######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012021 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012021 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12021 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12021 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: - #META# 041.EdNUMBER :: 1398هـ/1978م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعرفة، بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # ... # شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل. # الإمام ابن قيم الجوزية # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله ذي الإفضال والإنعام، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه والأئمة الأعلام أما بعد فإن أهم ما يجب معرفته على المكلف ~~النبيل فضلا عن الفاضل الجليل، ما ورد في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ~~فهو من أسنى المقاصد والإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الدين ~~المبين وختامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان، التي يرجع ~~إليها، ويدور في جميع تصاريفه عليها، فالعدل قوام الملك، والحكمة مظهر ~~الحمد، والتوحيد متضمن لنهاية الحكمة، وكمال النعمة، ولا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فبالقدر والحكمة ظهر ~~خلقه وشرعه المبين،: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} . # فصل: وقد سلك جماهير العقلاء في هذا الباب في كل واد، وأخذوا في كل طريق، ~~وتولجوا كل مضيق، وركبوا كل صعب وذلول، وقصدوا الوصول إلى معرفته، والوقوف ~~على حقيقته، وتكلمت فيه الأمم قديما وحديثا، وساروا للوصول إلى مغزاه سيرا ~~حثيثا، وخاضت فيه الفرق على تباينها واختلافها، وصنف فيه المصنفون الكتب ~~على تنوع أصنافها، فلا أحد إلا وهو يحدث نفسه بهذا الشأن، ويطلب الوصول فيه ~~إلى حقيقة العرفان، فتراه إما مترددا فيه مع نفسه، أو مناظرا لبني جنسه، ~~وكل قد اختار لنفسه قولا لا يعتقد الصواب في سواه، ولا يرتضي إلا إياه، ~~وكلهم إلا من تمسك بالوحي عن طريق الصواب مردود، وباب الهدى في وجهه مسدود، ~~تحسى علما غير طائل، وارتوى من ماء آجن، قد طاف على أبواب الأفكار، ففاز ~~بأخس الآراء والمطالب، فرح بما عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من ~~جوع، وقدم آراء من أحسن به الظن على الوحي المنزل المشروع، والنص المرفوع، ~~حيران يأتم بكل حيران، يحسب كل شراب ماء فهو طول عمره ظمآن، # PageV01P002 # ينادى إلى الصواب من مكان بعيد، أقبل إلى الهدى فلا يستجيب إلى يوم ~~الوعيد، قد ms001 فرح بما عنده من الضلال، وقنع بأنواع الباطل وأصناف المحال، ~~منعه الكفر الذي اعتقده هدى وما هو ببالغه عن الهداة المهتدين، ولسان حاله ~~أو قاله يقول: {أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} ~~. # فصل: ولما كان الكلام في هذا الباب نفيا وإثباتا موقوفا على الخبر عن ~~أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره وأسعد الناس بالصواب فيه من تلقى ~~ذلك من مشكاة الوحي المبين ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهوكين ~~وتشكيكات المشككين وتكلفات المتنطعين واستمطر ديم الهداية من كلمات أعلم ~~الخلق برب العالمين فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفت ~~وشفت وجمعت وفرقت وأوضحت وبينت وحلت محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن ~~ثم تلاه أصحابه من بعده على نهجه المستقيم وطريقه القويم فجاءت كلماتهم ~~كافية شافية مختصرة نافعة لقرب العهد ومباشرة التلقي من تلك المشكاة التي ~~هي مظهر كل نور ومنبع كل خير وأساس كل هدى ثم سلك آثارهم التابعون لهم ~~بإحسان فاقتفوا طريقهم وركبوا مناهجهم واهتدوا بهداهم ودعوا إلى ما دعوا ~~إليه ومضوا على ما كانوا عليه ثم نبغ في عهدهم وأواخر عهد الصحابة القدرية ~~مجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر وأن الأمر أنف فمن شاء هدى نفسه ومن ~~شاء أضلها ومن شاء بخسها حظها وأهملها ومن شاء وفقها للخير وكملها كل ذلك ~~مردود إلى مشيئة العبد ومقتطع من مشيئة العزيز الحميد فأثبتوا في ملكه مالا ~~يشاء وفي مشيئته ما لا يكون ثم جاء خلف هذا السلف فقرروا ما أسسه أولئك من ~~نفي القدر وسموه عدلا وزادوا عليه نفي صفاته سبحانه وحقائق أسمائه وسموه ~~توحيدا فالعدل عندهم إخراج أفعال الملائكة والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم ~~وإراداتهم من قدرته ومشيئته وخلقه والتوحيد عند متأخريهم تعطيله عن صفات ~~كماله ونعوت جلاله وأنه لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ~~تقوم به ولا كلام ما تكلم ولا يتكلم ولا أمر ولا يأمر ولا قال ولا يقول إن ~~ذلك إلا أصوات وحروف مخلوقة ms002 منه في الهواء أو في محل مخلوق ولا استوى على ~~عرشه فوق سماواته ولا ترفع إليه الأيدي ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا ~~ينزل الأمر والوحي من عنده وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد ~~ما فوقه إلا العدم المحض والنفي الصرف فهذا توحيدهم وذاك عدلهم. # فصل: ثم نبغت طائفة أخرى من القدرية فنفت فعل العبد وقدرته واختياره ~~وزعمت أن حركته الاختيارية ولا اختيار كحركة الأشجار عند هبوب الرياح ~~وكحركات الأمواج وإنه على الطاعة والمعصية مجبور وإنه غير ميسر لما خلق له ~~بل هو عليه مقسور ومجبور ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مقتدين ولمناهجهم ~~مقتفين فقرروا هذا المذهب وانتموا إليه وحققوه وزادوا عليه أن تكاليف الرب ~~تعالى لعباده كلها تكليف ما لا يطاق وإنها في الحقيقة كتكليف المقعد أن ~~يرقى إلى السبع الطباق فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل ~~العبد ولا هو له بمقدور وإنما هو تكليف بفعل من هو متفرد بالخلق وهو على كل ~~شيء قدير فكلف عباده بأفعاله وليسوا عليها قادرين ثم عاقبهم عليها وليسوا ~~في الحقيقة لها فاعلين ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العباد فقالوا ليس ~~في الكون # PageV01P003 # معصية البتة إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد كما قيل: # أصبحت منفعلا لما يختاره ... منى ففعلي كله طاعات # ولاموا بعض هؤلاء على فعله فقال إن كنت عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومطيع ~~الإرادة غير ملوم وهو في الحقيقة غير مذموم وقرر محققوهم من المتكلمين هذا ~~المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحد فمحبته هي ~~نفس مشيئته وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه وكل ما شاءه فقد أحبه وأخبرني ~~شيخ الإسلام قدس الله روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغضه الله ~~ورسوله فقال له الملوم المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب وجميع ~~ما في الكون مراده فأي شيء أبغض منه قال الشيخ فقلت له إذا كان قد سخط على ~~أقوام ولعنهم وغضب عليهم ms003 وذمهم فواليتهم أنت وأحببتهم وأحببت أفعالهم ~~ورضيتها تكون مواليا له أو معاديا قال فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة وزعمت ~~هذه الفرقة أنهم بذلك للسنة ناصرون وللقدر مثبتون ولأقوال أهل البدع مبطلون ~~هذا وقد طووا بساط التكليف وطففوا في الميزان غاية التطفيف وحملوا ذنوبهم ~~على الأقدار وبرأوا أنفسهم في الحقيقة من فعل الذنوب والأوزار وقالوا أنها ~~في الحقيقة فعل الخلاق العليم وإذا سمع المنزه لربه هذا قال: {سبحانك هذا ~~بهتان عظيم} فالشر ليس إليك والخير كله في يديك ولقد ظنت هذه الطائفة بالله ~~أسوأ الظن ونسبته إلى أقبح الظلم وقالوا أن أوامر الرب ونواهيه كتكليف ~~العبد أن يرقى فوق السماوات وكتكليف الميت إحياء الأموات والله يعذب عباده ~~أشد العذاب على فعل ما لا يقدرون يقدرون على تركه وعلى ترك مالا يقدرون على ~~فعله بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور وليس أحد ميسر له بل ~~هو عليه مقهور ونرى العارف منهم ينشد مترنما ومن ربه متشكيا ومتظلما: # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء # وليس عند القوم في نفس الأمر سبب ولا غاية ولا حكمة ولا قوة في الأجسام ~~ولا طبيعة ولا غريزة فليس في الماء قوة التبريد ولا في النار قوة التسخين ~~ولا في الأغذية قوة الغذاء ولا في الأدوية قوة الدواء ولا في العين قوة ~~الإبصار ولا في الأذن قوة السماع ولا في الأنف قوة الشم ولا في الحيوان قوة ~~فاعلة ولا جاذبة ولا ممسكة ولا دافعة والرب تعالى لم يفعل شيئا بشيء ولا ~~شيئا لشيء فليس في أفعاله باء تسبب ولا لام تعليل وما ورد من ذلك فمحمول ~~على باء المصاحبة ولام العاقبة وزادوا على ذلك أن الأفعال لا تنقسم في ~~نفسها إلى حسن وقبيح ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والبر والفجور ~~والعدل والظلم والسجود للرحمن والسجود للشيطان والإحسان إلى الخلق والإساءة ~~إليهم ومسبة الخالق والثناء عليه وإنما نعلم الحسن من ذلك من القبيح بمجرد ~~الأمر والنهي ولذلك ms004 يجوز النهي عن كل ما أمر به والأمر بكل ما نهى عنه ولو ~~فعل ذلك لكان هذا قبيحا وهذا حسنا وزاد بعض محققيهم على هذا أن الأجسام ~~كلها متماثلة فلا فرق في الحقيقة بين جسم النار وجسم الماء ولا بين جسم ~~الذهب وجسم الخشب ولا بين المسك والرجيع وإنما تفترق بصفاتها وأعراضها مع ~~تماثلها في الحد والحقيقة وزادوا على ذلك بأن قالوا الأعراض كلها لا تبقى ~~زمانين ولا تستقر وقتين فإذا جمعت بين قولهم بعدم بقاء الأعراض وقولهم ~~بتماثل الأجسام وتساوي الأفعال وأن العبد لا فعل له البتة وأنه لا سبب في # PageV01P004 # الوجود ولا قوة ولا غريزة ولا طبيعة وقولهم أن الرب تعالى ليس له فعل ~~يقوم به وفعله غير مفعوله وقولهم أنه ليس بمباين لخلقه ولا داخل العالم ولا ~~خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه وقولهم أنه لا يتكلم ولا يكلم ولا قال ~~ولا يقول ولا سمع أحد خطابه ولا يسمعه ولا يراه المؤمنون يوم القيامة جهرة ~~بأبصارهم من فوقهم أنتجت لك هذه الأصول عقلا يعارض السمع ويناقض الوحي وقد ~~أوصاك الأشياخ عند التعارض بتقديم هذا المعقول على ما جاء به الرسول # فلو أني بليت بهاشمي ... ؤلته بنو عبد المدان # لهان علي ما ألقى ولكن ... عالوا فانظروا بمن ابتلاني # فصل: ولما كانت معرفة الصواب في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ~~واقعة في مرتبة الحاجة بل في مرتبة الضرورة اجتهدت في جمع هذا الكتاب ~~وتهذيبه وتحريره وتقريبه فجاء فردا في معناه بديعا في مغزاه وسميته شفاء ~~العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل وجعلته أبوابا: # الباب الأول: في تقدير المقادير قبل خلق السماوات والأرض. # الباب الثاني: في تقدير الرب تعالى شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم ~~وآجالهم قبل خلقهم وهو تقدير ثان بعد الأول. # الباب الثالث: في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك وحكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لآدم. # الباب الرابع: في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه. # الباب الخامس: في التقدير الرابع ليلة القدر. # الباب السادس: في ذكر ms005 التقدير الخامس اليومي. # الباب السابع: في أن سبق المقادير بالسعادة والشقاوة لا يقتضي ترك ~~الأعمال بل يوجب الاجتهاد والحرص لأنه تقدير بالأسباب. # الباب الثامن: في قوله تعالى أن الذين سبقت لهم منا الحسنى. # الباب التاسع: في قوله إنا كل شيء خلقناه بقدر. # الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من استكمل معرفتها والإيمان ~~بها فقد آمن بالقدر وذكر المرتبة الأولى. # الباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر وهي ~~مرتبة الكتابة الباب الثاني عشر في ذكر المرتبة الثالثة وهي مرتبة المشيئة. # الباب الثالث عشر: في ذكر المرتبة الرابعة وهي مرتبة خلق الأعمال. # الباب الرابع عشر: في الهدي والضلال ومراتبهما. # الباب الخامس عشر: في الطبع والختم والقفل والغل والسد والغشاوة ونحوها ~~وأنه مفعول الرب. # الباب السادس عشر: في تفرد الرب بالخلق للذات والصفات والأفعال. # الباب السابع عشر: في الكتب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما نفيا ~~وإثباتا. # الباب الثامن عشر: في فعل وافعل في القضاء والقدر وذكر الفعل والانفعال. # الباب التاسع عشر: في ذكر مناظرة بين جبري وسني. # الباب العشرون: في مناظرة بين قدري وسني. # الباب الحادي والعشرون: في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر ودخوله في ~~المقضي. # الباب الثاني والعشرون: في طرق إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره ~~واثبات الغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي فعل وأمر لأجلها وهو من أجل ~~أبواب الكتاب. # الباب الثالث والعشرون: في استيفاء شبه نفاة الحكمة وذكر الأجوبة المفصلة ~~عنها. # الباب الرابع والعشرون: في معنى قول السلف في الإيمان بالقدر خيره وشره ~~وحلوه ومره. # الباب الخامس والعشرون: في بيان بطلان قول من قال إن الرب تعالى مريد ~~للشر وفاعل له وامتناع إطلاق ذلك نفيا وإثباتا. # الباب السادس والعشرون: فيما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ ~~برضاك من سخطك وأعوذ # PageV01P005 # بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك" من تحقيق القدر وإثباته وأسرار هذا ~~الدعاء. # الباب السابع والعشرون: في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد ~~تحت قوله: "ماض في حكمك عدل في قضاؤك" وما تضمنه ms006 الحديث من قواعد الدين. # الباب الثامن والعشرون: في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك ~~وتحقيق القول فيه. # الباب التاسع والعشرون: في انقسام القضاء والقدر والإرادة والكتابة ~~والحكم والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والعطاء ~~والمنع إلى كوني يتعلق بخلقه وديني يتعلق بأمره وما في تحقيق ذلك من إزالة ~~اللبس والإشكال. # الباب الموفي ثلاثين: في الفطرة الأولى التي فطر الله عباده عليها وبيان ~~أنها لا تنافي القضاء والعدل بل توافقه وتجامعه، وهذا حين الشروع في ~~المقصود فما كان فيه من صواب فمن الله وحده هو المان به وما كان فيه من خطأ ~~فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله. # فيا أيها المتأمل له الواقف عليه لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك فائدته، ~~وعليه عائدته، فلا تعجل بإنكار ما لم يتقدم لك أسباب معرفته ولا يحملنك ~~شنآن مؤلفه وأصحابه على أن تحرم ما فيه من الفوائد التي لعلك لا تظفر بها ~~في كتاب ولعل أكثر من تعظمه ماتوا بحسرتها ولم يصلوا إلى معرفتها والله ~~يقسم فضله بين خلقه بعلمه وحكمته وهو العليم الحكيم والفضل بيد الله يؤتيه ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # PageV01P006 ### | الباب الأول: في تقدير المقادير قبل خلق السموات والأرض # عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وعرشه على الماء" رواه مسلم في الصحيح وفيه دليل على أن خلق العرش سابق على ~~خلق القلم وهذا أصح القولين لما روى أبو داود في سننه عن أبي حفصة الشامي ~~قال عبادة بن الصامت لإبنه: "يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما ~~أصابك لم يك ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك" سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال رب وماذا أكتب قال ~~أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بني سمعت رسول الله صلى ms007 الله عليه ~~وسلم يقول: "من مات على غير هذا فليس مني" وكتابة القلم للقدر كان في ~~الساعة التي خلق فيها لما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبادة بن ~~الصامت قال: حدثني أبي قال دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: ~~يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال: أجلسوني فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لن ~~تجد طعم الإيمان ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله تبارك وتعالى حتى تؤمن ~~بالقدر خيره وشره قلت يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره قال تعلم ~~أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك يا بني إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله تعالى القلم ثم قال أكتب ~~فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة: يا بني إن مت ولست على ~~ذلك دخلت النار، وهذا الذي كتبه القلم هو القدر لما رواه ابن وهب أخبرني ~~عمر بن محمد أن سليمان بن مهران حدثه قال قال عبادة بن الصامت ادع لي ابني ~~وهو يموت لعلي أخبره بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ~~أول شيء خلقه الله من حلقه القلم فقال له: أكتب فقال: يا رب ماذا أكتب قال: ~~القدر قال رسول الله # PageV01P006 # صلى الله عليه وسلم فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار" وعن ~~عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي: "يا ~~غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فسل ~~الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك ~~بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك لم ~~يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي ~~وقال حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني رجل شاب ms008 وأنا ~~أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني ثم قلت مثل ذلك ~~فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر" رواه البخاري ~~في صحيحه قال حدثنا أصبغ ثنا ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أبي هريرة ورواه ابن وهب في كتاب القدر وقال فيه: "فأذن لي أن ~~أختصي قال فسكت عنى حتى قلت ذلك ثلاث مرات فقال جف القلم بما أنت لاق" وقال ~~أبو داود الطيالسي ثنا عبد المؤمن هو ابن عبد الله قال كنا عند الحسن فأتاه ~~يزيد بن أبي مريم السلولي يتوكأ على عصا فقال يا أبا سعيد أخبرني عن قول ~~الله عز وجل: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ~~أن نبرأها} فقال الحسن: نعم والله إن الله ليقضي القضية في السماء ثم يضرب ~~لها أجلا أنه كائن في يوم كذا وكذا في ساعة كذا وكذا في الخاصة والعامة حتى ~~إن الرجل ليأخذ العصا ما يأخذها إلا بقضاء وقدر قال: يا أبا سعيد والله لقد ~~أخذتها وإني عنها لغني ثم لا صبر لي عنها قال الحسن: أولا ترى، واختلف في ~~الضمير قوله من قبل أن نبرأها فقيل هو عائد على الأنفس لقربها منه وقيل هو ~~عائد على الأرض وقيل عائد على المصيبة والتحقيق أن يقال هو عائد على البرية ~~التي تعم هذا كله ودل عليه السياق وقوله نبرأها فينتظم التقادير الثلاثة ~~انتظاما واحدا والله أعلم، وقال ابن وهب أخبرني عمر بن محمد أن سليمان بن ~~مهران حدثه قال قال عبد الله بن مسعود: "إن أول شيء خلقه الله عز وجل من ~~خلقه القلم فقال له اكتب فكتب كل شيء يكون في الدنيا إلى يوم القيامة فيجمع ~~بين الكتاب الأول وبين أعمال العباد فلا يخالف ألفا ms009 ولا واوا وميما" وعن ~~عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله ~~عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور شيء ~~اهتدى ومن أخطأه ضل" قال عبد الله: فلذلك أقول جف القلم بما هو كائن رواه ~~الإمام أحمد وقال أبو داود حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد قال أخبرني أبي ~~قال سمعت الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن يزيد ويحيى بن أبي عمرو الشيباني قال ~~حدثني عبد الله بن فيروز الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو ابن العاص ~~وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط فقلت خصال بلغتني عنك تحدث بها عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من شرب الخمر لم تقبل توبته أربعين ~~صباحا وأن الشقي من شقي في بطن أمه" وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "أن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ~~ذلك النور يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل" فلذلك أقول جف القلم على علم الله ~~ورواه الإمام أحمد في مسنده أطول من هذا عن عبد الله بن فيروز الديلمي قال: ~~دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط وهو محاضر ~~فتى من قريش يزن بشرب الخمر # PageV01P007 # فقلت: بلغني عنك حديث: "أن من شرب شربة خمر لم تقبل توبته أربعين صباحا ~~وأن الشقي من شقي في بطن أمه وأن من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة ~~فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه" فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده ~~من يده ثم انطلق فقال عبد الله بن عمرو أني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم ~~أقل سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "من شرب من الخمر شربة ~~لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فلا أدري في الثالثة ~~أو ms010 في الرابعة قال: فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم ~~القيامة" قال وسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "أن الله عز ~~وجل خلق خلقه في ظلمه ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ~~ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله" وسمعت رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم يقول: "إن سليمان بن داود سأل الله عز وجل ثلاثا فأعطاه ~~اثنتين ونحن نرجوا أن تكون لنا الثالثة سأل الله تعالى حكما يصادف حكمه ~~فأعطاه الله إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أيما ~~رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ~~ولدته أمه فنحن نرجوا أن يكون الله تعالى عز وجل قد أعطانا إياه" ورواه ~~الحاكم في صحيحه وهو على شرط الشيخين ولا علة له. # PageV01P008 ### | الباب الثاني: في تقدير الرب تبارك وتعالى شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم وهو تقدير ثان بعد التقدير الأول # عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكث ~~بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها ~~من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة قال: فقال رجل: يا رسول الله ~~أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى ~~عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ثم ~~قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى ~~وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} "، وفي لفظ اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة ~~فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم ~~قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل ms011 واستغنى ~~وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} ، وعن عمران بن حصين قال: "قيل يا رسول الله ~~أعلم أهل الجنة من أهل النار فقال: نعم قيل ففيم يعمل العاملون قال كل ميسر ~~لما خلق له" متفق عليه وفي بعض طرق البخاري كل يعمل لما خلق له أو لما يسر ~~له، وعن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين أرأيت ما يعمل الناس ~~اليوم ويكدحون # PageV01P008 # فيه أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما ~~أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقلت بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم قال ~~فقال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت كل شيء خلق الله ~~وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون قال فقال لي يرحمك الله إني لم أرد ~~بما سألتك إلا لأحزر عقلك إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى ~~عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت ~~الحجة عليهم فقال: "بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم" وتصديق ذلك في كتاب الله ~~عز وجل: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} ، رواه مسلم في صحيحه، ~~وعن شغي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو قال خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان قال قلنا لا ألا ~~أن تخبرنا يا رسول الله قال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين ~~تبارك وتعالى بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل عليهم فلا ~~يزاد فيهم ولا ينقص أبدا ثم قال للذي في يساره هذا كتاب أهل النار بأسمائهم ~~وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ~~أبدا فقال أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلأي شيء نعمل إن كان ~~هذا أمر قد فرغ منه قال رسول الله ms012 صلى الله عليه وسلم: "سددوا وقاربوا فإن ~~صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل ~~النار وإن عمل أي عمل ثم قال: بيده فقبضها ثم قال: فرغ ربكم عز وجل من ~~العباد ثم قال: باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة ونبذ باليسرى فقال: ~~فريق في السعير" رواه الترمذي عن قتيبة عن ليث أبي قبيل عن شغى وعن قتيبة ~~عن بكر بن نصر عن أبي قبيل به وقال حديث حسن صحيح غريب ورواه النسائي ~~والإمام أحمد وهذا السياق له، وفي صحيح الحاكم وغيره من حديث أبي جعفر ~~الرازي ثنا الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ~~{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} قال جمعهم له يومئذ جمعا ما هو ~~كائن إلى يوم القيامة فجعلهم أزواجا ثم صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم ~~العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} إلى قوله المبطلون قال فإني أشهد عليكم ~~السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم ~~القيامة لم نعلم أو تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين فلا تشركوا بي شيئا فإني ~~أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي فقالوا نشهد أنك ~~ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ورفع لهم أبوهم آدم فرأى فيهم الغني والفقير ~~وحسن الصورة وغير ذلك فقال رب لو سويت بين عبادك فقال إني أحب أن أشكر ورأى ~~فيهم الأنبياء مثل السرج وذكر تمام الحديث وفي صحيحه وجامع الترمذي من حديث ~~هشام بن يزيد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم: "لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل ~~نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة أمثال الذر ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم ~~وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال ms013 من هؤلاء يا رب فقال هؤلاء ذريتك فرأى ~~فيهم رجلا أعجبه وبيص ما بين عينيه فقال يا رب من هذا قال ابنك داود يكون ~~في آخر الأمم قال كم جعلت له من العمر قال ستين سنة قال يا رب زده من عمري ~~أربعين سنة قال الله: إذا يكتب ويختم لا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك ~~الموت قال أولم يبق من عمري أربعون سنة قال له أولم تجعلها لابنك داود قال: ~~فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته وخطئ فخطئت ذريته" قال هذا على شرط مسلم ~~وفي موطأ مالك عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن ~~الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ~~{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} فقال عمر سمعت رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم سئل عنها فقال: "إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره # PageV01P009 # بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ~~ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار ~~يعملون فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل فقال: إن الله إذا خلق العبد ~~للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله ~~به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من ~~أعمال أهل النار فيدخله النار"، قال الحاكم هذا الحديث على شرط مسلم وليس ~~كما قاله بل هو حديث منقطع قال أبو عمر: هو حديث منقطع فإن مسلم بن يسار ~~هذا لم يلق عمر بن الخطاب بينهما نعيم بن ربيعة هذا إن صح أن الذي رواه عن ~~زيد بن أبي أنيسة فذكر فيه نعيم بن ربيعة إذ ليس هو بأحفظ من مالك ولا ممن ~~يحتج به إذا خالفه مالك ومع ذلك فإن نعيم بن ربيعة ومسلم بن يسار جميعا ~~مجهولان غير معروفين بحمل العلم ونقل الحديث ms014 وليس هو مسلم بن يسار العابد ~~البصري وإنما هو رجل مدني مجهول ثم ذكر من تاريخ ابن أبي خيثمة قال: قرأت ~~على يحي بن معين حدث مالك هذا فكتب بيده على مسلم بن يسار لا يعرف، قال أبو ~~عمر: هذا الحديث وإن كان عليل الإسناد فإن معناه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد روي من وجوه كثيرة من حديث عمر بن الخطاب وغيره وممن روى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم معناه في القدر علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وابن عباس ~~وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو سريحة العبادي وعبد الله بن ~~مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وذو اللحية الكلابي وعمران بن حصين ~~وعائشة وأنس بن مالك وسراقة بن جعثم وأبو موسى الأشعري وعبادة بن الصامت ~~قلت وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وأبو ~~ذر ومعاذ بن جبل وهشام بن حكيم وأبو عبد الله رجل من الصحابة روى عنه أبو ~~نصر وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبو الدرداء وعمرو بن العاص وعائشة ~~أم المؤمنين وعبد الله بن الزبير وأبو أمامة الباهلي وأبو الطفيل وعبد ~~الرحمن بن عوف وبعض أحاديثهم موقوفة وستمر بك جميعا متفرقة في أبواب الكتاب ~~إن شاء الله عز وجل، وقال إسحاق بن راهوية أخبرنا بقية بن الوليد قال ~~أخبرني الزبيدي محمد بن الوليد عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة ~~عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام أن رجلا قال: يا رسول الله أتبتدأ الأعمال ~~أم قد مضى القضاء فقال إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على ~~أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار فأهل الجنة ~~ميسرون لعمل أهل الجنة وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار قال إسحاق وأخبرنا ~~عبد الصمد حدثنا حماد حدثنا الحريري عن أبي نصرة أن رجلا من أصحاب النبي ~~صلى الله تعالى عليه وسلم يقال له أبو ms015 عبد الله دخل عليه أصحابه يعودونه ~~وهو يبكي فقالوا له ما يبكي قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~يقول: "إن الله قبض قبضة بيمينه وأخرى بيده الأخرى قال هذه لهذه وهذه لهذه ~~ولا أبالي فلا أدري في أي القبضتين أنا"، أخبرنا عمرو بن محمد بن إسماعيل ~~بن رافع عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ~~"إن الله تعالى خلق آدم من تراب ثم جعله طينا ثم تركه حتى إذا كان صلصالا ~~كالفخار كان إبليس يمر به فيقول خلقت لأمر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه ~~قال يا رب ما ذريتي قال اختر يا آدم قال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين ~~فبسط الله كفه فإذا كل من هو كائن من ذريته في كف الرحمن"، أخبرنا النضر ~~أخبرنا أبو معشر عن أبي سعيد المقبري ونافع مولى الزبير عن أبي هريرة قال: ~~لما أراد الله # PageV01P010 # أن يخلق آدم فذكر خلق آدم فقال له يا آدم أي يدي أحب إليك أن أريك ذريتك ~~فيها قال يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين فبسط يمينه وإذا فيها ذريته كلهم ما ~~هو خالق إلى يوم القيامة الصحيح على هيئته والمبتلى على هيئته والأنبياء ~~على هيئاتهم فقال ألا أعفيهم كلهم فقال أني أحببت أن أشكر وذكر الحديث، ~~وقال محمد بن نصر المروزي حدثنا محمد بن يحيى ثنا سعيد بن أبي مريم أنا ~~الليث بن سعد حدثني ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد ~~الله بن سلام قال: "خلق الله آدم ثم قال بيده فقبضها فقال اختر يا آدم فقال ~~اخترت يمين ربي وكلتا يديك يمين فبسطها فإذا فيها ذريته فقال من هؤلاء يا ~~رب قال من قضيت أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة"، قال ~~وثنا إسحاق بن راهوية أنا جعفر بن عون أنا هشام بن سعد عن زيد بن سالم عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى ms016 الله عليه وسلم قال: لما خلق الله آدم مسح ظهره ~~فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وذكر الحديث، ~~وقال إسحاق بن الملاي ثنا المسعودي عن علي بن نديمة عن سعد عن ابن عباس في ~~قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} قال: إن الله أخذ ~~على آدم ميثاقه أنه ربه وكتب رزقه وأجله ومصيباته ثم أخرج من ظهره ولده ~~كهيئة الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه ربهم وكتب رزقهم وأجلهم ومصيباتهم قال ~~وحدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس قال مسح الله ~~ظهر آدم فأخرج كل طيب في يمينه وفي يده الأخرى كل خبيث وقال محمد بن نصر ~~حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني وثنا حجاج عن أبن جريج عن الزبير بن موسى عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إن الله ضرب منكبه الأيمن فخرجت كل نفس ~~مخلوقة للجنة بيضاء نقية فقال هؤلاء أهل الجنة ثم ضرب منكبه الأيسر فخرجت ~~كل نفس مخلوقة للنار سوداء فقال هؤلاء أهل النار ثم أخذ عهده على الإيمان ~~والمعرفة به والتصديق له وبأمره من بني آدم كلهم وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا ~~وصدقوا وعرفوا وأقروا"، حدثنا إسحاق ثنا روح بن عبادة بن محمد بن عبد الملك ~~عن أبيه عن الزبير بن موسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بهذا الحديث وزاد ~~قال ابن جريج وبلغني أنه أخرجهم على كفه أمثال الخردل قال إسحاق وأخبرنا ~~جرير عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو في قوله: {وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم} قال أخذهم كما يؤخذ بالمشط وفي تفسير أسباط عن السدي عن أصحابه أبي ~~مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن أناس من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} الآية ~~قال: لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسح صفحة ms017 ظهر آدم ~~اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم ادخلوا الجنة ~~برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال أدخلوا ~~النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم ~~الميثاق فقال ألست بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على ~~وجه التقية فقال هو والملائكة: {شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل} الآية فلذلك ليس أحد من ولد ~~آدم إلا وهو يعرف أن الله ربه ولا مشرك إلا وهو يقول:: {إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} فذلك قوله عز وجل: {وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذريتهم} وذلك حين يقول: {وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها} وذلك حين يقول: {قل فلله الحجة البالغة # PageV01P011 # فلو شاء لهداكم أجمعين} قال يعني يوم أخذ الميثاق، وقال إسحاق حدثنا وكيع ~~حدثنا مضر عن ابن سليط قال قال أبو بكر رضي الله عنه: "خلق الله الخلق ~~قبضتين فقال لمن في يمينه ادخلوا الجنة بسلام وقال لمن في يده الأخرى ~~ادخلوا النار ولا أبالي" وأخبرنا جرير بن الأعمش عن أبي ظبيان عن رجل من ~~الأنصار من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الخلق قبض ~~قبضتين بيده فقال لمن في يمينه أنتم أصحاب اليمين وقال لمن في اليد الأخرى ~~أنتم أصحاب الشمال فذهبت إلى يوم القيامة"، وقال عبد الله بن وهب في كتاب ~~القدر أخبرني جرير بن حازم عن أيوب السختياني عن أبي قلابة قال: "إن الله ~~عز وجل لما خلق آدم أخرج ذريته ثم نشرهم في كفه ثم أفاضهم فألقى التي في ~~يمينه عن يمينه والتي في يده الأخرى عن شماله ثم قال هؤلاء لهذه ولا أبالي ~~وهؤلاء لهذه ولا أبالي وكتب أهل النار وما هم عاملون وأهل الجنة وما هم ~~عاملون فطوى الكتاب ورفع القلم"، وقال أبو داود ثنا مسدد ثنا ms018 حماد بن زيد ~~عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي صالح فذكره قال ابن وهب وأخبرني عمرو بن الحرث ~~وحيوة ابن شريح عن ابن أبي أسيد هكذا قال عن أبي فراس حدثه أنه سمع عبد ~~الله بن عمرو يقول: "إن الله عز وجل لما خلق آدم نفضه نفض المرود فأخرج من ~~ظهره ذريته أمثال النغف فقبضهم قبضتين ثم ألقاهما ثم قبضهما فقال فريق في ~~الجنة وفريق في السعير"، قال ابن وهب وأخبرني يونس بن يزيد عن الأوزاعي عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "من كان يزعم أن مع الله قاضيا أو رازقا أو ~~يملك لنفسه ضرا أو نفعا أو موتا أو حياة أو نشورا لقي الله فأدحض حجته ~~وأحرق لسانه وجعل صلاته وصيامه هباء وقطع به الأسباب وأكبه الله على وجهه ~~في النار وقال أن الله خلق الخلق فأخذ منهم الميثاق وكان عرشه على الماء"، ~~وذكر أبو داود ثنا يحيى بن حبيب ثنا معتمر ثنا أبي عن أبي العالية في قوله ~~عز وجل: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة ~~الله هم فيها خالدون} قال صاروا فريقين وقال لمن سود وجوههم وغيرهم أكفرتم ~~بعد أيمانكم قال هو الإيمان الذي كان حيث كانوا أمة واحدة مسلمين قال أبو ~~داود وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا أبو نعامة السعدي قال كنا ~~عند أبي عثمان النهدي فحمدنا الله عز وجل فذكرناه ودعوناه فقلت لأنا بأول ~~هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره فقال أبو عثمان ثبتك الله كنا عند سلمان ~~فحمدنا الله عز وجل وذكرناه ودعوناه فقلت لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني ~~بآخره فقال سلمان: "ثبتك الله إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم مسح ظهره ~~فأخرج من ظهره ما هو ذارئ إلى يوم القيامة فخلق الذكر والأنثى والشقوة ~~والسعادة والأرزاق والآجال والألوان ومن علم السعادة فعل الخير ومجالس ~~الخير ومن علم الشقاوة ms019 فعل الشر ومجالس الشر" وقال أبو داود حدثنا موسى بن ~~إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: "مسح ربك تعالى ظهر آدم فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة أخذ ~~عهودهم ومواثيقهم" قال سعيد: فيرون أن القلم جف يومئذ، وقال الضحاك خرجوا ~~كأمثال الذر ثم أعادهم فهذه وغيرها تدل على أن الله سبحانه قدر أعمال بني ~~آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق أبيهم وأراهم لأبيهم آدم ~~صورهم وأشكالهم وحلاهم وهذا والله أعلم أمثالهم وصورهم، وأما تفسير قوله ~~تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم} الآية به ففيه ما فيه وحديث عمر لو صح لم ~~يكن تفسيرا للآية وبيان # PageV01P012 # إن ذلك هو المراد بها فلا يدل الحديث عليه ولكن الآية دلت على أن هذا ~~الآخذ من بني آدم لا من آدم وأنه من ظهورهم لا من ظهره وأنهم ذرياتهم أمة ~~بعد أمة وأنه إشهاد تقوم به الحجة له سبحانه فلا يقول الكافر يوم القيامة ~~كنت غافلا عن هذا ولا يقول الولد أشرك أبي وتبعته فإن ما فطرهم الله عليه ~~من الإقرار بربوبيته وأنه ربهم وخالقهم وفاطرهم حجة عليهم ثم دل حديث عمر ~~وغيره على أمر آخر لم تدل عليه الآية وهو القدر السابق والميثاق الأول وهو ~~سبحانه لا يحتج عليهم بذلك وإنما يحتج عليهم برسله وهو الذي دلت عليه الآية ~~فتضمنت الآية والأحاديث إثبات القدر والشرع وإقامة الحجة والإيمان بالقدر ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عنها بما يحتاج العبد إلى معرفته ~~والإقرار به معها وبالله التوفيق. # PageV01P013 ### | الباب الثالث: في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم صلوات الله وسلامه عليهم # عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احتج آدم وموسى ~~فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى ~~اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي ms020 قبل ~~أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى فحج آدم ~~موسى فحج آدم موسى" وفي رواية "كتب لك التوراة بيده" وفي لفظ آخر: "تحاج ~~آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من ~~الجنة فقال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس ~~برسالته قال نعم قال أفتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق"، وفي لفظ آخر: ~~"احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى فقال موسى أنت آدم الذي خلقك الله ~~بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس ~~بخطيئتك إلى الأرض قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ~~وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة ~~قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم هل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى ~~قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله قبل أن ~~يخلقني بأربعين سنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى"، وفي ~~لفظ آخر: "احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من الجنة" ~~وذكر الحديث متفق على صحته وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق ~~السماوات بخمسين ألف سنة، وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي ~~علي الجبائي ومن وافقه على ذلك وقال لو صح لبطلت نبوات الأنبياء فإن القدر ~~إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي ~~إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه وهذا من ضلال فريق ~~الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم ~~تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق ~~والتسليم ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قاله وحكموا بصحته فما لأجهل ms021 الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها ~~وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن ولم يزل ~~أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P013 # التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة كما ردوا أحاديث الرؤية ~~وأحاديث علو الله على خلقه وأحاديث صفاته القائمة به وأحاديث الشفاعة ~~وأحاديث نزوله إلى سمائه ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده وأحاديث تكلمه ~~بالوحي كلاما يسمعه من شاء من خلقه حقيقة إلى أمثال ذلك وكما ردت الخوارج ~~والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وكما ردت ~~الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة وكما ردت المعطلة ~~أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية وكما ردت القدرية المجوسية أحاديث ~~القضاء والقدر السابق وكل من أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرا إلى ~~رد السنة وتحريفها عن مواضعها فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما ~~جاء به الرسول فهو أصلهم الذي عليه يعولون وجنتهم التي إليها يرجعون، ثم ~~اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى فقالت ~~فرقة إنما حجه لأن آدم أبوه فحجه كما يحج الرجل ابنه وهذا الكلام لا محصل ~~فيه البتة فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد ~~أو السيد ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة وقالت فرقة إنما حجه ~~لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة وهذا من جنس ما قبله إذ لا تأثير ~~لهذا في الحجة بوجه وهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها ~~وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير ~~أهل شريعتهم وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب والتائب من ~~الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لومه وهذا وإن كان أقرب مما قبله فلا يصح ~~لثلاثة أوجه أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه ولا جعله حجة على موسى ولم ~~يقل أتلومني على ذنب ms022 قد تبت منه، الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ~~ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه ~~بعده وهداه فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلا عن كليم الرحمن، ~~الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي صلى الله عليه وسلم وجه الحجة ~~واعتبار ما ألغاه فلا يلتفت إليه وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه لامه في ~~غير دار التكليف ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه وهذا أيضا ~~فاسد من وجهين أحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف وإنما ~~قال أتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق فلم يتعرض للدار وإنما احتج في ~~القدر السابق الثاني أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار ~~التكليف فيلومهم بعد الموت ويلومهم يوم القيامة وقالت فرقة أخرى إنما حجه ~~لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته وإنه لا ~~تحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه وأنه لا راد لقضائه وقدره وأنه ما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن قالوا ومشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة لأنه شهد ~~نفسه عدما محضا والأحكام جارية عليه معروفة له وهو مقهور مربوب مدبر لا ~~حيلة له ولا قوة له قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم وهذا المسلك ~~أبطل مسلك سلك في هذا الحديث وهو شر من مسلك القدرية في رده وهم إنما ردوه ~~إبطالا لهذا القول وردا على قائليه وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم ~~وأخطأوا في رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا المسلك لو صح ~~لبطلت الديانات جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود ~~معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكر أبدا ولهذا ~~قال شيخ الملحدين ابن سينا في إشارته العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر ~~الله تعالى في القدر وهذا كلام # PageV01P014 # منسلخ من ms023 الملل ومتابعة الرسل وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم ~~الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا ~~للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر ~~لبصرته بالأمر والقدر فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه ~~وينفذه له فيقوم في مقام: {إياك نعبد وإياك نستعين} وفي مقام فاعبده وتوكل ~~عليه فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره فهذا حقيقة ~~المعرفة وصاحب هذا المقام هو العارف بالله وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم ~~إلى خاتمهم وأما من يقول: # أصبحت منفعلا لما يختاره منى ففعلي كله طاعات # ويقول أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته ويقول العارف لا ينكر ~~منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من ~~أتباعهم وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل ~~فقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} إلى ~~قوله: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} وقال تعالى: {وقال ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} إلى قوله: {فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين} وقال تعالى: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ~~قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} وقال تعالى: ~~{وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} ~~فهذه أربع مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه وشيخهم وإمامهم في ذلك ~~عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال:: {قال رب بما أغويتني لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} فإن قيل قد علم بالنصوص والمعقول صحة قولهم ~~لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ~~نحن ولا آباؤنا ولو شاء الرحمن ما عبدناهم فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ ~~لم يكن وقد قال تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه} وقال: {ولو شئنا لآتينا كل ms024 ~~نفس هداها} فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه ~~صادقون وأهل السنة جميعا يقولون لو شاء الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به ~~كافر ولا عصاه أحد من خلقه فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون قيل أنكر ~~سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين ولم ينكر عليهم صدقا ~~ولا حقا بل أنكر عليهم أبطل الباطل فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتا لقدره ~~وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه وتوكلا عليه واستعانة به ولو قالوا كذلك ~~لكانوا مصيبين وإنما قالوه معارضين به لشرعه ودافعين به لأمره فعارضوا شرعه ~~وأمره ودفعوه بقضائه وقدره ووافقهم على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر ~~وأيضا فإنهم احتجوا بمشيئتة العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به ~~وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال معارضة الأمر بالقدر ودفعه به ~~والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه وأن لهم الحجة ~~على الرسل بالقضاء والقدر وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من ~~الناس ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعي فيه ذلك وقالوا العارف إذا شاهد ~~الحكم سقط عنه اللوم وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن ~~محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله منه فإنه قال في باب التوبة من ~~منازل السائرين ولطائف التوبة ثلاثة أشياء، أولها: أن ننظر في الجناية ~~والقضية فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله تعالى إنما يخلي ~~العبد والذنب لأحد معنيين: أن يعرف عبرته في قضائه وبره في مسيره وحلمه في ~~إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته، والثاني: ليقيم على ~~العبد حجة عدله فيعاقبه # PageV01P015 # على ذنبه بحجته، واللطيفة الثانية: أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنته لم ~~تبق له حسنه بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة ويطلب عيب النفس والعمل، ~~واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا ~~استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى ms025 معنى الحكم، فهذا الكلام الأخير ~~ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح والشرائع كلها مبناها على ~~استحسان هذا واستقباح هذا بل مشاهدة الحكم تزيد البصير استحسانا للحسن ~~واستقباحا للقبيح وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره قوي ~~استحسانه واستقباله فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر وغضبه لله ولحدوده ~~ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة وكلامه المتقدم بين في ~~رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسنه الله وهو كالمحكم فيه ~~وهذا متشابه فيرد إلى محكم كلامه والذي يليق به ما ذكره شيخنا أبو العباس ~~أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في الفناء والاصطلام فقال ~~الفناء عبارة عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد ~~فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل ~~الإنسان في أمر عظيم دهمه فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور ~~المهمة مثاله رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض فأذهله ما ~~يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به وهذا تقريب والأمر فوق ذلك ~~فكيف بمن أشهده الله عز وجل فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء ~~مواتا لا قوام لها إلا بقدرته فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق ~~تعالى وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في ~~القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها وصفى الله عبده من ~~درنه ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء فمتى تجلت على العبد أنوار المشاهدة ~~الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية تلاشى الوجود الذي للعبد ~~واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ويكون العبد في ذلك آكلا ~~شاربا فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ~~ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء في أوقات سكره ويبقى وجوده كالخيال قائما ~~بالعبودية في حضرة ذي الجلال وتعود عليه البصائر الصحيحة في ms026 معرفة الأشياء ~~عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف وذلك هو البقاء ~~بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال ~~البقاء بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله عز وجل مشهده فيه ~~قيامه عليه بتدبيره ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد فيصير ~~به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح ووجه آخر وهو أن الفاني في حال ~~فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحوة والتمييز فيستر من قلبه محل ~~الزهد والصبر والورع لا بمعنى أن تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد لكن ~~بمعنى أن الشهود ستر محلها من القلب وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج ~~الحال النازل في الحال العالي فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا ~~وتبعا وصار القلب مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب ~~العبد لوجد فيه الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من ~~الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها وفي حال البقاء ~~والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه إذا علمت ذلك ~~انحل إشكال قوله إن مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة # PageV01P016 # لصعوده إلى معنى الحكم أي أن صفة حكم الله حشت بصيرته وملأتها فشهد قيام ~~الله على الأشياء وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن ~~نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز ~~والفرق ويسمى هذا جمعا لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في ~~الكون وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات اجتمع قلبه ولضعف قلبه ~~حين هذا الاجتماع لم يتسع للتمييز الشرعي بين الحسن والقبيح بمعنى أنه ~~انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز ~~لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح بل اندرج في مشهده وانطوى ~~بحيث لو فتش لوجد حكم ms027 التحسين والتقبيح مستورا في طي مشهده ذلك وبالله ~~التوفيق، وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه الله أن للفعل وجهين وجه قائم بالرب ~~تعالى وهو قضاؤه وقدره له وعلمه به والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول ~~وملاحظة للوجه الثاني والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى بل ~~يشهد قضاء الرب وقدره ومشيئته ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته ~~فيشهد الربوبية والعبودية فيجتمع في قلبه معنى قوله: {لمن شاء منكم أن ~~يستقيم} مع قوله: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} وقوله: {إنه تذكرة فمن شاء ~~ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله} فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين ~~ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه وضعف المحل فيغيب بشهود ~~العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من ~~غير إنكار له فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي وهذا لا يضره إذا ~~كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية ~~الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته فيغيب بشهود ~~الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه ~~حسنا أو قبيحا وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في ~~قلبه وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه وبالله التوفيق، فأين ~~هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه وعباد هؤلاء ~~الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ولو أغضبهم ~~غيرهم وقصر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة فما ~~احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي الآمن هو من أجهل الناس وأظلمهم ~~وأتبعهم لهواه وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته ~~وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه ~~منهم: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} فأخبر سبحانه أن ~~الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم ms028 وتمكنهم من الإيمان ~~بمعرفة أوامره ونواهيه وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجته ~~البالغة عليهم بذلك واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه ثم قرر تمام ~~الحجة بقوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية ~~والملك والتصرف في خلقه وأنه لا رب غيره ولا إله سواه فكيف يعبدون معه إلها ~~غيره فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم وأن الأمر كله لله ~~وأن كل شيء ما خلا الله باطل فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة ~~التوحيد فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك فكانت حجة الله هي ~~البالغة وحجتهم هي الداحضة وبالله التوفيق، إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله ~~وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده ~~وهداه واصطفاه وآدم # PageV01P017 # أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إنما لام موسى آدم على ~~المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء ~~والمحنة بسبب خطيئة أبيهم فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة المحنة التي ~~نالت الذرية ولهذا قال له أخرجتنا ونفسك من الجنة وفي لفظ خيبتنا فاحتج آدم ~~بالقدر على المصيبة وقال أن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت ~~مكتوبة بقدره قبل خلقي والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني ~~على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة هذا جواب شيخنا رحمه ~~الله وقد يتوجه جواب آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ~~ويضر في موضع ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك ~~معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء ~~الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ~~ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة ~~من الحول والقوة، يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملا كان ~~مكتوبا علي قبل أن أخلق ms029 فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره ~~حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ~~ويقول هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ~~ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به وأما الموضع الذي يضر ~~الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا ~~فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به ~~حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ~~{لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} : {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} فاحتجوا ~~به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم ~~يقروا بفساده فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على ~~أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال كان ما كان بقدر الله، ونكتة ~~المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم واقعا ~~فالاحتجاج بالقدر باطل، فإن قيل فقد احتج علي بالقدر في ترك قيام الليل ~~وأقره النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن علي: "أن رسول الله صلى ~~الله عيه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال لهم ألا تصلون قال فقلت يا رسول الله ~~إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها فانصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ~~وهو يقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} "، قيل علي لم يحتج بالقدر على ترك ~~واجب ولا فعل محرم وإنما قال أن نفسه ونفس فاطمة بيد الله فإذا شاء أن ~~يوقظها ويبعث أنفسها بعثها وهذا موافق لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~ناموا في الوادي: "إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء" وهذا احتجاج ~~صحيح صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير ms030 المفرط بالقدر صحيح وقد ~~أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع ~~العبد الاحتجاج به فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل ~~خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني ~~فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله ما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" فتضمن ~~هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان أحدها: أن الله سبحانه ~~وتعالى موصوف بالمحبة وأنه # PageV01P018 # يحب حقيقة الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها فهو القوي ~~ويحب المؤمن القوي وهو وتر يحب الوتر وجميل يحب الجمال وعليم يحب العلماء ~~ونظيف يحب النظافة ومؤمن يحب المؤمنين ومحسن يحب المحسنين وصابر يحب ~~الصابرين وشاكر يحب الشاكرين، ومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم ~~أكثر من بعض، ومنها أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده ~~والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه ~~محمودا وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا وأن يكون حرصه على ~~ما ينتفع به فإن حرص على مالا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من ~~الكمال بحسب ما فاته من ذلك فالخير كله في الحرص على ما ينفع ولما كان حرص ~~الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به ~~ليجتمع له مقام: {إياك نعبد وإياك نستعين} فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله ~~ولا تتم إلا بمعونته فأمره بأن يعبده وأن يستعين به ثم قال ولا تعجز فإن ~~العجز ينافي حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله فالحريص على ما ينفعه ~~المستعين بالله ضد العاجز فهذا إرشاد له قبل رجوع المقدور إلى ما هو من ~~أعظم أسباب حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ~~ومصدرها منه ومردها إليه ms031 فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان حالة عجز وهي ~~مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى لو ولا فائدة في لو ههنا بل هي مفتاح ~~اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه صلى الله ~~عليه وسلم عن افتتاح عمله بهذا المفتاح وأمره بالحالة الثانية وهي النظر ~~إلى القدر وملاحظته وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له ~~ههنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجود المقدور وإذا ~~انتفت امتنع وجوده فلهذا قال فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ~~ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول ~~مطلوبة وحالة فواته فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا بل ~~هو أشد شيء إليه ضرورة وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام ~~والعبودية ظاهرا وباطنا في حالتي حصول المطلوب وعدمه وبالله التوفيق. # PageV01P019 ### | الباب الرابع: في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه وذكر الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك # عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق: "إن أحدكم ليجمع خلقا في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة ~~مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه ~~الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله ~~غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~الجنة فيدخلها" متفق عليه وعن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ms032 أو خمس ~~وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب أذكر أم أنثى # PageV01P019 # فيكتبان ويكتب عمله وأثره واجله ورزقه ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ~~ينقص" رواه مسلم وعن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: "الشقي ~~من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره" فأتى رجلا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن ~~مسعود فقال وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل أتعجب من ذلك فأنى سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ~~بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال ~~يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله ~~فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما يشاء ويكتب ~~الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص" وفي ~~لفظ آخر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول: "إن النطفة ~~تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك" قال زهير بن معاوية أحسبه ~~قال: "الذي يخلقها فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيجعله الله ذكرا أو أنثى ثم ~~يقول يا رب أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب ما ~~رزقه وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا" وفي لفظ آخر إن ملكا ~~موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله ولبضع وأربعين ليلة ثم ~~ذكر نحوه وهذا الحديث بطرقه انفرد به مسلم وعن أنس بن مالك قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب ~~نطفة أي رب علقة أي رب مضغة وإذا أراد أن يقضي خلقا قال الملك أي ms033 رب ذكر أو ~~أنثى شقي أو سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه" متفق عليه ~~وقال ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سعيد بن عبد الرحمن بن هنيدة ~~حدثهم أن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد ~~الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام معها يا رب أذكر أم أنثى فيقضي الله ~~بأمره ثم يقول يا رب شقي أم سعيد فيقضي الله أمره ثم يكتب بين عينيه ما هو ~~لاق حتى النكبة ينكبها" قال ابن وهب وأخبرني عبد الله بن لهيعة عن بكر بن ~~سوادة الجدمي عن أبي تميم الجيشاني عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إذا دخلت يعني النطفة في الرحم أربعين أتى ملك النفس فعرج إلى الرب ~~فقال يا رب عبدك أذكر أو أنثى فيقضي الله بما هو قاض أشقي أم سعيد فيكتب ما ~~هو كائن وذكر بقية الحديث وقال ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن كعب بن علقمة ~~عن عيسى عن هلال عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: "إذا مكثت النطفة ~~في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها ملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الله تعالى ~~أخلق يا أحسن الخالقين فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره ثم تدفع إلى الملك ~~فيسأل الملك عند ذلك فيقول يا رب أسقط أم يتم فيبين له ثم يقول يا رب أواحد ~~أم توأم فيبين له ثم يقول له أقطع رزقه مع خلقه فيقضيهما جميعا فوالذي نفس ~~محمد بيده لا ينال إلا ما قسم له يومئذ إذا أكل رزقه قبض" وقال عبد الله بن ~~أحمد أنا العلاء ثنا أبو الأشعث ثنا أبو عامر عن الزبير بن عبد الله حدثني ~~جعفر بن مصعب قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "إن الله سبحانه حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل ~~الرحم فيقول أي رب ماذا ms034 فيقول غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم ~~فيقول أي رب أشقي أم سعيد فيقول شقي أو سعيد فيقول أي رب ما أجله فيقول كذا ~~وكذا فيقول ما خلقه ما خلائقه فيقول # PageV01P020 # كذا وكذا فما شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم" وفي المسند من حديث إسماعيل ~~بن عبيد الله وهو ابن أبي المهاجر أن أم الدرداء حدثته عن أبي الدرداء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فرغ الله عز وجل إلى كل عبد من خمس من أجله ~~ورزقه ومضجعه وأثره وشقي أم سعيد" وقال ابن حميد ثنا يعقوب بن عبد الله عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إذا وقعت النطفة في الرحم تلبث أربعة أشهر ~~وعشرا ثم تنفخ فيها الروح ثم تلبث أربعين ليلة ثم يبعث إليها ملك فنقفها في ~~نقرة القفا وكتب شقيا أو سعيدا" وروى ابن أبي خيثمة ثنا عبد الرحمن بن ~~المبارك ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "السعيد من سعد في بطن أمه" رواه أبو داود في القدر عن عبد ~~الرحمن عن حماد عن هشام بن حسان عن محمد به وقال أحمد بن عبد أنبأنا علي بن ~~عبد الله بن ميسر ثنا عبد الحميد بن بيان ثنا خالد بن عبد الله عن يحيى بن ~~عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه" وقال سعيد عن أبي ~~إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: "الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من ~~وعظ بغيره" وقال شعبة عن مخارق عن طارق عن عبد الله بن مسعود قال: "إن أصدق ~~الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها فاتبعوا ولا ~~تبتدعوا فإن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره وأن شر الروايا ~~روايا الكذب وشر ms035 الأمور محدثاتها وكل ما هو آت قريب" رواهن أبو داود في ~~القدر وذكر الطبري من رواية أبي إسحاق عن أبي عبدة عنه أنه كان يجيء كل يوم ~~خميس يقوم قائما لا يجلس فيقول إنما هما اثنتان فأحسن الهدى هدى محمد وأصدق ~~الحديث كتاب الله وشر الأمور محدثاتها وكل محدث ضلالة إن الشقي من شقي في ~~بطن أمه وأن السعيد من وعظ بغيره ألا فلا يطولن عليكم الأمد ولا يلهينكم ~~الأمل فإن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما ليس آتيا وأن من شرار الناس ~~بطال النهار جيفة الليل وأن قتل المؤمن كفر وإن سبابه فسوق ولا يحل لمسلم ~~أن يهجر أخاه فوق ثلاث ألا إن شر الروايا روايا الكذب وأنه لا يصلح من ~~الكذب جد ولا هزل ولا أن يعد الرجل صفيه ثم لا ينجزه ألا وأن الكذب يهدى ~~إلى الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار وأن الصدق يهدي إلى البر وأن البر ~~يهدي إلى الجنة وأن الصادق يقال له صدق وبر وأن الكاذب يقال له كذب وفجر ~~وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أن العبد ليصدق فيكتب عند ~~الله صديقا وأنه ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ألا هل تدرون ما العضة هي ~~النميمة التي تفسد بين الناس" وهذا متواتر عن عبد الله وبلغ معاوية أن ~~الوباء اشتد بأهل دار فقال لو حولناهم عن مكانهم فقال له أبو الدرداء: كيف ~~لك يا معاوية بأنفس قد حضرت آجالها فكأن معاوية وجد على أبي الدرداء فقال ~~له كعب يا معاوية لا تجد على أخيك فإن الله سبحانه لم يدع نفسا حين تستقر ~~نطفتها في الرحم أربعين ليلة إلا كتب خلقها وخلقها وأجلها ورزقها ثم لكل ~~نفس ورقة خضراء معلقة بالعرش فإذا دنا أجلها خلقت تلك الورقة حتى تيبس ثم ~~تسقط فإذا يبست سقطت تلك النفس وانقطع أجلها ورزقها ذكره أبو داود عن محمود ~~بن خالد ثنا مروان ثنا معاوية بن سلام حدثني أخي زيد بن سلام عن ms036 جده ابن ~~سلام قال بلغ معاوية فذكره وقال أبو داود ثنا واصل بن عبد الأعلى ثنا ابن ~~فضيل عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن الحكم عن مجاهد في قوله تعالى: {وكل ~~إنسان ألزمناه طائره في # PageV01P021 # عنقه} قال ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد وفي ~~الصحيحين عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الغلام ~~الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا وفي ~~صحيح مسلم عن عائشة قالت: "توفي صبي من الأنصار فقلت طوبى له عصفور من ~~عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال أو غير ذلك يا عائشة إن الله ~~خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" ولا يناقض هذا حديث سمرة بن ~~جندب الذي رواه البخاري في صحيحه من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أطفال ~~المشركين حول إبراهيم الخليل في الروضة فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد ~~كالبالغين فالذي رآه حول إبراهيم السعداء من أطفال المسلمين والمشركين ~~وأنكر على عائشة شهادتها للطفل المعين أنه عصفور من عصافير الجنة فاجتمعت ~~هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته وسعادته وهو في ~~بطن أمه واختلفت في وقت هذا التقدير وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق ~~على خلق السماوات والأرض وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق ~~أبيهم آدم ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من ~~حصول النطفة في الرحم وحديث أنس غير مؤقت وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت ~~فيه التقدير بأربعين يوما وفي لفظ بأربعين ليلة وفي لفظ ثنتين وأربعين ليلة ~~وفي لفظ بثلاث وأربعين ليلة وهو حديث تفرد به مسلم ولم يروه البخاري وكثير ~~من الناس يظن التعارض بين الحديثين ولا تعارض بينهما بحمد الله وأن الملك ~~الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره الله سبحانه على رأس الأربعين الأولى حتى ~~يأخذ في الطور الثاني وهو العلقة وأما الملك ms037 الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها ~~بعد الأربعين الثالثة فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتي رزقه وأجله وعمله ~~وشقاوته وسعادته وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل ~~بالنطفة ولهذا قال في حديث ابن مسعود ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ~~وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راتب معها ينقلها بإذن الله من حال إلى حال ~~فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق ويقدر ~~شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما فهو تقدير بعد تقدير ~~فاتفقت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق بعضها بعضا ودلت كلها على ~~إثبات القدر السابق ومراتب التقدير وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط ~~في الرواية ومتى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبين أن الأمر كله من مشكاة ~~واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق وبالله التوفيق. # PageV01P022 ### | الباب الخامس: في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر # قال تعالى: {حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين} وهذه هي ليلة ~~القدر قطعا لقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ومن زعم أنها ليلة ~~النصف من شعبان فقد غلط قال سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ليلة القدر ~~ليلة الحكم وقال سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير يؤذن للحجاج في ~~ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد ~~فيهم ولا ينقص منهم وقال ابن علية ثنا ربيعة بن كلثوم قال قال رجل للحسن ~~وأنا أسمع أرأيت ليلة القدر في كل رمضان هي قال نعم والله الذي لا إله إلا ~~هو # PageV01P022 # إنها لفي كل رمضان وأنها لليلة القدر يفرق فيها كل أمر حكيم فيها يقضي ~~الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها وذكر يوسف بن مهران عن ابن عباس قال يكتب ~~من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى ~~الحجاج ms038 يقال يحج فلان ويحج فلان وذكر عن سعيد بن جبير في هذه الآية أنك ~~لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى وقال مقاتل يقدر الله ~~في ليلة القدر أمر السنة في بلاده وعباده إلى السنة القابلة وقال أبو عبد ~~الرحمن السلمي يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر وهذا هو الصحيح أن القدر ~~مصدر قدر الشيء يقدره قدرا فهي ليلة الحكم والتقدير وقالت طائفة ليلة القدر ~~ليلة الشرف والعظمة من قولهم لفلان قدر في الناس فإن أراد صاحب هذا القول ~~أن لها قدرا وشرفا مع ما يكون فيها من التقدير فقد أصاب وإن أراد أن معنى ~~القدر فيها هو الشرف والخطر فقد غلط أن الله سبحانه أخبر أن فيها يفرق أي ~~يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم. # PageV01P023 ### | الباب السادس: في التقدير الخامس اليومي # قال الله تعالى: {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} ذكر ~~الحاكم في صحيحه من حديث أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن ~~مما خلق الله لوحا محفوظا من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور ~~وكتابه نور ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة أو مرة ففي كل نظرة منها ~~يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله: {كل يوم هو في ~~شأن} وقال مجاهد والكلبي وعبيد ابن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل من شأنه ~~أنه يحيي ويميت ويرزق ويمنع وينصر ويعز ويذل ويفك عانيا ويشفي مريضا ويجيب ~~داعيا ويعطي سائلا ويتوب على قوم ويكشف كربا ويغفر ذنبا ويضع أقواما ويرفع ~~آخرين دخل كلام بعضهم في بعض وقد ذكر الطبراني في المعجم والستة وعثمان بن ~~سعيد الدارمي في كتاب الرد على المريسي عن عبد الله بن مسعود قال: "إن ربكم ~~عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات والأرض نور وجهه وأن مقدار كل ~~يوم من أيامكم عنده ثنتي عشرة ساعة فيعرض عليه أعمالكم فيها على ما يكره ~~فيغضبه ذلك ms039 وأول من يعلم غضبه العرش يجدونه يثقل عليهم فيسبحه حملة العرش ~~وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة ثم ينفخ جبريل في القرن ~~فلا يبقى شيء إلا سمع صوته فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن عز ~~وجل رحمة فتلك ست ساعات ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله ~~في كتابه: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} وقوله: {يهب لمن يشاء ~~إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ~~إنه عليم قدير} فتلك تسع ساعات ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات ~~فذلك قوله في كتابه: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} : {كل يوم هو في شأن} قال ~~هذا شأنكم وشأن ربكم تبارك وتعالى" قال الطبراني ثنا بشر بن موسى ثنا يحيى ~~بن إسحاق أنا حماد بن سلمة عن أبي عبد السلام عن عبد الله أو عبيد الله ابن ~~مكرز عن ابن مسعود فذكره وقال عثمان بن سعيد الدارمي ثنا موسى بن إسماعيل ~~ثنا حماد بن سلمة عن الزبير بن أبي عبد السلام عن أيوب بن عبيد الله الفهري ~~أن ابن مسعود قال: "أن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار.." فذكر الحديث إلى قوله ~~"فيسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة" ~~فهذا تقدير يومي والذي قبله تقدير حولي والذي قبله تقدير عمري عند تعلق ~~النفس # PageV01P023 # به والذي قبله كذلك عند أول تخليقه وكونه مضغة والذي قبله تقدير سابق على ~~وجوده لكن بعد خلق السماوات والأرض والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات ~~والأرض بخمسين ألف سنة وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير ~~السابق وفي ذلك دليل على كمال علم الرب وقدرته وحكمته وزيادة تعريف ~~لملائكته وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه وقد قال تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون} وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ ~~فتستنسخ الملائكة ما يكون من أعمال بني آدم قبل أن يعملوها فيجدون ذلك ~~موافقا لما يعملونه فيثبت الله تعالى منه ما فيه ثواب ms040 أو عقاب ويطرح منه ~~اللغو وذكر ابن مردويه في تفسيره من طرق إلى بقية عن أرطأة بن المنذر عن ~~مجاهد عن ابن عمر يرفعه أن أول خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه ~~يمين فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول من بر أو فجور رطب أو يابس ~~فأحصاه عند الذكر وقال اقرؤا إن شئتم: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا ~~كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه وقال ~~آدم ثنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن مقسم عن ابن عباس إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون قال تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم فإنما يعمل ~~الإنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب وفي تفسير الأشجع عن سفيان عن ~~منصور عن مقسم عن ابن عباس قال كتب في الذكر عنده كل شيء هو كائن ثم بعث ~~الحفظة على آدم وذريته وكل ملائكته ينسخون من الذكر ما يعمل العباد ثم قرأ: ~~{هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} وفي تفسير ~~الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال هي أعمال أهل الدنيا الحسنات والسيئات ~~تنزل من السماء كل غداة وعشية ما يصيب الإنسان في ذلك اليوم أو الليلة الذي ~~يقتل والذي يغرق والذي يقع من فوق بيت والذي يتردى من جبل والذي يقع والذي ~~يحرق بالنار فيحفظوا عليه ذلك كله وإذا كان الشيء صعدوا به إلى السماء ~~فيجدونه كما في السماء مكتوبا في الذكر الحكيم. # PageV01P024 ### | الباب السابع: في أن سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقضي ترك الأعمال بل يقضي الاجتهاد والحرص # يسبق إلى أفهام كثير من الناس أن القضاء والقدر إذا كان قد سبق فلا فائدة ~~في الأعمال وإن ما قضاه الرب سبحانه وقدره لا بد من وقوعه فتوسط العمل لا ~~فائدة فيه وقد سبق إيراد هذا السؤال من الصحابة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأجابهم بما فيه الشفاء والهدى ففي الصحيحين عن علي ms041 بن أبي طالب قال: ~~"كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ~~مخصرة فنكس فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة ~~إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة فقال رجل يا ~~رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة ~~فسيصير إلى عمل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ~~فقال اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل ~~الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق ~~بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} ~~وفي بعض طرق البخاري أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن # PageV01P024 # كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة من كل من أهل الشقاوة ~~فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة وعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: " جاء ~~سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن ~~فيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟ ~~قال: "لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير قال: ففيم العمل فقال: ~~اعملوا فكل ميسر" رواه مسلم وعن عمران بن حصين قال: قيل يا رسول الله أعلم ~~أهل الجنة من أهل النار فقال: نعم قيل ففيم يعمل العاملون فقال كل ميسر لما ~~خلق له" متفق عليه وفي بعض طرق البخاري "كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له" ~~ورواه الإمام أحمد أطول من هذا فقال: ثنا صفوان بن عيسى ثنا عروة بن ثابت ~~عن يحي بن عقيل عن أبي نعيم عن أبي الأسود الدؤلي قال: غدوت على عمران بن ~~حصين يوما من الأيام فقال: إن رجلا من جهينة أو مزينة أتى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون ms042 فيه ~~شيء قضى عليهم أو مضى عليهم في قدر قد سبق أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به ~~نبيهم واتخذت عليهم الحجة قال بل شيء قضى عليهم قال فلم يعملون إذا يا رسول ~~الله قال من كان الله عز وجل خلقه لواحدة من المنزلتين فهيأه لعملها وتصديق ~~ذلك في كتاب الله: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} وقال المحاملي ~~ثنا أحمد بن المقدام ثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أبا سفيان يحدث عن عبد ~~الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال نزل فمنهم شقي وسعيد فقال عمر: ~~يا نبي الله على م نعمل على أمر قد فرغ منه أم لم يفرغ منه قال لا على أمر ~~قد فرغ منه قد جرت الأقلام ولكن كل ميسر: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ~~فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} فاتفقت ~~هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال ~~عليه بل يوجب الجد والاجتهاد ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال ما كنت أشد ~~اجتهادا مني الآن وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم وصحة ~~علومهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على ~~الخليقة بالأسباب فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه ومكن منه ~~وهيئ له فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب وكلما ~~زاد اجتهادا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه وهذا كما إذا قدر ~~له أن يكون من أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على ~~التعلم وأسبابه وإذا قدر له أن يرزق الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو ~~التسري والوطء وإذا قدر له أن يستغل من أرضه من المغل كذا وكذا لم ينله إلا ~~بالبذر وفعل أسباب الزرع وإذا قدر الشبع والري فذلك موقوف على الأسباب ~~المحصلة لذلك من الأكل والشرب واللبس وهذا شأن أمور المعاش والمعاد فمن عطل ms043 ~~العمل اتكالا على القدر السابق فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب والحركة في ~~المعاش وسائر أسبابه اتكالا على ما قدر له وقد فطر الله سبحانه عباده على ~~الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية بل فطر الله على ~~ذلك سائر الحيوانات فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم ~~فإنه سبحانه رب الدنيا والآخرة وهو الحكيم بما نصه من الأسباب في المعاش ~~والمعاد وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة فهو مهيأ له ~~ميسر له فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان ~~أشد اجتهادا في فعلها من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه وقد ~~فقه هذا كل الفقه من قال # PageV01P025 # ما كنت أشد اجتهادا مني الآن فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يقضي ~~به إلى رياض مونقة وبساتين معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا ~~تعب كان حرصه على سلوكها واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه ~~ولهذا قال أبو عثمان النهدي لسلمان لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره ~~وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة وهيأه ويسره للوصول إليها كان ~~فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها ~~فإنها سبقت له من الله قبل الوسيلة منه وعلمها الله وشاءها وكتبها وقدرها ~~وهيأ له أسبابها لتوصله إليها فالأمر كله من فضله وجوده السابق فسبق له من ~~الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها فالمؤمن أشد فرحا بذلك من كون أمره ~~مجعولا إليه كما قال بعض السلف والله ما أحب أن يجعل أمري إلي إنه إذا كان ~~بيد الله خيرا من أن يكون بيدي فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث ~~عليها ومقتض لها لا أنه مناف لها وصاد عنها وهذا موضع مزلة قدم من ثبتت ~~قدمه فاز بالنعيم المقيم ومن زلت قدمه عنه هوى إلى قرار الجحيم فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم أرشد ms044 الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة الإيمان ~~بالأقدار فإنه نظام التوحيد والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن ~~شره وذلك نظام الشرع فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر فأبى المنحرفون إلا ~~القدح بإنكاره في أصل التوحيد أو القدح بإثباته في أصل الشرع ولم تتسع ~~عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم ~~بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ~~فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والنبي صلى الله ~~عليه وسلم شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله: "أحرص على ~~ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن العاجز من لم يتسع للأمرين" وبالله ~~التوفيق. # PageV01P026 ### | الباب الثامن: في قوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} # قد تقدمت الأحاديث بوقوع أهل السعادة في إحدى القبضتين وكتابتهم بأسمائهم ~~وأسماء آبائهم في ديوان السعداء قبل خلقهم وفي صحيح الحاكم من حديث الحسين ~~بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لما نزلت: {إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم} قال المشركون فالملائكة وعيسى وعزيرا يعبدون ~~من دون الله قال فنزلت: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} ~~" وهذا إسناد صحيح وقال علي بن المديني ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو بكر بن ~~عياش عن عاصم قال أخبرني أبو رزين عن أبي يحيى عن ابن عباس أنه قال: "آية ~~لا يسأل الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أو جهلوها فلا يسألون ~~عنها فقيل له وما هي فقال: لما نزلت: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون} شق ذلك على قريش أو على أهل مكة وقالوا يشتم آلهتنا ~~فجاء ابن الزبعري فقال: مالكم قالوا: يشتم آلهتنا قال: وما قال قالوا: قال: ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} قال: ادعوه لي ~~فلما دعي النبي صلى الله ms045 عليه وسلم قال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم ~~لكل من عبد من دون الله فقال: لا بل لكل من عبد من دون الله قال فقال ابن ~~الزبعري: خصمت ورب هذه البنية يعني الكعبة ألست تزعم أن الملائكة عباد ~~صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح وهذه بنو مليح تعبد الملائكة ~~وهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا قال فضج أهل مكة فأنزل # PageV01P026 # الله عز وجل: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون ~~حسيسها} قال: ونزلت: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} قال: هو ~~الضجيج وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزبعري لا يرد على الآية فإنه سبحانه ~~قال إنكم وما تعبدون من دون الله ولم يقل ومن تعبدون وما لما لا يعقل فلا ~~يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل ~~وأيضا فإن السورة مكية والخطاب فيها لعباد الأصنام فإنه قال إنكم وما ~~تعبدون فلفظة إنكم ولفظة ما تبطل سؤاله وهو رجل فصيح من العرب لا يخفى عليه ~~ذلك ولكن إيراده إنما كان من جهة القياس والعموم المعنوي الذي يعم الحكم ~~فيه بعموم علته أي إن كان كونه معبودا يوجب أن يكون حصب جهنم فهذا المعنى ~~بعينه موجود في الملائكة وعزير والمسيح فأجيب بالفارق وذلك من وجوه، أحدها: ~~أن الملائكة والمسيح وعزيرا ممن سبقت لهم من الله الحسنى فهم سعداء لم ~~يفعلوا ما يستوجبون به النار فلا يعذبون بعبادة غيرهم مع بعضهم ومعاداتهم ~~لهم فالتسوية بينهم وبين الأصنام أقبح من التسوية بين البيع والربا والميتة ~~والذكي وهذا شأن أهل الباطل وإنما يسوون بين ما فرق الشرع والعقل والفطرة ~~بينه ويفرقون بين ما سوى الله ورسوله بينه، الفرق الثاني: أن الأوثان حجارة ~~غير مكلفة ولا ناطقة فإذا حصبت بها جهنم إهانة لها ولعابديها لم يكن في ذلك ~~من لا يستحق العذاب بخلاف الملائكة والمسيح وعزير فإنهم أحياء ناطقون فلو ~~حصبت بهم النار كان ذلك إيلاما وتعذيبا ms046 لهم، الثالث: أن من عبد هؤلاء بزعمه ~~فإنه لم يعبدهم في الحقيقة فإنهم لم يدعوا إلى عبادتهم وإنما عبد المشركون ~~الشياطين وتوهموا أن العبادة لهؤلاء فإنهم عبدوا بزعمهم من ادعى أنه معبود ~~مع الله وأنه معه إله وقد برأ الله سبحانه ملائكته والمسيح وعزيرا من ذلك ~~وإنما ادعى ذلك الشياطين وهم بزعمهم يعتقدون أنهم يرضون بأن يكونوا معبودين ~~مع الله ولا يرضى بذلك إلا الشياطين ولهذا قال سبحانه: {ويوم يحشرهم جميعا ~~ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من ~~دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} وقال تعالى: {ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن ~~يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} فما عبد غير ~~الله إلا الشيطان وهذه الأجوبة منتزعة من قوله: {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى} فتأمل الآية تجدها تلوح في صفحات ألفاظها وبالله التوفيق والمقصود ~~ذكر الحسنى التي سبقت من الله لأهل السعادة قبل وجودهم وقال عبد الرحمن بن ~~أبي حاتم ثنا أبو سعيد بن يحي بن سعيد ثنا أبو عامر العقدي ثنا عروة بن ~~ثابت الأنصاري ثنا الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "أن عبد الرحمن ~~بن عوف مرض مرضا شديدا أغمي عليه فأفاق فقال: أغمي علي قالوا: نعم قال: إنه ~~أتاني رجلان غليظان فأخذا بيدي فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين ~~فانطلقا بي فتلقاهما رجل وقال: أين تريدان به قالا: نحاكمه إلى العزيز ~~الأمين فقال: دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه" وقال عبد ~~الله بن محمد البغوي ثنا داود بن رشيد ثنا ابن علية حدثني محمد بن محمد ~~القرشي عن عامر بن سعد قال: "أقبل سعد من أرض له فإذا الناس عكوف ms047 على رجل ~~فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليا فنهاه فكأنما زاده إغراء فقال: ويلك ~~تريد أن تسب أقواما هم خير منك لتنتهين أو لأدعون عليك فقال: كأنما يخوفني # PageV01P027 # نبي من الأنبياء فانطلق فدخل دارا فتوضأ ودخل المسجد ثم قال: اللهم إن ~~كان هذا قد سب أقواما قد سبقت لهم منك حسنى أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم ~~آية تكون للمؤمنين آية وقال تخرج بختية من دار بني فلان لا يردها شيء حتى ~~تنتهي إليه ويتفرق الناس وتجعله بين قوائمها وتطأه حتى طفى قال: فأنا رأيت ~~سعدا يتبعه الناس يقولون استجاب الله لك يا أبا إسحاق استجاب الله لك يا ~~أبا إسحاق وقال تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} أي ~~الله سماكم من قبل القرآن وفي القرآن فسبقت تسمية الحق سبحانه لهم مسلمين ~~قبل إسلامهم وقبل وجودهم وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ~~إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} وقال ابن عباس في رواية الوالي ~~عنه في قوله: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} قال سبقت لهم ~~السعادة في الذكر الأول وهذا لا يخالف قول من قال أنه الأعمال الصالحة التي ~~قدموها ولا قول من قال أنه محمد صلى الله عليه وسلم فإنه سبق لهم من الله ~~في الذكر الأول السعادة بأعمالهم على يد محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير ~~تقدم لهم من الله ثم قدمه لهم على يد رسوله ثم يقدمهم عليه يوم لقائه وقد ~~قال تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} وقد اختلف ~~السلف في هذا الكتاب السابق فقال جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم لولا ~~قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر في اللوح المحفوظ أن الغنائم حلال لكم ~~لعاقبكم وقال آخرون لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدا إلا بعد الحجة ~~لعاقبكم وقال آخرون ms048 لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر أنه مغفور لهم وإن ~~عملوا ما شاؤا لعاقبهم وقال آخرون وهو الصواب لولا كتاب من الله سبق بهذا ~~كله لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم والله أعلم. # PageV01P028 ### | الباب التاسع: في قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} # قال سفيان عن زياد بن إسماعيل المخزومي ثنا محمد بن عباد بن جعفر ثنا أبو ~~هريرة قال جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمون في ~~القدر فنزلت هذه الآية: {إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على ~~وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر} رواه مسلم وقد روى الدارقطني ~~من حديث حبيب بن عمرو الأنصاري عن أبيه قال قال رسول الله تعالى صلى الله ~~عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين خصماء الله وهم القدرية" ~~ولكن حبيب هذا قال الدارقطني: مجهول والحديث مضطرب الاسناد ولا يثبت ~~والمخاصمون في القدر نوعان أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره ~~كالذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا والثاني: من ينكر قضاءه ~~وقدره السابق والطائفتان خصماء الله قال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب ~~بالإسلام إن الله تبارك وتعالى قدر اقدارا وخلق الخلق بقدر وقسم الآجال ~~بقدر وقسم الأرزاق بقدر وقسم البلاء بقدر وقسم العافية بقدر وأمر ونهى وقال ~~الإمام أحمد القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا وقال هذا يدل ~~على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء: فإن ~~إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها وسلف ~~القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم ~~وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله وفي تفسير علي بن أبي طلحة # PageV01P028 # عن ابن عباس في قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} قال: ~~"الذين يقولون إن الله على كل شيء قدير وهذا من فقه ابن عباس وعلمه ~~بالتأويل ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات فإن ms049 أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه ~~الجملة حقها ولو كانوا يقرون فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها ~~على وجهها ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها بل يصرحون ~~أنه لا يقدر على فعل يقوم به ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن ~~يفعل ما يشاء لا يقر بأن الله على كل شيء قدير ومن لا يقر بأن قلوب العباد ~~بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة ~~وأنه إن شاء يقيم القلب أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه لا يقر بأن الله على ~~كل شيء قدير ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض ~~وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول من يسألني فأعطيه من يستغفرني ~~فأغفر له وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كلمه منها وأنه ينزل إلى الأرض قبل ~~يوم القيامة حين تخلو من سكانها وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده ~~وأنه يتجلى لهم يضحك وأنه يريهم نفسه المقدسة وأنه يضع رجله على النار ~~فيضيق بها أهلها وينزوي بعضها إلى بعض إلى غير ذلك من شؤنه وأفعاله التي من ~~لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير بأنه على كل شيء قدير" فيا لها ~~كلمة من حبر الأمة وترجمان القرآن وقد كان ابن عباس شديدا على القدرية ~~وكذلك الصحابة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. # PageV01P029 ### | الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر # وهي أربع مراتب المرتبة الأولى على الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها ~~المرتبة الثانية كتابته لها قبل كونها المرتبة الثالثة مشيئته لها الرابعة ~~خلقه لها، فأما المرتبة الأولى: وهي العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من ~~أولهم إلى خاتمهم واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة وخالفهم مجوس ~~الأمة وكتابته السابقة تدل على علمه بها قبل كونها وقد قال تعالى: {وإذ قال ~~ربك للملائكة إني ms050 جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} قال مجاهد علم ~~من إبليس المعصية وخلقه لها وقال قتادة كان في علمه أنه سيكون من تلك ~~الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة وقال ابن مسعود: "أعلم ما لا ~~تعلمون من إبليس" وقال مجاهد أيضا: "علم من إبليس أنه لا يسجد لآدم" وقال ~~تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} وفي ~~المسند من حديث لقيط بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا ~~رسول الله ما عندك من علم الغيب فقال: ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا ~~يعلمها إلا الله وأشار بيده فقلت: ما هن قال علم المنية قد علم متى منية ~~أحدكم ولا تعلمونه وعلم المنى حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه وعلم ~~ما في غد قد علم ما أنت طاعم ولا تعلمه وعلم يوم الغيث يشرق عليكم مشفقين ~~فيظل يضحك قد علم أن غوثكم إلى قريب قال لقيط لن نعدم من رب يضحك خيرا وعلم ~~يوم الساعة" وقد تقدم حديث علي المتفق على صحته: "ما منكم من أحد ما من نفس ~~منفوسة إلا وقد علم مكانها من الجنة أو النار" وقال البزار حدثنا محمد بن ~~عمر بن هياج الكوفي ثنا عبيد الله بن موسى ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن # PageV01P029 # أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه قال: "يؤتى بالهالك في ~~الفترة والمعتوه والمولود فيقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ~~ويقول المعتوه أي رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود ~~أي رب لم أدرك العمل قال فيرفع لهم نار فيقال لهم ردوها أو قال أدخلوها ~~فيردها من كان في علم الله سعيدا أن لو أدرك العمل ms051 قال ويمسك عنها من كان ~~في علم الله شقيا أن لو أدرك العمل فيقول تبارك وتعالى إياي عصيتم فكيف ~~رسلي بالغيب" وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة جمعا هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ~~قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال الله أعلم بما كانوا ~~عاملين" ومعنى الحديث الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا وقد قال تعالى: ~~{أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم} قال ابن عباس: علم ما يكون ~~قبل أن يخلقه وقال أيضا على علم قد سبق عنده وقال أيضا: يريد الأمر الذي ~~سبق له في أم الكتاب وقال سعيد بن جبير ومقاتل: على علمه فيه وقال أبو ~~إسحاق: أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه وهذا الذي ذكره جمهور ~~المفسرين وقال الثعلبي: على علم منه بعاقبة أمره قال وقيل على ما سبق في ~~علمه أنه ضال قبل أن يخلقه وكذلك ذكر البغوي وأبو الفرج بن الجوزي قال: على ~~علمه السابق فيه أنه لا يهتدي وذكر طائفة منهم المهدوي وغيره: قولين في ~~الآية هذا أحدهما قال المهدوي: فأضله الله على علم علمه منه بأنه لا يستحقه ~~قال: وقيل على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر وعلى الأول يكون على ~~علم حال من الفاعل المعنى أضله الله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه ~~وعلى الثاني حال من المفعول أي أضله الله في حال علم الكافر بأنه ضال قلت ~~وعلى الوجه الأول فالمعنى أضله الله عالما به وبأقواله وما يناسبه ويليق به ~~ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده وأنه أهل للضلال وليس أهلا أن يهدي وأنه ~~لو هدى لكان قد وضع الهدى في غير محله وعند من لا يستحقه والرب تعالى حكيم ~~إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة ms052 بها فانتظمت الآية على هذا القول في ~~إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال وذكر العلم إذ هو الكاشف ~~المبين لحقائق الأمور ووضع الشيء في مواضعه وإعطاء الخير من يستحقه ومنعه ~~من لا يستحقه فإن هذا لا يحصل بدون العلم فهو سبحانه أضله على علمه بأحواله ~~التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه وهو سبحانه كثيرا ما يذكر ذلك مع إخباره ~~بأنه أضل الكافر كما قال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون} وقال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما ~~يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} وقال تعالى: {والله ~~لا يهدي القوم الظالمين} : {والله لا يهدي القوم الفاسقين} : {إن الله لا ~~يهدي من هو كاذب كفار} : {ويضل الله الظالمين} : {كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب} : {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} : {كذلك يطبع الله على ~~قلوب الذين لا يعلمون} وقد أخبر سبحانه أنه يفعل ذلك عقوبة لأرباب هذه ~~الجرائم وهذا إضلال ثان بعد الإضلال الأول كما قال تعالى: {وقولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} وقال تعالى: {وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وقال: {وإذ قال # PageV01P030 # موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} وقال تعالى: {في قلوبهم ~~مرض فزادهم الله مرضا} وقال: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون} أي إن تركتم الاستجابة لله ورسوله عاقبكم بأن يحول بينكم وبين ~~قلوبكم فلا تقدرون على الاستجابة بعد ذلك ويشبه هذا ms053 أن لم يكن بعينه قوله: ~~{ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا} الآية وفي موضع آخر: {تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم ~~رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على ~~قلوب الكافرين} وفي هذه الآية ثلاثة أقوال أحدها: قال أبو إسحاق: هذا إخبار ~~عن قوم لا يؤمنون كما قال عن نوح: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} ~~واحتج على هذا بقوله: {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} قال وهذا يدل على ~~أنه قد طبع على قلوبهم وقال ابن عباس فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند ~~إرسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها ~~وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب وقال مجاهد فما كانوا لو أحييناهم بعد ~~هلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم قلت وهو نظير قوله: {ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه} وقال آخرون لما جاءتهم رسلهم بالآيات التي اقترحوها ~~وطلبوها ما كانوا ليؤمنوا بعد رؤيتها ومعاينتها بما كذبوا به من قبل رؤيتها ~~ومعاينتها فمنعهم تكذيبهم السابق بالحق لما عرفوه من الإيمان به بعد ذلك ~~وهذه عقوبة من رد الحق أو أعرض عنه فلم يقبله فإنه يصرف عنه ويحال بينه ~~وبينه ويقلب قلبه عنه فهذا إضلال العقوبة وهو من عدل الرب في عبده وأما ~~الإضلال السابق الذي ضل به عن قبوله أولا والاهتداء به فهو إضلال ناشئ عن ~~علم الله السابق في عبده أنه لا يصلح للهدى ولا يليق به وأن محله غير قابل ~~له فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه كما هو أعلم حيث يجعل رسالته فهو أعلم ~~حيث يجعلها أصلا وميراثا وكما أنه ليس كل محل أهلا لتحمل الرسالة عنه ~~وأدائها إلى الخلق فليس كل محل أهلا لقبولها والتصديق بها كما قال تعالى: ~~{وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين} أي ابتلينا واختبرنا بعضهم ببعض فابتلى الرؤساء والسادة ms054 ~~بالأتباع والموالى والضعفاء فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف ~~أنفة وأنف أن يسلم وقال هذا يمن الله عليه بالهدى والسعادة دوني قال الله ~~تعالى: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها ~~ويشكرون الله عليها بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية فلو كانت قلوبكم مثل ~~قلوبهم تعرفون قدر نعمتي وتشكروني عليها وتذكروني بها وتخضعون لي كخضوعهم ~~وتحبوني كحبهم لمننت عليكم كما مننت عليهم ولكن لمنني ونعمي محال لا تليق ~~إلا بها ولا تحسن إلا عندها ولهذا يقرن كثيرا بين التخصيص والعلم كقوله ~~ههنا: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} وقوله: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن ~~حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} وقوله: {وربك ~~يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك ~~يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي سبحانه المتفرد بالخلق والاختيار مما ~~خلق وهو الاصطفاء والاجتباء ولهذا كان الوقف التام عند قوله ويختار ثم نفى ~~عنهم الاختيار الذي اقترحوه بإرادتهم وأن ذلك ليس إليهم بل إلى الخلاق ~~العليم الذي هو أعلم بمحال الاختيار ومواضعه لا من قال: {لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم} فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل ~~باختيارهم # PageV01P031 # وأن البشر ليس لهم أن يختاروا على الله بل هو الذي يخلق ما يشاء ويختار ~~ثم نفى سبحانه أن تكون لهم الخيرة كما ليس لهم الخلق ومن زعم أن ما مفعول ~~يختار فقد غلط إذ لو كان هذا هو المراد لكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر ~~كان ولا يصح المعنى ما كان لهم الخيرة فيه وحذف العائد فإن العائد ههنا ~~مجرور بحرف لم يجر الموصول بمثله فلو حذف مع الحرف لم يكن عليه دليل فلا ~~يجوز حذفه وكذلك لم يفهم معنى الآية من قال أن الاختيار ههنا هو الإرادة ~~كما يقوله المتكلمون أنه سبحانه فاعل بالاختيار فإن هذا الاصطلاح حادث منهم ~~لا يحمل عليه كلام الله بل لفظ الاختيار في القرآن مطابق لمعناه في اللغة ms055 ~~وهو اختيار الشيء على غيره وهو يقتضي ترجيح ذلك المختار وتخصيصه وتقديمه ~~على غيره وهذا أمر أخص من مطلق الإرادة والمشيئة قال في الصحاح الخيرة ~~الاسم من قولك خار الله لك في هذا الأمر والخيرة أيضا يقول محمد خيرة الله ~~من خلقه وخيرة الله أيضا بالتسكين والاختيار الاصطفاء وكذلك التخيير ~~والاستخارة طلب الخيرة يقال استخر الله يخر لك وخيرته بين الشيئين فوضت ~~إليه الاختيار انتهى فهذا هو الاختيار في اللغة وهو أخص مما اصطلح عليه أهل ~~الكلام ومن هذا قوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} وقوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا} أي اختار منهم وبهذا يحصل جواب السؤال الذي تورده القدرية يقولون ~~في الكفر والمعاصي هل هي واقعة باختيار الله أم بغير اختياره فإن قلتم ~~باختياره فكل مختار مرضى مصطفى محبوب فتكون مرضية محبوبة له وإن قلتم بغير ~~اختياره لم يكن بمشيئته واختياره وجوابه أن يقال ما تعنون بالاختيار العام ~~في اصطلاح المتكلمين وهو المشيئة والإرادة أم تعنون به الاختيار الخاص ~~الواقع في القرآن والسنة وكلام العرب وإن أردتم بالاختيار الأول فهي واقعة ~~باختياره بهذا الاعتبار لكن لا يجوز أن يطلق ذلك عليها لما في لفظ الاختيار ~~من معنى الاصطفاء والمحبة بل يقال واقعة بمشيئته وقدرته وإن أردتم ~~بالاختيار معناه في القرآن ولغة العرب فهي غير واقعة باختياره بهذا المعنى ~~وإن كانت واقعة بمشيئته فإن قيل فهل تقولون أنها واقعة بإرادته أم لا ~~تطلقون ذلك قيل لفظ الإرادة في كتاب الله نوعان إرادة كونية شاملة لجميع ~~المخلوقات كقوله: {فعال لما يريد} وقوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية} وقوله: ~~{إن كان الله يريد أن يغويكم} ونظائر ذلك وإرادة دينية أمرية لا يجب وقوع ~~مرادها كقوله: {يريد الله بكم اليسر} وقوله: {والله يريد أن يتوب عليكم} ~~فهي مرادة بالمعنى الأول غير مرادة بالمعنى الثاني وكذلك إن قيل هل هي ~~واقعة بإذنه أم لا والإذن أيضا نوعان كوني كقوله: {وما ms056 هم بضارين به من أحد ~~إلا بإذن الله} وديني أمري كقوله: {آلله أذن لكم} وقوله: {أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا} ولفظ الاختيار مشتق من الخير المخالف للشر ولما كان ~~الأصل في الحي أنه يريد ما ينفعه وما هو خير سميت الإرادة اختيارا وهذا ~~يتضمن أن الإرادة اختيارا لا ترجح نوعا على نوع إلا لمرجح رجح ذلك النوع ~~عند الفاعل والمقصود أنه يذكر العلم عند التخصيصات كقوله تعالى: {ولقد ~~اخترناهم على علم على العالمين} لا خلاف بين الناس أن المعنى على علم منا ~~بأنهم أهل الاختيار فالجملة في موضع نصب على الحال أي اخترناهم عالمين بهم ~~وبأحوالهم وما يقتضي اختيارهم من قبل خلقهم ذكر سبحانه اختيارهم وحكمته في ~~اختياره إياهم وذكر علمه الدال على مواضع حكمته واختياره ومن هذا قوله ~~سبحانه: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} وأصح الأقوال في ~~الآية أن المعنى من قبل نزول التوراة فإنه سبحانه قال: {ولقد آتينا موسى ~~وهارون # PageV01P032 # الفرقان وضياء وذكرا للمتقين} وقال: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له ~~منكرون} ثم قال: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل} ذلك ولهذا قطعت قبل عن ~~الإضافة وبنيت لأن المضاف منوي معلوم وإن كان غير مذكور في اللفظ وذكر ~~سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم أئمة الرسل وأكرم الخلق عليه محمد وإبراهيم وموسى ~~وقد قيل من قبل أي في حال صغره قبل البلوغ وليس في اللفظ ما يدل على هذا ~~السياق إنما يقتضي من قبل ما ذكر وقيل المعنى بقوله من قبل أي في سابق ~~علمنا وليس في الآية أيضا ما يدل على ذلك ولا هو أمر مختص بإبراهيم بل كل ~~مؤمن فقد قدر الله هداه في سابق علمه والمقصود قوله: {وكنا به عالمين} قال ~~البغوي: "أنه أهل للهداية والنبوة" وقال أبو الفرج: "أي عالمين بأنه موضع ~~لإيتاء الرشد" وقال صاحب الكشاف: "المعنى علمه به أنه علم منه أحوالا بديعة ~~وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وحمدها حتى أهله لمخالته ومخالصته وهذا كقولك ~~في حر من الناس أنا ms057 عالم بفلان فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف" ~~وهذا كقوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} وقوله: {ولقد اخترناهم على علم} ~~ونظيره قوله: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ~~ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم} وقريب منه قوله: {ولسليمان الريح عاصفة ~~تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين} حيث وضعنا هذا ~~التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي. # فصل: وهو سبحانه كما هو العليم الحكيم في اختياره من يختاره من خلقه ~~وإضلاله من يضله منهم فهو العليم الحكيم بما في أمره وشرعه من العواقب ~~الحميدة والغايات العظيمة قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ~~أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون} بين سبحانه أن ما أمرهم به يعلم ما فيه من المصلحة ~~والمنفعة لهم التي اقتضت أن يختاره ويأمرهم به وهم قد يكرهونه إما لعدم ~~العلم وإما لنفور الطبع فهذا علمه بما في عواقب أمره مما لا يعلمونه وذلك ~~علمه بما في اختياره من خلقه بما لا يعلمونه فهذه الآية تضمنت الحض على ~~التزام أمر الله وإن شق على النفوس وعلى الرضا بقضائه وإن كرهته النفوس وفي ~~حديث الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك ~~فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن ~~هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فأقدره لي ويسره لي ثم بارك ~~لي فيه وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني ~~واصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به"، ولما كان العبد يحتاج في ~~فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى علم ما فيه من المصلحة وقدرة عليه وتيسره ~~له وليس له من نفسه شيء من ذلك بل علمه ممن علم الإنسان ما لم يعلم وقدرته ~~منه فإن لم يقدره عليه وإلا ms058 فهو عاجز وتيسيره منه فإن لم ييسره عليه وإلا ~~فهو متعسر عليه بعد إقداره أرشده النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى محض ~~العبودية وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها ~~وطلب القدرة منه فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز وطلب فضله منه فإن لم ~~ييسره له ويهيئه له وإلا فهو متعذر عليه ثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه ~~عليه بقدرته ويسره له من فضله فهو يحتاج إلى أن يبقيه عليه ويديمه بالبركة ~~التي يضعها فيه والبركة تتضمن ثبوته ونموه وهذا قدر زائد على إقداره عليه ~~وتيسيره له ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه به فإنه قد يهيئ له ~~ما يكرهه فيظل ساخطا ويكون قد خار الله له فيه قال عبد الله بن عمران: ~~"الرجل ليستخير الله فيختار له فيسخط على ربه فلا يلبث ان ينظر في العاقبة ~~فإذا هو قد خار له" وفي المسند من # PageV01P033 # حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من سعادة ابن آدم ~~استخارته الله تعالى ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله ومن شقوة ابن ~~آدم تركة استخارة الله عز وجل ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله فالمقدور ~~يكتنفه أمران الاستخارة قبله والرضا بعده فمن توفيق الله لعبده وإسعاده ~~إياه أن يختار قبل وقوعه ويرضى بعد وقوعه ومن خذلانه له أن لا يستخيره قبل ~~وقوعه ولا يرضى به بعد وقوعه وقال عمر بن الخطاب: "لا أبالي أصبحت على ما ~~أحب أو على ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره" وقال الحسن: ~~"لا تكرهوا النقمات الواقعة والبلايا الحادثة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ~~ولرب أمر تؤثره فيه عطبك". # فصل: ومما يناسب هذا قوله تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ~~فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} بين سبحانه حكمة ما كرهوه ms059 ~~عام الحديبية من صد المشركين لهم حتى رجعوا ولم يعتمروا وبين لهم أن ~~مطلوبهم يحصل بعد هذا فحصل في العام القابل وقال سبحانه: {فعلم ما لم ~~تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} وهو صلح الحديبية وهو أول الفتح ~~المذكور في قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} فإن بسببه حصل من مصالح الدين ~~والدنيا والنصر وظهور الإسلام وبطلان الكفر ما لم يكونوا يرجونه قبل ذلك ~~ودخل الناس بعضهم في بعض وتكلم المسلمون بكلمة الإسلام وبراهينه وأدلته ~~جهرة لا يخافون ودخل في ذلك الوقت في الإسلام قريب ممن دخل فيه إلى ذلك ~~الوقت وظهر لكل أحد بغي المشركين وعداوتهم وعنادهم وعلم الخاص والعام أن ~~محمدا وأصحابه أولى الحق والهدى وأن أعداءهم ليس بأيديهم إلا العدوان ~~والعناد فإن البيت الحرام لم يصد عنه حاج ولا معتمر من زمن إبراهيم فتحققت ~~العرب عناد قريش وعداوتهم وكان ذلك داعية لبشر كثير إلى الإسلام وزاد عناد ~~القوم وطغيانهم وذلك من أكبر العون على نفوسهم وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم ~~والتزامهم لحكم الله وطاعة رسوله وذلك من أعظم أسباب نصرهم إلى غير ذلك من ~~الأمور التي علمها الله ولم يعلمها الصحابة ولهذا سماه فتحا وسئل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أفتح هو؟ قال: "نعم". # فصل: ويشبه هذا قول يوسف الصديق: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد ~~جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن ~~نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم} ~~فأخبر أنه يلطف لما يريده فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس واسمه اللطيف ~~يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية ومنه التلطف كما ~~قال أهل الكهف: {وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا} فكان ظاهر ما امتحن به يوسف ~~من مفارقة أبيه وإلقائه في السجن وبيعه رقيقا ثم مراودة التي هو في بيتها ~~عن نفسه وكذبها عليه وسجنه محنا ومصائب وباطنها نعما وفتحا جعلها الله سببا ~~لسعادته في ms060 الدنيا والآخرة، ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب ~~ويأمرهم به من المكاره وينهاهم عنه من الشهوات هي طرق يوصلهم بها إلى ~~سعادتهم في العاجل والآجل وقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن ~~أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك ~~إلا للمؤمن" فالقضاء كله خير لمن أعطي الشكر والصبر جالبا ما جلب # PageV01P034 # وكذلك ما فعله بآدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم من ~~الأمور التي هي في الظاهر محن وابتلاء وهي في الباطن طرق خفية أدخلهم بها ~~إلى غاية كمالهم وسعادتهم فتأمل قصة موسى وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح ~~فرعون للأطفال ووحيه إلى أمه أن تلقيه في اليم وسوقه بلطفه إلى دار عدوه ~~الذي قدر هلاكه على يديه وهو يذبح الأطفال في طلبه فرماه في بيته وحجره على ~~فراشه ثم قدر له سببا أخرجه من مصر وأوصله به إلى موضع لا حكم لفرعون عليه ~~ثم قدر له سببا أوصله به إلى النكاح والغنى بعد العزوبة والعيلة ثم ساقه ~~إلى بلد عدوه فأقام عليه به حجته ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين ~~منه وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون وهذا كله مما ~~يبين أنه سبحانه يفعل ما يفعله لما يريده من العواقب الحميدة والحكم ~~العظيمة التي لا تدركها عقول الخلق مع ما في ضمنها من الرحمة التامة ~~والنعمة السابغة والتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته فكم في أكل آدم من ~~الشجرة التي نهى عنها وإخراجه بسببها من الجنة من حكمة بالغة لا تهتدي ~~العقول إلى تفاصيلها وكذلك ما قدره لسيد ولده من الأمور التي أوصله بها إلى ~~أشرف غاياته وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد العواقب وكذلك فعله بعباده ~~وأوليائه يوصل إليهم نعمة ويسوقهم إلى كمالهم وسعادتهم في الطرق الخفية ~~التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا ms061 لاحت لهم عواقبها وهذا أمر يضيق الجنان ~~عن معرفة تفاصيله ويحصر اللسان عن التعبير عنه وأعرف خلق الله به أنبياؤه ~~ورسله وأعرفهم به خاتمهم وأفضلهم وأمته في العلم به على مراتبهم ودرجاتهم ~~ومنازلهم من العلم بالله وبأسمائه وصفاته وهو سبحانه قد أحاط علما بذلك كله ~~قبل السماوات والأرض وقدره وكتبه عنده ثم يأمر ملائكته بكتابه ذلك من ~~الكتاب الأول قبل خلق العبد فيطابق حاله وشأنه لما كتب في الكتاب ولما ~~كتبته الملائكة لا يزيد شيئا ولا ينقص مما كتبه سبحانه وأثبته عنده كان في ~~علمه قبل أن يكتبه ثم كتبه كما في علمه ثم وجد كما كتبه قال تعالى: {ألم ~~تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله ~~يسير} والله سبحانه قد علم قبل أن يوجد عباده أحوالهم وما هم عاملون وما هم ~~إليه صائرون ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه ~~وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه فاستحقوا المدح ~~والذم والثواب والعقاب بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم ~~السابق ولم يكونوا يستحقون ذلك وهي في علمه قبل أن يعملوها فأرسل رسله ~~وأنزل كتبه وشرع شرائعه إعذارا إليهم وإقامة للحجة عليهم لئلا يقولوا كيف ~~تعاقبنا على علمك فينا وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا فلما ظهر علمه فيهم ~~بأفعالهم حصل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار وكما ~~ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا وبما ركب فيهم من ~~الشهوات فذلك ابتلاه بشرعه وأمره وهذا ابتلاء بقضائه وقدره وقال تعالى: ~~{إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} وقال: {وهو الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} فأخبر في هذه الآية ~~أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه وهذا من الحق الذي خلق ~~به خلقه وأخبر في الآية التي قبلها أنه خلق الموت والحياة ليبتليهم أيضا ~~فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه وقدر عليهم ms062 الموت الذي ينالوا به عاقبة ذلك ~~الابتلاء من الثواب والعقاب وإن خبر في الآية الأولى أنه زين لهم ما على ~~الأرض ليبتليهم به أيهم يؤثر ما عنده وابتلى بعضهم ببعض # PageV01P035 # وابتلاهم بالنعم والمصائب فأظهر هذا الابتلاء علمه السابق فيهم موجودا ~~عيانا بعد أن كان غيبا في علمه فابتلى أبوي الإنس والجن كل منهما بالآخر ~~فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه منه فلهذا قال ~~للملائكة: {إني أعلم ما لا تعلمون} واستمر هذا الابتلاء في الذرية إلى يوم ~~القيامة فابتلى الأنبياء بأممهم وابتلى أممهم بهم وقال لعبده ورسوله وخليله ~~إني مبتليك ومبتل بك وقال: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} ~~وقال: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} وفي الحديث الصحيح: "أن ثلاثة أراد الله أن ~~يبتليهم أبرص وأقرع وأعمى فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في علمه قبل أن ~~يخلقهم فأما الأعمى فاعترف بإنعام الله عليه وأنه كان أعمى فقيرا فأعطاه ~~الله البصر والغنى وبذل للسائل ما طلبه شكرا لله وأما الأقرع والأبرص ~~فكلاهما جحدا ما كان عليه قبل ذلك من سوء الحال والفقر وقال في الغنى إنما ~~أوتيته كابرا عن كابر وهذا حال أكثر الناس لا يعترف بما كان عليه أولا من ~~نقص أو جهل وفقر وذنوب وأن الله سبحانه نقله من ذلك إلى ضد ما كان عليه ~~وأنعم بذلك عليه ولهذا ينبه سبحانه الإنسان على مبدأ خلقه الضعيف من الماء ~~المهين ثم نقله في أطباق خلقه وأطواره من حال إلى حال حتى جعله بشرا سويا ~~يسمع ويبصر ويقول وينطق ويبطش ويعلم فنسي مبدأه وأوله وكيف كان ولم يعترف ~~بنعم ربه عليه كما قال تعالى: {أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا ~~إنا خلقناهم مما يعلمون} وأنت إذا تأملت ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى وجدت ~~تحتها كنزا عظيما من كنوز المعرفة والعلم فأشار سبحانه بمبدأ خلقه مما ~~يعلمون من النطفة وما بعدها إلى موضع الحجة والآية الدالة على وجوده ~~ووحدانيته وكماله وتفرده بالربوبية والإلهية وأنه لا يحسن به ms063 مع ذلك أن ~~يتركهم سدى لا يرسل إليهم رسولا ولا ينزل عليهم كتابا وأنه لا يعجز مع ذلك ~~أن يخلقهم بعد ما أماتهم خلقا جديدا ويبعثهم إلى دار يوفيهم فيها أعمالهم ~~من الخير والشر فكيف يطمعون في دخول الجنة وهم يكذبون ويكذبون رسلي ويعدلون ~~بي خلقي وهم يعلمون من أي شيء خلقتهم ويشبه هذا قوله: {نحن خلقناكم فلولا ~~تصدقون} وهم كانوا مصدقين بأنه خالقهم ولكن احتج عليهم بخلقه لهم على ~~توحيده ومعرفته وصدق رسله فدعاهم منهم ومن خلقه إلى الإقرار بأسمائه وصفاته ~~وتوحيده وصدق رسله والإيمان بالمعاد وهو سبحانه يذكر عباده بنعمه عليهم ~~ويدعوهم بها إلى معرفته ومحبته وتصديق رسله والإيمان بلقائه كما تضمنته ~~سورة النعم وهي سورة النحل من قوله: {خلق الإنسان من نطفة} إلى قوله: ~~{والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} فذكرهم ~~بأصول النعم وفروعها وعددها عليهم نعمة نعمة وأخبر أنه أنعم بذلك عليهم ~~ليسلموا له فتكمل نعمه عليهم بالإسلام الذي هو رأس النعم ثم أخبر عمن كفره ~~ولم يشكر نعمه بقوله: {يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها} قال مجاهد: "المساكن ~~والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا ~~هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم" وقال عون بن عبد الله: "يقولون لولا فلان ~~لكان كذا وكذا" وقال الفراء وابن قتيبة: "يعرفون أن النعم من الله ولكن ~~يقولون هذه بشفاعة آلهتنا" وقالت طائفة: "النعمة ههنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإنكارها جحدهم نبوته" وهذا يروى عن مجاهد والسدي وهذا أقرب إلى حقيقة ~~الإنكار فإنه إنكار لما هو أجل النعم أن تكون نعمة وأما على القول الأول ~~والثاني والثالث فإنهم لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا # PageV01P036 # نعمة الله بنسبتها إلى غيره فإن الذي قال إنما كان هذا لآبائنا ورثناه ~~كابرا عن كابر جاحدا لنعمة الله عليه غير معترف بها وهو كالأبرص والأقرع ~~اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما ms064 فأنكرا وقالا إنما ورثنا هذا كابرا ~~عن كابر فقال إن كنتما كاذبين فصيركما الله إلى ما كنتما وكونها موروثة عن ~~الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آباءهم ثم ورثهم إياها ~~فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمة وأما قول الآخرين لولا فلان لما كان كذا فيتضمن ~~قطع إضافة النعمة إلى من لولاه لم تكن وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا ~~لغيره ضرا ولا نفعا وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب أجرى الله تعالى ~~نعمته على يده والسبب لا يستقل بالإيجاد وجعله سببا هو من نعم الله عليه ~~وهو المنعم بتلك النعمة وهو المنعم بما جعله من أسبابها فالسبب والمسبب من ~~إنعامه وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب وقد ينعم بدونه فلا يكون له أثر وقد ~~يسلبه تسبيبيته وقد يجعل لها معارضا يقاومها وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه ~~فهو وحده المنعم على الحقيقة وأما قول القائل بشفاعة آلهتنا فتضمن الشرك مع ~~إضافة النعمة إلى غير وليها فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من أن ~~تشفع عند الله وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها وأقرب الخلق إلى ~~الله وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه فالشفاعة بإذنه ~~من نعمة فهو المنعم بالشفاعة وهو المنعم بقبولها وهو المنعم بتأهيل المشفوع ~~له إذ ليس كل أحد أهلا أن يشفع له فمن المنعم على الحقيقة سواه قال تعالى: ~~{وما بكم من نعمة فمن الله} فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنته ~~وإحسانه طرفة عين لا في الدنيا ولا في الآخرة ولهذا ذم الله سبحانه من أتاه ~~شيئا من نعمة فقال إنما أوتيته على علم عندي وفي الآية الأخرى: {فإذا مس ~~الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم} وقال ~~البغوي: "على علم من الله أني له أهل" وقال مقاتل: "على خير علمه الله ~~عندي" وقال آخرون: "على علم من الله أني له أهل" ومضمون هذا القول أن الله ms065 ~~آتانيه على علمه بأني أهله وقال آخرون: "بل العلم له نفسه ومعناه أوتيته ~~على علم مني بوجوه المكاسب" قاله قتادة وغيره وقيل: المعنى قد علمت أني لما ~~أوتيت هذا في الدنيا فلي عند الله منزلة وشرف وهذا معنى قول مجاهد "أوتيته ~~على شرف" قال تعالى: {بل هي فتنة} أي النعم التي أوتيتها فتنة نختبره فيها ~~ومحنة نمتحنه بها لا يدل على اصطفائه واجتبائه وأنه محبوب لنا مقرب عندنا ~~ولهذا قال في قصة قارون: {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من ~~هو أشد منه قوة وأكثر جمعا} فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه يدل على ~~رضاء الله سبحانه عمن آتاه ذلك وشرف قدره وعلو منزلته عنده لما أهلك من ~~آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته علم ~~أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم ولهذا ~~قال في الآية الأخرى: {بل هي فتنة} أي النعمة فتنة لا كرامة ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون ثم أكد هذا المعنى بقوله: {قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ~~ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا} أي قد قال هذه المقالة الذين من ~~قبلهم لما آتيناهم نعمنا قال قال ابن عباس: "كانوا قد بطروا نعمة الله إذ ~~آتاهم الدنيا وفرحوا بها وطغوا وقالوا هذه كرامة من الله لنا" وقوله: {فما ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} المعنى أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا ~~ولم يكن كذلك لأنهم وقعوا في العذاب ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا وتبين أن ~~تلك النعم لم تكن لكرامتهم علينا وهو أن من منعناه إياها وقال أبو إسحاق: ~~"معنى الآية أن قولهم إنما آتانا الله ذلك لكرامتنا عليه وإنا أهله أحبط ~~أعمالهم فكنى عن إحباط العمل بقوله: {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} ثم ~~أبطل # PageV01P037 # سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله: {أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر} "والمقصود أن قوله على علم ms066 عندي إن أريد به علمه نفسه كان ~~المعنى أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة والمعرفة التي توصلت بها إلى ~~ذلك وحصلته بها وإن أريد به علم الله كان المعنى أوتيته على ما علم الله ~~عندي من الخير والاستحقاق وإني أهله وذلك من كرامتي عليه وقد يترجح هذا ~~القول بقوله أوتيته ولم يقل حصلته واكتسبته بعلمي ومعرفتي فدل على اعترافه ~~بأن غيره آتاه إياه ويدل عليه قوله تعالى: {بل هي فتنة} أي محنة واختبار ~~والمعنى أنه لم يؤت هذا لكرامته علينا بل أوتيه امتحانا منا وابتلاء ~~واختبارا هل يشكر فيه أم يكفر وأيضا فهذا يوافق قوله: {فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه فيقول ربي أهانن} فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي آتاه ذلك ولكن ظن أنه ~~لكرامته عليه فالآية على التقدير الأول تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه ~~وعلمه وقوته ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه وذلك محض الكفر بها فإن رأس ~~الشكر الاعتراف بالنعمة وأنها من المنعم وحده فإذا أضيفت إلى غيره كان جحدا ~~لها فإذا قال أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك فقد ~~أضافها إلى نفسه وأعجب بها كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا من أشد منا ~~قوة فهؤلاء اغتروا بقوتهم وهذا اغتر بعلمه فما أغنى عن هؤلاء قوتهم ولا عن ~~هذا علمه وعلى التقدير الثاني يتضمن ذم من اعتقد أن إنعام الله عليه لكونه ~~أهلا ومستحقا لها فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها ~~على الله أن ينعم عليه وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره فقد جعل ~~سببها ما اتصف به هو لا ما قام بربه من الجود والإحسان والفضل والمنة ولم ~~يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر ليس ذلك جزاء على ما هو منه ~~ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به فالله سبحانه هو ms067 المنعم عليه بذلك ~~السبب فهو المنعم بالمسبب والجزاء والكل محض منته وفضله وجوده وليس للعبد ~~من نفسه مثقال ذرة من الخير وعلى التقديرين فهو لم يضف النعمة إلى الرب من ~~كل وجه وإن أضافها إليه من وجه دون وجه وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع ~~الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابها فأسبابها من نعمه على العبد وإن حصلت ~~بكسبه فكسبه من نعمه فكل نعمة فمن الله وحده حتى الشكر فإنه نعمة وهي منه ~~سبحانه فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته وشكره نعمة منه عليه كما قال ~~داود: "يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة من نعمك علي تستوجب شكرا آخر فقال: ~~الآن شكرتني يا داود" ذكره الإمام أحمد وذكر أيضا عن الحسن قال: قال داود: ~~"إلهي لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار والدهر كله ~~لما أدوا مالك علي من حق نعمة واحدة والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل ~~إنما أوتيته على علم عندي ونظير ذلك قوله: {لا يسأم الأنسان من دعاء الخير ~~وإن مسه الشر فيؤوس قنوط ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا ~~لي} قال ابن عباس: "يريد من عندي" وقال مقاتل: "يعني أنا أحق بهذا" وقال ~~مجاهد: "هذا بعملي وأنا محقوق به" وقال الزجاج: "هذا واجب بعملي استحقيته" ~~فوصف الإنسان بأقبح صفتين إن مسه الشر صار إلى حال القانط ووجم وجوم الآيس ~~فإذا مسه الخير نسي أن الله هو المنعم عليه المفضل بما أعطاه فبطر وظن أنه ~~هو المستحق لذلك ثم أضاف إلى ذلك تكذيبه بالبعث فقال:: {وما أظن الساعة ~~قائمة} ثم أضاف إلى ذلك ظنه الكاذب أنه إن بعث كان له عند الله الحسنى فلم ~~يدع هذا للجهل والغرور موضعا. # PageV01P038 # فصل: وفي قوله تعالى: {وأضله الله على علم} قول آخر أنه على علم الضال ~~كما قيل على علم منه أن معبوده لا ينفع ولا يضر فيكون المعنى أضله الله مع ~~علمه الذي تقوم به عليه الحجة لم يضله ms068 على جهل وعدم علم هذا يشبه قوله: ~~{فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} وقوله: {فصدهم عن السبيل وكانوا ~~مستبصرين} وقوله: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} وقوله: {وآتينا ثمود ~~الناقة مبصرة فظلموا بها} وقول موسى لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ~~رب السماوات والأرض بصائر} وقوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} وقوله: {فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} وقوله: {وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} ونظائره كثيرة وعلى هذا التقدير فهو ~~ضال عن سلوك طريق رشده وهو يراها عيانا كما في الحديث: "أشد الناس عذابا ~~يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" فإن الضال عن الطريق قد يكون متبعا ~~لهواه عالما بأن الرشد والهدى في خلاف ما يعمل ولما كان الهدى هو معرفة ~~الحق والعمل به كان له ضدان الجهل وترك العمل به فالأول ضلال في العلم ~~والثاني ضلال في القصد والعمل فقد وقع قوله على علم في قوله تعالى: {ولقد ~~اخترناهم على علم} وفي قوله: {وأضله الله على علم} وفي قوله: {قال إنما ~~أوتيته على علم} فالأول يرجع العلم فيه إلى الله قولا واحدا والثاني ~~والثالث فيهما قولان والراجح في قوله: {وأضله الله على علم} أن يكون كالأول ~~وهو قول عامة السلف والثالث فيه قولان محتملان وقد ذكر توجههما والله أعلم ~~والمقصود ذكر مراتب القضاء والقدر علما وكتابة ومشيئة وخلقا. # PageV01P039 ### | الباب الحادي عشر: في ذكر المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة # وقد تقدم في أول الكتاب ما دل على ذلك من نصوص القرآن والسنة الصحيحة ~~الصريحة فنذكر هنا بعض ما لم نذكره قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من ~~بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين} ~~فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود والذكر أم ~~الكتاب الذي عند الله والأرض الدنيا وعباده الصالحون أمة محمد صلى الله ~~تعالى عليه وسلم هذا أصح ms069 الأقوال في هذه الآية وهي علم من أعلام نبوة رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار ~~أعداء له ولأصحابه والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم وشتتوهم في ~~أطراف الأرض فأخبرهم ربهم تبارك وتعالى أنه كتب في الذكر الأول إنهم يرثون ~~الأرض من الكفار ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله والكتاب قد أطلق ~~عليه الذكر في قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث المتفق على ~~صحته: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء" وكتب في الذكر كل ~~شيء فهذا هو الذكر الذي كتب فيه أن الدنيا تصير لأمة محمد صلى الله تعالى ~~عليه وسلم والكتب المنزلة قد أطلق عليه الزبر في قوله تعالى: {وما أرسلنا ~~من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~بالبينات والزبر} أي أرسلناهم بالآيات الواضحات والكتب التي فيها الهدى ~~والنور والذكر ههنا الكتابان اللذان أنزلا قبل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهما التوراة والإنجيل والذكر في قوله: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم} هو القرآن ففي هذه الآية علمه بما كان قبل كونه ~~وكتابته له بعد علمه وقال تعالى: {إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم # PageV01P039 # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} فجمع بين الكتابين الكتاب السابق لأعمالهم ~~قبل وجودهم والكتاب المقارن لأعمالهم فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم للبعث ~~ويجازيهم بأعمالهم ونبه بكتابته لها على ذلك قال نكتب ما قدموا من خير أو ~~شر فعلوه في حياتهم وآثارهم ما سنوا من سنة خير أو شر فاقتدي بهم فيها بعد ~~موتهم وقال ابن عباس في رواية عطاء: "آثارهم ما أثروا من خير أو شر" كقوله: ~~{ينبأ الأنسان يومئذ بما قدم وأخر} فإن قلت قد استفيد هذا من قوله قدموا ~~فما أفاد قوله: {آثارهم} على قوله قلت أفاد فائدة جليلة وهو أنه سبحانه ~~يكتب ما عملوه وما تولد من أعمالهم فيكون المتولد عنها ms070 كأنهم عملوه في ~~الخير والشر وهو أثر أعمالهم فآثارهم هي آثار أعمالهم المتولدة عنها وهذا ~~القول أعم من قول مقاتل وكأن مقاتلا أراد التمثيل والبيان على عادة السلف ~~في تفسير اللفظة العامة بنوع أو فرد من أفراد مدلولها تقريبا وتمثيلا لا ~~حصرا وإحاطة وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: "نزلت هذه الآية في بني ~~سلمة أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد وكانت منازلهم بعيدة فلما نزلت ~~قالوا بل نمكث مكاننا واحتج أرباب هذا القول بما في صحيح البخاري من حديث ~~أبي سعيد الخدري قال: "كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى ~~قرب المسجد فنزلت هذه الآية: {إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم" وقد ~~روى مسلم في صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس وفي هذا القول نظر فإن سورة يس ~~مكية وقصة بني سلمة بالمدينة إلا أن يقال هذه الآية وحدها مدنية وأحسن من ~~هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة ودلت عليها وذكروا بها عندها إما من النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإما من جبريل فأطلق على ذلك النزول ولعل هذا مراد من ~~قال في نظائر ذلك نزلت مرتين والمقصود أن خطاهم إلى المساجد من آثارهم التي ~~يكتبها الله لهم قال عمر بن الخطاب: "لو كان الله سبحانه تاركا لابن آدم ~~شيئا لترك ما عفت عليه الرياح من أثر" وقال مسروق: "ما خطا رجل خطوة إلا ~~كتبت له حسنة أو سيئة" والمقصود أن قوله: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} ~~وهو اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء يتضمن ~~كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها ~~وحفظها لها والإحاطة بعددها وإثباتها فيه وقال تعالى: {وما من دابة في ~~الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم ~~إلى ربهم يحشرون} وقد اختلف في الكتاب ههنا هل ms071 هو القرآن أو اللوح المحفوظ ~~على قولين فقالت طائفة المراد به القرآن وهذا من العام المراد به الخاص أي ~~ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه كقوله: {ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء} ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه والمراد أن كل شيء ~~ذكر فيه مجملا ومفصلا كما قال ابن مسعود: "وقد لعن الواصلة والمستوصلة ما ~~لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه فقالت امرأة لقد قرأت القرآن فما وجدته ~~فقال إن كنت قرأتيه فقد وجدته قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا} ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة" ~~وقال الشافعي ما نزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل ~~الدلالة عليها وقالت طائفة المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ الذي كتب ~~الله فيه كل شيء وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس وكان هذا القول أظهر في ~~الآية والسياق يدل عليه فإنه قال: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثالكم} وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق والرزق ~~والأكل والتقدير الأول وأنها لم تخلق سدى # PageV01P040 # بل هي معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر ~~عاقبتها ومصيرها بعد فنائها ثم قال إلى ربهم يحشرون فذكر مبدأها ونهايتها ~~وأدخل بين هاتين الحالتين قوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} أي كلها قد ~~كتبت وقدرت وأحصيت قبل أن توجد فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي وإنما ~~يناسب ذكر الكتاب الأول، ولمن نصر القول الأول أن يجيب عن هذا بأن في ذكر ~~القرآن ههنا الإخبار عن تضمنه لذكر ذلك والإخبار به فلم نفرط فيه من شيء بل ~~أخبرناكم بكل ما كان وما هو كائن إجمالا وتفصيلا ويرجحه أمر آخر وهو أن هذا ~~ذكر عقيب قوله: {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ~~ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على ms072 صدق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء ولم يفرط ~~فيه من شيء ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض وهذا ~~يتضمن التعريف بوجود الخالق وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه وكثرة جنوده ~~والأمم التي يحصيها غيره وهذا يتضمن أنه لا إله غيره ولا رب سواه وأنه رب ~~العالمين فهذا دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره وإنزال ~~الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه فهذا استدلال ~~بأمره وذاك بخلقه: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} ، وشهد ~~لهذا أيضا قوله: {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند ~~الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن ~~في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} ولمن نصر إن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ~~أن يقول لما سألوا آية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ~~ذلك فإنه قادر على ذلك وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم ~~أذلوا أنزلها على وفق اقتراحهم لعوجلوا بالعقوبة أن لم يؤمنوا ثم ذكر ما ~~يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو فمن قدر ~~على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها كيف يعجز ~~عن إنزال آية ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم ~~وكتبهم وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم يفرط فيه من شيء ثم ~~يميتهم ثم يحشرهم إليه والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات عن النظر ~~والاعتبار الذي يؤديهم إلى معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق رسله ثم أخبر أن ~~الآيات لا تستقل بالهدى ولو أنزلها على وفق اقتراح البشر بل الأمر كله له ~~من يشأ يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم فهو أظهر القولين والله أعلم ~~وقال: {حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم ~~الكتاب لدينا لعلي حكيم} ms073 قال ابن عباس: "في اللوح المحفوظ المقري عندنا" ~~قال مقاتل: "أن نسخته في أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ وأم الكتاب أصل ~~الكتاب وأم كل شيء أصله" والقرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل خلق ~~السماوات والأرض كما قال تعالى: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} وأجمع ~~الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو ~~مكتوب في أم الكتاب وقد دل القرآن على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما ~~يفعله وما يقوله فكتب في اللوح أفعاله وكلامه فتبت يدا أبي لهب في اللوح ~~المحفوظ قبل وجود أبي لهب وقوله لدينا يجوز فيه أن تكون من صلة أم الكتاب ~~أي أنه في الكتاب الذي عندنا وهذا اختيار ابن عباس ويجوز أن يكون من صلة ~~الخبر أنه علي حكيم عندنا ليس هو كما عند المكذبين به أي وإن كذبتم به ~~وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف # PageV01P041 # والإحكام وقال تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ~~أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطية: "أي ما سبق ~~لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة ثم قرأ عطية: {فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة} "والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة وهذا قول ~~ابن عباس في رواية عطاء قال: "يريد ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ" ~~فالكتاب على هذا القول الكتاب الأول ونصيبهم ما كتب لهم من الشقاوة ~~وأسبابها وقال ابن زيد والقرطبي والربيع بن أنس: "ينالهم ما كتب لهم من ~~الأرزاق والأعمال فإذا فني نصيبهم واستكملوه جاءتهم رسلنا يتوفونهم ورجح ~~بعضهم هذا القول لمكان حتى التي هي للغاية يعني أنهم يستوفون أرزاقهم ~~وأعمارهم إلى الموت ولمن نصر القول الأول أن يقول حتى في هذا الموضع هي ~~التي تدخل على الجمل ويتصرف الكلام فيها إلى الابتداء كما في كقوله: # فيا عجبا حتى كليب تسبني # والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين فهو نصيبهم من الشقاوة ~~ونصيبهم ms074 من الأعمال التي هي أسبابها ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة ~~اكتسابها ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك فعمت الآية هذا ~~النصيب كله وذكر هؤلاء بعضه وهؤلاء بعضه هذا على القول الصحيح وأن المراد ~~ما سبق لهم في أم الكتاب وقالت طائفة المراد بالكتاب القرآن قال الزجاج: ~~"معنى نصيبهم من الكتاب ما أخبر الله من جزائهم نحو قوله: {فأنذرتكم نارا ~~تلظى} وقوله: {يسلكه عذابا صعدا} " قال أرباب هذا القول وهذا هو الظاهر ~~لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع ثم أخبر أنه ينالهم نصيبهم منه والصحيح ~~القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا ولهذا القول ~~وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين منه الرحمة والسعادة ونصيب هؤلاء منه العذاب ~~والشقاء فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره كما أن حظ ~~المؤمنين منه كان الهدى والرحمة فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة فكان حظهم من ~~هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم وقريب من هذا قوله: {وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون} أي تجعلونه حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به قال ~~الحسن: "تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال وخسر عبد لا يكون ~~حظه من كتاب الله إلا التكذيب به" وقال تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر} ~~قال عطاء ومقاتل: "كل شيء فعلوه مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ" وروى حماد ~~بن زيد عن داود بن أبي هند عن الشعبي: {وكل شيء فعلوه في الزبر} قال: "كتب ~~عليهم قبل أن يعملوه" وقالت طائفة: "المعنى أنه يحصى عليهم في كتب أعمالهم" ~~وجمع أبو إسحاق بين القولين فقال: "مكتوب عليهم قبل أن يفعلوه ومكتوب عليهم ~~إذا فعلوه للجزاء" وهذا أصح وبالله التوفيق وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ~~قال: "ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا ~~العينين النظر وزنا اللسان النطق ms075 والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ~~ويكذبه" وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما ~~النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش ~~والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق الفرج ذلك كله ويكذبه" وفي ~~صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين قال: "دخلت على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني ~~تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا # PageV01P042 # مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم ~~يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله قالوا: جئنا لنسألك عن هذا ~~الأمر قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل ~~شيء وخلق السماوات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت ~~فإذا هي ينقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها فالرب سبحانه كتب ~~ما يقوله وما يفعله وما يكون بقوله وفعله وكتب مقتضى أسمائه وصفاته ~~وآثارها" كما في الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو ~~عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي". # PageV01P043 ### | الباب الثاني عشر: في ذكر المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة المشيئة # وهذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم وجميع الكتب ~~المنزلة من عند الله والفطرة التي فطر الله عليها خلقه وأدلة العقول ~~والعيان وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده فما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به والمسلمون من أولهم إلى ~~آخرهم مجمعون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وخالفهم في ذلك من ~~ليس منهم في هذا الموضع وأن كان ms076 منهم في موضع آخر فجوزوا أن يكون في الوجود ~~ما لا يشاء الله وأن يشاء ما لا يكون وخالف الرسل كلهم وأتباعهم من نفى ~~مشيئة الله بالكلية ولم يثبت له سبحانه مشيئة واختيارا أو جدبها الخلق كما ~~يقوله طوائف من أعداء الرسل من الفلاسفة وأتباعهم والقرآن والسنة مملوآن ~~بتكذيب الطائفتين فقوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من ~~بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} وقال تعالى: {كذلك الله يفعل ما ~~يشاء} وقال: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} وقال: {ولو ~~شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} وقال: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة} وقال: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} وقال: {ولو شئنا لآتينا كل ~~نفس هداها} وقال: {ولو يشاء الله لانتصر منهم} وقال: {ولئن شئنا لنذهبن ~~بالذي أوحينا إليك} وقال: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} وقال: {إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} وقال: {لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} وقال عن نوح أنه قال لقومه: {إنما يأتيكم ~~به الله إن شاء} وقال إمام الحنفاء وأبو الأنبياء لقومه: {ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما} وقال الذبيح له: ~~{ستجدني إن شاء الله من الصابرين} وقال خطيب الأنبياء شعيب: {وما يكون لنا ~~أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا} ~~وقال الصديق الكريم ابن الكريم ابن الكريم: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} ~~وقال حمو موسى: {وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين} ~~وقال كليم الرحمن للخضر: {ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} وقال ~~قوم موسى له: {وإنا إن شاء الله ms077 لمهتدون} وقال لسيد ولد آدم وأكرمهم عليه: ~~{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} وقال: {قل لا أملك ~~لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله} وقال عن أهل # PageV01P043 # الجنة: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} وعن أهل ~~النار كذلك ليبين أن الأمر راجع إلى مشيئته ولو شاء لكان غير ذلك وقال: ~~{ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم} وقال: {يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء} وقال: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل ~~بقدر ما يشاء} وقال: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} وقال: {يمحوا الله ~~ما يشاء ويثبت} وقال: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} ~~وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم} وقال: {ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما ~~يشاء} وقال: {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} وقال: {قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وقال: {قل لو شاء الله ما ~~تلوته عليكم ولا أدراكم به} وقال: {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا ~~بدلنا أمثالهم تبديلا} وقال: {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} وفي الآية ~~الأخرى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} فأخبر أن مشيئتهم وفعلهم موقوفان ~~على مشيئته لهم هذا وهذا وقال: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} وقال: {والله يدعو إلى ~~دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وقال: {ويعذب المنافقين إن شاء ~~أو يتوب عليهم} وقوله: {يختص برحمته من يشاء} وقوله: {ولكن الله يزكي من ~~يشاء} وقوله: {والله يضاعف لمن يشاء} وقوله: {نصيب برحمتنا من نشاء} وقوله: ~~{نرفع درجات من نشاء} وقوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} وقوله: {ولكن ~~الله يمن على من يشاء من عباده} وقوله: {فنجي من نشاء} وقوله: {فيبسطه في ms078 ~~السماء كيف يشاء} وقوله: {إن ربي لطيف لما يشاء} وقوله: {يؤتي الحكمة من ~~يشاء} وقوله: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} وقوله: {ولو شاء الله لذهب ~~بسمعهم وأبصارهم} وقوله: {إن يشأ يسكن الريح} وقوله: {لو نشاء لجعلناه ~~حطاما} : {لو نشاء جعلناه أجاجا} وقوله: {فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} ~~وقوله: {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء} وقوله: {ولو شاء الله ~~لأعنتكم} وقوله: {الله يجتبي إليه من يشاء} وقوله عن كليمه موسى: {إن هي ~~إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} وهذه الآيات ونحوها تتضمن الرد ~~على طائفتي الضلال نفاة المشيئة بالكلية ونفاة مشيئة أفعال العباد وحركاتهم ~~وهداهم وضلالهم وهو سبحانه تارة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته وتارة أن ~~ما لم يشأ لم يكن وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع وأنه لو شاء لكان خلاف ~~القدر الذي قدره وكتبه وأنه لو شاء ما عصى وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى ~~وجعلهم أمة واحدة فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته وأن ما لم يقع فهو لعدم ~~مشيئته وهذا حقيقة الربوبية وهو معنى كونه رب العالمين وكونه القائم بتدبير ~~عباده فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ~~ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه وكل ذلك بمشيئته ~~وتكوينه إذ لا مالك غيره ولا مدبر سواه ولا رب غيره قال تعالى: {وربك يخلق ~~ما يشاء ويختار} وقال: {ونقر في الأرحام ما نشاء} وقال: {في أي صورة ما شاء ~~ركبك} وقال: {لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما} وقال: ~~{يهدي الله لنوره من يشاء} وتقدم في حديث حذيفة بن أسيد في صحيح مسلم في ~~شأن الجنين "فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك" وفي صحيح البخاري من حديث أبي ~~موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله ms079 على لسان ~~نبيه ما يشاء" وفي صحيح البخاري من حديث علي بن أبي طالب # PageV01P044 # حين طرقه النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة ليلا فقال: "ألا تصليان علي ~~إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا" وفي صحيحه أيضا في قصة ~~نومهم في الوادي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم: "أن الله قبض أرواحكم حين ~~شاء وردها حين شاء" وفي حديث ابن مسعود الذي في المسند وغيره في قصة رجوعهم ~~من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~لو شاء لم تناموا عنها ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم فهكذا لمن نام ونسي" ~~وفي لفظ آخر: "إن الله سبحانه وتعالى لو شاء أيقظنا ولكنه أراد أن يكون لمن ~~بعدكم" وفي مسند الإمام أحمد عن طفيل بن سخيرة أخي عائشة لامها أنه رأى ~~فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال: من أنتم قالوا: نحن اليهود ~~قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله فقالت اليهود: ~~وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد ثم مر برهط من النصارى ~~فقال: من أنتم قالوا: نحن النصارى قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون ~~المسيح ابن الله قالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء ~~محمد فلما أصبح أخبر بها من أخبر ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~فقال: أخبرت أحدا؟ قال: نعم فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه فقال إن ~~طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني ~~الحياء منكم" زاد البيهقي: "فلا تقولوها ولكن قولوا ما شاء الله وحده لا ~~شريك له" وروى جعفر عن عون عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: ~~"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه في بعض الأمر فقال الرجل ~~لرسول الله: ما شاء الله وشئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجعلتني ~~لله عدلا بل ما شاء ms080 الله وحده" وروى سعيد عن منصور عن عبد الله بن يسار عن ~~حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ~~ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" قال الشافعي في رواية الربيع عنه: ~~"المشيئة إرادة الله قال الله عز وجل: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} فأعلم ~~الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله ~~فيقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ثم شئت ولا يقال ما شاء ~~الله وشئت قال ويقال من يطع الله ورسوله فإن الله تعبد العباد بأن فرض ~~عليهم طاعة رسوله فإذا أطيع رسول الله فقد أطيع الله بطاعة رسوله" وفي صحيح ~~مسلم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قلوب العباد ~~بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء" ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" وفي حديث ~~النواس بن سمعان سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من قلب إلا بين ~~أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه" وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك والميزان ~~بيد الرحمن يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة" وفي الصحيحين من حديث ~~عبد الله بن عمرو سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول: ~~"إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس" ~~وذكر الحديث وقال في آخره "فذلك فضلي أوتيه من أشاء" وفي صحيح البخاري ~~مرفوعا: "مثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء وقال ~~عبد الرازق عن معمر عن همام هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "قال الله تبارك وتعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر ~~فاني أنا الدهر أرسل ms081 الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما" قال الشافعي تأويله ~~والله أعلم أن العرب كان شأنها # PageV01P045 # أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف أو ~~غير ذلك فيقولون إنما يهلكنا الدهر وهو الليل والنهار ويقولون أصابتهم ~~قوارع الدهر وأبادهم الدهر فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء فيذمون ~~الدهر بأنه الذي يفنيهم ويفعل بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تسبوا الدهر على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء فإنكم إذا ~~سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبون الله تبارك وتعالى فإنه فاعل هذه ~~الأشياء" وفي حديث أنس يرفعه: "اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات رحمة ~~الله فإن لله عز وجل سحائب من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله ~~أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم" وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت قال ~~كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله ~~شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك ~~شيئا فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله ~~إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" وفيهما أيضا من حديث احتجاج الجنة والنار: ~~"قول الله للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء وللنار أنت عذابي أعذب بك من ~~أشاء" وفيه أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقل ~~أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت وارزقني إن شئت ليعزم مسألته ~~إنه يفعل ما يشاء لا مكره له" وفي صحيح مسلم عنه يرفعه: "المؤمن القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ~~ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما ~~شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" وفي حديث أبي ذر: "يا عبادي كلكم ضال إلا ~~من هديته" الحديث ms082 وفي آخره "ذلك بأني جواد أفعل ما أشاء عطائي كلام فإذا ~~أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون" وفي حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "ما أنعم الله على عبد من نعمة من أهل وولد فيقول ما شاء الله ~~لا قوة إلا بالله فيرى فيه آية دون الموت" وهذا الحديث الصحيح مشتق من قوله ~~تعالى: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} وفي حديث ~~الشفاعة: "فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني" وفي ~~حديث آخر أهل الجنة دخولا إليها "فيسكت ما شاء الله أن يسكت وفيه قوله ~~سبحانه لا أهزأ بك ولكني على ما أشاء قدير" والحديثان في الصحيحين وفيهما ~~من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة فأريد إن ~~شاء الله أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" وقال: "لا يدخل النار إن ~~شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد" وقال: "إني لأطمع أن ~~يكون حوضي إن شاء الله أوسع ما بين أيلة إلى كذا" وقال في المدينة: "لا ~~يدخلها الطاعون ولا الدجال إن شاء الله" وقال في زيارة المقابر: "وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون" وقال لما حاصر الطائف: "إنا قافلون غدا إن شاء الله" ~~وقال لما قدم مكة: "منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة" وقال يوم بدر: ~~"هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله وهذا مصرع فلان إن شاء الله" وقال في بعض ~~أسفاره: "إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم ثم إنكم تأتون الماء غدا إن شاء الله" ~~وقال للأعرابي الذي عاده من الحمى: "لا بأس طهور إن شاء الله" وأخبر عن ~~سليمان بن داود أنه قال: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي ~~بفارس يقاتل في سبيل الله فقال له الملك قل إن شاء الله فلم يقل فطاف عليهن ~~جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل وأيم الذي نفس محمد بيده ms083 ~~لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون" وقال: "من حلف ~~فقال إن شاء الله فإن # PageV01P046 # شاء مضى وإن شاء رجع غير حنث" وقال: "لأغزون قريشا ثم قال في الثالثة إن ~~شاء الله" وقال: "ألا مشمر للجنة فقالت الصحابة نحن المشمرون لها يا رسول ~~الله فقال قولوا إن شاء الله" وقال تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} قال الحسن: ~~"إذا نسيت أن تقول إن شاء الله" وهذا هو الاستثناء الذي كان يجوزه ابن عباس ~~متراخيا ويتأول عليه الآية لا الاستثناء في الإقرار واليمين والطلاق ~~والعتاق وهذا من كمال علم ابن عباس وفقهه في القرآن وقد أجمع المسلمون على ~~أن الحالف إذا استثنى في يمينه متصلا بها فقال لأفعلن كذا أو لا أفعله إن ~~شاء الله إنه لا يحنث إذا خالف ما حلف عليه لأن من أصل أهل الإسلام أنه لا ~~يكون شيء إلا بمشيئة الله فإذا علق الحالف الفعل أو الترك بالمشيئة لم يحنث ~~عند عدم المشيئة ولا تجب عليه الكفارة ولو ذهبنا نذكر كل حديث أو أثر جاء ~~فيه لفظ المشيئة وتعليق فعل الرب بها لطال الكتاب جدا وأما الإرادة فورودها ~~في نصوص القرآن والسنة معلوم أيضا كقوله: {فعال لما يريد} : {فأراد ربك أن ~~يبلغا أشدهما} : {وإذا أردنا أن نهلك قرية} : {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر} : {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} : {ومن ~~يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} وقول نوح: {ولا ينفعكم نصحي إن ~~أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون} وقوله: ~~{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا} وقوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} وقوله: {والله يريد أن ~~يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن ~~يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} وأخبر أنه إذا لم يرد تطهير قلوب عباده لم ~~يكن ms084 لهم سبيل إلى تطهيرها فقال: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ~~لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وقال: {وإن الله يهدي من ~~يريد} : {وإن الله يحكم ما يريد} وقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم} وقوله: {فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ~~ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} وقوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت} وقوله: {قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا ~~أو أراد بكم رحمة} وقول صاحب يس: {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر ~~لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} وقوله: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات ~~رحمته} وقوله: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} وقوله: {من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} والنصوص النبوية في إثبات إرادة ~~الله أكثر من أن تحصر كقوله "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" "من يرد ~~الله به خيرا يصب منه" "إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق" "إذا ~~أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها" "إذا أراد الله هلكة أمة عذبها ونبيها ~~حي فأقر عينه بهلكها" "إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا" ~~"إذا أراد الله بعبد شرا أمسك عنه توبته حتى يوافي يوم القيامة كأنه عير" ~~"إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة" "إذا أراد الله بأهل بيت ~~خيرا أدخل عليهم باب الرفق" "إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب من كان فيهم ثم ~~بعثوا على نياتهم" والآثار النبوية في ذلك أكثر من أن نستوعبها. # فصل: وههنا أمر يجب التنبيه عليه والتنبه له وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة ~~تعرض لمن لم يحط به علما وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر وأمره سبحانه ~~نوعان: أمر كوني قدري، وأمر ms085 ديني # PageV01P047 # شرعي فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه وأمره الكوني وكذلك تتعلق بما يحب وبما ~~يكرهه كله داخل تحت مشيئته كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار ~~والأعيان والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله ~~وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله فما ~~وجد منه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعا فهو محبوب للرب واقع بمشيئته ~~كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره ~~الديني ولم تتعلق به مشيئته وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به ~~مشيئته ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني وما لم يوجد منها لم ~~تتعلق به مشيئته ولا محبته فلفظ المشيئة كوني ولفظ المحبة ديني شرعي ولفظ ~~الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية فتكون هي المشيئة وإرادة دينية فتكون هي ~~المحبة إذا عرفت هذا فقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} وقوله: {لا يحب ~~الفساد} وقوله: {ولا يريد بكم العسر} لا يناقض نصوص القدر والمشيئة العامة ~~الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره فإن المحبة غير المشيئة والأمر ~~غير الخلق ونظير هذا لفظ الأمر فإنه نوعان أمر تكوين وأمر تشريع والثاني قد ~~يعصي ويخالف بخلاف الأول فقوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها} لا يناقض قوله: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} ولا حاجة ~~إلى تكلف تقدير أمرنا مترفيها فيها بالطاعة فعصونا وفسقوا فيها بل الأمر ~~ههنا أمر تكوين وتقدير لا أمر تشريع لوجوه أحدها: أن المستعمل في مثل هذا ~~التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به كما تقول أمرته فقام وأمرته ~~فأكل كما لو صرح بلفظة أفعل كقوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا} وهذا كما تقول دعوته فأقبل وقال تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون ~~بحمده} الثاني: أن الأمر بالطاعة لا يخص المترفين فلا يصح حمل الآية عليه ~~بل تسقط فائدة ذكر المترفين فإن جميع المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة فلا ~~يصح أن يكون أمر المترفين علة إهلاك جميعهم ms086 الثالث: أن هذا النسق العجيب ~~والتركيب البديع مقتض ترتب ما يعد الفاء على ما قبلها ترتب المسبب على سببه ~~والمعلول على علته ألا ترى أن الفسق علة حق القول عليهم وحق القول عليهم ~~علة لتدميرهم فهكذا الأمر سبب لفسقهم ومقتض له وذلك هو أمر التكوين لا ~~التشريع الرابع: أن إرادته سبحانه لإهلاكهم إنما كانت بعد معصيتهم ~~ومخالفتهم لرسله فمعصيتهم ومخالفتهم قد تقدمت فأراد الله إهلاكهم فعاقبهم ~~بأن قدر عليهم الأعمال التي يتحتم معها هلاكهم فإن قيل فمعصيتهم السابقة ~~سبب لهلاكهم فما الفائدة في قوله: {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} وقد تقدم ~~الفسق منهم قبل المعصية السابقة وإن كانت سببها للهلاك لكن يجوز تخلف ~~الهلاك عنها ولا يتحتم كما هو عادة الرب تعالى المعلومة في خلقه أنه لا ~~يتحتم هلاكهم بمعاصيهم فإذا أراد إهلاكهم ولا بد أحدث سببا آخر يتحتم معه ~~الهلاك ألا ترى أن ثمود ألم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أخرج لهم الناقة ~~فعقروها فأهلكوا حينئذ وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم السابق بموسى حتى أراهم ~~الآيات المتتابعات واستحكم بغيهم وعنادهم فحينئذ أهلكوا وكذلك قوم لوط لما ~~أراد هلاكهم أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف فقصدوهم بالفاحشة ~~ونالوا من لوط وتواعدوه وكذلك سائر الأمم إذا أراد الله هلاكهم أحدث لها ~~بغيا وعدوانا يأخذها على أثره وهذه عادته مع عباده عموما وخصوصا فيعصيه ~~العبد وهو يحلم عنه ولا يعاجله حتى إذا أراد أخذه قيض له عملا يأخذه به ~~مضافا إلى أعماله الأولى فيظن الظان أنه أخذه بذلك العمل وحده وليس كذلك بل ~~حق عليه القول بذلك وكان قبل ذلك # PageV01P048 # لم يحق عليهم القول بأعماله الأولى حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه ولكن ~~لم يحكم به أحكم الحاكمين ولم يمض الحكم فإذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب ~~عليه أمضى حكمه عليه وأنفذه قال تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} وقد ~~كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر ~~واستحكم عليهم إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم ms087 فلما أيس من إيمانهم تقرر ~~الغضب واستحكم فحلت العقوبة فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير ~~الإلهي وفكر العبد فيه من أنفع الأمور له فإنه لا يدري أي المعاصي هي ~~الموجبة التي يتحتم عندها عقوبته فلا يقال بعدها والله المستعان وسنعقد ~~لهذا الفصل بابا في الفرق بين القضاء الكوني والديني نشبع الكلام فيه إن ~~شاء الله لشدة الحاجة إليه إذ المقصود في هذا الباب مشيئة الرب وأنها ~~الموجبة لكل موجود كما أن عدم مشيئته موجب لعدم وجود الشيء فهما الموجبتان ~~ما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ وجب عدمه وامتناعه وهذا أمر يعم كل مقدور ~~من الأعيان والأفعال والحركات والسكنات فسبحانه أن يكون في مملكته ما لا ~~يشاء أو أن يشاء شيئا فلا يكون وإن كان فيها ما لا يحبه ولا يرضاه وإن كان ~~يحب الشيء فلا يكون لعدم مشيئته له ولو شاءه لوجد. # PageV01P049 ### | الباب الثالث عشر: في ذكر المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها # وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم وعليه اتفقت ~~الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار وخالف في ذلك مجوس الأمة فأخرجت ~~طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين وهي أشرف ما في العالم عن ~~ربوبيته وتكوينه ومشيئته بل جعلوهم هم الخالقون لها ولا تعلق لها بمشيئته ~~ولا تدخل تحت قدرته وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية فعندهم ~~أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يقدر أن يجعل المسلم ~~مسلما والكافر كافرا والمصلي مصليا وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك لا يجعله ~~تعالى وقد نادى القرآن بل الكتب السماوية كلها والسنة وأدلة التوحيد ~~والعقول على بطلان قولهم وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض وصنف ~~حزب الإسلام وعصابة الرسول وعسكره التصانيف في الرد عليهم وهي أكثر من أن ~~يحصيها إلا الله ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم ونواصيهم تحت ~~أرجلهم إذ كانوا يردون باطلهم بالحق المحض وبدعتهم ms088 بالسنة والسنة لا يقوم ~~لها شيء فكانوا معهم كالذمة مع المسلمين إلى أن نبغت نابغة ردوا بدعتهم ~~ببدعة تقابلها وقابلوا باطلهم بباطل من جنسه وقالوا العبد مجبور على أفعاله ~~مقهور عليها لا تأثير له في وجودها البتة وهي واقعة بإرادته واختياره وغلا ~~غلاتهم فقالوا بل هي عين أفعال الله ولا ينسب إلى العبد الأعلى المجاز ~~والله سبحانه يلوم العبد ويعاقبه ويخلده في النار على ما لم يكن للعبد فيه ~~صنع ولا هو فعله بل هو محض فعل الله وهذا قول الجبرية وهو إن لم يكن شرا من ~~القدرية فليس هو بدونه في البطلان وإجماع الرسل واتفاق الكتب الإلهية وأدلة ~~العقول والفطر والعيان يكذب هذا القول ويرده والطائفتان في عمي عن الحق ~~القويم والصراط المستقيم ولما رأى القاضي وغيره بطلان هذا القول وتناقضه ~~للشرائع والعدل والجبلة قالوا قدرة العبد وإن لم تؤثر في وجود الفعل فهي ~~مؤثرة في صفة من صفاته # PageV01P049 # وتلك الصفة تسمى كسبا وهي متعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب فإن الحركة ~~التي هي من طاعته والحركة التي هي من معصيته قد اشتركا في نفس الحركة ~~وامتازت إحداهما عن الأخرى بالطاعة والمعصية فذات الحركة ووجودها واقع ~~بقدرة الله وإيجاده وكونها طاعة ومعصية واقع بقدرة العبد وتأثيره وهذا وإن ~~كان أقرب إلى الصواب فالقائل به لم يوفه حقه فإن كونها طاعة ومعصية هو ~~موافقة الأمر ومخالفته فهذه الموافقة والمخالفة إما أن تكون فعلا للعبد ~~يتعلق بقدرته واختياره وإن كان لم يكن للعبد اختيار ولا فعل ولا كسب البتة ~~فلم يثبت هؤلاء من الكسب أمرا معقولا ولهذا يقال محالات الكلام ثلاثة كسب ~~الأشعري وأحوال أبي هاشم وطفرة النظام ولما رأى طائفة فساد هذا قالوا ~~المؤثر في وجود الفعل هو قدرة الرب على سبيل الاستقلال قالوا ولا يمتنع ~~اجتماع المؤثرين على أثر واحد ولم يستوحش هؤلاء من القول بوقوع مفعول بين ~~فاعلين ولا مقدور بين قادرين قالوا كما يمتنع وقوع معلوم بين عالمين ومراد ~~بين مريدين ومحبوب بين محبوبين ومكروه بين مكروهين قالوا ms089 ونحن نشاهد قادرين ~~مستقلين كل منهما يمكنه أن يستقل بالفعل يقع بينهما مفعول واحد يشتركان في ~~فعله والتأثير فيه قالوا وليس معكم ما يبطل هذا إلا قولكم أن إضافته إلى ~~أحدهما على سبيل الاستقلال يمنع إضافته إلى الآخر وإضافته إليهما وفي هذه ~~الحجة إجمال لا بد له من تفصيل فيجوز وقوع مفعول بين فاعلين لا يستقل ~~أحدهما به كالمتعاونين على الأمر لا يقدر عليه أحدهما وحده ويجوز وقوع ~~مفعول بين فاعلين يشتركان فيه كل منهما يستقل به على سبيل البدل وهذا ظاهر ~~أيضا ويجوز وقوع مفعول بين فاعلين يشتركان فيه وكل منهما يقدر عليه حال ~~الانفراد كمحمول يحمله اثنان كل منهما يمكنه أن يستقل بحمله وحده وكل هذه ~~الأقسام ممكنة بل واقعة بقي قسم واحد وهو مفعول بين فاعلين كل منهما فعله ~~على سبيل الاستقلال فهذا محال فإن استقلال كل منهما بفعله ينفي فعل الآخر ~~له فاستقلالهما ينافي استقلالهما وأكثر الطوائف يقر بوقوع مقدور بين قادرين ~~وإن اختلفوا في كيفية وقوعه، فقالت طائفة الفعل يضاف إلى قدرة الله سبحانه ~~على وجه الاستقلال بالتأثير ويضاف إلى قدرة العبد لكنها غير مستقلة فإذا ~~انضمت قدرة الله إلى قدرة العبد صارت قدرة العبد مؤثرة على سبيل الاستقلال ~~بتوسط إعانة قدرة الله وجعل قدرة العبد مؤثرة والقائل بهذا لم يتخلص من ~~الخطأ حيث زعم أن قدرة العبد مستقلة بإعانة قدرة الله له فعاد الأمر إلى ~~اجتماع مؤثرين على أثر واحد لكن قدرة أحدهما وتأثيره مستند إلى قدرة الآخر ~~وتأثيره وكأنه والله أعلم أراد أن قدرة الرب مستقلة بالتأثير في إيجاد ~~الفعل وهذا قد قاله طائفة من العلماء وقائل هذا لم يتخلص من الخطأ حيث جعل ~~قدرة العبد مستقلة بالتأثير في إيجاد المقدور وهذا باطل إذ غاية قدرة العبد ~~أن تكون سببا بل جزأ من السبب والسبب لا يستقل بحصول المسبب ولا يوجبه وليس ~~في الوجود ما يوجب حصول المقدور إلا مشيئة الله وحده وأصحاب هذا القول ~~زعموا أن الله أعطى العبد قدرة وإرادة وفوض ms090 إليه بهما الفعل والترك وخلاه ~~وما يريد فهو يفعل ويترك بقدرته وإرادته اللتين فوض إليه الفعل والترك بهما ~~وقالت طائفة أخرى مقدور العبد هو عين مقدور الرب بشرط أن يفعله العبد إذا ~~تركه الرب ولم يفعله لا على أنه يفعله والرب له فاعل لاستحالة خلق بين ~~خالقين وهذا بعينه مذهب من يقول بوقوع مفعول بين فاعلين على سبيل وهذا مذهب ~~كثير من القدرية منهم الشحام وغيره # PageV01P050 # وقالت طائفة يجوز وقوع فعل بين فاعلين بنسبتين مختلفتين بأحدهما يكون ~~محدثا وبالأخرى يكون كاسبا وهذا مذهب النجار وضرار بن عمرو ومحمد بن عيسى ~~بن حفص والفرق بين هذا المذهب ومذهب الأشعريين من وجهين أحدهما: أن صاحب ~~هذا المذهب يقول العبد فاعل حقيقة وإن لم يكن محدثا مخترعا للفعل والأشعري ~~يقول العبد ليس بفاعل وإن نسب إليه الفعل وإنما الفاعل في الحقيقة هو الله ~~فلا فاعل سواه الثاني: أنهم يقولون الرب هو المحدث والعبد هو الفاعل وقالت ~~فرقة: بل أفعال العباد فعل لله على الحقيقة وفعل العبد على المجاز وهذا أحد ~~قولي الأشعري وقالت فرقة أخرى منهم القلانسي وأبو إسحاق: في بعض كتبه أنها ~~فعل لله على الحقيقة وفعل الإنسان على الحقيقة لا على معنى أنه أحدثها بل ~~على معنى أنه كسب له وقالت طائفة أخرى وهم جهم وأتباعه: أن القادر على ~~الحقيقة هو الله وحده وهو الفاعل حقا ومن سواه ليس بفاعل على الحقيقة ولا ~~كاسب أصلا بل هو مضطر إلى جميع ما فيه من حركة وسكون وقول القائل قام وقعد ~~وأكل وشرب مجاز بمنزلة مات وكبر ووقع وطلعت الشمس وغربت وهذا قول الجبرية ~~الغلاة وقابله طائفة أخرى فقالوا: العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها ~~بقدرهم وإرادتهم والرب لا يوصف بالقدرة على مقدور العبد ولا تدخل أفعالهم ~~تحت قدرته كما لا يوصف العباد بمقدور الرب ولا تدخل أفعاله تحت قدرهم وهذا ~~قول جمهور القدرية وكلهم متفقون على أن الله سبحانه غير فاعل لأفعال العباد ~~واختلفوا هل يوصف بأنه مخترعها ومحدثها وأنه قادر عليها وخالق ms091 لها فجمهورهم ~~نفوا ذلك ومن يقرب منهم إلى السنة أثبت كونها مقدورة لله وأن الله سبحانه ~~قادر على أعيانها وأن العباد أحدثوها بإقدار الله لهم على إحداثها وليس ~~معنى قدرة الله عليها عندهم أنه قادر على فعلها هذا عندهم عين المحال بل ~~قدرته عليها إقدارهم على إحداثها فإنما أحدثوها بقدرته وإقداره وتمكينه ~~وهؤلاء أقرب القدرية إلى السنة وأرباب هذه المذاهب مع كل طائفة منهم خطأ ~~وصواب وبعضهم أقرب إلى الصواب وبعضهم أقرب إلى الخطأ وأدلة كل منهم وحججه ~~إنما تنهض على بطلان خطأ الطائفة الأخرى لا على إبطال ما أصابوا فيه فكل ~~دليل صحيح للجبرية إنما يدل على إثبات قدرة الرب تعالى ومشيئته وأنه لا ~~خالق غيره وأنه على كل شيء قدير لا يستثنى من هذا العموم فرد واحد من أفراد ~~الممكنات وهذا حق ولكن ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون العبد قادرا مريدا ~~فاعلا بمشيئته وقدرته وأنه هو الفاعل حقيقة وأفعاله قائمة به وأنها فعل له ~~لا لله وأنها قائمة به لا بالله وكل دليل صحيح يقيمه القدرية فإنما يدل على ~~أن أفعال العباد فعل لهم قائم بهم واقع بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأنهم ~~مختارون لها غير مضطرين ولا مجبورين ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون الله ~~سبحانه قادرا على أفعالهم وهو الذي جعلهم فاعلين فأدلة الجبرية متظافرة ~~صحيحة على من نفى قدرة الرب سبحانه على كل شيء من الأعيان والأفعال ونفى ~~عموم مشيئته وخلقه لكل موجود وأثبت في الوجود شيئا بدون مشيئته وخلقه وأدلة ~~القدرية متظافرة صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره وقال ~~أنه ليس بفاعل شيئا والله يعاقبه على ما لم يفعله ولا له قدرة عليه بل هو ~~مضطر إليه مجبور عليه وأهل السنة وحزب الرسول وعسكر الإيمان لا مع هؤلاء ~~ولا مع هؤلاء بل هم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه وهم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه ~~فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه وهم براء من باطلهم فمذهبهم ~~جمع حق ms092 الطوائف بعضه إلى بعض والقول # PageV01P051 # به ونصره وموالاة أهله من ذلك الوجه ونفي باطل كل طائفة من الطوائف وكسره ~~ومعاداة أهله من هذا الوجه فهم حكام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم ~~على الإطلاق ولا يردون حق طائفة من الطوائف ولا يقابلون بدعة ببدعة ولا ~~يردون باطلا بباطل ولا يحملهم شنآن قوم يعادونهم ويكفرونهم على أن لا ~~يعدلوا فيهم بل يقولون فيهم الحق ويحكمون في مقالالتهم بالعدل والله سبحانه ~~وتعالى أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال:: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ~~ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم} فأمره ~~سبحانه أن يدعو إلى دينه وكتابه وأن يستقيم في نفسه كما أمره وأن لا يتبع ~~هوى أحد من الفرق وأن يؤمن بالحق جميعه ولا يؤمن ببعضه دون بعض وأن يعدل ~~بين أرباب المقالات والديانات وأنت إذا تأملت هذه الآية وجدت أهل الكلام ~~الباطل وأهل الأهواء والبدع من جميع الطوائف أبخس الناس منها حظا وأقلهم ~~نصيبا ووجدت حزب الله ورسوله وأنصار سنته هم أحق بها وأهلها وهم في هذه ~~المسألة وغيرها من المسائل أسعد بالحق من جميع الطوائف فإنهم يثبتون قدرة ~~الله على جميع الموجودات من الأعيان والأفعال ومشيئته العامة وينزهونه ان ~~يكون في ملكه ما لا يقدر عليه ولا هو واقع تحت مشيئته ويثبتون القدر السابق ~~وأن العباد يعملون على ما قدره الله وقضاه وفرغ منه وأنه لا يشاؤن إلا أن ~~يشاء الله ولا يفعلون إلا من بعد مشيئته وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~ولا تخصيص عندهم في هاتين القضيتين بوجه من الوجوه والقدر عندهم قدرة الله ~~تعالى وعلمه ومشيئته وخلقه فلا يتحرك ذرة فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه ~~وقدرته فهم المؤمنون بلا حول ولا قوة إلا بالله على الحقيقة إذا قالها ~~غيرهم على المجاز إذ العالم علويه وسفليه وكل حي يفعل فعلا فإن فعله بقوة ~~فيه على الفعل وهو في حول من ترك إلى فعل ومن فعل إلى ms093 ترك ومن فعل إلى فعل ~~وذلك كله بالله تعالى لا بالعبد ويؤمنون بأن من يهده الله فلا مضل له ومن ~~يضلل فلا هادي له وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا والمصلي ~~مصليا والمتحرك متحركا وهو الذي يسير عبده في البر والبحر وهو المسير ~~والعبد السائر وهو المحرك والعبد المتحرك وهو المقيم والعبد القائم وهو ~~الهادي والعبد المهتدي وأنه المطعم والعبد الطاعم وهو المحي المميت والعبد ~~الذي يحيى ويموت ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة ~~لا مجازا وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول كما حكاه عنهم البغوي وغيره ~~فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة وهي مفعولة لله سبحانه مخلوقة له ~~حقيقة والذي قام بالرب عز وجل علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه والذي قام بهم ~~هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون ~~حقيقة وهو سبحانه هو المقدر لهم على ذلك القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه ~~لهم ومشيئته وفعله بعد مشيئته فما يشاؤن إلا أن يشاء الله وما يفعلون إلا ~~أن يشاء الله وإذا وازنت بين هذا المذهب وبين ما عداه من المذاهب وجدته هو ~~المذهب الوسط والصراط المستقيم ووجدت سائر المذاهب خطوطا عن يمينه وعن ~~شماله فقريب منه وبعيد وبين ذلك وإذا أعطيت الفاتحة حقها وجدتها من أولها ~~إلى آخرها منادية على ذلك دالة عليه صريحة فيه وإن كان حمده لا يقتضي غير ~~ذلك وكذلك كمال ربوبيته للعالمين لا يقتضي غير ذلك فكيف يكون الحمد كله لمن ~~لا يقدر على مقدور أهل سماواته وأرضه من الملائكة والجن والإنس والطير ~~والوحش بل يفعلون ما لا يقدر عليه ولا يشاءه ويشاء ما لا يفعله # PageV01P052 # كثير منهم فيشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء وهل يقتضي ذلك كمال حمده ~~وهل يقتضيه كمال ربوبيته ثم قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} مبطل لقول ~~الطائفتين المنحرفتين عن قصد السبيل فإنه يتضمن إثبات فعل العبد وقيام ~~العبادة به حقيقة فهو العابد على الحقيقة وإن ذلك لا يحصل له إلا بإعانة ms094 رب ~~العالمين عز وجل له فإن لم يعنه ولم يقدره ولم يشأ له العبادة لم يتمكن ~~منها ولم يوجد منه البتة فالفعل والإقدار والإعانة من الرب عز وجل ثم قوله: ~~{اهدنا الصراط المستقيم} يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها وهي بيده إن ~~شاء أعطاها عبده وإن شاء منعه إياها والهداية معرفة الحق والعمل به فمن لم ~~يجعله الله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء فهو ~~سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها وهي جعل ~~العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به فهذه الهداية ليست إلى ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل وهي التي قال سبحانه فيها: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء} مع قوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} فهذه ~~هداية الدعوة والتعليم والإرشاد وهي التي هدي بها ثمود فاستحبوا العمى ~~عليها وهي التي قال تعالى فيها: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون} فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم ومنعهم ~~الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها فذاك عدله فيهم وهذا ~~حكمته فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق ~~بهم وسنذكر في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى ذكر الهدى والضلال ~~ومراتبهما وأقسامهما فإنه عليه مدار مسائل القدر والمقصود ذكر بعض ما يدل ~~على إثبات هذه المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي خلق الله تعالى ~~لأفعال المكلفين ودخولها تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه وكتابه قال ~~تعالى: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} وهذا عام محفوظ لا يخرج عنه ~~شيء من العالم أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته وليس مخصوصا بذاته وصفاته ~~فإنه الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق له واللفظ قد فرق بين الخالق ~~والمخلوق وصفاته سبحانه داخله في مسمى اسمه فإن الله سبحانه اسم للإله ~~الموصوف بكل صفة كمال المنزه عن كل ms095 صفة نقص ومثال والعالم قسمان أعيان ~~وأفعال وهو الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال كما أنه العالم ~~بتفاصيل ذلك فلا يخرج شيء منه عن علمه ولا عن قدرته ولا عن خلقه ومشيئته ~~قالت القدرية: نحن نقول إن الله خالق أفعال العباد لا على أنه محدثها ~~ومخترعها لكن على معنى أنه مقدرها فإن الخلق التقدير كما قال تعالى: ~~{فتبارك الله أحسن الخالقين} وقال الشاعر: # ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى # أي لأنت تمضي ما قدرته وتنفذه بعزمك وقدرتك وبعض القوم يقدر ثم لا قوة له ~~ولا عزيمة على إنفاذ ما قدره وإمضائه فالله تعالى مقدر أفعال العباد وهم ~~الذين أوجدوها وأحدثوها، قال أهل السنة: قدماؤكم ينكرون تقدير الله سبحانه ~~لأعمال العباد البتة فلا يمكنهم أن يجيبوا بذلك ومن اعترف منكم بالتقدير ~~فهو تقدير لا يرجع إلى تأثير وإنما هو مجرد العلم بها والخبر عنها ليس ~~التقدير عندكم جعلها على قدر كذا وكذا فإن هذا عندكم غير مقدور للرب ولا ~~مصنوع له وإنما هو صنع العبد وإحداثه فرجع التقدير إلى مجرد العلم والخبر ~~وهذا لا يسمى خلقا في لغة أمة من الأمم ولو كان هذا خلقا لكان من علم شيئا ~~وعلم أسمائه وصفاته وأخبر عنه بذلك خالقا له فالتقدير الذي أثبتموه إن كان ~~متضمنا للتأثير # PageV01P053 # في إيجاد الفعل فهو خلاف مذهبكم وإن لم يتضمن تأثيرا في إيجاده فهو راجع ~~إلى محض العلم والخبر، قالت القدرية قوله: {الله خالق كل شيء} من العام ~~المراد به الخاص ولا سيما فإنكم قلتم إن القرآن لم يدخل في هذا العموم وهو ~~من أعظم الأشياء وأجلها فخصصنا مه أفعال العباد بالأدلة الدالة على كونها ~~فعلهم ومنعهم، قالت أهل السنة: القرآن كلام الله سبحانه وكلامه صفة من ~~صفاته وصفات الخالق وذاته لم تدخل في المخلوق فإن الخالق غير المخلوق فليس ~~ههنا تخصيصا البتة بل الله سبحانه بذاته وصفاته الخالق وكل ما عداه مخلوق ~~وذلك عموم لا تخصيص فيه بوجه إذ ليس إلا الخالق ms096 والمخلوق والله وحده الخالق ~~وما سواه كله مخلوق وأما الأدلة الدالة على أن أفعال العباد صنع لهم وإنما ~~أفعالهم القائمة بهم وأنهم هم الذين فعلوها فكلها حق نقول بموجبها ولكن لا ~~ينبغي أن تكون أفعالا لهم ومخلوقة مفعولة لله فإن الفعل غير المفعول ولا ~~نقول أنها فعل لله والعبد مضطر مجبور عليها ولا نقول أنها فعل للعبد والله ~~غير قادر عليها ولا جاعل للعبد فاعلا لها ولا نقول أنها مخلوقة بين مخلوقين ~~مستقلين بالإيجاد والتأثير وهذه الأقوال كلها باطلة، قالت القدرية يعني ~~قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} مما لا يقدر عليه غيره وأما أفعال العباد ~~التي يقدر عليها العباد فإضافتها إليهم ينفي إضافتها إليه والألزم وقوع ~~مفعولين بين فاعلين وهو محال، قالت أهل السنة: إضافتها إليهم فعلا وكسبا لا ~~ينفي إضافتها إليه سبحانه خلقا ومشيئة فهو سبحانه الذي شاءها وخلقها وهم ~~الذين فعلوها وكسبوها حقيقة فلو لم تكن مضافة إلى مشيئته وقدرته وخلقه ~~لاستحال وقوعها منهم إذ العباد أعجز وأضعف من أن يفعلوا ما لم يشأه الله ~~ولم يقدر عليه ولا خلقه. # فصل: ومما يدل على قدرته سبحانه على أفعالهم قوله: {والله على كل شيء ~~قدير} واعتراض القدرية على الاستدلال بذلك والجواب عنه نظير الاعتراض على ~~قوله: {الله خالق كل شيء} وجوابه ونزيده تقريرا أن أفعالهم أشياء ممكنة ~~والله قادر على كل ممكن فهو الذي جعلهم فاعلين بقدرته ومشيئته ولو شاء لحال ~~بينهم وبين الفعل مع سلامة آلة الفعل منهم كما قال تعالى: {ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} وقال: {ولو ~~شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} فهو سبحانه يحول بين المرء وقلبه ~~وبين الإنسان ونطقه وبين اليد وبطشها وبين الرجل ومشيها فكيف يظن به ظن ~~السوء ويجعل له مثل السوء إنه لا يقدر على ما يقدر عليه عباده ولا تدخل ~~أفعالهم ms097 تحت قدرته تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون لقدرته علوا ~~كبيرا نعم ولا نظن به ظن السوء ونجعل له مثل السوء أنه يعاقب عباده على ما ~~لم يفعلوه ولا قدرة لهم على فعله بل على ما فعله هو دونهم واضطرهم إليه ~~وجبرهم عليه وذلك بمنزلة عقوبة الزمن إذا لم يطر إلى السماء وعقوبة أشل ~~اليد على ترك الكتابة وعقوبة الأخرس على ترك الكلام فتعالى الله عن هذين ~~المذهبين الباطلين المنحرفين عن سواء السبيل. # فصل: ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله تعالى: {والله جعل لكم مما ~~خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل ~~تقيكم بأسكم} فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة ~~ومادتها لا تسمى سرابيل إلا أن بعد تحيلها # PageV01P054 # صنعة الآدميين وعملهم فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ~~ومادتها وهيآتها ونظير هذا قوله: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم ~~من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم} فأخبر سبحانه أن ~~البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له وهي إنما صارت بيوتا بالصنعة ~~الآدمية ونظيره قوله تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون، ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} فأخبر سبحانه وتعالى أنه خالق الفلك المصنوع ~~للعباد وأبعد من قال أن المراد بمثله هو الإبل فإنه إخراج المماثل حقيقة ~~واعتبار لما هو بعيد عن المماثلة ونظير ذلك قوله تعالى حكاية عن خليله أنه ~~قال لقومه أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون فإن كانت ما مصدرية ~~كما قدره بعضهم فالاستدلال ظاهر وليس بقوي إذ لا تناسب بين إنكاره عليهم ~~عبادة ما ينحتونه بأيديهم وبين إخبارهم بأن الله خالق أعمالهم من عبادة تلك ~~الآلهة ونحتها وغير ذلك فالأولى أن تكون ما موصولة أي والله خلقكم وخلق ~~آلهتكم التي عملتموها بأيديكم فهي مخلوقة له لا آلهة شركاء معه فأخبر أنه ~~خلق معمولهم وقد حله عملهم وصنعهم ولا يقال المراد مادته فإن مادته غير ~~معمولة لهم وإنما ms098 يصير معمولا بعد عملهم. # فصل: وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي جعل أئمة الخير يدعون إلى الهدى وأئمة ~~الشر يدعون إلى النار فتلك الإمامة والدعوة بجعله فهي مجعولة له وفعل لهم ~~قال تعالى عن آل فرعون: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} وقال عن أئمة ~~الهدى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} فأخبر أن هذا وهذا بجعله مع كونه كسبا ~~وفعلا للأئمة ونظير ذلك قول الخليل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} فأخبر الخليل ~~أنه سبحانه هو الذي يجعل المسلم مسلما وعند القدرية هو الذي جعل نفسه مسلما ~~لا أن الله جعله مسلما ولا جعله إماما يهدي بأمره ولا جعل الآخر إماما ~~يدعوا إلى النار على الحقيقة بل هم الجاعلون لأنفسهم كذلك حقيقة ونسبة هذا ~~الجعل إلى الله مجاز بمعنى التسمية أي سمنا مسلمين لك وكذلك جعلناهم أئمة ~~أي سميناهم كذلك وهم جعلوا أنفسهم أئمة رشد وضلال فمنهم الحقيقة ومنه ~~المجاز والتعبير. # فصل: ومن ذلك إخباره سبحانه بأنه هو الذي يلهم العبد فجوره وتقواه ~~والإلهام الإلقاء في القلب لا مجرد البيان والتعليم كما قاله طائفة من ~~المفسرين إذ لا يقال لمن بين لغيره شيئا وعلمه إياه أنه قد ألهمه ذلك هذا ~~لا يعرف في اللغة البتة بل الصواب ما قاله ابن زيد قال جعل فيها فجورها ~~وتقواها وعليه حديث عمران بن حصين: "أن رجلا من مزينة أو جهينة أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون ~~أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به ~~نبيهم قال: بل شيء قضى عليهم ومضى قال: ففيم العمل قال: من خلقه الله لإحدى ~~المنزلتين استعمله بعمل أهلها وتصديق ذلك في كتاب الله: {ونفس وما سواها، ~~فألهمها فجورها وتقواها} " فقراءته هذه الآية عقيب إخباره بتقديم القضاء ~~والقدر السابق يدل على أن المراد بالإلهام استعمالها فيما سبق لها لا مجرد ~~تعريفها فإن التعريف والبيان لا يستلزم وقوع ما سبق به القضاء والقدر ومن ~~فسر الآية من السلف ms099 بالتعليم والتعريف فمراده تعريف مستلزم لحصول ذلك لا ~~تعريف مجرد عن الحصول فإنه لا يسمى إلهاما وبالله التوفيق. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} وذات الصدور كلمة لما يشتمل ~~عليه الصدر من الاعتقادات والإرادات # PageV01P055 # والحب والبغض أي صاحبة الصدور فإنها لما كانت فيها قائمة بها نسبت إليها ~~نسبة الصحبة والملازمة وقد اختلف في إعراب من خلق هو النصب أو الرفع فإن ~~كان مرفوعا فهو استدلال على علمه بذلك لخلقه له والتقدير أنه يعلم ما ~~تضمنته الصدور وكيف لا يعلم الخالق ما خلقه وهذا الاستدلال في غاية الظهور ~~والصحة فإن الخلق يستلزم حياة الخالق وقدرته وعلمه ومشيئته وإن كان منصوبا ~~فالمعنى ألا يعلم مخلوقه وذكر لفظة من تغليبا ليتناول العلم العاقل وصفاته ~~على التقديرين فالآية دالة على خلق ما في الصدور كما هي على علمه سبحانه به ~~وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في الصدور دليلا على علمه بها فقال: {ألا يعلم ~~من خلق} أي كيف يخفى عليه ما في الصدور وهو الذي خلقه فلو كان ذلك غير ~~مخلوق له لبطل الاستدلال به على العلم فخلقه سبحانه للشيء من أعظم الأدلة ~~على علمه به فإذا انتفى الخلق انتفى دليل العلم فلم يبق ما يدل على علمه ~~بما ينطوي عليه الصدر إذا كان غير خالق لذلك وهذا من أعظم الكفر برب ~~العالمين وجحد لما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وعلم بالضرورة أنهم ~~القوة إلى الأمم كما ألقوا إليهم أنه إله واحد لا شريك له # فصل: ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال: {رب اجعلني ~~مقيم الصلاة ومن ذريتي} وقوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} وقوله ~~تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية} وقوله حكاية عن ~~زكريا أنه قال عن ولده: {واجعله رب رضيا} وقال في الطرف الآخر: {فبما نقضهم ~~ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} وقال: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ms100 ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا} وهذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض ~~التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنة ~~والوقر فهو موجب ومقتضاه فمن فسر الأكنة والوقر به فقد فسرهما بموجبهما ~~ومقتضاهما وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من أفعالهم وهي مجعولة لله ~~سبحانه كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم والله ~~جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإراداتها واعتقاداتها فذلك كله ~~مجعول مخلوق له وإن كان العبد فاعلا له باختياره وإرادته فإن قيل هذا كله ~~معارض بقوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} ~~والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجعل العباد لها فأخبر سبحانه أن ذلك لم ~~يكن بجعله قيل لا تعارض بحمد الله بين نصوص الكتاب بوجه ما والجعل ههنا جعل ~~شرعي أمري لا كوني قدري فإن الجعل في كتاب الله ينقسم إلى هذه النوعين كما ~~ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم كما سيأتي بيانه إن ~~شاء الله فنفى سبحانه عن البحيرة والسائبة جعله الديني الشرعي أي لم يشرع ~~ذلك ولا أمر به ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب وجعلوا ذلك دينا له بلا ~~علم ومن ذلك قوله تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية قلوبهم} فأخبر سبحانه أن هذه الفتنة الحاصلة بما ألقى الشيطان هي ~~بجعله سبحانه وهذا جعل كوني قدري ومن هذا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في ~~الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه: "اللهم اجعلني لك شكارا ~~لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك مخبتا لك أواها منيبا" فسأل ربه أن يجعله ~~كذلك وهذه كلها أفعال اختيارية واقعة بإرادة العبد واختياره وفي هذا الحديث ~~وسدد لساني وتسديد اللسان جعله ناطقا بالسداد من القول ومثله قوله في ~~الحديث الآخر: "اللهم اجعلني لك مخلصا" ومثله قوله # PageV01P056 # "اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتك" ومثله قول ~~المؤمنين: {ربنا أفرغ علينا صبرا ms101 وثبت أقدامنا} فالصبر وثبات الأقدام فعلان ~~اختياريان ولكن التصبير والتثبيت فعل الرب تعالى وهو المسؤول والصبر ~~والثبات فعلهم القائم بهم حقيقة ومثله قوله: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه} وقال ابن عباس والمفسرون بعده ~~ألهمني قال أبو إسحاق وتأويله في اللغة كفني عن الأشياء إلا نفس شكر نعمتك ~~ولهذا يقال في تفسير الموزع المولع ومنه الحديث: "كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم موزعا بالسؤال أي مولعا به كأنه كف ومنع إلا منه" وقال في الصحاح ~~وزعته أزعه وزعا كففته فاتزع عنه أي كف وأوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به ~~فهو موزع به واستوزعت الله شكره فأوزعني أي استلهمته فألهمني فقد دار معنى ~~اللفظة على معنى ألهمني ذلك واجعلني مغرى به وكفني عما سواه وعند القدرية ~~إن هذا غير مقدور للرب بل هو غير مقدور العبد # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير ~~من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} فتحبيبه سبحانه الإيمان إلى ~~عباده المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم وهذا لا يقدر عليه سواه وأما ~~تحبيب العبد الشيء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو إلى ~~محبته فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين حبه وحسنه ~~الداعي إلى حبه وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان وإن ~~ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم بل تولى هو سبحانه هذا ~~التحبيب والتزيين وتكريه ضده فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة والله عليم ~~بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح حكيم بجعله في مواضعه ومن ذلك قوله ~~تعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم، ~~واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ms102 فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا} وتأليف القلوب جعل بعضها يألف ويميل إليه ويحبه وهو من أفعالها ~~الاختيارية وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي فعل ذلك لا غيره ومن ذلك قوله: {يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ~~فكف أيديهم عنكم} فأخبر سبحانه بفعلهم وهو إلههم وبفعله وهو كفهم عما هموا ~~به ولا يصح أن يقال أنه سبحانه أشل أيديهم وأماتهم وأنزل عليهم عذابا حال ~~بينهم وبين ما هموا به بل كف قدرهم وإرادتهم مع سلامة حواسهم وبنيتهم وصحة ~~آلات الفعل منهم وعند القدرية هذا محال بل هم الذين يكفون أنفسهم والقرآن ~~صريح في إبطال قولهم ومثله قوله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} فهذا كف أيدي الفريقين مع سلامتهما ~~وصحتهما وهو بأن حال بينهم وبين الفعل فكف بعضهم عن بعض ومن ذلك قوله ~~تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} والإيمان والطاعة من أجل النعم بل هما ~~أجل النعم على الإطلاق فهما منه سبحانه تعليما وإرشادا وإلهاما وتوفيقا ~~ومشيئة وخلقا ولا يصح أن يقال أنها أمرا وبيانا فقط فإن ذلك حاصل بالنسبة ~~إلى الكفار والعصاة فتكون نعمته على أكفر الخلق كنعمته على أهل الإيمان ~~والطاعة والبر منهم إذ نعمة البيان والإرشاد مشتركة وهذا قول القدرية وقد ~~صرح به كثير منهم ولم يجعلوا لله على العبد نعمة في مشيئته # PageV01P057 # وخلقه فعله وتوفيقه إياه حين فعله وهذا من قولهم الذي باينوا به جميع ~~الرسل والكتب وطردوا ذلك حين لم يجعلوا لله على العبد منه في إعطائه الجزاء ~~بل قالوا ذلك محض حقه الذي لا منة لله عليه فيه واحتجوا بقوله: {لهم أجر ~~غير ممنون} قالوا أي غير ممنون به عليهم إذ هو جزاء أعمالهم وأجورها قالوا ~~والمنة تكدر النعمة والعطية ولم يدعوا هؤلاء للجهل بالله موضعا وقاسوا منته ~~على منة المخلوق فإنهم مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات وليست المنة في ~~الحقيقة إلا لله فهو المان بفضله وأهل ms103 سمواته وأهل أرضه في محض منته عليهم ~~قال تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} وقال تعالى لكليمه موسى: {ولقد ~~مننا عليك مرة أخرى} وقال: {ولقد مننا على موسى وهارون} وقال: {ونريد أن ~~نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} ولما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة ~~فأغناكم الله بي قالوا الله ورسوله أمن وقال الرسل لقومهم: {إن نحن إلا بشر ~~مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} فمنه سبحانه وتعالى محض إحسانه ~~وفضله ورحمته وما طاب عيش أهل الجنة فيها إلا بمنته عليهم ولهذا قال أهلها ~~وقد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله ~~علينا ووقانا عذاب السموم فأجزوا لمعرفتهم بربهم وحقه عليهم أن نجاهم من ~~عذاب السموم بمحض منته عليهم وقد قال أعلم الخلق بالله وأحبهم إليه وأقربهم ~~منه وأطوعهم له: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله ~~قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " وقال: "إن الله لو عذب ~~أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا ~~من أعمالهم" والأول في الصحيح والثاني في المسند والسنن وصححه الحاكم وغيره ~~فأخبر سيد العالمين والعاملين أنه لا يدخل الجنة بعمله وقالت القدرية أنهم ~~يدخلونها بأعمالهم لئلا يتكدر نعيمهم عليهم بمشيئة الله بل يكون ذلك النعيم ~~عوضا وما رمى السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم القدرية عن قوس واحد ~~إلا لعظم بدعهم ومنافاتها لما بعث الله به أنبياءه ورسله فلو أتى العباد ~~بكل طاعة وكانت أنفاسهم كلها طاعات لله لكانوا في محض منته وفضله وكانت له ~~المنة عليهم وكلما عظمت طاعة العبد كانت منة الله عليه أعظم فهو المان ~~بفضله فمن أنكر منته فقد أنكر إحسانه وأما قوله تعالى: {لهم أجر غير ممنون} ~~فلم ms104 يختلف أهل العلم بالله ورسوله وكتابه أن معناه غير مقطوع ومنه ريب ~~المنون وهو الموت لأنه يقطع العمر. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة} وقوله: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} وهذا ~~الإغراء والإلقاء محض فعله سبحانه والتعادي والتباغض أثره وهو محض فعلهم ~~وأصل ضلال القدرية والجبرية من عدم اهتدائهم إلى الفرق بين فعله سبحانه ~~وفعل العبد فالجبرية جعلوا التعادي والتباغض فعل الرب دون المتعاديين ~~والمتباغضين والقدرية جعلوا ذلك محض فعلهم الذي لا صنع لله فيه ولا قدرة ~~ولا مشيئة وأهل الصراط السوي جعلوا ذلك فعلهم وهو أثر فعل الله وقدرته ~~ومشيئته كما قال تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} فالتسيير فعله ~~والسير فعل العباد وهو أثر التسيير وكذلك الهدى والإضلال فعله والإهتداء ~~والضلال أثر فعله وهما أفعالنا القائمة بنا فهو الهادي والعبد المهتدي وهو ~~الذي يضل من يشاء والعبد الضال وهذا حقيقة وهذا # PageV01P058 # حقيقة والطائفتان عن الصراط المستقيم ناكبتان. # فصل: ومن ذ لك قوله تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال: {رب اجعل هذا البلد ~~آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} فها هنا أمران تجنيب عبادتها واجتنابه ~~فسأل الخليل ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها ليحصل منهم اجتنابها فالاجتناب ~~فعلهم والتجنيب فعله ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله ونظير ذلك قول يوسف ~~الصديق: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب ~~إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع ~~العليم} وصرف كيدهن هو صرف دواعي قلوبهن ومكرهن بألسنتهن وأعمالهن وتلك ~~أفعال اختيارية وهو سبحانه الصارف لها فالصرف فعله والانصراف أثر فعله وهو ~~فعل النسوة ومن ذلك قوله سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ولولا أن ~~ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} فالتثبيت فعله والثبات فعل رسوله ~~فهو سبحانه المثبت وعبده الثابت ومثله قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما ms105 ~~يشاء} فأخبر سبحانه أن تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين فعله فإنه يفعل ما ~~يشاء وأما الثبات والضلال فمحض أفعالهم ومن ذلك قوله تعالى: {فبما نقضهم ~~ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه} فأخبر أنه هو ~~الذي قسى قلوبهم حتى صارت قاسية فالقساوة وصفها وفعلها وهي أثر فعله وهو ~~جعلها قاسية وذلك أثر معاصيهم ونقضهم ميثاقهم وتركهم بعض ما ذكروا به ~~فالآية مبطلة لقول القدرية والجبرية. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {فأخرجناهم من جنات وعيون وزروع ومقام كريم} ~~وهم إنما خرجوا باختيارهم وقد أخبر هو الذي أخرجهم فالإخراج فعله حقيقة ~~والخروج فعلهم حقيقة ولولا إخراجه لما خرجوا وهذا بخلاف قوله: {والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} وقوله: {هو الذي ~~أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر} وقوله: {أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم} فإن هذا إخراج لا صنع لهم فيه فإنه بغير اختيارهم وإرادتهم ~~وأما قوله: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} فيحتمل أن يكون إخراجا بقدره ~~ومشيئته فيكون من الأول ويحتمل أن يكون إخراجا يوجبه بأمره فلا يكون من هذا ~~فيكون الإخراج في كتاب الله ثلاثة أنواع أحدها إخراج الخارج بإختياره ~~ومشيئته والثاني إخراجه قهرا وكرها والثالث إخراجه أمرا وشرعا. # فصل: وقد ظن طائفة من الناس أن من هذا الباب قوله تعالى: {فلم تقتلوهم ~~ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} وجعلوا ذلك من أدلتهم على ~~القدرية ولم يفهموا مراد الآية وليست من هذا الباب فإن هذا خطاب لهم في ~~واقعة بدر حيث أنزل الله سبحانه وملائكته فقتلوا أعداءه فلم يفرد المسلمون ~~بقتلهم بل قتلتهم الملائكة وأما رميه صلى الله عليه وسلم فمقدوره كان هو ~~الحذف والإلقاء وأما إيصال ما رمى به إلى وجوه العدو مع البعد وإيصال ذلك ~~إلى وجوه جميعهم فلم يكن من فعله ولكنه فعل الله وحده فالرمي يراد به الحذف ~~والإيصال فأثبت له الحذف بقوله إذ رميت ونفى عنه الإيصال بقوله وما رميت. # فصل: ومن ذلك قوله: ms106 {وأنه هو أضحك وأبكى} والضحك والبكاء فعلان اختياريان ~~فهو سبحانه المضحك المبكي حقيقة والعبد هو الضاحك الباكي حقيقة وتأويل ~~الآية بخلاف ذلك إخراج للكلام # PageV01P059 # عن ظاهره بغير موجب ولا منافاة بين ما يذكر من تلك التأويلات وبين ظاهره ~~فإن إضحاك الأرض بالنبات وإبكاء السماء بالمطر وإضحاك العبد وإبكاءه بخلق ~~آلات الضحك والبكاء له لا ينافي حقيقة اللفظ وموضوعه ومعناه من أنه جاعل ~~الضحك والبكاء فيه بل الجميع حق. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} ورؤية البرق ~~أمر واقع بإحساسهم فالإراءة فعله والرؤية فعلنا ولا يقال إراءة البرق خلقه ~~فإن خلقه لا يسمى إراءة ولا يستلزم رؤيتنا له بل إراءتنا له جعلنا نراه ~~وذلك فعله سبحانه ومن ذلك قول الخضر لموسى: {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ~~ويستخرجا كنزهما} فبلوغ الأشد ليس من فعلهما واستخراج الكنز من أفعالهما ~~الاختيارية وقد أخبر أن كليهما بإرادته سبحانه ومن ذلك قوله تعالى عن ~~السحرة: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} وليس إذنه ها هنا أمره ~~وشرعه بل قضاؤه وقدره ومشيئته فهو إذا كوني قدري لا ديني أمري. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} ~~وكلمة التقوى هي الكلمة التي يتقى الله بها وأعلى أنواع هذه الكلمة هي قول ~~لا إله إلا الله ثم كل كلمة يتقى الله بها بعدها فهي من كلمة التقوى وقد ~~أخبر سبحانه أنه ألزمها عبادة المؤمنين فجعلها لازمة لهم لا ينفكون عنها ~~فبإلزامه التزموها ولولا إلزامه لهم إياها لما التزموها والتزامها فعل ~~اختياري تابع لإرادتهم واختيارهم فهو الملزم وهم الملتزمون. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا ~~مسه الخير منوعا} وهذا تفسير الهلوع وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه الجزع ~~والمنع فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك وذلك صرح في أن هلعه مخلوق لله ~~كما أن ذاته مخلوقة فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق لله ~~ليس فيه شيء خلق لله ms107 وشيء خلق لغيره بل الله خالق الإنسان بجملته وأحواله ~~كلها فالهلع فعله حقيقة والله خالق ذلك فيه حقيقة فليس الله سبحانه بهلوع ~~ولا العبد هو الخالق لذلك. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون} وإذنه ها هنا قضاؤه وقدره لا مجرد أمره وشرعه ~~كذلك قال السلف في تفسير هذه الآية قال ابن المبارك عن الثوري: "بقضاء ~~الله" وقال محمد بن جرير: "يقول جل ذكره لنبيه وما لنفس خلقها من سبيل إلى ~~أن تصدقك إلا أن يأذن لها في ذلك فلا تجهدن نفسك في طلب هداها وبلغها وعيد ~~الله ثم خلها فإن هداها بيد خالقها" وما قبل الآية وما بعدها لا يدل إلا ~~على ذلك فإنه سبحانه قال: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} أي لا ~~تكفي دعوتك في حصول الإيمان حتى يأذن الله لمن دعوته أن يؤمن ثم قال:: {قل ~~انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} ~~قال ابن جرير: يقول تعالى يا محمد قل لهؤلاء السائلينك الآيات على صحة ما ~~تدعو إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان أنظروا أيها القوم ماذا في ~~السماوات من الآيات الدالة على حقية ما أدعوكم إليه من توحيد الله من شمسها ~~وقمرها واختلاف ليلها ونهارها ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها وفي ~~الأرض من جبالها وتصدعها بنباتها وأقوات أهلها وسائر صنوف عجائبها فإن في ~~ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم # PageV01P060 # عظة ومعتبرا ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه ~~شريك ولا له على حفظه وتدبيره ظهير يغنيكم عما سواه من الآيات وما يغني عن ~~قوم قد سبق لهم من الله الشقاء وقضى عليهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار ~~فهم لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا يصدقون به ولو جاءتهم كل ms108 آية حتى يروا ~~العذاب الأليم. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا} قال ابن جرير: "وكل إنسان ألزمناه ما قضي له ~~أنه عامله وما هو صائر إليه من شقاء أو سعادة بعمله في عنقه لا يفارقه" ~~وهذا ما قاله الناس في الآية وهو ما طار له من الشقاء والسعادة وما طار عنه ~~من العمل ثم ذكر عن ابن عباس قال: "طائره عمله وما قدر عليه فهو ملازمه ~~أينما كان وزائل معه أينما زال" وكذلك قال ابن جريج وقتادة ومجاهد: "هو ~~عمله" زاد مجاهد: "وما كتب له" وقال قتادة أيضا: "سعادته وشقاوته بعمله" ~~قال ابن جرير: "فإن قال قائل فكيف قال ألزمناه طائره في عنقه إن كان الأمر ~~على ما وصفت ولم يقل في يديه أو رجليه أو غير ذلك من أعضاء الجسد قيل إن ~~العنق هي موضع السمات وموضع القلائد والأطوقة وغير ذلك مما يزين أو يشين" ~~فجرى كلام العرب بنسبة الأشياء اللازمة سائر الأبدان إلى الأعناق كما ~~أضافوا جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد فقالوا ذلك بما كسبت يداه وإن كان ~~الذي جره عليه لسانه أو فرجه فكذلك قوله: {ألزمناه طائره في عنقه} وقال ~~الفراء: "الطائر معناه عندهم العمل" قال الأزهري: "والأصل في هذا أن الله ~~سبحانه لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي فكتب ما علمه منهم أجمعين ~~وقضى بسعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا فطار لكل ما هو صائر إليه ~~عند خلقه وإنشائه" وأما قوله: {في عنقه} فقال أبو إسحاق: "إنما يقال للشيء ~~اللازم هذا في عنق فلان أي لزومه له كلزوم القلادة من بين ما يلبس في ~~العنق" قال أبو علي: "مثل هذا قولهم طوقتك كذا وقلدتك كذا أي صرفته نحوك ~~وألزمتك إياه ومنه قلده السلطان كذا أي صارت الولاية في لزومها له في موضع ~~القلادة ومكان الطوق" وقيل: "إنما خص العنق لأن عمله لا يخلو إما أن يكون ~~خيرا أو شرا وذلك ms109 مما يزين أو يشين كالحلي والغل فأضيف إلى الأعناق" قالت ~~القدرية: "إلزامه ذلك وسمه به وتعليمه بعلامة يعرف الملائكة أنه سعيد أو ~~شقي والخبر عنه لا أنه ألزمه العمل فجعله لازما له" قال أهل السنة: هذه ~~طريقة لكم معروفة في تحريف الكلم عن مواضعه سلكتموها في الجسم والطبع ~~والعقل وهذا لا يعرفه أهل اللغة وهو خلاف حقيقة اللفظ وما فسره به أعلم ~~الأمة بالقرآن ولا يعرف ما قلتموه عن أحد من سلف الأمة البتة ولا فسر الآية ~~غيركم به ولا يصح حمل الآية عليه فإن الخبر عنه بذلك والعلامة أعلم بها ~~إنما حصل بعد طائره اللازم له من عمله فلما لزمه ذلك الطائر ولم ينفك عنه ~~أخبر عنه بذلك وصارت عليه علامة وسمة ونحن قد أريناكم أقوال أئمة الهدى ~~وسلف الأمة في الطائر فأرونا قولكم عن واحد منهم قاله قبلكم وكل طائفة من ~~أهل البدع تجر القرآن إلى بدعها وضلالها وتفسره بمذاهبها وآرائها والقرآن ~~بريء من ذلك وبالله التوفيق # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ~~كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به} وقد وقع هذا المعنى في القرآن ~~في موضعين هذا أحدهما والثاني في سورة الشعراء في قوله: {ولو نزلناه على ~~بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين كذلك سلكناه في # PageV01P061 # قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم} قال ابن عباس: "سلك ~~الشرك في قلوب المكذبين كما سلك الخرزة في الخيط" وقال أبو إسحاق: "أي كما ~~فعل بالمجرمين الذين استهزؤا بمن تقدم من الرسل كذلك سلك الضلال في قلوب ~~المجرمين" واختلفوا في مفسر الضمير في قوله: {نسلكه} فقال ابن عباس: "سلكنا ~~الشرك" وهو قول الحسن وقال الزجاج وغيره: "هو الضلال" وقال الربيع: "يعني ~~الاستهزاء" وقال الفراء: "التكذيب" وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد ~~والتكذيب والاستهزاء والشرك كل ذلك فعلهم حقيقة وقد أخبر أنه سبحانه هو ~~الذي سلكه في قلوبهم وعندي في هذه الأقوال شيء فإن الظاهر أن الضمير في ms110 ~~قوله لا يؤمنون به هو الضمير في قوله سلكناه فلا يصح أن يكون المعنى لا ~~يؤمنون بالشرك والتكذيب والاستهزاء فلا تصح تلك الأقوال إلا باختلاف مفسر ~~الضميرين والظاهر اتحاده فالذين لا يؤمنون به هو الذي سلكه في قلوبهم وهو ~~القرآن فإن قيل فما معنى سلكه إياه في قلوبهم وهم ينكرونه قبل سلكه في ~~قلوبهم بهذه الحال أي سلكناه غير مؤمنين به فدخل في قلوبهم مكذبا به كما ~~دخل في قلوب المؤمنين مصدقا به وهذا مراد من قال إن الذي سلكه في قلوبهم هو ~~التكذيب والضلال ولكن فسر الآية بالمعنى فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين به ~~فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم فإن قيل فما معنى إدخاله في قلوبهم وهم ~~لا يؤمنون به قيل لتقوم عليهم بذلك حجة الله فدخل في قلوبهم وعلموا أنه حق ~~وكذبوا به فلم يدخل في قلوبهم دخول مصدق به مؤمن به مرضي به وتكذيبهم به ~~بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرا من تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم فإن ~~المكذب بالحق بعد معرفته له شر من المكذب به ولم يعرفه فتأمله فإنه من فقه ~~التفسير والله الموفق للصواب. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا} فالإرسال هاهنا إرسال كوني قدري كإرسال الرياح وليس بإرسال ديني ~~شرعي فهو إرسال تسليط بخلاف قوله في المؤمنين: {إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان} فهذا السلطان المنفى عنه على المؤمنين هو الذي أرسل به جنده على ~~الكافرين قال أبو إسحاق: "ومعنى الإرسال ههنا التسليط تقول قد أرسلت فلانا ~~على فلان إذا سلطته عليه كما قال: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين} " فاعلم أن من اتبعه هو مسلط عليه قلت ويشهد له قوله ~~تعالى: {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} وقوله: {تؤزهم ~~أزا} فالأز في اللغة التحريك والتهييج ومنه يقال لغليان القدر الأزيز لتحرك ~~الماء عند الغليان وفي الحديث: "كان لصدر رسول الله صلى الله ms111 عليه وسلم ~~أزيزا كأزيز المرجل من البكاء" وعبارات السلف تدور على هذا المعنى قال ابن ~~عباس: "تغريهم إغراء" وفي رواية أخرى عنه "تسلهم سلا" وفي رواية أخرى ~~"تحرضهم تحريضا" وفي أخرى "تزعجهم للمعاصي إزعاجا" وفي أخرى "توقدهم ~~إيقادا" أي كما يتحرك الماء بالوقد تحته قال أبو عبيدة: "الأزيز الإلهاب" ~~والحركة كالتهاب النار في الحطب يقال إز قدرك أي ألهب تحتها النار وائتزت ~~القدر إذا اشتد غليانها وهذا اختيار الأخفش والتحقيق أن اللفظة تجمع ~~المعنيين جميعا قالت القدرية "معنى أرسلنا الشياطين على الكافرين خلينا ~~بينهم وبينها ليس معناه التسليط" قال أبو علي "الإرسال يستعمل بمعنى ~~التخلية بين المرسل وما يريد" فمعنى الآية خلينا بين الشياطين وبين ~~الكافرين ولم يمنعهم منهم ولم يعدهم بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم أن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان قال الواحدي "وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في ~~معنى الآية قال وليس المعنى على # PageV01P062 # ما ذهبوا إليه" وقال أبو إسحاق "والمختار أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم ~~بكفرهم كما قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} ~~وقال: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} وإنما معنى ~~الإرسال التسليط" قلت وهذا هو المفهوم من معنى الإرسال كما في الحديث: "إذا ~~أرسلت كلبك المعلم أي سلطته ولو خلى بينه وبين الصيد من غير إرسال منه لم ~~يبح صيده" وكذلك قوله: {وفي وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} أي ~~سلطناها وسخرناها عليهم وكذلك قوله: {وأرسل عليهم طيرا أبابيل} وكذلك قوله: ~~{إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة} والتخلية بين المرسل وبين ما أرسل عليه من ~~لوازم هذا المعنى ولا يتم التسليط إلا به فإذا أرسل الشيء الذي من طبعه ~~وشأنه أن تفعل فعلا ولم تمنعه من فعله فهذا هو التسليط ثم أن القدرية ~~تناقضوا في هذا القول فإنهم إن جوزوا منعهم منهم وعصمتهم وإعادتهم فقد ~~نقضوا أصلهم فإن منع المختار من فعله الاختياري مع سلامة النية وصحة بنيته ~~تدل على أن فعله وتركه مقدور ms112 للرب وهذا عين قول أهل السنة وإن قالوا لا ~~يقدر على منعهم وعصمهم منهم وإعادتهم فقد جعلوا قدرتهم ومشيئتهم بفعل ما لا ~~يقدر الرب على المنع منه وهذا أبطل الباطل ثم قالت القدرية تؤزهم أزا ~~تأمرهم بالمعاصي أمرا وحكوا ذلك عن الضحاك وهذا لا يلتفت إليه إذ لا يقال ~~لمن أمر غيره بشيء قد أزه ولا تساعد اللغة على ذلك ولو كان ذلك صحيحا لكان ~~يؤز المؤمنين أيضا فإنه يأمرهم بالمعاصي أكثر من أمر الكافرين فإن الكافر ~~سريع الطاعة والقبول من الشيطان فلا يحتاج من أمره ما يحتاج إليه من أمر ~~المؤمنين بل يأمر الكافر مرة ويأمر المؤمن مرات فلو كان الأز الأمر لم يكن ~~له اختصاص بالكافرين. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر ~~الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} وقوله: {أعوذ بك ~~من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون} وقوله: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم} ومن المعلوم أن الإعاذة من الشيطان الرجيم ليست ~~بإماتته ولا تعطيل آلات كيده وإنما هي بأن يعصم المستعيذ من أذاه له ويحول ~~بينه وبين فعله الاختياري له فدل على أن فعله مقدور له سبحانه إن شاء سلطه ~~على العبد وإن شاء حال بينه وبينه وهذا على أصول القدرية باطل فلا يثبتون ~~حقيقة الإعاذة وإن أثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد وجعلوا الآية ردا على ~~الجبرية والجبرية أثبتوا حقيقة الإعاذة ولم يثبتوا حقيقة الاستعاذة من ~~العبد بل الاستعاذة فعل الرب حقيقة كما أن الإعاذة فعله وقد ضل الطائفتان ~~عن الصراط المستقيم وأصابت كل طائفة منهما فيما أثبتته من الحق. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله} وقول هود وما ~~توفيقي إلا بالله ومعلوم أن الصبر والتوفيق فعل اختياري للعبد وقد أخبر أنه ~~به لا بالعبد وهذا لا ينبغي أن يكون فعلا للعبد حقيقة ولهذا أمر به وهو لا ~~يأمر عبده بفعل نفسه سبحانه وإنما يؤمر العبد ms113 بفعله هو ومع هذا فليس فعله ~~واقعا به وإنما هو بالخالق لكل شيء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~فالتصبير منه سبحانه وهو فعله والصبر هو القائم بالعبد وهو فعل العبد ولهذا ~~أثنى على من يسأله أن يصبره فقال تعالى: {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ~~ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم ~~بإذن الله} ففي الآية أربعة أدلة أحدها: قولهم: {أفرغ علينا صبرا} والصبر ~~فعلهم الاختياري فسألوه ممن هو # PageV01P063 # بيده ومشيئته وإذنه إن شاء أعطاهموه وإن شاء منعهموه، والثاني: قولهم: ~~{وثبت أقدامنا} وثبات الأقدام فعل اختياري ولكن التثبيت فعله والثبات فعلهم ~~ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله، الثالث: قولهم: {وانصرنا على القوم ~~الكافرين} فسألوه النصر وذلك بأن يقوي عزائمهم ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم ~~ويلقي في قلوب أعداهم الخور والخوف والرعب فيحصل النصر وأيضا فإن كون ~~الإنسان منصورا على غيره إما أن يكون بأفعال الجوارح وهو واقع بقدرة العبد ~~واختياره وأما أن يكون بالحجة والبيان والعلم وذلك أيضا فعل العبد وقد أخبر ~~سبحانه أن النصر بجملته من عنده وأثنى على من طلبه منه وعند القدرية لا ~~يدخل تحت مقدور الرب، الرابع: قوله: {فهزموهم بإذن الله} وإذنه هاهنا هو ~~الإذن الكوني القدري أي بمشيئته وقضائه وقدره وليس هو الإذن الشرعي الذي ~~بمعنى الأمر فإن ذلك لا يستلزم الهزيمة بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني فإن ~~المأمور المكون لا يتخلف عنه البتة. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} ~~وفي الآية رد ظاهر على الطائفتين وإبطال لقولهما فإنه سبحانه أغفل قلب ~~العبد عن ذكره فغفل هو فالإغفال فعل الله والغفلة فعل العبد ثم أخبر عن ~~اتباعه هواه وذلك فعل العبد حقيقة والقدرية تحرف هذا النص وأمثاله بالتسمية ~~والعلم فيقولون معنى أغفلنا قلبه سميناه غافلا أو وجدناه غافلا أي علمناه ~~كذلك وهذا من تحريفهم بل أغفلته مثل أقمته وأقعدته وأغنيته وأفقرته أي ~~جعلته كذلك وأما أفعلته أو أوجدته كذلك كأحمدته وأجنبته ms114 وأبخلته وأعجزته ~~فلا يقع في أفعال الله البتة إنما يقع في أفعال العاجز أن يجعل جبانا ~~وبخيلا وعاجزا فيكون معناه صادفته كذلك وهل يخطر بقلب الداعي اللهم أقدرني ~~أو أوزعني وألهمني أي سمني وأعلمني كذلك وهل هذا إلا كذب عليه وعلى المدعو ~~سبحانه والعقلاء يعلمون علما ضروريا أن الداعي إنما سأل الله أن يخلق له ~~ذلك ويشاءه له ويقدره عليه حتى القدري إذا غابت عنه بدعته وما تقلده عن ~~أشياخه وأسلافه وبقي وفطرته لم يخطر بقلبه سوى ذلك وأيضا فلا يمكن أن يكون ~~العبد هو المغفل لنفسه عن الشيء فإن إغفاله لنفسه عنه مشروط بشعوره به وذلك ~~مضاد لغفلته عنه بخلاف إغفال الرب تعالى له فإنه لا يضاد علمه بما يغفل عنه ~~العبد وبخلاف غفلة العبد فإنها لا تكون إلا مع عدم شعوره بالمغفول عنه وهذا ~~ظاهر جدا فثبت إن الإغفال فعل الله بعبده والغفلة فعل العبد. # فصل: ومن ذلك قوله تعالى إخبارا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه: {قد افترينا ~~على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} وهذا يبطل تأويل القدرية المشيئة في مثل ~~ذلك بمعنى الأمر فقد علمت أنه من الممتنع على الله أن يأمر بالدخول في ملة ~~الكفر والشرك به ولكن استثنوا بمشيئته التي يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء ~~ثم قال شعيب وسع ربنا كل شيء علما فرد الأمر إلى مشيئته وعلمه فإن له ~~سبحانه في خلقه علم محيط ومشيئته نافذة وراء ما يعلمه الخلائق فامتناعنا من ~~العود فيها هو مبلغ علومنا ومشيئتنا ولله علم آخر ومشيئة أخرى وراء علومنا ~~ومشيئتنا فلذلك رد الأمر إليه ومثله قول إبراهيم: {ولا أخاف ما تشركون به ~~إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون} فأعادت الرسل ~~بكمال معرفتها بالله أمورها إلى مشيئة الرب وعلمه ولهذا أمر الله رسوله أن ~~لا يقول لشيء أنه فاعله حتى يستثني بمشيئة الله ms115 فإنه إن شاء فعله # PageV01P064 # وإن شاء لم يفعله وقد تقدم تقرير هذا المعنى وبالجملة فكل دليل في القرآن ~~على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر ~~أساس التوحيد قال ابن عباس: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر ~~نقض تكذيبه التوحيد" # PageV01P065 ### | الباب الرابع عشر: في الهدى والضلال ومراتبهما والمقدور منهما للخلق وغير المقدور لهم # هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ~~ما يقسمه له الهدى وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال وكل نعمة دون ~~نعمة الهدى وكل مصيبة دون مصيبة الضلال وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى ~~آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه ~~من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأن الهدى والإضلال بيده لا ~~بيد العبد وأن العبد هو الضال أو المهتدي فالهداية والإضلال فعله سبحانه ~~وقدره والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ~~ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن فأما مراتب الهدى فأربعة: إحداها: الهدى ~~العام وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها وهذا أعم مراتبه، ~~المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح ~~العبد في معاده وهذا خاص بالمكلفين وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى ~~وأعم من الثالثة، المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء وهي هداية ~~التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه ~~للعبد وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، المرتبة الرابعة: ~~الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار. # فصل: فأما المرتبة الأولى فقد قال سبحانه: {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق ~~فسوى والذي قدر فهدى} فذكر سبحانه أربعة أمور عامة الخلق والتسوية والتقدير ~~والهداية وجعل التسوية من تمام الخلق والهداية من تمام التقدير قال عطاء ~~"خلق فسوى أحسن ما خلقه وشاهده قوله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه} فإحسان ~~خلقه يتضمن تسويته وتناسب ms116 خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل بينها تفاوت يخل ~~بالتناسب والاعتدال فالخلق الإيجاد والتسوية إتقانه وإحسان خلقه" وقال ~~الكلبي "خلق كل ذي روح فجمع خلقه وسواه باليدين والعينين والرجلين" وقال ~~مقاتل" خلق لكل دابة ما يصلح لها من الخلق" وقال أبو إسحاق "خلق الإنسان ~~مستويا" وهذا تمثيل وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره قال تعالى: ~~{ونفس وما سواها} وقال: {فسواهن سبع سماوات} فالتسوية شاملة لجميع ~~مخلوقاته: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} وما يوجد من التفاوت وعدم ~~التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق فإن التسوية أمر وجودي ~~تتعلق بالتأثير والإبداع فما عدم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية وذلك أمر ~~عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير فتأمل ذلك فإنه يزيل عنك الإشكال في ~~قوله: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة ~~التسوية كما أن الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة ~~خلقها وإيجادها وتمام هذا يأتي إن شاء الله في باب دخول الشر في القضاء عند ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك" والمقصود أن كل # PageV01P065 # مخلوق فقد سواه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه وإن فاتته التسوية من وجه آخر ~~لم يخلق له # فصل: وأما التقدير والهداية فقال مقاتل "قدر خلق الذكر والأنثى فهدى ~~الذكر للأنثى كيف يأتيها" وقال ابن عباس والكلبي وكذلك قال عطاء "قدر من ~~النسل ما أراد ثم هدى الذكر للأنثى" واختار هذا القول صاحب النظم فقال: ~~"معنى هدى هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها" لأن إتيان ذكران الحيوان ~~لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيآت فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر ~~على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك وقال مقاتل أيضا: "هداه ~~لمعيشته ومرعاه" وقال السدي: "قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج" ~~وقال مجاهد: "هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة" وقال ~~الفراء: "التقدير فهدى وأضل فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر" قلت: الآية أعم ~~من هذا كله وأضعف الأقوال فيها قول الفراء إذا ms117 المراد هاهنا الهداية العامة ~~لمصالح الحيوان في معاشه ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته وهو ~~نظير قوله: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} فإعطاء الخلق إيجاده في ~~الخارج والهداية التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه وما ذكر ~~مجاهد فهو تمثيل منه لا تفسير مطابق للآية فإن الآية شاملة لهداية الحيوان ~~كله ناطقه وبهيمه طيره ودوابه فصيحه وأعجمه وكذلك قول من قال أنه هداية ~~الذكر لإتيان الأنثى تمثيل أيضا وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا ~~يحصيها إلا الله وكذلك قول من قال هداه للمرعى فإن ذلك من الهداية فإن ~~الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه والهداية إلى معرفته أمه ~~دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما ~~يضره منه وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها ~~الإنسان كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم ~~عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم وأمر النحل في هدايتها ~~من أعجب العجب وذلك أن لها أميرا ومدبرا وهو اليعسوب وهو أكبر جسما من جميع ~~النحل وأحسن لونا وشكلا وإناث النحل تلد في إقبال الربيع وأكثر أولادها يكن ~~إناثا وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه بينها بل إما أن تطرده وإما أن تقتله إلا ~~طائفة يسيرة منها تكون حول الملك وذلك أن الذكر منها لا تعمل شيئا ولا تكسب ~~ثم تجمع الأمهات وفراخها عند الملك فيخرج بها إلى المرعى من المزوج والرياض ~~والبساتين والمراتع في أقصد الطرق وأقربها فيجتني منها كفايتها فيرجع بها ~~الملك فإذا انتهوا إلى الخلايا وقف على بابها ولم يدع ذكرا ولا نحلة غريبة ~~تدخلها فإذا تكامل دخولها دخل بعدها وتواجدت النحل على مقاعدها وأماكنها ~~فيبتدئ الملك بالعمل كأنه يعلمها إياه فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه ~~ويترك الملك العمل ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل فيأخذ النحل في إيجاد ~~الشمع من لزوجات الأوراق والأنوار ثم تقتسم النحل ms118 فرقا فمنها فرقة تلزم ~~الملك ولا تفارقه ولا تعمل ولا تكسب وهم حاشية الملك من الذكورة ومنها فرقة ~~تهيئ الشمع وتصنعه والشمع هو ثفل العسل وفيه حلاوة كحلاوة التين وللنحل فيه ~~عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل فينظفه النحل ويصفيه ويخلصه مما يخالطه من ~~أبوالها وغيرها وفرقة تبني البيوت وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها ~~وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل وإذا رأت بينها نحلة ~~مهينة بطالة قطعها وقتلها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال وتعديهن ببطالتها ~~ومهانتها وأول ما يبنى في الخلية مقعد الملك وبيته فيبنى له بيتا مربعا ~~يشبه السرير والتخت فيجلس عليه ويستدير حوله # PageV01P066 # طائفة من النحل يشبه الأمراء والخدم والخواص لا يفارقنه ويجعل النحل بين ~~يديه شيئا يشبه الحوض يصب فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه ويملأ منه الحوض ~~يكون ذلك طعاما للملك وخواصه ثم يأخذن في ابتناء البيوت على خطوط متساوية ~~كأنها سكك ومحال وتبنى بيوتها مسدسة متساوية الأضلاع كأنها قرأت كتاب ~~أقليدس حتى عرفت أوفق الأشكال لبيوتها لأن المطلوب من بناء الدور هو ~~الوثاقة والسعة والشكل المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى ~~بعض صار شكلا مستديرا كاستدارة الرحى ولا يبقى فيه فروج ولا خلل ويشد بعضه ~~بعضا حتى يصير طبقا واحدا محكما لا يدخل بين بيوته رؤوس الإبر فتبارك الذي ~~ألهمها أن تبني بيوتها هذا البناء المحكم الذي يعجز البشر عن صنع مثله ~~فعلمت أنها محتاجة إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين إحداهما: أن ~~لا يكون زواياها ضيقة حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلا الثانية: أن تكون تلك ~~البيوت مشكلة بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض وامتلأت العرصة منها فلا يبقى ~~منها ضائعا ثم إنها علمت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدس فقط ~~فإن المثلثات والمربعات وإن أمكن امتلاء العرصة منها إلا أن زواياها ضيقة ~~وأما سائر الأشكال وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العرصة منها ~~بل يبقى فيما بينها فروج خاليه ضائعة وأما ms119 المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين ~~فهداها سبحانه على بناء بيوتها على هذا الشكل من غير مسطر ولا آلة ولا مثال ~~يحتذى عليه وأصنع بني آدم لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالآلات ~~الكبيرة فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها وتأتها ذللا لا ~~تستعصي عليها ولا تضل عنها وأن تجتني أطيب ما في المرعى وألطفه وأن تعود ~~إلى بيوتها الخالية فتصب فيها شرابا مختلفا ألوانه فيه شفاء للناس إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون فإذا فرغت من بناء البيوت خرجت خماصا تسيح سهلا ~~وجبلا فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رؤوس الأزهار وورق الأشجار فترجع ~~بطانا وجعل سبحانه في أفواهها حرارة منضجة تنضج ما جنته فتعيده حلاوة ونضجا ~~ثم تمجه في البيوت حتى إذا امتلأت ختمتها وسدت رؤوسها بالشمع المصفى فإذا ~~امتلأت تلك البيوت عمدت إلى مكان آخر إن صادفته فاتخذت فيه بيوتا وفعلت كما ~~فعلت في البيوت الأولى فإذا برد الهوى وأخلف المرعى وحيل بينها وبين الكسب ~~لزمت بيوتها واغتذت بما ادخرته من العسل وهي في أيام الكسب والسعي تخرج ~~بكرة وتسيح في المراتع وتستعمل كل فرقة منها بما يخصها من العمل فإذا أمست ~~رجعت إلى بيوتها وإذا كان وقت رجوعها وقف على باب الخلية بواب منها ومعه ~~أعوان فكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد منها رائحة ~~منكرة أو رأى بها لطخة من قذر منعها من الدخول وعزلها ناحية إلى أن يدخل ~~الجميع فيرجع إلى المعزولات الممنوعات من الدخول فيتفقدهن ويكشف أحوالهن ~~مرة ثانية فمن وجده قد وقع على شيء منتن أو نجس قده نصفين ومن كانت جنايته ~~خفيفة تركه خارج الخلية هذا دأب البواب كل عشية وأما الملك فلا يكثر الخروج ~~من الخلية إلا نادرا إذا اشتهى التنزه فيخرج ومعه أمراء النحل والخدم فيطوف ~~في المروج والرياض والبساتين ساعة من النهار ثم يعود إلى مكانه ومن عجيب ~~أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو من صاحب الخلية أو من خدمه فيغضب ويخرج ms120 ~~من الخلية ويتباعد عنها ويتبعه جميع النحل وتبقى الخلية خالية فإذا رأى ~~صاحبها ذلك وخاف أن يأخذ النحل ويذهب بها إلى مكان آخر احتال لاسترجاعه ~~وطلب رضاه فيتعرف موضعه الذي صار إليه بالنحل فيعرفه # PageV01P067 # باجتماع النحل إليه فإنها لا تفارقه وتجتمع عليه حتى تصير عليه عنقودا ~~وهو إذا خرج غضبا جلس على مكان مرتفع من الشجرة وطافت به النحل وانضمت إليه ~~حتى يصير كالكرة فيأخذ صاحب النحل رمحا أو قصبة طويلة ويشد على رأسه حزمة ~~من النبات الطيب الرائحة العطر النظيف ويدنيه إلى محل الملك ويكون معه إما ~~مزهر أو يراع أو شيء من آلات الطرب فيحركه وقد أدنى إليه ذلك الحشيش فلا ~~يزال كذلك إلى أن يرضى الملك فإذا رضي وزال غضبه طفر ووقع على الضغث وتبعه ~~خدمه وسائر النحل فيحمله صاحبه إلى الخلية فينزل ويدخلها هو وجنوده ولا يقع ~~النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة ~~المفسدة ولا تدين لطاعتها والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العسالة وهي ~~تحاول مقاتلة الطوال القليلة النفع وإخراجها ونفيها عن الخلايا وإذا فعلت ~~ذلك جاد العسل وتجتهد أن تقتل ما تريد قتلها خارج الخلية صيانة للخلية عن ~~جيفته ومنها صنف قليل النفع كبير الجسم وبينها وبين العسالة حرب فهي تقصدها ~~وتغتالها وتفتح عليها بيوتها وتقصد هلاكها والعسالة شديدة التيقظ والتحفظ ~~منها فإذا هجمت عليها في بيوتها حاولتها وألجأتها إلى أبواب البيوت فتتلطخ ~~بالعسل فلا تقدر على الطيران ولا يفلت منها الآكل طويل العمر فإذا انقضت ~~الحرب وبرد القتال عادت إلى القتلى فحملتها وألقتها خارج الخلية وقد ذكرنا ~~ان الملك لا يخرج إلا في الأحايين وإذا خرج خرج في جموع من الفراخ والشبان ~~وإذا عزم على الخروج ظل قبل ذلك اليوم أو يومين يعلم الفراخ وينزلها ~~منازلها ويرتبها فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد دبره معهن لا يخرجن ~~عنه وإذا تولدت عنده ذكران عرف أنهن يتطلبن الملك فيجعل كل واحد منهم على ~~طائفة من الفراخ ولا ms121 يقتل ملك منها ملكا آخر لما في ذلك من فساد الرعية ~~وهلاكها وتفرقها وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد كثرت في الخلية وخاف من ~~تفرق النحل بسببهم احتال عليهم وأخذ الملوك كلها إلا واحدا ويحبس الباقي ~~عنده في إناء ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم حتى إذا حدث بالملك المنصوب ~~حدث مرض أو موت أو كان مفسدا فقتلته النحل أخذ من هؤلاء المحبوسين واحدا ~~وجعله مكانه لئلا يبقى النحل بلا ملك فيتشتت أمرها ومن عجيب أمرها أن الملك ~~إذا خرج متنزها ومعه الأمراء والجنود ربما لحقه إعياء فتحمله الفراخ وفي ~~النحل كرام عمال لها سعي وهمة واجتهاد وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة ~~للبطالة فالكرام دائما تطردها وتنفيها عن الخلية ولا تساكنها خشية أن تعدي ~~كرامها وتفسدها والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه ولذلك لا تلقي زبلها إلا حين ~~تطير وتكره النتن والروائح الخبيثة وأبكارها وفراخها أحرس وأشد اجتهادا من ~~الكبار وأقل لسعا وأجود عسلا ولسعها إذا لسعت أقل ضررا من لسع الكبار ولما ~~كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته لما ~~لم يشركها فيه غيرها وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور ~~الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام كان أكثر الحيوان أعداء وكان ~~أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز ~~الحكيم # فصل: وهذه النمل من أهدى الحيوانات وهدايتها من أعجب شيء فإن النملة ~~الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها لطريق فإذا ظفرت به ~~حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل ~~إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان # PageV01P068 # فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت فإن كان ينبت ~~مع فلقه باثنتين فلقته بأربعة فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد ~~انتظرت به يوما ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها ~~ولا تتغذى منها نملة مما ms122 جمعه غيرها ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله ~~سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها ~~بقولها: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون} فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ثم أتت بالاسم ~~المبهم ثم أتبعته بما يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم ثم أمرتهم بأن ~~يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من العسكر ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول وهو خشية أن ~~يصيبهم معرة الجيش فيحطمهم سليمان وجنوده ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده ~~بأنهم لا يشعرون بذلك وهذا من أعجب الهداية وتأمل كيف عظم الله سبحانه شأن ~~النمل بقوله: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون} ثم ~~قال: {حتى إذا أتوا على واد النمل} فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي ~~ودل على أن ذلك الوادي معروفا بالنمل كوادي السباع ونحوه ثم أخبر بما دل ~~على شدة فطنة هذه النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم ~~المختصة بهم فقد عرفت هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكنا لا يدخل عليهم فيه ~~سواهم ثم قالت لا يحطمنكم سليمان وجنوده فجمعت بين اسمه وعينه وعرفته بهما ~~وعرفت جنوده وقائدها ثم قالت وهم لا يشعرون فكأنها جمعت بين الاعتذار عن ~~مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون وبين لوم أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ~~ويدخلوا مساكنهم ولذلك تبسم نبي الله ضاحكا من قولها وأنه لموضع تعجب وتبسم ~~وقد روى الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عيينة عن ابن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصرد" وفي الصحيح ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نزل بني من الأنبياء تحت ~~شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج وأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله ~~إليه أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح فهلا نملة واحدة" وذكر ~~هشام بن حسان: "أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدة فأمر ms123 الأحنف بكرسي ~~فوضع عند تنورين فجلس عليه ثم تشهد ثم قال لتنتهن أو ليحرقن عليكن ونفعل ~~ونفعل قال فذهبن" وروى عوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال قال أبو موسى ~~الأشعري: "إن لكل شيء سادة حتى للنمل سادة ومن عجيب هدايتها أنها تعرف ربها ~~بأنه فوق سماواته على عرشه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد من حديث أبي ~~هريرة يرفعه قال: "خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون فأذاهم بنملة رافعة ~~قوائمها إلى السماء تدعو مستلقية على ظهرها فقال ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم ~~بغيركم" ولهذا الأثر عدة طرق ورواه الطحاوي في التهذيب وغيره وقال الإمام ~~أحمد حدثنا قال: "خرج سليمان بن داؤد يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها ~~رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنا عن ~~سقياك ورزقك فأما أن تسقينا وترزقنا وإما أن تهلكنا فقال ارجعوا فقد سقيتم ~~بدعوة غيركم" ولقد حدثني أن نملة خرجت من بيتها فصادفت شق جرادة فحاولت أن ~~تحمله فلم تطق فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها قال فرفعت ذلك من الأرض ~~فطافت في مكانه فلم تجده فانصرفوا وتركوها قال فوضعته فعادت تحاول حمله فلم ~~تقدر فذهبت وجاءت بهم فرفعته فطافت فلم تجده فانصرفوا قال فعلت ذلك مرارا ~~فلما كان في المرة الأخرى استدار # PageV01P069 # النمل حلقة ووضعوها في وسطها وقطعوها عضوا عضوا قال شيخنا وقد حكيت له ~~هذه الحكاية فقال هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذاب ~~والنمل من أحرص الحيوان ويضرب بحرصه المثل ويذكر أن سليمان صلوات الله ~~وسلامه عليه لما رأى حرص النملة وشدة ادخارها للغذاء استحضر نملة وسألها كم ~~تأكل النملة من الطعام كل سنة قالت ثلاث حبات من الحنطة فأمر بإلقائها في ~~قارورة وسد فم القارورة وجعل معها ثلاث حبات حنطة وتركها سنة بعد ما قالت ~~ثم أمر بفتح القارورة عند فراغ السنة فوجد حبة ونصف حبة فقال أين زعمك أنت ~~زعمت أن قوتك كل سنة ثلاث حبات ms124 فقالت: نعم ولكن لما رأيتك مشغولا بمصالح ~~أبناء جنسك حسبت الذي بقي من عمري فوجدته أكثر من المدة المضروبة فاقتصرت ~~على نصف القوت واستبقيت نصفه استبقاء لنفسي فعجب سليمان من شدة حرصها وهذا ~~من أعجب الهداية والعطية ومن حرصها أنها تكد طوال الصيف وتجمع للشتاء علما ~~منها بإعواز الطلب في الشتاء وتعذر الكسب فيه وهي على ضعفها شديدة القوى ~~فإنها تحمل أضعاف أضعاف وزنها وتجره إلى بيتها ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت ~~عضو كزبرة يابس فأدنيته إلى أنفك لم تشم له رائحة فإذا وضعته على الأرض ~~أقبلت النملة من مكان بعيد إليه فإن عجزت عن حمله ذهبت وأتت معها بصف من ~~النمل يحتملونه فكيف وجدت رائحة ذلك من جوف بيتها حتى أقبلت بسرعة إليه فهي ~~تدرك بالشم من البعد ما يدركه غيرها بالبصر أو بالسمع فتأتي من مكان بعيد ~~إلى موضع أكل فيه الإنسان وبقي فيه فتات من الخبز أو غيره فتحلمه وتذهب به ~~وإن كان أكبر منها فإن عجزت عن حمله ذهبت إلى حجرها وجاءت معها بطائفة من ~~أصحابها فجاؤا كخيط أسود يتبع بعضهم بعضا حتى يتساعدوا على حمله ونقله وهي ~~تأتي إلى السنبلة فتشمها فإن وجدتها حنطة قطعتها ومزقتها وحملتها وإن ~~وجدتها شعيرا فلا ولها صدق الشم وبعد الهمة وشدة الحرص والجرأة على محاولة ~~نقل ما هو أضعاف أضعاف وزنها وليس للنمل قائد ورئيس يدبرها كما يكون للنحل ~~إلا أن لها رائدا يطلب الرزق فإذا وقف عليه أخبر أصحابه فيخرجن مجتمعات وكل ~~نملة تجتهد في صلاح العامة منها غير مختلسة من الحب شيئا لنفسها دون ~~صواحباتها ومن عجيب أمرها أن الرجل إذا أراد أن يحترز من النمل لا يسقط في ~~عسل أو نحوه فإنه يحفر حفيرة ويجعل حولها ماء أو يتخذ إناء كبيرا ويملأه ~~ماء ثم يضع فيه ذلك الشيء فيأتي الذي يطيف به فلا يقدر عليه فيتسلق في ~~الحائط ويمشي على السقف إلى أن يحاذي ذلك الشيء فتلقي نفسها عليه وجربنا ~~نحن ذلك وأحمى صانع مرة ms125 طوقا بالنار ورماه على الأرض ليبرد واتفق أن اشتمل ~~الطوق على نمل فتوجه في الجهات ليخرج فلحقه وهج النار فلزم المركز ووسط ~~الطوق وكان ذلك مركزا له وهو أبعد مكان من المحيط. # فصل: وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه ~~غيره ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان وقد ~~فقده وتوعده فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة وخاطبه ~~خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال أحطت بما لم تحط به وفي ~~ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم له ~~شأن فلذلك قال وجئتك من سبأ بنبأ يقين والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس ~~متطلعة إلى معرفته ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب فهذه مقدمة بين ~~يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت # PageV01P070 # قلب المخبر لتلقي الخبر وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته وهذا ~~نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا ~~بأدلة التأكيد فقال إني وجدت امرأة تملكهم ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها ~~من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ثم زاد في تعظيم ~~شأنها بذكر عرشها التي تجلس عليه وأنه عرش عظيم ثم أخبره بما يدعوهم إلى ~~قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: {وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس من دون الله} وحذف أداة العطف من هذه الجملة وأتى بها مستقلة ~~غير معطوفة على ما قبلها إيذانا بأنها هي المقصودة وما قبلها توطئة لها ثم ~~أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى ~~صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده ثم أخبر أن ذلك الصد حال ~~بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له ثم ذكر من ~~أفعاله سبحانه إخراج الخبء في السماوات والأرض وهو ms126 المخبوء فيهما من المطر ~~والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض وفي ذكر ~~الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه إشعار بما خصه الله به من ~~إخراج الماء المخبوء تحت الأرض قال صاحب الكشاف "وفي إخراج الخبء إمارة على ~~أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض وذلك بإلهام من يخرج ~~الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه ولا يكاد يخفى على ذي ~~الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ~~ومنطقه وشمائله فما عمل آدمي عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله". # فصل: وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية حتى قال الشافعي: "أعقل الطير ~~الحمام" وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب ربما زادت قيمة الطير ~~منها على قيمة المملوك والعبد فإن الغرض الذي يحصل به لا يحصل بمملوك ولا ~~بحيوان غيره لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها وتنهي ~~الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الممالك والدول والقيمون ~~بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناء عظيما فيفرقون بين ذكورها وإناثها وقت ~~السفاد وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها والإناث عن ذكورها ويخافون عليها ~~من فساد أنسابها وحملها من غيرها ويتعرفون صحة طرقها ومحلها لا يأمنون أن ~~تفسد الأنثى ذكرا من عرض الحمام فتعتريها الهجنة والقيمون بأمرها لا يحفظون ~~أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون لها والقيمون ~~لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية الاعتناء بحيث إذا رأوا حماما ساقطا ~~لم يخف عليهم حسبها ونسبها وبلدها ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة وتسمح ~~أنفسهم بالجعل الوافر له ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها ويقولون ~~هو أحن إلى بيته لمكان أنثاه وهو أشد متنا وأقوى بدنا وأحسن اهتداء وطائفة ~~منهم يختار لذلك الإناث ويقولون الذكر إذا سافر وبعد عهده حن إلى الإناث ~~وتاقت نفسه إليهن فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها فيترك ~~المسير ومال إلى قضاء وطره منها وهدايته على ms127 قدر التعليم والتوطين والحمام ~~موصوف باليمن والألف للناس ويحب الناس ويحبونه ويألف المكان ويثبت على ~~العهد والوفاء لصاحبه وإن أساء إليه ويعود إليه من مسافات بعيدة وربما صد ~~فترك وطنه عشر حجج وهو ثابت على الوفاء حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه ~~والحمام إذا أراد السفاد يلطف للأنثى غاية اللطف فيبدأ بنشر ذنبه وإرخاء ~~جناحه ثم يدنو من الأنثى فيهدر لها ويقبلها ويزفها وينتفش # PageV01P071 # ويرفع صدره ثم يعتريه ضرب من الوله والأنثى في ذلك مرسلة جناحها وكتفها ~~على الأرض فإذا قضى حاجته منها ركبته الأنثى وليس ذلك في شيء من الحيوان ~~سواه وإذا علم الذكر أنه أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد يقدم هو ~~والأنثى بطلب القصب والحشيش وصغار العيدان فيعملان منه أفحوصة وينسجانها ~~نسجا متداخلا في الوضع الذي يكون بقدر حيمان الحمامة ويجعلان حروفها شاخصة ~~مرتفعة لئلا يتدحرج عنها البيض ويكون حصنا للحاضن ثم يتعاودان ذلك المكان ~~ويتعاقبان الأفحوص يسخنانه ويطيبانه وينفيان طباعه الأول ويحدثان فيه طبعا ~~آخر مشتقا ومستخرجا من طباع أبدانهما ورائحتهما لكي تقع البيضة إذا وقعت في ~~مكان هو أشبه المواضع بأرحام الحمام ويكون على مقدار من الحر والبرد ~~والرخاوة والصلابة ثم إذا ضربها المخاض بادرت إلى ذلك المكان ووضعت فيه ~~البيض فإن أفزعها رعد قاصف رمت بالبيضة دون ذلك المكان الذي هيأته كالمرأة ~~التي تسقط من الفزع فإذا وضعت البيض في ذلك المكان لم يزالا يتعاقبان الحضن ~~حتى إذا بلغ الحضن مداه وانتهت أيامه انصدع عن الفرخ فأعاناه على خروجه ~~فيبدآن أولا بنفخ الريح في حلقه حتى تتسع حوصلته علما منهما بأن الحوصلة ~~تضيق عن الغذاء فتتسع الحوصلة بعد التحامها وتنفتق بعد ارتقاقها ثم يعلمان ~~أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت شيئا فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء ~~فيزقانه بلعابهما المختلط بالغذاء وفيه قوى الطعم ثم يعلمان أن طبع الحوصلة ~~تضعف عن استمرار الغذاء وأنها تحتاج إلى دفع وتقوية لتكون لها بعض المتانة ~~فيلقطان من الغيطان الحب اللين الرخو ويزقانه الفرخ ثم ms128 يزقانه بعد ذلك الحب ~~الذي هو أقوى وأشد ولا يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج بحسب قوة ~~الفرخ وهو يطلب ذلك منهما حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ~~ليحتاج إلى اللقط ويعتاده وإذا علما أن رئته في قويت ونمت وأنهما إن فطماه ~~فطما تاما قوي على اللقط وتبلغ لنفسه ضرباه إذا سألهما الزق ومنعاه ثم تنزع ~~تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد ~~أطاق القيام بنفسه والتكسب ثم يبتدآن العمل ابتداء على ذلك النظام والحمام ~~يشاكل الناس في أكثر طباعه ومذاهبه فإن من إناثه أنثى لا تريد إلا زوجها ~~وفيه أخرى لا ترد يد لامس وأخرى لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث وأخرى تركب ~~من أول وهلة وأول طلب وأخرى لها ذكر معروف بها وهي تمكن ذكرا آخر منها إذا ~~غاب زوجها لم تمتنع ممن ركبها وأخرى تمكن من يغنيها عن زوجها وهو يراهما ~~ويشاهدهما ولا تبالي بحضوره وأخرى تعمط الذكر وتدعوه إلى نفسها وأنثى تركب ~~أنثى وتساحقها وذكر يركب ذكرا ويعسفه وكل حالة توجد في الناس ذكورهم ~~وإناثهم توجد في الحمام وفيها من لا تبيض وإن باضت أفسدت البيضة كالمرأة ~~التي لا تريد الولد كيلا يشغلها عن شأنها وفي إناث الحمام من إذا عرض لها ~~ذكر أي ذكر كان أسرعت هاربة ولا تواتي غير زوجها البتة بمنزلة المرأة الحرة ~~ومنها ما يأخذ أنثى يتمتع بها تم ينتقل عنها إلى غيرها وكذلك الأنثى توافق ~~ذكرا آخر عن زوجها وتنتقل عنه وإن كانوا جميعا في برج واحد ومنها ما يتصالح ~~على الأنثى منها ذكران أو أكثر فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه ~~وقهره مالت إليه وأعرضت عن المغلوب وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "رأى حمامة تتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانه" ومنها ما يزق فراخه ~~خاصة ومنا ما فيه شفقة ورحمة بالغة يزق فراخه وغيرها ومن عجيب هداها أنها ~~إذا حملت الرسائل سلكت الطرق البعيدة عن القرى ms129 ومواضع الناس لئلا يعرض لها ~~من # PageV01P072 # يصدها ولا يرد مياههم بل يرد المياه التي لا يردها الناس ومن هدايتها ~~أيضا أنه إذا رأى الناس في الهواء عرف أي صنف يريده وأي نوع من الأنواع ضده ~~فيخالف فعله ليسلم منه ومن هدايته أنه في أول نهوضه يغفل ويمر بين النسر ~~والعقاب وبين الرخم والبازي وبين الغراب والصقر فيعرف من يقصده ومن لا ~~يقصده وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السم الناقع وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة ~~عند رؤية الذئب والحمار عند مشاهدة الأسد ومن هداية الحمام أن الذكر ~~والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى ~~وجلب القوت والزق على الذكر فإن الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم والأم هي ~~التي تحبل وتلد وترضع ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ أن رجلا كان له زوج ~~حمام مقصوص وزوج طيار وللطيار فرخان قال ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة ~~للدخول والخروج وزق فراخهما قال فحبسني السلطان فجأة فاهتممت بشأن المقصوص ~~غاية الاهتمام ولم أشك في موتهما لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة ~~وليس عندهما ما يأكلان ويشربان قال فلما خلى سبيلي لم يكن لي هم غيرهما ~~ففتحت البيت فوجدت الفراخ قد كبرت ووجدت المقصوص على أحسن حال فعجبت فما ~~لبث أن جاء الزوج الطيار فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما ~~يستطعم الفرخ فزقاهم فانظر إلى هذه الهداية فإن المقصوصبن لما شاهدا تلطف ~~الفراخ للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش فعلا كفعل ~~الفرخين فأدركتهما رحمة الطيارين فزقاهما كما يزقان فرخيهما ونظير ذلك ما ~~ذكره الجاحظ وغيره قال الجاحظ: "وهو أمر مشهور عندنا بالبصرة أنه لما وقع ~~الطاعون الجارف أتى على أهل دار فلم يشك أهل تلك المحلة أنه لم يبق منهم ~~أحد فعمدوا إلى باب الدار فسدوه وكان قد بقي صبي صغير يرضع ولم يفطنوا له ~~فلما كان بعد ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم ففتح الباب فلما أفضى إلى ~~عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع ms130 جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعه ذلك ~~فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار فلما رآها الصبي حبا إليها ~~فأمكنته من أطبائها فمصها وذلك أن الصبي لما اشتد جوعه ورأى جراء الكلبة ~~يرتضعون من أطباء الكلبة حبا إليها فعطفت عليه فلما سقته مرة أدامت له ذلك ~~وأدام هو الطلب ولا يستبعد هذا" وما هو أعجب منه فإن الذي هدى المولود إلى ~~مص إبهامه ساعة يولد ثم هداه إلى التقام حلمة ثدي لم يتقدم له به عادة كأنه ~~قد قيل له هذه خزانة طعامك وشرابك التي كأنك لم تزل بها عارفا وفي هدايته ~~للحيوان إلى مصالحة ما هو أعجب من ذلك ومن ذلك أن الديك الشاب إذا لقي حبا ~~لم يأكله حتى يفرقه فإذا هرم وشاخ أكله من غير تفريق كما قال المدائني "إن ~~إياس بن معاوية مر بديك ينقر حبا ولا يفرقه فقال ينبغي أن يكون هرما فإن ~~الديك الشاب يفرق الحب ليجتمع الدجاج حوله فتصيب منه والهرم قد فنيت رغبته ~~فليس له همة إلا نفسه قال إياس: والديك يأخذ الحبة فهو يريها الدجاجة حتى ~~يلقيها من فيه والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجة" وذكر ابن الأعرابي قال: ~~"أكلت حبة بيض مكاء فجعل المكاء يصوت ويطير على رأسها ويدنو منها حتى إذا ~~فتحت فاها وهمت به ألقى حسكة فأخذت بحلقها حتى ماتت" وأنشد أبو عمرو ~~الشيباني في ذلك قول الأسدي: # إن كنت أبصرتني عيلا ومصطلما ... فربما قتل المكاء ثعبانا # وهداية الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر حدث عنه ولا حرج ومن عجيب ~~هدايتها أن الثعلب إذا # PageV01P073 # امتلأ من البراغيث أخذ صوفة بفمه ثم عمد إلى ماء رقيق فنزل فيه قليلا ~~قليلا حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة فيلقيها في الماء ويخرج ومن عجيب أمره ~~أن ذئبا أكل أولاده وكان للذئب أولاد وهناك زبية فعمد الثعلب وألقى نفسه ~~فيها وحفر فيها سردابا يخرج منه ثم عمد إلى أولاد الذئب فقتلهم وجلس ناحية ~~ينتظر الذئب فلما أقبل وعرف أنها فعلته هرب قدامه ms131 وهو يتبعه فألقى نفسه في ~~الزبية ثم خرج من السرداب فألقى الذئب نفسه وراءه فلم يجده ولم يطق الخروج ~~فقتله أهل الناحية ومن عجيب أمره أن رجلا كان معه دجاجتان فاختفى له وخطف ~~إحداهما وفر ثم أعمل فكرة في أخذ الأخرى فتراأى لصاحبها من بعيد وفي فمه ~~شيء شبيه بالطائر وأطمعه في استعادتها بأن تركه وفر فظن الرجل أنها الدجاجة ~~فأسرع نحوها وخالفه الثعلب إلى أختها فأخذها وذهب ومن عجيب أمره أنه أتى ~~إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا فلم يطق فذهب وجاء ~~بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير ففزع منه فلما عرفت أنه ~~حشيش رجعت إلى أماكنها فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى تواظب الطير ~~على ذلك وألفته فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها وعبر إلى الطير فلم ~~يشك الطير أنه من جنس ما قبله فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به ومن ~~عجيب أمر الذئب أنه عرض لإنسان يريد قتله فرأى معه قوسا وسهما فذهب وجاء ~~بعظم رأس جمل في فيه وأقبل نحو الرجل فجعل الرجل كلما رماه بسهم اتقاه بذلك ~~العظم حتى أعجزه وعاين نفاذ سهمه فصادف من استعان به على طرد الذئب ومن ~~عجيب أمر القرد ما ذكره البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: ~~"رأيت في الجاهلية قردا وقردة زينا فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ~~ماتا" فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم وهذه البقر يضرب ~~ببلادتها المثل وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلا بينا هو يسوق ~~بقرة إذ ركبها فقالت لم أخلق لهذا فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال ~~فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم قال وبينا رجل يرعى غنما له ~~إذ عدا الذئب على شاة منها فاستنقذها منه فقال الذئب هذه استنقذتها مني فمن ~~لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس سبحان الله ذئب يتكلم ms132 فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم" ~~ومن هداية الحمار الذي هو من أبلد الحيوان أن الرجل يسير به ويأتي به منزله ~~من البعد في ليلة مظلمة فيعرف المنزل فإذا خلى جاء إليه ويفرق بين الصوت ~~الذي يستوقف به والصوت الذي يحث به على السير، ومن عجيب أمر الفأر أنها إذا ~~شربت من الزيت الذي في أعلا الجرة فنقص وعز عليها الوصول إليه ذهبت وحملت ~~في أفواهها ماء وصبته في الجرة حتى يرتفع الزيت فتشربه والأطباء تزعم أن ~~الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار إذا تعسر عليه الذرق جاء إلى البحر ~~المالح وأخذ بمنقاره منه واحتقن به فيخرج الذرق بسرعة وهذا الثعلب إذا اشتد ~~به الجوع انتفخ ورمى بنفسه في الصحراء كأنه جيفة فتتداوله الطير فلا يظهر ~~حركة ولا نفسا فلا تشك أنه ميت حتى إذا نقر بمنقاره وثب عليها فضمها ضمة ~~الموت وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصتر ~~النهري فأكلاه كالترياق لذلك ومن عجيب أمر الثعلب أنه إذا أصاب القنفذ قلبه ~~لظهره لأجل شوكه فيجتمع القنفذ حتى يصير كبة شوك فيبول الثعلب على بطنه ما ~~بين مغرز عجبه إلى فكيه فإذا أصابه البول اعتراه الأسر فانبسط فيسلخه ~~الثعلب من بطنه ويأكل مسلوخه وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم ~~أمورا تنفعه في معاشه وأخلاقه # PageV01P074 # وصناعته وحربه وحزمه وصبره وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال ~~تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا} قال أبو جعفر الباقر والله ما اقتصر على تشبههم بالأنعام حتى جعلهم ~~أضل سبيلا منها فمن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها أن ترفعه في ~~الهواء أياما تهرب به من الذر والنمل لأنها تضعه كقطعة من لحم فهي تخاف ~~عليه الذر والنمل فلا تزال ترفعه وتضعه وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد ~~وقال ابن الأعرابي: "قيل لشيخ من قريش من علمك ms133 هذا كله وإنما يعرف مثله ~~أصحاب التجارب والتكسب قال: علمني الله ما علم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي ~~الوجهين جميعا نصيبهما من حضانتها ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر ~~على جانب واحد" وقيل لآخر: "من علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن ~~استعصت حتى تظفر بها قال: من علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط ثم تصعد ~~ثم تسقط مرارا عديدة حتى تستمر صاعدة" وقيل لآخر: "من علمك البكور في ~~حوائجك أول النهار لا تخل به قال من علم الطير تغدو خماصا كل بكرة في طلب ~~أقواتها على قربها وبعدها لا تسأم ذلك ولا تخاف ما يعرض لها في الجو ~~والأرض" وقيل لآخر: "من علمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك فإذا ~~ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته فقال الذي علم السهر أن ترصد جحر ~~الفأرة فلا تتحرك ولا تتلوى ولا تختلج كأنها ميتة حتى إذا برزت لها الفأرة ~~وثبت عليها كالأسد" وقيل لآخر: "من علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم ~~السكون قال من علم أبا أيوب صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة والمشي ~~والتعب وغلظة الجمال وضربه فالثقل والكل على ظهره ومرارة الجوع والعطش في ~~كبده وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه ولا يعدل به ذلك عن الصبر" وقيل لآخر: ~~"من علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل قال من علم الديك يصادف الحبة في ~~الأرض وهو يحتاج إليها فلا يأكلها بل يستدعي الدجاج ويطلبهن طلبا حثيثا حتى ~~تجيء الواحدة منهن فتلقطها وهو مسرور بذلك طيب النفس به وإذا وضع له الحب ~~الكثير فرقه هاهنا وهاهنا وإن لم يكن هناك دجاج لأن طبعه قد ألف البذل ~~والجود فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام" وقيل لآخر: "من علمك هذا ~~التحيل في طلب الرزق ووجوه تحصيله قال من علم الثعلب تلك الحيل التي يعجز ~~العقلاء عن علمها وعملها وهي أكثر من أن تذكر" ومن علم الأسد إذا مشى وخاف ~~أن يقتفى أثره ويطلب عفى أثر مشيته بذنبه ومن علمه أن يأتي إلى ms134 شبله في ~~اليوم الثالث من وضعه فينفخ في منخريه لأن اللبؤة تضعه جروا كالميت فلا ~~تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن ~~لا تأكل إلا من فريستها وإذا مر بفريسة غيره لم يدن منها ولو جهده الجوع ~~ومن علم الأسد أن يخضع للبر ويذل له إذا اجتمعا حتى ينال منه له ومن عجيب ~~أمره أنه إذا استعصى عليه شيء من السباع دعا الأسد فأجابه إجابة المملوك ~~لمالكه ثم أمره فربض بين يديه فيبول في أذنيه فإذا أراد السباع ذلك أذعنت ~~له بالطاعة والخضوع ومن علم الثعلب إذا اشتد به الجوع أن يستلقي على ظهره ~~ويختلس نفسه إلى داخل بدنه حتى ينتفخ فيظن الظان أنه ميتة فيقع عليه فيثب ~~على من انقضى عمره منها ومن علمه إذا أصابه صدع أو جرح أن يأتي إلى صبغ ~~معروف فيأخذ منه ويضعه على جرحه كالمرهم ومن علم الدب إذا أصابه كلم أن ~~يأتي إلى نبت قد عرفه وجهله صاحب الحشائش فيتداوى به فيبرأ ومن علم الأنثى ~~من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها أن تأتي إلى الماء فتلد فيه لأنها دون # PageV01P075 # الحيوانات لا تلد إلا قائمة لأن أوصالها على خلاف أوصال الحيوان وهي ~~عالية فتخاف أن تسقطه على الأرض فينصدع أو ينشق فتأتي ما وسطها تضعه فيه ~~فيكون كالفراش اللين والوطاء الناعم ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن ~~يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر ومن علم الكلب إذا عاين الظباء أن ~~يعرف المعتل من غيره والذكر من الأنثى فيقصد الذكر مع علمه بأن عدوه أشد ~~وأبعد وثبة ويدع الأنثى على نقصان عدوها لأنه قد علم أن الذكر إذا عدا شوطا ~~أو شوطين حقن ببوله وكل حيوان إذا اشتد فزعه فإنه يدركه الحقن وإذا حقن ~~الذكر لم يستطع البول مع شدة العدو فيقل عدوه فيدركه كالكلب وأما الأنثى ~~فتحذف بولها لسعة القبل وسهولة المخرج فيدوم عدوها ومن علمه أنه إذا كسا ~~الثلج الأرض أن يتأمل الموضع ms135 الرقيق الذي قد انخسف فيعلم أن تحته جحر ~~الأرنب فينبشه ويصطادها علما منه بأن حرارة أنفاسها تذيب بعض الثلج فيرق ~~ومن علم الذئب إذا نام أن يجعل النوم نوبا بين عينيه فينام بإحداهما حتى ~~إذا نعست الأخرى نام بها وفتح النائمة حتى قال بعض العرب: # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم # ومن علم العصفورة إذا سقط فرخها أن تستغيث فلا يبقى عصفور بجوارها حتى ~~يجيء فيطيرون حول الفرخ ويحركونه بأفعالهم ويحدثون له قوة وهمة وحركة حتى ~~يطير معهم قال بعض الصيادين: ربما رأيت العصفور على الحائط فأومئ بيدي كأني ~~أرميه فلا يطير وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئا فلا يتحرك فإن مسست ~~بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدي ومن علم الحمامة ~~إذا حملت أن تأخذ هي والأب في بناء العش وأن يقيما له حروفا تشبه الحائط ثم ~~يسخناه ويحدثا فيه طبيعة أخرى ثم يقلبان البيض في الأيام ومن قسم بينهما ~~الحضانة والكد فأكثر ساعات الحضانة على الأنثى وأكثر ساعات جلب القوت على ~~الأب وإذا خرج الفرخ علما ضيق حوصلته عن الطعام فنفخا فيه نفخا متداركا حتى ~~تتسع حوصلته ثم يزقانه اللعاب أو شيئا قبل الطعام وهو كاللبا للطفل ثم ~~يعلمانه احتياج الحوصلة إلى دباغ فيزقانه من أصل الحيطان من شيء بين الملح ~~والتراب تندبغ به الحوصلة فإذا اندبغت زقاه الحب فإذا علما أنه أطاق اللقط ~~منعاه الزق على التدريج فإذا تكاملت قوته وسألهما الكفالة ضرباه ومن علمهما ~~إذا أراد السفاد أن يبتدئ الذكر بالدعاء فتتطارد له الأنثى قليلا لتذيقه ~~حلاوة المواصلة ثم تطيعه في نفسها ثم تمتنع بعض التمنع ليشتد طلبه وحبه ثم ~~تتهادى وتتكسل وتريه معاطفها وتعرض محاسنها ثم يحدث بينهما من التغزل ~~والعشق والتقبيل والرشف ما هو مشاهد بالعيان ومن علم المرسلة منها إذا ~~سافرت ليلا أن تستدل ببطون الأودية ومجاري المياه والجبال ومهاب الريح ~~ومطلع الشمس ومغربها فتستدل بذلك وبغيره إذا ضلت فإذا عرفت الطريق مرت ms136 ~~كالريح ومن علم اللبب وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض ويجمع نفسه فيرى ~~الذبابة أنه لاه عنها ثم يثب عليها وثوب الفهد ومن علم العنكبوت أن تنسج ~~تلك الشبكة الرفيعة المحكمة وتجعل في أعلاها خيطا ثم تتعلق به فإذا تعرقلت ~~البعوضة في الشبكة تدلت إليها فاصطادتها ومن علم الظبي أنه لا يدخل كناسة ~~إلا مستدبرا ليستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفه ومن علم السنور إذا ~~رأى فأرة في السقف أن يرفع رأسه كالمشير إليها بالعود ثم يشير إليها ~~بالرجوع وإنما يريد أن يدهشها فتزلق فتسقط ومن علم اليربوع أن يحفر بيته في ~~سفح الوادي حيث يرتفع عن مجرى السيل ليسلم من مدق الحافر ومجرى الماء ~~ويعمقه ثم يتخذ في زواياه # PageV01P076 # أبوابا عديدة ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزا رقيقا فإذا أحس بالشر فتح ~~بعضها بأيسر شيء وخرج منه ولما كان كثير النسيان لم يحفر بيته إلا عند أكمة ~~أو صخرة علامة له على البيت إذا ضل عنه ومن علم الفهد إذا سمن أن يتوارى ~~لثقل الحركة عليه حتى يذهب ذلك السمن ثم يظهر ومن علم الأيل إذا سقط قرنه ~~أن يتوارى لأن سلاحه قد ذهب فيسمن لذلك فإذا كمل نبات قرنه تعرض للشمس ~~والريح وأكثر من الحركة ليشتد لحمه ويزول السمن المانع له من العدو وهذا ~~باب واسع جدا ويكفي فيه قوله سبحانه: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ~~والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الكلاب أمة ~~من الأمم لأمرت بقتلها" وهذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون إخبارا عن أمر ~~غير ممكن فعله وهو أن الكلاب أمة لا يمكن إفناؤها لكثرتها في الأرض فلو ~~أمكن إعدامها من الأرض لأمرت بقتلها والثاني: أن يكون مثل قوله: "أمن أجل ~~أن قرصتك نملة أحرقت أمة ms137 من الأمم تسبح" فهي أمة مخلوقة بحكمة ومصلحة ~~فإعدامها وإفناؤها يناقض ما خلقت لأجله والله أعلم بما أراد رسوله قال ابن ~~عباس في رواية عطاء: ": {إلا أمم أمثالكم} يريد يعرفونني ويوحدونني ~~ويسبحونني ويحمدونني" مثل قوله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ومثل ~~قوله: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد ~~علم صلاته وتسبيحه} ويدل على هذا قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} ~~وقوله: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة} ويدل عليه قوله ~~تعالى: {يا جبال أوبي معه والطير} ويدل عليه قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} ~~وقوله: {قالت نملة يا أيها النمل} وقول سليمان: {علمنا منطق الطير} وقال ~~مجاهد: "أمم أمثالكم أصناف مصنفة تعرف بأسمائها" وقال الزجاج: "أمم أمثالكم ~~في أنها تبعث" وقال ابن قتيبة: "أمم أمثالكم في طلب الغذاء وابتغاء الرزق ~~وتوقي المهالك" وقال سفيان بن عيينة: "ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من ~~البهائم" فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ~~ينبح نباح الكلب ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ومنهم من يشبه الخنازير التي ~~لو ألقي إليها الطعام عافته فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه فلذلك تجد من ~~الآدميين من لو سمع خمسين حكمه لم يحفظ واحدة منها وإن أخطأ رجل ترواه ~~وحفظه قال الخطابي: "ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه ~~الحكمة" وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره وجب المصير إلى ~~باطنه وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة وذلك ~~ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة فوجب أن يكون ~~منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق وإذا كان الأمر كذلك فاعلم أنك ~~إنما تعاشر البهائم والسباع فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك ~~انتهى كلامه والله سبحانه قد جعل بعض ms138 الدواب كسوبا محتالا وبعضها متوكلا ~~غير محتال وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته وبعضها يتكل على الثقة بأن له ~~في كل يوم قدر كفايته رزقا مضمونا وأمرا مقطوعا وبعضها يدخر وبعضها لا تكسب ~~له وبعض الذكورة يعول ولده وبعضها لا يعرف ولده البتة وبعض الإناث تكفل ~~ولدها لا تعدوه وبعضها تضع ولدها وتكفل ولد غيرها وبعضها لا تعرف ولدها إذا ~~استغنى عنها وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه # PageV01P077 # وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها ~~وبعضها لا يلتمس الولد وبعضها يستفرغ الهم في طلبه وبعضها يعرف الإحسان ~~ويشكره وبعضها ليس ذلك عنده شيئا وبعضها يؤثر على نفسه وبعضها إذا ظفر بما ~~يكفي أمة من جنسه لم يدع أحدا يدنو منه وبعضها يحب السفاد ويكثر منه وبعضها ~~لا يفعله في السنة إلا مرة وبعضها يقتصر على أنثاه وبعضها لا يقف على أنثى ~~ولو كانت أمه أو أخته وبعضها لا تمكن غير زوجها من نفسها وبعضها لا ترد يد ~~لامس وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار ~~وبعضها لا يأكل إلا الطيب وبعضها لا يأكل إلا الخبائث وبعضها يجمع بين ~~الأمرين وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها وبعضها يؤذي من لا يؤذيها ~~وبعضها حقود لا تنسى الإساءة وبعضها لا يذكرها البتة وبعضها لا يغضب وبعضها ~~يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا ~~يهتدي إليها أكثر الناس وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك البتة وبعضها ~~يستقبح القبيح وينفر منه وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده وبعضها يقبل ~~التعليم بسرعة وبعضها مع الطول وبعضها لا يقبل ذلك بحال وهذا كله من أدل ~~الدلائل على الخالق لها سبحانه وعلى إتقان صنعه وعجيب تدبيره ولطيف حكمته ~~فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحيل وحسن التدبير والتأني لما ~~تريده ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته ~~وقدرته وما يعلم به كل عاقل أنه لم ms139 يخلق عبثا ولم يترك سدى وأن له سبحانه ~~في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهانا قاطعا يدل على أنه رب كل شيء ~~ومليكه وأنه المنفرد بكل كمال دون خلقه وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء ~~عليم. # فصل: فلنرجع إلى ما ساقنا إلى هذا الموضع وهو الكلام على الهداية العامة ~~التي هي قرينة الخلق في الدلالة على الرب تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته ~~وتوحيده قال تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: {فمن ربكما يا موسى قال ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} قال مجاهد: "أعطى كل شيء خلقه لم يعط ~~الإنسان خلق البهائم ولا البهائم خلق الإنسان" وأقوال أكثر المفسرين تدور ~~على هذا المعنى قال عطية ومقاتل: "أعطى كل شيء صورته" وقال الحسن وقتادة: ~~"أعطى كل شيء صلاحه" والمعنى أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق ~~له ثم هداه لما خلق له وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه ~~وتقلبه وتصرفه هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين فيكون نظير ~~قوله: {قدر فهدى} وقال الكلبي والسدي: "أعطى الرجل المرأة والبعير الناقة ~~والذكر الأنثى من جنسه" ولفظ السدي: "أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه ثم هدى ~~إلى الجماع" وهذا القول اختيار ابن قتيبة والفراء قال الفراء: "أعطى الذكر ~~من الناس امرأة مثله والشاة شاة والثور بقرة ثم ألهم الذكر كيف يأتيها" قال ~~أبو إسحاق: "وهذا التفسير جائز لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى ولم ~~ير ذكرا قد أتى أنثى قبله فألهمه الله ذلك وهداه إليه" قال: والقول الأول ~~ينتظم هذا المعنى لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة قلت: أرباب ~~هذا القول هضموا الآية معناها فإن معناها أجل وأعظم مما ذكروه وقوله أعطى ~~كل شيء يأبى هذا التفسير فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصة ~~ممتنع لا وجه له وكيف يخرج من هذا اللفظ الملائكة والجن ومن لم يتزوج من ~~بني آدم ومن لم يسافد من الحيوان وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه ms140 الذكر خلقا ~~له وأين نظير هذا في القرآن # PageV01P078 # وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه وذكره بأدل عبارة ~~عليه وأوضحها فقال: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأثى} فحمل قوله: {أعطى كل ~~شيء خلقه} على هذا المعنى غير صحيح فتأمله وفي الآية قول آخر قاله الضحاك ~~قال: "أعطى كل شيء خلقه أعطى اليد البطش والرجل المشي واللسان النطق والعين ~~البصر والأذن السمع" ومعنى هذا القول أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له ~~والخلق على هذا بمعنى المفعول أي أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له فإن هذه ~~المعاني كلها مخلوقة لله أودعها الأعضاء وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه ~~لكن معنى الآية أعم والقول هو الأول وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص ~~به ثم هداه لما خلق له ولا خالق سواه سبحانه ولا هادي غيره فهذا الخلق وهذه ~~الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته فهذا وجه الاستدلال على عدو الله فرعون ~~ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه عدل إلى ~~سؤال فاسد عن وارد فقال: {فما بال القرون الأولى} أي فما للقرون الأولى لم ~~تقر بهذا الرب ولم تعبده بل عبدت الأوثان والمعنى لو كان ما تقوله حقا لم ~~يخف على القرون الأولى ولم يهملوه فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ~~ربوبية رب العالمين فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به وشرك المشركين وهذا ~~شأن كل مبطل ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال ~~الزنادقة والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل ~~الضلال منهم فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال: {علمها عند ربي} أي ~~أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي قد أحصاه وحفظه وأودعه في كتاب ~~فيجازيهم عليه يوم القيامة ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال فإنه ~~سبحانه لا يضل ولا ينسى وعلى هذا فالكتاب ها هنا كتاب الأعمال وقال الكلبي: ~~"يعني به اللوح المحفوظ" وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق والمعنى ms141 على هذا ~~أنه سبحانه قد علم أعمالهم وكتبها عنده قبل أن يعملوها فيكون هذا من تمام ~~قوله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فتأمله. # فصل: وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في ~~أول سورة أنزلها على رسوله: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ~~اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} وقوله: {الرحمن ~~علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} وقوله: {ألم نجعل له عينين ولسانا ~~وشفتين وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة} وقوله: {إنا خلقنا الأنسان من ~~نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا} وقوله: {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا ~~به حدائق ذات بهجة} الآيات ثم قال: {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر} ~~فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني ~~فهذا خلقه وهذا هداه وتعليمه. # فصل: المرتبة الثانية من مراتب الهداية هداية الإرشاد والبيان للمكلفين ~~وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق وإن كانت شرطا فيه أو جزء ~~سبب وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب بل قد يتخلف عنه المقتضى إما لعدم ~~كمال السبب أو لوجود مانع ولهذا قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى} وقال: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ~~ما يتقون} فهداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك ~~الاهتداء أولا # PageV01P079 # بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه فأعماهم عنه بعد أن أراهموه وهذا شأنه ~~سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت ~~نصيبه وحظه كما قال تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم} وقال تعالى عن قوم فرعون: {وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا} أي جحدوا بآياتنا بعد أن تيقنوا صحتها وقال: {كيف يهدي ~~الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا ms142 ~~يهدي القوم الظالمين} وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله حيث قال: {وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم} ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية التوفيق ~~والإلهام بقوله: {إنك لا تهدي من أحببت} ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ~~"بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهداية شيء وبعث إبليس مزينا ومغويا وليس ~~إليه من الضلالة شيء" قال تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم} فجمع سبحانه بين الهداء يتبين العامة والخاصة فعم بالدعوة ~~حجة مشيئة وعدلا وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلا وهذه المرتبة أخص من التي ~~قبلها فأنها هداية تخص المكلفين وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا ~~إلا بعد إقامتها عليه قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال: ~~{رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال: {أن ~~تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول ~~لو أن الله هداني لكنت من المتقين} وقال: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ~~ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ~~إن أنتم إلا في ضلال كبير} فإن قيل كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى ~~وحال بينهم وبينه قيل حجته قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى وبيان ~~الرسل لهم وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانا وأقام لهم ~~أسباب الهداية ظاهرا وباطنا ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب ومن حال بينه ~~وبينها منهم بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه أو كونه بناحية من الأرض لم ~~تبلغه دعوة رسله فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته فلم يمنعهم من هذا الهدى ~~ولم يحل بينهم وبينه نعم قطع عنهم توفيقه ولم يرد من نفسه إعانتهم والإقبال ~~بقلوبهم إليه فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم وإن حال بينهم وبين ما لا ~~يقدرون عليه وهو فعله ومشيئته وتوفيقه فهذا غير مقدور لهم وهو الذي منعوه ~~وحيل ms143 بينهم وبينه فتأمل هذا الموضع واعرف قدره والله المستعان. # فصل: المرتبة الثالثة من مراتب الهداية هداية التوفيق والإلهام وخلق ~~المشيئة المستلزمة للفعل وهذه المرتبة أخص من التي قبلها وهي التي ضل جهال ~~القدرية بإنكارها وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم من نواحي الأرض ~~عصرا بعد عصر إلى وقتنا هذا ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم كما ظلموا ~~أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى وإنكار فعل العبد وقدرته وأن يكون له تأثير ~~في الفعل البتة فلم يهتدوا لقول هؤلاء بل زادهم ضلالا على ضلالهم وتمسكا ~~بما هم عليه وهذا شأن المبطل إذا دعى مبطلا آخر إلى ترك مذهبه لقوله ومذهبه ~~الباطل كالنصراني إذا دعى اليهودي إلى التثليث وعبادة الصليب وأن المسيح ~~إله تام غير مخلوق إلى أمثال ذلك من الباطل الذي هو عليه وهذه المرتبة ~~تستلزم أمرين أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى والثاني: فعل العبد وهو ~~الاهتداء وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي والعبد المهتدي قال تعالى: {من ~~يهد الله فهو المهتد} ولا سبيل إلى وجود الأثر # PageV01P080 # إلا بمؤثره التام فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد ولهذا قال تعالى: ~~{إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} وهذا صريح في أن هذا الهدى ~~ليس له صلى الله عليه وسلم ولو حرص عليه ولا إلى أحد غير الله وأن الله ~~سبحانه إذا أضل عبدا لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته كما قال تعالى: {من يضلل ~~الله فلا هادي له} وقال تعالى: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم} وقال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} وقال تعالى: {أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن ~~يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} وقال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله ~~يهدي من يشاء} وقال: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} وقال: {أفلم ييأس ms144 ~~الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} وقال: {فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد ~~في السماء} وقال أهل الجنة: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله} ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم بل الهدى كله ~~منه ولولا هدايته لهم لما اهتدوا وقال تعالى: {أليس الله بكاف عبده ~~ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له ~~من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام} وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم} وقال: ~~{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى ~~الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} وقال تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ~~ما يشاء} وقال تعالى: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو} وقال: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين} ~~وقال: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} وأمر سبحانه عباده كلهم أن يسألوه ~~هدايتهم الصراط المستقيم كل يوم وليلة في الصلوات الخمس وذلك يتضمن الهداية ~~إلى الصراط والهداية فيه كما أن الضلال نوعان ضلال عن الصراط فلا يهتدي ~~إليه وضلال فيه فالأول ضلال عن معرفته والثاني ضلال عن تفاصيله أو بعضها ~~قال شيخنا: "ولما كان العبد في كل حال مفتقرا إلى هذه الهداية في جميع ما ~~يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية فهو محتاج إلى التوبة منها ~~وأمور هدي إلى أصلها دون تفصيلها أو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج ~~إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدى وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له ms145 من ~~الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي وأمور هو خال عن اعتقاد ~~فيها فهو محتاج إلى الهداية وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه ~~الهداية إلى غير ذلك من أنواع الهدايات فرض الله عليه أن يسأله هذه الهداية ~~في أفضل أحواله وهي الصلاة مرات متعددة في اليوم والليلة" انتهى كلامه ولا ~~يتم المقصود إلا بالهداية إلى الطريق والهداية فيها فإن العبد قد يهتدي إلى ~~طريق قصده وتنزيله عن غيرها ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها وأوقات السير ~~من غيره وزاد المسير وآفات الطريق ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى: {لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} قال: "سبيلا وسنة" وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير ~~فالسبيل الطريق وهي المنهاج والسنة الشرعة وهي تفاصيل الطريق وحزوناته ~~وكيفية المسير فيه وأوقات المسير وعلى هذا فقوله سبيلا وسنة يكون السبيل ~~المنهاج # PageV01P081 # والسنة الشرعة فالمقدم في الآية للمؤخر في التفسير وفي لفظ آخر سنة ~~وسبيلا فيكون المقدم للمقدم والمؤخر للتالي. # فصل: ومن هذا إخباره سبحانه بأنه طبع على قلوب الكافرين وختم عليها وأنه ~~أصمها عن الحق وأعمى أبصارها عنه كما قال تعالى: {إن الذين كفروا سواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} ~~والوقف التام هنا ثم قال: {وعلى أبصارهم غشاوة} كقوله: {أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} ~~وقال تعالى: {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم} وقال تعالى: ~~{كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} : {كذلك نطبع على قلوب المعتدين} : ~~{ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون} وأخبر سبحانه أن على بعض القلوب أقفالا ~~تمنعها من أن تنفتح لدخول الهدى إليها وقال: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ~~والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} فهذا الوقر والعمى حال ~~بينهم وبين أن يكون لهم هدى وشفاء وقال تعالى: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} وقال تعالى: {وكذلك ms146 زين لفرعون سوء عمله وصد عن ~~السبيل} قرأها الكوفيون وصد بضم الصاد حملا على زين وقال تعالى: {إن الله ~~لا يهدي من هو مسرف كذاب} وقال: {والله لا يهدي القوم الظالمين} ومعلوم أنه ~~لم ينف هدى البيان والدلالة الذي تقوم به الحجة فإنه حجته على عباده، ~~والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على ~~غير تأويله بل تتأوله بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له كقول بعضهم ~~المراد من ذلك تسمية الله العبد مهتديا وضالا فجعلوا هداه وإضلاله مجرد ~~تسمية العبد بذلك وهذا مما يعلم قطعا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه وأنت ~~إذا تأملتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة وليس في لغة أمة من الأمم فضلا ~~عن أفصح اللغات وأكملها هداه بمعنى سماه مهتديا وأضله سماه ضالا وهل يصح أن ~~يقال علمه إذا سماه عالما وفهمه إذا سماه فهما وكيف يصح هذا في مثل قوله ~~تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} فهل فهم أحد غير القدرية ~~المحرفة للقرآن من هذا ليس عليك تسميتم مهتدين ولكن الله يسمي من يشاء ~~مهتديا وهل فهم أحد قط من قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} لا تسميه ~~مهتديا ولكن الله يسميه بهذا الاسم وهل فهم أحد من قول الداعي اهدنا الصراط ~~المستقيم وقوله اللهم اهدني من عندك ونحوه اللهم سمني مهتديا وهذا من جناية ~~القدرية على القرآن ومعناه نظير جناية إخوانهم من الجهمية على نصوص الصفات ~~وتحريفها عن مواضعها وفتحوا للزنادقة والملاحدة جنايتهم على نصوص المعاد ~~وتأويلها بتأويلات إن لم تكن أقوى من تأويلاتهم لم تكن دونها وفتحوا ~~للقرامطة والباطنية تأويل نصوص الأمر والنهي بنحو تأويلاتهم فتأويل التحريف ~~الذي سلسلته هذه الطوائف أصل فساد الدنيا والدين وخراب العالم وسنفرد إن ~~شاء الله كتابا نذكر فيه جناية المتأولين على الدنيا والدين وأنت إذا وازيت ~~بين تأويلات القدرية والجهمية والرافضة لم تجد بينها وبين تأويلات الملاحدة ~~والزنادقة من القرامطة الباطنية وأمثالهم كبير فرق والتأويل الباطل ms147 يتضمن ~~تعطيل ما جاء به الرسول والكذب على المتكلم أنه أراد ذلك المعنى فتتضمن ~~إبطال الحق وتحقيق الباطل ونسبة المتكلم إلى ما لا يليق به من التلبيس ~~والألغاز مع القول عليه بلا علم أنه أراد هذا المعنى فالمتأول عليه أن يبين ~~صلاحية اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا واستعمال المتكلم له في ذلك المعنى في ~~أكثر # PageV01P082 # المواضع حتى إذا استعمله فيما يحتمل غيره حمل على ما عهد منه استعماله ~~فيه وعليه أن يقيم دليلا سالما عن المعارض على الموجب لصرف اللفظ عن ظاهره ~~وحقيقته إلى مجازه واستعارته وإلا كان ذلك مجرد دعوى منه فلا تقبل، وتأويل ~~بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في ~~القلب فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة وهذا التأويل من ~~أبطل الباطل فإن الله سبحانه يخبر أنه قسم هدايته للعبد قسمين قسما لا يقدر ~~عليه غيره وقسما مقدورا للعباد فقط في القسم المقدور للغير: {وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم} وقال في غير المقدور للغير: {إنك لا تهدي من أحببت} وقال: ~~{من يضلل الله فلا هادي له} ومعلوم قطعا أن البيان والدلالة قد تحصل له ولا ~~تنفى عنه وكذلك قوله: {فإن الله لا يهدي من يضل} لا يصح حمله على هداية ~~الدعوة والبيان فإن هذا يهدى وإن أضله الله بالدعوة والبيان وكذا قوله: ~~{وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من ~~بعد الله} هل يجوز حمله على معنى فمن يدعوه إلى الهدى ويبين له ما تقوم به ~~حجة الله عليه وكيف يصنع هؤلاء بالنصوص التي فيها أنه سبحانه هو الذي أضلهم ~~أيجوز لهم حملها على أنه دعاهم إلى الضلال فإن قالوا ليس ذلك معناها وإنما ~~معناها الفاهم ووجدهم كذلك أو أعلم ملائكته ورسله بضلالهم أو جعل على ~~قلوبهم علامة يعرف الملائكة بها أنهم ضلال قيل هذا من جنس قولكم إن هداه ~~سبحانه وإضلاله بتسميتهم مهتدين وضالين فهذه أربع تحريفات لكم وهو ms148 أنه ~~سماهم بذلك وعلمهم بعلامة يعرفهم بها الملائكة وأخبر عنهم بذلك ووجدهم كذلك ~~فالإخبار من جنس التسمية وقد بينا أن اللغة لا تحتمل ذلك وأن النصوص إذا ~~تأملها المتأمل وجدها أبعد شيء من هذا المعنى وأما العلامة فيا عجبا لفرقة ~~التحريف وما جنت على القرآن والإيمان ففي أي لغة وأي لسان يدل قوله تعالى: ~~{إنك لا تهدي من أحببت} على معنى أنك لا تعلمه بعلامة ولكن الله هو الذي ~~يعلمه بها وقوله: {من يضلل الله فلا هادي له} من يعلمه الله بعلامة الضلال ~~لم يعلمه غيره بعلامة الهدى وقوله: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ~~لعلمناها بعلامة الهدى الذي خلقته هي لنفسها وأعطته نفسها وفي أي لغة يفهم ~~من قول الداعي اهدنا الصراط المستقيم علمنا بعلامة يعرف الملائكة بها أننا ~~مهتدون وقولهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا لا تعلمها بعلامة أهل ~~الزيغ وقوله يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على ~~طاعتك وأمثال ذلك من النصوص ففي أي لغة وأي لسان يفهم من هذا علمنا بعلامة ~~الثبات والتصريف على طاعتك وفي أي لغة يكون معنى قوله: {وجعلنا قلوبهم ~~قاسية} علمناها بعلامة القسوة أو وجدناها كذلك نعم لو نزل القرآن بلغة ~~القدرية والجهمية وأهل البدع لأمكن حمله على ذلك أو كان الحق تبعا لأهوائهم ~~وكانت نصوصه تبعا لبدع المبتدعين وآراء المتحيرين وأنت تجد جميع هذه ~~الطوائف تنزل القرآن على مذاهبهم وبدعها وآرائها فالقرآن عند الجهمية جهمي ~~وعند المعتزلة معتزلي وعند القدرية قدري وعند الرافضة رافضي وكذلك هو عند ~~جميع أهل الباطل: {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون} وأما تحريفهم هذه النصوص وأمثالها بأن المعنى ألفاهم ووجدهم ففي ~~أي لسان وأي لغة وجدتم هديت الرجل إذا وجدته مهتديا وختم الله على قلبه ~~وسمعه وجعل على بصره غشاوة وجده كذلك وهل هذا إلا افتراء محض على القرآن ~~واللغة فإن قالوا نحن لم نقل هذا في نحو ذلك وإنما قلناه في نحو ms149 أضله الله ~~أي وجده ضالا كما يقال أحمدت الرجل وأبخلته وأجننته إذا # PageV01P083 # وجدته كذلك أو نسبته إليه فيقال لفرقة التحريف هذا إنما ورد في ألفاظ ~~معدودة نادرة وإلا فوضع هذا البناء على أنك فعلت ذلك به ولا سيما إذا كانت ~~الهمزة للتعدية من الثلاثي كقام وأقمته وقعد وأقعدته وذهب وأذهبته وسمع ~~وأسمعته ونام وأنمته وكذا ضل وأضله الله وأسعده وأشقاه وأعطاه وأخزاه ~~وأماته وأحياه وأزاغ قلبه وأقامه إلى طاعته وأيقظه من غفلته وأراه آياته ~~وأنزله منزلا مباركا وأسكنه جنته إلى أضعاف ذلك هل تجد فيها لفظا واحدا ~~معناه أنه وجده كذلك تعالى الله عما يقول المحرفون ثم انظر في كتاب فعل ~~وافعل هل تظفر فيه بأفعلته بمعنى وجدته مع سعة الباب إلا في الحرفين أو ~~الثلاثة نقلا عن أهل اللغة ثم انظر هل قال أحد من الأولين والآخرين من أهل ~~اللغة أن العرب وضعت أضله الله وهداه وختم على سمعه وقلبه وأزاغ قلبه وصرفه ~~عن طاعته ونحو ذلك لمعنى وجده كذلك ولما أراد سبحانه الإبانة عن هذا المعنى ~~قال: {ووجدك ضالا فهدى} ولم يقل وأضلك وقال في حق من خالف الرسول وكفر بما ~~جاء به وأضله على علم ولم يقل ووجده الله ضالا ثم أي توحيد تمدح وتعريف ~~للعباد أن الأمر كله لله وبيده وأنه ليس لأحد من أمره شيء في مجرد التسمية ~~والعلامة ومصادفة الرب تعالى عباده كذلك ووجوده لهم على هذا الصفات من غير ~~أن يكون له فيها صنع أو خلق أو مشيئة وهل يعجز البشر عن التسمية والمصادفة ~~والوجود كذلك فأي مدح وأي ثناء يحسن على الرب تعالى بمجرد ذلك فأنتم ~~وإخوانكم من الجبرية لم تمدحوا الرب بما يستحق أن يمدح به ولم تثنوا عليه ~~بأوصاف كماله ولم تقدروه حق قدره وأتباع الرسول وحزبه وخاصته بريئون منكم ~~ومنهم في باطلكم وباطلهم وهم معكم ومعهم فيما عندكم من الحق لا يتحيزون إلى ~~غير ما بينه الرسول وجاء به ولا ينحرفون عنه نصرة لآراء الرجال المختلفة ~~وأهوائهم المتشتتة وذلك ms150 فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم قال ~~ابن مسعود: "علمنا رسول لله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة والتشهد ~~في الحاجة إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من ~~يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا لله وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله ويقرأ ثلاث آيات: {اتقوا الله حق تقاته} الآية: ~~{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} : {اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا} الآية" قال الترمذي هذا حديث صحيح وقال أبو داود ~~حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن خالد الحذاء عن عبد الأعلى عن عبد الله ~~بن الحارث قال: "خطب عمر بن الخطاب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه وعنده ~~جاثليق يترجم له ما يقول فقال: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي ~~له فنفض جبينه كالمنكر لما يقول قال عمر: ما يقول قالوا: يا أمير المؤمنين ~~يزعم أن الله لا يضل أحدا قال عمر: كذبت أي عدو الله بل الله خلقك وقد أضلك ~~ثم يدخلك النار أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك إن الله عز وجل خلق أهل ~~الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون فقال هؤلاء لهذه وهؤلاء ~~لهذه قال: فتفرق الناس وما يختلفون في القدر". # فصل: المرتبة الرابعة من مراتب الهداية الهداية إلى الجنة والنار يوم ~~القيامة قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون ~~الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} وقال تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن ~~يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم} فهذه هداية بعد قتلهم فقيل المعنى ~~سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح حالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم ~~وقال ابن # PageV01P084 # عباس سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا واستشكل هذا ~~القول لأنه أخبر عن المقتولين في سبيله بأنهم سيهديهم واختاره الزجاج وقال: ~~"يصلح بالهم في المعاش وأحكام الدنيا" قال: "وأراد به يجمع لهم خير ms151 الدنيا ~~والآخرة" وعلى هذا القول فلا بد من حمل قوله قتلوا في سبيل الله على معنى ~~يصح معه إثبات الهداية وإصلاح البال. # PageV01P085 ### | الباب الخامس عشر: في الطبع والختم والقفل والغل والسد والغشاوة والحائل بين الكافر وبين الإيمان وأن ذلك مجعول للرب تعالى # قال تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} وقال تعالى: {أفرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} وقال تعالى: {وقولهم قلوبنا غلف ~~بل طبع الله عليها بكفرهم} وقال: {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} وقال: ~~{ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون} وقال: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها} وقال: {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون} وقد دخل هذه الآيات ونحوها طائفتا القدرية والجبرية فحرفها القدرية ~~بأنواع من التحريف المبطل لمعانيها وما أريد منها وزعمت الجبرية أن الله ~~أكرهها على ذلك وقهرها عليه وأجبرها من غير فعل منها ولا إرادة ولا اختيار ~~ولا كسب البتة بل حال بينها وبين الهدى ابتداء من غير ذنب ولا سبب من العبد ~~يقتضي ذلك بل أمره وحال مع أمره بينه وبين الهدى فلم ييسر إليه سبيلا ولا ~~أعطاه عليه قدره ولا مكنه منه بوجه وأراد بعضهم بل أحب له الضلال والكفر ~~والمعاصي ورضيه منه فهدى أهل السنة والحديث وأتباع الرسول لما اختلف فيه ~~هاتان الطائفتان من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، قالت ~~القدرية: لا يجوز حمل هذه الآيات على أنه منعهم من الإيمان وحال بينهم ~~وبينه إذ يكون لهم الحجة على الله ويقولون كيف يأمرنا بأمر ثم يحول بيننا ~~وبينه ويعاقبنا عليه وقد منعنا من ms152 فعله وكيف يكلفنا بأمر لا قدرة لنا عليه ~~وهل هذا إلا بمثابة من أمر عبده بالدخول من باب ثم سد عليه الباب سدا محكما ~~لا يمكنه الدخول معه البتة ثم عاقبه أشد العقوبة على عدم الدخول وبمنزلة من ~~أمره بالمشي إلى مكان ثم قيده بقيد لا يمكنه معه نقل قدمه ثم أخذ يعاقبه ~~على ترك المشي وإذا كان هذا قبيحا في حق المخلوق الفقير المحتاج فكيف ينسب ~~إلى الرب تعالى مع كمال غناه وعلمه وإحسانه ورحمته قالوا وقد كذب الله ~~سبحانه الذين قالوا قلوبنا غلف وفي أكنة وأنها قد طبع عليها وذمهم على هذا ~~القول فكيف ينسب إليه تعالى ولكن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بهداه ~~الذي بعث به رسله حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالألف والطبيعة والسجية ~~أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وصار هذا وقرا في آذانهم وختما على ~~قلوبهم وغشاوة على أعينهم فلا يخلص إليها الهدى وإنما أضاف الله تعالى ذلك ~~إليه لأن هذه الصفة قد صارت في تمكنها وقوة ثباتها كالخلقة التي خلق عليها ~~العبد قالوا ولهذا قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا # PageV01P085 # يكسبون} وقال: {بل طبع الله عليها بكفرهم} وقال: {فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم} وقال: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون} ولعمر الله إن الذي قاله هؤلاء حقه أكثر من باطله ~~وصحيحه أكثر من سقيمه ولكن لم يوفوه حقه وعظموا الله من جهة وأخلوا بتعظيمه ~~من جهة فعظموه بتنزيهه عن الظلم وخلاف الحكمة وأخلوا بتعظيمه من جهة ~~التوحيد وكمال القدرة ونفوذ المشيئة والقرآن يدل على صحة ما قالوه في الران ~~والطبع والختم من وجه وبطلانه من وجه وأما صحته فإنه سبحانه جعل ذلك عقوبة ~~لهم وجزاء على كفرهم وأعراضهم عن الحق بعد أن عرفوه كما قال تعالى: {فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} وقال: {كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون} وقال: {ونقلب أفئدتهم ms153 وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وقال: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} ~~وقد اعترف بعض القدرية بأن ذلك خلق الله سبحانه ولكنه عقوبة على كفرهم ~~وإعراضهم السابق فإنه سبحانه يعاقب على الضلال المقدور بإضلال بعده ويثيب ~~على الهدى بهدى بعده كما يعاقب على السيئة بسيئة مثلها ويثيب على الحسنة ~~بحسنة مثلها وقال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} وقال: ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم} وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر} ومن ~~الفرقان الهدى الذي يفرق به بين الحق والباطل وقال في ضد ذلك: {فما لكم في ~~المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} وقال: {في قلوبهم مرض فزادهم الله ~~مرضا} وقال: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء حق ~~والقرآن دل عليه وهو موجب العدل والله سبحانه ماض في العبد حكمه عدل في ~~عبده قضاؤه فإنه إذا دعى عبده إلى معرفته ومحبته وذكره وشكره فأبى العبد ~~إلا إعراضا وكفرا قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره وصده عن الإيمان به وحال ~~بين قلبه وبين قبول الهدى وذلك عدل منه فيه وتكون عقوبته بالختم والطبع ~~والصد عن الإيمان كعقوبته له بذلك في الآخرة مع دخول النار كما قال: {كلا ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم} فحجابه عنهم إضلال لهم ~~وصد عن رؤيته وكمال معرفته كما عاقب قلوبهم في هذه الدار بصدها عن الإيمان ~~وكذلك عقوبته لهم بصدهم عن السجود له يوم القيامة مع الساجدين هو جزاء ~~امتناعهم من السجود له في الدنيا وكذلك عماهم عن الهدى في الآخرة عقوبة لهم ~~على عماهم في الدنيا ولكن أسباب هذه الجرايم في الدنيا كانت مقدورة لهم ~~واقعة باختيارهم وإرادتهم وفعلهم فإذا وقعت عقوبات لم تكن مقدورة بل قضاء ~~جار عليهم ماض عدل فيهم وقال تعالى: {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى وأضل سبيلا} ومن ههنا ينفتح ms154 للعبد باب واسع عظيم النفع جدا في قضاء ~~الله المعصية والكفر والفسوق على العبد وأن ذلك محض عدل فيه وليس المراد ~~بالعدل ما يقوله الجبرية أنه الممكن فكل ما يمكن فعله بالعبد فهو عندهم عدل ~~والظلم هو الممتنع لذاته فهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب الكلام في الأسباب ~~والحكم ولا المراد به ما تقوله القدرية النفاة أنه إنكار عموم قدرة الله ~~ومشيئته على أفعال عباده وهدايتهم وإضلالهم وعموم مشيئته لذلك وأن الأمر ~~إليهم لا إليه وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ماض في حكمك عدل في ~~قضاؤك" كيف ذكر العبد في القضاء مع الحكم النافذ وفي ذلك رد لقول الطائفتين ~~القدرة والجبرية فإن العدل الذي أثبتته القدرية مناف للتوحيد معطل # PageV01P086 # لكمال قدرة الرب وعموم مشيئته والعدل الذي أثبته الجبرية مناف للحكمة ~~والرحمة ولحقيقة العدل والعدل الذي هو اسمه وصفته ونعته سبحانه خارج عن هذا ~~وهذا ولم يعرفه إلا الرسل وأتباعهم ولهذا قال هود عليه الصلاة والسلام ~~لقومه: {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ~~ربي على صراط مستقيم} فأخبر عن عموم قدرته ونفوذ مشيئته وتصرفه في خلقه كيف ~~شاء ثم أخبر أنه في هذا التصرف والحكم على صراط مستقيم وقال أبو إسحاق: "أي ~~هو سبحانه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فإنه لا يشاء إلا العدل" وقال ابن ~~الأنباري: "لما قال: {هو آخذ بناصيتها} كان في معنى لا يخرج من قبضته وأنه ~~قاهر بعظيم سلطانه لكل دابة فأتبع قوله: {إن ربي على صراط مستقيم} " قال: ~~وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا بحسن السيرة والعدل والإنصاف قالوا فلان على ~~طريقة حسنة وليس ثم طريق" ثم ذكر وجها آخر فقال: "لما ذكر أن سلطانه قد قهر ~~كل دابة أتبع هذا قوله: {إن ربي على صراط مستقيم} أي لا تخفى عليه مشيئته ~~ولا يعدل عنه هارب فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا يكون ~~لأحد مسلك إلا عليه كما قال: {إن ربك لبالمرصاد} ms155 "، قلت فعلى هذا القول ~~الأول يكون المراد أنه في تصرفه في ملكه يتصرف بالعدل ومجازات المحسن ~~بإحسانه والمسيء بإساءته ولا يظلم مثقال ذرة ولا يعاقب أحدا بما لم يجنه ~~ولا يهضمه ثواب ما عمله ولا يحمل عليه ذنب غيره ولا يأخذ أحدا بجريرة أحد ~~ولا يكلف نفسا ما لا تطيقه فيكون من باب له الملك وله الحمد ومن باب ماض في ~~حكمك عدل في قضاؤك ومن باب الحمد لله رب العالمين أي كما أنه رب العالمين ~~المتصرف فيهم بقدرته ومشيئته فهو المحمود على هذا التصرف وله الحمد على ~~جميعه وعلى القول الثاني المراد به التهديد والوعيد وأن مصير العباد إليه ~~وطريقهم عليه لا يفوته منهم أحد كما قال تعالى: {قال هذا صراط علي مستقيم} ~~قال الفراء: "يقول مرجعهم إلي فأجازيهم كقوله: {إن ربك لبالمرصاد} " قال: ~~"وهذا كما تقول في الكلام طريقك علي وأنا على طريقك لمن أوعدته" وكذلك قال ~~الكلبي والكسائي ومثل قوله: {وعلى الله قصد السبيل} على إحدى القولين في ~~الآية وقال مجاهد: "الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه" ومنها أي ومن السبيل ~~ما هو جائر عن الحق ولو شاء لهداكم أجمعين فأخبر عن عموم مشيئته وأن طريق ~~الحق عليه موصلة إليه فمن سلكها فإليه يصل ومن عدل عنها فإنه يضل عنه ~~والمقصود أن هذه الآيات تتضمن عدل الرب تعالى وتوحيده والله يتصرف في خلقه ~~بمكله وحمده وعدله وإحسانه فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وشرعه وقدره ~~وثوابه وعقابه يقول الحق ويفعل العدل: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} ~~فهذا العدل والتوحيد الذين دل عليهما القرآن لا يتناقضان وأما توحيد أهل ~~القدر والجبر وعدلهم فكل منهما يبطل الآخر ويناقضه. # فصل: ومن سلك من القدرية هذه الطريق فقد توسط بين الطائفتين لكنه يلزمه ~~الرجوع إلى مثبتي القدر قطعا وإلا تناقض أبين تناقض فإنه إذا زعم أن الضلال ~~والطبع والختم والقفل والوقر وما يحول بين العبد وببين الإيمان مخلوق لله ~~وهو واقع بقدرته ومشيئته فقد أعطى أن أفعال العباد مخلوقة ms156 وأنها واقعة ~~بمشيئته فلا فرق بين الفعل الابتدائي والفعل الجزائي إن كان هذا مقدور الله ~~واقعا بمشيئته والآخر كذلك وإن لم يكن ذاك مقدورا ولا يصح دخوله تحت ~~المشيئة فهذا كذلك والتفريق بين النوعين تناقض محض وقد حكى هذا التفريق عن ~~بعض القدرية أبو القاسم الأنصاري في شرحه # PageV01P087 # الإرشاد فقال: "ولقد اعترف بعض القدرية بأن الختم والطبع توابع غير أنها ~~عقوبات من الله لأصحاب الجرائم" قال: "وممن صار إلى هذا المذهب عبد الواحد ~~بن زيد البصري وبكر ابن أخته" قال: "وسبيل المعاقبين بذلك سبيل المعاقبين ~~بالنار وهؤلاء قد بقي عليهم درجة واحدة وقد تحيزوا إلى أهل السنة والحديث". # فصل: وقالت طائفة منهم الكافر هو الذي طبع على قلب نفسه في الحقيقة وختم ~~على قلبه والشيطان أيضا فعل ذلك ولكن لما كان الله سبحانه هو الذي أقدر ~~العبد والشيطان على ذلك نسب الفعل إليه لإقراره للفاعل على ذلك لأنه هو ~~الذي فعله، قال أهل السنة: والعدل هذا الكلام فيه حق وباطل فلا يقبل مطلقا ~~ولا يرد مطلقا فقولكم أن الله سبحانه أقدر الكافر والشيطان على الطبع ~~والختم كلام باطل فإنه لم يقدره إلا على التزيين والوسوسة والدعوة إلى ~~الكفر ولم يقدره على خلق ذلك في قلب العبد البتة وهو أقل من ذلك وأعجز وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهداية شيء ~~وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيء" فمقدور الشيطان أن يدعو العبد ~~إلى فعل الأسباب التي إذا فعلها ختم الله على قلبه وسمعه وطبع عليه كما ~~يدعوه إلى الأسباب التي إذا فعلها عاقبه الله بالنار فعقابه بالنار كعقابه ~~بالختم والطبع وأسباب العقاب فعله وتزيينها وتحسينها فعل الشيطان والجميع ~~مخلوق لله، وأما ما في هذا الكلام من الحق فهو أن الله سبحانه أقدر العبد ~~على الفعل الذي أوجب الطبع والختم على قلبه فلولا إقدار الله له على ذلك لم ~~يفعله وهذا حق لكن القدرية لم توف هذا الموضع حقه وقالت أقدره قدرة تصلح ms157 ~~للضدين فكان فعل أحدهما باختياره ومشيئته التي لا تدخل تحت مقدور الرب وإن ~~دخلت قدرته الصالحة لهما تحت مقدروه سبحانه فمشيئته واختياره وفعله غير ~~واقع تحت مقدور الرب وهذا من أبطل الباطل فإن كل ما سواه تعالى مخلوق وله ~~داخل تحت قدرته واقع بمشيئته ولو لم يشأ لم يكن، قلت القدرية لما أعرضوا عن ~~التدبر ولم يصغوا إلى التذكر وكان ذلك مقارنا لا يراد الله سبحانه حجته ~~عليهم أضيفت أفعالهم إلى الله لأن حدوثها إنما اتفق عند إيراد الحجة عليهم، ~~قال أهل السنة: هذا من أمحل المحال أن يضيف الرب إلى نفسه أمرا لا يضاف ~~إليه البتة لمقارنته ما هو من فعله ومن المعلوم أن الضد يقارن الضد فالشر ~~يقارن الخير والحق يقارن الباطل والصدق يقارن الكذب وهل يقال أن الله يحب ~~الكفر والفسوق والعصيان لمقارنتها ما يحبه من الإيمان والطاعة وأنه يحب ~~إبليس لمقارنة وجوده لوجود الملائكة فإن قيل قد ينسب الشيء إلى الشيء ~~لمقارنته له وإن لم يكن له فيه تأثير كقوله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة ~~فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون} ومعلوم أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس بل قارن زيادة رجسهم ~~نزولها فنسب إليها قيل لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما ~~وهما أحداث السورة الرجس والثاني مقارنته لنزولها بل ههنا أمر ثالث وهو أن ~~السورة لما أنزلت اقتضى نزولها الإيمان بها والتصديق والإذعان لأوامرها ~~ونواهيها والعمل بما فيها فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك فازدادوا إيمانا ~~بسببها فنسبت زيادة الإيمان إليها إذ هي السبب في زيادته وكذب بها الكافرون ~~وجحدوها وكذبوا من جاء بها ووطنوا أنفسهم على مخالفة ما تضمنته وإنكاره ~~فازدادوا بذلك رجسا فنسب إليها إذ كان نزولها ووصولها إليهم هو السبب في ~~تلك # PageV01P088 # الزيادة فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم التي لا تجوز نسبتها إلى ~~الله عند دعوتهم إلى الإيمان ms158 وتدبر آياته على أن أفعالهم القبيحة لا تنسب ~~إلى الله سبحانه وإنما هي منسوبة إليهم والمنسوب إليه سبحانه أفعاله الحسنة ~~الجميلة المتضمنة للغايات المحمودة والحكم المطلوبة والختم والطبع والقفل ~~والإضلال أفعال حسنة من الله وضعها في أليق المواضع بها إذ لا يليق بذلك ~~المحل الخبيث غيرها والشرك والكفر والمعاصي والظلم أفعالهم القبيحة التي لا ~~تنسب إلى الله فعلا وإن نسبت إليه خلقا فخلقها غيرها والخلق غير المخلوق ~~والفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي والقدر غير المقدور وستمر بك هذه ~~المسألة مستوفاة إن شاء الله في باب اجتماع الرضاء بالقضاء وسخط الكفر ~~والفسوق والعصيان إن شاء الله، قالت القدرية: لما بلغوا في الكفر إلى حيث ~~لم يبق طريق إلى الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء ولم تقتض حكمته تعالى أن ~~يقسرهم على الإيمان لئلا تزول حكمة التكليف عبر عن ترك الإلجاء والقسر ~~بالختم والطبع إعلاما لهم بأنهم انتهوا في الكفر والإعراض إلى حيث لا ~~ينتهون عنه إلا بالقسر وتلك الغاية في وصف لجاجهم وتماديهم في الكفر، قال ~~أهل السنة: هذا كلام باطل فإنه سبحانه قادر على أن يخلق فيهم مشيئة الإيمان ~~وإرادته ومحبته فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء بل إيمان اختيار وطاعة كما قال ~~تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} وإيمان القسر والإلجاء ~~لا يسمى إيمانا ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم القيامة ولا يسمى ذلك إيمانا ~~لأنه عن إلجاء واضطرار قال تعال: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} وما يحصل ~~للنفوس من المعرفة والتصديق بطريق الإلجاء والاضطرار والقسر لا يسمى هدى ~~وكذلك قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} ~~فقولكم لم يبق طريق إلى الإيمان إلا بالقسر باطل فإنه بقي إلى إيمانهم طريق ~~لم يرهم الله إياه وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه وإمالة قلوبهم إلى الهدى ~~وإقامتها على الصراط المستقيم وذلك أمر لا يعجز عنه رب كل شيء ومليكه بل هو ~~القادر عليه كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم ودرائهم ولكن منعهم ذلك لحكمته ~~وعدله ms159 فيهم وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم كما منع السفل خصائص ~~العلو ومنع الحار خصائص البارد ومنع الخبيث خصائص الطيب ولا يقال فلم فعل ~~هذا فإن ذلك من لوازم ملكه وربوبيته ومن مقتضيات أسمائه وصفاته وهل يليق ~~بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث والحسن والقبيح والجيد والرديء ومن لوازم ~~الربوبية خلق الزوجين وتنويع المخلوقات وأخلاقها، فقول القائل لم خلق ~~الرديء والخبيث واللئيم سؤال جاهل بأسمائه وصفاته وملكه وربوبيته وهو ~~سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق وذلك من كمال قدرته وربوبيته فجعل منه ما ~~يقبل جميع الكمال الممكن ومنه ما لا يقبل شيئا منه وبين ذلك درجات متفاوتة ~~لا يحصيها إلا الخلاق العليم وهدى كل نفس إلى حصول ما هي قابلة له والقابل ~~والمقبول والقبول كله مفعوله ومخلوقه وأثر فعله وخلقه وهذا هو الذي ذهب عن ~~الجبرية والقدرية ولم يهتدوا إليه وبالله التوفيق، قالت القدرية: الختم ~~والطبع هو شهادته سبحانه عليهم بأنهم لا يؤمنون وعلى أسماعهم وعلى قلوبهم، ~~قال أهل السنة: هذا هو قولكم بأن الختم والطبع هو الإخبار عنهم بذلك وقد ~~تقدم فساد هذا بما فيه كفاية وأنه لا يقال في لغة من لغات الأمم لمن أخبر ~~عن غيره بأنه مطبوع على قلبه وأن عليه ختما أنه قد طبع على قلبه وختم عليه ~~بل هذا كذب على اللغات وعلى القرآن وكذلك قول من قال أن ختمه على قلوبهم ~~اطلاعه على ما فيها من الكفر وكذلك قول من قال أنه إحصاؤه # PageV01P089 # عليهم حتى يجازيهم به وقول من قال أنه أعلامها بعلامة تعرفها بها ~~الملائكة وقد بينا بطلان ذلك بما فيه كفاية، قالت القدرية: لا يلزم من ~~الطبع والختم والقفل أن تكون مانعة من الإيمان بل يجوز أن يجعل الله فيهم ~~ذلك من غير أن يكون منعهم من الإيمان بل يكون ذلك من جنس الغفلة والبلادة ~~والغشا في البصر فيورث ذلك إعراضا عن الحق وتعاميا عنه ولو أنعم النظر ~~وتفكر وتدبر لما آثر على الإيمان غيره وهذا الذي قالوه يجوز أن يكون ms160 في أول ~~الأمر فإذا تمكن واستحكم من القلب ورسخ فيه امتنع معه الإيمان ومع هذا فهو ~~أثر فعله وإعراضه وغفلته وإيثاره وشهوته وكبره على الحق والهدى فلما تمكن ~~فيه واستحكم صار صفة راسخة وطبعا وختما وقفلا ورانا فكان مبداه غير حائل ~~بينهم وبين الإيمان والإيمان ممكن معه لو شاؤا لآمنوا مع مبادئ تلك الموانع ~~فلما استحكمت لم يبق إلى الإيمان سبيل ونظير هذا أن العبد يستحسن ما يهواه ~~فيميل إليه بعض الميل ففي هذه الحال يمكن صرف الداعية له إذ الأسباب لم ~~تستحكم فإذا استمر على ميله واستدعى أسبابه واستمكنت لم يمكنه صرف قلبه عن ~~الهوى والمحبة فيطبع على قلبه ويختم عليه فلا يبقى فيه محل لغير ما يهواه ~~ويحبه وكان الانصراف مقدورا له في أول الأمر فلما تمكنت أسبابه لم يبق ~~مقدورا له كما قال الشاعر: # تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق # رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق # فلو أنهم بادروا في مبدأ الأمر إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى لسهل ~~عليهم ولما استعصى عليهم ولقدروا عليه ونظير ذلك المبادرة إلى إزالة العلة ~~قبل استحكام أسبابها ولزومها للبدن لزوما لا ينفك منها فإذا استحكمت العلة ~~وصارت كالجزء من البدن عز على الطبيب استنقاذ العليل منها ونظير ذلك ~~المتوحل في حمأة فإنه ما لم يدخل تحتها فهو قادر على التخلص فإذا توسط ~~معظمها عز عليه وعلى غيره إنقاذه فمبادئ الأمور مقدورة للعبد فإذا استحكمت ~~أسبابها وتمكنت لم يبق الأمر مقدور له فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه من ~~أنفع الأشياء في باب القدر والله الموفق للصواب والله سبحانه جاعل ذلك كله ~~وخالقه فيهم بأسباب منهم وتلك الأسباب قد تكون أمورا عدمية يكفي فيها عدم ~~مشيئة أضدادها فلا يشاء سبحانه أن يخلق للعبد أسباب الهدى فيبقى على العدم ~~الأصلي وإن أراد من عبده الهداية فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته ~~وتوفيقه فإذا لم يرد سبحانه من نفسه ذلك لم تحصل الهداية. # فصل: ومما ينبغي ms161 أن يعلم أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول ~~الإيمان بأن يفك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفل ذلك الختم ~~والطابع والقفل ويهديه بعد ضلاله ويعلمه بعد جهله ويرشده بعد غيه ويفتح قفل ~~قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر لم ~~يمتنع أن يمحوها ويكتب عليه السعادة والإيمان وقرأ قارئ عند عمر بن الخطاب: ~~{أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} وعنده شاب فقال اللهم عليها ~~أقفالها ومفاتيحها بيدك لا يفتحها سواك فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا ~~وكان عمر يقول في دعائه: "اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا ~~فإنك تمحو ما تشاء وتثبت" فالرب تعالى فعال لما يريد لا حجر عليه وقد ضل ~~ههنا فريقان القدرية حيث زعمت أن ذلك ليس مقدورا للرب ولا يدخل تحت فعله إذ ~~لو كان مقدورا له ومنعه العبد لناقض جوده ولطفه والجبرية حيث زعمت أنه ~~سبحانه إذا قدر قدرا أو علم # PageV01P090 # شيئا فإنه لا يغيره بعد هذا ولا يتصرف فيه بخلاف ما قدره وعلمه ~~والطائفتان حجرت على من لا يدخل تحت حجر أحد أصلا وجميع خلقه تحت حجره شرعا ~~وقدرا وهذه المسألة من أكبر مسائل القدر وسيمر بك إن شاء الله في باب المحو ~~والإثبات ما يشفيك فيها والمقصود انه مع الطبع والختم والقفل لو تعرض العبد ~~أمكنه فك ذلك الختم والطابع وفتح ذلك القفل يفتحه من بيده مفاتيح كل شيء ~~وأسباب الفتح مقدورة للعبد غير ممتنعة عليه وإن كان فك الختم وفتح القفل ~~غير مقدور له كما أن شرب الدواء مقدور له وزوال العلة وحصول العافية غير ~~مقدور فإذا استحكم به المرض وصار صفة لازمة له لم يكن له عذر في تعاطي ما ~~إليه من أسباب الشفاء وإن كان غير مقدور له ولكن لما ألف العلة وساكنها ولم ~~يحب زوالها ولا آثر ضدها عليها مع معرفته بما بينها وبين ضدها من التفاوت ~~فقد سد على نفسه باب الشفاء بالكلية والله ms162 سبحانه يهدي عبده إذا كان ضالا ~~وهو يحسب أنه على هدى فإذا تبين له الهدى لم يعدل عنه لمحبته وملاءمته ~~لنفسه فإذا عرف الهدى فلم يحبه ولم يرض به وآثر عليه الضلال مع تكرار ~~تعريفه منفعة هذا وخيره ومضرة هذا وشره فقد سد على نفسه باب الهدى بالكلية ~~فلو أنه في هذه الحال تعرض وافتقر إلى من بيده هداه وعلم أنه ليس إليه هدى ~~نفسه وأنه إن لم يهده الله فهو ضال وسأل الله أن يقبل بقلبه وأن يقيه شر ~~نفسه وفقه وهداه بل لو علم الله منه كراهية لما هو عليه من الضلال وأنه مرض ~~قاتل إن لم يشفه منه أهلكه لكانت كراهته وبغضه إياه مع كونه مبتلى به من ~~أسباب الشفاء والهداية ولكن من أعظم أسباب الشقاء والضلال محبته له ورضاه ~~به وكراهته الهدى والحق فلو أن المطبوع على قلبه المختوم عليه كره ذلك ورغب ~~إلى الله في فك ذلك عنه وفعل مقدوره لكان هداه أقرب شيء إليه ولكن إذا ~~استحكم الطبع والختم حال بينه وبين كراهة ذلك وسؤال الرب فكه وفتح قلبه. # فصل: فإن قيل فإذا جوزتم أن يكون الطبع والختم والقفل عقوبة وجزاء على ~~الجرايم والإعراض والكفر السابق على فعل الجرائم، قيل هذا موضع يغلط فيه ~~أكثر الناس ويظنون بالله سبحانه خلاف موجب أسمائه وصفاته والقرآن من أوله ~~إلى آخره إنما يدل على أن الطبع والختم والغشاوة لم يفعلها الرب سبحانه ~~بعبده من أول وهلة حين أمره بالإيمان أو بينه له وإنما فعله بعد تكرار ~~الدعوة منه سبحانه والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منهم ~~والمبالغة في الكفر والعناد فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم عليها فلا تقبل ~~الهدى بعد ذلك والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع بل كان اختيارا ~~فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية فتأمل هذا المعنى في قوله: {إن الذين كفروا ~~سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} ومعلوم ms163 أن هذا ليس حكما يعم جميع ~~الكفار بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان أكثرهم كفارا قبل ذلك ولم يختم على ~~قلوبهم وعلى أسماعهم فهذه الآيات في حق أقوام مخصوصين من الكفار فعل الله ~~بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا بهذا النوع من العقوبة العاجلة كما عاقب ~~بعضهم بالمسخ قردة وخنازير وبعضهم بالطمس على أعينهم فهو سبحانه يعاقب ~~بالطمس على القلوب كما يعاقب بالطمس على الأعين وهو سبحانه قد يعاقب ~~بالضلال عن الحق عقوبة دائمة مستمرة وقد يعاقب به إلى وقت ثم يعافي عبده ~~ويهديه كما يعاقب بالعذاب كذلك. # PageV01P091 # فصل: وههنا عدة أمور عاقب بها الكفار بمنعهم عن الإيمان وهي: الختم ~~والطبع والأكنة والغطاء والغلاف والحجاب والوقر والغشاوة والران والغل ~~والسد والقفل والصمم والبكم والعمى والصد والصرف والشد على القلب والضلال ~~والإغفال والمرض وتقليب الأفئدة والحول بين المرء وقلبه وإزاغة القلوب ~~والخذلان والإركاس والتثبيط والتزيين وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم وإماتة ~~قلوبهم بعد خلق الحياة فيها فتبقى على الموت الأصلي وإمساك النور عنها ~~فتبقى في الظلمة الأصلية وجعل القلب قاسيا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته ~~وجعل الصدر ضيفا حرجا لا يقبل الإيمان وهذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب ~~كالختم والطبع والقفل والأكنة والإغفال والمرض ونحوها ومنها ما يرجع إلى ~~رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده ~~كالعمى والغشا ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي ~~وهو نتيجة البكم القلبي فإذا بكم القلب بكم اللسان ولا تصغ إلى قول من يقول ~~أن هذه مجازات واستعارات فإنه قال بحسب مبلغه من العلم والفهم عن الله ~~ورسوله وكان هذا القائل حقيقة الفعل عنده أن يكون من حديد والختم أن يكون ~~بشمع أو طين والمرض أن يكون حمى بنافض أو قولنج أو غيرهما من أمراض البدن ~~والموت هو مفارقة الروح للبدن ليس إلا والعمى ذهاب ضوء العين الذي تبصر به ~~وهذه الفرقة من أغلظ الناس حجابا فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محلها كانت ~~بحسب ms164 تلك المحال فنسبة قفل القلب إلى القلب كنسبة قفل الباب إليه وكذلك ~~الختم والطابع الذي عليه هو بالنسبة إليه كالختم والطابع الذي على الباب ~~والصندوق ونحوهما وكذلك نسبة الصمم والعمى إلى الأذن والعين وكذلك موته ~~وحياته نظير موت البدن وحياته بل هذه الأمور ألزم للقلب منها للبدن فلو قيل ~~أنها حقيقة في ذلك مجاز في الأجسام المحسوسة لكان مثل قول هؤلاء وأقوى منه ~~وكلاهما باطل فالعمى في الحقيقة والبكم والموت والقفل للقلب ثم قال تعالى ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور والمعنى أنه معظم ~~العمى وأصله وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الربا في النسيئة" ~~وقوله: "إنما الماء من الماء" وقوله: "ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى ~~غنى النفس" وقوله: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة ~~والتمرتان إنما المسكين الذي لا يجد ما يعنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه" ~~وقوله: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ولم يرد ~~نفي الاسم عن هذه المسميات إنما أراد أن هؤلاء أولى بهذه الأسماء وأحق ممن ~~يسمونه بها فهكذا قوله لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ~~وقريب من هذا قوله: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر} الآية وعلى التقديرين فقد أثبت للقلب عمى ~~حقيقة وهكذا جميع ما نسب إليه ولما كان القلب ملك الأعضاء وهي جنوده وهو ~~الذي يحركها ويستعملها والإرادة والقوى والحركة الاختيارية تنبعث كانت هذه ~~الأمثال أصلا وللأعضاء تبعا فلنذكر هذه الأمور مفصلة ومواقعها في القرآن ~~فقد تقدم الختم قال الأزهري: "وأصله التغطية وختم البذر في الأرض إذ غطاه" ~~قال أبو إسحاق: "معنى ختم وطبع في اللغة واحد وهو التغطية على الشيء ~~والاستيثاق منه فلا يدخله شيء كما قال تعالى: {أم على قلوب أقفالها} وكذلك ~~قوله: {طبع الله على قلوبهم} " قلت الختم والطبع يشتركان فيما ذكر ويفترقان ~~في معنى آخر وهو أن الطبع ختم يصير سجية وطبيعة فهو تأثير ms165 لازم لا # PageV01P092 # يفارق وأما الأكنة ففي قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} ~~وهي جمع كنان كعنان وأعنة وأصله من الستر والتغطية ويقال كنه وأكنه وكنان ~~بمعنى واحد بل بينهما فرق فأكنة إذا ستره وأخفاه كقوله تعالى: {أو أكننتم ~~في أنفسكم} وكنه إذا صانه وحفظه كقوله: {بيض مكنون} ويشتركان في الستر ~~والكنان ماأكن الشيء وستره وهو كالغلاف وقد أقروا على أنفسهم بذلك فقالوا: ~~{قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} ~~فذكروا غطاء القلب وهي الأكنة وغطاء الأذن وهو الوقر وغطاء العين وهو ~~الحجاب والمعنى لا نفقه كلامك ولا نسمعه ولا نراك والمعنى إنا في ترك ~~القبول منك بمنزلة من لا يفقه ما تقول ولا يراك قال ابن عباس: "قلوبنا في ~~أكنة مثل الكنانة التي فيها السهام" وقال مجاهد: "كجعبة النبل" وقال مقاتل: ~~"عليها غطاء فلا نفقه ما تقول. # فصل: وأما الغطاء فقال تعالى: {وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين ~~كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} وهذا يتضمن معنيين ~~أحدهما: أن أعينهم في غطاء عما تضمنه الذكر من آيات الله وأدلة توحيده ~~وعجائب قدرته والثاني: أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن وتدبره ~~والاهتداء به وهذا الغطاء للقلب أولا ثم يسري منه إلى العين. # فصل: وأما الغلاف فقال تعالى: {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم} ~~وقد اختلف في معنى قولهم قلوبنا غلف فقالت طائفة المعنى قلوبنا أوعية ~~للحكمة والعلم فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به أو لا تحتاج إليك وعلى هذا ~~فيكون غلف جمع غلاف والصحيح قول أكثر المفسرين أن المعنى قلوبنا لا تفقه ~~ولا تفهم ما تقول وعلى هذا فهو جمع أغلف كأحمر وحمر وقال أبو عبيدة: "كل ~~شيء في غلاف فهو أغلف كما يقال سيف أغلف وقوس أغلف ورجل أغلف غير مختون" ~~قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: "على قلوبنا غشاوة فهي في أوعية فلا تعي ولا ~~تفقه ما تقول" وهذا هو الصواب في معنى ms166 الآية لتكرر نظائره في القرآن ~~كقولهم: {قلوبنا في أكنة} وقوله تعالى: {كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} ~~ونظائر ذلك وأما قول من قال هي أوعية للحكمة فليس في اللفظ ما يدل عليه ~~البتة وليس له في القرآن نظير يحمل عليه ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح ~~الإنسان نفسه بالعلم والحكمة فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل قلبي غلاف ~~وقلوب المؤمنين العالمين غلف أي أوعية للعلم والغلاف قد يكون وعاء للجيد ~~والرديء فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة وهذا ~~ظاهر جدا فإن قيل فالإضراب ببل على هذا القول الذي قويتموه ما معناه وأما ~~على القول الآخر فظاهر أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة بل مطبوع عليها ~~قيل وجه الإضراب في غاية الظهور وهو أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم ~~الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا ~~تفقهه فكيف تقوم به عليهم الحجة وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف فهم ~~معذورون في عدم الإيمان فأكذبهم الله وقال: {بل طبع الله عليها بكفرهم} وفي ~~الآية الأخرى: {بل لعنهم الله بكفرهم} فاخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن ~~توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم وآثروه على الإيمان ~~فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة والمعنى لم نخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه ~~ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم ~~عليها بالطبع على القلوب والختم عليها. # فصل: وأما الحجاب ففي قوله تعالى حكاية عنهم: {ومن بيننا وبينك حجاب} ~~وقوله: {وإذا قرأت # PageV01P093 # القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} على أصح ~~القولين والمعنى جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا يحول بينهم وبين ~~فهمه وتدبره والإيمان به ويبينه قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~وفي آذانهم وقرا} وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله: {وقالوا ~~قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} ~~فأخبر سبحانه أن ذلك ms167 جعله فالحجاب يمنع رؤية الحق والأكنة تمنع من فهمه ~~والوقر يمنع من سماعه وقال الكلبي: "الحجاب ههنا مانع يمنعهم من الوصول إلى ~~رسول الله بالأذى من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه" ووصفه بكونه ~~مستورا فقيل بمعنى ساتر وقيل على النسب أي ذو ستر والصحيح أنه على بابه أي ~~مستورا عن الأبصار فلا يرى ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت والنسب في مفعول ~~لم يشتق من فعله كمكان مهول أي ذي هول ورجل مرطوب أي ذي رطوبة فأما مفعول ~~فهو جار على فعله فهو الذي وقع عليه الفعل كمضروب ومجروح ومستور. # فصل: وأما الران فقد قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ~~قال أبو عبيدة: "غلب عليها" والخمر ترين على عقل السكران والموت يرون على ~~الميت فيذهب به ومن هذا حديث اسيفع جهينة وقول عمر: "فأصبح قدرين به أي غلب ~~عليه وأحاط به الرين" وقال أبو معاذ النحوي: "الرين أن يسود القلب من ~~الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين والإقفال أشد من الطبع ~~وهو أن يقفل على القلب" وقال الفراء: "كثرت الذنوب والمعاصي منهم فأحاطت ~~بقلوبهم فذلك الرين عليها" وقال أبو إسحاق: "ران غطى يقال ران على قلبه ~~الذنب يرين رينا أي غشيه" قال: "والرين كالغشاء يغشى القلب ومثله الغين" ~~قلت: أخطأ أبو إسحاق فالغين ألطف شيء وأرقه قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" وأما ~~الرين والران فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها وقال مجاهد: "هو الذنب ~~على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلب" وقال مقاتل: "غمرت ~~القلوب أعمالهم الخبيثة" وفي سنن النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه ~~نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو ~~قلبه وهو الران الذي ذكر الله: {كلا بل ms168 ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} " ~~قال الترمذي هذا حديث صحيح وقال عبد الله بن مسعود: "كلما أذنب نكت في قلبه ~~نكتة سوداء حتى يسود القلب كله فأخبر" سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها ~~أوجبت لهم رينا على قلوبهم فكان سبب الران منهم وهو خلق الله فيهم فهو خالق ~~السبب ومسببه لكن السبب باختيار العبد والمسبب خارج عن قدرته واختياره. # فصل: وأما الغل فقال تعالى: {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا ~~جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم ~~سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} قال الفراء: "حبسناهم عن ~~الإنفاق في سبيل الله" وقال أبو عبيدة: "منعناهم عن الإيمان بموانع" ولما ~~كان الغل مانعا للمغلول من التصرف والتقلب كان الغل الذي على القلب مانعا ~~من الإيمان فإن قيل فالغل المانع من الإيمان هو الذي في القلب فكيف ذكر ~~الغل الذي في العنق قيل لما كان عادة الغل أن يوضع في العنق ناسب ذكر محله ~~والمراد به القلب كقوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه # PageV01P094 # طائره في عنقه} ومن هذا قولهم إثمي في عنقك وهذا في عنقك ومن هذا قوله: ~~{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} شبه الإمساك عن الإنفاق باليد إذا غلت إلى ~~العنق ومن هذا قال الفراء: "إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا حبسناهم عن ~~الإنفاق" قال أبو إسحاق: "وإنما يقال للشيء اللازم هذا في عنق فلان أي ~~لزومه كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق" قال أبو علي: "هذا مثل قولهم ~~طوقتك كذا وقلدتك كذا ومنه قلده السلطان كذا أي صارت الولاية في لزومها له ~~في موضع القلادة ومكان الطوق" قلت ومن هذا قولهم قلدت فلانا حكم كذا وكذا ~~كأنك جعلته طوقا في عنقه وقد سمى الله التكاليف الشاقة أغلالا في قوله: ~~{ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} فشبهها بالأغلال لشدتها ~~وصعوبتها قال الحسن: "هي الشدائد التي كانت في العبادة كقطع أثر البول وقتل ~~النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة ms169 وتتبع العروق من اللحم" وقال ابن ~~قتيبة: "هي تحريم الله سبحانه عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وجعلها أغلالا لأن التحريم يمنع كما يقبض الغل اليد" وقوله: {فهي ~~إلى الأذقان} قالت طائفة: "الضمير يعود إلى الأيدي وإن لم تذكر لدلالة ~~السياق عليها قالوا لأن الغل يكون في العنق فتجمع إليه اليد ولذلك سمي ~~جامعة وعلى هذا فالمعنى فأيديهم أو فأيمانهم مضمومة إلى أذقانهم" هذا قول ~~الفراء والزجاج وقالت طائفة: "الضمير يرجع إلى الأغلال" وهذا هو الظاهر ~~وقوله: {فهي إلى الأذقان} أي واصلة وملزوزة إليها فهو غل عريض قد أحاط ~~بالعنق حتى وصل إلى الذقن وقوله فهم مقمحون قال الفراء والزجاج المقمح هو ~~الغاض بصره بعد رفع رأسه ومعنى الإقماح في اللغة رفع الرأس وغض البصر يقال ~~أقمح البعير رأسه وقمح وقال الأصمعي: "بعير قامح إذا رفع رأسه عن الحوض ولم ~~يشرب" قال الأزهري: "لما غلت أيديهم إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ~~ورؤوسهم صعدا كالإبل الرافعة رؤوسها" انتهى فإن قيل فما وجه التشبيه بين ~~هذا وبين حبس القلب عن الهدى والإيمان قيل أحسن وجه وأبينه فإن الغل إذا ~~كان في العنق واليد مجموعة إليها منع اليد عن التصرف والبطش فإذا كان عريضا ~~قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن منع الرأس من تصويبه وجعل صاحبه شاخص الرأس ~~منتصبه لا يستطيع له حركة ثم أكد هذا المعنى والحبس بقوله: {وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} قال ابن عباس: "منعهم من الهدى لما سبق في علمه ~~والسد الذي جعل من بين أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى فأخبر ~~سبحانه عن الموانع التي منعهم بها من الإيمان عقوبة لهم ومثلها بأحسن تمثيل ~~وأبلغه وذلك حال قوم قد وضعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في ~~أعناقهم وضمت أيديهم إليها وجعلوا بين السدين لا يستطيعون النفوذ من بينهما ~~وأغشيت أبصارهم فهم لا يرون شيئا وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق ~~وتبين له ثم جحده وكفر به وعاداه ms170 أعظم معاداة وجدت هذا المثل مطابقا له أتم ~~مطابقة وأنه قد حيل بينه وبين الإيمان كما حيل بين هذا وبين التصرف والله ~~المستعان. # فصل: وأما القفل فقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} ~~قال ابن عباس: "يريد على قلوب هؤلاء أقفال" وقال مقاتل: "يعني الطبع على ~~القلب" وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج الذي قد ضرب عليه قفل فإنه ما لم ~~يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما وراءه وكذلك ما لم يرفع الختم ~~والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان والقرآن وتأمل تنكير القلب وتعريف الأقفال ~~فإن تنكير القلوب يتضمن # PageV01P095 # إرادة قلوب هؤلاء وقلوب من هم بهذه الصفة ولو قال أم على القلوب أقفالها ~~لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة وفي قوله أقفالها بالتعريف نوع تأكيد فإنه لو ~~قال أقفال لذهب الوهم إلى ما يعرف بهذا الاسم فلما أضافها إلى القلوب علم ~~أن المراد بها ما هو للقلب بمنزلة القفل للباب فكأنه أراد أقفالها المختصة ~~بها التي لا تكون لغيرها والله أعلم. # فصل: وأما الصمم والوقر ففي قوله: {صم بكم عمي} وقوله: {أولئك الذين ~~لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} وقوله: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} وقوله: {والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} قال ابن ~~عباس: "في آذانهم صمم عن استماع القرآن وهو عليهم عمى أعمى الله قلوبهم فلا ~~يفقهون أولئك ينادون من مكان بعبد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ~~ونداء" وقال مجاهد: "بعيد من قلوبهم" وقال الفراء: "تقول للرجل الذي لا ~~يفهم كذلك أنت تنادي من مكان بعيد قال: وجاء في التفسير كأنما ينادون من ~~السماء فلا يسمعون" انتهى والمعنى أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعى ~~من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم. # فصل: وأما البكم فقال تعالى: {صم ms171 بكم عمي} والبكم جمع أبكم وهو الذي لا ~~ينطق والبكم نوعان بكم القلب وبكم اللسان كما أن النطق نطقان نطق القلب ~~ونطق اللسان وأشدهما بكم القلب كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم ~~الأذن فوصفهم سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق ولا تنطق به ألسنتهم والعلم يدخل ~~إلى العبد من ثلاثة أبواب من سمعه وبصره وقلبه وقد عليهم سدت هذه الأبواب ~~الثلاثة فسد السمع بالصمم والبصر بالعمى أو القلب بالبكم ونظيره قوله ~~تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها} وقد جمع سبحانه بين الثلاثة في قوله: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا ~~يجحدون بآيات الله} فإذا أراد سبحانه هداية عبد فتح قلبه وسمعه وبصره وإذا ~~أراد ضلاله أصمه وأعماه وأبكمه وبالله التوفيق. # فصل: وأما الغشاوة فهو غطاء العين كما قال تعالى: {وجعل على بصره غشاوة} ~~وهذا الغطاء سري إليها من غطاء القلب فإن ما في القلب يظهر على العين من ~~الخير والشر فالعين مرآة القلب تظهر ما فيه وأنت إذا أبغضت رجلا بغضا شديدا ~~أو أبغضت كلامه ومجالسته تجد على عينك غشاوة عند رؤيته ومخالطته فتلك أثر ~~البغض والإعراض عنه وغلظت على الكفار عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن ~~الرسول وجعل الغشاوة عليها يشعر بالإحاطة على ما تحته كالعمامة ولما عشوا ~~عن ذكره الذي أنزله صار ذلك العشاء غشاوة على أعينهم فلا تبصر مواقع الهدى. # فصل: وأما الصد فقال تعالى: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل} ~~قرأ أهل الكوفة على البناء للمفعول حملا على زين وقرأ الباقون وصد بفتح ~~الصاد ويحتمل وجهين أحدهما: أعرض فيكون لازما والثاني: يكون صد غيره فيكون ~~متعديا والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان وأما الشد على القلب ففي قوله ~~تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن # PageV01P096 # سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ms172 يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما} فهذا الشد على القلب هو الصد ~~والمنع ولهذا قال ابن عباس: "يريدا منعها" والمعنى قسها وأطبع عليها حتى لا ~~تلين ولا تنشرح للإيمان وهذا مطابق لما في التوراة أن الله سبحانه قال ~~لموسى اذهب إلى فرعون فإني سأقسي قلبه فلا يؤمن حتى تظهر آياتي وعجائبي ~~بمصر وهذا الشد والتقسية من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه جعله عقوبة لهم ~~على كفرهم وإعراضهم كعقوبته لهم بالمصائب ولهذا كان محمودا عليه فهو حسن ~~منه وأقبح شيء منهم فإنه عدل منه وحكمة وهو ظلم منهم وسفه فالقضاء والقدر ~~فعل عادل حكيم غني عليم يضع الخير والشر في أليق المواضع بهما والمقضي ~~المقدر يكون ظلما وجورا وسفها وهو فعل جاهل ظالم سفيه. # فصل: وأما الصرف فقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل ~~يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} فأخبر ~~سبحانه عن فعلهم وهو الانصراف وعن فعله فيهم وهو صرف قلوبهم عن القرآن ~~وتدبره لأنهم ليسوا أهلا له فالمحل غير صالح ولا قابل فإن صلاحية المحل ~~بشيئين حسن فهم وحسن قصد وهؤلاء قلوبهم لا تفقه وقصودهم سيئة وقد صرح ~~سبحانه بهذا في قوله: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون} فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم وأنهم لا خير فيهم ~~يدخل بسببه إلى قلوبهم فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به وإن سمعوه سماعا ~~تقوم به عليهم حجته فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم ثم أخبر ~~سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم هذا السماع ~~الخاص وهو الكبر والتولي والإعراض فالأول مانع من الفهم والثاني مانع من ~~الانقياد والإذعان فأفهام سيئة وقصود ردية وهذه نسخة الضلال وعلم الشقاء ~~كما أن نسخة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح وقصد صالح والله المستعان وتأمل ~~قوله سبحانه: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} كيف جعل هذه الجملة الثانية ~~سواء ms173 كانت خبرا أو إعادة عقوبة لانصرافهم فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف ~~الأول فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لإقبالهم لأنه لا ~~صلاحية فيهم ولا قبول فلم ينلهم الإقبال والإذعان فانصرفت قلوبهم بما فيها ~~من الجهل والظلم عن القرآن فجازاهم على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول كما ~~جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول: {فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم} وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه جازاه بأن يعرض عنه فلا ~~يمكنه من الإقبال عليه ولتكن قصة إبليس منك على ذكر تنتفع بها أتم انتفاع ~~فإنه لما عصى ربه تعالى ولم ينقد لأمره وأصر على ذلك عاقبه بأن جعله داعيا ~~إلى كل معصية فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية ~~وفروعها صغيرها وكبيرها وصار هذا الإعراض والكفر منه عقوبة لذلك الإعراض ~~والكفر السابق فمن عقاب السيئة السيئة بعدها كما أن من ثواب الحسنة الحسنة ~~بعدها فإن قيل فكيف يلتئم إنكاره سبحانه عليهم الانصراف والإعراض عنه وقد ~~قال تعالى: {أنى يصرفون} و: {أنى يؤفكون} وقال: {فما لهم عن التذكرة ~~معرضين} فإذا كان هو الذي صرفهم وجعلهم معرضين ومأفوكين فكيف ينفي ذلك ~~عليهم قيل هم دائرون بين عدله وحجته عليهم فمكنهم وفتح لهم الباب ونهج لهم ~~الطريق وهيأ لهم الأسباب فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ودعاهم على ~~السنة رسله وجعل لهم عقولا تميز بين الخير والشر والنافع والضار وأسباب # PageV01P097 # الردي وأسباب الفلاح وجعل لهم أسماعا وأبصارا فآثروا الهوى على التقوى ~~واستحبوا العمى على الهدى وقالوا معصيتك آثر عندنا من طاعتك والشرك أحب ~~إلينا من توحيدك وعبادة سواك أنفع لنا في دنيانا من عبادتك فأعرضت قلوبهم ~~عن ربهم وخالقهم ومليكهم وانصرفت عن طاعته ومحبته فهذا عدله فيهم وتلك حجته ~~عليهم فهم سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارا فسده عليهم ~~اضطرارا فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم وولاهم ما تولوه ومكنهم فيما ارتضوه ~~وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه ms174 وهم ~~معرضون فلا أقبح من فعلهم ولا أحسن من فعله ولو شاء لخلقهم على غير هذه ~~الصفة ولأنشأهم على غير هذه النشأة ولكنه سبحانه خالق العلو والسفل والنور ~~والظلمة والنافع والضار والطيب والخبيث والملائكة والشياطين والشاء والذياب ~~ومعطيها آلاتها وصفاتها وقواها وأفعالها ومستعملها فيما خلقت له فبعضها ~~بطباعها وبعضها بإرادتها ومشيئتها وكل ذلك جار على وفق حكمته وهو موجب حمده ~~ومقتضى كماله المقدس وملكه التام ولا نسبة لما علمه الخلق من ذلك إلى ما ~~خفي عليهم بوجه ما إن هو إلا كنقرة عصفور من البحر. # فصل: وأما الإغفال فقال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا} سئل أبو العباس ثعلب عن قوله: {أغفلنا قلبه عن ذكرنا} ~~فقال: جعلناه غافلا قال: ويكون في الكلام أغفلته سميته غافلا ووجدته غافلا" ~~قلت: الغفل الشيء الفارغ والأرض الغفل التي لا علامة بها والكتاب الغفل ~~الذي لا شكل عليه فأغفلناه تركناه غفلا عن الذكر فارغا منه فهو إبقاء له ~~على العدم الأصلي لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر فبقي غافلا فالغفلة وصفه ~~والإغفال فعل الله فيه بمشيئته وعدم مشيئته لتذكره فكل منهما مقتض لغفلته ~~فإذا لم يشأ له التذكر لم يتذكر وإذا شاء غفلته امتنع منه الذكر فإن قيل ~~فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب أضدادها أم إلى ~~مشيئته لوقوعها قيل القرآن قد نطق بهذا وبهذا قال تعالى: {أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم} وقال: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا} : {ومن يرد أن يضله} فإن قيل فكيف يكون عدم السبب المقتضى موجبا ~~للأثر إن كان وجوديا فلا بد له من مؤثر وجودي وأما العدم فيكفي فيه عدم ~~سببه وموجبه فيبقى على العدم الأصلي فإذا أضيف إليه كان من باب إضافة الشيء ~~إلى دليله فعدم السبب دليل على عدم المسبب وإذا سمي موجبا ومقتضيا بهذا ~~الاعتبار فلا مشاحة في ذلك وأما أن يكون العدم أثرا ومؤثرا فلا وهذا ~~الإغفال ms175 ترتب عليه اتباع هواه وتفريطه في أمره قال مجاهد: "كان أمره فرطا ~~أي ضياعا" وقال قتادة: "أضاع أكبر الضيعة" وقال السدي: "هلاكا" وقال أبو ~~الهيثم: "أمر فرط أي متهاون به مضيع والتفريط تقديم العجز" قال أبو إسحاق: ~~"من قدم العجز في أمر أضاعه وأهلكه" قال الليث: "الفرط الأمر الذي يفرط فيه ~~يقول كل أمر فلان فرط" قال الفراء: "فرطا متروكا يفرط فيما لا ينبغي ~~التفريط فيه واتبع مالا ينبغي اتباعه وغفل عما لا يحسن الغفلة عنه". # فصل: وأما المرض فقال تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} وقال: ~~{فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} وقال: {ولا يرتاب الذين أوتوا ~~الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله ~~بهذا مثلا} ومرض القلب خروج عن صحته واعتداله فإن صحته أن يكون عارفا بالحق ~~محبا له مؤثرا له على غيره فمرضه إما بالشك فيه وإما بإيثار غيره عليه فمرض # PageV01P098 # المنافقين مرض شك وريب ومرض العصاة مرض غي وشهوة وقد سمى الله سبحانه كلا ~~منهما مرضا قال ابن الأنباري: "أصل المرض في اللغة الفساد" مرض فلان فسد ~~جسمه وتغيرت حاله ومرضت بالمرض تغيرت وفسدت قالت ليلى الأخيلية: # إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تبع أقصى دائها فشفاها # وقال آخر: # ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... فقد الحسين والبلاد اقشعرت # والمرض يدور على أربعة أشياء فساد وضعف ونقصان وظلمة ومنه مرض الرجل في ~~الأمر إذا ضعف فيه ولم يبالغ وعين مريضة النظر أي فاترة ضعيفة وريح مريضة ~~إذا هب هبوبها كما قال: # راحت لأربعك الرياح مريضة # أي لينة ضعيفة حتى لا يعفى أثرها وقال ابن الأعرابي: "أصل المرض النقصان ~~ومنه بدن مريض أي ناقص القوة وقلب مريض ناقص الدين ومرض في حاجتي إذا نقصت ~~حركته وقال الأزهري عن المنذري عن بعض أصحابه: "المرض أظلام الطبيعة ~~واضطرابها بعد صفائها" قال والمرض الظلمة وأنشد: # وليلة مرضت من كل ناحية ... فما يضيء لها شمس ولا قمر # هذا أصله في اللغة ثم الشك والجهل والحيرة ms176 والضلال وإرادة الغي وشهوة ~~الفجور في القلب تعود إلى هذه الأمور الأربعة فيتعاطى العبد أسباب المرض ~~حتى يمرض فيعاقبه الله بزيادة المرض لإيثاره أسبابه وتعاطيه لها. # فصل: وأما تقليب الأفئدة فقال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وهذا عطف على أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون أي نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون ~~واختلف في قوله: {كما لم يؤمنوا به أول مرة} فقال كثير من المفسرين المعنى ~~نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول ~~مرة قال ابن عباس: "في رواية عطاء عنه ونقلب أفئدتهم وأبصارهم حتى يرجعوا ~~إلى ما سبق عليهم من علمي قال وهذا كقوله واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه" وقال آخرون: المعنى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول ~~مرة فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم وهذا معنى حسن فإن كاف التشبيه ~~تتضمن نوعا من التلعيل كقوله: {وأحسن كما أحسن الله إليك} وقوله: {كما ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم} والذي حسن اجتماع التعليل ~~والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر والتقليب تحويل ~~الشيء من وجه إلى وجه وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية ووصولهم إليها كما ~~سألوا أن يؤمنوا إذا جاءتهم لأنهم رأوها عيانا وعرفوا أدلتها وتحققوا صدقها ~~فإذا لم يؤمنوا كان تقليبا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون ~~عليه وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" وروى الترمذي من حديث أنس قال: ~~"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مقلب # PageV01P099 # القلوب ثبت قلبي على دينك ms177 فقلت: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل ~~تخاف علينا قال: نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء" ~~قال هذا حديث حسن وروى حماد عن أيوب وهشام ويعلي بن زياد عن الحسن قال: ~~قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "دعوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكثر أن يدعو بها يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله دعوة ~~كثيرا ما تدعو بها قال إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله ~~فإذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أن يزيغه أزاغه" وقوله: {ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون} قال ابن عباس: "أخذلهم وأدعهم في ضلالهم يتمادون". # فصل: وأما إزاغة القلوب فقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وقال ~~عن عباده المؤمنين أنهم سألوه ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وأصل الزيغ ~~الميل ومنه زاغت الشمس إذا مالت فإزاغة القلب إمالته وزيغه ميله عن الهدى ~~إلى الضلال والزيغ يوصف به القلب والبصر كما قال تعالى: {وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر} وقال قتادة ومقاتل: "شخصت فرقا" وهذا تقريب للمعنى ~~فإن الشخوص غير الزيغ وهو أن يفتح عينيه ينظر إلى الشيء فلا يطرق ومنه شخص ~~بصر الميت ولما مالت الأبصار عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين ~~أقبلوا إليهم من كل جانب اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر فمالت عنه وشخصت ~~بالنظر إلى الأحزاب وقال الكلبي: "مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم" وقال ~~الفراء. "زاغت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها متحيرة تنظر إليه" قلت: ~~القلب إذا امتلأ رعبا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المخوف فزاغ البصر عن ~~الوقوع عليه وهو مقابله. # فصل: وأما الخذلان فقال تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم ~~فمن ذا الذي ينصركم من بعده} وأصل الخذلان الترك والتخلية ويقال للبقرة ~~والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى وتركت صواحباتها خذول قال محمد بن ~~إسحاق في هذه الآية: ms178 "إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس ولن يضرك خذلان ~~من خذلك وإن يخذلك فلن ينصرك الناس أي لا تترك أمري للناس وارفض الناس ~~لأمري" والخذلان أن يخلي الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها ~~والتوفيق ضده أن لا يدعه ونفسه ولا يكله إليها بل يصنع له ويلطف به ويعينه ~~ويدفع عنه ويكلأه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه فمن خلى بينه ~~وبين نفسه هلك كل الهلاك ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم "يا حي يا ~~قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت برحمتك ~~أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك" ~~فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس فإن تولاه الله لم ظفر به عدوه وإن ~~خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة فإن قيل فما ذنب ~~الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو ~~منه قيل لعمر الله إن الشيطان ذئب الإنسان كما قاله الصادق المصدوق ولكن لم ~~يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانا مع ضعفها فإذا أعطت ~~بيدها وسالمت الذئب ودعاها فلبت دعوته وأجابت أمره ولم تتخلف بل أقبلت نحوه ~~سريعة مطيعة وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل ودخلت في محل ~~الذئاب الذي من دخله كان صيدا لهم فهل الذئب كل الذئب إلا الشاة فكيف ~~والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها وقد رآها مصارع الشاة التي انفردت عن ~~الراعي ودخلت وادي # PageV01P100 # الذئاب قال أحمد بن مروان المالكي في كتاب المجالسة: "سمعت ابن أبي ~~الدنيا يقول: أن لله سبحانه من العلوم ما لا يحصى يعطي كل واحد من ذلك ما ~~لا يعطي غيره" لقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حمد بن سعيد القطان ثنا عبيد ~~الله بن بكر السهمي عن أبيه: "أن قوما كانوا في سفر فكان فيهم رجل يمر ~~بالطائر فيقول أتدرون ما تقول هؤلاء فيقولون ms179 لا فيقول تقول كذا وكذا ~~فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق فيه هو أم كاذب إلى أن مروا على غنم وفيها ~~شاة قد تخلفت على سخلة لها فجعلت تحنو عنقها إليها وتثغو فقال أتدرون ما ~~تقول هذه الشاة قلنا لا قال تقول للسخلة إلحقي لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك ~~عام أول في هذا المكان قال فانتهينا إلى الراعي فقلنا له ولدت هذه الشاة ~~قبل عامك هذا قال نعم ولدت سخلة عام أول فأكلها الذئب بهذا المكان ثم أتينا ~~على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو ويحنو عنقه إليها فقال أتدرون ما ~~يقول هذا البعير قلنا لا قال فإنه يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط ~~وهو في سنامه قال فانتهينا إليهم فقلنا يا هؤلاء إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا ~~البعير يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط وأنه في سنامه قال فأناخوا ~~البعير وحطوا عنه فإذا هو كما قال فهذه شاة قد حذرت سخلتها من الذئب مرة ~~فحذرت وقد حذر الله سبحانه آدم من ذئبه مرة بعد مرة وهو يأبى إلا أن يستجيب ~~له إذا دعاه ويبيت معه ويصبح: {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني ~~كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم} . # فصل: وأما الإركاس فقال تعالى: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم ~~بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} ~~قال الفراء: "أركسهم ردهم إلى الكفر" وقال أبو عبيدة: "يقال ركست الشيء ~~وأركسته لغتان إذا رددته والركس قلب الشيء على رأسه" أورد أوله على آخره ~~والارتكاس الارتداد قال أمية # فاركسوا في حميم النار إنهم ... كانوا عصاة وقالوا الإفك الزورا # ومن هذا يقال للروث الركس لأنه رد إلى حال النجاسة ولهذا المعنى سمي ~~رجيعا والركس والنكس والمركوس ms180 والمنكوس بمعنى واحد قال الزجاج: "أركسهم ~~نكسهم وردهم والمعنى أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار" وأخبر ~~سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله وإن كان إركاسه كان بسبب كسبهم وأعمالهم ~~كما قال: {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} فهذا توحيده وهذا عدله لا ما ~~تقوله القدرية المعطلة من أن التوحيد إنكار الصفات والعدل والتكذيب بالقدر. # فصل: وأما التثبيط فقال تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} والتثبيط رد الإنسان عن ~~الشيء الذي يفعله قال ابن عباس: "يريد خذلهم وكسلهم عن الخروج" وقال في ~~رواية أخرى: "حبسهم" قال مقاتل: "وأوحى إلى قلوبهم اقعدوا مع القاعدين" وقد ~~بين سبحانه حكمته في هذا التثبيط والخذلان قبل وبعد فقال: {إنما يستأذنك ~~الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ~~ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين} فلما تركوا الإيمان به وبلقائه وارتابوا بما لا ريب ~~فيه ولم يريدوا الخروج في طاعة الله ولم يستعدوا له ولا أخذوا أهبة ذلك كره ~~سبحانه انبعاث من هذا شأنه فإن من لم يرفع به وبرسوله أو كتابه رأسا ولم ~~يقبل هديته التي أهداها إليه على يد أحب # PageV01P101 # خلقه إليه وأكرمهم عليه ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها بل بدلها كفرا ~~فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهه الله سبحانه فثبطه لئلا يقع ما يكره من ~~خروجه وأوحى إلى قلبه قدرا وكونا أن يقعد مع القاعدين ثم أخبر سبحانه عن ~~الحكمة التي تتعلق بالمؤمنين في تثبيط هؤلاء عنهم فقال: {لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا} والخبال الفساد والاضطراب فلو خرجوا مع ~~المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم فأوقعوا بينهم الاضطراب والاختلاف قال ابن ~~عباس: "ما زادوكم إلا خبالا عجزا وجبنا" يعني يجبنوهم عن لقاء العدو بتهويل ~~أمرهم وتعظيمهم في صدورهم ثم قال: {ولأوضعوا خلالكم} أي أسرعوا في الدخول ~~بينكم للتفريق والإفساد قال ابن عباس: "يريد ms181 ضعفوا شجاعتكم يعني بالتفريق ~~بينهم لتفريق الكلمة فيجبنوا عن العدو" وقال الحسن: "لا أوضعوا خلالكم ~~بالنميمة لإفساد ذات البين" وقال الكلبي: "ساروا بينكم يبغونكم العيب" قال ~~لبيد: # أرانا موضعين لختم عيب ... وسحر بالطعام وبالشراب # أي مسرعين ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # تبا لهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن أمرؤ باغ أكل وأوضعا # أي أسرع حتى كلت مطيته: {يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} قال قتادة: ~~"وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم" وقال ابن إسحاق: "وفيكم قوم أهل محبة لهم ~~وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم" ومعناه على هذا القول وفيكم أهل سمع ~~وطاعة لهم لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم قلت فتضمن سماعين معنى ~~مستجيبين وقال مجاهد وابن زيد والكلبي: "المعنى وفيكم عيون لهم ينقلون ~~إليهم ما يسمعون منكم أي جواسيس والقول هو الأول كما قال تعالى: {سماعون ~~للكذب} أي قابلون له ولم يكن في المؤمنين جواسيس للمنافقين فان النافقين ~~كانوا مختلطين بالمؤمنين ينزلون معهم ويرحلون ويصلون معهم ويجالسونهم ولم ~~يكونوا متحيزين عنهم قد أرسلوا فيهم العيون ينقلون إليهم أخبارهم فإن هذا ~~إنما يفعله من انحاز عن طائفة ولم يخالطها وأرصد بينهم عيونا له فالقول قول ~~قتادة وابن إسحاق والله أعلم فإن قيل انبعاثهم إلى طاعته طاعة له فكيف ~~يكرهها وإذا كان سبحانه يكرهها فهو يحب ضدها لا محالة إذ كراهة أحد الضدين ~~تستلزم محبة الضد الآخر فيكون قعودهم محبوبا له فكيف يعاقبهم عليه قيل هذا ~~سؤال له شأن وهو من أكبر الأسئلة في هذا الباب وأجوبة الطوائف على حسب ~~أصولهم فالجبرية تجيب عنه بأن أفعاله لا تعلل بالحكم والمصالح وكل ممكن فهو ~~جائز عليه ويجوز أن يعذبهم على فعل ما يحبه ويرضاه وترك ما يبغضه ويسخطه ~~والجميع بالنسبة إليه سواء وهذه الفرقة قد سدت على نفسها باب الحكمة ~~والتعليل والقدرية تجيب عنه على أصولها بأنه سبحانه لم يثبطهم حقيقة ولم ~~يمنعهم بل هم منعوا أنفسهم وثبطوها عن الخروج وفعلوا ما لا يريد ولما كان ~~في خروجهم المفسدة التي ذكرها الله سبحانه ms182 ألقى في نفوسهم كراهة الخروج مع ~~رسوله قالوا وجعل سبحانه إلقاء كراهة الانبعاث في قلوبهم كراهة مشيئة من ~~غير أن يكره هو سبحانه انبعاثهم فإنه أمرهم به قالوا وكيف يأمرهم بما يكرهه ~~ولا يخفى على من نور الله بصيرته فساد هذين الجوابين وبعدهما من دلالة ~~القرآن فالجواب الصحيح أنه سبحانه أمرهم بالخروج طاعة له ولأمره واتباعا ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم ونصرة له وللمؤمنين وأحب لك منهم ورضيه لهم دينا ~~وعلم سبحانه أن خروجهم لو خرجوا لم يقع على هذا # PageV01P102 # الوجه بل يكون خروجهم خروج خذلان لرسوله وللمؤمنين فكان خروجا يتضمن خلاف ~~ما يحبه ويرضاه ويستلزم وقوع ما يكرهه ويبغضه فكان مكروها له من هذا الوجه ~~ومحبوبا له من الوجه الذي خرج عليه أولياؤه وهو يعلم أنه لا يقع منهم إلا ~~على الوجه المكروه إليه فكرهه وعاقبهم على ترك الخروج الذي يحبه ويرضاه لا ~~على ترك الخروج الذي يبغضه ويسخطه وعلى هذا فليس الخروج الذي كرهه منهم ~~طاعة حتى لو فعلوه لم يثبهم عليه ولم يرضه منهم وهذا الخروج المكروه له ~~ضدان أحدهما: الخروج المرضي المحبوب وهذا الضد هو الذي يحبه والثاني: ~~التخلف عن رسوله والقعود عن الغزو معه وهذا الضد يبغضه ويكرهه أيضا وكراهته ~~للخروج على الوجه الذي كانوا يخرجون عليه لا ينافي كراهته لهذا الضد فيقول ~~للسائل قعودهم مبغوض له ولكن ههنا أمران مكروهان له سبحانه وأحدهما أكره له ~~من الآخر لأنه أعظم مفسدة فإن قعودهم مكروه له وخروجهم على الوجه الذي ذكره ~~أكره إليه ولم يكن لهم بد من أحد المكروهين إليه سبحانه فدفع المكروه ~~الأعلى بالمكروه الأدنى فإن مفسدة قعودهم عنه أصغر من مفسدة خروجهم معه فإن ~~مفسدة قعودهم تختص بهم ومفسدة خروجهم تعود على المؤمنين فتأمل هذا الموضع ~~فإن قلت فهلا وفقهم للخروج الذي يحبه ويرضاه وهو الذي خرج عليه المؤمنون ~~قلت قد تقدم جواب مثل هذا السؤال مرارا وأن حكمته سبحانه تأبى أن يضع ~~التوفيق في غير محله وعند غير أهله فالله أعلم حيث ms183 يجعل هداه وتوفيقه وفضله ~~وليس كل محل يصلح لذلك ووضع الشيء في غير محله لا يليق بحكمته فإن قلت وعلى ~~ذلك فهلا جعل المحال كلها صالحة قلت يأباه كمال ربوبيته وملكه وظهور آثار ~~أسمائه وصفاته في الخلق والأمر وهو سبحانه لو فعل ذلك لكان محبوبا له فإنه ~~يحب أن يذكر ويشكر ويطاع ويوحد ويعبد ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب ~~إليه من استواء أقدام الخلائق في الطاعة والإيمان وهو محبته لجهاز أعدائه ~~والانتقام منهم وإظهار قدر أوليائه وشرفهم وتخصيصهم بفضله وبذل نفوسهم له ~~في معاداة من عاداه وظهور عزته وقدرته وسطوته وشدة أخذه وأليم عقابه وأضعاف ~~أضعاف هذه الحكم التي لا سبيل للخلق ولو تناهوا في العلم والمعرفة إلى ~~الإحاطة بها ونسبة ما عقلوه منها إلى ما خفي عليهم كنقرة عصفور في بحر. # فصل: وأما التزيين فقال تعالى: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} وقال: {أفمن ~~زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} وقال: ~~{وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} فأضاف التزيين إليه منه سبحانه خلقا ~~ومشيئة وحذف فاعله تارة ونسبة إلى سببه ومن أجراه على يده تارة وهذا ~~التزيين سبحانه حسن إذ هو ابتلاء واختبار بعيد ليتميز المطيع منهم من ~~العاصي والمؤمن من الكافر كما قال تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا} وهو من الشيطان قبيح وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد ~~عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته وإيثار سيء العمل ~~على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه السيئ من الحسن فإذا آثر القبيح ~~واختاره وأحبه ورضيه لنفسه زينه سبحانه له وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه ~~قبيحا وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه ~~قبيحا فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه فربما رآه حسنا عقوبة له ~~فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه وهو حجة الله عليه فإذا ~~تمادى ms184 في غيه وظلمه ذهب # PageV01P103 # ذلك النور فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم ومع هذا فحجة الله ~~قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول فتزيين الرب تعالى عدل وعقوبته حكمة ~~وتزيين الشيطان إغواء وظلم وهو السبب الخارج عن العبد والسبب الداخل فيه ~~حبه وبغضه وإعراضه والرب سبحانه خالق الجميع والجميع واقع بمشيئته وقدرته ~~ولو شاء لهدى خلقه أجمعين والمعصوم من عصمه الله والمخذول من خذله الله ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. # فصل: وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى: {أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم} وقال: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} : {ولو شاء ~~ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده كما ~~أن مشيئته تستلزم وجوده فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده وقد ~~أخبر سبحانه أن العباد لا يشاؤن إلا بعد مشيئته ولا يفعلون شيئا إلا بعد ~~مشيئته فقال: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} وقال: {وما يذكرون إلا أن يشاء ~~الله} فإن قيل فهل يكون الفعل مقدورا للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن ~~يفعله قيل إن أريد بكونه مقدورا سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل ~~وصحة أعضائه ووجوده قواه وتمكينه من أسباب الفعل وتهيئة طريق فعله وفتح ~~الطريق له فنعم هو مقدور بهذا الاعتبار وإن أريد بكونه مقدورا القدرة ~~المقارنة للفعل وهي الموجبة له التي إذا وجدت لم يتخلف عنها الفعل فليس ~~بمقدور بهذا الاعتبار وتقرير ذلك أن القدرة نوعان قدرة مصححة وهي قدرة ~~الأسباب والشروط وسلامة الآلة وهي مناط التكليف وهذه متقدمة على الفعل غير ~~موجبة له وقدرة مقارنة للفعل مستلزمة له لا يتخلف الفعل عنها وهذه ليست ~~شرطا في التكليف فلا يتوقف صحته وحسنه عليها فإيمان من لم يشأ الله إيمانه ~~وطاعة من لم يشأ طاعته مقدور بالاعتبار الأول غير مقدور بالاعتبار الثاني ~~وبهذا التحقيق تزول الشبهة في تكليف ما لا يطاق كما يأتي بيانه في موضعه إن ms185 ~~شاء الله تعالى فإذا قيل هل خلق لمن علم أنه لا يؤمن قدرة على الإيمان أم ~~لم يخلق له قدرة قيل خلق له قدرة مصححة متقدمة على الفعل هي مناط الأمر ~~والنهي ولم يخلق له قدرة موجبة للفعل مستلزمة له لا يتخلف عنها فهذه فضله ~~يؤتيه من يشاء وتلك عدله التي تقوم بها حجته على عبده فإن قيل فهل يمكنه ~~الفعل ولم يخلق له هذه القدرة قيل هذا هو السؤال السابق بعينه وقد عرفت ~~جوابه وبالله التوفيق. # فصل: وأما إماتة قلوبهم ففي قوله: {إنك لا تسمع الموتى} وقوله: {أومن كان ~~ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها} وقوله: {لينذر من كان حيا} وقوله: {وما أنت بمسمع من في ~~القبور} فوصف الكافر بأنه ميت وأنه بمنزلة أصحاب القبور وذلك أن القلب الحي ~~هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره فإذا مات القلب لم يبق فيه ~~إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل ولا إرادة للحق وكراهة للباطل بمنزلة ~~الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما وكذلك وصف سبحانه ~~كتابه ووحيه بأنه روح لحصول حياة القلب به فيكون القلب حيا ويزداد حياة ~~بروح الوحي فيحصل له حياة على حياة ونور على نور نور الوحي على نور الفطرة ~~قال: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} وقال: {وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا} فجعله روحا لما يحصل # PageV01P104 # به من الحياة ونورا لما يحصل به من الهدى والإضاءة وذلك نور وحياة زائدة ~~على نور الفطرة وحياتها فهو نور على نور وحياة على حياة ولهذا يضرب سبحانه ~~لمن عدم ذلك مثلا بمستوقد النار التي ذهب عنه ضوؤها وبصاحب الصيب الذي كان ~~حظه منه الصواعق والظلمات والرعد والبرق فلا استنار بما أوقد من النار ولا ~~حيي بما في الصيب من الماء ولذلك ضرب هذين المثلين ms186 في سورة الرعد لمن ~~استجاب له فحصل على الحياة والنور ولمن لم يستجب له وكان حظه الموت والظلمة ~~فأخبر عمن أمسك عنه نوره بأنه في الظلمة ليس له من نفسه نور فقال تعالى: ~~{الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء} ثم ~~ذكر من أمسك عنه هذا النور ولم يجعله له فقال: {والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور} وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره ~~فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم ~~الله وقال تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله ~~يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} وهذه الظلمات ضد الأنوار التي يتقلب ~~فيها المؤمن فإن نور الإيمان في قلبه ومدخله نور ومخرجه نور وعلمه نور ~~ومشيته من الناس نور وكلامه نور ومصيره إلى نور والكافر بالضد، ولما كان ~~النور من أسمائه الحسنى وصفاته كان دينه نورا ورسوله نورا وكلامه نورا ~~وداره نورا يتلألأ والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين ويجري على ألسنتهم ~~ويظهر على وجوههم وكذلك لما كان الإيمان واسمه المؤمن لم يعطه إلا أحب خلقه ~~إليه وكذلك الإحسان صفته وهو المحسن ويحب المحسنين وهو صابر يحب الصابرين ~~شاكر يحب الشاكرين عفو يحب أهل العفو حي يحب أهل الحياء ستير يحب أهل الستر ~~قوى يحب ms187 أهل القوة من المؤمنين عليم يحب أهل العلم من عباده جواد يحب أهل ~~الجود جميل يحب المتجملين بر يحب الأبرار رحيم يحب الرحماء عدل يحب أهل ~~العدل رشيد يحب أهل الرشد وهو الذي جعل من يحبه من خلقه كذلك وأعطاه من هذه ~~الصفات ما شاء وأمسكها عمن يبغضه وجعله على أضدادها فهذا عدله وذاك فضله ~~والله ذو الفضل العظيم. # فصل: وأما جعله القلب قاسيا فقال تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ~~وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به} ~~والقسوة الشدة والصلابة في كل شيء يقال حجر قاس وأرض قاسية لا تنبت شيئا ~~قال ابن عباس: "قاسية عن الإيمان" وقال الحسن: "طبع عليها" والقلوب ثلاثة: ~~قلب قاس وهو اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق ولا تنطبع فيه وضده القلب ~~اللين المتماسك وهو السليم من المرض الذي يقبل صورة الحق بلينه ويحفظه ~~بتماسكه بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه لميعانه ورخاوته كالمائع ~~الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من اللين ولكن رخاوته تمنعه من ~~حفظها فخير القلوب القلب الصلب الصافي اللين فهو يرى الحق بصفائه ويقبله ~~بلينه # PageV01P105 # ويحفظه بصلابته وفي المسند وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: "القلوب ~~آنية الله في أرضه فأحبها إليه أصلبها وأرقها وأصفاها" وقد ذكر سبحانه ~~أنواع القلوب في قوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه ~~الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم} فذكر القلب المريض وهو الضعيف ~~المنحل الذي لا تثبت فيه صورة الحق والقلب القاسي اليابس الذي لا يقبلها ~~ولا تنطبع فيه فهذان القلبان شقيان معذبان ثم ذكر القلب المخبت المطمئن ~~إليه وهو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به قال الكلبي: "فتخبت له قلوبهم فترق ~~للقرآن قلوبهم" وقد بين سبحانه حقيقة الإخبات ووصف المخبتين في قوله: {وبشر ~~المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي ~~الصلاة ms188 ومما رزقناهم ينفقون} فذكر للمخبتين أربع علامات وجل قلوبهم عند ~~ذكره والوجل خوف مقرون بهيبة ومحبة وصبرهم على أقداره وإتيانهم بالصلاة ~~قائمة الأركان ظاهرا وباطنا وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم وهذا ~~إنما يتأتى للقلب المخبت قال ابن عباس: "المخبتين المتواضعين" وقال مجاهد: ~~"المطمئنين إلى الله" وقال الأخفش: "الخاشعين" وقال ابن جرير: "الخاضعين" ~~قال الزجاج: "اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض وكل مخبت متواضع ~~فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع لله"، فإن قيل كان معناه ~~التواضع والخشوع فكيف عدى بالي في قوله: {وأخبتوا إلى ربهم} قيل ضمن معنى ~~أنابوا واطمأنوا وتابوا وهذه عبارات السلف في هذا الموضع والمقصود أن القلب ~~المخبت ضد القاسي والمريض وهو سبحانه الذي جعل بعض القلوب مخبتا إليه ~~وبعضها قاسيا وجعل للقسوة آثارا وللإخبات آثارا فمن آثاره القسوة تحريف ~~الكلم عن مواضعه وذلك من سوء الفهم وسوء القصد وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب ~~ومنها نسيان ما ذكر به وهو ترك ما أمر به علما وعملا ومن آثار الإخبات وجل ~~القلوب لذكره سبحانه والصبر على أقداره والإخلاص في عبوديته والإحسان إلى ~~خلقه. # فصل: وأما تضييق الصدر وجعله حرجا لا يقبل الإيمان فقال تعالى: {فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السماء} والحرج هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم ~~يقال رجل حرج وحرج أي ضيق الصدر قال الشاعر: # لا حرج الصدر ولا عنيف # وقال عبيد بن عمير: قرأ ابن عباس هذه الآية فقال: "هل هنا أحد من بني بكر ~~قال رجل نعم قال ما الحرجة فيكم قالوا الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق ~~فيه فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر" وقرأ عمر بن الخطاب الآية فقال: ~~"ايتوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا فأتوه به فقال عمر: يا فتى ما الحرجة ~~فيكم فقال الشجرة تحدق بها الأشجار الكثيرة فلا تصل إليها راعية ولا وحشية ~~فقال عمر كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء ms189 من الخير" قال ابن عباس: "يجعل ~~صدره ضيقا حرجا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإن ذكر شيء من عبادة الأصنام ~~ارتاح إلى ذلك" ولما كان القلب محلا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة وكانت ~~هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها فإذا أراد الله هداية عبد وسع ~~صدره وشرحه فدخلت فيه وسكنته وإذا أراد ضلاله ضيق صدره وأحرجه فلم يجد محلا ~~يدخل فيه فيعدل عنه ولا يساكنه وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشيء ضاق به ~~وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق إلا القلب اللين فكلما أفرغ فيه الإيمان والعلم ~~اتسع وانفسح # PageV01P106 # وهذا من آيات قدرة الرب تعالى وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا دخل النور قلبه انفسح وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله ~~قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل ~~نزوله" فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى وتضييقه من أسباب الضلال كما أن ~~شرحه من أجل النعم وتضييقه من أعظم النقم فالمؤمن منشرح الصدر منفسحه في ~~هذه الدار على ما ناله من مكروهها وإذا قوي الإيمان وخالطت بشاشته القلوب ~~كان على مكارهها أشرح صدرا منه على شهوتها ومحابها فإذا فارقها كان انفساح ~~روحه والشرح الحاصل له بفراقها أعظم بكثير كحال من خرج من سجن ضيق إلى فضاء ~~واسع موافق له فإنها سجن المؤمن فإذا بعثه الله يوم القيامة رأى من انشراح ~~صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله إليه فشرح الصدر كما أنه سبب الهداية فهو ~~أصل كل نعمة وأساس كل خير وقد سأل كليم الرحمن موسى بن عمران ربه أن يشرح ~~له صدره لما علم أنه لا يتمكن من تبليغ رسالته والقيام بأعبائها إلا إذا ~~شرح له صدره وقد عدد سبحانه من نعمه على خاتم أنبيائه ورسله شرح صدره له ~~وأخبر عن أتباعه أنه شرح صدورهم للإسلام، فإن قلت فما الأسباب التي تشرح ~~الصدور والتي تضيقه قلت السبب الذي يشرح الصدر النور الذي يقذفه الله فيه ~~فإذا ms190 دخله ذلك النور اتسع بحسب قوة النور وضعفه وإذا فقد ذلك النور أظلم ~~وتضايق، فإن قلت فهل يمكن اكتساب هذا النور أم هو وهبي قلت هو وهبي وكسبي ~~واكتسابه أيضا مجرد موهبة من الله تعالى فالأمر كله لله والحمد كله له ~~والخير كله بيديه وليس مع العبد من نفسه شيء البتة بل الله واهب الأسباب ~~ومسبباتها وجاعلها أسبابا ومانحها من يشاء ومانعها من يشاء إذا أراد بعبده ~~خيرا وفقه لاستفراغ وسعه وبذل جهده في الرغبة والرهبة إليه فإنهما مادتا ~~التوفيق فبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب يحصل التوفيق، فإن قلت فالرغبة ~~والرهبة بيده لا بيد العبد قلت نعم والله وهما مجرد فضله ومنته وإنما ~~يجعلهما في المحل الذي يليق بهما ويحبسهما عمن لا يصلح لهما فإن قلت فما ~~ذنب من لا يصلح قلت أكثر ذنوبه أنه لا يصلح لأن صلاحيته بما اختاره لنفسه ~~وآثره وأحبه من الضلال والغي على بصيرة من أمره فآثر هواه على حق ربه ~~ومرضاته واستحب العمى على الهدى وكان كفر المنعم عليه بصنوف النعم وجحدا ~~لهيئته والشرك به والسعي في مساخطه أحب إليه من شكره وتوحيده والسعي في ~~مرضاته فهذا من عدم صلاحيته لتوفيق خالقه ومالكه وأي ذنب فوق هذا فإذا أمسك ~~الحكم العدل توفيقه عمن هذا شأنه كان قد عدل فيه وانسدت عليه أبواب الهداية ~~وطرق الرشاد فأظلم قلبه فضاق عن دخول الإسلام والإيمان فيه فلو جاءته كل ~~آية لم تزده إلا ضلالا وكفرا وإذا تأمل من شرح الله صدره للإسلام والإيمان ~~هذه الآية وما تضمنته من أسرار التوحيد والعذر والعدل وعظمة شأن الربوبية ~~صار لقلبه عبودية أخرى ومعرفة خاصة وعلم أنه عبد من كل وجه وبكل اعتبار وأن ~~الرب تعالى رب كل شيء وملكيه من الأعيان والصفات والأفعال والأمر كله بيده ~~والحمد كله له وأزمة الأمور بيده ومرجعها كلها إليه ولهذه الآية شأن فوق ~~عقولنا وأجل من أفهامنا وأعظم مما قال فيها المتكلمون الذين ظلموها معناها ~~وأنفسهم كانوا يظلمون تالله لقد غلظ عنها حجابهم ms191 وكثفت عنها أفهامهم ~~ومنعتهم من الوصول إلى المراد بها أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي أسسوها ~~فإنها تضمنت إثبات التوحيد والعدل الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ~~والعدل الذي يقوله معطلو الصفات ونفاه القدر # PageV01P107 # وتضمنت إثبات الحكمة والقدرة والشرع والقدر والسبب والحكم والذنب ~~والعقوبة ففتحت للقلب الصحيح بابا واسعا من معرفة الرب تعالى بأسمائه وصفات ~~كماله ونعوت جلاله وحكمته في شرعه وقدره وعدله في عقابه وفضله في ثوابه ~~وتضمنت كمال توحيده وربوبيته وقيوميته وإلهيته وأن مصادر الأمور كلها عن ~~محض إرادته ومردها إلى كمال حكمته وأن المهدي من خصه الله بهدايته وشرح ~~صدره لدينه وشريعته وأن الضال من جعل صدره ضيقا حرجا عن معرفته ومحبته ~~كأنما يتصاعد في السماء وليس ذلك في قدرته وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم ~~يقدره حق قدره وجحد كمال ربوبيته وكفر بنعمته وآثر عبادة الشيطان على ~~عبوديته فسد عليه باب توفيقه وهدايته وفتح عليه أبواب غيه وضلاله فضاق صدره ~~وقسا قلبه وتعطلت من عبودية ربها جوارحه وامتلأت بالظلمة جوانحه والذنب له ~~حيث أعرض عن الإيمان واستبدل به الكفر والفسوق والعصيان ورضي بموالاة ~~الشيطان وهانت عليه معاداة الرحمن فلا يحدث نفسه بالرجوع إلى مولاه ولا ~~يعزم يوما على إقلاعه عن هواه قد ضاد الله في أمره بحب ما يبغضه وببغض ما ~~يحبه ويوالي من يعاديه ويعادي من يواليه يغضب إذا رضي الرب ويرضى إذا غضب ~~هذا وهو يتقلب في إحسانه ويسكن في داره ويتغذى برزقه ويتقوى على معاصيه ~~بنعمه فمن أعدل منه سبحانه عما يصفه به الجاهلون والظالمون إذا جعل الوحي ~~على أمثال هذا من الذين لا يؤمنون. # فصل: وإذا شرح الله صدر عبده بنوره الذي يقذفه في قلبه أراه في ضوء ذلك ~~النور حقائق الأسماء والصفات التي تضل فيها معرفة العبد إذ لا يمكن أن ~~يعرفها العبد على ما هي عليه في نفس الأمر وأراه في ضوء ذلك النور حقائق ~~الإيمان وحقائق العبودية وما يصححها وما يفسدها وتفاوت معرفة الأسماء ~~والصفات والإيمان والإخلاص ms192 وأحكام العبودية بحسب تفاوتهم في هذا النور قال ~~تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله ~~في الظلمات ليس بخارج منها} وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به} فيكشف لقلب المؤمن ~~في ضوء ذلك النور عن حقيقة المثل الأعلى مستويا على عرش الإيمان في قلب ~~العبد المؤمن فيشهد بقلبه ربا عظيما قاهرا قادرا أكبر من كل شيء في ذاته ~~وفي صفاته وفي أفعاله السماوات السبع قبضة إحدى يديه والأرضون السبع قبضة ~~اليد الأخرى يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع ~~والشجر على أصبع والثرى على أصبع ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك فالسماوات ~~السبع في كفه كخردلة في كف العبد يحيط ولا يحاط به ويحصر خلقه ولا يحصرونه ~~ويدركهم ولا يدركونه لو أن الناس من لدن آدم إلى آخر الخلق قاموا صفا واحدا ~~ما أحاطوا به سبحانه ثم يشهده في علمه فوق كل عليم وفي قدرته فوق كل قدير ~~وفي جوده فوق كل جواد وفي رحمته فوق كل رحيم وفي جماله فوق كل جميل حتى لو ~~كان جمال الخلائق كلهم على شخص واحد منهم ثم أعطي الخلق كلهم مثل ذلك ~~الجمال لكانت نسبته إلى جمال الرب سبحانه دون نسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس ~~ولو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم ثم أعطي كل منهم مثل تلك القوة ~~لكانت نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى حملة العرش ولو كان ~~جودهم على رجل واحد وكل الخلائق على ذلك الجود لكانت نسبته إلى جوده دون ~~نسبة قطرة إلى # PageV01P108 # البحر وكذلك علم الخلائق إذا نسب إلى علمه كان كنقرة عصفور من البحر ~~وكذلك سائر صفاته كحياته وسمعه وبصره وإرادته فلو فرض البحر المحيط بالأرض ~~مدادا تحيط به سبعة أبحر وجميع أشجار الأرض شيئا بعد شيء أقلام لفني ذلك ~~المداد والأقلام ولا تفنى كلماته ولا تنفد فهو أكبر في علمه ms193 من كل عالم وفي ~~قدرته من كل قادر وفي وجوده من كل جواد وفي غناه من كل غني وفي علوه من كل ~~عال وفي رحمته من كل رحيم استوى على عرشه واستولى على خلقه متفرد بتدبير ~~مملكته فلا قبض ولا بسط ولا منع ولا ضلال ولا سعادة ولا شقاوة ولا موت ولا ~~حياة ولا نفع ولا ضر إلا بيده لا مالك غيره ولا مدبر سواه لا يستقل أحد معه ~~بملك مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا له شركة في ملكها ولا يحتاج إلى ~~وزير ولا ظهير ولا معين ولا يغيب فيخلفه غيره ولا يعي فيعينه سواه ولا ~~يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه لمن شاء وفيمن شاء فهو أول ~~مشاهد المعرفة ثم يترقى منه إلى مشهد فوقه لا يتم إلا به وهو مشهد الإلهية ~~فيشهده سبحانه متجليا في كماله بأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه ~~وفضله في ثوابه فيشهد ربا قيوما متكلما آمرا ناهيا يحب ويبغض ويرضى ويغضب ~~قد أرسل رسله وأنزل كتبه وأقام على عباده الحجة البالغة وأتم عليهم نعمته ~~السابغة يهدى من يشاء منه نعمة وفضلا ويضل من يشاء حكمة منه وعدلا ينزل ~~إليهم أوامره وتعرض عليه أعمالهم لم يخلقهم عبثا ولم يتركهم سدى بل أمره ~~جار عليهم في حركاتهم وسكناتهم وظواهرهم وبواطنهم فلله عليهم حكم وأمر في ~~كل تحريكة وتسكينة ولحظة ولفظة وينكشف له في هذا النور عدله وحكمته ورحمته ~~ولطفه وإحسانه وبره في شرعه وأحكامه وأنها أحكام رب رحيم محسن لطيف حكيم قد ~~بهرت حكمته العقول وأقرت بها الفطر وشهدت لمنزلها بالوحدانية ولمن جاء بها ~~بالرسالة والنبوة وينكشف له في ضوء ذلك النور إثبات صفات الكمال وتنزيهه ~~سبحانه عن النقص والمثال وأن كل كمال في الوجود فمعطيه وخالقه أحق به وأولى ~~وكل نقص وعيب فهو سبحانه منزه متعال عنه وينكشف له في ضوء هذا النور حقائق ~~المعاد واليوم الآخر وما أخبر به الرسول عنه حتى كأنه يشاهده عيانا وكأنه ~~يخبر عن الله وأسمائه ms194 وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده إخبار من كأنه قد ~~رأى وعاين وشاهد ما أخبر به فمن أراد سبحانه هدايته شرح صدره لهذا فاتسع له ~~وانفسح ومن أراد ضلالته جعل صدره من ذلك في ضيق وحرج لا يجد فيه مسلكا ولا ~~منفذا والله الموفق المعين وهذا الباب يكفي اللبيب في معرفة القدر والحكمة ~~ويطلعه على العدل والتوحيد الذي تضمنهما قوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين ~~عند الله الإسلام} . # PageV01P109 ### | الباب السادس عشر: فيما جاء في السنة من تفرد الرب تعالى بخلق أعمال العباد كما هو منفرد بخلق ذواتهم وصفاتهم # قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد حدثنا علي بن عبد الله ثنا مروان ~~بن معاوية ثنا أبو مالك # PageV01P109 # عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~يصنع كل صانع وصنعته" قال البخاري: "وتلا بعضهم عند ذلك: {والله خلقكم وما ~~تعملون} " حدثنا محمد أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة نحوه موقوفا ~~عليه وأما استشهاد بعضهم بقوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} بحمل ما ~~على المصدر أي خلقكم وأعمالكم فالظاهر خلاف هذا وأنها موصولة أي خلقكم وخلق ~~الأصنام التي تعملونها فهو يدل على خلق أعمالهم من جهة اللزوم فإن الصنم ~~اسم للآلة التي حل فيها العمل المخصوص فإذا كان مخلوقا لله كان خلقه ~~متناولا لمادته وصورته قال البخاري: وحدثنا عمرو بن محمد حدثنا ابن عيينة ~~عن عمرو عن طاووس عن ابن عمر: "كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك" قال ~~البخاري: وحدثني إسماعيل قال حدثني مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن ~~طاووس قال: "أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل ~~شيء بقدر حتى العجز والكيس" ورواه مسلم في صحيحه عن طاووس وقال سمعت عبد ~~الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى ~~العجز ms195 والكيس" قال البخاري: وقال ليث عن طاووس عن ابن عباس ": {إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر} حتى العجز والكيس" قال البخاري: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول ~~سمعت يحيى بن سعيد يقول: "ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة" ~~قال البخاري: "حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة" وقال جابر بن ~~عبد الله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور ~~كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من ~~غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من ~~فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن ~~كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسره لي ثم بارك ~~لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه ~~عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال: ويسمى حاجته" قال ~~الترمذي هذا حديث حسن صحيح فقوله: "إذا هم أحدكم بالأمر" صريح في أنه الفعل ~~الاختياري المتعلق بإرادة العبد وإذا علم ذلك فقوله "أستقدرك بقدرتك" أي ~~أسألك أن تقدرني على فعله بقدرتك ومعلوم أنه لم يسأل القدرة المصححة التي ~~هي سلامة الأعضاء وصحة البنية وإنما سأل القدرة التي توجب الفعل فعلم أنها ~~مقدورة لله ومخلوقة له وأكد ذلك بقوله: "فإنك تقدر ولا أقدر" أي تقدر أن ~~تجعلني قادرا فاعلا ولا أقدر أن أجعل نفسي كذلك وكذلك قوله: "تعلم ولا ~~أعلم" أي حقيقة العلم بعواقب الأمور ومآلها والنافع منها والضار عندك وليس ~~عندي وقوله يسره لي أو اصرفه عني فإنه طلب من الله تيسيره إن كان له فيه ~~مصلحة وصرفه عنه إن كان فيه مفسدة وهذا التيسير والصرف متضمن إلقاء داعية ~~الفعل في القلب أو إلقاء داعية الترك فيه ومتى حصلت داعية الفعل حصل الفعل ~~وداعية الترك امتنع الفعل وعند القدرية ترجيح فاعلية العبد على الترك منه ~~ليس للرب فيه صنع ولا تأثير فطلب ms196 هذ التيسير منه لا معنى له عندهم فإن ~~تيسير الأسباب التي لا قدرة للعبد عليها موجود ولم يسأله العبد وقوله: "ثم ~~رضني به" يدل على أن حصول الرضا وهو فعل اختياري من أفعال القلوب أمر وقدور ~~للرب تعالى وهو الذي يجعل نفسه راضيا وقوله: "فاصرفه عني واصرفني عنه" صريح ~~في أنه سبحانه هو الذي يصرف عبده عن فعله الاختياري إذا شاء صرفه عنه كما ~~قال تعالى في حق يوسف الصديق: {كذلك لنصرف عنه # PageV01P110 # السوء والفحشاء} وصرف السوء والفحشاء هو صرف دواعي القلب وميله إليهما ~~فينصرفان عنه بصرف دواعيهما وقوله "وأقدر لي الخير حيث كان" يعم الخير ~~المقدور للعبد من طاعته وغير المقدور له فعلم أن فعل العبد للطاعة والخير ~~أمر مقدور لله إن لم يقدره الله لعبده لم يقع من العبد ففي هذا الحديث ~~الشفاء في مسألة القدر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الداعي به أن يقدم ~~بين يدي هذا الدعاء ركعتين عبودية منه بين يدي نجواه وإن يكونا من غير ~~الفريضة ليتجرد فعلهما لهذا الغرض المطلوب ولما كان الفعل الاختياري متوقفا ~~على العلم والقدرة والإرادة لا يحصل إلا بها توسل الداعي إلى الله بعلمه ~~وقدرته وإرادته التي يؤتيه بها من فضله وأكد هذا المعنى بتجرده وبراءته من ~~ذلك فقال "إنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر" وأمر الداعي أن يعلق التيسير ~~بالخير والصرف بالشر وهو علم الله سبحانه تحقيقا للتفويض إليه واعترافا ~~بجهل العبد بعواقب الأمور كما اعترف بعجزه ففي هذا الدعاء إعطاء العبودية ~~حقها وإعطاء الربوبية حقها وبالله المستعان، وفي الترمذي وغيره من حديث ~~الحسن بن علي قال: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في ~~الوتر اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي ~~فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت ~~تباركت وتعاليت" فقوله: "اهدني" سؤال للهداية المطلقة التي لا يتخلف عنها ~~الاهتداء وعند القدرية أن الرب سبحانه وتعالى عن قولهم ms197 لا يقدر علة هذه ~~الهداية وإنما يقدر على هداية البيان والدلالة المشتركة بين المؤمنين ~~والكفار وقوله "فيمن هديت" فيه فوائد أحدها: أنه سؤال له أن يدخله في جملة ~~المهديين وزمرتهم ورفقتهم الثانية: توسل إليه بإحسانه وإنعامه أي يا ربي قد ~~هديت من عبادك بشرا كثيرا فضلا منك وإحسانا فأحسن إلي كما أحسنت إليهم كما ~~يقول الرجل للملك اجعلني من جملة من أغنيته وأعطيته وأحسنت إليه الثالثة: ~~إن ما حصل لأولئك من الهدى لم يكن منهم ولا بأنفسهم وإنما كان منك فأنت ~~الذي هديتهم وقوله "وعافني فيمن عافيت" إنما يسأل ربه العافية المطلقة وهي ~~العافية من الكفر والفسوق والعصيان والغفلة والإعراض وفعل ما لا يحبه وترك ~~ما يحبه فهذا حقيقة العافية ولهذا ما سئل الرب شيئا أحب إليه من العافية ~~لأنها كلمة جامعة للتخلص من الشر كله وأسبابه وقوله "وتولني فيمن توليت" ~~سؤال للتولي الكامل ليس المراد به ما فعله بالكافرين من خلق القدرة وسلامة ~~الآلة وبيان للطريق فإن كان هذا هو ولايته للمؤمنين فهو ولي الكفار كما هو ~~ولي المؤمنين وهو سبحانه يتولى أولياءه بأمور لا توجد في حق الكفار من ~~توفيقهم وإلهامهم وجعلهم مهديين مطيعين ويدل عليه قوله "إنه لا يذل من ~~واليت" فإنه منصور عزيز غالب بسبب توليك له وفي هذا تنبيه على أن من حصل له ~~ذل في الناس فهو بنقصان ما فاته من تولي الله وإلا فمع الولاية الكاملة ~~ينتفي الذل كله ولو سلط عليه بالأذى من في أقطارها فهو العزيز غير الذليل ~~وقوله "وقني شر ما قضيت" يتضمن أن الشر بقضائه فإنه هو الذي يقي منه وفي ~~المسند وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: "يا معاذ ~~والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك ~~وحسن عبادتك" وهذه أفعال اختيارية وقد سأل الله أن يعينه على فعلها وهذا ~~الطلب لا معنى له عند القدرية فإن الإعانة عندهم الإقدار والتمكين وإزاحة ~~الأعذار وسلامة الآلة ms198 وهذا حاصل للسائل وللكفار أيضا والإعانة التي سألها ~~أن يجعله ذاكرا شاكرا محسنا لعبادته كما في حديث ابن # PageV01P111 # عباس عنه صلى الله عليه وسلم في دعائه المشهور: "رب أعني ولا تعن علي ~~وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي واهدني ويسر الهدى لي وانصرني ~~علي من بغى علي رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك مخبتا ~~إليك أواها منيبا رب تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي واهد ~~قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة صدري" رواه الإمام أحمد في المسند وفيه أحد ~~وعشرون دليلا فتأملها وفي الصحيحين أنه صلى الله عيه وسلم كان يقول بعد ~~انقضاء صلاته: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد" وكان يقول ذلك الدعاء عند اعتداله من الركوع ففي هذا نفي ~~الشريك عنه بكل اعتبار وإثبات عموم الملك له بكل اعتبار وإثبات عموم الحمد ~~وإثبات عموم القدرة وأن الله سبحانه إذا أعطى عبدا فلا مانع له وإذا منعه ~~فلا معطي له، وعند القدرية أن العبد قد يمنع من أعطى الله ويعطي من منعه ~~فإنه يفعل باختياره عطاء ومنعا لم يشأه الله ولم يجعله معطيا مانعا فيتصور ~~أن يكون لمن أعطى مانع ولمن منع معط وفي الصحيح أن رجلا سأله أن يدله على ~~عمل يدخل به الجنة فقال: "إنه ليسير على من يسره الله عليه" فدل على أن ~~التيسير الصادر من قبله سبحانه يوجب اليسر في العمل وعدم التيسير يستلزم ~~عدم العمل لأنه ملزومه والملزوم ينتفي لانتفاء لازمه والتيسير بمعنى ~~التمكين وخلق الفعل وإزاحة الأعذار وسلامة الأعضاء حاصل للمؤمن والكافر ~~والتيسير المذكور في الحديث أمر آخر وراء ذلك وبالله التوفيق والتيسير وفي ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسى: "ألا أدلك على كنز من ~~كنوز الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله" وقد ms199 أجمع المسلمون على هذه الكلمة ~~وتلقيها بالقبول وهي شافية كافية في إثبات القدر وإبطال قول القدرية وفي ~~بعض الحديث "إذا قالها العبد قال الله أسلم عبدي واستسلم وفي بعضه فوض إلي ~~عبدي" قال بعض المنتسبين للقدر لما كانت القدرة بالنسبة إلى الفعل وإلى ~~الترك بحصول الدواعي على التسوية وما دام الأمر كذلك امتنع صدور الفعل فإذا ~~رجح جانب الفعل على الترك بحصول الدواعي وإزالة الصوارف حصل الفعل وهذه ~~القوة هي المشار إليها بقولنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وشأن ~~الكلمة أعظم مما قال فإن العالم العلوي والسفلي له تحول من حال إلى حال ~~وذلك التحول لا يقع إلا بقوة يقع بها التحول فكذلك الحول وتلك القوة قائمة ~~بالله وحده ليست بالتحويل فيدخل في هذا كل حركة في العالم العلوي والسفلي ~~وكل قوة على تلك الحركة سواء كانت الحركة قسرية أو إرادية أو طبيعية وسواء ~~كانت من الوسط أو إلى الوسط أو على الوسط وسواء كانت في الكم أو الكيف أو ~~في الأين كحركة النبات وحركة الطبيعة وحركة الحيوان وحركة الفلك وحركة ~~النفس والقلب والقوة على هذه الحركات التي هي حول فلا حول ولا قوة إلا ~~بالله ولما كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر الناس ~~وكان هذا شأن هذه الكلمة كانت كنزا من كنوز الجنة فأوتيها النبي صلى الله ~~عليه وسلم من كنز تحت العرش وكان قائلها أسلم واستسلم لمن أزمة الأمور ~~بيديه وفوض أمره إليه وفي المسند والسنن عن أبي الديلمي قال: "أتيت أبي كعب ~~فقلت: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه عني من قلبي فقال: ~~إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم ~~لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله # PageV01P112 # منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ~~ليصيبك ولو مت على غير ذلك كنت من أهل ms200 النار قال فأتيت عبد الله بن مسعود ~~وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت فكل منهم حدثني بمثل ذلك عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم" وهذا الحديث حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه وله شأن عظيم ~~وهو دال على أن من تلكم به أعرف الخلق بالله وأعظمهم له توحيدا وأكثرهم له ~~تعظيما وفيه الشفاء التام في باب العدل والتوحيد فإنه لا يزال يجول في نفوس ~~كثير من الناس كيف يجتمع القضاء والقدر والأمر والنهي وكيف يجتمع العدل ~~والعقاب على المقضي المقدر الذي لا بد للعبد من فعله ثم سلك كل طائفة في ~~هذا المقام واديا وطريقا فسلك الجبرية وادي الجبر وطريق المشيئة المحضة ~~الذي يرجح مثلا على مثل من غير اعتبار علة ولا غاية ولا حكمة قالوا وكل ~~ممكن عدل والظلم هو الممتنع لذاته فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لكان ~~متصرفا في ملكه والظلم تصرف القادر في غير ملكه وذلك مستحيل عليه سبحانه ~~قالوا ولما كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم تكن الأعمال سببا للنجاة ~~فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم فكانت رحمته خيرا من أعمالهم ~~وهؤلاء راعوا جانب الملك وعطلوا جانب الحمد والله سبحانه له الملك وله ~~الحمد وسلكت القدرية وادي العدل والحكمة ولم يوفوه حقه وعطلوا جانب التوحيد ~~وحاروا في هذا الحديث ولم يدروا ما وجهه وربما قابله كثير منهم بالتكذيب ~~والرد له وأن الرسول لم يقل ذلك قالوا وأي ظلم يكون أعظم من تعذيب من ~~استنفذ أوقات عمره كلها واستفرغ قواه في طاعته وفعل ما يحبه ولم يعصه طرفة ~~عين وكان يعمل بأمره دائما فكيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم أن تعذيب ~~هذا يكون عدلا لا ظلما ولا يقال أن حقه عليهم وما ينبغي له أعظم من طاعاتهم ~~فلا تقع تلك الطاعات في مقابلة نعمه وحقوقه فلو عذبهم لعذبهم بحقه عليهم ~~لأنهم إذا فعلوا مقدورهم من طاعته لم يكلفوا بغيره فكيف يعذبون على ترك ما ~~لا قدرة لهم عليه وهل ذلك إلا بمنزلة تعذيبهم ms201 على كونهم لم يخلقوا السماوات ~~والأرض ونحو ذلك مما لا يدخل تحت مقدورهم قالوا فلا وجه لهذا الحديث إلا ~~رده أو تأويله وحمله على معنى يصح وهو أنه لو أراد تعذيبهم جعلهم أمة واحدة ~~على الكفر فلو عذبهم في هذه الحال لكان غير ظالم لهم وهو لم يقل لو عذبهم ~~مع كونهم مطيعين له عابدين له لعذبهم وهو غير ظالم لهم ثم أخبر أنه لو عمهم ~~بالرحمة لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم ثم أخبر أنه لا يقبل من العبد عمل ~~حتى يؤمن بالقدر والقدر هو علم الله بالكائنات وحكمه فيها ووقفت طائفة أخرى ~~في وادي الحيرة بين القدر والأمر والثواب والعقاب فتارة يغلب عليهم شهود ~~القدر فيغيبون به عن الأمر وتارة يغلب عليهم شهود الأمر فيغيبون عن القدر ~~وتارة يبقون في حيرة وعمى وهذا كله إنما سببه الأصول الفاسدة والقواعد ~~الباطلة التي بنوا عليها ولو جمعوا بين الملك والحمد والربوبية والإلهية ~~والحكمة والقدرة وأثبتوا له الكمال المطلق ووصفوه بالقدرة التامة الشاملة ~~والمشيئة العامة النافذة التي لا يوجد كائن إلا بعد وجودها والحكمة البالغة ~~التي ظهرت في كل موجود لعلموا حقيقة الأمر وزالت عنهم الحيرة ودخلوا إلى ~~الله سبحانه من باب أوسع من السماوات السبع وعرفوا أنه لا يليق بكماله ~~المقدس إلا ما أخبر به عن نفسه على ألسنة رسله وأن ما خالفه ظنون كاذبة ~~وأوهام باطلة تولدت بين أفكار باطلة وآراء مظلمة فنقول وبالله التوفيق وهو ~~المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله، الرب تبارك اسمه وتعالى ~~جده ولا إله # PageV01P113 # غيره هو المنعم على الحقيقة بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته ~~وأرضه فإيجادهم نعمة منه وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه وإعطائهم الأسماع ~~والأبصار والعقول نعمة منه وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها ~~وأصنافها نعمة منه وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه وإجراء ~~ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته على قلوبهم نعمة منه وحفظهم بعد إيجادهم ~~نعمة منه وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه وهدايتهم إلى أسباب ms202 ~~مصالحهم ومعايشهم نعمة منه وذكر نعمه على سبيل التفصيل لا سبيل إليه ولا ~~قدرة للبشر عليه ويكفي أن النفس من أدنى نعمه التي لا يكادون يعدونها وهو ~~أربعة وعشرون ألف نفس في كل يوم وليلة فلله على العبد في النفس خاصة أربعة ~~وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة دع ما عدا ذلك من أصناف نعمه على العبد ولكل ~~نعمة من هذه النعم حق من الشكر يستدعيه ويقتضيه فإذا وزعت طاعات العبد كلها ~~على هذه النعم لم يخرج قسط كل نعمة منها إلا جزء يسير جدا لا نسبة له إلى ~~قدر تلك النعمة بوجه من الوجوه قال أنس بن مالك ينشر للعبد يوم القيامة ~~ثلاثة دواوين ديوان فيه ذنوبه وديوان فيه العمل الصالح فيأمر الله تعالى ~~أصغر نعمة من نعمه فتقوم فتستوعب عمله كله ثم تقول أي رب وعزتك وجلالك ما ~~استوفيت ثمني وقد بقيت الذنوب والنعم فإذا أراد الله بعبد خيرا قال ابن آدم ~~ضعفت حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ووهبت لك نعمي فما بيني وبينك وفي صحيح ~~الحاكم حديث "صاحب الرمانة الذي عبد الله خمسمائة سنة يأكل كل يوم رمانة ~~تخرج له من شجرة ثم يقوم إلى صلاته فسأل ربه وقت الأجل أن يقبضه ساجدا وأن ~~لا يجعل للأرض عليه سبيلا حتى يبعث وهو ساجد فإذا كان يوم القيامة وقف بين ~~يدي الرب فيقول تعالى أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول رب بل بعملي فيقول ~~الرب جل جلاله قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله فتؤخذ نعمة البصر بعبادة ~~خمسمائة سنة وبقيت نعمة الجسد فضلا عليه فيقول أدخلوا عبدي النار فيجر إلى ~~النار فينادي رب برحمتك رب برحمتك أدخلني الجنة فيقول ردوه فيوقف بين يديه ~~فيقول يا عبدي من خلقك ولم تكن شيئا فيقول أنت يا رب فيقول من قواك على ~~عبادة خمسمائة سنة فيقول أنت يا رب فيقول من أنزلك في جبل وسط اللجة وأخرج ~~لك الماء العذب من الماء المالح وأخرج لك كل يوم رمانة وإنما تخرج مرة في ~~السنة وسألتني ms203 أن أقبضك ساجدا ففعلت ذلك بك فيقول أنت يا رب فيقول الله ~~فذلك برحمتي وبرحمتي أدخلك الجنة" رواه من طريق يحيى بن بكير حدثنا الليث ~~بن سعد عن سليمان بن هرم عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم والإسناد صحيح ومعناه صحيح لا ريب فيه فقد صح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "لن ينجو أحد منكم بعمله وفي لفظ لن يدخل احد منكم ~~الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمة منه وفضل" فقد أخبر صلى الله عليه وسلم: "أنه لا ينجي أحدا عمله من ~~الأولين ولا من الآخرين إلا أن يرحمه ربه سبحانه" فتكون رحمته خير له من ~~عمله لأن رحمته تنجيه وعمله لا ينجيه فعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته ~~وأرضه لعذبهم ببعض حقه عليهم ومما يوضحه أنه كلما كملت نعمة الله على العبد ~~عظم حقه عليه وكان ما يطالب به من الشكر أكثر مما يطالب من دونه فيكون حق ~~الله عليه أعظم وأعماله لا تفي بحقه عليه وهذا إنما يعرفه حق المعرفة من ~~عرف الله وعرف نفسه هذا كله لو لم يحصل للعبد من الغفلة والإعراض والذنوب ~~ما يكون في قبالة طاعاته فكيف إذا حصل له من ذلك ما يوازي طاعاته أو يزيد ~~عليها فإن من حق الله على عبده أن يعبده لا يشرك به # PageV01P114 # شيئا وأن يذكره ولا ينساه وأن يشكره ولا يكفره وأن يرضى به ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وليس الرضا بذلك مجرد إطلاق هذا ~~اللفظ وحاله وإرادته وتكذيبه وتخالفه فكيف يرضى به ربا من يسخط ما يقضيه له ~~إذا لم يكن موافقا لإرادته وهواه فيظل ساخطا به متبرما يرضى وربه غضبان ~~ويغضب وربه راض فهذا إنما رضي من ربه حظا لم يرض بالله ربا وكيف يدعي الرضا ~~بالإسلام دينا من ينبذ أصوله خلف ظهره إذا خالفت بدعته وهواه وفروعه وراءه ~~إذا لم ms204 يوافق غرضه وشهوته وكيف يصح الرضا بمحمد رسولا من لم يحكمه على ~~ظاهره وباطنه ويتلق أصول دينه وفروعه من مشكاته وحده وكيف يرضى به رسولا من ~~يترك ما جاء به لقول غيره ولا يترك قول غيره لقوله ولا يحكمه ويحتج بقوله ~~إلا إذا وافق تقليده ومذهبه فإذا خالفه لم يلتفت إلى قوله والمقصود أن من ~~حقه سبحانه على كل أحد من عبيده أن يرضى به ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~رسولا وأن يكون حبه كله لله وبغضه في الله وقوله لله وتركه لله وأن يذكره ~~ولا ينساه ويطيعه ولا يعصيه ويشكره ولا يكفره وإذا قام بذلك كله كانت نعم ~~الله عليه أكثر من عمله بل ذلك نفسه من نعم الله عليه حيث وفقه له ويسره ~~وأعانه عليه وجعله من أهله واختصه به على غيره فهو يستدعي شكرا آخر عليه ~~ولا سبيل له إلى القيام بما يجب لله من الشكر أبدا فنعم الله تطالبه بالشكر ~~وأعماله لا تقابلها وذنوبه وغفلته وتقصيره قد تستنفد عمله فديوان النعم ~~وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها هذا وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتضى ~~كونه عبدا مملوكا مستعملا فيما يأمره به سيده فنفسه مملوكة وأعماله مستحقة ~~بموجب العبودية فليس له شيء من أعماله كما أنه ليس له ذرة من نفسه فلا هو ~~مالك لنفسه ولا صفاته ولا أعماله ولا لما بيده من المال في الحقيقة بل كل ~~ذلك مملوك عليه مستحق عليه لمالكه أعظم استحقاقا من سيد اشترى عبدا بخالص ~~ماله ثم قال اعمل وأد إلي فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء فلو عمل هذا ~~العبد من الأعمال ما عمل فإن ذلك كله مستحق عليه لسيده وحق من حقوقه عليه ~~فكيف بالمنعم المالك على الحقيقة الذي لا تعد نعمه وحقوقه على عبده ولا ~~يمكن أن تقابلها طاعاته بوجه فلو عذبه سبحانه لعذبه وهو غير ظالم له وإذا ~~رحمه فرحمته خير له من أعماله ولا تكون أعماله ثمنا لرحمته البتة فلولا فضل ~~الله ورحمته ومغفرته ما هنا أحدا ms205 عيش البتة ولا عرف خالقه ولا ذكره ولا آمن ~~به ولا أطاعه فكما أن وجود العبد محض وجوده وفضله ومنته عليه وهو المحمود ~~على إيجاده فتوابع وجوده كلها كذلك ليس للعبد منها شيء كما ليس له في وجوده ~~شيء فالحمد كله لله والفضل كله له والإنعام كله له والحق له على جميع خلقه ~~ومن لم ينظر في حقه عليه وتقصيره وعجزه عن القيام به فهو من أجهل الخلق ~~بربه وبنفسه ولا تنفعه طاعاته ولا يسمع دعاؤه قال الإمام أحمد حدثنا حجاج ~~حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني أن نبي الله موسى مر برجل يدعو ~~ويتضرع فقال يا رب ارحمه فإني قد رحمته فأوحى الله تعالى إليه لو دعاني حتى ~~ينقطع فؤاده ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه" والعبد يسير إلى الله ~~سبحانه بين مشاهدة منته عليه ونعمه وحقوقه وبين رؤية عيب نفسه وعمله ~~وتفريطه وإضاعته فهو يعلم أن ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه وأن ~~أقضيته كلها عدل فيه وأن ما فيه من الخير فمجرد فضله ومنته وصدقته عليه ~~ولهذا كان في حديث سيد الاستغفار "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي" فلا يرى ~~نفسه إلا مقصرا مذنبا ولا يرى ربه إلا محسنا # PageV01P115 # متفضلا وقد قسم الله خلقه إلى قسمين لا ثالث لهما تائبين وظالمين فقال: ~~{ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} وكذلك جعلهم قسمين معذبين وتائبين فمن لم ~~يتب فهو معذب ولا بد قال تعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} وأمر جميع ~~المؤمنين من أولهم إلى أخرهم بالتوبة ولا يستثنى من ذلك أحد وعلق فلاحهم ~~بها قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} وعدد ~~سبحانه من جملة نعمه على خير خلقه وأكرمهم عليه وأطوعهم له وأخشاهم له أن ~~تاب عليه وعلى خواص أتباعه فقال: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} ms206 ~~ثم كرر توبته عليهم فقال: {ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} وقدم توبته ~~عليهم على توبة الثلاثة الذين خلفوا وأخبر سبحانه أن الجنة التي وعدها ~~أهلها في التوراة والإنجيل أنها يدخلها التائبون فذكر عموم التائبين أولا ~~ثم خص النبي والمهاجرين والأنصار بها ثم خص الثلاثة الذين خلفوا فعلم بذلك ~~احتياج جميع الخلق إلى توبته عليهم ومغفرته لهم وعفوه عنهم وقد قال تعالى ~~لسيد ولد آدم وأحب خلقه إليه عفا الله عنك فهذا خبر منه وهو أصدق القائلين ~~أو دعاء لرسوله بعفوه عنه وهو طلب من نفسه وكان صلى الله عليه وسلم يقول في ~~سجوده أقرب ما يكون من ربه: "أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك ~~وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقال لأطوع نساء ~~الأمة وأفضلهن وخيرهن الصديقة بنت الصديق وقد قالت له يا رسول الله لئن ~~وافقت ليلة القدر فما أدعو به قال: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف ~~عني" قال الترمذي حديث حسن صحيح وهو سبحانه لمحبته للعفو والتوبة خلق خلقه ~~على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم وطلبهم عفوه ومغفرته ~~وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر ~~لهم" والله تعالى يحب التوابين والتوبة من أحب الطاعات إليه ويكفي في ~~محبتها شدة فرحه بها كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني ~~والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة" وفي الصحيحين من ~~حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحا ~~بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه ~~فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال ms207 أرجع إلى المكان الذي ~~كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته ~~عليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا ~~براحلته وزاده" وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير ~~ثم سار حتى كان بفلاة فأدركته القائلة فنزل فقال تحت شجرة فغلبته عينه ~~وانسل بعيره فاستيقظ فسعى شرفا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثانيا ثم سعى شرفا ~~ثالثا فلم ير شيئا فأقبل حتى أتى إلى مكانه الذي قال فيه فبينا هو قاعد فيه ~~إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده" فالله أشد فرحا بتوبة العبد من ~~هذا حين وجد بعيره فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات ~~وأساسها فإن من زعم أن أحدا من الناس يستغني عنها ولا حاجة # PageV01P116 # به إليها فقد جهل حق الربوبية ومرتبة العبودية وينتقص بمن أغناه بزعمه عن ~~التوبة من حيث زعم أنه معظم له إذ عطله عن هذه الطاعة العظيمة التي هي من ~~أجل الطاعات والقربة الشريفة التي هي من أجل القربات وقال لست من أهل هذه ~~الطاعة ولا حاجة بك إليها فلا قدر الله حق قدره ولا قدر العبد حق قدره وقد ~~جعل بعض عباده غنيا عن مغفرة الله وعفوه وتوبته إليه وزعم أنه لا يحتاج إلى ~~ربه في ذلك وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب عن أحدكم من رجل كان على ~~راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة ~~فاضطجع وقد يئس من راحلته فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ثم قال من ~~شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح" وأكمل الخلق أكملهم ~~توبة وأكثرهم استغفارا وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال سمعت ms208 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم ~~أكثر من سبعين مرة" ولما سمع أبو هريرة هذا من النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول ما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد عنه: "إني لأستغفر الله في ~~اليوم والليلة اثني عشر ألف مرة بقدر ديتي" ثم ساقه من طريق آخر وقال: ~~"بقدر ذنبه" وقال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد ~~بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي هريرة قال: "ما جلست إلى أحد أكثر استغفارا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال الرجل: "وما جلست إلى أحد أكثر ~~استغفارا من أبي هريرة" وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة ~~مرة" وفي السنن والمسند من حديث ابن عمر قال: "كنا نعد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب ~~الرحيم" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل ثنا ~~يونس عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال جلست إلى الشيخ من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في مسجد الكوفة فحدثني قال: سمعت رسول الله أو قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل ~~واستغفروه فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة" قال الإمام أحمد ~~وثنا يحيى عن شعبة ثنا عمرو بن مرة قال سمعت أبا بردة قال سمعت الأغر يحدث ~~ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس توبوا ~~إلى ربكم عز وجل فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" وقال أحمد ثنا يزيد أنا ~~حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن عائشة قالت كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم ms209 اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا ~~أساؤا استغفروا" وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في أول الصلاة عند ~~الاستفتاح بعد التكبير: "اللهم أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي ~~فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها ~~إلا أنت لبيك وسعديك والخير في يديك وأنا بك وإليك تباركت وتعاليت استغفرك ~~وأتوب إليك" رواه مسلم وفي الصحيحين عنه أنه كان يقول في دعائه: "اللهم ~~باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي ~~بالماء والثلج والبرد" وكان يقول هذا سرا لم يعلم به من خلفه حتى سأله عنه ~~أبو هريرة وروى عنه علي بن أبي طالب أنه كان إذا استفتح الصلاة قال لا إله ~~إلا أنت ظلمت نفسي وعملت سوأ فاغفر لي إنه لا يغفر # PageV01P117 # الذنوب إلا أنت وفي الصحيحين أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك ~~اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي ~~أوفى: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله ~~لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملأ السماوات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء ~~بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب ~~والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ" وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي ~~كله دقه وجله أوله وآخره علانيته وسره" وفي مسند الإمام أحمد أنه كان يقول ~~في صلاته: "اللهم اغفر لي ووسع علي في ذاتي وبارك لي فيما رزقتني" وفي صحيح ~~مسلم عن فروة بن نوفل قال: قلت لعائشة حدثيني بشيء كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعو به في صلاته قالت: نعم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من شر ~~ما علمت ومن شر ما لم أعلم وكان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني ~~واجبرني ms210 واهدني وارزقني" وكان يقول في قيامه إلى الصلاة بالليل: "اللهم لك ~~الحمد" الحديث وفيه "فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما ~~أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت" وفي ~~الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا ~~الدعاء: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني ~~أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير"، وحقيقة الأمر أن العبد فقير ~~إلى الله من كل وجه وبكل اعتبار فهو فقير إليه من جهة ربوبيته له وإحسانه ~~إليه وقيامه بمصالحه وتدبيره له وفقير إليه من جهة إلهيته وكونه معبوده ~~وإلهه ومحبوبه الأعظم الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن ~~يكون أحب شيء إليه فيكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن ~~الخلق كلهم وفقير إليه من جهة معافاته له من أنواع البلاء فإنه إن لم ~~يعافيه منها هلك ببعضها وفقير إليه من جهة عفوه عنه ومغفرته له فإن لم يعف ~~عن العبد ويغفر له فلا سبيل إلى النجاة فما نجى أحد إلا بعفو الله ولا دخل ~~الجنة إلا برحمة الله وكثير من الناس ينظر إلى نفس ما يتاب منه فيراه نقصا ~~ولا ينظر إلى كمال الغاية الحاصلة بالتوبة وأن العبد بعد التوبة النصوح خير ~~منه قبل الذنب ولا ينظر إلى كمال الربوبية وتفرد الرب بالكمال وحده وأن ~~لوازم البشرية لا ينفك منها البشر وأن التوبة غاية كل أحد من ولد آدم ~~وكماله كما كانت هي غايته وكماله فليس للعبد كمال بدون التوبة البتة كما ~~أنه ليس له انفكاك عن سببها فإنه سبحانه هو المتفرد المستأثر بالغنى والحمد ~~من كل وجه وبكل اعتبار والعبد هو الفقير المحتاج إليه المضطر إليه بكل وجه ~~وبكل اعتبار فرحمته للعبد خير له من عمله فإن عمله لا يستقل بنجاته ولا ~~سعادته ولو وكل إلى عمله لم ينج به ms211 البتة فهذا بعض ما يتعلق بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم ~~لهم" ومما يوضحه أن شكره سبحانه مستحق عليهم بجهة ربوبيته لهم وكونهم عبيده ~~ومماليكه وذلك يوجب عليهم أن يعرفوه ويعظموه ويوحدوه ويتقربوا إليه تقرب ~~العبد المحب الذي يتقلب في نعمه ولا غناء به عنه طرفة عين فهو يدأب في ~~التقرب إليه بجهده ويستفرغ في ذلك وسعه وطاقته ولا يعدل به سواه في شيء من ~~الأشياء ويؤثر رضا سيده على إرادته وهواه بل لا هوى له ولا إرادة إلا فيما ~~يريد سيده ويحبه وهذا يستلزم علوما وأعمالا وإرادات وغرائم لا يعارضها ~~غيرها ولا يبقى له معها التفات إلى # PageV01P118 # غيره بوجه ومعلوم أن ما يطبع عليه البشر لا يفي بذلك وما يستحقه الرب ~~تعالى لذاته وأنه أهل أن يعبد أعظم مما يستحقه لإحسانه فهو المستحق لنهاية ~~العبادة والخضوع والذل لذاته ولإحسانه وإنعامه وفي بعض الآثار "لو لم أخلق ~~جنة ولا نارا لكنت أهلا أن أعبد" ولهذا يقول أعبد خلقه له يوم القيامة وهم ~~الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فمن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من ~~عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يعبد به ويستحقه لذاته وإحسانه فلا نسبة ~~للواقع منهم إلى ما يستحقه بوجه من الوجوه فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه وهو ~~سبحانه أعلم بعباده منهم بأنفسهم فلو عذبهم لعذبهم بما يعلمه منهم وإن لم ~~يحيطوا به علما ولو عذبهم قبل أن يرسل رسله إليهم على أعمالهم لم يكن ظالما ~~لهم كما أنه سبحانه لم يظلمهم بمقته لهم قبل إرسال رسوله على كفرهم وشركهم ~~وقبائحهم فإنه سبحانه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من ~~أهل الكتاب ولكن أوجب على نفسه إذ كتب عليها الرحمة أنه لا يعذب أحدا إلا ~~بعد قيام الحجة عليه برسالته وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره ~~وعلى قدر نعمه ولا يقوم بذلك أحد كان حقه سبحانه على كل أحد ms212 وله المطالبة ~~به وإن لم يغفر له ويرحمه وإلا عذبه فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه ~~كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه فإن لم يحفظهم هلكوا وإن لم يرزقهم هلكوا ~~وإن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء: ~~{ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وهذا شأن ~~ولده من بعده وقد قال موسى كليمه سبحانه: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} ~~وقال: {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} وقال: {رب اغفر لي ولأخي ~~وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين} وقال: {أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا ~~وأنت خير الغافرين} وقال خليله إبراهيم: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ~~ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} وقال: ~~{الذي خلقني فهو يهدين} إلى قوله: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين} وقال أول رسله إلى أهل الأرض: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي ~~به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} وقال لأكرم خلقه عليه وأحبهم ~~إليه: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وقال: {إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق} إلى قوله: {واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما} وقال: {إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ~~ويهديك صراطا مستقيما} وقد تقدم حديث ابن عباس في دعائه صلى الله عليه ~~وسلم: "رب أعني ولا تعن علي" وفيه "رب تقبل توبتي واغسل حوبتي" الحديث وقد ~~أخبر سبحانه عن أعبد البشر داود أنه استغفر ربه راكعا وأناب وقال تعالى: ~~{فغفرنا له ذلك} وقال عن نبيه سليمان: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت ~~الوهاب} وقال عن نبيه يونس أنه ناداه في الظلمات: {لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين} وقال صديق الأمة وخيرها وأبرها وأتقاها لله بعد ~~رسوله: يا رسول الله علمني دعاء أدعو ms213 به في صلاتي فقال: "قل اللهم إني ظلمت ~~نفسي ظلما كبيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ~~أنك أنت الغفور الرحيم" فاستفتح الخبر عن نفسه بأداة التوكيد التي تقتضي ~~تقرير ما بعدها ثم ثنى بالإخبار عن ظلمه لنفسه ثم وصف ذلك الظلم بكونه ظلما ~~كبيرا ثم طلب من ربه أن يغفر له مغفرة من عنده أي لا يبلغها # PageV01P119 # علمه ولا سعيه بل هي محض منته وإحسانه وأكبر من عمله فإذا كان هذا شأن من ~~وزن بالأمة فرجح بهم فكيف بمن دونه. # PageV01P120 ### | الباب السابع عشر: في الكسب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما نفيا وإثباتا # وما دل عليه السمع والعقل من ذلك، أما الكسب فأصله في اللغة الجمع قاله ~~الجوهري وهو طلب الرزق يقال كسبت شيئا واكتسبته بمعنى وكسبت أهلي خيرا ~~وكسبت الرجل مالا فكسبه وهذا مما جاء على فعلته ففعل والكواسب الجوارح ~~وتكسب تكلف الكسب انتهى والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه أحدها عقد ~~القلب وعزمه كقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم} أي بما عزمتم عليه وقصدتموه وقال الزجاج: "أي يؤاخذكم ~~بعزمكم" على أن لا تبروا وأن لا تتقوا وأن تعتلوا في ذلك بأنكم حلفتم وكأنه ~~التفت إلى لفظ المؤاخذة وأنها تقتضي تعذيبا فجعل كسب قلوبهم عزمهم على ترك ~~البر والتقوى لمكان اليمين والقول الأول أصح وهو قول جمهور أهل التفسير ~~فإنه قابل به لغو اليمين وهو أن لا يقصد اليمين فكسب القلب المقابل للغو ~~اليمين هو عقده وعزمه كما قال في الآية الأخرى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان} فتعقيد الإيمان هو كسب القلب الوجه الثاني من الكسب: كسب المال من ~~التجارة قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض} فالأول للتجار والثاني للزراع والوجه الثالث من ~~الكسب: السعي والعمل كقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت} وقوله: {بما كنتم تكسبون} : {وذكر ms214 به أن تبسل نفس ~~بما كسبت} فهذا كله للعمل واختلف الناس في الكسب والاكتساب هل هما بمعنى ~~واحد أم بينهما فرق فقالت طائفة معناهما واحد قال أبو الحسن علي بن أحمد ~~وهو الصحيح عند أهل اللغة: "ولا فرق بينهما" قال ذو الرمة: # ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب # وقال الآخرون الاكتساب أخص من الكسب لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ~~ولغيره ولا يقال يكتسب قال الحطيئة: # ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر هداك مليك الناس يا عمر # قلت: والاكتساب افتعال وهو يستدعي اهتماما وتعملا واجتهادا وأما الكسب ~~فيصح نسبته بأدنى شيء ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أدنى سعى وفي جانب ~~العدل لم يجعل عليها إلا مالها فيه اجتهاد واهتمام وأما الجبر فيرجع في ~~اللغة إلى ثلاثة أصول أحدها: أن يغنى الرجل من فقر أو يجبر عظمه من كسر ~~وهذا من الإصلاح وهذا الأصل يستعمل لازما ومتعديا يقول جبرت العظم وجبر وقد ~~جمع العجاج بينهما في قوله: # قد جبر الدين الإله فجبر الأصل الثاني: الإكراه والقهر وأكثر ما يستعمل ~~هذا على أفعل يقال أجبرته على كذا إذا أكرهته عليه ولا يكاد يجيء جبرته ~~عليه إلا قليلا والأصل الثالث: من العز والامتناع ومنه نخلة جبارة قال ~~الجوهري: "والجبار من النخل ما طال وفات اليد" قال الأعشى: # طريق وجبار رواء أصوله ... عليه أبابيل من الطير تنعب # PageV01P120 # وقال الأخفش في قوله تعالى: {إن فيها قوما جبارين} قال: "أراد الطول ~~والقوة والعظم" ذهب في هذا إلى الجبار من النخل وهو الطويل الذي فات الأيدي ~~ويقال رجل جبار إذا كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل قال ~~قتادة: "كانت لهم أجسام وخلق عجيبة ليست لغيرهم" وقيل الجبار ههنا من جبره ~~على الأمر إذا أكرهه عليه قال الأزهري: "وهي لغة معروفة كثير من الحجازيين ~~يقولونها" وكان الشافعي رحمه الله يقول: "جبره السلطان" ويجوز أن يكون ~~الجبار من أجبره على الأمر إذا أكرهه قال الفراء: "لم أسمع فعالا من أفعل ~~إلا في حرفين وهما جبار ms215 من أجبر ودراك من أدرك" وهذا اختيار الزجاج قال ~~الجبار من الناس العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وأما الجبار من أسماء ~~الرب تعالى فقد فسره بأنه الذي يجبر الكسير ويغني الفقير والرب سبحانه كذلك ~~ولكن ليس هذا معنى اسمه الجبار ولهذا قرنه باسمه المتكبر وإنما هو الجبروت ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء ~~والعظمة" فالجبار اسم من أسماء التعظيم كالمتكبر والملك والعظيم والقهار ~~قال ابن عباس في قوله تعالى: {الجبار المتكبر} هو العظيم وجبروت الله عظمته ~~والجبار من أسماء الملوك والجبر الملك والجبابرة الملوك قال الشاعر: # وأنعم صباحا أيها الجبر # أي أيها الملك وقال السدي: "هو الذي يجبر الناس ويقهرهم على ما يريد وعلى ~~هذا فالجبار معناه القهار وقال محمد بن كعب: "إنما سمي الجبار لأنه جبر ~~الخلق على ما أراد والخلق أدق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بمشيئته" ~~قال الزجاج: "الجبار الذي جبر الخلق على ما أراد" وقال ابن الأنباري: ~~"الجبار في صفة الرب سبحانه الذي لا ينال" ومنه قولهم نخلة جبارة إذا فاتت ~~يد المتناول فالجبار في صفة الرب سبحانه ترجع إلى ثلاثة معان الملك والقهر ~~والعلو فإن النخلة إذا طالت وارتفعت وفاتت الأيدي سميت جبارة ولهذا جعل ~~سبحانه اسمه الجبار مقرونا بالعزيز والمتكبر وكل واحد من هذه الأسماء ~~الثلاثة تضمن الاسمين الآخرين وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة ~~وهي الخالق البارئ المصور فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم ~~العزيز كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق فالجبار من أوصافه ~~يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك ولهذا كان من أسمائه الحسنى وأما ~~المخلوق فاتصافه بالجبار ذم له ونقص كما قال تعالى: {كذلك يطبع الله على كل ~~قلب متكبر جبار} وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وما أنت عليهم ~~بجبار} أي مسلط تقهرهم وتكرههم على الإيمان وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم ~~الناس". # فصل: ms216 إذا عرف هذا فلفظ الكسب تطلقه القدرية على معنى والجبرية على معنى ~~وأهل السنة والحديث على معنى فكسب القدرية هو وقوع الفعل عندهم بإيجاد ~~العبد وإحداثه ومشيئته من غير أن يكون الله شاءه أو أوجده وكسب الجبرية لفظ ~~لا معنى له ولا حاصل تحته وقد اختلفت عباراتهم فيه وضربوا له الأمثال ~~وأطالوا فيه المقال فقال القاضي: "الكسب ما وجدوا عليه قدرة محدثة" وقيل: ~~أنه المتعلق بالقادر على غير جهة الحدوث وقيل: أنه المقدور بالقدرة الحادثة ~~قالوا: ولسنا نريد بقولنا ما وجدوا عليه قدرة محدثة أنها قدرة على وجوده ~~فإن القادر على وجوده هو الله وحده وإنما نعني بذلك أن للكسب تعلقا بالقدرة ~~الحادثة لا من باب الحدوث والوجود وقال الأسفرائيني: "حقيقة الخلق من ~~الخالق وقوعه بقدرته من حيث صح انفراده به وحقيقة الفعل وقوعه بقدرته ~~وحقيقة # PageV01P121 # الكسب من المكتسب وقوعه بقدرته مع انفرداه به ويختص القديم تعالى بالخلق ~~ويشترك القديم والمحدث في الفعل ويختص المحدث بالكسب" قلت: مراده أن إطلاق ~~لفظ الخلق لا يجوز إلا على الله وحده وإطلاق لفظ الكسب يختص بالمحدث وإطلاق ~~لفظ الفعل يصح على الرب سبحانه والعبد وقال أيضا: "كل فعل يقع على التعاون ~~كان كسبا من المستعين" قلت: يريد أن الخالق يستقل بالخلق والإيجاد والكاسب ~~إنما يقع منه الفعل على وجهه المعاونة والمشاركة منه ومن غيره لا يمكنه أن ~~يستقل بإيجاد شيء البتة وقال آخرون: قدرة المكتسب تتعلق بمقدوره على وجه ما ~~وقدرة الخالق تتعلق به من جميع الوجوه قالوا وليس كون الفعل كسبا من حقائقه ~~التي تخصه بل هو معنى طرأ عليه كما يقول منازعونا من المعتزلة إن هذه ~~الحركة لطف وهذا الفعل لطف وصيغة أفعل تصير أمرا بالإرادة لأنها حدثت ~~بالإرادة واعتقاد الشيء على ما هو به يصير علما بسكون النفس إليه لا أنه ~~يحدث كذلك به والأشياء قد تقترن في الوجود فتتغير أوصافها وأحكامها قالوا ~~فالحركة إذا صادفت المتحرك بها على وجه مخصوص تسمى سباحة مثلا ولطما ومشيا ~~ورقصا وقال الأشعري وابن ms217 الباقلاني: "الواقع بالقدرة الحادثة هو كون الفعل ~~كسبا دون كونه موجودا أو محدثا فكونه كسبا وصف للوجود بمثابة كونه معلوما" ~~ولخص بعض متأخريهم هذه العبارات بأن قال: "الكسب عبارة عن الاقتران العادي ~~بين القدرة المحدثة والفعل" فإن الله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند ~~قدرة العبد وإرادته لا بهما فهذا الاقتران هو الكسب ولهذا قال كثير من ~~العقلاء إن هذا من محالات الكلام وإنه شقيق أحوال أبي هاشم وطفرة النظام ~~والمعنى القائم بالنفس الذي يسميه القائلون به كلاما وشيء من ذلك غير معقول ~~ولا متصور والذي استقر عليه قول الأشعري: "أن القدرة الحادثة لا تؤثر في ~~مقدورها ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بل المقدور بجميع صفاته واقع ~~بالقدرة القديمة ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه" وتابعه على ذلك عامة أصحابه ~~والقاضي أبو بكر يوافقه مرة ومرة يقول: "القدرة الحادثة لا تؤثر في إثبات ~~الذات وأحداثها ولكنها تقتضي صفة للمقدور زائدة على ذاته تكون حالا له" ثم ~~تارة يقول: "تلك الصفة التي هي من أثر القدرة الحادثة مقدورة لله تعالى ولم ~~يمتنع من إثبات هذا المقدور بين قادرين على هذا الوجه" وقد اضطربت آراء ~~أتباع الأشعري في الكسب اضطرابا عظيما واختلفت عباراتهم فيه اختلافا كثيرا ~~وقد ذكره كله أبو القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري في شرح الإرشاد وذكر ~~اختلاف طرائقهم واضطرابهم فيه ثم قال: "وقد قال الأستاذ في المختصر قول أهل ~~الحق في الكسب لا يرجع إلى إثبات قدرة للعبد عليه" كما يقال أنه معلوم له ~~إلا أن الإمام ادعى على الأستاذ أنه أثبت للقدرة الحادثة أثرا في الحدوث ~~فإنه لما نفي الأحوال وأثبت للقدرة الحادثة أثرا فلا يعقل الجمع بينهما إلا ~~أن يكون الأثر في الحدوث ثم ذكر لنفسه مذهبا ذكره في الكتاب المترجم ~~بالنظامية وانفرد به عن الأصحاب وهو قريب من مذهب المعتزلة والخلاف بينه ~~وبينهم فيه في الاسم قال: "وهذه العقدة التي تورط الأصحاب فيها في الكسب ~~شبيهة بالعقدة التي وقعت بين الأئمة في القراءة والمقروء "قالك ms218 "وما ذكره ~~الإمام في النظامية له وجه غير أنه مما انفرد بإطلاقه" ولكل ناظر نظره ~~والله يرحمنا وإياه قلت: الذي قاله الإمام في النظامية أقرب إلى الحق مما ~~قاله الأشعري وابن الباقلاني ومن تابعهما ونحن نذكر كلامه بلفظه قالك "قد ~~تقرر عند كل حاظ! بعقله مترق عن مراتب التقليد في قواعد التوحيد أن الرب ~~سبحانه يطالب عباده # PageV01P122 # بأعمالهم في حياتهم ودواعيهم إليها ومثيبهم ومعاقبهم عليها في مآلهم" ~~وتبين بالنصوص التي لا تتعرض للتأويلات أنه أقدرهم على الوفاء بما طالبهم ~~به ومكنهم من التوصل إلى امتثال الأمر والانكفاف عن مواقع الزجر ولو ذهبت ~~أتلو الآي المتضمنة لهذه المعاني لطال المرام ولا حاجة إلى ذلك مع قطع ~~اللبيب المنصف به ومن نظر في كليات الشرائع وما فيها من الاستحثاث والزواجر ~~عن الفواحش الموبقات وما نيط ببعضها من الحدود والعقوبات ثم تلفت على الوعد ~~والوعيد وما يجب عقده من تصديق المرسلين في الأنباء عما يتوجه على المردة ~~العتاة من الحساب والعقاب وسوء المنقلب والمآب وقول الله لهم لم تعديتم ~~وعصيتم وأبيتم وقد أرخيت لكم الطول وفسحت لكم المهل وأرسلت الرسل وأوضحت ~~المحجة لئلا يكون للناس علي حجة وأحاط بذلك كله ثم استراب في أن أفعال ~~العباد واقعة على حسب إيثارهم واختيارهم واقتدارهم فهو مصاب في عقله أو ~~مستقر على تقليده مصمم على جهله ففي المصير إليه أنه لا أثر لقدرة العبد في ~~فعله قطع طلبات الشرائع والتكذيب بما جاء به المرسلون فإن زعم من لم يوفق ~~لمنهج الرشاد أنه لا أثر لقدرة العبد في مقدوره أصلا وإذا طولب بمتعلق طلب ~~الله بفعل العبد تحريما وفرضا ذهب في الجواب طولا وعرضا وقال لله أن يفعل ~~ما يشاء ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ~~قيل له ليس لما جئت به حاصل كلمة حق أريد بها باطل نعم يفعل الله ما يشاء ~~ويحكم ما يريد ولكن يتقدس عن الخلف ونقيض الصدق وقد فهمنا بضرورات المعقول ~~من الشرع المنقول أنه عزت قدرته ms219 طالب عباده بما أخبر أنهم ممكنون من الوفاء ~~به فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة والوسع في موارد الشرع ومن زعم أنه لا ~~أثر للقدرة الحادثة في مقدورها كما لا أثر للعلم في معلومة فوجه مطالبة ~~العبد بأفعاله عنده كوجه مطالبته بأن يثبت في نفسه ألوانا وإدراكات وهذا ~~خروج عن حد الاعتدال إلى التزام الباطل والمحال وفيه إبطال الشرع ورد ما ~~جاء به النبيون فإذا لزم المصير بأن القدرة الحادثة تؤثر في مقدورها ~~واستحال إطلاق القول بأن العبد خالق أعماله فإن فيه الخروج عما درج عليه ~~سلف الأمة واقتحام ورطات الضلال ولا سبيل إلى المصير إلى وقوع فعل العبد ~~بقدرته الحادثة والقدرة القديمة فإن الفعل الواحد يستحيل حدوثه بقادرين إذ ~~الواحد لا ينقسم فإن وقع بقدرة الله استقل بها وأسقط أثر القدرة الحادثة ~~ويستحيل أن يقع بعضه بقدرة الله تعالى فإن الفعل الواحد لا بعض له وهذه ~~مهواة لا يسلم من غوائلها إلا مرشد موفق إذ المرء بين أن يدعى الاستبداد ~~وبين أن يخرج نفسه عن كونه مطالبا بالشرائع وفيه أبطال دعوة المرسلين وبين ~~أن يثبت نفسه شريكا لله في إيجاد الفعل الواحد وهذه الأقسام بجملتها باطلة ~~ولا ينجى من هذه الملتطم ذكر اسم محض ولقب مجرد من غير تحصيل معنى وذلك أن ~~قائلا لو قال العبد يكتسب وأثر قدرته الاكتساب والرب سبحانه خالق لما العبد ~~مكتسب له قيل له فما الكسب وما معناه وأديرت الأقسام المتقدمة على هذا ~~القائل فلا يجد عنه مهربا ثم قال فنقول قدرة العبد مخلوقة لله تعالى باتفاق ~~القائلين بالصانع والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعا ولكنه يضاف ~~إلى الله سبحانه تقديرا وخلقا فإنه وقع بفعل الله وهو القدرة فعلا للعبد ~~وإنما هي صفته وهي ملك لله وخلق له فإذا كان موقع الفعل خلقا لله فالواقع ~~به مضاف خلقا إلى الله تعالى وتقديرا وقد ملك الله تعالى العبد اختيارا ~~يصرف به القدرة فإذا أوقع بالقدرة شيئا آل الواقع إلى حكم الله # PageV01P123 # من حيث أنه ms220 وقع بفعل الله ولو اهتدت إلى هذا الفرقة الضالة لم يكن بيننا ~~وبينهم خلاف ولكنهم ادعوا استبدادا بالاختراع وانفراد بالخلق والابتداع ~~فضلوا وأضلوا وتبين تميزنا عنهم بتفريع المذهبين فإنا لما أضفنا فعل العبد ~~إلى تقدير الإله سبحانه قلنا أحدث الله تعالى القدرة في العبد على أقدار ~~أحاط بها علمه وهيأ أسباب الفعل وسلب العبد العلم بالتفاصيل وأراد من العبد ~~أن يفعل فأحدث فيه دواع مستحثة وخيرة وإرادة وعلم أن الأفعال ستقع على قدر ~~معلوم فوقعت بالقدرة التي اخترعها العبد على ما علم وأراد فاختيارهم ~~واتصافهم بالاقتداء والقدرة خلق الله ابتداء ومقدورها مضاف إليه مشيئة ~~وعلما وقضاء وخلقا من حيث أنه نتيجة ما انفرد بخلقه وهو القدرة ولو لم يرد ~~وقوع مقدورها لما أقدره عليه ولما هيأ أسباب وقوعه ومن هدي لهذا استمر له ~~الحق المبين فالعبد فاعل مختار مطالب مأمور منهي وفعله تقدير لله من أدلة ~~خلق مقضي ونحن نضرب في ذلك مثلا شرعيا يستروح إليه الناظر في ذلك فنقول: ~~العبد لا يملك آن يتصرف في مال سيده ولو استبد بالتصرف فيه لم ينفذ تصرفه ~~فإذا أذن له في بيع ماله فباعه نفذ والبيع في التحقيق معزو إلى السيد من ~~حيث أن سببه إذنه ولولا إذنه لم ينفذ التصرف ولكن العبد يؤمر بالتصرف وينهى ~~ويوبخ على المخالفة ويعاقب فهذا والله الحق الذي لا غطاء دونه ولا مراء فيه ~~لمن وعاه حق وعيه وأما الفرقة الضالة فإنهم اعتقدوا انفراد العبد بالخلق ثم ~~صاروا إلى أنه إذا عصى فقد انفرد بخلق فعله والرب كاره له فكان العبد على ~~هذا الرأي الفاسد مزاحما لربه في التدبير موقعا ما أراد إيقاعه شاء الرب أو ~~كره, فإن قيل على ماذا تحملون آيات الطبع والختم والإضلال في القرآن وهي ~~متضمنة اضطرار الرب سبحانه للأشقياء إلى ضلالتهم, قلنا إذا أباح الله حل ~~هذا الإشكال والجواب عن هذا السؤال لم يبق على ذوي البصائر بعده غموض فنقول ~~أولا من أنبأ الله سبحانه عن الطبع على قلوبهم كانوا مخاطبين ms221 بالإيمان ~~مطالبين بالإسلام والتزام الأحكام مطالبة تكاليف ودعاء مع وصفهم بالتمكن ~~والاقتدار والإيثار كما سبق تقريره ومن اعتقد أنهم كانوا ممنوعين مأمورين ~~مصدودين قهرا مدعوين فالتكليف عنده إذا بمثابة ما لو شد من الرجل يداه ~~ورجلاه رباطا وألقي في البحر ثم قيل له لا تبتل وهذا أمر لا يحمل شرائع ~~الرسل عليه إلا عائب بنفسه مجترئ على ربه ولا فرق عند هذا القائل بين أمر ~~التسخير والتكوين في قوله: {كونوا قردة خاسئين} وقوله: {إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون} وبين أمر التكليف فإذا بطل ذلك فالوجه في الكلام ~~على هذه الآي وقد غوى في حقائقها أكثر الفرق أن يقول إذا أراد الله بعبد ~~خيرا أكمل عقله وأتم بصيرته ثم صرف عنه العوائق والدوافع وأزاح عنه الموانع ~~ووفق له قرناء الخير وسهل له سبله وقطع عنه الملهيات وأسباب الغفلات وقيض ~~له ما يقربه إلى القربات فيوافيها ثم يعتادها ويمرن عليها وإذا أراد الله ~~بعبده شرا قدر له مما يبعده عن الخير ويقصيه وهيأ له أسباب تماديه في الغي ~~وحبب إليه التشوف إلى الشهوات وعرضه للآفات وكلما غلبت عليه دواعي النفس ~~خنست دواعي الخير ثم يستمر على الشرور على مر الدهور ويأتي مهاويها ويتعاون ~~عليه الوسواس ونزعات الشيطان ونزفات النفس الإمارة بالسوء فتنسخ الغفلة على ~~قلبه غشاوة بقضاء الله وقدره فذلكم الطبع والختم والأكنة وأنا أضرب في ذلك ~~مثلا فأقول لو فرضنا شابا حديث العهد بحلمه لم تهذبه المذاهب ولم تحنكه ~~التجارب وهو على نهاية في غلمته وشهوته وقد استمكن من بلغة من الحطام # PageV01P124 # وخص بمسحة من الجمال ولم يقم عليه قوام يزعه عن ورطات الردى ويمنعه عن ~~الارتباك في شبكات الهوى ووافاه أخدان الفساد وهو في غلواء شبابه يحدث نفسه ~~بالبقاء أمدا بعيدا فما أقرب من هذا وصفه من خلع العذار والبدار إلى شيم ~~الأشرار وهو مع ذلك كله مؤثر مختار ليس مجبرا على المعاصي والزلات ولا ~~مصدودا عن الطاعات ومعه من العقل ما يستوجب به اللائمة ms222 إذا عصى فمن هذا ~~سبيله لا يستحيل في العقل تكليفه فإنه ليس ممنوعا ولكن إن سبق له من الله ~~سوء القضاء فهو صائر إلى حكم الله الجزم وقضائه الفصل محجوج بحجة الله ألا ~~أن يتغمده الله برحمته وهو أرحم الراحمين وهذا الذي ذكرته بين في معاني ~~الآيات لا يتمارى فيه موفق قال الله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي ~~كالحجارة} أراد أنهم استمروا على المخالفات وأصرا بانتهاك الحرمات فقست ~~قلوبهم وقال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} فقد جمعت بين تفويض ~~الأمور كلها نفعها وضرها خيرها وشرها إلى الإله جلت قدرته وبين إثبات حقائق ~~التكليف وتقرير قواعد الشرع على الوجه المعقول ألست في هذا أهدى سبيلا ~~وأقوم قيلا ممن يقدر الطبع منعا والختم صدا ودفعا ثم ينفي التكاليف بزعمه ~~وقد افترق الخلق في هذا المقام فرقا فذهب ذاهبون إلى أن المخذولين ممنوعون ~~مدفوعون لا اقتدار لهم على إجابة دعاة الحق وهم مع ذلك ملزمون وهذا خطب ~~جسيم وأمر عظيم وهو طعن في الشرائع وإبطال للدعوات وقد قال تعالى: {وما منع ~~الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى} وقال إبليس:: {ما منعك أن تسجد} نعوذ ~~بالله من سوء النظر في مواقع الخطر وذهب طوائف من الضلال إلى أن العبد يعصي ~~والرب لما يأتي به كاره فهذا خبط في الأحكام الإلهية ومزاحمة في الربوبية ~~ولو لم يرد الرب من الفجار ما علمه منهم في أزليته لما فطرهم مع علمه بهم ~~كيف وقد أكمل قواهم وأمدهم بالعدد والعدد والعتاد وسهل لهم طريق الحيد عن ~~السداد, فإن قيل: فعل ذلك بهم ليطيعوه, قلنا أنى يستقيم ذلك وقد علم أنهم ~~يعصونه ويهلكون أنفسهم ويهلكون أولياءه وأنبيائه ويشقون شقاوة لا يسعدون ~~بها أبدا ولو علم سيد عن وحي أو أخبار نبي أنه لو أمد عبده بالمال لطغى ~~وأبق وقطع الطريق فأمده بالمال زاعما أنه يريد منه ابتناء القناطر والمساجد ~~وهو مع ذلك يقول أعلم أنه لا يفعل ذلك قطعا فهذا السيد مفسد عبده ms223 وليس ~~مصلحا له باتفاق من أرباب الألباب فقد زاغت الفئتان وضلت الفرقتان واعترضت ~~إحداهما على القواعد الشرعية وزاحمت الأخرى أحكام الربوبية واقتصد الموفقون ~~فقالوا مراد الله من عباده ما علم أنهم إليه يصيرون ولكنه لم يسلبهم قدرتهم ~~ولم يمنعهم مراشدهم فقرت الشريعة في نصابها وجرت العقيدة في الأحكام ~~الإلهية على صوابها, فإن قيل كيف يريد الحكيم السفه فقد أوضحنا أن الأفعال ~~متساوية في حق من لا ينتفع ولا يتضرر ولكن إذا أخبر أنه مكلف مطالب عباده ~~مزيح عللهم فقوله الحق وكلامه الصدق وأقرب أمر يعارضون به أن الحكيم منا ~~إذا رأى جواريه وعبيده يمرج بعضهم في بعض وهم على محارمهم بمرأى منه ومسمع ~~فلا يحسن تركهم على ما هم عليه والرب سبحانه يطلع على سوء أفعالهم ~~ويستدرجهم من حيث لا يعلمون ثم قال قد أطلقت أنفاسي ولكن لو وجدت في اقتباس ~~هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان وحق القائم على كل نفس بما كسبت أحب ~~إلي من ملك الدنيا بحذافيرها أطول أمدها" انتهى كلامه بلفظه وهذا توسط حسن ~~بين الفريقين وقد أنكره عليه عامة أصحابه منهم الأنصاري شارح الإرشاد وغيره ~~وقالوا هو أقرب من مذهب # PageV01P125 # المعتزلة ولا يرجع الخلاف بينه وبينهم إلا إلى الاسم فقط وأن هذا مما ~~انفرد به ولكن بقي عليه فيه أمور منها أنه نفى كراهة الله لما قدره من ~~المعاصي بناء على أصله أن كل مراد له فهو محبوب له وأنه إذا كان قد قدر ~~الكفر والفسوق والعصيان فهو يريده ويحبه ولا يكرهه وإن كانت قدرة العبد ~~واختياره مؤثرة في إيجاد الفعل عنده بأقدار الرب سبحانه وقد أصاب في هذا ~~وأجاد ولكن القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يكرهه ~~إذا كان واقعا قول في غاية البطلان وهو مخالف لصريح العقل والنقل والذي ~~قاده إلى ذلك قوله أن المحبة هي الإرادة والمشيئة وأن كل ما شاءه فقد أراده ~~وأحبه ومن لم يفرق بين المشيئة والمحبة لزمه أحد أمرين باطلين لا بد له ms224 من ~~التزامه أما القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان أو القول ~~بأنه ما شاء ذلك ولا قدره ولا قضاه وقد قال بكل من المتلازمين طائفة قالت ~~طائفه لا يحبها ولا يرضاها فما شاءها ولا قضاها وقالت طائفة هي واقعة ~~بمشيئته وإرادته فهو يحبها ويرضاها فاشترك الطائفتان في هذا الأصل وتباينا ~~في لازمه وقد أنكر الله سبحانه على من احتج على محبته بمشيئته في ثلاثة ~~مواضع من كتابه في سورة الأنعام والنحل والزخرف فقال تعالى: {سيقول الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين ~~من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا ~~الظن وإن أنتم إلا تخرصون} وكذلك حكى عنهم في النحل ثم قال: {كذلك فعل ~~الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} وقال في الزخرف: {وقالوا ~~لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} فاحتجوا ~~على محبته لشركهم ورضاه به بكونه أقرهم عليه وأنه لولا محبته له ورضاه به ~~لما شاءه منهم وعارضوا بذلك أمره ونهيه ودعوة الرسل قالوا كيف يأمر بالشيء ~~قد شاء منا خلافه وكيف يكره منا شيئا قد شاء وقوعه ولو كرهه لم يمكنا منه ~~ولحال بيننا وبينه فكذبهم سبحانه في ذلك وأخبر أن هذا تكذيب منهم لرسله وأن ~~رسله متفقون على أنه سبحانه يكره شركهم ويبغضه ويمقته وأنه لولا بغضه ~~وكراهته لما أذاق المشركين بالله عذابه فإنه لا يعذب عبده على ما يحبه ثم ~~طالبهم بالعلم على صحة مذهبهم بأن الله أذن فيه وأنه يحبه ويرضى به ومجرد ~~إقراره لهم قدرا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء وإلا كان الظلم ~~والفواحش والسعي في الأرض بالفساد والبغي محبوبا له مرضيا ثم أخبر سبحانه ~~أن مستندهم في ذلك إنما هو الظن وهو أكذب الحديث وأنهم لذلك كانوا أهل ~~الخرص والكذب ثم أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين إحداهما ما ms225 ركبه ~~فيهم من العقول التي يفرقون بها بين الحسن والقبيح والباطل والأسماع ~~والأبصار التي هي آلة إدراك الحق والتي يفرق بها بينه وبين الباطل والثانية ~~إرسال رسله وإنزال كتبه وتمكينهم من الإيمان والإسلام ولم يؤاخذهم بأحد ~~الأمرين بل بمجموعها لكمال عدله وقطعا لعذرهم من جميع الوجوه ولذلك سمى ~~حجته عليهم بالغة أي قد بلغت غاية البيان وأقصاه بحيث لم يبق معها مقال ~~لقائل ولا عذر لمعتذر ومن اعتذر إليه سبحانه بعذر صحيح قبله ثم ختم الآية ~~بقوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته وهذا من تمام ~~حجته البالغة فإنه إذا امتنع الشيء لعدم مشيئته لزم وجوده عند مشيئته فما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن كان هذا من أعظم أدلة التوحيد ومن أبين أدلة ~~بطلان ما أنتم عليه من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه فما احتججتم به من ~~المشيئة على ما أنتم عليه من الشرك هو من # PageV01P126 # أظهر الأدلة على بطلانه وفساده فلو أنهم ذكروا القدر والمشيئة توحيدا له ~~وافتقارا والتجاء إليه وبراءة من الحول والقوة إلا به ورغبة إليه أن يقيلهم ~~مما لو شاء أن لا يقع منهم لما وقع لنفعهم ذلك ولفتح لهم باب الهداية ولكن ~~ذكروه معارضين به أمره ومبطلين به دعوة الرسل فما ازدادوا به إلا ضلالا ~~والمقصود أنه سبحانه قد فرق بين حجته ومشيئته وقد حكى أبو الحسن الأشعري في ~~مقالاته اتفاق أهل السنة والحديث على ذلك والذي حكى عنه ابن فورك في كتاب ~~تجريده لمقالاته أنه كان يفرق بين ذلك قال: "وكان لا يفرق بين الود والحب ~~والإرادة والمشيئة والرضا وكان لا يقول أن شيئا منها يخص بعض المردات دون ~~بعض بل كان يقول أن كل واحد منها بمعنى صاحبه على جهة التقييد الذي يزول ~~معه الإبهام وهو أن المؤمن محبوب لله أن يكون مؤمنا من أهل الخير كما علم ~~والكافر أيضا مراد أن يكون كافرا كما علم من أهل الشر ويحب أن يكون ذلك ~~كذلك كما علم وكذلك ms226 كان يقول في الرضا والاصطفاء والاختيار ويقيد اللفظ ~~بذلك حتى لا يتوهم فيه الخطأ" انتهى والذي عليه أهل الحديث والسنة قاطبه ~~والفقهاء كلهم وجمهور المتكلمين والصوفية أنه سبحانه يكره بعض الأعيان ~~والأفعال والصفات وإن كانت واقعة بمشيئته فهو يبغضها ويمقتها كما يبغض ذات ~~إبليس وذوات جنوده ويبغض أعمالهم ولا يحب ذلك وإن وجد بمشيئته قال الله ~~تعالى: {والله لا يحب الفساد} وقال: {والله لا يحب الظالمين} وقال:: {إن ~~الله لا يحب كل مختال فخور} وقال:: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا ~~من ظلم} وقال:: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} وقال:: {إن تكفروا ~~فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر} فهذا إخبار عن عدم محبته لهذه ~~الأمور ورضاه بها بعد وقوعها فهذا صريح في إبطال قول من تأول النصوص على ~~أنه لا يحبها ممن لم تقع منه ويحبها إذا وقعت فهو يحبها ممن وقعت منه ولا ~~يحبها ممن لم تقع منه وهذا من أعظم الباطل والكذب على الله بل هو سبحانه ~~يكرهها ويبغضها قبل وقوعها وحال وقوعها وبعد وقوعها فإنها قبائح وخبائث ~~والله منزه عن محبة القبيح والخبيث بل هو أكره شيء إليه قال الله تعالى: ~~{كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} وقد أخبر سبحانه أنه يكره طاعات ~~المنافقين ولأجل ذلك يثبطهم عنها فكيف يحب نفاقهم ويرضاه ويكون أهله ~~محبوبين له مصطفين عنده مرضيين ومن هذا الأصل الباطل نشأ قولهم باستواء ~~الأفعال بالنسبة إلى الرب سبحانه وأنها لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح ~~فلا فرق بالنسبة إليه سبحانه بين الشكر والكفر ولذلك قالوا لا يجب شكره على ~~نعمه عقلا فعن هذا الأصل قالوا أن مشيئته هي عين محبته وإن كل ما شاءه فهو ~~محبوب له ومرضى له ومصطفى ومختار فلم يمكنهم بعد تأصل هذا الأصل أن يقولوا ~~أنه يبغض الأعيان والأفعال التي خلقها ويحب بعضها بل كل ما فعله وخلقه فهو ~~محبوب له والمكروه المبغوض ما لم يشأه ولم يخلقه وإنما أصلوا هذا الأصل ms227 ~~محافظة منهم على القدر فحثوا به على الشرع والقدر والتزموا لأجله لوازم ~~شوشوا بها على القدر والحكمة وكابروا لأجلها صريح العقل وسووا بين أقبح ~~القبائح وأحسن الحسنات في نفس الأمر وقالوا هما سواء لا فرق بينهما إلا ~~بمجرد الأمر والنهي فالكذب عندهم والظلم والبغي والعدوان مساو للصدق والعدل ~~والإحسان في نفس الأمر ليس في هذا ما يقتضي حسنه ولا في هذا ما يقتضي قبحه ~~وجعلوا هذا المذهب شعارا لأهل السنة والقول بخلافه قول أهل البدع من ~~المعتزلة وغيرهم ولعمر الله أنه لمن أبطل الأقوال وأشدها منافاة # PageV01P127 # للعقل والشرع ولفطرة الله التي فطر عليها خلقه وقد بينا بطلانه من أكثر ~~من خمسين وجها في كتاب المفتاح والمقصود أنه لما انضم القول به إلى القول ~~بأنه سبحانه لا يحب شيئا ويبغض شيئا بل كل موجود فهو محبوب له وكل معدوم ~~فهو مكروه له وانضم إلى هذين الآخرين إنكار الحكم والغايات المطلوبة في ~~أفعاله سبحانه وأنه لا يفعل شيئا لمعنى ألبتة وانضم إلى ذلك إنكار الأسباب ~~وأنه لا يفعل شيئا بشيء وإنكار القوى والطبائع والغرائز وأن تكون أسبابا أو ~~يكون لها أثر انسد عليهم باب الصواب في مسائل القدر والتزموا لهذه الأصول ~~الباطلة لوازم هي أظهر بطلانا وفسادا وهي من أول شيء على فساد هذه الأصول ~~وبطلانها فإن فساد اللازم من فساد ملزومه فإن قيل الكراهة والمحبة ترجع إلى ~~المنافرة والملائمة للطبع وذلك محال في حق من لا يصف بطبع ولا منافرة ولا ~~ملائمة قيل قد دلت النصوص التي لا تدفع على وصفه تعالى بالمحبة والكراهة ~~فتبينكم حقائق ما دلت عليه بالتعبير عنها بملائمة الطبع ومنافرته باطل وهو ~~كنفي كل مبطل حقائق أسمائه وصفاته بالتعبير عنها بعبارات اصطلاحية توصل بها ~~إلى نفي ما وصف به نفسه كتسمية الجهمية المعطلة صفاته أعراضا ثم توصلوا ~~بهذه التسمية إلى نفيها وسموا أفعاله القائمة به حوادث ثم توصلوا بهذه ~~التسمية إلى نفيها وقالوا لا تحله الحوادث كما قالت المعطلة لا تقوم به ~~الأعراض وسموا علوه على خلقه ms228 واستواءه على عرشه وكونه قاهرا فوق عباده ~~تحيزا وتجسما ثم توصلوا بنفي ذلك إلى نفي علوه عن خلقه واستوائه على عرشه ~~وسموا ما أخبر به عن نفسه من الوجه واليدين والأصبع جوارح وأعضاء ثم نفوا ~~ما أثبته لنفسه بتسميتهم له بغير تلك الأسماء: {إن هي إلاأسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلاالظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى} فتوصلوا بالتشبيه والتجسيم والتركيب والحوادث ~~والأعراض والتحيز إلى تعطيل صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأخلوا تلك ~~الأسماء من معانيها وعطلوها من حقائقها فيقال لمن نفى محبته وكراهته ~~لاستلزامهما ميل الطبع ونفرته ما الفرق بينك وبين من نفى كونه مريدا ~~لاستلزام الإرادة حركة النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها ونفى سمعه ~~وبصره لاستلزام ذلك تأثر السمع والبصر بالمسموع والمبصر وانطباع صورة ~~المرئي في الرائي وحمل الهواء الصوت المسموع إلى إذن السامع ومن نفى علمه ~~لاستلزامه انطباع صورة المعلوم في النفس الناطقة ونفي غضبه ورضاه لاستلزام ~~ذلك حركة القلب وانفعاله بما يرد عليه من المؤلم والسار ونفي كلامه ~~لاستلزام الكلام محلا يقوم به ويظهر منه من شفة ولسان ولهوات ولما لم يكن ~~أحدا أقر بوجود رب العالمين طرد ذلك وقع في التناقض ولا بد فإنه أي شيء ~~أثبته لزمه فيه ما التزم كمن أثبت ما نفاه هو من غير فرق البتة ولهذا قال ~~الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة: "لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل ~~شناعة المشنعين" والمقصود أنا لا نجحد محبته تعالى لما يحبه وكراهته لما ~~يكرهه لتسمية النفاة ذلك ملائمة ومنافرة وينبغي التفطن لهذا الموضع فإنه من ~~أعظم أصول الضلال فلا نسمي العرش حيزا ولا نسمي الاستواء تحيزا ولا نسمي ~~الصفات إعراضا ولا الأفعال حوادث ولا الوجه واليدين والأصابع جوارح وأعضاء ~~ولا إثبات صفات كماله التي وصف بها نفسه تجسيما وتشبيها فنجني جنايتين ~~عظيمتين جناية على اللفظ وجناية على المعنى فنبدل الاسم ونعطل معناه ونظير ~~هذا تسمية خلقه سبحانه لأفعال ms229 عباده وقضائه السابق جبرا ولذلك أنكر أئمة ~~ألسنة كالأوزاعي # PageV01P128 # وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وغيرهم هذا اللفظ قال ~~الأوزاعي والزبيدي: "ليس في الكتاب والسنة لفظ جبر وإنما جاءت السنة بلفظ ~~الجبر كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لأشج عبد القيس إن ~~فيك خلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما أم جبلت ~~عليهما فقال: بل جبلت عليهما فقال الحمد لله الذي جبلني على ما يحب" فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جبله على الحلم والأناة وهما من الأفعال ~~الاختيارية وإن كانا خلقين قائمين بالعبد فإن من الأخلاق ما هو كسبي ومنها ~~ما لا يدخل تحت الكسب والنوعان قد جبل الله العبد عليهما وهو سبحانه يهب ما ~~جبل عبده عليه من محاسن الأخلاق ويكره ما جبله عليه من مساويها فكلاهما ~~بجبله وهذا محبوب له وهذا مكروه كما أن جبريل صلوات الله عليه مخلوق له ~~وإبليس عليه لعائن الله مخلوق له وجبريل محبوب له مصطفى عنده وإبليس أبغض ~~خلقه إليه ومما يوضح ذلك أن لفظ الجبر لفظ مجمل فإنه يقال أجبر الأب ابنته ~~على النكاح وجبر الحاكم الرجل على البيع ومعنى هذا الجبر أكرهه عليه ليس ~~معناه أنه جعله محبا لذلك راضيا به مختارا له والله تعالى إذا خلق فعل ~~العبد جعله محبا له مختارا لإيقاعه راضيا به كارها لعدمه فإطلاق لفظ الجبر ~~على ذلك فاسد لفظا ومعنى فإن الله سبحانه أجل وأعز من أن يجبر عبده بذلك ~~المعنى وإنما يجبر العاجز عن أن يجعل غيره فاعلا بإرادته ومحبته ورضاه وأما ~~من جعل فعل العبد مريدا محبا مؤثرا لما يفعله فكيف يقال أنه جبره عليه فهو ~~سبحانه أجل وأعظم وأقدر من أن يجبر عبده ويكرهه على فعل يشاؤه منه بل إذا ~~شاء من عبده أن يفعل فعلا جعله قادرا عليه مريدا له محبا مختارا لإيقاعه ~~وهو أيضا قادر على أن يجعله فاعلا له باختياره مع كراهته له وبغضه ونفرته ~~عنه فكل ما ms230 يقع من العباد بإرادتهم ومشيئاتهم فهو سبحانه الذي جعلهم فاعلين ~~له سواء أحبوه وأبغضوه وكرهوه وهو سبحانه لم يجبرهم في النوعين كما يجبر ~~غيره من لا يقدر على جعله فاعلا بإرادته ومشيئته نعم نحن لا ننكر استعمال ~~لفظ الجبر فيما هو أعم من ذلك بحيث يتناول من قهر غيره وقدر على جعله فاعلا ~~لما يشاء فعله وتاركا لما لا يشاء فعله فإنه سبحانه المحدث لإرادته له ~~وقدرته عليه قال محمد بن كعب القرطبي في اسم الجبار: "أنه سبحانه هو الذي ~~جبر العباد على ما أراد" وفي الدعاء المعروف عن علي رضي الله عنه: "اللهم ~~داحي المدحوات وبارئ المسموكات جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها" ~~فالجبر بهذا المعنى معناه القهر والقدرة وأنه سبحانه قادر على أن يفعل ~~بعبده ما شاء وإذا شاء منه شيئا وقع ولا بد وإن لم يشأ لم يكن ليس كالعاجز ~~الذي يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء والفرق بين هذا الجبر وجبر المخلوق ~~لغيره من وجوه، أحدها أن المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدا للفعل ~~محبا له والرب تعالى قادر على جعل عبده كذلك، الثاني أن المخلوق قد يجبر ~~غيره إجبارا يكون به ظالما معتديا عليه والرب أعدل من ذلك فإنه لا يظلم ~~أحدا من خلقه بل مشيئته نافذة فيهم بالعدل والإحسان بل عدله فيهم من إحسانه ~~إليهم كما سنبينه إن شاء الله تعالى، الثالث أن المخلوق يكون في جبره لغيره ~~سفيها أو عائبا أو جاهلا والرب تعالى إذا جبر عبده على أمر من الأمور كان ~~له في ذلك من الحكمة والعدل والإحسان والرحمة ما هو محمود عليه بجميع وجوه ~~الحمد، الرابع أن المخلوق يجبر غيره لحاجته إلى ما جبره عليه ولانتفاعه ~~بذلك وهذا لأنه فقير بالذات وأما الرب تعالى فهو الغني بذاته الذي كل ما ~~سواه محتاج إليه وليس به حاجة إلى أحد، الخامس أن المخلوق يجبر غيره # PageV01P129 # لنقصه فيجبره ليحصل له الكمال بما أجبره عليه والرب له الكمال المطلق من ~~جميع ms231 الوجوه وكماله من لوازم ذاته لم يستفده من خلقه بل هو الذي أعطاهم من ~~الكمال ما يليق بهم فالمخلوق يجبر غيره ليتكمل والرب تعالى منزه عن كل نقص ~~فكماله المقدس ينفي الجبر، السادس أن المخلوق يجبر غيره على فعل يعينه به ~~على غرضه لعجزه عن التوصل إليه إلا بمعاونته له فصار الفعل من هذا والقهر ~~والإكراه من هذا محصلا لغرض المكره كما أن المعين لغيره باختياره شريك له ~~في الفعل والرب تعالى غني عما سواه بكل وجه فيستحيل في حقه الجبر، السابع ~~أن المجبور على ما لا يريد فعله يجد من نفسه فرقا ضروريا بينه وبين ما يريد ~~فعله باختياره ومحبته فالتسوية بين الأمرين تسوية بين ما علم بالحس ~~والاضطرار الفرق بينهما وهو كالتسوية بين حركة المرتعش وحركة الكاتب وهذا ~~من أبطل الباطل، الثامن أن الله سبحانه قد فطر العباد على أن المجبور ~~المكره على الفعل معذور لا يستحق الذم والعقوبة ويقولون قد أكره على كذا ~~وجبره السلطان عليه وكما أنهم مفطورون على هذا فهم مفطورون أيضا على ذم من ~~فعل القبائح باختياره وشريعته سبحانه موافقة لفطرته في ذلك فمن سوى بين ~~الأمرين فقد خرج عن موجب الشرع والعقل والفطرة، التاسع أن من أمر غيره ~~بمصلحة المأمور وما هو محتاج إليه ولا سعادة له ولا فلاح إلا به لا يقال ~~جبره على ذلك وإنما يقال نصحه وأرشده ونفعه وهداه ونحو ذلك وقد لا يختار ~~المأمور المنهي ذلك فيجبره الناصح له على ذلك من له ولاية الإجبار وهذا جبر ~~الحق وهو جائز بل واقع في شرع الرب وقدره وحكمته ورحمته وإحسانه لا نمنع ~~هذا الجبر، العاشر أن الرب ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله فجعله العبد فاعلا لقدرته ومشيئته واختياره أمر يختص به تبارك ~~وتعالى والمخلوق لا يقدر أن يجعل غيره فاعلا إلا بإكراهه له على ذلك فإن لم ~~يكرهه لم يقدر على غير الدعاء والأمر بالفعل وذلك لا يصير العبد فاعلا ~~فالمخلوق هو يجبر غيره ms232 على الفعل ويكرهه عليه فنسبه ذلك إلى الرب تشبيه له ~~في أفعاله بالمخلوق الذي لا يجعل غيره فاعلا إلا بجبره له وإكراهه فكمال ~~قدرته تعالى وكمال علمه وكمال مشيئته وكمال عدله وإحسانه وكمال غناه وكمال ~~ملكه وكمال حجته على عبده تنفي الجبر. # فصل: فالطوائف كلها متفقة على الكسب ومختلفون في حقيقته فقالت القدرية هو ~~إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته استقلالا وليس للرب صنع فيه ولا هو خالق ~~فعله ولا مكونه ولا مريدا له وقالت الجبرية الكسب اقتران الفعل بالقدرة ~~الحادثه من غير أن يكون لها فيه أمر وكلا الطائفتين فرق بين الخلق والكسب ~~ثم اختلفوا فيما وقع به الفرق فقال الأشعري في عامة كتبه: "معنى الكسب أن ~~يكون الفعل بقدرة محدثة فمن وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق ومن ~~وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب" وقال قائلون من يفعل بغير آلة ولا جارحة ~~فهو خالق ومن يحتاج في فعله إلى الآلات والجوارح فهو مكتسب وهذا قول ~~الإسكافي وطوائف من المعتزلة قال واختلفوا هل يقال أن الإنسان فاعل على ~~الحقيقة فقالت المعتزلة كلها إلا الناشئ: "أن الإنسان فاعل محدث ومخترع ~~ومنشئ على الحقيقة دون المجاز" وقال الناشئ: "الإنسان لا يفعل في الحقيقة ~~ولا يحدث في الحقيقة" وكان يقول: "أن البارئ أحدث كسب الإنسان قال فلزمه ~~محدث لا لمحدث في الحقيقة ومفعول لا لفاعل في الحقيقة" قلت وجه إلزامه ذلك ~~أنه قد أعطى أن الإنسان غير فاعل # PageV01P130 # لفعله وفعله مفعول وليس هو فعلا لله ولا فعلا للعبد فلزمه مفعول من غير ~~فاعل ولعمر الله أن هذا الإلزام لازم لأبي الحسن وللجبرية فإن عندهم ~~الإنسان ليس بفاعل حقيقة والفاعل هو الله وأفعال الإنسان قائمة لم تقم ~~بالله فإذا لم يكن الإنسان فاعلها مع قيامها به فكيف يكون الله سبحانه هو ~~فاعلها ولو كان فاعلها لعادت أحكامها عليه واشتقت له منها أسماء وذلك ~~مستحيل على الله فيلزمك أن تكون أفعالا لا فاعل لها فإن العبد ليس بفاعل ~~عندك ولو كان الرب فاعلا ms233 لها لاشتقت له منها أسماء وعاد حكمها عليه، فإن ~~قيل فما تقولون أنتم في هذا المقام، قلنا لا نقول بواحد من القولين بل نقول ~~هي أفعال للعباد حقيقة ومفعولة للرب فالفعل عندنا غير المفعول وهو إجماع من ~~أهل السنة حكاه الحسين بن مسعود البغوي وغيره فالعبد فعلها حقيقة والله ~~خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته وسر المسألة أن ~~العبد فاعل منفعل باعتبارين هل هو منفعل في فاعليته فربه تعالى هو الذي ~~جعله فاعلا بقدرته ومشيئته وأقدره على الفعل وأحدث له المشيئة التي يفعل ~~بها قال الأشعري وكثير من أهل الإثبات يقولون: "أن الإنسان فاعل في الحقيقة ~~بمعنى مكتسب" ويمنعون أنه محدث قلت هؤلاء وقفوا عند ألفاظ الكتاب والسنة ~~فإنهما مملوآن من نسبة الأفعال إلى العبد باسمها العام وأسمائها الخاصة ~~فالاسم العام كقوله تعالى: {تعملون} : {تفعلون} : {تكسبون} والأسماء ~~الخاصة: {يقيمون الصلاة} : {ويؤتون الزكاة} : {ويؤمنون} : {ويخافون} : ~~{يتوبون} : {يجاهدون} وأما لفظ الإحداث فلم يجيء إلا في الذم كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا" فهذا ليس بمعنى ~~الفعل والكسب وكذلك قول عبد الله بن مغفل لابنه: "إياك والحدث في الإسلام" ~~ولا يمتنع إطلاقه على فعل الخير مع التقييد قال بعض السلف: "إذا أحدث الله ~~لك نعمة فأحدث لها شكرا وإذا أحدثت ذنبا فأحدث له توبة" ومنه قوله هل أحدثت ~~توبة وأحدث للذنب استغفارا ولا يلزم من ذلك إطلاق اسم المحدث عليه والإحداث ~~على فعله قال الأشعري وبلغني أن بعضهم أطلق في الإنسان أنه محدث في الحقيقة ~~بمعنى مكتسب قلت ههنا ألفاظ وهي فاعل وعامل ومكتسب وكاسب وصانع ومحدث وجاعل ~~ومؤثر ومنشئ وموجد وخالق وبارئ ومصور وقادر ومريد وهذه الألفاظ ثلاثة أقسام ~~قسم لم يطلق إلا على الرب سبحانه كالبارئ والبديع والمبدع وقسم لا يطلق إلا ~~على العبد كالكاسب والمكتسب وقسم وقع إطلاقه على الرب والعبد كاسم صانع ~~وفاعل وعامل ومنشئ ومريد وقادر وأما الخالق والمصور فإن استعملا مطلقين غير ~~مقيدين لم يطلقا إلا ms234 على الرب كقوله الخالق البارئ المصور وإن استعملا ~~مقيدين أطلقا على العبد كما يقال لمن قدر شيئا في نفيه أنه خلقه قال: # ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفر # أي لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما قدرته في نفسك وغيرك يقدر أشياء وهو عاجز ~~عن إنفاذها وإمضائها وبهذا الاعتبار صح إطلاق خالق على العبد في قوله ~~تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} أي أحسن المصورين والمقدرين والعرب ~~تقول قدرت الأديم وخلقته إذا قسته لتقطع منه مزادة أو قربة ونحوها قال ~~مجاهد: "يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين" وقال الليث: "رجل خالق أي ~~صانع وهن الخالقات للنساء" وقال مقاتل: "يقول تعالى هو أحسن خلقا من الذين ~~يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء وأما البارئ فلا يصح إطلاقه ~~إلا عليه سبحانه فإنه الذي برأ الخليقة وأوجدها بعد عدمها # PageV01P131 # والعبد لا تتعلق قدرته بذلك إذ غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده ~~الرب تعالى وبراه وتغييرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا تتعداه قدرته ~~ليس من هذا بريت القلم لأنه معتل لا مهموز ولا برأت من المرض لأنه فعل لازم ~~غير متعد وكذلك مبدع الشيء وبديعه لا يصح إطلاقه إلا على الرب كقوله: {بديع ~~السماوات والأرض} والإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق والعبد يسمى ~~مبتدعا لكونه أحدث قولا لم تمض به سنة ثم يقال لمن اتبعه عليه مبتدع أيضا ~~وأما لفظ الموجد فلم يقع في أسمائه سبحانه وإن كان هو الموجد على الحقيقة ~~ووقع في أسمائه الواجد وهو بمعنى الغنى الذي له الوجد وأما الموجد فهو مفعل ~~من أوجد وله معنيان أحدهما: أن يجعل الشيء موجودا وهو تعدية وجده وأوجده ~~قال الجوهري: "وجد الشيء عن عدم فهو موجد مثل حم فهو محموم" وأوجده الله ~~ولا يقال وجدوه والمعنى الثاني: أوجده جعل له جدة وغنى وهذا يتعدى إلى ~~مفعولين قال في الصحاح: "أوجده الله مطلوبه أي أظفره به وأوجده أي أغناه" ~~قلت وهذا يحتمل أمرين أحدهما: ms235 أن يكون من باب حذف أحد المفعولين أي أوجده ~~مالا وغنى وأن يكون من باب صيره واجدا مثل أغناه وأفقره إذا صيره غنيا ~~وفقيرا فعلى التقدير الأول يكون تعديه وجد مالا وغنى وأوجده الله إياه وعلى ~~الثاني يكون تعديه وجد وجدا إذا استغنى ومصدر هذا الوجد بالضم والفتح ~~والكسر قال تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} فغير ممتنع أن يطلق على ~~من يفعل بالقدرة المحدثة أنه أوجد مقدوره كما يطلق عليه أنه فعله وعمله ~~وصنعه وأحدثه لا على سبيل الاستقلال وكذلك لفظ المؤثر لم يرد إطلاقه في ~~أسماء الرب وقد وقع إطلاق الأثر والتأثير! على فعل العبد قال تعالى: {إنا ~~نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} قال ابن عباس: "ما أثروا من خير أو ~~شر فسمى ذلك آثارا لحصوله بتأثيرهم" ومن العجب أن المتكلمين يمتنعون من ~~إطلاق التأثير والمؤثر على من أطلق عليه في القرآن والسنة كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لبني سلمة: "دياركم تكتب آثاركم" أي الزموا دياركم ~~ويخصونه بمن لم يقع إطلاقه عليه في كتاب ولا سنة وإن استعمل في حقه الإيثار ~~والاستئثار كما قال أخو يوسف: {تالله لقد آثرك الله علينا} وفي الأثر: "إذا ~~استأثر الله بشيء فاله عنه" وقال الناظم: # استأثر الله بالثناء وبالحمد ... وولى الملامة الرجلا # ولما كان التأثير تفعيلا من أثرت في كذا تأثير فأنا مؤثر لم يمتنع إطلاقه ~~على العبد قال في الصحاح التأثير إبقاء الأثر في الشيء وأما لفظ الصانع فلم ~~يرد في أسماء الرب سبحانه ولا يمكن ورودها فإن الصانع من صنع شيئا عدلا كان ~~أو ظلما سفها أو حكمة جائزا أو غير جائز وما انقسم مسماه إلى مدح وذم لم ~~يجئ اسمه المطلق في الأسماء الحسنى كالفاعل والعامل والصانع والمريد ~~والمتكلم لانقسام معاني هذه الأسماء إلى محمود ومذموم بخلاف العالم والقادر ~~والحي والسميع والبصير وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم العبد صانعا قال ~~البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا مروان بن معاوية ثنا أبو ms236 مالك عن ربعي ~~بن خراش عن حذيفة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يصنع كل صانع ~~وصنعته" وقد أطلق سبحانه على فعله اسم الصنع فقال: {صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء} وهو منصوب على المصدر لأن قوله تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي ~~تمر مر السحاب} يدل على الصنعة وقيل هو نصب على المفعولية أي انظروا صنع ~~الله فعلى الأول يكون صنع الله مصدرا بمعنى الفعل وعلى الثاني يكون # PageV01P132 # بمعنى المصنوع المفعول فإنه الذي يمكن وقوع النظر والرؤية عليه وأما ~~الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلا كقوله: {وينشئ السحاب الثقال} ~~وقوله: {فأنشأنا لكم به جنات} وقوله: {وننشئكم في ما لا تعلمون} وهو كثير ~~ولم يرد لفظ المنشئ وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر وهو شروعه ~~في الفعل وابتداؤه له يقول أنشأ يحدثنا وأنشأ السير فهو منشأ لذلك وهذا ~~إنشاء مقيد وإنشاء الرب إنشاء مطلق وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء ~~أنشأه الله أي ابتدأ خلقه وأنشأ يفعل كذا ابتداء وفلان ينشئ الأحاديث أي ~~يبتدئ وضعها والناشئ أول ما ينشأ من السحاب قال الجوهري: "وناشئة الليل أول ~~ساعاته" قلت هذا قد قاله غير واحد من السلف إن ناشئة الليل أوله التي منها ~~ينشأ الليل والصحيح أنها لا تختص بالساعة الأولى بل هي ساعاته ناشئة بعد ~~ناشئة كلما انقضت ساعة نشأت بعدها أخرى وقال أبو عبيدة: "ناشئة الليل ~~ساعاته وآناؤه ناشئة بعد ناشئة" قال الزجاج: "ناشئة الليل كلما نشأ منه أي ~~حدث منه فهو ناشئة" قال ابن قتيبة: "هي آناء الليل وساعاته" مأخوذة من نشأت ~~تنشأ نشأ أي ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء وأنشأها الله فنشأت والمعنى أن ~~ساعات الليل الناشئة وقول صاحب الصحاح منقول عن كثير من السلف قال علي بن ~~الحسين: "ناشئة الليل ما بين المغرب إلى العشاء" وهذا قول أنس وثابت وسعيد ~~بن جبير والضحاك والحكم واختيار الكسائي قالوا: "ناشئة الليل أوله" وهؤلاء ~~راعوا معنى الأولية في الناشة وفيها قول ثالث أن الليل كله ms237 ناشئة وهذا قول ~~عكرمة وأبي مجلز ومجاهد والسدي وابن الزبير وابن عباس في رواية قال ابن أبي ~~مليكة سألت ابن الزبير وابن عباس عن ناشئة الليل فقالا: "الليل كله ناشئة" ~~فهذه أقوال من جعل ناشئة الليل زمانا وأما من جعلها فعلا ينشأ بالليل ~~فالناشئة عندهم اسم لما يفعل بالليل من القيام وهذا قول ابن مسعود ومعاوية ~~بن قرة وجماعة قالوا: "ناشئة الليل قيام الليل" وقال آخرون منهم عائشة إنما ~~يكون القيام ناشئة إذا تقدمه نوم قالت عائشة: "ناشئة الليل القيام بعد ~~النوم" وهذا قول ابن الأعرابي قال: "إذا نمت من أول الليل نومة ثم قمت فتلك ~~النشأة" ومنه ناشئة الليل فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من إضافة نوع ~~إلى جنسه أي ناشئة منه وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في أي طاعة ناشئة فيه ~~والمقصود أن الإنشاء ابتداء سواء تقدمه مثله كالنشأة الثانية أو لم يتقدمه ~~كالنشأة الأولى وأما الجعل فقد أطلق على الله سبحانه بمعنيين أحدهما: ~~الإيجاد والخلق والثاني: التصيير فالأول يتعدى إلى مفعول كقوله وجعلنا ~~الظلمات والنور والثاني: أكثر ما يتعدى إلى مفعولين كقوله: {إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا} وأطلق على العبد بالمعنى الثاني خاصة كقوله: {وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} وغالب ما يستعمل في حق العبد في جعل التسمية ~~والاعتقاد حيث لا يكون له صنع في المجعول كقوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن إناثا} وقوله: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه ~~حراما وحلالا} وهذا يتعدى إلى واحد وهو جعل اعتقاد وتسمية وأما الفعل ~~والعمل فإطلاقه على العبد كثير: {لبئس ما كانوا يفعلون} : {لبئس ما كانوا ~~يعملون} : {بما كنتم تعملون} وأطلقه على نفسه فعلا واسما فالأول كقوله: ~~{ويفعل الله ما يشاء} والثاني كقوله: {فعال لما يريد} وقوله: {وكنا فاعلين} ~~في موضعين من كتابه أحدهما قوله: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا ~~فاعلين} والثاني قوله: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق ~~نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} ms238 فتأمل قوله كنا فاعلين في هذين الموضعين # PageV01P133 # المتضمن للصنع العجيب الخارج عن العادة كيف تجده كالدليل على ما أخبر به ~~وأنه لا يستعصي على الفاعل حقيقة أي شأننا الفعل كما لا يخفى الجهر ~~والإسرار بالقول على من شأنه العلم والخبرة ولا تصعب المغفرة على من شأنه ~~أن يغفر الذنوب ولا الرزق على من شأنه أن يرزق العباد وقد وقع الزجاج على ~~هذا المعنى بعينه فقال: "وكنا فاعلين قادرين على فعل ما نشاء". # PageV01P134 ### | الباب الثامن عشر: في فعل وافعل في القضاء والقدر والكسب وذكر الفعل والانفعال # ينبغي الاعتناء بكشف هذا الباب وتحقيق معناه فبذلك ينحل عن العبد أنواع ~~من ضلالات القدرية والجبرية حيث لم يعطوا هذا الباب حقه من العرفان، اعلم ~~أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل والعبد فاعل منفعل وهو في فاعليته منفعل ~~للفاعل الذي لا ينفعل بوجه فالجبرية شهدت كونه منفعلا يجري عليه الحكم ~~بمنزلة الآلة والمحل وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار ولم يجعلوه فاعلا ~~إلا على سبيل المجاز فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة مرض وألم ~~ومات ونحو ذلك مما هو فيه منفعل محض والقدرية شهدت كونه فاعلا محضا غير ~~منفعل في فعله وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء وأهل العلم والاعتدال أعطوا ~~كلا المقامين حقه ولم يبطلوا أحد الأمرين بالآخر فاستقام لهم نظرهم ~~ومناظرتهم واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه ومهدوا وقوع الثواب والعقاب ~~على من هو أولى به فأثبتوا نطق العبد حقيقة وإنطاق الله له حقيقة قال ~~تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ~~شيء} فالإنطاق فعل الله الذي لا يجوز تعطيله والنطق فعل العبد الذي لا يمكن ~~إنكاره كما قال تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} ~~فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر به وأن ~~هذا حقيقة لا مجاز ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازا لم يكن ناطقا عنده ~~حقيقه فلا يكون التشبيه بنطقه محققا ms239 لما أخبر به فتأمله ونظير هذا قوله ~~تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى} فهو المضحك المبكي حقيقة والعبد الضاحك الباكي ~~حقيقة كما قال تعالى: {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} وقال: {أفمن هذا ~~الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون} فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي ~~الذي أضحك وأبكى لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك فإذا أحب عبدا أنطقه بما ~~يحب وأثابه عليه وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه فعاقبه عليه وهو الذي أنطق هذا ~~وهذا وأجرى ما يحب على لسان هذا وما يكره على لسان هذا كما أنه أجرى على ~~قلب هذا ما أضحكه وعلى قلب هذا ما أبكاه وكذلك قوله تعالى: {هو الذي يسيركم ~~في البر والبحر} وقوله: {قل سيروا في الأرض} فالتسيير فعله حقيقة والسير ~~فعل العبد حقيقة فالتسيير فعل محض والسير فعل وانفعال ومن هذا قوله تعالى: ~~{فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} فهو سبحانه المزوج ورسوله المتزوج وكذلك ~~قوله: {وزوجناهم بحور عين} فهو المزوج وهم المتزوجون وقد جمع سبحانه بين ~~الأمرين في قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} فالإزاغة فعله والزيغ ~~فعلهم فإن قيل أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله وأنه لولا ~~إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا ولا ضحكوا ولا بكوا وقد دلت هذه ~~الآية على أن فعله بعد فعلهم وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن # PageV01P134 # زاغوا وهذا يدل على أن إزاغة قلوبهم هو حكمه عليها بالزيغ لا جعلها زائغة ~~وكذلك قوله أنطقنا الله المراد جعل لنا آلة النطق وأضحك وأبكى جعل لهم آلة ~~الضحك والبكاء قيل أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير ~~الإزاغة التي زاغوا بها أولا عقوبة لهم على زيغهم والرب تعالى يعاقب على ~~السيئة بمثلها كما يثيب على الحسنة بمثلها فحدث لهم زيغ آخر غير الزيغ ~~الأول فهم زاغوا أولا فجازاهم الله بإزاغة فوق زيغهم، فإن قيل فالزيغ الأول ~~من فعلهم وهو مخلوق لله فيهم على غير وجه الجزاء وإلا تسلسل الأمر، قيل بل ~~الزيغ الأول وقع جزاء لهم وعقوبة ms240 على تركهم الإيمان والتصديق لما جاءهم من ~~الهدى وهذا الترك أمر عدمي لا يستدعي فاعلا فإن تأثير الفاعل إنما هو في ~~الوجود لا في العدم، فإن قيل فهذا الترك العدمي له سبب أو لا سبب له، قيل ~~سببه عدم سبب ضده فبقي على العدم الأصلي ويشبه هذا قوله: {ولا تكونوا ~~كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} عاقبهم على نسيانهم له بأن أنساهم أنفسهم ~~فنسوا مصالحها أن يفعلوها وعيوبها أن يصلحوها وحظوظها أن يتناولوها ومن ~~أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها وهي لا نعيم لها ولا سرور ~~ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته والإقبال عليه والإعراض عما سواه ~~فأنساهم ذلك لما نسوه وأحدث لهم هذا النسيان نسيانا آخر وهذا ضد حال الذين ~~ذكروه ولم ينسوه فذكرهم مصالح نفوسهم ففعلوها وأوقفهم على عيوبها فأصلحوها ~~وعرفهم حظوظها العالية فبادروا إليها فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم ~~الإيمان ومحبته وذكره وشكره فلما خلت قلوبهم من ذلك لم يجدوا عن ضده محيصا ~~وهذا يبين لك كمال عدله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها وإذا كان ~~قضاؤه عليها بالكفر والذنوب عدلا منه عليها فقضاؤه عليها بالعقوبة أعدل ~~وأعدل فهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه وله فيها قضاآن قضاء ~~السبب وقضاء المسبب وكلاهما عدل فيه فإنه لما ترك ذكره وترك فعل ما يحبه ~~عاقبه بنسيان نفسه فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه ويسخطه بقضائه ~~الذي هو عدل فترتب له على هذا الفعل والترك عقوبات وآلام لم يكن له منها بد ~~بل هي مترتبة عليه ترتب المسببات على أسبابها فهو عدل محض من الرب تعالى ~~فعدل في العبد أولا وآخرا فهو محسن في عدله محبوب عليه محمود فيه يحمده من ~~عدل فيه طوعا وكرها قال الحسن: "لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما ~~وجدوا عليه سبيلا" وستزيد هذا الموضع بسطا وبيانا في باب دخول الشر في ~~القضاء الإلهي إن شاء الله إذ المقصود ههنا بيان كون العبد فاعلا منفعلا ~~والفرق في ms241 هذا الباب بين فعل وافعل وأن الله سبحانه أفعل والعبد فعل فهو ~~الذي أقام العبد وأضله وأماته والعبد هو الذي قام وضل ومات وأما قولكم أن ~~معنى أنطقه وأضحكه وأبكاه جعل له آلة ينطق بها ويضحك ويبكي فإعطاؤه الآلة ~~وحدها لا يكفي في صدق الفعل بأنه أنطقه وأضحكه فلو أن رجلا صمت يوما كاملا ~~فحلف حالف أن الله أنطقه لكان كاذبا حانثا ولو دعوت كافرين إلى الإسلام ~~فنطق أحدهما بكلمة الشهادة وسكت الآخر لم يقل أحد قط إن الله قد أنطق ~~الساكت كما أنطق المتكلم وكلاهما قد أعطى آلة النطق ومتعلق الأمر والنهي ~~والثواب والعقاب الفعل لا الأفعال، فإن قيل هل تطردون هذا في جميع أفعال ~~العبد من كفره وزناه وسرقته فتقولون أن الله أفعله وهو الذي فعل أو تخصون ~~ذلك ببعض الأفعال فيظهر تناقضكم، قيل ههنا أمران أمر لغوي وأمر معنوي فأما ~~اللغوي فإن ذلك لا يطرد في لغة # PageV01P135 # العرب لا يقولون أزنى الله الرجل وأسرقه وأشربه وأقتله إذا جعله يزني ~~ويسرق ويشرب ويقتل وإن كان في لغتها أقامه وأقعده وأنطقه وأضحكه وأبكاه ~~وأضله وقد يأتي هذا مضاعفا كفهمه وعلمه وسيره وقال تعالى: {ففهمناها ~~سليمان} فالتفهيم منه سبحانه والفهم من نبيه سليمان وكذلك قوله: {وعلمناه ~~من لدنا علما} فالتعليم منه سبحانه وكذلك التسيير والسير والتعلم من العبد ~~فهذا المعنى ثابت في جميع الأفعال فهو سبحانه هو الذي جعل العبد فاعلا كما ~~قال: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} : {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} فهو ~~سبحانه الذي جعل أئمة الهدى يهدون بأمره وجعل أئمة الضلال والبدع يدعون إلى ~~النار فامتناع إطلاق أكلمه فتكلم لا يمنع من إطلاق أنطقه فنطق وكذلك امتناع ~~إطلاق أهداه بأمره وادعاه إلى النار لا يمنع من إطلاق جعله يهدي بأمره ~~ويدعو إلى النار، فإن قيل ومع ذلك كله هل تقولون أن الله سبحانه هو الذي ~~جعل الزانيين يزنيان وهو الذي جمع بينهما على الفعل وساق أحدهما إلى صاحبه، ~~قيل أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي ms242 تشتمل على حق وباطل ~~فيطلقها من يريد حقها فينكرها من يريد باطلها فيرد عليه من يريد حقها وهذا ~~باب إذا تأمله الذكي الفطن رأى منه عجائب وخلصه من ورطات تورط فيها أكثر ~~الطوائف فالجعل المضاف إلى الله سبحانه يراد به الجعل الذي يحبه ويرضاه ~~والجعل الذي قدره وقضاه قال الله: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا ~~وصيلة ولا حام} فهذا نفي لجعله الشرعي الديني أي ما شرع ذلك ولا أمر به ولا ~~أحبه ورضيه وقال تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} فهذا جعل كوني ~~قدري أي قدرنا ذلك وقضيناه وجعل العبد إماما يدعو إلى النار أبلغ من جعله ~~يزني ويسرق ويقتل وجعله كذلك أيضا لفظ مجمل يراد به أنه جبره وأكرهه عليه ~~واضطره إليه وهذا محال في حق الرب تعالى وكماله المقدس يأبى ذلك وصفات ~~كماله تمنع منه كما تقدم ويراد به أنه مكنه من ذلك وأقدره عليه من غير أن ~~يضطره إليه ولا أكرهه ولا أجبره فهذا حق،فإن قيل هذا كله عدول عن المقصود ~~فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود، قيل الفاعل لها هو ~~الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود بأقدار الله له على ذلك ~~وتمكينه منه من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى فعلها، فإن قيل فمن الذي ~~خلقها إذا، قيل لكم ومن الذي فعلها فإن قلتم الرب سبحانه هو الفاعل للفسوق ~~والعصيان أكذبكم العقل والفطرة وكتب الله المنزلة وإجماع رسله وإثبات حمده ~~وصفات كماله فإن فعله سبحانه كله خير وتعالى أن يفعل شرا بوجه من الوجوه ~~فالشر ليس إليه والخير هو الذي إليه ولا يفعل إلا خيرا ولا يريد إلا خيرا ~~ولو شاء لفعل غير ذلك ولكنه تعالى تنزه عن فعل مالا ينبغي وإرادته ومشيئته ~~كما هو منزه عن الوصف به والتسمية به، وإن قلتم العبد هو الذي فعلها بما ~~خلق فيه من الإرادة والمشيئة، قيل فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها ~~بهذا الاعتبار ولو سلك الجبري مع القدري ms243 هذا المسلك لاستراح معه وأراحه ~~وكذلك القدري معه ولكن انحرف الفريقان عن سواء السبيل كما قال: # سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب # فإن قيل فهل يمكنه الامتناع منها وقد خلقت فيه نفسها أو أسبابها الموجبة ~~لها وخلق السبب الموجب خلق لمسببه وموجبه قيل هذا السؤال يورد على وجهين ~~أحدهما أن يراد به أنه يصير مضطرا إليها # PageV01P136 # ملجأ إلى فعلها بخلقها أو خلق أسبابها بحيث لا يبقى له اختيار في نفسه ~~ولا إرادة وتبقى حركته قسرية لا إرادية الثاني أنه هل لاختياره وإرادته ~~وقدرته تأثير فيها أو التأثير لقدرة الرب ومشيئته فقط وذلك هو السبب الموجب ~~للفعل فإن أوردتموه على الوجه الأول فجوابه أنه يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل ~~ولا يصير مضطرا ملجأ بخلقها فيه ولا بخلق أسبابها ودواعيها فإنها إنما خلقت ~~فيه على وجه يمكنه فعلها وتركها ولو لم يمكنه الترك لزم اجتماع النقيضين ~~وأن يكون مريدا غير مريد فاعلا غير فاعل ملجأ غير ملجأ وأن أوردتموه على ~~الوجه الثاني فجوابه أن لإرادته واختياره وقدرته أثرا فيها وهي السبب الذي ~~خلقها الله به في العبد فقولكم أنه لا يمكنه الترك مع الاعتراف بكونه ~~متمكنا من الفعل جمع بين النقيضين فإنه إذا تمكن من الفعل كان الفعل ~~اختياريا إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله فكيف يصح أن يقال لا يمكنه ترك ~~الفعل الاختياري الممكن هذا خلف من القول وحقيقة الأمر أنه يمكنه الترك لو ~~أراده لكنه لا يريده فصار لازما بالإرادة الجازمة، فإن قيل فهذا يكفي في ~~كونه مجبورا عليه، قيل هذا من أدل شيء على بطلان الجبر فإنه إنما لزم ~~بإرادته المنافية للجبر ولو كان وجوب الفعل بالإرادة يقتضي الجبر لكان الرب ~~تعالى وتقدس مجبورا على أفعاله لوجوبها بإرادته ومشيئته وذلك محال، فإن قيل ~~الفرق أن إرادة الرب تعالى من نفسه لم يجعله غيره مريدا والعبد إرادته من ~~ربه إذ هي مخلوقة له فإنه هو الذي جعله مريدا، قيل هذا موضع اضطرب فيه ~~الناس فسلكت فيه ms244 القدرية واديا وسلكت الجبرية واديا فقالت القدرية العبد هو ~~الذي يحدث إرادته وليست مخلوقة لله والله مكنه من إحداث إرادته بأن خلقه ~~كذلك وقالت الجبرية بل الله هو الذي يحدث إرادات العبد شيئا بعد شيء فإحداث ~~الإرادات فيه كإحداث لونه وطوله وقصره وسواده وبياضه مما لا صنع له فيه ~~البتة فلو أراد أن لا يريد لما أمكنه ذلك وكان كما لو أراد أن يكون طوله ~~وقصره ولونه على غير ما هو عليه فهو مضطر إلى الإرادة وكل إرادة من إراداته ~~فهي متوقفة على مشيئة الرب لها بخصوصها فهي مرادة له سبحانه كما هي معلومة ~~مقدورة فلزمهم القول بالجبر من هذه الجهة ومن جهة تفيهم أن يكون لإرادة ~~العبد وقدرته أثر في الفعل، فإن قيل فأي واد تسلكونه غير هذين الواديين وأي ~~طريق تمرون فيها سوى هذين الطريقين، قيل نعم ههنا طريقة ثالثة لم يسلكها ~~الفريقان ولم يهتد إليها الطائفتان ولو حكمت كل طائفة ما معها من الحق ~~والتزمت لوازمه وطردته لساقها إلى هذه الطريق ولأوقعها على المحجة ~~المستقيمة فنقول وبالله التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله، العبد بجملته مخلوق لله جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله ~~فهو مخلوق من جميع الوجوه وخلق على نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته ~~وأفعاله وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه فهو الذي خلقه وكونه كذلك ~~وهو لم يجعل نفسه كذلك بل خالقه وباريه جعله محدثا لإرادته وأفعاله وبذلك ~~أمره ونهاه وأقام عليه حجته وعرضه للثواب والعقاب فأمره بما هو متمكن من ~~إحداثه ونهاه عما هو متمكن من تركه ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال ~~والتروك التي مكنه منها وأقدره عليها وناطها به وفطر خلقه على مدحه وذمه ~~عليها مؤمنهم وكافرهم المقر بالشرائع منهم والجاحد لها فكان مريدا شائيا ~~بمشيئة الله له ولولا مشيئة الله أن يكون شائيا لكان أعجز وأضعف من أن يجعل ~~نفسه شائيا فالرب سبحانه أعطاه مشيئة وقدره وإرادة وعرفه ما ينفعه وما يضره ~~وأمره أن يجري ms245 مشيئته وإرادته # PageV01P137 # وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه فإجراؤها في طريق هلاكه ~~بمنزلة من أعطى عبده فرسا يركبها وأوقفه على طريق نجاة وهلكة وقال أجرها في ~~هذه الطريق فعدل بها إلى الطريق الأخرى وأجراها فيها فغلبته بقوة رأسها ~~وشدة سيرها وعز عليه ردها عن جهة جريها وحيل بينه وبين إدارتها إلى ورائها ~~مع اختيارها وإرادتها فلو قلت كان ردها عن طريقها ممكنا له مقدورا أصبت وإن ~~قلت لم يبق في هذه الحال بيده من أمرها شيء ولا هو متمكن أصبت بل قد حال ~~بينه وبين ردها من يحول بين المرء وقلبه ومن يقلب أفئدة المعاندين وأبصارهم ~~وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة فتأمل حال من عرضت له سورة بارعة الجمال ~~فدعاه حسنها إلى محبتها فنهاه عقله وذكره ما في ذلك من التلف والعطب وأراه ~~مصارع العشاق عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه فعاد يعاود النظر ~~مرة مرة ويحث نفسه على التعلق وقوة الإرادة ويحرض على أسباب المحبة ويدني ~~الوقود من النار حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ورمت بشررها وقد أحاطت به طلب ~~الخلاص قال له القلب هيهات لات حين مناص وأنشده: # تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق # رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق # فكان الترك أولا مقدورا له لما لم يوجد السبب التام والإرادة الحازمة ~~الموجبة للفعل فلما تمكن الداعي واستحكمت الإرادة قال المحب لعاذله: # يا عاذلي والأمر في يده ... هلا عذلت وفي يدي الأمر # فكان أول الأمر إرادة واختيار ومحبة ووسطه اضطرارا وآخره عقوبة وبلاء ~~ومثل هذا برجل ركب فرسا لا يملكه راكبه ولا يتمكن من رده وأجراه في طريق ~~ينتهي به إلى موضع هلاك فكان الأمر إليه قبل ركوبها فلما توسطت به الميدان ~~خرج الأمر عن يده فلما وصلت به إلى الغاية حصل على الهلاك ويشبه هذا حال ~~السكران الذي قد زال عقله إذا جني عليه في حال سكره لم يكن معذورا لتعاطيه ~~السبب اختيارا فلم يكن ms246 معذورا بما ترتب عليه اضطرارا وهذا مأخذ من أوقع ~~طلاقه من الأئمة ولهذا قالوا إذا زال عقله بسبب يعذر فيه لم يقع طلاقه ~~فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته والذين لو يوقعوا الطلاق قولهم ~~أفقه كما أفتى به عثمان بن عفان ولم يعلم له في الصحابة مخالف ورجع عليه ~~الإمام أحمد واستقر عليه قوله فإن الطلاق ما كان عن وطر والسكران لا وطر له ~~في الطلاق وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم عدم الطلاق في حال الغلق ~~والسكر من الغلق كما أن الإكراه والجنون من الغلق بل قد نص الإمام أحمد ~~وأبو عبيد وأبو داود على أن الغضب إغلاق وفسر به الإمام أحمد الحديث في ~~رواية أبي طالب وهذا يدل على أن مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع وهذا هو ~~الصحيح الذي يفتى به إذا كان الغضب شديدا قد أغلق عليه قصده فإنه يصير ~~بمنزلة السكران والمكره بل قد يكونان أحسن حالا منه فإن العبد في حال شدة ~~غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال وقد أخبر الله ~~سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذا الحال ولو أجابه لقضى إليه ~~أجله وقد عذر سبحانه من اشتد به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة بعدما ~~يأس منها فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك ولم يجعله بذلك كافرا لأنه أخطأ ~~بهذا القول من شدة الفرح فكمال # PageV01P138 # رحمته وإحسانه وجوده يقتضي أن لا يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه ~~وأهله وولده ولا بطلاقه لزوجته وأما إذا زال عقله بالغضب فلم يعقل ما يقول ~~فإن الأمة متفقة على أنه لا يقع طلاقه ولا عتقه ولا يكفر بما يجري على ~~لسانه من كلمة الكفر # PageV01P139 ### | الباب التاسع عشر: في ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس مذاكرة # قال الجبري: القول بالجبر لازم لصحة التوحيد ولا يستقيم التوحيد إلا به ~~لأنا إن لم نقل بالجبر أثبتنا فاعلا للحوادث مع الله إن شاء فعل وإن شاء ms247 لم ~~يفعل وهذا شرك ظاهر لا يخلص منه إلا القول بالجبر قال السني: بل القول ~~بالجبر مناف للتوحيد ومع منافاته للتوحيد فهو مناف للشرائع ودعوة الرسل ~~والثواب والعقاب فلو صح الجبر لبطلت الشرائع وبطل الأمر والنهي ويلزم من ~~بطلان ذلك بطلان الثواب والعقاب قال الجبري: ليس من العجب دعواك منافاة ~~الجبر للأمر والنهي والثواب والعقاب فإن هذا لم يزل يقال وإنما العجب دعواك ~~منافاته للتوحيد وهو من أقوى أدلة التوحيد فكيف يكون المصور للشيء المقوي ~~له منافيا له قال السني: منافاته للتوحيد من أظهر الأمور ولعلها أطهر من ~~منافاته الأمر والنهي وبيان ذلك أن أصل عقد التوحيد وإثباته هو شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والجبر ينافي الكلمتين فإن الإله هو ~~المستحق لصفات الكمال المنعوت بنعوت الجلال وهو الذي تألهه القلوب وتصمد ~~إليه بالحب والخوف والرجاء فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو إفراد الرب ~~بالتأله الذي هو كمال الذل والخضوع والانقياد له مع كمال المحبة والإثابة ~~وبذل الجهد في طاعته ومرضاته وإيثار محابه ومراده الديني على محبة العبد ~~ومراده فهذا أصل دعوة الرسل وإليه دعوا الأمم وهو التوحيد الذي لا يقبل ~~الله من أحد دينا سواه لا من الأولين ولا من الآخرين وهو الذي أمر به رسله ~~وأنزل به كتبه ودعا إليه عباده ووضع لهم دار الثواب والعقاب لأجله وشرع ~~الشرائع لتكميله وتحصيله وكان من قولك أيها الجبري أن العبد لا قدرة له على ~~هذا البتة ولا أثر له فيه ولا هو فعله وأمره بهذا أمر له بما لا يطيق بل ~~أمر له بإيجاد فعل الرب وأن الرب سبحانه أمره بذلك وأجبره على ضده وحال ~~بينه وبين ما أمره به ومنعه منه وصده عنه ولم يجعل له إليه سبيلا بوجه من ~~الوجوه مع قولك أنه لا يحب ولا يحب فلا تتألهه القلوب بالمحبة والود والشوق ~~والطلب وإرادة وجهه والتوحيد معنى ينتظم من إثبات الإلهية واثبات العبودية ~~فرفعت معنى الإلهية بإنكار كونه محبوبا مودودا تتنافس القلوب في ms248 محبته ~~وإرادة وجهه والشوق إلى لقائه ورفعت حقيقة العبودية بإنكار كون العبد فاعلا ~~وعابدا ومحبا فإن هذا كله مجاز لا حقيقة له عندك فضاع التوحيد بين الجبر ~~وإنكار محبته وإرادة وجهه لا سيما والوصف الذي وصفته به منفر للقلوب عنه ~~حائل بينها وبين محبته فإنك وصفته بأنه يأمر عبده بما لا قدرة له على فعله ~~وينهاه عما لا يقدر على تركه بل يأمره بفعله هو سبحانه وينهاه عن فعله هو ~~سبحانه ثم يعاقبه أشد العقوبة على ما لم يفعله البتة بل يعاقبه على أفعاله ~~هو سبحانه وصرحت بأن عقوبته على ترك ما أمره وفعل ما نهاه بمنزلة عقوبته ~~على ترك طيرانه إلى السماء وترك تحويله للجبال عن أماكنها ونقله مياه ~~البحار عن مواضعها وبمنزلة عقوبته له على ما لا صنع له فيه من لونه وطوله ~~وقصره وصرحت بأنه يجوز عليه أن يعذب أشد العذاب لمن لم يعصه طرفة عين وأن ~~حكمته ورحمته # PageV01P139 # لا تمنع ذلك بل هو جائز عليه ولولا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك لم ~~ننزهه عنه وقلت أن تكليفه عباده بما كلفهم بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة ~~والزمن للطيران فبغضت الرب إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد ونفرته عنه وزعمت ~~أنك تقرر بذلك توحيده وقد قلعت شجرة التوحيد من أصلها وأما منافاة الجبر ~~للشرائع فأمر ظاهر لا خفاء به فإن مبنى الشرائع على الأمر والنهي وأمر ~~الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور ونهيه عن فعله لا فعل المنهي عبث ~~ظاهر فإن متعلق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته فمن لا فعل له كيف ~~يتصور أن يوقعه بطاعة أو معصية وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية ارتفعت ~~حقيقة الثواب والعقاب وكان ما يفعله الله بعباده يوم القيامة من النعيم ~~والعذاب أحكاما جارية بمحض المشيئة والقدرة لا أنها بأسباب طاعاتهم ~~ومعاصيهم بل ههنا أمر آخر وهو أن الجبر مناف للخلق كما هو مناف للأمر فإن ~~الله سبحانه له الخلق والأمر وما قامت السماوات إلا بعدله فالخلق قام بعدله ~~وبعدله ms249 ظهر كما أن الأمر بعدله وبعدله وجد فالعدل سبب وجود الخلق والأمر ~~وغايته فهو علية الفاعلية الغائية والجبر لا يجامع العدل ولا يجامع الشرع ~~والتوحيد قال الجبري: لقد نطقت أيها السني بعظيم وفهمت بكبير وناقضت بين ~~متوافقين وخالفت بين متلازمين فإن أدلة العقول والشرع المنقول قائمة على ~~الجبر وما دل عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب العقل والشرع فاسمع الآن ~~الدليل الباهر والبرهان القاهر على الجبر ثم نتبعه بأمثال فنقول صدور الفعل ~~عند حصول القدرة والداعي إما أن يكون واجبا أولا يكون واجبا فإن كان واجبا ~~كان فعل العبد اضطراريا وذلك عين الجبر لأن حصول القدرة والداعي ليس بالعبد ~~والإلزام التسلسل وهو ظاهر وإذا كان كذلك فعند حصولهما يكون واجبا وعند عدم ~~حصولهما يكون الفعل ممتنعا فكان الجبر لازما لا محالة وأما إن لم يكن حصول ~~الفعل عند حصول القدرة والداعي واجبا فإما أن يتوقف رجحان الفعل على رجحان ~~الترك على مرجح أولا يتوقف فإن توقف كان حصول ذلك الفعل عند حصول المرجح ~~واجبا وإلا عاد الكلام ولزم التسلسل وإذا كان واجبا كان اضطراريا وهو عين ~~الجبر وإن لم يتوقف على مرجح كان جائز الوقوع وجائز العدم فوقوعه بغير مرجح ~~يستلزم حصول الأثر بلا مؤثر وذلك محال، فإن قلت المرجح هو إرادة العبد، قلت ~~لك إرادة العبد حادثة والكلام في حدوثها كالكلام في حدوث المراد بها ويلزم ~~التسلسل قال السني: هذا أحد سهم في كنانتك وهو بحمد الله سهم لا ريش له ولا ~~نصل مع عوجه وعدم استقامته وأنا أستفسرك عما في هذه الحجة من الألفاظ ~~المجملة المستعملة على حق وباطل وأبين فسادها فما تعني بقولك إن كان الفعل ~~عند القدرة والداعي واجبا كان فعل العبد اضطراريا وهو عين الجبر أتعني به ~~أن يكون مع القدرة والداعي بمنزلة حركة المرتعش وحركة من نفضته الحمى وحركة ~~من رمي به من مكان عال فهو يتحرك في نزوله اضطرارا منه أم تعني به أن الفعل ~~عند اجتماع القدرة والداعي يكون لازم الوقوع بالقدرة ms250 فإن أردت بكونه ~~اضطراريا المعنى الأول كذبتك العقول والفطر والحس والعيان فإن الله فطر ~~عباده على التفريق بين حركة من رمي به من شاهق فهو يتحرك إلى أسفل وبين ~~حركة من يرقى في الجبل إلى علوه وبين حركة المرتعش وبين حركة المصفق وبين ~~حركة الزاني والسارق والمجاهد والمصلي وحركة المكتوف الذي قد أوثق رباطا ~~وجر على الأرض فمن سوى بين الحركتين فقد خلع ربقة العقل والفطرة # PageV01P140 # والشرعة من عنقه وإن أردت المعنى الثاني وهو كون العقل لازم الوجود عند ~~القدرة والداعي كان لازم الوجود وهذا لا فائدة فيه وكونه لازما وواجبا بهذا ~~المعنى لا ينافي كونه مختارا مرادا له مقدورا له غير مكره عليه ولا مجبور ~~فهذا الوجوب واللزوم لا ينافي الاختيار ثم نقول لو صحت هذه الحجة لزم أن ~~يكون الرب سبحانه مضطرا على أفعاله مجبورا عليها بمعنى ما ذكرت من مقدماتها ~~وأنه سبحانه يفعل بقدرته ومشيئته وما ذكرت من وجوب الفعل عند القدرة ~~والداعي وامتناعه عند عدمهما ثابت في حقه سبحانه وقد اعترف أصحابك بهذا ~~الإلزام وأجابوا عنه بما لا يجدي شيئا قال ابن الخطيب عقيب ذكر هذه الشبهة: ~~"فإن قلت هذا ينفي كونه فاعلا مختارا قلت الفرق أن إرادة العبد محدثة ~~فافتقرت إلى إرادة يحدثها الله دفعا للتسلسل وإرادة الباري قديمة فلم يفتقر ~~إلى إرادة أخرى" ورد هذا الفرق صاحب التحصيل فقال: "ولقائل أن يقول هذا لا ~~يدفع التقسيم المذكور" قلت فإن التقسيم متردد بين لزوم الفعل عند الداعي ~~وامتناعه عند عدمه وهذا التقسيم ثابت في حق الغائب والشاهد وكون إرادة الرب ~~سبحانه قديمة من لوازم ذاته لا فاعل لها لا يمنع هذا الترديد والتقسيم فإن ~~عند تعلقها بالمراد يلزم وقوعه وعند عدم تعلقها به يمتنع وقوعه وهذا اللزوم ~~والامتناع لا يخرجه سبحانه عن كونه فاعلا مختارا ثم نقول هذا المعنى لا ~~يسمى جبرا ولا اضطرارا فإن حقيقة الجبر ما حصل بإكراه غير الفاعل له على ~~الفعل وحمله على إيقاعه بغير رضاه واختياره والرب سبحانه هو الخالق ms251 للإرادة ~~والمحبة والرضا في قلب العبد فلا يسمى ذلك جبرا لا لغة ولا عقلا ولا شرعا ~~ومن العجب احتجاجك بالقدرة والداعي على أن الفعل الواقع بهما اضطراري من ~~العبد والفعل عندكم لم يقع بهما ولا هو فعل العبد بوجه وإنما هو عين فعل ~~الله وذلك لا يتوقف على قدرة من العبد ولا داع منه ولا هناك ترجيح له عند ~~وجودهما ولا عدم ترجيح عند عدمهما بل نسبة الفعل إلى القدرة والداعي كنسبته ~~إلى عدمهما فالفعل عندك غير فعل الله فلا ترجيح هناك من العبد ولا مرجح ولا ~~تأثير ولا أثر قال السني: وقد أجابك إخوانك من القدرية عن هذه الحجة بأجوبة ~~أخرى فقال أبو هاشم وأصحابه لا يتوقف فعل القادر على الداعي بل يكفي في ~~فعله مجرد قدرته قالوا فقولك عند حصول الداعي إما أن يجب الفعل أو لا يجب ~~عندنا لا يجب الفعل بالداعي ولا يتوقف عليه ولا يمكنك أيها الجبري الرد على ~~هؤلاء فإن الداعي عندك لا تأثير له في الفعل البتة ولا هو متوقف عليه ولا ~~على القدرة فإن القدرة الحادثة عندك لا تؤثر في مقدورها فكيف يؤثر الداعي ~~في الفعل فهذه الحجة لا تتوجه على أصولك البتة وغايتها إلزام خصومك بها على ~~أصولهم وقال أبو الحسين البصري وأصحابه: "يتوقف الفعل على الداعي" ثم قال ~~أبو الحسين: "إذا تجرد الداعي وجب وقوع الفعل ولا يخرج بهذا الوجوب عن كونه ~~اختياريا" وقال محمود الخوارزمي صاحبه: "لا ينتهي بهذا الداعي إلى حد ~~الوجوب بل يكون وجوده أولى" قالوا فنجيبك عن هذه الشبهة على الرأيين جميعا ~~أما على رأي أبي هاشم فنقول صدور إحدى الحركتين عنه دون الأخرى لا يحتاج ~~إلى مرجح بل من شأن القادر أن يوقع الفعل من غير مرجح لجانب وجوده على عدمه ~~قالوا ولا استبعاد في العقل في وجود مخلوق متمكن من الفعل بدلا عن الترك ~~وبالضد من غير مرجح كما أن النائم والساهي يتحركان من غير داع وإرادة فإن ~~قلتم بل هناك داع وإرادة لا ms252 يذكرها النائم والناسي كان ذلك مكابرة قلت ~~وأصحاب هذا القول يقولون أن # PageV01P141 # القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل وأصحاب القول الأول يقولون بل ~~يفعل مع وجوب أن يفعل ومحمود الخوارزمي توسط بين المذهبين وقال: "بل يفعل ~~مع أولوية أن يفعل" ولا ينتهي الترجيح إلى حد الوجوب فالأقوال خمسة أحدها ~~أن الفعل موقوف على الداعي فإذا انضمت القدرة إليه وجب الفعل بمجموع ~~الأمرين وهذا قول جمهور العقلاء ولم يصنع ابن الخطيب شيئا في نسبته له إلى ~~الفلاسفة وأبي الحسين البصري من المعتزلة الثاني أن الفعل يجب بقدرة الله ~~وقدرة العبد وهذا قول من يقول أن قدرة العبد مؤثرة في مقدوره مع قدرة الله ~~على عين مقدور العبد وهذا قول أبي إسحق واختيار الجويني في النظامية الثالث ~~قول من يقول يجب بقدرة الله فقط وهذا قول الأشعري والقاضي أبي بكر ثم ~~إختلفا فقال القاضي: "كونه فعلا واقع بقدرة الله وكونه صلاة أو حجا أو زنا ~~أو سرقة واقع بقدرة العبد فتأثير قدرة الله في ذات الفعل وتأثير قدرة العبد ~~في صفة الفعل" وقال الأشعري: "أصل الفعل ووصفه واقعان بقدرة الله ولا تأثير ~~لقدرة العبد في هذا ولا هذا" الرابع قول من يقول لا يجب الفعل من القادر ~~البتة بل القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل فلا ينتهي فعل القادر ~~المختار إلى الوجوب أصلا وهذا قول أبي هاشم وأصحابه الخامس أن يكون عند ~~الداعي أولى بالوقوع ولا ينتهي إلى حد الوجوب وهذا قول الخوارزمي وقد سلم ~~أبو الحسين أن الفعل يجب مع الداعي وسلم أن الداعي مخلوق لله وقال أن العبد ~~مستقل بإيجاد فعله قال: "والعلم بذلك ضروري" قال ابن الخطيب: "وهذا غلو منه ~~في القدر" وقوله أنه يتوقف على الداعي والداعي خلق لله غلو في الجبر فجمع ~~بين القدر والجبر مع غلوه فيهما ولم ينصفه فليس ما ذهب إليه غلو في قدر ولا ~~جبر فإن توقف الفعل على الداعي ووجوبه عنده بقدرة العبد ليس جبرا فضلا ms253 أن ~~يكون غلوا فيه وكون العبد محدثا لفعله ضرورة بما خلقه الله فيه من القدرة ~~والاختيار ليس قولا بمذهب القدرية فضلا عن كونه غلوا فيه. # فصل: قال الجبري: إذا كان الداعي ليس من أفعالنا وهو علم القادر أن في ~~ذلك الفعل مصلحة له وذلك أمر مركوز في طبيعته التي خلق عليها وذلك مفعول ~~لله فيه والفعل واجب عنده فلا معنى للجبر إلا هذا، قال له السني: أخوك ~~القدري يجيبك عن هذا بأن ذلك الداعي قد يكون جهلا وغلطا وهذه أمور يحدثها ~~الإنسان في نفسه فيفعل على حسب ما يتوهم أن فيه مصلحته صادفها أو لم ~~يصادفها فالداعي لا ينحصر في العلم خاصة، قال الجبري: لا يساوي هذا الجواب ~~شيئا فإن العطشان مثلا يدعوه الداعي إلى شرب الماء لعلمه بنفعه وشهوته ~~وميله إلى شربه وذلك العلم وتلك الشهوة والميل إلى الشرب من فعل الله فيجب ~~على القدري أن يترك مذهبه صاغرا داخرا ويعترف بأن ذلك الفعل مضاف إلى من ~~خلق فيه الداعي المقتضى، قال القدري: ذلك الداعي وإن كان من فعل الله إلا ~~أنه جار مجرى فعل المكلف لأنه قادر على أن يبطل أثره بأن يستحضر صارفا عن ~~الشرب مثل أن يحجم عن الشراب تجربة هل يقدر على مخالفة الداعي أم لا ~~فإحجامه لأجل التجربة أثر داع ثان هو الصارف يعارض الداعي فالحي قادر على ~~تحصيله وقادر على إبقاء الداعي الأول بحاله فإبقاؤه الداعي الأول بحاله ~~وإعراضه عن إحضار المعارض له أمر لولاه ما حصل الشرب فمن هذا الوجه كان ~~الشرب فعلا له لأنه قادر على تحصيل الأسباب المختلفة التي تصدر عنها الآثار ~~ويصير هذا # PageV01P142 # كمن شاهد إنسانا في نار متأججة وهو قادر على إطفائها عنه من غير مشقة ولا ~~مانع فإنه إن لم يطفئها استحق الذم وإن كان الإحراق من أثر النار وقد أجاب ~~ابن أبي الحديد بجواب آخر فقال ويمكن أن يقال إذا تجرد الداعي كما ذكرتم في ~~صورة العطشان فإن التكليف بالفعل والترك يسقط لأنه يصير أسوأ حالا ms254 من ~~الملجأ وهذا من أفسد الأجوبة على أصول جميع الفرق فإن مقتضى التكليف قائم ~~فكيف يسقط مع حضور الفعل والقدرة وهذا قسم رابع من الذين رفع عنهم التكليف ~~أثبته هذا القدري زائدا على الثلاثة الذين رفع عنهم القلم وهذا خرق منه ~~لإجماع الأمة المعلوم بالضرورة ولو سقط التكليف عند تجرد الداعي لكان كل من ~~تجرد داعيه إلى فعل ما أمر به قد سقط عنه التكليف وهذا القول أقبح من القول ~~بتكليف ما لا يطاق ولهذا كان القائلون به أكثر من هذا القائل وقولهم يحكى ~~ويناظر عليه، قال الجبري: إذا كان الداعي من الله وهو سبب الفعل والفعل ~~واجب عنده كان خالق الفعل هو خالق الداعي أي خالق السبب، قال السني: هذا حق ~~فإن الداعي مخلوق لله في العبد وهو سبب الفعل والفعل يضاف إلى الفاعل لأنه ~~صدر منه ووقع بقدرته ومشيئته واختياره وذلك لا يمنع إضافته بطريق العموم ~~إلى من هو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير وأيضا فالداعي ليس هو المؤثر بل ~~هو شرط في تأثير القادر في مقدوره وكون الشرط ليس من العبد لا يخرجه عن ~~كونه فاعلا وغاية قدرة العبد وإرادته الجازمة أن يكون شرطا أو جزء سبب ~~والفعل موقوف على شروط وأسباب لا صنع للعبد فيها البتة وأسهل الأفعال رفع ~~العين لرؤية الشيء فهب أن فتح العين فعل العبد إلا أنه لا يستقل بالإدراك ~~فإن تمام الإدراك موقوف على خلق الدرك وكونه قابلا للرؤية وخلق آلة الإدراك ~~وسلامتها وصرف الموانع عنها فما تتوقف عليه الرؤية من الأسباب والشروط التي ~~لا تدخل تحت مقدور العبد أضعاف أضعاف ما يقدر عليه من تقليب حدقته نحو ~~المرئي فكيف يقول عاقل أن جزء السبب أو الشرط موجب مستقل لوجود الفعل وهذا ~~الموضع مما ضل فيه الفريقان حيث زعمت القدرية أنه موجب للفعل وزعمت الجبرية ~~أنه لا أثر له فيه فخالفت الطائفتان صريح المعقول والمنقول وخرجت عن السمع ~~والعقل والتحقيق أن قدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء السبب ms255 التام ~~الذي يجب به الفعل فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل مع أن أكثر أسبابه ليست ~~إليه فقد خرج عن موجب العقل والشرع فهب أن دواعي حركة الضرب منك مستقلا بها ~~فهل سلامة الآلة منك وهل وجود المحل المنفعل وقبوله منك وهل خلق الفضاء ~~بينك وبين المضروب وخلوه عن المانع منك وهل إمساك قدرته عن مضاربتك وغلبك ~~منك وهل القوة التي في اليد والرباطات والاتصالات التي بين عظامها وشد ~~أسرها منك ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ما في الفعل وأن وجود قدرته ~~وإرادته وعدمهما بالنسبة إلى الفعل على السواء فقد كابر العقل والحس، قال ~~الجبري: إن انتهت سلسلة الترجيحات إلى مرجح من العبد فذلك المرجح ممكن لا ~~محالة فإن ترجح بلا مرجح انسد عليكم باب إثبات الصانع إذا جوزتم رجحان أحد ~~طرفي الممكن وإن توقف على مرجح آخر لزم التسلسل فلا بد من انتهائه إلى مرجح ~~من الله لا صنع للعبد فيه قال السني: أما إخوانك القدرية فإنهم يقولون ~~القادر المختار يحدث إرادته وداعيته بلا مرجح من غيره قالوا والفطرة شاهدة ~~بذلك فإنا لا نفعل ما لم نرد ولا نريد ما لم نعلم إن في الفعل منفعة لها أو ~~دفع مضرة ولا نجد لهذه الإرادة إرادة # PageV01P143 # أحدثتها ولا لعلمنا بأن لك نافع علما آخر أحدثه فالمرجح هو ما خلق عليه ~~العبد وفطر عليه من صفاته القائمة به فالله سبحانه أنشأ العبد نشأة يتحرك ~~فيها بالطبع فحركته بالإرادة والمشيئة من لوازم نشئه وكونه حيوانا فإرادته ~~وميله من لوازم كونه حيا فأفعال العبد الخاصة به هي الدواعي والإرادات لا ~~غير وما يقع بها من الأفعال شبيه بالفعل المتولد من حيث كان المتولد سببا ~~وهذه الأفعال صادرة عن الدواعي التي عرفها العبد ابتداء من غير واسطة ~~فاشتراكهما في أن كل واحد منهما مستند إلى فعل خاص بالعبد فهما متماثلان من ~~هذه الجهة قال السني وهذا جواب باطل بأبطل منه ورد فاسد بأفسد منه ومعاذ ~~الله والله أكبر وأجل وأعظم وأعز أن ms256 يكون في عبده شيء غير مخلوق له ولا هو ~~داخل تحت قدرته ومشيئته فما قدر الله حق قدره من زعم ذلك ولا عرفه حق ~~معرفته ولا عظمه حق تعظيمه بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ~~ذرة فيه مخلوق لله خلقا تصرف به في عبده وقد بينا أن قدرته وإرادته ودواعيه ~~جزء من أجزاء سبب الفعل غير مستقل بإيجاده ومع ذلك فهذا الجزء مخلوق لله ~~فيه فهو عبد مخلوق من كل وجه وبكل اعتبار وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ~~ذاته وقلبه بيد خالقه وبين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء فيجعله مريدا ~~لما شاء وقوعه منه كارها لما لم يشأ وقوعه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~ونعم والله سلسلة المرجحات تنتهي إلى أمر الله الكوني ومشيئته النافذة التي ~~لا سبيل لمخلوق إلى الخروج عنها ولكن الجبر لفظ مجمل يراد به حق وباطل كما ~~تقدم فإن أردتم به أن العبد مضطر في أفعاله وحركته في الصعود في السلم ~~كحركته في وقوعه منه فهذا مكابرة للعقول والفطر وإن أردتم به أنه لا حول له ~~ولا قوة إلا بربه وفاطره فنعم لا حول ولا قوة إلا بالله وهي كلمة عامة لا ~~تخصيص فيها بوجه ما فالقوة والقدرة والحول بالله فلا قدرة له ولا فعل إلا ~~بالله فلا ننكر هذا ولا نجحده لتسمية القدري له جبرا فليس الشأن في ~~الأسماء: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان} فلا نترك لهذه الأسماء مقتضى العقل والإيمان والمحذور كل المحذور أن ~~نقول أن الله يعذب عبده على ما لا صنع له فيه ولا قدرة له عليه ولا تأثير ~~له في فعله بوجه ما بل يعذبه على فعله هو سبحانه وعلى حركته إذا سقط من علو ~~إلى سفل نعم لا يمتنع أن يعذبه على ذلك إذ كان قد تعاطي أسبابه بإرادته ~~ومحبته كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره لتفريطه وعدوانه بارتكاب ~~السبب وكما يعاقب ms257 العاشق الذي غلب على صبره وعقله وخرج الأمر عن يده ~~لتفريطه السابق بتعاطي أسباب العشق وكما يعاقب الذي آل به إعراضه وبغضه ~~للحق إلى أن صار طبعا وقفلا ورينا على قلبه فخرج الأمر عن يده وحيل بينه ~~وبين الهدى فيعاقبه على ما لم يبق له قدرة عليه ولا إرادة بل هو ممنوع منه ~~وعقوبته عليه عدل محض لا ظلم فيه بوجه ما، فإن قيل فهل يصير في هذه الحال ~~مكلفا وقد حيل بينه وبين ما أمر به وصد عنه ومنع منه أم يزول التكليف، قيل ~~ستقف على الجواب الشافي إن شاء الله عن هذا السؤال في باب القول في تكليف ~~ما لا يطاق قريبا فإنه سؤال جيد إذ المقصود ههنا الكلام في الجبر وما في ~~لفظه من الإجمال وما في معناه من الهدى والضلال. # فصل: قال الجبري: إذا صدر من العبد حركة معينة فإما أن تكون مقدورة للرب ~~وحده أو العبد وحده أو للرب والعبد أو لا للرب ولا للعبد وهذا القسم الأخير ~~باطل قطعا والأقسام # PageV01P144 # الثلاثة قد قال بكل واحد منها طائفة فان كانت مقدورة للرب وحده فهو الذي ~~يقوله وذلك عين الجبر وان كانت مقدورة للعبد وحده فذلك إخراج لبعض الأشياء ~~عن قدرة الرب تعالى فلا يكون على كل شيء قدير ويكون العبد المخلوق الضعيف ~~قادرا على ما لم يقدر عليه خالقه وفاطره وهذا هو الذي فارقت به القدرية ~~للتوحيد وضاهت به المجوس وإن كانت مقدورة للرب والعبد لزمت الشركة ووقوع ~~مفعول بين فاعلين ومقدور بين قادرين وأثر بين مؤثرين وذلك محال لأن ~~المؤثرين إذا اجتمعا استقلالا على أثر واحد فهو غني عن كل منهما بكل منهما ~~فيكون محتاجا إليهما مستغنيا عنهما قال السني: قد افترق الناس في هذا ~~المقام فرقا شتى ففرقة قالت إنما تقع الحركة بقدرة الله وحده لا بقدرة ~~العبد وتأثير قدرة العبد في كونها طاعة أو معصية فقدرة الرب وحده اقتضت ~~وجودها وقدرة العبد اقتضت صفتها وهذا قول القاضي أبي بكر ومن اتبعه ولعمر ms258 ~~الله أنه لغير شاف ولا كاف فإن صفة الحركة إن كان أثرا وجوديا فقد أثرت ~~قدرته في أمر موجود فلا يمتنع تأثيرها في نفس الحركة وإن كان صفتها أمرا ~~عدميا كان متعلق قدرته عدما لا وجودا وذلك ممتنع إذ أثر القدرة لا يكون ~~عدما صرفا وفرقة أخرى قالت بل الفعل وصفته واقع بمحض قدرة الله وحده ولا ~~تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا وهذا قول الأشعري ومن اتبعه وفرقة قالت ~~بل المؤثر قدرة العبد وحده دون قدرة الرب ثم انقسمت هذه الفرقة إلى فرقتين ~~فرقة قالت أن قدرة العبد هي المؤثرة مع كون الرب قادرا على الحركة وقالت أن ~~مقدورات العباد مقدورة لله تعالى وهذا قول أبي الحسين البصري وأتباعه ~~الحسينية وفرقة قالت أن قدرة العبد هي المؤثرة والله سبحانه غير قادر على ~~مقدور وهذا قول المشايخية أتباع أبي على وأبي هاشم وليس عند ابن الخطيب ~~وجمهور المتكلمين غير هذه الأقوال التي لا تشفي عليلا ولا تروي غليلا وليس ~~عند أربابها إلا مناقضة بعضهم بعضا وقد أجاب بعض أصحاب أبي الحسين عن هذا ~~السؤال انه كان يقول بمقدور بين قادرين فله أن يقول في هذا المقام ان كان ~~الدليل الذي ذكرته دليلا صحيحا على استحالة اجتماعهما على فعل واحد فإنما ~~يدل على استحالته على فعلهما على سبيل الجمع ولا يستحيل على سبيل البدل كما ~~يستحيل حصول جوهرين في مكان واحد ولا يستحيل حصولهما فيه على البدل وهذا ~~جواب باطل قطعا فإن مضمونه أن أحدهما لا يقدر عليه إلا إذا تركه الآخر فحال ~~تلبس العبد بالفعل بقدرته وإرادته إن كان مقدورا لله فهو القول بمقدور بين ~~قادرين وان لم يكن مقدورا له لزم إخراج بعض الممكنات عن قدرته فإن قلت هو ~~قادر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد قيل لك فهذا تصريح منك بأنه في حال ~~قدرة العبد عليه لا يقدر عليه الرب فلا ينفعك القول بأنه قادر عليه على ~~البدل وأيضا فإن قدر عليه بشرط أن لا يقدر ms259 عليه العبد فإذا قدر العبد عليه ~~انتفت قدرة الرب لانتفاء شرطها وهذا مما صاح به عليكم أهل التوحيد من أقطار ~~الأرض ورموكم به عن قوس واحدة وإنما صانعتم به أهل السنة مصانعة وإلا ~~فحقيقة هذا القول أن العبد يقدر عليه على مالا يقدر عليه الرب وحكاية هذا ~~الرأي الباطل كافية في فساده فإن قلت كما لا يمتنع معلوم واحد بين عالمين ~~ومراد واحد بين مريدين قيل هذا من أفسد القياس لأن المعلوم لا يتأثر ~~بالعالم والمراد لا يتأثر بالمريد فيصح الاشتراك في المعلوم والمراد كما ~~يصح الاشتراك في المرئي والمسموع وأما المقدور فيجوز اشتراك القادرين فيه ~~بالقدرة المصححة # PageV01P145 # وهي صحة وقوعه من كل واحد منهما وصحة التأثير من أحدهما لا تنافي صحته من ~~الأخر أما اشتراكهما فيه بالقدرة الموجبة المقارنة لمقدورها فهو عين المحال ~~إلا أن يراد الاشتراك على البدل فيكون تأثير أحدهما فيه شرطا في تأثير ~~الآخر ولما تفطن أبو الحسين لهذا قال: "لست أقول أن إضافته إلى أحدهما هي ~~إضافته إلى الآخر كما أن الشيء الواحد يكون معلوما لعالمين ويمتنع أن يكون ~~علم أحدهما به هو علم الآخر فهكذا أقول في المقدور بين قادرين ليست قدرة ~~أحدهما عليه هي قدرة الآخر والمفعول بين فاعلين ليس فعل أحدهما فيه هو فعل ~~الآخر وإنما معنى قولي هذا أنه فعل لهذا وتأثير له أنه لقدرته وداعيته وجد ~~وليس معنى كونه وجد لقدرة هذا وداعيته هو معنى كونه وجد لقدرة الآخر ~~وداعيته" قال وليس يمتنع في العقل إضافة شيء واحد إلى شيئين لكنه يمتنع أن ~~يكون إضافته إلى أحدهما هي عين إضافته إلى الآخر، وهذا لا يجدي عنه شيئا ~~فإن التقسيم المذكور دائر فيه ونحن نقول قد دل الدليل على شمول قدرة الرب ~~سبحانه لكل ممكن من الذوات والصفات والأفعال وأنه لا يخرج شيء عن مقدوره ~~البتة ودل الدليل أيضا على أن العبد فاعل لفعله بقدرته وإرادته وأنه فعل له ~~حقيقة يمدح ويذم به عقلا وعرفا وشرعا وفطرة فطر الله عليها العباد ms260 حتى ~~الحيوان البهيم ودل الدليل على استحالة مفعول واحد بالعين بين فاعلين ~~مستقلين وأثر واحد بين مؤثرين فيه على سبيل الاستقلال ودل الدليل أيضا على ~~استحالة وقوع حادث لا محدث له ورجحان راجح لا مرجح له، وهذه أمور كتبها ~~الله سبحانه في العقول وحجج العقل لا تتناقض ولا تتعارض ولا يجوز أن يضرب ~~بعضها ببعض بل يقال بها كلها ويذهب إلى موجبها فإنها يصدق بعضها بعضا وإنما ~~يعارض بينهما من ضعفت بصيرته وإن كثر كلامه وكثرت شكوكه والعلم أمر آخر ~~وراء الشكوك والإشكالات ولهذا تناقض الخصوم، وهذا رأس مال المتكلمين والقول ~~الحق لم ينحصر في هذه الأقوال التي حكوها في المسألة، والصواب أن يقال تقع ~~الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه فالله سبحانه إذا أراد فعل ~~العبد خلق له القدرة والداعي إلى فعله فيضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة ~~السبب إلى مسببه ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق فلا يمتنع ~~وقوع مقدور بين قادرين قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر وهي جزء سبب وقدرة ~~القادر الآخر مستقلة بالتأثير والتعبير عن هذا المعنى بمقدور بين قادرين ~~تعبير فاسد وتلبيس فإنه يوهم أنهما متكافئان في القدرة كما تقول هذا الثوب ~~بين هذين الرجلين وهذه الدار بين هذين الشريكين وإنما المقدور واقع بالقدرة ~~الحادثة وقوع المسبب بسببه والسبب أو المسبب والفاعل والآلة كله أثر القدرة ~~القديمة ولا نعطل قدرة الرب سبحانه عن شمولها وكمالها وتناولها لكل ممكن ~~ولا نعطل قدرة الرب التي هي سبب عما جعلها الله سببا له ومؤثرة فيه وليس في ~~الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الرب سبحانه وقدرته وكل ما سواه مخلوق ~~له وهو أثر قدرته ومشيئته ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى الله أو القول ~~بوجود مخلوق لا خالق له فإن فعل العبد إن لم يكن مخلوقا لله كان مخلوقا ~~للعبد إما استقلالا وإما على سبيل الشركة وإما أن يقع بغير خالق ولا مخلص ~~عن هذه الأقسام لمنكر دخول الأفعال تحت قدرة الرب ومشيئته ms261 وخلقه وإذا عرف ~~هذا فنقول الفعل وقع بقدرة الرب خلقا وتكوينا كما وقعت سائر المخلوقات ~~بقدرته وتكوينه وبقدرة العبد سببا ومباشرة والله خلق الفعل # PageV01P146 # والعبد فعله وباشره والقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته. # فصل: قال الجبري: لو كان العبد فاعلا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها لأنه ~~يمكن أن يكون الفعل أزيد مما فعله أو أنقص فوقوعه على ذلك الوجه مشروط ~~بالعلم بتفصيله ومعلوم أن النائم والغافل قد يفعل الفعل ولا يشعر بكيفية ~~ولا قدرة وأيضا فالمتحرك يقطع المسافة ولا شعور له بتفاصيل الحركة ولا ~~أجزاء المسافة ومحرك أصبعه لأجزائها ولا يشعر بعدد أجزائها ولا بعدد ~~أحيازها والمنفس يتنفس باختياره ولا يشعر في الغالب بنفسه فضلا عن أن يشعر ~~بكميته وكيفيته ومبدئه ونهايته والغافل قد يتكلم بالكلمة ويفعل الفعل ~~باختياره ثم بعد فراغه منه يعلم أنه لم يكن قاصدا له فنحن نعلم علما ضروريا ~~من أنفسنا عدم علمنا بوجود أكثر حركاتنا وسكناتنا في حالة المشي والقيام ~~والقعود ولو أردنا فصل كل جزء من أجزاء حركاتنا في حالة إسراعنا بالمشي ~~والحركة والإحاطة به لم يمكنا ذلك بل ونعلم ذلك من حال أكمل العقلاء فما ~~الظن بالحيوانات العجم في مشيها وطيرانها وسباحتها حتى الذر والبعوض وهنا ~~مشاهد في السكران ومن اشتد به الغضب ولهذا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} فدل على أن السكران ~~يصدر منه أقوال لا يعلم بها فكيف يكون هو المحدث لتلك الأقوال وهو لا يشعر ~~بها والإرادة فرع الشعور ولهذا أفتى الصحابة بأنه لا يقع طلاق السكران ~~نزلوا حركة لسانه منزلة تحريك غيره له بغير إرادته ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا طلاق في الإغلاق" لأن الإغلاق يمنع العلم والإرادة ~~فكيف يكون التطليق فعله وهو غير عالم به ولا مريد له وأيضا فقد قال جمهور ~~الفقهاء أن الناسي غير مكلف لأن فعله لا يدخل تحت الاختيار ففعله غير مضاف ~~إليه مع أنه وقع باختياره وقد أشار النبي صلى ms262 الله عليه وسلم إلى هذا ~~المعنى بعينه في قوله: "من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله ~~وسقاه" فأضاف فعله إلى الله لا إليه فلم يكن له فعل في الأكل والشرب فلم ~~يفطر به قال السني: هذا موضع تفصيل لا يليق به الإجمال فنقول ما يصدر من ~~العبد من الأفعال ينقسم أقساما متعددة بحسب قدرته وعلمه وداعيته وإرادته ~~فتارة يكون ملجأ إلى الفعل لا إرادة له فيه بوجه ما كمن أمسكت يده وضرب بها ~~غيره أو أمسكت أصبعه وقلع بها عين غيره فهذا فعله بمنزلة حركات الأشجار ~~بالريح ولهذا لا يترتب عليه حكم البتة ولا يمدح عليه ولا يذم ولا يثاب ولا ~~يعاقب وهذا لا يسمى فاعلا عقلا ولا شرعا ولا عرفا وتارة يكون مكرها على أن ~~يفعل فهذا فعله يضاف إليه وليس كالملجأ الذي لا فعل له واختلف الناس هل ~~يقال أنه فعل باختياره وأنه يختار ما فعله أو لا يطلق عليه ذلك على قولين ~~والتحقيق أن النزاع لفظي فإنه فعل بإرادة هو محمول عليها مكره عليها فهو ~~مكره مختار مكره على أن يفعل بإرادته مريد ليفعل ما أكره عليه فإن أريد ~~بالمختار من يفعل بإرادته وإن كان كارها للفعل فالمكره مختار وأيضا فهو ~~مختار ليفعل ما أكره لتخلصه به مما هو أكره إليه من الفعل فلما عرض له ~~مكروهان أحدهما أكره إليه من الآخر اختار أيسرهما دفعا لأشقهما ولهذا يقتل ~~قصاصا إذا قتل عند الجمهور والملجأ لا يقتل باتفاق الناس ومما يوضح هذا أن ~~المكره على التكلم لا يتأتى منه التكلم إلا باختياره وإرادته ولهذا أوقع ~~طلاقه وعتاقه بعض العلماء والجمهور قالوا لا يقع لأن الله جعل كلام المكره ~~على كلمة الكفر لغو لا يترتب عليه أثره لأنه وإن قصد التكلم باللفظ دفعا عن ~~نفسه فلم يقصد معناه وموجبه حتى قال بعض الفقهاء لو قصد الطلاق بقلبه مع ~~الإكراه لم # PageV01P147 # يقع طلاقه لأن قوله هدر ولغو عند الشارع فوجوده كعدمه في حكمه فبقي مجرد ~~القصد وهو ms263 غير موجب للطلاق وهذا ضعيف فإن الشارع إنما ألغى قول المكره إذا ~~تجرد عن القصد وكان قلبه مطمئنا بضده فأما إذا قارن اللفظ القصد واطمأن ~~القلب بموجبه فإنه لا يعذر، فإن قيل فما تقولون فيمن ظن أن الإكراه لا يمنع ~~وقوع الطلاق فقصده جاهلا بأن الإكراه مانع من وقوعه، قيل هذا لا يقع طلاقه ~~لأنه لما ظن أن الإكراه على الطلاق يوجب وقوعه إذا تكلم به كان حكم قصده ~~حكم لفظه فإنه إنما قصده دفعا عن نفسه لما علم أنه لا يتخلص إلا به ولم يظن ~~أن الكلمة بدون القصد لغوا ودهش عن ذلك ولا وطر له في الطلاق فهذا لا يقع ~~بخلاف الأول فإنه لما أكره على الطلاق نشأ له قصد طلاقها إذ لا غرض له أن ~~يقيم مع امرأة أكره على طلاقها وإن كان لو لم يكره لم يبتدي طلاقها ~~والمقصود أن المكره مريد لفعله غير ملجأ إليه. # فصل: وأما أفعال النائم فلا ريب في وقوع الفعل القليل منه والكلام المفيد ~~واختلف الناس هل تلك الأفعال مقدورة له أو مكتسبة أو ضرورية بعد اتفاقهم ~~على أنها غير داخلة تحت التكليف فقالت المعتزلة وبعض الأشعرية هي مقدورة له ~~والنوم لا يضاد القدرة وإن كان يضاد العلم وغيره من الإدراكات وذهب أبو ~~إسحاق إلى أن ذلك الفعل غير مقدور له وأن النوم يضاد القدرة كما يضاد العلم ~~وذهب القاضي أبو بكر وكثير من الأشعرية إلى أن فعل النائم لا يقطع بكونه ~~مكتسبا ولا بكونه ضروريا وكل من الأمرين ممكن قال أصحاب القدرة كان النائم ~~قادرا في يقظته وقدرته باقية والنوم لا ينافيها فوجب استصحاب حكمها قالوا ~~وأيضا فالنائم إذا انتبه فهو على ما كان عليه في نومه ولا يتجدد أمر وراء ~~زوال النوم وهو قادر بعد الانتباه وزوال النوم غير موجب للاقتدار ولا وجوده ~~نافيا لقدرة قالوا وأيضا قد يوجد من النائم ما لو وجد منه في حال اليقظة ~~لكان واقعا على حسب الداعي والاختيار والنوم وإن نافى القصد فلا ms264 ينافي ~~القدرة قال النافون للقدرة قولكم النوم لا ينافي القدرة دعوى كاذبة فإن ~~النائم منفعل محض متأثر صرف ولهذا لا يمتنع ممن يؤثر فيه وقولكم لم يتجدد ~~له أمر غير زوال النوم فالتجدد زوال المانع من القدرة فعاد إلى ما كان عليه ~~كمن أوثق غيره رباطا ومنعه من الحركة فإذا حل رباطه تجدد زوال المانع قالوا ~~نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وحركة المرتعش والمفلوج وما ذاك إلا أن ~~حركته مقدورة له وحركة المرتعش غير مقدورة له والتحقيق أن حركة النائم ~~ضرورية له غير مكتسبة وكما فرقنا في حق المستيقظ بين حركة ارتعاشه وحركة ~~تصفيقه كذلك نجد تفرقه ضرورية بين حركة النائم وحركة المستيقظ. # فصل: وأما زائل العقل بجنون أو سكر فليست أفعاله اضطرارية كأفعال الملجأ ~~ولا اختيارية بمنزلة أفعال العامل العالم بما يفعله بل هي قسم آخر من ~~الاضطرارية وهي جارية مجرى أفعال الحيوان وفعل الصبي الذي لا تمييز له بل ~~لكل واحد من هؤلاء داعية إلى الفعل يتصورها وله إرادة يقصد بها وقدرة ينفذ ~~بها وإن كان داعية نوع آخر غير داعي العاقل العالم بما يفعله فلا بد أن ~~يتصور ما في الفعل من الغرض ثم يريده ويفعله وهذه أفعال طبيعية واقعة ~~بالداعي والإرادة والقدرة والدواعي والإرادات تختلف ولهذا لا يكلف أحد ~~هؤلاء بالفعل فأفعاله لا تدخل تحت التكليف وليست كأفعال الملجأ ولا المكره ~~وهي مضافة إليهم مباشرة وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم خلقا فهي مفعولة وأفعال # PageV01P148 # لهم والساهي الذي يفعل الفعل مع غفلته وذهوله فهو إنما يفعله بقدرته إذ ~~لو كان عاجزا لما تأتى منه الفعل وله إرادة لكنه غافل عنها فالإرادة شيء ~~والشعور بها شيء آخر فالعبد قد يكون له إرادة وهو ذاهل عن شعوره بها ~~لاشتغال محل التصور منه بأمر آخر منعه من الشعور بالإرادة فعملت عملها وهي ~~غير مشعور بها وإن كان لا بد من الشعور عند كل جزء من أجزائه وبالله ~~التوفيق وبالجملة فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة وأما ~~الشعور به على ms265 التفصيل فلا يستلزمه. # فصل: قال الجبري: ضلال الكافر وجهله عند القدري مخلوق له موجود بإيجاده ~~اختيارا وهذا ممتنع فإنه لو كان لكان كذلك قاصدا له إذا القصد من لوازم ~~الفعل اختيارا واللازم ممتنع فإن عاقلا لا يريد لنفسه الضلال والجهل فلا ~~يكون فاعلا له اختيارا، قال السني: عجبا لك أيها الجبري تنزه العبد أن يكون ~~فاعلا للكفر والجهل والظلم ثم تجعل ذلك كله فعل الله سبحانه ومن العجب قولك ~~أن العاقل لا يقصد لنفسه الكفر والجهل وأنت ترى كثيرا من الناس يقصد لنفسه ~~ذلك عنادا وبغيا وحسدا مع علمه بأن الرشد والحق في خلافه فيطيع دواعي هواه ~~وغيه وجهله ويخالف داعي رشده وهداه ويسلك طرق الضلال ويتنكب عن طريق الهدى ~~وهو يراهما جميعا، قال أصدق القائلين: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين} ، وقال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى} وقال تعالى عن قوم فرعون: {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر ~~مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وقال تعالى: {وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين} وقال تعالى: {ولقد علموا ~~لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} وقال: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن ~~يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} ~~وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل ~~الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} وقال: {قل يا ~~أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء} وهذا ~~في القرآن كثير يبين سبحانه فيه اختيارهم الضلال والكفر عمدا على علم! هذا ~~وكم من قاصد أمرا يظن أنه رشد وهو ضلال وغي. # فصل: قال الجبري: لو جاز تأثير قدرة العبد في القول بالإيجاد لجاز ~~تأثيرها في ms266 إيجاد كل موجود لأن الوجود قضية واحدة مشتركة بين الموجودات ~~الممكنة وإن اختلفت محاله وجهاته ويلزم من صحة تأثير القدرة في بعضه صحة ~~تأثيرها في جميعه لاتحاد المتعلق وإن ما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر وأيضا ~~فالمصحح للتأثير هو الإمكان ويلزم من الاشتراك في المصحح للتأثير الاشتراك ~~في الصحة ومعلوم قطعا أن قدرة العبد لا تتعلق بإيجاد الأجسام وأكثر الأعراض ~~إنما تتعلق ببعض الأعراض القائمة لمحل قدرته، قال السني: لقد كشف الله عوار ~~مذهب يكون إثباته مستندا إلى مثل هذه الخرافات التي حاصلها أنه يلزم من صحة ~~قدرة العبد على قلع حصاة من الأرض صحة قدرته على قلع الجبل ومن إمكان حمله ~~لرطل إمكان حمله لمائة ألف رطل ومن إيجاده للفعل القائم به من الأكل والشرب ~~والصلاة وغيرها صحة إيجاده لخلق السماوات والأرض وما بينهما وهل سمع في ~~الهذيان # PageV01P149 # بأسمج من هذا وأغث من هذا واشتراك الموجودات في مسمى الوجود الكلي العام ~~لا يلزم منه أن ما جاز على موجود ما جاز على كل موجود وهذا أسمج من الأول ~~وأبين فسادا ولا يلزم من ذلك تماثل البعوضة والفيل وتماثل الأجسام والإعراض ~~ومن يجعل من الجبرية للقدرة الحادثة تعلقا ما بفعل العبد يعترف بالفرق ~~ويقول قدرته تتعلق ببعض الأعراض ولا تتعلق بالأجسام ولا بكل الأعراض فإن ~~احتج على إبطال التأثير بهذه الشبهة الغثة ألزم بها بعينها في عموم تعلق ~~قدرته بكل موجود. # فصل: قال الجبري: دليل التوحيد ينفي كون العبد فاعلا وأن يكون لقدرته ~~تأثير في فعله وتقريره بدليل التمانع، قال السني: دليل التوحيد إنما ينفي ~~وجود رب ثان ويدل على أنه لا رب إلا هو سبحانه ولا يدل على امتناع وجود ~~مخلوق له قدرة وإرادة مخلوقة يحدث بها وهو وقدرته وإرادته وفعله مخلوق لله ~~فهو بعد طول مقدماته واعتراف فضلائكم بالعجز عن تقريره وذكر ما في مقدماته ~~من منع ومعارضة إنما ينفي وجود قادرين متكافئين قدرة كل واحد منهما من ~~لوازم ذاته ليست مستفادة من الآخر وهو دليل صحيح في ms267 نفسه وإن عجزتم عن ~~تقريره ولكن ليس فيه ما ينفي أن تكون قدرة العبد وإراداته سببا لوجود ~~مقدوره وتأثيرها فيه تأثير الأسباب في مسبباتها فلا للتوحيد قررتم بدليل ~~التمانع ولا للجبر وقد كفانا أفضل متأخريكم بيان تنافي هذا الدليل من ~~المنوع والمعارضات، قال الجبري: دعنا من هذا كله أليس في القول بتأثير قدرة ~~العبد في مقدوره مع الاعتراف بأن الله سبحانه قادر على مقدور العبد إلزام ~~وقوع المقدور الواحد بين القادرين والدليل ينفيه، قال السني: ما تعني بقولك ~~يلزم وقوع مقدور بين قادرين أتعنى به قادرين مستقلين متكافئين أم تعنى به ~~قادرين تكون قدرة أحدهما مستفادة من الآخر فإن عنيت الأول منعت الملازمة ~~وإن عنيت الثاني منع انتفاء اللازم ومثبتو الكسب يجيبون عن هذا بأنه لا ~~يمتنع وقوع مقدور بين قادرين لقدرة أحدهما تأثير في إيجاده ولقدرة الآخر ~~تأثير في صفته كما يقوله القاضي أبو بكر ومن تبعه والأشعري يجيب عنه على ~~أصله بأن الفعل وقع بين قادرين لا تأثير لقدرة أحدهما في المقدور بل تعلق ~~قدرته بمقدورها كتعلق العلم بمعلومه وإنما الممتنع عنده وقوع مقدور بين ~~قادرين مؤثرين وهذا الاعتذار لا يخرج عن الجبر وأن زخرفت له العبارات، ~~وأجاب عنه الحسينية بما حكيناه أنه لا يمتنع مقدرو بين قادرين على سبيل ~~البدل ويمتنع على سبيل الجمع وقد تقدم فساده وأجاب عنه المشايخية بأنه ~~مقدور للعبد وليس مقدورا للرب وهذا أبطل الأجوبة وأفسدها والقائلون به ~~يقولون أن الله سبحانه عن إفكهم يريد الشيء فلا يكون ويكون الشيء بغير ~~إرادته ومشيئته فيريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد وكفى بهذا بطلانا ~~وفسادا، قال الجبري: الفعل عند المرجح التام واجب والمرجح ليس من العبد ~~وإلا لزم التسلسل فهو من الرب فإذا وجب الفعل عنده فهو الجبر بعينه، قال ~~السني: قد تقدم هذا الدليل وبيان ما فيه وحيث أعدتموه بهذه العبارة الوجيزة ~~المختصرة فنحن نذكر الأجوبة عنه كذلك قولكم لا بد من مرجح يرجح الفعل على ~~الترك أو بالعكس مسلم قولكم المرجح ms268 إن كان من العبد لزم التسلسل وإن كان من ~~الرب لزم الجبر جوابه ما المانع أن يكون من فعل العبد ولا يلزم التسلسل بأن ~~يكون من فعله على وجه لا يكون الترك ممكنا له حينئذ ولا يلزم من سلب ~~الاختيار عنه في فعل المرجح سلبه عنه مطلقا ثم ما المانع أن يكون المرجح من ~~فعل الله ولا يلزم الجبر فإنكم إن # PageV01P150 # عنيتم بالجبر أنه غير مختار للفعل ولا مريد له لم يلزم الجبر بهذا ~~الاعتبار لأن الرب سبحانه جعل المرجح اختيار العبد ومشيئته فانتفى الجبر ~~وإن عنيتم بالجبر أنه وجد لا بإيجاد العبد لم يلزم الجبر أيضا بهذا ~~الاعتبار وإن عنيتم أنه يجب عند وجود المرجح وأنه لا بد منه فنحن لا ننفي ~~الجبر بهذا الاعتبار وتسمية ذلك جبرا اصطلاح يختص بكم وهو اصطلاح فاسد فإن ~~فعل الرب سبحانه يجب عند وجود مرجحه التام ولا يكون ذلك جبرا بالنسبة إليه ~~سبحانه ثم هذا لازم على من اثبت الكسب منكم فنقول له في الكسب ما قاله في ~~أصل الفعل سواء ومن لم يثبت الكسب لزم ذلك في فعل الرب كما تقدم فإن قلتم ~~الفرق أن صدور الفعل عن القادر موقوف على الإرادة وإرادة العبد محدثة ~~فافتقرت إلى محدث فإن كان ذلك المحدث هو العبد لزم التسلسل فوجب انتهاء ~~جميع الإرادات إلى إرادة ضرورية يخلقها الله في القلب ابتداء ويلزم منه ~~الجبر بخلاف إرادة الرب سبحانه فإنها قديمة مستغنية عن إرادة أخرى فلا ~~تسلسل قيل لكم لا يجدي هذا عليكم في دفع الإلزام فإن الإرادة القديمة إما ~~أن يصح معها الفعل بدلا عن الترك وبالعكس أو لا فإن كان الأول فلا بد لأحد ~~الطرفين من مرجح والكلام في ذلك المرجح كالكلام في الأول ويلزم التسلسل وإن ~~كان الثاني لزم الجبر، قال الجبري: معتمدي في الجبر على حرف لا خلاص لكم ~~منه إلا بإلزام الجبر وهو أن العبد لو كان فاعلا لفعله لكان محدثا له ولو ~~كان محدثا له لكان خالقا له والشرع ms269 والعقل ينفيه قال تعالى: {يا أيها الناس ~~اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا ~~إله إلا هو فأنى تؤفكون} ، قال السني: قد دل العقل والشرع والحس على أن ~~العبد فاعل له وأنه يستحق عليه الذم واللعن كما ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه رأى حمارا قد وسم في وجهه فقال: "ألم أنه عن هذا لعن الله من فعل ~~هذا" وقال تعالى: {ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت ~~تعمل الخبائث} وقال: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} وقال: {ووفيت كل نفس ما ~~عملت} وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر والحس شاهد به فلا تقبل شبهة تقام ~~على خلافه ويكون حكم تلك الشبهة حكم القدح في الضروريات فلا يلتفت إليه ولا ~~يجب على العالم حل كل شبهة تعرض لكل أحد فإن هذا لا آخر له فقولكم لو كان ~~فاعلا لفعله لكان محدثا له إن أردتم بكونه محدثا صدور الفعل منه اتحد ~~اللازم والملزوم وصار حقيقة قولكم لو كان فاعلا لكان فاعلا وإن أردتم بكونه ~~محدثا كونه خالقا سألناكم ما تعنون بكونه خالقا هل تعنون به كونه فاعلا أم ~~تعنون به أمرا آخرا فإن أردتم الأول كان اللازم فيه عين الملزوم وإن أردتم ~~أمرا آخر غير كونه فاعلا فبينوه، فإن قلتم نعني به كونه موجودا للفعل من ~~العدم إلى الوجود، قيل هذا معنى كونه فاعلا فما الدليل على إحالة هذا ~~المعنى فسموه ما شئتم إحداثا أو إيجادا أو خلقا فليس الشأن في التسميات ~~وليس الممتنع ألا أن يكون مستقلا بالإيجاد وهذا غير لازم لكونه فاعلا فإنا ~~قد بينا أن غاية قدرة العبد وإراداته وداعية وحركته أن تكون جزء سبب وما ~~توقف عليه الفعل من الأسباب التي لا تدخل تحت قدرته أكثر من الجزء الذي ~~إليه بأضعاف مضاعفة والفعل لا يتم إلا بها، فإن قيل فهذا الجبر بعينه، قيل ~~ذلك السبب الذي أعني به من القدرة والإرادة هو الذي أخرجه من ms270 الجبر وأدخله ~~في الاختيار وكون ذلك السبب من خالقه وفاطره ومنشيه هو الذي أخرجه من الشرك ~~والتعطيل وأدخله في باب التوحيد فالأول # PageV01P151 # أدخله في باب العدل والثاني أدخله في باب التوحيد ولم يكن ممن نقض ~~التوحيد بالعدل ولا ممن نقض العدل بالتوحيد فهؤلاء جنوا على التوحيد وهؤلاء ~~جنوا على العدل وهدى الله أهل السنة للتوحيد والعدل: {والله يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم} . # PageV01P152 ### | الباب العشرون: في ذكر مناظرة بين قدري وسني # ... # الباب العشرون: في ذكر مناظرة بين قدري سني # قال القدري: قد أضاف الله الأعمال إلى العباد بأنواع الإضافة العامة ~~والخاصة فأضافها إليهم بالاستطاعة تارة كقوله: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات} وبالمشيئة تارة كقوله: {لمن شاء منكم أن يستقيم} ~~وبالإرادة تارة كقول الخضر فأردت أن أعيبها وبالفعل والكسب والصنع كقوله: ~~{يفعلون} : {يعملون} : {بما كنتم تكسبون} : {لبئس ما كانوا يصنعون} وأما ~~بالإضافة الخاصة فكإضافة الصلاة والصيام والحج والطهارة والزنا والسرقة ~~والقتل والكذب والكفر والفسوق وسائر أفعالهم إليهم وهذه الإضافة تمتنع ~~إضافتها إليه كما أن إضافة أفعاله تعالى تمتنع إضافتها إليهم فلا تجوز ~~إضافة أفعالهم إليه سبحانه دونهم ولا إليه معهم فهي إذا مضافة إليهم دونه ~~قال السني: هذا الكلام مشتمل على حق وباطل أما قولك أنه أضاف الأفعال إليهم ~~فحق لا ريب فيه وهذا حجة لك على خصومك من الجبرية وهم يجيبونك بأن هذا ~~الإسناد لا حقيقة له وإنما هو نسبة مجازية صححها قيام الأفعال بهم كما يقال ~~جرى الماء وبرد وسخن ومات زيد ونحن نساعدك على بطلان هذا الجواب ومنافاته ~~للعقول والشرائع والفطر ولكن قولك هذه الإضافة تمنع إضافتها إليه سبحانه ~~كلام فيه إجمال وتلبيس فإن أردت بمنع الإضافة إليه منع قيامها به ووصفه بها ~~وجريان أحكامها عليه واشتقاق الأسماء منه له فنعم هي غير مضافة إليه بشيء ~~من هذه الاعتبارات والوجوه وإن أردت بعدم إضافتها إليه عدم إضافتها إلى ~~علمه بها وقدرته عليها ومشيئته العامة وخلقه فهذا باطل فإنها معلومة له ~~سبحانه مقدورة له مخلوقة ms271 وإضافتها إليهم لا تمنع هذه الإضافة كالأموال ~~فإنها مخلوقة له سبحانه وهي ملكه حقيقة قد أضافها إليهم فالأعمال والأموال ~~خلقه وملكه وهو سبحانه يضيفها إلى عبيده وهو الذي جعلهم مالكيها وعامليها ~~فصحت النسبتان وحصول الأموال بكسبهم وإرادتهم كحصول الأعمال وهو الذي خلق ~~الأموال وكاسبيها والأعمال وعامليها فأموالهم وأعمالهم ملكه وبيده كما أن ~~أسماعهم وأبصارهم وأنفسهم ملكه وبيده فهو الذي جعلهم يسمعون ويبصرون ~~ويعملون فأعطاهم حاسة السمع والبصر وقوة السمع والبصر وفعل الإسماع ~~والإبصار وأعطاهم آلة العمل وقوة العمل ونفس العمل فنسبة قوة العمل إلى ~~اليد والكلام إلى اللسان كنسبة قوة السمع إلى الأذن والبصر إلى العين ونسبة ~~الرؤية والاستماع اختيارا إلى محلهما كنسبة الكلام والبطش إلى محلهما وإن ~~كانوا هم الذين خلقوا لأنفسهم الرؤية والسمع فهل خلقوا محلهما وقوى المحل ~~والأسباب الكثيرة التي تصلح معها الرؤية والسمع أم الكل خلق من هو خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار قال القدري: لو كان الله سبحانه هو الفاعل لأفعالهم ~~لاشتقت له منها الأسماء وكان أولى بأسمائها منهم إذ لا يعقل الناس على ~~اختلاف لغاتهم وعاداتهم ودياناتهم قائما إلا من فعل القيام وآكلا إلا من ~~فعل الأكل وسارقا إلا من فعل السرقة وهكذا جميع الأفعال لازمها ومتعديها # PageV01P152 # فقلبتم أنتم الأمر وقلبتم الحقائق فقلتم من فعل هذه الأفعال حقيقة لا ~~يشتق له منها اسم وإنما يشتق منها الأسماء لمن لم يفعلها ولم يحدثها وهذا ~~خلاف العقول واللغات وما تتعارفه الأمم قال السني: هذا إنما يلزم إخوانك ~~وخصومك الجبرية القائلين بأن العبد لم يفعل شيئا البتة وأما من قال العبد ~~فاعل لفعله حقيقة والله خالقه وخالق آلات فعله الظاهرة والباطنة فإنه إنما ~~يشتق الأسماء لمن فعل تلك الأفعال فهو القائم والقاعد والمصلي والسارق ~~والزاني حقيقة فإن الفعل إذا قام بالفاعل عاد حكمه إليه ولم يعد إلى غيره ~~واشتق له منه اسم ولم يشتق لمن لم يقم به فههنا أربعة أمور أمران معنويان ~~في النفي والإثبات وأمران لفظيان فيهما فلما قام الأكل والشرب والزنا ~~والسرقة بالعبد ms272 عادت أحكام هذه الأفعال إليه واشتقت له منها الأسماء وامتنع ~~عود أحكامها إلى الرب واشتقاق أسمائها له ولكن من أين يمنع هذا أن تكون ~~معلومة للرب سبحانه مقدورة له مكونة له واقعة من العباد بقدرة ربهم وتكوينه ~~قال القدري: لو كان خالقا لها لزمته هذه الأمور قال السني: هذا باطل ودعوى ~~كاذبة فإنه سبحانه لا يشتق له اسم مما خلقه في غيره ولا يعود حكمه عليه ~~وإنما يشتق الاسم لمن قام به ذلك فإنه سبحانه خلق الألوان والطعوم والروائح ~~والحركات في محالها ولم يشتق له منها اسم ولا عادات أحكامها إليه ومعنى عود ~~الحكم إلى المحل الإخبار عنه بأنه يقوم ويقعد ويأكل ويشرب قال السني: ومن ~~ههنا علم ضلال المعتزلة الذين يقولون أن القرآن مخلوقا خلقه الله في محل ثم ~~اشتق له اسم المتكلم باعتبار خلقه له وعاد حكمه إليه فأخبر عنه أنه تكلم به ~~ومعلوم أن الله سبحانه خالق صفات الأجسام وأعراضها وقواها فكيف جاز أن يشتق ~~له اسم مما خلقه من الكلام في غيره ولم يشتق له اسم مما خلقه من الصفات ~~والأعراض في غيره فأنت أيها القدري نقضت أصولك بعضها ببعض وأفسدت قولك في ~~مسألة الكلام بقولك في مسألة القدر وقولك في القدر بقولك في الكلام فجعلته ~~متكلما بكلام قائم بغيره وأبطلت أن يكون فاعل الفعل قائما بغيره فإن كنت ~~أصبت في مسألة الكلام فقد نقضت أصلك في القدر وإن أصبت في هذا الأصل لزم ~~خطأك في مسألة الكلام فأنت مخطئ على التقديرين قال القدري فما تقول أنت في ~~هذا المقام قال السني: لا تناقض في هذا ولا في هذا بل أصفه سبحانه بما قام ~~به وامتنع من وصفه بما لم يقم قال القدري فالآن حمى الوطيس فأنت والمسلمون ~~وسائر الخلق تسمونه تعالى خالقا ورازقا ومميتا والخلق والرزق والموت قائم ~~بالمخلوق والمرزوق والميت إذ لو قام ذلك بالرب سبحانه فالخلق إما قديم وإما ~~حادث فإن كان قديما لزم قدم المخلوق لأنه نسبة بين الخالق والمخلوق ويلزم ~~من ms273 كونها قديمة قدم المصحح لها وإن كان حادثا لزم قيام الحوادث به وافتقر ~~ذلك الخلق إلى خلق آخر فلزم التسلسل فثبت أن الخلق غير قائم به سبحانه وقد ~~اشتق له منه اسم قال السني: أي لازم من هذه اللوازم التزمه المرء كان خيرا ~~من أن ينفي صفة الخالقية عن الرب سبحانه فإن حقيقة هذا القول أنه غير خالق ~~فإن إثبات خالق بلا خلق إثبات اسم لا معنى له وهو كإثبات سميع لا سمع له ~~وبصير لا بصر له ومتكلم وقادر لا كلام له ولا قدرة فتعطيل الرب سبحانه عن ~~فعله القائم به كتعطيله عن صفاته القائمة به والتعطيل أنواع تعطيل المصنوع ~~عن الصانع وهو تعطيل الدهرية والزنادقة وتعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت ~~جلاله وهو تعطيل الجهمية نفاة الصفات وتعطيله عن أفعاله وهو أيضا تعطيل ~~الجهمية وهم أبنائه ودب فيمن عداهم من الطوائف فقالوا لا يقوم بذاته فعل ~~لأن الفعل # PageV01P153 # حادث وليس محلا للحوادث كما قال إخوانهم لا تقوم بذاته صفة لأن الصفة عرض ~~وليس محلا للأعراض فلو التزم الملتزم أي قول التزمه كان خيرا من تعطيل صفات ~~الرب وأفعاله فالمشبهة ضلالهم وبدعتهم خير من المعطلة ومعطلة الصفات خير من ~~معطلة الذات وإن كان التعطيلان متلازمين لاستحالة وجود ذات قائمة بنفسها لا ~~توصف بصفة فوجود هذه محال في الذهن وفي الخارج ومعطلة الأفعال خير من معطلة ~~الصفات فإن هؤلاء نفوا صفة الفعل وإخوانهم نفوا صفات الذات وأهل السمع ~~والعقل وحزب الرسول والفرقة الناجية برآء من تعطيل هؤلاء كلهم فإنهم أثبتوا ~~الذات والصفات والأفعال وحقائق الأسماء الحسنى إذ جعلها المعطلة مجازا لا ~~حقيقة له فشر هذه الفرق لخيرها الفداء والمقصود أنه أي قول لزمه الملتزم ~~كان خيرا من نفي الخلق وتعطيل هذه الصفة عن الله وإذا عرض على العقل السليم ~~مفعول لا فاعل له ومفعول لا فاعل لفعله لم يجد بين الأمرين فرقا في الإحالة ~~فمفعول بلا فعل كمفعول بلا فاعل لا فرق بينهما البتة فليعرض العاقل على ~~نفسه القول بتسلسل ms274 الحوادث والقول بقيام الأفعال بذات الرب سبحانه والقول ~~بوجود مخلوق حادث عن خلق قديم قائم بذات الرب سبحانه والقول بوجود مفعول ~~بلا فعل ولينظر أي هذه الأقوال أبعد عن العقل والسمع وأيها أقرب إليهما ~~ونحن نذكر أجوبة الطوائف عن هذا السؤال فقالت طائفة يختار من هذا التقسيم ~~والترديد كون الخلق والتكوين قديما قائما بذات الرب سبحانه ولا يلزمنا قدم ~~المخلوق المكون كما نقول نحن وأنتم أن الإرادة قديمة ولا يلزم من قدمها قدم ~~المراد وكل ما أجبتم به في صورة الإلزام فهو جوابنا بعينه في مسألة المكون ~~وهذا جواب سديد وهو جواب جمهور الحنفية والصوفية وأتباع الأئمة فإن قلتم ~~إنما لا يلزم من قدم الإرادة قدم المراد لأنها تتعلق بوجود المراد في وقته ~~فهو يريد كون الشيء في ذلك الوقت وأما تكوينه وخلقه قبل وجوده فمحال قيل ~~لكم لسنا نقول أنه كونه قبل وقت كونه بل التكوين القديم اقتضى كونه في وقته ~~كما اقتضت الإرادة القديمة كونه في وقته فإن قلتم كيف يعقل تكوين ولا مكون ~~قيل كما عقلتم إرادة ولا مراد فإن قلتم المريد قد يريد الشيء قبل كونه ولا ~~يكونه قبل كونه قيل كلامنا في الإرادة المستلزمة لوجوده في الإرادة التي لا ~~تستلزم المراد وإرادة الرب سبحانه ومشيئته تستلزم وجود مراده وكذلك التكوين ~~يوضحه أن التكوين هو اجتماع القدرة والإرادة وكلمة التكوين وذلك كله قديم ~~ولم يلزم منه قدم المكون قالوا وإذا عرضنا هذا على العقول السليمة وعرضنا ~~عليها مفعولا بلا فعل بادرت إلى قبول ذاك وإنكار هذا فهذا جواب هؤلاء وقالت ~~الكرامية بل نختار من هذا الترديد كون التكوين حادثا وقولكم يلزم من ذلك ~~قيام الحوادث بذات الرب سبحانه فالتكوين هو فعله وهو قائم به وكأنكم قلتم ~~يلزم من قيام فعله به قيامه به وسميتم أفعاله حوادث وتوسلتم بهذه التسمية ~~إلى تعطيلها كما سمى إخوانكم صفاته إعراضا وتوسلوا بهذه التسمية إلى نفيها ~~عنه وكما سموا علوه على مخلوقاته واستواءه على عرشه تحيزا وتوسلوا بهذه إلى ~~نفيه وكما ms275 سموا وجهه الأعلى ويديه جوارح وتوسلوا بذلك إلى نفيها قالوا ونحن ~~لا ننكر أفعال خالق السماوات والأرض وما بينهما وكلامه وتكليمه ونزوله إلى ~~السماء واستواءه على عرشه ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده وندائه ~~لأنبيائه ورسله وملائكته وفعله ما شاء بتسميتكم لهذا كله حوادث ومن أنكر ~~ذلك فقد أنكر كونه # PageV01P154 # رب العالمين فإنه لا يتقرر في العقول والفطر كونه ربا للعالمين إلا بأن ~~يثبت له الأفعال الاختيارية وذات لا تفعل ليست مستحقة للربوبية ولا للإلهية ~~فالإجلال من هذا الإجلال واجب والتنزيه عن هذا التنزيه متعين فتنزيه الرب ~~سبحانه عن قيام الأفعال به تنزيه له عن الربوبية وملكه قالوا ولنا على صحة ~~هذه المسألة أكثر من ألف دليل من القرآن والسنة والعقول وقد اعترف أفضل ~~متأخريكم بفساد شبهكم كلها على إنكار هذه وذكرها شبهة شبهة وأفسدها والتزم ~~بها جميع الطوائف حتى الفلاسفة الذين هم أبعد الطوائف من إثبات الصفات ~~والأفعال قالوا ولا يمكن إثبات حدوث العالم وكون الرب خالقا ومتكلما وسامعا ~~ومبصرا ومجيبا للدعوات ومدبرا للمخلوقات وقادرا ومريدا إلا القول بأنه فعال ~~وأن أفعاله قائمة به فإذا بطل أن يكون له فعل وأن تقوم بذاته الأمور ~~المتجددة بطل هذا كله. # فصل: وقد أجاب عن هذا عبد العزيز بن يحيى الكناني في حيدته فقال في سؤاله ~~للمريسي: بأي شيء حدثت الأشياء فقال له أحدثها الله بقدرته التي لم تزل ~~فقلت له أحدثها بقدرته كما ذكرت أو ليس تقول أنه لم يزل قادرا قال بلى قلت ~~فتقول أنه لم يزل يفعل قال لا أقول هذا قلت فلا بد أن نلزمك أن تقول أنه ~~خلق بالفعل الذي كان بالقدرة لأن القدرة صفة ثم قال عبد العزيز لم أقل لم ~~يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل وإنما الفعل صفة والله يقدر عليه ولا ~~يمنعه منه مانع فأثبت عبد العزيز فعلا مقدورا لله هو صفة ليس من المخلوقات ~~وأنه به خلق المخلوقات وهذا صريح في أن مذهبه كمذهب السلف وأهل الحديث لأن ~~الخلق غير ms276 المخلوق والفعل غير المفعول كما حكاه البغوي إجماعا لأهل السنة ~~وقد صرح عبد العزيز أن فعله سبحانه القائم به وأنه خلق به المخلوقات كما ~~صرح به البخاري في آخر صحيحه وفي كتاب خلق الأفعال قال في صحيحه باب ما جاء ~~في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق وفعل الرب وأمره فالرب سبحانه ~~بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وأمره ~~وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون فصرح إمام السنة أن صفة التخليق هي ~~فعل الرب وأمره وأنه خالق بفعله وكلامه وجميع جند الرسول وحزبه مع محمد بن ~~إسماعيل في هذا والقرآن مملوء من الدلالة عليه كما دل عليه العقل والفطرة ~~قال تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} ثم ~~أجاب نفسه بقوله: {بلى وهو الخلاق العليم} فأخبر أنه قادر على نفس فعله وهو ~~أن يخلق فنفس أن يخلق فعل له وهو قادر عليه ومن يقول لا فعل له وأن الفعل ~~هو عين المفعول يقول لا يقدر على فعل يقوم به البتة بل لا يقدر إلا على ~~المفعول المباين له الحادث بغير فعل منه سبحانه وهذا أبلغ في الإحالة من ~~حدوثه بغير قدرة بل هو في الإحالة كحدوثه بغير فاعل فإن المفعول يدل على ~~قدرة الفاعل باللزوم العقلي ويدل على فعله الذي وجد به بالتضمن فإذا سلبت ~~دلالته التضمنية كان سلب دلالته اللزومية أسهل ودلالة المفعول على فاعله ~~وفعله دلالة واحدة وهي أظهر بكثير من دلالته قدرته وإرادته في القرآن كثير ~~كقوله: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} وأن يبعث هو نفس ~~فعله والعذاب هو مفعوله المباين له وكذلك قو4له: {أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى} فإحياء الموتى نفس فعله وحياتهم مفعوله المباين له وكلاهما ~~مقدور له وقال تعالى: {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} فتسوية البنان فعله ~~واستواؤها # PageV01P155 # مفعوله ومنكرو الأفعال يقولون أن الرب سبحانه يقدر على المفعولات ~~المباينة له ولا يقدر على فعل يقوم بنفسه ms277 لا لازم ولا متعد وأهل السنة ~~يقولون الرب سبحانه يقدر على هذا وعلى هذا وهو سبحانه له الخلق والأمر ~~فالجهمية أنكرت خلقه وأمره وقالوا خلقه نفس مخلوقه وأمره مخلوق من مخلوقاته ~~فلا خلق ولا أمر ومن أثبت له الكلام القائم بذاته ونفى أن يكون له فعل فقد ~~أثبت الأمر دون الخلق ولم يقل أحد بقيام أفعاله به ونفى صفة الكلام عنه ~~فيثبت الأمر دون الخلق وأهل السنة يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه من الخلق ~~والأمر فالخلق فعله والأمر قوله وهو سبحانه يقول ويفعل وأجابت طائفة أخرى ~~من أهل السنة والحديث عن هذا بالتزام التسلسل وقالوا ليس في العقل ولا في ~~الشرع ما ينفي دوام فاعلية الرب سبحانه وتعاقب أفعاله شيئا قبل شيء إلى غير ~~غاية كما تتعاقب شيئا بعد شيء إلى غير غاية فلم تزل أفعالا قالوا والفعل ~~صفة كمال ومن يفعل أكمل ممن لا يفعل قالوا ولا يقتضي صريح العقل إلا هذا ~~ومن زعم أن الفعل كان ممتنعا عليه سبحانه في مدد غير مقدرة لا نهاية لها ~~ولا يقدر أن يفعل ثم انقلب الفعل من الاستحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي ~~من غير حدوث سبب ولا تغير في الفاعل فقد نادى على عقله بين الأنام قالوا ~~وإذا كان هذا في العقول جاز أن ينقلب العالم من العدم إلى الوجود من غير ~~فاعل وإن امتنع هذا في بداية العقول فكذلك نجد إمكان الفعل وانقلابه من ~~الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب وأما أن يكون هذا ممكنا وذاك ~~ممتنعا فليس في العقول ما يقضي بذلك قالوا والتسلسل لفظ مجمل لم يرد بنفيه ~~ولا إثباته كتاب ناطق ولا سنة متبعة فيجب مراعاة لفظه وهو ينقسم إلى واجب ~~وممتنع وممكن كالتسلسل في المؤثر محال ممتنع لذاته وهو أن يكون مؤثرين كل ~~واحد منهم استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية والتسلسل الواجب ما دل عليه ~~العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد وأنه كلما انقضى لأهل ~~الجنة نعيم أحدث لهم ms278 نعيما آخر لا نفاد له وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه ~~من طرق الأزل وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر فهذا واجب في كلامه فإنه لم يزل ~~متكلما إذا شاء ولم تحدث له صفة الكلام في وقت وهكذا أفعاله التي هي من ~~لوازم حياته فإن كل حي فعال والفرق بين الحي والميت بالفعل ولهذا قال غير ~~واحد من السلف الحي الفعال، وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال ولم يكن ربنا ~~سبحانه قط في وقت من الأوقات المحققة أو المقدرة معطلا عن كماله من الكلام ~~والإرادة والفعل وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف ~~كما يتسلسل في طرف الأبد فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما وذلك من ~~لوازم ذاته فالفعل ممكن هذه الصفات له وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل ولا ~~يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من ~~مخلوقاته تقدم لا أول له فلكل مخلوق أول والخالق سبحانه لا أول له فهو وحده ~~الخالق وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن قالوا وكل قول سوى هذا فصريح ~~العقل يرده ويقضي ببطلانه وكل من اعترف بأن الرب سبحانه لم يزل قادرا على ~~الفعل لزمه أحد الأمرين لا بد له منهما أما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا ~~وأما أن يقول لم يزل واقعا إلا تناقض تناقضا بينا حيث زعم أن الرب سبحانه ~~لم يزل قادرا على الفعل والفعل محال ممتنع لذاته لو أراده لم يكن وجوده بل ~~فرض إرادته عنده محال وهو مقدور له وهذا قول ينقض بعضه بعضا وأجابت طائفة ~~أخرى بالجواب المركب على جميع التقادير فقالوا # PageV01P156 # تسلسل الآثار إما أن يكون ممكنا أو ممتنعا فإن كان ممكنا فلا محذور في ~~التزامه وإن كان ممتنعا لم يلزم من بطلانه بطلان الفعل الذي لا يكون ~~المخلوق إلا به فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل والمخلوق لا ~~يكون إلا بخلق قبل العلم بجواز التسلسل ms279 وبطلانه، ولهذا كثير من الطوائف ~~يقولون الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول مع قولهم ببطلان التسلسل مثل ~~كثير من أتباع الأئمة الأربعة وكثير من أهل الحديث والصوفية والمتكلمين ثم ~~من هؤلاء من يقول الخلق الذي هو التكوين صفة كالإرادة ومنهم من يقول بل هي ~~حادثة بعد أن لم تكن كالكلام والإرادة وهي قائمة به سبحانه وهم الكرامية ~~ومن وافقهم أثبتوا حدوثها وقيامها بذاته وأبطلوا دوامها فرارا من القول ~~بحوادث لا أول لها وكلا الفريقين يقول أن ذلك التكوين والخلق مخلوق بل يقول ~~أن المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة قالوا فإذا كان القول بالتسلسل لازما ~~لكل من قال أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الخلق يمكنه أن يفعل بلا ممانع ~~فهو لازم لك كما ألزمته لخصومك فلا ينفردون بجوابه دونك وأما ما ألزموك به ~~من وجود مفعول بلا فعل ومخلوق بلا خلق فهو لازم لك وحدك قالوا ونحن إنما ~~قلنا الفعل صفة قائمة به سبحانه وهو قادر عليه لا يمنعه منه مانع والفعل ~~القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه فلا يلزم أن يكون معه مخلوقا في ~~الأزل إلا إذا ثبت أن الفعل اللازم يستلزم الفعل المتعدي وأن المتعدي ~~يستلزم دوام نوع المفعولات ودوام نوعها يستلزم أن يكون معه سبحانه في الأزل ~~شيء منها وهذه الأمور لا سبيل لك ولا لغيرك إلى الاستدلال على ثبوتها كلها ~~وحينئذ فنقول أي لازم لزم من إثبات فعله كان القول به خيرا من نفي الفعل ~~وتعطيله فإن ثبت قيام فعله به من غير قيام الحوادث به كما يقوله كثير من ~~الناس بطل قولكم وإن لزم من إثبات فعله قيام الأمور الاختيارية به والقول ~~بأنها مفتتحة ولها أول فهو خير من قولكم كما تقوله الكرامية وإن لزم ~~تسلسلها وعدم أوليتها في الأفعال اللازمة فهو خير من قولكم وإن لزم تسلسل ~~الآثار وكونه سبحانه لم يزل خالقا كما دل عليه النص والعقل فهو خير من ~~قولكم ولو قدر أنه يلزم أن الخلق لم يزل مع ms280 الله قديما بقدمه كان خيرا من ~~قولكم مع أن هذا لا يلزم ولم يقل به أحد من أهل الإسلام بل ولا أهل الملل ~~فكلهم متفقون على أن الله وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق موجود بعد عدمه ~~وليس معه غيره من المخلوقات يكون وجوده مساويا لوجوده فما لزم بعد هذا من ~~إثبات خلقه وأمره وصفات كماله ونعوت جلاله وكونه رب العالمين وأن كماله ~~المقدس من لوازم ذاته فإنا به قائلون وله ملتزمون كما إنا ملتزمون لكل ما ~~لزم من كونه حيا عليما قديرا سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه بائن ~~من خلقه يراه المؤمنون بأبصارهم عيانا في الجنة وفي عرصات القيامة ويكلمهم ~~ويكلمونه فإن هذا حق ولازم الحق مثله وما لم يلزم من إثبات ذلك من الباطل ~~الذي تتخيله خفافيش العقول فنحن له منكرون وعن القول به عادلون وبالله ~~التوفيق، قال القدري: كون العبد موجدا لأفعاله وهو الفاعل لها من أجل ~~الضروريات والبديهيات فإن كل عاقل يعلم من نفسه أنه فاعل لما يصدر منه من ~~الأفعال الواقعة على وفق قصده وداعيته بخلاف حركة المرتعش والمجرور على ~~وجهه وهذا لا يتمارى فيه العاقل ولا يقبل التشكيك والقدح في ذلك والاستدلال ~~على خلافه استدلال على بطلان ما علمت صحته بالضرورة فلا يكون مقبولا، قال ~~السني: قد أجابك خصومك من الجبرية عن هذا بأن العاقل يعلم من نفسه وقوع ~~الفعل مقارنا لقدرته # PageV01P157 # ولا يعلم من نفسه أنه واقع بقدرته والفرق بين الأمرين ظاهر ولو كان وقوعه ~~بقدرته هو المعلوم بالضرورة لما خالف فيه جمع عظيم من العقلاء يستحيل عليهم ~~الإطباق على جحد الضروريات وهذا الجواب مما لا يشفي عليلا ولا يروي غليلا ~~وهو عبارات لا حاصل تحتها فإن كل عاقل يجد من نفسه وقوع الفعل بقدرته ~~وإراداته وداعيته فإن ذلك هو المؤثر في الفعل ويجد تفرقة ضرورية بين مقارنة ~~القدرة والداعية للفعل ومقارنة طوله ولونه وشمه وغير ذلك من صفاته للفعل ~~ونسبة ذلك كله عند الجبري إلى الفعل نسبة واحدة والله سبحانه ms281 أجرى العادة ~~بخلق الفعل عند القدرة والداعي لا بهما وإنما اقترن الداعي والقدرة بالفعل ~~اقترانا مجردا ومعلوم أن هذا قدح في الضروريات ولا ريب أن من نظر إلى ~~تصرفات العقلاء ومعاملاتهم مع بعضهم بعضا وجدهم يطلبون الفعل من غيرهم طلب ~~عالم بالاضطرار أن المطلوب منه الفعل هو المحصل له فالواقع بقدرته وإرادته ~~ولذلك يتلطفون لوقوع الفعل منه بكل لطيفة ويحتالون عليه بكل حيلة فيعطونه ~~تارة ويزجرونه تارة ويخوفونه تارة ويتوصلون إلى إخراج الفعل منه بأنواع ~~الرغبة والرهبة ويقولون قد فعل فلان كذا فما لك لا تفعل كما فعل وهذا أمر ~~مشاهد بالحس والضرورة فالعقلاء ساكنو لأنفس إلى أن الفعل من العبد يقع وبه ~~يحصل ولو حرك أحدهم أصبعه فشتمت المحرك لها لغضب وشتمك وقال كيف تشتمني ولم ~~يقل لي لم تشتم ربي وهذا أوضح من أن يضرب له المثال أو يبسط فيه المقال وما ~~يعرض في ذلك من الشبه جار مجرى السفسطة وقد فطر الله العقلاء على ذم فاعل ~~الإساءة ومدح فاعل الإحسان وهذا يدل على أنهم مفطورون على العلم بأنه فاعل ~~لأن الذم فرع عليه ويستحيل أن يكون الفرع معلوما باضطرار والأصل ليس كذلك ~~والعقلاء قاطبة يعلمون أن الكاتب مثلا يكتب إذا أراد ويمسك إذا أراد وكذلك ~~الباني والصانع وأنه إذا عجزت قدرته أو عدمت إرادته بطل فعله فإن عادت إليه ~~القدرة والإرادة عاد الفعل وقولك لو كان ذلك أمرا ضروريا لاشترك العقلاء ~~فيه جوابك انه لا يجب الاشتراك في الضروريات فكثير من العقلاء يخالفون ~~كثيرا من الضروريات لدخول شبهة عليهم ولا سيما إذا تواطؤا عليها وتناقلوها ~~كمخالفة الفلاسفة في الإلهيات بيسير من الضروريات وهم جمع كثير من العقلاء ~~وهؤلاء النصارى يقولون ما يعلم فساده بضرورة العقل وهم يناظرون عليه ~~وينصرونه وهؤلاء الرافضة يزعمون أن أبا بكر وعمر لم يؤمنا بالله ورسوله ~~طرفة عين ولم يزالا عدوين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مترصدين لقتله وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام عليا على رؤوس جميع الصحابة وهم ms282 ينظرون ~~إليه جهرة وقال: "هذا وصي وولي العهد من بعدي فكلكم له تسمعون" وأطبقوا على ~~كتمان هذا النص وعصيانه وهؤلاء الجهمية ومن قال بقولهم يقولون ما يخالف ~~صريح العقل من وجود مفعول بلا فعل ومخلوق بلا خلق وهؤلاء الفلاسفة وهم ~~المدلون بعقولهم يثبتون ذواتا قائمة بأنفسهم خارج الذهن ليست في العالم ولا ~~خارجة عن العالم ولا متصلة به ولا منفصلة عنه ولا مباينة له ولا محايثة وهو ~~ما يعلم بصريح العقل فساده وهؤلاء طائفة الاتحادية تزعم أن الله هو هذا ~~الوجود وأن التعدد والتكثير فيه وهم محض وهؤلاء منكرو الأسباب يزعمون أنه ~~لا حرارة في النار تحرق بها ولا رطوبة في الماء يروى بها وليس في الأجسام ~~أصلا لا قوى ولا طبائع ولا في العالم شيء يكون سببا لشيء آخر البتة وإن لم ~~تكن هذه الأمور جحدا للضروريات فليس في العالم من جحد الضروريات وإن كانت ~~جحدا # PageV01P158 # للضروريات بطل قولكم ان جمعا من العقلاء لايتفقون على ذلك والأقوال التي ~~يجحد بها المتكلمون الضروريات أضعاف أضعاف ماذكرناه فهم أجحد الناس لما ~~يعلم بضرورة العقل وكيف يصح في عقل سليم سميع لا سمع له بصير لا بصر له حي ~~لا حياة له أم كيف يصح عند عقل مرئي يرى بالأبصار عيانا لا فوق الرائي ولا ~~تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه أم كيف ~~يصح عند ذي عقل إثبات كلام قديم أزلي لو كان البحر يمده من بعده سبعة أبحر ~~وجميع أشجار الأرض على اختلافها وكبرها وصغرها أقلام يكتب به لنفدت البحار ~~وفنيت الأقلام ولم يفن ذلك الكلام ومع هذا فهو معنى واحد لا جزء له ولا ~~ينقسم وهو والنهي فيه عين الأمر والنفي فيه عين الإثبات والخبر فيه عين ~~الاستخبار والتوراة فيه عين الإنجيل وعين القرآن وذلك كله أمر واحد إنما ~~يختلف بمسمياته ونسبه وقد أطبق على هذا جمع عظيم من العقلاء وكفروا من ~~خالفهم فيه واستحلوا منهم ما حرمه الله وهؤلاء الجهمية يقولون ms283 أن للعالم ~~صانعا قائما بذاته ليس في العالم ولا هو خارج العالم ولا فوق العالم ولا ~~تحته ولا خلفه ولا أمامه ولا عن يمينه ولا عن يسرته ولا هو مباين له ولا ~~محايث له فوصفوا واجب الوجود بصفة ممتنع الوجود وكفروا من خالفهم في ذلك ~~واستحلوا دمه وقالوا ما يعلم فساده بصريح العقل ولو ذهبنا نذكر ما جحد فيه ~~أكثر الطوائف الضروريات لطال الكتاب جدا وهؤلاء النصارى قد طبقت شرق الأرض ~~وغربها وهم من أعظم الناس جحدا للضروريات وهؤلاء الفلاسفة هم أهل المعقولات ~~وهم من أكثر الناس جحدا للضروريات فاتفاق طائفة من الطوائف على المقالة لا ~~يدل على مخالفتها لصريح العقل وبالله التوفيق. # فصل: قال القدري: قال الله سبحانه: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك} وعند الجبري أن الكل فعل الله وليس من العبد شيء، قال ~~الجبري: في الكلام استفهام مقدر تقديره أفمن نفسك فهو إنكار لا إثبات ~~وقرأها بعضهم فمن نفسك بفتح الميم ورفع نفسك أي من أنت حتى تفعلها وقال ولا ~~بد من تأويل الآية وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها: {وإن تصبهم حسنة ~~يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند ~~الله} فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعا من عنده لا من عند العبد، قال ~~السني: أخطأتما جميعا في فهم الآية أقبح الخطأ ومنشأ غلطكما إن الحسنات ~~والسيئات في الآية المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد ~~الاختياري وهذا وهم محض في الآية وإنما المراد بها النعم والمصائب ولفظ ~~الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد به هذا تارة وهذا تارة فقوله تعالى: ~~{إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وقوله: {إن تصبك حسنة ~~تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل} وقوله: {وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات} وقوله: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان ~~كفور} وقوله: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا ~~بموسى ومن ms284 معه} وقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك} المراد في هذا كله النعم والمصائب وأما قوله: {من جاء بالحسنة فله ~~عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} وقوله: {إن الحسنات يذهبن ~~السيئات} وقوله: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} والمراد به في هذا كله ~~الأعمال المأمور بها والمنهي عنها وهو سبحانه إنما قال ما أصابك ولم يقل ما ~~أصبت وما كسبت فما يفعله العبد يقال فيه # PageV01P159 # ما أصبت وكسبت وعملت كقوله: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} وكقوله: {من ~~يعمل سوءا يجز به} : {ومن يكسب خطيئة أو إثما} وقول المذنب التائب يا رسول ~~الله أصبت ذنبا فأقم علي كتاب الله ولا يقال في هذا أصابك ذنب وأصابتك سيئة ~~وما يفعل به بغير اختياره يقال فيه أصابك كقوله: {وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم} وقوله: {وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل} وقوله: ~~{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} فجمع الله في الآية بين ما أصابوا ~~بفعلهم وكسبهم وما أصابهم مما ليس فعلا لهم وقوله: {ونحن نتربص بكم أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده} وقوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة} وقوله: {فأصابتكم مصيبة الموت} فقوله: {ما أصابك من حسنة} هو من هذا ~~القسم الذي يصيبه العبد لا باختياره وهذا إجماع من السلف في تفسير هذه ~~الآية، قال أبو العالية: "وإن تصبكم حسنة هذا في السراء وإن تصبهم سيئة هذ ~~في الضراء"، قال السدي: "الحسنة الخصب تنتج مواشيهم وأنعامهم ويحسن حالهم ~~فتلد نساؤهم الغلمان قالوا هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة قال الضر في ~~أموالهم تشاءموا بمحمد وقالوا هذه من عنده قالوا بتركنا ديننا وإتباعنا ~~محمدا أصابنا ما أصابنا فأنزل الله سبحانه ردا عليهم قل كل من عند الله ~~الحسنة والسيئة" وقال الوالبي عن ابن عباس ما أصابك من حسنة فمن الله قال ~~ما فتح الله عليك يوم بدر وقال أيضا هو الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه ~~يوم ms285 أحد شج في وجهه وكسرت رباعيته وقال أما الحسنة فأنعم الله بها عليك ~~وأما السيئة فابتلاك بها وقال أيضا ما أصابك من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك ~~عليك ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس: "إن تصبك ~~حسنة الخصب وإن تصبك سيئة الجدب والبلاء" وقال ابن قتيبة في هذه الآية: ~~"الحسنة النعمة والسيئة البلية" فإن قيل فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي عن ~~أبي العالية أنه فسر الحسنة والسيئة في هذه الآية بالطاعة والمعصية وهو من ~~أعلم التابعين فالجواب أنه لم يذكر بذلك إسنادا ولا نعلم صحته عن أبي ~~العالية وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي العالية ما تقدم حكايته أن ~~ذلك في السراء والضراء وهذا هو المعروف عن أبي العالية ولم يذكر ابن أبي ~~حاتم عنه غيره وهو الذي حكاه ابن قتيبة عنه وقد يقال أن المعنيين جميعا ~~مرادان باعتبار أن ما يوفقه الله من الطاعات فهو نعمة في حقه أصابته من ~~الله كما قال: {وما بكم من نعمة فمن الله} فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا ~~وما يقع منه من المعصية فهو مصيبة أصابته من الله وإن كان سببها منه والذي ~~يوضح ذلك أن الله سبحانه إذا جعل السيئة هي الجزاء على المعصية من نفس ~~العبد بقوله: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى ~~أن يكون من نفسه فلا منافاة بين أن تكون سيئة العمل من نفسه وسيئة الجزاء ~~من نفسه ولا ينافي ذلك أن يكون الجميع من الله قضاء وقدرا ولكن هو من الله ~~عدل وحكمة ومصلحة وحسن ومن العبد سيئة وقبيح وقد وري عن ابن عباس أنه كان ~~يقرأها: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وأنا قدرتها عليك وهذه القراءة زيادة ~~بيان وإلا فقد دل قوله قبل ذلك: {قل كل من عند الله} على السابق القضاء ~~والقدر النافذ والمعاصي قد تكون بعضها عقوبة بعض فيكون لله على المعصية ~~عقوبتان عقوبة بمعصية تتولد منها وتكون ms286 الأولى سببا فيها وعقوبة بمؤلم يكون ~~جزاؤها كما في الحديث المتفق على صحته عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة # PageV01P160 # ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب ~~فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ~~ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" وقد ذكر الله سبحانه في غير موضع من ~~كتابه أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى وأن المعصية قد ~~تكون عقوبة للمعصية الأولى فالأول كقوله تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون ~~به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم ~~صراطا مستقيما} وقال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقال: ~~{يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} وأما قوله: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن ~~يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم} فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية ~~في الآخرة إلى طريق الجنة فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم ويحتمل أن يكون ~~منه ويكون قوله سيهديهم ويصلح بالهم إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء ~~الذين قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه ~~يجدد له كل وقت نوعا من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئا بعد شيء فإن قلت ~~فكيف يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا قلت الخبر قوله: {فلن يضل ~~أعمالهم} أي أنه لا يبطلها عليهم ولا يترهم إياها هذا بعد أن قتلوا ثم أخبر ~~سبحانه خبرا مستأنفا عنهم أنه سيهديهم ويصلح بالهم لما علم أنهم سيقتلون في ~~سبيله وأنهم بذلوا أنفسهم له فلهم جزاآن جزاء في الدنيا بالهداية على ~~الجهاد وجزاء في الآخرة بدخول الجنة فيرد السامع كل جملة إلى وقتها لظهور ~~المعنى وعدم التباسه وهو في القرآن كثير والله أعلم وقال تعالى: {كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء} وقال: {ولما ms287 بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين} وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} وقال: {وإن تطيعوه تهتدوا} وقال: ~~{ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن} فضمن التمام معنى الإنعام ~~فعداه بعلى أي أنعاما منا على الذي أحسن وهذا جزاء على الطاعات بالطاعات ~~وأما الجزاء بالمعاصي على المعاصي فكقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ~~وقوله: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} وقوله: {ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} ~~وقوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ~~ما كسبوا} وقوله: {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما ~~يؤمنون} وقوله: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} وهو كثير في القرآن وعلى هذا فيكون ~~النوعان من السيئات أعني المصائب والمعايب من نفس الإنسان وكلاهما بقدر ~~الله فشر النفس هو الذي أوجب هذا وهذا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~في خطبته المعروفة: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" فشر ~~النفس نوعان صفة وعمل والعمل ينشأ عن الصفة والصفة تتأكد وتقوى بالعمل فكل ~~منهما يمد الآخر وسيئات الأعمال نوعان قد فسرهما الحديث أحدهما مساويها ~~وقبائحها فتكون الإضافة فيه من النوع إلى جنسه وهي إضافة بمعنى من أي ~~السيئات من أعمالنا والثاني أنها ما يسوء العامل مما يعود عليه من عقوبة ~~عمله فيكون من إضافة المسبب إلى سببه وتكون الإضافة على معنى اللام وقد ~~يرجح الأول بأنه يكون قد استعاذ من الصفة والعمل الناشئ عنها وذلك يتضمن ~~الاستعاذة من الجزاء السيئ # PageV01P161 # المترتب على ذلك فتضمنت الاستعاذة ثلاثة أمور الاستعاذة من العذاب ومن ~~سببه الذي هو العمل ومن سبب العمل الذي هو الصفة وقد يرجح الثاني أن شر ~~النفس يعم النوعين كما تقدم فسيئات الأعمال ما يسوء من جزائها ونبه بقوله: ~~"سيئات أعمالنا" على أن الذي ms288 يسوء من الجزاء إنما هو بسبب الأعمال الإرادية ~~لا من الصفات التي ليست من أعمالنا ولما كانت تلك الصفة شرا استعاذ منها ~~وأدخلها في شر النفس وقال الصديق رضي الله تعالى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: "قل اللهم فاطر االسماوات والأرض ~~عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من ~~شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوأ أو أجره إلى مسلم قله ~~إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك"، ولما كان الشر له مصدر يبتدي منه ~~وغاية ينتهي إليها وكان مصدرها إما من نفس الإنسان وإما من الشيطان وغايته ~~أن يعود على صاحبه أو على أخيه المسلم تضمن الدعاء هذه المراتب الأربعة ~~بأوجز لفظ وأوضحه وأبينه. # فصل: قال السني: فليس لك أيها القدري أن تحتج بالآية التي نحن فيها ~~لمذهبك لوجوه أحدها أنك تقول فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه لا من الله ~~بل الله سبحانه قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات ~~ولكن هذا أحدث من عند نفسه إرادة فعل بها الحسنات وهذا أحدث إرادة فعل بها ~~السيئات وليست واحدة من الإرادتين من إحداث الرب سبحانه البتة ولا أوجبتها ~~مشيئته والآية قد فرقت بين الحسنة والسيئة وأنتم لا تفرقون بينهما فإن الله ~~عندكم لم يشأ هذا ولا هذا قال القدري: إضافة إلى نفس العبد لكونه هو الذي ~~أحدثها وأوجدها وأضاف الحسنة إليه سبحانه لكونه هو الذي أمر بها وشرعها قال ~~السني: الله سبحانه أضاف إلى العبد ما أصابه من سيئة وأضاف إلى نفسه ما ~~أصاب العبد من حسنة ومعلوم أن الذي أصاب العبد هو الذي قام به والأمر لم ~~يقم بالعبد وإنما قام به المأمور وهو الذي أصابه فالذي أصابه لا تصح إضافته ~~إلى الرب عندكم والمضاف إلى الرب لم يقم بالعبد فعلم أن الذي أصابه من هذا ~~وهذا أمر قائم به فلو كان المراد ms289 به الأفعال الاختيارية من الطاعات ~~والمعاصي لاستوت الإضافة ولم يصح الفرق وإن افترقا في كون أحدهما مأمورا به ~~والآخر منهيا عنه على أن النهي أيضا من الله كما أن الأمر منه فلو كانت ~~الإضافة لأجل الأمر لاستوى المأمور والمنهي في الإضافة لأن هذا مطلوب ~~إيجاده وهذا مطلوب إعدامه قال القدري: أنا أجوز تعلق الطاعة والمعصية ~~بمشيئة الرب سبحانه وإحداثه على وجه الجزاء لا على سبيل الابتداء وذلك أن ~~الله سبحانه يعاقب عبده بما شاء ويثيبه فكما يعاقبه بخلق الجزاء الذي يسوءه ~~وخلق الثواب الذي يسره ولذلك يحسن أن يعاقبه بخلق المعصية وخلق الطاعة فإن ~~هذا يكون عدلا منه وأما أن يخلق فيه الكفر والمعصية ابتداء بلا سبب فمعاذ ~~الله من ذلك قال السني: هذا توسط حسن جدا لا يأباه العقل ولا الشرع ولكن من ~~ابتدأ الأول وليس هو عندك مقدورا لله ولا واقعا بمشيئته فقد أثبت في ملكه ~~ما لا يقدر عليه وأدخلت فيه ما لا يشاء ونقضت أصلك كله فإنك أصلت أن فعل ~~العبد الاختياري قدرة العبد عليه واختياره له ومشيئته تمنع قدرة الرب عليه ~~ومشيئته له وهذا الأصل لا فرق فيه بين الابتدائي والجزائي قال القدري: ~~فالقرآن قد فرق بين النوعين وجعل الكفر والفسوق الثاني جزاء على الأول فعلم ~~أن الأول من العبد قطعا وإلا لم يستقم # PageV01P162 # جعل أحدهما عقوبة على الآخر وقد صرح بذلك في قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم ~~لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} فأضاف نقض الميثاق إليهم وتقسية القلوب إليه ~~فالأول سبب منهم والثاني جزاء منه سبحانه قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} فأضاف عدم ~~الإيمان أولا إليهم إذ هو السبب وتقليب القلوب وتركهم في طغيانهم هو الجزاء ~~ومثله قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} والآيات التي سمعتموها آنفا ~~إنما تدل على هذا قال السني: نعم هذا حق لكن ليس فيه إخراج السبب عن كونه ~~مقدورا للرب سبحانه واقعا بمشيئته ولو شاء لحال بين العبد وبينه ووفقه لضده ms290 ~~فهي البقية التي بقيت عليك من القدر كما أن إنكار إثبات الأسباب واقتضائها ~~لمسبباتها وترتبها عليها هي البقية التي بقيت على الجبري في المسألة أيضا ~~وكلاكما مصيب من وجه مخطئ من وجه ولو تخلص كل منكما من البقية التي بقيت ~~عليه لوجدتما روح الوفاق واصطلحتما على الحق وبالله التوفيق قال القدري: ~~فما تقول أنت أيها السني في العقل الأول إذا لم يكن جزاء فما وجهه وأنت ممن ~~يقول بالحكمة والتعليل وتنزه الرب سبحانه عن الظلم الذي هو ظلم لا ما يقوله ~~الجبري أنه الجمع بين النقيضين قال السني: لا يلزمني في هذ االمقام بيان ~~ذلك فإني لم أنتصب له إنما انتصبت لإبطال احتجاجك بالآية لمذهبك الباطل وقد ~~وفيت به ولله في ذلك حكم وغايات محمودة لا تبلغها عقول العقلاء ومباحث ~~الأذكياء فالله سبحانه إنما يضع فضله وتوفيقه وإمداده في المحل الذي يصلح ~~له وما لا يصلح له من المحال يدعه غفلا فارغا من الهدى والتوفيق فيجري مع ~~طبعه الذي خلق عليه: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون} قال القدري: فإذا كان الله سبحانه قد أحدث فيهم تلك الإرادة ~~والمشيئة المستلزمة لوجود الفعل كان ذلك إيجادا منه سبحانه لذلك فيهم كما ~~أوجد الهدى والإيمان في أهله قال السني هذا معترك النزال وتفرق طرق العالم ~~والله سبحانه أعطى العبد مشيئة وقدرة وإرادة تصلح لهذا ولهذا ثم أمد أهل ~~الفضل بأمور وجودية زائدة على ذلك المشترك أوجب له الهداية والإيمان وأمسك ~~ذلك الإمداد عمن علم أنه لا يصلح له ولا يليق به فانصرفت قوى إرادته ~~ومشيئته إلى ضده اختيارا منه ومحبة لا كرها واضطرارا قال القدري: فهل كان ~~يمكنه إرادة ما لم يعن عليه ولم يوفق له بإمداد زائد على خلق الإرادة قال ~~السني: إن أردت بالإمكان أنه يمكنه فعله لو أراده فنعم هو ممكن بهذا ~~الاعتبار مقدور له وإن أردت به أنه ممكن وقوعه بدون مشيئة الرب وإذنه فليس ~~يمكن فإنه ما شاء الله كان ووجب وجوده ms291 وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده قال ~~القدري: فقد سلمت حينئذ أنه غير ممكن للعبد إذا لم يشأ الله منه أن يفعله ~~فصار غير مقدور للعبد فقد عوقب على ترك ما لا يقدر على فعله قال السني: عدم ~~إرادة الله سبحانه للعبد ومشيئته أن يفعل لا يوجب كون الفعل غير مقدور له ~~فإنه سبحانه لا يريد من نفسه أن يعينه عليه مع كونه أقدره عليه ولا يلزم من ~~إقداره عليه وقوعه حتى توجد منه إعانة أخرى فانتفاء تلك الإعانة لا يخرج ~~الفعل عن كونه مقدورا للعبد فإنه قد يكون قادرا على الفعل لكن يتركه كسلا ~~وتهاونا وإيثارا لفعل ضده فلا يصرف الله عنه ترك الواقع ولا يوجب عدم صرفه ~~كونه عاجزا عن الفعل فإن الله سبحانه يعلم أنه قادر عليه بالقدرة التي ~~أقدره بها ويعلم أنه لا يريده مع كونه قادرا عليه فهو سبحانه مريد له ومنه ~~الفعل ولا يريد من نفسه إعانته وتوفيقه وقطع هذه الإعانة والتوفيق لا يخرج ~~الفعل عن كونه مقدورا له وإن جعلته غير مراد وسر # PageV01P163 # المسألة الفرق بين تعلق الإرادة بفعل العبد وتعلقها بفعله هو سبحانه بعده ~~فمن لم يحط معرفة بهذا الفرق لم يكشف له حجاب المسألة قال الجبري: أما أن ~~تقول أن الله علم أن العبد لا يفعل أو لم يعلم ذلك والثاني محال وإذا كان ~~قد علم أنه لا يفعله صار الفعل ممتنعا قطعا إذ لو فعله لا نقلب العلم ~~القديم جهلا قال السني: هذه حجة باطلة من وجوه أحدهما أن هذا بعينه يقال ~~فيما علم الله أنه لا يفعله وهو مقدور له فإنه لا ينفع البتة مع كونه ~~مقدورا له فما كان جوابك عن ذلك فهو جوابنا لك وثانيها أن الله سبحانه يعلم ~~الأمور على ما هي عليه فهو يعلم أنه لا يفعله لعدم إرادته له لا لعدم قدرته ~~عليه وثالثها أن العلم كاشف لا موجب وإنما الموجب مشيئة الرب والعلم يكشف ~~حقائق المعلومات، عدنا إلى الكلام على الآية التي ms292 احتج بها القدري وبيان ~~أنه لا حجة فيها من ثلاثة أوجه أحدها أنه قال ما أصابك ولم يقل ما أصبت ~~الثاني أن المراد بالحسنة والسيئة النعمة والمصيبة الثالث أنه قال: {قل كل ~~من عند الله} فالإنسان هو فاعل السيئات ويستحق علها العقاب والله هو المنعم ~~عليه بالحسنات عملا وجزاء والعادل فيه بالسيئات قضاء وجزاء ولو كان العمل ~~الصالح من نفس العبد كما كان السيئ من نفسه لكان الأمران كلاهما من نفسه ~~والله سبحانه قد فرق بين النوعين وفي الحديث الصحيح الإلهي: "يا عبادي إنما ~~هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد ~~غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". # فصل: قال الجبري: أول الآية محكم وهو قوله كل من عند الله وآخرها متشابه ~~وهو قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} قال ~~القدري: آخرها محكم وأولها متشابه قال السني: أخطأتما جميعا بل كلاهما محكم ~~مبين وإنما أتيتما من قلة الفهم في القرآن وتدبره فليس بين اللفظين تناقض ~~لا في المعنى ولا في العبارة فإنه سبحانه وتعالى ذ كر عن هؤلاء الناكلين عن ~~الجهاد أنهم إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه من عندك أي بسبب ما أمرتنا به من دينك ~~وتركنا ما كنا عليه أصابتنا هذه السيئات لأنك أمرتنا بما أوجبها فالسيئات ~~ههنا هي المصائب والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هي التي أمروا بها ~~وقولهم في السيئة التي تصيبهم هذه من عندك تتناول مصائب الجهاد التي حصلت ~~لهم من الهزيمة والجراح وقتل من قتل منهم وتتناول مصائب الرزق على وجه ~~التطير والتشاؤم أي أصابنا هذا بسبب دينك كما قال تعالى عن قوم فرعون: ~~{فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} ~~أي إذا جاءهم ما يسرون به ويتنعمون به من النعم قالوا نحن أهل ذلك ومستحقوه ~~وإن أصابهم ما يسوءهم قالوا هذا ms293 بسبب ما جاء به موسى وقال أهل القرية ~~للمرسلين إنا تطيرنا بكم وقال قوم صالح له عليه السلام اطيرنا بك وبمن معك ~~وكانوا يقولون لما ينالهم من سبب الحرب هذا منك لأنك أمرتنا بالأعمال ~~الموجبة له وللمصائب الحاصلة من غير جهة العدو وهذا أيضا منك أي بسبب ~~مفارقتنا لديننا ودين آبائنا والدخول في طاعتك وهذه حال كل من جعل طاعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم سببا لشر أصابه من السماء أو من الأرض وهؤلاء ~~كثير في الناس وهم الأقلون عند الله تعالى قدرا الأرذلون عنده ومعلوم أنهم ~~لم يقولوا هذه من عندك بمعنى أحدثتها ومن فهم هذا يتبين له أن قوله تعالى: ~~{ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} لا يناقض قوله ~~تعالى: {قل كل من عند الله} بل هذا تحقيق له فإنه سبحانه # PageV01P164 # بين أن النعم والمصائب كلها من عنده فهو الخالق لها المقدر لها المبتلي ~~خلقه بها فهي من عنده ليس بعضها من عنده وبعضها خلقا لغيره فكيف يضاف بعضها ~~إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبعضها إلى الله تعالى ومعلوم أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يحدثها فلم يبق إلا ظنهم أنه سبب لحصولها إما في الجملة ~~كحال أهل التطير وإما في الواقعة المعينة كحال اللائمين له في الجهاد فأبطل ~~الله سبحانه وذلك الوهم الكاذب والظن الباطل وبين أن ما جاء به لا يوجب ~~الشر البتة بل الخير كله فيما جاء صلى الله عليه وسلم به والشر بسبب ~~أعمالهم وذنوبهم كما قال الرسل عليهم السلام لأهل القرية طائركم معكم ولا ~~يناقض هذا قول صالح عليه السلام لقومه: {طائركم عند الله} وقوله تعالى عن ~~قوم فرعون: {وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند ~~الله} بل هاتان النسبتان نظير هاتين النسبتين في هذه الآية وهي نسبة السيئة ~~إلى نفس العبد ونسبة الحسنة والسيئة إلى أنهما من عند الله عز وجل فتأمل ~~اتفاق القرآن وتصديق بعضه بعضا فحيث جعل الطائر ms294 معهم والسيئة من نفس العبد ~~فهو على وجهة السبب والموجب أي الشر والشؤم الذي أصابكم هو منكم ومهما فإن ~~أسبابه قائمة بكم كما تقول شرك منك وشؤمك فيك يراد به العمل وطائرك معك ~~وحيث جعل ذلك كله من عنده فهو لأنه الخالق له المجازي به عدلا وحكمة ~~فالطائر يراد به العمل وجزاءه فالمضاف إلى العبد العمل والمضاف إلى الرب ~~الجزاء فطائركم معكم طائر العمل وطائركم عند الله الجزاء فما جاءت به الرسل ~~ليس سببا لشيء من المصائب ولا تكون طاعة الله ورسوله سببا لمصيبة قط بل ~~طاعة الله ورسوله لا توجب إلا خيرا في الدنيا والآخرة ولكن قد يصيب ~~المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم وتقصيرهم في طاعة الله ورسوله كما ~~لحقهم يوم أحد ويوم حنين وكذلك ما امتحنوا به من الضراء وأذى الكفار لهم ~~ليس هو بسبب نفس إيمانهم ولا هو موجبه وإنما امتحنوا به ليخلص ما فيهم من ~~الشر فامتحنوا بذلك كما يمتحن الذهب بالنار ليخلص من غشه والنفوس فيها ما ~~هو من مقتضى طبعها فالامتحان يمحص المؤمن من ذلك الذي هو من موجبات طبعه ~~كما قال تعالى: {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} وقال: {وليبتلي ~~الله ما في صدوركم} فطاعة الله ورسوله لا تجلب إلا خيرا ومعصيته لا تجلب ~~إلا شرا ولهذا قال سبحانه: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} ~~فإنهم لو فقهوا الحديث لعلموا أنه ليس في الحديث الذي أنزله الله على رسوله ~~ما يوجب شرا البتة ولعلموا أنه سبب كل خير ولو فقهوا لعلموا أن العقول ~~والفطر تشهد بأن مصالح المعاش والمعاد متعلقة بما جاء به الرسول فلو فقهوا ~~القرآن علموا أنه أمرهم بكل خير ونهاهم عن كل شر وهذا مما يبين أن ما أمر ~~الله به يعلم حسنه بالعقل وأنه كله مصلحة ورحمة ومنفعة وإحسان بخلاف ما ~~يقوله كثير من أهل الكلام الباطل أنه سبحانه يأمر العباد بما لا مصلحة لهم ~~فيه بل يأمرهم بما فيه مضرة لهم وقول هؤلاء تصديق وتقرير لقول ms295 المتطيرين ~~بالرسل. # فصل: ومما يوضح الأمر في ذلك أنه سبحانه لما قال: {ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} عقب ذلك بقوله: {وأرسلناك للناس رسولا ~~وكفى بالله شهيدا} وذلك يتضمن أشياء منها تنبيه أمته على أن رسوله الذي شهد ~~له بالرسالة إذا أصابه ما يكره فمن نفسه فما الظن بغيره ومنها أن حجة الله ~~قد قامت عليهم بإرساله فإذا أصابهم سبحانه بما يسوءهم لم يكن ظالما لهم في ~~ذلك لأنه قد أرسل رسوله إليهم يعلمهم بما فيه مصالحهم وما يجلبها لهم وما ~~فيه مضرتهم وما يجلبها لهم # PageV01P165 # فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ومنها أنه ~~سبحانه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات الدالة على صدقه ~~وأنه رسوله حقا فلا يضره جحد هؤلاء الجاهلين الظالمين المتطيرين به لرسالته ~~ومن شهد له رب السماوات والأرض ومنها أنهم أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم ~~وعقوباتها حجة على إبطال رسالته فشهد له بالرسالة وأخبر أن شهادته كافيه ~~فكان في ضمن ذلك إبطال قولهم أن المصائب من عند الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وإثبات أنها من عند أنفسهم بطريق الأولى ومنها إبطال قول الجهمية المجبرة ~~ومن وافقهم في قولهم إن الله قد يعذب العباد بلا ذنب ومنها إبطال قول ~~القدرية الذين يقولون أن أسباب الحسنات والسيئات ليست من الله بل هي من ~~العبد ومنها ذم من لم يتدبر القرآن ولم يفقهه وإن إعراضه عن تدبره وفقهه ~~يوجب له من الضلال والشقاء بحسب إعراضه ومنها إثبات الأسباب وإبطال قول من ~~ينفيها ولا يرى لها ارتباطا بمسبباتها ومنها أن الخير كله من الله والشر ~~كله من النفس فإن الشر هو الذنوب وعقوبتها والذنوب من النفس وعقوباتها ~~مترتبة عليها والله هو الذي قدر ذلك وقضاه وكل من عنده قضاء وقدرا وإن كانت ~~نفس العبد سببه بخلاف الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل الله ومنه وتوفيقه ~~كما تقدم تقريره ومنها أنه سبحانه لما رد قولهم ms296 أن الحسنة من الله والسيئة ~~من رسوله وأبطله بقوله: {قل كل من عند الله} رفع وهم من توهم أن نفسه لا ~~تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلا بقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم ومنها أنه ~~قال في الرد عليهم: {قل كل من عند الله} ولم يقل من الله لما جمع بين ~~الحسنات والسيئات والحسنة مضافة إلى الله من كل وجه والسيئة إنما تضاف إليه ~~قضاء وقدرا وخلقا وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة فلهذا قال: {قل كل من عند ~~الله} وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة بل من ~~جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف إلى النفس كونها سيئة ولما ~~ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال: {ما أصابك من حسنة فمن الله} ولم يقل من ~~عند الله فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته والشر الذي هو بالنسبة إلى ~~العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ثم قال: {وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك} ولم يقل من عندك لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من ~~نفسها والجميع من عند الله فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب والحسنة من الله ~~بلا ريب وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا وخلقا ففرق بين ما من الله وبين ~~ما من عنده والشر لا يضاف إلى الله إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا ~~اسما فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب إلا الخير ولا يفعل شرا ولا يوصف به ~~ولا يسمى باسمه وسنذكر في باب دخول الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى ~~قضائه وقدره إن شاء الله. # فصل: وقد اختلف في كاف الخطاب في قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} هل هي لرسول الله أو هي لكل واحد من الآدميين، ~~فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: "الحسنة ما فتح ms297 الله عليه يوم بدر من ~~الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته"، ~~وقالت طائفة بل المراد جنس ابن آدم كقوله: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم} روى سعيد عن قتادة: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} قال عقوبة يا ابن ~~آدم بذنبك # PageV01P166 # ورجحت طائفة القول الأول، واحتجوا بقوله: {وأرسلناك للناس رسولا} قالوا ~~وأيضا فإنه لم يتقدم ذكر الإنسان ولا خطابه وإنما تقدم ذكر الطائفة قالوا ~~ما حكاه الله عنهم فلو كانوا هم المرادين لقال ما أصابهم أو ما أصابكم على ~~طريق الالتفات قالوا وهذا من باب السبب لأنه إذا كان سيد ولد آدم وهكذا ~~حكمه فكيف بغيره ورجحت طائفة القول الآخر، واحتجت بأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلم معصوم لا يصدر عنه ما يوجب أن تصيبه به سيئة قالوا والخطاب ~~وإن كان له في الصورة فالمراد به الأمة كقوله: {يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء} قالوا ولما كان أول الآية خطابا له أجرى الخطاب جميعه على وجه واحد ~~فأفرده في الثاني والمراد به الجميع والمعنى وما أصابكم من سيئة فمن أنفسكم ~~فالأول له والثاني لأمته ولهذا لما أفرد إصابة السيئة قال: {وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقال: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم ~~أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} وقال: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين} فأخبر أن الهزيمة بذنوبهم وإعجابهم وأن النصر بما ~~أنزله على رسوله وأيده به إذ لم يكن منه من سبب الهزيمة ما كان منه وجمعت ~~طائفة ثالثة بين القولين وقالوا صورة الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد ~~العموم كقوله: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} ثم ~~قال: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} ثم قال: {وتوكل على الله} وكقوله: {ولقد ~~أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ms298 عملك ولتكونن من الخاسرين ~~بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} وقوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ~~فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك} قالوا وهذا الخطاب نوعان نوع يختص لفظه ~~به لكن يتناول غيره بطريق الأولى كقوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك تبتغي مرضات أزواجك} ثم قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ونوع ~~يكون الخطاب له وللأمة فأفرده بالخطاب لكونه هو المواجه بالوحي وهو الأصل ~~فيه والمبلغ للأمة والسفير بينهم وبين الله وهذا معنى قول كثير من المفسرين ~~الخطاب له والمراد غيره ولم يريدوا بذلك أنه لم يخاطب بذلك أصلا ولم يرد به ~~البتة بل المراد أنه لما كان إمام الخلائق ومقدمهم ومتبوعهم أفرد بالخطاب ~~وتبعته الأمة في حكمه كما يقول السلطان لمقدم العساكر أخرج غدا وأنزل بمكان ~~كذا وأحمل على العدو وقت كذا قالوا فقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} خطاب له وجميع الأمة داخلون في ذلك بطريق الأولى ~~بخلاف قوله: {وأرسلناك للناس رسولا} فإن هذا له خاصة قالوا وهذه الشرطية لا ~~تستلزم الوقوع بل تربط الجزاء بالشرط وأما وقوع الشرط والجزاء فلا يدل عليه ~~فهو مقدر في حقه محقق في غيره والله أعلم، قال القدري: إذا كانت الطاعات ~~والمعاصي مقدرة والنعم والمصائب مقدرة فلم فرق سبحانه بين الحسنات التي هي ~~النعم والسيئات التي هي المصائب فجعل هذه منه سبحانه وهذه من نفس الإنسان ~~والجميع مقدر، قال السني: بينهما فروق الفرق الأول أن نعم الله وإحسانه إلى ~~عباده يقع بلا كسب منهم أصلا بل الرب سبحانه ينعم عليهم بالعافية والرزق ~~والنصر وإرسال الرسل وإنزال الكتب وأسباب الهداية فيفعل ذلك من لم يكن منه ~~سبب يقتضيه وينشئ للجنة خلقا يسكنهم إياها بغير سبب منهم ويدخل أطفال ~~المؤمنين ومجانينهم الجنة بلا عمل وأما العقاب فلا يعاقب أحدا إلا بعمله، ~~الفرق الثاني أن عمل الحسنات من إحسان الله # PageV01P167 # ومنه وتفضله عليه بالهداية والإيمان كما قال أهل الجنة: {الحمد لله ms299 الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} فخلق الرب سبحانه لهم ~~الحياة والسمع والبصر والعقول والأفئدة وإرسال الرسل وتبليغهم البلاغ الذي ~~اهتدوا به وإلهامهم الإيمان وتحبيبه إليهم وتزيينه في قلوبهم وتكريه ضده ~~إليهم كل ذلك من نعمه كما قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه ~~في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من ~~الله ونعمة والله عليم حكيم} فجميع ما يتقلب فيه العالم من خير الدنيا ~~والآخرة هو نعمة محضة بلا سبب سابق يوجب ذلك لهم ومن غير حول وقوة منهم إلا ~~به وهو خالقهم وخالق أعمالهم الصالحة وخالق جزائها وهذا كله منه سبحانه ~~بخلاف الشر فإنه لا يكون إلا بذنوب العبد وذنبه من نفسه وإذا تدبر العبد ~~هذا علم أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله فشكر ربه على ذلك فزاده من ~~فضله عملا صالحا ونعما يفيضها عليه وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من ~~نفسه وبذنوبه استغفر ربه وتاب فزال عنه سبب الشر فيكون دائما شاكرا مستغفرا ~~فلا يزال الخير يتضاعف له والشر يندفع عنه كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول في خطبته الحمد لله فيشكر الله ثم يقول نستعينه ونستغفره نستعينه ~~على طاعته ونستغفره من معصيته ونحمده على فعله وإحسانه ثم قال ونعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا لما استغفره من الذنوب الماضية استعاذ به من الذنوب التي لم ~~تقع بعد ثم قال ومن سيئات أعمالنا فهذه استعاذة من عقوبتها كما تقدم ثم قال ~~من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فهذه شهادة للرب بأنه ~~المتصرف في خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه يهدي من يشاء ويضل من ~~يشاء فإذا هدى عبدا لم يضله أحد وإذا أضله لم يهده أحد وفي ذلك إثبات ~~ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وقضائه وقدره الذي هو عقد نظام التوحيد وأساسه ~~وكل هذا مقدمة بين يدي قوله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ms300 عبده ~~ورسوله فإن الشهادتين إنما تتحققان بحمد الله واستعانته واستغفاره واللجأ ~~إليه والإيمان بأقداره والمقصود أنه سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات بعد ~~أن جمع بينهما في قوله كل من عند الله فجمع بينهما الجمع الذي لا يتم ~~الإيمان إلا به وهو اجتماعهما في قضائه وقدره ومشيئته وخلقه ثم فرق بينهما ~~الفرق الذي ينتفعون به وهو أن هذا الخير والحسنة نعمة منه فاشكروه عليه ~~يزدكم من فضله ونعمه وهذا الشر والسيئة بذنوبكم فاستغفروه يرفعه عنكم وأصله ~~من شرور أنفسكم فاستعيذوا به يخلصكم منها ولا يتم ذلك إلا بالإيمان بالله ~~وحده وهو الذي يهدي ويضل وهو الإيمان بالقدر فادخلوا عليه من بابه فإن أزمة ~~الأمور بيده فإذا فعلتم ذلك صدق منكم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله فهذه الخطبة العظيمة عقد نظام الإسلام والإيمان فلو اقتصر لهم ~~على الجمع دون الفرق أعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه والتوبة من ذنوبه ~~والاستعاذة من شرها وقام في قلبه شاهد الاحتجاج على ربه بالقدر وتلك حجة ~~داحضة تبع الأشقياء فيها إبليس وهي لا تزيد صاحبها إلا شقاء وعذابا كما ~~زادت إبليس طردا وبعدا عن ربه وكما زادت المشركين ضلالا وشقاء حين قالوا لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا وكما تزيد الذي يقول يوم القيامة لو أن الله ~~هداني لكنت من المتقين حسرة وعذابا ولو اقتصر لهم على الفرق دون الجمع ~~لغابوا به في التوحيد والإيمان بالقدر واللجأ إلى الله في الهداية والتوفيق ~~والاستعاذة به من شر النفس وسيئات العمل والافتقار التام إلى إعانته وفضله ~~وكان في الجمع والفرق # PageV01P168 # بيان حق العبودية وسيأتي تمام هذا الكلام على هذا الموضع العظيم القدر إن ~~شاء الله بإثبات اجتماع القدر والشرع وافتراقهما، الفرق الثالث أن الحسنة ~~يضاعفها الله سبحانه وينميها ويكتبها للعبد بأدنى سعي ويثيب على الهم بها ~~والسيئة لا يؤاخذ على الهم بها ولا يضاعفها ويبطلها بالتوبة والحسنة ~~الماحية والمصائب المكفرة فكانت الحسنة أولى بالإضافة إليه تعالى والسيئة ~~أولى بالإضافة إلى النفس، الفرق ms301 الرابع أن الحسنة التي هي الطاعة والنعمة ~~يحبها ويرضاها فهو سبحانه يحب أن يطاع ويحب أن ينعم ويحسن ويجود وإن قدر ~~المعصية وأراد المنع فالطاعة أحب إليه والبذل والعطاء آثر عنده فكان إضافة ~~نوعي الحسنة له وإضافة نوعي السيئة إلى النفس أولى ولهذا تأدب العارفون من ~~عباده بهذا الأدب فأضافوا إليه النعم والخيرات وأضافوا الشرور إلى محلها ~~كما قال إمام الحنفاء: {الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا ~~مرضت فهو يشفين} فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه، وقال الخضر: {أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها} ثم قال: {وأما ~~الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما} ، وقال مؤمنو الجن: ~~{وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} ، الفرق ~~الخامس أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها من كل وجه وبكل اعتبار كما تقدم ~~فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه وأما السيئة فهو سبحانه ~~إنما قدرها وقضاها لحكمته وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب ~~سبحانه لا يفعل سوأ قط كما لا يوصف به ولا يسمى باسمه بل فعله كله حسن وخير ~~وحكمة كما قال تعالى بيده الخير وقال أعرف الخلق به: "والشر ليس إليك" فهو ~~لا يخلق شرا محضا من كل وجه بل كل ما خلقه ففي خلقه مصلحة وحكمة وإن كان في ~~بعضه شر جزئي إضافي وأما الشر الكلي المطلق من كل وجه فهو تعالى منزه عنه ~~وليس إليه، الفرق السادس أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها فهي ~~أمور وجودية متعلقة بمشيئة الرب وقدره ورحمته وحكمته وليست أمورا عدمية ~~تضاف إلى غير الله بل هي كلها أمور وجودية وكل موجود حادث والله محدثه ~~وخالقه وذلك أن الحسنات إما فعل مأمور أو ترك محظور والترك أمر وجودي فترك ~~الإنسان لما نهى عنه ومعرفته بأنه ذنب قبيح وبأنه سبب العذاب ms302 فبغضه له ~~وكراهته له ومنع نفسه إذا هويته وطلبته منه أمور وجودية كما أن معرفته ~~بالحسنات كالعدل والصدق حسنة وفعله لها أمر وجودي والإنسان إنما يثاب على ~~ترك السيئات إذا تركها على وجه الكراهة لها والامتناع عنها وكف للنفس عنها ~~قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان} وقال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} ~~وقال: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ، وفي الصحيحين عنه صلى الله ~~عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه ~~مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في ~~الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" وقد جعل صلى الله ~~عليه وسلم البغض في الله من أوثق عرى الإيمان وهو أصل الترك وجعل المنع لله ~~من كمال الإيمان وهو أصل الترك فقال: "من أوثق عرى الإيمان الحب في الله ~~والبغض في الله" وقال: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد ~~استكمل الإيمان" وجعل إنكار المنكر بالقلب من مراتب الإيمان # PageV01P169 # وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركه فلم يكن الترك من الإيمان إلا بهذه ~~الكراهة والبغض والامتناع والمنع لله وكذلك براءة الخليل وقومه من المشركين ~~ومعبودهم ليست تركا محضا بل تركا صادرا عن بغض ومعاداة وكراهة هي أمور ~~وجودية هي عبودية للقلب يترتب عليها خلو الجوارح من العمل كما أن التصديق ~~والإرادة والمحبة للطاعة من عبودية القلب يترتب عليها آثارها في الجوارح ~~وهذا الحب والبغض تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وهو إثبات تأله القلب لله ~~ومحبته ونفي تألهه لغيره وكراهته فلا يكفي أن يعبد الله ويحبه ويتوكل عليه ~~وينيب إليه ويخافه ويرجوه حتى يترك عبادة غيره والتوكل عليه والإنابة إليه ~~وخوفه ورجاه ويبغض ذلك وهذه كلها أمور وجودية وهي الحسنات التي يثيب الله ~~عليها وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها ms303 سيئة ولا يكرهها بقلبه ~~ويكف نفسه عنها بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه ولا يثاب على هذا الترك ~~فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل والنائم لكن قد يثاب على ~~اعتقاد تحريمها وإن لم يكن له إليها داعية البتة فالترك ثلاثة أقسام قسم ~~يثاب عليه وقسم يعاقب عليه وقسم لا يثاب ولا يعاقب عليه فالأول ترك العالم ~~بتحريمها الكاف نفسه عنها لله مع قدرته عليها والثاني كترك من يتركها لغير ~~الله لا لله فهذا يعاقب على تركه لغير الله كما يعاقب على فعله لغير الله ~~فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال القلب فإذا عبد به غير الله استحق ~~العقوبة، والثالث كترك من لم يخطر على قلبه علما ولا محبة ولا كراهة بل ~~بمنزلة ترك النائم والطفل، فإن قيل كيف يعاقب على ترك المعصية حياء من ~~الخلق وإبقاء على جاهه بينهم وخوفا منهم أن يتسلطوا عليه والله سبحانه لا ~~يذم على ذلك ولا يمنع منه، قيل لا ريب أنه لا يعاقب على ذلك وإنما يعاقب ~~على تقربه إلى الناس بالترك ومرآتهم به وأنه تركها خوفا من الله ومراقبة ~~وهو في الباطن بخلاف ذلك فالفرق بين ترك يتقرب به إليهم ومرآتهم به وترك ~~يكون مصدره الحياء منهم وخوف أذاهم له وسقوطه من أعينهم فهذا لا يعاقب عليه ~~بل قد يثاب عليه إذا كان له فيه غرض يحبه الله من حفظ مقام الدعوة إلى الله ~~وقبولهم منه ونحو ذلك وقد تنازع الناس في الترك هل هو أمر وجودي أم عدمي ~~والأكثرون على أنه وجودي، وقال أبو هاشم وأتباعه هو عدمي وأن المأمور يعاقب ~~على مجرد عدم الفعل لا على ترك يقوم بقلبه وهؤلاء رتبوا الذم والعقاب على ~~العدم المحض والأكثرون يقولون إنما يثاب من ترك المحظور على ترك وجودي يقوم ~~بنفسه ويعاقب تارك المأمور على ترك وجودي يقوم بنفسه وهو امتناعه وكفه نفسه ~~عن فعل ما أمر به إذا تبين هذا فالحسنات التي يثاب عليها كلها وجودية فهو ~~سبحانه الذي ms304 حبب الإيمان والطاعة إلى العبد وزينه في قلبه وكره إليه ~~أضدادها وأما السيئات فمنشأها من الجهل والظلم فإن العبد لا يفعل القبيح ~~إلا لعدم علمه بكونه قبيحا أو لهواه وشهوته مع علمه بقبحه فالأول جهل ~~والثاني ظلم ولا يترك حسنة إلا لجهله بكونها حسنة أو لرغبته في ضدها ~~لموافقته هواه وغرضه وفي الحقيقة فالسيئات كلها ترجع إلى الجهل وإلا فلو ~~كان علمه تاما برجحان ضررها لم يفعلها فإن هذا خاصة الفعل فإنه إذا علم أن ~~إلقاءه من مكان عال يضره لم يقدم عليه وكذلك لبثه تحت حائط مائل وإلقاءه ~~نفسه في ماء يغرق فيه وأكله طعاما مسموما ولا يفعله لعلمه التام بمضرته ~~الراجحة بل هذه فطرة فطر الله عليها الحيوان بهيمة وناطقة ومن لم يعلم أن ~~ذلك يضره كالطفل والمجنون والسكران الذي انتهى سكره فقد يفعله وأما من أقدم ~~على ما يضره مع علمه # PageV01P170 # بما فيه من الضرر فلا بد أن يقوم بقلبه أن منفعته له راجحة ولا بد من ~~رجحان المنفعة عنده إما في الظن وإما في المظنون ولو جزم راكب البحر بأنه ~~يغرق ويذهب ماله لم يركب أبدا بل لا بد من رجحان الانتفاع في ظنه وإن أخطأ ~~في ذلك وكذلك الذنوب والمعاصي فلو جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع لم يقدم على ~~السرقة بل يظن أنه يسلم ويظفر بالمال وكذلك القاتل والشارب والزاني فلو جزم ~~طالب الذنب بأنه يحصل له الضرر الراجح لم يفعله بل إما أن لا يكون جازما ~~بتحريمه أو لا يجزم بعقوبته بل يرجو العفو والمغفرة وأن يتوب ويأتي بحسنات ~~تمحو أثره وقد يغفل عن هذا كله بقوة وإرادة الشهوة واستيلاء سلطانها على ~~قلبه بحيث تغيبه عن مطالعة مضرة الذنب والغفلة من أضداد العلم كالغفلة ~~والشهوة أصل الشر كله قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا} وينبغي أن يعلم أن الهوى وحده لا يستقل بفساد السيئات ~~إلا مع الجهل وإلا فصاحب الهوى لو جزم بأن ارتكاب هواه يضره ms305 ولا بد ضررا ~~راجحا لانصرفت نفسه عن طاعته له بالطبع فإن الله سبحانه جعل في النفس حبا ~~لما ينفعها وبغضا لما يضرها فلا تفعل مع حضور عقلها ما تجزم بأنه يضرها ~~ضررا راجحا ولهذا يوصف تارك ذلك بالعقل والحجى واللب فالبلاء مركب من تزيين ~~الشيطان وجهل النفس فإنه يزين لها السيئات ويريها أنها في صور المنافع ~~واللذات والطيبات ويغفلها عن مطالعتها لمضرتها فتولد من بين هذا التزيين ~~وهذا الإغفال والإنساء لها إرادة وشهوة ثم يمدها بأنواع التزيين فلا يزال ~~يقوى حتى يصير عزما جازما يقترن به الفعل كما زين للأبوين الأكل من الشجرة ~~وأغفلهما عن مطالعة مضرة المعصية فالتزيين هو سبب إيثار الخير والشر كما ~~قال تعالى: {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} وقال: {أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا} وقال في تزيين الخير: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه ~~في قلوبكم} وقال في تزيين النوعين: {كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم ~~مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} وتزيين الخير والهدى بواسطة الملائكة ~~والمؤمنين وتزيين الشر والضلال بواسطة الشياطين من الجن والإنس كما قال ~~تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} وحقيقة الأمر أن ~~التزيين إنما يغتر به الجاهل لأنه يلبس له الباطل والضار المؤذي صورة الحق ~~والنافع الملائم فأصل البلاء كله من الجهل وعدم العلم ولهذا قال الصحابة كل ~~من عصى الله فهو جاهل وقال تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون ~~السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} وقال: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ~~فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم ~~تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} قال أبو العالية: "سألت أصحاب محمد عن ~~قوله: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} ~~فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب" وقال ~~قتادة: "أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما ms306 عصي الله به ~~فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل" وقال مجاهد: "من ~~شيخ أو شاب فهو بجهالة" وقال: "من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن خطيئته" ~~وقال هو وعطاء: "الجهالة العمد" وقال مجاهد: "من عمل سوأ خطأ أو عمدا فهو ~~جاهل حتى ينزع منه" ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم ثم قال وروي عن قتادة ~~وعمرو بن مرة والثوري نحو ذلك خطأ أو عمدا وروي عن مجاهد والضحاك: "ليس من ~~جهالته أن لا يعلم حلالا ولا # PageV01P171 # حراما ولكن من جهالته حين دخل فيه" وقال عكرمة: "الدماء كلها جهالة ومما ~~يبين ذلك قوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وكل من خشيه فأطاعه بفعل ~~أوامره وترك نواهيه فهو عالم كما قال تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون} " وقال رجل للشعبي: أيها العالم فقال: "لسنا بعلماء إنما العالم من ~~يخشى الله" وقال ابن مسعود: "وكفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلا" ~~وقوله إنما يخشى الله من عباده العلماء يقتضي الحصر من الطرفين أن لا يخشاه ~~إلا العلماء ولا يكون عالما إلا من يخشاه فلا يخشاه إلا عالم وما من عالم ~~إلا وهو يخشاه فإذا انتفى العلم انتفت الخشية وإذا انتفت الخشية دلت على ~~انتفاء العلم لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم للخشية حيث يظن أنه يحصل ~~بدونها وهذا ممتنع فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدو من ~~هو عالم بها مواجه لها وأنه لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق ونحو ذلك ~~فأمنه في هذه المواطن دليل عدم علمه وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل ~~إلى رتبة العلم اليقيني فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس فإنها كانت ~~عن علم لا عن جهل وبقوله:: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} ~~وقال:: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} وقال عن قوم فرعون: {وجحدوا بها ms307 ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وقال: {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين} وقال موسى ~~لفرعون: {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} وقال: ~~{وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} وقال: {الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} يعني القرآن أو محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وقال: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم ~~تعلمون} وقال: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} والجحود ~~إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن قيل حجج الله لا تتناقص بل كلها ~~حق يصدق بعضها بعضا وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر ~~به وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة ~~التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر بآياته وعادى رسله أليس ذلك ~~أجهل الجاهلين وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال: ~~{خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام ~~عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} ~~فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول الله فها العلم لا ينافي الحكم ~~على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال تعالى ~~عن السحرة من اليهود: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ~~ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} فأثبت لهم العلم الذي تقوم به ~~عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار وهذا نكتة المسألة ~~وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل وهذا العلم لا يجتمع ~~مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله ~~واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا ~~يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة ms308 ~~الجاهل من كل وجه فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه ~~يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه ولكن حال الله بينه وبين هذا ~~العلم ليقضي أمره # PageV01P172 # وينفذ قضائه وقدره ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة خرجا من ~~الجنة وجرى عليهما ما جرى ما قرباها ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري ~~عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما عادوهم قال تعالى عن قوم ~~فرعون: {ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر} وقال: {وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب} وقال عن المنافقين ~~وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عيانا: {وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم ~~يترددون} وقال: {ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم} وقال: {في قلوبهم ~~مرض} وهو الشك ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم لما كانوا ~~في الدرك الأسفل من النار بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ~~ينفعهم فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض واتباع الهوى وإيثار الشهوات ~~وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده فتأمل هذا الموضع حق تأمل فإنه من ~~أسرار القدر والشرع والعدل فالعلم يراد به العلم التام المستلزم لأثره ~~ويراد به المقتضى وإن لم يتم بوجود شروطه وانتقاء موانعه فالثاني يجامع ~~الجهل دون الأول فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم وإن كان كذلك فعدم ~~العلم ليس أمرا وجوديا بل هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة والعدم ~~ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا مؤثرا فيه بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب ~~الموجب لضده والعدم المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه فإذا ~~انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها ~~تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت ~~في أسباب الشر ولا بد. # فصل: والله سبحانه قد أنعم على عباده من جملة إحسانه ونعمه بأمرين هما ~~أصل السعادة أحدهما: أن خلقهم في ms309 أصل النشأة على الفطرة السليمة فكل مولود ~~يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها كما ثبت ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وشبه ذلك بخروج البهيمة صحيحة سالمة حتى يجدعها ~~صاحبها وثبت عنه أنه قال: "يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم ~~الشياطين فاحتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا ~~بي ما لم أنزل به سلطانا" فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها ~~وفاطرها وعبادته وحده شيئا ولم تشرك به ولم تجحد كمال ربوبيته وكان أحب شيء ~~إليها وأطوع شيء لها وآثر شيء عندها ولكن يعدها من يقترن بها من شياطين ~~الجن والإنس بتزيينه وإغوائه حتى ينغمس موجبها وحكمها الأمر الثاني أنه ~~سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة ومكنهم من أسبابها ~~وبما أنزل إليهم من الكتب وأرسل إليهم من الرسل وعلمهم ما لم يكونوا ~~يعلمونه ففي كل نفس ما يقتضي معرفتها بالحق ومحبتها له وقد هدى الله كل عبد ~~إلى أنواع من العلم يمكنه التوصل بها إلى سعادة الآخرة وجعل في فطرته محبة ~~لذلك لكن قد يعرض العبد عن طلب علم ما ينفعه فلا يريده ولا يعرفه وكونه لا ~~يريد ذلك ولا يعرفه أمر عدمي فلا يضاف إلى الرب لا هذا ولا هذا فإنه من هذه ~~الحيثية شر والذي يضاف إلى الرب علمه به وقضاؤه له بعدم مشيئته لضده ~~وإبقائه على العدم الأصلي وهو من هذه الجهة خير فإن العلم بالشر خير من ~~الجهل به وعدم رفعه بإثبات ضده إذا كان مقتضى الحكمة كان خيرا وإن كان شرا ~~بالنسبة إلى محله وسيأتي تمام تقرير هذا في باب دخول الشر في القضاء الإلهي ~~إن شاء الله سبحانه. # فصل: وههنا حياة أخرى غير الحياة الطبيعية الحيوانية نسبتها إلى القلب ~~كنسبة حياة # PageV01P173 # البدن إليه فإذا أمد عبده بتلك الحياة أثمرت له من محبته وإجلاله وتعظيمه ~~والحياء منه ومراقبته وطاعته مثل ما تثمر حياة البدن له من التصرف والفعل ms310 ~~وسعادة النفس ونجاتها وفلاحها بهذه الحياة وهي حياة دائمة سرمدية لا تنقطع ~~ومتى فقدت هذه الحياة واعتاضت عنها بحياتها الطبيعية الحيوانية كانت ضالة ~~معذبة شقية ولم تسترح راحة الأموات ولم تعش عيش الأحياء كما قال تعالى: ~~{سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ~~ولا يحيى} فإن الجزاء من جنس العمل فإنه في الدنيا لما لم يحي الحياة ~~النافعة الحقيقية التي خلق لها بل كانت حياته من جنس حياة البهائم ولم يكن ~~ميتا عديم الإحساس كانت حياته في الآخرة كذلك فإن مقصود الحياة حصول ما ~~ينتفع به ويلتذ به والحي لا بد له من لذة أو ألم فإذا لم تحصل له اللذة لم ~~يحصل له مقصود الحياة كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين ~~التنعم بما يتنعم به الأصحاء فهو يختار الموت ويتمناه ولا يحصل له فلا هو ~~مع الأحياء ولا مع الأموات إذا عرف هذا فالشر من لوازم هذه الحياة وعدمها ~~شر وهو ليس بشيء حتى يكون مخلوقا والله خالق كل شيء فإذا أمسك عن عبد هذه ~~الحياة كان إمساكها خيرا بالنسبة إليه سبحانه وإن كان شرا بالإضافة إلى ~~العبد لفوات ما يلتذ ويتنعم به فالسيئات من طبيعة النفس ولم يمد بهذه ~~الحياة التي تحول بينها وبينها فصار الشر كله من النفس والخير كله من الله ~~والجميع بقضائه وقدره وحكمته وبالله التوفيق. # فصل: قال القدري: ونحن نعرف بهذا جميعه ونقر بأن الله خلق الإنسان مريدا ~~ولكن جعله على خلقة يريد بها وهو مريد بالقوة والقبول أي خلقه قابلا لأن ~~يريد هذا وهذا وأما كونه مريدا لهذا المعنى فليس ذلك بخلق الله ولكنه هو ~~الذي أحدثه بنفسه ليس هو من إحداث الله قال الجبري: هذه الإرادة حادثة فلا ~~بد لها من محدث فالمحدث لها إما أن يكون نفس الإنسان أو مخلوق خارج عنها أو ~~ربها وفاطرها وخالقها والقسمان الأولان محال فتعين الثالث أما المقدمة ~~الأولى فظاهرة إذ المحدث إما النفس وإما ms311 أمر خارج عنها والخارج عنها إما ~~الخالق أو المخلوق وأما المقدمة الثانية فبيانها أن النفس لا يصح أن تكون ~~هي المحدثة لإرادتها فإنها إما أن تحدثها بإرادة أو بغير إرادة وكلاهما ~~ممتنع فإنها لو توقف إحداثها على إرادة أخرى فالكلام فيها كالكلام في ~~الأولى ويلزم التسلسل إلى غير نهاية فلا توجد إرادة حتى يتقدمها إرادات لا ~~تتناهى وإن لم يتوقف إحداثها على إرادة منها بطل أن تكون هي المؤثرة في ~~إحداثها إذ وقوع الحادث بلا إرادة من الفاعل المختار محال وإذا بطل أن تكون ~~محدثة للإرادة بإدارة وأن يحدثها بغير إرادة تعين أن يكون المحدث لتلك ~~الإرادة أمرا خارجا عنها فحينئذ إما أن يكون مخلوقا أو يكون هو الخالق ~~سبحانه والأول محال لأن ذلك المحدث إن كان غير مريد لم يمكنه جعل الإنسان ~~مريدا وإن كان مريدا فالكلام في إرادته كالكلام في إرادة الإنسان سواء ~~فتعين أن يكون المحدث لتلك الإرادة هو الخالق لكل شيء الذي ما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن قال القدري: قد اختلفت طرق أصحابنا في الجواب عن هذا الإلزام ~~فقال الجاحظ: العبد يحدث أفعاله بغير إرادة منه بل مجرد قدرته وعلمه بما في ~~الفعل من الملائمة فإذا علم موافقة الفعل له وهو قادر عليه أحدثه بقدرته ~~وعلمه وأنكر توقفه على إرادة محدثه وأنكر حقيقة الإرادة في الشاهد ولم ينكر ~~الميل والشهوة ولكن لا يتوقف إحداث عليها فإن الإنسان قد يفعل ما لا يشتهيه ~~ولا يميل إليه وخالفه جميع # PageV01P174 # الأصحاب وأثبتوا الإرادة الحادثة ثم اختلفوا في سبب حدوثها فقال طائفة ~~منهم كون النفس مريدة أمر ذاتي لها وما بالذات لا يعلل ولا يطلب سبب وجوده ~~وطريقة التعليل تسلك ما لم يمنع منها مانع واختصاص الذات بالصفة الذاتية لا ~~تعلل فهكذا اختصاص النفس بكونها مريدة هو أمر ذاتي لها وبذلك كانت نفسا ~~فقول القائل لم أردت كذا وما الذي أوجب لها إرادته كقوله لم كانت نفسا ~~وكقوله لم كانت النار محرقة أو متحركة ولم كان الماء ms312 مائعا سيالا ولم كان ~~الهواء خفيفا فكون النفس مريدة متحركة بالإرادة هو معنى كونها نفسا فهو ~~بمنزلة قول القائل لم كانت نفسا وحركتها بمنزلة حركة الفلك فهي خلقت هكذا ~~وقالت طائفة أخرى بل الله سبحانه أحدث فيها الإرادة والإرادة صالحة للضدين ~~فخلق فيها إرادة تصلح للخير فآثرت أحدهما على ألآخر بشهوتها وميلها فأعطاها ~~قدرة صالحة للضدين وإرادة صالحة لها فكانت القدرة والإرادة من إحداثه ~~سبحانه واختيارها أحد المقدورين المرادين من قبلها فهي التي رجحته قالوا ~~والقادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بغير مرجح كالعطشان إذا قدم له ~~قدحان متساويان من كل وجه والهارب إذا عن له طريقان كذلك فإنه يرجح أحدهما ~~بلا مرجح فالله سبحانه أحدث فيه إرادة الفعل ولكن الإرادة لا توجب المراد ~~فأحدثها فيه امتحانا له وابتلاء وأقدره على خلافها وأمره بمخالفتها ولا ريب ~~أنه قادر على مخالفتها فلا يلزم من كونها مخلوقة لله حاصلة بإحداثه وجوب ~~الفعل عندها وقال أبو الحسين البصري: "إن الفعل يتوقف على الداعي والقدرة ~~وهما من الله خلقا فيه وعندهما يجب وجود الفعل باختيار العبد وداعيه فيكون ~~هو المحدث له بما فيه من الدواعي والقدرة" فهذه طرق أصحابنا في الجواب عما ~~ذكرتم قال السني: لم تتخلصوا بذلك من الإلزام ولم تبينوا به بطلان حجتهم ~~المذكورة فلا منعتم مقدماتها وبينتم فسادها ولا عارضتموها بما هو أقوى منها ~~كما أنهم لم يتخلصوا من إلزامكم ولم يبينوا بطلان دليلكم وكان غاية ما ~~عندكم وعندهم المعارضة وبيان كل منكم تناقض الآخر وهذا لا يفيد نصرة الحق ~~وإبطال الباطل بل يفيد بيان خطأكم وخطأهم وعدولكم وإياهم عن منهج الصواب ~~فنقول وبالله التوفيق مع كل منكما صواب من وجه وخطأ من وجه فأما صواب ~~الجبري فمن جهة إسناده الحوادث كلها إلى مشيئة الله وخلقه وقضائه وقدره ~~والقدري خالف الضرورة في ذلك فإن كون العبد مريدا فاعلا بعد أن لم يكن أمر ~~حادث فأما أن يكون له محدث وأما أن لا يكون فإن لم يكن له محدث لزم حدوث ms313 ~~الحوادث بلا محدث وإن كان له محدث فأما أن يكون هو العبد أو الله سبحانه أو ~~غيرهما فإن كان هو العبد فالقول في إحداثه لتلك الفاعلية كالقول في إحداث ~~سببها ويلزم التسلسل وهو باطل ههنا بالاتفاق لأن العبد كائن بعد أن لم يكن ~~فيمتنع أن تقوم به حوادث لا أول لها وإن كان غير الله فالقول فيه كالقول في ~~العبد فتعين أن يكون الله هو الخالق المكون لإرادة العبد وقدرته وإحداثه ~~وفعله وهذه مقدمات يقينية لا يمكن القدح فيها فمن قال إن إرادة العبد ~~وإحداثه حصل بغير سبب اقتضى حدوث ذلك والعبد أحدث ذلك وحاله عند إحداثه كما ~~كان قبله بل خص أحد الوقتين بالإحداث من غير سبب اقتضى تخصيصه وأنه صار ~~مريدا فاعلا محدثا بعد أن لم يكن كذلك من غير من جعله كذلك فقد قال ما لا ~~يعقل بل يخالف صريح العقل وقال بحدوث حوادث بلا محدث وقولكم أن الإرادة لا ~~تعلل كلام باطل لا حقيقة له فإن الإرادة أمر حادث فلا بد له من محدث ونظير ~~هذا المحال قولكم في فعل الرب سبحانه أنه بواسطة إرادة يحدثها # PageV01P175 # لا في محل من غير سبب اقتضى حدوثها يكون مريدا بها للمخلوقات فارتكبتم ~~ثلاث محالات حدوث حادث بلا إرادة من الفاعل وحدوث حادث بلا سبب حادث وقيام ~~الصفة بنفسها لا في محل وادعيتم مع ذلك أنكم أرباب العقول والنظر فأي معقول ~~أفسد من هذا وأي نظر أعمى منه وإن شئت قلت كون العبد مريدا أمر ممكن ~~والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح تام والمرجح التام إما من العبد ~~وإما من مخلوق آخر وأما من الله سبحانه والقسمان الأولان باطلان فتعين ~~الثالث كما تقدم فهذه الحجة لا يمكن دفعها ولا يمكن دفع العلم الضروري ~~باستناد أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا وقدرتنا وإنا إذا أردنا الحركة ~~يمنة لم تقع يسرة وبالعكس فهذه الحجة لا يمكن دفعها والجمع بين الحجتين هو ~~الحق فإن الله سبحانه خالق إرادة العبد وقدرته وجاعلهما سببا لإحداثه ms314 الفعل ~~فالعبد محدث لفعله بإرادته واختياره وقدرته حقيقة وخالق السبب خالق للمسبب ~~ولو لم يشأ سبحانه وجود فعله لما خلق له السبب الموجد له فقال الفريقان ~~للسني كيف يكون الرب تعالى محدثا لها والعبد أيضا، قال السني: إحداث الله ~~سبحانه لها بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه قائمة بمحلها وهو العبد فجعل العبد ~~فاعلا لها بما أحدث فيه من القدرة والمشيئة وإحداث العبد لها بمعنى أنها ~~قامت به وحدثت بإرادته وقدرته وكل من الإحداثين مستلزم للآخر ولكن جهة ~~الإضافة مختلفة فما أحدثه الرب سبحانه من ذلك فهو مباين له قائم بالمخلوق ~~مفعول له لا فعل وما أحدثه العبد فهو فعل له قائم به يعود إليه حكمه ويشتق ~~له منه اسمه وقد أضاف الله سبحانه كثيرا من الحوادث إليه وأضافها إلى بعض ~~مخلوقاته كقوله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} ، ~~وقال: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} وقال: {توفته رسلنا} وقال: {إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب} وقال: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا} وقال وأنزل الله عليك الكتاب وقال: {قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق} وقال: {فأخذهم العذاب} {فأخذتهم الصيحة} وقال: {فكلا أخذنا بذنبه} ~~{فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} وهذا كثير فأضاف هذه الأفعال إلى نفسه إذ هي ~~واقعة بخلقه ومشيئته وقضائه وأضافها إلى أسبابها إذ هو الذي جعلها أسبابا ~~لحصولها بين الإضافتين ولا تناقض بين السببين وإذا كان كذلك تبين أن إضافة ~~الفعل الاختياري إلى الحيوان بطريق التسبب وقيامه به ووقوعه بإرادته لا ~~ينافي إضافته إلى الرب سبحانه خلقا ومشيئة وقدرا ونظيره قوله تعالى: {إنا ~~لما طغا الماء حملناكم في الجارية} وقال لنوح: {قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين} فالرب سبحانه هو الذي حملهم فيها بإذنه وأمره ومشيئته ونوح حملهم ~~بفعله ومباشرته. # فصل: وأما قول الجاحظ أن العبد يحدث أفعاله الاختيارية من غير إرادة منه ~~بل بمجرد القدرة والداعي فإن أراد ms315 نفي إرادة العبد وجحد هذه الصفة عنه ~~فمكابرة لا تنكر من طوائف هم أكثر الناس مكابرة وجحدا للمعلوم بالضرورة فلا ~~أرخص من ذلك عندهم وأن أراد أن الإرادة أمر عدمي وهو كونه غير مغلوب ولا ~~ملجأ فيقال هذا العدم من لوازم الإرادة لا أنه نفسها وكون الإرادة أمرا ~~عدميا مكابرة أخرى وهي بمنزلة قول القائل القدرة أمر عدمي لأنها بمعنى عدم ~~العجز والكلام عدمي لأنه عدم الخرس والسمع والبصر عدمي لأنهما عدم الصمم ~~والعمى وأما قوله أن الفعل يقع بمجرد القدرة وعلم الفاعل بما فيه من ~~الملائمة فمكابرة ثالثة فإن العبد يجد من نفسه قدرة # PageV01P176 # على الفعل وعلما بمصلحته ولا يفعله لعدم إرادته له لما في فعله من فوات ~~محبوب له أو حصول مكروه إليه فلا يوجب القدرة والعلم وقوع الفعل ما لم ~~تقارنهما الإرادة. # فصل: وأما قول الآخر أن كون النفس مريدة أمر ذاتي لها فلا تعلل إلى آخره ~~كلام في غاية البطلان فهب أنا لا نطلب علة كونها مريدة فكونها كذلك هو ~~مخلوق فيها أم غير مخلوق وهي التي جعلت نفسها كذلك أم فاطرها وخالقها هو ~~الذي جعلها كذلك وإذا كان سبحانه هو الذي أنشأها بجميع صفاتها وطبيعتها ~~وهيآتها فكونها مريدة هو وصف لها وخالقها خالق لأوصافها فهو خالق لصفة ~~المريدية فيها فإذا كانت تلك الصفة سببا للفعل وخالق السبب خالق للمسبب ~~والمسبب واقع بقدرته ومشيئته وتكوينه وهذا مما لا ينكره إلا مكابر معاند. # فصل: وأما قول الطائفة الأخرى أن الله سبحانه خلق فيه إرادة صالحة للضدين ~~فاختار أحدهما على الآخر ولا ريب أن الأمر كذلك ولكن وقوع أحد الضدين ~~باختياره وإيثاره له وداعية إليه لا يخرجه عن كونه مخلوقا للرب سبحانه ~~مقدورا له مقدرا على العبد واقعا بقضاء الرب وقدره وأنه لو شاء لصرف داعية ~~العبد وإرادته عنه إلى ضده فهذه هي البقية التي بقيت على هذه الفرقة من ~~إنكار القدر فلو ضموها إلى قولهم لأصابوا كل الإصابة ولكانوا أسعد بالحق في ~~هذه المسألة من سائر الطوائف ms316 وتحقيق ذلك أن الله سبحانه بعدله وحكمته أعطى ~~العبد قدرة وإرادة يتمكن بها من جلب ما ينفعه ودفع ما يضره فأعانه بأسباب ~~ظاهرة وباطنة ومن جملة تلك الأسباب القدرة والإرادة وعرفه طريق الخير والشر ~~ونهج له الطريق وأعانه بإرسال رسله وإنزال كتبه وقرن به ملائكته وأزال عنه ~~كل علة يحتج بها عليه ثم فطرهم سبحانه على إرادة ما ينفعهم وكراهة مما ~~يؤذيهم ويضرهم كما فطر على ذلك الحيوان البهيم ثم كان كثير مما ينفعهم لا ~~علم لهم به على التفصيل والذي يعلمونه من المنافع أمر مشترك بينهم وبين ~~الحيوانات وثم أمور عظيمة هي أنفع شيء لهم لا صلاح لهم ولا فلاح ولا سعادة ~~إلا بمعرفتها وطلبها وفعلها ولا سبيل لهم إلى ذلك إلا بوحي منه وتعريف خاص ~~فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فعرفهم ما هو الأنفع لهم ما فيه سعادتهم ~~وفلاحهم فصادفتهم الرسل مشتغلين بأضدادها قد ألفوها وساكنوها وجرت عليها ~~عوائدهم حين ألفتها الطباع فأخبرتهم الرسل أنها أضر شيء عليهم وأنها من ~~أعظم أسباب ألمهم وفوات إربهم وسرورهم فنهضت الإرادة طالبة للسعادة والفلاح ~~إذ الدعوة إلى ذلك محركة للقلوب والأسماع والأبصار إلى الاستجابة فقام داعي ~~الطبع والألف والعادة في وجه ذلك الداعي معارضا له يعد النفس ويمنيها ~~ويرغبها ويزين لها ما ألفته واعتادته لكونه ملائما له وهو نقد عاجل وراحة ~~مؤثرة ولذة مطلوبة ولهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر وداعي الفلاح يدعو إلى ~~أمر آجل في دار غير هذه الدار لا ينال إلا بمفارقة ملاذها وطيباتها ~~ومسراتها وتجرع مرارتها والتعرض لآفاتها وإيثار الغير لمحبوباتها ~~ومشتهياتها يقول خذ ما تراه ودع ما سمعت به فقامت الإرادة بين الداعيين ~~تصغي إلى هذا مرة وإلى هذا مرة فههنا معركة الحرب ومحل المحنة فقتيل وأسير ~~وفائز بالظفر والغنيمة فإذا شاء الله سبحانه وتعالى رحمة عبد جذب قوى ~~إرادته وعزيمته إلى ما ينفعه ويحييه الحياة الطيبة فأوحى إلى ملائكته أن ~~ثبتوا عبدي واصرفوا همته وإرادته إلى مرضاتي وطاعتي كما قال تعالى: {إذ ~~يوحي ربك إلى ms317 الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} # PageV01P177 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة ~~فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب ~~بالحق ثم قرأ: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة ~~منه وفضلا} وإذا أراد خذلان عبد أمسك عنه تأييده وتثبيته وخلى بينه وبين ~~نفسه ولم يكن بذلك ضالا له لأنه قد أعطاه قدرة وإرادة وعرفه الخير والشر ~~وحذر طريق الهلاك وعرفه بها وحضه على سلوك طريق النجاة وعرفه بها ثم تركه ~~وما اختار لنفسه وولاه ما تولى فإذا وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه، قال ~~القدري: فتلك الإرادة المعينة المستلزمة للفعل المعين إن كانت بإحداث العبد ~~فهو قولنا وإن كانت بإحداث الرب سبحانه فهو قول الجبري وإن كانت بغير محدث ~~لزم المحال، قال السني: لا تفتقر كل إرادة من العبد إلى مشيئة خاصة من الله ~~توجب حدوثها بل يكفي في ذلك المشيئة العامة لجعله مريدا فإن الإرادة هي ~~حركة النفس والله سبحانه شاء أن تكون متحركة وأما أن تكون كل حركة تستدعي ~~مشيئة مفردة فلا وهذا كما أنه سبحانه شاء أن يكون الحي متنفسا ولا يفتقر كل ~~نفس من أنفاسه إلى مشيئة خاصة وكذلك شاء أن يكون هذا الماء بجملته جاريا ~~ولا تفتقر كل قطرة منه إلى مشيئة خاصة يجري بها الماء وكذلك مشيئته لحركات ~~الأفلاك وهبوب الرياح ونزول الغيث وكذلك خطرات القلوب ووساوس النفس وكذلك ~~مشيئته أن يكون العبد متكلما لا يستلزم أن يكون كل حرف بمشيئته غير مشيئة ~~الحرف الآخر وإذا تبين ذلك فهو سبحانه شاء أن يكون عبده شائيا مريدا وتلك ~~الإرادة والمشيئة صالحة للضدين فإذا شاء أن يهدي عبدا صرف داعيه ومشيئته ~~وإرادته إلى معاشه ومعاده وإذا شاء أن يضله تركه ونفسه وتخلى عنه والنفس ~~متحركة بطبعها لا بد لها من مراد محبوب هو مألوهها ومعبودها فإن لم يكن ~~الله وحده هو معبودها ومرادها وإلا كان غيره لها معبودا ومرادا ولا بد فإن ~~حركتها ms318 ومحبتها من لوازم ذاتها فإن لم تحب ربها وفاطرها وتعبده أحبت غيره ~~وعبدته وإن لم تتعلق إرادتها بما ينفعها في معادها تعلقت بما يضرها فيه ولا ~~بد فلا تعطيل في طبيعتها وهكذا خلقت فإن قلت فأين مشيئة الله لهداها ~~وضلالها قلت إذا شاء إضلالها تركها ودواعيها وخلى بينها وبين ما تختاره ~~وإذا شاء هداها جذب دواعيها وإرادتها إليه وصرف عنها موانع القبول فيمدها ~~على القدر المشترك بينها وبين سائر النفوس بإمداد وجودي ويصرف عنها الموانع ~~التي خلى بينها وبين غيرها فيها وهذا بمشيئته وقدرته فلم يخرج شيء من ~~الموجودات عن مشيئته وقدرته وتكوينه البتة لكن يكون ما يشاء بأسباب وحكم ~~ولو أن الجبرية أثبتت الأسباب والحكم لانحلت عنها عقد هذه المسألة ولو أن ~~القدرية سحبت ذيل المشيئة والقدر والخلق على جميع الكائنات مع إثبات الحكم ~~والغايات المحمودة في أفعال الرب سبحانه لانحلت عنها عقدها وبالله التوفيق. # PageV01P178 ### | الباب الحادي والعشرون: في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر # قال الله تعالى: {قل اللهم قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} ~~فصدر الآية سبحانه بتفرده بالملك كله وأنه هو # PageV01P178 # سبحانه هو الذي يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء لا غيره فالأول تفرده ~~بالملك والثاني تفرده بالتصرف فيه وأنه سبحانه هو الذي يعز من يشاء بما ~~يشاء من أنواع العز ويذل من يشاء بسلب ذلك العز عنه وأن الخير كله بيديه ~~ليس لأحد معه منه شيء ثم ختمها بقوله: {إنك على كل شيء قدير} فتناولت الآية ~~ملكه وحده وتصرفه وعموم قدرته وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده وأنها كلها ~~خير فسلبه الملك عمن يشاء وإذلاله من يشاء خير وإن كان شرا بالنسبة إلى ~~المسلوب الذليل فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة لا ~~تخرج عن ذلك وهذا كله خير يحمد عليه الرب ويثنى عليه به كما يحمد ويثنى ~~عليه بتنزيهه عن الشر وأنه ليس إليه ms319 كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح في قوله: "لبيك ~~وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك أنابك وإليك تباركت وتعاليت" فتبارك ~~وتعالى عن نسبة الشر إليه بل كل ما نسب إليه فهو خير والشر إنما صار شرا ~~لانقطاع نسبته وإضافته إليه فلو أضيف إليه لم يكن شرا كما سيأتي بيانه وهو ~~سبحانه خالق الخير والشر فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله وخلقه ~~وفعله وقضاؤه وقدره خير كله ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع ~~الشيء في غير موضعه كما تقدم فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها ~~وذلك خير كله والشر وضع الشيء في غير محله فإذا وضع في محله لم يكن شرا ~~فعلم أن الشر ليس إليه وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك فإن منها القدوس السلام ~~العزيز الجبار المتكبر فالقدوس المنزه من كل شر ونقص وعيب كما قال أهل ~~التفسير هو الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به وهذا قول أهل اللغة ~~وأصل الكلمة من الطهارة والنزاهة ومنه بيت المقدس لأنه مكان يتطهر فيه من ~~الذنوب ومن أمه لا يريد إلا الصلاة فيه رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه ومنه ~~سميت الجنة حظيرة القدس لطهارتها من آفات الدنيا ومنه سمي جبريل روح القدس ~~لأنه طاهر من كل عيب ومنه قول الملائكة ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقيل ~~المعنى ونقدس أنفسنا لك فعدى باللام وهذا ليس شيء والصواب أن المعنى نقدسك ~~وننزهك عما لا يليق بك هذا قول جمهور أهل التفسير، وقال ابن جرير: "ونقدس ~~لك ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس ومما أضاف إليك أهل ~~الكفر بك" قال وقال بعضهم: "نعظمك ونمجدك" قاله أبو صالح، وقال مجاهد: ~~"نعظمك ونكبرك" انتهى وقال بعضهم ننزهك عن السوء فلا ننسبه إليك واللام فيه ~~على حدها في قوله: {ردف لكم} لأن المعنى تنزيه الله لا تنزيه نفوسهم لأجله ~~قلت ولهذا ms320 قرن هذا اللفظ بقولهم نسبح بحمدك فإن التسبيح تنزيه الله سبحانه ~~عن كل سوء، قال ميمون بن مهران: "سبحان الله كلمة يعظم بها الرب ويحاشى بها ~~من السوء" وقال ابن عباس: "هي تنزيه لله من كل سوء" وأصل اللفظة من ~~المباعدة من قولهم سبحت في الأرض إذا تباعدت فيها ومنه كل في فلك يسبحون ~~فمن أثنى على الله ونزهه عن السوء فقد سبحه ويقال سبح الله وسبح له وقدسه ~~وقدس له وكذلك اسمه السلام فإنه الذي سلم من العيوب والنقائص ووصفه بالسلام ~~أبلغ في ذلك من وصفه بالسالم ومن موجبات وصفه بذلك سلامة خلقه من ظلمه لهم ~~فسلم سبحانه من إرادة الظلم والشر ومن التسمية به ومن فعله ومن نسبته إليه ~~فهو السلام من صفات النقص وأفعال النقص وأسماء النقص المسلم لخلقه من الظلم ~~ولهذا وصف سبحانه ليلة القدر بأنها سلام والجنة بأنها دار السلام وتحية ~~أهلها السلام وأثنى على أوليائه بالقول السلام # PageV01P179 # كل ذلك السالم من العيوب وكذلك الكبير من أسمائه والمتكبر، قال قتادة: ~~"وغيره هو الذي تكبر عن السوء" وقال أيضا: "الذي تكبر عن السيئات" وقال ~~مقاتل: "المتعظم عن كل سوء"، وقال أبو إسحاق: "الذي يكبر عن ظلم عباده" ~~وكذلك اسمه العزيز الذي له العزة التامة ومن تمام عزته براءته عن كل سوء ~~وشر وعيب فإن ذلك ينافي العزة التامة وكذلك اسمه العلي الذي علا عن كل عيب ~~وسوء ونقص ومن كمال علوه أن لا يكون فوقه شيء بل يكون فوق كل شيء وكذلك ~~اسمه الحميد وهو الذي له الحمد كله فكمال حمده يوجب أن لا ينسب إليه شر ولا ~~سوء ولا نقص لا في أسمائه ولا في أفعاله ولا في صفاته فأسماؤه الحسنى تمنع ~~نسبة الشر والسوء والظلم إليه مع أنه سبحانه الخالق لكل شيء فهو الخالق ~~للعباد وأفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان ~~قد فعل الشر والسوء والرب سبحانه هو الذي جعله فاعلا لذلك وهذا الجعل منه ~~عدل وحكمة وصواب فجعله فاعلا ms321 خير والمفعول شر قبيح فهو سبحانه بهذا الجعل ~~قد وضع الشيء موضعه لما له في ذلك من الحكمة البالغة التي يحمد عليها فهو ~~خير وحكمة ومصلحة وإن كان وقوعه من العبد عيبا ونقصا وشرا وهذا أمر معقول ~~في الشاهد فإن الصانع الخبير إذا أخذ الخشبة العوجاء والحجر المكسور ~~واللبنة الناقصة فوضع ذلك في موضع يليق به ويناسبه كان ذلك منه عدلا وصوابا ~~يمدح به وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب يذم به المحل ومن وضع الخبائث في ~~موضعها ومحلها اللائق بها كان ذلك حكمة وعدلا وصوابا وإنما السفه والظلم أن ~~يضعها في غير موضعها فمن وضع العمامة على الرأس والنعل في الرجل والكحل في ~~العين والزبالة في الكناسة فقد وضع الشيء موضعه ولم يظلم النعل والزبالة إذ ~~هذا محلهما ومن أسمائه سبحانه العدل والحكيم الذي لا يضع الشيء إلا في ~~موضعه فهو المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه وفي كل ما وضعه في ~~محله وهيأه له وهو سبحانه له الخلق والأمر فكما أنه في أمره لا يأمر إلا ~~بأرجح الأمرين ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإذا ~~تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده ~~للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده فإن قلت فإذا ~~كان وجوده خيرا من عدمه فكيف لا يشاء وجوده فإذا كان عدمه خيرا من وجوده ~~فكيف يشاء وجوده فالمشيئة العامة تنقض عليك هذه القاعدة الكلية قلت لا ~~تنقضها لأن وجوده وإن كان خيرا من عدمه فقد يستلزم وجوده فوات محبوب له هو ~~أحب إليه من وقوع هذا المأمور من هذا المعنى وعدم المنهي وإن كان خيرا من ~~وجوده فقد يكون وجوده وسيلة وسببا إلى ما هو أحب إليه من عدمه وسيأتي تمام ~~تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع وافتراقهما إن شاء الله والرب سبحانه ~~إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه وأراده وبينه وهو لا يحب شيئا إلا ووجوده خير ~~من ms322 عدمه وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه وهو لا يبغض شيئا إلا وعدمه خير من ~~وجوده هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا وأما باعتبار إفضائه إلى ما يحب ويكره ~~فله حكم آخر ولهذا أمر سبحانه عباده أن يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم فالأحسن ~~هو المأمور به وهو خير من المنهي عنه وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه ~~فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ~~ويفعله خيرا من أن لا يخلقه ولا يفعله وبالعكس وما كان عدمه خيرا من وجوده ~~فوجوده شر وهو لا يفعله بل هو منزه عنه والشر ليس # PageV01P180 # إليه، فإن قلت فلم خلقه وهو شر، قلت خلقه له وفعله خير لا شر فإن الخلق ~~والفعل قائم به سبحانه والشر يستحيل قيامه به واتصافه به وما كان في ~~المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيرا ~~والذي شاءه كله خير والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي وهو الشر فإن ~~الشر كله عدم وأن سببه جهل وهو عدم العلم أو ظلم وهو عدم العدل وما يترتب ~~على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل وقبوله لأسباب الخيرات ~~واللذات، فإن قلت كثير من الناس يطلق القول بأن الخير كله من الوجود ~~ولوازمه والشر كله من العدم ولوازمه والوجود خير والشر المحض لا يكون إلا ~~عدما، قلت هذا اللفظ فيه إجمال فإن أريد به أن كل ما خلقه الله وأوجده ففيه ~~الخير ووجوده خير من عدمه وما لم يخلقه ولم يشأه فهو المعدوم الباقي على ~~عدمه ولا خير فيه إذ لو كان فيه خير لفعله فإنه بيده الخير فهذا صحيح فالشر ~~العدمي هو عدم الخير وإن أريد أن كل ما يلزم الوجود فهو خير وكل ما يلزم ~~العدم فهو شر فليس بصحيح فإن الوجود قد يلزمه شر مرجوح والعدم قد يلزمه خير ~~راجح مثال الأول النار والمطر والحر والبرد والثلج ووجود الحيوانات فإن هذا ~~موجود ms323 ويلزمه شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما في وجود ذلك من الخير وكذلك ~~المأمور به قد يلزمه من الألم والمشقة ما هو شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما ~~فيه من الخير. # فصل: وتحقيق الأمر أن الشر نوعان شر محض حقيقي من كل وجه وشر نسبي إضافي ~~من وجه دون وجه فالأول لا يدخل في الوجود إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرا ~~محضا والثاني هو الذي يدخل في الوجود فالأمور التي يقال هي شرور إما أن ~~تكون أمورا عدمية أو أمورا وجودية فإن كانت عدمية فإنها إما أن تكون عدما ~~لأمور ضرورية للشيء في وجوده أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه أو ضرورية ~~له في كماله وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله وإن ~~كان وجودها خيرا من عدمها فهذه أربعة أقسام فالأول كالإحساس والحركة والنفس ~~للحيوان والثاني كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي والثالث ~~كصحته وسمعه وبصره وقوته والرابع كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها ~~خير من الجهل وليست ضرورية له وأما الأمور الوجودية فوجود كل ما يضاد ~~الحياة والبقاء والكمال كالأمراض وأسبابها والآلام وأسبابها والموانع ~~الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له المستعد لحصوله ~~كالمواد الردية المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به ~~وكالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب إذا عرف ~~هذا فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشيء في وجوده أو بقائه أو كماله ~~ولهذا العدم لوازم من شر أيضا فإن عدم العلم والعدل يلزمهما من الجهل ~~والظلم ما هو شرور وجودية وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما ~~هو شر وجودي وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط والعلوم التي ~~لا يضر الجهل بها فليس بشر في الحقيقة ولا وجودها سببا للشر فإن العلم منه ~~حيث هو علم والغنى منه حيث هو غنى لم يوضع سببا للشر وإنما يترتب الشر من ~~عدم صفة تقتضي الخير كعدم العفة والصبر والعدل ms324 في حق الغنى فيحصل الشر له ~~في غناه بعدم هذه الصفات وكذلك عدم الحكمة ووضع الشيء موضعه وعدم إرادة ~~الحكمة في حق صاحب العلم يوجب ترتب الشر له على ذلك فظهر أن الشر لم يترتب ~~إلا على عدم وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرا ولا سببا للشر فالأمور ~~الوجودية ليست شرورا # PageV01P181 # بالذات بل بالعرض من حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة فإنك لا ~~تجد شيئا من الأفعال التي هي شر إلا وهي كمال بالنسبة إلى أمور وجهة الشر ~~فيه بالنسبة إلى أمور أخر مثال ذلك أن الظلم يصدر عن قوة تطلب الغلبة ~~والقهر وهي القوة الغضبية التي كمالها بالغلبة ولهذا خلقت فليس في ترتب ~~أثرها عليها شر من حيث وجوده بل الشر عدم ترتب أثرها عليها البتة فتكون ~~ضعيفة عاجزة مقهورة وإنما الشر الوجودي الحاصل شر إضافي بالنسبة إلى ~~المظلوم بفوات نفسه أو ماله أو تصرفه وبالنسبة إلى الظالم لا من حيث الغلبة ~~والاستيلاء ولكن من حيث وضع الغلبة والقهر والاستيلاء في غير موضعه فعدل به ~~من محله إلى غير محله ولو استعمل قوة الغضب في قهر المؤذي الباغي من ~~الحيوانات الناطقة والبهيمة لكان خيرا ولكن عدل به إلى غير محله فوضع القهر ~~والغلبة موضع العدل والنصفة ووضع الغلظة موضع الرحمة فلم يكن الشر في وجود ~~هذه القوة ولا في ترتب أثرها عليها من حيث هما كذلك بل في إجرائها في غير ~~مجراها ومثال ذلك ماء جار في نهر إلى أرض يسقيها وينفعها فكماله في جريانه ~~حتى يصل إليها فإذا عدل به عن مجراه وطريقه إلى أرض يضرها ويخرب دورها كان ~~الشر في العدول به عما أعدله وعدم وصوله إليه فهكذا الإرادة والغضب أعين ~~بهما العبد ليتوصل بهما إلى حصول ما ينفعه وقهر ما يؤذيه ويهلكه فإذا ~~استعملا في ذلك فهو كمالها وهو خير وإذا صرفا عن ذلك إلى استعمال هذه القوة ~~في غير محلها وهذه في غير محلها صار ذلك شرا إضافيا نسبيا وكذلك النار ms325 ~~كمالها في إحراقها فإذا أحرقت ما ينبغي إحراقه فهو خير وإن صادفت ما لا ~~ينبغي إحراقه فأفسدته فهو شر إضافي بالنسبة إلى المحل المعين وكذلك القتل ~~مثلا هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال البدن فقوة الإنسان على ~~استعمال الآلة خير وكون الآلة قابلة للتأثير خير وكون المحل قابلا لذلك خير ~~وإنما الشر نسبي إضافي وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه والعدول به عن ~~المحل المؤدي إلى غيره وهذا بالنسبة إلى الفاعل وأما بالنسبة إلى المفعول ~~فهو شر إضافي أيضا وهو ما حصل له من التألم وفاته من الحياة وقد يكون ذلك ~~خيرا له من جهة أخرى وخير لغيرة وكذلك الوطء فإن قوة الفاعل وقبول المحل ~~كمال ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا ~~يليق وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية على هذا المجرى فظهر أن ~~دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة لا أنها من حيث ~~وجودها وذواتها شر وكذلك السجود ليس هو شرا من حيث ذاته ووجوده فإذا أضيف ~~إلى غير الله كان شرا بهذه النسبة والإضافة وكذلك كل ما وجوده كفر وشرك ~~إنما كان شرا بإضافته إلى ما جعله كذلك كتعظيم الأصنام فالتعظيم من حيث هو ~~تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلقه فإذا كان تعظيما لله وكتابه ~~ودينه ورسوله كان خيرا محضا وإن كان تعظيما للصنم وللشيطان فإضافته إلى هذا ~~المحل جعلته شرا كما أن إضافة السجود إلى غير الله جعلته كذلك. # فصل: ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا ~~كالنبات والحيوان أما إن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها أو بعد ~~تكونها فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة ~~الاستعداد فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب وليس ذلك بأن الفاعل ~~حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال ~~والتمام وعدم قبوله # PageV01P182 # أمر عدمي ليس ms326 بالفاعل وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجودي الذي يتقبل به ~~كماله وتمامه ونقصه والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال فبقي ~~على العدم الأصلي وبهذا يفهم سر قوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت} فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه وأما عيبه ونقصه ~~فمن عدم قبوله وعدم القبول ليس أمرا مخلوقا يتعلق بفعل الفاعل فالخلق ~~الوجودي ليس فيه تفاوت والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق فإن الخالق سبحانه ~~لم يخلق له استعدادا فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق لا من نفس الخلق فتأمله ~~والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق وأما العدم فليس هو بفاعل له فإذا لم يكمل ~~في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه ~~التفاوت وكذلك النبات. # فصل: وأما الثاني وهو أن الشر الحاصل بعد تكونه وإيجاده فهو نوعان أيضا ~~أحدهما أن يقطع عنه الإمداد الذي به كماله بعد وجوده كما يقطع عن النبات ~~إمداده بالسقي وعن الحيوان إمداده بالغذاء فهو شر مضاف إلى العدم أيضا وهو ~~عدم ما يكمل به الثاني حصول مضاد مناف وهو نوعان أحدهما قيام مانع في المحل ~~يمنع تأثير الأسباب الصالحة فيه كما تقوم بالبدن أخلاط ردية تمنع تأثير ~~الغذاء فيه وانتفاعه به وكما تقوم بالقلب إرادات واعتقادات فاسدة تمنع ~~انتفاعه بالهدى والعلم فهذا الشر وإن كان وجوديا وأسبابه وجودية فهو أيضا ~~من عدم القوة والإرادة التي يدفع بها ذلك المانع فلو وجدت قوة وإرادة تدفعه ~~لم يتأثر المحل به مثاله أن غلبة الأخلاط واستيلائها من عدم القوة المنضجة ~~لها أو القوة الدافعة لما يحتاج إلى خروج وكذلك استيلاء الإرادات الفاسدة ~~لضعف قوة العفة والصبر واستيلاء الاعتقادات الباطلة لعدم العلم المطابق ~~لمعلومه فكل شر ونقص فإنما حصل لعدم سبب ضده وعدم سبب ضده ليس فاعلا له بل ~~يكفي فيه بقاؤه على العدم الأصلي الثاني مانع من خارج كالبرد الشديد والحرق ~~والغرق ونحو ذلك مما يصيب الحيوان والنبات فيحدث فيه ms327 الفساد فهذا لا ريب ~~انه شر وجودي مستند إلى سبب وجودي ولكنه شر نسبي إضافي وهو خير من وجه آخر ~~فإن وجود ذلك الحر والبرد والماء يترتب عليه مصالح وخيرات كلية هذا الشر ~~بالنسبة إليها جزئي فتعطيل تلك الأسباب لتفويت هذا الشر الجزئي يتضمن شرا ~~أكثر منه وهو فوات تلك الخيرات الحاصلة بها فإن ما يحصل بالشمس والريح ~~والمطر والثلج والحر والبرد من مصالح الخلق أضعاف أضعاف ما يحصل بذلك من ~~مفاسد جزئية هي في جنب تلك المصالح كقطرة في بحر هذا لو كان شرها حقيقيا ~~فكيف وهي خير من وجه وشر من وجه وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس ~~فما قدرها الرب سبحانه سدى ولا خلقها باطلا وعند هذا فيقال الوجود إما أن ~~يكون خيرا من كل وجه أو شرا من كل وجه أو خيرا من وجه شرا من وجه وهذا على ~~ثلاثة أقسام قسم خيره راجح على شره وعكسه وقسم مستو خيره وشره وأما أن لا ~~يكون فيه خير ولا شر فهذه ستة أقسام ولا مزيد عليها فبعضها واقع وبعضها غير ~~واقع فأما القسم الأول وهو الخير المحض من كل وجه الذي لا شر فيه بوجه ما ~~فهو أشرف الموجودات على الإطلاق وأكملها وأجلها وكل كمال وخير فيها فهو ~~مستفاد من خيره وكماله في نفسه وهي تستمد منه وهو لا يستمد منها وهي فقيرة ~~إليه وهو غني عنها كل منها يسأله كماله فالملائكة تسأله ما لا حياة لها إلا ~~به وإعانته على ذكره وشكره وحسن # PageV01P183 # عبادته وتنفيذ أوامره والقيام بما جعل إليهم من مصالح العالم العلوي ~~والسفلي وتسأله أن يغفر لبني آدم والرسل تسأله أن يعينهم على أداء رسالاته ~~وتبليغها وأن ينصرهم على أعدائهم وغير ذلك من مصالحهم في معاشهم ومعادهم ~~وبنو آدم كلهم يسألونه مصالحهم على تنوعها واختلافها والحيوان كله يسأله ~~رزقه وغذاءه وقوته وما يقيمه ويسأله الدفع عنه والشجر والنبات يسأله غذاءه ~~وما يكمل به والكون كله يسأله إمداده بقاله وحاله: {يسأله من ms328 في السماوات ~~والأرض كل يوم هو في شأن} فأكف جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال ويده ~~مبسوطة لهم بالعطاء والنوال يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سجاء الليل والنهار ~~وعطاؤه وخيره مبذول للأبرار والفجار له كل كمال ومنه كل خير له الحمد كله ~~وله الثناء كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله تبارك اسمه وتباركت ~~أوصافه وتباركت أفعاله وتباركت ذاته فالبركة كلها له ومنه لا يتعاظمه خير ~~سئله ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله فلو صور كل كمال في العالم صورة ~~واحدة ثم كان العالم كله على تلك الصورة لكان نسبة ذلك إلى كماله وجلاله ~~وجماله دون نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس. # فصل: وأما الأقسام الخمسة الباقية فلا يدخل منها في الوجود إلا ما كانت ~~المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة والأقسام الأربعة لا ~~تدخل في الوجود أما الشر المحض الذي لا خير فيه فذاك ليس له حقيقة بل هو ~~العدم المحض، فإن قيل فإبليس شر محض والكفر والشرك كذلك وقد دخلوا في ~~الوجود فأي خير في إبليس وفي وجود الكفر، قيل في خلق إبليس من الحكم ~~والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله كما سننبه ~~على بعضه فالله سبحانه لم يخلقه عبثا ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم ~~فكم لله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة وهو وإن ~~كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ~~ما هو خير من تفويتها وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضا في الوجود ~~فإنه عبث فتعالى الله عنه وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود فدخول ما ~~الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع ومن تأمل هذا الوجود علم أن ~~الخير فيه غالب وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها واللذات أكثر من ~~الآلام والعافية أعظم من البلاء والغرق والحرق والهدم ونحوها وإن كثرت ~~فالسلامة أكثر ولو لم يوجد هذا القسم الذي ms329 خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من ~~الشر لفات الخير الغالب وفوات الخير الغالب شر غالب ومثال ذلك النار فإن في ~~وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم ~~تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها وكذلك المطر والرياح والحر والبرد وبالجملة ~~فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ولكن خيرها غالب وأما العالم ~~العلوي فبريء من ذلك، فإن قيل فهلا خلق الخلاق الحكيم هذه خالية من الشر ~~بحيث تكون خيرات محضة فإن قلتم اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجا فيه ~~اللذة بالألم والخير بالشر فقد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شر ~~كالعالم العلوي سلمنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه فأي ~~خير ومصلحة في وجود رأس الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه إبليس وأي خير في ~~إبقائه إلى آخر الدهر وأي خير يغلب في نشأة يكون فيها تسعة وتسعون إلى ~~النار وواحد في الجنة وأي خير غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة حتى جرى ~~على الأولاد ما جرى ولو داما في الجنة لارتفع # PageV01P184 # الشر بالكلية وإذا كان قد خلقهم لعبادته فكيف اقتضت حكمته أن صرف إليهم ~~عنا ووفق لها الأقل من الناس وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان ~~والظلم والبغي وأي خير في إيلام غير المكلفين كالأطفال والمجانين فإن قلتم ~~فائدته التعويض أنقض عليكم بإيلام البهائم ثم وأي خير في خلق الدجال ~~وتمكينه من الظهور والافتتان به وإذ قد اقتضت الحكمة ذلك فأي خير حصل في ~~تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب وأي خير في السحر وما يترتب عليه من ~~المفاسد والمضار وأي خير في إلباس الخلق شيعا وإذاقة بعضهم بأس بعض وأي خير ~~في خلق السموم وذات السموم والحيوانات العادية المؤذية بطبعها وأي خير في ~~خراب هذه البنية بعد خلقها في أحسن تقويم وردها إلى أرذل العمر بعد ~~استقامتها وصلاحها وكذلك خراب هذا الدار ومحو أثرها فإن كان وجود ذلك خيرا ~~غالبا فإبطاله إبطال للخير الغالب ms330 دع هذا كله فأي خير راجح أو مرجوح في ~~النار وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا ~~بسد باب الحكم والتعليل وإسناد الكون إلى محض المشيئة أو القول بالإيجاب ~~الذاتي وأن الرب لا يفعل باختياره ومشيئته وهذه الأسئلة إنما ترد على من ~~يقول بالفاعل المختار فلهذا لجأ القائلون إلى إنكار التعليل جملة فاختاروا ~~أحد المذهبين وتحيزوا إلى إحدى الفئتين وإلا فكيف تجمعون بين القول بالحكمة ~~والتعليل وبين هذه الأمور فالجواب بعد أن نقول سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر بل في تحقيق هذه الكلمات الجواب الشافي: {ربنا ما ~~خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} : {وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما لاعبين} {ما خلقناهما إلا بالحق} : {وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} : {أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله ~~إلا هو رب العرش الكريم} : {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما} : {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم} : {صنع الله الذي أتقن كل شيء} : {وأحسن كل الذي أحسن ~~كل شيء خلقه} : {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} بل هو في غاية التناسب ~~واقع على أكمل الوجوه وأقربها إلى حصول الغايات المحمودة والحكم المطلوبة ~~فلم يكن تحصل تلك الحكم والغايات التي انفرد الله سبحانه بعلمها على ~~التفصيل وأطلع من شاء من عباده على أيسر اليسير منها إلا بهذه الأسباب ~~والبدايات وقد سأله الملائكة المقربون عن جنس هذه الأسئلة وأصلها فقال: ~~{إني أعلم ما لا تعلمون} وأقروا له بكمال العلم والحكمة وأنه في جميع ~~أفعاله على صراط مستقيم وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ms331 إنك أنت ~~العليم الحكيم ولما ظهر لهم ببعض حكمته فيما سألوا عنه وأنهم لم يكونوا ~~يعلمون قال: {قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون ~~وما كنتم تكتمون} . # فصل: ونحن نذكر أصولا مهمة نبين بها جواب هذه الأسئلة وقد اعترف كثير من ~~المتكلمين ممن له نظر في الفلسفة والكلام أنه لا يمكن الجواب عنها إلا ~~بالتزام القول بالموجب بالذات أو القول بإبطال الحكمة والتعليل وأنه سبحانه ~~لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لحكمة ولا جعل شيئا من الأشياء سببا لغيره ~~وما ثم إلا مشيئة محضة وقدرة ترجح مثلا على مثل بلا سبب ولا على وأنه لا ~~يقال # PageV01P185 # في فعله لم ولا كيف ولا لأي سبب وحكمة ولا هو معلل بالمصالح قال الرازي ~~في مباحثه: "فإن قيل فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن كل الشرور ~~فنقول لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول وذلك مما خرج عنه" يعني ~~كان ذلك هو القسم الذي هو خير محض لا شر فيه قال: "وبقي في الفعل قسم آخر ~~وهو الذي يكون خيره غالبا على شره" وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون ~~موجودا قال وهذا الجواب لا يعجبني لأن لقائل أن يقول أن جميع هذه الخيرات ~~والشرور إنما توجد باختيار الله سبحانه وإرادته فالاحتراق الحاصل عقيب ~~النار ليس موجبا عن النار بل الله اختار خلقه عقيب مماسة النار وإذا كان ~~حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته فكان يمكنه أن يختار ~~خلق الإحراق عندما يكون خيرا ولا يختار خلقه عندما يكون شرا ولا خلاص عن ~~هذه المطالبة إلا ببيان كونه فاعلا بالذات لا بالقصد والاختيار ويرجع حاصل ~~الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث فانظر كيف اعترف بأنه لا ~~خلاص عن هذه الأسئلة إلا بتكذيب جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم وإبطال جميع ~~الكتب المنزلة من عند الله ومخالفة صريح العقل في أن خالق العالم سبحانه ~~مريد مختار ما شاء كان بمشيئته ms332 وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته وأنه ليس في ~~الكون شيء حاصل بدون مشيئته البتة فأقر على نفسه أنه لا خلاص له في تلك ~~الأسئلة إلا بالتزام طريقة أعداء الرسل والملل القائلين بأن الله لم يخلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ولا أوجد العالم بعد عدمه ولا يفنيه بعد ~~إيجاده وصدور ما صدر عنه بغير اختياره ومشيئته فلم يكن مختارا مريدا للعالم ~~وليس عنده إلا هذا القول أو قول الجبرية منكري الأسباب والحكم والتعليل أو ~~قول المعتزلة الذين أثبتوا حكمة لا ترجع إلى الفاعل وأوجبوا رعاية مصالح ~~شبهوا فيها الخالق بالمخلوق وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها ~~وحرموا وحجروا عليه فالأقوال الثلاثة تتردد في صدره وتتقاذف به أمواجها ~~تقاذف السفينة إذا لعبت بها الرياح الشديدة والعاقل لا يرضى لنفسه بواحد من ~~هذه الأقوال لمنافاتها العقل والنقل والفطرة والقول الحق في هذه الأقوال ~~كيوم الجمعة في الأيام أضل الله عنه أهل الكتابين قبل هذه الأمة وهداهم ~~إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة: "أضل الله عنها من كان ~~قبلنا فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى" ونحن هكذا نقول بحمد الله ~~ومنه القول الوسط الصواب لنا وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء ~~الرسول وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية وإنكار ~~عموم القدرة والمشيئة العائدة إلى الرب سبحانه من محبته وكراهته وموجب حمده ~~ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية ونحن نبرأ إلى ~~الله من هذه الأقوال وقائلها إلا من حق تتضمنه مقالة كل فرقة منهم فنحن به ~~قائلون وإليه منقادون وله ذاهبون. # فصل: الأصل الأول: إثبات عموم علمه سبحانه وإحاطته بكل معلوم وأنه لا ~~تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض بل قد أحاط بكل ~~شيء علما وأحصى كل شيء عددا والخلاف في هذا الأصل مع فرقتين إحداهما أعداء ~~الرسل كلهم وهم الذين ينفون علمه بالجزئيات وحاصل قولهم أنه لا يعلم موجودا ~~البتة فإن كل موجود جزئي معين فإذا لم يعلم الجزئيات ms333 لم يكن عالما بشيء من ~~العالم العلوي والسفلي والفرقة الثانية غلاة القدرية الذين اتفق السلف على ~~كفرهم وحكموا بقتلهم الذين يقولون لا يعلم أعمال العباد حتى يعلموها ولم ~~يعلمها قبل ذلك ولا كتبها ولا قدرها فضلا # PageV01P186 # عن أن يكون شاءها وكونها وقول هؤلاء معلوم البطلان بالضرورة من أديان ~~جميع المرسلين وكتب الله المنزلة وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم مملوءة ~~بتكذيبهم وإبطال قولهم وإثبات عموم علمه الذي لا يشاركه فيه خلقه ولا ~~يحيطون بشيء منه إلا بما شاء أن يطلعهم عليه ويعلمهم به وما أخفاه عنهم ولم ~~يطلعهم عليه لا نسبة لما عرفوه إليه إلا دون نسبة قطرة واحدة إلى البحار ~~كلها كما قال الخضر لموسى وهما أعلم أهل الأرض حينئذ ما نقص علمي وعلمك من ~~علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر ويكفي أن ما يتكلم به من علمه ~~لو قدر أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض كلها من أول ~~الدهر إلى آخره أقلام يكتب به ما يتكلم به مما يعلمه لنفدت البحار وفنيت ~~الأقلام ولم تنفذ كلماته فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة قدرتهم ~~إلى قدرته وغناهم إلى غناه وحكمتهم إلى حكمته وإذا كان أعلم الخلق به على ~~الإطلاق يقول: " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ويقول في دعاء ~~الاستخارة: "فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب" ويقول ~~سبحانه للملائكة: {إني أعلم ما لا تعلمون} ويقول سبحانه لأعلم الأمم وهم ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون} ويقول لأهل الكتاب: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وتقول رسله ~~يوم القيامة حين يسألهم: {ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب} وهذا هو الأدب المطابق للحق في نفس الأمر فإن علومهم وعلوم الخلائق ~~تضمحل وتتلاشى في علمه سبحانه كما يضمحل ms334 ضوء السراج الضعيف في عين الشمس ~~فمن أظلم الظلم وأبين الجهل وأقبح القبيح وأعظم القحة والجراءة أن يعترض من ~~لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل التي لا ~~نسبة لها إلى علم رب العالمين عليه ويقدح في حكمته ويظن أن الصواب والأولى ~~أن يكون غير ما جرى به قلمه وسبق به علمه وأن يكون الأمر بخلاف ذلك فسبحان ~~الله رب العالمين تنزيها لربوبيته وإلهيته وعظمته وجلاله عما لا يليق به من ~~كل ما نسبه إليه الجاهلون الظالمون فسبحان الله كلمة يحاشى الله بها عن كل ~~ما يخالف كماله من سوء ونقص وعيب فهو المنزه التنزيه التام من كل وجه وبكل ~~اعتبار عن كل نقص متوهم وإثبات عموم حمده وكماله وتمامه ينفي ذلك واتصافه ~~بصفات الإلهية التي لا تكون لغيره وكونه أكبر من كل شيء في ذاته وأوصافه ~~وأفعاله ينفي ذلك لمن رسخت معرفته في معنى سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر وسافر قلبه في منازلها وتلقى معانيها من مشكاة النبوة ~~لا من مشكاة الفلسفة والكلام الباطل وآراء المتكلمين فهذا أصل يجب التمسك ~~به في هذا المقام وأن يعلم أن عقول العالمين ومعارفهم وعلومهم وحكمهم تقصر ~~عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته، الأصل الثاني: أنه ~~سبحانه حي حقيقة وحياته أكمل الحياة وأتمها وهي حياة تستلزم جميع صفات ~~الكمال ونفي أضدادها من جميع الوجوه ومن لوازم الحياة الفعل الاختياري فإن ~~كل حي فعال وصدور الفعل عن الحي بحسب كمال حياته ونقصها وكل من كانت حياته ~~أكمل من غيره كان فعله أقوى وأكمل وكذلك قدرته ولذلك كان الرب سبحانه على ~~كل شيء قدير وهو فعال لما يريد وقد ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال عن ~~نعيم بن حماد أنه قال: "الحي هو الفعال" وكل حي فعال فلا فرق بين الحي ~~والميت إلا بالفعل والشعور وإذا كانت الحياة مستلزمة للفعل وهو الأصل ~~الثالث فالفعل # PageV01P187 # الذي لا يعقل الناس سواه هو الفعل ms335 الاختياري الإرادي الحاصل بقدرة الفاعل ~~وإرادته ومشيئته وما يصدر عن الذات من غير سفير قدرة منها ولا إرادة لا ~~يسميه أحد من العقلاء فعلا وإن كان أثرا من آثارها ومتولدا عنها كتأثير ~~النار في الإحراق والماء في الإغراق والشمس في الحرارة فهذه آثار صادرة عن ~~هذه الأجسام وليست أفعالا لها وإن كانت بقوى وطبائع جعلها الله فيها فالفعل ~~والعمل من الحي العالم لا يقع إلا بمشيئته وقدرته وكون الرب سبحانه حيا ~~فاعلا مختارا مريدا مما اتفقت عليه الرسل والكتب ودل عليه العقل والفطرة ~~وشهدت به الموجودات ناطقها وصامتها جمادها وحيوانها علويها وسفليها فمن ~~أنكر فعل الرب الواقع بمشيئته واختياره وفعله فقد جحد ربه وفاطره وأنكر أن ~~يكون للعامل رب، الأصل الرابع: أنه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعا ~~وقدرا وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي وأمره الكوني القدري ~~ومحل ملكه وتصرفه فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات وقدح في ~~العقول والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء فقد جعل سبحانه مصالح ~~العباد في معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر ~~والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها بل العبد نفسه ~~وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه بل الموجودات كلها أسباب ومسببات والشرع ~~كله أسباب ومسببات والمقادير أسباب ومسببات والقدر جار عليها متصرف فيها ~~فالأسباب محل الشرع والقدر والقرآن مملوء من إثبات الأسباب كقوله: {بما ~~كنتم تعملون} : {بما كنتم تكسبون} : {ذلك بما قدمت يداك} : {فبما كسبت ~~أيديكم} : {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} : {جزاء ~~وفاقا} : {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} : {فبما ~~نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا ~~غلف} إلى قوله: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا ~~المسيح عيسى ابن مريم} وقوله: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية} وقوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم} وقوله: {ذلك بأنهم كانت تأتيهم ~~رسلهم ms336 بالبينات فكفروا فأخذهم الله} وقوله: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع ~~مثل الربا} وقوله: {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم} وقوله: {فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية} وقوله: ~~{فكذبوهما فكانوا من المهلكين} : {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} : ~~{فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها} وقوله: {فلما آسفونا ~~انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} وقوله: ~~{ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} وقوله: {حتى إذا ~~أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات} وقوله: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} وقوله: {قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم} الآية وقوله: {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ~~لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا} وكل موضع رتب فيه الحكم الشرعي أو ~~الجزائي على الوصف أفاد كونه سببا له كقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله} وقوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} وقوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا ~~لا نضيع أجر المصلحين} وقوله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} وهذا أكثر من أن يستوعب وكل موضع تضمن ~~الشرط والجزاء أفاد سببية # PageV01P188 # الشرط والجزاء وهو أكثر من أن يستوعب كقوله: {يا أيها الذين آمنوا إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} وقوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن ~~عذابي لشديد} وكل موضع رتب فيه الحكم على ما قبله بحرف أفاد التسبب وقد ~~تقدم وكل موضع تقدم ذكرت فيه الباء تعليلا لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب ~~وكل موضع صرح فيه بأن كذا جزاء لكذا أفاد التسبيب فإن العلة الغائية عله ~~للعلة الفاعلية ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد ~~على عشرة آلاف موضع ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة ويكفي شهادة الحس والعقل ~~والفطر ولهذا قال من قال من أهل العلم تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ~~ذوي العقول على عقولهم ms337 وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة ~~الذين أنكروا صفات الرب ونعوت كماله وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه ~~وتكلمه بكتبه وتكليمه لملائكته وعباده وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فما ~~أفادهم إلا تكذيب الله ورسله وتنزيهه عن كل كمال ووصفه بصفات المعدوم ~~والمستحيل ونظير من نزه الله في أفعاله وأن يقوم به فعل البتة وظن أنه ينصر ~~بذلك حدوث العالم وكونه مخلوقا بعد أن لم يكن وقد أنكر أصل الفعل والخلق ~~جملة ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن ~~التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات ~~توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به ~~وأنت لا تجد كتابا من الكتب أعظم إثباتا للأسباب من القرآن ويا لله العجب ~~إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سببا لهذا والأسباب ~~والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة لحكمه إن شاء أن يبطل سببية الشيء ~~أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم وإغراق الماء على كليمه ~~وقومه وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها وإن شاء ~~خلى بينها وبين اقتضائه لآثارها فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا فأي قدح ~~يوجب ذلك في التوحيد وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه ولكن ضعفاء ~~العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق والماء لا يغرق والخبر لا يشبع والسيف ~~لا يقطع ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ولا هو سبب لهذا الأثر وليس فيه قوة ~~وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا ~~قالت هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق والتأثير ولم يدر هذا القائل أن ~~هذا إساءة ظن بالتوحيد وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به كما تراه عيانا ~~في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان ولا ريب أن الصديق الجاهل قد يضر مالا ~~يضره العدو العاقل قال تعالى عن ذي القرنين: {وآتيناه من كل شيء سببا} قال ms338 ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "علما" قال قتادة وابن زيد وابن جريج ~~والضحاك: "علما تسبب به إلى ما يريد" وكذلك قال إسحاق: "علما يوصله إلى حيث ~~يريد" وقال المبرد: "وكل ما وصل شيئا بشيء فهو سبب" وقال كثير من المفسرين: ~~"آتيناه من كل ما بالخلق إليه حاجة علما ومعونة له وقد سمى الله سبحانه ~~الطريق سببا في قوله فأتبع سببا" قال مجاهد: "طريقا" وقيل السبب الثاني هو ~~الأول أي أتبع سببا من تلك الأسباب التي أوتيها مما يوصله إلى مقصوده وسمى ~~سبحانه أبواب السماء أسبابا إذ منها يدخل إلى السماء قال تعالى عن فرعون: ~~{لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات} أي أبوابها التي أدخل منها إليها وقال ~~زهير: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم # PageV01P189 # وسمى الحبل سببا لإيصاله إلى المقصود قال تعالى: {فليمدد بسبب إلى ~~السماء} قال بعض أهل اللغة السبب من الحبال القوي الطويل قال ولا يدعى ~~الحبل سببا حتى يصعد به وينزل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة ~~تريدها سبب يقال ما بيني وبين فلان سبب أي أصرة رحم أو عاطفة مودة وقد سمى ~~تعالى وصل الناس بينهم أسبابا وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائجهم بعضهم ~~من بعض قال تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب} يعني الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا وقال ابن ~~عباس وأصحابه: "يعني أسباب المودة الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا" ~~وقال ابن زيد: "هي الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا بها إلى ثواب الله" ~~وقيل هي الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك ~~أسبابا لأنها كانت يتوصل بها إلى مسبباتها وهذا كله عند نفاة الأسباب ومجاز ~~لا حقيقة له وبالله التوفيق. # فصل: الأصل الخامس: أنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ~~ومصلحة وحكمه هي الغاية المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة ~~بالغة لأجلها فعل كما هي ناشئة عن ms339 أسباب بها فعل وقد دل كلامه وكلام رسوله ~~على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها فنذكر ~~بعض أنواعها، النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه كقوله: {حكمة ~~بالغة} وقوله: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} وقوله: {ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا} والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح وسمي حكمة لأن العلم ~~والعمل قد تعلقا بمتعلقهما وأوصلا إلى غايتيهما وكذلك لا يكون الكلام حكمة ~~حتى يكون موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة فيكون مرشدا إلى ~~العلم النافع والعمل الصالح فتحصل الغاية المطلوبة فإذا كان المتكلم به لم ~~يقصد مصلحة المخاطبين ولا هداهم ولا إيصالهم إلى سعادتهم ودلالتهم على ~~أسبابها وموانعها ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة ولا تكلم لأجلها ~~ولا أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها ولا نصب الثواب والعقاب لأجلها لم يكن ~~حكيما ولا كلامه حكمة فضلا عن أن تكون بالغة، النوع الثاني: إخباره أنه فعل ~~كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا كقوله: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض} وقوله: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما} وقال: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم} وقوله: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل} وقوله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله} وقوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله} ~~وقوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه} وقوله: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم} أي ليتمكنوا بهذا الحفظ والرصد من تبليغ رسالاته فيعلم ~~الله ذلك واقعا وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء ms340 ليطهركم به ويذهب عنكم ~~رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} وقوله: {ويبطل الباطل} ~~وقوله: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به} وقوله: {قل نزله ~~روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا} وقوله: {وما جعلنا أصحاب النار ~~إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا ~~الكتاب # PageV01P190 # ويزداد الذين آمنوا إيمانا} وقوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} وقوله: {وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم} وقوله: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا ~~أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب} وقوله: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} وقوله: {وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} وقوله: {والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} وهذا في القرآن فإن قيل اللام ~~في هذا كله لام العاقبة كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} ~~وقوله: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} ~~وقوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض} وقوله: {ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} وقوله: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} فإن ما بعد اللام في هذا ~~ليس هو الغاية المطلوبة ولكن لما كان الفعل منتهيا إليه وكان عاقبة الفعل ~~دخلت عليه لام التعليل وهي في الحقيقة لام العاقبة، فالجواب من وجهين، ~~أحدهما: أن لام العاقبة إنما تكون في حق من هو جاهل أو هو عاجز عن دفعها ~~فالأول: كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} والثاني: كقول ~~الشاعر: # لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى ذهاب # وأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فيستحيل في حقه دخول هذه اللام ~~وإنما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة، ~~الجواب الثاني: إفراد ms341 كل موضع من تلك المواضع بالجواب أما قوله: {فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} فهو تعليل لقضاء الله سبحانه بالتقاطه ~~وتقديره له فإن التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره فهو سبحانه قدر ذلك وقضى ~~به ليكون لهم عدوا وحزنا وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه حزنا لهم ~~وحسرة عليهم فإن من اختار أخذ ما يكون هلاكه على يديه إذا أصيب به كان أعظم ~~لحزنه وغمه وحسرته من أن لا يكون فيه صنع ولا اختيار فإنه سبحانه أراد أن ~~يظهر لفرعون وقومه ولغيرهم من خلقه كمال قدرته وعلمه وحكمته الباهرة وأن ~~هذا الذي يذبح فرعون إلا بناء في طلبه هو الذي يتولى تربيته في حجره وبيته ~~باختياره وإرادته ويكون في قبضته وتحت تصرفه فذكر فعلهم به في هذا أبلغ ~~وأعجب من أن يذكر القضاء والقدر وقد أعلمنا سبحانه أن أفعال عباده كلها ~~واقعة بقضائه وقدره وأما قوله تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} فلا ريب أن هذا تعليل لفعله المذكور وهو ~~امتحان بعض خلقه ببعض كما امتحن السادات والأشراف بالعبيد والضعفاء ~~والموالي فإذا نظر الشريف والسيد إلى العبد والضعيف والمسكين قد أسلم أنف ~~وحمى أن يسلم معه أو بعده ويقول هذا يسبقني إلى الخير والفلاح وأتخلف أنا ~~فلو كان ذلك خيرا وسعادة ما سبقنا هؤلاء إليه فهذا القول منهم هو بعض الحكم ~~والغاية المطلوبة بهذا الامتحان فإن هذا القول دال على إباء واستكبار وترك ~~الانقياد للحق بعد المعرفة التامة به وهذا وإن كان علة فهو مطلوب لغيره ~~والعلل الغائية تارة تطلب لنفسها وتارة تطلب لغيرها فتكون وسيلة إلى مطلوب ~~لنفسه وقول هؤلاء ما قالوه وما يترتب عليه هذا القول موجب لآثار مطلوبة ~~للفاعل من إظهار عدله وحكمته وعزه وقهره وسلطانه وعطائه من يستحق # PageV01P191 # عطاءه ويحسن وضعه عنده ومنعه من يستحق المنع ولا يليق به غيره ولهذا قال ~~تعالى: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون ~~المنعم عليهم فيما من عليهم ms342 من بين من لا يعرفها ولا يشكر ربه عليها وكانت ~~فتنة بعضهم ببعض لحصول هذا التمييز الذي ترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء. # فصل: وأما قوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ~~والقاسية} فهي على بابها وهي لام الحكمة والتعليل أخبر الله سبحانه أنه جعل ~~ما ألقاه الشيطان في أمنية الرسول محنة واختبارا لعباده فافتتن به فريقان ~~وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وعلم المؤمنين أن القرآن والرسول ~~حق وأن إلقاء الشيطان باطل فآمنوا بذلك وأخبتت له قلوبهم فهذه غاية مطلوبة ~~مقصودة بهذا القضاء والقدر والله سبحانه جعل القلوب على ثلاثة أقسام مريضة ~~وقاسية ومخبتة وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافا ~~وإذعانا أو لا تكون كذلك فالأول حال القلوب القاسية الحجرية التي لا تقبل ~~ما يبث فيها ولا ينطبع فيها الحق ولا ترتسم فيها العلوم النافعة ولا تلين ~~لإعطاء الأعمال الصالحة وأما النوع الثاني فلا يخلوا إما أن يكون الحق ~~ثابتا فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه أو يكون ثابتا مع ضعف وانحلال والثاني ~~هو القلب المريض والأول هو الصحيح المخبت وهو جمع الصلابة والصفاء واللين ~~فيبصر الحق بصفائه ويشتد فيه بصلابته ويرحم الخلق بلينه كما في أثر مروي: ~~"القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله أصلبها وأرقها وأصفاها" كما قال ~~تعالى في أصحاب هذه القلوب: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} فهذا وصف منه ~~للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم واشتدوا على الكفار بصلابتها ~~وتراحموا فيما بينهم بلينها وذلك أن القلب عضو من أعضاء البدن وهو أشرف ~~أعضائه وملكها المطاع وكل عضو كاليد مثلا إما أن تكون جامدة ويابسة لا ~~تلتوي ولا تبطش أو تبطش بضعف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون مريضة ضعيفة ~~عاجزة ولضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة بقوة ولين فذلك ~~مثل القلب العليم الرحيم فبالعلم خرج عن المرض الذي ينشأ من الشهوة والشبهة ~~وبالرحمة خرج عن القسوة ولهذا وصف سبحانه من ms343 عدا أصحاب القلوب المريضة ~~والقاسية بالعلم والإيمان والإخبات فتأمل ظهور حكمته سبحانه في أصحاب هذه ~~القلوب وهم كل الأمة فأخبر أن الذين أوتوا العلم علموا أنه الحق من ربهم ~~كما أخبر أنهم في المتشابه يقولون آمنا به كل من عند ربنا وكلا الوصفين ~~موضع شبهة فكان حظهم منه الإيمان وحظ أرباب القلوب المنحرفة عن الصحة ~~الافتتان ولهذا جعل سبحانه أحكام آياته في مقابلة ما يلقي الشيطان بإزاء ~~الآيات المحكمات في مقابلة المتشابهات فالأحكام ههنا بمنزلة إنزال المحكمات ~~هناك ونسخ ما يلقي الشيطان ههنا في مقابلة رد المتشابه إلى المحكم هناك ~~والنسخ ههنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الرب سبحانه وللنسخ معنى ~~آخر هو النسخ من أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده ولا دل اللفظ عليه ~~وإن أوهمه كما أطلق الصحابة النسخ على قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء} قالوا نسختها قوله: {ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} الآية فهذا نسخ من الفهم لا نسخ للحكم الثابت ~~فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضا ولهذا عمهم ~~بالمحاسبة ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ففهم # PageV01P192 # المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق وسعها فرفع هذا المعنى ~~من فهمه بقوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} إلى آخرها فهذا رفع ~~لفهم غير المراد من إلقاء الملك وذاك رفع لما ألقاه غير الملك في أسماعهم ~~أو في التمني وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة والتابعين وهو ترك الظاهر إما ~~بتخصيص عام أو بتقييد مطلق وهذا كثير في كلامهم جدا وله معنى رابع وهو الذي ~~يعرفه المتأخرون وعليه اصطلحوا وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع ~~له فهذه أربعة معان للنسخ والإحكام له ثلاثة معان، أحدها: الإحكام الذي في ~~مقابلة المتشابه كقوله: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} ~~والثاني: الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان كقوله: {فينسخ الله ms344 ما ~~يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} وهذا الإحكام يعم جميع آياته وهو إثباتها ~~وتقريرها وبيانها ومنه قوله: {كتاب أحكمت آياته} ، الثالث: إحكام في مقابلة ~~الآيات المنسوخة كما يقوله السلف كثيرا هذه الآية محكمة غير منسوخة وذلك ~~لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في ~~أمنيته ما يلقيه المبلغ أو في سمع المبلغ فالحكم هنا هو المنزل من عند الله ~~أحكمه الله أي فصله من اشتباهه بغير المنزل وفصل منه ما ليس منه بإبطاله ~~وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره فلا ينسخ بعد ثبوته وتارة يكون في ~~معنى المنزل وتأويله وهو تمييز المعنى المقصود من غيره حتى لا يشتبه به ~~والمقصود أن قوله: {ليجعل ما يلقى ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض} هي لام التعليل على بابها وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف ~~القلوب الثلاثة فالقاسية والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر والمخبتة ظهر ~~خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه ~~وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء. # فصل: وأما اللام في قوله: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} ~~فلام التعليل على بابها فإنها مذكورة في بيان حكمته في جمع أوليائه وأعدائه ~~على غير ميعاد ونصرة أوليائه مع قلتهم ورقتهم وضعف عددهم وعدتهم على أصحاب ~~الشوكة والعدد والحد والحديد الذي لا يتوهم بشر أنهم ينصرون عليهم فكانت ~~تلك آية من أعظم آيات الرب سبحانه صدق بها رسوله وكتابه ليهلك بعدها من ~~اختار لنفسه الكفر والعناد عن بينة فلا يكون له على الله حجة ويحيي من حي ~~بالإيمان بالله ورسوله عن بينة فلا يبقى عنده شك ولا ريب وهذا من أعظم ~~الحكم ونظير هذا قوله: {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين} . # فصل: وأما اللام في قوله: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} ~~فهي على بابها للتعليل فإنها إن كانت تعليلا لفعل العدو وهو إيحاء بعضهم ~~إلى بعض ms345 فظاهر وعلى هذا فيكون عطفا على قوله: {غرورا} فإنه مفعول لأجله أي ~~ليغروهم بهذا الوحي ولتصغى إليه أفئدة من يلقى إليه فيرضاه ويعمل بموجبه ~~فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم من الإيحاء المذكور وهو أربعة أمور غرور من ~~يوحون إليه وإصغاء أفئدتهم إليهم ومحبتهم لذلك وانفعالهم عنده بالاقتراف ~~وإن كان ذلك تعليلا لجعله سبحانه لكل نبي عدوا فيكون هذا الحكم من جملة ~~الغايات والحكم المطلوبة بهذا الجعل وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها لأنها ~~مفضية إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه وفواتها يستلزم فوات ما هو ~~أحب إليه من حصولها وعلى التقديرين فاللام لام التعليل والحكمة. # PageV01P193 # فصل: النوع الثالث الإتيان بكي الصريحة في التعليل كقوله تعالى: {ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} فعلل سبحانه تسمية الفيء ~~بين هذه الأصناف كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء والأقوياء دون الضعفاء ~~وقوله سبحانه: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من ~~قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بما آتاكم} فأخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن ~~يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع وهو الأحسن ثم أخبر أن مصدر ~~ذلك قدرته عليه وأنه يسير عليه وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده ~~على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته ولا بد قد كتبت قبل ~~خلقهم هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه ولم يفرحوا بالحاصل لعلهم أن ~~المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل ~~خلقه ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته أو حصول مكروه أو ~~خوف حصوله نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله وعلى فوته ~~حيث لم يحصل ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل ~~وقوعها ms346 وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع وهذه هي أنواع المصائب فإذا تيقن ~~العبد أنها مكتوبة مقدرة وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ~~ليصيبه هانت عليه وخف حملها وأنزلها منزلة الحر والبرد. # فصل: النوع الرابع ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلل به كقوله: ~~{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة} ونصب ذلك على المفعول له ~~أحسن من غيره كما صرح به في قوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} وفي قوله: ~~{ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} فإتمام النعمة هو الرحمة وقوله: {وما ~~أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين} وقوله: {ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر} أي لأجل الذكر كما قال: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} ~~وقوله فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا أي للإعذار والإنذار وقوله: {ثم آتينا ~~موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ~~ربهم يؤمنون} فهذا كله مفعول لأجله وقوله: {أنا صببنا الماء صبا} إلى قوله: ~~{متاعا لكم ولأنعامكم} والمتاع واقع موقع التمتيع كما يقع السلام موقع ~~التسليم والعطاء موضع الإعطاء وأما قوله: {ريكم البرق خوفا وطمعا} فيحتمل ~~أن يكون من ذلك أي إخافة لكم وإطماعا وهو أحسن ويحتمل أن يكون معمول فعل ~~محذوف أي فيرونهما خوفا وطمعا فيكونان حالا وقوله: {أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم كيف بنيناها} إلى قوله: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} أي لأجل التبصرة ~~والذكرى والفرق بينهما أن التبصرة توجب العلم والمعرفة والذكرى توجب ~~الإنابة والانقياد وبهما تتم الهداية. # فصل: النوع الخامس الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلا لما قبله ~~كقوله: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} وقوله أن: {تقول ~~نفس يا حسرتى} وقوله: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} ونظائره وفي ~~ذلك طريقان أحدهما للكوفيين والمعنى لئلا تقولوا ولئلا تقول نفس والثاني ~~للبصريين أن المفعول له محذوف أي كراهة أن تقولوا أو حذار أن تقولوا فإن ~~قيل كيف يستقيم الطريقان في قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ms347 ~~الأخرى} فإنك إن # PageV01P194 # قدرت لئلا تضل إحداهما لم يستقم العطف فتذكر إحداهما عليه وأن قدرت حذار ~~أن تضل إحداهما لم يستقم العطف أيضا وإن قدرت إرادة أن تضل لم تصح أيضا، ~~قيل هذا من الكلام الذي ظهور معناه مزيل للإشكال فإن المقصود إذكار إحداهما ~~الأخرى إذا ضلت ونسيت فلما كان الضلال سببا للإذكار جعل موضع العلة كما ~~تقول أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها فإنما أعددتها للدعم لا ~~للميل وأعددت هذا الدواء أن أمرض فأتداوى به ونحوه وهذا قول سيبويه ~~والبصريين قال أهل الكوفة تقديره كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت فلما تقدم ~~الجزاء اتصل بما قبله ففتحت أن قال الفراء ومثله قوله ليعجبني أن يسأل ~~السائل فيعطي معناه ليعجبني أن يعطي السائل إن سأل لأنه إنما يعجبه الإعطاء ~~لا السؤال من ذلك قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين ألست بربكم قالوا بل شهدنا أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا ~~من قبل وكنا ذرية من بعدهم} فذكر سبحانه من حكم أخذ الميثاق عليهم أن لا ~~يحتجوا يوم القيامة بغفلتهم عن هذا الأمر ولا بتقليد الأسلاف ومنه قوله: ~~{وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت} فالضمير في به للقرآن وأن تبسل في محل نصب ~~على أنه مفعول له أي حذار أن تسلم نفس إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء ~~عملها. # فصل: النوع السادس ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من أجل كقوله: {من أجل ~~ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا} وقد ظنت طائفة أن قوله من أجل ذلك تعليل لقوله ~~فأصبح من النادمين أي من أجل قتله لأخيه وهذا ليس بشيء لأنه يشوش صحة النظم ~~وتقل الفائدة بذكره ويذهب شأن التعليل بذلك للكتابة المذكورة وتعظيم شأن ~~القتل حين جعل علة لهذا الكتابة فتأمله، فإن قلت ms348 كيف يكون قتل أحد بني آدم ~~للآخر علة لحكمه على أمة أخرى بذلك الحكم وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس ~~واحدة بمنزلة قاتل الناس كلهم، قلت الرب سبحانه يجعل أقضيته وأقداره عللا ~~وأسبابا لشرعة وأمره فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمه الديني الأمري وذلك ~~أن القتل عنده لما كان من أعلى أنواع الظلم والفساد فخم أمره وعظم شأنه ~~وجعل إثمه أعظم من إثم غيره ونزل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس ~~كلها ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه بمنزلة المشبه به من كل الوجوه ~~فإذا كان قاتل الأنفس كلها يصلى النار وقاتل النفس الواحدة يصلاها صح ~~تشبيهه به كما يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر ومن شرب عدة قناطير وإن ~~اختلف مقدار الإثم وكذلك من زنى مرة واحدة وآخر زنى مرارا كثيرة كلاهما آثم ~~وإن اختلف قدر الإثم وهذا معنى قول مجاهد: "من قتل نفسا واحدة يصلى النار ~~بقتلها كما يصلاها من قتل الناس جميعا} وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا ~~في وصفه وإن شئت قلت التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها فإنه لا يختلف ~~بقلة القتل وكثرته كما لو شرب قطرة فإن حده حد من شرب راوية ومن زنى بامرأة ~~واحدة حده حد من زنى بألف وهذا تأويل الحسن وابن زيد قالا: "يجب عليه من ~~القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا" ولك أن تجعل التشبيه ~~في الأذى والغم الواصل إلى المؤمنين بقتل الواحد منهم فقد جعلهم كلهم ~~خصماءه وأوصل إليهم من الأذى والغم ما يشبه القتل وهذا تأويل ابن الأنباري ~~وفي الآية تأويلات أخر. # PageV01P195 # فصل: النوع السابع التعليل بلعل وهي في كلام الله سبحانه وتعالى للتعليل ~~مجردة عن معنى الترجي فإنها إنما يقارنها معنى الترجي إذا كانت من المخلوق ~~وأما في حق من لا يصح عليه الترجي فهي للتعليل المحض كقوله: {اعبدوا ربكم ~~الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} فقيل هو تعليل لقوله أعبدوا ربكم ~~وقيل تعليل لقوله خلقكم والصواب ms349 أنه تعليل للأمرين لشرعه وخلقه ومنه قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون} وقوله: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} وقوله: {لعلكم ~~تذكرون} : {لعله يتذكر أو يخشى} فلعل في هذا كله قد أخلصت للتعليل والرجاء ~~الذي فيها متعلق بالمخاطبين. # فصل: النوع الثامن ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له وتارة ~~يذكر بأن وتارة يقرن بالفاء وتارة يذكر مجردا فالأول كقوله: {وزكريا إذ ~~نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا ~~لنا خاشعين} وقوله: {إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين} وقوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين} وقوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين} والثاني كقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء ~~بما كسبا} : {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} : {والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} والثالث ~~كقوله: {إن المتقين في جنات وعيون} : {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم} وهذا في التنزيل يزيد على ~~عدة آلاف موضع بل القرآن مملوء منه فإن قيل هذا إنما يفيد كون تلك الأفعال ~~أسبابا لما رتب عليها لا يقتضي إثبات التعليل في فعل الرب وأمره فأين هذا ~~من هذا قيل لما جعل الرب سبحانه هذه الأوصاف عللا لهذه الأحكام وأسبابا لها ~~دل ذلك على أنه حكم بها شرعا وقدرا لأجل تلك الأوصاف وأنه لم يحكم بها لغير ~~علة ولا حكمة ولهذا كان كل من نفى التعليل والحكم نفى الأسباب ولم يجعل ~~لحكم الرب الكوني والديني سببا ولا حكمة هي العلة الغائية وهؤلاء ينفون ~~الأسباب والحكم ومن تأمل شرع الرب وقدره وجزاءه جزم جزما ضروريا ببطلان قول ~~النفاة والله سبحانه قد رتب الأحكام على أسبابها وعللها وبين ذلك خبرا وحسا ms350 ~~وفطرة وعقلا ولو ذكرنا ذلك على التفصيل لقام منه عدة أسفار. # فصل: النوع التاسع تعليله سبحانه عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع ~~منه كقوله: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة} {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل ~~بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير} وقوله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ~~أن كذب بها الأولون} أي آيات الاقتراح لا الآيات الدالة على صدق الرسل التي ~~يقيمها هو سبحانه ابتداء وقوله: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته أأعجمي وعربي} وقوله: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون} فأخبر سبحانه عن المانع الذي منع من إنزال الملك عيانا بحيث ~~يشاهدونه وأن حكمته وعنايته بخلقه منعت من ذلك فإنه لو أنزل الملك ثم ~~عاينوه ولم يؤمنوا لعوجلوا # PageV01P196 # بالعقوبة ولم ينظروا وأيضا فإنه جعل الرسول بشرا ليمكنهم التلقي عنه ~~والرجوع إليه ولو جعله ملكا فإما أن يدعه على هيئة الملائكة أو يجعله على ~~هيئة البشر والأول يمنعهم من التلقي عنه والثاني لا يحصل مقصودهم إذ كانوا ~~يقولون هو بشر لا ملك وقال تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ~~مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} فأخبر سبحانه عن المانع من ~~إنزال الملائكة وهو أنه لم يجعل الأرض مسكنا لهم ولا يستقرون فيها مطمئنين ~~بل يكون نزولهم لينفذوا أوامر الرب سبحانه ثم يعرجون إليه ومن هذا قوله: ~~{وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} فأخبر سبحانه عن حكمته ~~في الامتناع من إرسال رسله بآيات الاقتراح والتشهي وهي أنها لا توجب ~~الإيمان فقد سألها الأولون فلما أوتوها كذبوا بها فأهلكوا فليس لهم مصلحة ~~في الإرسال بها بل حكمته سبحانه تأبى ذلك كل الإباء ثم نبه على ما أصاب ms351 ~~ثمود من ذلك فإنهم اقترحوا الناقة فلما أعطوا ما سألوا ظلموا ولم يؤمنوا ~~فكان في إجابتهم إلى ما سألوا هلاكهم واستئصالهم ثم قال: {وما نرسل بالآيات ~~إلا تخويفا} أي لأجل التخويف فهو منصوب نصب المفعول لأجله قال قتادة: "إن ~~الله يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعتبون أو يذكرون أو يرجعون" وهذا ~~يعم آياته التي تكون مع الرسل والتي تقع بعدهم في كل زمان فإنه سبحانه لا ~~يزال يحدث لعباده من الآيات ما يخوفهم بها ويذكرهم بها ومن ذلك قوله تعالى: ~~{وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون} أي لا يعلمون حكمته تعالى ومصلحة عباده في الامتناع من ~~إنزال الآيات التي يقترحها الناس على الأنبياء وليس المراد أن أكثر الناس ~~لا يعلمون أن الله قادر فإنه لم ينازع في قدرة الله أحد من المقرين بوجوده ~~سبحانه ولكن حكمته في ذلك لا يعلمها أكثر الناس. # فصل: النوع العاشر إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره ~~كقوله: {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم} وقوله: {ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا ~~وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار ~~معاشا} إلى قوله: {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا ~~وجنات ألفافا} وقوله: {ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها ~~رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا} وقوله: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ~~وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ~~ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم} وقوله: {فلينظر الإنسان فلينظر الأنسان إلى طعامه} إلى قوله: {متاعا ~~لكم ولأنعامكم} وقوله: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها} وقوله: {الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء ms352 فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم ~~الأنهار} وقوله: {الله الذي سخر البحر لتجري الله الذي سخر لكم البحر لتجري ~~الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} إلى أضعاف أضعاف ذلك في ~~القرآن مما يفيد من له أدنى تأمل القطع بأنه سبحانه فعل ذلك للحكم والمصالح ~~التي ذكرها وغيرها مما لم يذكره وقوله: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من ~~الجبال # PageV01P197 # بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا ~~يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون} وقوله: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها ~~منافع كثيرة ومنها تأكلون} وقوله: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ~~ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد ~~لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} فهل يستقيم ذلك ويصح فيمن لا ~~يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لغاية هي مقصودة بالفعل ومعلوم بالضرورة أن هذا ~~الإثبات وهذا النفي متقابلان أعظم التقابل. # فصل: النوع الحادي عشر إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ~~ولا لحكمة كقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} وقوله: {أيحسب الأنسان أن ~~يترك سدى} وقوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما ~~خلقناهما إلا بالحق} والحق هو الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق ذلك ~~كله وهو أنواع كثيرة منها أن يعرف الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله ~~وآياته ومنها أن يحب ويعبد ويشكر ويذكر ويطاع ومنها أن يأمر وينهى ويشرع ~~الشرائع ومنها أن يدبر الأمر ويبرم القضاء ويتصرف في المملكة بأنواع ~~التصرفات ومنها أن يثيب ويعاقب فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ~~فيوجد أثر عدله وفضله موجودا مشهودا فيحمد على ذلك ويشكر ومنها أن يعلم ~~خلقه أنه لا إله غيره ولا رب سواه ومنها أن يصدق الصادق فيكرمه ويكذب ms353 ~~الكاذب فيهينه ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود ~~الذهني والخارجي فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع ومنها شهادة ~~مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها وأنه وحده إلهها ومعبودها ~~ومنها ظهور أثر كماله المقدس فإن الخلق والصنع لازم كماله فإنه حي قدير ومن ~~كان ذلك كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا ومنها أن يظهر أثر حكمته في ~~المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق به ومحبته على الوجه الذي تشهد ~~العقول والفطر بحسنه فتشهد حكمته الباهرة ومنها أنه سبحانه يحب أن يجود ~~وينعم ويعفو ويغفر ويسامح ولا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا ومنها أنه يحب أن ~~يثنى عليه ويمدح ويمجد ويسبح ويعظم ومنها كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته ~~وإلهيته إلى غير ذلك من الحكم التي تضمنها الخلق فخلق مخلوقاته بسبب الحق ~~ولأجل الحق وخلقها ملتبس بالحق وهو في نفسه حق فمصدره حق وغايته حق وهو ~~يتضمن للحق وقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ~~ولا لغاية فقال تعالى: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا سبحانك} وأخبر أن هذا ظن أعدائه لا ظن أوليائه فقال: {وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا} وكيف يتوهم أنه عرفه ~~من يقول أنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له ولا أمر لحكمة ولا نهى لحكمة وإنما ~~يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة لا لحكمة ولا لغاية مقصودة وهل هذا ~~إلا إنكار لحقيقة حمده بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات فهما ~~مظهران بحمده وحكمته فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره فإن الذي أثبته ~~المنكرون من ذلك ينزه عنه الرب ويتعالى عن نسبته إليه فإنهم أثبتوا خلقا ~~وأمرا لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر بما لا ~~مصلحة للمكلف فيه البتة وينهى عما فيه مصلحة والجميع بالنسبة إليه سواء ~~ويجوز # PageV01P198 # عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه وينهى عن ms354 جميع ما أمر به ولا فرق بين هذا ~~وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي ويجوز عندهم أن يعذب من لم يعصه طرفة عين بل ~~أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره وينعم على من لم يطعه طرفة عين بل أفنى ~~عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه ~~إلا بخبر الرسول وإلا فهو جائز عليه وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب سبحانه ~~وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله ~~عنه والعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه ~~من صفات الكمال ونعوت الجلال ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه ولا ينزهونه ~~عن هذا الظلم والجور ويزعمون أنه عدل وحق وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به ~~كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه وعلوه فوق سماواته وتكلمه وتكليمه ~~وصفات كماله فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات ~~والله ولي التوفيق. # فصل: النوع الثاني عشر إنكاره سبحانه أن يسوى بين المختلفين أو يفرق بين ~~المتماثلين وأن حكمته وعدله يأبى ذلك أما الأول فكقوله: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} فأخبر أن هذا حكم باطل جائر يستحيل نسبته ~~إليه كما يستحيل نسبة الفقر والحاجة والظلم إليه ومنكرو الحكمة والتعليل ~~يجوزون نسبة ذلك إليه بل يقولون بوقوعه وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال: {أم ~~حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} فجعل سبحانه ذلك حكما سيئا يتعالى ويتقدس عن ~~أن يجوز عليه فضلا عن أن ينسب إليه بل أبلغ من هذا أنه أنكر على من حسب أن ~~يدخل الجنة بغير امتحان له وتكليف يبين به صبره وشكره وأن حكمته تأبى ذلك ~~كما قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم ويعلم الصابرين} وقال: {أم حسبتم أن تدخلوا ms355 الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} وقال: {أم حسبتم أن ~~تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ~~ولا المؤمنين وليجة} فأنكر عليهم هذا الظن والحسبان لمخالفته بحكمته وأما ~~الثاني وهو أن لا يفرق بين المتماثلين فكقوله: {ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا} وقوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} وقوله: ~~{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} وقوله: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع ~~عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} وقوله: {ولما بلغ أشده آتيناه ~~حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين} وقوله: {أكفاركم خير من أولئكم} وقوله: ~~{دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} وقوله: {سنة من قد أرسلنا قبلك من ~~رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا} وقوله: {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا} وقوله: {سنة الله التي قد خلت من قبل} فسنته سبحانه ~~عادته المعلومة في أوليائه وأعدائه بإكرام هؤلاء وإعزازهم ونصرتهم وإهانة ~~أولئك وإذلالهم وكبتهم وقال تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما ~~كبت الذين من قبلهم} والقرآن مملوء من هذا يخبر تعالى أن حكم الشيء في ~~حكمته وعدله حكم نظيره ومماثله وضد حكم مضاده ومخالفه وكل نوع من هذه # PageV01P199 # الأنواع لو استوعبناه لجاء كتابا مفردا. # فصل: النوع الثالث عشر أمره سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه وفي أوامره ~~ونواهيه وزواجره ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة ~~والعواقب الحميدة التي هي محل الفكر لما كان للتفكير فيه معنى وإنما دعاهم ~~إلى التفكر والتدبر ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة وما فيه من الغايات ~~والمصالح المحمودة التي توجب لمن عرفها إقراره بأنه تنزيل من حكيم حميد فلو ~~كان الحق ما يقوله النفاة وأن مرجع ذلك وتصوره مجرد القدرة والمشيئة التي ~~يجوز عليها تأييد الكاذب بالمعجزة ونصره وإعلائه وإهانة الحق وإذلاله وكسره ~~لما كان في التدبر والتفكر مما يدلهم على صدق ms356 رسله ويقيم عليهم حجته وكان ~~غاية ما دعوا إليه القدر المحض وذلك مشترك بين الصادق والكاذب والبر ~~والفاجر فهؤلاء بإنكارهم الحكمة والتعليل سدوا على نفوسهم باب الإيمان ~~والهدى وفتحوا عليهم باب المكابرة وجحد الضروريات فإن ما في خلق الله وأمره ~~من الحكم والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمر تشهد به ~~الفطرة والعقول ولا ينكره سليم الفطرة وهم لا ينكرون ذلك وإنما يقولون وقع ~~بطريق الاتفاق لا بالقصد كما تسقط خشبة عظيمة فيتفق عبور حيوان مؤذ تحتها ~~فتهلكه ولا ريب أن هذا ينفي حمد الرب سبحانه على حصول هذه المنافع والحكم ~~لأنها لم تحصل بقصده وإرادته بل بطريق الاتفاق الذي لا يحمد عليه صاحبه ولا ~~يثنى عليه بل هو عندهم بمثابة ما لو رمى رجل درهما لا لغرض ولا لفائدة بل ~~لمجرد قدرته ومشيئته على طرحه فاتفق أن وقع في يد محتاج انتفع به فهذا من ~~شأنه الحكم والمصالح عند المنكرين. # فصل: النوع الرابع عشر إخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه فيذكر ~~هذين الاسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه تنبيها على أنهما إنما صدرا عن حكمة ~~مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام لقوله: {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم ~~عليم} وقوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} فذكره العزة المتضمنة ~~لكمال القدرة والتصرف والحكمة المتضمنة لكمال الحمد والعلم وقوله: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} ~~وسمع بعض الأعراب قارئا يقرأها والله غفور رحيم فقال ليس هذا كلام الله ~~فقال أتكذب بالقرآن فقال لا ولكن لا يحسن هذا فرجع القارئ إلى خطئه فقال ~~عزيز حكيم فقال صدقت وإذا تأملت ختم الآيات بالأسماء والصفات وجدت كلامه ~~مختتما بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام حتى كأنها ذكرت دليلا عليه ~~وموجبة له وهذا كقوله: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم} أي فإن مغفرتك لهم مصدر عن عزة هي كمال القدرة لا عن عجز ~~وجهل وقوله: {ذلك تقدير العزيز العليم} في عدة ms357 مواضع من القرآن يذكر ذلك ~~عقيب ذكره الإجرام العلوية وما تضمنه من فلق الإصباح وجعل الليل مسكنا ~~وإجراء الشمس والقمر بحساب لا يعدوانه وتزيين السماء الدنيا بالنجوم ~~وحراستها وأخبر أن هذا التقدير المحكم المتقن صادر عن عزته وعلمه ليس أمرا ~~اتفاقيا لا يمدح به فاعله ولا يثنى عليه به كسائر الأمور الاتفاقية ومن هذا ~~ختمه سبحانه قصص الأنبياء وأممهم في سورة الشعراء عقيب كل قصة: {وإن الله ~~لهو العزيز الحكيم} فإن ما حكم به لرسله وأتباعهم ولأعدائهم صادر عن عزة ~~ورحمة فوضع الرحمة في محلها وانتقم من أعدائه بعزته ونجى رسله وأتباعهم ~~برحمته والحكمة # PageV01P200 # الحاصلة من ذلك أمر مطلوب مقصود وهي غاية الفعل لا أنها أمر اتفاقي. # فصل: النوع الخامس عشر إخباره بأن حكمه أحسن الأحكام وتقديره أحسن ~~التقادير ولولا مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك إذ ~~لو كان حسنه لكونه مقدورا معلوما كما يقوله النفاة لكان هو وضده سواء فإنه ~~بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فكان كل معلوم مقدور أحسن الأحكام وأحسن ~~التقادير وهذا ممتنع قال تعالى: {ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} ~~وقال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله} فجعل هذا أن يختار لهم دينا سواه ~~ويرتضي دينا غيره كما يمتنع عليه العيب والظلم وقال تعالى: {من أحسن قولا ~~ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} وقال: {وقال إنني من المسلمين} وقال: {فقدرنا ~~فنعم القادرون} وقال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} فلا أحسن من تقديره ~~وخلقه لوقوعه على الوجه الذي اقتضته حكمته ورحمته وعلمه وقال تعالى: {ما ~~ترى في خلق الرحمن من تفاوت} ولولا مجيئه على أكمل الوجوه وأحسنها ~~ومطابقتها للغايات المحمودة والحكم المطلوبة لكان كله متفاوتا أو كان عدم ~~تفاوته أمرا اتفاقيا لا يحمد فاعله لأنه لم يرده ولم يقصده وإنما اتفق أن ~~صار كذلك. # فصل: النوع السادس عشر إخباره سبحانه أنه على صراط مستقيم في موضعين من ~~كتابه أحدهما قوله حاكيا عن نبيه هود: {إني توكلت على الله ربي وربكم ما ms358 من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} والثاني قوله: {وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه ~~لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} قال أبو ~~إسحاق: "أخبر أنه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فهو لا يشاء إلا العدل" ~~قال ابن الأنباري: "لما قال إلا هو آخذ بناصيتها كان في معنى لا تخرج عن ~~قبضته" قاهر بعظيم سلطانه كل دابة فأتبع ذلك قوله: {إن ربي على صراط ~~مستقيم} أي أنه على الحق قال وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا رجلا حين ~~السيرة والعدل والإنصاف قالوا فلان طريقه حسنة وليس ثم طريق وذكر في معنى ~~الآية أقوال أخر هي من لوازم هذا المعنى وآثاره كقول بعضهم إن ربي يدل على ~~صراط مستقيم فدلالته على الصراط من موجبات كونه في نفسه على صراط مستقيم ~~فإن تلك الدلالة والتعريف من تمام رحمته وإحسانه وعدله وحكمته وقال بعضهم ~~معناه لا يخفى عليه شيء ولا يعدل عنه هارب وقال بعضهم المعنى لا مسلك لأحد ~~ولا طريق له إلا عليه كقوله: {إن ربك لبالمرصاد} وهذا المعنى حق ولكن كونه ~~هو المراد بالآية ليس بالبين فإن الناس كلهم لا يسلكون الصراط المستقيم حتى ~~يقال أنهم يصلون سلوكه إليه ولما أراد سبحانه هذا المعنى قال: {إلينا ~~مرجعهم} : {إن إلينا إيابهم} : {إن ربك لبالمرصاد} : {وأن إلى ربك المنتهى} ~~وأما وصفه سبحانه بأنه على صراط مستقيم فهو كونه يقول الحق ويفعل الصواب ~~فكلماته صدق وعدل كله صواب وخير والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فلا يقول ~~إلا ما يحمد عليه لكونه حقا وعدلا وصدقا وحكمة في نفسه وهذا معروف في كلام ~~للعرب قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: # أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم # وإذا عرف هذا فمن ضرورة كونه على صراط مستقيم أنه لا يفعل شيئا إلا بحكمة ~~يحمد عليها وغاية هي # PageV01P201 # أولى بالإرادة من غيرها فلا ms359 تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والإحسان ~~والرحمة والعدل والصواب كما لا تخرج أقواله عن العدل والصدق. # فصل: النوع السابع عشر حمده سبحانه لنفسه على جميع ما يفعله وأمره عباده ~~بحمده وهذا لما في أفعاله من الغايات والعواقب الحميدة التي يستحق فاعلها ~~الحمد فهو يحمد على نفس الفعل وعلى قصد الغاية الحميدة به وعلى حصولها ~~فههنا ثلاث أمور ومنكرو الحكم والتعليل ليس عندهم محمود على قصد الغاية ولا ~~على حصولها إذ قصدها عندهم مستحيل عليه وحصولها عندهم أمر اتفاقي غير مقصود ~~كما صرحوا به فلا يحمد على ما لا يجوز قصده ولا على حصوله فلم يبق إلا نفس ~~الفعل ومعلوم أن الفاعل لا يحمد على فعله إن لم يكن له فيه غاية مطلوبة هي ~~أولى به من عدمها وإلا فمجرد الفعل الصادر عن الفاعل إذا لم يكن له غاية ~~يقصده بها لا يحمد عليه بل وقوع هذا الفعل من القادر المختار الحكيم محال ~~ولا يقع الفعل على هذا الوجه إلا من عائب والله منزه من العيب فحمده سبحانه ~~من أعظم الأدلة على كمال حكمته وقصده بما فعل يقع خلفه والإحسان إليهم ~~ورحمتهم وإتمام نعمته عليهم وغير ذلك من الحكم والغايات التي تعطيلها تعطيل ~~لحقيقة حمده. # فصل: النوع الثامن عشر إخباره بإنعامه على خلقه وإحسانه إليهم وأنه خلق ~~لهم ما في السماوات وما في الأرض وأعطاهم الأسماع والأبصار والأفئدة ليتم ~~نعمته عليهم ومعلوم أن المنعم المحسن لا يكون كذلك ولا يستحق هذا الاسم حتى ~~يقصد الإنعام على غيره والإحسان إليه فلو لم يفعل سبحانه لغرض الإنعام ~~والإحسان لم يكن منعما في الحقيقة ولا محسنا إذ يستحيل أن يكون كذلك من لم ~~يقصد الإنعام والإحسان وهذا غني عن التقرير يوضحه أنه سبحانه حيث ذكر ~~إنعامه وإحسانه فإنما يذكره مقرونا بالحكم والمصالح والمنافع التي خلق ~~الخلق وشرع الشرائع لأجلها كقوله في آخر سورة النحل: {والله جعل لكم مما ~~خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل ~~تقيكم بأسكم كذلك ms360 يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} فهذا في الخلق وقال في ~~الشرع في أمره باستقبال الكعبة: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ~~منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} وقال في أمره ~~بالوضوء والتيمم: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} فجعل تمام نعمته في أن خلق ما خلق للإحسان ~~وأمر بما أمر لذلك. # فصل: النوع التاسع عشر اتصافه بالرحمة وأنه أرحم الراحمين وأن رحمته وسعت ~~كل شيء وذلك لا يتحقق إلا بأن تقصد رحمة خلقه بما خلقه لهم وبما أمرهم به ~~فلو لم تكن أوامره لأجل الرحمة والحكمة والمصلحة وإرادة الإحسان إليهم لما ~~كان رحمة ولو حصلت بها الرحمة لكانت اتفاقية لا مقصودة وذلك لا يوجب أن ~~يكون الآمر سبحانه أرحم الراحمين فتعطيل حكمته والغاية المقصودة التي ~~لأجلها يفعل إنكار لرحمته في الحقيقة وتعطيل لها وكان شيخ هذا المذهب جهم ~~بن صفوان يقف على الجذامى ويشاهد ما هم فيه من البلايا ويقول أرحم الراحمين ~~يفعل مثل هذا يعني أنه ليس ثم رحمة في الحقيقة وأن الأمر راجع إلى محض ~~المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة ولا حكمة # PageV01P202 # عنده ولا رحمة فإن الرحمة لا تعقل إلا من فعل من يفعل الشيء لرحمة غيره ~~ونفعه والإحسان إليه فإذا لم يفعل لغرض ولا غاية ولا حكمة لم يفعل الرحمة ~~والإحسان. # فصل: النوع العشرون جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في ~~أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه وإن كان السائل لا يعلمها كما أجاب ~~الملائكة لما قال لهم: {إني جاعل في الأرض خليفة} فقالوا: {تجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} فأجابهم بقوله: {إني ~~أعلم ما لا تعلمون} ولو كان فعله مجردا عن الحكم والغايات والمصالح لكان ~~الملائكة أعلم به أن سألوا هذا السؤال ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم مالا ~~يعلمونه من ms361 الحكم والمصلحة التي في خلق هذه الخليفة ولهذا كان سؤالهم إنما ~~وقع عن وجه الحكمة لم يكن اعتراضا على الرب تعالى ولو قدر أنه على وجه ~~الاعتراض فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئا إلا لحكمة فلما رأوا أن خلق ~~هذا الخليفة مناف للحكمة في الظاهر سألوه عن ذلك ومن هذا قوله تعالى: {وإذا ~~جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته} فأجابهم بأن حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها ~~وعند غير أهلها ولو كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم يكن في هذا جوابا ~~بل كان الجواب أن أفعاله لا تعلل وهو يرجح مثلا على مثل بغير مرجح والأمر ~~عائد إلى مجرد القدرة كما يقوله المنكرون وكذلك قوله: {وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} ~~فلما سألوا عن التخصيص بمشيئة الله وأنكروا ذلك أجيبوا بأن الله أعلم بمن ~~يصلح لمشيئته وهو أهل لها وهم الشاكرون الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون ~~عليها المنعم فهؤلاء يصلحون بمشيئته ولو كان الأمر عائدا إلى محض المشيئة ~~لم يحسن هذا الجواب ولهذا يذكر سبحانه صفة العلم حيث يذكر التخصيص والتفصيل ~~بينهما على أنه إنما حصل بعلمه سبحانه بما في التخصيص المفصل مما يقتضي ~~تخصيصه وتفصيله وهو الذي جعله أهلا لذلك كما قال تعالى: {ولسليمان الريح ~~عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين} فذكر ~~علمه عقيب تخصيصه سليمان بتسخير الريح له وتخصيصه الأرض المذكورة بالبركة ~~ومنه قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم} فذكر صفة العلم التي اقتضت تخصيص هذا المكان وهذا ~~الزمان بأمر اختصا به دون سائر الأمكنة والأزمنة ومن ذلك قوله سبحانه: ~~{أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق ~~بها وأهلها ms362 وكان الله بكل شيء عليما} فأخبر أنه وضع هذه الكلمة عند أهلها ~~ومن هم أحق بها وأنه أعلم بمن يستحقها من غيرهم فهل هذا وصف من يخص بمحض ~~المشيئة لا بسبب وغاية. # فصل: النوع الحادي والعشرون إخباره سبحانه عن تركه بعض مقدوره لما ~~يستلزمه من المفسدة وأن المصلحة في تركه ولو كان الأمر راجعا إلى محض ~~المشيئة لم يكن ذلك علة للحكم كقوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم ~~البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون} فعلل سبحانه عدم إسماعهم السماع الذي ينتفعون بهو وهو سماع ~~الفهم بأنهم لا خير فيهم يحسن معه أن يسمعهم وبأن فيهم مانعا آخر يمنع من ~~الانتفاع بالمسموع لو سمعوه وهو الكبر # PageV01P203 # والإعراض فالأول من باب تعليل عدم الحكم بعدم ما يقتضيه والثاني من باب ~~تعليله بوجود مانعه وهذا إنما يصح ممن يأمر وينهى ويفعل للحكم والمصالح ~~وأما من يجرد فعله عن ذلك فإنه لا يضاف عدم الحكم إلا إلى مجرد مسببه فقط ~~ومن هذا تنزيه نفسه عن كثير مما يقدر عليه فلا يفعله لمنافاته لحكمته وحمده ~~كقوله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب} وقوله: {وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} وقوله: {وما كان الله ليضل ~~قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} وقوله: ~~{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} وقوله: {ما كان ربك مهلك ~~القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا ~~وأهلها ظالمون} فنزه نفسه عن هذه الأفعال لأنه لا يليق بكماله وينافي حكمته ~~وحمده وعند النفاة أنها ليست مما ينزه الرب عنه لأنها مقدورة له وهو إنما ~~ينزه عما لا يقدر عليه ولكن علمنا أنها لا تقع لعدم مسببه لها لا لقبحها في ~~نفسها. # فصل: النوع الثاني ms363 والعشرون أن تعطيل الحكمة والغاية المطلوبة بالفعل إما ~~أن يكون لعدم علم الفاعل بها أو تفاصلها وهذا محال في حق من هو بكل شيء ~~عليم وإما لعجزه عن تحصيلها وهذا ممتنع في حق من هو على كل شيء قدير وإما ~~لعدم إرادته ومشيئته الإحسان إلى غيره وإيصال النفع إليه وهذا مستحيل في حق ~~أرحم الراحمين ومن إحسانه من لوازم ذاته فلا يكون إلا محسنا منعما منانا ~~وإما لمانع يمنع من إرادتها وقصدها وهذا مستحيل في حق من لا يمنعه مانع عن ~~فعل ما يريد وإما لاستلزامها نقصا ومنافاتها كمالا وهذا باطل بل هو قلب ~~للحقائق وعكس للفطر ومناقضة لقضايا العقول فإن من يفعل لحكمة وغاية مطلوبة ~~يحمد عليها أكمل ممن يفعل لا لشيء البتة كما أن من يخلق أكمل ممن لا يخلق ~~ومن يعلم أكمل ممن لا يعلم ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ومن يقدر ويريد ~~أكمل ممن لا يتصف بذلك وهذا مركوز في الفطر مستقر في العقول فنفي حكمته ~~بمنزلة نفي هذه الأوصاف عنه وذلك يستلزم وصفه بأضدادها وهي أنقص النقائص ~~ولهذا صرح كثير من النفاة كالجويني والرازي بأنه لم يقم على نفي النقائض عن ~~الله دليل عقلي إلا مستند النفي السمع والإجماع وحينئذ فيقال لهؤلاء إن لم ~~يكن في إثبات الحكمة نقص لم يجز نفيها وإن كانت نقصا فأين في السمع أو في ~~الإجماع نفي هذا النقص وجمهور الأمة يثبت حكمته سبحانه والغايات المحمودة ~~في أفعاله فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع بل السمع والعقل والإجماع ~~والفطرة تشهد ببطلان قولهم والله الموفق للصواب وجماع ذلك أن كمال الرب ~~تعالى وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق ~~أسمائه الحسنى تمنع كون أفعاله صادرة منه لا لحكمة ولا لغاية مطلوبة وجميع ~~أسمائه الحسنى تنفي ذلك وتشهد ببطلانه وإنما نبهنا على بعض طرق القرآن وإلا ~~فالأدلة التي تضمنها إثبات ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وبالله التوفيق. # فصل: وكيف يتوهم ذو الفطرة صحيحة خلاف ذلك وهذا الوجود ms364 شاهد بحكمته ~~وعنايته بخلقه أتم عناية وما في مخلوقاته من الحكم والمصالح والمنافع ~~والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف أو يحصره عقل ~~ويكفي الإنسان فكره وخلقه وأعضائه ومنافعها وقواه وصفاته وهيأته فإنه لو ~~استنفد عمره لم يحط علما بجميع ما تضمنه خلقه من الحكم والمنافع على ~~التفصيل والعالم كله علويه وسفليه بهذه المثابة ولكن لشدة ظهور الحكمة ~~ووضوحها وجد الجاحد # PageV01P204 # السبيل إلى إنكارها وهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة كما أنكرت وجود ~~الصانع تعالى مع فرط ظهور آياته ودلائل ربوبيته بحيث استوعبت كل موجود ومع ~~هذا فسمحت بالمكابرة في إنكاره وهكذا أدلة علوه سبحانه فوق مخلوقاته مع شدة ~~ظهورها وكرتها سمحت نفوس الجهمية بإنكارها وهكذا سواها كصدق أنبيائه ورسله ~~ولا سيما خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه فإن أدلة صدقه في الوضوح للعقول ~~كالشمس في دلالتها على النهار ومع هذا فلم يأنف الجاحدون والمكابرون من ~~الإنكار وهكذا أدلة ثبوت صفات الكمال لمعطي الكمال هي من أظهر الأشياء ~~وأوضحها وقد أنكرها من أنكرها ولا يستنكر هذا فإنك تجد الرجل منغمسا في ~~النعم وقد أحاطت به من كل جانب وهو يشكي حاله ويسخط مما هو فيه وربما أنكر ~~النعمة فضلال النفوس وغيها لا حد له تنتهي إليه ولا سيما النفوس الجاهلة ~~الظالمة ومن أعجب العجب أن تسمح نفس بإنكار الحكم والعلل الغائية والمصالح ~~التي تضمنها هذه الشريعة الكاملة التي هي من أدل الدلائل على صدق من جاء ~~بها وأنه رسول الله حقا ولو لم يأت بمعجزة سواها لكانت كافية شافية فإن ما ~~تضمنته من الحكم والمصالح والغايات الحميدة والعواقب السديدة شاهدة بأن ~~الذي شرعها وأنزلها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وشهود ذلك في نضاعيفها ~~ومضمونها كشهود الحكم والمصالح والمنافع في المخلوقات العلوية والسفلية وما ~~بينهما من الحيوان والنبات والعناصر والآثار التي بها انتظام مصالح المعاش ~~فكيف يرضى أحد لنفسه إنكار ذلك وجحده وإن تجمل واستحى من العقلاء قال ذلك ~~أمر اتفاقي غير مقصود بالأمر والخلق وسبحان الله كيف يستجيز أحد أن ms365 يظن برب ~~العالمين وأحكم الحاكمين أنه يعذب كثيرا من خلقه أشد العذاب الأبدي لغير ~~غاية ولا حكمة ولا سبب وإنما هو محض مشيئة مجردة عن الحكمة والسبب فلا سبب ~~هناك ولا حكمة ولا غاية وهل هذا إلا من أسوء الظن بالرب تعالى وكيف يستجيز ~~أن يظن بربه أنه أمر ونهى وأباح وحرم وأحب وكره وشرع الشرائع وأمر بالحدود ~~لا لحكمة ولا لمصلحة يقصدها بل ما ثم إلا مشيئة محضة رجحت مثلا على مثل ~~بغير مرجح وأي رحمة تكون في هذه الشريعة وكيف يكون المبعوث بها رحمة مهداة ~~للعالمين لو كان الأمر كما يقول النفاة وهل يكون الأمر والنهي إلا عقوبة ~~وكلفة وعبثا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه ~~أمثالنا من حكمة الله في خلقه وأمره لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع مع قصور ~~أذهاننا ونقص عقولنا ومعارفنا وتلاشيها وتلاشي علوم الخلائق جميعهم في علم ~~الله كتلاشي ضوء السراج في عين الشمس وهذا تقريب وإلا فالأمر فوق ذلك وهل ~~إبطاله الحكم والمناسبات والأوصاف التي شرعت الأحكام لأجلها إلا إبطال ~~للشرع جملة وهل يمكن فقيها على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه مع اعتقاده ~~بطلان الحكمة والمناسبة والتعليل وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد وجناية ~~هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات فإن العقلاء لا يمكنهم إنكار ~~الأسباب والحكم والمصالح والعلل الغائية فإذا رأوا أن هذا لا يمكن القول به ~~مع موافقة الشرائع ولا يمكنهم رفعه عن نفوسهم خلوا الشرائع وراء ظهورهم ~~وأساؤا بها الظن وقالوا لا يمكننا الجمع بينها وبين عقولنا ولا سبيل لنا ~~إلى الخروج عن عقولنا ورأوا أن القول بالفاعل المختار لا يمكن إلا مع نفي ~~الأسباب والحكم والقوى والطبائع ولا سبيل إلى نفيها فنفوا الفاعل وأولئك لم ~~يمكنهم القول بنفي الفاعل المختار ورأوا أنه لا يمكنهم إثباته مع إثبات ~~الأسباب والحكم والقوى # PageV01P205 # والعلل فنفوها وبين الطائفتين بعد المشرقين ولا تستهن بأمر هذه المسألة ~~فإن شأنها أعظم وخطرها أجل وفروعها كثيرة ومن فروعها أنهم ms366 لما تكلموا فيما ~~يحدثه الله تعالى من المطر والنبات والحيوان والحر والبرد والليل والنهار ~~والإهلال والإبدار والكسوف والاستسرار وحوادث الجو وحوادث الأرض انقسموا ~~قسمين وصاروا طائفتين فطائفة جعلت الموجب لذلك مجرد ما رأوه علة وسببا من ~~الحركات الفلكية والقوى الطبيعية والنفوس والعقول فليس عندهم لذلك فاعل ~~مختار مريد وقابلهم طائفة من المتكلمين فلم يسببوا لذلك سببا إلا مجرد ~~المشيئة والقدرة وأن الفاعل المختار يرجح مثلا على مثل بلا مرجح ولا سبب ~~ولا حكمة ولا غاية يفعل لأجلها ونفوا الأسباب والقوى والطبائع والقرائن ~~والحكم والغايات حتى يقول من أثبت الجوهر الفرد منهم أن الفلك والرحا ~~ونحوهما مما يدور متفكك دائما عند الدوران والقادر المختار يعيده كل وقت ~~كما كان وأن الألوان والمقادير والأشكال والصفات تعدم على تعاقب الآنات ~~والقادر المختار يعيدها كل وقت وأن ملوحة ماء البحر كل لحظة تعدم وتذهب ~~ويعيدها القادر المختار كل ذلك بلا سبب ولا حكمة ولا علة غائية ورأوا أنهم ~~لا يمكنهم التخلص من قول الفلاسفة أعداء الرسل إلا بذلك ورأى أعداء الرسل ~~أنهم لا يمكنهم الدخول في الشريعة إلا بالتزام أصول هؤلاء ولم يهتد ~~الطائفتان للحق الذي لا يجوز غيره وهو انه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته ~~وإرادته ويفعل ما يفعله بأسباب وحكم وغايات محمودة وقد أودع العالم من ~~القوى والطبائع والغرائز والأسباب والمسببات ما به قام الخلق والأمر وهذا ~~قول جمهور أهل الإسلام وأكثر طوائف النظار وهو قول الفقهاء قاطبة إلا من ~~خلى الفقه ناحية وتكلم بأصول النفاة فعادى فقهه أصول دينه. # PageV01P206 ### | الباب الثاني والعشرون: في استيفاء شبه النافعين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها # قالت النفاة قد أجلبتم علينا بما استطعتم من خيل الأدلة ورجلها فاسمعوا ~~الآن ما يبطله ثم أجيبوا عنه إن أمكنكم الجواب فنقول ما قاله أفضل متأخريهم ~~محمد بن عمر الرازي: "كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة أو لدفع مفسدة فإن ~~كان تحصيل تلك المصلحة أولى من عدم تحصيلها كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك ~~الفعل تحصيل ذلك" ومن كان كذلك ms367 كان ناقصا بذاته مستكملا بغيره وهو في حق ~~الله محال وإن كان تحصيلها وعدمه بالنسبة إليه سواء فمع ذلك لا يحصل ~~الرجحان فامتنع تحصيلها ثم أورد سؤالا وهو لا يقال حصولها واللاحصولها ~~بالنسبة إليه وإن كان على التساوي إلا أن حصولها للعبد أولى من عدم حصولها ~~له فلأجل هذه الأولوية العائدة إلى العبد يرجح الله سبحانه الوجود على ~~العدم ثم أجاب بأنا نقول تحصيل تلك المصلحة وعدم تحصيلها له إما أن يكونا ~~متساويين بالنسبة إلى الله أو لا يستويان وحينئذ يعود التقسيم المذكور قال ~~المثبتون الجواب عن هذه الشبهة من وجوه أحدها أن قولك أن كل من فعل لغرض ~~يكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره ما تعني بقولك أنه يكون ناقصا بذاته أتعني ~~به أنه يكون عادما لشيء من الكمال الذي لا يجب أن يكون له قبل حدوث ذلك ~~المراد أم تعني به أن يكون عادما لما ليس كمالا قبل وجوده أم تعني به معنى ~~ثالثا # PageV01P206 # فإن عنيت الأول فالدعوى باطلة فإنه لا يلزم من فعله لغرض حصوله أولى من ~~عدمه أن يكون عادما لشيء من الكمال الواجب قبل حدوث المراد فإنه يمتنع أن ~~يكون كمالا قبل حصوله وإن عنيت الثاني لم يكن عدمه نقصا فإن الغرض ليس ~~كمالا قبل وجوده وما ليس بكمال في وقت لا يكون عدمه نقصا فيه فما كان قبل ~~وجوده عدمه أولى من وجوده وبعد وجوده وجوده أولى من عدمه لم يكن عدمه قبل ~~وجوده نقصا ولا وجوده بعد عدمه نقصا بل الكمال عدمه قبل وقت وجوده وجوده ~~وقت ووجوده وإذا كان كذلك فالحكم المطلوبة والغايات من هذا النوع وجودها ~~وقت وجودها هو الكمال وعدمها حينئذ نقص وعدمها وقت عدمها كمال ووجودها ~~حينئذ نقص وعلى هذا فالنافي هو الذي نسب النقص إلى الله لا المثبت وإن عنيت ~~به أمرا ثالثا فلا بد من بيانه حتى ننظر فيه الجواب الثاني إن قولك يلزم أن ~~يكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره أتعني به أن الحكمة التي يجب وجودها إنما ms368 ~~حصلت له من شيء خارج عنه أم تعني أن تلك الحكمة نفسها غير له وهو مستكمل ~~بها فإن عنيت الأول فهو باطل فإنه لا رب غيره ولا خالق سواه ولم يستفد ~~سبحانه من غيره كمالا بوجه من الوجوه بل العالم كله إنما استفاد الكمال ~~الذي فيه منه سبحانه وهو لم يستفد كماله من غيره كما لم يستفد وجوده من ~~غيره وإن عنيت الثاني فتلك الحكمة صفته سبحانه وصفاته ليست غيرا له فإن ~~حكمته قائمة به وهو الحكيم الذي له الحكمة كما أنه العليم الذي له العلم ~~والسميع الذي له السمع والبصير الذي له البصر فثبوت حكمته لا يستلزم ~~استكماله بغير منفصل عنه كما أن كماله سبحانه بصفاته وهو لم يستفدها من ~~غيره الجواب الثالث أنه سبحانه إذا كان إنما يفعل لأجل أمر هو أحب إليه من ~~عدمه كان اللازم من ذلك حصول مراده الذي يحبه وفعل لأجله وهذا غاية الكمال ~~وعدمه هو النقص فإن من كان قادرا على تحصيل ما يحبه وفعله في الوقت الذي ~~يحب على الوجه الذي يحب فهو الكامل حقا لا من لا محبوب له أو له محبوب لا ~~يقدر على فعله الجواب الرابع أن يقال أنت ذكرت في كتبك أنه لم يقم على نفي ~~النقص عن الله دليل عقلي واتبعت في ذلك الجويني وغيره وقلتم إنما ينفى ~~النقص عنه عز وجل بالسمع وهو الإجماع فلم تنفوه عن الله عز وجل بالعقول ولا ~~بنص منقول عن الرسول بل بما ذكرتموه من الإجماع وحينئذ فإنما ينفى بالإجماع ~~ما انعقد الإجماع على نفيه والفعل بحكمه لم ينعقد الإجماع على نفيه فلم ~~تجمع الأمة على انتفاء التعليل لأفعال الله فإذا سميت أنت ذلك نقصا لم تكن ~~هذه التسمية موجبة لانعقاد الإجماع على نفيها فإن قلت أهل الإجماع أجمعوا ~~على نفي النقص وهذا نقص قيل نعم الأمة مجمعة على ذلك ولكن الشأن في هذا ~~الوصف المعني أهو نقص فيكون قد أجمعت على نفيه فهذا أول المسألة والقائلون ~~بإثباته ليس هو عندهم ms369 نقصا بل هو عين الكمال ونفيه عين النقص وحينئذ فنقول ~~في الجواب الخامس أن إثبات الحكمة كمال كما تقدم تقريره ونفيه نقص والأمة ~~مجمعة على انتفاء النقص عن الله بل العلم بانتفائه عن الله تعالى من أعلى ~~العلوم الضرورية المستقرة في فطر الخلق فلو كانت أفعاله معطلة عن الحكم ~~والغايات المحمودة لزم النقص وهو محال ولزوم النقص من انتفاء الحكم أظهر في ~~العقول والفطر والعلوم الضرورية والنظرية من لزوم النقص من إثبات ذلك ~~وحينئذ فتقول في الجواب السادس النقص إما أن يكون جائزا أو ممتنعا فإن كان ~~جائزا بطل دليلك وإن كان ممتنعا بطل دليلك أيضا فبطل الدليل على التقديرين ~~الجواب السابع أن النقص منتف عن الله عز # PageV01P207 # وجل عقلا كما هو منتف عنه سمعا والعقل والنقل يوجب اتصافه بصفات الكمال ~~والنقص هو ما يضاد صفات الكمال فالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر ~~والكلام والحياة صفات كمال وأضدادها نقص فوجب تنزيهه عنها لمنافاتها لكماله ~~وأما حصول ما يحبه الرب تعالى في الوقت الذي يحبه فإنما يكون كمالا إذا حصل ~~على الوجه الذي يحبه فعدمه قبل ذلك ليس نقصا إذ كان لا يحب وجوده قبل ذلك ~~الجواب الثامن أن يقال الكمال الذي يستحقه سبحانه وتعالى هو الكمال الممكن ~~أو الممتنع فالأول مسلم والثاني باطل قطعا فلم قلت أن وجود الحادث في غير ~~وقته الذي وجد فيه ممكن بل وجود الحادث في الأزل ممتنع فعدمه لا يكون نقصا ~~الجواب التاسع أن عدم الممتنع لا يكون كمالا فإن الممتنع ليس بشيء في ~~الخارج وما ليس بشيء لا يكون عدمه نقصا فإنه إن كان في المقدور ما لا يحدث ~~إلا شيئا بعد شيء كان وجوده في الأزل ممتنعا فلا يكون عدمه نقصا وإنما يكون ~~الكمال وجوده حين يمكن وجوده، الجواب العاشر أن يقال أنه تعالى أحدث أشياء ~~بعد أن لم يكن محدثا لها كالحوادث المشهودة حتى أن القائلين بكون الفلك ~~قديما عن عله موجبة يقرون بذلك ويقولون أنه يحدث الحوادث بواسطته وحينئذ ~~فنقول هذا الإحداث ms370 إما أن يكون صفة كمال وإما أن لا يكون فإن كان صفة كمال ~~فقد كان فاقدا لها قبل ذلك وإن لم يكن صفة كمال فقد اتصف بالنقص فإن قلت ~~نحن نقول بأنه ليس صفة كمال ولا نقص قيل فهلا قلتم ذلك في التعليل وأيضا ~~فهذا محال في حق الرب تعالى فإن كل ما يفعله يستحق عليه الحمد وكل ما يقوم ~~من صفاته فهو صفة كمال وضده نقص وقد ينازع النظار في الفاعلية هل هي صفة ~~كمال أم لا وجمهور المسلمين من جميع الفرق يقولون هي صفة كمال وقالت طائفة ~~ليست صفة كمال ولا نقص وهو قول أكثر الأشعرية فإذا التزم له هذا القول قيل ~~له الجواب من وجهين أحدهما أن من المعلوم تصريح العقل أن من يخلق أكمل ممن ~~لا يخلق كما قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} وهذا استفهام ~~إنكار يتضمن الإنكار على من سوى بين الأمرين يعلم أن أحدهما أكمل من الآخر ~~قطعا ولا ريب أن تفضيل من يخلق على من لا يخلق في الفطر والعقول كتفضيل من ~~يعلم على من لا يعلم ومن يقدر على من لا يقدر ومن يسمع ويبصر على من لا ~~يسمع ولا يبصر ولما كان هذا مستقرا في فطر بني آدم جعله الله تعالى من آلة ~~توحيده وحججه على عباده قال تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله ~~بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو ~~كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم} وقال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ~~وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا ~~الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات} وقال تعالى: {مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون} ms371 فمن سوى بين صفة ~~الخالقية وعدمها فلم يجعل وجودها كمالا ولا عدمها نقصا فقد أبطل حجج الله ~~وأدلة توحيده وسوى بين ما جعل بينهما أعظم التفاوت وحينئذ فنقول في الجواب ~~الحادي عشر إذا كان الأمر كما ذكرتم فلم لا يجوز أن يفعل لحكمة يكون وجودها ~~وعدمها بالنسبة إليه سواء كما أنه عندكم لم يحدث ما يحدثه مع كون الإحداث ~~والخلق وعدمه بالنسبة إليه سواء مع أن هذه إرادة لا تعقل في # PageV01P208 # الشاهد فقولوا مثل ذلك في الحكمة وأن ذلك لا يعقل لا سيما والفعل عندكم ~~هو المفعول المنفصل فجوزوا أيضا أن يفعل لحكمة منفصلة وأنتم إنما قلتم ذلك ~~فرارا من قيام الحوادث به ومن التسلسل فكذلك قولوا بنظير ذلك في الحكمة ~~والذي يلزم أولئك فهو نظير ما يلزمكم سواء، الجواب الثاني عشر أن يقال ~~العقل الصريح يقضي بأن من لا حكمة لفعله ولا غاية يقصدها به أولى بالنقص ~~ممن يفعل لحكمة كانت معدومة ثم صارت موجودة في الوقت الذي اقتضت حكمته ~~إحداث الفعل فيه فكيف يسوغ لعاقل أن يقول فعله للحكمة يستلزم النقص وفعله ~~لا لحكمة لا نقص فيه، الجواب الثالث عشر أن هؤلاء النفاة يقولون أنه سبحانه ~~يفعل ما يشاء من غير اعتبار حكمة فيجوزون عليه كل ممكن حتى الأمر بالشرك ~~والكذب والظلم والفواحش والنهي عن التوحيد والصدق والعدل والعقاب وحينئذ ~~فنقول إذا جازت عليه هذه المرادات وليس في إرادتها نقص وهذا مراد فلا نقص ~~فيه فقولهم من فعل شيئا لشيء كان ناقصا بدونه قضية كلية ممنوعة العموم ~~وعمومها أولى بالمنع من قول القائل من أكرم أهل الجهل والظلم والفساد وأهان ~~أهل العلم والعدل والبر كان سفيها جائرا وهذا عند النفاة جائز على الله ولم ~~يكن به سفيها جائرا وكذلك قول القائل من أرسل إماءه وعبيده يفجر بعضهم ببعض ~~ويقتل بعضهم بعضا وهو قادر على أن يكفيهم كان سفيها والله قد فعل ذلك ولم ~~يدخل في عموم هذه القضية فكذا القضية الكلية التي ادعوا ثبوتها في محل ~~النزاع أولى ms372 أن تكون باطلة منتقضة، الجواب الرابع عشر أنه لو سلم لهم أنه ~~مستكمل بأمر حادث لكان هذا من الحوادث المرادات وكل ما هو حادث مراد عندهم ~~فليس بقبيح فإن القبيح عندهم ليس إلا مخالفة الأمر والنهي والله ليس فوقه ~~آمر ولا ناه فلا ينزه عندهم عن شيء من الممكنات البتة إلا ما أخبر بأنه لا ~~يكون فإنهم ينزهونه عن كونه لمخالفة حكمته والقبيح عندهم هو الممتنع الذي ~~لا يدخل تحت القدرة وما دخل تحت القدرة لم يكن قبيحا ولا مستلزما نقصا ~~عندهم وجماع ذلك بالجواب الخامس عشر أنه ما من محذور يلزم من تجويز فعله ~~لحكمة إلا والمحاذير التي يلزم من كونه يفعل لا لحكمة أعظم امتناعا فإن ~~كانت تلك المحاذير غير ممتنعة كانت محاذير إثبات الحكمة أولى بعدم الامتناع ~~وإن كانت محاذير إثبات الحكمة ممتنعة فمحاذير نفيها أولى بالامتناع، الجواب ~~السادس عشر أن فعل الحي العالم الاختياري لا لغاية ولا لغرض يدعوه إلى فعله ~~لا يعقل بل هو من الممتنعات لهذا لا يصدر إلا من مجنون أو نائم أو زائل ~~العقل فإن الحكمة والعلة الغائية هي التي تجعل المريد مريدا فإنه إذا علم ~~بمصلحة الفعل ونفعه وغايته انبعثت إرادته إليه فإذا لم يعلم في الفعل مصلحة ~~ولا كان له فيه غرض صحيح ولا داع يدعوه إليه فلا يقع منه إلا على سبيل ~~العبث هذا الذي لا يعقل العقلاء سواه وحينئذ فنفي الحكمة والعلة والغاية عن ~~فعل أحكم الحاكمين نفي لفعله الاختياري في الحقيقة وذلك أنقص النقص وقد ~~تقدم تقرير ذلك وبالله التوفيق. # فصل: قال نفاة الحكمة هب أن الحجة بطلت فلا يلزم من بطلان دليل بطلان ~~الحكم فنحن نذكر حجة غيرها فنقول لو كان فعله تعالى معللا بعلة فتلك العلة ~~إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الفعل وهو محال وإن كانت محدثة افتقر كونه ~~موجودا لتلك العلة إلى علة أخرى وهو محال وهذا معنى قول القائل علة كل شيء ~~صنعه ولا علة لصنعه قالوا ونحن نقرر هذه الحجة ms373 تقريرا # PageV01P209 # أبسط من هذا فنقول لو كان فعله تعالى لحكمة فتلك الحكمة إما قديمة أو ~~محدثة فإن كانت قديمة فإما أن يلزم من قدمها الفعل قدم الفعل أو لا يلزم ~~فإن لزم فهو محال وإن لم يلزم القدم والفعل موجود بدونها فالحكمة غير حاصلة ~~من ذلك الفعل لحصوله دونها وما لا يكون الحكمة متوقفة على حصوله لا يكون ~~متوقفا عليها وهو المطلوب وإن كانت الحكمة حادثة بحدوث الفعل فإما أن تفتقر ~~إلى فاعل أو لا تفتقر إلى فاعل فإن لم تفتقر لزم حدوث من غير فاعل وهو محال ~~وإن افتقرت إلى فاعل فذلك الفاعل إما أن يكون هو الله أو غيره لا يجوز أن ~~يكون غيره لأنه لا خالق إلا الله وإن كان هو الله فإما أن يكون له في فعله ~~غرض أو لا غرض له فيه فإن كان الأول فالكلام فيه كالكلام في الأول ويلزم ~~التسلسل وإن كان الثاني فقد خلا فعله عن الغرض وهو المطلوب فإن قلت فعله ~~لذلك الغرض لغرض هو نفسه فما خلا عن غرض ولم يلزم التسلسل قلنا فيلزم مثله ~~في كل مفعول مخلوق وهو أن يكون الغرض منه هو نفسه من غير حاجة إلى غرض آخر ~~وهو المطلوب فهذه حجة باهرة وافية بالغرض قال أهل الحكمة بل هي حجة داحضة ~~باطلة من وجوه والجواب عنها من وجوه الجواب الأول أن نقول لا يخلو إما أن ~~يمكن أن يكون الفعل قديم العين أو قديم النوع أو لا يمكن واحد منهما فإن ~~أمكن أن يكون قديم العين أو النوع أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها ~~أن تكون كذلك وإن لم يمكن أن يكون الفعل قديم العين ولا النوع فيقال إذا ~~كان فعله حادث العين أو النوع كانت الحكمة كذلك فالحكمة يحذى بها حذو الفعل ~~فما جاز عليه جاز عليها وما امتنع عليه امتنع عليها الجواب الثاني أن من ~~قال أنه خالق مكون في الأزل لما لم يكن بعد قال قولي هذا كقول من قال هو ms374 ~~مريد في الأزل لما لم يكن بعد فقولي بقدم كونه فاعلا كقول هؤلاء بقدم كونه ~~مريدا وعلى هذا فيمكنني أن أقول بقدم الحكمة التي يخلق ويريد لأجلها ولا ~~يلزم من قدم الحكمة قدم الفعل كما لم يلزم من قدم الإرادة قدم المراد وكما ~~يلزم من قدم صفة التكوين قدم المكون فقولي في قدم الحكمة مع حدوث الفعل ~~التي فعل لأجلها كقولكم في قدم الإرادة والتكوين سواء وما لزمني لزمكم مثله ~~وجوابكم هو جوابي بعينه ولا يمتنع ذلك على أصول طائفة من الطوائف فإن من ~~قال من الفلاسفة أن فعله قديم للمفعول المعني يقول أن الحكمة قديمة ومن قال ~~بحدوث أعيان الفعل ودوام نوعه يقول ذلك في الحكمة سواء ومن قال بحدوث نوع ~~الفعل وقيامه بالرب قال ذلك في الحكمة أيضا كما يقوله كثير من النظار فلا ~~يمتنع على أصل طائفة من الطوائف إثبات الحكمة في فعله سبحانه الجواب الثالث ~~قولك يفتقر كونه محدثا لتلك العلة إلى علة أخرى ممنوع فإن هذا إنما يلزم أن ~~لو قيل كل حادث فلا بد له من علة ونحن لا نقول هذا بل نقول يفعله لحكمة ~~ومعلوم أن المفعول لأجله مراد للفاعل محبوب له والمراد المحبوب تارة يكون ~~مرادا لنفسه وتارة يكون مرادا لغيره والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى ~~المراد لنفسه قطعا للتسلسل وهذا كما نقوله في خلقه بالأسباب أنه يخلق كذا ~~بسبب كذا وكذا بسبب كذا حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة ~~الرب فكذلك يخلق لحكمة وتلك الحكمة لحكمة حتى ينتهي الأمر إلى حكمة لا حكمة ~~فوقها الجواب الرابع أن النفاة يقولون كل مخلوق فهو مراد لنفسه لا لغيره ~~وحينئذ فلا يمتنع أن يكون بعض المخلوقات مرادا لغيره وينتهي الأمر إلى مراد ~~لنفسه بل هذا أولى بالجواز من جعل كل مخلوق مرادا لنفسه وكذلك في الأمر ~~يكون مرادا لغيره حتى # PageV01P210 # ينتهي إلى أمر مراد لنفسه الجواب الخامس أن يقال غاية ما ذكرتم أنه ~~يستلزم التسلسل ولكن أي نوعي ms375 التسلسل هو اللازم التسلسل الممتنع أو الجائز ~~فإن عنيتم الأول منع اللزوم وإن عنيتم الثاني منع انتفاء اللازم فإن ~~التسلسل في الآثار المستقبلة ممكن بل واجب وفي الآثار الماضية فيه قولان ~~للناس والتسلسل في العلل والفاعلين محال باتفاق العقلاء بأن يكون لهذا ~~الفاعل فاعل قبله وكذلك ما قبله إلى غير نهاية وأما أن يكون الفاعل الواحد ~~القديم الأبدي لم يزل يفعل ولا يزال فهذا غير ممتنع إذا عرف هذا فالحكمة ~~التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده فإذا كان بعدها حكمة أخرى فغاية ~~ذلك أن يلزم حوادث لا نهاية لها وهذا جائز بل واجب باتفاق المسلمين ولم ~~ينازع إلا بعض أهل البدع من الجهمية والمعتزلة فإن قيل فيلزم من هذا أن لا ~~تحصل الغاية المطلوبة أبدا قيل بل اللازم أن لا تزال الغاية المطلوبة حاصلة ~~دائما وهذا أمر معقول في الشاهد فإن الواحد من الناس يفعل الشيء لحكمة يحصل ~~بها محبوبه ثم يلزم من حصول محبوبه محبوب آخر يفعل لأجله وهلم جرا حتى لو ~~تصور دوامه أبدا لكانت هذه حاله وكماله فلم تزل محبوباته تحصل شيئا بعد شيء ~~وهذا هو الكمال الذي يريده مع غناه التام الكامل عن كل ما سواه وفقر ما ~~سواه إليه من جميع الوجوه وهل الكمال إلا ذلك وفواته هو النقص وهو سبحانه ~~كتب على نفسه الرحمة والإحسان فرحمته وإحسانه من لوازم ذاته فلا يكون إلا ~~رحيما محسنا وهو سبحانه إنما أمر العباد بما يحبه ويرضاه وأراد لهم من ~~إحسانه ورحمته ما يحبه ويرضاه لكن فرق بين ما يريد هو سبحانه أن يخلقه ~~ويفعله لما يحصل به من الحكمة التي يحبها فهذا يفعله سبحانه ولا بد من ~~وجوده وبين ما يريد من العباد أن يفعلوه ويأمرهم بفعله ويحب أن يقع منهم ~~ولا يشاء خلقه وتكوينه ففرق بين ما يريد خلقه وما يأمر به ولا يريد خلقه ~~فإن الفرق بين ما يريد الفاعل أن يفعله وما يريد من المأمور أن يفعله فرق ~~واضح والله سبحانه له الخلق ms376 والأمر فالخلق فعله والأمر قوله ومتعلقه أفعال ~~عباده وهو سبحانه قد يأمر عبده ويريد من نفسه أن يعين عبده على فعل ما أمره ~~لتحصل حكمته ومحبته من ذلك المأمور به وقد يأمره ولا يريد من نفسه إعانته ~~على فعل المأمور لما له من الحكمة الثابتة في هذا الأمر وهذا الترك يأمره ~~لئلا يكون له عليه حجة ولئلا يقول ما جاءني من نذير ولو أمرتني لبادرت إلى ~~طاعتك ولم يرد من نفسه إعانته لأن محله غير قابل لهذه النعمة والحكمة ~~التامة تقتضي أن لا توضع النعم عند غير أهلها وأن تمنع من أهلها قال تعالى: ~~{وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} وقال: {ليس الله بأعلم ~~بالشاكرين} وقال: {لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} ولا يقال فهلا سوى بين ~~خلقه في جعلهم كلهم أهلا لذلك فإن هذا ممكن له ولا أن يقال فهلا سوى بين ~~صورهم وأشكالهم وأعمارهم وأرزاقهم ومعاشهم وهذا وإن كان ممكنا فالذي وقع من ~~التفاوت بينهم هو مقتضى حكمته البالغة وملكه التام وربوبيته فاقتضت حكمته ~~أن سوى بينهم في الأمر وفاوت بينهم في الإعانة عليه كما فاوت بينهم في ~~العلوم والقدر والغنى والحسن والفصاحة وغير ذلك والتخصيصات الواقعة في ملكه ~~لا تناقض حكمته بل هي من أدل شيء على كمال حكمته ولولاها لم يظهر فضله ومنه ~~قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} فضلا من الله ونعمة والله عليم بمن ~~يصلح لهذه النعمة حكيم في وضعها عند أهلها ومنعها غير أهلها وقال تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا # PageV01P211 # اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ~~ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل ~~الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وقال تعالى: ~~{هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ms377 لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} وقالت ~~الرسل لقومهم: {ن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} ~~وقال تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم ~~يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات} الآية وفي حديث مثل المؤمنين واليهود والنصارى قال تعالى ~~لأهل الكتاب هل ظلمتكم من حقكم من شيء قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء ~~وقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله ~~وكفى بالله عليما} أي يعلم أين يضع فضله ومن يصلح له ممن لا يصلح بل يمنعه ~~غير أهله ولا يضعه عند غير أهله وهذا كثير في القرآن يذكر أن تخصيصه هو ~~فضله ورحمته فلو ساوى بين الخلائق لم يعرف قدر فضله ونعمته ورحمته فهذا بعض ~~ما في تخصيصه من الحكمة وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: "أن موسى قال يا رب ~~هلا سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكر" فمواضع التحصل ومواقع الفصل ~~التي يقدح بها نفاة الحكمة هي من أدل شيء على كمال حكمته سبحانه ووضعه ~~للفضل مواضعه وجعله عند أهله الذين هم أحق به وأولى من غيرهم وهو الذي ~~جعلهم كذلك بحكمته وعلمه وعزته وملكه فتبارك الله رب العالمين وأحكم ~~الحاكمين ولا يجب بل لا يمكن المشاركة في حكمته بل ما حصل للخلائق كلهم من ~~العلم بها كنقرة عصفور في البحر المحيط وأي نقص في دوام حكمته شيئا بعد شيء ~~كما تدوم إرادته وكلامه ms378 وأفعاله وإحسانه وجوده وإنعامه وهل الكمال إلا في ~~هذا التسلسل فماذا نفر النفاة منه أنفرهم أن يقال لم يزل ولا يزال حيا ~~عليما قديرا حكيما متكلما محسنا جوادا ملكا موصوفا بكل كمال غنيا عن كل ما ~~سواه لا تنفد كلماته ولا تتناهى حكمته ولا تعجز قدرته ولا يبيد ملكه ولا ~~تنقطع إرادته ومشيئته بل لم يزل ولا يزال له الخلق والأمر والحكمة والحكم ~~وهل النقص إلا سلب ذلك عنه والله الموفق بفضله وإعانته الجواب السادس إن ~~الرب تبارك وتعالى إذا خلق شيئا فلا بد من وجود لوازمه ولا بد من عدم ~~أضداده فوجود الملزوم بدون لازمه محال ووجود الضد مع ضده ممتنع والمحال ليس ~~بشيء ولا يتصور العقل وجوده في الخارج وإذا كان هذا التسلسل الجائز من ~~لوازم خلقه وحكمته لم يكن في القول محذور بل كان المحذور في نفيه توضيحه ~~الجواب السابع أنه لم يقم دليل عقلي ولا سمعي على امتناع دوام أفعال الرب ~~في الماضي والمستقبل أصلا وكل أدلة النفاة من أولها إلى آخرها باطلة وقد ~~كفى مؤنة إبطالها الرازي والآمدي في أكثر كتبهما وغيرها وأما إثبات الحكمة ~~فقد قام على صحته العقل والسمع والفطرة وسائر أنواع الأدلة مما تقدمت ~~الإشارة إلى بعض # PageV01P212 # ذلك فكيف يقدح في هذا المعلوم الصحيح بذلك النفي الذي لم يقم على صحته ~~دليل البتة الجواب الثامن أن التسلسل إما أن يكون ممكنا أو ممتعنا فإن كان ~~ممكنا بطل استدلالكم وإن كان ممتنعا أمكن أن يقال في دفعه تنتهي المرادات ~~إلى مراد لنفسه لا لغيره وينقطع التسلسل الجواب التاسع أن يقال ما المانع ~~أن تكون الفاعلية معللة بعلة قديمة قولكم يلزم من قدمها قدم المعلول ينتقص ~~عليكم بالإرادة فإنها قديمة ولم يلزم من قدمها قدم المراد فإن قلتم الإرادة ~~القديمة تعلقت بالمراد الحادث في وقت حدوثه واقتضت وجوده حينئذ فهلا قلتم ~~أن الحكمة القديمة تعلقت بالمراد وقت حدوثه كما قلتم في الإرادة فإن قلتم ~~شأن الإدارة التخصيص قيل لكم وكذلك الحكمة شأنها تخصيص الشيء ms379 بزمانه ومكانه ~~وصفته فالتخصيص مصدره الحكمة والإرادة والعلم والقدرة فإن لزم من قدم ~~الحكمة قدم الفعل لزم من قدم الإرادة قدمه وإن لم يلزم ذلك لم يلزم هذا ~~الجواب العاشر أن يقال لو لم يكن فعله لحكمة وغاية مطلوبة لم يكن مريدا فان ~~المريد لا يعقل كونه مريدا إلا إذا كان يريد لغرض وحكمة فإذا انتفت الحكمة ~~والغرض انتفت الإرادة ويلزم من انتفاء الإرادة أن يكون موجبا بالذات وهو ~~علة تامة في الأزل لمعلوله فيلزم أن يقارنه جميع معلوله ولا يتأخر فيلزم من ~~ذلك قدم الحوادث المشهودة وإنما لزم ذلك من انتفاء الحكمة والغرض المستلزمة ~~لنفي الإرادة المستلزمة للإيمان الذاتي المستلزم لقدم الحوادث وتقرير هذا ~~وبسطه في غير هذا الموضع. # فصل: قال نفاة الحكمة جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين تحصيل اللذة ~~والسرور ودفع الألم والحزن والغم والله سبحانه قادر على تحصيل هذين ~~المطلوبين ابتداء من غير شئ من الوسائط ومن كان قادرا على تحصيل المطلوب ~~ابتداء بغير واسطة كان توسله إلى تحصيله بالوسائط عبثا وهو على الله محال ~~قال أصحاب الحكمة عن هذه الشبهة أجوبة الجواب الأول أن يقال لا ريب إن الله ~~على كل شئ قدير لكن لا يلزم إذا كان الشيء مقدورا ممكنا أن تكون الحكمة ~~المطلوبة لوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله ~~بدونه كما يمتنع حصول الابن بكونه ابنا بدون الأب فإن وجود الملزوم بدون ~~لازمه محال والجمع بين الضدين محال ولا يقال فيلزم العجز لأن المحال ليس ~~بشيء فلا تتعلق به القدرة والله على كل شئ قدير فلا يخرج ممكن عن قدرته ~~البتة، الجواب الثاني أن دعوى كون توسط أحد الأمرين إذا كان شرطا أو سببا ~~له عبث دعوى كاذبة باطلة فإن العبث هو الذي لا فائدة فيه وأما توسط الشرط ~~أو السبب أو المادة التي يحدث فيها ما يحدثه فليس بعبث توضيحه، الجواب ~~الثالث أن حصول الأعراض والصفات التي يحدثها الله سبحانه في موادها شروط ~~لحصول تلك المواد ولا ms380 يتصور وجودها بدونها فتوسطها أمر ضروري لا بد منه ~~فينقلب عليكم دليلكم ونقول هل يقدر سبحانه على إيجاد تلك الحوادث بدون توسط ~~موادها الحاملة لها أولا يمكن فإن قلتم يمكن ذلك كان توسطها عبثا وإن قلتم ~~لا يقدر كان تعجيزا فإن قلتم هذا فرض مستحيل والمحال ليس بشيء قيل صدقتم ~~وهذا جوابنا بعينه، الجواب الرابع أن يقال إذا كان في خلق تلك الوسائط حكم ~~أخرى تحصل بخلقها للفاعل وفي خلقها مصالح ومنافع لتلك الوسائط لم يكن ~~توسطها عبثا ولم تكن الحكمة حاصلة بعدمها كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض ~~خلقه في البخارات مثلا فاقتضى ذلك أن تخليق الصانع إلى من يحتاج فينتفع ~~هؤلاء بالصانع وهؤلاء باليمن # PageV01P213 # كان في ذلك مصلحة هؤلاء وهؤلاء وإذا تأملت الوجود رأيته قائما بذلك شاهدا ~~على منكري الحكمة فكم لله سبحانه في إحداث تلك الوسائط من حكم ومصالح ~~ومنافع للعباد لو بطلت تلك الوسائط لفاتت تلك الحكم والمصالح، الجواب ~~الخامس قولك يلزم العبث وهو على الله محال فيقال إن كان العبث عليه محالا ~~لزم أن لا يفعل ولا يأمر إلا لمصلحة وحكمة فبطل قولك بقولك وإن لم يكن ~~العبث عليه محالا بطلت هذه الحجة فيتحقق بطلانها على التقديرين، الجواب ~~السادس أن يقال ما المانع أن يفعل سبحانه أشياء معللة وأشياء غير معللة بل ~~مرادة لذاتها وإذا جاز هذا جاز أن يقال أن هذه الوسائط غير معللة ولا يمكنك ~~نفي هذا القسم إلا بأن تقول أن شيئا من أفعاله غير معلل البتة وأنت إنما ~~نفيت هذا بلزوم العبث في توسط تلك الأمور ولا يلزم من انتفاء التعليل في ~~بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع فإنه لا يجب أن يكون كل شيء لعلة فأنت نفيت ~~جواز التعليل وغاية هذه الحجة لو صحت أن تدل على أنه لا يجب في كل شيء أن ~~يكون لعلة فلم يثبت الحكم والدليل وهذا كما يقول الفقهاء مع قولهم بالتعليل ~~أن من الأحكام ما يفيد غير معلل فهلا قلت في الخلق كقولهم في ms381 الأمر وهذا ~~إنما هو بطريق الإلزام وإلا فالحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات ~~لأجلها شرع وفعل وأن لم يعلمها الخلق على التفصيل فلا يلزم من عدم علمهم ~~بها انتفاؤها في نفسها، الجواب السابع أن غاية هذه الشبهة أن يكون سبحانه ~~قادرا على تحصيل تلك الحكم بدون تلك الوسائط كما هو قادر على تحصيلها بها ~~وإذا كان الأمران مقدوران له لم يكن العدول عن أحد المقدورين إلى الآخر ~~عبثا إلا إذا كان المقدور الآخر مساويا لهذا من كل وجه ولا يمكن عاقلا أن ~~يقول أن تعطيل تلك الوسائط وعدمها مساو من كل وجه لوجودها وهذا من أعظم ~~البهت وأبطل الباطل وهو يتضمن القدح في الحس والعقل والشرع كما هو قدح في ~~الحكمة فإن من جعل وجود الرسل وعدمهم سواء ووجود الشمس والقمر والنجوم ~~والمطر والنبات والحيوان وعدمها سواء ووجود هذه الوسائط جميعها وعدمها سواء ~~فلم يدع للمكابرة موضعها، الجواب الثامن قولك جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى ~~شيئين اللذة الهم والحزن أتريد به الغرض الذي يفعل لأجلها الحيوان أو ~~الحكمة التي يفعل الله سبحانه لأجلها أم تريد به ما هو أعم من ذلك فإن أردت ~~الأول لم تفدك شيئا وإن أردت الثاني أو الثالث كانت دعوى مجردة لا برهان ~~عليها فإن حكمة الرب تعالى فوق تحصيل اللذة ودفع الغم والحزن فإنه يتعالى ~~عن ذلك بل ليس كمثل حكمته شيء كما أنه موصوف بالإرادة وليست كإرادة الحيوان ~~فإن الحيوان يريد ما يريده ليجلب له منفعة أو يدفع به عنه مضرة وكذلك غضبه ~~ليس مشابها لغضب خلقه فإن غضب المخلوق هو غليان دم قلبه طلبا للانتقام ~~والله يتعالى عن ذلك وكذلك سائر صفاته فكما أنه ليس كمثله شيء في إرادته ~~ورضاه وغضبه ورحمته وسائر صفاته فهكذا حكمته سبحانه لا تماثل حكمة ~~المخلوقين بل هي أجل وأعلى من أن يقال أنها تحصيل لذة أو دفع حزن فالمخلوق ~~لنقصه يحتاج أن يفعل ذلك لأن مصالحه لا تتم إلا به والله سبحانه غني بذاته ~~عن ms382 كل ما سواه لا يستفيد من خلقه كمالا بل خلقهم يستفيدون كمالهم منه، ~~الجواب التاسع أن يقال قد دل الوحي مع العقل على أنه سبحانه يحب ويبغض أما ~~الوحي فالقرآن مملوء من ذلك وأما العقل فما نشاهد في العالم من إكرام ~~أوليائه وأهل طاعته وإهانة أعدائه وأهل معصيته شاهد لمحبته لهؤلاء ورضاه # PageV01P214 # عنهم وبغضه لهؤلاء وسخطه عليهم ومعلوم قطعا أن من يحب ويبغض أكمل محبة ~~وبغض وهو قادر على تحصيل محابه فإن حكمته فيما يفعله ويتركه أتم حكمة ~~وأكملها فهو يفعل ما يفعله لأنه يوصل إلى محابه ويترك ما يتركه لأنه لا ~~يحبه وإذا فعل ما يكرهه لم يفعله إلا لإفضائه إلى ما يحب وإن كان مكروها في ~~نفسه فإن أردت باللذة والسرور والهم والحزن الحب والبغض فالرب تعالى يحب ~~ويبغض لم يلزم من كونه يفعل لحكمة أن يتصف بذلك، الجواب العاشر أنه سبحانه ~~إذا كان قادرا على تحصيل ذلك بدون الوسائط وهو قادر على تحصيله بها كان فعل ~~النوعين أكمل وأبلغ في القدرة وأعظم في ملكه وربوبيته من كونه لا يفعل إلا ~~بأحد النوعين والرب تعالى تتنوع أفعاله لكمال قدرته وحكمته وربوبيته فهو ~~سبحانه قادر على تحصيل تلك الحكمة بواسطة إحداث مخلوق من فصل وبدون إحداثه ~~بل بما يقوم به من أفعاله اللازمة وكلماته وثنائه على نفسه وحمده لنفسه ~~فمحبوبه يحصل بهذا وهذا وذلك أكمل ممن لا يحصل محبوبه إلا بأحد النوعين، ~~الجواب العاشر أن الرب سبحانه كامل في أوصافه وأسمائه وأفعاله فلا بد من ~~ظهور آثارها في العالم فإنه محسن ويستحيل وجود الإحسان بدون من يحسن إليه ~~ورزاق فلا بد من وجود من يرزقه وغفار وحليم وجواد ولطيف بعباده ومنان ووهاب ~~وقابض وباسط وخافض ورافع ومعز ومذل وهذه الأسماء تقتضي متعلقات تتعلق بها ~~وآثارا تتحقق بها فلم يكن بد من وجود متعلقاتها وإلا تعطلت تلك الأوصاف ~~وبطلت تلك الأسماء فتوسط تلك الآثار لا بد منه في تحقق معاني تلك الأسماء ~~والصفات فكيف يقال أنه عبث لا فائدة فيه ms383 وبالله التوفيق. # فصل: قال نفاة الحكمة لو وجب أن يكون خلقه وأمره معللا بحكمة وغرض لكان ~~خلق الله العالم في وقت معين دون ما قبله ودون ما بعده معللا برعاية غرض ~~ومصلحة ثم تلك المصلحة والغرض إما أن يقال كان حاصلا قبل ذلك الوقت أو لم ~~يكن حاصلا قبله فإن كان ما لأجله أوجد الله العالم في ذلك الوقت حاصلا قبل ~~أن أوجده فيلزم أن يقال أنه كان موجدا له قبل أن لم يكن موجدا له وذلك محال ~~وإن قلنا أن ذلك الغرض والمصلحة لم يكن حاصلا قبل ذلك الوقت وإنما حدث في ~~ذلك الوقت فنقول حصول ذلك الغرض في ذلك الوقت إما أن يكون مفتقرا إلى ~~المحدث أو لا يفتقر فإن لم يفتقر فقد حدث الشيء لا عن موجد ومحدث وهو محال ~~وأن افتقر إلى محدث فإن افتقر تخصص إحداث ذلك الغرض بذلك الوقت إلى غرض آخر ~~عاد التقسيم الأول فيه ولزم التسلسل وإن لم يفتقر إلى رعاية غرض آخر فحينئذ ~~تكون موجدية الله سبحانه وخالقيته غنية عن الأغراض والمصالح وهذا هو ~~المطلوب قالوا وهذه الحجة كما أنها قائمة في اختصاص العالم بذلك الوقت ~~المعين فهي قائمة في اختصاص كل حادث من الحوادث بوقته المعين وملخصها أن ~~إحداث الحادث في وقته إن كان لغرض فإن كان ذلك الغرض حاصلا قبله لزم حدوثه ~~قبل حدوثه وإلا افتقر إلى الإحداث فإحداثه إن كان لغرض تسلسل وإلا ثبت ~~المطلوب قال أهل الحكمة هذه الحجة بعينها مذكورة في ضمن الحجة الثانية التي ~~تقدمت وكأنكم يعجبكم التشييع بكره الباطل وجميع ما أجبناكم به هناك فهو ~~الجواب ههنا بعينه فغاية هذا أنه تسلسل في الآثار لا في المؤثرات وتسلسل في ~~الحوادث المستقبلة وذلك جائز بل واجب باتفاق المسلمين سوى قول حبهم والعلاف ~~وغاية الأمر أن يكون في الحوادث # PageV01P215 # ما يراد لنفسه وفيها ما يراد لغيره والحكمة المطلوبة لنفسها لا تفتقر إلى ~~أخرى تراد لأجلها وأن هذا الدليل لو صحت مقدماته وهيهات فإنما يدل على أن ms384 ~~أفعاله تعالى لا يجب تعليلها ولا يلزم من ذلك أن لا يجوز تعليلها فنفي ~~الوجوب شيء ونفي الجواز شيء فهب أنا سلمنا الأول فأين دليل الثاني وغايتها ~~أنها تدل على عدم تعليل بعض الحوادث لا على عدم تعليل جميعها وبالجملة فما ~~تقدم هناك مغزاها عن الإطالة في الأجوبة وسر المسألة أن دوام فاعليته في ~~المستقبل متفق عليه والسلف على دوامها في الماضي وإنما خالف في ذلك كثير من ~~أهل الكلام. # فصل: قال نفاة الحكمة قد قام الدليل على أنه سبحانه خالق كل شيء فأي حكمة ~~أو مصلحة في خلق الكفر والفسوق والعصيان وأي حكمة في خلق من علم أنه يكفر ~~ويفسق ويظلم ويفسد الدنيا والدين وأي حكمة في خلق كثير من الجمادات التي ~~وجودها وعدمها سواء وكذلك كثير من الأشجار والنبات والمعادن المعطلة ~~والحيوانات المهملة بل العادية المؤذية وأي حكمة في خلق السموم والأشياء ~~المضرة وأي حكمة في خلق إبليس والشياطين وإن كان في خلقهم حكمة فأي حكمة في ~~بقائه إلى آخر الدهر وإماتة الرسل والأنبياء وأي حكمة في إخراج آدم وحواء ~~من الجنة وتعريض الذرية لهذا البلاء العظيم وقد أمكن أن يكونوا في أعظم ~~العافية وأي حكمة في إيلام الحيوانات وإن كان في إيلام المكلفين منها حكمة ~~فما الحكمة في إيلام غير المكلف كالبهائم والأطفال والمجانين وأي حكمة له ~~في خلقه خلقا يعذبهم بأنواع العذاب الدائم الذي لا ينقطع وأي حكمة في تسليط ~~أعدائه على أوليائه يسومونهم سوء العذاب قتلا وأسرا وعقوبة واستبعادا وأي ~~حكمة في تكليف الثقلين وتعريضهما بالتكليف لأنواع المشاق والعذاب قالوا ~~ونحن والعقلاء نعلم علما ضروريا إن خلود أهل النار فيها فعل الله ونعلم ~~ضرورة أنه لا فائدة في ذلك تعود إليه ولا إلى المعذبين ولا إلى غيرهم قالوا ~~ويكفينا في ذلك مناظرة الأشعري لأبي هاشم الجبائي حين سأله عن ثلاثة إخوة ~~مات أحدهم مسلما قبل البلوغ وبلغ الآخران فمات أحدهما مسلما والآخر كافرا ~~فاجتمعوا عند رب العالمين فبلغ المسلم البالغ المرتبة العليا بعمله وإسلامه ~~فقال ms385 أخوه يا رب هلا رفعتني إلى منزلة أخي المسلم فقال إنه عمل أعمالا لم ~~تعملها فقال يا رب فهلا أحييتني حتى أعمل مثل عمله قال علمت أن موتك صغيرا ~~خير لك إذ لو بلغت لكفرت فصاح الأخ الثالث من أطباق الجحيم وقال يا رب فهلا ~~أمتني صغيرا قبل البلوغ كما فعلت بأخي فما جوابه قال فانقطع الشيخ ولم يذكر ~~جوابا قال نفاة الحكمة وهذا قاطع في المسألة لا غبار عليه وقال تعالى: ~~{يعذب من يشاء ويرحم من يشاء} وقال: {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~والله على كل شيء قدير} {لا يسأل عما يفعل} فرد الأمر إلى محض مشيئته وأخبر ~~أن صدور الأشياء كلها عنها وقالوا وأصل ضلال الخلق هو طلب تعليل أفعال الرب ~~كما قال شيخ الإسلام في تائيته: # وأصل ضلال الخلق من كل فرقة ... هو الخوض في فعل الإله بعلة # فإنهم لما طلبوا علة أفعاله فأعجزهم العلم بها افترقوا بعد ذلك فطائفة ~~ردت الأمر إلى الطبيعة والأفلاك التزمت مكابرة الحس والعقل وقالوا أن أهل ~~خلود النار في النار أنفع لهم وأصلح # PageV01P216 # من كونهم في الجنة وأن إبقاء إبليس يغوي الخلق ويضلهم أنفع لهم من إماتته ~~وإن إماتة الأنبياء أصلح للأمم من إبقائهم بينهم وأن تعذيب الأطفال خير لهم ~~من رحمتهم إلى غير ذلك من المحالات التي قادهم إليها الخوض في تعليل أفعال ~~من لا يسأل عما يفعل فلذلك قلنا أن الصواب القول بعدم التعليل وتخلصنا من ~~الحبائل والإشراك التي وقعتم فيها قال أهل الحكمة ليست هذه الأسئلة ~~والاعتراضات التي قد جئتم بها في حكمة أحكم الحاكمين بأقوى من الأسئلة ~~والاعتراضات التي قدح بها أهل الإلحاد في وجوده سبحانه وقد أقاموا أربعين ~~شبهة تنفي وجوده وكذلك اعتراضات المكذبين لرسله وقد حكيتم أنتم عنهم ثمانين ~~اعتراضا وكذلك الاعتراضات التي قدح بها المعطلة في إثبات صفات كماله قد ~~علمتم شأنها وكبرها وكذلك الاعتراضات التي ms386 نفي بها الجهمية علوه على خلقه ~~واستواءه على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لعباده وقد علمتم الاعتراضات التي ~~اعترض بها أهل الفلسفة على كونه خالقا للعالم في ستة أيام وعلى كونه يقيم ~~الناس من قبورهم ويبعثهم إلى دار السعادة أو الشقاء ويبدل هذا العالم ويأتي ~~بغيره واعتراضات هؤلاء وأسئلتهم أضعاف اعتراضات نفاة الحكمة وغايات أفعاله ~~المقصودة وكذلك اعتراضات نفاة القدر وأسئلتهم إلى غير ذلك وقد اقتضت حكمة ~~أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكل حق جاحدا ولكل صواب معاندا كما ~~أقام لكل نعمة حاسدا ولكل شر رائدا وهذا من تمام حكمته الباهرة وقدرته ~~القاهرة ليتم عليهم كلمته وينفذ فيهم مشيئته ويظهر فيهم حكمته ويقضي بينهم ~~بحكمه ويفاضل بينهم بعلمه ويظهر فيهم آثار صفاته العليا وأسمائه الحسنى ~~ويتبين لأوليائه وأعدائه يوم القيامة أنه لم يخل لحكمة ولم يخلق خلقه عبثا ~~ولا يتركهم سدا وأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا وأن له ~~الحمد التام الكامل على جميع ما خلقه وقدره وقضاه وعلى ما أمر به ونهى عنه ~~وعلى ثوابه وعقابه وأنه لم يضع من ذلك شيئا إلا في محله الذي لا يليق به ~~سواه قال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا ~~عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم ~~الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} وإذا تبين لأهل الموقف ونفذ فيهم قضاؤه ~~الفصل وحكمه العدل نطق الكون أجمعه بحمده كما قال تعالى: {قضي بينهم بالحق ~~وقيل الحمد لله رب العالمين} وجواب هذه الأسئلة من وجوه أحدها أن الحكمة ~~إنما تتعلق بالحدوث والوجود والكفر والشرور وأنواع المعاصي راجعة إلى ~~مخالفة نهي الله ورسوله وترك ما أمر به وليس ذلك من متعلق الإيجاد في شيء ~~ونحن إنما التزمنا أن ما فعله الله وأوجده فله فيه حكمة وغاية مطلوبة وأما ~~ما تركه سبحانه ولم يفعله فإنه وإن كان إنما تركه لحكمة في ذلك فلم يدخل في ~~كلامنا فلا يرد علينا وقد قيل أن ms387 الشر ليس إليه بوجه فإنه عدم الخير ~~وأسبابه والعدم ليس بشيء كاسمه فإذا قلنا أن أفعال الرب تعالى واقعة وغاية ~~محمودة لم يرد علينا تركه يوضحه الجواب الثاني وهو أنه سبحانه قد يترك ما ~~لو خلقه لكان في خلقه له حكمة فيتركه لعدم محبته لوجوده أو لكون وجوده يضاد ~~ما هو أحب أو لاستلزام وجوده فوات محبوب له آخر وعلى هذا فتكون حكمته في ~~عدم خلقه أرجح من حكمته في خلقه والجمع بين الضدين مستحيل فرجح سبحانه أعلى ~~الحكمتين بتفويت أدناهما وهذا غاية الحكمة فخلقه وأمره مبني على تحصيل ~~المصالح الخالصة أو الراجحة بتفويت المرجوحة التي لا يمكن الجمع بينها وبين ~~تلك الراجحة وعلى دفع المفاسد # PageV01P217 # الخالصة أو الراجحة وإن وجدت المفاسد المرجوحة التي لا يمكن الجمع بين ~~عدمها وعدم تلك الراجحة وخلاف هذا هو خلاف الحكمة والصواب الجواب الثالث أن ~~يقال غاية ذلك انتفاء الحكمة في هذا النوع من المقدورات فيلزم من ذلك ~~انتفاؤها في جميع خلقه وحكمه فهب أن هذا النوع لا حكمة فيه فمن أين يستلزم ~~ذلك نفي الحكمة والغرض في كل شيء كيف وفيه من الحكم والغايات المحمودة ما ~~هو معلوم لأهل البصائر الراسخين في العلم كما سننبه على ذلك منه إن شاء ~~الله، الجواب الرابع أنا لم ندع حكمة يجب أو يمكن اطلاع الخلق على تفاصيلها ~~فإن حكمة الله أعظم وأجل من ذلك فما المانع من اشتمال ما ذكرتم من الصور ~~وغيرها على الحكم حجة ينفرد الله بعلمها كما قال للملائكة وقد سألوه عن ذلك ~~أني أعلم ما لا تعلمون فمن يقول بلزوم الحكمة لأفعاله وأحكامه مطلقا لا ~~يوجب مشاركة خلقه له في العلم بها، الجواب الخامس أن الله سبحانه ليس كمثله ~~شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وله في جميع ما ذكرتم وغيره حكمة ~~ليست من جنس الحكمة التي للمخلوقين كما أن فعله ليس مماثلا فعلهم ولا قدرته ~~وإرادته ومشيئته ومحبته ورضاه وغضبه مماثلا لصفات المخلوقين، الجواب السادس ~~أن الحكمة تابعة ms388 للعلم والقدرة فمن كان أعلم وأقدر كانت أفعاله أحكم وأكمل ~~والرب منفرد بكمال العلم والقدرة فحكمته بحسب علمه وقدرته كما تقدم تقريره ~~فحكمته متعلقة بكل ما تعلق به علمه وقدرته، الجواب السابع أن الأدلة ~~القاطعة قد قامت على أنه حكيم في أفعاله وأحكامه فيجب القول بموجبها وعدم ~~العلم بحكمته في الصور المذكورة لا يكون مسوغا لمخالفة تلك الأدلة القاطعة ~~لا سيما وعدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه، الجواب الثامن أن كماله ~~المقدس يمنع خلو هذه الصور التي تقصيتم عن الحكمة وكماله أيضا يأبى إطلاع ~~خلقه على جميع حكمته فحكمته تمنع إطلاع خلقه على جميع حكمته بل الواحد منا ~~لو أطلع غيره على جميع شأنه وأمره عد سفيها جاهلا وشأن الرب أعظم من أن ~~يطلع كل واحد من خلقه على تفاصيل حكمته، الجواب التاسع أنكم إما أن تعترفوا ~~بأن له حكمة في شيء من خلقه وأمره أو تنكروا أن يكون له في شيء من خلقه ~~وأمره حكمة فإن أنكرتم ذلك وما هو من الظالمين ببعيد كذبتم جميع كتب الله ~~ورسوله والعقل والفطرة والحسن وكذبتم عقولكم قبل تكذيب العقلاء فإن جحد ~~حكمة الله الباهرة في خلقه وأمره بمنزلة جحد الشمس والقمر والليل والنهار ~~وغير مستنكر لكثير من الطوائف أهل الكلام المكابرة في جحد الضروريات وإن ~~أقررتم بحكمة في بعض خلقه وأمره قيل لكم فأي الأمرين أولى به وجود تلك ~~الحكمة أم عدمها فإن قلتم عدمها أولى من وجودها كان هذا غاية الكذب والبهت ~~والمحال وإن قلتم وجودها أكمل قيل فهل هو قادر على تحصيلها في جميع خلقه ~~وأحكامه أم غير قادر فإن قلتم غير قادر جئتم بالعظيمة في العقل والدين ~~وانسلختم من عقولكم وأذهانكم وإن قلتم بل هو قادر على ذلك قيل فإذا كان ~~قادرا على شيء وهو كمال في نفسه ووجوده خير من عدمه وهو أولى به فكيف يجوز ~~نفيه عنه فإن قلتم إنما نفياه لأنا لم نطلع على حقيقته قيل صدقتم والله ~~سائلكم في جميع ما تنفونه عن الله ms389 إنما مستندكم في نفيه عدم الاطلاع على ~~حقيقته ولم تكتفوا بقبول قول الرسل فصرتم إلى النفي، الجواب العاشر أن ~~العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل إذا فعل أفعالا ظهرت فيها حكمته ووقعت ~~على أتم الوجوه وأوفقها للمصالح المقصودة بها ثم إذا رأوا أفعاله قد تكررت ~~كذلك ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه لم يسعهم غير التسليم # PageV01P218 # لما عرفوا من حكمته واستقر في عقولهم منها وردوا منها ما جهلوه إلى محكم ~~ما علموه هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم حتى أن النفاة يسلكون هذا ~~المسلك بعينه مع أئمتهم وشيوخهم فإذا جاءهم إشكال على قواعد أئمتهم ~~ومذاهبهم قالوا هم أعلم منا وهم فوقنا في كل علم ومعرفة وحكمة ونحن معهم ~~كالصبي مع معلمه وأستاذه فهلا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم الذي بهرت ~~حكمته العقول وكان نسبتها إلى حكمته أولى من نسبة عين الخفاش إلى جرم الشمس ~~ولو أن العالم الفاضل المبرز في علوم كثيرة أعرض على من لا يشاركه في صنعته ~~ولا هو من أهلها وقدح في أوضاعها لخرج عن موجب العقل والعلم وعد ذلك نقصا ~~وسفها فكيف بأحكم الحاكمين وأعلم العالمين وأقدر القادرين، الجواب الحادي ~~عشر أن الحكمة إنما تتم بخلق المتضادات والمتقابلات كالليل والنهار والعلو ~~والسفل والطيب والخبيث والخفيف والثقيل والحلو والمر والبرد والألم واللذة ~~والحياة والموت والداء والدواء فخلق هذه المتقابلات هو محل ظهور الحكمة ~~الباهرة ومحل ظهور القدرة القاهرة والمشيئة النافذة والملك الكامل التام ~~فتوهم تعطيل خلق هذه المتضادات تعطيل لمقتضيات تلك الصفات وأحكامها وآثارها ~~وذلك عين المحال فإن لكل صفة من الصفات العليا حكما ومقتضيات وأثرا هو مظهر ~~كمالها وإن كانت كاملة في نفسها لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها فلا ~~يجوز تعطيله فإن صفة القادر تستدعي مقدورا وصفة الخالق تستدعي مخلوقا وصفة ~~الوهاب الرازق المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر المعز المذل العفو ~~الرءوف تستدعي آثارها وأحكامها فلو عطلت تلك الصفات عن المخلوق المرزوق ~~المغفور له المرحوم المعفو عنه لم ms390 يظهر كمالها وكانت معطلة عن مقتضياتها ~~وموجباتها فلو كان الخلق كلهم مطيعون عابدون حامدون لتعطل أثر كثير من ~~الصفات العلى والأسماء الحسنى وكيف كان يظهر أثر صفة العفو والمغفرة والصفح ~~والتجاوز والانتقام والعز والقهر والعدل والحكمة التي تنزل الأشياء منازلها ~~وتضعها مواضعها فلو كان الخلق كلهم أمة واحدة لفاتت الحكم والآيات والعبر ~~والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه وفات كمال الملك والتصرف فإن ~~الملك إذا اقتصر تصرفه على مقدور واحد من مقدوراته فإما أن يكون عاجزا عن ~~غيره فيتركه عجزا أو جاهلا بما في تصرفه في غيره من المصلحة فيتركه جهلا ~~وأما أقدر القادرين وأعلم العالمين وأحكم الحاكمين فتصرفه في مملكته لا يقف ~~على مقدور واحد لأن ذلك نقص في ملكه فالكمال كل الكمال في العطاء والمنع ~~والخفض والرفع والثواب والعقاب والإكرام والإهانة والإعزاز والإذلال ~~والتقديم والتأخير والضر والنفع وتخصيص هذا على هذا وإيثار هذا على هذا ولو ~~فعل هذا كله بنوع واحد متماثل الأفراد لكان ذلك منافيا لحكمته وحكمته تأباه ~~كل الإباء فإنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوى بين مختلفين وقد عاب على من ~~يفعل ذلك وأنكر على من نسبه إليه والقرآن مملوء من عيبه على من يفعل ذلك ~~فكيف يجعل له العبيد ما يكرهون ويضربون له مثل السوء وقد فطر الله عباده ~~على إنكار ذلك من بعضهم على بعض وطعنهم على من يفعله وكيف يعيب الرب سبحانه ~~من عباده شيئا ويتصف به وهو سبحانه إنما عابه لأنه نقص فهو أولى أن يتنزه ~~عنه وإذا كان لا بد من ظهور آثار الأسماء والصفات ولا يمكن ظهور آثارها إلا ~~في المتقابلات والمتضادات لم يكن في الحكمة بد من إيجادها إذ لو فقدت ~~لتعطلت الأحكام بتلك الصفات وهو محال يوضحه الوجه الثاني عشر أن من أسمائه ~~الأسماء المزدوجة # PageV01P219 # كالمعز المذل والخافض الرافع والقابض الباسط والمعطي المانع ومن صفاته ~~الصفات المتقابلة كالرضا والسخط والحب والبغض والعفو والانتقام وهذه صفات ~~كمال وإلا لم يتصف بها ولم يتسم بأسمائها وإذا كانت صفات ms391 كمال فإما أن ~~يتعطل مقتضاها وموجبها وذلك يستلزم تعطيلها في أنفسها وإما أن تتعلق بغير ~~محلها الذي يليق بأحكامها وذلك نقص وعيب يتعالى عنه فيتعين تعلقها بمحالها ~~التي تليق بها وهذا وحده كاف في الجواب لمن كان له فقه في باب الأسماء ~~والصفات ولا غيره يغيره يوضحه الوجه الثالث عشر أن من أسمائه الملك ومعنى ~~الملك الحقيقي ثابت له سبحانه بكل وجه وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال ~~إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة ولا إرادة ~~ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به وكيف يوصف بالملك من لا ~~يأمر ولا ينهى ولا يثيب ولا يعاقب ولا يعطي ولا يمنع ولا يعز ويذل ويهين ~~ويكرم وينعم وينتقم ويخفض ويرفع ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته ويتقدم إلى ~~عبيده بأوامره ونواهيه فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك وهذا يبين أن ~~المعطلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه ويأنف أحدهم أن يقال في ~~أمره وملكه ما يقوله هو في ربه فصفة ملكية الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم ~~التصرف إلا به والكل منه سبحانه فلم يتوقف كمال ملكه على غيره فإن كل ما ~~سواه مسند إليه متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه يوضحه الوجه الرابع عشر أن ~~كمال ملكه بأن يكون مقارنا بحمده فله الملك وله الحمد والناس في هذا المقام ~~ثلاث فرق فالرسل وأتباعهم أثبتوا له الملك والحمد وهذا مذهب من أثبت له ~~القدر والحكمة وحقائق الأسماء والصفات ونزهه عن النقائص ومشابهة المخلوقات ~~ويوحشك في هذا المقام جميع الطوائف غير أهل السنة الذين لم يتحيزوا إلى ~~نحلة ولا مقالة ولا متبوع من أهل الكلام الفرقة الثانية الذين أثبتوا له ~~الملك وعطلوا حقيقة الحمد وهم الجبرية نفاة الحكمة والتعليل القائلين بأنه ~~يجوز عليه كل ممكن ولا ينزه عن فعل قبيح بل كل ممكن فإنه لا يقبح منه وإنما ~~القبيح المستحيل لذاته كالجمع بين النقيضين فيجوز عليه تعذيب ملائكته ~~وأنبيائه ورسله وأهل طاعته ms392 وإكرام إبليس وجنوده وجعلهم فوق أوليائه في ~~النعيم المقيم أبدا ولا سبيل لنا إلى العلم باستحالة ذلك إلا من نفى الخلف ~~في خبره فقط فيجوز أن يأمر بمشيئته ومشيئة أنبيائه والسجود للأصنام وبالكذب ~~والفجور وسفك ونهب الأموال وينهى عن البر والصدق والإحسان والعفاف ولا فرق ~~في نفس الأمر بين ما أمر به ونهى عنه إلا التحكم بمحض المشيئة وأنه أمر ~~بهذا ونهى عن هذا من غير أن يكون فيما أمر به صفة حسن تقتضي محبته والأمر ~~به ولا فيما نهى عنه صفة قبح تقتضي كراهته والنهي عنه فهؤلاء عطلوا حمده في ~~الحقيقة وأثبتوا له ملكا بلا حمد مع أنهم في الحقيقة لم يثبتوا له ملكا ~~فإنهم جعلوه معطلا في الأزل والأبد لا يقوم به فعل البتة وكثير منهم عطله ~~عن صفات الكمال التي لا يتحقق كونه ملكا وربا وإلها إلا بها فلا ملكا ~~أثبتوا ولا حمدا الفرقة الثالثة أثبتوا له نوعا من الحمد وعطلوا كمال ملكه ~~وهم القدرية الذين أثبتوا نوعا من الحكمة ونفوا لأجلها كمال قدرته فحافظوا ~~على نوع من الحمد عطلوا له كمال الملك وفي الحقيقة لم يثبتوا لا هذا ولا ~~هذا فإن الحكمة التي أثبتوها جعلوها راجعة إلى المخلوق لا يعود إليه سبحانه ~~حكمها والملك الذي أثبتوه فإنهم في الحقيقة إنما قرروا نفيه لنفي قيام ~~الصفات التي لا يكون ملكا حقا إلا بها ونفي قيام الأفعال # PageV01P220 # الاختيارية فلم يقم به عندهم وصف ولا فعل ولا له إرادة ولا كلام ولا سمع ~~ولا بصر ولا فعل ولا له حب ولا بغض معطل عن حقيقة الملك والحمد والمقصود أن ~~عموم ملكه يستلزم إثبات القدر وأن لا يكون في ملكه شيء بغير مشيئته فالله ~~أكبر من ذلك وأجل وعموم حمده يستلزم أن لا يكون في خلقه وأمره ما لا حكمة ~~فيه ولا غاية محمودة يفعل لأجلها ويأمر لأجلها فالله أكبر وأجل من ذلك ~~يوضحه الوجه الخامس عشر أن مجرد الفعل من غير قصد ولا حكمة ولا مصلحة يقصده ~~الفاعل لأجلها ms393 لا يكون متعلقا للحمد فلا يحمد عليه حتى لو حصلت به مصلحة من ~~غير قصد الفاعل لحصولها لم يستحق الحمد عليها كما تقدم تقريره بل الذي يقصد ~~الفعل لمصلحة وحكمة وغاية محمودة وهو عاجز عن تنفيذ مراده أحق بالحمد من ~~قادر لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لقصد الإحسان هذا المستقر في فطر الخلق ~~والرب سبحانه حمده قد ملأ السماوات والأرض وما بينهما وما بعد ذلك فملأ ~~العالم العلوي والسفلي والدنيا والآخرة ووسع حمده ما وسع علمه فله الحمد ~~التام على جميع خلقه ولا حكم يحكم إلا بحمده ولا قامت السماوات والأرض إلا ~~بحمده ولا يتحول شيء في العالم العلوي والسفلي من حال إلى حال إلا بحمده ~~ولا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار إلا بحمده كما قال الحسن رحمة ~~الله عليه: "لقد دخل أهل النار النار وأن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه ~~سبيلا" وهو سبحانه إنما أنزل الكتاب بحمده وأرسل الرسل بحمده وأمات خلقه ~~بحمده ويحييهم بحمده ولهذا حمد نفسه على ربوبيته الشاملة لذلك كله فالحمد ~~لله رب العالمين وحمد نفسه على إنزال كتبه فالحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب وحمد نفسه على خلق السماوات والأرض: {الحمد لله الذي خلق السماوات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور} وحمد نفسه على كمال ملكه: {الحمد لله الذي له ~~ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير} فحمد ~~ملأ الزمان والمكان والأعيان وعم الأقوال كلها: {فسبحان الله حين تمسون ~~وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون} وكيف لا يحمد ~~على خلقه كله وهو الذي أحسن كل شيء خلقه وعلى صنعه وقد أتقنه: {صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء} وعلى أمره وكله حكمة ورحمة وعدل ومصلحة وعلى نهيه وكل ما ~~نهى عنه شر وفساد وعلى ثوابه وكله رحمة وإحسان وعلى عقابه وكله عدل وحق ~~فلله الحمد كله وله الملك كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله ~~والمقصود أنه كلما كان الفاعل أعظم حكمة ms394 كان أعظم حمدا وإذا عدم الحكمة ولم ~~يقصدها بفعله وأمره عدم الحمد الوجه السادس عشر أنه سبحانه يجب أن يشكر ~~ويحب أن يشكر عقلا وشرعا وفطرة فوجوب شكره أظهر من وجوب شكره أظهر من وجوب ~~كل واجب وكيف لا يجب على العباد حمده وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه ~~وتعظيمه وتكبيره والخضوع له والتحدث بنعمته والإقرار بها بجميع طرق الوجوب ~~فالشكر أحب شيء إليه وأعظم ثوابا وأنه خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع ~~وذلك يستلزم خلق الأسباب التي يكون الشكر بها أكمل ومن جملتها أن فاوت بين ~~عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ~~ومعايشهم وآجالهم فإذا رأى المعافى المبتلى والغني الفقير والمؤمن الكافر ~~عظم شكره لله وعرف قدر نعمته عليه وما خصه به وفضله به على غيره فازداد ~~شكرا وخضوعا واعترافا بالنعمة، وفي أثر ذكره الإمام أحمد في الزهد: "أن ~~موسى قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكر" فإن قيل فقد كان # PageV01P221 # من الممكن أن يسوى بينهم في النعم ويسوى بينهم في الشكر كما فعل ~~بالملائكة قيل لو فعل ذلك لكان الحاصل من الشكر نوع آخر غير النوع الحاصل ~~منه على هذا الوجه والشكر الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره ~~ولهذا كان شكر الملائكة وخضوعهم وذلهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من ~~إبليس ما جرى له ومن هاروت وماروت ما شاهدوه أعلى وأكمل مما كان قبله وهذه ~~حكمة الرب ولهذا كان شكر الأنبياء وأتباعهم بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم ~~وانتقام الرب منهم وما أنزل بهم من بأسه أعلى وأكمل وكذلك شكر أهل الجنة في ~~الجنة وهم يشاهدون أعداءه المكذبين لرسله المشركين به في ذلك العذاب فلا ~~ريب أن شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قدر اشتراك ~~جميع الخلق في النعيم فالمحبة الحاصلة من أوليائه له والرضا والشكر وهم ~~يشاهدون بين جنسهم في ضد ذلك من كل وجه أكمل وأتم، فالضد يظهر حسنه الضد، ~~وبضدها تتبين الأشياء، ولولا ms395 خلق القبيح لما عرفت فضيلة الجمال والحسن ~~ولولا خلق الظلام لما عرفت فضيلة النور ولولا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر ~~العافية ولولا الجحيم لما عرف قدر الجنة ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدا ~~لما عرف قدره ولو جعل الليل سرمدا لما عرف قدره وأعرف الناس بقدر النعمة من ~~ذاق البلاء وأعرفهم بقدر الفقر من قاسى مرائر الفقر والحاجة ولو كان الناس ~~كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عرف قدر الجمال وكذلك لو كانوا كلهم ~~مؤمنين لما عرف قدر الإيمان والنعمة به فتبارك من له في خلقه وأمره الحكم ~~البوالغ والنعم السوابغ يوضحه الوجه السابع عشر أنه سبحانه يجب أن يعبد ~~بأنواع العبودية ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه ~~والحب فيه والبغض فيه والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته ومعارضة ~~أعدائه وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها وهو أحب أنواعها ~~إليه وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره ~~وتؤمن به والأرواح التي تعاديه وتكفر به ويسلط بعضها على بعض لتحصل بذلك ~~محابه على أتم الوجوه وتقرب أوليائه إليه لجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه ~~وإذلالهم وكبتهم ومخالفة سبيلهم فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته ~~ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلي ~~أي شيء كانت كلمته ودعوته تعلو فإن العلو أمر لشيء يستلزم غالبا ما يعلى ~~عليه وعلو الشيء على نفسه محال والوقوف على الشيء لا يحصل بدونه يوضحه ~~الوجه الثامن عشر أن من عبوديته العتق والصدقة والإيثار والمواساة والعفو ~~والصفح والصبر وكظم الغيظ واحتمال المكاره ونحو ذلك مما لا يتم إلا بوجود ~~متعلقه وأسبابه فلولا لم تحصل عبودية العتق فالرق من أثر الكفر ولولا الظلم ~~والإساءة والعدوان لم تحصل عبودية الصبر والمغفرة وكظم الغيظ ولولا الفقر ~~والحاجة لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار والمواساة فلو سوى بين خلقه جميعهم ~~لتعطلت هذه العبوديات التي هي أحب شيء إليه ولأجلها خلق الجن والإنس ~~ولأجلها شرع ms396 الشرائع وأنزل الكتب وأرسل الرسل وخلق الدنيا والآخرة وكما أن ~~ذلك من صفات كماله فلو لم يقدر الأسباب التي يحصل بها ذلك لغاب هذا الكمال ~~وتعطلت أحكام تلك الصفات كما مر توضيحه الوجه التاسع عشر أنه سبحانه يفرح ~~بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح يقدر أو يخطر ببال أو يدور في خلد وحصول ~~هذا الفرح موقوف على التوبة الموقوفة على وجود ما يتاب منه # PageV01P222 # وما يتوقف عليه الشيء لا يوجد بدونه فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال ~~ولا ريب أن وجود الفرح أكمل من عدمه فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه ~~وقد نبه أعلم الخلق بالله على هذا المعنى بعينه حيث يقول في الحديث الصحيح: ~~"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم" فلو ~~لم يقدر الذنوب والمعاصي فلمن يغفر وعلى من يتوب وعمن يعفو ويسقط حقه ويظهر ~~فضله وجوده وحلمه وكرمه وهو واسع المغفرة فكيف يعطل هذه الصفة أم كيف يتحقق ~~بدون ما يغفر ومن يغفر له ومن يتوب وما يتاب عنه فلو لم يكن في تقدير ~~الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده لكفى به حكمة وغاية محمودة فكيف ~~والحكم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر ~~بالبال وكان بعض العباد يدعو في طوافه اللهم اعصمني من المعاصي ويكرر ذلك ~~فقيل له في المنام أنت سألتني العصمة وعبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتكم من ~~الذنوب فلمن أغفر وعلى من أتوب وعمن أعفو ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء ~~إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه يوضحه الوجه العشرون أنه قد يترتب ~~على خلق من يكفر به ويشرك به ويعاديه من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ما ~~لم يكن يحصل بدون ذلك فلولا كفر قوم نوح لما ظهرت آية الطوفان وبقيت يتحدث ~~بها الناس على ممر الزمان ولولا كفر عاد لما ظهرت آية الريح العقيم التي ~~دمرت ما مرت عليه ولولا كفر قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة ولا كفر ~~فرعون ms397 لما ظهرت تلك الآيات والعجائب يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة واهتدى من ~~شاء الله فهلك بها من هلك عن بينه وحي بها من حي عن بينة وظهر بها فضل الله ~~وعدله وحكمته وآيات رسله وصدقهم فمعارضة الرسل وكسر حججهم ودحضها والجواب ~~عنها وإهلاك الله لهم من أعظم أدلة صدقهم وبراهينه ولولا مجيء المشركين ~~بالحد والحديد والعدد والشوكة يوم بدر لما حصلت تلك الآية العظيمة التي ~~يترتب عليها من الإيمان والهدى والخير ما لم يكن حاصلا مع عدمها وقد بينا ~~أن الموقوف على الشيء لا يوجد بدونه ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع فلله ~~كم عمرت قصة بدر من ربع أصبح آهلا بالإيمان وقد فتحت لأولي النهى من باب ~~وصلوا منه إلى الهدى والإيقان وكم حصل بها من محبوب للرحمن وغيظ للشيطان ~~وتلك المفسدة التي حصلت في ضمنها للكفار مغمورة جدا بالنسبة إلى مصالحها ~~وحكمها وهي كمفسدة المطر إذا قطع المسافر وبل الثياب وخرب بعض البيوت ~~بالنسبة إلى مصلحة العامة وتأمل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون للأمم من ~~الهدى والإيمان الذي غمر مفسدة من هلك به حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته ~~فكم لله من حكمة في آياته التي ابتلى بها أعداءه وأكرم فيها أولياءه وكم له ~~فيها من آية وحجة وتبصرة وتذكرة ولهذا أمر سبحانه رسوله أن يذكر بها أمته ~~فقال تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ~~وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذ قال موسى لقومه ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} فذكرهم بأيامه ~~وإنعامه ونجاتهم من عدوهم وإهلاكهم وهم ينظرون فحصل بذلك من ذكره وشكره ~~ومحبته وتعظيمه وإجلاله ما تلاشت فيه مفسدة إهلاك الأبناء وذبحهم واضمحلت ~~فإنهم صاروا إلى النعيم وخلصوا من مفسدة العبودية لفرعون إذ كبروا وسومهم ~~له سوء العذاب وكان الألم الذي # PageV01P223 # ذاقه الأبوان عند الذبح أيسر من الآلام ms398 التي كانوا تجرعوها باستعباد ~~فرعون وقومه لهم بكثير فحظي بذلك الآباء والأبناء وأراد سبحانه أن يرى ~~عباده ما هو من أعظم آياته وهو أن يربي هذا المولود الذي ذبح فرعون ما شاء ~~الله من الأولاد في طلبه في حجر فرعون وفي بيته وعلى فراشه فكم في ضمن هذه ~~الآية من حكمة ومصلحة ورحمة وهداية وتبصرة وهي موقوفة على لوازمها وأسبابها ~~ولم تكن لتوجد بدونها فإنه ممتنع فمصلحة تلك الآية وحكمتها غمرت مفسدة ذبح ~~الأبناء وجعلتها كأن لم تكن وكذلك الآيات التي أظهرها سبحانه على يد الكريم ~~ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم والعجائب والحكم والمصالح والفوائد التي ~~في تلك القصة التي تزيد على الألف لم تكن لتحصل بدون ذلك السبب الذي كان ~~فيه مفسدة حزونة يعقوب ويوسف ثم انقلبت تلك المفسدة مصالح اضمحلت في جنبها ~~تلك المفسدة بالكلية وصارت سببا لأعظم المصالح في حقه وحق يوسف وحق الإخوة ~~وحق امرأة العزيز وحق أهل مصر وحق المؤمنين إلى يوم القيامة فكم جنى أهل ~~المعرفة بالله وأسمائه وصفاته ورسله من هذه القصة من ثمرة وكم استفادوا بها ~~من علم وحكمة وتبصرة وكذلك المفسدة التي حصلت لأيوب من مس الشيطان به بنصب ~~وعذاب اضمحلت وتلاشت في جنب المصلحة والمنفعة التي حصلت له ولغيره عند ~~مفارقة البلاء وتبدله بالنعماء بل كان ذلك السبب المكروه هو الطريق الموصل ~~إليها والشجرة التي جنيت ثمار تلك النعم منها وكذلك الأسباب التي أوصلت ~~خليل الرحمن إلى أن صارت النار عليه بردا وسلاما من كفر قومه وشركهم ~~وتكسيره أصنامهم وغضبهم لها وإيقاد النيران العظيمة له وإلقائه فيها ~~بالمنجنيق حتى وقع في روضة خضراء في وسط النار وصارت آية وحجة وعبرة ودلالة ~~للأمم قرنا بعد قرن فكم لله سبحانه في ضمن هذه الآية من حكمة بالغة ونعمة ~~سابغة ورحمة وحجة وبينة لو تعطلت تلك الأسباب لتعطلت هذه الحكم والمصالح ~~والآيات وحكمته وكماله المقدس يأبى ذلك وحصول الشيء بدون لازمه ممتنع وكم ~~بين ما وقع من المفاسد الجزئية في هذه القصة ms399 وبين جعل صاحبها إماما للحنفاء ~~إلى يوم القيامة وهل تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة الحر والبرد والمطر ~~والثلج بالنسبة إلى مصالحها بكثير ولكن الإنسان كما قال الله تعالى: {ظلوما ~~جهولا} ظلوم لنفسه جهول بربه وعظمته وجلاله وحكمته وإتقان صنعه وكم بين ~~إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة على تلك الحال ودخوله إليها ذلك ~~الدخول الذي لم يفرح به بشر حبورا لله وقد اكتنفه من بين يديه ومن خلفه وعن ~~يمينه وعن شماله والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به والملائكة من فوقهم ~~والوحي من الله ينزل عليه وقد أدخله حرمه ذلك الدخول فأين مفسدة ذلك ~~الإخراج الذي كان كأن لم يكن ولولا معارضة السحرة لموسى بإلقاء العصي ~~والحبال حتى أخذوا أعين الناس واسترهبوهم لما ظهرت آية عصا موسى حتى ابتلعت ~~عصيهم وحبالهم ولهذا أمرهم موسى أن يلقوا أولا ثم يلقي هو بعدهم ومن تمام ~~ظهور آيات الرب تعالى وكمال اقتداره وحكمته أن يخلق مثل جبريل صلوات الله ~~وسلامه عليه الذي هو أطيب الأرواح العلوية وأزكاها وأطهرها وأشرفها وهو ~~السفير في كل خير وهدى وإيمان وصلاح ويخلق مقابله مثل روح اللعين إبليس ~~الذي هو أخبث الأرواح وأنجسها وشرها وهو الداعي إلى كل شر وأصله ومادته ~~وكذلك من تمام قدرته وحكمته أن خلق الضياء والظلام والأرض والسماء والجنة ~~والنار # PageV01P224 # وسدرة المنتهى وشجرة الزقوم وليلة القدر وليلة الوباء والملائكة ~~والشياطين والمؤمنين والكفار والأبرار والفجار والحر والبرد والداء والدواء ~~والآلام واللذات والأحزان والمسرات واستخرج سبحانه من بين ما هو من أحب ~~الأشياء إليه من أنواع العبوديات والتعرف إلى خلقه بأنواع الدلالات ولولا ~~خلق الشياطين والهوى والنفس الأمارة لما حصلت عبودية الصبر ومجاهدة النفس ~~والشيطان ومخالفتهما وترك ما يهواه العبد ويحبه لله فإن لهذه العبودية شأنا ~~ليس لغيرها ولولا وجود الكفار لما حصلت عبودية الجهاد ولما نال أهله درجة ~~الشهادة ولما ظهر من يقدم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده ومن يقدم ~~أدنى حظ من الحظوظ عليه فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم ms400 وتحملهم لله أنواع ~~المكاره والمشاق وأنواع العبودية المتعلقة بالدعوة وإظهارها لولا وجود ~~الكفار وتلك العبودية تقتضي علمه وفضله وحكمته ويستخرج منه حمده وشكره ~~ومحبته والرضا عنه يوضحه الوجه الحادي والعشرون أنه قد استقرت حكمته سبحانه ~~أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب ولا ~~يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق ولذلك حف الجنة ~~بالمكاره والنار بالشهوات ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة وقد خلقها له ~~واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب فما أخرجه ~~منها إلا ليدخله إليها أتم دخول فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني ~~من التفاوت وكم بين دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في جواد المطعم ~~بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد ~~مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها وكم بين فرحة من عافاه بعد ~~ابتلائه وأغناه بعد فقره وهداه بعد ضلاله وجمع قلبه بعد شتاته وفرحة من لم ~~يذق تلك المرارات وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات ~~والخيرات كما قال تعالى: {تب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا ~~وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} . # وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب # يوضحه الوجه الثاني والعشرون أن العقلاء قاطبة متفقون على استحسان أتعاب ~~النفوس في تحصيل كمالاتها من العلم والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة وطلب ~~محمدة من ينفعهم حمده وكل من كان أتعب في تحصيل ذلك كان أحسن حالا وأرفع ~~قدرا وكذلك يستحسنون أتعاب النفوس في تحصيل الغنى والعز والشرف ويذمون ~~القاعد عن ذلك وينسبونه إلى دناءة الهمة وخسة النفس وضعة القدر: # دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # وهذا التعب والكد يستلزم آلاما وحصول مكاره ومشاق هي الطريق إلى تلك ~~الكمالات ولم يقدحوا بتحمل تلك في حكمة من يحملها ولا يعدونه عائبا بل هو ms401 ~~العقل الوافر ومن أمر غيره به فهو حكيم في أمره ومن نهاه عن ذلك فهو سفيه ~~عدو له هذا في مصالح المعاش فكيف بمصالح الحياة الأبدية الدائمة والنعيم ~~المقيم كيف لا يكون الآمر بالتعب القليل في الزمن اليسير الموصل إلى الخير ~~الدائم حكيما رحيما محسنا ناصحا لمن يأمره وينهاه عن ضده من الراحة واللذة ~~التي تقطعه عن كماله ولذته ومسرته الدائمة هذا إلى ما في أمره ونهيه من ~~المصالح العاجلة التي بها سعادته وفلاحه وصلاحه ونهيه عما فيه # PageV01P225 # مضرته وعطبه وشقاوته فأوامر الرب تعالى رحمة وإحسان وشفاء ودواء وغذاء ~~للقلوب وزينة للظاهر والباطن وحياة للقلب والبدن وكم في ضمنه من مسرة وفرحة ~~ولذة وبهجة ونعيم وقرة عين فما يسميه هؤلاء تكاليف إنما هو قرة العيون ~~وبهجة النفوس وحياة القلوب ونور العقول وتكميل للفطر وإحسان تام إلى النوع ~~الإنساني أعظم من إحسانه إليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس ~~فنعمته على عباده بإرسال الرسل إليهم وإنزال كتبه عليهم وتعريفهم أمره ~~ونهيه وما يحبه وما يبغضه أعظم النعم وأجلها وأعلاها وأفضلها بل لا نسبة ~~لرحمتهم بالشمس والقمر والغيث والنبات إلى رحمتهم بالعلم والإيمان والشرائع ~~والحلال والحرام فكيف يقال أي حكمة في ذلك وإنما هو مجرد مشقة ونصب بغير ~~فائدة فوالله أن من زعم ذلك وظنه في أحكم الحاكمين لأضل من الأنعام وأسوأ ~~حالا من الحمير ونعوذ بالله من الخذلان والجهل بالرحمن وأسمائه وصفاته وهل ~~قامت مصالح الوجود إلا بالأمر والنهي وإرسال الرسل وإنزال الكتب ولولا ذلك ~~لكان الناس بمنزلة البهائم يتهارجون في الطرقات ويتسافدون تسافد الحيوانات ~~لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا ولا يمتنعون من قبيح ولا يهتدون إلى ~~صواب وأنت ترى الأمكنة والأزمنة التي خفيت فيها آثار النبوة كيف حال أهلها ~~وما دخل عليهم من الجهل والظلم والكفر بالخالق والشرك بالمخلوق واستحسان ~~القبائح وفساد العقائد والأعمال فإن الشرائع بتنزيل الحكيم العليم أنزلها ~~وشرعها الذي يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد وأسباب ~~سعادتهم الدنيوية والأخروية فجعلها غذاء ودواء وشفاء ms402 وعصمة وحصنا وملجأ ~~وجنة ووقاية وكانت بالقياس إلى مصالح الأبدان بمنزلة حكيم عالم ركب للناس ~~أمرا يصلح لكل مرض ولكل ألم وجعله مع ذلك غذاء للأصحاء فمن يغذي به من ~~الأصحاء غذاه ومن يداوي به من المرض شفاه وشرائع الرب تعالى فوق ذلك وأجل ~~منه وإنما هو تمثيل وتقريب فلا أحسن من أمره ونهيه وتحليله وتحريمه أمره ~~قوت وغذاء وشفاء ونهيه حمية وصيانة فلم يأمر عباده بما أمرهم به حاجة منه ~~إليهم ولا عبثا بل رحمة وإحسانا ومصلحة ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه ~~بخلا عليهم بل حماية وصيانة عما يؤذيهم ويعود عليهم بالضرر إن تناولوه فكيف ~~يتوهم من له مسكة من عقل خلوها من الحكم والغايات المحمودة المطلوبة لأجلها ~~ولهذا استدل كثير من العقلاء على النبوة بنفس الشريعة واستغنوا بها عن طلب ~~المعجزة وهذا من أحسن الاستدلال فإن دعوة الرسل من أكبر شواهد صدقهم وكل من ~~له خبرة بنوع من أنواع العلوم إذا رأى حاذقا قد صنف فيه كتابا جليلا عرف ~~أنه من أهل ذلك العلم بنظره في كتابه وهكذا كل من له عقل وفطرة سليمة وخبرة ~~بأقوال الرسل ودعوتهم إذا نظر في هذه الشريعة قطع قطعا نظير القطع ~~بالمحسوسات أن الذي جاء بهذه الشريعة رسول صادق وأن الذي شرعها أحكم ~~الحاكمين ولقد شهد لها عقلاء الفلاسفة بالكمال والتمام وأنه لم يطرق العالم ~~ناموس أكمل ولا أحكم هذه شهادة الأعداء وشهد لها من زعم أنه من الأولياء ~~بأنها لم تشرع لحكمة ولا لمصلحة وقالوا أي حكمة في الإلزام بهذه التكاليف ~~الشاقة المتعبة وأي مصلحة للمكلف في ذلك وأي غرض للمكلف وما هي إلا محض ~~المشيئة المجردة من قصد غاية أو حكمة ولو استحي هؤلاء من العقلاء لمنعهم ~~الحياء من تسويد القلوب والأوراق بمثل ذلك وهل تركت الشريعة خيرا ومصلحة ~~إلا جاءت به وأمرت به وندبت إليه وهل تركت شرا ومفسدة إلا نهت عنه وهل تركت ~~لمفرح أفراحا # PageV01P226 # أو لمتعنت تعنتا أو لسائل مطلبا فمن أحسن من الله حكما ms403 لقوم يوقنون وعند ~~نفاة الحكم أنه يجوز عليه ضد ذلك الحكم من كل وجه وأنه لا فرق بينه وبين ~~ضده في نفس الأمر إلا لمجرد التحكم والمشيئة فلوا اجتمعت حكمة جميع الحكماء ~~من أول الدهر إلى آخره ثم قيست إلى حكمة هذه الشريعة الكاملة الحكيمة ~~الفاضلة لكانت كقطرة من بحر وإنما نعني بذلك الشريعة التي أنزلها الله على ~~رسوله وشرعها للأمة ودعاهم إليها لا الشريعة المبدلة ولا المؤولة ولا ما ~~غلط فيه الغالطون وتأوله المتأولون فإن هذين النوعين قد يشتملان على فساد ~~وشر بل الشر والفساد الواقع بين الأمة من هاتين الشريعتين اللتين نسبتا إلى ~~الشريعة المنزلة من عند الله عمدا أو خطأ وإلا فالشريعة على وجهها خير محض ~~ومصلحة من كل وجه ورحمة وحكمة ولطف بالمكلفين وقيام مصالحهم بها فوق قيام ~~مصالح أبدانهم بالطعام والشراب فهي مكملة للفطر والعقول مرشدة إلى ما يحبه ~~الله ويرضاه ناهية عما يبغضه ويسخطه مستعملة لكل قوة وعضو حركة في كماله ~~الذي لا كمال له سواه آمرة بمكارم الأخلاق ومعاليها ناهية عن دنيئها ~~وسفسافها واختصار ذلك أنه شرع استعمال كل قوة وكل عضو وكل حركة في كمالها ~~ولا سبيل إلى معرفة كمالها على الحقيقة إلا بالوحي فكانت الشرائع ضرورية في ~~مصالح الخلق وضرورتها له فوق كل ضرورة تقدر فهي أسباب موصلة إلى سعادة ~~الدارين ورأس الأسباب الموصلة إلى حفظ صحة البدن وقوته واستفراغ أخلاطه ومن ~~لم يتصور الشريعة على هذه الصورة فهو من أبعد الناس عنها وقد جعل الحكيم ~~العليم لكل قوة من القوى ولكل حاسة من الحواس ولكل عضو من الأعضاء كمالا ~~حسيا وكمالا معنويا وفقد كماله المعنوي شر من فقد كماله الحسي فكماله ~~المعنوي بمنزلة الروح والحسي بمنزلة الجسم فأعطاه كماله الحسي خلقا وقدرا ~~وأعطاه كماله المعنوي شرعا وأمرا فبلغ بذلك غاية السعادة والانتفاع بنفسه ~~فلم يدع للإحسان إليه والاعتناء بمصالحه وإرشاده إليها وإعانته على تحصيلها ~~إفراحا يفرحه ولا شفاء يطلبه بل أعطاه من ذلك ما لم يصل إليه إفراحه ولا ~~تدرك ms404 معرفته ويكفي العاقل البصير الحي القلب فكرة في فرع واحد من فروع ~~الأمر والنهي وهو الصلاة وما اشتملت عليه من الحكم الباهرة والمصالح ~~الباطنة والظاهرة والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن والقوى التي لو ~~اجتمع حكماء العالم قاطبة واستفرغوا قواهم وأذهانهم لما أحاطوا بتفاصيل ~~حكمها وأسرارها وغاياتها المحمودة بل انقطعوا كلهم دون أسرار الفاتحة وما ~~فيها من المعارف الإلهية والحكم الربانية والعلوم النافعة والتوحيد التام ~~والثناء على الله بأصول أسمائه وصفاته وذكر أقسام الخلقة باعتبار غاياتهم ~~ووسائلهم وما في مقدماتها وشروطها من الحكم العجيبة من تطهير الأعضاء ~~والثياب والمكان وأخذ الزينة واستقبال بيته الذي جعله إماما للناس وتفريغ ~~القلب وإخلاص النية وافتتاحها بكلمة جامعة لمعاني العبودية دالة على أصول ~~الثناء وفروعه مخرجة من القلب الالتفات إلى ما سواه والإقبال على غيره ~~فيقدم بقلبه الوقوف بين يدي عظيم جليل أكبر من كل شيء وأجل من كل شيء وأعظم ~~من كل شيء بلا سبب في كبريائه السماوات وما أظلت والأرض وما أقلت والعوالم ~~كلها عنت له الوجوه وخضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة قاهر عباده ناظر ~~إليهم عالم بما تكن صدورهم يسمع كلامهم ويرى مكانهم لا يخفى عليه خافية من ~~أمرهم ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكر تبارك اسمه وتعالى جده وتفرده بالإلهية ~~ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يثنى عليه به من حمده وذكر ربوبيته للعالم ~~وإحسانه إليهم # PageV01P227 # ورحمته بهم وتمجيده بالملك الأعظم في اليوم الذي لا يكون فيه ملك سواه ~~حتى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ويدينهم بأعمالهم ثم إفراده بنوعي ~~التوحيد توحيد ربوبيته استعانة به وتوحيد إلهيته عبودية له ثم سؤاله أفضل ~~مسئول وأجل مطلوب على الإطلاق وهو هداية الصراط المستقيم الذي نصبه ~~لأنبيائه ورسله وأتباعهم وجعله صراطا موصلا لمن سلكه إليه وإلى جنته وأنه ~~صراط من اختصهم بنعمته بأن عرفهم الحق وجعلهم متبعين له دون صراط أمة الغضب ~~الذي عرفوا الحق ولم يتبعوه وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته واتباعه ~~فتضمنت تعريف الرب والطريق الموصل إليه والغاية ms405 بعد الوصول وتضمنت الثناء ~~والدعاء وأشرف الغايات وهي العبودية وأقرب الوسائل إليها وهي الاستعانة ~~مقدما فيها على الوسيلة والمعبود المستعان على الفعل إيذانا لاختصاصه وإن ~~ذلك لا يصلح إلا له سبحانه وتضمنت ذكر الإلهية والربوبية والرحمة فيثنى ~~عليه ويعبد بإلهيته ويخلق ويرزق ويميت ويحيى ويدبر الملك ويضل من يستحق ~~الإضلال ويغضب على من يستحق الغضب بربوبيته وحكمته وينعم ويرحم ويجود ويعفو ~~ويغفر ويهدي ويتوب برحمته فلله كم في هذه السورة من أنواع المعارف والعلوم ~~والتوحيد وحقائق الإيمان ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلوب وشفاء ~~الصدور ونور البصائر وحياة الأرواح وهو كلام رب العالمين فيحل به في ما شاء ~~من روضات مونقات وحدائق معجبات زاهية أزهارها مونقة ثمارها قد ذللت قطوفها ~~تذليلا وسهلت لمتناولها تسهيلا فهو يجتني من تلك الثمار خيرا يؤمر به وشرا ~~ينهى عنه وحكمة وموعظة وتبصرة وتذكرة وعبرة وتقريرا لحق ودحضا لباطل وإزالة ~~لشبهة وجوابا عن مسألة وإيضاحا لمشكل وترغيبا في أسباب فلاح وسعادة وتحذيرا ~~من أسباب خسران وشقاوة ودعوة إلى هدى ورد عن ردي فتنزل على القلوب نزول ~~الغيث على الأرض التي لا حياة لها بدونه ويحل منها محل الأرواح من أبدانها ~~فأي نعيم وقرة عين ولذة قلب وابتهاج وسرور لا يحصل له في هذه المناجاة ~~والرب تعالى يسمع لكلامه جاريا على لسان عبده ويقول حمدني عبدي أثنى علي ~~عبدي مجدني عبدي ثم يعود إلى تكبير ربه عز وجل فيجد ربه عهد التذكرة كونه ~~أكبر من كل شيء بحق عبوديته وما ينبغي أن يعامل به ثم يرجع جاثيا له ظهره ~~خضوعا لعظمته وتذللا لعزته واستكانة لجبروته مسبحا له بذكر اسمه العظيم ~~فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء ~~والخضوع قد تطامن وطأطأ رأسه وطوى ظهره وربه فوقه يرى خضوعه وذله ويسمع ~~كلامه فهو ركن تعظيم وإجلال كما قال صلى الله عليه وسلم: "أما الركوع ~~فعظموا فيه الرب" ثم عاد إلى حاله من القيام حامدا لربه مثنيا عليه بأكمل ~~محامده ms406 وأجمعها وأعمها مثنيا عليه بأنه أهل الثناء والمجد ومعترفا بعبوديته ~~شاهدا بتوحيده وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وأنه لا ينفع أصحاب ~~الجدد والأموال والحظوظ جدودهم عنه ولو عظمت ثم يعود إلى تكبيره ويخر له ~~ساجدا على أشرف ما فيه وهو الوجه فيعفره في التراب ذلا بين يديه ومسكنه ~~وانكسارا وقد أخذ كل عضو من البدن حظه من هذا الخضوع حتى أطراف الأنامل ~~ورؤوس الأصابع وندب له أن يسجد معه ثيابه وشعره فلا يكفيه وأن لا يكون بعضه ~~محمولا على بعض وأن يتأسر التراب بجبهته وينال قبل وجهة المصلى ويكون رأسه ~~أسفل ما فيه تكميلا للخضوع والتذليل لمن له العز كله والعظمة كلها وهذا ~~أيسر اليسير من حقه على عبده فلو # PageV01P228 # دام كذلك من حين خلق إلى أن يموت لما أدى حق ربه عليه ثم أمر أن يسبح ربه ~~الأعلى فيذكر علوه سبحانه في حال سفوله وهو وينزهه عن مثل هذه الحال وأن من ~~هو فوق كل شيء وعال على كل شيء ينزه عن السفول بكل معنى بل هو الأعلى بكل ~~معنى من معاني العلو ولما كان هذا غاية ذل العبد وخضوعه وانكساره كان أقرب ~~ما يكون الرب منه في هذه الحال فأمر أن يجتهد في الدعاء لقربه من القريب ~~المجيب وقد قال تعالى: {واسجد واقترب} وكان الركوع كالمقدمة بين يدي السجود ~~والتوطئة له فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل وأتم منه وأرفع شأنا وفصل بينهما ~~بركن مقصود في نفسه يجتهد فيه بالحمد والثناء والتمجيد وجعل بين خضوع خضوع ~~قبله وخضوع بعده وجعل خضوع السجود بعد الحمد والثناء والمجد كما جعل خضوع ~~الركوع بعد ذلك فتأمل هذا الترتيب العجيب وهذا التنقل في مراتب العبودية ~~كيف ينتقل من مقام الثناء على الرب بأحسن أوصافه وأسمائه وأكمل محامده إلى ~~من له خضوعه وتذلله أن له هذا الثناء ويستصحب في مقامه خضوعه بما يناسب ذلك ~~المقام ويليق به فتذكر عظمة الرب في حال خضوعه وعلوه في حال سفوله ولما كان ms407 ~~أشرف أذكار الصلاة القرآن شرع في أشرف أحوال الإنسان وهي هيئة القيام التي ~~قد انتصب فيها قائما على أحسن هيئة ولما كان أفضل أركانها الفعلية السجود ~~شرع فيها بوصف التكرار وجعل خاتمة الركعة وغايتها التي انتهت إليها مطابق ~~افتتاح الركعة بالقرآن واختتامها بالسجود أول سورة افتتح بها الوحي فإنها ~~بدئت بالقراءة وختمت بالسجود وشرع له بين هذين الخضوعين أن يجلس جلسة ~~العبيد ويسأل ربه أن يغفر له ويرحمه ويرزقه ويهديه ويعافيه وهذه الدعوات ~~تجمع له خير دنياه وآخرته ثم شرع له تكرار هذه الركعة مرة بعد مرة كما شرع ~~تكرار الأذكار والدعوات مرة بعد مرة ليستعد بالأول لتكميل ما بعده ويجبر ~~بما بعده ما قبله وليشبع القلب من هذا الغذاء وليأخذ رواه ونصيبه وافرا من ~~الدواء ليقاومه فإن منزلة الصلاة من القلب منزلة الغذاء والدواء فإذا تناول ~~الجائع الشديد الجوع من اللقمة أو اللقمتين كان غناؤها عنه وسدها من جوعه ~~يسيرا جدا وكذلك المرض الذي يحتاج إلى قدر يغني من الدواء إذا أخذ منه ~~المريض قيراطا من ذلك لم يزل مرضه بالكلية وأزال بحسبه فما حصل الغذاء أو ~~الشفاء للقلب بمثل الصلاة وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاء البدن ودوائه ثم ~~لما أكمل صلاته شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل المسكين لسيده ويثني عليه ~~بأفضل التحيات ويسلم على من جاء بهذا الحظ الجزيل ومن نالته الأمة على يديه ~~ثم يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله المشاركين له في هذه العبودية ثم ~~يتشهد شهادة الحق ثم يعود فيصلي على من علم الأمة هذا الخير ودلهم عليه ثم ~~شرع له أن يسأل حوائجه ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربه مقبلا عليه فإذا ~~قضى ذلك أذن له في الخروج منها بالتسليم على المشاركين له في الصلاة هذا ~~إلى ما تضمنته الأحوال والمعارف من أول المقامات إلى آخرها فلا تجد منزلة ~~من منازل السير إلى الله ولا مقاما من مقامات العارفين إلا وهو في ضمن ~~الصلاة وهذا الذي ذكرناه من شأنها ms408 كقطرة من بحر فكيف يقال أنها تكليف محض ~~لم يشرع لحكمة ولا لغاية قصدها الشارع بل هي محض وكلفة ومشقة مستندة إلى ~~محض المشيئة لا لغرض ولا لفائدة البتة بل مجرد قهر وتكليف وليست سببا لشيء ~~من مصالح الدنيا والآخرة ثم تأمل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها كيف # PageV01P229 # تجدها مشحونة بالحكم المقصودة والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها التي ~~لولاها لكان الناس كالبهائم بل أسوأ حالا فكم في الطهارة من حكمة ومنفعة ~~للقلب والبدن وتفريح للقب وتنشيط للجوارح وتخفيف من أحمال ما أوجبته ~~الطبيعة وألقاه عز النفس من درن المخالفات فهي منظفة للقلب والروح والبدن ~~وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه ~~بالجنابة ما هو من أنفع الأمور وتأمل كون الوضوء في الأطراف التي هي محل ~~الكسب والعمل فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق ~~وهذه الأبواب هي أبواب المعاصي والذنوب كلها منها يدخل إليها ثم جعل في ~~اليدين وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي ثم في الرجلين ~~اللتين بهما يمشي ويسعى ولما كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة جعل ~~مكانه المسح وجعل ذلك مخرجا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء ~~من شعره وبشره كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال: ~~"إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر ~~إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل ~~خطيئة كان يبطشها يداه مع الماء أو مع آخر قطر فإذا غسل رجليه خرجت كل ~~خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب" ~~رواه مسلم وفي صحيح مسلم أيضا عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى يخرج من تحت أظفاره" ~~فهذا من أجل حكم الوضوء وفوائده وقال نفاة الحكمة أنه ms409 تكليف ومشقة وعناء ~~محض لا مصلحة فيه ولا حكمة شرع لأجلها ولو لم يكن في مصلحته وحكمته إلا أنه ~~سيماء هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ليست ~~لأحد غيرهم ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضئ يطهر يديه ~~بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ربه ومناجاته والوقوف بين يديه ~~طاهر البدن والثوب والقلب فأي حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا ولما كانت الشهوة ~~تجري في جميع البدن حتى أن تحت كل شعرة شهوة سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت ~~الشهوة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن تحت كل شعرة جنابة" فأمر أن ~~يوصل الماء إلى أصل كل شعرة فيبرد حرارة الشهوة فتسكن النفس وتطمئن إلى ذكر ~~الله وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه فوالله لو أن أبقراط ودونه أوصوا بمثل ~~هذا لخضع أتباعهم لهم فيه وعظموهم عليه غاية التعظيم وأبدوا له من الحكم ~~والفوائد ما قدروا عليه ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهمل جوارحه قد ~~أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ أمر العبودية بجميع جوارحه كلها على ربه ~~بحظها من عبوديته فيسلم قلبه وبدنه وجوارحه وحواسه وقواه لربه عز وجل واقفا ~~بين مقبلا بكله عليه معرضا عمن سواه متنصلا من إعراضه عنه وجنايته على حقه ~~ولما كان هذا طبعه وذاته أمران يجدد هذا الركوع إليه والإقبال عليه وقتا ~~بعد وقت لئلا يطول عليه الأمد فينسى ربه وينقطع عنه بالكلية وكانت الصلاة ~~من أعظم نعم الله عليه وأفضل هداياه التي ساقها إليه فأبى نفاة الحكمة إلا ~~جعلها كلفة وعناء وتعبا لا لحكمة ولا لمصلحة البتة إلا مجرد القهر والمشيئة ~~وقد فتح ذلك الباب فساق الشريعة كلها من أولها إلى آخرها هذا المساق واستدل ~~بما ظهر لك على ما خفي عنك ولعل الحكمة فيما لم تعلمه أعظم منها فيما علمته ~~فإن الذي علمته على قدر عقلك وفهمك وما خفي عنك فهو فوق # PageV01P230 # عقلك وفهمك ولو تتبعنا تفصيل ذلك لجاء عدة أسفار فيكتفي منه بأدنى بينة ms410 ~~والله المستعان، الوجه الثالث والعشرون أن هذه الجمادات والحيوانات ~~المختلفة الأشكال والمقادير والصفات والمنافع والقوى والأغذية والنباتات ~~التي هي كذلك فيها من الحكم والمنافع ما قد أكثرت الأمم في وصفه وتجربته ~~على ممر الدهور ومع ذلك فلم يصلوا منه إلا إلى أيسر شيء وأقله بل لو اتفق ~~جميع الأمم لم يحيطوا علما بجميع ما أودع واحد من ذلك النوع من الحكم ~~والمصالح هذا إلى ما في ضمن ذلك من الاعتبار والدلالة الظاهرة على وجود ~~الخالق ومشيئته واختياره وعلمه وقدرته وحكمته فإن المادة الواحدة لا تحتمل ~~بنفسها هذه الصورة الغريبة والأشكال المتنوعة والمنافع والصفات ولو تركبت ~~مع غيرها فليس حدوث هذه الأنواع والصور بنفس التركيب أيضا ولا هو مفيض له ~~فحصول هذا التنوع والتفاوت والاختلاف في الحيوان والنبات من أعظم آيات الرب ~~تعالى ودلائل ربوبيته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه فعال لما يريد اختيارا ~~ومشيئة فتنويع مخلوقاته وحدوثها شيئا بعد شئ من أظهر الدلالات وتأمل كيف ~~أرشد القرآن إلى ذلك في غير موضع كقوله تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات ~~وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها ~~على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} وقوله تعالى: {إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها ~~من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون} وقوله: {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ~~إن في ذلك لآيات للعالمين} وقوله: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه ~~شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن ~~كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} وقول تعالى: {والله خلق كل دابة ~~من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على ~~أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل ms411 شيء قدير} فتأمل كيف نبه سبحانه ~~باختلاف الحيوانات في المشي مع اشتراكها في المادة على الاختلاف فيما وراء ~~ذلك من أعضائها وأشكالها وقواها وأفعالها وأغذيتها ومساكنها فنبه على ~~الاشتراك والاختلاف فيشير إلى يسير منه فالطير كلها تشترك في الريش والجناح ~~وتتفاوت فيما وراء ذلك أعظم تفاوت واشتراك ذوات الحوافر في الحافر كالفرس ~~والحمار والبغل وتفاوتها في ما وراء ذلك واشتراك ذوات الأظلاف في الظلف ~~وتفاوتها في غير ذلك واشتراك ذوات القرون فيها وتفاوتها في الخلق والمنافع ~~والأشكال واشتراك حيوانات الماء في كونها سابحة تأوي فيها وتتكون فيها ~~وتفاوتها أعظم تفاوت عجز البشر إلى الآن عن حصره واشتراك الوحوش في البعد ~~عن الناس والتفاوت عنهم وعن مساكنهم وتفاوتها في صفاتها وأشكالها وطبائعها ~~وأفعالها أعظم تفاوت يعجز البشر عن حصره واشتراك الماشي منها على بطنه في ~~ذلك وتفاوت نوعه واشتراك الماشي على رجلين في ذلك وتفاوت نوعه أعظم تفاوت ~~وكل من هذه الأنواع له علم وإدراك وتحيل على جلب مصالحه ودفع مضاره يعجز ~~كثير منها نوع الإنسان فمن أعظم الحكم الدلالة الظاهرة على معرفة الخالق ~~الواحد المستولي بقوته وقدرته وحكمته على ذلك كله بحيث جاءت كلها مطيعة ~~منقادة منساقة إلى ما خلقها له على وفق مشيئته وحكمته وذلك أدل شيء على ~~قوته # PageV01P231 # القاهرة وحكمته البالغة وعلمه الشامل فيعلم إحاطة قدرة واحدة وعلم واحد ~~وحكمة واحدة أعني بالنوع من قادر واحد حكيم واحد بجميع هذه الأنواع ~~وأضعافها مما لا تعلمه العقول البشرية كما قال: {ويخلق ما لا تعلمون} وقال: ~~{فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون} فيجمع غايات فعله وحكمة خلقه وأمره ~~إلى غاية واحدة هي منتهى الغايات وهي إلهية الحق التي كل إلهية سواها فهي ~~باطل ومحال فهي غاية الغايات ثم ينزل منها إلى غايات أخر هي وسائل بالنسبة ~~إليها وغايات بالنسبة إلى ما دونها وأن إلى ربك المنتهى فليس وراءه معلوم ~~ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم المحض وليس في الوجود إلا الله ومفعولاته ~~وهي آثار أفعاله وأفعاله آثار صفاته وصفاته ms412 قائمة به من لوازم ذاته ~~والمقصود إن الغايات المطلوبة العلم بإحاطة علم واحد من عالم واحد وفعل ~~واحد من فاعل واحد وقدرة واحدة من قادر واحد وحكمة واحدة من حكيم واحد ~~بجميع ما فيه على اختلاف ما فيه واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة ~~وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية كما ابتدأت كلها من خالق واحد وقادر واحد ~~ورب واحد ودل على الأمرين أعني توحيد الربوبية والإلهية النظام الواحد ~~والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع ضدها وتعذرها ودل افتقار بعضها إلى ~~بعض وتشبك بعضها ببعض ومعاونة بعضها ببعض وارتباطه به على أنها صنع فاعل ~~واحد ورب واحد فلو كان معه آلهة وأرباب غيره كما لا ترضى ملوك الدنيا أن ~~يحتاج مملوك احدهم إلى مملوك غيره مثله لما في ذلك من النقص والعيب المنافي ~~لكمال الاقتدار والغناء ودل انتظامها في الوجود ووقوعها في ثباتها ~~واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب ~~واحد هو إلهها الحق ومعبودها الأعلى الذي لا إله لها غيره ولا معبود لها ~~سواه فتأمل كيف دل اختلاف الموجودات وثباتها واجتماعها فيما اجتمعت فيه ~~وافتراقها فيما افترقت على إله واحد ورب واحد ودلت على صفات كماله ونعوت ~~جلاله فالموجودات بأسرها كعسكر واحد له ملك واحد وسلطان واحد يحفظ بعضه ~~ببعض وينظم مصالح بعضه ببعض ويسد خلل بعضه ببعض فيمد هذا بهذا ويقوي هذا ~~بهذا وينقص من هذا فيزيده في الآخر يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويبيد هذا فينشي مكانه من ~~جنسه ما يقوم مقامه ويسد مسده فيشهد حدوث الثاني أن الذي أحدثه وأوجده هو ~~الذي أحدث الأول لا غيره وأن حكمته لم تتغير وعلمه لم ينقص وقدرته لم تضعف ~~وأنه لا يتغير بتغيير ما يغير منها ولا يضمحل باضمحلاله ولا يتلاشى بتلاشيه ~~بل هو الحي القيوم العزيز الحكيم هذا إلى ما في لوازم مكبرها وانتظام بعضها ~~ببعض وما يصدر عنها من الأفعال والآثار من ms413 حكم وأفعال أخرى وغايات أخر ~~حكمها حكم موادها وحواملها كما نشاهده في أشخاصها وأعيانها مثال ذلك في ~~أحدوثة واحدة إنك ترى المعدة تشاق الغذاء وتجتذبه إليها فانظر لوازم ذلك ~~قبل تناوله ولوازمه بعد تناوله وما يترتب على تلك اللوازم من عمارة الدنيا ~~فإذا جذبته إليها أنضجته وطبخته كما تنضج القدر ما فيها فتنضجه الإنضاج ~~الذي تعده لتغذي أجزاء البدن وقواه وأرواحه به وهي إذا أنضجته لأجل نصيبها ~~الذي ينالها منه فهو قليل من كثير بالنسبة إلى انتفاع غيرها به فيدفع ما ~~فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة إليه على قدر حاجته من غير أن ~~يقصد ذلك أو يشعر به ولكن قد قصده وأحكمه من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء ~~قدير يدبره بحكمته ولطفه وساقه في المجاري التي لا ينفذ # PageV01P232 # فيها الإبر لدقة مسالكها حتى أوصله إلى المحتاج إليه الذي لا صلاح له إلا ~~بوصوله إليه وكانت طبيعة الكبد ومزاجها في ذلك تلي طبيعة المعدة وفعلها يلي ~~فعلها وكذلك الأمعاء وباقي الأعضاء كالكبد للقلب في أعداد الغذاء والقلب ~~للرئة والرئة للقلب في أعداد الهواء وإصلاحه فالأعضاء الموجودة في الشخص ~~إذا تأملتها وتأملت أفعالها ومنافعها وما تضمنه كل واحد منها من حكمة اختصت ~~به كشكله ووصفه ومزاجه ووضعه من الشخص بذلك الموضع المعين علمت علما يقينا ~~أن ذلك صادر عن خالق واحد ومدبر واحد وحكيم واحد فانتقل من هذا إلى أشخاص ~~العالم شخصا شخصا من النوع الإنساني تجد الحكمة الواحدة الظاهرة في تلك ~~الأفراد الكثيرة قد نفعت بعضهم بعض وأعانت بعضهم ببعض حراثا لزارع وزراعا ~~لحاصد وحائكا لخياط وخياطا لنجار ونجارا لبناء فهذا يعين هذا بيده وهذا ~~برجله وهذا يعينه بعينه وهذا بإذنه وهذا بلسانه وهذا بماله وإذ لا يقدر ~~أحدهم على جميع مصالحه ولا يقوم بحاجاته ولا توجد في كل واحد منهم جميع ~~خواص نوعه فهم بأشخاصهم الكثير كإنسان واحد يقوم بعضه بمصالح بعض قد كمل ~~خواص الإنسانية في صفاته وأفعاله وصنائعه وما يراد منه فإن ms414 الواحد منهم لا ~~يفي بأن يجمع جميع الفضائل العلمية والعملية والقوة والبقاء فجعل ذلك في ~~النوع الإنساني بجملته والله سبحانه وقد فرق كمالات النوع في أشخاصه وجعل ~~لكل شخص منها ما هو مستعد قابل له بحيث لو قيل أكثر من ذلك لأعطاه فإنه ~~جواد لذاته قد فاض جوده وخيره على العالم كله وفضل عنه أضعاف ما فاض عليه ~~فهو يفيضه على تعاقب الآنات أبدا وكذلك يفضل في الجنة فضل عن أهلها فينشئ ~~لها خلقا يسكنهم فضلها وإنما يتخصص فضله بحسب استعداد العوامل والمعدات ~~وذلك بمشيئته وحكمته فهو الذي أوجدها وهو الذي أعدها وهو الذي أمدها ولما ~~كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق لم يكن بد من بقاء كثير منه مبذولا في ~~الوجود مهملا وهذا كضوء الشمس مثلا فإن مصالح الحيوان لا تتم إلا به وهي ~~تشرق على مواضع فضلت عن حوائج بني آدم والحيوان وكذلك المطر والنبات وسائر ~~النعم ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حكم ومصالح وعبر ودلالات وعطاء الرب ~~ونعمه أوسع من حوائج خلقه فلا بد أن يبقى في المياه والأقوات والنبات وغير ~~ذلك أجزاء مهملة ولا يقال ما الحكمة في خلقها فإن هذا سؤال جاهل ظالم فإن ~~الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير والمعمور بعضها لا كلها ~~والرب تعالى واسع الجود دائمه فجوده وخيره عام دائم فلا يكون إلا كذلك فإن ~~ذلك من لوازم علمه وقدرته وحكمته ولعلمه وقدرته وحكمته العموم والشمول ~~والكمال المطلق بكل اعتبار فيعلم من استقراء العالم وأحواله انتهاؤه إلى ~~عالم واحد وقادر واحد وحكيم واحد أتقن نظامه أحسن الإتقان وأوجده على أتم ~~الوجود وهو سبحانه ناظم أفعال الفاعلين مع كثرتها ورابط بعضها ببعض ومعين ~~بعضها ببعض وجاعل بعضها سببا لبعض وغاية لبعض وهذا من أدل الدليل على انه ~~خالق واحد ورب واحد وقادر واحد دل على قدرته كثرة أفعاله وتنوعها في الوقت ~~الواحد وتعاقبها على تتالي الآنات وتعين تصرفاته في مخلوقاته على كثرتها ~~ودل على علمه وحكمته كون كل ms415 شيء كبير وصغير ودقيق وجليل داخلا في النظام ~~الحكمي ليس منها شيء حتى مسام الشعر في الجلد ومراشح اللعاب في الفم ومجاري ~~الشعب الدقيقة من العروق في أصغر الحيوانات التي تعجز عنها أبصارنا ولا ~~تنالها قدرتنا وهذا فيما دق لصغره وفيما جل لعظمه كالرياح الحاملة للسحب ~~إلى الأرض # PageV01P233 # الجرز التي لا نبات بها فيمطرها عليها فيخرج بها نباتا ويحيي بها حيوانا ~~ويجعل فيها جزأين من الطعام والشراب والأقوات والأدوية دع ما فوق ذلك من ~~تسخير الشمس والقمر والنجوم واختلاف مطالعها ومغاربها لإقامة دولة الليل ~~والنهار وفصول العام التي بها نظام مصالح من عليها فإذا تأملت العالم وجدته ~~كالبيت المبني المعد فيه جميع عباده فالسماء سقفه والأرض بساطه والنجوم ~~زينته والشمس سراجه ومصالح سكانه والليل سكنهم والنهار معاشهم والمطر ~~سقياهم والنبات غذاؤهم ودواهم وفاكهتهم والحيوان خدمهم ومنه قوتهم ولباسهم ~~والجواهر كنوزهم وذخائرهم كل شيء منها لما يصلح له فضروب النبات لجميع ~~حاجاتهم وصنوف الحيوانات معدة لجميع مصالحهم وذلك أدل دليل على وحدانية ~~خالقه وقدرته فلم يكن لون السماء أزرق اتفاقا بل لحكمة باهرة فإن هذا اللون ~~أشد الألوان موافقة للبصر حتى أن في وصف الأطباء لمن أصابه ما أضر ببصره أو ~~كلم بصره إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد فجعل أحكم ~~الحاكمين أديم السماء بهذا اللون ليمسك الأبصار الراجعة فلا ينكأ فيها فهذا ~~الذي أدركه الناس بعد الفكر والتجربة قد وجد مفروغا منه في الخلقة ولم يكن ~~طلوع الشمس وغروبها على هذا النظام لغير علة ولا حكمة مطلوبة فكم من حكمة ~~ومصلحة في ذلك من إقامة الليل والسكن فيه والنهار والمعاش فيه فلو جعل الله ~~عليهم الليل سرمدا لتعطلت مصالحهم وأكثر معايشهم والحكمة في طلوعها أظهر من ~~أن تنكر ولكن تأمل الحكمة في غروبها إذ لولا ذلك لم يكن للناس هدوء ولا ~~قرار ولا راحة وكان الكد الدائم بتكافؤ أبدانهم وتسرع فسادها وكان ما على ~~الأرض يحرق بدوام شروق الشمس من حيوان ونبات فصار النور والظلمة على ~~تضادهما ms416 متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ونظامه وكذلك ~~الحكمة في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة وما في ذلك ~~من الحكمة فإن في الشتاء تفور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد من ذلك مواد ~~الثمار وتكيف الهواء فتنشأ منه السحاب ويحدث المطر الذي به حياة الأرض ~~والحيوان وتشتد أفعال الحيوان وتقوى الأفعال الطبيعية وفي الربيع تتحرك ~~الطبائع وتظهر المواد الكامنة في الشتاء وفي الصيف يسخن الهواء فتنضج ~~الثمار ويتحلل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض فيتهيأ للبناء وغيره وفي الخريف ~~يصفو الهواء ويعتدل فيذهب بسورة حر الصيف وسمومه إلى أضعاف أضعاف ذلك من ~~الحكم وكذلك الحكمة في تنقل الشمس فإنها لو كانت واقفة في موضع واحد لفاتت ~~مصالح العالم ولما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات لأن الجبال والجدران ~~يحجبانها عنها فاقتضت الحكمة الباهرة أن جعلت تطلع أول النهار من المشرق ~~وتشرق على ما قابلها من وجه الغرب ثم لا تزال تغشى وجها بعد وجه حتى تنتهي ~~إلى الغرب فتشرق على ما استتر عنها أول النهار فتأخذ جميع الجهات منها قسطا ~~من النفع وكذلك الحكمة الباهرة في انتهاء مقدار الليل والنهار إلى هذا الحد ~~فلو زاد مقدار أحدهما زيادة عظيمة لتعطلت المصالح والمنافع وفسد النظام ~~وكذلك الحكمة في ابتداء القمر دقيقا ثم أخذه في الزيادة حتى يكمل ثم يأخذ ~~في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى فكم في ذلك من حكمة ومصلحة ومنفعة ~~للخلق فإن بذلك يعرفون الشهور والسنين والآجال وأشهر الحج والتاريخ ومقادير ~~الأعمار ومدد الإجارات وغيرها وهذا وإن كان يحصل بالشمس إلا أن معرفته ~~بالقمر وزيادته ونقصانه أمر يشترك فيه الناس كلهم وكذلك الحكمة في # PageV01P234 # إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه مع الحاجة إلى الليل وظلمته ~~لهدوء الحيوان وبرد الهواء عليه وعلى النبات لم يجعل ظلاما محضا لا ضياء ~~فيه فلا يمكن فيه سفر ولا عمل وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق ~~الوقت عليهم في النهار ولشدة الحر فيتمكنون في ضوء القمر من أعمال كثيرة ms417 ~~وجعل نوره باردا ليقاوم حرارة نور الشمس فبرد سمومه فيعتدل الأمر ويكسر ~~كيفية كل منهما كيفية الآخر ويزيل ضررها وكذلك الحكمة في خلق النجوم فإن ~~فيها من الهداية في البر والبحر والاستدلال على الأوقات وزينة السماء وغير ~~ذلك ما لم يكن حاصلا بمجرد الاتفاق كما يقوله نفاة الحكمة واقتضت هذه ~~الحكمة أن جعلت نوعين نوعا منها يظهر وقتا ويحتجب آخر ونوعا آخر لا يزال ~~ظاهرا غير محتجب بل جعل ظاهرا بمنزلة الإعلام التي يهتدي بها الناس في ~~الطرقات المجهولة وهم ينظرون إليها متى أرادوا ويهتدون بها إلى حيث شاؤا ~~وجعلت الحكمة في النوع الأول الاستدلال بظهوره على أمور تعاديه متى طلع في ~~وقت يعني دل على تلك الأمور فقامت المصلحة والحكمة بالنوعين مع ما في خلقها ~~من حكم أخرى ومصالح لا يهتدي إليها العباد فما خلق الله شيئا سدى وقد نظم ~~الله سبحانه الحوادث الأرضية بالأزواج والأجرام العلوية أكمل نظام يعجز ~~عقول البشر عن الإحاطة ببعضه وقد استفرغت الأمم السابقة قوى أذهانها في ~~إدراك ذلك فلم يصل منه إلا إلى مالا نسبة له إلى ما خفي عليها بوجه ما وقد ~~جعل الخلاق العليم سبحانه النجوم فرقتين فرقة منها لازمة مراكزها من الفلك ~~ولا تسير إلا بسيره وفرقة أخرى مطلقة تنتقل في البروج وتسير بأنفسها غير ~~سير فلكها فلكل منها مسيران مختلفان أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب والآخر ~~خاص لنفسه نحو المشرق وقد شبه هذا النوع بنملة تدب على رحا والرحا تدور ذات ~~اليمين والنملة تدور ذات الشمال فللنملة في تلك الحال حركتان مختلفتان ~~أحداهما حركة بنفسها تتوجه أمامها والأخرى بغيرها هي مقهورة عليها تبعا ~~للرحى تجذبها إلى خلفها فلهذا النوع من النجوم حركتان مختلفتان على وزن ~~وتقدير لا يعدوه فزعم نفاة الحكمة أن ذلك أمر اتفاقي لا لحكمة ولا لغرض ~~مقصود فإن قلت فما الغرض المقصود بذلك وأي حكمة فيه قيل استدل بما عرفت من ~~الحكمة على ما خفي عنك منها ولا تجعل ما خفي عليك دليلا على بطلانها ms418 مع أن ~~من بعض الحكم في ذلك أنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي تكون من ~~تنقل المتنقل منها ومسيرها في كل واحد من البروج كما يستدل على أمور كثيرة ~~وحوادث جمة بتنقل الشمس والقمر والسيارات في منازلها ولو كانت كلها متنقلة ~~لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يقاس عليه فإنه إنما يقاس مسير المنتقلة ~~منها بتنقلها في البروج الراتبة كما يقاس سير السائر على الأرض بالمنازل ~~التي يقطعها وبالجملة فلو كانت كلها بحال واحدة لبطل النظام الذي اقتضته ~~الحكمة التي جعلها هكذا فذلك تقدير العزيز العليم وصنع الرب الحكيم وكيف ~~يرتاب ذو بصيرة أن ذلك كله تقدير مقدر حكيم أتقن ما صنعه وأحكم ما دبره ~~ويعرف بما فيه من الحكم والمصالح والمنافع إلى خلقه فشدت العقول والفطر ~~بأنه ذو الحكمة الباهرة والقدرة القاهرة والعلم التام المحيط وأنه لم يخلق ~~ذلك باطلا ولا من الحكمة عاطلا وكذلك الحكمة في تعاقب الحر والبرد على ~~التدريج على أبدان الحيوان والنبات فإن قيامهما وكمالهما لما كان بذلك ~~اقتضت الحكمة الإلهية أن لا يدخل أحدهما على الآخر وهلة فلا يتحمله بل ~~بالتدريج قليلا قليلا إلى أن ينتهي منتهاه ويحصل المقصود به من غير ضرر يعم ~~وهذا كله بأسباب هي # PageV01P235 # منشأ الحكم والمصالح فلا يبطل السبب بإثبات الحكمة ولا الحكمة بالسبب ولا ~~السبب والحكمة بالمشيئة فيكون من الذين يبخس حظهم من العقل والسمع وكذلك ~~الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها فإنها لو كانت ظاهرة ~~كالهواء والماء والتراب لأحرقت العالم وما فيه ولم يكن بد من ظهورها في ~~الأحايين للحاجة إليها فجعلت مخزونة في الأجسام توري عند الحاجة إليها ~~فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها ثم تخبوا إذ استغنى عنها فجعلت ~~على خلقه وتقدير وتدبير حصل به الاستمتاع بها والانتفاع مع السلامة من ~~ضررها ثم في النار خلة أخرى وهي أنها مما خص به الإنسان دون سائر الحيوان ~~فإن الحيوانات لا تستعمل النار ولا تستمتع بها ولما اقتضت ms419 الحكمة الباهرة ~~ذلك اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها فأعطيت من الشعور والأوبار ما ~~يغنيها عنها وجعلت أغذيتها بالمفردات التي لا تحتاج إلى طبخ وخبز ولما كانت ~~الحاجة إليها شديدة جعل من الآلات والأسباب ما يتمكن به من إثارتها إذا شاء ~~ومن إبطالها ومن حكمها هذه المصابيح التي يوقدها الناس فيتمكنون بها من ~~كثير حاجاتهم ولولاها لكان نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور وأما منافعها ~~في إنضاج الأغذية والأدوية والدفء فلا يخفى وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: ~~{أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن ~~جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} أي تذكر بنار الآخرة فيحترز منها ويستمتع ~~بها المقوون وهم النازلون بالفيفاء وهي الأرض الخالية وخص هؤلاء بالذكر ~~لشدة حاجتهم إليها في خبزهم وطبخهم حيث لا يجدون ما يشترونه فيغنيهم عن ما ~~يصنعونه بالنار وكذلك الحكمة في خلق النسيم وما فيه من المصالح والعبر فإنه ~~حياة هذه الأبدان وقوامها من خارج ومن داخل وفيه طرد هذه الأصوات فيؤديها ~~إلى السامع وهو الحامل لهذه الأراييح يؤديها إلى المسام وينقلها من موضع ~~إلى موضع وهو الذي يزجي السحاب ويسوقه من مكان إلى مكان على ظهره كالروايا ~~على ظهور الإبل وهو الذي يسير السحاب أولا فيكون كسفا متفرقة فيؤلف بينه ~~ثانيا فيصير طبقا واحدا ثم يلقحه ثالثا كما يلقح الفحل الأنثى فيحمل الماء ~~كما تحمل الأنثى من لقاح الفحل ثم يسوقه رابعا إلى أحوج الأماكن والحيوان ~~إليه ثم يعصره خامسا حتى لا يخرج ماؤه ثم يذروا ماءه بعد عصره سادسا حتى لا ~~يسقط جملة فيهلك ما يقع عليه ثم يربي النبات سابعا فيكون له بمنزلة الماء ~~والغذاء يجففه بحرارته ثامنا لئلا يعفن ولا يمكن بقاؤه ولهذا اقتضت الحكمة ~~الباهرة أن تكون الرياح مختلفة المهاب والصفات والطبائع فزعم نفاة الحكمة ~~أن هذا كله أمر اتفاقي لا سبب ولا غاية وهذا لو تتبعناه لجاء عدة أسفار بل ~~لو تتبعنا خلقة الإنسان وحده وما فيها من الحكم والغايات لعجزنا نحن وأهل ~~الأرض عن الإحاطة ms420 بتفصيل ذلك فلنرجع إلى جواب نفاة الحكمة والتعليل فنقول، ~~في الوجه الرابع والعشرين قولهم أي حكمة في خلق إبليس وجنوده ففي ذلك من ~~الحكم مالا يحيط بتفصيله إلا الله فمنها أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب ~~العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه ومخالفته ومراغمته في الله وإغاظته وإغاظة ~~أوليائه والاستعاذة به منه والإلجاء إليه أن يعيذهم من شره وكيده فيترتب ~~لهم على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه وقدمنا أن ~~الموقوف على الشيء لا يحصل بدونه ومنها خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم ~~بعد ما شاهدوا من حال إبليس ما شاهدوه وسقوطه من المرتبة الملكية إلى ~~المنزلة الإبليسية يكون أقوى وأتم ولا ريب أن الملائكة لما شاهدوا ذلك حصلت ~~لهم # PageV01P236 # عبودية أخرى للرب تعالى وخضوع آخر وخوف آخر كما هو المشاهد من حال عبيد ~~الملك إذا رأوه قد أهان أحدهم الإهانة التي بلغت منه كل مبلغ وهم يشاهدونه ~~فلا ريب أن خوفهم وحذرهم يكون أشد ومنها أنه سبحانه جعله عبرة لمن خالف ~~أمره وتكبر عن طاعته وأصر على معصيته كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب ~~نهيه أو عصى أمره ثم تاب وندم ورجع إلى ربه فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب ~~وجعل هذا الأب عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه وهذا الأب عبرة لمن تاب ورجع ~~إلى ربه فلله كم في ضمن ذلك من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ومنها أنه ~~محك امتحن الله به خلقه ليتبين به خبيثهم من طيبهم فإنه سبحانه خلق النوع ~~الإنساني من الأرض وفيها السهل والحزن والطيب والخبيث فلا بد أن يظهر فيهم ~~ما كان في مادتهم كما في الحديث الذي رواه الترمذي مرفوعا أن الله خلق آدم ~~من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على مثل ذلك منهم الطيب والخبيث ~~والسهل والحزن وغير ذلك فما كان في المادة الأصلية فهو كائن في المخلوق ~~منها فاقتضت الحكمة الإلهية إخراجه وظهوره فلا بد إذا من سبب يظهر ذلك وكان ~~إبليس محكا يميز به الطيب ms421 من الخبيث كما جعل أنبيائه ورسله محكا لذلك ~~التمييز قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب} فأرسله إلى المكلفين وفيهم الطيب والخبيث فانضاف الطيب ~~إلى الطيب والخبيث إلى الخبيث واقتضت حكمته البالغة ان خلطهم في دار ~~الامتحان فإذا صاروا إلى دار القرار يميز بينهم وجعل لهؤلاء دارا على حدة ~~ولهؤلاء دارا على حدة حكمة بالغة وقدرة قاهرة ومنها أن يظهر كمال قدرته في ~~خلق مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته ~~وسلطانه فإنه خالق الأضداد كالسماء والأرض والضياء والظلام والجنة والنار ~~والماء والنار والحر والبرد والطيب والخبيث ومنها أن خلق أحد الضدين من ~~كمال حسن ضده فإن الضد إنما يظهر حسنه بضده فلولا القبيح لم تعرف فضيلة ~~الجميل ولولا الفقر لم يعرف قدر الغنا كما تقدم بيانه ريبا ومنها أنه ~~سبحانه يحب أن يشكر بحقيقة الشكر وأنواعه ولا ريب أن أولياءه نالوا بوجود ~~عدو الله إبليس وجنوده وامتحانهم به من أنواع شكره ما لم يكن ليحصل لهم ~~بدونه فكم بين شكر آدم وهو في الجنة قبل أن يخرج منها وبين شكره بعد أن ~~ابتلي بعدوه ثم اجتباه ربه وتاب عليه وقبله ومنها أن المحبة والإنابة ~~والتوكل والصبر والرضاء ونحوها أحب العبودية إلى الله سبحانه وهذه العبودية ~~إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس لله وتقديم محبته على كل ما سواه فالجهاد ~~ذروة سنام العبودية وأحبها إلى الرب سبحانه فكان في خلق إبليس وحزبه قيام ~~سوق هذه العبودية وتوابعها التي لا يحصى حكمها وفوائدها وما فيها من ~~المصالح إلا فالله ومنها أن في خلق من يضاد رسله ويكذبهم ويعاديهم من تمام ~~ظهور آياته وعجائب قدرته ولطائف صنعه ما وجوده أحب إليه وأنفع لأوليائه من ~~عدمه كما تقدم من ظهور آية الطوفان والعصا واليد وفلق البحر وإلقاء الخليل ~~في النار وأضعاف أضعاف ذلك من آياته وبراهين قدرته وعلمه وحكمته فلم يكن بد ~~من وجود الأسباب التي يترتب عليها ذلك كما تقدم ms422 ومنها أن المادة النارية ~~فيها الإحراق والعلو والفساد وفيها الإشراق والإضاءة والنور فأخرج منها ~~سبحانه هذا وهذا كما أن المادة الترابية الأرضية فيها الطيب والخبيث والسهل ~~والحزن والأحمر والأسود والأبيض فأخرج منها ذلك كله حكمة باهرة وقدرة قاهرة ~~وآية دالة على أنه # PageV01P237 # كمثله شيء وهو السميع البصير ومنها أن من أسمائه الخافض الرافع المعز ~~المذل الحكم العدل المنتقم وهذه الأسماء تستدعي متعلقات يظهر فيها إحكامها ~~كأسماء الإحسان والرزق الرحمة ونحوها ولا بد من ظهور متعلقات هذه وهذه ~~ومنها أنه سبحانه الملك التام الملك ومن تمام ملكه عموم تصرفه وتنوعه ~~بالثواب والعقاب والإكرام والإهانة والعدل والفضل والإعزاز والإذلال فلا بد ~~من وجود من يتعلق به أحد النوعين كما أوجد من يتعلق به النوع الآخر ومنها ~~أن من أسمائه الحكيم والحكمة من صفاته سبحانه وحكمته تستلزم وضع كل شيء ~~موضعه الذي لا يليق به سواه فاقتضت خلق المتضادات وتخصصي كل واحد منها لا ~~يليق به غيره من الإحكام والصفات والخصائص وهل تتم الحكمة إلا بذلك فوجود ~~هذا النوع من تمام الحكمة كما أنه من كمال القدرة ومنها أن حمده سبحانه تام ~~كامل من جميع الوجوه فهو محمود على عدله ومنعه وخفضه وانتقامه وإهانته كما ~~هو محمود على فضله وعطائه ورفعه وإكرامه فلله الحمد التام الكامل على هذا ~~وهذا وهو يحمد نفسه على ذلك كله ويحمده عليه ملائكته ورسله وأوليائه ويحمده ~~عليه أهل الموقف جميعهم وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه فله في خلقه ~~وإيجاده الحكمة التامة كما له عليه الحمد التام فلا يجوز تعطيل حمده كما لا ~~يجوز تعطيل حكمته ومنها أنه سبحانه يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره وأناته ~~وسعة رحمته وجوده فاقتضى ذلك خلق من يشرك به ويضاده في حكمه ويجتهد في ~~مخالفته ويسعى في مساخطه بل يشبهه سبحانه وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع ~~الطيبات ويرزقه ويعاقبه ويمكن له من أسباب ما يلتذ به من أصناف النعم ويجيب ~~دعاءه ويكشف عنه السوء ويعامله من بره وإحسانه بضد ما ms423 يعامله هو به من كفره ~~وشركه وإساءته فلله كم في ذلك من حكمة وحمد ويتحبب إلى أوليائه ويتعرف ~~بأنواع كمالاته كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا أحد ~~أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعاقبهم" وفي ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه: "شتمني ابن آدم وما ينبغي ~~له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ~~ولدا وأنا الأحد الصمد الذي له ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤا أحد وأما ~~تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليه من ~~إعادته" وهو سبحانه مع هذا الشتم له والتكذيب يرزق الشاتم المكذب ويعاقبه ~~ويدفع عنه ويدعوه إلى جنته ويقبل توبته إذا تاب إليه ويبدله بسيئاته حسنات ~~ويلطف به في جميع أحواله ويؤهله لإرسال رسله ويأمرهم بأن يلينوا له القول ~~ويرفقوا به قال الفضيل بن عياض: "ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل ~~جل جلاله من أعظم مني جودا الخلائق لي عاصون وأنا أكلأهم في مضاجعهم كأنهم ~~لم يعصوني وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا أجود بالفضل على العاصي وأتفضل على ~~المسيء من ذا الذي دعاني فلم ألبه ومن ذا الذي سألني فلم أعطه أنا الجواد ~~ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني وأعطيه ~~ما لم يسألني ومن كرمي أني أعطي التائب كأنه لم يعصني فأين عني يهرب الخلق ~~وأين عن بابي يتنحى العاصون" وفي أثر إلهي: "أني والإنس والجن في نبأ عظيم ~~أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي" وفي أثر حسن: "ابن آدم ما أنصفتني خيري ~~إليك نازل وشرك إلى صاعد كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك وكم تتبغض إلى ~~بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح" وفي ~~الحديث الصحيح: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم # PageV01P238 # يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" فهو سبحانه لكمال ms424 محبته لأسمائه وصفاته ~~اقتضى حمده وحكمته أن يخلق خلقا يظهر فيهم أحكامها وآثارها فالمحبة للعفو ~~خلق من يحسن العفو عنه ولمحبته للمغفرة خلق من يغفر له ويحلم عنه ويصبر ~~عليه ولا يعاجله بل يكون يحب أمانه وإمهاله ولمحبته لعدله وحكمته خلق من ~~يظهر فيهم عدله وحكمته ولمحبته للجود والإحسان والبر خلق من يعامله ~~بالإساءة والعصيان وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان فلولا خلق من يجري ~~على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات لفاتت هذه الحكم والمصالح وأضعافها ~~وأضعاف أضعافها فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين ذو الحكمة البالغة ~~والنعم السابغة الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته وله في كل شيء حكمة ~~باهرة كما أن له فيه قدرة قاهرة وهدايات إنما ذكرنا منه قطرة من بحر وإلا ~~فعقول البشر أعجز وأضعف وأقصر من أن تحيط بكمال حكمته في شيء من خلقه فكم ~~حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب المسخوط له من محبوب له تبارك وتعالى ~~يتصل في حبه ما حصل به من مكروهه والحكيم الباهر الحكمة هو الذي يحصل أحب ~~الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه إذا كان طريقا إلى حصول ~~ذلك المحبوب ووجود الملزوم بدون لازمه محال فإن يكن قد حصل بعدو الله إبليس ~~من السرور والمعاصي ما حصل فكم حصل بسبب وجوده ووجود جنوده من طاعة هي أحب ~~إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله ومخالفة هوى النفس وشهوتها له ويحتمل ~~المشاق والمكاره في محبته ومرضاته وأحب شيء للحبيب أن يرى محبه يتحمل لأجله ~~من الأذى والوصب ما يصدق محبته: # من أجلك قد جعلت خدي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضا # وفي أثر إلهي: "بغيتي ما يتحمل المتحملون من أجلي" فلله ما أحب إليه ~~احتمال محبيه إذا أعدائه لهم فيه وفي مرضاته وما أنفع ذلك الأذى لهم وما ~~أحمدهم لعاقبته وماذا ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه قرة عيونهم به ولكن ~~حرام على منكري محبة الرب تعالى أن يشموا لذلك رائحة أو يدخلوا من هذا ~~الباب أو يذوقوا من هذا ms425 الشراب: # فقل للعيون العمى للشمس أعين ... سواك يراها في مغيب ومطلع # وسامح يؤسا لم يؤهل لحبهم ... فما يحسن التخصيص في كل موضع # فإن أغضب هذا المخلوق ربه فقد أرضاه فيه أنبيائه ورسله وأوليائه وذلك ~~الرضاء أعظم من ذلك الغضب وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي ~~والمخالفات فإنه سبحانه أشد فرحا بتوبة عبده من الفاقد لراحلته التي عليها ~~طعامه وشرابه إذا وجدها في المفاوز المهلكات وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ~~ورسله من هذا العدو فقد سره وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ومعصيته ~~ومراغمته وكبته وغيظه وهذا الرضاء أعظم عنده وأبر لديه من فوات ذلك المكروه ~~المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب وإن أسخطه أكل آدم من الشجرة فقد أرضاه ~~توبته وإنابته وخضوعه وتذلله بين يديه وانكساره له وإن أغضبه إخراج أعدائه ~~لرسوله من حرمه وبلدته ذلك لخروج فقط أرضاه أعظم الرضاء دخوله إليها ذلك ~~الدخول وإن أسخطه قتلهم أوليائه وأحبائه وتمزيق لحومهم وإراقة دمائهم فقد ~~أرضاه نيلهم الحياة التي لا أطيب منها ولا أنعم ولا ألذ في قربه وجواره وإن ~~أسخطه معاصي عباده فقد أرضاه شهود ملائكته وأنبيائه ورسله وأوليائه سعة # PageV01P239 # مغفرته وعفوه وبره وكرمه وجوده والثناء عليه بذلك وحمده وتمجديه بهذه ~~الأوصاف التي حمده بها وأثنى عليه بها أحب إليه وأرضى له من فوات تلك ~~المعاصي وفوات هذه المحبوبات واعلم أن الحمد هو الأصل الجامع لذلك كله فهو ~~عقد نظام الخلق والأمر والرب تعالى له الحمد كله بجميع وجوهه واعتباراته ~~وتصاريفه فما خلق شيئا ولا حكم بشيء إلا وله فيه الحمد فوصل حمده إلى حيث ~~وصل خلقه وأمره حمدا حقيقا يتضمن محبته والرضا به وعنه والثناء عليه ~~والإقرار بحكمته البالغة في كل ما خلقه وأمر به فتعطيل حكمته غير تعطيل ~~حمده كما تقدم بيانه فكما أنه لا يكون إلا حميدا فلا يكون إلا حكيما فحمده ~~وحكمته كعلمه وقدرته وحياته من لوازم ذاته ولا يجوز تعطيل شيء من صفاته ~~وأسمائه عن مقتضياتها وآثارها فإن ذلك يستلزم النقص ms426 الذي يناقض كماله ~~وكبريائه وعظمته يوضحه، الوجه الخامس والعشرون إنه كما أن من صفات الكمال ~~وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث فكما ~~يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون وكمال الملوك أن يلوذ بهم ~~أولياؤهم ويعوذوا بهم كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه: # يأمن ألوذ به فيما أومله ... ومن أعوذ به مما أحاذره # لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنتن جابره # ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله والمقصود أن ملك ~~الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه وأن يعوذوا به كما أمر رسوله أن يستعيذ به ~~من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه وبذلك يظهر تمام نعمته على عدوه ~~إذا أعاذه وأجاره من عدوه فلم يكن إعاذته وإجارته منه بأدنى النعمتين والله ~~تعالى يحب أن يكمل نعمته على عباده المؤمنين ويريهم نصره لهم على عدوهم ~~وحمايتهم منه وظفرهم بهم فيا لها من نعمة كمل بها سرورهم ونعيمهم وعدل ~~أظهره في أعدائه وخصمائه: # وما منهما الإله فيه حكمة ... يقصر عن إدراكها كل باحث # الوجه السادس والعشرون قوله أي حكمة في إبقاء إبليس إلى آخر الدهر وإماتة ~~الرسل فكم لله في ذلك من حكمة تضيق بها الأوهام فمنها أنه سبحانه لما جعله ~~محكا ومحنة يخرج به الطيب من الخبيث ووليه من عدوه اقتضت حكمته إبقاءه ~~ليحصل الغرض المطلوب بخلقه ولو أماته لفات ذلك الغرض كما أن الحكمة اقتضت ~~بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر الدهر ولو أهلكهم البتة لتعطلت الحكم ~~الكثيرة في إبقائهم فكما اقتضت حكمته امتحان أبي البشر اقتضت امتحان أولاده ~~من بعده به فتحصل السعادة لمن خالفه وعاداه وينحاز إليه من وافقه ووالاه ~~ومنها أنه لما سبق حلمه وحكمته أنه لا نصيب له في الآخرة وقد سبق له طاعة ~~وعبادة جزاه بها في الدنيا بأن أعطاه البقاء فيها إلى آخر الدهر فإنه ~~سبحانه لا يظلم أحدا حسنة عملها فأما ms427 المؤمن فيجزيه بحسناته في الدنيا وفي ~~الآخرة وأما الكافر فيجزيه بحسنات ما عمل في الدنيا فإذا أفضى إلى الآخرة ~~لم يكن له شيء كما ثبت هذا المعنى في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومنها أن إبقاءه لم يكن كرامة في حقه فإنه لو مات كان خيرا له وأخف لعذابه ~~وأقل لشره ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على المعصية ومخاصمة من ينبغي ~~التسليم لحكمه والقدح في حكمته والخلف على اقتطاع عباده وصدهم عن عبوديته ~~كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه فأبقى في الدنيا # PageV01P240 # وأملى له ليزداد هذا إثما على أثم ذلك الذنب فيستوجب العقوبة التي لا ~~تصلح لغيره فيكون رأس أهل الشر في العقوبة كما كان رأسهم في الشر والكفر ~~ولما كان مادة كل شر فعنه ينشأ جوزي في النار مثل فعله فكل عذاب ينزل بأهل ~~النار يبدأ به فيه ثم يسري منه إلى أتباعه عدلا ظاهرا أو حكمة بالغة ومنها ~~أنه قال في مخاصمته لربه أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم ~~القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا وعلم سبحانه أن في الذرية من لا يصلح ~~لمساكنته في داره ولا يصلح إلا لما يصلح له الشوك والروث أبقاه له وقال له ~~بلسان القدر هؤلاء أصحابك وأوليائك فاجلس في انتظارهم وكلما مر بك واحد ~~منهم فشأنك به فلو صلح لي لما ملكتك منه فإني أتولى الصالحين وهم الذي ~~يصلحون لي وأنت ولي المجرمين الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي قال ~~تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون نما سلطانه ~~على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} فأما إماتة الأنبياء والمرسلين فلم ~~يكن ذلك لهوانهم عليه ولكن ليصلوا إلى محل كرامته ويستريحوا من نكد الدنيا ~~وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم وليحي الرسل بعدهم يرى رسولا بعد رسول ~~فإماتتهم أصلح لهم وللأمة أما هم فلراحتهم من الدنيا ولحوقهم بالرفيق ~~الأعلى في أكمل لذة وسرور ولا سيما وقد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا ~~واللحاق به وأما ms428 الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة بل أطاعوهم ~~بعد مماتهم كما أطاعوهم في حياتهم وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم بل ~~يعبدون الله بأمرهم ونهيهم والله هو الحي الذي لا يموت فكم في إماتتهم من ~~حكمة ومصلحة لهم وللأمم هذا وهم بشر ولم يخلق الله البشر في الدنيا على ~~خلقة قابلة للدوام بل جعلهم خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضا فلو أبقاهم ~~لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف ولضاقت بهم الأرض فالموت كمال لكل ~~مؤمن ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا ولا هناء لأهلها بها فالحكمة في ~~الموت كالحكمة في الحياة، الوجه السابع والعشرون قوله أي حكمة ومصلحة في ~~إخراج آدم من الجنة إلى دار الابتلاء والامتحان فالجواب أن يقال كم لله ~~سبحانه في ذلك من حكمة وكل فيه من نعمة ومصلحة تعجز العقول عن معرفتها على ~~التفصيل ولو استفرغت قواها كلها في معرفة ذلك وإهباط آدم وإخراجه من الجنة ~~كان يعسر كماله ليعود إليها على أحسن أحواله وهو سبحانه إنما خلقه ليستعمره ~~وذريته في الأرض ويجعلهم خلفاء يخلف بعضهم بعضا فخلفهم سبحانه ليأمرهم ~~وينهاهم ويبتليهم وليست الجنة دار ابتلاء وتكليف فأخرج الأبوين إلى الدار ~~التي خلقوا منها وفيها ليتزودوا منها إلى الدار التي خلقوا لها فإذا وفوا ~~تعب دار التكليف ونصبها عرفوا قدر تلك الدار وشرفها وفضلها ولو نشأوا في ~~تلك الدار لما عرفوا قدر نعمته عليهم بها فأسكنهم دار الامتحان وعرضهم فيها ~~لأمره ونهيه لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه وكرامته وكان من الممكن أن يحصل ~~لهم النعيم المقيم هناك لكن الحاصل عقيب الابتلاء والامتحان ومعانات الموت ~~وما بعده وأهوال القيامة والعبور على الصراط نوع آخر من النعيم لا يدرك ~~قدره وهو أكمل من نعيم من خلق في الجنة من الولدان والحور العين بما لا ~~يشبه بينهما بوجه من الوجوه ومن الحكم في ذلك أنه سبحانه أراد أن يتخذ من ~~ذرية آدم رسلا وأنبيائه وشهداء يحبهم ويحبونه وينزل عليهم كتبه ويعهد إليهم ~~عهده ويستعبدهم له في السراء والضراء ms429 ويؤثرون محابه ومراضيه على شهواتهم ~~وما يحبونه ويهوونه فاقتضت حكمته أن أنزلهم إلى دار ابتلاهم فيها بما ~~ابتلاهم ليكملوا بذلك الابتلاء مراتب # PageV01P241 # عبوديته ويعبدونه بما تكرهه نفوسهم وذلك محض العبودية وإلا فمن يعبد الله ~~إلا بما يحبه ويهواه فهو في الحقيقة إنما يعبد نفسه وهو سبحانه يحب من ~~أوليائه أن يولوا فيه ويعادوا فيه ويبذلوا نفوسهم في مرضاته ومحابه وهذا ~~كله لا يحصل في دار النعيم المطلق ومن الحكمة في إخراجه من الجنة ما تقدم ~~التنبيه عليه من اقتضاء أسماء الله الحسنى لمسمياتها ومتعلقاتها كالغفور ~~الرحيم التواب العفو المنتقم الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت ~~الوارث ولا بد من ظهور أثر هذه الأسماء ووجود ما يتعلق به فاقتضت حكمته أن ~~إنزال الأبوين من الجنة ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما فلو ~~تربت الذرية في الجنة لفاتت أثار هذه الأسماء وتعلقاتها والكمال الإلهي ~~يأبى ذلك فإنه الملك الحق المبين والملك هو الذي يأمر وينهى ويكرم ويهين ~~ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل فأنزل الأبوين والذرية إلى دار تجري ~~عليهم هذه الأحكام وأيضا فإنهم أنزلوا إلى دار يكون إيمانهم تاما فإن ~~الإيمان قول وعمل وجهاد وصبر واحتمال وهذا كله إنما يكون في دار الامتحان ~~لا في جنة النعيم وقد ذكر غير واحد من أهل العلم منهم أبو الوفا بن عقيل ~~وغيره أن أعمال الرسل والأنبياء والمؤمنين في الدنيا أفضل من نعيم الجنة ~~قالوا لأن نعيم الجنة حظهم وتمتعهم فأين يقاس إلى الإيمان وأعماله والصلوات ~~وقراءة القرآن والجهاد في سبيل الله وبذل النفوس في مرضاته وإيثاره على ~~هواها وشهواتها فالأيمان متعلق به سبحانه وهو حقه عليهم ونعيم الجنة متعلق ~~بهم وهو حظهم فهم إنما خلقوا للعبادة والجنة دار نعيم لا دار تكليف وعبادة ~~وأيضا فإنه سبحانه سبق حكمه وحكمته بأن يجعل في الأرض خليفة وأعلم بذلك ~~ملائكته فهو سبحانه قد أراد بكون هذا الخليفة وذريته في الأرض قبل خلقه لما ~~له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة فلم يكن بد من إخراجه ms430 من الجنة إلى ~~دار قد سكناهم فيها قبل أن يخلقه وكان ذلك التقدير بأسباب وحكم فمن أسبابه ~~النهي عن تلك الشجرة وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل وتخليته ~~بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية وكانت تلك الأسباب موصلة إلى غايات ~~محمودة مطلوبة يترتب على خروجه من الجنة ثم يترتب على خروجه أسباب أخر جعلت ~~غايات لحكم أخر ومن تلك الغايات عوده إليها على أكمل الوجوه فذلك التقدير ~~وتلك الأسباب وغاياتها صادرة عن محض الحكمة البالغة التي يحمده عليها أهل ~~السماوات والأرض والدنيا والآخرة فما قدر أحكم الحاكمين ذلك باطلا ولا دبره ~~عبثا ولا أخلاه من حكمته البالغة وحمده التام وأيضا فإنه سبحانه قال ~~للملائكة: {ني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} ثم أظهر ~~سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذا الخليفة ما لم ~~يكونوا يعرفونه بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبائه ورسله وأنبيائه من ~~يتقرب إليه بأنواع التقرب ويبذل نفسه في محبته ومرضاته يسبح بحمده أناء ~~الليل وأطراف النهار ويذكره قائما وقاعدا وعلى جنبه ويعبده ويذكره ويشكره ~~في السراء والضراء والعافية والبلاء والشدة والرخاء فلا يثنيه عن ذكره ~~وشكره وعبادته شدة ولا بلاء ولا فقر ولا مرض ويعبده مع معارضة الشهوة ~~وغلبات الهوى وتعاضد الطباع لأحكامها ومعاداة بني جنسه وغيرهم له فلا يصده ~~ذلك عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ~~ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل وأيضا فإنه ~~سبحانه أراد أن يظهر لهم # PageV01P242 # ما خفي عليهم من شأن ما كانوا يعظمونه ويجلونه ولا يعرفون ما في نفسه من ~~الكبر والحسد والشر فذلك الخير وهذا الشر كامن في نفوس لا يعلمونها فلا بد ~~من إخراجه وإبرازه لكي يعلم حكمة أحكم الحاكمين في مقابلة كل منهما بما ~~يليق به وأيضا فإنه سبحانه لما خلق خلقه أطوارا وأصنافا ms431 وسبق في حكمه ~~وحكمته تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلا جعل عبوديتهم أكمل من ~~عبودية غيرهم وكانت العبودية أفضل أحوالهم وأعلى درجاتهم أعني العبودية ~~الاختيارية التي يأتون بها طوعا واختيارا لا كرها واضطرارا ولهذا أرسل الله ~~جبريل إلى سيد هذا النوع الإنساني يخيره بين أن يكون عبدا رسولا أو ملكا ~~نبيا فاختار بتوفيق ربه له أن يكون عبدا رسولا وذكره سبحانه بأتم العبودية ~~في أشرف مقاماته وأفضل أحواله كمقام الدعوة والتحدي والإسراء وإنزال ~~القرآن: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} : {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا} : {سبحان الذي أسرى بعبده} : {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} ~~فأثنى عليه ونوه الله لعبوديته التامة له ولهذا يقول أهل الموقف حين يطلبون ~~الشفاعة اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلما ~~كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم وأحبها إلى الله وكان لها لوازم وأسباب ~~مشروطة لا يحصل إلا بها كان من أعظم الحكمة أن أخرجوا إلى دار تجري عليهم ~~فيها أحكام العبودية وأسبابها وشروطها وموجباتها فكان إخراجهم من الجنة ~~تنكيلا لهم وإتماما لنعمته عليهم مع ما في ذلك من محبوبات الرب تعالى فإنه ~~يحب إجابة الدعوات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات ومغفرة الزلات وتكفير ~~السيئات ودفع البليات وإعزاز من يستحق العز وإذلال من يستحق الذل ونصر ~~المظلوم وجبر الكسير ورفع بعض خلقة على بعض وجعلهم درجات ليعرف قدر فضله ~~وتخصيصه فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن يخرجهم إلى دار يحصل فيها ~~محبوباته سبحانه وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها فالوقوف على الشيء ~~لا بدونه وإيجاد لوازم الحكمة من الحكمة كما أن إيجاد لوازم العدل من العدل ~~كما ستقف عليه في فصل إيلام الأطفال إن شاء الله، الوجه الثامن والعشرون ~~أنه سبحانه أبرز خلقه من العدم إلى الوجود ليجري عليه أحكام أسمائه وصفاته ~~فيظهر كماله المقدس وإن كان لم يزل كاملا فمن كماله ظهور آثار كماله في ~~خلقه وأمره وقضائه وقدره ووعده ووعيده ومنعه ms432 وإعطائه وإكرامه وإهانته وعدله ~~وفضله وعفوه وإنعامه وسعة حلمه وشدة بطشه وقد اقتضى كماله المقدس سبحانه ~~أنه كل يوم هو في شأن فمن جملة شؤونه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويشفي مريضا ~~ويفك عانيا وينصر مظلوما ويغيث ملهوفا ويحبر كسيرا ويغني فقيرا ويجيب دعوة ~~ويقيل عثرة ويعز ذليلا ويذل متكبرا ويقصم جبارا ويميت ويحيي ويضحك ويبكي ~~ويخفض ويرفع ويعطي ويمنع ويرسل رسله من الملائكة ومن البشر في تنفيذ أوامره ~~وسوق مقاديره التي قدرها إلى مواقيتها التي وقتها لها وهذا كله لم يكن ~~ليحصل في ذات البقاء وإنما اقتضت حكمته البالغة حصوله في دار الامتحان ~~والابتلاء يوضحه، الوجه التاسع والعشرون أن كمال ملكه التام اقتضى كمال ~~تصرفه فيه بأنواع التصرف ولهذا جعل الله سبحانه الدور ثلاثة دارا أخلصها ~~للنعيم واللذة والبهجة والسرور ودارا أخلصها للألم والنصب وأنواع البلاء ~~والشرور ودارا خلط خيرها بشرها ومزج نعيمها بشقائها ومزج لذتها بألمها ~~يلتقيان ويطالبان وجعل عمارة تينك الدارين من هذه الدار وأجرى أحكامه على ~~خلقه في الدور الثلاثة بمقتضى ربوبيته # PageV01P243 # وإلهيته وعزته وحكمته وعدله ورحمته فلو أسكنهم كلهم دار البقاء من حين ~~أوجدهم لتعطلت أحكام هذه الصفات ولم يترتب عليها آثارها يوضحه، الوجه ~~الثلاثون أن يوم المعاد الأكبر يوم مظهر الأسماء والصفات وأحكامها ولهذا ~~يقول سبحانه: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} وقال: {الملك يومئذ الحق ~~للرحمن} وقال: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} حتى أن الله ~~سبحانه ليتعرف إلى عباده ذلك اليوم بأسماء وصفات لم يعرفوها في هذه الدار ~~فهو يوم ظهور المملكة العظمى والأسماء الحسنى والصفات العلى فتأمل ما أخبر ~~به والله ورسوله من شأن ذلك اليوم وأحكامه وظهور عزته تعالى وعظمته وعدله ~~وفضله ورحمته وآثار صفاته المقدسة التي لو خلقوا دار البقاء لتعطلت وكماله ~~سبحانه ينفي ذلك وهذا دليل مستقل لمن عرف الله تعالى وأسمائه وصفاته على ~~وقوع المعاد وصدق الرسل فيما أخبروا به عن الله عنه فيطابق دليل العقل ~~ودليل السمع على وقوعه، الوجه الحادي والثلاثون أن ms433 الله سبحانه يحب أن يعبد ~~بأنواع التعبدات كلها ولا يليق ذلك إلا بعظمته وجلاله ولا يحسن ولا ينبغي ~~إلا الإله وحده ومن المعلوم أن أنواع التعبد الحاصلة في دار الابتلاء ~~والامتحان لا يكون في دار المجازاة وإن كان في هذه الدار بعض المجازاة ~~وكمالها وتمامها إنما هو في تلك الدار وليست دار عمل وإنما هي دار جزاء ~~وثواب أوجب كماله المقدس أن يجزي فيها الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى فلم يكن بد من دار تقع فيها الإساءة والإحسان ويجري على ~~أهلها أحكام الأسماء والصفات ثم يعقبها دارا يجازي فيها المحسن والمسيء ~~ويجري على أهلها فيها أحكام الأسماء والصفات فتعطيل أسمائه وصفاته ممتنع ~~ومستحيل وهو تعطيل لربوبيته وإلهيته وملكه وعزه وحكمته فمن فتح له باب من ~~الفقه في أحكام الأسماء والصفات وعلم اختصاصها لآثارها ومتعلقاتها واستحالة ~~تعطيلها علم أن الأمر كما أخبرت به الرسل وأنه لا يجوز عليه سبحانه ولا ~~ينبغي له غيره وأنه ينزه عن خلاف ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص ~~وهذا باب عزيز من أبواب الإيمان فيفتحه الله على من يشاء من عباده ويحرمه ~~من يشاء، الوجه الثاني والثلاثون أنه كم لله سبحانه من حكمة وحمد وأمر ونهي ~~وقضاء وقدر في جعل بعض عباده فتنة لبعض كما قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض} وقال تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون} فهو سبحانه جعل ~~أوليائه فتنة لأعدائه وأعداءه فتنته لأوليائه والملوك فتنة للرعية والرعية ~~فتنة لهم والرجال فتنة للنساء وهن فتنة لهم والأغنياء فتنة للفقراء ~~والفقراء فتنة لهم وابتلى كل أحد بضد جعله متقابلا فما استقرت أقدام ~~الأبوين على الأرض إلا وضدهما مقابلهما واستمر الأمر في الذرية كذلك إلى أن ~~يطوي الله الدنيا ومن عليها وكم له سبحانه في مثل هذا الابتلاء والامتحان ~~من حكمة بالغة ونعمة سابغة وحكم نافذ وأمر ونهي وتصريف دال على ربوبيته ~~وإلهيته وملكه وحمده وكذلك ابتلاء عباده بالخير والشر في هذه الدار هو من ~~كمال حكمته ومقتضى حمده التام، الوجه ms434 الثالث والثلاثون أنه لولا هذا ~~الابتلاء والامتحان لما ظهر فضل الصبر والرضا والتوكل والجهاد والعفة ~~والشجاعة والحلم والعفو والصفح والله سبحانه يحب أن يكرم أوليائه بهذه ~~الكمالات ويحب ظهورها عليهم ليثني بها عليهم هو وملائكته وينالوا باتصافهم ~~بها غاية الكرامة واللذة والسرور وإن كانت مرة المبادئ فلا أحلى من عواقبها ~~ووجود الملزم بدون لازمه ممتنع وقد أجرى الله سبحانه حكمته بأن كمال ~~الغايات تابعة لقوة أسبابها وكمالها ونقصانها لنقصانها فمن كمل # PageV01P244 # أسباب النعيم واللذة كملت له غاياتها ومن حرمها حرمها ومن نقصها نقص له ~~من غاياتها وعلى هذا قام الجزاء بالقسط والثواب والعقاب وكفى بهذا العالم ~~شاهدا لذلك فرب الدنيا والآخرة واحد وحكمته مطردة فيهما وله الحمد في ~~الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون يوضحه، الوجه الرابع والثلاثون وهو ~~أن أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان وجزاؤه وهو لا يتحقق إلا ~~بالامتحان والاختبار قال تعالى: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان ~~يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد ~~لنفسه إن الله لغني عن العالمين} فذكر سبحانه في هذه السورة أنه لا بد أن ~~يمتحن خلقه ويفتنهم ليتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر ومن يشكره ~~ويعبده ممن يكفره ويعرض عنه ويعبد غيره وذكر أحوال الممتحنين في العاجل ~~والآجل وذكر أئمة الممتحنين في الدنيا وهم الرسل وأتباعهم وعاقبة أمرهم وما ~~صاروا إليه وافتتح بالإنكار على من يحسب أنه يتخلص من الامتحان والفتنة في ~~هذه الدار إذا دعى الإيمان وأن حكمته سبحانه وشأنه في خلقه يأبى ذلك وأخبر ~~عن سر هذه الفتنة والمحنة وهو تبيين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر ~~وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي ~~العباد بمجرد علمه فيهم بل بمعلومه إذا وجد وتحقق والفتنة هي التي ms435 أظهرته ~~وأخرجته إلى الوجود فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه ثم أنكر سبحانه على من لم ~~يلتزم الإيمان به ومتابعة رسله خوف الفتنة والمحنة التي يمتحن بها رسله ~~وأتباعهم ظنه وحسبانه أنه بإعراضه عن الإيمان وتصديق رسله يتخلص من الفتنة ~~والمحنة فإن بين يديه من الفتنة والمحنة والعذاب أعظم وأشق مما فر عنه فإن ~~المكلفين بعد إرسال الرسل إليهم بين أمرين إما أن يقول أحدهم آمنت وإما أن ~~لا يقول بل يستمر على السيئات فمن قال آمنا امتحنه الرب تعالى وابتلاه ~~لتتحقق بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه وأنه ليس بإيمان عافية ورخاء فقط ~~بل إيمان ثابت في حالتي النعماء والبلاء ومن لم يؤمن فلا يحسب أنه يعجز ربه ~~تعالى ويفوته بل هو في قبضته وناصيته بيده فله من البلاء أعظم مما ابتلى به ~~من قال آمنت فمن آمن به وبرسله فلا بد أن يبتلي من أعدائه وأعداء رسله بما ~~يؤلمه ويشق عليه ومن لم يؤمن به وبرسله فلا بد أن يعاقبه فيحصل له من الألم ~~والمشقة أضعاف ألم المؤمنين فلا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة ~~لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا أشد ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة ~~والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداء ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة ~~وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات فيلتذون بها ابتداء ثم تعقبها الآلام لم ~~بحسب ما نالوه منها والذين يصبرون عنها ينالون بفقدها ابتداء ثم يعقب ذلك ~~الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه وتركوه منها فالألم واللذة أمر ~~ضروري لكل إنسان لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم العظيم ~~بون ولهذا كان خاصة العقل النظر في العواقب والغايات فمن ظن أنه يتخلص من ~~الألم بحيث لا يصيبه البتة فظنه أكذب الحديث فإن الإنسان خلق عرضة للذة ~~والألم والسرور والحزن والفرح والغم وذلك من جهتين من جهة تركبه وطبيعته ~~وهيئته فإنه مركب من أخلاط متفاوتة متضادة يمتنع أو يعز اعتدالها من كل وجه ~~بل لا بد أن ms436 يبغي بعضها على بعض فيخرج عن حد الاعتدال # PageV01P245 # فيحصل الألم ومن جهة بني جنسه فإنه مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده بل ~~لا يعيش إلا معهم وله ولهم لذاذات ومطالب متضادة ومتعارضة لا يمكن الجمع ~~بينها بل إذا حصل منها شيء فات منها أشياء فهو يريد منهم أن يوافقوه على ~~مطالبه وإرادته وهم يريدون منه ذلك فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة ~~بحسب ما فاته من إرادته وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه وسعوا في تعطيل مراداته ~~كما لم يوافقهم على مراداتهم فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ذلك فهو في ~~ألم ومشقة وعناء وافقهم أو خالفهم ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور ~~يعلم أنها عقائد باطلة وإرادات فاسدة وأعمال تضره في عواقبها ففي موافقتهم ~~أعظم الألم وفي مخالفتهم حصول الألم فالعقل والدين والمروءة والعلم تأمره ~~باحتمال أخف الألمين تخلصا من أشدهما وبإيثار المنقطع منهما لينجو من ~~الدائم المستمر فمن كان ظهيرا للمجرمين من الظلمة على ظلمهم ومن أهل ~~الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم ~~وشهواتهم ليتخلص بمظاهرتهم من ألم أذاهم أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلا ~~وآجلا أضعاف أضعاف ما فر منه وسنة الله في خلقه أن يعذبهم بإنذار من ~~إيمانهم وظاهرهم وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة ~~وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة وسنة الله في خلقه أن يرفعه ~~عليهم ويذلهم به بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه وإذا كان لا من الألم ~~والعذاب فذلك في الله وفي مرضاته ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ~~ورضائهم وتحصيل مراداتهم ولما كان زمن التألم والعذاب فصبره طويل فأنفاسه ~~ساعات وساعاته أيام وأيامه شهور وأعوام بلا سبحانه الممتحنين فيه بأن ذلك ~~الابتلاء آجلا ثم ينقطع وضرب لأهله أجلا للقائه يسليهم به ويشكر نفوسهم ~~ويهون عليهم أثقاله فقال: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو ~~السميع العليم} فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه وأجل لقاء المبتلى ms437 ~~سبحانه وإثباته هان عليه ما هو فيه وخف عليه حمله ثم لما كان ذلك لا يحصل ~~إلا بمجاهدة للنفس وللشيطان ولبني جنسه وكان العامل إذا علم أن ثمرة علمه ~~وتعبه يعود عليه وحده لا يشكره فيه غيره كأن أتم اجتهادا وأوفر سعيا فقال ~~تعالى: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين} وأيضا فلا ~~يتوهم متوهم أن منفعة هذه المجاهدة والصبر والاحتمال يعود على الله سبحانه ~~فإنه غني عن العالمين لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا نهاهم عما ~~نهاهم عنه بخلا منه عليهم بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم في معاشهم ~~ومعادهم ونهاهم عما يعود مضرته وعتيه عليهم في معاشهم ومعادهم فكانت ثمرة ~~هذا الابتلاء والامتحان مختصة بهم واقتضت حكمته أن نصب ذلك سببا مقضيا إلى ~~يميز الخبيث من الطيب والشقي من الغوي ومن يصلح له ممن لا يصلح قال تعالى: ~~{ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} ~~فابتلاهم سبحانه بإرسال الرسل إليهم بأوامره ونواهيه واختياره فامتاز برسله ~~طيبهم من خبيثهم وجيدهم من رديئهم فوقع الثواب والعقاب على معلوم أظهره ذلك ~~الابتلاء والامتحان ثم لما كان الممتحن لا بد أن ينحرف عن طريق الصبر ~~والمجاهدة لدواعي طبيعته وهواه وضعفه عن مقاومة ما ابتلي به وعده سبحانه أن ~~يتجاوز له عن ذلك ويكفره عنه لأنه لما أمر به والتزم طاعته اقتضت رحمته أن ~~كفر عنه سيئاته وجازاه بأحسن أعماله ثم ذكر سبحانه ابتلاء العبد بأبويه وما ~~أمر به من طاعتهما وصبره على مجاهدتهما له على أن لا يشرك به فيصبر على هذه ~~المحنة والفتنة ولا يطيعهما بل يصاحبهما على هذه الحال معروفا ويعرض عنهما ~~إلى متابعة سبيل رسله # PageV01P246 # وفي الإعراض عنهما وعن سبيلهما والإقبال على من خالفهما وعلى سبيله من ~~الامتحان والابتلاء ما فيه ثم ذكر سبحانه حال من دخل في الإيمان على ضعف ~~عزم وقلة صبر وعدم ثبات على المحنة والابتلاء وأنه إذا أوذي في الله كما ms438 ~~جرت به سنة الله واقتضت حكمته من ابتلاء أوليائه بأعدائه وتسليطهم عليهم ~~بأنواع المكاره والأذى لم يصبر على ذلك وجزع منه وفر منه ومن أسبابه كما ~~يفر من عذاب الله فجعل فتنة الناس له على الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله ~~لمن يعذبه على الشرك ومخالفة رسله وهذا يدل على عدم البصيرة وأن الإيمان لم ~~يدخل قلبه ولا ذاق حلاوته حتى سوى بين عذاب الله له على الإيمان بالله ~~ورسوله وبين عذاب الله لمن لم يؤمن به وبرسله وهذا حال من يعبد الله على ~~حرف واحد لم ترسخ قدمه في الإيمان وعبادة الله فهو من المفتونين المعذبين ~~وإن فر من عذاب الناس له على الإيمان ثم ذكر حال هذا عند نصرة المؤمنين ~~وأنهم إذا نصروا لجأ إليهم وقال كنت معكم والله سبحانه يعلم من قلبه خلاف ~~قوله ثم ذكر سبحانه ابتلاء نوح بقومه ألف سنة إلا خمسين عاما وابتلاء قومه ~~بطاعته فكذبوه فابتلاهم بالغرق ثم بعده بالخرق ثم ذكر ابتلاء إبراهيم بقومه ~~وما ردوا عليه وابتلاهم بطاعته ومتابعته ثم ذكر ابتلاء لوط بقومه وابتلاءهم ~~به وما صار إليه أمره وأمرهم ثم ذكر ابتلاء شعيب بقومه وابتلاءهم به وما ~~انتهت إليه حالهم وحاله ثم ذكر ما ابتلى به عادا وثمودا وقارون وفرعون ~~وهامان وجنودهم من الإيمان به وعبادته وحده ثم ما ابتلاهم به من أنواع ~~العقوبات ثم ذكر ابتلاء رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنواع الكفار من ~~المشركين وأهل الكتاب وأمره أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن ثم أمر ~~عباده المبتلين بأعدائه أن يهاجروا من أرضهم إلى أرضه الواسعة فيعبدونه ~~فيها ثم نبههم بالنقلة الكبرى من دار الدنيا إلى دار الآخرة على نقلتهم ~~الصغرى من أرض إلى أرض وأخبرهم أن مرجعهم إليه فلا قرار لهم في هذه الدار ~~دون لقائه ثم بين لهم حال الصابرين على الابتلاء فيه بأنه يبوؤهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها فسلاهم عن أرضهم ودارهم التي تركوها لأجله ~~وكانت مباء لهم بأن بوأهم دارا ms439 أحسن منها وأجمع لكل خير ولذة ونعيم مع خلود ~~الأبد وأن ذلك بصبرهم على الابتلاء وتوكلهم على ربهم ثم أخبرهم بأنه ضامن ~~لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم في أرضهم فلا يهتموا بحمل الرزق فكم من ~~دابة سافرت من مكان إلى مكان لا تحمل رزقها ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء ~~والامتحان في هذه الدار قصيرة جدا بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء ثم ذكر ~~سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به وأن مقامهم في هذه الدار تمتع ~~وسوف يعلمون عند النقلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم وما حصلوا عليه من ~~العذاب الأليم وذكر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به وأطاع رسله وجاهد نفسه ~~وعدوه في دار الابتلاء ما به هاديه وناصره فأخبر سبحانه أن أجل عطاه وأفضله ~~في الدنيا والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه وتوكلوا عليه ~~وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفروا منه ~~وآثروا النعيم العاجل عليه فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر فإنها ~~سورة الابتلاء والامتحان وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة ومن تأمل ~~فاتحتها ووسطها وخاتمها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان ووسطه ~~صبر وتوكل وآخره هداية ونصر والله المستعان يوضحه، الوجه الخامس والثلاثون ~~وهو أنه سبحانه أخبر أنه خلق السماوات والأرض العالم العلوي والسفلي # PageV01P247 # ليبلونا أينا أحسن عملا وأخبر أنه زين الأرض بما عليها من حيوان ونبات ~~ومعادن وغيرها لهذا الابتلاء وأنه خلق الموت والحياة لهذا الابتلاء فكان ~~هذا الابتلاء غاية الخلق والأمر فلم يكن من بد من دار يقع فيها هذا ~~الابتلاء وهي دار التكليف ولما سبق في حكمته أن الجنة دار نعيم لا دار ~~ابتلاء وامتحان جعل قبلها دار الابتلاء جسرا يعبر عليه إليها ومزرعة يبذر ~~فيها وميناء يزود منها وهذا هو الحق الذي خلق الخلق به ولأجله وهو أن يعبد ~~وحده بما أمر به على ألسنة رسله فأمر ونهى على السنة ووعدنا بالثواب ~~والعقاب ولم يخلق خلقه سدى لا ms440 يأمرهم ولا ينهاهم ولا يتركهم هملا لا يثيبهم ~~ولا يعاقبهم بل خلقوا للأمر والنهي والثواب والعقاب ولا يليق بحكمته وحمده ~~غير ذلك. # فصل: وقد عرف من هذا الجواب عن قولهم أي حكمة في خلق النفس مريدة للخير ~~والشر وهلا خلقت مريدة للخير وحده وكيف اقتضت الحكمة تمكينها من الشر مع ~~القدرة على منعها منه وأي حكمة في إعطائها قوة وأسبابا يعلم المعطي أنها لا ~~يفعل بها إلا الشر وحده وأي حكمة في إقرار هذه النفوس على غيها وظلمها ~~وعدوانها ومعلوم أن يفعل لحكمة لا يفعل ذلك وأن من يفعل لحكمة إذا رأى ~~عبيده يقتل بعضهم بعضا ويفسد بعضهم بعضا ويظلم بعضهم بعضا وهو قادر على ~~منعهم فلا بدعة حكمته وهما لهم بحيث يتركهم كذلك فإما أن يكون عالما يما ~~يأتون أو لا يكون قادرا على منعهم أو لا يكون ممن يفعل لغرض وحكمة والأولان ~~مستحيلان في حق الرب تعالى فتعين الثالث ومبنى هذه الشبهة على أصل فاسد وهو ~~قياس الرب على خلقه وتشبيههم في أفعاله بحيث يحسن منه ما يحصن منهم ويقبح ~~منه ما يقبح منهم ولهذا كانت القدرية مشبهة الأفعال ومتأخروهم جمعوا بين ~~هذا التشبيه وبين تعطيل الصفات فصاروا معطلين للصفات مشبهين في الأفعال ~~وهذا الأصل الفاسد مما رده عليهم سائر العقلاء وقالوا قياس أفعال الرب على ~~أفعال العباد من أفسد القياس وكذلك قياس حكمته على حكمتهم وصفاته على ~~صفاتهم ومن المعلوم أن الرب تعالى علم أن عباده يقع منهم الكفر والظلم ~~والفسوق وكان قادرا على أن لا يوجدهم وأن يوجدهم كلهم أمة واحدة على ما يحب ~~ويرضى وأن يحول بينهم وبين بغي بعضهم ولكن حكمته البالغة أبت ذلك واقتضت ~~إيجادهم على الوجه الذي هم عليه وهو سبحانه خلق النفوس أصنافا فصنف مريدا ~~للخير وحده وهي نفوس الملائكة وصنف مريدا للشر وحده وهي نفوس الشياطين وصنف ~~فيه إرادة النوعين وهي النفوس البشرية فالأولى الخير لهم طباع وهي محمودة ~~عليه والشر للنفوس الثانية طباع وهي مذمومة عليه والصنف الثالث بحسب ms441 الغالب ~~عليه من الوصفين فمن غلب عليه وصف الخير التحق بالصنف الأول ومن غلب عليه ~~وصف الشر التحق بالصنف الثالث فإذا اقتضت الحكمة وجود هذا الصنف الثالث فإن ~~يقتضي وجود الثاني أولى وأحرى والرب تعالى اقتضت قدرته وعزته وحكمته إيجاد ~~المتقابلات في الذوات والصفات والأفعال كما تقدم وقد نوع خلقه تنويعا دالا ~~على كمال قدرته وربوبيته فمن أعظم الجهل والضلال أن يقول القائل هلا كان ~~خلقه كلهم نوعا واحدا فيكون العالم علوا كله أو نورا كله أو الحيوان ملكا ~~كله وقد يقع في الأوهام الفاسدة أن هذا كان أولى وأكمل ويعرض الوهم الفاسد ~~ما ليس ممكنا كمالا، الوجه السادس والثلاثون قوله وأي حكمة في إيلام ~~الحيوانات غير المكلفة فهذه مسألة تكلم الناس # PageV01P248 # فيها قديما وحديثا وتباينت طرقهم في الجواب عنها فالجاحدون للفاعل ~~المختار الذي يفعل بمشيئته وقدرته يحيلون ذلك على الطبيعة المجردة وأن ذلك ~~من لوازمها ومقتضياتها ليس بفعل فاعل ولا قدرة قادر ولا إرادة مريد ومنكرو ~~الحكمة والتعليل يردون ذلك إلى محض المشيئة وصرف الإرادة تخصص مثلا على مثل ~~بلا موجب ولا غاية ولا حكمة مطلوبة ولا سبب أصلا وظنوا أنهم بذلك يتخلصون ~~من السؤال ويسدون على نفوسهم باب المطالبة وإنما سدوا على نفوسهم باب معرفة ~~الرب وكماله وكمال أسمائه وأوصافه وأفعاله فعطلوا حكمته وحقيقة ألهيته ~~وحمده وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار وأما من أثبت حكمة وتعليلا لا ~~يعودا إلى الخالق بل إلى المخلوق سلكوا طريقة التعويض على تلك الآلام في حق ~~من يبعث للثواب والعقاب وقالوا قد يكون في ذلك إثابة لإثابتهم بصبرهم ~~وتألمهم وإثابة لهم وتعويضا في القيامة بما نالهم من تلك الآلام فلما أورد ~~عليهم إيلام الحيوانات التي لا تثاب ولا تعاقب وأما المثبتون لحقائق أسماء ~~الرب وصفاته وحكمته التي هي وصفه ولأجلها تسمى بالحكيم وعنها صدر خلقه ~~وأمره فهم أعلم الفرق بهذا الشأن ومسلكهم فيه أصح المسالك وأسلم من التناقض ~~والاضطراب فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة والمشيئة العامة والحكمة الشاملة ~~التي هي غاية الفعل وربطوا ms442 ذلك بالأسماء والصفات فتصادق عندهم السمع والعقل ~~والشرع والفطرة وعلموا أن ذلك مقتضى الحكمة البالغة وأنه من لوازمها وأن ~~لازم الحق حق ولازم العدل عدل ولوازم الحكمة من الحكمة فاعلم أن هاهنا ~~أمرين نفسا متحركة بالإرادة والاختيار وطبيعة متحركة بغير الاختيار ~~والإرادة وأن الشر منشأه من هذين المتحركين وعن هاتين الحركتين وخلقت هذه ~~النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه فهذه تتحرك لكمالها وهذه تتحرك لكمالها ~~وينشأ عن الحركتين خير وشر كما ينشأ عن حركة الأفلاك والشمس والقمر وحركة ~~الرياح والماء والنار خير وشر فالخيرات الناشئة عن هذه الحركات مقصودة ~~بالقصد الأول إما لذاتها وإما لكونها وسيلة إلى خيرات أتم منها والشرور ~~الناشئة عنها غير مقصودة بالذات وإن قصدت قصد الوسائل واللوازم التي لا بد ~~مها فما جبلت عليه النفس من الحركة هو من لوازم ذاتها فلا تكون النفس ~~البشرية نفسا إلا بهذا اللازم فإذا قيل لم خلقت متحركة على الدوام فهو ~~بمنزلة أن يقال لم كانت النفس نفسا ولم كانت النار نارا والريح ريحا فلو لم ~~يخلق هذا ما كانت نفسا ولو لم تخلق الطبيعة هكذا ما كانت طبيعة ولو لم يخلق ~~الإنسان على هذه الصفة والخلقة ما كان إنسانا فإن قيل فلم خلقت النفس على ~~هذه الصفة قيل من كمال الوجود خلقها على هذه الصفة كما تقدم وكذلك كمال ~~فاطرها ومبدعها اقتضى خلقها على هذه الصفة لما في ذلك من الحكم التي لا ~~يحصيها إلا مبدعها سبحانه وإن كان في إيجاد هذه النفس شرا فهو شر جزئي ~~بالنسبة إلى الخير الكلي الذي هو سبب إيجادها فوجودها خير من أن لا توجد ~~فلو لم يخلق مثل هذه النفس لكان في الوجود نقص وفوات حكم ومصالح عظيمة ~~موقوفة على خلق مثل هذه النفس ولهذا لما اعترضت الملائكة على خلق الإنسان ~~وقالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} أجابهم سبحانه بأن في خلقه ~~من الحكم والمصالح ما لا تعلمه الملائكة والخالق سبحانه يعلمه وإذا كانت ~~الملائكة لا تعلم ما في خلق ms443 هذا الإنسان الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء ~~من الحكم والمصالح فغيرهم أولى أن لا يحيط به علما فخلق هذا الإنسان من ~~تمام الحكمة والرحمة والمصلحة وإن كان وجوده مستلزما لشر فهو شر # PageV01P249 # مغمور بما في إيجاده من الخير كإنزال المطر والثلج وهبوب الرياح وطلوع ~~الشمس وخلق الحيوان والنبات والجبال والبحار وهذا كما أنه في خلقه فهو في ~~شرعه ودينه وأمره فإن ما أمر به من الأعمال الصالحة خيره ومصلحته راجح وإن ~~كان فيه شر فهو مغمور جدا بالنسبة إلى خيره وما نهى عنه من الأعمال ~~والأقوال القبيحة فشره ومفسدته راجح والخير الذي فيه مغمور جدا بالنسبة إلى ~~شره فسنته سبحانه في خلقه وأمره فعل الخير الخالص والراجح والأمر بالخير ~~الخالص والراجح فإذا تناقضت أسباب الخير والشر والجمع بين النقيضين محال ~~قدم أسباب الخير الراجحة على المرجوحة ولم يكن تفويت المرجوحة شرا ودفع ~~أسباب الشر الراجحة بالأسباب المرجوحة ولم يكن حصول المرجوحة شرا بالنسبة ~~إلى ما اندفع بها من الشر الراجح وكذلك سنته في شرعه وأمره فهو يقدم الخير ~~الراجح وإن كان في ضمنه شر مرجوح ويعطل الشر الراجح وإن فات بتعطيله خير ~~مرجوح هذه سنته فيما يحدثه ويبدعه في سماواته وأرضه وما يأمر به وينهى عنه ~~وكذلك سنته في الآخرة وهو سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وقد أتقن كل ما صنع ~~وهذا أمر يعلمه العالمون بالله جملة ويتفاوتون في العلم بتفاصيله وإذا عرف ~~ذلك فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة وإما عدل وحكمة وإما إصلاح وتهيئة ~~لخير يحصل بعدها وإما لدفع ألم هو أصعب منها وإما لتولدها عن لذات ونعم ~~يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم ~~الفضل والإحسان فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ملزوماتها فات بتعطيلها ~~خير أعظم من مفسدة تلك الآلام والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك فكم في طلوع ~~الشمس من ألم لمسافر وحاضر وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى كما سماه الله ~~بقوله: {إن كان بكم ms444 أذى من مطر} وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى ~~موجب لأنواع من الآلام لصنوف من الحيوانات وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل ~~والشرب والنكاح واللباس والرياسة ومعظم آلام أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ~~ومتولدة منها بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق كالعلم ~~والشجاعة والزهد والعفة والحلم والمروءة والصبر والإحسان كما قال: # لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والأقدام قتال # وإذا كانت الآلام أسبابا للذات أعظم منها وأدوم منها كان العقل يقضي ~~باحتمالها وكثيرا ما تكون الآلام أسبابا لصحة لولا تلك الآلام لفاتت وهذا ~~شأن أكبر أمراض الأبدان فهذه الحمى فيها من المنافع للأبدان مالا يعلمه إلا ~~الله وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفجة وإخراجها ما لا يصل إليه ~~دواء غيرها وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمى استبشر بها الطبيب وأما ~~انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمر لا يحس به إلا من فيه حياة فصحة ~~القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها وقد أحصيت فوائد الأمراض ~~فزادت على مائة فائدة وقد حجب الله سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره ~~وجعلها جسرا موصلا إليها كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات وجعلها جسرا ~~موصلا إليها ولهذا قالت العقلاء قاطبة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن ~~الراحة لا تنال بالراحة وأن من آثر اللذات فاتته اللذات فهذه الآلام ~~والأمراض والمشاق من أعظم النعم إذ هي أسباب النعم وما تنال الحيوانات غير ~~المكلفة منها فمغمور جدا بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها كما ينالها من حر # PageV01P250 # الصيف وبرد الشتاء وحبس المطر والثلج وألم الحمل والولادة والسعي في طلب ~~أقواتها وغير ذلك ولكن لذاتها أضعاف أضعاف آلامها وما ينالها من المنافع ~~والخيرات أضعاف ما ينالها من الشرور والآلام فسنة الله في خلقه وأمره هي ~~التي أوجبها كمال علمه وحكمته وعزته ولو اجتمعت عقول العقلاء كلهم على أن ~~يقترحوا أحسن منها لعجزوا عن ذلك وقيل لكل منهم أرجع بصر العقل فهل ترى من ~~خلل: {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا ms445 وهو حسير} فتبارك الذي ~~من كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها والأشياء من خلافها فأخرج ~~الحي من الميت والميت من الحي والرطب من اليابس واليابس من الرطب فكذلك ~~أنشأ اللذات من الآلام والآلام من اللذات فأعظم اللذات ثمرات الآلام ~~ونتائجها وأعظم الآلام ثمرات اللذات ونتائجها وبعد فاللذة والسرور والخير ~~والنعم والعافية والمصلحة والرحمة في هذه الدار المملوءة بالمحن والبلاء ~~وأكثر من أضدادها بأضعاف مضاعفة فأين آلام الحيوان من لذته وأين سقمه من ~~صحته وأين جوعه وعطشه من شبعه وريه وتعبه من راحته قال تعالى: {فإن مع ~~العسر يسرا إن مع العسر يسرا} ولن يغلب عسر يسرين وهذا لأن الرحمة غلبت ~~الغضب والعفو سبق العقوبة والنعمة تقدمت المحنة والخير في الصفات والأفعال ~~والشر في المفعولات لا في الأفعال فأوصافه كلها كمال وأفعاله كلها خيرات ~~فإن ألم الحيوان لم يعدم بألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم أو تهيئة ~~لقوة وصحة وكمال أو عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما فآلام الدنيا ~~جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة إلى جبال الدنيا ~~بكثير وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة والله سبحانه لم ~~يخلق الآلام واللذات سدى ولم يقدرهما عبثا ومن كمال قدرته وحكمته أن جعل كل ~~واحد منهما يثمر الأخرى هذا ولوازم الخلقة يستحيل ارتفاعها كما يستحيل ~~ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق فلا يكون المخلوق إلا فقيرا محتاجا ~~ناقص العلم والقدرة فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا ~~يتألم في عالم الكون والفساد لم يكن حيوانا ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة ~~مطلقة كاملة والله لم يجعلها كذلك وإنما جعلها دارا ممتزجا ألمها بلذتها ~~وسرورها بأحزانها وغمومها وصحتها بسقمها حكمة منه بالغة. # فصل: ولما كانت الآلام أدوية للأرواح والأبدان كانت كمالا للحيوان خصوصا ~~لنوع الإنسان فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه وإنما ابتلاه ليعافيه ~~وإنما أماته ليحييه فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب كماله طورا ~~بعد ms446 طور إلى آخر كماله بأسباب لا بد منها وكماله موقوف على تلك الأسباب ~~ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص ~~ولوازم ذلك ولوازم تلك اللوازم ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته وعلمه ~~وكماله فيفرض أمورا ممتنعة ويقدرها تقديرا ذهنيا ويحسب أنها أكمل من الممكن ~~الواقع ومع هذا فربها يرحمها لجهلها وعجزها ونقصها فإن اعترفت بذلك واعترفت ~~له بكماله وحمده وقامت بمقتضى هذين الاعترافين كان نصيبها من الرحمة أوفر ~~والله سبحانه افتتح الخلق بالحمد وختم أمر هذا العالم بالحمد فقال: {الحمد ~~لله الذي خلق السماوات والأرض} وقال: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين} وأنزل كتابه بالحمد وشرع دينه بالحمد وأوجب ثوابه وعقابه بالحمد ~~فحمده من لوازم ذاته إذ يستحيل أن يكون إلا محمودا فالحمد سبب الخلق وغايته ~~الحمد أوجبه وللحمد وجد فحمده واسع # PageV01P251 # لما وسعه علمه ورحمته وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلما فلم يوجد شيئا ولم ~~يقدره ولم يشرعه إلا بحمده ولحمده وكل ما خلقه وشرعه فهو متضمن للغايات ~~الحميدة ولا بد من لوازمها ولوازم لوازمها ولهذا ملأ حمده سماواته وأرضه ~~وما بينهما وما شاء من شيء بعد مما خلقه ويخلقه بعد هذا الخلق فحمده ملأ ~~ذلك كله وحمده تعالى أنواع حمد على ربوبيته وحمد على تفرده بها وحمد على ~~ألوهيته وتفرده وحمد على نعمته وحمد على منته وحمد على حكمته وحمد على عدله ~~في خلقه وحمد على غناه عن إيجاد الولد والشريك والولي من الذل وحمده على ~~كماله الذي لا يليق بغيره فهو محمود على كل حال وفي كل آن ونفس وعلى كل ما ~~فعل وكل ما شرع وعلى كل ما هو متصف به وعلى كل ما هو منزه عنه وعلى كل ما ~~في الوجود من خير وشر ولذة وألم وعافية وبلاء فكما أن الملك كله له والقدرة ~~كلها له والعزة كلها له والعلم كله له والجمال كله له والحمد كله له كما في ~~الدعاء المأثور "اللهم لك الحمد كله ولك الملك ms447 كله وبيدك الخير كله واليك ~~يرجع الأمر كله وأنت أهل لأن تحمد" وما عمرت الدنيا إلا بحمده ولا الجنة ~~إلا بحمده ولا النار إلا بحمده حتى أن أهلها ليحمدونه كما قال الحسن: "لقد ~~دخل أهل النار النار وإن قلوبهم لتحمده ما وجدوا عليه من حجة ولا سبيل". # فصل: فإن قيل فأي لذة وأي خير ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ~~ينقطع ولا يفتر عن أهله بل أهله فيه أبد الآباد كلما نضجت جلودهم بدلوا ~~جلودا غيرها لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم طرفة عين قيل لعمر الله ~~هذا سؤال يقلقل الجبال فضلا عن قلوب الرجال وعن هذا السؤال أنكر من أنكر ~~حكمة العزيز الحكيم ورد الأمر إلى مشيئة محضة لا سبب لها ولا غاية وجوز على ~~الله أن يعذب أهل طاعته وأولياءه وينزلهم إلى أسفل الجحيم وينعم أعداءه ~~المشركين به ويرفعهم إلى أعلى جنات النعيم أبد الآباد وأن يدخل النار من ~~شاء بغير سبب ولا عمل أصلا وأن يفاوت بين أهلها مع مساويهم في الأعمال ~~ويسوي بينهم في العذاب مع تفاوتهم في الأعمال وأن يعذب الرجل بذنب غيره وأن ~~يبطل حسناته كلها فلا يثيبه بها أو يثيب بها غيره وكل ذلك جائز عليه لا ~~يعلم أنه لا يفعله إلا بخبر صادق إذ نسبه ذلك وضده إليه على حد سواء وقالوا ~~ولا مخلص عن هذا السؤال إلا بهذا الأصل وربما تمسكوا بظاهر من القول لم ~~يضعوه على مواضعه ولم يجمعوا بينه وبين أدلة العدل والحكمة وتعليق الأمور ~~بأسبابها وترتيبها عليها وآثار الموازنة والمقابلة وأخطأوا في فهم القرآن ~~كما أخطأوا في وصف الرب بما لا يليق به وفي التجويز عليه ما لا يجوز عليه ~~وقابلهم مثبتو الأسباب والحكم من القدرية وزعموا أنهم يتخلصون من قبيح ~~القول بما أثبتوه من الحكمة والتعليل ولكن وقعوا في نظيره أو ما هو شر منه ~~حيث أوجبوا على الله سبحانه تخليد من أفنى عمره في طاعته ثم ارتكب كبيرة ~~واحدة ومات مصرا عليها في النار ms448 مع أعدائه الكفار أبد الآباد ولم يرقبوا له ~~طاعة ولم يرعوا له إسلاما وهم في هذا المذهب شر قولا من إخوانهم الجبرية ~~فإن أولئك لم يوجبوا على الله ذلك الحكم وإنما جوزوه عليه وجوزوا أن لا ~~يفعله وهؤلاء أوجبوا عليه تخليد أهل الكبائر مع الكفار ولم يجوزوا عليه ~~إخراجهم منها وأصابهم في غلطهم على القرآن والسنة وما يجوز على الرب وما لا ~~يجوز عليه ما أصاب إخوانهم من الجبرية ولما ظن غيرهم من أهل النظر والبحث ~~أن هذا هو الفساد الذي أخبرت به الرسل وعلموا أن هذا مناف للحكمة والرحمة ~~والعدل والمصلحة قالوا أن ذلك # PageV01P252 # تخويف وتخييل لا حقيقة له يزع النفوس السبعية والبهيمية عن عدوانها ~~وشهواتها فتقوم بذلك مصلحة الوجود وكان من أكبر أسباب إلحاد هؤلاء وكفرهم ~~بالله واليوم الآخر نسبة أولئك مذاهبهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة إلى الرسل ~~وإخبارهم أنهم دعوا إلى الإيمان بها كما أصابهم تعميم في باب مسألة حدوث ~~العالم حيث أخبروهم أن الرسل أخبرت عن الله أنه لم يزل معطلا عن الفعل ~~والفعل غير ممكن منه ثم انقلب من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي عند ~~ابتدائه بلا تجدد سبب ولا أمر قام بالفاعل وقالوا من لم يعتقد هذا فليس ~~بمؤمن ولا مصدق للرسل فهذا في المبدأ وذاك في المعاد ثم جاءت طائفة أخرى ~~فطووا بساط الخلق والأمر جملة وقالوا كل هذا محال وتلبيس وما ثم وجودان بل ~~الوجود كله واحد ليس هناك خالق ومخلوق ورب ومربوب وطاعة ومعصية وما الأمر ~~إلا نسق واحد والتفريق من أحكام الوهم والخيال فالسماوات والأرض والدنيا ~~والآخرة والأزل والأبد والحسن والقبيح كله شيء واحد وهو من عين واحدة ثم ~~استدركوا فقالوا لا بل هو العين ونشأ الناس إلا من شاء الله بين هؤلاء ~~الطوائف الأربع لا يعرفون سوى أقوالهم ومذاهبهم فعظمت البلية واشتدت ~~المصيبة وصار أذكياء الناس زنادقة العالم وأدناهم إلى الخلاص أهل البلادة ~~والبله والعقل والسمع عن هذه الفرق بمعزل ومنازلهم منهما أبعد منزل فنقول ~~وبالله التوفيق والله المستعان وعليه ms449 التكلان، دل القرآن والسنة والفطرة ~~وأدلة العقول أنه سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق ولم يخلق ~~شيئا عبثا ولا سدى ولا باطلا وإنما أوجد العالم العلوي والسفلي ومن فيهما ~~بالحق الذي هو وصفه واسمه وقوله وفعله وهو سبحانه الحق المبين فلا يصدر عنه ~~إلا حق لا يقول إلا حقا ولا يفعل إلا حقا ولا يأمر إلا بالحق ولا يجازي إلا ~~بحق فالباطل لا يضاف إليه بل الباطل ما لم يضف إليه كالحكم الباطل والدين ~~الباطل الذي لم يأذن فيه ولم يشرعه على ألسنة رسله والمعبود الباطل الذي لا ~~يستحق العبادة وليس أهلا لها فعبادته باطلة ودعوته باطلة والقول الباطل هو ~~الكذب والزور والمحال من القول الذي لا يتعلق بحق موجود بل متعلقه باطل لا ~~حقيقة له وهو سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته ومعرفته وأصل عبادته محبته على ~~آلائه ونعمه وعلى كماله وجلاله وذلك أمر فطري ابتدأ الله عليه خلقه وهي ~~فطرته التي فطر الناس عليها كما فطرهم على الإقرار به كما قالت الرسل ~~لأممهم: {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} فالخلق مفطورون على معرفته ~~وتوحيده فلو خلوا وهذه الفطرة لنشأوا على معرفته وعبادته وحده وهذه الفطرة ~~أمر خلقي خلقوا عليه ولا تبديل لخلقه فمضى الناس على هذه الفطرة قرونا ~~عديدة ثم عرض لها موجب فسادها وخروجها عن الصحة والاستقامة بمنزلة ما يعرض ~~للبدن الصحيح والطبيعة الصحيحة مما يوجب خروجهما عن الصحة إلى الانحراف ~~فأرسل رسله ترد الناس إلى فطرتهم الأولى التي فطروا عليها فانقسم الناس ~~معهم ثلاثة أقسام، منهم من استجاب لهم كل الاستجابة وانقاد إليهم كل ~~الانقياد فرجعت فطرته إلى ما كانت عليه مع ما حصل لها من الكمال والتمام في ~~قوتي العلم النافع والعمل الصالح فازدادت فطرتهم كمالا إلى كمالها فهؤلاء ~~لا يحتاجون في المعاد إلى تهذيب وتأديب ونار تذيب فضلاتهم الخبيثة وتطهرهم ~~من الأردن والأوساخ فإن انقيادهم للرسل أزال عنهم ذلك كله، وقسم استجابوا ~~لهم من وجه دون وجه فبقيت عليهم بقية من الأدران والأوساخ التي ms450 تنافي الحق ~~الذي خلقوا له فهيأ لهم العليم الحكيم من الأدوية الابتلاء والامتحان بحسب ~~تلك الأدواء # PageV01P253 # التي قامت بهم فإن وفت بالخلاص منها في هذه الدار وإلا ففي البرزخ فإن ~~وفي بالخلاص وإلا ففي موقف القيامة وأهوالها ما يخلصهم من تلك البقية فإن ~~وفي بها وإلا فلا بد من المداواة بالدواء الأعظم وآخر الطب الكي فيدخلون ~~كير التمحيص والتخليص حتى إذا هذبوا ولم يبق للدواء فائدة أخرجوا من ~~مارستان المرضى إلى دار أهل العافية كما دل على ذلك السنة المتواترة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصرح به في قوله: "حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم ~~في دخول الجنة" وكذلك قوله تعالى: {طبتم فادخلوها خالدين} فلم يأذن لهم في ~~دخولها إلا بعد طيبهم فإنها دار الطيبين فليس فيها شيء من الخبث أصلا ولهذا ~~يلبث هؤلاء في النار على قدر حاجتهم إلى التطهر وزوال الخبث، القسم الثالث ~~قوم لم يستجيبوا للرسل ولا انقادوا لهم بل استمروا على الخروج عن الفطرة ~~ولم يرجعوا إليها واستحكم فسادها فيهم أتم استحكام لا يرجى لهم صلاح فهؤلاء ~~لا يفي مجيء الدنيا ومصائب الموت وما بعده وأهوال القيامة بزوال أوساخهم ~~وأدرانهم ولا يليق بحكمة العليم الحكيم أن يجاور بهم الطيبين في دارهم ولم ~~يخلقوا للفناء فهؤلاء أهل دار الابتلاء والامتحان باقون فيها ببقاء ما معهم ~~من درن الكفر والشرك والنار إنما أوقدت عليهم بأعمالهم الخبيثة فعذابهم ~~بنفس أعمالهم السيئة لهم منها صور من العذاب يناسبها ويشاكلها فالعذاب باق ~~عليهم ما بقيت حقائق تلك الأعمال وما تولد منها فما دامت موجبات العذاب ~~باقية فالعذاب باق، يبقى أن يقال فهل ذهب أثر الفطرة الأولى بالكلية بحيث ~~صارت كأن لم تكن وبطلت بالكلية وانتقل الأمر إلى العارض المفسد لها وعلى ~~هذا فلا سبيل إلى خلاصهم من العذاب إذ هو أثر ذلك الفساد الذي أزال الفطرة ~~أو يقال الفطرة لم تذهب بالكلية وإنما استحكم مرضها وفسادها وأصلها باق كما ~~يستحكم مرض البدن وفساده والحياة قائمة به لكنها حياة لا تنفع ms451 فإذا قدر ~~دواء كريه صعب التناول لا سبيل إلى الصحة إلا بتكرير تناوله مرارا كثيرة ~~العدد جدا يزيل ذلك المرض العارض فيظهر أثر الفطرة الأولى فلا يحتاج بعده ~~إلى الدواء هذا سر المسألة ومن يذهب إلى هذا التقدير الثاني فإنه يقول ~~العقل لا يدل على امتناع ذلك إذ ليس فيه ما يحيله ونقول بل قد دل العقل ~~والنقل والفطرة على أن الرب تعالى حكيم رحيم والحكمة والرحمة تأبى بقاء هذه ~~النفوس في العذاب سرمدا أبد الآباد بحيث يدوم عذابها بدوام الله فهذا ليس ~~من الحكمة والرحمة قالوا وقد دلت الدلائل الكثيرة من النصوص والاعتبار على ~~أن ما شرعه الله في هذه الدار وقدره من العذاب والعقوبات فإنما هو لتهذيب ~~النفوس وتصفيتها من الشر الذي فيها ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ وفطما ~~للنفوس عن المعاودة وغير ذلك من الحكم التي إذا حصلت خلا التعذيب عن الحكمة ~~والمصلحة فيبطل فإنه تعذيب عليم حكيم رحيم لا يعذب سدى ولا لنفع يعود إليه ~~بالتعذيب بل كلا الأمرين محال وإذا لا يقع التعذيب إلا لمصلحة المعذب أو ~~مصلحة غيره ومعلوم أنه لا مصلحة له ولا لغيره في بقائه في العذاب سرمدا أبد ~~الآباد قالوا فمما دل عليه القرآن والسنة أن جنس الآلام لمصلحة بني آدم ~~قوله تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا ~~يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ~~إن الله لا يضيع أجر المحسنين} وقوله: {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق ~~الكافرين} فأخبر أن ألم القتل والجراح في سبيله تمحيص أي تطهير وتصفية ~~للمؤمنين وبشر الصابرين على ألم الجوع والخوف والفقر وفقد الأحباب وغيرهم ~~بصلاته عليهم ورحمته وهدايته وقال تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} # PageV01P254 # قال أبو بكر الصديق: "يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وإننا لم نعمل سوأ ~~فقال: يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن أليس يصبك الأذى قال: بلى قال: فذلك ~~مما تجزون به" وقال تعالى: {وما ms452 أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وفي هذا ~~تبشير وتحذير إذ أعلمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا وهو أرحم أن يثني ~~العقوبة على عبده بذنب قد عاقبه به في الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~"من بلي بشيء من هذه القاذورات فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن ~~شاء غفر له ومن عوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده" ~~وفي الحديث: "الحدود كفارات لأهلها" وفي الصحيحين من حديث عبادة: "ومن أصاب ~~من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له" وفي الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" وقال: "لا يزال البلاء بالمؤمن ~~في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة" وفي حديث آخر: "إن ~~المؤمن إذا مرض خرج مثل البردة في صفائها ولونها" وفي الحديث الآخر: "إن ~~الحمى تنفي الذنوب كما ينفي الكير الخبيث الحديد" وفي حديث آخر: "لا تسبي ~~الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم" ومن أسماء الحمى مكفرة الذنوب وفي الحديث ~~الصحيح: "يقول الله عز وجل يوم القيامة عبدي مرضت فلم تعدني قال كيف أعودك ~~وأنت رب العالمين قال مرض عبدي فلان فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده" ~~وهذا أبلغ من قوله في الإطعام والإسقاء لوجدت ذلك عندي فهو سبحانه عند ~~المبتلى بالمرض رحمة منه له وخيرا وقربا منه لكسر قلبه بالمرض فإنه عند ~~المنكسرة قلوبهم وهذا أكبر من أن يذكر ورب الدنيا والآخرة واحد وحكمته ~~ورحمته موجودة في الدنيا والآخرة بل ظهور رحمته في الآخرة أعظم فعذاب ~~المؤمنين بالنار في الآخرة هو من هذا الباب كعذابهم في الدنيا بالمصائب ~~والحدود وكذلك حبسهم بين الجنة والنار حتى يهذبوا وينقوا وقد علم بالنصوص ~~الصحيحة الصريحة أن عذابهم في النار متفاوت قدرا ووقتا بحسب ذنوبهم وأنهم ~~لا يخرجون منها جملة واحدة بل شيئا بعد شيء ms453 حتى يبقى رجل هو آخرهم خروجا ~~وكذلك عذاب الكفار فيها متفاوت تفاوتا عظيما فالمنافقون في دركها الأسفل ~~وأبو طالب أخف أهلها عذابا في ضحضاح من بئر يغلي منه دماغه وآل فرعون في ~~أشد العذاب قالوا فإذا كان العذاب في الدار التي فيها رحمة واحدة من مائة ~~رحمة هو رحمة بأهله ومصلحة لهم ولطف بهم فكيف في الدار التي يظهر فيها مائة ~~رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض وقد قال تعالى: {ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} فأخبر أنه يعذبهم رحمة بهم ~~ليردهم العذاب إليه كما يعذب الأب الشفيق ولده إذا فر منه إلى عدوه ليرجع ~~إلى بره وكرامته وقال الله تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ~~وكان الله شاكرا عليما} وأنت تجد تحت هذه الكلمات أن تعذيبه لكم لا يزيد في ~~ملكه ولا ينتفع به ولا هو سدى خال من حكمة ومصلحة وأنكم إذا بدلتم الشكر ~~والإيمان بالكفر كان عذابكم منكم وكان كفركم هو الذي عذبتم به وإلا فأي شيء ~~يلحقه من عذابكم وأي نفع يصل إليه منه قالوا وحينئذ فالحكمة تقتضي أن ~~النفوس الشريرة لا بد لها من عذاب يهذبها بحسب وقوعها كما دل على ذلك السمع ~~والعقل وذلك يوجب الانتهاء لا الدوام قالوا والله تعالى لم يخلق الإنسان ~~عبثا وإنما خلقه ليرحمه لا ليعذبه وإنما اكتسب موجب العذاب بعد خلقه له ~~فرحمته له سبقت غضبه وموجب الرحمة فيما سابق على موجب الغضب وغالب له ~~وتعذيبه ليس # PageV01P255 ### | الباب الثالث والعشرين: في استيفاء شبه النافلين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها # ... # هو الغاية لخلقه وإنما تعذيبه لحكمة ورحمة والحكمة والرحمة تأبى أن يتصل ~~عذابه سرمدا إلى غير نهاية أما الرحمة فظاهر وأما الحكمة فلأنه إنما عذب ~~على أمر طرأ على الفطرة وغيرها ولم يخلق عليه من أصل الخلقة ولا خلق له فهو ~~لم يخلق للإشراك ولا للعذاب وإنما خلق للعبادة والرحمة ولكن طرأ عليه موجب ~~العذاب فاستحق عليه العذاب وذلك الموجب لا دوام ms454 له فإنه باطل بخلاف الحق ~~الذي هو موجب الرحمة فإنه دائم بدوام الحق سبحانه وهو الغاية وليس موجب ~~العذاب غاية كما أن العذاب ليس بغاية بخلاف الرحمة فإنها غاية وموجبها غاية ~~فتأمله حق التأمل فإنه سر المسألة، قالوا والرب تعالى تسمى بالغفور الرحيم ~~ولم يتسمى بالمعذب ولا بالمعاقب بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله كما قال ~~تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} وقال ~~تعالى: {ن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} وقال: {إن بطش ربك لشديد إنه ~~هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود} وقال: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب} وهذا كثير في القرآن فإنه ~~سبحانه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم ويتسمى ولم يتمدح بأنه ~~المعاقب ولا الغضبان ولا المعذب ولا المسقم إلا في الحديث الذي فيه تعديد ~~الأسماء الحسنى ولم يثبت وقد كتب على نفسه كتابا أن رحمته سبقت غضبه وكذلك ~~هو في أهل النار فإن رحمته فيهم سبقت غضبه فإنه رحمهم أنواعا من الرحمة قبل ~~أن أغضبوه بشركهم ورحمهم في حال شركهم ورحمهم بإقامة الحجة عليهم ورحمهم ~~بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم وأمهلهم ولم يعاجلهم بل ~~وسعتهم رحمته فرحمته غلبت غضبه ولولا ذلك لخرب العالم وسقطت السماوات على ~~الأرض وخرت الجبال وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه امتنع أن يكون ~~موجب الغضب دائما بدوامه غالبا لرحمته قالوا والتعذيب إما أن يكون عبثا أو ~~لمصلحة وحكمة وكونه عبثا مما ينزه أحكم الحاكمين عنه ونسبته إليه نسبة لما ~~هو من أعظم النقائص إليه وإن كان لمصلحة فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها ~~وملزوماتها وهي إما أن تعود على الرب تعالى وهو يتعالى عن ذلك ويتقدس عنه ~~وإما أن تعود إلى المخلوق إما نفس المعذب وإما غيره أوهما والأول ممتنع ولا ~~مصلحة له في دوام العقوبة بلا نهاية وأما مصلحة غيره فإن كانت هي الاتعاظ ~~والانزجار فقد حصلت وإن كانت تكميل لذته وبهجته وسروره بأن ms455 يرى عدوه في تلك ~~الحال وهو في غاية النعيم فهذا لو كان أقسى الخلق لرق لعدوه من طول عذابه ~~ودوام ما يقاسيه فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبارة العتيدة ومداواتها ~~كيما تصل إلى مادة أدوائها وأمراضها فتحسمها وتلك المادة شر طارئ على خير ~~خلقت عليه في ابتداء فطرتها قالوا والأقسام الممكنة في الخلق خمسة لا مزيد ~~عليها خير محض ومقابله وخير راجح ومقابله وخير وشر متساويان والحكمة تقتضي ~~إيجاد قسمين منها وهما الخير الخالص والراجح وأما الشر الخالص أو الراجح ~~فإن الحكمة لا تقتضي وجوده بل تأبى ذلك فإن كل ما خلقه الله سبحانه فإنما ~~خلقه لحكمة وجودها أولى من عدمها وخلق الدواب الشريرة والأفعال التي هي شر ~~لما يترتب على خلقها من الخير المحبوب فلم يخلق لمجرد الشر الذي لا يستلزم ~~خيرا بوجه ما هذا غاية المحال فالخير هو المقصود بالذات بالقصد الأول والشر ~~إنما قصد قصد الوسائل والمبادئ لا قصد الغايات والنهايات وحينئذ فإذا حصلت ~~الغاية المقصودة بخلقه بطل وزال كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها ~~كما هو معلوم بالحس والعقل وعلى هذا فالعذاب شر وله غاية تطلب به # PageV01P256 # وهو وسيلة إليها فإذا حصلت غايته كان بمنزلة الطريق الموصلة إلى القصد ~~فإذا وصل بها السائر إلى مقصده لم يبق لسلوكها فائدة وسر المسألة أن الرحمة ~~غاية الخلق والأمر لا العذاب فالعذاب من مخلوقاته وذلك مقتضى أنه خلقه ~~لغاية محمودة ولا بد من ظهور أسمائه وأثر صفاته عموما وإطلاقا فإن هذا هو ~~الكمال والرب جل جلاله موصوف بالكمال منزه عن النقص قالوا وقد قال تعالى: ~~{فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} وقال: {النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله} قال أبو سعيد الخدري: "هذه تقضي على كل آية ~~في القرآن" ذكره البيهقي وحرب وغيرهما وقال عبد الله بن مسعود: "ليأتين على ~~جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ms456 ما يلبثون فيها أحقابا" وعن عمر بن الخطاب ~~وأبي هريرة مثله ذكره جماعة من المصنفين في السنة وهذا يقتضي أن الدار التي ~~لا يبقى فيها أحد هي التي يلبث فيها أهلها أحقابا وقال عبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم: "أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة فقال تعالى: {عطاء غير مجذوذ} ~~ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار" قالوا ويكفينا ما في سورة الأنعام من ~~قوله: {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الأنس وقال أولياؤهم ~~من الأنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار ~~مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} إلى قوله: {امعشر ~~الجن والأنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين} وهذا خطاب للكفار من الجن والإنس من وجوه، أحدها استكبارهم ~~منهم أي من إغوائهم وإضلالهم وإنما استكبروا من الكفار، الثاني قوله: {وقال ~~أولياؤهم من الأنس} وأولياؤهم هم الكفار كما قال تعالى: {إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} فحزب الشيطان هم أولياؤه والثالث قوله: ~~{إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} ومع هذا فقال: {لنار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله} ثم ختم الآية بقوله: {إن ربك حكيم عليم} ~~فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة فهو عليم ~~بما يفعل بهم حكيم في ذلك قالوا وقد ورد في القرآن أنه سبحانه إذا ذكر جزاء ~~أهل رحمته وأهل غضبه معا أبد جزاء أهل الرحمة وأطلق جزاء أهل الغضب كقوله: ~~{فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد أما الذين سعدوا ففي ~~الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} ~~وقوله: {ن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ~~أولئك هم شر البرية ms457 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ~~جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} وقوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما ~~الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما ~~الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} وقد يقرن بينهما في ~~الذكر ويقضي لهم بالخلود كقوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيها أبدا} وقوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا ~~خالدا فيها وله عذاب مهين} ولكن مجرد ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم ~~النهاية بل الخلود هو المكث الطويل كقولهم قيد مخلد وتأبيد كل شيء بحسبه ~~فقد يكون التأبيد لمدة الحياة وقد يكون لمدة الدنيا قال تعالى عن اليهود: ~~{ولن يتمنوه # PageV01P257 # أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} ومعلوم أنهم يتمنونه في ~~النار حيث يقولون يا مالك ليقض علينا ربك وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم ~~الجنة بقوله: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} وقوله: {عطاء غير مجذوذ} ~~وقوله: {لهم أجر غير ممنون} أي مقطوع ومن قال لا يمن به عليهم فقد أخطأ ~~أقبح الخطأ ولم يجيء مثل ذلك في عذاب أهل النار وقوله عز وجل: {وما هم ~~بخارجين من النار} {ما هم منها بمخرجين} وقوله: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا ~~يخفف عنهم من عذابها} وقوله تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا ~~فيها} في موضعين من القرآن وقوله: {لما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} ~~غير مصروف عن ظاهره وحقيقته على الصحيح وقد زعمت طائفة أن إطلاق هذه الآيات ~~مقيد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة فيكون من باب تخصيص العموم وهذا ~~كأنه قول من قال من السلف في آية الاستثناء أنها تقضي على كل وعيد في ~~القرآن والصحيح أن هذه الآيات على عمومها وإطلاقها ولكن ليس فيها ما يدل ~~على أن نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها هذا ليس في القرآن ولا ms458 في ~~السنة ما يدل عليه بوجه ما وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائما بدوامها وبين ~~أن يكون هي أبدية لا انقطاع لها فلا تستحيل ولا تضمحل فهذا شيء وهذا شيء لا ~~يقال فلا فرق على هذا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إذ كان كل منهما يضمحل ~~وينقطع قيل ما أظهر الفروق بينهما والأمر أبين من أن يحتاج إلى فرق وأيضا ~~فعذاب الدنيا ينقطع بموت المعذب وإقلاع العذاب عنه وأما عذاب الآخرة فلا ~~يموت من استحق الخلود فيه ولا يقلع العذاب عنه ولا يدفعه عنه أحد كما قال ~~تعالى: {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} وهو لازم لا يفارق قال تعالى: ~~{إن عذابها كان غراما} أي لازما ومنه سمى الغريم غريما لملازمة غريمه. # فصل: وأما الآثار في هذه المسألة فقال الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم ~~حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن ~~القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على جهنم يوم ~~كأنها ورق هاج واحمر تخفق أبوابها" وقال حرب في مسائله: "سألت إسحاق قلت ~~قول الله عز وجل: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} ~~قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن" حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا ~~معتمر بن سليمان قال قال أبي حدثنا أبو نصرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله إلا ما ~~شاء ربك إنه فعال لما يريد قال المعتمر: "قال أي كل وعيد في القرآن" ثم ~~تأول حرب ذلك فقال: "معناه عندي والله أعلم أنها تأتي على كل وعيد في ~~القرآن لأهل التوحيد وكذلك قوله إلا ما شاء ربك استثنى من أهل القبلة الذين ~~يخرجون من النار" وهذا التأويل لا يصح لأن الاستثناء إنما هو في وعيد ~~الكفار فإنه سبحانه قال: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي ms459 وسعيد ~~فأما الذين شقوا ففي النار} الآية ثم قال: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة} ~~فأهل التوحيد من الذين سعدوا شقوا وآية الأنعام صريحة في حق الكفار كما ~~تقدم بيانه قال حرب وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي ثنا شعبة عن أبي ~~حدثنا مليح سمع عمر بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: "ليأتين على ~~جهنم يوم تصطفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" ~~حدثنا عبيد الله ثنا أبي ثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي ~~هريرة قال: "أما الذي أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ ~~فأما الذين شقوا ففي النار" الآية قال عبيد الله: "كان أصحابنا يقولون يعني ~~بها # PageV01P258 # الموحدين" وقد تقدم أن هذا التأويل لا يصح وقال عبد بن حميد في تفسيره ~~أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال قال عمر: ~~"لو لبث أهل النار في النار بقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون ~~فيه" وقال أخبرنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر ~~بن الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم ~~يخرجون فيه" ورواة هذا الأثر أئمة ثقات كلهم والحسن سمعه من بعض التابعين ~~ورواه غير منكر له فدل هذا الحديث أنه كان متداولا بين هؤلاء الأئمة لا ~~ينكرونه وقد كانوا ينكرونه على من خرج عن السنة أدنى شيء ويروون الأحاديث ~~المبطلة لفعله وكان الإمام أحمد يقول أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق ~~المبدعة فلو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للسنة والإجماع لسارعوا ~~إلى رده وإنكاره وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} قال: "لا ~~ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا نارا" قال الطبري: ms460 ~~"وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء أن الله جعل أمر هؤلاء ~~في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته" وهذا التفسير من ابن عباس يبطل قول من ~~تأول الآية على أن معناها سوى ما شاء الله من أنواع العذاب أو قال المعنى ~~إلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين بعثوا إلى أن دخلوا أو أنها في أهل ~~القبلة وما يعني من أو أنها يعني الواو أي وما شاء الله وهذه كلها تأويلات ~~باردة ركيكة لا تليق بالآية ومن تأملها جزم ببطلانها وقال السدي في قوله ~~تعالى: {لابثين فيها أحقابا} قال سبعمائة حقب كل حقب سبعون سنة كل سنة ~~ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون وتقييد لبثهم فيها بالأحقاب ~~يدل على مدة مقدرة يحصرها العدد هذا قول الأكثرين ولهذا تأول الزجاج الآية ~~على أن الأحقاب تقييد لقوله لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا وأما مدة مكثهم ~~فيها فلا يتقدر بالأحقاب وهذا تأويل فاسد فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ~~ذائقين للبرد والشراب وقالت طائفة أخرى الآية منسوخة بقوله: {ما هم منها ~~بمخرجين} وقوله: {هم فيها خالدون} وهذا فاسد أيضا إن أرادوا بالنسخ الرفع ~~فإنه لا يدخل في الخبر إلا إذا كان بمعنى الطلب وإن أرادوا بالنسخ البيان ~~فهو صحيح وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية فهم فيها ~~خالدون وما هم بمخرجين وهذا حق معلوم دلالة القرآن والسنة عليه لكن الشأن ~~في أمر آخر وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب فأين الدليل على هذا من ~~القرآن أو السنة بوجه من الوجوه وقالت طائفة هي في أهل التوحيد وهذا أقبح ~~مما قبله وسياق الآيات يرده ردا صريحا ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات ~~قال لا يدل ذكر الأحقاب على النهاية فإنها غير مقدرة بالعدد فإنه لم يقل ~~عشرة ولا مائة ولو قدرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم فكيف إذا ~~لم يقدر قالوا ومعنى الآية أنه كلما مضى حقب تبعه حقب ms461 لا إلى نهاية وهذا ~~الذي قالوه لا تدل الآية عليه بوجه وقولهم أن الأحقاب فيها غير مقدرة فيقال ~~لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم يقيد بالأحقاب فإن ما لا ~~نهاية له لا يقال هو باق أحقابا ودهورا وأعصارا أو نحو ذلك ولهذا لا يقال ~~ذلك في نعيم أهل الجنة ولا يقال للأبدي الذي لا يزول هو باق أحقابا أو ~~آلافا من السنين فالصحابة أفهم الآية لمعاني القرآن وقد فهم منها عمر بن ~~الخطاب خلاف فهم هؤلاء كما فهم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فهم أولئك ~~وفهم الصحابة في # PageV01P259 # القرآن هو الغاية التي عليها المعول وقد قال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم ~~زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" وقال ابن ~~جرير حديث عن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك قال: "أمر الله النار أن تأكلهم" قال وقال ابن مسعود ~~فذكره وقال حدثنا محمد بن حميد ثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال: "جهنم أسرع ~~الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا" قلت لا يدل قوله أسرعهما خرابا على خراب ~~الدار الأخرى كما في قوله تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا} وقوله: {آلله خير أما يشركون} وقوله في الحديث: "الله أعلا وأجل" ~~وقوله: "أسرعهما عمرانا" يحتمل معنيين أحدهما مسارعة الناس إلى الأعمال ~~التي يدخلون بها جهنم وإبطاؤهم عن أعمال الدار الأخرى والثاني أن أهلها ~~يدخلونها قبل دخول أهل الجنة إليها فإن أهل الجنة إنما يدخلونها بعد عبورهم ~~على الصراط وبعد حبسهم على القنطرة التي وراءه وأهل النار قد تبوءوا ~~منازلهم منها فإنهم لا يجوزون على الصراط ولا يحبسون على تلك القنطرة وأيضا ~~ففي الحديث الصحيح: "أنه لما ينادي المنادى لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ~~فتتبع المشركون أوثانهم وآلهتهم فتتساقط بهم في النار وتبقى هذه الأمة في ~~الموقف حتى يأتيها ربها عز وجل ويقول ألا تنطلقون حيت انطلق الناس" وقد ذكر ~~الخطيب في تاريخه ms462 في ترجمة سهل بن عبيد الله بن داود ابن سليمان أبو نصر ~~البخاري حدثنا محمد بن نوح الجند سابوري حدثنا جعفر بن محمد بن عيسى الناقد ~~حدثنا سهل بن عثمان ثنا عبد الله بن مسعر بن كدام عن جعفر بن الزبير عن ~~القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"يأتي على جهنم يوما ما فيها من بني آدم أحد تخفق أبوابها كأنها أبواب ~~الموحدين" وليس العمدة على هذا وحده فإن إسناده ضعيف وقد روي من وجه آخر عن ~~ابن مسعود وقد تقدم. # فصل: والذين قطعوا بأبدية النار وأنها لا تفنى لهم طرق، أحدها الآيات ~~والأحاديث الدالة على خلودهم فيها وأنهم لا يموتون وما هم منها بمخرجين وأن ~~الموت يذبح بين الجنة والنار وأن الكفار لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في ~~سم الخياط وأمثال هذه النصوص وهذه الطريق لا تدل على ما ذكروه وإنما يدل ~~على أنها ما دامت باقية فهم فيها فأين فيها ما يدل على عدم فنائها، الطريق ~~الثاني دعوى الإجماع على ذلك وقد ذكرنا من أقوال الصحابة والتابعين ما يدل ~~على أن الأمر بخلاف ما قالوا حتى لقد ادعى إجماع الصحابة من هذا الجانب ~~استنادا إلى تلك النقول التي لا يعلم عنهم خلافها، الطريق الثالث أنه ~~كالمعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الجنة والنار لا تفنيان بل هما ~~باقيتان ولهذا أنكر أهل السنة كلهم على أبي الهذيل وجهم وبشيعتهما ممن قال ~~بفنائها وعدوا أقوالهم من أقوال أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ولا ~~ريب أن هذا من أقوال أهل البدع التي خرجوا بها عن السنة ولكن من أين تصح ~~دعوى العلم النظري أن النار باقية ببقاء الله دائمة بدوامه فضلا عن العلم ~~الضروري فأين في الأدلة الشرعية أو العقلية دليل واحد يقتضي ذلك، الطريق ~~الرابع أن السنة المستفيضة أو المتواترة أخبرت بخروج أهل التوحيد من النار ~~دون الكفار وهذا معلوم من السنة قطعا وهذا الذي قالوه حق لا ms463 ريب فيه ولكن ~~أهل التوحيد خرجوا منها وهي باقية لم تفن ولم تعدم والكفار لا يحصل لهم ذلك ~~بل هم باقون فيها ما بقيت، الطريق الخامس أن العقل يدل على # PageV01P260 # خلود الكفار فيها وعدم خروجهم منها فإن نفوسهم غير قابلة للخير فإنهم لو ~~خرجوا منها لعادوا كفارا كما كانوا وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: {ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه} وهذا يدل على غاية عتوهم وإصرارهم وعدم قبول ~~الخير فيهم بوجه من الوجوه فلا تصلح نفوسهم الشريرة الخبيثة إلا للعذاب ولو ~~صلحت لصلحت على طول العذاب فحيث لم يؤثر عذابهم تلك الأحقاب الطويلة في ~~نفوسهم ولم يطيبها علم أنه لا قابلية فيهم للخير أصلا وأن أسباب العذاب لم ~~يطف من نفوسهم فلا يطفى العذاب المترتب عليها وهذه الطريق وإن أنكرت ببادئ ~~الرأي فهي طريق قوية وهي ترجع إلى طريق الحكمة وأن الحكمة التي اقتضت ~~دخولهم هي التي اقتضت خلودهم ولكن هذه الطريق محرم سلوكها على نفاة الحكمة ~~وعلى مثبتيها من المعتزلة والقدرية أما النفاة فظاهر وأما المثبتة فالحكمة ~~عندهم أن عذابهم لمصلحتهم وهذا إنما يصح إذا كان لهم حالتان حالة يعذبون ~~فيها لأجل مصلحتهم وحالة يزول عنهم العذاب لتحصل لهم تلك المصلحة وإلا فكيف ~~تكون مصلحتهم في عذاب لا انقطاع له أبدا وأما من يثبت حكمة راجعة إلى الرب ~~تعالى فيمكنهم سلوك هذه الطريق لكن يقال الحكمة لا تقتضي دوام عذابهم بدوام ~~بقائه سبحانه وهو لم يخبر أنه خلقهم لذلك وإنما يعذبون لغاية محمودة إذا ~~حصلت حصل المقصود من عذابهم وهو سبحانه لا يعذب خلقه سدى وهو قادر على أن ~~ينشئهم بعد العذاب الطويل نشأة أخرى مجردة عن تلك الشرور والخبائث التي ~~كانت في نفوسهم وقد أزالها طول العذاب فإنهم خلقوا قابلين للخير على الفطرة ~~وهذا القبول لازم لخلقتهم وبه أقروا بصانعهم وفاطرهم وإنما طرأ عليه ما ~~أبطل مقتضاه فإذا زال ذلك الطارئ بالعذاب الطويل بقي أصل القبول بلا معارض ~~وأما قوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} ms464 فهذا قبل مثابرتهم للعذاب ~~قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} فتلك الخبائث والشرور قائمة بنفوسهم لم ~~تزلها النار فلو ردوا لعادوا لقيام المقتضى للعود ولكن أين أخبر سبحانه أنه ~~لو ردهم بعد العذاب الطويل السرمدي لعادوا لما نهوا عنه وسر المسألة أن ~~الفطرة الأصلية لا بد أن تعمل عملها كما عمل الطارئ عليها عمله وهذه الفطرة ~~عامة لجميع بني آدم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة" وفي لفظ "على هذه الملة" وفي ~~صحيح مسلم من حديث عياض بن حماد المجاشعي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يروي عن ربه: "قال إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين ~~فاحتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" فأخبر أن ~~الأصل فيهم الحنيفية وأنهم خلقوا عليها وأن صدها عارض فيهم باقتطاع ~~الشياطين لهم عنها فمن الممتنع أن يعمل أثر اقتطاع الشياطين ولا يعمل أثر ~~خلق الرحمن جل جلاله عمله والكل خلقه سبحانه فلا خالق سواه ولكن ذاك خلق ~~يحبه ويرضاه ويضاف أثره إليه وهذا خلق يبغضه ويسخطه ولا يضاف أثره إليه فإن ~~الشر ليس إليه والخير كله في يديه فإن قيل فقد قال سبحانه: {ولو علم الله ~~فيهم خيرا لأسمعهم} وهذا يقتضي أنه لا قابلية فيهم ولا خير عندهم البتة ولو ~~كان عندهم لخرجوا به من النار مع الموحدين فإنه سبحانه يخرج من النار من في ~~قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من خير فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير ~~من الخير قيل الخير في هذا الحديث هو الإيمان # PageV01P261 # بالله ورسله كما في اللفظ الآخر أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان وهو ~~تصديق رسله والانقياد لهم بالقلب والجوارح وأما الخير في الآية ms465 فالمراد به ~~القبول والزكاة ومعرفة قدر النعمة وشكر المنعم عليها فلو علم الله سبحانه ~~ذلك فيهم لأسمعهم إسماعا ينتفعون به فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم ~~الحجة فتلك القابلية ذهب أثرها وتعطلت بالكفر والجحود وعادت كالشيء المعدوم ~~الذي لا ينتفع به وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم ولم يظهر أثرها في ~~انتفاعهم بما عملوه وتيقنوه فإن قيل فالغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع ~~كافرا وقال نوح عن قومه ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا وفي الحديث الذي رواه ~~الإمام أحمد والترمذي مرفوعا: "إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من ~~يولد مؤمنا ويحيي مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحي كافرا ويموت ~~كافرا" الحديث قيل هذا لا يناقض كونه مولودا على الفطرة فإنه طبع وولد ~~مقدرا كفره إذا عقل وإلا ففي حال ولادته لا يعرف كفرا ولا إيمانا فهي حال ~~مقدرة لا مقارنة للعامل فهو مولود على الفطرة ومولود كافرا باعتبارين ~~صحيحين ثابتين له هذا بالقبول وإيثار الإسلام لو خلى وهذا بالفعل والإرادة ~~إذا عقل فإذا جمعت بين الفطرة السابقة والرحمة السابقة العالية والحكمة ~~البالغة والغنى التام وقرنت بين فطرته ورحمته وحكمته وغناه تبين لك الأمر، ~~الطريق السادس قياس دار العدل على دار الفضل وأن هذه كما أنها أبدية ~~فالأخرى كذلك لأن هذه توجب عدله وعدله ورحمته من لوازم ذاته وهذه الطريق ~~غير نافذة فإن العدل حقه سبحانه لا يجب عليه أن يستوفيه ولا يلحقه بتركه ~~نقص ولا ذم بوجه من الوجوه والفضل وعده الذي وعد به عباده وأحقه على نفسه ~~والفرق بين الدارين من وجوه عديدة شرعا وعقلا، أحدها أن الله سبحانه أخبر ~~بأن نعيم الجنة ماله من نفاد وأن عطاء أهلها غير مجذوذ وأنه غير ممنون ولم ~~يجيء ذلك في عذاب أهل النار، الثاني أنه أخبر بما يدل على انتهاء عذاب أهل ~~النار في عدة آيات كما تقدم ولم يخبر بما يدل على انتهاء نعيم أهل الجنة ~~ولهذا احتاج القائلون بالتأبيد الذي لا انقطاع ms466 له إلى تأويل تلك الآيات ولم ~~يجئ في نعيم أهل الجنة ما يحتاجونه إلى تخصيصه بالتأويل، الثالث أن ~~الأحاديث التي جاءت في انتهاء عذاب النار لم يجيء شيء منها في انتهاء نعيم ~~الجنة، الرابع أن الصحابة والتابعين إنما ذكروا انقطاع العذاب ولم يذكر أحد ~~منهم انقطاع النعيم، الخامس أنه قد ثبت أن الله سبحانه يدخل الجنة بلا عمل ~~أصلا بخلاف النار، السادس أنه سبحانه ينشئ في الجنة خلقا ينعمهم فيها ولا ~~ينشئ في النار خلقا يعذبهم بها، السابع أن الجنة من مقتضى رحمته والنار من ~~مقتضى غضبه وأن الذين يدخلون النار أضعاف أضعاف الذين يدخلون الجنة فلو دام ~~عذاب هؤلاء كدوام نعيم هؤلاء لغلب غضبه رحمته فكان الغضب هو الغالب السابق ~~وهذا ممتنع، الثامن أن الجنة دار فضله والنار دار عدله وفضله يغلب عدله، ~~التاسع أن النار دار استيفاء حقه الذي له والجنة دار وفاء حقه الذي أحقه هو ~~على نفسه وهو سبحانه يترك حقه ولا يترك الحق الذي أحقه على نفسه، العاشر أن ~~الجنة هي الغاية التي خلقوا لها في الآخرة وأعمالها هي الغاية التي خلقوا ~~لها في الدنيا بخلاف النار فإنه سبحانه لم يخلق خلقه للكفر به والإشراك ~~وإنما خلقهم لعبادته وليرحمهم، الحادي عشر أن النعيم من موجب أسمائه وصفاته ~~والعذاب إنما هو من أفعاله قال تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ~~وأن عذابي هو العذاب الأليم} وقال: {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} ~~وقال: {اعلموا أن الله شديد العقاب # PageV01P262 # وأن الله غفور رحيم} وما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامه ~~فإن قيل فإن العذاب صادر عن عزته وحكمته وعدله وهذه أسماء حسنى وصفات كمال ~~فيدوم ما صدر عنها بدوامها قيل لعمر الله أن العذاب صدر عن عزة وحكمة وعدل ~~وانتهاؤه عند حصول المقصود منه يصدر عن عزة وحكمة وعدل فلم يخرج العذاب ولا ~~انقطاعه عن عزته وحكمته وعدله ولكن عند انتهائه يكون عزة مقرونة برحمة ~~وحكمة مقرونة بجود وإحسان وعفو وصفح فالعزة والحكمة ms467 لم يزالا ولم ينقص بل ~~صدر جميع ما خلقه ويخلقه وأمر به ويأمر به عن عزته وحكمته، الثاني عشر أن ~~العذاب مقصود لغيره لا لنفسه وأما الرحمة والإحسان والنعيم فمقصود لنفسه ~~فالإحسان والنعيم غاية والعذاب والألم وسيلة فكيف يقاس أحدهما بالآخر، ~~الثالث عشر أنه سبحانه أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأن رحمته سبقت غضبه وأنه ~~كتب على نفسه الرحمة فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين فلو بقوا في ~~العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته وهذا ظاهر جدا فإن قيل فقد قال سبحانه ~~عقيبها: {فسأكتبها للذين يتقون} إلى آخر الآية يخرج غيرهم منها لخروجهم من ~~الوصف الذي يستحق به قيل الرحمة المكتوبة لهؤلاء هي غير الرحمة الواسعة ~~لجميع الخلق بل هي رحمة خاصة خصهم بها دون غيرهم وكتبها لهم دون من سواهم ~~وهم أهل الفلاح الذين لا يعذبون بل هم أهل الرحمة والفوز والنعيم وذكر ~~الخاص بعد العام استطرادا وهو كثير في القرآن بل قد يستطرد من الخاص إلى ~~العام كقوله: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ~~فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين} فهذا استطراد من ذكر الأبوين إلى ذكر ~~الذرية ومن استطراد قوله: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وجعلناها ~~رجوما للشياطين} فالتي جعلت رجوما ليست هي التي زينت بها السماء ولكن ~~استطرد من ذكر النوع إلى نوع آخر وأعاد ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت ~~جنس واحد فهكذا قوله: {رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} فالمكتوب ~~للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة والمقصود أن الرحمة لا بد أن تسع ~~أهل النار ولا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم كما قالت الملائكة ربنا وسعت كل ~~شيء رحمة وعلما، الرابع عشر أنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم حديث الشفاعة ~~"قول أولي العزم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده ~~مثله" وهذا ms468 صريح في أن ذلك الغضب العظيم لا يدوم ومعلوم أن أهل النار إنما ~~دخلوها بذلك الغضب فلو دام ذلك الغضب لدام عذابهم إذ هو موجب ذلك الغضب ~~فإذا رضي الرب تبارك وتعالى وزال ذلك الغضب زال موجبه وهذا كما أن عقوبات ~~الدنيا العامة وبلاؤها آثار غضبه فإذا استمر غضبه استمر ذلك البلاء فإذا ~~رضي وزال غضبه زال البلاء وخلفته الرحمة، الخامس عشر أن رضاه أحب إليه من ~~غضبه وعفوه أحب إليه من عقوبته ورحمته أحب إليه من عذابه وعطاؤه أحب إليه ~~من منعه وإنما يقع الغضب والعقوبة والمنع بأسباب تناقص موجب تلك الصفات ~~والأسماء وهو سبحانه كما يحب أسماءه وصفاته ويحب آثارها وموجبها كما في ~~الحديث: "أنه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال نظيف يحب النظافة عفو يحب ~~العفو" وهو شكور يحب الشاكرين عليم يحب العالمين جواد يحب أهل الجود حي ~~ستير يحب أهل الحياء والستر صبور يحب الصابرين رحيم يحب الرحماء فهو # PageV01P263 # يكره ما يضاد ذلك وكذلك كره الكفر والعصيان والفسوق والظلم والجهل لمضادة ~~هذه الأوصاف لأوصاف كماله الموافقة لأسمائه وصفاته ولكن يريده سبحانه ~~لاستلزامه ما يحبه ويرضاه فهو مراد له إرادة اللوازم المقصودة لغيرها إذ هي ~~معصية إلى ما يحب فإذا حصل بها ما يحبه وأدت إلى الغاية المقصودة له سبحانه ~~لم تبق مقصودة لا لنفسها ولا لغيرها فتزول ويخلفها أضدادها التي هي أحب ~~إليه سبحانه منها وهي موجب أسمائه وصفاته فإن فهمت سر هذا الوجه وإلا ~~فجاوزه إلى ما قبله ولا تعجل بإنكاره هذا وسر المسألة أنه سبحانه حكيم رحيم ~~إنما يخلق بحكمة ورحمة فإذا عذب من يعذب لحكمة كان هذا جاريا على مقتضاها ~~كما يوجد في الدنيا من العقوبات الشرعية والقدرية من التهذيب والتأديب ~~والزجر والرحمة واللطف ما يزكي النفوس ويطيبها ويمحصها ويخلصها من شرها ~~وخبثها والنفوس الشريرة الظالمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت ~~لما نهت عنه لا يصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والشر والظلم ~~فإذا عذبت هذه النفوس بالنار ms469 عذابا يخلصها من ذلك الشر ويخرج خبثها كان هذا ~~معقولا في الحكمة كما يوجد في عذاب الدنيا وخلق من فيه شر يزول بالتعذيب من ~~تمام الحكمة أما خلق نفوس شريرة لا يزول شرها البتة وإنما خلقت للشر المحض ~~وللعذاب السرمد الدائم بدوام خالقها سبحانه فهذا لا يظهر موافقته للحكمة ~~والرحمة وإن دخل تحت القدرة فدخوله تحت الحكمة والرحمة ليست بالبين فهذا ما ~~وصل إليه النظر في هذه المسألة التي تكع فيها عقول العقلاء وكنت سألت عنها ~~شيخ الإسلام قدس الله روحه فقال لي هذه المسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها ~~بشيء فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكثي بعض تلك الآثار ~~التي ذكرت فأرسلت إليه الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع ~~وقلت للرسول قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدري ما هو فكتب فيها مصنفه ~~المشهور رحمة الله عليه فمن كان عنده فضل علم فليحدثه فإن فوق كل ذي علم ~~عليم وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله ~~عنه فإنه ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف ذلك أحسن صفة ثم ~~قال "ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء" وعلى مذهب عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما حيث يقول: "لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم ~~جنة ولا نارا" وذكر ذلك في تفسير قوله: {قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ~~ما شاء الله} وعلى مذهب أبي سعيد الخدري حيث يقول: "انتهى القرآن كله إلى ~~هذه الآية: {إن ربك فعال لما يريد} " وعلى مذهب قتادة حيث يقول: "في قوله: ~~{إلا ما شاء ربك} الله أعلم بتبينه على ما وقعت" وعلى مذهب ابن زيد حيث ~~يقول: "أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة" فقال عطاء: "غير مجذوذ ولم ~~يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار" والقول بأن النار وعذابها دائم بدوام الله ~~خبر عن الله بما يفعله فإن لم يكن مطابقا ms470 لخبره عن نفسه بذلك وإلا كان قولا ~~عليه بغير علم والنصوص لا تفهم ذلك والله أعلم. # فصل: وها هنا مذاهب أخرى باطله منها قول من قال أنهم يعذبون في النار مدة ~~لبثهم في الدنيا وقول من قال تنقلب عليهم طبيعة نارية يلتذون بها كما يلتذ ~~صاحب الجرب بالحك وقول من يقول أنها تفنى هي والجنة جميعا ويعودان عدما ~~وقول من يقول تفنى حركاتها وتبقى أهلها في سكون دائم ولم يوفق للصواب في ~~هذا الباب غير الصحابة ومن سلك سبيلهم # PageV01P264 # وبالله التوفيق. # فصل: فإن قيل فما الحكمة في كون الكفار أكثر من المؤمنين وأهل النار ~~أضعاف أضعاف أهل الجنة كما قال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ~~وقال: {وقليل من عبادي الشكور} وقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وقليل ما هم} وقال: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} وبعث ~~النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد إلى الجنة وكيف نشأ هذا عن ~~الرحمة الغالبة وعن الحكمة البالغة وهلا كان الأمر بالضد من ذلك، قيل هذا ~~السؤال من أظهر الأدلة على قول الصحابة والتابعين في هذه المسألة وأن الأمر ~~يعود إلى الرحمة التي وسعت كل شيء وسبقت الغضب وغلبته وعلى هذا فاندفع ~~السؤال بالكلية ثم نقول المادة الأرضية اقتضت حصول التفاوت في النوع ~~الإنساني كما في المسند والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم ~~من قبضة قبضها من جميع الأرض فكان منهم الخبيث والطيب والسهل والحزن وغير ~~ذلك" فاقتضت مادة النوع الإنساني تفاوتهم في أخلاقهم وإراداتهم وأعمالهم ثم ~~اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ابتلى المخلوق من هذه المادة بالشهوة والغضب ~~والحب والبغض ولوازمها وابتلاه بعدوه الذي لا يألوه خبالا ولا يغفل عنه ثم ~~ابتلاه مع ذلك بزينة الدنيا وبالهوى الذي أمر بمخالفته هذا على ضعفه وحاجته ~~وزين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث وأمره بترك قضاء أوطاره وشهواته في هذه ~~الدار الحاضرة العتيدة المشاهدة ms471 إلى دار أخرى غايته إنما تحصل فيها بعد طي ~~الدنيا والذهاب بها وكان مقتضى الطبيعة الإنسانية أن لا يثبت على هذا ~~الابتلاء أحد وأن يذهب كلهم مع ميل الطبع ودواعي الغضب والشهوة فلم يحل ~~بينهم وبين ذلك خالقهم وفاطرهم بل أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين ~~لهم مواقع رضاه وغضبه ووعدهم على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار ~~النعيم فلم تقو عقول الأكثرين على إيثار الآجل المنتظر بعد زوال الدنيا على ~~هذا العاجل الحاضر المشاهد وقالوا كيف يباع نقد حاضر وهو قبض باليد بنسيئة ~~مؤخرة وعدنا بحصولها بعد طي الدنيا وخراب العالم ولسان حال أكثرهم يقول "خذ ~~ما تراه ودع شيئا سمعت به" فساعد التوفيق الإلهي من علم أنه يصلح لمواقع ~~فضله فأمده بقوة إيمان وبصيرة رأى في ضوءها حقيقة الآخرة ودوامها وما أعد ~~الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته ورأى حقيقة الدنيا وسرعة انقضائها وقله ~~وفائها وظلم شركائها وأنها كما وصفها الله سبحانه لعب ولهو وتفاخر بين ~~أهلها وتكاثر في الأموال والأولاد وأنها كغيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج ~~فتراه مصفرا ثم يكون حطاما فنشأنا في هذه الدار ونحن منها وبنوها لا نألف ~~غيرها وحكمت العادات وقهر السلطان الهوى وساعده داعي النفوس وتقاضاه موجب ~~الطباع وغلب الحس على العقل وكانت الدولة له والناس على دين الملك ولا ريب ~~أن الذي يخرق هذه الحجب ويقطع هذه العلائق ويخالف العوائد ولا يستجيب ~~لدواعي الطبع ويعصي سلطان الهوى لا يكون إلا الأقل ولهذا كانت المادة ~~النارية أقل اقتضاء لهذا الصنف من المادة الترابية لخفة النار وطيشها وكثرة ~~نقلتها وسرعة حركتها وعدم ثباتها والماء المادة الملكية فتر به من ذلك ~~فلذلك كان المخلوق خيرا كله فالعقلاء المخاطبون مخلوقون من هذه المواد ~~الثلاث واقتضت الحكمة أن يكونوا على هذه الصفة والخلقة # PageV01P265 # ولو كانوا على غير ذلك لم يحصل مقصود الامتحان والابتلاء وتنوع العبودية ~~وظهور آثار الأسماء والصفات فلو كان أهل الإيمان والخير هم الأكثرين ~~الغالبين لفاتت مصلحة الجهاد وتوابعه التي هي من ms472 أجل أنواع العبودية وفات ~~الكمال المترتب على ذلك فلا أحسن مما اقتضاه حكمة أحكم الحاكمين في المخلوق ~~من هذه المواد ثم أنه سبحانه يخلص ما في المخلوق من تينك المادتين من الخبث ~~والشر ويمحصه ويستخرج طيبه إلى دار الطيبين ويلقي خبثه حيث تلقى الخبائث ~~والأوساخ وهذا غاية الحكمة كما هو الواقع في جواهر المعادن المنتفع بها من ~~الذهب والفضة والحديد والصفر فخلاصة هذه المواد وطيبها أقل من وسخها وخبثها ~~والناس زرع الأرض والخير الصافي من الزرع بعد زوانه وقصله وعصفه وتبنه أقل ~~من بقية الأجزاء وتلك الأجزاء كالصور له والوقاية كالحطب والشوك للثمر ~~والتراب والحجارة للمعادن النفيسة. # فصل: الوجه السابع والثلاثون قوله وأي حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه ~~يسومونهم سوء العذاب فكم لله في ذلك من حكم باهرة منها حصول محبوبة من ~~عبودية الصبر والجهاد وتحمل الأذى فيه والرضى عنه في السراء والضراء ~~والثبات على عبوديته وطاعته مع قوة المعارض وغلبته وشوكته وتمحيص أوليائه ~~من أحكام البشرية ودواعي الطباع ببذل نفوسهم له وأذى أعدائه لهم وتميز ~~الصادق من الكاذب ومن يريده ويعبده على جميع الحالات ممن يعبده على حرف ~~وليحصل له مرتبة الشهادة التي هي من أعلى المراتب ولا شيء أبر عند الحبيب ~~من بذل محبة نفسه في مرضاته ومجاهدة عدوه فكم لله في هذا التسليط من نعمة ~~ورحمة وحكمة وإذا شئت أن تعلم ذلك فتأمل الآيات من أواخر آل عمران من قوله: ~~{قد خلت من قبلكم سنن} إلى قوله: {نما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} إلى قوله: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ~~ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} فكان هذا التمييز من بعض حكم ذلك ~~التسليط ولولا ذلك التسليط لم تظهر فضيلة الصبر والعفو والحكم وكظم الغيظ ~~ولا حلاوة النصر والظفر والقهر فإن الأشياء يظهر حسنها بأضدادها ولولا ذلك ~~التسليط لم تستوجب الأعداء المحق والإهانة والكبت فاستخرج ذلك التسليط من ~~القوة إلى الفعل ما عند أوليائه فاستحقوا كرامتهم عليه وما ms473 عند أعدائه ~~فاستحقوا عقوبتهم عليه فكان هذا التسليط مما أظهر حكمته وعزته ورحمته ~~ونعمته في الفريقين وهو العزيز الحكيم، الوجه الثامن والثلاثون قوله وأي ~~حكمة في تكليف الثقلين وتعريضهم بذلك العقوبة وأنواع المشاق، فاعلم أنه ~~لولا التكليف لكان خلق الإنسان عبثا وسدى والله يتعالى عن ذلك وقد نزه نفسه ~~عنه كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} وقال: {أيحسب الأنسان أن يترك سدى} قال الشافي ~~لا يؤمر ولا ينهى ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملا معطلا مضاد للحكمة ~~فإنه خلق لغاية كماله وكماله أن يكون عارفا بربه محبا له قائما بعبوديته ~~قال تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} وقال: {لتعلموا أن الله على ~~كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} وقال: {ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} فهذه المعرفة ~~وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر وهما أعظم كمال الإنسان والله تعالى ~~من عنايته به ورحمته له عرضه لهذا الكمال وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة ~~ومكنه منها # PageV01P266 # ومدار التكليف على الإسلام والإيمان والإحسان وهي ترجع إلى شكر المنعم ~~كلها دقيقها وجليلها منه وتعظيمه وإجلاله ومعاملته بما يليق أن يعامل به ~~فتذكر آلاؤه وتشكر فلا يكفر ويطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى هذا مع تضمن ~~التكليف لإيصاف العبد بكل خلق جميل وإثباته بكل فعل جميل وقول سديد ~~واجتنابه لكل خلق سيئ وترك كل فعل قبيح وقول زور فتكليفه متضمن لمكارم ~~الأخلاق ومحاسن الأفعال وصدق القول والإحسان إلى الخليقة وتكميل نفسه ~~بأنواع الكمالات وهجر أضداد ذلك والتنزه عنها مع تعريضه بذلك التكليف ~~للثواب الجزيل الدائم ومجاورة ربه في دار البقاء فأي الأمرين أليق بالحكمة ~~هذا أو إرساله هملا كالخيل والبغال والحمير يأكل ويشرب وينكح كالبهائم ~~أيقتضي كماله المقدس ذلك فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم وكيف يليق بذلك الكمال طي بساط الأمر والنهي والثواب والعقاب ms474 وترك ~~إرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع وتقرير الأحكام وهل عرف الله من جوز ~~عليه خلاف ذلك وهل ذلك إلا من سوء الظن به قال تعالى: {وما قدروا الله حق ~~قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} فحسن التكليف في العقول كحسن ~~الإحسان والإنعام والتفضل والطول بل هو من أبلغ أنواع الإحسان والإنعام ~~ولهذا سمى سبحانه ذلك نعمة ومنة وفضلا ورحمة وأخبر أن الفرح به خير من ~~الفرح بالنعم المشتركة بين الأبرار والفجار قال تعالى: {ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمت الله كفرا} فنعمة الله هاهنا نعمته بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وما بعثه به من الهدى ودين الحق وقال: {قد من الله على المؤمنين إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن ~~كانوا من قبل لفي ضلال مبين} وقال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ~~لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وقال: {وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين} وقال: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} ~~وقال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا} ~~وقال: {واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم} ~~وقال: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن ~~الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم} وقال لرسوله: ~~{وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما} وهل النعمة والفضل في الحقيقة إلا ذلك وتوابعه وثمرته في القلوب ~~والأبدان في الدنيا والآخرة وهل في العقول السليمة والفطرة المستقيمة أحسن ~~من ذلك وأليق بكمال الرب وأسمائه وصفاته، الوجه التاسع والثلاثون قوله في ~~مناظرة الأشعري للجبائي ms475 في الإخوة الثلاثة الذين مات أحدهم صغيرا وبلغ ~~الآخر كافرا والثالث مسلما أنها مناظرة كافية في إبطال الحكمة والتعليل ~~ورعاية الأصلح، فلعمر الله أنها مبطلة لطريقة أهل البدع من المعتزلة ~~والقدرية الذين يوجبون على ربهم مراعاة الأصلح لكل عبد وهو الأصلح عندهم ~~فيشرعون له شريعة بعقولهم ويحجرون عليه ويحرمون عليه أن يخرج عنها ويوجبون ~~عليه القيام بها وكذلك كانوا من أحمق الناس وأعظمهم تشبيها للخالق بالمخلوق ~~في أفعاله وأعظمهم تعطيلا عن صفات كماله فنزهوه عن صفات الكمال وشبهوه ~~بخلقه في الأفعال وأدخلوه تحت الشريعة الموضوعة # PageV01P267 # بآراء الرجال وسموا ذلك عدلا وتوحيدا بالزور والبهتان وتلك التسمية ما ~~أنزل الله بها من سلطان فالعدل قيامه بالقسط في أفعاله والتوحيد وإثبات ~~صفات كماله شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام فهذا العدل ~~والتوحيد الذي جاء به المرسلون وذلك التوحيد والعدل الذي جاء به المعطلون، ~~والمقصود أن هذه المناظرة وإن أبطلت قول هؤلاء وزلزلت قواعدهم فإنها لا ~~تبطل حكمة الله التي اختص بها دون خلقه وطوى بساط الإحاطة بها عنهم ولم ~~يطلعهم منها إلا على ما نسبته إلى ما خفي عنهم كقطرة من بحار الدنيا فكم ~~لله سبحانه من حكمة في ذلك الذي أخرمه صغيرا وحكمة في الذي مد له في العمر ~~حتى بلغ وأسلم وحكمة في الذي أبقاه حتى بلغ وكفر ولو كان كل من علم أنه إذا ~~بلغ يكفر يخترمه صغيرا لتعطل الجهاد والعبودية التي يحبها الله ويرضاها ولم ~~يكن هناك معارض وكان الناس أمة واحدة ولم تظهر آياته وعجائبه في الأمم ~~ووقائعه وأيامه في أعدائه وإقامة الحجج وجدال أهل الباطل بما يدحض شبهتهم ~~وينصر الحق ويظهره على الباطل إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم التي لا يحصيها ~~إلا الله والله سبحانه يحب ظهور أسمائه وصفاته في الخليقة فلو اخترم كل من ~~علم أنه يكفر إذا بلغ لفات ذلك وفواته مناف لكمال تلك الأسماء والصفات ~~واقتضائها ms476 لآثارها وقد تقدم بسط ذلك أتم من هذا، الوجه الأربعون قوله أنه ~~سبحانه رد الأمر إلى محض مشيئة بقوله: {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء} وقوله: ~~{فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} وقوله: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء} وقوله: {لا يسأل عما يفعل} فهذا كله حق ولكن أين فيه إبطال حكمته ~~وحمده والغايات المحمودة المطلوبة بفعله وأنه لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر ~~بشيء لأجل شيء ولا سبب لفعله ولا غاية أفترى أصحاب الحكمة والتعليل يقولون ~~أنه لا يفعل بمشيئته أو أنه يسئل عما يفعل بل يقولون أنه يفعل بمشيئته ~~مقارنا للحكمة والمصلحة ووضع الأشياء مواضعها وأنه يفعل ما يشاء بأسباب ~~وحكم ولغايات مطلوبة وعواقب حميدة فهم مثبتون لملكه وحده وغيرهم يثبت ملكا ~~بلا حمد أو نوعا من الحمد ومع هضم الملك إذ الرب تعالى له كمال وكمال الحمد ~~فكونه يفعل ما يشاء يمنع من أن يشاء بأسباب وحكم وغايات وأنه لا يشاء إلا ~~ذلك وأما قوله: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فهذا لكمال علمه وحكمته لا ~~لعدم ذلك وأيضا فسياق الآية في معنى آخر وهو إبطال إلهية من سواه وإثبات ~~الألوهية له وحده فإنه سبحانه قال: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون} فأين في هذا ما يدل على إبطال التعليل بوجه من الوجوه ~~ولكن أهل الباطل يتعلقون بألفاظ نزلوها على باطلهم لا تنزل عليه وبمعان ~~متشابهة يشتبه فيها الحق بالباطل فعمدتهم المتشابه من الألفاظ والمعاني ~~فإذا فصلت وبينت يتبين أنها لا دلالة فيها وأنها مع ذلك قد تدل على نقيض ~~مطلوبهم وبالله التوفيق. # PageV01P268 ### | الباب الرابع والعشرون: في قول السلف من أصول الإيمان الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره # قد تقدم أن القدر لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وقدرته وكتابه ~~ومشيئته وذلك خير محض # PageV01P268 # وكمال من وجه فالشر ليس إلى الرب تعالى ms477 بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في ~~أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في ~~المقضي المقدر ويكون شرا بالنسبة إلى محل وخيرا بالنسبة إلى محل آخر وقد ~~يكون خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه كما هو شر له من وجه بل هذا ~~هو الغالب وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار فإنه شر بالنسبة إليهم ~~لا من كل وجه بل من وجه دون وجه وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة ~~الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض وكذلك الآلام والأمراض وإن كانت شرورا ~~من وجه فهي خيرات من وجوه عديدة وقد تقدم تقرير ذلك فالخير والشر من جنس ~~اللذة والألم والنفع والضرر وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب ~~وفعله القائم به فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له وأما قضاء الرب ذلك ~~وتقديره عليه فعدل خير وحكمة ومصلحة كما يأتي في الباب الذي بعد هذا إن شاء ~~الله، فإن قيل فما الفرق بين كون القدر خيرا وشرا وكونه حلوا ومرا، قيل ~~الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل والخير والشر يرجع إلى ~~حسن العاقبة وسوئها فهو حلو ومر في مبدأه وأوله وخير وشر في منتهاه وعاقبته ~~وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة ~~في الآجل ومرارتها تعقب الحلاوة فحلو الدنيا مر الآخرة ومر الدنيا حلو ~~الآخرة وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام والآلام تثمر ~~اللذات والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاما لا يخرج عنه شئ البتة والشر ~~مرجعه إلى اللذات وأسبابها والخير المطلوب هو اللذات الدائمة والشر المرهوب ~~هو الآلام الدائمة فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على لذة ما وأسباب تلك ~~خيرات وإن اشتملت على ألم ما فألم يعقب اللذة الدائمة أولى بالإيثار ~~والتحمل من لذة تعقب الألم الدائم فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة وألم ~~ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم. # PageV01P269 ### | الباب الخامس والعشرون: ms478 في امتناع إطلاق القول نفيا وإثباتا أن الرب تعالى مريد للشر وفاعل له # هذا موضع خلاف اختلف فيه مثبتو القدر ونفاته فقال النفاة لا يجوز أن يقال ~~أن الله سبحانه مريد للشر أو فاعل له قالوا لا يريد الشر وفاعله شرير هذا ~~هو المعروف لغة وعقلا وشرعا كما أن الظالم فاعل الظلم والفاجر فاعل الفجور ~~ومريده والرب يتعالى ويتنزه عن ثبوت معاني أسماء السوء له فإن أسماءه كلها ~~حسنى وأفعاله كلها خير فيستحيل أن يريد الشر فالشر ليس بإرادته ولا بفعله ~~قالوا وقد قام الدليل على أن فعله سبحانه غير مفعوله والشر ليس بفعل له فلا ~~يكون مفعولا له وقابلهم الجبرية فقالوا بل الرب سبحانه يريد الشر ويفعله ~~قالوا لأن الشر موجود فلا بد له من خالق ولا خالق إلا الله وهو سبحانه إنما ~~يخلق بإرادته فكل مخلوق فهو مراد له وهو فعله ووافقوا إخوانهم على أن الفعل ~~عين المفعول والخلق نفس المخلوق ثم قالوا والشر مخلوق له ومفعول فهو فعله ~~وخلقه وواقع بإرادته قالوا وإنما لم يطلق القول أنه يريد الشر ويفعل الشر ~~أدبا لفظيا فقط كما لا يطلق القول بأنه رب الكلاب والخنازير ويطلق القول ~~بأنه رب كل شيء وخالقه قالوا وأما قولكم أن الشرير مريد الشر وفاعله فجوابه ~~من وجهين، أحدهما إنما يمنع ذلك بأن الشرير من قام به الشر وفعل الشر لم ~~يقم بذات الرب فإن أفعاله # PageV01P269 # لا تقوم به إذ هي نفس مفعولاته وإنما هي قائمة بالخلق وكذلك اشتقت لهم ~~منها الأسماء كالفاجر والفاسق والمصلي والحاج والصائم ونحوها، الجواب ~~الثاني أن أسماء الله تعالى توقيفية ولم يسم نفسه إلا بأحسن الأسماء قالوا ~~والرب تعالى أعظم من أن يكون في ملكه مالا يريده ولا يخلقه فإنه الغالب غير ~~المغلوب، وتحقيق القول في ذلك أنه يمتنع إطلاق إرادة الشر عليه وفعله نفيا ~~وإثباتا في إطلاق لفظ الإرادة والفعل من إبهام المعنى الباطل ونفي المعنى ~~الصحيح فإن الإرادة تطلق بمعنى المشيئة وبمعنى المحبة والرضا فالأول كقوله: ~~{إن كان ms479 الله يريد أن يغويكم} وقوله: {ومن يرد أن يضله} وقوله: {وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية} والثاني كقوله: {والله يريد أن يتوب عليكم} وقوله: {يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} فالإرادة بالمعنى الأول تستلزم وقوع ~~المراد ولا تستلزم محبته والرضا به وبالمعنى الثاني لا تستلزم وقوع المراد ~~وتستلزم محبته فإنها لا تنقسم بل كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضي له ~~ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته فإن أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة ~~وحكمة لا شر فيها بوجه من الوجوه وأما مفعولاته فهي مورد الانقسام وهذا ~~إنما يتحقق على قول أهل السنة أن الفعل غير المفعول والخلق غير المخلوق كما ~~هو الموافق للعقول والفطر واللغة ودلالة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة ~~كما حكاه البغوي في شرح السنة عنهم وعلى هذا فهاهنا إرادتان ومرادان إرادة ~~أن يفعل ومرادها فعله القائم به وإرادة أن يفعل عبده ومرادها مفعوله ~~المنفصل عنه وليسا بمتلازمين فقد يريد من عبده أن يفعل ولا يريد من نفسه ~~إعانته على الفعل وتوفيقه له وصرف موانعه عنه كما أراد من إبليس أن يسجد ~~لآدم ولم يرد من نفسه أن يعينه على السجود ويوفقه له ويثبت قلبه عليه ~~ويصرفه إليه ولو أراد ذلك منه لسجد له لا محالة وقوله: {فعال لما يريد} ~~إخباره عن إرادته لفعله لا لأفعال عبيده وهذا الفعل والإرادة لا ينقسم إلى ~~خير وشر كما تقدم وعلى هذا فإذا قيل هو مريد للشر أوهم أنه محب له راض به ~~وإذا قيل أنه لم يرده أوهم أنه لم يخلقه ولا كونه وكلاهما باطل ولذلك إذا ~~قيل أن الشر فعله أو أنه يفعل الشر أوهم أن الشر فعله القائم به وهذا محال ~~وإذا قيل لم يفعله أو ليس بفعل له أوهم أنه لم يخلقه ولم يكونه وهذا محال ~~فانظر ما في إطلاق هذه الألفاظ في النفي والإثبات من الحق والباطل الذي ~~يتبين بالاستفصال والتفصيل وأن الصواب في هذا الباب ما دل عليه القرآن ~~والسنة من أن الشر ms480 لا يضاف إلى الرب تعالى لا وصفا ولا فعلا ولا يتسمى ~~باسمه بوجه من الوجوه وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم كقوله تعالى: ~~{قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق} فما هاهنا موصولة أو مصدرية والمصدر ~~بمعنى المفعول أي من شر الذي خلقه أو من شر مخلوقه وقد يحذف فاعله كقوله ~~حكاية عن مؤمني الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ~~ربهم رشدا} وقد يسند إلى محله القائم به كقول إبراهيم الخليل الذي خلقني ~~فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين وقول الخضر أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وقال في بلوغ ~~الغلامين فأراد ربك أن يبلغا أشدهما وقد جمع الأنواع الثلاثة في الفاتحة في ~~قوله: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين} والله تعالى إنما نسب إلى نفسه الخير دون الشر فقال تعالى: ~~{قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على # PageV01P270 # كل شيء قدير} وأخطأ من قال المعنى بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه، أحدها ~~أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا أو بيانا ~~أنه ليس بمراد، الثاني أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل وعدل كما في ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يمين الله ملأى لا يغيضها ~~نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في ~~يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع" فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى ~~وكلاهما خير لا شر فيه بوجه، الثالث أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لبيك ~~وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر ~~وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه ~~لكل شيء. # فصل: والرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا ms481 يشتق له من ~~مخلوقاته وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به فلو ~~كان يشتق له اسم باعتبار المخلوق المنفصل يسمى متكونا ومتحركا وساكنا ~~وطويلا وأبيض وغير ذلك لأنه خالق هذه الصفات فلما لم يطلق عليه اسم من ذلك ~~مع أنه خالقه علم إنما يشتق أسماءه من أفعاله وأوصافه القائمة به وهو ~~سبحانه لا يتصف بما هو مخلوق منفصل عنه ولا يتسمى باسمه ولهذا كان قول من ~~قال أنه يسمى متكلما بكلام منفصل عنه وخلقه في غيره ومريد بإرادة منفصلة ~~عنه وعادلا بعدل مخلوق منفصل عنه وخالقا بخلق منفصل عنه هو المخلوق قولا ~~باطلا مخالفا للعقل والنقل واللغة مع تناقضه في نفسه فإن اشتق له اسم ~~باعتبار مخلوقاته لزم طرد ذلك في كل صفة أو فعل خلقه وإن خص ذلك ببعض ~~الأفعال والصفات دون بعض كان تحكما لا معنى له وحقيقة قول هؤلاء أنه لم يقم ~~به عدل ولا إحسان ولا كلام ولا إرادة ولا فعل البتة ومن تجهم منهم نفى ~~حقائق الصفات وقال لم تقم به صفة ثبوتية فنفوا صفاته وردوها إلى السلوب ~~والإضافات ونفوا أفعاله وردوها إلى المصنوعات المخلوقات وحقيقة هذا أن ~~أسماءه تعالى ألفاظ فارغة عن المعاني لا حقائق لها وهذا من الإلحاد فيها ~~وإنكار أن يكون حسنا وقد قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا ~~الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} وقد دل القرآن والسنة على ~~إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفا كقوله تعالى: {أن القوة لله جميعا} ~~وقوله: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} وقوله: {فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله} وقوله صلى الله عليه وسلم: "لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه" وقول عائشة: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات" وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "أعوذ برضاك من سخطك" وقوله: "أسألك الغيب وقدرتك على ~~الخلق" وقوله: "أعوذ بعزتك أن تضلني" ولولا هذه المصادر لانتفت حقائق ~~الأسماء والصفات والأفعال فإن أفعاله غير صفاته ms482 وأسماءه غير أفعاله وصفاته ~~فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد وهو بمنزلة صوت لا يفيد ~~شيئا وهذا غاية الإلحاد # PageV01P271 ### | الباب السادس والعشرين: فيما يدل عليه قوله: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" من تحقيق القدر وإثباته ما تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة # ... # الباب السادس والعشرون: فيما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إني ~~أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك من تحقيق القدر وإثباته وما تضمنه الحديث من ~~الأسرار العظيمة. # قد دل هذا الحديث العظيم القدر على أمور، منها أنه يستعاذ بصفات الرب كما ~~يستغاث بذاته وكذلك يستعاذ بصفاته كما يستغاث بذاته كما في الحديث: "يا حي ~~يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت ~~برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد ~~من خلقك" وكذلك قوله في الحديث الآخر: "أعوذ بعزتك أن تضلني" وكذلك ~~استعاذته بكلمات الله التامات وبوجهه الكريم وتعظيمه وفي هذا ما يدل على أن ~~هذه صفات ثابتة وجودية إذ لا يستعاذ بالعدم وأنها قائمة به غير مخلوقة إذ ~~لا يستعاذ بالمخلوق وهو احتجاج صحيح فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يستعيذ بمخلوق ولا يستغيث به ولا يدل أمته على ذلك، ومنها أن العفو من صفات ~~الفعل القائمة به وفيه رد على من زعم أن فعله عين مفعوله فإن المفعول مخلوق ~~ولا يستعاذ به، ومنها أن بعض صفاته وأفعاله سبحانه أفضل من بعض فإن ~~المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه وهذا كما أن صفة الرحمة أفضل من صفة ~~الغضب ولذلك كان لها الغلبة والسبق ولذلك كلامه سبحانه هو صفته ومعلوم أن ~~كلامه الذي يثني على نفسه به ويذكر فيه أوصافه وتوحيده أفضل من كلامه الذي ~~يذم به أعداءه ويذكر أوصافهم ولهذا كانت سورة الإخلاص أفضل من سورة تبت ~~وكانت تعدل ثلث القرآن ms483 دونها وكانت آية الكرسي أفضل آية في القرآن ولا تصغ ~~إلى قول من غلظ حجابه أن الصفات قديمة والقديم لا يتفاضل فإن الأدلة ~~السمعية والعقلية تبطل قوله وقد جعل سبحانه ما كان من الفضل والعطاء والخير ~~وأهل السعادة بيده اليمنى وما كان من العدل والقبض بيده الأخرى ولهذا جعل ~~أهل السعادة في قبضة اليمنى وأهل الشقاوة في القبضة الأخرى والمقسطون على ~~منابر من نور عن يمينه والسماوات مطويات بيمينه والأرض بالأرض ومنها أن ~~الغضب والرضاء والعفو والعقوبة لما كانت متقابلة استعاذ بأحدهما من الآخر ~~فلما جاء إلى الذات المقدسة التي لا ضد لها ولا مقابل قال وأعوذ بك منك ~~فاستعاذ بصفة الرضى من صفة الغضب وبفعل العفو من فعل العقوبة وبالموصوف ~~بهذه الصفات والأفعال منه وهذا يتضمن كمال الإثبات للقدر والتوحيد بأوجز ~~لفظ وأخصره فإن الذي يستعاذ منه من الشر وأسبابه هو واقع بقضاء الرب تعالى ~~وقدره وهو المنفرد بخلقه وتقديره وتكوينه فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن ~~فالمستعاذ منه إما وصفه وإما فعله وإما مفعوله الذي هو أثر فعله والمفعول ~~ليس إليه نفع ولا ضر ولا يضر إلا بإذن خالقه كما قال تعالى في أعظم ما ~~يتضرر به العبد وهو السحر: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} فالذي ~~يستعاذ منه هو بمشيئته وقضائه وقدرته وإعاذته منه وصرفه عن المستعيذ إنما ~~هو بمشيئته أيضا وقضائه وقدره فهو المعيذ من قدره بقدره ومن ما يصدره عن ~~مشيئة وإرادته بما يصدره عن # PageV01P272 # مشيئته وإرادته والجميع واقع بإرادته الكونية القدرية فهو يعيذ من إرادته ~~بإرادته إذ الجميع خلقه وقدره وقضاء فليس هناك خلق لغيره فيعيذ منه هو بل ~~المستعاذ منه خلق له فهو الذي يعيذ عبده من نفسه بنفسه فيعيذه مما يريده به ~~بما يريده به فليس هناك أسباب مخلوقة لغيره يستعيذ منها المستعيذ به كما ~~يستعيذ من رجل ظلمه وقهره برجل أقوى أو نظيره فالمستعاذ منه هو الذنوب ~~وعقوباتها والآلام وأسبابها والسبب من قضائه والمسبب من قضائه ms484 والإعاذة ~~بقضائه فهو الذي يعيذ من قضائه بقضائه فلم يعذ إلا بما قدره وشاءه وذلك ~~الاستعاذة منه وشاءها وقدر الإعاذة وشاءها فالجميع قضاؤه وقدره وموجب ~~مشيئته فنتجت هذه الكلمة التي لو قالها غير الرسول لبادر المتكلم الجاهل ~~إلى إنكارها وردها أنه لا يملك الضر والنفع والخلق والأمر والإعاذة غيرك ~~وأن المستعاذ منه هو بيدك وتحت تصرفك ومخلوق من خلقك فما استعذت إلا بك ولا ~~استعذت إلا منك وهذا نظير قوله في الحديث الآخر: "لا ملجأ ولا منجا منك إلا ~~إليك" فهو الذي ينجي من نفسه بنفسه ويعيذ من نفسه بنفسه وكذلك الفرار يفر ~~عبده منه إليه وهذا كله تحقيق للتوحيد والقدر وأنه لا رب غيره ولا خالق ~~سواه ولا يملك المخلوق لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا ~~نشورا بل الأمر كله لله ليس لأحد سواه منه شيء كما قال تعالى لأكرم خلقه ~~عليه وأحسنهم إليه: {ليس لك من الأمر شيء} وقال جوابا لمن قال هل لنا من ~~الأمر شيء: {قل إن الأمر كله لله} فالملك كله له والأمر كله له والحمد كله ~~له والشفاعة كلها له والخير كله في يديه وهذا تحقيق تفرده بالربوبية ~~والألوهية فلا إله غيره ولا رب سواه: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} : {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ~~وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} : {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} فاستعذ به منه ~~وفر منه إليه واجعل لجاك منه إليه فالأمر كله له لا يملك أحد معه منه شيئا ~~فلا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو ولا تتحرك ذرة فما ~~فوقها إلا بإذنه ولا يضر سم ولا سحر ولا شيطان ولا حيوان ولا غيره إلا ~~بإذنه ومشيئته ms485 يصيب بذلك من يشاء ويصرفه عمن يشاء فأعرف الخلق به وأقواهم ~~بتوحيده من قال في دعائه وأعوذ بك منك فليس للخلق معاذ سواه ولا مستعاذ منه ~~إلا وهو ربه وخالقه ومليكه وتحت قهره وسلطانه ثم ختم الدعاء بقوله لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك اعترافا بأن شأنه وعظمته ونعوت كماله ~~وصفاته أعظم وأجل من أن يحصيها أحد من الخلق أو بلغ أحد حقيقة الثناء عليه ~~غيره سبحانه فهو توحيد في الأسماء والصفات والنعوت وذاك توحيد في العبودية ~~والتأله وإفراده تعالى بالخوف والرجاء والاستعاذة وهذا مضاد الشرك وذاك ~~مضاد التعطيل وبالله التوفيق. # PageV01P273 ### | الباب السابع والعشرون: في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد والحكمة تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم ماض في حكمك عدل في قضاؤك وبيان ما في هذا الحديث من القواعد. # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ~~ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك ~~عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو ~~علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع ~~قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله ~~مكانه فرحا قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن قال: بلى ينبغي لمن يسمعهن أن ~~يتعلمهن" فقد دل هذا الحديث الصحيح منها أنه استوعب أقسام المكروه الواردة ~~على القلب فالهم يكون على مكروه يتوقع في المستقبل يهتم به القلب والحزن ~~على مكروه ماض من فوات محبوب أو حصول مكروه إذا تذكره أحدث له حزنا والغم ~~يكون على مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغم فهذه المكروهات هي من أعظم ~~أمراض القلب وأدوائه وقد تنوع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها وتباينت ~~طرقهم في ذلك تباينا لا يحصيه إلا الله بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما ~~يظن أو يتوهم ms486 أنه يخلصه منها وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في ~~الخلاص منها لا يزيدها إلا شدة لمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من ~~أكبر كبائرها إلى أصغرها وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء وسماع ~~الأصوات المطربة وغير ذلك فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه ~~الأمور والتخلص منها وكلهم قد أخطأ الطريق إلا من سعى في إزالتها بالدواء ~~الذي وصفه الله لإزالتها وهو دواء مركب من مجموع أمور متى نقص منها جزء نقص ~~من الشفاء بقدره وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار قال تعالى: ~~{اعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وفي الحديث: ~~"فإن الشيطان يقول أهلك بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا ~~الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا" ولذلك كان الدعاء المفرج للكرب محض التوحيد وهو لا إله ~~إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا هو رب العرش العظيم لا إله إلا هو رب ~~السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "دعوة أخي ذي النون ما دعاها مكروب إلا فرج الله كربه لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" فالتوحيد يدخل العبد على الله على ~~والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول ~~إليه فإذا وصل القلب إليه زال عنه همه وغمه وحزنه وإذا انقطع عنه حصرته ~~الهموم والغموم والأحزان وأتته من كل طريق ودخلت عليه من كل باب فلذلك صدر ~~هذا الدعاء المذهب للهم والغم والحزن بالاعتراف له بالعبودية حقا منه ومن ~~آياته ثم أتبع ذلك باعترافه بأنه في قبضته وملكه وتحت تصرفه بكون ناصيته في ~~يده يصرفه كيف يشاء كما يقاد من أمسك بناصيته شديد القوى # PageV01P274 # لا يستطيع إلا الانقياد له ثم أتبع ذلك بإقراره له بنفاذ حكمه فيه ~~وجريانه عليه شاء أم أبى وإذا حكم فيه بحكم لم يستطع غيره برده أبدا وهذا ~~اعتراف ms487 لربه بكمال القدرة عليه واعتراف من نفسه بغاية العجز والضعف فكأنه ~~قال أنا عبد ضعيف مسكين يحكم فيه قوى قاهر غالب وإذا حكم فيه بحكم مضى حكمه ~~فيه ولا بد ثم أتبع ذلك باعترافه بأن كل حكم وكل قضية ينفذها فيه هذا ~~الحاكم فهي عدل محض منه لا جور فيها ولا ظلم بوجه من الوجوه فقال ماض في ~~حكمك عدل في قضاؤك وهذا يعم جميع أقضيته سبحانه في عبده قضائه السابق فيه ~~قبل إيجاده وقضائه فيه المقارن لحياته وقضائه فيه بعد مماته وقضائه فيه يوم ~~معاده ويتناول قضاءه فيه بالذنب وقضائه فيه بالجزاء عليه ومن لم يثلج صدره ~~لهذا ويكون له كالعلم الضروري لم يعرف ربه وكماله ونفسه وعينه ولا عدل في ~~حكمه بل هو جهول ظلوم فلا علم ولا إنصاف وفي قوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك ~~رد على طائفتي القدرية والجبرية وإن اعترفوا بذلك بألسنتهم فأصولهم تناقضه ~~فإن القدرية تنكر قدرته سبحانه على خلق ما به يهتدي العبد غير ما خلقه فيه ~~وجبله عليه فليس عندهم لله حكم نافذ في عبده غير الحكم الشرعي بالأمر ~~والنهي ومعلوم أنه لا يصح حمل الحديث على هذا الحكم فإن العبد يطيعه تارة ~~ويعصيه تارة بخلاف الحكم الكوني القدري فإنه ماض في العبد ولا بد قائمة ~~بكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ثم قوله بعد ذلك عدل في قضاؤك ~~دليل على أن الله سبحانه عادل في كل ما يفعله بعبده من قضائه كله خيره وشره ~~حلوه ومره فعله وجزائه فدل الحديث على الإيمان بالقدر والإيمان بأن الله ~~عادل فيما قضاه فالأول التوحيد والثاني العدل وعند القدرية النفاة لو كان ~~حكمه فيه ماضيا لكان ظالما له بإضلاله وعقوبته أما القدرية الجبرية فعندهم ~~الظلم لا حقيقة له بل هو الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت القدرة فلا يقدر ~~الرب تعالى عندهم على ما يسمى ظلما حتى يقال ترك الظلم وفعل العدل فعلى ~~قولهم لا فائدة في قوله عدل في قضاؤك بل ms488 هو بمنزلة أن يقال نافذ في قضاؤك ~~ولا بد وهو معنى قوله ماض في حكمك فيكون تكريرا لا فائدة فيه وعلى قولهم ~~فلا يكون ممدوحا بترك الظلم إذ لا يمدح بترك المستحيل لذاته ولا فائدة في ~~قوله أني حرمت الظلم على نفسي أو يظن معناه أني حرمت على نفسي ما لا يدخل ~~تحت قدرتي وهو المستحيلات ولا فائدة في قوله: {فلا يخاف ظلما ولا هضما} فإن ~~كل أحد لا يخاف من المستحيل لذاته أن يقع ولا فائدة في قوله: {وما الله ~~يريد ظلما للعباد} ولا في قوله: {وما أنا بظلام للعبيد} فنفوذ حكمه في ~~عباده بملكه وعدله فيهم بحمده وهو سبحانه له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير ونظير هذا قوله سبحانه حكاية عن نبيه هود أنه قال: {إني توكلت على ~~الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} ~~فقوله: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} مثل قوله ناصيتي بيدك ماض في حكمك ~~وقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} مثل قوله عدل في قضاؤك أي لا يتصرف في تلك ~~النواصي إلا بالعدل والحكمة والمصلحة والرحمة لا يظلم أصحابها ولا يعاقبهم ~~بما لم يعلموه ولا يهضمهم حسنات ما عملوه فهو سبحانه على صراط مستقيم في ~~قوله وفعله يقول الحق ويفعل الخير والرشد وقد أخبر سبحانه أنه على الصراط ~~المستقيم في سورة هود وفي سورة النحل فأخبر في هود أنه على صراط مستقيم في ~~تصرفه في النواصي التي هي في قبضته وتحت يده وأخبر في النحل أنه يأمر ~~بالعدل ويفعله وقد زعمت الجبرية أن العدل هو المقدور وزعمت القدرية # PageV01P275 # أن العدل إخراج أفعال الملائكة والجن والإنس عن قدرته وخلقه وأخطأ ~~الطائفتان جميعا في ذلك والصواب أن العدل وضع الأشياء في مواضعها التي تليق ~~بها وإنزالها منازلها كما أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه وقد تسمى سبحانه ~~بالحكم العدل والقدرية تنكر حقيقة اسم الحكم وترده إلى الحكم الشرعي الديني ~~وتزعم أنها تثبت ms489 حقيقة العدل والعدل عندهم إنكار القدر ومع هذا فينسبونه ~~إلى غاية الظلم فإنهم يقولون أنه يخلد في العذاب الأليم من أفنى عمره في ~~طاعته ثم فعل كبيرة ومات عليها فإن قيل فالقضاء بالجزاء عدل إذ هو عقوبة ~~على الذنب فيكون القضاء بالذنب عدلا على أصول أهل السنة وهذا السؤال لا ~~يلزم القدرية ولا الجبرية أما القدرية فعندهم أنه لم يقض المعصية وأما ~~الجبرية فعندهم أن كل مقدور عدل وإنما يلزمكم أنتم هذا السؤال قيل نعم كل ~~قضائه عدل في عبده فإنه وضع له في موضعه الذي لا يحسن في غيره فإنه وضع ~~العقوبة ووضع القضاء بسببها وموجبها في موضعه فإنه سبحانه كما يجازي ~~بالعقوبة فإنه يعاقب بنفس قضاء الذنب فيكون حكمه بالذنب عقوبة على ذنب سابق ~~فإن الذنوب تكسب بعضها بعضا وذلك الذنب السابق عقوبة على غفلته عن ربه ~~وإعراضه عنه وتلك الغفلة والإعراض هي في أصل الجبلة والنشأة فمن أراد أن ~~يكلمه أقبل بقلبه إليه وجذبه إليه وألهمه رشده وألقى فيه أسباب الخير ومن ~~لم يرد أن يكمله تركه وطبعه وخلى بينه وبين نفسه لأنه لا يصلح للتكميل وليس ~~محله أهلا ولا قابلا لما وضع فيه من الخير وها هنا انتهى علم العباد بالقدر ~~وأما كونه تعالى جعل هذا يصلح وأعطاه ما يصلح له وهذا لا يصلح فمنعه مالا ~~يصلح له فذاك موجب ربوبيته وإلهيته وعلمه وحكمته فإنه سبحانه خالق الأشياء ~~وأضدادها وهذا مقتضى كماله وظهور أسمائه وصفاته كما تقدم تقريره والمقصود ~~أنه أعدل العادلين في قضائه بالسبب وقضائه بالمسبب فما قضى في عبده بقضاء ~~إلا وهو واقع في محله الذي لا يليق به غيره إذ هو الحكم العدل الغني ~~الحميد. # فصل: وقوله أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا ~~من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك إن كانت الرواية محفوظة هكذا ~~ففيها إشكال فإنه جعل ما أنزله في كتابه أو علمه أحدا من خلقه أم استأثر به ~~في علم الغيب ms490 عنده قسيما لما سمى به نفسه ومعلوم أن هذا تقسيم وتفصيل لما ~~سمى به نفسه فوجه الكلام أن يقال سميت به نفسك فأنزلته في كتابك أو علمته ~~أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك فإن هذه الأقسام الثلاثة ~~تفصيل لما سمى به نفسه وجواب هذا الإشكال أن أو حرف عطف والمعطوف بها أخص ~~مما قبله فيكون من باب عطف الخاص على العام فإن ما سمى به نفسه يتناول جميع ~~الأنواع المذكورة بعده فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام ~~فإن قيل المعهود من عطف الخاص على العام أن يكون بالواو دون سائر حروف ~~العطف قيل المسوغ لذلك في الواو وهو تخصيص المعطوف بالذكر لمرتبته من بين ~~الجنس واختصاصه بخاصة غيره منه حتى كأنه غيره أو إرادتين لذكره مرتين باسمه ~~الخاص وباللفظ العام وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو أو بأو مع أن في ~~العطف بأو على العام فائدة أخرى وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع كما ~~بنى عليه تاما فيقال سميت به نفسك فإما أنزلته في كتابك وإما علمته أحدا من ~~خلقك وقد دل الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة بل # PageV01P276 # هو الذي تكلم بها وسمى بها نفسه ولهذا لم يقل بكل اسم خلقته لنفسك ولو ~~كانت مخلوقة لم يسأله بها فإن الله يقسم عليه بشيء من خلقه فالحديث صريح في ~~أن أسماءه ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم وأيضا فإن أسماءه مشتقة من صفاته ~~وصفاته قديمة به فأسماؤها غير مخلوقة فإن قيل فالاسم عندكم هو المسمى أو ~~غيره قيل طالما غلط الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه فالاسم يراد به المسمى ~~تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى فإذا قلت قال الله كذا واستوى الله ~~على عرشه وسمع الله ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه وإذا قلت الله ~~اسم عربي والرحمن اسم عربي والرحمان من أسماء الله والرحمان وزنه فعلان ~~والرحمن مشتق من الرحمة ونحو ذلك فالاسم ههنا للمسمى ولا ms491 يقال غيره لما في ~~لفظ الغير من الإجمال فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق وإن أريد ~~أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسما أو حتى سماه خلقه بأسماء ~~من صنعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد فقوله في الحديث: "سميت به نفسك" ~~ولم يقل خلقته لنفسك ولا قال سماك به خلقك دليل على أنه سبحانه تكلم بذلك ~~الاسم وسمى به نفسه كما سمى نفسه في كتبه التي تكلم بها حقيقة بأسمائه ~~وقوله أو استأثرت به في علم الغيب عندك دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة ~~وتسعين وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره ~~وعلى هذا فقوله أن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة لا ينفي أن ~~يكون له غيرها والكلام جملة واحدة أي له أسماء موصوفة بهذه الصفة كما يقال ~~لفلان مائة عبدا أعدهم للتجارة وله مائة فرس أعدها للجهاد وهذا قول الجمهور ~~وخالفهم ابن حزم فزعم أن أسماءه تنحصر في هذا العدد وقد دل الحديث على أن ~~التوسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته أحب إليه وأنفع للعبد من التوسل إليه ~~بمخلوقاته وكذلك سائر الأحاديث كما في حديث الاسم الأعظم: "اللهم أني أسألك ~~بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال ~~والإكرام يا حي يا قيوم" وفي الحديث الآخر: "أسألك بأني أشهد أنك أنت الله ~~الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد" وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق" ~~وكلها أحاديث صحاح رواها ابن حبان والإمام أحمد والحاكم وهذا تحقيق لقوله ~~تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} وقوله أن تجعل القرآن ربيع قلبي ~~ونور صدري يجمع أصلين الحياة والنور فإن الربيع هو المطر الذي يحيي الأرض ~~فينبت الربيع فيسأل الله بعبوديته وتوحيده وأسمائه وصفاته أن يجعل كتابه ~~الذي جعله روحا للعالمين ونورا وحياة لقلبه بمنزلة الماء الذي ms492 يحيي به ~~الأرض ونورا له بمنزلة الشمس التي تستنير بها الأرض والحياة والنور جماع ~~الخير كله قال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات} وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا} فأخبر أنه روح تحصل به الحياة ونور تحصل به الهداية فأتباعه لهم ~~الحياة والهداية ومخالفوه لهم الموت والضلال وقد ضرب سبحانه المثل لأوليائه ~~وأعدائه بهذين الأصلين في أول سورة البقرة وفي وسط سورة النور وفي سورة ~~الرعد وهما المثل المائي والمثل الناري وقوله وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إن ~~جلاء هذا يتضمن إزالة المؤذي الضار وذلك يتضمن تحصيل النافع السار فتضمن # PageV01P277 # الحديث طلب أصول الخير كله ودفع الشر وبالله التوفيق. # PageV01P278 ### | الباب الثامن والعشرون: في أحكام الرضا بالقضاء واختلاف الناس في ذلك وتحقيق القول فيه # هذا الباب من تمام الإيمان بالقضاء والقدر وقد تنازع الناس فيه هل هو ~~واجب أو مستحب على قولين وهما وجهان لأصحاب أحمد فمنهم من أوجبه واحتج على ~~وجوبه بأنه من لوازم الرضا بالله ربا وذلك واجب واحتج بأثر إسرائيلي من لم ~~يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ له ربا سواي ومنهم من قال هو مستحب ~~غير واجب فإن الإيجاب يستلزم دليلا شرعيا ولا دليل يدل على الوجوب وهذا ~~القول أرجح فإن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات وقد غلط ~~في هذا الأصل طائفتان أقبح غلط فقالت القدرية النفاة الرضا بالقضاء طاعة ~~وقربة والرضا بالمعاصي لا يجوز فليست بقضائه وقدره وقالت غلاة الجبرية ~~الذين طووا بساط الأمر والنهي المعاصي بقضاء الله وقدره والرضاء بالقضاء ~~قربة وطاعة فنحن نرضى بها ولا نسخطها واختلفت طرق أهل الإثبات في جواب ~~الطائفتين فأجابهم طائفة بأن لها وجهين وجها يرضى بها منه وهو إضافتها إلى ~~الله سبحانه خلقا ومشيئة ووجه يسخط منه وهو إضافتها إلى العبد فعلا ~~واكتسابا وهذا جواب جيد ms493 لو وفوا به فإن الكسب الذي أثبته كثير منهم لا ~~حقيقة له إذ هو عندهم مقارنة الفعل للإرادة والقدرة إيجاد به من غير أن ~~يكون لهما تأثير بوجه ما وقد تقدم الكلام في ذلك بما فيه كفاية وأجابهم ~~طائفة أخرى بأنا نرضى بالقضاء الذي هو فعل الرب ونسخط المقضي الذي هو فعل ~~العبد وهذا جواب جيد لو لم يعودوا عليه بالنقض وبالإبطال فإنهم قالوا الفعل ~~غير المفعول فالقضاء عندهم نفس المقضي فلو قال الأولون بأن للكسب تأثير في ~~إيجاد الفعل وأنه سبب لوجوده وقال الآخرون بأن الفعل غير المفعول لأصابوا ~~في الجواب وأجابتهم طائفة أخرى بأن من القضاء ما يؤمر بالرضا به ومنه ما ~~ينهى عن الرضا به فالقضاء الذي يحبه الله ويرضاه نرضى به والذي يبغضه ~~ويسخطه لا نرضى به وهذا كما أن من المخلوقات ما يبغضه ويسخطه وهو خالقه ~~كالأعيان المسخوطة له فهكذا الكلام في الأفعال والأقوال سواء وهذا جواب جيد ~~غير أنه يحتاج إلى تمام فنقول الحكم والقضاء نوعان ديني وكوني فالديني يجب ~~الرضا به وهو من لوازم الإسلام والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي ~~يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب ~~والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره ومنه ما يستحب الرضا به ~~كالمصائب وفي وجوبه قولان هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي وأما ~~القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابه وتقديره ومشيئته فالرضا به ~~من تمام الرضا بالله ربا وإلها ومالكا ومدبرا فبهذا التفصيل يتبين الصواب ~~ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس فإن قيل ~~فكيف يجتمع الرضا بالقضاء بالمصائب مع شدة الكراهة والنفرة منها وكيف يكلف ~~العبد أن يرضى بما هو مؤلم له وهو كاره له وإلا لم يقتض الكراهة والبغض ~~المضاد للرضا # PageV01P278 # واجتماع الضدين محال قيل الشيء قد يكون محبوبا مرضيا من جهة ومكروها من ~~جهة أخرى كشرب الدواء النافع الكريه فإن المريض يرضى به ms494 مع شدة كراهته له ~~وكصوم اليوم الشديد الحر فإن الصائم يرضى به مع شدة كراهته له وكالجهاد ~~للأعداء قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم} فالمجاهد المخلص يعلم أن القتال خير له فرضي به وهو يكرهه لما فيه ~~من التعرض لإتلاف النفس وألمها ومفارقة المحبوب ومتى قوي الرضا بالشيء ~~وتمكن انقلبت كراهته محبة وإن لم يخل من الألم فالألم بالشيء لا ينافي ~~الرضا به وكراهته من وجه لا ينافي محبته وإرادته والرضا به من وجه آخر فإن ~~قيل فهذا في حكم رضا العبد بقضاء الرب فهل يرضى سبحانه ما قضى به من الكفر ~~والفسوق والعصيان بوجه من الوجوه قيل هذا الموضع أشكل من الذي قبله قال ~~كثير من الأشعرية بل جمهورهم ومن اتبعهم أن الرضا والمحبة والإرادة في حق ~~الرب تعالى بمعنى واحد وأن كل ما شاءه وأراده فقد أحبه ورضيه ثم أوردوا على ~~أنفسهم هذا السؤال وأجابوا بأنه لا يمتنع أن يقال أنه يرضى بها ولكن لا على ~~وجه التخصيص بل يقال يرضى بكل ما خلقه وقضاه وقدره ولا نفرد من ذلك الأمور ~~المذمومة كما يقال هو رب كل شيء ولا يقال رب كذا وكذا للأشياء الحقيرة ~~الخسيسة وهذا تصريح منهم بأنه راض بها في نفس الأمر وإنما امتنع الإطلاق ~~أدبا واحتراما فقط فلما أورد عليهم قوله: {ولا يرضى لعباده الكفر} أجابوا ~~عنه بجوابين أحدهما ممن لم يقع منه وأما من وقع منه فهو يرضاه إذ هو ~~بمشيئته وإرادته والثاني لا يرضاه لهم دينا أي لا يشرعه لهم ولا يأمرهم به ~~ويرضاه منهم كونا وعلى قولهم فيكون معنى الآية ولا يرضى لعباده الكفر حيث ~~لم يوجد منهم فلو وجد منهم أحبه ورضيه وهذا في البطلان والفساد كما تراه ~~وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضى ما وجد من ذلك وإن وقع بمشيئته كما قال تعالى: ~~{وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} فهذا قول واقع بمشيئته وتقديره ~~وقد أخبر سبحانه ms495 أنه لا يرضاه وكذلك قوله سبحانه: {والله لا يحب الفساد} ~~فهو سبحانه لا يحبه كونا ولا دينا وإن وقع بتقديره كما لا يحب إبليس وجنوده ~~وفرعون وحزبه وهو ربهم وخالقهم فمن جعل المحبة والرضا بمعنى الإرادة ~~والمشيئة لزمه أن يكون الله سبحانه محبا لإبليس وجنوده وفرعون وهامان ~~وقارون وجميع الكفار وكفرهم والظلمة وفعلهم وهذا كما أنه خلاف القرآن ~~والسنة والإجماع المعلوم بالضرورة فهو خلاف ما عليه فطر العالمين التي لم ~~تغير بالتواطي والتواصي بالأقوال الباطلة وقد أخبر سبحانه أنه يمقت أفعالا ~~كثيرة ويكرهها ويبغضها ويسخطها فقال: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} وقال: {ذلك بأنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله} وقال: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} وقال: {ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم} ومحال حمل هذه الكراهة على غير الكراهة الدينية ~~الأمرية لأنه أمرهم بالجهاد وقال: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} فأخبر ~~أنه يكره ويبغض ويمقت ويسخط ويعادي ويذم ويلعن ومحال أنه يحب ذلك ويرضى به ~~وهو سبحانه يكره ويتقدس عن محبة ذلك وعن الرضا به بل لا يليق ذلك بعبده ~~فإنه نقص وعيب في المخلوق أن يحب الفساد والشر والظلم والبغي والكفر ويرضاه ~~فكيف يجوز نسبة ذلك إلى الله تبارك وتعالى وهذا الأصل من أعظم ما غلط فيه ~~كثير من مثبتي القدر وغلطهم فيه يوازن غلط النفاة في إنكار القدر أو هو ~~أقبح منه وبه وتسلط عليهم النفاة وتمادوا على قبح قولهم وأعظموا الشناعة # PageV01P279 # عليهم به فهؤلاء قالوا يحب الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي والفساد ~~وأولئك قالوا لا يدخل تحت مشيئته وقدرته وخلقه وأولئك قالوا لا يكون في ~~ملكه إلا ما يحبه ويرضاه وهؤلاء قالوا يكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا ~~يكون فسبحان الله وتعالى عما يقول الفريقان علوا كبيرا والحمد لله الذي ~~هدانا لما أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وفطر عليه عباده وبرأنا من بدع ~~هؤلاء وهؤلاء فله الحمد ms496 والمنة والفضل والنعمة والثناء الحسن ونسأله ~~التوفيق لما يحبه يرضاه وان يجنبنا مضلات البدع والفتن. # PageV01P280 ### | الباب التاسع والعشرون: في انقسام القضاء والحكم والإرادة والكتابة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث # والإرسال والتحريم والانتباه إلى كوني متعلق بخلقه وإلى ديني متعلق بأمره ~~وما يحقق ذلك من إزالة اللبس والإشكال. # هذا الباب متصل بالباب الذي قبله وكل منهما يقرر لصاحبه فما كان من كوني ~~فهو متعلق بربوبيته وخلقه وما كان من الديني فهو متعلق بإلهيته وشرعه وهو ~~كما أخبر عن نفسه سبحانه له الخلق والأمر فالخلق قضاؤه وقدره وفعله والأمر ~~شرعه ودينه فهو الذي خلق وشرع وأمر وأحكامه جارية على خلقه قدرا وشرعا ولا ~~خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري وأما حكمه الديني الشرعي فيعصيه الفجار ~~والفساق والأمران غير متلازمين فقد يقضي ويقدر ما لا يأمر به ولا شرعه وقد ~~يشرع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عبادة ~~وإيمانهم وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر وينفرد ~~القضاء الديني والحكم الشرعي في ما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور وينفرد ~~الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي إذا عرف ذلك فالقضاء في كتاب الله نوعان ~~كوني قدري كقوله: {فلما قضينا عليه الموت} وقوله: {وقضي بينهم بالحق} وشرعي ~~ديني كقوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} أي أمر وشرع ولو كان قضاء ~~كونيا لما عبد غير الله والحكم أيضا نوعان فالكوني كقوله: {قال رب احكم ~~بالحق} أي افعل ما تنصر به عبادك وتخذل به أعداءك والديني كقوله: {ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم} وقوله: {إن الله يحكم ما يريد} وقد يرد بالمعنيين معا ~~كقوله: {ولا يشرك في حكمه أحدا} فهذا يتناول حكمه الكوني وحكمه الشرعي ~~والإرادة أيضا نوعان فالكونية كقوله تعالى: {فعال لما يريد} وقوله: {وإذا ~~أردنا أن نهلك قرية} وقوله: {إن كان الله يريد أن يغويكم} وقوله: {ونريد أن ~~نمن على الذين استضعفوا في الأرض} والدينية كقوله: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر} وقوله: {والله ms497 يريد أن يتوب عليكم} فلو كانت هذه ~~الإرادة كونية لما حصل العسر لأحد منا ولو وقعت التوبة من جميع المكلفين ~~وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر والإرادة هل هما متلازمان أم ~~لا فقالت القدرية الأمر يستلزم الإرادة واحتجوا بحجج لا تندفع وقالت ~~المثبتة الأمر لا يستلزم الإرادة واحتجوا بحجج لا تندفع والصواب أن الأمر ~~يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية فإنه لا يأمر إلا بما ~~يريده شرعا ودينا وقد يأمر بما لا يريده كونا وقدرا كإيمان # PageV01P280 # من أمره ولم يوفقه للإيمان مراد له دينا لا كونا وكذلك أمر خليله بذبح ~~ابنه ولم يرده كونا وقدرا وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كونا وقدرا ~~وبين هذين الأمرين وأمر من لم يؤمن بالإيمان فرق فإنه سبحانه لم يحب من ~~إبراهيم ذبح ولده وإنما أحب منه عزمه على الامتثال وأن يوطن نفسه عليه ~~وكذلك أمره محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة وأما أمر من ~~علم أنه لا يؤمن بالإيمان فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله ~~ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره ووفقه له وخذل بعضهم فلم ~~يعنه ولم يوفقه فلم تحصل مصلحة الأمر منهم وحصلت من الأمر بالذبح. # فصل: وأما الكتابة فالكونية كقوله: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} وقوله: ~~{ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} وقوله: ~~{كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} والشرعية ~~الأمرية كقوله: {كتب عليكم الصيام} وقوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} إلى قوله: ~~{كتاب الله عليكم} وقوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} فالأولى ~~كتابة بمعنى القدر والثانية كتابة بمعنى الأمر. # فصل: والأمر الكوني كقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون} وقوله: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} وقوله: {وكان أمر الله ~~مفعولا} وقوله: {وكان أمرا مقضيا} وقوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها} فهذا أمر تقدير كوني لا أمر ديني ms498 شرعي فإن الله لا ~~يأمر بالفحشاء والمعنى قضينا ذلك وقدرناه وقالت طائفة بل هو أمر ديني ~~والمعنى أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا والقول الأول أرجح لوجوده، أحدها ~~أن الإضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا إذا لم يكن تصحيح الكلام ~~بدونه، الثاني أن ذلك يستلزم إضمارين أحدهما أمرناهم بطاعتنا الثاني ~~فخالفونا أو عصونا ونحو ذلك، الثالث أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو ~~المأمور به نفسه كقولك أمرته ففعل وأمرته فقام وأمرته فركب لا يفهم المخاطب ~~غير هذا، الرابع أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور ومن المعلوم ~~أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك بل هو سبب للنجاة ~~والفوز فإن قيل أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك قيل هذا يبطل بالوجه ~~الخامس وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين بل هو سبحانه يأمر بطاعته ~~واتباع رسله المترفين وغيرهم فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين يوضحه، ~~الوجه السادس أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم ومعلوم ~~أنه لا يحسن أن يقال أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها فإن الإرسال لو ~~كان إلى المترفين لقال من عداهم نحن لم يرسل إلينا، السابع أن إرادة الله ~~سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم وإلا فقبل ~~ذلك هو لا يريد إهلاكهم لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم قال ~~تعالى: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} فإذا أرسل الرسل ~~فكذبوهم أراد إهلاكها فأمر رؤسائها ومترفيها أمرا كونيا قدريا لا شرعيا ~~دينيا بالفسق في القرية فاجتمع أهلها على تكذيبهم وفسق رؤسائهم فحينئذ ~~جاءها أمر الله وحق عليها قوله بالإهلاك والمقصود ذكر الأمر الكوني والديني ~~ومن الديني قوله: {إن الله يأمر بالعدل والأحسان} وقوله: {ن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وهو كثير # PageV01P281 # فصل: وأما الإذن الكوني فكقوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله} أي بمشيئته وقدره وأما الديني فكقوله: {ما قطعتم ms499 من لينة أو تركتموها ~~قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} أي بأمره ورضاه وقوله: {قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون} وقوله: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن ~~به الله} . # فصل: وأما الجعل الكوني فكقوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى ~~الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} وقوله: {ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون} وقوله: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} وهو ~~كثير وأما الجعل الديني فكقوله: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ~~ولا حام} أي ما شرع ذلك ولا أمر به وإلا فهو مخلوق له واقع بقدره ومشيئته ~~وأما قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} فهذا يتناول ~~الجعلين فإنها جعلها كذلك بقدره وشرعه وليس هذا استعمالا للمشترك في معنييه ~~بل إطلاق اللفظ وإرادة القدر المشترك بين معنييه فتأمله. # فصل: وأما الكلمات الكونية فكقوله: {كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون} وقوله: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين} وقوله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا ~~يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق" فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ~~ويكون ولو كانت الكلمات الدينية هي التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهن ~~الفجار والكفار وأما الديني فكقوله: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله} والمراد به القرآن وقوله صلى الله عليه وسلم في النساء ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله أي بإباحته ودينه وقوله: {فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء} وقد اجتمع النوعان في قوله: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} فكتبه ~~كلماته التي يأمر بها وينهى ويحل ويحرم وكلماته التي يخلق بها ويكون فأخبر ~~أنها ليست جهمية تنكر كلمات دينه وكلمات تكوينه وتجعلها خلقا من جملة ~~مخلوقاته. # فصل: وأما البعث الكوني فكقوله: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي ms500 بأس شديد} وقوله: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض} وأما البعث ~~الديني فكقوله: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} وقوله: {كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} . # فصل: وأما الإرسال الكوني فكقوله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم أزا} وقوله: {وهو الذي أرسل الرياح} وأما الديني فكقوله: ~~{هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} وقوله: {إنا أرسلنا إليكم رسولا ~~شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} . # فصل: وأما التحريم الكوني فكقوله: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} وقوله: ~~{قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة} وقوله: {وحرام على قرية أهلكناها أنهم ~~لا يرجعون} وأما التحريم الديني فكقوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} و {حرمت ~~عليكم الميتة} : {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} : {وأحل الله البيع ~~وحرم الربا} . # فصل: وأما الإيتاء الكوني فكقوله: {والله يؤتي ملكه من يشاء} وقوله: {قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} وقوله: {وآتيناهم ملكا عظيما} وأما ~~الإيتاء الديني فكقوله: {وما آتاكم # PageV01P282 # الرسول فخذوه} وقوله: {خذوا ما آتيناكم بقوة} وأما قوله: {يؤتي الحكمة من ~~يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} فهذا يتناول النوعين فإنه يؤتيها ~~من يشاء أمرا ودينا وتوفيقا وإلهاما. # فصل: وأنبياؤه ورسله وأتباعهم حظهم من هذه الأمور الديني منها وأعداؤه ~~واقفون مع القدر الكوني فحيث ما مال القدر مالوا معه فدينهم دين القدر ودين ~~الرسل وأتباعهم دين الأمر فهم يدينون بأمره ويؤمنون بقدره وخصماء الله ~~يعصون أمره ويحتجون بقدره لا يقولون نحن واقفون مع مراد الله نعم مع مراده ~~الديني أو الكوني ولا ينفعكم وقوفكم مع المراد الكوني ولا يكون ذلكم عذرا ~~لكم عنده إذ لو عذر بذلك لم يذم أحدا من خلقه ولم يعاقبه ولم يكن في خلقه ~~عاص ولا كافر ومن زعم ذلك فقد كفر بالله وكتبه كلها وجميع رسله وبالله ~~التوفيق. # PageV01P283 ### | الباب الموفي ثلاثين: في ذكر الفطرة الأولى ومعناها واختلاف الناس في المراد بها وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال. # قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا ms501 فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} وفي الصحيحين من حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من ~~جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها" ثم قرأ أبو هريرة: {فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله} وفي لفظ آخر: "ما من مولود إلا يولد على ~~هذه الملة" وقد اختلف في معنى هذه الفطرة والمراد بها فقال القاضي أبو يعلي ~~في معنى الفطرة: "ها هنا روايتان عن أحمد أحدهما الإقرار بمعرفة الله تعالى ~~وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في أصلاب آبائهم حتى مسح ظهر آدم فأخرج من ~~ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا وإن سماه بغير اسمه قال تعالى: ~~{ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول" ~~قال وليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين أحدهما أن معنى الفطرة ابتداء الخلقة ~~ومنه قوله تعالى: {فاطر السماوات والأرض} أي مبتدئها وإذ كانت الفطرة هي ~~الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة وجرت في فطرة المعقول ~~وهو استخراجهم ذرية لأن تلك حالة ابتدائهم ولأنها لو كانت الفطرة هنا ~~الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين أن لا يرثهما ولا يرثانه ما دام ~~طفلا لأنه مسلم واختلاف الدين يمنع الإرث ولوجب أن لا يصح استرقاقه ولا ~~يحكم بإسلامه بإسلام أبيه لأنه مسلم" قال وهذا تأويل ابن قتيبة وذكره ابن ~~بطة في الإبانة قال وليس كل من تثبت له المعرفة حكم بإسلامه كالبالغين من ~~الكفار فإن المعرفة حاصلة وليسوا بمسلمين قال وقد أومأ أحمد إلى هذا ~~التأويل وفي رواية الميموني # PageV01P283 # فقال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها فقال له الميموني الفطرة ms502 الدين ~~قال نعم قال القاضي وأراد أحمد بالدين المعرفة التي ذكرناها" قال والرواية ~~الثانية: "الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه لأن حمله على العهد الذي أخذه ~~عليهم وهو الإقرار بمعرفته حمل للفطرة على الإسلام لأن الإقرار بالمعرفة ~~إقرار بالإيمان والمؤمن مسلم ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين ~~أبوين كافرين أن لا يرثانه ولا يرثهما قال ولأن ذلك يمنع أن يكون الكفر ~~خلقا لله وأصول أهل السنة بخلافه قال وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية على ~~بن سعيد وقد سأله عن قوله كل مولود يولد على الفطرة فقال على الشقاوة ~~والسعادة ولذلك نقل محمد بن يحيى الكحال أنه سأله فقال هي التي فطر الناس ~~عليها شقي أو سعيد وكذلك نقل جبيل عنه قال الفطرة التي فطر الله عليها ~~العباد من الشقاوة والسعادة قال وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد ~~بالفطرة ها هنا ابتداء خلقه في بطن أمه" قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية ~~أحمد: "لم يذكر العهد الأول وإنما قال الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها ~~وهي الدين وقال في غير موضع أن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما حكم بإسلامه ~~واستدل بهذا الحديث فدل على أنه فسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما ~~جاء ذلك مصرحا به في الحديث ولو لم تكن الفطرة عنده الإسلام لما صح ~~استدلاله بالحديث" وقوله في موضع آخر: "يولد على ما فطر عليه من شقاوة ~~وسعادة لا ينافي ذلك فإن الله سبحانه قدر السعادة والشقاوة وكتبهما وقدر ~~أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين فتهويد الأبوين وتنصيرهما ~~وتمجيسهما هو مما قدره الله أنه يفعل بالمولود والمولود ولد على الفطرة ~~سليما وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر سبحانه ذلك ~~وكتبه كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله كما ينتج البهيمة جمعاء ~~هل تحسون فيها من جدعاء فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الإنسان وذلك ~~بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على ms503 الفطرة سليما ثم يفسده أبواه وذلك ~~أيضا بقضاء الله وقدره وإنما قال أحمد وغيره من الأئمة على ما فطر عليه من ~~شقاوة أو سعادة لأن القدرية يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس ~~بقضاء الله وقدره بل مما ابتدأ الناس إحداثه ولهذا قالوا لمالك بن أنس أن ~~القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال احتجوا عليهم بآخره وهو قول الله ~~أعلم بما كانوا عاملين فبين الإمام أحمد وغيره أنه لا حجة فيه للقدرية ~~فإنهم لا يقولون أن نفس الأبوين خلقا تهويده وتنصيره بل هو تهود وتنصر ~~باختياره ولكن كانا سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين فإذا أضيف إليهما ~~هذا الاعتبار فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى لأنه ~~سبحانه وإن كان خلقه مولودا على الفطرة سليما فقد قدر عليه ما سيكون بعد ~~ذلك من تغييره وعلم ذلك كما في الحديث الصحيح "أن الغلام الذي قتله الخضر ~~طبع يوم طبع كافرا ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا" فقوله طبع يوم طبع أي ~~قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر لا أن كفره كان موجودا قبل أن يولد ولا في حال ~~ولادته فإنه مولود على الفطرة السليمة وعلى أنه بعد ذلك يتغير ويكفر من ظن ~~أن الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب الكفار فهو غالط فإن ذلك لا ~~يقال فيه طبع يوم طبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره وقد ثبت في ~~صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه ~~تبارك وتعالى أنه قال: "خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين وحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" وهذا # PageV01P284 # صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك وكذلك في ~~حديث الأسود بن سريع الذي رواه احمد وغيره قال بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ms504 ~~"ما حملكم على قتل الذرية قالوا يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين قال ~~أوليس خياركم أولاد المشركين ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال ~~ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه" فخطبته لهم بهذا ~~الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين وقوله لهم أو ليس خياركم أولاد ~~المشركين نص أنه أراد بهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك ولو أراد أن ~~المولود حين يولد يكون إما مسلما وإما كافرا على ما سبق له به القدر لم يكن ~~فيما ذكر حجة على ما قصد من نهيه عن قتل أولاد المشركين وقد ظن بعضهم أن ~~معنى قوله أو ليس خياركم أولاد المشركين أنه قد يكون في علم الله أنهم لو ~~بقوا لآمنوا فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز وليس هذا معنى ~~الحديث لكن معناه أن خياركم هم السابقون الأولون وهؤلاء من أولاد المشركين ~~فإن آباءهم كانوا كفارا ثم أن البنين أسلموا بعد ذلك فلا يضر الطفل أن يكون ~~من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه ~~وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن كما يخرج الحي من ~~الميت ويخرج الميت من الحي. # فصل: وهذا الحديث قد روي بألفاظ تفسر بعضها بعضا ففي الصحيحين واللفظ ~~للبخاري عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما ينتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة ~~اقرؤوا: {فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم} قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال الله أعلم بما كانوا ~~عاملين" وفي الصحيح قال الزهري: "نصلي على مولود يتوفى وإن كان من أجل أنه ~~ولد على فطرة الإسلام إذا استهل صارخا ولا نصلي على من لم يستهل من ms505 أجل أنه ~~سقط" فإن أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ~~مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج ~~البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة: {فطرت الله التي ~~فطر الناس عليها} " وفي الصحيحين من رواية الأعمش: "ما من مولود إلا وهو ~~على الملة" وفي رواية ابن معاوية عنه: "إلا على هذه الملة" حتى يعرب عنه ~~لسانه فهذا صريح بأنه يولد على ملة الإسلام كما فسره ابن شهاب راوي الحديث ~~واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك قال ابن عبد البر وقد سئل ابن شهاب ~~عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزي أن يعتقه وهو رضيع قال نعم لأنه ولد على ~~الفطرة وقال أبو عمر وقد ذكر النزاع في تفسير الحديث وقال آخرون الفطرة ها ~~هنا الإسلام قالوا وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل قد أجمعوا في ~~تأويل قول الله عز وجل: {فطرت الله التي فطر الناس عليها} قالوا فطرة الله ~~دين الله الإسلام واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث اقرؤا إن شئتم فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك ~~وقتادة في قوله عز وجل: {فطرت الله التي فطر الناس عليها} قالوا: "فطرة ~~الله دين الله الإسلام لا تبديل لخلق الله قالوا لدين الله" واحتجوا بحديث ~~محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن عابد ~~الأزدي عن عياض بن حماد المجاشعي أن رسول الله # PageV01P285 # صلى الله عليه وسلم قال: "للناس يوما ألا أحدثكم بما حدثني الله في ~~الكتاب أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالا لا حرام ~~فيها فجعلوا ما أعطاهم الله حراما وحلالا" الحديث قال وكذلك روى بكر بن ~~مهاجر عن ثور بن يزيد بإسناده مثله في هذا الحديث حنفاء مسلمين قال أبو عمر ~~روى هذا الحديث قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عياض ولم يسمعه ms506 قتادة من مطرف ~~ولكن قال حدثني ثلاثة عقبة بن عبد الغافر ويزيد بن عبد الله بن الشخير ~~والعلاء بن زياد كلهم يقول حدثني مطرف عن عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال فيه: "وأنى خلقت عبادي حنفاء كلهم" لم يقل مسلمين وكذلك رواه الحسن عن ~~مطرف ورواه ابن إسحاق عمن لا يتهم عن قتادة بإسناده قال فيه: "وأنى خلقت ~~عبادي حنفاء كلهم" ولم يقل مسلمين قال فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق ~~وإتقانه وضبطه لأنه ذكر مسلمين في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث ~~وأسقطه من رواية قتادة وقصر فيه عن قوله مسلمين وزاده ثور بإسناده فالله ~~أعلم قال والحنيف في كلام العرب المستقيم المخلص ولا استقامة أكثر من ~~الإسلام قال وقد روي عن الحسن الحنيفية: "حج البيت" وهذا يدل أنه أراد ~~الإسلام وكذلك روى عن الضحاك والسدي قال: "حنفاء حجاجا" وعن مجاهد: "حنفاء ~~متبعين" قال وهذا كله يدل على أن الحنيفية الإسلام قال وقال أكثر العلماء ~~الحنيف المخلص وقال الله عز وجل: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن ~~كان حنيفا مسلما} وقال تعالى: {ملة إبراهيم حنيفا} وقال: {ملة أبيكم ~~إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} وقال الشاعر وهو الراعي: # أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا # عرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلا تنزيلا # قال فهذا وصف الحنيفية بالإسلام وهو أمر واضح لا خفاء به قال ومما احتج ~~به من ذهب في هذا الحديث إلى أن الفطرة في هذا الحديث الإسلام قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "خمس من الفطرة" ويروى "عشر من الفطرة" قال شيخنا: ~~"والدلائل على ذلك كثيرة ولو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام لما سألوا عقيب ~~ذلك أرأيت من يموت من أطفال المشركين لأنه لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة ~~لما سألوه والعلم القديم وما يجرى مجراه لا يتغير" وقوله فأبواه يهودانه ~~بين فيه أنهم يغيرون الفطرة التي فطر عليها وأيضا فإنه شبه ذلك بالبهيمة ~~التي تولد مجتمعة الخلق لا ms507 نقص فيها ثم تجدع بعد ذلك فعلم أن التغير وأرد ~~على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها وأيضا فان الحديث مطابق للقرآن ~~كقوله: {فطرت الله التي فطر الناس عليها} وهذا يعم جميع الناس فعلم أن الله ~~سبحانه فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة وأيضا فإنه أضاف الفطرة إليه ~~إضافة مدح لا إضافة ذم فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة كدين الله وبيته ~~وناقته وأيضا فإنه قال فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها وأيضا فإن هذا تفسير السلف قال ابن جرير: "يقول فسدد وجهك نحو الوجه ~~الذي وجهك الله يا محمد بطاعته وهي الدين حنيفا" يقول مستقيما لدينه وطاعته ~~فطرة الله يقول صنعة الله خلق الناس عليها ونصب فطرة على المصدر معنى قوله ~~فأقم وجهك للدين حنيفا لأن المعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة قال وبنحو ~~الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ثم روى عن ابن زيد قال: "فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها قال الإسلام منذ خلقهم الله من آدم جميعا يقرون بذلك" وعن ~~مجاهد: "فطرة الله قال # PageV01P286 # الدين الإسلام" ثم روى عن يزيد بن أبي مريم قال عمر لمعاذ بن جبل فقال ما ~~قوام هذه الأمة قال معاذ ثلاث وهن المنجيات الإخلاص وهو الفطرة فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها والصلاة وهي الملة والطاعة وهي العصمة فقال عمر صدقت ~~وقوله لا تبديل لخلق الله يقول لا تغيير لدين الله أي لا يصلح ذلك ولا ~~ينبغي أن يفعل قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: "لا تبديل لخلق الله أي لدين ~~الله" ثم ذكر أن مجاهدا أرسل إلى عكرمة يسأله عن قوله لا تبديل لخلق الله ~~قال: "هو الخصا" فقال مجاهد: "أخطأ لا تبديل لخلق الله إنما هو الدين" ثم ~~قال: "لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم" وروى عن عكرمة: "لا تبديل الخلق ~~الله قال لدين الله" هو قول سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وابن زيد ~~وعن ابن عباس وعكرمة ومجاهد: "هو الخصا" ms508 ولا منافاة بين القولين كما قال ~~تعالى: {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} فتغيير ~~ما فطر الله عباده من الدين تغيير لخلقه والخصا وقطع آذان الأنعام تغيير ~~لخلقه أيضا ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما بالآخر فأولئك ~~يغيرون الشريعة وهؤلاء يغيرون الخلقة فذلك يغير ما خلقت عليه نفسه وروحه ~~وهذا يغير ما خلق عليه بدنه. # فصل: ولما صار القدرية يحتجون بهذا الحديث على قولهم صار الناس يتأولونه ~~على تأويلات يخرجونه بها عن مقتضاه فقالت القدرية كل مولود يولد على ~~الإسلام والله سبحانه لا يضل أحدا وإنما أبواه يضلانه قال لهم أهل السنة ~~أنتم لا تقولون بأول الحديث ولا بآخره أما أوله فإنه لم يولد أحد عندكم على ~~الإسلام أصلا ولا جعل الله أحدا مسلما ولا كافرا عندكم وهذا أحدث لنفسه ~~الكفر وهذا أحدث لنفسه الإسلام والله لم يخلق واحدا منهما ولكن دعاهما إلى ~~الإسلام وأزاح عللهما وأعطاهما قدرة مماثلة فهما يصلح للضدين ولم يخص ~~المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان فإن ذلك عندكم غير مقدور له ولو كان مقدورا ~~لكان منع الكافر منه ظلما هذا قول عامة القدرية وإن كان أبو الحسين يقول ~~أنه خص المؤمن بداعي الإيمان ويقول عند الداعي والقدرة يجب وجود الإيمان ~~وهذا في الحقيقة موافق لقول أهل السنة قالوا فأنتم قلتم إن معرفة الله لا ~~تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل ويستحيل أن تكون المعرفة عندكم ضرورة أو ~~تكون من فعل الله وأما كونكم لا تقولون بآخره فهو أنه ينسب فيه التهويد ~~والتنصير إلى الأبوين وعندكم أن المولود هو الذي أحدث لنفسه التهويد ~~والتنصير دون الأبوين والأبوان لا قدرة لهما على ذلك البتة وأيضا فقوله ~~الله أعلم بما كانوا عاملين دليل على أن الله يعلم ما يصيرون إليه بعد ~~ولادتهم على الفطرة هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين أو يغيرون فيصيرون كفارا ~~فهو دليل على تقدم العلم الذي ينكره غلاة القدرية واتفق السلف على تكفيرهم ~~بإنكاره فالذي استدللتم به من الحديث على قولكم الباطل وهو ms509 قوله فأبواه ~~يهودانه وينصرانه لا حجة لكم بل هو حجة عليكم فغير الله لا يقدر على جعل ~~الهدى أو الضلال في قلب أحد بل المراد بالحديث دعوة الأبوين إلى ذلك ~~وتربيتهما له وتربيتهما على ذلك مما يفعله المعلم والمربي وخص الأبوين ~~بالذكر على الغالب أنه جعل أبوان وإلا فقد يقع من أحدهما أو من غيرهما. # فصل: قال أبو عمر بن عبد البر اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا ~~الحديث اختلافا كثيرا وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا والآخرة ~~فسئل عنه ابن المبارك فقال: "تفسيره آخر # PageV01P287 # الحديث وهو قوله الله أعلم بما كانوا عاملين" هكذا ذكر أبو عبيد عن ابن ~~المبارك لم يزد شيئا وذكر أنه سأل محمد بن الحسن عن تأويل هذا الحديث فقال: ~~"كان هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد" ~~هذا ما ذكره أبو عبيده قال أبو عمر أما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن ~~مالك نحو ذلك وليس فيه مقنع من التأويل ولا شرح موعب في أمر الأطفال ولكنها ~~تؤدي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفر وإيمان أو جنة ونار ما لم يبلغوا العمل ~~قال وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمدا حاد عن الجواب فيه إما ~~لإشكاله وإما لجهله به أو لما شاء الله وأما قوله أن ذلك كان من النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد فلا أدري ما هذا فإن كان أراد أن ~~ذلك منسوخ فغير جائز عند العلماء دخول النسخ في أخبار الله ورسوله إذ ~~المخبر بشيء كان أو يكون إذا رجع عن ذلك لم يخل رجوعه من تكذيبه لنفسه أو ~~غلطه فيما أخبر به أو نسيانه وقد جل الله عن ذلك وعصم رسوله منه وهذا لا ~~يجهله ولا يخالف فيه أحد وقول محمد بن الحسن أن هذا كان قبل أن يؤمر الناس ~~بالجهاد ليس كما قال أن في حديث الأسود الدؤلي بن سريع ما يتبين أن ذلك ms510 كان ~~منه بعد الأمر بالجهاد ثم روى بإسناده عن الحسن عن الأسود بن سريع قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا ~~الولدان فقال رجل أو ليس إنما هم أولاد المشركين فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو ليس خياركم أولاد المشركين إنه ليس من مولود يولد إلا على ~~الفطرة حتى يعبر عنه لسانه ويهوده أبواه أو ينصرانه" قال وروى هذا الحديث ~~عن الحسن جماعة منهم أبو بكر المزني والعلاء بن زياد والمسري بن يحيى وقد ~~روى عن الأحنف عن الأسود بن سريع قال وهو حديث بصري صحيح قال وروى عوف ~~الأعرابي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد ~~على الفطرة فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين قال وأولاد ~~المشركين" قال شيخنا: "أما ما ذكره أبو عمر عن مالك وابن المبارك فيمكن أن ~~يقال أن المقصود أن آخر الحديث يبين أن الأول قد سبق في علم الله يعملون ~~إذا بلغوا أو أن منهم من يؤمن فيدخل الجنة ومنهم من يكفر فيدخل النار" فلا ~~يحتج بقوله كل مولود يولد على الفطرة على نفي القدر كما احتجت القدرية به ~~وعلى أن أطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا على الفطرة فيكون مقصود ~~مالك وابن المبارك أن حكم الأطفال على ما في آخر الحديث وأما قول محمد فإنه ~~رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني يتبع أبويه في الدين ~~في أحكام الدنيا فيحكم له بحكم الكفر في أنه لا يصلى عليه ولا يدفن في ~~مقابر المسلمين ولا يرثه المسلمون ويجوز استرقاقهم فلم يجز لأحد أن يحتج ~~بهذا الحديث على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ~~ألسنتهم وهذا حق ولكن ظن أن الحديث اقتضى الحكم لهم في الدنيا بأحكام ~~المؤمنين فقال هذا منسوخ كان قبل الجهاد لأنه بالجهاد أبيح استرقاق النساء ~~والأطفال والمؤمن لا يسترق ولكن كون الطفل يتبع أباه في ms511 الدين في الأحكام ~~الدنيوية أمر ما زال مشروعا وما زال الأطفال تبعا لأبويهم في الأمور ~~الدنيوية والحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام وإنما قصد بيان ما ولد عليه ~~الأطفال من الفطرة. # فصل: ومما ينبغي أن يعلم أنه إذا قيل أنه ولد على الفطرة أو على الإسلام ~~أو على هذه # PageV01P288 # الملة أو خلق حنيفا فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا ~~الدين ويريده فإنه الله يقول: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا} ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقروبه ومحبته فنفس الفطرة ~~تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له وموجبات الفطرة ومقتضياتها ~~تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض وليس المراد أيضا ~~مجرد قبول الفطرة لذلك فإن هذا القبول تغير بتهويد الأبوين وتنصيرهما بحيث ~~يخرجان الفطرة عن قبولها وإن سعيا بين بنيهما ودعائهما في امتناع حصول ~~المقبول أيضا ليس هو الإسلام وليس هو هذه الملة وليس هو الحنيفية وأيضا ~~فإنه شبه تغيير الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء ومعلوم أنهم لم يغيروا قبوله ~~ولو تغير القبول وزال لم تقم عليه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب بل ~~المراد أن كل مولود فإنه يولد على محبته لفاطره وإقراره له بربوبيته ~~وادعائه له بالعبودية فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره كما ~~أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة فيشتهي اللبن الذي ~~يناسبه ويغذيه وهذا من قوله تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى} وقوله: {الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى} فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديا ~~إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئا فشيئا ~~بحسب حاجته ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة ~~السليمة والعادة الصحيحة فهكذا ما ولد عليه من الفطرة ولهذا شبهت الفطرة ~~باللبن بل كانت إياه في التأويل للرؤيا ولما عرض على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليلة الإسراء اللبن والخمر ms512 أخذ اللبن فقيل له أخذت الفطرة ولو أخذت ~~الخمر لغوت أمتك فمناسبة اللبن لبدنه وصلاحه عليه دون غيره لمناسبة الفطرة ~~لقلبه وصلاحه بها دون غيرها. # فصل: قال ابن عبد البر وقالت طائفة المراد بالفطرة في هذا الحديث الخلقة ~~التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال كل مولود يولد على خلقة ~~يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة يريد أنه خلق خلقة مخالفة لخلقة البهائم ~~التي لا تصل بخلقها إلى معرفة ربها قالوا والفاطر هو الخالق وأنكرت أن يكون ~~المولود يفطر على إيمان أو كفر قال شيخنا: "صاحب هذا القول أن أراد بالفطرة ~~التمكن من المعرفة والقدرة عليها فهذا ضعيف فإن مجرد القدرة على ذلك لا ~~يقتضي أن يكون حنيفا ولا أن يكون على الملة ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه ~~لفطرته" حين يسأل عمن مات صغيرا ولأن القدرة في الكبير أكمل منها في الصغير ~~وهو لما نهاهم عن قتل الصبيان فقالوا أنهم أولاد المشركين قال أو ليس ~~خياركم أولاد المشركين ما من مولود إلا ويولد على الفطرة ولو أريد القدرة ~~لكان البالغون كذلك مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل وإن أراد بالفطرة ~~القدرة على المعرفة مع إرادتها فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم ~~وجود المراد المقدور فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها ~~وذلك مستلزم للإيمان. # فصل: قال أبو عمر وقال آخرون معنى قوله يولد على الفطرة يعني البداءة ~~التي ابتدأهم عليها يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقته من أنه ~~ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من ~~قبولهم غير إيمانهم واعتقادهم قالوا والفطرة في كلام العرب البداءة وألفاظ ~~المبتدئ وكأنه قال يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة وغير ~~ذلك مما يصير إليه # PageV01P289 # وقد فطر عليه واحتجوا بقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا ~~حق عليهم الضلالة} وروى بإسناده إلى ابن عباس قال: "لم أدر ما فاطر ~~السماوات والأرض حتى أتانا أعرابيان يختصمان في بئر فقال ms513 أحدهما أنا فطرتها ~~أي ابتدأتها وذكر دعاء على اللهم جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها" ~~قال شيخنا: "حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله ~~أنه صائر إليه" ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة فجميع البهائم ~~مولودة على ما سبق في علم الله لها والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله ~~وحينئذ فيكون كل مخلوق قد خلق على الفطرة وأيضا فلو كان المراد ذلك لم يكن ~~لقوله فأبواه يهودانه معنى فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها ~~وعلى هذا القول فلا فرق بين التهويد والتنصير وبين تلقي الإسلام وتعليمه ~~وبين تعلم سائر الحرف والصنائع فإن ذلك كله واحد فيما سبق به العلم وأيضا ~~فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت تبين أن أبويه غيرا ما ولد ~~عليه وأيضا فقوله على هذه الملة وقوله أني خلقت عبادي حنفاء مخالف لهذا ~~وأيضا فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان فإنه من حين كان جنينا ~~إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله فتخصيص الولادة ~~بكونها على مقتضى القدر تخصيص بلا مخصص وقد ثبت في الصحيح: "أنه قيل حين ~~نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" فلو قيل كل مولود ينفخ ~~فيه الروح على الفطرة لكان أشبه بهذا المعنى مع أن النفخ هو بعد الكتابة. # فصل: قال أبو عمر قال محمد بن نصر المروزي: "وهذا المذهب شبيه بما حكاه ~~أبو عبيد عن ابن المبارك أنه سئل عن هذا الحديث فقال يفسره قوله الله أعلم ~~بما كانوا عاملين قال المروزي وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هنا القول ثم ~~تركه" قال أبو عمر وما رسمه مالك في موطأه وذكر في أبواب القدر فيه من ~~الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا قال شيخنا أئمة ألسنة مقصودهم ~~أن الخلق صائرون إلى ما سبق في علم الله فيهم من إيمان وكفر كما في ms514 الحديث ~~الآخر أن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا والطبع الكتاب أي كتب ~~كافرا كما في الحديث الصحيح فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد وليس إذا ~~كان الله كتبه كافرا يقتضي أنه حين الولادة كافر بل يقتضي انه لا بد ان ~~يكفر وذلك الكفر هو التغيير كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء وقد سبق في ~~علمه أنها تجدع كتب أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة ولا يجب أن تكون ~~عند الولادة مجدوعة. # فصل: وكلام أحمد في أجوبة له أخرى يدل على أن الفطرة عنده الإسلام كما ~~ذكر محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه فإنه كان يقول: "أن صبيان أهل الحرب إذا ~~سبوا بدون الأبوين كانوا مسلمين وإن كانوا معهما فهم على دينهما فإن سبوا ~~مع أحدهما ففيه عنه روايتان" وكان يحتج بالحديث قال الخلال في الجامع ~~أنبأنا أبو بكر المروزي أنبأنا عبد الله قال سبي أهل الحرب أنهم مسلمون إذا ~~كانوا صغارا وإن كانوا مع أحد الأبوين وكان يحتج بقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "فأبواه يهودانه وينصرانه" قال وأما أهل الثغر فيقولون إذا كان ~~مع أبويه أنهم يخيرونه على الإسلام قال ونحن لا نذهب إلى هذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "فأبواه يهودانه وينصرانه" قال الخلال أنبأنا عبد الملك ~~الميموني قال سألت أبا عبد الله قبل الحبس عن الصغير يخرج من أرض الروم ~~وليس معه أبواه فقال: "إن مات صلى عليه المسلمون قلت يكره على الإسلام قال ~~إذا كانوا صغارا يصلون عليهم أكره عليه قلت فإن كان # PageV01P290 # معه أبواه قال إذا كان معه أبواه أو أحدهما لم يكره ودينه على دين أبويه" ~~قلت إلى أي شيء يذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد ~~على الفطرة حتى يكون أبواه" قال نعم وعمر بن عبد العزيز فأدى به فلم يرده ~~إلى بلاد الروم إلا وحكمه حكمهم قلت في الحديث كان معه أبواه قال لا وليس ~~ينبغي إلا أن يكون معه ms515 أبواه قال الخلال ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد ~~الله ولذلك نقل إسحاق بن منصور أن أبا عبد الله قال إذا لم يكن معه أبواه ~~فهو مسلم قلت لا يجبرونه على الإسلام إذا كان معه أبواه أو أحدهما قال نعم ~~قال الخلال وقد روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق كلهم قال: "إذا كان مع ~~أحد أبويه فهو مسلم" وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس وبعضهم ~~قبل وبعد والذي أذهب إليه ما رواه الجماعة قال الخلال وحدثنا أبو بكر ~~المروزي قال قلت لأبي عبد الله: "أني كنت بواسط فسألوني عن الذي يموت هو ~~وامرأته ويدعا طفلين ولهما عم ما تقول فيهما فإنهم قد كتبوا إلى البصرة ~~فيها فقال أكره أن أقول فيها برأي دع حتى أنظر لعل فيهما عمن تقدم فلما كان ~~بعد شهر عاودته قال نظرت فيها فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قال فأبواه ~~يهودانه وينصرانه وهذا ليس له أبوان قلت يجبر على الإسلام قال نعم هؤلاء ~~مسلمون لقول النبي صلى الله عليه وسلم" وكذلك نقل يعقوب بن سحبان قال قال ~~أبو عبد الله: "إذا مات الذمي أبواه وهو صغير أجبر على الإسلام" وذكر ~~الحديث "فأبواه يهودانه وينصرانه" ونقل عنه عبد الكريم بن الهيثم العاقولي ~~في المجوسيين: "يولد لهما ولد فيقولان هذا مسلم فيمكث خمس سنين ثم يتوفى ~~قال ذاك يدفنه المسلمون قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فأبواه يهودانه ~~وينصرانه" وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من قوم علي ~~أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم وما كان من أنثى فهي مشركة يهودية أو ~~مجوسية أو نصرانية فقال يجبر هؤلاء من أبا منهم على الإسلام لأن أباهم ~~مسلما لحديث النبي صلى الله عليه وسلم فأبواه يهودانه وينصرانه يردون كلهم ~~إلى الإسلام ومثل هذا كثير في أجوبته يحتج بالحديث على إنما يصير كافرا ~~بأبويه فإذا لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم فلو لم تكن الفطرة الإسلام ms516 لم ~~يكن بعدم أبويه يصير مسلما فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة ~~ونقل عنه الميموني أن الفطرة هي الدين وهي الفطرة الأولى قال الخلال: ~~"أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله كل مولود يولد على الفطرة يدخل ~~عليه إذا كان أبواه يعني أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغارا فقال لي نعم ولكن ~~يدخل عليك في هذا فتناظرنا بما يدخل علي من هذا القول وبما يكون" فقوله قلت ~~لأبي عبد الله فما تقول أنت فيها وإلى أي شيء تذهب قال أقول أنا ما أدري ~~أخبرك هي مسلمة كما ترى ثم قال لي والذي يقول كل مولود يولد على الفطرة ~~ينظر أيضا إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها قلت له فما الفطرة ~~الأولى أهي الدين قال نعم فمن الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة" قلت لأبي عبد الله فما تقول ~~لأعرف قولك قال أقول أنه على الفطرة الأولى قال شيخنا: "فجواب أحمد أنه على ~~الفطرة الأولى وقوله أنها الدين يوافق القول بأنه على دين الإسلام". # فصل: وأما جواب أحمد أنه على ما فطر من شقاوة وسعادة الذي ذكر محمد بن ~~نصر أنه كان يقول به ثم تركه فقال الخلال أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه ~~قال لأبي عبد الله كل # PageV01P291 # مولود يولد على الفطرة ما تفسيرها قال: "هي الفطرة التي فطر الله الناس ~~عليها شقي أو سعيد" وكذلك نقل عنه الفضل بن زياد وجبيل وأبو الحارث أنهم ~~سمعوا أبا عبد الله في هذه المسألة قال: "الفطرة التي فطر الله العباد ~~عليها من الشقاوة والسعادة" وكذلك نقل عنه علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد ~~الله عن كل مولود يولد على الفطرة قال: "الشقاوة والسعادة" قال "يرجع إلى ~~ما خلق" وعن الحسن بن بواب قال سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين قلت أن ~~ابن أبي شيبة أبا بكر قال: "هو على الفطرة حتى يهوداه أبواه أو ms517 ينصرانه" ~~فلم يعجبه شيء من هذا القول وقال كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة ~~يولد على الفطرة التي خلق عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أم الكتاب ~~أرفع ذلك إلى الأصل هذا معنى كل مولود يولد على الفطرة فمن أصحابه من قال ~~هذا قولا قديما له ثم تركه ومنهم من جعل المسألة على روايتين وأطلق ومنهم ~~من حكى عنه في ثلاث روايات الثالثة الوقف. # فصل: قال شيخنا: "والإجماع والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على ~~القول الذي رجحناه وهو أنهم على الفطرة ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله ~~فيهم من سعادة وشقاوة لا يدل على أنهم حين الولادة لم يكونوا على فطرة ~~سليمة مقتضية للإيمان ومستلزمة له لولا العارض" وروى ابن عبد البر بإسناده ~~عن موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: {كما بدأكم تعودون ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} قال: "من ابتدأ الله خلقه على الهدى ~~صيره إلى الهدى وأن عمل بعمل أهل الضلالة ومن ابتدأ خلقه للضلالة صيره إلى ~~الضلالة وإن عمل بعمل أهل الهدى ابتدأ خلق إبليس على الضلالة وعمل بعمل أهل ~~السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الضلالة" فقال: ~~"وكان من الكافرين وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل أهل الضلالة ثم ~~هداهم الله إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها مسلمين" فهذا المنقول عن محمد ~~بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه هو ما كتب أنهم صائرون إليه وأنهم قد ~~يعملون قبل ذلك غيره وأن من ابتدئ على الضلالة أي كتب أن يموت ضالا فقد ~~يكون قبل ذلك عاملا بعمل أهل الهدى وحينئذ فمن ولد على الفطرة السليمة ~~المقتضية للهدى لا يمنع أن يعرض لها ما يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر ~~كما في الحديث الصحيح: "أن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وأن ~~أحدكم ليعمل ms518 بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة" وقال سعيد بن جبير في قوله: "كما ~~بدأ كم تعودون قال كما كتب عليكم تكونون" وقال مجاهد: "كما بدأكم تعودون ~~شقي وسعيد" وقال أيضا: "يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا" وقال أبو ~~العالية: "عادوا إلى علمه فيهم فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" قلت هذا ~~المعنى صحيح في نفسه دل عليه القرآن والسنة والآثار السلفية وإجماع أهل ~~السنة وأما كونه هو المراد بالآية ففيه ما فيه والذي يظهر من الآية أن ~~معناها معنى نظرائها وأمثالها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على ~~النشأة الثانية بالأولى وعلى المعاد بالمبدأ فجاء باحتجاج في غاية الاختصار ~~والبيان فقال كما بدأكم تعودون كقوله: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث فإنا خلقناكم من تراب} وقوله: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه} الآية ~~وقوله: {أيحسب الأنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة ~~فخلق فسوى} إلى قوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} وقوله # PageV01P292 # : {فلينظر الأنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ~~إنه على رجعه لقادر} أي على رجع الإنسان حيا بعد موته هذا هو الصواب في ~~معنى الآية يبقى أن يقال فكيف يرتبط هذا بقوله فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلال فيقال هذا الذي أوجب لأصحاب ذلك القول ما تأولوا به الآية ومن تأمل ~~الآية علم أن القول أولى بها ووجه الارتباط أن الآية تضمنت قواعد الدين ~~علما وعملا واعتقادا فأمر سبحانه فيها بالقسط هو الذي هو حقيقة شرعه ودينه ~~وهو يتضمن التوحيد فإنه أعدل العدل والعدل في معاملة الخلق والعدل في ~~العبادة وهو الاقتصاد في السنة ويتضمن الأمر بالإقبال على الله وإقامة ~~عبوديته في ثبوته ويتضمن الإخلاص له وهو عبوديته وحده لا شريك له فهذا ما ~~فيها من العمل ثم أخبر بمبدأهم ومعادهم فتضمن ذلك حدوث الخلق وإعادته فذلك ~~الإيمان بالمبدأ والمعاد ms519 ثم أخبر عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال فريقا ~~هدى وفريفا حق عليهم الضلالة فتضمنت الآية الإيمان بالقدر والشرع والمبدأ ~~والمعاد والأمر بالعدل والإخلاص ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا ~~الخبر ولم يطع هنا الأمر بأنه قدوا للشيطان دون ربه وأنه على ضلال وهو يحسب ~~أنه على هدى والله أعلم. # فصل: وقال آخرون يعني قوله كل مولود يولد على الفطرة أن الله فطرهم على ~~الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم ~~فقال ألست بربكم قالوا جميعا بلى فأما أهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له ~~طوعا من قلوبهم وأما أهل الشقاء فقالوا بلى كرها غير طوع قالوا ويصدق ذلك ~~قوله تعالى: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} قالوا وكذلك ~~قوله: {كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} قال محمد بن ~~نصر المروزي سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى واحتج بقول أبي ~~هريرة: "اقرؤوا إن شئتم: {فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله} " قال الحق نقول لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم يعني ~~من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار واحتج بقوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية قال إسحاق أجمع أهل العلم أنها الأرواح ~~قبل الأجساد واستنطقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى قال انظروا ~~أن لا تقولوا أنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ~~وذكر حديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر قال وكان الظاهر ما ~~قال موسى أقتلت نفسا زكية بغير نفس فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه من ~~الفطرة التي فطره عليها وأنه لا تبديل لخلق الله فأمر بقتله لأنه كان قد ~~طبع كافرا وفي صحيح البخاري أن ابن عباس كان يقرأها وأما الغلام فكان كافرا ~~وكان أبواه مؤمنين قال إسحاق: "فلو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس ولم ~~يبين لهم حكم ms520 الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين" لأنهم لا يدرون ~~ما جبل كل واحد عليه حتى أخرج من ظهر آدم فبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~حكم الأطفال في الدنيا بأن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه يقول أنتم لا ~~تعلمون ما طبع عليه في الفطرة الأولى لكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه ~~فاعرفوا ذلك بالأبوين فمن كان صغيرا بين أبوين مسلمين ألحق بحكم الإسلام ~~وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير إليه فعلم ذلك إلى الله وبعلم ذلك فضل الله ~~الخضر في علمه هذا على موسى إذ أطلعه الله عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك ~~قال ولقد سئل ابن عباس عن ولدان # PageV01P293 # المسلمين والمشركين فقال: "حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر" قال إسحاق: ~~"ألا ترى إلى قول عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين طوبى له ~~عصفور من عصافير الجنة فرد عليها النبي صلى الله عليه وسلم وقال مه يا ~~عائشة وما يدريك أن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها ~~أهلا" قال إسحاق: "فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم" وسئل حماد بن ~~سلمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة" فقال: ~~"هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم قال ابن قتيبة يريد حين ~~مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" قال شيخنا: "أصل مقصود الأئمة صحيح وهو منع ~~احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر لكن لا يحتاج مع ذلك أن يفسر ~~القرآن والحديث إلا بما هو مراد الله ورسوله ويجب أن يتبع في ذلك ما دل ~~عليه الدليل" وما ذكروه أن الله فطرهم على الكفر والإيمان والمعرفة والنكرة ~~إن أرادوا به أن الله سبق في علمه وقدره بأنهم سيؤمنون ويكفرون ويعرفون ~~وينكرون وإن ذلك كان بمشيئة الله وقدره وخلقه فهذا حق ترده القدرية فغلاتهم ~~ينكرون العلم وجميعهم ينكرون عموم خلقه ومشيئته وقدرته وإن أرادوا أن ms521 هذه ~~المعرفة والنكرة كانت موجودة حين أخذ الميثاق كما في ظاهر المنقول عن إسحاق ~~فهذا يتضمن شيئين أحدهما أنهم حينئذ كانت المعرفة والإيمان موجودا فيهم كما ~~قال ذلك طوائف من السلف وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه وفي تفسير الآية ~~نزاع بين الأئمة وكذلك في خلق الأرواح قبل الأجساد قولان معروفان لكن ~~المقصود هنا أن هذا إن كان حقا فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك المعرفة ~~والإقرار فهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث من أنه يولد على الملة وأن ~~الله خلق خلقه حنفاء بل هو مؤيد لذلك وأما قول القائل أنهم في ذلك الإقرار ~~انقسموا إلى مطيع وكافر فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فيما أعلم إلا عن ~~السدي في تفسيره قال لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء ~~مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم ~~أدخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة ~~الذر فقال أدخلوا النار ولا أبالي ذلك قوله وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم ~~أخذ منهم الميثاق فقال الست بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة ~~كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله بأنه ربه وذلك ~~قوله عز وجل: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} وكذلك قوله: {قل ~~فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} يعني يوم أخذ الميثاق قال ~~شيخنا: "وقيل هذا الأثر لا يوثق به" فإن في تفسير السدي أشياء قد عرف بطلان ~~بعضها وهو ثقة في نفسه وأحسن أحوال هذا وأمثاله أن يكون كالمراسيل إن كان ~~مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف إذا كان مأخوذا عن أهل الكتاب ولو ~~لم يكن في هذا إلا معارضة لسائر الآثار التي تتضمن التسوية بين جميع الناس ~~في الإقرار لكفى وأما قوله تعالى: {وله أسلم من في السماوات ms522 والأرض طوعا ~~وكرها} فإنما هو في الإسلام الموجود منهم بعد خلقهم لم يقل أنهم حين العهد ~~الأول أسلموا طوعا وكرها يدل على ذلك أن ذلك الإقرار الأول جعله الله عليهم ~~حجة على من ينسه ولو كان فيهم كاره لقال لم أقر طوعا بل كرها فلا يقوم به ~~عليه حجة وأما احتجاج أحمد بقول أبي هريرة "اقرؤوا إن شئتم: {فطرت الله ~~التي # PageV01P294 # فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} " فهذه الآية فيها قولان أحدهما أن ~~معناها النهي كما تقدم عن أبن جرير أنه فسرها فقال أي لا تبدلوا دين الله ~~الذي فطر عليه عباده وهذا قول غير واحد من المفسرين لم يذكروا غيره والثاني ~~ما قاله إسحاق وهو أنها خبر على ظاهرها وأن خلق الله لا يبدله أحد وظاهر ~~اللفظ خبر فلا يجعل نهيا بغير حجة وهذا أصح وحينئذ فيكون المراد أن ما ~~جبلهم عليه من الفطرة لا يبدل فلا يجبلون على غير الفطرة لا يقع هذا أصلا ~~والمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة ولم يرد بذلك أن الفطرة ~~لا تتغير بعد الخلق بل نفس الحديث يبين أنها تتغير ولهذا شبهها بالبهيمة ~~التي تولد جمعاء ثم تجدع ولا تولد بهيمة مخصية ولا مجدوعة وقد قال تعالى عن ~~الشيطان: {لآمرنهم فليغيرن خلق الله} أقدر الخلق على أن يغيروا ما خلقهم ~~عليه بقدرته ومشيئته وإنما تبديل الخلق بأن يخلقوا على غير تلك الفطرة فهذا ~~لا يقدر عليه إلا الله والله لا يفعله كما قال لا تبديل لخلق الله ولم يقل ~~لا تغيير فإن تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله ولكن إذا غير بعد وجوده ~~لم يكن الخلق الموجود عند الولادة وأما قول القائل لا تبديل للخلقة التي ~~جبل عليها بنو آدم كلهم من كفر وإيمان فإن عني به ما سبق به القدر من الكفر ~~والإيمان لا يقع خلافه فهذا حق ولكن ذلك لا يقتضي أن تبديل الكفر بالإيمان ~~وبالعكس ممتنع ولا أنه غير مقدور بل العبد قادر على ما أمره ms523 الله به من ~~الإيمان وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر وعلى أن يبدل حسناته بالسيئات ~~وسيئاته بالحسنات كما قال الله إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء وهذا ~~التبديل كله بقضاء الله وقدره وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين الولادة فإن ~~ذلك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره وهو سبحانه لا يبدله بخلاف ~~تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس فأنه يبدله كثيرا والعبد قادر على تبديله ~~بإقدار الرب له على ذلك ومما يوضح ذلك قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا ~~فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} فهذه فطرة محمودة أمر ~~الله بها نبيه فكيف تنقسم إلى كفر وإيمان مع أمر الله تعالى بها وقد تقدم ~~تفسير السلف لا تبديل لخلق الله أي لدين الله أو النهي عن الخصا ونحوه ولم ~~يقل أحد منهم أن المعني لا تبديل لأحوال العباد من كفر إلى إيمان وعكسه فإن ~~تبديل ذلك موجود ومهما وقع كان هو الذي سبق به القدر والرب تعالى عالم بما ~~سيكون لا يقع خلاف معلومه فإذا وقع التبديل كان هو الذي علمه وأما قوله عن ~~الغلام أنه طبع يوم طبع كافرا فالمراد به أنه كتب كذلك وقدر وختم فهو من ~~طبع الكتاب ولفظ الطبع لما صار يستعمله كثير من الناس في الطبيعة التي هي ~~بمعنى الخلقة والجبلة ظن الظان أن هذا مراد الحديث وهذا الغلام الذي قتله ~~الخضر ليس في القرآن ما يبين أنه كان غير بالغ ولا مكلف بل قراءة ابن عباس ~~تدل على أنه كافر كان في الحال وتسميته غلاما لا يمنع أن يكون مكلفا قريب ~~العهد بالصغر ويدل عليه أن موسى لم ينكر قتله لصغره بل لكونه زاكيا ولم ~~يقتل نفسا لكن يقال في الحديث الصحيح ما يدل على أنه كان غير بالغ من وجهين ~~أحدهما أنه قال فمر بصبي يلعب مع الصبيان الثاني أنه قال ولو أدرك لأرهق ~~أبويه طغيانا وكفرا وهذا دليل على كونه لم يدرك بعد فيقال الكلام ms524 على الآية ~~على التقديرين فإن كان بالغا وقد كفر فقد قتل على كفره الواقع بعد البلوغ ~~ولا إشكال وإن كان غير بالغ فلعل تلك الشريعة كان فيها التكليف قبل ~~الاحتلام عند قوة عقل الصبي وكمال تميزه وإن لم يكن التكليف قبل البلوغ ~~بالشرائع واقعا فلا يمتنع وقوعه بالتوحيد ومعرفة الله كما قاله طوائف من # PageV01P295 # أهل الكلام والفقه من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم وعلى هذا فيمكن أن ~~يكون مكلفا بالإيمان قبل البلوغ وإن لم يكن مكلفا بشرائعه وكفر الصبي ~~المميز عند أكثر العلماء مؤاخذ به فإذا ارتد صار مرتدا لكن لا يقتل حتى ~~يبلغ فالغلام الذي قتله الخضر إما أن يكون كافرا بعد البلوغ فلا إشكال وإما ~~أن يكون غير بالغ وهو مكلف في تلك الشريعة فلا أشكال أيضا وإما أن يكون ~~مكلفا بالتوحيد والمعرفة غير مكلف بالشرائع فيجوز قتله في تلك الشريعة وإما ~~أن لا يكون مكلفا فقتل لئلا يفتتن أبويه عن دينهما كما يقتل الصبي الكافر ~~في ديننا إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل وأما قتل صبي لم يكفر ~~بعد بين أبوين مؤمنين للعلم بأنه إذا بلغ كفر وفتن أبويه فقد يقال ليس في ~~القرآن ولا في السنة ما يدل عليه وأيضا فإن الله لم يأمر أن يعاقب أحد بما ~~يعلم أنه يكون منه قبل أن يكون منه ولا هو سبحانه يعاقب العباد على ما يعلم ~~أنهم سيفعلونه حتى يفعلونه وقائل هذا القول يقول أنه ليس في قصة الخضر شيء ~~من الاطلاع على الغيب الذي لا يعلمه عموم الناس وإنما فيها علمه بأسباب لم ~~يكن علم بها موسى مثل علمه بأن السفينة لمساكين يعلمون ورائهم ملك ظالم ~~وهذا أمر يعلمه غيره وكذلك كون الجدار كان لغلامين يتيمين وأن أباهما كان ~~رجلا صالحا وأن تحته كنزا لهما مما يمكن أن يعلمه كثير من الناس وكذلك كفر ~~الصبي مما يمكن أنه كان يعلمه كثير من الناس حتى أبواه لكن لحبهما له لا ~~ينكران عليه أو لا يقبل منهما ms525 فإن كان الأمر على ذلك فليس في الآية حجة على ~~قولهم أصلا وأن ذلك الغلام لم يكفر بعد ولكن سبق في العلم أنه إذا بلغ كفر ~~فمن يقول هذا يقول أن قتله دفعا لشره كما قال نوح: {رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} وعلى ~~هذا فلم يكن قبل قيام الكفر به كافرا وقراءة ابن عباس وأما الغلام فكان ~~كافرا وكان أبواه مؤمنين ظاهرة أنه كان حينئذ كافرا فإن قيل فهذا الغلام ~~كان أبواه مؤمنين فلو كان مولودا على فطرة الإسلام وهو بين أبوين مسلمين ~~لكان مسلما تبعا لهما وبحكم الفطرة فكيف يقتل والحالة هذه قيل إن كان بالغا ~~فلا إشكال وإن كان مميزا وقد كفر فيصح كفره وردته عند كثير من العلماء وأن ~~لا يقتل حتى يبلغ عندهم فلعل في تلك الشريعة يجوز قتل المميز الكافر وإن ~~كان صغيرا غير مميز فيكون قتله خاصا به لأن الله أطلع الخضر عل أنه لو بلغ ~~لاختار غير دين الأبوين وعلى هذا يدل قول ابن عباس لنجدة وقد سأله عن قتل ~~صبيان الكفار فقال: "لئن علمت فيهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم" فإن ~~قيل إذا كان مولودا على الفطرة وأبواه مؤمنين فمن أين جاء الكفر قيل إنما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على الغالب وإلا فالكفر قد يأتيه من قبل ~~غير أبويه فهذا الغلام إن كان كافرا في الحال فقد جاء الكفر من غير جهة ~~أبويه وإن كان المراد أنه إذا بلغ سيكفر باختياره فلا إشكال. # فصل: وأما تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه" أنه أراد به مجرد الإلحاق في أحكام الدنيا دون أن يكون أراد ~~أنهما يغيران الفطرة فهذا خلاف ما يدل عليه الحديث فإنه شبه تكفير الأطفال ~~بجدع البهائم تشبيها للتغيير بالتغيير وأيضا فإنه ذكر هذا الحديث لما قتل ~~أولاد المشركين فنهاهم عن قتلهم وقال أليس خياركم أولاد المشركين كل مولود ms526 ~~يولد على الفطرة فلو أراد أنه تابع لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة لهم ~~يقولون هم كفار كآبائهم وكون الصغير يتبع أبواه في أحكام الدنيا هو لضرورة ~~بقائه في الدنيا فإنه لا بد له من مرب يربيه وإنما يربيه أبواه فكان # PageV01P296 # تابعا لهما ضرورة ولهذا من سبي منفردا عنهما صار تابعا لسابيه عند جمهور ~~العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم لكونه هو الذي يربيه ~~وإذا سبي منفردا عن أحدهما أو معهما ففيه نزاع بين العلماء واحتجاج الفقهاء ~~كأحمد وغيره بهذا الحديث على أنه متى سبي منفردا عن أبويه يصير مسلما إذ ~~يستلزم أن يكون المراد بتكفير الأبوين لهما مجرد لحاقه لهما في الدين ولكن ~~وجه الحجة أنه إذا ولد ولد على الملة فإنما ينقله عنه الأبوان اللذان ~~يغيرانه عن الفطرة فمتى سباه المسلمين منفردا عنهما لم يكن هناك من يغير ~~دينه وهو مولود على الملة الحنيفية فيصير مسلما بالمقتضى السالم عن المعارض ~~ولو كان الأبوان يجعلانه كافرا في نفس الأمر بدون تعليم لكان الصبي المسبي ~~بمنزلة البالغ الكافر ومعلوم أن البالغ الكافر إذا سباه المسلمون لم يصر ~~مسلما لأنه صار كافرا حقيقة فلو كان الصبي التابع لأبويه كافرا حقيقة لم ~~ينتقل عن الكفر بالسباء فعلم أنه كان يجري عليه حكم الكفر في الدنيا تبعا ~~لأبويه لأنه صار كافرا في نفس الأمر تبين ذلك أنه لو سباه كفار ولم يكن معه ~~أبواه لم يصر مسلما فهو هنا كافر في حكم الدنيا وإن لم يكن أبواه هوداه ~~ونصراه فعلم أن المراد بالحديث أن الأبوين يلقناه الكفر ويعلمانه إياه وذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأبوين لأنهما الأصل العام الغالب في تربية ~~الأطفال فإن كل طفل فلا بد له من أبوين وهما اللذان يربيانه مع بقائهما ~~وقدرتهما ومما يبين ذلك قوله في الحديث الآخر "كل مولود يولد على الفطرة ~~حتى يعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا" فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ~~ويميز فحينئذ يتبين له أحد الأمرين ولو كان كافرا ms527 في الباطن بكفر الأبوين ~~لكان ذلك من حين يولد قبل أن يعرب عنه لسانه وكذلك قوله في الحديث الصحيح: ~~"أني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا صريح في أنهم خلقوا على ~~الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم وحرمت عليهم الحلال وأمرتهم بالشرك" فلو ~~الطفل كان يصير كافرا في نفس الأمر من حين يولد لكونه يتبع أبويه في الدين ~~قبل أن يعلمه أحد الكفر ويلقنه إياه لم تكن الشياطين هم الذين غيروهم عن ~~الحنيفية وأمروهم بالشرك. # فصل: ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام ~~الكفر في الآخرة فإن أولاد الكفار لما كان تجري عليهم أحكام الكفر في ~~الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم وحضانتهم لهم وتمكنهم من تعليمهم ~~وتأديبهم والموازنة بينهم وبين نبيهم واسترقاقهم وغير ذلك صار يظن من يظن ~~أنهم كفار في نفس الأمر كالذي تكلم بالكفر وعمل به ومن ها هنا قال محمد بن ~~الحسن: "أن هذا الحديث وهو قوله كل مولود يولد على الفطرة كان قبل أن تنزل ~~الأحكام" فإذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعا ~~لآبائهم في أحكام الدنيا وقد زالت الشبهة وقد يكون في بلاد الكفر من هو ~~مؤمن يكتم إيمانه ولا يعلم المسلمون حاله فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن مع ~~المشركين وهو في الآخرة من أهل الجنة كما أن المنافقين في الدنيا تجري ~~عليهم أحكام المسلمين وهم في الدرك الأسفل من النار فحكم الدار الآخرة غير ~~حكم الدار الدنيا وقوله "كل مولود يولد على الفطرة" إنما أراد به الإخبار # PageV01P297 # بالحقيقة التي خلقوا عليها وعلى الثواب والعقاب في الآخرة إذا عملوا ~~بموجبها وسلمت عن المعارض ولم يرد به الإخبار بأحكام الدنيا فإنه قد علم ~~بالاضطرار من شرع الرسول أن أولاد الكفار تبع لآبائهم في أحكام الدنيا وأن ~~أولادهم لا ينزعون منهم إذا كانوا ذمة فإن كانوا محاربين استرقوا ولم ~~يتنازع المسلمون في ذلك لكن تنازعوا ms528 في الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما هل ~~يحكم بإسلامه وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات إحداهن يحكم بإسلامه بموت ~~الأبوين أو أحدهما لقوله فأبواه يهودانه وينصرانه وهذا ليس معه أبواه وهو ~~على الفطرة وهي الإسلام لما تقدم فيكون مسلما والثانية لا يحكم بإسلامه ~~بذلك وهذا قول الجمهور قال شيخنا: "وهذا القول هو الصواب بل هو إجماع قديم ~~من السلف والخلف بل هو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها فقد علم أن أهل الذمة ~~كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ووادي القرى وخيبر ~~ونجران واليمن وغير ذلك وكان فيهم من يموت وله ولد صغير ولم يحكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإسلام أهل الذمة ولا خلفاؤه وأهل الذمة كانوا في زمانهم ~~طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان وفيهم من يتاماهم عدد كثير ولم ~~يحكموا بإسلام واحد منهم فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا فهم ~~يتولون حضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولون تربيتهم" وأحمد يقول أن الذمي ~~إذا مات ورثه ابنه الطفل مع قوله في إحدى الروايات أنه يصير مسلما لأن أهل ~~الذمة ما زال أولادهم يرثوهم لأن الإسلام حصل مع استحقاق الإرث لم يحصل ~~قبله ونص على أنه إذا مات الذمي عن حمل منه لم يرثه للحكم بإسلامه قبل وضعه ~~وكذلك لو كان الحمل من غيره كما إذا مات وخلف امرأة ابنه أو أخيه حاملا ~~فأسلمت أمه قبل وضعه لم يرثه لأنا حكمنا بإسلامه من حين أسلمت أمه وكذلك ~~هناك حكمنا بإسلامه من حين مات أبوه وقد وافق الإمام أحمد الجمهور على أن ~~الطفل إذا مات أبواه في دار الحرب لا يحكم بإسلامه ولو كان موت الأبوين ~~يجعله مسلما بحكم الفطرة الأولى لم يفترق الحال بين دار الحرب ودار الإسلام ~~لوجود المقتضى للإسلام وهو الفطرة وعدم المانع وهو الأبوان وقد التزم بعض ~~أصحابه الحكم بإسلامه وهو باطل قطعا إذ من المعلوم بالضرورة أن أهل الحرب ~~فيهم من بلغ يتيما لغيره وأحكام الكفار المحاربين جارية ms529 عليهم والرواية ~~الثالثة إن كفله أهل دينه فهو باق على دين أبويه وإن كلفه المسلمون فهو ~~مسلم نص عليه في رواية يعقوب بن بحنان كما ذكره الخلال في جامعه عنه قال ~~سئل أبو عبد الله عن جارية نصرانية لقوم فولدت عندهم ثم ماتت ما يكون الولد ~~قال إذا كفله المسلمون ولم يكن له من يكفله إلا هم فهم مسلمون قيل له فإن ~~مات بعد الأم بقليل قال يدفنه المسلمون وقال في رواية أبي الحارث في جارية ~~نصرانية لرجل مسلم لها زوج نصراني فولدت عنده وماتت عند المسلم وبقي ولدها ~~عنده ما يكون حكم هذا الصبي قال إذا كفله المسلمون فهو مسلم وهذه الرواية ~~إن لم يذكرها عامة الأصحاب وهي من جامع الخلال فهي أصح الأقوال في هذه ~~المسألة دليلا وهي التي نختارها وبها تجتمع الأدلة فإن الطفل يتبع مالكه ~~وسابيه فكذلك يتبع كافله وحاضنه فإنه لا يستقل بنفسه بل لا بد له ممن يتبعه ~~ويكون معه فتبعيته لحاضنه وكافله أولى من جعله كافرا بكون أبويه كافرين وقد ~~انقطعت تبعيته لهما بخلاف # PageV01P298 # ما إذا كفله أهل دين الأبوين فإنهم يقومون مقامهما ولا أثر لفقد الأبوين ~~إذا كفله جده أو جدته أو غيرهما من أقاربه فهذا القول أرجح في النظر والله ~~أعلم وليس المقصود ذكر هذه المسائل وما يصير به الطفل مسلما فإنا قد ~~استوفيناها في كتابنا في أحكام أهل الملل بأدلتها واختلاف العلماء من السلف ~~والخلف فيها وذكر مأخذهم وإنما المقصود ذكر الفطرة وأنها هي الحنيفية وأنها ~~لا تنافي القدر السابق بالشقاوة والله أعلم. # فصل: قال أبو عمر وقال آخرون في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم كل ~~مولود يولد على الفطرة لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الفطرة ها ~~هنا كفرا ولا إيمانا ولا معرفة ولا إنكارا وإنما أراد أن كل مولود يولد على ~~السلامة خلقة وطبعا وبنية ليس معها كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار ثم ~~يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميز ms530 واحتجوا بقوله في الحديث كما ~~تنتج البهيمة بهيمة جمعاء يعني سالمة هل تحسون فيها من جدعاء يعني مقطوعة ~~الأذن فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق لا يتبين فيها ~~نقصان ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها فيقال هذه السوائب وهذه البحائر يقول ~~كذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم حينئذ كفر ولا إيمان ولا معرفة ~~ولا إنكار كالبهائم السالمة فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم وعصم ~~الله أقلهم قالوا ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في ~~أولية أمرهم ما انتقلوا عنه أبدا فقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون ~~قالوا ويستحيل في العقول أن يكون الطفل في حال ولادته يفعل كفرا أو إيمانا ~~لأن الله أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا فمن لم يعلم شيئا استحال ~~منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار قال أبو عمر هذا القول أصح ما قيل في ~~معنى الفطرة التي تولد الولدان عليها وذلك أن الفطرة السلامة والاستقامة ~~بدليل قوله تعالى في حديث عياض بن حماد أني خلقت عبادي حنفاء يعني على ~~استقامة وسلامة وكأنه والله أعلم أراد الذين خلصوا من الآفات كلها والمعاصي ~~والطاعات فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما ومن الحجة ~~أيضا في هذا قول الله تعالى: {إنما تجزون ما كنتم تعملون كل نفس بما كسبت ~~رهينة} ومن لم يبلغ وقت العمل يبرهن بشيء قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا} قال شيخنا: "هذا القائل أن أراد بهذا القول أنهم خلقوا خاليين ~~من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما بل يكون ~~القلب كاللوح الذي يقبل كتابه الإيمان والكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه ~~للآخر وهذا هو الذي يشعر به ظاهر الكلام فهذا قول فاسد لأنه حينئذ لا فرق ~~بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار والتهويد والتنصير والإسلام وإنما ~~ذلك بحسب الأسباب فكان ينبغي أن يقال فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه فلما ذكر أن أبويه يكفرانه وذكر ms531 الملل الفاسدة دون الإسلام علم أن ~~حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل عن حكم الكفر وأيضا فإنه على هذا التقدير لا ~~يكون في القلب سلامة ولا عطب ولا استقامة ولا زيغ إذ نسبته إلى كل منهما ~~نسبة واحدة وليس هو بأحدهما بأولى منه بالآخر كما أن اللوح قبل الكتابة لا ~~يثبت له حكم مدح ولا ذم فما كان قابلا للمدح والذم على السواء لم يستحق ~~مدحا ولا ذما والله تعالى # PageV01P299 # يقول: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها} فأمره ~~بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها فكيف لا تكون ممدوحة وأيضا فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما طرأ عليها من الكفر ~~بجدع الأنف والأذن ومعلوم أن كمالهما محمود ونقصهما مذموم فكيف تكون قبل ~~النقص لا محمودة ولا مذمومة". # فصل: وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من العلماء أن المراد أنهم ~~ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على ~~الإنكار والإيمان على الكفر ولكن بما عرض لها من الفساد خرجت عن هذه الفطرة ~~فهذا القول قد يقال لا يرد عليه ما يرد على القول الذي قبله فإن صاحبه يقول ~~في الفطرة قوة تميل بها إلى المعرفة والإيمان كما في البدن السليم قوة يحب ~~بها الأغذية النافعة وبهذا كانت محمودة وذم من أفسدها لكن يقال فهذه الفطرة ~~التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية هل هي كافية في حصول ~~المعرفة أو تقف المعرفة على أدلة من خارج فإن كانت المعرفة تقف على أدلة من ~~خارج أمكن أن يوجد تارة ويعدم أخرى ثم ذلك السبب يمتنع أن يكون موجبا ~~للمعرفة بنفسه بل غايته أن يكون معرفا ومذكرا فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة ~~كانت واجبة الحصول عند وجود ذلك الأسباب وإلا فلا وحينئذ فلا يكون فيها إلا ~~قبول المعرفة والإيمان وحينئذ فلا فرق فيها بين الإيمان والكفر والمعرفة ~~والإنكار إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له لكن يتوقف ms532 على المؤثر ~~الفاعل من خارج وهذا هو القسم الأول الذي أبطلناه وبينا أنه ليس في ذلك مدح ~~للفطرة وأما إن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها وإن لم يوجد من يعلمها ~~أدلة المعرفة فيها بدون ما يسمعه من الأدلة سواء قيل أن المعرفة ضرورية ~~فيها أو قيل أنها تحصل بأسباب تنتظم في النفس وإن لم يسمع كلام مستدل فإن ~~النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما يحتاج معه إلى كلام الناس فإن ~~كان كل مولود يولد على هذه الفطرة لزم ان يكون المقتضى للمعرفة حاصلا لكل ~~مولود وهو المطلوب والمقتضى التام مستلزم مقتضاه فتبين أن أحد الأمرين لازم ~~إما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة وإما استواء الأمرين بالنسبة إليها وذلك ~~ينفي مدحها وتلخيص ذلك أن يقال المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ~~ريب فإما أن تكون هي موجبة مستلزمة لذلك وإما أن لا تكون مستلزمة له فلا ~~يكون واجبا لها فإن كان الثاني لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة ~~إليها أو كلاهما ممكن لها فثبت أن المعرفة لازمة لها إلا أن يعارضها معارض ~~فإن قيل ليست موجبة مستلزمة للمعرفة ولكن هيئ إليها الميل مع قبولها للنكرة ~~قيل فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة وجدت تارة وعدمت تارة وهي وحدها لا ~~يحصلها فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين فيكون الإسلام والتهويد والتنصير ~~والتمجيس ومعلوم أن هذه أنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض كالتمجس فإن لم ~~تكن الفطرة مقتضية للإسلام صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى ~~التمجيس فوجب أن يذكر كما ذكر ذلك ويكون هذا كمكمون الفطرة لا يقضي الرضاع ~~إلا بسبب منفصل وليس كذلك بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه فإذا مكن من الثدي ~~وجدت الرضاعة لا محالة فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض وهو مولود # PageV01P300 # على أن يرضع فكذلك هو مولود على أن يعرف الله والمعرفة ضرورية لا محالة ~~إذا لم يوجد معارض وأيضا فإن حب النفس لله وخضوعها له وإخلاصها له مع الكفر ~~به والشرك والإعراض ms533 عنه ونسيان ذكره إما أن يكون نسبتهما إلى الفطرة سواء ~~أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني فإن كانا سواء لزم انتفاء المدح كما ~~تقدم وإن لم يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان ويكون ~~تمجيسها كتحنيفها وقد عرف بطلان هذا وإن كان فيها مقتض لهذا فإما أن يكون ~~المقتضى مستلزما لمقتضاه عند عدم المعارض وإما أن يكون متوقفا على شخص خارج ~~عنها فإن كان الأول ثبت ذلك من لوازمها وأنها مفطورة عليه لا يفقد إلا إذا ~~فسدت الفطرة وإن قدر أنه متوقف على شخص فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية ~~كما يجعلها مجوسية وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا وإذا قيل هي إلى الحنيفية ~~أميل كان كما يقال هي إلى غيرها أميل فتبين أن فيها قوة موجبة لحب لله ~~والذل له وإخلاص الدين له وأنها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض كما أن ~~فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه مما يبين هذا أن كل ~~حركة إرادية فإن الموجب لها قوة في المريد فإذا أمكن في الإنسان أن يحب ~~الله ويعبده ويخلص له الدين كان فيه قوة تقتضي ذلك إذ الأفعال الإرادية لا ~~يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل ولا يشترط في إرادته إلا مجرد ~~الشعور بالمراد فما في النفوس من قوة المحبة له إذا شعرت به تقتضي حبه إذا ~~لم يحصل معارض وهذا موجود في محبة الأطعمة والأشربة والنكاح والعلم وغيرها ~~وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والإخلاص والذل له والخضوع وأن فيها ~~قوة الشعور به فيلزم قطعا وجود المحبة له والتعظيم والخضوع بالفعل لوجود ~~المقتضي إذا سلم عن المعارض وتبين أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود ~~شخص منفصل وإن كان وجوده قد يذكر ويحرك كما لو خوطب الجائع أو الظمآن بوصف ~~طعام أو خوطب المغتلم بوصف النساء فإن هذا مما يذكره ويحركه ويثير شهوته ~~الكامنة بالقوة في نفسه لا أنه يحدث له نفس تلك الإرادة والشهوة بعد أن ms534 لم ~~تكن فيه فيجعلها موجودة بعد أن كانت عدما فكذلك الأسباب الخارجة عن الفطرة ~~لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق ومحبته وتعظيمه ~~والخضوع له وإن كان ذلك مذكرا ومحركا ومنبها ومزيلا للعارض المانع ولذلك ~~سمى الله سبحانه ما كمل به موجبات الفطرة بذكر أوذكرى وجعل رسوله مذكرا ~~فقال: {فذكر إنما أنت مذكر} وقال: {فذكر إن نفعت الذكرى} وقال: {وما يتذكر ~~إلا من ينيب} وقال: {وما يذكر إلا أولو الألباب} وقال: {إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب} وقال: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} وقال: {فإنما ~~يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} وهذا كثير في القرآن يخبر أن كتابه ورسوله ~~مذكر لهم بما هو مركوز في فطرهم من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع ~~له والإخلاص له ومحبة شرعه الذي هو العدل المحض وإيثاره على ما سواه فالفطر ~~مركوز فيها معرفته ومحبته والإخلاص له والإقرار بشرعه وإيثاره على غيره فهي ~~تعرف ذلك وتشعر به مجملا ومفصلا بعض التفصيل فجاءت الرسل تذكرها بذلك ~~وتنبهها عليه وتفصله لها وتبينه وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة # PageV01P301 # المانعة من اقتفائها أثرها وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل فإنها ~~أمر بمعروف ونهي عن منكر وإباحة طيب وتحريم خبيث وأمر بعدل ونهي عن ظلم ~~وهذا كله مركوز في الفطرة وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل وهكذا باب ~~التوحيد وإثبات الصفات فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص ~~فيه للخالق سبحانه ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل ~~وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقر في فطر الخلائق خلافا لمن ~~قال من المتكلمين أنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه عن النقائص وإنما علم ~~بالإجماع: # قبحا لهاتيك العقول فإنها ... عقال على أصحابها ووبال # فليس في العقول أبين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم وتنزيهه ~~عن العيوب والنقائص وجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها وكذلك في ~~الفطر الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها وجزائها بكسبها في غير هذه ms535 ~~الدار وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا تعلم إلا بالرسل وكذلك ~~فيها معرفة العدل ومحبته وإيثاره وأما تفاصيل العدل الذي هو شرع الرب تعالى ~~فلا يعلم إلا بالرسل فالرسل تذكر بما في الفطر وتفصله وتبينه ولهذا كان ~~العقل الصريح موافقا للنقل الصحيح والشرعة مطابقة للفطرة يتصادقان ولا ~~يتعارضان خلافا لمن قال إذا تعارض العقل والوحي قدمنا العقل على الوحي: # فقبحا لعقل ينقض الوحي حكمه ... ويشهد حقا أنه هو كاذب # والمقصود أن الله فطر عباده على فطرة فيها الإقرار به ومحبته والإخلاص له ~~والإنابة إليه وإجلاله وتعظيمه وأن الشخص الخارج عنها لا يحدث فيها ذلك ~~ويجعلها فيها بعد أن لم يكن وإنما يذكرها بما فيها وينبهها عليه ويحركها له ~~ويفصله لها ويبينه ويعرفها الأسباب المقوية والأسباب المعارضة له والمانعة ~~من كماله كما أن الشخص الخارج لا يجعل في الفطرة شهوة اللبن عند الرضاع ~~والأكل والشرب والنكاح وإنما تذكر النفس وتحركها لما هو مركوز فيها بالقوة. # فصل: ومما يبين ذلك أن الإقرار بالصانع مع خلو القلب عن محبته والخضوع له ~~وإخلاص الدين له لا يكون نافعا بل الإقرار به مع الإعراض عنه وعن محبته ~~وتعظيمه والخضوع له أعظم استحقاقا للعذاب فلا بد أن يكون للفطرة مقتض للعلم ~~ومقتض للمحبة والمحبة مشروطة بالعلم فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبه ~~والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج بل هو جبلي فطري فإذا كانت المحبة ~~جبلية فطرية فشرطها وهو المعرفة أيضا جبلي فطري فلا بد أن يكون في الفطرة ~~محبة الخالق مع الإقرار به وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها ~~وفطرته فطرهم عليها فعلم أن الحنفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها والحب لله ~~والخضوع له والإخلاص هو أصل أعمال الحنيفية وذلك مستلزم للإقرار والمعرفة ~~ولازم اللازم لازم وملزوم الملزوم ملزوم فالفطرة ملزومة لهذه الأحوال وهذه ~~الأحوال لازمة لها. # فصل: فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على أن الخلق ~~مفطورون # PageV01P302 # على دين الله الذي هو معرفته والإقرار به ومحبته والخضوع ms536 له وإن ذلك موجب ~~فطرتهم ومقتضاها يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما يعارضه ويقتضي حصول ضده وإن ~~حصول ذلك فيها لا يقف على وجود شرط بل على انتفاء المانع فإذا لم يوجد فهو ~~لوجود منافيه لا لعدم مقتضيه ولهذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لوجود ~~الفطرة شرطا بل ذكر ما يمنع موجبها حيث قال فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه فحصول هذا التهويد والتنصير موقوف على أسباب خارجة عن الفطرة ~~وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصله على غير ~~الفطرة وإن توقف كماله وتفصيله على غيرها وبالله التوفيق. # فصل: وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: "إني خلقت ~~عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم" يتضمن أصلين ~~عظيمين مقصودين لأنفسهما ووسيلة تعين عليهما أحدهما عبادته وحده لا شريك له ~~والثاني إنما يعبد بما شرعه وأحبه وأمر به وهذان الأصلان هما المقصود الذي ~~خلق له الخلق فضدهما الشرك والبدع فالمشرك يعبد مع الله غيره وصاحب البدعة ~~يتقرب إلى الله بما لم يأمر به ولم يشرعه ولا أحبه وجعل سبحانه حل الطيبات ~~مما يستعان به على ذلك ويتوسل به إليه فمدار الدين على هذين الأصلين وهذه ~~الوسيلة فأخبر سبحانه أن الشياطين اقتطعت عباده عن هذا المقصود وعن هذه ~~الوسيلة فأمرتهم أن يشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وهذا يتناول الإشراك ~~بالمعبود الحق بأن يعبد معه غيره والإشراك بعبادته الحقة بأن يعبد بغير ~~شرعه وكثيرا ما يجتمع الشركان فيعبد المشرك معه غيره بعبادة لم يشرع سبحانه ~~أن يتعبد له بها وقد ينفرد أحد المشركين فيشرك به غيره في نفس العبادة التي ~~شرعها ويعبده وحده بعبادة شركية لم يشرعها أو يتوسل إلى عبادته بتحريم ما ~~أحله وقد ذم الله سبحانه المشركين على هذين النوعين في كتابه في سورة ~~الأنعام والأعراف وغيرهما يذكر فيها ذمهم على ما حرموه من المطاعم والملابس ~~وذمهم على ما أشركوا به من عبادة غيره أو على ما ابتدعوه من ms537 عبادته بما لم ~~يشرعه وفي المسند: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة" فهي حنيفية في ~~التوحيد وعدم الشرك سمحة في العمل وعدم الآصار والأغلال بتحريمهم من ~~الطيبات الحلال فيعبد سبحانه بما أحبه ويستعان على عبادته بما أحله قال ~~تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} وهذا هو الذي فطر ~~الله عليه خلقه وهو محبوب لكل أحد مستقر سنته في كل فطرة فإنه يتضمن ~~التوحيد وإخلاص القصد والحب لله وحده وعبادته وحده بما يحب أن يعبد به ~~والأمر بالمعروف الذي تحبه القلوب والنهي عن المنكر الذي تبغضه وتنفر منه ~~ويحلل الطيبات النافعة وتحريم الخبائث الضارة. # فصل: وهذا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن كل مولود يولد على ~~الفطرة الحنيفية هو الذي تقوم الأدلة العقلية على صحته وأنه كما أخبر به ~~الصادق المصدوق ومن خالف ذلك فقد غلط وبيان ذلك من وجوه، أحدها أن الإنسان ~~قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقا وقد يحصل له منها ما يكون ~~باطلا إذ اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقدها وهي الحق # PageV01P303 # والخبر عنها يسمى صدقا وقد تكون غير مطابقة وهي الباطل والخبر عنها يسمى ~~كذبا والإرادات تنقسم إلى ما تكون نافعة له متضمنة لمصلحته ومرادها هو ~~الخير والحسن وإلى ما هو ضارة له مخالفة لمصلحته ومرادها هو الشر والقبح ~~وإذا كان الإنسان تارة يكون معتقدا للحق مريدا للخير وتارة يكون معتقدا ~~للباطل مريدا للشر فلا يخلو إما أن تكون نسبة نفسه الباطنة إلى النوعين ~~نسبة واحدة بحيث لا يكون فيها مرجحا لأحدهما على الآخر أو تكون نفسه مرجحة ~~لأحد الأمرين على الآخر فإن كان الأول لزم أن لا يوجد أحد النوعين إلا ~~بمرجح منفصل عنه فإذا قدر رجحان أحدهما ترجح هذا والآخر ترجح هذا فإما أن ~~يتكافأ المرجحان أو يترجح أحدهما فإن تكافأ لزم أن لا يحصل واحد منهما وهو ~~خلاف المعلوم بالضرورة فإنا نعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يعتقد الحق ~~ويصدق وأن يريد ما ينفعه ms538 وعرض عليه أن يعتقد الباطل ويكذب ويريد ما يضره ~~مال بفطرته إلى الأولى ونفر عن الثاني فعلم أن فطرة الإنسان قوة تقتضي ~~اعتقاد الحق وإرادة الخير وحينئذ الإقرار بوجود فاطره وخالقه ومعرفته ~~ومحبته والإيمان به وتعظيمه والإخلاص له إما أن يكون من النوع الأول أو ~~الثاني وكونه من الثاني معلوم الفساد بالضرورة فتعين أن يكون من الأول ~~وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي محبته ومعرفته والإيمان به والتوسل ~~إليه بمحابه، الوجه الثاني أن عبادته وحده بما يحبه إما أن يكون أكمل للناس ~~علما وقصدا أو الإشراك به أكمل والثاني معلوم الفساد بالضرورة فتعين الأول ~~وهو أن يكون في الفطرة مقتضى يقتضي توحيده وتألهه وتعظيمه، الوجه الثالث أن ~~الحنيفية التي هي دين الله ولا دين له غيرها إما أن تكون مع غيرها من ~~الأديان متماثلين أو الحنيفية أرجح أو تكون مرجوحة والأول والثالث باطلان ~~قطعا فوجب أن يكون في الفطرة مرجح يرجح الحنيفية وامتنع أن يكون نسبتها ~~ونسبة غيرها من الأديان إلى الفطرة سواء، الوجه الرابع أنه إذا ثبت أن في ~~الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق وإيثاره على ما سواه وأن ذلك حاصل مركوز ~~فيها من غير تعلم الأبوين ولا غيرهما بل لو فرض أن الإنسان تربى وحده ثم ~~عقل وميز لوجد نفسه مائلة إلى ذلك نافرة عن ضده كما يجد الصبي عند أول ~~تمييزه يعلم أن الحادث لا بد له من محدث فهو يلتفت إذا ضرب من خلفه لعلمه ~~أن تلك الضربة لا بد لها من ضارب فإذا شعر به بكى حتى يقتص له منه فيسكن ~~فقد ركز في فطرته الإقرار بالصانع وهو التوحيد ومحبة القصاص وهو العدل وإذا ~~ثبت ذلك ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه ~~والخضوع له من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك وإن لم يكن فطرة كل أحد مستقلة ~~بتحصيل ذلك بل يحتاج كثير منهم إلى سبب معين للفطرة مقولها وقد بينا أن هذا ~~السبب لا يحدث في الفطرة ms539 ما لم يكن فيها بل يعينها ويذكرها ويقويها فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة فإذا لم ~~يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها استجابت لدعوة الرسل ولا بد بما فيها من ~~المقتضى لذلك كمن دعا جائعا أو ظمآن إلى شراب وطعام لذيذ نافع لا تبعة فيه ~~عليه ولا يكلفه ثمنه فإنه ما لم يحصل هناك مانع فإنه يجيبه ولا بد، الوجه ~~الخامس إنا نعلم بالضرورة أن الطفل حين ولادته ليس له معرفة بهذا الأمر ولا ~~عنده إرادة له ويعلم أنه كلما حصل فيه قوة العلم والإرادة # PageV01P304 # حصل له من معرفته بربه ومحبته ما يناسب قوة فطرته وضعفها وهذا كما يشاهد ~~في الأطفال من محبة جلب المنافع ودفع المضار بحسب كمال التمييز وضعفه ~~فكلاهما أمر حاصل مع النشأة على التدريج شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى حده ~~الذي ليس في الفطرة استعداد لأكثر منه لكن قد يتفق لكثير من الفطر موانع ~~متنوعة تحول بينها وبين مقتضاها وموجبها، الوجه السادس أنه من المعلوم أن ~~النفوس إذا حصل لها معلم وداع حصل لها من العلم والإرادة بحسبه ومن المعلوم ~~أن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة الخير ومجرد التعليم لا يوجب تلك ~~القابلية فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك لم يحصل لها القبول فإن لحصوله في ~~المحل شروط مقبولة له وذلك القبول هو كونه مهيأ له مستعدا لحصوله فيه وقد ~~بينا أنه يمتنع أن يكون سببه ذلك وضده إلى النفس سواء، الوجه السابع أنه من ~~المعلوم مشاركة الإنسان لنوع الحيوان في الإحساس والحركة الإرادية وحبس ~~الشعور وأن الحيوان البهيم قد يكون أقوى إحساسا وحياة وشعورا من الإنسان ~~وليس بقابل لما الإنسان قابل له من معرفة الحق وإرادته دون غيره فلولا قوة ~~في الفطرة والنفس الناطقة اختص بها الإنسان دون الحيوان يقبل بها أن يعرف ~~الحق ويريد الخير لكان هو والحيوان في هذا العدم سواء وحينئذ يلزم أحد ~~أمرين كلاهما ممتنع أما كون الإنسان فاقدا لهذه المعرفة والإرادة كغيره ms540 من ~~الحيوانات أو تكون حاصلة لها كحصولها للإنسان فلولا أن في الفطرة والنفس ~~الناطقة قوة تقتضي ذلك لما حصل لها ولو كان بغير قوة ومقتضى منها لا يمكن ~~حصوله للجمادات والحيوانات لكن فاطرها وبارئها خصها بهذه القوة القابلية ~~وفطرها عليها يوضحه، الوجه الثامن أنه لو كان السبب مجرد التعليم من غير ~~قوة قابلة لحصل ذلك في الجمادات والحيوانات لأن السبب واحد ولا قوة هناك ~~يهيئ بها هذا المحل من غيره فعلم أن حصول ذلك في محل دون محل هو لاختلاف ~~القوابل والاستعدادات، الوجه التاسع أن حصول هذه المعرفة والإرادة في العدم ~~المحض محال فلا بد من وجود المحل وحصوله في موجود غير قابل محال بل لا بد ~~من قبول المحل وحصوله من غير مدد من الفاعل إلى القابل فلو قطع الفاعل ~~إمداده لذلك المحل القابل لم يوجد ذلك المقبول فلا بد من الإيجاد والإعداد ~~والإمداد فإذا استحال وجود القبول من غير إيجاد المحل استحال وجوده من غير ~~إعداده وإمداده والخلاق العليم سبحانه هو الموجد المعد الممد، الوجه العاشر ~~أنه من المعلوم أن النفس لا توجب بنفسها لنفسها حصول العلم والإرادة بل لا ~~بد فيها من قوة يقبل بها ذلك لا تكون هي المعطية لتلك القوة وتلك القوة لا ~~تتوقف على أخرى والإلزام التسلسل الممتنع والدور الممتنع وكلاهما ممتنع فها ~~هنا ثلاثة أمور أحدها وجود قوة قابلة الثاني أن تلك القوة ليست هي المعطية ~~لها الثالث أن تلك القوة لا تتوقف على قوة أخرى فحينئذ لزم أن يكون فاطرها ~~وبارئها قد فطرها على تلك القوة وأعدها بها لقبول ما خلقت له وقد علم ~~بالضرورة أن نسبة ذلك إليها وضده ليسا على السواء، الوجه الحادي عشر إنا لو ~~فرضنا توقف هذه المعرفة والمحبة على سبب خارج أليس عند حصول ذلك السبب يوجد ~~في الفطرة ترجيح ذلك ومحبته على ضده فهذا الترجيح والمحبة والأمر مركوز في ~~الفطرة، الوجه الثاني عشر إنا لو فرضنا أنه لم يحصل المفسد الخارج ولا ~~المصلح الخارج لكانت الفطرة ms541 مقتضية لإرادة المصلح وإيثاره على ما سواه وإذا ~~كان المقتضى موجودا والمانع مفقودا وجب حصول الأثر فإنه لا يتخلف إلا لعدم ~~مقتضيه أو لوجود مانعه # PageV01P305 # فإذا كان المانع زائلا حصل الأثر بالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم، ~~الوجه الثالث عشر أن السبب الذي في الفطرة لمعرفة الله ومحبته والإخلاص له ~~إما أن يكون مستلزما لذلك وإما أن يكون مقتضيا بدون استلزام أو يستحيل أن ~~لا يكون له أثر البتة وعلى التقديرين يترتب أثره عليه إما وحده على التقدير ~~الأول وإما بانضمام أمر آخر إليه على التقدير الثاني، الوجه الرابع عشر أن ~~النفس الناطقة لا تخلو عن الشعور والإرادة بل هذا الخلف ممتنع فيها فإن ~~الشعور والإرادة من لوازم حقيقتها فلا يتصور إلا أن تكون شاعرة مريدة ولا ~~يجوز أن يقال أنها قد تخلو في حق خالقها وفاطرها عن الشعور بوجوده وعن ~~محبته وإرادته فلا يكون إقرارها به ومحبته من لوازم ذاتها هذا باطل قطعا ~~فإن النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها وكونها مريدة هو من لوازم ذاتها ~~فإنها حية وكل حي شاعر متحرك بالإرادة وإذا كان كذلك فلا بد لكل مريد من ~~مراد والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره والمراد لغيره لا بد أن ~~ينتهي إلى مراد لنفسه قطعا للتسلسل في العلل الغائية فإنه محال كالتسلسل في ~~العلل الفاعلة وإذا كان لا بد للإنسان من مراد لنفسه فهو الله الذي لا لإله ~~إلا هو الذي تألهه النفوس وتحبه القلوب وتعرفه الفطر وتقربه العقول وتشهد ~~بأنه ربها ومليكها وفاطرها فلا بد لكل أحد من إله يألهه وصمد يصمد إليه ~~والعباد مفطورون على محبة الإله الحق ومعلوم بالضرورة أنهم ليسوا مفطورين ~~على تأله غيره فإذا إنما فطروا على تألهه وعبادته وحده فلو خلوا وفطرهم لما ~~عبدوا غيره ولا تألهوا سواه يوضحه، الوجه الخامس عشر أنه يستحيل أن تكون ~~الفطرة خالية عن التأله والمحبة ويستحيل أن يكون فيها تأله غير الله لوجوه ~~منها أن ذلك خلاف الواقع ومنها أن ذلك المخلوق ليس ms542 أولى أن يكون إلها لكل ~~الخلق من المخلوق الآخر ومنها أن المشركين لم يتفقوا على إله واحد بل كل ~~طائفة تعبد ما تستحسنه ومنها أن ذلك المخلوق إن كان ميتا فالحي أكمل منه ~~فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على عبادة الميت وإن كان حيا فهو أيضا مريد ~~فله إله تألهه وحينئذ فلزم الدور الممتنع أو التسلسل الممتنع فلا بد للخلق ~~كلهم من إله يألهوه ولا يأله هو غيره وهذا برهان قطعي ضروري فإن قلت هذا ~~يستلزم أنه لا بد لكل حي مخلوق من إله ولكن لم لا يجوز أن يكون مطلوب النفس ~~هو مطلق التأله والمألوه لا إلها معينا كما تقوله طوائف الاتحادية، قلت هذا ~~يتبين بالوجه السادس عشر وهو أن المراد إما أن يراد لنوعه أو لعينه فالأول ~~كإرادة العطشان والجائع والعاري لنوع الشراب والطعام واللباس فإنه إنما ~~يريد النوع وحيث أراد المعين فهو القدر المشترك بين أفراده وذلك القدر ~~المشترك كلي لا وجود له في الخارج فيستحيل أن يراد لذاته إذ المراد لذاته ~~لا يكون إلا معينا ويستحيل أن يوجد في اثنين فإن إرادة كل واحد منهما لذاته ~~تنافي إرادته لذاته إذ المعنى بإرادته لذاته أنه وحده هو المراد لذاته ~~الخاصة وهذا يمنع أن يراد معه ثان لذاته وإذا عرف ذلك فلو كان القدر ~~المشترك بين أفراد النوع أو بين الاثنين هو المراد لذاته لزم أن يكون ما ~~يختص به أحدهما ليس مراد لذاته وكذلك ما يختص به الآخر والموجود في الخارج ~~إنما هو الذات المختصة لا الكلي المشترك (هامش) تعلق الثالثة بالقدر ~~المشترك لم يكن للخلف في الخارج إله ولكان إلههم أمرا ذهنيا وجوده في ~~الأذهان لا في الأعيان وهذا هو الذي يألهه طوائف أهل الوحدة والجهمية الذين ~~أنكروا أن يكون الله تعالى لا خارج العالم ولا داخله فإن هذا إنما هو إله ~~مفروض يفرضه الذهن كما يفرض سائر # PageV01P306 # الممتنعات الخارجة وتظنه واجب الوجود وليس هو ممكن الوجود فضلا عن وجوبه ~~وبهذا يتبين أن الجهمية وإخوانهم من ms543 القائلين بوحدة الوجود ليس لهم إله ~~معين في الخارج يألهونه ويعبدونه بل هؤلاء ألهوا الوجود المطلق الكلي ~~وأولئك ألهوا المعدوم الممتنع وجوده وأتباع الأنبياء إلههم الله الذي لا ~~إله إلا هو الذي خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى له ما ~~في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه ~~يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى هو الذي فطر القلوب ~~على محبته والإقرار به وإجلاله وتعظيمه وإثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن ~~صفات النقائص والعيوب وعلى أنه فوق سماواته بائن من خلقه تصعد إليه أعمالهم ~~على تعاقب الأوقات وترفع إليه أيديهم عند الرغبات يخافونه من فوقهم ويرجون ~~رحمته تنزل إليهم من عنده فهممهم صاعدة إلى عرشه تطلب فوقه إلها عليا عظيما ~~قد استوى على عرشه واستولى على خلقه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم ~~يعرض إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة ~~العزيز الرحيم والمقصود أنه إذا لم يكن في الحسيات الخارجة عن الأذهان ما ~~هو مراد لذاته لم يكن فيها ما يستحق أن يأله أحد فضلا أن يكون فيها ما يجب ~~أن يألهه كل أحد فتبين أنه لا بد من إله معين هو المحبوب المراد لذاته ومن ~~الممتنع أن يكون هذا غير فاطر السموات والأرض وتبين أنه لو كان في السموات ~~والأرض إله غيره لفسدتا وأن كل مولود يولد على محبته ومعرفته وإجلاله ~~وتعظيمه وهذا دليل مستقل كاف فيما نحن فيه وبالله التوفيق، تم الكتاب ~~والحمد الله. PageV01P307 ms544