاشى بتلاشيه بل هو الحي القيوم العزيز الحكيم هذا إلى ما في لوازم ~~مكبرها وانتظام بعضها ببعض وما يصدر عنها من الأفعال والآثار من حكم وأفعال ~~أخرى وغايات أخر حكمها حكم موادها وحواملها كما نشاهده في أشخاصها وأعيانها ~~مثال ذلك في أحدوثه واحدة إنك ترى المعدة تشاق الغذاء وتجتذبه إليها فانظر ~~لوازم ذلك قبل تناوله ولوازمه بعد تناوله وما يترتب على تلك اللوازم من ~~عمارة الدنيا فإذا جذبته إليها أنضجته وطبخته كما تنضج القدر ما فيها ~~فتنضجه الإنضاج الذي تعده لتغذي أجزاء البدن وقواه وأرواحه به وهي إذا ~~أنضجته لأجل نصيبها الذي ينالها منه فهو قليل من كثير بالنسبة إلى انتفاع ~~غيرها به فيدفع ما فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة إليه على قدر ~~حاجته من غير أن يقصد ذلك أو يشعر به ولكن قد قصده وأحكمه من هو بكل شيء ~~عليم وعلى كل شيء قدير يدبره بحكمته ولطفه وساقه في المجاري التي لا ينفذ ~~PageV01P232 @ فيها الإبر لدقة مسالكها حتى أوصله إلى المحتاج إليه الذي لا ~~صلاح له الا بوصوله إليه وكانت طبيعة الكبد ومزاجها في ذلك تلي طبيعة ~~المعدة وفعلها يلي فعلها وكذلك الأمعاء وباقي الأعضاء كالكبد للقلب في ~~أعداد الغذاء والقلب للرئة والرئة للقلب في أعداد الهواء وإصلاحه فالأعضاء ~~الموجودة في الشخص إذا تأملتها وتأملت أفعالها ومنافعها وما تضمنه كل واحد ~~منها من حكمة اختصت به كشكله ووصفه ومزاجه ووضعه من الشخص بذلك الموضع ~~المعين علمت علما يقينا أن ذلك صادر عن خالق واحد ومدبر واحد وحكيم واحد ~~فانتقل من هذا إلى أشخاص العالم شخصا شخصا من النوع الإنساني تجد الحكمة ~~الواحدة الظاهرة في تلك الأفراد الكثيرة قد نفعت بعضهم بعض وأعانت بعضهم ~~ببعض حراثا لزارع وزراعا لحاصد وحائكا لخياط وخياطا لنجار ونجارا لبناء ~~فهذا يعين هذا بيده وهذا برجله وهذا يعينه بعينه وهذا بإذنه وهذا بلسانه ~~وهذا ms411 بماله وإذ لا يقدر أحدهم على جميع مصالحه ولا يقوم بحاجاته ولا توجد ~~في كل واحد منهم جميع خواص نوعه فهم بأشخاصهم الكثير كإنسان واحد يقوم بعضه ~~بمصالح بعض قد كمل خواصه الإنسانية في صفاته وأفعاله وصنائعه وما يراد منه ~~فإن الواحد منهم لا يفي بأن يجمع جميع الفضائل العلمية والعملية والقوة ~~والبقاء فجعل ذلك في النوع الإنساني بجملته والله سبحانه وقد فرق كمالات ~~النوع في أشخاصه وجعل لكل شخص منها ما هو مستعد قابل له بحيث لو قيل أكثر ~~من ذلك لأعطاه فإنه جواد لذاته قد فاض جوده دخيره على العالم كله وفضل عنه ~~أضعاف ما فاض عليه فهو يفيضه على تعاقب الآنات أبدا وكذلك يفضل في الجنة ~~فضل عن أهلها فينشئ لها خلقا يسكنهم فضلها وإنما يتخصص فضله بحسب استعداد ~~العوامل والمعدات وذلك بمشيئته وحكمته فهو الذي أوجدها وهو الذي أعدها وهو ~~الذي امدها ولما كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق لم يكن بد من بقاء كثير ~~منه مبذولا في الوجود مهملا وهذا كضوء الشمس مثلا فإن مصالح الحيوان لا تتم ~~إلا به وهي تشرق على مواضع فضلت عن حوائج بني آدم والحيوان وكذلك المطر ~~والنبات وسائر النعم ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حكم ومصالح وعبر ودلالات ~~وعطاء الرب ونعمه أوسع من حوائج خلقه فلا بد أن يبقى في المياه والأقوات ~~والنبات وغير ذلك أجزاء مهملة ولا يقال ما الحكمة في خلقها فإن هذا سؤال ~~جاهل ظالم فإن الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير والمعمور ~~بعضها لا كلها والرب تعالى واسع الجود دائمه فجوده وخيره عام دائم فلا يكون ~~إلا كذلك فإن ذلك من لوازم علمه وقدرته وحكمته ولعلمه وقدرته وحكمته العموم ~~والشمول والكمال المطلق بكل اعتبار فيعلم من استقراء العالم وأحواله ~~انتهاؤه إلى عالم واحد وقادر واحد وحكيم واحد أتقن نظامه أحسن الإتقان ~~وأوجده على أتم الوجود وهو سبحانه ناظم أفعال الفاعلين مع كثرتها ورابط ~~بعضها ببعض ومعين بعضها ببعض وجاعل بعضها ms412 سببا لبعض وغاية لبعض وهذا من أدل ~~الدليل على انه خالق واحد ورب واحد وقادر واحد دل على قدرته كثرة أفعاله ~~وتنوعها في الوقت الواحد وتعاقبها على تتالي الآنات وتعين تصرفاته في ~~مخلوقاته على كثرتها ودل على علمه وحكمته كون كل شيء كبير وصغير ودقيق ~~وجليل داخلا في النظام الحكمي ليس منها شيء حتى مسام الشعر في الجلد ومراشح ~~اللعاب في الفم ومجاري الشعب الدقيقة من العروق في أصغر الحيوانات التي ~~تعجز عنها أبصارنا ولا تنالها قدرتنا وهذا فيما دق لصغره وفيما جل لعظمه ~~كالرياح الحاملة للسحب إلى الأرض PageV01P233 @ الجزر التي لا نبات بها ~~فيمطرها عليها فيخرج بها نباتا ويحيي بها حيوانا ويجعل فيها جزأين من ~~الطعام والشراب والأقوات والأدوية دع ما فوق ذلك من تسخير الشمس والقمر ~~والنجوم واختلاف مطالعها ومغاربها لإقامة دولة الليل والنهار وفصول العام ~~التي بها نظام مصالح من عليها فإذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد ~~فيه جميع عباده فالسماء سقفه والأرض بساطه والنجوم زينته والشمس سراجه ~~ومصالح سكانه والليل سكنهم والنهار معاشهم والمطر سقياهم والنبات غذاؤهم ~~ودواهم وفاكهتهم والحيوان خدمهم ومنه قوتهم ولباسهم والجواهر كنوزهم ~~وذخائرهم كل شيء منها لما يصلح له فضروب النبات لجميع حاجاتهم وصنوف ~~الحيوانات معدة لجميع مصالحهم وذلك أدل دليل على وحدانية خالقه وقدرته فلم ~~يكن لون السماء أزرق اتفاقا بل لحكمة باهرة فإن هذا اللون أشد الألوان ~~موافقة للبصر حتى أن في وصف الأطباء لمن أصابه ما أضر ببصره أو كلم بصره ~~إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد فجعل أحكم الحاكمين أديم ~~السماء بهذا اللون ليمسك الأبصار الراجعة فلا ينكأ فيها فهذا الذي أدركه ~~الناس بعد الفكر والتجربة قد وجد مفروغا منه في الخلقة ولم يكن طلوع الشمس ~~وغروبها على هذا النظام لغير علة ولا حكمة مطلوبة فكم من حكمة ومصلحة في ~~ذلك من إقامة الليل والسكن فيه والنهار والمعاش فيه فلو جعل الله عليهم ~~الليل سرمدا لتعطلت مصالحهم وأكثر معايشهم والحكمة في طلوعها أظهر من ms413 أن ~~تنكر ولكن تأمل الحكمة في غروبها إذ لولا ذلك لم يكن للناس هدوء ولا قرار ~~ولا راحة وكان الكد الدائم بتكافؤ أبدانهم وتسرع فسادها وكان ما على الأرض ~~يحرق بدوام شروق الشمس من حيوان ونبات فصار النور والظلمة على تضادهما ~~متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ونظامه وكذلك الحكمة في ~~ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة وما في ذلك من الحكمة ~~فإن في الشتاء تفور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد من ذلك مواد الثمار ~~وتكيف الهواء فتنشأ منه السحاب ويحدث المطر الذي به حياة الأرض والحيوان ~~وتشتد أفعال الحيوان وتقوى الأفعال الطبيعية وفي الربيع تتحرك الطبائع ~~وتظهر المواد الكامنة في الشتاء وفي الصيف يسخن الهواء فتنضج الثمار ويتحلل ~~فضول الأبدان ويجف وجه الأرض فيتهيأ للبناء وغيره وفي الخريف يصفو الهواء و ~~يتعدل فيذهب بسورة حر الصيف وسمومه إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم وكذلك ~~الحكمة في تنقل الشمس فإنها لو كانت واقفة في موضع واحد لفاتت مصالح العالم ~~ولما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات لأن الجبال والجدران يحجبانها عنها ~~فاقتضت الحكمة الباهرة أن جعلت تطلع أول النهار من المشرق وتشرق على ما ~~قابلها من وجه الغرب ثم لا تزال تغشى وجها بعد وجه حتى تنتهي إلى الغرب ~~فتشرق على ما استتر عنها أول النهار فتأخذ جميع الجهات منها قسطا من النفع ~~وكذلك الحكمة الباهرة في انتهاء مقدار الليل والنهار إلى هذا الحد فلو زاد ~~مقدار أحدهما زيادة عظيمة لتعطلت المصالح والمنافع وفسد النظام وكذلك ~~الحكمة في ابتداء القمر دقيقا ثم أخذه في الزيادة حتى يكمل ثم يأخذ في ~~النقضان حتى يعود إلى حالته الأولى فكم في ذلك من حكمة ومصلحة ومنفعة للخلق ~~فإن بذلك يعرفون الشهور والسنين والآجال وأشهر الحج والتاريخ ومقادير ~~الأعمار ومدد الإجارات وغيرها وهذا وإن كان يحصل بالشمس إلا أن معرفته ~~بالقمر وزيادته ونقصانه أمر يشترك فيه الناس كلهم وكذلك الحكمة في ~~PageV01P234 @ إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه مع الحاجة إلى ms414 ~~الليل وظلمته لهدوء الحيوان وبرد الهواء عليه وعلى النبات لم يجعل ظلاما ~~محضا لاضياء فيه فلا يمكن فيه سفر ولا عمل وربما احتاج الناس إلى العمل ~~بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولشدة الحر فيتمكنون في ضوء القمر من ~~أعمال كثيرة وجعل نوره باردا ليقاوم حرارة نور الشمس فبرد سمومه فيعتدل ~~الأمر ويكسر كيفية كل منهما كيفية الآخر ويزيل ضررها وكذلك الحكمة في خلق ~~النجوم فإن فيها من الهداية في البر والبحر والاستدلال على الأوقات وزينة ~~السماء وغير ذلك ما لم يكن حاصلا بمجرد الإتفاق كما يقوله نفاة الحكمة ~~واقتضت هذه الحكمة أن جعلت نوعين نوعا منها يظهر وقتا ويحتجب آخر ونوعا آخر ~~لا يزال ظاهرا غير محتجب بل جعل ظاهرا بمنزلة الإعلام التي يهتدي بها الناس ~~في الطرقات المجهولة وهم ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها إلى حيث شاؤا ~~وجعلت الحكمة في النوع الأول الاستدلال بظهوره على أمور تعاديه متى طلع في ~~وقت يعني دل على تلك الأمور فقامت المصلحة والحكمة بالنوعين مع ما في خلقها ~~من حكم أخرى ومصالح لا يهتدي إليها العباد فما خلق الله شيأ سدى وقد نظم ~~الله سبحانه الحوادث الأرضية بالأزواج والأجرام العلوية أكمل نظام يعجز ~~عقول البشر عن الإحاطة ببعضه وقد استفرغت الأمم السابقة قوى أذهانها في ~~إدراك ذلك فلم يصل منه إلا إلى مالا نسبة له إلى ما خفي عليها بوجه ما وقد ~~جعل الخلاق العليم سبحانه النجوم فرقتين فرقة منها لازمة مراكزها من الفلك ~~ولا تسير إلا بسيره وفرقة أخرى مطلقة تنتقل في البروج وتسير بأنفسها غير ~~سير فلكها فلكل منها مسيران مختلفان أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب والآخر ~~خاص لنفسه نحو المشرق وقد شبه هذا النوع بنملة تدب على رحا والرحا تدور ذات ~~اليمين والنملة تدور ذات الشمال فللنملة في تلك الحال حركتان مختلفتان ~~أحداهما حركة بنفسها تتوجه أمامها والأخرى بغيرها هي مقهورة عليها تبعا ~~للرحى تجذبها إلى خلفها فلهذا النوع من النجوم حركتان مختلفتان على وزن ~~وتقدير لا ms415 يعدوه فزعم نفاة الحكمة أن ذلك أمر اتفاقي لا لحكمة ولا لغرض ~~مقصود فإن قلت فما الغرض المقصود بذلك وأي حكمة فيه قيل استدل بما عرفت من ~~الحكمة على ما خفي عنك منها ولا تجعل ما خفي عليك دليلا على بطلانها مع أن ~~من بعض الحكم في ذلك أنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي تكون من ~~تنقل المتنقل منها ومسيرها في كل واحد من البروج كما يستدل على أمور كثيرة ~~وحوادث جمة بتنقل الشمس والقمر والسيارات في منازلها ولو كانت كلها متنقلة ~~لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يقاس عليه فإنه إنما يقاس مسير المنتقلة ~~منها بتنقلها في البروج الراتبة كما يقاس سير السائر على الأرض بالمنازل ~~التي يقطعها وبالجملة فلو كانت كلها بحال واحدة لبطل النظام الذي اقتضته ~~الحكمة التي جعلها هكذا فذلك تقدير العزيز العليم وصنع الرب الحكيم وكيف ~~يرتاب بصيرة أن ذلك كله تقدير مقدر حكيم أتقن ما صنعه وأحكم ما دبره ويعرف ~~بما فيه من الحكم والمصالح والمنافع إلى خلقه فشدت العقول والفطر بأنه ذو ~~الحكمة الباهرة والقدرة القاهرة والعلم التام المحيط وأنه لم يخلق ذلك ~~باطلا ولا من الحكمة عاطلا وكذلك الحكمة في تعاقب الحر والبرد على التدريج ~~على أبدان الحيوان والنبات فإن قيامهما وكمالهما لما كان بذلك اقتضت الحكمة ~~الإلهية أن لا يدخل أحدهما على الآخر وهلة فلا يتحمله بل بالتدريجقفليلا ~~إلى أن ينتهي منتهاه ويحصل المقصود به من غير ضرر يعم وهذا كله بأسباب هي ~~PageV01P235 @ منشأ الحكم والمصالح فلا يبطل السبب بإثبات الحكمة ولا ~~الحكمة بالسبب ولا السبب والحكمة بالمشيئة فيكون من الذين يبخس حظهم من ~~العقل والسمع وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها ~~فإنها لو كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب لأحرقت العالم وما فيه ولم يكن ~~بد من ظهورها في الأحايين للحاجة إليها فجعلت مخزونة في الأجسام توري عند ~~الحاجة إليها فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها ثم تخبوا إذ استغنى ~~عنها ms416 فجعلت على خلقه وتقدير وتدبير حصل به الاستمتاع بها والانتفاع مع ~~السلامة من ضررها ثم في النار خلة أخرى وهي أنها مما خص به الإنسان دون ~~سائر الحيوان فإن الحيوانات لا تستعمل النار ولا تستمتع بها ولما اقتضت ~~الحكمة الباهرة ذلك اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها فأعطيت من ~~الشعور والأوبار ما يغنيها عنها وجعلت أغذيتها بالمفردات التي لا تحتاج إلى ~~طبخ وخبز ولما كانت الحاجة إليها شديدة جعل من الآلات والأسباب ما يتمكن به ~~من إثارتها إذا شاء ومن إبطالها ومن حكمها هذه المصابيح التي يوقدها الناس ~~فيتمكنون بها من كثير حاجاتهم ولولاها لكان نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب ~~القبور وأما منافعها في إنضاج الأغذية والأدوية والدفء فلا يخفى وقد نبه ~~تعالى على ذلك بقوله أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن ~~المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين أي تذكر بنار الآخرة فيحترز ~~منها ويستمتع بها المقوون وهم النازلون بالفيفاء وهي الأرض الخالية وخص ~~هؤلاء بالذكر لشدة حاجتهم إليها في خبزهم وطبخهم حيث لا يجدون ما يشترونه ~~فيغنيهم عن ما يصنعونه بالنار وكذلك الحكمة في خلق النسيم وما فيه من ~~المصالح والعبر فإنه حياة هذه الأبدان وقوامها من خارج ومن داخل وفيه طرد ~~هذه الأصوات فيؤديها إلى السامع وهو الحامل لهذه الأراييح يؤديها إلى ~~المسام وينقلها من موضع إلى موضع وهو الذي يزجي السحاب ويسوقه من مكان إلى ~~مكان على ظهره كالروايا على ظهور الابل وهو الذي يسير السحاب أولا فيكون ~~كسفا متفرقة فيؤلف بينه ثانيا فيصير طبقا واحدا ثم يلقحه ثالثا كما يلقح ~~الفحل الأنثى فيحمل الماء كما تحمل الأنثى من لقاح الفحل ثم يسوقه رابعا ~~إلى أحوج الأماكن والحيوان إليه ثم يعصره خامسا حتى لا يخرج ماؤه ثم يذروا ~~ماءه بعد عصره سادسا حتى لا يسقط جملة فيهلك ما يقع عليه ثم يربي النيات ~~سابعا فيكون له بمنزلة الماء والغذاء يجففه بحرارته ثامنا لئلا يعفن ولا ~~يمكن بقاؤه ولهذا اقتضت الحكمة الباهرة أن تكون الرياح مختلفة ms417 المهاب ~~والصفات والطبائع فزعم نفاة الحكمة أن هذا كله أمر اتفاقي لا سبب ولا غاية ~~وهذا لو تتبعناه لجاء عدة أسفار بل لو تتبعن خلقة الإنسان وحده وما فيها من ~~الحكم والغايات لعجزنا نحن وأهل الأرض عن الإحاطة بتفصيل ذلك فلنرجع إلى ~~جواب نفاة الحكمة والتعليل فنقول # في الوجه الرابع والعشرين قولهم أي حكمة في خلق إبليس وجنوده ففي ذلك من ~~الحكم مالا يحيط بتفصيله إلا الله فمنها أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب ~~العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه ومخالفته ومراغمته في الله وإغاظته وإغاظة ~~أوليائه والاستعاذة به منه والإلجاء إليه أن يعيذهم من شره وكيده فيترتب ~~لهم على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه وقدمنا أن ~~الموقوف على الشيء لا يحصل بدونه ومنها خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم ~~بعد ما شاهدوا من حال إبليس ما شاهدوه وسقوطه من المرتبة الملكية إلى ~~المنزلة الإبليسية يكون أقوى وأتم ولا ريب أن الملائكة لما شاهدوا ذلك حصلت ~~لهم PageV01P236 @ عبودية أخرى للرب تعالى وخضوع آخر وخوف آخر كما هو ~~المشاهد من حال عبيد الملك إذا رأوه قد أهان أحدهم الإهانة التي بلغت منه ~~كل مبلغ وهم يشاهدونه فلا ريب أن خوفهم وحذرهم يكون أشد ومنها أنه سبحانه ~~جعله عبرة لمن خالف أمره وتكبر عن طاعته وأصر على معصيته كما جعل ذنب أبي ~~البشر عبرة لمن ارتكب نهيه أو عصى أمره ثم تاب وندم ورجع إلى ربه فابتلى ~~أبوي الجن والإنس بالذنب وجعل هذا الأب عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه وهذا ~~الأب عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه فلله كم في ضمن ذلك من الحكم الباهرة ~~والآيات الظاهرة ومنها أنه محك امتحن الله به خلقه ليتبين به خبيثهم من ~~طيبهم فإنه سبحانه خلق النوع الإنساني من الأرض وفيها السهل والحزن والطيب ~~والخبيث فلا بد أن يظهر فيهم ما كان في مادتهم كما في الحديث الذي رواه ~~الترمذي مرفوعا أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم ms418 ~~على مثل ذلك منهم الطيب والخبيث والسهل والحزن وغير ذلك فما كان في المادة ~~الأصلية فهو كائن في المخلوق منها فاقتضت الحكمة الإلهية إخراجه وظهوره فلا ~~بد إذا من سبب يظهر ذلك وكان إبليس محكا يميز به الطيب من الخبيث كما جعل ~~أنبيائه ورسله محكا لذلك التمييز قال تعالى ما كان الله لينذر المؤمنين على ~~ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب فأرسله إلى المكلفين وفيهم الطيب ~~والخبيث فانضاف الطيب إلى الطيب والخبيث إلى الخبيث واقتضت حكمته البالغة ~~ان خلطهم في دار الامتحان فإذا صاروا إلى دار القرار يميز بينهم وجعل ~~لهؤلاء دارا على حدة ولهؤلاء دارا على حدة حكمة بالغة وقدرة قاهرة ومنها أن ~~يظهر كمال قدرته في خلق مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين وذلك من أعظم ~~آيات قدرته ومشيئته وسلطانه فإنه خالق الأضداد كالسماء والأرض والضياء ~~والظلام والجنة والنار والماء والنار والحر والبرد والطيب والخبيث ومنها أن ~~خلق أحد الضدين من كمال حسن ضده فإن الضد إنما يظهر حسنه بضده فلولا القبيح ~~لم تعرف فضيلة الجميل ولولا الفقر لم يعرف قدر الغنا كما تقدم بيانه ريبا ~~ومنها أنه سبحانه يحب أن يشكر بحقيقة الشكر وأنواعه ولا ريب أن أولياءه ~~نالوا بوجود عدو الله إبليس وجنوده وامتحانهم به من أنواع شكره ما لم يكن ~~ليحصل لهم بدونه فكم بين شكر آدم وهو في الجنة قبل أن يخرج منها وبين شكره ~~بعد أن ابتلي بعدوه ثم اجتباه ربه وتاب عليه وقبله ومنها أن المحبة ~~والإنابة والتوكل والصبر والرضاء ونحوها أحب العبودية إلى الله سبحانه وهذه ~~العبودية إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس لله وتقديم محبته على كل ما سواه ~~فالجهاد ذروة سنام العبودية وأحبها إلى الرب سبحانه فكان في خلق إبليس ~~وحزبه قيام سوق هذه العبودية وتوابعها التي لا يحصى حكمها وفوائدها وما ~~فيها من المصالح إلا فالله ومنها أن في خلق من يضاد رسله ويكذبهم ويعاديهم ~~من تمام ظهور آياته وعجائب قدرته ولطائف صنعه ما وجوده أحب إليه وأنفع ms419 ~~لأوليائه من عدمه كما تقدم من ظهور آية الطوفان والعصا واليد وفلق البحر ~~وإلقاء الخليل في النار واضعاف أضعاف ذلك من آياته وبراهين قدرته وعلمه ~~وحكمته فلم يكن بد من وجود الأسباب التي يترتب عليها ذلك كما تقدم ومنها أن ~~المادة النارية فيها الإحراق والعلو والفساد وفيها الإشراق والإضاءة والنور ~~فأخرج منها سبحانه هذا وهذا كما أن المادة الترابية الأرضية فيها الطيب ~~والخبيث والسهل والحزن والأحمر والأسود والأبيض فاخرج منها ذلك كله حكمة ~~باهرة وقدرة قاهرة وآية دالة على أنه ليس PageV01P237 @ كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ومنها أن من أسمائه الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل ~~المنتقم وهذه الأسماء تستدعي متعلقات يظهر فيها إحكامها كأسماء الإحسان ~~والرزق الرحمة ونحوها ولا بد من ظهور متعلقات هذه وهذه ومنها أنه سبحانه ~~الملك التام الملك ومن تمام ملكه عموم تصرفه وتنوعه بالثواب والعقاب ~~والإكرام والإهانة والعدل والفضل والإعزاز والإذلال فلا بد من وجود من ~~يتعلق به أحد النوعين كما أوجد من يتعلق به النوع الآخر ومنها أن من أسمائه ~~الحكيم والحكمة من صفاته سبحانه وحكمته تستلزم وضع كل شيء موضعه الذي لا ~~يليق به سواه فاقتضت خلق المتضادات وتخصصي كل واحد منها لا يليق به غيره من ~~الإحكام والصفات والخصائص وهل تتم الحكمة إلا بذلك فوجود هذا النوع من تمام ~~الحكمة كما أنه من كمال القدرة ومنها أن حمده سبحانه تام كامل من جميع ~~الوجوه فهو محمود على عدله ومنعه وخفضه وانتقامه وإهانته كما هو محمود على ~~فضله وعطائه ورفعه وإكرامه فلله الحمد التام الكامل على هذا وهذا وهو يحمد ~~نفسه على ذلك كله ويحمده عليه ملائكته ورسله وأوليائه ويحمده عليه أهل ~~الموقف جميعهم وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه فله في خلقه وإيجاده ~~الحكمة التامة كما له عليه الحمد التام فلا يجوز تعطيل حمده كما لا يجوز ~~تعطيل حكمته ومنها أنه سبحانه يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره وأناته وسعة ~~رحمته وجوده فاقتضى ذلك خلق من يشرك به ويضاده في حكمه ms420 ويجتهد في مخالفته ~~ويسعى في مساخطه بل يشبهه سبحانه وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات ~~ويرزقه ويعاقبه ويمكن له من أسباب ما يتلذ به من أصناف النعم ويجيب دعاءه ~~ويكشف عنه السوء ويعامله من بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه ~~وإساءته فلله كم في ذلك من حكمة وحمد ويتحبب إلى أوليائه ويتعرف بأنواع ~~كمالاته كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا أحد أصبر على أذى ~~يسمعه من الله يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعاقبهم وفي الصحيح عنه صلى ~~الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ~~ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الاحد ~~الصمد الذي له ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن ~~يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته وهو سبحانه مع هذا ~~الشتم له والتكذيب يرزق الشاتم المكذب ويعاقبه ويدفع عنه ويدعوه إلى جنته ~~ويقبل توبته إذا تاب إليه ويبدله بسيآته حسنات ويلطف به في جميع أحواله ~~ويؤهله لإرسال رسله ويأمرهم بأن يلينوا له القول ويرفقوا به قال الفضيل بن ~~عياض ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل جل جلاله من أعظم مني جودا ~~الخلائق لي عاصون وأنا أكلأهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني وأتولى حفظهم ~~كأنهم لم يذنبوا أجود بالفضل على العاصي وأتفضل على المسيء من ذا الذي ~~دعاني فلم ألبه ومن ذا الذي سألني فلم أعطه أنا الجواد ومني الجود أنا ~~الكريم ومني الكرم ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني وأعطيه ما لم يسألني ~~ومن كرمي أني أعطي التائب كأنه لم يعصني فأين عني يهرب الخلق وأين عن بابي ~~يتنحى العاصون وفي أثر إلهي أني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري ~~وأرزق ويشكر سواي وفي أثر حسن ابن آدم ما أنصفتني خيري إليك نازل وشرك إلى ~~صاعدكم أتحبب إليك ms421 بالنعم وأنا غني عنك وكم تتبغض إلى بالمعاصي وأنت فقير ~~إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح وفي الحديث الصحيح لو لم ~~تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم PageV01P238 @ يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ~~فهو سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضى حمده وحكمته أن يخلق خلقا ~~يظهر فيهم أحكامها وآثارها فالمحبة للعفو خلق من يحسن العفو عنه ولمحبته ~~للمغفرة خلق من يغفر له ويحلم عنه ويصبر عليه ولا يعاجله بل يكون يحب أمانه ~~وإمهاله ولمحبته لعدله وحكمته خلق من يظهر فيهم عدله وحكمته ولمحبته للجود ~~والإحسان والبر خلق من يعامله بالإساءة والعصيان وهو سبحانه يعامله ~~بالمغفرة والإحسان فلولا خلق من يجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات ~~لفاتت هذه الحكم والمصالح وأضعافها وأضعاف أضعافها فتبارك الله رب العالمين ~~وأحكم الحاكمين ذو الحكمة البالغة والنعم السابغة الذي وصلت حكمته إلى حيث ~~وصلت قدرته وله في كل شيء حكمة باهرة كما أن له فيه قدرة قاهرة وهدايات ~~إنما ذكرنا منه قطرة من بحر وإلا فعقول البشر أعجز وأضعف وأقصر من أن تحيط ~~بكمال حكمته في شيء من خلقه فكم حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب المسخوط ~~له من محبوب له تبارك وتعالى يتصل في حبه ما حصل به من مكروهه والحكيم ~~الباهر الحكمة هو الذي يحصل أحب الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ~~ويسخطه إذا كان طريقا إلى حصول ذلك المحبوب ووجود الملزوم بدون لازمه محال ~~فإن يكن قد حصل بعدو الله إبليس من السرور والمعاصي ما حصل فكم حصل بسبب ~~وجوده ووجود جنوده من طاعة هي أحب إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله ~~ومخالفة هوى النفس وشهوتها له ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته ~~وأحب شيء للحبيب أن يرى محبه يتحمل لأجله من الأذى والوصب ما يصدق محبته % ~~من أجلك قد جعلت خدي أرضا % للشامت والحسود حتى ترضا % وفي أثر إلهي بغيتي ~~ما يتحمل المتحملون من أجلي فلله ما أحب إليه احتمال محبيه إذا أعدائه لهم ~~فيه وفي مرضاته ms422 وما أنفع ذلك الأذى لهم وما أحمدهم لعاقبته وماذا ينالون به ~~من كرامة حبيبهم وقربه قرة عيونهم به ولكن حرام على منكري محبة الرب تعالى ~~أن يشموا لذلك رائحة أو يدخلوا من هذا الباب أو يذوقوا من هذا الشراب % فقل ~~للعيون العمى للشمس أعين % سواك يراها في مغيب ومطلع % % وسامح يؤسا لم ~~يؤهل لحبهم % فما يحسن التخصيص في كل موضع % فان أغضب هذا المخلوق ربه فقد ~~أرضاه فيه أنبيائه ورسله وأوليائه وذلك الرضاء أعظم من ذلك الغضب وأن أسخطه ~~ما يجري على يديه من المعاصي والمخالفات فإنه سبحانه أشد فرحا بتوبة عبده ~~من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه إذا وجدها في المفاوز المهلكات ~~وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ورسله من هذا العدو فقد سره وأرضاه ما جرى ~~على أيديهم من حربة ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه وهذا الرضاء أعظم عنده ~~وأبر لديه من فوات ذلك المكروه المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب وأن ~~أسخطه أكل آدم من الشجرة فقد أرضاه توبته وإنابته وخضوعه وتذلله بين يديه ~~وانكساره له وإن أغضبه إخراج أعدائه لرسوله من حرمه وبلدته ذلك لخروج فقط ~~أرضاه أعظم الرضاء دخوله إليها ذلك الدخول وأن أسخطه قتلهم أوليائه وأحبائه ~~وتمزيق لحومهم وإراقة دمائهم فقد أرضاه نيلهم الحياة التي لا أطيب منها ولا ~~أنعم ولا ألذ في قربه وجواره وإن أسخطه معاصي عباده فقد أرضاه شهود ملائكته ~~وأنبيائه ورسله وأوليائه سعة PageV01P239 @ مغفرته وعفوه وبره وكرمه وجوده ~~والثناء عليه بذلك وحمده وتمجديه بهذه الأوصاف التي حمده بها وأثنى عليه ~~بهاأحب إليه وأرضى له من فوات تلك المعاصي وفوات هذه المحبوبات وأعلم أن ~~الحمد هو الأصل الجامع لذلك كله فهو عقد نظام الخلق والأمر والرب تعالى له ~~الحمد كله بجميع وجوهه واعتباراته وتصاريفه فما خلق شيئا ولا حكم بشيء إلا ~~وله فيه الحمد فوصل حمده إلى حيث وصل خلقه وأمره حمدا حقيقا يتضمن محبته ~~والرضا به وعنه والثناء عليه والإقرار بحكمته البالغة في كل ما خلقه وأمر ~~به فتعطيل حكمته غير ms423 تعطيل حمده كما تقدم بيانه فكما أنه لا يكون إلا حميدا ~~فلا يكون إلا حكيما فحمده وحكمته كعلمه وقدرته وحياته من لوازم ذاته ولا ~~يجوز تعطيل شيء من صفاته وأسمائه عن مقتضياتها وآثارها فإن ذلك يستلزم ~~النقص الذي يناقض كماله وكبريائه وعظمته يوضحه # الوجه الخامس والعشرون إنه كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء ~~أنه يجود ويعطي ويمنح فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث فكما يحب أن يلوذ به ~~اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم ~~ويعوذوا بهم كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه % يأمن الوذ به فيما ~~أومله % ومن أعوذ به مما أحاذره % لا يجبر الناس عظما أنت كاسره % ولا ~~يهيضون عظما أنتن جابره % ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق ~~مثله والمقصود أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه وأن يعوذوا به كما أمر ~~رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه وبذلك يظهر ~~تمام نعمته على عدوه إذا أعاذه وأجاره من عدوه فلم يكن إعاذته وإجارته منه ~~بأدنى النعمتين والله تعالى يحب أن يكمل نعمته على عباده المؤمنين ويريهم ~~نصره لهم على عدوهم وحمايتهم منه وظفرهم بهم فيا لها من نعمة كمل بها ~~سرورهم ونعيمهم وعدل أظهره في أعدائه وخصمائه % وما منهما الاله فيه حكمة % ~~يقصر عن إدراكها كل باحث % الوجه السادس والعشرون قوله أي حكمة في إبقاء ~~إبليس إلى آخر الدهر وأمات الرسل فكم لله في ذلك من حكمة تضيق بها الأوهام ~~فمنها أنه سبحانه لما جعله محكا ومحنة يخرج به الطيب من الخبيث ووليه من ~~عدوه اقتضت حكمته ابقاءه ليحصل الغرض المطلوب بخلقه ولو أماته لفات ذلك ~~الغرض كما أن الحكمة اقتضت بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر الدهر ولو ~~أهلكهم البتة لتعطلت الحكم الكثيرة في إبقائهم فكما اقتضت حكمته امتحان أي ~~البشر اقتضت امتحان أولاده من بعده به فتحصل السعادة لمن خالفه وعاداه ~~وينحاز إليه من وافقه ms424 ووالاه ومنها أنه لما سبق حلمه وحكمته أنه لا نصيب له ~~في الآخرة وقد سبق له طاعة وعبادة جزاه بها في الدنيا بأن أعطاه البقاء ~~فيها إلى آخر الدهر فإنه سبحانه لا يظلم أحدا حسنة عملها فأما المؤمن ~~فيجزيه بحسناته في الدنيا وفي الآخرة وأما الكافر فيجزيه بحسنات ما عمل في ~~الدنيا فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له شيء كما ثبت هذا المعنى في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن ابقاءه لم يكن كرامة في حقه فإنه لو ~~مات كان خيرا له وأخف لعذابه وأقل لشره ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على ~~المعصية ومخاصمة من ينبغي التسليم لحكمه والقدح في حكمته والخلف على اقتطاع ~~عباده وصدهم عن عبوديته كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه فأبقى في ~~الدنيا PageV01P240 @ وأملى له ليزداد هذا إثما على أثم ذلك الذنب فيستوجب ~~العقوبة التي لا تصلح لغيره فيكون رأس أهل الشر في العقوبة كما كان رأسهم ~~في الشر والكفر ولما كان مادة كل شر فعنه ينشا جوزي في النار مثل فعله فكل ~~عذاب ينزل بأهل النار يبدأ به فيه ثم يسري منه إلى اتباعه عدلا ظاهرا أو ~~حكمة بالغة ومنها أنه قال في مخاصمته لربه أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن ~~أخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا وعلم سبحانه أن في الذرية ~~من لا يصلح لمساكنته في داره ولا يصلح إلا لما يصلح له الشوك والروث أيقاه ~~له وقال له بلسان القدر هؤلاء أصحابك وأوليائك فاجلس في انتظارهم وكلما مر ~~بك واحد منهم فشأنك به فلو صلح لي لما ملكتك منه فإني أتولى الصالحين وهم ~~الذي يصلحون لي وأنت ولي المجرمين الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي ~~قال تعالى @QB@ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ فأما إماتة الأنبياء ~~والمرسلين فلم يكن ذلك لهوانهم عليه ولكن ليصلوا إلى محل كرامته ويستريحوا ~~من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة ms425 أعدائهم أتباعهم وليحي الرسل بعدهم يرى رسولا ~~بعد رسول فأماتتهم أصلح لهم وللأمة أما هم فلراحتهم من الدنيا ولحوقهم ~~بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور ولا سيما وقد خيرهم ربهم بين البقاء في ~~الدنيا واللحاق به وأما الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة بل ~~أطاعوهم بعد مماتهم كما أطاعوهم في حياتهم وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم ~~بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم والله هو الحي الذي لا يموت فكم في إماتتهم ~~في حكمة ومصلحة لهم وللأمم هذا وهم بشر ولم يخلق الله البشر في الدنيا على ~~خلقه قابلة للدوام بل جعلهم خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضا فلو أبقاهم ~~لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف ولضاقت بهم الأرض فالموت كمال لكل ~~مؤمن ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا ولا هناء لأهلها بها فالحكمة في ~~الموت كالحكمة في الحياة # الوجه السابع والعشرون قوله أي حكمة ومصلحة في إخراج آدم من الجنة إلى ~~دار الابتلاء والامتحان فالجواب أن يقال كم لله سبحانه في ذلك من حكمة وكل ~~فيه من نعمة ومصلحة تعجز العقول عن معرفتها على التفصيل ولو استفرغت قواها ~~كلها في معرفة ذلك وإهباط آدم وإخراجه من الجنة كان يعسر كماله ليعود إليها ~~على أحسن أحواله وهو سبحانه إنما خلقه ليستعمره وذريته في الأرض ويجعلهم ~~خلفاء يخلف بعضهم بعضا فخلفهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم وليست الجنة ~~دار ابتلاء وتكليف فأخرج الأبوين إلى الدار التي خلقوا منها وفيها ليتزودوا ~~منها إلى الدار التي خلقوا لها فإذا وفوا تعب دار التكليف ونصبها عرفوا قدر ~~تلك الدار وشرفها وفضلها ولو نشأوا في تلك الدار لما عرفوا قدر نعمته عليهم ~~بها فأسكنهم دار الامتحان وعرضهم فيها لأمره ونهيه لينالوا بالطاعة أفضل ~~ثوابه وكرامته وكان من الممكن أن يحصل لهم النعيم المقيم هناك لكن الحاصل ~~عقيب الابتلاء والامتحان ومعانات الموت وما بعده وأهوال القيامة والعبور ~~على الصراط نوع آخر من النعيم لا يدرك قدره وهو أكمل من نعيم من خلق في ~~الجنة من الولدان ms426 والحور العين بما لا يشبه بينهما بوجه من الوجوه ومن ~~الحكم في ذلك أنه سبحانه اراد آن يتخذ من ذرية آدم رسلا وأنبيائه وشهداء ~~يحبهم ويحبونه وينزل عليهم كتبه ويعهد إليهم عهده ويستعبدهم له في السراء ~~والضراء ويؤثرون محابه ومراضيه على شهواتهم وما يحبونه ويهوونه فاقتضت ~~حكمته أن أنزلهم إلى دار ابتلاهم فيها بما ابتلاهم ليكلموا بذلك الابتلاء ~~مراتب PageV01P241 @ عبوديته ويعبدونه بما تكرهه نفوسهم وذلك محض العبودية ~~وإلا فمن يعبد الله إلا بما يحبه ويهواه فهو في الحقيقة إنما يعبد نفسه وهو ~~سبحانه يحب من أوليائه أن يولوا فيه ويعادوا فيه ويبذلوا نفوسهم في مرضاته ~~ومحابه وهذا كله لا يحصل في دار النعيم المطلق ومن الحكمة في إخراجه من ~~الجنة ما تقدم التنبيه عليه من اقتضاء أسماء الله الحسنى لمسمياتها ~~ومتعلقاتها كالغفور الرحيم التواب العفو المنتقم الخافض الرافع المعز المذل ~~المحيي المميت الوارث ولا بد من ظهور أثر هذه الأسماء ووجود ما يتعلق به ~~فاقتضت حكمته أن إنزال الأبوين من الجنة ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما ~~وفي ذريتهما فلو تربت الذرية في الجنة لفاتت أثار هذه الأسماء وتعلقاتها ~~والكمال الإلهي يأبى ذلك فإنه الملك الحق المبين والملك هو الذي يأمر وينهى ~~ويكرم ويهين ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل فأنزل الأبوين والذرية إلى ~~دار تجري عليهم هذه الأحكام وأيضا فإنهم أنزلوا إلى دار يكون إيمانهم تاما ~~فإن الإيمان قول وعمل وجهاد وصبر واحتمال وهذا كله إنما يكون في دار ~~الامتحان لا في جنة النعيم وقد ذكر غير واحد من أهل العلم منهم أبو الوفا ~~بن عقيل وغيره أن أعمال الرسل والأنبياء والمؤمنين في الدنيا أفضل من نعيم ~~الجنة قالوا لأن نعيم الجنة حظهم وتمتعهم فأين يقاس إلى الإيمان وأعماله ~~والصلوات وقرائة القرآن والجهاد في سبيل الله وبذل النفوس في مرضاته ~~وإيثاره على هواها وشهواتها فالأيمان متعلق به سبحانه وهو حقه عليهم ونعيم ~~الجنة متعلق بهم وهو حظهم فهم إنما خلقوا للعبادة والجنة دار نعيم لا دار ~~تكليف وعبادة وأيضا فإنه ms427 سبحانه سبق حكمه وحكمته بأن يجعل في الأرض خليفة ~~وأعلم بذلك ملائكته فهو سبحانه قد أراد بكون هذا الخليفة وذريته في الأرض ~~قبل خلقه لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة فلم يكن بد من إخراجه من ~~الجنة إلى دار قد سكناهم فيها قبل أن يخلقه وكان ذلك التقدير بأسباب وحكم ~~فمن أسبابه النهي عن تلك الشجرة وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه ~~بالاكل وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية وكانت تلك الأسباب موصلة ~~إلى غايات محمودة مطلوبة يترتب على خروجه من الجنة ثم يترتب على خروجه ~~أسباب أخر جعلت غايات لحكم ومن تلك الغايات عوده إليها على أكمل الوجوه ~~فذلك التقدير وتلك الأسباب وغاياتها صادرة عن محض الحكمة البالغة التي ~~يحمده عليها أهل السماوات والأرض والدنيا والآخرة فما قدر أحكم الحاكمين ~~ذلك باطلا ولا دبره عبثا ولا أخلاه من حكمته البالغة وحمده التام وأيضا ~~فإنه سبحانه قال للملائكة @QB@ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون @QE@ ثم أظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر ~~هذا الخليفة ما لم يكونوا يعرفونه بأن جعل من نسله من اوليائه وأحبائه ~~ورسله وأنبيائه من يتقرب إليه بأنواع التقرب ويبذل نفسه في محبته ومرضاته ~~يسبح بحمده أناء الليل وأطراف النهار ويذكره قائما وقاعدا وعلى جنبه ويعبده ~~ويذكره ويشكره في السراء والضراء والعافية والبلاء والشدة والرخاء فلا ~~يثنيه عن ذكره وشكره وعبادته شدة ولا بلاء ولا فقر ولا مرض ويعبده مع ~~معارضة الشهوة وغلبات الهوى وتعاضد الطباع لأحكامها ومعاداة بني جنسه ~~وغيرهم له فلا يصده ذلك عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه فإن كانت ~~عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع ~~والشواغل وأيضا فإنه سبحانه أراد أن يظهر لهم PageV01P242 @ ما خفي عليهم ~~من شأن ما كانوا يعظمونه ويجلونه ولا يعرفون ما في نفسه من الكبر ms428 والحسد ~~والشر فذلك الخير وهذا الشر كامن في نفوس لا يعلمونها فلا بد من إخراجه ~~وإبرازه لكي يعلم حكمة أحكم الحاكمين في مقابلة كل منهما بما يليق به وأيضا ~~فإنه سبحانه لما خلق خلقه أطوارا وأصنافا وسبق في حكمه وحكمته تفضيل آدم ~~وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلا جعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم وكانت ~~العبودية أفضل أحوالهم وأعلى درجاتهم أعني العبودية الاختيارية التي يأتون ~~بها طوعا واختيارا لا كرها واضطرارا ولهذا أرسل الله جبريل إلى سيد هذا ~~النوع الإنساني يخيره بين أن يكون عبدا رسولا أو ملكا نبيا فاختار بتوفيق ~~ربه له أن يكون عبدا رسولا وذكره سبحانه بأتم العبودية في أشرف مقاماته ~~وأفضل أحواله كمقام الدعوة والتحدي والإسراء وإنزال القرآن وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا سبحان الذي أسرى بعبده ~~تبارك الذي نزل الفرقان على عبده فأثنى عليه ونوه الله لعبوديته التامة له ~~ولهذا يقول أهل الموقف حين يطلبون الشفاعة اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم وأحبها ~~إلى الله وكان لها لوازم وأسباب مشروطة لا يحصل إلا بها كان من أعظم الحكمة ~~أن أخرجوا إلى دار تجري عليهم فيها أحكام العبودية وأسبابها وشروطها ~~وموجباتها فكان إخراجهم من الجنة تنكيلا لهم وإتماما لنعمته عليهم مع ما في ~~ذلك من محبوبات الرب تعالى فإنه يحب إجابة الدعوات وتفريج الكربات وإغاثة ~~اللهفات ومغفرة الزلات وتكفير السيآت ودفع البليات وإعزاز من يستحق العز ~~وإذلال من يستحق الذل ونصر المظلوم وجبر الكسير ورفع بعض خلقة على بعض ~~وجعلهم درجات ليعرف قدر فضله وتخصيصه فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن ~~يخرجهم إلى دار يحصل فيها محبوباته سبحانه وإن كان لكثير منها طرق وأسباب ~~يكرهها فالوقوف على الشيء لا بدونه وإيجاد لوازم الحكمة من الحكمة كما أن ~~إيجاد لوازم العدل من العدل كما ستقف عليه في فصل إيلام الأطفال إن شاء ~~الله # الوجه ms429 الثامن والعشرون أنه سبحانه أبرز خلقه من العدم إلى الوجود ليجري ~~عليه أحكام أسمائه وصفاته فيظهر كماله المقدس وإن كان لم يزل كاملا فمن ~~كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره وقضائه وقدره ووعده ووعيده ومنعه ~~وإعطائه وإكرامه وإهانته وعدله وفضله وعفوه وإنعامه وسعة حلمه وشدة بطشه ~~وقد اقتضى كماله المقدس سبحانه أنه كل يوم هو في شأن فمن جملة شؤونه أن ~~يغفر ذنبا ويفرج كربا ويشفي مريضا ويفك عانيا وينصر مظلوما ويغيث ملهوفا ~~ويحبر كسيرا ويغني فقيرا ويجيب دعوة ويقيل عثرة ويعز ذليلا ويذل متكبرا ~~ويقصم جبارا و يميت ويحيي ويضحك ويبكي ويخفض ويرفع ويعطي ويمنع ويرسل رسله ~~من الملائكة ومن البشر في تنفيذ أوامره وسوق مقاديره التي قدرها إلى ~~مواقيتها التي وقتها لها وهذا كله لم يكن ليحصل في ذات البقاء وإنما اقتضت ~~حكمته البالغة حصوله في دار الامتحان والابتلاء يوضحه # الوجه التاسع والعشرون أن كمال ملكه التام اقتضى كمال تصرفه فيه بأنواع ~~التصرف ولهذا جعل الله سبحانه الدور ثلاثة دارا أخلصها للنعيم واللذة ~~والبهجة والسرور ودارا أخلصها للألم والنصب وأنواع البلاء والشرور ودارا ~~خلط خيرها بشرها ومزج نعيمها بشقائها ومزج لذتها بألمها يلتقيان ويطالبان ~~وجعل عمارة تينك الدارين من هذه الدار وأجرى أحكامه على خلقه في الدور ~~الثلاثة بمقتضى ربوبيته PageV01P243 @ وإلهيته وعزته وحكمته وعدله ورحمته ~~فلو أسكنهم كلهم دار البقاء من حين أوجدهم لتعطلت أحكام هذه الصفات ولم ~~يترتب عليها آثارها يوضحه # الوجه الثلاثون أن يوم المعاد الأكبر يوم مظهر الأسماء والصفات وأحكامها ~~ولهذا يقول سبحانه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار وقال الملك يومئذ ~~الحق للرحمن وقال @QB@ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله @QE@ ~~حتى أن الله سبحانه ليتعرف إلى عباده ذلك اليوم بأسماء وصفات لم يعرفوها في ~~هذه الدار فهو يوم ظهور المملكة العظمى والأسماء الحسنى والصفات العلي ~~فتأمل ما أخبر به والله ورسوله من شأن ذلك اليوم وأحكامه وظهور عزته تعالى ~~وعظمته وعدله وفضله ورحمته وآثار صفاته المقدسة التي لو خلقوا دار ms430 البقاء ~~لتعطلت وكماله سبحانه ينفي ذلك وهذا دليل مستقل لمن عرف الله تعالى وأسمائه ~~وصفاته على وقوع المعاد وصدق الرسل فيما أخبروا به عن الله عنه فيطابق دليل ~~العقل ودليل السمع على وقوعه # الوجه الحادي والثلاثون أن الله سبحانه يحب أن يعبد بأنواع التعبدات كلها ~~ولا يليق ذلك إلا بعظمته وجلاله ولا يحسن ولا ينبغي الا الإله وحده ومن ~~المعلوم أن أنواع التعبد الحاصلة في دار الإبتلاء والامتحان لا يكون في دار ~~المجازاة وإن كان في هذه الدار بعض المجازاة وكمالها وتمامها إنما هو في ~~تلك الدار وليست دار عمل وإنما هي دار جزاء وثواب أوجب كماله المقدس أن ~~يجزي فيها الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى فلم يكن بد من ~~دار تقع فيها الإساءة والإحسان ويجري على أهلها أحكام الأسماء والصفات ثم ~~يعقبها دارا يجازي فيها المحسن والمسيء ويجري على أهلها فيها أحكام الأسماء ~~والصفات فتعطيل أسمائه وصفاته ممتنع ومستحيل وهو تعطيل لربوبيته وإلهيته ~~وملكه وعزه وحكمته فمن فتح له باب من الفقه في أحكام الأسماء والصفات وعلم ~~اختصاصها لآثارها ومتعلقاتها واستحالة تعطيلها علم أن الأمر كما أخبرت به ~~الرسل وأنه لا يجوز عليه سبحانه ولا ينبغي له غيره وأنه ينزه عن خلاف ذلك ~~كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص وهذا باب عزيز من أبواب الإيمان فيفتحه ~~الله على من يشاء من عباده ويحرمه من يشاء # الوجه الثاني والثلاثون أنه كم لله سبحانه من حكمة وحمد وأمر ونهي وقضاء ~~وقدر في جعل بعض عباده فتنة لبعض كما قال تعالى @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون @QE@ فهو سبحانه جعل ~~أوليائه فتنة لأعدائه وأعداءه فتنته لأوليائه والملوك فتنة للرعية والرعية ~~فتنة لهم والرجال فتنة للنساء وهن فتنة لهم والأغنياء فتنة للفقراء ~~والفقراء فتنة لهم وابتلى كل أحد بضد جعله متقابلا فما استقرت أقدام ~~الأبوين على الأرض إلا وضدهما مقابلهما واستمر الأمر في الذرية كذلك إلى أن ~~يطوي الله الدنيا ومن عليها وكم له سبحانه ms431 في مثل هذا الابتلاء والامتحان ~~من حكمة بالغة ونعمة سابغة وحكم نافذ وأمر ونهي وتصريف دال على ربوبيته ~~وإلهيته وملكه وحمده وكذلك ابتلاء عباده بالخير والشر في هذه الدار هو من ~~كمال حكمته ومقتضى حمده التام # الوجه الثالث والثلاثون أنه لولا هذا الابتلاء والامتحان لما ظهر فضل ~~الصبر والرضا والتوكل والجهاد والعفة والشجاعة والحلم والعفو والصفح والله ~~سبحانه يحب أن يكرم أوليائه بهذه الكمالات ويحب ظهورها عليهم ليثني بها ~~عليهم هو وملائكته وينالوا باتصافهم بها غاية الكرامة واللذة والسرور وإن ~~كانت مرة المبادئ فلا أحلى من عواقبها ووجود الملزم بدون لازمه ممتنع وقد ~~أجرى الله سبحانه حكمته بأن كمال الغايات تابعة لقوة أسبابها وكمالها ~~ونقصانها لنقصانها فمن كمل PageV01P244 @ أسباب النعيم واللذة كملت له ~~غاياتها ومن حرمها حرمها ومن نقصها نقص له من غاياتها وعلى هذا قام الجزاء ~~بالقسط والثواب والعقاب وكفى بهذا العالم شاهدا لذلك فرب الدنيا والآخرة ~~واحد وحكمته مطردة فيهما وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ~~ترجعون يوضحه # الوجه الرابع والثلاثون وهو أن أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان ~~وجزاؤه وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار قال تعالى @QB@ الم أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن ~~يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع ~~العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين @QE@ فذكر ~~سبحانه في هذه السورة أنه لا بد أن يمتحن خلقه ويفتنهم ليتبين الصادق من ~~الكاذب والمؤمن من الكافر ومن يشكره ويعبده ممن يكفره ويعرض عنه ويعبد غيره ~~وذكر أحوال الممتحنين في العاجل والآجل وذكر أئمة الممتحنين في الدنيا وهم ~~الرسل وأتباعهم وعاقبة أمرهم وما صاروا إليه وافتتح بالإنكار على من يحسب ~~أنه يتخلص من الامتحان والفتنة في هذه الدار إذا دعى الإيمان وأن حكمته ~~سبحانه وشأنه في خلقه يأبى ذلك وأخبر عن سر ms432 هذه الفتنة والمحنة وهو تبيين ~~الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه ~~ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد بمجرد علمه فيهم بل بمعلومه إذا ~~وجد وتحقق والفتنة هي التي أظهرته وأخرجته إلى الوجود فحينئذ حسن وقوع ~~الجزاء عليه ثم أنكر سبحانه على من لم يلتزم الإيمان به ومتابعة رسله خوف ~~الفتنة والمحنة التي يمتحن بها رسله واتباعهم ظنه وحسبانه أنه بإعراضه عن ~~الإيمان وتصديق رسله يتخلص من الفتنة والمحنة فإن بين يديه من الفتنة ~~والمحنة والعذاب أعظم وأشق مما فرعنه فإن المكلفين بعد إرسال الرسل إليهم ~~بين أمرين إما أن يقول أحدهم آمنت وإما أن لا يقول بل يستمر على السيئات ~~فمن قال آمنا امتحنه الرب تعالى وابتلاه لتتحقق بالإيمان حجة إيمانه وثباته ~~عليه وأنه ليس بايمان عافية ورخاء فقط بل إيمان ثابت في حالتي النعماء ~~والبلاء ومن لم يؤمن فلا يحسب أنه يعجز ربه تعالى ويفوته بل هو في قبضته ~~وناصيته بيده فله من البلاء أعظم مما ابتلى به من قال آمنت فمن آمن به ~~وبرسله فلا بد أن يبتلي من أعداد رسله بما يؤلمه ويشق عليه ومن لم يؤمن به ~~وبرسله فلا بد أن يعاقبه فيحصل له من الألم والمشقة أضعاف ألم المؤمنين فلا ~~بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة لكن المؤمن يحصل له الألم في ~~الدنيا أشد ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة والكافر يحصل له اللذة والسرور ~~ابتداء ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات ~~فيلتذون بها ابتداء ثم تعقبها الآلام لم بحسب ما نالوه منها والذين يصبرون ~~عنها ينالون بفقدها ابتداء ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما ~~صبروا عنه وتركوه منها فالألم واللذة أمر ضروري لكل إنسان لكن الفرق بين ~~العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم العظيم بون ولهذا كان خاصة العقل ~~النظر في العواقب والغايات فمن ظن أنه يتخلص من الألم بحيث لا يصيبه البتة ~~فظنه أكذب الحديث ms433 فإن الإنسان خلق عرضة للذة والألم والسرور والحزن والفرح ~~والغم وذلك من جهتين من جهة تركبه وطبيعته وهيئته فإنه مركب من اخلاط ~~متفاوتة متضادة يمتنع أو يعز اعتدالها من كل وجه بل لا بد أن يبغي بعضها ~~على بعض فيخرج عن حد الاعتدال PageV01P245 @ فيحصل الألم ومن جهة بني جنسه ~~فإنه مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده بل لا يعيش الا معهم وله ولهم ~~لذاذات ومطالب متضادة ومتعارضة لا يمكن الجمع بينها بل إذا حصل منها شيء ~~فات منها أشياء فهو يريد منهم أن يوافقوه على مطالبه وإرادته وهم يريدون ~~منه ذلك فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة بحسب ما فاته من إرادته وإن لم ~~يوافقهم آذوه وعذبوه وسعوا في تعطيل مراداته كما لم يوافقهم على مراداتهم ~~فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ذلك فهو في ألم ومشقة وعناء وافقهم أو ~~خالفهم ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور يعلم أنها عقائد باطلة وارادات ~~فاسدة وأعمال تضره في عواقبها ففي موافقتهم أعظم الألم وفي مخالفتهم حصول ~~الألم فالعقل والدين والمروءة والعلم تأمره باحتمال أخف الألمين تخلصا من ~~أشدهما وبإيثار المنقطع منهما لينجو من الدائم المستمر فمن كان ظهيرا ~~للمجرمين من الظلمة على ظلمهم ومن أهل الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم ~~ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم ليتخلص بمظاهرتهم من ألم ~~أذاهم أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلا وآجلا أضعاف أضعاف ما فر منه وسنة ~~الله في خلقه أن يعذبهم بإنذار من إيمانهم وظاهرهم وأن صبر على ألم ~~مخالفتهم وجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف ~~مضاعفة وسنة الله في خلقه أن يرفعه عليهم ويذلهم به بحسب صبره وتقواه ~~وتوكله وإخلاصه وإذا كان لا من الألم والعذاب فذلك في الله وفي مرضاته ~~ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ورضائهم وتحصيل مراداتهم ولما كان ~~زمن التألم والعذاب فصبره طويل فأنفاسه ساعات وساعاته أيام وأيامه شهور ~~وأعوام بلا سبحانه الممتحنين فيه بأن ذلك الابتلاء آجلا ثم ms434 ينقطع وضرب ~~لأهله أجلا للقائه يسليهم به ويشكر نفوسهم ويهون عليهم أثقاله فقال @QB@ من ~~كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم @QE@ فإذا تصور ~~العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه وأجل لقاء المبتلى سبحانه وإثباته هان عليه ~~ما هو فيه وخف عليه حمله ثم لما كان ذلك لا يحصل إلا بمجاهدة للنفس ~~وللشيطان ولبني جنسه وكان العامل إذا علم أن ثمرة علمه وتعبه يعود عليه ~~وحده لا يشكره فيه غيره كأن أتم اجتهادا وأوفر سعيا فقال تعالى @QB@ ومن ~~جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين @QE@ وأيضا فلا يتوهم ~~متوهم أن منفعة هذه المجاهدة والصبر والاحتمال يعود على الله سبحانه فإنه ~~غني عن العالمين لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا نهاهم عما ~~نهاهم عنه بخلا منه عليهم بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم في معاشهم ~~ومعادهم ونهاهم عما يعود مضرته وعتيه عليهم في معاشهم ومعادهم فكانت ثمرة ~~هذا الابتلاء والامتحان مختصة بهم واقتضت حكمته أن نصب ذلك سببا مقضيا إلى ~~يميز الخبيث من الطيب والشقي من الغوي ومن يصلح له ممن لا يصلح قال تعالى ~~@QB@ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ~~@QE@ فابتلاهم سبحانه بإرسال الرسل إليهم بأوامره ونواهيه واختياره فامتاز ~~برسله طيبهم من خبيثهم وجيدهم من رديئهم فوقع الثواب والعقاب على معلوم ~~أظهره ذلك الابتلاء والامتحان ثم لما كان الممتحن لا بد أن ينحرف عن طريق ~~الصبر والمجاهدة لدواعي طبيعته وهواه وضعفه عن مقاومة ما ابتلي به وعده ~~سبحانه أن يتجاوز له عن ذلك ويكفره عنه لأنه لما أمر به والتزم طاعته اقتضت ~~رحمته أن كفر عنه سيئاته وجازاه بأحسن أعماله ثم ذكر سبحانه ابتلاء العبد ~~بأبويه وما أمر به من طاعتهما وصبره على مجاهدتهما له على أن لا يشرك به ~~فيصبر على هذه المحنة والفتنة ولا يطيعهما بل يصاحبهما على هذه الحال ~~معروفا ويعرض عنهما إلى متابعة سبيل رسله PageV01P246 @ وفي الإعراض عنهما ~~وعن سبيلهما ms435 والإقبال على من خالفهما وعلى سبيله من الامتحان والابتلاء ما ~~فيه ثم ذكر سبحانه حال من دخل في الإيمان على ضعف عزم وقلة صبر وعدم ثبات ~~على المحنة والابتلاء وأنه إذا أوذي في الله كما جرت به سنة الله واقتضت ~~حكمته من ابتلاء أوليائه بأعدائه وتسليطهم عليهم بأنواع المكاره والأذى لم ~~يصبر على ذلك وجزع منه وفر منه ومن أسبابه كما يفر من عذاب الله فجعل فتنة ~~الناس له على الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله لمن يعذبه على الشرك ومخالفة ~~رسله وهذا يدل على عدم البصيرة وأن الإيمان لم يدخل قلبه ولا ذاق حلاوته ~~حتى سوى بين عذاب الله له على الإيمان بالله ورسوله وبين عذاب الله لمن لم ~~يؤمن به وبرسله وهذا حال من يعبد الله على حرف واحد لم ترسخ قدمه في ~~الإيمان وعبادة الله فهو من المفتونين المعذبين وإن فر من عذاب الناس له ~~على الإيمان ثم ذكر حال هذا عند نصرة المؤمنين وأنهم إذا نصروا لجأ إليهم ~~وقال كنت معكم والله سبحانه يعلم من قلبه خلاف قوله ثم ذكر سبحانه ابتلاء ~~نوح بقومه ألف سنة إلا خمسين عاما وابتلاء قومه بطاعته فكذبوه فابتلاهم ~~بالغرق ثم بعده بالخرق ثم ذكر ابتلاء إبراهيم بقومه وما ردوا عليه وابتلاهم ~~بطاعته ومتابعته ثم ذكر ابتلاء لوط بقومه وابتلاءهم به وما صار إليه أمره ~~وأمرهم ثم ذكر ابتلاء شعيب بقومه وابتلاءهم به وما انتهت إليه حالهم وحاله ~~ثم ذكر ما ابتلى به عادا وثمودا وقارون وفرعون وهامان وجنودهم من الإيمان ~~به وعبادته وحده ثم ما ابتلاهم به من أنواع العقوبات ثم ذكر ابتلاء رسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم بأنواع الكفار من المشركين وأهل الكتاب وأمره أن ~~يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن ثم أمر عباده المبتلين بأعدائه أن يهاجروا ~~من أرضهم إلى أرضه الواسعة فيعبدونه فيها ثم نبههم بالنقلة الكبرى من دار ~~الدنيا إلى دار الآخرة على نقلتهم الصغرى من أرض إلى أرض وأخبرهم أن مرجعهم ~~إليه فلا قرار لهم ms436 في هذه الدار دون لقائه ثم بين لهم حال الصابرين على ~~الابتلاء فيه بأنه يبوؤهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها فسلاهم ~~عن أرضهم ودارهم التي تركوها لأجله وكانت مباء لهم بأن بوأهم دارا أحسن ~~منها وأجمع لكل خير ولذة ونعيم مع خلود الأبد وأن ذلك بصبرهم على الابتلاء ~~وتوكلهم على ربهم ثم أخبرهم بأنه ضامن لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم ~~في أرضهم فلا يهتموا بحمل الرزق فكم من دابة سافرت من مكان إلى مكان لا ~~تحمل رزقها ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جدا ~~بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم ~~يؤمن به وأن مقامهم في هذه الدار تمتع وسوف يعلمون عند النقلة منها ما ~~فاتهم من النعيم المقيم وما حصلوا عليه من العذاب الأليم وذكر عاقبة أهل ~~الابتلاء ممن آمن به وأطاع رسله وجاهد نفسه وعدوه في دار الابتلاء ما به ~~هاديه وناصره فأخبر سبحانه أن أجل عطاه وأفضله في الدنيا والآخرة هو لأهل ~~الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه وتوكلوا عليه وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه ~~هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفروا منه وآثروا النعيم العاجل عليه ~~فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر فإنها سورة الابتلاء والامتحان وبيان ~~حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها وجد في ~~ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان ووسطه صبر وتوكل وآخره هداية ونصر والله ~~المستعان يوضحه الوجه الخامس والثلاثون وهو أنه سبحانه أخبر أنه خلق ~~السموات والأرض العالم العلوي والسفلي PageV01P247 @ ليبلونا أينا أحسن ~~عملا وأخبر أنه زين الأرض بما عليها من حيوان ونبات ومعادن وغيرها لهذا ~~الابتلاء وأنه خلق الموت والحياة لهذا الابتلاء فكان هذا الابتلاء غاية ~~الخلق والأمر فلم يكن من بد من دار يقع فيها هذا الابتلاء وهي دار التكليف ~~ولما سبق في حكمته أن الجنة دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان جعل قبلها دار ~~الابتلاء جسرا يعبر عليه إليها ومزرعة ms437 يبذر فيها وميناء يزود منها وهذا هو ~~الحق الذي خلق الخلق به ولأجله وهو أن يعبد وحده بما أمر به على ألسنة رسله ~~فأمر ونهى على لسنة ووعدنا بالثواب والعقاب ولم يخلق خلقه سدى لا يأمرهم ~~ولا ينهاهم ولا يتركهم هملا لا يثيبهم بل خلقوا للأمر والنهي والثواب ~~والعقاب لا يليق بحكمته وحمده غير ذلك $ فصل # وقد عرف من هذا الجواب عن قولهم أي حكمة في خلق النفس مريدة للخير والشر ~~وهلا خلقت مريدة للخير وحده وكيف اقتضت الحكمة تمكينها من الشر مع القدرة ~~على منعها منه وأي حكمة في إعطائها قوة وأسبابا يعلم المعطي أنها لا يفعل ~~بها إلا الشر وحده وأي حكمة في إقرار هذه النفوس على غيها وظلمها وعدوانها ~~ومعلوم أن يفعل لحكمة لا يفعل ذلك وأن من يفعل لحكمة إذا رأى عبيده يقتل ~~بعضهم بعضا ويفسد بعضهم بعضا ويظلم بعضهم بعضا وهو قادر على منعهم فلا بدعة ~~حكمته وهما لهم بحيث يتركهم كذلك فأما أن يكون عالما يما يأتون أو لا يكون ~~قادرا على منعهم أو لا يكون ممن يفعل لغرض وحكمة وإلاولان مستحيلان في حق ~~الرب تعالى فتعين الثالث ومبنى هذه الشبهة على أصل فاسد وهو قياس الرب على ~~خلقه وتشبيههم في أفعاله بحيث يحسن منه ما يحصل منهم ويقبح منه ما يقبح ~~منهم ولهذا كانت القدرية مشبهة الأفعال ومتأخروهم جمعوا بين هذا التشبيه ~~وبين تعطيل الصفات فصاروا معطلين للصفات مشبهين في الأفعال وهذا الأصل ~~الفاسد مما رده عليهم سائر العقلاء وقالوا قياس أفعال الرب على أفعال ~~العباد من أفسد القياس وكذلك قياس حكمته على حكمتهم وصفاته على صفاتهم ومن ~~المعلوم أن الرب تعالى علم أن عباده يقع منهم الكفر والظلم والفسوق وكان ~~قادرا على أن لا يوجدهم وأن يوجدهم كلهم أمة واحدة على ما يحب ويرضى وأن ~~يحول بينهم وبين بغي بعضهم ولكن حكمته البالغة أبت ذلك واقتضت إيجادهم على ~~الوجه الذي هم عليه وهو سبحانه خلق النفوس أصنافا فصنف مريد للخير وحده وهي ms438 ~~نفوس الملائكة وصنف مريد للشر وحده وهي نفوس الشياطين وصنف فيه إرادة ~~النوعين وهي النفوس البشرية فالأولى الخير لهم طباع وهي محمودة عليه والشر ~~للنفوس الثانية طباع وهي مذمومة عليه والصنف الثالث بحسب الغالب عليه من ~~الوصفين فمن غلب عليه وصف الخير التحق بالصف الأول ومن غلب عليه وصف الشر ~~التحق بالصنف الثالث فإذا اقتضت الحكمة وجود هذا الصنف الثالث فإن يقتضي ~~وجود الثاني أولى وأحرى والرب تعالى اقتضت قدرته وعزته وحكمته إيجاد ~~المتقابلات في الذوات والصفات والأفعال كما تقدم وقد نوع خلقه تنويعا دالا ~~على كمال قدرته وربوبيته فمن أعظم الجهل والضلال أن يقول القائل هلا كان ~~خلقه كلهم نوعا واحدا فيكون العالم علوا كله أو نورا كله أو الحيوان ملكا ~~كله وقد يقع في الأوهام الفاسدة أن هذا كان أولى وأكمل ويعرض الوهم الفاسد ~~ما ليس ممكنا كمالا # الوجه السادس والثلاثون قوله وأي حكمة في إيلام الحيوانات غير المكلفة ~~فهذه مسألة تكلم الناس PageV01P248 @ فيها قديما وحديثا وتباينت طرقهم في ~~الجواب عنها فالجاحدون للفاعل المختار الذي يفعل بمشيئته وقدرته يحيلون ذلك ~~على الطبيعة المجردة وأن ذلك من لوازمها ومقتضياتها ليس بفعل فاعل ولا قدرة ~~قادر ولا إرادة مريد ومنكرو الحكمة والتعليل يردون ذلك إلى محض المشيئة ~~وصرف الإرادة تخصص مثلا على مثل بلا موجب ولا غاية ولا حكمة مطلوبة ولا سبب ~~أصلا وظنوا أنهم بذلك يتخلصون من السؤال ويسدون على نفوسهم باب المطالبة ~~وإنما سدوا على نفوسهم باب معرفة الرب وكماله وكمال أسمائه وأوصافه وأفعاله ~~فعطلوا حكمته وحقيقة ألهيته وحمده وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار ~~وأما من أثبت حكمة وتعليلا لا يعودا إلى الخالق بل إلى المخلوق سلكوا طريقة ~~التعويض على تلك الآلام في حق من يبعث للثواب والعقاب وقالوا قد يكون في ~~ذلك إثابة لإثابتهم بصبرهم وتألمهم وإثابة لهم وتعويضا في القيامة بما ~~نالهم من تلك الآلام فلما أورد عليهم إيلام الحيوانات التي لا تثاب ولا ~~تعاقب وأما المثبتون لحقائق أسماء الرب وصفاته وحكمته التي هي وصفة ولأجلها ms439 ~~تسمى بالحكيم وعنها صدر خلقه وأمره فهم أعلم الفرق بهذا الشأن ومسلكهم فيه ~~أصح المسالك وأسلم من التناقض والاضطراب فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة ~~والمشيئة العامة والحكمة الشاملة التي هي غاية الفعل وربطوا ذلك بالأسماء ~~والصفات فتصادق عندهم السمع والعقل والشرع والفطرة وعلموا أن ذلك مقتضى ~~الحكمة البالغة وأنه من لوازمها وأن لازم الحق حق ولازم العدل عدل ولوازم ~~الحكمة من الحكمة فأعلم أن هاهنا أمرين نفسا متحركة بالإرادة والاختيار ~~وطبيعة متحركة بغير الاختيار والإرادة وأن الشر منشأه من هذين المتحركين ~~وعن هاتين الحركتين وخلقت هذه النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه فهذه تتحرك ~~لكمالها وهذه تتحرك لكمالها وينشأ عن الحركتين خير وشر كما ينشأ عن حركة ~~الأفلاك والشمس والقمر وحركة الرياح والماء والنار خير وشر فالخيرات ~~الناشئة عن هذه الحركات مقصودة بالقصد الأول أما لذاتها وأما لكونها وسيلة ~~إلى خيرات أتم منها والشرور الناشئة عنها غير مقصودة بالذات وإن قصدت قصد ~~الوسائل واللوازم التي لا بد مها فما جبلت عليه النفس من الحركة هو من ~~لوازم ذاتها فلا تكون النفس البشرية نفسا إلا بهذا اللازم فإذا قيل لم خلقت ~~متحركة على الدوام فهو بمنزلة أن يقال لم كانت النفس نفسا ولم كانت النار ~~نارا والريح ريحا فلو لم يخلق هذا ما كانت نفسا ولو لم تخلق الطبيعة هكذا ~~ما كانت طبيعة ولو لم يخلق الإنسان على هذه الصفة والخلقة ما كان إنسانا ~~فإن قيل فلم خلقت النفس على هذه الصفة قيل من كمال الوجود خلقها على هذه ~~الصفة كما تقدم وكذلك كمال فاطرها ومبدعها اقتضى خلقها على هذه الصفة لما ~~في ذلك من الحكم التي لا يحصيها إلا مبدعها سبحانه وإن كان في إيجاد هذه ~~النفس شرا فهو شر جزئي بالنسبة إلى الخير الكلي الذي هو سبب إيجادها ~~فوجودها خير من أن لا توجد فلو لم يخلق مثل هذه النفس لكان في الوجود نقص ~~وفوات حكم ومصالح عظيمة موقوفة على خلق مثل هذه النفس ولهذا لما اعترضت ~~الملائكة على ms440 خلق الإنسان وقالوا @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء @QE@ أجابهم سبحانه بأن في خلقه من الحكم والمصالح ما لا تعلمه ~~الملائكة والخالق سبحانه يعلمه وإذا كانت الملائكة لا تعلم ما في خلق هذا ~~الإنسان الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء من الحكم والمصالح فغيرهم أولى أن ~~لا يحيط به علما فخلق هذا الإنسان من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة وإن كان ~~وجوده مستلزما لشر فهو شر PageV01P249 @ مغمور بما في إيجاده من الخير ~~كإنزال المطر والثلج وهبوب الرياح وطلوع الشمس وخلق الحيوان والنبات ~~والجبال والبحار وهذا كما أنه في خلقه فهو في شرعه ودينه وأمره فإن ما أمر ~~به من الأعمال الصالحة خيره ومصلحته راجح وإن كان فيه شر فهو مغمور جدا ~~بالنسبة إلى خيره وما نهى عنه من الأعمال والأقوال القبيحة فشره ومفسدته ~~راجح والخير الذي فيه مغمور جدا بالنسبة إلى شره فسنته سبحانه في خلقه ~~وأمره فعل الخير الخالص والراجح والامر بالخير الخالص والراجح فإذا تناقضت ~~أسباب الخير والشر والجمع بين النقيضين محال قدم أسباب الخير الراجحة على ~~المرجوحة ولم يكن تفويت المرجوحة شرا ودفع أسباب الشر الراجحة بالأسباب ~~المرجوحة ولم يكن حصول المرجوحة شرا بالنسبة إلى ما اندفع بها من الشر ~~الراجح وكذلك سنته في شرعه وأمره فهو يقدم الخير الراجح وإن كان في ضمنه شر ~~مرجوح ويعطل الشر الراجح وإن فات بتعطيله خير مرجوح هذه سنته فيما يحدثه ~~ويبدعه في سمواته وأرضه وما يأمر به وينهى عنه وكذلك سنته في الآخرة وهو ~~سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وقد أتقن كل ما صنع وهذا أمر يعلمه العالمون ~~بالله جملة ويتفاوتون في العلم بتفاصيله وإذا عرف ذلك فالآلام والمشاق إما ~~إحسان ورحمة وإما عدل وحكمة وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها وإما لدفع ~~ألم هو أصعب منها وإما لتولدها عن لذات ونعم يولدها عنها أمر لازم لتلك ~~اللذات وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم الفضل والإحسان فيكون من ~~لوازم الخير التي إن عطلت ملزوماتها فات بنعطيلها ms441 خير أعظم من مفسدة تلك ~~الالام والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر ~~وحاضر وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى كما سماه الله بقوله وإن كان بكم ~~أذى من مطر وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام ~~لصنوف من الحيوانات وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس ~~والرياسة ومعظم الآم أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ومتولدة منها بل ~~الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق كالعلم والشجاعة والزهد ~~والعفة والحلم والمروءة والصبر والإحسان كما قال % لولا المشقة ساد الناس ~~كلهم % % % الجود يفقر والأقدام قتال % # | وإذا كانت الآلام أسبابا للذات أعظم منها وأدوم منها كان العقل يقضي ~~باحتمالها وكثيرا ما تكون الآلام أسبابا لصحة لولا تلك الآلام لفاتت وهذا ~~شأن أكبر امراض الأبدان فهذه الحمى فيها من المنافع للأبدان مالا يعلمه إلا ~~الله وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفجة وإخراجها ما لا يصل إليه ~~دواء غيرها وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمى استبشر بها الطبيب وأما ~~انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمر لا يحس به إلا من فيه حياة فصحة ~~القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها وقد أحصيت فوائد الأمراض ~~فزادت على مائة فائدة وقد حجب الله سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره ~~وجعلها جسرا موصلا إليها كما حجب اعظم الآلام بالشهوات واللذات وجعلها جسرا ~~موصلا إليها ولهذا قالت العقلاء قاطبة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن ~~الراحة لا تنال بالراحة وأن من آثر اللذات فاتته اللذات فهذه الآلام ~~والأمراض والمشاق من أعظم النعم إذ هي أسباب النعم وما تنال الحيوانات غير ~~المكلفة منها فمغمور جدا بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها كما ينالها من حر ~~PageV01P250 @ الصيف وبرد الشتاء وحبس المطر والثلج وألم الحمل والولادة ~~والسعي في طلب أقواتها وغير ذلك ولكن لذاتها أضعاف أضعاف آلامها وما ينالها ~~من المنافع والخيرات أضعاف ما ينالها من الشرور والآلام فسنة الله في خلقه ~~وأمره هي التي أوجبها كمال علمه ms442 وحكمته وعزته ولو اجتمعت عقول العقلاء كلهم ~~على أن يقترحوا أحسن منها لعجزوا عن ذلك وقيل لكل منهم ارجع بصر العقل فهل ~~ترى من خلل @QB@ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير @QE@ ~~فتبارك الذي من كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها والأشياء من ~~خلافها فأخرج الحي من الميت والميت من الحي والرطب من اليابس واليابس من ~~الرطب فكذلك أنشأ اللذات من الآلام والآلام من اللذات فأعظم اللذات ثمرات ~~الآلام ونتائجها وأعظم الآلام ثمرات اللذات ونتائجها وبعد فاللذة والسرور ~~والخير والنعم والعافية والمصلحة والرحمة في هذا الدار المملوءة بالمحن ~~والبلاء وأكثر من أضدادها بأضعاف مضاعفة فأين آلام الحيوان من لذته وأين ~~سقمه من صحته وأين جوعه وعطشه من شبعه وريه وتعبه من راحته قال تعالى @QB@ ~~فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا @QE@ ولن يغلب عسر يسرين وهذا لأن ~~الرحمة غلبت الغضب والعفو سبق العقوبة والنعمة تقدمت المحنة والخير في ~~الصفات والأفعال والشر في المفعولات لا في الأفعال فأوصافه كلها كمال ~~وأفعاله كلها خيرات فإن ألم الحيوان لم يعدمه بألمه عافية من ألم هو أشد من ~~ذلك الألم أو تهئية لقوة وصحة وكمال أو عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ~~ما فآلام الدنيا جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة ~~إلى جبال الدنيا بكثير وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة ~~والله سبحانه لم يخلق الآلام واللذات سدى ولم يقدرهما عبثا ومن كمال قدرته ~~وحكمته أن جعل كل واحد منهما يثمر الأخرى هذا ولوازم الخلقة يستحيل ~~ارتفاعها كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق فلا يكون ~~المخلوق إلا فقيرا محتاجا ناقص العلم والقدرة فلو كان الإنسان وغيره من ~~الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم الكون والفساد لم يكن حيوانا ~~ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة والله لم يجعلها كذلك وإنما ~~جعلها دارا ممتزجا أم الها بلذتها وسرورها بأحزانها وغمومها وصحتها بسقمها ~~حكمة منه بالغة # فصل ms443 @ ولما كانت الآلام أدوية للأرواح والأبدان كانت كمالا للحيوان خصوصا ~~لنوع الإنسان فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه وإنما ابتلاه ليعافيه ~~وإنما أماته ليحييه فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب كماله طورا ~~بعد طور إلى آخر كماله بأسباب لا بد منها وكماله موقوف على تلك الأسباب ~~ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص ~~ولوازم ذلك ولوازم تلك اللوازم ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته وعلمه ~~وكماله فيفرض أمورا ممتنعة ويقدرها تقديرا ذهنيا ويحسب أنها أكمل من الممكن ~~الواقع ومع هذا فربها يرحمها لجهلها وعجزها ونقصها فإن اغترفت بذلك واعترفت ~~له بكماله وحمده وقامت بمقتضى هذين الاعترافين كان نصيبها من الرحمة أوفر ~~والله سبحانه افتتح الخلق بالحمد وختم أمر هذا العالم بالحمد فقال @QB@ ~~الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض @QE@ وقال @QB@ وقضي بينهم بالحق وقيل ~~الحمد لله رب العالمين @QE@ وأنزل كتابه بالحمد وشرع دينه بالحمد وأوجب ~~ثوابه وعقابه بالحمد فحمده من لوازم ذاته إذ يستحيل أن يكون إلا محمودا ~~فالحمد سبب الخلق وغايته الحمد أوجبه وللحمد وجد فحمده واسع PageV01P251 @ ~~لما وسعه علمه ورحمته وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلما فلم يوجد شيئا ولم ~~يقدره ولم يشرعه إلا بحمده ولحمده وكل ما خلقه وشرعه فهو متضمن للغايات ~~الحميدة ولا بد من لوازمها ولوازم لوازمها ولهذا ملأ حمده سمواته وأرضه وما ~~بينهما وما شاء من شيء بعد مما خلقه ويخلقه بعد هذا الخلق فحمده ملأ ذلك ~~كله وحمده تعالى أنواع حمد على ربوبيته وحمد على تفرده بها وحمد على ~~الوهيته وتفرده وحمد على نعمته وحمد على منته وحمد على حكمته وحمد على عدله ~~في خلقه وحمد على غناه عن إيجاد الولد والشريك والولي من الذل وحمده على ~~كماله الذي لا يليق بغيره فهو محمود على كل حال وفي كل أن ونفس وعلى كل ما ~~فعل وكل ما شرع وعلى كل ما هو متصف به وعلى كل ما هو منزه عنه وعلى كل ما ~~في الوجود من خير وشر ms444 ولذة وألم وعافية وبلاء فكما أن الملك كله له والقدرة ~~كلها له والعزة كلها له والعلم كله له والجمال كله له والحمد كله له كما في ~~الدعاء المأثور اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله واليك ~~يرجع الأمر كله وأنت أهل لئن تحمد وما عمرت الدنيا إلا بحمده ولا الجنة إلا ~~بحمده ولا النار إلا بحمده حتى أن أهلها ليحمدونه كما قال الحسن لقد دخل ~~أهل النار النار وإن قلوبهم لتحمده ما وجدوا عليه من حجة ولا سبيل $ فصل # فإن قيل فأي لذة وأي خير ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ينقطع ولا ~~يفتر عن أهله بل أهله فيه أبد الآباد كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها ~~لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم طرفة عين قيل لعمر الله هذا سؤال ~~يقلقل الجبال فضلا عن قلوب الرجال وعن هذا السؤال أنكر من أنكر حكمة العزيز ~~الحكيم ورد الأمر إلى مشيئة محضة لا سبب لها ولا غاية وجوز على الله أن ~~يعذب أهل طاعته وأوليائه وينزلهم إلى أسفل الجحيم وينعم أعدائه المشركين به ~~ويرفعهم إلى أعلى جنات النعيم أبد الآباد وأن يدخل النار من شاء بغير سبب ~~ولا عمل أصلا وأن يفاوت بين أهلها مع مساويهم في الأعمال ويسوي بينهم في ~~العذاب مع تفاوتهم في الاعمال وأن يعذب الرجل بذنب غيره وأن يبطل حسناته ~~كلها فلا يثيبه بها أو يثيت بها غيره وكل ذلك جائز عليه لا يعلم أنه لا ~~يفعله إلا خبر صادق إذ نسبه ذلك وضده إليه على حد سواء وقالوا ولا مخلص عن ~~هذا السؤال إلا بهذا الأصل وربما تمسكوا بظاهر من القول لم يضعوه على ~~مواضعه ولم يجمعوا بينه وبين أدلة العدل والحكمة وتعليق الأمور بأسبابها ~~وترتيبها عليها وآثار الموازنة والمقابلة وأخطأوا في فهم القرآن كما أخطأوا ~~في وصف الرب بما لا يليق به وفي التجويز عليه ما لا يجوز عليه وقابلهم ~~مثبتوا الأسباب والحكم من القدرية وزعموا أنهم يتخلصون من قبيح القول ms445 بما ~~أثبتوه من الحكمة والتعليل ولكن وقعوا في نظيره أو ما هو شر منه حيث أوجبوا ~~على الله سبحانه تخليد من أفنى عمره في طاعته ثم ارتكب كبيرة واحدة ومات ~~مصرا عليها في النار مع أعدائه الكفار أبد الآباد ولم يرقبوا له طاعة ولم ~~يرعوا له إسلاما وهم في هذا المذهب شر قولا من إخوانهم الجبرية فإن أولئك ~~لم يوجبوا على الله ذلك الحكم وإنما جوزوه عليه وجوزوا أن لا يفعله وهؤلاء ~~أوجبوا عليه تخليد أهل الكبائر مع الكفار ولم يجوزوا عليه إخراجهم منها ~~وأصابهم في غلطهم على القرآن والسنة وما يجوز على الرب وما لا يجوز عليه ما ~~أصاب إخوانهم من الجبرية ولما ظن غيرهم من أهل النظر والبحث أن هذا هو ~~الفساد الذي أخبرت به الرسل وعلموا أن هذا مناف للحكمة والرحمة والعدل ~~والمصلحة قالوا أن ذلك PageV01P252 @ تخويف وتخييل لا حقيقة له يزرع النفوس ~~السبعية والبهيمية عن عدوانها وشهواتها فتقوم بذلك مصلحة الوجود وكان من ~~أكبر أسباب إلحاد هؤلاء وكفرهم بالله واليوم الآخر نسبة أولئك مذاهبهم ~~الباطلة وأقوالهم الفاسدة إلى الرسل وإخبارهم أنهم دعوا إلى الإيمان بها ~~كما أصابهم تعميم في باب مسألة حدوث العالم حيث أخبروهم أن الرسل أخبرت عن ~~الله أنه لم يزل معطلا عن الفعل والفعل غير ممكن منه ثم انقلب من الإحالة ~~الذاتية إلى الإمكان الذاتي عند ابتدائه بلا تجدد سبب ولا أمر قام بالفاعل ~~وقالوا من لم يعتقد هذا فليس بمؤمن ولا مصدق للرسل فهذا في المبدأ وذاك في ~~المعاد ثم جاءت طائفة أخرى قطووا بساط الخلق والأمر جملة وقالوا كل هذا ~~محال وتلبيس ومأثم وجودان بل الوجود كله واحد ليس هناك خالق ومخلوق ورب ~~ومربوب وطاعة ومعصية وما الأمر إلا نسق واحد والتفريق من أحكام الوهم ~~والخيال فالسموات والأرض والدنيا والآخرة والآزل والآبد والحسن والقبيح كله ~~شيء واحد وهو من عين واحدة ثم استدركوا فقالوا لا بل هو العنن ونشأ الناس ~~إلا من شاء الله بين هؤلاء الطوائف الأربع لا يعرفون سوى ms446 أقوالهم ومذاهبهم ~~فعظمت البلية واشتدت المصيبة وصار أذكياء الناس زنادقة العالم وأدناهم إلى ~~الخلاص أهل البلادة والبله والعقل والسمع عن هذه الفرق بمعزل ومنازلهم ~~منهما أبعد منزل فنقول وبالله التوفيق والله المستعان وعليه التكلان # دل القرآن والسنة والفطرة وأدلة العقول أنه سبحانه خلق السموات والأرض ~~وما بينهما بالحق ولم يخلق شيئا عبثا ولا سدى ولا باطلا وإنما أوجد العالم ~~العلوي والسفلي ومن فيهما بالحق الذي هو وصفه واسمه وقوله وفعله وهو سبحانه ~~الحق المبين فلا يصدر عنه إلا حق لا يقول إلا حقا ولا يفعل إلا حقا ولا ~~يأمر الا بالحق ولا يجازي إلا بحق فالباطل لا يضاف إليه بل بالباطل ما لم ~~يضف إليه كالحكم الباطل والدين الباطل الذي لم يأذن فيه ولم يشرعه على ~~ألسنة رسله والمعبود الباطل الذي لا يستحق العبادة وليس أهلا لها فعبادته ~~باطلة ودعوته باطلة والقول الباطل هو الكذب والزور والمحال من القول الذي ~~لا يتعلق بحق موجود بل متعلقه باطل لا حقيقة له وهو سبحانه إنما خلق الخلق ~~لعبادته ومعرفته وأصل عبادته محبته على الآئه ونعمه وعلى كماله وجلاله وذلك ~~أمر فطري ابتدأ الله عليه خلقه وهي فطرته التي فطر الناس عليها كما فطرهم ~~على الإقرار به كما قالت الرسل لأممهم @QB@ أفي الله شك فاطر السماوات ~~والأرض @QE@ فالخلق مفطورون على معرفته وتوحيده فلو خلوا وهذه الفطرة ~~لنشأوا على معرفته وعبادته وحده وهذه الفطرة أمر خلقي خلقوا عليه ولا تبديل ~~لخلقه فمضى الناس على هذه الفطرة قرونا عديدة ثم عرض لها موجب فسادها ~~وخروجها عن الصحة والاستقامة بمنزلة ما يعرض للبدن الصحيح والطبيعة الصحيحة ~~مما يوجب خروجهما عن الصحة إلى الانحراف فأرسل رسله ترد الناس إلى فطرتهم ~~الأولى التي فطروا عليها فأنقسم الناس معهم ثلاثة أقسام منهم من استجاب لهم ~~كل الاستجابة وانقاد إليهم كل الانقياد فرجعت فطرته إلى ما كانت عليه مع ما ~~حصل لها من الكمال والتمام في قوتي العلم النافع والعمل الصالح فازدادت ~~فطرتهم كمالا إلى كمالها فهؤلاء لا يحتاجون في ms447 المعاد إلى تهذيب وتأديب ~~ونار تذيب فضلاتهم الخبيثة وتطهرهم من الأردن والأوساخ فإن انقيادهم للرسل ~~أزال عنهم ذلك كله وقسم استجابوا لهم من وجه دون وجه فبقيت عليهم بقية من ~~الأردن والأوساخ التي تنافي الحق الذي خلقوا له فهيأ لهم العليم الحكيم من ~~الأدوية الابتلاء والامتحان بحسب تلك الأدواء PageV01P253 @ التي قامت بهم ~~فإن وفت بالخلاص منها في هذه الدار وإلا ففي البرزخ فإن وفي بالخلاص موقف ~~القيامة وأهوالها ما يخلصهم من تلك البقية فإن وفي بها وإلا فلا بد من ~~المداواة بالدواء الأعظم وآخر الطب الكي فيدخلون كير التمحيص والتخليص حتى ~~إذا هذبوا ولم يبق للدواء فائدة أخرجوا من مارستان المرضى إلى دار أهل ~~العافية كما دل على ذلك السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصرح ~~به في قوله حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ طبتم فادخلوها خالدين @QE@ فلم يأذن لهم في دخولها إلا بعد طيبهم ~~فإنها دار الطيبين فليس فيها شيء من الخبث أصلا ولهذا يلبث هؤلاء في النار ~~على قدر حاجتهم إلى التطهر وزوال الخبث # القسم الثالث قوم لم يستجيبوا للرسل ولا انقادوا لهم بل استمروا على ~~الخروج عن الفطرة ولم يرجعوا إليها واستحكم فسادها فيهم أتم استحكام لا ~~يرجى لهم صلاح فهؤلاء لا يفي مجيء الدنيا ومصائب الموت وما بعده وأهوال ~~القيامة بزوال أوساخهم وأدرانهم ولا يليق بحكمة العليم الحكيم أن يجاور بهم ~~الطيبين في دارهم ولم يخلقوا للفناء فهؤلاء أهل دار الابتلاء والامتحان ~~باقون فيها ببقاء ما معهم من درن الكفر والشرك والنار إنما أوقدت عليهم ~~بأعمالهم الخبيثة فعذابهم بنفس أعمالهم السيئ لهم منها صور من العذاب ~~يناسبها ويشاكلها فالعذاب باق عليهم ما بقيت حقائق تلك الأعمال وما تولد ~~منهما دامت موجبات العذاب باقية فالعذاب باق # يبقى أن يقال فهل ذهب أثر الفطرة الأولى بالكلية بحيث صارت كأن لم تكن ~~وبطلت بالكلية وانتقل الأمر إلى العارض المفسد لها وعلى هذا فلا سبيل إلى ~~خلاصهم من العذاب إذ هو ms448 أثر ذلك الفساد الذي أزال الفطرة أو يقال الفطرة لم ~~تذهب بالكلية وإنما استحكم مرضها وفسادها وأصلها باق كما يستحكم مرض البدن ~~وفساده والحياة قائمة به لكنها حياة لا تنفع فإذا قدر دواء كريه صعب ~~التناول لا سبيل إلى الصحة إلا بتكرير تناوله مرارا كثيرة العدد جدا يزيل ~~ذلك المرض العارض فيظهر أثر الفطرة الأولى فلا يحتاج بعده إلى دواء هذا سر ~~المسألة ومن يذهب إلى هذا التقدير الثاني فإنه يقول العقل لا يدل على ~~امتناع ذلك إذ ليس فيه ما يحيله ونقول بل قد دل العقل والنقل والفطرة على ~~أن الرب تعالى حكيم رحيم والحكمة والرحمة تأبى بقاء هذه النفوس في العذاب ~~سرمدا أبد الآباد بحيث يدوم عذابها بدوام الله فهذا ليس من الحكمة والرحمة ~~قالوا وقد دلت الدلائل الكثيرة من النصوص والاعتبار على أن ما شرعه الله في ~~هذه الدار وقدره من العذاب والعقوبات فإنما هو لتهذيب النفوس وتصفيتها من ~~الشر الذي فيها ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ وفطما للنفوس عن المعاودة وغير ~~ذلك من الحكم التي إذا حصلت خلا التعذيب عن الحكمة والمصلحة فيبطل فإنه ~~تعذيب عليم حكيم رحيم لا يعذب سدى ولا لنفع يعود إليه بالتعذيب بل كلا ~~الأمرين محال وإذا لا يقع التعذيب إلا لمصلحة المعذب أو مصلحة غيره ومعلوم ~~أنه لا مصلحة له ولا لغيره في بقائه في العذاب سرمدا أبد الآباد قالوا فمما ~~دل عليه القرآن والسنة أن جنس الآلام لمصلحة بني آدم قوله تعالى @QB@ ذلك ~~بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ ~~الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح @QE@ وقوله @QB@ ~~وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين @QE@ فأخبر أن ألم القتل والجراح ~~في سبيله تمحيص أي تطهير وتصفية للمؤمنين وبشر الصابرين على ألم الجوع ~~والخوف والفقر وفقد الأحباب وغيرهم بصلاته عليهم ورحمته وهدايته وقال تعالى ~~@QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ PageV01P254 @ # قال أبو بكر الصديق يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وإننا ms449 لم نعمل سوأ ~~فقال يا أبا بكر ألست تنصب الست تحزن أليس يصبك الأذى قال بلى قال فذلك مما ~~تجزون به وقال تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم @QE@ وفي ~~هذا تبشير وتحذير إذ أعلمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا وهو أرحم أن ~~يثنى العقوبة على عبده بذنب قد عاقبه به في الدنيا كما قال صلى الله عليه ~~وسلم من بلى بشيء من هذه القاذورات فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه ~~وإن شاء غفر له ومن عوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على ~~عبده وفي الحديث الحدود كفارات لأهلها وفي الصحيحين من حديث عبادة ومن أصاب ~~من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له وفي الصحيح عنه صلى الله عليه ~~وسلم ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة ~~يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه وقال لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله ~~وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة وفي حديث آخر أن المؤمن إذا مرض خرج ~~مثل البردة في صفائها ولونها وفي الحديث الآخر أن الحمى تنفي الذنوب كما ~~ينفي الكير الخبيث الحديد وفي حديث آخر لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني ~~آدم ومن أسماء الحمى مكفرة الذنوب وفي الحديث الصحيح يقول الله عز وجل يوم ~~القيامة عبدي مرضت فلم تعدني قال كيف أعودك وأنت رب العالمين قال مرض عبدي ~~فلان فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده وهذا أبلغ من قوله في الإطعام ~~والإسقاء لوجدت ذلك عندي فهو سبحانه عند المبتلى بالمرض رحمة منه له وخيرا ~~وقربا منه لكسر قلبه بالمرض فإنه عند المنكسرة قلوبهم وهذا أكبر من أن يذكر ~~ورب الدنيا والآخرة واحد وحكمته ورحمته موجودة في الدنيا والآخرة بل ظهور ~~رحمته في الآخرة أعظم فعذاب المؤمنين بالنار في الآخرة هو من هذا الباب ~~كعذابهم في الدنيا بالمصائب والحدود وكذلك حبسهم بين الجنة والنار حتى ~~يهذبوا وينقوا وقد ms450 علم بالنصوص الصحيحة الصريحة أن عذابهم في النار متفاوت ~~قدرا ووقتا بحسب ذنوبهم وأنهم لا يخرجون منها جملة واحدة بل شيئا بعد شيء ~~حتى يبقى رجل هو أخرهم خروجا وكذلك عذاب الكفار فيها متفاوت تفاوتا عظيما ~~فالمنافقون في دركها الأسفل وأبو طالب أخف أهلها عذابا في ضحضاح من بئر ~~يغلي منه دماغه وآل فرعون في أشد العذاب قالوا فإذا كان العذاب في الدار ~~التي فيها رحمة واحدة من مائة رحمة هو رحمة بأهله ومصلحة لهم ولطف بهم فكيف ~~في الدار التي يظهر فيها مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض ~~وقد قال تعالى @QB@ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون @QE@ فأخبر أنه يعذبهم رحمة بهم ليردهم العذاب إليه كما يعذب الأب ~~الشفيق ولده إذا فر منه إلى عدوه ليرجع إلى بره وكرامته وقال الله تعالى ~~@QB@ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم @QE@ وأنت تجد تحت هذه الكلمات ~~أن تعذيبه لكم لا يزيد في ملكه ولا ينتفع به ولا هو سدى خال من حكمة ومصلحة ~~وأنكم إذا بدلتم الشكر والإيمان بالكفر كان عذابكم منكم وكان كفركم هو الذي ~~عذبتم به وإلا فأي شيء يلحقه من عذابكم وأي نفع يصل إليه منه قالوا وحينئذ ~~فالحكمة تقتضي أن النفوس الشريرة لا بد لها من عذاب يهذبها بحسب وقوعها كما ~~دل على ذلك السمع والعقل وذلك يوجب الانتهاء لا الدوام قالوا والله تعالى ~~لم يخلق الإنسان عبثا وإنما خلقه ليرحمه لا ليعذبه وإنما اكتسب موجب العذاب ~~بعد خلقه له فرحمته له سبقت غضبه وموجب الرحمة فيما سابق على موجب الغضب ~~وغالب له وتعذيبه ليس PageV01P255 @ هو الغاية لخلقه وإنما تعذيبه لحكمة ~~ورحمة والحكمة والرحمة تأبى أن يتصل عذابه سرمدا إلى غير نهاية أما الرحمة ~~فظاهر وأما الحكمة فلأنه إنما عذب على أمر طرأ على الفطرة وغيرها ولم يخلق ~~عليه من أصل الخلقة ولا خلق له فهو لم يخلق للإشراك ولا للعذاب وإنما خلق ~~للعبادة والرحمة ولكن طرأ عليه موجب العذاب ms451 فاستحق عليه العذاب وذلك الموجب ~~لا دوام له فإنه باطل بخلاف الحق الذي هو موجب الرحمة فإنه دائم بدوام الحق ~~سبحانه وهو الغاية وليس موجب العذاب غاية كما أن العذاب العذاب ليس بغاية ~~بخلاف الرحمة فإنها غاية وموجبها غاية فتأمله حق التأمل فإنه سر المسألة # قالوا والرب تعالى تسمى بالغفور الرحيم ولم يتسمى بالمعذب ولا بالمعاقب ~~بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله كما قال تعالى @QB@ نبئ عبادي أني أنا ~~الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ربك ~~سريع العقاب وإنه لغفور رحيم @QE@ وقال @QB@ إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ~~ويعيد وهو الغفور الودود @QE@ وقال @QB@ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب @QE@ وهذا كثير في القرآن فإنه ~~سبحانه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم ويتسمى ولم يتمدح بأنه ~~المعاقب ولا الغضبان ولا المعذب ولا المسقم إلا في الحديث الذي فيه تعديد ~~الأسماء الحسنى ولم يثبت وقد كتب على نفسه كتابا أن رحمته سبقت غضبه وكذلك ~~هو في أهل النار فإن رحمته فيهم سبقت غضبه فإنه رحمهم أنواعا من الرحمة قبل ~~أن أغضبوه بشركهم ورحمهم في حال شركهم ورحمهم بإقامة الحجة عليهم ورحمهم ~~بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم وأمهلهم ولم يعاجلهم بل ~~وسعتهم رحمته فرحمته غلبت غضبه ولولا ذلك لخرب العالم وسقطت السموات على ~~الأرض وخرت الجبال وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه امتنع أن يكون ~~موجب الغضب دائما بدوامه غالبا لرحمته قالوا والتعذيب إما أن يكون عبثا أو ~~لمصلحة وحكمة وكونه عبثا مما ينزه أحكم الحاكمين عنه ونسبته إليه نسبة لما ~~هو من أعظم النقائص إليه وإن كان لمصلحة فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها ~~وملزوماتها وهي إما أن تعود على الرب تعالى وهو يتعالى عن ذلك ويتقدس عنه ~~وإما أن تعود إلى المخلوق أما نفس المعذب وأما غيره أوهما والأول ممتنع ولا ~~مصلحة له في دوام العقوبة بلا نهاية وأما مصلحة غيره فإن كانت هي الاتعاظ ~~والانزجار فقد ms452 حصلت وإن كانت تكميل لذته وبهجته وسروره بأن يرى عدوه في تلك ~~الحال وهو في غاية النعيم فهذا لو كان أقسى الخلق لرق لعدوه من طول عذابه ~~ودوام ما يقاسيه فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبارة العتيدة ومداواتها ~~كيما تصل إلى مادة أدوائها وأمراضها فتحسمها وتلك المادة شر طارئ على خير ~~خلقت عليه في ابتداء فطرتها قالوا والأقسام الممكنة في الخلق خمسة لا مزيد ~~عليها خير محض ومقابله وخير راجح ومقابله وخير وشر متساويان والحكمة تقتضي ~~إيجاد قسمين منها وهما الخير الخالص والراجح وأما الشر الخالص أو الراجح ~~فإن الحكمة لا تقتضي وجوده بل تأبى ذلك فإن كل ما خلقه الله سبحانه فإنما ~~خلقه لحكمة وجودها أولى من عدمها وخلق الدواب الشريرة والأفعال التي هي شر ~~لما يترتب على خلقها من الخير المحبوب فلم يخلق لمجرد الشر الذي لا يستلزم ~~خيرا بوجه ما هذا غاية المحال فالخير هو المقصود بالذات بالقصد الأول والشر ~~إنما قصد قصد الوسائل والمبادئ لا قصد الغايات والنهايات وحينئذ فإذا حصلت ~~الغاية المقصودة بخلقه بطل وزال كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها ~~كما هو معلوم بالحس والعقل وعلى هذا فالعذاب شر وله غاية تطلب به ~~PageV01P256 @ وهو وسيلة إليها فإذا حصلت غايته كان بمنزلة الطريق الموصلة ~~إلى القصد فإذا وصل بها السائر إلى مقصده لم يبق لسلوكها فائدة وسر المسألة ~~أن الرحمة غاية الخلق والأمر لا العذاب فالعذاب من مخلوقاته وذلك مقتضى أنه ~~خلقه لغاية محمودة ولا بد من ظهور أسمائه وأثر صفاته عموما وإطلاقا فإن هذا ~~هو الكمال والرب جل جلاله موصوف بالكمال منزه عن النقص قالوا وقد قال تعالى ~~@QB@ فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد @QE@ وقال @QB@ النار ~~مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله @QE@ قال أبو سعيد الخدري هذه تقضي على ~~كل آية في القرآن ذكره البيهقي وحرب وغيرهما وقال عبد الله بن مسعود ليأتين ms453 ~~على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا وعن عمر بن ~~الخطاب وأبي هريرة مثله ذكره جماعة من المصنفين في السنة وهذا يقتضي أن ~~الدار التي لا يبقى فيها أحد هي التي يلبث فيها أهلها أحقابا وقال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة فقال تعالى @QB@ ~~عطاء غير مجذوذ @QE@ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار قالوا ويكفينا ما في ~~سورة الأنعام من قوله @QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من ~~الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي ~~أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ~~@QE@ إلى قوله @QB@ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة ~~الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين @QE@ وهذا خطاب للكفار من الجن ~~والإنس من وجوه أحدهما استكبارهم منهم أي من إغوائهم وإضلالهم وإنما ~~استكبروا من الكفار والثاني قوله @QB@ وقال أولياؤهم من الإنس @QE@ ~~وأوليائهم هم الكفار كما قال تعالى @QB@ إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين ~~لا يؤمنون @QE@ فحزب الشيطان هم أوليائه والثالث قوله @QB@ وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين @QE@ ومع هذا فقال @QB@ النار مثواكم خالدين فيها ~~إلا ما شاء الله @QE@ ثم ختم الآية بقوله @QB@ إن ربك حكيم عليم @QE@ ~~فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة فهو عليم ~~بما يفعل بهم حكيم في ذلك قالوا وقد ورد في القرآن أنه سبحانه إذا ذكر جزاء ~~أهل رحمته وأهل غضبه معا أبد جزاء أهل الرحمة وأطلق جزاء أهل الغضب كقوله ~~@QB@ فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي ~~الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ~~@QE@ وقوله @QB@ إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في ms454 نار جهنم ~~خالدين فيها أولئك هم شر البرية @QE@ @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه @QE@ وقوله @QB@ ~~يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم ~~فيها خالدون @QE@ وقد يقرن بينهما في الذكر ويقضي لهم بالخلود كقوله @QB@ ~~ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا @QE@ وقوله @QB@ ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها @QE@ ولكن مجرد ذكر ~~الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية بل الخلود هو المكث الطويل كقولهم ~~قيد مخلد وتأبيد كل شيء بحسبه فقد يكون التأبيد لمدة الحياة وقد يكون لمدة ~~الدنيا قال تعالى عن اليهود @QB@ ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم @QE@ ~~PageV01P257 ومعلوم أنهم يتمنونه في النار حيث يقولون يا مالك ليقض علينا ~~ربك وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم الجنة بقوله @QB@ إن هذا لرزقنا ما له من ~~نفاد @QE@ وقوله @QB@ عطاء غير مجذوذ @QE@ وقوله @QB@ لهم أجر غير ممنون ~~@QE@ أي مقطوع ومن قال لا يمن به عليهم فقد أخطأ أقبح الخطأ ولم يجيء مثل ~~ذلك في عذاب أهل النار وقوله عز وجل @QB@ وما هم بخارجين من النار @QE@ ~~@QB@ وما هم منها بمخرجين @QE@ وقوله @QB@ لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف ~~عنهم من عذابها @QE@ وقوله تعالى @QB@ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا ~~فيها @QE@ في موضعين من القرآن وقوله @QB@ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها @QE@ غير مصروف عن ظاهره وحقيقته على الصحيح وقد زعمت طائفة أن اطلاق ~~هذه الآيات مقيد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة فيكون من باب تخصيص ~~العموم وهذا كأنه قول من قال من السلف في آية الاستثناء أنها تقضي على كل ~~وعيد في القرآن والصحيح أن هذه الآيات على عمومها واطلاقها ولكن ليس فيها ~~ما يدل على أن نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها هذا ليس في ms455 القرآن ~~ولا في السنة ما يدل عليه بوجه ما وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائما ~~بدوامها وبين أن يكون هي أبدية لا انقطاع لها فلا تستحيل ولا تضمحل فهذا ~~شيء وهذا شيء لا يقال فلا فرق على هذا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إذ كان ~~كل منهما يضمحل وينقطع قيل ما أظهر الفروق بينهما والأمر أبين من أن يحتاج ~~إلى فرق وأيضا فعذاب الدنيا ينقطع بموت المعذب واقلاع العذاب عنه وأما عذاب ~~الآخرة فلا يموت من استحق الخلود فيه ولا يقلع العذاب عنه ولا يدفعه عنه ~~أحدكما قال تعالى @QB@ إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع @QE@ وهو لازم لا ~~يفارق قال تعالى @QB@ إن عذابها كان غراما @QE@ أي لازما ومنه سمى الغريم ~~غريما لملازمة غريمه $ فصل # وأما الآثار في هذه المسألة فقال الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم حدثنا ~~سهل بن عثمان حدثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن القاسم ~~عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليأتين على جهنم يوم كأنها ورق ~~هاج واحمر تخفق أبوابها وقال حرب في مسائله سألت أسحاق قلت قول الله عز وجل ~~@QB@ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك @QE@ قال أتت هذه ~~الآية على كل وعيد في القرآن حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان ~~قال قال أبي حدثنا أبو نصرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال هذا الآية تأتي على القرآن كله إلا ما شاء ربك أنه فعال ~~لما يريد قال المعتمر قال أي كل وعيد في القرآن ثم تأول حرب ذلك فقال معناه ~~عندي والله أعلم أنها تأتي على كل وعيد في القرآن لأهل التوحيد وكذلك قوله ~~إلا ما شاء ربك استثنى من أهل القبلة الذين يخرجون من النار وهذا التأويل ~~لا يصح لأن الاستثناء إنما هو في وعيد الكفار فإنه سبحانه قال يوم يأتي لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم ms456 شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار الآية ثم ~~قال وأما الذين سعدوا ففي الجنة فأهل التوحيد من الذين سعدوا شقوا وآية ~~الأنعام صريحة في حق الكفار كما تقدم بيانه قال حرب وحدثنا عبيد الله بن ~~معاذ حدثنا أبي ثنا شعبة عن أبي حدثنا مليح سمع عمر بن ميمون يحدث عن عبد ~~الله بن عمرو قال ليأتين على جهنم يوم تصطفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك ~~بعدما يلبثون فيها أحقابا حدثنا عبيد الله ثنا أبي ثنا شعبة عن يحيى بن ~~أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال أما الذي أقول أنه سيأتي على جهنم يوم ~~لا يبقى فيها أحد وقرأ فأما الذين شقوا ففي النار الآية قال عبيد الله كان ~~أصحابنا يقولون يعني بها PageV01P258 @ الموحدين وقد تقدم أن هذا التأويل ~~لا يصح وقال عبد بن حميد في تفسيره أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن ~~سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر لو لبث أهل النار في النار بقدر رمل ~~عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه وقال أخبرنا حجاج بن منهال عن حماد ~~بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال لو لبث أهل النار في النار ~~عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه ورواة هذا الأثر أئمة ثقات كلهم ~~والحسن سمعه من بعض التابعين ورواه غير منكر له فدل هذا الحديث أنه كان ~~متداولا بين هؤلاء الأئمة لا ينكرونه وقد كانوا ينكرونه على من خرج عن ~~السنة أدنى شيء ويروون الأحاديث المبطلة لفعله وكان الإمام أحمد يقول ~~أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق المبدعة فلو كان هذا القول عندهم من ~~البدع المخالفة للسنة والإجماع لسارعوا إلى رده وإنكاره وفي تفسير علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس في قوله @QB@ قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما ~~شاء الله إن ربك حكيم عليم @QE@ قال لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في ~~خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا قال ms457 الطبري وروى عن ابن عباس أنه كان يتأول ~~في هذا الاستثناء أن الله جعل أمر هؤلاء في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته ~~وهذا التفسير من ابن عباس يبطل قول من تأوبل الآية على أن معناها سوى ما ~~شاء الله من أنواع العذاب أو قال المعنى إلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين ~~إلى بعثوا أن دخلوا أو أنها في أهل القبلة وما يعني من أوانها يعني الواو ~~أي وما شاء الله وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة لا تليق بالآية ومن تأملها ~~جزم ببطلانها وقال السدي في قوله تعالى @QB@ لابثين فيها أحقابا @QE@ قال ~~سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة ~~مما تعدون وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد هذا ~~قول الأكثرين ولهذا تأول الزجاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله لا ~~يذوقون فيها بردا ولا شرابا وأما مدة مكثهم فيها فلا يتقدر بالأحقاب وهذا ~~تأويل فاسد فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب وقالت ~~طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله @QB@ وما هم منها بمخرجين @QE@ وقوله @QB@ ~~هم فيها خالدون @QE@ وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ الرفع فإنه لا يدخل ~~في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب وإن أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح وهو ~~إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية فهم فيها خالدون وما هم ~~بمخرجين وهذا حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه لكن الشأن في أمر آخر وهو ~~أن النار أبدية دائمة بدوام الرب فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة ~~بوجه من الوجوه وقالت طائفة هي في أهل التوحيد وهذا أقبح مما قبله وسياق ~~الآيات يرده ردا صريحا ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال لا يدل ذكر ~~الأحقاب على النهاية فإنها غير مقدرة بالعدد فإنه لم يقل عشرة ولا مائة ولو ~~قدرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم فكيف إذا لم يقدر قالوا ومعنى ~~الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب ms458 لا إلى نهاية وهذا الذي قالوه لا تدل ~~الآية عليه بوجه وقولهم إن الأحقاب فيها غير مقدرة فيقال لو أريد بالآية ~~بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم يقيد بالأحقاب فإن ما لا نهاية له لا يقال ~~هو باق أحقابا ودهورا وإعصارا أو نحو ذلك ولهذا لا يقال ذلك في نعيم أهل ~~الجنة ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا أو آلافا من السنين ~~فالصحابة أفهم الآية لمعاني القرآن وقد فهم منها عمر بن الخطاب خلاف فهم ~~هؤلاء كما فهم ابن عباس من أية الاستثناء خلاف فهم أولئك وفهم الصحابة في ~~PageV01P259 @ القرآن هو الغاية التي عليها المعول وقد قال ابن مسعود ~~ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها ~~أحقابا وقال ابن جرير حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس خالدين فيها ما ~~دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك قال أمر الله النار أن تأكلهم قال وقال ~~ابن مسعود فذكره وقال حدثنا محمد بن حميد ثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال ~~جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا قلت لا يدل قوله أسرعهما خرابا ~~على خراب الدار الأخرى كما في قوله تعالى @QB@ أصحاب الجنة يومئذ خير ~~مستقرا وأحسن مقيلا @QE@ وقوله @QB@ آلله خير أما يشركون @QE@ وقوله في ~~الحديث الله أعلا وأجل وقوله أسرعهما عمرانا يحتمل معنيين أحدهما مسارعة ~~الناس إلى الأعمال التي يدخلون بها جهنم وإبطاؤهم عن أعمال الدار الأخرى ~~والثاني أن أهلها يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها فإن أهل الجنة إنما ~~يدخلونها بعد عبورهم على الصراط وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه وأهل ~~النار قد تبوءوا منازلهم منها فإنهم لا يجوزون على الصراط ولا يحبسون على ~~تلك القنطرة وأيضا ففي الحديث الصحيح أنه لما ينادي المنادى لتتبع كل أمة ~~ما كانت تعبد فتتبع المشركون أوثانهم وآلهتهم فتتساقط بهم في النار وتبقى ~~هذه الأمة في الموقف حتى يأتيها ربها عز وجل ويقول ألا تنطلقون حيت انطلق ~~الناس وقد ذكر الخطيب في تاريخه ms459 في ترجمة سهل بن عبيد الله بن داود ابن ~~سليمان أبو نصر البخاري حدثنا محمد بن نوح الجند سابوري حدثنا جعفر بن محمد ~~بن عيسى الناقد حدثنا سهل بن عثمان ثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر ~~بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأتي على جهنم يوما ما فيها من بني آدم أحد تخفق أبوابها ~~كأنها أبواب الموحدين وليس العمدة على هذا وحده فإن إسناده ضعيف وقد روى من ~~وجه آخر عن ابن مسعود وقد تقدم $ فصل # والذين قطعوا بأبدية النار وأنها لا تفنى لهم طرق # أحدها الآيات والأحاديث الدالة على خلودهم فيها وأنهم لا يموتون وما هم ~~منها بمخرجين وأن الموت يذبح بين الجنة والنار وأن الكفار لا يدخلون الجنة ~~حتى يلج الجمل في سم الخياط وأمثال هذه النصوص وهذه الطريق لا تدل على ما ~~ذكروه وإنما يدل على أنها ما دامت باقية فهم فيها فأين فيها ما يدل على عدم ~~فنائها # الطريق الثاني دعوى الإجماع على ذلك وقد ذكرنا من أقوال الصحابة ~~والتابعين ما يدل على أن الأمر بخلاف ما قالوا حتى لقد ادعى إجماع الصحابة ~~من هذا الجانب استنادا إلى تلك النقول التي لا يعلم عنهم خلافها # الطريق الثالث أنه كالمعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الجنة والنار لا ~~تفنيان بل هما باقيتان ولهذا أنكر أهل السنة كلهم على أبي الهذيل وجهم ~~وبشيعتهما ممن قال بفنائها وعدوا أقوالهم من أقوال أهل البدع المخالفة لما ~~جاء به الرسول ولا ريب أن هذا من أقوال أهل البدع التي خرجوا بها عن السنة ~~ولكن من أين تصح دعوى العلم النظري أن النار باقية ببقاء الله دائمة بدوامه ~~فضلا عن العلم الضروري فأين في الأدلة الشرعية أو العقلية دليل واحد يقتضي ~~ذلك # الطريق الرابع أن السنة المستفيضة أو المتواترة أخبرت بخروج أهل التوحيد ~~من النار دون الكفار وهذا معلوم من السنة قطعا وهذا الذي قالوه حق لا ms460 ريب ~~فيه ولكن أهل التوحيد خرجوا منها وهي باقية لم تفن ولم تعدم والكفار لا ~~يحصل لهم ذلك بل هم باقون فيها ما بقيت # الطريق الخامس أن العقل يدل على PageV01P260 @ خلود الكفار فيها وعدم ~~خروجهم منها فإن نفوسهم غير قابلة للخير فإنهم لو خرجوا منها لعادوا كفارا ~~كما كانوا وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله @QB@ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~@QE@ وهذا يدل على غاية عتوهم وإصرارهم وعدم قبول الخير فيهم بوجه من ~~الوجوه فلا تصلح نفوسهم الشريرة الخبيثة إلا للعذاب ولو صلحت لصلحت على طول ~~العذاب فحيث لم يؤثر عذابهم تلك الأحقاب الطويلة في نفوسهم ولم يطيبها علم ~~أنه لا قابلية فيهم للخير أصلا وان أسباب العذاب لم يطف من نفوسهم فلا يطفي ~~العذاب المترتب عليها وهذه الطريق وإن أنكرت ببادئ الرأي فهي طريق قوية وهي ~~ترجع إلى طريق الحكمة وان الحكمة التي اقتضت دخولهم هي التي اقتضت خلودهم ~~ولكن هذه الطريق محرم سلوكها على نفاة الحكمة وعلى مثبتيها من المعتزلة ~~والقدرية أما النفاة فظاهر وأما المثبتة فالحكمة عندهم أن عذابهم لمصلحتهم ~~وهذا إنما يصح إذا كان لهم حالتان حالة يعذبون فيها لأجل مصلحتهم وحالة ~~يزول عنهم العذاب لتحصل لهم تلك المصلحة وإلا فكيف تكون مصلحتهم في عذاب لا ~~انقطاع له أبدا وأما من يثبت حكمة راجعة إلى الرب تعالى فيمكنهم سلوك هذه ~~الطريق لكن يقال الحكمة لا تقتضي دوام عذابهم بدوام بقائه سبحانه وهو لم ~~يخبر أنه خلقهم لذلك وإنما يعذبون لغاية محمودة إذا حصلت حصل المقصود من ~~عذابهم وهو سبحانه لا يعذب خلقه سدى وهو قادر على أن ينشئهم بعد العذاب ~~الطويل نشأة أخرى مجردة عن تلك الشرور والخبائث التي كانت في نفوسهم وقد ~~أزالها طول العذاب فإنهم خلقوا قابلين للخير على الفطرة وهذا القبول لازم ~~لخلقتهم وبه أقروا بصانعتهم وفاطرهم وإنما طرأ عليه ما أبطل مقتضاه فإذا ~~زال ذلك الطارئ بالعذاب الطويل بقي أصل القبول بلا معارض وأما قوله تعالى ~~@QB@ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ms461 @QE@ فهذا قبل مثابرتهم للعذاب قال ~~تعالى @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ~~ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون @QE@ فتلك الخبائث والشرور قائمة بنفوسهم لم ~~تزلها النار فلو ردوا لعادوا لقيام المقتضى للعود ولكن أين أخبر سبحانه أنه ~~لو ردهم بعد العذاب الطويل السرمدي لعادوا لما نهوا عنه وسر المسألة أن ~~الفطرة الأصلية لا بد أن تعمل عملها كما عمل الطارئ عليها عمله وهذه الفطرة ~~عامة لجميع بني آدم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة وفي لفظ على هذه الملة وفي صحيح ~~مسلم من حديث عياض بن حماد المجاشعي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي ~~عن ربه قال إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاحتالتهم عن ~~دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا فأخبر أن الأصل فيهم ~~الحنيفية وانهم خلقوا عليها وأن صدها عارض فيهم باقتطاع الشياطين لهم عنها ~~فمن الممتنع أن يعمل أثر اقتطاع الشياطين ولا يعمل أثر خلق الرحمن جل جلاله ~~عمله والكل خلقه سبحانه فلا خالق سواه ولكن ذاك خلق يحبه ويرضاه ويضاف أثره ~~إليه وهذا خلق يبغضه ويسخطه ولا يضاف اثره إليه فإن الشر ليس إليه والخير ~~كله في يديه فإن قيل فقد قال سبحانه @QB@ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~@QE@ وهذا يقتضي انه لا قابلية فيهم ولا خير عندهم البتة ولو كان عندهم ~~لخرجوا به من النار مع الموحدين فإنه سبحانه يخرج من النار يخرج من النار ~~من في قلبه أدنى ادنى مثقال ذرة من خير فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر ~~اليسير من الخير قيل الخير فيه هذا الحديث هو الإيمان PageV01P261 @ بالله ~~ورسله كما في اللفظ الآخر أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان وهو تصديق ~~رسله والانقياد لهم بالقلب والجوارح وأما ms462 الخير في الآية فالمراد به القبول ~~والزكاة ومعرفة قدر النعمة وشكر المنعم عليها فلو علم الله سبحانه ذلك فيهم ~~لأسمعهم إسماعا ينتفعون به فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم الحجة فتلك ~~القابلية ذهب أثرها وتعطلت بالكفر والجحود وعادت كالشيء المعدوم الذي لا ~~ينتفع به وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم ولم يظهر أثرها في انتفاعهم ~~بما عملوه وتيقنوه فإن قيل فالغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا وقال ~~نوح عن قومه ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد ~~والترمذي مرفوعا آن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيي ~~مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحي كافرا ويموت كافرا الحديث قيل ~~هذا لا يناقض كونه مولودا على الفطرة فإنه طبع وولد مقدرا كفره إذا عقل ~~وإلا ففي حال ولادته لا يعرف كفرا ولا إيمانا فهي حال مقدرة لا مقارنة ~~للعامل فهو مولود على الفطرة ومولود كافرا باعتبارين صحيحين ثابتين له هذا ~~بالقبول وإيثار الإسلام لو خلى وهذا بالفعل والإرادة اذا عقل فإذا جمعت بين ~~الفطرة السابقة والرحمة السابقة العالية والحكمة البالغة والغنى التام ~~وقرنت بين فطرته ورحمته وحكمته وغناه تبين لك الأمر # الطريق السادس قيام دار العدل على دار الفضل وأن هذه كما أنها أبدية ~~فالأخرى كذلك لأن هذه توجب عدله وعدله ورحمته من لوازم ذاته وهذه الطريق ~~غير نافذة فإن العدل حقه سبحانه لا يجب عليه آن يستوفيه ولا يلحقه بتركه ~~نقص ولا ذم بوجه من الوجوه والفضل وعده الذي وعد به عباده وأحقه على نفسه ~~والفرق بين الدارين من وجوه عديدة شرعا وعقلا # أحدها آن الله سبحانه أخبر بان نعيم الجنة ماله من نفاد وإن عطله أهلها ~~غير مجذوذ وأنه غير ممنون ولم يجيء ذلك في عذاب أهل النار # الثاني أنه أخبر بما يدل على انتهاء عذاب أهل النار في عدة آيات كما تقدم ~~ولم يخبر بما يدل على انتهاء نعيم أهل الجنة ولهذا احتاج القائلون التأبيد ms463 ~~الذي لا انقطاع له إلى تأويل تلك الآيات ولم يجيء في نعيم أهل الجنة ما ~~يحتاجونه إلى تخصيصه بالتأويل # الثالث أن الأحاديث التي جاءت في انتهاء عذاب النار لم تجيء شيء منها في ~~انتهاء نعيم الجنة # الرابع أن الصحابة والتابعين إنما ذكروا انقطاع العذاب ولم يذكروا أحد ~~منهم انقطاع النعيم # الخامس أنه قد ثبت أن الله سبحانه يدخل الجنة بلا عمل أصلا بخلاف النار # السادس أنه سبحانه ينشئ في الجنة خلقا يمنعهم فيها ولا ينشئ في النار ~~خلقا يعذبهم بها # السابع أن الجنة من مقتضى رحمته والنار من مقتضى غضبه وأن الذين يدخلون ~~النار أضعاف أضعاف الذين يدخلون الجنة فلو دام عذاب هؤلاء كدوام نعيم هؤلاء ~~لغلب غضبه رحمته فكان الغضب هو الغالب السابق وهذا ممتنع # الثامن أن الجنة دار فضله والنار دار عدله وفضله يغلب عدله # التاسع أن النار دار استيفاء حقه الذي له والجنة دار وفاء حقه الذي أحقه ~~هو على نفسه وهو سبحانه يترك حقه ولا يترك الحق الذي أحقه على نفسه # العاشر أن الجنة هي الغاية التي خلقوا لها في الآخرة وأعمالها هي الغاية ~~التي خلقوا لها في الدنيا بخلاف النار فإنه سبحانه لم يخلق خلقه للكفر به ~~والإشراك وإنما خلقهم لعبادته وليرحمهم # الحادي عشر أن النعيم من موجب أسمائه وصفاته والعذاب إنما هو من أفعاله ~~قال تعالى @QB@ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم @QE@ وقال @QB@ إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم @QE@ وقال @QB@ ~~اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم @QE@ PageV01P262 وما كان ~~من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامه فإن قيل فإن العذاب صادر عن عزته ~~وحكمته وعدله وهذه أسماء حسنى وصفات كمال فيدوم ما صدر عنها بدوامها قيل ~~لعمر الله أن العذاب صدر عن عزة وحكمة وعدل وانتهاؤه عند حصول المقصود منه ~~يصدر عن عزة وحكمة وعدل فلم يخرج العذاب ولا انقطاعه عن عزته وحكمته وعدله ~~ولكن عند انتهائه يكون عزة مقرونة برحمة وحكمة مقرونة بجود وإحسان وعفو ms464 ~~وصفح فالعزة والحكمة لم يزالا ولم ينقص بل صدر جميع ما خلقه ويخلقه وأمر به ~~ويأمر به عن عزته وحكمته # الثاني عشر أن العذاب مقصود لغيره لا لنفسه وأما الرحمة والإحسان والنعيم ~~فمقصود لنفسه فالإحسان والنعيم غاية والعذاب والألم وسيلة فكيف يقاس أحدهما ~~بالآخر # الثالث عشر أنه سبحانه أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأن رحمته سبقت غضبه ~~وأنه كتب على نفسه الرحمة فلا بد آن تسع رحمته هؤلاء المعذبين فلو بقوا في ~~العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته وهذا ظاهر جدا فإن قيل فقد قال سبحانه ~~عقيبها فسأكتبها للذين يتقون إلى آخر الآية يخرج غيرهم منها لخروجهم من ~~الوصف الذي يستحق به قيل الرحمة المكتوبة لهؤلاء هي غير الرحمة الواسعة ~~لجميع الخلق بل هي رحمة خاصة خصهم بها دون غيرهم وكتبها لهم دون من سواهم ~~وهم أهل الفلاح الذين لا يعذبون بل هم أهل الرحمة والفوز والنعيم وذكر ~~الخاص بعد العام استطرادا وهو كثير في القرآن بل قد يستطرد من الخاص إلى ~~العام كقوله @QB@ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ~~فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما فتعالى الله عما يشركون @QE@ فهذا استطراد من ذكر الأبوين إلى ذكر ~~الذرية ومن استطراد قوله @QB@ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين @QE@ فالتي جعلت رجوما ليست هي التي زينت بها السماء ولكن ~~استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر وأعاد ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت ~~جنس واحد فهكذا قوله ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون فالمكتوب ~~للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة والمقصود ان الرحمة لا بد أن تسع ~~أهل النار ولا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم كما قالت الملائكة ربنا وسعت كل ~~شيء رحمة وعلما # الرابع عشر أنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم حديث الشفاعة قول أولي ~~العزم أن ms465 ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وهذا ~~صريح في أن ذلك الغضب العظيم لا يدوم ومعلوم أن أهل النار إنما دخلوها بذلك ~~الغضب فلو دام ذلك الغضب لدام عذابهم إذ هو موجب ذلك الغضب فإذا رضي الرب ~~تبارك وتعالى وزال ذلك الغضب زال موجبه وهذا كما أن عقوبات الدنيا العامة ~~وبلاؤها آثار غضبه فإذا استمر غضبه استمر ذلك البلاء فإذا رضي وزال غضبه ~~زال البلاء وخلفته الرحمة # الخامس عشر أن رضاه أحب إليه من غضبه وعفوه أحب إليه من عقوبته ورحمته ~~أحب إليه من عذابه وعطاؤه أحب إليه من منعه وإنما يقع الغضب والعقوبة ~~والمنع بأسباب تناقص موجب تلك الصفات والأسماء وهو سبحانه كما يحب أسماءه ~~وصفاته ويحب آثارها وموجبها كما في الحديث أنه وتر يحب الوتر جميل يحب ~~الجمال نظيف يحب النظافة عفو يحب العفو وهو شكور يحب الشاكرين عليم يحب ~~العالمين جواد يحب أهل الجود حي ستير يحب أهل الحياء والستر صبور يحب ~~الصابرين رحيم يحب الرحماء فهو PageV01P263 @ يكره ما يضاد ذلك وكذلك كره ~~الكفر والفسوق والظلم والجهل لمضادة هذه الأوصاف لأوصاف كماله الموافقة ~~لأسمائه وصفاته ولكن يريده سبحانه لاستلزامه ما يحبه ويرضاه فهو مراد له ~~إرادة اللوازم المقصودة لغيرها إذ هي معصية إلى ما يحب فإذا حصل بها ما ~~يحبه وأدت إلى الغاية المقصودة له سبحانه لم تبق مقصودة لا لنفسها ولا ~~لغيرها فتزول ويخلفها أضدادها التي هي أحب إليه سبحانه منها وهي موجب ~~أسمائه وصفاته فإن فهمت سر هذا الوجه وإلا فجاوزه إلى ما قبله ولا تعجل ~~بإنكاره هذا سر المسألة أنه سبحانه حكيم رحيم إنما يخلق بحكمة ورحمة فإذا ~~عذب من يعذب لحكمة كان هذا جاريا على مقتضاها كما يوجد في الدنيا من ~~العقوبات الشرعية والقدرية من التهذيب والتأديب والزجر والرحمة واللطف ما ~~يزكي النفوس ويطيبها ويمحصها ويخلصها من شرها وخبثها والنفوس الشريرة ~~الظالمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذب لعادت لما نهت عنه لا يصلح أن ms466 ~~تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والشر والظلم فإذا عذبت هذه النفوس ~~بالنار عذابا يخلصها من ذلك الشر ويخرج خبثها كان هذا معقولا في الحكمة كما ~~يوجد في عذاب الدنيا وخلق من فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة أما خلق ~~نفوس شريرة لا يزول شرها البتة وإنما خلقت للشر المحض وللعذاب السرمد ~~الدائم بدوام خالقها سبحانه فهذا لا يظهر موافقته للحكمة والرحمة وإن دخل ~~تحت القدرة فدخوله تحت الحكمة والرحمة ليست بالبين فهذا ما وصل إليه النظر ~~في هذه المسألة التي تكع فيها عقول العقلاء وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس ~~الله روحه فقال لي هذه المسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها بشيء فمضى على ذلك ~~زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكثي بعض تلك الآثار التي ذكرت فأرسلت ~~إليه الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع وقلت للرسول قل له ~~هذا الموضع يشكل علي ولا يدري ما هم فكتب فيها مصنفه المشهور رحمة الله ~~عليه فمن كان عنده فضل علم فليحدثه فان فوق كل ذي علم عليم وانا في هذه ~~المسئلة على قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه فانه ذكر دخول ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف ذلك أحسن صفة ثم قال ويفعل الله بعد ~~ذلك في خلقه ما يشاء وعلى مذهب عبدالله بن عباس رضي الله عنهما حيث يقول لا ~~ينبغي لاحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا وذكر ذلك في ~~تفسير قوله @QB@ قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله @QE@ وعلى ~~مذهب أبي سعيد الخدري حيث يقول انتهى القرآن كله إلى هذه الآية @QB@ إن ربك ~~فعال لما يريد @QE@ وعلى مذهب قتادة حيث يقول في قوله الا ما شاء ربك الله ~~أعلم بتبينه على ما وقعت وعلى ما مذهب ابن زيد حيث يقول أخبرنا الله بالذي ~~يشاء لاهل الجنة فقال عطاء غير مجذوذ ولم يخبرنا بالذي يشاء لاهل النار ~~والقول بان النار ms467 وعذابها دائم بدوام الله خبر عن الله بما يفعله فان لم ~~يكن مطابقا لخبره عن نفسه بذلك والا كان قولا عليه بغير علم والنصوص لا ~~تفهم ذلك والله أعلم # | فصل وها هنا مذاهب أخرى باطله منها قول من قال أنهم يعذبون في النار ~~مدة لبثهم في الدنيا وقول من قال تنقلب علهم طبيعة نارية يلتذون بها كما ~~يلتذ صاحب الجرب بالحك وقول من يقول أنها تفنى هي والجنة جميعا ويعودان ~~عدما وقول من يقول تفنى حركاتها وتبقى أهلها في سكون دائم ولم يوفق للصواب ~~في هذا الباب غير الصحابة ومن سلك سبيلهم PageV01P264 @ وبالله التوفيق # فصل # فإن قيل فما الحكمة في كون الكفار أكثر من المؤمنين وأهل النار أضعاف ~~أضعاف أهل الجنة كما قال تعالى @QB@ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين @QE@ ~~وقال @QB@ وقليل من عبادي الشكور @QE@ وقال @QB@ إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم @QE@ وقال @QB@ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ~~سبيل الله @QE@ وبعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد إلى الجنة ~~وكيف نشأ هذا عن الرحمة الغالبة وعن الحكمة البالغة وهلا كان الأمر بالضد ~~من ذلك # قيل هذا السؤال من أظهر الأدلة على قول الصحابة والتابعين في هذه المسألة ~~وأن الأمر يعود إلى الرحمة التي وسعت كل شيء وسبقت الغضب وغلبته وعلى هذا ~~فاندفع السؤال بالكلية ثم نقول المادة الأرضية اقتضت حصول التفاوت في النوع ~~الإنساني كما في المسند والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم ~~من قبضة قبضها من جميع الأرض فكان منهم الخبيث والطيب والسهل والحزن وغير ~~ذلك فاقتضت مادة النوع الإنساني تفاوتهم في أخلاقهم وإراداتهم وأعمالهم ثم ~~اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ابتلى المخلوق من هذه المادة بالشهوة والغضب ~~والحب والبغض ولوازمها وابتلاه بعدوه الذي لا يألوه خبالا ولا يغفل عنه ثم ~~ابتلاه مع ذلك بزينة الدنيا وبالهوى الذي أمر بمخالفته هذا على ضعفه وحاجته ~~وزين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة ms468 والأنعام والحرث وأمره بترك قضاء أوطاده وشهواته في هذه ~~الدار الحاضرة العتيدة المشاهدة إلى دار أخرى غايته إنما تحصل فيها بعد طي ~~الدنيا والذهاب بها وكان مقتضى الطبيعة الإنسانية أن لا يثبت على هذا ~~الابتلاء أحد وأن يذهب كلهم مع ميل الطبع ودواعي الغضب والشهوة فلم يحل ~~بينهم وبين ذلك خالقهم وفاطرهم بل أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين ~~لهم مواقع رضاه وغضبه ووعدهم على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار ~~النعيم فلم تقو عقول الأكثرين على إيثار الآجل المنتظر بعد زوال الدنيا على ~~هذا العاجل الحاضر المشاهد وقالوا كيف يباع نقد حاضر وهو قبض باليد بنسيئة ~~مؤخرة وعدنا بحصولها بعد طي الدنيا وخراب العالم ولسان حال أكثرهم يقول خذ ~~ما تراه ودع شيئا سمعت به فساعد التوفيق الإلهي من علم أنه يصلح لمواقع ~~فضله فأمده بقوة إيمان وبصيرة رأى في ضوءها حقيقة الآخرة ودوامها وما أعد ~~الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته ورأى حقيقة الدنيا وسرعة انقضائها وقله ~~وفائها وظلم شركائها وأنها كما وصفها الله سبحانه لعب ولهو وتفاخر بين ~~أهلها وتكاثر في الأموال والأولاد وأنها كغيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج ~~فتراه مصفرا ثم يكون حطاما فنشأنا في هذه الدار ونحن منها وبنوها لا نألف ~~غيرها وحكمت العادات وقهر السلطان الهوى وساعده داعي النفوس وتقاضاه موجب ~~الطباع وغلب الحس على العقل وكانت الدولة له والناس على دين الملك ولا ريب ~~أن الذي يخرق هذه الحجب ويقطع هذه العلائق ويخالف العوائد ولا يستجيب ~~لدواعي الطبع ويعصي سلطان الهوى لا يكون إلا الأقل ولهذا كانت المادة ~~النارية أقل اقتضاء لهذا الصنف من المادة الترابية لخفة النار وطيشها وكثرة ~~نقلتها وسرعة حركتها وعدم ثباتها والماء المادة الملكية فتربه من ذلك فلذلك ~~كان المخلوق خيرا كله فالعقلاء المخاطبون مخلوقون من هذه المواد الثلاث ~~واقتضت الحكمة أن يكونوا على هذه الصفة والخلقة PageV01P265 @ ولو كانوا ~~على غير ذلك لم يحصل مقصود الامتحان والابتلاء وتنوع العبودية وظهور آثار ~~الأسماء والصفات فلو كان أهل ms469 الإيمان والخير هم الأكثرين الغالبين لفاتت ~~مصلحة الجهاد وتوابعه التي هي من أجل أنواع العبودية وفات الكمال المترتب ~~على ذلك فلا أحسن مما اقتضاه حكمة أحكم الحاكمين في المخلوق من هذه المواد ~~ثم أنه سبحانه يخلص ما في المخلوق من تينك المادتين من الخبث والشر ويمحصه ~~ويستخرج طيبه إلى دار الطيبين ويلقي خبثه حيت تلقى الخبائث والأوساخ وهذا ~~غاية الحكمة كما هو الواقع في جواهر المعادن المنتفع بها من الذهب والفضة ~~والحديد والصفر فخلاصة هذه المواد وطيبها أقل من وسخها وخبثها والناس زرع ~~الأرض والخير الصافي من الزرع بعد زوانه وقصله وعصفه وتبنه أقل من بقية ~~الأجزاء وتلك الأجزاء كالصور له والوقاية كالحطب والشوط للثمر والتراب ~~والحجارة للمعادن النفيسة $ فصل # الوجه السابع والثلاثون قوله وأي حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه ~~يسومونهم سوء العذاب فكم لله في ذلك من حكم باهرة منها حصول محبوبة من ~~عبودية الصبر والجهاد وتحمل الأذى فيه والرضى عنه في السراء والضراء ~~والثبات على عبوديته وطاعته مع قوة المعارض وغلبته وشوكته وتمحيص أوليائه ~~من أحكام البشرية ودواعي الطباع ببذل نفوسهم له وأذى أعدائه لهم وتميز ~~الصادق من الكاذب ومن يريده ويعبده على جميع الحالات ممن يعبده على حرف ~~وليحصل له مرتبة الشهادة التي هي من أعلى المراتب ولا شيء أبر عند الحبيب ~~من بذل محبة نفسه في مرضاته ومجاهدة عدوه فكم لله في هذا التسليط من نعمة ~~ورحمة وحكمة وإذا شئت أن تعلم ذلك فتأمل الآيات من أواخر آل عمران من قوله ~~@QB@ قد خلت من قبلكم سنن @QE@ إلى قوله @QB@ إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين @QE@ إلى قوله @QB@ ما كان الله ~~ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب @QE@ فكان هذا ~~التمييز من بعض حكم ذلك التسليط ولولا ذلك التسليط لم تظهر فضيلة الصبر ~~والعفو والحكم وكظم الغيظ ولا حلاوة النصر والظفر والقهر فإن الأشياء يظهر ~~حسنها بأضدادها ولولا ذلك التسليط لم تستوجب الأعداء المحق والإهانة والكبت ~~فاستخرج ذلك ms470 التسليط من القوة إلى الفعل ما عند أوليائه فاستحقوا كرامتهم ~~عليه وما عند أعدائه فاستحقوا عقوبتهم عليه فكان هذا التسليط مما أظهر ~~حكمته وعزته ورحمته ونعمته في الفريقين وهو العزيز الحكيم # الوجه الثامن والثلاثون قوله وأي حكمة في تكليف الثقلين وتعريضهم بذلك ~~العقوبة وأنواع المشاق فاعلم أنه لولا التكليف لكان خلق الإنسان عبثا وسدى ~~والله يتعالى عن ذلك وقد نزه نفسه عنه كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص قال ~~تعالى @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون @QE@ وقال ~~@QB@ أيحسب الإنسان أن يترك سدى @QE@ قال الشافي لا يؤمر ولا ينهى ومعلوم ~~أن ترك الإنسان كالبهائم مهملا معطلا مضاد للحكمة فإنه خلق لغاية كماله ~~وكماله أن يكون عارفا بربه محبا له قائما بعبوديته قال تعالى @QB@ وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ وقال @QB@ لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ~~وأن الله قد أحاط بكل شيء علما @QE@ وقال @QB@ ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم @QE@ فهذه المعرفة وهذه ~~العبودية هما غاية الخلق والأمر وهما أعظم كمال الإنسان والله تعالى من ~~عنايته به ورحمته له عرضه لهذا الكمال وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة ~~ومكنه منها PageV01P266 @ ومدار التكليف على الإسلام والإيمان والإحسان وهي ~~ترجع إلى شكر المنعم كلها دقيقها وجليلها منه وتعظيمه وإجلاله ومعاملته بما ~~يليق أن يعامل به فتذكر آلاؤه وتشكر فلا يكفر ويطاع فلا يعصى ويذكر فلا ~~ينسى هذا مع تضمن التكليف لأيصاف العبد بكل خلق جميل واثباته بكل فعل جميل ~~وقول سديد واجتنابه لك لخلق سيئ وترك كل فعل قبيح وقول زور فتكليفه متضمن ~~لمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وصدق القول والإحسان إلى الخليقة وتكميل ~~نفسه بأنواع الكمالات وهجر أضداد ذلك والتنزه عنها مع تعريضه بذلك التكليف ~~للثواب الجزيل الدائم ومجاورة ربه في دار البقاء فأي الأمرين أليق بالحكمة ~~هذا أو إرساله هملا كالخيل والبغال والحمير يأكل ويشرب وينكح كالبهائم ~~ايقتضي كماله المقدس ذلك فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب ms471 العرش ~~الكريم وكيف يليق بذلك الكمال طي بساط الأمر والنهي والثواب والعقاب وترك ~~إرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع وتقرير الأحكام وهل عرف الله من جوز ~~عليه خلاف ذلك وهل ذلك الأمن سوء الظن به قال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق ~~قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء @QE@ فحسن التكليف في العقول ~~كحسن الإحسان والإنعام والتفضل والطول بل هو من أبلغ أنواع الإحسان ~~والإنعام ولهذا سمى سبحانه ذلك نعمة ومنة وفضلا ورحمة وأخبر أن الفرح به ~~خير من الفرح بالنعم المشتركة بين الأبرار والفجار قال تعالى @QB@ ألم تر ~~إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا @QE@ فنعمة الله هاهنا نعمته بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وما بعثه به من الهدى ودين الحق وقال @QB@ لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين @QE@ وقال تعالى @QB@ هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو ~~العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ و ~~قال @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ وقال @QB@ قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون @QE@ وقال @QB@ اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ وقال @QB@ واذكروا ~~نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به @QE@ وقال @QB@ ~~واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم @QE@ وقال لرسوله @QB@ وأنزل ~~الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ~~@QE@ وهل النعمة والفضل في الحقيقة إلا ذلك وتوابعه وثمرته في القلوب ~~والأبدان في الدنيا والآخرة وهل في العقول السليمة والفطرة المستقيمة أحسن ~~من ذلك ms472 وأليق بكمال الرب وأسمائه وصفاته # الوجه التاسع والثلاثون قوله في مناظرة الأشعري للجبائي في الأخوة ~~الثلاثة الذين مات أحدهم صغيرا وبلغ الآخر كافرا والثالث مسلما أنها مناظرة ~~كافية في إبطال الحكمة والتعليل ورعاية الأصلح فلعمر الله أنها مبطلة ~~لطريقة أهل البدع من المعتزلة والقدرية الذين يوجبون على ربهم مراعاة ~~الأصلح لكل عبد وهو الأصلح عندهم فيشرعون له شريعة بعقولهم ويحجرون عليه ~~ويحرمون عليه أن يخرج عنها ويوجبون عليه القيام بها وكذلك كانوا من أحمق ~~الناس وأعظمهم تشبيها للخالق بالمخلوق في أفعاله وأعظمهم تعطيلا عن صفات ~~كماله فنزهوه عن صفات الكمال وشبهوه بخلقه في الأفعال وأدخلوه تحت الشريعة ~~الموضوعة PageV01P267 @ بآراء الرجال وسموا ذلك عدلا وتوحيدا بالزور ~~والبهتان وتلك التسمية ما أنزل الله بها من سلطان فالعدل قيامه بالقسط في ~~أفعاله والتوحيد وإثبات صفات كماله شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله ~~الإسلام فهذا العدل والتوحيد الذي جاء به المرسلون وذلك التوحيد والعدل ~~الذي جاء به المعطلون والمقصود أن هذه المناظرة وإن أبطلت قول هؤلاء وزلزلت ~~قواعدهم فإنها لا تبطل حكمة الله التي اختص بها دون خلقه وطوى بساط الإحاطة ~~بها عنهم ولم يطلعهم منها إلا على ما نسبته إلى ما خفي عنهم كقطرة من بحار ~~الدنيا فكم لله سبحانه من حكمة في ذلك الذي أخرمه صغيرا وحكمة في الذي مد ~~له في العمر حتى بلغ وأسلم وحكمة في الذي أبقاه حتى بلغ وكفر ولو كان كل من ~~علم أنه إذا بلغ يكفر يخترمه صغيرا لتعطل الجهاد والعبودية التي يحبها الله ~~ويرضاها ولم يكن هناك معارض وكان الناس أمة واحدة ولم تظهر آياته وعجائبه ~~في الأمم ووقائعه وأيامه في أعدائه وإقامة الحجج وجدال أهل الباطل بما يدحض ~~شبهتهم وينصر الحق ويظهره على الباطل إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم التي لا ~~يحصيها إلا الله والله سبحانه يحب ظهور أسمائه وصفاته في الخليقة فلو اخترم ~~كل من علم ms473 أنه يكفر إذا بلغ لفات ذلك وفواته مناف لكمال تلك الأسماء ~~والصفات واقتضائها لآثارها وقد تقدم بسط ذلك أتم من هذا # الوجه الأربعون قوله أنه سبحانه رد الأمر إلى محض مشيئة بقوله @QB@ يعذب ~~من يشاء ويرحم من يشاء @QE@ وقوله @QB@ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء @QE@ ~~وقوله @QB@ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء @QE@ وقوله @QB@ لا يسأل ~~عما يفعل @QE@ فهذا كله حق ولكن أين فيه إبطال حكمته وحمده والغايات ~~المحمودة المطلوبة بفعله وأنه لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لأجل شيء ~~ولا سبب لفعله ولا غاية افترى أصحاب الحكمة والتعليل يقولون أنه لا يفعل ~~بمشيئة أو أنه يسئل عما يفعل بل يقولون أنه يفعل بمشيئته مقارنا للحكمة ~~والمصلحة ووضع الأشياء مواضعها وأنه يفعل ما يشاء بأسباب وحكم ولغايات ~~مطلوبة وعواقب حميدة فهم مثبتون لملكه وحده وغيرهم يثبت ملكا بلا حمد أو ~~نوعا من الحمد ومع هضم الملك إذ الرب تعالى له كمال وكمال الحمد فكونه يفعل ~~ما يشاء يمنع من أن يشاء بأسباب وحكم وغايات وأنه لا يشاء إلا ذلك وأما ~~قوله @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون @QE@ فهذا لكمال علمه وحكمته لا ~~لعدم ذلك وأيضا فسياق الآية في معنى آخر وهو إبطال إلهية من سواه وإثبات ~~الألوهية له وحده فإنه سبحانه قال @QB@ أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ~~لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون @QE@ فأين في هذا ما يدل على إبطال التعليل بوجه من ~~الوجوه ولكن أهل الباطل يتعلقون بألفاظ نزلوها على باطلهم لا تنزل عليه ~~وبمعان متشابهة يشتبه فيها الحق بالباطل فعمدتهم المتشابهة من الألفاظ ~~والمعاني فإذا فصلت وبينت يتبين أنها لا دلالة فيها وأنها مع ذلك قد تدل ~~على نقيض مطلوبهم وبالله التوفيق & الباب الرابع والعشرون $ في قول السلف ~~من أصول الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره # قد تقدم أن القدر لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وقدرته ms474 وكتابه ~~ومشيئته وذلك خير محض PageV01P268 @ وكمال من وجه فالشر ليس إلى الرب تعالى ~~بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما ~~يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ويكون شرا بالنسبة إلى محل ~~وخيرا بالنسبة إلى محل آخر وقد يكون خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من ~~وجه كما هو شر له من وجه بل هذا هو الغالب وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل ~~الكفار فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه وخير بالنسبة ~~إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض وكذلك ~~الآلام والأمراض وإن كانت شرورا من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة وقد تقدم ~~تقرير ذلك فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي ~~المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار ~~له وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل خير وحكمة ومصلحة كما يأتي في ~~الباب الذي بعد هذا إن شاء الله فأن قيل فما الفرق بين كون القدر خيرا شرا ~~وكونه حلوا ومرا قيل الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل ~~والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسؤها فهو حلو ومر في مبدأه وأوله وخير ~~وشر في منتهاه وعاقبته وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب ~~في العاجل تعقب المرارة في الآجل ومرارتها تعقب الحلاوة فحلو الدنيا مر ~~الآخرة ومر الدنيا حلو الآخرة وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر ~~الآلام والآلام تثمر اللذات والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاما لا يخرج عنه ~~شئ البتة والشر مرجعه إلى اللذات وأسبابها والخير المطلوب هو اللذات ~~الدائمة والشر المرهوب هو الآلام الدائمة فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على ~~لذة ما وأسباب تلك خيرات وإن اشتملت على ألم ما فألم يعقب اللذة الدائمة ~~أولى بالإيثار والتحمل من لذة تعقب الألم الدائم فلذة ساعة في جنب ألم طويل ms475 ~~كلا لذة وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم & الباب الخامس والعشرون $ في ~~امتناع اطلاق القول نفيا وإثباتا أن الرب تعالى مريد للشر وفاعل له # هذا موضع خلاف اختلف فيه مثبتوا القدر ونفاته فقال النفاة لا يجوز أن ~~يقال أن الله سبحانه مريد للشر أو فاعل له قالوا لا يريد الشر وفاعله شرير ~~هذا هو المعروف لغة وعقلا وشرعا كما أن الظالم فاعل الظلم والفاجر فاعل ~~الفجور ومريده والرب يتعالى ويتنزه عن ثبوت معاني أسماء السوء له فإن ~~أسمائه كلها حسنى وأفعاله كلها خير فيستحيل أن يريد الشر فالشر ليس بإرادته ~~ولا بفعله قالوا وقد قام الدليل على أن فعله سبحانه غير مفعوله والشر ليس ~~بفعل له فلا يكون مفعولا له وقابلهم الجبرية فقالوا بل الرب سبحانه يريد ~~الشر ويفعله قالوا لأن الشر موجود فلا بد له من خالق ولا خالق إلا الله وهو ~~سبحانه إنما يخلق بإرادته فكل مخلوق فهو مراد له وهو فعله ووافقوا إخوانهم ~~على أن الفعل عين المفعول والخلق نفس المخلوق ثم قالوا والشر مخلوق له ~~ومفعول فهو فعله وخلقه وواقع بإرادته قالوا وإنما لم يطلق القول أنه يريد ~~الشر ويفعل الشر أدبا لفظيا فقط كما لا يطلق القول بأنه رب الكلاب ~~والخنازير ويطلق القول بأنه رب كل شيء وخالقه قالوا وأما قولكم أن الشرير ~~مريد الشر وفاعله فجوابه من وجهين # أحدهما إنما يمنع ذلك بأن الشرير من قام به الشر وفعل الشر لم يقم بذات ~~الرب فإن أفعاله PageV01P269 @ لا تقوم به إذ هي نفس مفعولاته وإنما هي ~~قائمة بالخلق وكذلك اشتقت لهم منها الأسماء كالفاجر والفاسق والمصلي والحاج ~~والصائم ونحوها # الجواب الثاني أن أسماء الله تعالى توقيفية ولم يسم نفسه إلا بأحسن ~~الأسماء قالوا والرب تعالى أعظم من أن يكون في ملكه مالا يريده ولا يخلقه ~~فإنه الغالب غير المغلوب # وتحقيق القول في ذلك أنه يمتنع اطلاق إرادة الشر عليه وفعله نفيا وإثباتا ~~في إطلاق لفظ الإرادة والفعل من إبهام المعنى الباطل ونفي المعنى ms476 الصحيح ~~فإن الإرادة تطلق بمعنى المشيئة وبمعنى المحبة والرضا فالأول كقوله @QB@ إن ~~كان الله يريد أن يغويكم @QE@ وقوله @QB@ ومن يرد أن يضله @QE@ وقوله @QB@ ~~وإذا أردنا أن نهلك قرية @QE@ والثاني كقوله @QB@ والله يريد أن يتوب عليكم ~~@QE@ وقوله @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ فالإرادة ~~بالمعنى الأول تستلزم وقوع المراد ولا تستلزم محبته والرضا به وبالمعنى ~~الثاني لا تستلزم وقوع المراد وتستلزم محبته فإنها لا تنقسم بل كل ما أراده ~~من أفعاله فهو محبوب مرضي له ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته فإن ~~أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة لا شر فيها بوجه من الوجوه وأما ~~مفعولاته فهي مورد الانقسام وهذا إنما يتحقق على قول أهل السنة أن الفعل ~~غير المفعول والخلق غير المخلوق كما هو الموافق للعقول والفطر واللغة ~~ودلالة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة كما حكاه البغوي في شرح السنة عنهم ~~وعلى هذا فهاهنا إرادتان ومرادان إرادة أن يفعل ومرادها فعله القائم به ~~وإرادة أن يفعل عبده ومرادها مفعوله المنفصل عنه وليسا بمتلازمين فقد يريد ~~من عبده أن يفعل ولا يريد من نفسه إعانته على الفعل وتوفيقه له وصرف موانعه ~~عنه كما أراد من إبليس أن يسجد لآدم ولم يرد من نفسه أن يعينه على السجود ~~ويوفقه له ويثبت قلبه عليه ويصرفه إليه ولو أراد ذلك منه لسجد له لا محالة ~~وقوله @QB@ فعال لما يريد @QE@ إخباره عن إرادته لفعله لا لأفعال عبيده ~~وهذا الفعل والإرادة لا ينقسم إلى خير وشر كما تقدم وعلى هذا فإذا قيل هو ~~مريد للشر أوهم أنه محب له راض به وإذا قيل أنه لم يرده أوهم أنه لم يخلقه ~~ولا كونه وكلاهما باطل ولذلك إذا قيل أن الشر فعله أو أنه يفعل الشر أوهم ~~أن الشر فعله القائم به وهذا محال وإذا قيل لم يفعله أو ليس بفعل له أوهم ~~أنه لم يخلقه ولم يكونه وهذا محال فأنظر ما في إطلاق هذه الألفاظ في النفي ~~والإثبات من الحق والباطل الذي يتبين بالإستفصال والتفصيل ms477 وأن الصواب في ~~هذا الباب ما دل عليه القرآن والسنة من أن الشر لا يضاف إلى الرب تعالى لا ~~وصفا ولا فعلا ولا يتسمى بإسمه بوجه من الوجوه وإنما يدخل في مفعولاته ~~بطريق العموم كقوله تعالى @QB@ قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق @QE@ فما ~~هاهنا موصولة أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول أي من شر الذي خلقه أو من شر ~~مخلوقه وقد يحذف فاعله كقوله حكاية عن مؤمني الجن @QB@ وأنا لا ندري أشر ~~أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا @QE@ وقد يسند إلى محله القائم به ~~كقول إبراهيم الخليل الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا ~~مرضت فهو يشفين وقول الخضر أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ~~فأردت أن أعيبها وقال في بلوغ الغلامين فأراد ربك أن يبلغا أشدهما وقد جمع ~~الأنواع الثلاثة في الفاتحة في قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ والله تعالى إنما نسب إلى ~~نفسه الخير دون الشر فقال تعالى @QB@ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من ~~تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على ~~كل شيء قدير @QE@ PageV01P270 وأخطأ من قال المعنى بيدك الخير و الشر ~~لثلاثة أوجه # أحدها أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا ~~أو بيانا أنه ليس بمراد # الثاني أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل فضل وعدل كما في الحديث الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل ~~والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده ~~الأخرى القسط يخفض ويرفع فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا ~~شر فيه بوجه # الثالث أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لبيك وسعديك والخير في يديك ~~والشر ليس إليك كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر وجعل أحدهما في يدي ~~الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع ms478 إثبات عموم خلقه لكل شيء $ فصل # والرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يشتق له من مخلوقاته ~~وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به فلو كان يشتق ~~له اسم بإعتبار المخلوق المنفصل يسمى متكونا ومتحركا وساكنا وطويلا وأبيض ~~وغير ذلك لأنه خالق هذه الصفات فلما لم يطلق عليه اسم من ذلك مع أنه خالقه ~~علم إنما يشتق أسمائه من أفعاله وأوصافه القائمة به وهو سبحانه لا يتصف بما ~~هو مخلقوق منفصل عنه ولا يتسمى باسمه ولهذا كان قول من قال أنه يسمى متكلما ~~بكلام منفصل عنه وخلقه في غيره ومريد بإرادة منفصلة عنه وعادلا بعدل مخلوق ~~منفصل عنه وخالقا بخلق منفصل عنه هو المخلوق قولا باطلا مخالفا للعقل ~~والنقل واللغة مع تناقضه في نفسه فإن اشتق له اسم بإعتبار مخلوقاته لزم طرد ~~ذلك في كل صفة أو فعل خلقه وإن خص ذلك ببعض الأفعال والصفات دون بعض كان ~~تحكما لا معنى له وحقيقة قول هؤلاء أنه لم يقم به عدل ولا إحسان ولا كلام ~~ولا إرادة ولا فعل البتة ومن تجهم منهم نفى حقائق الصفات وقال لم تقم به ~~صفة ثبوتية فنفوا صفاته وردوها إلى السلوب والإضافات ونفوا أفعاله وردوها ~~إلى المصنوعات المخلوقات وحقيقة هذا أن أسمائه تعالى ألفاظ فارغة عن ~~المعاني لا حقائق لها وهذا من الإلحاد فيها وإنكار أن يكون حسنا وقد قال ~~تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~سيجزون ما كانوا يعملون @QE@ وقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه ~~الأسماء له سبحانه وصفا كقوله تعالى @QB@ أن القوة لله جميعا @QE@ وقوله ~~@QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ وقوله @QB@ فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه وقول عائشة الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات وقوله صلى الله ~~عليه وسلم أعوذ برضاك من سخطك وقوله أسألك الغيب وقدرتك على الخلق وقوله ~~أعوذ ms479 بعزتك أن تضلني ولولا هذه المصادر لأنتفت حقائق الأسماء والصفات ~~والأفعال فإن أفعاله غير صفاته وأسمائه غير أفعاله وصفاته فإذا لم يقم به ~~فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد وهو بمنزلة صوت لا يفيد شيئا وهذا غاية ~~الإلحاد PageV01P271 @ & الباب السادس والعشرون # فيما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ~~وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك من تحقيق القدر واثباته وما تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة # قد دل هذا الحديث العظيم القدر على أمور منها أنه يستعاذ بصفات الرب كما ~~يستغاث بذاته وكذلك يستعاذ بصفاته كما يستغاث بذاته كما في الحديث يا حي يا ~~قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك ~~أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك ~~وكذلك قوله في الحديث الآخر أعوذ بعزتك أن تضلني وكذلك استعاذته بكلمات ~~الله التامات وبوجهه الكريم وتعظيمه وفي هذا ما يدل على أن هذه صفات ثابته ~~وجودية إذ لا يستعاذ بالعدم وأنها قائمة به غير مخلوقة إذ لا يستعاذ ~~بالمخلوق وهو احتجاج صحيح فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ ~~بمخلوق ولا يستغيث به ولا بدل امته على ذلك ومنها أن العفو من صفات الفعل ~~القائمة به وفيه رد على من زعم أن فعله عين مفعوله فإن للمفعول مخلوق ولا ~~يستعاذ به # ومنها أن بعض صفاته وأفعاله سبحانه أفضل من بعض فإن المستعاذ به أفضل من ~~المستعاذ منه وهذا كما أن صفة الرحمة أفضل من صفة الغضب ولذلك كان لها ~~الغلبة والسبق ولذلك كلامه سبحانه هو صفته ومعلوم أن كلامه الذي يثني على ~~نفسه به ويذكر فيه أوصافه وتوحيده أفضل من كلامه الذي يذم به أعداءه ويذكر ~~أوصافهم ولهذا كانت سورة الإخلاص أفضل من سورة تبت وكانت تعدل ثلث القرآن ~~دونها وكانت آية الكرسي أفضل أية في القرآن ms480 ولا تصغ إلى قول من غلظ حجابه ~~أن الصفات قديمة والقديم لا يتفاضل فإن الأدلة السمعية والعقلية تبطل قوله ~~وقد جعل سبحانه ما كان من الفضل والعطاء والخير وأهل السعادة بيده اليمنى ~~وما كان من العدل والقبض بيده الأخرى ولهذا جعل أهل السعادة في قبضة اليمنى ~~وأهل الشقاوة في القبضة الأخرى والمقسطون على منابر من نور عن يمينه ~~والسموات مطويات بيمينه والأرض بالأرض ومنها أن الغضب والرضاء والعفو ~~والعقوبة لما كانت متقابلة استعاذ بأحدهما من الآخر فلما جاء إلى الذات ~~المقدسة التي لا ضد لها ولا مقابل قال وأعوذ بك منك فاستعاذ بصفة الرضى من ~~صفة الغضب وبفعل العفو من فعل العقوبة وبالموصوف بهذه الصفات والأفعال منه ~~وهذا يتضمن كمال الإثبات للقدر والتوحيد بأوجز لفظ وأخصره فإن الذي يستعاذ ~~منه من الشر وأسبابه هو واقع بقضاء الرب تعالى وقدره وهو المنفرد بخلقه ~~وتقديره وتكوينه فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن فالمستعاذ منه أما وصفه ~~وأما فعله وأما مفعوله الذي هو أثر فعله والمفعول ليس إليه نفع ولا ضر ولا ~~يضر إلا بإذن خالقه كما قال تعالى في أعظم ما يتضرر به العبد وهو السحر ~~@QB@ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله @QE@ فالذي يستعاذ منه هو ~~بمشيئته وقضائه وقدرته واعاذته منه وصرفه عن المستعيذ إنما هو بمشيئته أيضا ~~وقضائه وقدره فهو المعيذ من قدره بقدره ومن ما يصدره عن مشيئة وإرادته بما ~~يصدره عن PageV01P272 @ مشيئته وإرادته والجميع واقع بإرادته الكونية ~~القدرية فهو يعيذ من إرادته بإرادته إذ الجميع خلقه وقدره وقضاء فليس هناك ~~خلق لغيره فيعيذ منه هو بل المستعاذ منه خلق له فهو الذي يعيذ عبده من نفسه ~~بنفسه فيعيذه مما يريده به بما يريده به فليس هناك أسباب مخلوقة لغيره ~~يستعيذ منها المستعيذ به كما يستعيذ من رجل ظلمه وقهره برجل أقوى أو نظيره ~~فالمستعاذ منه هو الذنوب وعقوباتها والآلام وأسبابها والسبب من قضائه ~~والمسبب من قضائه والإعاذة بقضائه فهو الذي يعيذ من قضائه بقضائه ms481 فلم يعذ ~~إلا بما قدره وشاءه وذلك الإستعاذة منه وشائها وقدر الإعاذة وشاءها فالجميع ~~قضاؤه وقدره وموجب مشيئته فنتجت هذه الكلمة التي لو قالها غير الرسول لبادر ~~المتكلم الجاهل إلى إنكارها وردها أنه لا يملك الضر والنفع والخلق والأمر ~~والإعاذة غيرك وأن المستعاذ منه هو بيدك وتحت تصرفك ومخلوق من خلقك فما ~~استعذت إلا بك ولا استعذت إلا منك وهذا نظير قوله في الحديث الآخر لا ملجأ ~~ولا منجا منك إلا إليك فهو الذي ينجي من نفسه بنفسه ويعيذ من نفسه بنفسه ~~وكذلك الفرار يفر عبده منه اليه وهذا كله تحقيق للتوحيد والقدر وأنه لا رب ~~غيره ولا خالق سواه ولا يملك المخلوق لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا ولا ~~موتا ولا حياة ولا نشورا بل الأمر كله لله ليس لأحد سواه منه شيء كما قال ~~تعالى لأكرم خلقه عليه وأحسنهم @QB@ ليس لك من الأمر شيء @QE@ وقال جوابا ~~لمن قال هل لنا من الأمر شيء @QB@ قل إن الأمر كله لله @QE@ فالملك كله له ~~والأمر كله له والحمد كله له والشفاعة كلها له والخير كله في يديه وهذا ~~تحقيق تفرده بالربوبية والألوهية فلا إله غيره ولا رب سواه @QB@ قل أفرأيتم ~~ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون @QE@ @QB@ وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير @QE@ @QB@ ~~ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو ~~العزيز الحكيم @QE@ فاستعذ به منه وفر منه إليه واجعل لجاك منه إليه فالأمر ~~كله له لا يملك أحد معه منه شيئا فلا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب ~~بالسيئات إلا هو ولا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه ولا يضر سم ولا سحر ولا ~~شيطان ولا حيوان ولا غيره إلا بأذنه ومشيئته يصيب بذلك من يشاء ويصرفه عمن ~~يشاء فاعرف الخلق ms482 به وأقواهم بتوحيده من قال في دعائه وأعوذ بك منك فليس ~~للخلق معاذ سواه ولا مستعاذ منه إلا وهو ربه وخالقه ومليكه وتحت قهره ~~وسلطانه ثم ختم الدعاء بقوله لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ~~اعترافا بأن شأنه وعظمته ونعوت كماله وصفاته أعظم وأجل من أن يحصيها أحد من ~~الخلق أو بلغ أحد حقيقة الثناء عليه غيره سبحانه فهو توحيد في الأسماء ~~والصفات والنعوت وذاك توحيد في العبودية والتأله وإفراده تعالى بالخوف ~~والرجاء والاستعاذة وهذا مضاد الشرك وذاك مضاد التعطيل وبالله التوفيق ~~PageV01P273 @ & الباب السابع والعشرون في دخول الإيمان بالقضاء والقدر ~~والعدل والتوحيد والحكمة تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم ماض في حكمك عدل ~~في قضائك وبيان ما في هذا الحديث من القواعد # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولا ~~حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك إبن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في ~~قضائك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا ~~من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور ~~صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا ~~قالوا يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال بللا ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن فقد ~~دل هذا الحديث الصحيح منها أنه استوعب أقسام المكروه الواردة على القلب ~~فالهم يكون على مكروه يتوقع في المستقبل يهتم به القلب والحزن على مكروه ~~ماض من فوات محبوب أو حصول مكروه إذا تذكره أحدث له حزنا والغم يكون على ~~مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغم فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض ~~القلب وأدوائه وقد تنوع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها وتباينت طرقهم ~~في ذلك تباينا لا يحصيه إلا الله بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو ~~يتوهم أنه يخلصه منها وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس ms483 في الخلاص ~~منها لا يزيدها إلا شدة لمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر ~~كبائرها إلى أصغرها وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء وسماع الأصوات ~~المطربة وغير ذلك فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور ~~والتخلص منها وكلهم قد أخطأ الطريق إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي ~~وصفه الله لإزالتها وهو دواء مركب من مجموع أمور متى نقص منها جزء نقص من ~~الشفاء بقدره وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار قال تعالى @QB@ ~~فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ وفي ~~الحديث فإن الشيطان يقول أهلك بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا ~~إله إلا الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا ولذلك كان الدعاء المفرج للكرب محض التوحيد وهو لا ~~إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا هو رب العرش العظيم لا إله إلا هو ~~رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعوة أخي ذي النون ما دعاها مكروب إلا فرج الله كربه لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فالتوحيد يدخل العبد على الله على ~~والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول ~~إليه فإذا وصل القلب إليه زال عنه همه وغمه وحزنه وإذا انقطع عنه حصرته ~~الهموم والغموم والأحزان وأتته من كل طريق ودخلت عليه من كل باب فلذلك صدر ~~هذا الدعاء المذهب للهم والغم والحزن بالاعتراف له بالعبودية حقا منه ومن ~~آياته ثم أتبع ذلك باعترافه بأنه في قبضته وملكه وتحت تصرفه بكون ناصيته في ~~يده يصرفه كيف يشاء كما يقاد من أمسك بناصيته شديد القوى PageV01P274 @ لا ~~يستطيع إلا الإنقياد له ثم اتبع ذلك بإقراره له بنفاذ حكمه فيه وجريانه ~~عليه شاء أم أبى وإذا حكم فيه بحكم لم يستطع غيره برده أبدا وهذا اعتراف ~~لربه بكمال القدرة عليه واعتراف من نفسه بغاية العجز ms484 والضعف فكأنه قال أنا ~~عبد ضعيف مسكين يحكم فيه قوى قاهر غالب وإذا حكم فيه بحكم مضى حكمه فيه ولا ~~بد ثم اتبع ذلك باعترافه بأن كل حكم وكل قضية ينفذها فيه هذا الحاكم فهي ~~عدل محض منه لا جور فيها ولا ظلم بوجه من الوجوه فقال ماض في حكمك عدل في ~~قضائك وهذا يعم جميع أقضيته سبحانه في عبده قضائه السابق فيه قبل إيجاده ~~وقضائه فيه المقارن لحياته وقضائه فيه بعد مماته وقضائه فيه يوم معاده ~~ويتناول قضاءه فيه بالذنب وقضائه فيه بالجزاء عليه ومن لم يثلج صدره لهذا ~~ويكون له كالعلم الضروري لم يعرف ربه وكماله ونفسه وعينه ولا عدل في حكمه ~~بل هو جهول ظلوم فلا علم ولا إنصاف وفي قوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك رد ~~على طائفتي القدرية والجبرية وإن اعترفوا بذلك بألسنتهم فأصولهم تناقضه فإن ~~القدرية تنكر قدرته سبحانه على خلق ما به يهتدي العبد غير ما خلقه فيه ~~وجبله عليه فليس عندهم لله حكم نافذ في عبده غير الحكم الشرعي بالأمر ~~والنهي ومعلوم أنه لا يصح حمل الحديث على هذا الحكم فإن العبد يطيعه تارة ~~ويعصيه تارة بخلاف الحكم الكوني القدري فإنه ماض في العبد و لا بد ( 1 ) ~~قائمة بكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ثم قوله بعد ذلك عدل في ~~قضائك دليل على أن الله سبحانه عادل في كل ما يفعله بعبده من قضائه كله ~~خيره وشره حلوه ومره فعله وجزائه فدل الحديث على الإيمان بالقدر والإيمان ~~بأن الله عادل فيما قضاه فالأول التوحيد والثاني العدل وعند القدرية النفاة ~~لو كان حكمة فيه ماضيا لكان ظالما له بإضلاله وعقوبته أما القدرية الجبرية ~~فعندهم الظلم لا حقيقة له بل هو الممتنع لذاته الي لا يدخل تحت القدرة فلا ~~يقدر الرب تعالى عندهم على ما يسمى ظلما حتى يقال ترك الظلم وفعل العدل ~~فعلى قولهم لا فائدة في قوله عدل في قضاءك بل هو بمنزلة أن يقال نافذ في ~~قضائك ms485 ولا بد وهو معنى قوله ماض في حكمك فيكون تكريرا لا فائدة فيه وعلى ~~قولهم فلا يكون ممدوحا بترك الظلم إذ لا يمدح بترك المستحيل لذاته ولا ~~فائدة في قوله أني حرمت الظلم على نفسي أو يظن معناه أني حرمت على نفسي ما ~~لا يدخل تحت قدرتي وهو المستحيلات ولا فائدة في قوله @QB@ فلا يخاف ظلما ~~ولا هضما @QE@ فإن كل أحد لا يخاف من المستحيل لذاته أن يقع ولا فائدة في ~~قوله @QB@ وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ ولا في قوله @QB@ وما أنا بظلام ~~للعبيد @QE@ فنفوذ حكمه في عباده بملكه وعدله فيهم بحمده وهو سبحانه له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ونظير هذا قوله سبحانه حكاية عن نبيه ~~هود أنه قال @QB@ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم @QE@ فقوله ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها مثل قوله ناصيتي بيدك ماض في حكمك وقوله أن ربي على صراط مستقيم ~~مثل قوله عدل في قضائك أي لا يتصرف في تلك النواصي إلا بالعدل والحكمة ~~والمصلحة والرحمة لا يظلم أصحابها ولا يعاقبهم بما لم يعلموه ولا يهضمهم ~~حسنات ما عملوه فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله يقول الحق ويفعل ~~الخير والرشد وقد أخبر سبحانه أنه على الصراط المستقيم في سورة هود وفي ~~سورة النحل فأخبر في هود أنه على صراط مستقيم في تصرفه في النواصي التي هي ~~في قبضته وتحت يده وأخبر في النحل أنه يأمر بالعدل ويفعله وقد زعمت الجبرية ~~أن العدل هو المقدور وزعمت القدرية PageV01P275 @ إن العدل إخراج أفعال ~~الملائكة والجن والإنس عن قدرته وخلقه وأخطأ الطائفتان جميعا في ذلك ~~والصواب أن العدل وضع الأشياء في مواضعها التي تليق بها وإنزالها كما أن ~~الظلم وضع الشيء في غير موضعه وقد تسمى سبحانه بالحكم العدل والقدرية تتكر ~~حقيقة اسم الحكم وترده إلى الحكم الشرعي الديني وتزعم أنها تثبت حقيقة ~~العدل والعدل عندهم إنكار القدر ومع هذا ms486 فينسبونه إلى غاية الظلم فإنهم ~~يقولون أنه يخلد في العذاب الأليم من أفنى عمره في طاعته ثم فعل كبيرة ومات ~~عليها فإن قيل فالقضاء بالجزاء عدل إذ هو عقوبة على الذنب فيكون القضاء ~~بالذنب عدلا على أصول أهل السنة وهذا السؤال لا يلزم القدرية ولا الجبرية ~~أما القدرية فعندهم أنه لم يقض المعصية وأما الجبرية فعندهم أن كل مقدور ~~عدل وإنما يلزمكم أنتم هذا السؤال قيل نعم كل قضائه عدل في عبده فإنه وضع ~~له في موضعه الذي لا يحسن في غيره فإنه وضع العقوبة ووضع القضاء بسببها ~~وموجبها في موضعه فإنه سبحانه كما يجازي بالعقوبة فإنه يعاقب بنفس قضاء ~~الذنب فيكون حكمه بالذنب عقوبة على ذنب سابق فإن الذنوب تكسب بعضها بعضا ~~وذلك الذنب السابق عقوبة على غفلته عن ربه وإعراضه عنه وتلك الغفلة ~~والإعراض هي في أصل الجبلة والنشأة فمن أراد ان يكلمه أقبل بقلبه إليه ~~وجذبه إليه وألهمه رشده وألقى فيه أسباب الخير ومن لم يرد أن يكمله تركه ~~وطبعه وخلى بينه وبين نفسه لأنه لا يصلح للتكميل وليس محله أهلا ولا قابلا ~~لما وضع فيه من الخير وها هنا انتهى علم العباد بالقدر وأما كونه تعالى جعل ~~هذا يصلح وأعطاه ما يصلح له وهذا لا يصلح فمنعه مالا يصلح له فذاك موجب ~~ربوبيته وإلهيته وعلمه وحكمته فإنه سبحانه خالق الأشياء وأضدادها وهذا ~~مقتضى كماله وظهور أسمائه وصفاته كما تقدم تقريره والمقصود أنه أعدل ~~العادلين في قضائه بالسبب وقضائه بالمسبب فما قضى في عبده بقضاء إلا وهو ~~واقع في محله الذي لا يليق به غيره إذ هو الحكم العدل الغني الحميد $ فصل # وقوله أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من ~~خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك إن كانت الرواية محفوظة هكذا ففيها ~~إشكال فإنه جعل ما أنزله في كتابه أو علمه أحدا من خلقه أم ستأثر به في علم ~~الغيب عنده قسيما لما سمى به نفسه ومعلوم أن ms487 هذا تقسيم وتفصيل لما سمى به ~~نفسه فوجه الكلام أن يقال سميت به نفسك فأنزلته في كتابك أو علمته أحدا من ~~خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك فإن هذه الأقسام الثلاثة تفصيل لما ~~سمى به نفسه وجواب هذا الإشكال أن أو حرف عطف والمعطوف بها أخص مما قبله ~~فيكون من باب عطف الخاص على العام فإن ما سمى به نفسه يتناول جميع الأنواع ~~المذكورة بعده فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام فإن قيل ~~المعهود من عطف الخاص على العام أن يكون بالواو دون سائر حروف العطف قيل ~~المسوغ لذلك في الواو وهو تخصيص المعطوف بالذكر لمرتبته من بين الجنس ~~واختصاصه بخاصة غيره منه حتى كأنه غيره أو إرادتين لذكره مرتين باسمه الخاص ~~وباللفظ العام وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو أو بأو مع أن في العطف بأو ~~على العام فائدة أخرى وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع كما بنى عليه ~~تاما فيقال سميت به نفسك فأما أنزلته في كتابك وإما علمته أحدا من خلقك وقد ~~دل الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة بل PageV01P276 @ هو الذي تكلم بها ~~وسمى بها نفسه ولهذا لم يقل بكل اسم خلقته لنفسك ولو كانت مخلوقة لم يسأله ~~بها فإن الله يقسم عليه بشيء من خلقه فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من ~~فعل الآدميين وتسمياتهم وأيضا فإن أسمائه مشتقة من صفاته وصفاته قديمة به ~~فأسماؤها غير مخلوقة فإن قيل فالإسم عندكم هو المسمى أو غيره قيل طالما غلط ~~الناس في لك وجهلوا الصواب فيه فالإسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ ~~الدال عليه أخرى فإذا قلت قال الله كذا واستوى الله على عرشه وسمع الله ~~ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه وإذا قلت الله اسم عربي والرحمن اسم ~~عربي والرحمان من أسماه الله والرحمان وزنه فعلان والرحمن مشتق من الرحمة ~~ونحو ذلك فالإسم ههنا للمسمى ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال ms488 ~~فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق وأن أريد أن الله سبحانه كان ~~ولا اسم له حتى خلق لنفسه إسما أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم فهذا من ~~أعظم الضلال والإلحاد فقوله في الحديث سميت به نفسك ولم يقل خلقته لنفسك ~~ولا قال سماك به خلقك دليل على أنه سبحانه تكلم بذلك الاسم وسمى به نفسه ~~كما سمى نفسه في كتبه التي تكلم بها حقيقة بأسمائه وقوله أو استأثرت به في ~~علم الغيب عندك دليل على أن أسمائه أكثر من تسعة وتسعين وأن له أسماء وصفات ~~استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره وعلى هذا فقوله أن لله تسعة ~~وتسعين إسما من أحصاها دخل الجنة لا ينفي أن يكون له غيرها والكلام جملة ~~واحدة أي له أسماء موصوفة بهذه الصفة كما يقال لفلان مائة عبدا أعدهم ~~للتجارة وله مائة فرس أعدها للجهاد وهذا قول الجمهور وخالفهم ابن حزم فزعم ~~أن أسمائه تنحصر في هذا العدد وقد دل الحديث على أن التوسل إليه سبحانه ~~بأسمائه وصفاته أحب إليه وأنفع للعبد من التوسل إليه بمخلوقاته وكذلك سائر ~~الأحاديث كما في حديث الاسم الأعظم اللهم أني أسألك بأن لك الحمد لا إله ~~إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ا الجلال والإكرام ياحي يا قيوم ~~وفي الحديث الآخر أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد ~~الصمد الذ ي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وفي الحديث الآخر اللهم ~~اني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق وكلها أحاديث صحاح رواها ابن حبان ~~والإمام أحمد والحاكم وهذا تحقيق لقوله تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها @QE@ وقوله أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري يجمع أصلين ~~الحياة والنور فإن الربيع هو المطر الذي يحيي الأرض فينبت الربيع فيسأل ~~الله بعبوديته وتوحيده وأسمائه وصفاته أن يجعل كتابه الذي جعله روحا ~~للعالمين ونورا وحياة لقلبه بمنزلة الماء الذي يحيي به الأرض ونورا له ~~بمنزلة الشمس التي ms489 تستنير بها الأرض والحياة والنور جماع الخير كله قال ~~تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا @QE@ فأخبر أنه روح تحصل به الحياة ونور تحصل به الهداية فأتباعه ~~لهم الحياة والهداية ومخالفوه لهم الموت والضلال وقد ضرب سبحانه المثل ~~لأوليائه وأعدائه بهذين الأصلين في أول سورة البقرة وفي وسط سورة النور وفي ~~سورة الرعد وهما المثل المائي والمثل الناري وقوله وجلاء حزني وذهاب همي ~~وغمي إن جلاء هذا يتضمن إزالة المؤذي الضار وذلك يتضمن تحصيل النافع السار ~~فتضمن PageV01P277 @ الحديث طلب أصول الخير كله ودفع الشر وبالله التوفيق & ~~الباب الثامن والعشرون في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك وتحقيق ~~القول فيه # هذا الباب من تمام الإيمان بالقضاء والقدر وقد تنازع الناس فيه هل هو ~~واجب أو مستحب على قولين وهما وجهان لأصحاب أحمد فمنهم من أوجبه واحتج على ~~وجوبه بأنه من لوازم الرضا بالله ربا وذلك واجب واحتج بأثر إسرائيلي من لم ~~يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ له ربا سواي ومنهم من قال هو مستحب ~~غير واجب فإن الإيجاب يستلزم دليلا شرعيا ولا دليل يدل على الوجوب وهذا ~~القول أرجح فإن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات وقد غلط ~~في هذا الأصل طائفتان أقبح غلط فقالت القدرية النفاة الرضا بالقضاء طاعة ~~وقربة والرضا بالمعاصي لا يجوز فليست بقضائه وقدره وقالت غلاة الجبرية ~~الذين طووا بساط الأمر والنهي المعاصي بقضاء الله وقدره والرضاء بالقضاء ~~قربة وطاعة فنحن نرضى بها ولا نسخطها واختلفت طرق أهل الإثبات في جواب ~~الطائفتين فأجابهم طائفة بأن لها وجهين وجها يرضى بها منه وهو إضافتها إلى ~~الله سبحانه خلقا ومشيئة ووجه يسخط منه وهو إضافتها إلى العبد فعلا ~~واكتسابا وهذا جواب جيد لو وفوا به فإن الكسب الذي أثبته ms490 كثير منهم لا ~~حقيقة له إذ هو عندهم مقارنة الفعل للإرادة والقدرة إيجاد به من غير أن ~~يكون لهما تأثير بوجه ما وقد تقدم الكلام في ذلك بما فيه كفاية وأجابهم ~~طائفة أخرى بأنا نرضى بالقضاء الذي هو فعل الرب ونسخط المقضي الذي هو فعل ~~العبد وهذا جواب جيد لو لم يعودوا عليه بالنقض وبالإبطال فإنهم قالوا الفعل ~~غير المفعول فالقضاء عندهم نفس المقضي فلو قال الأولون بأن للكسب تأثير في ~~إيجاد الفعل وأنه سبب لوجوده وقال الآخرون بأن الفعل غير المعفول لأصابوا ~~في الجواب وأجابتهم طائفة أخرى بأن من القضاء ما يؤمر بالرضا به ومنه ما ~~ينهى عن الرضا به فالقضاء الذي يحبه الله ويرضاه نرضى به والذي يبغضه ~~ويسخطه لا نرضى به وهذا كما أن من المخلوقات ما يبغضه ويسخطه وهو خالقه ~~كالأعيان المسخوطة له فهكذا الكلام في الأفعال والأقوال سواء وهذا جواب جيد ~~غير أنه يحتاج إلى تمام فنقول الحكم والقضاء نوعان ديني وكوني فالديني يجب ~~الرضا به وهو من لوازم الإسلام والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي ~~يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب ~~والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره ومنه ما يستحب الرضا به ~~كالمصائب وفي وجوبه قولان هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي وأما ~~القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابه وتقديره ومشيئته فالرضا به ~~من تمام الرضا بالله ربا وإلها ومالكا ومدبرا فبهذا التفصيل يتبين الصواب ~~ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس فإن قيل ~~فكيف يجتمع الرضا بالقضاء بالمصائب مع شدة الكراهة والنفرة منها وكيف يكلف ~~العبد أن يرضى بما هو مؤلم له وهو كاره له والألم يقتض الكراهة والبغض ~~المضاد للرضا PageV01P278 @ واجتماع الضدين محال قيل الشيء قد يكون محبوبا ~~مرضيا من جهة ومكروها من جهة أخرى كشرب الدواء النافع الكريه فإن المريض ~~يرضى به مع شدة كراهته له وكصوم اليوم الشديد الحر ms491 فإن الصائم يرضى به مع ~~شدة كراهته له وكالجهاد للأعداء قال تعالى @QB@ كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم @QE@ فالمجاهد المخلص يعلم أن القتال ~~خير له فرضي به وهو يكرهه لما فيه من التعرض لإتلاف النفس وألمها ومفارقة ~~المحبوب ومتى قوي الرضا بالشيء وتمكن انقلبت كراهته محبة وإن لم يخل من ~~الألم فالألم بالشيء لا ينافي الرضا به وكراهته من وجه لا ينافي محبته ~~وإرادته والرضا به من وجه آخر فإن قيل فهذا في حكم رضا العبد بقضاء الرب ~~فهل يرضى سبحانه ما قضى به من الكفر والفسوق والعصيان بوجه من الوجوه قيل ~~هذا الموضع أشكل من الذي قبله قال كثير من الأشعرية بل جمهورهم ومن اتبعهم ~~أن الرضا والمحبة والإرادة في حق الرب تعالى بمعنى واحد وأن كل ما شاءه ~~وأراده فقد أحبه ورضيه ثم أوردوا على أنفسهم هذا السؤال وأجابوا بأنه لا ~~يمتنع أن يقال أنه يرضى بها ولكن لا على وجه التخصيص بل يقال يرضى بكل ما ~~خلقه وقضاه وقدره ولانفرد من ذلك الأمور المذمومة كما يقال هو رب كل شيء ~~ولا يقال رب كذا وكذا للأشياء الحقيرة الخسيسة وهذا تصريح منهم بأنه راض ~~بها في نفس الأمر وإنما امتنع الإطلاق أدبا واحتراما فقط فلما أورد عليهم ~~قوله @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ أجابوا عنه بجوابين أحدهما ممن لم ~~يقع منه وأما من وقع منه فهو يرضاه إذ هو بمشيئته وإرادته والثاني لا يرضاه ~~لهم دينا أي لا يشرعه لهم ولا يأمرهم به ويرضاه منهم كونا وعلى قولهم فيكون ~~معنى الآية ولا يرضى لعباده الكفر حيث لم يوجد منهم فلو وجد منهم أحبه ~~ورضيه وهذا في البطلان والفساد كما تراه وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضى ما ~~وجد من ذلك وإن وقع بمشيئته كما قال تعالى @QB@ وهو معهم إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول @QE@ فهذا قول واقع بمشيئته وتقديره وقد أخبر سبحانه أنه لا ~~يرضاه وكذلك قوله سبحانه @QB@ والله لا يحب ms492 الفساد @QE@ فهو سبحانه لا يحبه ~~كونا ولا دينا وإن وقع بتقديره كما لا يحب إبليس وجنوده وفرعون وحزبه وهو ~~ربهم وخالقهم فمن جعل المحبة والرضا بمعنى الإرادة والمشيئة لزمه أن يكون ~~الله سبحانه محبا لإبليس وجنوده وفرعون وهامان وقارون وجميع الكفار وكفرهم ~~والظلمة وفعلهم وهذا كما أنه خلاف القرآن والسنة والإجماع المعلوم بالضرورة ~~فهو خلاف ما عليه فطر العالمين التي لم تغير بالتواطئ والتواصي بالأقوال ~~الباطلة وقد أخبر سبحانه أنه يمقت أفعالا كثيرة ويكرهها ويبغضها ويسخطها ~~فقال @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ~~ومقتا وساء سبيلا @QE@ وقال @QB@ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله @QE@ وقال ~~@QB@ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون @QE@ وقال @QB@ ولكن كره ~~الله انبعاثهم فثبطهم @QE@ ومحال حمل هذه الكراهة على غير الكراهة الدينية ~~الأمرية لأنه أمرهم بالجهاد وقال @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها @QE@ ~~فأخبر أنه يكره ويبغض ويمقت ويسخط ويعادي ويذم ويلعن ومحال أنه يحب ذلك ~~ويرضى به وهو سبحانه يكره ويتقدس عن محبة ذلك وعن الرضا به بل لا يليق ذلك ~~بعبده فإنه نفص وعيب في المخلوق أن يحب الفساد والشر والظلم والبغي والكفر ~~ويرضاه فكيف يجوز نسبة ذلك إلى الله تبارك وتعالى وهذا الأصل من أعظم ما ~~غلط فيه كثير من مثبتي القدر وغلطهم فيه يوازن غلط النفاة في إنكار القدر ~~أو هو اقبح منه وبه وتسلط عليهم النفاة وتمادوا على قبح قولهم وأعظموا ~~الشناعة PageV01P279 @ عليهم به فهؤلاء قالوا يحب الكفر والفسوق والعصيان ~~والظلم والبغي والفساد وأولئك قالوا لا يدخل تحت مشيئته وقدرته وخلقه ~~وأولئك قالوا لا يكون في ملكه إلا ما يحبه ويرضاه وهؤلاء قالوا يكون في ~~ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون فسبحان الله وتعالى عما يقول الفريقان ~~علوا كبيرا والحمد لله الذي هدانا لما أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وفطر ~~عليه عباده وبرأنا من بدع هؤلاء وهؤلاء فله الحمد والمنة والفضل والنعمة ~~والثناء الحسن ونسأله التوفيق لما يحبه ms493 يرضاه وان يجنبنا مضلات البدع ~~والفتن & الباب التاسع والعشرون في انقسام القضاء والحكم والإرادة والكتابة ~~والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والانتباه إلى ~~كوني متعلق بخلقه وإلى ديني متعلق بأمره وما يحقق ذلك من إزالة اللبس ~~والإشكال هذا الباب متصل بالباب الذي قبله وكل منهما يقرر لصاحبه فما كان ~~من كوني فهو متعلق بربوبيته وخلقه وما كان من الديني فهو متعلق بإلاهيته ~~وشرعه وهو كما أخبر عن نفسه سبحانه له الخلق والأمر فالخلق قضاؤه وقدره ~~وفعله والأمر شرعه ودينه فهو الذي خلق وشرع وأمر وأحكامه جارية على خلقه ~~قدرا وشرعا ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري وأما حكمه الديني الشرعي ~~فيعصيه الفجار والفساق والأمران غير متلازمين فقد يقضي ويقدر ما لا يأمر به ~~ولا شرعه وقد يشرع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره ويجتمع الأمران فيما وقع ~~من طاعات عبادة وإيمانهم وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق ~~والكفر وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي في ما أمر به وشرعه ولم يفعله ~~المأمور وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي إذا عرف ذلك فالقضاء في ~~كتاب الله نوعان كوني قدري كقوله @QB@ فلما قضينا عليه الموت @QE@ وقوله ~~@QB@ وقضي بينهم بالحق @QE@ وشرعي ديني كقوله @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه @QE@ أي أمر وشرع ولو كان قضاء كونيا لما عبد غير الله والحكم أيضا ~~نوعان فالكوني كقوله @QB@ قال رب احكم بالحق @QE@ أي افعل ما تنصر به عبادك ~~وتخذل به أعداءك والديني كقوله @QB@ ذلكم حكم الله يحكم بينكم @QE@ وقوله ~~@QB@ إن الله يحكم ما يريد @QE@ وقد يرد بالمعنيين معا كقوله @QB@ ولا يشرك ~~في حكمه أحدا @QE@ فهذا يتناول حكمه الكوني وحكمه الشرعي والإرادة ايضا ~~نوعان فالكونية كقوله تعالى @QB@ فعال لما يريد @QE@ وقوله @QB@ وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية @QE@ وقوله @QB@ إن كان الله يريد أن يغويكم @QE@ وقوله @QB@ ~~ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض @QE@ والدينية كقوله @QB@ يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وقوله @QB@ والله يريد أن يتوب ~~عليكم @QE@ فلو كانت هذه الإرادة كونية ms494 لما حصل العسر لأحد منا ولو وقعت ~~التوبة من جميع المكلفين وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر ~~والإرادة هل هما متلازمان أم لا فقالت القدرية الأمر يستلزم الإرادة ~~واحتجوا بحجج لا تندفع وقالت المثبتة الأمر لا يستلزم الإرادة واحتجوا بحجج ~~لا تندفع والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة ~~الكونية فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعا ودينا وقد يأمر بما لا يريده كونا ~~وقدرا كإيمان PageV01P280 @ من أمره ولم يوفقه للإيمان مراد له دينا لا ~~كونا وكذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرده كونا وقدرا وأمر رسوله بخمسين ~~صلاة ولم يرد ذلك كونا وقدرا وبين هذين الأمرين وأمر من لم يؤمن بالإيمان ~~فرق فإنه سبحانه لم يحب من إبراهيم ذبح ولده وإنما أحب منه عزمه على ~~الامتثال وأن يوطن نفسه عليه وكذلك أمره محمد صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الإسراء بخمسين صلاة وأما أمر من علم أنه لا يؤمن بالإيمان فإنه سبحانه يحب ~~من عباده أن يؤمنوا به وبرسله ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما ~~أمره ووفقه له وخذل بعضهم فلم يعنه ولم يوفقه فلم تحصل مصلحة الأمر منهم ~~وحصلت من الأمر بالذبح $ فصل # وأما الكتابة فالكونية كقوله @QB@ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي @QE@ وقوله ~~@QB@ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~@QE@ وقوله @QB@ كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ~~@QE@ والشرعية الأمرية كقوله @QB@ كتب عليكم الصيام @QE@ وقوله @QB@ حرمت ~~عليكم أمهاتكم @QE@ إلى قوله @QB@ كتاب الله عليكم @QE@ وقوله @QB@ وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس @QE@ فالأولى كتابة بمعنى القدر والثانية كتابة ~~بمعنى الأمر $ فصل # والأمر الكوني كقوله @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~@QE@ وقوله @QB@ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر @QE@ وقوله @QB@ وكان أمر ~~الله مفعولا @QE@ وقوله @QB@ وكان أمرا مقضيا @QE@ وقوله @QB@ وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها @QE@ فهذا أمر تقدير كوني لا أمر ~~ديني شرعي فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمعنى قضينا ذلك ms495 وقدرناه وقالت ~~طائفة بل هو أمر ديني والمعنى أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا والقول ~~الأول أرجح لوجوده # أحدها أن الأضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا إذا لم يكن تصحيح ~~الكلام بدونه # الثاني أن ذلك يستلزم أضمارين أحدهما أمرناهم بطاعتنا الثاني فخالفونا أو ~~عصونا ونحو ذلك # الثالث أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه كقولك ~~أمرته ففعل وأمرته فقام وأمرته فركب لا يفهم المخاطب غير هذا # الرابع أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور ومن المعلوم أن أمره ~~بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك بل هو سبب للنجاة والفوز فإن ~~قيل أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك قيل هذا يبطل بالوجه # الخامس وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين بل هو سبحانه يأمر بطاعته ~~واتباع رسله المترفين وغيرهم فلا يصح تحصيص الأمر بالطاعة بالمترفين يوضحه # الوجه السادس أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم ~~ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها فإن ~~الإرسال لو كان إلى المترفين لقال من عداهم نحن لم يرسل إلينا # السابع أن إرادة الله سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل ~~إليهم وتكذيبهم وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم لأنهم معذورون بغفلتهم ~~وعدم بلوغ الرسالة إليهم قال تعالى @QB@ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ~~وأهلها مصلحون @QE@ فإذا أرسل الرسل فكذبوهم أراد إهلاكها فأمر رؤسائها ~~ومترفيها أمرا كونيا قدريا لا شرعيا دينيا بالفسق في القرية فاجتمع أهلها ~~على تكذيبهم وفسق رؤسائهم فحينئذ جاءها أمر الله وحق عليها قوله بالإهلاك ~~والمقصود ذكر الأمر الكوني والديني ومن الديني قوله @QB@ إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان @QE@ وقوله @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها @QE@ وهو كثير PageV01P281 @ $ فصل # وأما الإذن الكوني فكقوله تعالى @QB@ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله @QE@ أي بمشيئته وقدره وأما الديني فكقوله @QB@ ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله @QE@ أي بأمره ms496 ورضاه وقوله @QB@ قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون @QE@ وقوله @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله @QE@ $ فصل # وأما الجعل الكوني فكقوله @QB@ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى ~~الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا @QE@ وقوله ~~@QB@ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون @QE@ وقوله @QB@ والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا @QE@ وهو كثير وأما الجعل الديني فكقوله @QB@ ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام @QE@ أي ما شرع ذلك ولا أمر به وإلا فهو ~~مخلوق له واقع بقدره ومشيئته وأما قوله @QB@ جعل الله الكعبة البيت الحرام ~~قياما للناس @QE@ فهذا يتناول الجعلين فإنها جعلها كذلك بقدره وشرعه وليس ~~هذا استعمالا للمشترك في معنييه بل إطلاق اللفظ وارادة القدر المشترك بين ~~معنييه فتأمله $ فصل # وأما الكلمات الكونية فكقوله @QB@ كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون @QE@ وقوله @QB@ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما ~~صبروا @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم أعوذ بكلمات ا لله التامات التي لا ~~يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ويكون ~~ولو كانت الكلمات الدينية هي التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهن الفجار ~~والكفار وأما الديني فكقوله @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله @QE@ والمراد به القرآن وقوله صلى الله عليه وسلم في النساء ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله أي بإباحته ودينه وقوله @QB@ فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء @QE@ وقد اجتمع النوعان في قوله @QB@ وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه @QE@ فكتبه كلماته التي يأمر بها وينهى ويحل ويحرم وكلماته التي يخلق ~~بها ويكون فأخبر أنها ليست جهمية تنكر كلمات دينه وكلمات تكوينه وتجعلها ~~خلقا من جملة مخلوقاته $ فصل # وأما البعث الكوني فكقوله @QB@ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس شديد @QE@ وقوله @QB@ فبعث الله غرابا يبحث في الأرض @QE@ ~~وأما البعث الديني ms497 فكقوله @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ ~~وقوله @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين @QE@ $ ~~فصل # وأما الإرسال الكوني فكقوله @QB@ ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم أزا @QE@ وقوله @QB@ وهو الذي أرسل الرياح @QE@ وأما الديني ~~فكقوله @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق @QE@ وقوله @QB@ إنا ~~أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا @QE@ $ فصل # وأما التحريم الكوني فكقوله @QB@ وحرمنا عليه المراضع من قبل @QE@ وقوله ~~@QB@ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة @QE@ وقوله @QB@ وحرام على قرية ~~أهلكناها أنهم لا يرجعون @QE@ وأما التحريم الديني فكقوله @QB@ حرمت عليكم ~~أمهاتكم @QE@ @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ @QB@ وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما @QE@ @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ $ فصل # وأما الإيتاء الكوني فكقوله @QB@ والله يؤتي ملكه من يشاء @QE@ وقوله ~~@QB@ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء @QE@ وقوله @QB@ وآتيناهم ~~ملكا عظيما @QE@ وأما الإيتاء الديني فكقوله @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه ~~@QE@ PageV01P282 وقوله @QB@ خذوا ما آتيناكم بقوة @QE@ وأما قوله @QB@ ~~يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا @QE@ فهذا يتناول ~~النوعين فإنه يؤتيها من يشاء أمرا ودينا وتوفيقا وإلهاما $ فصل # وأنبياؤه ورسله وأتباعهم حظهم من هذه الأمور الديني منها وأعداؤه واقفون ~~مع القدر الكوني فحيث ما مال القدر مالوا معه فدينهم دين القدر ودين الرسل ~~واتباعهم دين الأمر فهم يدينون بأمره ويؤمنون بقدره وخصماء الله يعصون أمره ~~ويحتجون بقدره لا يقولون نحن واقفون مع مراد الله نعم مع مراده الديني أو ~~الكوني ولا ينفعكم وقوفكم مع المراد الكوني ولا يكون ذلكم عذرا لكم عنده إذ ~~لو عذر بذلك لم يذم أحدا من خلقه ولم يعاقبه ولم يكن في خلقه عاص ولا كافر ~~ومن زعم ذلك فقد كفر بالله وكتبه كلها وجميع رسله وبالله التوفيق & الباب ~~الموفي ثلاثين في ذكر الفطرة الأولى ومعناها واختلاف الناس في المراد بها ~~وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال قال تعالى @QB@ فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم ms498 ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا ~~تكونوا من المشركين @QE@ وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم ~~تجدعونها ثم قرأ أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله وفي لفظ آخر ما من مولود إلا يولد على هذه الملة وقد اختلف في معنى ~~هذه الفطرة والمراد بها فقال القاضي أبو يعلي في معنى الفطرة ها هنا ~~روايتان عن أحمد أحدهما الإقرار بمعرفة الله تعالى وهو العهد الذي أخذه ~~الله عليهم في أصلاب آبائهم حتى مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم ~~القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فليس أحد إلا ~~وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا وإن سماه بغير اسمه قال تعالى @QB@ ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله @QE@ فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول ~~قال وليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين أحدهما أن معنى الفطرة ابتداء الخلقة ~~ومنه قوله تعالى @QB@ فاطر السماوات والأرض @QE@ أي مبتدئها وإذ كانت ~~الفطرة هي الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة وجرت في ~~فطرة المعقول وهو استخراجهم ذرية لأن تلك حالة ابتدائهم ولأنها لو كانت ~~الفطرة هنا الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثهما ولا يرثانه ~~ما دام طفلا لأنه مسلم واختلاف الدين يمنع الإرث ولوجب أن لا يصح استرقاقه ~~ولا يحكم بإسلامه بإسلام أبيه لأنه مسلم قال وهذا تأويل ابن قتيبة وذكره ~~ابن بطة في الإبانة قال وليس كل من تثبت له المعرفة حكم بإسلامه كالبالغين ~~من الكفار فإن المعرفة حاصلة وليسوا بمسلمين قال وقد أومأ أحمد إلى هذا ~~التأويل وفي رواية الميموني PageV01P283 @ فقال الفطرة الأولى التي فطر ~~الناس عليها فقال له الميموني الفطرة الدين قال نعم قال القاضي وأراد أحمد ~~بالدين المعرفة التي ذكرناها قال والرواية ms499 الثانية الفطرة هنا ابتداء خلقه ~~في بطن أمه لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم وهو الإقرار بمعرفته حمل ~~للفطرة على الإسلام لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان والمؤمن مسلم ولو ~~كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثانه ولا ~~يرثهما قال ولأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقا لله وأصول أهل السنة بخلافه ~~قال وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية على بن سعيد وقد سأله عن قوله كل مولود ~~يولد على الفطرة فقال على الشقاوة والسعادة ولذلك نقل محمد بن يحيى الكحال ~~أنه سأله فقال هي التي فطر الناس عليها شقي أو سعيد وكذلك نقل جبيل عنه قال ~~الفطرة التي فطر الله عليها العباد من الشقاوة والسعادة قال وهذا كله يدل ~~من كلامه على أن المراد بالفطرة ها هنا ابتداء خلقه في بطن أمه قال شيخنا ~~أبو العباس ابن تيمية أحمد لم يذكر العهد الأول وإنما قال الفطرة الأولى ~~التي فطر الناس عليها وهي الدين وقال في غير موضع أن الكافر إذا مات أبواه ~~أو أحدهما حكم بإسلامه واستدل بهذا الحديث فدل على أنه فسر الحديث بأنه ~~يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ولو لم تكن الفطرة ~~عنده الإسلام لما صح استدلاله بالحديث وقوله في موضع آخر يولد على ما فطر ~~عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك فإن الله سبحانه قدر السعادة والشقاوة ~~وكتبهما وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين فتهويد ~~الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله أنه يفعل بالمولود والمولود ~~ولد على الفطرة سليما وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما ~~قدر سبحانه ذلك وكتبه كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله كما ينتج ~~البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم ~~يجدعها الإنسان وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليما ~~ثم يفسده أبواه وذلك أيضا بقضاء الله وقدره وإنما قال أحمد ms500 وغيره من الأئمة ~~على ما فطر عليه من شقاوة أو سعادة لأن القدرية يحتجون بهذا الحديث على أن ~~الكفر والمعاصي ليس بقضاء الله وقدره بل مما ابتدأ الناس إحداثه ولهذا ~~قالوا لمالك بن أنس أن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال احتجوا عليهم ~~بأخره وهو قول الله أعلم بما كانوا عاملين فبين الإمام أحمد وغيره أنه لا ~~حجة فيه للقدرية فإنهم لا يقولون أن نفس الأبوين خلقا تهويده وتنصيره بل هو ~~تهود وتنصر باختياره ولكن كانا سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين فإذا ~~أضيف إليهما هذا الاعتبار فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق ~~الأولى لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودا على الفطرة سليما فقد قدر عليه ما ~~سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك كما في الحديث الصحيح أن الغلام الذي ~~قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا فقوله طبع ~~يوم طبع أي قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر لا أن كفره كان موجودا قبل أن يولد ~~ولا في حال ولادته فإنه مولود على الفطرة السليمة وعلى أنه بعد ذلك يتغير ~~ويكفر من ظن أن الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب الكفار فهو غالط ~~فإن ذلك لا يقال فيه طبع يوم طبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره ~~وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال خلقت عبادي حنفاء كلهم فاختالتهم ~~الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به ~~سلطانا وهذا PageV01P284 @ صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين ~~اختالتهم بعد ذلك وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره قال ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما حملكم على قتل الذرية قالوا يا رسول الله ~~أليسوا أولاد المشركين قال ms501 أوليس خياركم أولاد المشركين ثم قام النبي صلى ~~الله عليه وسلم خطيبا فقال ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه ~~لسانه فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين وقوله ~~لهم أو ليس خياركم أولاد المشركين نص أنه أراد بهم ولدوا غير كفار ثم الكفر ~~طرأ بعد ذلك ولو أراد أن المولود حين يولد يكون إما مسلما وإما كافرا على ~~ما سبق له به القدر لم يكن فيما ذكر حجة على ما قصد من نهيه عن قتل أولاد ~~المشركين وقد ظن بعضهم أن معنى قوله أو ليس خياركم أولاد المشركين أنه قد ~~يكون في علم الله أنهم لو بقوا لا منوا فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى ~~من التجويز وليس هذا معنى الحديث لكن معناه أن خياركم هم السابقون الأولون ~~وهؤلاء من أولاد المشركين فإن آباءهم كانوا كفارا ثم أن البنين أسلموا بعد ~~ذلك فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا فإن الله إنما ~~يجزيه بعمله لا بعمل أبويه وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من ~~المؤمن كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي $ فصل # وهذا الحديث قد روي بألفاظ تفسر بعضها بعضا ففي الصحيحين واللفظ للبخاري ~~عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة ~~اقرؤا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال الله أعلم بما كانوا عاملين ~~وفي الصحيح قال الزهري نصلي على مولود يتوفى وإن كان 3 من أجل أنه ولد على ~~فطرة الإسلام إذا استهل صارخا ولا نصلي على من لم يستهل من أجل أنه سقط فإن ~~أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى ms502 الله عليه وسلم قال ما من مولود إلا ويولد ~~على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء ~~هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~وفي الصحيحين من رواية الأعمش ما من مولود إلا وهو على الملة وفي رواية ابن ~~معاوية عنه إلا على هذه الملة حتى يعرب عنه لسانه فهذا صريح بأنه يولد على ~~ملة الإسلام كما فسره ابن شهاب راوي الحديث واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل ~~على ذلك قال ابن عبد البر وقد سئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزي ~~أن يعتقه وهو رضيع قال نعم لأنه ولد على الفطرة وقال أبو عمر وقد ذكر ~~النزاع في تفسير الحديث وقال آخرون الفطرة ها هنا الإسلام قالوا وهو ~~المعروف عند عامة السلف أهل التأويل قد أجمعوا في تأويل قول الله عز وجل ~~@QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ قالوا فطرة الله دين الله ~~الإسلام واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث اقرؤا إن شئتم فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك ~~وقتادة في قوله عز وجل @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ قالوا ~~فطرة الله دين الله الإسلام لا تبديل لخلق الله قالوا لدين الله واحتجوا ~~بحديث محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن عابد ~~الأزدي عن عياض بن حماد المجاشعي أن رسول الله PageV01P285 @ صلى الله عليه ~~وسلم قال للناس يوما الا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب ان الله خلق آدم ~~وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيها فجعلوا ما أعطاهم ~~الله حراما وحلالا الحديث قال وكذلك روى بكر بن مهاجر عن ثور بن يزيد ~~باسناده مثله في هذا الحديث حنفاء مسلمين قال أبو عمر روى هذا الحديث قتادة ~~عن مطرف بن عبدالله عن عياض ولم يسمعه قتادة من مطرف ولكن قال حدثني ثلاثة ~~عقبة بن عبد الغافر ويزيد ms503 بن عبدالله بن الشحير والعلاء بن زياد كلهم يقول ~~حدثني مطرف عن عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه وأنى خلقت عبادي ~~حنفاء كلهم لم يقل مسلمين وكذلك رواه الحسن عن مطرف ورواه ابن إسحاق عمن ~~لايتهم عن قتادة باسناده قال فيه وأنى خلقت عبادى حنفاء كلهم ولم يقل ~~مسلمين قال فدل هذا على حفظ محمد بن اسحاق واتقانه وضبطه لأنه ذكر مسلمين ~~في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث وأسقطه من رواية قتادة وقصر فيه عن ~~قوله مسلمين وزاده ثور باسناده فالله أعلم قال والحنيف في كلام العرب ~~المستقيم المخلص ولا استقامه أكثر من الإسلام قال وقد روي عن الحسن ~~الحنيفية حج البيت وهذا يدل أنه أراد الإسلام وكذلك روى عن الضحاك والسدي ~~قال حنفاء حجاجا وعن مجاهد حنفء متبعين قال وهذا ك كله يدل على أن الحنيفية ~~الإسلام قال وقال أكثر العلماء الحنيف المخلص وقال الله عز وجل @QB@ ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما @QE@ وقال تعالى @QB@ ملة ~~إبراهيم حنيفا @QE@ وقال @QB@ ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ~~@QE@ وقال الشاعر وهو الراعي % أخليفة الرحمن إنا معشر % حنفاء نسجد بكرة ~~وأصيلا % % عرب نرى لله في أموالنا % حق الزكاة منزلا تنزيلا % قال فهذا ~~وصف الحنيفية بالاسلام وهو أمر واضح لاخفاء به قال ومما احتج به من ذهب في ~~هذا الحديث إلى أن الفطرة في هذا الحديث الاسلام قوله صلى الله عليه وسلم ~~خمس من الفطرة ويروى عشر من الفطرة قال شيخنا والدلائل على ذلك كثيرة ولو ~~لم يكن المراد بالفطرة الاسلام لما سألوا عقيب ذلك أرأيت من يموت من أطفال ~~المشركين لأنه لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لما سألوه والعلم القديم وما ~~يجرى مجراه لا يتغير وقوله فأبواه يهودانه بين فيه أنهم يغيرون الفطرة التي ~~فطر عليها وأيضا فإنه شبه ذلك بالبيهمة التى تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيها ~~ثم تجدع بعد ذلك فعلم أن التغير وأرد على الفطرة السليمة التى ms504 ولد العبد ~~عليها وأيضا فان الحديث مطابق للقرآن كقوله @QB@ فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها @QE@ وهذا يعم جميع الناس فعلم أن الله سبحانه فطر الناس كلهم على ~~فطرته المذكورة وأيضا فإنه أضاف الفطرة اليه إضافة مدح لا إضافة ذم فعلم ~~أنها فطرة محمودة لا مذمومة كدين الله وبيته وناقته وأيضا فإنه قال فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها وأيضا فإن هذا تفسير ~~السلف قال ابن جرير يقول فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك الله يا محمد ~~بطاعته وهي الدين حنيفا يقول مستقيما لدينه وطاعته فطرة الله يقول صنعة ~~الله خلق الناس عليها ونصب فطره على المصدر معنى قوله فاقم وجهك للدين ~~حنيفا لأن المعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة قال وبنحو الذى قلنا في ذلك ~~قال أهل التأويل ثم روى عن ابن زيد قال فطرة الله التى فطر الناس عليها قال ~~الإسلام منذ خلقهم الله من آدم جميعا يقرون بذلك وعن مجاهد فطرة الله قال ~~PageV01P286 @ الدين الإسلام ثم روى عن يزيد بن أبي مريم قال عمر لمعاذ بن ~~جبل فقال ما قوام هذه الأمة قال معاذ ثلاث وهن المنجيات الإخلاص وهو الفطرة ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها والصلاة وهي الملة والطاعة وهي العصمة فقال ~~عمر صدقت وقوله لا تبديل لخلق الله يقول لا تغيير لدين الله أي لا يصلح ذلك ~~ولا ينبغي أن يفعل قال ابن أبي نجيح عن مجاهد لا تبديل لخلق الله أي لدين ~~الله ثم ذكر أن مجاهدا أرسل إلى عكرمة يسأله عن قوله لا تبديل لخلق الله ~~قال هو الخصا فقال مجاهد أخطأ لا تبديل لخلق الله إنما هو الدين ثم قال لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم وروى عن عكرمة لا تبديل الخلق الله قال ~~لدين الله هو قول سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وابن زيد وعن ابن ~~عباس وعكرمة ومجاهد هو الخصا ولا منافاة بين القولين كما قال تعالى @QB@ ~~ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ms505 الله @QE@ فتغيير ما ~~فطر الله عباده من الدين تغيير لخلقه والخصا وقطع آذان الأنعام تغيير لخلقه ~~أيضا ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما بالآخر فأولئك يغيرون ~~الشريعة وهؤلاء يغيرون الخلقة فذلك يغير ما خلقت عليه نفسه وروحه وهذا يغير ~~ما خلق عليه بدنه $ فصل # ولما صار القدرية يحتجون بهذا الحديث على قولهم صار الناس يتأولونه على ~~تأويلات يخرجونه بها عن مقتضاه فقالت القدرية كل مولود يولد على الإسلام ~~والله سبحانه لا يضل أحدا وإنما أبواه يضلانه قال لهم أهل السنة أنتم لا ~~تقولون بأول الحديث ولا بآخره أما أوله فإنه لم يولد أحد عندكم على الإسلام ~~أصلا ولا جعل الله أحدا مسلما ولا كافرا عندكم وهذا أحدث لنفسه الكفر وهذا ~~أحدث لنفسه الإسلام والله لم يخلق واحدا منهما ولكن دعاهما إلى الإسلام ~~وأزاح عللهما وأعطاهما قدرة مماثلة فهما يصلح للضدين ولم يخص المؤمن بسبب ~~يقتضي حصول الإيمان فإن ذلك عندكم غير مقدور له ولو كان مقدورا لكان منع ~~الكافر منه ظلما هذا قول عامة القدرية وإن كان أبو الحسين يقول أنه خص ~~المؤمن بداعي الإيمان ويقول عند الداعي والقدرة يجب وجود الإيمان وهذا في ~~الحقيقة موافق لقول أهل السنة قالوا فأنتم قلتم إن معرفة الله لا تحصل إلا ~~بالنظر المشروط بالعقل ويستحيل أن تكون المعرفة عندكم ضرورة أو تكون من فعل ~~الله وأما كونكم لا تقولون بآخره فهو أنه ينسب فيه التهويد والتنصير إلى ~~الأبوين وعندكم أن المولود هو الذي أحدث لنفسه التهويد والتنصير دون ~~الأبوين والأبوان لا قدرة لهما على ذلك البتة وأيضا فقوله الله أعلم بما ~~كانوا عاملين دليل على أن الله يعلم ما يصيرون إليه بعد ولادتهم على الفطرة ~~هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين أو يغيرون فيصيرون كفارا فهو دليل على تقدم ~~العلم الذي ينكره غلاة القدرية واتفق السلف على تكفيرهم بإنكاره فالذي ~~استدللتم به من الحديث على قولكم الباطل وهو قوله فأبواه يهودانه وينصرانه ~~لا حجة لكم بل هو حجة عليكم فغير الله لا ms506 يقدر على جعل الهدى أو الضلال في ~~قلب أحد بل المراد بالحديث دعوة الأبوين إلى ذلك وتربيتهما له وتربيتهما ~~على ذلك مما يفعله المعلم والمربي وخص الأبوين بالذكر على الغالب أنه جعل ~~أبوان وإلا فقد يقع من أحدهما أو من غيرهما $ فصل # قال أبو عمر بن عبد البر اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث ~~اختلافا كثيرا وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا والآخرة فسئل عنه ~~ابن المبارك فقال تفسيره آخر PageV01P287 @ الحديث هو قوله الله أعلم بما ~~كانوا عاملين هكذا ذكر أبو عبيد عن ابن المبارك لم يزد شيئا وذكر أنه سأل ~~محمد بن الحسن عن تأويل هذا الحديث فقال كان هذا القول من النبي صلى الله ~~عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد هذا ما ذكره أبو عبيده قال أبو عمر ~~أما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روى عن مالك نحو ذلك وليس فيه مقنع من ~~التأويل ولا شرح موعب في أمر الأطفال ولكنها تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم ~~بكفر وإيمان أو جنة ونار ما لم يبلغوا العمل قال وأما ما ذكره عن محمد بن ~~الحسن فأظن محمد أحاد عن الجواب فيه أما لأشكاله وأما لجهله به أو لما شاء ~~الله وأما قوله أن ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس ~~بالجهاد فلا أدري ما هذا فإن كان أراد أن ذلك منسوخ فغير جائز عند العلماء ~~دخول النسخ في أخبار الله ورسوله إذ المخبر بشيء كان أو يكون إذا رجع عن ~~ذلك لم يخل رجوعه من تكذيبه لنفسه أو غلطه فيما أخبر به أو نسيانه وقد حل ~~الله عن ذلك وعصم رسوله منه وهذا لا يجهله ولا يخالف فيه أحد وقول محمد بن ~~الحسن أن هذا كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ليس كما قال أن في حديث الأسود ~~الدؤلي بن سريع ما يتبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد ثم روى بإسناده ~~عن الحسن عن الأسود ين سريع ms507 قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال ~~أقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان فقال رجل أو ليس إنما هم أولاد ~~المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليس خياركم أولاد المشركين ~~أنه ليس من مولود يولد إلا على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه ويهوده أبواه أو ~~ينصرانه قال وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة منهم أبو بكر المزني والعلاء ~~بن زياد والمسري بن يحيى وقد روى عن الأحنف عن الأسود بن سريع قال وهو حديث ~~بصري صحيح قال وروى عوف الأعرابي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال كل مولود يولد على الفطرة فناداه الناس يا رسول الله وأولاد ~~المشركين قال وأولاد المشركين قال شيخنا أما ما ذكره أبو عمر عن مالك وابن ~~المبارك فيمكن أن يقال أن المقصود أن آخر الحديث يبين أن الأول قد سبق في ~~علم الله يعملون إذا بلغوا أو أن منهم من يؤمن فيدخل الجنة ومنهم من يكفر ~~فيدخل النار فلا يحتج بقوله كل مولود يولد على الفطرة على نفي القدر كما ~~احتجت القدرية به وعلى أن أطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا على ~~الفطرة فيكون مقصود مالك وابن المبارك أن حكم الاطفال على ما في آخر الحديث ~~وأما قول محمد فإنه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني ~~يتبع أبويه في الدين في أحكام الدنيا فيحكم له بحكم الكفر في أنه لا يصلي ~~عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه المسلمون ويجوز استرقاقهم فلم ~~يجز لأحد أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين ~~حتى تعرب عنهم ألسنتهم وهذا حق ولكن ظن أن الحديث اقتضى الحكم لهم في ~~الدنيا بأحكام المؤمنين فقال هذا منسوخ كان قبل الجهاد لانه بالجهاد أبيح ~~استرقاق النساء والأطفال والمؤمن لا يسترق ولكن كون الطفل يتبع أباه في ~~الدين في الأحكام الدنيوية أمر ما زال مشروعا وما زال الأطفال تبعا لأبويهم ~~في ms508 الأمور الدنيوية والحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام وإنما قصد بيان ما ~~ولد عليه الأطفال من الفطرة $ فصل # ومما ينبغي أن يعلم أنه إذا قيل أنه ولد على الفطرة أو على الإسلام أو ~~على هذه PageV01P288 @ الملة أو خلق حنيفا فليس المراد به أنه حين خرج من ~~بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده فإنه الله يقول @QB@ والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا @QE@ ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقروبه ~~ومحبته فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له وموجبات ~~الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض ~~وليس المراد ايضا مجرد قبول الفطرة لذلك فإن هذا القبول تغير بتهويد ~~الأبوين وتنصيرهما بحيث يخرجان الفطرة عن قبولها وإن سعيا بين بينهما ~~ودعائهما في امتناع حصول المقبول ايضا ليس هو الإسلام وليس هو هذه الملة ~~وليس هو الحنيفية وأيضا فإنه شبه تغيير الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء ومعلوم ~~أنهم لم يغيروا قبوله ولو تغير القبول وزال لم تقم عليه الحجة بإرسال الرسل ~~وإنزال الكتب بل المراد أن كل مولود فإنه يولد على محبته لفاطره وإقراره له ~~بربوبيته وادعائه له بالعبودية فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى ~~غيره كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة فيشتهي ~~اللبن الذي يناسبه ويغذيه وهذا من قوله تعالى @QB@ ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى @QE@ وقوله @QB@ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ فهو سبحانه ~~خلق الحيوان مهتديا إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ثم هذا الحب والبغض يحصل ~~فيه شيئا فشيئا بحسب حاجته ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد ~~عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة فهكذا ما ولد عليه من الفطرة ~~ولهذا شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في التأوليل للرؤيا ولما عرض على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء اللبن والخمر أخذ اللبن فقيل له ~~أخذت الفطرة ولو أخذت الخمر لغوت أمتك فمناسبة اللبن لبدنه وصلاحه ms509 عليه دون ~~غيره لمناسبة الفطرة لقلبه وصلاحه بها دون غيرها $ فصل # قال ابن عبد البر وقالت طائفة المراد بالفطرة في هذا الحديث الخلقة التي ~~خلق عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال كل مولود يولد على خلقه يعرف ~~بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة يريد أنه خلق خلقه مخالفة لخلقة البهائم التي ~~لا تصل بخلقها إلى معرفة ربها قالوا والفاطر هو الخالق وأنكرت أن يكون ~~المولود يفطر على إيمان أو كفر قال شيخنا صاحب هذا القول أن أراد بالفطرة ~~التمكن من المعرفة والقدرة عليها فهذا ضعيف فإن مجرد القدرة على ذلك لا ~~يقتضي أن يكون حنيفا ولا أن يكون على الملة ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه ~~لفطرته حين يسئل عمن مات صغيرا ولأن القدرة في الكبير أكمل منها في الصغير ~~وهو لما نهاهم عن قتل الصبيان فقالوا أنهم أولاد المشركين قال أو ليس ~~خياركم أولاد المشركين ما من مولود إلا ويولد على الفطرة ولو أريد القدرة ~~لكان البالغون كذلك مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل وأن أراد بالفطرة ~~القدرة على المعرفة مع إرادتها فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم ~~وجود المراد المقدور فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها ~~وذلك مستلزم للإيمان $ فصل # قال أبو عمر وقال آخرون معنى قوله يولد على الفطرة يعني البداءة التي ~~ابتدأهم عليها يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقته من أنه ابتدأهم ~~للحياة والموت والسعادة والشقاء إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم ~~غير إيمانهم واعتقادهم قالوا والفطرة في كلام العرب البداءة وألفاظ المبتدئ ~~وكأنه قال يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة وغير ذلك مما ~~يصير إليه PageV01P289 @ وقد فطر عليه واحتجوا بقوله تعالى @QB@ كما بدأكم ~~تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة @QE@ وروى بإسناده إلى ابن عباس ~~قال لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتانا أعرابيان يختصمان في بئر ~~فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأتها وذكر دعاء على اللهم جبار القلوب على ~~فطرتها شقيها وسعيدها ms510 قال شيخنا حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ~~ما سبق في علم الله أنه صائر إليه ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة ~~فجميع البهائم مولودة على ما سبق في علم الله لها والأشجار مخلوقة على ما ~~سبق في علم الله وحينئذ فيكون كل مخلوق قد خلق على الفطرة وأيضا فلو كان ~~المراد ذلك لم يكن لقوله فأبواه يهودانه معنى فإنهما فعلا به ما هو الفطرة ~~التي ولد عليها وعلى هذا القول فلا فرق بين التهويد والتنصير وبين تلقي ~~الإسلام وتعليمه وبين تعلم سائر الحرف والصنائع فإن ذلك كله واحد فيما سبق ~~به العلم وأيضا فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت تبين أن ~~أبويه غيرا ما ولد عليه وأيضا فقوله على هذه الملة وقوله أني خلقت عبادي ~~حنفاء مخالف لهذا وأيضا فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان فإنه ~~من حين كان جنينا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله ~~فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بلا مخصص وقد ثبت في الصحيح ~~أنه قيل حين نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فلو قيل كل ~~مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة لكان أشبه بهذا المعنى مع أن النفخ هو بعد ~~الكتابة $ فصل # قال أبو عمر قال محمد بن نصر المروزي وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد ~~عن ابن المبارك أنه سئل عن هذا الحديث فقال يفسره قوله الله أعلم بما كانوا ~~عاملين قال المروزي وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هنا القول ثم تركه قال ~~أبو عمر وما رسمه مالك في موطأه وذكر في أبواب القدر فيه من الآثار ما يدل ~~على أن مذهبه في ذلك نحو هذا قال شيخنا أئمة ألسنة مقصودهم أن الخلق صائرون ~~إلى ما سبق في علم الله فيهم من إيمان وكفر كما في الحديث الآخر أن الغلام ~~الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا و الطبع الكتاب أي ms511 كتب كافرا كما في ~~الحديث الصحيح فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد وليس إذا كان الله كتبه ~~كافرا يقتضي أنه حين الولادة كافر بل يقتضي انه لا بد ان يكفر وذلك الكفر ~~هو التغيير كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء وقد سبق في علمه أنها تجدع كتب ~~أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة ولا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة ~~$ فصل # وكلام أحمد في أجوبة له أخرى يدل على أن الفطرة عنده الإسلام كما ذكر ~~محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه فإنه كان يقول أن صبيان أهل الحرب إذا سبوا ~~بدون الأبوين كانوا مسلمين وإن كانوا معهما فهم على دينهما فإن سبوا مع ~~أحدهما ففيه عنه روايتان وكان يحتج بالحديث قال الخلال في الجامع أنبأنا ~~أبو بكر المروزي أنبأنا عبد الله قال سبي أهل الحرب أنهم مسلمون إذا كانوا ~~صغارا وإن كانوا مع أحد الأبوين وكان يحتج بقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأبواه يهودانه وينصرانه قال وأما أهل الثغر فيقولون إذا كان مع أبويه ~~أنهم يخيرونه على الإسلام قال ونحن لا نذهب إلى هذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأبواه يهودانه وينصرانه قال الخلال أنبأنا عبد الملك الميموني ~~قال سألت أبا عبد الله قبل الحبس عن الصغير يخرج من أرض الروم وليس معه ~~ابواه فقال إن مات صلى عليه المسلمون قلت يكره على الإسلام قال إذا كانوا ~~صغارا يصلون عليهم أكره عليه قلت فإن كان PageV01P290 @ معه أبواه قال إذا ~~كان معه أبواه أو أحدهما لم يكره ودينه على دين أبويه قلت إلى أي شيء يذهب ~~إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون ~~أبواه قال نعم وعمر بن عبد العزيز فأدى به فلم يرده إلى بلاد الروم إلا ~~وحكمه حكمهم قلت في الحديث كان معه أبواه قال لا وليس ينبغي إلا أن يكون ~~معه أبواه قال الخلال ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد الله ولذلك نقل ~~إسحاق ms512 بن منصور أن أبا عبد الله قال إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم قلت لا ~~يجبرونه على الإسلام إذا كان معه أبواه أو أحدهما قال نعم قال الخلال وقد ~~روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق كلهم قال إذا كان مع أحد أبويه فهو ~~مسلم وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس وبعضهم قبل وبعد والذي ~~أذهب إليه ما رواه الجماعة قال الخلال وحدثنا أبو بكر المروزي قال قلت لأبي ~~عبد الله أني كنت بواسط فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته ويدعا طفلين ولهما ~~عم ما تقول فيهما فإنهم قد كتبوا إلى البصرة فيها فقال أكره أن أقول فيها ~~برأي دع حتى أنظر لعل فيهما عمن تقدم فلما كان بعد شهر عاودته قال نظرت ~~فيها فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قال فأبواه يهودانه وينصرانه وهذا ليس ~~له أبوان قلت يجبر على الإسلام قال نعم هؤلاء مسلمون لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكذلك نقل يعقوب بن سحبان قال قال أبو عبد الله إذا مات الذمى ~~أبواه وهو صغير أجبر على الإسلام وذكر الحديث فأبواه يهودانه وينصرانه ونقل ~~عنه عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين يولد لهما ولد فيقولان هذا ~~مسلم فيمكث خمس سنين ثم يتوفى قال ذاك يدفنه المسلمون قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأبواه يهودانه وينصرانه وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن قوم ~~يزوجون بناتهم من قوم علي أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم وما كان من ~~أنثى فهي مشركة يهودية أو مجوسية أو نصرانية فقال يجبر هؤلاء من أبا منهم ~~على الإسلام لأن أباهم مسلما لحديث النبي صلى الله عليه وسلم فأبواه ~~يهودانه وينصرانه يردون كلهم إلى الإسلام ومثل هذا كثير في أجوبته يحتج ~~بالحديث على إنما يصير كافرا بأبويه فإذا لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم ~~فلو لم تكن الفطرة الإسلام لم يكن بعدم أبويه يصير مسلما فإن الحديث إنما ~~دل على أنه يولد على ms513 الفطرة ونقل عنه الميموني أن الفطرة هي الدين وهي ~~الفطرة الأولى قال الخلال أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله كل مولود ~~يولد على الفطرة يدخل عليه إذا كان أبواه يعني أن يكون حكمه حكم ما كانوا ~~صغارا فقال لي نعم ولكن يدخل عليك في هذا فتناظرنا بما يدخل على من هذا ~~القول وبما يكون فقوله قلت لأبي عبد الله فما تقول أنت فيها وإلى أي شيء ~~تذهب قال أقول أنا ما أدري أخبرك هي مسلمة كما ترى ثم قال لي والذي يقول كل ~~مولود يولد على الفطرة ينظر أيضا إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها ~~قلت له فما الفطرة الأولى اهي الدين قال نعم فمن الناس من يحتج بالفطرة ~~الأولى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة قلت لأبي ~~عبد الله فما تقول لأعرف قولك قال أقول أنه على الفطرة الأولى قال شيخنا ~~فجواب أحمد أنه على الفطرة الأولى وقوله أنها الدين يوافق القول بأنه على ~~دين الإسلام $ فصل # وأما جواب أحمد أنه على ما فطر من شقاوة وسعادة الذي ذكر محمد بن نصر أنه ~~كان يقول به ثم تركه فقال الخلال أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قال لأبي ~~عبد الله كل PageV01P291 @ مولود يولد على الفطرة ما تفسيرها قال هي الفطرة ~~التي فطر الله الناس عليها شقي أو سعيد وكذلك نقل عنه الفضل بن زياد وجبيل ~~وأبو الحارث أنهم سمعوا أبا عبد الله في هذه المسئلة قال الفطرة التي فطر ~~الله العباد عليها من الشقاوة والسعادة وكذلك نقل عنه علي بن سعيد أنه سأل ~~أبا عبد الله عن كل مولود يولد على الفطرة قال الشقاوة والسعادة قال يرجع ~~إلى ما خلق وعن الحسن بن بواب قال سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين قلت ~~أن إبن أبي شيبة أبا بكر قال هو على الفطرة حتى يهوداه أبواه أو ينصرانه ~~فلم يعجبه شيء من هذا القول وقال كل مولود من أطفال المشركين على ms514 الفطرة ~~يولد على الفطرة التي خلق عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أم الكتاب ~~أرفع ذلك إلى الأصل هذا معنى كل مولود يولد على الفطرة فمن أصحابه من قال ~~هذا قولا قديما له ثم تركه ومنهم من جعل المسئلة على روايتين وأطلق ومنهم ~~من حكى عنه في ثلاث روايات الثالثة الوقف # | فصل قال شيخنا والإجماع والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على ~~القول الذي رجحناه وهو أنهم على الفطرة ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله ~~فيهم من سعادة وشقاوة لا يدل على أنهم حين الولادة لم يكونوا على فطرة ~~سليمة مقتضية للإيمان ومستلزمة له لولا العارض وروى إبن عبد البر بإسناده ~~عن موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله @QB@ كما بدأكم تعودون ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة @QE@ قال من ابتدأ الله خلقه على الهدى ~~صيره إلى الهدى وأن عمل بعمل أهل الضلالة ومن إبتدأ خلقه للضلالة صيره إلى ~~الضلالة وإن عمل بعمل أهل الهدى ابتدأ خلق إبليس على الضلالة وعمل بعمل أهل ~~السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الضلالة فقال ~~وكان من الكافرين وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل أهل الضلالة ثم ~~هداهم الله إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها مسلمين فهذا المنقول عن محمد ~~بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه هو ما كتب أنهم صائرون إليه وأنهم قد ~~يعملون قبل ذلك غيره وان من ابتدئ على الضلالة أي كتب أن يموت ضالا فقد ~~يكون قبل ذلك عاملا بعمل أهل الهدى وحينئذ فمن ولد على الفطرة السليمة ~~المقتضية للهدى لا يمنع أن يعرض لها ما يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر ~~كما في الحديث الصحيح أن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وأن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل ms515 بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة وقال سعيد بن جبير في قوله كما ~~بدأ كم تعودون قال كما كتب عليكم تكونون وقال مجاهد كما بدأكم تعودون شقي ~~وسعيد وقال أيضا يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا وقال أبو العالية عادوا ~~إلى علمه فيهم فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قلت هذا المعنى صحيح في ~~نفسه دل عليه القرآن والسنة والآثار السلفية وإجماع أهل السنة وأما كونه هو ~~المراد بالآية ففيه ما فيه والذي يظهر من الآية أن معناها معنى نظرائها ~~وأمثالها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى ~~وعلى المعاد بالمبدأ فجاء باحتجاج في غاية الإختصار والبيان فقال كما بدأكم ~~تعودون كقوله @QB@ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من ~~تراب @QE@ وقوله @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه @QE@ الآية وقوله @QB@ أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى @QE@ ~~إلى قوله @QB@ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى @QE@ وقوله PageV01P292 @ ~~@QB@ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ~~إنه على رجعه لقادر @QE@ أي على رجع الإنسان حيا بعد موته هذا هو الصواب في ~~معنى الآية يبقى أن يقال فكيف يرتبط هذا بقوله فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلال فيقال هذا الذي أوجب لأصحاب ذلك القول ما تأولوا به الآية ومن تأمل ~~الآية علم أن القول أولى بها ووجه الإرتباط أن الآية تضمنت قواعد الدين ~~علما وعملا واعتقادا فأمر سبحانه فيها بالقسط هو الذي هو حقيقة شرعه ودينه ~~وهو يتضمن التوحيد فإنه أعدل العدل والعدل في معاملة الخلق والعدل في ~~العبادة وهو الإقتصاد في السنة ويتضمن الأمر بالإقبال على الله وإقامة ~~عبوديته في ثبوته ويتضمن الإخلاص له وهو عبوديته وحده لا شريك له فهذا ما ~~فيها من العمل ثم أخبر بمبدأهم ومعادهم فتضمن ذلك حدوث الخلق وإعادته فذلك ~~الإيمان بالمبدأ والمعاد ثم أخبر عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال فريقا ~~هدى وفريفا حق عليهم ms516 الضلالة فتضمنت الآية الإيمان بالقدر والشرع والمبدأ ~~والمعاد والأمر بالعدل والإخلاص ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا ~~الخبر ولم يطع هنا الأمر بأنه قدوا للشيطان دون ربه وأنه على ضلال وهو يحسب ~~أنه على هدى والله أعلم # فصل # وقال آخرون يعني قوله كل مولود يولد على الفطرة أن الله فطرهم على ~~الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلفهم ~~فقال ألست بربكم قالوا جميعا بلى فأما أهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له ~~طوعا من قلوبهم وأما أهل الشقاء فقالوا بلى كرها غير طوع قالوا ويصدق ذلك ~~قوله تعالى @QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ قالوا ~~وكذلك قوله @QB@ كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة @QE@ ~~قال محمد بن نصر المروزي سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى واحتج ~~بقول أبي هريرة اقرأوا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله قال الحق نقول لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم يعني ~~من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار واحتج بقوله تعالى @QB@ وإذ أخذ ربك ~~من بني آدم من ظهورهم ذريتهم @QE@ الآية قال إسحاق أجمع أهل العلم أنها ~~الأرواح قبل الأجساد واستنطقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~قال انظروا أن لا تقولوا أنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا ~~من قبل وذكر حديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر قال وكان ~~الظاهر ما قال موسى أقتلت نفسا زكية بغير نفس فأعلم الله الخضر ما كان ~~الغلام عليه من الفطرة التي فطره عليها وأنه لا تبديل لخلق الله فأمر بقتله ~~لأنه كان قد طبع كافرا وفي صحيح البخاري أن ابن عباس كان يقرأها وأما ~~الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين قال إسحاق فلو ترك النبي صلى الله ~~عليه وسلم الناس ولم يبين لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من ~~الكافرين لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد ms517 عليه حتى أخرج من ظهر آدم فبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم حكم الأطفال في الدنيا بأن أبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه يقول أنتم لا تعلمون ما طبع عليه في الفطرة الأولى لكن ~~حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه فاعرفوا ذلك بالأبوين فمن كان صغيرا بين ~~أبوين مسلمين ألحق بحكم الإسلام وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير إليه فعلم ~~ذلك إلى الله وبعلم ذلك فضل الله الخضر في علمه هذا على موسى إذ أطلعه الله ~~عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك قال ولقد سئل ابن عباس عن ولدان PageV01P293 ~~@ المسلمين والمشركين فقال حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر قال إسحاق ألا ~~ترى إلى قول عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين طوبى له عصفور ~~من عصافير الجنة فرد عليها النبي صلى الله عليه وسلم وقال مه يا عائشة وما ~~يدريك أن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا قال إسحاق ~~فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم وسئل حماد بن سلمة عن قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فقال هذا عندنا حيث أخذ العهد ~~عليهم في أصلاب آبائهم قال ابن قتيبة يريد حين مسح ظهر آدم فاستخرج منه ~~ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~قال شيخنا أصل مقصود الأئمة صحيح وهو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على ~~نفي القدر لكن لا يحتاج مع ذلك أن يفسر القرآن والحديث إلا بما هو مراد ~~الله ورسوله ويجب أن يتبع في ذلك ما دل عليه الدليل وما ذكروه أن الله ~~فطرهم على الكفر والإيمان والمعرفة والنكرة إن أرادوا به أن الله سبق في ~~علمه وقدره بأنهم سيؤمنون ويكفرون ويعرفون وينكرون وإن ذلك كان بمشيئة الله ~~وقدره وخلقه فهذا حق ترده القدرية فغلاتهم ينكرون العلم وجميعهم ينكرون ~~عموم خلقه ومشيئته وقدرته وإن أرادوا أن هذه المعرفة والنكرة كانت موجودة ~~حين أخذ الميثاق كما في ظاهر المنقول عن إسحاق ms518 فهذا يتضمن شيئين أحدهما ~~أنهم حينئذ كانت المعرفة والإيمان موجودا فيهم كما قال ذلك طوائف من السلف ~~وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه وفي تفسير الآية نزاع بين الأئمة وكذلك في ~~خلق الأرواح قبل الأجساد قولان معروفان لكن المقصود هنا أن هذا إن كان حقا ~~فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك المعرفة والاقرار فهذا لا يخالف ما دلت ~~عليه الأحاديث من أنه يولد على الملة وأن الله خلق خلقه حنفاء بل هو مؤيد ~~لذلك وأما قول القائل أنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى مطيع وكافر فهذا لم ~~ينقل عن أحد من السلف فيما أعلم إلا عن السدي في تفسيره قال لما أخرج الله ~~آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية ~~بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم أدخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره ~~اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال أدخلوا النار ولا أبالي ذلك ~~قوله وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال الست بربكم ~~قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو ~~والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فليس أحد من ~~ولد آدم إلا وهو يعرف الله بأنه ربه وذلك قوله عز وجل @QB@ وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ وكذلك قوله @QB@ قل فلله الحجة البالغة ~~فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ يعني يوم أخذ الميثاق قال شيخنا وقيل هذا الأثر ~~لا يوثق به فإن في تفسير السدي أشياء قد عرف بطلان بعضها وهو ثقة في نفسه ~~وأحسن أحوال هذا وأمثاله أن يكون كالمراسيل إن كان مأخوذا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فكيف إذا كان مأخوذا عن أهل الكتاب ولو لم يكن في هذا إلا ~~معارضة لسائر الآثار التي تتضمن التسوية بين جميع الناس في الإقرار لكفى ~~وأما قوله تعالى @QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ ~~فإنما هو في الإسلام الموجود منهم بعد خلقهم لم يقل أنهم ms519 حين العهد الأول ~~أسلموا طوعا وكرها يدل على ذ لك أن ذلك الإقرار الأول جعله الله عليهم حجة ~~على من ينسه ولو كان فيهم كاره لقال لم أقر طوعا بل كرها فلا يقوم به عليه ~~حجة وأما احتجاج أحمد بقول أبي هريرة اقرؤا إن شئتم فطرة الله التي ~~PageV01P294 @ فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله فهذه الآية فيها قولان ~~أحدهما أن معناها النهي كما تقدم عن أبن جرير أنه فسرها فقال أي لا تبدلوا ~~دين الله الذي فطر عليه عباده وهذا قول غير واحد من المفسرين لم يذكروا ~~غيره والثاني ما قاله إسحاق وهو أنها خبر على ظاهرها وأن خلق الله لا يبدله ~~أحد وظاهر اللفظ خبر فلا يجعل نهيا بغير حجة وهذا أصح وحينئذ فيكون المراد ~~أن ما جبلهم عليه من الفطرة لا يبدل فلا يجبلون على غير الفطرة لا يقع هذا ~~أصلا والمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة ولم يرد بذلك أن ~~الفطرة لا تتغير بعد الخلق بل نفس الحديث يبين أنها تتغير ولهذا شبهها ~~بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع ولاتولد بهيمة مخصية ولا مجدوعة وقد قال ~~تعالى عن الشيطان ولآمرنهم فليغيرن خلق الله فالله أقدر الخلق على أن ~~يغيروا ما خلقهم عليه بقدرته ومشيئته وإنما تبديل الخلق بأن يخلقوا على غير ~~تلك الفطرة فهذا لا يقدر عليه إلا الله والله لا يفعله كما قال لا تبديل ~~لخلق الله ولم يقل لا تغيير فإن تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله ولكن ~~إذا غير بعد وجوده لم يكن الخلق الموجود عند الولادة وأما قول القائل لا ~~تبديل للخلقة التي جبل عليها بنو آدم كلهم من كفر وإيمان فإن عني به ما سبق ~~به القدر من الكفر والإيمان لا يقع خلافه فهذا حق ولكن ذلك لا يقتضي أن ~~تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنع ولا أنه غير مقدور بل العبد قادر على ~~ما أمره الله به من الإيمان وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر وعلى أن ms520 يبدل ~~حسناته بالسيئات وسيئاته بالحسنات كما قال الله إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد ~~سوء وهذا التبديل كله بقضاء الله وقدره وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين ~~الولادة فإن ذلك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره وهو سبحانه لا ~~يبدله بخلاف تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس فأنه يبدله كثيرا والعبد قادر ~~على تبديله بإقدار الرب له على ذلك ومما يوضح ذلك قوله تعالى @QB@ فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ ~~فهذه فطرة محمودة أمر الله بها نبية فكيف تنقسم إلى كفر وإيمان مع أمر الله ~~تعالى بها وقد تقدم تفسير السلف لا تبديل لخلق الله أي لدين الله أو النهي ~~عن الخصا ونحوه ولم يقل أحد منهم أن المعني لا تبديل لاحوال العباد من كفر ~~إلى إيمان وعكسه فإن تبديل ذلك موجود ومهما وقع كان هو الذي سبق به القدر ~~والرب تعالى عالم بما سيكون لا يقع خلاف معلومه فإذا وقع التبديل كان هو ~~الذي علمه وأما قوله عن الغلام أنه طبع يوم طبع كافرا فالمراد به أنه كتب ~~كذلك وقدر وختم فهو من طبع الكتاب ولفظ الطبع لما صار يستعمله كثير من ~~الناس في الطبيعة التي هي بمعنى الخلقة والجبلة ظن الظان أن هذا مراد ~~الحديث وهذا الغلام الذي قتله الخضر ليس في القرآن ما يبين أنه كان غير ~~بالغ ولا مكلف بل قراءة إبن عباس تدل على أنه كافر كان في الحال وتسميته ~~غلاما لا يمنع أن يكون مكلفا قريب العهد بالصغر ويدل عليه أن موسى لم ينكر ~~قتله لصغره بل لكونه زاكيا ولم يقتل نفسا لكن يقال في الحديث الصحيح ما يدل ~~على أنه كان غير بالغ من وجهين أحدهما أنه قال فمر بصبي ملعب مع الصبيان ~~الثاني أنه قال ولو أدرك لأرهق ابويه طغيانا وكفرا وهذا دليل على كونه لم ~~يدرك بعد فيقال الكلام على الآية على التقديرين فإن كان بالغا وقد كفر فقد ~~قتل على كفره ms521 الواقع بعد البلوغ ولا أشكال وإن كان غير بالغ فلعل تلك ~~الشريعة كان فيها التكليف قبل الاحتلام عند قوة عقل الصبي وكمال تميزه وإن ~~لم يكن التكليف قبل البلوغ بالشرائع واقعا فلا يمتنع وقوعه بالتوحيد ومعرفة ~~الله كما قاله طوائف من PageV01P295 @ أهل الكلام والفقه من أصحاب أبي ~~حنيفة وأحمد وغيرهم وعلى هذا فيمكن أن يكون مكلفا بالإيمان قبل البلوغ وإن ~~لم يكن مكلفا بشرائعه وكفر الصبي المميز عند أكثر العلماء مؤاخذ به فإذا ~~ارتد صار مرتدا لكن لا يقتل حتى يبلغ فالغلام الذي قتله الخضر أما أن يكون ~~كافرا بعد البلوغ فلا إشكال وأما أن يكون غير بالغ وهو مكلف في تلك الشريعة ~~فلا أشكال أيضا وأما أن يكون مكلفا بالتوحيد والمعرفة غير مكلف بالشرائع ~~فيجوز قتله في تلك الشريعة وأما أن لا يكون مكلفا فقتل لئلا يفتتن أبويه عن ~~دينهما كما يقتل الصبي الكافر في ديننا إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا ~~بالقتل وأما قتل صبي لم يكفر بعد بين أبوين مؤمنين للعلم بأنه إذا بلغ كفر ~~وفتن أبويه فقد يقال ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه وأيضا فإن ~~الله لم يأمر أن يعاقب أحد بما يعلم أنه يكون منه قبل أن يكون منه ولا هو ~~سبحانه يعاقب العباد على ما يعلم أنهم سيفعلونه حتى يفعلونه وقائل هذا ~~القول يقول أنه ليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب الذي لا يعلمه ~~عموم الناس وإنما فيها علمه بأسباب لم يكن علم بها موسى مثل علمه بأن ~~السفينة لمساكين يعلمون ورائهم ملك ظالم وهذا أمر يعلمه غيره وكذلك كون ~~الجدار كان لغلامين يتيمين وأن أباهما كان رجلا صالحا وأن تحته كنزا لهما ~~مما يمكن أن يعلمه كثير من الناس وكذلك كفر الصبي مما يمكن أنه كان يعلمه ~~كثير من الناس حتى أبواه لكن لحبهما له لا ينكران عليه أو لا يقبل منهما ~~فإن كان الأمر على ذلك فليس في الآية حجة على قولهم أصلا وأن ms522 ذلك الغلام لم ~~يكفر بعد ولكن سبق في العلم أنه إذا بلغ كفر فمن يقول هذا يقول أن قتله ~~دفعا لشره كما قال نوح @QB@ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن ~~تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا @QE@ وعلى هذا فلم يكن قبل ~~قيام الكفر به كافرا وقراءة ابن عباس وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه ~~مؤمنين ظاهرة انه كان حينئذ كافرا فإن قيل فهذا الغلام كان أبواه مؤمنين ~~فلو كان مولودا على فطرة الإسلام وهو بين أبوين مسلمين لكان مسلما تبعا ~~لهما وبحكم الفطرة فكيف يقتل والحالة هذه قيل إن كان بالغا فلا إشكال وإن ~~كان مميزا وقد كفر فيصح كفره وردته عند كثير من العلماء وأن لا يقتل حتى ~~يبلغ عندهم فلعل في تلك الشريعة يجوز قتل المميز الكافر وإن كان صغيرا غير ~~مميز فيكون قتله خاصا به لأن الله أطلع الخضر عل أنه لو بلغ لاختار غير دين ~~الأبوين وعلى هذا يدل قول ابن عباس لنجدة وقد سأله عن قتل صبيان الكفار ~~فقال لئن علمت فيهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم فإن قيل إذا كان ~~مولودا على الفطرة وأبواه مؤمنين فمن أين جاء الكفر قيل إنما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك على الغالب وإلا فالكفر قد يأتيه من قبل غير أبويه فهذا ~~الغلام إن كان كافرا في الحال فقد جاء الكفر من غير جهة أبويه وإن كان ~~المراد أنه إذا بلغ سيكفر باختياره فلا إشكال $ فصل # وأما تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه أنه أراد به مجرد الإلحاق في أحكام الدنيا دون أن يكون أراد أنهما ~~يغيران الفطرة فهذا خلاف ما يدل عليه الحديث فإنه شبه تكفير الأطفال بجدع ~~البهائم تشبيها للتغيير بالتغيير وأيضا فإنه ذكر هذا الحديث لما قتل أولاد ~~المشركين فنهاهم عن قتلهم وقال أليس خياركم أولاد المشركين كل مولود يولد ~~على الفطرة فلو أراد أنه تابع لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة ms523 لهم يقولون هم ~~كفار كآبائهم وكون الصغير يتبع أبواه في أحكام الدنيا هو لضرورة بقائه في ~~الدنيا فإنه لا بد له من مرب يربيه وإنما يربيه أبواه فكان PageV01P296 @ ~~تابعا لهما ضرورة ولهذا من سبي منفردا عنهما صار تابعا لسابيه عند جمهور ~~العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم لكونه هو الذي يربيه ~~وإذا سبي منفردا عن أحدهما أو معهما ففيه نزاع بين العلماء واحتجاج الفقهاء ~~كأحمد وغيره بهذا الحديث على أنه متى سبي منفردا عن أبويه يصير مسلما إذ ~~يستلزم أن يكون المراد بتكفير الأبوين لهما مجرد لحاقه لهما في الدين ولكن ~~وجه الحجة أنه إذا ولد ولد على الملة فإنما ينقله عنه الأبوان اللذان ~~يغيرانه عن الفطرة فمتى سباه المسلمين منفردا عنهما لم يكن هناك من يغير ~~دينه وهو مولود على الملة الحنيفية فيصير مسلما بالمقتضى السالم عن المعارض ~~ولو كان الأبوان يجعلانه كافرا في نفس الأمر بدون تعليم لكان الصبي المسبي ~~بمنزلة البالغ الكافر ومعلوم أن البالغ الكافر إذا سباه المسلمون لم يصر ~~مسلما لأنه صار كافرا حقيقة فلو كان الصبي التابع لأبويه كافرا حقيقة لم ~~ينتقل عن الكفر بالسباء فعلم أنه كان يجري عليه حكم الكفر في الدنيا تبعا ~~لأبويه لأنه صار كافرا في نفس الأمر تبين ذلك أنه لو سباه كفار ولم يكن معه ~~أبواه لم يصر مسلما فهو هنا كافر في حكم الدنيا واذ لم يكن أبواه هوداه ~~ونصراه فعلم أن المراد بالحديث ان الأبوين يلقناه الكفر ويعلمانه إياه وذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأبوين لأنهما الأصل العام الغالب في تربية ~~الأطفال فإن كل طفل فلا بد له من أبوين وهما اللذان يربيانه مع بقائهما ~~وقدرتهما ومما يبين ذلك قوله في الحديث الآخر كل مولود يولد على الفطرة حتى ~~يعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز ~~فحينئذ يتبين له أحد الأمرين ولو كان كافرا في الباطن بكفر الأبوين لكان ~~ذلك من حين يولد قبل أن يعرب عنه ms524 لسانه وكذلك قوله في الحديث الصحيح أني ~~خلقت عبادي حنفاء فاختالهم الشيطان وحرمت علهم ما أحللت لهم وأمرتهم ان ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا صريح في أنهم خلقوا على الحنيفية وأن ~~الشياطين اختالتهم وحرمت عليهم الحلال وأمرتهم بالشرك فلو الطفل كان يصير ~~كافرا في نفس الأمر من حين يولد لكونه يتبع أبويه في الدين قبل أن يعلمه ~~أحد الكفر ويلقنه إياه لم تكن الشياطين هم الذين غيروهم عن الحنيفية ~~وأمروهم بالشرك $ فصل # ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام ~~الكفر في الآخرة فإن أولاد الكفار لما كان تجري عليهم أحكام الكفر في ~~الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم وحضانتهم لهم وتمكنهم من تعليمهم ~~وتأديبهم والموازنة بينهم وبين نبيهم واسترقاقهم وغير ذلك صار يظن من يظن ~~أنهم كفار في نفس الأمر كالذي تكلم بالكفر وعمل به ومن ها هنا قال محمد بن ~~الحسن أن هذا الحديث وهو قوله كل مولود يولد على الفطرة كان قبل ان تنزل ~~الأحكام فإذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعا ~~لآبائهم في أحكام الدنيا وقد زالت الشبهة وقد يكون في بلاد الكفر من هو ~~مؤمن يكتم إيمانه ولا يعلم المسلمون حاله فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن مع ~~المشركين وهو في الآخرة من أهل الجنة كما أن المنافقين في الدنيا تجري ~~عليهم أحكام المسلمين وهم في الدرك الأسفل من النار فحكم الدار الآخرة غير ~~حكم الدار الدنيا وقوله كل مولود يولد على الفطرة إنما أراد به الإخبار ~~PageV01P297 @ بالحقيقة التي خلقوا عليها وعلى الثواب والعقاب في الآخرة ~~إذا عملوا بموجبها وسلمت عن المعارض ولم يرد به الإخبار بأحكام الدنيا فإنه ~~قد علم بالأضطرار من شرع الرسول أن أولاد الكفار تبع لآبائهم في أحكام ~~الدنيا وأن أولادهم لا ينزعون منهم إذا كانوا ذمة فإن كانوا محاربين ~~استرقوا ولم يتنازع المسلمون في ذلك لكن تنازعوا في الطفل إذا مات ابواه أو ~~احدهما هل يحكم بإسلامه وعن أحمد في ms525 ذلك ثلاث روايات إحداهن يحكم بإسلامه ~~بموت الأبوين أو أحدهما لقوله فأبواه يهودانه وينصرانه وهذا ليس معه ابواه ~~وهو على الفطرة وهي الإسلام لما تقدم فيكون مسلما والثانية لا يحكم بإسلامه ~~بذلك وهذا قول الجمهور قال شيخنا وهذا القول هو الصواب بل هو إجماع قديم من ~~السلف والخلف بل هو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها فقد علم أن أهل الذمة ~~كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ووادي القرى وخيبر ~~ونجران واليمن وغير ذلك وكان فيهم من يموت وله ولد صغير ولم يحكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإسلام أهل الذمة ولا حلفاؤه وأهل الذمة كانوا في زمانهم ~~طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان وفيهم من يتاما هم عدد كثير ولم ~~يحكموا بإسلام واحد منهم فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا فهم ~~يتولون حضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولون تربيتهم وأحمد يقول أن الذمي ~~إذا مات ورثه ابنه الطفل مع قوله في إحدى الروايات أنه يصير مسلما لأن أهل ~~الذمة ما زال أولادهم يرثوهم لأن الإسلام حصل مع استحقاق الإرث لم يحصل ~~قبله ونص على أنه إذا مات الذمي عن حمل منه لم يرثه للحكم بإسلامه قبل وضعه ~~وكذلك لو كان الحمل من غيره كما إذا مات وخلف امرأة ابنه أو أخيه حاملا ~~فأسلمت أمه قبل وضعه لم يرثه لأنا حكمنا بإسلامه من حين أسلمت أمه وكذلك ~~هناك حكمنا بإسلامه من حين مات أبوه وقد وافق الإمام أحمد الجمهور على أن ~~الطفل إذا مات أبواه في دار الحرب لا يحكم بإسلامه ولو كان موت الأبوين ~~يجعله مسلما بحكم الفطرة الأولى لم يفترق الحال بين دار الحرب ودار الإسلام ~~لوجود المقتضى للإسلام وهو الفطرة وعدم المانع وهو الأبوان وقد التزم بعض ~~أصحابه الحكم بإسلامه وهو باطل قطعا إذ من المعلوم بالضرورة أن أهل الحرب ~~فيهم من بلغ يتيما لغيره وأحكام الكفار المحاربين جارية عليهم والرواية ~~الثالثة أن كفله أهل دينه فهو باق على أبويه وإن ms526 كلفه المسلمون فهو مسلم نص ~~عليه في رواية يعقوب بن بحنان ( 1 ) كما ذكره الخلال في جامعه عنه قال سئل ~~أبو عبد الله عن جارية نصرانية لقوم فولدت عندهم ثم ماتت ما يكون الولد قال ~~إذا كفله المسلمون ولم يكن له من يكفله إلا هم فهم مسلمون قيل له فإن مات ~~بعد الأم بقليل قال يدفنه المسلمون وقال في رواية أبي الحارث في جارية ~~نصرانية لرجل مسلم لها زوج نصراني فولدت عنده وماتت عند المسلم وبقي ولدها ~~عنده ما يكون حكم هذا الصبي قال إذا كفله المسلمون فهو مسلم وهذه الرواية ~~إن لم يذكرها عامة الأصحاب وهي من جامع الخلال فهي أصح الأقوال في هذه ~~المسألة دليلا وهي التي نختارها وبها تجتمع الأدلة فإن الطفل يتبع مالكه ~~وسابيه فكذلك يتبع كافله وحاضنه فإنه لا يستقل بنفسه بل لا بد له ممن يتبعه ~~ويكون معه فتبعيته لحاضنه وكافله أولى من جعله كافرا بكون أبويه كافرين وقد ~~انقطعت تبعيته لهما بخلاف PageV01P298 @ ما إذا كفله اهل دين الأبوين فإنهم ~~يقومون مقامهما ولا أثر لفقد الأبوين إذا كفله جده أو جدته أو غيرهما من ~~أقاربه فهذا القول أرجح في النظر والله أعلم وليس المقصود ذكر هذه المسائل ~~وما يصير به الطفل مسلما فإنا قد استوفيناها في كتابنا في أحكام أهل الملل ~~بأدلتها واختلاف العلماء من السلف والخلف فيها وذكر مأخذهم وإنما المقصود ~~ذكر الفطرة وأنها هي الحنيفية وأنها لا تنافي القدر السابق بالشقاوة والله ~~أعلم $ فصل # قال أبو عمر وقال آخرون في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود ~~يولد على الفطرة لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الفطرة ها هنا ~~كفرا ولا إيمانا ولا معرفة ولا إنكارا وإنما أراد أن كل مولود يولد على ~~السلامة خلقة وطبعا وبنية ليس معها كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار ثم ~~يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميز واحتجوا بقوله في الحديث كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء يعني سالمة هل ms527 تحسون فيها من جدعاء يعني مقطوعة ~~الأذن فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق لا يتبين فيها ~~نقصان ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها فيقال هذه السوائب وهذه البحائر يقول ~~كذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم حينئذ كفر ولا إيمان ولا معرفة ~~ولا إنكار كالبهائم السالمة فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفرا أكثرهم ~~وعصم الله أقلهم قالوا ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان ~~في أولية أمرهم ما انتقلوا عنه أبدا فقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون ~~قالوا ويستحيل في العقول أن يكون الطفل في حال ولادته يفعل كفرا أو إيمانا ~~لأن الله أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا فمن لم يعلم شيئا استحال ~~منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار قال أبو عمر هذا القول أصح ما قيل في ~~معنى الفطرة التي تولد الولدان عليها وذلك أن الفطرة السلامة والاستقامة ~~بدليل قوله تعالى في حديث عياض بن حماد أني خلقت عبادي حنفاء يعني على ~~استقامة وسلامة وكأنه والله أعلم أراد الذين خلصوا من الآفات كلها والمعاصي ~~والطاعات فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما ومن الحجة ~~أيضا في هذا قول الله تعالى @QB@ إنما تجزون ما كنتم تعملون @QE@ @QB@ كل ~~نفس بما كسبت رهينة @QE@ ومن لم يبلغ وقت العمل يبرهم بشيء قال تعالى @QB@ ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ قال شيخنا هذا القائل أن أراد بهذا ~~القول أنهم خلقوا خاليين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي ~~واحدا منهما بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابه الإيمان والكفر وليس هو ~~لأحدهما أقبل منه للآخر وهذا هو الذي يشعر به ظاهر الكلام فهذا قول فاسد ~~لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد ~~والتنصير والإسلام وإنما ذلك بحسب الأسباب فكان ينبغي أن يقال فأبواه ~~يسلمانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه فلما ذكر أن أبويه يكفرانه وذكر الملل ~~الفاسدة دون الإسلام علم أن حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل ms528 عن حكم الكفر ~~وأيضا فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عطب ولا استقامة ~~ولا زيغ إذ نسبته إلى كل منهما نسبة واحدة وليس هو بأحدهما بأولى منه ~~بالآخر كما أن اللوح قبل الكتابة لا يثبت له حكم مدح ولا ذم فما كان قابلا ~~للمدح والذم على السواء لم يستحق مدحا ولا ذما والله تعالى PageV01P299 @ ~~يقول @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ ~~فأمره بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها فكيف لا تكون ممدوحة وأيضا فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما طرأ عليها ~~من الكفر بجدع الأنف والأذن ومعلوم أن كمالهما محمود ونقصهما مذموم فكيف ~~تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة $ فصل # وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من العلماء أن المراد أنهم ~~ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على ~~الإنكار والإيمان على الكفر ولكن بما عرض لها من الفساد خرجت عن هذه الفطرة ~~فهذا القول قد يقال لا يرد عليه ما يرد على القول الذي قبله فإن صاحبه يقول ~~في الفطرة قوة تميل بها إلى المعرفة والإيمان كما في البدن السليم قوة يحب ~~بها الأغذية النافعة وبهذا كانت محمودة وذم من افسدها لكن يقال فهذه الفطرة ~~التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية هل هي كافية في حصول ~~المعرفة أو تقف المعرفة على أدلة من خارج فإن كانت المعرفة تقف على أدلة من ~~خارج أمكن أن يوجد تارة ويعدم أخرى ثم ذلك السبب يمتنع أن يكون موجبا ~~للمعرفة بنفسه بل غايته أن يكون معرفا ومذكرا فعند ذلك أن وجب حصول المعرفة ~~كانت واجبة الحصول عند وجود ذلك الأسباب وإلا فلا وحينئذ فلا يكون فيها إلا ~~قبول المعرفة والإيمان وحينئذ فلا فرق فيها بين الإيمان والكفر والمعرفة ~~والإنكار إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له لكن يتوقف على المؤثر ~~الفاعل من خارج وهذا هو القسم الأول الذي ابطلناه وبينا ms529 أنه ليس في ذلك مدح ~~للفطرة واما إن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها وإن لم يوجد من يعلمها ~~أدلة المعرفة فيها بدون ما يسمعه من الأدلة سواء قيل أن المعرفة ضرورية ~~فيها أو قيل انها تحصل بأسباب تنتظم في النفس وإن لم يسمع كلام مستدل فإن ~~النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما يحتاج معه إلى كلام الناس فإن ~~كان كل مولود يولد على هذه الفطرة لزم ان يكون المقتضى للمعرفة حاصلا لكل ~~مولود وهو المطلوب والمقتضى التام مستلزم مقتضاه فتبين أن أحد الأمرين لازم ~~إما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة وأما استواء الأمرين بالنسبة إليها وذلك ~~ينفي مدحها وتلخيص ذلك أن يقال المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ~~ريب فإما ان تكون هي موجبة مستلزمة لذلك وأما أن لا تكون مستلزمة له فلا ~~يكون واجبا لها فإن كان الثاني لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة ~~إليها أو كلاهما ممكن لها فثبت أن المعرفة لازمة لها إلا أن يعارضها معارض ~~فإن قيل ليست موجبة مستلزمة للمعرفة ولكن هيء إليها الميل مع قبولها للنكرة ~~قيل فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة وجدت تارة وعدمت تارة وهي وحدها لا ~~يحصلها فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين فيكون الإسلام والتهويد والتنصير ~~والتمجيس ومعلوم أن هذه أنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض كالتمجس فإن لم ~~تكن الفطرة مقتضية للإسلام صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى ~~التمجيس فوجب أن يذكر كما ذكر ذلك ويكون هذا كمكمون الفطرة لا يقضي الرضاع ~~إلا بسبب منفصل وليس كذلك بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه فإذا مكن من الثدي ~~وجدت الرضاعة لا محالة فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض وهو مولود ~~PageV01P300 @ على أن يرضع فكذلك هو مولود على أن يعرف الله والمعرفة ~~ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض وأيضا فإن حب النفس لله وخضوعها له ~~وإخلاصها له مع الكفر به والشرك والإعراض عنه ونسيان ذكره إما أن يكون ~~نسبتهما إلى الفطرة سواء أو الفطرة ms530 مقتضية للأول دون الثاني فإن كانا سواء ~~لزم انتفاء المدح كما تقدم وإن لم يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها ~~إلى الإيمان ويكون تمجيسها كتحنيفها وقد عرف بطلان هذا وإن كان فيها مقتض ~~لهذا فأما أن يكون المقتضى مستلزما لمقتضاه عند عدم المعارض وإما أن يكون ~~متوقفا على شخص خارج عنها فإن كان الأول ثبت ذلك من لوازمها وأنها مفطورة ~~عليه لا يفقد إلا إذا فسدت الفطرة وإن قدر أنه متوقف على شخص فذلك الشخص هو ~~الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها مجوسية وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا وإذا ~~قيل هي إلى الحنيفية أميل كان كما يقال هي إلى غيرها أميل فتبين أن فيها ~~قوة موجبة لحب لله والذل له وإخلاص الدين له وانها موجبة لمقتضاها إذا سلمت ~~من المعارض كما أن فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه مما ~~يبين هذا إن كل حركة إرادية فإن الموجب لها قوة في المريد فإذا أمكن في ~~الإنسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين كان فيه قوة تقتضي ذلك إذ ~~الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل ولا يشترط ~~في إرادته إلا مجرد الشعور بالمراد فما في النفوس من قوة المحبة له إذا ~~شعرت به تقتضي حبه إذا لم يحصل معارض وهذا موجود في محبة الأطعمة والأشربة ~~والنكاح والعلم وغيرها وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والإخلاص والذل ~~له والخضوع وأن فيها قوة الشعور به فيلزم قطعا وجود المحبة له والتعظيم ~~والخضوع بالفعل لوجود المقتضي إذا سلم عن المعارض وتبين أن المعرفة والمحبة ~~لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل وإن كان وجوده قد يذكر ويحرك كما لو خوطب ~~الجائع أو الظمآن بوصف طعام أو خوطب المغتلم بوصف النساء فإن هذا مما يذكره ~~ويحركه ويثير شهوته الكامنة بالقوة في نفسه لا أنه يحدث له نفس تلك الإرادة ~~والشهوة بعد أن لم تكن فيه فيجعلها موجودة بعد أن كانت عدما فكذلك الأسباب ~~الخارجة ms531 عن الفطرة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من العثور بالخالق ~~ومحبته وتعظيمه والخضوع له وإن كان ذلك مذكرا ومحركا ومنبها ومزيلا للعارض ~~المانع ولذلك سمى الله سبحانه ما كمل به موجبات الفطرة بذكرا وذكرى وجعل ~~رسوله مذكرا فقال @QB@ فذكر إنما أنت مذكر @QE@ وقال @QB@ فذكر إن نفعت ~~الذكرى @QE@ وقال @QB@ وما يتذكر إلا من ينيب @QE@ وقال @QB@ وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب @QE@ وقال @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب @QE@ وقال ~~@QB@ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر @QE@ وقال @QB@ فإنما يسرناه ~~بلسانك لعلهم يتذكرون @QE@ وهذا كثير في القرآن يخبر أن كتابه ورسوله مذكر ~~لهم بما هو مركوز في فطرهم من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له ~~والإخلاص له ومحبة شرعه الذي هو العدل المحض وإيثاره على ما سواه فالفطر ~~مركوز فيها معرفته ومحبته والإخلاص له والإقرار بشرعه وإيثاره على غيره فهي ~~تعرف ذلك وتشعر به مجملا ومفصلا بعض التفصيل فجاءت الرسل تذكرها بذلك ~~وتنبهها عليه وتفصله لها وتبينه وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة ~~PageV01P301 @ المانعة من اقتفائها أثرها وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها ~~الرسل فإنها أمر بمعروف ونهي عن منكر وإباحة طيب وتحريم خبيث وأمر بعدل ~~ونهي عن ظلم وهذا كله مركوز في الفطرة وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على ~~الرسل وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات فإن في الفطرة الإقرار بالكمال ~~المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل ~~مما يتوقف على الرسل وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقر في فطر ~~الخلائق خلافا لمن قال من المتكلمين أنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه عن ~~النقائص وإنما علم بالإجماع % قبحا لهاتيك العقول فإنها % عقال على أصحابها ~~ووبال % فليس في العقول ابين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم ~~وتنزيهه عن العيوب والنقائص وجائت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها ~~وكذلك في الفطر الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها وجزائها بكسبها في ~~غير هذه الدار وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا تعلم إلا ~~بالرسل وكذلك ms532 فيها معرفة العدل ومحبته وإيثاره وأما تفاصيل العدل الذي هو ~~شرع الرب تعالى فلا يعلم إلا بالرسل فالرسل تذكر بما في الفطر وتفصله ~~وتبينه ولهذا كان العقل الصريح موافقا للنقل الصحيح والشرعة مطابقة للفطرة ~~يتصادقان ولا يتعارضان خلافا لمن قال إذا تعارض العقل والوحي قدمنا العقل ~~على الوحي % فقبحا لعقل ينقض الوحي حكمه % ويشهد حقا أنه هو كاذب % ~~والمقصود أن الله فطر عباده على فطرة فيها الإقرار به ومحبته والإخلاص له ~~والإنابة اليه وإجلاله وتعظيمه وأن الشخص الخارج عنها لا يحدث فيها ذلك ~~ويجعلها فيها بعد أن لم يكن وإنما يذكرها بما فيها وينبهها عليه ويحركها له ~~ويفصله لها ويبينه ويعرفها الأسباب المقوية والأسباب المعارضة له والمانعة ~~من كماله كما أن الشخص الخارج لا يجعل في الفطرة شهوة اللبن عند الرضاع ~~والأكل والشرب والنكاح وإنما تذكر النفس وتحركها لما هو مركوز فيها بالقوة # | فصل # ومما يبين ذلك أن الإقرار بالصانع مع خلو القلب عن محبته والخضوع له ~~وإخلاص الدين له لا يكون نافعا بل الإقرار به مع الإعراض عنه وعن محبته ~~وتعظيمه والخضوع له أعظم استحقاقا للعذاب فلا بد أن يكون للفطرة مقتض للعلم ~~ومقتض للمحبة والمحبة مشروطة بالعلم فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبه ~~والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج بل هو جبلي فطري فإذا كانت المحبة ~~جبلية فطرية فشرطها وهو المعرفة أيضا جبلي فطري فلا بد أن يكون في الفطرة ~~محبة الخالق مع الإقرار به وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها ~~وفطرته فطرهم عليها فعلم أن الحنفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها والحب لله ~~والخضوع له والإخلاص هو أصل أعمال الحنيفية وذلك مستلزم للإقرار والمعرفة ~~ولازم اللازم لازم وملزوم الملزوم ملزوم فالفطرة ملزومة لهذه الاحوال وهذه ~~الأحوال لازمة لها # | فصل فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على أن الخلق ~~مفطورون PageV01P302 @ على دين الله الذي هو معرفته والإقرار به ومحبته ~~والخضوع له وإن ذلك موجب فطرتهم ومقتضاها يجب حصوله فيها إن لم يحصل ms533 ما ~~يعارضه ويقتضي حصول ضده وإن حصول ذلك فيها لا يقف على وجود شرط بل على ~~انتفاء المانع فإذا لم يوجد فهو لوجود منافيه لا لعدم مقتضيه ولهذا لم يذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم لوجود الفطرة شرطا بل ذكر ما يمنع موجبها حيث قال ~~فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فحصول هذا التهويد والتنصير موقوف على ~~أسباب خارجة عن الفطرة وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا ~~يتوقف أصله على غير الفطرة وإن توقف كماله وتفصيله على غيرها وبالله ~~التوفيق # فصل # وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنى خلقت عبادى ~~حنفاء فاختالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم يتضمن أصلين عظيمين ~~مقصودين لأنفسهما ووسيلة تعين عليهما أحدهما عبادته وحده لا شريك له ~~والثاني إنما يعبد بما شرعه وأحبه وأمر به وهذان الأصلان هما المقصود الذي ~~خلق له الخلق فصدهما الشرك والبدع فالمشرك يعبد مع الله غيره وصاحب البدعة ~~يتقرب إلى الله بما لم يأمر به ولم يشرعه ولا أحبه وجعل سبحانه حل الطيبات ~~مما يستعان به على ذلك ويتوسل به اليه فمدار الدين على هذين الأصلين وهذه ~~الوسيلة فأخبر سبحانه إن الشاطين اقتطعت عباده عن هذا المقصود وعن هذه ~~الوسيلة فأمرتهم أن يشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وهذا يتناول الإشراك ~~بالمعبود الحق بأن يعبد معه غيره والإشراك بعبادته الحقة بأن يعبد بغير ~~شرعه وكثيرا ما يجتمع الشركان فيعبد المشرك معه غيره بعبادة لم يشرع سبحانه ~~أن يتعبد له بها وقد ينفرد أحد المشركين فيشرك به غيره في نفس العبادة التى ~~شرعها ويعبده وحده بعبادة شركية لم يشرعها أو يتوسل إلى عبادته بتحريم ما ~~أحله وقد ذم الله سبحانه المشركين على هذين النوعين في كتابه في سورة ~~الأنعام والأعراف وغيرهما يذكر فيها ذمهم على ما حرموه من المطاعم والملابس ~~وذمهم على ما أشركوا به من عبادة غيره أو على ما ابتدعوه من عبادته بما لم ~~يشرعه وفي المسند أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ms534 فهي حنيفية في ~~التوحيد وعدم الشرك سمحة في العمل وعدم الإصار والإغلال بتحريمهم من ~~الطيبات الحلال فيعبد سبحانه بما أحبه ويستعان على عبادته بما أحله قال ~~تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا @QE@ وهذا هو الذي ~~فطر الله عليه خلقه وهو محبوب لكل أحد مستقر سنته في كل فطرة فإنه يتضمن ~~التوحيد وإخلاص القصد والحب لله وحده وعبادته وحده بما يحب أن يعبد به ~~والامر بالمعروف الذي تحبه القلوب والنهي عن المنكر الذي تبغضه وتنفر منه ~~ويحلل الطيبات النافعة وتحريم الخبائث الضارة $ فصل # وهذا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن كل مولود يولد على الفطرة ~~الحنيفية هو الذي تقوم الأدلة العقلية على صحته وأنه كما أخبر به الصادق ~~المصدوق ومن خالف ذلك فقد غلط وبيان ذلك من وجوه # أحدها أن الإنسان قد يحصل له من الإعتقادات والإرادات ما يكون حقا وقد ~~يحصل له منها ما يكون باطلا إذ اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقدها وهي الحق ~~PageV01P303 @ والخبر عنها يسمى صدقا وقد تكون غير مطابقة وهي الباطل ~~والخبر عنها يسمى كذبا والإرادات تنقسم إلى ما تكون نافعة له متضمنة ~~لمصلحته ومرادها هو الخير والحسن وإلى ما هو ضارة له مخالفة لمصلحته ~~ومرادها هو الشر والقبح وإذا كان الإنسان تارة يكون معتقدا للحق مريدا ~~للخير وتارة يكون معتقدا للباطل مريدا للشر فلا يخلو أما أن تكون نسبة نفسه ~~الباطنة إلى النوعين نسبة واحدة بحيث لا يكون فيها مرجحا لأحدهما على الآخر ~~أو تكون نفسه مرجحة لأحد الأمرين على الآخر فإن كان الأول لزم أن لا يوجد ~~أحد النوعين إلا بمرجح منفصل عنه فإذا قدر رجحان أحدهما ترجح هذا والآخر ~~ترجح هذا فأما أن يتكافأ المرجحان أو يترجح أحدهما فإن تكافأ لزم أن لا ~~يحصل واحد منهما وهو خلاف المعلوم بالضرورة فإنا نعلم أنه إذا عرض على كل ~~أحد أن يعتقد الحق ويصدق وأن يريد ما ينفعه وعرض عليه أن يعتقد الباطل ~~ويكذب ويريد ما يضره مال بفطرته إلى ms535 الأولى ونفر عن الثاني فعلم أن فطرة ~~الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة الخير وحينئذ الإقرار بوجود فاطره ~~وخالقه ومعرفته ومحبته والإيمان به وتعظيمه والإخلاص له أما أن يكون من ~~النوع الأول أو الثاني وكونه من الثاني معلوم الفساد بالضرورة فتعين أن ~~يكون من الأول وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي محبته ومعرفته ~~والإيمان به والتوسل إليه بمحابه # الوجه الثاني أن عبادته وحده بما يحبه إما أن يكون أكمل للناس علما وقصدا ~~أو الإشراك به أكمل والثاني معلوم الفساد بالضرورة فتعين الأول وهو أن يكون ~~في الفطرة مقتضى يقتضي توحيده وتألهه وتعظيمه # الوجه الثالث أن الحنيفية التي هي دين الله ولا دين له غيرها إما أن تكون ~~مع غيرها من الأديان متماثلين أو الحنيفية أرجح أو تكون مرجوحة والأول ~~والثالث باطلان قطعا فوجب أن يكون في الفطرة مرجح يرجح الحنيفية وامتنع أن ~~يكون نسبتها ونسبة غيرها من الأديان إلى الفطرة سواء # الوجه الرابع أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق وإيثاره ~~على ما سواه وأن ذلك حاصل مركوز فيها من غير تعلم الأبوين ولا غيرهما بل لو ~~فرض أن الإنسان تربى وحده ثم عقل وميز لوجد نفسه مائلة إلى ذلك نافرة عن ~~ضده كما يجد الصبي عند أول تمييزه يعلم أن الحادث لا بد له من محدث فهو ~~يلتفت إذا ضرب من خلفه ليعلم أن تلك الضربة لا بد لها من ضارب فإذا شعر به ~~بكى حتى يقتص له منه فيسكن فقد ركز في فطرته الإقرار بالصانع وهو التوحيد ~~ومحبة القصاص وهو العدل وإذا ثبت ذلك ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته ~~سبحانه ومحبته واجلاله وتعظيمه والخضوع له من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك ~~وإن لم يكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك بل يحتاج كثير منهم إلى سبب معين ~~للفطرة مقولها وقد بينا ان هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها بل ~~يعينها ويذكرها ويقويها فبعث الله النبيين مبشرين ms536 ومنذرين يدعون العباد إلى ~~موجب هذه الفطرة فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها استجابت لدعوة ~~الرسل ولا بد بما فيها من المقتضى لذلك كمن دعا جائعا أو ظمأن إلى شراب ~~وطعام لذيذ نافع لا تبعة فيه عليه ولا يكلفه ثمنه فإنه ما لم يحصل هناك ~~مانع فإنه يجيبه ولا بد # الوجه الخامس أنا نعلم بالضرورة أن الطفل حين ولادته ليس له معرفة بهذا ~~الأمر ولا عنده إرادة له ويعلم أنه كلما حصل فيه قوة العلم والإرادة ~~PageV01P304 @ حصل له من معرفته بربه ومحبته ما يناسب قوة فطرته وضعفها ~~وهذا كما يشاهد في الاطفال من محبة جلب المنافع ودفع المضار بحسب كمال ~~التمييز وضعفه فكلاهما أمر حاصل مع النشأة على التدريج شيئا فشيئا إلى أن ~~يصل إلى حده الذي ليس في الفطرة استعداد لأكثر منه لكن قد يتفق لكثير من ~~الفطر موانع متنوعة تحول بينها وبين مقتضاها وموجبها # الوجه السادس أنه من المعلوم أن النفوس إذا حصل لها معلم وداع حصل لها من ~~العلم والإرادة بحسبه ومن المعلوم أن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة ~~الخير ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك ~~لم يحصل لها القبول فإن لحصوله في المحل شروط مقبولة له وذلك القبول هو ~~كونه مهيأ له مستعدا لحصوله فيه وقد بينا أنه يمتنع أن يكون سببه ذلك وضده ~~إلى النفس سواء # الوجه السابع أنه من المعلوم مشاركة الإنسان لنوع الحيوان في الإحساس ~~والحركة الإرادية وحبس الشعور وأن الحيوان البهيم قد يكون أقوى إحساسا ~~وحياة وشعورا من الإنسان وليس بقابل لما الإنسان قابل له من معرفة الحق ~~وإرادته دون غيره فلولا قوة في الفطرة والنفس الناطقة اختص بها الإنسان دون ~~الحيوان يقبل بها أن يعرف الحق ويريد الخير لكان هو والحيوان في هذا العدم ~~سواء وحينئذ يلزم أحد أمرين كلاهما ممتنع أما كون الإنسان فاقدا لهذه ~~المعرفة والإرادة كغيره من الحيوانات أو تكون حاصلة لها كحصولها للإنسان ~~فلولا أن في الفطرة ms537 والنفس الناطقة قوة تقتضي ذلك لما حصل لها ولو كان بغير ~~قوة ومقتضى منها لا يمكن حصوله للجمادات والحيوانات لكن فاطرها وبارئها ~~خصها بهذه القوة القابلية وفطرها عليها يوضحه # الوجه الثامن أنه لو كان السبب مجرد التعليم من غير قوة قابلة لحصل ذلك ~~في الجمادات والحيوانات لأن السبب واحد ولا قوة هناك يهيء بها هذا المحل من ~~غيره فعلم أن حصول ذلك في محل دون محل هو لاختلاف القوابل والاستعدادات # الوجه التاسع أن حصول هذه المعرفة والإرادة في العدم المحض محال فلا بد ~~من وجود المحل وحصوله في موجود غير قابل محال بل لا بد من قبول المحل ~~وحصوله من غير مدد من الفاعل إلى القابل فلو قطع الفاعل إمداده لذلك المحل ~~القابل لم يوجد ذلك المقبول فلا بد من الإيجاد والإعداد فإذا استحال وجود ~~القبول من غير إيجاد المحل استحال وجوده من غير إعداده وإمداده والخلاق ~~العليم سبحانه هو الموجد المعد الممد # الوجه العاشر أنه من المعلوم أن النفس لا توجب بنفسها لنفسها حصول العلم ~~والإرادة بل لا بد فيها من قوة يقبل بها ذلك لا تكون هي المعطية لتلك القوة ~~وتلك القوة لا تتوقف على أخرى والإ لزام التسلسل الممتنع والدور الممتنع ~~وكلاهما ممتنع فها هنا ثلاثة أمور أحدها وجود قوة قابلة قابلة الثاني أن ~~تلك القوة ليست هي المعطية لها الثالث أن تلك القوة لا تتوقف على قوة أخرى ~~فحينئذ لزم أن يكون فاطرها وبارئها قد فطرها على تلك القوة وأعدها بها ~~لقبول ما خلقت له وقد علم بالضرورة أن نسبة ذلك إليها وضده ليسا على السواء # الوجه الحادي عشر إنا لو فرضنا توقف هذه المعرفة والمحبة على سبب خارج ~~أليس عند حصول ذلك السبب يوجد في الفطرة ترجيح ذلك ومحبته على ضده فهذا ~~الترجيح والمحبة والأمر مركوز في الفطرة # الوجه الثاني عشر أنا لو فرضنا أنه لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح ~~الخارج لكانت الفطرة مقتضية لإرادة المصلح وإيثاره على ما سواه وإذا كان ~~المقتضى موجودا ms538 والمانع مفقودا وجب حصول الأثر فإنه لا يتختلف إلا لعدم ~~مقتضيه أو لوجود مانعه PageV01P305 @ فإذا كان المانع زائلا حصل الأثر ~~بالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم # الوجه الثالث عشر أن السبب الذي في الفطرة لمعرفة الله ومحبته والإخلاص ~~له إما أن يكون مستلزما لذلك وإما أن يكون مقتضيا بدون استلزام أو يستحيل ~~أن لا يكون له أثر البتة وعلى التقديرين يترتب أثره عليه إما وحده على ~~التقدير الأول وإما بانضمام أمر آخر إليه على التقدير الثاني # الوجه الرابع عشر أن النفس الناطقة لا تخلو عن الشعور والإرادة بل هذا ~~الخلف ممتنع فيها فإن الشعور والإرادة من لوازم حقيقتها فلا يتصور إلا أن ~~تكون شاعرة مريدة ولا يجوز أن يقال أنها قد تخلو في حق خالقها وفاطرها عن ~~الشعور بوجوده وعن محبته وإرادته فلا يكون إقرارها به ومحبته من لوازم ~~ذاتها هذا باطل قطعا فإن النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها وكونها مريدة ~~هو من لوازم ذاتها فإنها حية وكل حي شاعر متحرك بالإرادة وإذا كان كذلك فلا ~~بد لكل مريد من مراد والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره والمراد ~~لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه قطعا للتسلسل في العلل الغائية فإنه ~~محال كالتسلسل في العلل الفاعلة وإذا كان لا بد للإنسان من مراد لنفسه فهو ~~الله الذي لا لإله إلا هو الذي تألهه النفوس وتحبه القلوب وتعرفه الفطر ~~وتقربه العقول وتشهد بأنه ربها ومليكها وفاطرها فلا بد لكل أحد من إله ~~يألهه وصمد يصمد إليه والعباد مفطورون على محبة الإله الحق ومعلوم بالضرورة ~~أنهم ليسوا مفطورين على تأله غيره فإذا إنما فطروا على تألهه وعبادته وحده ~~فلو خلوا وفطرهم لما عبدوا غيره ولا تألهوا سواه يوضحه # الوجه الخامس عشر أنه يستحيل أن تكون الفطرة خالية عن التأله والمحبة ~~ويستحيل أن يكون فيها تأله غير الله لوجوه منها أن ذلك خلاف الواقع ومنها ~~أن ذلك المخلوق ليس أولى أن يكون إلها لكل الخلق من المخلوق الآخر ومنها أن ms539 ~~المشركين لم يتفقوا على إله واحد بل كل طائفة تعبد ما تستحسنه ومنها أن ذلك ~~المخلوق إن كان ميتا فالحي أكمل منه فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على ~~عبادة الميت وأن كان حيا فهو أيضا مريد فله إله تألهه وحينئذ فلزم الدور ~~الممتنع أو التسلسل الممتنع فلا بد للخلق كلهم من إله يألوهوه ولا يأله هو ~~غيره وهذا برهان قطعي ضروري فإن قلت هذا يستلزم أنه لا بد لكل حي مخلوق من ~~إله ولكن لم لا يجوز أن يكون مطلوب النفس هو مطلق التأله والمألوه لا إلها ~~معينا كما تقوله طوائف الإتحادية # قلت هذا يتبين بالوجه السادس عشر وهو أن المراد أما أن يراد لنوعه أو ~~لعينه فالأول كإرادة العطشان والجائع والعاري لنوع الشراب والطعام واللباس ~~فإنه إنما يريد النوع وحيث أراد المعين فهو القدر المشترك بين أفراده وذلك ~~القدر المشترك كلي لا وجود له في الخارج فيستحيل أن يراد لذاته إذ المراد ~~لذاته لا يكون إلا معينا ويستحيل أن يوجد في اثنين فإن إرادة كل واحد منهما ~~لذاته تنافي إرادته لذاته إذ المعنى بإرادته لذاته أنه وحده هو المراد ~~لذاته الخاصة وهذا يمنع أن يراد معه ثان لذاته وإذا عرف ذلك فلو كان القدر ~~المشترك بين أفراد النوع أو بين الاثنين هو المراد لذاته لزم أن يكون ما ~~يختص به أحدهما ليس مراد لذاته وكذلك ما يختص به الآخر والموجود في الخارج ~~إنما هو الذات المختصة لا الكلي المشترك هامش تعلق الثالثة بالقدر المشترك ~~لم يكن للخلف في الخارج إله ولكان إلههم أمرا ذهنيا وجوده في الأذهان لا في ~~الأعيان وهذا هو الذي يألهه طوائف أهل الوحدة والجهمية الذين أنكروا أن ~~يكون الله تعالى لا خارج العالم ولا داخله فإن هذا إنما هو إله مفروض يفرضه ~~الذهن كما يفرض سائر PageV01P306 @ الممتنعات الخارجة وتظنه واجب الوجود ~~وليس هو ممكن الوجود فضلا عن وجوبه وبهذا يتبين أن الجهمية وأخوانهم من ~~القائلين بوحدة الوجود ليس لهم إله معين في الخارج يألهونه ويعبدونه ms540 بل ~~هؤلاء ألهوا الوجود المطلق الكلي وأولئك ألهوا المعدوم الممتنع وجوده ~~واتباع الأنبياء إلاههم الله الذي لا إله إلا هو الذي خلق الأرض والسموات ~~العلي الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما ~~وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له ~~الأسماء الحسنى هو الذي فطر القلوب على محبته والإقرار به وإجلاله وتعظيمه ~~وإثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن صفات النقائص والعيوب وعلى أنه فوق ~~سمواته بائن من خلقه تصعد إليه أعمالهم على تعاقب الأوقات وترفع إليه ~~أيديهم عند الرغبات يخافونه من فوقهم ويرجون رحمته تنزل إليهم من عنده ~~فهممهم صاعدة إلى عرشه تطلب فوقه إلها عليا عظيما قد استوى على عرشه ~~واستولى على خلقه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرض إليه في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم والمقصود ~~أنه إذا لم يكن في الحسيات الخارجة عن الأذهان ما هو مراد لذاته لم يكن ~~فيها ما يستحق أن يأله أحد فضلا أن يكون فيها ما يجب أن يألهه كل أحد فتبين ~~أنه لا بد من إله معين هو المحبوب المراد لذاته ومن الممتنع أن يكون هذا ~~غير فاطر السموات والأرض وتبين أنه لو كان في السموات والأرض إله غيره ~~لفسدتا وأن كل مولود يولد على محبته ومعرفته وإجلاله وتعظيمه وهذا دليل ~~مستقل كاف فيما نحن فيه وبالله التوفيق # تم الكتاب والحمد الله PageV01P307 ms541