######OpenITI# #META# ad: 751 #META# الناشر: دار الجيل - بيروت #META# ndata: الكتاب: E078ED9Aويات 775 #META# auth: الواحدي :: ابن القيم #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ¶ المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751ه) ¶ تحقيق وتعليق: عصام فارس الحرستاني ¶ خرج أحاديثه: محمد إبراهيم الزغلي ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ الناشر: دار الجيل - بيروت ¶ الطبعة: الأولى/ 1417 ه - 1997م ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751ه) #META# higrid: 751 #META# Lng: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين، ابن قيم الجوزية #META# idx: 1 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# الكتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل #META# authno: 14 #META# cat: كتب ابن القيم #META# تحقيق وتعليق: عصام فارس الحرستاني #META# bkid: 34403 #META# comp: 1 #META# خرج أحاديثه: محمد إبراهيم الزغلي #META# authinf: الواحدي (000 - 468 ه) ( 000 - 1076 م) ¶ علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (أبو الحسن) مفسر، نحوي، لغوي، فقيه شاعر، إخباري. ¶ أصله من ساوه، ومن أولاد التجار. ¶ توفي بنيسابور في جمادى الآخرة، وقد شاخ. ¶ من تصانيفه: «البسيط» في نحو 16 مجلدا في التفسير، «المغازي»، «شرح ديوان المتنبي»، «الإغراب في الإعراب»، و«نفي التحريف عن القرآن الشريف». ¶ نقلا عن معجم المؤلفين لكحالة :: ابن قيم الجوزية (691 - 751 ه = 1292 - 1350 م) ¶ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين: ¶ من أركان الإصلاح الإسلامي، وأحد كبار العلماء. ¶ مولده ووفاته في دمشق. ¶ تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيمية. وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، وأهين وعذب بسببه. وأطلق بعد موت ابن تيمية. ¶ وكان حسن الخلق محبوبا عند الناس، أغري بحب الكتب، فجمع منها عددا عظيما، وكتب بخطه الحسن شيئا كثيرا. ¶ وألف تصانيف كثيرة منها: ¶ • «إعلام الموقعين» - ط ¶ • و«الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» - ط ¶ • و«شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل» - ط . ¶ • و«كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء» - خ، ذكر [المختار السوسي] في «خلال جزولة» 2/ 81: أنه كتب حوالي سنة 800ه [وقد وقف عليه في الخزانة الأزاريفية بهذا الاسم، قال: «وهو بخط مشرقي، في جزء لطيف، والنسخة قديمة كما ترى، والكتاب غير موجود، وهذه النسخة لا نعلم لها إلى الآن ثانية، وهي من غرر الكتب» اه منه. وقد جزم محقق ط مدار الوطن لكتاب ابن القيم «الكلام على مسألة السماع» عبدالمنعم السيوطي (ص31-33 مقدمته): أنهما كتاب واحد، واستبعد ذلك محمد عزير شمس محقق طبعة عالم الفوائد لنفس الكتاب (ص19-21 مقدمته). وما نقلناه عن السوسي آنفا من كون الأول جزءا لطيفا: يؤكد هذا الاستبعاد. لكنه من جهة أخرى يعزز ما استروح له بكر أبو زيد: أن لابن القيم كتابين في السماع -كبير وصغير- واستبعده عزير شمس كما في الموضع السابق]. ¶ • و«أحكام أهل الذمة» - ط جزآن، و«شرح الشروط العمرية» - ط مجرد منه. ¶ • و«تحفة المودود بأحكام المولود» - ط ¶ • و«مفتاح دار السعادة» - ط ¶ • و«زاد المعاد» - ط ¶ • و«الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» - خ [ثم طبع الموجود منه نحو الثلث بتحقيق علي الدخيل الله عام 1408ه عن دار العاصمة في 4 مجلدات، ثم في عام 1410ه بتحقيق أحمد الغامدي وعلي الفقيهي عن الجامعة الإسلامية في 3 مجلدات باسم «الصواعق المنزلة...»]، طبع مختصره لمحمد الموصلي. ¶ • و«الكافية الشافية» - ط منظومة في العقائد [المشهورة ب«نونية ابن القيم»]، شرحها أحمد بن عيسى النجدي في كتاب «شرح نونية ابن القيم» - ط ¶ • و«أخبار النساء» - ط بمصر سنة 1319 ه وفي نسبته إليه شك، وقد جزم الشيخ منير الدمشقي في «نموذجه» ص78 بخطأ تلك النسبة، ونسبه لابن الجوزي. ¶ • و«مدارج السالكين» - ط ثلاثة مجلدات ¶ • و«رسالة في اختيارات تقي الدين ابن تيمية» - خ [الثابت أن هذه الرسالة لولد ابن القيم (برهان الدين إبراهيم)، وقد طبعت عدة طبعات: بعناية جميل الشطي، وبكر أبو زيد، وأحمد موافي، وسامي جاد الله، وجميعهم نسبها للبرهان نقلا عن مخطوطات الكتاب] ¶ • و«كتاب الفروسية» - ط ¶ • و«تفسير المعوذتين» - ط ¶ • و«طب القلوب» - خ، [ذكر الأستاذ المعلوف: أن في مكتبة برلين نسخة منه. هكذا نقله أحمد عبيد في مقدمة تحقيقه ل« روضة المحبين» المطبوع في مطبعة الترقي بدمشق عام 1349ه، وهو أول من رأيته ذكر هذا الكتاب، وكأن الزركلي أخذ عنه هذه النسبة (فهو أحد مراجع هذه الترجمة كما بالحاشية)، وعنهما: بكر أبو زيد في كتابه عن «ابن القيم» ص270، وعنهم كثيرون، لكن ذكر عبدالله المديفر في الترجمة التي ألحقها بتحقيقه ل«رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه» (ص76 ط الرياض): أنها أوراق قليلة، عبارة عن مقتطفات متفرقة من كتاب «زاد المعاد» وليست تأليفا مستقلا، وهي مصورة بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. اه وأحسن، ولذلك فقد قام صالح الشامي بجمع متفرقات كلام ابن القيم في كتبه عن «طب القلوب» وطبعها بهذا العنوان عن دار القلم بدمشق] ¶ • و«الوابل الصيب من الكلم الطيب» - ط ¶ • و«الروح» - ط ¶ • و«الفوائد» - ط، وفي «نموذج» الشيخ منير الدمشقي (ص79): أن أحد الناشرين [بعد طبعه بزمن كثير] طبع على غلاف «الفوائد» لابن القيم: «كنوز العرفان في أسرار وبلاغة القرآن»؛ [ليوهم الناس أن هذا كتاب جديد للمؤلف؛ فتقبل الناس على شرائه، ولم يدر ما ارتكب بسبب ذلك من التدليس والأمور المخلة. اه من ال«نموذج»، ولم يحرر الزركلي النقل عنه؛ فإن كلام الشيخ منير عن «الفوائد المشوق إلى علوم القرآن والبيان»، وهو غير كتاب «الفوائد» المشهور لابن القيم. وبعد ذلك: فإن «الفوائد المشوق» هذا: لا تصح نسبته لابن القيم؛ فقد استنكره الشيخ أحمد شاكر في مقال ب«مجلة المنار» 19/ 121، والشيخ بكر أبو زيد في كتابه عن «ابن القيم» (ص290-292)، وحقق ذلك د. زكريا سعيد علي في فاتحة تحقيقه ل«مقدمة تفسير ابن النقيب» وأثبت أنه لابن النقيب وليس لابن القيم] ¶ • و«روضة المحبين» - ط ¶ • و«حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» - ط، في ذكر الجنة ¶ • و«إغاثة اللهفان» - ط ¶ • و«اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» - ط ¶ • و«الجواب الكافي» - ط، ويسمى «الداء والدواء» ¶ • و«التبيان في أقسام القرآن» - ط ¶ • و«طريق الهجرتين» - ط ¶ • و«عدة الصابرين» - ط ¶ • و«هداية الحيارى» - ط . ¶ • ولمحمد أويس الندوي كتاب «التفسير القيم، للإمام ابن القيم» - ط، استخرجه من مؤلفاته(1). ¶ __________ ¶ (1) الدرر الكامنة 3: 400 وجلاء العينين 20 وبغية الوعاة 25 ومعجم المطبوعات 222 والمنهج الأحمد - خ. وروضة المحبين: مقدمة الناشر، وفيها تحقيق نسبته (الزرعي) إلى (زرع) بحوران، وتسمى اليوم (أزرع) . والبداية والنهاية 14: 234 وآداب اللغة 3: 245 وBrock 2: 127 (105) S 2: 126. وانظر فهرسته. وشذرات الذهب 6: 168 والنجوم الزاهرة 10: 249. والتيمورية 3: 251 وفهرس المؤلفين 234 و235. ¶ بتلخيص من «الأعلام» للزركلي، مع زيادات بين [معقوفين] من فريق الشاملة. ¶ #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# max: 759 #META# bk: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط الجيل #META# bkord: 4335 #META# archive: 23 #META# iso: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمه والتعليل ط الجيل #META# أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي] #META# الطبعة: الأولى/ 1417 ه - 1997م #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-09-30 #META#Header#End# الكتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل # المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية ~~(المتوفى: 751ه) # تحقيق وتعليق: عصام فارس الحرستاني # خرج أحاديثه: محمد إبراهيم الزغلي # عدد الأجزاء: 1 # الناشر: دار الجيل - بيروت # الطبعة: الأولى/ 1417 ه - 1997م # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي] # أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه//الكتاب: شفاء العليل في ~~مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ¶ المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب ~~بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751ه) ¶ تحقيق وتعليق: عصام ~~فارس الحرستاني ¶ خرج أحاديثه: محمد إبراهيم الزغلي ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ ~~الناشر: دار الجيل - بيروت ¶ الطبعة: الأولى/ 1417 ه - 1997م ¶ [ترقيم ~~الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي ~~- عفا الله عنه// ----NO PAGE NO------ ### | AUTO مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام وإمام ~~المرسلين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحانك لا علم لنا إلا ~~ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. # أخي القارئ الكريم! لقد تشعبت الأهواء في الدنيا، وصار أهلها شيعا، فئة ~~تسير وراء المشرق، وأخرى وراء المغرب، وكل يغني على ليلاه، وطالما كان عدو ~~البشرية الأول- إبليس- حادي الركبان من المشرقين والمغربين، وكان الرسل ~~يتتابعون بأمر الله لتصويب مسار إخوانهم من أولاد آدم عليه السلام إلى أن ~~ختمت الرسالات برسالة سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، لكن بفضل الله ~~الكريم لم تنقطع أمارات الهداية على مر السنين بما حفظ الله مما أنزل إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) [الحجر]، وقال حبيبنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي؛ كتاب الله وسنتي»، ~~لكن المغرضين والمخربين والمشككين- بقصور عقولهم- المتطلعين إلى أهداف، قد ~~تكون سامية؛ لكن سلك إليها الطرق الوعرة، وامتطي إليها الذلول والصعب، ~~فانحرف أهلها وحرفوا معهم من وقف عليها، ومنها الدنيئة الساقطة، وبطبيعة ~~الحال الدرب إلى الساقط ساقط، فنشأت الفرق والمذاهب والنحل. # ويأبى الذي ms001 تكفل بالحفظ أن يترك الساحة لمن نذر وجوده لما يسي ء إلى الخلق. # لقد انبرى من الأمة أفذاذ، ذادوا عن حياض الحقيقة وصرفوا أعمارهم في ~~مقارعة الشر، الحجة بالحجة والبيان بما هو أنصع وأفصح منه. ومن هؤلاء: # ابن القيم رحمه الله، الذي وضع كتاب «شفاء العليل» الذي رأينا أن نخرجه PageV01P005 ~~بقالب أسهل وأيسر للقارئ، سعيا في تيسير الاستفادة من ذلك الكتاب القيم، ~~فضبطناه، وعلقنا على غامضه ووضحناه، نرجو بذلك الانضواء تحت لواء الخيرين، ~~وتقديم النفع لإخواننا من المهتدين والمنحرفين عملا بالأثر: الخلق عيال ~~الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. # فالله أسأل أن يجعل عملنا متقبلا ومسعانا نافعا، وأن يأجرنا دنيا وآخرة، ~~والحمد لله رب العالمين. PageV01P006 ### | AUTO بسم الله الرحمن الرحيم # [مقدمة المؤلف] # الحمد لله ذي الإفضال والإنعام، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه والأئمة الأعلام. # أما بعد: فإن أهم ما يجب معرفته على المكلف النبيل فضلا عن الفاضل ~~الجليل، ما ورد في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، فهو من أسنى المقاصد، ~~والإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الدين المبين وختامه، فهو أحد ~~أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان، التي يرجع إليها، ويدور في جميع ~~تصاريفه عليها، فالعدل قوام الملك، والحكمة مظهر الحمد، والتوحيد متضمن ~~لنهاية الحكمة، وكمال النعمة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شي ء قدير، فبالقدر والحكمة ظهر خلقه وشرعه المبين، ~~ألا له الأمر والخلق تبارك الله رب العالمين. # فصل # وقد سلك جماهير العقلاء في هذا الباب في كل واد، وأخذوا في كل طريق، ~~وتولجوا كل مضيق، وركبوا كل صعب وذلول، وقصدوا الوصول إلى معرفته، والوقوف ~~على حقيقته، وتكلمت فيه الأمم قديما وحديثا، وساروا للوصول إلى مغزاه سيرا ~~حثيثا، وخاضت فيه الفرق على تباينها PageV01P007 ~~واختلافها، وصنف فيه المصنفون الكتب على تنوع أصنافها. فلا أحد إلا وهو ~~يحدث نفسه بهذا الشأن، ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان، فتراه إما ~~مترددا فيه مع نفسه، أو مناظرا لبني جنسه، ms002 وكل قد اختار لنفسه قولا لا ~~يعتقد الصواب في سواه، ولا يرتضي إلا إياه، وكلهم إلا من تمسك بالوحي عن ~~طريق الصواب مردود، وباب الهدى في وجهه مسدود، تحسى علما غير طائل، وارتوى ~~من ماء آجن، قد طاف على أبواب الأفكار، ففاز بأخس الآراء والمطالب، فرح بما ~~عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وقدم آراء من أحسن به الظن ~~على الوحي المنزل المشروع، والنص المرفوع، حيران يأتم بكل حيران، يحسب كل ~~شراب ماء فهو طول عمره ظمآن. ينادى إلى الصواب من مكان بعيد، أقبل إلى ~~الهدى فلا يستجيب إلى يوم الوعيد، قد فرح بما عنده من الضلال، وقنع بأنواع ~~الباطل وأصناف المحال، منعه الكفر الذي اعتقده هدى، وما هو ببالغه، عن ~~الهداة المهتدين، ولسان حاله أو قاله يقول أهؤلاء الذين من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين. # فصل # ولما كان الكلام في هذا الباب نفيا وإثباتا موقوفا على الخبر عن أسماء ~~الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره، وأسعد الناس بالصواب فيه من تلقى ذلك من ~~مشكاة الوحي المبين ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهوكين «1» PageV01P008 ~~وتشكيكات المشككين وتكلفات المتنطعين، واستمطر ديم الهداية من كلمات أعلم ~~الخلق برب العالمين فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفت ~~وشفت، وجمعت وفرقت، وأوضحت وبينت، وحلت محل التفسير والبيان لما تضمنه ~~القرآن، ثم تلاه أصحابه من بعده على نهجه المستقيم وطريقه القويم، فجاءت ~~كلماتهم كافية شافية مختصرة نافعة لقرب العهد ومباشرة التلقي من تلك ~~المشكاة التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى، ثم سلك آثارهم ~~التابعون لهم بإحسان فاقتفوا طريقهم وركبوا منهاجهم واهتدوا بهداهم ودعوا ~~إلى ما دعوا إليه ومضوا على ما كانوا عليه، ثم نبغ في عهدهم وأواخر عهد ~~الصحابة القدرية مجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر وأن الأمر أنف، فمن ~~شاء هدى نفسه ومن شاء أضلها، ومن شاء بخسها حظها وأهملها، ومن شاء وفقها ~~للخير وكملها كل ذلك مردود إلى ms003 مشيئة العبد ومقتطع من مشيئة العزيز الحميد، ~~فأثبتوا في ملكه ما لا يشاء وفي مشيئته ما لا يكون، ثم جاء خلف هذا السلف، ~~فقرروا ما أسسه أولئك من نفي القدر، وسموه عدلا وزادوا عليه نفي صفاته ~~سبحانه وحقائق أسمائه وسموه توحيدا، فالعدل عندهم إخراج أفعال الملائكة ~~والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم وإرادتهم من قدرته ومشيئته وخلقه، والتوحيد ~~عند متأخريهم تعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله، وأنه لا سمع له ولا بصر ~~ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة تقوم به ولا كلام، ما تكلم ولا يتكلم، ولا أمر ~~ولا يأمر، ولا قال ولا يقول، إن ذلك إلا أصوات وحروف مخلوقه منه في الهواء ~~أو في محل مخلوق، ولا استوى على عرشه فوق سماواته، ولا ترفع إليه الأيدي، ~~ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل الأمر والوحي من عنده. وليس فوق ~~العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد، ما فوقه إلا العدم المحض والنفي ~~الصرف. فهذا توحيدهم وذاك عدلهم. PageV01P009 # فصل # ثم نبغت طائفة أخرى من القدرية، فنفت فعل العبد وقدرته واختياره، وزعمت ~~أن حركته الاختيارية، ولا اختيار، كحركة الأشجار عند هبوب الرياح وكحركات ~~الأمواج، وأنه على الطاعة والمعصية مجبور، وأنه غير ميسر لما خلق له بل هو ~~عليه مقسور ومجبور، ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مقتدين ولمناهجهم مقتفين، ~~فقرروا هذا المذهب وانتموا إليه وحققوه وزادوا عليه أن تكاليف الرب تعالى ~~لعباده كلها تكليف ما لا يطاق وأنها في الحقيقة كتكليف المقعد أن يرقى إلى ~~السبع الطباق. فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد ولا ~~هو له بمقدور، وإنما هو تكليف بفعل من هو متفرد بالخلق وهو على كل شي ء ~~قدير، فكلف عباده بأفعاله، وليسوا عليها قادرين، ثم عاقبهم عليها وليسوا في ~~الحقيقة لها فاعلين، ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العباد، فقالوا: ليس ~~في الكون معصية البتة إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد كما قيل: # أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات # ولاموا بعض هؤلاء على فعله فقال: ms004 إن كنت عصيت أمره، فقد أطعت إرادته، ~~ومطيع الإرادة غير ملوم، وهو في الحقيقة غير مذموم، وقرر محققوهم من ~~المتكلمين هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي ~~واحد، فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه وكل ما شاءه ~~فقد أحبه. # وأخبرني شيخ الإسلام قدس الله روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على PageV01P010 ~~محبة ما يبغضه الله ورسوله، فقال له الملوم: المحبة نار تحرق من القلب ما ~~سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده فأي شي ء أبغض منه؟! قال الشيخ: ~~فقلت له: إذا كان قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم فواليتهم أنت ~~وأحببتهم وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون مواليا له أو معاديا؟ # قال: فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة. # وزعمت هذه الفرقة أنهم بذلك للسنة ناصرون وللقدر مثبتون ولأقوال أهل ~~البدع مبطلون، هذا وقد طووا بساط التكليف، وطففوا في الميزان غاية التطفيف ~~وحملوا ذنوبهم على الأقدار وبرءوا أنفسهم في الحقيقة من فعل الذنوب ~~والأوزار وقالوا: إنها في الحقيقة فعل الخلاق العليم، وإذا سمع المنزه لربه ~~هذا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم فالشر ليس إليك والخير كله في يديك. ولقد ~~ظنت هذه الطائفة بالله أسوأ الظن، ونسبته إلى أقبح الظلم وقالوا: إن أوامر ~~الرب ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السموات، وكتكليف الميت إحياء ~~الأموات، والله يعذب عباده أشد العذاب على فعل ما لا يقدرون على تركه وعلى ~~ترك ما لا يقدرون على فعله؛ بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور ~~وليس أحد ميسر له؛ بل هو عليه مقهور، ونرى العارف منهم ينشد مترنما ومن ربه ~~متشكيا ومتظلما: # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء # وليس عند القوم في نفس الأمر سبب ولا غاية ولا حكمة ولا قوة في الأجسام ~~ولا طبيعة ولا غريزة، فليس في الماء قوة التبريد، ولا في النار قوة ~~التسخين، ولا في الأغذية قوة الغذاء، ولا في الأدوية قوة الدواء، ولا ms005 في ~~العين قوة الإبصار، ولا في الأذن قوة السماع، ولا في الأنف قوة الشم، ولا ~~في الحيوان قوة فاعلة ولا جاذبة ولا ممسكة ولا دافعة، والرب تعالى لم يفعل ~~شيئا بشي ء ولا شيئا لشي ء، فليس في أفعاله باء تسبب ولا لام تعليل، PageV01P011 ~~وما ورد من ذلك فمحمول على باء المصاحبة ولام العاقبة، وزادوا على ذلك أن ~~الأفعال لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح، ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق ~~والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والسجود للرحمن والسجود للشيطان، ~~والإحسان إلى الخلق والإساءة إليهم، ومسبة الخالق والثناء عليه، وإنما نعلم ~~الحسن من ذلك من القبيح بمجرد الأمر والنهي، ولذلك يجوز النهي عن كل ما أمر ~~به والأمر بكل ما نهى عنه، ولو فعل ذلك لكان هذا قبيحا وهذا حسنا. # وزاد بعض محققيهم على هذا أن الأجسام كلها متماثلة، فلا فرق في الحقيقة ~~بين جسم النار وجسم الماء، ولا بين جسم الذهب وجسم الخشب، ولا بين المسك ~~والرجيع «1»، وإنما تفترق بصفاتها وأعراضها مع تماثلها في الحد والحقيقة، ~~وزادوا على ذلك بأن قالوا: الأعراض كلها لا تبقى زمانين ولا تستقر وقتين، ~~فإذا جمعت بين قولهم بعدم بقاء الأعراض، وقولهم بتماثل الأجسام وتساوي ~~الأفعال، وأن العبد لا فعل له البتة، وأنه لا سبب في الوجود ولا قوة ولا ~~غريزة ولا طبيعة. وقولهم: إن الرب تعالى ليس له فعل يقوم به وفعله غير ~~مفعوله. وقولهم: إنه ليس بمباين لخلقه ولا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا ~~به ولا منفصلا عنه. وقولهم: إنه لا يتكلم ولا يكلم ولا قال ولا يقول ولا ~~سمع أحد خطابه ولا يسمعه، ولا يراه المؤمنون يوم القيامة جهرة بأبصارهم من ~~فوقهم، أنتجت لك هذه الأصول عقلا يعارض السمع ويناقض الوحي، وقد أوصاك ~~الأشياخ، عند التعارض، بتقديم هذا المعقول على ما جاء به الرسول: # فلو أني بليت بهاشمي ... خئولته بنو عبد المدان PageV01P012 ~~لهان علي ما ألقى ولكن ... تعالوا فانظروا بمن ابتلاني # فصل # ولما كانت معرفة الصواب في مسائل ms006 القضاء والقدر والحكمة والتعليل واقعة ~~في مرتبة الحاجة بل في مرتبة الضرورة، اجتهدت في جمع هذا الكتاب وتهذيبه ~~وتحريره وتقريبه، فجاء فردا في معناه بديعا في مغزاه وسميته: # «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل». وجعلته أبوابا: # (الباب الأول: في تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض). # (الباب الثاني: في تقدير الرب تعالى شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم ~~وآجالهم قبل خلقهم وهو تقدير ثان بعد الأول). # (الباب الثالث: في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك وحكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لآدم). # (الباب الرابع: في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه). # (الباب الخامس: في التقدير الرابع ليلة القدر). # (الباب السادس: في ذكر التقدير الخامس اليومي). # (الباب السابع: في أن سبق المقادير بالسعادة والشقاوة لا يقتضي ترك ~~الأعمال بل يوجب الاجتهاد والحرص لأنه تقدير بالأسباب). # (الباب الثامن: في قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى (101) ~~[الأنبياء]). PageV01P013 # (الباب التاسع: في قوله تعالى إنا كل شي ء خلقناه بقدر (49) [القمر]). # (الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من استكمل معرفتها والإيمان ~~بها فقد آمن بالقدر وذكر المرتبة الأولى). # (الباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر وهي ~~مرتبة الكتابة). # (الباب الثاني عشر: في ذكر المرتبة الثالثة وهي مرتبة المشيئة). # (الباب الثالث عشر: في ذكر المرتبة الرابعة وهي مرتبة خلق الأعمال). # (الباب الرابع عشر: في الهدى والضلال ومراتبهما). # (الباب الخامس عشر: في الطبع والختم والقفل والغل والسد والغشاوة ونحوها ~~وأنه مفعول الرب). # (الباب السادس عشر: في تفرد الرب بالخلق للذات والصفات والأفعال). # (الباب السابع عشر: في الكتب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما ~~نفيا وإثباتا). # (الباب الثامن عشر: في فعل وافعل في القضاء والقدر وذكر الفعل ~~والانفعال). # (الباب التاسع عشر: في ذكر مناظرة بين جبري وسني). # (الباب العشرون: في مناظرة بين قدري وسني). # (الباب الحادي والعشرون: في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر ودخوله في ~~المقضي). PageV01P014 # (الباب الثاني والعشرون: في طرق إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره ~~وإثبات الغايات المطلوبة والعواقب ms007 الحميدة التي فعل وأمر لأجلها، وهو من ~~أجل أبواب الكتاب). # (الباب الثالث والعشرون: في استيفاء شبه نفاة الحكمة وذكر الأجوبة ~~المفصلة عنها). # (الباب الرابع والعشرون: في معنى قول السلف في الإيمان بالقدر خيره وشره ~~وحلوه ومره). # (الباب الخامس والعشرون: في بيان بطلان قول من قال: إن الرب تعالى مريد ~~للشر وفاعل له، وامتناع إطلاق ذلك نفيا وإثباتا). # (الباب السادس والعشرون: فيما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # «أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك» من تحقيق القدر ~~وإثباته وأسرار هذا الدعاء). # (الباب السابع والعشرون: في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد ~~تحت قوله: ماض في حكمك عدل في قضاؤك وما تضمنه الحديث من قواعد الدين). # (الباب الثامن والعشرون: في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك ~~وتحقيق القول فيه). # (الباب التاسع والعشرون: في انقسام القضاء والقدر والإرادة والكتابة ~~والحكم والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والعطاء ~~والمنع، إلى كوني يتعلق بخلقه، وديني يتعلق بأمره، وما في تحقيق ذلك من ~~إزالة اللبس والإشكال). PageV01P015 # (الباب الموفي ثلاثين: في الفطرة الأولى التي فطر الله عباده عليها وبيان ~~أنها لا تنافي القضاء والعدل بل توافقه وتجامعه). # وهذا حين الشروع في المقصود، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده هو المان ~~به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بري ء منه ورسوله. # فيا أيها المتأمل له الواقف عليه لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك فائدته، ~~وعليه عائدته، فلا تعجل بإنكار ما لم يتقدم لك أسباب معرفته ولا يحملنك ~~شنآن مؤلفه وأصحابه على أن تحرم ما فيه من الفوائد التي لعلك لا تظفر بها ~~في كتاب، ولعل أكثر من تعظمه ماتوا بحسرتها، ولم يصلوا إلى معرفتها، والله ~~يقسم فضله بين خلقه بعلمه وحكمته، وهو العليم الحكيم، والفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. PageV01P016 ### | AUTO الباب الأول في تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض # عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول ms008 الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وعرشه على الماء» رواه مسلم في «الصحيح» «1». # وفيه دليل على أن خلق العرش سابق على خلق القلم. وهذا أصح القولين لما ~~روى أبو داود في سننه «2» عن أبي حفصة الشامي قال: قال عبادة بن الصامت ~~لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يك ليخطئك ~~وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن أول ~~ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال رب وما ذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل ~~شي ء حتى تقوم الساعة» يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ~~مات على غير هذا فليس مني». # وكتابة القلم للقدر كان في الساعة التي خلق فيها، لما رواه الإمام أحمد ~~في مسنده، من حديث عبادة بن الصامت «3» قال: حدثني أبي، قال: دخلت PageV01P017 ~~على عبادة وهو مريض، أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي ~~فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تبلغ ~~حق حقيقة العلم بالله تبارك وتعالى حتى تؤمن بالقدر خيره وشره قلت: يا ~~أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ~~ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم ثم قال: اكتب فجرى في تلك ~~الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار. # وهذا الذي كتبه القلم هو القدر، لما رواه ابن وهب، أخبرني عمر بن محمد، ~~أن سليمان بن مهران حدثه قال: قال عبادة بن الصامت: ادعوا لي ابني، وهو ~~يموت، لعلي أخبره بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ~~شي ء خلقه الله من خلقه القلم فقال ms009 له: اكتب. فقال ما ذا أكتب؟ قال: # القدر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، ~~أحرقه الله بالنار «1». # وعن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال ~~لي: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده تجاهك. إذا ~~سألت فسل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ~~ينفعوك بشي ء، لم ينفعوك إلا بشي ء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن ~~يضروك، لم يضروك إلا بشي ء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف» ~~«2» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. PageV01P018 # وعن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي ~~العنت «1» ولا أجد ما أتزوج به النساء. فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ~~ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر» رواه البخاري في ~~صحيحه «2» قال: حدثنا أصبغ، حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي ~~سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. # ورواه ابن وهب في «كتاب القدر» وقال فيه: فائذن لي أن أختصي قال: # فسكت عني حتى قلت ذلك ثلاث مرات فقال: جف القلم بما أنت لاق. # وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد المؤمن، هو ابن عبد الله قال: كنا عند ~~الحسن فأتاه يزيد بن أبي مريم السلولي يتوكأ على عصا فقال: يا أبا سعيد ~~أخبرني عن قول الله عز وجل ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ~~كتاب من قبل أن نبرأها (22) [الحديد] فقال الحسن: نعم والله إن الله ليقضي ~~القضية في السماء ثم يضرب لها أجلا أنه كائن في يوم كذا وكذا في ساعة كذا ~~وكذا في الخاصة والعامة حتى إن الرجل ليأخذ العصا ما يأخذها إلا بقضاء ~~وقدر. قال: ms010 يا أبا سعيد والله لقد أخذتها، وإني عنها لغني، ثم لا صبر لي ~~عنها قال الحسن: أولا ترى. # واختلف في الضمير في قوله: من قبل أن نبرأها، فقيل: هو عائد على الأنفس ~~لقربها منه. وقيل: هو عائد على الأرض وقيل: عائد على المصيبة والتحقيق أن ~~يقال: هو عائد على البرية التي تعم هذا كله، ودل عليه السياق وقوله: ~~نبرأها، فينتظم التقادير الثلاثة انتظاما واحدا والله أعلم. PageV01P019 # وقال ابن وهب: أخبرني عمر بن محمد أن سليمان بن مهران حدثه قال: # قال عبد الله بن مسعود: إن أول شي ء خلقه الله عز وجل من خلقه القلم فقال ~~له: اكتب فكتب كل شي ء يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، فيجمع بين الكتاب ~~الأول وبين أعمال العباد، فلا يخالف ألفا ولا واوا وميما. # وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ~~الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك ~~النور شي ء اهتدى ومن أخطأه ضل» قال عبد الله: فلذلك أقول: جف القلم بما هو ~~كائن. رواه الإمام أحمد «1». # وقال أبو داود: حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، قال: # سمعت الأوزاعي قال: حدثني ربيعة بن يزيد، ويحيى بن أبي عمرو الشيباني، ~~قال: حدثني عبد الله بن فيروز الديلمي، قال: دخلت على عبد الله بن عمرو بن ~~العاص وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط فقلت: # خصال بلغتني عنك، تحدث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ~~شرب الخمر لم تقبل توبته أربعين صباحا وأن الشقي من شقي في بطن أمه». # وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أن الله خلق خلقه في ~~ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور يومئذ اهتدى، ومن ~~أخطأه ضل فلذلك أقول: جف القلم على علم الله». # ورواه الإمام أحمد في مسنده «2» أطول من هذا، عن عبد الله بن ms011 فيروز PageV01P020 ~~الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له بالطائف يقال له ~~الوهط وهو محاضر فتى من قريش يزن «1» بشرب الخمر فقلت: بلغني عنك حديث أن ~~من شرب شربة خمر، لم تقبل توبته أربعين صباحا، وأن الشقي من شقي في بطن أمه ~~وأن من أتى بيت المقدس، لا ينهزه إلا الصلاة فيه، خرج من خطيئته مثل يوم ~~ولدته أمه، فلما سمع الفتى ذكر الخمر، اجتذب يده من يده ثم انطلق فقال عبد ~~الله بن عمرو: إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل، سمعت رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم يقول: # «من شرب من الخمر شربة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله ~~عليه، فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: فإن عاد كان حقا على الله أن ~~يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة». # قال: وسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «إن الله عز وجل ~~خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى، ~~ومن أخطأه ضل فلذلك أقول: جف القلم على علم الله» «2». # وسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إن سليمان بن داود سأل ~~الله عز وجل ثلاثا، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأل ~~الله تعالى حكما يصادف حكمه، فأعطاه الله إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في ~~هذا المسجد، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون PageV01P021 ~~الله تعالى عز وجل قد أعطانا إياه» «1» ورواه الحاكم في صحيحه «2»، وهو على ~~شرط الشيخين ولا علة له. PageV01P022 ### | AUTO الباب الثاني في تقدير الرب تبارك وتعالى شقاوة العباد وسعادتهم ~~وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم، وهو تقدير ثان بعد التقدير الأول # عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى ~~رسول الله ms012 صلى الله تعالى عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس ~~فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب ~~الله مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة قال: فقال رجل: يا ~~رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال: من كان من أهل السعادة ~~فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل ~~الشقاوة ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى ~~(7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) [الليل] «1». # وفي لفظ: اعملوا فكل ميسر. أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، ~~وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: فأما من أعطى PageV01P023 ~~واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) ~~وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) [الليل]. # وعن عمران بن حصين قال: قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ ~~فقال: نعم قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له متفق عليه: ~~وفي بعض طرق البخاري: كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له. # وعن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس ~~اليوم ويكدحون فيه أشي ء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما ~~يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شي ء قضي ~~عليهم ومضى عليهم قال: فقال: أفلا يكون ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا ~~وقلت: كل شي ء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون قال: فقال ~~لي: يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك. إن رجلين من مزينة ~~أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل ~~الناس اليوم ويكدحون فيه أشي ء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما ~~يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال: «بل شي ء ms013 قضي عليهم ~~ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل «ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها» رواه مسلم في صحيحه «1». # وعن شفي «2» الأصبحي عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان قال: ~~قلنا: لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله. قال، للذي في يده اليمنى: هذا كتاب ~~من رب العالمين تبارك وتعالى بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم PageV01P024 ~~وقبائلهم، ثم أجمل عليهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص أبدا، ثم قال للذي في ~~يساره: هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على ~~آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، فقال أصحاب رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: فلأي شي ء نعمل إن كان هذا أمر قد فرغ منه؟ # قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة ~~يختم له بعمل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل النار ~~وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها ثم قال: فرغ ربكم عز وجل من العباد، ثم ~~قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في ~~السعير. رواه الترمذي «1» عن قتيبة عن ليث عن «2» أبي قبيل عن شفي «3»، وعن ~~قتيبة عن بكر بن نصر عن أبي قبيل به، وقال: # حديث حسن صحيح غريب، ورواه النسائي «4» والإمام أحمد «5» وهذا السياق له. # وفي صحيح الحاكم «6» وغيره من حديث أبي جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن ~~أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم ذريتهم (172) [الأعراف] قال: جمعهم له يومئذ جمعا ما هو كائن إلى ~~يوم القيامة فجعلهم أزواجا ثم صورهم واستنطقهم PageV01P025 ~~فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) [الأعراف] ~~إلى قوله المبطلون (173) قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع ms014 والأرضين ~~السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم، أو تقولوا: ~~إنا كنا عن هذا غافلين، فلا تشركوا بي شيئا فإني أرسل إليكم رسلي، يذكرونكم ~~عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي. فقالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا ~~غيرك. ورفع لهم أبوهم آدم، فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة وغير ذلك ~~فقال: رب لو سويت بين عبادك فقال: إني أحب أن أشكر. ورأى فيهم الأنبياء مثل ~~السرج. وذكر تمام الحديث. # وفي صحيحه وجامع الترمذي «1» من حديث هشام بن سعد «2» عن زيد بن أسلم عن ~~أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لما ~~خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ~~أمثال الذر، ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا «3» من نور، ثم عرضهم على ~~آدم فقال: من هؤلاء يا رب فقال: هؤلاء ذريتك، فرأى فيهم رجلا أعجبه وبيص ما ~~بين عينيه فقال: يا رب من هذا قال: ابنك داود يكون في آخر الأمم قال: كم ~~جعلت له من العمر؟ قال: # ستين سنة، قال: يا رب زده من عمري أربعين سنة قال الله: إذا يكتب ويختم ~~فلا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال: أولم يبق من عمري أربعون ~~سنة قال له: أولم تجعلها لابنك داود قال: فجحد فجحدت PageV01P026 ~~ذريته ونسي فنسيت ذريته وخطئ فخطئت ذريته» قال: هذا على شرط مسلم. # وفي موطأ مالك «1» عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن ~~زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه ~~الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم (172) [الأعراف] فقال عمر: ~~سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سئل عنها فقال: إن الله خلق آدم ~~ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية فقال: # خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريته ms015 ~~فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون» فقال رجل: يا رسول الله ~~ففيم العمل؟ فقال: «إن الله إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة ~~حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد ~~للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله النار. # قال الحاكم: هذا الحديث على شرط مسلم، وليس كما قاله؛ بل هو حديث منقطع ~~(قال) أبو عمر «2»: هو حديث منقطع، فإن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن ~~الخطاب، بينهما نعيم بن ربيعة، هذا إن صح أن الذي رواه عن زيد بن أبي ~~أنيسة، فذكر فيه نعيم بن ربيعة إذ ليس هو بأحفظ من مالك ولا ممن يحتج به ~~إذا خالفه مالك، ومع ذلك فإن نعيم بن ربيعة ومسلم بن يسار جميعا مجهولان ~~غير معروفين بحمل العلم ونقل الحديث، وليس هو مسلم بن يسار العابد البصري، ~~وإنما هو رجل مدني مجهول، ثم ذكر من PageV01P027 ~~تاريخ ابن أبي خيثمة قال: قرأت على يحيى بن معين حديث مالك هذا، فكتب بيده ~~على مسلم بن يسار: لا يعرف. # قال أبو عمر: هذا الحديث وإن كان عليل الإسناد فإن معناه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد روي من وجوه كثيرة، من حديث عمر بن الخطاب وغيره، وممن ~~روى عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه في القدر علي بن أبي طالب، وأبي بن ~~كعب، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وأبو سريحة ~~العبادي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وذو اللحية ~~الكلابي، وعمران بن حصين، وعائشة، وأنس بن مالك، وسراقة بن جعشم، وأبو موسى ~~الأشعري، وعبادة بن الصامت. قلت: وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وجابر بن ~~عبد الله، وحذيفة بن أسيد، وأبو ذر، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأبو عبد ~~الله رجل من الصحابة روى عنه أبو نصر، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، ~~وأبو الدرداء، وعمرو بن ms016 العاص، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن الزبير، ~~وأبو أمامة الباهلي، وأبو الطفيل وعبد الرحمن بن عوف. وبعض أحاديثهم ~~موقوفة، وستمر بك جميعا متفرقة في أبواب الكتاب إن شاء الله عز وجل. # وقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزبيدي محمد ~~بن الوليد، عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن قتادة «1» عن أبيه وهشام بن ~~حكيم بن حزام أن رجلا قال: يا رسول الله أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء؟ ~~فقال: «إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره، أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم ~~في كفيه فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، فأهل الجنة PageV01P028 ~~ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار «1». # قال إسحاق: وأخبرنا عبد الصمد قال: حدثنا حماد حدثنا الجريري «2» عن أبي ~~نضرة «3» أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له أبو عبد الله ~~دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي فقالوا له: ما يبكيك؟ قال سمعت رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «إن الله قبض قبضة بيمينه وأخرى بيده ~~الأخرى قال: هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي، فلا أدري في أي القبضتين أنا» «4». # أخبرنا عمرو بن محمد، عن «5» اسماعيل بن رافع، عن المقبري، عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «إن الله تعالى خلق آدم من تراب، ~~ثم جعله طينا ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار، كان إبليس يمر به فيقول: ~~خلقت لأمر عظيم، ثم نفخ الله فيه من روحه قال: يا رب ما ذريتي، قال: اختر ~~يا آدم قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين فبسط الله كفه فإذا كل من ~~هو كائن من ذريته في كف الرحمن» «6». # أخبرنا النضر قال: أخبرنا أبو معشر، عن أبي سعيد المقبري ونافع مولى ~~الزبير، عن أبي هريرة قال: «لما أراد الله أن يخلق آدم فذكر خلق آدم فقال ~~له: يا آدم أي يدي أحب إليك أن أريك ذريتك فيها قال: يمين ربي، وكلتا ms017 PageV01P029 ~~يدي ربي يمين، فبسط يمينه وإذا فيها ذريته كلهم ما هو خالق إلى يوم ~~القيامة؛ الصحيح على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء على هيئاتهم ~~فقال: ألا أعفيتهم كلهم فقال: إني أحببت أن أشكر» «1» وذكر الحديث. # وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا سعيد بن يحيى ~~بن أبي مريم قال: أخبرنا الليث بن سعد قال: حدثني ابن عجلان، عن سعيد بن ~~أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام قال: «خلق الله آدم ثم قال ~~بيده فقبضها فقال: اختر يا آدم فقال: اخترت يمين ربي وكلتا يديك يمين، ~~فبسطها فإذا فيها ذريته فقال: من هؤلاء يا رب؟ # قال: من قضيت أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة» «2». # قال: وحدثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا جعفر بن عون قال: أخبرنا هشام ~~بن سعد، عن زيد بن سالم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~قال: «لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته ~~إلى يوم القيامة» «3» وذكر الحديث. # وقال إسحاق بن الملاي قال: حدثنا المسعودي عن علي بن بذيمة «4» عن سعيد ~~عن ابن عباس في قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم (172) ~~[الأعراف] قال: إن الله أخذ على آدم ميثاقه أنه ربه، وكتب رزقه وأجله ~~ومصيباته ثم أخرج من ظهره ولده كهيئة الذر، فأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم ~~وكتب رزقهم وأجلهم ومصيباتهم. PageV01P030 # قال: وحدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس ~~قال: مسح الله ظهر آدم، فأخرج كل طيب في يمينه، وفي يده الأخرى كل خبيث. # وقال محمد بن نصر: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، وحدثنا حجاج عن ابن ~~جريج، عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الله ضرب ~~منكبه الأيمن، فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية فقال: هؤلاء أهل ~~الجنة، ثم ضرب منكبه الأيسر، فخرجت ms018 كل نفس مخلوقة للنار سوداء فقال: هؤلاء ~~أهل النار، ثم أخذ عهده على الإيمان والمعرفة به والتصديق له وبأمره، من ~~بني آدم كلهم وأشهدهم على أنفسهم، فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقروا. # حدثنا إسحاق قال: حدثنا روح بن عبادة عن «1» محمد بن عبد الملك، عن أبيه، ~~عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بهذا الحديث وزاد: قال ~~ابن جريج: وبلغني أنه أخرجهم على كفه أمثال الخردل. # قال إسحاق: وأخبرنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو في ~~قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم (172) [الأعراف] قال: أخذهم كما يؤخذ بالمشط. # وفي تفسير أسباط عن السدي عن أصحابه أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس وعن ~~مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم في قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم الآية قال: لما أخرج الله آدم من ~~الجنة قبل أن يهبط من السماء، مسح صفحة ظهر آدم اليمنى PageV01P031 ~~فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم: ادخلوا الجنة ~~برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال: ~~ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ثم أخذ ~~منهم الميثاق فقال: ألست بربكم قالوا: بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة ~~كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل (173) ~~[الأعراف] الآية. # فلذلك ليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن الله ربه، ولا مشرك إلا وهو ~~يقول: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون فذلك قوله عز وجل ~~وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم (172) [الأعراف] وذلك حين يقول ~~وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها (83) [آل عمران] وذلك حين يقول: ~~قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) [الأنعام] قال يعني يوم ~~أخذ الميثاق. # وقال إسحاق: حدثنا وكيع قال: ms019 حدثنا مضر، عن ابن سابط قال: قال أبو بكر ~~رضي الله عنه: خلق الله الخلق قبضتين، فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة ~~بسلام، وقال لمن في يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي. # وأخبرنا جرير عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن رجل من الأنصار من أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله الخلق قبض قبضتين بيده، فقال لمن في ~~يمينه: أنتم أصحاب اليمين، وقال لمن في اليد الأخرى: أنتم أصحاب الشمال ~~فذهبت إلى يوم القيامة. # وقال عبد الله بن وهب في «كتاب القدر»: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب ~~السختياني، عن أبي قلابة قال: إن الله عز وجل لما خلق آدم أخرج PageV01P032 ~~ذريته ثم نشرهم في كفه ثم أفاضهم فألقى التي في يمينه عن يمينه، والتي في ~~يده الأخرى عن شماله ثم قال: هؤلاء لهذه ولا أبالي، وهؤلاء لهذه ولا أبالي، ~~وكتب أهل النار وما هم عاملون، وأهل الجنة وما هم عاملون، فطوى الكتاب ورفع القلم. # وقال أبو داود: حدثنا مسدد قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي ~~قلابة، عن أبي صالح فذكره. # قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحرث وحياة بن شريح عن ابن أبي أسيد هكذا ~~قال عن أبي فراس حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: إن الله عز وجل لما ~~خلق آدم، نفضه نفض المزود فأخرج من ظهره ذريته أمثال النغف «1» فقبضهم ~~قبضتين ثم ألقاهما فقال: فريق في الجنة وفريق في السعير. # قال ابن وهب: وأخبرني يونس بن يزيد، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص قال: من كان يزعم أن مع الله قاضيا أو رازقا، أو يملك لنفسه ضرا أو ~~نفعا أو موتا أو حياة أو نشورا، لقي الله فأدحض حجته وأحرق لسانه وجعل ~~صلاته وصيامه هباء، وقطع به الأسباب وأكبه الله على وجهه في النار وقال: إن ~~الله خلق الخلق فأخذ منهم الميثاق. وكان عرشه على الماء. # وذكر أبو داود: حدثنا يحيى بن حبيب قال: حدثنا معتمر ms020 قال: حدثنا أبي، عن ~~أبي العالية في قوله عز وجل يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين PageV01P033 ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما ~~الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون (107) [آل عمران] قال: ~~صاروا فريقين، وقال لمن سود وجوههم وغيرهم: أكفرتم بعد إيمانكم قال: هو ~~الإيمان الذي كان حيث كانوا أمة واحدة مسلمين. # قال أبو داود: وحدثنا موسى بن اسماعيل قال: حدثنا حماد قال: حدثنا أبو ~~نعامة السعدي قال: كنا عند أبي عثمان النهدي، فحمدنا الله عز وجل فذكرناه ~~ودعوناه فقلت لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره، فقال أبو عثمان: ~~ثبتك الله، كنا عند سلمان فحمدنا الله عز وجل وذكرناه ودعوناه، فقلت لأنا ~~بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره فقال سلمان: ثبتك الله إن الله تبارك ~~وتعالى لما خلق آدم، مسح ظهره فأخرج من ظهره ما هو ذارئ إلى يوم القيامة، ~~فخلق الذكر والأنثى والشقوة والسعادة والأرزاق والآجال والألوان، ومن علم ~~السعادة فعل الخير ومجالس الخير، ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر. # وقال أبو داود: حدثنا موسى بن اسماعيل قال: حدثنا حماد قال: أخبرنا عطاء ~~بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مسح ربك تعالى ظهر آدم فأخرج ~~منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة، أخذ عهودهم ومواثيقهم قال سعيد: فيرون أن ~~القلم جف يومئذ. # وقال الضحاك: خرجوا كأمثال الذر ثم أعادهم، فهذه وغيرها تدل على أن الله ~~سبحانه قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق ~~أبيهم وأراهم لأبيهم آدم صورهم وأشكالهم وحلاهم، وهذا والله أعلم أمثالهم ~~وصورهم. # وأما تفسير قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم الآية به ففيه ما فيه، PageV01P034 ~~وحديث عمر لو صح لم يكن تفسيرا للآية، وبيان أن ذلك هو المراد بها فلا يدل ~~الحديث عليه، ولكن الآية دلت على أن هذا الأخذ من بني آدم لا من آدم، وأنه ~~من ظهورهم لا من ظهره، وأنهم ذرياتهم أمة ms021 بعد أمة، وأنه إشهاد تقوم به ~~الحجة له سبحانه، فلا يقول الكافر يوم القيامة: كنت غافلا عن هذا، ولا يقول ~~الولد: أشرك أبي وتبعته، فإن ما فطرهم الله عليه من الإقرار بربوبيته، وأنه ~~ربهم وخالقهم وفاطرهم حجة عليهم، ثم دل حديث عمر وغيره على أمر آخر، لم تدل ~~عليه الآية، وهو القدر السابق والميثاق الأول، وهو سبحانه لا يحتج عليهم ~~بذلك، وإنما يحتج عليهم برسله، وهو الذي دلت عليه الآية، فتضمنت الآية ~~والأحاديث إثبات القدر والشرع وإقامة الحجة والإيمان بالقدر، فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما سئل عنها بما يحتاج العبد إلى معرفته والإقرار به ~~معها، وبالله التوفيق. PageV01P035 ### | AUTO الباب الثالث في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك وحكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم لآدم صلوات الله وسلامه عليهم # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى ~~فقال موسى: # يا آدم! أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى ~~اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي ~~قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى، ~~فحج آدم موسى، فحج آدم موسى» «1». # وفي رواية: كتب لك التوراة بيده «2». # وفي لفظ آخر: تحاج آدم وموسى، فحج آدم موسى فقال له موسى: أنت آدم الذي ~~أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: أنت موسى الذي أعطاه الله علم ~~كل شي ء، واصطفاه على الناس برسالته قال: نعم. قال: # أفتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق «3». PageV01P037 # وفي لفظ آخر: «احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، فقال موسى: أنت آدم ~~الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته، ~~ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم: # أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان ~~كل شي ء وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: ~~بأربعين عاما. قال ms022 آدم: هل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى قال: نعم. قال ~~أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين ~~سنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى» «1». # وفي لفظ آخر: «احتج آدم وموسى فقال له موسى: أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من ~~الجنة» «2» وذكر الحديث. متفق على صحته وهذا التقدير بعد التقدير الأول ~~السابق بخلق السموات بخمسين ألف سنة. # وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه ~~على ذلك وقال: لو صح لبطلت نبوات الأنبياء فإن القدر إذا كان حجة للعاصي ~~بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة ~~بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه، وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ~~ورسوله وسنته، فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه ~~بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن، وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل ~~الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله ~~وحكموا بصحته، فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها ~~والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن. PageV01P038 # ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة، كما ردوا أحاديث ~~الرؤية وأحاديث علو الله على خلقه، وأحاديث صفاته القائمة به، وأحاديث ~~الشفاعة، وأحاديث نزوله إلى سمائه، ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده، ~~وأحاديث تكلمه بالوحي كلاما يسمعه من شاء من خلقه حقيقة، إلى أمثال ذلك، ~~وكما ردت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة ~~وغيرها، وكما ردت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من ~~الصحابة، وكما ردت المعطلة أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية، وكما ردت ~~القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق. # وكل من أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله، قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها ~~عن مواضعها، فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما ms023 جاء به الرسول، فهو ~~أصلهم الذي عليه يعولون وجنتهم التي إليها يرجعون. # ثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى. # فقالت فرقة: إنما حجه لأن آدم أبوه، فحجه كما يحج الرجل ابنه. وهذا ~~الكلام لا محصل فيه البتة، فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو ~~الابن أو العبد أو السيد، ولو حج الرجل أباه بحق، وجب المصير إلى الحجة. # وقالت فرقة: إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة، وهذا من ~~جنس ما قبله إذ لا تأثير لهذا في الحجة بوجه، وهذه الأمة تلوم الأمم ~~المخالفة لرسلها المتقدمة عليها وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل الله ~~شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم. PageV01P039 # وقالت فرقة أخرى: إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب. والتائب من الذنب كمن ~~لا ذنب له ولا يجوز لومه، وهذا وإن كان أقرب مما قبله فلا يصح لثلاثة أوجه ~~أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه ولا جعله حجة على موسى ولم يقل: أتلومني ~~على ذنب قد تبت منه. الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن ~~يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه بعده وهداه، ~~فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلا عن كليم الرحمن. الثالث: أن ~~هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي صلى الله عليه وسلم وجه الحجة واعتبار ما ~~ألغاه فلا يلتفت إليه. # وقالت فرقة أخرى: إنما حجه لأنه لامه في غير دار التكليف ولو لامه في دار ~~التكليف لكانت الحجة لموسى عليه. وهذا أيضا فاسد من وجهين أحدهما: أن آدم ~~لم يقل له: لمتني في غير دار التكليف وإنما قال: أتلومني على أمر قدر علي ~~قبل أن أخلق؟! فلم يتعرض للدار وإنما احتج في القدر السابق. الثاني: أن ~~الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف فيلومهم بعد الموت ~~ويلومهم يوم القيامة. # وقالت فرقة أخرى: إنما ms024 حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد ~~الرب سبحانه بربوبيته وأنه لا تحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه وأنه لا راد ~~لقضائه وقدره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. قالوا: ومشاهدة العبد ~~الحكم لا يدع له استقباح سيئة لأنه شهد نفسه عدما محضا والأحكام جارية عليه ~~معروفة له وهو مقهور مربوب مدبر لا حيلة له ولا قوة له. قالوا: ومن شهد هذا ~~المشهد سقط عنه اللوم. # وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث، وهو شر من مسلك القدرية في ~~رده، وهم إنما ردوه إبطالا لهذا القول وردا على قائليه وأصابوا في رد حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات PageV01P040 ~~جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام ~~جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكرا أبدا. # ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في «إشاراته»: العارف لا ينكر منكرا ~~لاستبصاره بسر الله تعالى في القدر، وهذا كلام منسلخ من الملل ومتابعة ~~الرسل. وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر، ~~وإنما أرسلوا لإنكار المنكر، فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته ~~بالأمر والقدر، فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له ~~فيقوم في مقام: إياك نعبد وإياك نستعين وفي مقام: فاعبده وتوكل عليه، ~~فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره، فهذا حقيقة المعرفة، ~~وصاحب هذا المقام هو العارف بالله، وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى ~~خاتمهم وأما من يقول: # أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات # ويقول: أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته ويقول: العارف لا ينكر ~~منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من ~~أتباعهم، وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل ~~فقال تعالى سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا (148) إلى ~~قوله قل فلله الحجة البالغة ms025 فلو شاء لهداكم أجمعين (149) [الأنعام] وقال ~~تعالى وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شي ء إلى قوله ~~فهل على الرسل إلا البلاغ المبين (35) [النحل] وقال تعالى وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله ~~أطعمه (47) [يس] وقال تعالى وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك ~~من علم إن هم إلا يخرصون (20) [الزخرف]. PageV01P041 # فهذه أربعة مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه وشيخهم وإمامهم في ~~ذلك عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال رب بما أغويتني لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) [الحجر] فإن قيل: قد علم بالنصوص ~~والمعقول صحة قولهم: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا. ولو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شي ء نحن ولا آباؤنا. ولو شاء الرحمن ما عبدناهم. فإنه ما ~~شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى ولو شاء الله ما فعلوه ~~(137) [الأنعام] وقال ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها (13) [السجدة] فكيف ~~أكذبهم ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون، وأهل السنة ~~جميعا يقولون: لو شاء الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به كافر ولا عصاه أحد ~~من خلقه، فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون. # (قيل:) أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين ولم ~~ينكر عليهم صدقا ولا حقا بل أنكر عليهم أبطل الباطل، فإنهم لم يذكروا ما ~~ذكروه إثباتا لقدره وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه وتوكلا عليه واستعانة ~~به، ولو قالوه كذلك لكانوا مصيبين، وإنما قالوه معارضين به لشرعه ودافعين ~~به لأمره فعارضوا شرعه وأمره، ودفعوه بقضائه وقدره ووافقهم على ذلك كل من ~~عارض الأمر ودفعه بالقدر. # وأيضا فإنهم احتجوا بمشيئته العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به ~~وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال معارضة الأمر بالقدر ودفعه به ~~والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه وأن لهم ms026 الحجة ~~على الرسل بالقضاء والقدر وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من ~~الناس ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعى فيه ذلك. وقالوا: # العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم؛ وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي ~~اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله منه، PageV01P042 ~~فإنه قال في باب التوبة من «منازل السائرين ولطائف التوبة» ثلاثة أشياء: # أولها: أن ننظر في الجناية والقضية، فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك ~~وإتيانها فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين: أن يعرف ~~عبرته في قضائه، وبره في مسيره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول العذر ~~منه، وفضله في مغفرته، والثاني: ليقيم على العبد حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. # واللطيفة الثانية: أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنته لم تبق له حسنة ~~بحال، لأنه يسير بين مشاهدة المنة ويطلب عيب النفس والعمل. # واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا ~~استقباح سيئة، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم. # فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح، والشرائع ~~كلها مبناها على استحسان هذا واستقباح هذا؛ بل مشاهدة الحكم تزيد البصير ~~استحسانا للحسن واستقباحا للقبيح، وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه ~~وصفاته وأمره، قوي استحسانه واستقباحه، فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر، ~~وغضبه لله ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة، ~~وكلامه المتقدم بين في رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسنه ~~الله وهو كالمحكم فيه وهذا متشابه فيرد إلى محكم كلامه، والذي يليق به ما ~~ذكره شيخنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في ~~الفناء والاصطلام «1» فقال: الفناء عبارة PageV01P043 ~~عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد فيزيد بذلك يقينه ~~به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم ~~دهمه، فإنه ms027 ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة. # مثاله: رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض، فأذهله ما يلاحظه ~~من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به، وهذا تقريب والأمر فوق ذلك، فكيف ~~بمن أشهده الله عز وجل فردانيته حيث كان ولا شي ء معه فرأى الأشياء مواتا ~~لا قوام لها إلا بقدرته، فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق ~~تعالى، وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في ~~القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها، وصفى الله عبده من ~~درنه، ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء، فمتى تجلت على العبد أنوار المشاهدة ~~الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية، تلاشى الوجود الذي للعبد ~~واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح، ويكون العبد في ذلك آكلا ~~شاربا، فلا يظهر عليه شي ء مغاير لما اعتاده؛ لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ~~ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شي ء في أوقات سكره، ويبقى وجوده كالخيال قائما ~~بالعبودية في حضرة ذي الجلال، وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء ~~عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف، وذلك هو البقاء ~~بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال ~~البقاء، بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله عز وجل مشهده فيه ~~قيامه عليه بتدبيره، ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد، ~~فيصير به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح. # ووجه آخر: وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء ~~والصحو والتمييز، فيستر من قلبه محل الزهد والصبر والورع، لا بمعنى أن PageV01P044 ~~تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد، لكن بمعنى أن الشهود ستر محلها من ~~القلب، وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال ~~العالي، فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا وتبعا، وصار القلب ~~مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب العبد ms028 لوجد فيه ~~الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من الأحوال ~~الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها، وفي حال البقاء والصحو ~~والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه. إذا علمت ذلك، انحل ~~إشكال قوله: إن مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة ~~لصعوده إلى معنى الحكم أي: إن صفة حكم الله حشت بصيرته، وملأتها فشهد قيام ~~الله على الأشياء وتصرفه فيها وحكمه عليها، فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن ~~نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية، فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز ~~والفرق، ويسمى هذا جمعا، لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في ~~الكون، وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات اجتمع قلبه، ولضعف ~~قلبه حين هذا الاجتماع لم يتسع للتمييز الشرعي بين الحسن والقبيح، بمعنى ~~أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن ~~التمييز، لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح، بل اندرج في ~~مشهده، وانطوى بحيث لو فتش لوجد حكم التحسين والتقبيح مستورا في طي مشهده ~~ذلك وبالله التوفيق. # وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه الله أن للفعل وجهين؛ وجه قائم بالرب تعالى، ~~وهو قضاؤه وقدره له وعلمه به، والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول، ~~وملاحظة للوجه الثاني، والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى، بل ~~يشهد قضاء الرب وقدره ومشيئته، ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته، ~~فيشهد الربوبية والعبودية فيجتمع في PageV01P045 ~~قلبه معنى قوله لمن شاء منكم أن يستقيم (28) [التكوير] مع قوله وما تشاؤن ~~إلا أن يشاء الله (29) [التكوير] وقوله كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره ~~(55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله (56) [المدثر]. # فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين، ومنهم من يضيق قلبه عن ~~اجتماعهما، بقوة الوارد عليه وضعف المحل، فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة ~~الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له، فلا ~~يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي، وهذا لا ms029 يضره إذا كان الإيمان ~~بالحكم قائما في قلبه، ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى ~~وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته، فيغيب بشهود الحكم عن ~~المحكوم به فضلا عن صفته، فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو ~~قبيحا، وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه، ~~وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه، وبالله التوفيق. # فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه، ~~وعباد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة، ~~ولو أغضبهم غيرهم، وقصر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه ~~المشيئة، فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي إلا من هو من أجهل الناس ~~وأظلمهم وأتبعهم لهواه. # وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على ~~إبطال ما أمرهم به رسوله، وأنه لو لا محبته ورضاه به لما شاءه منهم قل فلله ~~الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) [الأنعام] فأخبر سبحانه أن ~~الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان ~~بمعرفة أوامره ونواهيه، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول، فثبتت حجته PageV01P046 ~~البالغة عليهم بذلك، واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه، ثم قرر ~~تمام الحجة بقوله فلو شاء لهداكم أجمعين فإن هذا يتضمن أنه المتفرد ~~بالربوبية والملك والتصرف في خلقه، وأنه لا رب غيره، ولا إله سواه، فكيف ~~يعبدون معه إلها غيره. فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم، ~~وأن الأمر كله لله وأن كل شي ء ما خلا الله باطل، فالقضاء والقدر والمشيئة ~~النافذة من أعظم أدلة التوحيد، فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على ~~الشرك، فكانت حجة الله هي البالغة وحجتهم هي الداحضة، وبالله التوفيق. # إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب ~~منه فاعله فاجتباه ربه بعده، وهداه واصطفاه. وآدم أعرف بربه من أن يحتج ~~بقضائه وقدره على معصيته، بل إنما لام موسى ms030 آدم على المعصية التي نالت ~~الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة ~~أبيهم، فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية، ~~ولهذا قال له: أخرجتنا ونفسك من الجنة، وفي لفظ: خيبتنا. # فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال: إن هذه المصيبة التي نالت الذرية ~~بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي، والقدر يحتج به في المصائب دون ~~المعايب أي: أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة، ~~هذا جواب شيخنا رحمه الله. # وقد يتوجه جواب آخر وهو ان الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر ~~في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل ~~آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته ~~وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا، ~~ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه PageV01P047 ~~التوحيد والبراءة من الحول والقوة. # يوضحه: أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا علي قبل ~~أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة، وزال أمره حتى كأن لم يكن، ~~فأنبه مؤنب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: هذا أمر كان ~~قد قدر علي قبل أن أخلق. فإنه لم يدفع بالقدر حقا، ولا ذكره حجة له على ~~باطل ولا محذور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به، ففي ~~الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم، ~~فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب ~~باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا (148) [الأنعام] لو شاء الرحمن ما عبدناهم (20) ~~[الزخرف] فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه، وأنهم لم يندموا على فعله، ولم ~~يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده؛ فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه، ~~وندم وعزم كل ms031 العزم على أن لا يعود؛ فإذا لامه لائم بعد ذلك، قال: كان ما ~~كان بقدر الله. # ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم ~~واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل. # فإن قيل: فقد احتج علي بالقدر في ترك قيام الليل وأقره النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم كما في الصحيح عن علي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم طرقه وفاطمة ليلا، فقال لهم ألا تصلون قال: فقلت يا رسول الله إنما ~~أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها بعثها، فانصرف رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم حين قلت له ذلك، ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب ~~فخذه وهو يقول وكان الإنسان أكثر شي ء جدلا (54) [الكهف]. PageV01P048 # قيل: علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم وإنما قال: إن نفسه ~~ونفس فاطمة بيد الله، فإذا شاء أن يوقظهما ويبعث أنفسهما بعثهما، وهذا ~~موافق لقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة ناموا في الوادي: إن الله ~~قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء، وهذا احتجاج صحيح صاحبه يعذر فيه ~~فالنائم غير مفرط، واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح، وقد أرشد النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد ~~الاحتجاج به. # فروى مسلم في صحيحه «1» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، ~~احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شي ء فلا تقل: لو أني ~~فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان». # فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان: # أحدها: أن الله سبحانه موصوف بالمحبة وأنه يحب حقيقة. # الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها، فهو القوي ويحب المؤمن ~~القوي وهو وتر يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلماء، ونظيف يحب ~~النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ms032 ومحسن يحب المحسنين وصابر يحب الصابرين، ~~وشاكر يحب الشاكرين. # ومنها: أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض. # ومنها: أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده. PageV01P049 # والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع، فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان ~~حرصه محمودا، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا، وأن يكون ~~حرصه على ما ينتفع به، فإن حرص على ما لا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص ~~فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك، فالخير كله في الحرص على ما ينفع. # ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه، أمره ~~أن يستعين به ليجتمع له مقام إياك نعبد وإياك نستعين، فإن حرصه على ما ~~ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته، فأمره بأن يعبده وأن يستعين به، ثم ~~قال: ولا تعجز، فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله، ~~فالحريص على ما ينفعه، المستعين بالله، ضد العاجز، فهذا إرشاد له قبل رجوع ~~المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن ~~أزمة الأمور بيده ومصدرها منه ومردها إليه فإن فاته ما لم يقدر له، فله ~~حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى لو، ولا فائدة ~~في «لو» هاهنا بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من ~~عمل الشيطان، فنهاه صلى الله تعالى عليه وسلم عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، ~~وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم ~~يفته ولم يغلبه عليه أحد، فلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب ~~النافذة التي توجب وجود المقدور، وإذا انتفت امتنع وجوده، فلهذا قال: فإن ~~غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، ~~فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول مطلوبه وحالة فواته، فلهذا كان ~~هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا، ms033 بل هو أشد شي ء إليه ضرورة، وهو ~~يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ظاهرا وباطنا، في ~~حالتي حصول المطلوب وعدمه، وبالله التوفيق. PageV01P050 ### | AUTO الباب الرابع في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه وهو ~~تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه وذكر الجمع بين ~~الأحاديث الواردة في ذلك # عن عبد الله بن مسعود: قال: حدثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون ~~في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه ~~الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو ~~سعيد. فوالذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه ~~الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها» متفق عليه «1». # وعن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: # «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين PageV01P051 ~~ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أم أنثى؟ # فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها ~~ولا ينقص» رواه مسلم «1». # وعن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن ~~أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، ~~فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟! فقال له الرجل: أتعجب من ذلك، فإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث ~~الله إليها ملكا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال ~~يا رب ms034 أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يقول يا رب أجله، ~~فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب رزقه، فيقضي ربك ما يشاء، ~~ويكتب الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص «2». # وفي لفظ آخر: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأذني هاتين يقول: ~~«إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك. قال زهير بن ~~معاوية: أحسبه قال: الذي يخلقها، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ # فيجعله الله ذكرا أو أنثى. ثم يقول: يا رب أسوي أم غير سوي، فيجعله الله ~~سويا أو غير سوي، ثم يقول: يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه، ثم يجعله الله ~~شقيا أو سعيدا. # وفي لفظ آخر: إن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله PageV01P052 ~~ولبضع وأربعين ليلة» ثم ذكر نحوه «1». # وهذا الحديث بطرقه انفرد به مسلم. # وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن الله ~~عز وجل وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة؟ وإذا ~~أراد أن يقضي خلقا قال الملك: أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد، فما الرزق ~~فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه» متفق عليه «2». # وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب، أن عبد الرحمن بن هنيدة حدثهم، ~~أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: # «إذا أراد الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام معها: يا رب أذكر أم أنثى؟ # فيقضي الله بأمره ثم يقول: يا رب شقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره، ثم يكتب ~~بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها» «3». # قال ابن وهب: وأخبرني عبد الله بن لهيعة، عن بكر بن سوادة الجذامي، عن ~~أبي تميم الجيشاني، عن أبي ذر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إذا ~~دخلت، يعني النطفة في الرحم أربعين، أتى ms035 ملك النفس فعرج إلى الرب فقال: يا ~~رب عبدك أذكر أو أنثى؟ فيقضي الله بما هو قاض، أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو ~~كائن «4» وذكر بقية الحديث. PageV01P053 # وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن كعب بن علقمة عن عيسى عن هلال عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة ~~جاءها ملك فاختلجها «1»، ثم عرج بها إلى الله تعالى أخلق يا أحسن الخالقين؟ ~~فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره ثم تدفع إلى الملك فيسأل الملك عند ذلك ~~فيقول: يا رب أسقط أم يتيم فيبين له، ثم يقول يا رب أواحد أم توأم فيبين ~~له، ثم يقول أقطع رزقه مع خلقه، فيقضيهما جميعا فو الذي نفس محمد بيده لا ~~ينال إلا ما قسم له يومئذ، إذا أكل رزقه قبض. # وقال عبد الله بن أحمد: أخبرنا العلاء، قال: حدثنا أبو الأشعث، قال: # حدثنا أبو عامر عن الزبير بن عبد الله قال: حدثني جعفر بن مصعب قال: # سمعت عروة بن الزبير يحدث عن عائشة، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~قال: «إن الله سبحانه حين يريد أن يخلق الخلق، يبعث ملكا، فيدخل الرحم ~~فيقول: أي رب ما ذا؟ فيقول: غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم، ~~فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول شقي أو سعيد، فيقول: أي رب ما أجله؟ ~~فيقول: كذا وكذا، فيقول: ما خلقه ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا. فما شي ء إلا ~~وهو يخلق معه في الرحم» «2». # وفي المسند «3» من حديث إسماعيل بن عبيد الله، وهو ابن أبي المهاجر، أن ~~أم الدرداء حدثته، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ~~«فرغ الله عز وجل إلى كل عبد من خمس: من أجله، ورزقه، PageV01P054 ~~ومضجعه، وأثره، وشقي، أم سعيد». # وقال ابن حميد: حدثنا يعقوب بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ~~قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، تلبث أربعة أشهر وعشرا، ms036 ثم تنفخ فيها ~~الروح، ثم تلبث أربعين ليلة، ثم يبعث إليها ملك، فنقفها في نقرة القفا، ~~وكتب شقيا أو سعيدا. # وروى ابن أبي خيثمة قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك قال: حدثنا حماد بن ~~زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ~~قال «السعيد من سعد في بطن أمه» «1» رواه أبو داود في «القدر» عن عبد ~~الرحمن، عن حماد عن هشام بن حسان عن محمد به. # وقال أحمد بن عبد: أخبرنا علي بن عبد الله بن ميسر، قال: حدثنا عبد ~~الحميد بن بيان، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن يحيى بن عبيد الله، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «الشقي ~~من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه» «2». # وقال سعيد عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: الشقي من شقي في ~~بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. وقال شعبة عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله ~~بن مسعود قال: إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور ~~محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من ~~وعظ بغيره. وإن شر الروايا روايا الكذب PageV01P055 ~~وشر الأمور محدثاتها، وكل ما هو آت قريب، رواهن أبو داود في القدر. # وذكر الطبراني من رواية أبي إسحاق عن أبي عبيدة عنه، أنه كان يجي ء كل ~~يوم خميس، يقوم قائما، لا يجلس، فيقول «إنما هما اثنتان فأحسن الهدي هدي ~~محمد، وأصدق الحديث كتاب الله، وشر الأمور محدثتها، وكل محدث ضلالة. إن ~~الشقي من شقي في بطن أمه، وإن السعيد من وعظ بغيره، ألا فلا يطولن عليكم ~~الأمد، ولا يلهينكم الأمل، فإن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما ليس آتيا. ~~وإن من شرار الناس بطال النهار جيفة الليل، وإن قتل المؤمن كفر، وإن سبابه ~~فسوق، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ألا إن ms037 شر الروايا روايا ~~الكذب، وإنه لا يصلح من الكذب جد ولا هزل، ولا أن يعد الرجل صفيه، ثم لا ~~ينجزه، ألا وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن ~~الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الصادق يقال له: صدق ~~وبر، وإن الكاذب يقال له: كذب وفجر. وإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم يقول: «إن العبد ليصدق، فيكتب عند الله صديقا، وإنه ليكذب حتى ~~يكتب عند الله كذابا، ألا هل تدرون ما العضه؟ هي النميمة التي تفسد بين ~~الناس». وهذا متواتر، عن عبد الله «1». # وبلغ معاوية أن الوباء اشتد بأهل دار، فقال: لو حولناهم عن مكانهم، فقال ~~له أبو الدرداء: وكيف لك يا معاوية بأنفس قد حضرت آجالها؟! فكأن معاوية وجد ~~على أبي الدرداء، فقال له كعب: يا معاوية لا تجد على أخيك، فإن الله سبحانه ~~لم يدع نفسا حين تستقر نطفتها في الرحم أربعين ليلة إلا PageV01P056 ~~كتب خلقها وخلقها وأجلها ورزقها، ثم لكل نفس ورقة خضراء معلقة بالعرش، فإذا ~~دنا أجلها خلقت تلك الورقة حتى تيبس، ثم تسقط فإذا يبست سقطت تلك النفس، ~~وانقطع أجلها ورزقها، ذكره أبو داود عن محمود بن خالد، حدثنا مروان، حدثنا ~~معاوية بن سلام، حدثني أخي زيد بن سلام عن جده ابن سلام قال بلغ معاوية، فذكره. # وقال أبو داود: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن فضيل عن الحسن ~~بن عمرو الفقيمي، عن الحكم، عن مجاهد في قوله تعالى وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه (13) [الإسراء] قال: ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة ~~مكتوب فيها شقي أو سعيد. # وفي الصحيحين عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: إن الغلام الذي قتله الخضر، طبع يوم طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه ~~طغيانا وكفرا» «1». # وفي صحيح مسلم «2» عن عائشة قالت: توفي صبي من الأنصار، فقلت: # طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه، فقال: ms038 # أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها، وهم في أصلاب ~~آبائهم». # ولا يناقض هذا حديث سمرة بن جندب الذي رواه البخاري في صحيحه «3» من رؤيا ~~النبي صلى الله عليه وسلم أطفال المشركين حول إبراهيم الخليل في PageV01P057 ~~الروضة، فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد كالبالغين، فالذي رآه حول ~~إبراهيم السعداء من أطفال المسلمين والمشركين، وأنكر على عائشة شهادتها ~~للطفل المعين أنه عصفور من عصافير الجنة. # فاجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته ~~وسعادته، وهو في بطن أمه، واختلفت في وقت هذا التقدير، وهذا تقدير بعد ~~التقدير الأول السابق على خلق السموات والأرض وبعد التقدير الذي وقع يوم ~~استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم. # ففي حديث ابن مسعود: أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول ~~النطفة في الرحم. # وحديث أنس غير مؤقت. # وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوما، وفي لفظ: ~~بأربعين ليلة، وفي لفظ: ثنتين وأربعين ليلة، وفي لفظ: بثلاث وأربعين ليلة، ~~وهو حديث تفرد به مسلم، ولم يروه البخاري. # وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين، ولا تعارض بينهما بحمد الله، ~~وأن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره الله سبحانه، على رأس الأربعين ~~الأولى، حتى يأخذ في الطور الثاني، وهو العلقة، وأما الملك الذي ينفخ فيه ~~فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب رزقه ~~وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك ~~الموكل بالنطفة. # ولهذا قال في حديث ابن مسعود: ثم يرسل إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، ~~وأما الملك الموكل بالنطفة، فذاك راتب معها، ينقلها بإذن الله من حال إلى ~~حال، فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق PageV01P058 ~~وهو العلق، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما، فهو ~~تقدير بعد تقدير. # فاتفقت أحاديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وصدق بعضها بعضا، ~~ودلت كلها على إثبات القدر السابق ومراتب التقدير، ms039 وما يؤتى أحد إلا من غلط ~~الفهم أو غلط في الرواية، ومتى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي، تبين أن الأمر ~~كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق. PageV01P059 ### | AUTO الباب الخامس في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر # قال الله تعالى: حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة ~~إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا ~~مرسلين (5) [الدخان] وهذه هي ليلة القدر قطعا لقوله تعالى إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر (1) [القدر]. # ومن زعم أنها ليلة النصف من شعبان، فقد غلط. قال سفيان: عن ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد: ليلة القدر ليلة الحكم وقال سفيان: عن محمد بن سوقة عن سعيد بن ~~جبير: يؤذن للحجاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا ~~يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم. # وقال ابن علية: حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: قال رجل للحسن، وأنا أسمع: ~~أرأيت ليلة القدر في كل رمضان هي؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلا هو إنها ~~لفي كل رمضان، وإنها لليلة القدر، يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله ~~كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها. # وذكر يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما ~~يكون في السنة، من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج، يقال: # ويحج فلان ويحج فلان. # وذكر عن سعيد بن جبير في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في PageV01P061 ~~الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، وقال مقاتل: يقدر الله في ليلة القدر أمر ~~السنة في بلاده وعباده، إلى السنة القابلة. # وقال أبو عبد الرحمن السلمي: يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر، وهذا هو ~~الصحيح، إن القدر مصدر قدر الشي ء يقدره قدرا، فهي ليلة الحكم والتقدير. ~~وقالت طائفة: ليلة القدر ليلة الشرف والعظمة، من قولهم: لفلان قدر في ~~الناس، فإن أراد صاحب هذا القول، أن لها قدرا وشرفا، مع ما يكون فيها من ~~التقدير، فقد أصاب، وإن ms040 أراد، أن معنى القدر فيها هو الشرف والخطر، فقد ~~غلط، إن الله سبحانه أخبر أن فيها يفرق أي: يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم. PageV01P062 ### | AUTO الباب السادس في التقدير الخامس اليومي # قال الله تعالى: يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) ~~[الرحمن]. # ذكر الحاكم في «صحيحه» من حديث أبي حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن ~~ابن عباس، أن مما خلق الله لوحا محفوظا، من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة ~~حمراء، قلمه نور، وكتابه نور ينظر فيه كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة، ففي كل ~~نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله كل ~~يوم هو في شأن (29) «1» [الرحمن]. # وقال مجاهد والكلبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: من شأنه أنه ~~يحيي ويميت ويرزق ويمنع وينصر ويعز ويذل، ويفك عانيا ويشفي مريضا، ويجيب ~~داعيا، ويعطي سائلا ويتوب على قوم، ويكشف كربا، ويغفر ذنبا، ويضع أقواما ~~ويرفع آخرين. دخل كلام بعضهم في بعض. # وقد ذكر الطبراني في «المعجم» والستة وعثمان بن سعيد الدارمي في PageV01P063 ~~«كتاب الرد على المريسي» عن عبد الله بن مسعود قال: إن ربكم عز وجل ليس ~~عنده ليل ولا نهار، نور السموات والأرض نور وجهه، وإن مقدار كل يوم من ~~أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة فيعرض عليه أعمالكم فيها على ما يكره، فيغضبه ~~ذلك، وأول من يعلم غضبه حملة العرش، يجدونه يثقل عليهم، فيسبحه حملة العرش ~~وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، ثم ينفخ جبريل في ~~القرن، فلا يبقى شي ء إلا سمع صوته، فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات، حتى يمتلئ ~~الرحمن عز وجل رحمة، فتلك ست ساعات، ثم يؤتى بالأرحام، فينظر فيها ثلاث ~~ساعات، فذلك قوله في كتابه هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء (6) [آل ~~عمران] وقوله يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ~~ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) [الشورى] فتلك تسع ~~ساعات، ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات، ms041 فذلك قوله في كتابه يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر (26) [الرعد] كل يوم هو في شأن (29) [الرحمن] قال: ~~هذا شأنكم وشأن ربكم تبارك وتعالى. # قال الطبراني: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا يحيى بن إسحاق قال: # أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي عبد السلام، عن عبد الله أو عبيد الله بن ~~مكرز، عن ابن مسعود فذكره. # وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن ~~سلمة: عن الزبير بن أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبيد الله الفهري، أن ابن ~~مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، فذكر الحديث إلى قوله: فيسبحه ~~حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، فهذا تقدير ~~يومي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمري عند تعلق النفس به، ~~والذي قبله كذلك عند أول PageV01P064 ~~تخليقه وكونه مضغة، والذي قبله تقدير سابق على وجوده، لكن بعد خلق السموات ~~والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكل ~~واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك دليل على كمال ~~علم الرب وقدرته وحكمته، وزيادة تعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسه ~~وأسمائه، وقد قال تعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) [الجاثية]. # وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فتستنسخ الملائكة ~~ما يكون من أعمال بني آدم قبل أن يعملوها، فيجدون ذلك موافقا لما يعملونه، ~~فيثبت الله تعالى منه ما فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو. # وذكر ابن مردويه في تفسيره، من طرق إلى بقية، عن أرطاة بن المنذر، عن ~~مجاهد، عن ابن عمر، يرفعه، إن أول ما خلق الله القلم، فأخذه بيمينه، وكلتا ~~يديه يمين، فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول من بر أو فجور، رطب أو ~~يابس، فأحصاه عند الذكر، وقال اقرءوا إن شئتم هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ~~إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) [الجاثية] فهل تكون النسخة إلا من شي ء ~~قد فرغ منه. # وقال آدم: حدثنا ورقاء ms042 عن عطاء بن السائب، عن مقسم، عن ابن عباس: إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون قال: تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، ~~فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب. # وفي تفسير الأشجع، عن سفيان، عن منصور، عن مقسم عن ابن عباس قال: كتب في ~~الذكر عنده كل شي ء هو كائن، ثم بعث الحفظة على آدم وذريته، وكل ملائكته ~~ينسخون من الذكر ما يعمل العباد ثم قرأ هذا كتابنا PageV01P065 ~~ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) [الجاثية]. # وفي تفسير الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي أعمال أهل الدنيا ~~الحسنات والسيئات تنزل من السماء كل غداة وعشية، ما يصيب الإنسان في ذلك ~~اليوم أو الليلة الذي يقتل، والذي يغرق، والذي يقع من فوق بيت، والذي يتردى ~~من جبل، والذي يقع، والذي يحرق بالنار، فيحفظوا عليه ذلك كله، وإذا كان ~~الشي ء صعدوا به إلى السماء، فيجدونه كما في السماء مكتوبا في الذكر ~~الحكيم. PageV01P066 ### | AUTO الباب السابع في أن سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقتضي ~~ترك الأعمال بل يقتضي الاجتهاد والحرص # يسبق إلى أفهام كثير من الناس أن القضاء والقدر، إذا كان قد سبق، فلا ~~فائدة في الأعمال، وأن ما قضاه الرب سبحانه وقدره، لا بد من وقوعه، فتوسط ~~العمل لا فائدة فيه، وقد سبق إيراد هذا السؤال من الصحابة على النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم، فأجابهم بما فيه الشفاء والهدى. # ففي الصحيحين «1» عن علي بن أبي طالب قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، ~~فأتانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعه مخصرة، فنكس، فجعل ينكث ~~بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من ~~الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة. فقال رجل: يا رسول الله: أفلا ~~نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل ~~السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل ms043 أهل الشقاوة فقال: اعملوا، ~~فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة ~~فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ PageV01P067 ~~فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل ~~واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) [الليل]. # وفي بعض طرق البخاري «1»: أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل، فمن كان من ~~أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير ~~إلى عمل أهل الشقاوة. # وعن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، ~~فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، ~~أفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: # لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل؟ فقال: # اعملوا فكل ميسر. رواه مسلم «2». # وعن عمران بن حصين قال: قيل: يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ ~~فقال: «نعم» قيل: ففيم يعمل العاملون؟ فقال: «كل ميسر لما خلق له» متفق ~~عليه «3». # وفي بعض طرق البخاري: «كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له» «4». # ورواه الإمام أحمد أطول من هذا، فقال: حدثنا صفوان بن عيسى قال: # حدثنا عزرة بن ثابت: عن يحيى بن عقيل، عن أبي نعيم، عن أبي الأسود ~~الدؤلي، قال: غدوت على عمران بن حصين يوما من الأيام، فقال: إن PageV01P068 ~~رجلا من جهينة أو مزينة أتى إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا ~~رسول الله: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون، فيه شي ء قضي عليهم، أو مضى ~~عليهم في قدر قد سبق، أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم، واتخذت عليهم ~~الحجة؟ قال: بل شي ء قضي عليهم، قال: فلم يعملون إذا يا رسول الله؟! قال: ~~من كان الله عز وجل خلقه لواحدة من المنزلتين، فهيأه لعملها، وتصديق ذلك في ~~كتاب الله ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) [الشمس] «1». # وقال المحاملي: حدثنا أحمد بن المقدام: حدثنا المعتمر بن سليمان. # قال: سمعت ms044 أبا سفيان يحدث عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنه ~~قال: نزل «فمنهم شقي وسعيد» فقال عمر: يا نبي الله: علام نعمل، على أمر قد ~~فرغ منه، أم لم يفرغ منه؟ قال: لا! على أمر قد فرغ منه، قد جرت به الأقلام ~~ولكن كل ميسر. أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل ~~واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى» «2». # فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا ~~يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجد والاجتهاد، ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك ~~قال: ما كنت أشد اجتهادا مني الآن. وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ~~ودقة أفهامهم وصحة علومهم، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبرهم ~~بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب، فإن العبد ينال ما قدر له ~~بالسبب الذي أقدر عليه ومكن منه وهيئ له، فإذا أتى PageV01P069 ~~بالسبب، أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب، وكلما زاد اجتهادا في ~~تحصيل السبب، كان حصول المقدور أدنى إليه؛ وهذا كما إذا قدر له أن يكون من ~~أعلم أهل زمانه، فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم ~~وأسبابه، وإذا قدر له أن يرزق الولد، لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو التسري ~~والوطء، وإذا قدر له أن يستغل من أرضه من المغل كذا وكذا، لم ينله إلا ~~بالبذر وفعل أسباب الزرع، وإذا قدر الشبع والري، فذلك موقوف على الأسباب ~~المحصلة لذلك من الأكل والشرب واللبس، وهذا شأن أمور المعاش والمعاد. # فمن عطل العمل اتكالا على القدر السابق، فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب ~~والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالا على ما قدر له. # وقد فطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ~~ومصالحهم الدنيوية، بل فطر الله على ذلك سائر الحيوانات، فهكذا الأسباب ~~التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم، فإنه سبحانه رب الدنيا والآخرة، وهو ~~الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد، وقد يسر ms045 كلا من خلقه لما ~~خلقه له في الدنيا والآخرة، فهو مهيأ له ميسر له. # فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها، كان أشد ~~اجتهادا في فعلها من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه، وقد فقه ~~هذا كل الفقه من قال: ما كنت أشد اجتهادا مني الآن. # فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يفضي به إلى رياض مونقة وبساتين ~~معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم، لا يشوبه نكد ولا تعب، كان حرصه على سلوكها ~~واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه، ولهذا قال أبو عثمان ~~النهدي لسلمان: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني PageV01P070 ~~بآخره، وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة، وهيأه ويسره للوصول ~~إليها، كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي ~~تأتي بها، فإنها سبقت له من الله قبل الوسيلة منه، وعلمها الله وشاءها ~~وكتبها وقدرها وهيأ له أسبابها، لتوصله إليها، فالأمر كله من فضله وجوده ~~السابق، فسبق له من الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها. فالمؤمن أشد فرحا ~~بذلك من كون أمره مجعولا إليه. # كما قال بعض السلف: والله ما أحب أن يجعل أمري إلي، إنه إذا كان بيد الله ~~خيرا من أن يكون بيدي، فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها، ~~ومقتض لها، لا أنه مناف لها وصاد عنها، وهذا موضع مزلة قدم، من ثبتت قدمه ~~فاز بالنعيم المقيم، ومن زلت قدمه عنه، هوى إلى قرار الجحيم. # فالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أرشد الأمة في القدر إلى أمرين، هما ~~سببا السعادة: الإيمان بالأقدار، فإنه نظام التوحيد، والإتيان بالأسباب ~~التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره، وذلك نظام الشرع، فأرشدهم إلى نظام ~~التوحيد والأمر، فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد، أو ~~القدح بإثباته في أصل الشرع، ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من ~~نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه، وهو القدر والشرع والخلق ~~والأمر؛ ms046 وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم. # والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة، ~~وقد تقدم قوله: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن العاجز من ~~لم يتسع للأمرين، وبالله التوفيق. PageV01P071 ### | AUTO الباب الثامن في قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون (101) [الأنبياء] # وقد تقدمت الأحاديث بوقوع أهل السعادة في إحدى القبضتين وكتابتهم ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم في ديوان السعادة قبل خلقهم. # وفي صحيح الحاكم «1» من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي عن عكرمة، ~~عن ابن عباس قال: لما نزلت إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم (98) ~~[الأنبياء] قال المشركون: فالملائكة وعيسى وعزير، يعبدون من دون الله، قال: ~~فنزلت إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) [الأنبياء] ~~وهذا إسناد صحيح. # وقال علي بن المديني: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا أبو بكر بن عياش: عن ~~عاصم، قال: أخبرني أبو رزين، عن أبي يحيى، عن ابن عباس أنه قال: آية لا ~~يسأل الناس عنها، لا أدري أعرفوها، فلم يسألوا عنها، أو جهلوها فلا يسألون ~~عنها، فقيل له: وما هي؟ فقال: لما نزلت إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون (98) [الأنبياء] شق PageV01P073 ~~ذلك على قريش أو على أهل مكة، وقالوا: يشتم آلهتنا! فجاء ابن الزبعرى فقال: ~~ما لكم؟ قالوا: يشتم آلهتنا! قال: وما قال؟ قالوا: قال إنكم وما تعبدون من ~~دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) [الأنبياء] قال: # ادعوه لي، فلما دعي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: يا محمد! هذا شي ~~ء لآلهتنا خاصة، أم لكل من عبد من دون الله؟ فقال: لا بل لكل من عبد من دون ~~الله، قال: فقال ابن الزبعرى: خصمت ورب هذه البنية، يعني الكعبة، ألست تزعم ~~أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عزيرا عبد صالح، وهذه بنو ~~مليح تعبد الملائكة، وهذه ms047 النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرا، قال: ~~فضج أهل مكة، فأنزل الله عز وجل إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها (102) [الأنبياء] قال ونزلت ولما ضرب ابن ~~مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) [الزخرف] قال: هو الضجيج. # وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزبعرى لا يرد على الآية، فإنه سبحانه قال: # إنكم وما تعبدون من دون الله، ولم يقل: ومن تعبدون، وما لما لا يعقل، فلا ~~يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير، وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل. ~~وأيضا فإن السورة مكية، والخطاب فيها لعباد الأصنام، فإنه قال: # إنكم وما تعبدون، فلفظه «إنكم» ولفظه «ما» تبطل سؤاله وهو رجل فصيح من ~~العرب، لا يخفى عليه ذلك، ولكن إيراده إنما كان من جهة القياس والمعلوم ~~المعنوي الذي يعم الحكم فيه بعموم علته، أي إن كان كونه معبودا، يوجب أن ~~يكون حصب جهنم، فهذا المعنى يعنيه موجود في الملائكة وعزير والمسيح، فأجيب ~~بالفارق وذلك من وجوه. # أحدها: أن الملائكة والمسيح وعزيرا ممن سبقت لهم من الله الحسنى، فهم ~~سعداء، لم يفعلوا ما يستوجبون به النار، فلا يعذبون بعبادة غيرهم مع PageV01P074 ~~بغضهم ومعاداتهم لهم، فالتسوية بينهم وبين الأصنام أقبح من التسوية بين ~~البيع والربا والميتة والمذكى، وهذا شأن أهل الباطل، وإنما يسوون بين ما ~~فرق الشرع والعقل والفطرة بينه، ويفرقون بين ما سوى الله ورسوله بينه. # الفرق الثاني: أن الأوثان حجارة غير مكلفة ولا ناطقة، فإذا حصبت بها جهنم ~~إهانة لها ولعابديها، لم يكن في ذلك من لا يستحق العذاب بخلاف الملائكة ~~والمسيح وعزير، فإنهم أحياء ناطقون، فلو حصبت بهم النار كان ذلك إيلاما ~~وتعذيبا لهم. # الثالث: أن من عبد هؤلاء بزعمه، فإنه لم يعبدهم في الحقيقة، فإنهم لم ~~يدعوا إلى عبادتهم، وإنما عبد المشركون الشياطين، وتوهموا أن العبادة ~~لهؤلاء؛ فإنهم عبدوا- بزعمهم- من ادعى أنه معبود مع الله، وأنه معه إله، ~~وقد برأ الله سبحانه ملائكته والمسيح وعزيرا من ذلك، وإنما ادعى ذلك ~~الشياطين، وهم بزعمهم يعتقدون أنهم يرضون ms048 بأن يكونوا معبودين مع الله، ولا ~~يرضى بذلك إلا الشياطين، ولهذا قال سبحانه ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ~~بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) [سبأ] وقال تعالى* ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان (60) [يس] وقال تعالى وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون (28) * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك ~~نجزي الظالمين (29) [الأنبياء]. # فما عبد غير الله إلا الشيطان، وهذه الأجوبة منتزعة من قوله إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى (101) [الأنبياء] فتأمل الآية، فتجدها تلوح في صفحات ~~ألفاظها، وبالله التوفيق. PageV01P075 # والمقصود: ذكر الحسنى التي سبقت من الله لأهل السعادة قبل وجودهم. # وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد قال: # حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا عروة بن ثابت الأنصاري قال: حدثنا ~~الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا ~~شديدا، أغمي عليه فأفاق، فقال: أغمي علي؟ قالوا: نعم، قال: إنه أتاني رجلان ~~غليظان، فأخذا بيدي، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فانطلقا بي، ~~فتلقاهما رجل، وقال: أين تريدان به؟ قالا: # نحاكمه إلى العزيز الأمين، فقال: دعاه، فإن هذا ممن سبقت له السعادة، وهو ~~في بطن أمه. # وقال عبد الله بن محمد البغوي: حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا ابن علية ~~قال: حدثني محمد بن محمد القرشي، عن عامر بن سعدة، قال: أقبل سعد من أرض ~~له، فإذا الناس عكوف على رجل، فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليها، ~~فنهاه، فكأنما زاده إغراء، فقال: تريد أن تسب أقواما هم خير منك، لتنتهين ~~أو لأدعون عليك، فقال: كأنما يخوفني نبي من الأنبياء، فانطلق فدخل دارا ~~فتوضأ، ودخل المسجد، ثم قال: اللهم إن كان هذا قد سب أقواما ms049 قد سبقت لهم ~~منك حسنى، أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم آية تكون للمؤمنين آية. وقال: تخرج ~~بختية «1» من دار بني فلان، لا يردها شي ء حتى تنتهي إليه، ويتفرق الناس، ~~وتجعله بين قوائمها، وتطأه حتى طفى «2». # قال: فأنا رأيت سعدا يتبعه الناس يقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق، ~~استجاب الله لك يا أبا إسحاق وقال تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده هو PageV01P076 ~~اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم ~~المسلمين من قبل وفي هذا (78) [الحج] أي: الله سماكم من قبل القرآن وفي ~~القرآن، فسبقت تسمية الحق سبحانه لهم مسلمين قبل إسلامهم وقبل وجودهم، وقال ~~تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) ~~وإن جندنا لهم الغالبون (173) [الصافات]. # وقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه في قوله: وبشر الذين آمنوا أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم (2) [يونس] قال: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، وهذا ~~لا يخالف قول من قال: إنه الأعمال الصالحة التي قدموها، ولا قول من قال: ~~إنه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه سبق لهم من الله في الذكر الأول ~~السعادة بأعمالهم على يد محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خير تقدم لهم من ~~الله، ثم قدمه لهم على يد رسوله، ثم يقدمهم عليه يوم لقائه، وقد قال تعالى ~~لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) [الأنفال]. # وقد اختلف السلف في هذا الكتاب السابق، فقال جمهور المفسرين من السلف ومن ~~بعدهم: لو لا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر، في اللوح المحفوظ، أن ~~الغنائم حلال لكم، لعاقبكم. # وقال آخرون: لو لا كتاب من الله سبق، أنه لا يعذب أحدا إلا بعد الحجة، ~~لعاقبكم. # وقال آخرون: لو لا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أنه مغفور لهم، وإن عملوا ~~ما شاءوا لعاقبكم. # وقال آخرون، وهو الصواب: لو لا كتاب من الله سبق، بهذا كله، لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم. والله أعلم. PageV01P077 ### | AUTO الباب التاسع ms050 في قوله تعالى إنا كل شي ء خلقناه بقدر (49) ~~[القمر] # قال سفيان عن زياد بن إسماعيل المخزومي: حدثنا محمد بن عباد بن جعفر قال: ~~حدثنا أبو هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخاصمون في القدر، فنزلت هذه الآية إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم ~~يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) إنا كل شي ء خلقناه بقدر ~~(49) [القمر] «1» رواه مسلم. # وقد روى الدار قطني من حديث حبيب بن عمرو الأنصاري، عن أبيه قال: قال ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين ~~خصماء الله وهم القدرية» «2». # ولكن حبيب هذا قال الدار قطني: مجهول، والحديث مضطرب الإسناد، PageV01P079 ~~ولا يثبت. # والمخاصمون في القدر نوعان: أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه ~~وقدره، كالذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا. والثاني: من ينكر ~~قضاءه وقدره السابق. والطائفتان خصماء الله. # قال. عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام، إن الله تبارك وتعالى قدر ~~أقدارا، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم ~~البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى. # وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا، ~~وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين، وهو كما قال ~~أبو الوفاء. # فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابتها ~~وتقديرها، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها، وهم الذين اتفق سلف الأمة ~~على تكفيرهم، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله. # وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء (28) [فاطر] قال: الذين يقولون: إن الله على كل شي ء قدير، ~~وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل، ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن ~~أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها، ولو كانوا يقرون بها؛ فمنكرو ~~القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها، ومنكرو أفعال الرب ~~القائمة ms051 به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرحون أنه لا يقدر على فعل يقوم ~~به. ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن، يفعل ما يشاء، لا يقر ~~بأن الله على كل شي ء قدير، ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، وأنه سبحانه مقلب PageV01P080 ~~القلوب حقيقة، وأنه إن شاء يقيم القلب أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، لا ~~يقر بأن الله على كل شي ء قدير، ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق ~~السموات والأرض، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، يقول: من يسألني ~~فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى، كلمه منها، ~~وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجي ء يوم ~~القيامة فيفصل بين عباده وأنه يتجلى لهم يضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، ~~وأنه يضع رجله على النار، فيضيق بها أهلها، وينزوي بعضها إلى بعض، إلى غير ~~ذلك من شئونه وأفعاله التي من لم يقربها، لم يقر بأنه على كل شي ء قدير؛ ~~فيا لها كلمة من حبر الأمة وترجمان القرآن. # وقد كان ابن عباس شديدا على القدرية، وكذلك الصحابة، كما سنذكر ذلك إن ~~شاء الله تعالى. PageV01P081 ### | AUTO الباب العاشر في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم ~~يؤمن بالقضاء والقدر # وهي أربع مراتب: # المرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها. # المرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها. # المرتبة الثانية: مشيئته لها. # الرابعة: خلقه لها. # فأما المرتبة الأولى: وهي العلم السابق، فقد اتفق عليه الرسل من أولهم ~~إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة، وخالفهم مجوس ~~الأمة. وكتابته السابقة تدل على علمه بها قبل كونها، وقد قال تعالى وإذ قال ~~ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) [البقرة]. # قال مجاهد: ms052 علم من إبليس المعصية، وخلقه لها. PageV01P083 # وقال قتادة: كان في علمه أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون ~~وساكنو الجنة. # وقال ابن مسعود: أعلم ما لا تعلمون من إبليس. # وقال مجاهد أيضا: علم من إبليس أنه لا يسجد لآدم. # وقال تعالى إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما ~~تدري نفس ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34) ~~[لقمان]. # وفي المسند «1» من حديث لقيط بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب؟ فقال: «ضن ربك بمفاتيح خمس من ~~الغيب، لا يعلمها إلا الله. وأشار بيده، فقلت: ما هن؟ قال: علم المنية، قد ~~علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه. وعلم المني حين يكون في الرحم، قد علمه، ~~ولا تعلمونه. وعلم ما في غد، قد علم ما أنت طاعم ولا تعلمه. وعلم يوم الغيث ~~يشرق عليكم مشفقين، فيظل يضحك. قد علم أن غوثكم إلى قريب» قال لقيط: لن ~~تعدم من رب- يضحك- خيرا. وعلم يوم الساعة. # وقد تقدم حديث علي المتفق على صحته: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، ~~إلا وقد علم مكانها من الجنة أو النار» «2». # وقال البزار: حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي قال: حدثنا عبيد الله بن ~~موسى قال: حدثنا فضل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد، PageV01P084 ~~عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أحسبه قال: «يؤتى بالهالك في الفترة ~~والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول. # ويقول المعتوه: أي رب! لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا. ويقول ~~المولود: أي رب لم أدرك العمل، قال: فيرفع لهم نار، فيقال لهم: ردوها: # أو قال: ادخلوها فيردها من كان في علم الله سعيدا أن لو أدرك العمل، قال: ~~ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا أن لو أدرك العمل، فيقول تبارك وتعالى: ~~إياي عصيتم، فكيف رسلي بالغيب» «1». # وفي ms053 الصحيحين «2» عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ~~«ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ~~كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها، ~~قالوا يا رسول الله: أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال: # «الله أعلم بما كانوا عاملين». # ومعنى الحديث: الله أعلم بما كانوا عاملين، لو عاشوا، وقد قال تعالى ~~أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم (23) [الجاثية] قال ابن عباس: ~~علم ما يكون قبل أن يخلقه، وقال أيضا: على علم قد سبق عنده. وقال أيضا: ~~يريد الأمر الذي سبق له في أم الكتاب. # وقال سعيد بن جبير ومقاتل: على علمه فيه. وقال أبو إسحاق: أي على ما سبق ~~في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه. وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين. وقال ~~الثعلبي: على علم منه بعاقبة أمره، قال: وقيل: على ما PageV01P085 ~~سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه. وكذلك ذكر البغوي وأبو الفرج بن الجوزي ~~قال: على علمه السابق فيه أنه لا يهتدي. # وذكر طائفة منهم المهدوي وغيره قولين في الآية، وهذا أحدهما، قال ~~المهدوي: فأضله الله على علم علمه منه بأنه لا يستحقه. قال: وقيل: على علم ~~من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر، وعلى الأول يكون «على علم» حال من ~~الفاعل، المعنى: أضله الله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه، وعلى ~~الثاني حال من المفعول، أي: أضله الله في حال علم الكافر بأنه ضال. # قلت: وعلى الوجه الأول، فالمعنى: أضله الله عالما به وبأقواله وما يناسبه ~~ويليق به، ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده، وأنه أهل للضلال، وليس أهلا أن ~~يهدى، وأنه لو هدى لكان قد وضع الهدى في غير محله وعند من لا يستحقه، والرب ~~تعالى حكيم، إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها، فانتظمت الآية على ~~هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال، وذكر العلم ~~إذ هو الكاشف ms054 المبين لحقائق الأمور، ووضع الشي ء في مواضعه، وإعطاء الخير ~~من يستحقه ومنعه من لا يستحقه، فإن هذا لا يحصل بدون العلم، فهو سبحانه ~~أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه، وهو سبحانه ~~كثيرا ما يذكر ذلك مع إخباره بأنه أضل الكافر كما قال: فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد ~~في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) [الأنعام]. # وقال تعالى: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) ~~الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) [البقرة]. PageV01P086 # وقال تعالى: والله لا يهدي القوم الظالمين (19) [التوبة] والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين (24) [التوبة] إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) [الزمر] ~~ويضل الله الظالمين (27) [إبراهيم] كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) ~~[غافر] كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) [غافر] كذلك يطبع الله ~~على قلوب الذين لا يعلمون (59) [الروم]. # وقد أخبر سبحانه أنه يفعل ذلك عقوبة لأرباب هذه الجرائم، وهذا إضلال ثان ~~بعد الإضلال الأول كما قال تعالى وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) [النساء] وقال تعالى وما يشعركم أنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) [الأنعام] وقال وإذ قال موسى لقومه يا قوم ~~لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) [الصف] وقال تعالى في قلوبهم مرض فزادهم ~~الله مرضا (10) [البقرة] وقال يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون (24) [الأنفال]. # أي: إن تركتم الاستجابة لله ورسوله عاقبكم بأن يحول بينكم وبين قلوبكم، ~~فلا تقدرون على الاستجابة بعد ذلك، ويشبه هذا إن لم يكن بعينه قوله ms055 ولقد ~~أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا (13) [يونس] الآية. وفي موضع آخر تلك القرى نقص عليك من أنبائها ~~ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين (101) [الأعراف]. # وفي هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها، قال أبو إسحاق: هذا إخبار عن قوم لا ~~يؤمنون، كما قال عن نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن (36) [هود] ~~واحتج على هذا بقوله كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) [الأعراف] PageV01P087 ~~قال وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم. # وقال ابن عباس: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا ~~يوم أخذ ميثاقهم، حين أخرجهم من ظهر آدم، فآمنوا كرها، وأقروا باللسان ~~وأضمروا التكذيب. # وقال مجاهد: فما كانوا، لو أحييناهم بعد هلاكهم، ليؤمنوا بما كذبوا به من ~~قبل هلاكهم. # قلت: وهو نظير قوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. # وقال آخرون: لما جاءتهم رسلهم بالآيات التي اقترحوها، وطلبوها، ما كانوا ~~ليؤمنوا بعد رؤيتها ومعاينتها بما كذبوا به من قبل رؤيتها ومعاينتها، ~~فمنعهم تكذيبهم السابق بالحق لما عرفوه من الإيمان به بعد ذلك، وهذه عقوبة ~~من رد الحق أو أعرض عنه فلم يقبله، فإنه يصرف عنه ويحال بينه وبينه، ويقلب ~~قلبه عنه، فهذا إضلال العقوبة، وهو من عدل الرب في عبده، وأما الإضلال ~~السابق الذي ضل به عن قبوله أولا، والاهتداء به فهو إضلال ناشئ عن علم الله ~~السابق في عبده، أنه لا يصلح للهدى، ولا يليق به، وأن محله غير قابل له، ~~فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه، كما هو أعلم حيث يجعل رسالته، فهو أعلم ~~حيث يجعلها أصلا وميراثا. # وكما أنه ليس كل محل أهلا لتحمل الرسالة عنه وأدائها إلى الخلق، فليس كل ~~محل أهلا لقبولها والتصديق بها كما قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) ~~[الأنعام]. # أي: ابتلينا واختبرنا بعضهم ببعض، فابتلى الرؤساء والسادة ms056 بالأتباع ~~والموالي والضعفاء، فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف أنفه PageV01P088 ~~وأنف أن يسلم وقال: هذا يمن الله عليه بالهدى والسعادة دوني؟! قال الله ~~تعالى أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) [الأنعام] وهم الذين يعرفون النعمة ~~وقدرها، ويشكرون الله عليها بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية، فلو كانت ~~قلوبكم مثل قلوبهم، تعرفون قدر نعمتي وتشكروني عليها، وتذكروني بها وتخضعون ~~لي كخضوعهم، وتحبوني كحبهم، لمننت عليكم كما مننت عليهم ولكن لمنني ونعمي ~~محال لا تليق إلا بها، ولا تحسن إلا عندها، ولهذا يقرن كثيرا بين التخصيص ~~والعلم كقوله هاهنا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) [الأنعام] وقوله وإذا ~~جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته (124) [الأنعام] وقوله وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون (69) [القصص]. # أي: سبحانه المتفرد بالخلق والاختيار مما خلق وهو الاصطفاء والاجتباء، ~~ولهذا كان الوقف التام عند قوله «ويختار» ثم نفى عنهم الاختيار الذي ~~اقترحوه بإرادتهم، وأن ذلك ليس إليهم بل إلى الخلاق العليم الذي هو أعلم ~~بمحال الاختيار ومواضعه، لا من قال لو لا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم (31) [الزخرف] فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم، ~~وأن البشر ليس لهم أن يختاروا على الله، بل هو الذي يخلق ما يشاء ويختار. # ثم نفى سبحانه أن تكون لهم الخيرة كما ليس لهم الخلق، ومن زعم أن «ما» ~~مفعول يختار، فقد غلط، إذ لو كان هذا هو المراد، لكانت الخيرة منصوبة على ~~أنها خبر كان، ولا يصح المعنى ما كان لهم الخيرة فيه وحذف العائد، فإن ~~العائد هاهنا مجرور بحرف، لم يجر الموصول بمثله، فلو حذف مع الحرف، لم يكن ~~عليه دليل، فلا يجوز حذفه، وكذلك لم يفهم معنى PageV01P089 ~~الآية من قال: إن الاختيار هاهنا هو الإرادة كما يقوله المتكلمون أنه ~~سبحانه فاعل بالاختيار، فإن هذا الاصطلاح حادث منهم، لا يحمل عليه كلام ~~الله، بل لفظ الاختيار ms057 في القرآن مطابق لمعناه في اللغة، وهو اختيار الشي ء ~~على غيره، وهو يقتضي ترجيح ذلك المختار وتخصيصه وتقديمه على غيره، وهذا أمر ~~أخص من مطلق الإرادة والمشيئة. # قال في الصحاح: الخيرة الاسم من قولك: خار الله لك في هذا الأمر، والخيرة ~~أيضا، يقول: محمد خيرة الله من خلقه، وخيرة الله أيضا بالتسكين، والاختيار: ~~الاصطفاء، وكذلك التخيير والاستخارة طلب الخيرة، يقال: # استخر الله يخر لك. وخيرته بين الشيئين: فوضت إليه الاختيار، انتهى. فهذا ~~هو الاختيار في اللغة، وهو أخص مما اصطلح عليه أهل الكلام، ومن هذا قوله ~~وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم (36) [الأحزاب] وقوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ~~(155) [الأعراف] أي: اختار منهم، وبهذا يحصل جواب السؤال الذي تورده ~~القدرية، يقولون في الكفر والمعاصي: هل هي واقعة باختيار الله أم بغير ~~اختياره، فإن قلتم باختياره، فكل مختار مرضي مصطفى محبوب، فتكون مرضية ~~محبوبة له، وإن قلتم: بغير اختياره، لم يكن بمشيئته واختياره، وجوابه أن ~~يقال: ما تعنون بالاختيار العام في اصطلاح المتكلمين، وهو المشيئة ~~والإرادة، أم تعنون به الاختيار الخاص الواقع في القرآن والسنة وكلام ~~العرب؟ وإن أردتم بالاختيار الأول، فهي واقعة باختياره، بهذا الاعتبار، لكن ~~لا يجوز أن يطلق ذلك عليها، لما في لفظ الاختيار من معنى الاصطفاء والمحبة، ~~بل يقال: # واقعة بمشيئته وقدرته. وإن أردتم بالاختيار معناه في القرآن ولغة العرب، ~~فهي غير واقعة باختياره بهذا المعنى، وإن كانت واقعة بمشيئته، فإن قيل: # فهل تقولون إنها واقعة بإرادته، أم لا تطلقون ذلك؟. PageV01P090 # قيل: لفظ الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونية شاملة لجميع المخلوقات ~~كقوله فعال لما يريد (16) [البروج] وقوله وإذا أردنا أن نهلك قرية (16) ~~[الإسراء] وقوله إن كان الله يريد أن يغويكم هو (34) [هود] ونظائر ذلك. ~~وإرادة دينية أمرية، لا يجب وقوع مرادها كقوله يريد الله بكم اليسر (185) ~~[البقرة] وقوله والله يريد أن يتوب عليكم (27) [النساء] فهي مرادة بالمعنى ~~الأول غير مرادة بالمعنى الثاني، ms058 وكذلك قيل: هل هي واقعة بإذنه أم لا؟ ~~والإذن أيضا نوعان: كوني كقوله وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~(102) [البقرة] وديني أمري كقوله آلله أذن لكم (59) [يونس] وقوله أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا (39) [الحج]. # ولفظ الاختيار مشتق من الخير المخالف للشر، ولما كان الأصل في الحي أنه ~~يريد ما ينفعه وما هو خير، سميت الإرادة اختيارا؛ وهذا يتضمن أن الإرادة لا ~~ترجح نوعا على نوع إلا لمرجح رجح ذلك النوع عند الفاعل، والمقصود أنه يذكر ~~العلم عند التخصيصات كقوله تعالى ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) ~~[الدخان]. # لا خلاف بين الناس أن المعنى: على علم منا بأنهم أهل الاختيار، فالجملة ~~في موضع نصب على الحال، أي: اخترناهم عالمين بهم وبأحوالهم وما يقتضي ~~اختيارهم من قبل خلقهم. ذكر سبحانه اختيارهم وحكمته في اختياره إياهم، وذكر ~~علمه الدال على مواضع حكمته واختياره، ومن هذا قوله سبحانه* ولقد آتينا ~~إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) [الأنبياء] وأصح الأقوال في الآية ~~أن المعنى: من قبل نزول التوراة فإنه سبحانه قال ولقد آتينا موسى وهارون ~~الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) [الأنبياء] وقال وهذا ذكر مبارك أنزلناه ~~أفأنتم له منكرون (50) [الأنبياء] ثم قال: ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ~~ذلك، ولهذا قطعت «قبل» عن الإضافة، وبنيت، لأن المضاف PageV01P091 ~~منوي معلوم، وإن كان غير مذكور في اللفظ، وذكر سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم ~~أئمة الرسل وأكرم الخلق عليه محمد وإبراهيم وموسى، وقد قيل «من قبل» أي: في ~~حال صغره قبل البلوغ، وليس في اللفظ ما يدل على هذا، والسياق إنما يقتضي من ~~قبل ما ذكر. # وقيل: المعني بقوله «من قبل» أي: في سابق علمنا، وليس في الآية أيضا ما ~~يدل على ذلك، ولا هو أمر مختص بإبراهيم، بل كل مؤمن. فقد قدر الله هداه في ~~سابق علمه، والمقصود قوله: وكنا به عالمين. قال البغوي: أنه أهل للهداية ~~والنبوة، وقال أبو الفرج: أي عالمين بأنه موضع لإيتاء الرشد. # وقال صاحب الكشاف: المعنى علمه به أنه علم ms059 منه أحوالا بديعة وأسرارا ~~عجيبة وصفات قد رضيها وحمدها حتى أهله لمخالته ومخالصته، وهذا كقولك في حر ~~من الناس: أنا عالم بفلان. فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف، وهذا ~~كقوله الله أعلم حيث يجعل رسالته (124) [الأنعام] وقوله ولقد اخترناهم على ~~علم (32) [الدخان] ونظيره قوله* إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين (33) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) [آل ~~عمران] وقريب منه قوله ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي ~~باركنا فيها وكنا بكل شي ء عالمين (81) [الأنبياء] حيث وضعنا هذا التخصيص ~~في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي. # فصل # وهو سبحانه كما هو العليم في اختياره من يختاره من خلقه، وإضلاله من يضله ~~منهم، فهو العليم الحكيم بما في أمره وسرعه من العواقب الحميدة PageV01P092 ~~والغايات العظيمة قال تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون (216) [البقرة] بين سبحانه أن ما أمرهم به، يعلم ما فيه من المصلحة ~~والمنفعة لهم التي اقتضت أن يختاره ويأمرهم به، وهم قد يكرهونه إما لعدم ~~العلم، وإما لنفور الطبع. فهذا علمه بما في عواقب أمره مما لا يعلمونه، ~~وذلك علمه بما في اختياره من خلقه بما لا يعلمونه، فهذه الآية تضمنت الحض ~~على التزام أمر الله، وإن شق على النفوس، وعلى الرضا بقضائه، وإن كرهته ~~النفوس. # وفي حديث الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك ~~من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن ~~كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي، ~~ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة ~~أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» «1». # ولما كان العبد يحتاج، في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده، إلى علم ما فيه ~~من المصلحة ms060 وقدره عليه وتيسره له، وليس له من نفسه شي ء من ذلك، بل علمه ~~ممن علم الإنسان ما لم يعلم، وقدرته منه، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز، ~~وتيسيره منه، فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد إقداره، أرشده ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى محض العبودية، وهو جلب الخيرة من ~~العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها، وطلب PageV01P093 ~~القدرة منه، فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز، وطلب فضله منه، فإن لم ييسره ~~له، ويهيئه له، وإلا فهو متعذر عليه، ثم إذا اختاره له بعلمه، وأعانه عليه ~~بقدرته، ويسره له من فضله، فهو يحتاج إلى أن يبقيه عليه، ويديمه بالبركة ~~التي يضعها فيه. # والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له، ~~ثم إذا فعل ذلك كله، فهو محتاج إلى أن يرضيه به، فإنه قد يهيئ له ما يكرهه، ~~فيظل ساخطا، ويكون قد خار الله له فيه. # قال عبد الله بن عمر: إن الرجل ليستخير الله، فيختار له، فيسخط على ربه، ~~فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خار له. # وفي «المسند» «1» من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: «من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما ~~قضاه الله. ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله عز وجل. ومن شقوة ابن آدم ~~سخطه بما قضى الله». # فالمقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبله، والرضا بعده. فمن توفيق الله ~~لعبده وإسعاده إياه أن يختار قبل وقوعه، ويرضى بعد وقوعه، ومن خذلانه له أن ~~لا يستخيره قبل وقوعه، ولا يرضى به بعد وقوعه. # وقال عمر بن الخطاب: لا أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا ~~أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره. # وقال الحسن: لا تكرهوا النقمات الواقعة والبلايا الحادثة، فلرب أمر ~~تكرهه، فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره، فيه عطبك. PageV01P094 # فصل # ومما يناسب هذا قوله تعالى: لقد صدق الله رسوله ms061 الرؤيا بالحق لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما ~~لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (27) [الفتح]. # بين سبحانه حكمة ما كرهوه عام الحديبية، من صد المشركين لهم، حتى رجعوا ~~ولم يعتمروا، وبين لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا، فحصل في العام القابل؛ ~~وقال سبحانه: فعلم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا. وهو صلح ~~الحديبية، وهو أول الفتح المذكور في قوله: إنا فتحنا لك فتحا مبينا، فإن ~~بسببه حصل من مصالح الدين والدنيا والنصر وظهور الإسلام وبطلان الكفر ما لم ~~يكونوا يرجونه قبل ذلك، ودخل الناس بعضهم في بعض، وتكلم المسلمون بكلمة ~~الإسلام وبراهينه وأدلته جهرة، لا يخافون، ودخل في ذلك الوقت في الإسلام ~~قريب ممن دخل فيه إلى ذلك الوقت، وظهر لكل أحد بغي المشركين وعداوتهم ~~وعنادهم، وعلم الخاص والعام أن محمدا وأصحابه أولى «1» الحق والهدى، وأن ~~أعداءهم ليس بأيديهم إلا العدوان والعناد، فإن البيت الحرام لم يصد عنه حاج ~~ولا معتمر من زمن إبراهيم. # فتحققت العرب عناد قريش وعداوتهم، وكان ذلك داعية لبشر كثير، إلى ~~الإسلام، وزاد عناد القوم وطغيانهم، وذلك من أكبر العون على نفوسهم، PageV01P095 ~~وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم والتزامهم لحكم الله وطاعة رسوله، وذلك من ~~أعظم أسباب نصرهم، إلى غير ذلك من الأمور التي علمها الله، ولم يعلمها ~~الصحابة، ولهذا سماه فتحا، وسئل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أفتح هو؟ ~~قال: نعم. # فصل # ويشبه هذا قول يوسف الصديق يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي ~~حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ ~~الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (100) ~~[يوسف] فأخبر أنه يلطف لما يريده، فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس، ~~واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية، ~~ومنه التلطف كما قال أهل الكهف وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) [الكهف] ~~فكان ظاهر ms062 ما امتحن به يوسف من مفارقة أبيه وإلقائه في السجن وبيعه رقيقا، ~~ثم مراودة التي هو في بيتها عن نفسه، وكذبها عليه وسجنه محنا ومصائب، ~~وباطنها نعما وفتحا، جعلها الله سببا لسعادته في الدنيا والآخرة. # ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب، ويأمرهم به من المكاره ~~وينهاهم عنه من الشهوات، هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل، ~~وقد حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، وقد قال صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء شكر، ~~فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، PageV01P096 ~~وليس ذلك إلا للمؤمن» «1» فالقضاء كلة خير لمن أعطي الشكر والصبر جالبا ما ~~جلب. وكذلك ما فعله بآدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله تعالى عليهم ~~وسلم، من الأمور التي هي في الظاهر محن وابتلاء، وهي في الباطن طرق خفية، ~~أدخلهم بها إلى غاية كمالهم وسعادتهم. # فتأمل قصة موسى وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون للأطفال، ووحيه ~~إلى أمه أن تلقيه في اليم، وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدر هلاكه على ~~يديه، وهو يذبح الأطفال في طلبه، فرماه في بيته وحجره، على فراشه، ثم قدر ~~له سببا أخرجه من مصر، وأوصله به إلى موضع، لا حكم لفرعون عليه، ثم قدر له ~~سببا أوصله به إلى النكاح والغنى بعد العزوبة والعيلة، ثم ساقه إلى بلد ~~عدوه، فأقام عليه به حجته، ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه، ~~وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون. # وهذا كله مما يبين أنه سبحانه يفعل ما يفعله، لما يريده من العواقب ~~الحميدة والحكم العظيمة التي لا تدركها عقول الخلق، مع ما في ضمنها من ~~الرحمة التامة والنعمة السابغة والتعريف إلى عباده بأسمائه وصفاته، فكم في ~~أكل آدم، من الشجرة التي نهي عنها، وإخراجه بسببها من الجنة، من حكمة ~~بالغة، لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها، وكذلك ما قدره لسيد ولده من ms063 الأمور ~~التي أوصله بها إلى أشرف غاياته وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد ~~العواقب، وكذلك فعله بعباده وأوليائه، يوصل إليهم نعمه، ويسوقهم إلى كمالهم ~~وسعادتهم في الطرق الخفية التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا لاحت لهم ~~عواقبها. PageV01P097 # وهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله، ويحصر اللسان عن التعبير عنه. ~~وأعرف خلق الله به أنبياؤه ورسله، وأعرفهم به خاتمهم وأفضلهم، وأمته في ~~العلم به على مراتبهم ودرجاتهم ومنازلهم، من العلم بالله وبأسمائه وصفاته، ~~وهو سبحانه قد أحاط علما بذلك كله، قبل السموات والأرض، وقدره وكتبه عنده، ~~ثم يأمر ملائكته بكتابة ذلك من الكتاب الأول، قبل خلق العبد، فيطابق حاله ~~وشأنه لما كتب في الكتاب ولما كتبته الملائكة، لا يزيد شيئا ولا ينقص مما ~~كتبه سبحانه وأثبته عنده، كان في علمه قبل أن يكتبه، ثم كتبه كما في علمه، ~~ثم وجد كما كتبه قال تعالى ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ~~ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70) [الحج]. # والله سبحانه قد علم، قبل أن يوجد عباده، أحوالهم وما هم عاملون وما هم ~~إليه صائرون، ثم أخرجهم إلى هذه الدار، ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما ~~علمه، وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه، فاستحقوا ~~المدح والذم والثواب والعقاب، بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابقة ~~للعلم السابق، ولم يكونوا يستحقون ذلك، وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل ~~رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه إعذارا إليهم وإقامة للحجة عليهم لئلا ~~يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟! فلما ~~ظهر علمه فيهم بأفعالهم، حصل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء ~~والاختبار، وكما ابتلاهم بأمره ونهيه، ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا وبما ~~ركب فيهم من الشهوات، فذلك ابتلاء بشرعه وأمره، وهذا ابتلاء بقضائه وقدره، ~~وقال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) ~~[الكهف] وقال وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ms064 ~~الماء (7) [هود]. # فأخبر في هذه الآية أنه خلق السموات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه، PageV01P098 ~~وهذا من الحق الذي خلق به خلقه، وأخبر في الآية التي قبلها أنه خلق الموت ~~والحياة ليبتليهم أيضا، فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه، وقدر عليهم الموت ~~الذي ينالون به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب، وإن خبر في الآية ~~الأولى أنه زين لهم ما على الأرض، ليبتليهم به، أيهم يؤثر ما عنده عليه، ~~وابتلا بعضهم ببعض، وابتلاهم بالنعم والمصائب، فأظهر هذا الابتلاء علمه ~~السابق فيهم موجودا عيانا، بعد أن كان غيبا في علمه، فابتلى أبوي الإنس ~~والجن كلا منهما بالآخر، فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه، وأظهر ابتلاء إبليس ~~ما علمه منه، فلهذا قال للملائكة إني أعلم ما لا تعلمون (30) [البقرة] ~~واستمر هذا الابتلاء في الذرية إلى يوم القيامة فابتلى الأنبياء بأممهم، ~~وابتلى أممهم بهم، وقال لعبده ورسوله وخليله: إني مبتليك ومبتل بك، وقال ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) [الأنبياء] وقال وجعلنا ~~بعضكم لبعض فتنة (20) [الفرقان]. # وفي الحديث الصحيح أن ثلاثة أراد الله أن يبتليهم: أبرص وأقرع وأعمى، ~~فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في علمه قبل أن يخلقهم، فأما الأعمى ~~فاعترف بإنعام الله عليه، وأنه كان أعمى فقيرا فأعطاه الله البصر والغنى، ~~وبذل للسائل ما طلبه شكرا لله. وأما الأقرع والأبرص فكلاهما جحدا ما كان ~~عليه قبل ذلك، من سوء الحال والفقر، وقال في الغنى: إنما أوتيته كابرا عن ~~كابرا «1». # وهذا حال أكثر الناس، لا يعترف بما كان عليه أولا، من نقص أو جهل وفقر ~~وذنوب، وأن الله سبحانه نقله من ذلك إلى ضد ما كان عليه، وأنعم بذلك عليه، ~~ولهذا ينبه سبحانه الإنسان على مبدأ خلقه الضعيف، من الماء PageV01P099 ~~المهين، ثم نقله في أطباق خلقه وأطواره، من حال إلى حال، حتى جعله بشرا ~~سويا، يسمع ويبصر ويقول وينطق ويبطش ويعلم، فنسي مبدأه وأوله وكيف كان، ولم ~~يعترف بنعم ربه عليه كما قال تعالى أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ~~(38) كلا إنا خلقناهم مما ms065 يعلمون (39) [المعارج]. # وأنت إذا تأملت ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى، وجدت تحتها كنزا عظيما من ~~كنوز المعرفة والعلم، فأشار سبحانه بمبدإ خلقه مما يعلمون من النطفة وما ~~بعدها إلى موضع الحجة والآية الدالة على وجوده ووحدانيته وكماله وتفرده ~~بالربوبية والإلهية، وأنه لا يحسن به مع ذلك أن يتركهم سدى، لا يرسل إليهم ~~رسولا، ولا ينزل عليهم كتابا، وأنه لا يعجز، مع ذلك، أن يخلقهم بعد ما ~~أماتهم خلقا جديدا، ويبعثهم إلى دار، يوفيهم فيها أعمالهم من الخير والشر، ~~فكيف يطمعون في دخول الجنة، وهم يكذبون ويكذبون رسلي ويعدلون بي خلقي، وهم ~~يعلمون من أي شي ء خلقتهم؟!. # ويشبه هذا قوله نحن خلقناكم فلو لا تصدقون (57) [الواقعة] وهم كانوا ~~مصدقين بأنه خالقهم، ولكن احتج عليهم، بخلقه لهم، على توحيده ومعرفته وصدق ~~رسله، فدعاهم منهم ومن خلقه إلى الإقرار بأسمائه وصفاته وتوحيده وصدق رسله ~~والإيمان بالمعاد، وهو سبحانه يذكر عباده بنعمه عليهم، ويدعوهم بها إلى ~~معرفته ومحبته، وتصديق رسله والإيمان بلقائه، كما تضمنته سورة النعم وهي ~~سورة النحل من قوله: خلق الإنسان من نطفة إلى قوله والله جعل لكم مما خلق ~~ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) [النحل]. # فذكرهم بأصول النعم وفروعها، وعددها عليهم نعمة نعمة، وأخبر أنه أنعم ~~بذلك عليهم، ليسلموا له، فتكمل نعمه عليهم بالإسلام الذي هو رأس PageV01P100 ~~النعم، ثم أخبر عمن كفره، ولم يشكر نعمه بقوله: يعرفون نعمت الله ثم ~~ينكرونها (83) [النحل]. # قال مجاهد: المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريش، ثم ~~ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا، ورثناه عنهم. # وقال عون بن عبد الله: يقولون: لو لا فلان لكان كذا وكذا. وقال الفراء ~~وابن قتيبة: يعرفون أن النعم من الله، ولكن يقولون: هذه بشفاعة آلهتنا. # وقالت طائفة: النعمة هاهنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وإنكارها ~~جحدهم نبوته، وهذا يروى عن مجاهد والسدي، وهذا أقرب إلى حقيقة الإنكار، ~~فإنه إنكار لما هو أجل النعم ms066 أن تكون نعمة. # وأما على القول الأول والثاني والثالث، فإنهم لما أضافوا النعمة إلى غير ~~الله، فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي قال: إنما كان هذا ~~لآبائنا، ورثناه كابرا عن كابر جاحدا لنعمة الله عليه غير معترف بها، وهو ~~كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما، فأنكرا، وقالا: # إنما ورثنا هذا كابرا عن كابر، فقال: إن كنتما كاذبين فصير كما الله إلى ~~ما كنتما «1». # وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على ~~آبائهم، ثم ورثهم إياها، فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه. وأما قول الآخرين: لو ~~لا فلان لما كان كذا، فيتضمن قطع إضافة النعمة إلى من لولاه لم تكن، ~~وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا، وغايته أن تكون ~~جزءا من أجزاء السبب، أجرى الله تعالى نعمته على يده، والسبب لا يستقل ~~بالإيجاد، PageV01P101 ~~وجعله سببا هو من نعم الله عليه، وهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما ~~جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه، وهو سبحانه قد ينعم بذلك ~~السبب، وقد ينعم بدونه، فلا يكون له أثر، وقد يسلبه تسببيته، وقد يجعل لها ~~معارضا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على ~~الحقيقة. # وأما قول القائل: بشفاعة آلهتنا، فتضمن الشرك، مع إضافة النعمة إلى غير ~~وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله، وهي ~~محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها. وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه لا ~~يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه. فالشفاعة بإذنه من نعمه، فهو المنعم ~~بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو المنعم بتأهيل المشفوع له إذ ليس كل أحد ~~أهلا أن يشفع له، فمن المنعم على الحقيقة سواه؟! قال تعالى وما بكم من نعمة ~~فمن الله (53) [النحل]. # فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة، ولهذا ذم الله سبحانه من آتاه شيئا من نعمه فقال: ms067 إنما ~~أوتيته على علم عندي. وفي الآية الأخرى فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا ~~خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم (49) [الزمر]. # وقال البغوي: على علم من الله أني له أهل. وقال مقاتل: على خير علمه الله ~~عندي. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل، ومضمون هذا القول، أن الله ~~آتانيه على علمه بأني أهله. وقال آخرون: بل العلم له نفسه، ومعناه: أوتيته ~~على علم مني بوجوه المكاسب، قاله قتادة وغيره، وقيل: # المعنى قد علمت أني لما أوتيت هذا في الدنيا، فلي عند الله منزلة وشرف، ~~وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف. قال تعالى: بل هي فتنة، أي: # النعم التي أوتيها، فتنة نختبره فيها ومحنة نمتحنه بها، لا يدل على ~~اصطفائه PageV01P102 ~~واجتبائه، وأنه محبوب لنا مقرب عندنا، ولهذا قال في قصة قارون أولم يعلم أن ~~الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا (78) ~~[القصص]. # فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه، يدل على رضاء الله سبحانه عمن آتاه ~~ذلك، وشرف قدره، وعلو منزلته عنده، لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى ~~قارون، فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته، علم أن عطاءه إنما كان ~~ابتلاء وفتنة، لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم، ولهذا قال في الآية ~~الأخرى: بل هي فتنة، أي: النعمة فتنة، لا كرامة، ولكن أكثرهم لا يعلمون. # ثم أكد هذا المعنى بقوله قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا (51) [الزمر] أي: قد قال هذه المقالة ~~الذين من قبلهم، لما آتيناهم نعمنا قال: قال ابن عباس: كانوا قد بطروا نعمة ~~الله إذ آتاهم الدنيا، وفرحوا بها وطغوا، وقالوا: هذه كرامة من الله لنا. # وقوله فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، المعنى: أنهم ظنوا أن ما آتيناهم ~~لكرامتهم علينا، ولم يكن كذلك، لأنهم وقعوا في العذاب، ولم يغن عنهم ما ~~كسبوا شيئا، وتبين أن تلك النعم لم تكن لكرامتهم ms068 علينا، وهو أن من منعناه إياها. # وقال أبو إسحاق: معنى الآية أن قولهم إنما آتانا الله ذلك لكرامتنا عليه، ~~وإنا أهله، أحبط أعمالهم، فكنى عن إحباط العمل بقوله فما أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون (50) [الزمر] ثم أبطل سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله أولم ~~يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر (52) [الزمر]. # والمقصود أن قوله: على علم عندي، إن أريد به علمه نفسه، كان PageV01P103 ~~المعنى: أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة والمعرفة التي توصلت بها إلى ~~ذلك، وحصلته بها. # وإن أريد به علم الله، كان المعنى: أوتيته على ما علم الله عندي من الخير ~~والاستحقاق، وأني أهله، وذلك من كرامتي عليه، وقد يترجح هذا القول بقوله: ~~أوتيته، ولم يقل: حصلته واكتسبته بعلمي ومعرفتي، فدل على اعترافه بأن غيره ~~آتاه إياه، ويدل عليه قوله تعالى بل هي فتنة (49) [الزمر] أي: محنة ~~واختبار، والمعنى: أنه لم يؤت هذا لكرامته علينا، بل أوتيه امتحانا منا ~~وابتلاء واختبارا، هل يشكر فيه أم يكفر، وأيضا فهذا يوافق قوله فأما ~~الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) [الفجر] فهو قد اعترف بأن ربه ~~هو الذي آتاه ذلك، ولكن ظن أنه لكرامته عليه. # فالآية، على التقدير الأول، تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه وعلمه ~~وقوته، ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه، وذلك محض الكفر بها. فإن رأس الشكر ~~الاعتراف بالنعمة، وأنها من المنعم وحده، فإذا أضيفت إلى غيره كان جحدا ~~لها، فإذا قال: أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك، ~~فقد أضافها إلى نفسه، وأعجب بها، كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا: من أشد ~~منا قوة؟! فهؤلاء اغتروا بقوتهم، وهذا اغتر بعلمه، فما أغنى عن هؤلاء ~~قوتهم، ولا عن هذا علمه. # وعلى التقدير الثاني يتضمن ذم من اعتقد أن إنعام الله عليه، لكونه أهلا ~~ومستحقا لها، فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق ms069 بها على ~~الله، أن ينعم عليه، وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره، فقد جعل ~~سببها ما اتصف به هو، لا ما قام بربه من الجود والإحسان والفضل والمنة، ولم ~~يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له، أيشكر أم يكفر، ليس ذلك PageV01P104 ~~جزاء على ما هو منه، ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به، فالله ~~سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب، فهو المنعم بالسبب والجزاء، والكل محض ~~منته وفضله وجوده، وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير، وعلى التقديرين، ~~فهو لم يضف النعمة إلى الرب من كل وجه، وإن أضافها إليه من وجه دون وجه، ~~وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه، على الحقيقة، بالنعم وأسبابها، ~~فأسبابها من نعمه على العبد، وإن حصلت بكسبه، فكسبه من نعمه. # فكل نعمة فمن الله وحده حتى الشكر، فإنه نعمة وهي منه سبحانه، فلا يطيق ~~أحد أن يشكره إلا بنعمته، وشكره نعمة منه عليه كما قال داود: يا رب كيف ~~أشكرك، وشكري لك نعمة من نعمك علي، تستوجب شكرا آخر؟! فقال: الآن شكرتني يا ~~داود. ذكره الإمام أحمد، وذكر أيضا عن الحسن قال: قال داود: إلهي! لو أن ~~لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار والدهر كله، لما أدوا ما ~~لك علي من حق نعمة واحدة. # والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل: إنما أوتيته على علم عندي. # ونظير ذلك قوله لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط ~~(49) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي (50) [فصلت]. # قال ابن عباس يريد: من عندي. وقال مقاتل: يعني أنا أحق بهذا. وقال مجاهد: ~~هذا بعملي، وأنا محقوق به. وقال الزجاج: هذا واجب بعملي، استحقيته. فوصف ~~الإنسان بأقبح صفتين، إن مسه الشر صار إلى حال القانط، ووجم وجوم الآيس، ~~فإذا مسه الخير نسي أن الله هو المنعم عليه المفضل بما أعطاه، فبطر وظن أنه ~~هو المستحق لذلك، ثم أضاف إلى ذلك تكذيبه بالبعث فقال: ms070 وما أظن الساعة ~~قائمة. ثم أضاف إلى ذلك ظنه PageV01P105 ~~الكاذب أنه إن بعث، كان له عند الله الحسنى، فلم يدع هذا للجهل والغرور موضعا. # فصل # وفي قوله تعالى وأضله الله على علم (23) [الجاثية] قول آخر أنه على علم ~~الضال، كما قيل: على علم منه أن معبوده لا ينفع ولا يضر، فيكون المعنى: ~~أضله الله مع علمه الذي تقوم به عليه الحجة، لم يضله على جهل وعدم علم، هذا ~~يشبه قوله فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) [البقرة] وقوله فصدهم ~~عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) [العنكبوت] وقوله وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم (14) [النمل] وقوله وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها (59) ~~[الإسراء] وقول موسى لفرعون لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر (102) [الإسراء] وقوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) [البقرة] ~~وقوله فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) [الأنعام] ~~وقوله وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون (115) ~~[التوبة] ونظائره كثيرة. # وعلى هذا التقدير فهو ضال عن سلوك طريق رشده، وهو يراها عيانا كما في ~~الحديث «أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم، لم ينفعه الله بعلمه» فإن الضال ~~عن الطريق قد يكون متبعا لهواه، عالما بأن الرشد والهدى في خلاف ما يعمل. # ولما كان الهدى هو معرفة الحق والعمل به، كان له ضدان: الجهل، PageV01P106 ~~وترك العمل به. فالأول: ضلال في العلم، والثاني: ضلال في القصد والعمل، فقد ~~وقع قوله: على علم، في قوله تعالى ولقد اخترناهم على علم (32) [الدخان] وفي ~~قوله: وأضله الله على علم، وفي قوله: قال: # إنما أوتيته على علم، فالأول: يرجع العلم فيه إلى الله قولا واحدا. ~~والثاني والثالث فيهما قولان. # والراجح في قوله: وأضله الله على علم، أن يكون كالأول، وهو قول عامة السلف. # والثالث فيه قولان محتملان، وقد ذكر توجههما، والله أعلم. # والمقصود ذكر مراتب القضاء والقدر علما وكتابة ومشيئة وخلقا. PageV01P107 ### | AUTO الباب الحادي عشر في ذكر المرتبة الثانية وهي ms071 مرتبة الكتابة # وقد تقدم في أول الكتاب ما دل على ذلك، من نصوص القرآن والسنة الصحيحة ~~الصريحة، فنذكر هنا بعض ما لم نذكره، قال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من ~~بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) إن في هذا لبلاغا لقوم ~~عابدين (106) [الأنبياء]. # فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء، لا تختص بزبور داود. # والذكر: أم الكتاب الذي عند الله. والأرض: الدنيا. وعباده الصالحون: أمة ~~محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، هذا أصح الأقوال في هذه الآية، وهي علم من ~~أعلام نبوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه أخبر بذلك بمكة، وأهل ~~الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه، والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ~~ومساكنهم، وشتتوهم في أطراف الأرض، فأخبرهم ربهم تبارك وتعالى أنه كتب في ~~الذكر الأول، أنهم يرثون الأرض من الكفار، ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها ~~على رسله. # والكتاب قد أطلق عليه الذكر في قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في ~~الحديث المتفق على صحته: «كان الله ولم يكن شي ء غيره، وكان عرشه PageV01P109 ~~على الماء، وكتب في الذكر كل شي ء» «1» فهذا هو الذكر الذي كتب فيه أن ~~الدنيا تصير لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. # والكتب المنزلة قد أطلق عليها الزبر في قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) بالبينات ~~والزبر (44) [النحل] أي: أرسلناهم بالآيات الواضحات والكتب التي فيها الهدى ~~والنور. # والذكر هاهنا: الكتابان اللذان أنزلا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهما التوراة والإنجيل. # والذكر في قوله: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم (44) ~~[النحل] هو القرآن، ففي هذه الآية علمه بما كان قبل كونه، وكتابته له بعد ~~علمه، وقال تعالى: إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شي ء ~~أحصيناه في إمام مبين (12) [يس] فجمع بين الكتابين الكتاب السابق لأعمالهم ~~قبل وجودهم، والكتاب المقارن لأعمالهم، فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم ~~للبعث، ويجازيهم بأعمالهم، ms072 ونبه بكتابته لها على ذلك، قال: نكتب ما قدموا ~~من خير أو شر فعلوه في حياتهم، وآثارهم ما سنوا من سنة خير أو شر، فاقتدي ~~بهم فيها بعد موتهم. # وقال ابن عباس في رواية عطاء: آثارهم: ما أثروا من خير أو شر كقوله ينبؤا ~~الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) [القيامة]. # فإن قلت: قد استفيد هذا من قوله: قدموا، فما أفاد قوله آثارهم على قوله؟. # (قلت) أفاد فائدة جليلة، وهو أنه سبحانه يكتب ما عملوه وما تولد من PageV01P110 ~~أعمالهم، فيكون المتولد عنها، كأنهم عملوه في الخير والشر، وهو أثر ~~أعمالهم، فآثارهم هي آثار أعمالهم المتولدة عنها، وهذا القول أعم من قول ~~مقاتل، وكأن مقاتلا أراد التمثيل والبيان، على عادة السلف في تفسير اللفظة ~~العامة بنوع أو فرد من أفراد مدلولها تقريبا وتمثيلا لا حصرا وإحاطة. # وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: نزلت هذه الآية في بني سلمة، أرادوا ~~أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، وكانت منازلهم بعيدة،. فلما نزلت قالوا: بل ~~نمكث مكاننا. واحتج أرباب هذا القول بما في صحيح البخاري، من حديث أبي سعيد ~~الخدري قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب ~~المسجد، فنزلت هذه الآية: «إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم» ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم» «1». # وقد روى مسلم في صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس «2». # وفي هذا القول نظر، فإن سورة يس مكية، وقصة بني سلمة بالمدينة إلا أن ~~يقال: هذه الآية وحدها مدنية، وأحسن من هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة، ~~ودلت عليها، وذكروا بها عندها إما من النبي صلى الله عليه وسلم، وإما من ~~جبريل، فأطلق على ذلك النزول. ولعل هذه مراد من قال في نظائر ذلك: # نزلت مرتين، والمقصود أن خطاهم إلى المساجد من آثارهم التي يكتبها الله لهم. PageV01P111 # قال عمر بن الخطاب: لو كان الله سبحانه تاركا لابن آدم شيئا، لترك ما عفت ~~عليه الرياح من أثر. # وقال مسروق: ms073 ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة. # والمقصود أن قوله وكل شي ء أحصيناه في إمام مبين (12) [يس] وهو اللوح ~~المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهو الذكر الذي كتب فيه كل شي ء، يتضمن كتابة ~~أعمال العباد قبل أن يعملوها. والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها، وحفظه ~~لها، والإحاطة بعددها، وإثباتها فيه. # وقال تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ~~ما فرطنا في الكتاب من شي ء ثم إلى ربهم يحشرون (38) [الأنعام]. # وقد اختلف في الكتاب هاهنا، هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ؟ على قولين: ~~فقالت طائفة: المراد به القرآن، وهذا من العام المراد به الخاص، أي: ما ~~فرطنا فيه من شي ء يحتاجون إلى ذكره، وبيانه، كقوله: ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شي ء (89) [النحل] ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه، ~~والمراد: أن كل شي ء ذكر فيه مجملا ومفصلا، كما قال ابن مسعود، وقد لعن ~~الواصلة والمستوصلة: ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه؟! فقالت امرأة: ~~لقد قرأت القرآن فما وجدته، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدته، قال تعالى: وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (7) [الحشر]. # ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة «1». PageV01P112 # وقال الشافعي: ما نزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل ~~الدلالة عليها. # وقالت طائفة: المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه ~~كل شي ء، وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس، وكان هذا القول أظهر في الآية، ~~والسياق يدل عليه، فإنه قال وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم (38) [الأنعام] وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق ~~والرزق والأكل، والتقدير الأول، وأنها لم تخلق سدى، بل هي معبدة مذللة، قد ~~قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه، ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد ~~فنائها، ثم قال: إلى ربهم يحشرون، فذكر مبدأها ونهايتها، وأدخل بين هاتين ~~الحالتين قوله «ما فرطنا في ms074 الكتاب من شي ء» أي: كلها قد كتبت وقدرت ~~وأحصيت، قبل أن توجد، فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي، وإنما يناسب ~~ذكر الكتاب الأول. # ولمن نصر القول الأول أن يجيب عن هذا، بأن في ذكر القرآن هاهنا الإخبار ~~عن تضمنه لذكر ذلك والإخبار به، فلم نفرط فيه من شي ء، بل أخبرناكم بكل ما ~~كان وما هو كائن إجمالا وتفصيلا، ويرجحه أمر آخر، وهو أن هذا ذكر عقيب قوله ~~وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) [الأنعام] فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شي ء، ولم ~~يفرط فيه من شي ء، ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السموات ~~والأرض، وهذا يتضمن التعريف بوجود الخالق وكمال قدرته وعلمه، وسعة ملكه ~~وكثرة جنوده والأمم التي لا يحصيها غيره، وهذا يتضمن أنه لا إله غيره، ولا ~~رب سواه، وأنه رب العالمين، فهذا دليل، على وحدانيته وصفات كماله من جهة ~~خلقه وقدره. PageV01P113 # وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شي ء دليل، من جهة أمره وكلامه، فهذا ~~استدلال بأمره، وذاك بخلقه، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، ~~وشهد لهذا أيضا قوله وقالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات ~~عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) [العنكبوت]. # ولمن نصر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أن يقول: لما سألوا آية، ~~أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك، فإنه قادر على ~~ذلك، وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم، إذ لو أنزلها على ~~وفق اقتراحهم، لعوجلوا بالعقوبة، إن لم يؤمنوا، ثم ذكر ما يدل على كمال ~~قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو، فمن قدر على خلق هذه ~~الأمم، مع ms075 اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها، كيف يعجز عن إنزال ~~آية؟! ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه، بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم، ~~وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب، لم يفرط فيه من شي ء، ثم يميتهم، ~~ثم يحشرهم إليه، والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات عن النظر ~~والاعتبار الذي يؤديهم إلى معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق رسله، ثم أخبر أن ~~الآيات لا تستقل بالهدى، ولو أنزلها على وفق اقتراح البشر، بل الأمر كله ~~له، من يشأ يضلله، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم، فهو أظهر القولين، والله أعلم. # وقال حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) [الزخرف] قال ابن عباس: في اللوح ~~المحفوظ المقرى عندنا. قال مقاتل: إن نسخته في أصل الكتاب، وهو اللوح ~~المحفوظ، وأم الكتاب أصل الكتاب، وأم كل شي ء أصله، والقرآن كتبه الله في ~~اللوح المحفوظ، قبل خلق السموات والأرض كما قال PageV01P114 ~~تعالى بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22) [البروج]. # وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم ~~القيامة، فهو مكتوب في أم الكتاب، وقد دل القرآن على أن الرب تعالى كتب في ~~أم الكتاب ما يفعله، وما يقوله، فكتب في اللوح أفعاله وكلامه، فتبت يدا أبي ~~لهب، في اللوح المحفوظ، قبل وجود أبي لهب. وقوله: # «لدينا» يجوز فيه أن تكون من صلة أم الكتاب، أي: أنه في الكتاب الذي ~~عندنا، وهذا اختيار ابن عباس، ويجوز أن يكون من صلة الخبر «إنه علي حكيم» ~~عندنا ليس هو كما عند المكذبين به، أي: وإن كذبتم به، وكفرتم فهو عندنا في ~~غاية الارتفاع والشرف والإحكام. # وقال تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم ~~نصيبهم من الكتاب (37) [الأعراف] قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطية: أي ما سبق ~~لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة، ثم قرأ عطية فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة (30) [الأعراف] والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كتب ms076 لهم من الشقاوة، ~~وهذا قول ابن عباس، في رواية عطاء قال: يريد ما سبق عليهم في علمي في اللوح ~~المحفوظ، فالكتاب على هذا القول: الكتاب الأول، ونصيبهم ما كتب لهم من ~~الشقاوة وأسبابها. وقال ابن زيد والقرطبي والربيع بن أنس، ينالهم ما كتب ~~لهم من الأرزاق والأعمال، فإذا فني نصيبهم، واستكملوه، جاءتهم رسلنا ~~يتوفونهم. ورجح بعضهم هذا القول لمكان حتى التي هي للغاية، يعني أنهم ~~يستوفون أرزاقهم وأعمارهم إلى الموت. # ولمن نصر القول الأول أن يقول: حتى في هذا الموضع، هي التي تدخل على ~~الجمل، ويتصرف الكلام فيها إلى الابتداء كما في قوله: فيا عجبا حتى كليب تسبني. PageV01P115 # والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين، فهو نصيبهم من الشقاوة، ~~ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة ~~اكتسابها، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك، فعمت الآية هذا ~~النصيب كله، وذكر هؤلاء بعضه وهؤلاء بعضه. هذا على القول الصحيح، وأن ~~المراد ما سبق لهم في أم الكتاب. # وقالت طائفة: المراد بالكتاب القرآن. قال الزجاج: معنى نصيبهم من الكتاب، ~~ما أخبر الله من جزائهم نحو قوله: فأنذرتكم نارا تلظى (14) [الليل] وقوله: ~~يسلكه عذابا صعدا (17) [الجن] قال أرباب هذا القول: وهذا هو الظاهر، لأنه ~~ذكر عذابهم في القرآن في مواضع، ثم أخبر أنه ينالهم نصيبهم منه. والصحيح ~~القول الأول، وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا، ولهذا ~~القول وجه حسن، وهو أن نصيب المؤمنين منه الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء منه ~~العذاب والشقاء، فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم، وآثروه على غيره، ~~كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة، فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة، ~~فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم. وقريب من هذا قوله ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) [الواقعة] أي: تجعلون حظكم من هذا الرزق ~~الذي به حياتكم التكذيب به قال الحسن: تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم ~~تكذبون. # قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا ms077 التكذيب به وقال تعالى وكل ~~شي ء فعلوه في الزبر (52) [القمر]. # قال عطاء وقاتل: كل شي ء فعلوه مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ. # وروى حماد بن زيد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: وكل شي ء فعلوه في ~~الزبر قال: كتب عليهم قبل أن يعملوه، وقالت طائفة: المعنى أنه يحصي عليهم ~~في كتب أعمالهم. PageV01P116 # وجمع أبو إسحاق بين القولين فقال: مكتوب عليهم قبل أن يفعلوه، ومكتوب عليهم ~~إذا فعلوه، للجزاء، وهذا أصح، وبالله التوفيق. # وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال ~~أبو هريرة: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «إن الله كتب على ابن ~~آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان ~~النطق، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه» «1». # وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما ~~النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، ~~والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق الفرج ذلك كله ويكذبه» «2». # وفي صحيح البخاري «3» وغيره عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم، وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: ~~اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، مرتين، ثم دخل عليه ~~ناس من اليمن، فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم، ~~قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئنا لنسألك عن هذا الأمر، قال: كان ~~الله ولم يكن شي ء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شي ء، وخلق ~~السموات والأرض. فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن PageV01P117 ~~الحصين، فانطلقت، فإذا هي ينقطع دونها السراب، فو الله لوددت أني كنت ~~تركتها. # فالرب سبحانه كتب ما يقوله وما يفعله وما يكون بقوله وفعله، وكتب مقتضى ~~أسمائه وصفاته وآثارها، كما في الصحيحين «1»، من حديث أبي ms078 الزناد، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لما ~~قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي». PageV01P118 ### | AUTO الباب الثاني عشر في ذكر المرتبة الثالثة من مراتب القضاء ~~والقدر وهي مرتبة المشيئة # وهذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل، من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب ~~المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول ~~والعيان، وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان، وما ~~لم يشأ لم يكن. هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به. # والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء الله كان، وما لم ~~يشأ لم يكن. وخالفهم في ذلك من ليس منهم في هذا الموضع، وإن كان منهم في ~~موضع آخر، فجوزوا أن يكون في الوجود ما لا يشاء الله، وأن يشاء ما لا يكون، ~~وخالف الرسل كلهم وأتباعهم من نفي مشيئة الله بالكلية، ولم يثبت له سبحانه ~~مشيئة واختيارا، أوجد بها الخلق، كما يقوله طوائف من أعداء الرسل من ~~الفلاسفة وأتباعهم. # والقرآن والسنة مملوءان بتكذيب الطائفتين، فقوله تعالى: ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) ~~[البقرة] وقال تعالى كذلك الله يفعل ما يشاء (40) [آل عمران] وقال وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا PageV01P119 ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما ~~فعلوه فذرهم وما يفترون (112) [الأنعام] وقال ولو شاء ربك لآمن من في الأرض ~~كلهم جميعا (99) [يونس] وقال ولو شاء ربك لجعل الناس أمة (118) [هود] وقال ~~ولو شاء الله لجمعهم على الهدى (35) [الأنعام] وقال ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها (13) [السجدة] وقال ولو يشاء الله لانتصر منهم (4) [محمد] وقال ولئن ~~شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك (86) [الإسراء] وقال فإن يشإ الله يختم على ~~قلبك (24) [الشورى] ms079 وقال إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله ~~على ذلك قديرا (133) [النساء] وقال لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~(27) [الفتح]. # وقال عن نوح أنه قال لقومه: قال إنما يأتيكم به الله إن شاء (33) [هود]. # وقال إمام الحنفاء وأبو الأنبياء لقومه: ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شي ء علما (80) [الأنعام]. # وقال الذبيح له ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) [الصافات]. # وقال خطيب الأنبياء شعيب وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ~~ربنا وسع ربنا كل شي ء علما على الله توكلنا (89) [الأعراف]. # وقال الصديق الكريم ابن الكريم ابن الكريم ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~(99) [يوسف]. # وقال حمو موسى وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) ~~[القصص]. # وقال كليم الرحمن للخضر ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) ~~[الكهف]. PageV01P120 # وقال قوم موسى له وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) [البقرة]. # وقال لسيد ولد آدم وأكرمهم عليه ولا تقولن لشي ء إني فاعل ذلك غدا (23) ~~إلا أن يشاء الله (24) [الكهف] وقال قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما ~~شاء الله (49) [يونس]. # وقال عن أهل الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ~~(107) [هود]. # وعن أهل النار كذلك ليبين أن الأمر راجع إلى مشيئته، ولو شاء لكان غير ذلك. # وقال: ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم (54) [الإسراء] وقال ~~يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (18) [المائدة]. # وقال* ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ~~(27) [الشورى] وقال إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر (30) [الإسراء]. # وقال: يمحوا الله ما يشاء ويثبت (39) [الرعد] وقال: من يشأ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) [الأنعام]. # وقال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) [إبراهيم] وقال ويضل الله الظالمين ~~ويفعل الله ms080 ما يشاء (27) [إبراهيم] وقال ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء ~~من عبادنا (52) [الشورى] وقال قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم (142) [البقرة] وقال قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ~~(16) [يونس] وقال نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ~~(28) [الإنسان] وقال وما يذكرون إلا أن يشاء الله (56) [المدثر] وفي الآية PageV01P121 ~~الأخرى وما تشاؤن إلا أن يشاء الله (30) [الإنسان] فأخبر أن مشيئتهم وفعلهم ~~موقوفان على مشيئته لهم، هذا وهذا، وقال قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من ~~تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء (26) [آل عمران] وقال ~~والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) [يونس] ~~وقال ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم (24) [الأحزاب] وقوله يختص ~~برحمته من يشاء (105) [البقرة] وقوله ولكن الله يزكي من يشاء (21) [النور] ~~وقوله والله يضاعف لمن يشاء (261) [البقرة] وقوله نصيب برحمتنا من نشاء ~~(56) [يوسف] وقوله نرفع درجات من نشاء (76) [يوسف] وقوله ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء (21) [الحديد] ولكن الله يمن على من يشاء من عباده (11) ~~[إبراهيم] وقوله فنجي من نشاء (110) [يوسف] وقوله فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء (48) [الروم] وقوله إن ربي لطيف لما يشاء (100) [يوسف] وقوله يؤتي ~~الحكمة من يشاء (269) [البقرة] وقوله ولو نشاء لطمسنا على أعينهم (66) [يس] ~~وقوله ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم (20) [البقرة] وقوله إن يشأ يسكن ~~الريح (33) [الشورى] وقوله لو نشاء لجعلناه حطاما (65) [الواقعة] لو نشاء ~~جعلناه أجاجا (70) [الواقعة] وقوله فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء (28) ~~[التوبة] وقوله إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء (133) [الأنعام] ~~وقوله ولو شاء الله لأعنتكم (220) [البقرة] وقوله الله يجتبي إليه من يشاء ~~(13) [الشورى] وقوله عن كليمه موسى إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي ~~من تشاء (155) [الأعراف]. # وهذه الآيات ونحوها تتضمن الرد على طائفتي الضلال نفاة المشيئة بالكلية، ~~ونفاة مشيئة أفعال العباد وحركاتهم وهداهم وضلالهم، وهو سبحانه تارة يخبر ~~أن كل ما في الكون ms081 بمشيئته، وتارة أن ما لم يشأ لم يكن، وتارة أنه لو شاء ~~لكان خلاف الواقع، وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه، وأنه لو ~~شاء ما عصي، وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى، PageV01P122 ~~وجعلهم أمة واحدة، فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته، وأن ما لم يقع فهو لعدم ~~مشيئته، وهذا حقيقة الربوبية، وهو معنى كونه رب العالمين، وكونه القيوم ~~القائم بتدبير عباده، فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ~~ولا موت ولا حياة ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه، وكل ~~ذلك بمشيئته وتكوينه إذ لا مالك غيره، ولا مدبر سواه، ولا رب غيره. # قال تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار (68) [القصص] وقال ونقر في الأرحام ~~ما نشاء (5) [الحج] وقال في أي صورة ما شاء ركبك (8) [الانفطار] وقال لله ~~ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ~~(49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما (50) [الشورى] وقال يهدي ~~الله لنوره من يشاء (35) [النور]. # وتقدم في حديث حذيفة بن أسيد، في صحيح مسلم «1»، في شأن الجنين «فيقضي ~~ربك ما يشاء، ويكتب الملك». # وفي صحيح البخاري «2» من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء» «3». # وفي صحيح البخاري «4»، من حديث علي بن أبي طالب، حين طرقه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفاطمة ليلا، فقال: «ألا تصليان» فقال علي: إنما أنفسنا بيد ~~الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا». PageV01P123 # وفي صحيحه أيضا «1»، في قصة نومهم في الوادي، عنه صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: «إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها حين شاء». # وفي حديث ابن مسعود الذي في المسند «2» وغيره في قصة رجوعهم من الحديبية ~~ونومهم عن صلاة الصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لو شاء لم ~~تناموا عنها، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم، فهكذا لمن نام ونسي». # وفي لفظ آخر: إن الله ms082 سبحانه لو شاء أيقظنا، ولكنه أراد أن يكون لمن ~~بعدكم «3». # وفي مسند الإمام أحمد «4»، عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها، أنه رأى ~~فيما يرى النائم، كأنه مر برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن ~~اليهود قال: إنكم أنتم القوم لو لا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله، فقالت ~~اليهود: وأنتم القوم لو لا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ثم مر برهط ~~من النصارى، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى قال: إنكم أنتم القوم لو لا ~~أنكم تقولون: المسيح ابن الله: قالوا: وأنتم القوم لو لا أنكم تقولون ما ~~شاء الله وشاء محمد، فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأخبره، فقال: أخبرت أحدا؟ فقال: نعم! فلما صلوا، خطبهم فحمد ~~الله وأثنى عليه فقال: «إن طفيلا رأى رؤيا، فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم ~~تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم. زاد البيهقي، فلا تقولوها، ولكن ~~قولوا: ما شاء الله وحده لا شريك له». PageV01P124 # وروى جعفر، عن عون، عن الأجلح، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه في بعض الأمر، فقال الرجل لرسول ~~الله: ما شاء الله، وشئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجعلتني لله ~~عدلا، بل ما شاء الله وحده» «1». # وروى شعبة عن منصور، عن عبد الله بن يسار، عن حذيفة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا تقولوا ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء ~~الله، ثم شاء فلان» «2». # قال الشافعي في رواية الربيع عنه: المشيئة إرادة الله. قال الله عز وجل ~~وما تشاؤن إلا أن يشاء الله (30) [الإنسان] فأعلم الله خلقه، أن المشيئة له ~~دون خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله، فيقال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما شاء الله، ثم شئت، ولا يقال: ما شاء الله وشئت. قال: ~~ويقال: من يطع الله ورسوله، فإن الله تعبد العباد بأن فرض ms083 عليهم طاعة ~~رسوله، فإذا أطيع رسول الله، فقد أطيع الله بطاعة رسوله. # وفي صحيح مسلم «3»، من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم: # «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفها كيف يشاء» ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على ~~طاعتك». # وفي حديث النواس بن سمعان، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قلب PageV01P125 ~~إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه» «1». # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت ~~قلوبنا على دينك» «2». والميزان بيد الرحمن، يرفع أقواما، ويخفض آخرين، إلى ~~يوم القيامة «3». # وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو قائم على المنبر يقول: «إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين ~~صلاة العصر إلى غروب الشمس» «4» وذكر الحديث وقال في آخره: «فذلك فضلي ~~أوتيه من أشاء». # وفي صحيح البخاري مرفوعا: «مثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى ~~يقصمها الله إذا شاء» «5». # وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: لا يقل ابن ~~آدم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما» «6». PageV01P126 # قال الشافعي: تأويله والله أعلم، أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر، وتسبه ~~عند المصائب التي تنزل بهم، من موت أو هرم أو تلف أو غير ذلك، فيقولون: ~~إنما يهلكنا الدهر، وهو الليل والنهار، ويقولون: أصابتهم قوارع الدهر، ~~وأبادهم الدهر، فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء، فيذمون الدهر بأنه ~~الذي يفنيهم ويفعل بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا ~~الدهر» «1» على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا ~~سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبون الله تبارك وتعالى، فإنه فاعل هذه ~~الأشياء. # وفي حديث أنس يرفعه: «اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا ms084 لنفحات رحمة الله، ~~فإن لله عز وجل سحائب من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن ~~يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم» «2». # وفي الصحيحين «3»، من حديث عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا ~~تسرقوا، فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب به، ~~فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذبه، ~~وإن شاء غفر له». وفيهما أيضا من حديث احتجاج الجنة والنار قول الله للجنة: ~~«أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء، وللنار: أنت عذابي، أعذب بك PageV01P127 ~~من أشاء» «1» وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، وارحمني إن شئت، وارزقني إن شئت، ~~ليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء، لا مكره له» «2». # وفي صحيح مسلم «3» عنه يرفعه: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن ~~الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك ~~شي ء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: # قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان». # وفي حديث أبي ذر: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته» «4» الحديث، وفي ~~آخره: ذلك بأني جواد أفعل ما أشاء، عطائي كلام، فإذا أردت شيئا، فإنما أقول ~~له كن فيكون. # وفي حديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنعم الله على ~~عبد من نعمة من أهل وولد، فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه ~~آية دون الموت» «5» وهذا الحديث الصحيح مشتق من قوله تعالى: ولو لا إذ دخلت ~~جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله (39) [الكهف]. # وفي حديث الشفاعة: «فإذا رأيت ربي، وقعت له ساجدا، فيدعني ما شاء PageV01P128 ~~الله أن يدعني» «1». # وفي حديث: «آخر أهل الجنة دخولا إليها. فيسكت ما شاء الله ms085 أن يسكت. وفيه ~~قوله سبحانه: لا أهزأ بك، ولكني على ما أشاء قدير» «2» والحديثان في ~~الصحيحين. # وفيهما «3» من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي ~~دعوة، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». # وقال: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها ~~أحد» «4». # وقال: «إني لأطمع أن يكون حوضي، إن شاء الله، أوسع ما بين أيلة إلى كذا» «5». # وقال في المدينة: «لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، إن شاء الله» «6». # وقال في زيارة المقابر: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» «7». PageV01P129 # وقال لما حاصر الطائف: «إنا قافلون غدا إن شاء الله» «1». # وقال لما قدم مكة: «منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة» «2». # وقال يوم بدر: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان إن شاء ~~الله» «3». # وقال في بعض أسفاره: إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم ثم إنكم تأتون الماء غدا ~~إن شاء الله» «4». # وقال للأعرابي الذي عاده من الحمى: «لا بأس، طهور إن شاء الله» «5». # وأخبر عن سليمان بن داود أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل ~~واحدة تأتي بفارس، يقاتل في سبيل الله؛ فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم ~~يقل، فطاف عليهن جميعا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل. وأيم ~~الذي نفس محمد بيده: لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا ~~أجمعون» «6». # وقال: «من حلف، فقال: إن شاء الله، فإن شاء مضى، وإن شاء رجع غير حنث» «7». PageV01P130 # وقال: «لأغزون قريشا، ثم قال في الثالثة: إن شاء الله» «1» # وقال: «ألا مشمر للجنة؟ فقالت الصحابة: نحن المشمرون لها يا رسول الله ~~فقال: «قولوا: إن شاء الله» «2». # وقال تعالى: واذكر ربك إذا نسيت (24) [الكهف] قال الحسن: إذا نسيت أن ~~تقول: إن شاء الله. وهذا هو الاستثناء الذي كان يجوزه ابن عباس متراخيا، ~~ويتأول عليه الآية، لا الاستثناء في الإقرار واليمين والطلاق والعتاق، وهذا ~~من كمال علم ابن عباس وفقهه في القرآن. ms086 # وقد أجمع المسلمون على أن الحالف، إذا استثنى في يمينه متصلا بها، فقال: ~~لأفعلن كذا، أولا أفعله إن شاء الله، إنه لا يحنث، إذا خالف ما حلف عليه، ~~لأن من أصل أهل الإسلام، أنه لا يكون شي ء إلا بمشيئة الله، فإذا علق ~~الحالف الفعل أو الترك، بالمشيئة، لم يحنث عند عدم المشيئة، ولا تجب عليه ~~الكفارة. # ولو ذهبنا نذكر كل حديث أو أثر جاء فيه لفظ المشيئة، وتعليق فعل الرب ~~بها، لطال الكتاب جدا. # وأما الإرادة، فورودها في نصوص القرآن والسنة معلوم أيضا، كقوله تعالى ~~فعال لما يريد (107) [هود]. فأراد ربك أن يبلغا أشدهما (82) [الكهف] وإذا ~~أردنا أن نهلك قرية (16) [الإسراء]. يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر (185) [البقرة]. إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن PageV01P131 ~~فيكون (82) [يس] ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا (41) ~~[المائدة]. # وقول نوح ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) [هود] وقوله فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا (125) [الأنعام]. وقوله ~~وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له (11) [الرعد] وقوله والله يريد أن ~~يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) يريد ~~الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) [النساء]. # وأخبر أنه إذا لم يرد تطهير قلوب عباده، لم يكن لهم سبيل إلى تطهيرها ~~فقال أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم (41) [المائدة] وقال وأن الله يهدي من يريد (16) [الحج] ~~وإن الله يحكم ما يريد (1) [المائدة] وقال ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم (6) [المائدة] وقوله فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا (17) [المائدة] وقوله إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت (33) [الأحزاب] وقوله قل من ذا الذي ~~يعصمكم من الله ms087 إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة (17) [الأحزاب]. # وقول صاحب يس أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا ولا ينقذون (23) [يس] وقوله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته (38) ~~[الزمر] وقوله يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة (176) [آل عمران] ~~وقوله من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد (18) [الإسراء]. PageV01P132 # والنصوص النبوية في إثبات إرادة الله أكثر من أن تحصر، كقوله: من يرد الله ~~به خيرا، يفقهه في الدين. ومن يرد الله به خيرا، يصب منه. إذا أراد الله ~~بالأمير خيرا، جعل له وزير صدق. إذا أراد الله رحمة أمة، قبض نبيها قبلها. # إذا أراد الله هلكة أمة، عذبها ونبيها حي، فأقر عينه بهلكها. إذا أراد ~~الله بعبد خيرا، عجل له العقوبة في الدنيا. إذا أراد الله بعبد شرا، أمسك ~~عنه توبته حتى يوافي يوم القيامة كأنه عير «1». إذا أراد الله قبض عبد ~~بأرض، جعل له إليها حاجة. إذا أراد الله بأهل بيت خيرا، أدخل عليهم باب ~~الرفق. إذا أراد الله بقوم عذابا، أصاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم. # والآثار النبوية في ذلك أكثر من أن نستوعبها. # فصل # وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه والتنبه له، وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة، ~~تعرض لمن لم يحط به علما، وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر، وأمره ~~سبحانه نوعان: أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي، فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه ~~وأمره الكوني، وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه، كله داخل تحت مشيئته، كما ~~خلق إبليس وهو يبغضه، وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة ~~له، وهو يبغضها، فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله. # وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله، ~~فما وجد منه، تعلقت به المحبة والمشيئة جميعا، فهو محبوب PageV01P133 ~~للرب، واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وما لم يوجد منه، ~~تعلقت به محبته ms088 وأمره الديني، ولم تتعلق به مشيئته. # وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي، تعلقت به مشيئته، ولم تتعلق به محبته ~~ولا رضاه ولا أمره الديني، وما لم يوجد منها، لم تتعلق به مشيئته ولا ~~محبته، فلفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي، ولفظ الإرادة ينقسم إلى ~~إرادة كونية، فتكون هي المشيئة، وإرادة دينية، فتكون هي المحبة. # إذا عرفت هذا، فقوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر (7) [الزمر] وقوله لا ~~يحب الفساد (205) [البقرة] وقوله ولا يريد بكم العسر (185) [البقرة] لا ~~يناقص نصوص القدر والمشيئة العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه ~~وقدره، فإن المحبة غير المشيئة، والأمر غير الخلق، ونظير هذا لفظ الأمر، ~~فإنه نوعان: أمر تكوين، وأمر تشريع، والثاني قد يعصى ويخالف، بخلاف الأول، ~~فقوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها (16) ~~[الإسراء] لا يناقض قوله إن الله لا يأمر بالفحشاء (28) [الأعراف] ولا حاجة ~~إلى تكلف تقدير: أمرنا مترفيها بالطاعة، فعصونا، وفسقوا فيها، بل الأمر ~~هاهنا أمر تكوين وتقدير، لا أمر تشريع، لوجوه: أحدها أن المستعمل في مثل ~~هذا التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به، كما تقول: أمرته فقام، ~~وأمرته فأكل، كما لو صرح بلفظه «أفعل» كقوله تعالى وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا (34) [البقرة] وهذا كما تقول: دعوته فأقبل. وقال تعالى ~~يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده (52) [الإسراء]. # الثاني أن الأمر بالطاعة لا يخص المترفين، فلا يصح حمل الآية عليه، بل ~~تسقط فائدة ذكر المترفين، فإن جميع المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة، فلا يصح ~~أن يكون أمر المترفين علة إهلاك جميعهم. PageV01P134 # الثالث: أن هذا النسق العجيب والتركيب البديع مقتض ترتب ما بعد الفاء على ~~ما قبلها ترتب المسبب على سببه والمعلول على علته، ألا ترى أن الفسق علة حق ~~القول عليهم، وحق القول عليهم علة لتدميرهم، فهكذا، الأمر سبب لفسقهم، ~~ومقتض له، وذلك هو أمر التكوين لا التشريع. # الرابع: أن إرادته سبحانه لإهلاكهم إنما كانت بعد معصيتهم ومخالفتهم ~~لرسله، فمعصيتهم ومخالفتهم قد تقدمت، فأراد الله إهلاكهم، فعاقبهم بأن ms089 قدر ~~عليهم الأعمال التي يتحتم معها هلاكهم. # فإن قيل: فمعصيتهم السابقة سبب لهلاكهم، فما الفائدة في قوله أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها (16) [الإسراء] وقد تقدم الفسق منهم؟. # قيل: المعصية السابقة وإن كانت سببا للهلاك، لكن يجوز تخلف الهلاك عنها، ~~ولا يتحتم، كما هو عادة الرب تعالى المعلومة في خلقه، أنه لا يتحتم هلاكهم ~~بمعاصيهم، فإذا أراد إهلاكهم ولا بد، أحدث سببا آخر، يتحتم معه الهلاك، ألا ~~ترى أن ثمود لم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أخرج لهم الناقة، فعقروها، ~~فأهلكوا حينئذ، وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم السابق بموسى، حتى أراهم ~~الآيات المتتابعات، واستحكم بغيهم وعنادهم، فحينئذ أهلكوا. # وكذلك قوم لوط لما أراد هلاكهم، أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف، ~~فقصدوهم بالفاحشة، ونالوا من لوط، وتواعدوه، وكذلك سائر الأمم، إذا أراد ~~الله هلاكها، أحدث لها بغيا وعدوانا، يأخذها على أثره، وهذه عادته مع عباده ~~عموما وخصوصا، فيعصيه العبد، وهو يحلم عنه، ولا يعاجله حتى إذا أراد أخذه، ~~قيض له عملا يأخذه به مضافا إلى أعماله الأولى، فيظن الظان أنه أخذه بذلك ~~العمل وحده، وليس كذلك، بل حق عليه القول بذلك، وكان قبل ذلك لم يحق عليه ~~القول بأعماله الأولى، حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه، ولكن لم يحكم به ~~أحكم الحاكمين، ولم PageV01P135 ~~يمض الحكم؛ فإذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب عليه، أمضى حكمه عليه ~~وأنفذه. قال تعالى فلما آسفونا انتقمنا منهم (55) [الزخرف] وقد كانوا قبل ~~ذلك أغضبوه بمعصية رسوله، ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم، ~~إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم، فلما أيس من إيمانهم، تقرر الغضب واستحكم، ~~فحلت العقوبة. فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير الإلهي، وفكر ~~العبد فيه من أنفع الأمور له، فإنه لا يدري أي المعاصي هي الموجبة التي ~~يتحتم عندها عقوبته، فلا يقال بعدها، والله المستعان. # وسنعقد لهذا الفصل بابا في الفرق بين القضاء الكوني والديني، نشبع الكلام ~~فيه إن شاء الله، لشدة الحاجة إليه إذ المقصود في هذا الباب مشيئة ms090 الرب، ~~وأنها الموجبة لكل موجود، كما أن عدم مشيئته موجب لعدم وجود الشي ء، فهما ~~الموجبتان، ما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ وجب عدمه وامتناعه، وهذا أمر ~~يعم كل مقدور من الأعيان والأفعال والحركات والسكنات، فسبحانه أن يكون في ~~مملكته ما لا يشاء أو أن يشاء شيئا فلا يكون، وإن كان فيها ما لا يحبه ولا ~~يرضاه، وإن كان يحب الشي ء فلا يكون، لعدم مشيئته له، ولو شاءه لوجد. PageV01P136 ### | AUTO الباب الثالث عشر في ذكر المرتبة الرابعة من مراتب القضاء ~~والقدر وهي مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها # وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم، وعليه اتفقت ~~الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس الأمة، فأخرجت ~~طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وهي أشرف ما في العالم، عن ~~ربوبيته وتكوينه ومشيئته، بل جعلوهم هم الخالقين لها، ولا تعلق لها ~~بمشيئته، ولا تدخل تحت قدرته، وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات ~~الاختيارية، فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا، ولا يضل مهتديا، ولا ~~يقدر أن يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا والمصلي مصليا، وإنما ذلك بجعلهم ~~أنفسهم كذلك، لا بجعله تعالى. # وقد نادى القرآن بل الكتب السماوية كلها والسنة وأدلة التوحيد والعقول ~~على بطلان قولهم، وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض، وصنف حزب ~~الإسلام وعصابة الرسول وعسكره التصانيف في الرد عليهم، وهي أكثر من أن ~~يحصيها إلا الله، ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم، ونواصيهم تحت ~~أرجلهم، إذ كانوا يردون باطلهم بالحق المحض وبدعتهم بالسنة، والسنة لا يقوم ~~لها شي ء، فكانوا معهم كالذمة مع المسلمين PageV01P137 ~~إلى أن نبغت نابغة، ردوا بدعتهم ببدعة تقابلها، وقابلوا باطلهم بباطل من ~~جنسه، وقالوا: العبد مجبور على أفعاله مقهور عليها، لا تأثير له في وجودها ~~البتة، وهي واقعة بإرادته واختياره، وغلا غلاتهم فقالوا: بل هي عين أفعال ~~الله، ولا ينسب إلى العبد إلا على المجاز، والله سبحانه يلوم العبد ويعاقبه ms091 ~~ويخلده في النار على ما لم يكن للعبد فيه صنع، ولا هو فعله، بل هو محض فعل ~~الله، وهذا قول الجبرية، وهو إن لم يكن شرا من القدرية، فليس هو بدونه في ~~البطلان. # وإجماع الرسل واتفاق الكتب الإلهية وأدلة العقول والفطر والعيان، يكذب ~~هذا القول ويرده، والطائفتان في عمى عن الحق القويم والصراط المستقيم، ولما ~~رأى القاضي وغيره بطلان هذا القول وتناقضه للشرائع والعدل والجبلة، قالوا: ~~قدرة العبد، وإن لم تؤثر في وجود الفعل، فهي مؤثرة في صفة من صفاته وتلك ~~الصفة تسمى كسبا، وهي متعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب، فإن الحركة التي ~~هي من طاعته، والحركة التي هي من معصيته، قد اشتركا في نفس الحركة، وامتازت ~~إحداهما عن الأخرى بالطاعة والمعصية، فذات الحركة ووجودها واقع بقدرة الله ~~وإيجاده، وكونها طاعة ومعصية واقع بقدرة العبد وتأثيره. # وهذا وإن كان أقرب إلى الصواب، فالقائل به لم يوفه حقه، فإن كونها طاعة ~~ومعصية هو موافقة الأمر ومخالفته، فهذه الموافقة والمخالفة إما أن تكون ~~فعلا للعبد، يتعلق بقدرته واختياره، وإن كان لم يكن للعبد اختيار ولا فعل ~~ولا كسب البتة، فلم يثبت هؤلاء من الكسب أمرا معقولا، ولهذا يقال: # محالات الكلام ثلاثة: كسب الأشعري، وأحوال أبي هاشم، وطفرة النظام. # ولما رأى طائفة فساد هذا، قالوا: المؤثر في وجود الفعل هو قدرة الرب على ~~سبيل الاستقلال، قالوا: ولا يمتنع اجتماع المؤثرين على أثر واحد، PageV01P138 ~~ولم يستوحش هؤلاء من القول بوقوع مفعول بين فاعلين ولا مقدور بين قادرين، ~~قالوا: كما يمتنع وقوع معلوم بين عالمين ومراد بين مريدين ومحبوب بين ~~محبوبين، ومكروه بين مكروهين، قالوا: ونحن نشاهد قادرين مستقلين، كل منهما ~~يمكنه أن يستقل بالفعل، يقع بينهما مفعول واحد، يشتركان في فعله والتأثير ~~فيه، قالوا: وليس معكم ما يبطل هذا إلا قولكم: # إن إضافته إلى أحدهما على سبيل الاستقلال، يمنع إضافته إلى الآخر، ~~وإضافته إليهما، وفي هذه الحجة إجمال، لا بد له من تفصيل؛ فيجوز وقوع مفعول ~~بين فاعلين، لا يستقل أحدهما به كالمتعاونين على ms092 الأمر، لا يقدر عليه ~~أحدهما وحده، ويجوز وقوع مفعول بين فاعلين، يشتركان فيه، كل منهما يستقل به ~~على سبيل البدل، وهذا ظاهر أيضا. ويجوز وقوع مفعول بين فاعلين، يشتركان ~~فيه، وكل منهما يقدر عليه حال الانفراد، كمحمول يحمله اثنان، كل منهما ~~يمكنه أن يستقل بحمله وحده، وكل هذه الأقسام ممكنة بل واقعة. # بقي قسم واحد وهو مفعول بين فاعلين، كل منهما فعله على سبيل الاستقلال، ~~فهذا محال، فإن استقلال كل منهما بفعله ينفي فعل الآخر له، فاستقلالهما ~~ينافي استقلالهما. وأكثر الطوائف يقر بوقوع مقدور بين قادرين، وإن اختلفوا ~~في كيفية وقوعه. # فقالت طائفة: الفعل يضاف إلى قدرة الله سبحانه على وجه الاستقلال ~~بالتأثير، ويضاف إلى قدرة العبد، لكنها غير مستقلة، فإذا انضمت قدرة الله ~~إلى قدرة العبد، سارت قدرة العبد مؤثرة، على سبيل الاستقلال، بتوسط إعانة ~~قدرة الله، وجعل قدرة العبد مؤثرة، والقائل بهذا لم يتخلص من الخطأ حيث زعم ~~أن قدرة العبد مستقلة بإعانة قدرة الله له، فعاد الأمر إلى اجتماع مؤثرين ~~على أثر واحد، لكن قدرة أحدهما وتأثيره مستند إلى قدرة PageV01P139 ~~الآخر وتأثيره، وكأنه، والله أعلم، أراد أن قدرة الرب مستقلة بالتأثير في ~~إيجاد الفعل، وهذا قد قاله طائفة من العلماء، وقائل هذا لم يتخلص من الخطأ ~~حيث جعل قدرة العبد مستقلة بالتأثير في إيجاد المقدور، وهذا باطل، إذ غاية ~~قدرة العبد أن تكون سببا بل جزءا من السبب، والسبب لا يستقل بحصول المسبب، ~~ولا يوجبه، وليس في الوجود ما يوجب حصول المقدور إلا مشيئة الله وحده، ~~وأصحاب هذا القول زعموا أن الله أعطى العبد قدرة وإرادة، وفوض إليه بهما ~~الفعل والترك، وخلاه وما يريد، فهو يفعل ويترك بقدرته وإرادته اللتين فوض ~~إليه الفعل والترك بهما. # وقالت طائفة أخرى: مقدور العبد هو عين مقدور الرب، بشرط أن يفعله العبد ~~إذا تركه الرب، ولم يفعله، لا على أنه يفعله، والرب له فاعل، لاستحالة خلق ~~بين خالقين، وهذا بعينه مذهب من يقول بوقوع مفعول بين فاعلين على سبيل، ~~وهذا مذهب ms093 كثير من القدرية، منهم الشحام وغيره. # وقالت طائفة: يجوز وقوع فعل بين فاعلين بنسبتين مختلفتين، بإحداهما يكون ~~محدثا، وبالأخرى يكون كاسبا، وهذا مذهب النجار «1» وضرار بن عمرو «2» ومحمد ~~بن عيسى بن حفص، والفرق بين هذا المذهب ومذهب الأشعريين من وجهين: # أحدهما: أن صاحب هذا المذهب يقول: العبد فاعل حقيقة، وإن لم PageV01P140 ~~يكن محدثا مخترعا للفعل. والأشعري يقول: العبد ليس بفاعل، وإن نسب إليه ~~الفعل، وإنما الفاعل في الحقيقة هو الله، فلا فاعل سواه. # الثاني: أنهم يقولون: الرب هو المحدث، والعبد هو الفاعل. # وقالت فرقة: بل أفعال العباد فعل لله على الحقيقة، وفعل العبد على ~~المجاز، وهذا أحد قولي الأشعري. # وقالت فرقة أخرى، منهم القلانسي وأبو إسحاق «1» في بعض كتبه: أنها فعل ~~لله على الحقيقة. وفعل الإنسان على الحقيقة، لا على معنى أنه أحدثها، بل ~~على معنى أنه كسب له. # وقالت طائفة أخرى وهم جهم «2» وأتباعه: إن القادر، على الحقيقة، هو الله ~~وحده، وهو الفاعل حقا، ومن سواه ليس بفاعل، على الحقيقة، ولا كاسب أصلا، بل ~~هو مضطر إلى جميع ما فيه من حركة وسكون، وقول القائل: قام وقعد وأكل وشرب، ~~مجاز بمنزلة مات وكبر ووقع، وطلعت الشمس وغربت، وهذا قول الجبرية الغلاة. # وقابله طائفة أخرى، فقالوا: العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرهم ~~وإرادتهم، والرب لا يوصف بالقدرة على مقدور العبد، ولا تدخل أفعالهم تحت ~~قدرته، كما لا يوصف العباد بمقدور الرب، ولا تدخل أفعاله تحت قدرهم، وهذا ~~قول جمهور القدرية، وكلهم متفقون على أن الله سبحانه PageV01P141 ~~غير فاعل لأفعال العباد، واختلفوا: هل يوصف بأنه مخترعها ومحدثها، وأنه ~~قادر عليها وخالق لها؟ فجمهورهم نفوا ذلك، ومن يقرب منهم إلى السنة أثبت ~~كونها مقدورة لله، وأن الله سبحانه قادر على أعيانها، وأن العباد أحدثوها ~~بإقدار الله لهم على إحداثها، وليس معنى قدرة الله عليها عندهم أنه قادر ~~على فعلها، هذا عندهم عين المحال، بل قدرته عليها إقدارهم على إحداثها، ~~فإنما أحدثوها بقدرته وإقداره وتمكينه، وهؤلاء أقرب القدرية إلى السنة. # وأرباب هذه المذاهب، ms094 مع كل طائفة منهم خطأ وصواب، وبعضهم أقرب إلى ~~الصواب، وبعضهم أقرب إلى الخطأ، وأدلة كل منهم وحججه إنما تنهض على بطلان ~~خطأ الطائفة الأخرى، لا على إبطال ما أصابوا فيه، فكل دليل صحيح للجبرية، ~~إنما يدل على إثبات قدرة الرب تعالى ومشيئته، وأنه لا خالق غيره، وأنه على ~~كل شي ء قدير، لا يستثنى من هذا العموم فرد واحد من أفراد الممكنات، وهذا ~~حق، ولكن ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون العبد قادرا مريدا فاعلا بمشيئته ~~وقدرته، وأنه هو الفاعل حقيقة، وأفعاله قائمة به، وأنها فعل له لا لله، ~~وأنها قائمة به لا بالله. # وكل دليل صحيح بقيمه القدرية، فإنما يدل على أن أفعال العباد فعل لهم، ~~قائم بهم، واقع بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم، وأنهم مختارون لها غير مضطرين ~~ولا مجبورين، وليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون الله سبحانه قادرا على ~~أفعالهم، وهو الذي جعلهم فاعلين. فأدلة الجبرية متضافرة صحيحة على من نفى ~~قدرة الرب سبحانه على كل شي ء من الأعيان والأفعال، ونفى عموم مشيئته وخلقه ~~لكل موجود، وأثبت في الوجود شيئا بدون مشيئته وخلقه، وأدلة القدرية متضافرة ~~صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره، وقال: إنه ليس بفاعل ~~شيئا، والله يعاقبه على ما PageV01P142 ~~لم يفعله ولا له قدرة عليه، بل هو مضطر إليه مجبور عليه. # وأهل السنة وحزب الرسول وعسكر الإيمان لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، بل هم ~~مع هؤلاء فيما أصابوا فيه، وهم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه، فكل حق مع طائفة ~~من الطوائف، فهم يوافقونهم فيه، وهم براء من باطلهم، فمذهبهم جمع حق ~~الطوائف بعضه إلى بعض، والقول به ونصره وموالاة أهله من ذلك الوجه، ونفي ~~باطل كل طائفة من الطوائف وكسره، ومعاداة أهله من هذا الوجه، فهم حكام بين ~~الطوائف، لا يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق، ولا يردون حق طائفة من ~~الطوائف، ولا يقابلون بدعة ببدعة، ولا يردون باطلا بباطل، ولا يحملهم شنآن ~~قوم يعادونهم ويكفرونهم على أن لا ms095 يعدلوا فيهم، بل يقولون فيهم الحق، ~~ويحكمون في مقالاتهم بالعدل. # والله سبحانه وتعالى أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال: فلذلك فادع ~~واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت ~~لأعدل بينكم (15) [الشورى] فأمره سبحانه أن يدعو إلى دينه وكتابه، وأن ~~يستقيم في نفسه كما أمره، وأن لا يتبع هوى أحد من الفرق، وأن يؤمن بالحق ~~جميعه، لا يؤمن ببعضه دون بعض، وأن يعدل بين أرباب المقالات والديانات. # وأنت إذا تأملت هذه الآية، وجدت أهل الكلام الباطل وأهل الأهواء والبدع، ~~من جميع الطوائف، أبخس الناس منها حظا، وأقلهم نصيبا، ووجدت حزب الله ~~ورسوله وأنصار سنته هم أحق بها وأهلها، وهم في هذه المسألة وغيرها من ~~المسائل أسعد بالحق من جميع الطوائف، فإنهم يثبتون قدرة الله على جميع ~~الموجودات من الأعيان والأفعال، ومشيئته العامة، وينزهونه أن يكون في ملكه ~~ما لا يقدر عليه، ولا هو واقع تحت مشيئته، ويثبتون القدر السابق، وأن ~~العباد يعملون على ما قدره الله وقضاه وفرغ منه، PageV01P143 ~~وأنه لا يشاءون إلا أن يشاء الله، ولا يفعلون إلا من بعد مشيئته، وأنه ما ~~شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا تخصيص عندهم في هاتين القضيتين بوجه من ~~الوجوه. والقدر عندهم قدرة الله تعالى وعلمه ومشيئته وخلقه، فلا يتحرك ذرة ~~فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه وقدرته، فهم المؤمنون بلا حول ولا قوة إلا ~~بالله، على الحقيقة، إذ قالها غيرهم على المجاز، إذ العالم علويه وسفليته ~~وكل حي يفعل فعلا، فإن فعله بقوة فيه على الفعل، وهو في حول من ترك إلى فعل ~~ومن فعل إلى ترك ومن فعل إلى فعل، وذلك كله بالله تعالى، لا بالعبد، ~~ويؤمنون بأن من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأنه هو الذي ~~يجعل المسلم مسلما، والكافر كافرا، والمصلي مصليا، والمتحرك متحركا، وهو ~~الذي يسير عبده في البر والبحر، وهو المسير والعبد السائر، وهو المحرك ~~والعبد المتحرك، وهو المقيم والعبد القائم، وهو الهادي ms096 والعبد المهتدي، ~~وأنه المطعم والعبد الطاعم، وهو المحيي المميت والعبد الذي يحيى ويموت، ~~ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازا. # وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول كما حكاه عنهم البغوي وغيره، ~~فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة لله سبحانه، مخلوقة له ~~حقيقة، والذي قام بالرب عز وجل علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم ~~هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم، فهم المسلمون المصلون القائمون ~~القاعدون حقيقة، وهو سبحانه هو المقدر لهم على ذلك، القادر عليه الذي شاءه ~~منهم، وخلقه لهم، ومشيئته وفعله بعد مشيئته، فما يشاءون إلا أن يشاء الله، ~~وما يفعلون إلا أن يشاء الله. # وإذا وازنت بين هذا المذهب وبين ما عداه من المذاهب، وجدته هو المذهب ~~الوسط والصراط المستقيم، ووجدت سائر المذاهب خطوطا عن PageV01P144 ~~يمينه وعن شماله، فقريب منه وبعيد، وبين ذلك، وإذا أعطيت الفاتحة حقها، ~~وجدتها من أولها إلى آخرها منادية على ذلك دالة عليه صريحة فيه، وإن كان ~~حمده لا يقتضي غير ذلك، وكذلك كمال ربوبيته للعالمين لا يقتضي غير ذلك، ~~فكيف يكون الحمد كله لمن لا يقدر على مقدور أهل سماواته وأرضه من الملائكة ~~والجن والإنس والطير والوحش، بل يفعلون ما لا يقدر، ولا يشاؤه، ويشاء ما لا ~~يفعله كثير منهم، فيشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، وهل يقتضي ذلك كمال ~~حمده، وهل يقتضيه كمال ربوبيته. # ثم قوله: إياك نعبد وإياك نستعين (5) [الفاتحة] مبطل لقول الطائفتين ~~المنحرفتين عن قصد السبيل، فإنه يتضمن إثبات فعل العبد، وقيام العبادة به ~~حقيقة، فهو العابد على الحقيقة، وإن ذلك لا يحصل له إلا بإعانة رب العالمين ~~عز وجل له، فإن لم يعنه ولم يقدره ولم يشأ له العبادة، لم يتمكن منها، ولم ~~يوجد منه البتة، فالفعل منه، والإقدار والإعانة من الرب عز وجل. # ثم قوله: اهدنا الصراط المستقيم (6) [الفاتحة] يتضمن طلب الهداية ممن هو ~~قادر عليها، وهي بيده إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها. # والهداية معرفة الحق والعمل له، ms097 فمن لم يجعله الله تعالى عالما بالحق ~~عاملا به، لم يكن له سبيل إلى الاهتداء، فهو سبحانه المتفرد بالهداية ~~الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها، وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له ~~مؤثرا له عاملا به، فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهي التي ~~قال سبحانه فيها: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء (56) ~~[القصص] مع قوله تعالى: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) [الشورى] فهذه ~~هداية الدعوة والتعليم والإرشاد، وهي التي هدى بها ثمود، فاستحبوا PageV01P145 ~~العمى عليها، وهي التي قال تعالى فيها: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم ما يتقون (115) [التوبة] فهداهم هدى البيان الذي تقوم ~~به حجته عليهم، ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها، ~~فذاك عدله فيهم، وهذا حكمته، فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم، ومنعهم ما ~~ليسوا له بأهل، ولا يليق بهم. # وسنذكر في الباب الذي بعد هذا، إن شاء الله تعالى، ذكر الهدى والضلال ~~ومراتبهما وأقسامهما، فإنه عليه مدار مسائل القدر. والمقصود ذكر بعض ما يدل ~~على إثبات هذه المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر، وهي خلق الله تعالى ~~لأفعال المكلفين، ودخولها تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه وكتابه. قال ~~تعالى الله خالق كل شي ء وهو على كل شي ء وكيل (62) [الزمر] وهذا عام ~~محفوظ، لا يخرج عنه شي ء من العالم أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته، وليس ~~مخصوصا بذاته وصفاته، فإنه الخالق- بذاته وصفاته، وما سواه مخلوق له، ~~واللفظ قد فرق بين الخالق والمخلوق، وصفاته سبحانه داخلة في مسمى اسمه، فإن ~~الله سبحانه اسم للإله الموصوف بكل صفة كمال، المنزه عن كل صفة نقص ومثال. # والعالم قسمان: أعيان وأفعال، وهو الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من ~~الأفعال، كما أنه العالم بتفاصيل ذلك، فلا يخرج شي ء منه عن علمه، ولا عن ~~قدرته، ولا عن خلقه ومشيئته. # قالت القدرية: نحن نقول: إن الله خالق أفعال العباد، لا على أنه محدثها ~~ومخترعها، لكن ms098 على معنى أنه مقدرها، فإن الخلق التقدير، كما قال تعالى ~~فتبارك الله أحسن الخالقين (14) [المؤمنون]. PageV01P146 # وقال الشاعر: # ولأنت تفري ما خلقت و... بعض القوم يخلق ثم لا يفري # أي: لأنت تمضي ما قدرته وتنفذه بعزمك وقدرتك، وبعض القوم يقدر ثم لا قوة ~~له ولا عزيمة على إنفاذ ما قدره وإمضائه، فالله تعالى مقدر أفعال العباد ~~وهم الذين أوجدوها وأحدثوها. # قال أهل السنة: قدماؤكم ينكرون تقدير الله سبحانه لأعمال العباد البتة، ~~فلا يمكنهم أن يجيبوا بذلك، ومن اعترف منكم بالتقدير، فهو تقدير لا يرجع ~~إلي تأثير، وإنما هو مجرد العلم بها والخبر عنها، وليس التقدير عندكم جعلها ~~على قدر كذا وكذا، فإن هذا عندكم غير مقدور للرب، ولا مصنوع له، وإنما هو ~~صنع العبد وإحداثه، فرجع التقدير إلي مجرد العلم والخبر، وهذا لا يسمى خلقا ~~في لغة أمة من الأمم، ولو كان هذا خلقا، لكان من علم شيئا وعلم أسماءه «1» ~~وصفاته، وأخبر عنه بذلك خالقا له، فالتقدير الذي أثبتموه إن كان متضمنا ~~للتأثير في إيجاد الفعل فهو خلاف مذهبكم، وإن لم يتضمن تأثيرا في إيجاده، ~~فهو راجع إلى محض العلم والخبر. # قالت القدرية: قوله: الله خالق كل شي ء، من العام المراد به الخاص، ولا ~~سيما فإنكم قلتم: إن القرآن لم يدخل في هذا العموم، وهو من أعظم الأشياء ~~وأجلها، فخصصنا منه أفعال العباد بالأدلة الدالة على كونها فعلهم ومنعهم. # قال أهل السنة: القرآن كلام الله سبحانه، وكلامه صفة من صفاته، وصفات ~~الخالق وذاته لم تدخل في المخلوق، فإن الخالق غير المخلوق، PageV01P147 ~~فليس هاهنا تخصيص البتة، بل الله سبحانه بذاته وصفاته الخالق، وكل ما عداه ~~مخلوق، وذلك عموم لا تخصيص فيه بوجه، إذ ليس إلا الخالق والمخلوق، والله ~~وحده الخالق، وما سواه كله مخلوق. # وأما الأدلة الدالة على أن أفعال العباد صنع لهم، وإنما أفعالهم القائمة ~~بهم، وأنهم هم الذين فعلوها، فكلها حق، نقول بموجبها، ولكن لا ينبغي أن ~~تكون أفعالا لهم. ومخلوقة مفعولة لله، فإن الفعل غير المفعول، ولا نقول: ms099 ~~إنها فعل لله، والعبد مضطر مجبور عليها، ولا نقول: إنها فعل للعبد، والله ~~غير قادر عليها ولا جاعل للعبد فاعلا لها، ولا نقول: إنها مخلوقة بين ~~مخلوقين مستقلين بالإيجاد والتأثير، وهذه الأقوال كلها باطلة. # قالت القدرية: يعني قوله: (الله خالق كل شي ء) مما لا يقدر عليه غيره، ~~وأما أفعال العباد التي يقدر عليها العباد، فإضافتها إليهم تنفي إضافتها إليه. # وإلا لزم وقوع مفعولين بين فاعلين وهو محال. # قال أهل السنة: إضافتها إليهم فعلا وكسبا لا ينفي إضافتها إليه سبحانه ~~خلقا ومشيئة، فهو سبحانه الذي شاءها وخلقها، وهم الذين فعلوها وكسبوها ~~حقيقة، فلو لم تكن مضافة إلى مشيئته وقدرته وخلقه لاستحال وقوعها منهم، إذ ~~العباد أعجز وأضعف من أن يفعلوا ما لم يشأه الله، ولم يقدر عليه، ولا خلقه. # فصل # ومما يدل على قدرته سبحانه على أفعالهم قوله: (والله على كل شي ء PageV01P148 ~~قدير) واعتراض القدرية على الاستدلال بذلك، والجواب عنه نظير الاعتراض على ~~قوله: (الله خالق كل شي ء) وجوابه، ونزيده تقريرا أن أفعالهم أشياء ممكنة، ~~والله قادر على كل ممكن، فهو الذي جعلهم فاعلين بقدرته ومشيئته؛ ولو شاء ~~لحال بينهم وبين الفعل، مع سلامة آلة الفعل منهم كما قال تعالى ولو شاء ~~الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم ~~من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) ~~[البقرة] وقال: ولو شاء ربك ما فعلوه (112) [الأنعام] وقال: ولو شاء ربك ~~لآمن من في الأرض كلهم جميعا (99) [يونس]. # فهو سبحانه يحول بين المرء وقلبه وبين الإنسان ونطقه، وبين اليد وبطشها، ~~وبين الرجل ومشيها، فكيف يظن به ظن السوء، ويجعل له مثل السوء، أنه لا يقدر ~~على ما يقدر عليه عباده، ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته، تعالى الله عما يقول ~~الظالمون والجاحدون لقدرته علوا كبيرا. # نعم ولا نظن به ظن السوء، ونجعل له مثل السوء أنه يعاقب عباده على ما لم ~~يفعلوه، ولا قدرة لهم على فعله، ms100 بل على ما فعله هو دونهم واضطرهم إليه ~~وجبرهم عليه، وذلك بمنزلة عقوبة الزمن إذا لم يطر إلى السماء، وعقوبة أشل ~~اليد على ترك الكتابة، وعقوبة الأخرس على ترك الكلام، فتعالى الله عن هذين ~~المذهبين الباطلين المنحرفين عن سواء السبيل. # فصل # ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله تعالى: والله جعل لكم مما خلق ~~ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر PageV01P149 ~~وسرابيل تقيكم بأسكم (81) [النحل]. # فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل، وهي الدروع والثياب المصنوعة، ومادتها ~~لا تسمى سرابيل إلا بعد أن «1» تحليها صنعة الآدميين وعملهم، فإذا كانت ~~مجعولة لله، فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيآتها. # ونظير هذا قوله: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم (80) [النحل] فأخبر سبحانه أن ~~البيوت المصنوعة المستقرة المنتقلة مجعولة له، وهي إنما صارت بيوتا بالصنعة ~~الآدمية. # ونظيره قوله تعالى: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) [يس] فأخبر سبحانه أنه خالق الفلك ~~المصنوع للعباد، وأبعد من قال: إن المراد بمثله هو الإبل، فإنه إخراج ~~المماثل حقيقة، واعتبار لما هو بعيد عن المماثلة. # ونظير ذلك قوله تعالى حكاية عن خليله، أنه قال لقومه: أتعبدون ما تنحتون ~~(95) والله خلقكم وما تعملون (96) [الصافات] فإن كانت ما مصدرية، كما قدره ~~بعضهم، فالاستدلال ظاهر، وليس بقوي، إذ لا تناسب بين إنكاره عليهم عبادة ما ~~ينحتونه بأيديهم، وبين إخبارهم بأن الله خالق أعمالهم، من عبادة تلك الآلهة ~~ونحتها وغير ذلك، فالأولى أن تكون «ما» موصولة أي: # والله خلقكم وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم، فهي مخلوقة له، لا آلهة ~~شركاء معه، فأخبر أنه خلق معمولهم، وقد حله عملهم وصنعهم، ولا يقال: # المراد مادته، فإن مادته غير معمولة لهم، وإنما يصير معمولا بعد عملهم. PageV01P150 # فصل # وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي جعل أئمة الخير، يدعون إلى الهدى، وأئمة ~~الشر يدعون إلى النار، فتلك الإمامة والدعوة بجعله، فهي مجعولة له، وفعل ms101 ~~لهم، قال تعالى عن آل فرعون وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار (41) [القصص] ~~وقال عن أئمة الهدى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا (73) [الأنبياء] فأخبر أن ~~هذا وهذا بجعله، مع كونه كسبا وفعلا للأئمة، ونظير ذلك قول الخليل ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك (128) [البقرة] فأخبر الخليل أنه سبحانه هو الذي يجعل ~~المسلم مسلما. وعند القدرية هو الذي جعل نفسه مسلما، لا أن الله جعله ~~مسلما، ولا جعله إماما يهدي بأمره، ولا جعل الآخر إماما يدعو إلى النار على ~~الحقيقة، بل هم الجاعلون لأنفسهم كذلك حقيقة، ونسبة هذا الجعل إلى الله ~~مجاز بمعنى التسمية، أي: سمنا مسلمين لك، وكذلك جعلناهم أئمة، أي: سميناهم ~~كذلك، وهم جعلوا أنفسهم أئمة رشد وضلال، فمنهم الحقيقة ومنه المجاز ~~والتعبير. # فصل # ومن ذلك إخباره سبحانه بأنه هو الذي يلهم العبد فجوره وتقواه. # والإلهام: الإلقاء في القلب، لا مجرد البيان والتعليم، كما قاله طائفة من ~~المفسرين، إذ لا يقال لمن بين لغيره شيئا، وعلمه إياه، أنه قد ألهمه ذلك، PageV01P151 ~~هذا لا يعرف في اللغة البتة، بل الصواب ما قاله ابن زيد، قال: جعل فيها ~~فجورها وتقواها. وعليه حديث عمران بن حصين، أن رجلا من مزينة أو جهينة أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس فيه ~~ويكدحون، أشي ء قضي عليهم، ومضى عليهم من قدر سابق، أو فيما يستقبلون مما ~~أتاهم به نبيهم؟ قال: بل شي ء قضي عليهم ومضى، قال: ففيم العمل؟ قال: من ~~خلقه الله لإحدى المنزلتين، استعمله بعمل أهلها. وتصديق ذلك في كتاب الله ~~ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) [الشمس] «1». # فقراءته هذه الآية عقيب إخباره بتقديم القضاء والقدر السابق، يدل على أن ~~المراد بالإلهام استعمالها فيما سبق لها، لا مجرد تعريفها، فإن التعريف ~~والبيان لا يستلزم وقوع ما سبق به القضاء والقدر. # ومن فسر الآية من السلف بالتعليم والتعريف، فمراده تعريف مستلزم لحصول ~~ذلك، لا تعريف مجرد عن الحصول، فإنه لا يسمى إلهاما. وبالله التوفيق. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: وأسروا ms102 قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ~~(13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) [الملك] وذات الصدور كلمة لما ~~يشتمل عليه الصدر من الاعتقادات والإرادات والحب والبغض، أي: صاحبة الصدور، PageV01P152 ~~فإنها لما كانت فيها قائمة بها، نسبت إليها نسبة الصحبة والملازمة. وقد ~~اختلف في إعراب «من خلق» هو النصب أو الرفع، فإن كان مرفوعا، فهو استدلال ~~على علمه بذلك، لخلقه له، والتقدير: إنه يعلم ما تضمنته الصدور، وكيف لا ~~يعلم الخالق ما خلقه. وهذا الاستدلال في غاية الظهور والصحة، فإن الخلق ~~يستلزم حياة الخالق وقدرته وعلمه ومشيئته. # وإن كان منصوبا، فالمعنى: ألا يعلم مخلوقه؟ وذكر لفظة «من» تغليبا، ~~ليتناول العلم العاقل وصفاته على التقديرين، فالآية دالة على خلق ما في ~~الصدور، كما هي دالة على علمه سبحانه به، وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في ~~الصدور دليلا على علمه بها، فقال: ألا يعلم من خلق؟! أي: كيف يخفى عليه ما ~~في الصدور، وهو الذي خلقه؟! فلو كان ذلك غير مخلوق له، لبطل الاستدلال به ~~على العلم، فخلقه سبحانه للشي ء من أعظم الأدلة على علمه به، فإذا انتفى ~~الخلق انتفى دليل العلم، فلم يبق ما يدل على علمه بما ينطوي عليه الصدر إذا ~~كان غير خالق لذلك، وهذا من أعظم الكفر برب العالمين، وجحد لما اتفقت عليه ~~الرسل من أولهم إلى آخرهم، وعلم بالضرورة أنهم ألقوه إلى الأمم كما ألقوا ~~إليهم أنه إله واحد، لا شريك له. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى، حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال: رب اجعلني مقيم ~~الصلاة ومن ذريتي (40) [إبراهيم] وقوله: فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ~~(37) [إبراهيم] وقوله تعالى: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ~~ورهبانية (27) [الحديد] وقوله حكاية عن زكريا أنه قال عن ولده واجعله PageV01P153 ~~رب رضيا (6) [مريم] وقال في الطرف الآخر فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا ~~قلوبهم قاسية (13) [المائدة] وقال وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا (25) [الأنعام] وهذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة ~~والإعراض التي لا يستطيعون ms103 معها سمعا ولا عقلا. # والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنة والوقر، فهو موجب ذلك ومقتضاه، فمن فسر ~~الأكنة والوقر به، فقد فسرهما بموجبهما ومقتضاهما، وبكل حال فتلك النفرة ~~والإعراض والبغض من أفعالهم، وهي مجعولة لله سبحانه، كما أن الرأفة والرحمة ~~وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم، والله جاعله، فهو الجاعل للذوات ~~وصفاتها وأفعالها وإراداتها واعتقاداتها، فذلك كله مجعول مخلوق له، وإن كان ~~العبد فاعلا له باختياره وإرادته. # فإن قيل: هذا كله معارض بقوله تعالى: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا ~~وصيلة ولا حام (103) [المائدة] والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجعل ~~العباد لها، فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجعله. # قيل: لا تعارض- بحمد الله- بين نصوص الكتاب، بوجه ما، والجعل هاهنا جعل ~~شرعي أمري، لا كوني قدري، فإن الجعل في كتاب الله ينقسم إلى هذين «1» ~~النوعين، كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم، كما ~~سيأتي بيانه إن شاء الله. # فنفى سبحانه عن البحيرة والسائبة جعله الديني الشرعي، أي: لم يشرع ذلك، ~~ولا أمر به، ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب، وجعلوا ذلك دينا له بلا ~~علم، ومن ذلك قوله تعالى: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في PageV01P154 ~~قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم (53) [الحج] فأخبر سبحانه أن هذه الفتنة ~~الحاصلة بما ألقى الشيطان هي بجعله سبحانه، وهذا جعل كوني قدري. # ومن هذا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ~~وابن حبان في صحيحه: «اللهم اجعلني لك شكارا، لك ذكارا، لك رهابا، لك ~~مطواعا، لك مخبتا، إليك أواها منيبا» «1» فسأل ربه أن يجعله كذلك، وهذه ~~كلها أفعال اختيارية واقعة بإرادة العبد واختياره. وفي هذا الحديث: «وسدد ~~لساني» وتسديد اللسان جعله ناطقا بالسداد من القول، ومثله قوله في الحديث ~~الآخر: «اللهم اجعلني لك مخلصا» ومثله قوله: # «اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتك». # ومثل قول المؤمنين: ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا. فالصبر وثبات ~~الأقدام فعلان اختياريان، ولكن التصبير والتثبيت فعل الرب تعالى، وهو ms104 ~~المسئول. والصبر والثبات فعلهم القائم بهم حقيقة، ومثله قوله رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه (19) [النمل] ~~وقال ابن عباس والمفسرون بعده: ألهمني. قال أبو إسحاق: وتأويله في اللغة: ~~كفني عن الأشياء إلا نفس شكر نعمتك، ولهذا يقال في تفسير «الموزع» المولع، ~~ومنه الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موزعا بالسؤال أي: # مولعا به، كأنه كف ومنع إلا منه. PageV01P155 # وقال في الصحاح: وزعته أزعه وزعا، كففته، فاتزع عنه، أي: كف، وأوزعته بالشي ~~ء: أغريته به، فأوزع به، فهو موزع به، واستوزعت الله شكره، فأوزعني، أي: ~~استلهمته، فألهمني. فقد دار معنى اللفظة على معنى ألهمني ذلك، واجعلني مغرى ~~به، وكفني عما سواه. وعند القدرية أن هذا غير مقدور للرب، بل هو غير مقدور العبد. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) [الحجرات] فتحبيبه سبحانه الإيمان ~~إلى عباده المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم، وهذا لا يقدر عليه سواه، ~~وأما تحبيب العبد الشي ء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو ~~إلى محبته، فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين: حبه ~~وحسنه الداعي إلى حبه، وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق ~~والعصيان، وإن ذلك محض فضله ومنته عليهم، حيث لم يكلهم إلى أنفسهم، بل تولى ~~هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده، فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة، ~~والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح له، حكيم بجعله في مواضعه، ~~ومن ذلك قوله تعالى: هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم ~~لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه ~~عزيز حكيم (63) [الأنفال] واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين ~~قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا (103) [آل عمران]. PageV01P156 # وتأليف القلوب جعل ms105 بعضها يألف بعضا، ويميل إليه ويحبه، وهو من أفعالها ~~الاختيارية، وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي فعل ذلك لا غيره، ومن ذلك قوله: ~~يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم فكف أيديهم عنكم (11) [المائدة] فأخبر سبحانه بفعلهم وهو الهم، ~~وبفعله وهو كفهم عما هموا به، ولا يصح أن يقال: إنه سبحانه أشل أيديهم، ~~وأماتهم، وأنزل عليهم عذابا، حال بينهم وبين ما هموا به، بل كف قدرهم ~~وإرادتهم مع سلامة حواسهم وبنيتهم وصحة آلات الفعل منهم. # وعند القدرية هذا محال، بل هم الذين يكفون أنفسهم. والقرآن صريح في إبطال ~~قولهم، ومثله قوله: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد ~~أن أظفركم عليهم (24) [الفتح] فهذا كف أيدي الفريقين مع سلامتهما وصحتهما، ~~وهو بأن حال بينهم وبين الفعل، فكف بعضهم عن بعض. # ومن ذلك قوله تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله (53) [النحل] والإيمان ~~والطاعة من أجل النعم، بل هما أجل النعم على الإطلاق، فهما منه سبحانه ~~تعليما، وإرشادا وإلهاما وتوفيقا ومشيئة وخلقا. ولا يصح أن يقال: إنها أمرا ~~وبيانا «1» فقط، فإن ذلك حاصل بالنسبة إلى الكفار والعصاة، فتكون نعمته على ~~أكفر الخلق كنعمته على أهل الإيمان والطاعة والبر منهم، إذ نعمة البيان ~~والإرشاد مشتركة، وهذا قول القدرية، وقد صرح به كثير منهم، ولم يجعلوا لله ~~على العبد نعمة، في مشيئتة وخلقه فعله وتوفيقه إياه حين فعله، وهذا من ~~قولهم الذي باينوا به جميع الرسل والكتب، وطردوا ذلك حين لم يجعلوا لله على ~~العبد منة في إعطائه الجزاء، بل قالوا: ذلك محض حقه الذي لا منة لله PageV01P157 ~~عليه فيه، واحتجوا بقوله: لهم أجر غير ممنون (25) [الانشقاق] قالوا أي: غير ~~ممنون به عليهم، إذ هو جزاء أعمالهم وأجورها. قالوا: والمنة تكدر النعمة ~~والعطية، ولم يدعوا هؤلاء للجهل بالله موضعا، وقاسوا منته على منة المخلوق، ~~فإنهم مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات، وليست المنة في الحقيقة، إلا لله، ~~فهو المان بفضله، وأهل سماواته ms106 وأهل أرضه في محض منته عليهم، قال تعالى: ~~يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين (17) [الحجرات] وقال تعالى لكليمه موسى: ولقد مننا ~~عليك مرة أخرى (37) [طه] وقال: ولقد مننا على موسى وهارون (114) [الصافات] ~~وقال: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين (5) [القصص]. # ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «ألم أجدكم ضلالا فهداكم ~~الله بي وعالة فأغناكم الله بي؟ قالوا: الله ورسوله أمن» «1». # وقال الرسل لقومهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده (11) [إبراهيم] فمنه سبحانه محض إحسانه وفضله ورحمته، وما طاب عيش ~~أهل الجنة فيها إلا بمنته عليهم، ولهذا قال أهلها وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم (27) [الطور] فأجزوا لمعرفتهم بربهم وحقه عليهم، أن ~~نجاهم من عذاب السموم، بمحض منته عليهم. # وقد قال أعلم الخلق بالله وأحبهم إليه وأقربهم منه وأطوعهم له: «لن يدخل ~~أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا PageV01P158 ~~أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» «1». # وقال: «إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو ~~رحمهم، لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم» والأول في الصحيح والثاني في ~~المسند والسنن، وصححه الحاكم وغيره «2». # فأخبر سيد العالمين والعاملين أنه لا يدخل الجنة بعمله. وقالت القدرية: # إنهم يدخلونها بأعمالهم، لئلا يتكدر نعيمهم عليهم بمشيئة الله، بل يكون ~~ذلك النعيم عوضا. وما رمى السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم القدرية عن ~~قوس واحدة إلا لعظم بدعهم ومنافاتها لما بعث الله به أنبياءه ورسله، فلو ~~أتى العباد بكل طاعة، وكانت أنفاسهم كلها طاعات لله، لكانوا في محض منته ~~وفضله، وكانت له المنة عليهم، وكلما عظمت طاعة العبد، كانت منة الله عليه ~~أعظم، فهو المان بفضله، فمن أنكر منته، فقد أنكر إحسانه. وأما قوله تعالى ~~لهم ms107 أجر غير ممنون (25) [الانشقاق] فلم يختلف أهل العلم بالله ورسوله ~~وكتابه أن معناه: غير مقطوع، منه: ريب المنون، وهو الموت، لأنه يقطع العمر. PageV01P159 # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ~~(14) [المائدة] وقوله: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ~~(64) [المائدة]. # وهذا الإغراء والإلقاء محض فعله سبحانه، والتعادي والتباغض أثره، وهو محض ~~فعلهم، وأصل ضلال القدرية والجبرية من عدم اهتدائهم إلى الفرق بين فعله ~~سبحانه وفعل العبد، فالجبرية جعلوا التعادي والتباغض فعل الرب، دون ~~المتعادين «1» والمتباغضين، والقدرية جعلوا ذلك محض فعلهم الذي لا صنع لله ~~فيه ولا قدرة ولا مشيئة. وأهل الصراط السوي جعلوا ذلك فعلهم، وهو أثر فعل ~~الله وقدرته ومشيئته، كما قال تعالى: هو الذي يسيركم في البر والبحر (22) ~~[يونس] فالتسيير فعله، والسير فعل العباد، وهو أثر التسيير، وكذلك الهدى ~~والإضلال فعله، والاهتداء والضلال أثر فعله، وهما أفعالنا القائمة بنا، فهو ~~الهادي، والعبد المهتدي، وهو الذي يضل من يشاء، والعبد الضال، وهذا حقيقة، ~~وهذا حقيقة، والطائفتان عن الصراط المستقيم ناكبتان. PageV01P160 # فصل # ومن ذلك قوله تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال: رب اجعل هذا البلد آمنا ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) [إبراهيم] فها هنا أمران: تجنيب عبادتها ~~واجتنابه، فسأل الخليل ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها، ليحصل منهم اجتنابها، ~~فالاجتناب فعلهم، والتجنيب فعله، ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله. # ونظير ذلك قول يوسف الصديق: قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا ~~تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه ~~كيدهن إنه هو السميع العليم (34) [يوسف] وصرف كيدهن هو صرف دواعي قلوبهن ~~ومكرهن بألسنتهن وأعمالهن، وتلك أفعال اختيارية، وهو سبحانه الصارف لها، ~~فالصرف فعله، والانصراف أثر فعله، وهو فعل النسوة. # ومن ذلك قوله سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو لا أن ثبتناك ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) [الإسراء] فالتثبيت فعله، والثبات فعل ~~رسوله، فهو سبحانه المثبت وعبده الثابت. # ومثله قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ms108 في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) [إبراهيم] فأخبر سبحانه ~~أن تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين فعله، فإنه يفعل ما يشاء؛ وأما الثبات ~~والضلال فمحض أفعالهم. # ومن ذلك قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية PageV01P161 ~~يحرفون الكلم عن مواضعه (13) [المائدة] فأخبر أنه هو الذي قسى قلوبهم حتى ~~صارت قاسية، فالقساوة وصفها وفعلها وهي أثر فعله، وهو جعلها قاسية، وذلك ~~إثر معاصيهم ونقضهم ميثاقهم وتركهم بعض ما ذكروا به، فالآية مبطلة لقول ~~القدرية والجبرية. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ~~[الدخان] وهم إنما خرجوا باختيارهم، وقد أخبر أنه هو الذي أخرجهم، فالإخراج ~~فعله حقيقة، والخروج فعلهم حقيقة، ولو لا إخراجه لما خرجوا، وهذا بخلاف ~~قوله: والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ~~(18) [نوح] وقوله: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول ~~الحشر (2) [الحشر] وقوله: أخرجكم من بطون أمهاتكم (78) [النحل] فإن هذا ~~إخراج لا صنع لهم فيه، فإنه بغير اختيارهم وإرادتهم، وأما قوله: # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق (5) [الأنفال] فيحتمل أن يكون إخراجا بقدره ~~ومشيئته، فيكون من الأول، ويحتمل أن يكون إخراجا يوجبه بأمره، فلا يكون من ~~هذا، فيكون الإخراج في كتاب الله ثلاثة أنواع. أحدها: إخراج الخارج ~~باختياره ومشيئته. والثاني: إخراجه قهرا وكرها. والثالث: إخراجه أمرا وشرعا. PageV01P162 # فصل # وقد ظن طائفة من الناس أن من هذا الباب قوله تعالى: فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (17) [الأنفال] وجعلوا ذلك من ~~أدلتهم على القدرية، ولم يفهموا مراد الآية، وليست من هذا الباب، فإن هذا ~~خطاب لهم في وقعة بدر، حيث أنزل الله سبحانه ملائكته، فقتلوا أعداءه، فلم ~~يفرد المسلمون بقتلهم، بل قتلتهم الملائكة. وأما رميه صلى الله عليه وسلم ~~فمقدوره كان هو الحذف والإلقاء، وأما إيصال ما رمى به إلى وجوه العدو مع ~~البعد، وإيصال ذلك إلى وجوه جميعهم، فلم يكن من فعله ولكنه فعل الله ms109 وحده، ~~فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت له الحذف بقوله: # إذ رميت، ونفى عنه الإيصال بقوله: وما رميت. # فصل # ومن ذلك قوله: وأنه هو أضحك وأبكى (43) [النجم] والضحك والبكاء فعلان ~~اختياريان، فهو سبحانه المضحك المبكي حقيقة، والعبد هو الضاحك الباكي ~~حقيقة، وتأويل الآية بخلاف ذلك إخراج للكلام عن ظاهره بغير موجب، ولا ~~منافاة بين ما يذكر من تلك التأويلات وبين ظاهره، فإن إضحاك الأرض بالنبات ~~وإبكاء السماء بالمطر، وإضحاك العبد وإبكاءه بخلق آلات الضحك والبكاء له، ~~لا ينافي حقيقة اللفظ وموضوعه ومعناه من أنه جاعل PageV01P163 ~~الضحك والبكاء فيه بل الجميع حق. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا (12) [الرعد] ورؤية ~~البرق أمر واقع بإحساسهم، فالإراءة فعله، والرؤية فعلنا، ولا يقال: إراءة ~~البرق خلقه، فإن خلقه لا يسمى إراءة، ولا يستلزم رؤيتنا له، بل إراءتنا له ~~جعلنا نراه، وذلك فعله سبحانه. ومن ذلك قول الخضر لموسى: فأراد ربك أن ~~يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما (82) [الكهف] فبلوغ الأشد ليس من فعلهما ~~واستخراج الكنز من أفعالهما الاختيارية، وقد أخبر أن كليهما بإرادته ~~سبحانه، ومن ذلك قوله تعالى عن السحرة: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله (102) [البقرة] وليس إذنه هاهنا أمره وشرعه، بل قضاؤه وقدره ومشيئته، ~~فهو إذا كوني قدري، لا ديني أمري. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها (26) ~~[الفتح]. # وكلمة التقوى هي الكلمة التي يتقى الله بها، وأعلى أنواع هذه الكلمة هي ~~قول لا إله إلا الله، ثم كل كلمة يتقى الله بها بعدها فهي من كلمة التقوى، ~~وقد أخبر سبحانه أنه ألزمها عباده المؤمنين، فجعلها لازمة لهم، لا ينفكون PageV01P164 ~~عنها، فبإلزامه التزموها، ولو لا إلزامه لهم إياها لما التزموها، والتزامها ~~فعل اختياري تابع لإرادتهم واختيارهم، فهو الملزم وهم الملتزمون. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى:* إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) ~~وإذا مسه الخير منوعا (21) [المعارج] وهذا تفسير الهلوع، وهو شدة الحرص ~~الذي يترتب عليه الجزع والمنع، فأخبر سبحانه ms110 أنه خلق الإنسان كذلك، وذلك ~~صريح في أن هلعه مخلوق لله، كما أن ذاته مخلوقة، فالإنسان بجملته ذاته ~~وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق لله، ليس فيه شي ء خلق لله وشي ء خلق لغيره، ~~بل الله خالق الإنسان بجملته وأحواله كلها، فالهلع فعله حقيقة، والله خالق ~~ذلك فيه حقيقة، فليس الله سبحانه بهلوع، ولا العبد هو الخالق لذلك. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على ~~الذين لا يعقلون (100) [يونس] وإذنه هاهنا قضاؤه وقدره، لا مجرد أمره ~~وشرعه، كذلك قال السلف في تفسير هذه الآية. قال ابن المبارك، عن الثوري: ~~بقضاء الله. وقال محمد بن جرير: يقول جل ذكره لنبيه: وما لنفس خلقها من ~~سبيل إلى أن تصدقك إلا أن يأذن لها في ذلك، فلا تجهدن نفسك PageV01P165 ~~في طلب هداها، وبلغها وعيد الله ثم خلها، فإن هداها بيد خالقها، وما قبل ~~الآية وما بعدها لا يدل إلا على ذلك، فإنه سبحانه قال: ولو شاء ربك لآمن من ~~في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس ~~أن تؤمن إلا بإذن الله (100) [يونس] أي: لا تكفي دعوتك في حصول الإيمان حتى ~~يأذن الله لمن دعوته أن يؤمن، ثم قال: قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض ~~وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (101) [يونس]. # قال ابن جرير: يقول تعالى: يا محمد، قل لهؤلاء السائلينك الآيات، على صحة ~~ما تدعو إليه، من توحيد الله، وخلع الأنداد والأوثان: انظروا أيها القوم، ~~ما ذا في السموات من الآيات الدالة على حقية ما أدعوكم إليه، من توحيد ~~الله، من شمسها وقمرها، واختلاف ليلها ونهارها، ونزول الغيث بأرزاق العباد ~~من سحابها وفي الأرض من جبالها وتصدعها بنباتها وأقوات أهلها وسائر صنوف ~~عجائبها، فإن في ذلك لكم، إن عقلتم وتدبرتم، عظة ومعتبرا ودلالة على أن ذلك ~~من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك، ولا له على حفظه وتدبيره ظهير، ~~يغنيكم عما ms111 سواها من الآيات، وما يغني عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء، ~~وقضى عليهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار، فهم لا يؤمنون بشي ء من ذلك، ~~ولا يصدقون به، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا (13) [الإسراء]. PageV01P166 # قال ابن جرير: وكل إنسان ألزمناه ما قضي إليه أنه عامله وما هو صائر إليه، ~~من شقاء أو سعادة بعمله في عنقه لا يفارقه، وهذا ما قاله الناس في الآية، ~~وهو ما طار له من الشقاء والسعادة وما طار عنه من العمل، ثم ذكر عن ابن ~~عباس قال: طائره: عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان وزائل معه أينما ~~زال. وكذلك قال ابن جريج وقتادة ومجاهد: هو عمله. # زاد مجاهد: وما كتب له، وقال قتادة أيضا: سعادته وشقاوته بعمله. # قال ابن جرير: فإن قال قائل، فكيف قال: ألزمناه طائره في عنقه، إن كان ~~الأمر على ما وصفت، ولم يقل: في يديه أو رجليه أو غير ذلك من أعضاء الجسد؟. # قيل: إن العنق هي موضع السمات وموضع القلائد والأطوقة وغير ذلك مما يزين ~~أو يشين، فجرى كلام العرب بنسبة الأشياء اللازمة سائر الأبدان إلى الأعناق، ~~كما أضافوا جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد، فقالوا: ذلك بما كسبت يداه، وإن ~~كان الذي جره عليه لسانه أو فرجه، فكذلك قوله: «ألزمناه طائره في عنقه». # وقال الفراء: الطائر معناه عندهم العمل. قال الزهري: والأصل في هذا أن ~~الله سبحانه لما خلق آدم، علم المطيع، من ذريته، والعاصي، فكتب ما علمه ~~منهم أجمعين، وقضى بسعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا، فطار لكل ما ~~هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه. # وأما قوله: في عنقه، فقال أبو إسحاق: إنما يقال للشي ء اللازم: هذا في ~~عنق فلان، أي: لزومه له كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق. قال أبو ~~علي: هذا مثل قولهم: طوقتك كذا، ms112 وقلدتك كذا، أي: صرفته نحوك، PageV01P167 ~~وألزمتك إياه، ومنه: قلده السلطان كذا أي: صارت الولاية في لزومها له في ~~موضع القلادة ومكان الطوق. وقيل: إنما خص العنق لأن عمله لا يخلو إما أن ~~يكون خيرا أو شرا، وذلك مما يزين أو يشين، كالحلي والغل، فأضيف إلى ~~الأعناق. # قالت القدرية: إلزامه ذلك وسمه به وتعليمه بعلامة، يعرف الملائكة أنه ~~سعيد أو شقي، والخبر عنه، لا أنه ألزمه العمل، فجعله لازما له. # قال أهل السنة: هذه طريقة لكم معروفة في تحريف الكلم عن مواضعه، سلكتموها ~~في الجسم والطبع والعقل، وهذا لا يعرفه أهل اللغة، وهو خلاف حقيقة اللفظ، ~~وما فسره به أعلم الأمة بالقرآن، ولا يعرف ما قلتموه عن أحد من سلف الأمة ~~البتة، ولا فسر الآية غيركم به، ولا يصح حمل الآية، عليه، فإن الخبر عنه ~~بذلك، والعلامة أعلم بها، أنما حصل بعد طائره اللازم له من عمله، فلما لزمه ~~ذلك الطائر، ولم ينفك عنه، أخبر عنه بذلك، وصارت عليه علامة وسمة، ونحن قد ~~أريناكم أقوال أئمة الهدى وسلف الأمة في الطائر، فأرونا قولكم عن واحد منهم ~~قاله قبلكم، وكل طائفة من أهل البدع تجر القرآن إلى بدعها وضلالها، وتفسره ~~بمذاهبها وآرائها، والقرآن يري ء من ذلك، وبالله التوفيق. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (11) كذلك ~~نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به (13) [الحجر] وقد وقع هذا المعنى PageV01P168 ~~في القرآن في موضعين، هذا أحدهما. والثاني: في سورة الشعراء في قوله: # ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) ~~كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ~~(201) [الشعراء]. # قال ابن عباس: سلك الشرك في قلوب المكذبين كما سلك الخرزة في الخيط. وقال ~~أبو إسحاق: أي: كما فعل بالمجرمين الذين استهزءوا بمن تقدم من الرسل، كذلك ~~سلك الضلال في قلوب المجرمين. واختلفوا في مفسر الضمير في قوله: نسلكه، ~~فقال ابن عباس: سلكنا الشرك، وهو قول الحسن. وقال الزجاج وغيره: هو ms113 الضلال. ~~وقال الربيع: يعني الاستهزاء. # وقال الفراء: التكذيب. # وهذه الأقوال ترجع إلى شي ء واحد، والتكذيب والاستهزاء والشرك كل ذلك ~~فعلهم حقيقة، وقد أخبر أنه سبحانه هو الذي سلكه في قلوبهم. # وعندي في هذه الأقوال شي ء، فإن الظاهر أن الضمير في قوله: لا يؤمنون به، ~~هو الضمير في قوله: سلكناه، فلا يصح أن يكون المعنى: لا يؤمنون بالشرك ~~والتكذيب والاستهزاء، فلا تصح تلك الأقوال إلا باختلاف مفسر الضميرين، ~~والظاهر اتحاده، فالذين لا يؤمنون به، هو الذي سلكه في قلوبهم، وهو القرآن، ~~فإن قيل: فما معنى سلكه إياه في قلوبهم، وهم ينكرونه قبل سلكه في قلوبهم ~~بهذه الحال، أي: سلكناه غير مؤمنين به، فدخل في قلوبهم مكذبا به، كما دخل ~~في قلوب المؤمنين مصدقا به، وهذا مراد من قال: إن الذي سلكه في قلوبهم هو ~~التكذيب والضلال، ولكن فسر الآية بالمعنى، فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين ~~به، فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم، فإن قيل: فما معنى إدخاله في ~~قلوبهم، وهم لا يؤمنون به؟ قيل: لتقوم عليهم بذلك حجة الله، فدخل في ~~قلوبهم، وعلموا أنه حق، وكذبوا به، فلم يدخل في قلوبهم دخول مصدق به مؤمن ~~به مرضي PageV01P169 ~~به، وتكذيبهم به بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرا من تكذيبهم به قبل أن يدخل ~~في قلوبهم، فإن المكذب بالحق بعد معرفته له شر من المكذب به ولم يعرفه، ~~فتأمله، فإنه من فقه التفسير، والله الموفق للصواب. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ~~(83) [مريم] فالإرسال هاهنا إرسال كوني قدري، كإرسال الرياح، وليس بإرسال ~~ديني شرعي، فهو إرسال تسليط، بخلاف قوله في المؤمنين: إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان (42) [الحجر] فهذا السلطان المنفي عنه على المؤمنين هو الذي ~~أرسل به جنده على الكافرين. قال أبو إسحاق: ومعنى الإرسال هاهنا التسليط، ~~تقول: قد أرسلت فلانا على فلان، إذا سلطته عليه، كما قال: إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) [الحجر] فأعلم ms114 أن من اتبعه هو ~~مسلط عليه، قلت: ويشهد له قوله تعالى: إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون (100) [النحل]. # وقوله: (تؤزهم أزا) فالأز في اللغة التحريك والتهييج، ومنه يقال لغليان ~~القدر: الأزيز، لتحرك الماء عند الغليان. وفي الحديث: «كان لصدر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أزيز كأزيز المرجل، من البكاء» «1». وعبارات السلف تدور ~~على هذا المعنى. قال ابن عباس: تغريهم إغراء. وفي رواية أخرى عنه: تسلهم ~~سلا، وفي رواية أخرى: تحرضهم تحريضا. وفي أخرى: تزعجهم للمعاصي PageV01P170 ~~إزعاجا. وفي أخرى: توقدهم إيقادا أي: كما يتحرك الماء بالوقد تحته. قال أبو ~~عبيدة: الأزيز: الإلهاب والحركة، كالتهاب النار في الحطب، يقال: أز قدرك، ~~أي: ألهب تحتها النار، وائتزت القدر: إذا اشتد غليانها. وهذا اختيار ~~الأخفش. والتحقيق أن اللفظة تجمع المعنيين جميعا. # قالت القدرية: معنى أرسلنا الشياطين على الكافرين: خلينا بينهم وبينها، ~~ليس معناه التسليط. قال أبو علي: الإرسال يستعمل بمعنى التخلية بين المرسل ~~وما يريد، فمعنى الآية: خلينا بين الشياطين وبين الكافرين، ولم يمنعهم ~~منهم، ولم يعدهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. # قال الواحدي: وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية. قال: # وليس المعنى على ما ذهبوا إليه. # وقال أبو إسحاق: والمختار أنهم أرسلوا عليهم، وقيضوا لهم بكفرهم كما قال ~~تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) [الزخرف] ~~وقال:* وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم (25) [فصلت] ~~وإنما معنى الإرسال التسليط. # قلت: وهذا هو المفهوم من معنى الإرسال كما في الحديث: «إذا أرسلت كلبك ~~المعلم» «1» أي: سلطته، ولو خلى بينه وبين الصيد من غير إرسال منه، لم يبح ~~صيده، وكذلك قوله: وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) [الذاريات] ~~أي: سلطناها وسخرناها عليهم. وكذلك قوله: وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ~~[الفيل] وكذلك قوله: إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة (31) [القمر]. PageV01P171 # والتخلية بين المرسل وبين ما أرسل عليه من لوازم هذا المعنى، ولا يتم ~~التسليط إلا به، فإذا ms115 أرسل الشي ء الذي من طبعه وشأنه أن تفعل فعلا، ولم ~~تمنعه من فعله، فهذا هو التسليط، ثم إن القدرية تناقضوا في هذا القول، ~~فإنهم إن جوزوا منعهم منهم وعصمتهم وإعادتهم، فقد نقضوا أصلهم، فإن منع ~~المختار من فعله الاختياري، مع سلامة النية وصحة بنيته، تدل على أن فعله ~~وتركه مقدور للرب، وهذا عين قول أهل السنة، وإن قالوا: لا يقدر على منعهم ~~وعصمهم منهم وإعادتهم، فقد جعلوا قدرتهم ومشيئتهم بفعل ما لا يقدر الرب على ~~المنع منه، وهذا أبطل الباطل. # ثم قالت القدرية: تؤزهم أزا: تأمرهم بالمعاصي أمرا، وحكوا ذلك عن الضحاك، ~~وهذا لا يلتفت إليه، إذ لا يقال لمن أمر غيره بشي ء، قد أزه، ولا تساعد ~~اللغة على ذلك، ولو كان ذلك صحيحا لكان يؤز المؤمنين أيضا، فإنه يأمرهم ~~بالمعاصي أكثر من أمر الكافرين، فإن الكافر سريع الطاعة والقبول من ~~الشيطان، فلا يحتاج من أمره ما يحتاج إليه من أمر المؤمنين؛ بل يأمر الكافر ~~مرة، ويأمر المؤمن مرات، فلو كان الأز الأمر، لم يكن له اختصاص بالكافرين. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) ~~من شر الوسواس الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس ~~(6) [الناس] وقوله: وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن ~~يحضرون (98) [المؤمنون] وقوله: فإذا قرأت القرآن PageV01P172 ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) [النحل]. # ومن المعلوم أن الإعاذة من الشيطان الرجيم ليست بإماتته ولا تعطيل آلات ~~كيده، وإنما هي بأن يعصم المستعيذ من أذاه له، ويحول بينه وبين فعله ~~الاختياري له، فدل على أن فعله مقدور له سبحانه، إن شاء سلطه على العبد، ~~وإن شاء حال بينه وبينه، وهذا على أصول القدرية باطل، فلا يثبتون حقيقة ~~الإعاذة، وإن أثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد، وجعلوا الآية ردا على ~~الجبرية. والجبرية أثبتوا حقيقة الإعاذة، ولم يثبتوا حقيقة الاستعاذة من ~~العبد، بل الاستعاذة فعل الرب حقيقة كما أن الإعاذة فعله، وقد ضل الطائفتان ~~عن الصراط المستقيم، وأصابت ms116 كل طائفة منهما فيما أثبتته من الحق. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله (127) [النحل] وقول هود ~~«1»: وما توفيقي إلا بالله (88) [هود]. # ومعلوم أن الصبر والتوفيق فعل اختياري للعبد، وقد أخبر أنه به لا بالعبد، ~~وهذا لا ينبغي أن يكون فعلا للعبد حقيقة، ولهذا أمر به، وهو لا يأمر عبده ~~بفعل نفسه سبحانه، وإنما يؤمر العبد بفعله هو، ومع هذا فليس فعله واقعا به، ~~وإنما هو بالخالق لكل شي ء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالتصبير ~~منه سبحانه، وهو فعله، والصبر هو القائم بالعبد، وهو فعل PageV01P173 ~~العبد، ولهذا أثنى على من يسأله أن يصبره، فقال تعالى: ولما برزوا لجالوت ~~وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله (251) [البقرة] ففي الآية أربعة أدلة. # أحدها: قولهم: «أفرغ علينا صبرا»، والصبر فعلهم الاختياري، فسألوه ممن هو ~~بيده ومشيئته وإذنه، إن شاء أعطاهموه، وإن شاء منعهموه. # الثاني: قولهم: «وثبت أقدامنا»، وثبات الأقدام فعل اختياري، ولكن التثبيت ~~فعله، والثبات فعلهم، ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله. # الثالث: قولهم: «وانصرنا على القوم الكافرين» فسألوه النصر وذلك بأن يقوي ~~عزائمهم، ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم، ويلقي في قلوب أعدائهم الخور والخوف ~~والرعب، فيحصل النصر، وأيضا فإن كون الإنسان منصورا على غيره، إما أن يكون ~~بأفعال الجوارح، وهو واقع بقدرة العبد واختياره، وإما أن يكون بالحجة ~~والبيان والعلم، وذلك أيضا فعل العبد، وقد أخبر سبحانه أن النصر بجملته من ~~عنده، وأثنى على من طلبه منه، وعند القدرية لا يدخل تحت مقدور الرب. # الرابع: قوله: «فهزموهم بإذن الله» وإذنه هاهنا هو الإذن الكوني القدري، ~~أي: بمشيئته وقضائه. وقدره ليس هو الإذن الشرعي الذي بمعنى الأمر، فإن ذلك ~~لا يستلزم الهزيمة بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني، فإن المأمور المكون لا ~~يتخلف عنه البتة. PageV01P174 # فصل # ومن ذلك قوله تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه (28) ~~[الكهف]. # وفي الآية رد ظاهر على الطائفتين وإبطال لقولهما، فإنه ms117 سبحانه أغفل قلب ~~العبد عن ذكره، فغفل هو. فالإغفال فعل الله. والغفلة فعل العبد. ثم أخبر عن ~~اتباعه هواه، وذلك فعل العبد حقيقة، والقدرية تحرف هذا النص وأمثاله ~~بالتسمية والعلم، فيقولون: معنى أغفلنا قلبه، سميناه غافلا، أو وجدناه ~~غافلا، أي: علمناه كذلك، وهذا من تحريفهم. بل أغفلته مثل أقمته وأقعدته ~~وأغنيته وأفقرته، أي: جعلته كذلك، وأما أفعلته أو أوجدته كذلك كأحمدته ~~وأجبنته وأبخلته وأعجزته فلا يقع في أفعال الله البتة، إنما يقع في أفعال ~~العاجز، أن يجعل جبانا وبخيلا وعاجزا، فيكون معناه: صادفته كذلك، وهل يخطر ~~بقلب الداعي: اللهم أقدرني أو أوزعني وألهمني، أي: # سمني وأعلمني كذلك، وهل هذا إلا كذب عليه وعلى المدعو سبحانه. # والعقلاء يعلمون علما ضروريا أن الداعي إنما سأل الله أن يخلق له ذلك، ~~ويشاءه له، ويقدره عليه، حتى القدري إذا غابت عنه بدعته وما تقلده عن ~~أشياخه وأسلافه، وبقي وفطرته، لم يخطر بقلبه سوى ذلك. وأيضا فلا يمكن أن ~~يكون العبد هو المغفل لنفسه عن الشي ء، فإن إغفاله لنفسه عنه مشروط بشعوره ~~به، وذلك مضاد لغفلته عنه، بخلاف إغفال الرب تعالى له، فإنه لا يضاد علمه ~~بما يغفل عنه العبد، وبخلاف غفلة العبد، فإنها لا تكون إلا مع عدم شعوره ~~بالمغفول عنه؛ وهذا ظاهر جدا. فثبت أن الإغفال فعل PageV01P175 ~~الله بعبده، والغفلة فعل العبد. # فصل # ومن ذلك قوله تعالى إخبارا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه: قد افترينا على ~~الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود ~~فيها إلا أن يشاء الله ربنا (89) [الأعراف]. # وهذا يبطل تأويل القدرية المشيئة في مثل ذلك بمعنى الأمر، فقد علمت أنه ~~من الممتنع على الله أن يأمر بالدخول في ملة الكفر والشرك به، ولكن استثنوا ~~بمشيئته التي يضل بها من يشاء، ويهدي من يشاء. ثم قال شعيب: # وسع ربنا كل شي ء علما، فرد الأمر إلى مشيئته وعلمه، فإن له سبحانه في ~~خلقه علما محيطا، ومشيئته نافذة وراء ما يعلمه ms118 الخلائق، فامتناعنا من العود ~~فيها هو مبلغ علومنا ومشيئتنا. ولله علم آخر ومشيئة أخرى وراء علومنا ~~ومشيئتنا، فلذلك رد الأمر إليه. # ومثله قول إبراهيم: ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي ~~كل شي ء علما أفلا تتذكرون (80) [الأنعام] فأعادت الرسل، بكمال معرفتها ~~بالله، أمورها إلى مشيئة الرب وعلمه، ولهذا أمر الله رسوله أن لا يقول لشي ~~ء أنه فاعله حتى يستثني بمشيئة الله، فإنه إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله، ~~وقد تقدم تقرير هذا المعنى. # وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال ~~العباد، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد. PageV01P176 # قال ابن عباس: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر، نقض تكذيبه ~~توحيده. PageV01P177 ### | AUTO الباب الرابع عشر في الهدى والضلال ومراتبهما، والمقدور منهما ~~للخلق، وغير المقدور لهم # هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله، فإن أفضل ما يقدر الله لعبده ~~وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال، وكل نعمة ~~دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال. وقد اتفقت رسل الله، من أولهم ~~إلى آخرهم، وكتبه المنزلة عليهم، على أنه سبحانه يضل من يشاء، ويهدي من ~~يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى ~~والإضلال بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي؛ فالهداية ~~والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه، ولا بد ~~قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن. # فأما مراتب الهدى فأربعة. # إحداها: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، ~~وهذا أعم مراتبه. # المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى ~~مصالح العبد في معاده، وهذا خاص بالمكلفين، وهذه المرتبة أخص من المرتبة PageV01P179 ~~الأولى وأعم من الثالثة. # المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق ومشيئة ~~الله لعبده الهداية، وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد، وهذه ~~الهداية التي لا يقدر ms119 عليها إلا الله عز وجل. # المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار. # فصل # فأما المرتبة الأولى فقد قال سبحانه: سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق ~~فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) [الأعلى] فذكر سبحانه أربعة أمور عامة: الخلق ~~والتسوية والتقدير والهداية، وجعل التسوية من تمام الخلق، والهداية من تمام ~~التقدير. # قال عطاء: «خلق فسوى»: أحسن ما خلقه، وشاهده قوله تعالى: الذي أحسن كل شي ~~ء خلقه (7) [السجدة] فإحسان خلقه يتضمن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم ~~يحصل بينها تفاوت، يخل بالتناسب والاعتدال. # فالخلق الإيجاد، والتسوية إتقانه وإحسان خلقه. # وقال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه باليدين والعينين والرجلين. # وقال مقاتل: خلق لكل دابة ما يصلح لها من الخلق. # وقال أبو إسحاق: خلق الإنسان مستويا، وهذا تمثيل، وإلا فالخلق PageV01P180 ~~والتسوية شامل للإنسان وغيره قال تعالى: ونفس وما سواها (7) [الشمس] وقال ~~فسواهن سبع سماوات (29) [البقرة] فالتسوية شاملة لجميع مخلوقاته ما ترى في ~~خلق الرحمن من تفاوت (3) [الملك] وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو ~~راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق، فإن التسوية أمر وجودي، تتعلق ~~بالتأثير والإبداع، فما عدم منها، فلعدم إرادة الخالق للتسوية، وذلك أمر ~~عدمي، يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير، فتأمل ذلك، فإنه يزيل عنك الإشكال في ~~قوله: «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت» فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة ~~التسوية، كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة ~~خلقها وإيجادها، وتمام هذا يأتي إن شاء الله في باب دخول الشر في القضاء ~~عند قول النبي صلى الله عليه وسلم «الشر ليس إليك» «1». # والمقصود أن كل مخلوق فقد سواه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه، وإن فاتته ~~التسوية من وجه آخر، لم يخلق له. # فصل # وأما التقدير والهداية، فقال مقاتل: قدر خلق الذكر والأنثى، فهدى الذكر ~~للأنثى كيف يأتيها. # وقال ابن عباس والكلبي: وكذلك قال عطاء: قدر من النسل ما أراد، ثم PageV01P181 ~~هدى الذكر للأنثى، واختار هذا القول صاحب «النظم»، فقال: معنى هدى: # هداية الذكر لإتيان ms120 الأنثى كيف يأتيها، لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه ~~مختلف، لاختلاف الصور والخلق والهيئات، فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على ~~معرفة كيف يأتي أنثى جنسه، لما اهتدى لذلك. وقال مقاتل أيضا: # هداه لمعيشته ومرعاه. # وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هداه للخروج. # وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة. # وقال الفراء: التقدير: فهدى وأضل، فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر. # قلت: الآية أعم من هذا كله، وأضعف الأقوال فيها قول الفراء، إذ المراد ~~هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه، ليس المراد هداية الإيمان ~~والضلال بمشيئته، وهو نظير قوله: ربنا الذي أعطى كل شي ء خلقه ثم هدى (50) [طه]. # فإعطاء الخلق: إيجاده في الخارج، والهداية: التعليم والدلالة على سبيل ~~بقائه وما يحفظه ويقيمه، وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه، لا تفسير مطابق ~~للآية، فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه طيره ودوابه فصيحه ~~وأعجمه، وكذلك قول من قال: إنه هداية الذكر لإتيان الأنثى، تمثيل أيضا، وهو ~~فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله، وكذلك قول من قال: ~~هداه للمرعى، فإن ذلك من الهداية، فإن الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه ~~من بطن أمه، والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها، حتى يتبعها أين ذهبت، ~~والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه، وهداية الطير والوحش ~~والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها PageV01P182 ~~الإنسان، كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها، ثم ~~عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم. # وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب «1»، وذلك أن لها أميرا ومدبرا وهو ~~اليعسوب، وهو أكبر جسما من جميع النحل وأحسن لونا وشكلا، وإناث النحل تلد ~~في إقبال الربيع، وأكثر أولادها يكن إناثا، وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه ~~بينها، بل إما تطرده، وإما أن تقتله إلا طائفة يسيرة منها تكون حول الملك، ~~وذلك أن الذكر منها لا تعمل شيئا، ولا تكسب، ثم تجمع الأمهات وفراخها عند ms121 ~~الملك، فيخرج بها إلى المرعى من المروج والرياض والبساتين والمراتع في أقصد ~~«2» الطرق وأقربها، فيجتني منها كفايتها، فيرجع بها الملك، فإذ انتهوا إلى ~~الخلايا، وقف على بابها، ولم يدع ذكرا ولا نحلة غريبة تدخلها، فإذا تكامل ~~دخولها، دخل بعدها، وتواجدت النحل مقاعدها وأماكنها، فيبتدئ الملك بالعمل، ~~كأنه يعلمها إياه، فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه، ويترك الملك العمل، ~~ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل، فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات ~~الأوراق والأنوار، ثم تقتسم النحل فرقا، فمنها فرقة تلزم الملك، ولا ~~تفارقه، ولا تعمل، ولا تكسب، وهم حاشية الملك من الذكورة، ومنها فرقة تهيئ ~~الشمع وتصنعه. والشمع هو ثفل العسل، وفيه حلاوة كحلاوة التين، وللنحل فيه ~~عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل، فينظفه النحل ويصفيه ويخلصه مما يخالطه من ~~أبوالها وغيرها. وفرقة تبني البيوت، وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها. ~~وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل، وإذا رأت بينها نحلة PageV01P183 ~~مهينة بطالة قطعها وقتلها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال، وتعديهن ببطالتها ~~ومهانتها. # وأول ما يبنى في الخلية مقعد الملك وبيته، فيبني له بيتا مربعا يشبه ~~السرير والتخت فيجلس عليه، ويستدير حوله طائفة من النحل، تشبه الأمراء ~~والخدم والخواص، لا يفارقنه، ويجعل النحل بين يديه شيئا يشبه الحوض، يصب ~~فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه، ويملأ منه الحوض، يكون ذلك طعاما للملك ~~وخواصه، ثم يأخذن في ابتناء البيوت على خطوط متساوية كأنها سكك ومحال، ~~وتبني بيوتها مسدسة متساوية الأضلاع، كأنها قرأت كتاب أقليدس حتى عرفت أوفق ~~الأشكال لبيوتها، لأن المطلوب من بناء الدور هو الوثاقة والسعة. والشكل ~~المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلا مستديرا ~~كاستدارة الرحى، ولا يبقى فيه فروج ولا خلل، ويشد بعضه بعضا حتى يصير طبقا ~~واحدا محكما، لا يدخل بين بيوته رءوس الإبر، فتبارك الذي ألهمها أن تبني ~~بيوتها هذا البناء المحكم الذي يعجز البشر عن صنع مثله، فعلمت أنها محتاجة ~~إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين: ms122 # إحداهما: أن لا تكون زواياها ضيقة، حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلا. # الثانية: أن تكون تلك البيوت مشكلة بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض، ~~وامتلأت العرصة منها، فلا يبقى منها شي ء «1» ضائعا، ثم إنها علمت أن الشكل ~~الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدس فقط، فإن المثلثات والمربعات، وإن أمكن ~~امتلاء العرصة منها إلا أن زواياها ضيقة، وأما سائر PageV01P184 ~~الأشكال، وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العرصة منها، بل يبقى ~~فيما بينها فروج خالية ضائعة، وأما المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين، ~~فهداها سبحانه على بناء بيوتها على هذا الشكل من غير مسطر ولا آلة ولا مثال ~~يحتذى عليه، وأصنع بني آدم لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالآلات ~~الكبيرة، فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها وتأتيها ذللا لا ~~تستعصي عليها، ولا تضل عنها، وأن تجتني أطيب ما في المرعى وألطفه، وأن تعود ~~إلى بيوتها الخالية، فتصب فيها شرابا مختلفا ألوانه فيه شفاء للناس، إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون، فإذا فرغت من بناء البيوت، خرجت خماصا، تسيح سهلا ~~وجبلا، فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رءوس الأزهار وورق الأشجار، فترجع ~~بطانا، وجعل سبحانه في أفواهها حرارة منضجة، تنضج ما جنته، فتعيده حلاوة ~~ونضجا، ثم تمجه في البيوت حتى إذا امتلأت، ختمتها، وسدت رءوسها بالشمع ~~المصفى، فإذا امتلأت تلك البيوت، عمدت إلى مكان آخر، إن صادفته، فاتخذت فيه ~~بيوتا، وفعلت كما فعلت في البيوت الأولى. # فإذا برد الهوى وأخلف المرعى وحيل بينها وبين الكسب، لزمت بيوتها، واغتذت ~~بما ادخرته من العسل، وهي في أيام الكسب والسعي تخرج بكرة، وتسيح في ~~المراتع، وتستعمل كل فرقة منها بما يخصها من العمل؛ فإذ أمست، رجعت إلى ~~بيوتها، وإذا كان وقت رجوعها وقف على باب الخلية بواب منها، ومعه أعوان، ~~فكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب، ويتفقدها، فإن وجد منها رائحة منكرة، ~~أو رأى بها لطخة من قذر، منعها من الدخول وعزلها ناحية إلى أن يدخل الجميع، ~~فيرجع إلى المعزولات الممنوعات ms123 من الدخول، فيتفقدهن، ويكشف أحوالهن مرة ~~ثانية، فمن وجده قد وقع على شي ء منتن أو نجس، قده نصفين، ومن كانت جنايته ~~خفيفة تركه خارج الخلية، هذا دأب البواب كل عشية. PageV01P185 # وأما الملك فلا يكثر الخروج من الخلية إلا نادرا، إذا اشتهى التنزه، فيخرج ~~ومعه أمراء النحل والخدم، فيطوف في المروج والرياض والبساتين ساعة من ~~النهار، ثم يعود إلى مكانه. ومن عجيب أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو ~~من صاحب الخلية أو من خدمه، فيغضب ويخرج من الخلية، ويتباعد عنها، ويتبعه ~~جميع النحل، وتبقى الخلية خالية، فإذا رأى صاحبها ذلك، وخاف أن يأخذ النحل، ~~ويذهب بها إلى مكان آخر، احتال لاسترجاعه، وطلب رضاه، فيتعرف موضعه الذي ~~صار إليه بالنحل، فيعرفه باجتماع النحل إليه، فإنها لا تفارقه، وتجتمع عليه ~~حتى تصير عليه عنقودا، وهو إذا خرج غضبا جلس على مكان مرتفع من الشجرة، ~~وطافت به النحل، وانضمت إليه حتى يصير كالكرة، فيأخذ صاحب النحل رمحا أو ~~قصبة طويلة، ويشد على رأسه حزمة من النبات الطيب الرائحة العطر النظيف، ~~ويدنيه إلى محل الملك، ويكون معه إما مزهر أو يراع أو شي ء من آلات الطرب، ~~فيحركه، وقد أدنى إليه ذلك الحشيش، فلا يزال كذلك إلى أن يرضى الملك، فإذا ~~رضي وزال غضبه، طفر ووقع على الضغث «1»، وتبعه خدمه وسائر النحل، فيحمله ~~صاحبه إلى الخلية، فينزل، ويدخلها هو وجنوده. # ولا يقع النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام. ومن عجيب أمرها أنها تقتل ~~الملوك الظلمة المفسدة، ولا تدين لطاعتها. # والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العسالة، وهي تحاول مقاتلة الطوال ~~القليلة النفع وإخراجها ونفيها عن الخلايا، وإذا فعلت ذلك، جاد العسل، ~~وتجتهد أن تقتل ما تريد قتله خارج الخلية صيانة للخلية عن جيفته. ومنها PageV01P186 ~~صنف قليل النفع كبير الجسم، وبينها وبين العسالة حرب، فهي تقصدها وتغتالها، ~~وتفتح عليها بيوتها وتقصد هلاكها. والعسالة شديدة التيقظ والتحفظ منها، ~~فإذا هجمت عليها في بيوتها، حاولتها وألجأتها إلى أبواب البيوت فتتلطخ ~~بالعسل، فلا تقدر على الطيران، ms124 ولا يفلت منها إلا كل طويل العمر، فإذا ~~انقضت الحرب وبرد القتال، عادت إلى القتلى، فحملتها وألقتها خارج الخلية. # وقد ذكرنا أن الملك لا يخرج إلا في الأحايين، وإذا خرج خرج في جموع من ~~الفراخ والشبان، وإذا عزم على الخروج ظل قبل ذلك اليوم أو يومين يعلم ~~الفراخ، وينزلها منازلها، ويرتبها، فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد ~~دبره معهن، لا يخرجن عنه، وإذا تولدت عنده ذكران، عرف أنهن يتطلبن الملك، ~~فيجعل كل واحد منهم على طائفة من الفراخ، ولا يقتل ملك منها ملكا آخر، لما ~~في ذلك من فساد الرعية وهلاكها وتفرقها، وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد ~~كثرت في الخلية، وخاف من تفرق النحل بسببهم، احتال عليهم، وأخذ الملوك كلها ~~إلا واحدا، ويحبس الباقي عنده في إناء، ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم، حتى ~~إذا حدث بالملك المنصوب حدث مرض أو موت، أو كان مفسدا، فقتلته النحل، أخذ ~~من هؤلاء المحبوسين واحدا، وجعله مكانه، لئلا يبقى النحل بلا ملك، فيتشتت أمرها. # ومن عجيب أمرها أن الملك إذا خرج متنزها ومعه الأمراء والجنود، ربما لحقه ~~إعياء فتحمله الفراخ. وفي النحل كرام عمال، لها سعي وهمة واجتهاد، وفيها ~~لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة، فالكرام دائما تطردها وتنفيها عن ~~الخلية، ولا تساكنها خشية أن تعدي كرامها وتفسدها. # والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه، ولذلك لا تلقي زبلها إلا حين تطير، PageV01P187 ~~وتكره النتن والروائح الخبيثة، وأبكارها وفراخها أحرس وأشد اجتهادا من ~~الكبار وأقل لسعا وأجود عسلا، ولسعها إذا لسعت أقل ضررا من لسع الكبار. # ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه، قد خصت من وحي الرب تعالى ~~وهدايته بما لم يشركها فيه غيرها، وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من ~~الأسقام، والنور الذي يضي ء في الظلام، بمنزلة الهداة من الأنام، كان أكثر ~~الحيوان أعداء، وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة، وهذه سنة الله في ~~خلقه، وهو العزيز الحكيم. # فصل # وهذه النمل من أهدى الحيوانات، وهدايتها من أعجب شي ء، فإن ms125 النملة ~~الصغيرة تخرج من بيتها، وتطلب قوتها، وإن بعدت عليها الطريق، فإذا ظفرت به، ~~حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط، في غاية من التوعر حتى ~~تصل إلى بيوتها، فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان، فإذا خزنتها، عمدت إلى ~~ما ينبت منها، ففلقته فلقتين لئلا ينبت، فإن كان ينبت مع فلقه باثنتين ~~فلقته بأربعة، فإذا أصابه بلل، وخافت عليه العفن والفساد، انتظرت به يوما ~~ذا شمس، فخرجت به، فنشرته على أبواب بيوتها، ثم أعادته إليها، ولا تتغذى ~~منها نملة مما جمعه غيرها. # ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع ~~سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) [النمل] فاستفتحت PageV01P188 ~~خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته، ثم أتت بالاسم المبهم، ثم أتبعته بما ~~يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم، ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم، فيتحصنون ~~من العسكر، ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول، وهو خشية أن يصيبهم معرة «1» ~~الجيش، فيحطمهم سليمان وجنوده، ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده، بأنهم لا ~~يشعرون بذلك، وهذا من أعجب الهداية. # وتأمل كيف عظم الله سبحانه شأن النمل بقوله: وحشر لسليمان جنوده من الجن ~~والإنس والطير فهم يوزعون (17) [النمل] ثم قال: حتى إذا أتوا على واد النمل ~~(18) [النمل] فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي، ودل على أن ذلك ~~الوادي معروف بالنمل، كوادي السباع ونحوه، ثم أخبر بما دل على شدة فطنة هذه ~~النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم، فقد عرفت ~~هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكنا، لا يدخل عليهم فيه سواهم، ثم قالت: لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده، فجمعت بين اسمه وعينه، وعرفته بهما، وعرفت جنوده ~~وقائدها، ثم قالت: وهم لا يشعرون، فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش ~~بكونهم لا يشعرون وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم، ويدخلوا ~~مساكنهم، ولذلك تبسم نبي الله ضاحكا من قولها، وإنه لموضع تعجب وتبسم. ms126 # وقد روى الزهري عن عبيد «2» الله بن عبد الله بن عتبة «3»، عن ابن عباس ~~أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد ~~والصرد» «4». PageV01P189 # وفي الصحيح «1» عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزل نبي من ~~الأنبياء تحت شجرة، فقرصته نملة، فأمر بجهازه فأخرج، وأمر بقرية النمل ~~فأحرقت، فأوحى الله إليه: أمن أجل أن قرصتك نملة، أحرقت أمة من الأمم تسبح، ~~فهلا نملة واحدة». # وذكر هشام بن حسان أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة، فأمر الأحنف ~~بكرسي، فوضع عند تنورين، فجلس عليه، ثم تشهد ثم قال: لتنتهن أو ليحرقن ~~عليكن ونفعل ونفعل، قال: فذهبن. # وروى عوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير، قال: قال أبو موسى الأشعري: # إن لكل شي ء سادة حتى للنمل سادة. # ومن عجيب هدايتها أنها تعرف ربها، بأنه فوق سماواته على عرشه كما رواه ~~الإمام أحمد في «كتاب الزهد» من حديث أبي هريرة يرفعه قال: «خرج نبي من ~~الأنبياء بالناس يستسقون، فإذا هم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء، تدعو ~~مستلقية على ظهرها، فقال: ارجعوا، فقد كفيتم، أو سقيتم بغيركم» «2» ولهذا ~~الأثر عدة طرق ورواه الطحاوي في «التهذيب» وغيره. # وقال الإمام أحمد حدثنا «3» قال: خرج سليمان بن داود يستسقي، فرأى نملة ~~مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من ~~خلقك ليس بنا غنى عن سقياك ورزقك، فإما أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تهلكنا. فقال: PageV01P190 # ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم. # ولقد حدثني أن نملة خرجت من بيتها، فصادفت شق جرادة، فحاولت أن تحمله، ~~فلم تطق، فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها، قال: فرفعت ذلك من الأرض، ~~فطافت في مكانه، فلم تجده، فانصرفوا وتركوها، قال: # فوضعته، فعادت تحاول حمله، فلم تقدر، فذهبت وجاءت بهم، فرفعته، فطافت، ~~فلم تجده، فانصرفوا، قال: فعلت ذلك مرارا، فلما كان في المرة الأخرى، ~~استدار النمل حلقة، ووضعوها في وسطها، وقطعوها عضوا عضوا. قال شيخنا، وقد ~~حكيت له هذه ms127 الحكاية، فقال: هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب ~~وعقوبة الكذاب. # والنمل من أحرص الحيوان، ويضرب بحرصه المثل، ويذكر أن سليمان صلوات الله ~~وسلامه عليه لما رأى حرص النملة وشدة ادخارها للغذاء، استحضر نملة، وسألها، ~~كم تأكل النملة من الطعام كل سنة؟ قالت: ثلاث حبات من الحنطة، فأمر ~~بإلقائها في قارورة، وسد فم القارورة، وجعل معها ثلاث حبات حنطة، وتركها ~~سنة، بعد ما قالت، ثم أمر بفتح القارورة عند فراغ السنة، فوجد حبة ونصف ~~حبة، فقال: أين زعمك؟ أنت زعمت أن قوتك كل سنة ثلاث حبات، فقالت: نعم: ولكن ~~لما رأيتك مشغولا بمصالح أبناء جنسك، حسبت الذي بقي من عمري، فوجدته أكثر ~~من المدة المضروبة، فاقتصرت على نصف القوت، واستبقيت نصفه استبقاء لنفسي؛ ~~فعجب سليمان من شدة حرصها، وهذا من أعجب الهداية والعطية. # ومن حرصها أنها تكد طول الصيف، وتجمع للشتاء علما منها بإعواز الطلب في ~~الشتاء، وتعذر الكسب فيه، وهي على ضعفها شديدة القوى، فإنها تحمل أضعاف ~~أضعاف وزنها، وتجره إلى بيتها. # ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت عضو كزبرة يابس، فأدنيته إلى أنفك، PageV01P191 ~~لم تشم له رائحة، فإذا وضعته على الأرض، أقبلت النملة من مكان بعيد إليه، ~~فإن عجزت عن حمله، ذهبت وأتت معها بصف من النمل، يحتملونه، فكيف وجدت رائحة ~~ذلك من جوف بيتها حتى أقبلت بسرعة إليه؟! فهي تدرك بالشم من البعد ما يدركه ~~غيرها بالبصر أو بالسمع، فتأتي من مكان بعيد إلى موضع أكل فيه الإنسان، ~~وبقي فيه فتات من الخبز أو غيره، فتحمله وتذهب به، وإن كان أكبر منها، فإن ~~عجزت عن حمله، ذهبت إلى جحرها، وجاءت معها بطائفة من أصحابها، فجاءوا كخيط ~~أسود، يتبع بعضهم بعضا حتى يتساعدوا على حمله ونقله، وهي تأتي إلى السنبلة، ~~فتشمها، فإن وجدتها حنطة، قطعتها ومزقتها وحملتها، وإن وجدتها شعيرا فلا، ~~ولها صدق الشم وبعد الهمة وشدة الحرص والجرأة على محاولة نقل ما هو أضعاف ~~أضعاف وزنها. # وليس للنمل قائد ورئيس يدبرها كما يكون للنحل إلا أن ms128 لها رائدا يطلب ~~الرزق، فإذا وقف عليه، أخبر أصحابه، فيخرجن مجتمعات، وكل نملة تجتهد في ~~صلاح العامة منها غير مختلسة من الحب شيئا لنفسها دون صواحباتها. # ومن عجيب أمرها أن الرجل إذا أراد أن يحترز من النمل، لا يسقط في عسل أو ~~نحوه، فإنه يحفر حفيرة، ويجعل حولها ماء، أو يتخذ إناء كبيرا، ويملؤه ماء، ~~ثم يضع فيه ذلك الشي ء، فيأتي الذي يطيف به، فلا يقدر عليه، فيتسلق في ~~الحائط، ويمشي على السقف إلى أن يحاذي ذلك الشي ء، فتلقي نفسها عليه، ~~وجربنا نحن ذلك، وأحمى صانع مرة طوقا بالنار، ورماه على الأرض ليبرد، واتفق ~~أن اشتمل الطوق على نمل، فتوجه في الجهات ليخرج، فلحقه وهج النار، فلزم ~~المركز ووسط الطوق، وكان ذلك مركزا له، وهو أبعد مكان من المحيط. PageV01P192 # فصل # وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض، لا يراه ~~غيره، ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان، وقد ~~فقده وتوعده، فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة، وخاطبه ~~خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه، فقال: أحطت بما لم تحط به ~~(22) [النمل]، وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر، قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت ~~به، وهو خبر عظيم له شأن، فلذلك قال: وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) [النمل]، ~~والنبأ هو الخبر الذي له شأن، والنفوس متطلعة إلى معرفته. ثم وصفه بأنه نبأ ~~يقين، لا شك فيه ولا ريب، فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ، ~~استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر، وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ~~ومعرفته؛ وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج. # ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد فقال: إني وجدت امرأة ~~تملكهم (23) [النمل]، ثم أخبر عن شأن تلك الملكة، وأنها من أجل الملوك بحيث ~~أوتيت من كل شي ء يصلح أن تؤتاه الملوك ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها ~~الذي تجلس عليه وأنه عرش عظيم، ثم أخبره ms129 بما يدعوهم إلى قصدهم وغزوهم في ~~عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله، فقال: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله (24) [النمل]؛ وحذف أداة العطف ~~من هذه الجملة، وأتى بها مستقلة غير معطوفة على ما قبلها إيذانا بأنها هي ~~المقصودة، وما قبلها توطئة لها، ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على PageV01P193 ~~ذلك، وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم، وهو ~~السجود لله وحده، ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله ~~الذي لا ينبغي السجود إلا له، ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج الخب ء في ~~السموات والأرض، وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ~~ينزل من السماء وما يخرج من الأرض. # وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه، إشعار بما خصه ~~الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض. # قال صاحب «الكشاف» «1»: وفي إخراج الخب ء أمارة على أنه من كلام الهدهد، ~~لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض، وذلك بإلهام من يخرج الخب ء في السموات ~~والأرض، جلت قدرته ولطف علمه. ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور ~~الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم، في روائه ومنطقه وشمائله، فما ~~عمل آدمي عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله. # فصل # وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية، حتى قال الشافعي: أعقل الطير الحمام. ~~وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب، ربما زادت قيمة الطير منها على ~~قيمة المملوك والعبد، فإن الغرض الذي يحصل به لا يحصل بمملوك ولا بحيوان ~~غيره، لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه، من مسيرة ألف PageV01P194 ~~فرسخ فما دونها، وتنهي الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات ~~الممالك والدول، والقيمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناء عظيما، فيفرقون ~~بين ذكورها وإناثها وقت السفاد، وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها والإناث ~~عن ذكورها، ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها، ويتعرفون صحة ~~طرقها ومحلها، لا يأمنون أن تفسد الأنثى ذكرا من عرض الحمام، فتعتريها ~~الهجنة، والقيمون بأمرها ms130 لا يحفظون أرحام نسائهم، ويحتاطون لها، كما يحفظون ~~أرحام حمامهم ويحتاطون لها، والقيمون لهم في ذلك قواعد وطرق، يعتنون بها ~~غاية الاعتناء، بحيث إذا رأوا حماما ساقطا، لم يخف عليهم حسبها ونسبها ~~وبلدها، ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة، وتسمح أنفسهم بالجعل الوافر له، ~~ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها، ويقولون: هو أحن إلى بيته، ~~لمكان أنثاه، وهو أشد متنا وأقوى بدنا وأحسن اهتداء. # وطائفة منهم يختار لذلك الإناث، ويقولون: الذكر إذا سافر وبعد عهده، حن ~~إلى الإناث، وتاقت نفسه إليهن، فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه، فلا يصبر ~~عنها، فيترك المسير، ومال قضاء وطره منها. وهدايته على قدر التعليم ~~والتوطين. # والحمام موصوف باليمن والألف للناس، ويحب الناس ويحبونه، ويألف المكان، ~~ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه، وإن أساء إليه، ويعود إليه من مسافات ~~بعيدة، وربما صد، فترك وطنه عشر حجج، وهو ثابت على الوفاء، حتى إذا وجد ~~فرصة واستطاعة، عاد إليه. # والحمام، إذا أراد السفاد، يلطف للأنثى غاية اللطف، فيبدأ بنشر ذنبه PageV01P195 ~~وإرخاء جناحه، ثم يدنو من الأنثى، فيهدر لها، ويقبلها ويزقها «1»، وينتفش ~~ويرفع صدره، ثم يعتريه ضرب من الوله، والأنثى في ذلك مرسلة جناحها وكتفها ~~على الأرض، فإذا قضى حاجته منها، ركبته الأنثى، وليس ذلك في شي ء من ~~الحيوان سواه. # وإذا علم الذكر أنه أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد، يقدم هو والأنثى ~~بطلب القصب والحشيش وصغار العيدان، فيعملان منه أفحوصة، وينسجانها نسجا ~~متداخلا في الوضع الذي يكون بقدر حيمان الحمامة، ويجعلان حروفها شاخصة ~~مرتفعة لئلا يتدحرج عنها البيض، ويكون حصنا للحاضن، ثم يتعاودان ذلك ~~المكان، ويتعاقبان الأفحوص، يسخنانه ويطيبانه، وينفيان طباعه الأول، ~~ويحدثان فيه طبعا آخر مشتقا ومستخرجا من طباع أبدانهما ورائحتهما، لكي تقع ~~البيضة إذا وقعت في مكان هو أشبه المواضع بأرحام الحمام، ويكون على مقدار ~~من الحر والبرد والرخاوة والصلابة، ثم إذا ضربها المخاض، بادرت إلى ذلك ~~المكان ووضعت فيه البيض، فإن أفزعها رعد قاصف، رمت بالبيضة دون ذلك الم: ان ~~الذي هيأته، كالمرأة التي تسقط ms131 من الفزع، فإذا وضعت البيض في ذلك المكان، ~~لم يزالا يتعاقبان الحضن حتى إذا بلغ الحضن مداه وانتهت أيامه، انصدع عن ~~الفرخ، فأعاناه على خروجه، فيبدءان أولا بنفخ الريح في حلقه، حتى تتسع ~~حوصلته، علما منهما بأن الحوصلة تضيق عن الغذاء، فتتسع الحوصلة بعد ~~التحامها، وتنفتق بعد ارتتاقها، ثم يعلمان أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت ~~شيئا، فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء، فيزقانه بلعابهما المختلط ~~بالغذاء، وفيه قوى الطعم ثم يعلمان أن طبع الحوصلة تضعف عن استمرار الغذاء، ~~وأنها تحتاج إلى دفع وتقوية، لتكون لها بعض المتانة، فيلقطان من الغيطان ~~الحب اللين PageV01P196 ~~الرخو، ويزقانه الفرخ، ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد، ولا ~~يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج، بحسب قوة الفرخ، وهو يطلب ذلك ~~منهما. حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط، منعاه بعض المنع، ليحتاج إلى اللقط ~~ويعتاده، وإذا علما أن رئته قد قويت ونمت، وأنهما إن فطماه فطما قوي على ~~اللقط، وتبلغ لنفسه، ضرباه إذا سألهما الزق ومنعاه، ثم تنزع تلك الرحمة ~~العجيبة منهما، وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام ~~بنفسه والتكسب، ثم يبتدئان العمل ابتداء على ذلك النظام. # والحمام يشاكل الناس في أكثر طباعه ومذاهبه، فإن من إناثه أنثى لا تريد ~~إلا زوجها، وفيه أخرى لا ترد يد لامس، وأخرى لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث، ~~وأخرى تركب من أول وهلة وأول طلب، وأخرى لها ذكر معروف بها، وهي تمكن ذكرا ~~آخر منها، إذا غاب زوجها لم تمتنع ممن ركبها، وأخرى تمكن من يغنيها عن ~~زوجها، وهو يراهما ويشاهدهما، ولا تبالي بحضوره، وأخرى تعمط «1» الذكر ~~وتدعوه إلى نفسها، وأنثى تركب أنثى وتساحقها، وذكر يركب ذكرا ويعسفه، وكل ~~حالة توجد في الناس ذكورهم وإناثهم، توجد في الحمام وفيها من لا تبيض، وإن ~~باضت أفسدت البيضة كالمرأة التي لا تريد الولد كيلا يشغلها عن شأنها. وفي ~~إناث الحمام من إذا عرض لها ذكر أي ذكر كان، أسرعت هاربة، ولا تواتي ms132 غير ~~زوجها البتة، بمنزلة المرأة الحرة. ومنها ما يأخذ أنثى يتمتع بها، ثم ينتقل ~~عنها إلى غيرها وكذلك الأنثى توافق ذكرا آخر عن زوجها وتنتقل عنه، وإن ~~كانوا جميعا في برج واحد، ومنها ما يتصالح على الأنثى منها ذكران أو أكثر، ~~فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه وقهره، مالت إليه، وأعرضت عن ~~المغلوب. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى حمامة تتبع حمامة، ~~فقال: شيطان PageV01P197 ~~يتبع شيطانة «1». ومنها ما يزق فراخه خاصة، ومنها ما فيه شفقة ورحمة بالغة، ~~يزق فراخه وغيرها. # ومن عجيب هداها أنها إذا حملت رسائل، سلكت الطرق البعيدة عن القرى ومواضع ~~الناس، لئلا يعرض لها من يصدها، ولا يرد مياههم، بل يرد المياه التي لا ~~يردها الناس. ومن هدايتها أيضا أنه إذا رأى الناس في الهواء، عرف أي صنف ~~يريده، وأي نوع من الأنواع ضده، فيخالف فعله ليسلم منه. ومن هدايته أنه في ~~أول نهوضه يغفل ويمر بين النسر والعقاب وبين الرخم والبازي وبين الغراب ~~والصقر، فيعرف من يقصده ومن لا يقصده، وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السم ~~الناقع، وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية الذئب، والحمار عند مشاهدة الأسد. # ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ، فتكون الحضانة ~~والتربية والكفالة على الأنثى، وجلب القوت والزق على الذكر، فإن الأب هو ~~صاحب العيال والكاسب لهم، والأم هي التي تحبل وتلد وترضع. # ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ، أن رجلا كان له زوج حمام مقصوص، وزوج ~~طيار، وللطيار فرخان، قال: ففتحت لهما في أعلى الغرقة كوة للدخول والخروج ~~وزق فراخهما، قال: فحبسني السلطان فجأة، فاهتممت بشأن المقصوص غاية ~~الاهتمام، ولم أشك في موتهما، لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة، وليس ~~عندهما ما يأكلان ويشربان، قال: فلما خلى سبيلي، لم يكن لي هم غيرهما، ~~ففتحت البيت، فوجدت الفراخ قد كبرت، ووجدت المقصوص على أحسن حال، فعجبت، ~~فلم ألبث أن جاء الزوج الطيار، فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما، ~~يستطعمانهما كما PageV01P198 ~~يستطعم الفرخ، ms133 فزقاهما. # فانظر إلى هذه الهداية، فإن المقصوصين لما شاهدا تلطف الفراخ للأبوين، ~~وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش، فعلا كفعل الفرخين، ~~فأدركتهما رحمة الطيارين، فزقاهما كما يزقان فرخيهما. # ونظير ذلك ما ذكره الجاحظ وغيره، قال الجاحظ، وهو أمر مشهور عندنا ~~بالبصرة: إنه لما وقع الطاعون الجارف، أتى على أهل دار، فلم يشك أهل تلك ~~المحلة أنه لم يبق منهم أحد، فعمدوا إلى باب الدار فسدوه، وكان قد بقي صبي ~~صغير يرضع، ولم يفطنوا له، فلما كان بعد ذلك بمدة، تحول إليها بعض ورثة ~~القوم، ففتح الباب، فلما أفضى إلى عرصة الدار، إذا هو بصبي يلعب مع جراء ~~كلبة، قد كانت لأهل الدار، فراعه ذلك، فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل ~~الدار، فلما رآها الصبي حبا إليها، فأمكنته من أطبائها، فمصها. وذلك أن ~~الصبي لما اشتد جوعه، ورأى جراء الكلبة يرتضعون من أطباء الكلبة، حبا ~~إليها، فعطفت عليه، فلما سقته مرة أدامت له ذلك، وأدام هو الطلب، ولا ~~يستبعد هذا وما هو أعجب منه، فإن الذي هدى المولود إلى مص إبهامه ساعة ~~يولد، ثم هداه إلى التقام حملة ثدي، لم يتقدم له به عادة، كأنه قد قيل له: ~~هذه خزانة طعامك وشرابك التي كأنك لم تزل بها عارفا. وفي هدايته للحيوان ~~إلى مصالحه ما هو أعجب من ذلك. # ومن ذلك أن الديك الشاب إذا لقي حبا، لم يأكله حتى يفرقه، فإذا هرم وشاخ، ~~أكله من غير تفريق، كما قال المدائني: إن إياس بن معاوية مر بديك ينقر حبا، ~~ولا يفرقه، فقال: ينبغي أن يكون هرما، فإن الديك الشاب يفرق الحب، ليجتمع ~~الدجاج حوله، فتصيب منه، والهرم قد فنيت رغبته، فليس له همة إلا نفسه. قال ~~إياس: والديك يأخذ الحبة، فهو يريها الدجاجة حتى يلقيها من فيه، والهرم ~~يبتلعها، ولا يلقيها للدجاجة. PageV01P199 # وذكر ابن الأعرابي قال: أكلت حية بيض مكاء، فجعل المكاء يصوت ويطير على ~~رأسها، ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها، وهمت به، ألقى حسكة، فأخذت بحلقها ~~حتى ms134 ماتت، وأنشد أبو عمرو الشيباني في ذلك قول الأسدي: # إن كنت أبصرتني عيلا ومصطلما ... فربما قتل المكاء ثعبانا «1» # وهداية الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر، حدث عنه ولا حرج، ومن عجيب ~~هدايتها أن الثعلب إذا امتلأ من البراغيث، أخذ صوفة بفمه، ثم عمد إلى ماء ~~رقيق، فنزل فيه قليلا قليلا حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة، فيلقيها في ~~الماء ويخرج. # ومن عجيب أمره أن ذئبا أكل أولاده، وكان للذئب أولاد، وهناك زبية «2». # فعمد الثعلب وألقى نفسه فيها، وحفر فيها سردابا يخرج منه، ثم عمد إلى ~~أولاد الذئب، فقتلهم، وجلس ناحية ينتظر الذئب، فلما أقبل، وعرف أنها فعلته، ~~هرب قدامه وهو يتبعه، فألقى نفسه في الزبية ثم خرج من السرداب، فألقى الذئب ~~نفسه وراءه، فلم يجده، ولم يطق الخروج، فقتله أهل الناحية. # ومن عجيب أمره أن رجلا كان معه دجاجتان، فاختفى له «3»، وخطف إحداهما، ~~وفر، ثم أعمل فكره في أخذ الأخرى، فتراءى: لصاحبها من بعيد، وفي فمه شي ء ~~شبيه بالطائر، وأطمعه في استعادتها، بأن تركه وفر، فظن الرجل أنها الدجاجة، ~~فأسرع نحوها، وخالفه الثعلب إلى أختها، فأخذها وذهب. PageV01P200 # ومن عجيب أمره أنه أتى إلى جزيرة، فيها طير، فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها ~~شيئا فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش، وألقاه في مجرى الماء الذي نحو ~~الطير، ففزع منه، فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ~~ثانية وثالثة ورابعة حتى تواظب الطير على ذلك، وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر ~~من ذلك، فدخل فيها، وعبر إلى الطير، فلم يشك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم ~~تنفر منه، فوثب على طائر منها، وعدا به. # ومن عجيب أمر الذئب أنه عرض لإنسان، يريد قتله، فرأى معه قوسا وسهما، ~~فذهب وجاء بعظم رأس جمل في فيه، وأقبل نحو الرجل، فجعل الرجل كلما رماه ~~بسهم اتقاه بذلك العظم حتى أعجزه، وعاين نفاد سهمه، فصادف من استعان به على ~~طرد الذئب. # ومن عجيب أمر القرد ما ذكره البخاري في صحيحه «1»، عن عمرو بن ميمون ms135 ~~الأودي، قال: رأيت في الجاهلية قردا وقردة، زنيا، فاجتمع عليهم القرود، ~~فرجموهما حتى ماتا. فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم، وهذه ~~البقر يضرب ببلادتها المثل. # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم «أن رجلا بينا هو يسوق بقرة إذ ركبها، ~~فقالت: لم أخلق لهذا، فقال الناس: سبحان الله، بقرة تتكلم! فقال: فإني أومن ~~بهذا أنا وأبو بكر وعمر. وما هما ثم، ثم قال: وبينا رجل يرعى غنما له إذ ~~عدا الذئب على شاة منها، فاستنقذها منه، فقال الذئب: هذه استنقذتها مني، ~~فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري؟ فقال الناس: سبحان الله، ذئب ~~يتكلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أومن بهذا أنا وأبو بكر ~~وعمر» «2». PageV01P201 # وما هما ثم. # ومن هداية الحمار الذي هو من أبلد الحيوان، أن الرجل يسير به، ويأتي به ~~إلى منزله من البعد، في ليلة مظلمة، فيعرف المنزل، فإذا خلي جاء إليه، ~~ويفرق بين الصوت الذي يستوقف به، والصوت الذي يحث به على السير. # ومن عجيب أمر الفأر أنها إذا شربت من الزيت الذي في أعلا الجرة، فنقص، ~~وعز عليها الوصول إليه، ذهبت وحملت في أفواهها ماء، وصبته في الجرة حتى ~~يرتفع الزيت، فتشربه. # والأطباء تزعم أن الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار، إذا تعسر عليه ~~الذرق، جاء إلى البحر المالح، وأخذ بمنقاره منه، واحتقن به، فيخرج الذرق بسرعة. # وهذا الثعلب إذا اشتد به الجوع، انتفخ ورمى بنفسه في الصحراء، كأنه جيفة، ~~فتتداوله الطير، فلا يظهر حركة ولا نفسا، فلا تشك أنه ميت، حتى إذا نقر ~~بمنقاره، وثب عليها، فضمها ضمة الموت. # وهذا ابن عرس والقنفذ، إذا أكلا الأفاعي والحيات، عمدا إلى الصعتر «1» ~~النهري، فأكلاه كالترياق لذلك. # ومن عجيب أمر الثعلب أنه إذا أصاب القنفذ، قلبه لظهره لأجل شوكه، فيجتمع ~~القنفذ حتى يصير كبة شوك، فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فكيه ~~فإذا أصابه البول، اعتراه الأسر، فانبسط، فيسلخه الثعلب من بطنه، ويأكل ~~مسلوخه. PageV01P202 # وكثير من ms136 العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورا، تنفعه في معاشه وأخلاقه ~~وصناعته وحربه وحزمه وصبره. وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال ~~تعالى: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا (44) [الفرقان]. # قال أبو جعفر الباقر: والله! ما اقتصر على تشبيههم بالأنعام حتى جعلهم ~~أضل سبيلا منها. # فمن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها، أن ترفعه في الهواء أياما، ~~تهرب به من الذر والنمل، لأنها تضعه كقطعة من لحم، فهي تخاف عليه الذر ~~والنمل، فلا تزال ترفعه وتضعه، وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد. # وقال ابن الأعرابي: قيل لشيخ من قريش: من علمك هذا كله، وإنما يعرف مثله ~~أصحاب التجارب والتكسب؟ قال: علمني الله ما علم الحمامة، تقلب بيضها حتى ~~تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من حضانتها، ولخوف طباع الأرض على البيض، إذا ~~استمر على جانب واحد. # وقيل لآخر: من علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها، وإن استعصت، حتى تظفر ~~بها؟ قال: من علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط، ثم تصعد، ثم تسقط ~~مرارا عديدة، حتى تستمر صاعدة. # وقيل لآخر: من علمك البكور في حوائجك أول النهار، لا تخل به؟ # قال: من علم الطير تغدو خماصا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها، ~~لا تسأم ذلك، ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض. # وقيل لآخر: من علمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك، فإذ ظفرت ~~به، وثبت وثوب الأسد على فريسته؟ فقال: الذي علم PageV01P203 ~~الهر «1» أن ترصد جحر الفأرة، فلا تتحرك ولا تتلوى ولا تختلج، كأنها ميتة، ~~حتى إذا برزت لها الفأرة، وثبت عليها كالأسد. # وقيل لآخر: من علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون؟ قال: # من علم أبا أيوب «2» صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة، والمشي والتعب ~~وغلظة الحمال وضربه، فالثقل والكل على ظهره، ومرارة الجوع والعطش في كبده، ~~وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه، ولا يعدل به ذلك عن الصبر. # وقيل لآخر: من علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل؟ قال: من علم ms137 الديك، ~~يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها، فلا يأكلها، بل يستدعي الدجاج، ~~ويطلبهن طلبا حثيثا حتى تجي ء الواحدة منهن، فتلقطها، وهو مسرور بذلك طيب ~~النفس به، وإذا وضع له الحب الكثير، فرقه هاهنا وهاهنا، وإن لم يكن هناك ~~دجاج، لأن طبعه قد ألف البذل والجود، فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده ~~بالطعام. # وقيل لآخر: من علمك هذا التحيل في طلب الرزق ووجوه تحصيله؟ # قال: من علم الثعلب تلك الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها، وهي ~~أكثر من أن تذكر. # ومن علم الأسد إذا مشى، وخاف أن يقتفى أثره، ويطلب، عفى أثر مشيته بذنبه، ~~ومن علمه أن يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه، فينفخ في منخريه، لأن ~~اللبوة تضعه جروا كالميت فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه، فيفعل به ذلك. PageV01P204 # ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها، وإذا مر بفريسة ~~غيره، لم يدن منها، ولو جهده الجوع. ومن علم الأسد أن يخضع للببر «1» ويذل ~~له إذا اجتمعا حتى ينال منه له، ومن عجيب أمره أنه إذا استعصى عليه شي ء من ~~السباع، دعا الأسد، فأجابه إجابة المملوك لمالكه، ثم أمره، فربض بين يديه، ~~فيبول في أذنيه، فإذا رأت السباع ذلك، أذعنت له بالطاعة والخضوع. # ومن علم الثعلب إذا اشتد به الجوع، أن يستلقي على ظهره، ويختلس نفسه إلى ~~داخل بدنه، حتى ينتفخ، فيظن الظان أنه ميتة، فيقع عليه، فيثب على من انقضى ~~عمره منها، ومن علمه إذا أصابه صدع أو جرح أن يأتي إلى صبغ معروف، فيأخذ ~~منه، ويضعه على جرحه كالمرهم. # ومن علم الدب إذا أصابه كلم، أن يأتي إلى نبت قد عرفه، وجهله صاحب ~~الحشائش، فيتداوى به، فيبرأ. # ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها، أن تأتي إلى الماء، فتلد ~~فيه، لأنها، دون الحيوانات، لا تلد إلا قائمة، لأن أوصالها على خلاف أوصال ~~الحيوان، وهي عالية، فتخاف أن تسقطه على الأرض، فينصدع أو ينشق، فتأتي ماء ~~وسطا ms138 تضعه فيه، يكون كالفراش اللين والوطاء الناعم. # ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر. # ومن علم الكلب إذا عاين الظباء أن يعرف المعتل من غيره، والذكر من ~~الأنثى، فيقصد الذكر مع علمه بأن عدوه أشد، وأبعد وثبة، ويدع الأنثى على PageV01P205 ~~نقصان عدوها، لأنه قد علم أن الذكر إذا عدا شوطا أو شوطين حقن ببوله، وكل ~~حيوان إذا اشتد فزعه، فإنه يدركه الحقن، وإذا حقن الذكر لم يستطع البول مع ~~شدة العدو، فيقل عدوه، فيدركه الكلب، وأما الأنثى فتحذف بولها لسعة القبل ~~وسهولة المخرج، فيدوم عدوها. # ومن علمه أنه إذا كسا الثلج الأرض، أن يتأمل الموضع الرقيق الذي قد ~~انخسف، فيعلم أن تحته جحر الأرنب، فينبشه ويصطادها علما منه بأن حرارة ~~أنفاسها تذيب بعض الثلج، فيرق. # ومن علم الذئب إذا نام، أن يجعل النوم نوبا بين عينيه، فينام بإحداهما ~~حتى إذا نعست الأخرى نام بها، وفتح النائمة حتى قال بعض العرب: # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم # ومن علم العصفورة، إذا سقط فرخها، أن تستغيث، فلا يبقى عصفور بجوارها حتى ~~يجي ء، فيطيرون حول الفرخ، ويحركونه بأفعالهم، ويحدثون له قوة وهمة وحركة ~~حتى يطير معهم. # قال بعض الصيادين: ربما رأيت العصفور على الحائط، فأومئ بيدي، كأني ~~أرميه، فلا يطير، وربما أهويت إلى الأرض، كأني أتناول شيئا فلا يتحرك، فإن ~~مسست بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة، طار قبل أن تتمكن منها يدي. # ومن علم الحمامة إذا حملت، أن تأخذ هي والأب في بناء العش، وأن يقيما له ~~حروفا تشبه الحائط، ثم يسخناه ويحدثا فيه طبيعة أخرى، ثم يقلبان البيض في ~~الأيام، ومن قسم بينهما الحضانة والكد، فأكثر ساعات الحضانة على الأنثى، ~~وأكثر ساعات جلب القوت على الأب، وإذا خرج الفرخ، علما ضيق حوصلته عن ~~الطعام، فنفخا فيه نفخا متداركا حتى تتسع حوصلته، ثم PageV01P206 ~~يزقانه اللعاب أو شيئا قبل الطعام، وهو كاللبإ للطفل، ثم يعلمان احتياج ~~الحوصلة إلى دباغ، فيزقانه ms139 من أصل الحيطان، من شي ء بين الملح والتراب، ~~تندبغ به الحوصلة، فإذا اندبغت، زقاه الحب، فإذا علما أنه أطاق اللقط، ~~منعاه الزق على التدريج، فإذا تكاملت قوته وسألهما الكفالة، ضرباه، ومن ~~علمهما إذا أرادا السفاد أن يبتدئ الذكر بالدعاء، فتتطارد له الأنثى قليلا، ~~لتذيقه حلاوة المواصلة، ثم تطيعه في نفسها، ثم تمتنع بعض التمنع ليشتد طلبه ~~وحبه، ثم تتهادى وتتكسل، وتريه معاطفها، وتعرض محاسنها، ثم يحدث بينهما من ~~التغزل والعشق والتقبيل والرشف ما هو مشاهد بالعيان. # ومن علم المرسلة منها، إذا سافرت ليلا، أن تستدل ببطون الأودية ومجاري ~~المياه والجبال ومهاب الريح ومطلع الشمس ومغربها، فتستدل بذلك وبغيره إذا ~~ضلت، فإذا عرفت الطريق مرت كالريح. # ومن علم اللبلب، وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض، ويجمع نفسه، فيري ~~الذبابة أنه لاه عنها، ثم يثب عليها وثوب الفهد. # ومن علم العنكبوت أن تنسج تلك الشبكة الرفيعة المحكمة، وتجعل في أعلاها ~~خيطا، ثم تتعلق به فإذا تعرقلت البعوضة في الشبكة، تدلت إليها فاصطادتها. # ومن علم الظبي أنه لا يدخل كناسه إلا مستدبرا، ليستقبل بعينيه ما يخافه ~~على نفسه وخشفه. # ومن علم السنور، إذا رأى فأرة في السقف، أن يرفع رأسه كالمشير إليها ~~بالعود، ثم يشير إليها بالرجوع، وإنما يريد أن يدهشها، فتزلق فتسقط. # ومن علم اليربوع أن يحفر بيته في سفح الوادي حيث يرتفع عن مجرى PageV01P207 ~~السيل، ليسلم من مدق الحافر ومجرى الماء، ويعمقه، ثم يتخذ في زواياه أبوابا ~~عديدة، ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزا رقيقا، فإذا أحس بالشر فتح بعضها ~~بأيسر شي ء وخرج منه، ولما كان كثير النسيان، لم يحفر بيته إلا عند أكمة أو ~~صخرة علامة له على البيت، إذا ضل عنه. # ومن علم الفهد، إذا سمن، أن يتوارى لثقل الحركة عليه، حتى يذهب ذلك ~~السمن، ثم يظهر. # ومن علم الأيل إذا سقط قرنه أن يتوارى، لأن سلاحه قد ذهب، فيسمن لذلك، ~~فإذا كمل نبات قرنه، تعرض للشمس والريح، وأكثر من الحركة، ليشتد لحمه، ~~ويزول السمن المانع ms140 له من العدو. # وهذا باب واسع جدا ويكفي فيه قوله سبحانه: وما من دابة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شي ء ثم إلى ربهم ~~يحشرون (38) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) [الأنعام]. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت ~~بقتلها» «1». # وهذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون إخبارا عن أمر غير ممكن فعله، وهو أن الكلاب أمة، لا ~~يمكن إفناؤها لكثرتها في الأرض، فلو أمكن إعدامها من الأرض لأمرت بقتلها. # والثاني: أن يكون مثل قوله: «أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من PageV01P208 ~~الأمم تسبح» «1» فهي أمة مخلوقة بحكمة ومصلحة، فإعدامها وإفناؤها يناقض ما ~~خلقت لأجله، والله أعلم بما أراد رسوله. # قال ابن عباس في رواية عطاء: «إلا أمم أمثالكم» يريد: يعرفونني ~~ويوحدونني، ويسبحونني ويحمدونني مثل قوله تعالى: وإن من شي ء إلا يسبح ~~بحمده (44) [الإسراء] ومثل قوله ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات ~~والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه (41) [النور] ويدل على هذا ~~قوله تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب (18) [الحج] وقوله: ولله يسجد ما في ~~السماوات وما في الأرض من دابة (49) [النحل] ويدل عليه قوله تعالى: يا جبال ~~أوبي معه والطير (10) [سبأ] ويدل عليه قوله وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي ~~(68) [النحل] وقوله: قالت نملة يا أيها النمل (18) [النمل] وقول سليمان: ~~علمنا منطق الطير (16) [النمل]. # وقال مجاهد: أمم أمثالكم: أصناف مصنفة، تعرف بأسمائها. # وقال الزجاج: أمم أمثالكم في أنها تبعث. # وقال ابن قتيبة: أمم أمثالكم: في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي ~~المهالك. # وقال سفيان بن عيينة: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم، فمنهم ~~من يهتصر «2» اهتصار الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح ~~الكلب، منهم من يتطوس ms141 كفعل الطاوس، ومنهم من يشبه PageV01P209 ~~الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام الطيب عافته، فإذا قام الرجل عن رجيعه، ~~ولغت فيه، فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، ~~وإن أخطأ رجل ترواه وحفظه. # قال الخطابي: ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة، ~~وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره، وجب المصير إلى باطنه. وقد ~~أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة، وذلك ممتنع من ~~جهة الخلقة والصورة، وعدم من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفا إلى ~~المماثلة في الطباع والأخلاق، وإذا كان الأمر كذلك، فاعلم أنك إنما تعاشر ~~البهائم والسباع، فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم، على حسب ذلك، انتهى كلامه. # والله سبحانه قد جعل بعض الدواب كسوبا محتالا، وبعضها متوكلا غير محتال، ~~وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته، وبعضها يتكل على الثقة، بأن له في كل ~~يوم قدر كفايته رزقا مضمونا وأمرا مقطوعا، وبعضها يدخر وبعضها لا تكسب له، ~~وبعض الذكورة يعول ولده، وبعضها لا يعرف ولده البتة، وبعض الإناث تكفل ~~ولدها لا تعدوه، وبعضها تضع ولدها، وتكفل ولد غيرها، وبعضها لا تعرف ولدها ~~إذا استغنى عنها، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه. # وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها، ~~وبعضها لا يلتمس الولد، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه، وبعضها يعرف الإحسان ~~ويشكره، وبعضها ليس ذلك عنده شيئا، وبعضها يؤثر على نفسه، وبعضها إذا ظفر ~~بما يكفي أمة من جنسه، لم يدع أحدا يدنو منه، وبعضها يحب السفاد ويكثر منه، ~~وبعضها لا يفعله في السنة إلا مرة، وبعضها يقتصر على أنثاه، وبعضها لا يقف ~~على أنثى، ولو كانت أمه أو PageV01P210 ~~اخته، وبعضها لا تمكن غير زوجها من نفسها، وبعضها لا ترد يد لامس، وبعضها ~~يألف بني آدم ويأنس بهم، وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار؛ وبعضها لا ~~يأكل إلا الطيب، وبعضها لا يأكل إلا الخبائث، وبعضها يجمع بين الأمرين، ms142 ~~وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها، وبعضها يؤذي من لا يؤذيها، وبعضها ~~حقود لا تنسى الإساءة، وبعضها لا يذكرها البتة، وبعضها لا يغضب، وبعضها ~~يشتد غضبه، فلا يزال يسترضى حتى يرضى، وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة، ~~لا يهتدي إليها أكثر الناس، وبعضها لا معرفة له بشي ء من ذلك البتة، وبعضها ~~يستقبح القبيح، وينفر منه، وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده، وبعضها يقبل ~~التعليم بسرعة، وبعضها مع الطول، وبعضها لا يقبل ذلك بحال. # وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه، وعلى إتقان صنعه وعجيب ~~تدبيره ولطيف حكمته، فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحيل وحسن ~~التدبير والتأني لما تريده ما يستنطق الأفواه بالتسبيح، ويملأ القلوب من ~~معرفته ومعرفة حكمته وقدرته وما يعلم به كل عاقل، أنه لم يخلق عبثا ولم ~~يترك سدى، وأن له سبحانه في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهانا قاطعا، ~~يدل على أنه رب كل شي ء ومليكه، وأنه المنفرد بكل كمال دون خلقه، وأنه على ~~كل شي ء قدير، وبكل شي ء عليم. # فصل # فلنرجع إلى ما ساقنا إلى هذا الموضع، وهو الكلام على الهداية العامة التي ~~هي قرينة الخلق في الدلالة على الرب، تبارك وتعالى، وأسمائه وصفاته PageV01P211 ~~وتوحيده، قال تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: قال فمن ربكما يا موسى (49) ~~قال ربنا الذي أعطى كل شي ء خلقه ثم هدى (50) [طه]. # قال مجاهد: أعطى كل شي ء خلقه، لم يعط الإنسان خلق البهائم، ولا البهائم ~~خلق الإنسان، وأقوال أكثر المفسرين تدور على هذا المعنى. # قال عطية ومقاتل: أعطى كل شي ء صورته. # وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شي ء صلاحه، والمعنى: أعطاه من الخلق ~~والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له، وهداه لما يصلحه في ~~معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه وتصرفه، هذا هو القول الصحيح الذي عليه ~~جمهور المفسرين، فيكون نظير قوله: قدر فهدى (3) [الأعلى]. # وقال الكلبي والسدي: أعطى الرجل المرأة، والبعير الناقة، والذكر ms143 الأنثى ~~من جنسه، ولفظ السدي: أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه، ثم هدى إلى الجماع، وهذا ~~القول اختيار ابن قتيبة والفراء. # قال الفراء: أعطى الذكر من الناس امرأة مثله، والشاة شاة، والثور بقرة، ~~ثم ألهم الذكر كيف يأتيها. # قال أبو إسحاق: وهذا التفسير جائز، لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي ~~الأنثى، ولم ير ذكرا قد أتى أنثى قبله، فألهمه الله ذلك، وهداه إليه. قال: # والقول الأول ينتظم هذا المعنى، لأنه إذا هداه لمصلحته، فهذا داخل في ~~المصلحة. قلت: أرباب هذا القول هضموا الآية معناها، فإن معناها أجل وأعظم ~~مما ذكروه، وقوله: أعطى كل شي ء، يأبى هذا التفسير، فإن حمل كل شي ء على ~~ذكور الحيوان وإناثه خاصة ممتنع، لا وجه له، وكيف يخرج من هذا اللفظ ~~الملائكة والجن. ومن لم يتزوج من بني آدم، ومن لم يسافد PageV01P212 ~~من الحيوان؟! وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقا له؟ وأين نظير هذا ~~في القرآن؟ وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه، ذكره ~~بأدل عبارة عليه وأوضحها فقال وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) ~~[النجم]. # فحمل قوله: أعطى كل شي ء خلقه، على هذا المعنى، غير صحيح فتأمله. # وفي الآية قول آخر، قاله الضحاك، قال: أعطى كل شي ء خلقه: أعطى اليد ~~البطش والرجل المشي واللسان النطق والعين البصر والأذن السمع، ومعنى هذا ~~القول: أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له، والخلق على هذا بمعنى المفعول، ~~أي: أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له، فإن هذه المعاني كلها مخلوقة لله، ~~أودعها الأعضاء، وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه، لكن معنى الآية أعم. # والقول هو الأول، وأنه سبحانه أعطى كل شي ء خلقه المختص به، ثم هداه لما ~~خلق له، ولا خالق سواه سبحانه، ولا هادي غيره. فهذا الخلق وهذه الهداية من ~~آيات الربوبية ووحدانيته، فهذا وجه الاستدلال على عدو الله فرعون، ولهذا ~~لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة، لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، عدل إلى ~~سؤال فاسد ms144 عن وارد فقال: فما بال القرون الأولى (51) [طه] أي: فما للقرون ~~الأولى، لم تقر بهذا الرب، ولم تعبده بل عبدت الأوثان؟ والمعنى: لو كان ما ~~تقوله حقا، لم يخف على القرون الأولى، ولم يهملوه، فاحتج عليه بما يشاهده ~~هو وغيره من آثار ربوبية رب العالمين، فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به ~~وشرك المشركين، وهذا شأن كل مبطل، ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته، يعارضون ~~نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ~~ومبتدعة الأمة وأهل الضلال PageV01P213 ~~منهم، فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال علمها عند ربي (52) [طه] أي: ~~أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي، قد أحصاه وحفظه وأودعه في ~~كتاب، فيجازيهم عليه يوم القيامة، ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال، ~~فإنه سبحانه لا يضل ولا ينسى، وعلى هذا فالكتاب هاهنا كتاب الأعمال. وقال ~~الكلبي: يعني به اللوح المحفوظ، وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق، والمعنى ~~على هذا أنه سبحانه قد علم أعمالهم، وكتبها عنده قبل أن يعملوها، فيكون هذا ~~من تمام قوله الذي أعطى كل شي ء خلقه ثم هدى (50) [طه] فتأمله. # فصل # وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية، كقوله في أول ~~سورة أنزلها على رسوله: اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) ~~اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5) ~~[العلق] وقوله: الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) ~~[الرحمن] وقوله: ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين ~~(10) فلا اقتحم العقبة (11) [البلد] وقوله: إنا خلقنا الإنسان من نطفة ~~أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا (3) [الإنسان] وقوله أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ~~ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة (60) [النمل] الآيات ثم قال أمن يهديكم في ~~ظلمات البر والبحر (63) [النمل]. # فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي، والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني، ~~فهذا خلقه، وهذا هداه وتعليمه. PageV01P214 # فصل # المرتبة الثانية من مراتب الهداية: هداية الإرشاد والبيان للمكلفين، وهذه ~~الهداية لا ms145 تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق، وإن كانت شرطا فيه، أو جزء ~~سبب، وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب، بل قد يتخلف عنه المقتضى، إما ~~لعدم كمال السبب، أو لوجود مانع، ولهذا قال تعالى: وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى (17) [فصلت] قال وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم ما يتقون (115) [التوبة] فهداهم هدى البيان والدلالة، ~~فلم يهتدوا، فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولا، بعد أن عرفوا الهدى، ~~فأعرضوا عنه، فأعماهم عنه، بعد أن أراهموه، وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم ~~عليه بنعمة، فكفرها، فإنه يسلبه إياها، بعد أن كانت نصيبه وحظه، كما قال ~~تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم (53) [الأنفال]. # وقال تعالى عن قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا (14) ~~[النمل] أي: جحدوا بآياتنا بعد أن تيقنوا صحتها. # وقال: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) [آل عمران] وهذه الهداية هي ~~التي أثبتها لرسوله حيث قال: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) [الشورى] ~~ونفى عنه ملك الهداية الموجبة، وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله: إنك لا ~~تهدي من أحببت (56) [القصص] ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: بعثت داعيا ~~ومبلغا، وليس إلي PageV01P215 ~~من الهداية شي ء «1». # وبعث إبليس مزينا ومغويا، وليس إليه من الضلالة شي ء، قال تعالى: # والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) [يونس] ~~فجمع سبحانه بين الهداء يتبين العامة والخاصة، فعم بالدعوة حجة مشيئة ~~وعدلا، وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلا، وهذه المرتبة أخص من التي قبلها، ~~فإنها هداية تخص المكلفين، وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا إلا ~~بعد إقامتها عليه. قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) ~~[الإسراء] وقال: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل (165) [النساء] وقال: أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ~~وإن ms146 كنت لمن الساخرين (56) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) ~~[الزمر] وقال: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا ~~نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شي ء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) ~~[الملك]. # فإن قيل: كيف تقوم حجته عليهم، وقد منعهم من الهدى، وحال بينهم وبينه. # قيل: حجته قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى، وبيان الرسل لهم، ~~وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانا، وأقام لهم أسباب ~~الهداية ظاهرا وباطنا، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب، ومن حال بينه ~~وبينها منهم بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه أو كونه بناحية من الأرض لم ~~تبلغه دعوة رسله، فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته، فلم يمنعهم من هذا ~~الهدى، ولم يحل بينهم وبينه. نعم قطع عنهم توفيقه، ولم يرد من نفسه إعانتهم ~~والإقبال بقلوبهم إليه، فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم، وإن PageV01P216 ~~حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه، وهو فعله ومشيئته وتوفيقه، فهذا غير ~~مقدور لهم، وهو الذي منعوه وحيل بينهم وبينه، فتأمل هذا الموضع، واعرف ~~قدره، والله المستعان. # فصل # المرتبة الثالثة من مراتب الهداية: هداية التوفيق والإلهام، وخلق المشيئة ~~المستلزمة للفعل، وهذه المرتبة أخص من التي قبلها، وهي التي ضل جهال ~~القدرية بإنكارها، وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم، من نواحي الأرض ~~عصرا بعد عصر، إلى وقتنا هذا، ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم، كما ظلموا ~~أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى، وإنكار فعل العبد وقدرته، وأن يكون له تأثير ~~في الفعل البتة، فلم يهتدوا لقول هؤلاء، بل زادهم ضلالا على ضلالهم وتمسكا ~~بما هم عليه، وهذا شأن المبطل إذا دعا مبطلا آخر إلى ترك مذهبه، لقوله ~~ومذهبه الباطل، كالنصراني إذا دعا اليهودي إلى التثليث وعبادة الصليب، وأن ~~المسيح إله تام غير مخلوق، إلى أمثال ذلك من الباطل الذي هو عليه. # وهذه المرتبة تستلزم أمرين. # أحدهما: فعل الرب تعالى، وهو الهدى. # والثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء، وهو أثر ms147 فعله سبحانه، فهو الهادي، ~~والعبد المهتدي، قال تعالى: من يهد الله فهو المهتد (17) [الكهف]. # ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله، لم PageV01P217 ~~يحصل فعل العبد، ولهذا قال تعالى: إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من ~~يضل (37) [النحل]. # وهذا صريح في أن هذا الهدى ليس له صلى الله عليه وسلم، ولو حرص عليه، ولا ~~إلى أحد غير الله، وأن الله سبحانه إذا أضل عبدا، لم يكن لأحد سبيل إلى ~~هدايته، كما قال تعالى: من يضلل الله فلا هادي له (186) [الأعراف] وقال ~~تعالى: من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) [الأنعام] ~~وقال تعالى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات (8) [فاطر] وقال تعالى: أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن ~~يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) [الجاثية] وقال تعالى:* ليس عليك هداهم ~~ولكن الله يهدي من يشاء (272) [البقرة] وقال: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~(13) [السجدة] وقال: أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس ~~جميعا (31) [الرعد] وقال: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء (125) [الأنعام]. # وقال أهل الجنة: وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا ~~أن هدانا الله (43) [الأعراف] ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم، بل ~~الهدى كله منه، ولو لا هدايته لهم لما اهتدوا. # وقال تعالى: أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله ~~فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ~~(37) [الزمر] وقال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله ~~من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) [إبراهيم] وقال: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ms148 واجتنبوا الطاغوت فمنهم من ~~هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة (36) [النحل] وقال تعالى: يثبت الله PageV01P218 ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ~~ويفعل الله ما يشاء (27) [إبراهيم] وقال تعالى: كذلك يضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو (31) [المدثر] وقال: يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) [البقرة] وقال: يهدي به الله ~~من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم (16) [المائدة]. # وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم، كل يوم ~~وليلة، في الصلوات الخمس، وذلك يتضمن الهداية إلى الصراط والهداية فيه. كما ~~أن الضلال نوعان، ضلال عن الصراط، فلا يهتدي إليه، وضلال فيه. فالأول ضلال ~~عن معرفته، والثاني ضلال عن تفاصيله أو بعضها. # قال شيخنا: ولما كان العبد في كل حال مفتقرا إلى هذه الهداية، في جميع ما ~~يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو محتاج إلى التوبة منها، ~~وأمور هدي إلى أصلها دون تفصيلها، أو هدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج ~~إلى تمام الهداية فيها، ليزداد هدى، وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من ~~الهداية فيها، في المستقبل، مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خال عن ~~اعتقاد فيها، فهو محتاج إلى الهداية، وأمور لم يفعلها، فهو محتاج إلى فعلها ~~على وجه الهداية، إلى غير ذلك من أنواع الهدايات، فرض الله عليه أن يسأله ~~هذه الهداية في أفضل أحواله، وهي الصلاة، مرات متعددة في اليوم والليلة، ~~انتهى كلامه. # ولا يتم المقصود إلا بالهداية إلى الطريق والهداية فيها، فإن العبد قد ~~يهتدي إلى طريق قصده وتنزيله عن غيرها، ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها ~~وأوقات السير من غيره وزاد المسير وآفات الطريق. PageV01P219 # ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا (48) ~~[المائدة] قال: سبيلا وسنة، وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير، فالسبيل: # الطريق، وهي: المنهاج. والسنة والشرعة، ms149 وهي تفاصيل الطريق وحزوناته ~~وكيفية المسير فيه وأوقات المسير، وعلى هذا فقوله: سبيلا وسنة، يكون السبيل ~~المنهاج، والسنة الشرعة. فالمقدم في الآية للمؤخر في التفسير. وفي لفظ آخر: ~~سنة وسبيلا، فيكون المقدم للمقدم والمؤخر للتالي. # فصل # ومن هذا إخباره سبحانه بأنه طبع على قلوب الكافرين، وختم عليها، وأنه ~~أصمها عن الحق، وأعمى أبصارها عنه، كما قال تعالى: إن الذين كفروا سواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ~~(7) [البقرة] والوقف التام هنا، ثم قال: وعلى أبصارهم غشاوة (7) [البقرة] ~~كقوله: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه ~~وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) [الجاثية] ~~وقال تعالى: وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم (155) [النساء] ~~وقال تعالى: كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) [الأعراف] كذلك نطبع ~~على قلوب المعتدين (74) [يونس] ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) ~~[الأعراف]. # وأخبر سبحانه أن على بعض القلوب أقفالا، تمنعها من أن تنفتح لدخول الهدى ~~إليها، وقال: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ~~وهو عليهم عمى (44) [فصلت]. # فهذا الوقر والعمى حال بينهم وبين أن يكون لهم هدى وشفاء. PageV01P220 # وقال تعالى: إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا (57) ~~[الكهف]. # وقال تعالى: وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل (37) [غافر] قرأها ~~الكوفيون، وصد بضم الصاد حملا على زين، وقال تعالى: إن الله لا يهدي من هو ~~مسرف كذاب (28) [غافر] وقال: والله لا يهدي القوم الظالمين (258) [البقرة]. # ومعلوم أنه لم ينف هدى البيان والدلالة الذي تقوم به الحجة، فإنه حجته ~~على عباده. # والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه، وتجعله من متشابه القرآن، وتتأوله ~~على غير تأويله، بل تتأوله بما يقطع ببطلانه، وعدم إرادة المتكلم له، كقول ~~بعضهم: المراد من ذلك تسمية الله العبد مهتديا وضالا، فجعلوا هداه وإضلاله ~~مجرد تسمية العبد بذلك، وهذا مما يعلم قطعا أنه لا يصح حمل هذه الآيات ms150 ~~عليه، وأنت إذا تأملتها، وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة، وليس في لغة أمة ~~من الأمم، فضلا عن أفصح اللغات وأكملها، هداه: # بمعنى سماه مهتديا، وأضله: سماه ضالا. وهل يصح أن يقال: علمه، إذا سماه ~~عالما، وفهمه، إذا سماه فهما؟! وكيف يصح هذا في مثل قوله تعالى* ليس عليك ~~هداهم ولكن الله يهدي من يشاء (272) [البقرة]. # فهل فهم أحد غير القدرية المحرفة للقرآن من هذا، ليس عليك تسميتهم ~~مهتدين، ولكن الله يسمي من يشاء مهتديا؟ وهل فهم أحد قط من قوله تعالى إنك ~~لا تهدي من أحببت (56) [القصص] لا تسميه مهتديا، ولكن الله يسميه بهذا ~~الاسم، وهل فهم أحد من قول الداعي اهدنا الصراط المستقيم (6) [الفاتحة] ~~وقوله: اللهم اهدني من عندك، ونحوه، اللهم سمني مهتديا؟! PageV01P221 # وهذا من جناية القدرية على القرآن، ومعناه نظير جناية إخوانهم من الجهمية ~~على نصوص الصفات وتحريفها عن مواضعها، وفتحوا للزنادقة والملاحدة جنايتهم ~~على نصوص المعاد وتأويلها بتأويلات، إن لم تكن أقوى من تأويلاتهم، لم تكن ~~دونها. وفتحوا للقرامطة والباطنية تأويل نصوص الأمر والنهي بنحو تأويلاتهم، ~~فتأويل التحريف الذي سلسلته هذه الطوائف أصل فساد الدنيا والدين وخراب ~~العالم. # وسنفرد إن شاء الله كتابا نذكر فيه جناية المتأولين على الدنيا والدين. # وأنت إذا وازيت بين تأويلات القدرية والجهمية والرافضة، لم تجد بينها ~~وبين تأويلات الملاحدة والزنادقة، من القرامطة الباطنية وأمثالهم، كبير ~~فرق. والتأويل الباطل يتضمن تعطيل ما جاء به الرسول. والكذب على المتكلم ~~أنه أراد ذلك المعنى، فتتضمن إبطال الحق وتحقيق الباطل، ونسبة المتكلم إلى ~~ما لا يليق به، من التلبيس والإلغاز، مع القول عليه، بلا علم، أنه أراد هذا ~~المعنى. فالمتأول عليه أن يبين صلاحية اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا، ~~واستعمال المتكلم له في ذلك المعنى في أكثر المواضع، حتى إذا استعمله فيما ~~يحتمل غيره، حمل على ما عهد منه استعماله فيه، وعليه أن يقيم دليلا سالما ~~عن المعارض على الموجب، لصرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه واستعارته، ~~وإلا كان ذلك مجرد دعوى منه، فلا ms151 تقبل. # وتأويل بعضهم هذه النصوص، على أن المراد بها هداية البيان والتعريف، لا ~~خلق الهدى في القلب، فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك، عند هذه الطائفة، ~~وهذا التأويل من أبطل الباطل، فإن الله سبحانه يخبر أنه قسم هدايته للعبد ~~قسمين، قسما لا يقدر عليه غيره، وقسما مقدورا للعباد، فقال في القسم ~~المقدور للغير: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) [الشورى] وقال في غير ~~المقدور للغير: إنك لا تهدي من أحببت (56) [القصص] وقال: من PageV01P222 ~~يضلل الله فلا هادي له (186) [الأعراف] ومعلوم قطعا أن البيان والدلالة قد ~~تحصل له، ولا تنفى عنه، وكذلك قوله: فإن الله لا يهدي من يضل (37) [النحل] ~~لا يصح حمله على هداية الدعوة والبيان، فإن هذا يهدي، وإن أضله الله ~~بالدعوة والبيان وكذا قوله: وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله (23) [الجاثية] هل يجوز حمله على ~~معنى «فمن يدعوه إلى الهدى، ويبين له ما تقوم به حجة الله عليه» وكيف يصنع ~~هؤلاء بالنصوص التي فيها أنه سبحانه هو الذي أضلهم، أيجوز لهم حملها على ~~أنه دعاهم إلى الضلال؟ فإن قالوا: ليس ذلك معناها، وإنما معناها: # ألفاهم ووجدهم كذلك، أو أعلم ملائكته ورسله بضلالهم، أو جعل على قلوبهم ~~علامة، يعرف الملائكة بها أنهم ضلال، قيل: هذا من جنس قولكم: # إن هداه سبحانه وإضلاله بتسميتهم مهتدين وضالين، فهذه أربع تحريفات لكم، ~~وهو أنه سماهم بذلك، وعلمهم بعلامة يعرفهم بها الملائكة، وأخبر عنهم بذلك، ~~ووجدهم كذلك. فالإخبار من جنس التسمية، وقد بينا أن اللغة لا تحتمل ذلك، ~~وأن النصوص إذا تأملها المتأمل، وجدها أبعد شي ء من هذا المعنى. وأما ~~العلامة، فيا عجبا لفرقة التحريف وما جنت على القرآن والإيمان!! ففي أي لغة ~~وأي لسان يدل قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت (56) [القصص] على معنى إنك ~~لا تعلمه بعلامة، ولكن الله هو الذي يعلمه بها وقوله: من يضلل الله فلا ~~هادي له (186) [الأعراف] من يعلمه الله بعلامة الضلال، لم يعلمه ms152 غيره ~~بعلامة الهدى. وقوله: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها (13) [السجدة] لعلمناها ~~بعلامة الهدى الذي خلقته هي لنفسها، وأعطته نفسها، وفي أي لغة يفهم من قول ~~الداعي اهدنا الصراط المستقيم (6) [الفاتحة] علمنا بعلامة يعرف الملائكة ~~بها أننا مهتدون، وقولهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا (8) [آل عمران] ~~لا تعلمها بعلامة أهل الزيغ، وقوله: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا ~~مصرف القلوب PageV01P223 ~~صرف قلبي على طاعتك، وأمثال ذلك من النصوص. ففي أي لغة وأي لسان يفهم من ~~هذا: علمنا بعلامة الثبات والتصريف على طاعتك، وفي أي لغة يكون معنى قوله: ~~وجعلنا قلوبهم قاسية (13) [المائدة] علمناها بعلامة القسوة، أو وجدناها كذلك. # نعم! لو نزل القرآن بلغة القدرية والجهمية وأهل البدع، لأمكن حمله على ~~ذلك، أو كان الحق تبعا لأهوائهم، وكانت نصوصه تبعا لبدع المبتدعين وآراء ~~المتحيرين، وأنت تجد جميع هذه الطوائف تنزل القرآن على مذاهبها وبدعها ~~وآرائها. فالقرآن عند الجهمية جهمي، وعند المعتزلة معتزلي، وعند القدرية ~~قدري، وعند الرافضة رافضي. وكذلك هو عند جميع أهل الباطل، وما كانوا ~~أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون، ولكن أكثرهم لا يعلمون. # وأما تحريفهم هذه النصوص وأمثالها، بأن المعنى: ألفاهم ووجدهم، ففي أي ~~لسان وأي لغة وجدتم: هديت الرجل إذا وجدته مهتديا؟ وختم الله على قلبه ~~وسمعه وجعل على بصره غشاوة، وجده كذلك، وهل هذا إلا افتراء محض على القرآن ~~واللغة؟! فإن قالوا: نحن لم نقل هذا في نحو ذلك، وإنما قلناه في نحو: أضله ~~الله، أي: وجده ضالا، كما يقال أحمدت الرجل، وأبخلته، وأجننته، إذا وجدته ~~كذلك، أو نسبته إليه. فيقال لفرقة التحريف هذا: إنما ورد في ألفاظ معدودة ~~نادرة، وإلا فوضع هذا البناء على أنك فعلت ذلك به، ولا سيما إذا كانت ~~الهمزة للتعدية من الثلاثي، كقام وأقمته، وقعد وأقعدته وذهب وأذهبته، وسمع ~~وأسمعته، ونام وأنمته، وكذا ضل وأضله الله، وأسعده وأشقاه وأعطاه وأخزاه ~~وأماته وأحياه، وأزاغ قلبه، وأقامه إلى طاعته، وأيقظه من غفلته، وأراه ~~آياته، وأنزله منزلا مباركا، وأسكنه جنته إلى ms153 أضعاف ذلك، هل تجد فيها لفظا ~~واحدا معناه، أنه وجده كذلك، تعالى الله عما يقول المحرفون. PageV01P224 # ثم انظر في كتاب «فعل، وافعل» هل تظفر فيه ب «أفعلته» بمعنى وجدته، مع سعة ~~الباب إلا في الحرفين أو الثلاثة نقلا عن أهل اللغة؟ ثم انظر، هل قال أحد ~~من الأولين والآخرين، من أهل اللغة: إن العرب وضعت «أضله الله، وهداه، وختم ~~على سمعه وقلبه، وأزاغ قلبه، وصرفه عن طاعته، ونحو ذلك» لمعنى «وجده» كذلك، ~~ولما أراد سبحانه الإبانة عن هذا المعنى قال ووجدك ضالا فهدى (7) [الضحى] ~~ولم يقل وأضلك. # وقال في حق من خالف الرسول، وكفر بما جاء به وأضله الله على علم (23) ~~[الجاثية] ولم يقل: ووجده الله ضالا. ثم أي توحيد وتمدح وتعريف للعباد، أن ~~الأمر كله لله وبيده، وأنه ليس لأحد من أمره شي ء، في مجرد التسمية، ~~والعلامة ومصادفة الرب تعالى عباده كذلك، ووجوده لهم على هذه الصفات من غير ~~أن يكون له فيها صنع أو خلق أو مشيئة، وهل يعجز البشر عن التسمية والمصادفة ~~والوجود كذلك، فأي مدح وأي ثناء يحسن على الرب تعالى بمجرد ذلك؟! فأنتم ~~وإخوانكم من الجبرية، لم تمدحوا الرب بما يستحق أن يمدح به، ولم تثنوا عليه ~~بأوصاف كماله، ولم تقدروه حق قدره. وأتباع الرسول وحزبه وخاصته بريئون منكم ~~ومنهم في باطلكم وباطلهم، وهو معكم ومعهم فيما عندكم من الحق، لا يتحيزون ~~إلى غير ما بينه الرسول، وجاء به، ولا ينحرفون عنه نصرة لآراء الرجال ~~المختلفة وأهوائهم المتشتتة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل ~~العظيم. # قال ابن مسعود: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة، ~~والتشهد في الحاجة، أن الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ويقرأ ثلاث آيات اتقوا الله حق ~~تقاته (102) [آل عمران] الآية واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن ~~الله ms154 كان عليكم PageV01P225 ~~رقيبا (1) [النساء] اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) [الأحزاب]. الآية ~~قال الترمذي: هذا حديث صحيح «1». # وقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن خالد الحذاء، ~~عن عبد الأعلى، عن عبد الله بن الحارث، قال: خطب عمر بن الخطاب بالجابية، ~~فحمد الله وأثنى عليه، وعنده جاثليق يترجم له ما يقول، فقال: من يهد الله ~~فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فنفض جبينه كالمنكر لما يقول، قال عمر: ~~ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدا، قال عمر: كذبت ~~أي عدو الله، بل الله خلقك، وقد أضلك، ثم يدخلك النار، أما والله لو لا عهد ~~لك، لضربت عنقك، إن الله عز وجل خلق أهل الجنة، وما هم عاملون، وخلق أهل ~~النار، وما هم عاملون، فقال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه «2». قال: فتفرق ~~الناس، وما يختلفون في القدر. # فصل # المرتبة الرابعة من مراتب الهداية: الهداية إلى الجنة والنار يوم ~~القيامة، قال تعالى:* احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) ~~من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) [الصافات] وقال تعالى والذين ~~قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) PageV01P226 ~~سيهديهم ويصلح بالهم (5) [محمد] فهذه هداية بعد قتلهم، فقيل: المعنى: # سيهديهم إلى طريق الجنة، ويصلح حالهم في الآخرة، بإرضاء خصومهم وقبول ~~أعمالهم. وقال ابن عباس: سيهديهم إلى أرشد الأمور، ويعصمهم أيام حياتهم في ~~الدنيا. واستشكل هذا القول، لأنه أخبر عن المقتولين في سبيله بأنهم ~~سيهديهم، واختاره الزجاج، وقال: يصلح بالهم في المعاش وأحكام الدنيا. قال: ~~وأراد به يجمع لهم خير الدنيا والآخرة. # وعلى هذا القول فلا بد من حمل قوله «قتلوا في سبيل الله» على معنى يصح ~~معه إثبات الهداية وإصلاح البال. PageV01P227 ### | AUTO الباب الخامس عشر في الطبع والختم والقفل والغل والسد والغشاوة ~~والحائل بين الكافر وبين الإيمان وأن ذلك مجعول للرب تعالى # قال تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(6) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة (7) [البقرة] وقال ms155 تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) [الجاثية] وقال ~~تعالى: وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم (155) [النساء] وقال: ~~كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) [الأعراف] وقال: ونطبع على قلوبهم ~~فهم لا يسمعون (100) [الأعراف] وقال: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها (24) [محمد] وقال: لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا ~~جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) [يس]. # وقد دخل هذه الآيات ونحوها طائفتا القدرية والجبرية، فحرفها القدرية ~~بأنواع من التحريف المبطل لمعانيها وما أريد منها، وزعمت الجبرية أن الله ~~أكرهها على ذلك، وقهرها عليه، وأجبرها من غير فعل منها ولا إرادة ولا ~~اختيار ولا كسب البتة، بل حال بينها وبين الهدى ابتداء، من غير ذنب ولا PageV01P229 ~~سبب من العبد، يقتضي ذلك، بل أمره وحال مع أمره بينه وبين الهدى، فلم ييسر ~~إليه سبيلا، ولا أعطاه عليه قدرة، ولا مكنه منه بوجه، وأراد بعضهم بل أحب ~~له الضلال والكفر والمعاصي، ورضيه منه. فهدى أهل السنة والحديث وأتباع ~~الرسول لما اختلف فيه هاتان الطائفتان من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم. # قالت القدرية: لا يجوز حمل هذه الآيات على أنه منعهم من الإيمان، وحال ~~بينهم وبينه، إذ يكون لهم الحجة على الله، ويقولون: كيف يأمرنا بأمر، ثم ~~يحول بيننا وبينه، ويعاقبنا عليه، وقد منعنا من فعله؟ وكيف يكلفنا بأمر، لا ~~قدرة لنا عليه، وهل هذا إلا بمثابة من أمر عبده بالدخول من باب، ثم سد عليه ~~الباب سدا محكما، لا يمكنه الدخول معه البتة، ثم عاقبه أشد العقوبة على عدم ~~الدخول؟! وبمنزلة من أمره بالمشي إلى مكان، ثم قيده بقيد، لا يمكنه معه نقل ~~قدمه، ثم أخذ يعاقبه على ترك المشي؟!. # وإذا كان هذا ms156 قبيحا في حق المخلوق الفقير المحتاج، فكيف ينسب إلى الرب ~~تعالى مع كمال غناه وعلمه وإحسانه ورحمته؟! قالوا: وقد كذب الله سبحانه ~~الذين قالوا: قلوبنا غلف، وفي أكنة، وأنها قد طبع عليها، وذمهم على هذا ~~القول، فكيف ينسب إليه تعالى؟! ولكن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء ~~بهداه الذي بعث به رسله، حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالإلف والطبيعة ~~والسجية، أشبه حالهم حال من منع عن الشي ء، وصد عنه، وصار هذا وقرا في ~~آذانهم وختما على قلوبهم وغشاوة على أعينهم، فلا يخلص إليها الهدى، وإنما ~~أضاف الله تعالى ذلك إليه، لأن هذه الصفة قد صارت في تمكنها وقوة ثباتها ~~كالخلقة التي خلق عليها العبد. قالوا: ولهذا قال تعالى: كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) [المطففين] وقال: بل طبع الله عليها بكفرهم ~~(155) [النساء] وقال: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم (5) [الصف] PageV01P230 ~~وقال: فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون (77) [التوبة]. # ولعمر الله إن الذي قاله هؤلاء، حقه أكثر من باطله، وصحيحه أكثر من ~~سقيمه، ولكن لم يوفوه حقه، وعظموا الله من جهة، وأخلوا بتعظيمه من جهة، ~~فعظموه بتنزيهه عن الظلم وخلاف الحكمة، وأخلوا بتعظيمه من جهة التوحيد ~~وكمال القدرة ونفوذ المشيئة، والقرآن يدل على صحة ما قالوه في الران والطبع ~~والختم من وجه، وبطلانه من وجه. # وأما صحته فإنه سبحانه جعل ذلك عقوبة لهم وجزاء على كفرهم وإعراضهم عن ~~الحق، بعد أن عرفوه، كما قال تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين (5) [الصف] وقال: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون (14) [المطففين] وقال: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) [الأنعام] وقال: ثم انصرفوا صرف الله ~~قلوبهم (127) [التوبة]. # وقد اعترف بعض القدرية بأن ذلك خلق الله سبحانه، ولكنه عقوبة على كفرهم ~~وإعراضهم السابق، فإنه سبحانه يعاقب على الضلال المقدور بإضلال بعده، ويثيب ~~على الهدى بهدى بعده، كما يعاقب على السيئة بسيئة ms157 مثلها، ويثيب على الحسنة ~~بحسنة مثلها، وقال تعالى: والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) ~~[محمد] وقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح ~~لكم أعمالكم (71) [الأحزاب] وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله ~~يجعل لكم فرقانا ويكفر (29) [الأنفال]. # ومن الفرقان الهدى الذي يفرق به بين الحق والباطل، وقال في ضد ذلك:* فما ~~لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا (88) [النساء] وقال: PageV01P231 # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا (10) [البقرة] وقال: ثم انصرفوا صرف الله ~~قلوبهم (127) [التوبة]. # وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء حق، والقرآن دل عليه، وهو موجب العدل، والله ~~سبحانه ماض في العبد حكمه، عدل في عبده قضاؤه، فإنه إذا دعا عبده إلى ~~معرفته ومحبته وذكره وشكره، فأبى العبد إلا إعراضا وكفرا، قضى عليه بأن ~~أغفل قلبه عن ذكره، وصد عن الإيمان به، وحال بين قلبه وبين قبول الهدى، ~~وذلك عدل منه فيه، وتكون عقوبته بالختم والطبع والصد عن الإيمان كعقوبته به ~~بذلك في الآخرة، مع دخول النار، كما قال: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ~~(15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) [المطففين]. # فحجابه عنهم إضلال لهم وصد عن رؤيتهم وكمال معرفته، كما عاقب قلوبهم في ~~هذه الدار بصدها عن الإيمان، وكذلك عقوبته لهم بصدهم عن السجود له يوم ~~القيامة مع الساجدين، هو جزاء امتناعهم من السجود له في الدنيا، وكذلك ~~عماهم عن الهدى في الآخرة عقوبة لهم على عماهم في الدنيا، ولكن أسباب هذه ~~الجرائم في الدنيا كانت مقدورة لهم واقعة باختيارهم وإرادتهم وفعلهم، فإذا ~~وقعت عقوبات لم تكن مقدورة، بل قضاء جار عليهم ماض عدل فيهم، وقال تعالى: ~~ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) [الإسراء]. # ومن هاهنا ينفتح للعبد باب واسع عظيم النفع جدا، في قضاء الله المعصية ~~والكفر والفسوق على العبد، وإن ذلك محض عدل فيه، وليس المراد بالعدل ما ~~يقوله الجبرية: إنه الممكن، فكل ما يمكن فعله بالعبد، فهو عندهم عدل، ~~والظلم هو الممتنع لذاته، فهؤلاء قد سدوا ms158 على أنفسهم باب الكلام في الأسباب ~~والحكم. ولا المراد به ما تقوله القدرية النفاة: إنه إنكار عموم قدرة الله ~~ومشيئته على أفعال عباده وهدايتهم وإضلالهم وعموم مشيئته PageV01P232 ~~لذلك، وأن الأمر إليهم لا إليه. # وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ماض في حكمك عدل في قضاؤك» «1» كيف ~~ذكر العبد في القضاء مع الحكم النافذ، وفي ذلك رد لقول الطائفتين القدرية ~~والجبرية. فإن العدل الذي أثبتته القدرية مناف للتوحيد معطل لكمال قدرة ~~الرب وعموم مشيئته. والعدل الذي أثبتته الجبرية مناف للحكمة والرحمة ~~ولحقيقة العدل. والعدل الذي هو اسمه وصفته ونعته سبحانه خارج عن هذا وهذا، ~~ولم يعرفه إلا الرسل وأتباعهم، ولهذا قال هود عليه الصلاة والسلام لقومه: ~~إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم (56) [هود] فأخبر عن عموم قدرته ونفوذ مشيئته وتصرفه في خلقه ~~كيف شاء، ثم أخبر أنه في هذا التصرف والحكم على صراط مستقيم. # وقال أبو إسحاق: أي: هو سبحانه، وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء، فإنه لا ~~يشاء إلا العدل. # وقال ابن الأنباري: لما قال: هو آخذ بناصيتها، كان في معنى: لا يخرج من ~~قبضته، وأنه قاهر بعظيم سلطانه لكل دابة، فأتبع قوله: إن ربي على صراط ~~مستقيم، قال: وهذا نحو كلام العرب، إذا وصفوا بحسن السيرة والعدل والإنصاف ~~قالوا: فلان على طريقة حسنة، وليس ثم طريق. ثم ذكر وجها آخر، فقال: لما ذكر ~~أن سلطانه قد قهر كل دابة، أتبع هذا قوله: إن ربي على صراط مستقيم، أي: لا ~~تخفى عليه مشيئته، ولا يعدل عنه هارب، فذكر الصراط المستقيم، وهو يعني به ~~الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه، كما قال: إن ربك لبالمرصاد. PageV01P233 # قلت: فعلى هذا القول الأول يكون المراد: إنه في تصرفه في ملكه يتصرف ~~بالعدل، ومجازاة المحسن بإحسانه، والمسي ء بإساءته، ولا يظلم مثقال ذرة، ~~ولا يعاقب أحدا بما لم يجنه، ولا يهضمه ثواب ما عمله، ولا يحمل عليه ذنب ~~غيره، ولا ms159 يأخذ أحدا بجريرة أحد، ولا يكلف نفسا ما لا تطيقه، فيكون من باب: ~~له الملك وله الحمد، ومن باب: ماض في حكمك عدل في قضاؤك، ومن باب: الحمد ~~لله رب العالمين، أي: كما أنه رب العالمين المتصرف فيهم بقدرته ومشيئته، ~~فهو المحمود على هذا التصرف، وله الحمد على جميعه. # وعلى القول الثاني المراد به: التهديد والوعيد، وأن مصير العباد إليه ~~وطريقهم عليه، لا يفوته منهم أحد، كما قال تعالى: قال هذا صراط علي مستقيم ~~(41) [الحجر]. # قال الفراء: يقول: مرجعهم إلي، فأجازيهم، كقوله: إن ربك لبالمرصاد (14) ~~[الفجر]. قال: وهذا كما تقول في الكلام: طريقك علي، وأنا على طريقك، لمن ~~أوعدته. وكذلك قال الكلبي والكسائي. ومثل قوله وعلى الله قصد السبيل (9) ~~[النحل] على أحد القولين في الآية. # وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، ومنها، أي: ومن السبيل ما ~~هو جائر عن الحق، ولو شاء لهداكم أجمعين، فأخبر عن عموم مشيئته، وأن طريق ~~الحق عليه موصلة إليه، فمن سلكها فإليه يصل، ومن عدل عنها، فإنه يضل عنه. # والمقصود أن هذه الآيات تتضمن عدل الرب تعالى وتوحيده، والله يتصرف في ~~خلقه بملكه وحمده وعدله وإحسانه، فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وشرعه ~~وقدره وثوابه وعقابه، يقول الحق ويفعل العدل، والله PageV01P234 ~~يقول الحق، وهو يهدي السبيل. فهذا العدل والتوحيد اللذين دل عليهما القرآن، ~~لا يتناقضان. وأما توحيد أهل القدر والجبر وعدلهم، فكل منهما يبطل الآخر ~~ويناقضه. # فصل # ومن سلك من القدرية هذه الطريق، فقد توسط بين الطائفتين، لكنه يلزمه ~~الرجوع إلى مثبتي القدر قطعا، وإلا تناقض أبين تناقض، فإنه إذا زعم أن ~~الضلال والطبع والختم والقفل والوقر وما يحول بين العبد وبين الإيمان مخلوق ~~لله، وهو واقع بقدرته ومشيئته، فقد أعطى أن أفعال العباد مخلوقة، وأنها ~~واقعة بمشيئته، فلا فرق بين الفعل الابتدائي والفعل الجزائي إن كان هذا ~~مقدورا لله واقعا بمشيئته، والآخر كذلك، وإن لم يكن ذاك مقدورا، ولا يصح ~~دخوله تحت المشيئة، فهذا كذلك، والتفريق بين النوعين تناقض محض، وقد ms160 حكى ~~هذا التفريق عن بعض القدرية أبو القاسم الأنصاري في شرحه «الإرشاد» فقال: ~~ولقد اعترف بعض القدرية بأن الختم والطبع توابع، غير أنها عقوبات من الله ~~لأصحاب الجرائم. قال: وممن صار إلى هذا المذهب عبد الواحد بن زيد البصري ~~وبكر ابن أخته، قال: وسبيل المعاقبين بذلك سبيل المعاقبين بالنار، وهؤلاء ~~قد بقي عليهم درجة واحدة، وقد تحيزوا إلى أهل السنة والحديث. PageV01P235 # فصل # وقالت طائفة منهم: الكافر هو الذي طبع على قلب نفسه في الحقيقة، وختم على ~~قلبه، والشيطان أيضا فعل ذلك، ولكن لما كان الله سبحانه هو الذي أقدر العبد ~~والشيطان على ذلك، نسب الفعل إليه، لإقراره للفاعل على ذلك، لأنه هو الذي فعله. # قال أهل السنة والعدل: هذا كلام فيه حق وباطل، فلا يقبل مطلقا، ولا يرد ~~مطلقا، فقولكم: إن الله سبحانه أقدر الكافر والشيطان، على الطبع والختم، ~~كلام باطل، فإنه لم يقدره إلا على التزيين والوسوسة والدعوة إلى الكفر، ولم ~~يقدره على خلق ذلك في قلب العبد البتة، وهو أقل من ذلك وأعجز، وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: بعثت داعيا ومبلغا، وليس إلي من الهداية شي ء. ~~وخلق إبليس مزينا، وليس إليه من الضلالة شي ء، فمقدور الشيطان أن يدعو ~~العبد إلى فعل الأسباب التي إذا فعلها ختم الله على قلبه وسمعه، وطبع عليه، ~~كما يدعوه إلى الأسباب التي إذا فعلها، عاقبه الله بالنار فعقابه بالنار ~~كعقابه بالختم والطبع، وأسباب العقاب فعله، وتزيينها وتحسينها فعل الشيطان، ~~والجميع مخلوق لله. # وأما ما في هذا الكلام من الحق، فهو أن الله سبحانه أقدر العبد على الفعل ~~الذي أوجب الطبع والختم على قلبه، فلولا إقدار الله له على ذلك، لم يفعله، ~~وهذا حق. # لكن القدرية لم توف هذا الموضع حقه، وقالت: أقدره قدرة تصلح للضدين، فكان ~~فعل أحدهما باختياره ومشيئته التي لا تدخل تحت مقدور PageV01P236 ~~الرب، وإن دخلت قدرته الصالحة لهما تحت مقدوره سبحانه، فمشيئته واختياره ~~وفعله غير واقع تحت مقدور الرب. # وهذا من أبطل الباطل، فإن كل ما ms161 سواه تعالى مخلوق له، داخل تحت قدرته، ~~واقع بمشيئته، ولو لم يشأ لم يكن. # قلت: القدرية لما أعرضوا عن التدبر، ولم يصغوا إلى التذكر، وكان ذلك ~~مقارنا لإيراد الله سبحانه حجته عليهم، أضيفت أفعالهم إلى الله، لأن حدوثها ~~إنما اتفق عند إيراد الحجة عليهم. # قال أهل السنة: هذا من أمحل المحال، أن يضيف الرب إلى نفسه أمرا لا يضاف ~~إليه البتة، لمقارنته ما هو من فعله، ومن المعلوم أن الضد يقارن الضد، ~~فالشر يقارن الخير، والحق يقارن الباطل، والصدق يقارن الكذب. # وهل يقال: إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان لمقارنتها ما يحبه من ~~الإيمان والطاعة؟ وأنه يحب إبليس لمقارنة وجوده لوجود الملائكة؟ فإن قيل: ~~قد ينسب الشي ء إلى الشي ء لمقارنته له، وإن لم يكن له فيه تأثير، كقوله ~~تعالى: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) [التوبة] ومعلوم أن السورة لم تحدث ~~لهم زيادة رجس، بل قارن زيادة رجسهم نزولها، فنسب إليها. # قيل: لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما، وهما إحداث ~~السورة الرجس، والثاني مقارنته لنزولها، بل هاهنا أمر ثالث وهو أن السورة ~~لما أنزلت، اقتضى نزولها الإيمان بها، والتصديق والإذعان لأوامرها ~~ونواهيها، والعمل بما فيها، فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك، فازدادوا إيمانا ~~بسببها، فنسبت زيادة الإيمان إليها، إذ هي السبب في زيادته، وكذب PageV01P237 ~~بها الكافرون وجحدوها، وكذبوا من جاء بها، ووطنوا أنفسهم على مخالفة ما ~~تضمنته وإنكاره، فازدادوا بذلك رجسا، فنسب إليها، إذ كان نزولها ووصولها ~~إليهم هو السبب في تلك الزيادة. فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم ~~التي لا تجوز نسبتها إلى الله عند دعوتهم إلى الإيمان وتدبر آياته، على أن ~~أفعالهم القبيحة لا تنسب إلى الله سبحانه، وإنما هي منسوبة إليهم، والمنسوب ~~إليه سبحانه أفعاله الحسنة الجميلة المتضمنة للغايات المحمودة والحكم ~~المطلوبة. # والختم والطبع والقفل والإضلال أفعال حسنة من ms162 الله، وضعها في أليق ~~المواضع بها، إذ لا يليق بذلك المحل الخبيث غيرها. # والشرك والكفر والمعاصي والظلم أفعالهم القبيحة التي لا تنسب إلى الله ~~فعلا، وإن نسبت إليه خلقا، فخلقها غيرها، والخلق غير المخلوق، والفعل غير ~~المفعول، والقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدور. # وستمر بك هذه المسألة مستوفاة، إن شاء الله، في باب اجتماع الرضاء ~~بالقضاء، وسخط الكفر والفسوق والعصيان، إن شاء الله. # قالت القدرية: لما بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى الإيمان لهم ~~إلا بالقسر والإلجاء، ولم تقتض حكمته تعالى أن يقسرهم على الإيمان، لئلا ~~تزول حكمة التكليف، عبر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم والطبع إعلاما لهم ~~بأنهم انتهوا في الكفر والإعراض إلى حيث لا ينتهون عنه إلا بالقسر، وتلك ~~الغاية في وصف لجاجهم وتماديهم في الكفر. # قال أهل السنة: هذا كلام باطل، فإنه سبحانه قادر على أن يخلق فيهم مشيئة ~~الإيمان وإرادته ومحبته، فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء، بل إيمان اختيار ~~وطاعة، كما قال تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم PageV01P238 ~~جميعا (99) [يونس]. # وإيمان القسر والإلجاء لا يسمى إيمانا، ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم ~~القيامة، ولا يسمى ذلك إيمانا، لأنه عن إلجاء واضطرار. قال تعالى: ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها (13) [السجدة] وما يحصل للنفوس من المعرفة والتصديق ~~بطريق الإلجاء والاضطرار والقسر لا يسمى هدى، وكذلك قوله: # أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا (31) [الرعد]. # فقولكم: لم يبق طريق إلى الإيمان إلا بالقسر باطل، فإنه بقي إلى إيمانهم ~~طريق، لم يرهم الله إياه، وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه، وإمالة قلوبهم إلى ~~الهدى، وإقامتها على الصراط المستقيم، وذلك أمر لا يعجز عنه رب كل شي ء ~~ومليكه، بل هو القادر عليه، كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم ودرائهم، ولكن ~~منعهم ذلك لحكمته وعدله فيهم وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم، كما ~~منع السفل خصائص العلو، ومنع الحار خصائص البارد، ومنع الخبيث خصائص الطيب، ~~ولا يقال: فلم فعل هذا؟ فإن ذلك من لوازم ms163 ملكه وربوبيته، ومن مقتضيات ~~أسمائه وصفاته، وهل يليق بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث والحسن والقبيح ~~والجيد والردي ء؟!. # ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين، وتنويع المخلوقات وأخلاقها. فقول ~~القائل: لم خلق الردي ء والخبيث واللئيم؟ سؤال جاهل بأسمائه وصفاته وملكه ~~وربوبيته، وهو سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق، وذلك من كمال قدرته ~~وربوبيته، فجعل منه ما يقبل جميع الكمال الممكن، ومنه ما لا يقبل شيئا منه، ~~وبين ذلك درجات متفاوتة، لا يحصيها إلا الخلاق العليم. وهدى كل نفس إلى ~~حصول ما هي قابلة له. والقابل والمقبول والقبول كله مفعوله ومخلوقه وأثر ~~فعله وخلقه، وهذا هو الذي ذهب عن الجبرية والقدرية، ولم يهتدوا إليه، ~~وبالله التوفيق. PageV01P239 # قالت القدرية: الختم والطبع هو شهادته سبحانه عليهم، بأنهم لا يؤمنون، وعلى ~~أسماعهم وعلى قلوبهم. # قال أهل السنة: هذا هو قولكم بأن الختم والطبع هو الإخبار عنهم بذلك، وقد ~~تقدم فساد هذا بما فيه كفاية، وأنه لا يقال في لغة من لغات الأمم، لمن أخبر ~~عن غيره، بأنه مطبوع على قلبه، وأن عليه ختما، أنه قد طبع على قلبه، وختم ~~عليه، بل هذا كذب على اللغات وعلى القرآن، وكذلك قول من قال: إن ختمه على ~~قلوبهم اطلاعه على ما فيها من الكفر، وكذلك قول من قال: إنه إحصاؤه عليهم ~~حتى يجازيهم به، وقول من قال: # إنه إعلامها بعلامة، تعرفها بها الملائكة، وقد بينا بطلان ذلك بما فيه كفاية. # قالت القدرية: لا يلزم من الطبع والختم والقفل أن تكون مانعة من الإيمان، ~~بل يجوز أن يجعل الله فيهم ذلك، من غير أن يكون منعهم من الإيمان، بل يكون ~~ذلك من جنس الغفلة والبلادة والعشا في البصر، فيورث ذلك إعراضا عن الحق ~~وتعاميا عنه، ولو أنعم النظر وتفكر وتدبر، لما آثر على الإيمان غيره. # وهذا الذي قالوه يجوز أن يكون في أول الأمر، فإذا تمكن واستحكم من القلب ~~ورسخ فيه، امتنع معه الإيمان، ومع هذا فهو أثر فعله وإعراضه وغفلته وإيثار ~~شهوته وكبره على الحق والهدى، فلما ms164 تمكن فيه واستحكم، صار صفة راسخة وطبعا ~~وختما وقفلا ورانا، فكان مبدأه غير حائل بينهم وبين الإيمان، والإيمان ممكن ~~معه، ولو شاءوا لآمنوا مع مبادئ تلك الموانع، فلما استحكمت، لم يبق إلى ~~الإيمان سبيل، ونظير هذا أن العبد يستحسن ما يهواه، فيميل إليه بعض الميل، ~~ففي هذه الحال يمكن صرف الداعية له إذا الأسباب لم تستحكم، فإذا استمر على ~~ميله واستدعى أسبابه PageV01P240 ~~واستمكنت، لم يمكنه صرف قلبه عن الهوى والمحبة، فيطبع على قلبه ويختم عليه، ~~فلا يبقى فيه محل لغير ما يهواه ويحبه، وكان الانصراف مقدورا له في أول ~~الأمر، فلما تمكنت أسبابه لم يبق مقدورا له، كما قال الشاعر: # تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق # رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق # فلو أنهم بادروا، في مبدأ الأمر، إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى، ~~لسهل عليهم، ولما استعصى عليهم، ولقدروا عليه. # ونظير ذلك المبادرة إلى إزالة العلة قبل استحكام أسبابها ولزومها للبدن ~~لزوما لا ينفك منها، فإذا استحكمت العلة، وصارت كالجزء من البدن، عز على ~~الطبيب استنقاذ العليل منها. # ونظير ذلك المتوحل في حمأة، فإنه ما لم يدخل تحتها، فهو قادر على التخلص، ~~فإذا توسط معظمها، عز عليه وعلى غيره إنقاذه. # فمبادئ الأمور مقدورة للعبد، فإذا استحكمت أسبابها، وتمكنت، لم يبق الأمر ~~مقدورا له. # فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه من أنفع الأشياء في باب القدر. والله ~~الموفق للصواب، والله سبحانه جاعل ذلك كله وخالقه فيهم بأسباب منهم، وتلك ~~الأسباب قد تكون أمورا عدمية، يكفي فيها عدم مشيئة أضدادها، فلا يشاء ~~سبحانه أن يخلق للعبد أسباب الهدى، فيبقى على العدم الأصلي، وإن أراد من ~~عبده الهداية، فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته وتوفيقه، فإذا لم يرد ~~سبحانه من نفسه ذلك، لم تحصل الهداية. PageV01P241 # فصل # ومما ينبغي أن يعلم: أنه لا يمتنع، مع الطبع والختم والقفل، حصول الإيمان ~~بأن يفك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفل ذلك الختم والطابع ~~والقفل، ويهديه ms165 بعد ضلاله، ويعلمه بعد جهله، ويرشده بعد غية، ويفتح قفل ~~قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده، حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر، ~~لم يمتنع أن يمحوها، ويكتب عليه السعادة والإيمان. # وقرأ قارئ عند عمر بن الخطاب: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ~~(24) [محمد]، وعنده شاب، فقال: اللهم عليها أقفالها، ومفاتيحها بيدك، لا ~~يفتحها سواك، فعرفها له عمر، وزادته عنده خيرا. وكان عمر يقول في دعائه: ~~اللهم إن كنت كتبتني شقيا، فامحني، واكتبني سعيدا، فإنك تمحو ما تشاء ~~وتثبت. فالرب تعالى فعال لما يريد، لا حجر عليه. # وقد ضل هاهنا فريقان: القدرية حيث زعمت أن ذلك ليس مقدورا للرب، ولا يدخل ~~تحت فعله، إذ لو كان مقدورا له، ومنعه العبد لناقض جوده ولطفه. # والجبرية حيث زعمت أنه سبحانه إذا قدر قدرا، أو علم شيئا، فإنه لا يغيره ~~بعد هذا، ولا يتصرف فيه بخلاف ما قدره وعلمه. # والطائفتان حجرت على من لا يدخل تحت حجر أحد أصلا، وجميع خلقه تحت حجره ~~شرعا وقدرا، وهذه المسألة من أكبر مسائل القدر. وسيمر بك إن شاء الله في ~~باب المحو والإثبات ما يشفيك فيها. والمقصود أنه مع PageV01P242 ~~الطبع والختم والقفل لو تعرض العبد، أمكنه فك ذلك الختم والطابع وفتح ذلك ~~القفل، يفتحه من بيده مفاتيح كل شي ء. وأسباب الفتح مقدورة للعبد غير ~~ممتنعة عليه، وإن كان فك الختم وفتح القفل غير مقدور له، كما أن شرب الدواء ~~مقدور له، وزوال العلة وحصول العافية غير مقدور، فإذا استحكم به المرض، ~~وصار صفة لازمة له، لم يكن له عذر في تعاطي ما إليه من أسباب الشفاء، وإن ~~كان غير مقدور له، ولكن لما ألف العلة وساكنها، ولم يحب زوالها، ولا آثر ~~ضدها عليها، مع معرفته بما بينها وبين ضدها من التفاوت، فقد سد على نفسه ~~باب الشفاء بالكلية، والله سبحانه يهدي عبده، إذا كان ضالا، وهو يحسب أنه ~~على هدى، فإذا تبين له الهدى لم يعدل عنه لمحبته وملاءمته لنفسه، فإذا عرف ~~الهدى، فلم ms166 يحبه ولم يرض به، وآثر عليه الضلال، مع تكرر تعريفه منفعة هذا ~~وخيره، ومضرة هذا وشره، فقد سد على نفسه باب الهدى بالكلية، فلو أنه في هذه ~~الحال تعرض وافتقر إلى من بيده هداه، وعلم أنه ليس إليه هدى نفسه، وأنه إن ~~لم يهده الله فهو ضال، وسأل الله أن يقبل بقلبه، وأن يقيه شر نفسه، وفقه ~~وهداه، بل لو علم الله منه كراهية بما هو عليه من الضلال وأنه مرض قاتل، إن ~~لم يشفه منه أهلكه، لكانت كراهته وبغضه إياه مع كونه مبتلى به، من أسباب ~~الشفاء والهداية، ولكن من أعظم أسباب الشقاء والضلال محبته له ورضاه به، ~~وكراهته الهدى والحق. فلو أن المطبوع على قلبه المختوم عليه كره ذلك، ورغب ~~إلى الله في فك ذلك عنه، وفعل مقدوره، لكان هداه أقرب شي ء إليه، ولكن إذا ~~استحكم الطبع والختم، حال بينه وبين كراهة ذلك وسؤال الرب فكه وفتح قلبه. PageV01P243 # فصل # فإن قيل: فإذا جوزتم أن يكون الطبع والختم والقفل عقوبة وجزاء، على ~~الجرائم والإعراض والكفر السابق على فعل الجرائم. قيل: هذا موضع يغلط فيه ~~أكثر الناس، ويظنون بالله سبحانه خلاف موجب أسمائه وصفاته. والقرآن من أوله ~~إلى آخره إنما يدل على أن الطبع والختم والغشاوة لم يفعلها الرب سبحانه ~~بعبده من أول وهلة، حين أمره بالإيمان أو بينه له، وإنما فعله بعد تكرار ~~الدعوة منه سبحانه، والتأكيد في البيان والإرشاد، وتكرار الإعراض منهم ~~والمبالغة في الكفر والعناد، فحينئذ يطبع على قلوبهم، ويختم عليها، فلا ~~تقبل الهدى بعد ذلك، والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع، بل كان ~~اختيارا، فلما تكرر منهم، صار طبيعة وسجية، فتأمل هذا المعنى في قوله: إن ~~الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) [البقرة]. # ومعلوم أن هذا ليس حكما يعم جميع الكفار، بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل ~~كان أكثرهم كفارا قبل ذلك، ولم يختم على قلوبهم وعلى أسماعهم، ms167 فهذه الآيات ~~في حق أقوام مخصوصين من الكفار، فعل الله بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا ~~بهذا النوع من العقوبة العاجلة، كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير، ~~وبعضهم بالطمس على أعينهم. فهو سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب، كما يعاقب ~~بالطمس على الأعين، وهو سبحانه قد يعاقب بالضلال عن الحق عقوبة دائمة ~~مستمرة، وقد يعاقب به إلى وقت، ثم يعافي عبده، ويهديه، كما يعاقب بالعذاب كذلك. PageV01P244 # فصل # وهاهنا عدة أمور عاقب بها الكفار بمنعهم عن الإيمان، وهي: الختم، والطبع، ~~والأكنة، والغطاء، والغلاف، والحجاب، والوقر، والغشاوة، والران، والغل، ~~والسد، والقفل، والصمم، والبكم، والعمى، والصد والصرف، والشد على القلب، ~~والضلال، والإغفال، والمرض، وتقليب الأفئدة، والحول بين المرء وقلبه، ~~وإزاغة القلوب، والخذلان، والإركاس، والتثبيط، والتزيين، وعدم إرادة هداهم ~~وتطهيرهم، وإماتة قلوبهم بعد خلق الحياة فيها، فتبقى على الموت، وإمساك ~~النور عنها، فتبقى في الظلمة الأصلية، وجعل القلب قاسيا لا ينطبع فيه مثال ~~الهدى وصورته، وجعل الصدر ضيقا حرجا لا يقبل الإيمان. # وهذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب، كالختم والطبع والقفل والأكنة ~~والإغفال والمرض ونحوها، ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى، ~~كالصمم والوقر، ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والغشا، ومنها ما ~~يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي، وهو نتيجة البكم ~~القلبي، فإذا بكم القلب بكم اللسان، ولا تصغ إلى قول من يقول: إن هذه ~~مجازات واستعارات، فإنه قال بحسب مبلغه من العلم والفهم عن الله ورسوله، ~~وكأن هذا القائل، حقيقة القفل عنده أن يكون من حديد، والختم أن يكون بشمع ~~أو طين، والمرض أن يكون حمى بنافض أو قولنج أو غيرهما من أمراض البدن، ~~والموت هو مفارقة الروح للبدن، ليس إلا، والعمى ذهاب ضوء العين الذي تبصر ~~به. وهذه الفرقة من أغلظ الناس PageV01P245 ~~حجابا، فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محالها، كانت بحسب تلك المحال، فنسبة ~~قفل القلب إلى القلب كنسبة قفل الباب إليه، وكذلك الختم والطابع الذي عليه، ~~هو بالنسبة إليه كالختم والطابع الذي على الباب ms168 والصندوق ونحوهما، وكذلك ~~نسبة الصمم والعمى إلى الأذن والعين، وكذلك موته وحياته نظير موت البدن ~~وحياته، بل هذه الأمور ألزم للقلب منها للبدن، فلو قيل: إنها حقيقة في ذلك، ~~مجاز في الأجسام المحسوسة، لكان مثل قول هؤلاء وأقوى منه، كلاهما باطل. # فالعمى في الحقيقة والبكم والموت والقفل للقلب، ثم قال تعالى: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) [الحج]. ~~والمعنى أنه معظم العمى وأصله، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الربا ~~في النسيئة» «1»، وقوله: # «إنما الماء من الماء» «2»، وقوله: «ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى ~~غنى النفس» «3»، قوله: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة ~~والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه» ~~«4»، وقوله: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» «5». # ولم يرد نفي الاسم عن هذه المسميات، إنما أراد أن هؤلاء أولى بهذه ~~الأسماء وأحق ممن يسمونه بها، فهكذا قوله: لا تعمى الأبصار ولكن تعمى PageV01P246 ~~القلوب التي في الصدور، وقريب من هذا قوله:* ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر (177) [البقرة] الآية. # وعلى التقديرين فقد أثبت للقلب عمى حقيقة، وهكذا جميع ما نسب إليه، ولما ~~كان القلب ملك الأعضاء، وهي جنوده، وهو الذي يحركها ويستعملها، والإرادة ~~والقوى والحركة الاختيارية تنبعث، كانت هذه الأمثال أصلا وللأعضاء تبعا، ~~فلنذكر هذه الأمور مفصلة ومواقعها في القرآن، فقد تقدم الختم. قال الأزهري: ~~وأصله التغطية، وختم البذر في الأرض: إذا غطاه. # قال أبو إسحاق: معنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية على الشي ء، ~~والاستيثاق منه، فلا يدخله شي ء، كما قال تعالى: أم على قلوب أقفالها (24) ~~[محمد]، وكذلك قوله: طبع الله على قلوبهم (16) [محمد]. # قلت: الختم والطبع يشتركان فيما ذكر، ويفترقان في معنى آخر، وهو أن الطبع ~~ختم يصير سجية وطبيعة، فهو تأثير لازم لا يفارق، وأما الأكنة ففي قوله ~~تعالى: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه (25) [الأنعام] وهي جمع كنان ms169 ~~كعنان وأعنة، وأصله من الستر والتغطية، ويقال: كنه وأكنه. وكنان بمعنى ~~واحد، بل بينهما فرق، فأكنه إذا ستره وأخفاه كقوله تعالى: أو أكننتم في ~~أنفسكم (235) [البقرة]. وكنه إذا صانه وحفظه كقوله: بيض مكنون، ويشتركان في ~~الستر. والكنان ما أكن الشي ء وستره، وهو كالغلاف، وقد أقروا على أنفسهم ~~بذلك، فقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا ~~وبينك حجاب (5) [فصلت] فذكروا غطاء القلب، وهي الأكنة، وغطاء الأذن وهو ~~الوقر، وغطاء العين وهو الحجاب. والمعنى: لا نفقه كلامك، ولا نسمعه، ولا ~~نراك. والمعنى: إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفقه ما تقول، ولا ~~يراك. قال ابن عباس: قلوبنا في أكنة مثل الكنانة التي PageV01P247 ~~فيها السهام. وقال مجاهد: كجعبة النبل. وقال مقاتل: عليها غطاء، فلا نفقه ~~ما تقول. # فصل # وأما الغطاء فقال تعالى: وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) الذين ~~كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) [الكهف] وهذا ~~يتضمن معنيين: # أحدهما: أن أعينهم في غطاء عما تضمنه الذكر من آيات الله وأدلة توحيده ~~وعجائب قدرته. # والثاني: أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن وتدبره والاهتداء به، ~~وهذا الغطاء للقلب أولا، ثم يسري منه إلى العين. # فصل # وأما الغلاف فقال تعالى: وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم (88) ~~[البقرة] وقد اختلف في معنى قولهم: قلوبنا غلف. فقالت طائفة: المعنى: # قلوبنا أوعية للحكمة والعلم، فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به، أو لا ~~تحتاج إليك؟ وعلى هذا فيكون غلف جمع غلاف. والصحيح قول أكثر المفسرين: إن ~~المعنى: قلوبنا لا تفقه ولا تفهم ما تقول، وعلى هذا فهو PageV01P248 ~~جمع أغلف كأحمر وحمر. # قال أبو عبيدة: كل شي ء في غلاف، فهو أغلف، كما يقال: سيف أغلف، وقوس ~~أغلف، ورجل أغلف «غير مختون». # قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: على قلوبنا غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ~~ولا تفقه ما تقول، وهذا هو الصواب في معنى الآية لتكرر نظائره في القرآن ~~كقولهم: قلوبنا في أكنة (5) [فصلت] ms170 وقوله تعالى: كانت أعينهم في غطاء عن ~~ذكري (101) [الكهف] ونظائر ذلك. # وأما قول من قال: هي أوعية للحكمة، فليس في اللفظ ما يدل عليه البتة، ~~وليس له في القرآن نظير يحمل عليه، ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان ~~نفسه بالعلم والحكمة، فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل: # قلبي غلاف، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي: أوعية للعلم. # والغلاف قد يكون وعاء للجيد والردي ء، فلا يلزم من كون القلب غلافا أن ~~يكون داخله العلم والحكمة، وهذا ظاهر جدا، فإن قيل: فالإضراب ببل على هذا ~~القول الذي قويتموه ما معناه؟ وأما على القول الآخر فظاهر، أي: # ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة، بل مطبوع عليها. قيل: وجه الإضراب في ~~غاية الظهور، وهو أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء ~~به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه، فكيف تقوم به ~~عليهم الحجة، وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف، فهم معذورون في عدم ~~الإيمان فأكذبهم الله وقال بل طبع الله عليها بكفرهم (155) [النساء] وفي ~~الآية الأخرى: بل لعنهم الله بكفرهم (88) [البقرة]. # فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي ~~اختاروه لأنفسهم، وآثروه على الإيمان، فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة. PageV01P249 # والمعنى: لم نخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه، ثم نأمرهم بالإيمان، وهم لا ~~يفهمونه ولا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب ~~والختم عليها. # فصل # وأما الحجاب ففي قوله تعالى حكاية عنهم: ومن بيننا وبينك حجاب (5) [فصلت] ~~وقوله: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا (45) [الإسراء] على أصح القولين، والمعنى: جعلنا بين القرآن إذا ~~قرأته وبينهم حجابا، يحول بينهم وبين فهمه وتدبره والإيمان به، ويبينه ~~قوله: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا (46) [الإسراء] ~~وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله: وقالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب (5) [فصلت] فأخبر سبحانه ~~أن ذلك جعله، ms171 فالحجاب يمنع رؤية الحق، والأكنة تمنع من فهمه، والوقر يمنع ~~من سماعه. # وقال الكلبي: الحجاب هاهنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول الله بالأذى، ~~من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه، ووصفه بكونه مستورا، فقيل: ~~بمعنى ساتر، وقيل: على النسب، أي: ذو ستر، والصحيح أنه على بابه، أي: ~~مستورا عن الأبصار فلا يرى. ومجي ء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت، والنسب في ~~مفعول لم يشتق من فعله كمكان مهول، أي: # ذي هول، ورجل مرطوب أي: ذي رطوبة. فأما مفعول فهو جار على فعله، فهو الذي ~~وقع عليه الفعل كمضروب ومجروح ومستور. PageV01P250 # فصل # وأما الران فقد قال تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) ~~[المطففين]. # قال أبو عبيدة: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران. والموت يرون على ~~الميت فيذهب به، ومن هذا حديث أسيفع جهينة وقول عمر، فأصبح قد رين به، أي: ~~غلب عليه وأحاط به الرين. # وقال أبو معاذ النحوي: الرين أن يسود القلب من الذنوب. والطبع أن يطبع ~~على القلب، وهو أشد من الرين. والإقفال أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب. # وقال الفراء: كثرت الذنوب والمعاصي منهم، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. # وقال أبو اسحاق: ران: غطى، يقال: ران على قلبه الذنب يرين رينا أي: # غشيه، قال: والرين كالغشاء يغشي القلب، ومثله الغين. # قلت: أخطأ أبو إسحاق، فالغين ألطف شي ء وأرقه، قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: «وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة ~~مرة» «1» وأما الرين والران فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها. وقال ~~مجاهد: هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه، فيموت PageV01P251 ~~القلب. وقال مقاتل: غمرت القلوب أعمالهم الخبيثة. # وفي سنن النسائي «1» والترمذي «2» من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نكتت في قلبه نكتة سوداء، ~~فإن هو نزع واستغفر وتاب، صقل قلبه، وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو ~~الران الذي ms172 ذكر الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) ~~[المطففين]» قال الترمذي: هذا حديث صحيح «3». # وقال عبد الله بن مسعود: كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود ~~القلب كله. فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على ~~قلوبهم، فكان سبب الران منهم، وهو خلق الله فيهم، فهو خالق السبب ومسببه، ~~لكن السبب باختيار العبد والمسبب خارج عن قدرته واختياره. # فصل # وأما الغل فقال تعالى: لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا ~~جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) [يس]. # قال الفراء: حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله. PageV01P252 # وقال أبو عبيدة: منعناهم عن الإيمان بموانع، ولما كان الغل مانعا للمغلول ~~من التصرف والتقلب، كان الغل الذي على القلب مانعا من الإيمان، فإن قيل: ~~فالغل المانع من الإيمان هو الذي في القلب، فكيف ذكر الغل الذي في العنق؟ ~~قيل: لما كان عادة الغل أن يوضع في العنق، ناسب ذكر محله، والمراد به ~~القلب، كقوله تعالى: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه (13) [الإسراء]. # ومن هذا قولهم: إثمي في عنقك، وهذا في عنقك، ومن هذا قوله: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك (29) [الإسراء] شبه الإمساك عن الإنفاق ~~باليد إذا غلت إلى العنق، ومن هذا قال الفراء: إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا: # حبسناهم عن الإنفاق. # قال أبو إسحاق: وإنما يقال للشي ء اللازم: هذا في عنق فلان، أي: # لزومه كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق. # قال أبو علي: هذا مثل قولهم: طوقتك كذا، وقلدتك كذا؛ ومنه: قلده السلطان ~~كذا، أي: صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق. # قلت: ومن هذا قولهم: قلدت فلانا حكم كذا وكذا، كأنك جعلته طوقا في عنقه، ~~وقد سمى الله التكاليف الشاقة أغلالا في قوله: ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم (157) [الأعراف]. # فشبهها بالأغلال لشدتها وصعوبتها. # قال الحسن: هي الشدائد التي كانت في العبادة، ms173 كقطع أثر البول، وقتل النفس ~~في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتتبع العروق من اللحم. PageV01P253 # قال ابن قتيبة: هي تحريم الله سبحانه عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وجعلها أغلالا، لأن التحريم يمنع كما يقبض الغل اليد. # وقوله: فهي إلى الأذقان (8) [يس]، قالت طائفة: الضمير يعود إلى الأيدي، ~~وإن لم تذكر لدلالة السياق عليها، قالوا: لأن الغل يكون في العنق، فتجمع ~~إليه اليد، ولذلك سمي، جامعة، وعلى هذا فالمعنى: # فأيديهم أو فأيمانهم مضمومة إلى أذقانهم، هذا قول الفراء والزجاج. وقالت ~~طائفة: الضمير يرجع إلى الأغلال، وهذا هو الظاهر، وقوله: فهي إلى الأذقان ~~أي: واصلة وملزوزة إليها، فهو غل عريض، قد أحاط بالعنق حتى وصل إلى الذقن. # وقوله: فهم مقمحون (8) [يس] قال الفراء والزجاج: المقمح هو الغاض بصره ~~بعد رفع رأسه، ومعنى الإقماح في اللغة: رفع الرأس وغض البصر، يقال: أقمح ~~البعير رأسه، وقمح. وقال الأصمعي: بعير قامح: إذا رفع رأسه عن الحوض، ولم يشرب. # قال الأزهري: لما غلت أيديهم إلى أعناقهم، رفعت الأغلال أذقانهم ورءوسهم ~~صعدا كالإبل الرافعة رءوسها، انتهى. # فإن قيل: فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والإيمان؟. # قيل: أحسن وجه وأبينه، فإن الغل إذا كان في العنق واليد مجموعة إليها، ~~منع اليد عن التصرف والبطش، فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن، ~~منع الرأس من تصويبه، وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبه، لا يستطيع له حركة، ثم ~~أكد هذا المعنى والحبس بقوله: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا (9) [يس]. PageV01P254 # قال ابن عباس: منعهم من الهدى لما سبق في علمه، والسد الذي جعل من بين ~~أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى، فأخبر سبحانه عن الموانع ~~التي منعهم بها من الإيمان عقوبة لهم، ومثلها بأحسن تمثيل وأبلغه، وذلك حال ~~قوم قد وضعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم، وضمت أيديهم ~~إليها، وجعلوا بين السدين، لا يستطيعون النفوذ من بينهما، وأغشيت أبصارهم، ~~فهم لا يرون شيئا. وإذا ms174 تأملت حال الكافر الذي عرف الحق وتبين له، ثم جحده ~~وكفر به وعاداه أعظم معاداة، وجدت هذا المثل مطابقا له أتم مطابقة، وأنه قد ~~حيل بينه وبين الإيمان كما حيل بين هذا وبين التصرف. والله المستعان. # فصل # وأما القفل فقال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) ~~[محمد]. # قال ابن عباس: يريد على قلوب هؤلاء أقفال. # وقال مقاتل: يعني الطبع على القلب، وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج الذي ~~قد ضرب عليه قفل، فإنه ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما ~~وراءه، وكذلك ما لم يرفع الختم والقفل عن القلب، لم يدخل الإيمان والقرآن. # وتأمل تنكير القلب وتعريف الأقفال، فإن تنكير القلوب يتضمن إرادة قلوب ~~هؤلاء وقلوب من هم بهذه الصفة، ولو قال: أم على القلوب أقفالها، PageV01P255 ~~لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة، وفي قوله: أقفالها، بالتعريف، نوع تأكيد، ~~فإنه لو قال: أقفال، لذهب الوهم إلى ما يعرف بهذا الاسم، فلما أضافها إلى ~~القلوب، علم أن المراد بها ما هو للقلب بمنزلة القفل للباب، فكأنه أراد ~~أقفالها المختصة بها التي لا تكون لغيرها. والله أعلم. # فصل # وأما الصمم والوقر ففي قوله تعالى: صم بكم عمي (18) [البقرة] وقوله: # أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) [محمد] وقوله: ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون (179) [الأعراف] وقوله: # والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ~~(44) [فصلت]. # قال ابن عباس: في آذانهم صمم عن استماع القرآن، وهو عليهم عمى، أعمى الله ~~قلوبهم، فلا يفقهون، أولئك ينادون من مكان بعيد مثل البهيمة التي لا تفهم ~~إلا دعاء ونداء. وقال مجاهد: بعيد من قلوبهم. وقال الفراء: # تقول للرجل الذي لا يفهم، كذلك أنت تنادى من مكان بعيد، قال: وجاء في ~~التفسير: كأنما ينادون من السماء، فلا يسمعون. انتهى، والمعنى أنهم لا ~~يسمعون، ms175 ولا يفهمون، كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم. PageV01P256 # فصل # وأما البكم فقال تعالى: صم بكم عمي (18) [البقرة] والبكم جمع أبكم، وهو ~~الذي لا ينطق، والبكم نوعان: بكم القلب، وبكم اللسان. كما أن النطق نطقان: ~~نطق القلب، ونطق اللسان. وأشدهما بكم القلب، كما أن عماه وصممه أشد من عمى ~~العين وصمم الأذن، فوصفهم سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق، ولا تنطق به ~~ألسنتهم. والعلم يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب من سمعه وبصره وقلبه، وقد ~~سدت عليهم هذه الأبواب الثلاثة، فسد السمع بالصمم، والبصر بالعمى، والقلب ~~بالبكم، ونظيره قوله تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون ~~بها ولهم آذان لا يسمعون بها (179) [الأعراف] وقد جمع سبحانه بين الثلاثة ~~في قوله: وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ~~ولا أفئدتهم من شي ء إذ كانوا يجحدون بآيات الله (26) [الأحقاف] فإذا أراد ~~سبحانه هداية عبد، فتح قلبه وسمعه وبصره، وإذا أراد ضلاله، أصمه وأعماه ~~وأبكمه. وبالله التوفيق. # فصل # وأما الغشاوة: فهو غطاء العين، كما قال تعالى: وجعل على بصره غشاوة (23) ~~[الجاثية] وهذا الغطاء سرى إليها من غطاء القلب، فإن ما في القلب يظهر على ~~العين من الخير والشر، فالعين مرآة القلب، تظهر ما فيه، PageV01P257 ~~وأنت إذا أبغضت رجلا بغضا شديدا، أو أبغضت كلامه ومجالسته، تجد على عينك ~~غشاوة عند رؤيته ومخالطته، فتلك أثر البغض والإعراض عنه، وغلظت على الكفار ~~عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن الرسول، وجعل الغشاوة عليها يشعر ~~بالإحاطة على ما تحته كالعمامة، ولما عشوا عن ذكره الذي أنزله، صار ذلك ~~العشا غشاوة على أعينهم، فلا تبصر مواقع الهدى. # فصل # وأما الصد فقال تعالى: وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل (37) ~~[غافر]. # قرأ أهل الكوفة على البناء للمفعول حملا على زين، وقرأ الباقون: وصد بفتح ~~الصاد، ويحتمل وجهين: أحدهما إعراض، فيكون لازما، والثاني يكون صد غيره، ~~فيكون متعديا، والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان. وأما الشد على القلب ففي ~~قوله تعالى: ms176 وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما (89) ~~[يونس]. # فهذا الشد على القلب هو الصد والمنع، ولهذا قال ابن عباس: يريدا «1» ~~منعها، والمعنى: قسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان، وهذا ~~مطابق لما في التوراة، إن الله سبحانه قال لموسى اذهب إلى فرعون، فإني ~~سأقسي قلبه، فلا يؤمن حتى تظهر آياتي وعجائبي بمصر، وهذا الشد PageV01P258 ~~والتقسية من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه، جعله عقوبة لهم على كفرهم ~~وإعراضهم كعقوبته لهم بالمصائب؛ ولهذا كان محمودا عليه، فهو حسن منه، وأقبح ~~شي ء منهم، فإنه عدل منه وحكمة، وهو ظلم منهم وسفه. # فالقضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم، يضع الخير والشر في أليق المواضع ~~بهما، والمقضي المقدر يكون ظلما وجورا وسفها. وهو فعل جاهل ظالم سفيه. # فصل # وأما الصرف فقال تعالى: وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم ~~من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) [التوبة] ~~فأخبر سبحانه عن فعلهم، وهو الانصراف، وعن فعله فيهم وهو صرف قلوبهم عن ~~القرآن وتدبره، لأنهم ليسوا أهلا له، فالمحل غير صالح ولا قابل، فإن صلاحية ~~المحل بشيئين: حسن فهم، وحسن قصد، وهؤلاء قلوبهم لا تفقه، وقصودهم سيئة، ~~وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون (23) [الأنفال] فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان ~~فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم، فلم يسمعهم سماع إفهام، ~~ينتفعون به، وإن سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجته، فسماع الفهم الذي سمعه به ~~المؤمنون لم يحصل لهم. ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر، قام بقلوبهم يمنعهم من ~~الإيمان، لو أسمعهم هذا السماع الخاص، وهو الكبر والتولي والإعراض، فالأول ~~مانع من الفهم، والثاني مانع من الانقياد والإذعان. فأفهام سيئة، وقصود ~~ردية، وهذه PageV01P259 ~~نسخة الضلال ms177 وعلم الشقاء كما أن نسخة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح، وقصد ~~صالح. والله المستعان. # وتأمل قوله سبحانه: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم (127) [التوبة] كيف جعل ~~هذه الجملة الثانية، سواء كانت خبرا أو إعادة عقوبة، لانصرافهم، فعاقبهم ~~عليه بصرف آخر غير الصرف الأول، فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ~~ومشيئته لإقبالهم، لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول، فلم ينلهم الإقبال ~~والإذعان، فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم، عن القرآن، فجازاهم ~~على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول، كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى ~~إزاغة غير الزيغ الأول، كما قال فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم (5) [الصف]. # وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه، جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من ~~الإقبال عليه. ولتكن قصة إبليس منك على ذكر، تنتفع بها أتم انتفاع، فإنه ~~لما عصى ربه تعالى، ولم ينقد لأمره، وأصر على ذلك، عاقبه بأن جعله داعيا ~~إلى كل معصية، فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية ~~وفروعها صغيرها وكبيرها، وصار هذا الإعراض والكفر منه عقوبة لذلك الإعراض ~~والكفر السابق، فمن عقاب السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة ~~الحسنة بعدها. # فإن قيل: فكيف يلتئم إنكاره- سبحانه- عليهم الانصراف والإعراض عنه، وقد ~~قال تعالى: فأنى تصرفون (32) [يونس] و: أنى يؤفكون (75) [المائدة] وقال: ~~فما لهم عن التذكرة معرضين (49) [المدثر] فإذا كان هو الذي صرفهم، وجعلهم ~~معرضين ومأفوكين، فكيف ينفي ذلك عليهم؟. PageV01P260 # قيل: هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم وفتح لهم الباب، ونهج لهم ~~الطريق وهيأ لهم الأسباب، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ودعاهم على ~~ألسنة رسله، وجعل لهم عقولا تميز بين الخير والشر والنافع والضار وأسباب ~~الردى وأسباب الفلاح، وجعل لهم أسماعا وأبصارا، فآثروا الهوى على التقوى، ~~واستحبوا العمى على الهدى، وقالوا: # معصيتك آثر عندنا من طاعتك، والشرك أحب إلينا من توحيدك، وعبادة سواك ~~أنفع لنا في دنيانا من عبادتك. # فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، وانصرفت عن طاعته ومحبته، فهذا ~~عدله فيهم، وتلك حجته عليهم، فهم ms178 سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم ~~واختيارا، فسده عليهم اضطرارا، فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم، وولاهم ما ~~تولوه، ومكنهم فيما ارتضوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه، وأغلق ~~عنهم الباب الذي تولوا عنه، وهم معرضون، فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من ~~فعله، ولو شاء لخلقهم على غير هذه الصفة، ولأنشأهم على غير هذه النشأة، ~~ولكنه سبحانه خالق العلو والسفل، والنور والظلمة، والنافع والضار، والطيب ~~والخبيث، والملائكة والشياطين، والشاء والذياب، ومعطيها آلاتها وصفاتها ~~وقواها وأفعالها، ومستعملها فيما خلقت له، فبعضها بطباعها، وبعضها بإرادتها ~~ومشيئتها، وكل ذلك جار على وفق حكمته، وهو موجب حمده ومقتضى كماله المقدس ~~وملكه التام، ولا نسبة لما علمه الخلق من ذلك إلى ما خفي عليهم بوجه ما، إن ~~هو إلا كنقرة عصفور من البحر. PageV01P261 # فصل # وأما الإغفال فقال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ~~وكان أمره فرطا (28) [الكهف]. # سئل أبو العباس ثعلب عن قوله: أغفلنا قلبه عن ذكرنا (28) [الكهف] فقال: ~~جعلناه غافلا، قال: ويكون في الكلام أغفلته: سميته غافلا، ووجدته غافلا، ~~قلت: الغفل الشي ء الفارغ. والأرض الغفل التي لا علامة بها، والكتاب الغفل ~~الذي لا شكل عليه، فأغفلناه: تركناه غفلا عن الذكر فارغا منه، فهو إبقاء له ~~على العدم الأصلي، لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر، فبقي غافلا، فالغفلة وصفه، ~~والإغفال فعل الله فيه بمشيئته وعدم مشيئته لتذكره، فكل منهما مقتض لغفلته، ~~فإذا لم يشأ له التذكر، لم يتذكر، وإذا شاء غفلته، امتنع منه الذكر، فإن ~~قيل: فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب أضدادها، ~~أم إلى مشيئته لوقوعها؟ قيل: القرآن قد نطق بهذا. # وبهذا قال تعالى: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم (41) [المائدة] ~~وقال: ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا (41) [المائدة] ومن يرد ~~أن يضله (125) [الأنعام]. # فإن قيل: فكيف يكون عدم السبب المقتضي موجبا للأثر؟. # قيل: الأثر إن كان وجوديا، فلا بد له من مؤثر وجودي، وأما العدم فيكفي ~~فيه عدم ms179 سببه وموجبه، فيبقى على العدم الأصلي، فإذا أضيف إليه PageV01P262 ~~كان من باب إضافة الشي ء إلى دليله، فعدم السبب دليل على عدم المسبب، وإذا ~~سمي موجبا ومقتضيا بهذا الاعتبار، فلا مشاحة في ذلك، وأما أن يكون العدم ~~أثرا ومؤثرا فلا، وهذا الإغفال ترتب عليه اتباع هواه وتفريطه في أمره. # قال مجاهد: كان أمره فرطا: أي: ضياعا. وقال قتادة: أضاع أكبر الضيعة. ~~وقال السدي: هلاكا. وقال أبو الهيثم: أمر فرط أي: متهاون به مضيع، والتفريط ~~تقديم العجز. قال أبو إسحاق: من قدم العجز في أمر أضاعه وأهلكه. قال الليث: ~~الفرط: الأمر الذي يفرط فيه، يقول: كل أمر فلان فرط. قال الفراء: فرطا ~~متروكا يفرط فيما لا ينبغي التفريط فيه، واتبع ما لا ينبغي اتباعه، وغفل ~~عما لا يحسن الغفلة عنه. # فصل # وأما المرض فقال تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا (10) [البقرة] ~~وقال: فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض (32) [الأحزاب] وقال: ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ما ذا أراد الله بهذا مثلا (31) [المدثر]. # ومرض القلب خروج عن صحته واعتداله، فإن صحته أن يكون عارفا بالحق محبا له ~~مؤثرا له على غيره، فمرضه إما بالشك فيه، وإما بإيثار غيره عليه، فمرض ~~المنافقين مرض شك وريب، ومرض العصاة مرض غي وشهوة، وقد سمى الله سبحانه كلا ~~منهما مرضا. PageV01P263 # قال ابن الأنباري: أصل المرض في اللغة الفساد، مرض فلان، فسد جسمه، وتغيرت ~~حاله، ومرضت بالمرض، تغيرت وفسدت. قالت ليلى الأخيلية: # إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها # وقال آخر: # ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين والبلاد اقشعرت # والمرض يدور على أربعة أشياء: فساد، وضعف، ونقصان، وظلمة، ومنه: مرض ~~الرجل في الأمر إذا ضعف فيه، ولم يبالغ. وعين مريضة النظر، أي: فاترة ~~ضعيفة. وريح مريضة إذا هب هبوبها كما قال: # راحت لأربعك الرياح مريضة # أي: لينة ضعيفة حتى لا يعفى أثرها، وقال ابن الأعرابي: أصل المرض ~~النقصان، ومنه: بدن مريض أي: ناقص ms180 القوة، وقلب مريض: ناقص الدين. # ومرض في حاجتي، إذا نقصت حركته. # وقال الأزهري عن المنذري عن بعض أصحابه: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها ~~بعد صفائها. قال: والمرض الظلمة، وأنشد: # وليلة مرضت من كل ناحية ... فما يضي ء لها شمس ولا قمر # هذا أصله في اللغة، ثم الشك والجهل والحيرة والضلال. وإرادة الغي وشهوة ~~الفجور، في القلب، تعود إلى هذه الأمور الأربعة، فيتعاطى العبد أسباب المرض ~~حتى يمرض، فيعاقبه الله بزيادة المرض لإيثاره أسبابه، وتعاطيه لها. PageV01P264 # فصل # وأما تقليب الأفئدة فقال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) [الأنعام] وهذا عطف على أنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون، أي: نحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم تلك الآية فلا ~~يؤمنون، واختلف في قوله: كما لم يؤمنوا به أول مرة، فقال كثير من المفسرين: ~~المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية، كما حلنا بينهم وبين ~~الإيمان أول مرة. قال ابن عباس في رواية عطاء عنه: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي. قال: وهذا كقوله: واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه. وقال آخرون: المعنى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، لتركهم الإيمان به أول مرة، فعاقبناهم بتقليب ~~أفئدتهم وأبصارهم، وهذا معنى حسن، فإن كاف التشبيه تتضمن نوعا من التعليل ~~كقوله: وأحسن كما أحسن الله إليك (77) [القصص] وقوله: كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما ~~لم تكونوا تعلمون (151) فاذكروني أذكركم (152) [البقرة]. # والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل، في ~~الخير والشر، والتقليب تحويل الشي ء من وجه إلى وجه، وكان الواجب من مقتضى ~~إنزال الآية، ووصولهم إليها كما سألوا، أن يؤمنوا إذا جاءتهم لأنهم رأوها ~~عيانا، وعرفوا أدلتها، وتحققوا صدقها، فإذا لم يؤمنوا، كان ذلك تقليبا ~~لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه. PageV01P265 # وقد روى مسلم في «صحيحه» «1»، من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ms181 «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن، كقلب واحد، يصرفه كيف شاء» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك». # وروى الترمذي «2» من حديث أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقلت: يا رسول الله: آمنا ~~بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع ~~الله، يقلبها كيف يشاء» قال: هذا حديث حسن. # وروى حماد عن أيوب وهشام ويعلى بن زياد، عن الحسن، قال: قالت عائشة رضي ~~الله تعالى عنها: دعوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يدعو بها ~~«يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقلت يا رسول الله: دعوة كثيرا ما تدعو ~~بها قال: «إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أن ~~يقيمه أقامه وإذا شاء أن يزيغه أزاغه» «3». # وقوله: ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) [الأنعام] قال ابن عباس: # أخذلهم وأدعهم في ضلالهم يتمادون. PageV01P266 # فصل # وأما إزاغة القلوب فقال تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم (5) [الصف] ~~وقال عن عباده المؤمنين أنهم سألوه ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. وأصل ~~الزيغ الميل، ومنه: زاغت الشمس إذا مالت، فإزاغة القلب إمالته، وزيغه ميله ~~عن الهدى إلى الضلال، والزيغ يوصف به القلب والبصر كما قال تعالى وإذ زاغت ~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر (10) [الأحزاب]. # وقال قتادة ومقاتل: شخصت فرقا، وهذا تقريب للمعنى، فإن الشخوص غير الزيغ، ~~وهو أن يفتح عينيه، ينظر إلى الشي ء، فلا يطرق، ومنه: شخص بصر الميت. ولما ~~مالت الأبصار عن كل شي ء، فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا إليهم من كل ~~جانب، اشتغلت عن النظر إلى شي ء آخر، فمالت عنه، وشخصت بالنظر إلى الأحزاب. ~~وقال الكلبي: مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم. وقال الفراء: زاغت عن كل شي ~~ء، فلم تلتفت إلا إلى عدوها متحيرة، تنظر إليه. # قلت: ms182 القلب إذا امتلأ رعبا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المخوف، فزاغ البصر ~~عن الوقوع عليه وهو مقابله. PageV01P267 # فصل # وأما الخذلان فقال تعالى: إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا ~~الذي ينصركم من بعده (160) [آل عمران]. # وأصل الخذلان الترك والتخلية، ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في ~~المرعى، وتركت صواحباتها: خذول. # قال محمد بن إسحاق في هذه الآية: إن ينصرك الله، فلا غالب لك من الناس، ~~ولن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك، فلن ينصرك الناس، أي: لا تترك أمري ~~للناس، وارفض الناس لأمري. # والخذلان: أن يخلي الله تعالى بين العبد وبين نفسه، ويكله إليها، ~~والتوفيق ضده، أن لا يدعه ونفسه، ولا يكله إليها، بل يصنع له، ويلطف به، ~~ويعينه، ويدفع عنه، ويكلؤه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه، فمن ~~خلي بينه وبين نفسه، فقد هلك كل الهلاك، ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: # «يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، لا إله ~~إلا أنت برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا ~~إلى أحد من خلقك» «1». # فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس، فإن تولاه الله، لم يظفر به PageV01P268 ~~عدوه، وإن خذله وأعرض عنه، افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة، فإن قيل: ~~فما ذنب الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها، وهل يمكنها أن تقوى على ~~الذئب وتنجو منه؟ قيل: لعمر الله إن الشيطان ذئب الإنسان كما قاله الصادق ~~المصدوق، ولكن لم يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانا مع ~~ضعفها، فإذا أعطت بيدها، وسالمت الذئب، ودعاها، فلبت دعوته، وأجابت أمره، ~~ولم تتخلف، بل أقبلت نحوه سريعة مطيعة، وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب ~~عليه سبيل، ودخلت في محل الذئاب الذي من دخله كان صيدا لهم، فهل الذئب كل ~~الذئب إلا الشاة، فكيف والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها، وقد أراها مصارع ~~الشاء التي انفردت عن الراعي، ودخلت وادي الذئاب. # قال أحمد ms183 بن مروان المالكي في «كتاب المجالسة»: سمعت ابن أبي الدنيا ~~يقول: إن لله سبحانه من العلوم ما لا يحصى، يعطي كل واحد من ذلك ما لا يعطي ~~غيره، لقد حدثنا أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن سعيد القطان، قال: # حدثنا عبيد الله بن بكر السهمي عن أبيه، أن قوما كانوا في سفر، فكان فيهم ~~رجل يمر بالطائر، فيقول: أتدرون ما تقول هؤلاء؟ فيقولون: لا، فيقول: # تقول كذا وكذا، فيحيلنا على شي ء، لا ندري أصادق فيه هو أم كاذب، إلى أن ~~مروا على غنم، وفيها شاة، قد تخلفت على سخلة لها، فجعلت تحنو عنقها إليها ~~وتثغو، فقال: أتدرون ما تقول هذه الشاة؟ قلنا: لا، قال: تقول للسخلة: الحقي ~~لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول، في هذا المكان، قال: فانتهينا إلى ~~الراعي، فقلنا له: ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا؟ قال: # نعم: ولدت سخلة عام أول، فأكلها الذئب بهذا المكان. ثم أتينا على قوم ~~فيهم ظعينة على جمل لها، وهو يرغو ويحنو عنقه إليها، فقال: أتدرون ما يقول ~~هذا البعير؟ قلنا لا، قال: فإنه يلعن راكبته، ويزعم أنها رحلته على PageV01P269 ~~مخيط، وهو في سنامه، قال: فانتهينا إليهم، فقلنا: يا هؤلاء: إن صاحبنا هذا ~~يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته، ويزعم أنها رحلته على مخيط، وأنه في ~~سنامه، قال: فأناخوا البعير، وحطوا عنه، فإذا هو كما قال. # فهذه شاة قد حذرت سخلتها من الذئب مرة، فحذرت، وقد حذر الله سبحانه ابن ~~آدم من ذئبه مرة بعد مرة، وهو يأبى إلا أن يستجيب له إذا دعاه، ويبيت معه، ~~ويصبح وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ~~وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم (22) [إبراهيم]. # فصل # وأما الإركاس فقال تعالى:* فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما ~~كسبوا أتريدون أن ms184 تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) ~~[النساء]. # قال الفراء: أركسهم: ردهم إلى الكفر. # وقال أبو عبيدة: يقال: ركست الشي ء، وأركسته، لغتان، إذا رددته. # والركس: قلب الشي ء على رأسه أو رد أوله على آخره، والارتكاس الارتداد. ~~قال أمية: # فأركسوا في حميم النار إنهم ... كانوا عصاة وقالوا الإفك والزوراء # ومن هذا يقال للروث: الركس، لأنه رد إلى حال النجاسة، ولهذا المعنى PageV01P270 ~~سمي رجيعا، والركس والنكس والمركوس والمنكوس بمعنى واحد. # قال الزجاج: أركسهم: نكسهم وردهم، والمعنى أنه ردهم إلى حكم الكفار من ~~الذل والصغار، وأخبر سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله، وإن كان إركاسه كان ~~بسبب كسبهم وأعمالهم كما قال: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) ~~[المطففين] فهذا توحيده وهذا عدله، لا ما تقوله القدرية المعطلة من أن ~~التوحيد إنكار الصفات والعدل والتكذيب بالقدر. # فصل # وأما التثبيط فقال تعالى:* ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره ~~الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) [التوبة]. # والتثبيط رد الإنسان عن الشي ء الذي يفعله. # قال ابن عباس: يريد خذلهم وكسلهم عن الخروج، وقال في رواية أخرى: حبسهم. # قال مقاتل: وأوحى إلى قلوبهم: اقعدوا مع القاعدين. # وقد بين سبحانه حكمته في هذا التثبيط والخذلان قبل وبعد، فقال: # إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ~~ريبهم يترددون (45) * ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله ~~انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) [التوبة] فلما تركوا الإيمان ~~به وبلقائه، وارتابوا بما لا ريب فيه، ولم يريدوا الخروج في طاعة الله، ولم ~~يستعدوا له، ولا أخذوا أهبة ذلك، كره سبحانه انبعاث من هذا شأنه، فإن PageV01P271 ~~من لم يرفع به وبرسوله أو كتابه رأسا، ولم يقبل هديته التي أهداها إليه على ~~يد أحب خلقه إليه وأكرمهم عليه، ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها، بل ~~بدلها كفرا، فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهه الله سبحانه، فثبطه لئلا ~~يقع ما يكره من خروجه، وأوحى إلى ms185 قلبه قدرا وكونا أن يقعد مع القاعدين. # ثم أخبر سبحانه عن الحكمة التي تتعلق بالمؤمنين في تثبيط هؤلاء عنهم، ~~فقال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا (47) [التوبة] والخبال: # الفساد والاضطراب، فلو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم، فأوقعوا ~~بينهم الاضطراب والاختلاف. قال ابن عباس: ما زادوكم إلا خبالا، عجزا وجبنا، ~~يعني: يجبنوهم «1» عن لقاء العدو بتهويل أمرهم وتعظيمهم في صدورهم، ثم قال: ~~ولأوضعوا خلالكم، أي: أسرعوا في الدخول بينكم، للتفريق والإفساد. قال ابن ~~عباس: يريد ضعفوا شجاعتكم، يعني بالتفريق بينهم لتفرق الكلمة، فيجنبوا عن ~~العدو، وقال الحسن: لأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات البين، وقال ~~الكلبي: ساروا بينكم يبغونكم العيب. قال لبيد: # أرانا موضعين لختم عيب ... وسحر بالطعام وبالشراب # أي: مسرعين، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # تبا لهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امرؤ باغ وأوضعا # أي: أسرع حتى كلت مطيته يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم (47) [التوبة] ~~قال قتادة: وفيكم من سمع كلامهم، ويطيعهم. وقال ابن إسحاق: PageV01P272 # وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة، فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم. ومعناه على ~~هذا القول: وفيكم أهل سمع وطاعة لهم، لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم ~~عليكم. قلت: فتضمن سماعين معنى مستجيبين. وقال مجاهد وابن زيد والكلبي: ~~المعنى وفيكم عيون لهم، ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، أي: جواسيس. والقول ~~هو الأول، كما قال تعالى: سماعون للكذب (41) [المائدة]، أي قابلون له، ولم ~~يكن في المؤمنين جواسيس للمنافقين، فإن المنافقين كانوا مختلطين بالمؤمنين، ~~ينزلون معهم، ويرحلون ويصلون معهم ويجالسونهم، ولم يكونوا متحيزين عنهم، قد ~~أرسلوا فيهم العيون، ينقلون إليهم أخبارهم، فإن هذا إنما يفعله من انحاز عن ~~طائفة، ولم يخالطها، وأرصد بينهم عيونا له، فالقول قول قتادة وابن إسحاق، ~~والله أعلم. # فإن قيل: انبعاثهم إلى طاعته طاعة له، فكيف يكرهها؟ وإذا كان سبحانه ~~يكرهها، فهو يحب ضدها لا محالة، إذ كراهة أحد الضدين تستلزم محبة الضد ~~الآخر، فيكون قعودهم محبوبا له، فكيف يعاقبهم عليه؟. # قيل: هذا سؤال له شأن، وهو من أكبر الأسئلة في هذا ms186 الباب. وأجوبة الطوائف ~~على حسب أصولهم. # فالجبرية تجيب عنه بأن أفعاله لا تعلل بالحكم والمصالح، وكل ممكن فهو ~~جائز عليه، ويجوز أن يعذبهم على فعل ما يحبه ويرضاه، وترك ما يبغضه ويسخطه، ~~والجميع بالنسبة إليه سواء. وهذه الفرقة قد سدت على نفسها باب الحكمة ~~والتعليل. # والقدرية تجيب عنه على أصولها، بأنه سبحانه لم يثبطهم حقيقة، ولم يمنعهم، ~~بل هم منعوا أنفسهم وثبطوها عن الخروج، وفعلوا ما لا يريد، PageV01P273 ~~ولما كان في خروجهم المفسدة التي ذكرها الله سبحانه، ألقى في نفوسهم كراهة ~~الخروج مع رسوله. قالوا: وجعل سبحانه إلقاء كراهة الانبعاث في قلوبهم كراهة ~~مشيئة، من غير أن يكره هو سبحانه انبعاثهم، فإنه أمرهم به. # قالوا: وكيف يأمرهم بما يكرهه؟ ولا يخفى على من نور الله بصيرته فساد ~~هذين الجوابين وبعدهما من دلالة القرآن، فالجواب الصحيح أنه سبحانه أمرهم ~~بالخروج طاعة له ولأمره، واتباعا لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونصرة له ~~وللمؤمنين، وأحب ذلك منهم ورضيه لهم دينا، وعلم سبحانه أن خروجهم، لو ~~خرجوا، لم يقع على هذا الوجه، بل يكون خروجهم خروج خذلان لرسوله وللمؤمنين، ~~فكان خروجا يتضمن خلاف ما يحبه ويرضاه، ويستلزم وقوع ما يكرهه ويبغضه، فكان ~~مكروها له، من هذا الوجه، ومحبوبا له من الوجه الذي خرج عليه أولياءه، وهو ~~يعلم أنه لا يقع منهم إلا على الوجه المكروه إليه، فكرهه، وعاقبهم على ترك ~~الخروج الذي يحبه ويرضاه، لا على ترك الخروج الذي يبغضه ويسخطه، وعلى هذا ~~فليس الخروج الذي كرهه منهم طاعة، حتى لو فعلوه، لم يثبهم عليه، ولم يرضه ~~منهم، وهذا الخروج المكروه له ضدان: # أحدهما: الخروج المرضي المحبوب، وهذا الضد هو الذي يحبه. # والثاني: التخلف عن رسوله والقعود عن الغزو معه، وهذا الضد يبغضه ويكرهه أيضا. # وكراهته للخروج على الوجه الذي كانوا يخرجون عليه لا ينافي كراهته لهذا ~~الضد، فنقول للسائل: قعودهم مبغوض له، ولكن هاهنا أمران مكروهان له سبحانه، ~~وأحدهما أكره له من الآخر، لأنه أعظم مفسدة، فإن قعودهم مكروه له، وخروجهم ~~على ms187 الوجه الذي ذكره أكره إليه، ولم يكن لهم بد من أحد المكروهين إليه ~~سبحانه، فدفع المكروه الأعلى بالمكروه الأدنى، فإن PageV01P274 ~~مفسدة قعودهم عنه أصغر من مفسدة خروجهم معه، فإن مفسدة قعودهم تختص بهم، ~~ومفسدة خروجهم تعود على المؤمنين، فتأمل هذا الموضع. # فإن قلت: فهلا وفقهم للخروج الذي يحبه ويرضاه، وهو الذي خرج عليه ~~المؤمنون؟. # قلت: قد تقدم جواب مثل هذا السؤال مرارا، وأن حكمته سبحانه تأبى أن يضع ~~التوفيق في غير محله، وعند غير أهله، فالله أعلم حيث يجعل هداه وتوفيقه وفضله. # وليس كل محل يصلح لذلك، ووضع الشي ء في غير محله لا يليق بحكمته. # فإن قلت: وعلى ذلك فهلا جعل المحال كلها صالحة؟. # قلت: يأباه كمال ربوبيته وملكه وظهور آثار أسمائه وصفاته في الخلق ~~والأمر، وهو سبحانه لو فعل ذلك لكان محبوبا له، فإنه يحب أن يذكر ويشكر ~~ويطاع ويوحد ويعبد، ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب إليه من استواء ~~أقدام الخلائق في الطاعة والإيمان وهو محبته لجهاز أعدائه والانتقام منهم ~~وإظهار قدر أوليائه وشرفهم، وتخصيصهم بفضله وبذل نفوسهم له في معاداة من ~~عاداه، وظهور عزته وقدرته وسطوته وشدة أخذه وأليم عقابه، وأضعاف أضعاف هذه ~~الحكم التي لا سبيل للخلق، ولو تناهوا في العلم والمعرفة إلى الإحاطة بها، ~~ونسبة ما عقلوه منها إلى ما خفي عليهم كنقرة عصفور في بحر. PageV01P275 # فصل # وأما التزيين فقال تعالى: كذلك زينا لكل أمة عملهم (108) [الأنعام] وقال ~~أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء (8) ~~[فاطر] وقال وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) [الأنعام] فأضاف ~~التزيين إليه منه سبحانه خلقا ومشيئة، وحذف فاعله تارة، ونسبه إلى سببه ومن ~~أجراه على يده تارة، وهذا التزيين [منه] «1» سبحانه حسن، إذ هو ابتلاء ~~واختبار بعيد، ليتميز المطيع منهم من العاصي، والمؤمن من الكافر، كما قال ~~تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) ~~[الكهف] وهو من الشيطان قبيح، وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد عمله ms188 السيئ عقوبة ~~منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته، وإيثار سيئ العمل على حسنه، فإنه لا ~~بد أن يعرفه سبحانه السيئ من الحسن، فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه ~~لنفسه، زينه سبحانه له، وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحا. # وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا، ~~فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه، فربما رآه حسنا عقوبة له، فإنه ~~إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه، وهو حجة الله عليه، فإذا تمادى ~~في غيه وظلمه، ذهب ذلك النور، فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم، ~~ومع هذا فحجة الله قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف PageV01P276 ~~الأول، فتزيين الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء وظلم، ~~وهو المسبب الخارج عن العبد، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه، والرب ~~سبحانه خالق الجميع، والجميع واقع بمشيئته وقدرته، ولو شاء لهدى خلقه ~~أجمعين. والمعصوم من عصمه الله، والمخذول من خذله الله، ألا له الخلق ~~والأمر، تبارك الله رب العالمين. # فصل # وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى: أولئك الذين لم يرد الله ~~أن يطهر قلوبهم (41) [المائدة] وقال ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها (13) ~~[السجدة] ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا (99) [يونس] وعدم مشيئته ~~للشي ء مستلزم لعدم وجوده، كما أن مشيئته تستلزم وجوده، فما شاء الله وجب ~~وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده، وقد أخبر سبحانه أن العباد لا يشاءون إلا ~~بعد مشيئته، ولا يفعلون شيئا إلا بعد مشيئته، فقال: وما تشاؤن إلا أن يشاء ~~الله (30) [الإنسان] وقال: وما يذكرون إلا أن يشاء الله (56) [المدثر] فإن ~~قيل: فهل يكون الفعل مقدورا للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن يفعله؟ قيل: ~~إن أريد بكونه مقدورا سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل، وصحة ~~أعضائه، ووجود قواه، وتمكينه من أسباب الفعل، وتهيئة طريق فعله، وفتح ~~الطريق له، فنعم، هو مقدور بهذا الاعتبار، وإن أريد بكونه مقدورا القدرة ~~المقارنة ms189 للفعل، وهي الموجبة له التي إذا وجدت، لم يتخلف عنها الفعل، فليس ~~بمقدور بهذا الاعتبار؛ وتقرير ذلك أن القدرة نوعان: PageV01P277 # قدرة مصححة، وهي قدرة الأسباب والشروط وسلامة الآلة، وهي مناط التكليف، ~~وهذه متقدمة على الفعل غير موجبة له. # وقدرة مقارنة للفعل مستلزمة له، لا يتخلف الفعل عنها، وهذه ليست شرطا في ~~التكليف، فلا يتوقف صحته وحسنه عليها. # فإيمان من لم يشأ الله إيمانه، ومن لم يشأ طاعته مقدور بالاعتبار الأول ~~غير مقدور بالاعتبار الثاني، وبهذا التحقيق تزول الشبهة في تكليف ما لا ~~يطاق، كما يأتي بيانه في موضعه، إن شاء الله تعالى. # فإذا قيل: هل خلق لمن علم أنه لا يؤمن قدرة على الإيمان، أم لم يخلق له قدرة؟. # قيل: خلق له قدرة مصححة متقدمة على الفعل، هي مناط الأمر والنهي، ولم ~~يخلق له قدرة موجبة للفعل مستلزمة له، لا يتخلف عنها، فهذه فضله يؤتيه من ~~يشاء، وتلك عدله التي تقوم بها حجته على عبده، فإن قيل: فهل يمكنه الفعل، ~~ولم يخلق له هذه القدرة؟ قيل: هذا هو السؤال السابق بعينه، وقد عرفت جوابه. ~~وبالله التوفيق. # وأما إماتة قلوبهم ففي قوله: إنك لا تسمع الموتى (80) [النمل] وقوله أومن ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ~~ليس بخارج منها (122) [الأنعام] وقوله لينذر من كان حيا (70) [يس] وقوله: ~~وما أنت بمسمع من في القبور (22) [فاطر] فوصف الكافر بأنه ميت، وأنه بمنزلة ~~أصحاب القبور، وذلك أن القلب الحي هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره ~~على غيره، فإذا مات القلب، لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل، ~~ولا إرادة للحق وكراهة الباطل، بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام ~~والشراب وألم فقدهما، وكذلك وصف سبحانه كتابه PageV01P278 ~~ووحيه بأنه روح، لحصول حياة القلب به، فيكون القلب حيا، ويزداد حياة بروح ~~الوحي، فيحصل له حياة على حياة ونور على نور، نور الوحي على نور الفطرة ~~قال: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ms190 (15) [غافر] وقال وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا (52) [الشورى] فجعله روحا لما يحصل به من ~~الحياة، ونورا لما يحصل به من الهدى والإضاءة، وذلك نور وحياة زائدة على ~~نور الفطرة وحياتها، فهو نور على نور، وحياة على حياة. # ولهذا يضرب سبحانه، لمن عدم ذلك مثلا بمستوقد النار التي ذهب عنه ضوؤها، ~~وبصاحب الصيب الذي كان حظه منه الصواعق والظلمات والرعد والبرق، فلا استنار ~~بما أوقد من النار، ولا حي بما في الصيب من الماء، ولذلك ضرب هذين المثلين، ~~في سورة الرعد، لمن استجاب له، فحصل على الحياة والنور، ولمن لم يستجب له، ~~وكان حظه الموت والظلمة، فأخبر عمن أمسك عنه نوره بأنه في الظلمة، ليس له ~~من نفسه نور، فقال تعالى: # * الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضي ء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~... عليم (35) [النور]. # ثم ذكر من أمسك عنه هذا النور، ولم يجعله له، فقال: والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من ~~فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) [النور]. PageV01P279 # وفي المسند «1» من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: «إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن ~~أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله». # وقال تعالى والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ms191 (39) [الأنعام] وهذه الظلمات ضد الأنوار ~~التي يتقلب فيها المؤمن، فإن نور الإيمان في قلبه، ومدخله نور، ومخرجه نور، ~~وعلمه نور، ومشيته في الناس نور، وكلامه نور، ومصيره إلى نور. والكافر بالضد. # ولما كان النور من أسمائه الحسنى وصفاته، كان دينه نورا، ورسوله نورا، ~~وكلامه نورا، وداره نورا يتلألأ. والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين، ~~ويجري على ألسنتهم، ويظهر على وجوههم، وكذلك لما كان الإيمان، واسمه المؤمن ~~لم يعطه إلا أحب خلقه إليه، وكذلك الإحسان صفته، وهو المحسن ويحب المحسنين، ~~وهو صابر يحب الصابرين، شاكر يحب الشاكرين، عفو يحب أهل العفو، حيي يحب أهل ~~الحياء، ستير يحب أهل الستر، قوي يحب أهل القوة من المؤمنين، عليم يحب أهل ~~العلم من عباده، جواد يحب أهل الجود، جميل يحب المتجملين، بر يحب الأبرار، ~~رحيم يحب الرحماء، عدل يحب أهل العدل، رشيد يحب أهل الرشد، وهو الذي جعل من ~~يحبه من خلقه كذلك، وأعطاه من هذه الصفات ما شاء، وأمسكها عمن يبغضه، وجعله ~~على أضدادها، فهذا عدله، وذاك فضله. والله ذو الفضل العظيم. PageV01P280 # فصل # وأما جعله القلب قاسيا فقال تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا ~~قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به (13) ~~[المائدة]. # والقسوة: الشدة والصلابة في كل شي ء، يقال: حجر قاس، وأرض قاسية: لا تنبت ~~شيئا. قال ابن عباس: قاسية عن الإيمان. وقال الحسن: # طبع عليها. # والقلوب ثلاثة: قلب قاس، وهو اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق، ولا ~~تنطبع فيه، وضده القلب اللين المتماسك، وهو السليم من المرض الذي يقبل صورة ~~الحق بلينه، ويحفظه بتماسكه، بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه، ~~لميعانه، ورخاوته، كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشي ء، قبل صورته بما فيه من ~~اللين، ولكن رخاوته تمنعه من حفظها. فخير القلوب القلب الصلب الصافي اللين، ~~فهو يرى الحق بصفائه، ويقبله بلينه، ويحفظه بصلابته. # وفي المسند وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «القلوب آنية الله في ~~أرضه، فأحبها إليه أصلبها وأرقها وأصفاها» «1». # وقد ms192 ذكر سبحانه أنواع القلوب في قوله: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة PageV01P281 ~~للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) ~~وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن ~~الله لهاد (54) [الحج]. # فذكر القلب المريض، وهو الضعيف المنحل الذي لا تثبت فيه صورة الحق، ~~والقلب القاسي اليابس الذي لا يقبلها، ولا تنطبع فيه، فهذان القلبان شقيان ~~معذبان، ثم ذكر القلب المخبت المطمئن إليه، وهو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به. # قال الكلبي: فتخبت له قلوبهم، فترق للقرآن قلوبهم، وقد بين سبحانه حقيقة ~~الإخبات، ووصف المخبتين في قوله: وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~(35) [الحج]. # فذكر للمخبتين أربع علامات: وجل قلوبهم عند ذكره، والوجل خوف مقرون بهيبة ~~ومحبة. وصبرهم على أقداره. وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرا وباطنا. ~~وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم. وهذا إنما يتأتى للقلب المخبت، قال ~~ابن عباس: المخبتين: المتواضعين. وقال مجاهد: # المطمئنين إلى الله. وقال الأخفش: الخاشعين. وقال ابن جرير: # الخاضعين. قال الزجاج: اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض، وكل مخبت ~~متواضع، فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع لله. # فإن قيل: فإذا كان معناه التواضع والخشوع، فكيف عدي بإلى في قوله: # وأخبتوا إلى ربهم (23) [هود] قيل: ضمن معنى أنابوا واطمأنوا وتابوا، وهذه ~~عبارات السلف في هذا الموضع، والمقصود أن القلب المخبت ضد القاسي PageV01P282 ~~والمريض، وهو سبحانه الذي جعل بعض القلوب مخبتا إليه وبعضها قاسيا، وجعل ~~للقسوة آثارا، وللإخبات آثارا، فمن آثار القسوة تحريف الكلم عن مواضعه، ~~وذلك من سوء الفهم وسوء القصد، وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب ومنها نسيان ما ~~ذكر به وهو ترك ما أمر به، علما وعملا، ومن آثار الإخبات وجل القلوب لذكره ~~سبحانه، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته والإحسان إلى خلقه. # فصل # وأما تضييق الصدر، وجعله حرجا لا يقبل الإيمان فقال تعالى: فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ms193 يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما ~~يصعد في السماء (125) [الانعام] والحرج: هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة ~~جميعهم، يقال: رجل حرج، وحرج أي: ضيق الصدر، قال الشاعر: # لا حرج الصدر ولا عنيف. # وقال عبيد بن عمير: قرأ ابن عباس هذه الآية فقال: هل هنا أحد من بني بكر؟ ~~قال رجل: نعم، قال: ما الحرجة فيكم؟ قالوا: الوادي الكثير الشجر الذي لا ~~طريق فيه، فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر. # وقرأ عمر بن الخطاب الآية فقال: ايتوني رجلا من كنانة، واجعلوه راعيا، ~~فأتوه به فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ فقال: الشجرة تحدق بها الأشجار ~~الكثيرة، فلا تصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر: كذلك قلب الكافر، لا ~~يصل إليه شي ء من الخير. PageV01P283 # قال ابن عباس: يجعل صدره ضيقا حرجا، إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإن ذكر ~~شي ء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك. # ولما كان القلب محلا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة، وكانت هذه الأشياء ~~إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها، فإذا أراد الله هداية عبد وسع صدره ~~وشرحه، فدخلت فيه وسكنته، وإذا أراد ضلاله ضيق صدره وأحرجه، فلم يجد محلا ~~يدخل فيه، فيعدل عنه ولا يساكنه. وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشي ء ضاق به، ~~وكلما أفرغت فيه الشي ء ضاق إلا القلب اللين، فكلما أفرغ فيه الإيمان ~~والعلم اتسع وانفسخ، وهذا من آيات قدرة الرب تعالى. # وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: «إذا دخل النور ~~القلب، انفسخ وانشرح، قالوا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: الإنابة إلى ~~دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» «1». # فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى، وتضييقه من أسباب الضلال، كما أن شرحه ~~من أجل النعم، وتضييقه من أعظم النقم، فالمؤمن منشرح الصدر منفسحه في هذه ~~الدار، على ما ناله من مكروهها، وإذا قوي الإيمان وخالطت بشاشته القلوب، ~~كان على مكارهها أشرح صدرا منه على شهواتها ومحابها، فإذا فارقها، كان ~~انفساح ms194 روحه والشرح الحاصل له بفراقها أعظم بكثير، كحال من خرج من سجن ضيق ~~إلى فضاء واسع موافق له، فإنها سجن المؤمن، فإذا بعثه الله يوم القيامة، ~~رأى من انشراح صدره وسعته PageV01P284 ~~ما لا نسبة لما قبله إليه، فشرح الصدر كما أنه سبب الهداية، فهو أصل كل ~~نعمة وأساس كل خير. # وقد سأل كليم الرحمن موسى بن عمران ربه أن يشرح له صدره، لما علم أنه لا ~~يتمكن من تبليغ رسالته والقيام بأعبائها إلا إذا شرح له صدره، وقد عدد ~~سبحانه من نعمه على خاتم أنبيائه ورسله شرح صدره له، وأخبر عن أتباعه أنه ~~شرح صدورهم للإسلام. # فإن قلت: فما الأسباب التي تشرح الصدر والتي تضيقه؟. # قلت: السبب الذي يشرح الصدر النور الذي يقذفه الله فيه، فإذا دخله ذلك ~~النور، اتسع بحسب قوة النور وضعفه، وإذا فقد ذلك النور، أظلم وتضايق. # فإن قلت: فهل يمكن اكتساب هذا النور، أم هو وهبي؟. # قلت: هو وهبي وكسبي، واكتسابه أيضا مجرد موهبة من الله تعالى، فالأمر كله ~~لله، والحمد كله له، والخير كله بيديه، وليس مع العبد من نفسه شي ء البتة، ~~بل الله واهب الأسباب ومسبباتها، وجاعلها أسبابا، ومانحها من يشاء، ومانعها ~~من يشاء، إذا أراد بعبده خيرا، وفقه لاستفراغ وسعه وبذل جهده في الرغبة ~~والرهبة إليه، فإنهما مادتا التوفيق، فبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب ~~يحصل التوفيق. # فإن قلت: فالرغبة والرهبة بيده لا بيد العبد؟. # قلت: نعم والله! وهما مجرد فضله ومنته، وإنما يجعلهما في المحل الذي يليق ~~بهما، ويحبسهما عمن لا يصلح لهما. # فإن قلت: فما ذنب من لا يصلح؟. PageV01P285 # قلت: أكثر ذنوبه أنه لا يصلح، لأن صلاحيته بما اختاره لنفسه، وآثره وأحبه ~~من الضلال والغي، على بصيرة من أمره، فآثر هواه على حق ربه ومرضاته، واستحب ~~العمى على الهدى، وكان كفر المنعم عليه بصنوف النعم جحدا لهيئته، والشرك ~~به، والسعي في مساخطه أحب إليه من شكره وتوحيده والسعي في مرضاته، فهذا من ~~عدم صلاحيته لتوفيق خالقه ومالكه، وأي ذنب فوق ms195 هذا؟ فإذا أمسك الحكم العدل ~~توفيقه عمن هذا شأنه، كان قد عدل فيه، وانسدت عليه أبواب الهداية وطرق ~~الرشاد، فأظلم قلبه، فضاق عن دخول الإسلام والإيمان فيه، فلو جاءته كل آية ~~لم تزده إلا ضلالا وكفرا. # وإذا تأمل من شرح الله صدره للإسلام والإيمان هذه الآية، وما تضمنته من ~~أسرار التوحيد والعذر والعدل، وعظمة شأن الربوبية، صار لقلبه عبودية أخرى ~~ومعرفة خاصة، وعلم أنه عبد من كل وجه وبكل اعتبار، وأن الرب تعالى رب كل شي ~~ء ومليكه، من الأعيان والصفات والأفعال، والأمر كله بيده، والحمد كله له، ~~وأزمة الأمور بيده، ومرجعها كلها إليه، ولهذه الآية شأن فوق عقولنا، وأجل ~~من أفهامنا، وأعظم مما قال فيها المتكلمون الذين ظلموها معناها، وأنفسهم ~~كانوا يظلمون. تالله لقد غلظ عنها حجابهم، وكثفت عنها أفهامهم، ومنعتهم من ~~الوصول إلى المراد بها أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي أسسوها، فإنها ~~تضمنت إثبات التوحيد، والعدل الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، والعدل ~~الذي يقوله معطلو الصفات ونفاة القدر، وتضمنت إثبات الحكمة والقدرة والشرع ~~والقدر والسبب والحكم والذنب والعقوبة، ففتحت للقلب الصحيح بابا واسعا من ~~معرفة الرب تعالى بأسمائه، وصفات كماله، ونعوت جلاله، وحكمته في شرعه ~~وقدره، وعدله في عقابه، وفضله في ثوابه. PageV01P286 # وتضمنت كمال توحيده وربوبيته وقيوميته وإلهيته، وأن مصادر الأمور كلها عن ~~محض إرادته، ومردها إلى كمال حكمته، وأن المهدي من خصه الله بهدايته وشرح ~~صدره لدينه وشريعته، وأن الضال من جعل صدره ضيقا حرجا عن معرفته ومحبته، ~~كأنما يتصاعد في السماء، وليس ذلك في قدرته، وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم ~~يقدره حق قدرته، وجحد كمال ربوبيته، وكفر بنعمته، وآثر عبادة الشيطان على ~~عبوديته، فسد عليه باب توفيقه وهدايته، وفتح عليه أبواب غيه وضلاله، فضاق ~~صدره، وقسا قلبه، وتعطلت من عبودية ربها جوارحه، وامتلأت بالظلمة جوانحه؛ ~~والذنب له حيث أعرض عن الإيمان، واستبدل به الكفر والفسوق والعصيان، ورضي ~~بموالاة الشيطان، وهانت عليه معاداة الرحمن، فلا يحدث نفسه بالرجوع إلى ~~مولاه، ولا يعزم ms196 يوما على إقلاعه عن هواه، قد ضاد الله في أمره، بحب ما ~~يبغضه وببغض ما يحبه، ويوالي من يعاديه، ويعادي من يواليه، يغضب إذا رضي ~~الرب، ويرضى إذا غضب، هذا وهو يتقلب في إحسانه ويسكن في داره، ويتغذى ~~برزقه، ويتقوى على معاصيه بنعمه، فمن أعدل منه سبحانه عما يصفه به الجاهلون ~~والظالمون، إذا جعل الوحي على أمثال هذا من الذين لا يؤمنون. # فصل # وإذا شرح الله صدر عبده بنوره الذي يقذفه في قلبه، أراه في ضوء ذلك النور ~~حقائق الأسماء والصفات التي تضل فيها معرفة العبد، إذ لا يمكن أن يعرفها ~~العبد على ما هي عليه في نفس الأمر، وأراه في ضوء ذلك النور PageV01P287 ~~حقائق الإيمان وحقائق العبودية وما يصححها وما يفسدها، وتفاوت معرفة ~~الأسماء والصفات والإيمان والإخلاص وأحكام العبودية بحسب تفاوتهم في هذا ~~النور. قال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ~~كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها (122) [الأنعام] وقال يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون ~~به (28) [الحديد]. # فيكشف لقلب المؤمن، في ضوء ذلك النور، عن حقيقة المثل الأعلى مستويا على ~~عرش الإيمان في قلب العبد المؤمن، فيشهد بقلبه ربا عظيما قاهرا قادرا أكبر ~~من كل شي ء، في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، السموات السبع قبضة إحدى يديه، ~~والأرضون السبع قبضة اليد الأخرى، يمسك السموات على إصبع والأرضين على ~~إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، ثم يهزهن، ثم ~~يقول: أنا الملك. # فالسماوات السبع في كفه كخردلة في كف العبد، يحيط ولا يحاط به، ويحصر ~~خلقه ولا يحصرونه، ويدركهم ولا يدركونه، لو أن الناس من لدن آدم إلى آخر ~~الخلق قاموا صفا واحدا ما أحاطوا به سبحانه، ثم يشهده في علمه فوق كل عليم، ~~وفي قدرته فوق كل قدير، وفي جوده فوق كل جواد، وفي رحمته فوق كل رحيم، وفي ~~جماله فوق كل جميل، حتى لو كان جمال الخلائق ms197 كلهم على شخص واحد منهم، ثم ~~أعطي الخلق كلهم مثل ذلك الجمال، لكانت نسبته إلى جمال الرب سبحانه دون ~~نسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس. # ولو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم، ثم أعطي كل منهم مثل تلك ~~القوة، لكانت نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى حملة العرش، ~~ولو كان جودهم على رجل واحد، وكل الخلائق على ذلك PageV01P288 ~~الجود، لكانت نسبته إلى جوده دون نسبة قطرة إلى البحر، وكذلك علم الخلائق ~~إذا نسب إلى علمه، كان كنقرة عصفور من البحر، وكذلك سائر صفاته كحياته ~~وسمعه وبصره وإرادته، فلو فرض البحر المحيط بالأرض مدادا، تحيط به سبعة ~~أبحر، وجميع أشجار الأرض شيئا بعد شي ء أقلام، لفني ذلك المداد والأقلام، ~~ولا تفنى كلماته ولا تنفد، فهو أكبر في علمه من كل عالم، وفي قدرته من كل ~~قادر، وفي جوده من كل جواد، وفي غناه من كل غني، وفي علوه من كل عال، وفي ~~رحمته من كل رحيم؛ استوى على عرشه، واستولى على خلقه. # متفرد بتدبير مملكته فلا قبض ولا بسط، ولا منع ولا هدى ولا ضلال ولا ~~سعادة ولا شقاوة ولا موت ولا حياة ولا نفع ولا ضر إلا بيده، لا مالك غيره، ~~ولا مدبر سواه، لا يستقل أحد معه بملك مثقال ذرة في السموات والأرض، ولا له ~~شركة في ملكها، ولا يحتاج إلى وزير ولا ظهير ولا معين، ولا يغيب فيخلفه ~~غيره، ولا يعي فيعينه سواه، ولا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد ~~إذنه لمن شاء وفيمن شاء، فهو أول مشاهد المعرفة، ثم يترقى منه إلى مشهد ~~فوقه، لا يتم إلا به، وهو مشهد الإلهية، فيشهده سبحانه متجليا في كماله ~~بأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وفضله في ثوابه، فيشهد ربا قيوما ~~متكلما آمرا ناهيا، يحب ويبغض ويرضى ويغضب، قد أرسل رسله وأنزل كتبه، وأقام ~~على عباده الحجة البالغة، وأتم عليهم نعمته السابغة، يهدي من يشاء منه نعمة ~~وفضلا، ويضل من يشاء حكمة منه ms198 وعدلا، ينزل إليهم أوامره، وتعرض عليه ~~أعمالهم، لم يخلقهم عبثا، ولم يتركهم سدى، بل أمره جار عليهم في حركاتهم ~~وسكناتهم وظواهرهم وبواطنهم. فلله عليهم حكم وأمر في كل تحريكة وتسكينة ~~ولحظة ولفظة، وينكشف له في هذا النور عدله وحكمته ورحمته ولطفه، وإحسانه، ~~وبره في شرعه وأحكامه. PageV01P289 # وإنها أحكام رب رحيم محسن لطيف حكيم، قد بهرت حكمته العقول، وأقرت بها ~~الفطر، وشهدت لمنزلها بالوحدانية، ولمن جاء بها بالرسالة والنبوة. # وينكشف له في ضوء ذلك النور إثبات صفات الكمال، وتنزيهه سبحانه عن النقص ~~والمثال، وأن كل كمال في الوجود فمعطيه وخالقه أحق به وأولى، وكل نقص وعيب ~~فهو سبحانه منزه متعال عنه. # وينكشف له في ضوء هذا النور حقائق المعاد واليوم الآخر، وما أخبر به ~~الرسول عنه، حتى كأنه يشاهده عيانا، وكأنه يخبر عن الله وأسمائه وصفاته ~~وأمره ونهيه ووعده ووعيده إخبار من كأنه قد رأى وعاين، وشاهد ما أخبر به، ~~فمن أراد سبحانه هدايته شرح صدره لهذا، فاتسع له وانفسخ، ومن أراد ضلالته، ~~جعل صدره من ذلك في ضيق وحرج، لا يجد فيه مسلكا ولا منفذا، والله الموفق ~~المعين. # وهذا الباب يكفي اللبيب في معرفة القدر والحكمة، ويطلعه على العدل ~~والتوحيد الذي تضمنهما قوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) إن الدين عند الله ~~الإسلام (19) [آل عمران]. PageV01P290 ### | AUTO الباب السادس عشر فيما جاء في السنة من تفرد الرب تعالى بخلق ~~أعمال العباد كما هو منفرد بخلق ذواتهم وصفاتهم # قال البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد»: حدثنا علي بن عبد الله، قال: # حدثنا مروان بن معاوية قال: حدثنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» «1». ~~قال البخاري: وتلا بعضهم عند ذلك: والله خلقكم وما تعملون (96) [الصافات]. # حدثنا محمد أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة نحوه موقوفا عليه. # وأما استشهاد بعضهم بقوله تعالى: والله خلقكم ms199 وما تعملون بحمل ما على ~~المصدر، أي: خلقكم وأعمالكم، فالظاهر خلاف هذا، وأنها موصولة، أي: خلقكم ~~وخلق الأصنام التي تعملونها، فهو يدل على خلق أعمالهم من جهة اللزوم، فإن ~~الصنم اسم للآلة التي حل فيها العمل المخصوص، فإذا كان مخلوقا لله كان خلقه ~~متناولا لمادته وصورته. PageV01P291 # قال البخاري: وحدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ~~طاوس، عن ابن عمر: كل شي ء بقدر حتى وضعك يدل على خدك. # قال البخاري: وحدثني إسماعيل قال: حدثني مالك عن زياد بن سعد، عن عمرو بن ~~مسلم، عن طاوس قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: كل شي ء بقدر حتى العجز والكيس. # ورواه مسلم في صحيحه عن طاوس، وقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «كل شي ء خلق بقدر حتى العجز والكيس» «1». # قال البخاري: وقال ليث، عن طاوس، عن ابن عباس: إنا كل شي ء خلقناه بقدر ~~(49) [القمر] حتى العجز والكيس. قال البخاري: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول: ~~سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة. ~~قال البخاري: حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة. # وقال جابر بن عبد الله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ~~الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم ~~بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، ~~وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا ~~أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ~~ومعاشي وعاقبة أمري، فيسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر ~~شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي PageV01P292 ~~الخير حيث كان، ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته» «1». # قال الترمذي «2»: هذا حديث حسن صحيح. # فقوله: إذا هم أحدكم بالأمر، صريح في أنه الفعل الاختياري ms200 المتعلق بإرادة ~~العبد، وإذا علم ذلك، فقوله: أستقدرك بقدرتك، أي: أسألك أن تقدرني على فعله ~~بقدرتك، ومعلوم أنه لم يسأل القدرة المصححة التي هي سلامة الأعضاء وصحة ~~البنية، وإنما سأل القدرة التي توجب الفعل، فعلم أنها مقدورة لله ومخلوقة ~~له، وأكد ذلك بقوله: فإنك تقدر ولا أقدر، أي: # تقدر أن تجعلني قادرا فاعلا، ولا أقدر أن أجعل نفسي كذلك، وكذلك قوله: ~~تعلم ولا أعلم، أي: حقيقة العلم بعواقب الأمور ومآلها، والنافع منها والضار ~~عندك، وليس عندي. وقوله: يسره لي، أو اصرفه عني، فإنه طلب من الله تيسيره ~~إن كان له فيه مصلحة، وصرفه عنه إن كان فيه مفسدة. # وهذا التيسير والصرف متضمن إلقاء داعية الفعل في القلب، أو إلقاء داعية ~~الترك فيه، ومتى حصلت داعية الفعل، حصل الفعل، وداعية الترك امتنع الفعل. # وعند القدرية ترجيح فاعلية العبد على الترك منه، ليس للرب فيه صنع ولا ~~تأثير، فطلب هذا التيسير منه لا معنى له عندهم، فإن تيسير الأسباب التي لا ~~قدرة للعبد عليها موجود، ولم يسأله العبد. # وقوله: ثم رضني به، يدل على أن حصول الرضا، وهو فعل اختياري من أفعال ~~القلوب، أمر مقدور للرب تعالى، وهو الذي يجعل نفسه راضيا. PageV01P293 # وقوله: فاصرفه عني، واصرفني عنه، صريح في أنه سبحانه هو الذي يصرف عبده عن ~~فعله الاختياري، إذا شاء صرفه عنه، كما قال تعالى في حق يوسف الصديق كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء (24) [يوسف] وصرف السوء والفحشاء هو صرف دواعي ~~القلب وميله إليهما، فينصرفان عنه بصرف دواعيهما. # وقوله: واقدر لي الخير حيث كان، يعم الخير المقدور للعبد من طاعته وغير ~~المقدور له، فعلم أن فعل العبد للطاعة والخير أمر مقدور لله، إن لم يقدره ~~الله لعبده، لم يقع من العبد. # ففي هذا الحديث الشفاء في مسألة القدر، وأمر النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم الداعي به أن يقدم بين يدي هذا الدعاء ركعتين عبودية منه بين يدي ~~نجواه، وأن يكونا من غير الفريضة، ليتجرد فعلهما لهذا الغرض المطلوب، ولما ~~كان الفعل ms201 الاختياري متوقفا على العلم والقدرة والإرادة، لا يحصل إلا بها، ~~توسل الداعي إلى الله بعلمه وقدرته وإرادته التي يؤتيه بها من فضله، وأكد ~~هذا المعنى بتجرده وبراءته من ذلك، فقال: إنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا ~~أقدر. وأمر الداعي أن يعلق التيسير بالخير، والصرف بالشر، وهو علم الله ~~سبحانه تحقيقا للتفويض إليه واعترافا بجهل العبد بعواقب الأمور، كما اعترف ~~بعجزه، ففي هذا الدعاء إعطاء العبودية حقها وإعطاء الربوبية حقها، وبالله ~~المستعان. # وفي الترمذي «1» وغيره من حديث الحسن بن علي قال: علمني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني ~~فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما PageV01P294 ~~قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت». # فقوله: اهدني، سؤال للهداية المطلقة التي لا يتخلف عنها الاهتداء. # وعند القدرية: إن الرب، سبحانه وتعالى عن قولهم، لا يقدر على هذه ~~الهداية، وإنما يقدر على هداية البيان والدلالة المشتركة بين المؤمنين ~~والكفار. # وقوله: فيمن هديت، فيه فوائد: # أحدها: أنه سؤال له أن يدخله في جملة المهديين وزمرتهم ورفقتهم. # الثانية: توسل إليه بإحسانه وإنعامه، أي: يا ربي قد هديت من عبادك بشرا ~~كثيرا فضلا منك وإحسانا، فأحسن إلي كما أحسنت إليهم، كما يقول الرجل للملك: ~~اجعلني من جملة من أغنيته وأعطيته وأحسنت إليه. # الثالثة: أن ما حصل لأولئك من الهدى لم يكن منهم ولا بأنفسهم، وإنما كان ~~منك، فأنت الذي هديتهم. # وقوله: وعافني فيمن عافيت، إنما يسأل ربه العافية المطلقة، وهي العافية ~~من الكفر والفسوق والعصيان والغفلة والإعراض وفعل ما لا يحبه وترك ما يحبه، ~~فهذا حقيقة العافية، ولهذا ما سئل الرب شيئا أحب إليه من العافية، لأنها ~~كلمة جامعة للتخلص من الشر كله وأسبابه. # وقوله: وتولني فيمن توليت، سؤال للتولي الكامل، ليس المراد به ما فعله ~~بالكافرين من خلق القدرة وسلامة الآلة وبيان الطريق، فإن كان هذا هو ولايته ~~للمؤمنين، فهو ولي الكفار كما هو ولي المؤمنين، وهو ms202 سبحانه يتولى أولياءه ~~بأمور، لا توجد في حق الكفار، من توفيقهم وإلهامهم وجعلهم PageV01P295 ~~مهديين مطيعين، ويدل عليه قوله: إنه لا يذل من واليت، فإنه منصور عزيز غالب ~~بسبب توليك له، وفي هذا تنبيه على أن من حصل له ذل في الناس، فهو بنقصان ما ~~فاته من تولي الله، وإلا فمع الولاية الكاملة ينتفي الذل كله، ولو سلط عليه ~~بالأذى من في أقطارها، فهو العزيز غير الذليل. # وقوله: وقني شر ما قضيت، يتضمن أن الشر بقضائه فإنه هو الذي يقي منه. # وفي المسند «1» وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: ~~«يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ~~ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». # وهذه أفعال اختيارية، وقد سأل الله أن يعينه على فعلها، وهذا الطلب لا ~~معنى له عند القدرية، فإن الإعانة عندهم الإقدار والتمكين، وإزاحة الأعذار ~~وسلامة الآلة، وهذا حاصل للسائل وللكفار أيضا؛ والإعانة التي سألها أن ~~يجعله ذاكرا شاكرا محسنا لعبادته كما في حديث ابن عباس، عنه صلى الله عليه ~~وسلم في دعائه المشهور: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر ~~لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني ~~لك شكارا، لك ذكارا، لك رهابا، لك مطواعا، لك مخبتا، إليك أواها منيبا، رب ~~تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، ~~واسلل سخيمة صدري» رواه الإمام أحمد في المسند «2»، وفيه أحد وعشرون دليلا، ~~فتأملها. PageV01P296 # وفي الصحيحين «1» أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد انقضاء صلاته: «لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شي ء قدير. ~~اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. ~~وكان يقول ذلك الدعاء عند اعتداله من الركوع». # ففي هذا نفي الشريك عنه بكل اعتبار، وإثبات عموم الملك له بكل اعتبار، ~~وإثبات عموم الحمد، وإثبات ms203 عموم القدرة، وأن الله سبحانه إذا أعطى عبدا فلا ~~مانع له، وإذا منعه، فلا معطي له. # وعند القدرية: إن العبد قد يمنع من أعطى الله، ويعطي من منعه، فإنه يفعل ~~باختياره عطاء ومنعا لم يشأه الله، ولم يجعله معطيا مانعا، فيتصور أن يكون ~~لمن أعطى مانع، ولمن منع معط. # وفي الصحيح أن رجلا سأله أن يدله على عمل، يدخل به الجنة فقال: # «إنه ليسير على من يسره الله عليه» «2». # فدل على أن التيسير الصادر من قبله سبحانه يوجب اليسر في العمل، وعدم ~~التيسير يستلزم عدم العمل، لأنه ملزومه، والملزوم ينتفي لانتفاء لازمه. ~~والتيسير بمعنى التمكين، وخلق الفعل وإزاحة الأعذار وسلامة الأعضاء حاصل ~~للمؤمن والكافر، والتيسير المذكور في الحديث أمر آخر وراء ذلك، وبالله ~~التوفيق والتيسير. # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسى: «ألا أدلك على كنز ~~من كنوز PageV01P297 ~~الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» «1». # وقد أجمع المسلمون على هذه الكلمة وتلقيها بالقبول، وهي شافية كافية في ~~إثبات القدر وإبطال قول القدرية. وفي بعض الحديث: إذا قالها العبد، قال ~~الله: أسلم عبدي واستسلم، وفي بعضه: فوض إلي عبدي. # قال بعض المنتسبين للقدر: لما كانت القدرة بالنسبة إلى الفعل وإلى الترك، ~~بحصول الدواعي، على التسوية، وما دام الأمر كذلك، امتنع صدور الفعل، فإذا ~~رجح جانب الفعل على الترك بحصول الدواعي وإزالة الصوارف، حصل الفعل، وهذه ~~القوة هي المشار إليها بقولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ~~وشأن الكلمة أعظم مما قال، فإن العالم العلوي والسفلي له تحول من حال إلى ~~حال، وذلك التحول لا يقع إلا بقوة يقع بها التحول، فكذلك الحول وتلك القوة ~~قائمة بالله وحده، ليست بالتحويل، فيدخل في هذا كل حركة في العالم العلوي ~~والسفلي، وكل قوة على تلك الحركة، سواء كانت الحركة قسرية أو إرادية أو ~~طبيعية، وسواء كانت من الوسط أو إلى الوسط أو على الوسط، وسواء كانت في ~~الكم أو الكيف أو في الأين، كحركة النبات وحركة الطبيعة وحركة ms204 الحيوان ~~وحركة الفلك وحركة النفس والقلب، والقوة على هذه الحركات التي هي حول، فلا ~~حول ولا قوة إلا بالله، ولما كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى ~~على أكثر الناس، وكان هذا شأن هذه الكلمة، كانت كنزا من كنوز الجنة، ~~فأوتيها النبي صلى الله عليه وسلم، من كنز تحت العرش، وكان قائلها أسلم ~~واستسلم لمن أزمة الأمور بيديه، وفوض أمره إليه. # وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي، قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت: PageV01P298 # في نفسي شي ء من القدر، فحدثني بشي ء، لعل الله يذهبه عني من قلبي، فقال: ~~«إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو ~~رحمهم، لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا، ما قبله ~~الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم ~~يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك، كنت من أهل النار» «1». # قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكل منهم ~~حدثني بمثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وهذا الحديث حديث صحيح رواه الحاكم في «صحيحه»، وله شأن عظيم، وهو دال ~~على أن من تكلم به أعرف الخلق بالله، وأعظمهم له توحيدا، وأكثرهم له ~~تعظيما؛ وفيه الشفاء التام في باب العدل والتوحيد، فإنه لا يزال يجول في ~~نفوس كثير من الناس كيف يجتمع القضاء والقدر والأمر والنهي، وكيف يجتمع ~~العدل والعقاب على المقضي المقدر الذي لا بد للعبد من فعله، ثم سلك كل ~~طائفة في هذا المقام واديا وطريقا، فسلك الجبرية وادي الجبر وطريق المشيئة ~~المحضة الذي يرجع مثلا على مثل، من غير اعتبار علة ولا غاية ولا حكمة، ~~قالوا: وكل ممكن عدل، والظلم هو الممتنع لذاته، فلو عذب أهل سماواته وأهل ~~أرضه، لكان متصرفا في ملكه، والظلم تصرف القادر في غير ملكه، وذلك مستحيل ~~عليه سبحانه. # قالوا: ولما كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة، لم تكن الأعمال سببا ~~للنجاة، ms205 فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم، فكانت رحمته خيرا من PageV01P299 ~~أعمالهم. # وهؤلاء راعوا جانب الملك، وعطلوا جانب الحمد، والله سبحانه له الملك وله الحمد. # وسلكت القدرية وادي العدل والحكمة، ولم يوفوه حقه، وعطلوا جانب التوحيد، ~~وحاروا في هذا الحديث، ولم يدروا ما وجهه، وربما قابله كثير منهم بالتكذيب ~~والرد له، وأن الرسول لم يقل ذلك، قالوا: وأي ظلم يكون أعظم من تعذيب من ~~استنفد أوقات عمره كلها، واستفرغ قواه في طاعته، وفعل ما يحبه، ولم يعصه ~~طرفة عين، وكان يعمل بأمره دائما، فكيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن ~~تعذيب هذا يكون عدلا لا ظلما؟! قالوا: ولا يقال: إن حقه عليهم، وما ينبغي ~~له أعظم من طاعاتهم، فلا تقع تلك الطاعات في مقابلة نعمه وحقوقه، فلو ~~عذبهم، لعذبهم بحقه عليهم، لأنهم إذا فعلوا مقدورهم من طاعته، لم يكلفوا ~~بغيره، فكيف يعذبون على ترك ما لا قدرة لهم عليه، وهل ذلك إلا بمنزلة ~~تعذيبهم على كونهم لم يخلقوا السموات والأرض، ونحو ذلك مما لا يدخل تحت ~~مقدورهم. # قالوا: فلا وجه لهذا الحديث إلا رده، أو تأويله وحمله على معنى يصح، وهو ~~أنه لو أراد تعذيبهم، جعلهم أمة واحدة على الكفر، فلو عذبهم في هذه الحال ~~لكان غير ظالم لهم، وهو لم يقل لو عذبهم مع كونهم مطيعين له عابدين له، ~~لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ثم أخبر أنه لو عمهم بالرحمة لكانت رحمته لهم ~~خيرا من أعمالهم، ثم أخبر أنه لا يقبل من العبد عمل حتى يؤمن بالقدر، ~~والقدر علم الله بالكائنات وحكمه فيها. # ووقفت طائفة أخرى في وادي الحيرة بين القدر والأمر والثواب والعقاب، ~~فتارة يغلب عليهم شهود القدر، فيغيبون به عن الأمر، وتارة يغلب عليهم PageV01P300 ~~شهود الأمر، فيغيبون عن القدر، وتارة يبقون في حيرة وعمى، وهذا كله إنما ~~سببه الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي بنوا عليها، ولو جمعوا بين ~~الملك والحمد والربوبية والإلهية والحكمة والقدرة، وأثبتوا له الكمال ~~المطلق، ووصفوه بالقدرة التامة الشاملة، والمشيئة العامة النافذة التي لا ms206 ~~يوجد كائن إلا بعد وجودها، والحكمة البالغة التي ظهرت في كل موجود، لعلموا ~~حقيقة الأمر، وزالت عنهم الحيرة، ودخلوا إلى الله سبحانه من باب أوسع من ~~السموات السبع، وعرفوا أنه لا يليق بكماله المقدس إلا ما أخبر به عن نفسه ~~على ألسنة رسله، وأن ما خالفه ظنون كاذبة وأوهام باطلة، تولدت بين أفكار ~~باطلة وآراء مظلمة، فنقول، وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله. # الرب تبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره، وهو المنعم، على الحقيقة، ~~بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه، فإيجادهم نعمة منه، وجعلهم ~~أحياء ناطقين نعمة منه، وإعطاؤهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه، ~~وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه، وتعريفهم نفسه ~~بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه، وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته ~~على قلوبهم نعمة منه، وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه، وقيامه بمصالحهم دقيقها ~~وجليلها نعمة منه، وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعايشهم نعمة منه. وذكر ~~نعمه على سبيل التفصيل، لا سبيل إليه ولا قدرة للبشر عليه، ويكفي أن النفس ~~من أدنى نعمه التي لا يكادون يعدونها، وهو أربعة وعشرون ألف نفس في كل يوم ~~وليلة، فلله على العبد في النفس خاصة أربعة وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة، ~~دع ما عدا ذلك من أصناف نعمه على العبد، ولكل نعمة من هذه النعم حق من ~~الشكر، يستدعيه ويقتضيه، فإذا وزعت طاعات العبد كلها على هذه النعم، لم ~~يخرج قسط كل نعمة منها إلا جزء يسير جدا، لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة ~~بوجه من PageV01P301 ~~الوجوه. # قال أنس بن مالك: ينشر للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين، ديوان فيه ذنوبه، ~~وديوان فيه العمل الصالح، فيأمر الله تعالى أصغر نعمة من نعمه، فتقوم ~~فتستوعب عمله كله، ثم تقول: أي رب: وعزتك وجلالك ما استوفيت ثمني، وقد بقيت ~~الذنوب والنعم، فإذا أراد الله بعبد خيرا قال: ابن آدم: ضعفت حسناتك، ~~وتجاوزت عن سيآتك، ووهبت لك نعمي فيما بيني وبينك. # وفي صحيح ms207 الحاكم «1» حديث صاحب الرمانة الذي عبد الله خمس مائة سنة، يأكل ~~كل يوم رمانة، تخرج له من شجرة، ثم يقوم إلى صلاته، فسأل ربه وقت الأجل أن ~~يقبضه ساجدا، وأن لا يجعل للأرض عليه سبيلا حتى يبعث وهو ساجد، فإذا كان ~~يوم القيامة، وقف بين يدي الرب، فيقول تعالى: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، ~~فيقول: رب بل بعملي، فيقول الرب جل جلاله: قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، ~~فتؤخذ نعمة البصر بعبادة خمس مائة سنة، وبقيت نعمة الجسد فضلا عليه، فيقول: ~~أدخلوا عبدي النار، فيجر إلى النار، فينادي: رب برحمتك، رب برحمتك أدخلني ~~الجنة، فيقول: ردوه، فيوقف بين يديه، فيقول: يا عبدي: من خلقك ولم تكن ~~شيئا؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول: من قواك على عبادة خمس مائة سنة؟ # فيقول: أنت يا رب، فيقول: من أنزلك في جبل وسط اللجة، وأخرج لك الماء ~~العذب من الماء المالح، وأخرج لك كل يوم رمانة، وإنما تخرج مرة في السنة؟ ~~وسألتني أن أقبضك ساجدا، ففعلت ذلك بك؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول الله: فذلك ~~برحمتي، وبرحمتي أدخلك الجنة. PageV01P302 # رواه من طريق يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن سليمان بن هرم، عن ~~محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والإسناد ~~صحيح «1»، ومعناه صحيح لا ريب فيه. # فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن ينجو أحد منكم بعمله» ~~وفي لفظ: # «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» «2». # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينجي أحدا عمله من الأولين ولا ~~من الآخرين إلا أن يرحمه ربه سبحانه، فتكون رحمته خيرا له من عمله، لأن ~~رحمته تنجيه، وعمله لا ينجيه، فعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه، ~~لعذبهم ببعض حقه عليهم، ومما يوضحه أنه كلما كملت نعمة الله على العبد، عظم ~~حقه عليه، وكان ما يطالب به من ms208 الشكر أكثر مما يطالب من دونه، فيكون حق ~~الله عليه أعظم، وأعماله لا تفي بحقه عليه، وهذا إنما يعرفه حق المعرفة من ~~عرف الله، وعرف نفسه، هذا كله لو لم يحصل للعبد من الغفلة والإعراض والذنوب ~~ما يكون في قبالة طاعاته، فكيف إذا حصل له من ذلك ما يوازي طاعاته أو يزيد عليها. # فإن من حق الله على عبده أن يعبده، لا يشرك به شيئا، وأن يذكره ولا ~~ينساه، وأن يشكره ولا يكفره، وأن يرضى به ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم رسولا، وليس الرضا بذلك مجرد إطلاق هذا اللفظ، وحاله ~~وإرادته تكذبه PageV01P303 ~~وتخالفه. # فكيف يرضى به ربا من يسخط ما يقضيه له، إذا لم يكن موافقا لإرادته وهواه، ~~فيظل ساخطا به متبرما، يرضى وربه غضبان، ويغضب وربه راض، فهذا إنما رضي من ~~ربه حظا، لم يرض بالله ربا. # وكيف يدعي الرضا بالإسلام دينا من ينبذ أصوله خلف ظهره، إذا خالفت بدعته ~~وهواه، وفروعه وراءه إذا لم يوافق غرضه وشهوته. # وكيف يصح الرضا بمحمد رسولا من «1» لم يحكمه على ظاهره وباطنه، ويتلق ~~أصول دينه وفروعه من مشكاته وحده؟!. # وكيف يرضى به رسولا من يترك ما جاء به لقول غيره، ولا يترك قول غيره ~~لقوله، ولا يحكمه ويحتج بقوله إلا إذا وافق تقليده ومذهبه؟! فإذا خالفه لم ~~يلتفت إلى قوله. # والمقصود أن من حقه سبحانه على كل أحد من عبيده أن يرضى به ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد رسولا، وأن يكون حبه كله لله، وبغضه في الله، وقوله لله، وتركه ~~لله، وأن يذكره ولا ينساه، ويطيعه ولا يعصيه، ويشكره ولا يكفره، وإذا قام ~~بذلك كله كانت نعم الله عليه أكثر من عمله، بل ذلك نفسه من نعم الله عليه ~~حيث وفقه له ويسره وأعانه عليه، وجعله من أهله، واختصه به على غيره، فهو ~~يستدعي شكرا آخر عليه، ولا سبيل له إلى القيام بما يجب لله من الشكر أبدا، ~~فنعم الله تطالبه بالشكر، وأعماله لا تقابلها، وذنوبه وغفلته وتقصيره قد ~~تستنفد ms209 عمله، فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها. PageV01P304 # هذا وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتضى كونه عبدا مملوكا مستعملا فيما يأمره ~~به سيده، فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس له شي ء من ~~أعماله، كما أنه ليس له ذرة من نفسه، فلا هو مالك لنفسه ولا صفاته ولا ~~أعماله ولا لما بيده من المال في الحقيقة، بل كل ذلك مملوك عليه، مستحق ~~عليه لمالكه أعظم استحقاقا من سيد اشترى عبدا بخالص ماله، ثم قال اعمل وأد ~~إلي، فليس لك في نفسك ولا في كسبك شي ء، فلو عمل هذا العبد من الأعمال ما ~~عمل، فإن ذلك كله مستحق عليه لسيده، وحق من حقوقه عليه، فكيف بالمنعم ~~المالك على الحقيقة، الذي لا تعد نعمه وحقوقه على عبده، ولا يمكن أن ~~تقابلها طاعاته بوجه، فلو عذبه سبحانه لعذبه وهو غير ظالم له، وإذا رحمه ~~فرحمته خير له من أعماله، ولا تكون أعماله ثمنا لرحمته البتة. # فلولا فضل الله ورحمته ومغفرته ما هنا أحدا عيش البتة، ولا عرف خالقه، ~~ولا ذكره، ولا آمن به، ولا أطاعه. فكما أن وجود العبد محض وجوده وفضله ~~ومنته عليه، وهو المحمود على إيجاده، فتوابع وجوده كلها كذلك، ليس للعبد ~~منها شي ء، كما ليس له في وجوده شي ء. فالحمد كله لله، والفضل كله له، ~~والإنعام كله له، والحق له على جميع خلقه، ومن لم ينظر في حقه عليه وتقصيره ~~وعجزه عن القيام به، فهو من أجهل الخلق بربه وبنفسه، ولا تنفعه طاعاته، ولا ~~يسمع دعاؤه. # قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن وهب، قال: ~~بلغني أن نبي الله موسى مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، فإني قد ~~رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى ينقطع فؤاده PageV01P305 ~~ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه «1». # والعبد يسير إلى الله سبحانه، بين مشاهدة منته عليه ونعمه وحقوقه، وبين ~~رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته، فهو يعلم أن ربه لو عذبه أشد ms210 العذاب ~~لكان قد عدل فيه، وأن أقضيته كلها عدل فيه، وأن ما فيه من الخير فمجرد فضله ~~ومنته وصدقته عليه، ولهذا كان في حديث سيد الاستغفار: # «أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي» «2» فلا يرى نفسه إلا مقصرا مذنبا، ولا ~~يرى ربه إلا محسنا متفضلا. # وقد قسم الله خلقه إلى قسمين، لا ثالث لهما: تائبين. وظالمين، فقال: # ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) [الحجرات]. # وكذلك جعلهم قسمين: معذبين. وتائبين، فمن لم يتب فهو معذب ولا بد، قال ~~تعالى: ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله ~~على المؤمنين والمؤمنات (73) [الأحزاب] وأمر جميع المؤمنين من أولهم إلى ~~آخرهم بالتوبة، ولا يستثنى من ذلك أحد، وعلق فلاحهم بها، قال تعالى وتوبوا ~~إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31) [النور]. # وعدد سبحانه من جملة نعمه على خير خلقه وأكرمهم عليه، وأطوعهم له وأخشاهم ~~له أن تاب عليه وعلى خواص أتباعه، فقال: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~ثم كرر توبته عليهم فقال: ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم (117) [التوبة] ~~وقدم توبته عليهم على توبة الثلاثة الذين خلفوا، وأخبر سبحانه أن الجنة ~~التي وعدها أهلها، في التوراة والإنجيل، أنها PageV01P306 ~~يدخلها التائبون، فذكر عموم التائبين أولا، ثم خص النبي والمهاجرين ~~والأنصار بها، ثم خص الثلاثة الذين خلفوا، فعلم بذلك احتياج جميع الخلق إلى ~~توبته عليهم ومغفرته لهم وعفوه عنهم. # وقال تعالى لسيد ولد آدم وأحب خلقه إليه: عفا الله عنك (43) [التوبة] ~~فهذا خبر منه، وهو أصدق القائلين، أو دعاء لرسوله بعفوه عنه، وهو طلب من نفسه. # وكان صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده أقرب ما يكون من ربه: «أعوذ برضاك ~~من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك» «1». # وقال لأطوع نساء الأمة وأفضلهن وخيرهن الصديقة بنت الصديق، وقد قالت له: ~~يا رسول الله: لئن وافقت ليلة القدر فما أدعو به؟ ms211 قال: «قولي: # اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» «2» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وهو سبحانه لمحبته للعفو والتوبة، خلق خلقه على صفات وهيئات وأحوال، ~~تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم وطلبهم عفوه ومغفرته. # وقد روى مسلم في صحيحه «3» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ~~فيستغفرون الله، فيغفر لهم». PageV01P307 # والله تعالى يحب التوابين. والتوبة من أحب الطاعات إليه، ويكفي في محبتها ~~شدة فرحه بها، كما في صحيح مسلم «1» عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين ~~يذكرني، والله! لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم، يجد ضالته في الفلاة». # وفي الصحيحين «2» من حديث عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة، معه ~~راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام، فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه ~~العطش، ثم قال: أرجع إلى المكان الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه ~~على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله ~~أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده». # وفي صحيح مسلم «3» عن النعمان بن بشير، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير. ثم ~~سار حتى كان بفلاة، فأدركته القائلة، فنزل فقال «4» تحت شجرة، فغلبته عينه، ~~وانسل بعيره، فاستيقظ فسعى شرفا فلم ير شيئا، ثم سعى شرفا ثانيا، ثم سعى ~~شرفا ثالثا فلم ير شيئا، فأقبل حتى أتى إلى مكانه الذي قال فيه، فبينا هو ~~قاعد فيه إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده، فالله أشد فرحا بتوبة ~~العبد من هذا حين وجد بعيره». # فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات وأساسها، فإن PageV01P308 ~~من زعم أن أحدا من الناس يستغني عنها، ولا حاجة ms212 به إليها، فقد جهل حق ~~الربوبية ومرتبة العبودية، وينتقص بمن أغناه، بزعمه، عن التوبة، من حيث زعم ~~أنه معظم له، إذ عطله عن هذه الطاعة العظيمة التي هي من أجل الطاعات، ~~والقربة الشريفة التي هي من أجل القربات، وقال: لست من أهل هذه الطاعة، ولا ~~حاجة بك إليها. فلا قدر الله حق قدره، ولا قدر العبد حق قدره، وقد جعل بعض ~~عباده غنيا عن مغفرة الله وعفوه وتوبته إليه، وزعم أنه لا يحتاج إلى ربه في ذلك. # وفي الصحيحين «1» من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب عن أحدكم، من رجل كان على راحلته، ~~بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، ~~فاضطجع وقد يئس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، ثم قال من ~~شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح». # وأكمل الخلق أكملهم توبة وأكثرهم استغفارا. # وفي صحيح البخاري «2» عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». # ولما سمع أبو هريرة هذا من النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ما رواه ~~الإمام أحمد في «كتاب الزهد» عنه: إني لأستغفر الله في اليوم والليلة اثني ~~عشر ألف مرة بقدر ديتي، ثم ساقه من طريق آخر، وقال: بقدر ذنبه. PageV01P309 # وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون: قال: أخبرنا محمد بن ~~راشد، عن مكحول، عن رجل، عن أبي هريرة قال: ما جلست إلى أحد أكثر استغفارا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الرجل الآخر: وما جلست إلى أحد أكثر ~~استغفارا من أبي هريرة» «1». # وفي صحيح مسلم «2» عن الأغر المزني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» «3». # وفي السنن والمسند من حديث ابن عمر قال: «كنا ms213 نعد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب ~~الرحيم» «4» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وقال الإمام أحمد «5»: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا يونس عن حميد بن هلال، ~~عن أبي بردة قال: جلست إلى شيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مسجد الكوفة، فحدثني قال: سمعت رسول الله، أو قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «يا أيها الناس: توبوا إلى الله عز وجل، واستغفروه، فإني أتوب ~~إلى الله، واستغفره كل يوم مائة مرة». # قال الإمام أحمد «6»: وحدثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدثنا عمرو بن PageV01P310 ~~مرة، قال: سمعت أبا بردة قال: سمعت الأغر يحدث ابن عمر، أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم عز وجل، فإني أتوب ~~إليه في اليوم مائة مرة». # وقال أحمد «1»: حدثنا يزيد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن ~~أبي عثمان النهدي، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا». # وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في أول الصلاة، عند الاستفتاح بعد ~~التكبير: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي، ~~إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا ~~أنت، لبيك وسعديك والخير في يديك، وأنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك ~~وأتوب إليك» رواه مسلم «2». # وفي الصحيحين «3» عنه أنه كان يقول في دعائه: «اللهم باعد بيني وبين ~~خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي بالماء والثلج ~~والبرد» وكان يقول هذا سرا، لم يعلم به من خلفه حتى سأله عنه أبو هريرة. # وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان إذا استفتح الصلاة قال: «لا إله إلا أنت ~~ظلمت نفسي وعملت سوء، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا PageV01P311 ~~أنت» «1». # وفي الصحيحين «2» أنه كان يقول في ركوعه ms214 وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك، اللهم اغفر لي». # وفي صحيح مسلم «3» من حديث عبد الله بن أبي أوفى، أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ~~مل ء السموات ومل ء الأرض ومل ء ما شئت من شي ء بعد، اللهم طهرني بالثلج ~~والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقي الثوب ~~الأبيض من الوسخ». # وفي صحيح مسلم «4» من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله أوله وآخره، علانيته ~~وسره» «5». # وفي مسند الإمام أحمد «6» أنه كان يقول في صلاته: «اللهم اغفر لي، ووسع ~~علي في داري، وبارك لي فيما رزقتني». # وفي صحيح مسلم «7» عن فروة بن نوفل قال: قلت لعائشة: حدثيني بشي ء كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في صلاته، قالت: نعم كان يقول: ~~«اللهم إني PageV01P312 ~~أعوذ بك من شر ما علمت ومن شر ما لم أعلم» «1». # وكان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني. ~~وكان يقول في قيامه إلى الصلاة بالليل: اللهم لك الحمد، الحديث، وفيه: ~~فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به ~~مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» «2». # وفي الصحيحين «3» عن أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت ~~أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شي ء قدير». # وحقيقة الأمر أن العبد فقير إلى الله، من كل وجه وبكل اعتبار، فهو فقير ~~إليه من جهة ربوبيته له وإحسانه إليه وقيامه بمصالحه وتدبيره له، وفقير ~~إليه من جهة إلهيته وكونه معبوده وإلهه ومحبوبه الأعظم الذي لا صلاح له ولا ~~فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شي ء إليه، فيكون أحب ms215 إليه من ~~نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم، وفقير إليه من جهة معافاته ~~له من أنواع البلاء، فإنه إن لم يعافه منها هلك ببعضها، وفقير إليه من جهة ~~عفوه عنه ومغفرته له، فإن لم يعف عن العبد ويغفر له، فلا سبيل إلى النجاة، ~~فما نجا أحد إلا بعفو الله، ولا دخل الجنة إلا برحمة الله. # وكثير من الناس ينظر إلى نفس ما يتاب منه، فيراه نقصا، ولا ينظر إلى كمال ~~الغاية الحاصلة بالتوبة، وأن العبد بعد التوبة النصوح خير منه قبل PageV01P313 ~~الذنب، ولا ينظر إلى كمال الربوبية وتفرد الرب بالكمال وحده، وأن لوازم ~~البشرية لا ينفك منها البشر، وأن التوبة غاية كل أحد من ولد آدم وكماله، ~~كما كانت هي غايته وكماله، فليس للعبد كمال بدون التوبة البتة، كما أنه ليس ~~له انفكاك عن سببها، فإنه سبحانه هو المتفرد المستأثر بالغنى والحمد من كل ~~وجه وبكل اعتبار، والعبد هو الفقير المحتاج إليه المضطر إليه بكل وجه وبكل ~~اعتبار، فرحمته للعبد خير له من عمله، فإن عمله لا يستقل بنجاته ولا ~~سعادته، ولو وكل إلى عمله لم ينج به البتة، فهذا بعض ما يتعلق بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ~~ظالم لهم» «1». # ومما يوضحه أن شكره سبحانه مستحق عليهم بجهة ربوبيته لهم، وكونهم عبيده ~~ومماليكه، وذلك يوجب عليهم أن يعرفوه ويعظموه ويوحدوه، ويتقربوا إليه تقرب ~~العبد المحب الذي يتقلب في نعمه، ولا غناء به عنه طرفة عين، فهو يدأب في ~~التقرب إليه بجهده، ويستفرغ في ذلك وسعه وطاقته، ولا يعدل به سواه في شي ء ~~من الأشياء، ويؤثر رضا سيده على إرادته وهواه، بل لا هوى له ولا إرادة إلا ~~فيما يريد سيده ويحبه، وهذا يستلزم علوما وأعمالا وإرادات وعزائم، لا ~~يعارضها غيرها، ولا يبقى له معها التفات إلى غيره بوجه، ومعلوم أن ما يطبع ~~عليه البشر لا يفي بذلك، وما يستحقه الرب تعالى لذاته، وأنه أهل أن يعبد ms216 ~~أعظم مما يستحقه لإحسانه، فهو المستحق لنهاية العبادة والخضوع والذل لذاته ~~ولإحسانه وإنعامه. # وفي بعض الآثار: لو لم أخلق جنة ولا نارا، لكنت أهلا أن أعبد. ولهذا PageV01P314 ~~يقول أعبد خلقه له يوم القيامة، وهم الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ~~فمن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يعبد به، ~~ويستحقه لذاته وإحسانه، فلا نسبة للواقع منهم إلى ما يستحقه، بوجه من ~~الوجوه، فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه، وهو سبحانه أعلم بعباده منهم بأنفسهم، ~~فلو عذبهم لعذبهم بما يعلمه منهم، وإن لم يحيطوا به علما، ولو عذبهم قبل أن ~~يرسل رسله إليهم على أعمالهم، لم يكن ظالما لهم، كما أنه سبحانه لم يظلمهم ~~بمقته لهم قبل إرسال رسوله، على كفرهم وشركهم وقبائحهم، فإنه سبحانه نظر ~~إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب «1»، ولكن ~~أوجب على نفسه إذ كتب عليها الرحمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة ~~عليه برسالته. # وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره وعلى قدر نعمه، ولا يقوم ~~بذلك أحد، كان حقه سبحانه على كل أحد، وله المطالبة به، وإن لم يغفر له ~~ويرحمه، وإلا عذبه، فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه كحاجتهم إلى حفظه ~~وكلاءته ورزقه، فإن لم يحفظهم هلكوا، وإن لم يرزقهم هلكوا، وإن لم يغفر لهم ~~ويرحمهم هلكوا وخسروا، ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء: ربنا ظلمنا أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) [الأعراف] وهذا شأن ولده ~~من بعده. # وقد قال موسى كليمه سبحانه: رب إني ظلمت نفسي (44) [النمل] وقال: # سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) [الأعراف] وقال: رب اغفر لي ~~ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) [الأعراف] وقال: PageV01P315 # أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين (155) [الأعراف]. # وقال خليله إبراهيم: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ~~(40) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) [إبراهيم] وقال ~~الذي خلقني فهو يهدين (78) إلى قوله: والذي أطمع أن ms217 يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين (82) [الشعراء] وقال أول رسله إلى أهل الأرض: رب إني أعوذ بك أن ~~أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) [هود]. # وقال لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ~~(19) [محمد] وقال: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق (105) - إلى قوله- واستغفر ~~الله إن الله كان غفورا رحيما (106) [النساء] وقال: إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما (2) [الفتح]. # وقد تقدم حديث ابن عباس في دعائه صلى الله عليه وسلم: «رب أعني ولا تعن ~~علي» وفيه: رب تقبل توبتي واغسل حوبتي» «1» الحديث. # وقد أخبر سبحانه عن أعبد البشر داود، أنه استغفر ربه وخر راكعا وأناب، ~~وقال تعالى: فغفرنا له ذلك (25) [ص] وقال عن نبيه سليمان: ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) [ص] وقال عن نبيه يونس أنه ناداه في ~~الظلمات: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) [الأنبياء]. # وقال صديق الأمة وخيرها وأبرها وأتقاها لله بعد رسوله: يا رسول الله PageV01P316 ~~علمني دعاء، أدعو به في صلاتي، فقال: قل: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا ~~ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور ~~الرحيم» «1». # فاستفتح الخبر عن نفسه بأداة التوكيد التي تقتضي تقرير ما بعدها، ثم ثنى ~~بالإخبار عن ظلمه لنفسه، ثم وصف ذلك الظلم بكونه ظلما كبيرا، ثم طلب من ربه ~~أن يغفر له مغفرة من عنده، أي: لا يبلغها علمه ولا سعيه، بل هي محض منته ~~وإحسانه، وأكبر من عمله، فإذا كان هذا شأن من وزن بالأمة فرجح بهم، فكيف ~~بمن دونه؟!. PageV01P317 ### | AUTO الباب السابع عشر في الكسب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا ~~وإطلاقهما نفيا وإثباتا وما دل عليه السمع والعقل من ذلك # أما الكسب فأصله في اللغة الجمع، قاله الجوهري، وهو طلب الرزق. ms218 # يقال: كسبت شيئا، واكتسبته، بمعنى. وكسبت أهلي خيرا، وكسبت الرجل مالا، ~~فكسبه، وهذا مما جاء على فعلته ففعل. والكواسب الجوارح، وتكسب: تكلف الكسب، انتهى. # والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه: # أحدها: عقد القلب وعزمه، كقوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم (225) [البقرة] أي: بما عزمتم عليه وقصدتموه. # وقال الزجاج: أي: يؤاخذكم بعزمكم على أن لا تبروا، وأن لا تتقوا وأن ~~تعتلوا في ذلك بأنكم حلفتم، وكأنه التفت إلى لفظ المؤاخذة، وأنها تقتضي ~~تعذيبا، فجعل كسب قلوبهم عزمهم على ترك البر والتقوى، لمكان اليمين، والقول ~~الأول أصح، وهو قول جمهور أهل التفسير، فإنه قابل به لغو اليمين، وهو أن لا ~~يقصد اليمين، فكسب القلب المقابل للغو اليمين هو عقده وعزمه، كما قال في ~~الآية الأخرى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان (89) [المائدة] فتعقيد ~~الأيمان هو كسب القلب. PageV01P319 # الوجه الثاني: من الكسب كسب المال من التجارة، قال تعالى: يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض (267) [البقرة] ~~فالأول للتجار، والثاني للزراع. # الوجه الثالث: من الكسب السعي والعمل، كقوله تعالى: لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت (286) [البقرة] وقوله: بما كنتم ~~تكسبون (39) [الأعراف] وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت (70) [الأنعام] فهذا ~~كله للعمل، واختلف الناس في الكسب والاكتساب، هل هما بمعنى واحد أم بينهما ~~فرق، فقالت طائفة: معناهما واحد. قال أبو الحسن علي بن أحمد، وهو الصحيح ~~عند أهل اللغة، ولا فرق بينهما، قال ذو الرمة: # ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب وقال الآخرون: الاكتساب أخص من الكسب، لأن ~~الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، ولا يقال: يكتسب، قال الحطيئة: # ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر هداك مليك الناس يا عمر # قلت: والاكتساب افتعال، وهو يستدعي اهتماما وتعملا واجتهادا، وأما الكسب ~~فيصح نسبته بأدنى شي ء، ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أدنى سعي، وفي ~~جانب العدل لم يجعل عليها إلا ما لها ms219 فيه اجتهاد واهتمام، وأما الجبر فيرجع ~~في اللغة إلى ثلاثة أصول، أحدها: أن يغنى الرجل من فقر، أو يجبر عظمه من ~~كسر، وهذا من الإصلاح، وهذا الأصل يستعمل لازما ومتعديا، يقول: جبرت العظم، ~~وجبر، وقد جمع العجاج بينهما في قوله: # قد جبر الدين الإله فجبر PageV01P320 ~~الأصل الثاني: الإكراه والقهر، وأكثر ما يستعمل هذا على أفعل، يقال: أجبرته ~~على كذا، إذا أكرهته عليه، ولا يكاد يجي ء: جبرته عليه إلا قليلا. # والأصل الثالث: من العز والامتناع، ومنه: نخلة جبارة. قال الجوهري: # والجبار من النخل ما طال وفات اليد، قال الأعشى: # طريق وجبار رواء أصوله ... عليه أبابيل من الطير تنعب # وقال الأخفش في قوله تعالى: إن فيها قوما جبارين (22) [المائدة]، قال: # أراد الطول والقوة والعظم، ذهب في هذا إلى الجبار من النخل، وهو الطويل ~~الذي فات الأيدي. ويقال: رجل جبار، إذا كان طويلا عظيما قويا، تشبيها ~~بالجبار من النخل. # قال قتادة: كانت لهم أجسام وخلق عجيبة، ليست لغيرهم. وقيل: الجبار هاهنا ~~من جبره على الأمر، إذا أكرهه عليه. قال الأزهري: وهي لغة معروفة، وكثير من ~~الحجازيين يقولونها. وكان الشافعي رحمه الله يقول: جبره السلطان، ويجوز أن ~~يكون الجبار من أجبره على الأمر، إذا أكرهه. قال الفراء: لم أسمع فعالا من ~~أفعل إلا في حرفين، وهما جبار من أجبر، ودراك من أدرك، وهذا اختيار الزجاج، ~~قال: الجبار من الناس: العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد. # وأما الجبار من أسماء الرب تعالى، فقد فسره بأنه الذي يجبر الكسير، ويغني ~~الفقير، والرب سبحانه كذلك، ولكن ليس هذا معنى اسمه الجبار، ولهذا قرنه ~~باسمه المتكبر، وإنما هو الجبروت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: PageV01P321 # سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة «1»، فالجبار اسم من أسماء ~~التعظيم، كالمتكبر والملك والعظيم والقهار. # قال ابن عباس، في قوله تعالى الجبار المتكبر: هو العظيم. وجبروت الله: ~~عظمته، والجبار من أسماء الملوك، والجبر الملك، والجبابرة الملوك. # قال الشاعر: # وأنعم صباحا أيها الجبر # أي: أيها الملك. # وقال السدي: هو الذي يجبر ms220 الناس، ويقهرهم على ما يريد، وعلى هذا فالجبار ~~معناه القهار، وقال محمد بن كعب: إنما سمي الجبار لأنه جبر الخلق على ما ~~أراد، والخلق أدق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بمشيئته. # قال الزجاج: الجبار الذي جبر الخلق على ما أراد. # وقال ابن الأنباري: الجبار في صفة الرب سبحانه الذي لا ينال، ومنه قولهم: ~~نخلة جبارة إذا فاتت يد المتناول. # فالجبار في صفة الرب سبحانه ترجع إلى ثلاثة معان: الملك، والقهر، والعلو. ~~فإن النخلة إذا طالت وارتفعت وفاتت الأيدي، سميت جبارة. ولهذا جعل سبحانه ~~اسمه الجبار مقرونا بالعزيز والمتكبر، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة ~~تضمن الاسمين الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة وهي الخالق البارئ المصور، ~~فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم PageV01P322 ~~العزيز، كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق، فالجبار من أوصافه، ~~يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك، ولهذا كان من أسمائه الحسنى، وأما ~~المخلوق فاتصافه بالجبار ذم له ونقص، كما قال تعالى: # كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) [غافر] وقال تعالى لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم: وما أنت عليهم بجبار (45) [ق] أي: مسلط تقهرهم وتكرههم على ~~الإيمان، وفي الترمذي وغيره: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يحشر الجبارون ~~والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس» «1». # فصل # إذا عرف هذا، فلفظ الكسب تطلقه القدرية على معنى، والجبرية على معنى، ~~وأهل السنة والحديث على معنى، فكسب القدرية هو وقوع الفعل عندهم بإيجاد ~~العبد وإحداثه ومشيئته، من غير أن يكون الله شاءه أو أوجده. # وكسب الجبرية لفظ لا معنى له ولا حاصل تحته، وقد اختلفت عباراتهم فيه، ~~وضربوا له الأمثال، وأطالوا فيه المقال، فقال القاضي: الكسب ما وجدوا عليه ~~قدرة محدثة. وقيل: إنه المتعلق بالقادر على غير جهة الحدوث. وقيل: إنه ~~المقدور بالقدرة الحادثة، قالوا: ولسنا نريد بقولنا: ما وجدوا عليه قدرة ~~محدثة، أنها قدرة على وجوده، فإن القادر على وجوده هو الله وحده، وإنما ~~نعني بذلك أن للكسب تعلقا بالقدرة الحادثة، لا من باب الحدوث ms221 والوجود. PageV01P323 # وقال الأسفرائيني: حقيقة الخلق من الخالق، وقوعه بقدرته من حيث صح انفراده ~~به، وحقيقة الفعل وقوعه بقدرته، وحقيقة الكسب من المكتسب، وقوعه بقدرته مع ~~انفراده به، ويختص القديم تعالى بالخلق، ويشترك القديم والمحدث في الفعل، ~~ويختص المحدث بالكسب. # قلت: مراده أن إطلاق لفظ الخلق لا يجوز إلا على الله وحده، وإطلاق لفظ ~~الكسب يختص بالمحدث، وإطلاق لفظ الفعل يصح على الرب سبحانه والعبد. # وقال أيضا: كل فعل يقع على التعاون كان كسبا من المستعين. # قلت: يريد أن الخالق يستقل بالخلق والإيجاد، والكاسب إنما يقع منه الفعل ~~على جهة المعاونة والمشاركة منه ومن غيره، لا يمكنه أن يستقل بإيجاد شي ء البتة. # وقال آخرون: قدرة المكتسب تتعلق بمقدوره على وجه ما، وقدرة الخالق تتعلق ~~به من جميع الوجوه. # قالوا: وليس كون الفعل كسبا من حقائقه التي تخصه، بل هو معنى طرأ عليه، ~~كما يقول منازعونا من المعتزلة: إن هذه الحركة لطف، وهذا الفعل لطف، وصيغة ~~أفعل تصير أمرا بالإرادة، لأنها حدثت بالإرادة، واعتقاد الشي ء على ما هو ~~به يصير علما بسكون النفس إليه، لا أنه يحدث كذلك به. # والأشياء قد تقترن في الوجود، فتتغير أوصافها وأحكامها. # قالوا: فالحركة إذا صادفت المتحرك بها على وجه مخصوص، تسمى سباحة مثلا، ~~ولطما ومشيا ورقصا. # وقال الأشعري وابن الباقلاني: الواقع بالقدرة الحادثة هو كون الفعل كسبا PageV01P324 ~~دون كونه موجودا أو محدثا، فكونه كسبا وصف للوجود بمثابة كونه معلوما. # ولخص بعض متأخريهم هذه العبارات بأن قال: الكسب عبارة عن الاقتران العادي ~~بين القدرة المحدثة والفعل، فإن الله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل، عند ~~قدرة العبد وإرادته، لا بهما، فهذا الاقتران هو الكسب. # ولهذا قال كثير من العقلاء: إن هذا من محالات الكلام، وإنه شقيق أحوال ~~أبي هاشم «1» وطفرة النظام «2»، والمعنى القائم بالنفس الذي يسميه القائلون ~~به كلاما، وشي ء من ذلك غير معقول ولا متصور، والذي استقر عليه قول الأشعري ~~أن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها، ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته، ms222 ~~بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة، ولا تأثير للقدرة الحادثة ~~فيه، وتابعه على ذلك عامة أصحابه، والقاضي أبو بكر يوافقه مرة، ومرة يقول: ~~القدرة الحادثة لا تؤثر في إثبات الذات وإحداثها، ولكنها تقتضي صفة للمقدور ~~زائدة على ذاته، تكون حالا له، ثم تارة يقول: # تلك الصفة التي هي من أثر القدرة الحادثة مقدورة لله تعالى، ولم يمتنع من ~~إثبات هذا المقدور بين قادرين على هذا الوجه، وقد اضطربت آراء أتباع ~~الأشعري في الكسب اضطرابا عظيما، واختلفت عباراتهم فيه اختلافا كثيرا. # وقد ذكره كله أبو القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري في «شرح الإرشاد» PageV01P325 ~~وذكر اختلاف طرائقهم واضطرابهم فيه، ثم قال: وقد قال الأستاذ في «المختصر»: ~~قول أهل الحق في الكسب لا يرجع إلى إثبات قدرة للعبد عليه، كما يقال أنه ~~معلوم له، إلا أن الإمام ادعى على الأستاذ أنه أثبت للقدرة الحادثة أثرا في ~~الحدوث، فإنه لما نفى الأحوال، وأثبت للقدرة الحادثة أثرا، فلا يعقل الجمع ~~بينهما إلا أن يكون الأثر في الحدوث، ثم ذكر لنفسه مذهبا، ذكره في الكتاب ~~المترجم بالنظامية، وانفرد به عن الأصحاب، وهو قريب من مذهب المعتزلة، ~~والخلاف بينه وبينهم فيه في الاسم، قال: # وهذه العقدة التي تورط الأصحاب فيها في الكسب شبيهة بالعقدة التي وقعت ~~بين الأئمة في القراءة والمقروء، قال: وما ذكره الإمام في النظامية له وجه ~~غير أنه مما انفرد بإطلاقه، ولكل ناظر نظرة، والله يرحمنا وإياه. # قلت: الذي قاله الإمام في النظامية أقرب إلى الحق مما قاله الأشعري وابن ~~الباقلاني ومن تابعهما، ونحن نذكر كلامه بلفظه قال: قد تقرر عند كل حاظ ~~بعقله مترق عن مراتب التقليد في قواعد التوحيد أن الرب سبحانه يطالب عباده ~~بأعمالهم في حياتهم ودواعيهم إليها، ومثيبهم ومعاقبهم عليها في مآلهم، ~~وتبين بالنصوص التي لا تتعرض للتأويلات أنه أقدرهم على الوفاء بما طالبهم ~~به، ومكنهم من التوصل إلى امتثال الأمر والانكفاف عن مواقع الزجر، ولو ذهبت ~~أتلو الآي المتضمنة لهذه المعاني لطال المرام، ولا حاجة إلى ذلك مع ms223 قطع ~~اللبيب المنصف به، ومن نظر في كليات الشرائع وما فيها من الاستحثاث ~~والزواجر عن الفواحش الموبقات وما نيط ببعضها من الحدود والعقوبات، ثم تلفت ~~على الوعد والوعيد وما يجب عقده من تصديق المرسلين في الأنباء عما يتوجه ~~على المردة العتاة من الحساب والعقاب وسوء المنقلب والمآب، وقول الله لهم: ~~لم تعديتم وعصيتم وأبيتم، وقد أرخيت لكم الطول، وفسحت لكم المهل، وأرسلت ~~الرسل، وأوضحت المحجة لئلا يكون للناس علي حجة، وأحاط بذلك كله، ثم PageV01P326 ~~استراب في أن أفعال العباد واقعة على حسب إيثارهم واختيارهم واقتدارهم، فهو ~~مصاب في عقله أو مستقر على تقليده، مصمم على جهله، ففي المصير إليه أنه لا ~~أثر لقدرة العبد في فعله قطع طلبات الشرائع، والتكذيب بما جاء به المرسلون. # فإن زعم من لم يوفق لمنهج الرشاد أنه لا أثر لقدرة العبد في مقدوره أصلا، ~~وإذا طولب بمتعلق طلب الله بفعل العبد تحريما وفرضا، ذهب في الجواب طولا ~~وعرضا، وقال: لله أن يفعل ما يشاء، ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون، لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون، قيل له: ليس لما جئت به حاصل، كلمة حق أريد بها ~~باطل، نعم يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولكن يتقدس عن الخلف ونقيض ~~الصدق، وقد فهمنا بضرورات المعقول من الشرع المنقول أنه، عزت قدرته، طالب ~~عباده بما أخبر أنهم ممكنون من الوفاء به، فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة ~~والوسع في موارد الشرع، ومن زعم أنه لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها، كما ~~لا أثر للعلم في معلومه، فوجه مطالبة العبد بأفعاله عنده كوجه مطالبته بأن ~~يثبت في نفسه ألوانا، وإدراكات، وهذا خروج عن حد الاعتدال إلى التزام ~~الباطل والمحال، وفيه إبطال الشرع ورد ما جاء به النبيون، فإذا لزم المصير ~~بأن القدرة الحادثة تؤثر في مقدورها، واستحال إطلاق القول بأن العبد خالق ~~أعماله، فإن فيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة، واقتحام ورطات الضلال، ولا ~~سبيل إلى المصير إلى وقوع فعل العبد بقدرته الحادثة والقدرة القديمة، فإن ms224 ~~الفعل الواحد يستحيل حدوثه بقادرين، إذ الواحد لا ينقسم، فإن وقع بقدرة ~~الله استقل بها، وأسقط أثر القدرة الحادثة، ويستحيل أن يقع بعضه بقدرة الله ~~تعالى، فإن الفعل الواحد لا بعض له. # وهذه مهواة لا يسلم من غوائلها إلا مرشد موفق، إذ المرء بين أن يدعي PageV01P327 ~~الاستبداد، وبين أن يخرج نفسه عن كونه مطالبا بالشرائع، وفيه إبطال دعوة ~~المرسلين، وبين أن يثبت نفسه شريكا لله في إيجاد الفعل الواحد، وهذه ~~الأقسام بجملتها باطلة، ولا ينجي من هذه الملتطم ذكر اسم محض ولقب مجرد، من ~~غير تحصيل معنى، وذلك أن قائلا لو قال: العبد يكتسب، وأثر قدرته الاكتساب، ~~والرب سبحانه خالق لما العبد مكتسب له، قيل: فما الكسب، وما معناه؟ وأديرت ~~الأقسام المتقدمة على هذا القائل، فلا يجد عنه مهربا، ثم قال: فنقول: قدرة ~~العبد مخلوقة لله تعالى باتفاق القائلين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة ~~الحادثة واقع بها قطعا، ولكنه يضاف إلى الله سبحانه تقديرا وخلقا، فإنه وقع ~~بفعل الله وهو القدرة فعلا للعبد، وإنما هي صفته، وهي ملك لله وخلق له، ~~فإذا كان موقع الفعل خلقا لله، فالواقع به مضاف خلقا إلى الله تعالى ~~وتقديرا، وقد ملك الله تعالى العبد اختيارا، يصرف به القدرة، فإذا أوقع ~~بالقدرة شيئا، آل الواقع إلى حكم الله من حيث أنه وقع بفعل الله، ولو اهتدت ~~إلى هذا الفرقة الضالة، لم يكن بيننا وبينهم خلاف، ولكنهم ادعوا استبدادا ~~بالاختراع وانفرادا بالخلق والابتداع، فضلوا وأضلوا. # وتبين تميزنا عنهم بتفريع المذهبين، فإنا لما أضفنا فعل العبد إلى تقدير ~~الإله سبحانه، قلنا: أحدث الله تعالى القدرة في العبد على أقدار، أحاط بها ~~علمه، وهيأ أسباب الفعل، وسلب العبد العلم بالتفاصيل، وأراد من العبد أن ~~يفعل، فأحدث فيه دواعي مستحثة وخيرة وإرادة، وعلم أن الأفعال ستقع على قدر ~~معلوم، فوقعت بالقدرة التي اخترعها العبد على ما علم، وأراد، فاختيارهم ~~واتصافهم بالاقتداء والقدرة خلق الله ابتداء، ومقدورها مضاف إليه مشيئة ~~وعلما وقضاء وخلقا من حيث إنه نتيجة ما انفرد بخلقه، وهو ms225 القدرة، ولو لم ~~يرد وقوع مقدورها لما أقدره عليه، ولما هيأ أسباب وقوعه، ومن هدي لهذا ~~استمر له الحق المبين، فالعبد فاعل مختار مطالب مأمور منهي، PageV01P328 ~~وفعله تقدير لله من أدلة خلق مقضي. # ونحن نضرب في ذلك مثلا شرعيا، يستروح إليه الناظر في ذلك، فنقول: # العبد لا يملك أن يتصرف في مال سيده، ولو استبد بالتصرف فيه، لم ينفذ ~~تصرفه، فإذا أذن له في بيع ماله، فباعه، نفذ، والبيع في التحقيق معزو إلى ~~السيد من حيث إن سببه إذنه، ولو لا إذنه لم ينفذ التصرف، ولكن العبد يؤمر ~~بالتصرف، وينهى، ويوبخ على المخالفة ويعاقب، فهذا والله الحق الذي لا غطاء ~~دونه، ولا مراء فيه لمن وعاه حق وعيه. # وأما الفرقة الضالة فإنهم اعتقدوا انفراد العبد بالخلق، ثم صاروا إلى أنه ~~إذا عصى، فقد انفرد بخلق فعله، والرب كاره له، فكان العبد على هذا الرأي ~~الفاسد مزاحما لربه في التدبير، موقعا ما أراد إيقاعه، شاء الرب أو كره. # فإن قيل: على ما ذا تحملون آيات الطبع والختم والإضلال في القرآن، وهي ~~متضمنة اضطرار الرب سبحانه للأشقياء إلى ضلالتهم؟. # قلنا: إذا أباح الله حل هذا الإشكال، والجواب عن هذا السؤال، لم يبق على ~~ذوي البصائر بعده غموض، فنقول: أولا من أنبأ الله سبحانه عن الطبع على ~~قلوبهم، كانوا مخاطبين بالإيمان، مطالبين بالإسلام والتزام الأحكام مطالبة ~~تكليف ودعاء، مع وصفهم بالتمكن والاقتدار والإيثار، كما سبق تقريره، ومن ~~اعتقد أنهم كانوا ممنوعين مأمورين مصدودين قهرا، مدعوين، فالتكليف عنده إذا ~~بمثابة ما لو شد من الرجل يداه ورجلاه رباطا، وألقي في البحر، ثم قيل له: ~~لا تبتل، وهذا أمر لا يحمل شرائع الرسل عليه إلا عائب بنفسه مجترئ على ربه، ~~ولا فرق عند هذا القائل بين أمر التسخير والتكوين في قوله: كونوا قردة ~~خاسئين (166) [الأعراف] وقوله: إنما أمره إذا أراد PageV01P329 ~~شيئا أن يقول له كن فيكون (82) [يس] وبين أمر التكليف، فإذا بطل ذلك، ~~فالوجه في الكلام على هذه الآي، وقد غوى في حقائقها أكثر الفرق، ms226 أن يقول: ~~إذا أراد الله بعبد خيرا أكمل عقله، وأتم بصيرته، ثم صرف عنه العوائق ~~والدوافع، وأزاح عنه الموانع، ووفق له قرناء الخير، وسهل له سبله، وقطع عنه ~~الملهيات وأسباب الغفلات، وقيض له ما يقر به إلى القربات، فيوافيها، ثم ~~يعتادها ويمرن عليها. # وإذا أراد الله بعبده شرا، قدر له ما يبعده عن الخير، ويقصيه، وهيأ له ~~أسباب تماديه في الغي، وحبب إليه التشوف إلى الشهوات، وعرضه للآفات، وكلما ~~غلبت عليه دواعي النفس، خنست دواعي الخير، ثم يستمر على الشرور على مر ~~الدهور، ويأتي مهاويها ويتعاون عليه الوسواس ونزغات الشيطان ونزفات النفس ~~الأمارة بالسوء، فتنسج الغفلة على قلبه غشاوة بقضاء الله وقدره، فذلكم ~~الطبع والختم والأكنة. # وأنا أضرب في ذلك مثلا، فأقول: لو فرضنا شابا حديث العهد بحلمه، لم تهذبه ~~المذاهب، ولم تحنكه التجارب، وهو على نهاية في غلمته وشهوته، وقد استمكن من ~~بلغة من الحطام، وخص بمسحة من الجمال، ولم يقم عليه قوام يزعه عن ورطات ~~الردى، ويمنعه عن الارتباك في شبكات الهوى، ووافاه أخدان الفساد، وهو في ~~غلواء شبابه، يحدث نفسه بالبقاء أمدا بعيدا، فما أقرب من هذا وصفه من خلع ~~العذار والبدار إلى شيم الأشرار، وهو مع ذلك كله مؤثر مختار، ليس مجبرا على ~~المعاصي والزلات، ولا مصدودا عن الطاعات، ومعه من العقل ما يستوجب به ~~اللائمة إذا عصى. # فمن هذا سبيله لا يستحيل في العقل تكليفه، فإنه ليس ممنوعا، ولكن إن سبق ~~له من الله سوء القضاء، فهو صائر إلى حكم الله الجزم وقضائه الفصل، PageV01P330 ~~محجوج بحجة الله إلا أن يتغمده الله برحمته، وهو أرحم الراحمين. وهذا الذي ~~ذكرته بين في معاني الآيات، لا يتمارى فيه موفق، قال الله تعالى: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة (74) [البقرة] أراد أنهم استمروا ~~على المخالفات، وأصروا «1» بانتهاك الحرمات، فقست قلوبهم، وقال تعالى: # ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا (28) [الكهف] فقد جمعت بين تفويض الأمور ~~كلها نفعها وضرها خيرها وشرها إلى الإله جلت قدرته، وبين إثبات حقائق ms227 ~~التكليف، وتقرير قواعد الشرع على الوجه المعقول، ألست في هذا أهدى سبيلا ~~وأقوم قيلا ممن يقدر الطبع منعا والختم صدا ودفعا، ثم ينفي التكاليف بزعمه. # وقد افترق الخلق في هذا المقام فرقا، فذهب ذاهبون إلى أن المخذولين ~~ممنوعون مدفوعون، لا اقتدار لهم على إجابة دعاة الحق، وهم مع ذلك ملزمون، ~~وهذا خطب جسيم، وأمر عظيم، وهو طعن في الشرائع وإبطال للدعوات، وقد قال ~~تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى (55) [الكهف] وقال لإبليس: ~~ما منعك أن تسجد (75) [ص] نعوذ بالله من سوء النظر في مواقع الخطر. # وذهب طوائف من الضلال إلى أن العبد يعصي، والرب لما يأتي به كاره، فهذا ~~خبط في الأحكام الإلهية ومزاحمة في الربوبية، ولو لم يرد الرب من الفجار ما ~~علمه منهم في أزليته، لما فطرهم مع علمه بهم، كيف وقد أكمل قواهم وأمدهم ~~بالعدد والعدد والعتاد، وسهل لهم طريق الحيد عن السداد. # فإن قيل: فعل ذلك بهم ليطيعوه، قلنا: أنى يستقيم ذلك، وقد علم أنهم ~~يعصونه، ويهلكون أنفسهم، ويهلكون أولياءه وأنبياءه، ويشقون شقاوة لا PageV01P331 ~~يسعدون بها أبدا، ولو علم سيد عن وحي أو إخبار نبي أنه لو أمد عبده بالمال ~~لطغى وأبق، وقطع الطريق، فأمده بالمال زاعما أنه يريد منه ابتناء القناطر ~~والمساجد، وهو مع ذلك يقول: أعلم أنه لا يفعل ذلك قطعا، فهذا السيد مفسد ~~عبده، وليس مصلحا له، باتفاق من أرباب الألباب، فقد زاغت الفئتان، وضلت ~~الفرقتان، واعترضت إحداهما على القواعد الشرعية، وزاحمت الأخرى أحكام ~~الربوبية، واقتصد الموفقون، فقالوا: مراد الله من عباده ما علم أنهم إليه ~~يصيرون، ولكنه لم يسلبهم قدرتهم، ولم يمنعهم مراشدهم، فقرت الشريعة في ~~نصابها، وجرت العقيدة في الأحكام الإلهية على صوابها. # فإن قيل: كيف يريد الحكيم السفه، فقد أوضحنا أن الأفعال متساوية في حق من ~~لا ينتفع ولا يتضرر، ولكن إذا أخبر أنه مكلف مطالب عباده مزيح عللهم، فقوله ~~الحق، وكلامه الصدق، وأقرب أمر يعارضون به أن الحكيم منا إذا رأى جواريه ~~وعبيده يمرج بعضهم في ms228 بعض، وهم على محارمهم، بمرأى منه ومسمع، فلا يحسن ~~تركهم على ما هم عليه، والرب سبحانه يطلع على سوء أفعالهم، ويستدرجهم من ~~حيث لا يعلمون، ثم قال: قد أطلقت أنفاسي، ولكن لو وجدت في اقتباس هذا العلم ~~من يسرد لي هذا الفصل، لكان، وحق القائم على كل نفس بما كسبت، أحب إلي من ~~ملك الدنيا بحذافيرها أطول أمدها، انتهى كلامه بلفظه. # وهذا توسط حسن بين الفريقين، وقد أنكره عليه عامة أصحابه، منهم الأنصاري ~~شارح «الإرشاد» وغيره، وقالوا: هو أقرب من مذهب المعتزلة، ولا يرجع الخلاف ~~بينه وبينهم إلا إلى الاسم فقط، وأن هذا مما انفرد به، ولكن بقي عليه فيه ~~أمور: منها أنه نفى كراهة الله لما قدره من المعاصي بناء على أصله: أن كل ~~مراد له فهو محبوب له، وأنه إذا كان قد قدر الكفر PageV01P332 ~~والفسوق والعصيان، فهو يريده ويحبه ولا يكرهه، وإن كانت قدرة العبد ~~واختياره مؤثرة في إيجاد الفعل عنده بإقدار الرب سبحانه، وقد أصاب في هذا ~~وأجاد، ولكن القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يكرهه ~~إذا كان واقعا، قول في غاية البطلان، وهو مخالف لصريح العقل والنقل، والذي ~~قاده إلى ذلك قوله: إن المحبة هي الإرادة والمشيئة، وإن كل ما شاءه فقد ~~أراده وأحبه. ومن لم يفرق بين المشيئة والمحبة، لزمه أحد أمرين باطلين، لا ~~بد له من التزامه، إما القول: بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان، ~~أو القول: بأنه ما شاء ذلك ولا قدره ولا قضاه، وقد قال بكل من المتلازمين ~~طائفة. قالت طائفة: لا يحبها ولا يرضاها، فما شاءها ولا قضاها. وقالت ~~طائفة: هي واقعة بمشيئته وإرادته، فهو يحبها ويرضاها، فاشترك الطائفتان في ~~هذا الأصل، وتباينا في لازمه، وقد أنكر الله سبحانه على من احتج على محبته ~~بمشيئته في ثلاثة مواضع من كتابه: في سورة الأنعام، والنحل، والزخرف، فقال ~~تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~شي ء كذلك كذب الذين من قبلهم ms229 حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه ~~لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) [الأنعام] وكذلك حكى ~~عنهم في النحل ثم قال كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ ~~المبين (35) [النحل] وقال في الزخرف وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما ~~لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (20) [الزخرف]. # فاحتجوا على محبته لشركهم ورضاه به بكونه أقرهم عليه، وأنه لو لا محبته ~~له ورضاه به لما شاءه منهم، وعارضوا بذلك أمره ونهيه ودعوة الرسل، قالوا: ~~كيف يأمر بالشي ء قد شاء منا خلافه، وكيف يكره منا شيئا قد شاء وقوعه، ولو ~~كرهه لم يمكنا منه، ولحال بيننا وبينه؟! فكذبهم سبحانه في ذلك، وأخبر أن ~~هذا تكذيب منهم لرسله، وأن رسله متفقون على أنه PageV01P333 ~~سبحانه يكره شركهم ويبغضه ويمقته، وأنه لو لا بغضه وكراهته لما أذاق ~~المشركين بالله عذابه، فإنه لا يعذب عبده على ما يحبه، ثم طالبهم بالعلم ~~على صحة مذهبهم بأن الله أذن فيه، وأنه يحبه ويرضى به، ومجرد إقراره لهم ~~قدرا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء، وإلا كان الظلم والفواحش والسعي ~~في الأرض بالفساد والبغي، محبوبا له مرضيا، ثم أخبر سبحانه أن مستندهم في ~~ذلك إنما هو الظن، وهو أكذب الحديث، وأنهم لذلك كانوا أهل الخرص والكذب، ثم ~~أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين: # إحداهما ما ركبه فيهم من العقول التي يفرقون بها بين الحسن والقبيح ~~والباطل والأسماع والأبصار التي هي آلة إدراك الحق، والتي يفرق بها بينه ~~وبين الباطل، والثانية: إرسال رسله وإنزال كتبه وتمكينهم من الإيمان ~~والإسلام، ولم يؤاخذهم بأحد الأمرين، بل بمجموعهما، لكمال عدله، وقطعا ~~لعذرهم من جميع الوجوه، ولذلك سمى حجته عليهم بالغة، أي: قد بلغت غاية ~~البيان وأقصاه بحيث لم يبق معها مقال لقائل ولا عذر لمعتذر، ومن اعتذر إليه ~~سبحانه بعذر صحيح، قبله، ثم ختم الآية بقوله: فلو شاء لهداكم أجمعين (149) ~~[الأنعام] وأنه لا يكون شي ء إلا بمشيئته، ms230 وهذا من تمام حجته البالغة، فإنه ~~إذا امتنع الشي ء لعدم مشيئته، لزم وجوده عند مشيئته، فما شاء كان، وما لم ~~يشأ لم يكن، كان هذا من أعظم أدلة التوحيد، ومن أبين أدلة بطلان ما أنتم ~~عليه من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه، فما احتججتم به من المشيئة على ما ~~أنتم عليه من الشرك هو من أظهر الأدلة على بطلانه وفساده. # فلو أنهم ذكروا القدر والمشيئة توحيدا له وافتقارا والتجاء إليه وبراءة ~~من الحول والقوة إلا به ورغبة إليه، أن يقيلهم «1» مما لو شاء أن لا يقع منهم، PageV01P334 ~~لما وقع، لنفعهم ذلك، ولفتح لهم باب الهداية، ولكن ذكروه معارضين به أمره ~~ومبطلين به دعوة الرسل، فما ازدادوا به إلا ضلالا. # والمقصود أنه سبحانه قد فرق بين حجته ومشيئته، وقد حكى أبو الحسن الأشعري ~~في «مقالاته» اتفاق أهل السنة والحديث على ذلك، والذي حكى عنه ابن فورك في ~~كتاب تجريده لمقالاته أنه كان يفرق بين ذلك، قال: وكان لا يفرق بين الود ~~والحب والإرادة والمشيئة والرضا، وكان لا يقول: إن شيئا منها يخص بعض ~~المرادات دون بعض، بل كان يقول: إن كل واحد منها بمعنى صاحبه على جهة ~~التقييد الذي يزول معه الإبهام، وهو أن المؤمن محبوب لله أن يكون مؤمنا من ~~أهل الخير كما علم، والكافر أيضا مراد أن يكون كافرا كما علم من أهل الشر، ~~ويحب أن يكون ذلك كذلك كما علم، وكذلك كان يقول في الرضا والاصطفاء ~~والاختيار، ويقيد اللفظ بذلك حتى لا يتوهم فيه الخطأ، انتهى. # والذي عليه أهل الحديث والسنة قاطبة والفقهاء كلهم وجمهور المتكلمين ~~والصوفية أنه سبحانه يكره بعض الأعيان والأفعال والصفات، وإن كانت واقعة ~~بمشيئته، فهو يبغضها ويمقتها كما يبغض ذات إبليس وذوات جنوده، ويبغض ~~أعمالهم، ولا يحب ذلك، وإن وجد بمشيئته قال الله تعالى: والله لا يحب ~~الفساد (205) [البقرة] وقال والله لا يحب الظالمين (57) [آل عمران] وقال: ~~إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) [لقمان] وقال:* لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول ms231 إلا من ظلم (148) [النساء] وقال: ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين (190) [البقرة] وقال: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر (7) [الزمر]. # فهذا إخبار عن عدم محبته لهذه الأمور ورضاه بها بعد وقوعها، فهذا صريح في ~~إبطال قول من تأول النصوص على أنه لا يحبها ممن لم تقع منه، PageV01P335 ~~ويحبها إذا وقعت، فهو يحبها ممن وقعت منه، ولا يحبها ممن لم تقع منه، وهذا ~~من أعظم الباطل والكذب على الله، بل هو سبحانه يكرهها ويبغضها قبل وقوعها ~~وحال وقوعها، وبعد وقوعها، فإنها قبائح وخبائث، والله منزه عن محبة القبيح ~~والخبيث، بل هو أكره شي ء إليه، قال الله تعالى: كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها (38) [الإسراء]. # وقد أخبر سبحانه أنه يكره طاعات المنافقين، ولأجل ذلك يثبطهم عنها، فكيف ~~يحب نفاقهم ويرضاه، ويكون أهله محبوبين له مصطفين عنده مرضيين؟ ومن هذا ~~الأصل الباطل نشأ قولهم باستواء الأفعال، بالنسبة إلى الرب سبحانه، وأنها ~~لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح، فلا فرق، بالنسبة إليه سبحانه، بين الشكر ~~والكفر، ولذلك قالوا: لا يجب شكره على نعمه عقلا، فعن هذا الأصل قالوا: إن ~~مشيئته هي عين محبته، وإن كل ما شاءه فهو محبوب له ومرضي له ومصطفى ومختار، ~~فلم يمكنهم، بعد تأصل هذا الأصل، أن يقولوا: إنه يبغض الأعيان والأفعال ~~التي خلقها، ويحب بعضها، بل كل ما فعله وخلقه فهو محبوب له، والمكروه ~~المبغوض ما لم يشأه ولم يخلقه، وإنما أصلوا هذا الأصل محافظة منهم على ~~القدر، فحثوا به على الشرع والقدر، والتزموا لأجله لوازم، شوشوا بها على ~~القدر والحكمة، وكابروا لأجلها صريح العقل، وسووا بين أقبح القبائح وأحسن ~~الحسنات في نفس الأمر، وقالوا: هما سواء، لا فرق بينهما إلا بمجرد الأمر ~~والنهي، فالكذب عندهم والظلم والبغي والعدوان مساو للصدق والعدل والإحسان، ~~في نفس الأمر، ليس في هذا ما يقتضي حسنه، ولا في هذا ما يقتضي قبحه، وجعلوا ~~هذا المذهب شعارا لأهل السنة، والقول بخلافه قول أهل البدع من المعتزلة ms232 ~~وغيرهم. # ولعمر الله إنه لمن أبطل الأقوال وأشدها منافاة للعقل والشرع، ولفطرة الله PageV01P336 ~~التي فطر عليها خلقه، وقد بينا بطلانه من أكثر من خمسين وجها في كتاب ~~«المفتاح» «1»، والمقصود أنه لما انضم القول به إلى القول بأنه سبحانه لا ~~يحب شيئا، ويبغض شيئا، بل كل موجود فهو محبوب له، وكل معدوم فهو مكروه له، ~~وانضم إلى هذين الآخرين إنكار الحكم والغايات المطلوبة في أفعاله سبحانه، ~~وأنه لا يفعل شيئا لمعنى البتة، وانضم إلى ذلك إنكار الأسباب، وأنه لا يفعل ~~شيئا بشي ء، وإنكار القوى والطبائع والغرائز، وأن تكون أسبابا أو يكون لها ~~أثر، انسد عليهم باب الصواب في مسائل القدر، والتزموا لهذه الأصول الباطلة ~~لوازم هي أظهر بطلانا وفسادا، وهي من أدل شي ء على فساد هذه الأصول ~~وبطلانها، فإن فساد اللازم من فساد ملزومه. # فإن قيل: الكراهة والمحبة ترجع إلى المنافرة والملائمة للطبع، وذلك محال ~~في حق من لا يوصف بطبع ولا منافرة ولا ملاءمة. # قيل: قد دلت النصوص التي لا تدفع على وصفه تعالى بالمحبة والكراهة، ~~فتبيينكم حقائق ما دلت عليه بالتعبير عنها بملاءمة الطبع ومنافرته باطل، ~~وهو كنفي كل مبطل حقائق أسمائه وصفاته بالتعبير عنها بعبارات اصطلاحية، ~~توصل بها إلى نفي ما وصف به نفسه، كتسمية الجهمية المعطلة صفاته أعراضا، ثم ~~توصلوا بهذه التسمية إلى نفيها، وسموا أفعاله القائمة به حوادث، ثم توصلوا ~~بهذه التسمية إلى نفيها، وقالوا: لا تحله الحوادث، كما قالت المعطلة: لا ~~تقوم به الأعراض، وسموا علوه على خلقه واستواءه على عرشه وكونه قاهرا فوق ~~عباده تحيزا وتجسما، ثم توصلوا بنفي ذلك إلى نفي علوه عن خلقه واستوائه على ~~عرشه، وسموا ما أخبر به عن نفسه من PageV01P337 ~~الوجه واليدين والأصبع جوارح وأعضاء، ثم نفوا ما أثبته لنفسه بتسميتهم له ~~بغير تلك الأسماء إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها ~~من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ~~(23) [النجم]. # فتوصلوا بالتشبيه والتجسيم والتركيب والحوادث والأعراض ms233 والتحيز إلى تعطيل ~~صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله، وأخلوا تلك الأسماء من معانيها، وعطلوها ~~من حقائقها، فيقال لمن نفى محبته وكراهته، لاستلزامهما ميل الطبع ونفرته: ~~ما الفرق بينك وبين من نفى كونه مريدا؟ لاستلزام الإرادة حركة النفس إلى ~~جلب ما ينفعها، ودفع ما يضرها، ونفى سمعه وبصره لاستلزام ذلك تأثر السمع ~~والبصر بالمسموع والمبصر، وانطباع صورة المرئي في الرائي، وحمل الهواء ~~الصوت المسموع إلى أذن السامع، من نفى علمه، لاستلزامه انطباع صورة المعلوم ~~في النفس الناطقة، ونفى غضبه ورضاه، لاستلزام ذلك حركة القلب وانفعاله بما ~~يرد عليه من المؤلم والسار، ونفى كلامه، لاستلزام الكلام محلا يقوم به، ~~ويظهر منه من شفة ولسان ولهوات. # ولما لم يمكن أحدا أقر بوجود رب العالمين طرد ذلك، وقع في التناقض، ولا ~~بد، فإنه أي شي ء أثبته، لزمه فيه ما التزم، كمن أثبت ما نفاه هو من غير ~~فرق البتة، ولهذا قال الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة: لا نزيل عن الله ~~صفة من صفاته، لأجل شناعة المشنعين، والمقصود: أنا لا نجحد محبته تعالى لما ~~يحبه، وكراهته لما يكرهه، لتسمية النفاة ذلك ملاءمة ومنافرة، وينبغي التفطن ~~لهذا الموضع، فإنه من أعظم أصول الضلال، فلا نسمي العرش حيزا، ولا نسمي ~~الاستواء تحيزا، ولا نسمي الصفات أعراضا، ولا الأفعال حوادث، ولا الوجه ~~واليدين والأصابع جوارح وأعضاء، ولا إثبات صفات كماله التي وصف بها نفسه ~~تجسيما وتشبيها، فنجني جنايتين عظيمتين، جناية على اللفظ، وجناية على ~~المعنى، فنبدل الاسم، PageV01P338 ~~ونعطل معناه. ونظير هذا تسمية خلقه سبحانه لأفعال عباده وقضائه السابق جبرا. # ولذلك أنكر أئمة السنة كالأوزاعي، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، ~~والإمام أحمد، وغيرهم، هذا اللفظ. قال الأوزاعي والزبيدي: ليس في الكتاب ~~والسنة لفظ جبر، وإنما جاءت السنة بلفظ الجبر كما في الصحيح، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال لأشج عبد القيس: إن فيك خلقين يحبهما الله: # الحلم والأناة، فقال: أخلقين تخلقت بهما، أم جبلت عليهما؟ فقال: «بل جبلت ~~عليهما» فقال: الحمد لله الذي جبلني على ms234 ما يحب» «1». # فأخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن الله جبله على الحلم والأناة، ~~وهما من الأفعال الاختيارية، وإن كانا خلقين قائمين بالعبد، فإن من الأخلاق ~~ما هو كسبي، ومنها ما لا يدخل تحت الكسب، والنوعان قد جبل الله العبد ~~عليهما، وهو سبحانه يحب ما جبل عبده عليه من محاسن الأخلاق، ويكره ما جبله ~~عليه من مساويها، فكلاهما بجبله، وهذا محبوب له، وهذا مكروه، كما أن جبريل ~~صلوات الله عليه مخلوق له، وإبليس عليه لعائن الله مخلوق له، وجبريل محبوب ~~له مصطفى عنده، وإبليس أبغض خلقه إليه، ومما يوضح ذلك أن لفظ الجبر لفظ ~~مجمل، فإنه يقال: أجبر الأب ابنته على النكاح، وجبر الحاكم الرجل على ~~البيع، ومعنى هذا الجبر: # أكرهه عليه، ليس معناه أنه جعله محبا لذلك راضيا به مختارا له، والله ~~تعالى إذا خلق فعل العبد، جعله محبا له مختارا لإيقاعه راضيا به مختارا له، ~~والله تعالى فإطلاق لفظ الجبر على ذلك فاسد لفظا ومعنى، فإن الله سبحانه ~~أجل وأعز من أن يجبر عبده بذلك المعنى، وإنما يجبر العاجز عن أن يجعل غيره فاعلا PageV01P339 ~~بإرادته ومحبته ورضاه. # وأما من جعل فعل العبد مريدا محبا، مؤثرا لما يفعله، فكيف يقال إنه جبره ~~عليه، فهو سبحانه أجل وأعظم وأقدر من أن يجبر عبده ويكرهه على فعل يشاؤه ~~منه، بل إذا شاء من عبده أن يفعل فعلا، جعله قادرا عليه مريدا له محبا ~~مختارا لإيقاعه، وهو أيضا قادر على أن يجعله فاعلا له باختياره، مع كراهته ~~له وبغضه ونفرته عنه. # فكل ما يقع من العباد بإراداتهم ومشيئاتهم، فهو سبحانه الذي جعلهم فاعلين ~~له، سواء أحبوه أو أبغضوه وكرهوه، وهو سبحانه لم يجبرهم في النوعين كما ~~يجبر غيره من لا يقدر على جعله فاعلا بإرادته ومشيئته. نعم! نحن لا ننكر ~~استعمال لفظ الجبر فيما هو أعم من ذلك، بحيث يتناول من قهر غيره، وقدر على ~~جعله فاعلا لما يشاء فعله، وتاركا لما لا يشاء فعله، فإنه سبحانه المحدث ~~لإرادته له وقدرته ms235 عليه. # قال محمد بن كعب القرظي في اسم الجبار: إنه سبحانه هو الذي جبر العباد ~~على ما أراد. # وفي الدعاء المعروف عن علي رضي الله عنه: اللهم داحي المدحوات وبارئ ~~المسموكات جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها. # فالجبر بهذا المعنى معناه القهر والقدرة، وأنه سبحانه قادر على أن يفعل ~~بعبده ما شاء، وإذا شاء منه شيئا وقع ولا بد، وإن لم يشأ لم يكن، ليس ~~كالعاجز الذي يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء؛ والفرق بين هذا الجبر ~~وجبر المخلوق لغيره من وجوه: # أحدها: أن المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدا للفعل محبا له، والرب ~~تعالى قادر على جعل عبده كذلك. PageV01P340 # الثاني: أن المخلوق قد يجبر غيره إجبارا يكون به ظالما معتديا عليه، والرب ~~أعدل من ذلك، فإنه لا يظلم أحدا من خلقه، بل مشيئته نافذة فيهم بالعدل ~~والإحسان، بل عدله فيهم من إحسانه إليهم، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. # الثالث: أن المخلوق يكون، في جبره لغيره، سفيها أو عائبا أو جاهلا، والرب ~~تعالى إذا جبر عبده على أمر من الأمور، كان له في ذلك من الحكمة والعدل ~~والإحسان والرحمة ما هو محمود عليه بجميع وجوه الحمد. # الرابع: أن المخلوق يجبر غيره لحاجته إلى ما جبره عليه، ولانتفاعه بذلك، ~~وهذا لأنه فقير بالذات، وأما الرب تعالى فهو الغني بذاته، الذي كل ما سواه ~~محتاج إليه، وليس به حاجة إلى أحد. # الخامس: أن المخلوق يجبر غيره لنقصه، فيجبره ليحصل له الكمال بما أجبره ~~عليه، والرب تعالى له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وكماله من لوازم ذاته، ~~لم يستفده من خلقه، بل هو الذي أعطاهم من الكمال ما يليق بهم، فالمخلوق ~~يجبر غيره ليتكمل، والرب تعالى منزه عن كل نقص، فكماله المقدس ينفي الجبر. # السادس: أن المخلوق يجبر غيره على فعل، يعينه به على غرضه، لعجزه عن ~~التوصل إليه إلا بمعاونته له، فصار الفعل من هذا، والقهر والإكراه من هذا ~~محصلا لغرض المكره، كما أن المعين لغيره باختياره ms236 شريك له في الفعل، والرب ~~تعالى غني عما سواه بكل وجه، فيستحيل في حقه الجبر. # السابع: أن المجبور على ما لا يريد فعله، يجد من نفسه فرقا ضروريا بينه ~~وبين ما يريد فعله باختياره ومحبته، فالتسوية بين الأمرين تسوية بين ما ~~علم، بالحس والاضطرار، الفرق بينهما، وهو كالتسوية بين حركة المرتعش وحركة PageV01P341 ~~الكاتب، وهذا من أبطل الباطل. # الثامن: أن الله سبحانه قد فطر العباد على أن المجبور المكره على الفعل ~~معذور، لا يستحق الذم والعقوبة ويقولون: قد أكره على كذا، وجبره السلطان ~~عليه، وكما أنهم مفطورون على هذا، فهم مفطورون أيضا على ذم من فعل القبائح ~~باختياره، وشريعته سبحانه موافقة لفطرته في ذلك، فمن سوى بين الأمرين، فقد ~~خرج عن موجب الشرع والعقل والفطرة. # التاسع: أن من أمر غيره بمصلحة المأمور وما هو محتاج إليه، ولا سعادة له ~~ولا فلاح إلا به، لا يقال: جبره على ذلك، وإنما يقال: نصحه وأرشده ونفعه ~~وهداه، ونحو ذلك. وقد لا يختار المأمور المنهي ذلك، فيجبره الناصح له على ~~ذلك من له ولاية الإجبار، وهذا جبر الحق، وهو جائز، بل واقع في شرع الرب ~~وقدره وحكمته ورحمته وإحسانه، لا نمنع هذا الجبر. # العاشر: أن الرب ليس كمثله شي ء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ~~فجعله العبد فاعلا لقدرته ومشيئته واختياره أمر يختص به تبارك وتعالى، ~~والمخلوق لا يقدر أن يجعل غيره فاعلا إلا بإكراهه له على ذلك، فإن لم ~~يكرهه، لم يقدر على غير الدعاء والأمر بالفعل، وذلك لا يصير العبد فاعلا ~~فالمخلوق هو يجبر غيره على الفعل، ويكرهه عليه، فنسبة ذلك إلى الرب تشبيه ~~له في أفعاله بالمخلوق الذي لا يجعل غيره فاعلا إلا بجبره له، وإكراهه، ~~فكمال قدرته تعالى وكمال علمه وكمال علمه وكمال مشيئته وكمال عدله وإحسانه ~~وكمال غناه وكمال ملكه وكمال حجته على عبده تنفي الجبر. PageV01P342 # فصل # فالطوائف كلها متفقة على الكسب، ومختلفون في حقيقته، فقالت القدرية: هو ~~إحداث العبد لفعله، بقدرته ومشيئته استقلالا، وليس للرب صنع ms237 فيه، ولا هو ~~خالق فعله، ولا مكونه، ولا مريد له. # وقالت الجبرية: الكسب اقتران الفعل بالقدرة الحادثة، من غير أن يكون لها ~~فيه أمر. وكلا الطائفتين فرق بين الخلق والكسب، ثم اختلفوا فيما وقع به ~~الفرق، فقال الأشعري في عامة كتبه: معنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة محدثة، ~~فمن وقع منه الفعل بقدرة قديمة، فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثة، ~~فهو مكتسب. # وقال قائلون: من يفعل بغير آلة ولا جارحة، فهو خالق، ومن يحتاج في فعله ~~إلى الآلات والجوارح، فهو مكتسب، وهذا قول الإسكافي وطوائف من المعتزلة. ~~قال: واختلفوا هل يقال: إن الإنسان فاعل على الحقيقة؟ فقالت المعتزلة كلها ~~إلا الناشئ: إن الإنسان فاعل محدث ومخترع ومنشئ على الحقيقة دون المجاز، ~~وقال الناشئ: الإنسان لا يفعل في الحقيقة، ولا يحدث في الحقيقة. وكان يقول: ~~إن البارئ أحدث كسب الإنسان، قال: # فلزمه محدث، لا لمحدث في الحقيقة، ومفعول، لا لفاعل في الحقيقة. # قلت: وجه إلزامه ذلك أنه قد أعطى أن الإنسان غير فاعل لفعله، وفعله ~~مفعول، وليس هو فعلا لله، ولا فعلا للعبد، فلزمه مفعول من غير فاعل، ولعمر ~~الله إن هذا الإلزام لازم لأبي الحسن وللجبرية، فإن عندهم الإنسان ليس ~~بفاعل حقيقة، والفاعل هو الله، وأفعال الإنسان قائمة، لم تقم بالله، PageV01P343 ~~فإذا لم يكن الإنسان فاعلها مع قيامها به، فكيف يكون الله سبحانه هو ~~فاعلها؟ ولو كان فاعلها، لعادت أحكامها عليه، واشتقت له منها أسماء، وذلك ~~مستحيل على الله، فيلزمك أن تكون أفعالا لا فاعل لها، فإن العبد ليس بفاعل ~~عندك، ولو كان الرب فاعلا لها، لاشتقت له منها أسماء وعاد حكمها عليه. # فإن قيل: فما تقولون أنتم في هذا المقام؟. # قلنا: لا نقول بواحد من القولين، بل نقول: هي أفعال للعباد حقيقة، ~~ومفعولة للرب، فالفعل عندنا غير المفعول، وهو إجماع من أهل السنة، حكاه ~~الحسين بن مسعود البغوي وغيره، فالعبد فعلها حقيقة، والله خالقه وخالق ما ~~فعل به من القدرة والإرادة، وخالق فاعليته، وسر المسألة أن العبد ms238 فاعل ~~منفعل باعتبارين: هل هو منفعل في فاعليته، فربه تعالى هو الذي جعله فاعلا ~~بقدرته ومشيئته، وأقدره على الفعل، وأحدث له المشيئة التي يفعل بها؟. # قال الأشعري: وكثير من أهل الإثبات يقولون: إن الإنسان فاعل في الحقيقة، ~~بمعنى مكتسب، ويمنعون أنه محدث، قلت: هؤلاء وقفوا عند ألفاظ الكتاب والسنة، ~~فإنهما مملوءان من نسبة الأفعال إلى العبد باسمها العام وأسمائها الخاصة، ~~فالاسم العام كقوله تعالى: تعملون، تفعلون، تكسبون. # والأسماء الخاصة: يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون، ويخافون، ~~ويتوبون، ويجاهدون. وأما لفظ الإحداث فلم يجي ء إلا في الذم كقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا» «1» فهذا ليس بمعنى الفعل ~~والكسب، وكذلك قول عبد الله بن مغفل لابنه: إياك والحدث PageV01P344 ~~في الإسلام. ولا يمتنع إطلاقه على فعل الخير مع التقييد. # قال بعض السلف: إذا أحدث الله لك نعمة، فأحدث لها شكرا، وإذا أحدثت ذنبا، ~~فأحدث له توبة، ومنه قوله: هل أحدثت توبة؟ وأحدث للذنب استغفارا، ولا يلزم ~~من ذلك إطلاق اسم المحدث عليه، والإحداث على فعله. # قال الأشعري: وبلغني أن بعضهم أطلق في الإنسان أنه محدث في الحقيقة، ~~بمعنى مكتسب، قلت: هاهنا ألفاظ، وهي فاعل وعامل ومكتسب وكاسب وصانع ومحدث ~~وجاعل ومؤثر ومنشئ وموجد وخالق وبارئ ومصور وقادر ومريد، وهذه الألفاظ ~~ثلاثة أقسام: قسم لم يطلق إلا على الرب سبحانه، كالبارئ والبديع والمبدع، ~~وقسم لا يطلق إلا على العبد كالكاسب والمكتسب، وقسم وقع إطلاقه على الرب ~~والعبد كاسم صانع وفاعل وعامل ومنشئ ومريد وقادر، وأما الخالق والمصور فإن ~~استعملا مطلقين غير مقيدين، لم يطلقا إلا على الرب كقوله: الخالق البارئ ~~المصور (24) [الحشر]، وإن استعملا مقيدين، أطلقا على العبد، كما يقال لمن ~~قدر شيئا في نفسه: إنه خلقه قال: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفر # أي: لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما قدرته في نفسك، وغيرك يقدر أشياء، وهو ~~عاجز عن إنفاذها وإمضائها، وبهذا الاعتبار صح إطلاق خالق على العبد في قوله ~~تعالى: فتبارك ms239 الله أحسن الخالقين (14) [المؤمنون] أي: أحسن المصورين ~~والمقدرين، والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته: إذا قسته، لتقطع منه مزادة أو ~~قربة ونحوها. # قال مجاهد: يصنعون، ويصنع الله، والله خير الصانعين. PageV01P345 # وقال الليث: رجل خالق، أي: صانع، وهن الخالقات: للنساء. # وقال مقاتل: يقول تعالى: هو أحسن خلقا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها ~~التي لا يتحرك منها شي ء، وأما البارئ، فلا يصح إطلاقه إلا عليه سبحانه، ~~فإنه الذي برأ الخليقة، وأوجدها بعد عدمها، والعبد لا تتعلق قدرته بذلك، إذ ~~غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب تعالى وبرأه، وتغييرها من ~~حال إلى حال على وجه مخصوص، لا تتعداه قدرته، وليس من هذا: بريت القلم، ~~لأنه معتل لا مهموز، ولا برأت من المرض، لأنه فعل لازم غير متعد، وكذلك ~~مبدع الشي ء وبديعه، لا يصح إطلاقه إلا على الرب، كقوله: بديع السماوات ~~والأرض (117) [البقرة]. والإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق، والعبد ~~يسمى مبتدعا، لكونه أحدث قولا، لم تمض به سنة، ثم يقال لمن اتبعه عليه: ~~مبتدع أيضا، وأما لفظ الموجد، فلم يقع في أسمائه سبحانه، وإن كان هو الموجد ~~على الحقيقة، ووقع في أسمائه الواجد، وهو بمعنى الغني الذي له الوجد، وأما ~~الموجد فهو مفعل من أوجد، وله معنيان، أحدهما: أن يجعل الشي ء موجودا، وهو ~~تعدية وجده وأوجده. # قال الجوهري: وجد الشي ء عن عدم، فهو موجد، مثل حم فهو محموم، وأوجده ~~الله، ولا يقال وجده، والمعنى الثاني: أوجده، جعل له جدة وغنى، وهذا يتعدى ~~إلى مفعولين، قال في الصحاح: أوجده الله مطلوبه، أي: أظفره به، وأوجده، أي: ~~أغناه، قلت: وهذا يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون من باب حذف أحد المفعولين، ~~أي: أوجده مالا وغنى، وأن يكون من باب صيره واجدا، مثل أغناه وأفقره، إذا ~~صيره غنيا وفقيرا، فعلى التقدير الأول يكون تعدية وجد مالا وغنى، وأوجده ~~الله إياه، وعلى الثاني يكون تعديه وجد وجدا إذا استغنى، ومصدر هذا الوجد ~~بالضم والفتح والكسر، قال PageV01P346 ~~تعالى: أسكنوهن من حيث سكنتم ms240 من وجدكم (6) [الطلاق] فغير ممتنع أن يطلق على ~~من يفعل بالقدرة المحدثة أنه أوجد مقدوره، كما يطلق عليه أنه فعله وعمله ~~وصنعه وأحدثه، لا على سبيل الاستقلال، وكذلك لفظ المؤثر لم يرد إطلاقه في ~~أسماء الرب، وقد وقع إطلاق الأثر والتأثير على فعل العبد، قال تعالى: إنا ~~نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم (12) [يس]. # قال ابن عباس: ما أثروا من خير أو شر فسمى ذلك آثارا، لحصوله بتأثيرهم. # ومن العجب أن المتكلمين يمتنعون من إطلاق التأثير والمؤثر على من أطلق ~~عليه في القرآن والسنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة: ~~«دياركم تكتب آثاركم» «1» أي: الزموا دياركم، ويخصونه بمن لم يقع إطلاقه ~~عليه في كتاب ولا سنة، وإن استعمل في حقه الإيثار والاستئثار، كما قال أخو يوسف: # تالله لقد آثرك الله علينا (91) [يوسف]. وفي الأثر: «إذا استأثر الله بشي ~~ء فاله عنه» «2». وقال الناظم: # استأثر الله بالثناء وبالحمد وولى الملامة الرجلا # ولما كان التأثير تفعيلا، من أثرت في كذا تأثيرا، فأنا مؤثر، لم يمتنع ~~إطلاقه على العبد. # قال في الصحاح: التأثير: إبقاء الأثر في الشي ء، وأما لفظ الصانع فلم يرد ~~في أسماء الرب سبحانه، ولا يمكن ورودها، فإن الصانع من صنع شيئا عدلا كان ~~أو ظلما، سفها أو حكمة، جائزا أو غير جائز، وما انقسم مسماه PageV01P347 ~~إلى مدح وذم، لم يجئ اسمه المطلق في الأسماء الحسنى، كالفاعل والعامل ~~والصانع والمريد والمتكلم، لانقسام معاني هذه الأسماء إلى محمود ومذموم، ~~بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير وقد سمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم العبد صانعا. # قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: ~~حدثنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش «1»، عن حذيفة، قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» «2». # وقد أطلق سبحانه على فعله اسم الصنع، فقال: صنع الله الذي أتقن كل شي ء ~~(88) [النمل]، وهو منصوب على المصدر، لأن قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها ~~جامدة وهي ms241 تمر مر السحاب (88) [النمل] يدل على الصنعة، وقيل: هو نصب على ~~المفعولية، أي: انظروا صنع الله، فعلى الأول يكون صنع الله مصدرا بمعنى ~~الفعل، وعلى الثاني، يكون بمعنى المصنوع المفعول، فإنه الذي يمكن وقوع ~~النظر والرؤية عليه، وأما الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلا، ~~كقوله: وينشئ السحاب الثقال (12) [الرعد] وقوله: فأنشأنا لكم به جنات (19) ~~[المؤمنون] وقوله وننشئكم في ما لا تعلمون (61) [الواقعة] وهو كثير، ولم ~~يرد لفظ المنشئ، وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر، وهو شروعه في ~~الفعل وابتداؤه له، يقول: أنشأ يحدثنا، وأنشأ السير، فهو منشئ لذلك، وهذا ~~إنشاء مقيد، وإنشاء الرب إنشاء مطلق، وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء: ~~أنشأه الله، أي: ابتدأ خلقه، وأنشأ يفعل كذا: ابتدأ، وفلان ينشئ الأحاديث: ~~أي: يبتدئ وضعها، والناشئ: أول PageV01P348 ~~ما ينشأ من السحاب. # قال الجوهري: وناشئة الليل أول ساعاته. # قلت: هذا قد قاله غير واحد من السلف: إن ناشئة الليل أوله التي منها ينشأ ~~الليل، والصحيح أنها لا تختص بالساعة الأولى، بل هي ساعاته ناشئة بعد ~~ناشئة، كلما انقضت ساعة، نشأت بعدها أخرى. # وقال أبو عبيدة: ناشئة الليل ساعاته وآناؤه، ناشئة بعد ناشئة. # قال الزجاج: ناشئة الليل: كل ما نشأ منه، أي: حدث منه، فهو ناشئة. # قال ابن قتيبة: هي آناء الليل وساعاته، مأخوذة من نشأت تنشأ نشأ، أي: # ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شي ء، وأنشأها الله فنشأت. والمعنى: أن ساعات ~~الليل الناشئة. وقول صاحب الصحاح منقول عن كثير من السلف. # قال علي بن الحسين: ناشئة الليل: ما بين المغرب إلى العشاء، وهذا قول أنس ~~وثابت وسعيد بن جبير والضحاك والحكم، واختيار الكسائي، قالوا: ناشئة الليل ~~أوله، وهؤلاء راعوا معنى الأولية في الناشئة. # وفيها قول ثالث: أن الليل كله ناشئة، وهذا قول عكرمة وأبي مجلز ومجاهد ~~والسدي وابن الزبير وابن عباس في رواية. # قال ابن أبي مليكة: سألت ابن الزبير وابن عباس عن ناشئة الليل، فقالا: # الليل كله ناشئة، فهذه أقوال من جعل ناشئة الليل زمانا، وأما من جعلها ms242 ~~فعلا ينشأ بالليل، فالناشئة عندهم اسم لما يفعل بالليل، من القيام، وهذا ~~قول ابن مسعود ومعاوية بن قرة وجماعة، قالوا: ناشئة الليل: قيام الليل. # وقال آخرون، منهم عائشة: إنما يكون القيام ناشئة، إذا تقدمه نوم. قالت PageV01P349 ~~عائشة: ناشئة الليل القيام بعد النوم، وهذا قول ابن الأعرابي، قال: إذا نمت ~~من أول الليل نومة، ثم قمت، فتلك النشأة، ومنه ناشئة الليل. # فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من، إضافة نوع إلى جنسه، أي: # ناشئة منه، وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في، أي: طاعة ناشئة فيه، والمقصود ~~أن الإنشاء ابتداء، سواء تقدمه مثله كالنشأة الثانية، أو لم يتقدمه كالنشأة ~~الأولى، وأما الجعل فقد أطلق على الله سبحانه بمعنيين: أحدهما الإيجاد ~~والخلق، والثاني التصيير. فالأول يتعدى إلى مفعول، كقوله: # وجعل الظلمات والنور (1) [الأنعام]. والثاني أكثر ما يتعدى إلى مفعولين، ~~كقوله: إنا جعلناه قرآنا عربيا (3) [الزخرف]. # وأطلق على العبد بالمعنى الثاني خاصة، كقوله: وجعلوا لله مما ذرأ من ~~الحرث والأنعام نصيبا (136) [الأنعام]. # وغالب ما يستعمل في حق العبد في جعل التسمية والاعتقاد حيث لا يكون له ~~صنع في المجعول كقوله: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا (19) ~~[الزخرف] وقوله: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا (59) [يونس] وهذا يتعدى إلى واحد وهو جعل اعتقاد وتسمية، وأما الفعل ~~والعمل فإطلاقه على العبد كثير لبئس ما كانوا يفعلون (79) [المائدة]، لبئس ~~ما كانوا يعملون (62) [المائدة]، بما كنتم تعملون (105) [المائدة]، وأطلقه ~~على نفسه فعلا واسما، فالأول كقوله: ويفعل الله ما يشاء (27) [إبراهيم] ~~والثاني كقوله: فعال لما يريد (16) [البروج] وقوله: # وكنا فاعلين (79) [الأنبياء] في موضعين من كتابه: أحدهما قوله: # وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) [الأنبياء] والثاني ~~قوله: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين (104) [الأنبياء]. PageV01P350 # فتأمل قوله: كنا فاعلين، في هذين الموضعين المتضمنين للصنع العجيب الخارج ~~عن العادة، كيف تجده كالدليل على ما أخبر به، وأنه لا يستعصي على الفاعل ~~حقيقة، أي: ms243 شأننا الفعل، كما لا يخفى الجهر والإسرار بالقول على من شأنه ~~العلم والخبرة، ولا تصعب المغفرة على من شأنه أن يغفر الذنوب، ولا الرزق ~~على من شأنه أن يرزق العباد، وقد وقع الزجاج على هذا المعنى بعينه، فقال: ~~وكنا فاعلين: قادرين على فعل ما نشاء. PageV01P351 ### | AUTO الباب الثامن عشر في فعل وأفعل في القضاء والقدر والكسب وذكر ~~الفعل والانفعال # ينبغي الاعتناء بكشف هذا الباب، وتحقيق معناه، فبذلك ينحل عن العبد أنواع ~~من ضلالات القدرية والجبرية، حيث لم يعطوا هذا الباب حقه من العرفان. # اعلم أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل، والعبد فاعل منفعل، وهو في فاعليته ~~منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه. # فالجبرية شهدت كونه منفعلا، يجري عليه الحكم، بمنزلة الآلة والمحل، ~~وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار، ولم يجعلوه فاعلا إلا على سبيل المجاز، ~~فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة مرض وألم، ومات ونحو ذلك، مما ~~هو فيه منفعل محض. # والقدرية شهدت كونه فاعلا محضا غير منفعل في فعله. # وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء، وأهل العلم والاعتدال أعطوا كلا ~~المقامين حقه، ولم يبطلوا أحد الأمرين بالآخر، فاستقام لهم نظرهم ~~ومناظرتهم، واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه، ومهدوا وقوع الثواب PageV01P353 ~~والعقاب على من هو أولى به، فأثبتوا نطق العبد حقيقة، وإنطاق الله له ~~حقيقة، قال تعالى: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شي ء (21) [فصلت] فالإنطاق فعل الله الذي لا يجوز تعطيله، والنطق ~~فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره، كما قال تعالى: فو رب السماء والأرض إنه ~~لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) [الذاريات] فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر ~~حقيقي، حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر به، وأن هذا حقيقة لا مجاز، ومن ~~جعل إضافة نطق العبد إليه مجازا، لم يكن ناطقا عنده حقيقة، فلا يكون ~~التشبيه بنطقه محققا لما أخبر به، فتأمله. # ونظير هذا قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى (43) [النجم] فهو المضحك ~~المبكي حقيقة، والعبد الضاحك الباكي حقيقة، كما ms244 قال تعالى: فليضحكوا قليلا ~~وليبكوا كثيرا (82) [التوبة] وقال: أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ~~ولا تبكون (60) [النجم]. # فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى، لم يوجد ناطق ~~ولا ضاحك ولا باك، فإذا أحب عبدا أنطقه بما يحب، وأثابه عليه، وإذا أبغضه ~~أنطقه بما يكرهه، فعاقبه عليه، وهو الذي أنطق هذا وهذا، وأجرى ما يحب على ~~لسان هذا، وما يكره على لسان هذا، كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه، وعلى ~~قلب هذا ما أبكاه، وكذلك قوله تعالى: هو الذي يسيركم في البر والبحر (22) ~~[يونس] وقوله: قل سيروا في الأرض (11) [الأنعام] فالتسيير فعله حقيقة، ~~والسير فعل العبد حقيقة، فالتسيير فعل محض، والسير فعل وانفعال، ومن هذا ~~قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها (37) [الأحزاب] فهو سبحانه ~~المزوج ورسوله المتزوج، وكذلك قوله وزوجناهم بحور عين (54) [الدخان] فهو ~~المزوج وهم المتزوجون وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله: فلما زاغوا أزاغ الله PageV01P354 ~~قلوبهم (5) [الصف] فالإزاغة فعله، والزيغ فعلهم. # فإن قيل: أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله، وأنه لو لا ~~إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا ولا ضحكوا ولا بكوا، وقد دلت هذه ~~الآية على أن فعله بعد فعلهم، وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن زاغوا، وهذا يدل على ~~أن إزاغة قلوبهم هو حكمه عليها بالزيغ، لا جعلها زائغة، وكذلك قوله: أنطقنا ~~الله، المراد: جعل لنا آلة النطق، وأضحك وأبكى، جعل لهم آلة الضحك والبكاء، ~~قيل: أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير الإزاغة التي ~~زاغوا بها أولا عقوبة لهم على زيغهم، والرب تعالى يعاقب على السيئة بمثلها، ~~كما يثيب على الحسنة بمثلها، فحدث لهم زيغ آخر غير الزيغ الأول، فهم زاغوا ~~أولا، فجازاهم الله بإزاغة فوق زيغهم. # فإن قيل: فالزيغ الأول من فعلهم، وهو مخلوق لله فيهم، على غير وجه ~~الجزاء، وإلا تسلسل الأمر، قيل: بل الزيغ الأول وقع جزاء لهم وعقوبة على ~~تركهم الإيمان والتصديق لما جاءهم من الهدى، وهذا الترك أمر عدمي، لا ms245 ~~يستدعي فاعلا، فإن تأثير الفاعل إنما هو في الوجود لا في العدم. # فإن قيل: فهذا الترك العدمي له سبب، أولا سبب له؟ قيل: سببه عدم سبب ضده، ~~فبقي، على العدم الأصلي، ويشبه هذا قوله: ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم (19) [الحشر] عاقبهم على نسيانهم له بأن أنساهم أنفسهم، ~~فنسوا مصالحها أن يفعلوها، وعيوبها أن يصلحوها، وحظوظها أن يتناولوها، ومن ~~أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها، وهي لا نعيم لها ولا سرور ~~ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته، والإقبال عليه والإعراض عما ~~سواه، فأنساهم ذلك لما نسوه، وأحدث لهم هذا النسيان نسيانا آخر، وهذا ضد ~~حال الذين ذكروه، ولم ينسوه، فذكرهم PageV01P355 ~~مصالح نفوسهم، ففعلوها، وأوقفهم على عيوبها، فأصلحوها، وعرفهم حظوظها ~~العالية فبادروا إليها، فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان ومحبته ~~وذكره وشكره، فلما خلت قلوبهم من ذلك، لم يجدوا عن ضده محيصا، وهذا يبين لك ~~كمال عدله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها. # وإذا كان قضاؤه عليها، بالكفر والذنوب، عدلا منه عليها، فقضاؤه عليها ~~بالعقوبة أعدل وأعدل، فهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه، وله فيها ~~قضاءان: قضاء السبب، وقضاء المسبب، وكلاهما عدل فيه، فإنه لما ترك ذكره ~~وترك فعل ما يحبه، عاقبه بنسيان نفسه، فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما ~~يبغضه ويسخطه، بقضائه الذي هو عدل، فترتب له على هذا الفعل والترك عقوبات ~~وآلام، لم يكن له منها بد، بل هي مترتبة عليه ترتب المسببات على أسبابها، ~~فهو عدل محض من الرب تعالى، فعدل في العبد أولا وآخرا، فهو محسن في عدله ~~محبوب عليه محمود فيه، يحمده من عدل فيه طوعا وكرها. # قال الحسن: لقد دخلوا النار، وإن حمده لفي قلوبهم، ما وجدوا عليه سبيلا، ~~وسنزيد هذا الموضع بسطا وبيانا في باب «دخول الشر في القضاء الإلهي» إن شاء ~~الله، إذ المقصود هاهنا بيان كون العبد فاعلا منفعلا، والفرق في هذا الباب ~~بين فعل وأفعل وأن الله سبحانه أفعل، والعبد فعل، فهو الذي ms246 أقام العبد ~~وأضله وأماته، والعبد هو الذي قام وضل ومات، وأما قولكم: إن معنى أنطقه ~~وأضحكه وأبكاه: جعل له آلة ينطق بها ويضحك ويبكي، فإعطاؤه الآلة وحدها لا ~~يكفي في صدق الفعل، بأنه أنطقه وأضحكه، فلو أن رجلا صمت يوما كاملا، فحلف ~~حالف أن الله أنطقه، لكان كاذبا حانثا، ولو دعوت كافرين إلى الإسلام فنطق ~~أحدهما بكلمة الشهادة وسكت PageV01P356 ~~الآخر، لم يقل أحد قط: إن الله قد أنطق الساكت، كما أنطق المتكلم، وكلاهما ~~قد أعطي آلة النطق، ومتعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب الفعل لا الإفعال. # فإن قيل: هل تطردون هذا في جميع أفعال العبد من كفره وزناه وسرقته، ~~فتقولون: إن الله أفعله، وهو الذي فعل، أم تخصون ذلك ببعض الأفعال، فيظهر ~~تناقضكم؟. # قيل: هاهنا أمران: أمر لغوي، وأمر معنوي، فأما اللغوي فإن ذلك لا يطرد في ~~لغة العرب، لا يقولون: أزنى الله الرجل، وأسرقه وأشربه وأقتله، إذا جعله ~~يزني ويسرق ويشرب ويقتل، وإن كان في لغتها: أقامه وأقعده وأنطقه وأضحكه ~~وأبكاه وأضله، وقد يأتي هذا مضاعفا كفهمه وعلمه وسيره، وقال تعالى: ~~ففهمناها سليمان (79) [الأنبياء] فالتفهيم منه سبحانه، والفهم من نبيه ~~سليمان، وكذلك قوله: وعلمناه من لدنا علما (65) [الكهف] فالتعليم منه ~~سبحانه، وكذلك التسيير، والسير والتعلم من العبد، فهذا المعنى ثابت في جميع ~~الأفعال، فهو سبحانه هو الذي جعل العبد فاعلا، كما قال: وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا (73) [الأنبياء] وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار (41) [القصص] ~~فهو سبحانه الذي جعل أئمة الهدى، يهدون بأمره، وجعل أئمة الضلال والبدع، ~~يدعون إلى النار، فامتناع إطلاق: # أكلمه فتكلم، لا يمنع من إطلاق أنطقه فنطق، وكذلك امتناع إطلاق: أهداه ~~بأمره، وادعاه إلى النار، لا يمنع من إطلاق جعله يهدي بأمره، ويدعو إلى النار. # فإن قيل: ومع ذلك كله هل تقولون: إن الله سبحانه هو الذي جعل الزانيين ~~يزنيان، وهو الذي جمع بينهما على الفعل، وساق أحدهما إلى صاحبه. PageV01P357 # قيل: أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل، ~~فيطلقها من يريد حقها، فينكرها ms247 من يريد باطلها، فيرد عليه من يريد حقها، ~~وهذا باب إذا تأمله الذكي الفطن، رأى منه عجائب، وخلصه من ورطات، تورط فيها ~~أكثر الطوائف، فالجعل المضاف إلى الله سبحانه، يراد به الجعل الذي يحبه ~~ويرضاه، والجعل الذي قدره وقضاه قال الله: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ~~ولا وصيلة ولا حام (103) [المائدة] فهذا نفي لجعله الشرعي الديني، أي: ما ~~شرع ذلك، ولا أمر به، ولا أحبه ورضيه، وقال تعالى: # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار (41) [القصص] فهذا جعل كوني قدري، أي: ~~قدرنا ذلك وقضيناه، وجعل العبد إماما يدعو إلى النار أبلغ من جعله يزني ~~ويسرق ويقتل، وجعله كذلك أيضا لفظ مجمل، يراد به أنه جبره وأكرهه عليه، ~~واضطره إليه، وهذا محال في حق الرب تعالى، وكماله المقدس يأبى ذلك، وصفات ~~كماله تمنع منه، كما تقدم، ويراد به أنه مكنه من ذلك، وأقدره عليه من غير ~~أن يضطره إليه، ولا أكرهه ولا أجبره، فهذا حق. # فإن قيل: هذا كله عدول عن المقصود، فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من ~~العدم إلى الوجود؟. # قيل: الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود، ~~بإقدار الله له على ذلك، وتمكينه منه، من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى فعلها. # فإن قيل: فمن الذي خلقها إذا؟. # قيل لكم: ومن الذي فعلها؟. # فإن قلتم: الرب سبحانه هو الفاعل للفسوق والعصيان، أكذبكم العقل PageV01P358 ~~والفطرة، وكتب الله المنزلة، وإجماع رسله وإثبات حمده وصفات كماله، فإن ~~فعله سبحانه كله خير، وتعالى أن يفعل شرا بوجه من الوجوه، فالشر ليس إليه، ~~والخير هو الذي إليه، ولا يفعل إلا خيرا، ولا يريد إلا خيرا، ولو شاء لفعل ~~غير ذلك، ولكنه تعالى تنزه عن فعل ما لا ينبغي وإرادته ومشيئته، كما هو ~~منزه عن الوصف به والتسمية به. # وإن قلتم: العبد هو الذي فعلها بما خلق فيه من الإرادة والمشيئة. # قيل: فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها بهذا الاعتبار، ولو سلك الجبري ~~مع القدري هذا المسلك لاستراح معه وأراحه، ms248 وكذلك القدري معه، ولكن انحرف ~~الفريقان عن سواء السبيل، كما قال: # سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب # فإن قيل: فهل يمكنه الامتناع منها، وقد خلقت فيه نفسها أو أسبابها ~~الموجبة لها، وخلق السبب الموجب خلق لمسببه وموجبه؟. # قيل: هذا السؤال يورد على وجهين، أحدهما: أن يراد به أنه يصير مضطرا ~~إليها ملجأ إلى فعلها بخلقها أو خلق أسبابها، بحيث لا يبقى له اختيار في ~~نفسه، ولا إرادة، وتبقى حركته قسرية لا إرادية. الثاني أنه هل لاختياره ~~وإرادته وقدرته تأثير فيها، أو التأثير لقدرة الرب ومشيئته فقط، وذلك هو ~~السبب الموجب للفعل، فإن أوردتموه على الوجه الأول فجوابه أنه يمكنه أن ~~يفعل وأن لا يفعل، ولا يصير مضطرا ملجأ بخلقها فيه، ولا بخلق أسبابها ~~ودواعيها، فإنها إنما خلقت فيه على وجه، يمكنه فعلها وتركها، ولو لم يمكنه ~~الترك، لزم اجتماع النقيضين، وأن يكون مريدا غير مريد، فاعلا غير فاعل، ~~ملجأ غير ملجأ. # وإن أوردتموه على الوجه الثاني، فجوابه أن لإرادته واختياره وقدرته أثرا PageV01P359 ~~فيها، وهي السبب الذي خلقها الله به في العبد، فقولكم: إنه لا يمكنه الترك، ~~مع الاعتراف بكونه متمكنا من الفعل، جمع بين النقيضين، فإنه إذا تمكن من ~~الفعل، كان الفعل اختياريا، إن شاء فعله. وإن شاء لم يفعله، فكيف يصح أن ~~يقال: لا يمكنه ترك الفعل الاختياري الممكن، هذا خلف من القول، وحقيقة ~~الأمر أنه يمكنه الترك لو أراده، لكنه لا يريده، فصار لازما بالإرادة ~~الجازمة. # فإن قيل: فهذا يكفي في كونه مجبورا عليه. # قيل: هذا من أدل شي ء على بطلان الجبر، فإنه إنما لزم بإرادته المنافية ~~للجبر، ولو كان وجوب الفعل بالإرادة يقتضي الجبر، لكان الرب تعالى وتقدس ~~مجبورا على أفعاله، لوجوبها بإرادته ومشيئته، وذلك محال. # فإن قيل: الفرق أن إرادة الرب تعالى من نفسه، لم يجعله غيره مريدا، ~~والعبد إرادته من ربه، إذ هي مخلوقة له، فإنه هو الذي جعله مريدا. # قيل: هذا موضع اضطرب فيه الناس، فسلكت فيه القدرية واديا، وسلكت الجبرية ms249 ~~واديا، فقالت القدرية: العبد هو الذي يحدث إرادته، وليست مخلوقة لله، والله ~~مكنه من إحداث إرادته بأن خلقه كذلك. وقالت الجبرية: بل الله هو الذي يحدث ~~إرادات العبد شيئا بعد شي ء، فإحداث الإرادات فيه كإحداث لونه وطوله وقصره ~~وسواده وبياضه، مما لا صنع له فيه البتة، فلو أراد أن لا يريد، لما أمكنه ~~ذلك، وكان كما لو أراد أن يكون طوله وقصره ولونه على غير ما هو عليه، فهو ~~مضطر إلى الإرادة، وكل إرادة من إرادته فهي متوقفة على مشيئة الرب لها ~~بخصوصها، فهي مرادة له سبحانه، كما هي معلومة مقدورة، فلزمهم القول بالجبر ~~من هذه الجهة، ومن جهة نفيهم أن يكون لإرادة العبد وقدرته أثر في الفعل. PageV01P360 # فإن قيل: فأي واد تسلكونه غير هذين الواديين، وأي طريق تمرون فيها سوى هذين ~~الطريقين؟. # قيل: نعم هاهنا طريقة ثالثة، لم يسلكها الفريقان، ولم يهتد إليها ~~الطائفتان، ولو حكمت كل طائفة ما معها من الحق، والتزمت لوازمه وطردته، ~~لساقها إلى هذه الطريق، ولأوقعها على المحجة المستقيمة، فنقول، وبالله ~~التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله: العبد ~~بجملته مخلوق لله جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله، فهو مخلوق من جميع ~~الوجوه، وخلق على نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله، وتلك ~~النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه، فهو الذي خلقه وكونه كذلك، وهو لم يجعل ~~نفسه كذلك، بل خالقه وباريه جعله محدثا لإرادته وأفعاله، وبذلك أمره ونهاه، ~~وأقام عليه حجته، وعرضه للثواب والعقاب، فأمره بما هو متمكن من إحداثه، ~~ونهاه عما هو متمكن من تركه، ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك ~~التي مكنه منها، وأقدره عليها، وناطها «1» به، وفطر خلقه على مدحه وذمه ~~عليها مؤمنهم وكافرهم، المقر بالشرائع منهم والجاحد لها، فكان مريدا شائيا ~~بمشيئة الله له، ولو لا مشيئة الله أن يكون شائيا، لكان أعجز وأضعف من أن ~~يجعل نفسه شائيا، فالرب سبحانه أعطاه مشيئة وقدرة وإرادة، وعرفه ما ينفعه ~~وما يضره، وأمره أن يجري مشيئته وإرادته ms250 وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى ~~غاية صلاحه، فإجراؤها في طريق هلاكه بمنزلة من أعطى عبده فرسا يركبها، ~~وأوقفه على طريق نجاة وهلكة، وقال: أجرها في هذا الطريق، فعدل بها إلى ~~الطريق الأخرى، وأجراها فيها، فغلبته بقوة رأسها وشدة سيرها، وعز عليه ردها ~~عن جهة جريها، وحيل بينه وبين إدارتها إلى ورائها مع اختيارها وإرادتها، فلو PageV01P361 ~~قلت: كان ردها عن طريقها ممكنا له مقدورا، أصبت، وإن قلت: لم يبق في هذه ~~الحال بيده من أمرها شي ء، ولا هو متمكن، أصبت، بل قد حال بينه وبين ردها ~~من يحول بين المرء وقلبه، ومن يقلب أفئدة المعاندين وأبصارهم. # وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة، فتأمل حال من عرضت له صورة بارعة الجمال، ~~فدعاه حسنها إلى محبتها، فنهاه عقله، وذكره ما في ذلك من التلف والعطب، ~~وأراه مصارع العشاق عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه، فعاد يعاود ~~النظر مرة مرة، ويحث نفسه على التعلق وقوة الإرادة، ويحرض على أسباب ~~المحبة، ويدني الوقود من النار، حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها، ورمت بشررها، ~~وقد أحاطت به، طلب الخلاص، قال له القلب: هيهات: لات حين مناص، وأنشده: # تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق # رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق # فكان الترك أولا مقدورا له، لما لم يوجد السبب التام والإرادة الحازمة ~~الموجبة للفعل، فلما تمكن الداعي، واستحكمت الإرادة، قال المحب لعاذله: # يا عاذلي والأمر في يده ... هلا عذلت وفي يدي الأمر # فكان أول الأمر إرادة واختيارا ومحبة، ووسطه اضطرارا، وآخره عقوبة وبلاء، ~~ومثل هذا برجل ركب فرسا، لا يملكه راكبه، ولا يتمكن من رده، وأجراه في طريق ~~ينتهي به إلى موضع هلاك، فكان الأمر إليه قبل ركوبها، فلما توسطت به ~~الميدان، خرج الأمر عن يده، فلما وصلت به إلى الغاية، حصل على الهلاك. ~~ويشبه هذا حال السكران الذي قد زال عقله، إذا جني PageV01P362 ~~عليه في حال سكره، لم يكن معذورا لتعاطيه السبب اختيارا، فلم يكن معذورا ms251 ~~بما ترتب عليه اضطرارا وهذا مأخذ من أوقع طلاقه من الأئمة. # ولهذا قالوا: إذا زال عقله بسبب يعذر فيه، لم يقع طلاقه، فجعلوا وقوع ~~الطلاق عليه من تمام عقوبته، والذين لم يوقعوا الطلاق قولهم أفقه، كما أفتى ~~به عثمان بن عفان، ولم يعلم له في الصحابة مخالف، ورجع عليه الإمام أحمد، ~~واستقر عليه قوله. فإن الطلاق ما كان عن وطر، والسكران لا وطر له في ~~الطلاق. # وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم وقوع الطلاق في حال الغلق «1»، ~~والسكر من الغلق كما أن الإكراه والجنون من الغلق، بل قد نص الإمام أحمد ~~وأبو عبيد وأبو داود على أن الغضب إغلاق، وفسر به الإمام أحمد الحديث في ~~رواية أبي طالب، وهذا يدل على أن مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع، وهذا هو ~~الصحيح الذي يفتى به، إذا كان الغضب شديدا، قد أغلق عليه قصده، فإنه يصير ~~بمنزلة السكران والمكره، بل قد يكونان أحسن حالا منه، فإن العبد في حال شدة ~~غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال. # وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذه الحال، ~~ولو أجابه لقضى عليه أجله، وقد عذر سبحانه من اشتد به الفرح بوجود راحلته ~~في الأرض المهلكة بعد ما يئس منها، فقال: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك؛ ولم ~~يجعله بذلك كافرا، لأنه أخطأ بهذا القول من شدة الفرح، فكمال رحمته وإحسانه ~~وجوده يقتضي أن لا يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه وأهله وولده، ولا ~~بطلاقه لزوجته، وأما إذا زال عقله بالغضب، فلم يعقل ما PageV01P363 ~~يقول، فإن الأمة متفقة على أنه لا يقع طلاقه ولا عتقه، ولا يكفر بما يجري ~~على لسانه من كلمة الكفر. PageV01P364 ### | AUTO الباب التاسع عشر في ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس مذاكرة # قال الجبري: القول بالجبر لازم لصحة التوحيد، ولا يستقيم التوحيد إلا به، ~~لأنا إن لم نقل بالجبر، أثبتنا فاعلا للحوادث مع الله، إن شاء فعل، وإن ms252 شاء ~~لم يفعل، وهذا شرك ظاهر، لا يخلص منه إلا القول بالجبر. # قال السني: بل القول بالجبر مناف للتوحيد، ومع منافاته للتوحيد فهو مناف ~~للشرائع ودعوة الرسل والثواب والعقاب، فلو صح الجبر، لبطلت الشرائع، وبطل ~~الأمر والنهي، ويلزم من بطلان ذلك بطلان الثواب والعقاب. # قال الجبري: ليس من العجب دعواك منافاة الجبر للأمر والنهي والثواب ~~والعقاب، فإن هذا لم يزل يقال، وإنما العجب دعواك منافاته للتوحيد، وهو من ~~أقوى أدلة التوحيد، فكيف يكون المصور للشي ء المقوي له منافيا له. # قال السني: منافاته للتوحيد من أظهر الأمور، ولعلها أظهر من منافاته ~~الأمر والنهي، وبيان ذلك أن أصل عقد التوحيد وإثباته هو شهادة أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والجبر ينافي الكلمتين، فإن الإله هو ~~المستحق لصفات الكمال، المنعوت بنعوت الجلال، وهو الذي تألهه PageV01P365 ~~القلوب، وتصمد إليه بالحب والخوف والرجاء، فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو ~~إفراد الرب بالتأله الذي هو كمال الذل والخضوع والانقياد له، مع كمال ~~المحبة والإثابة وبذل الجهد في طاعته ومرضاته، وإيثار محابه ومراده الديني ~~على محبة العبد ومراده، فهذا أصل دعوة الرسل، وإليه دعوا الأمم، وهو ~~التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، لا من الأولين ولا من ~~الآخرين، وهو الذي أمر به رسله، وأنزل به كتبه، ودعا إليه عباده، ووضع لهم ~~دار الثواب والعقاب لأجله، وشرع الشرائع لتكميله وتحصيله. # وكان من قولك أيها الجبري أن العبد لا قدرة له على هذا البتة، ولا أثر له ~~فيه، ولا هو فعله، وأمره بهذا أمر له بما لا يطيق، بل أمر له بإيجاد فعل ~~الرب، وأن الرب سبحانه أمره بذلك، وأجبره على ضده، وحال بينه وبين ما أمره ~~به، ومنعه منه وصده عنه، ولم يجعل له إليه سبيلا بوجه من الوجوه، مع قولك: ~~إنه لا يحب ولا يحب، فلا تتألهه القلوب بالمحبة والود والشوق والطلب وإرادة ~~وجهه. والتوحيد معنى ينتظم من إثبات الإلهية وإثبات العبودية، فرفعت معنى ~~الإلهية بإنكار كونه محبوبا مودودا، تتنافس ms253 القلوب في محبته، وإرادة وجهه ~~والشوق إلى لقائه، ورفعت حقيقة العبودية بإنكار كون العبد فاعلا وعابدا ~~ومحبا، فإن هذا كله مجاز لا حقيقة له عندك، فضاع التوحيد بين الجبر وإنكار ~~محبته وإرادة وجهه، لا سيما والوصف الذي وصفته به منفر للقلوب عنه، حائل ~~بينها وبين محبته، فإنك وصفته بأنه يأمر عبده بما لا قدرة له على فعله، ~~وينهاه عما لا يقدر على تركه، بل يأمره بفعله هو سبحانه، وينهاه عن فعله هو ~~سبحانه، ثم يعاقبه أشد العقوبة على ما لم يفعله البتة، بل يعاقبه على ~~أفعاله هو سبحانه، وصرحت بأن عقوبته على ترك ما أمره وفعل ما نهاه بمنزلة ~~عقوبته على ترك طيرانه إلى السماء، وترك تحويله للجبال عن أماكنها، ونقله ~~مياه البحار عن مواضعها، وبمنزلة عقوبته له على ما لا صنع له فيه، من لونه ~~وطوله وقصره، وصرحت بأنه يجوز عليه أن PageV01P366 ~~يعذب أشد العذاب لمن لم يعصه طرفة عين، وأن حكمته ورحمته لا تمنع ذلك، بل ~~هو جائز عليه، ولو لا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك، لم ننزهه عنه. # وقلت: إن تكليفه عباده بما كلفهم به بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة، والزمن ~~للطيران، فبغضت الرب إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد، ونفرته عنه، وزعمت أنك ~~تقرر بذلك توحيده، وقد قلعت شجرة التوحيد من أصلها. # وأما منافاة الجبر للشرائع فأمر ظاهر، لا خفاء به، فإن مبنى الشرائع على ~~الأمر والنهي، وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور ونهيه عن فعله، ~~لا فعل المنهي، عبث ظاهر، فإن متعلق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ~~ومعصيته، فمن لا فعل له، كيف يتصور أن يوقعه بطاعة أو معصية، وإذا ارتفعت ~~حقيقة الطاعة والمعصية، ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب، وكان ما يفعله الله ~~بعباده يوم القيامة، من النعيم والعذاب، أحكاما جارية عليهم، بمحض المشيئة ~~والقدرة، لا أنها بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم، بل هاهنا أمر آخر، وهو أن الجبر ~~مناف للخلق كما هو مناف للأمر، فإن الله سبحانه له الخلق والأمر، وما قامت ~~السموات إلا ms254 بعدله، فالخلق قام بعدله، وبعدله ظهر، كما أن الأمر بعدله ~~وبعدله وجد، فالعدل سبب وجود الخلق، والأمر وغايته، فهو عليه الفاعلية ~~الغائية، والجبر لا يجامع العدل، ولا يجامع الشرع والتوحيد. # قال الجبري: لقد نطقت أيها السني بعظيم، وفهت بكبير، وناقضت بين ~~متوافقين، وخالفت بين متلازمين، فإن أدلة العقول والشرع المنقول قائمة على ~~الجبر، وما دل عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب العقل والشرع، فاسمع الآن ~~الدليل الباهر والبرهان القاهر، على الجبر، ثم نتبعه بأمثال، PageV01P367 ~~فنقول: صدور الفعل عند حصول القدرة والداعي إما أن يكون واجبا، أو لا يكون ~~واجبا، فإن كان واجبا، كان فعل العبد اضطراريا، وذلك عين الجبر، لأن حصول ~~القدرة والداعي ليس بالعبد، وإلا لزم التسلسل، وهو ظاهر، وإذا كان كذلك ~~فعند حصولهما يكون واجبا، وعند عدم حصولهما يكون الفعل ممتنعا، فكان الجبر ~~لازما لا محالة، وأما إن لم يكن حصول الفعل، عند حصول القدرة والداعي ~~واجبا، فإما أن يتوقف رجحان الفعل على رجحان الترك على مرجح، أو لا يتوقف، ~~فإن توقف، كان حصول ذلك الفعل عند حصول المرجح واجبا، وإلا عاد الكلام ولزم ~~التسلسل، وإذا كان واجبا كان اضطراريا، وهو عين الجبر، وإن لم يتوقف على ~~مرجح، كان جائز الوقوع وجائز العدم، فوقوعه بغير مرجح يستلزم حصول الأثر ~~بلا مؤثر، وذلك محال. # فإن قلت: المرجح هو إرادة العبد، قلت لك: إرادة العبد حادثة، والكلام في ~~حدوثها كالكلام في حدوث المراد بها، ويلزم التسلسل. # قال السني: هذا أحد سهم في كنانتك، وهو بحمد الله سهم لا ريش له ولا نصل، ~~مع عوجه وعدم استقامته، وأنا استفسرك عما في هذه الحجة من الألفاظ المجملة ~~المستعملة على حق وباطل، وأبين فسادها، فما تعني بقولك: إن كان الفعل عند ~~القدرة والداعي واجبا، كان فعل العبد اضطراريا، وهو عين الجبر، أتعني به أن ~~يكون مع القدرة والداعي بمنزلة حركة المرتعش، وحركة من نفضته الحمى، وحركة ~~من رمي به من مكان عال، فهو يتحرك في نزوله اضطرارا منه، أم تعني به أن ~~الفعل ms255 عند اجتماع القدرة والداعي يكون لازم الوقوع بالقدرة؟ فإن أردت، ~~بكونه اضطراريا، المعنى الأول، كذبتك العقول والفطر والحس والعيان، فإن ~~الله فطر عباده على التفريق بين حركة من رمي به من شاهق، فهو يتحرك إلى ~~أسفل، وبين حركة PageV01P368 ~~من يرقى في الجبل إلى علوه، وبين حركة المرتعش، وبين حركة المصفق، وبين ~~حركة الزاني والسارق، والمجاهد والمصلي، وحركة المكتوف الذي قد أوثق رباطا، ~~وجر على الأرض، فمن سوى بين الحركتين، فقد خلع ربقة «1» العقل والفطرة ~~والشرعة من عنقه، وإن أردت المعنى الثاني، وهو كون العقل لازم الوجود عند ~~القدرة، والداعي كان لازم الوجود، وهذا لا فائدة فيه، وكونه لازما وواجبا، ~~بهذا المعنى، لا ينافي كونه مختارا مرادا له مقدورا له غير مكره عليه، ولا ~~مجبور، فهذا الوجوب واللزوم لا ينافي الاختيار، ثم نقول: لو صحت هذه الحجة، ~~لزم أن يكون الرب سبحانه مضطرا على أفعاله مجبورا عليها، بمعنى ما ذكرت من ~~مقدماتها، وأنه سبحانه يفعل بقدرته ومشيئته، وما ذكرت من وجوب الفعل، عند ~~القدرة والداعي، وامتناعه عند عدمهما ثابت في حقه سبحانه، وقد اعترف أصحابك ~~بهذا الإلزام، وأجابوا عنه بما لا يجدي شيئا. # قال ابن الخطيب عقيب ذكر هذه الشبهة: فإن قلت: هذا ينفي كونه فاعلا ~~مختارا، قلت: الفرق أن إرادة العبد محدثة، فافتقرت إلى إرادة، يحدثها الله ~~دفعا للتسلسل، وإرادة الباري قديمة، فلم تفتقر إلى إرادة أخرى. # ورد هذا الفرق صاحب «التحصيل» فقال: ولقائل أن يقول: هذا لا يدفع التقسيم ~~المذكور، قلت،: فإن التقسيم متردد بين لزوم الفعل عند الداعي، وامتناعه عند ~~عدمه، وهذا التقسيم ثابت في حق الغائب والشاهد، وكون إرادة الرب سبحانه ~~قديمة، من لوازم ذاته، لا فاعل لها، لا يمنع هذا الترديد والتقسيم، فإن عند ~~تعلقها بالمراد يلزم وقوعه، وعند عدم تعلقها به يمتنع وقوعه، وهذا اللزوم ~~والامتناع لا يخرجه سبحانه عن كونه فاعلا مختارا، ثم PageV01P369 ~~نقول: هذا المعنى لا يسمى جبرا ولا اضطرارا، فإن حقيقة الجبر ما حصل بإكراه ~~غير الفاعل له على الفعل، وحمله على ms256 إيقاعه بغير رضاه واختياره، والرب ~~سبحانه هو الخالق للإرادة والمحبة والرضا في قلب العبد، فلا يسمى ذلك جبرا ~~لا لغة ولا عقلا ولا شرعا، ومن العجب احتجاجك، بالقدرة والداعي، على أن ~~الفعل الواقع بهما اضطراري من العبد، والفعل عندكم لم يقع بهما، ولا هو فعل ~~العبد بوجه، وإنما هو عين فعل الله، وذلك لا يتوقف على قدرة من العبد ولا ~~داع منه، ولا هناك ترجيح له عند وجودهما، ولا عدم ترجيح عند عدمهما، بل ~~نسبة الفعل إلى القدرة والداعي كنسبته إلى عدمهما، فالفعل عندك غير فعل ~~الله، فلا ترجيح هناك من العبد ولا مرجح ولا تأثير ولا أثر. # قال السني: وقد أجابك إخوانك من القدرية، عن هذه الحجة، بأجوبة أخرى، ~~فقال أبو هاشم وأصحابه: لا يتوقف فعل القادر على الداعي، بل يكفي في فعله ~~مجرد قدرته. قالوا: فقولك عند حصول الداعي: إما أن يجب الفعل، أو لا يجب. ~~عندنا لا يجب الفعل بالداعي، ولا يتوقف عليه، ولا يمكنك أيها الجبري الرد ~~على هؤلاء، فإن الداعي عندك لا تأثير له في الفعل البتة، ولا هو متوقف ~~عليه، ولا على القدرة، فإن القدرة الحادثة عندك لا تؤثر في مقدورها، فكيف ~~يؤثر الداعي في الفعل، فهذه الحجة لا تتوجه على أصولك البتة، وغايتها إلزام ~~خصومك بها على أصولهم. # وقال أبو الحسين البصري وأصحابه: يتوقف الفعل على الداعي. ثم قال أبو ~~الحسين: إذا تجرد الداعي، وجب وقوع الفعل، ولا يخرج بهذا الوجوب عن كونه ~~اختياريا. وقال محمود الخوارزمي صاحبه: لا ينتهي بهذا الداعي إلى حد ~~الوجوب، بل يكون وجوده أولى، قالوا: فنجيبك عن هذه الشبهة على الرأيين ~~جميعا، أما على رأي أبي هاشم، فنقول: صدور إحدى PageV01P370 ~~الحركتين عنه دون الأخرى، لا يحتاج إلى مرجح، بل من شأن القادر أن يوقع ~~الفعل من غير مرجح لجانب وجوده على عدمه، قالوا: ولا استبعاد في العقل في ~~وجود مخلوق متمكن من الفعل بدلا عن الترك، وبالضد من غير مرجح، كما أن ~~النائم والساهي يتحركان من غير داع ms257 وإرادة، فإن قلتم: بل هناك داع وإرادة، ~~لا يذكرها النائم والناسي، كان ذلك مكابرة، قلت: # وأصحاب هذا القول يقولون: إن القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل، ~~وأصحاب القول الأول يقولون: بل يفعل مع وجوب أن يفعل، ومحمود الخوارزمي ~~توسط بين المذهبين، وقال: بل يفعل مع أولوية أن يفعل. ولا ينتهي الترجيح ~~إلى حد الوجوب، فالأقوال خمسة: # أحدها: أن الفعل موقوف على الداعي، فإذا انضمت القدرة إليه، وجب الفعل ~~بمجموع الأمرين، وهذا قول جمهور العقلاء، ولم يصنع ابن الخطيب شيئا في ~~نسبته له إلى الفلاسفة وأبي الحسين البصري من المعتزلة. # الثاني: أن الفعل يجب بقدرة الله وقدرة العبد، وهذا قول من يقول: إن قدرة ~~العبد مؤثرة في مقدوره مع قدرة الله على عين مقدور العبد، وهذا قول أبي ~~إسحاق، واختيار الجويني في النظامية. # الثالث: قول من يقول: يجب بقدرة الله فقط، وهذا قول الأشعري والقاضي أبي ~~بكر، ثم اختلفا، فقال القاضي: كونه فعلا واقع بقدرة الله، وكونه صلاة أو ~~حجا أو زنا أو سرقة واقع بقدرة العبد، فتأثير قدرة الله في ذات الفعل، ~~وتأثير قدرة العبد في صفة الفعل؛ وقال الأشعري: أصل الفعل ووصفه واقعان ~~بقدرة الله، ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا. # الرابع: قول من يقول: لا يجب الفعل من القادر البتة، بل القادر هو الذي ~~يفعل، مع جواز أن لا يفعل، فلا ينتهي فعل القادر المختار إلى PageV01P371 ~~الوجوب أصلا، وهذا قول أبي هاشم وأصحابه. # الخامس: أن يكون عند الداعي أولى بالوقوع، ولا ينتهي إلى حد الوجوب، وهذا ~~قول الخوارزمي. # وقد سلم أبو الحسين أن الفعل يجب مع الداعي، وسلم أن الداعي مخلوق لله، ~~وقال: إن العبد مستقل بإيجاد فعله. قال: والعلم بذلك ضروري. # قال ابن الخطيب: وهذا غلو منه في القدر، وقوله: إنه يتوقف على الداعي، ~~والداعي خلق لله، غلو في الجبر، فجمع بين القدر والجبر مع غلوه فيهما، ولم ~~ينصفه، فليس ما ذهب إليه غلوا في قدر ولا جبر، فإن توقف الفعل على ms258 الداعي ~~ووجوبه عنده بقدرة العبد، ليس جبرا فضلا أن يكون غلوا فيه، وكون العبد ~~محدثا لفعله ضرورة بما خلقه الله فيه من القدرة والاختيار، ليس قولا بمذهب ~~القدرية، فضلا عن كونه غلوا فيه. # فصل # قال الجبري: إذا كان الداعي ليس من أفعالنا، وهو علم القادر أن في ذلك ~~الفعل مصلحة له، وذلك أمر مركوز في طبيعته التي خلق عليها، وذلك مفعول لله ~~فيه، والفعل واجب عنده، فلا معنى للجبر إلا هذا. # قال له السني: أخوك القدري يجيبك عن هذا، بأن ذلك الداعي قد يكون جهلا ~~وغلطا، وهذه أمور يحدثها الإنسان في نفسه، فيفعل على حسب ما يتوهم أن فيه ~~مصلحته، صادفها أو لم يصادفها، فالداعي لا ينحصر في PageV01P372 ~~العلم خاصة. # قال الجبري: لا يساوي هذا الجواب شيئا، فإن العطشان مثلا يدعوه الداعي ~~إلى شرب الماء، لعلمه بنفعه وشهوته وميله إلى شربه، وذلك العلم وتلك الشهوة ~~والميل إلى الشرب من فعل الله، فيجب على القدري أن يترك مذهبه صاغرا داحرا، ~~ويعترف بأن ذلك الفعل مضاف إلى من خلق فيه الداعي المقتضي. # قال القدري: ذلك الداعي وإن كان من فعل الله إلا أنه جار مجرى فعل ~~المكلف، لأنه قادر على أن يبطل أثره، بأن يستحضر صارفا عن الشرب، مثل أن ~~يحجم عن الشراب تجربة، هل يقدر على مخالفة الداعي أم لا، فإحجامه لأجل ~~التجربة أثر داع ثان، هو الصارف يعارض الداعي، فالحي قادر على تحصيله، ~~وقادر على إبقاء الداعي الأول بحاله، فإبقاؤه الداعي الأول بحاله، وإعراضه ~~عن إحضار المعارض له أمر، لولاه ما حصل الشرب، فمن هذا الوجه كان الشرب ~~فعلا له، لأنه قادر على تحصيل الأسباب المختلفة التي تصدر عنها الآثار، ~~ويصير هذا كمن شاهد إنسانا في نار متأججة، وهو قادر على إطفائها عنه، من ~~غير مشقة ولا مانع، فإنه إن لم يطفها، استحق الذم، وإن كان الإحراق من أثر النار. # وقد أجاب ابن أبي الحديد بجواب آخر، فقال: ويمكن أن يقال: إذا تجرد ~~الداعي، كما ذكرتم في صورة العطشان، فإن ms259 التكليف بالفعل والترك يسقط، لأنه ~~يصير أسوأ حالا من الملجأ. وهذا من أفسد الأجوبة على أصول جميع الفرق، فإن ~~مقتضى التكليف قائم، فكيف يسقط مع حضور الفعل والقدرة؟! وهذا قسم رابع من ~~الذين رفع عنهم التكليف، أثبته هذا القدري زائدا على الثلاثة الذين رفع ~~عنهم القلم، وهذا خرق منه، لإجماع الأمة المعلوم بالضرورة، ولو سقط التكليف ~~عند تجرد الداعي، لكان كل من تجرد PageV01P373 ~~داعيه إلى فعل ما أمر به، قد سقط عنه التكليف، وهذا القول أقبح من القول ~~بتكليف ما لا يطاق، ولهذا كان القائلون به أكثر من هذا القائل، وقولهم يحكى ~~ويناظر عليه. # قال الجبري: إذا كان الداعي من الله، وهو سبب الفعل، والفعل واجب عنده، ~~كان خالق الفعل هو خالق الداعي، أي: خالق السبب. # قال السني: هذا حق، فإن الداعي مخلوق لله في العبد، وهو سبب الفعل، ~~والفعل يضاف إلى الفاعل، لأنه صدر منه، ووقع بقدرته ومشيئته واختياره، وذلك ~~لا يمنع إضافته، بطريق العموم، إلى من هو خالق كل شي ء، وهو على كل شي ء ~~قدير، وأيضا فالداعي ليس هو المؤثر، بل هو شرط في تأثير القادر في مقدوره، ~~وكون الشرط ليس من العبد، لا يخرجه عن كونه فاعلا، وغاية قدرة العبد ~~وإرادته الجازمة أن يكون شرطا، أو جزء سبب، والفعل موقوف على شروط وأسباب، ~~لا صنع للعبد فيها البتة، وأسهل الأفعال رفع العين لرؤية الشي ء، فهب أن ~~فتح العين فعل العبد إلا أنه لا يستقل بالإدراك، فإن تمام الإدراك موقوف ~~على خلق الدرك، وكونه قابلا للرؤية، وخلق آلة الإدراك وسلامتها، وصرف ~~الموانع عنها، فما تتوقف عليه الرؤية من الأسباب والشروط التي لا تدخل تحت ~~مقدور العبد أضعاف أضعاف ما يقدر عليه من تقليب حدقته نحو المرئي، فكيف ~~يقول عاقل: إن جزء السبب أو الشرط موجب مستقل لوجود الفعل؟! وهذا الموضع ~~مما ضل فيه الفريقان، حيث زعمت القدرية أنه موجب للفعل، وزعمت الجبرية أنه ~~لا أثر له فيه، فخالفت الطائفتان صريح المعقول والمنقول، وخرجت عن السمع ms260 ~~والعقل. # والتحقيق أن قدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء السبب التام الذي ~~يجب فيه الفعل، فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل، مع أن أكثر أسبابه ليست PageV01P374 ~~إليه، فقد خرج عن موجب العقل والشرع، فهب أن دواعي حركة الضرب منك مستقلا ~~بها، فهل سلامة الآلة منك؟ وهل وجود المحل المنفعل وقبوله منك؟ وهل خلق ~~الفضاء بينك وبين المضروب، وخلوه عن المانع منك؟ # وهل إمساك قدرته عن مضاربتك وغلبك منك؟ وهل القوة التي في اليد والرباطات ~~والاتصالات التي بين عظامها وشد أسرها منك؟ ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ~~ما في الفعل، وأن وجود قدرته وإرادته وعدمها بالنسبة إلى الفعل على السواء، ~~فقد كابر العقل والحس. # قال الجبري: إن انتهت سلسلة الترجيحات إلى مرجح من العبد، فذلك المرجح ~~ممكن لا محالة، فإن ترجح بلا مرجح، انسد عليكم باب إثبات الصانع، إذا جوزتم ~~رجحان أحد طرفي الممكن، وإن توقف على مرجح آخر، لزم التسلسل، فلا بد من ~~انتهائه إلى مرجح من الله، لا صنع للعبد فيه. # قال السني: أما إخوانك القدرية فإنهم يقولون: القادر المختار يحدث إرادته ~~وداعيته لا مرجح من غيره، قالوا: والفطرة شاهدة بذلك، فإنا لا نفعل ما لم ~~نرد، ولا نريد ما لم نعلم أن في الفعل منفعة لها أو دفع مضرة، ولا نجد لهذه ~~الإرادة إرادة أحدثتها، ولا لعلمنا، بأن ذلك نافع، علما آخر أحدثه، فالمرجح ~~هو ما خلق عليه العبد وفطر عليه من صفاته القائمة به، فالله سبحانه أنشأ ~~العبد نشأة، يتحرك فيها بالطبع، فحركته بالإرادة، والمشيئة من لوازم نشئه، ~~وكونه حيوانا، فإرادته وميله من لوازم كونه حيا، فأفعال العبد الخاصة به هي ~~الدواعي والإرادات لا غير، وما يقع بها من الأفعال شبيه بالفعل المتولد من ~~حيث كان المتولد سببا، وهذه الأفعال صادرة عن الدواعي التي عرفها العبد ~~ابتداء، من غير واسطة، فاشتراكهما في أن كل واحد منهما مستند إلى فعل خاص ~~بالعبد، فهما متماثلان من هذه الجهة. PageV01P375 # قال السني: وهذا جواب باطل بأبطل منه، ورد ms261 فاسد بأفسد منه، ومعاذ الله، ~~والله أكبر وأجل وأعظم وأعز أن يكون في عبده شي ء غير مخلوق له، ولا هو ~~داخل تحت قدرته ومشيئته، فما قدر الله حق قدره من زعم ذلك، ولا عرفه حق ~~معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه، بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه ~~وكل ذرة فيه مخلوق لله خلقا، تصرف به في عبده. # وقد بينا أن قدرته وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء سبب الفعل غير مستقل ~~بإيجاده، ومع ذلك فهذا الجزء مخلوق لله فيه، فهو عبد مخلوق من كل وجه وبكل ~~اعتبار، وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته، وقلبه بيد خالقه، وبين ~~إصبعين من أصابعه، يقلبه كيف يشاء، فيجعله مريدا لما شاء وقوعه منه، كارها ~~لما لم يشأ وقوعه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. # ونعم والله سلسلة المرجحات تنتهي إلى أمر الله الكوني ومشيئته النافذة ~~التي لا سبيل لمخلوق إلى الخروج عنها، ولكن الجبر لفظ مجمل، يراد به حق ~~وباطل كما تقدم، فإن أردتم به أن العبد مضطر في أفعاله، وحركته في الصعود ~~في السلم كحركته في وقوعه منه، فهذا مكابرة للعقول والفطر، إن أردتم به أنه ~~لا حول له ولا قوة إلا بربه وفاطره، فنعم لا حول ولا قوة إلا بالله، وهي ~~كلمة عامة لا تخصيص فيها بوجه ما، فالقوة والقدرة والحول بالله، فلا قدرة ~~له ولا فعل إلا بالله فلا ننكر هذا، ولا نجحده لتسمية القدري له جبرا، فليس ~~الشأن في الأسماء، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها ~~من سلطان (23) [النجم]، فلا نترك، لهذه الأسماء، مقتضى العقل والإيمان. # والمحذور كل المحذور أن نقول: إن الله يعذب عبده على ما لا صنع له فيه، ~~ولا قدرة له عليه، ولا تأثير له في فعله بوجه ما، بل يعذبه على فعله هو ~~سبحانه وعلى حركته، إذا سقط من علو إلى سفل، نعم لا يمتنع أن PageV01P376 ~~يعذبه على ذلك، إذا كان قد تعاطى أسبابه بإرادته ومحبته، كما يعاقب ms262 السكران ~~على ما جناه في حال سكره، لتفريطه وعدوانه بارتكاب السبب، وكما يعاقب ~~العاشق الذي غلب على صبره وعقله، وخرج الأمر عن يده لتفريطه السابق، بتعاطي ~~أسباب العشق، وكما يعاقب الذي آل به إعراضه وبغضه للحق إلى أن صار طبعا ~~وقفا ورينا على قلبه، فخرج الأمر عن يده، وحيل بينه وبين الهدى، فيعاقبه ~~على ما لم يبق له قدرة عليه، ولا إرادة، بل هو ممنوع منه، وعقوبته عليه عدل ~~محض، لا ظلم فيه بوجه ما. # فإن قيل: فهل يصير في هذه الحال مكلفا، وقد حيل بينه وبين ما أمر به وصد ~~عنه ومنع منه، أم يزول التكليف؟. # قيل: ستقف على الجواب الشافي، إن شاء الله، عن هذا السؤال في باب «القول ~~في تكليف ما لا يطاق» قريبا، فإنه سؤال جيد، إذ المقصود هاهنا الكلام في ~~الجبر وما في لفظه من الإجمال وما في معناه من الهدى والضلال. # فصل # قال الجبري: إذا صدر من العبد حركة معينة، فإما أن تكون مقدورة للرب ~~وحده، أو العبد وحده، أو للرب والعبد، أو لا للرب ولا للعبد، وهذا القسم ~~الأخير باطل قطعا، والأقسام الثلاثة قد قال بكل واحد منها طائفة، فإن كانت ~~مقدورة للرب وحده، فهو الذي يقوله: وذلك عين الجبر، وإن كانت مقدورة للعبد ~~وحده، فذلك إخراج لبعض الأشياء عن قدرة الرب تعالى، فلا يكون على كل شي ء ~~قدير، ويكون العبد المخلوق الضعيف قادرا PageV01P377 ~~على ما لم يقدر عليه خالقه وفاطره، وهذا هو الذي فارقت به القدرية للتوحيد، ~~وضاهت به المجوس، وإن كانت مقدورة للرب والعبد، لزمت الشركة ووقوع مفعول ~~بين فاعلين ومقدور بين قادرين وأثر بين مؤثرين، وذلك محال، لأن المؤثرين ~~إذا اجتمعا استقلالا على أثر واحد، فهو غني عن كل منهما بكل منهما، فيكون ~~محتاجا إليهما مستغنيا عنهما. # قال السني: قد افترق الناس في هذا المقام فرقا شتى. # ففرقة قالت: إنما تقع الحركة بقدرة الله وحده، لا بقدرة العبد، وتأثير ~~قدرة العبد في كونها طاعة أو معصية، فقدرة الرب وحده ms263 اقتضت وجودها، وقدرة ~~العبد اقتضت صفتها. # وهذا قول القاضي أبي بكر ومن اتبعه، ولعمر الله إنه لغير شاف ولا كاف، ~~فإن صفة الحركة إن كان أثرا وجوديا، فقد أثرت قدرته في أمر موجود، فلا ~~يمتنع تأثيرها في نفس الحركة، وإن كان صفتها أمرا عدميا، كان متعلق قدرته ~~عدما لا وجودا، وذلك ممتنع إذ أثر القدرة لا يكون عدما صرفا. # وفرقة أخرى، قالت: بل الفعل وصفته واقع بمحض قدرة الله وحده، ولا تاثير ~~لقدرة العبد في هذا ولا هذا، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه. # وفرقة قالت: بل المؤثر قدرة العبد وحده دون قدرة الرب، ثم انقسمت هذه ~~الفرقة إلى فرقتين: # فرقة قالت: إن قدرة العبد هي المؤثرة، مع كون الرب قادرا على الحركة، ~~وقالت: إن مقدورات العباد مقدورة لله تعالى، وهذا قول أبي الحسين البصري ~~وأتباعه الحسينية. PageV01P378 # وفرقة قالت: إن قدرة العبد هي المؤثرة، والله سبحانه غير قادر على مقدور، ~~وهذا قول المشايخية أتباع أبي علي وأبي هاشم، وليس عند ابن الخطيب وجمهور ~~المتكلمين غير هذه الأقوال التي لا تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، وليس عند ~~أربابها إلا مناقضة بعضهم بعضا. # وقد أجاب بعض أصحاب أبي الحسين عن هذا السؤال، وإن كان يقول بمقدور بين ~~قادرين، فله أن يقول في هذا المقام: إن كان الدليل الذي ذكرته دليلا صحيحا ~~على استحالة اجتماعهما على فعل واحد، فإنما يدل على استحالته على فعلهما ~~على سبيل الجمع، ولا يستحيل على سبيل البذل كما يستحيل حصول جوهرين في مكان ~~واحد، ولا يستحيل حصولهما فيه على البدل، وهذا جواب باطل قطعا؛ فإن مضمونه ~~أن أحدهما لا يقدر عليه إلا إذا تركه الآخر، فحال تلبس العبد بالفعل بقدرته ~~وإرادته، إن كان مقدورا لله، فهو القول بمقدور بين قادرين، وإن لم يكن ~~مقدورا له، لزم إخراج بعض الممكنات عن قدرته. # فإن قلت: هو قادر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد، قيل لك: فهذا تصريح ~~منك بأنه في حال قدرة العبد عليه، لا يقدر عليه الرب، فلا ينفعك ms264 القول بأنه ~~قادر عليه على البدل، وأيضا فإن قدر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد، فإذا ~~قدر العبد عليه، انتفت قدرة الرب لانتفاء شرطها، وهذا مما صاح به عليكم أهل ~~التوحيد من أقطار الأرض، ورموكم به عن قوس واحدة، وإنما صانعتم به أهل ~~السنة مصانعة، وإلا فحقيقة هذا القول أن العبد يقدر على ما لا يقدر عليه ~~الرب، وحكاية هذا الرأي الباطل كافية في فساده. # فإن قلت: كما لا يمتنع معلوم واحد بين عالمين، ومراد واحد بين مريدين، ~~قيل: هذا من أفسد القياس، لأن المعلوم لا يتأثر بالعالم، والمراد PageV01P379 ~~لا يتأثر بالمريد، فيصح الاشتراك في المعلوم والمراد، كما يصح الاشتراك في ~~المرئي والمسموع، وأما المقدور فيجوز اشتراك القادرين فيه بالقدرة المصححة، ~~وهي صحة وقوعه من كل واحد منهما، وصحة التأثير من أحدهما لا تنافي صحته من ~~الآخر، أما اشتراكهما فيه بالقدرة الموجبة المقارنة لمقدورها، فهو عين ~~المحال إلا أن يراد الاشتراك على البدل، فيكون تأثير أحدهما فيه شرطا في ~~تأثير الآخر. # ولما تفطن أبو الحسين لهذا قال: لست أقول: إن إضافته إلى أحدهما هي ~~إضافته إلى الآخر، كما أن الشي ء الواحد يكون معلوما لعالمين، ويمتنع أن ~~يكون علم أحدهما به هو علم الآخر، فهكذا أقول في المقدور بين قادرين، ليست ~~قدرة أحدهما عليه هي قدرة الآخر، والمفعول بين فاعلين، ليس فعل أحدهما فيه ~~هو فعل الآخر، وإنما معنى قولي هذا أنه فعل لهذا وتأثير له أنه لقدرته ~~وداعيته وجد، وليس معنى كونه وجد لقدرة هذا وداعيته هو معنى كونه وجد لقدرة ~~الآخر وداعيته، قال: وليس يمتنع في العقل إضافة شي ء واحد إلى شيئين، لكنه ~~يمتنع أن يكون إضافته إلى أحدهما هي عين إضافته إلى الآخر. # وهذا لا يجدي عنه شيئا، فإن التقسيم المذكور دائر فيه، ونحن نقول: قد دل ~~الدليل على شمول قدرة الرب سبحانه لكل ممكن من الذوات والصفات والأفعال، ~~وأنه لا يخرج شي ء عن مقدوره البتة، ودل الدليل أيضا على أن العبد فاعل ~~لفعله ms265 بقدرته وإرادته، وأنه فعل له حقيقة، يمدح ويذم به عقلا وعرفا وشرعا، ~~وفطرة فطر الله عليها العباد حتى الحيوان البهيم، ودل الدليل على استحالة ~~مفعول واحد بالعين بين فاعلين مستقلين، وأثر واحد بين مؤثرين فيه على سبيل ~~الاستقلال، ودل الدليل أيضا على استحالة وقوع حادث لا محدث له، ورجحان راجح ~~لا مرجح له، وهذه أمور كتبها الله PageV01P380 ~~سبحانه في العقول، وحجج العقل لا تتناقض ولا تتعارض، ولا يجوز أن يضرب ~~بعضها ببعض، بل يقال بها كلها، ويذهب إلى موجبها، فإنها يصدق بعضها بعضا، ~~وإنما يعارض بينهما من ضعفت بصيرته، وإن كثر كلامه وكثرت شكوكه، والعلم أمر ~~آخر وراء الشكوك والإشكالات، ولهذا تناقض الخصوم. # وهذا رأس مال المتكلمين، والقول الحق لم ينحصر في هذه الأقوال التي حكوها ~~في المسألة. # والصواب أن يقال: تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه، ~~فالله سبحانه إذا أراد فعل العبد، خلق له القدرة والداعي إلى فعله، فيضاف ~~الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة ~~المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين، قدرة أحدهما أثر ~~لقدرة الآخر، وهي جزء سبب، وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير. والتعبير ~~عن هذا المعنى، بمقدور بين قادرين، تعبير فاسد وتلبيس، فإنه يوهم أنهما ~~متكافئان في القدرة، كما تقول: هذا الثوب بين هذين الرجلين، وهذه الدار بين ~~هذين الشريكين، وإنما المقدور واقع بالقدرة الحادثة وقوع المسبب بسببه، ~~والسبب أو المسبب والفاعل والآلة كله أثر القدرة القديمة، ولا نعطل قدرة ~~الرب سبحانه عن شمولها وكمالهما وتناولها لكل ممكن، ولا نعطل قدرة الرب ~~التي هي سبب عما جعلها الله سببا له ومؤثرة فيه، وليس في الوجود شي ء مستقل ~~بالتأثير سوى مشيئة الرب سبحانه وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له، وهو أثر ~~قدرته ومشيئته، ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى الله، أو القول بوجود ~~مخلوق لا خالق له، فإن فعل العبد إن لم يكن مخلوقا لله، كان مخلوقا للعبد، ~~إما استقلالا، وإما على سبيل ms266 الشركة، وإما أن يقع بغير خالق، ولا مخلص عن ~~هذه الأقسام لمنكر PageV01P381 ~~دخول الأفعال تحت قدرة الرب ومشيئته وخلقه، وإذا عرف هذا، فنقول: # الفعل وقع بقدرة الرب خلقا وتكوينا، كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته ~~وتكوينه، وبقدرة العبد سببا ومباشرة، والله خلق الفعل، والعبد فعله وباشره، ~~والقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته. # فصل # قال الجبري: لو كان العبد فاعلا لأفعاله، لكان عالما بتفاصيلها، لأنه ~~يمكن أن يكون الفعل أزيد مما فعله أو أنقص، فوقوعه على ذلك الوجه مشروط ~~بالعلم بتفصيله، ومعلوم أن النائم والغافل قد يفعل الفعل، ولا يشعر بكيفية ~~ولا قدرة، وأيضا فالمتحرك يقطع المسافة، ولا شعور له بتفاصيل الحركة ولا ~~أجزاء المسافة، ومحرك إصبعه محرك لأجزائها، ولا يشعر بعدد أجزائها ولا بعدد ~~أحيازها، والمنفس يتنفس باختياره، ولا يشعر في الغالب بنفسه فضلا عن أن ~~يشعر بكميته وكيفيته ومبدئه ونهايته، والغافل قد يتكلم بالكلمة، ويفعل ~~الفعل باختياره، ثم بعد فراغه منه، يعلم أنه لم يكن قاصدا له، فنحن نعلم ~~علما ضروريا من أنفسنا عدم علمنا بوجود أكثر حركاتنا وسكناتنا، في حالة ~~المشي والقيام والقعود، ولو أردنا فصل كل جزء من أجزاء حركاتنا في حالة ~~إسراعنا بالمشي والحركة والإحاطة به، لم يمكنا ذلك، بل ونعلم ذلك من حال ~~أكمل العقلاء، فما الظن بالحيوانات العجم في مشيها وطيرانها وسباحتها حتى ~~الذر والبعوض، وهذا مشاهد في السكران، ومن اشتد به الغضب، ولهذا قال تعالى: ~~يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~(43) [النساء]. PageV01P382 # فدل على أن السكران يصدر منه أقوال، لا يعلم بها، فكيف يكون هو المحدث لتلك ~~الأقوال، وهو لا يشعر بها؟! والإرادة فرع الشعور، ولهذا أفتى الصحابة بأنه ~~لا يقع طلاق السكران، نزلوا حركة لسانه منزلة تحريك غيره له بغير إرادته، ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق في الإغلاق» «1» لأن الإغلاق ~~يمنع العلم والإرادة، فكيف يكون التطليق فعله، وهو غير عالم به ولا مريد ~~له؟ وأيضا فقد قال جمهور الفقهاء: إن الناسي ms267 غير مكلف، لأن فعله لا يدخل ~~تحت الاختيار، ففعله غير مضاف إليه مع أنه وقع باختياره. # وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بعينه في قوله: «من ~~أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» «2». # فأضاف فعله إلى الله لا إليه، فلم يكن له فعل في الأكل والشرب، فلم يفطر به. # قال السني: هذا موضع تفصيل، لا يليق به الإجمال، فنقول: ما يصدر من العبد ~~من الأفعال ينقسم أقساما متعددة، بحسب قدرته وعلمه وداعيته وإرادته، فتارة ~~يكون ملجأ إلى الفعل، لا إرادة له فيه بوجه ما، كمن أمسكت يده وضرب بها ~~غيره، أو أمسكت إصبعه، وقلع بها عين غيره، فهذا فعله بمنزلة حركات الأشجار ~~بالريح، ولهذا لا يترتب عليه حكم البتة، ولا يمدح عليه ولا يذم ولا يثاب ~~ولا يعاقب، وهذا لا يسمى فاعلا عقلا ولا شرعا ولا عرفا، وتارة يكون مكرها ~~على أن يفعل، فهذا فعله يضاف إليه، وليس كالملجإ الذي لا فعل له، واختلف ~~الناس هل يقال: إنه فعل باختياره، وإنه PageV01P383 ~~يختار ما فعله، أولا يطلق عليه ذلك، على قولين. # والتحقيق أن النزاع لفظي، فإنه فعل بإرادة، هو محمول عليها مكره عليها، ~~فهو مكره مختار، مكره على أن يفعل بإرادته، مريد ليفعل ما أكره عليه، فإن ~~أريد بالمختار من يفعل بإرادته، وإن كان كارها للفعل، فالمكره مختار، وأيضا ~~فهو مختار ليفعل ما أكره، لتخلصه به مما هو أكره إليه من الفعل، فلما عرض ~~له مكروهان، أحدهما أكره إليه من الآخر، اختار أيسرهما دفعا لأشقهما، ولهذا ~~يقتل قصاصا، إذا قتل، عند الجمهور، والملجأ لا يقتل باتفاق الناس؛ ومما ~~يوضح هذا أن المكره على التكلم لا يتأتى منه التكلم إلا باختياره وإرادته، ~~ولهذا أوقع طلاقه وعتاقه بعض العلماء، والجمهور قالوا: لا يقع يقع لأن الله ~~جعل كلام المكره على كلمة الكفر لغوا، لا يترتب عليه أثره، لأنه وإن قصد ~~التكلم باللفظ دفعا عن نفسه، فلم يقصد معناه وموجبه، حتى قال بعض الفقهاء: ~~لو قصد الطلاق ms268 بقلبه مع الإكراه لم يقع طلاقه، لأن قوله هدر ولغو عند ~~الشارع، فوجوده كعدمه في حكمه، فبقي مجرد القصد، وهو غير موجب للطلاق، وهذا ~~ضعيف، فإن الشارع إنما ألغى قول المكره، إذا تجرد عن القصد، وكان قلبه ~~مطمئنا بضده، فأما إذا قارن اللفظ القصد، واطمأن القلب بموجبه، فإنه لا يعذر. # فإن قيل: فما تقولون فيمن ظن أن الإكراه لا يمنع وقوع الطلاق، فقصده ~~جاهلا بأن الإكراه مانع من وقوعه؟. # قيل: هذا لا يقع طلاقه، لأنه لما ظن أن الإكراه على الطلاق يوجب وقوعه، ~~إذا تكلم به، كان حكم قصده حكم لفظه، فإنه إنما قصده دفعا عن نفسه، لما علم ~~أنه لا يتخلص إلا به، ولم يظن أن الكلمة بدون القصد لغو، ودهش عن ذلك، ولا ~~وطر له في الطلاق، فهذا لا يقع، بخلاف الأول، فإنه لما أكره على الطلاق، ~~نشأ له قصد طلاقها، إذ لا غرض له أن يقيم مع PageV01P384 ~~امرأة، أكره على طلاقها، وإن كان لو لم يكره، لم يبتدئ طلاقها، والمقصود أن ~~المكره مريد لفعله غير ملجأ إليه. # فصل # وأما أفعال النائم فلا ريب في وقوع الفعل القليل منه، والكلام المفيد، ~~واختلف الناس هل تلك الأفعال مقدورة له، أو مكتسبة، أو ضرورية، بعد اتفاقهم ~~على أنها غير داخلة تحت التكليف. # فقالت المعتزلة وبعض الأشعرية: هي مقدورة له، والنوم لا يضاد القدرة، وإن ~~كان يضاد العلم وغيره من الإدراكات. # وذهب أبو إسحاق وغيره إلى أن ذلك الفعل غير مقدور له، وأن النوم يضاد ~~القدرة كما يضاد العلم. # وذهب القاضي أبو بكر وكثير من الأشعرية إلى أن فعل النائم، لا يقطع بكونه ~~مكتسبا، ولا بكونه ضروريا، وكل من الأمرين ممكن. # قال أصحاب القدرة: كان النائم قادرا في يقظته، وقدرته باقية، والنوم لا ~~ينافيها، فوجب استصحاب حكمها. # قالوا: وأيضا فالنائم إذا انتبه، فهو على ما كان عليه في نومه، ولا يتجدد ~~أمر وراء زوال النوم، وهو قادر بعد الانتباه، وزوال النوم غير موجب ~~للاقتدار، ولا وجوده نافيا للقدرة. # قالوا: وأيضا قد ms269 يوجد من النائم ما لو وجد منه في حال اليقظة، لكان PageV01P385 ~~واقعا على حسب الداعي والاختيار، والنوم وإن نافى القصد، فلا ينافي القدرة. # قال النافون للقدرة: قولكم: النوم لا ينافي القدرة، دعوى كاذبة، فإن ~~النائم منفعل محض، متأثر صرف، ولهذا لا يمتنع ممن يؤثر فيه، وقولكم: # لم يتجدد له أمر غير زوال النوم، فالتجدد زوال المانع من القدرة، فعاد ~~إلى ما كان عليه، كمن أوثق غيره رباطا، ومنعه من الحركة، فإذا حل رباطه، ~~تجدد زوال المانع. قالوا: نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وحركة المرتعش ~~والمفلوج، وما ذاك إلا أن حركته مقدورة له، وحركة المرتعش غير مقدورة له. # والتحقيق أن حركة النائم ضرورية له غير مكتسبة، وكما فرقنا في حق ~~المستيقظ بين حركة ارتعاشه وحركة تصفيقه، كذلك نجد تفرقة ضرورية بين حركة ~~النائم وحركة المستيقظ. # فصل # وأما زائل العقل بجنون أو سكر، فليست أفعاله اضطرارية كأفعال الملجأ، ولا ~~اختيارية بمنزلة أفعال العامل العالم بما يفعله، بل هي قسم آخر من ~~الاضطرارية، وهي جارية مجرى أفعال الحيوان وفعل الصبي الذي لا تمييز له بل ~~لكل واحد من هؤلاء داعية إلى الفعل يتصورها، وله إرادة يقصد بها، وقدرة ~~ينفذ بها، وإن كان داعيه نوع آخر غير داعي العاقل العالم بما يفعله، فلا بد ~~أن يتصور ما في الفعل من الغرض، ثم يريده ويفعله، وهذه أفعال طبيعية واقعة ~~بالداعي والإرادة والقدرة، والدواعي والإرادات تختلف، ولهذا PageV01P386 ~~لا يكلف أحد هؤلاء بالفعل، فأفعاله لا تدخل تحت التكليف، وليست كأفعال ~~الملجأ ولا المكره، وهي مضافة إليهم مباشرة، وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم ~~خلقا، فهي مفعولة، وأفعال لهم، والساهي الذي يفعل الفعل، مع غفلته وذهوله، ~~فهو إنما يفعله بقدرته، إذ لو كان عاجزا، لما تأتى منه الفعل، وله إرادة، ~~لكنه غافل عنها، فالإرادة شي ء، والشعور بها شي ء آخر، فالعبد قد يكون له ~~إرادة، وهو ذاهل عن شعوره بها، لاشتغال محل التصور منه بأمر آخر، منعه من ~~الشعور بالإرادة، فعملت عملها، وهي غير مشعور بها، وإن كان ms270 لا بد من الشعور ~~عند كل جزء من أجزائه، وبالله التوفيق. # وبالجملة فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة، وأما الشعور ~~به على التفصيل فلا يستلزمه. # فصل # قال الجبري: ضلال الكافر وجهله عند القدري مخلوق له، موجود بإيجاده ~~اختيارا، وهذا ممتنع، فإنه لو كان كذلك، لكان قاصدا له، إذ القصد من لوازم ~~الفعل اختيارا، واللازم ممتنع، فإن عاقلا لا يريد لنفسه الضلال والجهل، فلا ~~يكون فاعلا له اختيارا. # قال السني: عجبا لك أيها الجبري: تنزه العبد أن يكون فاعلا للكفر والجهل ~~والظلم، ثم تجعل ذلك كله فعل الله سبحانه، ومن العجب قولك: # إن العاقل لا يقصد لنفسه الكفر والجهل، وأنت ترى كثيرا من الناس يقصد ~~لنفسه ذلك عنادا وبغيا وحسدا، مع علمه بأن الرشد والحق في خلافه، PageV01P387 ~~فيطيع دواعي هواه وغيه وجهله، ويخالف داعي رشده وهداه، ويسلك طريق الضلال، ~~ويتنكب عن طريق الهدى، وهو يراهما جميعا. # قال أصدق القائلين: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) ~~[الأعراف]. # وقال تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى (17) [فصلت]. # وقال تعالى عن قوم فرعون: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ~~(13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا (14) [النمل]. # وقال تعالى: وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ~~(38) [العنكبوت]. # وقال تعالى: ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق (102) ~~[البقرة]. # وقال: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله ~~من فضله على من يشاء من عباده (90) [البقرة]. # وقال تعالى: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) يا ~~أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) [آل ~~عمران]. # وقال: يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم ~~شهداء (99) [آل عمران]. # وهذا في القرآن كثير، يبين سبحانه ms271 فيه اختيارهم الضلال والكفر عمدا، على ~~علم، هذا وكم من قاصد أمرا، يظن أنه رشد، وهو ضلال وغي. PageV01P388 # فصل # قال الجبري: لو جاز تأثير قدرة العبد في القول بالإيجاد، لجاز تأثيرها في ~~إيجاد كل موجود، لأن الوجود قضية واحدة مشتركة بين الموجودات الممكنة، وإن ~~اختلفت محاله وجهاته، ويلزم من صحة تأثير القدرة في بعضه صحة تأثيرها في ~~جميعه، لاتحاد المتعلق، وإن ما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر، وأيضا فالمصحح ~~للتأثير هو الإمكان، ويلزم من الاشتراك في المصحح للتأثير الاشتراك في ~~الصحة، ومعلوم قطعا أن قدرة العبد لا تتعلق بإيجاد الأجسام، وأكثر الأعراض، ~~إنما تتعلق ببعض الأعراض القائمة لمحل قدرته. # قال السني: لقد كشف الله عوار مذهب، يكون إثباته مستندا إلى مثل هذه ~~الخرافات التي حاصلها أنه يلزم من صحة قدرة العبد على قلع حصاة من الأرض ~~صحة قدرته على قلع الجبل، ومن إمكان حمله لرطل، إمكان حمله لمائة ألف رطل، ~~ومن إيجاده للفعل القائم به، من الأكل والشرب والصلاة وغيرها، صحة إيجاده ~~لخلق السموات والأرض وما بينهما، وهل سمع في الهذيان بأسمج من هذا وأغث ~~منه، واشتراك الموجودات في مسمى الوجود الكلي العام، لا يلزم منه أن ما جاز ~~على موجود ما جاز على كل موجود، وهذا أسمج من الأول وأبين فسادا، ولا يلزم ~~من ذلك تماثل البعوضة والفيل، وتماثل الأجسام والأعراض. ومن يجعل من ~~الجبرية للقدرة الحادثة تعلقا ما بفعل العبد، يعترف بالفرق، ويقول: قدرته ~~تتعلق ببعض الأعراض، ولا تتعلق بالأجسام، ولا بكل الأعراض، فإن احتج على ~~إبطال التأثير بهذه PageV01P389 ~~الشبهة الغثة، ألزم بها بعينها في عموم تعلق قدرته بكل موجود. # فصل # قال الجبري: دليل التوحيد ينفي كون العبد فاعلا، وأن يكون لقدرته تأثير ~~في فعله وتقريره، بدليل التمانع. # قال السني: دليل التوحيد إنما ينفي وجود رب ثان، ويدل على أنه لا رب إلا ~~هو سبحانه، ولا يدل على امتناع وجود مخلوق، له قدرة وإرادة مخلوقة، يحدث ~~بها، وهو وقدرته وإرادته وفعله مخلوق لله، فهو بعد طول مقدماته، واعتراف ms272 ~~فضلائكم بالعجز عن تقريره، وذكر ما في مقدماته من منع ومعارضة، إنما ينفي ~~وجود قادرين متكافئين، قدرة كل واحد منهما من لوازم ذاته، ليست مستفادة من ~~الآخر، وهو دليل صحيح في نفسه، وإن عجزتم عن تقريره، ولكن ليس فيه ما ينفي ~~أن تكون قدرة العبد وإرادته سببا لوجود مقدوره، وتأثيرها فيه تأثير الأسباب ~~في مسبباتها، فلا للتوحيد قررتم، بدليل التمانع، ولا للجبر، وقد كفانا أفضل ~~متأخريكم بيان تنافي هذا الدليل، من الممنوع والمعارضات. # قال الجبري: دعنا من هذا كله، أليس في القول بتأثير قدرة العبد في ~~مقدوره، مع الاعتراف بأن الله سبحانه قادر على مقدور العبد، إلزام وقوع ~~المقدور الواحد بين القادرين؟ والدليل ينفيه. # قال السني: ما تعني بقولك: يلزم وقوع مقدور بين قادرين، أتعني به قادرين ~~مستقلين متكافئين، أم تعني به قادرين، تكون قدرة أحدهما مستفادة PageV01P390 ~~من الآخر؟ فإن عنيت الأول، منعت الملازمة، وإن عنيت الثاني، منع انتفاء ~~اللازم، ومثبتو الكسب يجيبون عن هذا بأنه لا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين، ~~لقدرة أحدهما تأثير في إيجاده، ولقدرة الآخر تأثير في صفته، كما يقوله ~~القاضي أبو بكر ومن تبعه، والأشعري يجيب عنه على أصله بأن الفعل وقع بين ~~قادرين، لا تأثير بقدرة أحدهما في المقدور، بل تعلق قدرته بمقدورها كتعلق ~~العلم بمعلومه، وإنما الممتنع عنده وقوع مقدور بين قادرين مؤثرين، وهذا ~~الاعتذار لا يخرج عن الجبر، وإن زخرفت له العبارات. # وأجاب عنه الحسينية بما حكيناه، أنه لا يمتنع مقدور بين قادرين على سبيل ~~البدل، ويمتنع على سبيل الجمع، وقد تقدم فساده، وأجاب عنه المشايخية بأنه ~~مقدور للعبد، وليس مقدورا للرب، وهذا أبطل الأجوبة وأفسدها، والقائلون به ~~يقولون: إن الله، سبحانه عن إفكهم، يريد الشي ء، فلا يكون، ويكون الشي ء ~~بغير إرادته ومشيئته، فيريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد، وكفى بهذا ~~بطلانا وفسادا. # قال الجبري: الفعل عند المرجح التام واجب، والمرجح ليس من العبد، وإلا ~~لزم التسلسل، فهو من الرب، فإذا وجب الفعل عنده، فهو الجبر بعينه. # قال ms273 السني: قد تقدم هذا الدليل وبيان ما فيه، وحيث أعدتموه بهذه العبارة ~~الوجيزة المختصرة، فنحن نذكر الأجوبة عنه كذلك. # قولكم: لا بد من مرجح يرجح الفعل على الترك أو بالعكس مسلم. # قولكم: المرجح إن كان من العبد، لزم التسلسل، وإن كان من الرب لزم الجبر. # جوابه: ما المانع أن يكون من فعل العبد، ولا يلزم التسلسل بأن يكون PageV01P391 ~~من فعله على وجه، لا يكون الترك ممكنا له حينئذ، ولا يلزم من سلب الاختيار ~~عنه في فعل المرجح سلبه عنه مطلقا؟ ثم ما المانع أن يكون المرجح من فعل ~~الله، ولا يلزم الجبر؟ فإنكم إن عنيتم بالجبر أنه غير مختار للفعل، ولا ~~مريد له، لم يلزم الجبر بهذا الاعتبار، لأن الرب سبحانه جعل المرجح اختيار ~~العبد ومشيئته، فانتفى الجبر، وإن عنيتم بالجبر أنه وجد، لا بإيجاد العبد، ~~لم يلزم الجبر أيضا بهذا الاعتبار، وإن عنيتم أنه يجب عند وجود المرجح، ~~وأنه لا بد منه، فنحن لا ننفي الجبر بهذا الاعتبار، وتسمية ذلك جبرا اصطلاح ~~يختص بكم، وهو اصطلاح فاسد، فإن فعل الرب سبحانه يجب عند وجود مرجحه التام، ~~ولا يكون ذلك جبرا بالنسبة إليه سبحانه، ثم هذا لازم على من أثبت الكسب ~~منكم، فنقول له في الكسب ما قاله في أصل الفعل سواء، ومن لم يثبت الكسب، ~~لزم ذلك في فعل الرب كما تقدم. # فإن قلتم: الفرق أن صدور الفعل عن القادر موقوف على الإرادة، وإرادة ~~العبد محدثة، فافتقرت إلى محدث، فإن كان ذلك المحدث هو العبد، لزم التسلسل، ~~فوجب انتهاء جميع الإرادات إلى إرادة ضرورية، يخلقها الله في القلب ابتداء، ~~ويلزم منه الجبر، بخلاف إرادة الرب سبحانه، فإنها قديمة مستغنية عن إرادة ~~أخرى، فلا تسلسل. # قيل لكم: لا يجدي هذا عليكم في دفع الإلزام، فإن الإرادة القديمة إما أن ~~يصح معها الفعل بدلا عن الترك وبالعكس، أو لا، فإن كان الأول، فلا بد لأحد ~~الطرفين من مرجح، والكلام في ذلك المرجح كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل، ~~وإن كان الثاني لزم ms274 الجبر. # قال الجبري: معتمدي في الجبر على حرف، لا خلاص لكم منه، إلا بإلزام ~~الجبر، وهو أن العبد لو كان فاعلا لفعله، لكان محدثا له، ولو كان PageV01P392 ~~محدثا له، لكان خالقا له، والشرع والعقل ينفيه قال تعالى: يا أيها الناس ~~اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا ~~إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) [فاطر]. # قال السني: قد دل العقل والشرع والحس على أن العبد فاعل له، وأنه يستحق ~~عليه الذم واللعن، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه رأى حمارا قد ~~وسم في وجهه، فقال: «ألم أنه عن هذا؟! لعن الله من فعل هذا» «1». # وقال تعالى: ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث (74) [الأنبياء] وقال: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) [النمل] ~~وقال: ووفيت كل نفس ما عملت (70) [الزمر]. # وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر، والحس شاهد به، فلا تقبل شبهة تقام على ~~خلافه، ويكون حكم تلك الشبهة حكم القدح في الضروريات، فلا يلتفت إليه، ولا ~~يجب على العالم حل كل شبهة تعرض لكل أحد، فإن هذا لا آخر له، فقولكم: لو ~~كان فاعلا لفعله، لكان محدثا له، إن أردتم بكونه محدثا صدور الفعل منه، ~~اتحد اللازم والملزوم، وصار حقيقة قولكم: لو كان فاعلا لكان فاعلا، وإن ~~أردتم بكونه محدثا كونه خالقا، سألناكم، ما تعنون بكونه خالقا، هل تعنون به ~~كونه فاعلا، أم تعنون به أمرا آخر؟ فإن أردتم الأول، كان اللازم فيه عين ~~الملزوم، وإن أردتم أمرا آخر غير كونه فاعلا، فبينوه. # فإن قلتم: نعني به كونه موجدا للفعل من العدم إلى الوجود. # قيل: هذا معنى كونه فاعلا، فما الدليل على إحالة هذا المعنى؟ فسموه ما PageV01P393 ~~شئتم إحداثا أو إيجادا أو خلقا، فليس الشأن في التسميات، وليس الممتنع إلا ~~أن يكون مستقلا بالإيجاد، وهذا غير لازم لكونه فاعلا، فإنا قد بينا أن غاية ~~قدرة العبد وإرادته وداعيه وحركته أن تكون جزء سبب، وما توقف عليه الفعل ms275 من ~~الأسباب التي لا تدخل تحت قدرته أكثر من الجزء الذي إليه بأضعاف مضاعفة، ~~والفعل لا يتم إلا بها. # فإن قيل: فهذا الجبر بعينه، قيل: ذلك السبب الذي أعني به من القدرة ~~والإرادة هو الذي أخرجه من الجبر وأدخله في الاختيار، وكون ذلك السبب من ~~خالقه وفاطره ومنشيه هو الذي أخرجه من الشرك والتعطيل، وأدخله في باب ~~التوحيد، فالأول أدخله في باب العدل، والثاني أدخله في باب التوحيد، ولم ~~يكن ممن نقض التوحيد بالعدل، ولا ممن نقض العدل بالتوحيد، فهؤلاء جنوا على ~~التوحيد، وهؤلاء جنوا على العدل، وهدى الله أهل السنة للتوحيد والعدل، ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. PageV01P394 ### | AUTO الباب العشرون في ذكر مناظرة بين قدري وسني # قال القدري: قد أضاف الله الأعمال إلى العباد بأنواع الإضافة العامة ~~والخاصة، فأضافها إليهم بالاستطاعة تارة، كقوله: ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات (25) [النساء]، وبالمشيئة تارة، كقوله: # لمن شاء منكم أن يستقيم (28) [التكوير]، وبالإرادة تارة، كقول الخضر: # فأردت أن أعيبها (79) [الكهف]، وبالفعل والكسب والصنع، كقوله: يفعلون، ~~يعملون، بما كنتم تكسبون، لبئس ما كانوا يصنعون. وأما بالإضافة الخاصة ~~فكإضافة الصلاة والصيام والحج والطهارة والزنا والسرقة والقتل والكذب ~~والكفر والفسوق وسائر أفعالهم إليهم، وهذه الإضافة تمتنع إضافتها إليه، كما ~~أن إضافة أفعاله تعالى تمتنع إضافتها إليهم، فلا تجوز إضافة أفعالهم إليه ~~سبحانه دونهم، ولا إليه معهم، فهي إذا مضافة إليهم دونه. # قال السني: هذا الكلام مشتمل على حق وباطل، وأما قولك إنه أضاف الأفعال ~~إليهم، فحق لا ريب فيه، وهذا حجة لك على خصومك من الجبرية، وهم يجيبونك بأن ~~هذا الإسناد لا حقيقة له، وإنما هو نسبة مجازية، صححها قيام الأفعال بهم ~~كما يقال: جرى الماء، وبرد وسخن، ومات زيد، ونحن نساعدك على بطلان هذا ~~الجواب ومنافاته للعقول والشرائع والفطر، ولكن قولك: هذه الإضافة تمنع ~~إضافتها إليه سبحانه، PageV01P395 ~~كلام فيه إجمال وتلبيس، فإن أردت بمنع الإضافة إليه منع قيامها به ووصفه ~~بها وجريان أحكامها عليه واشتقاق الأسماء منه له، فنعم! ms276 هي غير مضافة إليه ~~بشي ء من هذه الاعتبارات والوجوه، وإن أردت بعدم إضافتها إليه عدم إضافتها ~~إلى علمه بها وقدرته عليها ومشيئته العامة وخلقه، فهذا باطل، فإنها معلومة ~~له سبحانه، مقدورة له، مخلوقة، وإضافتها إليهم لا تمنع هذه الإضافة ~~كالأموال، فإنها مخلوقة له سبحانه، وهي ملكه حقيقة، قد أضافها إليهم؛ ~~فالأعمال والأموال خلقه وملكه، وهو سبحانه يضيفها إلى عبيده، وهو الذي ~~جعلهم مالكيها وعامليها فصحت النسبتان. # وحصول الأموال بكسبهم وإرادتهم كحصول الأعمال، وهو الذي خلق الأموال ~~وكاسبيها والأعمال وعامليها، فأموالهم وأعمالهم ملكه وبيده، كما أن أسماعهم ~~وأبصارهم وأنفسهم ملكه وبيده، فهو الذي جعلهم يسمعون ويبصرون ويعملون، ~~فأعطاهم حاسة السمع والبصر، وقوة السمع والبصر، وفعل الأسماع والأبصار، ~~وأعطاهم آلة العمل وقوة العمل ونفس العمل، فنسبة قوة العمل إلى اليد ~~والكلام إلى اللسان، كنسبة قوة السمع إلى الأذن، والبصر إلى العين، ونسبة ~~الرؤية والاستماع اختيارا إلى محلهما، كنسبة الكلام والبطش إلى محلهما، وإن ~~كانوا هم الذين خلقوا لأنفسهم الرؤية والسمع، فهل خلقوا محلهما، وقوى ~~المحل، والأسباب الكثيرة التي تصلح معها الرؤية والسمع، أم الكل خلق من هو ~~خالق كل شي ء؟ وهو الواحد القهار. # قال القدري: لو كان الله سبحانه هو الفاعل لأفعالهم، لاشتقت له منها ~~الأسماء، وكان أولى بأسمائها منهم، إذ لا يعقل الناس على اختلاف لغاتهم ~~وعاداتهم ودياناتهم قائما إلا من فعل القيام، وآكلا إلا من فعل الأكل، ~~وسارقا إلا من فعل السرقة، وهكذا جميع الأفعال لازمها ومتعديها، فقلبتم PageV01P396 ~~أنتم الأمر، وقلبتم الحقائق، فقلتم: من فعل هذه الأفعال حقيقة لا يشتق له ~~منها اسم، وإنما يشتق منها الأسماء لمن لم يفعلها، ولم يحدثها، وهذا خلاف ~~العقول واللغات، وما تتعارفه الأمم. # قال السني: هذا إنما يلزم إخوانك وخصومك الجبرية القائلين بأن العبد لم ~~يفعل شيئا البتة، وأما من قال: العبد فاعل لفعله حقيقة، والله خالقه وخالق ~~آلات فعله الظاهرة والباطنة، فإنه إنما يشتق الأسماء لمن فعل تلك الأفعال، ~~فهو القائم والقاعد والمصلي والسارق والزاني حقيقة، فإن الفعل إذا قام ~~بالفاعل، ms277 عاد حكمه إليه، ولم يعد إلى غيره، واشتق له منه اسم، ولم يشتق لمن ~~لم يقم به، فههنا أربعة أمور: أمران معنويان في النفي والإثبات، وأمران ~~لفظيان فيهما، فلما قام الأكل والشرب والزنا والسرقة بالعبد، عادت أحكام ~~هذه الأفعال إليه، واشتقت له منها الأسماء، وامتنع عود أحكامها إلى الرب ~~واشتقاق أسمائها له، ولكن من أين يمنع هذا أن تكون معلومة للرب سبحانه، ~~مقدورة له، مكونة له، واقعة من العباد بقدرة ربهم وتكوينه؟. # قال القدري: لو كان خالقا لها، لزمته هذه الأمور. # قال السني: هذا باطل، ودعوى كاذبة، فإنه سبحانه لا يشتق له اسم مما خلقه ~~في غيره، ولا يعود حكمه عليه، وإنما يشتق الاسم لمن قام به ذلك، فإنه ~~سبحانه خلق الألوان والطعوم والروائح والحركات في محالها، ولم يشتق له منها ~~اسم، ولا عادت أحكامها إليه، ومعنى عود الحكم إلى المحل: الإخبار عنه بأنه ~~يقوم ويقعد ويأكل ويشرب. # قال السني: ومن هاهنا علم ضلال المعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق، ~~خلقه الله في محل، ثم اشتق له اسم المتكلم باعتبار خلقه له، PageV01P397 ~~وعاد حكمه إليه، فأخبر عنه أنه تكلم به، ومعلوم أن الله سبحانه خالق صفات ~~الأجسام وأعراضها وقواها، فكيف جاز أن يشتق له اسم مما خلقه من الكلام في ~~غيره، ولم يشتق له اسم مما خلقه من الصفات والأعراض في غيره؟ فأنت أيها ~~القدري نقضت أصولك بعضها ببعض، وأفسدت قولك في مسألة الكلام بقولك في مسألة ~~القدر، وقولك في القدر بقولك في الكلام، فجعلته متكلما بكلام قائم بغيره، ~~وأبطلت أن يكون فاعل الفعل قائما بغيره، فإن كنت أصبت في مسألة الكلام، فقد ~~نقضت أصلك في القدر، وإن أصبت في هذا الأصل، لزم خطأك في مسألة الكلام، ~~فأنت مخطئ على التقديرين. # قال القدري: فما تقول أنت في هذا المقام؟. # قال السني: لا تناقض في هذا ولا في هذا، بل أصفه سبحانه بما قام به. # وأمتنع من وصفه بما لم يقم. # قال القدري: فالآن حمي الوطيس، فأنت والمسلمون وسائر الخلق تسمونه ms278 تعالى ~~خالقا ورازقا ومميتا، والخلق والرزق والموت قائم بالمخلوق والمرزوق والميت، ~~إذ لو قام ذلك بالرب سبحانه، فالخلق إما قديم، وإما حادث، فإن كان قديما، ~~لزم قدم المخلوق، لأنه نسبة بين الخالق والمخلوق، ويلزم من كونها قديمة قدم ~~المصحح لها، وإن كان حادثا، لزم قيام الحوادث به، وافتقر ذلك الخلق إلى خلق ~~آخر، فلزم التسلسل، فثبت أن الخلق غير قائم به سبحانه، وقد اشتق له منه اسم. # قال السني: أي لازم من هذه اللوازم التزمه المرء، كان خيرا من أن ينفي ~~صفة الخالقية عن الرب سبحانه، فإن حقيقة هذا القول أنه غير خالق، فإن إثبات ~~خالق بلا خلق إثبات اسم لا معنى له وهو كإثبات سميع لا سمع له، PageV01P398 ~~وبصير لا بصر له، ومتكلم وقادر لا كلام له ولا قدرة، فتعطيل الرب سبحانه عن ~~فعله القائم به كتعطيله عن صفاته القائمة به. # والتعطيل أنواع: تعطيل المصنوع عن الصانع، وهو تعطيل الدهرية والزنادقة، ~~وتعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله، وهو تعطيل الجهمية نفاة الصفات، ~~وتعطيله عن أفعاله وهو أيضا تعطيل الجهمية وهم أبناؤه، ودب فيمن عداهم من ~~الطوائف، فقالوا: لا يقوم بذاته فعل، لأن الفعل حادث، وليس محلا للحوادث، ~~كما قال إخوانهم: لا تقوم بذاته صفة، لأن الصفة عرض، وليس محلا للأعراض، ~~فلو التزم الملتزم أي قول التزمه، كان خيرا من تعطيل صفات الرب وأفعاله، ~~فالمشبهة ضلالهم وبدعتهم خير من المعطلة، ومعطلة الصفات خير من معطلة ~~الذات، وإن كان التعطيلان متلازمين، لاستحالة وجود ذات قائمة بنفسها، لا ~~توصف بصفة، فوجود هذه محال في الذهن وفي الخارج، ومعطلة الأفعال خير من ~~معطلة الصفات، فإن هؤلاء نفوا صفة الفعل، وإخوانهم نفوا صفات الذات. # وأهل السمع والعقل وحزب الرسول والفرقة الناجية برآء من تعطيل هؤلاء ~~كلهم، فإنهم أثبتوا الذات والصفات والأفعال وحقائق الأسماء الحسنى، إذ ~~جعلها المعطلة مجازا، لا حقيقة له، فشر هذه الفرق لخيرها الفداء. # والمقصود: أنه أي قول لزمه الملتزم كان خيرا من نفي الخلق وتعطيل هذه ~~الصفة عن الله، وإذا ms279 عرض على العقل السليم مفعول لا فاعل له، ومفعول لا ~~فاعل لفعله، لم يجد بين الأمرين فرقا في الإحالة، فمفعول بلا فعل كمفعول ~~بلا فاعل، لا فرق بينهما البتة، فليعرض العاقل على نفسه القول بتسلسل ~~الحوادث، والقول بقيام الأفعال بذات الرب سبحانه، والقول بوجود مخلوق حادث ~~عن خلق قديم قائم بذات الرب سبحانه، والقول بوجود مفعول بلا فعل، ولينظر أي ~~هذه الأقوال أبعد عن العقل والسمع، PageV01P399 ~~وأيها أقرب إليهما. # ونحن نذكر أجوبة الطوائف عن هذا السؤال. # فقالت طائفة: يختار من هذا التقسيم والترديد كون الخلق والتكوين قديما ~~قائما بذات الرب سبحانه، ولا يلزمنا قدم المخلوق المكون، كما نقول نحن ~~وأنتم: إن الإرادة قديمة، ولا يلزم من قدمها قدم المراد، وكل ما أجبتم به ~~في صورة الإلزام، فهو جوابنا بعينه في مسألة المكون، وهذا جواب سديد، وهو ~~جواب جمهور الحنفية والصوفية وأتباع الأئمة. # فإن قلتم: إنما لا يلزم من قدم الإرادة قدم المراد، لأنها تتعلق بوجود ~~المراد في وقته، فهو يريد كون الشي ء في ذلك الوقت، وأما تكوينه وخلقه، قبل ~~وجوده، فمحال. # قيل لكم: لسنا نقول: إنه كونه قبل وقت كونه، بل التكوين القديم اقتضى ~~كونه في وقته، كما اقتضت الإرادة القديمة كونه في وقته. # فإن قلتم: كيف يعقل تكوين ولا مكون؟. # قيل: كما عقلتم إرادة ولا مراد. # فإن قلتم: المريد قد يريد الشي ء قبل كونه، ولا يكونه قبل كونه. # قيل: كلامنا في الإرادة المستلزمة لوجوده في الإرادة التي لا تستلزم ~~المراد، وإرادة الرب سبحانه ومشيئته تستلزم وجود مراده، وكذلك التكوين ~~يوضحه، أن التكوين هو اجتماع القدرة والإرادة وكلمة التكوين، وذلك كله ~~قديم، ولم يلزم منه قدم المكون، قالوا: وإذا عرضنا هذا على العقول السليمة، ~~وعرضنا عليها مفعولا بلا فعل، بادرت إلى قبول ذاك وإنكار هذا، فهذا جواب هؤلاء. PageV01P400 # وقالت الكرامية: بل نختار من هذا الترديد كون التكوين حادثا، وقولكم: # يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الرب سبحانه، فالتكوين هو فعله، وهو قائم ~~به، وكأنكم قلتم: يلزم من قيام ms280 فعله به قيامه به، وسميتم أفعاله حوادث، ~~وتوسلتم بهذه التسمية إلى تعطيلها، كما سمى إخوانكم صفاته أعراضا، وتوسلوا ~~بهذه التسمية إلى نفيها عنه، وكما سموا علوه على مخلوقاته واستواءه على ~~عرشه تحيزا، وتوسلوا بهذه إلى نفيه، وكما سموا وجهه الأعلى ويديه جوارح، ~~وتوسلوا بذلك إلى نفيها. # قالوا: ونحن لا ننكر أفعال خالق السموات والأرض وما بينهما، وكلامه ~~وتكليمه، ونزوله إلى السماء، واستواءه على عرشه، ومجيئه يوم القيامة، لفصل ~~القضاء بين عباده، ونداءه لأنبيائه ورسله وملائكته، وفعله ما شاء بتسميتكم ~~لهذا كله حوادث، ومن أنكر ذلك فقد أنكر كونه رب العالمين، فإنه لا يتقرر في ~~العقول والفطر كونه ربا للعالمين إلا بأن يثبت له الأفعال الاختيارية، وذات ~~لا تفعل ليست مستحقة للربوبية ولا للإلهية، فالإجلال من هذا الإجلال واجب، ~~والتنزيه عن هذا التنزيه متعين، فتنزيه الرب سبحانه عن قيام الأفعال به ~~تنزيه له عن الربوبية وملكه. # قالوا: ولنا على صحة هذه المسألة أكثر من ألف دليل، من القرآن والسنة ~~والعقول، وقد اعترف أفضل متأخريكم بفساد شبهكم كلها على إنكار هذه، وذكرها ~~شبهة شبهة، وأفسدها، والتزم بها جميع الطوائف حتى الفلاسفة الذي هم أبعد ~~الطوائف من إثبات الصفات والأفعال، قالوا: ولا يمكن إثبات حدوث العالم وكون ~~الرب خالقا ومتكلما وسامعا ومبصرا ومجيبا للدعوات ومدبرا للمخلوقات وقادرا ~~ومريدا إلا القول بأنه فعال، وأن أفعاله قائمة به، فإذا بطل أن يكون له ~~فعل، وأن تقوم بذاته الأمور المتجددة، بطل هذا كله. PageV01P401 # فصل # وقد أجاب عن هذا عبد العزيز بن يحيى الكناني في «حيدته» «1»، فقال في ~~سؤاله للمريسي: بأي شي ء حدثت الأشياء؟ فقال له: أحدثها الله بقدرته التي ~~لم تزل، فقلت له: أحدثها بقدرته كما ذكرت، أو ليس تقول: إنه لم يزل قادرا؟ ~~قال: بلى، قلت: فتقول: إنه لم يزل يفعل، قال: لا أقول هذا، قلت: فلا بد أن ~~نلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة، لأن القدرة صفة. ثم قال ~~عبد العزيز: لم أقل: لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل ms281 يفعل، وإنما الفعل ~~صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع. # فأثبت عبد العزيز فعلا مقدورا لله، هو صفة ليس من المخلوقات، وأنه به خلق ~~المخلوقات، وهذا صريح في أن مذهبه كمذهب السلف وأهل الحديث، لأن الخلق غير ~~المخلوق، والفعل غير المفعول، كما حكاه البغوي إجماعا لأهل السنة. # وقد صرح عبد العزيز أن فعله سبحانه القائم به، وأنه خلق به المخلوقات، ~~كما صرح به البخاري في آخر صحيحه، وفي كتاب خلق الأفعال، قال في صحيحه: ~~«باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق، وفعل الرب وأمره»، ~~فالرب سبحانه بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق، وما ~~كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه، فهو مفعول مخلوق مكون، فصرح إمام السنة ~~أن صفة التخليق هي PageV01P402 ~~فعل الرب وأمره، وأنه خالق بفعله وكلامه، وجميع جند الرسول وحزبه مع محمد ~~بن إسماعيل في هذا، والقرآن مملوء من الدلالة عليه، كما دل عليه العقل ~~والفطرة، قال تعالى: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم (81) [يس] ثم أجاب نفسه بقوله: بلى وهو الخلاق العليم (81) [يس]. # فأخبر أنه قادر على نفس فعله، وهو أن يخلق، فنفس أن يخلق فعل له، وهو ~~قادر عليه، ومن يقول: لا فعل له، وأن الفعل هو عين المفعول، يقول: لا يقدر ~~على فعل يقوم به البتة، بل لا يقدر إلا على المفعول المباين له الحادث بغير ~~فعل منه سبحانه، وهذا أبلغ في الإحالة من حدوثه بغير قدرة، بل هو في ~~الإحالة كحدوثه بغير فاعل، فإن المفعول يدل على قدرة الفاعل باللزوم ~~العقلي، ويدل على فعله الذي وجد به بالتضمن، فإذا سلبت دلالته التضمنية، ~~كان سلب دلالته اللزومية أسهل، ودلالة المفعول على فاعله وفعله دلالة ~~واحدة، وهي أظهر بكثير من دلالته على قدرته وإرادته، وذكر قدرة الرب سبحانه ~~على أفعاله، وتكوينه في القرآن كثير، كقوله: قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم (65) [الأنعام]، وأن يبعث، هو نفس فعله، والعذاب هو ~~مفعوله المباين له، وكذلك ms282 قوله: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40) ~~[القيامة]. # فإحياء الموتى نفس فعله، وحياتهم مفعوله المباين له، وكلاهما مقدور له، ~~وقال تعالى: بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) [القيامة] فتسوية البنان ~~فعله، واستواؤها مفعوله، ومنكرو الأفعال يقولون: إن الرب سبحانه يقدر على ~~المفعولات المباينة له، ولا يقدر على فعل يقوم بنفسه، لا لازم، ولا متعد. # وأهل السنة يقولون: الرب سبحانه يقدر على هذا وعلى هذا، وهو سبحانه له ~~الخلق والأمر، فالجهمية أنكرت خلقه وأمره، وقالوا: خلقه نفس PageV01P403 ~~مخلوقه، وأمره مخلوق من مخلوقاته، فلا خلق ولا أمر، ومن أثبت له الكلام ~~القائم بذاته، ونفى أن يكون له فعل، فقد أثبت الأمر دون الخلق، ولم يقل أحد ~~بقيام أفعاله به، ونفى صفة الكلام عنه، فيثبت الأمر دون الخلق. # وأهل السنة يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه من الخلق والأمر، فالخلق ~~فعله، والأمر قوله، وهو سبحانه يقول ويفعل. # وأجابت طائفة أخرى، من أهل السنة والحديث، عن هذا، بالتزام التسلسل، ~~وقالوا: ليس في العقل ولا في الشرع ما ينفي دوام فاعلية الرب سبحانه، ~~وتعاقب أفعاله شيئا قبل شي ء إلى غير غاية، كما تتعاقب شيئا بعد شي ء إلى ~~غير غاية، فلم تزل أفعالا، قالوا: والفعل صفة كمال، ومن يفعل أكمل ممن لا ~~يفعل. قالوا: ولا يقتضي صريح العقل إلا هذا، ومن زعم أن الفعل كان ممتنعا ~~عليه سبحانه في مدد غير مقدرة، لا نهاية لها، ولا يقدر أن يفعل، ثم انقلب ~~الفعل من الاستحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي، من غير حدوث سبب، ولا تغير ~~في الفاعل، فقد نادى على عقله بين الأنام. قالوا: # وإذا كان هذا في العقول، جاز أن ينقلب العالم من العدم إلى الوجود من غير ~~فاعل، وإن امتنع هذا في بدائه «1» العقول، فكذلك نجد إمكان الفعل وانقلابه ~~من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب، وأما أن يكون هذا ممكنا ~~وذاك ممتنعا، فليس في العقول ما يقضي بذلك. # قالوا: والتسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ناطق ولا ms283 سنة ~~متبعة، فيجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب، وممتنع، وممكن، PageV01P404 ~~كالتسلسل في المؤثر محال، ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثرين «1»، كل واحد ~~منهم استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية، والتسلسل الواجب ما دل عليه ~~العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل ~~الجنة نعيم، أحدث لهم نعيما آخر، لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله ~~سبحانه من طرق الأزل، وإن كل فعل مسبوق بفعل آخر، فهذا واجب في كلامه، فإنه ~~لم يزل متكلما إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله التي ~~هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت بالفعل، ولهذا ~~قال غير واحد من السلف: الحي الفعال. # وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا سبحانه قط، في وقت من ~~الأوقات المحققة أو المقدرة، معطلا عن كماله من الكلام والإرادة والفعل. ~~وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما يتسلسل في طرف ~~الأبد، فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما، وذلك من لوازم ذاته، ~~فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا ~~يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من ~~مخلوقاته، تقدم لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو ~~وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، قالوا: وكل قول سوى ~~هذا، فصريح العقل يرده، ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الرب سبحانه لم ~~يزل قادرا على الفعل، لزمه أحد الأمرين لا بد له منهما، إما أن يقول بأن ~~الفعل لم يزل ممكنا، وإما أن يقول: لم يزل واقعا، وإلا تناقض تناقضا بينا، ~~حيث زعم أن الرب سبحانه، لم يزل قادرا على الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته، ~~لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال، وهو مقدور له، وهذا قول ينقض PageV01P405 ~~بعضه بعضا. # وأجابت طائفة ms284 أخرى بالجواب المركب على جميع التقادير، فقالوا: # تسلسل الآثار إما أن يكون ممكنا أو ممتنعا، فإن كان ممكنا، فلا محذور في ~~التزامه، وإن كان ممتنعا لم يلزم من بطلانه بطلان الفعل الذي لا يكون ~~المخلوق إلا به، فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل، والمخلوق ~~لا يكون إلا بخلق قبل العلم بجواز التسلسل وبطلانه. # ولهذا كثير من الطوائف يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، ~~مع قولهم ببطلان التسلسل مثل كثير من أتباع الأئمة الأربعة، وكثير من أهل ~~الحديث والصوفية والمتكلمين، ثم من هؤلاء من يقول: # الخلق الذي هو التكوين صفة كالإرادة، ومنهم من يقول: بل هي حادثة بعد أن ~~لم تكن، كالكلام والإرادة، وهي قائمة به سبحانه، وهم الكرامية ومن وافقهم، ~~أثبتوا حدوثها وقيامها بذاته، وأبطلوا دوامها، فرارا من القول بحوادث لا ~~أول لها، وكلا الفريقين لا يقول: إن ذلك التكوين والخلق مخلوق، بل يقول: إن ~~المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة. قالوا: فإذا كان القول بالتسلسل لازما لكل ~~من قال: إن الرب تعالى لم يزل قادرا على الخلق، يمكنه أن يفعل بلا ممانع، ~~فهو لازم لك كما ألزمته لخصومك، فلا ينفردون بجوابه دونك، وأما ما ألزموك ~~به من وجود مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خالق، فهو لازم لك وحدك. # قالوا: ونحن إنما قلنا: الفعل صفة قائمة به سبحانه، وهو قادر عليه، لا ~~يمنعه منه مانع، والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه، فلا يلزم أن ~~يكون معه مخلوقا في الأزل إلا إذا ثبت أن الفعل اللازم يستلزم الفعل ~~المتعدي، وأن المتعدي يستلزم دوام نوع المفعولات، ودوام نوعها يستلزم أن ~~يكون معه سبحانه في الأزل شي ء منها، وهذه الأمور لا سبيل لك ولا لغيرك PageV01P406 ~~إلى الاستدلال على ثبوتها كلها، وحينئذ فنقول: أي لازم لزم من إثبات فعله، ~~كان القول به خيرا من نفي الفعل وتعطيله، فإن ثبت قيام فعله له من غير قيام ~~الحوادث به، كما يقوله كثير من الناس، بطل قولكم، وإن لزم من ms285 إثبات فعله ~~قيام الأمور الاختيارية به، والقول بأنها مفتتحة، ولها أول، فهو خير من ~~قولكم كما تقوله الكرامية، وإن لزم تسلسلها وعدم أوليتها في الأفعال ~~اللازمة، فهو خير من قولكم، وإن لزم تسلسل الآثار وكونه سبحانه لم يزل ~~خالقا، كما دل عليه النص والعقل، فهو خير من قولكم، ولو قدر أنه يلزم أن ~~الخلق لم يزل مع الله قديما بقدمه، كان خيرا من قولكم، مع أن هذا لا يلزم، ~~ولم يقل به أحد من أهل الإسلام، بل ولا أهل الملل، فكلهم متفقون على أن ~~الله وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق موجود بعد عدمه، وليس معه غيره من ~~المخلوقات يكون وجوده مساويا لوجوده، فما لزم بعد هذا من إثبات خلقه وأمره ~~وصفات كماله ونعوت جلاله وكونه رب العالمين، وأن كماله المقدس من لوازم ~~ذاته، فإنا به قائلون، وله ملتزمون، كما أنا ملتزمون لكل ما لزم من كونه ~~حيا عليما قديرا سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه، بائن من خلقه، ~~يراه المؤمنون بأبصارهم عيانا في الجنة وفي عرصات القيامة، ويكلمهم ~~ويكلمونه، فإن هذا حق، ولازم الحق مثله، وما لم يلزم من إثبات ذلك من ~~الباطل الذي تتخيله خفافيش القول، فنحن له منكرون، وعن القول به عادلون، ~~وبالله التوفيق. # قال القدري: كون العبد موجدا لأفعاله، وهو الفاعل لها، من أجلى الضروريات ~~والبديهيات، فإن كل عاقل يعلم من نفسه أنه فاعل لما يصدر منه من الأفعال ~~الواقعة على وفق قصده وداعيته، بخلاف حركة المرتعش والمجرور على وجهه، وهذا ~~لا يتمارى فيه العاقل، ولا يقبل التشكيك والقدح في ذلك، والاستدلال على ~~خلافه استدلال على بطلان ما علمت صحته بالضرورة فلا يكون مقبولا. PageV01P407 # قال السني: قد أجابك خصومك من الجبرية عن هذا، بأن العاقل يعلم من نفسه ~~وقوع الفعل مقارنا لقدرته، ولا يعلم من نفسه أنه واقع بقدرته، والفرق بين ~~الأمرين ظاهر، ولو كان وقوعه بقدرته هو المعلوم بالضرورة، لما خالف فيه جمع ~~عظيم من العقلاء؛ يستحيل عليهم الإطباق على جحد الضروريات، وهذا الجواب ms286 مما ~~لا يشفي عليلا، ولا يروي غليلا، وهو عبارات لا حاصل تحتها، فإن كل عاقل يجد ~~من نفسه وقوع الفعل بقدرته وإرادته وداعيته، فإن ذلك هو المؤثر في الفعل، ~~ويجد تفرقة ضرورية بين مقارنة القدرة والداعية للفعل، ومقارنة طوله ولونه ~~وشمه وغير ذلك من صفاته للفعل، ونسبة ذلك كله عند الجبري إلى الفعل نسبة ~~واحدة، والله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند القدرة والداعي، لا بهما، ~~وإنما اقترن الداعي والقدرة بالفعل اقترانا مجردا، ومعلوم أن هذا قدح في ~~الضروريات. # ولا ريب أن من نظر إلى تصرفات العقلاء ومعاملاتهم مع بعضهم بعضا، وجدهم ~~يطلبون الفعل من غيرهم طلب عالم بالاضطرار أن المطلوب منه الفعل هو المحصل ~~له الواقع بقدرته وإرادته، ولذلك يتلطفون لوقوع الفعل منه بكل لطيفة، ~~ويحتالون عليه بكل حيلة، فيعطونه تارة، ويزجرونه تارة، ويخوفونه تارة، ~~ويتوصلون إلى إخراج الفعل منه بأنواع الرغبة والرهبة، ويقولون: قد فعل فلان ~~كذا، فما لك لا تفعل كما فعل؟ وهذا أمر مشاهد بالحس والضرورة، فالعقلاء ~~ساكنو الأنفس إلى أن الفعل من العبد يقع، وبه يحصل، ولو حرك أحدهم إصبعه، ~~فشتمت المحرك لها، لغضب وشتمك وقال: كيف تشتمني؟ ولم يقل: لم تشتم ربي؟ ~~وهذا أوضح من أن يضرب له الأمثال، أو يبسط فيه المقال. # وما يعرض في ذلك من الشبه جار مجرى السفسطة، وقد فطر الله العقلاء على ذم ~~فاعل الإساءة ومدح فاعل الإحسان، وهذا يدل على أنهم مفطورون PageV01P408 ~~على العلم بأنه فاعل، لأن الذم فرع عليه، ويستحيل أن يكون الفرع معلوما ~~باضطرار، والأصل ليس كذلك، والعقلاء قاطبة يعلمون أن الكاتب مثلا يكتب، إذا ~~أراد، ويمسك إذا أراد وكذلك الباني والصانع، وأنه إذا عجزت قدرته، أو عدمت ~~إرادته، بطل فعله فإن عادت إليه القدرة والإرادة، عاد الفعل. وقولك: لو كان ~~ذلك أمرا ضروريا، لاشترك العقلاء فيه، جوابك: # أنه لا يجب الاشتراك في الضروريات. # فكثير من العقلاء يخالفون كثيرا من الضروريات، لدخول شبهة عليهم، ولا ~~سيما إذا تواطئوا عليها، وتناقلوها، كمخالفة الفلاسفة في الإلهيات بيسير من ms287 ~~الضروريات، وهم جمع كثير من العقلاء. # وهؤلاء النصارى يقولون ما يعلم فساده بضرورة العقل، وهم يناظرون عليه، ~~وينصرونه. # وهؤلاء الرافضة يزعمون أن أبا بكر وعمر لم يؤمنا بالله ورسوله طرفة عين، ~~ولم يزالا عدوين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مترصدين لقتله، وأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أقام عليا على رءوس جميع الصحابة، وهم ينظرون إليه ~~جهرة، وقال: هذا وصيي وولي العهد من بعدي، فكلكم له تسمعون، وأطبقوا على ~~كتمان هذا النص وعصيانه. # وهؤلاء الجهمية ومن قال بقولهم، يقولون ما يخالف صريح العقل، من وجود ~~مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خلق. # وهؤلاء الفلاسفة وهم المدلون بعقولهم، يثبتون ذواتا قائمة بأنفسهم خارج ~~الذهن، ليست في العالم، ولا خارجة عن العالم، ولا متصلة به، ولا منفصلة ~~عنه، ولا مباينة له، ولا محايثة، وهو ما يعلم بصريح العقل فساده. # وهؤلاء طائفة الاتحادية، تزعم أن الله هو هذا الوجود، وأن التعدد PageV01P409 ~~والتكثير فيه وهم محض. # وهؤلاء منكرو الأسباب يزعمون أنه لا حرارة في النار تحرق بها، ولا رطوبة ~~في الماء يروى بها، وليس في الأجسام أصلا لا قوى ولا طبائع، ولا في العالم ~~شي ء يكون سببا لشي ء آخر البتة، وإن لم تكن هذه الأمور جحدا للضروريات، ~~فليس في العالم من جحد الضروريات، وإن كانت جحدا للضروريات، بطل قولكم: إن ~~جمعا من العقلاء لا يتفقون على ذلك، والأقوال التي يجحد بها المتكلمون ~~الضروريات أضعاف أضعاف ما ذكرناه، فهم أجحد الناس لما يعلم بضرورة العقل، ~~وكيف يصح، في عقل سليم، سميع لا سمع له، بصير لا بصر له، حي لا حياة له؟! ~~أم كيف يصح، عند ذي عقل، مرئي يرى بالأبصار عيانا، لا فوق الرائي ولا تحته، ~~ولا عن يمينه ولا عن شماله، ولا عن يساره ولا خلفه، ولا أمامه؟! أم كيف يصح ~~عند ذي عقل إثبات كلام قديم أزلي، لو كان البحر يمده من بعده سبعة أبحر، ~~وجميع أشجار الأرض على اختلافها وكبرها وصغرها أقلام، يكتب به، لنفدت ~~البحار، وفنيت الأقلام، ms288 ولم يفن ذلك الكلام، ومع هذا فهو معنى واحد، لا جزء ~~له، ولا ينقسم، وهو والنهي فيه عين الأمر، والنفي فيه عين الإثبات، والخبر ~~فيه عين الاستخبار، والتوراة فيه عين الإنجيل وعين القرآن، وذلك كله أمر ~~واحد، إنما يختلف بمسمياته ونسبه، وقد أطبق على هذا جمع عظيم من العقلاء، ~~وكفروا من خالفهم فيه، واستحلوا منهم ما حرمه الله. # وهؤلاء الجهمية يقولون: إن للعالم صانعا قائما بذاته، ليس في العالم، ولا ~~هو خارج العالم، ولا فوق العالم، ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه ولا عن يمينه ~~ولا عن يسرته، ولا هو مباين له ولا محايث له، فوصفوا واجب الوجود بصفة ~~ممتنع الوجود، وكفروا من خالفهم في ذلك، واستحلوا دمه، PageV01P410 ~~وقالوا ما يعلم فساده بصريح العقل. # ولو ذهبنا نذكر ما جحد فيه أكثر الطوائف الضروريات، لطال الكتاب جدا. # وهؤلاء النصارى قد طبقت شرق الأرض وغربها، وهم من أعظم الناس جحدا ~~للضروريات. # وهؤلاء الفلاسفة هم أهل المعقولات، وهم من أكثر الناس جحدا للضروريات. # فاتفاق طائفة من الطوائف على المقالة، لا يدل على مخالفتها لصريح العقل، ~~وبالله التوفيق. # فصل # قال القدري: قال الله سبحانه: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك (79) [النساء] وعند الجبري أن الكل فعل الله، وليس من العبد شي ء. # قال الجبري: في الكلام استفهام مقدر، تقديره: أفمن نفسك؟ فهو إنكار لا ~~إثبات، وقرأها بعضهم: فمن نفسك بفتح الميم، ورفع نفسك، أي: من أنت حتى ~~تفعلها؟! قال: ولا بد من تأويل الآية، وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها: ~~وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ~~قل كل من عند الله (78) [النساء] فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعا من عنده، ~~لا من عند العبد. PageV01P411 # قال السني: أخطأتما جميعا في فهم الآية أقبح الخطأ، ومنشأ غلطكما أن ~~الحسنات والسيئات في الآية، المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد ~~الاختياري، وهذا وهم محض في الآية، وإنما المراد بها: النعم والمصائب. ms289 ولفظ ~~الحسنات والسيئات في كتاب الله، يراد به هذا تارة، وهذا تارة، فقوله تعالى: ~~إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها (120) [آل عمران] وقوله: ~~إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل (50) ~~[التوبة] وقوله: وبلوناهم بالحسنات والسيئات (168) [الأعراف] وقوله: وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (48) [الشورى] وقوله: فإذا ~~جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه (131) ~~[الأعراف] وقوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~(79) [النساء]. # المراد في هذا كله النعم والمصائب. # وأما قوله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها (160) [الأنعام] وقوله: إن الحسنات يذهبن السيئات (114) [هود] وقوله: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات (70) [الفرقان] والمراد في هذا كله ~~الأعمال المأمور بها والمنهي عنها، وهو سبحانه إنما قال: ما أصابك، ولم ~~يقل: ما أصبت وما كسبت، فما يفعله العبد يقال فيه: ما أصبت وكسبت وعملت ~~كقوله: ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن (124) [النساء] ~~وكقوله: من يعمل سوءا يجز به (123) [النساء] ومن يكسب خطيئة أو إثما (112) ~~[النساء] وقول المذنب التائب: يا رسول الله: أصبت ذنبا، فأقم علي كتاب ~~الله، ولا يقال في هذا: أصابك ذنب، وأصابتك سيئة. # وما يفعل به بغير اختياره يقال فيه: أصابك كقوله: وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم (30) [الشورى] وقوله: وإن تصبك مصيبة PageV01P412 ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل (50) [التوبة] وقوله: أولما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها (165) [آل عمران] فجمع الله في الآية بين ما أصابوا بفعلهم ~~وكسبهم وما أصابهم مما ليس فعلا لهم وقوله: ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله ~~بعذاب من عنده (52) [التوبة]. وقوله: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما ~~صنعوا قارعة (31) [الرعد] وقوله: فأصابتكم مصيبة الموت (106) [المائدة]. # فقوله: ما أصابك من حسنة (79) [النساء] هو من هذا القسم الذي يصيبه ~~العبد، لا باختياره، وهذا إجماع من السلف في تفسير هذه الآية. # قال أبو العالية: وإن ms290 تصبكم حسنة، هذا في السراء، وإن تصبهم سيئة، هذا في ~~الضراء. # قال السدي: الحسنة: الخصب، تنتج مواشيهم وأنعامهم، ويحسن حالهم، فتلد ~~نساؤهم الغلمان. قالوا: هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة، قال: الضر في ~~أموالهم، تشاءموا بمحمد، وقالوا: هذه من عنده، قالوا: # بتركنا ديننا، واتباعنا محمدا، أصابنا ما أصابنا، فأنزل الله سبحانه ردا ~~عليهم قل كل من عند الله (78) [النساء] الحسنة والسيئة. # وقال الوالبي، عن ابن عباس: «ما أصابك من حسنة فمن الله»، قال: ما فتح ~~الله عليك يوم بدر، وقال أيضا: هو الغنيمة والفتح، والسيئة ما أصابه يوم ~~أحد، شج في وجهه، وكسرت رباعيته. وقال: أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، ~~وأما السيئة فابتلاك بها. وقال أيضا: ما أصابك من نكبة فبذنبك، وأنا قدرت ~~ذلك عليك. ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم. وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس: إن ~~تصبك حسنة: الخصب، وإن تصبك سيئة: الجدب والبلاء. # وقال ابن قتيبة في هذه الآية: الحسنة: النعمة، والسيئة: البلية. PageV01P413 # فإن قيل: فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي عن أبي العالية، أنه فسر الحسنة ~~والسيئة، في هذه الآية، بالطاعة والمعصية، وهو من أعلم التابعين، فالجواب: ~~إنه لم يذكر بذلك إسنادا، ولا نعلم صحته عن أبي العالية، وقد ذكر ابن أبي ~~حاتم بإسناده عن أبي العالية ما تقدم حكايته، أن ذلك في السراء والضراء، ~~وهذا هو المعروف عن أبي العالية، ولم يذكر ابن أبي حاتم عنه غيره، وهو الذي ~~حكاه ابن قتيبة عنه. # وقد يقال: إن المعنيين جميعا مرادان، باعتبار أن ما يوفقه الله من ~~الطاعات فهو نعمة في حقه، أصابته من الله، كما قال وما بكم من نعمة فمن ~~الله (53) [النحل] فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا، وما يقع منه من ~~المعصية فهو مصيبة أصابته من الله، وإن كان سببها منه، والذي يوضح ذلك أن ~~الله سبحانه إذا جعل السيئة هي الجزاء على المعصية من نفس العبد بقوله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك (79) [النساء] فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن ms291 ~~يكون من نفسه، فلا منافاة بين أن تكون سيئة العمل من نفسه، وسيئة الجزاء من ~~نفسه، ولا ينافي ذلك أن يكون الجميع من الله قضاء وقدرا، ولكن هو من الله ~~عدل وحكمة ومصلحة وحسن، ومن العبد سيئة وقبيح، وقد روي عن ابن عباس أنه كان ~~يقرأها: وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وأنا قدرتها عليك. # وهذه القراءة زيادة بيان، وإلا فقد دل قوله قبل ذلك: قل كل من عند الله، ~~على القضاء السابق والقدر النافذ، والمعاصي قد تكون بعضها عقوبة بعض، فيكون ~~لله على المعصية عقوبتان، عقوبة بمعصية تتولد منها، وتكون الأولى سببا ~~فيها، وعقوبة بمؤلم يكون جزاءها، كما في الحديث المتفق على صحته، عن ابن ~~مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى ~~البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق PageV01P414 ~~حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، ~~والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند ~~الله كذابا» «1». # وقد ذكر الله سبحانه في غير موضع من كتابه، أن الحسنة الثانية قد تكون من ~~ثواب الحسنة الأولى، وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى، فالأول ~~كقوله تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) ~~وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) ~~[النساء] وقال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا (69) [العنكبوت] ~~وقال: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) [المائدة]. # وأما قوله: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح ~~بالهم (5) [محمد] فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية في الآخرة إلى ~~طريق الجنة، فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم، ويحتمل أن يكون منه، ويكون ~~قوله: «سيهديهم ويصلح بالهم» إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين ~~قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا، وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد ~~له كل وقت ms292 نوعا من أنواع الهداية. وإصلاح البال شيئا بعد شي ء. # فإن قلت: فكيف يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا؟. # قلت: الخبر قوله: فلن يضل أعمالهم (4) [محمد] أي: أنه لا يبطلها عليهم، ~~ولا يترهم إياها، هذا بعد أن قتلوا، ثم أخبر سبحانه خبرا مستأنفا عنهم، أنه ~~سيهديهم ويصلح بالهم، لما علم أنهم سيقتلون في سبيله، وأنهم PageV01P415 ~~بذلوا أنفسهم له، فلهم جزاءان، جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد، وجزاء ~~في الآخرة بدخول الجنة، فيرد السامع كل جملة إلى وقتها، لظهور المعنى وعدم ~~التباسه، وهو في القرآن كثير، والله أعلم. # وقال تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء (24) [يوسف] وقال: # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) ~~[القصص] وقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح ~~لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم (71) [الأحزاب] وقال: وإن تطيعوه تهتدوا (54) ~~[النور] وقال: # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن (154) [الأنعام] فضمن التمام ~~معنى الإنعام، فعداه بعلى، أي: إنعاما منا على الذي أحسن، وهذا جزاء على ~~الطاعات بالطاعات. # وأما الجزاء بالمعاصي على المعاصي فكقوله: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ~~(5) [الصف] وقوله: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم (19) ~~[الحشر] وقوله: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون (110) [الأنعام] وقوله: إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا (155) [آل عمران] وقوله: ~~وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) [البقرة] ~~وقوله: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض ~~بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) [التوبة]. # وهو كثير في القرآن، وعلى هذا فيكون النوعان من السيئات، أعني المصائب ~~والمعايب، من نفس الإنسان، وكلاهما بقدر الله، فشر النفس هو الذي أوجب هذا ~~وهذا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته المعروفة: «ونعوذ PageV01P416 ~~بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا» «1». # فشر النفس نوعان: صفة وعمل، والعمل ينشأ عن الصفة، والصفة تتأكد وتقوى ~~بالعمل، فكل منهما يمد ms293 الآخر. وسيئات الأعمال نوعان: قد فسرهما الحديث، ~~أحدهما: مساويها وقبائحها، فتكون الإضافة فيه من النوع إلى جنسه، وهي إضافة ~~بمعنى «من» أي: السيئات من أعمالنا. والثاني: أنها ما يسوء العامل مما يعود ~~عليه من عقوبة عمله، فيكون من إضافة المسبب إلى سببه، وتكون الإضافة على ~~معنى «اللام» وقد يرجح الأول بأنه يكون قد استعاذ من الصفة والعمل الناشئ ~~عنها، وذلك يتضمن الاستعاذة من الجزاء السيئ المترتب على ذلك، فتضمنت ~~الاستعاذة ثلاثة أمور: الاستعاذة من العذاب، ومن سببه الذي هو العمل، ومن ~~سبب العمل الذي هو الصفة، وقد يرجح الثاني أن شر النفس يعم النوعين كما ~~تقدم، فسيئات الأعمال ما يسوء من جزائها، ونبه بقوله: سيئات أعمالنا، على ~~أن الذي يسوء من الجزاء، إنما هو بسبب الأعمال الإرادية، لا من الصفات التي ~~ليست من أعمالنا، ولما كانت تلك الصفة شرا، استعاذ منها، وأدخلها في شر النفس. # وقال الصديق، رضي الله تعالى عنه، للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء ~~أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب ~~والشهادة، رب كل شي ء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ~~وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوء أو أجره إلى مسلم، قله إذا ~~أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك» «2». PageV01P417 # ولما كان الشر له مصدر يبتدئ منه، وغاية ينتهي إليها، وكان مصدرها إما من ~~نفس الإنسان، وإما من الشيطان، وغايته أن يعود على صاحبه أو على أخيه ~~المسلم، تضمن الدعاء هذه المراتب الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأبينه. # فصل # قال السني: فليس لك أيها القدري أن تحتج بالآية التي نحن فيها لمذهبك، ~~لوجوه، أحدها: أنك تقول: فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه، لا من الله، ~~بل الله سبحانه قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات، ~~ولكن هذا أحدث من عند نفسه إرادة، فعل بها الحسنات، وهذا أحدث إرادة، فعل ~~بها السيئات، وليست واحدة من الإرادتين من إحداث الرب ms294 سبحانه البتة، ولا ~~أوجبتها مشيئته. والآية قد فرقت بين الحسنة والسيئة، وأنتم لا تفرقون ~~بينهما، فإن الله عندكم لم يشأ هذا ولا هذا. # قال القدري: إضافة السيئة إلى نفس العبد، لكونه هو الذي أحدثها وأوجدها، ~~وأضاف الحسنة إليه سبحانه، لكونه هو الذي أمر بها وشرعها. # قال السني: الله سبحانه أضاف إلى العبد ما أصابه من سيئة، وأضاف إلى نفسه ~~ما أصاب العبد من حسنة، ومعلوم أن الذي أصاب العبد هو الذي قام به، والأمر ~~لم يقم بالعبد، وإنما قام به المأمور، وهو الذي أصابه، فالذي أصابه لا تصح ~~إضافته إلى الرب عندكم، والمضاف إلى الرب لم يقم بالعبد، فعلم أن الذي ~~أصابه من هذا وهذا أمر قائم به، فلو كان المراد به الأفعال PageV01P418 ~~الاختيارية من الطاعات والمعاصي، لاستوت الإضافة، ولم يصح الفرق، وإن ~~افترقا في كون أحدهما مأمورا به والآخر منهيا عنه، على أن النهي أيضا من ~~الله، كما أن الأمر منه، فلو كانت الإضافة لأجل الأمر، لاستوى المأمور ~~والمنهي في الإضافة، لأن هذا مطلوب إيجاده، وهذا مطلوب إعدامه. # قال القدري: أنا أجوز تعلق الطاعة والمعصية بمشيئة الرب سبحانه وإحداثه، ~~على وجه الجزاء، لا على سبيل الابتداء، وذلك أن الله سبحانه يعاقب عبده بما ~~شاء، ويثيبه، فكما يعاقبه بخلق الجزاء الذي يسوؤه، وخلق الثواب الذي يسره، ~~ولذلك يحسن أن يعاقبه بخلق المعصية وخلق الطاعة، فإن هذا يكون عدلا منه، ~~وأما أن يخلق فيه الكفر والمعصية ابتداء بلا سبب، فمعاذ الله من ذلك. # قال السني: هذا توسط حسن جدا، لا يأباه العقل ولا الشرع، ولكن من ابتدأ ~~الأول، وليس هو عندك مقدورا لله، ولا واقعا بمشيئته، فقد أثبت في ملكه ما ~~لا يقدر عليه، وأدخلت فيه ما لا يشاء، ونقضت أصلك كله، فإنك أصلت أن فعل ~~العبد الاختياري قدرة العبد عليه واختياره له، ومشيئته تمنع قدرة الرب عليه ~~ومشيئته له، وهذا الأصل لا فرق فيه بين الابتدائي والجزائي. # قال القدري: فالقرآن قد فرق بين النوعين، وجعل الكفر والفسوق الثاني جزاء ~~على ms295 الأول، فعلم أن الأول من العبد قطعا، وإلا لم يستقم جعل أحدهما عقوبة ~~على الآخر، وقد صرح بذلك في قوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية (13) [المائدة] فأضاف نقض الميثاق إليهم، وتقسية القلوب إليه، فالأول ~~سبب منهم، والثاني جزاء منه سبحانه، قال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) [الأنعام] فأضاف عدم ~~الإيمان أولا إليهم، إذ هو السبب، PageV01P419 ~~وتقليب القلوب وتركهم في طغيانهم هو الجزاء، ومثله قوله: فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم (5) [الصف] والآيات التي سمعتموها آنفا، إنما تدل على هذا. # قال السني: نعم! هذا حق، لكن ليس فيه إخراج السبب عن كونه مقدورا للرب ~~سبحانه واقعا بمشيئته، ولو شاء لحال بين العبد وبينه، ووفقه لضده، فهي ~~البقية التي بقيت عليك من القدر، كما أن إنكار إثبات الأسباب واقتضائها ~~لمسبباتها وترتبها عليها هي البقية التي بقيت على الجبري في المسألة أيضا، ~~وكلاكما مصيب من وجه، مخطئ من وجه، ولو تخلص كل منكما من البقية التي بقيت ~~عليه، لوجدتما روح الوفاق، واصطلحتما على الحق، وبالله التوفيق. # قال القدري: فما تقول أنت أيها السني في العقل الأول، إذا لم يكن جزاء، ~~فما وجهه؟ وأنت ممن يقول بالحكمة والتعليل، وتنزه الرب سبحانه عن الظلم ~~الذي هو ظلم، لا ما يقوله الجبري أنه الجمع بين النقيضين. # قال السني: لا يلزمني في هذا المقام بيان ذلك، فإني لم أنتصب له، إنما ~~انتصبت لإبطال احتجاجك بالآية، لمذهبك الباطل، وقد وفيت به، ولله في ذلك ~~حكم وغايات محمودة، لا تبلغها عقول العقلاء، ومباحث الأذكياء، فالله سبحانه ~~إنما يضع فضله وتوفيقه وإمداده في المحل الذي يصلح له، وما لا يصلح له من ~~المحال يدعه غفلا فارغا من الهدى والتوفيق، فيجري مع طبعه الذي خلق عليه، ~~ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون. # قال القدري: فإذا كان الله سبحانه قد أحدث فيهم تلك الإرادة والمشيئة ~~المستلزمة لوجود الفعل، كان ذلك إيجادا منه سبحانه لذلك فيهم، كما أوجد ms296 ~~الهدى والإيمان في أهله. PageV01P420 # قال السني: هذا معترك النزال وتفرق طرق العالم، والله سبحانه أعطى العبد ~~مشيئة وقدرة وإرادة، تصلح لهذا ولهذا، ثم أمد أهل الفضل بأمور وجودية زائدة ~~على ذلك المشترك، أوجب له الهداية والإيمان، وأمسك ذلك الإمداد عمن علم أنه ~~لا يصلح له، ولا يليق به، فانصرفت قوى إرادته ومشيئته إلى ضده اختيارا منه، ~~ومحبة، لا كرها واضطرارا. # قال القدري: فهل كان يمكنه إرادة ما لم يعن عليه، ولم يوفق له بإمداد ~~زائد على خلق الإرادة. # قال السني: إن أردت بالإمكان أنه يمكنه فعله لو أراده، فنعم! هو ممكن ~~بهذا الاعتبار مقدور له، وإن أردت به أنه ممكن وقوعه، بدون مشيئة الرب ~~وإذنه، فليس يمكن، فإنه ما شاء الله كان ووجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن، ~~وامتنع وجوده. # قال القدري: فقد سلمت حينئذ أنه غير ممكن للعبد إذا لم يشأ الله منه أن ~~يفعله، فصار غير مقدور للعبد، فقد عوقب على ترك ما لا يقدر على فعله. # قال السني: عدم إرادة الله سبحانه للعبد ومشيئته أن يفعل، لا يوجب كون ~~الفعل غير مقدور له، فإنه سبحانه لا يريد من نفسه أن يعينه عليه، مع كونه ~~أقدره عليه، ولا يلزم من إقداره عليه وقوعه، حتى توجد منه إعانة أخرى، ~~فانتفاء تلك الإعانة لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا للعبد، فإنه قد يكون ~~قادرا على الفعل، لكن يتركه كسلا وتهاونا وإيثارا لفعل ضده، فلا يصرف الله ~~عنه ترك الواقع، ولا يوجب عدم صرفه كونه عاجزا عن الفعل، فإن الله سبحانه ~~يعلم أنه قادر عليه، بالقدرة التي أقدره بها، ويعلم أنه لا يريده مع كونه ~~قادرا عليه، فهو سبحانه مريد له، ومنه الفعل، ولا يريد من نفسه إعانته PageV01P421 ~~وتوفيقه، وقطع هذه الإعانة والتوفيق لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا له، وإن ~~جعلته غير مراد. # وسر المسألة الفرق بين تعلق الإرادة بفعل العبد، وتعلقها بفعله هو سبحانه ~~بعده، فمن لم يحط معرفة بهذا الفرق، لم يكشف له حجاب المسألة. # قال الجبري: ms297 إما أن تقول: إن الله علم أن العبد لا يفعل، أو لم يعلم ذلك، ~~والثاني محال، وإذا كان قد علم أنه لا يفعله، صار الفعل ممتنعا قطعا، إذ لو ~~فعله لانقلب العلم القديم جهلا. # قال السني: هذه حجة باطلة من وجوه، أحدها: أن هذا بعينه يقال، فيما علم ~~الله أنه لا يفعله، وهو مقدور له، فإنه لا ينفع البتة، مع كونه مقدورا له، ~~فما كان جوابك عن ذلك، فهو جوابنا لك. وثانيها: أن الله سبحانه يعلم الأمور ~~على ما هي عليه، فهو يعلم أنه لا يفعله لعدم إرادته له، لا لعدم قدرته ~~عليه. وثالثها: أن العلم كاشف لا موجب، وإنما الموجب مشيئة الرب، والعلم ~~يكشف حقائق المعلومات. # عدنا إلى الكلام على الآية التي احتج بها القدري، وبيان أنه لا حجة فيها، ~~من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه قال: ما أصابك، ولم يقل: ما أصبت. # الثاني: أن المراد بالحسنة والسيئة النعمة والمصيبة. # الثالث أنه قال: قل كل من عند الله (78) [النساء]. # فالإنسان هو فاعل السيئات، ويستحق عليها العقاب، والله هو المنعم عليه ~~بالحسنات عملا وجزاء، والعادل فيه بالسيئات قضاء وجزاء، ولو كان العمل PageV01P422 ~~الصالح من نفس العبد، كما كان السيئ من نفسه، لكان الأمران كلاهما من نفسه، ~~والله سبحانه قد فرق بين النوعين، وفي الحديث الصحيح الإلهي: «يا عبادي ~~إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا، فليحمد الله، ~~ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» «1». # فصل # قال الجبري: أول الآية محكم، وهو قوله: كل من عند الله (78)، وآخرها ~~متشابه، وهو قوله: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~(79) [النساء] قال القدري: آخرها محكم وأولها متشابه. # قال السني: أخطأتما جميعا، بل كلاهما محكم مبين، وإنما أتيتما من قلة ~~الفهم في القرآن وتدبره، فليس بين اللفظين تناقض، لا في المعنى، ولا في ~~العبارة، فإنه سبحانه وتعالى ذكر عن هؤلاء الناكلين عن الجهاد، أنهم إن ~~تصبهم حسنة يقولوا هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة ms298 يقولوا لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # هذه من عندك، أي: بسبب ما أمرتنا به من دينك، وتركنا ما كنا عليه، ~~أصابتنا هذه السيئات، لأنك أمرتنا بما أوجبها، فالسيئات هاهنا هي المصائب. ~~والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هي التي أمروا بها، وقولهم في السيئة ~~التي تصيبهم: هذه من عندك، تتناول مصائب الجهاد التي حصلت لهم من الهزيمة ~~والجراح، وقتل من قتل منهم، وتتناول مصائب الرزق على وجه التطير والتشاؤم، ~~أي: أصابنا هذا بسبب دينك، كما قال PageV01P423 ~~تعالى عن قوم فرعون: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة ~~يطيروا بموسى ومن معه (131) [الأعراف] أي: إذا جاءهم ما يسرون به ويتنعمون ~~به من النعم، قالوا: نحن أهل ذلك ومستحقوه، وإن أصابهم ما يسوؤهم، قالوا: ~~هذا بسبب ما جاء به موسى. # وقال أهل القرية للمرسلين: قالوا إنا تطيرنا بكم (18) [يس]. وقال قوم ~~صالح له عليه الصلاة والسلام: اطيرنا بك وبمن معك (47) [النمل]. وكانوا ~~يقولون لما ينالهم من سبب الحرب: هذا منك، لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة له ~~وللمصائب الحاصلة من غير جهة العدو، وهذا أيضا منك، أي: # بسبب مفارقتنا لديننا ودين آبائنا، والدخول في طاعتك. وهذه حال كل من جعل ~~طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم سببا لشر أصابه من السماء، أو من الأرض، ~~وهؤلاء كثير في الناس، وهم الأقلون عند الله تعالى قدرا، الأرذلون عنده، ~~ومعلوم أنهم لم يقولوا: هذه من عندك، بمعنى: أحدثتها، ومن فهم هذا، تبين له ~~أن قوله تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك (79) ~~[النساء] ولا يناقض قوله تعالى: قل كل من عند الله (78) [النساء]. بل هذا ~~تحقيق له، فإنه سبحانه بين أن النعم والمصائب كلها من عنده، فهو الخالق ~~لها، المقدر لها، المبتلي خلقه بها، فهي من عنده، ليس بعضها من عنده وبعضها ~~خلقا لغيره، فكيف يضاف بعضها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعضها إلى ~~الله تعالى؟! ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثها، فلم يبق إلا ms299 ~~ظنهم أنه سبب لحصولها، إما في الجملة، كحال أهل التطير، وإما في المواقعة ~~المعينة، كحال اللائمين له في الجهاد، فأبطل الله سبحانه ذلك الوهم الكاذب ~~والظن الباطل، وبين أن ما جاء به لا يوجب الشر البتة، بل الخير كله فيما ~~جاء صلى الله عليه وسلم به، والشر بسبب أعمالهم وذنوبهم، كما قال الرسل ~~عليهم السلام لأهل القرية: «طائركم معكم». ولا يناقض هذا قول صالح عليه ~~السلام لقومه: «طائركم عند الله»، وقوله تعالى عن قوم فرعون: وإن PageV01P424 ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله (131) [الأعراف] ~~بل هاتان النسبتان نظير هاتين النسبتين في هذه الآية، وهي نسبة السيئة إلى ~~نفس العبد، ونسبة الحسنة والسيئة إلى أنهما من عند الله عز وجل. # فتأمل اتفاق القرآن وتصديق بعضه بعضا، فحيث جعل الطائر معهم والسيئة من ~~نفس العبد، فهو على جهة السبب والموجب، أي: الشر والشؤم الذي أصابكم هو ~~منكم ومعكم، فإن أسبابه قائمة بكم، كما تقول: شرك منك، وشؤمك فيك. يراد به ~~العمل، وطائرك معك، وحيث جعل ذلك كله من عنده، فهو لأنه الخالق له المجازي ~~به عدلا وحكمة، فالطائر يراد به العمل وجزاءه، فالمضاف إلى العبد العمل، ~~والمضاف إلى الرب الجزاء، فطائركم معكم: طائر العمل، وطائركم عند الله: ~~الجزاء. # فما جاءت به الرسل ليس سببا لشي ء من المصائب، ولا تكون طاعة الله ورسوله ~~سببا لمصيبة قط، بل طاعة الله ورسوله لا توجب إلا خيرا في الدنيا والآخرة، ~~ولكن قد يصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم وتقصيرهم في طاعة ~~الله ورسوله، كما لحقهم يوم أحد ويوم حنين، وكذلك ما امتحنوا به من الضراء ~~وأذى الكفار لهم، ليس هو بسبب نفس إيمانهم، ولا هو موجبه، وإنما امتحنوا ~~به، ليخلص ما فيهم من الشر، فامتحنوا بذلك كما يمتحن الذهب بالنار، ليخلص ~~من غشه. # والنفوس فيها ما هو من مقتضى طبعها، فالامتحان يمحص المؤمن من ذلك الذي ~~هو من موجبات طبعه، كما قال تعالى: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ~~(141) [آل ms300 عمران] وقال: وليبتلي الله ما في صدوركم (154) [آل عمران] فطاعة ~~الله ورسوله لا تجلب إلا خيرا، ومعصيته لا تجلب إلا شرا. ولهذا قال سبحانه: ~~فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) [النساء] فإنهم لو فقهوا ~~الحديث، لعلموا أنه ليس في الحديث الذي أنزله الله على PageV01P425 ~~رسوله ما يوجب شرا البتة، ولعلموا أنه سبب كل خير، ولو فقهوا، لعلموا أن ~~العقول والفطر تشهد بأن مصالح المعاش والمعاد متعلقة بما جاء به الرسول، ~~فلو فقهوا القرآن، علموا أنه أمرهم بكل خير، ونهاهم عن كل شر، وهذا مما ~~يبين أن ما أمر الله به يعلم حسنه بالعقل، وأنه كله مصلحة ورحمة ومنفعة ~~وإحسان، بخلاف ما يقوله كثير من أهل الكلام الباطل: أنه سبحانه يأمر العباد ~~بما لا مصلحة لهم فيه، بل يأمرهم بما فيه مضرة لهم، وقول هؤلاء تصديق ~~وتقرير لقول المتطيرين بالرسل. # فصل # ومما يوضح الأمر في ذلك أنه سبحانه لما قال: ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك (79) [النساء] عقب ذلك بقوله: وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا (79) [النساء] وذلك يتضمن أشياء: # منها: تنبيه أمته على أن رسوله الذي شهد له بالرسالة إذا أصابه ما يكره ~~فمن نفسه، فما الظن بغيره. # ومنها: أن حجة الله قد قامت عليهم بإرساله، فإذا أصابهم سبحانه بما ~~يسوؤهم، لم يكن ظالما لهم في ذلك، لأنه قد أرسل رسوله إليهم، يعلمهم بما ~~فيه مصالحهم، وما يجلبها لهم، وما فيه مضرتهم، وما يجلبها لهم فمن وجد ~~خيرا، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه. # ومنها: أنه سبحانه قد شهد له بالرسالة، بما أظهره على يديه، من الآيات ~~الدالة على صدقه، وأنه رسوله حقا فلا يضره جحد هؤلاء الجاهلين الظالمين PageV01P426 ~~المتطيرين به، لرسالته، ومن شهد له رب السموات والأرض. # ومنها: أنهم أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتها حجة على إبطال رسالته، ~~فشهد له بالرسالة، وأخبر أن شهادته كافية، فكان في ضمن ذلك إبطال قولهم: إن ~~المصائب من عند الرسول صلى الله ms301 عليه وسلم، وإثبات أنها من عند أنفسهم ~~بطريق الأولى. # ومنها: إبطال قول الجهمية المجبرة ومن وافقهم في قولهم: إن الله قد يعذب ~~العباد بلا ذنب. # ومنها: إبطال قول القدرية الذين يقولون: إن أسباب الحسنات والسيئات ليست ~~من الله، بل هي من العبد. # ومنها: ذم من لم يتدبر القرآن، ولم يفقهه وأن إعراضه عن تدبره وفقهه يوجب ~~له من الضلال والشقاء بحسب إعراضه. # ومنها: إثبات الأسباب، وإبطال قول من ينفيها، ولا يرى لها ارتباطا ~~بمسبباتها. # ومنها: أن الخير كله من الله، والشر كله من النفس، فإن الشر هو الذنوب ~~وعقوبتها، والذنوب من النفس، وعقوباتها مترتبة عليها، والله هو الذي قدر ~~ذلك وقضاه، وكل من عنده قضاء وقدرا، وإن كانت نفس العبد سببه، بخلاف الخير ~~والحسنات، فإن سببها مجرد فضل الله، ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره. # ومنها: أنه سبحانه لما رد قولهم، أن الحسنة من الله والسيئة من رسوله، ~~وأبطله بقوله: قل كل من عند الله (78) [النساء] رفع وهم من توهم، أن نفسه ~~لا تأثير لها في السيئة، ولا هي منها أصلا بقوله: ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما PageV01P427 ~~أصابك من سيئة فمن نفسك (79) [النساء] وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم. # ومنها: أنه قال في الرد عليهم: قل كل من عند الله (78) [النساء] ولم يقل: # من الله لما جمع بين الحسنات والسيئات. والحسنة مضافة إلى الله من كل ~~وجه، والسيئة إنما تضاف إليه قضاء وقدرا وخلقا، وأنه خالقها كما هو خالق ~~الحسنة، فلهذا قال قل كل من عند الله (78) [النساء] وهو سبحانه إنما خلقها ~~لحكمة، فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة، بل من جهة ما تضمنته من الحكمة ~~والعدل والحمد، وتضاف إلى النفس كونها سيئة. ولما ذكر الحسنة مفردة عن ~~السيئة قال: ما أصابك من حسنة فمن الله (79) [النساء] ولم يقل: من عند ~~الله، فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته، والشر الذي هو بالنسبة إلى ~~العبد شر، من عنده سبحانه، فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة، ثم قال: وما ~~أصابك ms302 من سيئة فمن نفسك (79) [النساء] ولم يقل: من عندك، لأن النفس طبيعتها ~~ومقتضاها ذلك، فهو من نفسها، والجميع من عند الله، فالسيئة من نفس الإنسان ~~بلا ريب، والحسنة من الله بلا ريب، وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا ~~وخلقا، ففرق بين ما من الله وبين ما من عنده، والشر لا يضاف إلى الله إرادة ~~ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما فإنه لا يريد إلا الخير، ولا يحب إلا ~~الخير، ولا يفعل شرا، ولا يوصف به، ولا يسمى باسمه. وسنذكر في باب دخول ~~الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى قضائه وقدره إن شاء الله. # فصل # وقد اختلف في كاف الخطاب في قوله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من PageV01P428 ~~سيئة فمن نفسك (79) [النساء] هل هي لرسول الله، أو هي لكل واحد من ~~الآدميين. # فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: الحسنة ما فتح الله عليه يوم بدر من ~~الغنيمة والفتح، والسيئة ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه، وكسرت رباعيته. # وقالت طائفة: بل المراد جنس ابن آدم كقوله: يا أيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم (6) [الانفطار]. روى سعيد عن قتادة: وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~(79) [النساء] قال: عقوبة يا ابن آدم بذنبك، ورجحت طائفة القول الأول. # واحتجوا بقوله: وأرسلناك للناس رسولا (79) [النساء] قالوا: وأيضا فإنه لم ~~يتقدم ذكر الإنسان ولا خطابه، وإنما تقدم ذكر الطائفة، قالوا ما حكاه الله ~~عنهم، فلو كانوا هم المرادين، لقال: ما أصابهم أو ما أصابكم على طريق ~~الالتفات، قالوا: وهذا من باب السبب، لأنه إذا كان سيد ولد آدم، وهكذا ~~حكمه، فكيف بغيره. # ورجحت طائفة القول الآخر، واحتجت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~معصوم، لا يصدر عنه ما يوجب أن تصيبه به سيئة، قالوا: والخطاب وإن كان له ~~في الصورة، فالمراد به الأمة كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء (1) ~~[الطلاق] قالوا: ولما كان أول الآية خطابا له، أجرى الخطاب جميعه على وجه ~~واحد، فأفرده في الثاني، ms303 والمراد به الجميع، والمعنى: وما أصابكم من سيئة ~~فمن أنفسكم، فالأول له، والثاني لأمته، ولهذا لما أفرد إصابة السيئة قال: ~~وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم (30) [الشورى] وقال: أولما أصابتكم ~~مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند PageV01P429 ~~أنفسكم (165) [آل عمران] وقال: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين (26) [التوبة]. # فأخبر أن الهزيمة بذنوبهم وإعجابهم، وأن النصر بما أنزله على رسوله، ~~وأيده به، إذ لم يكن منه من سبب الهزيمة ما كان منه. # وجمعت طائفة ثالثة بين القولين، وقالوا: صورة الخطاب له صلى الله عليه ~~وسلم، والمراد العموم كقوله يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين (1) [الأحزاب] ثم قال: واتبع ما يوحى إليك من ربك (2) [الأحزاب] ~~ثم قال وتوكل على الله (3) [الأحزاب] وكقوله ولقد أوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من ~~الشاكرين (66) [الزمر] وقوله فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين ~~يقرؤن الكتاب من قبلك (94) [يونس]. # قالوا: وهذا الخطاب نوعان: # نوع يختص لفظه به، لكن يتناول غيره بطريق الأولى كقوله يا أيها النبي لم ~~تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك (1) ثم قال: قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم (2) [التحريم]. # ونوع: يكون الخطاب له وللأمة، فأفرده بالخطاب، لكونه هو المواجه بالوحي، ~~وهو الأصل فيه، والمبلغ للأمة، والسفير بينهم وبين الله، وهذا معنى قول ~~كثير من المفسرين: الخطاب له، والمراد غيره، ولم يريدوا بذلك أنه لم يخاطب ~~بذلك أصلا، ولم يرد به البتة، بل المراد أنه لما كان إمام الخلائق ومقدمهم ~~ومتبوعهم، أفرد بالخطاب، وتبعته الأمة في حكمه، كما يقول السلطان لمقدم ~~العساكر: اخرج غدا، وانزل بمكان كذا، واحمل على PageV01P430 ~~العدو وقت كذا، قالوا: فقوله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك (79) [النساء] خطاب له، وجميع الأمة داخلون ms304 في ذلك بطريق الأولى، ~~بخلاف قوله وأرسلناك للناس رسولا (79) [النساء] فإن هذا له خاصة. # قالوا: وهذه الشرطية لا تستلزم الوقوع، بل تربط الجزاء بالشرط، وأما وقوع ~~الشرط والجزاء، فلا يدل عليه، فهو مقدر في حقه، محقق في حق غيره، والله أعلم. # قال القدري: إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة، والنعم والمصائب مقدرة، ~~فلم فرق سبحانه بين الحسنات التي هي النعم والسيئات التي هي المصائب، فجعل ~~هذه منه سبحانه، وهذه من نفس الإنسان، والجميع مقدر؟. # قال السني: بينهما فروق. # الفرق الأول: أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع بلا كسب منهم أصلا، بل ~~الرب سبحانه ينعم عليهم بالعافية والرزق والنصر وإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~وأسباب الهداية، فيفعل ذلك من لم يكن منه سبب يقتضيه، وينشئ للجنة خلقا ~~يسكنهم إياها بغير سبب منهم، ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة بلا ~~عمل، وأما العقاب فلا يعاقب أحدا إلا بعمله. # الفرق الثاني: أن عمل الحسنات من إحسان الله ومنه وتفضله عليه بالهداية ~~والإيمان كما قال أهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو ~~لا أن هدانا الله (43) [الأعراف] فخلق الرب سبحانه لهم الحياة والسمع ~~والبصر والعقول والأفئدة وإرسال الرسل وتبليغهم البلاغ الذي اهتدوا به، ~~وإلهامهم الإيمان وتحبيبه إليهم، وتزيينه في قلوبهم، وتكريه ضده إليهم؛ كل ~~ذلك من نعمه كما قال تعالى ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق PageV01P431 ~~والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) ~~[الحجرات]. # فجميع ما يتقلب فيه العالم من خير الدنيا والآخرة هو نعمة محضة، بلا سبب ~~سابق يوجب ذلك لهم، ومن غير حول وقوة منهم إلا به، وهو خالقهم وخالق ~~أعمالهم الصالحة وخالق جزائها، وهذا كله منه سبحانه، بخلاف الشر، فإنه لا ~~يكون إلا بذنوب العبد، وذنبه من نفسه، وإذا تدبر العبد هذا، علم أن ما هو ~~فيه من الحسنات من فضل الله، فشكر ربه على ذلك، فزاده من فضله عملا صالحا ~~ونعما، يفيضها عليه، وإذا علم أن الشر لا ms305 يحصل له إلا من نفسه وبذنوبه، ~~استغفر ربه، وتاب، فزال عنه سبب الشر، فيكون دائما شاكرا مستغفرا، فلا يزال ~~الخير يتضاعف له، والشر يندفع عنه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~في خطبته: «الحمد لله فيشكر الله ثم يقول: نستعينه ونستغفره؛ نستعينه على ~~طاعته، ونستغفره من معصيته، ونحمده على فضله وإحسانه، ثم قال: ونعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا. # لما استغفره من الذنوب الماضية، استعاذ به من الذنوب التي لم تقع بعد، ثم ~~قال: ومن سيئات أعمالنا؛ فهذه استعاذة من عقوبتها كما تقدم، ثم قال: # من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فهذه شهادة للرب بأنه ~~المتصرف في خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه، وأنه يهدي من يشاء، ويضل من ~~يشاء، فإذا هدى عبدا، لم يضله أحد، وإذا أضله، لم يهده أحد، وفي ذلك إثبات ~~ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وقضائه وقدره الذي هو عقد نظام التوحيد ~~وأساسه، وكل هذا مقدمة بين يدي قوله: وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله، فإن الشهادتين إنما تتحققان بحمد الله واستعانته ~~واستغفاره، واللجأ إليه، والإيمان بإقداره. # والمقصود أنه سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات بعد أن جمع بينهما في PageV01P432 ~~قوله: كل من عند الله. فجمع بينهما الجمع الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو ~~اجتماعهما في قضائه وقدره ومشيئته وخلقه، ثم فرق بينهما الفرق الذي ينتفعون ~~به، وهو أن هذا الخير والحسنة نعمة منه، فاشكروه عليه يزدكم من فضله ونعمه، ~~وهذا الشر والسيئة بذنوبكم، فاستغفروه يرفعه عنكم، وأصله من شرور أنفسكم، ~~فاستعيذوا به يخلصكم منها، ولا يتم ذلك إلا بالإيمان بالله وحده، وهو الذي ~~يهدي ويضل، وهو الإيمان بالقدر، فادخلوا عليه من بابه، فإن أزمة الأمور ~~بيده، فإذا فعلتم ذلك، صدق منكم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. # فهذه الخطبة العظيمة «1» عقد نظام الإسلام والإيمان، فلو اقتصر لهم على ~~الجمع دون الفرق، أعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه، والتوبة من ذنوبه، ~~والاستعاذة من ms306 شرها، وقام في قلبه شاهد الاحتجاج على ربه بالقدر، وتلك حجة ~~داحضة، تبع الأشقياء فيها إبليس، وهي لا تزيد صاحبها إلا شقاء وعذابا، كما ~~زادت إبليس طردا وبعدا عن ربه، وكما زادت المشركين ضلالا وشقاء حين قالوا: ~~لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، وكما تزيد الذي يقول يوم القيامة: لو أن ~~الله هداني لكنت من المتقين، حسرة وعذابا، ولو اقتصر لهم على الفرق دون ~~الجمع، لغابوا به في التوحيد والإيمان بالقدر، واللجأ إلى الله في الهداية ~~والتوفيق والاستعاذة به من شر النفس وسيئات العمل، والافتقار التام إلى ~~إعانته وفضله، وكان في الجمع والفرق بيان حق العبودية، وسيأتي تمام هذا ~~الكلام على هذا الموضع العظيم القدر، إن شاء الله، بإثبات اجتماع القدر ~~والشرع وافتراقهما. # الفرق الثالث: أن الحسنة يضاعفها الله سبحانه، وينميها ويكتبها للعبد PageV01P433 ~~بأدنى سعي، ويثيب على الهم بها، والسيئة لا يؤاخذ على الهم بها، ولا ~~يضاعفها، ويبطلها بالتوبة والحسنة الماحية والمصائب المكفرة، فكانت الحسنة ~~أولى بالإضافة إليه تعالى، والسيئة أولى بالإضافة إلى النفس. # الفرق الرابع: أن الحسنة التي هي الطاعة والنعمة، يحبها ويرضاها، فهو ~~سبحانه يحب أن يطاع، ويحب أن ينعم ويحسن ويجود، وإن قدر المعصية، وأراد ~~المنع، فالطاعة أحب إليه، والبذل والعطاء آثر عنده، فكان إضافة نوعي الحسنة ~~له، وإضافة نوعي السيئة إلى النفس أولى، ولهذا تأدب العارفون من عباده بهذا ~~الأدب، فأضافوا إليه النعم والخيرات، وأضافوا الشرور إلى محلها، كما قال ~~إمام الحنفاء: الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا ~~مرضت فهو يشفين (80) [الشعراء] فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه، وقال ~~الخضر: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها (79) ~~[الكهف] ثم قال: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز ~~لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما (82) ~~[الكهف]. # وقال مؤمنو الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا (10) [الجن]. # الفرق الخامس: أن الحسنة مضافة إليه، لأنه أحسن بها ms307 من كل وجه وبكل ~~اعتبار كما تقدم، فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما ~~السيئة فهو سبحانه إنما قدرها وقضاها لحكمته، وهي، باعتبار تلك الحكمة، من ~~إحسانه، فإن الرب سبحانه لا يفعل سوء قط، كما لا يوصف به، ولا يسمى باسمه، ~~بل فعله كله حسن وخير وحكمة، كما قال تعالى: بيده الخير. وقال أعرف الخلق ~~به: والشر ليس إليك. فهو لا يخلق شرا محضا من كل وجه، بل كل ما خلقه ففي ~~خلقه مصلحة وحكمة، وإن PageV01P434 ~~كان في بعضه شر جزئي إضافي، وأما الشر الكلي المطلق من كل وجه، فهو تعالى ~~منزه عنه، وليس إليه. # الفرق السادس: أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها، فهي أمور ~~وجودية، متعلقة بمشيئة الرب وقدره ورحمته وحكمته، وليست أمورا عدمية تضاف ~~إلى غير الله، بل هي كلها أمور وجودية، وكل موجود حادث، والله محدثه ~~وخالقه، وذلك أن الحسنات إما فعل مأمور، أو ترك محظور، والترك أمر وجودي، ~~فترك الإنسان لما نهي عنه، ومعرفته بأنه ذنب قبيح، وبأنه سبب العذاب، فبغضه ~~له وكراهته له ومنع نفسه إذا هويته وطلبته منه، أمور وجودية، كما أن معرفته ~~بالحسنات، كالعدل والصدق حسنة، وفعله لها أمر وجودي، والإنسان إنما يثاب ~~على ترك السيئات، إذا تركها على وجه الكراهة لها والامتناع عنها وكف النفس ~~عنها، قال تعالى: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان (7) [الحجرات] وقال تعالى: # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) [النازعات] وقال: إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (45) [العنكبوت]. # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا ~~يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما ~~يكره أن يلقى في النار» «1». # وقد جعل صلى الله عليه وسلم البغض، في الله، من أوثق عرى الإيمان، وهو ~~أصل الترك. ms308 وجعل المنع لله من كمال الإيمان، وهو أصل الترك، فقال: # «من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» «2». وقال: «من PageV01P435 ~~أحب لله، وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان «1»، وجعل ~~إنكار المنكر بالقلب من مراتب الإيمان، وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركه، ~~فلم يكن الترك من الإيمان إلا بهذه الكراهة، والبغض والامتناع والمنع لله، ~~وكذلك براءة الخليل وقومه من المشركين ومعبودهم ليست تركا محضا، بل تركا ~~صادرا عن بغض ومعاداة وكراهة، هي أمور وجودية، هي عبودية للقلب، يترتب ~~عليها خلو الجوارح من العمل، كما أن التصديق والإرادة والمحبة للطاعة، من ~~عبودية القلب، يترتب عليها آثارها في الجوارح، وهذا الحب والبغض تحقيق ~~شهادة أن لا إله إلا الله، وهو إثبات تأله القلب لله ومحبته ونفي تألهه ~~لغيره وكراهته، فلا يكفي أن يعبد الله ويحبه، ويتوكل عليه، وينيب إليه، ~~ويخافه ويرجوه حتى يترك عبادة غيره، والتوكل عليه والإنابة إليه وخوفه ~~ورجاءه، ويبغض ذلك، وهذه كلها أمور وجودية، وهي الحسنات التي يثيب الله ~~عليها، وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة، ولا يكرهها بقلبه ~~ويكف نفسه عنها، بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه، ولا يثاب على هذا الترك، ~~فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل والنائم، لكن قد يثاب على ~~اعتقاد تحريمها، وإن لم يكن له إليها داعية البتة، فالترك ثلاثة أقسام، قسم ~~يثاب عليه، وقسم يعاقب عليه، وقسم لا يثاب ولا يعاقب. # فالأول: ترك العالم بتحريمها، الكاف نفسه عنها لله، مع قدرته عليها. # والثاني: كترك من يتركها لغير الله لا لله، فهذا يعاقب على تركه لغير ~~الله، كما يعاقب على فعله لغير الله، فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال ~~القلب، فإذا عبد به غير الله، استحق العقوبة. # والثالث: كترك من لم يخطر على قلبه علما، ولا محبة ولا كراهة، بل بمنزلة ~~ترك النائم والطفل. PageV01P436 # فإن قيل: كيف يعاقب على ترك المعصية حياء من الخلق، وإبقاء على جاهه بينهم، ~~وخوفا منهم أن يتسلطوا عليه، ms309 والله سبحانه لا يذم على ذلك، ولا يمنع منه؟. # قيل: لا ريب أنه لا يعاقب على ذلك، وإنما يعاقب على تقربه إلى الناس ~~بالترك، ومراءاتهم به، وأنه تركها خوفا من الله ومراقبة، وهو في الباطن ~~بخلاف ذلك، فالفرق بين ترك يتقرب به إليهم ومراءاتهم به، وترك يكون مصدره ~~الحياء منهم، وخوف أذاهم له، وسقوطه من أعينهم، فهذا لا يعاقب عليه، بل قد ~~يثاب عليه إذا كان له فيه غرض بحبه الله، من حفظ مقام الدعوة إلى الله، ~~وقبولهم منه، ونحو ذلك. # وقد تنازع الناس في الترك، هل هو أمر وجودي، أم عدمي، والأكثرون على أنه وجودي. # وقال أبو هاشم وأتباعه: هو عدمي، وإن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل، ~~لا على ترك يقوم بقلبه. وهؤلاء رتبوا الذم والعقاب على العدم المحض، ~~والأكثرون يقولون: إنما يثاب من ترك المحظور على ترك وجودي، يقوم بنفسه، ~~ويعاقب تارك المأمور على ترك وجودي، يقوم بنفسه، وهو امتناعه وكفه نفسه عن ~~فعل ما أمر به، إذا تبين هذا، فالحسنات التي يثاب عليها كلها وجودية، فهو ~~سبحانه الذي حبب الإيمان والطاعة إلى العبد، وزينه في قلبه، وكره إليه ~~أضدادها. وأما السيئات فمنشؤها من الجهل والظلم، فإن العبد لا يفعل القبيح ~~إلا لعدم علمه بكونه قبيحا، أو لهواه وشهوته، مع علمه بقبحه، فالأول جهل، ~~والثاني ظلم، ولا يترك حسنة إلا لجهله بكونها حسنة، أو لرغبته في ضدها، ~~لموافقته هواه وغرضه. وفي الحقيقة فالسيئات كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو ~~كان علمه تاما برجحان ضررها لم يفعلها، فإن هذا خاصة الفعل، فإنه إذا علم ~~أن إلقاءه بنفسه من PageV01P437 ~~مكان عال يضره، لم يقدم عليه، وكذلك لبثه تحت حائط مائل، وإلقاؤه نفسه في ~~ماء يغرق فيه، وأكله طعاما مسموما، لا يفعله لعلمه التام بمضرته الراجحة، ~~بل هذه فطرة فطر الله عليها الحيوان بهيمه وناطقه، ومن لم يعلم أن ذلك ~~يضره، كالطفل والمجنون، والسكران الذي انتهى سكره، فقد يفعله. # وأما من أقدم على ما يضره، مع علمه بما فيه من ms310 الضرر، فلا بد أن يقوم ~~بقلبه أن منفعته له راجحة، ولا بد من رجحان المنفعة عنده، إما في الظن، ~~وإما في المظنون، ولو جزم راكب البحر بأنه يغرق، ويذهب ماله، لم يركب أبدا، ~~بل لا بد من رجحان الانتفاع في ظنه، وإن أخطأ في ذلك. وكذلك الذنوب ~~والمعاصي، فلو جزم السارق بأنه يؤخذ، ويقطع، لم يقدم على السرقة، بل يظن ~~أنه يسلم ويظفر بالمال. وكذلك القاتل والشارب والزاني، فلو جزم طالب الذنب ~~بأنه يحصل له الضرر الراجح، لم يفعله، بل إما أن لا يكون جازما بتحريمه، أو ~~لا يجزم بعقوبته، بل يرجو العفو والمغفرة، وأن يتوب ويأتي بحسنات تمحو أثره. # وقد يغفل عن هذا كله بقوة وإرادة الشهوة، واستيلاء سلطانها على قلبه، ~~بحيث تغيبه عن مطالعة مضرة الذنب؛ والغفلة من أضداد العلم، كالغفلة. # والشهوة أصل الشر كله، قال تعالى، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) [الكهف]. # وينبغي أن يعلم أن الهوى وحده لا يستقل بفساد السيئات إلا مع الجهل، وإلا ~~فصاحب الهوى لو جزم بأن ارتكاب هواه يضره، ولا بد، ضررا راجحا، لانصرفت ~~نفسه عن طاعته له بالطبع، فإن الله سبحانه جعل في النفس حبا لما ينفعها ~~وبغضا لما يضرها، فلا تفعل مع حضور عقلها ما تجزم بأنه يضرها ضررا راجحا، ~~ولهذا يوصف تارك ذلك بالعقل والحجى واللب. فالبلاء PageV01P438 ~~مركب من تزيين الشيطان وجهل النفس، فإنه يزين لها السيئات، ويريها أنها في ~~صور المنافع واللذات والطيبات، ويغفلها عن مطالعتها لمضرتها، فتولد من بين ~~هذا التزيين وهذا الإغفال والإنساء لها إرادة وشهوة، ثم يمدها بأنواع ~~التزيين، فلا يزال يقوى حتى يصير عزما جازما، يقترن به الفعل، كما زين ~~للأبوين الأكل من الشجرة، وأغفلهما عن مطالعة مضرة المعصية. # فالتزيين هو سبب إيثار الخير والشر كما قال تعالى: وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون (43) [الأنعام] وقال: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا (8) ~~[فاطر] وقال في تزيين الخير: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~(7) [الحجرات] ms311 وقال في تزيين النوعين: كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم ~~مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) [الأنعام] وتزيين الخير والهدى ~~بواسطة الملائكة والمؤمنين، وتزيين الشر والضلال بواسطة الشياطين من الجن ~~والإنس، كما قال تعالى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ~~(137) [الأنعام]. # وحقيقة الأمر أن التزيين إنما يغتر به الجاهل، لأنه يلبس له الباطل ~~والضار المؤذي صورة الحق والنافع الملائم، فأصل البلاء كله من الجهل وعدم ~~العلم. ولهذا قال الصحابة: كل من عصى الله فهو جاهل، وقال تعالى: إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب (17) ~~[النساء] وقال: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم (54) [الأنعام]. # قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن قوله: إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب (17) [النساء] فقالوا: كل من عصى ~~الله فهو جاهل، ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. PageV01P439 # وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي ~~الله به فهو جهالة، عمدا كان أولم يكن، وكل من عصى الله فهو جاهل. وقال ~~مجاهد: من شيخ أو شاب، فهو بجهالة. وقال: من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن ~~خطيئته، وقال هو وعطاء: الجهالة: العمد. وقال مجاهد: من عمل سوء خطأ أو ~~عمدا فهو جاهل حتى ينزع منه. # ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن قتادة وعمرو بن مرة ~~والثوري نحو ذلك خطأ أو عمدا. # وروي عن مجاهد والضحاك: ليس من جهالته أن لا يعلم حلالا ولا حراما، ولكن ~~من جهالته حين دخل فيه. وقال عكرمة: الدماء كلها جهالة. # ومما يبين ذلك قوله إنما يخشى الله من عباده العلماء (28) [فاطر] وكل من ~~خشيه فأطاعه بفعل أوامره، وترك نواهيه فهو عالم كما قال تعالى أمن هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ms312 ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون (9) [الزمر]. # وقال رجل للشعبي: أيها العالم! فقال: لسنا بعلماء، إنما العالم من يخشى الله. # وقال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علما، وبالاغترار بالله جهلا. # وقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء (28) [فاطر] يقتضي الحصر من ~~الطرفين، أن لا يخشاه إلا العلماء، ولا يكون عالما إلا من يخشاه، فلا يخشاه ~~إلا عالم، وما من عالم إلا وهو يخشاه، فإذا انتفى العلم انتفت الخشية، وإذا ~~انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم، لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم ~~للخشية، حيث يظن أنه يحصل بدونها، وهذا ممتنع، فإنه ليس في الطبيعة أن لا ~~يخشى النار والأسد والعدو من هو عالم بها PageV01P440 ~~مواجه لها، وأنه لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق، ونحو ذلك فأمنه في ~~هذه المواطن دليل عدم علمه، وأحسن أحواله أن يكون معه ظن، لا يصل إلى رتبة ~~العلم اليقيني. # فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس، فإنها كانت عن علم، لا عن جهل، ~~وبقوله وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى (17) [فصلت] وقال ~~وآتينا ثمود الناقة مبصرة (59) [الإسراء] وقال عن قوم فرعون وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا (14) [النمل] وقال وعادا وثمود وقد تبين لكم ~~من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) ~~[العنكبوت] وقال موسى لفرعون قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض بصائر (102) [الإسراء] وقال وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون (115) [التوبة] وقال الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم (146) [البقرة] يعني القرآن أو محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وقال يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ~~(71) [آل عمران] وقال فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ~~(33) [الأنعام]. # والجحود إنكار الحق بعد معرفته، وهذا كثير في القرآن. # قيل: حجج الله لا تتناقض، بل كلها حق، يصدق بعضها بعضا، وإذا كان سبحانه ~~قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء، وقد ms313 أقر به وبرسالته، وبأنه حرم ذلك وتوعد ~~عليه بالعقاب، ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء، فكيف بمن ~~أشرك به، وكفر بآياته، وعادى رسله، أليس ذلك أجهل الجاهلين؟ وقد سمى تعالى ~~أعداءه جاهلين، بعد إقامة الحجة عليهم، فقال: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) [الأعراف] فأمره بالإعراض ~~عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة، وعلموا أنه صادق وقال: وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما (63) [الفرقان]. PageV01P441 # فالجاهلون هنا الكفار الذين علموا أنه رسول الله، فهذا العلم لا ينافي ~~الحكم على صاحبه بالجهل، بل يثبت له العلم، وينافي عنه في موضع واحد، كما ~~قال تعالى عن السحرة من اليهود: ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) [البقرة] فأثبت لهم ~~العلم الذي تقوم به عليهم الحجة، ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك ~~الضار، وهذا نكتة المسألة وسر الجواب، فما دخل النار إلا عالم، ولا دخلها ~~إلا جاهل، وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد، يوضحه أن الهوى ~~والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل، وتقيم ~~لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه، فلا يزال المقتضى يضعف، والعارض يعمل عمله ~~حتى كأنه لم يكن، ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه، فلو علم إبليس أن ~~تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ، وأنه يوجب له أعظم العقوبة، وتيقن ذلك، ~~لم يتركه، ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم، ليقضى أمره، وينفذ قضاؤه ~~وقدره، ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة، خرجا من الجنة، وجرى ~~عليهما ما جرى، ما قرباها، ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم، وما ~~يصيبهم يوم القيامة، وجزموا بذلك، لما عادوهم. # قال تعالى عن قوم فرعون: ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) [القمر] ~~وقال: وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك ~~مريب (54) [سبأ] وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه ~~عيانا: وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم ms314 يترددون (45) [التوبة] وقال: # ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم (14) [الحديد] وقال: في قلوبهم مرض ~~(10) [البقرة] وهو الشك، ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم، ~~لما كانوا في الدرك الأسفل من النار، بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم ~~الذي لم ينفعهم، فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض PageV01P442 ~~واتباع الهوى وإيثار الشهوات، وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده. # فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل، فالعلم ~~يراد به العلم التام المستلزم لأثره، ويراد به المقتضى، وإن لم يتم بوجود ~~شروطه وانتفاء موانعه، فالثاني يجامع الجهل دون الأول، فتبين أن أصل ~~السيئات الجهل وعدم العلم، وإن كان كذلك، فعدم العلم ليس أمرا وجوديا، بل ~~هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة، والعدم ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا ~~مؤثرا فيه، بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده، وعدم السبب الموجب لضده. والعدم ~~المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر، والشر ليس إليه، فإذا انتفى هذا الجازم عن ~~العبد، ونفسه بطبعها متحركة مريدة، وذلك من لوازم شأنها، تحركت بمقتضى ~~الطبع والشهوة، وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة، فوقعت في أسباب ~~الشر، ولا بد. # فصل # والله سبحانه قد أنعم على عباده، من جملة إحسانه ونعمه، بأمرين، هما أصل ~~السعادة: # أحدهما: أن خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة، فكل مولود يولد على ~~الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وشبه ذلك بخروج البهيمة صحيحة سالمة حتى يجدعها صاحبها، ~~وثبت عنه أنه قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فأتتهم ~~الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، PageV01P443 ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» «1» فإذا تركت النفس وفطرتها، ~~لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئا، ولم تشرك به، ولم تجحد ~~كمال ربوبيته، وكان أحب شي ء إليها وأطوع شي ء لها وآثر شي ء عندها، ولكن ~~يعدها من يقترن بها، من شياطين الجن والإنس، بتزيينه ms315 وإغوائه حتى ينغمس ~~موجبها وحكمها. # الأمر الثاني: أنه سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من ~~المعرفة، ومكنهم من أسبابها، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من ~~الرسل، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمونه، ففي كل نفس ما يقتضي معرفتها بالحق ~~ومحبتها له، وقد هدى الله كل عبد إلى أنواع من العلم، يمكنه التوصل بها إلى ~~سعادة الآخرة، وجعل في فطرته محبة لذلك، لكن قد يعرض العبد عن طلب علم ما ~~ينفعه، فلا يريده ولا يعرفه، وكونه لا يريد ذلك، ولا يعرفه، أمر عدمي، فلا ~~يضاف إلى الرب، لا هذا ولا هذا، فإنه من هذه الحيثية شر، والذي يضاف إلى ~~الرب علمه به وقضاؤه له بعدم مشيئته لضده، وإبقائه على العدم الأصلي، وهو ~~من هذه الجهة خير، فإن العلم بالشر خير من الجهل به، وعدم رفعه بإثبات ضده، ~~إذا كان مقتضى الحكمة، كان خيرا، وإن كان شرا بالنسبة إلى محله، وسيأتي ~~تمام تقرير هذا في باب دخول الشر، في القضاء الإلهي، إن شاء الله سبحانه. PageV01P444 # فصل # وهاهنا حياة أخرى غير الحياة الطبيعية الحيوانية، نسبتها إلى القلب كنسبة ~~حياة البدن إليه، فإذا أمد عبده بتلك الحياة، أثمرت له، من محبته وإجلاله ~~وتعظيمه والحياء منه ومراقبته وطاعته، مثل ما تثمر حياة البدن له، من ~~التصرف والفعل وسعادة النفس ونجاتها وفلاحها، بهذه الحياة، وهي حياة دائمة ~~سرمدية، لا تنقطع، ومتى فقدت هذه الحياة، واعتاضت عنها بحياتها الطبيعية ~~الحيوانية، كانت ضالة معذبة شقية، ولم تسترح راحة الأموات، ولم تعش عيش ~~الأحياء كما قال تعالى: سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى ~~النار الكبرى (12) ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) [الأعلى] فإن الجزاء من ~~جنس العمل، فإنه في الدنيا لما لم يحيا الحياة النافعة الحقيقية التي خلق ~~لها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتا عديم الإحساس، كانت ~~حياته في الآخرة كذلك، فإن مقصود الحياة حصول ما ينتفع به ويلتذ به؛ والحي ~~لا بد له من لذة أو ألم، فإذا لم ms316 تحصل له اللذة، لم يحصل له مقصود الحياة، ~~كمن هو حي في الدنيا، وبه أمراض عظيمة، تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به ~~الأصحاء، فهو يختار الموت ويتمناه، ولا يحصل له، فلا هو مع الأحياء ولا مع ~~الأموات. # إذا عرف هذا، فالشر من لوازم هذه الحياة، وعدمها شر، وهو ليس بشي ء حتى ~~يكون مخلوقا، والله خالق كل شي ء، فإذا أمسك عن عبد هذه الحياة، كان ~~إمساكها خيرا بالنسبة إليه سبحانه، وإن كان شرا بالإضافة إلى العبد لفوات ~~ما يلتذ ويتنعم به، فالسيئات من طبيعة النفس، ولم يمد بهذه الحياة PageV01P445 ~~التي تحول بينها وبينها، فصار الشر كله من النفس، والخير كله من الله، ~~والجميع بقضائه وقدره وحكمته. وبالله التوفيق. # فصل # قال القدري: ونحن نعترف بهذا جميعه، ونقر بأن الله خلق الإنسان مريدا، ~~ولكن جعله على خلقة يريد بها، وهو مريد بالقوة والقبول، أي: # خلقه قابلا لأن يريد هذا وهذا، وأما كونه مريدا لهذا المعنى، فليس ذلك ~~بخلق الله، ولكنه هو الذي أحدثه بنفسه، ليس هو من إحداث الله. # قال الجبري: هذه الإرادة حادثة، فلا بد لها من محدث، فالمحدث لها إما أن ~~يكون نفس الإنسان، أو مخلوق خارج عنها، أو ربها وفاطرها وخالقها، والقسمان ~~الأولان محال، فتعين الثالث. # أما المقدمة الأولى فظاهرة، إذ المحدث إما النفس، وإما أمر خارج عنها، ~~والخارج عنها إما الخالق، أو المخلوق. # وأما المقدمة الثانية فبيانها أن النفس لا يصح أن تكون هي المحدثة ~~لإرادتها، فإنها إما أن تحدثها بإرادة أو بغير إرادة، وكلاهما ممتنع، فإنها ~~لو توقف إحداثها على إرادة أخرى، فالكلام فيها كالكلام في الأولى، ويلزم ~~التسلسل إلى غير نهاية، فلا توجد إرادة حتى يتقدمها إرادات لا تتناهى، وإن ~~لم يتوقف إحداثها على إرادة منها، بطل أن تكون هي المؤثرة في إحداثها، إذ ~~وقوع الحادث بلا إرادة من الفاعل المختار محال، وإذا بطل أن تكون محدثة ~~للإرادة بإرادة، وأن يحدثها بغير إرادة، تعين أن يكون المحدث لتلك PageV01P446 ~~الإرادة أمرا خارجا عنها، فحينئذ إما ms317 أن يكون مخلوقا، أو يكون هو الخالق ~~سبحانه، والأول محال، لأن ذلك المحدث إن كان غير مريد، لم يمكنه جعل ~~الإنسان مريدا وإن كان مريدا فالكلام في إرادته كالكلام في إرادة الإنسان ~~سواء، فتعين أن يكون المحدث لتلك الإرادة هو الخالق لكل شي ء، الذي ما شاء ~~كان، وما لم يشأ لم يكن. # قال القدري: قد اختلفت طرق أصحابنا في الجواب عن هذا الإلزام، فقال ~~الجاحظ: العبد يحدث أفعاله بغير إرادة منه، بل مجرد قدرته وعلمه بما في ~~الفعل من الملاءمة، فإذا علم موافقة الفعل له، وهو قادر عليه، أحدثه بقدرته ~~وعلمه، وأنكر توقفه على إرادة محدثة، وأنكر حقيقة الإرادة في الشاهد، ولم ~~ينكر الميل والشهوة، ولكن لا يتوقف إحداث عليها، فإن الإنسان قد يفعل ما لا ~~يشتهيه ولا يميل إليه. وخالفه جميع الأصحاب، وأثبتوا الإرادة الحادثة، ثم ~~اختلفوا في سبب حدوثها. # فقال طائفة منهم: كون النفس مريدة أمر ذاتي لها، وما بالذات لا يعلل، ولا ~~يطلب سبب وجوده، وطريقة التعليل تسلك ما لم يمنع منها مانع، واختصاص الذات ~~بالصفة الذاتية لا تعلل، فهكذا اختصاص النفس بكونها مريدة هو أمر ذاتي لها، ~~وبذلك كانت نفسا. فقول القائل: لم أردت كذا، وما الذي أوجب لها إرادته، ~~كقوله: لم كانت نفسا؟ وكقوله: لم كانت النار محرقة أو متحركة؟ ولم كان ~~الماء مائعا سيالا؟ ولم كان الهواء خفيفا؟ # فكون النفس مريدة متحركة بالإرادة هو معنى كونها نفسا، فهو بمنزلة قول ~~القائل: لم كانت نفسا؟ وحركتها بمنزلة حركة الفلك، فهي خلقت هكذا. # قالت طائفة أخرى: بل الله سبحانه أحدث فيها الإرادة، والإرادة صالحة ~~للضدين، فخلق فيها إرادة تصلح للخير والشر، فآثرت هي أحدهما على الآخر ~~بشهوتها وميلها، فأعطاها قدرة صالحة للضدين، وإرادة صالحة لهما، PageV01P447 ~~فكانت القدرة والإرادة من إحداثه سبحانه. واختيارها أحد المقدورين المرادين ~~من قبلها، فهي التي رجحته. # قالوا: والقادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بغير مرجح، كالعطشان ~~إذا قدم له قدحان متساويان من كل وجه، والهارب إذا عن له طريقان، كذلك ms318 فإنه ~~يرجح أحدهما بلا مرجح، فالله سبحانه أحدث فيه إرادة الفعل، ولكن الإرادة لا ~~توجب المراد، فإحداثها فيها امتحانا له وابتلاء، وأقدره على خلافها، وأمره ~~بمخالفتها، ولا ريب أنه قادر على مخالفتها، فلا يلزم من كونها مخلوقة لله ~~حاصلة بإحداثه وجوب الفعل عندها. # وقال أبو الحسين البصري: إن الفعل يتوقف على الداعي والقدرة، وهما من ~~الله، خلقا فيه، وعندهما يجب وجود الفعل باختيار العبد وداعيه، فيكون هو ~~المحدث له بما فيه من الدواعي والقدرة. # فهذه طرق أصحابنا في الجواب عما ذكرتم. # قال السني: لم تتخلصوا بذلك من الإلزام، ولم تبينوا به بطلان حجتهم ~~المذكورة، فلا منعتم مقدماتها، وبينتم فسادها، ولا عارضتموها بما هو أقوى ~~منها، كما أنهم لم يتخلصوا من إلزامكم، ولم يبينوا بطلان دليلكم، وكان غاية ~~ما عندكم وعندهم المعارضة وبيان كل منكم تناقض الآخر، وهذا لا يفيد نصرة ~~الحق وإبطال الباطل، بل يفيد بيان خطئكم وخطئهم وعدو لكم وإياهم عن منهج ~~الصواب. فنقول وبالله التوفيق. # مع كل منكما صواب من وجه وخطأ من وجه، فأما صواب الجبري، فمن جهة إسناده ~~الحوادث كلها إلى مشيئة الله وخلقه وقضائه وقدره. والقدري خالف الضرورة في ~~ذلك، فإن كون العبد مريدا فاعلا بعد أن لم يكن، أمر حادث، فإما أن يكون له ~~محدث، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن له محدث PageV01P448 ~~لزم حدوث الحوادث بلا محدث، وإن كان له محدث، فإما أن يكون هو العبد، أو ~~الله سبحانه، أو غيرهما، فإن كان هو العبد، فالقول في إحداثه لتلك الفاعلية ~~كالقول في إحداث سببها، ويلزم التسلسل، وهو باطل هاهنا بالاتفاق، لأن العبد ~~كائن بعد أن لم يكن، فيمتنع أن تقوم به حوادث لا أول لها، وإن كان غير ~~الله، فالقول فيه كالقول في العبد، فتعين أن يكون الله هو الخالق المكون ~~لإرادة العبد وقدرته وإحداثه وفعله، وهذه مقدمات يقينية لا يمكن القدح فيها. # فمن قال: إن إرادة العبد وإحداثه حصل بغير سبب، اقتضى حدوث ذلك، والعبد ~~أحدث ذلك، وحاله عند إحداثه كما ms319 كان قبله، بل خص أحد الوقتين بالإحداث من ~~غير سبب اقتضى تخصيصه، وأنه صار مريدا فاعلا محدثا بعد أن لم يكن كذلك، من ~~غير من جعله كذلك، فقد قال ما لا يعقل، بل يخالف صريح العقل، وقال بحدوث ~~حوادث بلا محدث. # وقولكم: إن الإرادة لا تعلل، كلام باطل لا حقيقة له، فإن الإرادة أمر ~~حادث، فلا بد له من محدث، ونظير هذا المحال قولكم في فعل الرب سبحانه أنه ~~بواسطة إرادة يحدثها، لا في محل من غير سبب اقتضى حدوثها، يكون مريدا بها ~~للمخلوقات، فارتكبتم ثلاث محالات: حدوث حادث بلا إرادة من الفاعل، وحدوث ~~حادث بلا سبب حادث، وقيام الصفة بنفسها لا في محل. وادعيتم مع ذلك أنكم ~~أرباب العقول والنظر، فأي معقول أفسد من هذا، وأي نظر أعمى منه؟. # وإن شئت قلت: كون العبد مريدا أمر ممكن، والممكن لا يترجح وجوده على عدمه ~~إلا لمرجح تام، والمرجح التام إما من العبد، وإما من مخلوق آخر، وإما من ~~الله سبحانه، والقسمان الأولان باطلان، فتعين الثالث كما تقدم، فهذه الحجة ~~لا يمكن دفعها، ولا يمكن دفع العلم الضروري باستناد PageV01P449 ~~أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا وقدرتنا، وإنا إذا أردنا الحركة يمنة لم ~~تقع يسرة. وبالعكس، فهذه الحجة لا يمكن دفعها، والجمع بين الحجتين هو الحق، ~~فإن الله سبحانه خالق إرادة العبد وقدرته، وجاعلهما سببا لإحداثه الفعل، ~~فالعبد محدث لفعله بإرادته واختياره وقدرته حقيقة، وخالق السبب خالق ~~للمسبب، ولو لم يشأ سبحانه وجود فعله، لما خلق له السبب الموجد له. فقال ~~الفريقان للسني: كيف يكون الرب تعالى محدثا لها والعبد أيضا؟. # قال السني: إحداث الله سبحانه لها بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه، قائمة ~~بمحلها، وهو العبد، فجعل العبد فاعلا لها بما أحدث فيه من القدرة والمشيئة، ~~وإحداث العبد لها بمعنى أنها قامت به، وحدثت بإرادته وقدرته، وكل من ~~الإحداثين مستلزم للآخر، ولكن جهة الإضافة مختلفة، فما أحدثه الرب سبحانه ~~من ذلك فهو مباين له قائم بالمخلوق مفعول له لا فعل، وما أحدثه العبد فهو ms320 ~~فعل له، قائم به يعود إليه حكمه، ويشتق له منه اسمه، وقد أضاف الله سبحانه ~~كثيرا من الحوادث إليه، وأضافها إلى بعض مخلوقاته كقوله: الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها والتي لم تمت في منامها (42) [الزمر] وقال:* قل يتوفاكم ملك ~~الموت الذي وكل بكم (11) [السجدة] وقال: توفته رسلنا (61) [الإنعام] وقال: ~~سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب (151) [آل عمران] وقال: يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا (27) [إبراهيم]، وقال: وأنزل الله ~~عليك الكتاب (113) [النساء] وقال: قل نزله روح القدس من ربك بالحق (102) ~~[النحل] وقال: فأخذهم العذاب (113) [النحل] فأخذتهم الصيحة (41) [المؤمنون] ~~وقال: فكلا أخذنا بذنبه (40) [العنكبوت] فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) ~~[القمر]. # وهذا كثير، فأضاف هذه الأفعال إلى نفسه إذ هي واقعة بخلقه ومشيئته ~~وقضائه، وأضافها إلى أسبابها، إذ هو الذي جعلها أسبابا، لحصولها بين PageV01P450 ~~الإضافتين، ولا تناقض بين السببين، وإذا كان كذلك تبين أن إضافة الفعل ~~الاختياري إلى الحيوان بطريق التسبب، وقيامه به ووقوعه بإرادته لا ينافي ~~إضافته إلى الرب سبحانه خلقا ومشيئة وقدرا. # ونظيره قوله تعالى: إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) [الحاقة] ~~وقال لنوح: احمل فيها من كل زوجين اثنين (40) [هود] فالرب سبحانه هو الذي ~~حملهم فيها بإذنه وأمره ومشيئته، ونوح حملهم بفعله ومباشرته. # فصل # وأما قول الجاحظ: إن العبد يحدث أفعاله الاختيارية من غير إرادة منه، بل ~~بمجرد القدرة والداعي، فإن أراد نفي إرادة العبد، وجحد هذه الصفة عنه، ~~فمكابرة لا تنكر من طوائف، هم أكثر الناس مكابرة وجحدا للمعلوم بالضرورة، ~~فلا أرخص من ذلك عندهم، وإن أراد أن الإرادة أمر عدمي، وهو كونه غير مغلوب ~~ولا ملجأ، فيقال: هذا العدم من لوازم الإرادة، لا أنه نفسها، وكون الإرادة ~~أمرا عدميا مكابرة أخرى، وهي بمنزلة قول القائل: # القدرة أمر عدمي، لأنها بمعنى عدم العجز والكلام عدمي، لأنه عدم الخرس. ~~والسمع والبصر عدمي، لأنهما عدم الصمم والعمى، وأما قوله: # إن الفعل يقع بمجرد القدرة، وعلم الفاعل بما فيه من الملاءمة فمكابرة ~~ثالثة، فإن العبد يجد من نفسه قدرة ms321 على الفعل وعلما بمصلحته، ولا يفعله ~~لعدم إرادته له، لما في فعله من فوات محبوب له، أو حصول مكروه إليه، فلا ~~يوجب القدرة والعلم وقوع الفعل ما لم تقارنهما الإرادة. PageV01P451 # فصل # وأما قول الآخر: إن كون النفس مريدة أمر ذاتي لها، فلا تعلل، إلى آخره ~~كلام في غاية البطلان، فهب أنا لا نطلب علة كونها مريدة، فكونها كذلك هو ~~مخلوق فيها أم غير مخلوق، وهي التي جعلت نفسها كذلك، أم فاطرها وخالقها هو ~~الذي جعلها كذلك، وإذا كان سبحانه هو الذي أنشأها بجميع صفاتها وطبيعتها ~~وهيئاتها، فكونها مريدة هو وصف لها، وخالقها خالق لأوصافها، فهو خالق لصفة ~~المريدية فيها، فإذا كانت تلك الصفة سببا للفعل، وخالق السبب خالق للمسبب، ~~والمسبب واقع بقدرته ومشيئته وتكوينه، وهذا مما لا ينكره إلا مكابر معاند. # فصل # وأما قول الطائفة الأخرى: إن الله سبحانه خلق فيه إرادة صالحة للضدين، ~~فاختار أحدهما على الآخر، ولا ريب أن الأمر كذلك، ولكن وقوع أحد الضدين ~~باختياره وإيثاره له وداعيه إليه لا يخرجه عن كونه مخلوقا للرب سبحانه ~~مقدورا له مقدرا على العبد واقعا بقضاء الرب وقدره، وأنه لو شاء لصرف داعية ~~العبد وإرادته عنه إلى ضده، فهذه هي البقية التي بقيت على هذه الفرقة من ~~إنكار القدر، فلو ضموها إلى قولهم لأصابوا كل الإصابة، ولكانوا أسعد بالحق ~~في هذه المسألة من سائر الطوائف. PageV01P452 # وتحقيق ذلك أن الله سبحانه بعدله وحكمته أعطى العبد قدرة وإرادة، يتمكن بها ~~من جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فأعانه بأسباب ظاهرة وباطنة، ومن جملة تلك ~~الأسباب القدرة والإرادة، وعرفه طريق الخير والشر، ونهج له الطريق، وأعانه ~~بإرسال رسله وإنزال كتبه، وقرن به ملائكته، وأزال عنه كل علة يحتج بها ~~عليه، ثم فطرهم سبحانه على إرادة ما ينفعهم وكراهة ما يؤذيهم ويضرهم كما ~~فطر على ذلك الحيوان البهيم، ثم كان كثير مما ينفعهم لا علم لهم به على ~~التفصيل، والذي يعلمونه من المنافع أمر مشترك بينهم وبين الحيوانات، وثم ~~أمور عظيمة هي أنفع شي ms322 ء لهم، لا صلاح لهم ولا فلاح ولا سعادة إلا بمعرفتها ~~وطلبها وفعلها، ولا سبيل لهم إلى ذلك إلا بوحي منه وتعريف خاص، فأرسل إليهم ~~رسله، وأنزل عليهم كتبه، فعرفهم ما هو الأنفع لهم وما فيه سعادتهم وفلاحهم، ~~فصادفتهم الرسل مشتغلين بأضدادها، قد ألفوها وساكنوها، وجرت عليها عوائدهم ~~حين ألفتها الطباع، فأخبرتهم الرسل أنها أضر شي ء عليهم، وأنها من أعظم ~~أسباب ألمهم وفوات أربهم وسرورهم، فنهضت الإرادة طالبة للسعادة والفلاح، إذ ~~الدعوة إلى ذلك محركة للقلوب والأسماع والأبصار إلى الاستجابة فقام داعي ~~الطبع والإلف والعادة في وجه ذلك الداعي معارضا له، يعد النفس ويمنيها ~~ويرغبها ويزين لها ما ألفته واعتادته، لكونه ملائما له، وهو نقد عاجل وراحة ~~مؤثرة ولذة مطلوبة ولهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر، وداعي الفلاح يدعو إلى ~~أمر آجل في دار غير هذه الدار، لا ينال إلا بمفارقة ملاذها وطيباتها ~~ومسراتها وتجرع مرارتها والتعرض لآفاتها. وإيثار الغير لمحبوباتها ~~ومشتهياتها، يقول: خذ ما تراه، ودع ما سمعت به. فقامت الإرادة بين ~~الداعيين، تصغي إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، فههنا معركة الحرب ومحل المحنة، ~~فقتيل وأسير وفائز بالظفر والغنيمة، فإذا شاء الله سبحانه رحمة عبد جذب قوى ~~إرادته وعزيمته إلى ما ينفعه ويحييه الحياة الطيبة، فأوحى إلى ملائكته أن ثبتوا PageV01P453 ~~عبدي، واصرفوا همته وإرادته إلى مرضاتي وطاعتي كما قال تعالى: إذ يوحي ربك ~~إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا (12) [الأنفال]. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان ~~لمة، فلمة الملك، إيعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان إيعاد بالشر ~~وتكذيب بالحق ثم قرأ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم ~~مغفرة منه وفضلا (268) [البقرة]» «1». # وإذا أراد خذلان عبد أمسك عنه تأييده وتثبيته، وخلى بينه وبين نفسه، ولم ~~يكن بذلك ضالا له، لأنه قد أعطاه قدرة وإرادة، وعرفه الخير والشر، وحذره ~~طريق الهلاك وعرفه بها، وحضه على سلوك طريق النجاة، وعرفه بها، ثم تركه وما ~~اختار لنفسه، وولاه ما تولى، فإذا وجد شرا ms323 فلا يلومن إلا نفسه. # قال القدري: فتلك الإرادة المعينة المستلزمة للفعل المعين، إن كانت ~~بإحداث العبد فهو قولنا، وإن كانت بإحداث الرب سبحانه، فهو قول الجبري، وإن ~~كانت بغير محدث لزم المحال. # قال السني: لا تفتقر كل إرادة من العبد إلى مشيئة خاصة من الله، توجب ~~حدوثها، بل يكفي في ذلك المشيئة العامة لجعله مريدا، فإن الإرادة هي حركة ~~النفس، والله سبحانه شاء أن تكون متحركة، وأما أن تكون كل حركة تستدعي ~~مشيئة مفردة، فلا، وهذا كما أنه سبحانه شاء أن يكون الحي متنفسا ولا يفتقر ~~كل نفس من أنفاسه إلى مشيئة خاصة، وكذلك شاء أن يكون هذا الماء بجملته ~~جاريا، ولا تفتقر كل قطرة منه إلى مشيئة خاصة، يجري بها PageV01P454 ~~الماء، وكذلك مشيئته لحركات الأفلاك وهبوب الرياح ونزول الغيث، وكذلك خطرات ~~القلوب ووساوس النفس، وكذلك مشيئته أن يكون العبد متكلما، لا يستلزم أن ~~يكون كل حرف بمشيئته غير مشيئة الحرف الآخر، وإذا تبين ذلك فهو سبحانه شاء ~~أن يكون عبده شائيا مريدا، وتلك الإرادة والمشيئة صالحة للضدين، فإذا شاء ~~أن يهدي عبدا صرف داعيه ومشيئته وإرادته إلى معاشه ومعاده، وإذا شاء أن ~~يضله تركه ونفسه وتخلى عنه، والنفس متحركة بطبعها لا بد لها من مراد محبوب ~~هو مألوهها ومعبودها، فإن لم يكن الله وحده هو معبودها ومرادها، وإلا كان ~~غيره لها معبودا ومرادا، ولا بد، فإن حركتها ومحبتها من لوازم ذاتها، فإن ~~لم تحب ربها وفاطرها وتعبده أحبت غيره وعبدته، وإن لم تتعلق إرادتها بما ~~ينفعها في معادها تعلقت بما يضرها فيه ولا بد، فلا تعطيل في طبيعتها، وهكذا خلقت. # فإن قلت: فأين مشيئة الله لهداها وضلالها. # قلت: إذا شاء إضلالها تركها ودواعيها، وخلى بينها وبين ما تختاره، وإذا ~~شاء هداها جذب دواعيها وإرادتها إليه وصرف عنها موانع القبول، فيمدها على ~~القدر المشترك بينها وبين سائر النفوس بإمداد وجودي، ويصرف عنها الموانع ~~التي خلى بينها وبين غيرها فيها، وهذا بمشيئته وقدرته، فلم يخرج شي ء من ~~الموجودات عن مشيئته ms324 وقدرته وتكوينه البتة، لكن يكون ما يشاء بأسباب وحكم، ~~ولو أن الجبرية أثبتت الأسباب والحكم، لانحلت عنها عقد هذه المسألة، ولو أن ~~القدرية سحبت ذيل المشيئة والقدر والخلق على جميع الكائنات، مع إثبات الحكم ~~والغايات المحمودة في أفعال الرب سبحانه، لا نحلت عنها عقدها وبالله ~~التوفيق. PageV01P455 ### | AUTO الباب الحادي والعشرون في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر # قال الله تعالى: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن ~~تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شي ء قدير (26) [آل ~~عمران] فصدر الآية سبحانه بتفرده بالملك كله، وأنه هو سبحانه هو الذي يؤتيه ~~من يشاء، وينزعه ممن يشاء لا غيره، فالأول: تفرده بالملك، والثاني: تفرده ~~بالتصرف فيه، وإنه سبحانه هو الذي يعز من يشاء بما يشاء من أنواع العز، ~~ويذل من يشاء بسلب ذلك العز عنه، وأن الخير كله بيديه، ليس لأحد معه منه شي ~~ء، ثم ختمها بقوله: إنك على كل شي ء قدير، فتناولت الآية ملكه وحده وتصرفه ~~وعموم قدرته، وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده، وأنها كلها خير، فسلبه ~~الملك عمن يشاء وإذلاله من يشاء خير، وإن كان شرا بالنسبة إلى المسلوب ~~الذليل، فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل، والحكمة والمصلحة لا تخرج ~~عن ذلك، وهذا كله خير يحمد عليه الرب، ويثنى عليه به، كما يحمد ويثنى عليه، ~~بتنزيهه عن الشر، وأنه ليس إليه، كما ثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح في قوله: «لبيك ~~وسعديك، والخير في يديك والشر ليس إليك، PageV01P457 ~~أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت» «1» فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ~~ما نسب إليه فهو خير والشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، فلو ~~أضيف إليه لم يكن شرا، كما سيأتي بيانه. # وهو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، ~~وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله، ولهذا تنزه ms325 سبحانه عن الظلم الذي حقيقته ~~وضع الشي ء في غير موضعه كما تقدم، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة ~~بها. وذلك خير كله. والشر وضع الشي ء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن ~~شرا، فعلم أن الشر ليس إليه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك، فإن منها: القدوس ~~السلام العزيز الجبار المتكبر. # فالقدوس: المنزه من كل شر ونقص وعيب، كما قال أهل التفسير. هو الطاهر من ~~كل عيب المنزه عما لا يليق به، وهذا قول أهل اللغة. وأصل الكلمة من الطهارة ~~والنزاهة، ومنه: بيت المقدس، لأنه مكان يتطهر فيه من الذنوب، ومن أمه لا ~~يريد إلا الصلاة فيه، رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه. # ومنه: سميت الجنة حظيرة القدس لطهارتها من آفات الدنيا. ومنه: سمي جبريل ~~روح القدس لأنه طاهر من كل عيب. ومنه: قول الملائكة ونحن نسبح بحمدك ونقدس ~~لك (30) [البقرة] فقيل: المعنى: ونقدس أنفسنا لك، فعدى باللام، وهذا ليس ~~بشي ء، والصواب أن المعنى: نقدسك وننزهك عما لا يليق بك، هذا قول جمهور أهل ~~التفسير. # وقال ابن جرير: ونقدس لك: ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من ~~الأدناس، ومما أضاف إليك أهل الكفر بك. قال: وقال بعضهم: # نعظمك ونمجدك، قاله أبو صالح. PageV01P458 # وقال مجاهد: نعظمك ونكبرك، انتهى. # وقال بعضهم: ننزهك عن السوء، فلا ننسبه إليك، واللام فيه على حدها، في ~~قوله: ردف لكم (72) [النمل]، لأن المعنى تنزيه الله لا تنزيه نفوسهم، لأجله ~~قلت: ولهذا قرن هذا اللفظ بقولهم: نسبح بحمدك. فإن التسبيح تنزيه الله ~~سبحانه عن كل سوء. # قال ميمون بن مهران: سبحان الله كلمة يعظم بها الرب، ويحاشى بها من السوء. # وقال ابن عباس: هي تنزيه لله من كل سوء. وأصل اللفظ من المباعدة، من ~~قولهم: سبحت في الأرض، إذا تباعدت فيها. ومنه: كل في فلك يسبحون. فمن أثنى ~~على الله ونزهه عن السوء فقد سبحه. ويقال: سبح الله وسبح له وقدسه وقدس له. # وكذلك اسمه السلام، فإنه الذي سلم من العيوب والنقائص، ms326 ووصفه بالسلام ~~أبلغ في ذلك من وصفه بالسالم، ومن موجبات وصفه بذلك سلامة خلقه من ظلمه ~~لهم، فسلم سبحانه من إرادة الظلم والشر ومن التسمية به ومن فعله ومن نسبته ~~إليه، فهو السلام من صفات النقص وأفعال النقص وأسماء النقص، المسلم لخلقه ~~من الظلم، ولهذا وصف سبحانه ليلة القدر بأنها سلام، والجنة بأنها دار ~~السلام، وتحية أهلها السلام، وأثنى على أوليائه بالقول السلام. كل ذلك ~~السالم من العيوب. # وكذلك الكبير من أسمائه والمتكبر. قال قتادة وغيره: هو الذي تكبر عن ~~السوء. وقال أيضا: الذي تكبر عن السيئات. # وقال مقاتل: المتعظم عن كل سوء. PageV01P459 # وقال أبو إسحاق: الذي يكبر عن ظلم عباده. # وكذلك اسمه العزيز: الذي له العزة التامة، ومن تمام عزته براءته عن كل ~~سوء وشر وعيب، فإن ذلك ينافي العزة التامة. # وكذلك اسمه العلي: الذي علا عن كل عيب وسوء ونقص. ومن كمال علوه أن لا ~~يكون فوقه شي ء، بل يكون فوق كل شي ء. # وكذلك اسمه الحميد: وهو الذي له الحمد كله، فكمال حمده يوجب أن لا ينسب ~~إليه شر ولا سوء ولا نقص، لا في أسمائه ولا في أفعاله ولا في صفاته. # فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه، مع أنه سبحانه الخالق ~~لكل شي ء، فهو الخالق للعباد وأفعالهم وحركاتهم وأقوالهم، والعبد إذا فعل ~~القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشر والسوء، والرب سبحانه هو الذي جعله ~~فاعلا لذلك، وهذا الجعل منه عدل وحكمة وصواب، فجعله فاعلا خير، والمفعول شر ~~قبيح، فهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشي ء موضعه، لما له في ذلك من الحكمة ~~البالغة التي يحمد عليها، فهو خير وحكمة ومصلحة، وإن كان وقوعه من العبد ~~عيبا ونقصا وشرا. # وهذا أمر معقول في الشاهد، فإن الصانع الخبير إذا أخذ الخشبة العوجاء ~~والحجر المكسور واللبنة الناقصة، فوضع ذلك في موضع يليق به ويناسبه، كان ~~ذلك منه عدلا وصوابا، يمدح به، وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب، يذم به ~~المحل. ومن وضع ms327 الخبائث في موضعها ومحلها اللائق بها، كان ذلك حكمة وعدلا ~~وصوابا، وإنما السفه والظلم أن يضعها في غير موضعها، فمن وضع العمامة على ~~الرأس، والنعل في الرجل، والكحل في العين، والزبالة في الكناسة، فقد وضع ~~الشي ء موضعه، ولم يظلم النعل PageV01P460 ~~والزبالة، إذ هذا محلها. # ومن أسمائه سبحانه: العدل والحكيم الذي لا يضع الشي ء إلا في موضعه، فهو ~~المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه، وفي كل ما وضعه في محله، وهيأه ~~له، وهو سبحانه له الخلق والأمر، فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح ~~الأمرين، ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا ~~تعارض أمران، رجح أحسنهما وأصلحهما. # وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه، ولا نهي عن ~~فعل إلا وعدمه خير من وجوده. # فإن قلت: فإذا كان وجوده خيرا من عدمه، فكيف لا يشاء وجوده؟ فإذا كان ~~عدمه خيرا من وجوده فكيف يشاء وجوده؟ فالمشيئة العامة تنقض عليك هذه ~~القاعدة الكلية. # قلت: لا تنقضها لأن وجوده وإن كان خيرا من عدمه، فقد يستلزم وجوده فوات ~~محبوب له، هو أحب إليه من وقوع هذا المأمور، من هذا المعنى. # وعدم المنهي وإن كان خيرا من وجوده، فقد يكون وجوده وسيلة وسببا إلى ما ~~هو أحب إليه من عدمه، وسيأتي تمام تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع ~~وافتراقهما، إن شاء الله. # والرب سبحانه إذا أمر بشي ء، فقد أحبه ورضيه وأراده وبينه، وهو لا يحب ~~شيئا إلا ووجوده خير من عدمه، وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه، وهو لا يبغض ~~شيئا إلا وعدمه خير من وجوده، هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا. # وأما باعتبار إفضائه إلى ما يحب ويكره، فله حكم آخر، ولهذا أمر سبحانه ~~عباده أن يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم، فالأحسن هو المأمور به، وهو خير من ~~المنهي عنه، وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه، فهكذا سنته في خلقه PageV01P461 ~~وقضائه وقدره، فما أراد أن يخلقه أو يفعله، كان أن يخلقه ms328 ويفعله خيرا من أن ~~لا يخلقه ولا يفعله، وبالعكس، وما كان عدمه خيرا من وجوده، فوجوده شر، وهو ~~لا يفعله، بل هو منزه عنه، والشر ليس إليه. # فإن قلت: فلم خلقه، وهو شر؟. # قلت: خلقه له وفعله خير لا شر، فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه، والشر ~~يستحيل قيامه به واتصافه به. وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته ~~إليه، والفعل والخلق يضاف إليه، فكان خيرا، والذي شاءه كله خير، والذي لم ~~يشأ وجوده، بقي على العدم الأصلي وهو الشر، فإن الشر كله عدم، وإن سببه ~~جهل، وهو عدم العلم، أو ظلم، وهو عدم العدل، وما يترتب على ذلك من الآلام ~~فهو من عدم استعداد المحل وقبوله لأسباب الخيرات واللذات. # فإن قلت: كثير من الناس يطلق القول بأن الخير كله من الوجود ولوازمه، ~~والشر كله من العدم ولوازمه، والوجود خير، والشر المحض لا يكون إلا عدما. # قلت: هذا اللفظ فيه إجمال، فإن أريد به أن كل ما خلقه الله وأوجده ففيه ~~الخير، ووجوده خير من عدمه، وما لم يخلقه ولم يشأه فهو المعدوم الباقي على ~~عدمه، ولا خير فيه، إذ لو كان فيه خير لفعله، فإنه بيده الخير، فهذا صحيح، ~~فالشر العدمي هو عدم الخير، وإن أريد أن كل ما يلزم الوجود فهو خير، وكل ما ~~يلزم العدم فهو شر، فليس بصحيح، فإن الوجود قد يلزمه شر مرجوح، والعدم قد ~~يلزمه خير راجح. مثال الأول النار والمطر والحر والبرد والثلج ووجود ~~الحيوانات، فإن هذا موجود، ويلزمه شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما في وجود ~~ذلك من الخير، وكذلك المأمور به قد يلزمه من الألم PageV01P462 ~~والمشقة ما هو شر جزئي مغمور، بالنسبة إلى ما فيه من الخير. # فصل # وتحقيق الأمر أن الشر نوعان: شر محض حقيقي من كل وجه، وشر نسبي إضافي من ~~وجه دون وجه، فالأول لا يدخل في الوجود، إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرا ~~محضا، والثاني هو الذي يدخل في الوجود. # فالأمور التي يقال: ms329 هي شرور، إما أن تكون أمورا عدمية، أو أمورا وجودية، ~~فإن كانت عدمية، فإنها إما أن تكون عدما لأمور ضرورية للشي ء في وجوده، أو ~~ضرورية له في دوام وجوده وبقائه، أو ضرورية له في كماله، وإما أن تكون غير ~~ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله، وإن كان وجودها خيرا من عدمها. # فهذه أربعة أقسام، فالأول: كالإحساس والحركة والنفس للحيوان. # والثاني: كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي. والثالث: كصحته ~~وسمعه وبصره وقوته. والرابع: كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها خير ~~من الجهل، وليست ضرورية له. # وأما الأمور الوجودية: فوجود كل ما يضاد الحياة والبقاء والكمال، ~~كالأمراض وأسبابها، والآلام وأسبابها. # والموانع الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له ~~المستعد لحصوله، كالمواد الردية المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن ~~وانتفاعها به، وكالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة المانعة لحصول PageV01P463 ~~أضدادها للقلب. # إذا عرف هذا، فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشي ء في وجوده أو بقائه ~~أو كماله، ولهذا العدم لوازم من شر أيضا، فإن عدم العلم والعدل يلزمهما من ~~الجهل والظلم ما هو شرور وجودية، وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم ~~والضرر ما هو شر وجودي، وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط ~~والعلوم التي لا يضر الجهل بها، فليس بشر في الحقيقة، ولا وجودها سببا ~~للشر، فإن العلم منه حيث هو علم، والغنى منه حيث هو غنى، لم يوضع سببا ~~للشر، وإنما يترتب الشر من عدم صفة تقتضي الخير، كعدم العفة والصبر والعدل ~~في حق الغني، فيحصل الشر له في غناه بعدم هذه الصفات، وكذلك عدم الحكمة ~~ووضع الشي ء موضعه، وعدم إرادة الحكمة في حق صاحب العلم يوجب ترتب الشر له ~~على ذلك، فظهر أن الشر لم يترتب إلا على عدم، وإلا فالموجود من حيث وجوده ~~لا يكون شرا ولا سببا للشر، فالأمور الوجودية ليست شرورا بالذات، بل بالعرض ~~من حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة، فإنك لا تجد شيئا من ms330 الأفعال ~~التي هي شر إلا وهي كمال بالنسبة إلى أمور، وجهة الشر فيه بالنسبة إلى أمور ~~أخر، مثال ذلك أن الظلم يصدر عن قوة تطلب الغلبة والقهر، وهي القوة الغضبية ~~التي كمالها بالغلبة، ولهذا خلقت، فليس في ترتب أثرها عليها شر من حيث ~~وجوده، بل الشر عدم ترتب أثرها عليها البتة، فتكون ضعيفة عاجزة مقهورة، ~~وإنما الشر الوجودي الحاصل شر إضافي بالنسبة إلى المظلوم بفوات نفسه أو ~~ماله أو تصرفه، وبالنسبة إلى الظالم، لا من حيث الغلبة والاستيلاء، ولكن من ~~حيث وضع الغلبة والقهر والاستيلاء في غير موضعه، فعدل به من محله إلى غير ~~محله، ولو استعمل قوة الغضب في قهر المؤذي الباغي من الحيوانات الناطقة ~~والبهيمة، لكان ذلك خيرا، ولكن عدل به إلى غير محله، فوضع القهر والغلبة ~~موضع العدل والنصفة، ووضع الغلظة PageV01P464 ~~موضع الرحمة، فلم يكن الشر في وجود هذه القوة، ولا في ترتب أثرها عليها من ~~حيث هما كذلك، بل في إجرائها في غير مجراها. # ومثال ذلك: ماء جار في نهر إلى أرض، يسقيها وينفعها، فكماله في جريانه ~~حتى يصل إليها، فإذا عدل به عن مجراه وطريقه إلى أرض يضرها ويخرب دورها، ~~كان الشر في العدول به عما أعد له وعدم وصوله إليه، فهكذا الإرادة والغضب ~~أعين بهما العبد، ليتوصل بهما إلى حصول ما ينفعه وقهر ما يؤذيه ويهلكه، ~~فإذا استعملا في ذلك، فهو كمالها، وهو خير، وإذا صرفا عن ذلك إلى استعمال ~~هذه القوة في غير محلها، وهذه في غير محلها، صار ذلك شرا إضافيا نسبيا. # وكذلك النار كمالها في إحراقها، فإذا أحرقت ما ينبغي إحراقه، فهو خير، ~~وإن صادفت ما لا ينبغي إحراقه، فأفسدته، فهو شر إضافي بالنسبة إلى المحل ~~المعين. # وكذلك القتل مثلا، هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال البدن، فقوة ~~الإنسان على استعمال الآلة خير، وكون الآلة قابلة للتأثير خير، وكون المحل ~~قابلا لذلك خير، وإنما الشر نسبي إضافي، وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه، ~~والعدول به عن المحل المؤذي إلى ms331 غيره، وهذا بالنسبة إلى الفاعل. وأما ~~بالنسبة إلى المفعول، فهو شر إضافي أيضا، وهو ما حصل له من التألم وفاته من ~~الحياة، وقد يكون ذلك خيرا له من جهة أخرى، وخيرا لغيره. # وكذلك الوطء فإن قوة الفاعل وقبول المحل كمال، ولكن الشر في العدول به عن ~~المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا يليق، وهكذا حركة اللسان، وحركات ~~الجوارح كلها جارية على هذا المجرى. PageV01P465 # فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة، لا أنها ~~من حيث وجودها وذواتها شر، وكذلك السجود ليس هو شرا من حيث ذاته ووجوده، ~~فإذا أضيف إلى غير الله كان شرا بهذه النسبة والإضافة، وكذلك كل ما وجوده ~~كفر وشرك، إنما كان شرا بإضافة إلى ما جعله كذلك، كتعظيم الأصنام، فالتعظيم ~~من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلقه، فإذا كان تعظيما لله ~~وكتابه ودينه ورسوله، كان خيرا محضا، وإن كان تعظيما للصنم وللشيطان، ~~فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرا. كما أن إضافة السجود إلى غير الله جعلته كذلك. # فصل # ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا كالنبات ~~والحيوان إما أن يعرض لها النقص الذي هو شر، في ابتدائها أو بعد تكونها، ~~فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة ~~الاستعداد، فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب، وليس ذلك بأن ~~الفاعل حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله، بل لأن المنفعل لم يقبل ~~الكمال والتمام، وعدم قبوله أمر عدمي، ليس بالفاعل، وأما الذي بالفاعل فهو ~~الخير الوجودي الذي يتقبل به كماله وتمامه، ونقصه والشر الذي حصل فيه هو من ~~عدم إمداده بسبب الكمال، فبقي على العدم الأصلي، وبهذا يفهم سر قوله تعالى: ~~ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت (3) [الملك] فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به ~~كمال المخلوق وتمامه، وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله، وعدم القبول ليس أمرا ~~مخلوقا، يتعلق بفعل الفاعل، فالخلق PageV01P466 ~~الوجودي ليس فيه ms332 تفاوت، والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق، فإن الخالق ~~سبحانه لم يخلق له استعدادا، فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق، لا من نفس ~~الخلق، فتأمله. والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق، وأما العدم فليس هو بفاعل ~~له، فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه ~~واعتدالها، حصل فيه التفاوت، وكذلك النبات. # فصل # وأما الثاني: وهو أن الشر الحاصل بعد تكونه وإيجاده فهو نوعان أيضا. # أحدهما: أن يقطع عنه الإمداد الذي به كماله بعد وجوده، كما يقطع عن ~~النبات إمداده بالسقي، وعن الحيوان إمداده بالغذاء، فهو شر مضاف إلى العدم ~~أيضا، وهو عدم ما يكمل به. # الثاني: حصول مضاد مناف، وهو نوعان. # أحدهما: قيام مانع في المحل، يمنع تأثير الأسباب الصالحة فيه، كما تقوم ~~بالبدن أخلاط ردية تمنع تأثير الغذاء فيه وانتفاعه به، وكما تقوم بالقلب ~~إرادات واعتقادات فاسدة تمنع انتفاعه بالهدى والعلم، فهذا الشر، وإن كان ~~وجوديا وأسبابه وجودية، فهو أيضا من عدم القوة والإرادة التي يدفع بها ذلك ~~المانع، فلو وجدت قوة وإرادة تدفعه، لم يتأثر المحل به. # مثاله: أن غلبة الأخلاط واستيلائها من عدم القوة المنضجة لها، أو القوة ~~الدافعة لما يحتاج إلى خروج، وكذلك استيلاء الإرادات الفاسدة لضعف قوة PageV01P467 ~~العفة والصبر، واستيلاء الاعتقادات الباطلة، لعدم العلم المطابق لمعلومه. # فكل شر ونقص فإنما حصل لعدم سبب ضده، وعدم سبب ضده ليس فاعلا له، بل يكفي ~~فيه بقاؤه على العدم الأصلي. # الثاني: مانع من خارج، كالبرد الشديد والحرق والغرق ونحو ذلك، مما يصيب ~~الحيوان والنبات، فيحدث فيه الفساد، فهذا لا ريب أنه شر وجودي مستند إلى ~~سبب وجودي، ولكنه شر نسبي إضافي، وهو خير من وجه آخر، فإن وجود ذلك الحر ~~والبرد والماء يترتب عليه مصالح وخيرات كلية، هذا الشر بالنسبة إليها جزئي، ~~فتعطيل تلك الأسباب لتفويت هذا الشر الجزئي يتضمن شرا أكثر منه، وهو فوات ~~تلك الخيرات الحاصلة بها، فإن ما يحصل بالشمس والريح والمطر والثلج والحر ~~والبرد من مصالح الخلق أضعاف أضعاف ms333 ما يحصل بذلك من مفاسد جزئية، هي في جنب ~~تلك المصالح كقطرة في بحر، هذا لو كان شرها حقيقيا، فكيف وهي خير من وجه، ~~وشر من وجه، وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس، فما قدرها الرب ~~سبحانه سدى، ولا خلقها باطلا. # وعند هذا فيقال: الوجود إما أن يكون خيرا من كل وجه، أو شرا من كل وجه، ~~أو خيرا من وجه شرا من وجه، وهذا على ثلاثة أقسام: قسم خيره راجح على شره ~~وعكسه، وقسم مستو خيره وشره، وإما أن لا يكون فيه خير ولا شر، فهذه ستة ~~أقسام، ولا مزيد عليها، فبعضها واقع وبعضها غير واقع. # فأما القسم الأول وهو الخير المحض من كل وجه الذي لا شر فيه بوجه ما، فهو ~~أشرف الموجودات على الإطلاق وأكملها وأجلها، وكل كمال وخير فيها فهو مستفاد ~~من خيره، وكماله في نفسه، وهي تستمد منه، وهو لا يستمد منها، وهي فقيرة ~~إليه، وهو غني عنها، كل منها يسأله كماله، PageV01P468 ~~فالملائكة تسأله ما لا حياة لها إلا به، وإعانته على ذكره وشكره وحسن ~~عبادته، وتنفيذ أوامره، والقيام بما جعل إليهم من مصالح العالم العلوي ~~والسفلي، وتسأله أن يغفر لبني آدم والرسل تسأله أن يعينهم على أداء رسالاته ~~وتبليغها، وأن ينصرهم على أعدائهم، وغير ذلك من مصالحهم في معاشهم ومعادهم. ~~وبنو آدم كلهم يسألونه مصالحهم على تنوعها واختلافها. # والحيوان كله يسأله رزقه وغذاءه وقوته وما يقيمه، ويسأله الدفع عنه. # والشجر والنبات يسأله غذاءه وما يكمل به. والكون كله يسأله إمداده بقاله ~~وحاله: يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) [الرحمن] فأكف ~~جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال، ويده مبسوطة لهم بالعطاء والنوال، ~~يمينه ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وعطاؤه وخيره مبذول ~~للأبرار والفجار، له كل كمال، ومنه كل خير، له الحمد كله، وله الثناء كله، ~~وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، تبارك اسمه، وتباركت أوصافه، ~~وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، فالبركة كلها له ومنه، لا يتعاظمه ms334 خير سأله، ~~ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله، فلو صور كل كمال في العالم صورة ~~واحدة ثم كان العالم كله على تلك الصورة، لكان نسبة ذلك إلى كماله وجلاله ~~وجماله دون نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس. # فصل # وأما الأقسام الخمسة الباقية فلا يدخل منها في الوجود إلا ما كانت ~~المصلحة والحكمة والخير، في إيجاده، أكثر من المفسدة. والأقسام الأربعة لا ~~تدخل في الوجود، أما الشر المحض الذي لا خير فيه، فذاك ليس له PageV01P469 ~~حقيقة، بل هو العدم المحض. # فإن قيل: فإبليس شر محض، والكفر والشرك كذلك، وقد دخلوا في الوجود، فأي ~~خير في إبليس، وفي وجود الكفر؟. # قيل: في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات، التي ترتبت على وجوده، ما ~~لا يعلمه إلا الله، كما سننبه على بعضه، فالله سبحانه لم يخلقه عبثا، ولا ~~قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم، فكم لله في خلقه من حكمة باهرة، وحجة ~~قاهرة، وآية ظاهرة، ونعمة سابغة، وهو إن كان للأديان والإيمان كالسموم ~~للأبدان، ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها، وأما ~~الذي لا خير فيه ولا شر، فلا يدخل أيضا في الوجود، فإنه عبث، فتعالى الله ~~عنه، وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود، فدخول ما الشر في إيجاده أغلب ~~من الخير أولى بالامتناع، ومن تأمل هذا الوجود، علم أن الخير فيه غالب، وأن ~~الأمراض، وإن كثرت، فالصحة أكثر منها، واللذات أكثر من الآلام، والعافية ~~أعظم من البلاء، والغرق والحرق والهدم ونحوها، وإن كثرت، فالسلامة أكثر، ~~ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب، لأجل ما يعرض فيه من الشر، لفات ~~الخير الغالب، وفوات الخير الغالب، شر غالب، ومثال ذلك النار، فإن في ~~وجودها منافع كثيرة، وفيها مفاسد، لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها، لم ~~تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها، وكذلك المطر والرياح والحر والبرد، ~~وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها، ولكن خيرها غالب. ~~وأما العالم العلوي فبري ء من ذلك. # فإن قيل: فهلا خلق الخلاق ms335 الحكيم هذه خالية من الشر، بحيث تكون خيرات ~~محضة، فإن قلتم: اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجا فيه اللذة بالألم ~~والخير بالشر، فقد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شر كالعالم PageV01P470 ~~العلوي، سلمنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه، فأي خير ~~ومصلحة في وجود رأس الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه، إبليس؟ وأي خير في ~~إبقائه إلى آخر الدهر، وأي خير يغلب في نشأة يكون فيها تسعة وتسعون إلى ~~النار وواحد في الجنة، وأي خير غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة، حتى جرى ~~على الأولاد ما جرى؟ ولو داما في الجنة لارتفع الشر بالكلية، وإذا كان قد ~~خلقهم لعبادته، فكيف اقتضت حكمته أن صرف البهم عنا، ووفق لها الأقل من ~~الناس، وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي، وأي خير ~~في إيلام غير المكلفين كالأطفال والمجانين؛ فإن قلتم: فائدته التعويض، ~~انتقض عليكم بإيلام البهائم، ثم وأي خير في خلق الدجال وتمكينه من الظهور ~~والافتنان به؟ وإذ قد اقتضت الحكمة ذلك، فأي خير حصل في تمكينه من إظهار ~~تلك الخوارق والعجائب؟ وأي خير في السحر، وما يترتب عليه من المفاسد ~~والمضار؟ # وأي خير في إلباس الخلق شيعا، وإذاقة بعضهم بأس بعض؟ وأي خير في خلق ~~السموم وذات السموم والحيوانات العادية المؤذية بطبعها؟ وأي خير في خراب ~~هذه البنية بعد خلقها في أحسن تقويم، وردها إلى أرذل العمر بعد استقامتها ~~وصلاحها، وكذلك خراب هذا الدار ومحو أثرها؟ فإن كان وجود ذلك خيرا غالبا، ~~فإبطاله إبطال للخير الغالب، دع هذا كله، فأي خير راجح أو مرجوح في النار، ~~وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر، ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا بسد ~~باب الحكم والتعليل، وإسناد الكون إلى محض المشيئة، أو القول بالإيجاب ~~الذاتي، وأن الرب لا يفعل باختياره ومشيئته، وهذه الأسئلة إنما ترد على من ~~يقول بالفاعل المختار، فلهذا لجأ القائلون إلى إنكار التعليل جملة، ~~فاختاروا أحد المذهبين، وتحيزوا إلى إحدى الفئتين، ms336 وإلا فكيف تجمعون بين ~~القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور؟. PageV01P471 # فالجواب بعد أن نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله ~~أكبر، بل في تحقيق هذه الكلمات الجواب الشافي. ربنا ما خلقت هذا باطلا ~~سبحانك فقنا عذاب النار (191) [آل عمران]، وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما لاعبين (16) [الأنبياء]، ما خلقناهما إلا بالحق (39) [الدخان]، وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا ~~من النار (27) [ص]. # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) فتعالى الله ~~الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) [المؤمنون]، الله الذي خلق ~~سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شي ء ~~قدير وأن الله قد أحاط بكل شي ء علما (12) [الطلاق]،* جعل الله الكعبة ~~البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن ~~الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شي ء عليم (97) ~~[المائدة]. صنع الله الذي أتقن كل شي ء (88) [النمل]، وأحسن كل شي ء خلقه ~~(7) [السجدة]، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت (3) [الملك]، بل هو في غاية ~~التناسب، واقع على أكمل الوجوه وأقربها إلى حصول الغايات المحمودة والحكم ~~والمطلوبة، فلم يكن تحصيل ذلك الحكم والغايات التي انفرد الله سبحانه ~~بعلمها على التفصيل، وأطلع من شاء من عباده على أيسر اليسير منها إلا بهذه ~~الأسباب والبدايات، وقد سأله الملائكة المقربون عن جنس هذه الأسئلة وأصلها، ~~فقال: إني أعلم ما لا تعلمون، وأقروا له بكمال العلم والحكمة، وأنه في جميع ~~أفعاله على صراط مستقيم، وقالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم، ولما ظهر لهم بعض حكمته فيما سألوا عنه، وأنهم لم يكونوا ~~يعلمون قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما ~~كنتم تكتمون (33) [البقرة]. PageV01P472 # فصل # ونحن نذكر أصولا مهمة نبين بها جواب هذه الأسئلة، وقد اعترف كثير من ~~المتكلمين ممن له نظر في الفلسفة ms337 والكلام أنه لا يمكن الجواب عنها إلا ~~بالتزام القول بالموجب بالذات، أو القول بإبطال الحكمة والتعليل، وأنه ~~سبحانه لا يفعل شيئا لشي ء، ولا يأمر بشي ء لحكمة، ولا جعل شيئا من الأشياء ~~سببا لغيره، وما ثم إلا مشيئة محضة وقدرة ترجح مثلا على مثلا، بلا سبب ولا ~~علة، وأنه لا يقال في فعله: لم، ولا كيف، ولا لأي سبب وحكمة. ولا هو معلل ~~بالمصالح. # قال الرازي في مباحثه: فإن قيل: فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن ~~كل الشرور؟ فنقول: لأنه لو جعلها كذلك، لكان هذا هو القسم الأول، وذلك مما ~~خرج عنه، يعني: كان ذلك هو القسم آخر، وهو الذي هو خير محض، لا شر فيه. ~~قال: وبقي في الفعل قسم آخر، وهو الذي يكون خيره غالبا على شره، وقد بينا ~~أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجودا، قال: وهذا الجواب لا يعجبني، لأن ~~لقائل أن يقول: إن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله سبحانه ~~وإرادته، فالاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجبا عن النار، بل الله اختار ~~خلقه عقيب مماسة النار، وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار ~~الله وإرادته، فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عند ما يكون خيرا، ولا ~~يختار خلقه عند ما يكون شرا، ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه ~~فاعلا بالذات، لا بالقصد والاختيار. # ويرجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث، فانظر PageV01P473 ~~كيف اعترف بأنه لا خلاص عن هذه الأسئلة إلا بتكذيب جميع الرسل من أولهم إلى ~~آخرهم، وإبطال جميع الكتب المنزلة من عند الله، ومخالفة صريح العقل في أن ~~الخالق العالم سبحانه مريد مختار، ما شاء كان بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن ~~لعدم مشيئته، وأنه ليس في الكون شي ء حاصل بدون مشيئته البتة، فأقر على ~~نفسه أنه لا خلاص له في تلك الأسئلة إلا بالتزام طريقة أعداء الرسل والملل ~~القائلين بأن الله لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا أوجد العالم ms338 ~~بعد عدمه، ولا يفنيه بعد إيجاده وصدور ما صدر عنه بغير اختياره ومشيئته، ~~فلم يكن مختارا مريدا للعالم، وليس عنده إلا هذا القول، أو قول الجبرية ~~منكري الأسباب والحكم والتعليل، أو قول المعتزلة الذين أثبتوا حكمة لا ترجع ~~إلى الفاعل، وأوجبوا رعاية مصالح، شبهوا فيها الخالق بالمخلوق، وجعلوا له ~~بعقولهم شريعة، أوجبوا عليه فيها، وحرموا، وحجروا عليه. # فالأقوال الثلاثة تتردد في صدره، وتتقاذف به أمواجها تقاذف السفينة إذا ~~لعبت بها الرياح الشديدة، والعاقل لا يرضى لنفسه بواحد من هذه الأقوال، ~~لمنافاتها العقل والنقل والفطرة، والقول الحق في هذه الأقوال كيوم الجمعة ~~في الأيام، أضل الله عنه أهل الكتابين قبل هذه الأمة، وهداهم إليه كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة: «أضل الله عنها من كان قبلنا فاليوم ~~لنا، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى» «1»، ونحن هكذا نقول بحمد الله ومنه ~~القول الوسط الصواب لنا، وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء الرسل، ~~وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية، وإنكار عموم ~~القدرة والمشيئة العائدة إلى الرب سبحانه، من محبته وكراهته وموجب حمده ~~ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية، ونحن نبرأ إلى PageV01P474 ~~الله من هذه الأقوال وقائلها إلا من حق تتضمنه مقالة كل فرقة منهم، فنحن به ~~قائلون، وإليه منقادون، وله ذاهبون. # فصل # الأصل الأول: إثبات عموم علمه سبحانه، وإحاطته بكل معلوم، وأنه لا تخفى ~~عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض، بل قد أحاط بكل شي ~~ء علما، وأحصى كل شي ء عددا، والخلاف في هذا الأصل مع فرقتين: # إحداهما: أعداء الرسل كلهم، وهم الذين ينفون علمه بالجزئيات، وحاصل قولهم ~~أنه لا يعلم موجودا البتة، فإن كل موجود جزئي معين، فإذا لم يعلم الجزئيات، ~~لم يكن عالما بشي ء من العالم العلوي والسفلي. # والفرقة الثانية: غلاة القدرية الذين اتفق السلف على كفرهم، وحكموا ~~بقتلهم، الذين يقولون: لا يعلم أعمال العباد حتى يعملوها، ولم يعلمها قبل ~~ذلك، ولا كتبها، ولا قدرها، فضلا عن أن يكون شاءها وكونها. # وقول ms339 هؤلاء معلوم البطلان بالضرورة من أديان جميع المرسلين وكتب الله ~~المنزلة، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم مملوء بتكذيبهم وإبطال قولهم ~~وإثبات عموم علمه الذي لا يشاركه فيه خلقه، ولا يحيطون بشي ء منه إلا بما ~~شاء أن يطلعهم عليه، ويعلمهم به، وما أخفاه عنهم ولم يطلعهم عليه، لا نسبة ~~لما عرفوه إليه إلا دون نسبة قطرة واحدة إلى البحار كلها، كما قال الخضر ~~لموسى وهما أعلم أهل الأرض حينئذ: ما نقص علمي وعلمك من علم الله PageV01P475 ~~إلا كما نقص هذا العصفور من البحر. ويكفي أن ما يتكلم به من علمه، لو قدر ~~أن البحر، يمده من بعده سبعة أبحر، مداد، وأشجار الأرض كلها، من أول الدهر ~~إلى آخره، أقلام يكتب به ما يتكلم به مما يعلمه، لنفذت البحار وفنيت ~~الأقلام، ولم تنفد كلماته، فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة ~~قدرتهم إلى قدرته، وغناهم إلى غناه وحكمتهم إلى حكمته. # وإذا كان أعلم الخلق به على الإطلاق يقول: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك» «1». # ويقول في دعاء الاستخارة: فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام ~~الغيوب «2». ويقول سبحانه للملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون (30) [البقرة] ~~ويقول سبحانه لأعلم الأمم، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم: كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا ~~وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) [البقرة] ويقول لأهل الكتاب: ~~وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) [الإسراء] وتقول رسله يوم القيامة حين ~~يسألهم ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب (109) [المائدة]. # وهذا هو الأدب المطابق للحق في نفس الأمر، فإن علومهم وعلوم الخلائق ~~تضمحل وتتلاشى في علمه سبحانه، كما يضمحل ضوء السراج الضعيف في عين الشمس، ~~فمن أظلم الظلم وأبين الجهل وأقبح القبيح وأعظم القحة والجراءة، أن يعترض ~~من لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس، التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل، التي ~~لا نسبة لها ms340 إلى علم رب العالمين، عليه ويقدح في حكمته، ويظن أن الصواب ~~والأولى أن يكون غير ما جرى به قلمه وسبق به علمه، وأن يكون الأمر بخلاف ~~ذلك. فسبحان الله رب العالمين PageV01P476 ~~تنزيها لربوبيته وإلهيته وعظمته وجلاله عما لا يليق به من كل ما نسبه إليه ~~الجاهلون الظالمون، فسبحان الله كلمة يحاشى الله بها عن كل ما يخالف كماله ~~من سوء ونقص وعيب، فهو المنزه التنزيه التام من كل وجه وبكل اعتبار عن كل ~~نقص متوهم، وإثبات عموم حمده وكماله وتمامه ينفي ذلك، واتصافه بصفات ~~الإلهية التي لا تكون لغيره، وكونه أكبر من كل شي ء في ذاته وأوصافه ~~وأفعاله ينفي ذلك لمن رسخت معرفته في معنى: سبحان الله، والحمد لله، ولا ~~إله إلا الله، والله أكبر، وسافر قلبه في منازلها، وتلقى معانيها من مشكاة ~~النبوة لا من مشكاة الفلسفة والكلام الباطل وآراء المتكلمين. فهذا أصل يجب ~~التمسك به في هذا المقام، وأن يعلم أن عقول العالمين ومعارفهم وعلومهم ~~وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته. # الأصل الثاني: أنه سبحانه حي حقيقة، وحياته أكمل الحياة وأتمها، وهي حياة ~~تستلزم جميع صفات الكمال، ونفي أضدادها من جميع الوجوه. ومن لوازم الحياة ~~الفعل الاختياري، فإن كل حي فعال، وصدور الفعل عن الحي بحسب كمال حياته ~~ونقصها، وكل من كانت حياته أكمل من غيره، كان فعله أقوى وأكمل، وكذلك ~~قدرته، ولذلك كان الرب سبحانه على كل شي ء قدير، وهو فعال لما يريد. # وقد ذكر البخاري في كتاب- خلق الأفعال- عن نعيم بن حماد، أنه قال: الحي ~~هو الفعال، وكل حي فعال، فلا فرق بين الحي والميت إلا بالفعل والشرور. # وإذا كانت الحياة مستلزمة للفعل، وهو الأصل الثالث، فالفعل الذي لا يعقل ~~الناس سواه، هو الفعل الاختياري الإرادي الحاصل بقدرة الفاعل وإرادته ~~ومشيئته، وما يصدر عن الذات من غير سفير قدرة منها ولا إرادة، لا PageV01P477 ~~يسميه أحد من العقلاء فعلا وإن كان أثرا من آثارها ومتولدا عنها، كتأثير ~~النار في الإحراق، والماء ms341 في الإغراق، والشمس في الحرارة، فهذه آثار صادرة ~~عن هذه الأجسام، وليست أفعالا لها، وإن كانت قوى وطبائع جعلها الله فيها، ~~فالفعل والعمل من الحي العالم لا يقع إلا بمشيئته وقدرته، وكون الرب سبحانه ~~حيا فاعلا مختارا مريدا، مما اتفقت عليه الرسل والكتب، ودل عليه العقل ~~والفطرة، وشهدت به الموجودات ناطقها وصامتها، جمادها وحيوانها، علويها ~~وسفليها، فمن أنكر فعل الرب الواقع بمشيئته واختياره وفعله، فقد جحد ربه ~~وفاطره، وأنكر أن يكون للعالم رب. # الأصل الرابع: أنه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعا وقدرا، وجعل ~~الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي، وأمره الكوني القدري ومحل ملكه ~~وتصرفه، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات وقدح في العقول ~~والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء، فقد جعل سبحانه مصالح العباد في ~~معاشهم ومعادهم. والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي ~~والحل والحرمة، كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها، بل العبد نفسه وصفاته ~~وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسببات، والشرع كله ~~أسباب ومسببات، والمقادير أسباب ومسببات، والقدر جار عليها متصرف فيها، ~~فالأسباب محل الشرع والقدر، والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، كقوله: بما ~~كنتم تعملون (105) [المائدة]. بما كنتم تكسبون (39) [الأعراف]. ذلك بما ~~قدمت يداك (10) [الحج]. فبما كسبت أيديكم (30) [الشورى]. كلوا واشربوا ~~هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) [الحاقة]. جزاء وفاقا (26) ~~[النبأ]. فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا (160) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ~~(161) [النساء] فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير ~~حق وقولهم قلوبنا غلف (155) [النساء] إلى قوله: وبكفرهم PageV01P478 ~~وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~(157) [النساء] وقوله: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية (13) ~~[المائدة] وقوله: فبما رحمة من الله لنت لهم (159) [آل عمران] وقوله: ذلك ~~بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله (22) [غافر] وقوله: ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا (275) [البقرة] وقوله: ذلك بأن الذين ~~كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا ms342 اتبعوا الحق من ربهم (3) [محمد] ~~وقوله: فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) [الحاقة] وقوله: فكذبوهما ~~فكانوا من المهلكين (48) [المؤمنون] وقوله: فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا ~~وبيلا (16) [المزمل] وقوله: # فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) [الشمس] وقوله: # فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا ~~للآخرين (56) [الزخرف] وقوله: ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات ~~وحب الحصيد (9) [ق] وقوله: حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات (57) [الأعراف] وقوله: يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام (16) [المائدة] وقوله: قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم (14) [التوبة] وقوله: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) ~~لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) [النبأ]. # وكل موضع رتب فيه الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف، أفاد كونه سببا له ~~كقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله (38) ~~[المائدة] وقوله: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة (2) ~~[النور] وقوله: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين (170) [الأعراف] وقوله: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88) [النحل] وهذا أكثر من أن يستوعب. PageV01P479 # وكل موضع تضمن الشرط والجزاء، أفاد سببية الشرط والجزاء وهو أكثر من أن ~~يستوعب كقوله يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا (29) ~~[الأنفال] وقوله لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) ~~[إبراهيم]. # وكل موضع رتب فيه الحكم على ما قبله بحرف أفاد التسبب، وقد تقدم، وكل ~~موضع تقدم ذكرت فيه الباء تعليلا لما قبلها بما بعدها، أفاد التسبب، وكل ~~موضع صرح فيه بأن كذا جزاء لكذا، أفاد التسبيب، فإن العلة الغائية علة ~~للعلة الفاعلية. # ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة، لزاد على عشرة آلاف ~~موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة، ويكفي شهادة الحس والعقل والفطر، ولهذا ~~قال من قال من أهل العلم: تكلم قوم في إنكار الأسباب، فأضحكوا ذوي العقول ~~على عقولهم، وظنوا أنهم بذلك ينصرون ms343 التوحيد، فشابهوا المعطلة الذين أنكروا ~~صفات الرب ونعوت كماله وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه وتكلمه بكتبه ~~وتكليمه لملائكته وعباده، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد، فما أفادهم إلا ~~تكذيب الله ورسله، وتنزيهه عن كل كمال، ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل، ~~ونظير من نزه الله في أفعاله، وأن يقوم به فعل البتة، وظن أنه ينصر بذلك ~~حدوث العالم وكونه مخلوقا بعد أن لم يكن، وقد أنكر أصل الفعل والخلق جملة، ~~ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد ~~لا يتم إلا بإنكار الأسباب. PageV01P480 # [ما من كتاب أعظم إثباتا للأسباب كالقرآن] # فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال ~~الأسباب، ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتابا من الكتب ~~أعظم إثباتا للأسباب من القرآن، وبالله العجب! إذا كان الله خالق السبب ~~والمسبب، وهو الذي جعل هذا سببا لهذا، والأسباب والمسببات طوع مشيئته، ~~وقدرته منقادة لحكمه، إن شاء أن يبطل سببية الشي ء أبطلها، كما أبطل إحراق ~~النار على خليله إبراهيم، وإغراق الماء على كليمه وقومه، وإن شاء أقام لتلك ~~الأسباب موانع، تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلى بينها وبين ~~اقتضائه لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا، فأي قدح يوجب ذلك في ~~التوحيد، وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟! ولكن ضعفاء العقول إذا ~~سمعوا أن النار لا تحرق، والماء لا يغرق، والخبز لا يشبع، والسيف لا يقطع، ~~ولا تأثير لشي ء من ذلك البتة، ولا هو سبب لهذا الأثر، وليس فيه قوة، وإنما ~~الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا، قالت: ~~هذا هو التوحيد، وإفراد الرب بالخلق والتأثير، ولم يدر قائل هذا أن هذه ~~إساءة ظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاءوا به، كما تراه عيانا ~~في كتبهم، ينفرون به الناس عن الإيمان، ولا ريب أن الصديق الجاهل قد يضر ما ~~لا يضره العدو العاقل. قال تعالى عن ذي القرنين: وآتيناه ms344 من كل شي ء سببا ~~(84) [الكهف]. # قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: علما. # قال قتادة وابن زيد وابن جريج والضحاك: علما تسبب به إلى ما يريد. PageV01P481 # وكذلك قال إسحاق: علما يوصله إلى حيث يريد. وقال المبرد: وكل ما وصل شيئا ~~بشي ء فهو سبب. # وقال كثير من المفسرين: آتيناه من كل ما بالخلق إليه حاجة علما ومعونة ~~له، وقد سمى الله سبحانه الطريق سببا، في قوله: فأتبع سببا. قال مجاهد: # طريقا. وقيل: السبب الثاني هو الأول، أي: أتبع سببا من تلك الأسباب التي ~~أوتيها، مما يوصله إلى مقصوده. # وسمى سبحانه أبواب السماء أسبابا، إذ منها يدخل إلى السماء. قال تعالى عن ~~فرعون لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات (37) [غافر] أي: # أبوابها التي أدخل منها إليها، وقال زهير: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم # وسمى الحبل سببا لإيصاله إلى المقصود، قال تعالى فليمدد بسبب إلى السماء ~~(15) [الحج] قال بعض أهل اللغة: السبب من الحبال القوي الطويل، قال: ولا ~~يدعى الحبل سببا حتى يصعد به وينزل، ثم قيل لكل شي ء، وصلت به إلى موضع أو ~~حاجة تريدها: سبب، يقال: ما بيني وبين فلان سبب، أي: آصرة رحم، أو عاطفة مودة. # وقد سمى تعالى وصل الناس بينهم أسبابا، وهي التي يتسببون بها إلى قضاء ~~حوائجهم بعضهم من بعض قال تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) [البقرة] يعني الواصلات التي كانت ~~بينهم في الدنيا، وقال ابن عباس وأصحابه: يعني أسباب المودة الواصلات التي ~~كانت بينهم في الدنيا. وقال ابن زيد: هي الأعمال التي كانوا يؤملون أن ~~يصلوا بها إلى ثواب الله وقيل: هي الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها. PageV01P482 # وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك كله أسبابا لأنها كانت يتوصل بها إلى ~~مسبباتها، وهذا كله عند نفاة الأسباب مجاز، لا حقيقة له، وبالله التوفيق. # فصل # الأصل الخامس: أنه سبحانه حكيم، لا يفعل شيئا عبثا، ولا لغير معنى ومصلحة ~~وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، ms345 بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، ~~لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب، بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على ~~هذا وهذا في مواضع، لا تكاد تحصى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها، فنذكر بعض ~~أنواعها. # النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه كقوله حكمة بالغة وقوله: ~~وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وقوله ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح، وسمي حكمة، لأن العلم والعمل قد ~~تعلقا بمتعلقهما، وأوصلا إلى غايتهما، وكذلك لا يكون الكلام حكمة حتى يكون ~~موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة، فيكون مرشدا إلى العلم ~~النافع والعمل الصالح، فتحصل الغاية المطلوبة، فإذا كان المتكلم به لم يقصد ~~مصلحة المخاطبين ولا هداهم ولا إيصالهم إلى سعادتهم ودلالتهم على أسبابها ~~وموانعها، ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة، ولا تكلم لأجلها، ولا ~~أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها، ولا نصب الثواب والعقاب لأجلها، لم يكن ~~حكيما، ولا كلامه حكمة فضلا عن أن تكون بالغة. # النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا، وأنه أمر بكذا لكذا، كقوله ذلك PageV01P483 ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض (97) [المائدة] وقوله ~~الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شي ء قدير وأن الله قد أحاط بكل شي ء علما (12) [الطلاق] وقال* ~~جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شي ء ~~عليم (97) [المائدة] وقوله رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل (165) [النساء] وقوله إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم ~~بين الناس بما أراك الله (105) [النساء] وقوله لئلا يعلم أهل الكتاب ألا ~~يقدرون على شي ء من فضل الله (29) [الحديد] وقوله وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه (143) [البقرة] ~~وقوله فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ms346 رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم (28) [الجن] أي: # ليتمكنوا بهذا الحفظ والرصد من تبليغ رسالاته فيعلم الله ذلك واقعا. # وقوله: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ~~وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) [الأنفال] وقوله: ويبطل الباطل ~~(8) [الأنفال] وقوله: وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به (126) ~~[آل عمران] وقوله: قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا (102) ~~[النحل] وقوله: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا (31) ~~[المدثر] وقوله: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا (143) [البقرة] وقوله: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم (44) [النحل] وقوله: هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا ~~أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب (52) [إبراهيم] وقوله: لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب (25) ~~[الحديد] وقوله: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين (75) [الأنعام] وقوله: والخيل والبغال PageV01P484 ~~والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) [النحل]. وهذا في القرآن. # فإن قيل: اللام في هذا كله لام العاقبة كقوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا (8) [القصص] وقوله: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا (53) [الأنعام] وقوله: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض (53) [الحج] وقوله: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة (42) [الأنفال] وقوله: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) [الأنعام] فإن ما بعد اللام في هذا ~~ليس هو الغاية المطلوبة ولكن لما كان الفعل منتهيا إليه، وكان عاقبة الفعل، ~~دخلت عليه لام التعليل، وهي في الحقيقة لام العاقبة، فالجواب من وجهين: # أحدهما: إن لام العاقبة إنما تكون في حق من هو جاهل أو هو عاجز عن دفعها، ~~فالأول كقوله: فالتقطه آل فرعون ليكون ms347 لهم عدوا وحزنا (8) [القصص] والثاني: ~~كقول الشاعر: # لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى ذهاب # وأما من هو بكل شي ء عليم، وعلى كل شي ء قدير، فيستحيل في حقه دخول هذه ~~اللام، وإنما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة والغاية ~~المطلوبة. # الجواب الثاني: إفراد كل موضع من تلك المواضع بالجواب، أما قوله فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا (8) [القصص] فهو تعليل لقضاء الله سبحانه ~~بالتقاطه وتقديره له، فإن التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره، فهو سبحانه ~~قدر ذلك وقضى به، ليكون لهم عدوا وحزنا، وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في ~~كونه حزنا لهم وحسرة عليهم، فإن من اختار PageV01P485 ~~أخذ ما يكون هلاكه على يديه، إذا أصيب به، كان أعظم لحزنه وغمه وحسرته من ~~أن لا يكون فيه صنع ولا اختيار، فإنه سبحانه أراد أن يظهر لفرعون وقومه ~~ولغيرهم من خلقه كمال قدرته وعلمه وحكمته الباهرة، وأن هذا الذي يذبح فرعون ~~الأبناء في طلبه هو الذي يتولى تربيته في حجره وبيته باختياره وإرادته، ~~ويكون في قبضته وتحت تصرفه، فذكر فعلهم به في هذا أبلغ وأعجب من أن يذكر ~~القضاء والقدر، وقد أعلمنا سبحانه أن أفعال عباده كلها واقعة بقضائه وقدره. # وأما قوله تعالى: ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا (53) [الأنعام] ~~فلا ريب أن هذا تعليل لفعله المذكور، وهو امتحان بعض خلقه ببعض، كما امتحن ~~السادات والأشراف بالعبيد والضعفاء والموالي، فإذا نظر الشريف والسيد إلى ~~العبد والضعيف والمسكين قد أسلم، أنف وحمي أن يسلم معه أو بعده، ويقول: هذا ~~يسبقني إلى الخير والفلاح، وأتخلف أنا، فلو كان ذلك خيرا وسعادة ما سبقنا ~~هؤلاء إليه؟! فهذا القول منهم هو بعض الحكم والغاية المطلوبة بهذا ~~الامتحان، فإن هذا القول دال على إباء واستكبار وترك الانقياد للحق بعد ~~المعرفة التامة به، وهذا وإن كان علة، فهو مطلوب لغيره، والعلل الغائية ~~تارة تطلب لنفسها وتارة تطلب لغيرها، فتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، وقول ~~هؤلاء ما قالوه وما يترتب عليه هذا القول ms348 موجب لآثار مطلوبة للفاعل، من ~~إظهار عدله وحكمته وعزه وقهره وسلطانه وعطائه من يستحق عطاءه، ويحسن وضعه ~~عنده، ومنعه من يستحق المنع، ولا يليق به غيره، ولهذا قال تعالى أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين (53) [الأنعام] الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون المنعم ~~عليهم فيما من عليهم من بين من لا يعرفها، ولا يشكر ربه عليها، وكانت فتنة ~~بعضهم ببعض لحصول هذا التميز الذي ترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء. PageV01P486 # فصل # وأما قوله ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم (53) [الحج] فهي على بابها، وهي لام الحكمة والتعليل، أخبر الله ~~سبحانه أنه جعل ما ألقاه الشيطان في أمنية الرسول محنة واختبارا لعباده، ~~فافتتن به فريقان، وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، وعلم المؤمنون ~~أن القرآن والرسول حق، وأن إلقاء الشيطان باطل، فآمنوا بذلك، وأخبتت له ~~قلوبهم، فهذه غاية مطلوبة مقصودة بهذا القضاء والقدر، والله سبحانه جعل ~~القلوب على ثلاثة أقسام: مريضة، وقاسية، ومخبتة، وذلك لأنها إما أن تكون ~~يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا، أو لا تكون كذلك، فالأول: حال ~~القلوب القاسية الحجرية التي لا تقبل ما يبث فيها، ولا ينطبع فيها الحق، ~~ولا ترتسم فيها العلوم النافعة، ولا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة. وأما ~~النوع الثاني فلا يخلو إما أن يكون الحق ثابتا فيه، لا يزول عنه لقوته مع ~~لينه، أو أن يكون ثابتا مع ضعف وانحلال، والثاني: هو القلب المريض، والأول ~~هو الصحيح المخبت، وهو جمع الصلابة والصفاء واللين، فيبصر الحق بصفائه، ~~ويشتد فيه بصلابته، ويرحم الخلق بلينه، كما في أثر مروي: «القلوب آنية الله ~~في أرضه، فأحبها إلى الله أصلبها وأرقها وأصفاها» كما قال تعالى في أصحاب ~~هذه القلوب أشداء على الكفار رحماء بينهم (29) [الفتح] فهذا وصف منه ~~للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم، واشتدوا على الكفار بصلابتها، ~~وتراحموا فيما بينهم بلينها، وذلك أن القلب عضو من أعضاء البدن، وهو أشرف ~~أعضائه وملكها المطاع، وكل عضو كاليد مثلا إما أن تكون جامدة ويابسة، لا ~~تلتوي ms349 ولا تبطش، أو تبطش PageV01P487 ~~بضعف، فذلك مثل القلب القاسي، أو تكون مريضة ضعيفة عاجزة، ولضعفها ومرضها، ~~فذلك مثل الذي فيه مرض، أو تكون باطشة بقوة ولين، فذلك مثل القلب العليم ~~الرحيم، فبالعلم خرج عن المرض الذي ينشأ من الشهوة والشبهة، وبالرحمة خرج ~~عن القسوة، ولهذا وصف سبحانه من عدا أصحاب القلوب المريضة والقاسية بالعلم ~~والإيمان والإخبات. فتأمل ظهور حكمته سبحانه في أصحاب هذه القلوب، وهم كل ~~الأمة، فأخبر أن الذين أوتوا العلم علموا أنه الحق من ربهم، كما أخبر أنهم ~~في المتشابه يقولون: # آمنا به كل من عند ربنا، وكلا الوصفين موضع شبهة، فكان حظهم منه الإيمان، ~~وحظ أرباب القلوب المنحرفة عن الصحة الافتتان، ولهذا جعل سبحانه إحكام ~~آياته في مقابلة ما يلقي الشيطان بإزاء الآيات المحكمات في مقابلة ~~المتشابهات، فالأحكام هاهنا بمنزلة إنزال المحكمات هناك، ونسخ ما يلقي ~~الشيطان هاهنا في مقابلة رد المتشابه إلى المحكم هناك، والنسخ هاهنا رفع ما ~~ألقاه الشيطان، لا رفع ما شرعه الرب سبحانه، وللنسخ معنى آخر، وهو النسخ من ~~أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده، ولا دل اللفظ عليه، وإن أوهمه، كما ~~أطلق الصحابة النسخ على قوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله فيغفر لمن يشاء (284) [البقرة] قالوا نسختها قوله ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا (286) [البقرة] الآية، فهذا نسخ من الفهم، لا نسخ للحكم ~~الثابت، فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضا، ~~ولهذا عمهم بالمحاسبة، ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ~~ففهم المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق وسعها، فرفع هذا ~~المعنى من فهمه بقوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا (286) [البقرة] ~~إلى آخرها، فهذا رفع لفهم غير المراد من إلقاء الملك، وذاك رفع لما ألقاه ~~غير الملك في أسماعهم أو في التمني، وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة ~~والتابعين: وهو ترك الظاهر إما بتخصيص عام، أو PageV01P488 ~~بتقييد مطلق، وهذا كثير في كلامهم جدا، وله ms350 معنى رابع: وهو الذي يعرفه ~~المتأخرون، وعليه اصطلحوا، وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له، ~~فهذه أربعة معان للنسخ. والإحكام له ثلاثة معان: # أحدها: الإحكام الذي في مقابلة المتشابه كقوله منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات (7) [آل عمران]. # والثاني: الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان، كقوله فينسخ الله ما ~~يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته (52) [الحج] وهذا الإحكام يعم جميع آياته ~~وهو إثباتها وتقريرها وبيانها، ومنه قوله كتاب أحكمت آياته (1) [هود]. # الثالث: إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة، كما يقوله السلف كثيرا: # هذه الآية محكمة غير منسوخة، وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل، ~~فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ، أو في سمع ~~المبلغ، فالحكم هنا هو المنزل من عند الله، أحكمه الله، أي: فصله من ~~اشتباهه بغير المنزل، وفصل منه ما ليس منه بإبطاله، وتارة يكون في إبقاء ~~المنزل واستمراره، فلا ينسخ بعد ثبوته، وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله، ~~وهو تمييز المعنى المقصود من غيره، حتى لا يشتبه به. # والمقصود: أن قوله ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض (53) ~~[الحج] هي لام التعليل على بابها، وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف ~~القلوب الثلاثة، فالقاسية، والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر، والمخبتة ~~ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة ~~عنه، وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء. PageV01P489 # فصل # وأما اللام في قوله ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة (42) ~~[الأنفال] فلام التعليل على بابها، فإنها مذكورة في بيان حكمته في جمع ~~أوليائه وأعدائه على غير ميعاد، ونصرة أوليائه مع قلتهم ورقتهم وضعف عددهم ~~وعدتهم، على أصحاب الشوكة والعدد والحد والحديد الذي لا يتوهم بشر أنهم ~~ينصرون عليهم، فكانت تلك آية من أعظم آيات الرب سبحانه، صدق بها رسوله ~~وكتابه، ليهلك بعدها من اختار لنفسه الكفر والعناد عن بينة، فلا يكون له ~~على الله حجة، ويحيا من حي بالإيمان بالله ورسوله عن بينة، ms351 فلا يبقى عنده ~~شك ولا ريب، وهذا من أعظم الحكم، ونظير هذا قوله إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ~~(69) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) [يس]. # فصل # وأما اللام في قوله ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة (113) ~~[الأنعام] فهي على بابها للتعليل، فإنها إن كانت تعليلا لفعل العدو، وهو ~~إيحاء بعضهم إلى بعض، فظاهر، وعلى هذا فيكون عطفا على قوله: # غرورا، فإنه مفعول لأجله، أي: ليغروهم بهذا الوحي، ولتصغى إليه أفئدة من ~~يلقى إليه، فيرضاه ويعمل بموجبه، فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم PageV01P490 ~~من الإيحاء المذكور، وهو أربعة أمور: غرور من يوحون إليه، وإصغاء أفئدتهم ~~إليهم، ومحبتهم لذلك، وانفعالهم عنده بالاقتراف. وإن كان ذلك تعليلا لجعله ~~سبحانه لكل نبي عدوا، فيكون هذا الحكم من جملة الغايات والحكم المطلوبة ~~بهذا الجعل، وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها، لأنها مفضية إلى أمور، هي ~~محبوبة مطلوبة للرب سبحانه، وفواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من حصولها، ~~وعلى التقديرين فاللام لام التعليل والحكمة. # فصل # النوع الثالث: الإتيان بكي الصريحة في التعليل، كقوله تعالى ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم (7) [الحشر]. # فعلل سبحانه تسمية الفي ء بين هذه الأصناف، كي لا يتداوله الأغنياء دون ~~الفقراء، والأقوياء دون الضعفاء، وقوله سبحانه ما أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) ~~لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم (23) [الحديد] فأخبر سبحانه ~~أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو ~~الأرض أو المجموع، وهو الأحسن، ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه، وأنه يسير ~~عليه، وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم، إذا علموا ~~أن المصيبة فيه بقدره وكتابته، ولا بد قد كتبت قبل خلقهم، هان عليهم ~~الفائت، فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل، ms352 لعلمهم أن المصيبة مقدرة في ~~كل ما على الأرض، فكيف يفرح بشي ء قد قدرت المصيبة فيه قبل PageV01P491 ~~خلقه، ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب، أو خوف فواته أو حصول مكروه أو ~~خوف حصوله، نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فوته ~~حيث لم يحصل، ونبه بعدم الفرح به إذا وجد، على توطين النفس لمفارقته قبل ~~وقوعها، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع، وهذه هي أنواع المصائب، فإذا ~~تيقن العبد أنها مكتوبة مقدرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وما أخطأه ~~لم يكن ليصيبه، هانت عليه، وخف حملها، وأنزلها منزلة الحر والبرد. # فصل # النوع الرابع: ذكر المفعول له، وهو علة للفعل المعلل به، كقوله ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شي ء وهدى ورحمة (89) [النحل] ونصب ذلك على المفعول ~~له أحسن من غيره، كما صرح به في قوله لتبين للناس ما نزل إليهم (44) ~~[النحل] وفي قوله ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) [البقرة] فإتمام ~~النعمة هو الرحمة، وقوله وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما ~~كنا ظالمين (209) [الشعراء] وقوله ولقد يسرنا القرآن للذكر (17) [القمر] ~~أي: لأجل الذكر كما قال فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) [الدخان] ~~وقوله فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) [المرسلات] أي: للإعذار ~~والإنذار، وقوله ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شي ~~ء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) [الأنعام] فهذا كله مفعول ~~لأجله وقوله أنا صببنا الماء صبا (25) [عبس] إلى قوله متاعا لكم ولأنعامكم ~~(33) [النازعات] والمتاع واقع موقع التمتيع، كما يقع السلام موقع التسليم PageV01P492 ~~والعطاء موضع الإعطاء. # وأما قوله يريكم البرق خوفا وطمعا (12) [الرعد] فيحتمل أن يكون من ذلك، ~~أي: إخافة لكم وإطماعا، وهو أحسن، ويحتمل أن يكون معمول فعل محذوف، أي: ~~فيرونهما خوفا وطمعا، فيكونان حالا وقوله أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها (6) [ق] إلى قوله تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) [ق] أي: لأجل ~~التبصرة والذكرى، والفرق بينهما أن التبصرة توجب العلم والمعرفة، والذكرى ~~توجب الإنابة والانقياد، وبهما ms353 تتم الهداية. # فصل # النوع الخامس: الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها، تعليلا لما قبله، ~~كقوله أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا (156) [الأنعام] ~~وقوله أن تقول نفس يا حسرتى (56) [الزمر] وقوله أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى (282) [البقرة] ونظائره، وفي ذلك طريقان: # أحدهما: للكوفيين، والمعنى: لئلا تقولوا، ولئلا تقول نفس. # والثاني للبصريين: أن المفعول له محذوف، أي: كراهة أن تقولوا، أو حذار أن ~~تقولوا فإن قيل: كيف يستقيم الطريقان في قوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى (282) [البقرة] فإنك إن قدرت: لئلا تضل إحداهما. لم يستقم ~~العطف، فتذكر إحداهما عليه. وإن قدرت: حذار أن تضل إحداهما. لم يستقم العطف ~~أيضا. وإن قدرت: إرادة أن تضل. لم تصح أيضا، قيل: هذا من الكلام الذي ظهور ~~معناه مزيل للإشكال، فإن PageV01P493 ~~المقصود إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت ونسيت، فلما كان الضلال سببا ~~للإذكار، جعل موضع العلة، كما تقول: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط، ~~فأدعمه بها، فإنما أعددتها للدعم، لا للميل، وأعددت هذا الدواء أن أمرض، ~~فأتداوى به، ونحوه، وهذا قول سيبويه والبصريين. # قال أهل الكوفة: تقديره: كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، فلما تقدم ~~الجزاء، اتصل بما قبله، ففتحت أن. # قال الفراء: ومثله قوله: ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى. معناه: # ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل، لأنه إنما يعجبه الإعطاء، لا السؤال، ومن ~~ذلك قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم (173) ~~[الأعراف] فذكر سبحانه من حكم أخذ الميثاق عليهم أن لا يحتجوا يوم القيامة ~~بغفلتهم عن هذا الأمر، ولا بتقليد الأسلاف، ومنه قوله: وذكر به أن تبسل نفس ~~بما كسبت (70) [الأنعام] فالضمير في به للقرآن، وأن تبسل، في محل نصب على ~~أنه مفعول له، أي: حذار أن تسلم نفس إلى الهلكة والعذاب، وترتهن بسوء عملها. # فصل # النوع السادس: ms354 ذكر ما هو من صرائح التعليل، وهو «من أجل» كقوله من أجل ~~ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس PageV01P494 ~~جميعا (32) [المائدة]. # وقد ظنت طائفة أن قوله: من أجل ذلك، تعليل لقوله: فأصبح من النادمين، أي: ~~من أجل قتله لأخيه، وهذا ليس بشي ء، لأنه يشوش صحة النظم، وتقل الفائدة ~~بذكره، ويذهب شأن التعليل بذلك للكتابة المذكورة وتعظم شأن القتل، حين جعل ~~علة لهذه الكتابة، فتأمله. # فإن قلت: كيف يكون قتل أحد بني آدم للآخر علة لحكمه على أمة أخرى بذلك ~~الحكم، وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلهم؟. # قلت: الرب سبحانه يجعل أقضيته وأقداره عللا وأسبابا لشرعه وأمره، فجعل ~~حكمه الكوني القدري علة لحكمه الديني الأمري، وذلك أن القتل عنده لما كان ~~من أعلى أنواع الظلم والفساد، فخم أمره، وعظم شأنه، وجعل إثمه أعظم من إثم ~~غيره، ونزل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها، ولا يلزم من ~~التشبيه أن يكون المشبه بمنزلة المشبه به من كل الوجوه، فإذا كان قاتل ~~الأنفس كلها يصلى النار، وقاتل النفس الواحدة يصلاها، صح تشبيهه به، كما ~~يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر ومن شرب عدة قناطير، وإن اختلف مقدار ~~الإثم، وكذلك من زنى مرة واحدة، وآخر زنا مرارا كثيرة، كلاهما آثم، وإن ~~اختلف قدر الإثم، وهذا معنى قول مجاهد: # من قتل نفسا واحدة يصلى النار بقتلها كما يصلاها من قتل الناس جميعا. # وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا في وصفه، وإن شئت قلت: # التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها، فإنه لا يختلف بقلة القتل ~~وكثرته، كما لو شرب قطرة، فإن حده حد من شرب راوية، ومن زنى بامرأة واحدة، ~~حده حد من زنى بألف، وهذا تأويل الحسن وابن زيد، قالا: يجب عليه من PageV01P495 ~~القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا، ولك أن تجعل التشبيه ~~في الأذى ms355 والغم الواصل إلى المؤمنين بقتل الواحد منهم، فقد جعلهم كلهم ~~خصماءه، وأوصل إليهم من الأذى والغم ما يشبه القتل، وهذا تأويل ابن ~~الأنباري. وفي الآية تأويلات أخر. # فصل # النوع السابع: التعليل بلعل، وهي في كلام الله سبحانه للتعليل مجردة عن ~~معنى الترجي، فإنها إنما يقارنها معنى الترجي، إذا كانت من المخلوق، وأما ~~في حق من لا يصح عليه الترجي، فهي للتعليل المحض، كقوله: اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) [البقرة] فقيل هو تعليل لقوله: ~~«اعبدوا ربكم»، وقيل: تعليل لقوله «خلقكم». والصواب: أنه تعليل للأمرين، ~~لشرعه، وخلقه ومنه قوله: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون (183) [البقرة] وقوله: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~(2) [يوسف] وقوله: لعلكم تذكرون (152) [الأنعام]. # لعله يتذكر أو يخشى (44) [طه] فلعل، في هذا كله، قد أخلصت للتعليل، ~~والرجاء الذي فيها متعلق بالمخاطبين. PageV01P496 # فصل # النوع الثامن: ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له، وتارة ~~يذكر بإن، وتارة يقرن بالفاء، وتارة يذكر مجردا. # فالأول: كقوله: وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ~~(89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) [الأنبياء]. وقوله: إن ~~المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ~~(16) [الذاريات] وقوله: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين (24) [يوسف] وقوله: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين (170) [الأعراف]. # والثاني كقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا (38) ~~[المائدة] وقوله: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة (2) ~~[النور] والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة (4) [النور]. # والثالث: كقوله: إن المتقين في جنات وعيون (45) [الحجر] وقوله: إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ~~(277) [البقرة] وهذا في التنزيل يزيد على عدة آلاف موضع، بل القرآن مملوء ~~منه، فإن قيل: هذا إنما يفيد كون تلك الأفعال أسبابا ms356 لما رتب عليها، لا ~~يقتضي إثبات التعليل في فعل الرب وأمره، فأين هذا من هذا؟ قيل: لما جعل ~~الرب سبحانه هذه الأوصاف عللا لهذه الأحكام وأسبابا لها، دل ذلك على أنه ~~حكم بها شرعا وقدرا لأجل تلك الأوصاف، وأنه لم يحكم بها لغير PageV01P497 ~~علة ولا حكمة، ولهذا كان كل من نفى التعليل والحكم، نفى الأسباب، ولم يجعل ~~لحكم الرب الكوني والديني سببا ولا حكمة، هي العلة الغائية، وهؤلاء ينفون ~~الأسباب والحكم، ومن تأمل شرع الرب وقدره وجزاءه، جزم جزما ضروريا ببطلان ~~قول النفاة، والله سبحانه قد رتب الأحكام على أسبابها وعللها، وبين ذلك ~~خبرا وحسا وفطرة وعقلا، ولو ذكرنا ذلك على التفصيل، لقام منه عدة أسفار. # فصل # النوع التاسع: تعليله سبحانه عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع منه، ~~كقوله: ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) [الزخرف] * ولو بسط الله الرزق ~~لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) ~~[الشورى] وقوله: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون (59) ~~[الإسراء] أي: آيات الاقتراح، لا الآيات الدالة على صدق الرسل التي يقيمها ~~هو سبحانه ابتداء، وقوله: ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياته ~~ء أعجمي وعربي (44) [فصلت] وقوله: وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ~~ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون (9) [الأنعام]. # فأخبر سبحانه عن المانع الذي منع من إنزال الملك عيانا بحيث يشاهدونه، ~~وأن حكمته وعنايته بخلقه منعت من ذلك، فإنه لو أنزل الملك، PageV01P498 ~~ثم عاينوه، ولم يؤمنوا، لعوجلوا بالعقوبة، ولم ينظروا. # وأيضا فإنه جعل الرسول بشرا، ليمكنهم التلقي عنه والرجوع إليه، ولو جعله ~~ملكا فإما أن يدعه على هيئة الملائكة أو يجعله على هيئة البشر، والأول ~~يمنعهم من التلقي عنه، والثاني لا يحصل مقصودهم، إذا كانوا يقولون: هو بشر، ~~لا ملك. # وقال تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ms357 جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السماء ملكا رسولا (95) [الإسراء]. # فأخبر سبحانه عن المانع من إنزال الملائكة، وهو أنه لم يجعل الأرض مسكنا ~~لهم، ولا يستقرون فيها مطمئنين، بل يكون نزولهم لينفذوا أوامر الرب سبحانه، ~~ثم يعرجون إليه، ومن هذا قوله: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون (59) [الإسراء]. # فأخبر سبحانه عن حكمته في الامتناع من إرسال رسله بآيات الاقتراح ~~والتشهي، وهي أنها لا توجب الإيمان، فقد سألها الأولون، فلما أوتوها كذبوا ~~بها، فأهلكوا، فليس لهم مصلحة في الإرسال بها، بل حكمته سبحانه تأبى ذلك كل ~~الإباء، ثم نبه على ما أصاب ثمود من ذلك، فإنهم اقترحوا الناقة، فلما أعطوا ~~ما سألوا، ظلموا، ولم يؤمنوا، فكان في إجابتهم إلى ما سألوا هلاكهم ~~واستئصالهم. # ثم قال: وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) [الإسراء] أي: لأجل التخويف، ~~فهو منصوب نصب المفعول لأجله. # قال قتادة: إن الله يخوف الناس بما شاء من آياته، لعلهم يعتبرون أو ~~يذكرون أو يرجعون، وهذا يعم آياته التي تكون مع الرسل، والتي تقع بعدهم PageV01P499 ~~في كل زمان، فإنه سبحانه لا يزال يحدث لعباده من الآيات ما يخوفهم بها، ~~ويذكرهم بها، ومن ذلك قوله: وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه قل إن الله ~~قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) [الأنعام] أي: لا يعلمون ~~حكمته تعالى ومصلحة عباده في الامتناع من إنزال الآيات التي يقترحها الناس ~~على الأنبياء، وليس المراد أن أكثر الناس لا يعلمون، أن الله قادر، فإنه لم ~~ينازع في قدرة الله أحد من المقرين بوجوده سبحانه، ولكن حكمته في ذلك لا ~~يعلمها أكثر الناس. # فصل # النوع العاشر: إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره، ~~كقوله: الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم (22) [البقرة] وقوله: ألم نجعل الأرض مهادا (6) ~~والجبال أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم ms358 سباتا (9) وجعلنا ~~الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) [النبأ] إلى قوله: وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) ~~[النبأ] وقوله: ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها ~~رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) [المرسلات] وقوله: والله جعل لكم من ~~بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم ~~إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80) والله ~~جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم ~~الحر وسرابيل تقيكم بأسكم (81) [النحل]. # وقوله: فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) [عبس] إلى قوله: متاعا لكم PageV01P500 ~~ولأنعامكم (32) [عبس] وقوله: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها (21) [الروم] وقوله: الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ~~بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل ~~والنهار (33) [إبراهيم] وقوله:* الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه ~~بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) [الجاثية]. # إلى أضعاف أضعاف ذلك في القرآن، مما يفيد من له أدنى تأمل القطع بأنه ~~سبحانه فعل ذلك للحكم والمصالح التي ذكرها وغيرها مما لم يذكره. # وقوله: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب ~~مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) [النحل] ~~وقوله: وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع ~~كثيرة ومنها تأكلون (21) [المؤمنون] وقوله: والأنعام خلقها لكم فيها دف ء ~~ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل ~~أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) [النحل]. # فهل يستقيم ذلك ويصح فيمن لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لغاية هي مقصودة ~~بالفعل! ومعلوم بالضرورة أن هذا ms359 الإثبات وهذا النفي متقابلان أعظم التقابل. PageV01P501 # فصل # النوع الحادي عشر: إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا ~~لحكمة كقوله: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا (115) [المؤمنون] وقوله: أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى (36) [القيامة] وقوله: وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق (39) [الدخان]. # والحق هو الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق ذلك كله، وهو أنواع كثيرة: # منها: أن يعرف الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته. # ومنها: أن يحب ويعبد ويشكر ويذكر ويطاع. # ومنها: أن يأمر وينهى ويشرع الشرائع. # ومنها: أن يدبر الأمر ويبرم القضاء ويتصرف في المملكة بأنواع التصرفات. # ومنها: أن يثيب ويعاقب، فيجازي المحسن بإحسانه والمسي ء بإساءته، فيوجد ~~أثر عدله وفضله موجودا مشهودا فيحمد على ذلك ويشكر. # ومنها: أن يعلم خلقه أنه لا إله غيره، ولا رب سواه. # ومنها: أن يصدق الصادق، فيكرمه، ويكذب الكاذب، فيهينه. # ومنها: ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني PageV01P502 ~~والخارجي، فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع. # ومنها: شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها، وأنه وحده ~~إلهها ومعبودها. # ومنها: ظهور أثر كماله المقدس، فإن الخلق والصنع لازم كماله، فإنه حي ~~قدير، ومن كان كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا. # ومنها: أن يظهر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق ~~به ومحبته على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه، فتشهد حكمته الباهرة. # ومنها: أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم ويعفو ويغفر ويسامح، ولا بد من ~~لوازم ذلك خلقا وشرعا. # ومنها: أنه يحب أن يثنى عليه، ويمدح ويمجد ويسبح ويعظم. # ومنها: كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته وإلهيته إلى غير ذلك من الحكم التي ~~تضمنها الخلق، فخلق مخلوقاته بسبب الحق ولأجل الحق، وخلقها ملتبس بالحق، ~~وهو في نفسه حق، فمصدره حق، وغايته حق، وهو يتضمن للحق، وقد أثنى على عباده ~~المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشي ء ولا لغاية، فقال تعالى: ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا ms360 باطلا سبحانك (191) [آل ~~عمران] وأخبر أن هذا ظن أعدائه، لا ظن أوليائه، فقال وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا (27) [ص]. # وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول: إنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له، ولا أمر ~~لحكمة، ولا نهى لحكمة، وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة، لا ~~لحكمة، ولا لغاية مقصودة، وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده؟ PageV01P503 # بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات، فهما مظهران بحمده وحكمته، ~~فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره، فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك ~~ينزه عنه الرب، ويتعالى عن نسبته إليه، فإنهم أثبتوا خلقا وأمرا لا رحمة ~~فيه ولا مصلحة ولا حكمة، بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف ~~فيه البتة، وينهى عما فيه مصلحة، والجميع بالنسبة إليه سواء. # ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه، وينهى عن جميع ما أمر به، ولا فرق ~~بين هذا وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي، ويجوز عندهم أن يعذب من لم يعصه طرفة ~~عين، بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره، وينعم على من لم يطعه طرفة عين، ~~بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور، فلا سبيل إلى أن يعرف ~~خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول، وإلا فهو جائز عليه، وهذا من أقبح الظن ~~وأسوئه بالرب سبحانه، وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور، بل هذا هو عين ~~الظلم الذي يتعالى الله عنه. # والعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من ~~صفات الكمال ونعوت الجلال، ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه، ولا ينزهونه ~~عن هذا الظلم والجور، ويزعمون أنه عدل وحق، وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا ~~به، كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه وعلوه فوق سماواته وتكلمه ~~وتكليمه وصفات كماله، فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك ~~الإثبات. والله ولي التوفيق. PageV01P504 # فصل # النوع الثاني عشر: إنكاره سبحانه أن يسوي بين المختلفين، أو يفرق بين ~~المتماثلين، وإن ms361 حكمته وعدله يأبى ذلك. # أما الأول: فكقوله: أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون ~~(36) [القلم] فأخبر أن هذا حكم باطل جائر، يستحيل نسبته إليه، كما يستحيل ~~نسبة الفقر والحاجة والظلم إليه، ومنكر والحكمة والتعليل يجوزون نسبة ذلك ~~إليه، بل يقولون بوقوعه وقال تعالى: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) [ص] وقال: أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون (21) [الجاثية]. # فجعل سبحانه ذلك حكما سيئا، يتعالى ويتقدس عن أن يجوز عليه، فضلا عن أن ~~ينسب إليه، بل أبلغ من هذا أنه أنكر على من حسب أن يدخل الجنة بغير امتحان ~~له وتكليف يبين به صبره وشكره، وإن حكمته تأبى ذلك كما قال تعالى: أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142) ~~[آل عمران] وقال: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا (214) [البقرة] وقال: أم حسبتم أن ~~تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ~~ولا المؤمنين وليجة (16) [التوبة] فأنكر عليهم هذا الظن والحسبان لمخالفته ~~لحكمته. # وأما الثاني: وهو أن لا يفرق بين المتماثلين فكقوله: ومن يطع الله PageV01P505 ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) [النساء] وقوله: والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض (71) [التوبة] وقوله: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ~~(67) [التوبة] وقوله: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر ~~أو أنثى بعضكم من بعض (195) [آل عمران] وقوله: ولما بلغ أشده آتيناه حكما ~~وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) [يوسف] وقوله: أكفاركم خير من أولئكم (43) ~~[القمر] وقوله: # دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10) [محمد] وقوله: سنة من قد أرسلنا ~~قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) [الإسراء] وقوله: سنة الله التي ~~قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) [الفتح] وقوله: سنة الله التي ~~قد خلت من ms362 قبل (23) [الفتح]. # فسنته سبحانه عادته المعلومة في أوليائه وأعدائه بإكرام هؤلاء وإعزازهم ~~ونصرتهم، وإهانة أولئك وإذلالهم وكبتهم، وقال تعالى: إن الذين يحادون الله ~~ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم (5) [المجادلة] والقرآن مملوء من هذا ~~يخبر تعالى أن حكم الشي ء في حكمته وعدله حكم نظيره ومماثله، وضد حكم مضاده ~~ومخالفه، وكل نوع من هذه الأنواع لو استوعبناه، لجاء كتابا مفردا. # فصل # النوع الثالث عشر: أمره سبحانه بتدبير كلامه، والتفكر فيه، وفي أوامره ~~ونواهيه وزواجره، ولو لا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة، ~~والعواقب الحميدة التي هي محل الفكر، لما كان للتفكر فيه معنى، وإنما دعاهم ~~إلى التفكر والتدبر ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة وما فيه من PageV01P506 ~~الغايات والمصالح المحمودة التي توجب لمن عرفها إقراره بأنه تنزيل من حكيم ~~حميد، فلو كان الحق ما يقوله النفاة، وأن مرجع ذلك وتصوره مجرد القدرة ~~والمشيئة التي يجوز عليها تأييد الكاذب بالمعجزة ونصره وإعلاؤه وإهانة الحق ~~وإذلاله وكسره، لما كان في التدبر والتفكر مما يدلهم على صدق رسله، ويقيم ~~عليهم حجته، وكان غاية ما دعوا إليه القدر المحض، وذلك، مشترك بين الصادق ~~والكاذب والبر والفاجر. # فهؤلاء بإنكارهم الحكمة والتعليل سدوا على نفوسهم باب الإيمان والهدى، ~~وفتحوا عليهم باب المكابرة وجحد الضروريات، فإن ما في خلق الله وأمره من ~~الحكم والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمر تشهد به الفطر ~~والعقول، ولا ينكره سليم الفطرة، وهم لا ينكرون ذلك، وإنما يقولون وقع ~~بطريق الاتفاق، لا بالقصد، كما تسقط خشبة عظيمة، فيتفق عبور حيوان مؤذ ~~تحتها، فتهلكه. # ولا ريب أن هذا ينفي حمد الرب سبحانه، على حصول هذه المنافع والحكم، ~~لأنها لم تحصل بقصده وإرادته، بل بطريق الاتفاق الذي لا يحمد عليه صاحبه، ~~ولا يثنى عليه، بل هو عندهم بمثابة ما لو رمى رجل درهما، لا لغرض ولا ~~لفائدة، بل لمجرد قدرته ومشيئته على طرحه، فاتفق أن وقع في يد محتاج، انتفع ~~به، فهذا من شأن الحكم والمصالح عند المنكرين. # فصل # النوع الرابع عشر: ms363 إخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه، فيذكر ~~هذين الاسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه تنبيها على أنهما إنما PageV01P507 ~~صدرا عن حكمة مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام لقوله: وإنك لتلقى القرآن ~~من لدن حكيم عليم (6) [النمل] وقوله: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ~~(1) [الزمر] فذكره العزة المتضمنة لكمال القدرة والتصرف، والحكمة المتضمنة ~~لكمال الحمد والعلم. # وقوله: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ~~والله عزيز حكيم (38) [المائدة] وسمع بعض الأعراب قارئا يقرؤها: والله غفور ~~رحيم، فقال: ليس هذا كلام الله، فقال: أتكذب بالقرآن؟ فقال: لا ولكن لا ~~يحسن هذا، فرجع القارئ إلى خطئه فقال: عزيز حكيم، فقال: صدقت. # وإذا تأملت ختم الآيات بالأسماء والصفات، وجدت كلامه مختتما بذكر الصفة ~~التي يقتضيها ذلك المقام، حتى كأنها ذكرت دليلا عليه وموجبة له، وهذا ~~كقوله: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) ~~[المائدة] أي: فإن مغفرتك لهم مصدر عن عزة، هي كمال القدرة، لا عن عجز وجهل. # وقوله: ذلك تقدير العزيز العليم (38) [يس] في عدة مواضع من القرآن يذكر ~~ذلك عقيب ذكره الأجرام العلوية وما تضمنه من فلق الإصباح وجعل الليل مسكنا، ~~وإجراء الشمس والقمر بحساب لا يعدوانه، وتزيين السماء بالنجوم وحراستها، ~~وأخبر أن هذا التقدير المحكم المتقن صادر عن عزته وعلمه، ليس أمرا اتفاقيا، ~~لا يمدح به فاعله، ولا يثنى عليه به كسائر الأمور الاتفاقية. # ومن هذا ختمه سبحانه قصص الأنبياء وأممهم في سورة الشعراء عقيب كل قصة: ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) [الشعراء] فإن ما حكم به لرسله وأتباعهم ~~ولأعدائهم صادر عن عزة ورحمة، فوضع الرحمة في محلها، PageV01P508 ~~وأنتقم من أعدائه بعزته، ونجى رسله وأتباعهم برحمته، والحكمة الحاصلة من ~~ذلك أمر مطلوب مقصود، وهي غاية الفعل، لا أنها أمر اتفاقي. # فصل # النوع الخامس عشر: إخباره بأن حكمه أحسن الأحكام، وتقديره أحسن التقادير، ~~ولو لا مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك، إذ لو كان ~~حسنه لكونه مقدورا معلوما كما يقوله النفاة، لكان ms364 هو وضده سواء، فإنه بكل ~~شي ء عليم، وعلى كل شي ء قدير، فكان كل معلوم مقدور أحسن الأحكام وأحسن ~~التقادير، وهذا ممتنع قال تعالى: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) ~~[المائدة] وقال: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن (125) [النساء] ~~فجعل هذا أن يختار لهم دينا سواه، ويرتضي دينا غيره، كما يمتنع عليه العيب ~~والظلم، وقال تعالى: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني ~~من المسلمين (33) [فصلت] وقال: فقدرنا فنعم القادرون (23) [المرسلات] وقال: ~~فتبارك الله أحسن الخالقين (14) [المؤمنون] فلا أحسن من تقديره وخلقه ~~لوقوعه على الوجه الذي اقتضته حكمته. # وقال تعالى: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت (3) [الملك] ولو لا مجيئه على ~~أكمل الوجوه وأحسنها ومطابقتها للغايات المحمودة والحكم المطلوبة، لكان كله ~~متفاوتا، أو كان عدم تفاوته أمرا اتفاقيا، لا يحمد فاعله، لأنه لم يرده ولم ~~يقصده، وإنما اتفق أن صار كذلك. PageV01P509 # فصل # النوع السادس عشر: إخباره سبحانه أنه على صراط مستقيم، في موضعين من كتابه. # أحدهما: قوله حاكيا عن نبيه هود: إني توكلت على الله ربي وربكم ما من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (56) [هود]. # والثاني: قوله: وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شي ء وهو ~~كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم (76) [النحل]. # قال أبو إسحاق: أخبر أنه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء، فهو لا يشاء إلا العدل. # قال ابن الأنباري: لما قال: إلا هو آخذ بناصيتها (56) [هود]، كان في ~~معنى: لا تخرج عن قبضته، قاهر بعظيم سلطانه كل دابة، فأتبع ذلك قوله: # إن ربي على صراط مستقيم (56) [هود] أي: إنه على الحق، قال: وهذا نحو كلام ~~العرب إذا وصفوا رجلا حسن السيرة والعدل والإنصاف، قالوا: فلان طريقه حسنة. ~~وليس ثم طريق. وذكر في معنى الآية أقوال أخر هي من لوازم هذا المعنى ~~وآثاره، كقول بعضهم: إن ربي يدل ms365 على صراط مستقيم، فدلالته على الصراط من ~~موجبات كونه في نفسه على صراط مستقيم، فإن تلك الدلالة والتعريف من تمام ~~رحمته وإحسانه وعدله وحكمته. # وقال بعضهم: معناه: لا يخفى عليه شي ء، ولا يعدل عنه هارب. PageV01P510 # وقال بعضهم: المعنى: لا مسلك لأحد ولا طريق له إلا عليه كقوله: # إن ربك لبالمرصاد (14) [الفجر] وهذا المعنى حق، ولكن كونه هو المراد ~~بالآية ليس بالبين، فإن الناس كلهم لا يسلكون الصراط المستقيم حتى يقال: # إنهم يصلون سلوكه إليه، ولما أراد سبحانه هذا المعنى، قال: إلينا مرجعهم ~~(70) [يونس]. إن إلينا إيابهم (25) [الغاشية]. إن ربك لبالمرصاد (14) ~~[الفجر]. «وإن إلى ربك المنتهى». # وأما وصفه سبحانه بأنه على صراط مستقيم، فهو كونه يقول الحق، ويفعل ~~الصواب، فكلماته صدق وعدل كله صواب وخير. # والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) [الأحزاب] فلا يقول إلا ما يحمد ~~عليه لكونه حقا وعدلا وصدقا وحكمة في نفسه، وهذا معروف في كلام العرب. # قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: # أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم # وإذا عرف هذا فمن ضرورة كونه على صراط مستقيم أنه لا يفعل شيئا إلا بحكمة ~~يحمد عليها، وغاية هي أولى بالإرادة من غيرها، فلا تخرج أفعاله عن الحكمة ~~والمصلحة والإحسان والرحمة والعدل والصواب، كما لا تخرج أقواله عن العدل ~~والصدق. # فصل # النوع السابع عشر: حمده سبحانه لنفسه على جميع ما يفعله، وأمره عباده PageV01P511 ~~بحمده، وهذا لما في أفعاله من الغايات والعواقب الحميدة التي يستحق فاعلها ~~الحمد، فهو يحمد على نفس الفعل، وعلى قصد الغاية الحميدة به وعلى حصولها، ~~فههنا ثلاثة أمور، ومنكر والحكم والتعليل ليس عندهم محمود على قصد الغاية ~~ولا على حصولها، إذ قصدها عندهم مستحيل عليه، وحصولها عندهم أمر اتفاقي غير ~~مقصود، كما صرحوا به فلا يحمد على ما لا يجوز قصده ولا على حصوله، فلم يبق ~~إلا نفس الفعل. # ومعلوم أن الفاعل لا يحمد على فعله إن لم يكن له فيه غاية مطلوبة، هي ~~أولى به من عدمها، وإلا فمجرد الفعل الصادر ms366 عن الفاعل إذا لم يكن له غاية ~~يقصده بها، لا يحمد عليه، بل وقوع هذا الفعل من القادر المختار الحكيم ~~محال، ولا يقع الفعل على هذا الوجه إلا من عائب، والله منزه من العيب، ~~فحمده سبحانه من أعظم الأدلة على كمال حكمته، وقصده بما فعل يقع خلفه، ~~والإحسان إليهم ورحمتهم وإتمام نعمته عليهم، وغير ذلك من الحكم والغايات ~~التي تعطيلها تعطيل بحقيقة حمده. # فصل # النوع الثامن عشر: إخباره بإنعامه على خلقه وإحسانه إليهم، وأنه خلق لهم ~~ما في السموات وما في الأرض، وأعطاهم الأسماع والأبصار والأفئدة، ليتم ~~نعمته عليهم. # ومعلوم أن المنعم المحسن لا يكون كذلك ولا يستحق هذا الاسم حتى يقصد ~~الإنعام على غيره والإحسان إليه، فلو لم يفعل سبحانه لغرض الإنعام ~~والإحسان؛ لم يكن منعما في الحقيقة ولا محسنا، إذ يستحيل أن يكون PageV01P512 ~~كذلك من لم يقصد الإنعام والإحسان، وهذا غني عن التقرير، يوضحه أنه سبحانه ~~حيث ذكر إنعامه وإحسانه، فإنما يذكره مقرونا بالحكم والمصالح والمنافع التي ~~خلق الخلق وشرع الشرائع لأجله كقوله في آخر سورة النحل: # والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) ~~فهذا في الخلق. # وقال في الشرع، في أمره باستقبال الكعبة: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون ~~(150) [البقرة]. # وقال في أمره بالوضوء والتيمم: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) [المائدة] فجعل تمام ~~نعمته في أن خلق ما خلق للإحسان، وأمر بما أمر لذلك. # فصل # النوع التاسع عشر: اتصافه بالرحمة، وأنه أرحم الراحمين، وأن رحمته وسعت ~~كل شي ء، وذلك لا يتحقق إلا بأن تقصد رحمة خلقه بما خلقه لهم وبما أمرهم ~~به، فلو لم تكن أوامره لأجل الرحمة والحكمة والمصلحة وإرادة الإحسان إليهم ms367 ~~لما كان رحمة، ولو حصلت بها الرحمة، لكانت اتفاقية لا مقصودة، وذلك لا يوجب ~~أن يكون الآمر سبحانه أرحم الراحمين، فتعطيل حكمته والغاية المقصودة التي ~~لأجلها يفعل إنكار لرحمته في الحقيقة، PageV01P513 ~~وتعطيل لها، وكان شيخ هذا المذهب جهم بن صفوان يقف على الجذامى «1»، ويشاهد ~~ما هم فيه من البلايا، ويقول: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟! يعني أنه ليس ~~ثم رحمة في الحقيقة، وإن الأمر راجع إلى محض المشيئة الخالية عن الحكمة ~~والرحمة، ولا حكمة عنده ولا رحمة، فإن المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة، ~~ولا حكمة عنده ولا رحمة، فإن الرحمة لا تعقل إلا من فعل من يفعل الشي ء ~~لرحمة غيره ونفعه والإحسان إليه، فإذا لم يفعل لغرض ولا غاية ولا حكمة، لم ~~يفعل الرحمة والإحسان. # فصل # النوع العشرون: جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في ~~أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه، وإن كان السائل لا يعلمها، كما أجاب ~~الملائكة لما قال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة (30) [البقرة] فقالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (30) ~~[البقرة] فأجابهم بقوله: إني أعلم ما لا تعلمون (30) [البقرة] ولو كان فعله ~~مجردا عن الحكم والغايات والمصالح، لكان الملائكة أعلم به إن سألوا هذا ~~السؤال، ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم ما لا يعلمونه من الحكم والمصلحة التي ~~في خلق هذا الخليفة، ولهذا كان سؤالهم إنما وقع عن وجه الحكمة، لم يكن ~~اعتراضا على الرب تعالى. # ولو قدر أنه على وجه الاعتراض، فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئا إلا ~~لحكمة، فلما رأوا أن خلق هذا الخليفة مناف للحكمة في الظاهر، سألوه PageV01P514 ~~عن ذلك، ومن هذا قوله تعالى: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ~~ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته (124) [الأنعام] فأجابهم بأن ~~حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهلها، ولو كان ~~الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم يكن في هذا جوابا، بل كان الجواب ms368 أن أفعاله ~~لا تعلل، وهو يرجح مثلا على مثل بغير مرجح، والأمر عائد إلى مجرد القدرة، ~~كما يقوله المنكرون، وكذلك قوله: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) [الأنعام]. # فلما سألوا عن التخصيص بمشيئة الله، وأنكروا ذلك، أجيبوا بأن الله أعلم ~~بمن يصلح لمشيئته، وهو أهل لها، وهم الشاكرون الذين يعرفون قدر النعمة، ~~ويشكرون عليها المنعم، فهؤلاء يصلحون لمشيئته، ولو كان الأمر عائدا إلى محض ~~المشيئة، لم يحسن هذا الجواب، ولهذا يذكر سبحانه صفة العلم، حيث يذكر ~~التخصيص والتفصيل بينهما على أنه بما حصل بعلمه سبحانه بما في التخصيص ~~المفصل، مما يقتضي تخصيصه وتفصيله، وهو الذي جعله أهلا لذلك، كما قال ~~تعالى: ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا ~~بكل شي ء عالمين (81) [الأنبياء] فذكر علمه عقيب ذكر تخصيصه سليمان بتسخير ~~الريح له، وتخصيصه الأرض المذكورة بالبركة. # ومنه قوله:* جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شي ء عليم (97) [المائدة] فذكر صفة العلم التي اقتضت تخصيص هذا ~~المكان وهذا الزمان بأمر، اختصا به دون سائر الأمكنة والأزمنة. # ومن ذلك قوله سبحانه: فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم ~~كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شي ء عليما (26) [الفتح] ~~فأخبر أنه وضع هذه الكلمة عند أهلها ومن هم أحق بها، وأنه أعلم PageV01P515 ~~بمن يستحقها من غيرهم، فهل هذا وصف من يخص بمحض المشيئة لا بسبب وغاية؟. # فصل # النوع الحادي والعشرون: إخباره سبحانه عن تركه بعض مقدوره لما يستلزمه من ~~المفسدة، وأن المصلحة في تركه، ولو كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة، لم ~~يكن ذلك علة للحكم، كقوله تعالى:* إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون (23) [الأنفال] فعلل سبحانه عدم إسماعهم السماع الذي ينتفعون ms369 به، ~~وهو سماع الفهم، بأنهم لا خير فيهم يحسن معه أن يسمعهم، وبأن فيهم مانعا ~~آخر يمنع من الانتفاع بالمسموع لو سمعوه، وهو الكبر والإعراض، فالأول من ~~باب تعليل عدم الحكم بعدم ما يقتضيه، والثاني من باب تعليله بوجود مانعه، ~~وهذا إنما يصح ممن يأمر وينهى ويفعل للحكم والمصالح، وأما من يجرد فعله عن ~~ذلك، فإنه لا يضاف عدم الحكم إلا إلى مجرد مسببه فقط، ومن هذا تنزيهه نفسه ~~عن كثير مما يقدر عليه، فلا يفعله، لمنافاته لحكمته وحمده كقوله تعالى: ما ~~كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب (179) [آل عمران] وقوله: وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) [الأنفال] وقوله: وما كان الله ~~ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون (115) [التوبة] وقوله: وما ~~كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) [هود] وقوله: وما كان ربك ~~مهلك القرى حتى يبعث PageV01P516 ~~في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا (59) [القصص]. # فنزه نفسه عن هذه الأفعال، لأنه لا يليق بكماله، لأنه لا يليق بكماله، ~~وينافي حكمته وحمده. # وعند النفاة أنها ليست مما ينزه الرب عنه، لأنها مقدورة له وهو إنما ينزه ~~عما لا يقدر عليه، ولكن علمنا أنها لا تقع لعدم مسببه لها، لا لقبحها في نفسها. # فصل # النوع الثاني والعشرون: أن تعطيل الحكمة والغاية المطلوبة بالفعل إما أن ~~يكون لعدم علم الفاعل بها، أو تفاصيلها، وهذا محال في حق من هو بكل شي ء ~~عليم، وإما لعجزه عن تحصيلها، وهذا ممتنع في حق من هو على كل شي ء قدير، ~~وإما لعدم إرادته ومشيئته الإحسان إلى غيره وإيصال النفع إليه، وهذا مستحيل ~~في حق أرحم الراحمين ومن إحسانه من لوازم ذاته، فلا يكون إلا محسنا منعما ~~منانا، وإما لمانع يمنع من إرادتها وقصدها، وهذا مستحيل في حق من لا يمنعه ~~مانع عن فعل ما يريد، وإما لاستلزامها نقصا ومنافاتها كمالا، وهذا باطل، بل ms370 ~~هو قلب للحقائق وعكس للفطر ومناقضة لقضايا العقول، فإن من يفعل، لحكمة ~~وغاية مطلوبة يحمد عليها، أكمل ممن يفعل لا لشي ء البتة، كما أن من يخلق ~~أكمل ممن لا يخلق، ومن يعلم أكمل ممن لا يعلم، ومن يتكلم أكمل مما لا ~~يتكلم، ومن يقدر ويريد أكمل ممن لا يتصف بذلك، وهذا مركوز في الفطر مستقر ~~في العقول، فنفي حكمته بمنزلة نفي هذه الأوصاف عنه، وذلك يستلزم وصفه ~~بأضدادها، وهي أنقص النقائص. PageV01P517 # ولهذا صرح كثير من النفاة كالجويني والرازي بأنه لم يقم على نفي النقائص عن ~~الله دليل عقلي إلا مستندا لنفي السمع والإجماع، وحينئذ فيقال لهؤلاء: إن ~~لم يكن في إثبات الحكمة نقص، لم يجز نفيها، وإن كانت نقصا، فأين في السمع ~~أو في الإجماع نفي هذا النقص. # وجمهور الأمة يثبت حكمته سبحانه والغايات المحمودة في أفعاله، فليس مع ~~النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع، بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ~~ببطلان قولهم، والله الموفق للصواب. # وجماع ذلك أن كمال الرب تعالى، وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته ~~وإحسانه وحمده ومجده وحقائق أسمائه الحسنى، تمنع كون أفعاله صادرة منه لا ~~لحكمة ولا لغاية مطلوبة، وجميع أسمائه الحسنى تنفي ذلك، وتشهد ببطلانه، ~~وإنما نبهنا على بعض طرق القرآن، وإلا فالأدلة التي تضمنها إثبات ذلك أضعاف ~~أضعاف ما ذكرنا، وبالله التوفيق. # فصل # وكيف يتوهم ذو فطرة صحيحة خلاف ذلك، وهذا الوجود شاهد بحكمته وعنايته ~~بخلقه أتم عناية، وما في مخلوقاته من الحكم والمصالح والمنافع والغايات ~~المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف، أو يحصره عقل. ويكفي ~~الإنسان فكره في نفسه وخلقه وأعضائه ومنافعها، وقواه وصفاته وهيئاته، فإنه ~~لو استنفد عمره لم يحط علما بجميع ما تضمنه خلقه من الحكم والمنافع على ~~التفصيل، والعالم كله علوية وسفلية بهذه المثابة، ولكن لشدة ظهور الحكمة ~~ووضوحها وجد الجاحد السبيل إلى PageV01P518 ~~إنكارها، وهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة، كما أنكرت وجود الصانع تعالى مع ~~فرط ظهور آياته ودلائل ربوبيته، بحيث استوعبت كل موجود، ومع هذا ms371 فسمحت ~~بالمكابرة في إنكاره، وهكذا أدلة علوه سبحانه فوق مخلوقاته، مع شدة ظهورها ~~وكثرتها، سمحت نفوس الجهمية بإنكارها، وهكذا سواها كصدق أنبيائه ورسله، ولا ~~سيما خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، فإن أدلة صدقه في الوضوح للعقول ~~كالشمس في دلالتها على النهار، ومع هذا فلم يأنف الجاحدون والمكابرون من ~~الإنكار، وهكذا أدلة ثبوت صفات الكمال لمعطي الكمال هي من أظهر الأشياء ~~وأوضحها، وقد أنكرها من أنكرها، ولا يستنكر هذا، فإنك تجد الرجل منغمسا في ~~النعم، وقد أحاطت به من كل جانب، وهو يشكي حاله، ويسخط مما هو فيه، وربما ~~أنكر النعمة. # فضلال النفوس وغيها لا حد له تنتهي إليه، ولا سيما النفوس الجاهلة ~~الظالمة. # ومن أعجب العجب أن تسمح نفس بإنكار الحكم والعلل الغائية والمصالح التي ~~تضمنتها هذه الشريعة الكاملة التي هي من أدل الدلائل على صدق من جاء بها، ~~وأنه رسول الله حقا، ولو لم يأت بمعجزة سواها، لكانت كافية شافية، فإن ما ~~تضمنته من الحكم والمصالح والغايات الحميدة والعواقب السديدة شاهدة بأن ~~الذي شرعها وأنزلها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وشهود ذلك في تضاعيفها ~~ومضمونها كشهود الحكم والمصالح والمنافع في المخلوقات العلوية والسفلية، ~~وما بينهما من الحيوان والنبات والعناصر والآثار التي بها انتظام مصالح ~~المعاش. # فكيف يرضى أحد لنفسه إنكار ذلك وجحده؟ وإن تحمل واستحيى من العقلاء، قال: ~~ذلك أمر اتفاقي غير مقصود بالأمر والخلق، وسبحان الله! كيف يستجيز أحد أن ~~يظن برب العالمين وأحكم الحاكمين أنه يعذب كثيرا PageV01P519 ~~من خلقه أشد العذاب الأبدي لغير غاية ولا حكمة ولا سبب، وإنما هو محض مشيئة ~~مجردة عن الحكمة والسبب، فلا سبب هناك ولا حكمة ولا غاية، وهل هذا إلا من ~~أسوأ الظن بالرب تعالى؟ وكيف يستجيز أن يظن بربه أنه أمر ونهى وأباح وحرم ~~وأحب وكره وشرع الشرائع وأمر بالحدود لا لحكمة ولا مصلحة يقصدها، بل ما ثم ~~إلا مشيئة محضة رجحت مثلا على مثل بغير مرجح، وأي رحمة تكون في هذه ~~الشريعة، وكيف يكون المبعوث بها رحمة مهداة للعالمين لو ms372 كان الأمر كما يقول ~~النفاة؟ وهل يكون الأمر والنهي إلا عقوبة وكلفة وعبثا، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. # ولو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا، من حكمة الله في خلقه وأمره، لزاد ~~ذلك على عشرة آلاف موضع، مع قصور أذهاننا ونقص عقولنا ومعارفنا وتلاشيها ~~وتلاشي علوم الخلائق جميعهم في علم الله، كتلاشي ضوء السراج في عين الشمس، ~~وهذا تقريب وإلا فالأمر فوق ذلك، وهل إبطاله الحكم والمناسبات والأوصاف ~~التي شرعت الأحكام لأجلها إلا إبطال للشرع جملة؟ # وهل يمكن فقيها على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه مع اعتقاده بطلان الحكمة ~~والمناسبة والتعليل، وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد؟. # وجناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات، فإن العقلاء لا يمكنهم ~~إنكار الأسباب والحكم والمصالح والعلل الغائية، فإذا رأوا أن هذا لا يمكن ~~القول به، مع موافقة الشرائع، ولا يمكنهم رفعه عن نفوسهم، خلوا الشرائع ~~وراء ظهورهم، وأساءوا بها الظن، وقالوا: لا يمكننا الجمع بينها وبين ~~عقولنا، ولا سبيل لنا إلى الخروج عن عقولنا، ورأوا أن القول بالفاعل ~~المختار لا يمكن إلا مع نفي الأسباب والحكم والقوى والطبائع، ولا سبيل إلى ~~نفيها، فنفوا الفاعل. # وأولئك لم يمكنهم القول بنفي الفاعل المختار، ورأوا أنه لا يمكنهم PageV01P520 ~~إثباته مع إثبات الأسباب والحكم والقوى والعلل، فنفوها. # وبين الطائفتين بعد المشرقين، ولا تستهن بأمر هذه المسألة فإن شأنها ~~أعظم، وخطرها أجل، وفروعها كثيرة، ومن فروعها أنهم لما تكلموا فيما يحدثه ~~الله تعالى من المطر والنبات والحيوان والحر والبرد والليل والنهار ~~والإهلال والإبدار والكسوف والاستسرار وحوادث الجو وحوادث الأرض، انقسموا ~~قسمين، وصاروا طائفتين، فطائفة جعلت الموجب لذلك مجرد ما رأوه علة وسببا، ~~من الحركات الفلكية والقوى الطبيعية والنفوس والعقول، فليس عندهم لذلك فاعل ~~مختار مريد. # وقابلهم طائفة من المتكلمين، فلم يسببوا لذلك سببا إلا مجرد المشيئة ~~والقدرة، وأن الفاعل المختار يرجح مثلا على مثل بلا مرجح ولا سبب ولا حكمة ~~ولا غاية يفعل لأجلها، ونفوا الأسباب والقوى والطبائع والقرائن والحكم ~~والغايات، حتى يقول من أثبت الجوهر ms373 الفرد منهم: إن الفلك والرحا ونحوهما، ~~مما يدور، متفكك دائما عند الدوران. والقادر المختار يعيده كل وقت كما كان، ~~وإن الألوان والمقادير والأشكال والصفات تعدم على تعاقب الآنات، والقادر ~~المختار يعيدها كل وقت، وإن ملوحة ماء البحر كل لحظة تعدم وتذهب، ويعيدها ~~القادر المختار، كل ذلك بلا سبب ولا حكمة ولا علة غائية، ورأوا أنهم لا ~~يمكنهم التخلص من قول الفلاسفة أعداء الرسل إلا بذلك، ورأى أعداء الرسل ~~أنهم لا يمكنهم الدخول في الشريعة إلا بالتزام أصول هؤلاء، ولم يهتد ~~الطائفتان للحق الذي لا يجوز غيره وهو أنه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته ~~وإرادته، ويفعل ما يفعله بأسباب وحكم وغايات محمودة، وقد أودع العالم من ~~القوى والطبائع والغرائز والأسباب والمسببات ما به قام الخلق والأمر، وهذا ~~قول جمهور أهل الإسلام وأكثر طوائف النظار، وهو قول الفقهاء PageV01P521 ~~قاطبة إلا من خلى الفقه ناحية، وتكلم بأصول النفاة، فعادى فقهه أصول دينه. PageV01P522 ### | AUTO الباب الثاني والعشرون في استيفاء شبه النافين للحكمة والتعليل ~~وذكر الأجوبة عنها # قالت النفاة: قد أجلبتم علينا بما استطعتم من خيل الأدلة ورجلها، فاسمعوا ~~الآن ما يبطله، ثم أجيبوا عنه، إن أمكنكم الجواب، فنقول: ما قاله أفضل ~~متأخريهم محمد بن عمر الرازي: كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة أو لدفع ~~مفسدة، فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى من عدم تحصيلها، كان ذلك الفاعل قد ~~استفاد بذلك الفعل تحصيل ذلك ومن كان كذلك كان ناقصا بذاته مستكملا بغيره، ~~وهو في حق الله محال، وإن كان تحصيلها وعدمه بالنسبة إليه سواء، فمع ذلك لا ~~يحصل الرجحان، فامتنع تحصيلها. ثم أورد سؤالا وهو، لا يقال حصولها ~~واللاحصولها بالنسبة إليه، وإن كان على التساوي، إلا أن حصولها للعبد أولى ~~من عدم حصولها له، فلأجل هذه الأولوية العائدة إلى العبد يرجح الله سبحانه ~~الوجود على العدم، ثم أجاب بأنا نقول: تحصيل تلك المصلحة وعدم تحصيلها له ~~إما أن يكونا متساويين إلى الله أو لا يستويان، وحينئذ يعود التقسيم ~~المذكور. # قال المثبتون: الجواب عن هذه الشبهة ms374 من وجوه. # أحدها: أن قولك: إن كل من فعل لغرض يكون ناقصا بذاته مستكملا PageV01P523 ~~بغيره، ما تعني بقولك: إنه يكون ناقصا بذاته، أتعني به أنه يكون عادما لشي ~~ء من الكمال الذي لا يجب أن يكون له، قبل حدوث ذلك المراد، أم تعني به أن ~~يكون عادما لما ليس كمالا، قبل وجوده، أم تعني به معنى ثالثا؟ # فإن عنيت الأول، فالدعوى باطلة، فإنه لا يلزم من فعله لغرض حصوله أولى من ~~عدمه، أن يكون عادما لشي ء من الكمال الواجب قبل حدوث المراد، فإنه يمتنع ~~أن يكون كمالا قبل حصوله، وإن عنيت الثاني، لم يكن عدمه نقصا، فإن الغرض ~~ليس كمالا قبل وجوده، وما ليس بكمال في وقت، لا يكون عدمه نقصا فيه، فما ~~كان قبل وجوده عدمه أولى من وجوده، وبعد وجوده وجوده أولى من عدمه، لم يكن ~~عدمه قبل وجوده نقصا، ولا وجوده بعد عدمه نقصا، بل الكمال عدمه قبل وقت ~~وجوده، ووجوده وقت وجوده، وإذا كان كذلك، فالحكم المطلوبة والغايات من هذا ~~النوع وجودها وقت وجودها هو الكمال، وعدمها حينئذ نقص، وعدمها وقت عدمها ~~كمال ووجودها هو الكمال، وعدمها حينئذ نقص، وعدمها وقت عدمها كمال ووجودها ~~حينئذ نقص، وعلى هذا فالنافي هو الذي نسب النقص إلى الله لا المثبت، وإن ~~عنيت به أمرا ثالثا، فلا بد من بيانه حتى ننظر فيه. # الجواب الثاني: إن قولك: يلزم أن يكون ناقصا بذاته، مستكملا بغيره. # أتعني به أن الحكمة التي يجب وجودها، إنما حصلت له من شي ء خارج عنه، أم ~~تعني أن تلك الحكمة نفسها غير له، وهو مستكمل بها؟ فإن عنيت الأول، فهو ~~باطل، فإنه لا رب غيره، ولا خالق سواه، ولم يستفد سبحانه من غيره كمالا ~~بوجه من الوجوه، بل العالم كله إنما استفاد الكمال الذي فيه منه سبحانه، ~~وهو لم يستفد كماله من غيره، كما لم يستفد وجوده من غيره، وإن عنيت الثاني، ~~فتلك الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرا له، فإن حكمته قائمة به، وهو ms375 ~~الحكيم الذي له الحكمة، كما أنه العليم الذي له العلم، والسميع الذي له ~~السمع والبصير الذي له البصر، فثبوت حكمته لا PageV01P524 ~~يستلزم استكماله بغير منفصل عنه، كما أن كماله سبحانه بصفاته، وهو لم ~~يستفدها من غيره. # الجواب الثالث: أنه سبحانه إذا كان إنما يفعل لأجل أمر، هو أحب إليه من ~~عدمه، كان اللازم من ذلك حصول مراده الذي يحبه، وفعل لأجله، وهذا غاية ~~الكمال، وعدمه هو النقص، فإن من كان قادرا على تحصيل ما يحبه وفعله في ~~الوقت الذي يحب، على الوجه الذي يحب، فهو الكامل حقا، لا من لا محبوب له ~~أوله محبوب، لا يقدر على فعله. # الجواب الرابع: أن يقال: أنت ذكرت في كتبك أنه لم يقم على نفي النقص، عن ~~الله، دليل عقلي، واتبعت في ذلك الجويني وغيره، وقلتم: إنما ينفى النقص عنه ~~عز وجل بالسمع، وهو الإجماع، فلم تنفوه عن الله عز وجل بالعقول، ولا بنص ~~منقول عن الرسول، بل بما ذكرتموه من الإجماع، وحينئذ فإنما ينفى بالإجماع ~~ما انعقد الإجماع على نفيه، والفعل بحكمة لم ينعقد الإجماع على نفيه، فلم ~~تجمع الأمة على انتفاء التعليل لأفعال الله، فإذا سميت أنت ذلك نقصا، لم ~~تكن هذه التسمية موجبة لانعقاد الإجماع على نفيها، فإن قلت: أهل الإجماع ~~أجمعوا على نفي النقص، وهذا نقص. # قيل: نعم! الأمة مجمعة على ذلك، ولكن الشأن في هذا الوصف، المعنى: # أهو نقص فيكون قد أجمعت على نفيه؟ فهذا أول المسألة والقائلون بإثباته ~~ليس هو عندهم نقصا، بل هو عين الكمال، ونفيه عين النقص، وحينئذ فنقول في. # الجواب الخامس: إن إثبات الحكمة كمال، كما تقدم تقريره، ونفيه نقص، ~~والأمة مجمعة على انتفاء النقص عن الله، بل العلم بانتفائه عن الله تعالى ~~من أعلى العلوم الضرورية المستقرة في فطر الخلق. فلو كانت أفعاله معطلة عن ~~الحكم والغايات المحمودة، لزم النقص، وهو محال، ولزوم PageV01P525 ~~النقص من انتفاء الحكم أظهر في العقول والفطر والعلوم الضرورية والنظرية من ~~لزوم النقص من إثبات ذلك، وحينئذ فنقول في. # الجواب ms376 السادس: النقص إما أن يكون جائزا، أو ممتنعا، فإن كان جائزا، بطل ~~دليلك، وإن كان ممتنعا، بطل دليلك أيضا، فبطل الدليل على التقديرين. # الجواب السابع: أن النقص منتف عن الله عز وجل عقلا، كما هو منتف عنه ~~سمعا، والعقل والنقل يوجب اتصافه بصفات الكمال، والنقص هو ما يضاد صفات ~~الكمال، فالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة صفات كمال، ~~وأضدادها نقص، فوجب تنزيهه عنها لمنافاتها لكماله، وأما حصول ما يحبه الرب ~~تعالى في الوقت الذي يحبه، فإنما يكون كمالا، إذا حصل على الوجه الذي يحبه، ~~فعدمه قبل ذلك ليس نقصا، إذ كان لا يحب وجوده قبل ذلك. # الجواب الثامن: أن يقال: الكمال الذي يستحقه سبحانه وتعالى، هو الكمال ~~الممكن، أو الممتنع، فالأول مسلم، والثاني باطل قطعا، فلم قلت: # إن وجود الحادث في غير وقته الذي وجد فيه ممكن، بل وجودا لحادث في الأزل ~~ممتنع، فعدمه لا يكون نقصا. # الجواب التاسع: أن عدم الممتنع لا يكون كمالا، فإن الممتنع ليس بشي ء في ~~الخارج، وما ليس بشي ء، لا يكون عدمه نقصا، فإنه إن كان في المقدور ما لا ~~يحدث إلا شيئا بعد شي ء، كان وجوده في الأزل ممتنعا، فلا يكون عدمه نقصا، ~~وإنما يكون الكمال وجوده حين يمكن وجوده. # الجواب العاشر: أن يقال: إنه تعالى أحدث أشياء بعد أن لم يكن محدثا لها، ~~كالحوادث المشهودة حتى أن القائلين بكون الفلك قديما، عن علة PageV01P526 ~~موجبة، يقرون بذلك، ويقولون: إنه يحدث الحوادث بواسطته، وحينئذ فنقول: هذا ~~الإحداث إما أن يكون صفة كمال، وإما أن لا يكون، فإن كان صفة كمال، فقد كان ~~فاقدا لها قبل ذلك، وإن لم يكن صفة كمال، فقد اتصف بالنقص. # فإن قلت: نحن نقول بأنه ليس صفة كمال ولا نقص. # قيل: فهلا قلتم في ذلك التعليل؟ وأيضا فهذا محال في حق الرب تعالى، فإن ~~كل ما يفعله يستحق عليه الحمد، وكل ما يقوم من صفاته فهو صفة كمال، وضده ~~نقص، وقد ينازع النظار في الفاعلية، هل هي ms377 صفة كمال أم لا، وجمهور المسلمين ~~من جميع الفرق يقولون: هي صفة كمال. وقالت طائفة: ليست صفة كمال ولا نقص، ~~وهو قول أكثر الأشعرية، فإذا التزم له هذا القول، قيل له: الجواب من وجهين. # أحدهما: أن من المعلوم تصريح العقل، أن من يخلق أكمل ممن لا يخلق، كما ~~قال تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) [النحل] وهذا استفهام ~~إنكار، يتضمن الإنكار على من سوى بين الأمرين، يعلم أن أحدهما أكمل من ~~الآخر قطعا، ولا ريب أن تفضيل من يخلق على من لا يخلق في الفطر والعقول ~~كتفضيل من يعلم على من لا يعلم، ومن يقدر على من لا يقدر، ومن يسمع ويبصر ~~على من لا يسمع ولا يبصر؛ ولما كان هذا مستقرا في فطر بني آدم، جعله الله ~~تعالى من آلة توحيده وحججه على عباده قال تعالى: وضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهما أبكم لا يقدر على شي ء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل ~~يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) [النحل] وقال تعالى: هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (9) [الزمر] وقال تعالى: وما يستوي ~~الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) ~~وما يستوي الأحياء ولا الأموات (22) [فاطر] وقال PageV01P527 ~~تعالى:* مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا ~~تذكرون (24) [هود]. # فمن سوى بين صفة الخالقية وعدمها فلم يجعل وجودها كمالا، ولا عدمها نقصا ~~فقد أبطل حجج الله وأدلة توحيده، وسوى بين ما جعل بينهما أعظم التفاوت، ~~وحينئذ فنقول في. # الجواب الحادي عشر: إذا كان الأمر كما ذكرتم، فلم لا يجوز أن يفعل لحكمة؟ ~~يكون وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء، كما أنه عندكم لم يحدث ما يحدثه مع ~~كون الإحداث والخلق وعدمه بالنسبة إليه سواء، مع أن هذه إرادة لا تعقل في ~~الشاهد، فقولوا مثل ذلك في الحكمة، وإن ذلك لا يعقل، لا سيما والفعل عندكم ~~هو المفعول المنفصل فجوزوا أيضا أن يفعل لحكمة منفصلة، وأنتم إنما ms378 قلتم ذلك ~~فرارا من قيام الحوادث به ومن التسلسل، فكذلك قولوا بنظير ذلك في الحكمة، ~~والذي يلزم أولئك فهو نظير ما يلزمكم سواء. # الجواب الثاني عشر: أن يقال: العقل الصريح يقضي بأن من لا حكمة لفعله ولا ~~غاية يقصدها به أولى بالنقص ممن يفعل لحكمة، كانت معدومة ثم صارت موجودة، ~~في الوقت الذي اقتضت حكمته إحداث الفعل فيه، فكيف يسوغ لعاقل أن يقول: فعله ~~للحكمة يستلزم النقص، وفعله لا لحكمة لا نقص فيه؟. # الجواب الثالث عشر: أن هؤلاء النفاة يقولون: إنه سبحانه يفعل ما يشاء من ~~غير اعتبار حكمة، فيجوزون عليه كل ممكن، حتى الأمر بالشرك والكذب والظلم ~~والفواحش والنهي عن التوحيد والصدق والعدل والعقاب، وحينئذ فنقول: إذا جازت ~~عليه هذه المرادات، وليس في إرادتها نقص، PageV01P528 ~~وهذا مراد، فلا نقص فيه. فقولهم: من فعل شيئا لشي ء كان ناقصا بدونه، قضية ~~كلية ممنوعة العموم، وعمومها أولى بالمنع من قول القائل: من أكرم أهل الجهل ~~والظلم والفساد، وأهان أهل العلم والعدل والبر، كان سفيها جائرا، وهذا عند ~~النفاة جائز على الله، ولم يكن به سفيها جائرا، وكذلك قول القائل: من أرسل ~~إماءه وعبيده يفجر بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضا، وهو قادر على أن يكفهم، ~~كان سفيها، والله قد فعل ذلك، ولم يدخل في عموم هذه القضية، فكذا القضية ~~الكلية التي ادعوا ثبوتها في محل النزاع أولى أن تكون باطلة منتقضة. # الجواب الرابع عشر: أنه لو سلم لهم أنه مستكمل بأمر حادث، لكان هذا من ~~الحوادث المرادات، وكل ما هو حادث مراد عندهم، فليس بقبيح، فإن القبح عندهم ~~ليس إلا مخالفة الأمر والنهي، والله ليس فوقه آمر ولا ناه، فلا ينزه عندهم ~~عن شي ء من الممكنات البتة إلا ما أخبر بأنه لا يكون، فإنهم ينزهونه عن ~~كونه لمخالفة حكمته. والقبيح عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، ~~وما دخل تحت القدرة لم يكن قبيحا ولا مستلزما نقصا عندهم، وجماع ذلك. # الجواب الخامس عشر: أنه ما من محذور يلزم من تجويز ms379 فعله لحكمة إلا ~~والمحاذير التي يلزم من كونه يفعل لا لحكمة أعظم امتناعا، فإن كانت تلك ~~المحاذير غير ممتنعة، كانت محاذير إثبات الحكمة أولى بعدم الامتناع، وإن ~~كانت محاذير إثبات الحكمة ممتنعة، فمحاذير نفيها أولى بالامتناع. # الجواب السادس عشر: إن فعل الحي العالم الاختياري لا لغاية ولا لغرض، ~~يدعوه إلى فعله، لا يعقل بل هو من الممتنعات، ولهذا لا يصدر إلا من مجنون ~~أو نائم أو زائل العقل، فإن الحكمة والعلة الغائية هي التي تجعل PageV01P529 ~~المريد مريدا، فإنه إذا علم بمصلحة الفعل ونفعه وغايته انبعثت إرادته إليه، ~~فإذا لم يعلم في الفعل مصلحة، ولا كان له فيه غرض صحيح، ولا داع يدعوه ~~إليه، فلا يقع منه إلا على سبيل العبث، هذا الذي لا يعقل العقلاء سواه، ~~وحينئذ فنفي الحكمة والعلة والغاية عن فعل أحكم الحاكمين نفي لفعله ~~الاختياري في الحقيقة، وذلك أنقص النقص، وقد تقدم تقرير ذلك، وبالله ~~التوفيق. ### | AUTO الباب الثالث والعشرون # قال نفاة الحكمة: هب أن الحجة بطلت، فلا يلزم من بطلان دليل بطلان الحكم، ~~فنحن نذكر حجة غيرها، فنقول: لو كان فعله تعالى معللا بعلة، فتلك العلة إن ~~كانت قديمة، لزم من قدمها قدم الفعل، وهو محال، وإن كانت محدثة، افتقر كونه ~~موجدا لتلك العلة إلى علة أخرى، وهو محال، وهذا معنى قول القائل: علة كل شي ~~ء صنعه، ولا علة لصنعه، قالوا: ونحن نقرر هذه الحجة تقريرا أبسط من هذا، فنقول: # لو كان فعله تعالى لحكمة، فتلك الحكمة إما قديمة، أو محدثة، فإن كانت ~~قديمة، فإما أن يلزم من قدمها قدم الفعل، أو لا يلزم، فإن لزم، فهو محال، ~~وإن لم يلزم القدم، والفعل موجود بدونها، فالحكمة غير حاصلة من ذلك الفعل، ~~لحصوله دونها، وما لا يكون الحكمة متوقفة على حصوله، لا يكون متوقفا عليها، ~~وهو المطلوب، وإن كانت الحكمة حادثة بحدوث الفعل، فإما أن تفتقر إلى فاعل، ~~أو لا تفتقر إلى فاعل، فإن لم تفتقر، لزم حدوث من غير فاعل، وهو محال، وإن ~~افتقرت إلى ms380 فاعل، فذلك الفاعل PageV01P530 ~~إما أن يكون هو الله أو غيره، لا يجوز أن يكون غيره، لأنه لا خالق إلا ~~الله، وإن كان هو الله، فإما أن يكون له في فعله غرض، أو لا غرض له فيه، ~~فإن كان الأول، فالكلام فيه كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل، وإن كان ~~الثاني، فقد خلا فعله عن الغرض، وهو المطلوب. # فإن قلت: فعله لذلك الغرض لغرض، هو نفسه، فما خلا عن غرض، ولم يلزم ~~التسلسل. # قلنا: فيلزم مثله في كل مفعول مخلوق، وهو أن يكون الغرض منه هو نفسه، من ~~غير حاجة إلى غرض آخر، وهو المطلوب، فهذه حجة باهرة وافية بالغرض. # قال أهل الحكمة: بل هي حجة داحضة باطلة من وجوه، والجواب عنها من وجوه: # الجواب الأول: أن نقول: لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديم العين أو ~~قديم النوع، أو لا يمكن واحد منهما، فإن أمكن أن يكون قديم العين أو النوع، ~~أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك، وإن لم يمكن أن يكون ~~الفعل قديم العين ولا النوع، فيقال: إذا كان فعله حادث العين أو النوع، ~~كانت الحكمة كذلك، فالحكمة يحذى بها حذو الفعل، فما جاز عليه جاز عليها، ~~وما امتنع عليه امتنع عليها. # الجواب الثاني: إن من قال: إنه خالق مكون في الأزل لما لم يكن بعد، قال: ~~قولي هذا كقول من قال: هو مريد في الأزل لما لم يكن بعد، فقولي بقدم كونه ~~فاعلا، كقول هؤلاء بقدم كونه مريدا، وعلى هذا فيمكنني أن أقول بقدم الحكمة ~~التي يخلق ويريد لأجلها، ولا يلزم من قدم الحكمة قدم الفعل كما لم يلزم من ~~قدم الإرادة قدم المراد، وكما لم يلزم من قدم صفة التكوين PageV01P531 ~~قدم المكون، فقولي في قدم الحكمة مع حدوث الفعل التي فعل لأجلها، كقولكم في ~~قدم الإرادة والتكوين سواء، وما لزمني لزمكم مثله، وجوابكم هو جوابي بعينه، ~~ولا يمتنع ذلك على أصول طائفة من الطوائف، فإن من قال من الفلاسفة: إن فعله ~~قديم ms381 للمفعول المعني، يقول: إن الحكمة قديمة، ومن قال بحدوث أعيان الفعل ~~ودوام نوعه، يقول ذلك في الحكمة سواء، ومن قال بحدوث نوع الفعل وقيامه ~~بالرب، قال ذلك في الحكمة أيضا، كما يقوله كثير من النظار، فلا يمتنع على ~~أصل طائفة من الطوائف إثبات الحكمة في فعله سبحانه. # الجواب الثالث: قولك: يفتقر كونه محدثا لتلك العلة إلى علة أخرى، ممنوع، ~~فإن هذا إنما يلزم أن لو قيل: كل حادث فلا بد له من علة، ونحن لا نقول هذا، ~~بل نقول: يفعله لحكمة، ومعلوم أن المفعول لأجله مراد للفاعل محبوب له، ~~والمراد المحبوب تارة يكون مرادا لنفسه، وتارة يكون مرادا لغيره، والمراد ~~لغيره لا بد أن ينتهي إلى المراد لنفسه قطعا للتسلسل، وهذا كما نقوله في ~~خلقه بالأسباب أنه يخلق كذا بسبب كذا، وكذا بسبب كذا حتى ينتهي الأمر إلى ~~أسباب لا سبب لها سوى مشيئة الرب، فكذلك يخلق لحكمة، وتلك الحكمة لحكمة حتى ~~ينتهي الأمر إلى حكمة لا حكمة فوقها. # الجواب الرابع: إن النفاة يقولون: كل مخلوق فهو مراد لنفسه لا لغيره، ~~وحينئذ فلا يمتنع أن يكون بعض المخلوقات مرادا لغيره، وينتهي الأمر إلى ~~مراد لنفسه، بل هذا أولى بالجواز من جعل كل مخلوق مرادا لنفسه، وكذلك ~~فالأمر يكون مرادا لغيره حتى ينتهي إلى أمر مراد لنفسه. # الجواب الخامس: أن يقال: غاية ما ذكرتم أنه يستلزم التسلسل، ولكن أي نوعي ~~التسلسل هو اللازم؟ التسلسل الممتنع أو الجائز، فإن عنيتم PageV01P532 ~~الأول، منع اللزوم، وإن عنيتم الثاني مع انتفاء اللازم، فإن التسلسل في ~~الآثار المستقبلة ممكن، بل واجب، وفي الآثار الماضية فيه قولان للناس، ~~والتسلسل في العلل والفاعلين محال، باتفاق العقلاء، بأن يكون لهذا الفاعل ~~فاعل قبله، وكذلك ما قبله إلى غير نهاية وأما أن يكون الفاعل الواحد القديم ~~الأبدي لم يزل يفعل، ولا يزال، فهذا غير ممتنع، إذا عرف هذا فالحكمة التي ~~لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده، فإذا كان بعدها حكمة أخرى، فغاية ذلك ~~أن يلزم حوادث لا نهاية لها، وهذا ms382 جائز بل واجب باتفاق المسلمين، ولم ينازع ~~إلا بعض أهل البدع من الجهمية والمعتزلة. # فإن قيل: فيلزم من هذا أن لا تحصل الغاية المطلوبة أبدا. # قيل: بل اللازم أن لا تزال الغاية المطلوبة حاصلة دائما، وهذا أمر معقول ~~في الشاهد، فإن الواحد من الناس يفعل الشي ء لحكمة يحصل بها محبوبه، ثم ~~يلزم من حصول محبوبه محبوب آخر يفعل لأجله، وهلم جرا، حتى لو تصور دوامه ~~أبدا، لكانت هذه حاله وكماله، فلم تزل محبوباته تحصل شيئا بعد شي ء، وهذا ~~هو الكمال الذي يريده، مع غناه التام الكامل عن كل ما سواه، وفقر ما سواه ~~إليه من جميع الوجوه، وهل الكمال إلا ذلك؟ وفواته هو النقص، وهو سبحانه كتب ~~على نفسه الرحمة والإحسان، فرحمته وإحسانه من لوازم ذاته، فلا يكون إلا ~~رحيما محسنا، وهو سبحانه إنما أمر العباد بما يحبه ويرضاه، وأراد لهم من ~~إحسانه ورحمته ما يحبه ويرضاه، لكن فرق بين ما يريد هو سبحانه أن يخلقه ~~ويفعله لما يحصل به من الحكمة التي يحبها، فهذا يفعله سبحانه، ولا بد من ~~وجوده، وبين ما يريد من العباد أن يفعلوه ويأمرهم بفعله، ويجب أن يقع منهم، ~~ولا يشاء خلقه وتكوينه. # ففرق بين ما يريد خلقه، وما يأمر به، ولا يريد خلقه، فإن الفرق بين ما ~~يريد الفاعل أن يفعله، وما يريد من المأمور أن يفعله، فرق واضح، PageV01P533 ~~والله سبحانه له الخلق والأمر. فالخلق فعله، والأمر قوله، ومتعلقه أفعال ~~عباده، وهو سبحانه قد يأمر عبده ويريد من نفسه أن يعين عبده على فعل ما ~~أمره، لتحصل حكمته ومحبته من ذلك المأمور به، وقد يأمره ولا يريد من نفسه ~~إعانته على فعل المأمور، لما له من الحكمة الثابتة في هذا الأمر وهذا ~~الترك، يأمره لئلا يكون له عليه حجة، ولئلا يقول: ما جاءني من نذير، ولو ~~أمرتني لبادرت إلى طاعتك، ولم يرد من نفسه إعانته، لأن محله غير قابل لهذه ~~النعمة. والحكمة التامة تقتضي أن لا توضع النعم عند غير أهلها. وأن ms383 لا تمنع ~~من أهلها. # قال تعالى: وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها (26) [الفتح] ~~وقال: أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) [الأنعام] وقال: ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم (23) [الأنفال] ولا يقال: فهلا سوى بين خلقه في جعلهم كلهم ~~أهلا لذلك، فإن هذا ممكن له، ولا أن يقال: فهلا سوى بين صورهم وأشكالهم ~~وأعمارهم وأرزاقهم ومعاشهم، وهذا وإن كان ممكنا، فالذي وقع من التفاوت ~~بينهم هو مقتضى حكمته البالغة وملكه التام وربوبيته، فاقتضت حكمته أن سوى ~~بينهم في الأمر، وفاوت بينهم في الإعانة عليه، كما فاوت بينهم في العلوم ~~والقدر والغنى والحسن والفصاحة وغير ذلك، والتخصيصات الواقعة في ملكه لا ~~تناقض حكمته، بل هي من أدل شي ء على كمال حكمته، ولولاها لم يظهر فضله، ~~ومنه قال تعالى: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) [الحجرات] فضلا من الله ~~ونعمة، والله عليم بمن يصلح لهذه النعمة، حكيم في وضعها عند أهلها ومنعها ~~غير أهلها، وقال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شي ء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم (29) [الحديد]. PageV01P534 # وقال تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم ~~لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم (4) [الجمعة] وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم (54) [المائدة]. # وقالت الرسل لقومهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده (11) [إبراهيم] وقال ms384 تعالى: وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم (31) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات (32) [الزخرف] الآية. # وفي حديث: «مثل المؤمنين واليهود والنصارى قال تعالى لأهل الكتاب: # هل ظلمتكم من حقكم من شي ء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء» «1». # وقال تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من ~~الله وكفى بالله عليما (70) [النساء] أي: يعلم أين يضع فضله ومن يصلح له ~~ممن لا يصلح، بل يمنعه غير أهله، ولا يضعه عند غير أهله، وهذا كثير في ~~القرآن، يذكر أن تخصيصه هو فضله ورحمته، فلو ساوى بين الخلائق لم يعرف قدر ~~فضله ونعمته ورحمته، فهذا بعض ما في تخصيصه من الحكمة. # وفي كتاب «الزهد» للإمام أحمد، أن موسى قال: يا رب! هلا سويت بين PageV01P535 ~~عبادك؟ قال: إني أحببت أن أشكر. # فمواضع التحصل ومواقع الفصل التي يقدح بها نفاة الحكمة هي من أدل شي ء ~~على كمال حكمته سبحانه، ووضعه للفضل مواضعه، وجعله عند أهله الذين هم أحق ~~به وأولى من غيرهم، وهو الذي جعلهم كذلك بحكمته وعلمه وعزته وملكه، فتبارك ~~الله رب العالمين وأحكم الحاكمين. ولا يجب بل لا يمكن المشاركة في حكمته، ~~بل ما حصل للخلائق كلهم من العلم بها كنقرة عصفور في البحر المحيط، وأي نقص ~~في دوام حكمته شيئا بعد شي ء كما تدوم إرادته وكلامه وأفعاله وإحسانه وجوده ~~وإنعامه؟ وهل الكمال إلا في هذا التسلسل؟ فما ذا نفر النفاة منه أنفرهم أن ~~يقال: لم يزل ولا يزال حيا عليما قديرا حكيما متكلما محسنا جوادا ملكا ~~موصوفا بكل كمال غنيا عن كل ما سواه، لا تنفد كلماته، ولا تتناهى حكمته، ~~ولا تعجز قدرته، ولا يبيد ملكه، ولا تنقطع إرادته ومشيئته، بل لم يزل ولا ~~يزال له الخلق والأمر والحكمة والحكم؟ وهل النقص إلا سلب ذلك عنه؟ والله ~~الموفق ms385 بفضله وإعانته. # الجواب السادس: أن الرب تبارك وتعالى إذا خلق شيئا، فلا بد من وجود ~~لوازمه، ولا بد من عدم أضداده، فوجود الملزوم بدون لازمه محال، ووجود الضد ~~مع ضده ممتنع، والمحال الممتنع ليس بشي ء، ولا يتصور العقل وجوده في ~~الخارج، وغدا كان هذا التسلسل الجائز من لوازم خلقه وحكمته، لم يكن في ~~القول محذور، بل كان المحذور في نفيه، توضيحه. # الجواب السابع: إنه لم يقم دليل عقلي ولا سمعي على امتناع دوام أفعال ~~الرب، في الماضي والمستقبل أصلا، وكل أدلة النفاة من أولها إلى آخرها PageV01P536 ~~باطلة، وقد كفى مئونة إبطالها الرازي والآمدي في أكثر كتبهما وغيرهما، وأما ~~إثبات الحكمة، فقد قام على صحته العقل والسمع والفطرة وسائر أنواع الأدلة، ~~مما تقدمت الإشارة إلى بعض ذلك، فكيف يقدح في هذا المعلوم الصحيح بذلك ~~النفي الذي لم يقم على صحته دليل البتة؟!. # الجواب الثامن: أن التسلسل إما أن يكون ممكنا، أو ممتنعا، فإن كان ممكنا، ~~بطل استدلالكم، وإن كان ممتنعا، أمكن أن يقال في دفعه: تنتهي المرادات إلى ~~مراد لنفسه، لا لغيره، وينقطع التسلسل. # الجواب التاسع: أن يقال: ما المانع أن تكون الفاعلية معللة بعلة قديمة؟ # قولكم: يلزم من قدمها قدم المعلول، ينتقض عليكم بالإرادة، فإنها قديمة، ~~ولم يلزم من قدمها قدم المراد. # فإن قلتم: الإرادة القديمة تعلقت بالمراد الحادث في وقت حدوثه، واقتضت ~~وجوده حينئذ، فهلا قلتم: إن الحكمة القديمة تعلقت بالمراد وقت حدوثه، كما ~~قلتم في الإرادة. # فإن قلتم: شأن الإرادة التخصيص، قيل لكم: وكذلك الحكمة شأنها تخصيص الشي ~~ء بزمانه ومكانه وصفته، فالتخصيص مصدره الحكمة والإرادة والعلم والقدرة، ~~فإن لزم من قدم الحكمة قدم الفعل، لزم من قدم الإرادة قدمه، وإن لم يلزم ~~ذلك، لم يلزم هذا. # الجواب العاشر: أن يقال: لو لم يكن فعله لحكمة وغاية مطلوبة، لم يكن ~~مريدا، فإن المريد لا يعقل كونه مريدا إلا إذا كان يريد لغرض وحكمة، فإذا ~~انتفت الحكمة والغرض، انتفت الإرادة، ويلزم من انتفاء الإرادة أن يكون ~~موجبا بالذات، ms386 وهو علة تامة في الأزل لمعلوله، فيلزم أن يقارنه جميع ~~معلوله، ولا يتأخر، فيلزم من ذلك قدم الحوادث المشهودة، وإنما PageV01P537 ~~لزم ذلك من انتفاء الحكمة والغرض المستلزمة لنفي الإرادة المستلزمة للإيمان ~~الذاتي المستلزم لقدم الحوادث، وتقرير هذا وبسطه في غير هذا الموضع. # فصل # قال نفاة الحكمة: جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: تحصيل اللذة ~~والسرور، ودفع الألم والحزن والغم، والله سبحانه قادر على تحصيل هذين ~~المطلوبين ابتداء، من غير شي ء من الوسائط، ومن كان قادرا على تحصيل ~~المطلوب ابتداء بغير واسطة، كان توسله إلى تحصيله بالوسائط عبثا، وهو على ~~الله محال. # قال أصحاب الحكمة: عن هذه الشبهة أجوبة: # الجواب الأول: أن يقال: لا ريب أن الله على كل شي ء قدير، لكن لا يلزم ~~إذا كان الشي ء مقدورا ممكنا، أن تكون الحكمة المطلوبة لوجوده يمكن تحصيلها ~~مع عدمه، فإن الموقوف على الشي ء يمتنع حصوله بدونه، كما يمتنع حصول الابن ~~بكونه ابنا بدون الأب، فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، والجمع بين ~~الضدين محال، ولا يقال: فيلزم العجز، لأن المحال ليس بشي ء، فلا تتعلق به ~~القدرة، والله على كل شي ء قدير، فلا يخرج ممكن عن قدرته البتة. # الجواب الثاني: أن دعوى كون توسط أحد الأمرين، إذا كان شرطا أو سببا له، ~~عبث، دعوى كاذبة باطلة، فإن العبث هو الذي لا فائدة فيه، وأما PageV01P538 ~~توسط الشرط أو السبب أو المادة التي يحدث فيها ما يحدثه، فليس بعبث توضيحه. # الجواب الثالث: أن حصول الأعراض والصفات التي يحدثها الله سبحانه في ~~موادها شروط لحصول تلك المواد، ولا يتصور وجودها بدونها، فتوسطها أمر ضروري ~~لا بد منه، فينقلب عليكم دليلكم، ونقول: هل يقدر سبحانه على إيجاد تلك ~~الحوادث، بدون توسط موادها الحاملة لها، أو لا يمكن؟ فإن قلتم: يمكن ذلك، ~~كان توسطها عبثا، وإن قلتم: لا يقدر، كان تعجيزا، فإن قلتم: هذا فرض ~~مستحيل، والمحال ليس بشي ء، قيل: # صدقتم، وهذا جوابنا بعينه. # الجواب الرابع: أن يقال: إذا كان في ms387 خلق تلك الوسائط حكم أخرى، تحصل ~~بخلقها للفاعل، وفي خلقها مصالح ومنافع لتلك الوسائط، لم يكن توسطها عبثا، ~~ولم تكن الحكمة حاصلة بعدمها، كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض خلقه في ~~البخارات مثلا، فاقتضى ذلك أن تخليق الصانع إلى من يحتاج، فينتفع هؤلاء ~~بالصانع، وهؤلاء باليمن، كان في ذلك مصلحة هؤلاء وهؤلاء، وإذا تأملت ~~الوجود، رأيته قائما بذلك شاهدا على منكري الحكمة. # فكم لله سبحانه في إحداث تلك الوسائط من حكم ومصالح ومنافع للعباد، لو ~~بطلت تلك الوسائط، لفاتت تلك الحكم والمصالح. # الجواب الخامس: قولك: يلزم العبث، وهو على الله محال، فيقال: إن كان ~~العبث عليه محالا، لزم أن لا يفعل، ولا يأمر إلا لمصلحة وحكمة، فبطل قولك ~~بقولك، وإن لم يكن العبث عليه محالا، بطلت هذه الحجة، فيتحقق بطلانها على ~~التقديرين. # الجواب السادس: أن يقال: ما المانع أن يفعل سبحانه أشياء معللة PageV01P539 ~~وأشياء غير معللة، بل مرادة لذاتها؟ وإذا جاز هذا، جاز أن يقال: إن هذه ~~الوسائط غير معللة، ولا يمكنك نفي هذا القسم إلا بأن تقول: إن شيئا من ~~أفعاله غير معلل البتة، وأنت إنما نفيت هذا بلزوم العبث في توسط تلك ~~الأمور، ولا يلزم من انتفاء التعليم في بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع، ~~فإنه لا يجب أن يكون كل شي ء لعلة، فأنت نفيت جواز التعليل. وغاية هذه ~~الحجة لو صحت، أن تدل على أنه لا يجب في كل شي ء، أن يكون لعلة، فلم يثبت ~~الحكم والدليل، وهذا كما يقول الفقهاء مع قولهم بالتعليل: إن من الأحكام ما ~~يفيد غير معلل. فهلا قلت في الخلق كقولهم في الأمر؟ وهذا إنما هو بطريق ~~الإلزام، وإلا فالحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات، لأجلها شرع ~~وفعل، وإن لم يعلمها الخلق على التفصيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها ~~انتفاؤها في نفسها. # الجواب السابع: أن غاية هذه الشبهة أن يكون سبحانه قادرا على تحصيل تلك ~~الحكم بدون تلك الوسائط كما هو قادر على تحصيلها بها، وإذا كان ms388 الأمران ~~مقدورين له، لم يكن العدول عن أحد المقدورين إلى الآخر عبثا إلا إذا كان ~~المقدور الآخر مساويا لهذا من كل وجه، ولا يمكن عاقلا أن يقول: # إن تعطيل تلك الوسائط وعدمها مساو من كل وجه لوجودها، وهذا من أعظم البهت ~~وأبطل الباطل، وهو يتضمن القدح في الحس والعقل والشرع، كما هو قدح في ~~الحكمة، فإن من جعل وجود الرسل وعدمهم سواء، ووجود الشمس والقمر والنجوم ~~والمطر والنبات والحيوان وعدمها سواء، ووجود هذه الوسائط جميعا وعدمها ~~سواء، فلم يدع للمكابرة موضعا. # الجواب الثامن: قولك: جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: # تحصيل اللذة، ودفع الهم والحزن. أتريد به الغرض الذي يفعل لأجلها ~~الحيوان، أو الحكمة التي يفعل الله سبحانه لأجلها، أم تريد به ما هو أعم PageV01P540 ~~من ذلك؟ فإن أردت الأول، لم تفدك شيئا، وإن أردت الثاني أو الثالث، كانت ~~دعوى مجردة، لا برهان عليها، فإن حكمة الرب تعالى فوق تحصيل اللذة ودفع ~~الغم والحزن، فإنه يتعالى عن ذلك، بل ليس كمثل حكمته شي ء، كما أنه موصوف ~~بالإرادة، وليست كإرادة الحيوان، فإن الحيوان يريد ما يريده ليجلب له ~~منفعة، أو يدفع به عنه مضرة، وكذلك غضبه، ليس مشابها لغضب خلقه، فإن غضب ~~المخلوق هو غليان دم قلبه طلبا للانتقام، والله يتعالى عن ذلك، وكذلك سائر ~~صفاته، فكما أنه ليس كمثله شي ء في إرادته ورضاه وغضبه ورحمته وسائر صفاته، ~~فهكذا حكمته سبحانه، لا تماثل حكمة المخلوقين، بل هي أجل وأعلى من أن يقال: ~~إنها تحصيل لذة أو دفع حزن، فالمخلوق لنقصه يحتاج أن يفعل ذلك، لأن مصالحه ~~لا تتم إلا به، والله سبحانه غني بذاته عن كل ما سواه، لا يستفيد من خلقه ~~كمالا، بل خلقه يستفيدون كمالهم منه. # الجواب التاسع: أن يقال: قد دل الوحي مع العقل على أنه سبحانه يحب ويبغض، ~~أما الوحي فالقرآن مملوء من ذلك، وأما العقل فما نشاهد في العالم من إكرام ~~أوليائه وأهل طاعته، وإهانة أعدائه وأهل معصيته شاهد لمحبته لهؤلاء ورضاه ~~عنهم، وبغضه ms389 لهؤلاء وسخطه عليهم، ومعلوم قطعا أن من يحب ويبغض أكمل محبة ~~وبغض، وهو قادر على تحصيل محابه، فإن حكمته فيما يفعله ويتركه أتم حكمة ~~وأكملها، فهو يفعل ما يفعله لأنه يوصل إلى محابه، ويترك ما يتركه لأنه لا ~~يحبه، وإذا فعل ما يكرهه، لم يفعله إلا لإفضائه إلى ما يحب، وإن كان مكروها ~~في نفسه، فإن أردت باللذة والسرور والهم والحزن الحب والبغض، فالرب تعالى ~~يحب ويبغض، لم يلزم من كونه يفعل لحكمة، أن يتصف بذلك. # الجواب العاشر: أنه سبحانه إذا كان قادرا على تحصيل ذلك بدون PageV01P541 ~~الوسائط، وهو قادر على تحصيله بها، كان فعل النوعين أكمل، وأبلغ في القدرة، ~~وأعظم في ملكه وربوبيته من كونه لا يفعل إلا بأحد النوعين، والرب تعالى ~~تتنوع أفعاله، لكمال قدرته وحكمته وربوبيته، فهو سبحانه قادر على تحصيل تلك ~~الحكمة بواسطة إحداث مخلوق منفصل، وبدون إحداثه، بل بما يقوم به من أفعاله ~~اللازمة، وكلماته وثنائه على نفسه، وحمده لنفسه، فمحبوبه يحصل بهذا وهذا، ~~وذلك أكمل ممن لا يحصل محبوبه إلا بأحد النوعين. # الجواب الحادي عشر: أن الرب سبحانه كامل في أوصافه وأسمائه وأفعاله، فلا ~~بد من ظهور آثارها في العالم، فإنه محسن، ويستحيل وجود الإحسان بدون من ~~يحسن إليه، ورزاق فلا بد من وجود من يرزقه، وغفار وحليم وجواد ولطيف ~~بعباده، ومنان ووهاب وقابض وباسط وخافض ورافع ومعز ومذل، وهذه الأسماء ~~تقتضي متعلقات تتعلق بها وآثارا تتحقق بها، فلم يكن بد من وجود متعلقاتها، ~~وإلا تعطلت تلك الأوصاف، وبطلت تلك الأسماء، فتوسط تلك الآثار لا بد منه في ~~تحقيق معاني تلك الأسماء والصفات، فكيف يقال: إنه عبث لا فائدة فيه؟! ~~وبالله التوفيق. # فصل # قال نفاة الحكمة: لو وجب أن يكون خلقه وأمره معللا بحكمة وغرض، لكان خلق ~~الله العالم، في وقت معين دون ما قبله ودون ما بعده، معللا برعاية غرض ~~ومصلحة، ثم تلك المصلحة والغرض إما أن يقال: كان حاصلا قبل ذلك الوقت، أو ~~لم يكن حاصلا قبله، فإن كان ما لأجله أوجد ms390 PageV01P542 ~~الله العالم في ذلك الوقت حاصلا قبل أن أوجده، فيلزم أن يقال: إنه كان ~~موجدا له قبل أن لم يكن موجدا له، وذلك محال، وإن قلنا: إن ذلك الغرض ~~والمصلحة لم يكن حاصلا قبل ذلك الوقت، وإنما حدث في ذلك الوقت، فنقول: حصول ~~ذلك الغرض في ذلك الوقت إما أن يكون مفتقرا إلى المحدث، أو لا يفتقر، فإن ~~لم يفتقر، فقد حدث الشي ء لا عن موجد ومحدث، وهو محال، وإن افتقر إلى محدث، ~~فإن افتقر تخصص إحداث ذلك الغرض بذلك الوقت إلى غرض آخر، عاد التقسيم الأول ~~فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يفتقر إلى رعاية غرض آخر، فحينئذ تكون موجدية ~~الله سبحانه وخالقيته غنية عن الأغراض والمصالح، وهذا هو المطلوب. # قالوا: وهذه الحجة كما أنها قائمة في اختصاص العالم بذلك الوقت المعين، ~~فهي قائمة في اختصاص كل حادث من الحوادث بوقته المعين، وملخصها: أن إحداث ~~الحادث في وقته، إن كان لغرض، فإن كان ذلك الغرض حاصلا قبله، لزم حدوثه قبل ~~حدوثه، وإلا افتقر إلى الإحداث، فإحداثه إن كان لغرض، تسلسل، وإلا ثبت ~~المطلوب. # قال أهل الحكمة: هذه الحجة بعينها مذكورة في ضمن الحجة الثانية التي ~~تقدمت، وكأنكم يعجبكم التشيع بكره الباطل، وجميع ما أجبناكم به هناك فهو ~~الجواب هاهنا بعينه، فغاية هذا أنه تسلسل في الآثار، لا في المؤثرات، ~~وتسلسل في الحوادث المستقبلة، وذلك جائز، بل واجب باتفاق المسلمين سوى قول ~~جهم والعلاف. # وغاية الأمر أن يكون في الحوادث ما يراد لنفسه، وفيها ما يراد لغيره، ~~والحكمة المطلوبة لنفسها، لا تفتقر إلى أخرى، تراد لأجلها، وإن هذا الدليل، ~~لو صحت مقدماته، وهيهات، فإنما يدل على أن أفعاله تعالى لا يجب تعليلها، ~~ولا يلزم من ذلك أن لا يجوز تعليلها، فنفي الوجوب شي ء، PageV01P543 ~~ونفي الجوار شي ء، فهب أنا سلمنا الأول، فأين الدليل الثاني؟ وغايتها أنها ~~تدل على عدم تعليل بعض الحوادث، لا على عدم تعليل جميعها، وبالجملة فما ~~تقدم هناك مغزاها عن الإطالة في الأجوبة، وسر المسألة أن ms391 دوام فاعليته، في ~~المستقبل، متفق عليه، والسلف على دوامها، في الماضي، وإنما خالف في ذلك ~~كثير من أهل الكلام. # فصل # قال نفاة الحكمة: قد قام الدليل على أنه سبحانه خالق كل شي ء، فأي حكمة ~~أو مصلحة في خلق الكفر والفسوق والعصيان، وأي حكمة في خلق من علم أنه يكفر ~~ويفسق ويظلم ويفسد الدنيا والدين، وأي حكمة في خلق كثير من الجمادات التي ~~وجودها وعدمها سواء، وكذلك كثير من الأشجار والنبات والمعادن المعطلة، ~~والحيوانات المهملة، بل العادية المؤذية؟ وأي حكمة في خلق السموم والأشياء ~~المضرة، وأي حكمة في خلق إبليس والشياطين؟ وإن كان في خلقهم حكمة، فأي حكمة ~~في بقائه إلى آخر الدهر، وإماتة الرسل والأنبياء، وأي حكمة في إخراج آدم ~~وحواء من الجنة، وتعريض الذرية لهذا البلاء العظيم، وقد أمكن أن يكونوا في ~~أعظم العافية، وأي حكمة في إيلام الحيوانات؟ وإن كان في إيلام المكلفين ~~منها حكمة، فما الحكمة في إيلام غير المكلف كالبهائم والأطفال والمجانين، ~~وأي حكمة له في خلقه خلقا، يعذبهم بأنواع العذاب الدائم الذي لا ينقطع، وأي ~~حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه، يسومونهم سوء العذاب قتلا وأسرا وعقوبة ~~واستعباد؟ وأي حكمة في تكليف الثقلين، وتعريضها بالتكليف لأنواع PageV01P544 ~~المشاق والعذاب؟ قالوا: ونحن العقلاء نعلم علما ضروريا أن خلود أهل النار ~~فيها فعل الله، ونعلم ضرورة أنه لا فائدة في ذلك تعود إليه ولا إلى ~~المعذبين ولا إلى غيرهم. # قالوا: ويكفينا في ذلك مناظرة الأشعري لأبي هاشم «1» الجبائي حين سأله عن ~~ثلاثة إخوة، مات أحدهم مسلما قبل البلوغ، وبلغ الآخران، فمات أحدهما مسلما ~~والآخر كافرا، فاجتمعوا عند رب العالمين، فبلغ المسلم البالغ المرتبة ~~العلية بعمله وإسلامه، فقال أخوه: يا رب! هلا رفعتني إلى منزلة أخي المسلم؟ ~~فقال: إنه عمل أعمالا لم تعملها، فقال: يا رب فهلا أحييتني حتى أعمل مثل ~~عمله؟ قال: علمت أن موتك صغيرا خير لك، إذ لو بلغت لكفرت، فصاح الأخ الثالث ~~من أطباق الجحيم، وقال: يا رب! فهلا أمتني صغيرا قبل البلوغ، كما ms392 فعلت ~~بأخي؟ فما جوابه؟ قال: فانقطع الشيخ ولم يذكر جوابا. # قال نفاة الحكمة: وهذا قاطع في المسألة لا غبار عليه، وقال تعالى: # يعذب من يشاء ويرحم من يشاء (21) [العنكبوت] وقال: لله ما في السماوات ~~وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء (284) [البقرة] لا يسئل عما يفعل (23) [الأنبياء] فرد ~~الأمر إلى محض مشيئته، وأخبر أن صدور الأشياء كلها عنها. # وقالوا: وأصل ضلال الخلق هو طلب تعليل أفعال الرب، كما قال شيخ الإسلام ~~في تائيته: # وأصل ضلال الخلق من كل فرقة ... هو الخوض في فعل الإله بعلة PageV01P545 ~~فإنهم لما طلبوا علة أفعاله، فأعجزهم العلم بها، افترقوا بعد ذلك، فطائفة ~~ردت الأمر إلى الطبيعة والأفلاك، التزمت مكابرة الحس والعقل، وقالوا: إن ~~خلود أهل النار في النار أنفع لهم وأصلح من كونهم في الجنة، وإن إبقاء ~~إبليس يغوي الخلق ويضلهم، أنفع لهم من إماتته، وإن إماتة الأنبياء أصلح ~~للأمم من إبقائهم بينهم، وإن تعذيب الأطفال خير لهم من رحمتهم، إلى غير ذلك ~~من المحالات التي قادهم إليها الخوض في تعليل أفعال من لا يسأل عما يفعل، ~~فلذلك قلنا: # إن الصواب القول بعدم التعليل، وتخلصنا من الحبائل والأشراك التي وقعتم فيها. # قال أهل الحكمة: ليست هذه الأسئلة والاعتراضات التي قد جئتم بها، في حكمة ~~أحكم الحاكمين، بأقوى من الأسئلة والاعتراضات التي قدح بها أهل الإلحاد في ~~وجوده سبحانه، وقد أقاموا أربعين شبهة تنفي وجوده، وكذلك اعتراضات المكذبين ~~لرسوله، وقد حكيتم أنتم عنهم ثمانين اعراضا، وكذلك الاعتراضات التي قدح بها ~~المعطلة، في إثبات صفات كماله، قد علمتم شأنها وكبرها، وكذلك الاعتراضات ~~التي نفى بها الجهمية علوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلمه بكتبه ~~وتكليمه لعباده، وقد علمتم الاعتراضات التي اعترض بها أهل الفلسفة على كونه ~~خالقا للعالم في ستة أيام، وعلى كونه يقيم الناس من قبورهم، ويبعثهم إلى ~~دار السعادة أو الشقاء، ويبدل هذا العالم، ويأتي بغيره. # واعتراضات هؤلاء وأسئلتهم أضعاف اعتراضات نفاة الحكمة، ms393 وغايات أفعاله ~~المقصودة، وكذلك اعتراضات نفاة القدر وأسئلتهم إلى غير ذلك. # وقد اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكل حق PageV01P546 ~~جاحدا، ولكل صواب معاندا، كما أقام لكل نعمة حاسدا، ولكل شر رائدا، وهذا من ~~تمام حكمته الباهرة وقدرته القاهرة، ليتم عليهم «1» كلمته وينفذ فيهم ~~مشيئته ويظهر فيهم حكمته، ويقضي بينهم بحكمه، ويفاضل بينهم بعلمه، ويظهر ~~فيهم آثار صفاته العليا وأسمائه الحسنى، ويتبين لأوليائه وأعدائه يوم ~~القيامة أنه لم يخل لحكمة، ولم يخلق خلقه عبثا، ولا يتركهم سدى، وأنه لم ~~يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا، وأن له الحمد التام الكامل على جميع ~~ما خلقه وقدره وقضاه، وعلى ما أمر به ونهى عنه، وعلى ثوابه وعقابه، وأنه لم ~~يضع من ذلك شيئا إلا في محله الذي لا يليق به سواه، قال تعالى: وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين (39) [النحل] وإذا تبين لأهل الموقف، ونفذ فيهم قضاؤه الفصل وحكمه ~~العدل، نطق الكون أجمعه بحمده كما قال تعالى: # وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75) [الزمر] وجواب هذه ~~الأسئلة من وجوه. # أحدها: أن الحكمة إنما تتعلق بالحدوث والوجود والكفر والشرور، وأنواع ~~المعاصي راجعة إلى مخالفة نهي الله ورسوله، وترك ما أمر به، وليس ذلك من ~~متعلق الإيجاد في شي ء، ونحن إنما التزمنا أن ما فعله الله وأوجده، فله فيه ~~حكمة وغاية مطلوبة، وأما ما تركه سبحانه، ولم يفعله، فإنه وإن كان إنما ~~تركه لحكمة في ذلك، فلم يدخل في كلامنا، فلا يرد علينا، وقد قيل: # إن الشر ليس إليه بوجه، فإنه عدم الخير وأسبابه، والعدم ليس بشي ء كاسمه، ~~فإذا قلنا: إن أفعال الرب تعالى واقعة بحكمة وغاية محمودة، لم يرد علينا ~~تركه، يوضحه: PageV01P547 # الجواب الثاني: وهو أنه سبحانه قد يترك ما لو خلقه لكان في خلقه له حكمة، ~~فيتركه لعدم محبته لوجوده، أو لكون ms394 وجوده يضاد ما هو أحب، أو لاستلزام ~~وجوده فوات محبوب له آخر، وعلى هذا فتكون حكمته، في عدم خلقه، أرجح من ~~حكمته في خلقه، والجمع بين الضدين مستحيل، فرجح سبحانه أعلى الحكمتين، ~~بتفويت أدناهما، وهذا غاية الحكمة، فخلقه وأمره مبني على تحصيل المصالح ~~الخالصة أو الراجحة، بتفويت المرجوحة التي لا يمكن الجمع بينها وبين تلك ~~الراجحة، وعلى دفع المفاسد الخالصة أو الراجحة، وإن وجدت المفاسد المرجوحة ~~التي لا يمكن الجمع بين عدمها وعدم تلك الراجحة، وخلاف هذا هو خلاف الحكمة ~~والصواب. # الجواب الثالث: أن يقال: غاية ذلك انتفاء الحكمة في هذا النوع من ~~المقدورات، فيلزم من ذلك انتفاؤها في جميع خلقه وحكمه، فهب أن هذا النوع لا ~~حكمة فيه، فمن أين يستلزم ذلك نفي الحكمة والغرض في كل شي ء؟ كيف! وفيه من ~~الحكم والغايات المحمودة ما هو معلوم لأهل البصائر الراسخين في العلم، كما ~~سننبه على ذلك منه إن شاء الله. # الجواب الرابع: إنا لم ندع حكمة، يجب أو يمكن اطلاع الخلق على تفاصيلها، ~~فإن حكمة الله أعظم وأجل من ذلك، فما المانع من اشتمال ما ذكرتم من الصور ~~وغيرها على الحكم حجة، ينفرد الله بعلمها، كما قال للملائكة، وقد سألوه عن ~~ذلك: إني أعلم ما لا تعلمون (30) [البقرة]. فمن يقول بلزوم الحكمة لأفعاله ~~وأحكامه مطلقا، لا يوجب مشاركة خلقه في العلم بها. # الجواب الخامس: أن الله سبحانه ليس كمثله شي ء في ذاته ولا في صفاته ولا ~~في أفعاله، وله في جميع ما ذكرتم وغيره حكمة ليست من جنس الحكمة التي ~~للمخلوقين، كما أن فعله ليس مماثلا فعلهم، ولا قدرته وإرادته ومشيئته PageV01P548 ~~ومحبته ورضاه وغضبه مماثلا لصفات المخلوقين. # الجواب السادس: أن الحكمة تابعة للعلم والقدرة، فمن كان أعلم وأقدر، كانت ~~أفعاله أحكم وأكمل، والرب منفرد بكمال العلم والقدرة، فحكمته بحسب علمه ~~وقدرته، كما تقدم تقريره، فحكمته متعلقة بكل ما تعلق به علمه وقدرته. # الجواب السابع: أن الأدلة القاطعة قد قامت على أنه حكيم في أفعاله ~~وأحكامه، فيجب القول ms395 بموجبها، وعدم العلم بحكمته في الصور المذكورة، لا ~~يكون مسوغا لمخالفة تلك الأدلة القاطعة، لا سيما وعدم العلم بالشي ء لا ~~يستلزم العلم بعدمه. # الجواب الثامن: أن كماله المقدس يمنع خلو هذه الصور التي تقصيتم عن ~~الحكمة، وكماله أيضا يأبى اطلاع خلقه على جميع حكمته، فحكمته تمنع اطلاع ~~خلقه على جميع حكمته، بل الواحد منا لو أطلع غيره على جميع شأنه وأمره، عد ~~سفيها جاهلا، وشأن الرب أعظم من أن يطلع كل واحد من خلقه على تفاصيل حكمته. # الجواب التاسع: أنكم إما أن تعترفوا بأن له حكمة في شي ء من خلقه وأمره، ~~أو تنكروا أن يكون له في شي ء من خلقه وأمره حكمة، فإن أنكرتم ذلك، وما هو ~~من الظالمين ببعيد، كذبتم جميع كتب الله ورسله والعقل والفطرة والحس، ~~وكذبتم عقولكم قبل تكذيب العقلاء، فإن جحد حكمة الله الباهرة في خلقه وأمره ~~بمنزلة جحد الشمس والقمر والليل والنهار. # وغير مستنكر لكثير من الطوائف أهل الكلام المكابرة في جحد الضروريات، وإن ~~أقررتم بحكمته في بعض خلقه وأمره، قيل لكم: فأي الأمرين أولى به، وجود تلك ~~الحكمة، أم عدمها؟ فإن قلتم: عدمها أولى من PageV01P549 ~~وجودها، كان هذا غاية الكذب والبهت والمحال، وإن قلتم: وجودها أكمل، قيل: ~~فهل هو قادر على تحصيلها في جميع خلقه وأحكامه، أم غير قادر، فإن قلتم غير ~~قادر، جئتم بالعظيمة في العقل والدين، وانسلختم من عقولكم وأذهانكم، وإن ~~قلتم: بل هو قادر على ذلك، قيل: فإذا كان قادرا على شي ء، وهو كمال في ~~نفسه، ووجوده خير من عدمه، وهو أولى به، فكيف يجوز نفيه عنه؟ فإن قلتم: ~~إنما نفيناه لأنا لم نطلع على حقيقته، قيل: # صدقتم والله سائلكم في جميع ما تنفونه عن الله، إنما مستندكم في نفيه عدم ~~الاطلاع على حقيقته، ولم تكتفوا بقبول قول الرسل، فصرتم إلى النفي. # الجواب العاشر: أن العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل إذا فعل أفعالا، ~~ظهرت فيها حكمته، ووقعت على أتم الوجوه وأوفقها للمصالح المقصودة بها، ثم ~~إذا ms396 رأوا أفعاله قد تكررت كذلك، ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته ~~فيه، لم يسعهم غير التسليم، لما عرفوا من حكمته، واستقر في عقولهم منها، ~~وردوا منها ما جهلوه إلى محكم ما علموه، هكذا نجد أرباب كل صناعة مع ~~أستاذهم، حتى إن النفاة يسلكون هذا المسلك بعينه مع أئمتهم وشيوخهم، فإذا ~~جاءهم إشكال على قواعد أئمتهم ومذاهبهم، قالوا: # هم أعلم منا، وهم فوقنا في كل علم ومعرفة وحكمة، ونحن معهم كالصبي مع ~~معلمه وأستاذه، فهلا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم الذي بهرت حكمته ~~العقول؟ وكان نسبتها إلى حكمته أولى من نسبة عين الخفاش إلى جرم الشمس، ولو ~~أن العالم الفاضل المبرز في علوم كثيرة اعترض على من لا يشاركه في صنعته، ~~ولا هو من أهلها، وقدح في أوضاعها، لخرج عن موجب العقل والعلم، وعد ذلك ~~نقصا وسفها، فكيف بأحكم الحاكمين وأعلم العالمين وأقدر القادرين. # الجواب الحادي عشر: أن الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات والمتقابلات، PageV01P550 ~~كالليل والنهار، والعلو والسفل، والطيب والخبيث، والخفيف والثقيل، والحلو ~~والمر، والبرد والحر، والألم واللذة، والحياة والموت، والداء والدواء، فخلق ~~هذه المتقابلات هو محل ظهور الحكمة الباهرة، ومحل ظهور القدرة القاهرة ~~والمشيئة النافذة والملك الكامل التام، فتوهم تعطيل خلق هذه المتضادات ~~تعطيل لمقتضيات تلك الصفات وأحكامها وآثارها، وذلك عين المحال، فإن لكل صفة ~~من الصفات العليا حكما ومقتضيات وأثرا، هو مظهر كمالها، وإن كانت كاملة في ~~نفسها، لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها، فلا يجوز تعطيله، فإن صفة ~~القادر تستدعي مقدورا، وصفة الخالق تستدعي مخلوقا، وصفه الوهاب الرازق ~~المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر المعز المذل العفو الرءوف تستدعي ~~آثارها وأحكامها، فلو عطلت تلك الصفات عن المخلوق المرزوق المغفور له ~~المرحوم المعفو عنه، لم يظهر كمالها، وكانت معطلة عن مقتضياتها وموجباتها. # فلو كان الخلق كلهم مطيعون عابدون حامدون، لتعطل أكثر كثير من الصفات ~~العلى والأسماء الحسنى، وكيف كان يظهر أثر صفة العفو والمغفرة والصفح ~~والتجاوز والانتقام والعز والقهر والعدل والحكمة التي تنزل الأشياء ~~منازلها، ms397 وتضعها مواضعها، فلو كان الخلق كلهم أمة واحدة، لفاتت الحكم ~~والآيات والعبر والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه، وفات كمال الملك ~~والتصرف، فإن الملك إذا اقتصر تصرفه على مقدور واحد من مقدوراته، فإما أن ~~يكون عاجزا عن غيره، فيتركه عجزا، أو جاهلا بما في تصرفه في غيره من ~~المصلحة، فيتركه جهلا. وأما أقدر القادرين وأعلم العالمين وأحكم الحاكمين ~~فتصرفه في مملكته لا يقف على مقدور واحد، لأن ذلك نقص في ملكه. # فالكمال كل الكمال في العطاء والمنع والخفض والرفع والثواب والعقاب PageV01P551 ~~والإكرام والإهانة والإعزاز والإذلال والتقديم والتأخير والضر والنفع، ~~وتخصيص هذا على هذا، وإيثار هذا على هذا، ولو فعل هذا كله بنوع واحد متماثل ~~الأفراد، لكان ذلك منافيا لحكمته، وحكمته تأباه كل الإباء، فإنه لا يفرق ~~بين متماثلين، ولا يسوي بين مختلفين، وقد عاب على من يفعل ذلك، وأنكر على ~~من نسبه إليه. # والقرآن مملوء من عيبه على من يفعل ذلك، فكيف يجعل له العبيد ما يكرهون، ~~ويضربون له مثل السوء، وقد فطر الله عباده على إنكار ذلك من بعضهم على بعض، ~~وطعنهم على من يفعله، وكيف يعيب الرب سبحانه من عباده شيئا، ويتصف به، وهو ~~سبحانه إنما عابه لأنه نقص، فهو أولى أن يتنزه عنه، وإذا كان لا بد من ظهور ~~آثار الأسماء والصفات، ولا يمكن ظهور آثارها إلا في المتقابلات والمتضادات، ~~لم يكن في الحكمة بد من إيجادها، إذ لو فقدت، لتعطلت الأحكام بتلك الصفات، ~~وهو محال، يوضحه: # الوجه الثاني عشر: أن من أسمائه الأسماء المزدوجة، كالمعز المذل والخافض ~~الرافع والقابض الباسط والمعطي المانع. ومن صفاته الصفات المتقابلة كالرضا ~~والسخط، والحب والبغض، والعفو والانتقام، وهذه صفات كمال، وإلا لم يتصف ~~بها، ولم يتسم بأسمائها، وإذا كانت صفات كمال، فإما أن يتعطل مقتضاها ~~وموجبها، وذلك يستلزم تعطيلها في أنفسها، وإما أن تتعلق بغير محلها الذي ~~يليق بأحكامها، وذلك نقص وعيب، يتعالى عنه، فيتعين تعلقها بمحالها التي ~~تليق بها، وهذا وحده كاف في الجواب لمن كان له فقه في ms398 باب الأسماء والصفات، ~~ولا غيره يغيره، يوضحه: # الوجه الثالث عشر: أن من أسمائه الملك، ومعنى الملك الحقيقي PageV01P552 ~~ثابت «1» له سبحانه بكل وجه، وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال، إذ من ~~المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة، ولا إرادة ولا ~~سمع ولا بصر ولا كلام، ولا فعل اختياري يقوم به، وكيف يوصف بالملك من لا ~~يأمر ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يعز ويذل، ~~ويهين ويكرم، وينعم وينتقم ويخفض ويرفع، ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ~~ويتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه، فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك، وهذا ~~يبين أن المعطلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه، ويأنف أحدهم أن ~~يقال في أميره وملكه ما يقوله هو في ربه، فصفة ملكية الحق مستلزمة لوجود ما ~~لا يتم التصرف إلا به، والكل منه سبحانه، فلم يتوقف كمال ملكه على غيره، ~~فإن كل ما سواه مسند إليه متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه، يوضحه: # الوجه الرابع عشر: أن كمال ملكه بأن يكون مقارنا بحمده، فله الملك وله ~~الحمد، والناس في هذا المقام ثلاث فرق. # فالرسل وأتباعهم أثبتوا له الملك والحمد، وهذا مذهب من أثبت له القدر ~~والحكمة وحقائق الأسماء والصفات، ونزهه عن النقائص ومشابهة المخلوقات. ~~ويوحشك في هذا المقام جميع الطوائف غير أهل السنة الذين لم يتحيزوا إلى ~~نحلة ولا مقالة ولا متبوع من أهل الكلام. # الفرقة الثانية الذين أثبتوا له الملك، وعطلوا حقيقة الحمد، وهم الجبرية ~~نفاة الحكمة والتعليل القائلين بأنه يجوز عليه كل ممكن، ولا ينزه عن فعل ~~قبيح، بل كل ممكن، فإنه لا يقبح منه، وإنما القبيح المستحيل لذاته كالجمع ~~بين النقيضين، فيجوز عليه تعذيب ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل طاعته PageV01P553 ~~وإكرام إبليس وجنوده، وجعلهم فوق أوليائه في النعيم المقيم أبدا، ولا سبيل ~~لنا إلى العلم باستحالة ذلك إلا من نفي الخلف في خبره فقط، فيجوز أن يأمر ~~بمشيئته ومشيئة أنبيائه، والسجود للأصنام، وبالكذب والفجور وسفك ونهب ~~الأموال، وينهى عن البر ms399 والصدق والإحسان والعفاف، ولا فرق في نفس الأمر بين ~~ما أمر به ونهى عنه إلا التحكم بمحض المشيئة، وأنه أمر بهذا، ونهى عن هذا، ~~من غير أن يكون فيما أمر به صفة حسن، تقتضي محبته والأمر به، ولا فيما نهى ~~عنه صفة قبح، تقتضي كراهته والنهي عنه. # فهؤلاء عطلوا حمده في الحقيقة، وأثبتوا له ملكا بلا حمد، مع أنهم في ~~الحقيقة لم يثبتوا له ملكا، فإنهم جعلوه معطلا في الأزل والأبد، لا يقوم به ~~فعل البتة، وكثير منهم عطلة عن صفات الكمال التي لا يتحقق كونه ملكا وربا ~~وإلها إلا بها، فلا ملك أثبتوا ولا حمد. # الفرقة الثالثة: أثبتوا له نوعا من الحمد، وعطلوا كمال ملكه، وهم القدرية ~~الذين أثبتوا نوعا من الحكمة، ونفوا لأجلها كمال قدرته، فحافظوا على نوع من ~~الحمد، عطلوا له كمال الملك. # وفي الحقيقة لم يثبتوا لا هذا ولا هذا، فإن الحكمة التي أثبتوها، جعلوها ~~راجعة إلى المخلوق، لا يعود إليه سبحانه حكمها، والملك الذي أثبتوه، فإنهم ~~في الحقيقة إنما قرروا نفيه، لنفي قيام الصفات التي لا يكون ملكا حقا إلا ~~بها، ونفي قيام الأفعال الاختيارية، فلم يقم به عندهم وصف ولا فعل، ولا له ~~إرادة ولا كلام ولا سمع ولا بصر ولا فعل، ولا له حب ولا بغض، معطل عن حقيقة ~~الملك والحمد. # والمقصود أن عموم ملكه يستلزم إثبات القدر، وأن لا يكون في ملكه شي ء ~~بغير مشيئته، فالله أكبر من ذلك وأجل، وعموم حمده يستلزم أن لا PageV01P554 ~~يكون في خلقه وأمره ما لا حكمة فيه ولا غاية محمودة يفعل لأجلها، ويأمر ~~لأجلها، فالله أكبر وأجل من ذلك يوضحه: # الوجه الخامس عشر: أن مجرد الفعل من غير قصد ولا حكمة ولا مصلحة يقصده ~~الفاعل لأجلها، لا يكون متعلقا للحمد، فلا يحمد عليه، حتى لو حصلت به ~~مصلحة، من غير قصد الفاعل لحصولها، لم يستحق الحمد عليها كما تقدم تقريره، ~~بل الذي يقصد الفعل لمصلحة وحكمة وغاية محمودة، وهو عاجز عن تنفيذ مراده، ~~أحق بالحمد ms400 من قادر لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لقصد الإحسان. هذا ~~المستقر في فطر الخلق، والرب سبحانه حمده قد ملأ السموات والأرض وما بينهما ~~وما بعد ذلك، فملأ العالم العلوي والسفلي والدنيا والآخرة، ووسع حمده ما ~~وسع علمه، فله الحمد التام على جميع خلقه، ولا حكم يحكم إلا بحمده، ولا ~~قامت السموات والأرض إلا بحمده، ولا يتحول شي ء في العالم العلوي والسلفي ~~من حال إلى حال إلا بحمده، ولا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار إلا ~~بحمده، كما قال الحسن رحمة الله عليه: لقد دخل أهل النار النار، وإن حمده ~~لفي قلوبهم، ما وجدوا عليه سبيلا. # وهو سبحانه إنما أنزل الكتاب بحمده، وأرسل الرسل بحمده، وأمات خلقه ~~بحمده، ويحييهم بحمده، ولهذا حمد نفسه على ربوبيته الشاملة لذلك كله، ~~فالحمد لله رب العالمين. وحمد نفسه على إنزال كتبه، فالحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب. # وحمد نفسه على خلق السموات والأرض، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ~~وجعل الظلمات والنور (1) [الأنعام]. وحمد نفسه على كمال ملكه، الحمد لله ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم PageV01P555 ~~الخبير (1) [سبأ]، فحمد «1» ملأ الزمان والمكان والأعيان، وعم الأقوال ~~كلها، فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات ~~والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) [الروم]، وكيف لا يحمد على خلقه، كله، وهو ~~الذي أحسن كل شي ء خلقه (7) [السجدة]، وعلى صنعه، وقد أتقنه، صنع الله الذي ~~أتقن كل شي ء (88) [النمل]، وعلى أمره وكله حكمة ورحمة وعدل ومصلحة، وعلى ~~نهيه، وكل ما نهى عنه شر وفساد، وعلى ثوابه، وكله رحمة وإحسان، وعلى عقابه، ~~وكله عدل وحق، فلله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع ~~الأمر كله. # والمقصود أنه كلما كان الفاعل أعظم حكمة كان أعظم حمدا، وإذا عدم الحكمة، ~~ولم يقصدها بفعله وأمره، عدم الحمد. # الوجه السادس عشر: أنه سبحانه يجب أن يشكر، ويحب أن يشكر عقلا وشرعا ~~وفطرة، فوجوب شكره أظهر من وجوب ms401 كل واجب، وكيف لا يجب على العباد حمده ~~وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه وتعظيمه وتكبيره والخضوع له والتحدث ~~بنعمته والإقرار بها بجميع طرق الوجوب، فالشكر أحب شي ء إليه وأعظم ثوابا، ~~وأنه خلق الخلق، وأنزل الكتب وشرع الشرائع، وذلك يستلزم خلق الأسباب التي ~~يكون الشكر بها أكمل، ومن جملتها أن فاوت بين عباده، في صفاتهم الظاهرة ~~والباطنة، في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم، فإذا رأى ~~المعافى المبتلى والغني الفقير والمؤمن الكافر، عظم شكره لله، وعرف قدر ~~نعمته عليه وما خصه به وفضله به على غيره، فازداد شكرا وخضوعا واعترافا ~~بالنعمة. PageV01P556 # وفي أثر ذكره الإمام أحمد في «الزهد» «1»: أن موسى قال يا رب: هلا سويت بين ~~عبادك؟ قال: إني أحببت أن أشكر. # فإن قيل: فقد كان من الممكن أن يسوي بينهم في النعم، ويسوي بينهم في ~~الشكر، كما فعل بالملائكة، قيل: لو فعل ذلك، لكان الحاصل من الشكر نوع «2» ~~آخر غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه، والشكر الواقع على التفضيل ~~والتخصيص أعلى وأفضل من غيره، ولهذا كان شكر الملائكة وخضوعهم وذلهم لعظمته ~~وجلاله، بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له، ومن هاروت وماروت ما شاهدوه، ~~أعلى وأكمل مما كان قبله، وهذه حكمة الرب. ولهذا كان شكر الأنبياء ~~وأتباعهم، بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم وانتقام الرب منهم، وما أنزل بهم من ~~بأسه، أعلى وأكمل. وكذلك شكر أهل الجنة في الجنة، وهم يشاهدون أعداءه ~~المكذبين لرسله المشركين به في ذلك العذاب، فلا ريب أن شكرهم، حينئذ ورضاهم ~~ومحبتهم لربهم، أكمل وأعظم مما لو قدر اشتراك جميع الخلق في النعيم، ~~فالمحبة الحاصلة من أوليائه له والرضا والشكر وهم يشاهدون بني جنسهم في ضد ~~ذلك من كل وجه أكمل وأتم. # فالضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتبين الأشياء. # ولو لا خلق القبيح، لما عرفت فضيلة الجمال والحسن. ولو لا خلق الظلام لما ~~عرفت فضيلة النور. ولو لا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر العافية. ولو لا ~~الجحيم لما عرف قدر الجنة. # ولو جعل ms402 الله سبحانه النهار سرمدا لما عرف قدره. ولو جعل الليل سرمدا PageV01P557 ~~لما عرف قدره. # وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الفقر من قاسى ~~مرائر الفقر والحاجة. # ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عرف قدر الجمال، وكذلك ~~لو كانوا كلهم مؤمنين لما عرف قدر الإيمان والنعمة به. # فتبارك من له في خلقه وأمره الحكم البوالغ والنعم السوابغ. يوضحه: # الوجه السابع عشر: أنه سبحانه يحب أن يعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها ~~وأجلها عبودية الموالاة فيه، والمعاداة فيه، والحب فيه، والبغض فيه، ~~والجهاد في سبيله، وبذل مهج النفوس في مرضاته، ومعارضة أعدائه، وهذا النوع ~~هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها، وهو أحب أنواعها إليه، وهو موقوف على ~~ما لا يحصل بدونه من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به، والأرواح ~~التي تعاديه وتكفر به، ويسلط بعضها على بعض لتحصل بذلك محابه على أتم ~~الوجوه، وتقرب أولياءه إليه لجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه وإذلالهم وكبتهم ~~ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته، ويتبين بذلك ~~شرف علوها وظهورها، ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود، فعلى أي شي ء ~~كانت كلمته ودعوته تعلو؛ فإن العلو أمر لشي ء، يستلزم غالبا ما يعلى عليه، ~~وعلو الشي ء على نفسه محال، والوقوف على الشي ء لا يحصل بدونه، يوضحه: # الوجه الثامن عشر: أن من عبوديته العتق والصدقة والإيثار والمواساة ~~والعفو والصفح والصبر وكظم الغيظ واحتمال المكاره، ونحو ذلك مما لا يتم إلا ~~بوجود متعلقه وأسبابه، فلو لم تحصل عبودية العتق، فالرق من أثر الكفر، ولو ~~لا الظلم والإساءة والعدوان، لم تحصل عبودية الصبر والمغفرة PageV01P558 ~~وكظم الغيظ، ولو لا الفقر والحاجة، لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار ~~والمواساة، فلو سوى بين خلقه جميعهم، لتعطلت هذه العبوديات التي هي أحب شي ~~ء إليه، ولأجلها خلق الجن والإنس، ولأجلها شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل ~~الرسل، وخلق الدنيا والآخرة، وكما أن ذلك من صفات كماله، فلو لم يقدر ~~الأسباب التي يحصل بها ذلك، لغاب ms403 هذا الكمال، وتعطلت أحكام تلك الصفات كما ~~مر، توضيحه: # الوجه التاسع عشر: أنه سبحانه يفرح بتوبة عبده، إذا تاب إليه، أعظم فرح ~~يقدر، أو يخطر ببال، أو يدور في خلد، وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة ~~الموقوفة على وجود ما يتاب منه، وما يتوقف عليه الشي ء لا يوجد بدونه، فإن ~~وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولا ريب أن وجود الفرح أكمل من عدمه، فمن ~~تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه، وقد نبه أعلم الخلق بالله على هذا ~~المعنى بعينه، حيث يقول في الحديث الصحيح: # «لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر ~~لهم» «1». # فلو لم يقدر الذنوب والمعاصي، فلمن يغفر، وعلى من يتوب، وعمن يعفو ويسقط ~~حقه، ويظهر فضله وجوده وحلمه وكرمه، وهو واسع المغفرة، فكيف يعطل هذه ~~الصفة، أم كيف يتحقق بدون ما يغفر، ومن يغفر له ومن يتوب وما يتاب عنه، فلو ~~لم يكن في تقدير الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده، لكفى به حكمة ~~وغاية محمودة، فكيف والحكم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا ~~التقدير فوق ما يخطر بالبال. # وكان بعض العباد يدعو في طوافه: اللهم اعصمني من المعاصي، PageV01P559 ~~ويكرر ذلك، فقيل له في المنام: أنت سألتني العصمة وعبادي يسألوني العصمة، ~~فإذا عصمتكم من الذنوب، فلمن أغفر، وعلى من أتوب، وعمن أعفو؟. # ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه، يوضحه: # الوجه العشرون: أنه قد يترتب على خلق من يكفر به، ويشرك به، ويعاديه، من ~~الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن يحصل بدون ذلك، فلولا كفر قوم ~~نوح، لما ظهرت آية الطوفان، وبقيت يتحدث بها الناس على ممر الزمان، ولو لا ~~كفر عاد، لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمرت ما مرت عليه، ولو لا كفر قوم ~~صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة، ولو لا كفر فرعون لما ظهرت تلك الآيات ~~والعجائب، يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة، واهتدى من شاء الله، فهلك بها من ~~هلك ms404 عن بينة، وحي بها من حي عن بينة، وظهر بها فضل الله وعدله وحكمته وآيات ~~رسله وصدقهم. # فمعارضة الرسل وكسر حججهم ودحضها والجواب عنها وإهلاك الله لهم من أعظم ~~أدلة صدقهم وبراهينه. # ولو لا مجي ء المشركين بالحد والحديد والعدد والشوكة يوم بدر، لما حصلت ~~تلك الآية العظيمة التي يترتب عليها من الإيمان والهدى والخير ما لم يكن ~~حاصلا مع عدمها. # وقد بينا أن الوقوف على الشي ء لا يوجد بدونه، ووجود الملزوم بدون لازمه ~~ممتنع، فلله كم عمرت قصة بدر من ربع! أصبح آهلا بالإيمان، وقد فتحت لأولي ~~النهى من باب، وصلوا منه إلى الهدى والإيقان، وكم حصل بها من محبوب للرحمن ~~وغيظ للشيطان، وتلك المفسدة التي حصلت في PageV01P560 ~~ضمنها للكفار مغمورة جدا بالنسبة إلى مصالحها وحكمها، وهي كمفسدة المطر إذا ~~قطع المسافر وبل الثياب وخرب بعض البيوت بالنسبة إلى مصلحة العامة. # وتأمل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون، للأمم من الهدى والإيمان الذي غمر ~~مفسدة من هلك حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته. # فكم لله من حكمة في آياته التي ابتلى بها أعداءه، وأكرم فيها أولياءه، ~~وكم له فيها من آية وحجة وتبصرة وتذكرة، ولهذا أمر سبحانه رسوله أن يذكر ~~بها أمته فقال تعالى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات ~~إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال ~~موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) ~~[إبراهيم] فذكرهم بأيامه وإنعامه ونجاتهم من عدوهم وإهلاكهم، وهم ينظرون، ~~فحصل بذلك من ذكره وشكره ومحبته وتعظيمه وإجلاله ما تلاشت فيه مفسدة إهلاك ~~الأبناء وذبحهم واضمحلت، فإنهم صاروا إلى النعيم، وخلصوا من مفسدة العبودية ~~لفرعون، إذا كبروا، وسومهم له سوء العذاب، وكان الألم الذي ذاقه الأبوان ~~عند الذبح أيسر من الآلام التي كانوا تجرعوها باستعباد فرعون وقومه لهم ~~بكثير، فحظي بذلك الآباء والأبناء. # وأراد سبحانه أن يري ms405 عباده ما هو من أعظم آياته، وهو أن يربى هذا المولود ~~الذي ذبح فرعون ما شاء الله من الأولاد في طلبه، في حجر فرعون، وفي بيته، ~~وعلى فراشه، فكم في ضمن هذه الآية من حكمة ومصلحة ورحمة وهداية وتبصرة، وهي ~~موقوفة على لوازمها وأسبابها، ولم تكن لتوجد بدونها، فإنه ممتنع، فمصلحة ~~تلك الآية وحكمتها غمرت مفسدة ذبح PageV01P561 ~~الأبناء، وجعلتها كأن لم تكن، وكذلك الآيات التي أظهرها سبحانه على يد ~~الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم. والعجائب والحكم والمصالح ~~والفوائد التي في تلك القصة التي تزيد على الألف، لم تكن لتحصل بدون ذلك ~~السبب الذي كان فيه مفسدة حزونة يعقوب ويوسف، ثم انقلبت تلك المفسدة مصالح، ~~اضمحلت في جنبها تلك المفسدة بالكلية، وصارت سببا لأعظم المصالح في حقه وحق ~~يوسف وحق الإخوة وحق امرأة العزيز وحق أهل مصر وحق المؤمنين إلى يوم ~~القيامة، فكم جنى أهل المعرفة بالله وأسمائه وصفاته ورسله من هذه القصة من ~~ثمرة، وكم استفادوا بها من علم وحكمة وتبصرة. # وكذلك المفسدة التي حصلت لأيوب من مس الشيطان له بنصب وعذاب، اضمحلت ~~وتلاشت في جنب المصلحة والمنفعة التي حصلت له ولغيره عند مفارقة البلاء ~~وتبدله بالنعماء، بل كان ذلك السبب المكروه هو الطريق الموصل إليها، ~~والشجرة التي جنيت ثمار تلك النعم منها. # وكذلك الأسباب التي أوصلت خليل الرحمن إلى أن صارت النار عليه بردا ~~وسلاما، من كفر قومه وشركهم وتكسيره أصنامهم وغضبهم لها وإيقاد النيران ~~العظيمة له وإلقائه فيها بالمنجنيق، حتى وقع في روضة خضراء في وسط النار، ~~وصارت آية وحجة وعبرة ودلالة للأمم قرنا بعد قرن، فكم لله سبحانه في ضمن ~~هذه الآية من حكمة بالغة ونعمة سابغة ورحمة وحجة وبينة، لو تعطلت تلك ~~الأسباب، لتعطلت هذه الحكم والمصالح والآيات، وحكمته وكماله المقدس يأبى ~~ذلك، وحصول الشي ء بدون لازمه ممتنع. # وكم بين ما وقع من المفاسد الجزئية في هذه القصة وبين جعل صاحبها إماما ~~للحنفاء إلى يوم القيامة. # وهل تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة ms406 الحر والبرد والمطر والثلج PageV01P562 ~~بالنسبة إلى مصالحها بكثير، ولكن الإنسان كما قال الله تعالى: ظلوم لنفسه ~~جهول بربه وعظمته وجلاله وحكمته وإتقان صنعه. # وكم بين إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، على تلك الحال، ~~ودخوله إليها ذلك الدخول الذي لم يفرح به بشر حبورا لله، وقد اكتنفه من بين ~~يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به، ~~والملائكة من فوقهم، والوحي من الله ينزل عليه، وقد أدخله حرمه ذلك الدخول، ~~فأين مفسدة ذلك الإخراج الذي كان كأن لم يكن. # ولو لا معارضة السحرة لموسى بإلقاء العصي والحبال حتى أخذوا أعين الناس ~~واسترهبوهم، لما ظهرت آية عصا موسى حتى ابتلعت عصيهم وحبالهم، ولهذا أمرهم ~~موسى أن يلقوا أولا، ثم يلقي هو بعدهم. # ومن تمام ظهور آيات الرب تعالى وكمال اقتداره وحكمته، أن يخلق مثل جبريل ~~صلوات الله وسلامه عليه الذي هو أطيب الأرواح العلوية وأزكاها وأطهرها ~~وأشرفها، وهو السفير في كل خير وهدى وإيمان وصلاح، ويخلق مقابلة مثل روح ~~اللعين إبليس الذي هو أخبث الأرواح وأنجسها وشرها، وهو الداعي إلى كل شر ~~وأصله ومادته. # وكذلك من تمام قدرته وحكمته أن خلق الضياء والظلام، والأرض والسماء، ~~والجنة والنار، وسدرة المنتهى وشجرة الزقوم، وليلة القدر وليلة الوباء، ~~والملائكة والشياطين، والمؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، والحر والبرد، ~~والداء والدواء، والآلام واللذات، والأحزان والمسرات، واستخرج سبحانه من ~~بين ما هو أحب الأشياء إليه من أنواع العبوديات، والتعرف إلى خلقه بأنواع ~~الدلالات. # ولو لا خلق الشياطين والهوى والنفس الأمارة، لما حصلت عبودية الصبر PageV01P563 ~~ومجاهدة النفس والشيطان ومخالفتهما، وترك ما يهواه العبد ويحبه لله، فإن ~~لهذه العبودية شأنا ليس لغيرها. # ولو لا وجود الكفار، لما حصلت عبودية الجهاد، ولما نال أهله درجة ~~الشهادة، ولما ظهر من يقدم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده، ومن ~~يقدم أدنى حظ من الحظوظ عليه، فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحملهم لله ~~أنواع المكاره والمشاق وأنواع العبودية المتعلقة بالدعوة وإظهارها، لو لا ~~وجود الكفار. وتلك ms407 العبودية تقتضي علمه وفضله وحكمته، ويستخرج منه حمده ~~وشكره ومحبته والرضا عنه، يوضحه: # الوجه الحادي والعشرون: أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم ~~والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولا يدخل إليها إلا من ~~باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حف الجنة بالمكاره والنار ~~بالشهوات، ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة، وقد خلقها له، واقتضت حكمته أن لا ~~يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليدخله ~~إليها أتم دخول، فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت، وكم ~~بين دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في جوار المطعم بن عدي ودخوله ~~إليها يوم الفتح، وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة، بعد مقاساة ما ~~قبلها، وبين لذتهم لو خلقوا فيها، وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه، ~~وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وجمع قلبه بعد شتاته، وفرحة من لم يذق ~~تلك المرارات، وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات ~~كما قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) ~~[البقرة]. # وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب PageV01P564 ~~يوضحه الوجه الثاني والعشرون: أن العقلاء قاطبة متفقون على استحسان إتعاب ~~النفوس في تحصيل كمالاتها، من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق ~~الفاضلة، وطلب محمدة من ينفعهم حمده، وكل من كان أتعب في تحصيل ذلك، كان ~~أحسن حالا وأرفع قدرا، وكذلك يستحسنون إتعاب النفوس في تحصيل الغنى والعز ~~والشرف، ويذمون القاعد عن ذلك، وينسبونه إلى دناءة الهمة وخسة النفس وضعة القدر. # دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # وهذا التعب والكد يستلزم آلاما، وحصول مكاره ومشاق، هي الطريق إلى تلك ~~الكمالات، ولم يقدحوا بتحمل تلك في حكمة من يحملها، ولا يعدونه عائبا، بل ~~هو العقل الوافر، ومن أمر غيره به، فهو حكيم في أمره، ومن نهاه ms408 عن ذلك، فهو ~~سفيه عدو له، هذا في مصالح المعاش، فكيف بمصالح الحياة الأبدية الدائمة ~~والنعيم المقيم، كيف لا يكون الآمر بالتعب القليل في الزمن اليسير الموصل ~~إلى الخير الدائم حكيما رحيما محسنا ناصحا لمن يأمره وينهاه عن ضده، من ~~الراحة واللذة التي تقطعه عن كماله ولذته ومسرته الدائمة، هذا إلى ما في ~~أمره ونهيه من المصالح العاجلة التي بها سعادته وفلاحه وصلاحه، ونهيه عما ~~فيه مضرته وعطبه وشقاوته. # فأوامر الرب تعالى رحمة وإحسان وشفاء ودواء وغذاء للقلوب وزينة للظاهر ~~والباطن، وحياة للقلب والبدن، وكم في ضمنه من مسرة وفرحة ولذة وبهجة ونعيم ~~وقرة عين، فما يسميه هؤلاء تكاليف، إنما هو قرة العيون وبهجة النفوس وحياة ~~القلوب ونور العقول وتكميل للفطر، وإحسان تام إلى النوع الإنساني أعظم من ~~إحسانه إليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس، فنعمته على عباده ~~بإرسال الرسل إليهم وإنزال كتبه عليهم وتعريفهم أمره ونهيه وما يحبه وما ~~يبغضه أعظم النعم وأجلها وأعلاها وأفضلها، بل لا PageV01P565 ~~نسبة لرحمتهم بالشمس والقمر والغيث والنبات إلى رحمتهم بالعلم والإيمان ~~والشرائع والحلال والحرام، فكيف يقال: أي حكمة في ذلك، وإنما هو مجرد مشقة ~~ونصب بغير فائدة، فو الله إن من زعم ذلك، وظنه في أحكم الحاكمين، لأضل من ~~الأنعام، وأسوأ حالا من الحمير، ونعوذ بالله من الخذلان، والجهل بالرحمن ~~وأسمائه وصفاته، وهل قامت مصالح الوجود إلا بالأمر والنهي، وإرسال الرسل ~~وإنزال الكتب؟ ولو لا ذلك لكان الناس بمنزلة البهائم، يتهارجون في الطرقات، ~~ويتسافدون تسافد الحيوانات، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، ولا ~~يمتنعون من قبيح، ولا يهتدون إلى صواب. # وأنت ترى الأمكنة والأزمنة التي خفيت فيها آثار النبوة، كيف حال أهلها ~~وما دخل عليهم من الجهل والظلم والكفر بالخالق، والشرك بالمخلوق، واستحسان ~~القبائح، وفساد العقائد والأعمال، فإن الشرائع بتنزيل الحكيم العليم، ~~أنزلها وشرعها الذي يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد، في المعاش والمعاد ~~وأسباب سعادتهم الدنيوية والأخروية، فجعلها غذاء ودواء وشفاء وعصمة وحصنا ~~وملجأ وجنة ووقاية، وكانت، بالقياس إلى مصالح الأبدان، ms409 بمنزلة حكيم عالم، ~~ركب للناس أمرا، يصلح لكل مرض ولكل ألم، وجعله مع ذلك غذاء للأصحاء، فمن ~~يغذى به من الأصحاء غذاه، ومن يداوى به من المرض شفاه. # وشرائع الرب تعالى فوق ذلك وأجل منه، وإنما هو تمثيل وتقريب، فلا أحسن من ~~أمره ونهيه وتحليله وتحريمه. أمره قوت وغذاء وشفاء، ونهيه حمية وصيانة، فلم ~~يأمر عباده بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا عبثا، بل رحمة وإحسانا ومصلحة، ~~ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم، بل حماية وصيانة يؤذيهم ويعود ~~عليهم بالضرر، إن تناولوه، فكيف يتوهم PageV01P566 ~~من له مسكة من عقل خلوها من الحكم والغايات المحمودة المطلوبة لأجلها. # ولهذا استدل كثير من العقلاء على النبوة بنفس الشريعة، واستغنوا بها عن ~~طلب المعجزة، وهذا من أحسن الاستدلال، فإن دعوة الرسل من أكبر شواهد صدقهم. # وكل من له خبرة بنوع من أنواع العلوم، إذا رأى حاذقا قد صنف فيه كتابا ~~جليلا، عرف أنه من أهل ذلك العلم، بنظره في كتابه، وهكذا كل من له عقل ~~وفطرة سليمة وخبرة بأقوال الرسل ودعوتهم، إذا نظر في هذه الشريعة، قطع قطعا ~~نظير القطع بالمحسوسات، أن الذي جاء بهذه الشريعة رسول صادق، وأن الذي ~~شرعها أحكم الحاكمين، ولقد شهد لها عقلاء الفلاسفة بالكمال والتمام، وأنه ~~لم يطرق العالم ناموس أكمل ولا أحكم. # هذه شهادة الأعداء، وشهد لها من زعم أنه من الأولياء بأنها لم تشرع لحكمة ~~ولا لمصلحة، وقالوا: أي حكمة في الإلزام بهذه التكاليف الشاقة المتعبة، وأي ~~مصلحة للمكلف في ذلك، وأي غرض للمكلف؟ وما هي إلا محض المشيئة المجردة من ~~قصد غاية أو حكمة، ولو استحيا هؤلاء من العقلاء، لمنعهم الحياء من تسويد ~~القلوب والأوراق بمثل ذلك، وهل تركت الشريعة خيرا ومصلحة إلا جاءت به، ~~وأمرت به وندبت إليه، وهل تركت شرا ومفسدة إلا نهت عنه، وهل تركت لمفرح ~~أفراحا، أو لمتعنت نعتا، أو لسائل مطلبا. فمن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون. # وعند نفاة الحكم أنه يجوز عليه ضد ذلك الحكم من ms410 كل وجه، وأنه لا فرق بينه ~~وبين ضده في نفس الأمر إلا لمجرد التحكم والمشيئة، فلو اجتمعت حكمة جميع ~~الحكماء من أول الدهر إلى آخره، ثم قيست إلى PageV01P567 ~~حكمة هذه الشريعة الكاملة الحكيمة الفاضلة، لكانت كقطرة من بحر، وإنما نعني ~~بذلك الشريعة التي أنزلها الله على رسوله، وشرعها للأمة، ودعاهم إليها، لا ~~الشريعة المبدلة ولا المؤولة ولا ما غلط فيه الغالطون وتأوله المتأولون، ~~فإن هذين النوعين قد يشتملان على فساد وشر، بل الشر والفساد الواقع بين ~~الأمة من هاتين الشريعتين اللتين نسبتا إلى الشريعة المنزلة من عند الله ~~عمدا أو خطأ، وإلا فالشريعة على وجهها خير محض ومصلحة من كل وجه ورحمة ~~وحكمة ولطف بالمكلفين، وقيام مصالحهم بها فوق قيام مصالح أبدانهم بالطعام ~~والشراب، فهي مكملة للفطر والعقول، مرشدة إلى ما يحبه الله ويرضاه، ناهية ~~عما يبغضه ويسخطه، مستعملة لكل قوة وعضو حركة في كماله الذي لا كمال له ~~سواه، آمرة بمكارم الأخلاق ومعاليها، ناهية عن دنيئها وسفسافها. # واختصار ذلك أنه شرع استعمال كل قوة وكل عضو وكل حركة في كمالها، ولا ~~سبيل إلى معرفة كمالها على الحقيقة إلا بالوحي، فكانت الشرائع ضرورية في ~~مصالح الخلق، وضرورتها له فوق كل ضرورة تقدر، فهي أسباب موصلة إلى سعادة ~~الدارين، ورأس الأسباب الموصلة إلى حفظ صحة البدن وقوته واستفراغ أخلاطه، ~~ومن لم يتصور الشريعة على هذه الصورة، فهم من أبعد الناس عنها، وقد جعل ~~الحكيم العليم لكل قوة من القوى ولكل حاسة من الحواس، ولكل عضو من الأعضاء، ~~كمالا حسيا وكمالا معنويا، وفقد كماله المعنوي شر من فقد كماله الحسي، ~~فكماله المعنوي بمنزلة الروح، والحسي بمنزلة الجسم، فأعطاه كماله الحسي ~~خلقا وقدرا، وأعطاه كماله المعنوي شرعا وأمرا، فبلغ بذلك غاية السعادة ~~والانتفاع بنفسه، فلم يدع للإحسان إليه والاعتناء بمصالحه وإرشاده إليها ~~وإعانته على تحصيلها أفراحا يفرحه، ولا شفاء يطلبه، بل أعطاه من ذلك ما لم ~~يصل إليه أفراحه ولا تدرك معرفته. PageV01P568 # ويكفي العاقل البصير الحي القلب فكرة في فرع واحد من فروع ms411 الأمر والنهي، ~~وهو الصلاة وما اشتملت عليه من الحكم الباهرة والمصالح الباطنة والظاهرة ~~والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن والقوى التي لو اجتمع حكماء العالم ~~قاطبة، واستفرغوا قواهم وأذهانهم، لما أحاطوا بتفاصيل حكمها وأسرارها ~~وغاياتها المحمودة، بل انقطعوا كلهم دون أسرار الفاتحة وما فيها من المعارف ~~الإلهية والحكم الربانية والعلوم النافعة والتوحيد التام والثناء على الله ~~بأصول أسمائه وصفاته. وذكر أقسام الخلقة باعتبار غاياتهم ووسائلهم وما في ~~مقدماتها وشروطها من الحكم العجيبة، من تطهير الأعضاء والثياب والمكان، ~~وأخذ الزينة، واستقبال بيته الذي جعله إماما للناس وتفريغ القلب لله وإخلاص ~~النية وافتتاحها بكلمة جامعة لمعاني العبودية، دالة على أصول الثناء ~~وفروعه، مخرجة من القلب الالتفات إلى ما سواه والإقبال على غيره، فيقدم ~~بقلبه الوقوف بين يدي عظيم جليل أكبر من كل شي ء، وأجل من كل شي ء، وأعظم ~~من كل شي ء، بلا سبب في كبريائه السموات وما أظلت، والأرض وما أقلت، ~~والعوالم كلها، عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، قاهر ~~فوق عباده، ناظر إليهم، عالم بما تكن صدورهم، يسمع كلامهم، ويرى مكانهم، لا ~~يخفى عليه خافية من أمرهم، ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكره تبارك اسمه وتعالى ~~جده وتفرده بالإلهية، ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يثنى عليه به من حمده ~~وذكر ربوبيته للعالم وإحسانه إليهم ورحمته بهم وتمجيده بالملك الأعظم، في ~~اليوم الذي لا يكون فيه ملك سواه، حتى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ~~ويدينهم بأعمالهم، ثم إفراده بنوعي التوحيد؛ توحيد ربوبيته استعانة به، ~~وتوحيد إلهيته عبودية له، ثم سؤاله أفضل مسئول وأجل مطلوب على الإطلاق، وهو ~~هداية الصراط المستقيم الذي نصبه لأنبيائه ورسله وأتباعهم، وجعله صراطا ~~موصلا لمن سلكه إليه وإلى جنته، وأنه صراط من اختصهم PageV01P569 ~~بنعمته، بأن عرفهم الحق، وجعلهم متبعين له دون صراط أمة الغضب الذين «1» ~~عرفوا الحق، ولم يتبعوه، وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته واتباعه. # فتضمنت تعريف الرب والطريق الموصل إليه والغاية بعد الوصول، وتضمنت ~~الثناء والدعاء وأشرف الغايات، ms412 وهي العبودية، وأقرب الوسائل إليها، وهي ~~الاستعانة، مقدما فيها على الوسيلة والمعبود المستعان على الفعل، إيذانا ~~لاختصاصه، وأن ذلك لا يصلح إلا له سبحانه، وتضمنت ذكر الإلهية والربوبية ~~والرحمة، فيثنى عليه ويعبد بإلهيته، ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويدبر الملك، ~~ويضل من يستحق الإضلال، ويغضب على من يستحق الغضب بربوبيته وحكمته، وينعم ~~ويرحم ويجود ويعفو ويغفر ويهدي ويتوب برحمته، فلله كم في هذه السورة من ~~أنواع المعارف والعلوم والتوحيد وحقائق الإيمان، ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ~~ربيع القلوب وشفاء الصدور ونور البصائر وحياة الأرواح، وهو كلام رب ~~العالمين، فيحل به ما شاء من روضات مونقات وحدائق معجبات، زاهية أزهارها ~~مونقة ثمارها، قد ذللت قطوفها تذليلا، وسهلت لمتناولها تسهيلا، فهو يجتني ~~من تلك الثمار خيرا يؤمر به، وشرا ينهى عنه، وحكمة وموعظة وتبصرة وتذكرة ~~وعبرة وتقريرا لحق، ودحضا لباطل، وإزالة لشبهة، وجوابا عن مسألة، وإيضاحا ~~لمشكل، وترغيبا في أسباب فلاح وسعادة، وتحذيرا من أسباب خسران وشقاوة، ~~ودعوة إلى هدى ورد عن ردى، فتنزل على القلوب نزول الغيث على الأرض التي لا ~~حياة لها بدونه، ويحل منها محل الأرواح من أبدانها. # فأي نعيم وقرة عين ولذة قلب وابتهاج وسرور لا يحصل له في هذه PageV01P570 ~~المناجاة، والرب تعالى يسمع لكلامه جاريا على لسان عبده، ويقول: # حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، ثم يعود إلى تكبير ربه عز وجل، ~~فيجد ربه عهد التذكرة كونه أكبر من كل شي ء بحق عبوديته وما ينبغي أن يعامل ~~به، ثم يرجع جاثيا له ظهره خضوعا لعظمته وتذللا لعزته واستكانة لجبروته، ~~مسبحا له بذكر اسمه العظيم، فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه، وقابل ~~تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع، قد تطامن وطأطأ رأسه، وطوى ظهره، ~~وربه فوقه يرى خضوعه وذله، ويسمع كلامه، فهو ركن تعظيم وإجلال كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: «أما الركوع فعظموا فيه الرب» «1» ثم عاد إلى حاله من ~~القيام حامدا لربه مثنيا عليه بأكمل محامده وأجمعها وأعمها، مثنيا عليه ~~بأنه أهل الثناء ms413 والمجد، معترفا بعبوديته شاهدا بتوحيده وأنه لا مانع لما ~~أعطى ولا معطي لما منع، وأنه لا ينفع أصحاب الجدد والأموال والحظوظ جدودهم ~~عنه، ولو عظمت. # ثم يعود إلى تكبيره ويخر له ساجدا على أشرف ما فيه، وهو الوجه، فيعفره في ~~التراب ذلا بين يديه ومسكنة وانكسارا، وقد أخذ كل عضو من البدن حظه من هذا ~~الخضوع حتى أطراف الأنامل ورءوس الأصابع، وندب له أن يسجد معه ثيابه وشعره، ~~فلا يكفيه، وأن لا يكون بعضه محمولا على بعض، وأن يتأسر التراب بجبهته، ~~وينال قبل وجهة المصلى، ويكون رأسه أسفل ما فيه تكميلا للخضوع والتذليل لمن ~~له العز كله والعظمة كلها، وهذا أيسر اليسير من حقه على عبده، فلو دام كذلك ~~من حين خلق إلى أن يموت لما أدى حق ربه عليه، ثم أمر أن يسبح ربه الأعلى، ~~فيذكر علوه سبحانه في حال سفوله هو، وينزهه عن مثل هذه الحال، وأن من هو ~~فوق كل شي ء وعال على كل شي ء ينزه عن السفول بكل معنى، بل هو الأعلى بكل معنى PageV01P571 ~~من معاني العلو، ولما كان هذا غاية ذل العبد وخضوعه وانكساره، كان أقرب ما ~~يكون الرب منه في هذه الحال، فأمر أن يجتهد في الدعاء، لقربه من القريب ~~المجيب، وقد قال تعالى: واسجد واقترب (19) [العلق]. وكان الركوع كالمقدمة ~~بين يدي السجود، والتوطئة له، فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل وأتم منه وأرفع ~~شأنا، وفصل بينهما بركن مقصود في نفسه، يجتهد فيه بالحمد والثناء والتمجيد، ~~وجعل بين خضوع قبله وخضوع بعده، وجعل خضوع السجود بعد الحمد والثناء ~~والمجد، كما جعل خضوع الركوع بعد ذلك. # فتأمل هذا الترتيب العجيب، وهذا التنقل في مراتب العبودية، كيف ينتقل من ~~مقام الثناء على الرب بأحسن أوصافه وأسمائه وأكمل محامده إلى من له خضوعه ~~وتذلله أن له هذا الثناء، ويستصحب في مقامه خضوعه بما يناسب ذلك المقام ~~ويليق به، فتذكر عظمة الرب في حال خضوعه، وعلوه في حال سفوله. # ولما كان أشرف أذكار الصلاة القرآن، شرع ms414 في أشرف أحوال الإنسان وهي هيئة ~~القيام التي قد انتصب فيها قائما على أحسن هيئة، ولما كان أفضل أركانها ~~الفعلية السجود، شرع فيها بوصف التكرار، وجعل خاتمة الركعة وغايتها التي ~~انتهت إليها مطابق افتتاح الركعة بالقرآن، واختتامها بالسجود أول سورة ~~افتتح بها الوحي فإنها بدئت بالقراءة، وختمت بالسجود، وشرع له بين هذين ~~الخضوعين أن يجلس جلسة العبيد، ويسأل ربه أن يغفر له ويرحمه ويرزقه ويهديه ~~ويعافيه، وهذه الدعوات تجمع له خير دنياه وآخرته، ثم شرع له تكرار هذه ~~الركعة مرة بعد مرة، كما شرع تكرار الأذكار والدعوات مرة بعد مرة، ليستعد ~~بالأول لتكميل ما بعده، ويجبر بما بعده ما قبله، وليشبع القلب من هذا ~~الغذاء، وليأخذ رواه ونصيبه وافرا من الدواء، ليقاومه، فإن PageV01P572 ~~منزلة الصلاة من القلب منزلة الغذاء والدواء، فإذا تناول الجائع الشديد ~~الجوع من اللقمة أو اللقمتين كان غناؤها عنه وسدها من جوعه يسيرا جدا، ~~وكذلك المرض الذي يحتاج إلى قدر يغني من الدواء، إذا أخذ منه المريض قيراطا ~~من ذلك، لم يزل مرضه بالكلية، وأزال بحسبه، فما حصل الغذاء أو الشفاء للقلب ~~بمثل الصلاة، وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاء البدن ودوائه. # ثم لما أكمل صلاته، شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل المسكين لسيده، ~~ويثني عليه بأفضل التحيات، ويسلم على من جاء بهذا الحظ الجزيل ومن نالته ~~الأمة على يديه، ثم يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله المشاركين له في هذه ~~العبودية، ثم يتشهد شهادة الحق، ثم يعود فيصلي على من علم الأمة هذا الخير، ~~ودلهم عليه، ثم شرع له أن يسأل حوائجه، ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربه ~~مقبلا عليه، فإذا قضى ذلك، أذن له في الخروج منها بالتسليم على المشاركين ~~له في الصلاة، هذا إلى ما تضمنته الأحوال والمعارف من أول المقامات إلى ~~آخرها، فلا تجد منزلة من منازل السير إلى الله، ولا مقاما من مقامات ~~العارفين إلا وهو في ضمن الصلاة، وهذا الذي ذكرناه من شأنها كقطرة من بحر، ~~فكيف يقال: ms415 إنها تكليف محض، لم يشرع لحكمة ولا لغاية قصدها الشارع، بل هي ~~محض وكلفة ومشقة مستندة إلى محض المشيئة، لا لغرض، ولا لفائدة البتة، بل ~~مجرد قهر وتكليف، وليست سببا لشي ء من مصالح الدنيا والآخرة. # ثم تأمل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها، كيف تجدها مشحونة بالحكم ~~المقصودة والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها، التي لولاها لكان الناس ~~كالبهائم، بل أسوأ حالا، فكم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن، ~~وتفريح للقلب، وتنشيط للجوارح وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة، وألقاه ~~عز النفس من درن المخالفات، فهي منظفة للقلب والروح والبدن، PageV01P573 ~~وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه ~~بالجنابة ما هو من أنفع الأمور. # وتأمل كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل، فجعل في الوجه ~~الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق، وهذه الأبواب هي أبواب ~~المعاصي، والذنوب كلها منها يدخل إليها، ثم جعل في اليدين، وهما طرفاه ~~وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي، ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ويسعى. # ولما كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة، جعل مكانه المسح، وجعل ذلك ~~مخرجا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره، كما ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال: «إذا توضأ العبد ~~المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع ~~الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة كان ~~يبطشها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر، فإذا غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتها ~~رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب» رواه مسلم «1». # وفي صحيح مسلم أيضا «2»، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # «من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أظفاره». # فهذا من أجل حكم الوضوء وفوائده، وقال نفاة الحكمة: إنه تكليف ومشقة ~~وعناء محض، ms416 لا مصلحة فيه ولا حكمة شرع لأجلها. ولو لم يكن PageV01P574 ~~في مصلحته وحكمته إلا أنه سيماء هذه الأمة، وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم ~~يوم القيامة بين الأمم، ليست لأحد غيرهم، ولو لم يكن فيه من المصلحة ~~والحكمة إلا أن المتوضئ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة، ليستعد للدخول على ~~ربه ومناجاته، والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب، فأي حكمة ورحمة ~~ومصلحة فوق هذا؟ ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى إن تحت كل شعرة ~~شهوة، سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن تحت كل شعرة جنابة» «1». # فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة، فيبرد حرارة الشهوة، فتسكن النفس، ~~وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه. فو الله لو أن أبقراط ~~ودونه أوصوا بمثل هذا، لخضع أتباعهم لهم فيه، وعظموهم عليه غاية التعظيم، ~~وأبدوا له من الحكم والفوائد ما قدروا عليه، ثم لما كان العبد خارج الصلاة ~~مهمل جوارحه، قد أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ، أمر العبودية بجميع ~~جوارحه كلها على ربه، وتأخذ بحظها من عبوديته، فيسلم قلبه وبدنه وجوارحه ~~وحواسه وقواه لربه عز وجل، واقفا بين يديه مقبلا بكله عليه، معرضا عمن ~~سواه، متنصلا من إعراضه عنه وجنايته على حقه، ولما كان هذا طبعه وذاته، أمر ~~أن يجدد هذا الركوع إليه والإقبال عليه وقتا بعد وقت، لئلا يطول عليه ~~الأمد، فينسى ربه، وينقطع عنه بالكلية، وكانت الصلاة من أعظم نعم الله عليه ~~وأفضل هداياه التي ساقها إليه، فأبى نفاة الحكمة إلا جعلها كلفة وعناء ~~وتعبا، لا لحكمة ولا لمصلحة البتة إلا مجرد القهر والمشيئة، وقد فتح ذلك ~~الباب فساق الشريعة كلها من أولها إلى آخرها، هذا المساق، واستدل بما ظهر ~~لك على ما خفي عنك، ولعل PageV01P575 ~~الحكمة فيما لم تعلمه أعظم منها فيما علمته، فإن الذي علمته على قدر عقلك ~~وفهمك وما خفي عنك، فهو فوق عقلك وفهمك، ولو تتبعنا تفصيل ذلك، لجاء عدة ~~أسفار، فيكتفى منه بأدنى بينة، ms417 والله المستعان. # الوجه الثالث والعشرون: أن هذه الجمادات والحيوانات المختلفة الأشكال ~~والمقادير والصفات والمنافع والقوى والأغذية، والنباتات التي هي كذلك، فيها ~~من الحكم والمنافع ما قد أكثرت الأمم في وصفه وتجربته على ممر الدهور، ومع ~~ذلك فلم يصلوا منه إلا إلى أيسر شي ء وأقله، بل لو اتفق جميع الأمم، لم ~~يحيطوا علما بجميع ما أودع واحد من ذلك النوع، من الحكم والمصالح، هذا إلى ~~ما في ضمن ذلك، من الاعتبار والدلالة الظاهرة على وجود الخالق ومشيئته ~~واختياره وعلمه وقدرته وحكمته، فإن المادة الواحدة لا تحتمل بنفسها هذه ~~الصور الغريبة والأشكال المتنوعة والمنافع والصفات، ولو تركبت مع غيرها، ~~فليس حدوث هذه الأنواع والصور بنفس التركيب أيضا، ولا هو مفيض له، فحصول ~~هذا التنوع والتفاوت والاختلاف في الحيوان والنبات من أعظم آيات الرب تعالى ~~ودلائل ربوبيته وقدرته وحكمته وعلمه، وأنه فعال لما يريد اختيارا ومشيئة، ~~فتنويع مخلوقاته وحدوثها شيئا بعد شي ء، من أظهر الدلالات. # وتأمل كيف أرشد القرآن إلى ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: وفي الأرض قطع ~~متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل ~~بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) [الرعد] وقوله ~~تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري ~~في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون (164) [البقرة] وقوله: ومن آياته خلق السماوات ~~والأرض واختلاف PageV01P576 ~~ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) [الروم] وقوله: هو الذي ~~أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون (11) [النحل] وقال تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ms418 ما ~~يشاء إن الله على كل شي ء قدير (45) [النور]. # فتأمل كيف نبه سبحانه باختلاف الحيوانات في المشي، مع اشتراكها في ~~المادة، على الاختلاف فيما وراء ذلك من أعضائها وأشكالها وقواها وأفعالها ~~وأغذيتها ومساكنها، فنبه على الاشتراك والاختلاف، فيشير إلى يسير منه، ~~فالطير كلها تشترك في الريش والجناح، وتتفاوت فيما وراء ذلك أعظم تفاوت. ~~واشتراك ذوات الحوافر في الحافر كالفرس والحمار والبغل، وتفاوتها في ما ~~وراء ذلك. واشتراك ذوات الأظلاف في الظلف، وتفاوتها في غير ذلك. واشتراك ~~ذوات القرون فيها، وتفاوتها في الخلق والمنافع والأشكال. واشتراك حيوانات ~~الماء في كونها سابحة، تأوي فيها، وتتكون فيها، وتفاوتها أعظم تفاوت، عجز ~~البشر، إلى الآن، عن حصره. واشتراك الوحوش في البعد عن الناس والتفاوت عنهم ~~وعن مساكنهم، وتفاوتها في صفاتها وأشكالها وطبائعها وأفعالها أعظم تفاوت، ~~يعجز البشر عن حصره. # واشتراك الماشي منها على بطنه في ذلك وتفاوت نوعه. واشتراك الماشي على ~~رجلين في ذلك وتفاوت نوعه أعظم تفاوت. وكل من هذه الأنواع له علم وإدراك ~~وتحيل على جلب مصالحه ودفع مضاره، يعجز كثير منها نوع الإنسان، فمن أعظم ~~الحكم الدلالة الظاهرة على معرفة الخالق الواحد المستولي بقوته وقدرته ~~وحكمته على ذلك كله، بحيث جاءت كلها مطيعة منقادة منساقة إلى ما خلقها له ~~على وفق مشيئته وحكمته، وذلك أدل شي ء على قوته القاهرة وحكمته البالغة ~~وعلمه الشامل، فيعلم إحاطة قدرة واحدة PageV01P577 ~~وعلم واحد وحكمة واحدة، أعني بالنوع، من قادر واحد حكيم واحد بجميع هذه ~~الأنواع وأضعافها، مما لا تعلمه العقول البشرية، كما قال: ويخلق ما لا ~~تعلمون (8) [النحل]. وقال: فلا أقسم بما تبصرون (38) [الحاقة] فيجمع غايات ~~فعله وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة، هي منتهى الغايات، وهي إلهية الحق ~~التي كل إلهية سواها فهي باطل ومحال، فهي غاية الغايات، ثم ينزل منها إلى ~~غايات أخر، هي وسائل بالنسبة إليها، وغايات بالنسبة إلى ما دونها، وإن إلى ~~ربك المنتهى، فليس وراءه معلوم ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم المحض، وليس ~~في الوجود إلا الله ms419 ومفعولاته، وهي آثار أفعاله، وأفعاله آثار صفاته وصفاته ~~قائمة به من لوازم ذاته. # والمقصود أن الغايات المطلوبة العلم بإحاطة علم واحد من عالم واحد، وفعل ~~واحد من فاعل واحد، وقدرة واحدة من قادر واحد، وحكمة واحدة من حكيم واحد، ~~بجميع ما فيه على اختلاف ما فيه، واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة، ~~وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية، كما ابتدأت كلها من خالق واحد، وقادر ~~واحد، ورب واحد، ودل على الأمرين، أعني توحيد الربوبية والإلهية، النظام ~~الواحد، والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع ضدها، وتعذرها، ودل افتقار ~~بعضها إلى بعض، وتشبك بعضها ببعض، ومعاونة بعضها ببعض، وارتباطه به، على ~~أنه صنع فاعل واحد، ورب واحد، فلو كان معه آلهة وأرباب غيره كما لا ترضى ~~ملوك الدنيا أن يحتاج مملوك أحدهم إلى مملوك غيره مثله، لما في ذلك من ~~النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغناء، ودل انتظامها في الوجود ~~ووقوعها في ثباتها واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها، على انتهائها إلى ~~غاية واحدة ومطلوب واحد، هو إلهها الحق ومعبودها الأعلى الذي لا إله لها ~~غيره، ولا معبود لها سواه. PageV01P578 # فتأمل كيف دل اختلاف الموجودات وثباتها واجتماعها، فيما اجتمعت فيه، ~~وافتراقها فيما افترقت، على إله واحد ورب واحد، ودلت على صفات كماله ونعوت ~~جلاله، فالموجودات بأسرها كعسكر واحد، له ملك واحد وسلطان واحد، يحفظ بعضه ~~ببعض، وينظم مصالح بعضه ببعض، ويسد خلل بعضه ببعض، فيمد هذا بهذا، ويقوى ~~هذا بهذا، وينفض من هذا، فيزيده في الآخر. يولج الليل في النهار، ويولج ~~النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. ويبيد هذا، ~~فينشئ مكانه من جنسه ما يقوم مقامه، ويسد مسده، فيشهد حدوث الثاني. إن الذي ~~أحدثه وأوجده هو الذي أحدث الأول لا غيره، وإن حكمته لم تتغير، وعلمه لم ~~ينقص، وقدرته لم تضعف، وإنه لا يتغير بتغيير ما يغير منها، ولا يضمحل ~~باضمحلاله، ولا يتلاشى بتلاشيه، بل هو الحي القيوم العزيز الحكيم. هذا إلى ~~ما في لوازم مكبرها، وانتظام بعضها ms420 ببعض، وما يصدر عنها من الأفعال والآثار ~~من حكم وأفعال أخرى وغايات أخر، حكمها حكم موادها وحواملها، كما نشاهده في ~~أشخاصها وأعيانها. # مثال ذلك: في أحدوثة واحدة: إنك ترى المعدة تشاق الغذاء، وتجتذبه إليها، ~~فانظر لوازم ذلك قبل تناوله، ولوازمه بعد تناوله، وما يترتب على تلك ~~اللوازم من عمارة الدنيا، فإذا جذبته إليها، أنضجته وطبخته كما تنضج القدر ~~ما فيها، فتنضجه الإنضاج الذي تعده، لتغذي جميع أجزاء البدن وقواه وأرواحه ~~به، وهي إذا أنضجته لأجل نصيبها الذي ينالها منه، فهو قليل من كثير بالنسبة ~~إلى انتفاع غيرها به، فيدفع ما فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة ~~إليه، على قدر حاجته، من غير أن يقصد ذلك أو يشعر به، ولكن قد قصده وأحكمه ~~من هو بكل شي ء عليم، وعلى كل شي ء قدير، يدبره بحكمته ولطفه، وساقه في ~~المجاري التي لا ينفذ فيها الإبر، لدقة مسالكها، حتى أوصله إلى المحتاج ~~إليه الذي لا صلاح له إلا بوصوله إليه، PageV01P579 ~~وكانت طبيعة الكبد ومزاجها في ذلك تلي طبيعة المعدة، وفعلها يلي فعلها، ~~وكذلك الأمعاء وباقي الأعضاء كالكبد للقلب في إعداد الغذاء، والقلب للرئة، ~~والرئة للقلب في إعداد الهواء وإصلاحه، فالأعضاء الموجودة في الشخص إذا ~~تأملتها، وتأملت أفعالها ومنافعها وما تضمنه كل واحد منها من حكمة، اختصت ~~به، كشكله ووصفه ومزاجه ووضعه من الشخص بذلك الموضع المعين، علمت علما ~~يقينا أن ذلك صادر عن خالق واحد ومدبر واحد وحكيم واحد، فانتقل من هذا إلى ~~أشخاص العالم شخصا شخصا من النوع الإنساني، تجد الحكمة الواحدة الظاهرة في ~~تلك الأفراد الكثيرة، قد نفعت بعضهم ببعض، وأعانت بعضهم ببعض، حراثا لزارع، ~~وزراعا لحاصد، وحائكا لخياط، وخياطا لنجار، ونجارا لبناء، فهذا يعين هذا ~~بيده، وهذا برجله، وهذا يعينه بعينه، وهذا بأذنه، وهذا بلسانه، وهذا بماله، ~~وإذ لا يقدر أحدهم على جميع مصالحه، ولا يقوم بحاجاته، ولا توجد في كل واحد ~~منهم جميع خواص نوعه، فهم بأشخاصهم الكثيرة كإنسان واحد، يقوم بعضه بمصالح ~~بعض، قد ms421 كمل خواص الإنسانية في صفاته وأفعاله وصنائعه وما يراد منه، فإن ~~الواحد منهم لا يفي بأن يجمع جميع الفضائل العلمية والعملية والقوة ~~والبقاء، فجعل ذلك في النوع الإنساني بجملته. # والله سبحانه قد فرق كمالات النوع في أشخاصه، وجعل لكل شخص منها ما هو ~~مستعد قابل له، بحيث لو قبل أكثر من ذلك لأعطاه، فإنه جواد لذاته، قد فاض ~~جوده وخيره على العالم كله، وفضل عنه أضعاف ما فاض عليه، فهو يفيضه على ~~تعاقب الآنات أبدا. # وكذلك يفضل في الجنة فضل عن أهلها، فينشئ لها خلقا يسكنهم فضلها، وإنما ~~يتخصص فضله بحسب استعداد العوامل والمعدات، وذلك بمشيئته وحكمته، فهو الذي ~~أوجدها، وهو الذي أعدها، وهو الذي أمدها، PageV01P580 ~~ولما كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق، لم يكن بد من بقاء كثير منه ~~مبذولا في الوجود، مهملا، وهذا كضوء الشمس مثلا، فإن مصالح الحيوان لا تتم ~~إلا به، وهي تشرق على مواضع، فضلت عن حوائج بني آدم والحيوان، وكذلك المطر ~~والنبات وسائر النعم، ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حكم ومصالح وعبر ودلالات، ~~وعطاء الرب ونعمه أوسع من حوائج خلقه، فلا بد أن يبقى في المياه والأقوات ~~والنبات وغير ذلك أجزاء مهملة، ولا يقال: ما الحكمة في خلقها؟ فإن هذا سؤال ~~جاهل ظالم، فإن الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير، والمعمور ~~بعضها، لا كلها، والرب تعالى واسع الجود دائمه، فجوده وخيره عام دائم، فلا ~~يكون إلا كذلك، فإن ذلك من لوازم علمه وقدرته وحكمته، ولعلمه وقدرته وحكمته ~~العموم والشمول والكمال المطلق بكل اعتبار، فيعلم من استقراء العالم ~~وأحواله انتهاؤه إلى عالم واحد وقادر واحد وحكيم واحد، أتقن نظامه أحسن ~~الإتقان، وأوجده على أتم الوجود، وهو سبحانه ناظم أفعال الفاعلين مع ~~كثرتها، ورابط بعضها ببعض، ومعين بعضها ببعض، وجاعل بعضها سببا لبعض وغاية لبعض. # وهذا من أدل الدليل على أنه خالق واحد ورب واحد وقادر واحد، دل على قدرته ~~كثرة أفعاله وتنوعها، في الوقت الواحد، وتعاقبها على تتالي الآنات، وتعين ms422 ~~تصرفاته في مخلوقاته على كثرتها، ودل على علمه وحكمته كون كل شي ء كبير ~~وصغير ودقيق وجليل داخلا في النظام الحكمي، ليس منها شي ء حتى مسام الشعر ~~في الجلد ومراشح اللعاب في الفم ومجاري الشعب الدقيقة من العروق في أصغر ~~الحيوانات التي تعجز عنها أبصارنا، ولا تنالها قدرتنا، وهذا فيما دق لصغره، ~~وفيما جل لعظمه، كالرياح الحاملة للسحب إلى الأرض الجرز التي لا نبات بها ~~فيمطرها عليها، فيخرج بها نباتا، ويحيي بها حيوانا، ويجعل فيها جزءين من ~~الطعام والشراب والأقوات PageV01P581 ~~والأدوية، دع ما فوق ذلك من تسخير الشمس والقمر والنجوم واختلاف مطالعها ~~ومغاربها، لإقامة دولة الليل والنهار وفصول العام التي بها مصالح من عليها، ~~فإذا تأملت العالم، وجدته كالبيت المبني المعد، فيه جميع عباده، فالسماء ~~سقفه، والأرض بساطه، والنجوم زينته، والشمس سراجه، ومصالح سكانه، والليل ~~سكنهم، والنهار معاشهم، والمطر سقياهم، والنبات غذاؤهم ودواؤهم وفاكهتهم، ~~والحيوان خدمهم، ومنه قوتهم ولباسهم، والجواهر كنوزهم وذخائرهم، كل شي ء ~~منها لما يصلح له، فضروب النبات لجميع حاجاتهم، وصنوف الحيوانات معدة لجميع ~~مصالحهم، وذلك أدل دليل على وحدانية خالقه وقدرته، فلم يكن لون السماء أزرق ~~اتفاقا بل لحكمة باهرة، فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر، حتى إن في ~~وصف الأطباء لمن أصابه ما أضر ببصره، أو كلم بصره إدمان النظر إلى الخضرة ~~وما قرب منها إلى السواد، فجعل أحكم الحاكمين أديم السماء بهذا اللون، ~~ليمسك الأبصار الراجعة، فلا ينكأ فيها، فهذا الذي أدركه الناس بعد الفكر ~~والتجربة، قد وجد مفروغا منه في الخلقة، ولم يكن طلوع الشمس وغروبها، على ~~هذا النظام، لغير علة ولا حكمة مطلوبة، فكم من حكمه ومصلحة في ذلك، من ~~إقامة الليل والسكن فيه، والنهار والمعاش فيه، فلو جعل الله عليهم الليل ~~سرمدا، لتعطلت مصالحهم وأكثر معايشهم، والحكمة في طلوعها أظهر من أن تنكر، ~~ولكن تأمل الحكمة في غروبها، إذ لو لا ذلك، لم يكن للناس هدوء ولا قرار ولا ~~راحة، وكان الكد الدائم بتكافؤ أبدانهم، وتسرع فسادها، وكان ما ms423 على الأرض ~~يحرق، بدوام شروق الشمس، من حيوان ونبات. # فصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح ~~العالم وقوامه ونظامه، وكذلك الحكمة في ارتفاع الشمس وانحطاطها، لإقامة هذه ~~الأزمنة الأربعة، وما في ذلك من الحكمة، فإن في الشتاء تغور PageV01P582 ~~الحرارة في الشجر والنبات، فيتولد من ذلك مواد الثمار، وتكيف الهواء، فتنشأ ~~منه السحاب، ويحدث المطر الذي به حياة الأرض والحيوان، وتشتد أفعال ~~الحيوان، وتقوى الأفعال الطبيعية، وفي الربيع تتحرك الطبائع، وتظهر المواد ~~الكامنة في الشتاء، وفي الصيف يسخن الهواء، فتنضج الثمار، ويتحلل فضول ~~الأبدان، ويجف وجه الأرض، فيتهيأ للبناء وغيره، وفي الخريف يصفو الهواء، ~~ويعتدل، فيذهب بسورة حر الصيف وسمومه، إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم، وكذلك ~~الحكمة في تنقل الشمس، فإنها لو كانت واقفة في موضع واحد، لفاتت مصالح ~~العالم، ولما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات، لأن الجبال والجدران يحجبانها ~~عنها، فاقتضت الحكمة الباهرة أن جعلت تطلع أول النهار من المشرق، وتشرق على ~~ما قبلها من وجه الغرب، ثم لا تزال تغشى وجها بعد وجه، حتى تنتهي إلى ~~الغرب، فتشرق على ما استتر عنها أول النهار، فتأخذ جميع الجهات منها قسطا ~~من النفع. # وكذلك الحكمة الباهرة في انتهاء مقدار الليل والنهار إلى هذا الحد، فلو ~~زاد مقدار أحدهما زيادة عظيمة، لتعطلت المصالح والمنافع، وفسد النظام. # وكذلك الحكمة في ابتداء القمر دقيقا، ثم أخذه في الزيادة حتى يكمل، ثم ~~يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى، فكم في ذلك من حكمة ومصلحة ~~ومنفعة للخلق، فإن بذلك يعرفون الشهور والسنين والآجال وأشهر الحج والتاريخ ~~ومقادير الأعمار ومدد الإجارات وغيرها، وهذا وإن كان يحصل بالشمس إلا أن ~~معرفته بالقمر وزيادته ونقصانه أمر يشترك فيه الناس كلهم. # وكذلك الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل، فإنه مع الحاجة إلى ~~الليل وظلمته، لهدوء الحيوان وبرد الهواء عليه وعلى النبات، لم PageV01P583 ~~يجعل الليل ظلاما محضا، لا ضياء فيه، فلا يمكن فيه سفر ولا عمل، وربما ~~احتاج الناس إلى العمل ms424 بالليل، لضيق الوقت عليهم في النهار ولشدة الحر، ~~فيتمكنون في ضوء القمر من أعمال كثيرة، وجعل نوره باردا، ليقاوم حرارة نور ~~الشمس، فبرد سمومه، فيعتدل الأمر، ويكسر كيفية كل منهما كيفية الآخر، ويزيل ضررها. # وكذلك الحكمة في خلق النجوم، فإن فيها من الهداية في البر والبحر ~~والاستدلال على الأوقات وزينة السماء وغير ذلك، ما لم يكن حاصلا بمجرد ~~الاتفاق، كما يقوله نفاة الحكمة، واقتضت هذه الحكمة أن جعلت نوعين، نوعا ~~منها يظهر وقتا، ويحتجب آخر، ونوعا آخر لا يزال ظاهرا غير محتجب، بل جعل ~~ظاهرا بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في الطرقات المجهولة، وهم ~~ينظرون إليها متى أرادوا، ويهتدون بها إلى حيث شاءوا، وجعلت الحكمة في ~~النوع الأول الاستدلال بظهوره على أمور تعاد به متى طلع في وقت، يعني دل ~~على تلك الأمور، فقامت المصلحة والحكمة بالنوعين، مع ما في خلقها من حكم ~~أخرى ومصالح، لا يهتدي إليها العباد، فما خلق الله شيئا سدى. # وقد نظم الله سبحانه الحوادث الأرضية بالأزواج والأجرام العلوية أكمل ~~نظام، يعجز عقول البشر عن الإحاطة ببعضه، وقد استفرغت الأمم السابقة قوى ~~أذهانها في إدراك ذلك، فلم يصل منه إلا إلى ما لا نسبة له إلى ما خفي عليها ~~بوجه ما، وقد جعل الخلاق العليم سبحانه النجوم فرقتين، فرقة منها لازمة ~~مراكزها من الفلك، ولا تسير إلا بسيره، وفرقة أخرى مطلقة، تنتقل في البروج، ~~وتسير بأنفسها غير سير فلكها، فلكل منها مسيران مختلفان، أحدهما عام مع ~~الفلك نحو المغرب، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق، وقد شبه هذا النوع بنملة ~~تدب على رحا، والرحا تدور ذات اليمين، والنملة PageV01P584 ~~تدور ذات الشمال، فللنملة في تلك الحال حركتان مختلفتان، إحداهما حركة ~~بنفسها، تتوجه أمامها، والأخرى بغيرها، هي مقهورة عليها للرحى، تجذبها إلى ~~خلفها، فلهذا النوع من النجوم حركتان مختلفتان على وزن وتقدير لا يعدوه، ~~فزعم نفاة الحكمة أن ذلك أمر اتفاقي، لا لحكمة ولا لغرض مقصود. # فإن قلت: فما الغرض المقصود بذلك، وأي حكمة فيه؟ # قيل: استدل بما ms425 عرفت من الحكمة على ما خفي عنك منها، ولا تجعل ما خفي ~~عليك دليلا على بطلانها، مع أن من بعض الحكم في ذلك، أنها لو كانت كلها ~~راتبة، لبطلت الدلالات التي تكون من تنقل المتنقل منها، ومسيرها في كل واحد ~~من البروج، كما يستدل على أمور كثيرة وحوادث جمة، بتنقل الشمس والقمر ~~والسيارات في منازلها، ولو كانت كلها منتقلة، لم يكن لمسيرها منازل تعرف، ~~ولا رسم يقاس عليه، فإنه إنما يقاس مسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج ~~الراتبة، كما يقاس سير السائر على الأرض بالمنازل التي يقطعها. # وبالجملة: فلو كانت كلها بحال واحدة، لبطل النظام الذي اقتضته الحكمة ~~التي جعلها هكذا، فذلك تقدير العزيز العليم وصنع الرب الحكيم، وكيف يرتاب ~~ذو بصيرة أن ذلك كله تقدير مقدر حكيم، أتقن ما صنعه، وأحكم ما دبره، ويعرف ~~بما فيه من الحكم والمصالح والمنافع إلى خلقه، فشدت العقول والفطر بأنه ذو ~~الحكمة الباهرة والقدرة القاهرة والعلم التام المحيط، وأنه لم يخلق ذلك ~~باطلا، ولا من الحكمة عاطلا. # وكذلك الحكمة في تعاقب الحر والبرد، على التدريج، على أبدان الحيوان ~~والنبات، فإن قيامها وكمالها لما كان بذلك، اقتضت الحكمة الإلهية PageV01P585 ~~أن لا يدخل أحدهما على الآخر وهلة، فلا يتحمله، بل بالتدريج قليلا قليلا ~~إلى أن ينتهي منتهاه، ويحصل المقصود به من غير ضرر يعم، وهذا كله بأسباب: ~~هي منشأ الحكم والمصالح، فلا يبطل السبب بإثبات الحكمة، ولا الحكمة بالسبب، ~~ولا السبب والحكمة بالمشيئة، فيكون من الذين يبخس حظهم من العقل والسمع. # وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها، فإنها لو ~~كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب، لأحرقت العالم وما فيه، ولم يكن بد من ~~ظهورها في الأحايين، للحاجة إليها، فجعلت مخزونة في الأجسام، تورى عند ~~الحاجة إليها، فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها، ثم تخبو إذا ~~استغني عنها، فجعلت على خلقة وتقدير وتدبير، حصل به الاستمتاع بها ~~والانتفاع، مع السلامة من ضررها، ثم في النار خلة أخرى، وهي أنها مما ms426 خص به ~~الإنسان دون سائر الحيوان، فإن الحيوانات لا تستعمل النار، ولا تستمتع بها، ~~ولما اقتضت الحكمة الباهرة ذلك، اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها، ~~فأعطيت من الشعور والأوبار ما يغنيها عنها، وجعلت أغذيتها بالمفردات التي ~~لا تحتاج إلى طبخ وخبز، ولما كانت الحاجة إليها شديدة، جعل من الآلات ~~والأسباب ما يتمكن به من إثارتها، إذا شاء، ومن إبطالها، ومن حكمها هذه ~~المصابيح التي يوقدها الناس، فيتمكنون بها من كثير حاجاتهم، ولولاها لكان ~~نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور، وأما منافعها في إنضاج الأغذية والأدوية ~~والدف ء فلا يخفى، وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: أفرأيتم النار التي تورون ~~(71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا ~~للمقوين (73) [الواقعة] أي: # تذكر بنار الآخرة، فيحترز منها، ويستمتع بها المقوون، وهم النازلون ~~بالفيفاء، وهي الأرض الخالية، وخص هؤلاء بالذكر لشدة حاجتهم إليها في خبزهم ~~وطبخهم، حيث لا يجدون ما يشترونه، فيغنيهم عن ما يصنعونه PageV01P586 ~~بالنار. # وكذلك الحكمة في خلق النسيم، وما فيه من المصالح والعبر، فإنه حياة هذه ~~الأبدان وقوامها، من خارج ومن داخل، وفيه طرد هذه الأصوات، فيؤديها إلى ~~السامع، وهو الحامل لهذه الأراييح، يؤديها إلى المسام، وينقلها من موضع إلى ~~موضع، وهو الذي يزجي السحاب ويسوقه من مكان إلى مكان على ظهره، كالروايا ~~على ظهور الإبل، وهو الذي يسير السحاب أولا، فيكون كسفا متفرقة، فيؤلف بينه ~~ثانيا، فيصير طبقا واحدا، ثم يلقحه ثالثا كما يلقح الفحل الأنثى، فيحمل ~~الماء كما تحمل الأنثى من لقاح الفحل، ثم يسوقه رابعا إلى أحوج الأماكن ~~والحيوان إليه، ثم يعصره خامسا حتى يخرج ماؤه، ثم يذرو «1» ماءه بعد عصره ~~سادسا حتى لا يسقط حمله فيهلك ما يقع عليه، ثم يربي النبات سابعا، فيكون له ~~بمنزلة الماء والغذاء، يجففه بحرارته ثامنا لئلا يعفن ولا يمكن بقاؤه. # ولهذا اقتضت الحكمة الباهرة أن تكون الرياح مختلفة المهاب والصفات ~~والطبائع، فزعم نفاة الحكمة أن هذا كله أمر اتفاقي، لا سبب ولا غاية، وهذا ~~لو تتبعناه لجاء عدة أسفار، ms427 بل لو تتبعنا خلقة الإنسان وحده وما فيها من ~~الحكم والغايات، لعجزنا نحن وأهل الأرض عن الإحاطة بتفصيل ذلك، فلنرجع إلى ~~جواب نفاة الحكمة والتعليل، فنقول: # في الوجه الرابع والعشرين: قولهم: أي حكمة في خلق إبليس وجنوده؟ # ففي ذلك من الحكم ما لا يحيط بتفصيله إلا الله، فمنها أن يكمل لأنبيائه ~~وأوليائه مراتب العبودية، بمجاهدة عدو الله وحزبه، ومخالفته ومراغمته في ~~الله، وإغاظته وإغاظة أوليائه، والاستعاذة به منه، واللجأ إليه أن يعيذهم من PageV01P587 ~~شره وكيده، فيترتب لهم على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل ~~بدونه، وقدمنا أن الموقوف على الشي ء لا يحصل بدونه. # ومنها: خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم بعد ما شاهدوا من حال إبليس ما ~~شاهدوه، وسقوطه من المرتبة الملكية إلى المنزلة الإبليسية، يكون أقوى وأتم، ~~ولا ريب أن الملائكة لما شاهدوا ذلك، حصلت لهم عبودية أخرى للرب تعالى، ~~وخضوع آخر، وخوف آخر، كما هو المشاهد من حال عبيد الملك، إذا رأوه قد أهان ~~أحدهم الإهانة التي بلغت منه كل مبلغ، وهم يشاهدونه، فلا ريب أن خوفهم ~~وحذرهم يكون أشد. # ومنها: أنه سبحانه جعله عبرة لمن خالف أمره، وتكبر عن طاعته، وأصر على ~~معصيته، كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه، أو عصى أمره، ثم تاب ~~وندم ورجع إلى ربه، فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة ~~لمن أصر وأقام على ذنبه، وهذا الأب عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه، فلله كم في ~~ضمن ذلك من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة. # ومنها: أنه محك، امتحن الله به خلقه، ليتبين به خبيثهم من طيبهم، فإنه ~~سبحانه خلق النوع الإنساني من الأرض، وفيها السهل والحزن والطيب والخبيث، ~~فلا بد أن يظهر فيهم ما كان في مادتهم، كما في الحديث الذي رواه الترمذي ~~«1» مرفوعا: «إن الله خلق آدم من قبضة، قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم ~~على مثل ذلك، منهم الطيب والخبيث والسهل والحزن وغير ذلك» «2». # فما كان في المادة الأصلية، فهو كائن في المخلوق ms428 منها، فاقتضت PageV01P588 ~~الحكمة الإلهية إخراجه وظهوره، فلا بد إذا من سبب يظهر ذلك، وكان إبليس ~~محكا يميز به الطيب من الخبيث، كما جعل أنبياءه ورسله محكا لذلك التمييز. ~~قال تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب (179) [آل عمران] فأرسل رسله إلى المكلفين، وفيهم الطيب والخبيث، ~~فانضاف الطيب إلى الطيب والخبيث إلى الخبيث، واقتضت حكمته البالغة أن خلطهم ~~في دار الامتحان، فإذا صاروا إلى دار القرار، يميز بينهم، وجعل لهؤلاء دارا ~~على حدة، ولهؤلاء دارا على حدة، حكمة بالغة وقدرة قاهرة. # ومنها: أن يظهر كمال قدرته في خلق مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين، ~~وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته وسلطانه، فإنه خالق الأضداد كالسماء ~~والأرض والضياء والظلام والجنة والنار والماء والنار والحر والبرد والطيب ~~والخبيث. # ومنها: أن خلق أحد الضدين من كمال حسن ضده، فإن الضد إنما يظهر حسنه ~~بضده، فلولا القبيح لم تعرف فضيلة الجميل، ولو لا الفقر لم يعرف قدر الغنى، ~~كما تقدم بيانه قريبا. # ومنها: أنه سبحانه يحب أن يشكر بحقيقة الشكر وأنواعه، ولا ريب أن أولياءه ~~نالوا، بوجود عدو الله إبليس وجنوده وامتحانهم به، من أنواع شكره، ما لم ~~يكن ليحصل لهم بدونه، فكم بين شكر آدم وهو في الجنة قبل أن يخرج منها، وبين ~~شكره بعد أن ابتلي بعدوه، ثم اجتباه ربه وتاب عليه وقبله. # ومنها: أن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضاء ونحوها أحب العبودية ~~إلى الله سبحانه، وهذه العبودية إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس لله، PageV01P589 ~~وتقديم محبته على كل ما سواه، فالجهاد ذروة سنام العبودية وأحبها إلى الرب ~~سبحانه، فكان في خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية وتوابعها التي لا ~~يحصي حكمها وفوائدها وما فيها من المصالح إلا الله. # ومنها: أن في خلق من يضاد رسله، ويكذبهم ويعاديهم من تمام ظهور آياته ~~وعجائب قدرته ولطائف صنعه ما وجوده أحب إليه وأنفع لأوليائه من عدمه، كما ~~تقدم من ظهور آية الطوفان والعصا واليد وفلق البحر وإلقاء الخليل ms429 في النار، ~~وأضعاف أضعاف ذلك من آياته وبراهين قدرته وعلمه وحكمته، فلم يكن بد من وجود ~~الأسباب التي يترتب عليها ذلك كما تقدم. # ومنها: أن المادة النارية فيها الإحراق والعلو والفساد، وفيها الإشراق ~~والإضاءة والنور، فأخرج منها سبحانه هذا وهذا، كما أن المادة الترابية ~~الأرضية فيها الطيب والخبيث والسهل والحزن والأحمر والأسود والأبيض، فأخرج ~~منها ذلك كله، حكمة باهرة، وقدرة قاهرة، وآية دالة على أنه ليس كمثله شي ء، ~~وهو السميع البصير. # ومنها: أن من أسمائه الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل المنتقم، ~~وهذه الأسماء تستدعي متعلقات، يظهر فيها إحكامها، كأسماء الإحسان والرزق ~~والرحمة ونحوها، ولا بد من ظهور متعلقات هذه وهذه. # ومنها: أنه سبحانه الملك التام الملك، ومن تمام ملكه عموم تصرفه وتنوعه ~~بالثواب والعقاب والإكرام والإهانة والعدل والفضل والإعزاز والإذلال، فلا ~~بد من وجود من يتعلق به أحد النوعين، كما أوجد من يتعلق به النوع الآخر. # ومنها: أن من أسمائه الحكيم، والحكمة من صفاته سبحانه، وحكمته تستلزم وضع ~~كل شي ء موضعه الذي لا يليق به سواه، فاقتضت خلق PageV01P590 ~~المتضادات، وتخصيص كل واحد منها لا يليق به غيره من الأحكام والصفات ~~والخصائص، وهل تتم الحكمة إلا بذلك. فوجود هذا النوع من تمام الحكمة، كما ~~أنه من كمال القدرة. # ومنها: أن حمده سبحانه تام كامل من جميع الوجوه، فهو محمود على عدله ~~ومنعه وخفضه وانتقامه وإهانته، كما هو محمود على فضله وعطائه ورفعه ~~وإكرامه، فلله الحمد التام الكامل على هذا وهذا، وهو يحمد نفسه على ذلك ~~كله، ويحمده عليه ملائكته ورسله وأولياؤه، ويحمده عليه أهل الموقف جميعهم، ~~وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه، فله في خلقه إيجاد الحكمة التامة، كما ~~له عليه الحمد التام، فلا يجوز تعطيل حمده، كما لا يجوز تعطيل حكمته. # ومنها: أنه سبحانه يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره وأناته وسعة رحمته ~~وجوده، فاقتضى ذلك خلق من يشرك به، ويضاده في حكمه، ويجتهد في مخالفته، ~~ويسعى في مساخطه، بل يشبهه سبحانه وهو مع ذلك يسوق ms430 إليه أنواع الطيبات، ~~ويرزقه، ويعاقبه، ويمكن له من أسباب ما يلتذ به من أصناف النعم، ويجيب ~~دعاءه، ويكشف عنه السوء، ويعامله من بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من ~~كفره وشركه وإساءته، فلله كم في ذلك من حكمة وحمد. ويتحبب إلى أوليائه، ~~ويتعرف بأنواع كمالاته، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ~~أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم» «1». # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه: «شتمني ابن PageV01P591 ~~آدم، وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك، أما شتمه إياي، ~~فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي ~~كفؤا أحد، وأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق ~~بأهون عليه من إعادته» «1». # وهو سبحانه مع هذا الشتم له والتكذيب، يرزق الشاتم المكذب، ويعاقبه، ~~ويدفع عنه، ويدعوه إلى جنته، ويقبل توبته إذا تاب إليه، ويبدله بسيئاته ~~حسنات، ويلطف به في جميع أحواله، ويؤهله لإرسال رسله، ويأمرهم بأن يلينوا ~~له القول، ويرفقوا به. # قال الفضيل بن عياض: ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل جل جلاله: ~~من أعظم مني جودا؟ الخلائق لي عاصون، وأنا أكلؤهم في مضاجعهم، كأنهم لم ~~يعصوني، وأتولى حفظهم، كأنهم لم يذنبوا، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل ~~على المسي ء، من ذا الذي دعاني فلم ألبه، ومن ذا الذي سألني فلم أعطه، أنا ~~الجواد، ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أني أعطي العبد ما ~~سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أني أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين ~~عني يهرب الخلق، وأين عن بابي يتنحى العاصون. # وفي أثر إلهي: إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ~~ويشكر سواي. # وفي أثر حسن: ابن آدم! ما أنصفتني، خيري لك نازل، وشرك إلي صاعد، أتحبب ~~إليك بالنعم، وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلي بالمعاصي، PageV01P592 ~~وأنت فقير إلي، ولا ms431 يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح «1». # وفي الحديث الصحيح: «لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ~~فيستغفرون فيغفر لهم» «2». # وسبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته، اقتضى حمده، وحكمته أن يخلق خلقا، ~~يظهر فيهم أحكامها وآثارها، فالمحبة للعفو خلق من يحسن العفو عنه، ولمحبته ~~للمغفرة خلق من يغفر له، ويحلم عنه، ويصبر عليه، ولا يعاجله، بل يكون يحب ~~أمانه وإمهاله، ولمحبته لعدله وحكمته خلق من يظهر فيهم عدله وحكمته، ~~ولمحبته للجود والإحسان والبر، خلق من يعامله بالإساءة والعصيان، وهو ~~سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان، فلولا خلق من يجري على أيديهم أنواع ~~المعاصي والمخالفات، لفاتت هذه الحكم والمصالح وأضعافها وأضعاف أضعافها، ~~فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين، ذو الحكمة البالغة والنعم السابغة ~~الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته، وله في كل شي ء حكمة باهرة، كما أن له ~~فيه قدرة قاهرة وهدايات، إنما ذكرنا منه قطرة من بحر، وإلا فعقول البشر ~~أعجز وأضعف وأقصر من أن تحيط بكمال حكمته في شي ء من خلقه، فكم حصل بسبب ~~هذا المخلوق البغيض للرب المسخوط له من محبوب له تبارك وتعالى، يتصل في حبه ~~ما حصل به من مكروهه، والحكيم الباهر الحكمة هو الذي يحصل أحب الأمرين ~~إليه، باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه، إذا كان طريقا إلى حصول ذلك ~~المحبوب ووجود الملزوم بدون لازمه محال، فإن PageV01P593 ~~يكن قد حصل بعدو الله إبليس من السرور والمعاصي ما حصل، فكم حصل بسبب وجوده ~~ووجود جنوده من طاعة، هي أحب إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله، ومخالفة ~~هوى النفس وشهوتها له، ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته، وأحب شي ء ~~للحبيب أن يرى محبه يتحمل لأجله من الأذى والوصب «1» ما يصدق محبته. # من أجلك قد جعلت خدي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضا # وفي أثر إلهي: بغيتي ما يتحمل المتحملون من أجلي. فلله ما أحب إليه ~~احتمال محبيه أذى أعدائه لهم فيه وفي مرضاته، وما أنفع ذلك الأذى لهم، وما ~~أحمدهم لعاقبته، وما ذا ms432 ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه، قرة عيونهم به، ~~ولكن حرام على منكري محبة الرب تعالى أن يشموا لذلك رائحة، أو يدخلوا من ~~هذا الباب، أو يذوقوا من هذا الشراب. # فقل للعيون العمي للشمس أعين ... سواك يراها في مغيب ومطلع # وسامح يئوسا لم يؤهل لحبهم ... فما يحسن التخصيص في كل موضع # فإن أغضب هذا المخلوق ربه، فقد أرضاه فيه أنبياؤه ورسله وأولياؤه، وذلك ~~الرضا أعظم من ذلك الغضب، وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي ~~والمخالفات، فإنه سبحانه أشد فرحا بتوبة عبده من الفاقد لراحلته التي عليها ~~طعامه وشرابه، إذا وجدها في المفاوز المهلكات. وإن أغضبه ما جرى على ~~أنبيائه ورسله من هذا العدو، فقد سره وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ~~ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه، وهذا الرضاء أعظم عنده وأبر لديه من فوات ~~ذلك المكروه المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب، وإن أسخطه أكل آدم من ~~الشجرة، فقد أرضاه توبته وإنابته وخضوعه وتذلله PageV01P594 ~~بين يديه، وانكساره له. وإن أغضبه إخراج أعدائه لرسوله من حرمه وبلدته ذلك ~~الخروج، فقد أرضاه أعظم الرضاء دخوله إليها ذلك الدخول. وإن أسخطه قتلهم ~~أولياءه وأحباءه وتمزيق لحومهم وإراقة دمائهم، فقد أرضاه نيلهم الحياة التي ~~لا أطيب منها، ولا أنعم ولا ألذ في قربه وجواره. وإن أسخطه معاصي عباده، ~~فقد أرضاه شهود ملائكته وأنبيائه ورسله وأوليائه سعة مغفرته وعفوه وبره ~~وكرمه وجوده، والثناء عليه بذلك، وحمده وتمجيده بهذه الأوصاف التي حمده ~~بها، وأثنى عليه بها أحب إليه وأرضى له من فوات تلك المعاصي، وفوات هذه ~~المحبوبات. # واعلم أن الحمد هو الأصل الجامع لذلك كله، فهو عقد نظام الخلق والأمر، ~~والرب تعالى له الحمد كله بجميع وجوهه واعتباراته وتصاريفه، فما خلق شيئا ~~ولا حكم بشي ء إلا وله فيه الحمد، فوصل حمده إلى حيث وصل خلقه وأمره حمدا ~~حقيقيا، يتضمن محبته والرضا به وعنه والثناء عليه والإقرار بحكمته البالغة ~~في كل ما خلقه وأمر به، فتعطيل حكمته غير تعطيل حمده كما تقدم بيانه، فكما ~~أنه ms433 لا يكون إلا حميدا، فلا يكون إلا حكيما، فحمده وحكمته كعلمه وقدرته ~~وحياته، من لوازم ذاته، ولا يجوز تعطيل شي ء من صفاته وأسمائه عن مقتضياتها ~~وآثارها، فإن ذلك يستلزم النقص الذي يناقض كماله وكبرياءه وعظمته، يوضحه: # الوجه الخامس والعشرون: أنه كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء ~~أنه يجود ويعطي ويمنح، فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به ~~اللائذون، يحب أن يعوذ به العائذون. وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم، ~~ويعوذوا بهم، كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه: # يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره PageV01P595 ~~لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره # ولو قال ذلك في ربه وفاطره، لكان أسعد به من مخلوق مثله. # والمقصود: أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه، وأن يعوذوا به، كما أمر ~~رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم، في غير موضع من كتابه، وبذلك يظهر ~~تمام نعمته على عدوه، إذا أعاذه وأجاره من عدوه، فلم يكن إعاذته وإجارته ~~منه بأدنى النعمتين، والله تعالى يحب أن يكمل نعمته على عباده المؤمنين، ~~ويريهم نصره لهم على عدوهم، وحمايتهم منه وظفرهم بهم، فيا لها من نعمة، كمل ~~بها سرورهم ونعيمهم، وعدل أظهره في أعدائه وخصمائه: # وما منهما إلا له فيه حكمة ... يقصر عن إدراكها كل باحث # الوجه السادس والعشرون: قوله: أي حكمة في إبقاء إبليس إلى آخر الدهر، ~~وإماتة الرسل. فكم لله في ذلك من حكمة، تضيق بها الأوهام. # فمنها: أنه سبحانه لما جعله محكا ومحنة، يخرج به الطيب من الخبيث ووليه ~~من عدوه، اقتضت حكمته إبقاءه، ليحصل الغرض المطلوب بخلقه، ولو أماته لفات ~~ذلك الغرض، كما أن الحكمة اقتضت بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر ~~الدهر، ولو أهلكهم البتة، لتعطلت الحكم الكثيرة في إبقائهم، فكما اقتضت ~~حكمته امتحان أبي البشر، اقتضت امتحان أولاده من بعده به، فتحصل السعادة ~~لمن خالفه وعاداه، وينحاز إليه من وافقه ووالاه. # ومنها: أنه لما ms434 سبق حلمه وحكمته، أنه لا نصيب له في الآخرة، وقد سبق له ~~طاعة وعبادة، جزاه بها في الدنيا، بأن أعطاه البقاء فيها إلى آخر الدهر، ~~فإنه سبحانه لا يظلم أحدا حسنة عملها، فأما المؤمن فيجزيه بحسناته في ~~الدنيا وفي الآخرة، وأما الكافر فيجزيه بحسنات ما عمل في الدنيا، فإذا PageV01P596 ~~أفضى إلى الآخرة، لم يكن له شي ء، كما ثبت هذا المعنى في الصحيح، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # ومنها: أن إبقاءه لم يكن كرامة في حقه، فإنه لو مات كان خيرا له، وأخف ~~لعذابه وأقل لشره، ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على المعصية ومخاصمة من ~~ينبغي التسليم لحكمه والقدح في حكمته والحلف على اقتطاع عباده وصدهم عن ~~عبوديته، كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه، فأبقي في الدنيا، وأملي ~~له ليزداد هذا إثما على إثم ذلك الذنب، فيستوجب العقوبة التي لا تصلح ~~لغيره، فيكون رأس أهل الشر في العقوبة، كما كان رأسهم في الشر والكفر، ولما ~~كان مادة كل شر، فعنه ينشأ، جوزي في النار مثل فعله، فكل عذاب ينزل بأهل ~~النار، يبدأ به فيه، ثم يسري منه إلى أتباعه عدلا ظاهرا أو حكمة بالغة. # ومنها: أنه قال في مخاصمته لربه: أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى ~~يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) [الإسراء]. # وعلم سبحانه أن في الذرية من لا يصلح لمساكنته في داره، ولا يصلح إلا لما ~~يصلح له الشوك والروث، أبقاه له، وقال له بلسان القدر: هؤلاء أصحابك ~~وأولياؤك، فاجلس في انتظارهم، وكلما مر بك واحد منهم، فشأنك به، فلو صلح ~~لي، لما ملكتك منه، فإني أتولى الصالحين، وهم الذي يصلحون لي، وأنت ولي ~~المجرمين الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي، قال تعالى: إنه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون (100) [النحل]. # فأما إماتة الأنبياء والمرسلين، فلم يكن ذلك لهوانهم عليه، ولكن ليصلوا PageV01P597 ~~إلى محل كرامته، ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم ms435 وأتباعهم، ~~وليحيى الرسل بعدهم، يرى رسولا بعد رسول، فإماتتهم أصلح لهم وللأمة، أما هم ~~فلراحتهم من الدنيا، ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور، ولا سيما ~~وقد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به، وأما الأمم فيعلم أنهم لم ~~يطيعوهم في حياتهم خاصة، بل أطاعوهم بعد مماتهم، كما أطاعوهم في حياتهم، ~~وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم، بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم، والله هو ~~الحي الذي لا يموت، فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمم، هذا وهم ~~بشر، ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام، بل جعلهم خلائف ~~في الأرض، يخلف بعضهم بعضا، فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم ~~خلائف، ولضاقت بهم الأرض، فالموت كمال لكل مؤمن، ولو لا الموت لما طاب ~~العيش في الدنيا، ولا هناء لأهلها بها، فالحكمة في الموت كالحكمة في ~~الحياة. # الوجه السابع والعشرون: قوله: أي حكمة ومصلحة في إخراج آدم من الجنة إلى ~~دار الابتلاء والامتحان؟. # فالجواب أن يقال: كم لله سبحانه في ذلك من حكمة، وكم فيه من نعمة ومصلحة ~~تعجز العقول عن معرفتها على التفصيل، ولو استفرغت قواها كلها في معرفة ذلك. ~~وإهباط آدم وإخراجه من الجنة كان يعسر كماله ليعود إليها على أحسن أحواله، ~~وهو سبحانه إنما خلقه ليستعمره وذريته في الأرض، ويجعلهم خلفاء، يخلف بعضهم ~~بعضا، فخلقهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم، وليست الجنة دار ابتلاء ~~وتكليف، فأخرج الأبوين إلى الدار التي خلقوا منها وفيها، ليتزودوا منها إلى ~~الدار التي خلقوا لها، فإذا وفوا تعب دار التكليف ونصبها، عرفوا قدر تلك ~~الدار وشرفها وفضلها، ولو نشئوا في PageV01P598 ~~تلك الدار، لما عرفوا قدر نعمته عليهم بها، فأسكنهم دار الامتحان، وعرضهم ~~فيها لأمره ونهيه، لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه وكرامته. وكان من الممكن أن ~~يحصل لهم النعيم المقيم هناك، لكن الحاصل عقيب الابتلاء والامتحان ومعاناة ~~الموت وما بعده، وأهوال القيامة، والعبور على الصراط، نوع آخر من النعيم، ~~لا يدرك قدره، وهو أكمل من نعيم من خلق في الجنة من الولدان ms436 والحور العين ~~بما لا يشبه بينهما بوجه من الوجوه. # ومن الحكم في ذلك أنه سبحانه أراد أن يتخذ من ذرية آدم رسلا وأنبياء ~~وشهداء، يحبهم ويحبونه، وينزل عليهم كتبه، ويعهد إليهم عهده، ويستعبدهم له ~~في السراء والضراء، ويؤثرون محابه ومراضيه على شهواتهم وما يحبونه ويهوونه، ~~فاقتضت حكمته أن أنزلهم إلى دار، ابتلاهم فيها بما ابتلاهم، ليكملوا «1» ~~بذلك الابتلاء مراتب عبوديته، ويعبدونه بما تكرهه نفوسهم، وذلك محض ~~العبودية، وإلا فمن يعبد الله إلا بما يحبه ويهواه، فهو في الحقيقة إنما ~~يعبد نفسه، وهو سبحانه يحب من أوليائه أن يوالوا فيه، ويعادوا فيه، ويبذلوا ~~نفوسهم في مرضاته ومحابه، وهذا كله لا يحصل في دار النعيم المطلق. # ومن الحكمة في إخراجه من الجنة ما تقدم التنبيه عليه من اقتضاء أسماء ~~الله الحسنى لمسمياتها ومتعلقاتها، كالغفور الرحيم التواب العفو المنتقم ~~الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارث، ولا بد من ظهور أثر هذه ~~الأسماء ووجود ما يتعلق به، فاقتضت حكمته أن أنزل «2» الأبوين من الجنة، ~~ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما، فلو تربت الذرية PageV01P599 ~~في الجنة، لفاتت آثار هذه الأسماء وتعلقاتها، والكمال الإلهي يأبى ذلك، ~~فإنه الملك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهى، ويكرم ويهين، ويثيب ~~ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، فأنزل الأبوين والذرية إلى دار، تجري ~~عليهم هذه الأحكام، وأيضا فإنهم أنزلوا إلى دار، يكون إيمانهم تاما، فإن ~~الإيمان قول وعمل، وجهاد وصبر واحتمال، وهذا كله إنما يكون في دار ~~الامتحان، لا في جنة النعيم. # وقد ذكر غير واحد من أهل العلم، منهم أبو الوفاء بن عقيل، وغيره، أن ~~أعمال الرسل والأنبياء والمؤمنين في الدنيا أفضل من نعيم الجنة، قالوا: لأن ~~نعيم الجنة حظهم وتمتعهم، فأين يقاس إلى الإيمان وأعماله والصلوات وقراءة ~~القرآن والجهاد في سبيل الله وبذل النفوس في مرضاته وإيثاره على هواها ~~وشهواتها. # فالإيمان متعلق به سبحانه، وهو حقه عليهم، ونعيم الجنة متعلق بهم، وهو ~~حظهم، فهم إنما خلقوا للعبادة، والجنة دار نعيم، لا دار تكليف وعبادة، ~~وأيضا فإنه ms437 سبحانه سبق حكمه وحكمته بأن يجعل في الأرض خليفة، وأعلم بذلك ~~ملائكته، فهو سبحانه قد أراد بكون هذا الخليفة وذريته في الأرض قبل خلقه، ~~لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة، فلم يكن بد من إخراجه من الجنة ~~إلى دار، قدر سكناهم فيها قبل أن يخلقه، وكان ذلك التقدير بأسباب وحكم، فمن ~~أسبابه النهي عن تلك الشجرة، وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل، ~~وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية، وكانت تلك الأسباب موصلة إلى ~~غايات محمودة مطلوبة، تترتب على خروجه من الجنة، ثم يترتب على خروجه أسباب ~~أخر، جعلت غايات لحكم أخر. ومن تلك الغايات عوده إليها على أكمل الوجوه، ~~فذلك التقدير وتلك الأسباب وغاياتها صادرة عن محض الحكمة البالغة التي PageV01P600 ~~يحمده عليها أهل السموات والأرض والدنيا والآخرة، فما قدر أحكم الحاكمين ~~ذلك باطلا، ولا دبره عبثا، ولا أخلاه من حكمته البالغة وحمده التام، وأيضا ~~فإنه سبحانه قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون (30) [البقرة]. # ثم أظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة، من أمر هذا ~~الخليفة، ما لم يكونوا يعرفونه، بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبائه ورسله ~~وأنبيائه من يتقرب إليه بأنواع التقرب، ويبذل نفسه في محبته ومرضاته، يسبح ~~بحمده آناء الليل وأطراف النهار، ويذكره قائما وقاعدا وعلى جنبه، ويعبده ~~ويذكره ويشكره في السراء والضراء والعافية والبلاء والشدة والرخاء، فلا ~~يثنيه عن ذكره وشكره وعبادته شدة ولا بلاء، ولا فقر ولا مرض، ويعبده مع ~~معارضة الشهوة وغلبات الهوى وتعاضد الطباع لأحكامها، ومعاداة بني جنسه ~~وغيرهم له، فلا يصده ذلك عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه، فإن كانت ~~عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع، فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات ~~والموانع والشواغل. # وأيضا فإنه سبحانه أراد أن يظهر لهم ما خفي عليهم من شأن ما كانوا ~~يعظمونه ويجلونه، ولا يعرفون ما في نفسه ms438 من الكبر والحسد والشر، فذلك الخير ~~وهذا الشر كامن في نفوس، لا يعلمونها، فلا بد من إخراجه وإبرازه لكي يعلم ~~حكمة أحكم الحاكمين في مقابلة كل منهما بما يليق به. # وأيضا فإنه سبحانه لما خلق خلقه أطوارا وأصنافا، وسبق في حكمه وحكمته ~~تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلا، جعل عبوديتهم أكمل من عبودية ~~غيرهم، وكانت العبودية أفضل أحوالهم وأعلى درجاتهم، أعني العبودية ~~الاختيارية التي يأتون بها طوعا واختيارا، لا كرها واضطرارا. PageV01P601 # ولهذا أرسل الله جبريل إلى سيد هذا النوع الإنساني، يخيره بين أن يكون عبدا ~~رسولا أو ملكا نبيا، فاختار، بتوفيق ربه له، أن يكون عبدا رسولا، وذكره ~~سبحانه بأتم العبودية في أشرف مقاماته وأفضل أحواله، كمقام الدعوة والتحدي ~~والإسراء وإنزال القرآن. وأنه لما قام عبد الله يدعوه (19) [الجن]. # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا (23) [البقرة]. سبحان الذي أسرى ~~بعبده (1) [الإسراء]. تبارك الذي نزل الفرقان على عبده (1) [الفرقان]. # فأثنى عليه، ونوه به لعبوديته التامة له، ولهذا يقول أهل الموقف، حين ~~يطلبون الشفاعة: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر «1». # فلما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم وأحبها إلى الله، وكان لها لوازم ~~وأسباب مشروطة، لا يحصل إلا بها، كان من أعظم الحكمة أن أخرجوا إلى دار، ~~تجري عليهم فيها أحكام العبودية وأسبابها وشروطها وموجباتها، فكان إخراجهم ~~من الجنة تكميلا لهم، وإتماما لنعمته عليهم، مع ما في ذلك من محبوبات الرب ~~تعالى، فإنه يحب إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات ومغفرة ~~الزلات، وتكفير السيئات ودفع البليات، وإعزاز من يستحق العز، وإذلال من ~~يستحق الذل، ونصر المظلوم وجبر الكسير، ورفع بعض خلقه على بعض، وجعلهم ~~درجات، ليعرف قدر فضله وتخصيصه، فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن يخرجهم ~~إلى دار، يحصل فيها محبوباته سبحانه، وإن كان لكثير منها طرق وأسباب ~~يكرهها، فالوقوف على الشي ء لا بدونه، وإيجاد لوازم الحكمة من الحكمة، كما ~~أن إيجاد لوازم العدل من العدل، كما ستقف عليه في ms439 فصل إيلام الأطفال إن شاء الله. PageV01P602 # الوجه الثامن والعشرون: أنه سبحانه أبرز خلقه من العدم إلى الوجود، ليجري ~~عليه أحكام أسمائه وصفاته، فيظهر كماله المقدس، وإن كان لم يزل كاملا، فمن ~~كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره وقضائه وقدره ووعده ووعيده ومنعه ~~وإعطائه وإكرامه وإهانته وعدله وفضله وعفوه وإنعامه وسعة حلمه وشدة بطشه، ~~وقد اقتضى كماله المقدس سبحانه أنه كل يوم هو في شأن، فمن جملة شئونه أن ~~يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويشفي مريضا، ويفك عانيا، وينصر مظلوما، ويغيث ~~ملهوفا، ويجبر كسيرا، ويغني فقيرا، ويجيب دعوة، ويقيل عثرة، ويعز ذليلا، ~~ويذل متكبرا، ويقصم جبارا، ويميت ويحيي، ويضحك ويبكي، يخفض ويرفع، ويعطي ~~ويمنع، ويرسل رسله من الملائكة ومن البشر في تنفيذ أوامره وسوق مقاديره ~~التي قدرها، إلى مواقيتها التي وقتها لها، وهذا كله لم يكن ليحصل في ذات ~~البقاء، وإنما اقتضت حكمته البالغة حصوله في دار الامتحان والابتلاء. # يوضحه الوجه التاسع والعشرون: أن كمال ملكه التام اقتضى كمال تصرفه فيه ~~بأنواع التصرف، ولهذا جعل الله سبحانه الدور ثلاثة: دارا أخلصها للنعيم ~~واللذة والبهجة والسرور، ودارا أخلصها للألم والنصب وأنواع البلاء والشرور، ~~ودارا خلط خيرها بشرها، ومزج نعيمها بشقائها، ومزج لذتها بألمها يلتقيان ~~ويطالبان، وجعل عمارة تينك الدارين من هذه الدار، وأجرى أحكامه على خلقه، ~~في الدور الثلاثة، بمقتضى ربوبيته وإلهيته وعزته وحكمته وعدله ورحمته، فلو ~~أسكنهم كلهم دار البقاء من حين أوجدهم، لتعطلت أحكام هذه الصفات، ولم يترتب ~~عليها آثارها. # يوضحه الوجه الثلاثون: أن يوم المعاد الأكبر يوم مظهر الأسماء والصفات ~~وأحكامها، ولهذا يقول سبحانه: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16) ~~[غافر] وقال: الملك يومئذ الحق للرحمن (26) [الفرقان] وقال: يوم لا تملك ~~نفس لنفس PageV01P603 ~~شيئا والأمر يومئذ لله (19) [الانفطار] حتى إن الله سبحانه ليتعرف إلى ~~عباده ذلك اليوم بأسماء وصفات، لم يعرفوها في هذه الدار، فهو يوم ظهور ~~المملكة العظمى والأسماء الحسنى والصفات العلى. # فتأمل ما أخبر به الله ورسوله من شأن ذلك اليوم وأحكامه، وظهور عزته ~~تعالى وعظمته وعدله ms440 وفضله ورحمته وآثار صفاته المقدسة التي لو خلقوا في دار ~~البقاء، لتعطلت، وكماله سبحانه ينفي ذلك، وهذا دليل مستقل لمن عرف الله ~~تعالى وأسماءه وصفاته، على وقوع المعاد وصدق الرسل فيما أخبروا به عن الله ~~عنه، فيطابق دليل العقل ودليل السمع على وقوعه. # الوجه الحادي والثلاثون: أن الله سبحانه يحب أن يعبد بأنواع التعبدات ~~كلها، ولا يليق ذلك إلا بعظمته وجلاله، ولا يحسن ولا ينبغي إلا له وحده. # ومن المعلوم أن أنواع التعبد الحاصلة في دار الابتلاء والامتحان، لا يكون ~~في دار المجازاة، وإن كان في هذه الدار بعض المجازاة، وكمالها وتمامها إنما ~~هو في تلك الدار، وليست دار عمل، وإنما هي دار جزاء وثواب، أوجب كماله ~~المقدس أن يجزي فيها الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ~~فلم يكن بد من دار تقع فيها الإساءة والإحسان، ويجري على أهلها أحكام ~~الأسماء والصفات، ثم يعقبها دارا يجازى فيها المحسن والمسي ء، ويجري على ~~أهلها فيها أحكام الأسماء والصفات. # فتعطيل أسمائه وصفاته ممتنع ومستحيل، وهو تعطيل لربوبيته وإلهيته وملكه ~~وعزه وحكمته، فمن فتح له باب من الفقه في أحكام الأسماء والصفات، وعلم ~~اختصاصها لآثارها ومتعلقاتها، واستحالة تعطيلها، علم أن الأمر كما أخبرت به ~~الرسل، وأنه لا يجوز عليه سبحانه، ولا ينبغي له غيره، PageV01P604 ~~وأنه ينزه عن خلاف ذلك، كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص. وهذا باب عزيز ~~من أبواب الإيمان، فيفتحه الله على من يشاء من عباده، ويحرمه من يشاء. # الوجه الثاني والثلاثون: أنه كم لله سبحانه من حكمة وحمد وأمر ونهي وقضاء ~~وقدر، في جعل بعض عباده فتنة لبعض، كما قال تعالى: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض (53) [الأنعام] وقال تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة أتصبرون (20) [الفرقان]. # فهو سبحانه جعل أولياءه فتنة لأعدائه، وأعداءه فتنة لأوليائه، والملوك ~~فتنة للرعية، والرعية فتنة لهم، والرجال فتنة للنساء، وهن فتنة لهم، ~~والأغنياء فتنة للفقراء، والفقراء فتنة لهم، وابتلى كل أحد بضد، جعله ~~متقابلا، فما استقرت أقدام الأبوين على الأرض إلا وضدهما مقابلهما، واستمر ~~الأمر ms441 في الذرية كذلك إلى أن يطوي الله الدنيا ومن عليها. # وكم له سبحانه في مثل هذا الابتلاء والامتحان من حكمة بالغة ونعمة سابغة ~~وحكم نافذ وأمر ونهي وتصريف دال على ربوبيته وإلهيته وملكه وحمده، وكذلك ~~ابتلاء عباده بالخير والشر، في هذه الدار، هو من كمال حكمته ومقتضى حمده التام. # الوجه الثالث والثلاثون: أنه لو لا هذا الابتلاء والامتحان، لما ظهر فضل ~~الصبر والرضا والتوكل والجهاد والعفة والشجاعة والحلم والعفو والصفح، والله ~~سبحانه يحب أن يكرم أولياءه بهذه الكمالات، ويحب ظهورها عليهم، ليثني بها ~~عليهم هو وملائكته، وينالوا باتصافهم بها غاية الكرامة واللذة والسرور، وإن ~~كانت مرة المبادي، فلا أحلى من عواقبها. ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، ~~وقد أجرى الله سبحانه حكمته بأن كمال الغايات تابعة PageV01P605 ~~لقوة أسبابها، وكمالها ونقصانها لنقصانها، فمن كمل أسباب النعيم واللذة ~~كملت له غاياتها، ومن حرمها حرمها، ومن نقصها نقص له من غاياتها، وعلى هذا ~~قام الجزاء بالقسط والثواب والعقاب، وكفى بهذا العالم شاهدا لذلك، فرب ~~الدنيا والآخرة واحد، وحكمته مطردة فيهما، وله الحمد في الأولى والآخرة، ~~وله الحكم وإليه ترجعون. # يوضحه الوجه الرابع والثلاثون: وهو أن أفضل العطاء وأجله على الإطلاق ~~الإيمان وجزاؤه، وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار قال تعالى: # الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجوا لقاء الله ~~فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن ~~الله لغني عن العالمين (6) [العنكبوت]. # فذكر سبحانه في هذه السورة أنه لا بد أن يمتحن خلقه، ويفتنهم، ليتبين ~~الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، ومن يشكره ويعبده ممن يكفره ويعرض ~~عنه ويعبد غيره، وذكر أحوال الممتحنين في العاجل والآجل، وذكر أئمة ~~الممتحنين في الدنيا، وهم الرسل وأتباعهم، وعاقبة أمرهم، وما صاروا إليه، ~~وافتتح بالإنكار على من يحسب أنه يتخلص من الامتحان والفتنة في هذه ms442 الدار، ~~إذا ادعى الإيمان، وأن حكمته سبحانه وشأنه في خلقه يأبى ذلك، وأخبر عن سر ~~هذه الفتنة والمحنة، وهو تبيين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر، وهو ~~سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه، ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد ~~بمجرد علمه فيهم، بل بمعلومه إذا وجد وتحقق، والفتنة هي التي أظهرته ~~وأخرجته إلى الوجود، فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه، ثم أنكر سبحانه على من ~~لم يلتزم الإيمان به، ومتابعة رسله خوف الفتنة والمحنة التي يمتحن بها رسله ~~وأتباعهم، ظنه وحسبانه أنه PageV01P606 ~~بإعراضه عن الإيمان وتصديق رسله، يتخلص من الفتنة والمحنة، فإن بين يديه من ~~الفتنة والمحنة والعذاب أعظم وأشق مما فر عنه، فإن المكلفين بعد إرسال ~~الرسل إليهم بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنت، وإما أن لا يقول، بل ~~يستمر على السيئات، فمن قال: آمنا، امتحنه الرب تعالى، وابتلاه لتتحقق ~~بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه، وأنه ليس بإيمان عافية ورخاء فقط، بل ~~إيمان ثابت في حالتي النعماء والبلاء، ومن لم يؤمن، فلا يحسب أنه يعجز ربه ~~تعالى، ويفوته، بل هو في قبضته، وناصيته بيده، فله من البلاء أعظم مما ~~ابتلي به من قال آمنت، فمن آمن به وبرسله، فلا بد أن يبتلى من أعدائه ~~وأعداء رسله بما يؤلمه ويشق عليه، ومن لم يؤمن به وبرسله، فلا بد أن ~~يعاقبه، فيحصل له من الألم والمشقة أضعاف ألم المؤمنين، فلا بد من حصول ~~الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا أشد، ثم ~~ينقطع، ويعقبه أعظم اللذة، والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداء، ثم ~~ينقطع، ويعقبه أعظم الألم والمشقة. # وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات، فيلتذون بها ابتداء، ثم تعقبها الآلام ~~بحسب ما نالوه منها، والذين يصبرون عنها، ينالون بفقدها ابتداء، ثم يعقب ~~ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه وتركوه منها، فالألم واللذة ~~أمر ضروري لكل إنسان، لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم ~~العظيم بون «1»، ولهذا كان خاصة العقل النظر ms443 في العواقب والغايات، فمن ظن ~~أنه يتخلص من الألم، بحيث لا يصيبه البتة، فظنه أكذب الحديث، فإن الإنسان ~~خلق عرضة للذة والألم والسرور والحزن والفرح والغم، وذلك من جهتين: من جهة ~~تركبه وطبيعته وهيئته، فإنه مركب من أخلاط متفاوتة متضادة، يمتنع أو يعز ~~اعتدالها من كل وجه، بل PageV01P607 ~~لا بد أن يبغي بعضها على بعض، فيخرج عن حد الاعتدال، فيحصل الألم. # ومن جهة بني جنسه، فإنه مدني بالطبع، لا يمكنه أن يعيش وحده، بل لا يعيش ~~إلا معهم، وله ولهم لذاذات ومطالب متضادة ومتعارضة، لا يمكن الجمع بينها، ~~بل إذا حصل منها شي ء، فات منها أشياء، فهو يريد منهم أن يوافقوه على ~~مطالبه وإرادته، وهم يريدون منه ذلك، فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة ~~بحسب ما فاته من إرادته، وإن لم يوافقهم، آذوه وعذبوه، وسعوا في تعطيل ~~مراداته، كما لم يوافقهم على مراداتهم، فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ~~ذلك، فهو في ألم ومشقة وعناء، وافقهم، أو خالفهم، ولا سيما إذا كانت ~~موافقتهم على أمور، يعلم أنها عقائد باطلة وإرادات فاسدة وأعمال تضره في ~~عواقبها، ففي موافقتهم أعظم الألم، وفي مخالفتهم حصول الألم، فالعقل والدين ~~والمروءة والعلم تأمره باحتمال أخف الألمين، تخلصا من أشدهما، وبإيثار ~~المنقطع منهما، لينجو من الدائم المستمر. # فمن كان ظهيرا للمجرمين، من الظلمة على ظلمهم، ومن أهل الأهواء والبدع ~~على أهوائهم وبدعهم، ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم، ليتخلص ~~بمظاهرتهم من ألم أذاهم، أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلا وآجلا أضعاف ~~أضعاف ما فر منه، وسنة الله في خلقه أن يعذبهم بإنذار من إيمانهم وظاهرهم. ~~وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم، أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة، تزيد على ~~لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة. وسنة الله في خلقه أن يرفعه عليهم، ويذلهم له، ~~بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه. وإذا كان لا بد «1» من الألم والعذاب، ~~فذلك في الله وفي مرضاته، ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ورضاهم وتحصيل PageV01P608 ~~مراداتهم، ولما كان زمن التألم والعذاب، ms444 فصبره طويل، فأنفاسه ساعات، ~~وساعاته أيام، وأيامه شهور وأعوام بلى سبحانه الممتحنين فيه بأن ذلك ~~الابتلاء آجلا، ثم ينقطع، وضرب لأهله أجلا للقائه، يسليهم به، ويشكر ~~نفوسهم، ويهون عليهم أثقاله، فقال: من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله ~~لآت وهو السميع العليم (5) [العنكبوت]. # فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه، وأجل لقاء المبتلي سبحانه ~~وإثباته، هان عليه ما هو فيه، وخف عليه حمله، ثم لما كان ذلك لا يحصل إلا ~~بمجاهدة للنفس وللشيطان ولبني جنسه، وكان العامل إذا علم أن ثمرة عمله ~~وتعبه يعود عليه وحده، لا يشركه فيه غيره، كان أتم اجتهادا وأوفر سعيا، ~~فقال تعالى: ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) ~~[العنكبوت]. # وأيضا فلا يتوهم متوهم أن منفعة هذه المجاهدة والصبر والاحتمال يعود على ~~الله سبحانه، فإنه غني عن العالمين، لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه ~~إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم، بل أمرهم بما يعود نفعه ~~ومصلحته عليهم، في معاشهم ومعادهم، ونهاهم عما يعود مضرته وعتيه عليهم، في ~~معاشهم ومعادهم، فكانت ثمرة هذه الابتلاء والامتحان مختصة بهم، واقتضت ~~حكمته أن نصب ذلك سببا مفضيا إلى تميز الخبيث من الطيب، والشقي من الغوي، ~~ومن يصلح له ممن لا يصلح، قال تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب (179) [آل عمران]. # فابتلاهم سبحانه بإرسال الرسل إليهم بأوامره ونواهيه واختياره، فامتاز ~~برسله طيبهم من خبيثهم وجيدهم من رديئهم، فوقع الثواب والعقاب على معلوم، ~~أظهره ذلك الابتلاء والامتحان. PageV01P609 # ثم لما كان الممتحن لا بد أن ينحرف عن طريق الصبر والمجاهدة، لدواعي طبيعته ~~وهواه، وضعفه عن مقاومة ما ابتلي به، وعده سبحانه أن يتجاوز له عن ذلك، ~~ويكفره عنه، لأنه لما أمر به والتزم طاعته، اقتضت رحمته أن كفر عنه سيئاته، ~~وجازاه بأحسن أعماله، ثم ذكر سبحانه ابتلاء العبد بأبويه، وما أمر به من ~~طاعتهما وصبره على مجاهدتهما له على أن لا يشرك به، فيصبر على ms445 هذه المحنة ~~والفتنة، ولا يطعهما «1» بل يصاحبهما على هذه الحال معروفا ويعرض عنهما إلى ~~متابعة سبيل رسله وفي الإعراض عنهما وعن سبيلهما والإقبال على من خالفهما، ~~وعلى سبيله من الامتحان والابتلاء ما فيه، ثم ذكر سبحانه حال من دخل في ~~الإيمان على ضعف عزم وقلة وصبر وعدم ثبات على المحنة والابتلاء، وأنه إذا ~~أوذي في الله، كما جرت به سنة الله، واقتضت حكمته من ابتلاء أوليائه ~~بأعدائه، وتسليطهم عليهم بأنواع المكاره والأذى، لم يصبر على ذلك، وجزع ~~منه، وفر منه، ومن أسبابه، كما يفر من عذاب الله، فجعل فتنة الناس له على ~~الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله، لمن يعذبه على الشرك ومخالفة رسله، وهذا ~~يدل على عدم البصيرة، وأن الإيمان لم يدخل قلبه، ولا ذاق حلاوته، حتى سوى ~~بين عذاب الله له على الإيمان بالله ورسوله وبين عذاب الله لمن لم يؤمن به ~~وبرسله، وهذا حال من يعبد الله على حرف واحد، لم ترسخ قدمه في الإيمان ~~وعبادة الله، فهو من المفتونين المعذبين. # وإن فر من عذاب الناس له على الإيمان، ثم ذكر حال هذا عند نصرة المؤمنين، ~~وأنهم إذا نصروا لجأ إليهم، وقال: كنت معكم، والله سبحانه يعلم من قلبه ~~خلاف قوله. PageV01P610 # ثم ذكر سبحانه ابتلاء نوح بقومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وابتلاء قومه ~~بطاعته، فكذبوه، فابتلاهم بالغرق، ثم بعده بالحرق. ثم ذكر ابتلاء إبراهيم ~~بقومه وما ردوا عليه، وابتلاهم بطاعته ومتابعته. # ثم ذكر ابتلاء لوط بقومه وابتلاءهم به، وما صار إليه أمره وأمرهم. # ثم ذكر ابتلاء شعيب بقومه وابتلاءهم به، وما انتهت إليه حالهم وحاله. # ثم ذكر ما ابتلى به عادا وثمودا وقارون وفرعون وهامان وجنودهم، من ~~الإيمان به وعبادته وحده، ثم ما ابتلاهم به من أنواع العقوبات. # ثم ذكر ابتلاء رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنواع الكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب، وأمره أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ثم أمر عباده ~~المبتلين بأعدائه أن يهاجروا من أرضهم إلى أرضه الواسعة، فيعبدونه فيها. # ثم نبههم ms446 بالنقلة الكبرى من دار الدنيا إلى دار الآخرة، على نقلتهم ~~الصغرى من أرض إلى أرض، وأخبرهم أن مرجعهم إليه، فلا قرار لهم في هذه الدار ~~دون لقائه، ثم بين لهم حال الصابرين على الابتلاء فيه، بأنه يبوئهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فسلاهم عن أرضهم ودارهم التي تركوها ~~لأجله. وكانت مباء «1» لهم بأن بوأهم دارا أحسن منها وأجمع لكل خير ولذة ~~ونعيم، مع خلود الأبد، وأن ذلك بصبرهم على الابتلاء وتوكلهم على ربهم، ثم ~~أخبرهم بأنه ضامن لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم في أرضهم، فلا يهتموا ~~بحمل الرزق، فكم من دابة سافرت من مكان إلى مكان، لا تحمل رزقها. # ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جدا بالنسبة PageV01P611 ~~إلى دار الحيوان والبقاء. # ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به، وأن مقامهم في هذه ~~الدار تمتع، وسوف يعلمون عند النقلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم وما ~~حصلوا عليه من العذاب الأليم. # وذكر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به، وأطاع رسله وجاهد نفسه وعدوه في دار ~~الابتلاء ما به هاديه وناصره، فأخبر سبحانه أن أجل عطائه وأفضله في الدنيا ~~والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه، وتوكلوا عليه. # وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه، وفروا منه، ~~وآثروا النعيم العاجل عليه. # فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر، فإنها سورة الابتلاء والامتحان، ~~وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة، ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها، ~~وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان، ووسطه صبر وتوكل، وآخره هداية ~~ونصر، والله المستعان. # يوضحه الوجه الخامس والثلاثون: وهو أنه سبحانه أخبر أنه خلق السموات ~~والأرض، العالم العلوي والسفلي، ليبلونا أينا أحسن عملا، وأخبر أنه زين ~~الأرض بما عليها من حيوان ونبات ومعادن وغيرها، لهذا الابتلاء، وأنه خلق ~~الموت والحياة، لهذا الابتلاء، فكان هذا الابتلاء غاية الخلق والأمر، فلم ~~يكن من بد من دار يقع فيها هذا الابتلاء، وهي دار ms447 التكليف، ولما سبق في ~~حكمته أن الجنة دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان، جعل قبلها دار الابتلاء ~~جسرا، يعبر عليه إليها، ومزرعة يبذر فيها، وميناء يزود منها، وهذا هو الحق ~~الذي خلق الخلق به ولأجله، وهو أن يعبد وحده بما أمر به على ألسنة رسله، ~~فأمر ونهى على السنة، ووعدنا بالثواب والعقاب، ولم PageV01P612 ~~يخلق خلقه سدى، لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يتركهم هملا، لا يثيبهم، ولا ~~يعاقبهم، بل خلقوا للأمر والنهي والثواب والعقاب، ولا يليق بحكمته وحمده ~~غير ذلك. # فصل # وقد عرف من هذا الجواب عن قولهم: أي حكمة في خلق النفس مريدة للخير ~~والشر، وهلا خلقت مريدة للخير وحده؟ وكيف اقتضت الحكمة تمكينها من الشر، مع ~~القدرة على منعها منه، وأي حكمة في إعطائها قوة وأسبابا، يعلم المعطي أنها ~~لا يفعل بها إلا الشر وحده، وأي حكمة في إقرار هذه النفوس على غيها وظلمها ~~وعدوانها، ومعلوم أن من يفعل لحكمة، لا يفعل ذلك، وأن من يفعل لحكمة، إذا ~~رأى عبيده يقتل بعضهم بعضا، ويفسد بعضهم بعضا، ويظلم بعضهم بعضا، وهو قادر ~~على منعهم، فلا تدعه حكمته، وهما لهم، بحيث يتركهم كذلك، فإما أن يكون ~~عالما بما يأتون، أو لا يكون قادرا على منعهم، أو لا يكون ممن يفعل لغرض ~~وحكمة، والأولان مستحيلان في حق الرب تعالى، فتعين الثالث. ومبنى هذه ~~الشبهة على أصل فاسد، وهو قياس الرب على خلقه، وتشبيههم في أفعاله، بحيث ~~يحسن منه ما يحسن «1» منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم. # ولهذا كانت القدرية مشبهة الأفعال، ومتأخروهم جمعوا بين هذا التشبيه وبين ~~تعطيل الصفات، فصاروا معطلين للصفات، مشبهين في الأفعال، وهذا PageV01P613 ~~الأصل الفاسد مما رده عليهم سائر العقلاء، وقالوا: قياس أفعال الرب على ~~أفعال العباد من أفسد القياس، وكذلك قياس حكمته على حكمتهم وصفاته على ~~صفاتهم. # ومن المعلوم أن الرب تعالى، علم أن عباده يقع منهم الكفر والظلم والفسوق، ~~وكان قادرا على أن لا يوجدهم، وأن يوجدهم كلهم أمة واحدة على ما يحب ويرضى، ~~وأن يحول بينهم ms448 وبين بغي بعضهم، ولكن حكمته البالغة أبت ذلك، واقتضت ~~إيجادهم على الوجه الذي هم عليه، وهو سبحانه خلق النفوس أصنافا، فصنف مريد ~~للخير وحده، وهي نفوس الملائكة، وصنف مريد للشر وحده، وهي نفوس الشياطين، ~~وصنف فيه إرادة النوعين، وهي النفوس البشرية. # فالأولى الخير لهم طباع، وهي محمودة عليه، والشر للنفوس الثانية طباع، ~~وهي مذمومة عليه، والصنف الثالث بحسب الغالب عليه من الوصفين، فمن غلب عليه ~~وصف الخير، التحق بالصنف الأول، ومن غلب عليه وصف الشر، التحق بالصنف ~~الثالث، فإذا اقتضت الحكمة وجود هذا الصنف الثالث، فأن يقتضي وجود الثاني ~~أولى وأحرى، والرب تعالى اقتضت قدرته وعزته وحكمته إيجاد المتقابلات في ~~الذوات والصفات والأفعال كما تقدم، وقد نوع خلقه تنويعا دالا على كمال ~~قدرته وربوبيته، فمن أعظم الجهل والضلال أن يقول القائل: هلا كان خلقه كلهم ~~نوعا واحدا؟ فيكون العالم علوا كله، أو نورا كله. أو الحيوان ملكا كله، وقد ~~يقع في الأوهام الفاسدة، أن هذا كان أولى وأكمل، ويعرض الوهم الفاسد ما ليس ~~ممكنا كمالا. # الوجه السادس والثلاثون: قوله: وأي حكمة في إيلام الحيوانات غير ~~المكلفة؟. PageV01P614 # فهذه مسألة تكلم الناس فيها قديما وحديثا، وتباينت طرقهم في الجواب عنها، ~~فالجاحدون للفاعل المختار الذي يفعل بمشيئته وقدرته، يحيلون ذلك على ~~الطبيعة المجردة، وأن ذلك من لوازمها ومقتضياتها، ليس بفعل فاعل ولا قدرة ~~قادر ولا إرادة مريد، ومنكر والحكمة والتعليل يردون ذلك، إلى محض المشيئة ~~وصرف الإرادة، تخصص مثلا على مثل، بلا موجب ولا غاية ولا حكمة مطلوبة ولا ~~سبب أصلا، وظنوا أنهم بذلك يتخلصون من السؤال، ويسدون على نفوسهم باب ~~المطالبة، وإنما سدوا على نفوسهم باب معرفة الرب وكماله وكمال أسمائه ~~وأوصافه وأفعاله، فعطلوا حكمته وحقيقة إلهيته وحمده، وكانوا كالمستجيرين من ~~الرمضاء بالنار. وأما من أثبت حكمة وتعليلا، لا يعود إلى الخالق، بل إلى ~~المخلوق، سلكوا طريقة التعويض على تلك الآلام في حق من يبعث للثواب ~~والعقاب، وقالوا: قد يكون في ذلك إثابة لإثابتهم بصبرهم وتألمهم، وإثابة ~~لهم وتعويضا في القيامة بما ms449 نالهم من تلك الآلام، فلما أورد عليهم إيلام ~~الحيوانات التي لا تثاب ولا تعاقب «1». # وأما المثبتون لحقائق أسماء الرب وصفاته وحكمته التي هي وصفه، ولأجلها ~~تسمى بالحكيم، وعنها صدر خلقه وأمره، فهم أعلم الفرق بهذا الشأن، ومسلكهم ~~فيه أصح المسالك وأسلم من التناقض والاضطراب، فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة ~~والمشيئة العامة، والحكمة الشاملة التي هي غاية الفعل، وربطوا ذلك بالأسماء ~~والصفات، فتصادق عندهم السمع والعقل والشرع والفطرة، وعلموا أن ذلك مقتضى ~~الحكمة البالغة، وأنه من لوازمها، وأن لازم الحق حق، ولازم العدل عدل، ~~ولوازم الحكمة من الحكمة. PageV01P615 # فاعلم أن هاهنا أمرين: نفسا متحركة بالإرادة والاختيار، وطبيعة متحركة بغير ~~الاختيار والإرادة، وأن الشر منشؤه من هذين المتحركين وعن هاتين الحركتين، ~~وخلقت هذه النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه، فهذه تتحرك لكمالها، وهذه ~~تتحرك لكمالها، وينشأ عن الحركتين خير وشر، كما ينشأ عن حركة الأفلاك ~~والشمس والقمر وحركة الرياح والماء والنار خير وشر. # فالخيرات الناشئة عن هذه الحركات مقصودة بالقصد الأول، إما لذاتها وإما ~~لكونها وسيلة إلى خيرات أتم منها، والشرور الناشئة عنها غير مقصودة بالذات، ~~وإن قصدت قصد الوسائل واللوازم التي لا بد منها، فما جبلت عليه النفس من ~~الحركة، هو من لوازم ذاتها، فلا تكون النفس البشرية نفسا إلا بهذا اللازم، ~~فإذا قيل: لم خلقت متحركة على الدوام؟ فهو بمنزلة أن يقال: # لم كانت النفس نفسا، ولم كانت النار نارا، والريح ريحا؟ فلو لم يخلق هذا، ~~ما كانت نفسا، ولو لم تخلق الطبيعة هكذا، ما كانت طبيعة، ولو لم يخلق ~~الإنسان على هذه الصفة والخلقة ما كان إنسانا. # فإن قيل: فلم خلقت النفس على هذه الصفة؟. # قيل: من كمال الوجود خلقها على هذه الصفة كما تقدم، وكذلك كمال فاطرها ~~ومبدعها اقتضى خلقها على هذه الصفة، لما في ذلك من الحكم التي لا يحصيها ~~إلا مبدعها سبحانه، وإن كان في إيجاد هذه النفس شر، فهو شر جزئي بالنسبة ~~إلى الخير الكلي الذي هو سبب إيجادها، فوجودها خير من أن لا توجد، ms450 فلو لم ~~يخلق مثل هذه النفس، لكان في الوجود نقص وفوات حكم ومصالح عظيمة موقوفة على ~~خلق مثل هذه النفس. # ولهذا لما اعترضت الملائكة على خلق الإنسان وقالوا: أتجعل فيها من PageV01P616 ~~يفسد فيها ويسفك الدماء (30) [البقرة] أجابهم سبحانه بأن في خلقه من الحكم ~~والمصالح ما لا تعلمه الملائكة، والخالق سبحانه يعلمه، وإذا كانت الملائكة ~~لا تعلم ما في خلق هذا الإنسان الذي يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، من الحكم ~~والمصالح، فغيرهم أولى أن لا يحيط به علما. # فخلق هذا الإنسان من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة، وإن كان وجوده ~~مستلزما لشر، فهو شر مغمور بما في إيجاده من الخير، كإنزال المطر والثلج ~~وهبوب الرياح وطلوع الشمس وخلق الحيوان والنبات والجبال والبحار، وهذا كما ~~أنه في خلقه، فهو في شرعه ودينه وأمره، فإن ما أمر به من الأعمال الصالحة، ~~خيره ومصلحته راجح، وإن كان في شر، فهو مغمور جدا بالنسبة إلى خيره، وما ~~نهى عنه من الأعمال والأقوال القبيحة، فشره ومفسدته راجح، والخير الذي فيه ~~مغمور جدا بالنسبة إلى شره، فسنته سبحانه في خلقه وأمره فعل الخير الخالص ~~والراجح، والأمر بالخير الخالص والراجح، فإذا تناقضت أسباب الخير والشر، ~~والجمع بين النقيضين محال، قدم أسباب الخير الراجحة على المرجوحة، ولم يكن ~~تفويت المرجوحة شرا، ودفع أسباب الشر الراجحة بالأسباب المرجوحة، ولم يكن ~~حصول المرجوحة شرا بالنسبة إلى ما اندفع بها من الشر الراجح، وكذلك سنته في ~~شرعه وأمره، فهو يقدم الخير الراجح، وإن كان في ضمنه شر مرجوح، ويعطل الشر ~~الراجح، وإن فات بتعطيله خير مرجوح؛ هذه سنته فيما يحدثه ويبدعه في سماواته ~~وأرضه، وما يأمر به وينهى عنه. # وكذلك سنته في الآخرة، وهو سبحانه قد أحسن كل شي ء خلقه، وقد أتقن كل ما ~~صنع، وهذا أمر يعلمه العالمون بالله جملة، ويتفاوتون في العلم بتفاصيله، ~~وإذا عرف ذلك فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة، وإما عدل وحكمة، وإما إصلاح ~~وتهيئة لخير، يحصل بعدها، وإما لدفع ألم، هو PageV01P617 ~~أصعب منها، وإما لتولدها عن لذات ms451 ونعم، يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات، ~~وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم الفضل والإحسان، فيكون من لوازم ~~الخير التي إن عطلت ملزوماتها، فات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام. ~~والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك، فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر، ~~وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى، كما سماه الله بقوله: وإن كان بكم أذى ~~من مطر. وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام ~~لصنوف الحيوانات، وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس ~~والرئاسة، ومعظم آلام أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ومتولدة منها، بل ~~الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق، كالعلم والشجاعة والزهد ~~والعفة والحلم والمروءة والصبر والإحسان، كما قال: # لو لا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال # وإذا كانت الآلام أسبابا للذات أعظم منها وأدوم، كان العقل يقضي ~~باحتمالها، وكثيرا ما تكون الآلام أسبابا لصحة، لو لا تلك الآلام لفاتت، ~~وهذا شأن أكبر أمراض الأبدان، فهذه الحمى فيها من المنافع للأبدان ما لا ~~يعلمه إلا الله، وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفجة وإخراجها ما ~~لا يصل إليه دواء غيرها، وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمى، استبشر ~~بها الطبيب. # وأما انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمر لا يحس به إلا من فيه ~~حياة، فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها، وقد أحصيت ~~فوائد الأمراض، فزادت على مائة فائدة، وقد حجب الله سبحانه أعظم اللذات ~~بأنواع المكاره، وجعلها جسرا موصلا إليها، كما حجب أعظم الآلام بالشهوات ~~واللذات، وجعلها جسرا موصلا إليها، ولهذا قالت العقلاء PageV01P618 ~~قاطبة، على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن الراحة لا تنال بالراحة، وأن من ~~آثر اللذات فاتته اللذات. # فهذه الآلام والأمراض والمشاق من أعظم النعم، إذ هي أسباب النعم، وما ~~تنال الحيوانات غير المكلفة منها فمغمور جدا بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها، ~~كما ينالها من حر الصيف وبرد الشتاء وحبس المطر والثلج وألم الحمل والولادة ~~والسعي في طلب أقواتها ms452 وغير ذلك، ولكن لذاتها أضعاف أضعاف آلامها، وما ~~ينالها من المنافع والخيرات أضعاف ما ينالها من الشرور والآلام، فسنة الله ~~في خلقه وأمره هي التي أوجبها كمال علمه وحكمته وعزته، ولو اجتمعت عقول ~~العقلاء كلهم على أن يقترحوا أحسن منها، لعجزوا عن ذلك، وقيل لكل منهم: ~~أرجع بصر العقل، فهل ترى من خلل: # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) [الملك]. # فتبارك الذي من كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها والأشياء ~~من خلافها، فأخرج الحي من الميت والميت من الحي والرطب من اليابس واليابس ~~من الرطب، فكذلك أنشأ اللذات من الآلام والآلام من اللذات، فأعظم اللذات ~~ثمرات الآلام ونتائجها، وأعظم الآلام ثمرات اللذات ونتائجها، وبعد فاللذة ~~والسرور والخير والنعم والعافية والمصلحة والرحمة، في هذه الدار المملوءة ~~بالمحن والبلاء، أكثر من أضدادها بأضعاف مضاعفة، فأين آلام الحيوان من ~~لذته، وأين سقمه من صحته، وأين جوعه وعطشه من شبعه وريه، وتعبه من راحته؟ ~~قال تعالى: فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) [الشرح] ولن يغلب ~~عسر يسرين، وهذا لأن الرحمة غلبت الغضب، والعفو سبق العقوبة، والنعمة تقدمت ~~المحنة. والخير في الصفات والأفعال. والشر في المفعولات لا في الأفعال. # فأوصافه كلها كمال، وأفعاله كلها خيرات، فإن ألم الحيوان لم يعدمه PageV01P619 ~~بألمه عافية من ألم، هو أشد من ذلك الألم، أو تهيئة لقوة وصحة وكمال، أو ~~عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما. # فآلام الدنيا جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة ~~إلى جبال الدنيا بكثير، وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة. # والله سبحانه لم يخلق الآلام واللذات سدى، ولم يقدرهما عبثا. ومن كمال ~~قدرته وحكمته أن جعل كل واحد منهما يثمر الآخر، هذا ولوازم الخلقة يستحيل ~~ارتفاعها كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق، فلا يكون ~~المخلوق إلا فقيرا محتاجا ناقص العلم والقدرة، فلو كان الإنسان وغيره من ~~الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم الكون والفساد، لم ms453 يكن حيوانا، ~~ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، والله لم يجعلها كذلك، وإنما ~~جعلها دارا ممتزجا ألمها بلذتها وسرورها بأحزانها وغمومها وصحتها بسقمها، ~~حكمة منه بالغة. # فصل # ولما كانت الآلام أدوية للأرواح والأبدان، كانت كمالا للحيوان، خصوصا ~~لنوع الإنسان، فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه، وإنما ابتلاه ليعافيه، ~~وإنما أماته ليحييه، فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب كماله طورا ~~بعد طور إلى آخر كماله بأسباب لا بد منها، وكماله موقوف على تلك الأسباب، ~~ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص. ~~ولوازم ذلك، ولوازم تلك اللوازم، ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته ~~وعلمه وكماله، فيفرض أمورا ممتنعة، ويقدرها PageV01P620 ~~تقديرا ذهنيا، ويحسب أنها أكمل من الممكن الواقع، ومع هذا فربها يرحمها، ~~لجهلها وعجزها ونقصها، فإن اعترفت بذلك، واعترفت له بكماله وحمده، وقامت ~~بمقتضى هذين الاعترافين، كان نصيبها من الرحمة أوفر، والله سبحانه افتتح ~~الخلق بالحمد، وختم أمر هذا العالم بالحمد فقال: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض (1) [الأنعام] وقال: وقضي بينهم ~~بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75) [الزمر]. # وأنزل كتابه بالحمد، وشرع دينه بالحمد، وأوجب ثوابه وعقابه بالحمد، فحمده ~~من لوازم ذاته، إذ يستحيل أن يكون إلا محمودا، فالحمد سبب الخلق، وغايته ~~الحمد، أوجبه، وللحمد وجد، فحمده واسع لما وسعه علمه ورحمته، وقد وسع ربنا ~~كل شي ء رحمة وعلما، فلم يوجد شيئا، ولم يقدره، ولم يشرعه إلا بحمده ~~ولحمده، وكل ما خلقه وشرعه فهو متضمن للغايات الحميدة، ولا بد من لوازمها ~~ولوازم لوازمها ولهذا ملأ حمده سماواته وأرضه وما بينهما وما شاء من شي ء ~~بعد مما خلقه ويخلقه بعد هذا الخلق، فحمده ملأ ذلك كله. # وحمده تعالى أنواع: حمد على ربوبيته، وحمد على تفرده بها، وحمد على ~~ألوهيته وتفرده، وحمد على نعمته، وحمد على منته، وحمد على حكمته، وحمد على ~~عدله في خلقه، وحمد على غناه عن إيجاد الولد والشريك والولي من الذل، وحمده ~~على كماله الذي لا يليق بغيره، فهو محمود على ms454 كل حال، وفي كل آن ونفس، وعلى ~~كل ما فعل وكل ما شرع، وعلى كل ما هو متصف به، وعلى كل ما هو منزه عنه، ~~وعلى كل ما في الوجود من خير وشر ولذة وألم وعافية وبلاء، فكما أن الملك ~~كله له، والقدرة كلها له، والعزة كلها له، والعلم كله له، والجمال كله له، ~~والحمد كله له، كما في الدعاء المأثور: «اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، PageV01P621 ~~وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، وأنت أهل لأن تحمد» وما عمرت ~~الدنيا إلا بحمده، ولا الجنة إلا بحمده، ولا النار إلا بحمده، حتى إن أهلها ~~ليحمدونه، كما قال الحسن: لقد دخل أهل النار النار، وإن قلوبهم لتحمده، ما ~~وجدوا عليه من حجة ولا سبيل. # فصل # فإن قيل: فأي لذة وأي خبر ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ينقطع، ~~ولا يفتر عن أهله، بل أهله فيه أبد الآباد، كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا ~~غيرها، لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم طرفة عين؟. # قيل: لعمر الله! هذا سؤال يقلقل الجبال، فضلا عن قلوب الرجال، وعن هذا ~~السؤال أنكر من أنكر حكمة العزيز الحكيم، ورد الأمر إلى مشيئة محضة، لا سبب ~~لها ولا غاية، وجوز على الله أن يعذب أهل طاعته وأولياءه، وينزلهم إلى أسفل ~~الجحيم، وينعم أعداءه المشركين به، ويرفعهم إلى أعلى جنات النعيم أبد ~~الآباد، وأن يدخل النار من شاء بغير سبب ولا عمل أصلا، وأن يفاوت بين ~~أهلها، مع مساويهم، في الأعمال، ويسوي بينهم في العذاب، مع تفاوتهم في ~~الأعمال، وأن يعذب الرجل بذنب غيره، وأن يبطل حسناته كلها، فلا يثيبه بها، ~~أو يثيب بها غيره، وكل ذلك جائز عليه، لا يعلم أنه لا يفعله إلا بخبر صادق، ~~إذ نسبة ذلك وضده إليه على حد سواء. PageV01P622 # وقالوا: ولا مخلص عن هذا السؤال إلا بهذا الأصل، وربما تمسكوا بظاهر من ~~القول، لم يضعوه على مواضعه، ولم يجمعوا بينه وبين أدلة العدل والحكمة، ~~وتعليق الأمور بأسبابها، وترتيبها عليها، وآثار الموازنة ms455 والمقابلة، ~~وأخطئوا في فهم القرآن، كما أخطئوا في وصف الرب بما لا يليق به، وفي ~~التجويز عليه ما لا يجوز عليه، وقابلهم مثبتو الأسباب والحكم من القدرية، ~~وزعموا أنهم يتخلصون من قبيح القول، بما أثبتوه من الحكمة والتعليل، ولكن ~~وقعوا في نظيره أو ما هو شر منه، حيث أوجبوا على الله سبحانه تخليد من أفنى ~~عمره في طاعته، ثم ارتكب كبيرة واحدة، ومات مصرا عليها، في النار، مع ~~أعدائه الكفار أبد الآباد، ولم يرقبوا له طاعة، ولم يرعوا له إسلاما. # وهم في هذا المذهب شر قولا من إخوانهم الجبرية، فإن أولئك لم يوجبوا على ~~الله ذلك الحكم، وإنما جوزوه عليه، وجوزوا أن لا يفعله، وهؤلاء أوجبوا عليه ~~تخليد أهل الكبائر مع الكفار، ولم يجوزوا عليه إخراجهم منها، وأصابهم في ~~غلطهم على القرآن والسنة، وما يجوز على الرب وما لا يجوز عليه، ما أصاب ~~إخوانهم من الجبرية، ولما ظن غيرهم من أهل النظر والبحث أن هذا هو الفساد ~~الذي أخبرت به الرسل، وعلموا أن هذا مناف للحكمة والرحمة والعدل والمصلحة، ~~قالوا: إن ذلك تخويف وتخييل، لا حقيقة له، يزع النفوس السبعية والبهيمية عن ~~عدوانها وشهواتها، فتقوم بذلك مصلحة الوجود، وكان من أكبر أسباب إلحاد ~~هؤلاء وكفرهم بالله واليوم الآخر نسبة أولئك مذاهبهم الباطلة وأقوالهم ~~الفاسدة إلى الرسل، وإخبارهم أنهم دعوا إلى الإيمان بها، كما أصابهم تعميم ~~في باب مسألة حدوث العالم، حيث أخبروهم أن الرسل أخبرت عن الله أنه لم يزل ~~معطلا عن الفعل، والفعل غير ممكن منه، ثم انقلب من الإحالة الذاتية إلى ~~الإمكان الذاتي، عند ابتدائه بلا تجدد سبب، ولا أمر قام بالفاعل، وقالوا: من لم PageV01P623 ~~يعتقد هذا، فليس بمؤمن ولا مصدق للرسل، فهذا في المبدأ، وذاك في المعاد. # ثم جاءت طائفة أخرى، فطووا بساط الخلق والأمر جملة، وقالوا: كل هذا محال ~~وتلبيس، وما ثم وجودان، بل الوجود كله واحد، ليس هناك خالق ومخلوق ورب ~~ومربوب، وطاعة ومعصية، وما الأمر إلا نسق واحد، والتفريق من أحكام الوهم ~~والخيال، فالسماوات ms456 والأرض والدنيا والآخرة، والأزل والأبد، والحسن ~~والقبيح، كله شي ء واحد، وهو من عين واحدة. ثم استدركوا، فقالوا: لا بل هو ~~العين، ونشأ الناس، إلا من شاء الله، بين هؤلاء الطوائف الأربع، لا يعرفون ~~سوى أقوالهم ومذاهبهم، فعظمت البلية، واشتدت المصيبة، وصار أذكياء الناس ~~زنادقة العالم، وأدناهم إلى الخلاص أهل البلادة والبله، والعقل والسمع عن ~~هذه الفرق بمعزل، ومنازلهم منهما أبعد منزل، فنقول وبالله التوفيق، والله ~~المستعان، وعليه التكلان: # دل القرآن والسنة والفطرة وأدلة العقول أنه سبحانه خلق السموات والأرض ~~وما بينهما بالحق، ولم يخلق شيئا عبثا ولا سدى ولا باطلا، وإنما أوجد ~~العالم العلوي والسفلي ومن فيهما، بالحق الذي هو وصفه واسمه وقوله وفعله، ~~وهو سبحانه الحق المبين، فلا يصدر عنه إلا حق، لا يقول إلا حقا، ولا يفعل ~~إلا حقا، ولا يأمر إلا بالحق، ولا يجازي إلا بحق، فالباطل لا يضاف إليه، بل ~~الباطل، ما لم يضف إليه، كالحكم الباطل والدين الباطل الذي لم يأذن فيه، ~~ولم يشرعه على ألسنة رسله، والمعبود الباطل الذي لا يستحق العبادة، وليس ~~أهلا لها، فعبادته باطلة، ودعوته باطلة، والقول الباطل هو الكذب والزور، ~~والمحال من القول الذي لا يتعلق بحق موجود، بل متعلقه باطل، لا حقيقة له، ~~وهو سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته ومعرفته، وأصل عبادته محبته على آلائه ~~ونعمه، وعلى كماله PageV01P624 ~~وجلاله، وذلك أمر فطري، ابتدأ الله عليه خلقه، وهي فطرته التي فطر الناس ~~عليها، كما فطرهم على الإقرار به، كما قالت الرسل لأممهم: أفي الله شك فاطر ~~السماوات والأرض (10) [إبراهيم]. # فالخلق مفطورون على معرفته وتوحيده، فلو خلوا وهذه الفطرة، لنشئوا على ~~معرفته وعبادته وحده، وهذه الفطرة أمر خلقي، خلقوا عليه، ولا تبديل لخلقه، ~~فمضى الناس على هذه الفطرة قرونا عديدة، ثم عرض لها موجب فسادها وخروجها عن ~~الصحة والاستقامة، بمنزلة ما يعرض للبدن الصحيح والطبيعة الصحيحة، مما يوجب ~~خروجهما عن الصحة إلى الانحراف، فأرسل رسله ترد الناس إلى فطرتهم الأولى ~~التي فطروا عليها، فانقسم الناس معهم ثلاثة أقسام. # منهم: من ms457 استجاب لهم كل الاستجابة، وانقاد إليهم كل الانقياد، فرجعت ~~فطرته إلى ما كانت عليه، مع ما حصل لها من الكمال والتمام في قوتي العلم ~~النافع والعمل الصالح، فازدادت فطرتهم كمالا إلى كمالها، فهؤلاء لا يحتاجون ~~في المعاد إلى تهذيب وتأديب ونار تذيب فضلاتهم الخبيثة، وتطهرهم من الأدران ~~والأوساخ، فإن انقيادهم للرسل، أزال عنهم ذلك كله. # وقسم: استجابوا لهم من وجه دون وجه، فبقيت عليهم بقية من الأدران ~~والأوساخ التي تنافي الحق الذي خلقوا له، فهيأ لهم العليم الحكيم من ~~الأدوية الابتلاء والامتحان، بحسب تلك الأدواء التي قامت بهم، فإن وفت ~~بالخلاص منها في هذه الدار، وإلا ففي البرزخ، فإن وفى بالخلاص، وإلا ففي ~~موقف القيامة وأهوالها ما يخلصهم من تلك البقية، فإن وفى بها، وإلا فلا بد ~~من المداواة بالدواء الأعظم، وآخر الطب الكي، فيدخلون كير التمحيص ~~والتخليص، حتى إذا هذبوا، لم يبق للدواء فائدة، أخرجوا من PageV01P625 ~~مارستان المرضى إلى دار أهل العافية، كما دل على ذلك السنة المتواترة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح به في قوله: «حتى إذا هذبوا، ونقوا، أذن ~~لهم في دخول الجنة» «1» وكذلك قوله تعالى: طبتم فادخلوها خالدين (73) ~~[الزمر] فلم يأذن لهم في دخولها إلا بعد طيبهم، فإنها دار الطيبين، فليس ~~فيها شي ء من الخبث أصلا، ولهذا يلبث هؤلاء في النار على قدر حاجتهم إلى ~~التطهر وزوال الخبث. # القسم الثالث: قوم لم يستجيبوا للرسل، ولا انقادوا لهم، بل استمروا على ~~الخروج عن الفطرة، ولم يرجعوا إليها، واستحكم فسادها فيهم أتم استحكام، لا ~~يرجى لهم صلاح، فهؤلاء لا يفي مجي ء الدنيا ومصائب الموت وما بعده وأهوال ~~القيامة، بزوال أوساخهم وأدرانهم، ولا يليق بحكمة العليم الحكيم أن يجاور ~~بهم الطيبين في دارهم، ولم يخلقوا للفناء، فهؤلاء أهل دار الابتلاء ~~والامتحان، باقون فيها ببقاء ما معهم من درن الكفر والشرك؛ والنار إنما ~~أوقدت عليهم بأعمالهم الخبيثة، فعذابهم بنفس أعمالهم السيئة، لهم منها صور ~~من العذاب، يناسبها ويشاكلها، فالعذاب باق عليهم ما بقيت حقائق تلك ~~الأعمال، ms458 وما تولد منها، فما دامت موجبات العذاب باقية، فالعذاب باق. # يبقى أن يقال: فهل ذهب أثر الفطرة الأولى بالكلية، بحيث صارت كأن لم تكن، ~~وبطلت بالكلية، وانتقل الأمر إلى العارض المفسد لها، وعلى هذا فلا سبيل إلى ~~خلاصهم من العذاب، إذ هو أثر ذلك الفساد الذي أزال الفطرة؟! أو يقال: ~~الفطرة لم تذهب بالكلية، وإنما استحكم مرضها وفسادها، وأصلها باق، كما ~~يستحكم مرض البدن وفساده والحياة قائمة به، PageV01P626 ~~لكنها حياة لا تنفع، فإذا قدر دواء كريه صعب التناول، لا سبيل إلى الصحة ~~إلا بتكرير تناوله مرارا كثيرة العدد جدا، يزيل ذلك المرض العارض، فيظهر ~~أثر الفطرة الأولى، فلا يحتاج بعده إلى الدواء، هذا سر المسألة. # ومن يذهب إلى هذا التقدير الثاني، فإنه يقول: العقل لا يدل على امتناع ~~ذلك، إذ ليس فيه ما يحيله. ونقول: بل قد دل العقل والنقل والفطرة على أن ~~الرب تعالى حكيم رحيم، والحكمة والرحمة تأبى بقاء هذه النفوس في العذاب ~~سرمدا أبد الآباد، بحيث يدوم عذابها بدوام الله، فهذا ليس من الحكمة ~~والرحمة. قالوا: # وقد دلت الدلائل الكثيرة، من النصوص والاعتبار، على أن ما شرعه الله في ~~هذه الدار، وقدره من العذاب والعقوبات، فإنما هو لتهذيب النفوس وتصفيتها من ~~الشر الذي فيها، ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ، وفطما للنفوس عن المعاودة، ~~وغير ذلك من الحكم التي إذا حصلت، خلا التعذيب عن الحكمة والمصلحة، فيبطل، ~~فإنه تعذيب عليم حكيم رحيم، لا يعذب سدى، ولا لنفع يعود إليه بالتعذيب، بل ~~كلا الأمرين محال. وإذا لا يقع التعذيب إلا المصلحة المعذب أو مصلحة غيره، ~~ومعلوم أنه لا مصلحة له ولا لغيره في بقائه في العذاب سرمدا أبد الآباد، ~~قالوا: فما دل عليه القرآن والسنة أن جنس الآلام لمصلحة بني آدم قوله ~~تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن ~~موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح (120) ~~[التوبة] وقوله: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) [آل ms459 عمران]. # فأخبر أن ألم القتل والجراح في سبيلة تمحيص، أي: تطهير وتصفية للمؤمنين، ~~وبشر الصابرين، على ألم الجوع والخوف والفقر وفقد الأحباب وغيرهم، بصلاته ~~عليهم ورحمته وهدايته. PageV01P627 # وقال تعالى: من يعمل سوءا يجز به (123) [النساء] قال أبو بكر الصديق: # يا رسول الله! جاءت قاصمة الظهر، وإننا لم نعمل سوء، فقال: «يا أبا بكر ~~ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ أليس يصيبك الأذى؟ قال: بلى: قال: فذلك مما تجزون ~~به» «1» وقال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم (30) [الشورى]. # وفي هذا تبشير وتحذير، إذ علمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا، وهو ~~أرحم أن يثني العقوبة على عبده بذنب قد عاقبه به في الدنيا، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: «من بلي بشي ء من هذه القاذورات، فستره الله، فأمره إلى ~~الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» «2» ومن عوقب به في الدنيا، فالله أكرم ~~من أن يثني العقوبة على عبده. # وفي الحديث: «الحدود كفارات لأهلها» «3». # وفي الصحيحين «4» من حديث عبادة: «ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب به في ~~الدنيا، فهو كفارة له». # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا ~~هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» «5». PageV01P628 # وقال: «لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده، حتى يلقى الله وما ~~عليه من خطيئة» «1». # وفي حديث آخر: «إن المؤمن إذا مرض، خرج مثل البردة في صفائها ولونها» «2». # وفي الحديث الآخر: «إن الحمى تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» «3». # وفي حديث آخر: «لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم» «4» ومن أسماء ~~الحمى: مكفرة الذنوب. # وفي الحديث الصحيح: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: عبدي! مرضت فلم ~~تعدني، قال: كيف أعودك، وأنت رب العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان، فلم تعده، ~~أما لو عدته لوجدتني عنده» «5». # وهذا أبلغ من قوله في الإطعام والإسقاء: لوجدت ذلك عندي، فهو سبحانه عند ~~المبتلى بالمرض رحمة منه له وخيرا وقربا منه لكسر قلبه ms460 بالمرض، فإنه عند ~~المنكسرة قلوبهم، وهذا أكبر من أن يذكر، ورب الدنيا والآخرة واحد، وحكمته ~~ورحمته موجودة في الدنيا والآخرة، بل ظهور رحمته في الآخرة أعظم، فعذاب ~~المؤمنين بالنار في الآخرة هو من هذا PageV01P629 ~~الباب، كعذابهم في الدنيا بالمصائب والحدود، وكذلك حبسهم بين الجنة والنار ~~حتى يهذبوا وينقوا، وقد علم بالنصوص الصحيحة الصريحة أن عذابهم في النار ~~متفاوت قدرا ووقتا، بحسب ذنوبهم، وأنهم لا يخرجون منها جملة واحدة، بل شيئا ~~بعد شي ء، حتى يبقى رجل هو آخرهم خروجا. وكذلك عذاب الكفار فيها متفاوت ~~تفاوتا عظيما، فالمنافقون في دركها الأسفل، وأبو طالب أخف أهلها عذابا، في ~~ضحضاح من نار، يغلي منه دماغه. وآل فرعون في أشد العذاب. قالوا: فإذا كان ~~العذاب في الدار التي فيها رحمة واحدة من مائة رحمة، هو رحمة بأهله ومصلحة ~~لهم ولطف بهم، فكيف في الدار التي يظهر فيها مائة رحمة، كل رحمة منها طباق ~~ما بين السماء والأرض، وقد قال تعالى: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) [السجدة]. # فأخبر أنه يعذبهم رحمة بهم، ليردهم العذاب إليه، كما يعذب الأب الشفيق ~~ولده، إذا فر منه إلى عدوه، ليرجع إلى بره وكرامته، وقال الله تعالى: ما ~~يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم (147) [النساء]. # وأنت تجد تحت هذه الكلمات أن تعذيبه لكم لا يزيد في ملكه، ولا ينتفع به، ~~ولا هو سدى خال من حكمة ومصلحة، وأنكم إذا بدلتم الشكر والإيمان بالكفر، ~~كان عذابكم منكم، وكان كفركم هو الذي عذبتم به، وإلا فأي شي ء يلحقه من ~~عذابكم، وأي نفع يصل إليه منه؟ قالوا: وحينئذ فالحكمة تقتضي أن النفوس ~~الشريرة لا بد لها من عذاب، يهذبها بحسب وقوعها، كما دل على ذلك السمع ~~والعقل، وذلك يوجب الانتهاء لا الدوام. # قالوا: والله تعالى لم يخلق الإنسان عبثا، وإنما خلقه ليرحمه، لا ليعذبه، ~~وإنما اكتسب موجب العذاب بعد خلقه له، فرحمته له سبقت غضبه، وموجب الرحمة ~~فيه سابق على موجب الغضب، وغالب له، وتعذيبه ليس PageV01P630 ~~هو الغاية ms461 لخلقه، وإنما تعذيبه لحكمة ورحمة، والحكمة والرحمة تأبى أن يتصل ~~عذابه سرمدا إلى غير نهاية، أما الرحمة فظاهر. وأما الحكمة فلأنه إنما عذب ~~على أمر، طرأ على الفطرة وغيرها، ولم يخلق عليه من أصل الخلقة، ولا خلق له، ~~فهو لم يخلق للإشراك ولا للعذاب، وإنما خلق للعبادة والرحمة، ولكن طرأ عليه ~~موجب العذاب، فاستحق عليه العذاب، وذلك الموجب لا دوام له، فإنه باطل بخلاف ~~الحق الذي هو موجب الرحمة، فإنه دائم بدوام الحق سبحانه، وهو الغاية، وليس ~~موجب العذاب غاية، كما أن العذاب ليس بغاية، بخلاف الرحمة، فإنها غاية، ~~وموجبها غاية، فتأمله حق التأمل، فإنه سر المسألة. # قالوا: والرب تعالى تسمى بالغفور الرحيم، ولم يتسم بالمعذب ولا بالمعاقب، ~~بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله، كما قال تعالى:* نبئ عبادي أني أنا ~~الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) [الحجر] وقال تعالى: ~~إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) [الأنعام] وقال: إن بطش ربك ~~لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو الغفور الودود (14) [البروج] وقال: ~~حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب (3) [غافر]. # وهذا كثير في القرآن، فإنه سبحانه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم ~~والحلم، ويتسمى، ولم يتمدح بأنه المعاقب ولا الغضبان ولا المعذب ولا المسقم ~~إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى، ولم يثبت، وقد كتب على نفسه ~~كتابا أن رحمته سبقت غضبه، وكذلك هو في أهل النار، فإن رحمته فيهم سبقت ~~غضبه، فإنه رحمهم أنواعا من الرحمة قبل أن أغضبوه بشركهم، ورحمهم في حال ~~شركهم، ورحمهم بإقامة الحجة عليهم، ورحمهم بدعوتهم إليه، بعد أن أغضبوه، ~~وآذوا رسله، وكذبوهم PageV01P631 ~~وأمهلهم، ولم يعاجلهم، بل وسعتهم رحمته، فرحمته غلبت غضبه، ولو لا ذلك لخرب ~~العالم، وسقطت السموات على الأرض، وخرت الجبال. وإذا كانت الرحمة غالبة ~~للغضب سابقة عليه، امتنع أن يكون موجب الغضب دائما بدوامه غالبا لرحمته. # قالوا: والتعذيب إما أن يكون عبثا، أو لمصلحة وحكمة، وكونه عبثا مما ينزه ~~أحكم الحاكمين عنه، ونسبته إليه نسبة ms462 لما هو من أعظم النقائص إليه، وإن كان ~~لمصلحة، فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها وملزوماتها، وهي إما أن تعود على ~~الرب تعالى، وهو يتعالى عن ذلك ويتقدس عنه، وإما أن تعود إلى المخلوق، إما ~~نفس المعذب وإما غيره أو هما؛ والأول ممتنع، ولا مصلحة له في دوام العقوبة ~~بلا نهاية، وأما مصلحة غيره، فإن كانت هي الاتعاظ والانزجار، فقد حصلت، وإن ~~كانت تكميل لذته وبهجته وسروره بأن يرى عدوه في تلك الحال، وهو في غاية ~~النعيم، فهذا لو كان أقسى الخلق لرق لعدوه من طول عذابه ودوام ما يقاسيه، ~~فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبارة العتيدة ومداواتها، كيما تصل إلى مادة ~~أدوائها وأمراضها، فتحسمها، وتلك المادة شر طارئ على خير، خلقت عليه في ~~ابتداء فطرتها. # قالوا: والأقسام الممكنة في الخلق خمسة، لا مزيد عليها: خير محض، ~~ومقابله، وخير راجح، ومقابله، وخير وشر متساويان. والحكمة تقتضي إيجاد ~~قسمين منها: وهما الخير الخالص والراجح، وأما الشر الخالص أو الراجح فإن ~~الحكمة لا تقتضي وجوده، بل تأبى ذلك، فإن كل ما خلقه الله سبحانه، فإنما ~~خلقه لحكمة، وجودها أولى من عدمها، وخلق الدواب الشريرة والأفعال التي هي ~~شر، لما يترتب على خلقها من الخير المحبوب، فلم يخلق لمجرد الشر الذي لا ~~يستلزم خيرا بوجه ما، هذا غاية المحال، PageV01P632 ~~فالخير هو المقصود بالذات بالقصد الأول، والشر إنما قصد قصد الوسائل ~~والمبادئ، لا قصد الغايات والنهايات، وحينئذ فإذا حصلت الغاية المقصودة ~~بخلقه، بطل وزال كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها، كما هو معلوم ~~بالحس والعقل، وعلى هذا فالعذاب شر، وله غاية تطلب به، وهو وسيلة إليها، ~~فإذا حصلت غايته، كان بمنزلة الطريق الموصلة إلى القصد، فإذا وصل بها ~~السائر إلى مقصده، لم يبق لسلوكها فائدة. # وسر المسألة أن الرحمة غاية الخلق والأمر لا العذاب، فالعذاب من ~~مخلوقاته، وذلك مقتضى أنه خلقه لغاية محمودة، ولا بد من ظهور أسمائه وأثر ~~صفاته عموما وإطلاقا، فإن هذا هو الكمال، والرب جل جلاله موصوف بالكمال، ~~منزه عن النقص. ms463 قالوا: وقد قال تعالى: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها ~~زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ~~ربك فعال لما يريد (107) [هود] وقال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء ~~الله (128) [الأنعام]. # قال أبو سعيد الخدري: هذه تقضي على كل آية في القرآن، ذكره البيهقي وحرب ~~وغيرهما. # وقال عبد الله بن مسعود: ليأتين على جهنم زمان، ليس فيها أحد، وذلك بعد ~~ما يلبثون فيها أحقابا. # وعن عمر بن الخطاب وأبي هريرة مثله. ذكره جماعة من المصنفين في السنة. # وهذا يقتضي أن الدار التي لا يبقى فيها أحد، هي التي يلبث فيها أهلها ~~أحقابا. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل PageV01P633 ~~الجنة، فقال تعالى: عطاء غير مجذوذ (108) [هود] ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار. # قالوا: ويكفينا ما في سورة الأنعام من قوله: ويوم يحشرهم جميعا يا معشر ~~الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ~~وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ~~إن ربك حكيم عليم (128) [الأنعام] إلى قوله: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على ~~أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) ~~[الأنعام]. # وهذا خطاب للكفار من الجن والإنس من وجوه. # أحدها: استكبارهم منهم، أي: من إغوائهم وإضلالهم، وإنما استكبروا من ~~الكفار. # الثاني: قوله: وقال أولياؤهم من الإنس (128) [الأنعام] وأولياؤهم هم ~~الكفار، كما قال تعالى: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) ~~[الأعراف] فحزب الشيطان هم أولياؤه. # والثالث: قوله: وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) [الأنعام] ومع ~~هذا فقال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله (128) [الأنعام] ثم ~~ختم الآية بقوله: إن ربك حكيم عليم (128) [الأنعام]. # فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته، وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة، فهو ~~عليم بما يفعل بهم حكيم. في ذلك قالوا: وقد ورد في القرآن أنه سبحانه ms464 إذا ~~ذكر جزاء أهل رحمته وأهل غضبه معا، أبد جزاء أهل الرحمة، وأطلق جزاء أهل ~~الغضب كقوله: (107) * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) [هود] PageV01P634 ~~وقوله: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ~~أولئك هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) [البينة] وقوله: يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم ~~فيها خالدون (107) [آل عمران]. # وقد يقرن بينهما في الذكر، ويقضي لهم بالخلود كقوله: ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) [الجن] وقوله: ومن يعص الله ورسوله ~~ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها (14) [النساء]. # ولكن مجرد ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية، بل الخلود هو المكث ~~الطويل، كقولهم: قيد مخلد، وتأبيد كل شي ء بحسبه، فقد يكون التأبيد لمدة ~~الحياة، وقد يكون لمدة الدنيا، قال تعالى عن اليهود: ولن يتمنوه أبدا بما ~~قدمت أيديهم (95) [البقرة] ومعلوم أنهم يتمنونه في النار حيث يقولون يا ~~مالك ليقض علينا ربك (77) [الزخرف] وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم الجنة ~~بقوله: إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) [ص] وقوله: عطاء غير مجذوذ (108) ~~[هود] وقوله: لهم أجر غير ممنون (25) [الانشقاق] أي: مقطوع. # ومن قال: لا يمن به عليهم، فقد أخطأ أقبح الخطأ، ولم يجئ مثل ذلك في عذاب ~~أهل النار. # وقوله عز وجل: وما هم بخارجين من النار (167) [البقرة] وما هم منها ~~بمخرجين (48) [الحجر] وقوله: لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها (36) [فاطر] وقوله تعالى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ~~(20) [السجدة] في موضعين من القرآن وقوله: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها (56) [النساء] غير مصروف عن ظاهره وحقيقته ms465 على الصحيح. PageV01P635 # وقد زعمت طائفة أن إطلاق هذه الآيات مقيد بآيات التقييد بالاستثناء ~~بالمشيئة، فيكون من باب تخصيص العموم، وهذا كأنه قول من قال من السلف في ~~آية الاستثناء: إنها تقضي على كل وعيد في القرآن. # والصحيح أن هذه الآيات على عمومها وإطلاقها، ولكن ليس فيها ما يدل على أن ~~نفس النار دائمة بدوام الله، لا انتهاء لها، هذا ليس في القرآن، ولا في ~~السنة ما يدل عليه بوجه ما، وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائما بدوامها، ~~وبين أن يكون هي أبدية لا انقطاع لها، فلا تستحيل ولا تضمحل، فهذا شي ء، ~~وهذا شي ء. لا يقال: فلا فرق على هذا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، إذ كان ~~كل منهما يضمحل وينقطع. # قيل: ما أظهر الفروق بينهما، والأمر أبين من أن يحتاج إلى فرق، وأيضا ~~فعذاب الدنيا ينقطع بموت المعذب وإقلاع العذاب عنه، وأما عذاب الآخرة، فلا ~~يموت من استحق الخلود فيه، ولا يقلع العذاب عنه، ولا يدفعه عنه أحد كما قال ~~تعالى: إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع (8) [الطور] وهو لازم لا ~~يفارق، قال تعالى: إن عذابها كان غراما (65) [الفرقان] أي: لازما، ومنه سمي ~~الغريم غريما لملازمة غريمه. # فصل # وأما الآثار في هذه المسألة فقال الطبراني «1»: حدثنا عبد الرحمن بن PageV01P636 ~~سلم، قال: حدثنا سهل بن عثمان، قال: حدثنا عبد الله بن مسعر بن كدام، عن ~~جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«ليأتين على جهنم يوم، كأنها زرع هاج واحمر تخفق أبوابها» «1». # وقال حرب في «مسائله»: سألت إسحاق، قلت: قول الله عز وجل: # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك (108) [هود] قال: ~~أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن. حدثنا عبد الله بن معاذ، قال: حدثنا ~~معتمر بن سلمان قال: قال أبي: حدثنا أبو نضرة، عن جابر أو أبي سعيد، أو بعض ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله ms466 إلا ما ~~شاء ربك، إنه فعال لما يريد. # قال المعتمر: قال: أي: كل وعيد في القرآن، ثم تأول حرب ذلك، فقال: معناه ~~عندي، والله أعلم، أنها تأتي على كل وعيد في القرآن لأهل التوحيد، وكذلك ~~قوله: إلا ما شاء ربك، استثنى من أهل القبلة الذين يخرجون من النار. # وهذا التأويل لا يصح، لأن الاستثناء إنما هو وعيد الكفار، فإنه سبحانه ~~قال: يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) فأما الذين شقوا ~~ففي النار (106) [هود] الآية ثم قال:* وأما الذين سعدوا ففي الجنة (108) ~~[هود] فأهل التوحيد من الذين سعدوا لا من الذين شقوا، وآية الأنعام صريحة ~~في حق الكفار كما تقدم بيانه. # قال حرب: وحدثنا عبد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن ~~أبي مليح سمع عمر بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمر وقال: PageV01P637 # ليأتين على جهنم يوم، تصطفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون ~~فيها أحقابا. # حدثنا عبيد الله، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن يحيى بن أيوب، عن ~~أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: أما الذي أقول: إنه سيأتي على جهنم يوم، لا ~~يبقى فيها أحد، وقرأ: فأما الذين شقوا ففي النار (106) [هود] الآية. قال ~~عبيد الله: كان أصحابنا يقولون: يعني بها الموحدين. وقد تقدم أن هذا ~~التأويل لا يصح. # وقال عبد بن حميد في «تفسيره»: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن ~~سلمة، عن ثابت، عن الحسن قال: قال عمر: لو لبث أهل النار في النار بقدر رمل ~~عالج، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. # وقال: أخبرنا حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد عن الحسن، أن عمر ~~بن الخطاب قال: لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج، لكان لهم يوم ~~يخرجون فيه. ورواة هذا الأثر أئمة ثقات كلهم، والحسن سمعه من بعض التابعين، ~~ورواه غير منكر له، فدل هذا الحديث أنه كان متداولا بين هؤلاء الأئمة لا ~~ينكرونه، وقد ms467 كانوا ينكرون على من خرج عن السنة أدنى شي ء، ويروون الأحاديث ~~المبطلة لفعله. # وكان الإمام أحمد يقول: أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق المبتدعة. ~~فلو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للسنة والإجماع، لسارعوا إلى ~~رده وإنكاره. # وفي تفسير علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) [الأنعام] قال: لا ~~ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا. PageV01P638 # قال الطبري: وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء أن الله جعل ~~أمر هؤلاء في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته، وهذا التفسير من ابن عباس يبطل ~~قول من تأول الآية على أن معناها: سوى ما شاء الله من أنواع العذاب، أو ~~قال: المعنى إلا مدة مقامهم قبل الدخول، من حين بعثوا إلى أن دخلوا، أو ~~أنها في أهل القبلة، وما يعني من أو أنها يعني الواو، أي: # وما شاء الله، وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة، لا تليق بالآية، ومن ~~تأملها جزم ببطلانها. # وقال السدي في قوله تعالى: لابثين فيها أحقابا (23) [النبأ] قال: سبع ~~مائة حقب كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلاث مائة وستون يوما، كل يوم كألف سنة ~~مما تعدون. وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدرة، يحصرها العدد. ~~هذا قول الأكثرين. # ولهذا تأويل الزجاج الآية على أن الأحقاب تقييدا لقوله: لا يذوقون فيها ~~بردا ولا شرابا (24) [النبأ] وأما مدة مكثهم فيها، فلا يتقدر بالأحقاب، ~~وهذا تأويل فاسد، فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب. # وقالت طائفة أخرى: الآية منسوخة بقوله: وما هم منها بمخرجين (48) [الحجر] ~~وقوله: هم فيها خالدون (39) [البقرة] وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ ~~الرفع، فإنه لا يدخل في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب، وإن أرادوا بالنسخ ~~البيان، فهو صحيح، وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية، ~~فهم فيها خالدون، وما هم بمخرجين، وهذا ms468 حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه، ~~لكن الشأن في أمر آخر، وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب، فأين الدليل ~~على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه. # وقالت طائفة: هي في أهل التوحيد، وهذا أقبح مما قبله، وسياق الآيات PageV01P639 ~~يرده ردا صريحا، ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال: لا يدل ذكر ~~الأحقاب على النهاية، فإنها غير مقدرة بالعدد، فإنه لم يقل عشرة ولا مائة، ~~ولو قدرت بالعدد، لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم، فكيف إذا لم يقدر، ~~قالوا: ومعنى الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب لا إلى نهاية، وهذا الذي ~~قالوه لا تدل الآية عليه بوجه، وقولهم: إن الأحقاب فيها غير مقدرة، فيقال: ~~لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب، لم يقيد بالأحقاب، فإن ما لا ~~نهاية له، لا يقال هو باق أحقابا ودهورا وأعصارا، أو نحو ذلك، ولهذا لا ~~يقال ذلك في نعيم أهل الجنة، ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا، ~~أو آلافا من السنين، فالصحابة أفهم للآية «1» ولمعاني القرآن، وقد فهم منها ~~عمر بن الخطاب خلاف فهم هؤلاء، كما فهم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فهم ~~أولئك، وفهم الصحابة في القرآن هو الغاية التي عليها المعول، وقد قال ابن ~~مسعود: ليأتين على جهنم زمان، تخفق أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما ~~يلبثون فيها أحقابا. # وقال ابن جرير: حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس، خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك (107) [هود]، قال: أمر الله النار أن ~~تأكلهم، قال: وقال ابن مسعود، فذكره. # وقال حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي، قال: ~~جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا. # قلت: لا يدل قوله أسرعهما خرابا على خراب الدار الأخرى، كما في قوله ~~تعالى: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) [الفرقان] وقوله: ~~آلله خير أما يشركون (59) [النمل] وقوله في الحديث: «الله أعلا PageV01P640 ~~وأجل» «1». # وقوله: أسرعهما عمرانا يحتمل معنيين: # أحدهما: مسارعة الناس ms469 إلى الأعمال التي يدخلون بها جهنم، وإبطاؤهم عن ~~أعمال الدار الأخرى. # والثاني: إن أهلها يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها، فإن أهل الجنة ~~إنما يدخلونها بعد عبورهم على الصراط، وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه، ~~وأهل النار قد تبوءوا منازلهم منها، فإنهم لا يجوزون على الصراط، ولا ~~يحبسون على تلك القنطرة. # وأيضا ففي الحديث الصحيح أنه «لما ينادي المنادي: لتتبع كل أمة ما كانت ~~تعبد، فتتبع المشركون أوثانهم وآلهتهم، فتتساقط بهم في النار، وتبقى هذه ~~الأمة في الموقف حتى يأتيها ربها عز وجل، ويقول: ألا تنطلقون حيث انطلق ~~الناس» «2». # وقد ذكر الخطيب في «تاريخه» «3» في ترجمة سهل بن عبيد الله بن داود بن ~~سليمان أبو نصر البخاري، قال: حدثنا محمد بن نوح الجنديسابوري، قال: # حدثنا جعفر بن محمد بن عيسى الناقد، قال: حدثنا سهل بن عثمان، قال: # حدثنا عبد الله بن مسعر بن كدام، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم بن عبد ~~الرحمن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على ~~جهنم يوم ما فيها من بني آدم أحد، تخفق أبوابها، كأنها أبواب الموحدين» ~~وليس العمدة على هذا PageV01P641 ~~وحده، فإن إسناده ضعيف «1»، وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود وقد تقدم. # فصل # والذين قطعوا بأبدية النار وأنها لا تفنى لهم طرق: # أحدها: الآيات والأحاديث الدالة على خلودهم فيها، وأنهم لا يموتون، وما ~~هم منها بمخرجين، وأن الموت يذبح بين الجنة والنار، وأن الكفار لا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وأمثال هذه النصوص، وهذه الطريق لا تدل ~~على ما ذكروه، وإنما يدل على أنها ما دامت باقية، فهم فيها، فأين فيها ما ~~يدل على عدم فنائها. # الطريق الثاني: دعوى الإجماع على ذلك، وقد ذكرنا من أقوال الصحابة ~~والتابعين ما يدل على أن الأمر بخلاف ما قالوا، حتى لقد ادعي إجماع الصحابة ~~من هذا الجانب، استنادا إلى تلك النقول التي لا يعلم عنها خلافها. # الطريق الثالث: إنه كالمعلوم بالضرورة، من دين الإسلام، أن ms470 الجنة والنار ~~لا تفنيان، بل هما باقيتان، ولهذا أنكر أهل السنة كلهم على أبي الهذيل وجهم ~~وشيعتهما ممن قال بفنائها، وعدوا أقوالهم من أقوال أهل البدع المخالفة لما ~~جاء به الرسول، ولا ريب أن هذا من أقوال أهل البدع PageV01P642 ~~التي خرجوا بها عن السنة، ولكن من أين تصح دعوى العلم النظري، أن النار ~~باقية ببقاء الله دائمة بدوامه فضلا عن العلم الضروري، فأين في الأدلة ~~الشرعية أو العقلية دليل واحد يقتضي ذلك. # الطريق الرابع: أن السنة المستفيضة أو المتواترة أخبرت بخروج أهل التوحيد ~~من النار دون الكفار، وهذا معلوم من السنة قطعا، وهذا الذي قالوه حق لا ريب ~~فيه، ولكن أهل التوحيد خرجوا منها، وهي باقية لم تفن، ولم تعدم، والكفار لا ~~يحصل لهم ذلك، بل هم باقون فيها ما بقيت. # الطريق الخامس: إن العقل يدل على خلود الكفار فيها وعدم خروجهم منها، فإن ~~نفوسهم غير قابلة للخير، فإنهم لو خرجوا منها، لعادوا كفارا كما كانوا، وقد ~~أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه (28) [الأنعام] ~~وهذا يدل على غاية عتوهم وإصرارهم وعدم قبول الخير فيهم بوجه من الوجوه، ~~فلا تصلح نفوسهم الشريرة الخبيثة إلا للعذاب، ولو صلحت، لصلحت على طول ~~العذاب، فحيث لم يؤثر عذابهم تلك الأحقاب الطويلة في نفوسهم، ولم يطيبها، ~~علم أنه لا قابلية فيهم للخير أصلا، وأن أسباب العذاب لم يطف من نفوسهم، ~~فلا يطفى العذاب المترتب عليها، وهذه الطريق وإن أنكرت ببادئ الرأي، فهي ~~طريق قوية، وهي ترجع إلى طريق الحكمة، وإن الحكمة التي اقتضت دخولهم هي ~~التي اقتضت خلودهم. # ولكن هذه الطريق محرم سلوكها على نفاة الحكمة وعلى مثبتيها من المعتزلة ~~والقدرية، أما النفاة فظاهر، وأما المثبتة فالحكمة عندهم أن عذابهم ~~لمصلحتهم، وهذا إنما يصح إذا كان لهم حالتان: حالة يعذبون فيها لأجل ~~مصلحتهم، وحالة يزول عنهم العذاب لتحصل لهم تلك المصلحة، وإلا فكيف تكون ~~مصلحتهم في عذاب لا انقطاع له أبدا، وأما من يثبت حكمة PageV01P643 ~~راجعة إلى الرب تعالى، فيمكنهم ms471 سلوك هذه الطريق، لكن يقال: الحكمة لا تقتضي ~~دوام عذابهم بدوام بقائه سبحانه، وهو لم يخبر أنه خلقهم لذلك، وإنما يعذبون ~~لغاية محدودة «1» إذا حصلت، حصل المقصود من عذابهم، وهو سبحانه لا يعذب ~~خلقه سدى، وهو قادر على أن ينشئهم بعد العذاب الطويل نشأة أخرى مجردة عن ~~تلك الشرور والخبائث التي كانت في نفوسهم، وقد أزالها طول العذاب، فإنهم ~~خلقوا قابلين للخير على الفطرة، وهذا القبول لازم لخلقتهم، وبه أقروا ~~بصانعهم وفاطرهم، وإنما طرأ عليه ما أبطل مقتضاه، فإذا زال ذلك الطارئ ~~بالعذاب الطويل، بقي أصل القبول بلا معارض. # وأما قوله تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه (28) [الأنعام] فهذا قبل ~~مثابرتهم للعذاب، قال تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون ~~من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (28) [الأنعام] فتلك ~~الخبائث والشرور قائمة بنفوسهم، لم تزلها النار، فلو ردوا لعادوا لقيام ~~المقتضى للعود، ولكن أين أخبر سبحانه أنه لو ردهم بعد العذاب الطويل ~~السرمدي، لعادوا لما نهوا عنه، وسر المسألة أن الفطرة الأصلية لا بد أن ~~تعمل عملها، كما عمل الطارئ عليها عمله، وهذه الفطرة عامة لجميع بني آدم، ~~كما في الصحيحين «2» من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ~~من مولود إلا يولد على الفطرة» وفي لفظ: «على هذه الملة». PageV01P644 # وفي صحيح مسلم «1»، من حديث عياض بن حمار المجاشعي، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فما يروي عن ربه قال: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم ~~الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به ~~سلطانا». # فأخبر أن الأصل فيهم الحنيفية، وأنهم خلقوا عليها، وإن صدها عارض فيهم، ~~باقتطاع الشياطين لهم عنها، فمن الممتنع أن يعمل أثر اقتطاع الشياطين، ولا ~~يعمل أثر خلق الرحمن جل جلاله عمله، والكل خلقه سبحانه، فلا خالق سواه، ~~ولكن ذاك خلق يحبه ويرضاه، ويضاف أثره إليه، وهذا ms472 خلق يبغضه ويسخطه، ولا ~~يضاف أثره إليه، فإن الشر ليس إليه، والخير كله في يديه، فإن قيل: فقد قال ~~سبحانه: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم (23) [الأنفال] وهذا يقتضي أنه لا ~~قابلية فيهم، ولا خير عندهم البتة، ولو كان عندهم، لخرجوا به من النار مع ~~الموحدين، فإنه سبحانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من ~~خير، فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير من الخير. # قيل: الخير في هذا الحديث هو الإيمان بالله ورسله، كما في اللفظ الآخر: ~~أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، وهو تصديق رسله، والانقياد لهم بالقلب ~~والجوارح. وأما الخير في الآية، فالمراد به القبول والزكاء، ومعرفة قدر ~~النعمة، وشكر المنعم عليها، فلو علم الله سبحانه ذلك فيهم، لأسمعهم إسماعا ~~ينتفعون به، فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم الحجة، فتلك القابلية ذهب ~~أثرها، وتعطلت بالكفر والجحود، وعادت كالشي ء المعدوم الذي لا ينتفع به، ~~وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم، ولم PageV01P645 ~~يظهر أثرها في انتفاعهم بما عملوه وتيقنوه. # فإن قيل: فالغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، وقال نوح عن قومه: ~~ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) [نوح]. # وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا: «أن بني آدم خلقوا ~~على طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمنا، ويحيى مؤمنا، ويموت مؤمنا، ومنهم من ~~يولد كافرا، ويحيى كافرا، ويموت كافرا» «1» ... # الحديث. # قيل: هذا لا يناقض كونه مولودا على الفطرة، فإنه طبع وولد مقدرا كفره إذا ~~عقل، وإلا ففي حال ولادته لا يعرف كفرا ولا إيمانا، فهي حال مقدرة، لا ~~مقارنة للعامل، فهو مولود على الفطرة، ومولود كافرا باعتبارين صحيحين ~~ثابتين له، هذا بالقبول وإيثار الإسلام لو خلي، وهذا بالفعل والإرادة إذا ~~عقل، فإذا جمعت بين الفطرة السابقة والرحمة السابقة العالية والحكمة ~~البالغة والغنى التام، وقرنت بين فطرته ورحمته وحكمته وغناه، تبين لك الأمر. # الطريق السادس: قياس دار العدل على دار الفضل، وأن هذه كما أنها أبدية ~~فالأخرى كذلك، لأن هذه ms473 توجب عدله، وعدله ورحمته من لوازم ذاته، وهذه الطريق ~~غير نافذة، فإن العدل حقه سبحانه، لا يجب عليه أن يستوفيه، ولا يلحقه بتركه ~~نقص ولا ذم بوجه من الوجوه، والفضل وعده الذي وعد به عباده، وأحقه على نفسه. # والفرق بين الدارين من وجوه عديدة شرعا وعقلا. PageV01P646 # أحدها: أن الله سبحانه أخبر بأن نعيم الجنة ما له من نفاد، وأن عطاء أهلها ~~غير مجذوذ «1»، وأنه غير ممنون، ولم يجئ ذلك في عذاب أهل النار. # الثاني: أنه أخبر بما يدل على انتهاء عذاب أهل النار، في عدة آيات، كما ~~تقدم، ولم يخبر بما يدل على انتهاء نعيم أهل الجنة، ولهذا احتاج القائلون ~~بالتأبيد الذي لا انقطاع له إلى تأويل تلك الآيات، ولم يجئ في نعيم أهل ~~الجنة ما يحتاجون إلى تخصيصه بالتأويل. # الثالث: أن الأحاديث التي جاءت في انتهاء عذاب النار، لم يجئ شي ء منها ~~في انتهاء نعيم الجنة. # الرابع: أن الصحابة والتابعين إنما ذكروا انقطاع العذاب، ولم يذكر أحد ~~منهم انقطاع النعيم. # الخامس: أنه قد ثبت أن الله سبحانه يدخل الجنة بلا عمل أصلا، بخلاف النار. # السادس: أنه سبحانه ينشئ في الجنة خلقا، ينعمهم فيها، ولا ينشئ في النار ~~خلقا يعذبهم بها. # السابع: أن الجنة من مقتضى رحمته، والنار من مقتضى غضبه، وأن الذين ~~يدخلون النار أضعاف أضعاف الذين يدخلون الجنة، فلو دام عذاب هؤلاء كدوام ~~نعيم هؤلاء، لغلب غضبه رحمته، فكان الغضب هو الغالب السابق، وهذا ممتنع. PageV01P647 # الثامن: أن الجنة دار فضله، والنار دار عدله، وفضله يغلب عدله. # التاسع: أن النار دار استيفاء حقه الذي له، والجنة دار وفاء حقه الذي ~~أحقه هو على نفسه، وهو سبحانه يترك حقه، ولا يترك الحق الذي أحقه على نفسه. # العاشر: أن الجنة هي الغاية التي خلقوا لها في الآخرة، وأعمالها هي ~~الغاية التي خلقوا لها في الدنيا، بخلاف النار، فإنه سبحانه لم يخلق خلقه ~~للكفر به والإشراك، وإنما خلقهم لعبادته وليرحمهم. # الحادي عشر: أن النعيم من موجب أسمائه وصفاته، والعذاب إنما هو ms474 من ~~أفعاله، قال تعالى:* نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم (50) [الحجر] وقال: إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ~~(167) [الأعراف] وقال: اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) ~~[المائدة]. # وما كان من مقتضى أسمائه وصفاته، فإنه يدوم بدوامه. # فإن قيل: فإن العذاب صادر عن عزته وحكمته وعدله، وهذه أسماء حسنى وصفات ~~كمال، فيدوم ما صدر عنها بدوامها. # قيل: لعمر الله! إن العذاب صدر عن عزة وحكمة وعدل، وانتهاؤه عند حصول ~~المقصود منه يصدر عن عزة وحكمة وعدل، فلم يخرج العذاب ولا انقطاعه عن عزته ~~وحكمته وعدله، ولكن عند انتهائه يكون عزة مقرونة برحمة، وحكمة مقرونة بجود ~~وإحسان وعفو وصفح، فالعزة والحكمة لم يزالا، ولم ينقصا، بل صدر جميع ما ~~خلقه ويخلقه وأمر به ويأمر به عن عزته وحكمته. PageV01P648 # الثاني عشر: أن العذاب مقصود لغيره لا لنفسه، وأما الرحمة والإحسان والنعيم ~~فمقصود لنفسه، فالإحسان والنعيم غاية، والعذاب والألم وسيلة، فكيف يقاس ~~أحدهما بالآخر. # الثالث عشر: أنه سبحانه أخبر أن رحمته وسعت كل شي ء، وأن رحمته سبقت ~~غضبه، وأنه كتب على نفسه الرحمة، فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو ~~بقوا في العذاب لا إلى غاية، لم تسعهم رحمته، وهذا ظاهر جدا. # فإن قيل: فقد قال سبحانه عقيبها: فسأكتبها للذين يتقون (156) [الأعراف] ~~إلى آخر الآية، يخرج غيرهم منها، لخروجهم من الوصف الذي يستحق به. # قيل: الرحمة المكتوبة لهؤلاء هي غير الرحمة الواسعة لجميع الخلق، بل هي ~~رحمة خاصة، خصهم بها دون غيرهم، وكتبها لهم دون من سواهم، وهم أهل الفلاح ~~الذين لا يعذبون، بل هم أهل الرحمة والفوز والنعيم. # وذكر الخاص بعد العام استطرادا، وهو كثير في القرآن، بل قد يستطرد من ~~الخاص إلى العام كقوله:* هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن ~~إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما ms475 فتعالى الله عما يشركون (190) [الأعراف] فهذا استطراد من ذكر ~~الأبوين إلى ذكر الذرية. # ومن الاستطراد قوله: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) [الصافات] ~~وجعلناها رجوما للشياطين (5) [الملك] فالتي جعلت رجوما ليست هي التي زينت ~~بها السماء، ولكن استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر، وأعاد PageV01P649 ~~ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت جنس واحد، فهكذا قوله: # ورحمتي وسعت كل شي ء فسأكتبها للذين يتقون (156) [الأعراف] فالمكتوب ~~للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة، والمقصود: أن الرحمة لا بد أن تسع ~~أهل النار، ولا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم، كما قالت الملائكة: # ربنا وسعت كل شي ء رحمة وعلما (7) [غافر]. # الرابع عشر: أنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم حديث الشفاعة، قول أولي ~~العزم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله» ~~«1» وهذا صريح في أن ذلك الغضب العظيم لا يدوم، ومعلوم أن أهل النار إنما ~~دخلوها بذلك الغضب، فلو دام ذلك الغضب، لدام عذابهم. إذ هو موجب ذلك الغضب، ~~فإذا رضي الرب تبارك وتعالى، وزال ذلك الغضب، زال موجبه. وهذا كما أن ~~عقوبات الدنيا العامة وبلاءها آثار غضبه، فإذا استمر غضبه، استمر ذلك ~~البلاء، فإذا رضي وزال غضبه، زال البلاء، وخلفته الرحمة. # الجواب الخامس: أن رضاه أحب إليه من غضبه، وعفوه أحب إليه من عقوبته، ~~ورحمته أحب إليه من عذابه، وعطاءه أحب إليه من منعه، وإنما يقع الغضب ~~والعقوبة والمنع بأسباب، تناقض موجب تلك الصفات والأسماء، وهو سبحانه كما ~~يحب أسماءه وصفاته، ويحب آثارها وموجبها، كما في الحديث: «إنه وتر يحب ~~الوتر، جميل يحب الجمال، نظيف يحب النظافة، عفو يحب العفو» «2» وهو شكور ~~يحب الشاكرين، عليم يحب العالمين، جواد يحب أهل الجود، حيي ستير، يحب أهل ~~الحياء والستر، PageV01P650 ~~صبور يحب الصابرين، رحيم يحب الرحماء، فهو يكره ما يضاد ذلك. # وكذلك كره الكفر والفسوق والعصيان والظلم والجهل، لمضادة هذه الأوصاف ~~لأوصاف كماله الموافقة لأسمائه وصفاته، ولكن يريده سبحانه، لاستلزامه ما ~~يحبه ويرضاه، فهو مراد ms476 له إرادة اللوازم المقصودة لغيرها، إذ هي معصية «1» ~~إلى ما يحب، فإذا حصل بها ما يحبه، وأدت إلى الغاية المقصودة له سبحانه، لم ~~تبق مقصودة، لا لنفسها ولا لغيرها، فتزول، ويخلفها أضدادها التي هي أحب ~~إليه سبحانه منها، وهي موجب أسمائه وصفاته، فإن فهمت سر هذا الوجه، وإلا ~~فجاوزه إلى ما قبله، ولا تعجل بإنكاره. # هذا وسر المسألة أنه سبحانه حكيم رحيم، إنما يخلق بحكمة ورحمة، فإذا عذب ~~من يعذب لحكمة، كان هذا جاريا على مقتضاها، كما يوجد في الدنيا من العقوبات ~~الشرعية والقدرية، من التهذيب والتأديب والزجر والرحمة واللطف، ما يزكي ~~النفوس، ويطيبها، ويمحصها، ويخلصها من شرها وخبثها. والنفوس الشريرة ~~الظالمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب، لعادت لما نهيت عنه، لا يصلح ~~أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والشر والظلم، فإذا عذبت هذه النفوس ~~بالنار عذابا يخلصها من ذلك الشر، ويخرج خبثها، كان هذا معقولا في الحكمة، ~~كما يوجد في عذاب الدنيا، وخلق من فيه شر، يزول بالتعذيب، من تمام الحكمة، ~~أما خلق نفوس شريرة، لا يزول شرها البتة، وإنما خلقت للشر المحض، وللعذاب ~~السرمد الدائم بدوام خالقها سبحانه، فهذا لا يظهر موافقته للحكمة والرحمة، ~~وإن دخل تحت القدرة، فدخوله تحت الحكمة والرحمة ليس PageV01P651 ~~بالبين، فهذا ما وصل إليه النظر في هذه المسألة التي تكع «1» فيها عقول ~~العقلاء. # وكنت سألت عنها شيخ الإسلام، قدس الله روحه، فقال لي: هذه المسألة عظيمة ~~كبيرة، ولم يجب فيها بشي ء، فمضى على ذلك زمن، حتى رأيت في تفسير عبد بن ~~حميد الكشي بعض تلك الآثار التي ذكرت، فأرسلت إليه الكتاب، وهو في مجلسه ~~الأخير، وعلمت على ذلك الموضع، وقلت للرسول: قل له: هذا الموضع يشكل عليه، ~~ولا يدري ما هو، فكتب فيها مصنفه المشهور، رحمة الله عليه، فمن كان عنده ~~فضل علم، فليحدثه، فإن فوق كل ذي علم عليم. # وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله ~~عنه، فإنه ذكر دخول أهل الجنة ms477 الجنة وأهل النار النار، ووصف ذلك أحسن صفة، ~~ثم قال: ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء. # وعلى مذهب عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، حيث يقول: لا ينبغي لأحد أن ~~يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا، وذكر ذلك في تفسير قوله: ~~قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله (128) [الأنعام]. # وعلى مذهب أبي سعيد الخدري حيث يقول: انتهى القرآن كله إلى هذه الآية: إن ~~ربك فعال لما يريد (107) [هود]. # وعلى مذهب قتادة حيث يقول في قوله إلا ما شاء ربك (107) [هود] الله أعلم ~~بتبينه على ما وقعت. PageV01P652 # وعلى مذهب ابن زيد حيث يقول: أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ~~عطاء غير مجذوذ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار. والقول بأن النار ~~وعذابها دائم بدوام الله، خبر عن الله بما يفعله، فإن لم يكن مطابقا لخبره ~~عن نفسه بذلك، وإلا كان قولا عليه بغير علم، والنصوص لا تفهم ذلك، والله أعلم. # فصل # وهاهنا مذاهب أخرى باطلة، منها قول من قال: إنهم يعذبون في النار مدة ~~لبثهم في الدنيا. وقول من قال: إنها تنقلب عليهم طبيعة نارية، يلتذون بها ~~كما يلتذ صاحب الجرب بالحك. وقول من يقول: إنها تفنى هي والجنة جميعا، ~~ويعودان عدما. وقول من يقول: تفنى حركاتها، وتبقى أهلها في سكون دائم. # ولم يوفق للصواب في هذا الباب غير الصحابة ومن سلك سبيلهم، وبالله ~~التوفيق. # فصل # فإن قيل: فما الحكمة في كون الكفار أكثر من المؤمنين، وأهل النار أضعاف ~~أضعاف أهل الجنة، كما قال تعالى: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) ~~[يوسف] وقال: وقليل من عبادي الشكور (13) [سبأ] PageV01P653 ~~وقال: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم (24) [ص] وقال: وإن تطع ~~أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله (116) [الأنعام] وبعث النار من كل ألف ~~تسع مائة وتسعة وتسعون، وواحد إلى الجنة؟ وكيف نشأ هذا عن الرحمة الغالبة، ~~وعن الحكمة البالغة، وهلا كان الأمر بالضد من ذلك؟. # قيل: هذا السؤال من ms478 أظهر الأدلة على قول الصحابة والتابعين في هذه ~~المسألة، وأن الأمر يعود إلى الرحمة التي وسعت كل شي ء، وسبقت الغضب ~~وغلبته، وعلى هذا فاندفع السؤال بالكلية ثم نقول: المادة الأرضية اقتضت ~~حصول التفاوت في النوع الإنساني، كما في المسند والترمذي عنه صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله خلق آدم من قبضة، قبضها من جميع الأرض، فكان منهم الخبيث ~~والطيب والسهل والحزن وغير ذلك» «1». # فاقتضت مادة النوع الإنساني تفاوتهم في أخلاقهم وإراداتهم وأعمالهم، ثم ~~اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ابتلى المخلوق من هذه المادة بالشهوة والغضب ~~والحب والبغض ولوازمها، وابتلاه بعدوه الذي لا يألوه خبالا «2» ولا يغفل ~~عنه، ثم ابتلاه مع ذلك بزينة الدنيا، وبالهوى الذي أمر بمخالفته، هذا على ~~ضعفه وحاجته، وزين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وأمره بترك قضاء أوطاره «3» ~~وشهواته في هذه الدار الحاضرة العتيدة المشاهدة، إلى دار أخرى غايته، إنما ~~تحصل فيها بعد طي الدنيا، والذهاب بها. وكان مقتضى الطبيعة الإنسانية أن لا ~~يثبت على هذا الابتلاء أحد، وأن يذهب كلهم مع PageV01P654 ~~ميل الطبع ودواعي الغضب والشهوة، فلم يحل بينهم وبين ذلك خالقهم وفاطرهم، ~~بل أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم مواقع رضاه وغضبه، ووعدهم ~~على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار النعيم، فلم تقو عقول ~~الأكثرين على إيثار الآجل المنتظر بعد زوال الدنيا، على هذا العاجل الحاضر ~~المشاهد، وقالوا: كيف يباع نقد حاضر، وهو قبض باليد، بنسيئة مؤخرة، وعدنا ~~بحصولها بعد طي الدنيا وخراب العالم، ولسان حال أكثرهم يقول: # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به # فساعد التوفيق الإلهي من علم أنه يصلح لمواقع فضله، فأمده بقوة إيمان ~~وبصيرة رأي في ضوئها حقيقة الآخرة ودوامها، وما أعد الله فيها لأهل طاعته ~~وأهل معصيته، ورأى حقيقة الدنيا وسرعة انقضائها وقلة وفائها وظلم شركائها، ~~وأنها كما وصفها الله سبحانه لعب ولهو وزينة وتفاخر بين أهلها وتكاثر في ~~الأموال والأولاد، وأنها كغيث أعجب الكفار نباته، ms479 ثم يهيج فتراه مصفرا، ثم ~~يكون حطاما، فنشأنا في هذه الدار، ونحن منها وبنوها، لا نألف غيرها، وحكمت ~~العادات، وقهر السلطان الهوى، وساعده داعي النفوس، وتقاضاه موجب الطباع، ~~وغلب الحس على العقل، وكانت الدولة له. # والناس على دين الملك. ولا ريب أن الذي يخرق هذه الحجب، ويقطع هذه ~~العلائق، ويخالف العوائد، ولا يستجيب لدواعي الطبع، ويعصي سلطان الهوى، لا ~~يكون إلا الأقل، ولهذا كانت المادة النارية أقل اقتضاء لهذا الصنف من ~~المادة الترابية، لخفة النار وطيشها، وكثرة نقلتها، وسرعة حركتها، وعدم ~~ثباتها. والماء المادة الملكية، فتربه من ذلك، فلذلك كان المخلوق خيرا كله. # فالعقلاء المخاطبون مخلوقون من هذه المواد الثلاث، واقتضت الحكمة PageV01P655 ~~أن يكونوا على هذه الصفة والخلقة، ولو كانوا على غير ذلك، لم يحصل مقصود ~~الامتحان والابتلاء وتنوع العبودية، وظهور آثار الأسماء والصفات، فلو كان ~~أهل الإيمان والخير هم الأكثرين الغالبين، لفاتت مصلحة الجهاد وتوابعه التي ~~هي من أجل أنواع العبودية، وفات الكمال المترتب على ذلك، فلا أحسن مما ~~اقتضاه حكمة أحكم الحاكمين، في المخلوق من هذه المواد، ثم إنه سبحانه يخلص ~~ما في المخلوق من تينك المادتين من الخبث والشر، ويمحصه، ويستخرج طيبه إلى ~~دار الطيبين، ويلقي خبيثه حيث تلقى الخبائث والأوساخ، وهذا غاية الحكمة، ~~كما هو الواقع في جواهر المعادن المنتفع بها، من الذهب والفضة والحديد ~~والصفر، فخلاصة هذه المواد وطيبها أقل من وسخها وخبثها، والناس زرع الأرض، ~~والخير الصافي من الزرع بعد زوانه «1» وقصله وعصفه وتبنه أقل من بقية ~~الأجزاء، وتلك الأجزاء كالصور له والوقاية، كالحطب والشوك للثمر، والتراب ~~والحجارة للمعادن النفيسة. # فصل # الوجه السابع والثلاثون: قوله: وأي حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه، ~~يسومونهم سوء العذاب؟ فكم لله في ذلك من حكم باهرة، منها حصول محبوبه من ~~عبودية الصبر والجهاد، وتحمل الأذى فيه، والرضى عنه في السراء والضراء، ~~والثبات على عبوديته وطاعته مع قوة المعارض وغلبته وشوكته، وتمحيص أوليائه ~~من أحكام البشرية ودواعي الطباع، ببذل نفوسهم PageV01P656 ~~له، وأذى أعدائه لهم، وتميز الصادق من الكاذب، ومن ms480 يريده ويعبده على جميع ~~الحالات ممن يعبده على حرف، وليحصل له مرتبة الشهادة التي هي من أعلى ~~المراتب، ولا شي ء أبر عند الحبيب من بذل محبة نفسه في مرضاته، ومجاهدة ~~عدوه، فكم لله في هذا التسليط من نعمة ورحمة وحكمة، وإذا شئت أن تعلم ذلك، ~~فتأمل الآيات من أواخر آل عمران، من قوله: قد خلت من قبلكم سنن (137) [آل ~~عمران] إلى قوله: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن ~~كنتم مؤمنين (175) [آل عمران] إلى قوله: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب (179) [آل عمران]. # فكان هذا التمييز من بعض حكم ذلك التسليط، ولو لا ذلك التسليط، لم تظهر ~~فضيلة الصبر والعفو والحكم وكظم الغيظ، ولا حلاوة النصر والظفر والقهر، فإن ~~الأشياء يظهر حسنها بأضدادها، ولو لا ذلك التسليط، لم تستوجب الأعداء المحق ~~والإهانة والكبت، فاستخرج ذلك التسليط، من القوة إلى الفعل، ما عند ~~أوليائه، فاستحقوا كرامتهم عليه، وما عند أعدائه، فاستحقوا عقوبتهم عليه، ~~فكان هذا التسليط مما أظهر حكمته وعزته ورحمته ونعمته في الفريقين، وهو ~~العزيز الحكيم. # الوجه الثامن والثلاثون: قوله: وأي حكمة في تكليف الثقلين، وتعريضهم بذلك ~~العقوبة وأنواع المشاق؟. # فاعلم أنه لو لا التكليف، لكان خلق الإنسان عبثا وسدى، والله يتعالى عن ~~ذلك، وقد نزه نفسه عنه، كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص، قال تعالى: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) [المؤمنون] وقال: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) [القيامة]. # قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى. PageV01P657 # ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملا معطلا مضاد للحكمة، فإنه خلق لغاية ~~كماله، وكماله أن يكون عارفا بربه محبا له قائما بعبوديته، قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) [الذاريات] وقال: لتعلموا أن الله ~~على كل شي ء قدير وأن الله قد أحاط بكل شي ء علما (12) [الطلاق] وقال: ذلك ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شي ء عليم ~~(97) [المائدة]. # فهذه المعرفة وهذه ms481 العبودية هما غاية الخلق والأمر، وهما أعظم كمال ~~الإنسان، والله تعالى من عنايته به ورحمته له عرضه لهذا الكمال، وهيأ له ~~أسبابه الظاهرة والباطنة، ومكنه منها. # ومدار التكليف على الإسلام والإيمان والإحسان، وهي ترجع إلى شكر النعم ~~كلها دقيقها وجليلها منه، وتعظيمه وإجلاله ومعاملته بما يليق أن يعامل به، ~~فتذكر آلاؤه وتشكر، فلا يكفر، ويطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، هذا مع تضمن ~~التكليف لإيصاف العبد بكل خلق جميل، وإثباته بكل فعل جميل، وقول سديد، ~~واجتنابه لكل خلق سيئ، وترك كل فعل قبيح وقول زور، فتكليفه متضمن لمكارم ~~الأخلاق ومحاسن الأفعال وصدق القول والإحسان إلى الخليقة، وتكميل نفسه ~~بأنواع الكمالات، وهجر أضداد ذلك، والتنزه عنها، مع تعريضه بذلك التكليف ~~للثواب الجزيل الدائم، ومجاورة ربه في دار البقاء، فأي الأمرين أليق ~~بالحكمة، هذا أو إرساله هملا كالخيل والبغال والحمير، يأكل ويشرب وينكح ~~كالبهائم، أيقتضي كماله المقدس ذلك، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو ~~رب العرش الكريم. # وكيف يليق بذلك الكمال طي بساط الأمر والنهي والثواب والعقاب، وترك إرسال ~~الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع وتقرير الأحكام! وهل عرف الله من جوز عليه ~~خلاف ذلك، وهل ذلك إلا من سوء الظن به، قال تعالى: # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شي ء (91) ~~[الأنعام] فحسن PageV01P658 ~~التكليف في العقول كحسن الإحسان والإنعام والتفضل والطول، بل هو من أبلغ ~~أنواع الإحسان والإنعام، ولهذا سمى سبحانه ذلك نعمة ومنة وفضلا ورحمة، ~~وأخبر أن الفرح به خير من الفرح بالنعم المشتركة بين الأبرار والفجار. # قال تعالى:* ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا (28) [إبراهيم] فنعمة ~~الله هاهنا نعمته بمحمد صلى الله عليه وسلم وما بعثه به من الهدى ودين ~~الحق، وقال: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين (164) [آل عمران] وقال تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ~~يتلوا ms482 عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (4) [الجمعة] وقال: # وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) [الأنبياء] وقال: قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) [يونس] وقال: اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (3) [المائدة] وقال: ~~واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به (231) ~~[البقرة] وقال: # واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) [الحجرات] ~~وقال لرسوله: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان ~~فضل الله عليك عظيما (113) [النساء]. # وهل النعمة والفضل في الحقيقة إلا ذلك وتوابعه وثمرته في القلوب والأبدان ~~في الدنيا والآخرة، وهل في العقول السليمة والفطر المستقيمة أحسن من ذلك ~~وأليق بكمال الرب وأسمائه وصفاته. PageV01P659 # الوجه التاسع والثلاثون: قوله في مناظرة الأشعري للجبائي في الإخوة ~~الثلاثة، الذين مات أحدهم صغيرا، وبلغ الآخر كافرا، والثالث مسلما: إنها ~~مناظرة كافية في إبطال الحكمة والتعليل ورعاية الأصلح. # فلعمر الله! إنها مبطلة لطريقة أهل البدع من المعتزلة والقدرية الذين ~~يوجبون على ربهم مراعاة الأصلح لكل عبد، وهو الأصلح عندهم، فيشرعون له ~~شريعة بعقولهم، ويحجرون عليه ويحرمون عليه أن يخرج عنها، ويوجبون عليه ~~القيام بها، وكذلك كانوا من أحمق الناس وأعظمهم تشبيها للخالق بالمخلوق في ~~أفعاله، وأعظمهم تعطيلا عن صفات كماله، فنزهوه عن صفات الكمال، وشبهوه ~~بخلقه في الأفعال، وأدخلوه تحت الشريعة الموضوعة بآراء الرجال، وسموا ذلك ~~عدلا وتوحيدا بالزور والبهتان، وتلك تسمية ما أنزل الله بها من سلطان. ~~فالعدل قيامه بالقسط في أفعاله والتوحيد وإثبات صفات كماله شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم (18) إن الدين ms483 عند الله الإسلام (19) [آل عمران] فهذا العدل ~~والتوحيد الذي جاء به المرسلون، وذلك التوحيد والعدل الذي جاء به المعطلون. # والمقصود: أن هذه المناظرة وإن أبطلت قول هؤلاء، وزلزلت قواعدهم، فإنها ~~لا تبطل حكمة الله التي اختص بها دون خلقه، وطوى بساط الإحاطة بها عنهم، ~~ولم يطلعهم منها إلا على ما نسبته إلى ما خفي عنهم كقطرة من بحار الدنيا، ~~فكم لله سبحانه من حكمة في ذلك الذي أخرمه صغيرا، وحكمة في الذي مد له في ~~العمر حتى بلغ، وأسلم، وحكمة في الذي أبقاه حتى بلغ وكفر، ولو كان كل من ~~علم أنه إذا بلغ، يكفر يخترمه صغيرا، لتعطل الجهاد والعبودية التي يحبها ~~الله ويرضاها، ولم يكن هناك معارض، وكان الناس أمة واحدة، ولم تظهر آياته ~~وعجائبه في الأمم، ووقائعه وأيامه في أعدائه، PageV01P660 ~~وإقامة الحجج وجدال أهل الباطل بما يدحض شبهتهم، وينصر الحق ويظهره على ~~الباطل، إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم التي لا يحصيها إلا الله. # والله سبحانه يحب ظهور أسمائه وصفاته في الخليقة، فلو اخترم كل من علم ~~أنه يكفر إذا بلغ، لفات ذلك، وفواته مناف لكمال تلك الأسماء والصفات، ~~واقتضائها لآثارها، وقد تقدم بسط ذلك أتم من هذا. # الوجه الأربعون: قوله أنه سبحانه رد الأمر إلى محض مشيئة بقوله: # يعذب من يشاء ويرحم من يشاء (21) [العنكبوت] وقوله: فيغفر لمن يشاء ويعذب ~~من يشاء (284) [البقرة] وقوله: فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء (8) ~~[فاطر] وقوله: لا يسئل عما يفعل (23) [الأنبياء] فهذا كله حق، ولكن أين فيه ~~إبطال حكمته وحمده والغايات المحمودة المطلوبة بفعله، وأنه لا يفعل شيئا ~~لشي ء، ولا يأمر بشي ء لأجل شي ء، ولا سبب لفعله ولا غاية، أفترى أصحاب ~~الحكمة والتعليل يقولون: إنه لا يفعل بمشيئته، أو أنه يسأل عما يفعل؟ بل ~~إنه يفعل بمشيئته مقارنا للحكمة والمصلحة ووضع الأشياء مواضعها، وأنه يفعل ~~ما يشاء بأسباب وحكم، ولغايات مطلوبة وعواقب حميدة، فهم مثبتون لملكه ~~وحمده، وغيرهم يثبت ملكا بلا حمد أو نوعا من الحمد، ms484 مع هضم الملك، إذ الرب ~~تعالى له كمال الملك وكمال الحمد، فكونه يفعل ما يشاء، يمنع أن يشاء بأسباب ~~وحكم وغايات، وأنه لا يشاء إلا ذلك. # وأما قوله: لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) [الأنبياء] فهذا لكمال علمه ~~وحكمته، لا لعدم ذلك، وأيضا فسياق الآية في معنى آخر، وهو إبطال إلهية من ~~سواه، وإثبات الألوهية له وحده، فإنه سبحانه قال: أم اتخذوا آلهة من الأرض ~~هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش ~~عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) [الأنبياء] فأين في هذا ما يدل PageV01P661 ~~على إبطال التعليل بوجه من الوجوه؟ ولكن أهل الباطل يتعلقون بألفاظ، نزلوها ~~على باطلهم، لا تنزل عليه، وبمعان متشابهة، يشتبه فيها الحق بالباطل، ~~فعمدتهم المتشابه من الألفاظ والمعاني، فإذا فصلت وبينت، يتبين أنها لا ~~دلالة فيها، وأنها مع ذلك قد تدل على نقيض مطلوبهم. وبالله التوفيق. PageV01P662 ### | AUTO الباب الرابع والعشرون في قول السلف: من أصول الإيمان الإيمان ~~بالقدر خيره وشره حلوه ومره # قد تقدم أن القدر لا شر فيه، بوجه من الوجوه، فإنه علم الله وقدرته ~~وكتابه ومشيئته، وذلك خير محض وكمال من وجه، فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجه ~~من الوجوه، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وإنما ~~يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر، ويكون شرا بالنسبة إلى محل، ~~وخيرا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من ~~وجه، كما هو شر له من وجه، بل هذا هو الغالب، وهذا كالقصاص وإقامة الحدود ~~وقتل الكفار، فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه، بل من وجه دون وجه، وخير ~~بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض، ~~وكذلك الآلام والأمراض، وإن كانت شرورا من وجه، فهي خيرات من وجوه عديدة، ~~وقد تقدم تقرير ذلك. فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر، وذلك ~~في المقضي المقدر، لا في نفس صفة ms485 الرب وفعله القائم به، فإن قطع يد السارق ~~شر مؤلم ضار له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه، فعدل، خير وحكمة ومصلحة، ~~كما يأتي في الباب الذي بعد هذا، إن شاء الله. PageV01P663 # فإن قيل: فما الفرق بين كون القدر خيرا وشرا، وكونه حلوا ومرا؟. # قيل: الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل، والخير والشر ~~يرجع إلى حسن العاقبة وسوئها، فهو حلو ومر في مبدئه وأوله، وخير وشر في ~~منتهاه وعاقبته. # وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب، في العاجل، تعقب ~~المرارة في الآجل، ومرارتها تعقب الحلاوة، فحلو الدنيا مر الآخرة، ومر ~~الدنيا حلو الآخرة، وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام، ~~والآلام تثمر اللذات، والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاما، لا يخرج عنه شي ء ~~البتة، والشر مرجعه إلى اللذات وأسبابها، والخير المطلوب هو اللذات ~~الدائمة، والشر المرهوب هو الآلام الدائمة، فأسباب هذه الشرور، وإن اشتملت ~~على لذة ما، وأسباب تلك خيرات، وإن اشتملت على ألم ما، فألم يعقب اللذة ~~الدائمة أولى بالإيثار والتحمل من لذة تعقب الألم الدائم، فلذة ساعة في جنب ~~ألم طويل كلا لذة، وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم. PageV01P664 ### | AUTO الباب الخامس والعشرون في امتناع إطلاق القول نفيا وإثباتا، أن ~~الرب تعالى مريد للشر وفاعل له # هذا موضع اختلف فيه مثبتو القدر ونفاته، فقال النفاة: لا يجوز أن يقال: # إن الله سبحانه مريد للشر، أو فاعل له. قالوا: لا يريد الشر، وفاعله شرير. # هذا هو المعروف لغة وعقلا وشرعا، كما أن الظالم فاعل الظلم، والفاجر فاعل ~~الفجور ومريده، والرب يتعالى ويتنزه عن ثبوت معاني أسماء السوء له، فإن ~~أسماءه كلها حسنى، وأفعاله كلها خير، فيستحيل أن يريد الشر، فالشر ليس ~~بإرادته ولا بفعله. قالوا: وقد قام الدليل على أن فعله سبحانه غير مفعوله، ~~والشر ليس بفعل له، فلا يكون مفعولا له. # وقابلهم الجبرية فقالوا: بل الرب سبحانه يريد الشر، ويفعله. قالوا: لأن ~~الشر موجود، فلا بد له من خالق، ولا ms486 خالق إلا الله، وهو سبحانه إنما يخلق ~~بإرادته، فكل مخلوق فهو مراد له، وهو فعله، ووافقوا إخوانهم على أن الفعل ~~عين المفعول، والخلق نفس المخلوق، ثم قالوا: والشر مخلوق له ومفعول، فهو ~~فعله وخلقه، وواقع بإرادته. قالوا: وإنما لم يطلق القول أنه يريد الشر ~~ويفعل الشر أدبا لفظيا فقط، كما لا يطلق القول بأنه رب الكلاب والخنازير، ~~ويطلق القول بأنه رب كل شي ء وخالقه. قالوا: وأما قولكم: إن PageV01P665 ~~الشرير مريد الشر وفاعله، فجوابه من وجهين. # أحدهما: إنما يمنع ذلك بأن الشرير من قام به الشر، وفعل الشر لم يقم بذات ~~الرب، فإن أفعاله لا تقوم به، إذ هي نفس مفعولاته، وإنما هي قائمة بالخلق، ~~وكذلك اشتقت لهم منها الأسماء كالفاجر والفاسق والمصلي والحاج والصائم ~~ونحوها. # الجواب الثاني: أن أسماء الله تعالى توقيفية، ولم يسم نفسه إلا بأحسن ~~الأسماء. قالوا: والرب تعالى أعظم من أن يكون في ملكه ما لا يريده ولا ~~يخلقه، فإنه الغالب غير المغلوب، وتحقيق القول في ذلك أنه يمتنع إطلاق ~~إرادة الشر عليه وفعله نفيا وإثباتا، لما في إطلاق لفظ الإرادة والفعل من ~~إبهام المعنى الباطل ونفي المعنى الصحيح فإن الإرادة تطلق بمعنى المشيئة ~~وبمعنى المحبة والرضا، فالأول كقوله: إن كان الله يريد أن يغويكم (34) ~~[هود] وقوله ومن يرد أن يضله (125) [الأنعام] وقوله: وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية (16) [الإسراء] والثاني كقوله: والله يريد أن يتوب عليكم (27) ~~[النساء] وقوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (185) [البقرة]. # فالإرادة بالمعنى الأول تستلزم وقوع المراد، ولا تستلزم محبته والرضا به، ~~وبالمعنى الثاني لا تستلزم وقوع المراد، وتستلزم محبته، فإنها لا تنقسم، بل ~~كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضي له، ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة ~~مفعولاته، فإن أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة لا شر فيها، بوجه من ~~الوجوه، وأما مفعولاته فهي مورد الانقسام، وهذا إنما يتحقق على قول أهل ~~السنة أن الفعل غير المفعول، والخلق غير المخلوق، كما هو الموافق للعقول ~~والفطر واللغة ودلالة القرآن والحديث ms487 وإجماع أهل السنة، كما حكاه البغوي في ~~«شرح السنة» عنهم. PageV01P666 # وعلى هذا فهاهنا إرادتان ومرادان، إرادة أن يفعل، ومرادها فعله القائم به، ~~وإرادة أن يفعل عبده، ومرادها مفعوله المنفصل عنه، وليسا بمتلازمين، فقد ~~يريد من عبده أن يفعل، ولا يريد من نفسه إعانته على الفعل وتوفيقه له وصرف ~~موانعه عنه، كما أراد من إبليس أن يسجد لآدم، ولم يرد من نفسه أن يعينه على ~~السجود، ويوفقه له، ويثبت قلبه عليه، ويصرفه إليه، ولو أراد ذلك منه، لسجد ~~له لا محالة. # وقوله: فعال لما يريد (16) [البروج] إخباره عن إرادته لفعله لا لأفعال ~~عبيده، وهذا الفعل والإرادة لا ينقسم إلى خير وشر، كما تقدم، وعلى هذا فإذا ~~قيل: هو مريد للشر، أوهم أنه محب له راض به، وإذا قيل: إنه لم يرده، أوهم ~~أنه لم يخلقه ولا كونه، وكلاهما باطل، ولذلك إذا قيل: إن الشر فعله أو أنه ~~يفعل الشر، أوهم أن الشر فعله القائم به، وهذا محال، وإذا قيل: لم يفعله أو ~~ليس بفعل له، أوهم أنه لم يخلقه ولم يكونه، وهذا محال. # فانظر ما في إطلاق هذه الألفاظ في النفي والإثبات، من الحق والباطل، الذي ~~يتبين بالاستفصال والتفصيل، وإن الصواب في هذا الباب ما دل عليه القرآن ~~والسنة من أن الشر لا يضاف إلى الرب تعالى، لا وصفا ولا فعلا، ولا يتسمى ~~باسمه بوجه من الوجوه، وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم، كقوله تعالى: ~~قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) [الفلق] فما هاهنا موصولة أو ~~مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول، أي: من شر الذي خلقه أو من شر مخلوقه، وقد ~~يحذف فاعله، كقوله حكاية عن مؤمني الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في ~~الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) [الجن] وقد يسند إلى محله القائم به كقول ~~إبراهيم الخليل: الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) ~~وإذا مرضت فهو يشفين (80) [الشعراء] وقول PageV01P667 ~~الخضر: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها (79) ~~[الكهف] وقال في بلوغ ms488 الغلامين: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما (82) [الكهف] ~~وقد جمع الأنواع الثلاثة في الفاتحة، في قوله: اهدنا الصراط المستقيم (6) ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) [الفاتحة] والله ~~تعالى إنما نسب إلى نفسه الخير دون الشر، فقال تعالى: قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك ~~الخير إنك على كل شي ء قدير (26) [آل عمران] وأخطأ من قال: المعنى: بيدك ~~الخير والشر، لثلاثة أوجه. # أحدها: أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف، بل ترك ذكره قصدا ~~أو بيانا أنه ليس بمراد. # الثاني: أن الذي بيد الله تعالى نوعان: فضل، وعدل، كما في الحديث الصحيح، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء الليل ~~والنهار» «1» أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق، فإنه لم يغض ما في يمينه، ~~وبيده الأخرى القسط، يخفض ويرفع، فالفضل لإحدى اليدين، والعدل للأخرى، ~~وكلاهما خير لا شر فيه بوجه. # الثالث: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم «لبيك وسعديك، والخير في يديك، ~~والشر ليس إليك» «2» كالتفسير للآية، ففرق بين الخير والشر، وجعل أحدهما في ~~يدي الرب سبحانه، وقطع إضافة الآخر إليه، مع إثبات عموم خلقه لكل شي ء. PageV01P668 # فصل # والرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء، ولا يشتق له من مخلوقاته، ~~وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته، أو فعل قائم به، فلو كان يشتق ~~له اسم باعتبار المخلوق المنفصل، يسمى متكونا ومتحركا وساكنا وطويلا وأبيض ~~وغير ذلك، لأنه خالق هذه الصفات، فلما لم يطلق عليه اسم من ذلك، مع أنه ~~خالقه، علم أنما يشتق أسماءه من أفعاله وأوصافه القائمة به، وهو سبحانه لا ~~يتصف بما هو مخلوق منفصل عنه، ولا يتسمى باسمه، ولهذا كان قول من قال: إنه ~~يسمى متكلما بكلام منفصل عنه، وخلقه في غيره، ومريدا بإرادة منفصلة عنه، ~~وعادلا بعدل مخلوق منفصل عنه، وخالقا بخلق منفصل عنه، هو المخلوق، قولا ms489 ~~باطلا مخالفا للعقل والنقل واللغة، مع تناقضه في نفسه، فإن اشتق له اسم، ~~باعتبار مخلوقاته، لزم طرد ذلك في كل صفة أو فعل خلقه، وإن خص ذلك ببعض ~~الأفعال والصفات دون بعض، كان تحكما لا معنى له، وحقيقة قول هؤلاء أنه لم ~~يقم به عدل ولا إحسان ولا كلام ولا إرادة ولا فعل البتة، ومن تجهم منهم نفى ~~حقائق الصفات، وقال: لم تقم به صفة ثبوتية، فنفوا صفاته، وردوها إلى السلوب ~~والإضافات، ونفوا أفعاله، وردوها إلى المصنوعات المخلوقات. وحقيقة هذا أن ~~أسماءه تعالى ألفاظ فارغة عن المعاني، لا حقائق لها، وهذا من الإلحاد فيها، ~~وإنكار أن يكون حسنا وقد قال تعالى: # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما ~~كانوا يعملون (180) [الأعراف] وقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه ~~الأسماء له سبحانه وصفا كقوله تعالى: أن القوة لله جميعا (165) [البقرة] PageV01P669 ~~وقوله: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) [الذاريات] وقوله: فاعلموا ~~أنما أنزل بعلم الله (14) [هود] وقوله صلى الله عليه وسلم: «لأحرقت سبحات ~~وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» «1». وقول عائشة: الحمد لله الذي وسع ~~سمعه الأصوات. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ برضاك من سخطك» «2»، وقوله: ~~«أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق» «3»، وقوله: «أعوذ بعزتك أن تضلني» ~~«4». ولو لا هذه المصادر، لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن ~~أفعاله غير صفاته وأسماءه غير أفعاله وصفاته، فإذا لم يقم به فعل ولا صفة، ~~فلا معنى للاسم المجرد، وهو بمنزلة صوت لا يفيد شيئا، وهذا غاية الإلحاد. PageV01P670 ### | AUTO الباب السادس والعشرون فيما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا ~~أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» «1» من تحقيق القدر وإثباته وما ~~تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة # قد دل هذا الحديث العظيم القدر على أمور. # منها: أنه يستعاذ بصفات الرب تعالى، كما يستعاذ بذاته، وكذلك يستغاث ~~بصفاته، كما يستغاث بذاته، كما في ms490 الحديث: «يا حي يا قيوم، يا بديع السموات ~~والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي ~~شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك». وكذلك قوله ~~في الحديث الآخر: «أعوذ بعزتك أن تضلني» «2». وكذلك استعاذته بكلمات الله ~~التامات وبوجهه الكريم وتعظيمه، PageV01P671 ~~وفي هذا ما يدل على أن هذه صفات ثابتة وجودية، إذ لا يستعاذ بالعدم، وأنها ~~قائمة به غير مخلوقة، إذ لا يستعاذ بالمخلوق، وهو احتجاج صحيح، فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، لا يستعيذ بمخلوق، ولا يستغيث به، ولا يدل أمته ~~على ذلك. # ومنها: أن العفو من صفات الفعل القائمة به، وفيه رد على من زعم أن فعله ~~عين مفعوله، فإن المفعول مخلوق ولا يستعاذ به. # ومنها: أن بعض صفاته وأفعاله سبحانه أفضل من بعض، فإن المستعاذ به أفضل ~~من المستعاذ منه، وهذا كما أن صفة الرحمة أفضل من صفة الغضب، ولذلك كان لها ~~الغلبة والسبق، ولذلك كلامه سبحانه هو صفته، ومعلوم أن كلامه الذي يثني على ~~نفسه به، ويذكر فيه أوصافه وتوحيده، أفضل من كلامه الذي يذم به أعداءه، ~~ويذكر أوصافهم، ولهذا كانت سورة الإخلاص أفضل من سورة تبت، وكانت تعدل ثلث ~~القرآن دونها، وكانت آية الكرسي أفضل آية في القرآن، ولا تصغ إلى قول من ~~غلظ حجابه، أن الصفات قديمة، والقديم لا يتفاضل، فإن الأدلة السمعية ~~والعقلية تبطل قوله، وقد جعل سبحانه ما كان من الفضل والعطاء والخير وأهل ~~السعادة بيده اليمنى، وما كان من العدل والقبض بيده الأخرى، ولهذا جعل أهل ~~السعادة في قبضته اليمنى، وأهل الشقاوة في القبضة الأخرى، والمقسطون على ~~منابر من نور، عن يمينه، والسموات مطويات بيمينه، والأرض بالأرض. # ومنها: أن الغضب والرضاء والعفو والعقوبة، لما كانت متقابلة، استعاذ ~~بأحدهما من الآخر، فلما جاء إلى الذات المقدسة التي لا ضد لها ولا مقابل، ~~قال: وأعوذ بك منك، فاستعاذ بصفة الرضى من صفة الغضب، وبفعل العفو من فعل ~~العقوبة، وبالموصوف بهذه الصفات والأفعال ms491 منه، وهذا يتضمن كمال الإثبات ~~للقدر والتوحيد بأوجز لفظ وأخصره، فإن الذي يستعيذ به من PageV01P672 ~~الشر وأسبابه، هو واقع بقضاء الرب تعالى وقدره، وهو المنفرد بخلقه وتقديره ~~وتكوينه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالمستعاذ منه إما وصفه وإما ~~فعله وإما مفعوله الذي هو أثر فعله، والمفعول ليس إليه نفع ولا ضر، ولا يضر ~~إلا بإذن خالقه، كما قال تعالى في أعظم ما يتضرر به العبد وهو السحر: وما ~~هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله (102) [البقرة]. # فالذي يستعاذ منه هو بمشيئته وقضائه وقدرته، وإعاذته منه وصرفه عن ~~المستعيذ إنما هو بمشيئته أيضا وقضائه وقدره، فهو المعيذ من قدره بقدره، ~~ومن ما يصدره عن مشيئته وإرادته بما يصدره عن مشيئته وإرادته، والجميع واقع ~~بإرادته الكونية القدرية، فهو يعيذ من إرادته بإرادته، إذ الجميع خلقه ~~وقدره وقضاؤه، فليس هناك خلق لغيره، فيعيذ منه هو، بل المستعاذ منه خلق له، ~~فهو الذي يعيذ عبده من نفسه بنفسه، فيعيذه مما يريده به بما يريده به، فليس ~~هناك أسباب مخلوقة لغيره، يستعيذ منها المستعيذ به، كما يستعيذ من رجل ظلمه ~~وقهره برجل أقوى أو نظيره. # فالمستعاذ منه هو الذنوب، وعقوباتها، والآلام وأسبابها، والسبب من قضائه، ~~والمسبب من قضائه، والإعاذة بقضائه، فهو الذي يعيذ من قضائه بقضائه، فلم ~~يعذ إلا بما قدره وشاءه، وذلك الاستعاذة منه، وشاءها، وقدر الإعاذة وشاءها، ~~فالجميع قضاؤه وقدره وموجب مشيئته، فنتجت هذه الكلمة التي لو قالها غير ~~الرسول، لبادر المتكلم الجاهل إلى إنكارها وردها، إنه لا يملك الضر والنفع ~~والخلق والأمر والإعاذة غيرك، وإن المستعاذ منه هو بيدك وتحت تصرفك ومخلوق ~~من خلقك، فما استعذت إلا بك، ولا استعذت إلا منك، وهذا نظير قوله في الحديث ~~الآخر: «لا ملجأ ولا منجا PageV01P673 ~~منك إلا إليك» «1» فهو الذي ينجي من نفسه بنفسه، ويعيذ من نفسه بنفسه. # وكذلك الفرار، يفر عبده منه إليه. # وهذا كله تحقيق للتوحيد والقدر، وأنه لا رب غيره، ولا خالق سواه، ولا ~~يملك المخلوق لنفسه ولا ms492 لغيره ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ~~بل الأمر كله لله، ليس لأحد سواه منه شي ء، كما قال تعالى لأكرم خلقه عليه ~~وأحسنهم إليه: ليس لك من الأمر شي ء (128) [آل عمران] وقال جوابا لمن قال: ~~هل لنا من الأمر شي ء؟ قل إن الأمر كله لله (154) [آل عمران] فالملك كله ~~له، والأمر كله له، والحمد كله له، والشفاعة كلها له، والخير كله في يديه. ~~وهذا تحقيق تفرده بالربوبية والألوهية، فلا إله غيره، ولا رب سواه: قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) ~~[الزمر] وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل ~~شي ء قدير (17) [الأنعام] ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم (2) [فاطر]. # فاستعذ به منه، وفر منه إليه، واجعل لجأك منه إليه، فالأمر كله له، لا ~~يملك أحد معه منه شيئا، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا ~~هو، ولا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه، ولا يضر سم ولا سحر ولا شيطان ولا ~~حيوان ولا غيره إلا بإذنه ومشيئته، ويصيب بذلك من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ~~فأعرف الخلق به وأقواهم بتوحيده من قال في دعائه: # وأعوذ بك منك. فليس للخلق معاذ سواه ولا مستعاذ منه إلا وهو ربه وخالقه ~~ومليكه وتحت قهره وسلطانه. PageV01P674 # ثم ختم الدعاء بقوله: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اعترافا ~~بأن شأنه وعظمته ونعوت كماله وصفاته أعظم وأجل من أن يحصيها أحد من الخلق، ~~أو بلغ أحد حقيقة الثناء عليه غيره سبحانه، فهو توحيد في الأسماء والصفات ~~والنعوت، وذاك توحيد في العبودية والتأله، وإفراده تعالى بالخوف والرجاء ~~والاستعاذة، وهذا مضاد الشرك، وذاك مضاد التعطيل. # وبالله التوفيق. PageV01P675 ### | AUTO الباب السابع والعشرون في دخول الإيمان بالقضاء ms493 والقدر والعدل ~~والتوحيد والحكمة تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم: ماض في حكمك، عدل في ~~قضاؤك وبيان ما في هذا الحديث من القواعد # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ~~ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في ~~حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في ~~كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل ~~القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه ~~وغمه، وأبدله مكانه فرحا، قالوا: يا رسول الله: # أفلا نتعلمهن قال: بلى: ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن» «1». # فقد دل هذا الحديث الصحيح منها، أنه استوعب أقسام المكروه الوارد على ~~القلب، فالهم يكون على مكروه، يتوقع في المستقبل، يهتم به القلب، والحزن ~~على مكروه ماض، من فوات محبوب، أو حصول مكروه، إذا تذكره، أحدث له حزنا، ~~والغم يكون على مكروه حاصل في الحال، يوجب PageV01P677 ~~لصاحبه الغم، فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه، وقد تنوع ~~الناس في طرق أدويتها والخلاص منها، وتباينت طرقهم في ذلك تباينا لا يحصيه ~~إلا الله، بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهم أنه يخلصه منها، ~~وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها، لا يزيدها إلا ~~شدة لمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها، من أكبر كبائرها إلى أصغرها، ~~وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء وسماع الأصوات المطربة وغير ذلك، ~~فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها، وكلهم قد ~~أخطأ الطريق إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه الله لإزالتها، وهو ~~دواء مركب من مجموع أمور، متى نقص منها جزء، نقص من الشفاء بقدره، وأعظم ~~أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار، قال تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات (19) [محمد]. # وفي الحديث: ms494 «فإن الشيطان يقول: «أهلك بني آدم بالذنوب وأهلكوني ~~بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك، بثثت فيهم الأهواء» «1» فهم ~~يذنبون ولا يتوبون، لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # ولذلك كان الدعاء المفرج للكرب محض التوحيد، وهو: «لا إله إلا الله ~~العظيم الحليم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا هو رب السموات ~~ورب الأرض رب العرش الكريم» «2». # وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوة أخي ذي النون، ما ~~دعاها مكروب إلا فرج الله كربه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من PageV01P678 ~~الظالمين» «1». # فالتوحيد يدخل العبد على الله، والاستغفار والتوبة يرفع المانع، ويزيل ~~الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه، فإذا وصل القلب إليه، زال عنه همه ~~وغمه وحزنه، وإذا انقطع عنه، حصرته الهموم والغموم والأحزان، وأتته من كل ~~طريق، ودخلت عليه من كل باب، فلذلك صدر هذا الدعاء المذهب للهم والغم ~~والحزن، بالاعتراف له بالعبودية حقا منه، ومن آياته، ثم أتبع ذلك باعترافه ~~بأنه في قبضته وملكه، وتحت تصرفه، بكون ناصيته في يده، يصرفه كيف يشاء، كما ~~يقاد من أمسك بناصيته شديد القوى، لا يستطيع إلا الانقياد له، ثم أتبع ذلك ~~بإقراره له، بنفاذ حكمه فيه، وجريانه عليه، شاء أم أبى، وإذا حكم فيه بحكم، ~~لم يستطع غيره رده أبدا، وهذا اعتراف لربه بكمال القدرة عليه، واعتراف من ~~نفسه بغاية العجز والضعف، فكأنه قال: أنا عبد ضعيف مسكين، يحكم فيه قوي ~~قاهر غالب، وإذا حكم فيه بحكم، مضى حكمه فيه ولا بد، ثم أتبع ذلك باعترافه ~~بأن كل حكم وكل قضية ينفذها فيه هذا الحاكم، فهي عدل محض منه، لا جور فيها ~~ولا ظلم، بوجه من الوجوه، فقال: ماض في حكمك، عدل في قضائك. وهذا يعم جميع ~~أقضيته سبحانه في عبده قضاءه السابق فيه قبل إيجاده، وقضاءه فيه المقارن ~~لحياته، وقضاءه فيه بعد مماته، وقضاءه فيه يوم معاده، ويتناول قضاءه فيه ~~بالذنب وقضاءه فيه بالجزاء عليه، ومن لم يثلج صدره لهذا، ويكون له ms495 كالعلم ~~الضروري، لم يعرف ربه وكماله ونفسه وعينه، ولا عدل في حكمه، بل هو جهول ~~ظلوم، فلا علم ولا إنصاف. # وفي قوله: ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، رد على طائفتي القدرية PageV01P679 ~~والجبرية، وإن اعترفوا بذلك بألسنتهم، فأصولهم تناقضه، فإن القدرية تنكر ~~قدرته سبحانه على خلق ما به يهتدي العبد غير ما خلقه فيه وجبله عليه، فليس ~~عندهم لله حكم نافذ في عبده غير الحكم الشرعي بالأمر والنهي، ومعلوم أنه لا ~~يصح حمل الحديث على هذا الحكم، فإن العبد يطيعه تارة، ويعصيه تارة، بخلاف ~~الحكم الكوني القدري، فإنه ماض في العبد، ولا بد «1» قائمة بكلماته التامات ~~التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر. ثم قوله بعد ذلك: # عدل في قضاؤك، دليل على أن الله سبحانه عادل في كل ما يفعله بعبده، من ~~قضائه كله خيره وشره حلوه ومره فعله وجزائه، فدل الحديث على الإيمان ~~بالقدر، والإيمان بأن الله عادل فيما قضاه، فالأول التوحيد، والثاني العدل. # وعند القدرية النفاة، لو كان حكمه فيه ماضيا، لكان ظالما له بإضلاله ~~وعقوبته. # أما القدرية الجبرية، فعندهم الظلم لا حقيقة له، بل هو الممتنع لذاته، ~~الذي لا يدخل تحت القدرة، فلا يقدر الرب تعالى، عندهم، على ما يسمى ظلما، ~~حتى يقال: ترك الظلم، وفعل العدل، فعلى قولهم، لا فائدة في قوله: عدل في ~~قضاؤك، بل هو بمنزلة أن يقال: نافذ في قضاؤك ولا بد، وهو معنى قوله: ماض في ~~حكمك، فيكون تكريرا لا فائدة فيه، وعلى قولهم، فلا يكون ممدوحا بترك الظلم، ~~إذ لا يمدح بترك المستحيل لذاته، ولا فائدة في قوله: إني حرمت الظلم على ~~نفسي، أو يظن معناه: إني حرمت على نفسي ما لا يدخل تحت قدرتي، وهو ~~المستحيلات. ولا فائدة في قوله: فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) [طه] فإن كل ~~أحد لا يخاف من المستحيل لذاته أن يقع. ولا فائدة في قوله: وما الله يريد ~~ظلما للعباد (31) [غافر] ولا في قوله: وما أنا بظلام للعبيد (29) [ق] فنفوذ ~~حكمه في عباده PageV01P680 ~~بملكه وعدله فيهم ms496 بحمده، وهو سبحانه له الملك وله الحمد، وهو على كل شي ء ~~قدير. ونظير هذا قوله سبحانه حكاية عن نبيه هود أنه قال: إني توكلت على ~~الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ~~(56) [هود]. # فقوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، مثل قوله: ناصيتي بيدك، ماض في ~~حكمك. وقوله: إن ربي على صراط مستقيم، مثل قوله: عدل في قضاؤك، أي: لا ~~يتصرف في تلك النواصي إلا بالعدل والحكمة والمصلحة والرحمة، لا يظلم ~~أصحابها، ولا يعاقبهم بما لم يعملوه، ولا يهضمهم حسنات ما عملوه، فهو ~~سبحانه على صراط مستقيم، في قوله وفعله، يقول الحق، ويفعل الخير والرشد، ~~وقد أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم في سورة هود: وفي سورة النحل، فأخبر ~~في هود أنه على صراط مستقيم، في تصرفه في النواصي التي هي في قبضته وتحت ~~يده، وأخبر في النحل أنه يأمر بالعدل، ويفعله. # وقد زعمت الجبرية أن العدل هو المقدور. # وزعمت القدرية أن العدل إخراج أفعال الملائكة والجن والإنس عن قدرته ~~وخلقه. وأخطأ الطائفتان جميعا في ذلك. # والصواب: أن العدل وضع الأشياء في مواضعها التي تليق بها، وإنزالها ~~منازلها، كما أن الظلم وضع الشي ء في غير موضعه، وقد تسمى سبحانه بالحكم العدل. # والقدرية تنكر حقيقة اسم الحكم، وترده إلى الحكم الشرعي الديني، وتزعم ~~أنها تثبت حقيقة العدل، والعدل عندهم إنكار القدر، ومع هذا فينسبونه إلى ~~غاية الظلم، فإنهم يقولون: إنه يخلد في العذاب الأليم من أفنى عمره في ~~طاعته، ثم فعل كبيرة، ومات عليها، فإن قيل: فالقضاء بالجزاء PageV01P681 ~~عدل، إذ هو عقوبة على الذنب، فيكون القضاء بالذنب عدلا، على أصول أهل ~~السنة. وهذا السؤال لا يلزم القدرية ولا الجبرية، أما القدرية فعندهم أنه ~~لم يقض المعصية، وأما الجبرية فعندهم أن كل مقدور عدل، وإنما يلزمكم أنتم ~~هذا السؤال، قيل: نعم كل قضائه عدل في عبده، فإنه وضع له في موضعه الذي لا ~~يحسن في غيره، فإنه وضع العقوبة ووضع القضاء ms497 بسببها وموجبها في موضعه، فإنه ~~سبحانه كما يجازي بالعقوبة، فإنه يعاقب بنفس قضاء الذنب، فيكون حكمه بالذنب ~~عقوبة على ذنب سابق، فإن الذنوب تكسب بعضها بعضا، وذلك الذنب السابق عقوبة ~~على غفلته عن ربه وإعراضه عنه، وتلك الغفلة والإعراض هي في أصل الجبلة ~~والنشأة، فمن أراد أن يكمله، أقبل بقلبه إليه، وجذبه إليه، وألهمه رشده، ~~وألقى فيه أسباب الخير، ومن لم يرد أن يكمله، تركه وطبعه، وخلى بينه وبين ~~نفسه، لأنه لا يصلح للتكميل، وليس محله أهلا ولا قابلا لما وضع فيه من ~~الخير، وهاهنا انتهى علم العباد بالقدر. # وأما كونه تعالى جعل هذا يصلح، وأعطاه ما يصلح له، وهذا لا يصلح، فمنعه ~~ما لا يصلح له، فذاك موجب ربوبيته وإلاهيته وعلمه وحكمته، فإنه سبحانه خالق ~~الأشياء وأضدادها، وهذا مقتضى كماله وظهور أسمائه وصفاته كما تقدم تقريره. # والمقصود: أنه أعدل العادلين في قضائه بالسبب وقضائه بالمسبب، فما قضى في ~~عبده بقضاء إلا وهو واقع في محله الذي لا يليق به غيره، إذ هو الحكم العدل ~~الغني الحميد. PageV01P682 # فصل # وقوله: أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا ~~من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. إن كانت الرواية محفوظة هكذا، ~~ففيها إشكال، فإنه جعل ما أنزله في كتابه، أو علمه أحدا من خلقه، أو استأثر ~~به في علم الغيب عنده، قسيما لما سمى به نفسه، ومعلوم أن هذا تقسيم وتفصيل ~~لما سمى به نفسه، فوجه الكلام أن يقال: # سميت به نفسك، فأنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به ~~في علم الغيب عندك، فإن هذه الأقسام الثلاثة تفصيل لما سمى به نفسه، وجواب ~~هذا الإشكال أن (أو) حرف عطف، والمعطوف بها أخص مما قبله، فيكون من باب عطف ~~الخاص على العام. فإن ما سمى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده، ~~فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام. # فإن قيل: المعهود من عطف الخاص على العام أن ms498 يكون بالواو، دون سائر حروف العطف. # قيل: المسوغ لذلك في الواو، وهو تخصيص المعطوف بالذكر، لمرتبته من بين ~~الجنس واختصاصه بخاصة غيره منه، حتى كأنه غيره، أو إرادتين لذكره مرتين ~~باسمه الخاص وباللفظ العام، وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو أو بأو، مع ~~أن في العطف بأو على العام فائدة أخرى، وهي بناء الكلام على التقسيم ~~والتنويع، كما بني عليه تاما، فيقال: سميت به نفسك، فإما أنزلته في كتابك، ~~وإما علمته أحدا من خلقك. PageV01P683 # وقد دل الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة، بل هو الذي تكلم بها، وسمى ~~بها نفسه، ولهذا لم يقل: بكل اسم خلقته لنفسك، ولو كانت مخلوقة، لم يسأله ~~بها، فإن الله يقسم عليه بشي ء من خلقه، فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من ~~فعل الآدميين وتسمياتهم، وأيضا فإن أسماءه مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة ~~به، فأسماؤها غير مخلوقة. # فإن قيل: فالاسم عندكم هو المسمى أو غيره؟. # قيل: طالما غلط الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى ~~تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، واستوى ~~الله على عرشه، وسمع الله ورأى وخلق، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا ~~قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله، والرحمن ~~وزنه فعلان، والرحمن مشتق من الرحمة، ونحو ذلك، فالاسم هاهنا للمسمى، ولا ~~يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير ~~المعنى، فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان، ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسما، ~~أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد، فقوله في ~~الحديث: سميت به نفسك، ولم يقل: خلقته لنفسك، ولا قال: سماك به خلقك، دليل ~~على أنه سبحانه تكلم بذلك الاسم، وسمى به نفسه، كما سمى نفسه في كتبه التي ~~تكلم بها حقيقة بأسمائه. # وقوله: أو استأثرت به في علم الغيب عندك، دليل على أن أسماءه أكثر من ~~تسعة وتسعين، وأن له ms499 أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ~~غيره، وعلى هذا فقوله: «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها PageV01P684 ~~دخل الجنة» «1» لا ينفي أن يكون له غيرها، والكلام جملة واحدة، أي: له ~~أسماء موصوفة بهذه الصفة، كما يقال: لفلان مائة عبد، أعدهم للتجارة، وله ~~مائة فرس، أعدها للجهاد، وهذا قول الجمهور. # وخالفهم ابن حزم، فزعم أن أسماءه تنحصر في هذا العدد، وقد دل الحديث على ~~أن التوسل إليه سبحانه، بأسمائه وصفاته، أحب إليه وأنفع للعبد من التوسل ~~إليه بمخلوقاته، وكذلك سائر الأحاديث كما في حديث الاسم الأعظم: «اللهم إني ~~أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان بديع السموات والأرض، يا ذا ~~الجلال والإكرام يا حي يا قيوم» «2». # وفي الحديث الآخر: «أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، ~~الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» «3». # وفي الحديث الآخر: «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق» «4». # وكلها أحاديث صحاح، رواها ابن حبان والإمام أحمد والحاكم، وهذا تحقيق ~~لقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها (180) [الأعراف]. # وقوله: أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري، يجمع أصلين: الحياة والنور، ~~فإن الربيع هو المطر الذي يحيي الأرض، فينبت الربيع، فيسأل الله بعبوديته ~~وتوحيده وأسمائه وصفاته أن يجعل كتابه الذي جعله روحا للعالمين PageV01P685 ~~ونورا وحياة لقلبه، بمنزلة الماء الذي يحيي به الأرض، ونورا له بمنزلة ~~الشمس التي تستنير بها الأرض والحياة. والنور جماع الخير كله، قال تعالى: ~~أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات (122) [الأنعام] وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا (52) [الشورى]. # فأخبر أنه روح، تحصل به الحياة، ونور تحصل به الهداية، فأتباعه لهم ~~الحياة والهداية، ومخالفوه لهم الموت والضلال. وقد ضرب سبحانه المثل ~~لأوليائه وأعدائه بهذين الأصلين، في أول سورة البقرة، وفي وسط سورة النور، ms500 ~~وفي سورة الرعد، وهما المثل المائي، والمثل الناري. وقوله: # وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إن جلاء هذا يتضمن إزالة المؤذي الضار، وذلك ~~يتضمن تحصيل النافع السار، فتضمن الحديث طلب أصول الخير كله، ودفع الشر، ~~وبالله التوفيق. PageV01P686 ### | AUTO الباب الثامن والعشرون في أحكام الرضا بالقضاء، واختلاف الناس ~~في ذلك، وتحقيق القول فيه # هذا الباب من تمام الإيمان بالقضاء والقدر، وقد تنازع الناس فيه، هل هو ~~واجب، أو مستحب، على قولين: وهما وجهان لأصحاب أحمد، فمنهم من أوجبه، واحتج ~~على وجوبه بأنه من لوازم الرضا بالله ربا، وذلك واجب، واحتج بأثر إسرائيلي: ~~[من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على بلائي، فليتخذ له ربا سواي] ومنهم من قال: ~~هو مستحب، غير واجب، فإن الإيجاب يستلزم دليلا شرعيا، ولا دليل يدل على ~~الوجوب، وهذا القول أرجح، فإن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى ~~المندوبات، وقد غلط في هذا الأصل طائفتان أقبح غلط. # فقالت القدرية النفاة: الرضا بالقضاء طاعة وقربة، والرضا بالمعاصي لا ~~يجوز، فليست بقضائه وقدره. # وقالت غلاة الجبرية الذين طووا بساط الأمر والنهي: المعاصي بقضاء الله ~~وقدره، والرضا بالقضاء قربة وطاعة، فنحن نرضى بها، ولا نسخطها. # واختلفت طرق أهل الإثبات في جواب الطائفتين. PageV01P687 # فأجابهم طائفة: بأن لها وجهين، وجها يرضى بها منه، وهو إضافتها إلى الله ~~سبحانه خلقا ومشيئة، ووجه يسخط منه، وهو إضافتها إلى العبد فعلا واكتسابا، ~~وهذا جواب جيد، لو وفوا به، فإن الكسب الذي أثبته كثير منهم، لا حقيقة له، ~~إذ هو عندهم مقارنة الفعل للإرادة والقدرة إيجاد به، من غير أن يكون لهما ~~تأثير بوجه ما، وقد تقدم الكلام في ذلك بما فيه كفاية. # وأجابهم طائفة أخرى: بأنا نرضى بالقضاء الذي هو فعل الرب، ونسخط المقضي ~~الذي هو فعل العبد، وهذا جواب جيد، لو لم يعودوا عليه بالنقض وبالإبطال، ~~فإنهم قالوا: الفعل غير المفعول، فالقضاء عندهم نفس المقضي، فلو قال ~~الأولون بأن للكسب تأثيرا في إيجاد الفعل، وأنه سبب لوجوده. وقال الآخرون: ~~بأن الفعل غير المفعول، لأصابوا ms501 في الجواب. # وأجابتهم طائفة أخرى بأن من القضاء ما يؤمر بالرضا به، ومنه ما ينهى عن ~~الرضا به، فالقضاء الذي يحبه الله ويرضاه، نرضى به، والذي يبغضه ويسخطه، لا ~~نرضى به، وهذا كما أن من المخلوقات ما يبغضه ويسخطه، وهو خالقه كالأعيان ~~المسخوطة له، فهكذا الكلام في الأفعال والأقوال سواء، وهذا جواب جيد، غير ~~أنه يحتاج إلى تمام، فنقول: الحكم والقضاء نوعان: ديني، وكوني. # فالديني يجب الرضا به، وهو من لوازم الإسلام. والكوني منه ما يجب الرضا ~~به، كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز ~~الرضا به، كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ~~ما يستحب الرضا به كالمصائب، وفي وجوبه قولان. هذا كله في الرضا بالقضاء ~~الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله، كعلمه وكتابه ~~وتقديره ومشيئته، فالرضا به من تمام الرضا بالله ربا وإلها ومالكا ومدبرا، ~~فبهذا التفصيل يتبين الصواب، ويزول اللبس في هذه PageV01P688 ~~المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس. # فإن قيل: فكيف يجتمع الرضاء بالقضاء بالمصائب مع شدة الكراهة والنفرة ~~منها، وكيف يكلف العبد أن يرضى بما هو مؤلم له، وهو كاره له، والألم يقتضي ~~الكراهة والبغض المضاد للرضا واجتماع الضدين محال. # قيل: الشي ء قد يكون محبوبا مرضيا من جهة، ومكروها من جهة أخرى، كشرب ~~الدواء النافع الكريه، فإن المريض يرضى به مع شدة كراهته له، وكصوم اليوم ~~الشديد الحر، فإن الصائم يرضى به مع شدة كراهته له، وكالجهاد للأعداء، قال ~~تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~(216) [البقرة]. # فالمجاهد المخلص يعلم أن القتال خير له، فرضي به وهو يكرهه لما فيه من ~~التعرض لإتلاف النفس وألمها ومفارقة المحبوب، ومتى قوي الرضا بالشي ء ~~وتمكن، انقلبت كراهته محبة، وإن لم يخل من الألم، فالألم بالشي ء لا ينافي ~~الرضا به، وكراهته من وجه لا ينافي محبته وإرادته والرضاء به من وجه آخر. # فإن قيل: فهذا ms502 في حكم رضا العبد بقضاء الرب، فهل يرضى سبحانه ما قضي به ~~من الكفر والفسوق والعصيان بوجه من الوجوه؟. # قيل: هذا الموضع أشكل من الذي قبله، قال كثير من الأشعرية، بل جمهورهم ~~ومن اتبعهم: إن الرضا والمحبة والإرادة في حق الرب تعالى بمعنى واحد، وإن ~~كل ما شاءه وأراده، فقد أحبه ورضيه، ثم أوردوا على أنفسهم هذا السؤال، ~~وأجابوا بأنه لا يمتنع أن يقال: إنه يرضى بها، ولكن لا على وجه التخصيص، بل ~~يقال: يرضى بكل ما خلقه وقضاه وقدره، ولا نفرد من ذلك الأمور المذمومة، كما ~~يقال: هو رب كل شي ء، ولا يقال: PageV01P689 # رب كذا وكذا للأشياء الحقيرة الخسيسة، وهذا تصريح منهم بأنه راض بها في نفس ~~الأمر، وإنما امتنع الإطلاق أدبا واحتراما فقط، فلما أورد عليهم قوله: ولا ~~يرضى لعباده الكفر (7) [الزمر] أجابوا عنه بجوابين. # أحدهما: ممن لم يقع منه، وأما من وقع منه، فهو يرضاه، إذ هو بمشيئته ~~وإرادته. # والثاني: لا يرضاه لهم دينا، أي: لا يشرعه لهم، ولا يأمرهم به، ويرضاه ~~منهم كونا، وعلى قولهم، فيكون معنى الآية: ولا يرضى لعباده الكفر، حيث لم ~~يوجد منهم، فلو وجد منهم، أحبه ورضيه، وهذا في البطلان والفساد كما تراه، ~~وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضى ما وجد من ذلك، وإن وقع بمشيئته كما قال ~~تعالى: وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول (108) [النساء] فهذا قول ~~واقع بمشيئته وتقديره، وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضاه، وكذلك قوله سبحانه: ~~والله لا يحب الفساد (205) [البقرة]. # فهو سبحانه لا يحبه كونا ولا دينا، وإن وقع بتقديره، كما لا يحب إبليس ~~وجنوده وفرعون وحزبه، وهو ربهم وخالقهم، فمن جعل المحبة والرضا بمعنى ~~الإرادة والمشيئة، لزمه أن يكون الله سبحانه محبا لإبليس وجنوده وفرعون ~~وهامان وقارون وجميع الكفار وكفرهم والظلمة وفعلهم، وهذا كما أنه خلاف ~~القرآن والسنة والإجماع المعلوم بالضرورة، فهو خلاف ما عليه فطر العالمين ~~التي لم تغير بالتواطؤ والتواصي بالأقوال الباطلة، وقد أخبر سبحانه أنه ~~يمقت أفعالا كثيرة، ويكرهها ms503 ويبغضها ويسخطها، فقال: ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) ~~[النساء] وقال: ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله (28) [محمد] وقال: كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) [الصف] وقال: ولكن كره الله انبعاثهم ~~فثبطهم (46) [التوبة] ومحال حمل هذه PageV01P690 ~~الكراهة على غير الكراهة الدينية الأمرية، لأنه أمرهم بالجهاد وقال: كل ذلك ~~كان سيئه عند ربك مكروها (38) [الإسراء]. # فأخبر أنه يكره ويبغض ويمقت ويسخط ويعادي ويذم ويلعن، ومحال أنه يحب ذلك ~~ويرضى به، وهو سبحانه يكره ويتقدس عن محبة ذلك وعن الرضا به، بل لا يليق ~~ذلك بعبده، فإنه نقص وعيب في المخلوق أن يحب الفساد والشر والظلم والبغي ~~والكفر ويرضاه، فكيف يجوز نسبة ذلك إلى الله تبارك وتعالى، وهذا الأصل من ~~أعظم ما غلط فيه كثير من مثبتي القدر، وغلطهم فيه يوازن غلط النفاة في ~~إنكار القدر، أو هو أقبح منه، وبه تسلط عليهم النفاة وتمادوا على قبح ~~قولهم، وأعظموا الشناعة عليهم به، فهؤلاء قالوا: يحب الكفر والفسوق ~~والعصيان والظلم والبغي والفساد، وأولئك قالوا: لا يدخل تحت مشيئته وقدرته ~~وخلقه، وأولئك قالوا: لا يكون في ملكه إلا ما يحبه ويرضاه، وهؤلاء قالوا: ~~يكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، فسبحان الله وتعالى عما يقول ~~الفريقان علوا كبيرا، والحمد لله الذي هدانا لما أرسل به رسوله، وأنزل به ~~كتابه، وفطر عليه عباده، وبر أنا من بدع هؤلاء وهؤلاء، فله الحمد والمنة ~~والفضل والنعمة والثناء الحسن، ونسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا ~~مضلات البدع والفتن. PageV01P691 ### | AUTO الباب التاسع والعشرون في انقسام القضاء والحكم والإرادة ~~والكتابة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والإنشاء ~~إلى كوني متعلق بخلقه، وإلى ديني متعلق بأمره، وما يحقق ذلك من إزالة اللبس ~~والإشكال # هذا الباب متصل بالباب الذي قبله، وكل منهما يقرر لصاحبه، فما كان من ~~كوني، فهو متعلق بربوبيته وخلقه، وما كان من الديني، فهو متعلق بإلاهيته ~~وشرعه، وهو كما أخبر ms504 عن نفسه سبحانه له الخلق والأمر، فالخلق قضاؤه وقدره ~~وفعله، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر، وأحكامه جارية على خلقه ~~قدرا وشرعا، ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري، وأما حكمه الديني الشرعي ~~فيعصيه الفجار والفساق، والأمران غير متلازمين، فقد يقضي ويقدر ما لا يأمر ~~به ولا شرعه، وقد يشرع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره، ويجتمع الأمران فيما ~~وقع من طاعات عباده وإيمانهم، وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق ~~والكفر، وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي في ما أمر به وشرعه، ولم يفعله ~~المأمور، وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي. # إذا عرف ذلك، فالقضاء في كتاب الله نوعان: كوني قدري، كقوله: PageV01P693 # فلما قضينا عليه الموت (14) [سبأ] وقوله: وقضي بينهم بالحق (69) [الزمر] ~~وشرعي ديني كقوله:* وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه (23) [الإسراء] أي: أمر ~~وشرع، ولو كان قضاء كونيا لما عبد غير الله. # والحكم أيضا نوعان: فالكوني كقوله: قال رب احكم بالحق (112) [الأنبياء] ~~أي: افعل ما تنصر به عبادك وتخذل به أعداءك والديني كقوله: ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم (10) [الممتحنة] وقوله: إن الله يحكم ما يريد (1) [المائدة] وقد ~~يرد بالمعنيين معا كقوله: ولا يشرك في حكمه أحدا (26) [الكهف] فهذا يتناول ~~حكمه الكوني وحكمه الشرعي. # والإرادة أيضا نوعان: فالكونية كقوله تعالى: فعال لما يريد (16) [البروج] ~~وقوله: وإذا أردنا أن نهلك قرية (16) [الإسراء] وقوله: إن كان الله يريد أن ~~يغويكم (34) [هود] وقوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض (5) ~~[القصص] والدينية كقوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (185) ~~[البقرة] وقوله: والله يريد أن يتوب عليكم (27) [النساء]. # فلو كانت هذه الإرادة كونية، لما حصل العسر لأحد منا، ولو وقعت التوبة من ~~جميع المكلفين، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر والإرادة، هل ~~هما متلازمان أم لا. # فقالت القدرية: الأمر يستلزم الإرادة، واحتجوا بحجج، لا تندفع، وقالت ~~المثبتة: الأمر لا يستلزم الإرادة، واحتجوا بحجج لا تندفع. # والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية، ~~فإنه ms505 لا يأمر إلا بما يريده شرعا ودينا، وقد يأمر بما لا يريده كونا وقدرا، ~~كإيمان من أمره، ولم يوفقه للإيمان مرادا له دينا لا كونا، وكذلك أمر خليله ~~بذبح ابنه، ولم يرده كونا وقدرا، وأمر رسوله بخمسين صلاة، ولم يرد ذلك PageV01P694 ~~كونا وقدرا، وبين هذين الأمرين وأمر من لم يؤمن بالإيمان فرق، فإنه سبحانه ~~لم يحب من إبراهيم ذبح ولده، وإنما أحب منه عزمه على الامتثال، وأن يوطن ~~نفسه عليه، وكذلك أمره محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة، ~~وأما أمر من علم أنه لا يؤمن بالإيمان، فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا ~~به وبرسله، ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره، ووفقه له، ~~وخذل بعضهم، فلم يعنه ولم يوفقه، فلم تحصل مصلحة الأمر منهم، وحصلت من ~~الأمر الذبح. # فصل # وأما الكتابة فالكونية كقوله: كتب الله لأغلبن أنا ورسلي (21) [المجادلة] ~~وقوله: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~(105) [الأنبياء] وقوله: كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب ~~السعير (4) [الحج] والشرعية الأمرية كقوله: كتب عليكم الصيام (183) ~~[البقرة] وقوله: حرمت عليكم أمهاتكم (23) [النساء] إلى قوله: كتاب الله ~~عليكم (24) [النساء] وقوله: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس (45) ~~[المائدة] فالأولى كتابة بمعنى القدر، والثانية كتابة بمعنى الأمر. PageV01P695 # فصل # والأمر الكوني كقوله: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) ~~[يس] وقوله: وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) [القمر] وقوله: وكان أمر ~~الله مفعولا (47) [النساء] وقوله: وكان أمرا مقضيا (21) [مريم] وقوله: # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها (16) [الإسراء] فهذا ~~أمر تقديري كوني، لا أمر ديني شرعي، فإن الله لا يأمر بالفحشاء. والمعنى: ~~قضينا ذلك وقدرناه. وقالت الطائفة: بل هو أمر ديني، والمعنى: أمرناهم ~~بالطاعة، فخالفونا وفسقوا، والقول الأول أرجح لوجوه. # أحدها: أن الإضمار على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا إذا لم يمكن تصحيح ~~الكلام بدونه. # الثاني: أن ذلك يستلزم إضمارين أحدهما: أمرناهم بطاعتنا، الثاني: # فخالفونا ms506 أو عصونا، ونحو ذلك. # الثالث: أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه، كقولك: ~~أمرته ففعل، وأمرته فقام، وأمرته فركب، لا يفهم المخاطب غير هذا. # الرابع: أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور، ومن المعلوم أن ~~أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك، بل هو سبب للنجاة ~~والفوز، فإن قيل: أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك، قيل: # هذا يبطل: PageV01P696 # بالوجه الخامس: وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين، بل هو سبحانه يأمر ~~بطاعته واتباع رسله المترفين وغيرهم، فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة ~~بالمترفين. يوضحه: # الوجه السادس: أن الأمر لو كان بالطاعة، لكان هو نفس إرسال رسله إليهم، ~~ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال: أرسلنا رسلنا إلى مترفيها، ففسقوا فيها. فإن ~~الإرسال لو كان إلى المترفين، لقال من عداهم: نحن لم يرسل إلينا. # السابع: أن إرادة الله سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل ~~إليهم وتكذيبهم، وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم، لأنهم معذورون بغفلتهم ~~وعدم بلوغ الرسالة إليهم، قال تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون (117) [هود] فإذا أرسل الرسل، فكذبوهم، أراد إهلاكها، فأمر رؤساءها ~~ومترفيها أمرا كونيا قدريا، لا شرعيا دينيا، بالفسق في القرية، فاجتمع ~~أهلها على تكذيبهم وفسق رؤسائهم، فحينئذ جاءها أمر الله، وحق عليها قوله ~~بالإهلاك. والمقصود ذكر الأمر الكوني والديني. ومن الديني قوله:* إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان (90) [النحل] وقوله:* إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها (58) [النساء] وهو كثير. # فصل # وأما الإذن الكوني فكقوله تعالى: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~(102) [البقرة] أي: بمشيئته وقدره، وأما الديني، فكقوله: ما قطعتم من لينة ~~أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله (5) [الحشر] أي: بأمره ورضاه PageV01P697 ~~وقوله: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله ~~أذن لكم أم على الله تفترون (59) [يونس] وقوله: أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله (21) [الشورى]. ms507 # فصل # وأما الجعل الكوني فكقوله: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان ~~فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا (9) [يس] وقوله: # ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون (100) [يونس] وقوله: والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا (72) [النحل] وهو كثير. # وأما الجعل الديني فكقوله: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا ~~حام (103) [المائدة] أي: ما شرع ذلك ولا أمر به، وإلا فهو مخلوق له واقع ~~بقدره ومشيئته. # وأما قوله:* جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس (97) [المائدة] ~~فهذا يتناول الجعلين، فإنها جعلها كذلك بقدره وشرعه، وليس هذا استعمالا ~~للمشترك في معنييه، بل إطلاق اللفظ وإرادة القدر المشترك بين معنييه، ~~فتأمله. PageV01P698 # فصل [الكلمات الكونية والكلمات الدينية] # وأما الكلمات الكونية فكقوله: كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا ~~يؤمنون (33) [يونس] وقوله: وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ~~(137) [الأعراف] وقوله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات التي ~~لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق» «1». # فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ويكون، ولو كانت الكلمات الدينية هي ~~التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهن الفجار والكفار. # وأما الديني فكقوله: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله (6) [التوبة] والمراد به القرآن وقوله صلى الله عليه وسلم في النساء: # «واستحللتم فروجهن بكلمة الله» «2» أي: بإباحته ودينه وقوله: فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء (3) [النساء] وقد اجتمع النوعان في قوله: وصدقت بكلمات ~~ربها وكتبه (12) [التحريم] فكتبه كلماته التي يأمر بها وينهى ويحل ويحرم، ~~وكلماته التي يخلق بها ويكون، فأخبر أنها ليست جهمية تنكر كلمات دينه ~~وكلمات تكوينه، وتجعلها خلقا من جملة مخلوقاته. PageV01P699 # فصل [البعث الكوني والبعث الديني] # وأما البعث الكوني فكقوله: فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا ~~أولي بأس شديد (5) [الإسراء] وقوله: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض (31) ~~[المائدة]. # وأما البعث الديني فكقوله: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم (2) ~~[الجمعة] وقوله: كان الناس أمة واحدة فبعث الله ms508 النبيين مبشرين ومنذرين ~~(213) [البقرة]. # فصل [الإرسال الكوني والإرسال الديني] # وأما الإرسال الكوني فكقوله: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا (83) [مريم] وقوله وهو الذي أرسل الرياح (48) [الفرقان]. # وأما الديني فكقوله: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق (33) [التوبة] ~~وقوله: إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ~~(15) [المزمل]. PageV01P700 # فصل [التحريم الكوني والتحريم الديني] # وأما التحريم الكوني فكقوله:* وحرمنا عليه المراضع من قبل (12) [القصص] ~~وقوله: قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة (26) [المائدة] وقوله: # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) [الأنبياء]. # وأما التحريم الديني فكقوله: حرمت عليكم أمهاتكم (23) [النساء] حرمت ~~عليكم الميتة (3) [المائدة]، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما (96) ~~[المائدة]، وأحل الله البيع وحرم الربا (275) [البقرة]. # فصل [الإيتاء الكوني والإيتاء الديني] # وأما الإيتاء الكوني فكقوله: والله يؤتي ملكه من يشاء (247) [البقرة] ~~وقوله: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء (26) [آل عمران] وقوله: # وآتيناهم ملكا عظيما (54) [النساء]. # وأما الإيتاء الديني فكقوله: وما آتاكم الرسول فخذوه (7) [الحشر] وقوله: ~~خذوا ما آتيناكم بقوة (63) [البقرة]. PageV01P701 # وأما قوله: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا (269) ~~[البقرة] فهذا يتناول النوعين، فإنه يؤتيها من يشاء أمرا ودينا وتوفيقا ~~وإلهاما. # فصل # وأنبياؤه ورسله وأتباعهم، حظهم من هذه الأمور الديني منها، وأعداؤه ~~واقفون مع القدر الكوني، فحيث ما مال القدر مالوا معه، فدينهم دين القدر، ~~ودين الرسل وأتباعهم دين الأمر، فهم يدينون بأمره، ويؤمنون بقدره، وخصماء ~~الله يعصون أمره ويحتجون بقدره، لا يقولون: نحن واقفون مع مراد الله، نعم ~~مع مراده الديني أو الكوني، ولا ينفعكم وقوفكم مع المراد الكوني ولا يكون ~~ذلكم عذرا لكم عنده، إذ لو عذر بذلك، لم يذم أحدا من خلقه، ولم يعاقبه، ولم ~~يكن في خلقه عاص ولا كافر، ومن زعم ذلك، فقد كفر بالله وكتبه كلها وجميع ~~رسله. وبالله التوفيق. PageV01P702 ### | AUTO الباب الموفي ثلاثين في ذكر الفطرة الأولى ومعناها، واختلاف ~~الناس في المراد بها وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال # قال تعالى: ms509 فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) * منيبين ~~إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) [الروم]. # وفي الصحيحين «1» من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ينتج ~~البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها» ثم قرأ ~~أبو هريرة: فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله (30) ~~[الروم]. # وفي لفظ آخر: «ما من مولود إلا يولد على هذه الملة» «2». # وقد اختلف في معنى هذه الفطرة والمراد بها، فقال القاضي أبو يعلى: # في معنى الفطرة هاهنا روايتان، عن أحمد: إحداهما: الإقرار بمعرفة الله ~~تعالى، وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في أصلاب آبائهم، حتى مسح ظهر PageV01P703 ~~آدم، فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم، ألست ~~بربكم؟ قالوا: بلى. فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا، وإن سماه ~~بغير اسمه. قال تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله (87) [الزخرف] فكل ~~مولود يولد على ذلك الإقرار الأول. # قال: وليس الفطرة هنا الإسلام، لوجهين: # أحدهما: أن معنى الفطرة ابتداء الخلقة، ومنه قوله تعالى: فاطر السماوات ~~والأرض (14) [الأنعام] أي: مبتدئها، وإذا كانت الفطرة هي الابتداء، وجب أن ~~تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة، وجرت في فطرة المعقول، وهو استخراجهم ~~ذرية، لأن تلك حالة ابتدائهم، ولأنها لو كانت الفطرة هنا الإسلام، لوجب إذا ~~ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثهما ولا يرثانه ما دام طفلا، لأنه مسلم، ~~واختلاف الدين يمنع الإرث، ولوجب أن لا يصح استرقاقه، ولا يحكم بإسلامه ~~بإسلام أبيه لأنه مسلم. قال: وهذا تأويل ابن قتيبة، وذكره ابن بطة في ~~«الإبانة». قال: وليس كل من تثبت له المعرفة حكم بإسلامه، كالبالغين من ~~الكفار، فإن المعرفة حاصلة، وليسوا بمسلمين. قال: وقد أومأ أحمد إلى هذا ~~التأويل. وفي رواية الميموني فقال: الفطرة الأولى التي ms510 فطر الناس عليها، ~~فقال له الميموني: الفطرة الدين. قال نعم. قال القاضي: وأراد أحمد بالدين ~~المعرفة التي ذكرناها. # قال: والرواية الثانية: الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه، لأن حمله على ~~العهد الذي أخذه عليهم، وهو الإقرار بمعرفته، حمل للفطرة على الإسلام، لأن ~~الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان، والمؤمن مسلم، ولو كانت الفطرة الإسلام، ~~لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثانه ولا يرثهما. قال: # ولأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقا لله، وأصول أهل السنة بخلافه. قال: # وقد أومأ أحمد إلى هذا، في رواية علي بن سعيد، وقد سأله عن قوله: «كل PageV01P704 ~~مولود يولد على الفطرة»، فقال: على الشقاوة والسعادة، ولذلك نقل محمد بن ~~يحيى الكحال أنه سأله، فقال: هي التي فطر الناس عليها، شقي أو سعيد. وكذلك ~~نقل جبيل عنه، قال: الفطرة التي فطر الله عليها العباد من الشقاوة ~~والسعادة. قال: وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة هاهنا ابتداء ~~خلقه في بطن أمه. # قال شيخنا ابو العباس ابن تيمية: أحمد لم يذكر العهد الأول، وإنما قال ~~للفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، وهي الدين. وقال في غير موضع: إن ~~الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما، حكم بإسلامه، واستدل بهذا الحديث، فدل على ~~أنه فسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام، كما جاء ذلك مصرحا به في ~~الحديث، ولو لم تكن الفطرة عنده الإسلام، لما صح استدلاله بالحديث. # وقوله في موضع آخر: يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة، لا ينافي ذلك، ~~فإن الله سبحانه قدر السعادة والشقاوة، وكتبهما، وقدر أنها تكون بالأسباب ~~التي تحصل بها، كفعل الأبوين، فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما، هو مما ~~قدره الله أنه يفعل بالمولود. والمولود ولد على الفطرة سليما، وولد على أن ~~هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر سبحانه ذلك وكتبه، كما مثل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: كما ينتج البهيمة جمعاء، هل تحسون ~~فيها من جدعاء؟ فبين أن البهيمة تولد سليمة، ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء ms511 ~~الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليما، ثم يفسده أبواه. وذلك ~~أيضا بقضاء الله وقدره، وإنما قال أحمد وغيره من الأئمة: على ما فطر عليه ~~من شقاوة أو سعادة، لأن القدرية يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ~~ليس بقضاء الله وقدره، بل مما ابتدأ الناس إحداثه، ولهذا قالوا لمالك بن ~~أنس: إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث، فقال: PageV01P705 # احتجوا عليهم بآخره، وهو قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين. # فبين الإمام أحمد وغيره أنه لا حجة فيه للقدرية، فإنهم لا يقولون: إن نفس ~~الأبوين خلقا تهويده وتنصيره، بل هو تهود وتنصر باختياره، ولكن كان سببا في ~~حصول ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهما هذا الاعتبار، فلأن يضاف إلى ~~الله الذي هو خالق كل شي ء بطريق الأولى، لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودا ~~على الفطرة سليما، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره، وعلم ذلك كما ~~في الحديث الصحيح: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا» «1» ولو ~~بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا. فقوله: # طبع يوم طبع، أي: قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر، لا أن كفره كان موجودا ~~قبل أن يولد، ولا في حال ولادته، فإنه مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه ~~بعد ذلك يتغير ويكفر. ومن ظن أن الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب ~~الكفار، فهو غالط، فإن ذلك لا يقال فيه: طبع يوم طبع، إذ كان الطبع على ~~قلبه إنما يوجد بعد كفره. # وقد ثبت في صحيح مسلم «2» عن عياض بن حمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروي عن ربه، تبارك وتعالى، أنه قال: «خلقت عبادي حنفاء كلهم، ~~فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ~~أنزل به سلطانا» وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين ~~اجتالتهم بعد ذلك. # وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره، قال: بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، ms512 فقال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «ما PageV01P706 ~~حملكم على قتل الذرية؟» قالوا: يا رسول الله: أليسوا أولاد المشركين؟ قال: # «أوليس خياركم أولاد المشركين؟ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا ~~فقال: «ألا إن كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه» «1». # فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: ~~أو ليس خياركم أولاد المشركين. نص أنه أراد بهم: ولدوا غير كفار، ثم الكفر ~~طرأ بعد ذلك، ولو أراد أن المولود حين يولد، يكون إما مسلما، وإما كافرا ~~على ما سبق له به القدر، لم يكن فيما ذكر حجة على ما قصد من نهيه عن قتل ~~أولاد المشركين. # وقد ظن بعضهم أن معنى قوله: أو ليس خياركم أولاد المشركين، أنه قد يكون ~~في علم الله أنهم لو بقوا، لآمنوا، فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من ~~التجويز، وليس هذا معنى الحديث، لكن معناه: أن خياركم هم السابقون الأولون، ~~وهؤلاء من أولاد المشركين، فإن آباءهم كانوا كفارا، ثم إن البنين أسلموا ~~بعد ذلك، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين، إذا كان مؤمنا، فإن ~~الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر ~~والكافر من المؤمن، كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. # فصل # وهذا الحديث قد روي بألفاظ، تفسر بعضها بعضا، ففي الصحيحين، PageV01P707 ~~واللفظ للبخاري، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من ~~جدعاء» «1». ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا: فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم (30) [الروم] قالوا: يا رسول الله: أفرأيت ~~من يموت صغيرا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». # وفي الصحيح قال الزهري: نصلي على مولود يتوفى وإن كان «2» من أجل أنه ولد ~~على فطرة الإسلام، إذا استهل ms513 صارخا، ولا نصلي على من لم يستهل، من أجل أنه ~~سقط فإن أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مولود ~~إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج ~~البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة: فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها. # وفي الصحيحين من رواية الأعمش: «ما من مولود إلا وهو على الملة» «3» وفي ~~رواية ابن معاوية عنه: «إلا على هذه الملة، حتى يعرب عنه لسانه». # فهذا صريح بأنه يولد على ملة الإسلام كما فسره ابن شهاب راوي الحديث. # واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك. # قال ابن عبد البر: وقد سئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة، أيجزئ أن ~~يعتقه، وهو رضيع، قال: نعم! لأنه ولد على الفطرة، وقال أبو عمر: وقد ذكر ~~النزاع في تفسير الحديث. وقال آخرون: الفطرة هاهنا PageV01P708 ~~الإسلام. قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، قد أجمعوا في ~~تأويل قول الله عز وجل: فطرت الله التي فطر الناس عليها (30) [الروم] ~~قالوا: فطرة الله دين الله الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث ~~اقرءوا إن شئتم: فطرت الله التي فطر الناس عليها (30) [الروم] وذكروا عن ~~عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة، في قوله عز وجل: # فطرت الله التي فطر الناس عليها (30) [الروم]. # قالوا: فطرة الله دين الله الإسلام. لا تبديل لخلق الله. قالوا لدين ~~الله، واحتجوا بحديث محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن ~~عبد الرحمن بن عابد الأزدي، عن عياض بن حمار «1» المجاشعي، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما: «ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب؟ ~~إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالا، لا حرام فيه، ~~فجعلوا ما أعطاهم الله حراما وحلالا» «2» الحديث. # قال: وكذلك روى بكر بن مهاجر، عن ثور بن يزيد بإسناده مثله في هذا ~~الحديث، حنفاء مسلمين، قال أبو عمر: روى هذا الحديث ms514 قتادة عن مطرف بن عبد ~~الله، عن عياض. ولم يسمعه قتادة من مطرف، ولكن قال: # حدثني ثلاثة: عقبة بن عبد الغافر، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، والعلاء ~~بن زياد، كلهم يقول: حدثني مطرف، عن عياض، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال فيه: # وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، لم يقل: مسلمين. # وكذلك رواه الحسن عن مطرف، ورواه ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن قتادة ~~بإسناده، قال فيه: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم. ولم يقل: PageV01P709 # مسلمين، قال: فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق وإتقانه وضبطه، لأنه ذكر ~~مسلمين، في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث، وأسقطه من رواية قتادة، ~~وقصر فيه عن قوله: مسلمين. وزاده ثور بإسناده، فالله أعلم. # قال: والحنيف في كلام العرب، المستقيم المخلص، ولا استقامة أكثر من ~~الإسلام. قال: وقد روى عن الحسن: الحنيفية حج البيت، وهذا يدل أنه أراد ~~الإسلام، وكذلك روى عن الضحاك والسدي، قال: حنفاء: # حجاجا. وعن مجاهد: حنفاء: متبعين. قال: وهذا كله يدل على أن الحنيفية ~~الإسلام. قال: وقال أكثر العلماء: الحنيف المخلص. وقال الله عز وجل: ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما (67) [آل عمران] وقال ~~تعالى: ملة إبراهيم حنيفا (161) [الإنعام] وقال: ملة أبيكم إبراهيم هو ~~سماكم المسلمين من قبل (78) [الحج] وقال الشاعر، وهو الراعي: # أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا # عرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا # قال: فهذا وصف الحنيفية بالإسلام، وهو أمر واضح لا خفاء به. قال: # ومما احتج به من ذهب في هذا الحديث إلى أن الفطرة في هذا الحديث الإسلام، ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «خمس من الفطرة» «1». ويروى: عشر من الفطرة. قال ~~شيخنا: والدلائل على ذلك كثيرة، ولو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام، لما ~~سألوا عقيب ذلك، أرأيت من يموت من أطفال المشركين؟ لأنه لم يكن هناك ما ~~يغير تلك الفطرة لما سألوه. PageV01P710 # والعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير. وقوله: فأبواه يهودانه، بين فيه ~~أنهم يغيرون ms515 الفطرة التي فطر عليها، وأيضا فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد ~~مجتمعة الخلق، لا نقص فيها، ثم تجدع بعد ذلك، فعلم أن التغيير وارد على ~~الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها، وأيضا فإن الحديث مطابق للقرآن ~~كقوله: فطرت الله التي فطر الناس عليها (30) [الروم] وهذا يعم جميع الناس، ~~فعلم أن الله سبحانه فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة، وأيضا فإنه أضاف ~~الفطرة إليه إضافة مدح لا إضافة ذم، فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة، كدين ~~الله وبيته وناقته، وأيضا فإنه قال: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي ~~فطر الناس عليها (30) [الروم]، وأيضا فإن هذا تفسير السلف. # قال ابن جرير: يقول: فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك الله يا محمد بطاعته، ~~وهي الدين حنيفا. يقول: مستقيما لدينه وطاعته. فطرة الله، يقول: # صنعة الله التي خلق الناس عليها، ونصب فطرة على المصدر. معنى قوله: # فأقم وجهك للدين حنيفا، لأن المعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة. قال ~~بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم روى عن ابن زيد قال: فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها، قال: الإسلام منذ خلقهم الله من آدم جميعا، يقرون ~~بذلك. وعن مجاهد: فطرة الله قال: الدين الإسلام، ثم روى عن يزيد بن أبي ~~مريم، قال عمر لمعاذ بن جبل، فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث، وهن ~~المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها. # والصلاة، وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت. # وقوله: لا تبديل لخلق الله، يقول: لا تغيير لدين الله، أي: لا يصلح ذلك، ~~ولا ينبغي أن يفعل. قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: لا تبديل لخلق الله، أي: ~~لدين الله، ثم ذكر أن مجاهدا أرسل إلى عكرمة يسأله عن قوله: لا تبديل لخلق ~~الله، قال: هو الخصا، فقال مجاهد: أخطأ. لا تبديل لخلق PageV01P711 ~~الله، إنما هو الدين، ثم قال: لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم. وروى عن ~~عكرمة: لا تبديل لخلق الله، قال: لدين الله، ms516 وهو قول سعيد بن جبير والضحاك ~~وإبراهيم النخعي وابن زيد، وعن ابن عباس وعكرمة ومجاهد، هو الخصا. ولا ~~منافاة بين القولين كما قال تعالى: ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله (119) [النساء] فتغيير ما فطر الله عباده من الدين تغيير ~~لخلقه، والخصا وقطع آذان الأنعام تغيير لخلقه أيضا، ولهذا شبه النبي صلى ~~الله عليه وسلم أحدهما بالآخر، فأولئك يغيرون الشريعة، وهؤلاء يغيرون ~~الخلقة، فذلك يغير ما خلقت عليه نفسه وروحه، وهذا يغير ما خلق عليه بدنه. # فصل # ولما صار القدرية يحتجون بهذا الحديث على قولهم، صار الناس يتأولونه على ~~تأويلات، يخرجونه بها عن مقتضاه، فقالت القدرية: كل مولود يولد على ~~الإسلام، والله سبحانه لا يضل أحدا، وإنما أبواه يضلانه. # قال لهم أهل السنة: أنتم لا تقولون بأول الحديث ولا بآخره، أما أوله فإنه ~~لم يولد أحد عندكم على الإسلام أصلا، ولا جعل الله أحدا مسلما ولا كافرا ~~عندكم، وهذا أحدث لنفسه الكفر، وهذا أحدث لنفسه الإسلام، والله لم يخلق ~~واحدا منهما، ولكن دعاهما إلى الإسلام، وأزاح عللهما، وأعطاهما قدرة ~~مماثلة، فهما يصلح للضدين، ولم يخص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان، فإن ~~ذلك عندكم غير مقدور له، ولو كان مقدورا لكان منع الكافر منه ظلما، هذا قول ~~عامة القدرية، وإن كان أبو الحسين PageV01P712 ~~يقول: إنه خص المؤمن بداعي الإيمان، ويقول: عند الداعي والقدرة يجب وجود ~~الإيمان، وهذا في الحقيقة موافق لقول أهل السنة. # قالوا: فأنتم قلتم: إن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل، ~~ويستحيل أن تكون المعرفة عندكم ضرورة، أو تكون من فعل الله، وأما كونكم لا ~~تقولون بآخره، فهو أنه ينسب فيه التهويد والتنصير إلى الأبوين، وعندكم أن ~~المولود هو الذي أحدث لنفسه التهويد والتنصير دون الأبوين، والأبوان لا ~~قدرة لهما على ذلك البتة. # وأيضا فقوله: الله أعلم بما كانوا عاملين، دليل على أن الله يعلم ما ~~يصيرون إليه بعد ولادتهم على الفطرة، هل يبقون عليها، فيكونون مؤمنين، أو ~~يغيرون فيصيرون كفارا. فهو دليل على تقدم العلم ms517 الذي ينكره غلاة القدرية، ~~واتفق السلف على تكفيرهم بإنكاره، فالذي استدللتم به، من الحديث، على قولكم ~~الباطل، وهو قوله: فأبواه يهودانه وينصرانه، لا حجة لكم، بل هو حجة عليكم، ~~فغير الله لا يقدر على جعل الهدى أو الضلال في قلب أحد، بل المراد بالحديث ~~دعوة الأبوين إلى ذلك، وتربيتهما له، وتربيتهما على ذلك، مما يفعله المعلم ~~والمربي، وخص الأبوين بالذكر على الغالب أنه جعل أبوين وإلا فقد يقع من ~~أحدهما أو من غيرهما. # فصل # قال أبو عمر بن عبد البر: اختلف العلماء في الفطرة المذكورة، في هذا ~~الحديث، اختلافا كثيرا، وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا ~~والآخرة، فسئل عنه ابن المبارك، فقال: تفسيره آخر الحديث، وهو قوله: PageV01P713 # الله أعلم بما كانوا عاملين. هكذا ذكر أبو عبيد عن ابن المبارك، لم يزد ~~شيئا. وذكر أنه سأل محمد بن الحسن عن تأويل هذا الحديث، فقال: كان هذا ~~القول من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد. هذا ما ذكره ~~أبو عبيدة. # قال أبو عمر: أما ما ذكره عن ابن المبارك، فقد روي عن مالك نحو ذلك، وليس ~~فيه مقنع من التأويل، ولا شرح موعب في أمر الأطفال، ولكنها تؤدي إلى الوقوف ~~عن القطع فيهم، بكفر وإيمان أو جنة ونار، ما لم يبلغوا العمل. قال: وأما ما ~~ذكره عن محمد بن الحسن، فأظن محمدا حاد عن الجواب فيه، إما لإشكاله، وإما ~~لجهله به، أو لما شاء الله، وأما قوله: إن ذلك كان من النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد، فلا أدري ما هذا، فإن كان أراد أن ذلك ~~منسوخ، فغير جائز، عند العلماء، دخول النسخ في إخبار الله ورسوله، إذ ~~المخبر بشي ء كان أو يكون، إذا رجع عن ذلك، لم يخل رجوعه من تكذيبه لنفسه، ~~أو غلطه فيما أخبر به أو نسيانه، وقد جل الله عن ذلك وعصم رسوله منه، وهذا ~~لا يجهله ولا يخالف فيه أحد، وقول محمد بن الحسن: إن هذا كان ms518 قبل أن يؤمر ~~الناس بالجهاد، ليس كما قال: # إن في حديث الأسود بن سريع ما يتبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد، ~~ثم روى بإسناده عن الحسن عن الأسود بن سريع، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # «ما بال أقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان؟» فقال رجل: أوليس إنما ~~هم أولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوليس خياركم ~~أولاد المشركين؟ # إنه ليس من مولود يولد إلا على الفطرة، حتى يعبر عنه لسانه، ويهوده أبواه ~~أو ينصرانه» «1» قال: وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة، منهم أبو بكر المزني ~~والعلاء بن زياد، والسري «2» بن يحيى، وقد روى عن الأحنف، عن PageV01P714 ~~الأسود بن سريع، قال: وهو حديث بصري صحيح. قال: وروى عوف الأعرابي عن سمرة ~~بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مولود يولد على الفطرة» ~~فناداه الناس: يا رسول الله: وأولاد المشركين قال: «وأولاد المشركين» «1». # قال شيخنا: أما ما ذكره أبو عمر عن مالك وابن المبارك، فيمكن أن يقال: إن ~~المقصود أن آخر الحديث يبين أن الأول قد سبق في علم الله، يعملون إذا ~~بلغوا، أو أن منهم من يؤمن، فيدخل الجنة، ومنهم من يكفر، فيدخل النار، فلا ~~يحتج بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة» على نفي القدر كما احتجت القدرية ~~به، وعلى أن أطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا على الفطرة، فيكون ~~مقصود مالك وابن المبارك أن حكم الأطفال على ما في آخر الحديث. وأما قول ~~محمد، فإنه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني يتبع أبويه ~~في الدين في أحكام الدنيا، فيحكم له بحكم الكفر، في أنه لا يصلى عليه، ولا ~~يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه المسلمون، ويجوز استرقاقهم، فلم يجز لأحد ~~أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين، حتى تعرب ~~عنهم ألسنتهم، وهذا حق، ولكن ظن أن الحديث اقتضى الحكم لهم في الدنيا ~~بأحكام المؤمنين، فقال: هذا منسوخ، كان قبل ms519 الجهاد، لأنه بالجهاد أبيح ~~استرقاق النساء والأطفال، والمؤمن لا يسترق، ولكن كون الطفل يتبع أباه في ~~الدين، في الأحكام الدنيوية، أمر ما زال مشروعا، وما زال الأطفال تبعا ~~لأبويهم في الأمور الدنيوية، والحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام، وإنما قصد ~~بيان ما ولد عليه الأطفال من الفطرة. PageV01P715 # فصل # وما ينبغي أن يعلم أنه إذا قيل: إنه ولد على الفطرة، أو على الإسلام، أو ~~على هذه الملة، أو خلق حنيفا، فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم ~~هذا الدين ويريده، فإن الله يقول: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا (78) [النحل] ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقروبه «1» ~~ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته، وإخلاص الدين له، ~~وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئا بعد شي ء، بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت ~~من المعارض، وليس المراد أيضا مجرد قبول الفطرة لذلك، فإن هذا القبول تغير ~~بتهويد الأبوين وتنصيرهما، بحيث يخرجان الفطرة عن قبولها، وإن سعيا بين ~~بنيهما ودعائهما في امتناع حصول المقبول. وأيضا فإن هذا القبول ليس هو ~~الإسلام، وليس هو هذه الملة، وليس هو الحنيفية، وأيضا فإنه شبه تغيير ~~الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء، ومعلوم أنهم لم يغيروا قبوله، ولو تغير ~~القبول وزال، لم تقم عليه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، بل المراد أن ~~كل مولود فإنه يولد على محبته لفاطره، وإقراره له بربوبيته، وادعائه له ~~بالعبودية، فلو خلي، وعدم المعارض، لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد ~~على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه ~~ويغذيه، وهذا من قوله تعالى: ربنا الذي أعطى كل شي ء خلقه ثم هدى (50) [طه] ~~وقوله الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) [الأعلى] فهو سبحانه خلق ~~الحيوان مهتديا إلى PageV01P716 ~~جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئا فشيئا بحسب ~~حاجته، ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة ~~السليمة والعادة الصحيحة، فهكذا ما ولد عليه من ms520 الفطرة، ولهذا شبهت الفطرة ~~باللبن، بل كانت إياه في التأويل للرؤيا، ولما عرض على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليلة الإسراء اللبن والخمر، أخذ اللبن، فقيل له: أخذت الفطرة، ولو ~~أخذت الخمر، لغوت أمتك «1». فمناسبة اللبن لبدنه وصلاحه عليه دون غيره، ~~لمناسبة الفطرة لقلبه وصلاحه بها دون غيرها. # فصل # قال ابن عبد البر: وقالت طائفة: المراد بالفطرة في هذا الحديث الخلقة ~~التي خلق عليها المولود، من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على ~~خلقة، يعرف بها ربه، إذا بلغ مبلغ المعرفة. يريد: أنه خلق خلقة مخالفة ~~لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقها إلى معرفة ربها. قالوا: والفاطر هو ~~الخالق. وأنكرت أن يكون المولود يفطر على إيمان أو كفر. # قال شيخنا: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة ~~عليها، فهذا ضعيف، فإن مجرد القدرة على ذلك، لا يقتضي أن يكون حنيفا، ولا ~~أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته، حين يسأل عمن ~~مات صغيرا، ولأن القدرة في الكبير أكمل منها في الصغير، وهو لما نهاهم عن ~~قتل الصبيان، فقالوا: إنهم أولاد المشركين! PageV01P717 # قال: أوليس خياركم أولاد المشركين، ما من مولود إلا ويولد على الفطرة. # ولو أريد: القدرة، لكان البالغون كذلك، مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل، ~~وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع ~~الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة ~~على المعرفة وإرادتها، وذلك مستلزم للإيمان. # فصل # قال أبو عمر: وقال آخرون: معنى قوله: يولد على الفطرة، يعني البداءة التي ~~ابتدأهم عليها: يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خليقته من أنه ابتدأهم ~~للحياة والموت والسعادة والشقاء، إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ، من قبولهم ~~غير إيمانهم واعتقادهم. قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة، وألفاظ ~~المبتدئ، وكأنه قال: يولد ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة، وغير ~~ذلك مما يصير إليه، وقد فطر عليه. واحتجوا بقوله تعالى: كما بدأكم تعودون ~~(29) فريقا هدى وفريقا حق ms521 عليهم الضلالة (30) [الأعراف] وروى بإسناده إلى ~~ابن عباس، قال: لم أدر ما فاطر السموات والأرض حتى أتانا أعرابيان، يختصمان ~~في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها: وذكر دعاء علي: اللهم جبار ~~القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها. # قال شيخنا: حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم ~~الله أنه صائر إليه، ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة، فجميع البهائم ~~مولودة على ما سبق في علم الله لها، والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم ~~الله، وحينئذ فيكون كل مخلوق قد خلق على الفطرة، وأيضا فلو PageV01P718 ~~كان المراد ذلك، لم يكن لقوله: فأبواه يهودانه، معنى، فإنهما فعلا به ما هو ~~الفطرة التي ولد عليها، وعلى هذا القول: فلا فرق بين التهويد والتنصير، ~~وبين تلقي الإسلام وتعليمه، وبين تعلم سائر الحرف والصنائع، فإن ذلك كله ~~واحد فيما سبق به العلم، وأيضا فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء، ثم ~~جدعت، تبين أن أبويه غيرا ما ولد عليه، وأيضا فقوله: على هذه الملة، وقوله: ~~إني خلقت عبادي حنفاء، مخالف لهذا، وأيضا فلا فرق بين حال الولادة وسائر ~~أحوال الإنسان، فإنه من حين كان جنينا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما ~~سبق في علم الله. فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بلا مخصص، ~~وقد ثبت في الصحيح «1» أنه قيل حين نفخ الروح فيه، يكتب رزقه وأجله وعمله ~~وشقي أو سعيد، فلو قيل: كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة، لكان أشبه ~~بهذا المعنى، مع أن النفخ هو بعد الكتابة. # فصل # قال أبو عمر: قال محمد بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو ~~عبيدة عن ابن المبارك، أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: يفسره قوله: الله أعلم ~~بما كانوا عاملين. قال المروزي: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ~~ثم تركه. قال أبو عمر: وما رسمه مالك في موطئه، وذكر في أبواب القدر فيه من ~~الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك ms522 نحو PageV01P719 ~~هذا. # قال شيخنا: أئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق في علم الله ~~فيهم، من إيمان وكفر، كما في الحديث الآخر: إن الغلام الذي قتله الخضر طبع ~~يوم طبع كافرا. والطبع الكتاب. أي: كتب كافرا، كما في الحديث الصحيح، فيكتب ~~رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، وليس إذا كان الله كتبه كافرا يقتضي أنه ~~حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير، كما ~~أن البهيمة التي ولدت جمعاء، وقد سبق في علمه أنها تجدع، كتب أنها مجدوعة ~~بجدع، يحدث لها بعد الولادة، ولا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة. # فصل # وكلام أحمد في أجوبة له أخرى، يدل على أن الفطرة عنده الإسلام، كما ذكر ~~محمد بن نصر عنه، أنه آخر قوليه، فإنه كان يقول: إن صبيان أهل الحرب إذا ~~سبوا بدون الأبوين، كانوا مسلمين، وإن كانوا معهما، فهم على دينهما، فإن ~~سبوا مع أحدهما، ففيه عنه روايتان، وكان يحتج بالحديث. # قال الخلال في الجامع: أخبرنا أبو بكر المروزي قال: أخبرنا عبد الله، ~~قال: سبي أهل الحرب، إنهم مسلمون إذا كانوا صفارا، وإن كانوا مع أحد ~~الأبوين، وكان يحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأبواه يهودانه ~~وينصرانه. قال: # وأما أهل الثغر، فيقولون: إذا كان مع أبويه، إنهم يخيرونه على الإسلام. # قال: ونحن لا نذهب إلى هذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأبواه ~~يهودانه وينصرانه. PageV01P720 # قال الخلال: أخبرنا عبد الملك الميموني، قال: سألت أبا عبد الله، قبل ~~الحبس، عن الصغير، يخرج من أرض الروم، وليس معه أبواه، فقال: إن مات صلى ~~عليه المسلمون، قلت: يكره على الإسلام؟ قال: إذا كانوا صغارا، يصلون عليهم، ~~أكره عليه. قلت: فإن كان معه أبواه؟ قال: إذا كان معه أبواه أو أحدهما لم ~~يكره، ودينه على دين أبويه. قلت: إلى أي شي ء يذهب إلى حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه. # قال: نعم: وعمر بن عبد العزيز ms523 فادى به، فلم يرده إلى بلاد الروم إلا. # وحكمه حكمهم. قال: في الحديث: كان معه أبواه، قال: لا، وليس ينبغي إلا أن ~~يكون معه أبواه. قال الخلال: ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد الله، ~~ولذلك نقل إسحاق بن منصور أن أبا عبد الله قال: إذا لم يكن معه أبواه، فهو ~~مسلم، قلت: لا يجبرونه على الإسلام إذا كان معه أبواه أو أحدهما؟ قال: نعم! ~~قال الخلال: وقد روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق، كلهم قال: إذا كان ~~مع أحد أبويه، فهو مسلم. وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس، ~~وبعضهم قبل وبعد. والذي أذهب إليه ما رواه الجماعة. # قال الخلال: وحدثنا أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: إني كنت ~~بواسط، فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته، ويدعان طفلين، ولهما عم، ما تقول ~~فيهما؟ فإنهم قد كتبوا إلى البصرة فيها، فقال: أكره ان أقول فيها برأي، دع ~~حتى انظر، لعل فيهما عمن تقدم. فلما كان بعد شهر، عاودته، قال: نظرت فيها، ~~فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأبواه يهودانه وينصرانه» وهذا ليس له ~~أبوان. قلت: يجبر على الإسلام؟ قال: نعم هؤلاء مسلمون لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وكذلك نقل يعقوب بن سحبان، قال: قال أبو عبد الله: إذا مات الذمي PageV01P721 ~~أبواه، وهو صغير، أجبر على الإسلام. وذكر الحديث: «فأبواه يهودانه ~~وينصرانه» ونقل عنه عبد الكريم بن الهيثم العاقولي، في المجوسيين يولد لهما ~~ولد، فيقولان: هذا مسلم، فيمكث خمس سنين، ثم يتوفى، قال: ذاك يدفنه ~~المسلمون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأبواه يهودانه وينصرانه»، وقال ~~عبد الله بن أحمد، سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من قوم، على أنه ما كان ~~من ذكر فهو للرجل مسلم، وما كان من أنثى، فهي، مشركة يهودية أو مجوسية أو ~~نصرانية، فقال: يجبر هؤلاء من أبى منهم على الإسلام لأن أباهم مسلما «1»، ~~لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «فأبواه يهودانه وينصرانه»، يردون كلهم ~~إلى الإسلام، ومثل ms524 هذا كثير في أجوبته، يحتج بالحديث على أنما يصير كافرا ~~بأبويه، فإذا لم يكن مع أبوين كافرين، فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرة ~~الإسلام، لم يكن بعدم أبويه يصير مسلما، فإن الحديث إنما دل على أنه يولد ~~على الفطرة. # ونقل عنه الميموني: أن الفطرة هي الدين، وهي الفطرة الأولى. قال الخلال: ~~أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله: كل مولود يولد على الفطرة، يدخل ~~عليه إذا كان أبواه، يعني أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغارا، فقال لي: نعم! ~~ولكن يدخل عليك في هذا، فتناظرنا بما يدخل علي من هذا القول وبما يكون. ~~فقوله: قلت لأبي عبد الله: فما تقول أنت فيها، وإلى أي شي ء تذهب؟ قال: ~~أقول: أنا ما أدري أخبرك هي مسلمة كما ترى، ثم قال لي: والذي يقول: كل ~~مولود يولد على الفطرة، ينظر أيضا إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها. ~~قلت له: فما الفطرة الأولى، أهي الدين؟ قال: نعم: فمن الناس من يحتج ~~بالفطرة الأولى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: # «كل مولود يولد على الفطرة» قلت لأبي عبد الله: فما تقول، لأعرف قولك؟ # قال: أقول أنه على الفطرة الأولى. قال شيخنا: فجواب أحمد أنه على PageV01P722 ~~الفطرة الأولى، وقوله: إنها الدين يوافق القول بأنه على دين الإسلام. # فصل # وأما جواب أحمد أنه على ما فطر من شقاوة وسعادة، الذي ذكر محمد بن نصر، ~~أنه كان يقول به، ثم تركه، فقال الخلال: أخبرني محمد بن يحيى الكحال، أنه ~~قال لأبي عبد الله: كل مولود يولد على الفطرة، ما تفسيرها؟ # قال: هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، شقي أو سعيد. وكذلك نقل عنه ~~الفضل بن زياد وجبيل وأبو الحارث، أنهم سمعوا أبا عبد الله في هذه المسألة ~~قال: الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقاوة والسعادة. وكذلك نقل ~~عنه علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد الله عن كل مولود يولد على الفطرة، قال: # الشقاوة والسعادة. قال: يرجع إلى ما خلق. وعن الحسن ms525 بن بواب قال: # سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين، قلت: إن ابن أبي شيبة أبا بكر قال: # هو على الفطرة حتى يهوداه أبواه أو ينصرانه، فلم يعجبه شي ء من هذا ~~القول، وقال: كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة، يولد على الفطرة التي ~~خلق عليها من الشقاء والسعادة، التي سبقت في أم الكتاب، أرفع ذلك إلى ~~الأصل، هذا معنى: كل مولود يولد على الفطرة. فمن أصحابه من قال هذا قولا ~~قديما له، ثم تركه، ومنهم من جعل المسألة على روايتين، وأطلق، ومنهم من حكى ~~عنه فيها ثلاث روايات، الثالثة: # الوقف. PageV01P723 # فصل # قال شيخنا: والإجماع والآثار المنقولة عن السلف، لا تدل إلا على القول ~~الذي رجحناه، وهو أنهم على الفطرة، ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم ~~من سعادة وشقاوة، لا يدل على أنهم حين الولادة لم يكونوا على فطرة سليمة ~~مقتضية للإيمان، ومستلزمة له، لو لا العارض. # وروى ابن عبد البر بإسناده، عن موسى بن عبيدة قال: سمعت محمد بن كعب ~~القرظي في قوله: كما بدأكم تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ~~(30) [الأعراف] قال: من ابتدأ الله خلقه على الهدى، صيره إلى الهدى، وإن ~~عمل بعمل أهل الضلالة. ومن ابتدأ خلقه للضلالة، صيره إلى الضلالة، وإن عمل ~~بعمل أهل الهدى. ابتدأ خلق إبليس على الضلالة، وعمل بعمل أهل السعادة مع ~~الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الضلالة، فقال: وكان من ~~الكافرين. وابتدأ خلق السحرة على الهدى، وعملوا بعمل أهل الضلالة، ثم هداهم ~~الله إلى الهدى والسعادة، وتوفاهم عليها مسلمين. # فهذا المنقول عن محمد بن كعب، يبين أن الذي ابتدأهم عليه هو ما كتب أنهم ~~صائرون إليه، وأنهم قد يعملون قبل ذلك غيره، وأن من ابتدئ على الضلالة، أي: ~~كتب أن يموت ضالا، فقد يكون قبل ذلك عاملا يعمل بعمل أهل الهدى، وحينئذ فمن ~~ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى، لا يمنع أن يعرض لها ما يغيرها، ~~فيصير إلى ما سبق به ms526 القدر، كما في الحديث الصحيح: «إن أحدكم يعمل أهل ~~الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا PageV01P724 ~~ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة» «1». # وقال سعيد بن جبير، في قوله: «كما بدأكم تعودون» قال: كما كتب عليكم ~~تكونون. # وقال مجاهد: كما بدأكم تعودون شقي وسعيد، وقال أيضا: يبعث المسلم مسلما ~~والكافر كافرا. # وقال أبو العالية: عادوا إلى علمه فيهم، فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة. # قلت: هذا المعنى صحيح في نفسه، دل عليه القرآن والسنة والآثار السلفية ~~وإجماع أهل السنة، وأما كونه هو المراد بالآية، ففيه ما فيه، والذي يظهر من ~~الآية أن معناها معنى نظائرها وأمثالها من الآيات التي يحتج الله سبحانه ~~فيها على النشأة الثانية بالأولى، وعلى المعاد بالمبدإ، فجاء باحتجاج في ~~غاية الاختصار والبيان، فقال: كما بدأكم تعودون كقوله: يا أيها الناس إن ~~كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب (5) [الحج] وقوله: وضرب لنا ~~مثلا ونسي خلقه (78) [يس] الآية وقوله: أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم ~~يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) [القيامة] إلى قوله: ~~أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40) [القيامة] وقوله: فلينظر الإنسان ~~مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على ~~رجعه لقادر (8) [الطارق] أي: على رجع الإنسان حيا بعد موته. هذا هو الصواب ~~في معنى الآية. يبقى أن يقال: فكيف يرتبط هذا PageV01P725 ~~بقوله: فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة (30) [الأعراف]. فيقال: هذا الذي ~~أوجب لأصحاب ذلك القول ما تأولوا به الآية، ومن تأمل الآية علم أن القول ~~أولى بها، ووجه الارتباط أن الآية تضمنت قواعد الدين علما وعملا واعتقادا، ~~فأمره سبحانه فيها بالقسط هو الذي هو حقيقة شرعه ودينه، وهو يتضمن التوحيد، ~~فإنه أعدل العدل. # والعدل في معاملة الخلق والعدل في العبادة، وهو الاقتصاد في السنة، ~~ويتضمن الأمر ms527 بالإقبال على الله، وإقامة عبوديته في ثبوته، ويتضمن الإخلاص ~~له، وهو عبوديته وحده لا شريك له، فهذا ما فيها من العمل. ثم أخبر بمبدئهم ~~ومعادهم، فتضمن ذلك حدوث الخلق وإعادته، فذلك الإيمان بالمبدإ والمعاد، ثم ~~أخبر عن القدر الذي هو نظام التوحيد، فقال: فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة (30) [الأعراف]، فتضمنت الآية الإيمان بالقدر والشرع والمبدأ ~~والمعاد والأمر بالعدل والإخلاص، ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا ~~الخبر، ولم يطع هذا الأمر بأنه قد والى للشيطان دون ربه، وأنه على ضلال، ~~وهو يحسب أنه على هدى، والله أعلم. # فصل # وقال آخرون: يعني قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» أن الله فطرهم على ~~الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين ~~خلقهم، فقال: ألست بربكم؟ قالوا جميعا: بلى، فأما أهل السعادة فقالوا: بلى، ~~على معرفة له طوعا من قلوبهم، وأما أهل الشقاء فقالوا: بلى كرها غير طوع، ~~قالوا: ويصدق ذلك قوله تعالى: وله أسلم من في السماوات PageV01P726 ~~والأرض طوعا وكرها (83) [آل عمران] قالوا: وكذلك قوله: كما بدأكم تعودون ~~(29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة (30) [الأعراف]. # قال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، ~~واحتج بقول أبي هريرة: اقرءوا إن شئتم فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله (30) [الروم] قال: الحق نقول، لا تبديل للخلقة التي جبل ~~عليها ولد آدم كلهم، يعني: من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار، واحتج ~~بقوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم (172) [الأعراف] الآية. # قال إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، واستنطقهم، وأشهدهم ~~على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قال: انظروا أن لا تقولوا إنا كنا عن ~~هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل. وذكر حديث أبي بن كعب في ~~قصة الغلام الذي قتله الخضر، قال: وكان الظاهر ما قال موسى: أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس (74) [الكهف]، فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه من ~~الفطرة التي فطره ms528 عليها، وأنه لا تبديل لخلق الله، فأمر بقتله، لأنه كان قد ~~طبع كافرا. # وفي صحيح البخاري «1» أن ابن عباس كان يقرأها: وأما الغلام فكان كافرا، ~~وكان أبواه مؤمنين. # قال إسحاق: فلو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يبين لهم حكم ~~الأطفال، لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين، لأنهم لا يدرون ما جبل كل ~~واحد عليه حتى أخرج من ظهر آدم، فبين النبي صلى الله عليه وسلم حكم الأطفال ~~في الدنيا بأن أبواه PageV01P727 ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه، يقول: أنتم لا تعلمون ما طبع عليه في الفطرة ~~الأولى، لكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان ~~صغيرا بين أبوين مسلمين، ألحق بحكم الإسلام، وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير ~~إليه، فعلم ذلك إلى الله، وبعلم ذلك فضل الله الخضر، في علمه هذا، على ~~موسى، إذ أطلعه الله عليه في ذلك الغلام، وخصه بذلك، قال، ولقد سئل ابن ~~عباس عن ولدان المسلمين والمشركين، فقال: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر. # قال إسحاق: ألا ترى إلى قول عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين ~~مسلمين: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، فرد عليها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: يا عائشة وما يدريك أن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلا، وخلق ~~النار وخلق لها أهلا «1». قال إسحاق: فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم. # وسئل حماد بن سلمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على ~~الفطرة» «2» فقال: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم. # قال ابن قتيبة: يريد حين مسح ظهر آدم، فاستخرج منه ذريته إلى يوم القيامة ~~أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. # قال شيخنا: أصل مقصود الأئمة صحيح، وهو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث ~~على نفي القدر، لكن لا يحتاج مع ذلك أن يفسر القرآن والحديث إلا بما هو ~~مراد الله ورسوله، ويجب أن يتبع في ذلك ما دل عليه الدليل. # وما ذكروه أن الله فطرهم على ms529 الكفر والإيمان والمعرفة والنكرة، إن أرادوا ~~به أن الله سبق في علمه وقدره بأنهم سيؤمنون ويكفرون، ويعرفون وينكرون، PageV01P728 ~~وأن ذلك كان بمشيئة الله وخلقه، فهذا حق ترده القدرية، فغلاتهم ينكرون ~~العلم، وجميعهم ينكرون عموم خلقه ومشيئته وقدرته، وإن أرادوا أن هذه ~~المعرفة والنكرة كانت موجودة، حين أخذ الميثاق، كما في ظاهر المنقول عن ~~إسحاق، فهذا يتضمن شيئين: أحدهما أنهم حينئذ كانت المعرفة والإيمان موجودا ~~فيهم، كما قال ذلك طوائف من السلف، وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه. # وفي تفسير الآية نزاع بين الأئمة، وكذلك في خلق الأرواح قبل الأجساد ~~قولان معروفان، لكن المقصود هنا أن هذا إن كان حقا، فهو توكيد لكونهم ولدوا ~~على تلك المعرفة والإقرار، فهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث من أنه يولد ~~على الملة، وأن الله خلق خلقه حنفاء، بل هو مؤيد لذلك، وأما قول القائل: ~~إنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى مطيع وكافر، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف ~~فيما أعلم إلا عن السدي في تفسيره، قال: لما أخرج الله آدم من الجنة، قبل ~~أن يهبطه من السماء، مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء مثل ~~اللؤلؤ، كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره ~~اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال ادخلوا النار، ولا أبالي. ~~ذلك قوله: وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال. ثم أخذ منهم الميثاق، فقال: ألست ~~بربكم: قالوا بلى. فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين، على وجه التقية، ~~فقال هو والملائكة: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. ~~فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله بأنه ربه، وذلك قوله عز وجل: وله ~~أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها (83) [آل عمران] وكذلك قوله: قل ~~فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) [الأنعام] يعني يوم أخذ ~~الميثاق. # قال شيخنا: وقيل: هذا الأثر لا يوثق به، فإن في تفسير السدي أشياء، PageV01P729 ~~قد عرف بطلان بعضها، وهو ثقة في نفسه، وأحسن أحوال هذا وأمثاله أن يكون ms530 ~~كالمراسيل، إن كان مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا كان ~~مأخوذا عن أهل الكتاب، ولو لم يكن في هذا إلا معارضة لسائر الآثار التي ~~تتضمن التسوية بين جميع الناس في الإقرار لكفى، وأما قوله تعالى: وله أسلم ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها (83) [آل عمران] فإنما هو في الإسلام ~~الموجود بعد خلقهم، لم يقل: إنهم حين العهد الأول، أسلموا طوعا وكرها، يدل ~~على ذلك أن ذلك الإقرار الأول جعله الله عليهم حجة على من ينساه، ولو كان ~~فيهم كاره لقال: لم أقر طوعا بل كرها، فلا يقوم به عليه حجة. وأما احتجاج ~~أحمد بقول أبي هريرة: اقرءوا إن شئتم فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله (30) [الروم] فهذه الآية فيها قولان: # أحدهما: أن معناها النهي، كما تقدم عن ابن جرير أنه فسرها؛ فقال: # أي: لا تبدلوا دين الله الذي فطر عليه عباده. وهذا قول غير واحد من ~~المفسرين، لم يذكروا غيره. # والثاني: ما قاله إسحاق، وهو أنها خبر على ظاهرها، وأن خلق الله لا يبدله ~~أحد، وظاهر اللفظ خبر، فلا يجعل نهيا بغير حجة. وهذا أصح. # وحينئذ فيكون المراد: أن ما جبلهم عليه من الفطرة لا يبدل، فلا يجبلون ~~على غير الفطرة، لا يقع هذا أصلا. والمعنى أن الخلق لا يتبدل، فيخلقون على ~~غير الفطرة، ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق، بل نفس الحديث ~~يبين أنها تتغير، ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء، ثم تجدع، ولا تولد ~~بهيمة مخصية، ولا مجدوعة. وقد قال تعالى عن الشيطان ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله (119) [النساء] فالله أقدر الخلق على أن يغيروا ما خلقهم عليه بقدرته ~~ومشيئته، وإنما تبديل الخلق بأن يخلقوا على غير تلك PageV01P730 ~~الفطرة، فهذا لا يقدر عليه إلا الله، والله لا يفعله كما قال: لا تبديل ~~لخلق الله، ولم يقل: لا تغيير، فإن تبديل الشي ء يكون بذهابه وحصول بدله، ~~ولكن إذا غير بعد وجوده، لم يكن الخلق الموجود عند الولادة. وأما قول ms531 ~~القائل: لا تبديل للخلقة التي جبل عليها بنو آدم كلهم، من كفر وإيمان، فإن ~~عنى به ما سبق به القدر من الكفر والإيمان، لا يقع خلافه، فهذا حق، ولكن ~~ذلك لا يقتضي أن تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس ممتنع، ولا أنه غير مقدور، ~~بل العبد قادر على ما أمره الله به من الإيمان، وعلى ترك ما نهاه عنه من ~~الكفر، وعلى أن يبدل حسناته بالسيئات وسيئاته بالحسنات، كما قال الله: إلا ~~من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء (11) [النمل]. وهذا التبديل كله بقضاء الله ~~وقدره، وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين الولادة، فإن ذلك خلق الله الذي لا ~~يقدر على تبديله غيره، وهو سبحانه لا يبدله، بخلاف تبديل الكفر بالإيمان ~~وبالعكس، فإنه يبدله كثيرا، والعبد قادر على تبديله بإقدار الرب له على ذلك. # ومما يوضح ذلك قوله تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله (30) [الروم] فهذه فطرة محمودة، أمر الله ~~بها نبيه، فكيف تنقسم إلى كفر وإيمان مع أمر الله تعالى بها، وقد تقدم ~~تفسير السلف: # لا تبديل لخلق الله: أي: لدين الله، أو النهي عن الخصا ونحوه، ولم يقل ~~أحد منهم: إن المعنى: لا تبديل لأحوال العباد من كفر إلى إيمان وعكسه، فإن ~~تبديل ذلك موجود، ومهما وقع كان هو الذي سبق به القدر، والرب تعالى عالم ~~بما سيكون، لا يقع خلاف معلومه، فإذا وقع التبديل، كان هو الذي علمه. # وأما قوله عن الغلام، أنه طبع يوم طبع كافرا، فالمراد به: أنه كتب كذلك، ~~وقدر وختم، فهو من طبع الكتاب. ولفظ الطبع لما صار يستعمله PageV01P731 ~~كثير من الناس في الطبيعة التي هي بمعنى الخلقة والجبلة، ظن الظان أن هذا ~~مراد الحديث، وهذا الغلام الذي قتله الخضر ليس في القرآن ما يبين أنه كان ~~غير بالغ ولا مكلف، بل قراءة ابن عباس تدل على أنه كان كافرا في الحال، ~~وتسميته غلاما لا يمنع أن يكون مكلفا قريب العهد بالصغر، ويدل عليه أن موسى ms532 ~~لم ينكر قتله لصغره، بل لكونه زاكيا ولم يقتل نفسا، لكن يقال: في الحديث ~~الصحيح ما يدل على أنه كان غير بالغ، من وجهين: أحدهما أنه قال: فمر بصبي ~~يلعب مع الصبيان. الثاني: أنه قال: ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا، ~~وهذا دليل على كونه لم يدرك بعد، فيقال: الكلام على الآية على التقديرين، ~~فإن كان بالغا، وقد كفر، فقد قتل على كفره الواقع بعد البلوغ، ولا إشكال، ~~وإن كان غير بالغ، فلعل تلك الشريعة كان فيها التكليف قبل الاحتلام، عند ~~قوة عقل الصبي وكمال تمييزه، وإن لم يكن التكليف قبل البلوغ بالشرائع ~~واقعا، فلا يمتنع وقوعه بالتوحيد ومعرفة الله، كما قاله طوائف من أهل ~~الكلام والفقه، من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم، وعلى هذا فيمكن أن يكون ~~مكلفا بالإيمان قبل البلوغ، وإن لم يكن مكلفا بشرائعه. # وكفر الصبي المميز عند أكثر العلماء مؤاخذ به، فإذا ارتد صار مرتدا، لكن ~~لا يقتل حتى يبلغ، فالغلام الذي قتله الخضر، إما أن يكون كافرا بعد البلوغ، ~~فلا إشكال، وإما أن يكون غير بالغ، وهو مكلف في تلك الشريعة، فلا إشكال ~~أيضا، وإما أن يكون مكلفا بالتوحيد والمعرفة غير مكلف بالشرائع، فيجوز قتله ~~في تلك الشريعة، وإما أن لا يكون مكلفا، فقتل لئلا يفتن «1» أبويه عن ~~دينهما، كما يقتل الصبي الكافر في ديننا، إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين ~~إلا بالقتل. وأما قتل صبي لم يكفر بعد، بين أبوين PageV01P732 ~~مؤمنين، للعلم بأنه إذا بلغ كفر، وفتن أبويه، فقد يقال: ليس في القرآن ولا ~~في السنة ما يدل عليه، وأيضا فإن الله لم يأمر أن يعاقب أحد بما يعلم أنه ~~يكون منه قبل أن يكون منه، ولا هو سبحانه يعاقب العباد على ما يعلم أنهم ~~سيفعلونه حتى يفعلوه. # وقائل هذا القول يقول: إنه ليس في قصة الخضر شي ء من الاطلاع على الغيب ~~الذي لا يعلمه عموم الناس، وإنما فيها علمه بأسباب، لم يكن علم بها موسى، ~~مثل علمه بأن السفينة لمساكين يعملون، وراءهم ms533 ملك ظالم، وهذا أمر يعلمه ~~غيره. وكذلك كون الجدار كان لغلامين يتيمين، وأن أباهما كان رجلا صالحا، ~~وأن تحته كنزا لهما، مما يمكن أن يعلمه كثير من الناس. وكذلك كفر الصبي مما ~~يمكن أنه كان يعلمه كثير من الناس حتى أبواه، لكن لحبهما له لا ينكران ~~عليه، أو لا يقبل منهما. فإن كان الأمر على ذلك، فليس في الآية حجة على ~~قولهم أصلا، وإن ذلك الغلام لم يكفر بعد، ولكن سبق في العلم أنه إذا بلغ ~~كفر، فمن يقول هذا، يقول: إن قتله دفعا لشره، كما قال نوح: رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا (27) [نوح] وعلى هذا فلم يكن قبل قيام الكفر به كافرا. وقراءة ~~ابن عباس: وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ظاهرة أنه كان حينئذ كافرا. # فإن قيل: فهذا الغلام كان أبواه مؤمنين، فلو كان مولودا على فطرة ~~الإسلام، وهو بين أبوين مسلمين، لكان مسلما تبعا لهما وبحكم الفطرة، فكيف ~~يقتل والحالة هذه؟. # قيل: إن كان بالغا، فلا إشكال، وإن كان مميزا، وقد كفر، فيصح كفره وردته ~~عند كثير من العلماء، وأن لا يقتل حتى يبلغ عندهم، فلعل في تلك الشريعة ~~يجوز قتل المميز الكافر، وإن كان صغيرا غير مميز فيكون قتله PageV01P733 ~~خاصا به، لأن الله أطلع الخضر على أنه لو بلغ، لاختار غير دين الأبوين، ~~وعلى هذا يدل قول ابن عباس لنجدة، وقد سأله عن قتل صبيان الكفار، فقال: لئن ~~علمت فيهم ما علمه الخضر من الغلام، فاقتلهم. # فإن قيل: إذا كان مولودا على الفطرة، وأبواه مؤمنين، فمن أين جاء الكفر؟. # قيل: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على الغالب، وإلا فالكفر قد ~~يأتيه من قبل غير ابويه، فهذا الغلام إن كان كافرا في الحال، فقد جاء الكفر ~~من غير جهة أبويه، وإن كان المراد أنه إذا بلغ، سيكفر باختياره، فلا إشكال. # فصل # وأما تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأبواه ms534 يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه» أنه أراد به مجرد الإلحاق في أحكام الدنيا، دون أن يكون أراد ~~أنهما يغيران الفطرة، فهذا خلاف ما يدل عليه الحديث، فإنه شبه تكفير ~~الأطفال بجدع البهائم، تشبيها للتغيير بالتغيير، وأيضا فإنه ذكر هذا الحديث ~~لما قتل أولاد المشركين، فنهاهم عن قتلهم، وقال: أليس خياركم أولاد ~~المشركين؟! كل مولود يولد على الفطرة. فلو أراد أنه تابع لأبويه في الدنيا، ~~لكان هذا حجة لهم، يقولون: هم كفار كآبائهم. وكون الصغير يتبع أبويه «1» في ~~أحكام الدنيا، وهو لضرورة بقائه في الدنيا، فإنه لا بد له من مرب يربيه، ~~وإنما يربيه أبواه، فكان تابعا لهما ضرورة. ولهذا من سبي منفردا عنهما، صار تابعا PageV01P734 ~~لسابيه، عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم، ~~لكونه هو الذي يربيه، وإذا سبي منفردا عن أحدهما أو معهما، ففيه نزاع بين ~~العلماء، واحتجاج الفقهاء كأحمد وغيره بهذا الحديث على أنه متى سبي منفردا ~~عن أبويه، يصير مسلما، إذ يستلزم أن يكون المراد، بتكفير الأبوين لهما، ~~مجرد لحاقه لهما في الدين، ولكن وجه الحجة أنه إذا ولد ولد على الملة، ~~فإنما ينقله عنه الأبوان اللذان يغيرانه عن الفطرة، فمتى سباه المسلمون «1» ~~منفردا عنهما، لم يكن هناك من يغير دينه، وهو مولود على الملة الحنيفية، ~~فيصير مسلما بالمقتضى السالم عن المعارض. ولو كان الأبوان يجعلانه كافرا في ~~نفس الأمر، بدون تعليم وتلقين، لكان الصبي المسبي بمنزلة البالغ الكافر، ~~ومعلوم أن البالغ الكافر إذا سباه المسلمون، لم يصر مسلما، لأنه صار كافرا ~~حقيقة، فلو كان الصبي التابع لأبويه كافرا حقيقة، لم ينتقل عن الكفر ~~بالسباء، فعلم أنه كان يجري عليه حكم الكفر في الدنيا تبعا لأبويه، لأنه ~~صار كافرا في نفس الأمر، تبين ذلك أنه لو سباه كفار، ولم يكن معه أبواه، لم ~~يصر مسلما، فهو هنا كافر في حكم الدنيا، وإن لم يكن أبواه هوداه ونصراه ~~فعلم أن المراد بالحديث أن الأبوين يلقنانه الكفر، ويعلمانه إياه. # وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأبوين، لأنهما الأصل العام ms535 الغالب في ~~تربية الأطفال، فإن كل طفل فلا بد له من أبوين، وهما اللذان يربيانه مع ~~بقائهما وقدرتهما، ومما يبين ذلك قوله في الحديث الآخر: «كل مولود يولد على ~~الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإما شاكرا وإما كفورا» «2». فجعله على الفطرة ~~إلى أن يعقل، ويميز، فحينئذ يتبين له أحد الأمرين، ولو كان كافرا في الباطن بكفر PageV01P735 ~~الأبوين، لكان ذلك من حين يولد، قبل أن يعرب عنه لسانه، وكذلك قوله في ~~الحديث الصحيح: «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا «1»، صريح في أنهم ~~خلقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم، وحرمت عليهم الحلال، وأمرتهم ~~بالشرك. فلو كان الطفل يصير كافرا في نفس الأمر، من حين يولد، لكونه يتبع ~~أبويه في الدين قبل أن يعلمه أحد الكفر ويلقنه إياه، لم تكن الشياطين هم ~~الذين غيروهم عن الحنيفية وأمروهم بالشرك. # فصل # ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام ~~الكفر في الآخرة، فإن أولاد الكفار لما كان تجري عليهم أحكام الكفر في ~~الدنيا، مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانتهم لهم، وتمكنهم من تعليمهم ~~وتأديبهم، والموازنة بينهم وبين بنيهم، واسترقاقهم وغير ذلك، صار يظن من ~~يظن أنهم كفار في نفس الأمر، كالذي تكلم بالكفر وعمل به، ومن هاهنا قال ~~محمد بن الحسن: إن هذا الحديث وهو قوله: كل مولود يولد على الفطرة، كان قبل ~~أن تنزل الأحكام، فإذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة، لا ينافي أن يكونوا ~~تبعا لآبائهم، في أحكام الدنيا، وقد زالت الشبهة، وقد يكون في بلاد الكفر ~~من هو مؤمن يكتم إيمانه، ولا يعلم PageV01P736 ~~المسلمون حاله، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن مع المشركين، وهو في الآخرة ~~من أهل الجنة، كما أن المنافقين في الدنيا تجري عليهم أحكام المسلمين، وهم ~~في الدرك الأسفل من النار، فحكم الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا. # وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة»، إنما أراد به الإخبار بالحقيقة التي ~~خلقوا ms536 عليها، وعلى الثواب والعقاب في الآخرة، إذا عملوا بموجبها، وسلمت عن ~~المعارض، ولم يرد به الإخبار بأحكام الدنيا، فإنه قد علم بالاضطرار، من شرع ~~الرسول، أن أولاد الكفار تبع لآبائهم في أحكام الدنيا، وأن أولادهم لا ~~ينزعون منهم، إذا كانوا ذمة، فإن كانوا محاربين، استرقوا، ولم يتنازع ~~المسلمون في ذلك، لكن تنازعوا في الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما، هل يحكم ~~بإسلامه. وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات. # إحداهن: يحكم بإسلامه بموت الأبوين أو أحدهما، لقوله: فأبواه يهودانه ~~وينصرانه، وهذا ليس معه أبواه، وهو على الفطرة، وهي الإسلام لما تقدم، ~~فيكون مسلما. # والثانية: لا يحكم بإسلامه بذلك، وهذا قول الجمهور. قال شيخنا: # وهذا القول هو الصواب، بل هو إجماع قديم من السلف والخلف، بل هو ثابت ~~بالسنة التي لا ريب فيها، فقد علم أن أهل الذمة كانوا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة ووادي القرى وخيبر ونجران واليمن وغير ذلك، ~~وكان فيهم من يموت وله ولد صغير، ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام ~~أهل الذمة، ولا خلفاؤه، وأهل الذمة كانوا في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر ~~والعراق وخراسان، وفيهم من يتاماهم «1» عدد كثير، ولم يحكموا بإسلام واحد منهم، PageV01P737 ~~فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا، فهم يتولون حضانة يتاماهم، كما ~~كان الأبوان يتولون تربيتهم. # وأحمد يقول: إن الذمي إذا مات، ورثه ابنه الطفل، مع قوله في إحدى ~~الروايات، أنه يصير مسلما، لأن أهل الذمة ما زال أولادهم يرثونهم، لأن ~~الإسلام حصل مع استحقاق الإرث، لم يحصل قبله. ونص على أنه إذا مات الذمي عن ~~حمل منه، لم يرثه، للحكم بإسلامه قبل وضعه، وكذلك لو كان الحمل من غيره كما ~~إذا مات، وخلف امرأة ابنه أو أخيه حاملا، فأسلمت أمه قبل وضعه، لم يرثه، ~~لأنا حكمنا بإسلامه من حين أسلمت أمه، وكذلك هناك حكمنا بإسلامه من حين مات ~~أبوه، وقد وافق الإمام أحمد الجمهور على أن الطفل إذا مات أبواه في دار ~~الحرب، لا يحكم ms537 بإسلامه، ولو كان موت الأبوين يجعله مسلما بحكم الفطرة ~~الأولى، لم يفترق الحال بين دار الحرب ودار الإسلام، لوجود المقتضي للإسلام ~~وهو الفطرة وعدم المانع وهو الأبوان. وقد التزم بعض أصحابه الحكم بإسلامه، ~~وهو باطل قطعا، إذ من المعلوم بالضرورة أن أهل الحرب فيهم من بلغ يتيما ~~لغيره، وأحكام الكفار المحاربين جارية عليهم. # والرواية الثالثة: إن كفله أهل دينه، فهو باق على دين أبويه، وإن كفله ~~المسلمون، فهو مسلم. نص عليه في رواية يعقوب بن بحنان «1» كما ذكره الخلال ~~في جامعه عنه، قال: سئل أبو عبد الله عن جارية نصرانية لقوم، فولدت عندهم، ~~ثم ماتت، ما يكون الولد؟ قال: إذا كفله المسلمون، ولم يكن له من يكفله إلا ~~هم، فهو مسلم «2». قيل له: فإن مات بعد الأم بقليل؟ PageV01P738 # قال: يدفنه المسلمون. وقال في رواية أبي الحارث في جارية نصرانية لرجل ~~مسلم، لها زوج نصراني، فولدت عنده، وماتت عند المسلم، وبقي ولدها عنده، ما ~~يكون حكم هذا الصبي؟ قال: إذا كفله المسلمون فهو مسلم. # وهذه الرواية إن لم يذكرها عامة الأصحاب، وهي من جامع الخلال، فهي أصح ~~الأقوال في هذه المسألة دليلا، وهي التي نختارها، وبها تجتمع الأدلة، فإن ~~الطفل يتبع مالكه وسابيه، فكذلك يتبع كافله وحاضنه، فإنه لا يستقل بنفسه، ~~بل لا بد له ممن يتبعه ويكون معه، فتبعيته لحاضنه وكافله أولى من جعله ~~كافرا بكون أبويه كافرين، وقد انقطعت تبعيته لهما، بخلاف ما إذا كفله أهل ~~دين الأبوين، فإنهم يقومون مقامهما، ولا أثر لفقد الأبوين إذا كفله جده أو ~~جدته أو غيرهما من أقاربه، فهذا القول أرجح في النظر، والله أعلم. وليس ~~المقصود ذكر هذه المسائل وما يصير به الطفل مسلما، فإنا قد استوفيناها في ~~كتابنا، في أحكام أهل الملل، بأدلتها واختلاف العلماء من السلف والخلف ~~فيها، وذكر مأخذهم، وإنما المقصود ذكر الفطرة، وأنها هي الحنيفية، وأنها لا ~~تنافي القدر السابق بالشقاوة، والله أعلم. # فصل # قال أبو عمر، وقال آخرون، في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «كل ms538 ~~مولود يولد على الفطرة» «1» لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر ~~الفطرة هاهنا كفرا ولا إيمانا، ولا معرفة ولا إنكارا، وإنما أراد: أن كل ~~مولود يولد على السلامة خلقة وطبعا PageV01P739 ~~وبنية، ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو ~~الإيمان بعد البلوغ، إذا ميز، واحتجوا بقوله في الحديث: «كما تنتج البهيمة ~~بهيمة جمعاء» «1»، يعني: سالمة، هل تحسون فيها من جدعاء؟ يعني مقطوعة الأذن ~~فمثل قلوب بني آدم بالبهائم، لأنها تولد كاملة الخلق، لا يتبين فيها نقصان، ~~ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه السوائب، وهذه البحائر. # يقول: كذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم، ليس لهم حينئذ كفر ولا إيمان ~~ولا معرفة ولا إنكار، كالبهائم السالمة، فلما بلغوا، استهوتهم الشياطين، ~~فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم. # قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على شي ء من الكفر والإيمان، في أولية ~~أمرهم، ما انتقلوا عنه أبدا، فقد تجدهم يؤمنون. ثم يكفرون، ثم يؤمنون. # قالوا: ويستحيل في العقول أن يكون الطفل في حال ولادته يفعل كفرا أو ~~إيمانا، لأن الله أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، فمن لم يعلم ~~شيئا، استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار. # قال أبو عمر: هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي تولد الولدان ~~عليها، وذلك أن الفطرة السلامة والاستقامة بدليل قوله تعالى في حديث عياض ~~بن حمار: «إني خلقت عبادي حنفاء»، يعني على استقامة وسلامة. # وكأنه والله أعلم أراد الذين خلصوا من الآفات كلها والمعاصي والطاعات، ~~فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما. ومن الحجة أيضا في ~~هذا قول الله تعالى: إنما تجزون ما كنتم تعملون (16) [الطور] PageV01P740 ~~كل نفس بما كسبت رهينة (38) [المدثر] ومن لم يبلغ وقت العمل، يبرهن بشي ء، ~~قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) [الإسراء]. # قال شيخنا: هذا القائل إن أراد بهذا القول أنهم خلقوا خالين من المعرفة ~~والإنكار، من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما، بل ms539 يكون القلب كاللوح ~~الذي يقبل كتابة الإيمان والكفر، وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر، وهذا هو ~~الذي يشعر به ظاهر الكلام، فهذا قول فاسد، لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى ~~الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب ~~الأسباب، فكان ينبغي أن يقال: فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه. ~~فلما ذكر أن أبويه يكفرانه، وذكر الملل الفاسدة دون الإسلام، علم أن حكمه ~~في حصول ذلك بسبب منفصل عن حكم الكفر، وأيضا فإنه على هذا التقدير لا يكون ~~في القلب سلامة ولا عطب ولا استقامة ولا زيغ، إذ نسبته إلى كل منهما نسبة ~~واحدة، وليس هو بأحدهما بأولى منه بالآخر، كما أن اللوح قبل الكتابة لا ~~يثبت له حكم مدح ولا ذم، فما كان قابلا للمدح والذم على السواء، لم يستحق ~~مدحا ولا ذما، والله تعالى يقول: # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها (30) [الروم] ~~فأمره بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها، فكيف لا تكون ممدوحة! وأيضا فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، وشبه ما طرأ ~~عليها من الكفر بجدع الأنف والأذن، ومعلوم أن كمالهما محمود ونقصهما مذموم، ~~فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة!. PageV01P741 # فصل # وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من العلماء: أن المراد أنهم ~~ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت، مع صحتها، لاختارت المعرفة على ~~الإنكار والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض لها من الفساد خرجت عن هذه ~~الفطرة، فهذا القول قد يقال: لا يرد عليه ما يرد على القول الذي قبله، فإن ~~صاحبه يقول: في الفطرة قوة تميل بها إلى المعرفة والإيمان، كما في البدن ~~السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة، وبهذا كانت محمودة، وذم من أفسدها. ~~لكن يقال: فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية، ~~هل هي كافية في حصول المعرفة، أو تقف المعرفة على أدلة من خارج؟ فإن كانت ~~المعرفة تقف على أدلة من خارج، أمكن أن يوجد تارة ويعدم أخرى، ms540 ثم ذلك السبب ~~يمتنع أن يكون موجبا للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون معرفا ومذكرا، فعند ~~ذلك إن وجب حصول المعرفة، كانت واجبة الحصول، عند وجود تلك الأسباب، وإلا ~~فلا، وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإيمان، وحينئذ فلا فرق فيها ~~بين الإيمان والكفر والمعرفة والإنكار، إنما فيها قوة قابلة لكل منهما ~~واستعداد له، لكن يتوقف على المؤثر الفاعل من خارج، وهذا هو القسم الأول ~~الذي أبطلناه، وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة. # وأما إن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها، وإن لم يوجد من يعلمها أدلة ~~المعرفة فيها بدون ما يسمعه من الأدلة سواء، قيل: إن المعرفة ضرورية فيها، ~~أو قيل: إنها تحصل بأسباب تنتظم في النفس، وإن لم يسمع كلام PageV01P742 ~~مستدل، فإن النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما يحتاج معه إلى كلام ~~الناس، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة، لزم أن يكون المقتضي للمعرفة ~~حاصلا لكل مولود، وهو المطلوب. والمقتضي التام مستلزم مقتضاه، فتبين أن أحد ~~الأمرين لازم. أما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة، وأما استواء الأمرين ~~بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها. # وتلخيص ذلك أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب، فإما ~~أن تكون هي موجبة مستلزمة لذلك، وإما أن لا تكون مستلزمة له، فلا يكون ~~واجبا لها، فإن كان الثاني، لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة إليها، ~~أو كلاهما ممكن لها، فثبت أن المعرفة لازمة لها، إلا أن يعارضها معارض، فإن ~~قيل: ليست موجبة مستلزمة للمعرفة، ولكن هيئ إليها الميل مع قبولها للنكرة. ~~قيل: فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة، وجدت تارة، وعدمت تارة، وهي وحدها لا ~~يحصلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين، فيكون الإسلام والتهويد والتنصير ~~والتمجيس. # ومعلوم أن هذه أنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض، كالتمجس، فإن لم تكن ~~الفطرة مقتضية للإسلام، صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى ~~التمجيس، فوجب أن يذكر كما ذكر ذلك، ويكون هذا كمكون الفطرة، لا يقضي ~~الرضاع إلا بسبب ms541 منفصل، وليس كذلك، بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه، فإذا ~~مكن من الثدي، وجدت الرضاعة لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، ~~وهو مولود على أن يرضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف الله. والمعرفة ضرورية ~~لا محالة إذا لم يوجد معارض. # وأيضا فإن حب النفس لله وخضوعها له وإخلاصها له، مع الكفر به والشرك ~~والإعراض عنه ونسيان ذكره، إما أن يكون نسبتهما إلى الفطرة PageV01P743 ~~سواء، أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني، فإن كانا سواء، لزم انتفاء ~~المدح، كما تقدم، وإن لم يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى ~~الإيمان، ويكون تمجيسها كتحنيفها، وقد عرف بطلان هذا، وإن كان فيها مقتض ~~لهذا، فإما أن يكون المقتضي مستلزما لمقتضاه عند عدم المعارض، وإما أن أن ~~يكون متوقفا على شخص خارج عنها، فإن كان الأول، ثبت ذلك من لوازمها، وأنها ~~مفطورة عليه، لا يفقد إلا إذا فسدت الفطرة، وإن قدر أنه متوقف على شخص، ~~فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها مجوسية، وحينئذ فلا فرق بين ~~هذا وهذا، وإذا قيل: هي إلى الحنيفية أميل، كان كما يقال: هي إلى غيرها ~~أميل، فتبين أن فيها قوة موجبة الحب لله والذل له وإخلاص الدين له، وأنها ~~موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما أن فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي ~~فطرت على محبته وطلبه، مما يبين هذا أن كل حركة إرادية، فإن الموجب لها قوة ~~في المريد، فإذا أمكن في الإنسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين، كان ~~فيه قوة تقتضي ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي ~~المريد الفاعل، ولا يشترط في إرادته إلا مجرد الشعور بالمراد، فما في ~~النفوس من قوة المحبة له، إذا شعرت به، تقتضي حبه إذا لم يحصل معارض، وهذا ~~موجود في محبة الأطعمة والأشربة والنكاح والعلم وغيرها، وقد ثبت أن في ~~النفس قوة المحبة لله والإخلاص والذل له والخضوع، وأن فيها قوة الشعور به، ~~فيلزم قطعا وجود المحبة له والتعظيم ms542 والخضوع بالفعل، لوجود المقتضي إذا سلم ~~عن المعارض، وتبين أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل، وإن ~~كان وجوده قد يذكر ويحرك، كما لو خوطب الجائع أو الظمآن بوصف طعام، أو خوطب ~~المغتلم بوصف النساء، فإن هذا مما يذكره ويحركه ويثير شهوته الكامنة بالقوة ~~في نفسه، لا أنه يحدث له نفس تلك الإرادة والشهوة بعد أن لم تكن فيه، ~~فيجعلها موجودة بعد أن PageV01P744 ~~كانت عدما. # فكذلك الأسباب الخارجة عن الفطرة، لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من ~~الشعور بالخالق ومحبته وتعظيمه والخضوع له، وإن كان ذلك مذكرا ومحركا ~~ومنبها ومزيلا للعارض المانع، ولذلك سمى الله سبحانه ما كمل به موجبات ~~الفطرة بذكر أو ذكرى، وجعل رسوله مذكرا فقال: فذكر إنما أنت مذكر (21) ~~[الغاشية] وقال: فذكر إن نفعت الذكرى (9) [الأعلى] وقال: # وما يتذكر إلا من ينيب (13) [غافر] وقال: وما يذكر إلا أولوا الألباب ~~(269) [البقرة] وقال: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب (37) [ق] وقال: ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) [القمر] وقال: فإنما يسرناه بلسانك ~~لعلهم يتذكرون (58) [الدخان]. # وهذا كثير في القرآن يخبر أن كتابه ورسوله مذكر لهم بما هو مركوز في ~~فطرهم من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والإخلاص له ومحبة شرعه ~~الذي هو العدل المحض، وإيثاره على ما سواه، فالفطر مركوز فيها معرفته ~~ومحبته والإخلاص له والإقرار بشرعه وإيثاره على غيره، فهي تعرف ذلك وتشعر ~~به مجملا ومفصلا بعض التفصيل، فجاءت الرسل تذكرها بذلك، وتنبهها عليه، ~~وتفصله لها، وتبينه وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة المانعة من ~~اقتفائها أثرها، وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل، فإنها أمر بمعروف، ~~ونهي عن منكر، وإباحة طيب، وتحريم خبيث، وأمر بعدل، ونهي عن ظلم، وهذا كله ~~مركوز في الفطرة، وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل، وهكذا باب التوحيد ~~وإثبات الصفات فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه ~~للخالق سبحانه، ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل، ~~وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب ms543 هو أمر مستقر في فطر الخلائق، خلافا لمن قال من PageV01P745 ~~المتكلمين: إنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه عن النقائص، وإنما علم ~~بالإجماع. # قبحا لهاتيك العقول فإنها ... عقال على أصحابها ووبال # فليس في العقول أبين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم، وتنزيهه ~~عن العيوب والنقائص، وجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها، وكذلك في ~~الفطر الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها وجزائها بكسبها في غير هذه ~~الدار، وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا تعلم إلا بالرسل، ~~وكذلك فيها معرفة العدل ومحبته وإيثاره، وأما تفاصيل العدل الذي هو شرع ~~الرب تعالى، فلا يعلم إلا بالرسل، فالرسل تذكر بما في الفطر، وتفصله ~~وتبينه، ولهذا كان العقل الصريح موافقا للنقل الصحيح، والشرعة مطابقة ~~للفطرة، يتصادقان ولا يتعارضان خلافا لمن قال: إذا تعارض العقل والوحي ~~قدمنا العقل على الوحي: # فقبحا لعقل ينقض الوحي حكمه ... ويشهد حقا أنه هو كاذب # والمقصود أن الله فطر عباده على فطرة، فيها الإقرار به ومحبته والإخلاص ~~له والإنابة إليه وإجلاله وتعظيمه، وأن الشخص الخارج عنها لا يحدث فيها ~~ذلك، ويجعلها فيها بعد أن لم يكن، وإنما يذكرها بما فيها، وينبهها عليه، ~~ويحركها له، ويفصله لها، ويبينه ويعرفها الأسباب المقوية والأسباب المعارضة ~~له والمانعة من كماله، كما أن الشخص الخارج لا يجعل في الفطرة شهوة اللبن ~~عند الرضاع والأكل والشرب والنكاح، وإنما تذكر النفس وتحركها لما هو مركوز ~~فيها بالقوة. PageV01P746 # فصل # ومما يبين ذلك أن الإقرار بالصانع، مع خلو القلب عن محبته والخضوع له ~~وإخلاص الدين له، لا يكون نافعا، بل الإقرار به، مع الإعراض عنه وعن محبته ~~وتعظيمه والخضوع له، أعظم استحقاقا للعذاب، فلا بد أن يكون للفطرة مقتض ~~للعلم ومقتض للمحبة، والمحبة مشروطة بالعلم، فإن ما لا يشعر به الإنسان لا ~~يحبه، والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج، بل هو جبلي فطري، فإذا كانت ~~المحبة جبلية فطرية، فشرطها، وهو المعرفة أيضا، جبلي فطري، فلا بد أن يكون ~~في الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به، وهذا أصل ms544 الحنيفية التي خلق الله ~~خلقه عليها وفطرته فطرهم عليها، فعلم أن الحنيفية من موجبات الفطرة ~~ومقتضياتها، والحب لله والخضوع له والإخلاص هو أصل أعمال الحنيفية، وذلك ~~مستلزم للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم، ~~فالفطرة ملزومة لهذه الأحوال، وهذه الأحوال لازمة لها. # فصل # فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على أن الخلق مفطورون ~~على دين الله الذي هو معرفته والإقرار به ومحبته والخضوع له، وأن ذلك موجب ~~فطرتهم ومقتضاها، يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما PageV01P747 ~~يعارضه ويقتضي حصول ضده، وإن حصول ذلك فيها لا يقف على وجود شرط بل على ~~انتفاء المانع، فإذا لم يوجد، فهو لوجود منافيه، لا لعدم مقتضيه، ولهذا لم ~~يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لوجود الفطرة شرطا، بل ذكر ما يمنع موجبها ~~حيث قال: فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. فحصول هذا التهويد والتنصير ~~موقوف على أسباب خارجة عن الفطرة، وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب ~~والخضوع له لا يتوقف أصله على غير الفطرة، وإن توقف كماله وتفصيله على ~~غيرها، وبالله التوفيق. # فصل # وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: «إني خلقت ~~عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم» «1» يتضمن أصلين ~~عظيمين مقصودين لأنفسهما، ووسيلة تعين عليهما، أحدهما: عبادته وحده لا شريك ~~له، والثاني: إنما يعبد بما شرعه وأحبه وأمر به. # وهذان الأصلان هما المقصود الذي خلق له الخلق، فصدهما الشرك والبدع، ~~فالمشرك يعبد مع الله غيره، وصاحب البدعة يتقرب إلى الله بما لم يأمر به ~~ولم يشرعه ولا أحبه، وجعل سبحانه حل الطيبات مما يستعان به على ذلك، ويتوسل ~~به إليه، فمدار الدين على هذين الأصلين وهذه الوسيلة، فأخبر سبحانه أن ~~الشياطين اقتطعت عباده عن هذا المقصود وعن هذه الوسيلة، فأمرتهم أن يشركوا ~~به ما لم ينزل به سلطانا، وهذا يتناول الإشراك PageV01P748 ~~بالمعبود الحق أن بعبد معه غيره، والإشراك بعبادته الحقة بأن تعبد بغير ~~شرعه. وكثيرا ما يجتمع الشركان، فيعبد المشرك معه غيره بعبادة، لم يشرع ~~سبحانه ms545 أن يتعبد له بها، وقد ينفرد أحد المشركين، فيشرك به غيره في نفس ~~العبادة التي شرعها، أو يعبده وحده بعبادة شركية، لم يشرعها، أو يتوسل إلى ~~عبادته بتحريم ما أحله، وقد ذم الله سبحانه المشركين على هذين النوعين في ~~كتابه في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما، يذكر فيهما ذمهم على ما حرموه من ~~المطاعم والملابس، وذمهم على ما أشركوا به من عبادة غيره، أو على ما ~~ابتدعوه من عبادته لما لم يشرعه. # وفي المسند: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة. فهي حنيفية في التوحيد ~~وعدم الشرك، سمحة في العمل وعدم الآصار والإغلال بتحريمهم من الطيبات ~~الحلال، فيعبد سبحانه بما أحبه، ويستعان على عبادته بما أحله قال تعالى: يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا (51) [المؤمنون] وهذا هو الذي ~~فطر الله عليه خلقه، وهو محبوب لكل أحد، مستقر سنته في كل فطرة، فإنه يتضمن ~~التوحيد وإخلاص القصد والحب لله وحده وعبادته وحده بما يحب أن يعبد به، ~~والأمر بالمعروف الذي تحبه القلوب والنهي عن المنكر الذي تبغضه وتنفر منه، ~~ويحلل الطيبات النافعة وتحريم الخبائث الضارة. # فصل # وهذا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن كل مولود يولد على الفطرة ~~الحنيفية هو الذي تقوم الأدلة العقلية على صحته، وأنه كما أخبر به الصادق ~~المصدوق، PageV01P749 ~~ومن خالف ذلك فقد غلط، وبيان ذلك من وجوه. # أحدهما: أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقا، وقد ~~يحصل له منها ما يكون باطلا، إذ اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقدها، وهي ~~الحق، والخبر عنها يسمى صدقا، وقد تكون غير مطابقة، وهي الباطل، والخبر ~~عنها يسمى كذبا. # والإرادات تنقسم إلى ما تكون نافعة له متضمنة لمصلحته، ومرادها هو الخير ~~والحسن، وإلى ما هو ضارة له مخالفة لمصلحته، ومرادها هو الشر والقبح، وإذا ~~كان الإنسان تارة يكون معتقدا للحق مريدا للخير، وتارة يكون معتقدا للباطل ~~مريدا للشر، فلا يخلو إما أن تكون نسبة نفسه الباطنة إلى النوعين نسبة ~~واحدة بحيث لا يكون فيها مرجحا ms546 لأحدهما على الآخر، أو تكون نفسه مرجحة لأحد ~~الأمرين على الآخر، فإن كان الأول، لزم أن لا يوجد أحد النوعين إلا بمرجح ~~منفصل عنه، فإذا قدر رجحان أحدهما، ترجح هذا، والآخر ترجح هذا، فإما أن ~~يتكافأ المرجحان، أو يترجح أحدهما، فإن تكافئا، لزم أن لا يحصل واحد منهما، ~~وهو خلاف المعلوم بالضرورة، فإنا نعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يعتقد ~~الحق ويصدق، وأن يريد ما ينفعه، وعرض عليه أن يعتقد الباطل ويكذب، ويريد ما ~~يضره، مال بفطرته إلى الأولى، ونفر عن الثاني، فعلم أن فطرة الإنسان قوة، ~~تقضي اعتقاد الحق وإرادة الخير، وحينئذ الإقرار بوجود فاطره وخالقه ومعرفته ~~ومحبته والإيمان به وتعظيمه والإخلاص له إما أن يكون من النوع الأول، أو ~~الثاني. وكونه من الثاني معلوم الفساد بالضرورة، فتعين أن يكون من الأول، ~~وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي محبته ومعرفته والإيمان به والتوسل ~~إليه بمحابه. # الوجه الثاني: أن عبادته وحده بما يحبه إما أن يكون أكمل للناس علما PageV01P750 ~~وقصدا، أو الإشراك به أكمل، والثاني معلوم الفساد بالضرورة، فتعين الأول، ~~وهو أن يكون في الفطرة مقتضى يقتضي توحيده وتألهه وتعظيمه. # الوجه الثالث: أن الحنيفية التي هي دين الله، ولا دين له غيرها، إما أن ~~تكون مع غيرها من الأديان متماثلين، أو الحنيفية أرجح، أو تكون مرجوحة، ~~والأول والثالث باطلان قطعا، فوجب أن يكون في الفطرة مرجح يرجح الحنيفية، ~~وامتنع أن يكون نسبتها ونسبة غيرها من الأديان إلى الفطرة سواء. # الوجه الرابع: أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق ~~وإيثاره على ما سواه، وأن ذلك حاصل مركوز فيها من غير تعليم الأبوين ولا ~~غيرهما، بل لو فرض أن الإنسان تربى وحده، ثم عقل وميز، لوجد نفسه مائلة إلى ~~ذلك نافرة عن ضده، كما يجد الصبي عند أول تمييزه، يعلم أن الحادث لا بد له ~~من محدث، فهو يلتفت إذا ضرب من خلفه، لعلمه أن تلك الضربة لا بد لها من ~~ضارب، فإذا شعر ms547 به، بكى حتى يقتص له منه، فيسكن، فقد ركز في فطرته الإقرار ~~بالصانع، وهو التوحيد، ومحبة القصاص، وهو العدل، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن نفس ~~الفطرة مقتضية لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه والخضوع له من غير ~~تعليم ولا دعاء إلى ذلك، وإن لم يكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل ~~يحتاج كثير منهم إلى سبب معين للفطرة مقو لها، وقد بينا أن هذا السبب لا ~~يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها، بل يعينها ويذكرها ويقويها، فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين، يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة، فإذا لم يحصل ~~مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها، استجابت لدعوة الرسل، ولا بد بما فيها من ~~المقتضي لذلك، كمن دعا جائعا أو ظمآن إلى شراب وطعام لذيذ نافع، لا تبعة ~~فيه عليه، ولا يكلفه ثمنه، فإنه ما لم يحصل هناك مانع، فإنه PageV01P751 ~~يجيبه ولا بد. # الوجه الخامس: أنا نعلم بالضرورة أن الطفل حين ولادته ليس له معرفة بهذا ~~الأمر، ولا عنده إرادة له، ويعلم أنه كلما حصل فيه قوة العلم والإرادة، حصل ~~له من معرفته بربه ومحبته ما يناسب قوة فطرته وضعفها، وهذا كما يشاهد في ~~الأطفال من محبة جلب المنافع ودفع المضار بحسب كمال التمييز وضعفه، فكلاهما ~~أمر حاصل مع النشأة على التدريج شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى حده الذي ليس في ~~الفطرة استعداد لأكثر منه، لكن قد يتفق لكثير من الفطر موانع متنوعة، تحول ~~بينها وبين مقتضاها وموجبها. # الوجه السادس: أنه من المعلوم أن النفوس إذا حصل لها معلم وداع، حصل لها ~~من العلم والإرادة بحسبه. ومن المعلوم أن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة ~~الخير، ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية، فلولا أن في النفس قوة تقبل ~~ذلك، لم يحصل لها القبول، فإن لحصوله في المحل شروطا مقبولة له، وذلك ~~القبول هو كونه مهيأ له مستعدا لحصوله فيه، وقد بينا أنه يمتنع أن يكون ~~سببه ذلك وضده إلى النفس سواء. # الوجه السابع: أنه من المعلوم مشاركة الإنسان لنوع ms548 الحيوان في الإحساس ~~والحركة الإرادية وحبس الشعور، وأن الحيوان البهيم قد يكون أقوى إحساسا ~~وحياة وشعورا من الإنسان، وليس بقابل لما الإنسان قابل له من معرفة الحق ~~وإرادته دون غيره، فلولا قوة في الفطرة والنفس الناطقة اختص بها الإنسان ~~دون الحيوان، يقبل بها أن يعرف الحق، ويريد الخير، لكان هو والحيوان في هذا ~~العدم سواء، وحينئذ يلزم أحد الأمرين، كلاهما ممتنع، إما كون الإنسان فاقدا ~~لهذه المعرفة والإرادة كغيره من الحيوانات، أو تكون حاصلة لها كحصولها ~~للإنسان، فلولا أن في الفطرة والنفس الناطقة قوة تقتضي ذلك، لما حصل لها، ~~ولو كان بغير قوة ومقتضى منها، لا يمكن PageV01P752 ~~حصوله للجمادات والحيوانات، لكن فاطرها وبارئها خصها بهذه القوة القابلية، ~~وفطرها عليها. # يوضحه الوجه الثامن: أنه لو كان السبب مجرد التعليم من غير قوة قابلة، ~~لحصل ذلك في الجمادات والحيوانات، لأن السبب واحد، ولا قوة هناك يهيئ بها ~~هذا المحل من غيره، فعلم أن حصول ذلك في محل دون محل هو لاختلاف القوابل ~~والاستعدادات. # الوجه التاسع: أن حصول هذه المعرفة والإرادة في العدم المحض محال، فلا بد ~~من وجود المحل، وحصوله في موجود غير قابل محال، بل لا بد من قبول المحل ~~وحصوله من غير المدد من الفاعل إلى القابل، فلو قطع الفاعل إمداده لذلك ~~المحل القابل، لم يوجد ذلك المقبول، فلا بد من الإيجاد والإعداد والإمداد، ~~فإذا استحال وجود القبول من غير إيجاد المحل، استحال وجوده من غير إعداده ~~وإمداده. والخلاق العليم سبحانه هو الموجد المعد الممد. # الوجه العاشر: أنه من المعلوم أن النفس لا توجب بنفسها لنفسها حصول العلم ~~والإرادة، بل لا بد فيها من قوة يقبل بها ذلك، لا تكون هي المعطية لتلك ~~القوة، وتلك القوة لا تتوقف على أخرى، وإلا لزم التسلسل الممتنع والدور ~~الممتنع، فكلاهما ممتنع فها هنا ثلاثة أمور. # أحدها: وجود قوة قابلة. الثاني: أن تلك القوة ليست هي المعطية لها. # الثالث: أن تلك القوة لا تتوقف على قوة أخرى. فحينئذ لزم أن يكون فاطرها ~~وبارئها قد ms549 فطرها على تلك القوة، وأعدها بها لقبول ما خلقت له، وقد علم ~~بالضرورة أن نسبة ذلك إليها وضده ليسا على السواء. # الوجه الحادي عشر: أنا لو فرضنا توقف هذه المعرفة والمحبة على سبب PageV01P753 ~~خارج، أليس عند حصول ذلك السبب يوجد في الفطرة ترجيح ذلك ومحبته على ضده، ~~فهذا الترجيح والمحبة والأمر مركوز في الفطرة. # الوجه الثاني عشر: أنا لو فرضنا أنه لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح ~~الخارج، لكانت الفطرة مقتضية لإرادة المصلح وإيثاره على ما سواه، وإذا كان ~~المقتضي موجودا والمانع مفقودا، وجب حصول الأثر، فإنه لا يتخلف إلا لعدم ~~مقتضيه، أو لوجود مانعه، فإذا كان المانع زائلا، حصل الأثر بالمقتضي السالم ~~عن المعارض المقاوم. # الوجه الثالث عشر: أن السبب الذي في الفطرة لمعرفة الله ومحبته والإخلاص ~~له إما أن يكون مستلزما لذلك، وإما أن يكون مقتضيا بدون استلزام، أو يستحيل ~~أن لا يكون له أثر البتة، وعلى التقديرين يترتب أثره عليه، إما وحده على ~~التقدير الأول، وإما بانضمام أمر آخر إليه على التقدير الثاني. # الوجه الرابع عشر: أن النفس الناطقة لا تخلو عن الشعور والإرادة، بل هذا ~~الخلف ممتنع فيها، فإن الشعور والإرادة من لوازم حقيقتها، فلا يتصور إلا أن ~~تكون شاعرة مريدة، ولا يجوز أن يقال: إنها قد تخلو في حق خالقها وفاطرها عن ~~الشعور بوجوده، وعن محبته وإرادته، فلا يكون إقرارها به ومحبته من لوازم ~~ذاتها، هذا باطل قطعا، فإن النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها، وكونها ~~مريدة، هو من لوازم ذاتها، فإنها حية، وكل حي شاعر متحرك بالإرادة، وإذا ~~كان كذلك، فلا بد لكل مريد من مراد، والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه، أو ~~لغيره، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه قطعا للتسلسل في العلل ~~الغائية، فإنه محال كالتسلسل في العلل الفاعلة، وإذا كان لا بد للإنسان من ~~مراد لنفسه، فهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي تألهه النفوس، وتحبه القلوب ~~وتعرفه الفطر وتقر به العقول، PageV01P754 ~~وتشهد بأنه ربها ومليكها وفاطرها، ms550 فلا بد لكل أحد من إله يألهه، وصمد يصمد ~~إليه، والعباد مفطورون على محبة الإله الحق، ومعلوم بالضرورة أنهم ليسوا ~~مفطورين على تأله غيره، فإذا إنما فطروا على تألهه وعبادته وحده، فلو خلوا ~~وفطرهم لما عبدوا غيره، ولا تألهوا سواه. # يوضحه الوجه الخامس عشر: أنه يستحيل أن تكون الفطرة خالية عن التأله ~~والمحبة، ويستحيل أن يكون فيها تأله غير الله لوجوه، منها: أن ذلك خلاف ~~الواقع. ومنها: أن ذلك المخلوق ليس أولى أن يكون إلها لكل الخلق من المخلوق ~~الآخر. ومنها: أن المشركين لم يتفقوا على إله واحد، بل كل طائفة تعبد ما ~~تستحسنه. ومنها: أن ذلك المخلوق إن كان ميتا، فالحي أكمل منه، فيمتنع أن ~~يكون الناس مفطورين على عبادة الميت، وإن كان حيا، فهو أيضا مريد، فله إله ~~تألهه، وحينئذ فلزم الدور الممتنع أو التسلسل الممتنع، فلا بد للخلق كلهم ~~من إله يألهونه، ولا يأله هو غيره، وهذا برهان قطعي ضروري، فإن قلت: هذا ~~يستلزم أنه لا بد لكل حي مخلوق من إله، ولكن لم لا يجوز أن يكون مطلوب ~~النفس هو مطلق التأله والمألوه، لا إلها معينا كما تقوله طوائف الاتحادية؟ ~~قلت هذا يتبين: # بالوجه السادس عشر: وهو أن المراد إما أن يراد لنوعه أو لعينه، فالأول ~~كإرادة العطشان والجائع والعاري لنوع الشراب والطعام واللباس، فإنه إنما ~~يريد النوع، وحيث أراد المعين فهو القدر المشترك بين أفراده، وذلك القدر ~~المشترك كلي، لا وجود له في الخارج، فيستحيل أن يراد لذاته، إذ المراد ~~لذاته لا يكون إلا معينا، ويستحيل أن يوجد في اثنين، فإن إرادة كل واحد ~~منهما لذاته تنافي إرادته لذاته، إذ المعنى بإرادته لذاته أنه وحده هو ~~المراد لذاته الخاصة، وهذا يمنع أن يراد معه ثان لذاته، وإذا عرف ذلك، فلو ~~كان القدر المشترك بين أفراد النوع أو بين الاثنين هو المراد لذاته، لزم أن يكون PageV01P755 ~~ما يختص به أحدهما ليس مرادا لذاته، وكذلك ما يختص به الآخر. # والموجود في الخارج إنما هو الذات المختصة، لا ms551 الكلي المشترك «1»، تعلق ~~الثالثة بالقدر المشترك لم يكن للخلف في الخارج إله، ولكان إلههم أمرا ~~ذهنيا، وجوده في الأذهان لا في الأعيان، وهذا هو الذي يألهه طوائف أهل ~~الوحدة والجهمية الذين أنكروا أن يكون الله تعالى لا خارج العالم ولا ~~داخله، فإن هذا إنما هو إله مفروض، يفرضه الذهن كما يفرض سائر الممتنعات ~~الخارجة، وتظنه واجب الوجود، وليس هو ممكن الوجود فضلا عن وجوبه، وبهذا ~~يتبين أن الجهمية وإخوانهم من القائلين بوحدة الوجود ليس لهم إله معين في ~~الخارج، يألهونه ويعبدونه، بل هؤلاء ألهوا الوجود المطلق الكلي، وأولئك ~~ألهوا المعدوم الممتنع وجوده، وأتباع الأنبياء إلههم الله الذي لا إله إلا ~~هو، الذي خلق الأرض والسموات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ما في ~~السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم ~~السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، هو الذي فطر القلوب على ~~محبته والإقرار به وإجلاله وتعظيمه وإثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن صفات ~~النقائص والعيوب، وعلى أنه فوق سماواته بائن من خلقه، تصعد إليه أعمالهم ~~على تعاقب الأوقات، وترفع إليه أيديهم عند الرغبات، يخافونه من فوقهم، ~~ويرجون رحمته، تنزل إليهم من عنده، فهممهم صاعدة إلى عرشه، تطلب فوقه إلها ~~عليا عظيما، قد استوى على عرشه، واستولى على خلقه يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض، ثم يعرض إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، ذلك عالم الغيب ~~والشهادة العزيز الرحيم. PageV01P756 # والمقصود أنه إذا لم يكن في الحسيات الخارجة عن الأذهان ما هو مراد لذاته، ~~لم يكن فيها ما يستحق أن يألهه أحد فضلا أن يكون فيها ما يجب أن يألهه كل ~~أحد، فتبين أنه لا بد من إله معين هو المحبوب المراد لذاته، ومن الممتنع أن ~~يكون هذا غير فاطر السموات والأرض، وتبين أنه لو كان في السموات والأرض إله ~~غيره لفسدتا، وأن كل مولود يولد على محبته ومعرفته وإجلاله وتعظيمه، وهذا ~~دليل مستقل كاف فيما نحن فيه، ms552 وبالله التوفيق. # تم الكتاب، والحمد لله. PageV01P757 ### | AUTO فهرس أطراف الأحاديث والآثار # الحديث رقم الصفحة ابن آدم ما أنصفتني خيري إليك نازل 592 # أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي 306 # أتدرون ما هذان الكتابان 24 # أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني 37 # أجعلتني لله عدلا، بل ما شاء الله وحده 125 # احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى 37، 38 # احتج آدم وموسى فقال موسى: أنت أبونا خيبتنا 37، 38 # احرص على ما ينفعك واستعن بالله 49، 128 # احفظ الله يحفظك 18 # اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين 29، 30 # أخذت الفطرة، ولو أخذت الخمر لغوت أمتك 717 # آخر أهل الجنة دخولا إليها 129 # إذا أراد الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام 53 # إذا أرسلت كلبك المعلم 171 # إذا استأثر الله بشي ء فاله عنه 347 # إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه 574 # إذا دخلت النطفة في الرحم أربعين أتى ملك النفس 53 # إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح 284 PageV01P759 ~~إذا سألت فسل الله، وإذا استعنت 18 # إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين خصماء الله 79 # إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا 52 # اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم 128، 602 # إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة 292 # ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركم 190 # أسألك بأني أشهد أنك أنت الله 685 # أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق 670 # أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك 677 # اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء 123 # أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين 268 # أضل الله من كان قبلنا، فاليوم لنا وغدا لليهود 474 # اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات 127 # اعملوا فكل ميسر 67، 68 # أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك 307، 670 # أعوذ بعزتك أن تضلني 670، 671 # أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر 699 # أعوذ بك من شر ms553 نفسي وشر الشيطان وشركه 417 # أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل 67، 68 # اقبلوا البشرى يا أهل اليمن 117 # اقبلوا البشرى يا بني تميم 117 # اكتب مقادير كل شي ء حتى تقوم الساعة 17 # ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب 709 PageV01P760 ~~ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة 297 # ألا إن شر الروايا روايا الكذب 56 # ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب 707، 735 # ألا تصليان 123 # ألا مشمر للجنة 131 # الله أعلا وأجل 640 # الله أعلم بما كانوا عاملين 85 # اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك 155 # اللهم اجعلني لك شكارا، لك ذكارا 155 # اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا 310 # اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك 296 # اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي 313 # اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله 312 # اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني 313 # اللهم اغفر لي ووسع علي في داري 312 # اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك 190 # اللهم أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي 311 # اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح 309 # اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي 93 # اللهم إني أسألك بأن لك الحمد 685 # اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق 685 # اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك 93، 292 # اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك 671 PageV01P761 ~~اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت 312 # اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت 317 # اللهم اهدني فيمن هديت وعافني 294 # اللهم باعد بيني وبين خطاياي 311 # اللهم ربنا لك الحمد مل ء السموات ومل ء الأرض 312 # اللهم طهرني من الذنوب والخطايا 312 # اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة 417 # اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت 297 # اللهم لك الحمد فاغفر لي ما قدمت وما أخرت 313 # اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك 622 # اللهم مصرف ms554 القلوب صرف قلوبنا على طاعتك 266 # اللهم نقني من خطاياي بالماء والثلج والبرد 311 # اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا 126 # ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي 158 # أما الركوع فعظموا فيه الرب 571 # أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة 190، 209 # أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني 308 # إنا قافلون غدا إن شاء الله 130 # إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون 51، 724، 725 # إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما 51 # إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى 646 # إن تحت كل شعرة جنابة 575 # أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء (للجنة) 127 PageV01P762 ~~أنت عذابي أعذب بك من أشاء (للنار) 127 # أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من الجنة 38 # إن الحمد لله نستعينه ونستغفره 225 # إن الحمى تنفي الذنوب كما الكير خبث الحديد 629 # إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار 64 # إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله 650 # أن رجلا بينا هو يسوق بقرة إذ ركبها 201 # إن رحمتي غلبت غضبي 118 # إن سليمان بن داود سأل الله ثلاثا فأعطاه اثنتين 21 # إن الشقي من شقي في بطن أمه 56 # إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم 124 # إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه 252 # إن العبد ليصدق فيكتب عند الله صديقا 56 # إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا 57، 706 # إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة 339 # إن قتل المؤمن كفر، وإن سبابه فسوق 56 # إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين 266 # إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم 130 # إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه 27 # إن الله خلق آدم من تراب ثم جعله طينا 29 # إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض 588، 654 # إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين (حديث عياض) 709 # إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره 20، 21، 280 PageV01P763 ~~إن الله ms555 خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم 57 # إن الله سبحانه حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا 54 # إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء 124 # إن الله قبض قبضة بيمينه وأخرى بيده الأخرى 29 # إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا 117 # إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم 28 # إن الله لو شاء أيقظنا 124 # إن الله لو شاء لم تناموا عنها (صلاة الصبح) 124 # إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم 159، 299، 314 # إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم 315 # إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة 53 # إن الله يصنع كل صانع وصنعته 291، 348 # إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة 454 # إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها 684 # إن أول شي ء خلقه الله من خلقه القلم 18 # إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب 17 # إن أول ما خلق الله تعالى القلم ثم قال: اكتب 18 # إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم 126 # إنما الربا في النسيئة 246 # إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب 246 # إنما الماء من الماء 246 # إن مما خلق الله لوحا محفوظا من درة بيضاء 63 # إنما هما اثنتان، فأحسن الهدي هدي محمد 56 PageV01P764 ~~إن ملكا موكلا بالرحم 52 # إن المؤمن إذا مرض خرج مثل البردة في صفائها 629 # إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة 52 # إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين 266 # إنه ليسير على من يسره الله عليه 297 # إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر 310 # إنه وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال 650 # إني أحببت أن أشكر 30 # إني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر 201 # إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم 443، 645، 736، 748 # إني لأطمع أن يكون حوضي 129 # أهلك بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار 678 # أوثق عرى الإيمان الحب في ms556 الله والبغض في الله 435 # أوليس خياركم أولاد المشركين 714 # بعث داعيا ومبلغا وليس إلي من الهداية شي ء 215 # بل شي ء قضي عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله 24، 67، 152 # تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزلوا 127 # تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى 37 # تفسير قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم 25 # ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان 435 # جف القلم بما هو كائن 20 # جف القلم على ذلك، فاختص على ذلك أو ذر 19 # جف القلم على علم الله 20، 21، 280 PageV01P765 ~~حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة 626 # الحدود كفارات لأهلها 628 # حديث الأبرص والأقرع والأعمى 99، 101 # حديث الاستخارة 93، 292، 476 # حديث سيد الاستغفار 306 # حديث الشفاعة 128 # حديث صاحب الرمانة الذي عبد الله خمس مائة سنة 302 # خرج سليمان بن داود يستسقي فرأى نملة مستلقية 190 # خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون فإذا هم بنملة 190 # خلقت عبادي حنفاء كلهم 706 # خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون 27 # خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون 27 # خمس من الفطرة 710 # دعاء الاستخارة 93، 292، 476 # دعوة أخي ذي النون ما دعاها مكروب 678 # دياركم تكتب آثاركم 347 # رب اجعلني لك شكارا، لك ذكارا 155، 296 # رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي 296، 316 # رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم 310 # رب تقبل توبتي واغسل حوبتي 296، 316 # رجم القردة للزناة 201 # رفعت الأقلام وجفت الصحف 18 # سبب نزول: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى 73 PageV01P766 ~~سبب نزول إن المجرمين في ضلال وسعر 79 # سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء 322 # سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي 312 # سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة 25 # السعيد من سعد في بطن أمه 55 # سلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم 127 # سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد 312 # شتمني ابن آدم 591، 592 # الشر ms557 ليس إليك 181 # الشقي من شقي في بطن أمه 55 # شيطان يتبع شيطانة 197 # ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب 84 # طوبى له عصفور من عصافير الجنة 57 # عبدي مرضت فلم تعدني قال: كيف أعودك 629 # عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر 414 # فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا (حديث الشفاعة) 128 # فإن لو تفتح عمل الشيطان 49، 128 # فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة 28 # فحج آدم موسى 37، 38 # فرغ ربكم عز وجل من العباد 25 # فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله، ورزقه 54 # فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق 117 # فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك 123 # قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان 49، 128 PageV01P767 ~~القلوب آنية الله في أرضه 281 # قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن 125 # قولوا: ما شاء الله وحده لا شريك له 124 # كان الله ولم يكن شي ء غيره وكان عرشه على الماء 109، 117 # كان لصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أزيز كأزيز المرجل 170 # كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا 117 # كتب الرزق والأجل والشقاء والسعادة 17، 117، 719 # كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض 17 # كل شي ء خلق بقدر حتى العجز والكيس 292 # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه 703، 715، 728، 735، 739 # كل ميسر لما خلق له 24، 68 # كل يعمل لما خلق له، أو لما يسر له 24، 68 # كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء 740 # كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تبايعوني على أن لا تشركوا 127 # كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة 310 # لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره 670 # لأطوفن الليلة على سبعين امرأة 130 # لأغزون قريشا إن شاء الله 131 # لبيك وسعديك والخير في يديك 457، 458، 668 # لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا 344 # لعن الله من فعل هذا (وسم الحمار في وجهه) 393 # لعن رسول الله صلى ms558 الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة 112 # لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب 309 PageV01P768 ~~لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن 308 # لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده 308 # لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته 308 # لكل نبي دعوة 129 # لما أراد الله أن يخلق آدم 29 # لما خلق الله آدم مسح ظهره 26، 30 # لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده 118 # لما ينادي المنادي: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد 641 # لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله 158 # لن ينجو أحد منكم بعمله 303 # لو تفتح عمل الشيطان 49، 128 # لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا 130 # لو لا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها 208 # لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم 307، 559، 593 # ليأتين على جهنم يوم كأنها ورق هاج واحمر 637 # ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد 246 # ليس الغنى عن كثرة العرض 246 # ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان 246 # ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولا حزن 677 # ما أنعم الله على عبد من نعمة من أهل وولد 128 # ما بال أقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان أو ليس خيار أولادكم # المشركين وإنه ليس من مولود إلا يولد على الفطرة 714 # ماض في حكمك، عدل في قضاؤك 233، 677 PageV01P769 ~~ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن 125 # ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة 23، 67، 84 # ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه 85، 644، 703، 708 # ما من مولود إلا يولد على هذه الملة 703، 708 # ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار 23، 67 # ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب 628 # مثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة 126 # مثل المؤمنين واليهود والنصارى قال تعالى لأهل الكتاب 535 # من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان 436 # من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه 383 # من بلي بشي ء ms559 من هذه القاذورات فستره الله 628 # من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه 574 # من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء مضى 130 # من خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله بعمل أهلها 152 # منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة 130 # من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى 94 # من شرب الخمر لم تقبل توبته أربعين صباحا 20 # من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا 21 # من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة 23 # من مات على غير هذا فليس مني 17 # المؤمن القوي خير وأحب إلى الله 49، 128 # نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة 190 # نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله 266 PageV01P770 ~~نهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصرد 189 # هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة 24 # هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله 130 # هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي 29 # هلا سويت بين عبادك قال: إني أحببت أن أشكر 557 # هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار 28 # هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه 226 # واستحللتم فروجهن بكلمة الله 699 # والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه 309 # وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين 727 # وإنا إن شاء الله بكم لاحقون 129 # وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله مائة مرة 251 # واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت 311 # وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله 130 # ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له 628 # ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا 416 # يا أبا بكر ألست تنصب، ألست تحزن 628 # يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق 19 # يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب 311 # يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه 310 # يأتي على جهنم يوم ما فيها من بني آدم أحد 641 # يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم 111 # يا بني ms560 سلمة دياركم تكتب آثاركم 111 PageV01P771 ~~يا حي يا قيوم يا بديع السموات أصلح لي شأني 268، 671 # يا رب أشقي أم سعيد؟ 52 # يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا 57، 728 # يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم 423 # يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته 128 # يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك 125 # يا معاذ، والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول 296 # يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك 126، 266 # يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر 323 # يدخل الملك على النطفة بعد أن تستقر في الرحم 51 # يقول الله يوم القيامة: عبدي مرضت فلم تعدني 629 # يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار 668 # يؤتى بالهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود 85 # لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله 591 # لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك 476 # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 678 # لا إله إلا أنت ظلمت نفسي وعملت سوء فاغفر لي 311 # لا إله إلا الله العظيم الحليم 678 # لا بأس طهور إن شاء الله 130 # لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم 629 # لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان 125 # لا حول ولا قوة إلا بالله (كنز من كنوز الجنة) 297 # لا طلاق في الإغلاق 363 PageV01P772 ~~لا طلاق ولا عتاق في إغلاق 363 # لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك 674 # لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث 56 # لا يدخلها الطاعون ولا الدجال (المدينة) 129 # لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة 129 # لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله 629 # لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له 96 # لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر 126 # لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت 128 PageV01P773 ### | AUTO فهرس الموضوعات # الموضوع رقم الصفحة مقدمة 7 # الباب الأول: في تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض 17 ms561 # الباب الثاني: في تقدير الرب شقاوة العباد وسعادتهم 23 # الباب الثالث: في ذكر احتجاج آدم وموسى 37 # الباب الرابع: في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه 51 # الباب الخامس: في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر 61 # الباب السادس: في تقدير الخامس اليومي 63 # الباب السابع: في أن سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقتضي ترك ~~الأعمال 67 # الباب الثامن: في قوله تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى 73 # الباب التاسع: في قوله تعالى: إنا كل شي ء خلقناه بقدر 79 # الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر 83 # الباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة 109 # الباب الثاني عشر: مرتبة المشيئة 119 # الباب الثالث عشر: مرتبة خلق الله الأعمال وتكوينه وإيجاده لها 137 # الباب الرابع عشر: في الهدى والضلال ومراتبهما 179 # الباب الخامس عشر: في الطبع والختم والقفل والغل والحسد والغشاوة 229 PageV01P774 ~~الباب السادس عشر: فيما جاء في السنة من تفرد الرب سبحانه بخلق أعمال ~~العباد 291 # الباب السابع عشر: في الكسب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا 319 # الباب الثامن عشر: في فعل وأفعل في القضاء والقدر والكسب وذكر الفعل ~~والانفعال 353 # الباب التاسع عشر: مناظرة بين جبري وسني 365 # الباب العشرون: مناظرة بين قدري وسني 395 # الباب الحادي والعشرون: في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر 457 # ما من كتاب أعظم إثباتا للأسباب كالقرآن 481 # الباب الثاني والعشرون: في استيفاء شبه النافين للحكمة والتعليل 523 # الباب الثالث والعشرون: 530 # الباب الرابع والعشرون: في قول السلف: من أصول الإيمان الإيمان بالقدر ~~خيره وشره 663 # الباب الخامس والعشرون: في امتناع القول نفيا وإثباتا أن الرب تعالى مريد ~~للشر وفاعل له 665 # الباب السادس والعشرون: فيما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني ~~أعوذ برضاك من سخطك 671 # الباب السابع والعشرون: في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد 677 # الباب الثامن والعشرون: في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك 687 PageV01P775 ~~الباب التاسع والعشرون: في انقسام القضاء والقدر والحكم ms562 والإرادة والكتابة ~~والأمر 693 # فصل: الكلمات الكونية والكلمات الدينية 699 # فصل: البعث الكوني والبعث الديني 700 # فصل: الإرسال الكوني والإرسال الديني 700 # فصل: التحريم الكوني والتحريم الديني 701 # فصل: الإيتاء الكوني والإيتاء الديني 701 # الباب الموفي ثلاثين: في ذكر الفطرة الأولى ومعناها 703 # فهرس أطراف الأحاديث والآثار 759 # فهرس المحتويات 775 PageV01P776 ~~ # ### |EDITOR| # ENDNOTES # (1) المتهوكين: المتحيرين. PageV01P008 # (1) الرجيع: الروث (فضلات الدواب). PageV01P012 # (1) مسلم (2653). # (2) أبو داود (4700) وهو صحيح من حديث عبادة بن الصامت. # (3) أحمد 5/ 317 وهو صحيح. PageV01P017 # (1) ضعيف لانقطاعه، فسليمان بن مهران وهو الأعمش لم يدرك عبادة. # (2) الترمذي (2516) وهو كما قال. PageV01P018 # (1) العنت: الزنا. # (2) البخاري (5076). PageV01P019 # (1) أحمد (2/ 197) وهو صحيح من حديث عبد الله بن عمرو. # (2) أحمد 2/ 176 والدارمي (2097)، وابن ماجة (3377)، والنسائي 8/ 314 و317. PageV01P020 # (1) يزن: يتهم. # (2) هما تتمة للحديث الآنف. وأخرجه أحمد 2/ 176 و197، والترمذي (2642)، ~~وابن حبان (6169) و(6170)، والحاكم 1/ 30. PageV01P021 # (1) هو أيضا تتمة للحديث الآنف. # (2) الحاكم 1/ 30. PageV01P022 # (1) البخاري (1632)، ومسلم (2647). PageV01P023 # (1) مسلم (2650) عن عمران بن حصين. # (2) تحرف في المطبوع إلى: «شغي». PageV01P024 # (1) صحيح. رواه الترمذي (2141) عن عبد الله بن عمرو بن العاص. # (2) سقطت من المطبوع. # (3) تحرفت في المطبوع إلى: «شغى». # (4) النسائي في الكبرى (تحفة الأشراف) (8825). # (5) أحمد 2/ 167. # (6) الحاكم 2/ 323 - 324 وهو ضعيف من حديث أبي، ففيه أبو جعفر الرازي وهو ~~سيئ الحفظ، والربيع بن أنس له أوهام. PageV01P025 # (1) الترمذي 3076 و3078 وهو صحيح. # (2) تحرفت في المطبوع إلى «يزيد». # (3) الوبيص: اللمع والبرق، ووبصت الأرض: كثر نبتها. PageV01P026 # (1) الموطأ 2/ 898. # (2) هو ابن عبد البر. PageV01P027 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «عبد الرحمن بن أبي قتادة عن أبيه عن هشام». PageV01P028 # (1) صحيح. رواه إسحاق بن راهويه، وأحمد (4/ 186) عن عبد الرحمن بن قتادة ~~السلمي. # (2) تصحفت في المطبوع إلى «الحريري». # (3) تصحفت في المطبوع إلى «أبي نصرة». # (4) صحيح. ورواه أحمد (5/ 68) عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # (5) تحرفت في المطبوع إلى: «بن». # (6) ضعيف. رواه إسحاق بن راهويه، وفيه إسماعيل بن رافع: ضعيف. PageV01P029 # (1) ضعيف. فيه أبو معشر وهو نجيح السندي المدني. # (2) صحيح. # (3) سبق تخريجه. # (4) تصحفت في المطبوع إلى: «نديمة». PageV01P030 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «بن». PageV01P031 # (1) النغف: نوع من الدود. PageV01P033 # (1) رواه البخاري (3409). ومسلم (2652) عن أبي هريرة. ms563 # (2) انظر في آخر حديث مسلم (2652) (13). # (3) رواه مسلم (2652) (14). PageV01P037 # (1) رواه مسلم (2652) (15). # (2) رواه البخاري (3409)، ومسلم (2652). PageV01P038 # (1) الاصطلام: استئصال. PageV01P043 # (1) مسلم (2664). PageV01P049 # (1) البخاري (3208)، ومسلم (2643). PageV01P051 # (1) مسلم (2644). # (2) رواه مسلم (2645). عن عبد الله بن مسعود، والحديث عن حذيفة بن أسيد. PageV01P052 # (1) مسلم (2645) (4) عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد. # (2) البخاري (318)، ومسلم (2646). # (3) حديث صحيح. رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (182) وابن وهب عن عبد الله ~~بن عمر. # (4) صحيح. رواه ابن وهب- كما ذكر المؤلف- عن أبي ذر الغفاري وفيه ابن لهيعة: # ضعيف، إلا أن رواية ابن وهب عنه صحيحة. PageV01P053 # (1) فاختلجها: انتزعها. # (2) حديث حسن. ورواه البزار (2151) عن عائشة. # (3) أحمد 5/ 197، وهو صحيح من حديث أبي الدرداء. PageV01P054 # (1) إسناده صحيح ولا يصح مرفوعا رواه ابن أبي خثيمة، وأبو داود في «القدر» ~~عن أبي هريرة، وهذا الكلام معروف من كلام ابن مسعود. # (2) ضعيف. في إسناده يحيى بن عبيد الله، وهو ابن موهب: ضعيف متروك. ~~والمحفوظ أن هذا من كلام ابن مسعود. PageV01P055 # (1) صحيح. رواه الطبراني (8522) عن ابن مسعود من رواية ابنه أبي عبيدة عنه ~~ولم يسمع منه لكن تابعه أبو الأحوص (8518) كما رواه عبد الرزاق (20076) عن ~~ابن مسعود موقوفا وأكثر ألفاظه متفرقة في أحاديث صحيحة أخرى. # والحديث: (إن العبد ليصدق .. ) رواه البخاري (6094)، ومسلم (2607) عن ابن ~~مسعود مرفوعا. PageV01P056 # (1) رواه مسلم (2661) عن أبي بن كعب وأصله في البخاري (4727) عن ابن عباس ~~عن أبي. # (2) مسلم (2662). # (3) البخاري (1386). PageV01P057 # (1) ضعيف. رواه الحاكم (2/ 474) عن ابن عباس من تفسيره، وفيه أبو حمزة ~~الثمالي وهو ثابت بن أبي صفية: ضعيف رافضي. PageV01P063 # (1) البخاري (1632)، ومسلم (2647). PageV01P067 # (1) البخاري (1362). # (2) مسلم (2648). # (3) البخاري (6596)، ومسلم (2649). # (4) البخاري (6596). PageV01P068 # (1) أحمد (4/ 438)، وهو في مسلم (2650). # (2) صحيح. رواه الترمذي (3111) عن عمر بن الخطاب. ولم نره في أمالي ~~المحاملي، والله أعلم. PageV01P069 # (1) صحيح. رواه الحاكم (2/ 384 - 385). PageV01P073 # (1) أي: ناقة كبيرة. # (2) أي حتى يذبل وينتهي. PageV01P076 # (1) رواه مسلم (2656) عن أبي هريرة. # (2) ضعيف. رواه الطبراني في «الأوسط» (7/ 206 مجمع)، وابن أبي عاصم في ~~«السنة» (336)، وابن الجوزي في «العلل» (219) من طريق الدار قطني وفيه حبيب ~~بن عمر: مجهول. PageV01P079 # (1) أحمد (4/ 13) وهو ضعيف من حديث لقيط بن عامر، ففيه من لا يعتد بتوثيقه. # (2) رواه البخاري (1362)، ومسلم (2647) عن علي. وقد مر قريبا. PageV01P084 # (1) ضعيف. رواه ms564 البزاز (2176) عن أبي سعيد الخدري، وفيه فضيل بن مرزوق ~~وعطية العوفي: ضعيفان. # (2) البخاري (1384)، ومسلم (2658) (23). PageV01P085 # (1) رواه البخاري (1162) عن جابر بن عبد الله. PageV01P093 # (1) أحمد 1/ 168، والترمذي (2151). PageV01P094 # (1) الوجه أن تكون (أولو) وتسبق بالضمير (هم). PageV01P095 # (1) رواه مسلم (2999) عن صهيب. PageV01P097 # (1) رواه البخاري (3464)، ومسلم (2964) عن أبي هريرة. PageV01P099 # (1) انظر العزو الآنف إلى الصحيحين. PageV01P101 # (1) رواه البخاري (3190) و(3191) عن عمران بن حصين. PageV01P110 # (1) رواه البخاري (655) و(656) و(1887) عن أنس، ولفظه: «يا بني سلمة ألا ~~تحتسبون آثاركم». ولم أره عن أبي سعيد، ثم إن اللفظ الذي ساقه المؤلف مما ~~رواه مسلم، وانظر ما بعده. # (2) رواه مسلم (665) عن جابر بن عبد الله. PageV01P111 # (1) رواه البخاري (5934)، ومسلم (2123) عن عائشة. وفي الباب عن أسماء وأبي ~~هريرة وابن عمر. PageV01P112 # (1) رواه البخاري (6612)، ومسلم (2657) عن ابن عباس، عن أبي هريرة. # (2) رواه مسلم (2657) (21) عن أبي هريرة. # (3) البخاري (7418). PageV01P117 # (1) البخاري (7422)، ومسلم (2751). PageV01P118 # (1) سبق تخريجه. # (2) البخاري (1432). # (3) ورواه مسلم (2627) عن أبي موسى الأشعري أيضا. # (4) البخاري (1127). PageV01P123 # (1) رواه البخاري (595) عن أبي قتادة. # (2) صحيح. رواه أحمد (1/ 386، 393، 464). # (3) انظر العزو الآنف. # (4) أحمد 5/ 72 وهو صحيح من حديث طفيل بن سخبرة. PageV01P124 # (1) صحيح رواه أحمد (1/ 214، 283، 347) عن ابن عباس. # (2) صحيح. رواه أحمد (5/ 384، 394) عن حذيفة. # (3) مسلم (2654). PageV01P125 # (1) صحيح. رواه أحمد (4/ 182) عن النواس بن سمعان الكلابي. # (2) صحيح. رواه الترمذي (3522) عن أم سلمة. # (3) صحيح. رواه الترمذي (3045)، وابن ماجة (197) عن أبي هريرة. وأصله في ~~الصحيحين. # (4) البخاري (557) وأخرجه أحمد 2/ 121 و129، وليس في مسلم. # (5) رواه البخاري (5644) عن أبي هريرة. وبنحو لفظه في مسلم (2809) عنه. # (6) رواه البخاري (6182)، ومسلم (2246) عن أبي هريرة، أما الإسناد الذي ~~ساقه المؤلف فهو إسناد أحمد (2/ 318). PageV01P126 # (1) هذا اللفظ رواه مسلم (2246) (5) عن أبي هريرة. # (2) ضعيف. رواه ابن أبي الدنيا في «الفرج بعد الشدة» (27)، والبيهقي في ~~«الشعب» (1121)، والطبراني (720)، وأبو نعيم (3/ 162)، والقضاعي (701) عن ~~أنس، وفيه عيسى بن موسى بن إياس بن البكير: ضعفه أبو حاتم. ورواية ابن أبي ~~الدنيا عن أبي هريرة. # (3) البخاري (18)، ومسلم (1709). PageV01P127 # (1) البخاري (4850)، ومسلم (2846) عن أبي هريرة. # (2) البخاري (6339)، ومسلم (2679). # (3) مسلم (2664). # (4) رواه مسلم (2577) عن أبي ذر. # (5) ضعيف. رواه البيهقي في «الشعب» (4525). PageV01P128 # (1) رواه البخاري (4476)، ومسلم (193) عن أنس. # (2) رواه البخاري (806)، ومسلم (182) عن أبي هريرة. # (3) البخاري (6304)، ومسلم (198). # (4) رواه مسلم (2496) عن أم مبشر. ms565 # (5) قارن بحديث عقبة بن عامر الذي رواه البخاري (1344) وأطرافه، ومسلم ~~(2296). # (6) رواه البخاري (1880)، ومسلم (1379) عن أبي هريرة، والبخاري (7473) عن أنس. # (7) رواه مسلم (249) عن أبي هريرة. PageV01P129 # (1) رواه البخاري (7480)، ومسلم (1778) عن عبد الله بن عمر. # (2) رواه البخاري (1589) عن أبي هريرة. # (3) رواه مسلم (1779) عن أنس. # (4) رواه مسلم (681) عن أبي قتادة. # (5) رواه البخاري (5656) عن ابن عباس. # (6) رواه البخاري (2819)، ومسلم (1654) عن أبي هريرة. # (7) صحيح. رواه النسائي (7/ 25) عن ابن عمر. PageV01P130 # (1) صحيح. رواه أبو داود (3285) عن عكرمة، ووصله الطحاوي في «المشكل» (2/ ~~378)، والبيهقي في «السنن» (10/ 47)، والطبراني (11742) وغيرهم عن ابن عباس. # (2) ضعيف. رواه ابن ماجه (4332) عن أسامة بن زيد، وفيه الضحاك المعافري: مجهول. PageV01P131 # (1) عير: حمار. PageV01P133 # (1) النجار هو الحسين بن محمد الرازي رأس النجارية، كان ينكر الرؤية ويقول ~~بخلق القرآن. # (2) ضرار بن عمرو رأس الضرارية من المعتزلة، كان ينكر عذاب القبر. مات في ~~زمن الرشيد. PageV01P140 # (1) أبو إسحاق هو النظام إبراهيم بن سيار البصري المعتزلي: مات سنة بضع ~~وعشرين ومائتين. # (2) جهم بن صفوان أبو محرز الراسبي السمرقندي، رأس الجهمية منكري الصفات، ~~قتله سلم بن أحوز سنة 128. PageV01P141 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «أسمائه». PageV01P147 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «أن بعد». PageV01P150 # (1) أخرجه أحمد 4/ 438، ومسلم 8/ 48، وانظر المسند الجامع 14/ 278 (10920). PageV01P152 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «هذه». PageV01P154 # (1) صحيح. رواه أحمد (1/ 227)، والترمذي (3551)، وابن ماجة (3830)، وغيرهم ~~عن ابن عباس. PageV01P155 # (1) الأصل أن تكون (أمر وبيان) كونها خبرا لإن، لكنه ألحقها بما سبق من ~~قوله: تعليما وإرشادا ... ، أو أن كلمة ما سقطت، مثل جاءت، كانت. PageV01P157 # (1) رواه البخاري (4330)، ومسلم (1061) عن عبد الله بن زيد بن عاصم. PageV01P158 # (1) رواه البخاري (5673)، ومسلم (2816) عن أبي هريرة. # (2) أحمد (5/ 182، 185، 189) وعبد بن حميد (247)، وأبو داود (4699)، وابن ~~ماجة (77)، عن زيد بن ثابت. وانظر المسند الجامع 5/ 514 (3841). PageV01P159 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «المتعاديين». PageV01P160 # (1) صحيح. رواه أحمد (4/ 25، 26)، وأبو داود (904)، والنسائي (3/ 13) عن ~~عبد الله بن الشخير. PageV01P170 # (1) رواه البخاري (175)، ومسلم (1929) عن عدي بن حاتم. PageV01P171 # (1) القائل شعيب عليه السلام، ولعله أراد: وقوله في سورة هود. PageV01P173 # (1) رواه مسلم (771) عن علي بن أبي طالب. PageV01P181 # (1) ما ذكره ابن القيم- رحمه الله- عن النحل فيه الخطأ، وفيه الصواب، لذلك ~~يؤخذ التفصيل فيه من كتب الاختصاص، ms566 لمن أراد الوقوف على أسراره. والله أعلم. # (2) مأخوذ من الاقتصاد، وتعني: ما يوفر بعض الجهد، لقصرها. PageV01P183 # (1) غير موجودة في الأصل، وهي لازمة للإعراب والسياق. PageV01P184 # (1) الضغث: الحزمة من النبات. PageV01P186 # (1) معرة: إثم (المقصود: الأذى). # (2) تحرفت في المطبوع إلى: «عبد». # (3) تحرفت في المطبوع إلى: «عيينة». # (4) صحيح. رواه أحمد (1/ 332، 347)، وأبو داود (2567)، وابن ماجة (3224) عن ~~ابن عباس. PageV01P189 # (1) بل في الصحيحين فقد رواه البخاري (3019)، ومسلم (2241) من حديث أبي هريرة. # (2) ضعيف. رواه أحمد في «الزهد» (1/ 163) ط .. دار الفكر الجامعي- مصر عن ~~أبي الصديق الناجي مقطوعا، وفيه زيد العمي: ضعيف، ولم أره في زهد أحمد ~~المطبوع مرفوعا إلا أن يكون سقط من النسخة. # ورواه الطحاوي في «تهذيب المشكل» (1/ 373)، والخطيب (12/ 65) عن أبي هريرة ~~مرفوعا وفيه سلامة بن روح ومحمد بن عزيز الأيليان: فيهما ضعف. وله طريق ~~أخرى ضعيفة أيضا. # (3) بياض في الأصل. وانظر ما قبله. PageV01P190 # (1) أي: الزمخشري. PageV01P194 # (1) تصحفت في المطبوع إلى: «يزفها»، والحمام يزقها- بالقاف- كما يزق فراخه. PageV01P196 # (1) هناك تصحيف، ولم نجد لفظا بديلا دالا. PageV01P197 # (1) صحيح. رواه أحمد (2/ 345)، وأبو داود (4940)، وابن ماجه (3765) عن أبي هريرة. PageV01P198 # (1) مصطلما: مستأصلا (أصبح منتهيا، لشدة ضعفه). # (2) زبية: حفرة تحتفر لصيد الأسد أو الذئب، وتكون عادة في مكان مرتفع. ~~اللسان. # (3) أي: الثعلب. PageV01P200 # (1) رواه البخاري (3849) عن عمرو بن ميمون. # (2) رواه البخاري (3471) عن أبي هريرة. PageV01P201 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «الصتر». PageV01P202 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «السهر». # (2) أبو أيوب كنية الحمار. PageV01P204 # (1) الببر: الفرانق الذي يعادي الأسد. أو ضرب من السباع. أعجمي معرب. PageV01P205 # (1) صحيح رواه أبو داود (2845) وغيره عن عبد الله بن مغفل. PageV01P208 # (1) مر قريبا. # (2) يأخذ الشي ء بشدة وعنف. PageV01P209 # (1) حديث باطل. رواه ابن عدي في «الكامل» (3/ 910) عن عمر. وفيه خالد بن ~~عبد الرحمن أبو الهيثم العبدي: قال الدارقطني: لا أعلمه روى غير هذا الحديث ~~الباطل. وقد ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/ 272 - 273). PageV01P216 # (1) صحيح. رواه الترمذي (1105) عن ابن مسعود، وقد مر. # (2) حسن. رواه أبو داود في «القدر» (وانظر تهذيب الكمال: (3685) ترجمة عبد ~~الأعلى). PageV01P226 # (1) سبق تخريجه. PageV01P233 # (1) رواه البخاري (2178)، (2179)، ومسلم (1596) عن أبي سعيد وأسامة بن زيد. # (2) رواه مسلم (343) عن أبي سعيد الخدري. # (3) رواه البخاري (6446)، ومسلم ms567 (1051) عن أبي هريرة. # (4) رواه البخاري (1476) و(1479) و(4539)، ومسلم (1039) عن أبي هريرة. # (5) رواه البخاري (6114)، ومسلم (2609) عن أبي هريرة. PageV01P246 # (1) رواه الترمذي (3334) عن أبي هريرة. PageV01P251 # (1) النسائي في «عمل اليوم والليلة»: (418). # (2) الترمذي (3334). # (3) كذا قال، والأصح أنه حسن. PageV01P252 # (1) هكذا وردت، والأصل أن تكون «يريدان». PageV01P258 # (1) مسلم (2654). # (2) الترمذي (2140). # (3) صحيح رواه أحمد (6/ 91) عن عائشة. PageV01P266 # (1) صحيح رواه أحمد (5/ 42) عن أبي بكرة، والقسم الأول من الحديث رواه أحمد ~~(3/ 158، 245) عن أنس. والظاهر أن المؤلف قد جمع بين حديثين. PageV01P268 # (1) هكذا وردت، والصحيح (يجبنونهم). PageV01P272 # (1) في الأصل: «وهذا التزيين سبحانه» ولا يستقيم. PageV01P276 # (1) أخرجه أحمد 2/ 176 و197، والترمذي (2642) وانظر المسند الجامع 11/ 16 ~~(8330). PageV01P280 # (1) لم أجده في المسند والذي فيه حديث آخر: «القلوب أوعية وبعضها أوعى من ~~بعض .. » (2/ 177) عن عبد الله بن عمرو، وفيه ابن لهيعة: ضعيف، والله أعلم. PageV01P281 # (1) ضعيف، ولم أره في الترمذي. بل رواه ابن جرير (8/ 21) عن ابن مسعود من ~~رواية أبي عبيدة عنه ولم يسمع منه، وفيه سعيد بن عبد الملك الحراني: ضعيف. ~~وجاء من طرق أخرى ضعيفة ومن حديث ابن عباس وعن الحسن وأبي جعفر المدائني ~~مرسلا، وليس يصح. PageV01P284 # (1) «خلق أفعال العباد» (92) وهو صحيح من حديث حذيفة. PageV01P291 # (1) مسلم (2655). PageV01P292 # (1) رواه البخاري (1162) عن جابر بن عبد الله. # (2) في (480). PageV01P293 # (1) الترمذي (464) وهو صحيح من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب. PageV01P294 # (1) أحمد (5/ 245، 247)، وأخرجه أبو داود (1522) عن معاذ بن جبل، وهو صحيح. # (2) أحمد (1/ 227) وهو صحيح من حديث ابن عباس. PageV01P296 # (1) رواه البخاري (844)، ومسلم (593) عن المغيرة بن شعبة. # (2) صحيح. رواه أحمد (5/ 231، 237، 245) عن معاذ بن جبل. PageV01P297 # (1) رواه البخاري (4205)، ومسلم (2704) عن أبي موسى الأشعري. PageV01P298 # (1) صحيح. رواه أحمد (5/ 182، 185، 189) وغيره عن زيد بن ثابت، وقد مر. PageV01P299 # (1) الحاكم 4/ 250. PageV01P302 # (1) كيف يكون صحيحا وفيه سليمان بن هرم مجمع على ضعفه. وقد ساق الذهبي هذا ~~الحديث في ترجمة سليمان بن هرم من الميزان (2/ 1 ترجمة 3523) فقال: لم يصح هذا. # (2) مر قريبا. PageV01P303 # (1) هكذا وردت، والوجه أن تكون (ممن). PageV01P304 # (1) رواه أحمد في «الزهد» / عن وهب وهو ابن منبه، وفي السند انقطاع لعله من ~~الناسخ. # (2) رواه البخاري (6323) عن شداد بن أوس. PageV01P306 # (1) رواه مسلم (486) عن عائشة. # (2) صحيح. رواه الترمذي (3513)، وابن ماجه (3850)، وأحمد ms568 (6/ 183) عن عائشة. # (3) مسلم (2749) عن أبي هريرة. PageV01P307 # (1) مسلم (2675). # (2) البخاري (6308) ومسلم (2744). # (3) مسلم (2745). # (4) قال: نام ساعة القيلولة (عند الظهيرة). PageV01P308 # (1) البخاري (6309) ومسلم (2747) عن أنس. # (2) البخاري (6307) عن أبي هريرة. PageV01P309 # (1) صحيح. رواه عبد الله بن أحمد/ وغيره عن أبي هريرة. # (2) مسلم (2702). # (3) رواه مسلم (2702) عن الأغر المزني. # (4) صحيح. رواه أحمد (2/ 21، 67)، والترمذي (3434)، وابن ماجة (3814) عن ~~ابن عمر. # (5) رواه أحمد (5/ 411) وهو حديث صحيح. # (6) أحمد (4/ 211، 260) وهو صحيح من حديث الأغر المزني. PageV01P310 # (1) أحمد (6/ 129، 145، 188، 239) وهو حديث ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان. # (2) رواه مسلم (771) عن علي بن أبي طالب. # (3) رواه البخاري (744)، ومسلم (598) عن أبي هريرة. PageV01P311 # (1) رواه مسلم (771) عن علي بن أبي طالب. # (2) رواه البخاري (794)، ومسلم (484) عن عائشة. # (3) مسلم (746). # (4) رواه مسلم (483) عن أبي هريرة. # (5) رواه مسلم (483) عن أبي هريرة. # (6) أحمد (5/ 367) وهو صحيح. # (7) رواه مسلم (2716) عن عائشة. PageV01P312 # (1) رواه مسلم (2716) عن عائشة. # (2) صحيح. رواه الترمذي (3418)، وابن ماجة (1355) عن ابن عباس. # (3) البخاري (6398)، ومسلم (2719). PageV01P313 # (1) سبق تخريجه. PageV01P314 # (1) رواه مسلم (2865) عن عياض بن حمار المجاشعي. PageV01P315 # (1) مر سابقا. PageV01P316 # (1) رواه البخاري (834)، ومسلم (2705) عن أبي بكر الصديق. PageV01P317 # (1) صحيح. رواه أبو داود (873) وغيره عن عوف بن مالك الأشجعي. PageV01P322 # (1) صحيح. رواه أحمد (2/ 179)، والترمذي (2492) عن عبد الله بن عمرو. PageV01P323 # (1) أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي، ~~توفي سنة 321. # (2) النظام أبو إسحاق إبراهيم بن سيار المتكلم البصري القدري. مات سنة بضع ~~وعشرين ومائتين، وقد مر. PageV01P325 # (1) أصروا: أثموا. PageV01P331 # (1) يقيل: لا يكلف، يرفع التكليف عنهم. PageV01P334 # (1) انظر كتاب «مفتاح دار السعادة» بتحقيق عصام الحرستاني وحسان عبد ~~المنان. PageV01P337 # (1) رواه البخاري (53)، ومسلم (17) عن ابن عباس. PageV01P339 # (1) رواه البخاري (111) وأطرافه ومنها (1870)، ومسلم (1370) عن علي. PageV01P344 # (1) مر من قبل. # (2) لم أجد هذا الأثر. PageV01P347 # (1) تصحفت في المطبوع إلى: «خراش». # (2) صحيح. رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص: 73) عن حذيفة. PageV01P348 # (1) ناطها: علقها، ربطها به. PageV01P361 # (1) حسن. وهو حديث «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»: رواه أحمد (6/ 276) وأبو ~~داود (2193)، وابن ماجة (2046) عن عائشة. PageV01P363 # (1) ربقة: عروة (وثاق). PageV01P369 # (1) مر سابقا. # (2) رواه البخاري (1933) عن أبي هريرة. PageV01P383 # (1) روى أصل الحديث: مسلم (2117) عن جابر و(2118) عن ابن عباس. وقد قال مثل ~~هذا القول عند ما رأى ms569 رجلين يتعاطيان سيفا مسلولا أيضا. PageV01P393 # (1) كتاب «الحيدة» طبع دار عمار للنشر والتوزيع في عمان- الأردن. PageV01P402 # (1) تصحفت في المطبوع إلى: «بداية». PageV01P404 # (1) هكذا وردت في المطبوع، والوجه أن تكون (مؤثران). PageV01P405 # (1) رواه البخاري (6094)، ومسلم (2607) عن عبد الله بن مسعود. PageV01P415 # (1) صحيح. رواه أحمد (1/ 392 - 393)، وأبو داود (2118)، والترمذي (1105)، ~~والنسائي (6/ 89) عن ابن مسعود. # (2) صحيح. رواه أحمد (1/ 9 - 10) و(2/ 297)، وأبو داود (5067)، والترمذي ~~(3392) وغيرهم عن أبي هريرة. PageV01P417 # (1) رواه مسلم (2577) عن أبي ذر الغفاري. PageV01P423 # (1) انظر ما سبق. PageV01P433 # (1) رواه البخاري (61)، ومسلم (43) عن أنس. # (2) صحيح. رواه أحمد (4/ 286) وغيره عن البراء، وفيه ليث: ضعيف، ويشهد له ~~ما رواه الطبراني (11537) عن ابن عباس، وجاء أيضا من حديث ابن مسعود. PageV01P435 # (1) صحيح. رواه أبو داود (4681) عن أبي أمامة. PageV01P436 # (1) رواه مسلم (2865) عن عياض بن حمار. PageV01P444 # (1) ضعيف. رواه الترمذي (2988) عن عبد الله بن مسعود، وفيه عطاء بن السائب: # ضعيف. PageV01P454 # (1) مر بنحوه. PageV01P458 # (1) هذا القول مأخوذ من حديثين، الأول: رواه مسلم (856) عن أبي هريرة ~~وحذيفة، والآخر: رواه البخاري (876)، ومسلم (855) عن أبي هريرة. PageV01P474 # (1) رواه مسلم (486) عن عائشة. # (2) مر سابقا. PageV01P476 # (1) المصابون بالجذام (مرض). PageV01P514 # (1) رواه البخاري (2268) و(2269) عن عبد الله بن عمر. PageV01P535 # (1) الذي في كتب الكلام أن المناظرة كانت بين أبي الحسن وشيخه أبي علي ~~الجبائي. PageV01P545 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «عليه». PageV01P547 # (1) تستقيم العبارة إذا كانت (والمعنى: الملك الحقيقي ... ). PageV01P553 # (1) هكذا ورد في المطبوع، والأصل: فحمده ... PageV01P556 # (1) كتاب «الزهد» ص بتحقيقنا. # (2) الوجه الأعرابي أن تكون (نوعا) إلا إذا قدر الضمير (هو). PageV01P557 # (1) سبق تخريجه. PageV01P559 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «الذي». PageV01P570 # (1) رواه مسلم (479) عن عبد الله بن عباس. PageV01P571 # (1) مسلم (244). # (2) مسلم (245). PageV01P574 # (1) ضعيف رواه أبو داود (248) وغيره عن أبي هريرة. وفيه الحارث بن وجيه: # ضعيف. PageV01P575 # (1) ينشره، ويفرقه. PageV01P587 # (1). (2955) عن أبي موسى الأشعري. # (2) صحيح. ورواه أبو داود (4693) وغيره عن أبي موسى. PageV01P588 # (1) أحمد 4/ 395 و401، والبخاري 8/ 31، ومسلم 8/ 133 و134، وانظر المسند ~~الجامع (8778). PageV01P591 # (1) رواه البخاري (3193) و(4974) و(4975) عن أبي هريرة. PageV01P592 # (1) باطل مرفوعا. رواه الديلمي في «الفردوس» (8408) عن علي، وفيه داود بن ~~سليمان الغازي، قال الذهبي: لا شي ء، وقال ابن معين: كذاب، وعلي بن موسى ~~الرضا: قال ابن طاهر: يأتي عن آبائه بعجائب، وفي السند ms570 أيضا من لا يعرف. # (2) مر سابقا. PageV01P593 # (1) الوصب: المرض. PageV01P594 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «ليكلموا». # (2) في المطبوع «إنزال» والصواب ما أثبتناه. PageV01P599 # (1) هو حديث الشفاعة، وقد مر. PageV01P602 # (1) بون: واسع كبير. PageV01P607 # (1) سقطت من المطبوع. PageV01P608 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «يطيعها». PageV01P610 # (1) مباء: مرجعا، موئلا. PageV01P611 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «يحصن». PageV01P613 # (1) بياض بالأصل. PageV01P615 # (1) رواه البخاري (2440) عن أبي سعيد الخدري. PageV01P626 # (1) إسناده ضعيف. رواه أحمد (1/ 11)، وابن جرير (5/ 189) وغيرهما عن أبي ~~بكر الصديق من رواية أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عنه ولم يدركه فهو منقطع. # (2) صحيح. رواه مالك في «الموطأ» (2/ 285/ 12) عن زيد بن أسلم مرسلا. ووصله غيره. # (3) هو معنى الحديث التالي، وبوب به مسلم. # (4) البخاري (18)، ومسلم (1709). # (5) رواه البخاري (5641) و(5642)، ومسلم (2573) عن أبي سعيد وأبي هريرة. PageV01P628 # (1) صحيح. رواه أحمد (2/ 287، 450) عن أبي هريرة. # (2) انظر المجروحين 1/ 358. # (3) صحيح. رواه ابن ماجة (3469) عن أبي هريرة. وفيه موسى بن عبيدة: ضعيف. # غير أن الحديث صحيح، وانظر ما بعده. # (4) رواه مسلم (2575) عن جابر بن عبد الله. # (5) رواه مسلم (2569) عن أبي هريرة. PageV01P629 # (1) «المعجم الكبير» (7969) وفيه جعفر بن الزبير: متروك، وعبد الله بن مسعر ~~بن كدام، متروك أيضا، فالحديث ضعيف جدا. PageV01P636 # (1) باطل. رواه الطبراني في «الكبير» (7969) عن أبي أمامة، وفيه جعفر بن ~~الزبير: # وضاع متروك وعبد الله بن مسعود بن كدام: متروك الحديث. PageV01P637 # (1) في الأصل: «أفهم الآية لمعاني القرآن» ولا تستقيم. PageV01P640 # (1) رواه البخاري (4043) عن البراء بن عازب. # (2) صحيح. رواه الترمذي (2557) عن أبي هريرة. # (3) تاريخ بغداد 9/ 122 وانظر ما سبق قريبا. PageV01P641 # (1) بل ضعيف جدا، فإن جعفر بن الزبير وعبد الله بن مسعر بن كدام متروكان. PageV01P642 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «محمودة». # (2) البخاري (1358)، ومسلم (2658). PageV01P644 # (1) مسلم (2865). PageV01P645 # (1) ضعيف. رواه أحمد (3/ 19)، والترمذي (2191) عن أبي سعيد الخدري. وفيه ~~علي بن زيد بن جدعان: ضعيف. وفي الصحيح ما يغني عنه. PageV01P646 # (1) مجذوذ: مقطوع. PageV01P647 # (1) رواه البخاري (3340)، ومسلم (194) عن أبي هريرة. # (2) رواه مسلم (91)، والترمذي في الأدب 41، وأحمد 4/ 123 و124 و151. PageV01P650 # (1) معصية: هكذا في المطبوع والسياق يقتضي أن تكون (مفضية). PageV01P651 # (1) أي: تجهد وتتعب فيها عقول العقلاء. PageV01P652 # (1) مر سابقا. # (2) يألو: يستطيع. خبالا: هلاكا، عناء، نقصانا. # (3) أوطار: حاجات، جمع حاجة، ومفرد أوطار: وطر. ms571 PageV01P654 # (1) نبات يخالط البر (القمح). PageV01P656 # (1) رواه البخاري (4684)، ومسلم (993) عن أبي هريرة. # (2) رواه مسلم (771) عن علي بن أبي طالب. PageV01P668 # (1) رواه مسلم (179) عن أبي موسى الأشعري. # (2) رواه مسلم (486) عن عائشة. # (3) صحيح. رواه أحمد (4/ 264) عن عمار بن ياسر. # (4) رواه مسلم (2717). وأصله في البخاري (6317) عن ابن عباس. PageV01P670 # (1) رواه مسلم (486) عن عائشة. # (2) سبق تخريجه. PageV01P671 # (1) رواه البخاري (247)، ومسلم (2710) عن البراء بن عازب. PageV01P674 # (1) صحيح. رواه أحمد (1/ 391، 452) عن عبد الله بن مسعود. PageV01P677 # (1) انظر الدارمي (1/ 92). # (2) رواه البخاري (6345)، ومسلم (2730) عن ابن عباس. PageV01P678 # (1) صحيح. رواه الترمذي (3505) عن سعد بن أبي وقاص. PageV01P679 # (1) هكذا بالأصل. PageV01P680 # (1) رواه البخاري (2736)، ومسلم (2677) عن أبي هريرة. # (2) صحيح. رواه الترمذي (3544)، وابن ماجة (3858) عن أنس. # (3) صحح. رواه أحمد (5/ 349)، 350) وغيره عن بريدة. # (4) مر سابقا. PageV01P685 # (1) صحيح. رواه أحمد (3/ 419) وغيره عن عبد الرحمن بن خنبش، وله شواهد. # (2) رواه مسلم (1218) عن جابر بن عبد الله. PageV01P699 # (1) البخاري (1358)، ومسلم (2658). # (2) رواه مسلم (2658) (23) عن أبي هريرة. PageV01P703 # (1) مر سابقا. # (2) مسلم (2865). PageV01P706 # (1) مر قريبا. PageV01P707 # (1) سبق تخريجه. # (2) هنا بياض بالأصل ولعله (من أولاد المشركين) أو ما هذا معناه. # (3) مر قريبا. PageV01P708 # (1) تحرف في المطبوع إلى: «حماد». # (2) مر حديث عياض سابقا. PageV01P709 # (1) رواه البخاري في الأدب المفرد (1257 و1292 و1293)، والنسائي 8/ 128 ~~و129، وأحمد 2/ 229، و239 و2/ 283 و410 و489، ومسلم 1/ 152، والترمذي 2756. PageV01P710 # (1) مر سابقا وهذا حديث الأسود بن سريع. # (2) تحرفت في المطبوع إلى: «المسرى». PageV01P714 # (1) سبق تخريجه. PageV01P715 # (1) هكذا وردت. PageV01P716 # (1) رواه البخاري (3394)، ومسلم (168) عن أبي هريرة. PageV01P717 # (1) سبق تخريجه. PageV01P719 # (1) هكذا وردت، والوجه أن تكون (مسلم). PageV01P722 # (1) سبق تخريجه. PageV01P725 # (1) رواه البخاري في آخره (4727) عن ابن عباس. PageV01P727 # (1) سبق تخريجه. # (2) سبق تخريجه. PageV01P728 # (1) في المطبوع: «يفتتن» وهما بمعنى. PageV01P732 # (1) تحرف في المطبوع إلى: «أبواه». PageV01P734 # (1) تحرفت في المطبوع إلى: «المسلمين». # (2) سبق تخريجه. PageV01P735 # (1) سبق تخريجه. PageV01P736 # (1) أيتام. PageV01P737 # (1) هكذا بالأصل وليحرر. # (2) في المطبوع: «فهم مسلمون» ولا يصح. PageV01P738 # (1) سبق تخريجه. PageV01P739 # (1) سبق تخريجه. PageV01P740 # (1) مر آنفا. PageV01P748 # (1) بياض بأصله. PageV01P756 ms572