######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0030842 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: صفات المنافقين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0030842 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-30842 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/30842 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1410 هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | صفات المنافقين ### | بسم الله الرحمن الرحيم # إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ~~وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله. # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~[آل عمران: 102] {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق ~~منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به ~~والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا - يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ~~ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70 - 71] أما بعد ### | فإن النفاق هو الداء العضال # الباطن الذي يكون الرجل ممتلئا منه، وهو لا يشعر. فإنه أمر خفي على ~~الناس. وكثيرا ما يخفى على من تلبس به فيزعم أنه مصلح وهو مفسد. ### | وهو نوعان: أكبر، وأصغر # . فالأكبر: يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل. وهو أن يظهر للمسلمين ~~إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وهو في الباطن منسلخ # PageV01P003 # من ذلك كله مكذب به. لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله ~~رسولا للناس، يهديهم بإذنه. وينذرهم بأسه، ويخوفهم عقابه. # وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى ~~لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاثة ~~في أول سورة البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع ~~آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية. # لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية ~~الإسلام بهم شديدة جدا، لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته، وهم ~~أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم وإصلاح ~~وهو غاية الجهل والإفساد. # فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟ ! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه ~~وخربوه؟ ! وكم من علم له قد طمسوه؟ ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟ ! وكم ~~ضربوا ms01 بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها؟ ! وكم عموا عيون موارده ~~بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟ ! # PageV01P004 # فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم ~~سرية بعد سرية. ويزعمون أنهم بذلك مصلحون {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون} [البقرة: 12] {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ~~ولو كره الكافرون} [الصف: 8] اتفقوا على مفارقة الوحي. فهم على ترك ~~الاهتداء به مجتمعون {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} ~~[المؤمنون: 53] {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام: 112] ~~ولأجل ذلك {اتخذوا هذا القرآن مهجورا} [الفرقان: 30] درست معالم الإيمان في ~~قلوبهم فليسوا يعرفونها. ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلت كواكبه ~~النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم ~~وأفكارهم فليسوا يبصرونها. لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله. ولم ~~يرفعوا به رأسا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسا. خلعوا ~~نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة. وعزلوها عن ولاية اليقين، وشنوا عليها غارات ~~التأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها منهم كمين بعد كمين. نزلت عليهم ~~نزول الضيف على أقوام لئام، فقابلوها # PageV01P005 # بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام. وتلقوها من بعيد، ولكن بالدفع في ~~الصدور منها والأعجاز. وقالوا: مالك عندنا من عبور- وإن كان لا بد - فعلى ~~سبيل الاجتياز. أعدوا لدفعها أصناف العدد وضروب القوانين، وقالوا- لما حلت ~~بساحتهم-: ما لنا ولظواهر لفظية لا تفيدنا شيئا من اليقين. وعوامهم قالوا: ~~حسبنا ما وجدنا عليه خلفنا من المتأخرين، فإنهم أعلم بها من السلف الماضين، ~~وأقوم بطرائق الحجج والبراهين. # وأولئك غلبت عليهم السذاجة وسلامة الصدور. ولم يتفرغوا لتمهيد قواعد ~~النظر، ولكن صرفوا هممهم إلى فعل المأمور وترك المحظور، فطريقة المتأخرين: ~~أعلم وأحكم، وطريقة السلف الماضين: أجهل، لكنها أسلم. # أنزلوا نصوص السنة والقرآن منزلة الخليفة في هذا الزمان، اسمه على السكة ~~وفي الخطبة فوق المنابر مرفوع. والحكم النافذ لغيره، فحكمه غير مقبول ولا ~~مسموع. لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران، والغل ~~والكفران، فالظواهر ظواهر الأنصار، والبواطن ms02 قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهم ~~ألسنة المسالمين، وقلوبهم قلوب المحاربين، ويقولون: {آمنا بالله وباليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] # PageV01P006 # رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم العقل المعيشي: ~~إن الفريقين عنهم راضون، وهم بينهم آمنون {يخادعون الله والذين آمنوا وما ~~يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 9] قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات ~~قلوبهم فأهلكتها، وغلبت القصود السيئة على إرادتهم ونياتهم فأفسدتها، ~~ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك، فعجز عنه الأطباء العارفون {في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} [البقرة: 10] من غلقت ~~مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ~~ألقاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين ~~التصديق. ففسادهم في الأرض كثير وأكثر الناس عنه غافلون {وإذا قيل لهم لا ~~تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون - ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون} [البقرة: 11 - 12] # المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر، مبخوس حظه. من المعقول، ~~والدائر مع النصوص عندهم كحمار يحمل أسفارا، فهمه في حمل المنقول. وبضاعة ~~تاجر # PageV01P007 # الوحي لديهم كاسدة، وما هو عندهم بمقبول. وأهل الاتباع عندهم سفهاء، فهم ~~في خلواتهم ومجالسهم بهم يتطيرون {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} [البقرة: 13] # لكل منهم وجهان: وجه يلقى به المؤمنين، ووجه ينقلب به إلى إخوانه من ~~الملحدين. وله لسانان: أحدهما يقبله بظاهره المسلمون، والآخر يترجم به عن ~~سره المكنون {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14] قد أعرضوا عن الكتاب ~~والسنة استهزاء بأهلهما واستحقارا. وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما ~~عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه إلا أشرا واستكبارا. فتراهم ~~أبدا بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون} [البقرة: 15] خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات. ~~فركبوا مراكب الشبه، والشكوك تجري بهم في موج الخيالات. ms03 فلعبت بسفنهم الريح ~~العاصف. فألقتها بين سفن الهالكين {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ~~ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] # PageV01P008 # أضاءت لهم نار الإيمان فأبصروا في ضوئها مواقع الهدى والضلال. ثم طفئ ذلك ~~النور، وبقيت نارا تأجج ذات لهب واشتعال. فهم بتلك النار معذبون، وفي تلك ~~الظلمات يعمهون {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17] أسماع قلوبهم قد أثقلها ~~الوقر، فهي لا تسمع منادي الإيمان، وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى. فهي ~~لا تبصر حقائق القرآن، وألسنتهم بها خرس عن الحق، فهم به لا ينطقون. {صم ~~بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] صاب عليهم صيب الوحي، وفيه حياة ~~القلوب والأرواح. فلم يسمعوا منه إلا رعد التهديد والوعيد والتكاليف التي ~~وظفت عليهم في المساء والصباح. فجعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم، ~~وجدوا في الهرب، والطلب في آثارهم والصياح. فنودي عليهم على رؤوس الأشهاد، ~~وكشفت حالهم للمستبصرين، وضرب لهم مثلان بحسب حال الطائفتين منهم: ~~المناظرين والمقلدين. فقيل {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين} [البقرة: ~~19] # PageV01P009 # ضعفت أبصار بصائرهم عن احتمال ما في الصيب من بروق أنواره وضياء معانيه، ~~وعجزت أسماعهم عن تلقي رعود وعوده وأوامره ونواهيه. فقاموا عند ذلك حيارى ~~في أودية التيه، لا ينتفع بسمعه السامع، ولا يهتدي ببصره البصير. {كلما ~~أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] لهم علامات يعرفون بها ~~مبينة في السنة والقرآن، بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان. قام بهم- ~~والله- الرياء، وهو أقبح مقام قامه الإنسان، وقعد بهم الكسل عما أمروا به ~~من أوامر الرحمن، فأصبح الإخلاص عليهم لذلك ثقيلا وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. أحدهم كالشاة العائرة ~~بين الغنمين، تيعر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، ولا تستقر مع إحدى الفئتين، ~~فهم ms04 واقفون بين الجمعين. ينظرون أيهم أقوى وأعز قبيلا مذبذبين بين ذلك لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا. # PageV01P010 # يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن. فإن كان لهم فتح من الله، قالوا: ~~ألم نكن معكم؟ وأقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم. وإن كان لأعداء الكتاب ~~والسنة من النصرة نصيب، قالوا: ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم، وأن ~~النسب بيننا قريب؟ فيا من يريد معرفتهم، خذ صفاتهم من كلام رب العالمين. ~~فلا تحتاج بعده دليلا {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ~~ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من ~~المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] يعجب السامع قول أحدهم لحلاوته ولينه. ويشهد ~~الله على ما في قلبه من كذبه ومينه، فتراه عند الحق نائما. وفي الباطل على ~~الأقدام، فخذ وصفهم من قول القدوس السلام: {ومن الناس من يعجبك قوله في ~~الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] ~~أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد، ونواهيهم ~~عما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد. وأحدهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في ~~الصلاة والذكر # PageV01P011 # والزهد والاجتهاد {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ~~والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] فهم جنس بعضه يشبه بعضا، يأمرون ~~بالمنكر بعد أن يفعلوه. وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه، ويبخلون بالمال ~~في سبيل الله ومرضاته أن ينفقوه، كم ذكرهم الله بنعمه فأعرضوا عن ذكره ~~ونسوه؟ وكم كشف حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه؟ فاسمعوا أيها المؤمنون: ~~{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون} [التوبة: 67] ~~إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، وإن دعوتهم إلى حكم كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رأيتهم عنه معرضين، فلو شهدت حقائقهم ~~لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا. . ورأيتها معرضة ms05 عن الوحي إعراضا شديدا ~~{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا} [النساء: 61] فكيف لهم بالفلاح والهدى! بعدما أصيبوا في عقولهم ~~وأديانهم وأنى لهم التخلص من الضلال والردى؟ وقد اشتروا # PageV01P012 # الكفر بإيمانهم؟ فما أخسر تجارتهم البائرة! وقد استبدلوا بالرحيق المختوم ~~حريقا {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن ~~أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء: 62] 4 / 62. نشب زقوم الشبه والشكوك في ~~قلوبهم. فلا يجيدون له مسيغا {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض ~~عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] تبا لهم، ما أبعدهم ~~عن حقيقة الإيمان! وما أكذب دعواهم للتحقيق والعرفان، فالقوم في شأن وأتباع ~~الرسول في شأن. لقد أقسم الله جل جلاله في كتابه بنفسه المقدسة قسما عظيما ~~يعرف مضمونه أولو البصائر، فقلوبهم منه على حذر إجلالا له وتعظيما، فقال ~~تعالى تحذيرا لأوليائه وتنبيها على حال هؤلاء وتفهيما: {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} [النساء: 65] تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه. لعلمه ~~أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه، فيتبرأ بيمينه من سوء # PageV01P013 # الظن به وكشف ما لديه، وكذلك أهل الريبة يكذبون، ويحلفون ليحسب السامع ~~إنهم صادقون قد {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون} [المنافقون: 2] تبا لهم! برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان، فلما ~~رأوا طول الطريق وبعد الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا. وظنوا أنهم يتمتعون ~~بطيب العيش ولذة المنام في ديارهم. فما متعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا. ~~فما هو إلا أن صاح بهم الصائح فقاموا عن موائد أطعمتهم والقوم جياع ما ~~شبعوا. فكيف حالهم عند اللقاء؟ وقد عرفوا ثم أنكروا، وعموا بعد ما عاينوا ~~الحق وأبصروا {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} ~~[المنافقون: 3] أحسن الناس أجساما وأخلبهم لسانا وألطفهم بيانا وأخبثهم ~~قلوبا وأضعفهم جنانا. فهم كالخشب ms06 المسندة التي لا ثمر لها. قد قلعت من ~~مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها، لئلا يطأها السالكون. {وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم ~~العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} [المنافقون: 4] # PageV01P014 # يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول إلى شرق الموتى. فالصبح عند طلوع الشمس، ~~والعصر عند الغروب، وينقرونها نقر الغراب. إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة ~~القلوب، ويلتفتون فيها التفاتة الثعلب، إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب. ولا ~~يشهدون الجماعة، بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان، وإذا خاصم فجر، وإذا ~~عاهد غدر، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. هذه معاملتهم ~~للخلق، وتلك معاملتهم للخالق، فخذ وصفهم من أول (المطففين) وآخر (والسماء ~~والطارق) فلا ينبئك عن أوصافهم مثل خبير {يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التوبة: 73] فما ~~أكثرهم! وهم الأقلون. وما أجبرهم! وهم الأذلون. وما أجهلهم! وهم ~~المتعالمون. وما أغرهم بالله! إذ هم بعظمته جاهلون! {ويحلفون بالله إنهم ~~لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} [التوبة: 56] إن أصاب أهل الكتاب ~~والسنة عافية ونصر وظهور، ساءهم ذلك وغمهم، وإن أصابهم ابتلاء من الله ~~وامتحان يمحص به ذنوبهم ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك # PageV01P015 # وسرهم. وهذا يحقق إرثهم وإرث من عداهم، ولا يستوي من موروثه الرسول ومن ~~موروثهم المنافقون {إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا ~~أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون - قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو ~~مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [التوبة: 50 - 51] وقال تعالى في شأن ~~السلفين المختلفين، والحق لا يندفع بمكابرة أهل الزيغ والتخليط: {إن تمسسكم ~~حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا إن الله بما يعملون محيط} [آل عمران: 120] كره الله طاعاتهم لخبث ~~قلوبهم وفساد نياتهم. فثبطهم عنها وأقعدهم. وأبغض قربهم منه وجواره، لميلهم ~~إلى أعدائه. فطردهم عنه وأبعدهم. وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم، وأشقاهم وما ~~أسعدهم. وحكم ms07 عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من ~~التائبين. فقال تعالى {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله ~~انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} [التوبة: 46] ثم ذكر حكمته في ~~تثبيطهم وإقعادهم، وطردهم عن بابه وإبعادهم، وإن ذلك من لطفه بأوليائه ~~وإسعادهم. فقال وهو أحكم الحاكمين: # PageV01P016 # {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ~~وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين} [التوبة: 47] ثقلت عليهم النصوص ~~فكرهوها. وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها، وتفلتت منهم السنن أن ~~يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها ~~بها ودفعوها. ولقد هتك الله أستارهم. وكشف أسرارهم، وضرب لعباده أمثالهم. ~~واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم، فذكر أوصافهم لأوليائه ~~ليكونوا منها على حذر. وبينها لهم فقال: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ~~فأحبط أعمالهم} [محمد: 9] هذا شأن من ثقلت عليه النصوص، فرآها حائلة بينه ~~وبين بدعته وهواه. فهي في وجهه كالبنيان المرصوص. فباعها بمحصل من الكلام ~~الباطل. واستبدل منها بالفصوص. فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم ~~{ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم ~~إسرارهم - فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم - ذلك بأنهم ~~اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [محمد: 26 - 28] # PageV01P017 # أسروا سرائر النفاق. فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم: وفلتات اللسان. ~~ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان. وظنوا أنهم ~~إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد. كيف؟ والناقد ~~البصير قد كشفها لكم {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ~~- ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم} [محمد: 29 - 30] # فكيف إذا جمعوا ليوم التلاق، وتجلى الله- جل جلاله- للعباد وقد كشف عن ~~ساق؟ ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا ~~يدعون إلى السجود وهم سالمون} [القلم: 43] أم كيف بهم إذا حشروا إلى جسر ~~جهنم؟ وهو ms08 أدق من الشعرة، وأحد من الحسام. وهو دحض مزلة، مظلم، لا يقطعه ~~أحد إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام. فقسمت بين الناس الأنوار. وهم على قدر ~~تفاوتها في المرور والذهاب. وأعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام. كما كانوا ~~بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام. فلما توسطوا ~~الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق. فأطفأت ما بأيديهم من # PageV01P018 # المصابيح. فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور. فضرب بينهم وبين أهل الإيمان ~~بسور له باب. ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح. باطنه- الذي يلي ~~المؤمنين- فيه الرحمة، وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة. ينادون من ~~تقدمهم من وفد الإيمان، ومشاعل الركب تلوح على بعد كالنجوم تبدو لناظر ~~الإنسان: {انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] لنتمكن في هذا المضيق من ~~العبور. فقد طفئت أنوارنا. ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور {قيل ارجعوا ~~وراءكم فالتمسوا نورا} [الحديد: 13] حيث قسمت الأنوار. فهيهات الوقوف لأحد ~~في مثل هذا المضمار! كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق؟ فهل يلوي اليوم أحد ~~على أحد في هذا الطريق؟ وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق؟ فذكروهم باجتماعهم ~~معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار، كما يذكر الغريب صاحب الوطن بصحبته له في ~~الأسفار {ألم نكن معكم} [الحديد: 14] نصوم كما تصومون، ونصلي كما تصلون، ~~ونقرأ كما تقرأون، ونتصدق كما تصدقون. ونحج كما تحجون؟ فما الذي فرق بيننا ~~اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور؟ قالوا بلى ولكنكم كانت ظواهركم معنا ~~وبواطنكم مع كل ملحد، وكل ظلوم كفور {ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور - فاليوم لا يؤخذ منكم ~~فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} [الحديد: 14 ~~- 15] # PageV01P019 # لا تستطل أوصاف القوم. فالمتروك- والله- أكثر من المذكور. كاد القرآن أن ~~يكون كله في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور. فلا خلت بقاع ~~الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات. وتتعطل بهم أسباب المعايش، ~~وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات. سمع حذيفة رضي الله عنه رجلا يقول: ~~اللهم ms09 أهلك المنافقين. فقال: " يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في ~~طرقاتكم من قلة السالك ". # تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين. لعلمهم بدقه وجله، ~~وتفاصيله وجمله. ساءت ظنونهم بنفوسهم، حتى خشوا أن يكونوا من جملة ~~المنافقين. قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: " يا حذيفة، نشدتك ~~بالله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا. ولا أزكي ~~بعدك أحدا " وقال ابن أبي مليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان ~~جبريل وميكائيل " ذكره # PageV01P020 # البخاري. وذكر عن الحسن البصري: " ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن ~~" ولقد ذكر عن بعض الصحابة: أنه كان يقول في دعائه: " اللهم إني أعوذ بك من ~~خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس ~~بخاشع ". تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا، وخوفهم من النفاق شديد ~~وهمهم لذلك ثقيل، وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم. وهم يدعون أن ~~إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل. زرع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، ~~وساقية الرياء. ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة. ~~فإذا تمت هذه الأركان الأربع، استحكم نبات النفاق وبنيانه. ولكنه بمدارج ~~السيول على شفا جرف هار. فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر، وكشف ~~المستور، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور. تبين حينئذ لمن كانت ~~بضاعته النفاق، أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب {يحسبه الظمآن ماء حتى ~~إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} ~~[النور: 39] # PageV01P021 # قلوبهم عن الخيرات لاهية. وأجسادهم إليها ساعية. والفاحشة في فجاجهم ~~فاشية. وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية. وإذا حفروا الباطل ~~وشهدوا الزور، انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية. # فهذه- والله- أمارات النفاق. فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية. ~~إذا عاهدوا لم يفوا. وإن وعدوا أخلفوا. وإن قالوا لم ينصفوا. وإن دعوا إلى ~~الطاعة ms10 وقفوا. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا. ~~وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا. فذرهم وما اختاروا ~~لأنفسهم من الهوان. والخزي والخسران. فلا تثق بعهودهم. ولا تطمئن إلى ~~وعودهم. فإنهم فيها كاذبون. وهم لما سواها مخالفون {ومنهم من عاهد الله لئن ~~آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين - فلما آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون - فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا ~~الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 75 - 77] تمت وصلى الله وسلم ~~على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV01P022 ms11