######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023606 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفسير القرآن الكريم (ابن القيم) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023606 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23606 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23606 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان #META# 041.EdNUMBER :: الأولى - 1410 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ومكتبة الهلال - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # تقديم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وإليه ترجع الأمور، يولج ~~النهار في الليل ويولج الليل في النهار وهو العليم بذات الصدور الذي خلق ~~الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور. # نحمده تعالى ونشكره ونستعينه سبحانه ونستغفره ونشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له شهادة نفور بها وننجو يوم البعث والنشور ونشهد أن سيدنا ~~محمدا رسوله المصطفى من خلقه أجمعين، أرسله بدين الهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون صلى اللهم عليه صلاة ~~تحبها له وترضاها وتكون لنا بها شفاعته يوم لا يشفع مال ولا بنون إنك نعم ~~المولى ونعم النصير. # وبعد عزيزي القارئ. # لقد أولتنا دار ومكتبة الهلال ثقة عظيمة وحملتنا مسؤولية كبيرة عند ما ~~عهدت إلينا بتحقيق وشرح ومراجعة هذا الكتاب القيم من كتب تفسير # PageV01P007 # كتاب الله القدير، عنيت التفسير القيم للإمام ابن القيم. # إن تحقيق ودراسة وشرح أثر هام كهذا الأثر عمل يحتاج إلى مجهود شاق في ~~مقابلة النصوص المطبوعة منه للوصول إلى النص الصحيح الذي لا تشوبه شائبة ~~وذلك لعدم توافر الأصل المخطوط بين أيدينا. # إن الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذا الكتاب قد جرت مقارنتها مع ~~كتب الصحاح التي أسندت إليها ولذلك لاعتماد بعض السلف على الذاكرة والحفظ ~~في نقل هذه الأحاديث ولاعتماد النساخ على تصوير الكلمات التي لم تتضح لهم ~~صياغتها الصحيحة ومن ناسخ إلى مراجع ضاعت الكلمة الأصيلة وحل محلها كلمة ~~جديدة لا علاقة لها بالأصل. # وكذا في آي القرآن الكريم فقد تم الرجوع في ضبطها إلى نسخة مصحف المدينة ~~المنورة التي تقوم المملكة العربية السعودية مشكورة بطبعها والإشراف عليها ~~لأنها أفضل نسخ المصاحف المطبوعة ضبطا وطباعة. # إن مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية الذي أخذ على عاتقه خدمة ~~هذا الشرع الحنيف والسنة النبوية المطهرة وتقديم كتب التراث العربي ~~والإسلامي لم يأل جهدا في كل ما قدم لدور النشر العربية واللبنانية من كتب ~~هذا التراث العظيم وقد ms001 أسند العمل بها إلى عدد من العلماء والأجلاء ~~العاملين في حقل التحقيق والتأليف. # وقد أشرف المكتب على مراجعة وتدقيق هذا الكتاب قبل تسليمه # PageV01P008 # لدار ومكتبة الهلال التي تحاول دائما أن تكون كتبها في أنقى صيغة ممكنة ~~خالية من الشوائب والأخطاء التي تعيب الكتب عادة. # ونأمل أن نكون قد وفقنا فيما قمنا به من عمل راجين به رحمة الله وغفرانه، ~~غفر الله لنا ولكم ولوالدينا ووالديكم إنه هو الغفار الرحيم. # مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية بيروت # PageV01P009 ### | سورة الفاتحة ### | [سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) إياك ~~نعبد وإياك نستعين (5) # اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين (7) # اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال ~~وتضمنتها أكمل تضمن. # فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء، مرجع الأسماء ~~الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها. وهي: «الله، والرب، والرحمن ~~«1» » وبنيت السورة على الإلهية والربوبية والرحمة. ف إياك نعبد مبنى على ~~الإلهية. وإياك نستعين على الربوبية وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة ~~الرحمة. والحمد يتضمن الأمور الثلاثة: فهو المحمود في إلهيته، وربوبيته، ~~ورحمته. والثناء والمجد كمالان لجده. # وتضمنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيئها. وتفرد الرب ~~تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وكون حكمه بالعدل. وكل هذا تحت قوله: ~~مالك يوم الدين. # وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة: PageV01P011 # أحدها: كونه رب العالمين. فلا يليق به أن يترك عباده سدى هملا، لا يعرفهم ~~ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وما يضرهم فيهما. فهذا هضم للربوبية، ونسبة ~~الرب تعالى إلى ما لا يليق به. وما قدره حق قدره من نسبه إليه. # الثاني: أخذها من اسم «الله» وهو المألوه المعبود. ولا سبيل للعباد إلى ~~معرفة عبادته إلا من طريق رسله. # الموضع الثالث: من اسمه «الرحمن» فإن رحمته تمنع إهمال عباده، وعدم ~~تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم. فمن أعطى اسم «الرحمن» حقه عرف أنه ~~متضمن لإرسال الرسل، وإنزال ms002 الكتب، أعظم من تضمنه علم إنزال الغيث «1» ~~وإنبات الكلأ «2» ، وإخراج الحب. فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب ~~والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن ~~المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب «3» . وأدرك منه ~~أولو الألباب أمرا وراء ذلك. # الموضع الرابع: من ذكر «يوم الدين» فإنه اليوم الذي يدين الله العباد فيه ~~بأعمالهم، فيثيبهم على الخيرات، ويعاقبهم على المعاصي والسيئات وما كان ~~الله ليعذب أحدا قبل إقامة الحجة عليه. والحجة إنما قامت برسله وكتبه. # وبهم استحق الثواب والعقاب. وبهم قام سوق يوم الدين. وسيق الأبرار إلى ~~النعيم. والفجار إلى الجحيم. # الموضع الخامس: من قوله إياك نعبد فإن ما يعبد به تعالى لا يكون إلا على ~~ما يحبه ويرضاه. وعبادته: هي شكره وحبه وخشيته، فطري ومعقول للعقول ~~السليمة. لكن طريق التعبد وما يعبد به لا سبيل إلى معرفته إلا برسله. وفي ~~هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول، يستحيل PageV01P012 # تعطيل العالم عنه، كما يستحيل تعطيله عن الصانع. فمن أنكر الرسول فقد ~~أنكر المرسل. ولم يؤمن به، ولهذا جعل سبحانه الكفر برسله كفرا به. # الموضع السادس: من قوله اهدنا الصراط المستقيم فالهداية: # هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة. ولا ~~سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل. فإذا حصل البيان والدلالة ~~والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق. وجعل الإيمان في القلب وتحبيبه إلى، ~~وتزيينه في قلبه، وجعله مؤثرا له، راضيا به، راغبا فيه. هما هدايتان ~~مستقلتان، لا يحصل الفلاح إلا بهما. وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من ~~الحق تفصيلا وإجمالا، وإلهامنا له، وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرا وباطنا. ثم ~~خلق القدرة لنا على القيام لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل ~~والعزم. ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة. # ومن هاهنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة، وبطلان ~~قول من يقول: إذا كنا مهتدين، فكيف نسأل الهداية؟ فإن المجهول لنا، من الحق ~~أضعاف المعلوم. وما لا ms003 نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منه أو ~~دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك. وما نعرف جملته ولا نهتدي ~~لتفاصيله، فأمر يفوته الحصر. ونحن محتاجون إلى الهداية التامة. # فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام. # وللهداية مرتبة أخرى- وهي آخر مراتبها- وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق ~~الجنة. وهو الصراط الموصل إليها. فمن هدى في هذه الدار إلى صراط الله ~~المستقيم الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم، ~~الموصل إلى جنته ودار ثوابه. وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي ~~نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن ~~جهنم. وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط. فمنهم من ~~يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطرف، # PageV01P013 # ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيا، ~~ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المخدوش المسلم، ومنهم ~~المكردس في الناس. فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو ~~القذة بالقذة جزاء وفاقا هل تجزون إلا ما كنتم تعملون. # فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير، والسلامة من كل شر. # الموضع السابع: من معرفة نفس المسؤول، وهو الصراط المستقيم. # ولا تكون الطريق صراطا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة، والإيصال إلى ~~المقصود، والقرب، وسعته للمارين عليه، وتعينه طريقا للمقصود. ولا يخفى تضمن ~~الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة. # ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم. ~~فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه. فإن ~~كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك وما ربك بظلام للعبيد. # فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه، لأن الخط المستقيم هو أقرب خط فاصل بين ~~نقطتين. وكلما تعوج طال وبعد. واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود ونصبه ~~لجميع من يمر عليه يستلزم سعته. وإضافته إلى المنعم عليهم، ووصفه بمخالفة ~~صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقا. # والصراط: ms004 تارة يضاف إلى الله، إذ هو الذي شرعه ونصبه، كقوله تعالى: 6: ~~153 وأن هذا صراطي مستقيما وقوله: 42: 52 وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم: صراط ~~الله وتارة يضاف إلى العباد، كما في الفاتحة لكونهم أهل سلوكه. وهو المنسوب ~~لهم. وهم المارون عليه. # الموضع الثامن: من ذكر المنعم عليهم، وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال ~~فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى الأقسام الثلاثة. لأن العبد ~~إما أن يكون عالما بالحق، أو جاهلا به. والعالم بالحق # PageV01P014 # إما أن يكون عاملا بموجبه أو مخالفا له. فهذه أقسام المكلفين. لا يخرجون ~~عنها البتة. فالعالم بالحق العامل به: هو المنعم عليه. وهو الذي زكى نفسه ~~بالعلم النافع والعمل الصالح. وهو المفلح 91: 9 قد أفلح من زكاها والعالم ~~به المتبع هواه هو. المغضوب عليه. والجاهل بالحق: هو الضال. والمغضوب عليه ~~ضال عن هداية العمل. والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل. فكل ~~منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف ~~الغضب وأحق به. ومن هاهنا كان اليهود أحق به. وهو متغلظ في حقهم. كقوله ~~تعالى في حقهم 2: 90 بئسما اشتروا به أنفسهم: أن يكفروا بما أنزل الله بغيا ~~أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباؤ بغضب على غضب قال تعالى: ~~5: 60 قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه، ~~وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء ~~السبيل. والجاهل بالحق: أحق باسم الضلال. ومن هنا وصفت النصارى به في قوله ~~تعالى: 5: 77 قل: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل فالأولى: في ~~سياق الخطاب مع اليهود. # والثانية: في سياقه مع النصارى. # وفي الترمذي وصحيح ابن حبان: من حديث عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم. # والنصارى ضالون» «1» . # ففي ذكر المنعم عليهم- وهم من عرف ms005 الحق واتبعه- والمغضوب عليهم- وهم من ~~عرفه واتبع هواه- والضالين- وهم من جهله-: ما يستلزم ثبوت الرسالة والنبوة. ~~لأن انقسام الناس إلى ذلك هو الواقع المشهود. وهذه القسمة إنما أوجبها ثبوت ~~الرسالة. وأضاف النعمة إليه، وحذف فاعل الغضب لوجوه. PageV01P015 # منها: أن النعمة هي الخير والفصل. والغضب من باب الانتقام والعدل. ~~والرحمة تغلب الغضب، فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين، وأسبقهما وأقواهما. وهذه ~~طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنعم إليه. # وحذف الفاعل في مقابلتهما، كقول مؤمني الجن 72: 10 وأنا لا ندري أشر أريد ~~بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ومنه قوله الخضر في شأن الجدار ~~واليتيمين 18: 82 فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما وقال في خرق ~~السفينة 18: 79 فأردت أن أعيبها ثم قال بعد ذلك وما فعلته عن أمري وتأمل ~~قوله تعالى: 2: 187 أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم وقوله: 5: 4 حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وقوله: 4: 24 حرمت عليكم أمهاتكم- ثم قال- ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم. # وفي تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي ~~الموجبة للفلاح الدائم. وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر. فكل الخلق ~~في نعمه. وهذا فصل النزاع في مسألة: هل لله على الكافر من نعمة أم لا؟. # فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان. ومطلق النعمة يكون للمؤمن والكافر، كما ~~قال تعالى: 14: 34 وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار. # والنعمة من جنس الإحسان، بل هي الإحسان. والرب تعالى إحسانه على البر ~~والفاجر. والمؤمن والكافر. وأما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم ~~محسنون. # الوجه الثاني: أن الله سبحانه هو المنفرد بالنعم: 16: 53 وما بكم من نعمة ~~فمن الله فأضيف إليه ما هو منفرد به. وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقا ومجرى ~~للنعمة. وأما الغضب على أعدائه فلا يختص به # PageV01P016 # تعالى، بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضبون لغضبه. فكان في طلبة ~~المغضوب عليهم» بموافقة أوليائه له: من الدلالة على تفرده بالإنعام، وأن ~~النعمة المطلقة منه وحده، هو المنفرد بها- ما ليس في لفظه «المنعم عليهم» ms006 . # الوجه الثالث: أن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه ~~وتحقيره، وتصغير شأنه، ما ليس في ذكر فاعل النعمة، من إكرام المنعم عليه ~~والإشادة بذكره، ورفع قدره: ما ليس في حذفه. فإذا رأيت من قد أكرمه ملك ~~وشرفه، ورفع قدره، فقلت: هذا الذي أكرمه السلطان، وخلع عليه وأعطاه ما ~~تمناه. كان أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك: هذا الذي أكرم وخلع عليه وشرف ~~وأعطي. # وتأمل سرا بديعا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره. ~~فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل ~~الصالح. وهي الهدى ودين الحق. ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء. ~~فهذا تمام النعمة. ولفظ «أنعمت عليهم» يتضمن الأمرين. وذكر غضبه على ~~المغضوب عليهم يتضمن أيضا أمرين: الجزاء بالغضب الذي موجبه غاية العذاب ~~والهوان، والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه. فإنه أرحم وأرأف من أن يغضب ~~بلا جناية منهم ولا ضلال. فكأن الغضب عليهم مستلزم لضلالهم. وذكر الضالين ~~مستلزم لغضبه عليهم وعقابه لهم. فإن من ضل استحق العقوبة التي هي موجب ~~ضلالة وغضب الله عليه. # فاستلزم وصف كل واحد من الطوائف الثلاث للسبب والجزاء أبين استلزام، ~~واقتضاه أكمل اقتضاء، في غاية الإيجاز والبيان والفصاحة، مع ذكر الفاعل في ~~أهل السعادة، وحذفه في أهل الغضب. وإسناد الفعل إلى السبب في أهل الضلال. # وتأمل المقابلة بين الهداية والنعمة، والغضب والضلال. فذكر # PageV01P017 # المغضوب عليهم والضالين في مقابلة المهتدين المنعم عليهم. وهذا كثير في ~~القرآن: يقرن بين الضلال والشقاء، وبين الهدى والفلاح. فالثاني كقوله: # 2: 5 أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون وقوله: # 6: 82 أولئك لهم الأمن وهم مهتدون والأول كقوله تعالى: 54: # 47 إن المجرمين في ضلال وسعر وقوله: 2: 7 ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، ولهم عذاب عظيم وقد جمع سبحانه بين الأمور ~~الأربعة في قوله: 20: 124 فإما يأتينكم مني هدى، فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى فهذا الهدى والسعادة. ثم قال: # 20: 125 من أعرض عن ذكري فإن له ms007 معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى. ~~قال: رب لم حشرتني أعمى، وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، ~~وكذلك اليوم تنسى # فذكر الضلال والشقاء. # فالهدى والسعادة متلازمان. والضلال والشقاء متلازمان. ### | ### | فصل # # وذكر الصراط المستقيم منفردا، معرفا تعريفين: تعريفا باللام، وتعريفا ~~بالإضافة. وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد. وأما طرق أهل الغضب ~~والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها، كقوله: 6: # 153 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~فوحد لفظ الصراط وسبيله. وجمع السبل المخالفة له. # وقال ابن مسعود: «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، وقال: هذا ~~سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل ~~شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون «1» » # وهذا لأن PageV01P018 # الطريق الموصل إلى الله واحد. وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه. لا يصل ~~إليه أحد إلا من هذه الطريق. ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل ~~باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق ~~الواحد. فإنه متصل بالله، موصل إلى الله، قال الله تعالى: # 15: 41 هذا صراط علي مستقيم قال الحسن معناه: صراط إلي مستقيم. وهذا ~~يحتمل أمرين: أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض، ~~فقامت أداة «على» مقام «إلى» والثاني: أنه أراد التفسير على المعنى. وهو ~~الأشبه بطريق السلف. أي صراط موصل إلي وقال مجاهد «1» : الحق يرجع إلى ~~الله، وعليه طريقه، لا يعرج على شيء. # وهذا مثل قول الحسن وأبين منه. وهو من أصح ما قيل في الآية. وقيل: # «على» فيه للوجوب، أي علي بيانه والدلالة عليه. والقولان نظير القولين في ~~آية النحل. وهي: 16: 9 وعلى الله قصد السبيل والصحيح فيها كالصحيح في آية ~~الحجر: أن السبيل القاصد- وهو المستقيم المعتدل- يرجع إلى الله، ويوصل إليه ~~قال طفيل الغنوي: # مضوا سلفا، قصد السبيل ms008 عليهم ... وصرف المنايا بالرجال تقلب # أي ممرنا عليهم، وإليهم وصولنا. وقال الآخر: # فهن المنايا: أي واد سلكته ... عليها طريقي، أو علي طريقها # فإن قيل: لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة «إلى» التي هي ~~للانتهاء، لا أداة «على» التي هي للوجوب. ألا ترى أنه لما أراد الوصول ~~PageV01P019 # قال: 88: 25، 26 إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم وقال: # 30: 23 إلينا مرجعهم 6: 108 ثم إلى ربهم مرجعهم وقال. # لما أراد الوجوب 88: 26 ثم إن علينا حسابهم 75: 17 إن علينا جمعه وقرآنه # 6: 38 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ونظائر ذلك؟. # قيل: في أداة «على» سر لطيف. وهو الإشعار بكون السالك على هذا الصراط على ~~هدى. وهو حق. كما قال في حق المؤمنين: 2: 5 أولئك على هدى من ربهم وقال ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم: 27: 79 فتوكل على الله إنك على الحق المبين ~~والله عز وجل هو الحق، وصراطه حق، ودينه حق. فمن استقام على صراطه فهو على ~~الحق والهدى. فكان في أداة «على» على هذا المعنى ما ليس في أداة «إلى» ~~فتأمله، فإنه سريع بديع. # فإن قلت: فما الفائدة في ذكر «على» في ذلك أيضا. وكيف يكون المؤمن ~~مستعليا على الحق، وعلى الهدى؟. # قلت: لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق والهدى، مع ثباته عليه واستقامته ~~إليه. فكان في الإتيان بأداة «على» ما يدل على علوه وثبوته واستقامته. وهذا ~~بخلاف الضلال والريب. فإنه يؤتي فيه بأداة «في» الدالة على انغماس صاحبه، ~~وانقماعه «1» وتدسسه فيه، كقوله تعالى: 9: 45 فهم في ريبهم يترددون وقوله: ~~6: 39 والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات وقوله: 23: 25 فذرهم في ~~غمرتهم حتى حين وقوله: 42: 14 إنهم لفي شك منه مريب وتأمل قوله تعالى: # 34: 24 وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين فإن طريق الحق تأخذ ~~PageV01P020 # علوا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير، وطريق الضلال تأخذ سفلا، هاوية ~~بسالكها في أسفل سافلين. # وفي قوله تعالى: 15: 41 قال: هذا صراط علي مستقيم قول ثالث. وهو قول ms009 ~~الكسائي: إنه على التهديد والوعيد نظير قوله: 89: 14 إن ربك لبالمرصاد كما ~~يقال: طريقك علي، وممرك علي، لمن تريد إعلامه بأنه غير فائت لك، ولا معجز. ~~والسياق يأبى هذا، ولا يناسبه لمن تأمله. فإنه قاله مجيبا لإبليس الذي قال: ~~15: 39 لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فإنه لا سبيل لي إلى ~~إغوائهم، ولا طريق لي عليهم. فقرر الله عز وجل ذلك أتم التقرير. وأخبر أن ~~الإخلاص صراط عليه مستقيم. فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا ~~الصراط، لأنه صراط علي. ولا سبيل لإبليس إلى هذا الصراط، ولا الحوم حول ~~ساحته، فإنه محروس محفوظ بالله. فلا يصل عدو الله إلى أهله. # فليتأمل العارف هذا الموضع حق التأمل، ولينظر إلى هذا المعنى ويوازن بينه ~~وبين القولين الآخرين، أيهما أليق بالآيتين، وأقرب إلى مقصود القرآن وأقوال ~~السلف. # وأما تشبيه الكسائي له بقوله: إن ربك لبالمرصاد فلا يخفى الفرق بينهما ~~سياقا ودلالة. فتأمله، ولا يقال في التهديد: هذا طريق مستقيم علي، لمن لا ~~يسلكه. وليست سبيل المهدد مستقيمة. فهو غير مهدد بصراط الله المستقيم ~~وسبيله التي هو عليها ليست مستقيمة على الله فلا يستقيم هذا القول البتة. # وأما من فسره بالوجوب، أي علي بيان استقامته والدلالة عليه. فالمعنى ~~صحيح. لكن في كونه هو المراد بالآية نظر. لأنه حذف في غير موضع الدلالة. ~~ولم يؤلف الحذف المذكور، ليكون مدلولا عليه إذا حذف. بخلاف عامل الظرف إذا ~~وقع صفة. فإنه حذف مألوف معروف. حتى إنه لا يذكر # PageV01P021 # البتة. فإذا قلت: له درهم علي. كان الحذف معروفا مألوفا. فلو أردت علي ~~نقده، أو علي وزنه وحفظه، ونحو ذلك، وحذفت. لم يسغ. وهو نظير: # علي بيانه. المقدر في الآية، مع أن الذي قاله السلف أليق بالسياق. وأجل ~~المعنيين وأكبرهما. # وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رضي الله عنه يقول: وهما نظير قوله ~~تعالى: 92: 12، 13 إن علينا للهدى. وإن لنا للآخرة والأولى قال: فهذه ثلاثة ~~مواضع في القرآن في هذا المعنى. # قلت: وأكثر المفسرين لم يذكر ms010 في سورة والليل إذا يغشى إلا معنى الوجوب، ~~أي علينا بيان الهدى من الضلال. ومنهم من لم يذكر في سورة النحل إلا في هذا ~~المعنى كالبغوي. وذكر في الحجر الأقوال الثلاثة. # وذكر الواحدي في بسيطة المعنيين في سورة النحل. واختار شيخنا قول مجاهد ~~والحسن في السور الثلاث. ### | ### | فصل # # والصراط المستقيم، هو صراط الله. وهو يخبر أن الصراط عليه سبحانه، كما ~~ذكرنا. ويخبر أنه سبحانه على الصراط المستقيم، وهذا في موضعين من القرآن: ~~في هود والنحل، قال في هود: 11: 56 ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي ~~على صراط مستقيم وقال في النحل: # 16: 76 وضرب الله مثلا: رجلين: أحدهما أبكم لا يقدر على شيء، وهو كل على ~~مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط ~~مستقيم فهذا مثل ضربه الله للأصنام التي لا تسمع. ولا تنطق ولا تعقل، وهي ~~كل على عابدها يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده ويضعه ويقيمه ويخدمه. فكيف ~~يسوونه في العبادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد. وهو قادر متكلم، غني. ~~وهو على صراط مستقيم في # PageV01P022 # قوله وفعله. فقوله صدق ورشد ونصح وهدى. وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة. ~~هذا أصح الأقوال في الآية. وهو الذي لم يذكر كثير من المفسرين غيره. ومن ~~ذكر غير قدمه على الأقوال. ثم حكاها بعده، كما فعل البغوي. فإنه جزم به، ~~وجعله تفسير الآية. ثم قال: # قال الكلبي: يدلكم على صراط مستقيم. # قلت: ودلالته لنا على الصراط هي من موجب كونه سبحانه على الصراط ~~المستقيم. فإن دلالته بفعله وقوله، وهو على الصراط المستقيم في أفعاله ~~وأقواله. فلا يناقض قول من قال: إنه سبحانه على الصراط المستقيم. # قال: وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعدل. وهو على صراط ~~مستقيم. # قلت: وهذا حق لا يناقض القول الأول. فالله على الصراط المستقيم، ورسوله ~~عليه. فإنه لا يأمر ولا يفعل إلا مقتضاه وموجبه. وعلى هذا يكون المثل ~~مضروبا لإمام الكفار وهاديهم، وهو الصنم الذي ms011 هو أبكم، لا يقدر على هدى ولا ~~خير. وإمام الأبرار، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأمر بالعدل. ~~وهو على صراط مستقيم. # وعلى القول الأول: يكون مضروبا لمعبود الكفار ومعبود الأبرار. # والقولان متلازمان. فبعضهم ذكر هذا. وبعضهم ذكر هذا وكلاهما مراد من ~~الآية. قال: وقيل: كلاهما للمؤمن والكافر. يرويه عطية عن ابن عباس. # وقال عطاء: الأبكم أبي بن خلف، ومن يأمر بالعدل: حمزة وعثمان بن عفان ~~وعثمان بن مظعون «1» . PageV01P023 # قلت: والآية تحتمله. ولا يناقض القولين قبله، فإن الله على صراط مستقيم، ~~ورسوله وأتباع رسوله. وضد ذلك معبود الكفار وهاديهم، والكافر التابع ~~والمتبوع والمعبود. فيكون بعض السلف ذكر أعلى الأنواع. وبعضهم ذكر الهادي. ~~وبعضهم المستجيب القابل. وتكون الآية: متناولة لذلك كله. ولذلك نظائر كثيرة ~~في القرآن. # وأما آية هود: فصريحة لا تحتمل إلا معنى واحدا. وهو أن الله سبحانه على ~~صراط مستقيم. وهو سبحانه أحق من كان على صراط مستقيم- فإن أقواله كلها صدق ~~ورشد وهدى وعدل وحكمة: 6: 115 وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا وأفعاله كلها مصالح ~~وحكم، ورحمة وعدل وخير. # فالشر لا يدخل في أفعاله ولا أقواله البتة، لخروج الشر عن الصراط ~~المستقيم. فكيف يدخل في أفعال من هو على الصراط المستقيم أو أقواله؟ # وإنما يدخل في أفعال من خرج عنه وفي أقواله. # وفي دعائه عليه الصلاة والسلام: «لبيك وسعديك، والخير كله بيديك والشر ~~ليس إليك «1» » # ولا يلتفت إلى تفسير من فسره بقوله: والشر لا يتقرب به إليك، أو لا يصعد ~~إليك. فإن المعنى أجل من ذلك، وأكبر وأعظم قدرا. فإن من أسماؤه كلها حسنى. ~~وأوصافه كلها كمال، وأفعاله كلها حكم، وأقواله كلها صدق وعدل: يستحيل دخول ~~الشر في أسمائه أو أوصافه، أو أفعاله أو أقواله. فطابق بين هذا المعنى وبين ~~قوله: إن ربي على صراط مستقيم وتأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله: 11: 56 ~~PageV01P024 # إني توكلت على الله ربي وربكم أي هو ربي، فلا يسلمني ولا يضيعني، وهو ~~ربكم فلا يسلطكم علي ولا يمنعكم مني! فإن نواصيكم بيده، لا ms012 تفعلون شيئا ~~بدون مشيئته. فإن ناصية كل دابة بيده، لا يمكنها أن تتحرك إلا بإذنه. فهو ~~المتصرف فيها. ومع هذا في تصرفه فيها وتحريكه لها، ونفوذ قضائه وقدره فيها: ~~على صراط مستقيم، لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمة وعدل ومصلحة، ولو سلطكم ~~علي فله من الحكمة في ذلك ما له الحمد عليه. لأنه تسليط من هو على صراط ~~مستقيم. لا يظلم ولا يفعل شيئا عبثا بغير حكمة. # فهكذا تكون المعرفة بالله، لا معرفة القدرية المجوسية، والقدرية الجبرية، ~~نفاة الحكم والمصالح والتعليل. والله الموفق سبحانه. ### | ### | فصل # # ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه، مريد ~~لسلوك طريق مرافقه فيها غاية العزة. والنفوس مجبولة على وحشة التفرق، وعلى ~~الأنس بالرفيق، نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك ~~رفيقا فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له. وهم الذين أنعم الله عليهم، ~~ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه. ~~وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم. فلا يكترث ~~بمخالفة الناكبين عنه له. فإنهم هم الأقلون قدرا، وإن كانوا الأكثرين عددا، ~~كما قال بعض السلف: عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين. وإياك ~~وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين. وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى ~~الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم. وغض الطرف عمن سواهم. فإنهم لن يغنوا ~~عنك من الله شيئا. وإذا صاحوا بك في طريق سيرك، فلا تلتفت إليهم. فإنك متى ~~التفت إليهم أخذوك وعاقوك. وقد ضربت لك مثلين، فليكونا منك على بال. # PageV01P025 # المثل الأول: رجل خرج من بيته إلى الصلاة، لا يريد غيرها. فعرض له في ~~طريقه شيطان من شياطين الإنس، فألقى عليه كلاما يؤذيه. فوقف ورد عليه، ~~وتماسكا. فربما كان شيطان الإنس أقوى منه، فقهره، ومنعه عن الوصول إلى ~~المسجد، حتى فاتته الصلاة. وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس، ولكن ~~اشتغل ms013 بمهاوشته عن الصف الأول، وكمال إدراك الجماعة. فإن التفت إليه أطمعه ~~في نفسه. وربما فترت عزيمته. فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز ~~«1» بقدر التفاته أو أكثر، فإن أعرض عنه واشتغل بما هو بصدده، وخاف فوت ~~الصلاة أو الوقت: لم يبلغ عدوه منه ما شاء. # المثل الثاني: الظبي أشد سعيا من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت إليه ~~فيضعف سعيه، فيدركه الكلب فيأخذه. # والقصد: أن في ذكر هذا الرفيق: ما يزيل وحشة التفرد، ويحث على السير ~~والتشمير للحاق بهم. # وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت # «اللهم اهدني فيمن هديت» # أي أدخلني في هذه الزمرة، واجعلني رفيقا لهم ومعهم. # والفائدة الثانية: أنه توسل إلى الله بنعمه وإحسانه إلى من أنعم عليه ~~بالهداية أي قد أنعمت بالهداية على من هديت، وكان ذلك نعمة منك. # فاجعل لي نصيبا من هذه النعمة، واجعلني واحدا من هؤلاء المنعم عليهم. # فهو توسل إلى الله بإحسانه. # والفائدة الثالثة: كما يقول السائل للكريم: تصدق علي في جملة من تصدقت ~~عليهم، وعلمني في جملة من علمته. وأحسن إلي في جملة من شملته بإحسانك. ~~PageV01P026 ### | ### | فصل # # ولما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب ونيله أشرف ~~المواهب: علم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده ~~والثناء عليه، وتمجيده ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى ~~مطلوبهم. توسل إليه بأسمائه وصفاته. وتوسل إليه بعبوديته. وهاتان الوسيلتان ~~لا يكاد يرد معهما الدعاء. ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم ~~الأعظم اللذين رواهما ابن حبان في صحيحه، والإمام أحمد والترمذي. أحدهما: # حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ~~يدعو، ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت، ~~الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. # فقال: والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به ~~أجاب، وإذا سئل به أعطى» # قال الترمذي: حديث صحيح «1» . فهذا توسل إلى ms014 الله بتوحيده، وشهادة الداعي ~~له بالوحدانية. وثبوت صفاته المدلول عليها باسم «الصمد» وهو كما قال ابن ~~عباس «العالم الذي كمل علمه، القادر الذي كلمت قدرته» وفي رواية عنه «هو ~~السيد الذي قد كمل فيه جميع أنواع السؤدد» وقال أبو وائل: «هو السيد الذي ~~انتهى سؤدده» وقال سعيد بن جبير «2» : «هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله ~~وأعماله» وبنفي التمثيل والتشبيه عنه بقوله «ولم يكن له كفوا أحد» وهذه ~~ترجمة عقيدة أهل السنة والتوسل بالإيمان بذلك، والشهادة به هو الاسم ~~الأعظم. # والثاني: # حديث أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو: اللهم إني ~~أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات PageV01P027 # والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال: لقد سأل الله باسمه ~~الأعظم» «1» # فهذا توسل إليه بأسمائه وصفاته. # وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين، وهما التوسل بالحمد والثناء عليه، وتمجيده، ~~والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده. ثم جاء سؤال أهم المطالب، وأنجح الرغائب، ~~وهو الهداية، بعد الوسيلتين. فالداعي به حقيق بالإجابة. # ونظير هذا: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو به إذا قام يصلي ~~من الليل. # رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس: «اللهم لك الحمد، أنت نور ~~السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ~~ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، ~~والنبيون حق، والساعة حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك ~~توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت. فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، ~~وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت» «2» # فذكر التوسل إليه بحمده والثناء عليه وبعبوديته له. ثم سأله المغفرة. ### | ### | فصل # # في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل ~~صلوات الله وسلامه عليهم. # التوحيد نوعان: نوع في العلم والإعتقاد. ونوع في الإرادة والقصد. # ويسمى الأول: التوحيد العلمي. والثاني: التوحيد القصدي الارادي. # لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة. والثاني بالقصد والإرادة. وهذا الثاني ~~أيضا نوعان: ms015 توحيد في الربوبية، وتوحيد في الإلهية. فهذه ثلاثة أنواع. ~~PageV01P028 # فأما توحيد العلم: فمداره على إثبات صفات الكمال، وعلى نفي التشبيه ~~والمثال. والتنزيه عن العيوب والنقائص. وقد دل على هذا شيئان: # مجمل، ومفصل. # أما المجمل: فإثبات الحمد له سبحانه. وأما المفصل: فذكر صفة الإلهية ~~والربوبية، والرحمة والملك. وعلى هذا الأربع مدار الأسماء والصفات. فأما ~~تضمن الحمد لذلك: فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله، ونعوت جلاله، ~~مع محبته والرضا عنه والخضوع له، فلا يكون حامدا من جحد صفات المحمود، ولا ~~من أعرض عن محبته والخضوع له. وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده ~~أكمل، وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها. ولهذا كان الحمد كله ~~لله حمدا لا يحصيه سواه، لكمال صفاته وكثرتها. ولأجل هذا لا يحصى أحد من ~~خلقه ثناء عليه، لما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه. ~~ولهذا ذم الله تعالي آلهة الكفار، وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها. فعابها ~~بأنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تتكلم ولا تهدى، ولا تنفع ولا تضر. وهذه صفة ~~إله الجهمية، التي عاب بها الأصنام، نسبوها إليه، تعالى الله عما يقول ~~الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. فقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه ~~السلام في محاجته لأبيه: 19: 42 يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يغني عنك شيئا # فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر: وأنت إلهك بهذه ~~المثابة، فكيف تنكر علي؟ # لكن كان مع شركه أعرف بالله من الجهمية. وكذلك كفار قريش كانوا مع شركهم ~~مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه، وقال تعالى: # 7: 148 واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار. ألم يروا أنه ~~لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا؟ اتخذوه وكانوا ظالمين فلو كان إله الخلق ~~سبحانه كذلك لم يكن في هذا إنكار عليهم، واستدلال على بطلان الإلهية بذلك. # PageV01P029 # فإن قيل: فالله تعالى لا يكلم عباده. # قيل: بلى، قد كلمهم، فمنهم من كلمه الله من وراء ms016 حجاب، منه إليه بلا ~~واسطة، كموسى. ومنهم من كلمه الله على لسان رسوله الملكي. # وهم الأنبياء. وكلم الله سائر الناس على ألسنة رسله. فأنزل عليهم كلامه ~~الذي بلغته رسله عنه. وقالوا لهم: هذا كلام الله الذي تكلم به وأمرنا ~~بتبليغه إليكم. ومن هاهنا قال السلف: من أنكر كون الله متكلما فقد أنكر ~~رسالة الرسل كلهم. لأن حقيقتها تبليغ كلامه الذي تكلم به إلى عباده، فإذا ~~انتفى كلامه انتفت الرسالة وقال تعالى في سورة طه عن السامري 20: 88 فأخرج ~~لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي. أفلا يرون ألا ~~يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا؟ ورجع القول: هو التكلم ~~والتكليم. قال تعالى: 16: 76 ضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على ~~شيء، وهو كل على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر ~~بالعدل، وهو على صراط مستقيم فجعل نفي صفات الكلام موجبا لبطلان الإلهية. ~~وهذا أمر معقول بالفطر والعقول السليمة والكتب السماوية: أن فاقد صفات ~~الكمال لا يكون إلها، ولا مدبرا، ولا ربا، بل هو مذموم معيب ناقص، ليس له ~~الحمد لا في الأولى، ولا في الآخرة. وإنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له ~~صفات الكمال، ونعوت الجلال، التي لأجلها استحق الحمد. ولهذا سمي السلف ~~كتبهم التي صنفوها في السنة وإثبات صفات الرب وعلوه على خلقه، وكلامه ~~وتكليمه: توحيدا. لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع، وجحد له، ~~وإنما توحيده: إثبات صفات كماله، وتنزيهه عن الشبيه والنقائص. # فجعل المعطلة جحد الصفات وتعطيل الصانع عنها توحيدا، وجعلوا إثباتها لله ~~تشبيها وتجسيما وتركيبا. فسموا الباطل باسم الحق، ترغيبا فيه، وزخرفا ~~ينفقونه به. وسموا الحق باسم الباطل تنفيرا عنه، والناس أكثرهم مع ظاهر ~~السكة، ليس لهم نقد النقاد: 18: 17 من يهد الله فهو # PageV01P030 # المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا # والمحمود لا يحمد على العدم والسكوت البتة، إلا إذا كانت سلب عيوب ونقائص ~~تتضمن إثبات أضدادها من الكمالات الثبوتية، وإلا ms017 فالسلب المحض لا حمد فيه ~~ولا كمال. # كمال. # وكذلك حمده لنفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه، ~~وتعبد كل شيء له، فاتخاذ الولد ينافي ذلك، كما قال تعالى: 10: 68 قالوا ~~اتخذ الله ولدا، سبحانه، هو الغني، له ما في السماوات وما في الأرض. # وحمد نفسه على عدم الشريك، المتضمن تفرده بالربوبية والإلهية، وتوحده ~~بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره، فيكون شريكا له. فلو عدمها لكان كل ~~موجود أكمل منه. لأن الموجود أكمل من المعدوم. ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه ~~بعدم إلا إذ كان متضمنا ثبوت كمال. كما حمد نفسه بكونه لا يموت لتضمنه كمال ~~حياته، وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم، لتضمن ذلك قيوميته وحمد نفسه ~~بأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر، لكمال علمه وإحاطته. وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحدا، لكمال عدله ~~وإحسانه. # وحمد نفسه بأنه لا تدركه الأبصار، لكمال عظمته، يرى ولا يدرك، كما أنه ~~يعلم ولا يحاط به علما. وإلا فمجرد نفي الرؤية ليس بكمال. لأن العدم لا ~~يرى، فليس في كون الشيء لا يرى كمال البتة. وإنما الكمال في كونه لا يحاط ~~به رؤية ولا إدراكا، لعظمته في نفسه، وتعاليه عن إدراك المخلوق له. وكذلك ~~حمد نفسه بعدم الغفلة والنسيان، لكمال علمه. # فكل سلب في القرآن حمد به نفسه فلمضادته لثبوت ضده، ولتضمنه كمال ثبوت ~~ضده. فعلمت أن حقيقة الحمد تابعة لثبوت أوصاف الكمال، وأن نفيها نفي لحمده، ~~ونفي الحمد مستلزم لثبوت ضده. # PageV01P031 ### | ### | فصل # # فهذا دلالة الحمد على توحيد الأسماء والصفات. وأما دلالة الأسماء الخمسة ~~عليها، وهي: الله، والرب، والرحمن، والرحيم، والملك: فمبني على أصلين: # أحدهما: أن أسماء الرب تبارك وتعالى دالة على صفات كماله. فهي مشتقة من ~~الصفات. فهي أسماء، وهي أوصاف. وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظا لا ~~معاني فيها لم تكن حسنى، ولا كانت دالة على مدح ولا كمال. ولساغ وقوع أسماء ~~الانتقام ms018 والغضب في مقام الرحمة والإحسان، وبالعكس، فيقال: اللهم إني ظلمت ~~نفسي، فاغفر لي إنك أنت المنتقم. # واللهم أعطني، فإنك أنت الضار المانع، ونحو ذلك. ونفي معاني أسمائه ~~الحسنى من أعظم الإلحاد فيها. قال تعالى: 7: 180 وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه، سيجزون ما كانوا يعملون ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجز ~~أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها، لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها، وأثبتها ~~لنفسه، وأثبتها له رسوله، كقوله تعالى: # 51: 58 إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فعلم أن القوي من أسمائه، ~~ومعناه الموصوف بالقوة وكذلك قوله: 35: 10 فلله العزة جميعا فالعزيز من له ~~العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة له لم يسم قويا ولا عزيزا. وكذلك قوله: 4: ~~166 أنزله بعلمه 11: 14 فاعلموا أنما أنزل بعلم الله 2: 255 ولا يحيطون ~~بشيء من علمه # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له ~~أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار ~~قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من ~~خلقه» # فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه «البصير» # وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: «الحمد لله الذي وسع سمعه ~~الأصوات» # وفي الصحيح # PageV01P032 # حديث الإستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك» # فهو قادر بقدرة. وقال تعالى لموسى: 7: 144 إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي فهو متكلم بكلام. وهو العظيم الذي له العظمة، كما # في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: العظمة إزاري، ~~والكبرياء ردائي» # وهو الحكيم الذي له الحكم 40: 12 فالحكم لله العلي الكبير وأجمع المسلمون ~~أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أو عزته أو عظمته انعقدت ~~يمينه، وكانت مكفرة. لأن هذه صفات كماله التي اشتقت منها أسماؤه. # وأيضا لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه ~~بأفعالها. فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويقدر ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات ms019 ~~فرع ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها. # وأيضا فلو لم تكن أسماؤه ذوات معان وأوصاف لكانت جامدة كالأعلام المحضة، ~~التي لم توضع لمسماها معنى قام به. فكانت كلها سواء، ولم يكن فرق بين ~~مدلولاتها. وهذا مكابرة صريحة، وبهت بين. فإن من جعل معنى اسم «القدير» هو ~~معنى اسم «السميع، البصير» ومعنى اسم «التواب» هو معنى اسم «المنتقم» ومعنى ~~اسم «المعطي» هو معنى اسم «المانع» فقد كابر العقل واللغة والفطرة. # فنفي معاني أسمائه من أعظم الإلحاد فيها. والإلحاد فيها أنواع، هذا ~~أحدها. # الثاني: تسمية الأوثان بها كما يسمونها آلهة. وقال ابن عباس ومجاهد ~~«عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم، فزادوا ونقصوا. ~~فاشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز ومناة من المنان» وروى عن ابن ~~عباس يلحدون في أسمائه «يكذبون عليه» وهذا تفسير بالمعنى. وحقيقة الإلحاد ~~فيها: العدول بها # PageV01P033 # عن الصواب فيها، وإدخال ما ليس من معانيها فيها، وإخراج حقائق معانيها ~~عنها. هذا حقيقة الإلحاد. ومن فعل ذلك فقد كذب على الله. ففسر ابن عباس ~~الإلحاد بالكذب، أو هو غاية الملحد في أسمائه تعالى، فإنه إذا أدخل في ~~معانيها ما ليس منها، وخرج بها عن حقائقها أو بعضها، فقد عدل بها عن الصواب ~~والحق، وهو حقيقة الإلحاد. فالإلحاد: إما بجحدها وإنكارها، وإما بجحد ~~معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب، وإخراجها عن الحق بالتأويلات ~~الباطلة، وإما بجعلها أسماء لهذه المخلوقات المصنوعات، كإلحاد أهل الاتحاد. ~~فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون، محمودها ومذمومها، حتى قال زعيمهم «1» : وهو ~~المسمى بكل اسم ممدوح عقلا وشرعا وعرفا، وبكل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا، ~~تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا. ### | ### | فصل # # الأصل الثاني: أن الإسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة ~~التي اشتق منها بالمطابقة. فإنه يدل دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم. فيدل ~~على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة. ويدل على ~~الصفة الأخرى باللزوم. فإن اسم «السميع» يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة ~~وعلى الذات ms020 وحدها، وعلى السمع وحده بالتضمن. ويدل على اسم الحي وصفة الحياة ~~بالالتزام. وكذلك سائر أسمائه وصفاته. ولكن يتفاوت الناس في معرفة اللزوم ~~وعدمه. ومن هاهنا يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام. فإن ~~من علم أن الفعل الاختياري لازم للحياة، وأن السمع والبصر لازم للحياة ~~الكاملة، وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة. أثبت من أسماء الرب ~~وصفاته وأفعاله ما PageV01P034 # ينكره من لم يعرف لزوم ذلك، ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها، وكذلك سائر ~~صفاته. فإن اسم «العظيم» له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله ولوازمها. ~~وكذلك اسم «العلي» واسم «الحكيم» وسائر أسمائه. فإن من لوازم اسم «العلي» ~~العلو المطلق، بكل اعتبار. فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر، ~~وعلو القهر، وعلو الذات. فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه «العلي» . # وكذلك اسمه «الظاهر» من لوازمه: ألا يكون فوقه شيء، كما # في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء» # بل هو سبحانه فوق كل شيء، فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم اسمه ~~«الظاهر» ولا يصح أن يكون الظاهر هو من له فوقية فقط، كما يقال: الذهب فوق ~~الفضة، والجوهر فوق الزجاج. لأن هذه الفوقية لا تتعلق بالظهور، بل قد يكون ~~المفوق أظهر من الفائق فيها. ولا يصح أن يكون ظهور القهر والغلبة فقط، وإن ~~كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة، لمقابلة الاسم ب «الباطن» . وهو الذي ليس ~~دونه شيء، كما قابل «الأول» الذي ليس قبله شيء، ب «الآخر» الذي ليس بعده ~~شيء. # وكذلك اسم «الحكيم» من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ~~ووضعه الأشياء في مواضعها، وإيقاعها على أحسن الوجوه. فإنكار ذلك إنكار ~~لهذا الإسم ولوازمه. وكذلك سائر أسمائه الحسنى. ### | ### | فصل # # إذا تقرر هذان الأصلان: فاسم «الله» دال على جميع الأسماء الحسنى، ~~والصفات العليا بالدلالات الثلاث، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات ~~الإلهية له، مع نفي أضدادها عنه. وصفات الإلهية: هي صفات الكمال المنزهة عن ~~التشبيه والمثال، وعن العيوب ms021 والنقائص # PageV01P035 # ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله ~~تعالى: 7: 180 ولله الأسماء الحسنى ويقال: الرحمن والرحيم، والقدوس ~~والسلام، والعزيز والحكيم: من أسماء الله. ولا يقال: الله، من أسماء الرحمن ~~ولا من أسماء العزيز، ونحو ذلك. # فعلم أن اسمه «الله» مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها ~~بالإجمال. والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم ~~«الله» واسم «الله» دال على كونه مألوها معبودا، تألهه الخلائق محبة ~~وتعظيما وخضوعا، وفزعا إليه في الحوائج والنوائب. وذلك مستلزم لكمال ~~ربوبيته ورحمته، المتضمنين لكمال الملك. والحمد وإلهيته وربوبيته ورحمانيته ~~وملكه مستلزم لجميع صفات كماله. إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ~~ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله. # فصفات الجلال والجمال أخص باسم «الله» وصفات الفعل والقدرة، والتفرد ~~بالضر والنفع، والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة وكمال القوة، وتدبير أمر ~~الخليقة أخص باسم «الرب» . # وصفات الإحسان والجود والبر، والحنان والمنة والرأفة واللطف، أخص باسم ~~«الرحمن» وكرر إيذانا بثبوت الوصف، وحصول أثره، وتعلقه بمتعلقاته. # فالرحمن: الذي الرحمة وصفه. والرحيم: الراحم لعباده. ولهذا يقول تعالى: ~~33: 43 وكان بالمؤمنين رحيما 9: 117 إنه بهم رؤف رحيم ولم يجيء رحمان ~~بعباده، ولا رحمان بالمؤمنين، مع ما في اسم «الرحمن» الذي هو على وزن فعلان ~~من سعة هذا الوصف، وثبوت جميع معناه الموصوف به. # ألا ترى أنهم يقولون: غضبان: للممتلئ غضبا، وندمان وحيران # PageV01P036 # وسكران ولهفان لمن ملئ بذلك؟ فبناء فعلان للسعة والشمول. ولهذا يقرن ~~استواؤه على العرش بهذا الإسم كثيرا كقوله تعالى: 20: 5 الرحمن على العرش ~~استوى 25: 59 ثم استوى على العرش الرحمن فاستوى على عرشه باسم الرحمن، لأن ~~العرش محيط بالمخلوقات، قد وسعها. # والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم، كما قال تعالى: 7: 156 ورحمتي وسعت كل ~~شيء فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات. فلذلك وسعت رحمته كل شيء. # وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لما ms022 قضى الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده موضوع على العرش: إن ~~رحمتي تغلب غضبي» # وفي لفظ «فهو وضع عنده على العرش» . # فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة، ووضعه عنده على العرش، وطابق بين ~~ذلك وبين قوله: الرحمن على العرش استوى وقوله: 26: 156 ثم استوى على العرش ~~الرحمن فسئل به خبيرا ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب تبارك وتعالى إن لم ~~يغلقه عنك التعطيل والتجهم. # وصفات العدل، والقبض والبسط. والخفض والرفع. والعطاء والمنع، والإعزاز ~~والإذلال، والقهر والحكم، ونحوها: أخص باسم «الملك» وخصه بيوم الدين، وهو ~~الجزاء بالعدل، لتفرده بالحكم فيه وحده، ولأنه اليوم الحق، وما قبله كساعة. ~~ولأنه الغاية، وأيام الدنيا مراحل إليه. ### | ### | فصل # # وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة. وهي: «الله، والرب، ~~والرحمن» كيف نشأ عنها الخلق، والأمر، والثواب، والعقاب؟ # PageV01P037 # وكيف جمعت الخلق وفرقتهم؟ فلها الجمع والفرق. # فاسم «الرب» له الجمع الجامع لجميع المخلوقات. فهو رب كل شيء وخلقه، ~~والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته. وكل من في السموات والأرض عبد له في ~~قبضته، وتحت قهره. فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترقوا بصفة الإلهية، فألهه ~~وحده السعداء، وأقروا له طوعا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي ~~الغبادة والتوكل، والرجاء والخوف، والحب والإنابة والإخبات والخشية، ~~والتذلل والخضوع إلا له. # وهاهنا افترق الناس وصاروا فريقين: فريقا مشركين في السعير، وفريقا ~~موحدين في الجنة. # فالإلهية هي التي فرقتهم، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم فالدين والشرع، ~~والأمر والنهي، مظهره وقيامه: من صفة الإلهية، والخلق والإيجاد والتدبير ~~والفعل: من صفة الربوبية. والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار: من صفة ~~الملك. وهو ملك يوم الدين. فأمرهم بإلهيته، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم ~~بربوبيته. وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله. وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك ~~عن الأخرى. # وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين الله وبين عباده. فالتأليه منهم ~~له، والربوبية منه لهم. والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده، بها أرسل إليهم ~~رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ms023 ثوابه، وبها رزقهم ~~وعافاهم وأنعم عليهم. فبينهم وبينه سبب العبودية، وبينه وبينهم سبب الرحمة. # واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته، ف الرحمن على ~~العرش استوى مطابق لقوله: رب العالمين، الرحمن الرحيم فإن شمول الربوبية ~~وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول الرحمة وسعتها، فوسع كل شيء برحمته ~~وربوبيته، مع أن في كونه ربا # PageV01P038 # للعالمين ما يدل على علوه على خلقه، وكونه فوق كل شيء، كما يأتي بيانه إن ~~شاء الله. ### | ### | فصل # # في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها: ما ~~يدل على أنه محمود في إلهيته، محمود في ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود ~~في ملكه، وأنه إله محمود، رب محمود، ورحمان محمود، وملك محمود. فله بذلك ~~جميع أقسام الكمال: كمال من هذا الإسم بمفرده، وكمال من الآخر بمفرده، ~~وكمال من اقتران أحدهما بالآخر. # مثال ذلك: قوله تعالى والله غني حميد والله عليم حكيم والله قدير والله ~~غفور رحيم فالغنى صفة كمال. والحمد صفة كمال، واقتران غناه بحمده كمال ~~أيضا، وعلمه كمال، وحكمته كمال، واقتران العلم بالحكمة كمال أيضا. وقدرته ~~كمال. ومغفرته كمال، واقتران القدرة بالمغفرة كمال، وكذلك العفو بعد القدرة ~~4: 14 فإن الله كان عفوا قديرا واقتران العلم بالحلم 4: 11 والله عليم ~~حليم. # وحملة العرش أربعة: اثنان يقولان: «سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على ~~حلمك بعد علمك» واثنان يقولان: «سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك ~~بعد قدرتك» فما كل من قدر عفا، ولا كل من عفا يعفو عن قدرة، ولا كل من علم ~~يكون حليما، ولا كل حليم عالم. فما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم. ~~ومن عفو إلى قدرة، ومن ملك إلى حمد، ومن عزة إلى رحمة: 26: 9 وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم ومن هاهنا كان قول المسيح عليه السلام: 5: 121 إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أحسن من أن يقول: وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم. أي إن غفرت لهم كان ms024 مصدر مغفرتك عن # PageV01P039 # عزة. وهي كمال القدرة، وعن حكمة، وهي كمال العلم. فمن غفر عن عجز وجهل ~~بجرم الجاني [لا يكون قادرا حكيما عليما. فلا يكون ذلك إلا عجزا] فأنت لا ~~تغفر إلا عن قدرة تامة وعلم تام وحكمة تضع بها الأشياء مواضعها فهذا. أحسن ~~من ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع، الدال ذكره على التعريض بطلب المغفرة ~~في غير حينها وقد فاتت. فإنه لو قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم. ~~كان في هذا من الاستعطاف والتعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقها ما نزه عنه ~~منصب المسيح عليه السلام، لا سيما والموقف موقف عظمة وجلال، وموقف انتقام ~~ممن جعل لله ولدا، أو اتخذ إلها من دونه. فذكر العزة والحكمة فيه أليق من ~~ذكر الرحمة والمغفرة. # وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام: 14: 35 و 36 واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام. رب إنهن أضللن كثيرا من الناس. فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم ولم يقل: فإنك عزيز حكيم. لأن المقام مقام استعطاف وتعريض ~~بالدعاء، أي إن تغفر له وترحمه، بأن توفقه للرجوع من الشرك إلى التوحيد، ~~ومن المعصية إلى الطاعة كما # في الحديث: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» . # وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت ~~به، وأن كل اسم يناسب ما ذكر معه، واقترن به، من فعله وأمره. والله الموفق ~~للصواب. ### | ### | فصل # # في مراتب الهداية الخاصة والعامة وهي عشر مراتب المرتبة الأولى: مرتبة ~~تكليم الله عز وجل لعبده يقظة بلا واسطة، بل منه إليه. وهذه أعلى مراتبها، ~~كما كلم موسى بن عمران صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه. قال الله تعالى: ~~4: 164 وكلم الله موسى تكليما # PageV01P040 # فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده، ثم خص موسى من بينهم ~~بالإخبار بأنه كلمه. وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق ~~الوحي الذي ذكر في أول الآية. ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر ms025 «كلم» ~~وهو «تكليم» رفعا لما توهمه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أنه ~~إلهام، أو إشارة، أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم. فأكده بالمصدر ~~المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز. قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى ~~الإنسان كلاما بأي طريق وصل. ولكن ما تحققه بالمصدر، فإذا حققته بالمصدر لم ~~يكن إلا حقيقة الكلام، كالإرادة يقال: فلان أراد إرادة، يريدون حقيقة ~~إرادة. ويقال: أراد الجدار، ولا يقال: إرادة. لأنه مجاز غير حقيقة. هذا ~~كلامه. وقال تعالى: 7: 143 ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال: رب أرني ~~أنظر إليك وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون. وفي ~~هذا التكليم الثاني سأل النظر، لا في الأول، وفيه أعطى الألواح. وكان عن ~~مواعدة من الله له. والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة. وفيه قال الله له: 7: ~~144 يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي أي بتكلمي لك بإجماع ~~السلف. # وقد أخبر سبحانه في كتابه أنه ناداه وناجاه. فالنداء من بعد والنجاء من ~~قرب. تقول العرب: إذا كبرت الحلقة فهو نداء أو نجاء وقال له أبوه آدم في ~~محاجته «أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده» . وكذلك ~~يقول له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشفاعة إلى ربه. وكذلك في حديث الإسراء ~~في رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة، على اختلاف الرواية. قال «وذلك ~~بتفضيله بكلام الله» ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من ~~الأنبياء لم يكن هذا التخصيص به في هذه الأحاديث معنى. ولا كان يسمى «كليم ~~الرحمن» وقال تعالى: 42: # 51 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل # PageV01P041 # رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء # ففرق بين تكليم الوحي، والتكليم بإرسال الرسول، والتكليم من وراء حجاب. ### | ### | ### | ### | فصل # # المرتبة الثانية: مرتبة الوحي المختص بالأنبياء. قال الله تعالى: # 4: 163 إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وقال: # 42: 51 وما كان لبشر أن يكلمه الله ms026 إلا وحيا أو من وراء حجاب- الآية فجعل ~~الوحي في هذه الآية قسما من أقسام التكليم وجعله في آية النساء قسيما ~~للتكليم، وذلك باعتبارين: فإنه قسيم التكليم الخاص الذي بلا واسطة، وقسم من ~~التكليم العام الذي هو إيصال المعنى بطرق متعددة، والوحي في اللغة: هو ~~الإعلام السريع الخفي، ويقال في فعله: وحى، # وأوحى- قال رؤية ... وحى لها فاستقرت # وهو أقسام، كما سنذكره. # فصل # المرتبة الثالثة: إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري. فيوحي إليه عن ~~الله ما أمره أن يوصله إليه. # فهذه المراتب الثلاث خاصة بالأنبياء، لا تكون لغيرهم، ثم هذا الرسول ~~الملكي قد يتمثل للرسول البشري رجلا، يراه عيانا ويخاطبه، وقد يراه على ~~صورته التي خلق عليها، وقد يدخل فيه الملك، ويوحي إليه ما يوحيه، ثم يفصم ~~عنه، أي يقلع. والثلاثة حصلت لنبينا صلى الله عليه وسلم. # فصل # المرتبة الرابعة: مرتبة التحديث. وهذه دون مرتبة الوحي الخاص، وتكون دون ~~مرتبة الصديقين، كما كانت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن ~~في هذه # PageV01P042 # الأمة فعمر بن الخطاب» . # وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله يقول: جزم بأنهم كائنون ~~في الأمم قبلنا، وعلق وجودهم في هذه الأمة بإن الشرطية، مع أنها أفضل الأمم ~~لاحتياج الأمم قبلنا إليهم، واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته، ~~فلم يحوج الله الأمة بعده إلى محدث ولا ملهم، ولا صاحب كشف ولا منام فهذا ~~التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها. # والمحدث هو الذي يحدث في سره وقلبه بالشيء، فيكون كما يحدث به. # قال شيخنا: والصديق أكمل من المحدث. لأنه استغنى بكمال صديقيته ومتابعته ~~عن التحديث والإلهام والكشف، فإنه قد سلم قلبه كله وسره وظاهره وباطنه ~~للرسول فاستغنى به عما منه. # قال: وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول. # فإن وافقه قبله، وإلا رده، فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث. # قال: وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات ms027 والجهالات: حدثني قلبي عن ~~ربي: فصحيح أن قلبه حدثه، ولكن عن من؟ عن شيطانه، أو عن ربه؟ فإذا قال: ~~حدثني قلبي عن ربي كان مسندا الحديث إلى من لم يعلم أنه حدثه به، وذلك كذب، ~~قال: ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك، ولا تفوه به يوما من الدهر، وقد أعاذه ~~الله من أن يقول ذلك. بل كتب كاتبه يوما «هذا ما أرى الله أمير المؤمنين، ~~عمر بن الخطاب. فقال: لا. امحه واكتب: هذا ما رأى عمر بن الخطاب. فإن كان ~~صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر، والله ورسوله منه بريء» وقال في ~~الكلالة «أقول فيها برأيي. # فإن يكن صوابا فمن الله. وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان» فهذا قول المحدث ~~بشهادة الرسول وأنت ترى الاتحادي والحلولي والإباحي الشطاح، والسماعي: ~~مجاهر بالقحة والفرية. يقول: حدثني قلبي عن ربي، فانظر إلى ما # PageV01P043 # بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين. وأعط كل ذي حق حقه، ولا تجعل ~~الزغل والخالص شيئا واحدا. ### | ### | فصل # # المرتبة الخامسة: مرتبة الإفهام. قال الله تعالى: 21: 78، 79 وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث، إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ~~ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما فذكر هذين النبيين الكريمين: فأثنى ~~عليهما بالعلم والحكم. وخص سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعينة، # وقال علي بن أبي طالب، وقد سئل: «هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه ~~الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة. وكان فيها العقل، وهو الديات ~~وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر» # وفي كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري «1» رضي الله عنهما: «والفهم ~~فيما أدلى إليك» فالفهم نعمة من الله على عبده، ونور يقذفه الله في قلبه. # يعرف به، ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه، فيفهم من النص ما لا يفهمه ~~غيره، مع استوائهما في حفظه. وفهم أصل معناه. # فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية، ومنشور الولاية النبوية، وفيه ms028 ~~تفاوتت مراتب العلماء، حتى عد ألف بواحد، فانظر إلى فهم ابن عباس وقد ~~PageV01P044 # سأله عمر: ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة إذا جاء نصر الله والفتح ~~وما خص به ابن عباس من فهمه منها: أنها نعي الله سبحانه نبيه إلى نفسه، ~~وإعلامه بحضور أجله، وموافقة عمر له على ذلك، وخفائه عن غيرهما من الصحابة ~~وابن عباس إذ ذاك أحدثهم سنا، وأين تجد هذه السورة الإعلام بأجله، لولا ~~الفهم الخاص؟ ويدق هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس، ~~فيحتاج مع النص إلى غيره. ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه، وأما في حق ~~صاحب الفهم فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها. ### | ### | فصل # # المرتبة السادسة: مرتبة البيان العام. وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل ~~بأدلته وشواهده وأعلامه. بحيث يصير مشهودا للقلب، كشهود العين للمرئيات ~~وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه، التي لا يعذب أحدا ولا يضله، إلا بعد ~~وصوله إليها. قال الله تعالى 9: 115 وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون فهذا الإضلال عقوبة منه لهم، حين بين لهم فلم يقبلوا ~~ما بينه لهم ولم يعملوا. فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى، وما أضل الله سبحانه ~~أحدا قط إلا من بعد هذا البيان. # وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر، وزالت عنك شكوك كثيرة وشبهات في هذا الباب ~~وعلمت حكمة الله في إضلاله من يضله من عباده، والقرآن يصرح بهذا في غير ~~موضع، كقوله: 61: 5 فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم 4: 155 وقولهم قلوبنا غلف ~~بل طبع الله عليها بكفرهم فالأول: كفر عناد، والثاني: كفر طبع، وقوله: 6: ~~110 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة. ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه. بأن قلب # PageV01P045 # أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا به. # فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه موضع عظيم. قال تعالى: # 41: 17 وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فهذا هدى بعد البيان ~~والدلالة وهو شرط لا موجب. ms029 فإنه إن لم يقترن به هدى آخر بعده، لم يحصل به ~~كمال الاهتداء وهو هدى التوفيق والإلهام وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات ~~المسموعة المتلوة، وبيان بالآيات المشهودة المرئية. وكلاهما أدلة وآيات على ~~توحيد الله وأسمائه وصفاته وكماله، وصدق ما أخبرت به عنه، ولهذا يدعو عباده ~~بآياته المتلوة إلى التفكر في آياته المشهودة عليهم، ويحضهم على التفكر في ~~هذه وهذه. # وهذا البيان هو الذي بعثت به الرسل وجعل إليهم وإلى العلماء بعدهم، وبعد ~~ذلك يضل الله من يشاء. قال الله تعالى: 14: 4 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم فالرسل ~~تبين والله هو الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعزته وحكمته. ### | ### | ### | فصل # # المرتبة السابعة: البيان الخاص، وهو البيان المستلزم للهداية الخاصة، وهو ~~بيان تقارنه العناية والتوفيق والاجتباء، وقطع أسباب الخذلان وموادها عن ~~القلب فلا تتخلف عنه الهداية البتة. قال تعالى في هذه المرتبة: 16: 37 إن ~~تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وقال: 28: 56 إنك لا تهدي من أحببت ~~ولكن الله يهدي من يشاء فالبيان الأول شرط. وهذا موجب. # فصل # المرتبة الثامنة: مرتبة الإسماع. قال الله تعالى: 8: 23 ولو علم الله # PageV01P046 # فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون # قال تعالى: # 35: 22 وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا ~~الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع ~~من في القبور. إن أنت إلا نذير وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ ~~فإن ذلك حاصل لهم، وبه قامت الحجة عليهم، لكن ذاك إسماع الآذان، وهذا إسماع ~~القلوب. فإن الكلام له لفظ ومعنى، وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلق بهما. ~~فسماع لفظه حظ الأذن، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب. فإنه سبحانه نفى ~~عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب. وأثبت لهم سماع الألفاظ ~~الذي هو حظ الأذن في قوله 21: # 2: 3 ما يأتيهم من ذكر ms030 من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهية ~~قلوبهم وهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه، أو تمكنه منها، ~~وأما مقصود السماع وثمرته، والمطلوب منه: فلا يحصل مع لهو القلب وغفلته ~~وإعراضه، بل يخرج السامع قائلا للحاضر معه: 47: 16ماذا قال آنفا أولئك ~~الذين طبع الله على قلوبهم. # والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام: أن هذه المرتبة إنما تحصل بواسطة ~~الأذن. ومرتبة الإفهام أعم، فهي أخص من مرتبة الفهم من هذا الوجه، ومرتبة ~~الفهم أخص من وجه آخر، وهي أنها تتعلق بالمعنى المراد ولوازمه متعلقاته ~~وإشاراته، ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب. ~~ويترتب على هذا السماع سماع القبول. # فهو إذن ثلاث مراتب: سماع الأذن، وسماع القلب، وسماع القبول والإجابة. ### | ### | فصل # # المرتبة التاسعة: مرتبة الإلهام. قال تعالى: 91: 7، 8 ونفس وما سواها. ~~فألهمها فجورها وتقواها # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين بن الخزاعي # PageV01P047 # لما أسلم «قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي» . # «1» # وقد جعل صاحب المنازل والإلهام هو مقام المحدثين. قال: وهو فوق مقام ~~الفراسة لأن الفراسة ربما وقعت نادرة. واستصعبت على صاحبها وقتا أو استعصت ~~عليه، والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد. # قلت: التحديث أخص من الإلهام: فإن الإلهام عام للمؤمنين بحسب إيمانهم فكل ~~مؤمن فقد ألهمه الله رشده الذي حصل له به الإيمان، فأما التحديث: # فالنبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «إن يكن في هذه الأمة أحد فعمر» # يعني من المحدثين. فالتحديث إلهام خاص. وهو الوحي إلى غير الأنبياء إما ~~من المكلفين، كقوله تعالى: 28: 7 وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه وقوله: 5: ~~111 وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي وإما من غير المكلفين ~~كقوله تعالى: 16: 69 وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن ~~الشجر ومما يعرشون فهذا كله وحي إلهام. # وأما جعله فوق مقام الفراسة فقد احتج عليه بأن الفراسة: ربما وقعت نادرة ~~كما تقدم. والنادر لا حكم له وربما استعصت على صاحبها واستصعبت عليه فلم ~~تطاوعه، ms031 والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد، يعني في مقام القرب والحضور. # والتحقيق في هذا: أن كل واحد من الفراسة والإلهام ينقسم إلى عام وخاص كل ~~واحد منهما فوق عام الآخر، وعام كل واحد قد يقع كثيرا، وخاصة قد يقع نادرا، ~~ولكن الفرق الصحيح: أن الفراسة قد تتعلق بنوع كسب وتحصيل، وأما الإلهام ~~فموهبة مجردة، لا تنال بكسب البتة. # [ثم ذكر فصولا أربعة تكلم فيها عن درجات الإلهام الثلاثة. ثم قال] . ~~PageV01P048 ### | ### | ### | فصل # # المرتبة العاشرة: من مراتب الهداية. الرؤيا الصادقة: وهي من أجزاء النبوة ~~كما # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الرؤيا الصادقة جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة» . # وقد قيل في سبب هذا سبب التخصيص المذكور: إن أول أول مبتدأ الوحي كان هو ~~الرؤيا الصادقة، وذلك نصف سنة. ثم انتقل إلى وحي اليقظة مدة ثلاث وعشرين ~~سنة، من حين بعث إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه، فنسبة مدة الوحي في ~~المنام من ذلك جزء من ستة وأربعين جزءا. # وهذا حسن لولا ما جاء # في الرواية الأخرى الصحيحة «أنها جزء من سبعين جزءا» . # [ثم ذكر كلاما في الرؤيا، ثم قال] . # فصل # في بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين: # شفاء القلوب، وشفاء الأبدان فأما اشتمالها على شفاء القلوب: فإنها اشتملت ~~عليه أتم اشتمال. فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم. ~~وفساد القصد. # ويترتب عليها داءان قاتلان، وهما الضلال والغضب، فالضلال نتيجة فساد ~~العلم، والغضب ينتجه فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب ~~جميعها، فهداية الصراط المستقيم: تتضمن الشفاء من مرض الضلال، ولذلك كان ~~سؤال هذه الهداية: أفرض دعاء على كل عبد، # PageV01P049 # وأوجبه عليه كل يوم وليلة. في كل صلاة، لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية ~~المطلوبة، ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه. # والتحقق ب إياك نعبد وإياك نستعين علما ومعرفة وعملا وحالا: # يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد، فإن فساد القصد يتعلق بالغايات ~~والوسائل. فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية، وتوسل إليها بأنواع الوسائل ms032 ~~الموصلة إليها كان كلا نوعي قصده فاسدا، وهذا شأن كل من كان غاية مطلوبة ~~غير الله وعبوديته، من المشركين ومتبعي الشهوات، الذين لا غاية لهم وراءها، ~~وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رئاستهم بأي طريق كان من حق أو باطل. فإذا ~~جاء الحق معارضا في طريق رئاستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم. فإن عجزوا عن ذلك ~~دفعوه دفع الصائل. فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق ~~أخرى، وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان، فإذا لم يجدوا منه بدا أعطوه السكة ~~والخطبة وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ، وإن جاء الحق ناصرا لهم وكان ~~لهم صالوا وجالوا، وأتوا إليه مذعنين، لا لأنه حق، بل لموافقته غرضهم ~~وأهواءهم وانتصارهم به: 24: 48: 49: 50 وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. أفي ~~قلوبهم مرض، أم ارتابوا؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ بل أولئك هم ~~الظالمون. # والمقصود: أن قصد هؤلاء فاسد في غاياتهم ووسائلهم، وهؤلاء إذا بطلت ~~الغايات التي طلبوها، واضمحلت وفنيت حصلوا على أعظم الخسران والحسرات. وهم ~~أعظم الناس ندامة وتحسرا، إذا حق الحق وبطل الباطل، وتقطعت بهم أسباب الوصل ~~التي كانت بينهم، وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة. وهذا يظهر ~~كثيرا في الدنيا، ويظهر أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوم على الله، ~~ويشتد ظهوره وتحققه في البرزخ، وينكشف كل الانكشاف يوم اللقاء، إذا حققت ~~الحقائق. وفاز المحقون وخسر المبطلون، وعلموا # PageV01P050 # أنهم كانوا كاذبين، وكانوا مخدوعين مغروين، فيا له هناك من علم لا ينفع ~~عالمه، ويقين لا ينجى مستيقنه. # وكذلك من طلب الغاية العليا والمطلب الأسمى، ولمن لم يتوسل إليه بالوسيلة ~~الموصلة له وإليه، بل توسل إليه بوسيلة ظنها موصلة إليه، وهي من أعظم ~~القواطع عنه. فحاله أيضا كحال هذا، وكلاهما فاسد القصد، ولا شفاء من هذا ~~المرض إلا بدواء «إياك نعبد وإياك نستعين» . # فإن هذا الدواء مركب من ستة أجزاء: # [1] عبودية الله لا غيره. # [2] بأمره وشرعه. # [3] لا بالهوى. # [4] ولا بآراء الرجال وأوضاعهم، ms033 ورسومهم، وأفكارهم. # [5] بالاستعانة على عبوديته به. # [6] لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره. # فهذه هي أجزاء إياك نعبد وإياك نستعين فإذا ركبها الطبيب اللطيف، العالم ~~بالمرض، واستعملها المريض، حصل بها الشفاء التام، وما نقص من الشفاء فهو ~~لفوات جزء من أجزائها أو إثنين أو أكثر. # ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما تراميا به إلى التلف ~~ولا بد: وهما الرياء، والكبر، فدواء الرياء ب إياك نعبد ودواء الكبر ب إياك ~~نستعين. # وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه- يقول إياك ~~نعبد تدفع الرياء وإياك نستعين تدفع الكبرياء. # فإذا عوفي من مرض الرياء ب إياك نعبد ومن مرض الكبر والعجب # PageV01P051 # ب إياك نستعين ومن مرض الضلال والجهل ب اهدنا الصراط المستقيم عوفي من ~~أمراضه وأسقامه، ورفل «1» في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من ~~المنعم عليهم، غير المغضوب عليهم، وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق ~~وعدلوا عنه، والضالين. وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. # وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض، ولهذا لما ~~اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها ~~أولى، كما سنبينه. فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت الله وكلامه، وفهمت عنه ~~فهما خاصا، اختصها به، من معاني هذه السورة. # وسنبين إن شاء الله تعالى تضمنها للرد على جميع أهل البدع بأوضح البيان ~~وأحسن الطرق. # [ثم ذكر ### | ### | فصل # ين في الرقية بالفاتحة وتأثيرها مستشهدا بحديث أبي سعيد وببعض ~~تحليلات نفسية، وبتجاربه. ثم قال] . # فصل # في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين عن أهل الملل والنحل، ~~والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة. # وهذا يعلم بطريقين، مجمل ومفصل: # أما المجمل: فهو أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق، PageV01P052 # وإيثاره، وتقديمه على غيره، ومحبته والانقياد له، والدعوة إليه، وجهاد ~~أعدائه بحسب الإمكان. # والحق: هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما جاء به ~~علما وعملا في باب ms034 صفات الرب سبحانه وأسمائه وتوحيده، وأمره ونهيه، ووعده ~~ووعيده، وفي حقائق الإيمان، التي هي منازل السائرين إلى الله تعالى. # وكل ذلك مسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون آراء الرجال ~~وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم، فكل علم أو عمل أو حقيقة، أو حال أو مقام ~~خرج من مشكاة نبوته، وعليه السكة المحمدية، بحيث يكون من ضرب المدينة، فهو ~~من الصراط المستقيم، وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب والضلال فما ثم ~~خروج عن هذه الطرق الثلاث: طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به، ~~وطريق أهل الغضب، وهي طريق من عرف الحق وعانده، وطريق أهل الضلال، وهي طريق ~~من أضله الله عنه. ولهذا قال عبد الله بن عباس وجابر ابن عبد الله رضي الله ~~عنهم: «الصراط المستقيم: هو الإسلام» وقال عبد الله بن مسعود # وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: «هو القرآن» # وفيه حديث مرفوع في الترمذي وغيره، وقال سهل بن عبد الله: «طريق السنة ~~والجماعة» . وقال بكر بن عبد الله المزني «1» : «طريق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم» . # ولا ريب أنه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه علما ~~وعملا وهو معرفة الحق وتقديمه، وإيثاره على غيره. فهو الصراط المستقيم. # وكل هذه الأقوال المتقدمة دالة عليه جامعة له. # بهذا الطريق المجمل يعلم أن كل ما خالفه فباطل، وهو من صراط الأمتين: ~~الأمة الغضبية، وأمة أهل الضلال. PageV01P053 ### | ### | فصل # # وأما المفصل: فمعرفة المذاهب الباطلة، واشتمال كلمات الفاتحة على ~~إبطالها. فنقول: # الناس قسمان: مقر بالحق تعالى، وجاحد له، فتضمنت الفاتحة إثبات الخالق ~~تعالى والرد على من جحده بإثبات ربوبيته تعالى للعالمين وتأمل حال العالم ~~كله علويه وسفليه بجميع أجزائه تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، ~~فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده، لا فرق ~~بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق، والفعال على الفعل، والصانع على ~~أحوال المصنوع عند العقول الزاكية المشرقة العلوية، والفطر الصحيحة: أظهر ~~من العكس. # فالعارفون أرباب البصائر يستدلون ms035 بالله على أفعاله وصنعه، إذا استدل ~~الناس بصنعه وأفعاله عليه، ولا ريب أنهما طريقان صحيحان، كل منهما حق ~~والقرآن مشتمل عليهما. # فأما الاستدلال بالصنعة فكثير، وأما الاستدلال بالصانع فله شأن. وهو الذي ~~أشارت إليه الرسل بقولهم لأممهم: 14: 10 أفي الله شك؟ أي أيشك في الله حتى ~~يطلب إقامة الدليل على وجوده؟ وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول؟ فكيف ~~يستدل على الأظهر بالأخفى؟ ثم نبهوا على الدليل بقولهم فاطر السماوات ~~والأرض. # وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية- قدس الله روحه- يقول: # كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرا ما يتمثل بهذا ~~البيت: # وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى الدليل # ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، # PageV01P054 # ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما. # وإذا بطل قول هؤلاء بطل قول أهل الإلحاد: القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ~~ثم وجود قديم خالق ووجود حادث مخلوق، بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله، ~~وهو حقيقة وجود هذا العالم، فليس عند القوم رب وعبد، ولا مالك ومملوك، ولا ~~راحم ومرحوم، ولا عابد ومعبود، ولا مستعين ومستعان به، ولا هاد ولا مهدي ~~ولا منعم ولا منعم عليه، ولا غضبان ومغضوب عليه، بل الرب هو نفس العبد ~~وحقيقته، والمالك هو عين المملوك، والراحم هو عين المرحوم، والعابد هو نفس ~~المعبود. وإنما التغاير أمر اعتباري بحسب مظاهر الذات وتجلياتها. فتظهر ~~تارة في صورة معبود، كما ظهرت في صورة فرعون، وفي صورة عبد، كما ظهرت في ~~صورة العبيد، وفي صورة هاد، كما في صورة الأنبياء والرسل والعلماء، والكل ~~من عين واحد، بل هو العين الواحدة، فحقيقة العابد ووجوده، أو إنيته هي ~~حقيقة المعبود ووجوده وإنيته والفاتحة من أولها إلى آخرها تبين بطلان قول ~~هؤلاء الملاحدة وضلالهم.. ### | ### | فصل # # والمقرون بالرب سبحانه وتعالى: أنه صانع العالم نوعان: # نوع ينفي مباينته لخلقه، ويقولون: لا مباين ولا محايث، ولا داخل العالم ~~ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا ms036 عن يمينه ولا عن يساره، ولا خلفه ولا ~~أمامه، ولا فيه ولا بائن عنه. # فتضمنت الفاتحة للرد على هؤلاء من وجهين: # أحدهما: إثبات ربوبيته تعالى للعالم. فإن الربوبية المحضة تقتضي مباينة ~~الرب للعالم بالذات، كما باينهم بالربوبية، وبالصفات والأفعال، فمن # PageV01P055 # لم يثبت ربا مباينا للعالم، فما أثبت ربا، فإنه إذا نفى المباينة لزمه ~~أحد أمرين، لزوما لا انفكاك له عنه البتة: إما أن يكون هو نفس هذا العالم، ~~وحينئذ يصح قوله. فإن العالم لا يباين ذاته ونفسه، ومن هاهنا دخل أهل ~~الوحدة، وكانوا معطلة أولا، واتحادية ثانيا. # وإما أن يقول: ما ثم رب يكون مباينا ولا محايثا، ولا داخلا ولا خارجا، ~~كما قالته الدهرية المعطلة للصانع. # وأما هذا القول الثالث المشتمل على جمع النقيضين: إثبات رب مغاير للعالم ~~مع نفي مباينته للعالم، وإثبات خالق قائم بنفسه، لا في العالم ولا خارج ~~العالم، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا خلفه ولا أمامه، ولا يمنته ولا ~~يسرته: فقول له خبئ، والعقول لا تتصوره حتى تصدق به. فإذا استحال في العقل ~~تصوره. فاستحالة التصديق به أظهر وأظهر. وهو منطبق على العدم المحض، والنفي ~~الصرف، وصدقه عليه أظهر عند العقول والفطر من صدقه على رب العالمين، فضع ~~هذا النفي وهذه الألفاظ الدالة عليه على العدم المستحيل، ثم ضعها على الذات ~~العلية القائمة بنفسها، التي لم تحل في العالم، ولا حل العالم فيها، ثم ~~انظر أي المعلومين أولى به، واستيقظ لنفسك، وقم لله قومة مفكر في نفسه في ~~الخلوة في هذا الأمر، متجرد عن المقالات وأربابها وعن الهوى والحمية ~~والعصبية، صادقا في طلب الهداية من الله، فالله أكرم من أن يخيب عبدا هذا ~~شأنه. وهذه المسألة لا تحتاج إلى أكثر من إثبات رب قائم بنفسه، مباين ~~لخلقه، بل هذا نفس ترجمتها. ### | ### | فصل # # ثم المثبتون للخالق تعالى نوعان: # أهل توحيد، وأهل إشراك. وأهل الإشراك نوعان: # أحدهما: أهل الإشراك به في ربوبيته وإلهيته، كالمجوس ومن # PageV01P056 # ضاهاهم من القدرية، فإنهم يثبتون مع الله خالقا آخر، وإن لم ms037 يقولوا: إنه ~~مكافئ له، والقدرية المجوسية تثبت مع الله خالقين للأفعال، ليست أفعالهم ~~مقدورة لله، ولا مخلوقة لهم، وهي صادرة بغير مشيئته ولا قدرة له عليها، ولا ~~هو الذي جعل أربابها فاعلين لها، بل هم الذين جعلوا أنفسهم شائين مريدين ~~فاعلين. # فربوبية العالم الكاملة المطلقة الشاملة تبطل أقوال هؤلاء كلهم لأنها ~~تقتضي ربوبيته لجميع ما فيه من الذوات والصفات والحركات والأفعال. # وحقيقة قول القدرية المجوسية: أنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان، ولا ~~تناولتها ربوبيته وكيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه؟ مع أن ~~في عموم حمده ما يقتضي حمده على طاعات خلقه، إذ هو المعين عليها والموفق ~~لها، وهو الذي شاءها منهم، كما قال في غير موضع من كتابه وما تشاؤن إلا أن ~~يشاء الله فهو محمود على أن شاءها لهم، وجعلهم فاعليها بقدرته ومشيئته، فهو ~~المحمود عليها في الحقيقة. وعندهم: أنهم هم المحمودون عليها، ولهم الحمد ~~على فعلها، وليس لله حمد على نفس فاعليتها عندهم، ولا على ثوابه وجزائه ~~عليها. # أما الأول: فلأن فاعليتها بهم لا به، وأما الثاني: فلأن الجزاء مستحق ~~عليه استحقاق الأجرة على المستأجر، فهو محض حقهم، الذي عاوضوه «1» عليه. # وفي قوله: وإياك نستعين رد ظاهر عليهم. إذا استعانتهم به إنما تكون عن ~~شيء هو بيده وتحت قدرته ومشيئته، فكيف يستعين من بيده الفعل وهو موجده، إن ~~شاء أوجده وإن شاء لم يوجده، بمن ليس ذلك الفعل بيده ولا هو داخل تحت قدرته ~~ولا مشيئته. PageV01P057 # وفي قوله: اهدنا الصراط المستقيم أيضا رد عليهم فإن الهداية المطلقة ~~التامة هي المستلزمة لحصول الاهتداء. ولولا أنها بيده تعالى دونهم لما ~~سألوه إياها، وهي المتضمنة للإرشاد والبيان، والتوفيق والإقدار، وجعلهم ~~مهتدين. وليس مطلوبهم مجرد البيان والدلالة، كما ظنته القدرية. # لأن هذا القدر وحده لا يوجب الهدى، ولا ينجي من الردى، وهو حاصل لغيرهم ~~من الكفار، الذين استحبوا العمى على الهدى، واشتروا الضلالة بالهدى. ### | ### | ### | فصل # # النوع الثاني: أهل الإشراك به في إلهيته، وهم المقرون بأنه وحده رب كل ms038 ~~شيء، ومليكه وخالقه، وأنه ربهم ورب آبائهم الأولين، ورب السموات السبع، ورب ~~العرش العظيم، وهم مع هذا يعبدون غيره، ويعدلون به سواه في المحبة والطاعة ~~والتعظيم، وهم الذين اتخذوا من دون الله أندادا، فهؤلاء لم يوفوا «إياك ~~نعبد» حقه، وإن كان لهم نصيب من «نعبدك» . لكن ليس لهم نصيب من «إياك نعبد» ~~المتضمن معنى: لا نعبد إلا إياك، حبا وخوفا ورجاء وطاعة وتعظيما، ف «إياك ~~نعبد» تحقيق لتوحيد لهذا التوحيد، وإبطال للشرك في الإلهية، كما أن «إياك ~~نستعين» تحقيق لتوحيد الربوبية، وإبطال للشرك به فيها، وكذلك قوله: اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم فإنهم أهل التوحيد، وهم أهل تحقيق ~~إياك نعبد وإياك نستعين» وأهل الإشراك: هم أهل الغضب والضلال. # فصل # في تضمنها الرد على الجهمية معطلة الصفات وذلك من وجوه: # أحدهما: من قوله: الحمد لله فإن إثبات الحمد الكامل له يقضي # PageV01P058 # ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله، ونعوت جلاله، إذ من عدم صفات الكمال ~~فليس بمحمود على الإطلاق، وغايته: أنه محمود من وجه دون وجه، ولا يكون ~~محمودا بكل وجه، وبكل اعتبار، بجميع أنواع الحمد: إلا من استولى على صفات ~~الكمال جميعها، فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبها. # وكذلك في إثبات صفة الرحمة له: ما يتضمن إثبات الصفات التي تستلزمها من ~~الحياة، والإرادة والقدرة، والسمع والبصر، وغيرها. # وكذلك صفة الربوبية: تستلزم جميع صفات الفعل، وصفة الإلهية تستلزم جميع ~~أوصاف الكمال: ذاتا وأفعالا، كما تقدم بيانه. # فكونه محمودا إلها ربا رحمانا رحيما، ملكا معبودا، مستعانا، هاديا منعما، ~~يرضى ويغضب، مع نفي قيام الصفات به: جمع بين النقيضين. # وهو من أمحل المحال. # وهذه الطريق تتضمن إثبات الصفات الخبرية من وجهين: # أحدهما: أنها من لوازم كماله المطلق فإن استواءه على عرشه من لوازم علوه، ~~ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا في نصف الليل الثاني: من لوازم رحمته ~~وربوبيته. وهكذا سائر الصفات الخبرية الوجه الثاني: أن السمع ورد بها ثناء ~~على الله ومدحا له، وتعرفا منه إلى عباده ms039 بها. فجحدها وتحريفها عما دلت ~~عليه، وأريد بها: مناقض لما جاءت له، فلك أن تستدل بطريق السمع على أنها ~~كمال، وأن تستدل بالعقل كما تقدم. ### | ### | فصل # # في تضمنها الرد على الجبرية. وذلك على وجوه: # أحدها: من إثبات عموم حمده سبحانه. فإنه يقتضي ألا يعاقب عبيده # PageV01P059 # على ما لا قدرة لهم عليه، ولا هو من فعلهم، بل هو بمنزلة ألوانهم، وطولهم ~~وقصرهم، بل هو يعاقبهم على نفس فعله بهم. فهو الفاعل لقبائحهم في الحقيقة، ~~وهو المعاقب لهم عليها. فحمده عليها يأبى ذلك أشد الإباء، وينفيه أعظم ~~النفي، فتعالى من له الحمد كله عن ذلك علوا كبيرا، بل إنما يعاقبهم على نفس ~~أفعالهم التي فعلوها حقيقة. فهي أفعالهم لا أفعاله. وإنما أفعاله العدل ~~والإحسان والخيرات الوجه الثاني: إثبات رحمته ورحمانيته تنفي ذلك. إذ لا ~~يمكن اجتماع هذين الأمرين قط: أن يكون رحمانا رحيما، ويعاقب العبد على ما ~~لا قدرة له عليه، ولا هو من فعله، بل يكلفه ما لا يطيقه، ولا له عليه قدرة ~~البتة ثم يعاقبه عليه، وهل هذا إلا ضد الرحمة. ونقض لها وإبطال؟ وهل يصح في ~~معقول أحد: اجتماع ذلك، والرحمة التامة الكاملة في ذات واحدة؟. # الوجه الثالث: إثبات العبادة والاستعانة لهم، ونسبتها إليهم بقولهم: # «نعبد ونستعين» وهي نسبة حقيقية لا مجازية، والله لا يصح وصفه بالعبادة ~~والاستعانة التي هي من أفعال عبيده، بل العبد حقيقة: هو العابد المستعين. ~~والله المعبود المستعان به. ### | ### | فصل # # في بيان تضمنها للرد على القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة. ~~وبيان أنه سبحانه فاعل مختار. # وذلك من وجوه: # أحدها: من إثبات حمده، إذ كيف يحمده على ما ليس مختارا لوجوده، ولا هو ~~بمشيئته وفعله؟ وهل يصح حمد الماء على آثاره وموجباته؟ # PageV01P060 # أو النار والحديد وغيرها في عقل أو فطرة؟ وإنما يحمد الفاعل المختار ~~بقدرته ومشيئته على أفعاله الحميدة، هذا الذي ليس في العقول والفطر سواه. # فخلافه خارج عن الفطرة والعقل، وهو لا ينكر خروجه عن الشرائع والنبوات بل ~~يتبجح بذلك، ويعده فخرا. ms040 # الثاني: إثبات ربوبيته تعالى: يقتضي فعله بمشيئته واختياره وتدبيره ~~وقدرته، وليس يصح في عقل ولا فطرة ربوبية الشمس لضوئها، والماء لتبريده، ~~والنبات الحاصل به، ولا ربوبية شيء أبدا لما لا قدرة له عليه البتة، وهل ~~هذا إلا تصريح بجحد الربوبية؟. # فالقوم كنوا للأغمار، وصرحوا لأولي الأفهام. # الثالث: إثبات ملكه. وحصول ملك لمن اختار له، ولا فعل ولا مشيئة غير ~~معقول، بل كل مملوك له مشيئة واختيار وفعل أتم من هذا الملك وأكمل: 16: 17 ~~أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون. # الرابع: من كونه مستعانا، فإن الاستعانة بمن لا اختيار له ولا مشيئة ولا ~~قدرة محال. # الخامس: من كونه مسئولا أن يهدي عباده، فسؤال من لا اختيار له محال. ~~وكذلك من كونه منعما ### | ### | فصل # # في بيان تضمنها للرد على منكري تعلق علمه تعالى بالجزئيات وذلك من وجوه: # أحدها: كمال حمده، وكيف يستحق الحمد من لا يعلم شيئا من العالم وأحواله ~~وتفاصيله، ولا عدد الأفلاك، ولا عدد النجوم، ولا من يطيعه ممن يعصيه، ولا ~~من يدعوه ممن لا يدعوه. # PageV01P061 # الثاني: أن هذا مستحيل أن يكون إلها، وأن يكون ربا، فلا بد للإله المعبود ~~والرب المدبر أن يعلم عابده، ويعلم حاله. # الثالث: من إثبات رحمته. فإنه يستحيل أن يرحم من لا يعلم. # الرابع: إثبات ملكه. فإن ملكا لا يعرف أحدا من رعيته البتة. ولا شيئا من ~~أحوال مملكته البتة. ليس بملك بوجه من الوجوه. # الخامس: كونه مستعانا. # السادس: كونه مسئولا أن يهدي سائله ويجيبه. # السابع: كونه هاديا. # الثامن كونه منعما. # التاسع كونه غضبانا على من خالفه. # العاشر: كونه مجازيا، يدين الناس بأعمالهم يوم الدين، فنفي علمه ~~بالجزئيات مبطل لذلك كله. ### | ### | فصل # # في بيان تضمنها للرد على منكري النبوات. وذلك من وجوه: # أحدها: إثبات حمده التام. فإنه يقتضي كمال حكمته وأن لا يخلق خلقه عبثا، ~~ولا يتركهم سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولذلك نزه نفسه عن هذا في غير موضع من ~~كتابه. وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة، وأن يكون ما أنزل ms041 على بشر من شيء ~~فإنه ما عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق عظمته، ولا قدره حق قدره، بل نسبه إلى ~~ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده. # فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه «أشهد أن محمدا رسول ~~الله» كما يستنبط منه «أشهد ألا إله إلا الله» وعلم قطعا أن # PageV01P062 # تعطيل النبوات في منافاته للحمد كتعطيل صفات الكمال، وكإثبات الشركاء ~~والأنداد. # الثاني: إلهيته، وكونه إلها. فإن ذلك مستلزم لكونه معبودا مطاعا ولا سبيل ~~إلى معرفة ما يعبد به ويطاع إلا من جهة رسله. # الثالث: كونه ربا. فإن الربوبية تقتضي أمر العباد ونهيهم. # وجزاء محسنهم بإحسانه، ومسيئهم بإساءته. هذا حقيقة الربوبية. وذلك لا يتم ~~إلا بالرسالة والنبوة. # الرابع: كونه رحمانا رحيما. فإن كمال رحمته: أن يعرف عباده نفسه وصفاته ~~ويدلهم على ما يقربهم إليه، ويباعدهم منه، ويثيبهم على طاعته، ويجزيهم ~~بالحسنى، وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة. فكنت رحمته مقتضية لها. # الخامس: ملكه. فإن الملك يقتضي التصرف بالقول، كما أن الملك يقضي التصرف ~~بالفعل، فالملك هو المتصرف بأمره وقوله، فتنفذ أوامره ومراسيمه حيث شاء ~~والمالك هو المتصرف في ملكه بفعله، والله له الملك وله الملك، فهو المتصرف ~~في خلقه بالقول والفعل. # وتصرفه بقوله نوعان: تصرف بكلماته الكونية، وتصرف بكلماته الدينية، وكمال ~~الملك بهما، فإرسال الرسل: موجب كمال ملكه وسلطانه، وهذا هو الملك المعقول ~~في فطر الناس وعقولهم. فكل ملك لا تكون له رسل يبثها في أقطار مملكته فليس ~~بملك. وبهذه الطريق يعلم وجود ملائكته، وأن الإيمان بهم من لوازم الإيمان ~~بملكه. فإنهم رسل الله في خلقه وأمره. # السادس: ثبوت يوم الدين. وهو يوم الجزاء، الذي يدين الله فيه العباد ~~بأعمالهم خيرا وشرا، وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت الرسالة والنبوة، # PageV01P063 # وقيام الحجة التي بسببها يدان المطيع والعاصي. # السابع: كونه معبودا. فإنه لا يعبد إلا بما يحبه ويرضاه، ولا سبيل للخلق ~~إلى معرفة ما يحبه ويرضاه إلا من جهة رسله. فإنكار رسله إنكار لكونه ~~معبودا. # الثامن: كونه هاديا إلى الصراط ms042 المستقيم. وهو معرفة الحق والعمل به، وهو ~~أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب. فإن الخط المستقيم: هو أقرب خط موصل بين ~~نقطتين، وذلك لا يعلم إلا من جهة الرسل. فتوقفه على الرسل ضروري، أعظم من ~~توقف الطريق الحسي على سلامة الحواس. # التاسع: كونه منعما على أهل الهداية إلى الصراط المستقيم. فإن إنعامه ~~عليهم إنما تم بإرسال الرسل إليهم، وجعلهم قابلين الرسالة مستجيبين لدعوته، ~~وبذلك ذكرهم منته عليهم وإنعامه في كتابه. # العاشر: انقسام خلقه إلى منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالين، فإن هذا ~~الانقسام ضروري بحسب انقسامهم في معرفة الحق، والعمل به: # إلى عالم به عامل بموجبه، وهم أهل النعمة، وعالم به معاند له، وهم أهل ~~الغضب. وجاهل به، وهم الضالون. وهذا الانقسام إنما نشأ بعد إرسال الرسل. ~~فلولا الرسل لكانوا أمة واحدة. فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون ~~الرسالة. وهذا الانقسام ضروري بحسب الواقع. فالرسالة ضرورية. # وقد تبين لك بهذه الطريق، والتي قبلها: بيان تضمنها للرد على من أنكر ~~المعاد الجسماني، وقيامة الأبدان، وعرفت اقتضاءها ضرورة ثبوت الثواب ~~والعقاب والأمر والنهى. وهو الحق الذي خلقت به وله السموات والأرض والدنيا ~~والآخرة، وهو مقتضى الخلق والأمر، ونفيه نفي لهما. # PageV01P064 ### | ### | ### | فصل # # إذا ثبتت النبوات والرسالة ثبتت صفة التكلم والتكليم. # فإن حقيقة الرسالة: تبليغ كلام المرسل، فإذا لم يكن ثم كلام فماذا يبلغ ~~الرسل؟ بل كيف يعقل كونه رسولا؟ ولهذا قال غير واحد من السلف: # من أنكر أن يكون الله متكلما، أو يكون القرآن كلامه. فقد أنكر رسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، بل ورسالة جميع الرسل، التي حقيقتها، تبليغ كلام الله ~~تبارك وتعالى. ولهذا قال منكرو رسالته صلى الله عليه وسلم عن القرآن: 74: ~~24، 25 إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر وإنما عنوا القرآن ~~المسموع الذي بلغوه وأنذروا به. # فمن قال: إن الله لم يتكلم به فقد ضاهأ قوله قولهم. تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # فصل # في بيان تضمنها للرد على من قال بقدم العالم وذلك من وجوه: ms043 # أحدها: إثبات حمده. فإنه يقتضي ثبوت أفعاله، لا سيما وعامة مواد الحمد في ~~القرآن، أو كلها، إنما هي على الأفعال، وكذلك هو هاهنا. فإنه حمد نفسه على ~~ربوبيته المتضمنة لأفعاله الاختيارية، ومن المستحيل: مقارنة الفعل لفاعله. ~~هذا ممتنع في كل عقل سليم، وفطرة مستقيمة. فالفعل متأخر عن فاعله بالضرورة. # وأيضا فإنه متعلق الإرادة والتأثير والقدرة، ولا يكون متعلقها قديما ~~البتة. # الثاني: إثبات ربوبيته للعالمين. وتقريره: ما ذكرناه، والعالم كل ما # PageV01P065 # سواه فثبت أن كل ما سواه مربوب، والمربوب مخلوق بالضرورة، وكل مخلوق حادث ~~بعد أن لم يكن، فإذا ربوبيته تعالى لكل ما سواه تستلزم تقدمه عليه وحدوث ~~المربوب، ولا يتصور أن يكون العالم قديما، وهو مربوب أبدا، فإن القديم ~~مستغن بأزليته عن فاعل له، وكل مربوب فهو فقير بالذات، فلا شيء من المربوب ~~بغني ولا قديم. # الثالث: إثبات توحيده، فإنه يقتضي عدم مشاركة شيء من العالم له في خصائص ~~الربوبية، والقدر من خصائص الربوبية، فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة، كما ~~ينفي ثبوت الربوبية والإلهية لغيره. ### | ### | فصل # # في بيان تضمنها للرد على الرافضة وذلك من قوله: اهدنا الصراط المستقيم ~~إلى آخرها. # ووجه تضمنه إبطال قولهم: أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: # منعم عليهم، وهم أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه. # ومغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه. وضالون، وهم الذين جهلوه ~~فأخطأوه. # فكل من كان أعرف للحق، وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم. # ولا ريب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم: هم أولى ~~بهذه الصفة من الرافض. فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورضي الله عنهم جهلوا الحق وعرفه الروافض، أو رفضوه وتمسك به ~~الروافض. # ثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما، فرأينا أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتحوا بلاد الكفر، وقلبوها بلاد إسلام، وفتحوا ~~القلوب بالقرآن والعلم والهدى. فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط ~~المستقيم. ورأينا # PageV01P066 # الرافضة بالعكس في كل ms044 زمان ومكان، فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم ~~إلا كانوا أعوانهم على الإسلام، وكم جروا على الإسلام وأهله من بلية؟ وهل ~~عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام من عسكر هولاكو وذويه من التتار إلا من ~~تحت رؤوسهم؟ وهل عطلت المساجد، وحرقت المصاحف، وقتل سروات المسلمين ~~وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جرائهم؟ ومظاهرتهم للمشركين ~~والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة، وآثارهم في الدين معلومة. # فأي الفريقين أحق بالصراط المستقيم؟ وأيهم أحق بالغضب والضلال، إن كنتم ~~تعلمون؟ ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله: # بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، وهو ~~كما فسروه. # فإنه صراطهم الذي كانوا عليه، وهو عين صراط نبيهم. وهم الذين أنعم الله ~~عليهم، وغضب على أعدائهم، وحكم لهم بالضلال، وقال أبو العالية «1» - رفيع ~~الرياحي- والحسن البصري «2» ، وهما من أجل التابعين: الصراط المستقيم: رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه، وقال أبو العالية أيضا في قوله ~~PageV01P067 # «صراط الذين أنعمت عليهم» هم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ~~وعمر، وهذا حق: # فإن آله وأبا بكر وعمر على طريق واحدة. ولا خلاف بينهم، وموالاة بعضهم ~~بعضا، وثناؤهم عليهما، ومحاربة من حاربا ومسالمة من سالما، معلومة عند ~~الأمة. خاصها وعامها. # وقال زيد بن أسلم «1» : الذين أنعم الله عليهم هم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأبو بكر وعمر. ولا ريب أن المنعم عليهم: هم أتباعه، والمغضوب ~~عليهم: # هم الخارجون عن أتباعه، وأتبع الأمة لهم وأطوعهم: أصحابه وأهل بيته. # وأتباع الصحابة له: السمع والبصر، أبو بكر وعمر، وأشد الأمة مخالفة لهما ~~هم الرافضة، فخلافهم لهما معلوم عند جميع فرق الأمة، ولهذا يبغضون السنة ~~وأهلها، ويعادونها ويعادون أهلها، فهم أعداء سنته صلى الله عليه وسلم وأهل ~~بيته. # وأتباعه من بنيهم أكمل ميراث؟ بل هم ورثته حقا. # فقد تبين أن الصراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه، وطريق أهل الغضب ~~والضلال: طريق الرافضة. وبهذه الطريق بعينها يرد على الخوارج. # فإن معاداتهم الصحابة معروفة. ### | ### | فصل # # وسر الخلق الأمر ms045 والكتب والشرائع والثواب والعقاب: انتهى إلى هاتين ~~الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد. حتى قيل: أنزل الله مائة كتاب ~~PageV01P068 # وأربعة كتب: جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه ~~الكتب الثلاثة في القرآن. وجمع معاني القرآن في المفصل، وجمع معاني المفصل ~~في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في «إياك نعبد وإياك نستعين» . # وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين: فنصفها له تعالى وهو ~~«إياك نعبد» ونصفهما لعبده وهو «إياك نستعين» وسيأتي سر هذا ومعناه إن شاء ~~الله في موضعه. # والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع. والعرب تقول: طريق ~~معبد أي مذلل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له، لم ~~تكن عابدا له، ومن خضعت له بلا محبة، لم تكن عابدا له، حتى تكون محبا ~~خاضعا، ومن هاهنا كان المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية، ~~والمنكرون لكونه محبوبا لهم، بل هو غاية مطلوبهم ووجهه الأعلى نهاية ~~بغيتهم: منكرين لكونه إلها، وإن أقروا بكونه ربا للعالمين وخالقا لهم، فهذا ~~غاية توحيدهم. وهو توحيد الربوبية، الذي اعترف به مشركو العرب، ولم يخرجوا ~~به من الشرك، كما قال تعالى: # 43: 87 ولئن سألتهم من خلقهم؟ ليقولن الله وقال تعالى: # 39: 38 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله 23: ### | 84- 89 # قل لمن الأرض ومن فيها؟. سيقولون لله ولهذا يحتج عليهم به على توحيد ~~إلهيته، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره، كما أنه لا خالق غيره ولا رب سواه. # والاستعانة: تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق ~~بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره، مع ثقته به، لاستغنائه عنه. ~~وقد يعتمد عليه، مع ثقته به لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه. # فيحتاج إلى اعتماده عليه. مع أنه غير واثق به. # والتوكل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة، والاعتماد، وهو حقيقة # PageV01P069 # «إياك نعبد وإياك نستعين» وهذان الأصلان- وهما التوكل والعبادة- قد ذكر ~~في القرآن في عدة مواضع، قرن بينهما فيها، هذا أحدها. # الثاني: [قوله تعالى في حكاية عن شعيب] «1» : 11: 88 وما توفيقي ms046 إلا ~~بالله عليه توكلت وإليه أنيب. # الثالث: قوله تعالى: 11: 123: ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر ~~كله، فاعبده وتوكل عليه. # الرابع: قوله تعالى حكاية عن المؤمنين 60: 4 ربنا عليك توكلنا وإليك ~~أنبنا وإليك المصير. # الخامس: قوله تعالى: 73: 8 و 9 واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا، رب ~~المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا. # السادس: قوله تعالى: 3: 13 قل هو ربي لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه ~~أنيب. # فهذه ستة مواضع يجمع فيها بين الأصلين وهما «إياك نعبد وإياك نستعين» . # وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على ~~الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، ~~ولأن «إياك نعبد» متعلق بألوهيته واسمه «الله» و «إياك نستعين» متعلق ~~بربوبيته واسمه الرب. فقدم «إياك نعبد» على «إياك نستعين» كما تقدم اسم ~~الله على الرب في أول السورة، ولأن «إياك نعبد» قسم الرب. فكان من الشطر ~~الأول الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به، و «إياك نستعين» قسم ~~العبد، فكان مع الشطر الذي له، وهو «اهدنا الصراط المستقيم» إلى آخر ~~السورة. PageV01P070 # ولأن العبادة المطلقة: تتضمن الاستعانة، من غير عكس. فكل عابد لله عبودية ~~تامة: مستعين به، ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على ~~شهواته. فكانت العبادة أكمل وأتم. ولهذا كانت قسم الرب، ولأن الاستعانة جزء ~~من العبادة، من غير عكس، ولأن الاستعانة طلب منه، والعبادة طلب له، ولأن ~~العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص، ولأن ~~العبادة حقه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة. وهو بيان ~~صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه: أهم من التعرض لصدقته. ولأن العبادة ~~شكر نعمته عليك، والله يجب أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك. فإذا ~~التزمت عبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت ~~رقها سببا لنيل الإعانة. وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله ~~له أعظم. # والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة ms047 قبلها على التزامها والقيام بها، ~~وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدا، حتى يقضي العبد نحبه، ولأن ~~«إياك نعبد» له. و «إياك نستعين» به، وما له مقدم على ما به. لأن ما له ~~متعلق بمحبته ورضاه. وما به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تتعلق ~~بمشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته. والملائكة والشياطين والمؤمنون ~~والكفار، والطاعات والمعاصي. والمتعلق بمحبته: طاعاتهم وإيمانهم. فالكفار ~~أهل مشيئة، والمؤمنون أهل محبته. ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا. ~~وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته. # فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم «إياك نعبد» على «إياك نستعين» . # وأما تقديم المعبود والمستعان على الفعلين ففيه: أدبهم مع الله بتقديم ~~اسمه على فعلهم وفيه الاهتمام وشدة العناية به، وفيه الإيذان بالاختصاص ~~المسمى بالحصر. فهو في قوة: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، # PageV01P071 # والحاكم في ذلك ذوق العربية والفقه فيها، واستقراء موارد استعمال ذلك ~~مقدما، وسيبويه نص على الاهتمام، ولم ينف غيره. ولأنه يقبح من القائل: أن ~~يعتق عشرة أعبد مثلا، ثم يقول لأحدهم: إياك أعتقت، ومن سمعه أنكر ذلك عليه، ~~وقال: وغيره أيضا أعتقت. ولولا فهم الاختصاص لما قبح هذا الكلام، ولا حسن ~~إنكاره. # وتأمل قوله تعالى: 2: 40 إياي فارهبون 2: 41 وإياي فاتقون كيف تجده في ~~قوة: لا ترهبوا غيري، ولا تتقوا سواي؟ وكذلك «إياك نعبد وإياك نستعين» هو ~~في قوة: لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك، وكل ذي ذوق سليم يفهم هذا الاختصاص ~~من هذا السياق، ولا عبرة بجدل من قل فهمه، وفتح عليه باب الشك والتشكيك، ~~فهؤلاء هم آفة العلوم، وبلية الأذهان والفهوم، مع أن في ضمير «إياك» من ~~الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل، ففي «إياك قصدت، ~~وأحببت» من الدلالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك: قصدتك ~~وأحببتك. وإياك أعني: فيه معنى نفسك وذاتك وحقيقتك أعني. # ومن هاهنا قال من قال من النحاة: إن «إيا» اسم ظاهر، مضاف إلى الضمير ~~المتصل، ولم يرد ms048 برد شاف. # ولولا أنا في شأن وراء هذا لأشبعنا الكلام في هذه المسألة، وذكرنا مذاهب ~~النحاة فيها، ونصرنا الراجح، ولعل أن نعطف على ذلك بعون الله. # وفي إعادة «إياك» مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل واحد من ~~الفعلين، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه، فإذا قلت ~~لملك مثلا: إياك أحب، وإياك أخاف. كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته، ~~والاهتمام بذكره ما ليس في قولك: إياك أحب وأخاف. # PageV01P072 ### | ### | فصل # # إذا عرف هذا: فالناس في هذين الأصلين وهما العبادة والاستعانة أربعة ~~أقسام. # أجلها وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية ~~مرادهم وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها، ولهذا كان من أفضل ~~ما يسأل الرب تبارك وتعالى الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي صلى ~~الله عليه وسلم لحبه معاذ بن جبل «1» . # فقال «يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم ~~أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» «2» . # فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب ~~وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله ~~وتيسير أسبابه. فتأملها. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: تأملت أنفع الدعاء: # فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في «إياك نعبد وإياك ~~نستعين» . # ومقابل هؤلاء: القسم الثاني: وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به فلا ~~عبادة ولا استعانة بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على ~~مرضاة ربه وحقوقه، فإنه سبحانه يسأله من في السموات والأرض: يسأله أولياؤه ~~وأعداؤه ويمد هؤلاء وهؤلاء، وأبغض خلقه: عدوه إبليس ومع هذا فسأله حاجة ~~فأعطاه إياها، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونا PageV01P073 # له على مرضاته: كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله وطرده عنه، وهكذا ~~كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونا على طاعته، كان مبعدا له ~~عن مرضاته، قاطعا له عنه ولا بد. ms049 # وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست ~~لكرامة كل سائل عليه، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له، وفيها هلاكه ~~وشقوته، ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه من عينه، ويكون منعه منها ~~لكرامته عليه ومحبته له، فيمنعه حماية وصيانة وحفظا لا بخلا، وهذا إنما ~~يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته، ويعامله بلطفه: فيظن بجهله أن الله ~~لا يحبه ولا يكرمه، ويراه يقضي حوائج غيره، فيسيء ظنه بربه، وهذا حشو قلبه ~~ولا يشعر به، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة، وعلامة هذا: ~~حمله على الأقدار. وعتابه الباطن لها. # كما قيل: # وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # فو الله لو كشف عن حاصله وسره لرأى هناك معاتبة القدر واتهامه، وأنه قد ~~كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، ولكن ما حيلتي؟ والأمر ليس إلي، والعاقل خصم ~~نفسه والجاهل خصم أقدار ربه، فاحذر كل الحذر أن تسأله شيئا معينا خيرته ~~وعاقبته مغيبة عنك، وإذا لم تجد من سؤاله بدا، فعلقه على شرط علمه تعالى ~~فيه الخيرة، وقدم بين يدي سؤالك الاستخارة، ولا تكن استخارة باللسان بلا ~~معرفة بل استخارة من لا علم له بمصالحه ولا قدرة له عليها، ولا اهتداء له ~~إلى تفاصيلها. ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، بل إن وكل إلى نفسه هلك كل ~~الهلاك، وانفرط عليه أمره. وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤال: تسأله أن يجعله ~~عونا على طاعته وبلاغا إلى مرضاته، ولا يجعله قاطعا لك عنه، ولا مبعدا عن ~~مرضاته. ولا تظن أن عطاءه كل ما أعطى لكرامة عبده عليه ولا منعه كل ما ~~يمنعه لهوان عبده عليه، ولكن عطاءه # PageV01P074 # ومنعه ابتلاء وامتحان، يمتحن بهما عباده. قال الله تعالى: 89: 25 و 16 ~~فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرمن. وأما إذا ~~ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن، كلا أي ليس كل من أعطيته ونعمته ~~وخولته: فقد أكرمته، وما ذاك لكرامته علي ولكنه ms050 ابتلاء مني وامتحان له: ~~أيشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم يكفرني فأسلبه إياه، وأخول فيه غيره؟ # وليس كل من ابتليته فضيقت عليه رزقه، وجعلته بقدر لا يفضل عنه فذلك من ~~هوانه علي، ولكنه ابتلاء وامتحان مني له: أيصبر؟ فأعطيه أضعاف أضعاف ما ~~فاته من سعة الرزق، أم يتسخط؟ فيكون حظه السخط. # فرد الله سبحانه على من ظن أن سعة الرزق إكرام، وأن الفقر إهانة، فقال: ~~لم أبتل عبدي بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي. # فأخبر أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره، فإنه ~~يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لإهانته، إنما يكرم من ~~يكرمه بمعرفته ومحبته وطاعته، ويهين من يهينه بالإعراض عنه ومعصيته. فله ~~الحمد على هذا وعلى هذا، وهو الغني الحميد. # فعادت سعادة الدنيا والآخرة إلى «إياك نعبد وإياك نستعين» . ### | ### | فصل # # القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة. وهؤلاء نوعان. # أحدها: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، ~~وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل. فإنه قد أعانه بخلق الآلات ~~وسلامتها وتعريف الطريق وإرسال الرسل، وتمكينه من الفعل. فلم يبق بعد هذا ~~إعانة مقدورة يسأله إياها، بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة: ~~فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان، ~~وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر، من غير أن يكون الله سبحانه وفق # PageV01P075 # هؤلاء لا بتوفيق زائد، أوجب لهم الإيمان، وخذل هؤلاء بأمر آخر، أوجب لهم ~~الكفر، فعباد هؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة، لا استعانة معه: # فهم موكولون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب ~~بقدره نقض تكذيبه توحيده. # النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل ~~والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في ضمنه، ~~وقيامها به، وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا ~~وجود له، وأن القدر ms051 كالروح المحرك لها، والمعول على المحرك الأول. # فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك، ومن السبب إلى المسبب، ومن ~~الآلة إلى الفاعل. فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من «إياك نستعين» ~~ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة، وإن وجدوا ذوقه بالأوراد ~~والوظائف فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير، بحسب استعانتهم ~~وتوكلهم. ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه، وكان ~~مأمورا بإزالته، لأزاله. # فإن قلت: فما معنى التوكل والاستعانة؟. # قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، وتفرده بالخلق والتدبير والضر ~~والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم ~~يكن، وإن شاءه الناس، فيوجب له هذا اعتمادا عليه وتفويضا إليه وطمأنينة به ~~وثقة به ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه ملي به، ولا يكون إلا ~~بمشيئته، شاءه الناس أم أبوه، فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينوبه ~~من رغبة ورهبة هما مليان بهما. فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير ~~أبويه، وحبس همه على إنزال ما ينويه بهما. فهذه حال المتوكل، ومن كان هكذا ~~مع الله، فالله كافيه ولا بد. قال الله تعالى: 65: 3 ومن يتوكل # PageV01P076 # على الله فهو حسبه # أي كافيه. والحسب: الكافي. فإن كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة ~~الحميدة، وإن لم يكن من أهل التقوى فهو: # القسم الرابع: وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضرر، وأنه ما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه، واستعان به على ~~حظوظه وشهواته وأغراضه، وطلبها منه، وأنزلها به فقضيت له، وأسعف بها، ولكن ~~لا عاقبة له، سواء كانت أموالا أو رئاسة أو جاها عند الخلق أو أحوالا، من ~~كشف وتأثير وقوة وتمكين. فإنها من جنس الملك الظاهر، والأموال لا تستلزم ~~الإسلام، فضلا عن الولاية والقرب من الله. فإن الملك والجاه والمال والحال ~~معطاة للبر والفاجر، والمؤمن والكافر. فمن استدل بشيء من ذلك على محبة ms052 الله ~~لمن آتاه إياه ورضاه عنه، وأنه من أوليائه المقربين. فهو من أجهل الجاهلين، ~~وأبعدهم معرفة بالله ودينه، والتمييز بين ما يحبه ويرضاه ويكرهه ويسخطه، ~~فالحال من الدنيا. فهو كالملك والمال، إن أعان صاحبه على طاعة الله ~~ومرضاته، وتنفيذ أوامره، ألحقه بالملوك العادلين البررة، وإلا فهو وبال على ~~صاحبه ومبعد له عن الله، وملحق له بالملوك الظلمة، والأغنياء الفجرة. ### | ### | فصل # # إذا عرف هذا: فلا يكون العبد متحققا بإياك نعبد إلا بأصلين عظيمين. # أحدهما: متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. # والثاني: الإخلاص للمعبود. فهذا تحقيق «إياك نعبد» . # والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضا إلى أربعة أقسام: # أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة. وهم أهل «إياك نعبد» حقيقة، ~~فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم # PageV01P077 # لله، وبغضهم لله. فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه الله وحده. لا يريدون بذلك ~~من الناس جزاء ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة، ~~والمنزلة في قلوبهم، ولا هربا من ذمهم. بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب ~~القبور، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فالعمل ~~لأجل هؤلاء، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم، لا ~~يكون من عارف بهم البتة، بل من جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس ~~أنزلهم منازلهم. ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله، وعطاءه ومنعه وحبه ~~وبغضه، ولا يعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا ~~فإذا عرف الله وعرف الناس آثر معاملة الله على معاملتهم، وكذلك أعمالهم ~~كلها وعباداتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا ~~يقبل الله من عامل سواه. وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجله. قال ~~الله تعالى 67: 2 الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وجعل ما ~~على الأرض زينة لها ليختبرهم أيهم أحسن عملا، قال الفضيل بن عياض «1» : هو ~~أخلصه وأصوبه. قالوا يا أبا على: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان ~~خالصا ولم يكن صوابا. # لم ms053 يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، ~~والخالص: ما كان لله، والصواب: ما كان على السنة. وهذا هو المذكور في قوله ~~تعالى 18: 110 فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا. PageV01P078 # وفي قوله 4: 125 ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن فلا يقبل الله ~~من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود ~~على عامله، يعود عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورا. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» # وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدا. فإن الله تعالى ~~إنما بعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء. ### | ### | فصل # # الضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة. فليس عمله موافقا لشرع، ولا هو ~~خالصا للمعبود، كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ~~ورسوله. وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله عز وجل. ولهم أوفر نصيب من ~~قوله 3: 188 لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا. فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم يفرحون بما أتوا من ~~البدعة والضلالة والشرك، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص. # وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن ~~الصراط المستقيم، فإنهم يرتكبون البدع والضلالات، والرياء والسمعة ويحبون ~~أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم. فهم أهل الغضب ~~والضلال. # الضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله، لكنها على غير متابعة الأمر، كجهال ~~العباد، والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر، وكل من عبد الله بغير أمره، ~~واعتقده قربة إلى الله فهذا حاله، كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة، ~~وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة، وأن مواصلة صوم النهار ~~بالليل قربة، وأن صيام يوم فطر الناس كلهم قربة. وأمثال ذلك. # PageV01P079 # الضرب الرابع: من أعماله على متابعة الأمر، لكنها لغير الله. كطاعة ~~المرائين، ms054 وكالرجل يقاتل رياء وحمية وشجاعة، ويحج ليقال، ويقرأ القرآن ~~ليقال، فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها، لكنها غير خالصة فلا ~~تقبل 98: 5 وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين فكل أحد لم يؤمر ~~إلا بعبادة الله بما أمر، والإخلاص له في العبادة. وهم أهل «إياك نعبد ~~وإياك نستعين» . ### | ### | فصل # # ثم أهل مقام «إياك نعبد» لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار ~~والتخصص أربعة طرق. فهم في ذلك أربعة أصناف. # الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها. # قالوا: لأنه أبعد الأشياء من هواها، وهو حقيقة التعبد. # قالوا: والأجر على قدر المشقة، ورووا حديثا لا أصل له # «أفضل الأعمال أحمزها» # أي أصعبها وأشقها، وهؤلاء: هم أهل المجاهدات والجور على النفوس. # قالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك، إذ طبعها الكسل والمهانة، والإخلاد إلى ~~الأرض، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق. # الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد، والزهد في الدنيا، والتقلل ~~منها غاية الإمكان، وطرح الاهتمام بها، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها. # ثم هؤلاء قسمان: # فعوامهم: ظنوا أن هذا غاية، فشمروا إليه وعملوا عليه. ودعوا الناس # PageV01P080 # إليه، وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة، فرأوا الزهد في الدنيا ~~غاية كل عبادة ورأسها. # وخواصهم رأوا هذا مقصودا لغيره، وأن المقصود به عكوف القلب على الله، ~~وجمع المهمة عليه، وتفريغ القلب لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، ~~والاشتغال بمرضاته. فرأوا أن أفضل العبادات في الجمعية على الله، ودوام ~~ذكره بالقلب واللسان، والاشتغال بمراقبته، دون كل ما فيه تفريق للقلب ~~وتشتيت له. # ثم هؤلاء قسمان: فالعارفون المتبعون منهم: إذا جاء الأمر والنهي بادروا ~~إليه ولو فرقهم وأذهب جمعيتهم. والمنحرفون منهم يقولون: المقصود من العبادة ~~جمعية القلب على الله. فإذا جاء ما يفرقه عن الله لم يلتفت إليه. # وربما يقول قائلهم: # يطالب بالأوراد من كان غافلا ... فكيف بقلب كل أوقاته ورد؟ # ثم هؤلاء أيضا قسمان: منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته، ومنهم من ~~يقوم بها، ويترك السنن والنوافل، وتعلم العلم النافع لجمعيته. ms055 # وسأل هؤلاء شيخا عارفا فقال: إذا أذن المؤذن وأنا في جمعيتي على الله، ~~فإن قمت وخرجت تفرقت، وإن بقيت على حالي بقيت على جمعيتي، فما الأفضل في ~~حقي؟. # فقال: إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم، وأجب داعي الله، ثم عد إلى ~~موضعك. وهذا لأن الجمعية على الله: حظ الروح والقلب، وإجابة الداعي: حق ~~الرب، ومن آثر حظ روحه على حق ربه فليس من أهل «إياك نعبد» . # الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد، فرأوه ~~أفضل من ذي النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح # PageV01P081 # الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل. فتصدوا له ~~وعملوا عليه واحتجوا # بقول النبي صلى الله عليه وسلم «الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه ~~أنفعهم لعياله» رواه أبو يعلي. # واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه وعمل النفاع متعد إلى الغير، وأين ~~أحدهما من الآخر؟. # قالوا: ولهذا كان فضل العالم على العابد: كفضل القمر على سائر الكواكب. # قالوا: # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~«لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» # وهذا التفضيل للنفع المتعدي، واحتجوا # بقوله صلى الله عليه وسلم «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من ~~أتبعه، من غير أن ينتقض من أجورهم شيء» «1» # واحتجوا # بقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس ~~الخير» # وبقوله صلى الله عليه وسلم «إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في ~~الأرض، حتى الحيتان في البحر والنملة في حجرها» . # واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله ~~ما دام نفعه الذي نسب إليه. # واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم، ونفعهم في ~~معاشهم ومعادهم، لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والترهب، ولهذا ~~أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أولئك النفر الذين هموا بالانقطاع ~~للتعبد، وترك مخالطة الناس، ورأي هؤلاء التفرق في ms056 أمر الله ونفع عباده ~~والإحسان إليهم أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك. # الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب PageV01P082 # في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. فأفضل العبادات في وقت ~~الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد، من صلاة الليل وصيام النهار، بل ~~ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن. # والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد ~~المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. # والأفضل في أوقات السحر «1» : الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر ~~والاستغفار. # والأفضل في وقت استرشاد الطالب، وتعلم الجاهل: الإقبال على تعليمه ~~والاشتغال به. # والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة ~~المؤذن. # والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والنصح في إيقاعها على أكمل ~~الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن بعد كان ~~أفضل. # والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه، أو البدن أو المال: ~~الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك. # والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه، حتى ~~كأن الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ ~~أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك. PageV01P083 # والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون ~~الصوم المضعف عن ذلك. # والأفضل في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد، لا سيما التكبير ~~والتهليل والتحميد. فهو أفضل من الجهاد غير المتعين. # والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف ~~دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على ~~تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن، عند كثير من العلماء. # والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته، وحضور جنازته وتشييعه، ~~وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك. # والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك: أداء واجب الصبر مع خلطتك ~~بهم، دون الهرب منهم. فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على ms057 أذاهم أفضل من ~~الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه. # والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من عزلتهم فيه، وعزلتهم في الشر، فهي ~~أفضل من خلطتهم فيه. فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ ~~أفضل من عزلتهم. # فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال. # والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. وهؤلاء هم أهل التعبد ~~المطلق. والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد. فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي ~~تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقض وترك عبادته. فهو يعبد ~~الله على وجه واحد. وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره ~~على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت. فمدار تعبده عليها. فهو ~~لا يزال متنقلا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، ~~واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى. فهذا دأبه في # PageV01P084 # السير حتى ينتهي سيره: فإن رأيت العلماء رأيته معهم. وإن رأيت العباد، ~~رأيته معهم. وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم. وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، ~~وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم. وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف ~~القلب على الله رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم، ~~ولم تقيده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه، وما فيه لذتها وراحتها من ~~العبادات. بل هو على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه، فهذا هو ~~المتحقق بإياك نعبد وإياك نستعين حقا، القائم بهما صدقا. ملبسه ما تهيأ، ~~ومأكله ما تيسر، واشتغاله بما أمر به في كل وقت بوقته، ومجلسه حيث انتهى ~~ووجده خاليا، لا تملكه إشارة، ولا يتعبده قيد، ولا يستولي عليه رسم، حر ~~مجرد، دائر مع الأمر حيث دار، يدين بدين الأمر أنى توجهت ركائبه «1» ، ~~ويدور معه حيث استقلت مضاربه يأنس به كل محق، ويستوحش منه كل مبطل، كالغيث ~~حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلها منفعة حتى شوكها. وهو موضع ~~الغلظة منه على المخالفين لأمر الله، والغضب ms058 إذا انتهكت محارم الله، فهو ~~لله وبالله ومع الله، قد صحب الله بلا خلق، وصحب الناس بلا نفس. بل إذا كان ~~مع الله عزل الخلائق من البين وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من ~~الوسط وتخلى عنها، فواها له. ما أغربه بين الناس، وما أشد وحشته منهم، وما ~~أعظم أنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه!! والله المستعان. وعليه ~~التكلان. ### | ### | فصل # # ثم للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرق أربعة. وهم في ذلك أربعة ~~أصناف. PageV01P085 # الصنف الأول: نفاة الحكم والتعليل، الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة، ~~وصرف الإرادة. فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون ~~سببا لسعادة في معاش ولا معاد، ولا سببا لنجاة، وإنما القيام بها لمجرد ~~الأمر ومحض المشيئة، كما قالوا في الخلق: إنه لم يخلق ما خلقه لعلة، ولا ~~لغاية هي المقصود به، ولا لحكمة تعود إليه منه، وليس في المخلوقات أسباب ~~مقتضيات لمسبباتها، ولا فيها قوى ولا طبائع، فليست النار سببا للإحراق، ولا ~~الماء سببا للإدواء والتبريد، وإخراج النبات، ولا فيه قوة ولا طبيعة تقتضي ~~ذلك، وحصول الإحراق والري ليس بهما، لكن بإجراء العادة الاقترانية على حصول ~~هذا عند هذا، لا بسببه ولا بقوة قامت به، وهكذا الأمر عندهم في أمره الشرعي ~~سواء، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، ولكن المشيئة اقتضت أمره ~~بهذا ونهيه عن هذا، من غير أن يقوم بالمأمور به صفة اقتضت حسنه، ولا المنهي ~~عنه صفة اقتضت قبحه. # ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة. وقد ذكرناها في كتابنا الكبير ~~المسمى (بمفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة) وبينا فساد هذا ~~الأصل من نحو ستين وجها، وهو كتاب بديع في معناه. وذكرناه أيضا في كتابنا ~~المسمى (بسفر الهجرتين وطريق السعادتين) . # وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها، ولا يتنعمون بها، وليست قرة ~~أعينهم، وليست الأوامر سرور قلوبهم، وغذاء أرواحهم وحياتهم، ولهذا يسمونها ~~تكاليف. أي قد كلفوا بها، ولو سمى مدع لمحبة ملك من ms059 الملوك أو غيره ما ~~يأمره به تكليفا، وقال: إني إنما أفعله بكلفة، لم يعده أحد محبا له، ولهذا ~~أنكر هؤلاء- أو كثير منهم- محبة العبد لربه. وقالوا: إنما يحب ثوابه وما ~~يخلقه له من النعيم الذي يتمتع به، لا أنه يحب ذاته. فجعلوا المحبة لمخلوقه ~~دونه. وحقيقة العبودية: هي كمال المحبة، فأنكروا حقيقة العبودية ولبها. ~~وحقيقة الإلهية: كونه مألوها محبوبا بغاية الحب، المقرون # PageV01P086 # بغاية الذل والخضوع، والإجلال والتعظيم، فأنكروا كونه محبوبا. وذلك إنكار ~~لإلهيته، وشيخ هؤلاء: هو الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن القسري في يوم ~~أضحى، وقال: إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، ~~وإنما كان إنكاره: لكونه تعالى محبوبا محبا، لم ينكر حاجة إبراهيم إليه، ~~التي هي الخلة عند الجهمية التي يشترك فيها جميع الخلائق، فكلهم أخلاء لله ~~عندهم. وقد بينا فساد قولهم هذا وإنكارهم محبة الله من أكثر من ثمانين وجها ~~في كتابنا المسمى (قرة عيون المحبين، وروضة قلوب العارفين) وذكرنا فيه وجوب ~~تعلق المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية ~~والفطرية، وأنه لا كمال للإنسان بدون ذلك البتة، كما أنه لا كمال لجسمه إلا ~~بالروح والحياة، ولا لعينه إلا بالنور الباصر، ولا لأذنه إلا بالسمع، وأن ~~الأمر فوق ذلك وأعظم. ### | ### | فصل # # الصنف الثاني: القدرية النفاة، الذين يثبتون نوعا من الحكمة. # والتعليل لا يقوم بالرب، ولا يرجع إليه، بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ~~ومنفعته، فعندهم: أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب ~~والنعيم، وأنها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير. قالوا: ولهذا يجعلها الله ~~تعالى عوضا كقوله 7: 43 ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ~~وقوله ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وقوله هل تجزون إلا ما كنتم تعملون؟ # وقوله صلى الله عليه وسلم، فيما يحكي عن ربه عز وجل «يا عبادي، إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها» # وقوله تعالى: 39: # 10 إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قالوا: وقد سماه الله سبحانه جزاء ~~وأجرا وثوابا. ms060 لأنه يثوب إلى العامل من عمله، أي يرجع إليه منه. # قالوا: ولولا ارتباطه بالعمل لم يكن لتسميته جزاء، ولا أجرا ولا ثوابا ~~معنى. # PageV01P087 # قالوا: ويدل عليه الوزن. فلولا تعلق الثواب والعقاب بالأعمال واقتضائها ~~لها، وكونها كالأثمان لها لم يكن للوزن معنى. وقد قال تعالى: # 7: 8، 9 والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن ~~خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون. # وهاتان الطائفتان متقابلتان أشد التقابل. وبينهما أعظم التباين. فالجبرية ~~لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة، وجوزت أن يعذب الله من أفنى عمره ~~في طاعته، وينعم من أفنى عمره في معصيته. وكرهما بالنسبة إليه سواء، وجوزت ~~أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم عملا منه، وأكثر وأفضل درجات. ~~والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة، من غير تعليل ولا سبب، ولا حكمة تقتضي ~~هذا بالثواب، وهذا بالعقاب. # والقدرية أوجبت عليه رعاية الأصلح. وجعلت كله بمحض الأعمال وثمنا لها، ~~وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله تنغيص باحتمال منة الصدقة عليه بلا ~~ثمن. # فقاتلهم الله ما أجهلهم بالله وأغرهم به، جعلوا تفضله وإحسانه إلى العبد ~~على العبد، حتى قالوا: إن إعطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد ~~وأطيب له من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل. # فقابلتهم الجبرية أشد المقابلة. ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء ~~البتة. # والطائفتان جائرتان، منحرفتان عن الصراط المستقيم، الذي فطر الله عليه ~~عباده، وجاءت به الرسل، ونزلت به الكتب. وهو أن الأعمال: أسباب موصلة إلى ~~أثواب والعقاب. مقتضيات لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، وأن الأعمال ~~الصالحة من توفيق الله وفضله ومنه، وصدقته على عبده، إن أعانه عليها ووفقه ~~لها، وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها، وحببها إليه، وزينها في قلبه وكره ~~إليه أضدادها، ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه، ولا هي على قدرة، # PageV01P088 # بل غايتها- إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده، وأوقعها على أكمل الوجوه-: # أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه، فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من الشكر ~~على ms061 تلك النعمة بقية لم يقع بشكرها. فلذلك # لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت ~~رحمته خيرا لهم من أعمالهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم # ، ولهذا نفي النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة بالعمل، كما # قال «لن يدخل الجنة أحدا منكم الجنة بعمله» # وفي لفظ لن يدخل أحدا الجنة منكم الجنة بعمله» # وفي لفظ «لن ينجي أحدا منكم عمله، قالوا: # ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه ~~وفضل» # وأثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل، كما في قوله: 16: 32 ادخلوا الجنة بما ~~كنتم تعملون ولا تنافي بينهما. إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد، ~~فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال، وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها: # ردا على القدرية، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكرير ~~المنة. # وهذه الطائفة من أجهل الخلق بالله، وأغلظهم عنه حجابا. وحق لهم أن يكونوا ~~مجوس هذه الأمة، ويكفي في جهلهم بالله: أنهم لم يعلموا: أن أهل سماواته ~~وأرضه في منته، وأن من تمام الفرح والسرور والغبطة واللذة: # اغتباطهم بمنة سيدهم ومولاهم الحق، وأنهم إنما طاب لهم عيشهم بهذه المنة. ~~وأعظمهم منه منزلة، وأقربهم إليه: أعرفهم بهذه المنة، وأعظمهم إقرارا بها، ~~وذكرا لها، وشكرا عليها، ومحبة له لأجلها، فهل ينقلب أحد قط إلا في منته؟ ~~49: 17 يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم ~~أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. # واحتمال منة المخلوق: إنما نقصا لأنه نظيره. فإذا من عليه استعلى عليه، ~~ورأى الممنون عليه نفسه دونه، هذا مع أنه ليس في كل مخلوق، فلرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المنة على أمته، وكان أصحابه يقولون: «الله ورسوله أمن» ولا ~~نقص في منة الوالد على ولده، ولا عار عليه في احتمالها، وكذلك السيد # PageV01P089 # على عبده، فكيف برب العالمين الذي إنما يتقلب الخلائق في بحر منته عليهم، ~~ومحض صدقته عليهم: بلا عوض منهم البتة؟ وإن كانت ms062 أعمالهم أسبابا لما ~~ينالونه من كرمه وجوده. فهو المنان عليهم. بأن وفقهم لتلك الأسباب وهداهم ~~لها، وأعانهم عليها، وكملها لهم، وقبلها منهم على ما فيها؟ وهذا هو المعنى ~~الذي أثبت به دخول الجنة في قوله بما كنتم تعملون. # فهذه باء السببية، ردا على القدرية والجبرية، الذين يقولون: لا ارتباط ~~بين الأعمال والجزاء، ولا هي أسباب له، وإنما غايتها أن تكون أمارات. # قالوا: وليست أيضا مطردة، لتخلف الجزاء عنها في الخير والشر. # فلم يبق إلا محض الأمر الكوني والمشيئة. # فالنصوص مبطلة لقول هؤلاء: كما هي مبطلة لقول أولئك، وأدلة المعقول ~~والفطرة أيضا تبطل قول الفريقين، وتبين لمن له قلب ولب: مقدار قول أهل ~~السنة. وهم الفرقة الوسط. المثبتون لعموم مشيئة الله، وقدرته، وخلقه العباد ~~وأعمالهم، ولحكمته التامة المتضمنة ربط الأسباب بمسبباتها، وانعقادها بها ~~شرعا وقدرا، وترتيبها عليها عاجلا وآجلا. # وكل واحدة من الطائفتين المنحرفتين تركت نوعا من الحق، وارتكبت لأجله ~~نوعا من الباطل، بل أنواعا، وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه 2: 213 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم و 62: # 4 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ### | ### | فصل # # الصنف الثالث: الذين زعموا أن فائدة العبادة: رياضة النفوس، واستعدادها ~~لفيض العلوم عليها. وخروج قواها عن قوى النفوس السبعية والبهيمية، فلو عطلت ~~عن العبادات لكانت من جنس نفوس السباع والبهائم، # PageV01P090 # والعبادات تخرجها عن مألوفاتها وعوائدها، وتنقلها إلى مشابهة العقول ~~المجردة، فتصير عالمة قابلة لا تناقش صور العلوم والمعارف فيها، وهذا يقوله ~~طائفتان. # أحدهما: من يقرب إلى النبوات والشرائع من الفلاسفة، القائلين بقدم ~~العالم، وعدم الشقاق الأفلاك، وعدم الفاعل المختار. # الطائفة الثانية: من تفلسفت: من صوفية الإسلام. وتقرب إلى الفلاسفة. # فإنهم يزعمون أن العبادات رياضات لاستعداد النفوس وتجردها، ومفارقتها ~~العالم الحسي، ونزول الواردات والمعارف عليها. # ثم من هؤلاء من لا يوجب العبادات إلا لهذا المعنى، فإذا حصل لها بقي ~~مخيرا في حفظ أوراده، أو الاشتغال بالوارد عنها، ومنهم من يوجب القيام ~~بالأوراد والوظائف. وعدم الإخلال ms063 بها، وهم صنفان أيضا. # أحدهما: من يوجبونه حفظا للقانون، وضبطا للناموس. # والآخرون: الذين يوجبونه حفظا للوارد، وخوفا من تدرج النفس بمفارقتها له ~~إلى حالتها الأولى من البهيمية. # فهذه نهاية أقدام المتكلمين على طريق السلوك. وغاية مفارقتهم بحكم ~~العبادة وما شرعت لأجله، ولا تكاد تجد في كتب القوم غير هذه الطرق الثلاثة، ~~على سبيل الجمع، أو على سبيل البدل. ### | ### | فصل # # وأما الصنف الرابع وهم الطائفة: المحمدية الإبراهيمية: أتباع الخليلين، ~~العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخلقه، وأهل البصائر في عبادته، ~~ومراده بها. # PageV01P091 # فالطوائف الثلاثة محجوبون عنهم بما عندهم من الشبه الباطلة، والقواعد ~~الفاسدة، ما عندهم وراء ذلك شيء، قد فرحوا بما عندهم من المحال، وقنعوا بما ~~ألفوه من الخيال، ولو علموا أن وراءه، ما هو أجل منه وأعظم، لما ارتضوا ~~بدونه، ولكن عقولهم قصرت عنه، ولم يهتدوا إليه بنور النبوة، ولم يشعروا به ~~ليجتهدوا في طلبه، ورأوا أن ما معهم خير من الجهل، ورأوا تناقض ما مع غيرهم ~~وفساده. # فتركب من هذه الأمور إيثار ما عندهم على ما سواه، وهذه بلية الطوائف. ~~والمعافي من عافاه الله. # فاعلم أن سر العبودية وغايتها وحكمتها: إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب ~~عز وجل، ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها، ومعنى كونه إلها، بل هو ~~الإله الحق، وكل إله سواه فباطل، بل أبطل الباطل، وأن حقيقة الإلهية لا ~~تنبغي إلا له، وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها، وارتباطها بها ~~كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباطه المعلوم بالعلم، والمقدور ~~بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والعطاء بالجود. فمن أنكر ~~حقيقة الإلهية ولم يعرفها كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات وغاياتها ~~ومقاصدها وما شرعت لأجله؟ وكيف يستقيم له معرفة حكمة هي الغاية المقصودة ~~بالخلق، ولها خلقوا، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجلها خلقت الجنة ~~والنار؟ وأن فرض تعطيل الخليقة عنها: نسبة لله إلى ما لا يليق به، ويتعالى ~~عنه من خلق السموات والأرض بالحق، ولم يخلقهما باطلا. ولم يخلق الإنسان ~~عبثا ولم يتركه سدى مهملا، قال تعالى: ms064 # 23: 115 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون؟ أي لغير شيء ~~ولا حكمة، ولا لعبادتي ومجازاتي لكم، وقد صرح تعالى بهذا في قوله 51: 56 ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فالعبادة: هي الغاية التي خلق لها الجن ~~والإنس والخلائق كلها. قال الله تعالى: 75: 36 # PageV01P092 # أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟ أي مهملا. قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى، ~~وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والصحيح: الأمران. فإن الثواب والعقاب مترتب ~~على الأمر والنهي والأمر والنهي هو طلب العبادة وإرادتها، وحقيقة العبادة ~~امتثالهما. وقال تعالى: 3: 191 ويتفكرون في خلق السماوات والأرض: ربنا ما ~~خلقت هذا باطلا سبحانك. فقنا عذاب النار وقال 15: 85 وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال 45: 22 وخلق الله السماوات والأرض بالحق، ~~ولتجزى كل نفس بما كسبت. # فأخبر أنه خلق السموات والأرض بالحق المتضمن: أمره ونهيه، وثوابه وعقابه. # فإذا كانت السموات والأرض وما بينهما خلقت لهذا، وهو غاية الخلق، فكيف ~~يقال: إنه لا علة له، ولا حكمة مقصودة هي غايته؟ أو إن ذلك لمجرد استئجار ~~العباد حتى لا ينكد عليهم الثواب بالمنة، أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف ~~العقلية. وارتياضها بمخالفة العوائد؟. # فليتأمل اللبيب الفرقان بين هذه الأقوال، وبين ما دل عليه صريح الوحي يجد ~~أن أصحاب هذه الأقوال ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوه حق معرفته. # فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته. مع الخضوع له ~~والانقياد لأمره. # فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله. فلا ~~يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته ~~وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحبه. # PageV01P093 # وإذا كانت المحبة له حقيقة عبوديته وسرها. فهي إنما تتحقق باتباع أمره، ~~واجتناب نهيه. فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية ~~والمحبة. ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علما عليها، وشاهدا لمن ادعاها، فقال ~~تعالى: 3: 31 قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ms065 يحببكم الله فجعل اتباع رسوله ~~مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود ~~شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة. فانتفاء ~~محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء ~~محبة الله لهم، فيستحيل إذا ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون ~~المتابعة لرسوله. # ودل على أن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم: هي حب الله ورسوله، وطاعة ~~أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية، حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما ~~سواهما. فلا يكون عنده شيء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان عنده شيء أحب ~~إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله لصاحبه البتة، ولا يهديه ~~الله. قال الله تعالى: 9: 24 قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره. والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين. # فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على ~~قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد ~~منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه. # أو معاملة أحدهم على معاملة الله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، وإن قاله بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بخلاف ما هو عليه، وكذلك من ~~قدم حكم أحد على حكم الله ورسوله. فذلك المقدم عنده أحب من الله ورسوله، ~~لكن قد يشتبه الأمر على من يقدم قول أحد أو حكمه أو # PageV01P094 # طاعته أو مرضاته ظنا منه أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قاله ~~الرسول. # فيطيعه، ويحاكم إليه، ويتلقى أقواله كذلك، فهذا معذور إذا لم يقدر على ~~غير ذلك. وأما إذا قدر على الوصول إلى الرسول، وعرف أن غير من اتبعه هو ~~أولى به مطلقا، أو في بعض الأمور. ولم يلتفت إلى الرسول ولا إلى من هو أولى ~~به، ms066 فهذا الذي يخاف عليه. وهو داخل تحت الوعيد. فإن استحل عقوبة من خالفه ~~وأذله، ولم يوافقه على اتباع شيخه. فهو من الظلمة المعتدين. وقد جعل الله ~~لكل شيء قدرا. ### | ### | فصل # # وبنى «إياك نعبد» على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من ~~قول اللسان، والقلب، وعمل القلب والجوارح. # فالعبودية: اسم جامع لهذه المراتب الأربع. فأصحاب «إياك نعبد» حقا هم ~~أصحابها. # فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته ~~وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله. # وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذب عنه، وتبيين بطلان ~~البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره. # وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه ~~والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه وعلى أقداره، ~~والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات ~~إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال ~~الجوارح ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم ~~المنفعة أو قليل المنفعة. # وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة # PageV01P095 # والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك. # فإياك نعبد: التزام لأحكام هذه الأربعة، وإقرار بها، و «إياك نستعين» طلب ~~للاعانة عليها والتوفيق لها، و «اهدنا الصراط المستقيم» متضمن للتعريف ~~بالأمرين على التفصيل، وإلهام القيام بهما، وسلوك طريق السالكين إلى الله ~~بهما ### | ### | ### | فصل # # وجميع الرسل إنما دعوا إلى «إياك نعبد وإياك نستعين» فإنهم كلهم دعوا إلى ~~توحيد الله وعبادته، من أولهم إلى آخرهم. فقال نوح لقومه 7: # 59 اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وكذلك قال هود وصالح وشعيب 7: # 65، 73، 85 وإبراهيم. قال الله تعالى: 16: 36 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال 21: 25 وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى: # 23: 51، 52 يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~عليم، وإن ms067 هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. # فصل # والله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه، وأقربهم إليه. فقال: # 4: 172ن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله، ولا الملائكة المقربون. ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا # وقال 40: 60 إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ~~وهذا يبين أن الوقف التام في قوله 21: 19 وله من في السماوات والأرض هاهنا، ~~ثم يبتدئ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون # فهما جملتان تامتان مستقلتان: أي إن له من في السموات ومن في الأرض عبيدا ~~وملكا. ثم # PageV01P096 # استأنف جملة أخرى فقال ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته يعني أن الملائكة ~~الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته لا يأنفون عنها ولا يتعاظمون ولا ~~يستحسرون، فيعيون وينقطعون، يقال حسر واستحسر، إذا تعب وأعيا، بل عبادتهم ~~وتسبيحهم كالنفس لبني آدم، فالأول: وصف لعبيد ربوبيته. # والثاني: وصف لعبيد إلهيته وقال تعالى: 25: 63- 77 وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا إلى آخر السورة. وقال 76: 6 عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا وقال 38: 17 واذكر عبدنا داود وقال 38: 41 واذكر عبدنا ~~أيوب وقال 38: 45 واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب وقال عن سليمان 38: ~~30 نعم العبد إنه أواب وقال عن المسيح 43: 59 إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ~~فجعل غايته العبودية لا الإلهية، كما يقول أعداؤه النصارى، ووصف أكرم خلقه ~~عليه، وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته. # فقال تعالى: 2: 23 وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا وقال تبارك ~~وتعالى: 25: 1 تبارك الذي نزل الفرقان على عبده وقال 18: 1 الحمد لله الذي ~~أنزل على عبده الكتاب فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه والتحدي ~~بأن يأتوا بمثله، وقال 72: 19 وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون ~~عليه لبدا فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه. وقال 17: 1 سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا فذكره بالعبودية في مقام الإسراء. # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا ms068 تطروني كما أطرت النصارى ~~المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد. # فقولوا عبد الله ورسوله» # وفي الحديث «أنا عبد آكل كما يأكل العبيد، وأجلس كما يجلس العبيد» # وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال «قرأت في التوراة صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم: محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته المتوكل. ليس بفظ ولا ~~غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر» . # PageV01P097 # وجعل سبحانه البشارة المطلقة لعباده، فقال تعالى: 39: 17، 18 فبشر عباد ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وجعل الأمن المطلق لهم، فقال تعالى: 43: ~~68، 69 يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. الذين آمنوا بآياتنا ~~وكانوا مسلمين وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة، وجعل سلطانه على من ~~تولاه وأشرك به. فقال 15: 42 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك من ~~الغاوين وقال 16: 99، 100 إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون. # وجعل النبي صلى الله عليه وسلم إحسان العبودية على مراتب الدين، وهو ~~الإحسان. # فقال في حديث جبريل- وقد سأله عن الإحسان-: «أن تعبد الله كأنك تراه. فإن ~~لم تكن تراه فإنه يراك» «1» ### | ### | فصل # # في لزوم «إياك نعبد» لكل عبد إلى الموت قال الله تعالى لرسوله 15: 99 ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين وقال أهل النار 74: 46، 47 وكنا نكذب بيوم ~~الدين حتى أتانا اليقين واليقين هاهنا: هو الموت بإجماع أهل التفسير. # وفي الصحيح، في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» # أي الموت وما فيه. فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل ~~عليه في البرزخ عبودية أخرى لما يسأله الملكان «من كان يعبد؟ وما يقول في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» ويلتمسان منه الجواب. # وعليه عبودية أخرى يوم القيامة، يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود، ~~فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون PageV01P098 # السجود، ms069 فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك، وصارت عبودية ~~أهل الثواب تسبيحا مقرونا بأنفاسهم لا يجدون له تعبا ولا نصبا. # ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه التعبد فهو زنديق، كافر بالله ورسوله، ~~وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله، والانسلاخ من دينه، وكلما تمكن العبد في ~~منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكثر من الواجب على ~~من دونه. ولهذا كان الواجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل على جميع ~~الرسل أعظم من الواجب على أممهم. والواجب على أولى العزم: # أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولى العلم: أعظم من الواجب ~~على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته. ### | ### | فصل # # في انقسام العبودية إلى عامة وخاصة العبودية نوعان: عامة، وخاصة. # فالعبودية العامة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله، برهم وفاجرهم، ~~مؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القهر والملك. قال تعالى: # 19: 88- 93 وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا. وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ~~فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم. # وقال تعالى: 25: 17 ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله. فيقول: أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء فسماهم عباده مع ضلالهم، لكن تسمية مقيدة بالإشارة، ~~وأما المطلقة فلم تجيء إلا لأهل النوع الثاني، كما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله. # وقال تعالى: 39: 46 قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم # PageV01P099 # الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون # وقال 40: 31 وما الله يريد ظلما للعباد 40: 48 إن الله قد حكم بين العباد ~~فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة. # وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة، واتباع الأوامر. قال تعالى: ~~43: 68 يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون وقال 39: 17، 18 فبشر ~~عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وقال 25: 63، 64 وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقال تعالى ~~عن ms070 إبليس 15: 40 لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين فقال تعالى: 15: # 40: 41 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. # فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته: هم عبيد إلهيته. # ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء. # وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية: فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه: إما ~~منكرا. كقوله إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا والثاني: ~~معرفا باللام كقوله 40: 31 وما الله يريد ظلما للعباد 40: 48 إن الله قد ~~حكم بين العباد. # الثالث: مقيدا بالإشارة أو نحوها كقوله أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء. # الرابع: أن يذكروا في عموم عباده. فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر. كقوله ~~39: 46 أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون. # الخامس: أن يذكروا موصوفين بفعلهم. كقوله 39: 53 قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. # وقد يقال: إنما سماهم عباده إذ لم يقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه، # PageV01P100 # واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة. # وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة: لأن أصل معنى اللفظة: # الذل والخضوع. يقال: «طريق معبد» إذا كان مذللا بوطء الأقدام، وفلان عبده ~~الحب إذا ذلله، لكن أولياؤه خضعوا له وذلوا طوعا واختيارا، وانقيادا لأمره ~~ونهيه، وأعداؤه خضعوا له قهرا ورغما. # ونظير انقسام العبودية إلى خاصة وعامة: انقسام القنوت إلى خاص وعام، ~~والسجود كذلك. قال تعالى في القنوت الخاص 39: 9 أمن هو قانت آناء الليل ~~ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه وقال في حق مريم 66: 12 وكانت من ~~القانتين وهو كثير في القرآن. # وقال في القنوت العام 2: 116 وله من في السماوات والأرض كل له قانتون أي ~~خاضعون أذلاء. # وقال في السجود الخاص 40: 60 إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون وقال 19: 58 إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا ~~وبكيا وهو كثير في القرآن. # وقال في السجود العام 13: 15 ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال. ms071 # ولهذا كان هذا السجود الكره غير السجود المذكور في قوله 22: # 18 ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس فخص بالسجود هنا كثيرا من ~~الناس وعمهم بالسجود في سورة النحل 16: 249 وهو سجود الذل والقهر والخضوع. ~~فكل أحد خاضع لربوبيته، ذليل لعزته. مقهور تحت سلطانه تعالى. # PageV01P101 ### | ### | فصل # # في مراتب «إياك نعبد» علما وعملا للعبودية مراتب، بحسب العلم والعمل. ~~فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: # إحداهما: العلم بالله. والثانية: العلم بدينه. # فأما العلم به سبحانه، فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، ~~وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به. # والعلم بدينه مرتبتان. إحداهما: دينه الأمر الشرعي. وهو الصراط المستقيم ~~الموصل إليه. # والثانية: دينه الجزائي، المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم ~~العلم بملائكته وكتبه ورسله. # وأما مراتبها العلمية فمرتبتان: مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين ~~المقربين. # فأما مرتبة أصحاب اليمين: فأداء الواجبات، وترك المحرمات، مع ارتكاب ~~المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات. # وأما مرتبة المقربين: فالقيام بالواجبات والمندوبات، وترك المحرمات ~~والمكروهات، زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم، متورعين عما يخافون ضرره. # وخاصتهم: قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية فليس في حقهم ~~مباح متساو الطرفين، بل كل أعمالهم راجحة، ومن دونهم يترك المباحات مشتغلا ~~عنها بالعبادات، وهؤلاء يأتونها إطاعات وقربات، ولأهل هاتين المرتبتين ~~درجات لا يحصيها إلا الله. # PageV01P102 ### | ### | فصل # # ورحى العبودية على خمس عشرة قاعدة. من كملها كمل مراتب العبودية وبيانها: ~~أن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح. # وعلى كل منها عبودية تخصه. # والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي ~~لكل واحد من القلب واللسان، والجوارح. فواجب القلب: منه متفق على وجوبه، ~~ومختلف فيه. # فالمتفق على وجوبه: كالإخلاص، والمحبة، والصبر، والإنابة، والخوف، ~~والرجاء، والتصديق الجازم، والنية في العبادة، وهذه قدر زائد على الإخلاص، ~~فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره. # ونية العبادة لها مرتبتان. # إحداهما: تمييز العبادة عن العادة. # والثانية: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض. ms072 # والأقسام الثلاثة واجبة. # وكذلك الصدق. والفرق بينه وبين الإخلاص: أن للعبد مطلوبا وطلبا، ~~فالإخلاص: توحيد مطلوبه. والصدق: توحيد طلبه. # فالإخلاص: أن لا يكون المطلوب منقسما. والصدق: أن لا يكون الطلب منقسما: ~~فالصدق بذل الجهد، والإخلاص: إفراد المطلوب واتفقت الأمة على وجوب هذه ~~الأعمال على القلب من حيث الجملة. # وكذلك النصح في العبودية. ومدار الدين عليه، وهو بذل الجهد في # PageV01P103 # إيقاع العبودية على الوجه المحبوب للرب المرضى له. وأصل هذا واجب وكماله ~~مرتبة المقربين. # وكذلك كل واحد من هذه الواجبات القلبية له طرفان، واجب مستحق. وهو مرتبة ~~أصحاب اليمين، وكمال مستحب. وهو مرتبة المقربين. # وكذلك الصبر واجب باتفاق الأمة، قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في ~~تسعين موضعا من القرآن، أو بضعا وتسعين، وله طرفان أيضا: واجب مستحق، وكمال ~~مستحب. # [ثم ذكر القسم الواجب المختلف فيه- إلى أن قال] . # والمقصود: أن يكون ملك الأعضاء- وهو القلب- قائما بعبوديته لله هو ورعيته ~~وأما المحرمات التي عليه: فالكبر، والرياء، والعجب، والحسد، والغفلة، ~~والنفاق، وهي نوعان: كفر ومعصية. فالكفر كالشك، والنفاق والشرك، وتوابعها. # والمعصية نوعان: كبائر وصغائر. # فالكبائر: كالرياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة ~~الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والفرح والسرور بأذى ~~المسلمين، والشماتة بمصيبتهم، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم، وحسدهم على ما ~~آتاهم الله من فضله، وتمني زوال ذلك عنهم، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد ~~تحريما من الزنا، وشرب الخمر، وغيرهما من الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب ~~ولا للجسد إلا باجتنابها، والتوبة منها، وإلا فهو قلب فاسد، وإذا فسد القلب ~~فسد البدن. # وهذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب، وترك القيام بها. # PageV01P104 # فوظيفة «إياك نعبد» على القلب قبل الجوارح فإذا جهلها وترك القيام بها ~~امتلأ بأضدادها ولا بد. وبحسب قيامه بها يتخلص من أضدادها. # وهذه الأمور ونحوها قد تكون صغائر في حقه، وقد تكون كبائر بحسب قوتها ~~وغلظها وخفتها ودقتها. # ومن الصغائر أيضا: شهوة المحرمات وتمنيها، وتفاوت درجات الشهوة في الكبر ~~والصغر، بحسب تفاوت درجات المشتهي، فشهوة الكفر ms073 والشرك: كفر، وشهوة البدعة: ~~فسق، وشهوة الكبائر: معصية، فإن تركها لله مع قدرته عليها أثيب. وإن تركها ~~عجزا عن بذله مقدورة في تحصيلها: استحق عقوبة الفاعل، لتنزله منزلته في ~~أحكام الثواب والعقاب، وإن لم ينزل منزلته في أحكام الشرع، ولهذا # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل ~~والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل يا رسول الله، فما بال المقتول؟ قال: ~~إنه كان حريصا على قتل صاحبه» «1» # فنزله منزلة القاتل، لحرصه في الإثم دون الحكم، وله نظائر كثيرة في ~~الثواب والقلب. # وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحه. ### | ### | فصل # # وأما عبوديات اللسان الخمس: فواجبها: النطق بالشهادتين، وتلاوة ما يلزمه ~~تلاوته من القرآن. وهو ما يتوقف صحة صلاته عليه، وتلفظه بالأذكار الواجبة ~~في الصلاة التي أمر الله بها ورسوله، كما أمر بالتسبيح في الركوع والسجود، ~~وأمر بقول: «ربنا ولك الحمد» بعد الاعتدال الواجبة بالتشهد، وأمر بالتكبير. # ومن واجبه: رد السلام. وفي ابتدائه قولان. ومن واجبه: الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وأداء PageV01P105 # الشهادة المتعينة، وصدق الحديث. # وأما مستحبه: فتلاوة القرآن ودوام ذكر الله، والمذاكرة في العلم النافع، ~~وتوابع ذلك. # وأما محرمة فهو النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله، كالنطق بالبدع المخالفة ~~لما بعث الله به رسوله، والدعاء إليها وتحسينها وتقويتها، وكالقذف وسب ~~المسلم، وأذاه بكل قول، والكذب، وشهادة الزور، والقول على الله بلا علم، ~~وهو أشدها تحريما. # ومكروهه: التكلم بما تركه خير من الكلام به، مع عدم العقوبة عليه. # وقد اختلف السلف. هل في حقه كلام مباح متساوي الطرفين؟ على قولين. ذكرهما ~~ابن المنذر وغيره. أحدهما: أنه لا يخلو كل ما يتكلم به: # إما أن يكون له أو عليه. وليس في حقه شيء لا له ولا عليه. # واحتجوا # بالحديث المشهور، وهو «كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ما كان من ذكر ~~الله وما والاه» «1» . # واحتجوا بأنه يكتب عليه كلامه كله. ولا يكتب إلا بالخير والشر. # وقالت طائفة: بل هذا الكلام مباح لا له ms074 ولا عليه كما في حركات الجوارح. # قالوا: لأن كثيرا من الكلام لا يتعلق به أمر ولا نهي. وهذا شأن المباح. # والتحقيق: أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين، بل إما راجحة ~~وإما مرجوحة. لأن للسان شأنا ليس لسائر الجوارح، وإذا أصبح ابن آدم فإن ~~الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فإنما نحن بك، فإن PageV01P106 # استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. وأكثر ما يكب الناس على مناخرهم في ~~النار حصائد ألسنتهم، وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضي الله ~~ورسوله أولا، فإن كان كذلك فهو الراجح، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح. وهذا ~~بخلاف حركات سائر الجوارح، فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوي ~~الطرفين، لما له في ذلك من الراحة والمنفعة، فأبيح له استعمالها فيما فيه ~~منفعة له، ولا مضرة عليه فيه في الآخرة، وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به ~~فلا يكون إلا مضرة. فتأمله. # فإن قيل: فقد يتحرك بما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين. # فيكون حكم حركته حكم ذلك الفعل. # قيل: حركته بها عند الحاجة إليها راجحة، وعند عدم الحاجة إليها مرجوحة لا ~~تفيده. فتكون عليه لا له. # فإن قيل: فإذا كان الفعل متساوي الطرفين كانت حركة اللسان الوسيلة إليه ~~كذلك، إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم. # قيل: لا يلزم ذلك. فقد يكون الشيء مباحا، بل واجبا، ووسيلته مكروهة ~~كالوفاء بالطاعة المنذورة: هو واجب، مع أن وسيلته، وهو النذر مكروه منهي ~~عنه، وكذلك الحلف المكروه مرجوح، مع وجوب الوفاء به أو الكفارة، وكذلك سؤال ~~الخلق عند الحاجة مكروه. ويباح له الانتفاع بما أخرجته له المسألة، وهذا ~~كثير جدا. فقد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها، وما جعلت ~~وسيلة إليه ليس بحرام ولا مكروه. ### | فصل # وأما المعبودات الخمس على الجوارح: فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضا: إذ ~~الحواس خمسة. وعلى كل حاسة خمس عبوديات، فعلى السمع: وجوب الإنصات، ~~والاستماع لما أوجبه الله ورسوله عليه، من # PageV01P107 # استماع الإسلام والإيمان وفروضهما، وكذلك استماع القراءة في ms075 الصلاة إذا ~~جهر بها الإمام، واستماع الخطبة للجمعة في أصح قولي العلماء. # ويحرم عليه استماع الكفر والبدع، إلا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة. ~~من رده، أو الشهادة على قائله، أو زيادة قوة الإيمان والسنة بمعرفة ضدهما ~~من الكفر والبدعة ونحو ذلك، وكاستماع أسرار من يهرب عنك بسره، ولا يجب أن ~~يطلعك عليه، ما لم يكن متضمنا لحق الله يجب القيام به، أو لأذى مسلم يتعين ~~نصحه، وتحذيره منه. # وكذلك استماع أصوات النساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن، إذا لم ~~تدع إليه حاجة، من شهادة، أو معاملة، أو استفتاء، أو محاكمة، أو مداواة ~~ونحوها. # وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو، كالعود والطنبور واليراع ~~ونحوها. ولا يجب عليه سد أذنه إذا سمع الصوت، وهو لا يريد استماعه، إلا إذا ~~خاف السكون إليه والإنصات، فحينئذ يجب تجنب سماعها وجوب سد الذرائع. # ونظير هذا المحرم: لا يجوز له تعمد شم الطيب، وإذا حملت الريح رائحته ~~وألقتها في مشامه لم يجب عليه سد أنفه، ونظير هذا: نظرة الفجأة لا تحرم على ~~الناظر، وتحرم عليه النظرة الثانية إذا تعمدها. # وأما السمع المستحب: فكاستماع المستحب من العلم، وقراءة القرآن، وذكر ~~الله، واستماع كل ما يحبه الله، وليس بفرض. # والمكروه: عكسه، وهو استماع كل ما يكرهه ولا يعاقب عليه، والمباح ظاهر. # وأما النظر الواجب: فالنظر في المصحف وكتب العلم عند تعين تعلم الواجب ~~منها، والنظر إذا تعين لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي # PageV01P108 # يأكلها وينفقها ويستمتع بها، والأمانات التي يؤديها إلى أربابها ليميز ~~بينها. # ونحو ذلك. # والنظر الحرام: النظر إلى الأجنبيات بشهوة مطلقا، وبغيرها إلا لحاجة، ~~كنظر الخاطب، والمستام والمعامل، والشاهد، والحاكم، والطبيب، ذي المحرم. # والمستحب: النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانا وعلما ~~والنظر في المصحف ووجوه العلماء الصالحين، الوالدين، والنظر في آيات الله ~~المشهودة، ليستدل بها على توحيده ومعرفته وحكمته. # والمكروه: فضول النظر الذي لا مصلحة فيه. فإن له فضولا كما للسان فضولا، ~~وكم قاد فضولها إلى فضول عز التخلص منها، ms076 وأعيي دواؤها. وقال بعض السلف: ~~كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام. # والمباح: النظر الذي لا مضرة فيه في العاجل والآجل ولا منفعة. # ومن النظر الحرام: النظر إلى العورات. وهي قسمان. # عورة وراء الثياب، وعورة وراء الأبواب. # ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب فرماه صاحب العورة ففقأ عينه لم يكن ~~عليه شيء، وذهبت هدرا، بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق ~~على صحته. وإن ضعفه بعض الفقهاء، لكونه لم يبلغه النص، أو تأوله، وهذا إذا ~~لم يكن للناظر سبب يباح لأجله، كعورة له هناك ينظرها. أو ريبة هو مأمور أو ~~مأذون له في اطلاعها. # وأما الذوق الواجب: فتناول الطعام والشراب عند الاضطرار إليه، وخوف ~~الموت، فإن تركه حتى مات، مات عاصيا قاتلا لنفسه. قال الإمام # PageV01P109 # أحمد وطاوس «1» : من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات، دخل النار. # ومن هذا: تناول الدواء إذا تيقن به من الهلاك، على أصح القولين. # وإن ظن الشفاء به، فهل هو مستحب مباح، أو الأفضل تركه؟ فيه نزاع معروف ~~بين السلف والخلف. # والذوق الحرام: كذوق الخمر والسموم القاتلة. والذوق الممنوع منه للصوم ~~الواجب. # وأما المكروه: فكذوق المشتبهات، والأكل فوق الحاجة، وذوق طعام الفجاءة، ~~وهو الطعام الذي تفجأ آكله، ولم يرد أن يدعوك إليه، وكأكل أطعمة المرائين ~~في الولائم والدعوات ونحوها، # وفي السنن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن طعام المتبارين» # وذوق طعام من يطعمك حياء منك لا بطيبة نفس. # والذوق المستحب: أكل ما يعينك على طاعة الله عز وجل، مما أذن الله فيه. ~~والأكل مع الضيف ليطيب له الأكل، فينال منه غرضه. والأكل من طعام صاحب ~~الدعوة الواجب إجابتها أو المستحب. # وقد أوجب بعض الفقهاء الأكل من الوليمة الواجب إجابتها، للأمر به عن ~~الشارع. PageV01P110 # والذوق المباح: ما لم يكن فيه إثم ولا رجحان. # وأما تعلق العبوديات الخمس بحاسة الشم، فالشم الواجب: كل شم تعين طريقا ~~للتمييز بين الحلال والحرام، كالشم الذي يعلم به هذه العين هل هي ms077 خبيثة أو ~~طيبة؟ وهل هي سم قاتل أو لا مضرة فيه؟ أو يميز به بين ما يملك الانتفاع به، ~~وما لا يملك؟ ومن هذا شم المقوم ورب الخبرة عند الحكم بالتقويم، والعبيد ~~ونحو ذلك. # وأما الشم الحرام: فالتعمد لشم الطيب في الإحرام، وشم الطيب المغصوب ~~والمسروق، وتعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات للافتتان بما وراءه. # وأما الشم المستحب: فشم ما يعينك على طاعة الله ويقوي الحواس، ويبسط ~~النفس للعلم والعمل. ومن هذا: هدية الطيب والريحان إذا أهديت لك. # ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من عرض عليه ريحان فلا ~~يرده. # فإنه طيب الريح، خفيف المحمل» . # «1» # والمكروه: كشم الظلمة، وأصحاب الشبهات، ونحو ذلك. # والمباح: ما لا منع فيه من الله ولا تبعة، ولا فيه مصلحة دينية ولا تعلق ~~له بالشرع. # وأما تعلق هذه الخمسة بحاسة اللمس. فاللمس الواجب: كلمس الزوجة حين يجب ~~جماعها، والأمة الواجب إعفافها. # والحرام: لمس ما لا يحل من الأجنبيات. # والمستحب: إذا كان فيه غض بصره وكف نفسه عن الحرام وإعفاف أهله. ~~PageV01P111 # والمكروه: لمس الزوجة في الإحرام للذة، وكذلك في الاعتكاف. وفي الصيام ~~إذا لم يأمن على نفسه. # ومن هذا لمس بدن الميت- لغير غاسله- لأن بدنه قد صار بمنزلة عورة الحي ~~تكريما له، ولهذا يستحب ستره عن العيون وتغسيله في قميص في أحد القولين، ~~ولمس فخذ الرجل، إذا قلنا: هو عورة. # والمباح: ما لم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية. # وهذه المراتب أيضا مرتبة على البطش باليد والمشي بالرجل. وأمثلها لا ~~تخفى. # فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهل عياله: واجب. وفي وجوبه لقضاء دينه ~~خلاف، والصحيح: وجوبه ليمكنه من أداء دينه، ولا يجب لإخراج الزكاة وفي ~~وجوبه لأداء فريضة الحج نظر، والأقوى في الدليل: # وجوبه لدخوله في الاستطاعة، وتمكنه بذلك من أداء النسك. والمشهور عدم ~~وجوبه. # ومن البطش الواجب: إعانة المضطر ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيمم. # والحرام: كقتل النفس التي حرم الله، ونهب المال المغصوب، وضرب من لا يحل ~~ضربه ونحو ذلك، وكأنواع اللعب المحرم بالنص ms078 كالنرد، أو ما هو أشد تحريما ~~منه عند أهل المدينة كالشطرنج، أو مثله عند فقهاء الحديث كأحمد وغيره، أو ~~دونه عند بعضهم. ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا، إلا ~~مقرونا بردها ونقضها، وكتابة الزور والظلم، والحكم الجائر، والقذف والتشبيب ~~بالنساء الأجانب، وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم، ولا ~~سيما إن كسبت عليه مالا: 2: 9 79 فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما ~~يكسبون وكذلك كتابة # PageV01P112 # المفتي على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسوله، إلا أن يكون مجتهدا مخطئا، ~~فالإثم موضوع عنه. # وأما المكروه: فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام، وكتابة ما لا فائدة في ~~كتابته، ولا منفعة فيه في الدنيا والآخرة. # والمستحب: كتابة كل ما فيه منفعة في الدين، أو مصلحة لمسلم، والإحسان ~~بيده بأن يعين صانعا، أو يصنع لأخرق، أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقي، أو ~~يحمل له على دابته، أو يمسكها حتى يحمل عليها، أو يعاونه بيده فيما يحتاج ~~إليه ونحو ذلك، ومنه: لمس الركن بيده في الطواف، وفي تقبيلها بعد اللمس ~~قولان. # والمباح: ما لا مضرة فيه ولا ثواب. # وأما المشي الواجب: فالمشي إلى الجمعات والجماعات، في أصح القولين لبضعة ~~وعشرين دليلا، مذكورة في غير هذا الموضع. والمشي حول البيت للطواف الواجب، ~~والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه، والمشي إلى حكم الله ورسوله ~~إذا دعي إليه، والمشي إلى صلة رحمه، وبر والديه، والمشي إلى مجالس العلم ~~الواجب طلبه وتعلمه، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ~~ضرر. # والحرام: المشي إلى معصية الله، وهو من رجل الشيطان. قال تعالى: 17: 64 ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك قال مقاتل «1» : PageV01P113 # استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم. فكل راكب وماش في معصية الله فهو من ~~جند إبليس. # وكذلك تعلق هذه الأحكام الخمس بالركوب أيضا: # فواجبه في الركوب في الغزو والجهاد والحج الواجب. # ومستحبه: في الركوب المستحب من ذلك، ولطلب العلم، وصلة الرحم، وبر ~~الوالدين، وفي الوقوف بعرفة نزاع: هل الركوب فيه أفضل، أم ms079 على الأرض؟ ~~والتحقيق: أن الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة: من تعليم للمناسك، واقتداء به، ~~وكان أعون على الدعاء ولم يكن فيه ضرر على الدابة. # وحرامه: الركوب في معصية الله عز وجل. # ومكروهه: الركوب للهو واللعب، وكل ما تركه خير من فعله. # ومباحه: الركوب لما لم يتضمن فوت أجر، ولا تحصيل وزر. # فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء: القلب، واللسان، والسمع، والبصر، ~~والأنف، والفم، واليد، والرجل، والفرج، والإستواء على ظهر الدابة. ~~PageV01P114 ### | سورة البقرة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة البقرة (2) : آية 7] # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) # «الختم» قال الأزهري: أصله التغطية، وختم البذر في الأرض، إذا غطاه. قال ~~أبو إسحاق: معنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق ~~منه، فلا يدخله شيء، كما قال تعالى: 47: 24 أم على قلوب أقفالها كذلك قوله: ~~2: 94 و 16: 108 وطبع الله على قلوبهم. # قلت: الختم والطبع يشتركان فيما ذكر، ويفترقان في معنى آخر، وهو أن الطبع ~~ختم بصير سجية وطبيعة، فهو تأثير لازم لا يفارق. # وأما المرض: ### | [سورة البقرة (2) : آية 10] # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) # وقال 33: 32 فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقال: 74: 31 ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون: ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا. # ومرض القلب خروجه عن صحته واعتداله. فإن صحته أن يكون # PageV01P115 # عارفا بالحق محبا له، مؤثرا له على غيره، فمرضه إما بالشك فيه، وإما ~~بإيثار غيره عليه. # فمرض المنافقين: مرض شك وريب، ومرض العصاة غي وشهوة. # وقد سمى الله سبحانه كلا منهما مرضا. # قال ابن الأنباري: أصل المرض في اللغة: الفساد، مرض فلان: # فسد جسمه، وتغيرت حاله. ومرضت بالمرض: تغيرت وفسدت، قالت ليلى الأخيلية: # إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها # وقال آخر: # ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين، والبلاد اقشعرت # والمرض يدور على أربعة أشياء: فساد، وضعف، ونقصان، وظلمة. ومنه مرض ms080 الرجل ~~في الأمر، إذا ضعف فيه. ولم يبالغ، وعين مريضة النظر: أي فاترة ضعيفة. وريح ~~مريضة: إذا هب هبوبها، كما قال: # راحت لأربعك الرياح مريضة # أي لينة ضعيفة، حتى لا يعفى أثرها. # وقال ابن الإعرابي: أصل المرض النقصان. ومنه: بدن مريض، أي ناقص القوة، ~~وقلب مريض: ناقص الدين، ومرض في حاجتي: إذا نقصت حركته. # وقال الأزهري، عن المنذري عن بعض أصحابه: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها ~~بعد صفائها. قال: والمرض الظلمة، وأنشد: # وليلة مرضت من كل ناحية ... فما يضيء لها شمس ولا قمر # هذا أصله في اللغة. # PageV01P116 # ثم الشك، والجهل، والحيرة، والضلال، وإرادة الغي، وشهوة الفجور في القلب: ~~تعود إلى هذه الأمور الأربعة، فيتعاطى العبد أسباب المرض حتى يمرض، فيعاقبه ~~الله بزيادة المرض، لإيثاره أسبابه وتعاطيه لها. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18] # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) # شبه سبحانه أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارا لتضيء لهم، وينتفعوا بها ~~فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم وما يضرهم، وأبصروا ~~الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين. فهم كقوم سفر ضلوا عن الطريق، فأقدوا ~~النار تضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم فأبصروا وعرفوا طفئت عنهم تلك ~~الأنوار، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث. # فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب، مما يسمعه بأذنه، ويراه بعينه ~~ويعقله بقلبه. وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع قلوبهم شيئا، ولا ~~تبصره، ولا تعقل ما ينفعها. # وقيل: لما لم ينتفعوا أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نزلوا منزلة من لا سمع له ~~ولا بصر ولا عقل. والقولان متلازمان. # وقال في صفتهم فهم لا يرجعون لأنهم قد رأوا في ضوء النار، وأبصروا الهدى، ~~فلما أطفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا. # وقال سبحانه وتعالى: ذهب الله بنورهم ولم يقل: ذهب نورهم. # وفيه سر بديع، وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من ms081 الله ~~تعالى، فإن الله تعالى مع المؤمنين، و 2: 153 إن الله مع الصابرين و 16: ~~128 إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. # PageV01P117 # فذهاب الله بذلك النور هو انقطاع المعية التي خص بها أولياءه، فقطعها ~~بينه وبين المنافقين، فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم، فليس لهم ~~نصيب من قوله: 9: 40 لا تحزن إن الله معنا ولا من 26: 63 كلا، إن معي ربي ~~سيهدين. # وتأمل قوله تعالى: أضاءت ما حوله كيف جعل ضوءها خارجا عنه منفصلا؟ ولو ~~اتصل ضوؤها به ولابسه لم يذهب، ولكنه كان ضوء مجاورة، لا ملابسة ومخالطة. ~~وكان الضوء عارضا والظلمة أصلية. فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في ~~معدنها. فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به، حجة من الله تعالى قائمة. وحكمة ~~بالغة، تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده. # وتأمل قوله: ذهب الله بنورهم ولم يقل بنارهم. ليطابق أول الآية. فإن ~~النار فيها إشراق وإحراق. فذهب بما فيها من الإشراق- وهو النور- وأبقى ~~عليهم ما فيها من الإحراق، وهو النارية وتأمل كيف قال: «بنورهم» ولم يقل ~~بضوئهم، مع قوله: فلما أضاءت ما حوله لأن الضوء هو زيادة في النور. فلو ~~قال: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط، دون الأصل. فلما كان ~~النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابا بالشيء وزيادته. # وأيضا فإنه أبلغ في النفي عنهم، وأنهم من أهل الظلمات، الذين لا نور لهم. # وأيضا فإن الله تعالى سمى كتابه نورا، ورسوله نورا، ودينه نورا، ومن ~~أسمائه النور، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم: ذهاب بهذا كله. # وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله: أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين كيف طابق بين هذه # PageV01P118 # التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها، وبذل الهدى في ~~مقابلتها، وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها، بدلا عن النور الذي ~~هو الهدى والنور، فبذلوا الهدى والنور، وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة، فيا ~~لها من تجارة ما أخسرها! وصفقة ما أشد غبنها!. # وتأمل كيف قال ms082 الله تعالى: ذهب الله بنورهم فوحده، ثم قال: # وتركهم في ظلمات فجمعها. فإن الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي لا ~~صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما شرعه على لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بالأهواء والبدع، وطرق الخارجين عما بعث ~~الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، من الهدى ودين الحق، بخلاف طرق الباطل. # فإنها متعددة متشعبة. ولهذا يفرد الله سبحانه الحق ويجمع الباطل، كقوله ~~تعالى: 2: 257 الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات وقال تعالى: 6: 153 ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فجمع ~~سبيل الباطل، ووحد سبيل الحق. ولا يناقض هذا قوله تعالى: 5: 16 يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله ~~الواحد، وصراطه المستقيم. فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد وسبيل ~~واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها. # وقد صح النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «خط خطا مستقيما، وقال: هذا سبيل ~~الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها ~~شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون. # وقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها ~~بين أهل الإسلام، ويكون بمنزلة قول الله تعالى: 5: 64 كلما أوقدوا # PageV01P119 # نارا للحرب أطفأها الله # ويكون قوله تعالى: ذهب الله بنورهم مطابقا لقوله تعالى «أطفأها الله» ~~ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه: هو تركهم في الظلمات والحيرة لا يهتدون إلى ~~التخلص مما وقعوا فيه، ولا يبصرون سبيلا، بل هم صم بكم عمي. # وهذا التقدير- وإن كان حقا- ففي كونه مرادا بالآية نظر. فإن السياق إنما ~~قصد لغيره، ويأباه قوله تعالى: فلما أضاءت ما حوله وموقد نار الحرب لا يضيء ~~ما ms083 حوله أبدا، ويأباه قوله تعالى: ذهب الله بنورهم وموقد نار الحرب لا نور ~~له. ويأباه قوله تعالى: وتركهم في ظلمات لا يبصرون وهذا يقتضي أنهم انتقلوا ~~من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر. # قال الحسن: هو المنافق، أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر. ولهذا قال: # فهم لا يرجعون أي لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه. وقال تعالى في حق ~~الكفار: 2: 171 صم بكم عمي فهم لا يعقلون فسلب العقل عن الكفار، إذ لم ~~يكونوا من أهل البصيرة والإيمان، وسلب الرجوع عن المنافقين، لأنهم آمنوا ثم ~~كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان. ### | فصل ### | [سورة البقرة (2) : آية 19] # أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) # فشبه نصيبهم مما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم من النور ~~والحياة بنصيب مستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها. فذهب نوره، ~~وبقي في الظلمات حائرا تائها، لا يهتدي سبيلا، ولا يعرف طريقا، وبنصيب ~~أصحاب الصيب، وهو المطر الذي يصوب، أي ينزل من علو إلى سفل. فشبه الهدى ~~الذي هدى به عباده بالصيب. لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وشبه ~~نصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ~~ورعد # PageV01P120 # وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك، مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد ~~والعباد، والشجر والدواب، فإن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق ~~مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب. # فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق، ~~ولوازم ذلك: من برد شديد وتعطيل مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته، ولا بصيرة ~~له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام، وهكذا شأن ~~كل قاصر النظر ضعيف العقل، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما ~~وراءه من كل محبوب. وهذه حال أكثر الخلق، إلا من صفت بصيرته. فإذا رأى ضعيف ms084 ~~البصيرة ما في الجهاد من التعب والمشاق، والتعرض لإتلاف المهجة والجراحات ~~الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته. لم يقدم عليه، لأنه لم ~~يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق ~~المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون، وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت ~~الحرام فلم يعلم من سفره ذلك إلا مشقة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ~~ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ~~ومآله وعاقبته فإنه لا يخرج إليه، ولا يعزم عليه. وحال هؤلاء حال الضعيف ~~البصيرة والإيمان، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد، والزواجر ~~والنواهي، والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي ~~المألوفات والشهوات، والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه. # والناس كلهم صبيان العقول، إلا من بلغ مبلغ الرجال العقلاء الألباء، ~~وأدرك الحق علما وعملا ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيب وما فيه من ~~الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود. # وقال الزمخشري: لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا ~~به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من تشبيه الكفر بالظلمة وما فيه من ~~الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الأفزاع من البلايا # PageV01P121 # والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى: أو كمثل ذوي صيب. # والمراد: كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا. # قال: والصحيح الذي عليه علماء أهل البيان لا يتخطونه: أن المثلين جميعا ~~من جهة التمثيلات المتركبة، دون المفرقة، لا يتكلف لواحد واحد شيء بقدر ~~شبهه فيه. # وهذا القول الفحل، والمذهب الجزل، بيانه: أن العرب تأخذ أشياء فرادى ~~معزولا بعضها عن بعض، لم يأخذ بحجزة ذاك. فتشبهها بنظائره، كما جاء في ~~القرآن حيث شبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئا ~~واحدا بأخرى مثلها. كقوله تعالى: 62: 5 مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا الغرض: تشبيه حال اليهود في جهلها بما ~~معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار ms085 في جهله بما يحمل من أسفار ~~الحكمة. وتساوي الحالين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأحمال ~~ولا يشعر من ذلك إلا بما يزيده من الكد والتعب، وكقوله تعالى: 18: 45 واضرب ~~لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض فأصبح ~~هشيما تذروه الرياح المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة هذا النبات. فأما أن ~~يراد تشبيه الأفراد بالافراد غير منوبة بعضها ببعض، وتصييرها شيئا واحدا ~~فلا كذلك، لما وصف من وقوع المنافقين في ضلالتهم، وما خبطوا فيه من الحيرة ~~والدهشة، فشبه حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها ~~في ظلمة الليل. وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة، مع رعد وبرق وخوف ~~من الصواعق. # قال: فإن قلت أي المثلين أبلغ؟. # قلت: الثاني. لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر، وفظاعته. # وكذلك أفرادهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ. # PageV01P122 ### | فصل # وقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة. # منها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه. فإذا ~~ذهبت تلك النار بقي في ظلمة. وهكذا المنافق، لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ~~ومحبة بقلبه، وتصديق جازم. كان ما معه من النور كالمستعار. # ومنها: أن ضياء النار يحتاج دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء ~~بمنزلة الحيوان. فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل ~~الصالح، يقوم بها ويدوم بدوامها. فإذا لم توجد مادة الإيمان طفئ كما تطفأ ~~النار بفراغ مادتها. # ومنها: أن الظلمة نوعان، ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد ~~النور. وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه. فظلمة المنافق ظلمة بعد ~~إضاءة، فمثلت حاله بحال المستوقد للنار، الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، ~~وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط. # ومنها: أن في هذا المثل إيذانا وتنبيها على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون ~~نورا ظاهرا، كما كان نورهم في الدنيا ظاهرا. ثم يطفأ ذلك أحوج ما يكونون ~~إليه إذ ms086 لم تكن له مادة باقية تحمله، وبقوا في الظلمة على الجسر، لا ~~يستطيعون العبور. فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع ~~الجسر. فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا ~~ذهب الله تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه. فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم ~~التي هم عليها في هذه الدار، وبحالتهم يوم القيامة عند ما يقسم النور. # ومن هاهنا يعلم السر في قوله تعالى: «ذهب الله بنورهم» ولم يقل أذهب الله ~~نورهم. # PageV01P123 # فإن أردت زيادة بيان وإيضاح، فتأمل ما # رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقد سئل عن ~~الورود؟ فقال: # «نجيء نحن القيامة على تل فوق الناس: قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت ~~تعبد: الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا تبارك وتعالى بعد ذلك، فيقول: # من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر ~~إليك، فيتجلى ويضحك قال: فينطلق بهم، فيتبعونه، ويعطي كل إنسان منهم- منافق ~~أو مؤمن- نورا ثم يتبعونه. وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله ~~تعالى. ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون. فتنجو أول زمرة، وجوههم ~~كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفا لا يحاسبون. ثم الذين يلونهم. كأضوأ نجم في ~~السماء، ثم كذلك. ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا ~~إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ~~ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء # . وذكر باقي الحديث» . # فتأمل # قوله: «فينطلق فيتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم نور: المنافق والمؤمن» # ثم تأمل قوله تعالى ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون وتأمل ~~حالهم إذ أطفئت أنوارهم، فبقوا في الظلمة، وقد ذهب المؤمنون في نور إيمانهم ~~يتبعون ربهم عز وجل. # وتأمل # قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، ~~فيتبع كل مشرك إلهه الذي كان يعبده» # والموحد حقيق بأن يتبع الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل. ms087 # وتأمل قوله تعالى: 68: 42 يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون وذكر هذه الآية في حديث الشفاعة في هذا الموضع، # وقوله في الحديث: «فيكشف عن ساقه» # وهذه الإضافة تبين المراد بالساق المذكور في الآية. # PageV01P124 # وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه تعالى بعد هذا. وذلك يفتح لك بابا من ~~أسرار التوحيد، وفهم القرآن، ومعاملة الله سبحانه تعالى لأهل توحيده الذين ~~عبدوه وحده، ولم يشركوا به شيئا، هذه المعاملة التي عامل بمقابلتها أهل ~~الشرك حيث ذهبت كل أمة مع معبودها، فانطلق بها واتبعته إلى النار. # وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه. فسبحان الله رب العالمين. # قرت عيون أهل التوحيد في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما ~~كانوا إليهم. # ومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة، التي هي الضلال والحيرة التي ~~سدها الهدى. والمثل الثاني: متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن. فلا أمن ولا ~~هدى: 6: 82 الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون. # قال ابن عباس وغيره من السلف: مثل هؤلاء في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ~~ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء ورأى ما حوله، فاتقى ما يخاف، فبينما هو كذلك ~~إذ طفئت ناره، فبقي في ظلمته خائفا متحيرا. كذلك المنافقون بإظهار كلمة ~~الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم، وناكحوا المؤمنين ووارثوهم، وقاسموهم ~~الغنائم. فذلك نورهم. فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. قال مجاهد: ~~إضاءة النور لهم: إقبالهم إلى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم إلى ~~المشركين والضلالة. وقد فسرت تلك الإضاءة وذهاب النور: بأنها في الدنيا، ~~وفسرت بأنها في البرزخ وفسرت بيوم القيامة. والصواب: أن ذلك شأنهم في الدور ~~الثلاثة، فإنهم لما كانوا كذلك في الدنيا جوزوا في البرزخ وفي القيامة بمثل ~~حالهم، جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد فإن المعاد يعود إلى العبد فيه ما ~~كان حاصلا منه في الدنيا. # ولهذا يسمى يوم الجزاء 17: 72 ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا 19: 76 ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ومن كان # PageV01P125 # مستوحشا مع ms088 الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ ويوم ~~المعاد أعظم وأشد. ومن قرت عينه به في هذه الحياة الدنيا قرت عينه به يوم ~~القيامة وعند الموت ويوم البعث، فيموت العبد على ما عاش عليه، ويبعث على ما ~~مات عليه. ويعود عليه عمله بعينه، فينعم ظاهرا وباطنا، فيورثه من الفرح ~~والسرور واللذة والبهجة، وقرة العين والنعيم، وقوة القلب واستبشار وحياته ~~وانشراحه- ما هو من أفضل النعيم، وأجله وأطيبه وألذه، وهل النعيم إلا طيب ~~النفس، وفرح القلب وسروره وانشراحه، واستبشاره؟. # هذا وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه، وتلذ عينه من سائر المشتهيات ~~التي تشتهيها الأنفس وتلذها الأعين، ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها ~~وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه، ~~وبلوغه مرتبة الإحسان فيه وبحسب تنوعه، فمن تنوعت أعماله المرضية المحبوبة ~~له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار، وتكثرت له ~~بحسب تكثر أعماله هنا وكان مزيده متبوعها والابتهاج بها، والالتذاذ هناك ~~على حسب مزيده من الأعمال ومتبوعه فيها في هذه الدار. # وقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرا ~~وجزاء ولذة ونعيما يخصه، لا يشبه أثر الآخر وجزاءه. لهذا تنوعت لذات أهل ~~الجنة، وآلام أهل النار، وتنوع ما فيها من الطيبات والعقوبات. فليست لذة كل ~~من ضرب في كل مرضاة الله بسهم وأخذ منها بنصيب كلذة من إنما سهمه ونصيبه في ~~نوع واحد منها ولا ألم من ضرب في كل مساخط الله بنصيب كألم من ضرب بسهم ~~واحد في مساخطه. # وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن كمال ما يستمتع به العبد من ~~الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما يقابله من الأعمال في الدنيا، فقد رأى قنوا ~~من حشف معلقا في المسجد للصدقة. # فقال: «إن صاحب هذا يأكل الحشف يوم # PageV01P126 # القيامة» # فأخبر أن جزاءه يكون من جنس عمله، فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها. # وهذا الباب يفتح لك أبوابا عظيمة من فهم المعاد، وتفاوت الناس ms089 في أحواله، ~~وما يجري فيه من الأمور. # قوله تعالى ذكره: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم. وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون. # قال: «ذهب الله بنورهم» ولم يقل: بنارهم فإن النار فيها الإحراق ~~والإشراق. فذهب بما فيها من الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيها من ~~الأذى والإشراق، وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في ~~قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم، وقلوبهم قد صليت ~~بحرها وأذاها، وسمومها ووهجها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياها يوم ~~القيامة نارا مؤصدة تطلع على الأفئدة. # فهذا مثل من لم يصبه نور الإيمان في الدنيا، بل خرج منه وفارقه بعد أن ~~استضاء به، وهو حال المنافق، عرف ثم أنكر وأقر ثم جحد. فهو في ظلمات أصم ~~أبكم أعمى، كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار: 6: 39 والذين كذبوا ~~بآياتنا صم وبكم في الظلمات وقال تعالى: 2: 171 مثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون. # شبه الله تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال ~~مستوقد النار، وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله، لأن المنافقين ~~بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم ~~أعلام الإسلام ومناره، قد شاهدوا الضوء ورأوا النور # PageV01P127 # عيانا. ولهذا قال تعالى في حقهم فهم لا يرجعون إليه. لأنهم فارقوا ~~الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا. فهم لا يرجعون إليه. وقال تعالى في حق ~~الكفار فهم لا يعقلون لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا ~~استناروا له، لا بل يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي. # فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيا. وإلى الإيمان وحقائقه مناديا، ~~وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيا، وإلى طريق الرشاد هاديا. لقد ~~اسمع منادي الإيمان لو صادف آذانا واعية، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوبا ~~خالية. ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها. ~~وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة ms090 فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها. ~~وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام، وسكرت بشهوات الغي وشبهات الباطل، ~~فلم تصغ بعد إلى الملام. # ووعظت بمواعظ أنكى فيها من الأسنة والسهام، ولكن ماتت في بحر الجهل ~~والغفلة، وأسر الهوى والشهوة. وما لجرح بميت إيلام. # وأما الصم والوقر ففي قوله تعالى: صم بكم عمي وقوله: # 47: 23 أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم وقوله: # 7: 179 ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ~~ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل، أولئك هم الغافلون وقوله تعالى: 41: 44 والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد. # قال ابن عباس: في آذانهم صمم عن استماع القرآن، وهو عليهم عمى. أعمى الله ~~قلوبهم فلا يفقهون. أولئك ينادون من مكان بعيد، مثل البهيمة التي لا تفهم ~~إلا دعاء ونداء. # وقال مجاهد: بعيد من قلوبهم. وقال الفراء: تقول للرجل الذي لا # PageV01P128 # يفهم كذلك: أنت تنادى من مكان بعيد، قال: وجاء في التفسير: كأنما ينادون ~~من السماء فلا يسمعون. انتهى. # والمعنى: أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لا يسمع ~~ولا يفهم. # وأما البكم فقال تعالى: صم بكم عمي والبكم جمع أبكم، وهو الذي لا ينطق. # والبكم نوعان. بكم القلب وبكم اللسان، كما أن النطق نطقان: نطق القلب ~~ونطق اللسان. وأشدهما: بكم القلب، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم ~~الأذن. # فوصفهم الله سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق، ولا تنطق به ألسنتهم. # والعلم يدخل من ثلاثة أبواب: من سمعه، وبصره، وقلبه. وقد سدت عليهم هذه ~~الأبواب الثلاثة، فسد السمع بالصمم، والبصر بالعمى، والقلب بالبكم. ونظيره ~~قوله تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان ~~لا يسمعون بها وقد جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله: 46: 26 وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة. فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من ms091 شيء، ~~إذ كانوا يجحدون بآيات الله فإذا أراد سبحانه هداية عبد فتح قلبه وسمعه ~~وبصره. وإذا أراد ضلاله أصمه وأعماه وأبكمه وبالله التوفيق. # 2: 19 أو كصيب من السماء، فيه ظلمات ورعد وبرق، يجعلون أصابعهم في آذانهم ~~من الصواعق حذر الموت، والله محيط بالكافرين. # الصيب: المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة، وهو مثل للقرآن ~~الذي به حياة القلوب، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات # PageV01P129 # والحيوان. فأدرك المؤمنون ذلك منه، وعلموا ما يحصل لهم به من الحياة التي ~~لا خطر لها. فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد ~~والعقوبات والمثلاث، التي حذر الله بها من خالف أمره. وأخبر أنه منزلها على ~~من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما فيه من الأوامر الشديدة، كجهاد ~~الأعداء والصبر على الأمر، أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي على خلاف ~~أهوائها، فهي كالظلمات والرعد والبرق. ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به ~~من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق. بل يستأنس بذلك ~~ويفرح به، لما يرجو من ورائه من الحياة والخصب. # وأما المنافق فإنه قد عمي قلبه، ولم يجاوز بصره الظلمة، ولم ير إلا برقا ~~يكاد يخطف البصر، ووعدا عظيما وظلمة، فاستوحش من ذلك وخاف منه. فوضع أصابعه ~~في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد، وهاله مشاهدة ذلك البرق، وشدة لمعانه، وعظم ~~نوره. فهو خائف أن يختطف بصره. لأن بصره أضعف من أن يثبت معه. فهو في ظلمة ~~يسمع أصوات الرعد القاصف، ويرى ذلك البرق الخاطف. فإن أضاء له ما بين يديه ~~مشي في ضوئه. وإن فقد الضوء قام متحيرا، لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم ~~أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات، وحياته هو في نفسه، بل ~~لا يدرك إلا رعدا وبرقا وظلمة، ولا شعور له بما وراء ذلك. فالوحشة لازمة ~~له. والرعب والفزع لا يفارقانه، وأما من أنس بالصيب، وعلم ما يحصل به من ~~الخير والحياة والنفع، ms092 وعلم أنه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم، ~~فإنه يستأنس بذلك، ولا يستوحش منه، ولا يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب. # فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل صلى الله عليه وسلم من عند رب ~~العالمين تبارك وتعالى على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليحيي به ~~القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما ~~يقارن الصيب من الماء، # PageV01P130 # حكمة بالغة، وأسبابا منتظمة، نظمها العليم الحكيم. فكان حظ المنافق من ~~ذلك الصيب سحابه ورعوده وبروقه فقط. لم يعلم ما وراءه، فاستوحش بما أنس به ~~المؤمنون، وارتاب مما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقنه المبصرون ~~العارفون. فبصره في المثل الناري كبصر الخفاش في نحر الظهيرة، وسمعه في ~~المثل المائي كسمع من يموت من صوت الرعد. وقد ذكر عن بعض الحيوانات أنها ~~تموت من سماع الرعد. فإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات ~~شيطانية، وخيالات فاسدة، وظنون كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت بها وقعدت، ~~واتسع فيها مجالها، وكثر قيلها وقالها. فملأت الأسماع من هذيانها، والأرض ~~من دواوينها، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء والقابلين منهم، والقائمين ~~بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم، والمكثرين لسوادهم. ~~ولعموم البلية بهم وضرر القلوب بكلامهم- هتك الله أستارهم في كتابه غاية ~~الهتك، وكشف أستارهم غاية الكشف، وبين علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل ~~عز وجل يقول: ومنهم، ومنهم، ومنهم «1» . حتى انكشف أمرهم وبانت حقائقهم، ~~وظهرت أسرارهم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 25] # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) # فتأمل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه، وعظمته وعظمة من أرسله إليك بهذه ~~البشارة، وقد بشرك به، وضمنه لك، وجعله أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه ~~في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها PageV01P131 # من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، نعيم القلب، وقرة ~~العين بمعرفة دوام ms093 هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه. # و «الأزواج» جمع زوج. والمرأة زوج للرجل، وهو زوجها. هذا هو الأفصح، وهو ~~لغة قريش. وبها نزل القرآن كقوله: 2: 35 اسكن أنت وزوجك الجنة ومن العرب من ~~يقول: زوجة، وهو نادر، لا يكادون يقولونه. # وأما «المطهرة» فإن جرى صفة على الواحد، فيجري صفة على جمع التكثير إجراء ~~له مجرى جماعة، كقوله تعالى: 61: 125 ومساكن طيبة وقولهم: قوى ظاهرة، ~~ونظائره. # و «المطهرة» من طهرت من الحيض والبول والنفائس والغائط والمخاط والبصاق ~~وكل قذر، وكل أذى يكون من نساء الدنيا، فطهر مع ذلك باطنها من الأخلاق ~~السيئة، والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن ~~تطمح إلى غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ. # قال عبد الله بن المبارك: حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: ولهم فيها أزواج مطهرة من القذرة وقال: «من ~~الحيض والغائط والنخامة والبصاق» # وقال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس «مطهرة: لا يحضن ولا يحدثن ولا ~~يتنجسن» وقال ابن عباس أيضا «مطهرة من القذر والأذى، لا يبلن، ولا يتغوطن، ~~ولا يمذين، ولا يمنين، ولا يحضن، ولا يبصقن، ولا يتنخمن، ولا يلدن» وقال ~~قتادة: «مطهرة من الإثم والأذى، طهرهن الله سبحانه من كل بول وغائط وقذر ~~ومأثم» وقال عبد الرحمن بن زيد: «المطهرة: التي لا يحيض، وأزواج الدنيا لسن ~~بمطهرات، ألا تراهن يدمين، ويتركن الصلاة والصيام؟ # قال: وكذلك خلقت حواء، حتى عصت، فلما عصت قال الله لها: إني خلقتك، ~~وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة. # PageV01P132 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 30] # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30) # فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا ~~يعلمه الملائكة. فلما أمرهم بالسجود ظهر ما في قلوب الملائكة من الطاعة ~~والمحبة، والخشية ms094 والانقياد، فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من ~~الكبر والغش والحسد. فأبى واستكبر وكان من الكافرين. ### | فصل # وأما الأزواج فجمع زوج. وقد يقال الزوجة. والأول أفصح. وبها جاء القرآن. ~~قال تعالى لآدم: اسكن أنت وزوجك الجنة وقال تعالى في حق زكريا: 21: 90 ~~وأصلحنا له زوجه. # ومن الثاني: قول ابن عباس في عائشة رضي الله عنها: «إنها زوجة نبيكم في ~~الدنيا والآخرة» . وقال الفرزدق: # وإن الذي يبغي ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبينها # وقد جمع على زوجات. وهذا إنما هو جمع زوجة، وإلا فجمع زوج أزواج قال ~~تعالى: 36: 56 هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن وقال تعالى: 43: 7 ~~أنتم وأزواجكم تحبرون وقد وقع في القرآن الإخبار عن أهل الإيمان بلفظ الزوج ~~مفردا وجمعا. كما تقدم وقال تعالى: 33: 6 النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وأزواجه أمهاتهم وقال تعالى: 33: 28 يا أيها النبي قل لأزواجك والإخبار عن ~~أهل الشرك لفظ «المرأة» قال تعالى: تبت يدا أبي لهب وتب- إلى قوله- وامرأته ~~حمالة الحطب في جيدها وقال تعالى في فرعون: 66: 10 ضرب الله مثلا للذين ~~آمنوا امرأت فرعون فلما كان هو المشرك وهي مؤمنة لم يسمها زوجا لها. وقال ~~تعالى: 66: 11 ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط فلما # PageV01P133 # كانتا مشركتين أوقع عليهما اسم «المرأة» وقال في حق آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة وقال للنبي صلى الله عليه وسلم 33: 50 إنا أحللنا لك أزواجك وقال في ~~حق المؤمنين: 2: 25 ولهم فيها أزواج مطهرة. # قالت طائفة، منهم السهيلي وغيره: إنما لم يقل في حق هؤلاء «الأزواج» . ~~لأنهن لسن بأزواج لرجالهن في الآخرة. ولأن التزويج حلية شرعية، وهو من أمر ~~الدين، فجرد الكافرة منه، كما جرد منه امرأة نوح وامرأة لوط. # ثم أورد السهيلي على نفسه قول زكريا: 19: 5 وكانت امرأتي عاقرا وقوله ~~تعالى عن إبراهيم عليه السلام: 51: 29 فأقبلت امرأته في صرة. # وأجاب: بأن ذكر المرأة أليق في هذه المواضع، لأنه في سياق ذكر الحمل ~~والولادة. فذكر المرأة أولى به. لأن ms095 الصفة- التي هي الأنوثة- هي المقتضية ~~للحمل والوضع، لا من حيث كانت زوجا. # قلت: ولو قيل: إن السر في ذكر المؤمنين ونسائهم بلفظ «الأزواج» أن هذا ~~اللفظ مشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران، كما هو المفهوم من لفظه: # لكان أولى. فإن «الزوجين» هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان، ~~والمتساويان. ومنه قوله تعالى: 37: 22 احشروا الذين ظلموا وأزواجهم قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه: «أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم» وقاله الإمام أحمد ~~أيضا، ومنه قوله تعالى: 81: 7 وإذا النفوس زوجت أي قرن بين كل شكل وشكله في ~~النعيم والعذاب. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الآية «الصالح مع ~~الصالح في الجنة، والفاجر مع الفاجر في النار» وقاله الحسن وقتادة ~~والأكثرون وقيل: # زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين، وأنفس الكافرين بالشياطين. وهو راجع ~~إلى القول الأول. وقال تعالى: 6: 143 ثمانية أزواج ثم # PageV01P134 # فسرها بقوله: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين ومن البقر اثنين ومن الإبل ~~اثنين فجعل الزوجين هما الفردان من نوع واحد. ومنه قولهم «زوجا خف، وزوجا ~~حمام» ونحوه. ولا ريب ان الله سبحانه قطع المشابهة والمشاكلة بين الكفار ~~والمؤمنين قال تعالى: 59: 20 لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة وقال ~~تعالى: في حق مؤمن أهل الكتاب وكافرهم 3: 113 ليسوا سواء، من أهل الكتاب ~~أمة قائمة- الآية وقطع سبحانه المقارنة بينهما في أحكام الدنيا، فلا ~~يتوارثان ولا يتناكحان، ولا يتولى أحدهما صاحبه. فكما انقطعت الصلة بينهما ~~في المعنى انقطعت في الإسم. # فأضاف فيهما «المرأة» بلفظ الأنوثة المجرد، دون لفظ المشاكلة والمشابهة. # فتأمل هذا المعنى تجده أشد مطابقة لألفاظ القرآن ومعانيه. ولهذا وقع على ~~المسلمة امرأة الكافر، وعلى الكافرة امرأة المؤمن: لفظ «المرأة» دون لفظ ~~«الزوجة» تحقيقا لهذا المعنى، والله أعلم. # وهذا أولى من قول من قال: إنما سمى صاحبة أبي لهب امرأته، ولم يقل لها ~~«زوجته» لأن أنكحة الكفار لا يثيب لها حكم الصحة، بخلاف أنكحة أهل الإسلام. # فإن هذا باطل بإطلاق اسم «المرأة» على امرأة نوح وامرأة لوط، مع صحة ذلك ~~النكاح. # وتأمل هذا المعنى في آية ms096 المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ ~~«الزوجة» دون «المرأة» كما في قوله تعالى: 4: 12 ولكم نصف ما ترك أزواجكم ~~إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، ~~والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب. فلا يقع بينهما التوارث. ~~وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 36] # فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) # PageV01P135 # قد ظن الزمخشري أن قوله: اهبطوا منها جميعا خطاب لآدم وحواء خاصة، وعبر ~~عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما. قال: والدليل عليه قوله تعالى: 70: 123 ~~قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو قال: ويدل على ذلك قوله: فمن تبع هداي ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم، ومعنى قوله: بعضكم ~~لبعض عدو ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم بعضا. # وهذا الذي اختاره أضعف الأقوال في الآية. فإن العداوة التي ذكرها الله ~~تعالى إنما هي بين آدم وإبليس وذريتهما، كما قال تعالى: 35: 6 إن الشيطان ~~لكم عدو فاتخذوه عدوا وهو سبحانه قد أكد أمر العداوة بين الشيطان والإنسان، ~~وأعاد وأبدى ذكرها في القرآن لشدة الحاجة إلى التحرز من هذا العدو. وأما ~~آدم وزوجه فإنه إنما أخبر في كتابه أنه خلقها له ليسكن إليها وجعل بينهما ~~مودة ورحمة «1» . فالمودة والرحمة بين الرجل وامرأته والعداوة بين الشيطان ~~والإنسان. وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وإبليس، وهم ثلاثة، فلماذا يعود الضمير ~~على بعض المذكور، مع منافرته لطريق الكلام دون جميعه؟ مع أن اللفظ والمعنى ~~يقتضيه. فلم يصنع الزمخشري شيئا. # وأما قوله تعالى في سورة طه: 20: 123 قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض ~~عدو فهذا خطاب لآدم وحواء. وقد جعل بعضهم لبعض عدوا، فالضمير في قوله اهبطا ~~منها إما أن يرجع إلى آدم وزوجته، وإما أن يرجع إلى آدم وإبليس، ولم يذكر ~~الزوجة لأنها تبع له. PageV01P136 # وعلى هذا فالعداوة المذكورة ms097 للمخاطبين بالإهباط، وهما آدم وإبليس، فالأمر ~~ظاهر. # وأما الأول- وهو رجوعه إلى آدم وزوجه- فتكون الآية قد اشتملت على أمرين: # أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط. # والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجه، وبين إبليس. ولهذا أتى بضمير ~~الجمع في الثاني، دون الأول. ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه ~~العداوة قطعا. كما قال تعالى: 20: 117 إن هذا عدو لك ولزوجك وقال لذريته: ~~إن الشيطان لكم عدو، فاتخذوه عدوا. # وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع، دون ~~التثنية وأما الإهباط: فتارة يذكر بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية. وتارة ~~بلفظ الإفراد، كقوله في سورة الأعراف: قال اهبطوا وكذلك في سورة ص، وهذا ~~لإبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع، فهو لآدم وزوجه وإبليس، إذ مدار القصة ~~عليهم. وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان ~~باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية. وإما أن يكون لآدم وإبليس، إذ ~~هما أبوا الثقلين، وأصلا الذرية. فذكر حالهما ومآل أمرهما، ليكون عظة وعبرة ~~لأولادهما. وقد حكيت القولين في ذلك. # والذي يوضح أن الضمير في قوله: اهبطا منها جميعا لآدم وإبليس: أن الله ~~سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم، دون زوجه. # فقال: وعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه، فتاب عليه وهدى. قال: اهبطا ~~منها جميعا وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم وإبليس الذي زين له ~~المعصية. ودخلت الزوجة تبعا. فإن المقصود إخبار الله تعالى الثقلين بما جرى ~~على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر، فذكر أبويهما # PageV01P137 # أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنسان فقط. وقد أخبر سبحانه عن ~~الزوجة بأنها أكلت مع آدم، وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة. ~~فعلم أن حكم الزوجة كذلك، وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم. # وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريدها إلى ذكر ~~أبي الإنس وأمهم، فتأمله. # وبالجملة. فقوله: اهبطوا بعضكم لبعض عدو ظاهر في الجمع، فلا يسوغ حمله ~~على ms098 الاثنين في قوله: اهبطا من غير موجب. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 88] # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) # قد اختلف في معنى قولهم «قلوبنا غلف» . # فقالت طائفة: المعنى قلوبنا أوعية للحكمة والعلم. فما بالها لا تفهم عنك ~~ما أتيت به؟ أو لا تحتاج إليك؟ وعلى هذا فيكون «غلف» جمع غلاف. والصحيح: ~~قول أكثر المفسرين: إن المعنى قلوبنا لا تفقهه، ولا تفهم ما تقول. وعلى هذا ~~فهو جمع أغلف، كأحمر وحمر. قال أبو عبيدة: # كل شيء في غلاف فهو أغلف، كما يقال: سيف أغلف، وقوس أغلف، ورجل أغلف، غير ~~مختون. وقال ابن عباس وقتادة: على قلوبنا غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا ~~تفقه ما تقول. # هذا هو الصواب في معنى الآية لتكرر نظائره في القرآن. كقولهم: # 41: 5 قلوبنا في أكنة وقوله تعالى: 18: 102 كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ~~ونظائر ذلك. # وأما قول من قال: هي أوعية للحكمة، فليس في اللفظ ما يدل عليه البتة. ~~وليس له في القرآن نظير يحمل عليه، ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان ~~نفسه بالعلم والحكمة، فأين وجدتم في الاستعمال قول # PageV01P138 # القائل: قلبي غلاف، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي أوعية للعلم. # والغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء. فلا يلزم من كون القلب غلافا أن ~~يكون داخله العلم والحكمة. وهذا ظاهر جدا. # فإن قيل: فالإضراب: «بل» على هذا القول الذي قويتموه، ما معناه؟. # أما على القول الآخر فظاهر، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة، بل مطبوع ~~عليها. # قيل: وجه الإضراب في غاية الظهور. وهو انهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم ~~الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا ~~تفقهه. فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف، فهم ~~معذورون في عدم الإيمان. فأكذبهم الله وقال: بل لعنهم الله بكفرهم وفي ~~الآية الأخرى: 4: 154 بل طبع الله عليها بكفرهم فأخبر سبحانه أن الطبع ~~والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم ms099 الذي اختاروه لأنفسهم، وآثروه ~~على الإيمان. فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة. # والمعنى: لم يخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه، ثم أمرهم بالإيمان، وهم ~~لا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم ~~عليها. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 94] # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين (94) # هذه الآية فيها للناس كلام معروف. # قالوا: إنها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، أعجز بها اليهود، ودعاهم ~~إلى تمني الموت، وأخبر أنهم لا يتمنونه أبدا. وهذا علم من أعلام نبوته صلى ~~الله عليه وسلم، إذ لا # PageV01P139 # يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا بإخبار عالم الغيب، ولن ينطق الله ألسنتهم ~~بتمنيه أبدا. # وقالت طائفة: لما ادعت اليهود أن لهم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون ~~الناس. وأنهم أبناؤه وأحباؤه وأهل كرامته. كذبهم الله في دعواهم. # وقال: إن كنتم صادقين فتمنوا الموت، لتصلوا إلى الجنة دار النعيم. فإن ~~الحبيب يتمنى لقاء حبيبه. ثم أخبر سبحانه أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت ~~أيديهم من الأوزار والذنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه. فقال: ولن يتمنوه ~~أبدا بما قدمت أيديهم، والله عليم بالظالمين. # وقالت طائفة، منهم محمد بن إسحاق «1» وغيره: هذه من جنس آية المباهلة. ~~وأنهم لما عاندوا، ودفعوا الهدى عيانا، وكتموا الحق دعاهم إلى أمر يحكم ~~بينهم وبينه. وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب المفتري، والتمني: سؤال ~~ودعاء، فتمنوا الموت: أي سلوه، وادعوا به على المبطل الكاذب المفتري. # وعلى هذا: فليس المراد تمنوه لأنفسكم خاصة، كما قاله أصحاب القولين ~~الأولين بل ادعوا بالموت وتمنوه للمبطل. وهذا أبلغ في إقامة الحجة، وبرهان ~~الصدق، وأسلم من أن يعارضوا بقولهم: فتمنوه PageV01P140 # أنتم أيضا إن كنتم محقين في دعواكم: أنكم أهل الجنة، لتقدموا على ثواب ~~الله وكرامته، وكانوا أحرص شيء على معارضته. فلو فهموا منه ما ذكره أولئك ~~لعارضوه بمثله. # وأيضا فإنا نشاهد كثيرا منهم يتمنى الموت لفقره وبلائه. وشدة حاله، ويدعو ~~به، وهذا بخلاف تمنيه والدعاء به على الفرقة الكاذبة ms100 فإن هذا لا يكون أبدا، ~~ولا وقع من أحد منهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم البتة. وذلك لعلمهم ~~بصحة نبوته وصدقه، وكفرهم به حسدا وبغيا، فلا يتمنونه أبدا، لعلمهم أنهم هم ~~الكاذبون. وهذا القول الذي نختاره. والله أعلم بما أراد من كتابه. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 137] # فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) # والجواب من أوجه: # الأول: أن المراد به التبكيت، والمعنى: حصلوا دينا آخر مثله، وهو لا ~~يمكن. # الثاني: أن كلمة «مثل» صلة. # الثالث: أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف ولا تحريف. فإن آمنوا بالتوراة ~~من غير تصحيف ولا تحريف فقد اهتدوا. # الرابع: أن المراد إن آمنوا بمثل ما صرتم به مؤمنين. # روى ابن جرير أن ابن عباس قال: قولوا آمنا بالله فإن آمنوا بالذي آمنتم ~~به. # قال عبد الجبار: ولا يجوز ترك القراءة المتواترة. ### | [سورة البقرة (2) : آية 165] # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب (165) # PageV01P141 # أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ ~~من دون الله أندادا فهذا ند في المحبة، لا في الخلق والربوبية. # فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند. بخلاف ند المحبة. فإن أكثر أهل ~~الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم. # ثم قال: والذين آمنوا أشد حبا لله وفي تقدير الآية قولان: # أحدهما: والذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم، وآلهتهم ~~التي يحبونها، ويعظمونها من دون الله. # والثاني: والذين آمنوا أشد حبا لله من محبة المشركين الأنداد لله. فإن ~~محبة المؤمنين خالصة ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها. # والمحبة الخالصة أشد من المحبة المشركة. # والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى: يحبونهم كحب الله فإن فيها ~~قولان. # أحدهما: يحبونهم كما ms101 يحبون الله. فيكون قد أثبت لهم محبة لله، ولكنها ~~محبة يشركون فيها مع الله أندادا. # والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم، كما يحب المؤمنون الله، ثم بين أن ~~محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم. # وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرجح القول الأول، ويقول: # إنما ذموا بأن شركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله، ~~كمحبة المؤمنين له. وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم، وهم ~~في النار: أنهم يقولون لآلهتهم وأندادهم، وهي محضرة معهم في العذاب: 26: ~~97، 98 تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب # PageV01P142 # العالمين # ومعلوم أنهم لم يسوهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به ~~في المحبة والتعظيم. # هذا حال قلب المؤمن: توحيد الله وذكر رسوله مكتوبان فيه، لا يتطرق إليهما ~~محو ولا إزالة. ولما كانت كثرة ذكر الشيء موجبة لدوام محبته، ونسيانه سببا ~~لزوال محبته أو ضعفه. وكان الله سبحانه هو المستحق من عباده نهاية الحب مع ~~نهاية التعظيم، بل الشرك الذي لا يغفره الله لعبده: هو أن يشرك به في الحب ~~والتعظيم، فيحب غيره ويعظم من المخلوقات غيره كما يحب الله تعالى ويعظمه ~~قال تعالى: 2: 165 ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، ~~والذين آمنوا أشد حبا لله فأخبر سبحانه أن المشرك يحب الند كما يحب الله ~~تعالى، وأن المؤمن أشد حبا لله من كل شيء. وقال أهل النار في النار: 26: ~~97، 98 تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين ومن المعلوم: ~~أنهم إنما سووهم به سبحانه في الحب والتأليه والعبادة، وإلا فلم يقل أحد ~~قط: إن الصنم أو غيره من الأنداد مساو لرب العالمين في صفاته وفي أفعاله، ~~وفي خلق السموات والأرض، وفي خلق عابده أيضا. وإنما كانت التسوية في المحبة ~~والعبادة. # وأيضا من هؤلاء وأسوأ حالا من سوى كل شيء بالله سبحانه في الوجود، وجعله ~~وجود كل موجود، كامل أو ناقص، فإذا كان الله قد حكم بالضلال والشقاء لمن ms102 ~~سوى بينه وبين الأصنام في الحب، مع اعتقاد تفاوت ما بين الله وبين خلقه في ~~الذات والأوصاف والأفعال، فكيف بمن سوى الله بالموجودات في جميع ذلك، بل ~~كيف بمن جعل ربه كل هذه الموجودات؟ # وزعم أن من عبد حجرا أو شجرا، أو حيوانا فما عبد غير الله في كل معبود. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 171] # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون (171) # PageV01P143 # تضمن هذا المثل: ناعقا، أي مصوتا بالغنم وغيرها، ومنعوقا به. # وهو الدواب. # فقيل: الناعق العابد، وهو الداعي للصنم، والصنم: هو المنعوق به المدعو، ~~وأن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه. هذا قول طائفة. منهم ~~عبد الرحمن بن زيد «1» وغيره. # واستشكل صاحب الكشاف وجماعة معه هذا القول، وقالوا قوله: # إلا دعاء ونداء لا يساعد عليه. لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء. # وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة. # أحدها: أن «إلا» زائدة. والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء. # قالوا: وقد ذكر ذلك الأصمعي في قول الشاعر: # حراجيج ما تنفك إلا مناخة # أي ما تنفك مناخة. وهذا جواب فاسد. فإن «إلا» لا تزاد في الكلام المثبت. # الجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء، لا في خصوصيات المدعو. # الجواب الثالث: أن المعنى: أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه ~~دعاءهم كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه هو في دعاء ~~ونداء. وكذلك المشرك ليس من دعائه وعبادته وليه الميت إلا العناء. # وقيل: المعنى: ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه مما يقول الراعي ~~أكثر من الصوت. فإن الراعي هو داعي الكفار، والكفار هم البهائم المنعوق ~~بها. PageV01P144 # قال سيبويه: المعنى: ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق ~~والمنعوق به. # وعلى قوله: فيكون المعنى: مثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق ~~بها. # ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرق. # فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار- في ms103 عدم فقههم وانتفاعهم- بالغنم ~~التي ينعق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد، الذي هو ~~الدعاء والنداء. # وإن جعلته من التشبيه المفرق، فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم ~~إلى الطريق والهدى بمنزلة البهائم التي ينعق بها ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة ~~النعق، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 179] # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) # في ضمن هذا الخطاب: ما هو كالجواب لسؤال مقدر: إن في إعدام هذه البنية ~~الشريفة، وإيلام هذه النفس وإعدامها في عدم مقابلة إعدام المقتول تكثير ~~لمفسدة القتل، فلأية حكمة صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء، وبهرت حكمته ~~العقول؟ فتضمن الخطاب جواب ذلك بقوله: # ولكم في القصاص حياة. # وذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يقتل قصاصا بمن قتله كف عن القتل وارتدع، ~~وآثر حب حياته ونفسه. فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله. # ومن وجه آخر: وهو أنهم كانوا إذا قتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم # PageV01P145 # قتلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيه وقبيلته. وكان في ذلك من ~~الفساد والهلاك ما يعم ضرره، وتشتد مؤنته، فشرع الله تعالى القصاص، وأن لا ~~يقتل بالمقتول غير قاتله. ففي ذلك حياة عشيرته وحيه وأقاربه. ولم تكن ~~الحياة في القصاص من حيث إنه قتل، بل من حيث كونه قصاصا، يؤخذ القاتل وحده ~~بالمقتول لا غيره، فتضمن القصاص الحياة في الوجهين. # وتأمل ما تحت هذه الألفاظ الشريفة من الجلالة والإيجاز، والبلاغة ~~الفصاحة، والمعنى العظيم. # فصدر الآية بقوله: «ولكم» المؤذن بأن منفعة القصاص مختصة بكم، عائدة ~~إليكم، فشرعه إنما كان رحمة بكم وإحسانا إليكم، فمنفعته ومصلحته لكم، إلا ~~لمن لا يبلغ العباد ضره ونفعه. # ثم عقبه بقوله «في القصاص» إيذانا بأن الحية الحاصلة إنما هي في العدل، ~~وهو أن يفعل به كما فعل بالمقتول. # و «القصاص» في اللغة: المماثلة، وحقيقته راجعة إلى الإتباع، ومنه قوله ~~تعالى: 28: 11 وقالت لأخته قصيه أي اتبعي أثره. ومنه قوله: 18: 64 فارتدا ~~على آثارهما قصصا ms104 أي يقصان الأثر ويتبعانه. # ومنه: قص الحديث واقتصاصه، لأنه يتبع بعضه بعضا في الذكر، فسمى جزاء ~~الجاني قصاصا. لأنه يتبع أثره، فيفعل به كما فعل، وهذا أحد ما يستدل به على ~~أن يفعل بالجاني كما فعل، فيقتل بمثل ما قتل به، لتحقيق معنى القصاص. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 187] # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) # روى شعبة عن الحكم عن مجاهد قال: هو الولد. وقاله الحكم، وعكرمة، والحسن ~~البصري، والسدي، والضحاك. # PageV01P146 # وأرفع ما فيه: ما رواه محمد بن حر عن أبيه حدثني عمي عن أبيه حدثني أبي ~~عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هو الولد» وقال ابن زيد: هو ~~الجماع. وقال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم. # وعن ابن عباس رواية أخرى: قال: ليلة القدر. # والتحقيق أن يقال: لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى ~~طلوع الفجر، وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر، حتى لا يكاد ~~يخطر بقلبه غير ذلك، أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة. ~~ولا يباشروهن بحكم مجرد الشهوة، بل يبتغوا ما كتب الله لهم من الأجر والولد ~~الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئا، ويبتغون ما أباح لهم من ~~الرخصة بحكم محبته بقبول رخصه. فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن ~~تؤتي معصيته. ومما كتب الله لهم: ليلة القدر، فأمروا أن يبتغوها. # لكن يبقى أن يقال: فما تعلق ذلك بإباحة مباشرة أزواجهم؟ # فيقال: فيه إرشاد إلى أن يشغلهم ما أبيح لهم من المباشرة عن طلب هذه ~~الليلة التي هي خير من ms105 ألف شهر. فكأنه سبحانه يقول: اقضوا وطركم من نسائكم ~~ليلة الصيام، ولا يشغلكم ذلك عن ابتغاء ما كتب الله لكم من هذه الليلة التي ~~فضلكم بها. والله أعلم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 216] # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) # في هذه الآية عدة حكم وأسرار، ومصالح للعبد. فإن العبد إذا علم أن ~~المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه. لم يأمن أن # PageV01P147 # توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة، ~~لعدم علمه بالعواقب. فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد- أوجب ذلك للعبد ~~أمورا-. # منها: أنه لا أنفع له من امتثال أمر ربه، وإن شق عليه في الابتداء. # لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات. ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه، فهو خير ~~لها وأنفع. وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب المنهي، وإن هويته نفسه، ومالت ~~إليه. وأن عواقبه كلها آلام وأحزان، وشرور ومصائب. # وخاصة العاقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة، والخير ~~الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل. # فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غاياتها، والعاقل الكيس دائما ينظر إلى ~~الغايات من وراء ستور مباديها. فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات ~~المحمودة والمذمومة. فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل. فكلما ~~دعته لذته إلى تناوله نهاه عنه ما فيه من السم. ويرى الأوامر كدواء مر ~~المذاق، مفض إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه مرارة مذاقه عن تناوله أمره ~~نفعه بالتناول، ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم، تدرك به الغايات من مبادئها ~~وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق، لما يؤمل عند الغاية من حسن ~~العاقبة. فإذا فقد اليقين والصبر تعذر عليه ذلك. وإذا قوى يقينه هان عليه ~~كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة-. # ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من ms106 يعلم عواقب ~~الأمور، والرضا بما يختاره له ويقتضيه له، لما يرجو من حسن العاقبة. # ومنها: أنه لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به ~~علم. فلعل مضرته وهلاكه فيه. وهو لا يعلم. فلا يختار على ربه شيئا، بل ~~يسأله حسن الإختيار له، وأن يرضيه بما يختاره. فلا أنفع له من ذلك. # ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له # PageV01P148 # بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد ~~لنفسه. وأراه من حسن عواقب اختياره ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو ~~لنفسه. # ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الإختيارات، ويفرغ قلبه من ~~التقديرات والتدبيرات، التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى. # ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو ~~محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم عنده غير ملطوف ~~به فيه، مع اختياره لنفسه. # ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدور العطف عليه واللطف به. فيصير بين ~~عطفه ولطفه. فعطفه يقيه ما يحذره. ولطفه يهون عليه ما قدره. # إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه: تحيله في رده. # فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا كالميت. فإن ~~السبع لا يرضى أن يأكل الجيف. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227] # للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم (226) ~~وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) # قول الله تعالى: # 2: 226، 227 للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر. فإن فاؤ فإن الله ~~غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم. # حتم حكم الفيء، الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة، والإحسان إليها: ~~بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته. إذا رجع إليه. والجزاء من ~~جنس العمل. فكما رجع العبد إلى التي هي أحسن، رجع الله إليه بالمغفرة ~~والرحمة: وإن عزموا ms107 الطلاق فإن الله سميع عليم فإن الطلاق لما كان لفظا ~~يسمع، ومعنى يقصد، عقبه باسم «السميع» لما نطق به «العليم» بمضمونه. # PageV01P149 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 235] # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ~~الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) # لما ذكر سبحانه التعريض بخطبة المرأة الدال على أن المعرض في قلبه رغبة ~~فيها ومحبة لها، وأن ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها، رفع ~~الجناح عن التعريض، وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة، ونفي ~~مواعدتهن سرا. # فقيل: هو النكاح. والمعنى: لا تصرحوا لهن بالتزويج، إلا أن تعرضوا ~~تعريضا. وهو القول المعروف. # وقيل: هو أن يتزوجها في عدتها سرا. فإذا انقضت العدة أظهر العقد. ويدل ~~هذا على قوله: ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله وهو انقضاء ~~العدة. ومن رجح القول الأول قال: دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح، ~~وتحريم التصريح بالنهي عن المواعدة سرا، وتحريم عقد النكاح قبل انقضاء ~~العدة. فلو كان معنى مواعدة السر: هو إسرار العقد. كان تكرارا. # ثم عقب ذلك بقوله: واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه أن تتعدوا ~~ما حد لكم. فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون. # ثم قال: واعلموا أن الله غفور حليم ولولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت، ~~فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في ~~شيء فما نهاكم عنه فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار. فإنه هو الغفور ~~الحليم. # PageV01P150 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 245] # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ~~ويبصط وإليه ترجعون (245) # وقوله: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم. # صدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب، وهو الاستفهام المتضمن معنى الطلب، ~~وهو أبلغ في الطلب ms108 من صيغة الأمر. والمعنى: هل أحد يبذل هذا القرض الحسن، ~~فيجازي عليه أضعافا مضاعفة؟. # وسمي ذلك الإنفاق قرضا حسنا حثا للنفوس، وبعثا لها على البذل. لأن الباذل ~~متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوعت له نفسه، وسهل عليه إخراجه. فإن ~~علم أن المستقرض ملئ وفي محسن، كان أبلغ في طيب فعله وسماحة نفسه. # فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه، وينميه له ويثمره حتى يصير ~~أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح. # فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجرا آخر من غير جنس القرض، ~~فإن ذلك الأجر حظ عظيم، وعطاء كريم، فإنه لا يختلف عن قرضه إلا لآفة في ~~نفسه من البخل والشح، أو عدم الثقة بالضمان. # وذلك من ضعف إيمانه. ولهذا كانت الصدقة برهانا لصاحبها. # وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التي تضمنتها الآية، فإنه سماه قرضا ~~وأخبر أنه هو المقترض لا قرض حاجة، ولكن قرض إحسان إلى المقرض واستدعاء ~~لمعاملته، وليعرف مقدار الربح، فهو الذي أعطاه ماله واستدعى منه معاملته ~~به. # ثم أخبر عما يرجع إليه بالقرض، وهو الأضعاف المضاعفة. # ثم أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة، وهو الأجر الكريم. # PageV01P151 # وحيث جاء هذا القرض في القرآن قيده بكونه حسنا. وذلك يجمع أمورا ثلاثة. # أحدها: أن يكون من طيب ماله، لا من رديئه وخبيثة. # والثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه، ثابتة عند بذله، ابتغاء مرضاة الله. # الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذى. # فالأول يتعلق بالمال. والثاني يتعلق بالمنفق بينه وبين الله. والثالث ~~بينه وبين الآخذ. ### | [سورة البقرة (2) : آية 261] # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) # شبه الله سبحانه نفقة المنفق في سبيله- سواء كان المراد به الجهاد أو ~~جميع سبل الخير، من كل- بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبة سبع سنابل اشتملت كل ~~سنبلة على مائة حبة. والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك، بحسب ms109 حال المنفق ~~وإيمانه وإخلاصه وإحسانه، ونفع نفقته وقدرها. # ووقوعها موقعها. # فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص، ~~والتثبيت عند النفقة، وهو إخراج المال بقلب ثابت، قد انشرح صدره بإخراجه، ~~وسمحت به نفسه، وخرج من قلبه قبل خروجه من يده، فهو ثابت القلب عند إخراجه، ~~غير جزع ولا هلع، ولا متبعه نفسه، ترجف يده وفؤاده. # ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق بحسب مصادفته لموقعه، وبحسب طيب المنفق وزكائه. # PageV01P152 # وتحت هذا المثل من الفقه: أنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر، فالمنفق ماله ~~الطيب لله، لا لغيره: باذر ماله في أرض زكية. فمغله بحسب بذره، وطيب أرضه ~~وتعاهد البذر بالسقي، ونفي الدغل، والنبات الغريب عنه. فإذا اجتمعت هذه ~~الأمور ولم يحرق الزرع نار، ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال، وكان مثله ~~كمثل جنة بربوة. وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنة فيه نصب الشمس والرياح ~~فتتربى الأشجار هناك أتم تربية. فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر، ~~متتابع. فرواها ونماها. فأتت أكلها ضعفي ما يؤتيه غيرها، لسبب ذلك الوابل ~~فإن لم يصبها وابل فطل، أي مطر صغير القطر يكفيها، لكرم منبتها تزكو على ~~الطل، وتنمو عليه، مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق ~~الكثير والقليل. فمن الناس من يكون إنفاقه وابلا، ومنهم من يكون إنفاقه ~~طلا. والله لا يضيع مثقال ذرة. # فإن عرض لهذا العامل ما يحرق أعماله، ويبطل حسناته، كان بمنزلة رجل له: ~~جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات، وأصابه ~~الكبر، وله ذرية ضعفاء، فأصابها إعصار فيه نار، فاحترقت فإذا كان يوم ~~استيفاء الأعمال، وإحراز الأجور، وجد هذا العامل عمله قد أصابه ما أصاب ~~صاحب هذه الجنة. فحسرته حينئذ أشد من حسرة هذا على جنته. # فهذا مثل ضربه الله سبحانه للحسرة بسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها، مع ~~عظم قدرها ومنفعتها. والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف، فهو أحوج ما ~~كان إلى نعمته. ومع هذا فله ذرية ضعفاء، لا يقدرون ms110 على نفقته. والقيام ~~بمصالحة بل هم في عياله. فحاجته إلى جنته أشد ما كانت لضعفه وضعف ذريته. ~~فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر، ~~وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها، وهو ثمر النخيل والأعناب، فمغله يقوم ~~بكفايته وكفاية ذريته، فأصبح يوما وقد # PageV01P153 # وجده محترقا كله كالصريم. فأي حسرة أعظم من حسرته؟. # قال ابن عباس: هذا مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره. وقال مجاهد: ~~هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت. وقال السدي: هذا مثل المرائي في ~~نفقته الذي ينفق لغير الله، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه. # وسأل عمر بن الخطاب الصحابة يوما عن هذه الآية فقالوا له: الله أعلم. ~~فغضب عمر. وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: # في نفسي منها شيء، يا أمير المؤمنين. قال: قل يا ابن أخي، ولا تحقر نفسك. ~~قال: ضرب مثلا لعمل. قال: لأي عمل؟ قال: لرجل غني يعمل بالحسنات، ثم بعث له ~~الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كلها. # قال الحسن: هذا مثل، قل والله من يعقله من الناس: شيخ كبير ضعف جسمه، ~~وكثر صبيانه، فقد جنته أحوج ما كان إليها. وإن أحدكم والله لأفقر ما يكون ~~إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا. ### | فصل # فإن عرض لهذه الأعمال- من الصدقات- ما يبطلها من المن والأذى والرياء. ~~فالرياء يمنع انعقادها سببا للثواب. والمن والأذى: يبطل الثواب التي كانت ~~سببا له فمثل صاحبها، وبطلان عمله كمثل صفوان وهو الحجر الأملس عليه تراب ~~فأصابه وابل وهو المطر الشديد فتركه صلدا لا شيء عليه. # وتأمل أجزاء هذا المثل البليغ وانطباقها على أجزاء الممثل به، تعرف عظمة ~~القرآن وجلالته. # فإن الحجر في مقابلة قلب هذا المرائي المان والمؤذي. فقلبه في قسوة عن ~~الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر. والعمل الذي عمله لغير الله # PageV01P154 # بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر. فقسوة ما تحته وصلابته تمنعه من ~~النبات والثبات عند نزول الوابل. فليس له مادة متصلة بالذي يقبل الماء ~~وينبت الكلاء. ms111 وكذلك المرائي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء ~~والقدر. فإذا نزل عليه وابل الوحي تكشف عنه ذلك التراب اليسير الذي كان ~~عليه. فبرز ما تحته حجرا صلدا، لا نبات فيه. وهذا مثل ضربه الله سبحانه ~~لعمل المرائي ونفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء منه، أحوج ما كان ~~إليه. وبالله التوفيق. # قول الله تعالى ذكره: # 2: 282 أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فيه دليل على أن الشاهد إذا ~~نسي شهادته فذكره بها غيره لم يرجع إلى قوله، حتى يذكرها. وليس له أن ~~يقلده. فإنه سبحانه قال: فتذكر إحداهما الأخرى ولم يقل: فتخبرها. # وفيها قراءتان: التثقيل والتخفيف. والصحيح: أنهما بمعنى واحد من «الذكر» ~~وأبعد من قال: فيجعلها «ذكرا» لفظا ومعنى. فإنه سبحانه جعل ذلك علة للضلال، ~~الذي هو ضد الذكر. فإذا ضلت أو نسيت ذكرتها الأخرى فذكرت. # وقوله: أن تضل تقديره عند الكوفيين: لئلا تضل إحداهما. # ويطردون ذلك في كل ما جاء من هذا. كقوله تعالى: 4: 175 يبين الله لكم أن ~~تضلوا ونحوه. # ويرد عليهم نصب قوله: فتذكر إحداهما الأخرى إذ يكون تقديره: # لئلا تضلوا. ولئلا تذكر. # وقدره البصريون بمصدر محذوف. وهو الإرادة والكراهة والحذر. # PageV01P155 # ونحوها فقالوا: يبين الله لكم أن تضلوا أي حذر أن تضلوا، وكراهة أن تضلوا ~~ونحوه. # ويشكل عليهم هذا التقدير في قوله: أن تضل إحداهما فإنهم إن قدروه كراهة ~~أن تضل إحداهما: كان حكم المعطوف- وهو «فتذكر» حكمه-، فيكون مكروها. وإن ~~قدروها: إرادة أن تضل إحداهما، كان الضلال مرادا. # والجواب عن هذا: أنه كلام محمول على معناه. والتقدير: أن تذكر إحداهما ~~الأخرى إن ضلت. وهذا مراد قطعا. # وقال الشيخ ابن تيمية رحمة الله عليه: قوله تعالى: فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى. # فيه دليل على استشهاد امرأتين مكان رجل هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ~~ضلت. وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم ~~الضبط. وإلى هذا المعنى # أشار النبي صلى الله ms112 عليه وسلم حيث قال: «أما نقصان عقلهن: فشهادة ~~امرأتين بشهادة رجل» # فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل، لا لضعف الدين. فعلم بذلك عدل ~~النساء بمنزلة عدل الرجال. وإنما عقلها ينقص عنه. فما كان من الشهادة لا ~~يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف الرجل. وما يقبل فيه شهادتهن ~~منفردات إنما هو في أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها ~~بأذنها، من غير توقف على عقل، كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض، ~~والنفاس، والعيوب تحت الثياب. فإن مثل هذا لا ينسى في العادة، ولا تحتاج ~~معرفته إلى كمال عقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الاقرار بالدين وغيره. ~~فإن هذه معان معقولة. ويطول العهد بها في الجملة. # PageV01P156 # 2: 261 مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ~~في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم وهذه الآية ~~كأنها كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التي يضاعفها للمقرض، ومثله سبحانه ~~بهذا المثل إحضارا لصورة التضعيف في الأذهان بهذه الحبة التي غيبت في الأرض ~~فأنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ~~ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل التي من الحبة الواحدة فيضاف ~~الشاهد العياني إلى الشاهد الإيماني القرآني فيقوي إيمان المنفق وتسخو نفسه ~~بالإنفاق، وتأمل كيف جمع السنبلة في هذه الآية على سنابل وهي من جموع ~~الكثرة إذ المقام مقام تكثير وتضعيف وجمعها على سنبلات في قوله تعالى: وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات فجاء بها على جمع القلة لأن السبعة قليلة ولا مقتضى ~~للتكثير. وقوله تعالى: والله يضاعف لمن يشاء قيل: المعنى والله يضاعف هذه ~~المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق بل يختص برحمته من يشاء وذلك لتفاوت أحوال ~~الإنفاق في نفسه لصفات المنفق وأحواله وفي شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن ~~الموقع، وقيل: والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك فلا يقتصر به على السبعمائة بل ~~يجاوز في المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة. # واختلف في تقدير ms113 الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل الله كمثل ~~حبة، وقيل: مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل باذر حبة ليطابق الممثل ~~للممثل به فههنا أربعة أمور: منفق، ونفقة، وباذر، وبذر، فذكر سبحانه من كل ~~شق أهم قسميه فذكر من شق الممثل المنفق، إذ المقصود ذكر حاله وشأنه وسكت عن ~~ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها، وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو المحل ~~الذي حصلت فيه المضاعفة وترك ذكر الباذر لأن القرض لا يتعلق بذكره، فتأمل ~~هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان. # PageV01P157 # وهذا كثير من أمثال القرآن بل عامتها ترد على هذا النمط، ثم ختم الآية ~~باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها وهما الواسع العليم فلا يستبعد ~~العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطفه فإن المضاعف واسع العطاء واسع الغني ~~واسع الفضل ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق فإنه عليم ~~بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها فإن ~~كرمه وفضله تعالى لا يناقض حكمته بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته ويمنعه ~~من ليس من أهله بحكمته وعلمه. ثم ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 262] # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) # هذا بيان للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون في سبيله أي في مرضاته والطريق ~~الموصلة إليه ومن أنفعها سبيل الجهاد، وسبيل الله خاص وعام، والخاص جزء من ~~السبيل العام وأن لا يتبع صدقته بمن ولا أذى، فالمن نوعان. # أحدهما: من بقلبه من غير أن يصرح له بلسانه وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو ~~من نقصان شهود منة الله عليه في عطائه المال وحرمان غيره وتوفيقه للبذل ~~ومنع غيره منه فلله المنة عليه من كل وجه. فكيف يشهد قلبه منة لغيره؟. # والنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه ~~ويريه أنه اصطنعه وأنه أوجب ms114 عليه حقا وطوقه منة في عنقه فيقول: # أما أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده، قال سفيان: يقول: أعطيتك فما ~~شكرت. وقال عبد الرحمن بن زياد «1» : كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا ~~PageV01P158 # شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكن سلامك عنه، وكانوا يقولون: إذا ~~اصطنعتم صنيعة فانسوها وإذا أسدى إليكم صنيعة فلا تنسوها، وفي ذلك قيل: # وإن امرأ أهدى إلى صنيعة ... وذكرنيها مرة لبخيل # وقيل: صفوان من منح سائله ومن، ومن منع نائله وضن، وحظر الله على عباده ~~المن بالصنيعة واختص به صفة لنفسه لأنه من العباد تكدير وتعيير، ومن الله ~~سبحانه وتعالى إفضال وتذكير. # وأيضا فإنه هو المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط فهو المنعم على عبده ~~في الحقيقة، وأيضا فالامتنان استعباد، وكسر، وإذلال لمن يمن عليه ولا تصلح ~~العبودية والذل إلا لله. # وأيضا فالمنة أن يشهد المعطي أنه هو رب الفضل، والإنعام، وأنه ولي ~~النعمة، ومسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا لله، وأيضا فالمان بعطائه يشهد ~~نفسه مترفعا على الآخذ مستعليا عليه غنيا عنه عزيزا، ويشهد ذل الآخذ وحاجته ~~إليه وفاقته ولا ينبغي ذلك للعبد، وأيضا فإن المعطي قد تولى الله ثوابه ورد ~~عليه أضعاف ما أعطى فبقي عوض ما أعطى عند الله. فأي حق بقي له قبل الآخذ؟ ~~فإذا امتن عليه فقد ظلمه ظلما بينا، وادعى أن حقه في قبله. # ومن هنا والله أعلم بطلت صدقته بالمن فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع ~~الله وعوض تلك الصدقة عنده فلم يرض به، ولاحظ العوض من الآخذ والمعاملة ~~عنده فمن عليه بما أعطاه بطلت معاوضته مع الله ومعاملته له، فتأمل هذه ~~النصائح من الله لعباده ودلالته على ربوبيته، وإلهيته وحده، وأنه يبطل عمل ~~من نازعه في شيء من ربوبيته، وإلهيته لا إله غيره، ولا رب سواه. # ونبه بقوله: ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى على أن المن والأذى ولو ~~تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه، ولم يحصل له مقصود # PageV01P159 # الإنفاق، ولو أتى بالواو، وقال: ولا يتبعون ما ms115 أنفقوا منا ولا أذى لأوهمت ~~تقييد ذلك بالحال، وإذا كان المن، والأذى المتراخي مبطلا لأثر الإنفاق ~~مانعا من الثواب. فالمقارن أولى، وأحرى، وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء ~~فقال: لهم أجرهم عند ربهم وقرنه بالفاء في قوله تعالى: 2: # 274 الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ~~ربهم فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تفهم معنى ~~الشرط والجزاء وأنه مستحق بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو الصفة، فلما كان ~~هنا يقتضي بيان حصر المستحق للجزاء دون غيره جرد الخبر عن الفاء فإن المعنى ~~أن الذي ينفق ماله لله، ولا يمن ولا يؤذي هو الذي يستحق الأجر المذكور لا ~~الذي ينفق لغير الله، ويمن ويؤذي ينفقته فليس المقام مقام شرط وجزاء. بل ~~مقام بيان للمستحق دون غيره. # وفي الآية الأخرى ذكر الإنفاق بالليل والنهار سرا وعلانية. فذكر عموم ~~الأوقات، وعموم الأحوال فأتى بالفاء في الخبر ليدل على أن الإنفاق في أي ~~وقت وجد من ليل أو نهار وعلى أي حالة وجد من سر وعلانية. فإنه سبب الجزاء ~~على كل حال فليبادر إليه العبد ولا ينتظر به غير وقته وحاله ولا يؤخر نفقة ~~الليل إذا حضر إلى النهار، ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر بنفقة ~~العلانية وقت السر، ولا بنفقة السر وقت العلانية فإن نفقته في أي وقت وعلى ~~أي حال وجدت سبب لأجره وثوابه فتدبر هذه الأسرار في القرآن فلعلك تظفر بها ~~إذ تمر بك في التفاسير والمنة والفضل لله وحده لا شريك له ثم ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 263] # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) # فأخبر أن القول المعروف وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره. # والمغفرة وهي العفو عمن أساء إليك خير من الصدقة بالأذى. فالقول المعروف ~~إحسان. وصدقة بالقول والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة فهما نوعان من ~~أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها ولا ريب أن ~~حسنتين خير من حسنة باطلة. ويدخل في المغفرة # PageV01P160 # مغفرة ms116 للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى لك بسبب رده فيكون عفوه عنه ~~خيرا من أن يتصدق عليه ويؤذيه. هذا على المشهور من القولين في الآية، ~~والقول الثاني: أن المغفرة من الله أي مغفرة لكم من الله بسبب القول ~~المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى، وفيها قول ثالث أي مغفرة ~~وعفو من السائل إذ رد وتعذر المسؤول خير من أن ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى. ~~وأوضح الأقوال هو الأول ويليه الثاني والثالث ضعيف جدا لأن الخطاب إنما هو ~~للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ. والمعنى: أن قول المعروف له والتجاوز ~~والعفو خير لك من أن تصدق عليه وتؤذيه، ثم ختم الآية بصفتين مناسبتين لما ~~تضمنته فقال: والله غني حليم وفيه معنيان. # أحدهما: إن الله غني عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم وإنما الحظ الأوفر لكم ~~في الصدقة فنفعها عائد عليكم لا إليه سبحانه وتعالى فكيف يمن بنفقته ويؤذي ~~مع غني الله التام عنها وعن كل ما سواه ومع هذا فهو حليم إذ لم يعاجل المان ~~بالعقوبة. وفي ضمن هذا: الوعيد والتحذير. # والمعنى الثاني: أنه سبحانه وتعالى مع غناه التام من كل وجه فهو الموصوف ~~بالحلم والتجاوز، والصفح مع عطائه وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه، ~~وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره، ثم ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 264] # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(264) # فتضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة، وهذا دليل على أن ~~الحسنة قد تحبط بالسيئة مع قوله تعالى: 49: 2 يا أيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. # وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أول هذه الرسالة فلا حاجة إلى # PageV01P161 # إعادته وقد يقال: إن المن والأذى ms117 المقارن للصدقة هو الذي يبطلها دون أن ~~يلحقها بعدها إلا أنه ليس في اللفظ ما يدل على هذا التقييد والسياق يدل على ~~إبطالها به مطلقا، وقد يقال: تمثيله بالمرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم ~~الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياء وعدم الإيمان فإن ~~الرياء لو تأخر عن العمل لم يبطله، ويجاب عن هذا بجوابين: # أحدهما: أن التشبيه وقع في الحال التي يحبط بها العمل وهي حال المرائي ~~والمان المؤذي في أن كل واحد منهما يحبط العمل. # الثاني: أن الرياء لا يكون إلا مقارنا للعمل لأنه فعال من الرؤيا التي ~~صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيا وهذا بخلاف المن والأذى فإنه ~~يكون مقارنا ومتراخيا وتراخيه أكثر من مقارنته. # وقوله: «كالذي ينفق» إما أن يكون المعنى كإبطال الذي ينفق فيكون قد شبه ~~الأبطال بالأبطال أو المعنى لا تكونوا كالذي ينفق ماله رئاء الناس فيكون ~~تشبيها للمنفق بالمنفق. # وقوله: «فمثله» أي مثل هذا المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته كمثل صفوان وهو ~~الحجر الأملس وفيه قولان: أحدهما: أنه واحد. والثاني: جمع صفوة عليه تراب ~~فأصابه وابل وهو المطر الشديد فتركه صلدا وهو الأملس الذي لا شيء عليه من ~~نبات ولا غيره. وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا ~~المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر، ~~لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة ~~بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه ~~بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر ~~فيتركه صلدا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله. وفيه معنى ~~آخر: وهو أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ~~ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب # PageV01P162 # الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ولكن وراء هذا الإنفاق مانع ~~يمنع من نموه وزكائه كما ms118 أن تحت التراب حجرا يمنع من نبات ما يبذر من الحب ~~فيه. فلا ينبت ولا يخرج شيئا. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 265] # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) # هذا مثل الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق. فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو ~~الإخلاص. والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل فإن المنفق يعترضه عند ~~إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية. إحداهما: طلبه ~~بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية. وهذا حال أكثر المنفقين، ~~والآفة الثانية: ضعف نفسه وتقاعسها وترددها. هل يفعل أم لا؟ فالآفة الأولى: ~~تزول بابتغاء مرضاة الله. والآفة الثانية: تزول بالتثبيت فإن تثبيت النفس ~~تشجعها وتقويتها والأقدام بها على البذل. وهذا هو صدقها وطلب مرضاة الله ~~إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة- ~~وهي البستان الكثير الأشجار- فهو مجتن بها أي مستتر ليس قاعا فارغا. والجنة ~~بربوة وهو المكان المرتفع، لأنها أكمل من الجنة التي بالوهاد والحضيض، ~~لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح. وكانت ضاحية للشمس وقت ~~طلوعها واستوائها وغروبها. فكانت انضج ثمرا وأطيبه وأحسنه وأكثره، فإن ~~الثمار تزداد طيبا وزكاء بالرياح والشمس، بخلاف الثمار التي تنشأ في ~~الضلال، وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة الماء ~~والشراب فقال تعالى: أصابها وابل وهو المطر الشديد العظيم القدر، فأدت ~~ثمرتها وأعطت بركتها، فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يثمر غيرها أو ضعفي ما كانت ~~تثمر بسبب ذلك الوابل. فهذا حال السابقين المقربين: # فإن لم يصبها وابل فطل فهو دون الوابل. فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب ~~مغرسها تكتفي في إخراج بركتها بالطل، وهذا حال الأبرار والمقتصدين في # PageV01P163 # النفقة، وهم درجات عند الله فأصحاب الوابل أعلاهم درجة، وهم الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة. وأصحاب الطلب مقتصدهم. # فمثل ms119 حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة بالوابل ~~والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاء ثمر الجنة ونحوه بالأضعاف، ~~فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة، بعد أن صدرت عن ابتغاء مرضاة الله ~~والتثبيت من نفوسهم، فهي زاكية عند الله نامية مضاعفة. # واختلف في الضعفين. فقيل: ضعفا الشيء مثلاه زائدا عليه، وضعفه مثله. # وقيل: ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله، وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله كلما ~~زاد ضعفا زاد مثلا، والذي حمل هذا القائل على ذلك فراره من استواء دلالة ~~المفرد والتثنية فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه فإذا زاد إلى ~~المثل صار مثلين، وهما الضعف. فلو قيل: لها ضعفان. لم يكن فرق بين المفرد ~~والمثنى. فالضعفان عنده مثلان مضافان إلى الأصل، ويلزم من هذا أن يكون ~~ثلاثة أضعافه ثلاثة أمثاله مضافة إلى الأصل. وهكذا أبدا. # والصواب: أن الضعفين هما مثلان فقط، الأصل ومثله. وعليه يدل قوله تعالى: ~~فآتت أكلها ضعفين أي مثلين، وقوله تعالى: 33: 30 يضاعف لها العذاب ضعفين أي ~~مثلين. ولهذا قال في الحسنات: # 33: 31 نؤتها أجرها مرتين. # وأما ما توهموه من استواء دلالة المفرد والتثنية فوهم منشؤه ظن أن الضعف ~~هو المثل مع الأصل، وليس كذلك، بل المثل له اعتباران: إن اعتبر وحده فهو ~~ضعف، وان اعتبر مع نظيره فهما ضعفان. والله أعلم. # واختلف في رافع قوله: فطل. # PageV01P164 # فقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، أي وطله يكفيها. # وقيل: خبر مبتدؤه محذوف تقديره. فالذي يرويها ويصيبها طل، والضمير في ~~أصابها إما أن يرجع إلى الجنة، أو إلى الربوة، وهما متلازمان. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 266] # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) # قال الحسن: هذا مثل، قل والله من يعقله من الناس: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر ~~صبيانه أفقر ما كان إلى جنته. وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى ms120 عمله إذا ~~انقطعت عنه الدنيا. # وفي صحيح البخاري عن عبيد بن عمير قال: قال عمر يوما لأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيم هم يرون هذه الآية نزلت: أيود أحدكم أن تكون له جنة من ~~نخيل الآية؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ~~ابن عباس: في نفسي شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: قل يا ابن أخي، ولا ~~تحقر بنفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: ~~لعمل رجل عمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق ~~أعماله. # فقوله تعالى: أيود أحدكم أخرجه مخرج الاستفهام الانكاري، وهو أبلغ من ~~النفي والنهي وألطف موقعا، كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا، فتقول له: لا ~~يفعل هذا عاقل، أيفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة؟ # وقال تعالى: أيود أحدكم بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام، كما تقول ~~أيفعل هذا أحد فيه خير؟ وهو أبلغ في الإنكار من أن يقول: أيودون. وقوله: ~~أيود أبلغ في الإنكار مما لو قيل: أيريد، لأن محبة هذا الحال المذكورة ~~وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد إرادتها. # PageV01P165 # وقوله تعالى: أن تكون له جنة من نخيل وأعناب خص هذين النوعين من الثمار ~~بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار، وأكثرها نفعا فإن منهما القوت والغذاء. ~~والدواء والشراب والفاكهة. والحلو والحامض، ويؤكلان رطبا، ويابسا، ~~ومنافعهما كثيرة جدا. # وقد اختلف في الأنفع والأفضل منهما. # فرجحت طائفة النخيل، ورجحت طائفة العنب، وذكرت كل طائفة حججا لقولها، ~~فذكرناها في غير هذا الموضع. # وفصل الخطاب: أن هذا يختلف باختلاف البلاد. فإن الله سبحانه وتعالى أجرى ~~العادة بأن سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر. # فالأرض التي يكون فيها سلطان النخيل لا يكون فيها العنب بها طائلا ولا ~~كثيرا. لأنه إنما يخرج في الأرض الرخوة اللينة المعتدلة غير السخية، فينمو ~~فيها ويكثر، وأما النخيل فنموه وكثرته في الأرض الحارة السبخة، وهي لا ~~تناسب العنب. فالنخل في أرضه وموضعه أنفع وأفضل من العنب ms121 فيها. # والعنب في أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. والله أعلم. # والمقصود: أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها. فالجنة ~~المشتملة عليهما أفضل الجنان، ومع هذا فالأنهار تجري تحت هذه الجنة. # وذلك أكمل لها وأعظم في قدرها، ومع ذلك فلم يعدم شيئا من أنواع الثمار ~~المشتهاة، بل فيها من كل الثمرات، ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب. ~~فلا تنافي بين كونها من نخيل وأعناب، وفيها من كل الثمرات. # ونظير هذا قوله تعالى: 18: 32، 33 واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب، وحففناهما بنخل، وجعلنا بينهما زرعا، كلتا الجنتين آتت ~~أكلها، ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر. # PageV01P166 # وقد قيل: إن الثمار في آية الكهف وفي آية البقرة المراد بها المنافع ~~والأموال والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها. لقوله في البقرة: # له فيها من كل الثمرات ثم قال تعالى: فأصابها أي الجنة إعصار فيه نار ~~فاحترقت وفي الكهف: وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وهي ~~خاوية على عروشها وما ذلك إلا ثمار الجنة. ثم قال تعالى: وأصابه الكبر هذا ~~إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته، وتعلق قلبه بها من وجوه. # أحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها. # الثاني: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه. # الثالث: أن له ذرية، فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته. # الرابع: أنهم ضعفاء، فهم كل عليه، لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم الخامس: أن ~~نفقتهم عليه، لضعفهم وعجزهم. # وهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة، لخطرها في نفسها، وشدة ~~حاجته وذريته إليها. فإذا تصورت هذا الحال وهذه الحاجة، فكيف تكون مصيبة ~~هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار، وهو الريح التي تستدير في الأرض ثم ترتفع ~~في طبقات الجو كالعمود وفيها نار، مرت بتلك الجنة فأحرقتها، وصيرتها رمادا، ~~فصدق والله الحسن- هذا مثل قل من يعقله من الناس- ولهذا نبه الله سبحانه ~~وتعالى على عظم هذا المثل، وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه ms122 ~~فقال تعالى: كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون. # فلو فكر العاقل في هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه فكذلك العبد ~~إذا عمل بطاعة الله ثم أتبعها بما يبطلها ويحرقها من معاصي الله كانت # PageV01P167 # كالإعصار ذي النار المحرق للجنة التي غرسها بطاعته وعمله الصالح. # فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره وتأمله كما ~~ينبغي لما سولت له نفسه والله إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها، ولكن لا بد ~~أن يغيب عنه علمه عند المعصية. ولهذا استحق اسم الجهل. فكل من عصى الله فهو ~~جاهل. # فإن قيل: الواو في قوله تعالى: وأصابه الكبر واو الحال أم واو العطف؟ ~~وإذا كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها؟. # قلت: فيه وجهان. # أحدهما: أنها واو الحال، اختاره الزمخشري، والمعنى: أيود أحدكم أن تكون ~~له جنة شأنها كذا وكذا في حال كبره وضعف ذريته. # والثاني: أن تكون للعطف على المعنى. فإن فعل التمني وهو قوله: # أيود أحدكم لطلب الماضي كثيرا. فكان المعنى: أيود لو كانت له جنة من نخيل ~~وأعناب وأصابه الكبر فجرى عليها ما ذكر. # وتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن ~~الإيمان: بالصفوان الذي عليه التراب، فإنه لم ينبت شيئا أصلا، بل ذهب بذره ~~ضائعا لعدم إيمانه وإخلاصه. ثم ضرب المثل لمن عمل بطاعة الله مخلصا بنيته ~~لله، ثم عرض له ما أبطل ثوابه: بالجنة التي هي من أحسن الجنان وأطيبها ~~وأزهرها. ثم سلط عليها الأعصار الناري فأحرقها. فإن هذا نبت له شيء وأثمر ~~له عمله، ثم أحرقه، والأول لم يحصل له شيء يدركه الحريق. # فتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء للصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 267] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن ~~الله غني حميد (267) # PageV01P168 # أضاف سبحانه الكسب إليهم، وإن كان هو الخالق لأفعالهم، لأنه فعلهم القائم ~~بهم، وأسند الإخراج إليه ms123 لأنه ليس فعلا لهم، ولا هو مقدورا لهم، فأضاف ~~مقدورهم إليهم وأضاف مفعوله الذي لا قدرة عليه إليه. ففي ضمنه الرد على من ~~سوى بين النوعين وسلب قدرة العبد وفعله وتأثيره عنه بالكلية. وخص سبحانه ~~هذين النوعين وهما الخارج من الأرض والحاصل بكسب التجارة دون غيرهما من ~~المواشي: إما بحسب الواقع فإنهما كانا أغلب أموال القوم إذ ذاك. فإن ~~المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب، والأنصار كانوا أصحاب حرث وزرع. فخص ~~هذين النوعين بالذكر لحاجتهم إلى بيان حكمهما وعموم وجودهما، وإما لأنهما ~~أصول الأموال وما عداهما فعنهما يكون ومنهما ينشأ فإن الكسب يدخل فيه ~~التجارات كلها على اختلاف أصنافها وأنواعها من الملابس والمطاعم والرقيق ~~والحيوانات والآلات والأمتعة وسائر ما تتعلق به التجارة، والخارج من الأرض ~~يتناول حبها وثمارها وركازها ومعدنها، وهذان هما أصول الأموال وأغلبها على ~~أهل الأرض، فكان ذكرهما أهم. # ثم قال: ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون فنهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء، ~~كما هو عادة أكثر النفوس: تمسك الجيد لها وتخرج الرديء للفقير. # ونهيه سبحانه عن قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك لا عن قصد ~~وتيمم، بل عن اتفاق إذ كان هو الحاضر إذ ذاك، أو كان ماله من جنسه. فإن هذا ~~لم يتيمم الخبيث بل تيمم إخراج بعض ما من الله به عليه. # وموقع قوله: منه تنفقون موقع الحال أي لا تقصدوه منفقين منه. # ثم قال: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه أي لو كنتم أنتم المستحقون له ~~وبذل لكم لم تأخذوه في حقوقكم إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه، من ~~قولهم: أغمض فلان عن بعض حقه. ويقال للبائع: # PageV01P169 # اغمض، أي لا تستقص. كأنك لا تبصر. وحقيقته: من إغماض الجفن، فكأن الرائي ~~لكراهته له لا يملأ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضا، ~~ومنه قول الشاعر: # لم يفتنا بالوتر قوم وللضي ... م رجال يرضون بالإغماض # وفيه معنيان: # أحدهما: كيف تبذلون لله وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم ولا ms124 يرضى أحدكم ~~من صاحبه أن يهديه له؟ والله أحق من يختار له خيار الأشياء وأنفسها. # والثاني: كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم، وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا ~~طيبا؟. # ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: واعلموا أن الله غني حميد ~~فغناه وحمده يأبيان قبوله الرديء، فإن قابل الرديء الخبيث إما أن يقبله ~~لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه ~~الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 268] # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله ~~واسع عليم (268) # هذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن ~~المعاني. فإنها اشتملت على بيان الداعي إلى البخل، والداعي إلى البذل ~~والإنفاق وبيان ما يدعو إليه داعي البخل، وما يدعو إليه داعي الإنفاق، ~~وبيان ما يدعو به داعي الأمرين. # فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان وأخبر أن دعوته ~~هي بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم. وهذا هو الداعي ~~الغالب على الخلق. فإن أحدهم يهم بالصدقة والبذل فيجد في قلبه # PageV01P170 # داعيا يقول له: متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه، وافتقرت إليه بعد ~~إخراجه، وإمساكه خير لك، حتى لا تبقى مثل الفقير، فغناك خير لك من غناه. ~~فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش. ~~وهذا إجماع من المفسرين: أن الفحشاء، هنا البخل. فهذا وعده وهذا أمره. وهو ~~الكاذب في وعده، الغار الفاجر في أمره. فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع ~~مغبون. فإنه يدلي من يدعوه بغروره. ثم يورده شر الموارد، كما قيل: # دلاهم بغرور، ثم أوردهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار # هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه، ولا نصيحة له، كما ينصح الرجل أخاه ~~ولا محبة في بقائه غنيا، بل لا شيء إليه من فقره وحاجته. وإنما وعده له ~~بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه، ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه، ~~فستوجب منه الحرمان. # وأما الله ms125 سبحانه إنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه، وفضلا بأن يخلف عليه ~~أكثر مما أنفق وأضعافه أما في الدنيا أو في الدنيا والآخرة. # فهذا وعد، الله وذاك وعد الشيطان. فلينظر البخيل والمنفق أي الوعدين هو ~~أوثق؟ وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه؟ والله يوفق من يشاء ويخذل من ~~يشاء. وهو الواسع العليم. # وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الأسمين والله واسع عليم فإنه واسع العطاء ~~عليم بمن يستحق فضله ومن يستحق عدله، فيعطي هذا بفضله، ويمنع هذا بعدله. ~~وهو بكل شيء عليم. # فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها فإن لها شأنا لا يعقله إلا ~~من عقل عن الله خطابه وفهم مراده 29: 43 وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون. # PageV01P171 # وتأمل ختم هذه السورة، التي هي سنام القرآن بأحكام الأموال وأقسام ~~الأغنياء وأحوالهم. وكيف قسمهم إلى ثلاثة أقسام: محسن، وهم المتصدقون. فذكر ~~جزاءهم ومضاعفته، ومالهم في قرض أموالهم للمليء الوفي سبحانه، ثم حذرهم مما ~~يبطل ثواب صدقاتهم ويحرقها بعد استوائها وكمالها من المن والأذى، وحذرهم ~~مما يمنع ترتب أثرها عليها ابتداء من الرياء. ثم أمرهم أن يتقربوا إليه ~~بأطيبها، ولا يتيمموا أردأها وخبيثها. ثم حذرهم من الاستجابة لداعي البخل ~~والفحش، وأخبر أن استجابتهم لدعوته سبحانه وثقتهم بوعده أولي بهم. وأخبر أن ~~هذا من حكمته التي يؤتيها من يشاء من عباده، وأن من أوتيها فقد أوتى خيرا ~~كثيرا: أوتي ما هو خير وأفضل من الدنيا كلها، لأنه سبحانه وصف الدنيا ~~بالقلة، فقال تعالى: قل متاع الدنيا قليل وقال تعالى: ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا فدل على أن ما يؤتيه الله عبده من حكمته خير له من الدنيا ~~وما عليها، ولا يعقل هذا كل أحد، بل لا يعقله إلا من له لب وعقل زكي. فقال ~~تعالى: # وما يذكر إلا أولوا الألباب. # ثم أخبر أن كل ما أنفقوه من نفقة أو تقربوا به إليه من نذر فإنه يعلمه، ~~فلا يضيع لديه، بل يعلم ما كان منه لوجهه فيتولى هو سبحانه ms126 مجازاته من واسع ~~فضله ويكل جزاء من عمل لغيره إلى من عمل له فإنه ظالم لنفسه وما له من ~~نصير. # ثم أخبر سبحانه عن أحوال المتصدقين لوجهه في صدقاتهم، وأنه يثيبهم عليها، ~~إن أبدوها أو كتموها بعد أن تكون خالصة، لوجهه فقال: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي أي فنعم شيء هي، وهذا مدح لها موصوفة بكونها ~~ظاهرة بادية، فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه، فيمنعه ذلك من إخراجها، ~~وينتظر بها الإخفاء، فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه، أو ~~بينه وبين إخراجها. فلا يؤخر صدقته العلانية بعد حضور وقتها إلى # PageV01P172 # وقت السر، وهذه كانت حال الصحابة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 271] # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر ~~عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) # فأخبر أن إعطاءها للفقير في خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها.. # وتأمل تقييده تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة، ولم يقل: وإن تخفوها ~~فهو خير لكم، فإن من الصدقة ما لم يكن إخفاؤه كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، ~~وإجراء نهر أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد: ~~الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس، وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناس ~~أن يده هي اليد السفلى، وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته. وهذا ~~قدر زائد عن الإحسان إليه بمجرد الصدقة، مع تضمنه الإخلاص، وعدم المراءاة ~~وطلب المحمدة من الناس، وكان إخفاؤها للفقير خيرا من إظهارها بين الناس، ~~ومن هذا مدح النبي صلى الله عليه وسلم صدقة السر وأثنى على فاعلها، وأخبر ~~أنه أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة. ولهذا جعله سبحانه ~~خيرا للمنفق، وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته. ولا يخفي عليه ~~سبحانه أعمالكم ولا نياتكم. فإنه بما تعملون خبير. # ثم أخبر أن هذا الإنفاق إنما نفعه لأنفسهم، يعود عليهم أحوج ما كانوا ~~إليه فكيف يبخل أحدكم عن نفسه بما نفعه مختص بها عائد إليها؟ وإن نفقة ~~المؤمنين إنما تكون ابتغاء وجهه ms127 خالصا. لأنها صادرة عن إيمانهم، وإن نفقتهم ~~ترجع إليهم وافية كاملة. ولا يظلم منها مثقال ذرة. # وصدر هذا الكلام بأن الله هو الهادي الموفق لمعاملته وإيثار مرضاته وأنه ~~ليس على رسوله هداهم. بل عليه إبلاغهم. وهو سبحانه الذي يوفق من يشاء ~~لمرضاته. # ثم ذكر المصرف الذي توضع فيه الصدقة، ### | [سورة البقرة (2) : آية 273] # للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم (273) # PageV01P173 # فوصفهم بست صفات: # إحداها: الفقر. # الثانية: حبسهم أنفسهم في سبيله تعالى وجهاد أعدائه، ونصر دينه، وأصل ~~الحصر: المنع، فمنعوا أنفسهم من تصرفها في أشغال الدنيا، وقصروها على بذلها ~~لله وفي سبيله. # الثالثة: عجزهم عن الأسفار للتكسب، والضرب في الأرض: هو السفر. قال ~~تعالى: 73: 20 علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من ~~فضل الله وقال تعالى: 4: 101 وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة. # الرابعة: شدة تعففهم. وهو حسن صبرهم، وإظهارهم الغنى. # يحسبهم الجاهل أغنياء من تعففهم، وعدم تعرضهم وكتمانهم حاجتهم. # الخامسة: أنهم يعرفون بسيماهم. وهي العلامة الدالة على حالتهم التي وصفهم ~~الله بها. وهذا لا ينافي حسبان الجاهل أنهم أغنياء، لأن الجاهل له ظاهر ~~الأمر، والعارف: هو المتوسم المتفرس الذي يعرف الناس بسيماهم. فالمتوسمون ~~خواص المؤمنين، كما قال تعالى 15: 75 إن في ذلك لآيات للمتوسمين. # السادسة: تركهم مسألة الناس، فلا يسألونهم إلحافا والإلحاف: هو الإلحاح ~~والنفي متسلط عليهما معا، أي لا يسألون ولا يلحفون. فليس يقع منهم سؤال ~~يكون بسببه إلحاف. وهذا كقوله على لا حب لا يهتدي لمناره أي ليس فيه منار ~~فيهتدي به. وفيه كالتنبيه على أن المذموم من السؤال: هو سؤال الإلحاف. فأما ~~السؤال بقدر الضرورة من غير إلحاف فالأفضل تركه ولا يحرم. # PageV01P174 # فهذه ست صفات للمستحقين للصدقة فألغاها أكثر الناس ولحظوا منها ظاهر ~~الفقر، وزيه من غير حقيقته. وأما سائر الصفات المذكورة فعزيز أهلها، ومن ~~يعرفهم ms128 أعز. والله يختص بتوفيقه من يشاء فهؤلاء هم المحسنون في أموالهم. # القسم الثاني: الظالمون، وهم ضد هؤلاء، وهم الذين يذبحون المحتاج المضطر. ~~فإذا دعته الحاجة إليهم لم ينفسوا كربته إلا بزيادة على ما يبذلونه له. وهم ~~أهل الربا. فذكرهم تعالى بعد هذا فقال: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 278] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ~~(278) # فصدر الآية بالأمر بتقواه المضادة للربا، وأمر بترك ما بقي من الربا بعد ~~نزول الآية، وعفا لهم عما قبضوه به قبل التحريم، ولولا ذلك لردوا ما قبضوه ~~به قبل التحريم، وعلق هذا الامتثال على وجود الإيمان منهم. والمعلق على شرط ~~منتف عند انتفائه. ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده. وهي محاربة ~~المرابي لله ورسوله، ### | [سورة البقرة (2) : آية 279] # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) # ففي ضمن هذا الوعيد: أن المرابي محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه. ~~ولم يجيء هذا الوعيد في كبيرة سوى الربا، وقطع الطريق، والسعي في الأرض ~~بالفساد، لأن كل واحد منهما مفسد في الأرض قاطع الطريق على الناس: هذا ~~بقهره لهم وتسلطه عليهم. وهذا بامتناعه من تفريح كرباتهم إلا بتحميلهم ~~كربات أشد منها. فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله. وأذن ~~هؤلاء إن لم يتركوا الربا بحربه وحرب رسوله. # ثم قال: وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله ~~منه، وقد عاقدتم عليه، فإنما لكم رؤوس أموالكم لا تزدادون عليها فتظلمون ~~الآخذ. ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها. فإن كان هذا القابض معسرا ~~فالواجب إنظاره إلى ميسرة. وإن تصدقتم عليه وأبرأتموه فهو # PageV01P175 # أفضل لكم وخير لكم. فإن أبت نفوسكم وشحت بالعدل الواجب أو الفضل المندوب ~~فذكروها يوما ترجعون فيه إلى الله وتلقون ربكم، فيوفيكم جزاء أعمالكم أحوج ~~ما أنتم إليه. # فذكر سبحانه المحسن وهو المتصدق ثم عقبه بالظالم وهو المرابي. # ثم ذكر العادل في آية التداين ### | [سورة البقرة (2) : آية ms129 282] # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) # ولولا أن هذه الآية تستدعي سفرا وحدها لذكرت بعض تفسيرها. # والغرض إنما هو التنبيه والإشارة، وقد ذكر أيضا العادل، وهو آخذ رأس ماله ~~من غريمه بلا زيادة ولا نقصان. # ثم ختم السورة بهذه الخاتمة العظيمة، التي هي من كنز تحت عرشه. # والشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه، وفيها من العلوم والمعارف وقواعد ~~الإسلام وأصول الإيمان، ومقامات الإحسان ما يستدعي بيانه كتابا مفردا. # PageV01P176 ### | سورة آل عمران # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة آل عمران (3) : آية 18] # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم (18) # تضمنت هذه الآية الكريمة: إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع هذه ~~الطوائف- التي ### | فصل # عقائدها الباطلة قبل هذا- والشهادة ببطلان أقوالهم، ومذاهبهم. وهذا إنما ~~يتبين بعد فهم الآية، ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية، والحقائق ~~الإيمانية. # فتضمنت هذه الآية: أجل شهادة وأعظمها، وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد، بأجل ~~مشهود. # وعبارات السلف في «شهد» تدور على: الحكم والقضاء، والإعلام والبيان ~~والإخبار. # قال مجاهد: حكم وقضى. وقال الزجاج: بين. وقالت طائفة: أعلم وأخبر. # وهذه الأقوال كلها حق، لا تنافي بينها. فإن الشهادة تتضمن ms130 كلام الشاهد، ~~وخبره وقوله: وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه. فلها أربع مراتب: # PageV01P177 # فأول مراتبها: علم ومعرفة، واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. # وثانيها: تكلمه بذلك ونطقه به. وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم هو به مع ~~نفسه، ويذكرها وينطق بها، أو يكتبها. # وثالثها: أن يعلم غيره بما شهد به، وبخبره به، ويبينه له. # ورابعها: أن يلزمه بمضمونها، ويأمره به. # فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية، والقيام بالقسط: تضمنت هذه المراتب ~~الأربع: علم الله سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه، وإخباره خلقه به، ~~وأمرهم وإلزامهم به. # أما مرتبة العلم: فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة، وإلا كان الشاهد ~~شاهدا بما لا علم له به. قال الله تعالى: 43: 86 شهد بالحق وهم يعلمون # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على مثلها فاشهد» # وأشار إلى الشمس. # وأما مرتبة التكلم والخبر: فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به. # وإن لم يتلفظ بالشهادة. قال تعالى: 6: 150 قل هلم شهداءكم الذين يشهدون ~~أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم وقال تعالى: # 43: 19 وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، أشهدوا خلقهم؟ ستكتب ~~شهادتهم ويسئلون فجعل ذلك منهم شهادة، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة، ولم ~~يؤدوها عند غيرهم. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» «1» # وشهادة الزور: هي قول الزور، كما قال تعالى: 22: 31 واجتنبوا قول الزور: ~~حنفاء لله غير مشركين وعند هذه الآية # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» # فسمى قول الزور شهادة. وسمى الله تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة، قال ~~تعالى: PageV01P178 # 4: 135 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله ولو على ~~أنفسكم. فشهادة المرء على نفسه: هي إقرار المرء على نفسه. # وفي الحديث الصحيح في قصة ما عز «فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم» # وقال تعالى: 7: 37الوا: شهدنا على أنفسنا، وغرتهم الحياة الدنيا. وشهدوا ~~على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. # وهذا وأضعافه يدل على أن الشاهد عند ms131 الحاكم وغيره لا يشترط في قبول ~~شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة، كما هو مذهب مالك وأهل المدينة، وظاهر كلام ~~أحمد. ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك. # وقد قال ابن عباس: «شهد عندي رجال مرضيون- وأرضاهم عندي عمر- أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ~~وبعد العصر حتى تغرب الشمس» # ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ الشهادة، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسلم بالجنة: لم يتلفظ في شهادته لهم بلفظ الشهادة، بل # قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة- ~~الحديث» . # وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ~~فقد دخل في الإسلام، وشهد شهادة الحق، ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة. ~~وقد دخل في # قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى يشهدوا: أن لا إله إلا الله» # وفي اللفظ الآخر: «حتى يقولوا: لا إله إلا الله» «1» # فدل على أن قولهم: # «لا إله إلا الله» شهادة منهم، وهذا أكثر من أن تذكر شواهده في الكتاب ~~والسنة. فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل يعتمد عليه. والله أعلم. # وأما مرتبة الإعلام والإخبار: فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل. ~~PageV01P179 # وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر: تارة يعلمه بقوله، وتارة بفعله. ولهذا كان ~~من جعل دارا مسجدا وفتح بابها لكل من دخل إليها، وأذن بالصلاة فيها- معلما ~~أنها وقف، وإن لم يتلفظ به. وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار- ~~معلما له ولغيره: أنه يحبه، وإن لم يتلفظ بقوله. وكذلك بالعكس. # وكذلك شهادة الرب جل جلاله وبيانه وإعلامه: يكون بقوله تارة، وبفعله تارة ~~أخرى. # فالقول: هو ما أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، مما قد علم بالاضطرار: أن ~~جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو. وأخبر بذلك. ~~وأمر عباده أن يشهدوا به. # وشهادته سبحانه: «أنه لا إله إلا هو» معلومة من جهة كل من بلغ عنه ms132 كلامه. # وأما بيانه وإعلامه بفعله: فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على ~~وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة. # وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ الشهادة، كما يستعمل فيه لفظ الدلالة، والإرشاد ~~والبيان، فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره، كما يبينه الشاهد والمخبر ~~بل قد يكون البيان بالفعل أظهر وأبلغ. وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا له ~~وكلاما، لقيامه مقامه، وأدائه مؤداه. كما قيل: # وقالت العينان: سمعا وطاعة ... وحدرتا بالدر لما يثقب # وقال الآخر: # شكا إلي جملي طول السرى ... صبرا جميلي، فكلانا مبتلى # وقال الآخر: # امتلأ الحوض، وقال: قطني ... مهلا رويدا، قد ملأت بطني # PageV01P180 # ويسمى هذا شهادة أيضا، كما في قوله تعالى: 9: 17 ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر فهذه شهادة منهم على أنفسهم ~~بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله، فهي شهادة بكفرهم، وهم شاهدون على ~~أنفسهم بما شهدت بها عليهم. # والمقصود: أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه. فإن ~~دلالتها إنما هي بخلقه وجعله، ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما ~~شهدت به آياته الخلقية، فتتطابقت شهادة القول وشهادة الفعل، كما قال تعالى: ~~41: 53 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق أي أن ~~القرآن هو الحق. فأخبر أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته ~~القولية الكلامية. # وهذه الشهادة الفعلية: قد ذكرها غير واحد من أئمة العربية والتفسير. # قال ابن كيسان «1» : شهد الله بتدبيره العجيب، وأموره المحكمة عند خلقه: # أنه لا إله إلا هو. ### | ### | فصل # # وأما المرتبة الرابعة: وهي الأمر بذلك والإلزام به، وإن كان مجرد الشهادة ~~لا يستلزمه، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه، وتتضمنه. # فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به، وقضى وأمر، وألزم عباده به كما قال ~~تعالى: 17: 23 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وقال تعالى: # 16: 51 وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد وقال تعالى: ~~98: 5 وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وقال تعالى: 17: 22 لا ms133 ~~تجعل مع الله إلها آخر وقال تعالى: 26: 213 PageV01P181 # فلا تدع مع الله إلها آخر والقرآن كله شاهد بذلك. # ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنه إذا شهد: «أنه لا إله إلا هو» فقد ~~أخبر، وبين، وأعلم وحكم وقضى: أن ما سواه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه أبطل ~~الباطل، وإثباتها أظلم الظلم. فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية ~~لغيره. وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها، والنهي عن اتخاذ غيره معه ~~إلها. وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلا ~~يستفتي، أو يستشهد، أو يستطب من ليس أهلا لذلك، ويدع من هو أهل، فتقول له: ~~هذا ليس بمفت، ولا شاهد، ولا طبيب، المفتي فلان، والشاهد فلان، والطبيب ~~فلان. فإن هذا أمر منك ونهي. # وأيضا فإن الآية دلت أنه وحده هو المستحق للعبادة. فإذا أخبر أنه وحده ~~المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه ~~الرب تعالى عليهم، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم. فإذا شهد سبحانه أنه ~~لا إله إلا هو تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده. # وأيضا: فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية، ويقال للجمل ~~الخبرية: قضية وحكم وقد حكم فيها بكيت وكيت. قال تعالى: # 37: 151- 154 ألا إنهم من إفكهم ليقولون: ولد الله وإنهم لكاذبون. أصطفى ~~البنات على البنين؟ ما لكم كيف تحكمون؟ لكن هذا حكم لا إلزام معه، والحكم ~~والقضاء بأنه لا إله إلا هو: متضمن للإلزام. والله سبحانه أعلم. ### | ### | فصل # # وقوله تعالى: قائما بالقسط. # «القسط» هو العدل. فشهد سبحانه أنه قائم بالعدل في توحيده، وبالوحدانية ~~في عدله. والتوحيد والعدل: هما جماع صفات الكمال. فإن التوحيد يتضمن تفرده ~~سبحانه بالكمال والجلال، والمجد والتعظيم الذي لا # PageV01P182 # ينبغي لأحد سواه. والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها على السداد والصواب، ~~وموافقة الحكمة. # فهذا توحيد الرسل وعدلهم: إثبات حقائق الأسماء والصفات على ما يليق بالرب ~~سبحانه، والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وإثبات القدر، والحكم ~~والغايات المحمودة بفعله وأمره، لا توحيد الجهمية والمعتزلة والقدرية. ms134 الذي ~~هو إنكار الصفات، وحقائق الأسماء الحسنى، وعدلهم، الذي هو التكذيب بالقدر، ~~أو نفي الحكم والغايات والعواقب الحميدة التي يفعل الرب لأجلها ويأمر. # وقيامه سبحانه بالقسط في شهادته: يتضمن أمورا. # أحدها: أنه قائم بالقسط في هذه الشهادة التي هي أعدل شهادة على الإطلاق، ~~وإنكارها وجحودها أظلم الظلم على الإطلاق. فلا أعدل من توحيد الرسل، ولا ~~أظلم من الشرك. فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا، حيث شهد ~~بها وأخبر، وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها، وألزمهم بمقتضاها، وحكم ~~به، وجعل الثواب والعقاب عليها، وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها. # فالدين كله من حقوقها. والثواب كله عليها. والعقاب كله على تركها. وهذا ~~هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة. # فأوامره كلها تكميل لها. وأمر بأداء حقوقها. ونواهيه كلها صيانة لها عما ~~يهدمها ويضادها. # وثوابه كلها عليها. وعقابه على تركها، وترك حقوقها. # وخلقه السموات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها. # وهي الحق الذي خلقت به المخلوقات. وضدها: هو الباطل والعبث الذي نزه الله ~~نفسه عنه، وأخبر أنه لم يخلق به السموات والأرض. # PageV01P183 # قال تعالى ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة 38: 27 وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا. ذلك ظن الذين كفروا. فويل للذين كفروا من ~~النار وقال تعالى: 46: 1- 3 حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. ما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى. والذين كفروا عما ~~أنذروا معرضون وقال تعالى: 10: 5 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا. ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب. ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل ~~الآيات لقوم يعلمون وقال تعالى: # 30: 8 أولم يتفكروا في أنفسهم؟ ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وأجل مسمى، وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون وقال تعالى: ~~15: 85 وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا ~~بالحق وهذا كثير في القرآن. # والحق الذي خلقت به السموات والأرض، ولأجله: هو التوحيد وحقوقه: من الأمر ~~والنهي. والثواب والعقاب، والشرع ms135 والقدر، والخلق، والثواب والعقاب: قائم ~~بالعدل. والتوحيد صادر عنهما. وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب ~~سبحانه وتعالى. قال تعالى حكاية عن نبيه هود أنه قال: 11: 56 إني توكلت على ~~الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها. إن ربي على صراط مستقيم # فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله. فهو يقول الحق ويفعل العدل: ~~6: 115 وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم 33: 4 ~~والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. # فالصراط المستقيم الذي عليه ربنا تبارك وتعالى: هو مقتضي التوحيد والعدل. ~~قال تعالى: 16: 76 وضرب الله مثلا: رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء، وهو ~~كل على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو ~~على صراط مستقيم. # PageV01P184 # والصنم مثل العبد الذي هو كل على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير. # والمقصود: أن قوله تعالى قائما بالقسط:: هو كقوله: إن ربي على صراط ~~مستقيم. # وقوله: قائما بالقسط: نصب على الحال. وفيه وجهان. # أحدهما: أنه حال من الفاعل في «شهد الله» والعامل فيه معنى الفعل. ~~والمعنى على هذا على هذا: شهد الله حال قيامه بالقسط: أنه لا إله إلا هو. # والثاني: أنه حال من قوله: «هو» والعامل فيها معنى النفي، أي لا إله إلا ~~هو حال كونه قائما بالقسط. # وبين التقديرين فرق ظاهر. فإن التقدير الأول يتضمن أن المعنى: شهد الله ~~متكلما بالعدل به، آمرا به، فاعلا له، مجازيا عليه: أنه لا إله إلا هو. # فإن العدل يكون في القول والفعل، و «المقسط» هو العادل في قوله وفعله. # فشهد الله قائما بالعدل قولا وفعلا: أنه لا إله إلا هو. وفي ذلك تحقيق ~~لكون هذه الشهادة شهادة عدل وقسط. وهي أعدل شهادة، كما أن المشهود به أعدل ~~الشيء، وأصحه وأحقه. # وذكر ابن السائب وغيره في سبب نزول الآية: ما يشهد بذلك. وهو «أن حبرين ~~من أحبار الشام قدما على النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أبصرا المدينة، ~~قال أحدهما لصاحبه: ms136 ما أشبه هذه المدينة بمدينة النبي الذي يخرج في آخر ~~الزمان. فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم قالا له: أنت محمد؟ قال: ~~نعم قالا: # وأحمد؟ قال: نعم. قالا: نسألك عن شهادة. فإن أخبرتنا بها آمنا بك. # قال سلاني. قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت: شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو الآية» . # PageV01P185 # وإذا كان القيام بالقسط يكون في القول والفعل: كان المعنى: أنه كان ~~سبحانه يشهد، وهو قائم بالعدل عالم به، لا بالظلم. فإن هذه الشهادة تضمنت ~~قولا وعملا. فإنها تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده دون غيره، وأن ~~الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء. وأن الذين أشركوا به غيره: هم ~~الضالون الأشقياء. فإذا شهد قائما بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة، ~~وجزاء المشركين بالنار: كان هذا من تمام موجب الشهادة، وتحقيقها. وكان ~~قوله: «قائما بالقسط» تنبيها على جزاء الشاهد بها والجاحد لها. والله أعلم. ### | ### | فصل # # وأما التقدير الثاني- وهو أن يكون قوله: «قائما» حالا مما بعد «إلا» - ~~فالمعنى: أنه لا إله إلا هو قائما بالعدل. فهو وحده المستحق الإلهية، مع ~~كونه قائما بالقسط. # قال شيخنا: وهذا التقدير أرجح. فإنه يتضمن أن الملائكة وأولي العلم، ~~يشهدون له بأنه لا إله إلا هو، وأنه قائم بالقسط. # قلت: مراده: أنه إذا كان قوله: «قائما بالقسط» حالا من المشهود به: فهو ~~كالصفة له. فإن الحال صفة في المعنى لصاحبها. فإذا وقعت الشهادة على ذي ~~الحال وصاحبها، كان كلاهما مشهودا به. فيكون الملائكة وأولوا العلم قد ~~شهدوا بأنه قائم بالقسط، كما شهدوا بأنه لا إله إلا هو. # والتقدير الأول لا يتضمن ذلك. فإنه إذا كان التقدير: شهد الله قائما ~~بالقسط: أنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم يشهدون أنه لا إله إلا ~~هو- كان القيام بالقسط حالا من اسم الله وحده. # وأيضا: فكونه قائما بالقسط فيما شهد به أبلغ من كونه حالا من مجرد ~~الشهادة. # PageV01P186 # فإن قيل: فإذا كان حالا من «هو» فهلا اقترن به؟ ولم فصل بين صاحب ms137 الحال ~~وبينها بالمعطوف، فجاء متوسطا بين صاحب الحال وبينها؟. # قلت: فائدته ظاهرة. فإنه لو قال: شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما ~~بالقسط والملائكة وأولو العلم- أو هم عطف الملائكة وأولي العلم على الضمير ~~في قوله «قائما بالقسط» ويحسن العطف لأجل الفصل. وليس المعنى على ذلك قطعا. ~~وإنما المعنى على خلافه. وهو أن قيامه بالقسط مختص به كما أنه مختص ~~بالإلهية. فهو وحده الإله المعبود المستحق للعبادة. وهو وحده المجازي ~~المثيب المعاقب بالعدل. # قوله: «لا إله إلا هو» ذكر محمد بن جرير الطبري «1» أنه قال: الأولى وصف ~~وتوحيد. والثانية: رسم وتعليم، أي قولوا: لا إله إلا هو. # ومعنى هذا: أن الأولى تضمنت أن الله سبحانه شهد بها وأخبر بها. # والتالي للقرآن إنما يخبر عن شهادة الله، لا عن شهادته هو. وليس في ذلك ~~شهادة من التالي نفسه، فأعاد سبحانه ذكرها مجردة ليقولها التالي. فيكون ~~شاهدا هو بها أيضا. # وأيضا: فالأولى خبر عن الشهادة بالتوحيد. والثانية خبر عن نفس التوحيد ~~وختم بقوله: «العزيز الحكيم» فتضمنت الآية توحيده وعدله، وعزته وحكمته. ~~PageV01P187 # فالتوحيد يتضمن ثبوت صفات كماله، ونعوت جلاله، وعدم المماثل له فيها، ~~وعبادته وحده لا شريك له. # والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها، وتنزيلها منازلها، وأنه لم يخص شيئا ~~منها إلا بمخصص اقتضى ذلك، وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة، ولا يمنع من ~~يستحق العطاء، وان كان هو الذي جعله مستحقا. # والعزة تتضمن كمال قدرته، وقوته وقهره. # والحكمة تتضمن كمال علمه وخبرته، وأنه أمر ونهي، وخلق وقدر، لما له في ~~ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد. # فاسمه «العزيز» يتضمن الملك. واسمه «الحكيم» يتضمن الحمد. # وأول الآية يتضمن التوحيد، وذلك حقيقة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له. # له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» . # وذلك أفضل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيون من قبله. # و «الحكيم» الذي إذا أمر بأمر كان المأمور به حسنا في نفسه، وإذا نهى عن ~~شيء كان المنهي ms138 عنه قبيحا في نفسه، وإذا أخبر بخبر كان صدقا، وإذا فعل فعلا ~~كان صوابا. وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره. # وهذا الوصف على الكمال: لا يكون إلا لله وحده. # فتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة وحدانيته المنافية للشرك، وعدله المنافي ~~للظلم، وعزته المنافية للعجز، وحكمته المنافية للجهل والعيب. # ففيها: الشهادة له بالتوحيد والعدل والقوة، والعلم والحكمة، ولهذا كانت ~~أعظم شهادة. # ولا يقوم بهذه الشهادة على وجهها من جميع الطوائف. إلا أهل السنة، وسائر ~~طوائف أهل البدع لا يقومون بها. # PageV01P188 # فالفلاسفة أشد الناس إنكارا لها، وجحودا لمضمونها من أولها إلى آخرها. # وطوائف الاتحادية: هم أبعد خلق الله منها من كل وجه. # وطائفة الجهمية: تنكر حقيقتها من وجوه. # منها: أن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة له واشتياقا إليه، وإنابة. # وعندهم: أن الله لا يحب، ولا يحب. # ومنها: أن الشهادة كلامه وخبره عما شهد به. وهو عندهم: لا يقول ولا ~~يتكلم، ولا يشهد ولا يخبر. # ومنها: أنها تضمنت مباينته لخلقه بذاته وصفاته وعند فرعونيهم: أنه لا ~~يباين الخلق ولا يحايثهم، وليس فوق العرش إله يعبد، ولا رب يصلى له ويسجد. ~~وعند حلوليتهم: أنه حال في كل مكان بذاته، حتى في الأمكنة التي يستحي من ~~ذكرها. فهؤلاء الجهمية، وأولئك نفاتهم. # ومنها: أن قيامه بالقسط في أفعاله وأقواله. وعندهم: أنه لم يقم به فعل، ~~في مقدوره ما يكون ظلما ولا قسطا، بل الظلم عندهم: هو المحال الممتنع ~~لذاته. والقسط: هو الممكن. فنزه نفسه سبحانه- على قولهم- عن المحال الممتنع ~~لذاته، الذي لا يدخل تحت القدرة. # ومنها: أن العزة هي القوة والقدرة. وعندهم: لا يقوم به صفة. # ومنها: أن الحكمة هي الغاية التي يفعل لأجلها، وتكون هي المطلوبة بالفعل، ~~ويكون وجودها أولى من عدمها. وهذا عندهم ممتنع في حقه سبحانه وتعالى. فلا ~~يفعل لحكمة، ولا غاية لفعله ولا أمره. وما ثم إلا محض المشيئة المجردة عن ~~الحكمة والتعليل. # ومنها: أن الإله: هو الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى. وهو # PageV01P189 # الذي يفعل بقدرته، ومشيئته وحكمته. وهو الموصوف ms139 بالصفات والأفعال، المسمى ~~بالأسماء التي قامت به حقائقها ومعانيها. وهذا لا يثبته على الحقيقة إلا ~~أتباع الرسل، وهم أهل العدل والتوحيد على الحقيقة. ### | ### | فصل # # فالجهمية والمعتزلة تزعم أن ذاته لا تحب. ووجهه لا يراد، ولا يلتذ بالنظر ~~إليه، ولا تشتاق القلوب إليه، فهم في الحقيقة منكرون لإلهيته. # والقدرية: تنكر دخول أفعال الملائكة والجن والإنس وسائر الحيوان تحت ~~قدرته ومشيئته وخلقه. فهم منكرون في الحقيقة لكمال عزته وملكه. # والجبرية: تنكر حكمته، وأن يكون له في أفعاله وأوامره غاية يفعل ويأمر ~~لأجلها. فهم منكرون في الحقيقة لحكمته وحمده. # وأتباع ابن سينا والنصير الطوسي وفروخهما: ينكرون أن يكون ربهم ماهية غير ~~الوجود المطلق، وأن يكون له وصف ثبوتي زائد على ماهية الوجود. فهم في ~~الحقيقة منكرون لذات ربنا وصفاته وأفعاله، لا يتحاشون من ذلك. # والاتحادية: أدهى وأمر. فإنهم رفعوا القواعد من الأصل، وقالوا: ما ثم ~~وجود خالق ووجود مخلوق، بل الخلق المشبه هو عين الحق المنزه، كل ذلك من عين ~~واحدة، بل هو العين الواحدة. # فهذه الشهادة العظيمة: كل هؤلاء هم بها غير قائمين. وهي متضمنة لإبطال ما ~~هم عليه ورده، كما تضمنت إبطال ما عليه المشركون ورده. وهي مبطلة لقول ~~طائفتي الشرك والتعطيل. ولا يقوم بهذه الشهادة إلا أهل التوحيد والإثبات ~~الذين يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة ~~المخلوقات، ويعبدونه وحده لا يشركون به شيئا. # PageV01P190 ### | ### | فصل # # وإذا كانت شهادته سبحانه تتضمن بيانه لعباده، ودلالتهم وتعريفهم لما شهد ~~به، وإلا فلو شهد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها لم ينتفعوا بها، ولم يقم ~~عليهم بها الحجة، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة، ولم ~~يبينها. بل كتمها: لم ينتفع بها أحد، ولم تقم بها حجة. # وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان ~~بطرق ثلاثة: السمع، والبصر، والعقل. # أما السمع: فبسمع آياته المتلوة القولية، المتضمنة لإثبات صفات كماله. ~~ونعوت جلاله وعلوه على عرشه فوق سبع سماواته، وتكلمه بكتبه، وتكليمه ms140 لمن ~~يشاء من عباده تكلما وتكليما، حقيقة لا مجازا. # وفي هذا إبطال لقول من قال: إنه لم يرد من عباده ما دلت عليه آياته ~~السمعية: من إثبات معانيها، وحقائقها التي وضعت لها ألفاظها. فإن هذا ضد ~~البيان والأعلام. ويعود على مقصود الشهادة بالإبطال والكتمان. وقد ذم الله ~~من كتم شهادة عنده من الله. وأخبر أنه من أظلم الظالمين. # فإذا كانت عند العبد شهادة من الله تحقق ما جاء به رسوله من أعلام نبوته، ~~وتوحيد مرسله، وأن إبراهيم وأهل بيته كانوا على الإسلام كلهم، وكتم هذه ~~الشهادة- كان من أظلم الظالمين، كما فعله أعداء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من اليهود الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. # فكيف يظن بالله سبحانه أنه كتم الشهادة الحق التي يشهد بها الجهمية ~~والمعتزلة والمعطلة، ولا يشهد بها لنفسه ثم يشهد لنفسه بما يضادها ~~ويناقضها، ولا يجامعها بوجه ما؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. # فإن الله سبحانه شهد لنفسه بأنه استوى على العرش، وبأنه القاهر فوق ~~عباده، وبأن ملائكته يخافونه من فوقهم، وأن الملائكة تعرج إليه بالأمر، # PageV01P191 # وتنزل من عنده به، وأن العمل الصالح يصعد إليه، وأنه يأتي ويجيء، ويتكلم ~~ويرضى ويغضب ويحب وينادي، ويفرح ويضحك، وأنه يسمع ويبصر، وأنه يراه ~~المؤمنون بأبصارهم يوم لقائه- إلى غير ذلك مما شهد به لنفسه، وشهد له به ~~رسله، وشهدت له الجهمية بضد ذلك، وقالوا شهادتنا أصح وأعدل من شهادة ~~النصوص، فإن النصوص تضمنت كتمان الحق، وإظهار خلافه. فشهادة الرب تعالى ~~تكذب هؤلاء أشد التكذيب، وتتضمن أن الذي شهد به بينه وأوضحه وأظهره، حتى ~~جعله في أعلى مراتب الظهور والبيان، وأنه لو كان الحق فيما يقوله المعطلة ~~والجهمية لم يكن العباد قد انتفعوا بما شهد به سبحانه. فإن الحق الذي هو في ~~نفس الأمر عندهم لم يشهد الله به لنفسه، ولم يظهره ولم يوضحه. فليس بحق، ~~ولا يجوز أن يستفاد منه الحق واليقين. # وأما آياته العيانية الخلقية والنظر فيها، والاستدلال بها. فإنها تدل على ~~ما تدل عليه آياته القولية السمعية. ms141 وآيات الرب: هي دلائله وبراهينه التي ~~بها تعرف لعباده. فيها يعرفون أسماءه وصفاته، وتوحيده وأمره ونهيه. # فالرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به، وهو آياته القولية، ويستدلون على ~~ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك، وهي آياته العيانية. والعقل يجمع بين ~~هذه وهذه. فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتنفق شهادة السمع والبصر والعقل ~~والفطرة. # وهو سبحانه لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر، وإقامته ~~للحجة- لم يبعث نبيا من الأنبياء إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به. ~~قال تعالى: 57: 35 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وقال تعالى: 16: 43، 44 وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم، فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، بالبينات ~~والزبر وقال تعالى: 3: 183 قل: قد جاءكم رسل من قبلي # PageV01P192 # بالبينات وبالذي قلتم # وقال تعالى: 35: 25 وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم ~~بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير حتى أن من أخفى آيات الرسل: آيات هود حتى ~~قال له قومه يا هود ما جئتنا ببينة ومع هذا فبينته من أظهر البينات. وقد ~~أشار إليها بقوله 11: 54 إني أشهد الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون من ~~دونه، فكيدوني جميعا، ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فهذا من أعظم الآيات: أن ~~رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب، في غير جزع ولا فزع، ولا خور، بل ~~هو واثق بما قاله جازم به. قد أشهد الله أولا على براءته من دينهم وما هم ~~عليه، إشهاد واثق به، معتمد عليه، معلم لقومه أنه سبحانه وليه وناصره، وغير ~~مسلطهم عليه، ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة: أنه بريء من دينهم ~~وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون، ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها، ثم ~~أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم، واحتقارهم، وازدرائهم، وأنهم لو يجتمعون ~~كلهم على كيده، وشفاء غيظهم منه، ثم يعاجلونه ولا يمهلونه، وفي ضمن ذلك: ~~أنهم أضعف وأعجز ms142 وأقل من ذلك، وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين ~~مخذولين. # ثم قرر دعوته أحسن تقرير، وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو ~~وليه ووكيله، القائم بنصره وتأييده، وأنه على صراط مستقيم. فلا يخذل من ~~توكل عليه، وآمن به، ولا يشمت به أعداءه، ولا يكون معهم عليه. فإن صراطه ~~المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله: يمنع ذلك ويأباه. # وتحت هذا الخطاب: أن من صراطه المستقيم: أن ينتقم ممن خرج عنه، وعمل ~~بخلافه، وينزل به بأسه. فإن الصراط المستقيم: هو العدل الذي الرب تعالى ~~عليه. ومنه: انتقامه من أهل الشرك والإجرام، ونصره # PageV01P193 # أولياءه ورسله على أعدائهم، وأن يذهب بهم ويستخلف قوما غيرهم، ولا يضره ~~ذلك شيئا، وأنه القائم سبحانه على كل شيء: حفظا ورعاية وتدبيرا وإحصاء. # فأي آية وبرهان ودليل أحسن من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلتهم؟ وهي ~~شهادة من الله سبحانه لهم، بينها لعباده غاية البيان، وأظهرها لهم غاية ~~الإظهار، بقوله وفعله، # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «ما من نبي من الأنبياء إلا ~~وقد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا ~~أوحاه الله إلي. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» . # . ومن أسمائه تعالى «المؤمن» وهو في أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق ~~الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم. فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما ~~بلغوا عنه، وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم، قضاء ~~وخلقا. فإنه سبحانه أخبر، وخبره الصدق. وقوله الحق: # أنه لا بد أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية: ما يبين لهم أن ~~الوحي الذي بلغه رسوله حق. فقال تعالى 41: 53 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق أي القرآن. فإنه هو المتقدم في قوله 41: 52 ~~قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ثم قال 41: # 53 أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟. # فشهد سبحانه لرسوله بقوله: أن ما جاء به حق، ووعده أن ms143 يرى العباد من ~~آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا. # ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل، وهو شهادته سبحانه على كل شيء. فإن من ~~أسمائه «الشهيد» الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه، بل هو مطلع على كل ~~شيء مشاهد له، عليهم بتفاصيله. # وهذا الاستدلال بأسمائه وصفاته. والأول: استدلال بقوله وكلماته، ~~والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته. # PageV01P194 # فإن قلت: قد فهمت الاستدلال بكلماته، والاستدلال بمخلوقاته، فبين لي ~~كيفية الاستدلال بأسمائه وصفاته. فإن ذلك أمر لا عهد لنا به في تخاطبنا ~~وكتبنا. # قلت: أجل، وهو لعمر الله كما ذكرت، وشأنه أجل وأعلى. فإن الرب تعالى هو ~~المدلول عليه وآياته هي الدليل والبرهان. # فاعلم أن الله سبحانه- في الحقيقة- هو الدال على نفسه بآياته. فهو الدليل ~~لعباده في الحقيقة بما نصبه لهم من الدلالات والآيات. وقد أودع في الفطر ~~التي لم تتنجس بالتقليد والتعطيل والجحود: أنه سبحانه الكامل في أسمائه ~~وصفاته، وأنه الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل عيب ونقص. # فالكمال كله والجلال، والبهاء والعزة والعظمة والكبرياء: كله من لوازم ~~ذاته، يستحيل أن يكون على غيره ذلك. فالحياة كلها له، والعلم كله له، ~~والقدرة كلها له، والسمع، والبصر والإرادة، والمشيئة والرحمة، والغناء ~~والجود، والإحسان والبر: كله خاص له، قائم به. وما خفي على الخلق من كماله ~~أعظم وأعظم مما عرفوه منه، بل لا نسبة لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه. # ومن كماله المقدس: اطلاعه على كل شيء، وشهادته عليه. بحيث لا يغيب عنه ~~وجه من وجوه تفاصيله، ولا ذرة من ذراته باطنا وظاهرا. ومن هذا شأنه، كيف ~~يليق بالعباد أن يشركوا به غيره، وأن يعبدوا معه غيره، ويجعلوا معه إلها ~~آخر؟ وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما ~~الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك، ويؤيده ويعلي كلمته، ويرفع شأنه ويجيب ~~دعوته، ويهلك عدوه، ويظهر على يديه من الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله ~~قوى البشر؟ وهو مع ذلك كاذب عليه مفتر، ms144 ساع في الأرض بالفساد. # ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء، وقدرته على كل شيء، # PageV01P195 # وحكمته وعزته وكماله المقدس: يأبى ذلك كل الإباء. ومن ظن ذلك به وجوزه ~~عليه، فهو من أبعد الخلق عن معرفته، وإن عرف منه بعض صفاته كصفة القدرة، ~~وصفة المشيئة. # والقرآن مملوء من هذه الطريق. وهي طريق الخاصة، بل خاصة الخاصة، هم الذين ~~يستدلون بالله على أفعاله، وما يليق به أن يفعله، وما لا يفعله. # وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادي على ذلك. فيبديه ويعيده لمن له فهم، وقلب ~~واع عن الله. قال الله تعالى: 69: 44 ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا ~~منه باليمين 45 ثم لقطعنا منه الوتين 46 فما منكم من أحد عنه حاجزين 47 ~~أفلا تراه كيف يخبر سبحانه: أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول ~~عليه بعض الأقاويل، بل أن يجعله عبرة لعباده. كما جرت بذلك سنته في ~~المتقولين عليه. وقال تعالى: 42: 24 أم يقولون: افترى على الله كذبا. فإن ~~يشإ الله يختم على قلبك هاهنا انتهى جواب الشرط، ثم أخبر خبرا جازما غير ~~معلق ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته: أنه يمح الباطل ويحق الحق. # وقال تعالى: 6: 91 وما قدروا الله حق قدره، إذ قالوا: ما أنزل الله على ~~بشر من شيء فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره، ولا ~~عرفه كما ينبغي، ولا عظمة كما يستحق فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفترى ~~عليه، ويؤيده ويظهر على يديه الآيات والأدلة؟ وهذا في القرآن كثير جدا ~~يستدل بكماله المقدس، وأوصافه وجلاله على صدق رسله وعلى وعده ووعيده، ويدعو ~~عباده إلى ذلك، كما يستدل بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك ~~كما في قوله 59: 22- 23 هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، ~~هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز، الجبار، # PageV01P196 # المتكبر، سبحان الله عما يشركون # وأضعاف أضعاف ذلك في القرآن. # ويستدل سبحانه بأسمائه وصفاته على ms145 بطلان ما نسب إليه من الأحكام والشرائع ~~الباطلة، وأن كماله المقدس يمنع من شرعها، كقوله 7: 28 وإذا فعلوا فاحشة ~~قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء، ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون وقوله عقيب ما نهى عنه وحرمه من الشرك ~~والظلم والفواحش، والقول على الله بلا علم 17: 38 كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها فأعلمك أن ما كان سيئة في نفسه فهو سبحانه يكرهه، وكماله يأبى أن ~~يجعله شرعا له ودينا، فهو سبحانه يدل عباده بأسمائه وصفاته على ما يفعله ~~ويأمر به، ويحبه ويبغضه، ويثيب عليه ويعاقب عليه، ولكن هذه الطريقة لا يصل ~~إليها إلا خاصة الخاصة. فلذا كانت طريقة الجمهور والدلالات بالآيات ~~المشاهدة. فإنها أوسع وأسهل تناولا، والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض، ~~ويرفع درجات من يشاء وهو العليم الحكيم. # فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره. فإنه الدعوة والحجة، ~~وهو الدليل والمدلول عليه، وهو الشاهد والمشهود له، وهو الحكم والدليل، وهو ~~الدعوى والبينة. قال الله تعالى: 11: 13 أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه ~~شاهد منه أي من ربه وهو القرآن. وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله ~~له: 29: 50، 51 أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم؟ إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون. قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا، يعلم ما في ~~السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون. # فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله على رسوله يكفي من كل آية، ففيه ~~الحجة، والدلالة على أنه من الله، وأن الله سبحانه أرسل به رسوله. # وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة والنجاة من العذاب. ثم قال 29: # PageV01P197 # 52 قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض فإذا كان ~~سبحانه عالما بجميع الأشياء كانت شهادته أصدق شهادة وأعدلها. فإنها شهادة ~~بعلم تام محيط بالمشهود به. فيكون الشاهد به أعدل الشهداء وأصدقهم. # وهو سبحانه يذكر علمه عند شهادته، وقدرته وملكه ms146 عند مجازاته، وحكمته عند ~~خلقه وأمره، ورحمته عند ذكره إرسال رسله، وحلمه عند ذكر ذنوب عباده ~~ومعاصيهم، وسمعه عند دعائه ومسألته وعزته، وعلمه عند قضائه وقدرته. # فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابه وارتباطها بالخلق والأمر والثواب ~~والعقاب. ### | ### | فصل # # ومن هذا قوله تعالى: 14: 43 ويقول الذين كفروا: لست مرسلا. قل: كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب. # فاستشهد على رسالته بشهادة الله له. ولا بد أن تعلم هذه الشهادة، وتقوم ~~بها الحجة على المكذبين له. # وكذلك قوله 6: 19 قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله شهيد بيني وبينكم. # وكذلك قوله 4: 166 لكن الله يشهد بما أنزل إليك، أنزله بعلمه، والملائكة ~~يشهدون. وكفى بالله شهيدا. # وكذلك قوله 33: 1- 3 يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط ~~مستقيم. # وقوله 2: 252 تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق. وإنك لمن # PageV01P198 # المرسلين # وقوله 63: 2 والله يعلم إنك لرسوله وقوله 48: # 29 محمد رسول الله. # فهذا كله شهادة منه لرسوله. قد أظهرها وبينها، وبين صحتها غاية البيان، ~~بحيث قطع العذر بينه وبين عباده. وأقام الحجة عليهم. # فكونه سبحانه شاهدا لرسوله معلوم بسائر أنواع الأدلة: عقليها، ونقليها، ~~وفطريها، وضروريها، ونظريها. # ومن نظر في ذلك وتأمله علم أن الله سبحانه شهد لرسوله أصدق الشهادة ~~وأعدلها وأظهرها، وصدقه بسائر التصديق: بقوله الذي أقام به البراهين على ~~صدقه فيه، وبفعله وإقراره، وبما فطر عليه عباده، من الإقرار بكماله، ~~وتنزيهه عن القبائح، وعما لا يليق به. وكل وقت يحدث من الآيات الدالة على ~~صدق رسوله ما يقيم به الحجة، ويزيل به العذر، ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم ~~به من العز والنجاة، والظفر والتأييد. ويحكم على أعدائه ومكذبيه بما توعدهم ~~به من الخزي والنكال، والعقوبات المعجلة، الدالة على تحقيق العقوبات ~~المؤجلة 48: 28 هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. ~~وكفى بالله شهيدا فيظهره ظهورين: ظهورا بالحجة والبيان والدلالة، وظهورا ~~بالنظر والغلبة والتأييد، حتى يظهر على مخالفيه ويكون منصورا. # وقوله 4: 166 لكن الله يشهد بما أنزل إليك، أنزله ms147 بعلمه، والملائكة ~~يشهدون فما فيه من الخبر عن علم الله الذي لا يعلمه غيره من أعظم الشهادة ~~بأنه هو الذي أنزله، كما قال في الآية الأخرى 11: 13: # 14 أم يقولون: افتراه. قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله، وأن لا إله إلا هو. فهل أنتم مسلمون. # وليس المراد مجرد الإخبار بأنه أنزله، وأنه معلوم له، كما يعلم سائر # PageV01P199 # الأشياء. فإن كل شيء معلوم له سبحانه: من حق وباطل- وإنما المعنى: # إنزاله مشتملا على علمه. فنزوله مشتملا على علمه هو آية كونه من عنده، ~~وأنه حق وصدق. # ونظير هذا قوله 25: 6 قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ذكر ~~سبحانه ذلك تكذيبا وردا على من قاله: افتراه. ### | ### | فصل # # ومن شهادته أيضا: ما أودعه في قلوب عباده: من التصديق الجازم، واليقين ~~الثابت، والطمأنينة بكلامه ووحيه. # فإن العادة تحيل حصول ذلك بما هو من أعظم الكذب والافتراء على رب ~~العالمين، والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته، بل يوقع أعظم ~~الريب والشك، وتدفعه الفطر والعقول السليمة، كما تدفع الفطر التي فطر عليها ~~الحيوان الأغذية الخبيثة الضارة، التي لا تغذى، كالأبوال والأنتان. فإن ~~الله سبحانه فطر القلوب على قبول الحق، والانقياد له، والطمأنينة والسكون ~~إليه، ومحبته. وفطرها على بغض الكذب والباطل، والنفور عنه، والريبة به. ~~وعدم السكون إليه. ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت غيره. ولهذا ندب الله عز ~~وجل عباده إلى تدبر القرآن. فإن كل من تدبره أوجب له تدبره علما ضروريا ~~ويقينا جازما أنه حق وصدق، بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق. وأن الذي جاء به ~~أصدق خلق الله، وأبرهم، وأكملهم علما وعملا ومعرفة، كما قال تعالى: 4: 82 ~~أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~وقال تعالى: # 47: 24 أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فلو رفعت الأقفال عن ~~القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، ms148 وعلمت علما ~~ضروريا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية: من الفرح والألم، # PageV01P200 # والحب والخوف- أنه من عند الله تكلم به حقا، وبلغه رسوله جبريل عنه إلى ~~رسوله محمد. # فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد. وبه احتج هرقل على أبي سفيان حيث ~~قال له «فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ # فقال: لا. فقال له: وكذلك الايمان، إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه ~~أحد» . # وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله 29: 49 بل هو آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم وقوله 34: 6 ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك ~~من ربك هو الحق وقوله 22: 54 وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ~~فيؤمنوا به وقوله 13: 19 أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو ~~أعمى؟ وقوله 13: 27 ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن ~~الله يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب. # يعني أن الآية التي يقترحونها لا توجب هداية، بل الله هو الذي يهدي ويضل ~~ثم نبههم على أعظم آية وأجابها: وهي طمأنينة قلوب المؤمنين بذكر الله الذي ~~أنزله. فقال 13: 28 الذين آمنوا، وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب فطمأنينة القلوب الصحيحة، والفطر السليمة به. وسكونها إليها: ~~من أعظم الآيات، إذ يستحيل في العادة: أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب ~~والافتراء والباطل. # فإن قيل: فلم لم يذكر سبحانه شهادة رسله مع الملائكة. فقال: شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو والملائكة والرسل، وهم أعظم شهادة من أولي العلم؟. # قيل: في ذلك عدة فوائد: # أحدها: أن أولي العلم أعم من الرسل والأنبياء. فيدخلون هم وأتباعهم. # PageV01P201 # وثانيها: أن في ذكر أولي العلم في هذه الشهادة، وتعليقها بهم: ما يدل على ~~أنها من موجبات العلم. ومقتضياته، وأن من كان من أولي العلم، فإنه يشهد ~~بهذه الشهادة، كما يقال: إذا طلع الهلال، واتضح: كل من كان من أهل النظر ~~يراه. وإذا فاحت رائحة ظاهرة: كل من كان من أهل ms149 الشم يشم هذه الرائحة. قال ~~تعالى: 79: 36 وبرزت الجحيم لمن يرى كل من له رؤية يراها حينئذ عيانا. # ففي هذا بيان أن من لم يشهد له سبحانه بهذه الشهادة، فهو من أعظم الجهال ~~وإن علم من أمور الدنيا ما لم يعلمه غيره. فهو من أولي الجهل، لا من أولي ~~العلم. # وقد بينا أنه لم يقم بهذه الشهادة وأداها على وجهها إلا أتباع الرسل: # أهل الإثبات. فهم أولو العلم. وسائر من عداهم أولو الجهل، وإن وسعوا ~~القول وأكثروا الجدال. # ومنها: الشهادة من الله سبحانه لأهل هذه الشهادة: أنهم أولو العلم. # فشهادته سبحانه لهم أعدل وأصدق من شهادة الجهمية والمعطلة، والفرعونية ~~لهم: بأنهم جهال، وأنهم حشوية، وأنهم مشبهة، وأنهم مجسمة، ونوابت ونواصب. # فكفاهم شهادة أصدق الصادقين لهم: بأنهم من أولي العلم، إذ شهدوا له ~~بحقيقة ما شهد به لنفسه، من غير تحريف ولا تعطيل. وأثبتوا له حقيقة هذه ~~الشهادة بكل مضمونها. وخصومهم نفوا عنه حقائقها، وأثبتوا له ألفاظها ~~ومجازاتها. ### | ### | فصل # # وفي ضمن هذه الشهادة الإلهية: الثناء على أهل العلم الشاهدين بها ~~وتعديلهم. فإنه سبحانه قرن شهادتهم بشهادته، وشهادة ملائكته. واستشهد # PageV01P202 # بهم جل وعلا على أجل مشهود به، وجعلهم حجة على من أنكر هذه الشهادة، كما ~~يحتج بالبينة على من أنكر الحق. فالحجة قامت بالرسل على الخلق، وهؤلاء نواب ~~الرسل، وخلفاؤهم في إقامة حجج الله على العباد. ### | فصل # قد فسرت شهادة أولي العلم: بالإقرار. وفسرت بالتبيين والإظهار. # والصحيح: أنها تتضمن الأمرين. فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام، وهم شهداء ~~لله على الناس يوم القيامة. قال الله تعالى: 2: 142 وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا وقال تعالى: 22: 78 هو ~~سماكم المسلمين من قبل وفي هذا، ليكون الرسول شهيدا عليكم، وتكونوا شهداء ~~على الناس فأخبر أنه جعلهم عدولا خيارا، ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم، لما ~~سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة. فمن لم يقم ~~بهذه الشهادة علما وعملا ومعرفة، وإقرارا ودعوة، وتعليما وإرشادا، فليس ms150 من ~~شهداء الله. والله المستعان. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 19] # إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) # اختلف المفسرون: هل هو كلام مستأنف، أو داخل في مضمون هذه الشهادة. فهو ~~بعض المشهود به. # وهذا الاختلاف مبني على القراءتين في كسر «إن» وفتحها. فالأكثرون على ~~كسرها. على الاستئناف. وفتحها الكسائي وحده. # والوجه: هو الكسر. لأن الكلام الذي قبله قد تم. فالجملة الثانية: # مقررة مؤكدة لمضمون ما قبلها. وهذا أبلغ في التقرير، وأدخل في المدح ~~والثناء. ولهذا كان كسر «إن» من قوله 52: 28 إنا كنا من قبل ندعوه، إنه هو ~~البر الرحيم أحسن من الفتح. وكان الكسر في قول الملبي «لبيك # PageV01P203 # إن الحمد والنعمة لك» أحسن من الفتح. # وقد ذكر في توجيه قراءة الكسائي ثلاثة أوجه. # أحدها: أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين. فهي واقعة على إن الدين عند ~~الله الإسلام وهو المشهود به. ويكون فتح «أنه» من قوله «أنه لا إله إلا هو» ~~على إسقاط حرف الجر، أي بأنه لا إله إلا هو. وهذا توجيه الفراء. وهو ضعيف ~~جدا. فإن المعنى على خلافه، وأن المشهود به: هو نفس قوله «أنه لا إله إلا ~~هو» فالمشهود به «إن» وما في حيزها. # والعناية إلى هذا صرفت، وبه حصلت. # ولكن لهذا القول- مع ضعفه- وجه. وهو أن يكون المعنى: شهد الله بتوحيده: ~~أن الدين عند الله الإسلام. والإسلام: هو توحيده سبحانه. # فتضمنت الشهادة توحيده وتحقيق دينه: أنه الإسلام لا غيره. # الوجه الثاني: أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين معا، كلاهما مشهود به ~~على تقدير حذف الواو وإرادتها. والتقدير: وأن الدين عنده الإسلام. فتكون ~~جملة استغنى فيها عن حرف العطف بما تضمنت من ذكر المعطوف عليه، كما وقع ~~الاستغناء عنها في قوله: 18: 22 سيقولون: ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم فيحسن ذكر الواو وحذفها، كما حذفت هاهنا، وذكرت في قوله 18: ~~22 ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم. # الوجه الثالث: ms151 - وهو مذهب البصريين- أن يجعل «ان» الثانية بدلا من ~~الأولى. والتقدير: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام. وقوله «أنه لا إله ~~إلا هو» توطئة للثانية وتمهيد. ويكون هذا من البدل الذي الثاني فيه نفس ~~الأول. فإن الدين الذي هو نفس الإسلام عند الله، هو شهادة أن لا إله إلا ~~الله، والقيام بحقها. ولك أن تجعله على هذا الوجه- من باب بدل # PageV01P204 # الاشتمال. لأن الإسلام يشتمل على التوحيد. # فإن قيل: فكان ينبغي- على هذه القراءة- أن يقول: إن الدين عند الله ~~الإسلام. لأن المعنى: شهد الله أن الدين عنده الإسلام. فلم عدل إلى لفظ ~~الظاهر؟ # قيل: هذا يرجح قراءة الجمهور، وأنها أفصح وأحسن. ولكن يجوز إقامة الظاهر ~~مقام المضمر. وقد ورد في القرآن، وكلام العرب كثيرا. # قال الله تعالى: 2: 196 واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب وقال 2: ~~235 اتقوا الله واعلموا أن الله غفور حليم وقال تعالى: # 7: 170 والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة. إنا لا نضيع أجر المصلحين. # قال ابن عباس: افتخر المشركون بآبائهم، فقال كل فريق: لا دين إلا دين ~~آبائنا وما كانوا عليه، فأكذبهم الله تعالى فقال: إن الدين عند الله ~~الإسلام يعني الذي جاء به محمد، وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ليس ~~الله دين سواه 3: 85 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة ~~من الخاسرين وقد دل قوله: إن الدين عند الله الإسلام على أنه دين أنبيائه ~~ورسله وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن لله قط ولا يكون له دين ~~سواه. قال أول الرسل نوح فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على ~~الله وأمرت أن أكون من المسلمين وقال إبراهيم وإسماعيل ربنا واجعلنا مسلمين ~~لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك 2: 132 ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: يا بني ~~إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون وقال يعقوب لبنيه عند ~~الموت ما تعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك- إلى قوله- ونحن له مسلمون وقال ~~موسى لقومه إن كنتم آمنتم ms152 بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وقال تعالى: ~~فلما أحس عيسى منهم الكفر قال # PageV01P205 # من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله، آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون # وقالت ملكة سبأب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. # فالإسلام دين أهل السموات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل الله ~~من أحد دينا سواه. فأديان أهل الأرض ستة: واحد للرحمن وخمسة للشيطان. فدين ~~الرحمن هو الإسلام والتي للشيطان: اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ~~ودين المشركين. # فهذا بعض ما تضمنته هذه الآيات العظيمة من أسرار التوحيد والمعارف ولا ~~تستطل الكلام فيها فإنه أهم من الكلام على كلام صاحب المنازل. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 26] # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) # «اللهم» لا خلاف أن لفظ «اللهم» معناها: يا الله: ولهذا لا تستعمل إلا في ~~الطلب. فلا يقال: اللهم غفور رحيم، بل يقال: اللهم اغفر لي وارحمني. # واختلف النحاة في الميم المشددة من آخر الاسم. # فقال سيبويه: زيدت عوضا من حرف النداء. ولذلك لا يجوز الجمع بينهما في ~~اختيار الكلام، فلا يقال «يا اللهم» إلا فيما ندر، كقول الشاعر: # إني إذا ما حدث ألما ... أقول: يا اللهم، يا اللهم # ويسمى ما كان من هذا الضرب عوضا. إذ هو في غير محل المحذوف. فإن كان في ~~محله سمي بدلا، كالألف في «قام، وباع» فإنها بدل من الواو والياء. ولا يجوز ~~عنده أن يوصف هذا الاسم أيضا. فلا يقال: # يا اللهم الرحيم ارحمني، ولا يبدل منه. # والضمة التي على الهاء ضمة الاسم المنادى المفرد. وفتحت الميم لسكونها ~~وسكون الميم التي قبلها. وهذا من خصائص هذا الاسم. كما # PageV01P206 # اختص بالتاء في القسم. وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع ~~همزة وصله في النداء، وبتفخيم لامه وجوبا غير مسبوقة بحرف إطباق. هذا ملخص ~~مذهب الخليل وسيبويه. # وقيل: الميم عوض عن جملة محذوفة. والتقدير: يا ms153 الله أمنا بخير، أي اقصدنا ~~ثم حذف الجار والمجرور، وحذف المفعول. فبقي في التقدير: # يا الله أم. ثم حذفت الهمزة، لكثرة دوران هذا الاسم في الدعاء على ~~ألسنتهم، فبقي «يا اللهم» وهذا قول الفراء. # وصاحب هذا القول يجوز دخول «يا» عليه. ويحتج بقول الشاعر: # يا اللهم ما اردد علينا سحا مسلما # وبالبيت المتقدم وغيرهما. # ورد البصريون هذا بوجوه. # أحدها: أن هذه التقادير لا دليل عليها، ولا يقتضيها القياس، فلا يصار ~~إليها بغير دليل. # الثاني: أن الأصل عدم الحذف، فتقدير هذه المحذوفات الكثيرة خلاف الأصل. # الثالث: أن الداعي بهذا قد يدعو بالشر على نفسه وعلى غيره. فلا يصح هذا ~~التقدير فيه. # الرابع: أن الاستعمال الشائع الفصيح يدل على أن العرب لم تجمع بين «يا» و ~~«اللهم» ولو كان أصله ما ذكره الفراء لم يمتنع الجمع. بل كان استعماله ~~فصيحا شائعا. والأمر بخلافه. # الخامس: أنه لا يمتنع أن يقول الداعي: اللهم أمنا بخير. ولو كان التقدير ~~كما ذكره، لم يجز الجمع بينهما، لما فيه من الجمع بين العوض والمعوض عنه. # PageV01P207 # السادس: أن الداعي بهذا الاسم لا يخطر ذلك بباله، وإنما تكون عنايته ~~مجردة إلى المطلوب بعد ذكر الاسم. # السابع: أنه لو كان التقدير ذلك لكان «اللهم» جملة تامة، يحسن السكوت ~~عليها. لاشتمالها على الاسم المنادى وفعل الطلب. وذلك باطل. # الثامن: أنه لو كان التقدير ما ذكره لكتب فعل الأمر وحده، ولم يوصل باسم ~~المنادى كما يقال: يا الله قه «1» ، ويا زيد عه «2» ، ويا عمرو فه «3» . ~~لأن الفعل لا يوصل بالاسم الذي قبله حتى يجعلا في الخط كلمة واحدة. هذا لا ~~نظير له في الخط وفي الاتفاق على وصل الميم باسم الله دليل على أنها ليست ~~بفعل مستقل. # التاسع: أنه لا يسوغ ولا يحسن في الدعاء أن يقول العبد: اللهم أمني بكذا ~~بل هذا مستكره من اللفظ والمعنى. فإنه لا يقال: اقصدني بكذا إلا لمن كان ~~يعرض له الغلط والنسيان، فيقول له: اقصدني. وأما من كان لا يفعل إلا ~~بإرادته، ولا يضل ولا ms154 ينسى. فلا يقال له: اقصد كذا. # العاشر: أنه يسوغ استعمال هذا اللفظ في موضع لا يكون بعده دعاء. # كقوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء «اللهم لك الحمد، وإليك المشتكي، ~~وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله» # وقوله «اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك: أنك ~~أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك» # وقوله تعالى: 3: 26 قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع ~~الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء- وقوله: # 39: 46 قل اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم ~~بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون # وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ركوعه وسجوده «سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك، اللهم اغفر لي» . PageV01P208 # فهذا كله لا يسوغ فيه التقدير الذي ذكروه. والله أعلم. # وقيل: زيدت الميم للتعظيم والتفخيم، كزيادتها في زرقم، لشديد الزرقة، ~~وابنم في ابن. # وهذا القول صحيح. لكن يحتاج إلى تتمة. وقائله لحظ معنى صحيحا، لا بد من ~~بيانه. # وهو أن الميم تدل على الجمع وتقتضيه، ومخرجها يقتضي ذلك. # وهذا مطرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى. كما هو مذهب ~~أساطين العربية. وعقد له أبو الفتح ابن جنى بابا في الخصائص. وذكره عن ~~سيبويه. واستدل عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى. # ثم قال: ولقد مكثت برهة يرد علي اللفظ لا أعلم موضوعه، فأجد معناه من قوة ~~لفظه، ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى. ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريبا ~~منه. فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جنى. فقال: # وأنا كثيرا ما يجرى لي ذلك. ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين ~~اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة ~~التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى. والفتحة الخفيفة للمعنى الخفيف. ~~والمتوسطة للمتوسط. فيقولون: عز يعز. بفتح العين- إذا صلب. وأرض عزاز: ~~صلبة. ويقولون: عز يعز- بكسرها- إذا امتنع. # والممتنع فوق الصلب، فقد يكون الشيء صلبا ms155 ولا يمتنع على كاسره. ثم ~~يقولون: عزه يعزه. إذا غلبه. قال الله تعالى في قصة داود عليه السلام 38: ~~23 وعزني في الخطاب والغلبة أقوى من الامتناع، إذ قد يكون الشيء ممتنعا في ~~نفسه، متحصنا عن عدوه، ولا يغلب غيره. فالغالب أقوى من الممتنع، فأعطوه ~~أقوى الحركات- وهو الضمة- والصلب أضعف من الممتنع. فأعطوه أضعف الحركات- ~~وهو الفتحة- والممتنع المتوسط بين المرتبتين حركة الوسط. # ونظير هذا قولهم «ذبح» - بكسر أوله- للمحل الذبوح: و «ذبح» - # PageV01P209 # بفتح أوله- لنفس الفعل. ولا ريب أن الجسم أقوى من العرض، فأعطوا الحركة ~~القوية للقوي، والضعيفة للضعيف، وهو مثل قولهم «نهب، ونهب» بالكسر للمنهوب ~~وبالفتح للفعل. وكقولهم «ملء، وملء» بالكسر، لما يملأ الشيء، وبالفتح ~~للمصدر، الذي هو الفعل. وكقولهم «حمل، وحمل» فبالكسر لما كان قويا مثقلا ~~لحامله على ظهره أو رأسه، أو غيرهما من أعضائه، و «الحمل» بالفتح، لما كان ~~خفيفا غير مثقل، كحمل الحيوان، وحمل الشجرة به أشبه، ففتحوه. # وتأمل هذا في «الحب والحب» فجعلوا المكسور الأول لنفس المحبوب، ومضمومه ~~للمصدر، إيذانا بخفة المحبوب على قلوبهم، ولطف موقعه من أنفسهم وحلاوته ~~عندهم، وثقل حمل الحب ولزومه، كما يلزم الغريم غريمه، ولهذا يسمى غراما. ~~ولهذا كثر وصفهم تحمله بالشدة والصعوبة، وإخبارهم بأن أعظم المخلوقات ~~وأشدها من الصخر والحديد ونحوهما لو حمله لذاب من حمله، ولم يستقل به. كما ~~هو كثير في أشعار المتقدمين والمتأخرين وكلامهم. فكان الأحسن: أن يعطوا ~~المصدر هنا الحركة القوية، والمحبوب الحركة التي هي أخف منها. # ومن هذا: قولهم «قبض» بسكون وسطه للفعل، و «قبض» بتحريكه للمقبوض. ~~والحركة أقوى من السكون والمقبوض أقوى من المصدر. # ونظيره: «سبق» بالسكون للفعل، و «سبق» بالفتح: للمال المأخوذ في هذا ~~العقد. # وتأمل قولهم «دار، دورانا» و «فارت القدر، فورانا» و «وغلت، غليانا» كيف ~~تابعوا بين الحركات في هذه المصادر لتتابع حركة المسمى. # فطابق اللفظ المعنى. # وتأمل قولهم «حجر» و «هواء» كيف وضعوا للمعنى الثقيل الشديد # PageV01P210 # هذه الحروف الشديدة، ووضعوا للمعنى الخفيف: الهواية، التي هي من أخف ~~الحروف. # وهذا أكثر من أن يحاط به، وإن ms156 مد الله في العمر وضعت فيه كتابا مستقلا إن ~~شاء الله تعالى. # ومثل هذه المعاني يستدعي لطافة ذهن، ورقة طبع. ولا تتأتى مع غلظ القلوب، ~~والرضى بأوائل مسائل النحو والتصريف، دون تأملها وتدبرها، والنظر إلى حكمة ~~الواضع، ومطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدق عن أكثر ~~العقول. وهذا باب ينبه الفاضل على ما وراءه 24: 40 ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور. # وانظر في تسميتهم الغليظة الجافي بالعتل والجعظري، والجواظ، كيف تجد هذه ~~الألفاظ تنادي على ما تحتها من المعاني. # وانظر إلى تسميتهم الطويل بالعشنق. وتأمل اقتضاء هذه الحروف ومناسبتها ~~لمعنى الطول، وتسميتهم القصير بالبحتر، وموارتهم بين ثلاث فتحات في اسم ~~الطويل، وهو العشنق، وإتيانهم بضمتين بينهما سكون في البحتر، كيف يقتضي ~~اللفظ الأول: انفتاح الفم، وانفراج آلات النطق، وامتدادها، وعدم ركوب بعضها ~~بعضا، وفي اسم البحتر الأمر بالضد. # وتأمل قولهم: طال الشيء، فهو طويل، وكبر كبير. فإن زاد طوله وكبره قالوا: ~~طوالا، وكبارا، فأتوا بالألف التي هي أكثر مدا، وأطول من الياء في الأطول. ~~فإن زاد كبر الشيء، وثقل موقعه من النفوس ثقلوا اسمه، فقالوا: كبارا بشد ~~الباء. # ولو أطلقنا عنان القلم في ذلك لطال مداه، واستعصى على الضبط. # فلنرجع إلى ما جرى الكلام بسببه فنقول: # PageV01P211 # الميم حرف شفهي يجمع الناطق به شفتيه، فوضعته العرب علما على الجمع، ~~فقالوا للواحد: أنت، فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا: أنتم. وقالوا للواحد ~~الغائب: هو، فإذا جاوزوه إلى الجمع، قالوا: هم. وكذلك في المتصل يقولون: ~~ضربت، وضربتم، وإياك، وإياكم، وإياه، وإياهم، ونظائره، نحو: به وبهم. ~~ويقولون للشيء الأزرق، فإذا اشتدت زرقته واجتمعت واستحكمت قالوا: زرقم ~~ويقولون للكبير الاست: ستهم بوزن قنفذ. # وتأمل الألفاظ التي فيها الميم، كيف تجد الجمع معقودا بها، مثل لم الشيء ~~يلتمه، إذا جمعه. ومنه لم الله شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره. ومنه قولهم: ~~دار لمومة. أي تلم الناس وتجمعهم. ومنه: الأكل اللم، جاء في تفسيرها: يأكل ~~نصيبه ونصيب صاحبه. وأصله من ms157 اللم، وهو الجمع، كما يقال: لفه يلفه. ومنه: ~~ألم بالشيء، إذا قارب الاجتماع به والوصول إليه. # ومنه اللمم. وهو مقاربة الاجتماع بالكبائر. ومنه الملمة، وهي النازلة ~~التي تصيب العبد. ومنه اللمة، وهي الشعر الذي قد اجتمع، وتقلص حتى جاوز ~~شحمة الأذن، ومنه لم الشيء، وما تصرف منها. # ومنه: بدر التم: إذا كمل واجتمع نوره. # ومنه: التوأم للولدين المجتمعين في بطن. # ومنه: الأم. وأم الشيء: أصله الذي تفرع منه. فهو الجامع له، وبه سميت مكة ~~أم القرى، والفاتحة أم القرآن. واللوح المحفوظ: أم الكتاب. # قال الجوهري: أم الشيء أصله، ومكة: أم القرى. وأم مثواك: # صاحبة منزلك. يعني التي تأوى إليها وتجتمع معها، وأم الدماغ: الجلدة التي ~~تجمع الدماغ ويقال لها: أم الرأس. وقال تعالى في الآيات المحكمات # PageV01P212 # 3: 7 هن أم الكتاب والأمة: الجماعة المتساوية في الخلقة، أو الزمان، أو ~~اللسان، قال تعالى: 6: 38 وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا ~~أمم أمثالكم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت ~~بقتلها» » . # ومنه: الإمام الذي يجتمع المقتدون به على أتباعه. # ومنه: أم الشيء يؤمه إذا جمع قصده وهمه إليه. # ومنه: رم الشيء يرمه، إذا أصلحه. وجمع متفرقه. # قيل: ومنه سمي الرمان: لاجتماع حبه وتضامه. # ومنه: ضم الشيء يضمه: إذا جمعه. # ومنه: هم الإنسان، وهمومه، وهي إرادته وعزائمه التي تجتمع في قلبه. # ومنه: قولهم للأسود: أحم، والفحمة السوداء: حممة، وحم رأسه إذا اسود بعد ~~حلقه كله. هذا لأن السواد لون جامع للبصر، لا يدعه يتفرق. # ولهذا يجعل على عيني الضعيف البصر لوجع أو غيره شيء أسود، من شعر أو ~~خرقة، ليجمع عليه بصره فتقوى القوة الباصرة. # وهذا باب طويل. فلنقتصر منه على هذا القدر. # وإذا علم هذا من شأن الميم، فهم قد ألحقوها في آخر هذا الاسم «اللهم» ~~الذي يسأل العبد به ربه سبحانه في كل حاجة، وكل حال، إيذانا بجمع أسمائه ~~تعالى وصفاته. فإذا قال السائل: اللهم إني أسألك، كأنه قال: أدعو الله الذي ms158 ~~له الأسماء الحسنى والصفات العلى بأسمائه وصفاته. # فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم، إيذانا بسؤاله تعالى ~~بأسمائه PageV01P213 # كلها. كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «ما أصاب عبدا قط هم ولا ~~حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، ~~عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو ~~علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ~~العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله ~~همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا. قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: ~~بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» «1» . # فالداعي مندوب إلى أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما في الاسم ~~الأعظم # «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان، بديع ~~السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» «2» # وهذه الكلمات تتضمن الأسماء الحسنى، كما ذكر في غير هذا الموضع «3» . # والدعاء ثلاثة أقسام. # أحدها: أن تسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته. وهذا أحد التأويلين في قوله ~~تعالى: 7: 180 ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها. # والثاني: أن تسأله بحاجتك وفقرك، وذلك. فتقول: أنا العبد الفقير المسكين ~~البائس الذليل المستجير، ونحو ذلك. # والثالث: أن تسأل حاجتك ولا تذكروا أحدا من الأمرين. # فالأول أكمل من الثاني. والثاني أكمل من الثالث. فإذا جمع الدعاء الأمور ~~الثلاثة كان أكمل. PageV01P214 # وهذه عامة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي الدعاء الذي علمه صديق الأمة رضي الله عنه «1» ذكر الأقسام الثلاثة. ~~فإنه # قال في أوله «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا» # وهذا حال السائل. ثم # قال: «وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» # وهذا حال المسؤول، ثم قال «فاغفر لي» فذكر حاجته وختم الدعاء باسمين من ~~الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه. # وهذا القول الذي اخترناه قد جاء عن غير واحد من السلف. قال الحسن البصري ~~«اللهم» مجمع الدعاء وقال أبو رجاء العطاردي: ms159 إن الميم في قوله «اللهم» ~~فيها تسعة وتسعون اسما من أسماء الله تعالى، وقال النضر بن شميل: من قال ~~«اللهم» فقد دعا الله بجميع أسمائه. # وقد وجه طائفة هذا القول بأن الميم هنا بمنزلة الواو الدالة على الجمع، ~~فإنها من مخرجها. فكأن الداعي بها يقول: يا الله الذي اجتمعت له الأسماء ~~الحسنى، والصفات العليا، ولذلك شددت لتكون عوضا عن علامة الجمع. وهي الواو ~~والنون في «مسلمون» ونحوه. # وعلى الطريقة التي ذكرناها وهي أن نفس الميم دالة على الجمع لا يحتاج إلى ~~هذا. # بقي أن يقال: فهلا جمعوا بين «يا» وبين هذه الميم، على المذهب الصحيح؟. # فالجواب: أن القياس يقتضي عدم دخول حرف النداء على هذا الاسم، لمكان ~~الألف واللام منه. وإنما احتملوا ذلك فيه لكثرة استعمالهم دعاءه، واضطرارهم ~~إليه، واستغاثتهم به. فإما أن يحذفوا الألف واللام منه. وذلك لا يسوغ ~~للزومهما، وإما أن يتوصلوا إليه بأي، وذلك لا يسوغ، PageV01P215 # لأنها لا يتوصل بها إلا إلى نداء اسم الجنس المحلى بالألف واللام. كالرجل ~~والرسول والنبي. وأما في الأعلام فلا. # فخالفوا قياسهم في هذا الاسم لمكان الحاجة. فلما أدخلوا الميم المشددة في ~~آخره عوضا عن جمع الاسم، جعلوها عوضا عن حرف النداء، فلم يجمعوا بينهما، ~~والله أعلم. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 43] # يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) # هذا مما قدم بالفضل، لأن السجود أفضل، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد. # فإن قيل: فالركوع قبله بالطبع والزمان والعادة، لأنه انتقال من علو إلى ~~انخفاض. والعلو بالطبع قبل الانخفاض، فهلا قدم الركوع؟. # الجواب أن يقال: # انتبه لمعنى الآية، من قوله اركعي مع الراكعين ولم يقل: # اسجدي مع الساجدين، فإنما عبر بالسجود عن الصلاة، وأراد صلاتها في بيتها. ~~لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع قومها. ثم قال لها «اركعي مع ~~الراكعين» أي صلى مع المصلين في بيت المقدس، ولم يرد أيضا الركوع وحده، دون ~~أجزاء الصلاة، ولكنه عبر بالركوع عن الصلاة، كما تقول: ركعت ركعتين وأربع ~~ركعات، ms160 تريد الصلاة، لا الركوع بمجرده. # فصارت الآية متضمنة لصلاتين: صلاتها وحدها، عبر عنها بالسجود. # لأن السجود أفضل حالات العبد. وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها ثم ~~صلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع. لأنه في الفضل دون السجود. # وكذلك صلاتها مع المصلين، دون صلاتها في بيتها وحدها في محرابها. # PageV01P216 # وهذا نظم بديع، وفقه دقيق. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 44] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) # قال قتادة: كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم. فتشاح عليها بنو إسرائيل. ~~فاقترعوا عليها بسهامهم، أيهم يكفلها. فقرع زكريا، وكان زوج أختها، فضمها ~~إليه. ونحوه عن مجاهد. # وقال ابن عباس: لما وضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى، وهم ~~يكتبون الوحي فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها وهذا متفق عليه بين أهل ~~التفسير. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى # 95] # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى على ~~الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) # تضمنت هذه الآيات بيان كذبهم صريحا في إبطال النسخ. فإنه سبحانه وتعالى ~~أخبر أن الطعام كله كان حلالا لبني إسرائيل قبل أن تنزل التوراة، سوى ما ~~حرم إسرائيل على نفسه منه. ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم ~~إسرائيل وملته، وأن الذي كان لهم حلالا إنما هو بإحلال الله تعالى له على ~~لسان إسرائيل والأنبياء بعده، إلى حين تنزل التوراة. ثم جاءت التوراة ~~بتحريم كثير من المآكل عليهم التي كانت حلالا لبني إسرائيل. وهذا محض ~~النسخ. # وقوله تعالى: من قبل أن تنزل التوراة أي كانت حلالا لهم قبل نزول ~~التوراة. وهم يعلمون ذلك ثم قال تعالى: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها # PageV01P217 # إن كنتم صادقين # هل تجدون فيها أن إسرائيل حرم على نفسه ما حرمته التوراة عليكم، أم تجدون ms161 ~~فيها تحريم ما خصه بالتحريم، وهي لحوم الإبل وألبانها خاصة؟ وإذا كان إنما ~~حرم هذا وحده، وكان ما سواه حلالا له ولبنيه، وقد حرمت التوراة كثيرا منه: ~~ظهر كذبكم وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع، والحجر على الله تعالى في ~~نسخها. # فتأمل هذا الوضع الشريف الذي حام حوله أكثر المفسرين، وما وردوه. وهذا ~~أولى من احتجاج كثير من أهل الكلام، عليهم بأن التوراة حرمت أشياء كثيرة من ~~المناكح والذبائح، والأفعال والأقوال. وذلك نسخ بحكم البراءة الأصلية. فإن ~~هذه المناظرة ضعيفة جدا. فإن القوم لم ينكروا رفع البراءة الأصلية بالتحريم ~~والإيجاب. إذ هذا شأن كل الشرائع. وإنما أنكروا تحريم ما أباحه الله تعالى، ~~فيجعله حراما، وتحليل ما كان حرمه فيجعله مباحا. وأما رفع البراءة ~~والاستصحاب. فلم ينكره أحد من أهل الملل. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ~~ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن ~~أنفسهم يظلمون (117) # هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعة ربه ومرضاته. # فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء، ~~وحسن الذكر، ولا يبتغون به وجه لله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله ~~وأتباع رسله- بالزرع الذي يزرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابته ريح شديدة ~~البرد جدا، يحرق بردها كل ما يمر عليه من الزرع والثمار، فأهلكت ذلك الزرع ~~وأيبسته. # PageV01P218 # واختلف في الصر. فقيل: البرد الشديد. وقيل: النار. قاله ابن عباس. # وقال ابن الأنباري: إنما وصفت الريح بأنها صر لتصويتها عند الالتهاب. # وقيل: الصر: الصوت الذي يصحب الريح من شدة هبوبها. # والأقوال الثلاثة متلازمة. فهو برد شديد محرق ليبسه الحرث، كما تحرقه ~~النار وفيه صوت شديد. # وفي قوله صابت حرث قوم ظلموا أنفسهم # تنبيه على أن سبب إصابتها لحرثهم هو ظلمهم. فهو الذي سلط عليهم الريح ~~المذكورة، حتى أهلكت ms162 زرعهم وأيبسته. فظلمهم هو الريح التي أهلكت أعمالهم ~~ونفقاتهم وأتلفتها. # أما الخذلان ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 160] # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (160) # وأصل الخذلان: الترك والتخلية، ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها ~~في المرعى وتركت صواحباتها: خذول. # قال محمد بن إسحاق في هذه الآية: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس ولن ~~يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، أي لا تترك أمري للناس، ~~وارفض الناس لأمري. # ولخذلان: أن يخلق الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها والتوفيق ~~ضده: أن لا يدعه ونفسه، ولا يكله إليها، بل يصنع له ويلطف به ويعينه، ويدفع ~~عنه، ويكلؤه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه، فمن خلى بينه وبين ~~نفسه فقد هلك كل الهلاك. ولهذا كان # من دعائه صلى الله عليه وسلم «يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ~~ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت، # PageV01P219 # برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى ~~أحد من خلقك» . # فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس، فإن تولاه الله لم يظفر به عدوه. ~~وإن خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان، كما يفترس الذئب الشاة. # فإن قيل: فما ذنب الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها، وهل يمكنها أن ~~تقوى على الذئب وتنجو منه؟. # قيل: لعمر الله، إن الشيطان ذئب الإنسان، كما قال الصادق المصدوق، ولكن ~~لم يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانا، مع ضعفها. فإذا أعطت ~~بيدها وسالمت الذئب ودعاها فلبت دعوته وأجابت أمره ولم تتخلف، بل أقبلت ~~نحوه سريعة مطيعة، وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل، ودخلت في ~~محل الذئاب الذي من دخله كان صيدا لهم، فهل الذئب كل الذئب إلا الشاة؟ فكيف ~~والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها؟ وقد أراها مصارع الشاة التي انفردت عن ~~الراعي، ودخلت وادي الذئاب. # قال أحمد بن مروان المالكي في ms163 كتاب المجالسة: سمعت ابن أبي الدنيا يقول: ~~إن لله سبحانه من العلوم ما لا يحصى، يعطي كل واحد من ذلك ما لا يعطي غيره ~~لقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن سعيد القطان حدثنا عبيد الله بن ~~بكر السهمي عن أبيه: أن قوما كانوا في سفر فكان فيهم رجل يمر بالطائر، ~~فيقول: أتدرون ما تقول هؤلاء؟ فيقولون: لا، فيقول: # تقول كذا وكذا فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق فيه هو أم كاذب؟ إلى أن ~~مروا على غنم وفيها شاة قد تخلفت على سخلة لها، فجعلت تحنو عنقها إليها ~~وتغثو، فقال: أتدرون ما تقول هذه الشاة؟ قلنا: لا. قال: تقول للسخلة: ~~الحقي، لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان. قال: فانتهينا ~~إلى الراعي، فقلنا له: ولدت هذه الشاة قبل عامك # PageV01P220 # هذا؟ قال: نعم ولدت سخلة عام أول، فأكلها الذئب بهذا المكان، ثم أتينا ~~على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو، ويحنو عنقه إليها. فقال: # أتدرون ما يقول هذا البعير؟ قلنا: لا. قال: فإنه يلعن راكبته ويزعم أنها ~~رحلته على مخيط وهو في سنامه. قال: فانتهينا إليهم. فقلنا: يا هؤلاء، إن ~~صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته، ويزعم أنها رحلته على مخيط، ~~وأنه في سنامه، قال: فأناخوا البعير وحطوا عنه، فإذا هو كما قال. # فهذه شاة قد حذرت سخلتها من الذئب مرة فحذرت. وقد حذر الله سبحانه ابن ~~آدم من ذئبه مرة بعد مرة، وهو يأبى إلا أن يستجيب له إذا دعاه، ويبيت معه ~~ويصبح 14: 23 وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، إني كفرت بما ~~أشركتمون من قبل. إن الظالمين لهم عذاب أليم. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 200] # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~(200) # فأمرهم بالصبر، وهو حال الصابر في نفسه. ms164 # والمصابرة: مقاومة الخصم في ميدان الصبر، فإنها مفاعلة، تستدعي وقوفها ~~بين اثنين، كالمشاتمة والمضاربة- فهي حال المؤمن في الصبر مع خصمه. # والمرابطة، وهي الثبات واللزوم، والإقامة على الصبر والمصابرة. # فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط. وقد يصبر ولا يصابر، ~~ويرابط من غير تعبد بالتقوى. # فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله: التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها. # PageV01P221 # فقال واتقوا الله لعلكم تفلحون. # فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي ~~لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان، فيزيله عن مملكته. # PageV01P222 ### | سورة النساء # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 3] # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ~~(3) # قال الشافعي: أن لا يكثر عيالكم. فدل على أن قلة العيال. أدنى. # قيل: قد قال الشافعي ذلك، وخالف جمهور المفسرين من السلف والخلف، وقالوا: ~~معنى الآية: ذلك أدنى أن لا تجوروا ولا تميلوا. فإنه يقال: عال الرجل يعول ~~عولا إذا مال وجار. ومنه: عول الفرائض. لأن سهامها زادت. ويقال: عال يعيل ~~عيلة إذا احتاج. قال تعالى: 9: 28 وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ~~وقال الشاعر: # وما يدري الفقير: متى غناه ... وما يدري الغني: متى يعيل؟. # أي متى يحتاج ويفتقر. وأما كثرة العيال فليس من هذا، ولا من هذا، ولكنه ~~من أفعل. يقال: أعال الرجل يعيل، إذا كثر عياله. مثل ألبن وأتمر إذا صار ذا ~~لبن وتمر. هذا قول أهل اللغة. قال الواحدي في بسيطه: # ومعنى تعولوا تميلوا وتجوروا، عن جميع أهل التفسير واللغة. وروى ذلك ~~مرفوعا. # PageV01P223 # روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن لا تعولوا» ~~قال: لا تجوروا» # وروى: «أن لا تميلوا» # قال: وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع والسدي وابن مالك وعكرمة ~~والفراء والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري. # قلت: ويدل على تعين هذا المعنى من الآية، وإن ms165 كان ما ذكره الشافعي لغة ~~حكاه الفراء عن الكسائي- قال: ومن الصحابة من يقول: عال يعول إذا كثر ~~عياله. قال الكسائي: وهي لغة فصيحة سمعتها من العرب، لكن يتعين الأول ~~لوجوه. # أحدها: أنه المعروف في اللغة الذي لا يكاد يعرف سواه، ولا يعرف: عال ~~يعول، إذا كثر عياله: إلا في حكاية الكسائي، وسائر أهل اللغة على خلافه. # الثاني: أن هذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان من الغرائب. ~~فأنه يصلح للترجيح. # الثالث: أنه مروي عن عائشة وابن عباس، ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين ~~وقد قال الحاكم أبو عبد الله: تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع. # الرابع: أن الأدلة التي ذكرناها على استحباب تزوج الولود وإخبار النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة يرد هذا التفسير. # الخامس: أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون من الظلم والجور فيه ~~إلى غيره. فإنه قال في أولها 4: 3 وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع # فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى، وهو نكاح ما طاب لهم من ~~النساء البوالغ، وأباح لهم منهن أربعا. ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور ~~والظلم في عدم التسوية بينهن. فقال فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة # PageV01P224 # أو ما ملكت أيمانكم # ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور. وهذا ~~صريح في المقصود. # السادس: أنه لا يلتئم قوله فإن خفتم ألا تعدلوا في الأربع فانكحوا واحدة ~~أو تسروا بما شئتم بملك اليمين. فإن ذلك أقرب إلى أن تكثر عيالكم، بل هذا ~~أجنبي من الأول. فتأمله. # السابع: أنه من الممتنع أن يقال لهم: فإن خفتم أن لا تعدلوا بين الأربع ~~فلكم أن تتسروا بمائة سرية وأكثر. فإنه أدنى أن لا تكثر عيالكم. # الثامن: أن قوله: ذلك أدنى ألا تعولوا تعليل لكل واحد من الحكمين ~~المتقدمين، وهما نقلهم من نكاح اليتامى إلى نكاح النساء البوالغ، ومن نكاح ms166 ~~الأربع إلى نكاح الواحدة، أو ملك اليمين. ولا يليق تعليل ذلك بقلة العيال. # التاسع: أنه سبحانه قال فإن خفتم ألا تعدلوا ولم يقل: إن خفتم أن لا ~~تفتقروا وتحتاجوا. ولو كان المراد قلة العيال لكان الأنسب أن يقول ذلك. # العاشر: أنه سبحانه إذا ذكر حكما منهيا عنه وعلل النهي بعلته، أو أباح ~~شيئا وعلق إباحته بعلة. فلا بد أن تكون العلة مضادة لضد الحكم المعلل. وقد ~~علل سبحانه إباحة نكاح غير اليتامى والاقتصار على الواحدة أو ملك اليمين ~~بأنه أقرب إلى عدم الجور. ومعلوم أن كثرة العيال لا تضاد عدم الحكم المعلل. ~~فلا يحسن التعليل به- والله أعلم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 95] # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) # PageV01P225 # نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم ~~أخبر سبحانه عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة، ثم أخبر أنه فضلهم ~~عليهم درجات. # وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس، من جهة أن القاعدين الذين ~~فضل عليهم المجاهدون بدرجات، إن كانوا هم والقاعدون الذين فضل عليهم أولو ~~الضرر المجاهدون بدرجات: هم غير أولي الضرر. فيكون المجاهدون أفضل من ~~القاعدين مطلقا. وعلى هذا فما وجه استثناء أولي الضرر من القاعدين، وهم لا ~~يستوون والمجاهدون أصلا؟ فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدا. # فهذا وجه الإشكال. # ونحن نذكر ما يزيل الإشكال بحمد الله. فنقول: # اختلف القراء في إعراب «غير» فقرىء رفعا ونصبا وهما في السبعة، وقرئ ~~بالجر في غير السبعة. وهي قراءة أبي حبوة. # فأما قراءة النصب فعلى الاستثناء، لأن «غير» يعرب في الاستثناء إعراب ~~الاسم الواقع بعد «إلا» وهو النصب. هذا هو الصحيح. # وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال، أي لا يستوي القاعدون غير مضرورين، ~~أي لا يستوون في حال صحتهم هم والمجاهدون، والاستثناء أصح، فإن «غير» لا ~~تكاد تقع حالا في كلامهم إلا ms167 مضافة إلى نكرة، كقوله تعالى: فمن اضطر غير ~~باغ وقوله عز وجل أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم، غير محلي ~~الصيد # وقوله صلى الله عليه وسلم «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى» . # فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعة لما قبلها. كقوله تعالى: صراط # PageV01P226 # الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم # ولو قلت: مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى لجررت «غير» هذا هو ~~المعروف من كلامهم. # والكلام في عدم تعريف «غير» بالإضافة، وحسن وقوعها إذ ذاك حالا له مقام ~~آخر. # وأما بالرفع: فعلى النعت للقاعدين. هذا هو الصحيح. # وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: الذين هم غير أولي ~~الضرر. # والذي حمله على هذا: ظنه أن «غير» لا يقبل التعريف بالإضافة. # فلا تجزى صفة للمعرفة. وليس مع من ادعى ذلك حجة يعتمد عليها، سوى أن ~~«غير» توغلت في الإبهام. فلا تتعرف بما يضاف إليه. # وجواب هذا: أنها إذا دخلت بين متقابلين لم يكن فيها إبهام لتعيينها ما ~~تضاف إليه. # وأما قراءة الجر: ففيها وجهان أيضا. # أحدهما- وهو الصحيح- أنه نعت للمؤمنين. # والثاني- وهو قول المبرد- أنه بدل منه. بناء على أنه نكرة. فلا ينعت به ~~المعرفة. # وعلى الأقوال كلها: فهو مفهم معنى الاستثناء، وأن نفي التسوية غير مسلط ~~على ما أضيف إليه «غير» . # وقوله وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة هو مبين ~~لمعنى نفي المساواة. # قالوا: والمعنى: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة ~~واحدة لامتيازهم عنهم بالجهاد بنفسهم ومالهم. ثم أخبر سبحانه أن # PageV01P227 # الفريقين كليهما موعود بالحسنى، فقال وكلا وعد الله الحسنى أي المجاهد ~~والقاعد المضرور لاشتراكهم في الإيمان. # قالوا: وفي هذا دليل على تفضيل الغني المنفق على الفقير. لأن الله أخبر ~~أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد، وقدم الجهاد بالمال على الجهاد ~~بالنفس. وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله 9: 92 ولا على الذين إذا ما أتوك ~~لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه. # فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج؟. ms168 # قالوا: فهذا حكم القاعد من أولي الضرر والمجاهد. # وأما القاعد من غير أولي الضرر: ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 96] # درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) # وقوله «درجات» قيل: هو نصب على البدل من قوله «أجرا عظيما» وقيل: تأكيد ~~له، وإن كان بغير لفظه. لأنه هو هو في المعنى. # قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في ~~الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. # وقال ابن زيد: الدرجات التي فضل الله بها المجاهد على القاعد سبع. وهي ~~التي ذكرها الله تعالى في براءة، إذ يقول تعالى: 9: 120 ذلك بأنهم لا ~~يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار، ~~ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين فهذه خمس. # ثم قال 9: 121 ولا ينفقون نفقة صغيرة، ولا كبيرة، ولا يقطعون واديا، إلا ~~كتب لهم فهاتان اثنتان. # PageV01P228 # وقيل: الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين ~~سنة. # والصحيح: أن الدرجات هي المذكورة # في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان. فإن حقا على ~~الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها. ~~قالوا: يا رسول الله، أفلا نخبر الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة ~~أعدها الله للمجاهدين في سبيله. كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا ~~سألتم الله فاسألوه الفردوس. فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش ~~الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة» # قالوا: وجعل سبحانه تعالى: التفضيل الأول بدرجة فقط، وجعله هاهنا بدرجات، ~~ومغفرة ورحمة. وهذا يدل على أنه يفضل على غير أولي الضرر. # فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه. # ولكن بقي أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا لزم أن لا ~~يستوي مجاهد وقاعد مطلقا، فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أولي ms169 ~~الضرر فائدة. فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أولي الضرر أيضا. # وأيضا فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير ~~أولي الضرر، لا القاعدون الذين هم أولو الضرر. فإنهم لم يذكر حكمهم في ~~الآية، بل استثناهم، وبين أن التفضيل على غيرهم. فاللام في القاعدين للعهد. ~~والمعهود: هم غير أولي الضرر، لا المضرورون. # وأيضا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، ~~كما # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ~~من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما» # وقال صلى الله عليه وسلم «إن بالمدينة أقواما ما # PageV01P229 # سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم. قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: # وهم بالمدينة، حبسهم العذر» . # وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أولي الضرر ~~عن الجهاد لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت عن حكمهم بطريق منطوقها ولا يدل ~~مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى معذورين من أهل ~~الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها وإنما ~~أقعده العجز. # فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد. وهذا القسم لا ~~يتناوله الحكم بنفي التسوية. # وأما الأركاس ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 88] # فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) # قال الفراء «أركسهم» ردهم إلى الكفر، وقال أبو عبيدة: يقال: أركست الشيء ~~وركسته- لغتان- إذا رددته. والركس: قلب الشيء على رأسه، أو رد أوله على ~~آخره. والارتكاس الارتداد. قال أمية: # فأركسوا في حميم النار، إنهم ... كانوا عصاة، وقالوا الإفك والزورا # ومن هذا يقال للروث: الركس، لأنه رد إلى حال النجاسة. ولهذا المعنى سمي ~~رجيعا والركس والنكس، والمركوس والمنكوس: بمعنى واحد. قال الزجاج: أركسهم ~~نكسهم وردهم. والمعنى: أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار. وأخبر ~~سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله، وإن إركاسه لهم كان بسبب كسبهم ~~وأعمالهم، ms170 كما قال 83: 14 بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فهذا توحيده، ~~وهذا عدله لا ما يقوله القدرية والمعطلة من أن التوحيد: إنكار الصفات ~~والعدل والتكذيب بالقدر. # PageV01P230 ### | [سورة النساء (4) : آية 113] # ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) # وقال تعالى: 2: 269 يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا وقال عن المسيح عليه السلام: 3: 48 ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل. # الحكمة في كتاب الله نوعان: مفردة، ومقترنة بالكتاب. فالمفردة فسرت ~~بالنبوة، وفسرت بعلم القرآن. قال ابن عباس: هي علم القرآن ناسخه ومنسوخة، ~~ومحكمة ومتشابهة، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله، وقال الضحاك: هي ~~القرآن والفهم فيه. وقال مجاهد: هي القرآن، والعلم والفقه، وفي رواية أخرى ~~عنه: هي الإصابة في القول والفعل. وقال النخعي: هي معاني الأشياء وفهمها. ~~وقال الحسن: الورع في دين الله، كأنه فسرها بثمرتها ومقتضاها. # وأما الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السنة. كذلك قال الشافعي وغيره من ~~الأئمة. وقيل: هي القضاء بالوحي، وتفسيرها بالسنة أعم وأشهر. # وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك: أنها معرفة الحق والعمل به، ~~والإصابة في القول والعمل. وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه في شرائع ~~الإسلام، وحقائق الإيمان. # PageV01P231 ### | سورة المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 2] # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) # كل منهما إذا أفرد تضمن الآخر. فكل إثم عدوان، إذ هو فعل ما نهى الله ~~عنه، أو ترك ما أمر الله به. فهو عدوان على أمره ونهيه. وكل عدوان إثم. ~~فإنه يأثم به صاحبه، ms171 ولكن عند اقترانهما فهما شيئان، بحسب متعلقهما. # فالإثم ما كان محرم الجنس، كالكذب والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك. # والعدوان: ما كان محرم القدر والزيادة. فالعدوان تعدي ما أبيح منه إلى ~~القدر المحرم، كالاعتداء في أخذ الحق ممن هو عليه. إما بأن يتعدى على ماله، ~~أو بدنه، أو عرضه. فإذا غصبه خشبة لم يرض عوضها إلا داره. وإذا أتلف عليه ~~شيئا أتلف عليه أضعافه. وإذا قال فيه كلمة فيه أضعافها. فهذا كله عدوان ~~وتعد للعدل. # PageV01P233 ### | [سورة المائدة (5) : آية 3] # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) # تأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم بالكمال، والنعمة التي أسبغها عليهم ~~بالتمام إيذانا في الدين بأنه لا نقص فيه ولا عيب ولا خلل، ولا شيء خارجا ~~عن الحكمة بوجه، بل هو الكامل في حسنه وجلالته ووصف النعمة بالتمام إيذانا ~~بدوامها واتصالها، وأنه لا يسلبهم إياها بعد إذ أعطاهموها بل يتمها لهم ~~بالدوام في هذا الدار وفي دار القرار. # وتأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين، وإضافة ~~الدين إليهم، إذ هم القائمون به المقيمون له. وأضاف النعمة إليه إذ هو ~~وليها ومسديها والمنعم بها عليهم، فهي نعمة حقا، وهم قابلوها. # وأتى في الكمال باللام المؤذنة بالاختصاص، وأنه شيء خصوا به دون الأمم. # وفي إتمام النعمة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة فجاء ~~«أتممت» في مقابلة أكملت و «عليكم» في مقابلة لكم و «نعمتي» في مقابلة ~~دينكم وأكد ذلك وزاده تقريرا وكمالا وإتماما للنعمة بقوله 5: 3 ورضيت لكم ~~الإسلام دينا. # وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته، فكما قال تعالى: 5: 41 أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال ولو شئنا لآتينا كل ms172 نفس هداها ولو شاء ربك ~~لآمن من في الأرض كلهم جميعا وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده، كما أن ~~مشيئته تستلزم وجوده. فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده وقد ~~أخبر سبحانه أن العباد لا يشاءون إلا بعد مشيئته، ولا يفعلون شيئا إلا بعد ~~مشيئته فقال وما تشاؤن إلا أن يشاء الله وقال وما يذكرون إلا أن يشاء الله. # فإن قيل: فهل يكون الفعل مقدورا للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن ~~يفعله؟. # PageV01P234 # قيل: إن أريد بكونه مقدورا: سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل، ~~وصحة أعضائه، ووجود قواه، وتمكينه من أسباب الفعل، وتهيئة طريق فعله وفتح ~~الطريق له. فنعم، هو مقدور بهذا الاعتبار. وإن أريد بكونه مقدورا: القدرة ~~المقارنة للفعل، وهي الموجبة له التي إذا وجدت لم يتخلف عنها الفعل. فليس ~~بمقدور بهذا الاعتبار. # وتقرير ذلك: أن القدرة نوعان: قدرة مصححة، وهي قدرة الأسباب والشروط ~~وسلامة الآلة، وهي مناط التكليف. وهذه متقدمة على الفعل غير موجبة له. ~~وقدرة مقارنة للفعل، مستلزمة له، لا يتخلف الفعل عنها. وهذه ليست شرطا في ~~التكليف. فلا يتوقف صحته وحسنه عليها. # فإيمان من لم يشأ الله إيمانه، وطاعة من لم يشأ طاعته: مقدور بالاعتبار ~~الأول، غير مقدور بالاعتبار الثاني. # وبهذا التحقيق تزول الشبهة في تكليف ما لا يطاق، كما يأتي بيانه في موضعه ~~إن شاء الله تعالى. # فإذا قيل: هل خلق لمن علم أنه لا يؤمن قدرة على الإيمان أم لم يخلق له ~~قدرة؟. # قيل: خلق له قدرة مصححة متقدمة على الفعل، هي مناط الأمر والنهي. ولم ~~يخلق له قدرة موجبة للفعل مستلزمة له، لا يتخلف عنها. فهذه فضله يؤتيه من ~~يشاء، وتلك عدله التي تقوم بها حجته على عبده. # فإن قيل: فهل يمكنه الفعل ولم يخلق له هذه القدرة؟. # قيل: هذا هو السؤال السابق بعينه. وقد عرفت جوابه. وبالله التوفيق. # قول الله تعالى: 5: 3 اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت ~~لكم الإسلام دينا. # PageV01P235 # النعمة نعمتان: نعمة ms173 مطلقة ونعمة مقيدة. فالنعمة المطلقة: هي المتصلة ~~بسعادة الأبد، وهي نعمة الإسلام والسنة، وهي التي أمرنا الله سبحانه وتعالى ~~أن نسأله في صلواتنا أن يهدينا صراط أهلها، ومن خصهم بها، وجعلهم أهل ~~الرفيق الأعلى، حيث يقول تعالى: 4: 69 ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن ~~أولئك رفيقا فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة، وأصحابها ~~أيضا هم المعنيون بقول الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فأضاف الدين إليهم، إذ هم المختصون بهذا ~~الدين القيم دون سائر الأمم. # والدين تارة يضاف إلى العبد، وتارة يضاف إلى الرب، فيقال: # الإسلام دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه ولهذا يقال في الدعاء: اللهم ~~انصر دينك الذي أنزلت من السماء. # ونسب الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة، مع إضافتها إليه لأنه هو ~~وليها ومسديها إليهم. وهم محل محض النعمة قابلين لها. ولهذا يقال # في الدعاء المأثور للمسلمين «واجعلهم مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها ~~عليهم» # وأما الدين فلما كانوا هم القائمين به، الفاعلين له بتوفيق ربهم نسبه ~~إليهم، فقال «أكملت لكم دينكم» وكان الإكمال في جانب الدين والإتمام في ~~جانب النعمة. # واللفظتان- وإن تقاربتا وتواخيتا- فبينهما فرق لطيف يظهر عند التأمل. # فإن الكمال أخص بالصفات والمعاني، ويطلق على الأعيان والذوات، ولكن ~~باعتبار صفاتها وخواصها، كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء ~~إلا مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد» # وقال عمر بن عبد العزيز «إن للإيمان حدودا وفرائض، وسننا وشرائع، فمن ~~استكملها فقد استكمل الإيمان» . # PageV01P236 # وأما الإتمام فيكون في الإيمان والمعاني، ونعم الله أعيان وأوصاف ومعان. # وأما دينه فهو شرعه المتضمن لأمره ونهيه ومحابه. فكانت نسبة الكمال إلى ~~الدين والتمام إلى النعمة أحسن، كما كانت إضافة الدين إليهم والنعمة إليه ~~أحسن. والمقصود: أن هذه النعمة هي النعمة المطلقة، وهي التي اختصت ~~بالمؤمنين. وإذا قيل: ليس لله على الكافر نعمة ms174 بهذا الاعتبار فهو صحيح، ~~والنعمة الثانية: النعمة المقيدة كنعمة الصحة والغنى وعافية الجسد وبسطة ~~الجاه، وكثرة الولد والزوجة الحسنة، وأمثال هذه. فهذه النعمة مشتركة بين ~~البر والفاجر، والمؤمن والكافر وإذا قيل: لله على الكافر نعمة بهذا ~~الاعتبار، فهو حق. # فلا يصح إطلاق السلب والإيجاب إلا على وجه واحد، وهو أن النعمة المقيدة ~~لما كانت استدراجا للكافر، ومآلها إلى العذاب والشقاء، فكأنها لم تكن نعمة، ~~وإنما كانت بلية، كما سماها الله تعالى في كتابه كذلك. فقال تعالى: 89: 15، ~~16 فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه، فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرمن. وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه، فيقول: ربي أهانن. كلا أي ليس كل من أكرمته ~~في الدنيا ونعمته فيها فقد أنعمت عليه، وإنما كان ذلك ابتلاء مني له ~~واختبار، ولا كل من قدرت عليه رزقه فجعلته بقدر حاجته بقدر فضلة أكون قد ~~أهنته، بل أبتلي عبدي بالنعم كما أبتليه بالمصائب. # فإن قيل: كيف يلتئم هذا المعنى ويتفق مع قوله «فأكرمه» فأثبت له الإكرام، ~~ثم أنكر عليه قوله «ربي أكرمن» وقال «كلا» أي ليس ذلك إكراما مني هو ~~ابتلاء، فكأنه أثبت له الإكرام ونفاه. # وقيل: الإكرام المثبت غير الإكرام المنفي، وهما من جنس النعمة # PageV01P237 # المطلقة والمقيدة، فليس هذا الإكرام المقيد بموجب لصاحبه أن يكون من أهل ~~الإكرام المطلق. # وكذلك أيضا إذا قيل: إن الله أنعم على الكافر نعمة مطلقة، ولكنه رد نعمة ~~الله وبدلها. فهو بمنزلة من أعطى مالا ليعيش به فرماه في البحر، كما قال ~~14: 28 ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وقال تعالى: # 41: 17 وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فهدايته إياهم نعمة ~~منه عليهم، فبدلوا نعمة الله، وآثروا عليها الضلال. # فهذا فصل النزاع في مسألة: هل لله على الكافر نعمة أم لا؟. # وأكثر اختلاف الناس من جهتين. # إحداهما: اشتراك الألفاظ وإجمالها والثانية من جهة الإطلاق والتفصيل. # PageV01P238 ### | سورة الأنعام # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 8 الى # 9] # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ms175 لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ~~ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) # إن المشركين قالوا تعنتا في كفرهم 6: 8 لولا أنزل عليه ملك يعنون ملكا ~~نشاهده ونراه، يشهد له ويصدقه وإلا فالملك كان ينزل عليه بالوحي من الله. ~~فأجاب الله تعالى عن هذا، وبين الحكمة في عدم إنزال الملك على الوجه الذي ~~اقترحوه: بأنه لو أنزل ملكا كما اقترحوا ولم يؤمنوا به ويصدقوه، لعوجلوا ~~بالعذاب كما استمرت به سنته تعالى مع الكفار في آيات الاقتراح، وإذا جاءتهم ~~ولم يؤمنوا بها. فقال 6: 8 ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ثم بين ~~سبحانه أنه لو أنزل ملكا كما اقترحوا لما حصل به مقصودهم، لأنه إن أنزله في ~~صورته لم يقدروا على التلقي عنه، إذ البشر لا يقدر على مخاطبة الملك ~~ومباشرته. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أقوى الخلق- إذا نزل عليه ~~الملك كرب لذلك وأخذه البرحاء «1» ، وتحدر منه العرق في اليوم الشاتي. وإن ~~جعله في صورة رجل حصل لهم لبس: هل هو رجل أم ملك فقال تعالى: 6: 9 ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم PageV01P239 # في هذه الحال ما يلبسون على أنفسهم حينئذ فإنهم يقولون: # إذا رأوا الملك في صورة الإنسان لقالوا: هذا إنسان وليس بملك. هذا معنى ~~الآية. # 6: 27- 28 ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين. بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل، ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. # وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية، وما أوردوا ما يشفي. # فراجع أقوالهم تجدها لا تشفي عليلا، ولا تروي غليلا. # الآية معناها أجل وأعظم مما فسر وهابه. ولم يتفطنوا لوجه الإضراب ب «بل» ~~ولا للأمر الذي بدا لهم، وكانوا يخفونه وظنوا أن الذي بدا لهم هو العذاب. ~~فلما لم يروا ذلك ملتئما مع قوله ما كانوا يخفون من قبل قدروا مضافا ~~محذوفا، وهو خبر ما كانوا يحقون من قبل، فدخل عليهم أمر ms176 آخر، لا جواب لهم ~~عنه. وهو: أن القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم، بل كانوا يظهرونه، ~~ويدعون إليه، ويحاربون عليه. ولما علموا أن هذا ورد عليهم، قالوا: إن القوم ~~في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: والله ربنا ما ~~كنا مشركين فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه. # قال الواحدي: وعلى هذا أهل التفسير. # ولم يصنع أرباب هذا القول شيئا. فإن السياق والإضراب ب «بل» والإخبار ~~عنهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقولهم «والله ربنا ما كنا ~~مشركين» لا يلتئم بهذا الذي ذكروه. فتأمله. # وقالت طائفة، منهم الزجاج: بل لاتباع ما أخفاه عنهم الرؤساء، من أمر ~~البعث. وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير، وفيه من التكليف ما ليس بخاف. # PageV01P240 # وأجود من هذا: ما فهمه المبرد من الآية، قال: كأن كفرهم لم يكن باديا ~~لهم، إذا خفيت عليهم مضرته. # ومعنى كلامه: أنهم لما خفيت عليهم مضرة عاقبته ووباله، فكأنه كان خفيا ~~عنهم، لم تظهر لهم حقيقته. فلما عاينوا العذاب ظهرت لهم حقيقته وشره. # قال: وهذا كما تقول لمن كنت حدثته في أمر قبل: قد ظهر لك الآن ما كنت قلت ~~لك. وقد كان ظاهرا له قبل هذا. ولا يسهل أن يعبر عن كفرهم وشركهم الذي ~~كانوا ينادون به على رؤوس الأشهاد ويدعون إليه كل حاضر وباد بأنهم كانوا ~~يخفونه، لخفاء عاقبته عنهم. ولا يقال لمن أظهر الظلم والفساد، وقتل النفوس ~~وسعى في الأرض بالفساد: إنه أخفى ذلك، لجهله بسوء عاقبته، وخفائها عليه. # فمعنى الآية- والله أعلم بما أراد من كلامه-: أن هؤلاء المشركين لما ~~وقفوا على النار، وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها، تمنوا أنهم يردون إلى ~~الدنيا فيؤمنون بالله وآياته، ولا يعودون إلى تكذيب رسله. فأخبر سبحانه أن ~~الأمر ليس كذلك، وأنهم ليس في طبائعهم ولا سجاياهم الإيمان بل سجيتهم الكفر ~~والشرك والتكذيب وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله. وأخبر أنهم ~~كاذبون في زعمهم: أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا. # فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها ms177 تبين معنى الإضراب ب «بل» وتبين معنى الذي ~~بدا لهم، والذي كانوا يخفونه، والحامل لهم على قولهم: «يا ليتنا نرد ولا ~~نكذب بآيات ربنا» فالقوم كانوا يعلمون أنهم في الدنيا على باطل، وأن الرسل ~~صدقوهم فيما بلغوهم عن الله، وتيقنوا ذلك وتحققوه، ولكنهم أخفوه ولم يظهروه ~~بينهم، بل تواصوا بكتمانه. فلم يكن الحامل لهم على تمني الرجوع والإيمان ~~معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل، فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه. ~~وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه # PageV01P241 # من علمهم أنهم على باطل، وأن الرسل على الحق، فعاينوا ذلك عيانا، بعد أن ~~كانوا يكتمونه ويخفونه. فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان، ولعادوا إلى ~~الكفر والتكذيب. فإنهم لم يتمنوا الإيمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق، وأن ~~الشرك باطل. وإنما تمنوه لما عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله. ~~وهذا كمن كان يخفي محبة شخص ومعاشرته، وهو يعلم أن حبه باطل، وأن الرشد في ~~عدوله عنه. فيقال له: إن اطلع عليك وليه عاقبك، وهو يعلم ذلك ويكابر، ~~ويقول: بل محبته ومعاشرته هي الصواب، فلما أخذه وليه ليعاقبه على ذلك وتيقن ~~العقوبة، تمنى أن يعفى من العقوبة وأنه لا يجتمع به بعد ذلك وفي قلبه من ~~محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة، بل ~~بعد أن مسته العقوبة وأنهكته. فظهر له عند العقوبة ما كان يخفي من معرفته ~~بخطئه، وصواب ما نهاه عنه. ولو رد لعاد لما نهى منه. # وتأمل مطابقة الإضراب لهذا المعنى، وهو نفي قولهم: إنا لو رددنا لآمنا ~~وصدقنا. لأنه ظهر لنا الآن أن ما قاله الرسل هو الحق، أي ليس كذلك، بل كنتم ~~تعلمون ذلك وتعرفونه، وكنتم تخفونه، فلم يظهر لكم شيء جديد لتكونوا عالمين ~~به لتعذروا، بل ظهر لكم ما كان معلوما، وكنتم تتواصون بإخفائه وكتمانه. ~~والله أعلم. # وأما تقليب الأفئدة ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110] # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ms178 ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) # هذا عطف على قوله: أنها إذا جاءت لا يؤمنون أي نحول بينهم وبين الإيمان ~~ولو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون. # واختلف في قوله: كما لم يؤمنوا به أول مرة فقال كثير من المفسرين: المعنى ~~نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول ~~مرة قال ابن عباس في رواية عطاء عنه: ونقلب # PageV01P242 # أفئدتهم وأبصارهم حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي. قال: وهذا كقوله: ~~8: 24 واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. # وقال آخرون: المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول مرة، ~~فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم. وهذا معنى حسن. فإن كاف التشبيه تتضمن ~~نوعا من التعليل. كقوله: وأحسن كما أحسن الله إليك وقوله: كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما ~~لم تكونوا تعلمون، فاذكروني أذكركم والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه: ~~الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر. # والتقليب: تحويل الشيء من وجه إلى وجه، وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية ~~ووصولهم إليها كما سألوا: أن يؤمنوا إذ جاءتهم لأنهم رأوها عيانا وعرفوا ~~أدلتها وتحققوا صدقها. فإذا لم يؤمنوا كان ذلك تقليبا لقلوبهم وأبصارهم عن ~~وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه. # وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن ~~كقلب واحد، يصرفه كيف يشاء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ~~مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» # وروى الترمذي من حديث أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ~~أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. ms179 فقلت: يا رسول الله، آمنا بك ~~وبما جئت به. فهل تخاف علينا؟ قال: إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله ~~يقلبها كيف يشاء» # قال الترمذي: هذا حديث حسن. # وروى حماد عن أيوب وهشام ويعلى بن زياد عن الحسن قال: قالت عائشة رضي ~~الله عنها: «دعوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يدعو بها: يا ~~مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقلت: يا رسول الله، دعوة كثيرا ما تدعو ~~بها؟ قال: إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله. فإذا شاء أن ~~يقيمه أقامه، # PageV01P243 # وإذا شاء أن يزيغه أزاغه» . # وقوله: ونذرهم في طغيانهم يعمهون قال: ابن عباس: أخذلهم وأدعهم في ضلالهم ~~يتمادون. # وأما التزيين وقال: 35: 8 أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا؟ فإن الله يضل ~~من يشاء ويهدي من يشاء وقال: 6: 43 وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون. # وأما التزيين إليه سبحانه خلقا ومشيئة. وحذف فاعله تارة، ونسبه إلى سببه، ~~ومن أجراه على يده تارة. # وهذا التزيين منه سبحانه حسن، إذ هو ابتلاء واختبار للعبد ليتميز المطيع ~~منهم من العاصي، والمؤمن من الكافر، كما قال تعالى: 18: 7 إنا جعلنا ما على ~~الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وهو من الشيطان قبيح. # وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيء عقوبة منه له على إعراضه عن ~~توحيده وعبوديته، وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه ~~السيء من الحسن، فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه زينه سبحانه له ~~وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحا. وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه ~~الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من ~~قلبه. فربما رآه حسنا عقوبة له، فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في ~~قلبه، وهو حجة الله عليه فإذا تمادى في غيه وظلمه ذهب ذلك النور، فلم ير ~~قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم. ومع هذه فحجة الله قائمة عليه ~~بالرسالة، وبالتعريف الأول. ms180 # فتزيين الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء # PageV01P244 # وظلم وهو السبب الخارج عن العبد، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه، وإعراضه، ~~والرب سبحانه خالق الجميع، والجميع واقع بمشيئته وقدرته، ولو شاء لهدى خلقه ~~أجمعين. والمعصوم من عصمه الله، والمخذول من خذله الله. ألا له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين. # PageV01P245 ### | سورة الأعراف # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الأعراف (7) : آية 32] # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(32) # وهذا دليل على أنها فواحش في نفسها لا تستحسنها العقول. فتعلق التحريم ~~بها لفحشها. فإن ترتيب الحكم على الوصف المناسب المشتق. # يدل على أنه هو العلة المقتضية له. وهذا دليل في جميع الآيات التي ~~ذكرناها. تدل على أنه حرمها لكونها فواحش، وحرم الخبيث لكونه خبيثا. # وأمر بالمعروف لكونه معروفا. والعلة يجب أن تغاير المعلول. فلو كان كونه ~~فاحشة هو معنى كونه منهيا عنه، وكونه خبيثا هو معنى كونه محرما: كانت العلة ~~عين المعلول. وهذا محال. فتأمله وكذا تحريم الإثم والبغي دليل على أن هذا ~~وصف ثابت له قبل التحريم. # PageV01P247 # ومن هذا قوله تعالى: 17: 33 ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ~~فعلل النهي في الموضعين بكون المنهي عنه فاحشة. ولو كان جهة كونه فاحشة هو ~~النهي لكان تعليلا للشيء بنفسه، ولكان بمنزلة أن يقال: لا تقربوا الزنا ~~فإنه يقول لكم لا تقربوه، أو فإنه منهي عنه. وهذا محال من وجهين. # أحدهما: أنه يتضمن إخلاء الكلام من الفائدة. # والثاني: أنه تعليل للنهي بالنهي! ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 56] # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين (56) # هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء ~~المسألة. # فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة، وهذا تارة. ويراد به مجموعهما. ~~وهما متلازمان. # فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، ms181 وطلب كشف ما يضره، أو دفعه. ومن ~~يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقا. والمعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع ~~والضر. ولهذا أنكر الله تعالى على عبد من دونه ما لا يملك ضرا ولا نفعا، ~~وذلك كثير في القرآن. كقوله تعالى: 10: 18 ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم وقوله تعالى: 10: 106 ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~وقوله تعالى: 5: 76 قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ~~والله هو السميع العليم وقوله تعالى: 21: 66، 67 قال أفتعبدون من دون الله ~~ما لا ينفعكم شيئا ولا # PageV01P248 # يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله # وقوله تعالى: 26: 69- 73 واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ~~ينفعونكم أو يضرون وقوله تعالى: 25: 3 واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا ~~نشورا وقال تعالى: 25: 55 ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان ~~الكافر على ربه ظهيرا. # فنفي سبحانه عن هؤلاء المعبودين من دونه النفع والضر، القاصر والمعتدي. ~~فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم. وهذا في القرآن كثير بين: # أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع ودفع الضر. # ودعاء المسألة، ويدعى خوفا ورجاء، ودعاء العبادة. فعلم أن النوعين ~~متلازمان: فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن ~~لدعاء العبادة. # وعلى هذا قوله تعالى: 2: 186 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان يتناول نوعي الدعاء. وبكل منهما فسرت الآية. # قيل: أعطيه إذا سألني. وقيل: أثيبه إذا عبدني. والقولان متلازمان. # وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ ~~في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين ~~جميعا. # فتأمله فإنه موضع عظيم النفع، قل من يفطن له. ms182 # وأكثر ألفاظ القرآن الدالة على معنيين فصاعدا هي من هذا القبيل. # ومثال ذلك قوله: 17: 78 أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق # PageV01P249 # الليل # فسر «الدلوك» بالزوال، وفسر بالغروب. وحكيا قولين في كتب التفسير. وليسا ~~بقولين، بل اللفظ يتناولهما معا. فإن الدلوك هو الميل. # ودلوك الشمس ميلها ولهذا الميل مبدأ ومنتهى. فمبدؤه الزوال، ومنتهاه ~~الغروب. فاللفظ متناول لهما بهذا الإعتبار لا بتناول المشترك لمعنييه. ولا ~~اللفظ لحقيقته ومجازه. # ومثاله أيضا تفسير الغاسق: بالليل والقمر، وأن ذلك ليس باختلاف، بل ~~يتناولهما لتلازمهما. فإن القمر آية الليل. ونظائره كثيرة. # ومن ذلك قوله عز وجل: 25: 77 قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم. # قيل: لولا دعاؤكم إياه. وقيل: دعاؤه إياكم إلى عبادته فيكون المصدر مضافا ~~إلى المفعول. وعلى الأول مضافا إلى الفاعل. وهو الأرجح من القولين. وعلى ~~هذا: فالمراد به نوعا الدعاء والعبادة أظهر، أي ما يعبأ لكم ربي لولا أنكم ~~تعبدونه. عبادة تستلزم مسألته. فالنوعان داخلان فيه. # ومن ذلك قوله تعالى: 40: 60 وقال ربكم ادعوني أستجب لكم فالدعاء يتضمن ~~النوعين، وهو في دعاء العبادة أظهر. ولهذا عقبه بقوله: إن الذين يستكبرون ~~عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين فسر الدعاء في الآية بهذا وهذا # وقد روى سفيان عن منصور عن زر عن نسيع الكندي عن النعمان بن بشير قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «إن الدعاء هو ~~العبادة» . ثم قرأ: ادعوني أستجب لكم. إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين رواه الترمذي # ، وقال حديث حسن صحيح. # وأما قوله تعالى: 22. 73 يا أيها الناس ضرب مثل، فاستمعوا له. إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا، ولو اجتمعوا له وقوله: 4: 117 إن يدعون ~~من دونه إلا إناثا وقوله: 41: 48 # PageV01P250 # وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأصنامهم ~~وآلهتهم فالمراد به دعاء العبادة، المتضمن دعاء المسألة. فهو في دعاء ~~العبادة أظهر لوجوه ثلاثة: # أحدها: أنهم قالوا 39: 3 ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فاعترفوا ms183 ~~بأن دعاءهم إياهم هو عبادتهم لهم. # والثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر بأنه العبادة. # كقوله 26: 92- 93 وقيل لهم: أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم ~~أو ينتصرون وقوله: 21: 98 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم وقوله: قل ~~يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون وهو كثير في القرآن. فدعاؤهم لآلهتهم ~~وعبادتهم لها. # الثالث: أنهم إنما كانوا يعبدونها يتقربون بها إلى الله. فإذا جاءتهم ~~الحاجات والكربات والشدائد دعوا الله وحده وتركوها. ومع هذا فكانوا ~~يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء ~~مسألة. # وقوله تعالى: 40: 14 فادعوا الله مخلصين له الدين هو دعاء العبادة. ~~والمعنى: اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته، لا تعبدوا معه غيره. # وأما قول إبراهيم الخليل عليه السلام: 14: 39 إن ربي لسميع الدعاء ~~فالمراد بالسمع هنا: السمع الخاص، وهو سمع الإجابة والقبول، لا السمع ~~العام. لأنه سميع لكل مسموع. # وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب. وسمع الرب ~~تبارك وتعالى له إثابته على الثناء، وإجابته للطلب. فهو سميع لهذا ولهذا. # وأما قول زكريا عليه السلام: 19: 4 ولم أكن بدعائك رب شقيا # PageV01P251 # فقد قيل: إنه دعاء المسألة، والمعنى: إنك عودتني إجابتك وإسعافك، ولم ~~تشقني بالرد والحرمان، فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه، كما ~~حكي أن رجلا سأل رجلا وقال: أنا الذي أحسنت إلي وقت كذا وكذا. فقال: مرحبا ~~بمن توسل إلينا بنا، وقضى حاجته. وهذا ظاهر هنا. # ويدل عليه: أنه قدم ذلك أمام طلبه الولد، وجعله وسيلة إلى ربه، فطلب منه ~~أن يجاريه على عادته التي عوده: من قضاء حوائجه وإجابته إلى ما سأله. # ويدل عليه: أنه قدم ذلك أمام طلبه الولد، وجعله وسيلة إلى ربه، فطلب منه ~~أن يجاريه وأما قوله تعالى: 17: 110 قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا، فله الأسماء الحسنى فهذا الدعاء المشهور، وأنه دعاء المسألة، وهو ~~سبب النزول، # قالوا: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه، ms184 فيقول مرة: يا الله، ~~ومرة: يا رحمن فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعو إلهين، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية» # قال ابن عباس: «سمع المشركون النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في سجوده: يا ~~رحمن يا رحيم فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو مثنى مثنى. فأنزل ~~الله هذه الآية قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن. # وقيل: إن الدعاء هاهنا بمعنى التسمية، كقولهم: دعوت ولدي سعيدا. وادعه ~~بعبد الله ونحوه. والمعنى: سموا ربكم الله أو سموه الرحمن: فالدعاء هاهنا ~~بمعنى التسمية. وهذا قول الزمخشري. والذي حمله على هذا قوله: أيا ما تدعوا ~~فله الأسماء الحسنى فإن المراد بتعدده: # معنى «أي» وعمومها هنا تعدد الأسماء ليس إلا. والمعنى: أي اسم سميتموه به ~~من أسماء الله تعالى. إما الله وإما الرحمن فله الأسماء الحسنى، أي فللمسمى ~~سبحانه الأسماء الحسنى. والضمير في «له» يعود إلى # PageV01P252 # المسمى. فهذا الذي أوجب له أن يحمل الدعاء في هذه الآية على التسمية. # وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المراد بالدعاء في الآية وليس هو عين ~~المراد بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن، وهو دعاء ~~السؤال، ودعاء الثناء ولكنه متضمن معنى التسمية فليس المراد مجرد التسمية ~~الخالية عن العبادة والطلب بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب. # فعلى هذا المعنى: يصح أن يكون في «تدعوا» معنى تسموا. # فتأمله. والمعنى أيا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم. والله أعلم. # وأما قوله تعالى: 51: 28 إنا كنا من قبل ندعوه، إنه هو البر الرحيم فهذا ~~دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة. # والمعنى: إنا كنا من قبل نخلص له العبادة. وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب ~~السموم، لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله ~~من في السموات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا ~~بمجرد السؤال والطلب. # وكذلك قول الفتية أصحاب الكهف: 18: 14 ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا ~~من دونه إلها أي لن نعبد غيره. # وكذلك قوله تعالى: 37: 125 أتدعون بعلا وتذرون ms185 أحسن الخالقين؟. # وأما قوله تعالى: 28: 64 وقيل: ادعوا شركاءكم. فدعوهم، فلم يستجيبوا لهم، ~~ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون فهذا من دعاء المسألة، يبكتهم الله عز ~~وجل ويخزيهم يوم القيامة بإراءتهم أن شركاءهم لا يستجيبون لدعوتهم. وليس ~~المراد اعبدوهم. # وهو نظير قوله تعالى: 18: 52 ويوم يقول: نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم ~~فلم يستجيبوا لهم. # PageV01P253 # وهذا التقرير نافع في مسألة الصلاة، وأنها: هل نقلت عن مسماها في اللغة، ~~فصارت حقيقة شرعية منقولة استعملت في هذه العبادة مجازا، للعلاقة بينها ~~وبين المسمي اللغوي، أو هي باقية على الوضع اللغوي وضم إليها أركان ~~وشرائع؟. # وعلى ما قررناه: لا حاجة إلى شيء من ذلك. فإن المصلي من أول صلاته إلى ~~آخرها لا ينفك عن دعاء، إما دعاء عبادة وثناء، أو دعاء طلب ومسألة، وهو في ~~الحالين داع. فما خرجت الصلاة عن حقيقة الدعاء، فتأمله إذا عرفت هذا. فقوله ~~تعالى: ادعوا ربكم تضرعا وخفية يتناول نوعي الدعاء ولكنه ظاهر في دعاء ~~المسألة متضمن دعاء العبادة. ولهذا أمر بإخفائه وإسراره قال الحسن: بين ~~دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا. # ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا ~~بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: ادعوا ربكم تضرعا وخفية وأن ~~الله ذكر عبدا صالحا ورضي بفعله، وقال: إذ نادى ربه نداء خفيا. # وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة. # أحدها: أنه أعظم إيمانا، لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع دعاءه الخفي. وليس ~~كالذي قال: إن الله يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا وثانيها: أنه أعظم ~~في الأدب والتعظيم. ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات، وإنما ~~تخفض عندهم الأصوات، ويخف عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه ومن رفع صوته ~~لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى. # فإذا كان ربنا يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت ~~به. # PageV01P254 # ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده. ~~فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل إذا ms186 انكسر قلبه، وذلت ~~جوارحه، وخشع صوته، حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته، وكسرته، وضراعته ~~إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق. فقلبه سائل طالب مبتهل، ولسانه لشدة ~~ذله وضراعته ومسكنته ساكت. وهذه الحالة لا يتأتى معها رفع الصوت بالدعاء ~~أصلا. # ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص. # وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء. فإن رفع الصوت ~~يفرقه ويشتته. فكلما خفض صوته كان أبلغ في حمده وتجريده همته وقصده للمدعو ~~سبحانه وتعالى. # وسادسها: وهو من النكت السرية البديعة جدا- أنه دال على قرب صاحبه من ~~الله، وأنه لاقترابه منه، وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه. فيسأله ~~مسألة مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد. # ولهذا: أثنى سبحانه وتعالى على عبده زكريا بقوله: إذ نادى ربه نداء خفيا ~~فكلما استحضر القلب قرب الله تعالى منه، وأنه أقرب إليه من كل قريب، وتصور ~~ذلك أخفى دعاءه ما أمكنه ولم يتأت له رفع الصوت به، بل يراه غير مستحسن كما ~~أن من خاطب جليسا له يسمع خفي كلامه فبالغ في رفع الصوت استهجن ذلك منه ~~ولله المثل الأعلى سبحانه. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا ~~المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح. لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير ~~وهم معه في السفر # فقال: «أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا ~~قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» وقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب. أجيب دعوة الداع إذا دعان # وقد جاء أن سبب نزولها: أن الصحابة قالوا: «يا رسول الله ربنا قريب ~~فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل: وإذا سألك # PageV01P255 # عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان # وهذا يدل على إرشادهم للمناجاة في الدعاء، لا للنداء الذي هو رفع الصوت ~~فإنهم عن هذا سألوا، فأجيبوا بأن ربهم تبارك وتعالى قريب لا يحتاج في دعائه ~~وسؤاله إلى النداء، وإنما يسأل مسألة القريب المناجى، لا مسألة البعيد ~~المنادى. # وهذا القرب من ms187 الداعي هو قرب خاص، ليس قربا عاما من كل أحد، فهو قريب من ~~داعيه وقريب من عابده، # و «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» «1» # وهو أخص من قرب الإنابة وقرب الإجابة، الذي لم يثبت أكثر المتكلمين سواه، ~~بل هو قرب خاص من الداعي والعابد، كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم راويا عن ربه تبارك وتعالى: «من تقرب مني ~~شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا» # فهذا قربه من عابده. وأما قربه من داعيه وسائله فكما قال تعالى: وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان. # وقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية فيه الإشارة والإعلام بهذا القرب. وأما ~~قربه تبارك وتعالى من محبه فنوع آخر وبناء آخر، وشأن آخر، كما قد ذكرناه في ~~كتاب التحفة المكية. على أن العبارة تنبو عنه ولا تحصل في القلب حقيقة ~~معناه أبدا، لكن بحسب قوة المحبة وضعفها يكون تصديق العبد بهذا القرب. ~~وإياك ثم إياك أن تعبر عنه بغير هذه العبارة النبوية، أو يقع في قلبك غير ~~معناها ومرادها فتزل بك قدم بعد ثبوتها وقد ضعف تمييز خلائق في هذا المقام ~~وساء تعبيرهم فوقعوا في أنواع من الطامات والشطح، وقابلهم من غلظ حجابه، ~~فأنكر محبة العبد لربه جملة وقربه منه وأعاد ذلك إلى مجرد الثواب المخلوق ~~فهو عنده المحبوب القريب ليس إلا. وقد ذكرنا من طرق الرد على هؤلاء وهؤلاء ~~في كتاب التحفة أكثر من مائة طريق. # والمقصود هاهنا: الكلام على هذه الآية. PageV01P256 # وسابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل والجوارح ~~لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يكل لسانه وتضعف بعض قواه. وهذا ~~نظير من يقرأ ويكرر رافعا صوته، فإنه لا يطول له ذلك بخلاف من يخفض صوته. # وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات. فإن ~~الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل له هناك تشويش ولا غيره، ~~وإذا جهر به تفطنت له ms188 الأرواح الشريرة والباطولية الخبيثة من الجن والإنس، ~~فشوشت عليه ولا بد، ومانعته وعارضته ولو لم يكن من ذلك إلا أن تعلقها به ~~يفرق عليه همته فيضعف أثر الدعاء لكفى. ومن له تجربة يعرف هذا. فإذا أسر ~~الدعاء وأخفاه أمن هذه المفسدة. # وتاسعها: أن أعظم النعم هو الإقبال على الله، والتعبد له، والانقطاع إليه ~~والتبتل إليه. ولكل نعمة حاسد على قدرها، دقت أو جلت، ولا نعمة أعظم من هذه ~~النعمة. فأنفس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها، وليس للمحسود أسلم من إخفاء ~~نعمته عن الحاسد وأن لا يقصد إظهارها له. وقد قال يعقوب ليوسف: لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين وكم من صاحب ~~قلب وجمعية وحال مع الله قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار، فأصبح ~~يقلب كفيه. ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله وأن لا يطلعوا ~~عليه أحدا ويتكتمون به غاية التكتم كما أنشد بعضهم في ذلك: # من سارروه فأبدى السر مجتهدا ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا # وأبعدوه فلم يظفر بقربهم ... وأبدلوه مكان الإنس إيحاشا # لا يأمنون مذيعا بعض سرهم ... حاشا ودادهم من ذلكم حاشا # والقوم أعظم شيء كتمانا لأحوالهم مع الله وما وهب الله لهم من محبته ~~والأنس به وجمعية القلب عليه، ولا سيما للمبتدي والسالك. فإذا تمكن # PageV01P257 # أحدهم وقوي وثبتت أصول تلك الشجرة الطبية التي أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء في قلبه بحيث لا يخشى من العواصف، فإنه إذا أبدي حاله وشأنه مع الله ~~ليقتدي به ويؤتم به لم يبال. وهذا باب عظيم النفع وإنما يعرفه أهله. # وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة ~~والإقبال على الله فهو من أعظم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء والستر عن أعين ~~الحاسدين وهذه فائدة شريفة نافعة. # وعاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه ~~بأسمائه وأوصافه، فهو ذكر وزيادة، كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه الطلب كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الدعاء ms189 الحمد لله» # فسمى «الحمد لله» دعاء، وهو ثناء محض. لأن الحمد يتضمن الحب والثناء. # والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب لمحبوبه، فهو أحق أن يسمى ~~داعيا من السائل الطالب من ربه حاجة ما. # فتأمل هذا الموضع فإذا تأملته لا تحتاج إلى ما قيل: إن الذكر متعرض ~~للنوال وإن لم يكن مصرحا بالسؤال، فهو داع بما تضمنه ثناؤه من التعرض، كما ~~قال أمية بن أبي الصلت في ممدوحه: # أأذكر حاجتي، أم قد كفاني ... حباؤك؟ إن شيمتك الحباء # إذا اثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء # وعلى هذه الطريقة التي ذكرناها نفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب وهو ~~طلب المحب، فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب ~~الذي هو دونه. # والمقصود أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 205] # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين (205) # فأمر تعالى نبيه أن يذكره في نفسه. قال مجاهد وابن # PageV01P258 # جريج: أمر أن يذكره في الصدر بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت أو ~~الصياح. وقد تقدم # حديث أبي موسى: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فارتفعت أصواتنا ~~بالتكبير فقال: يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» . # وتأمل كيف قال في آية الذكر: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة وفي آية ~~الدعاء: 7: 55 ادعوا ربكم تضرعا وخفية فذكر التضرع فيهما معا. وهو التذلل ~~والتمسكن والانكسار، وهو روح الذكر والدعاء. وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا ~~من الحكم وغيرها. وخص الذكر بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف، فإن الذكر ~~يستلزم المحبة ويثمرها ولا بد. فمن أكثر من ذكر الله أثمر له ذلك محبته ~~والمحبة ما لم تقرن بالخوف، فإنها لا تنفع صاحبها بل قد تضره. لأنها توجب ~~الإدلال والإنبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أنهم استغنوا ~~بها عن ms190 الواجبات وقالوا: # المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله على الله ومحبته له ~~وتألهه له. فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل. ولقد حدثني رجل أنه ~~أنكر على رجل من هؤلاء خلوة له ترك فيها حضور الجمعة فقال له الشيخ: # أليس الفقهاء يقولون إذا خاف على شيء من ماله فإن الجمعة تسقط عنه؟ # فقال له بلى. فقال له فقلب المريد أعز عليه من ضياع عشرة دراهم، أو كما ~~قال. وهو إذا خرج ضاع قلبه فحفظه لقلبه عذر مسقط للجمعة في حقه. # فقال له: هذا غرور بل الواجب عليه الخروج إلى أمر الله وحفظ قلبه مع ~~الله. # فالشيخ المربي العارف يأمر المريد بأن يخرج إلى الأمر ويراعي حفظ قلبه، ~~أو كما قال. # فتأمل هذا الغرور العظيم كيف آل بهؤلاء إلى الانسلاخ عن الإسلام، جملة ~~فإن من سلك هذا المسلك انسلخ عن الإسلام العام كانسلاخ الحية من قشرها، وهو ~~يظن أنه من خاصة الخاصة. وسبب هذا عدم اقتران الخوف من # PageV01P259 # الله بحبه وإرادته ولهذا قال بعض السلف من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ~~ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري. ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ. # ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن. وقد جمع تعالى هذه المقامات ~~الثلاث بقوله: 17: 57 أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه فابتغاء الوسيلة هو محبته الداعية إلى ~~التقرب إليه. ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف. فهذه طريقة عباده وأوليائه. # وربما آل الأمر بمن عبده بالحب المجرد إلى استحلال المحرمات، ويقول: ~~المحب لا يضره ذنب وقد صنف بعضهم في ذلك مصنفا وذكر فيه أثرا مكذوبا «إذا ~~أحب الله العبد لم تضره الذنوب» وهذا كذب قطعا مناف للإسلام. فالذنوب تضر ~~بالذات لكل أحد كضرر السم للبدن. ولو قدر أن هذا الكلام صح عن بعض الشيوخ. ~~وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعاذ الله من ذلك- فله محمل، وهو أنه ~~إذا أحبه لم يدعه حبه إياه إلى أن يصر على ذنب. لأن الإصرار ms191 على الذنب مناف ~~لكونه محبا لله، وإذا لم يصر على الذنب بل بادر إلى التوبة النصوح منه، ~~فإنه يمحى أثره ولا يضره الذنب. وكلما أذنب وتاب وأناب إلى الله زال عنه ~~أثر الذنب وضرره، فهذا المعنى صحيح. # والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع في هذه المعاطب، فإذا اقترن ~~بالخوف جمعه على الطريق ورده إليها كلما شرد، فكأن الخوف سوط يضرب به مطيته ~~لئلا تخرج عن الدرب والرجاء حاد يحدوها يطيب لها السير، والحب قائدها ~~وزمامها الذي يسوقها. فإذا لم يكن للمطية سوط ولا عصا تردها إذا حادت عن ~~الطريق، وتركت تركب تعاسيف خرجت عن الطريق وضلت عنها، فما حفظت حدود الله ~~ومحارمه. # وما وصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، فمتى خلا القلب عن # PageV01P260 # هذه الثلاثة فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف ~~إيمانه بحسبه. # فتأمل أسرار القرآن وحكمته في اقتران الخيفة بالذكر، والخفية بالدعاء، مع ~~دلالته على اقتران الخيفة بالدعاء والخفية بالذكر أيضا، فإنه قال: اذكر ربك ~~في نفسك فلم يحتج بعدها أن يقول: «خفية» وقال في الدعاء: 7: 56 وادعوه خوفا ~~وطمعا فلم يحتج أن يقول في الأولى ادعوا ربكم تضرعا وخفية فانتظمت كل واحدة ~~من الآيتين، للخفية والخفية والتضرع أحسن انتظام، ودلت على ذلك أكمل دلالة. # وذكر الطمع الذي هو الرجاء في آية الدعاء لأن الدعاء مبنى عليه، فإن ~~الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه، إذ طلب ما لا طمع ~~فيه ممتنع وذكر الخوف في آية الذكر لشدة حاجة الخائف إليه كما تقدم. فذكر ~~في كل آية ما هو اللائق بها والأولى بها: من الخوف والطمع، فتبارك من أنزل ~~كلامه شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 55] # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) # قيل: المراد أنه لا يحب المعتدين في الدعاء. كالذي يسأل ما لا يليق به من ~~منازل الأنبياء وغير ذلك. # وقد روى أبو داود في سننه من حديث ms192 حماد ابن سلمة عن سعيد الجريري عن ابي ~~معاوية أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: «اللهم إني أسألك القصر الأبيض ~~عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: # يا بنى سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» # وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من ~~الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله، مثل يسأله تخليده ~~إلى يوم # PageV01P261 # القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام ~~والشراب أو يسأله أن يطلعه على غيبه أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو ~~يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء. فكل ~~سؤال يناقض حكمة الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر ~~به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب رسله. # وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضا في الدعاء. قال ابن جريج: من الاعتداء رفع ~~الصوت في الدعاء، والنداء في الدعاء والصياح وبعد: فالآية أعم من ذلك كله، ~~وإن كان الاعتداء في الدعاء مرادا بها فهو من جملة المراد والله لا يحب ~~المعتدين في كل شيء، دعاء كان أو غيره، كما قال: 2: 190 ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين. # وعلى هذا فيكون قد أمر بدعائه وعبادته وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان، وهم ~~الذين يدعون معه غيره. فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانا. فإن أعظم العدوان هو ~~الشرك، وهو وضع العبادة في غير موضعها. فهذا العدوان لا بد أن يكون داخلا ~~في قوله: إنه لا يحب المعتدين. # ومن العدوان: أن يدعوه دعاء غير متضرع، بل دعاء مدل، كالمستغني بما عنده ~~المدل على ربه به. وهذا من أعظم الاعتداء المنافي لدعاء الضارع الذليل ~~الفقير المسكين من كل جهة في مجموع حالاته. فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع ~~خائف فهو معتد. # ومن الاعتداء: أن تعبده ms193 بما لا يشرعه، وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ~~ولا أذن فيه. فإن هذا الاعتداء في دعاء الثناء والعبادة، وهو نظير الاعتداء ~~في دعاء المسألة والطلب. # وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين. # أحدهما: محبوب للرب تبارك وتعالى مرضى له، وهو الدعاء تضرعا وخفية. # PageV01P262 # والثاني: مكروه له مبغوض مسخوط، وهو الاعتداء، فأمر بما يحبه الله وندب ~~إليه، وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير. وهو أنه لا ~~يحب فاعله، ومن لم يحبه الله فأي خير يناله؟. # وفي قوله: إنه لا يحب المعتدين عقب قوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية دليل ~~على أن من لم يدعه تضرعا وخفية فهو من المعتدين الذين لا يحبهم. # فقسمت الآية الناس إلى قسمين: داع لله تضرعا وخفية، ومعتد بترك ذلك. ### | فصل # وقوله تعالى: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها. # قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله ~~بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله. ~~فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل ~~فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره. قال تعالى: 30: 41 ~~ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس وقال عطية في الآية: ولا ~~تعصوا في الأرض، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم. وقال غير واحد من ~~السلف: إذا قحط المطر فإن الدواب تلعن عصاة بني آدم، وتقول: اللهم ألعنهم، ~~فبسببهم أجدبت الأرض وقحط المطر. # وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا ~~لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة ~~والإتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول. فإذا ~~أمر # PageV01P263 # بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة. فإن الله أصلح الأرض برسوله ~~ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك ms194 به وبمخالفة رسوله. # ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته ~~وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه ~~مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. # ومن تدبر هذا حق التدبر وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن وإلى أن يرث ~~الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين- وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه ~~وفي حق غيره عموما وخصوصا. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ### | فصل ### | [سورة الأعراف (7) : آية 56] # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين (56) # إنما كرر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع. فأمر أولا بدعائه ~~تضرعا وخفية، ثم أمر بأن يكون الدعاء أيضا خوفا وطمعا، وفصل بين الجملتين ~~بجملتين إحداهما خبرية متضمنة للنهي، وهي قوله إنه لا يحب المعتدين ~~والثانية طلبية، وهي قوله: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها والجملتان ~~مقررتان مقويتان للجملة الأولى، مؤكدتان لمضمونها. ثم لما تم تقريرها وبيان ~~ما يضادها ويناقضها أمر بدعائه خوفا وطمعا، ثم قرر ذلك وأكد مضمونه بجملة ~~خبرية، وهي قوله: إن رحمت الله قريب من المحسنين فتعلق هذه الجملة بقوله: ~~وادعوه خوفا وطمعا كتعلق قوله: إنه لا يحب المعتدين بقوله: ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية. # ولما كان قوله تعالى: وادعوه خوفا وطمعا مشتملا على جميع مقامات الإيمان ~~والإحسان، وهي الحب والخوف والرجاء، عقبها بقوله: # PageV01P264 # إن رحمت الله قريب من المحسنين أي إنما ينال الرحمة من دعاه خوفا وطمعا، ~~فهو المحسن والرحمة قريب منه. لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة. # لما كان دعاء التضرع والخفية يقابله الاعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ~~ذلك بقوله: إنه لا يحب المعتدين. # وانتصاب قوله «تضرعا، وخفية، وخوفا، وطمعا» قيل: هو على الحال أي ادعوه ~~متضرعين مخفين خائفين طامعين، وهذا هو الذي رجحه السهيلي وغيره. # وقيل: هو نصب على المفعول له. وهذا قول كثير من النحاة. # وقيل: هو نصب على المصدر. وفيه على هذا تقديران. # أحدهما: أنه ms195 منصوب بفعل مقدر من لفظ المصدر، والمعنى تضرعوا إليه تضرعا ~~وأخفوا خفية. # الثاني: أنه منصوب بالفعل المذكور لأنه في معنى المصدر، فإن الداعي متضرع ~~في حصول مطلوبه خائف من فواته. فكأنه قال: تضرعوا تضرعا. # والصحيح في هذا: أنه منصوب على الحال، والمعنى إليه، فإن المعنى ادعوا ~~ربكم متضرعين إليه خائفين طامعين. ويكون وقوع المصدر موقع الإسم على حد ~~قوله: 2: 177 ولكن البر من آمن بالله وقولهم: # رجل عدل، ورجل صوم. قال الشاعر فإنما هي إقبال وإدبار وهو أحسن من أن ~~يقال: ادعوه متضرعين خائفين وأبلغ. والذي حسنه أن المأمور به هنا شيئان: ~~الدعاء الموصوف المقيد بصفة معينة وهي صفة التضرع والخوف والطمع. فالمقصود ~~تقييد المأمور به بتلك الصفة، وتقييد الموصوف الذي هو صاحبها بها. فأتى ~~بالحال على لفظ المصدر لصلاحيته لأن يكون صفة # PageV01P265 # للفاعل وصفة للفعل المأمور به. # فتأمل هذه النكتة فإنك إذا قلت: اذكر ربك تضرعا فإنك تريد: اذكره متضرعا ~~إليه، واذكره ذكر تضرع، فأنت مريد للأمرين معا. ولذلك إذا قلت: ادعه طمعا ~~أي ادعه دعاء طمع وادعه طامعا في فضله، وكذلك إذا قلت: ادعه رغبة ورهبة، ~~كقوله تعالى: 21: 90 إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا ~~كقوله تعالى: يدعوننا رغبا ورهبا وادعه دعاء رغبة ورهبة. # فتأمل هذا الباب تجده كذلك، فأتى فيه المصدر الدال على وصف المأمور به ~~بتلك الصفة، وعلى تقييد الفاعل بها تقييد صاحب الحال بالحال. # ومما يدل على هذا: أنك تجد مثل هذا صالحا وقوعه جوابا لكيف. # فإذا قيل: كيف ادعوه؟ قيل: تضرعا وخفية، وتجد اقتضاء «كيف» لهذا أشد من ~~اقتضاء «لم» ولو كان مفعولا له لكان جوابا للم، ولا تحسن هنا. # ألا ترى أن المعنى ليس عليه. فإنه يصح أن يقال لم أدعوه؟ فيقول تضرعا ~~وخفية. وهذا واضح، ولا هو انتصاب على المصدر المبين للنوع الذي لا يتقيد به ~~الفاعل لما ذكرناه من صلاحيته جوابا لكيف. # وبالجملة فالمصدرية في هذا الباب لا تنافي الحال، بل الإتيان بالحال ~~هاهنا بلفظ المصدر يفيد ما يفيده ms196 المصدر مع زيادة فائدة الحال، فهو أتم ~~معنى ولا تنافي بينهما. والله أعلم. ### | ### | فصل # # قول الله تعالى: 7: 56 إن رحمت الله قريب من المحسنين. # فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ~~ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا ~~به من دعائه خوفا وطمعا، فقرب مطلوبكم منكم وهو الرحمة بحسب # PageV01P266 # أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم. # فإن الله هو الغني الحميد، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وقوله: إن رحمت ~~الله قريب من المحسنين له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله ودلالة ~~بمفهومه فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان ودلالته بتعليله ~~وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان فهو السبب في قرب الرحمة منهم ~~ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين. فهذه ثلاث دلالات لهذه ~~الجملة، وإنما أختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم ~~الراحمين وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل ~~فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته. وأما من لم يكن من أهل الإحسان ~~فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعدا ببعد وقربا بقرب، فمن تقرب ~~بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه ~~برحمته. والله سبحانه يحب المحسنين ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه ~~الله فرحمته أقرب شيء منه ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه. والإحسان هاهنا ~~هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه. فأعظم الإحسان ~~الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله والإقبال عليه والتوكل عليه وأن يعبد ~~الله كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية فهذا هو مقام الإحسان كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وقد سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أن ~~تعبد الله كأنك تراه» # وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمة الله قريب من صاحبه، فإن الله إنما يرحم ~~أهل توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته: للذين يتقون ms197 ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم ~~المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ يعني ~~هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه؟ قال بان عباس: هل جزاء من ~~قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة؟. # وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن # PageV01P267 # مالك قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان، ثم قال: هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال يقول: ~~هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» ### | ### | فصل # # وأما الإخبار عن الرحمة- وهي مؤنثة بالتاء- بقوله «قريب» وهو مذكر ففيه ~~اثنا عشر مسلكا نذكرها ونبين ما فيها من صحيح وسقيم ومقارب. # المسلك الأول: أن فعيلا على ضربين: أحدهما يأتي بمعنى فاعل كقدير وسميع ~~وعليم. والثاني: يأتي بمعنى مفعول كقتيل وجريح، وكف خضيب. وطرف كحيل وشعر ~~دهين، كله بمعنى مفعول. فإذا أتى بمعنى فاعل فقياسه أن يجري مجراه في إلحاق ~~التاء به مع المؤنث دون المذكر كجميل وجميلة وشريف وشريفة وصبيح وصبيحة ~~وصبي وصبية ومليح ومليحة وطويل وطويلة ونحوه. وإذا أتى بمعنى مفعول فلا ~~يخلو إما أن يصحب الموصوف كرجل قتيل وامرأة قتيل أو يفرد عنه. فإن صحب ~~الموصوف استوى فيه المذكر والمؤنث كرجل قتيل وامرأة قتيل، وإن لم يصحب ~~الموصوف فإنه يؤنث إذا جرى على المؤنث نحو قتيلة بني فلان. ومنه قوله ~~تعالى: حرمت عليكم الميتة- إلى قوله- والنطيحة هذا حكم فعيل، وفعول قريب ~~منه لفظا ومعنى، فإنهما مشتبهان في الوزن والدلالة على المبالغة وورودها ~~بمعنى فاعل ومفعول. # ولما كان فعيل أخف استغنى به عن فاعل في المضاعف كجليل وعزيز وذليل ~~كراهية منهم لثقل التضعيف إذا قالوا: جالل وعازز وذالل، فأتوا بفعيل مفصولا ~~فيه بين المثلين بالياء الساكنة، ولم يأتوا في هذا بفعول لأن فعيلا أخف منه ~~ولخفته أيضا اطرد بناؤه ms198 من فعل كشريف وظريف وجميل ونبيل وليس لفعول بناء ~~يطرد منه ولخفته أيضا كان في أسماء الله تعالى أكثر من # PageV01P268 # فعول. فإن الرحيم والقدير والحسيب والجليل والرقيب ونظائره أكثر من ألفاظ ~~الرؤوف والغفور والشكور والصبور والودود والعفو، ولا يعرف إلا هذه الألفاظ ~~الستة. # وإذا ثبت التشابه بين فعيل وفعول فيما ذكرنا وكانوا قد خصوا فعولا الذي ~~بمعنى فاعل بتجريده من التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث وشركوا بينهما في ~~لفظ المذكر فقالوا: رجل صبور وشكور وامرأة صبور وشكور ونظائرهما وأما عدو ~~وعدوة فشاذ. فإن قصد بالتاء المبالغة لحقت المذكر والمؤنث كرجل ملولة ~~وفروقة وامرأة كذلك، وإن كان فعول في معنى مفعول لحقته التاء في المؤنث ~~كحلوبة وركوبة. # فإذا تقرر ذلك فقريب في الآية هو فعيل بمعنى فاعل وليس المراد أنه بمعنى ~~قارب بل بمعنى اسم الفاعل العام. فكان حقه أن يكون بالتاء ولكنهم أجروه ~~مجرى فعيل بمعنى مفعول فلم يلحقوه التاء كما جرى فعيل بمعنى مفعول مجرى ~~فعيل بمعنى فاعل في إلحاقة التاء كما قالوا خصلة حميدة وفعلة ذميمة بمعنى ~~محمودة ومذمومة فحملوا على جميلة وشريفة في لحاق التاء فحملوا قريبا على ~~امرأة قتيل وكف خضيب وعين كحيل في عدم إلحاق التاء حملا لكل من البابين على ~~الآخر. # ونظيره قوله تعالى: قال من يحي العظام وهي رميم فحمل رميما وهي بمعنى ~~فاعل على امرأة قتيل وبابه فهذا المسلك هو من أقوى مسالك النجاة وعليه ~~يعتمدون وقد اعترض عليه بثلاثة اعتراضات. # أحدها: أن ذلك يستلزم التسوية بين اللازم والمعتدي فإن فعيلا بمعنى مفعول ~~بابه الفعل المتعدي وفعيلا بمعنى فاعل بابه الفعل اللازم لأنه غالب ما يأتي ~~من فعل المضموم العين فلو جرى على أحدهما حكم الآخر لكن ذلك تسوية بين ~~اللازم والمتعدي وهو ممتنع. # PageV01P269 # الاعتراض الثاني: أن هذا إن ادعى على وجه العموم فباطل، وإن ادعى على ~~سبيل الخصوص فما الضابط وما الفرق بين ما يسوغ فيه هذا الاستعمال وما لا ~~يسوغ؟. # الاعتراض الثالث: أن العرب قد نطقت في فعيل بالتاء وهو ms199 بمعنى مفعول ~~وجردته من التاء وهو بمعنى فاعل قال جرير يرثي خالته: # نعم القرين وكنت علق مضنة ... وارى بنعق بلية الأحجار # فجرد القرين من التاء وهو بمعنى فاعل. وقال: # فسقاك حيث حللت غير فقيدة ... هزج الرواح وديمة لا تقلع # فقرن فقيده بالتاء وهو فعيل بمعنى مفعول أي غير مفقودة. وقال الفرزدق: # فداويته عامين وهي قريبة ... أراها وتدنو لي مرارا وأرشف # ويقولون: امرأة فتين وسريح وهريت فجردوه عن التاء، وهو بمعنى فاعل ~~وقالوا: امرأة فروك وهلوك ورشوف وأنوف ورضوف فجردوه وهو بمعنى فاعل كصبور. ~~وقالوا امرأة عروب فجردوه أيضا ثم قالوا امرأة ملولة وفروقة فقرنوه بالتاء ~~وهو بمعنى فاعل أيضا. ودعوى أن التاء هاهنا للمبالغة لا دليل عليها فقد ~~رأيت اشتراك فعول وفعيل في الاقتران بالتاء والتجرد منها. فدعوى أصالة ~~المجرد منهما وشذوذ المقرون مقابلة بمثلها ومع مقابلها قياس اللغة في ~~اقتران المؤنث وتجريد المذكر. وأما ما استشهد تم به من قوله تعالى: من يحي ~~العظام وهي رميم فهو على وفق قياس العربية، فإن العظام جمع عظم وهو مذكر ~~ولكن جمعه جمع تكسير وجمع التكسير جوز أن يراعى فيه تأنيث الجماعة ~~وباعتباره قال: «وهي» ولم يقل وهو. ويراعى فيه معنى الواحد وباعتباره قال ~~«رميم» كما يقال: عظم «رميم» مع أن رميما يطلق على المذكر مفردا وجمعا. قال ~~جرير: # آل المهلب جذ الله دابرهم ... أمسوا رميما فلا أصل ولا طرف # PageV01P270 # فهذا الاعتراض على هذا المسلك. ### | ### | فصل # # المسلك الثاني: أن قريبا في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في ~~المعنى كقول الشاعر: # أري رجلا منهم أسيفا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفا مخضبا # فكف مؤنث ولكن تأويله بمعنى عضو وطرف فذكر صفته فكذلك تؤول الرحمة وهي ~~مؤنثة بالإحسان فيذكر خبرها. # قالوا وتأويل الرحمة بالإحسان أولى من تأويل الكف بعضو لوجهين أحدهما: أن ~~الرحمة معنى قائم بالراحم والإحسان هو بر المرحوم ومعنى القرب في البر من ~~الحسنين أظهر منه في الرحمة. # الثاني: أن ملاحظة الإحسان بالرحمة الموصوفة بالقرب من المحسنين هو ~~مقابلة ms200 للإحسان الذي صدر منهم باعتبار المقابلة ازداد المعنى قوة واللفظ ~~جزالة حتى كأنه قال إن إحسان الله قريب من أهل الإحسان، كما قال تعالى: 55: ~~60 هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فذكر قريبا ليفهم منه أنه صفة المذكر وهو ~~الإحسان فيفهم المقابلة المطلوبة. # قالوا: ومن تأويل بمذكر ما أنشده الفراء: # وقائع في مضر تسعة ... وفي وائل كانت العاشرة # فتأول الوقائع وهو مؤنثة بأيام الحرب المذكرة فأنث العدد الجاري عليها ~~فقال «تسعة» ولولا هذا التأويل لقال تسع لأن الوقائع مؤنثة. # قالوا: وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال: جاءته كتابي أي ~~صحيفتي. وفي قول الشاعر: # يا أيها الراكب المربى مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت # PageV01P271 # أي ما هذه الصيحة مع أنه حمل أصل على فرع فلأن يجوز تأويل مؤنث بمذكر ~~لكونه حمل فرع على أصل أولى وأحرى وهذا وجه وجيه. # وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين. # أحدهما: أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه لجاز أن يقال: ~~كلمتني زيد، وأكرمتني عمرو، وكلمني هند وأكرمني زينب، تأويلا لزيد وعمرو ~~بالنفس والجثة وتأويلا لهند وزينب بالشخص والشبح. وهذا باطل، وهذا الاعتراض ~~غير لازم، فإنهم لم يدعوا إطراد ذلك وإنما ادعوا أنه مما يسوغ أن يستعمل، ~~وفرق بين ما يسوغ في بعض الأحيان وبين ما يطرد، كرفع الفاعل ونصب المفعول ~~وهم لم يدعوا أنه من القسم الثاني. # ثم إن هذا الاعتراض مردود بكل ما يسوغ استعماله بمسوغ وهو غير مطرد وهو ~~أكثر من أن يذكر هاهنا ولا ينكره نحوي أصلا. وهل هذا إلا اعتراض على قواعد ~~العربية بالتشكيكات والمناقضات؟ وأهل العربية لا يلتفتون إلى شيء من ذلك. ~~فلو أنهم قالوا يجوز تأويل كل مؤنث بمذكر يوافقه وبالعكس لصح النقض وإنما ~~قالوا يسوغ أحيانا تأويل أحدهما بالآخر لفائدة يتضمنها التأويل كالفائدة ~~التي ذكرناها من تأويل الرحمة بالإحسان. # الاعتراض الثاني: أن حمل الرحمة على الإحسان إما أن يكون حملا على حقيقته ~~أو مجازه وهما ممتنعان. فإن الرحمة والإحسان متغايران لا يلزم من ms201 أحدهما ~~وجود الآخر، لأن الرحمة قد توجد وافرة في حق من لا يتمكن من الإحسان ~~كالوالدة العاجزة ونحوها. وقد يوجد الإحسان ممن لا رحمة في طباعه كالملك ~~القاسي فإنه قد يحسن إلى بعض أعدائه وغيرهم لمصلحة ملكه مع أنه لا رحمة ~~عنده. وإذا تبين انفكاك أحدهما عن الآخر لم يجز إطلاقه عليه لا حقيقة ولا ~~مجازا. أما الحقيقة فظاهر. وأما المجاز: فإن شرطه خطور المعنى المجازي ~~بالبال ليصح انتقال الذهن إليه فإذا كان منفكا عن الحقيقة لم يخطر بالذهن. # PageV01P272 # وهذا الاعتراض أفسد من الذي قبله. وهو من باب التعنت والمناكدة. # وأين هذا من قول أكثر المتكلمين- ولعل هذا المعترض منهم-: أنه لا معنى ~~للرحمة غائيا إلا الإحسان المحض. وأما الرقة الحنان التي في الشاهد فلا ~~يوصف الله بها وإنما رحمته مجرد إحسانه، ومع أنا لا نرتضي هذا القول بل ~~نثبت لله تعالى الرحمة حقيقة كما أثبتها لنفسه منزهة مبرأة عن خواص صفات ~~المخلوقين كما نقوله في سائر صفاته من إرادته وسمعه وبصره وعلمه وحياته ~~وسائر صفات كماله- فلم نذكره إلا لنبين فساد اعتراض هذا المعترض على قول ~~أئمته ومن قال بقول المتكلمين. # ثم نقول: الرحمة لا تنفك عن إرادة الإحسان فهي مستلزمة للإحسان أو ~~إرادته، استلزام الخاص للعام، فكما يستحيل وجود الخاص بدون العام فكذلك ~~الرحمة بدون الإحسان أو إرادته يستحيل وجودها. # وأما قضية الأم العاجزة: فإنها وإن لم تكن تقدر على الإحسان بالفعل فهي ~~محسنة بالإرادة فرحمتها لا تنفك عن إرادتها التامة للإحسان التي يقترن بها ~~مقدورها إما بدعاء وإما بإيثار بما تقدر عليه ونحو ذلك، فتخلف بعض الإحسان ~~الذي لا تقدر عليه عن رحمتها لا يخرج رحمتها عن استلزامها للإحسان المقدور ~~وهذا واضح وأما الملك القاسي إذا أحسن فإن إحسانه لا يكون رحمة فهذا لأن ~~الإحسان أعم من الرحمة والأعم لا يستلزم الأخص، وهم لم يدعوا ذلك فلا ~~يلزمهم. # وأيضا فإن الإحسان قد يقال إنه يستلزم الرحمة وما فعله الملك المذكور ليس ~~بإحسان في الحقيقة، وإن كانت صورته صورة الإحسان. ms202 # وبالجملة: فالعنت والمناكدة على هذا الاعتراض أبين من أن يتكلف معه رده ~~وإبطاله. # PageV01P273 ### | ### | فصل # # المسلك الثالث: إن «قريب» في الآية من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ~~مقامه مع الالتفات إلى المحذوف، فكأنه قال: إن مكان الرحمة قريب من ~~المحسنين، ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره. ومن ذلك قول حسان: # يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل # فقال: «يصفق» بالياء و «بردى» هي مؤنث لأنه أراد ماء بردى. ومنه # قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذ بيديه ذهبا وحريرا فقال: «هذان ~~حرام على ذكور أمتي» # فقال: «حرام» بالإفراد والمخبر عنه مثنى، كأنه قال: استعمال هذين حرام. ~~وهذا المسلك ضعيف جدا لأن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لا يسوغ ~~ادعاؤه مطلقا وإلا لا لتلبس الخطاب وفسد التفاهم وتعطلت الأدلة. إذ ما من ~~لفظ أمر أو نهي أو خبر متضمن مأمورا به ومنهيا عنه ومخبرا إلا ويمكن على ~~هذا أن يقدر له لفظ مضاف، يخرجه عن تعلق الأمر والنهي والخبرية، فيقول ~~الملحد في قوله: ولله على الناس حج البيت أي معرفة حج البيت وكتب عليكم ~~الصيام أي معرفة الصيام. وإذا فتح هذا الباب فسد التخاطب وتعطلت الأدلة، ~~وإنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة، كما إذا ~~قيل: أكلت الشاة فإن المفهوم من ذلك أكلت لحمها فحذف المضاف لا يلبس، وكذلك ~~إذا قلت أكل فلان كد فلان إذا أكل ماله، فإن المفهوم أكل ثمرة كده فحذف ~~المضاف هنا لا يلبس ونظائره كثيرة. # وليس منه وسئل القرية وإن كان أكثر الأصوليين يمثلون به فإن القرية اسم ~~للسكان في مسكن مجتمع فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين كالكأس لما فيه من ~~الشراب، والذنوب للدلو الملآن ماء والخوان للمائدة إذا كان عليها طعام ~~ونظائره. # PageV01P274 # ثم إنهم لكثرة استعمالهم لهذه اللفظة ودورانها في كلامهم أطلقوها على ~~السكان تارة وعلى المسكن بحسب سياق الكلام وبساطه، وإنما يفعلون هذا حيث لا ~~لبس فيه ولا إضمار في ذلك ولا حذف. # فتأمل ms203 هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه. # وإذا عرفت هذا فقوله: إن رحمت الله قريب من المحسنين ليس في اللفظ ما يدل ~~على إرادة موضع ولا مكان أصلا فلا يجوز دعوى إضماره بل دعوى إضماره خطأ ~~قطعا. لأنه يتضمن الأخبار بأن المتكلم أراد المحذوف ولم ينصب على إرادته ~~دليلا لا صريحا ولا لزومها. فدعوى المدعي أنه أراده: دعوى باطلة. # وأما قوله «بردى يصفق» فليس أيضا من باب حذف المضاف بل أراد ببردى النهر، ~~وهو مذكر، فوصفه بصفة المذكر فقال «يصفق» فلم يذكر بناء على خذف المضاف، ~~وإنما ذكر بناء على أن بردى المراد به النهر. # فإن قلت: فلا بد من حذف مضاف لأنهم إنما يسقون ماء بردى لأنفس النهر. # قلت: هذا إن كان مراد الشاعر فلم يلزم منه صحة ما ادعاه من أنه ذكر ~~«يصفق» باعتبار الماء المحذوف، فإن تذكيره إنما يكون باعتبار إرادة النهر ~~وهو مذكر، فلا يدل على ما ادعوه. # وأما # قوله صلى الله عليه وسلم: «هذان حرام» # ففي إفراد الخبر سر بديع جدا وهو التنبيه والإشارة على أن كل واحد منهما ~~بمفرده موصوف بأنه حرام، فلو ثنى الخبر لم يكن فيه تنبيه على هذا المعنى. ~~فلهذا أفرد الخبر، فكأنه قال: كل واحد من هذين حرام فدل إفراد الخبر على ~~إرادة الأخبار عن كل واحد واحد بمفرده. # فتأمله فإنه من بديع اللغة. وقد تقدم بيانه في هذا التعليق في مسألة: # PageV01P275 # «كلا وكلتا» وأن قولهم: كلاهما قائم بالإفراد لا يدل على أن «كلا» مفرد ~~كما ذهب إليه البصريون بل هو مثنى حقيقة، وإنما أفردوا الخبر للدلالة على ~~أن الأخبار عن كل واحد منهما بالقيام. وقد قررنا ذلك بما فيه كفايية. ### | ### | فصل # # المسلك الرابع: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، كأنه قال: إن ~~رحمة الله شيء قريب من المحسنين، أو لطف قريب، أو بر قريب ونحو ذلك وحذف ~~الموصوف كثير. فمنه قول الشاعر: # قامت تبكيه على قبره ... من لي بعدك يا عامر # تركتني في الدار ذا ms204 غربة ... قد ذل من ليس له ناصر # المعنى تركتني شخصا أو إنسانا ذا غربة. ولولا ذلك لقالت: تركتني غربة. ~~ومنه قول آخر: # فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... فراقك لم أبخل وأنت صديق # أراد وأنت شخص أو إنسان صديق. # وعلى هذا المسلك حمل سيبويه قولهم للمرأة: حائض وطامث وطالق. فقال: كأنهم ~~قالوا: شيء حائض وشيء طامث، وهذا المسلك أيضا ضعيف لثلاثة أوجه. # أحدها: أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إنما يحسن بشرطين أن تكون ~~الصفة خاصة يعلم ثبوتها لذلك الموصوف بعينه لا لغيره. # الثاني: أن تكون الصفة قد غلب استعمالها مفردة على الموصوف كالبر والفاجر ~~والعالم والجاهل والمتقي والرسول والنبي ونحو ذلك مما غلب استعمال الصفة ~~فيه مجردة عن الموصوف فلا يكاد يجيء ذكر الموصوف معها كقوله تعالى: إن ~~الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم # PageV01P276 # وقوله: إن المتقين في جنات وعيون وقوله: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات وقوله: والكافرون هم الظالمون وهو كثير جدا في القرآن وكلام ~~العرب. وبدون ذلك لا يحسن الاقتصار على الصفة فلا يحسن أن تقول: جاءني طويل ~~ورأيت جميلا أو قبيحا، وأنت تريد جاءني رجل طويل ورأيت رجلا جميلا أو ~~قبيحا، ولا تقول سكنت في قريب، تريد في مكان قريب مع دلالة السكنى على ~~المكان. # الثاني: أن الشيء أعم المعلومات فإنه يشمل الواجب والممكن، فليس في ~~تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلام بها فصيحا بليغا فضلا عن ~~أن يكون بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأي فصاحة وبلاغة في قول ~~القائل في حائض وطامث وطالق: شيء حائض وشيء طامث وشيء طالق؟ وهو لو صرح ~~بهذا لاستهجنه السامع. فكيف يقدر في الكلام معه أنه لا يتضمن فائدة أصلا؟ ~~إذ كونه شيئا أمر معلوم عام لا يدل على مدح ولا ذم ولا كمال ولا نقصان. # وينبغي أن يتفطن هاهنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله ~~عز وجل بمجرد الاحتمال النحوي الاعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون ~~الكلام به ms205 له معنى ما، فإن هذا المقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم ~~يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب ~~أي معنى اتفق وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ~~ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله ~~القرآن، مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ: والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ~~بالجر: إنه قسم. ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: # وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام أن المسجد مجرور بالعطف على ~~الضمير المجرور في به، ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: # لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل # PageV01P277 # من قبلك والمقيمين الصلاة # أن المقيمين مجرور بواو القسم. ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهى ~~بكثير. بل القرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز ~~تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ~~ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ~~ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين فكذلك معانيه ~~أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا ~~تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم. # فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي. # فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع في معرفة ضعف كثير من ~~أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه. وسنزيد ~~هذا إن شاء الله تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير فهذا أصل من ~~أصوله بل هو أهم أصوله. # الوجه الثالث: أن طالقا وحائضا وطامثا إنما حذفت تاؤه لعدم الحاجة إليها ~~فإن التاء إنما دخلت للفرق بين المذكر والمؤنث في محل اللبس، فإذا كانت ~~الصفة خاصة بالمؤنث فلا لبس، فلا حاجة إلى التاء هذا هو الصواب. # في ذلك وهو المذهب الكوفي. # فإن قلت: هذا خلاف مذهب سيبويه. # قلت: فكان ms206 ماذا؟ وهل يرتضي محصل برد موجب الدليل الصحيح لكونه خلاف قول ~~عالم معين؟ هذه طريقة الخفافيش. فأما أهل البصائر فإنهم لا يردون الدليل ~~وموجبه بقول معين أبدا، وقليل ما هم. ولا ريب أن أبا بشر رحمه الله ضرب في ~~هذا العلم بالقدح المعلى وأحرز من قصبات سبقه واستولى من أمده على ما لم ~~يستول عليه غيره فهو المصلى في هذا المضمار، ولكن لا يوجب ذلك أن يعتقد أنه ~~أحاط بجميع كلام العرب، وأنه لا حق إلا ما قاله. وكم لسيبويه من نص قد ~~خالفه جمهور أصحابه فيه # PageV01P278 # والمبرزون منهم؟ ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال الكلام به. # ولا تنس قوله في باب الصفة المشبهة: مررت برجل حسن وجهه بإضافة حسن إلى ~~الوجه والوجه إلى الضمير ومخالفة جميع البصريين والكوفيين في ذلك. فسيبويه ~~رحمه الله ممن يؤخذ من قوله ويترك وإما أن نعتقد صحة قوله في كل شيء فكلا. # وسنفرد إن شاء الله كتابا للحكومة بين البصريين والكوفيين فيما اختلفوا ~~فيه وبيان الراجح من ذلك وبالله التوفيق والتأييد. # فإن قلت: يكفي في رد ما اخترتموه في طامث وحائض وطالق من المذهب الكوفي ~~قوله تعالى: 22: 2 يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت # فهذا وصف يختص به الإناث وقد جاء بالتاء قلت: ليس في هذا ولله الحمد رد ~~لهذا المذهب ولا إبطال له، فإن دخول التاء هاهنا يتضمن فائدة لا تحصل ~~بدونها فتعين الإتيان بها، وهي أن المراد بالمرضعة فاعلة الرضاع، فالمراد ~~الفعل لا مجرد الوصف ولا أريد الوصف المجرد بكونها من أهل الإرضاع لقيل: ~~مرضع كحائض وطامث ألا ترى إلى # قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» # فإن المراد به الموصوفة بكونها من أهل الحيض لا من يجري دمها فالحائض ~~والمرضع وصف عام يقال على من لها ذلك وصفا وإن لم يكن قائما بها، ويقال على ~~من قام بها بالفعل أدخلت التاء هاهنا إيذانا بأن المراد من تفعل الرضاع ~~فإنها تذهل عما ترضعه لشدة هول زلزلة الساعة. ms207 # وأكد هذا المعنى بقوله: عما أرضعت # فعلم أن المراد المرضعة التي ترضع بالفعل لا بالقوة والتهيؤ. وترجيح هذا ~~المذهب له موضع غير هذا. ### | ### | فصل # # المسلك الخامس: أن هذا من باب اكتساب المضاف حكم المضاف إليه إذا كان ~~صالحا للحذف والاستغناء عنه بالثاني. كقول الشاعر: # PageV01P279 # لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع # وقال الآخر: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # وقال الآخر: # بغي النفوس معيدة نعماءهما ... نقما، وإن عمهت وطال غرورها # فأنث في الأول «السور» المضاف إلى المدينة، وفي الثاني «المر» المضاف إلى ~~الرياح وفي الثالث «البغي» المضاف إلى النفوس لتأنيث المضاف إليه مع أن ~~التذكير أصل والتأنيث فرع فحمل الأصل على الفرع فلأن يجوز تذكير المؤنث ~~لإضافته إلى غير مؤنث أولى، لأنه حمل للفرع على الأصل، ومن الأول أيضا قول ~~الشاعر: # وتشرق بالأمر الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم # فأنث الصدر لإضافته إلى القناة. وأنشدني بعض أصحابنا لأبي محمد بن حزم في ~~هذا المعنى بإسناد لا يحضرني: # تجنب صديقا مثل ما واحذر الذي ... تواه كعمرو بين عرب وأعجم # فإن صديق السوء يردى وشاهدي ... كما شرقت صدر القناة من الدم # ومنه قول النابغة: # حتى استغثن بأهل الملح ضاحية ... يركضن قد قلقت عقد الأطانيب # ومنه قول لبيد: # فمضى وقدمها، وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها # وهذا المسلك- وإن كان قد ارتضاه غير واحد من الفضلاء- فليس بقوي، لأنه ~~إنما يعرف مجيئه في الشعر، ولا يعرف في الكلام الفصيح منه إلا النادر، ~~كقولهم: ذهبت بعض أصابعه. والذي قواه هاهنا شدة اتصال # PageV01P280 # المضاف بالمضاف إليه، وكونه جزؤه حقيقة، فكأنه قال: ذهبت إصبع وإصبعان من ~~أصابعه. وحمل القرآن على المكثور الذي خلافه أفصح منه: # ليس بسهل. ### | ### | فصل # # المسلك السادس: أن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر، لكونه ~~تبعا له ومعنى من معانيه. فإذا ذكر أغنى عن ذكره لأنه يفهم منه. # ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: 26: 4 إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ms208 ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين فاستغني عن خبر الأعناق بالخبر عن أصحابها. # ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: 9: 62 والله ورسوله أحق أن يرضوه المعنى: ~~والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله إذ إرضاؤه ~~هو إرضاء رسوله فلم يحتج أن يقول: يرضوهما. # فعلى هذا يكون الأصل في الآية: إن الله قريب من المحسنين. وأن رحمة الله ~~قريبة من المحسنين فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ذلك ظهور ~~المعنى. # وهذا المسلك مسلك حسن إذا كسى تعبيرا أحسن من هذا. وهو مسلك لطيف المنزع ~~دقيق على الافهام. وهو من أسرار القرآن. # والذي ينبغي أن يعبر عنه به: أن الرحمة صفة من صفات الرب تبارك وتعالى ~~والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه لأن الصفة لا تفارق موصوفها. فإذا كانت ~~قريبة من المحسنين فالموصوف تبارك وتعالى أولى بالقرب منه، بل قرب رحمته ~~تبع لقربه هو تبارك وتعالى من المحسنين. # PageV01P281 # وقد تقدم في أول الآية أن الله تعالى قريب من أهل الإحسان بإثابته ومن ~~أهل سؤاله بإجابته، وذكرنا شواهد ذلك، وأن الإحسان يقتضي قرب الرب من عبده ~~كما أن العبد قرب من ربه الإحسان، وأن من تقرب منه شبرا تقرب الله منه ~~ذراعا ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا. فالرب تبارك وتعالى قريب من ~~المحسنين ورحمته قريبة منهم، قربه يستلزم قرب رحمته. ففي حذف التاء هاهنا ~~تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة، وأن الله تعالى قريب من المحسنين ~~وذلك يستلزم القربين قربه وقرب رحمته. ولو قال إن رحمة الله قريبة من ~~المحسنين لم يدل على قربه تعالى منهم، لأن قربه تعالى أخص من قرب رحمته ~~والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص استلزم الأعم وهو قرب ~~رحمته فلا تستهن بهذا المسلك. فإن له شأنا. وهو متضمن لسر بديع من أسرار ~~الكتاب. وما أظن صاحب هذا المسلك قصد هذا المعنى ولا ألم به. وإنما أراد أن ~~الإخبار عن قرب الله تعالى من المحسنين كاف عن الاخبار عن قرب رحمته ms209 منهم. # فهو مسلك سابع: في الآية وهو المختار، وهو من أليق ما قيل فيها. # وإن شئت قلت قربه تبارك وتعالى من المحسنين وقرب رحمته منهم متلازمان لا ~~ينفك أحدهما عن الآخر فإذا كانت رحمته قريبة منهم فهو أيضا قريب منهم، وإذا ~~كان المعنيان متلازمين صح إرادة كل واحد منهما، فكان في بيان قربه سبحانه ~~من المحسنين من التحريض على الإحسان واستدعائه من النفوس وترغيبها فيه غاية ~~حظ لها وأشرفه وأجله على الإطلاق، وهو أفضل إعطاء أعطيه العبد وهو قربه ~~تبارك وتعالى من عبده الذي هو غاية الأماني ونهاية الآمال وقرة العيون ~~وحياة القلوب وسعادة العبد كلها فكان في العدول عن قريبة إلى قريب من ~~استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلف بعده إلا غلبت عليه من ~~شقاوته ولا قوة إلا بالله. # PageV01P282 ### | ### | ### | ### | فصل # # المسلك الثامن: أن الرحمة مصدر والمصادر كما لا تثنى ولا تجمع فحقها أن ~~لا تؤنث وهذا المسلك ضعيف جدا فإن الله سبحانه حيث ذكر الرحمة أجرى عليها ~~التأنيث كقوله: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون وقوله فيما # حكى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: «إن رحمتي غلبت أو سبقت غضبي» # ولو كان حذف التاء من الرحمة لكونها مصدرا والمصادر لاحظ للتأنيث فيها لم ~~يعد عليها الضمير إلا مذكرا وكذلك ما كان من المصادر بالتاء كالقدرة ~~والإرادة والحكمة والهمة ونظائرها وفي بطلان ذلك دليل على بطلان هذا ~~المسلك. # فصل # المسلك التاسع: أن القريب يراد به شيئان أحدهما: النسب والقرابة فهذا ~~بالتاء تقول فلانة قريبة لي والثاني قرب المكان وهذا بلا تاء تقول جلست ~~فلانة قريبا مني ولا تقول قريبة مني وهذا مسلك الفراء رحمه الله وجماعة وهو ~~أيضا ضعيف فإن هذا إنما هو إذا كان لفظ القريب ظرفا فإنه يذكر كما قال تقول ~~جلست المرأة مني قريبا. فأما إذا كان اسما محضا فلا. # فصل # المسلك العاشر: أن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ فيه حذف التاء كما ~~تقول طلع الشمس وطلعت وهذا المسلك أيضا فاسد ms210 فإن هذا إنما يكون إذا أسند ~~الفعل إلى ظاهر المؤنث فأما إذا أسند إلى ضميره فلا بد من التاء كقولك ~~الشمس طلعت وتقول الشمس طالعة ولا تقول طالع لأن في الصفة ضميرها فهي بمعنى ~~الفعل في ذلك سواء. # PageV01P283 ### | ### | فصل # # المسلك الحادي عشر: ان قريبا مصدر لا وصف وهو بمنزلة النقيض فجرد من ~~التاء، لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه التاء. # ولهذا تقول: امرأة عدل، ولا تقول: عدلة، وامرأة صوم وصلاة وصدق وبر ~~ونظائره. # وهذا المسلك من أفسد ما قيل في: «قريب» فإنه لا يعرف استعماله مصدرا ~~أبدا، وإنما هو وصف والمصدر هو «قرب» لا «قريب» . # فصل # المسلك الثاني عشر: أن فعيلا وفعولا مطلقا يستوي فيهما المذكر والمؤنث ~~حقيقيا كان أو غير حقيقي، كما قال امرؤ القيس: # برهرهة رودة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر # قطيع القيام، فتور الكلام ... تفتر عن ذي عزوب خصر # وقال أيضا: # له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا # وقال جرير: # أتنفعك الحياة وأم عمرو ... قريب لا تزور ولا تزار؟ # وقال جرير أيضا: # كأن لم نحارب يابثين لو أنها ... تكشف غماها وأنت صديق # وقال أيضا: # دعون الهوى ثم ارتهن قلوبنا ... بأسهم أعداء، وهن صديق # قالوا: وشواهد ذلك كثيرة. # PageV01P284 # وفي هذا المسلك غنية عن تلك التعسفات والتأويلات. # وهذا المسلك ضعيف أيضا. وممن رده أب عبد الله بن مالك، فقال: # هذا القول ضعيف، لأن قائله إما أن يريد أن فعيلا في هذا الموضع وغيره ~~يستحق ما يستحقه فعول من الجري على المذكر والمؤنث بلفظ واحد، وإما أن يريد ~~أن فعيلا في هذا الموضع خاصة محمول على فعول. فالأول مردود لإجماع أهل ~~العربية على التزام التاء في ظريفة وشريفة وأشباههما وزنا ودلالة ولذلك ~~احتاج علماؤهم أن يقولوا في قوله تعالى: وما كانت أمك بغيا وقوله: ولم أك ~~بغيا أن الأصل هو بغوي على فعول، فلذلك لم تلحقه التاء، ثم أعل بإبدال ~~الواو ياء والضمة كسرة، فصار لفظه كلفظ فعيل، ولو كان فعيلا أصلا للحقته ms211 ~~التاء، فقيل: لم أك بغية. والثاني أيضا مردود لأن لفعيل على فعول من ~~المزايا ما لا يليق به أن يكون تبعا له، بل العكس أولى أن يكون فعولا تبعا ~~لفعيل، ولأنه يتضمن حمل فعيل على فعول، وهما مختلفان لفظا ومعنى أما اللفظ ~~فظاهر، وأما المعنى فلأن قريبا لا مبالغة فيه لأنه يوصف به كل ذي قرب وإن ~~قل، وفعول لا بد فيه من المبالغة. # وأيضا فإن الدال على المبالغة لا بد أن يكون له بنية لا مبالغة فيها، ثم ~~يقصد به المبالغة، فتغير بنيته كضارب وضروب، وعالم وعليم. وقريب ليس كذلك ~~فلا مبالغة فيه. # وأما بيت امرؤ القيس فلا حجة فيه لوجوه. # أحدها: أنه نادر فلا حكم له فلا كثرت صوره ولا جاء على الأصل كاستحوذ ~~واستوثق البعير، وأغيمت السماء وأغور وأحول، وما كان كذلك فلا حكم له. # الثاني: أن يكون أراد قطيعة القيام، ثم حذف التاء للإضافة، فإنها يجوز ~~حذفها عند الفراء وغيره، وعليه حمل قوله تعالى: وأقام الصلاة # PageV01P285 # أي إقامتها، لأن المعروف في ذلك إنما هو لفظ الإقامة، ولا يقال «إقام» ~~دون إضافة كما لا يقال «إراد» في إرادة ولا «إقال» في إقالة، لأنهم جعلوا ~~هذه التاء عوضا عن ألف إفعال أو عينه، لأن أصل إقامة إقوام فنقلت حركة ~~العين إلى الفاء فانقلبت ألفا فالتقت ألفان فحذفت إحداهما فجاؤوا بالتاء ~~عوضا، فلزمت إلا مع الإضافة، فإن حذفها جائز عند قوم قياسا، وعند آخرين ~~سماعا. # ومثلها في اللزوم: تاء عدة وزنة. وأصلهما وعد ووزن، فحذفت الواو، وجعلت ~~التاء عوضا منها فلزمت. وقد تحذف للإضافة كقول الشاعر: # إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # أي أخلفوك عدة الأمر، فحذف التاء. # وعلى هذه اللغة قرأ بعض القراء ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة بالهاء ~~أي عدته. فحذف التاء. # الثالث: أن يكون فعيل في قوله «قطيع القيام» بمعنى مفعول، لأن صاحب ~~المحكم حكى أنه يقال قطعه وأقطعه إذا بكته، وقطع هو فهو قطيع القول. فقطيع ~~على هذا بمعنى مقطوع ms212 أي مبكت، فحذف التاء على هذا التوجيه ليس مخالفا ~~للقياس. # وإن جعل قطيعا مبنيا على قطع كسريع من سرع: فحقه على ذلك أن يلحقه التاء ~~عند جريه على المؤنث أنه شبه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، فأجرى مجراه. # فهذا تمام اثني عشر مسلكا في هذه الآية، أصحها المسلك المركب من السادس ~~والسابع. وباقيها ضعيف واه ومحتمل والمبتدي والمقلد لا يدرك هذه الدقائق ~~والفاضل المنصف لا يخفى عليه قويها من ضعيفها. وليكن هذا آخر الكلام على ~~الآية والله أعلم. # PageV01P286 ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى # 58] # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا ~~نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) # أخبر سبحانه إنهما إحياء ان، وأن أحدهما معتبر بالآخر مقيس عليه. # ثم ذكر قياسا آخر: أن من الأرض ما يكون أرضا طيبة. فإذا أنزلنا عليها ~~الماء أخرجت نباتها بإذن ربها. فهذه إذا أنزل عليها الماء لم تخرج ما أخرجت ~~الأرض الطيبة. # فشبه سبحانه الوحي الذي أنزل من السماء على القلوب بالماء الذي أنزله على ~~الأرض، لحصول الحياة بهذا وهذا. # وشبه القلوب بالأرض، إذ هي محل الأعمال، كما أن الأرض محل النبات، وأن ~~القلب الذي لا ينتفع بالوحي، ولا يزكو عليه، ولا يؤمن به كالأرض التي لا ~~تنتفع بالمطر، ولا تخرج نباتها به إلا قليلا، لا ينفع. # وأن القلب الذي آمن بالوحي وزكا عليه، وعمل بما فيه كالأرض التي أخرجت ~~نباتها بالمطر. # فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقله، وتدبره بان أثره عليه، فشبه بالبلد الطيب ~~الذي يمرح ويخصب، ويحسن أثر المطر عليه، فينبت من كل زوج كريم، والمعرض عن ~~الوحي عكسه. والله الموفق. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 157] # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم ms213 والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) # إذا كان لا معنى عند نفاة الحكمة عن الرب، والحسن والقبح # PageV01P287 # الفطريين- للمعروف: إلا ما أمر به، فصار معروفا بالأمر فقط، ولا للمنكر: ~~إلا ما نهى عنه. فصار منكرا بنهيه فقط فأي معنى لقوله تعالى: # يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. # وهل حاصل ذلك زائد على أن يقال: يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عما ~~ينهاهم عنه؟. # وهذا كلام ينزه عنه كلام آحاد العقلاء، فضلا عن كلام رب العالمين. # وهل دلت الآية إلا على أنه أمرهم بالمعروف الذي تعرفه العقول، وتقر بحسنه ~~الفطر، فأمرهم بما هو معروف في نفسه عند كل عقل سليم. ونهاهم عما هو منكر ~~في الطباع والعقول بحيث إذا عرض أمره ونهيه على العقل السليم قبله أعظم ~~قبول، وشهد بحسنه كما قال بعض الأعراب، وقد سئل: # بم عرفت أنه رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل: ليته ينهي عنه. # ولا نهى عن شيء، فقال: ليته أمر به. # فهذا الاعرابي أعرف بالله ودينه ورسوله من هؤلاء، وقد أقر عقله وفطرته ~~بحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه، حتى كان في حقه من أعلام نبوته وشواهد ~~رسالته. # ولو كان جهة كونه معروفا ومنكرا هو الأمر المجرد لم يكن فيه دليل. # بل كان يطلب له الدليل من غيره. # ومن سلك ذلك المسلك الباطل لم يمكنه أن يستدل على صحة نبوته بنفس دعوته ~~ودينه. # ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به، والملة التي دعا إليها من أعظم براهين ~~صدقه، وشواهد نبوته. ومن يثبت لذلك صفات وجودية أوجبت حسنه وقبول العقول ~~ولضده صفات أوجبت قبحه ونفور العقل عنه، فقد سد على نفسه باب الاستدلال ~~بنفس الدعوة، وجعلها مستدلا عليه فقط. # PageV01P288 # ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى: # 7: 157 ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فهذا صريح في أن الحلال كان ~~طيبا قبل حله. وأن الخبيث كان خبيثا قبل تحريمه. ولم يستفد طيب هذا وخبث ~~هذا من ms214 نفس التحليل والتحريم لوجهين اثنين. # أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب ~~فقال: 7: 157 الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم ~~الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم فلو كان الطيب والخبيث إنما ~~استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل. فإنه بمنزلة أن يقال: يحل ~~لهم ما يحل، ويحرم عليهم ما يحرم. وهذا أيضا باطل. فإنه لا فائدة فيه وهو ~~الوجه الثاني. # فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيبا آخر، فصار ~~منشأ طيبه من الوجهين معا. # فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار الشريعة، ويشرفك على محاسنها ~~وكمالها وبهجتها وجلالها. وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين: أن تكون ~~بخلاف ما وردت به. وأن الله تعالى منزه عن ذلك، كما يتنزه عن سائر ما يليق ~~به. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 176] # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ~~الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله ~~كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) # PageV01P289 # فشبه سبحانه من آتاه كتابه، وعلمه العلم الذي منعه غيره. فترك العمل به ~~واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على ~~الخالق: بالكلب الذي هو من أخس الحيوانات، وأوضعها قدرا، وأخسها نفسا. ~~وهمته لا تتعدى بطنه. وأشدها شرها وحرصا. ومن حرصه: أنه لا يمشي إلا وخطمه ~~في الأرض يتشمم، ويستروح حرصا وشرها. ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزاء ~~جسمه وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته. وهو من أمهن ~~الحيوانات وأحملها للهوان، وأرضاها بالدنايا والجيف القذرة المروحة أحب ~~إليه من اللحم، والعذرة أحب إليه من الحلوى. وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب ~~لم يدع كلبا يتناول معه منها شيئا إلا ms215 هر عليه وقهره، لحرصه وبخله وشرهه. # ومن عجيب أمره وحرصه: أنه إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دنية، وحال زرية ~~نبحه، وحمل عليه، كأنه يتصور مشاركته له، ومنازعته في قوته. وإذا رأى ذا ~~هيئة وثياب جميلة ورئاسة: وضع له خطمه بالأرض، وخضع له، ولم يرفع إليه ~~رأسه. # وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه: ~~بالكلب في حال لهثه: سر بديع. وهو أن هذا الذي حاله ما ذكره الله من ~~انسلاخه من آياته واتباعه هواه: إنما كان لشدة لهفه على الدنيا. لانقطاع ~~قلبه عن الله والدار الآخرة. فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب ~~الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ ~~والمعنى. # قال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له: إن تحمل عليه يلهث، أو ~~تتركه يلهث. فهو مثل الذي يترك الهدى، لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع. # قلت: مراده بانقطاع فؤاده: أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك # PageV01P290 # اللهث وهكذا هذا الذي انسلخ من آيات الله، لم يبق معه فؤاد يحمله على ~~الصبر عن الدنيا، وترك اللهف عليها. فهذا يلهث على الدنيا من قلة صبره ~~عنها. وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء. فالكلب من أقل الحيوانات صبرا عن ~~الماء، وإذا عطش أكل الثرى من العطش، وإن كان فيه صبر على الجوع. وعلى كل ~~حال فهو أشد الحيوانات لهثا: يلهث قائما، وقاعدا، وماشيا، وواقفا. وذلك ~~لشدة حرصه، فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث. # فهكذا مشبهه: شدة الحرص وحرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث فإن ~~حملت عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث، وإن تركته ولم تعظه فهو يلهث. # قال مجاهد: ذلك مثل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به. وقال ابن عباس: إن ~~تحمل عليه الحكمة لم يحملها. وإن تتركه لم يهتد إلى خير، كالكلب إن كان ~~رابضا لهث، وإن طرد لهث. # وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحق، دعي أو لم يدع، وعظ أو ms216 لم ~~يوعظ. كالكلب يلهث طردا وتركا. # وقال عطاء: ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه. # وقال أبو محمد بن قتيبة: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا ~~الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال الصحة، وحال المرض ~~والعطش. # فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته، وقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ~~ضال. كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث. # ونظيره قوله سبحانه: 7: 193 وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم ~~أدعوتموهم أم أنتم صامتون. # PageV01P291 # وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعاني. # فمنها قوله: آتيناه آياتنا فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته. فإنها ~~نعمة والله هو الذي أنعم بها علينا. فأضافها إلى نفسه. ثم قال: فانسلخ منها ~~أي خرج منها، كما تنسلخ الحية من جلدها. وفارقها فراق الجلد يسلخ عن اللحم. # ولم يقل: فسلخناه منها لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباعه هواه. # ومنها قوله سبحانه: فأتبعه الشيطان أي لحقه وأدركه، كما قال في قوم ~~فرعون: 26: 60 فأتبعوهم مشرقين وكان محفوظا محروسا بآيات الله محمي الجانب ~~بها من الشيطان لا ينال منه شيئا إلا على غرة وخطفة. فلما انسلخ من آيات ~~الله ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته فكان من الغاوين العاملين بخلاف ~~علمهم، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافة، كعلماء السوء. # ومنها: أنه سبحانه قال: ولو شئنا لرفعناه بها فأخبر سبحانه أن الرفعة ~~عنده ليست بمجرد العالم. فإن هذا كان من العلماء، وإنما هي باتباع الحق ~~وإيثاره، وقصد مرضاة الله. فإن هذا كان من أعلم أهل زمانه. ولم يرفعه الله ~~بعلمه، ولم ينفعه به. نعوذ بالله من علم لا ينفع. # وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم، وإن لم ~~يرفعه الله فهو موضوع، لا يرفع أحد به رأسا. فإن الرب الخافض الرافع سبحانه ~~خفضه ولم يرفعه. # والمعنى: لو شئنا فضلناه وشرفناه ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي ~~آتيناه. # قال ابن عباس: لو شئنا ms217 لرفعناه بعلمه. # وقالت طائفة: الضمير في قوله «لرفعناه» عائد على الكفر. # PageV01P292 # والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بما معه من آياتنا. قال مجاهد وعطاء: # لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه. # وهذا المعنى حق. والأول هو مراده الآية. وهذا من لوازم المراد. # وقد تقدم أن السلف كثيرا ما ينبهون على لازم معنى الآية، فيظن الظان أن ~~ذلك هو المراد منها. # قوله: ولكنه أخلد إلى الأرض قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض. وقال ~~مجاهد: سكن. وقال مقاتل: رضي بالدنيا. وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ. # والمخلد من الرجال: هو الذي يبطئ في مشيته. ومن الدواب: التي تبقى ثناياه ~~إلى أن تخرج رباعيته. # وقال الزجاج: خلد وأخلد. وأصله من الخلود. وهو الدوام والبقاء. # يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به. قال مالك بن نويرة: # بأبناء حي من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا # قلت: ومنه قوله تعالى: 56: 17 يطوف عليهم ولدان مخلدون أي قد خلقوا ~~للبقاء، لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سن واحد أبدا. # وقيل: هم المقرطون في آذانهم والمسورون في أيديهم. وأصحاب هذا القول ~~فسروا اللفظة ببعض لوازمها. وذلك أمارة التخليد على ذلك السن فلا تنافي بين ~~القولين. # وقوله: واتبع هواه قال الكلبي: اتبع مسافل الأمور، وترك معاليها. # وقال أبو روق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال عطاء: أراد الدنيا # PageV01P293 # وأطاع شيطانه. وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني الذين حاربوا موسى ~~وقومه وقال ابن يمان: اتبع امرأته لأنه هي التي حملته على ما فعل. # فإن قيل: الإستدراك «بلكن» يقتضي أن يثبت بعدها ما نفي قبلها، أو ينفي ما ~~أثبت، كما تقول: لو شئت لأعطيته، لكني لم أعطه، ول شئت لما فعلت كذا لكني ~~فعلته. والإستدراك يقتضي: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنا لم نشأ، أو لم نرفعه، ~~فكيف استدرك بقوله: ولكنه أخلد إلى الأرض بعد قوله: لو شئنا لرفعناه بها. # قيل: هذا من الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى، المعدول فيه عن مراعاة ~~الألفاظ إلى المعاني. وذلك أن مضمون قوله: ولو ms218 شئنا لرفعناه بها أنه لم ~~يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات: من إيثار الله ومرضاته على هواه، ~~ولكنه آثر الدنيا، وأخلد إلى الأرض واتبع هواه. # وقال الزمخشري: المعنى: ولو لزم آياتنا لرفعناه بها. فذكر المشيئة ~~والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه، كأنه قيل: لو لزمها لرفعناه بها. قال: # ألا ترى إلى قوله: ولكنه أخلد فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله. ~~فوجب أن يكون: ولو شئنا في معنى: ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره ~~لوجب أن يقال: ولو شئنا لرفعناه، ولكنا لم نشأ. # فهذا من الزمخشري شنشنة «1» نعرفها من قدري ناف للمشيئة العامة، مبعد ~~للنجعة في جعل كلام الله معتزليا قدريا. # فأين قوله: ولو شئنا من قوله: ولو لزمها. ثم إذا كان اللزوم لها موقوفا ~~على مشيئة الله- وهو الحق- بطل أصله. # وقوله: إن مشيئة الله تابعة للزوم الآيات: من أفسد الكلام وأبطله، بل ~~لزومه لآياته تابع لمشيئة الله، فمشيئة الله سبحانه متبوعة لا تابعة. وسبب ~~PageV01P294 # لا مسبب. وموجب مقتض لا مقتضى فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع ~~وجوده. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 189] # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن من الشاكرين (189) # فجعل علة السكون أنها منه. ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب أن ~~لا يستحسن الأنقص من الصور. ونحن نجد كثيرا ممن يؤثر الأدنى ويعلم فضل ~~غيره، ولا يجد محيدا لقلبه عنه. # ولو كان للموافقة في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه. ~~فعلمنا أنه شيء في ذات النفس. وربما كانت المحبة بسبب من الأسباب، فتفنى ~~بفنائه. # PageV01P295 ### | سورة الأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 17] # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) # قلت اعتقد جماعة أن المراد بالآية: سلب فعل الرسول عنه، وإضافته إلى الرب ~~تعالى، وجعلوا ms219 ذلك أصلا في الجبر، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق ~~نسبتها إلى الرب وحده. وهذا أغلظ منهم في فهم القرآن، فلو صح ذلك لوجب طرده ~~في جميع الأعمال. فيقال: ما صليت، وما صمت إذا صمت، وما ضحيت إذ ضحيت، ولا ~~فعلت كل فعل إذ فعلته، ولكن الله فعل ذلك. فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع ~~أفعال العباد طاعاتهم ومعاصيهم، إذ لا فرق. فإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله ~~جميعها، أو رميه وحده، تناقضوا، فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية. # وبعد: فهذه الآية نزلت في شأن رميه صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر ~~بقبضة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته. ومعلوم أن تلك الرمية ~~من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه صلى الله عليه وسلم مبدأ الرمي وهو ~~الحذف ومن الله سبحانه وتعالى نيابة، وهو الإيصال. فأضاف إليه رمي الحذف ~~الذي هو مبدؤه ونفي عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته. # PageV01P297 # ونظير هذا قوله في الآية نفسها: فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم ثم قال: ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فأخبر أنه وحده هو الذي تفرد بقتلهم، ولم ~~يكن ذلك بكم أنتم، كما تفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن ذلك من ~~رسوله. ولكن وجه الإشارة بالآية: أنه سبحانه أقام أسبابا ظاهرة لدفع ~~المشركين، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس. ~~فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا إليه، وبه، وهو خير الناصرين. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 24] # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) # فتضمنت هذه الآية أمورا. # أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل باستجابة لله ولرسوله، فمن لم تحصل ~~له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية، مشتركة بينه وبين ~~أرذل الحيوانات. فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ~~ظاهرا وباطنا. فهؤلاء هم الأحياء، وإن ماتوا وغيرهم أموات وأن كانوا أحياء ~~الأبدان. ms220 ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. # فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة. فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة. ~~وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول. قال مجاهد لما يحييكم يعني: # للحق. وقال قتادة: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في ~~الدنيا والآخرة. وقال السدي: هو الإسلام، أحياهم به بعد موتهم بالكفر. # قال بن إسحاق وعروة بن الزبير- واللفظ له- لما يحييكم: يعني للحرب التي ~~أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد ~~القهر منهم لكم. # PageV01P298 # وهذه كلها عبارات عن حقيقة واحدة. وهي القيام بما جاء به الرسول ظاهرا ~~وباطنا. # قال الواحدي: والأكثرون على أن معنى قوله: لما يحييكم هو الجهاد. وهو قول ~~ابن إسحاق، واختيار أكثر أهل المعاني. # قال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم، يريد أن أمرهم إنما ~~يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم، واجترأ عليهم عدوهم. # قلت: الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة. ~~أما في الدنيا: فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد. # وأما في البرزخ: فقد قال تعالى: 3: 169 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. # وأما في الآخرة: فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ ~~غيرهم ولهذا قال ابن قتيبة: لما يحييكم يعني الشهادة. وقال بعض المفسرين: ~~لما يحييكم يعني الجنة. فإنها دار الحيوان، وفيها الحياة الدائمة الطيبة. ~~حكاه أبو علي الجرجاني. والآية تتناول هذا كله. فإن الإيمان والإسلام ~~والقرآن والجهاد يحيي القلوب الحياة الطيبة، وكمال الحياة في الجنة. ~~والرسول داع إلى الإيمان وإلى الجنة. وهو داع إلى الحياة في الدنيا ~~والآخرة. والإنسان مضطر إلى نوعين من الحياة حياة بدنه التي بها يدرك ~~النافع والضار ويؤثر ما ينفعه على ما يضره. ومتى نقصت فيه هذه الحياة له من ~~الألم والضعف بحسب ذلك. ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهم والغم ~~والخوف والفقر والذل ms221 دون حياة من هو معافي من ذلك. # وحياة قلبه وروحه التي بها يميز بين الحق والباطل، والغي والرشاد، والهوى ~~والضلال فيختار الحق على ضده، فتفيده هذه الحياة قوة التمييز بين # PageV01P299 # النافع والضار في العلوم والإرادات، والأعمال. وتفيده قوة الإيمان ~~والإرادة والحب للحق، وقوة البغض والكراهة للباطل: فشعوره وتميزه ونصرته ~~بحسب نصيبه من هذه الحياة. كما أن البدن الحي يكون شعوره وإحساسه بالنافع ~~والمؤلم أتم، ويكون ميله إلى النافع ونصرته عن المؤلم أعظم فهذا بحسب حياة ~~البدن. وذلك بحسب حياة القلب. فإذا بطلت حياته بطل تمييزه وإن كان له نوع ~~تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار، كما أن الإنسان لا حياة ~~له حتى ينفخ فيه الملك الذي هو رسول الله من روحه. فيصير حيا بذلك النفخ. ~~وكان فضل ذلك من جملة الأموات فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من الروح الذي ألقى الله إليه قال تعالى: 16: 2 ~~ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده وقال: 40: 15 يلقي ~~الروح من أمره على من يشاء من عباده وقال: 42: 52 وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا. ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من ~~نشاء من عبادنا فأخبر أن وحيه روح ونور. فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ ~~الرسول الملكي فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له ~~الحياتان. # ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له إحدى الحياتين، وفاتته ~~الأخرى. # قال تعالى: 6: 122 أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها فجمع له بين النور والحياة، كما ~~جمع لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة. قال ابن عباس وجميع المفسرين: ~~كان كافرا ضالا فهديناه. # وقوله: وجعلنا له نورا يمشي به في الناس يتضمن أمورا. # أحدها: أنه يمشي في الناس بالنور، وهم في الظلمة. فمثله ومثلهم كمثل قوم ~~أظلم عليهم الليل، فضلوا ms222 ولم يهتدوا للطريق. وآخر معه نور # PageV01P300 # يمشي به في الطريق ويراها، ويرى ما يحذره فيها. # وثانيها: أنه يمشي بنوره فهم يقتبسون فيه لحاجتهم إلى النور. # وثالثها: أنه يمشي بنوره يوم القيامة على الصراط إذا بقي أهل الشرك ~~والنفاق في ظلمات شركهم ونفاقهم. # وقوله، 8: 4 واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه المشهور في الآية: أنه ~~يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. ويحول بين أهل ~~طاعته وبين معصيته وبين أهل معصيته وبين طاعته. وهذا قول ابن عباس وجمهور ~~المفسرين: وفي الآية قول آخر: أن المعنى: أنه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى ~~عليه خافية. فهو بينه وبين قلبه. ذكره الواحدي عن قتادة. # وكان هذا أنسب بالسياق. لأن الاستجابة أصلها بالقلب فلا تنفع الاستجابة ~~بالبدن. دون القلب. فإن الله سبحانه بين العبد وبين قلبه. فيعلم هل استجاب ~~له قلبه، وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه. # وعلى القول الأول: فوجه المناسبة: إنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم ~~عنها فلا تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم. فلا يمكنكم بعد ذلك من ~~الاستجابة، وعقوبة لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانته، فيكون كقوله: 6: ~~110 ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة وقوله: 61: 5 فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقوله: 7: # 101 فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل. # ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب، وإن استجاب بالجوارح. # وفي الآية سر آخر وهو أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به وهو الاستجابة، ~~وبين القدر والإيمان به. فهي كقوله: 81: 28، 29 لمن شاء منكم أن يستقيم. ~~وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين قوله: # PageV01P301 # 74: 55: 56 فمن شاء ذكره. وما يذكرون إلا أن يشاء الله والله أعلم. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 64] # يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) # أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك. فلا يحتاجون معه إلى أحد. # وهاهنا تقديران. # أحدهما: أن تكون الواو عاطفة «من» على الكاف المجرورة، ويجوز العطف على ~~الضمير المجرور بدون إعادة الجار على المذهب المختار ms223 وشواهده كثيرة وشبه ~~المنع منه واهية. # والثاني أن تكون الواو واو المعية وتكون «من» في محل نصب عطفا على الموضع ~~فإن «حسبك» في معنى كافيك، أي الله يكفيك ويكفي من اتبعك، كما تقول العرب: ~~حسبك وزيدا درهم قال الشاعر: # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند # وهذا أصح التقديرين: # وفيها تقدير ثالث: أن تكون «من» في موضع رفع بالابتداء أي: ومن اتبعك من ~~المؤمنين حسبهم الله. # وفيها تقدير رابع- وهو خطأ من جهة المعنى- وهو أن يكون «من» في موضع رفع ~~عطفا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك. # وهذا- وإن قال به بعض الناس- فهو خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه فإن ~~الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوي والعبادة. قال الله تعالى: 8: 62 ~~وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله، هو الذي أيدك # PageV01P302 # بنصره وبالمؤمنين # ففرق بين الحيب والتأييد. فجعل الحيب له وحده، وجل التأييد له بنصره ~~وبعباده. # وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب ~~فقال تعالى: 3: 173 الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ولم يقولوا: حسبنا الله ~~ورسوله. فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله ~~«الله وأتباعك حسبك» وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب ولم يشركوا بينه ~~وبين رسوله فيه؟ فكيف يشرك الله بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا من أمحل ~~المحال، وأبطل الباطل. # ونظير هذا قوله تعالى: 9: 59 ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله. إنا إلى الله راغبون. # وتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله. كما قال تعالى: 59: 7 وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل ~~جعله خالص حقه، كما قال تعالى: إنا إلى الله راغبون ولم يقل: وإلى رسوله، ~~بل جعل الرغبة إليه وحده، كما قال تعالى: 94: 7، 8 فإذا فرغت فانصب وإلى ~~ربك فارغب. # فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله ms224 وحده، كما أن العبادة والتقوى ~~والسجود لله وحده والنذر والحلف لا يكون إلا له سبحانه وتعالى. # ونظير هذا: قوله تعالى: 39: 36 أليس الله بكاف عبده فالحسب هو الكافي. ~~فأخبر سبحانه وتعالى أنه وحده كاف عبده. فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه ~~الكفاية؟ والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل الفاسد أكثر من أن تذكر ~~هاهنا. # وأما التثبيط ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 46] # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين (46) # PageV01P303 # والتثبيط رد الإنسان عن الشيء الذي يفعله. قال ابن عباس: يريد خزلهم ~~وكسلهم عن الخروج. وقال في رواية أخري: حبسهم. قال مقاتل: وأوحى إلى قلوبهم ~~اقعدوا مع القاعدين. وقد بين سبحانه حكمته في هذا التثبيط والخذلان قبل ~~وبعد، فقال: 9: 45- 46 إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين فلما تركوا الإيمان به ~~وبلقائه، وارتابوا بما لا ريب فيه، ولم يريدوا الخروج في طاعة الله، ولم ~~يستدعوا له، ولا أخذوا أهبة ذلك كره سبحانه انبعاث من هذا شأنه. فإن من لم ~~يرفع به وبرسوله وكتابه رأسا ولم يقبل هديته التي أهداها إليه على يد أحب ~~خلقه إليه وأكرمهم عليه، ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها، بل بدلها ~~كفرا. فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهه سبحانه فثبطه لئلا يقع ما يكره ~~من خروجه، وأوحى إلى قلبه قدرا وكونا أن يقعد مع القاعدين ثم أخبر سبحانه ~~عن الحكمة التي تتعلق بالمؤمنين في تثبيط هؤلاء عنهم ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 47] # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم ~~سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) # والخبال: الفساد والاضطراب فلو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم. ~~فأوقعوا بينهم الاضطراب والاختلال. قال ابن عباس: ما زادوكم إلا خبالا: ~~عجزا وجبنا. يعني يجبنوهم عن لقاء العدو بتهويل أمرهم، وتعظيمهم في صدورهم. ~~ثم قال: 9: 47 ولأوضعوا خلالكم ms225 أي أسرعوا في الدخول بينكم للتفريق ~~والإفساد. قال ابن عباس: يريد أضعفوا شجاعتكم، يعني بالتفريق بينهم، لتفرق ~~الكلمة فيجبنوا عن لقاء العدو. # وقال الحسن: لأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات البين. وقال الكلبي: # ساروا بينكم يبغونكم العيب. قال لبيد: # PageV01P304 # أرانا موضعين لحتم عيب ... وسحر بالطعام وبالشراب # أي مسرعين. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة. # يتألهن بالعرفان لما عرفتني ... وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا # أي أسرع حتى كلت مطيته يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم قال قتادة وفيكم ~~من يسمع كلامهم ويطيعهم، وقال ابن إسحاق: وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة ~~فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم. ومعناه على هذا القول: وفيكم أهل سمع وطاعة ~~لهم لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم. # قلت: تتضمن «سماعون» معنى مستجيبين. وقال مجاهد وابن زيد والكلبي: المعنى ~~وفيكم ميول لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، أي جواسيس والقول هو الأول. ~~كما قال تعالى: سماعون للكذب أي قابلون له. ولم يكن في المؤمنين جواسيس ~~للمنافقين. فإن المنافقين كانوا مختلطين بالمؤمنين، ينزلون معهم ويرحلون ~~ويصلون معهم، ويجالسونهم، ولم يكونوا متحيزين عنهم قد أرسلوا فيهم العيون ~~ينقلون إليهم أخبارهم. فإن هذا إنما يفعله من انحاز عن طائفة ولم يخالطها. ~~وأرصد بينهم عيونا له. فالقول قول قتادة وابن إسحاق والله أعلم. # فإن قيل: انبعاثهم إلى طاعته طاعة له. فكيف يكرهها؟ وإذا كان سبحانه ~~يكرهها فهو يحب ضدها لا محالة، إذ كراهة أحد الضدين تستلزم محبة الضد الآخر ~~فيكون قعودهم محبوبا له، فكيف يعاقبهم عليه؟. # قيل: هذا سؤال له شأن، وهو من أكبر الأسئلة في هذا الباب. # وأجوبة الطوائف على حسب أصولهم. # فالجبرية: تجيب عنه بأن أفعاله لا تعلل بالحكم والمصالح. وكل ممكن فهو ~~جائز عليه. ويجوز أن يعذبهم على فعل ما يحبه ويرضاه وترك ما # PageV01P305 # يبغضه ويسخطه والجميع بالنسبة إليه سواء. # وهذه الفرقة قد سدت على نفسها باب الحكمة والتعليل. # والقدرية: تجيب عنه على أصولها أنه سبحانه لم يثبطهم حقيقة ولم يمنعهم، ~~بل هم منعوا أنفسهم، وثبطوها عن الخروج، وفعلوا ما لا ms226 يريد. # ولما كان في خروجهم المفسدة التي ذكرها الله سبحانه ألقى في نفوسهم كراهة ~~الخروج مع رسوله. # قالوا: وجعل سبحانه إلقاء كراهة الإنبعاث في قلوبهم كراهة مشيئة، من غير ~~أن يكره هو سبحانه انبعاثهم. فإنه أمرهم به. # قالوا: وكيف يأمرهم بما يكرهه. ولا يخفى على من نور الله بصيرته فساد ~~هذين الجوابين وبعدهما من دلالة القران. # فالجواب الصحيح: أنه سبحانه أمرهم بالخروج طاعة ولأمره واتباعا لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم، ونصرة له وللمؤمنين، وأحب ذلك منهم ورضيه لهم دينا، ~~وعلم سبحانه أن خروجهم لو خرجوا لم يقع على هذا الوجه، بل يكون خروجهم خروج ~~خذلان لرسوله وللمؤمنين، فكان خروجا يتضمن خلاف ما يحبه ويرضاه، ويستلزم ~~وقوع ما يكرهه ويبغضه، فكان مكروها له من هذا الوجه، ومحبوبا له من الوجه ~~الذي خرج عليه أو يساؤه. وهو يعلم أنه لا يقع منهم إلا على الوجه المكروه ~~له. فكرهه وعاقبة على ترك الخروج الذي يحبه ويرضاه، لا على ترك الخروج الذي ~~يبغضه ويسخطه. # وعلى هذا فليس الخروج الذي كرهه منهم طاعة، حتى لو فعلوه لم يثبتهم عليه ~~ولم يرضه معهم. وهذا الخروج المكروه له ضدان. # أحدهما: الخروج المضي المحبوب وهذا الضد هو الذي يحبه. # والثاني: التخلف عن رسوله والقعود عن الغزو معه. وهذا الضد يبغضه ويكرهه ~~أيضا. وكراهته للخروج على الوجه الذي كانوا يخرجون عليه # PageV01P306 # لا ينافي كراهته لهذا الضد. # فنقول للسائل: قعودهم مبغوض له، ولكن هاهنا أمران مكروهان له سبحانه. ~~أحدهما: أكره له من الآخر. لأنه أعظم مفسدة. فإن قعودهم مكروه له، وخروجهم ~~على الوجه الذي ذكره أكره إليه. ولم يكن لهم بد من أحد المكروهين إليه ~~سبحانه. فدفع المكروه الأعلى بالمكروه الأدنى. فإن مفسدة قعودهم عنه أصغر ~~من مفسدة خروجهم معه. فإن مفسدة قعودهم تختص بهم، ومفسدة خروجهم تعود على ~~المؤمنين. فتأمل هذا الموضع. # فإن قلت: فهلا وفقهم للخروج الذي يحبه ويرضاه، وهو الذي خرج عليه ~~المؤمنون؟. # قلت: قد تقدم الجواب مثل هذا السؤال مرارا. وأن حكمته سبحانه تأبى أن يضع ms227 ~~التوفيق في غير محله. وعند غير أهله. فالله أعلم حيث يجعل هداه وتوفيقه ~~وفضله. وليس كل محل يصلح لذلك. ووضع الشيء في غير محله لا يليق بحكمته. # فإن قلت: وعلى ذلك فهو جعل المحال كلها صالحة. # قلت: يأباه كمال ربوبية وملكه، وظهور آثار السماء وصفاته في الخلق والأمر ~~وهو سبحانه لو فعل ذلك لكان محبوبا له. فإنه يجب أن يذكر ويشكر ويطاع ويوحد ~~ويعبد، ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب إليه بين استواء أقدام الخلائق ~~في الطاعة والإيمان. وهو محبته لجهاز أعدائه والانتقام منهم وإظهار قدر ~~أوليائه وشرفهم وتخصيصهم بفضله. وبذل نفوسهم له في معاداة من عاداه، وظهور ~~عزته وقدرته وسطوته وشدة أخذه وأليم عقابه، وأضعاف أضعاف هذه الحكم التي لا ~~سبيل للخلق، ولو تناهوا في العلم والمعرفة. إلى الإحاطة بها. ونسبة ما ~~عقلوه منها إلى ما خفي عليهم كنقرة عصفور في بحر. ### | [سورة التوبة (9) : آية 103] # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله ~~سميع عليم (103) # أصل هذه اللفظة في اللغة يرجع إلى معنيين. أحدهما: الدعاء والتبريك. ~~والثاني العبادة. # فمن القول الأول: 9: 103 خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل ~~عليهم إن صلاتك سكن لهم وقوله تعالى في حق المنافقين: 9: # 84 ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، ولا تقم على قبره # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دعي أحدكم إلى الطعام فليجب، فإن ~~كان صائما فليصل» فسر بهما «1» . # قيل: فليدع لهم بالبركة، وقيل: يصلي عندهم بدل أكله. # وقيل: إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء. والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ~~ودعاء مسألة. والعابد داع، كما أن السائل داع. وبهما فسر قوله تعالى: 40: ~~60 وقال ربكم: ادعوني أستجب لكم قيل: أطيعوني أثبكم. # وقيل: سلوني أعطكم. وفسر بهما قوله تعالى: 2: 186 وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان. # والصواب أن الدعاء يعم النوعين، وهذا لفظ متواطئ لا اشتراك فيه. # فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: 34: 22 قل ادعوا ms228 الذين زعمتم ~~من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وقوله تعالى: ~~16: 20 والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون وقوله تعالى: ~~25: 77 قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم والصحيح من القولين: لولا أنكم ~~تدعونه وتعبدونه، أي شيء يعبؤه بكم لولا عبادتكم إياه. فيكون المصدر مضافا ~~إلى الفاعل. وقال تعالى: 7: # 55، 56 ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين. ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها، وادعوه خوفا وطمعا وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه PageV01P307 # ورسله: 21: 90 إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا. # وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء وبهذا ~~تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول من موضعه في ~~اللغة. فيكون حقيقة شرعية، أو مجازا شرعيا؟ فعلى هذا تكون الصلاة باقية على ~~مسماها في اللغة، وهو الدعاء. والدعاء دعاء عبادة ودعاء مسألة. والمصلي من ~~حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا ~~مجازا، ولا منقولة، لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ ~~التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوها. فهذا غاية ~~تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه ولهذا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه ~~الأصلي والله أعلم. ### | فصل # هذه الصلاة من الآدمي. # وأما صلاة الله سبحانه على عباده فنوعان: عامة وخاصة. # أما العامة: فهي صلاته على عباده المؤمنين، قال تعالى: 33: # 43 هو الذي يصلي عليكم وملائكته ومنه # دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة وعلى آحاد المؤمنين كقوله: «اللهم ~~صل على آل أبي أوفى» # وفي حديث آخر: «أن امرأة قالت له: صل علي وعلى زوجي. قال: صلى الله عليك ~~وعلى زوجك» . # النوع الثاني صلاته الخاصة: على أنبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم وخيرهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم. فاختلف الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على ~~أقوال. # PageV01P309 # أحدها: أنها رحمة. قال إسماعيل: حدثنا نصر بن علي قال حدثنا محمد بن سوار ~~عن جويبر ms229 عن الضحاك قال «صلاة الله رحمته وصلاة الملائكة الدعاء» . # وقال المبرد: أصل الصلاة الرحمة، فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رحمة ~~واستدعاء الرحمة من الله. # وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين. # والقول الثاني: أن صلاة مغفرته. قال إسماعيل حدثنا محمد بن أبي بكر قال: ~~حدثنا محمد بن سوار عن جويبر عن الضحاك «هو الذي يصلي عليكم، قال: صلاة ~~الله مغفرته. وصلاة الملائكة الدعاء» . # وهذا القول هو من جنس الذي قبله. وهما ضعيفان لوجوه. # أحدها: أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته. فقال: # 2: 155: 156: 157 وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ~~فعطف الرحمة على الصلاة: فاقتضى ذلك فغايرهما. هذا أصل العطف. # وأما قولهم: # وألفى قولها كذبا ومينا # فهو شاذ نادر، لا يحمل عليه أفصح الكلام، مع أن المين أخص من الكذب. # الوجه الثاني: أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين. ~~وأما رحمته فوسعت كل شيء. فليست الصلاة مرادفة للرحمة، لكن الرحمة من لوازم ~~الصلاة وموجباتها وثمراتها. فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمراتها ~~ومقصودها. وهذا كثيرا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن. # PageV01P310 # والرسول صلى الله عليه وسلم يفسر اللفظة بلوازمها وجزء معناها لتفسير ~~الريب بالشك. والشك جزء من الريب. وتفسير المغفرة بالستر، فهو جزء من مسمي ~~المغفرة. # وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان. وهو لازم الرحمة. ونظائر ذلك كثيرة قد ~~ذكرناها في أصول التفسير. # الوجه الثالث: أنه لا خلاف في جواز الرحمة على المؤمنين. واختلف السلف ~~والخلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء على ثلاثة أقوال، سنذكرها فيما بعد ~~إن شاء الله تعالى. # فعلم أنهما ليسا بمترادفين. # الوجه الرابع: أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال ~~الأمر وأسقطت الوجوب عند من أوجبها، إذا قال: اللهم ارحم محمدا وآل محمد. ~~وليس الأمر كذلك. # الوجه الخامس: أنه لا يقال عن رحم غيره ورق عليه فأطعمه أو سقاه أو كساه ~~أنه صلى عليه. ms230 ويقال: إنه قد رحمه. # الوجه السادس: أن الإنسان قد يرحم من يبغضه ويعاديه، فيجد في قلبه له ~~رحمة، ولا يصلي عليه. # الوجه السابع: أن الصلاة لا بد فيها من كلام. فهي ثناء من المصلي على من ~~يصلي عليه، وتنويه به وإشادة بمحاسنه وما فيه وذكره. ذكر البخاري في صحيحه ~~عن أبي العالية قال «صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة» وقال ~~إسماعيل في كتابه حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا خالد بن يزيد عن أبي جعفر عن ~~الربيع بن أنس عن أبي العالية «ان الله وملائكته يصلون على النبي قال: صلاة ~~الله عز وجل ثناؤه عليه، وصلاة الملائكة عليه: الدعاء» . # الوجه الثامن: أن الله سبحانه فرق بين صلاته وصلاة ملائكته وجمعها في # PageV01P311 # فعل واحد. وقال: 33: 56 إن الله وملائكته يصلون على النبي وهذه الصلاة لا ~~يجوز أن تكون هي الرحمة. وإنما هي ثناؤه سبحانه وثناء ملائكته عليه. # ولا يقال: الصلاة لفظ مشترك، ويجوز أن يستعمل في معنييه معا. # لأن في ذلك، محاذير متعددة. # أحدها: أن الاشتراك خلاف الأصل، بل لا يعلم أنه وقع في اللغة من واضع ~~واحد، كما نص على ذلك أئمة اللغة: منهم المبرد وغيره. وإنما يقع وقوعا ~~عارضا اتفاقيا، بسبب تعدد الواضعين. ثم تختلط اللغة فيعرض الاشتراك. # الثاني: أن الأكثرين لا يجوزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه، لا ~~بطريق الحقيقة، ولا بطريق المجاز وما حكي عن الشافعي من تجويزه ذلك فليس ~~بصحيح عنه. وإنما أخذ من قوله: إذا أوصى لمواليه، وله موال من فوق ومن أسفل ~~تناول جميعهم. فظن من ظن أن لفظ المولى مشترك بينهما، وأنه عند التجرد يحمل ~~عليهما. وهذا ليس بصحيح. فإن لفظ المولى من الألفاظ المتواطئة فالشافعي ~~وأحمد في ظاهر مذهبه يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ. وهو عنده عام ~~متواطئ لا مشترك. # وأما ما حكى عن الشافعي أنه قال في مفاوضة جرت له في قوله: # 5: 6 أو لامستم النساء قد قيل له: وقد يراد بالملامسة الجامعة. # فقال: هي محمولة على ms231 الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا فهذا لا يصح عن ~~الشافعي، ولا هو من جنس المألوف من كلامه. وإنما هذا من كلام بعض الفقهاء ~~المتأخرين. وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المشترك في معنييه معا في ~~بضعة عشر دليلا في مسألة القرء من كتاب التعليق على الأحكام. # PageV01P312 # فإذا كان معنى الصلاة هو الثناء على الرسول والعناية به، وإظهار شرفه ~~وفضله وحرمته، كما هو المعروف من هذه اللفظة، لم يكن الصلاة في الآية ~~مشتركا محمولا على معنييه، بل يكون مستعملا في معنى واحد. وهذا هو الأصل في ~~الألفاظ وسنعود إن شاء الله تعالى إلى هذه المسألة في الكلام على قوله ~~تعالى: 33: 56 إن الله وملائكته يصلون على النبي. # وأما الصرف فقال تعالى: 9: 127 وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: هل ~~يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون فأخبر ~~سبحانه عن فعلهم، وهو الانصراف، وعن فعله فيهم، وهو صرف قلوبهم ان القرآن ~~وتدبره، لأنهم ليسوا أهلا لها. فالمحل غير صالح ولا قابل. فإن صلاحية المحل ~~بشيئين: حسن فهم، وحسن قصد. # وهؤلاء قلوبهم لا تفقه، وقصودهم سيئة. وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: # 8: 23 ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ~~فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل الإيمان ~~بسببه إلى قلوبهم. فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعا تقوم ~~به عليهم حجته فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم. ثم أخبر ~~سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم، يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم. هذا السماع ~~الخاص، وهو الكبر التولي والاعراض. فالأول: # مانع من الفهم. والثاني: مانع من الانقياد والإذعان. فأفهامهم سيئة ~~وقصودهم رديئة وهذه سمة الضلال وعلم الشقاء. كما أن سمة الهدى وعلم السعادة ~~فهم صحيح، وقصد صالح. والله المستعان. # وتأمل قوله سبحانه: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم كيف جعل هذه الجملة ~~الثانية سواء كانت خبرا أو إعادة- عقوبة لانصرافهم فعاقبهم عليه بصرف آخر ms232 ~~غير الصرف الأول. فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لا قبالهم ~~لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول، فلم ينلهم الإقبال # PageV01P313 # والإذعان، فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم عن القرآن. فجازاهم ~~على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول، كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى ~~إزاغة غير الزيغ الأول، كما قال: 61: 5 فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وهكذا ~~إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من الإقبال ~~إليه. ولتكن قصة إبليس منكر على ذكر تنتفع بها أتم انتفاع. فإنه لما عصى ~~ربه تعالى ولم ينقد لأمره وأصر على ذلك عاقبه بأن جعله داعيا إلى كل معصية. ~~فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية وفروعها، صغيرها ~~وكبيرها. وصار هذا الإعراض والكفر عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق. فمن ~~عقاب السيئة السيئة بعدها. كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها. # فإن قيل: فكيف يلتئم إنكاره سبحانه عليهم الانصراف والإعراض عنه وقد قال ~~تعالى: فأنى تصرفون وأنى يؤفكون وقال: فما لهم عن التذكرة معرضين فإذا كان ~~هو الذي صرفهم وجعلهم معرضين ومأفوكين، فكيف ينعي ذلك عليهم؟ # قيل: هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم وفتح لهم الباب، ونهج لهم ~~الطريق، وهيأ لهم الأسباب. فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ودعاهم على ~~ألسنة رسله. وجعل لهم عقولا تميز بين الخير والشر، والنافع والضار، وأسباب ~~الردى وأسباب الفلاح. وجعل لهم أسماعا وأبصارا، فآثروا الهوى على التقوى، ~~واستحبوا العمى على الهدى، وقالوا: # معصيتك آثر عندنا من طاعتك، والشرك أحب إلينا من توحيدك، وعبادة سواك ~~أنفع لنا في دنيانا من عبادتك. فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، ~~وانصرفت عن طاعته ومحبته. فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم. فهم سدوا على ~~أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارا، فسده عليهم اضطرارا. فخلاهم وما ~~اختاروا لأنفسهم، وولاهم ما تركوه ومكنهم # PageV01P314 # فيما ارتضوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه. وأغلق عنهم الباب الذي ~~تولوا عنه، وهم معرضون. فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من ms233 فعله. ولو شاء ~~لخلقهم على غير هذه الصفة. ولأنشأهم على غير هذه النشأة، ولكنه سبحانه خالق ~~العلو والسفل، والنور والظلمة، والنافع والضار، والطيب والخبيث والملائكة ~~والشياطين، والنساء والذباب، ومعطيها آلاتها وصفاتها وقواها وأفعالها ~~ومستعملها فيما خلقت له. فبعضها بطباعها، وبعضها بإرادتها ومشيئتها. وكل ~~ذلك جار على وفق حكمته، وهو موجب حمده، ومقتضي كماله المقدس، وملكه التام ~~ولا نسبة لما علمه الخلق من ذلك إلى ما خفي عليهم بوجه ما. إن هو إلا كنقرة ~~عصفور من البحر. # PageV01P315 ### | سورة يونس # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 23] # فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ~~(23) # شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر، فتروقه بزينتها، ~~وتعجبه، فيميل إليها، ويهواها، اغترارا منه بها. حتى إذا ظن أنه مالك لها ~~قادر عليها سلبها بغتة أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبينها. فشبهها بالأرض ~~التي ينزل الغيث عليها، فتعشب ويحسن نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغتر ~~بها، ويظن أنه قادر عليها، مالك لها. فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة ~~بغتة، فتصبح كأن لم تكن قبل شيئا. فيخيب ظنه، وتصبح يداه منها صفرا. # فهكذا حال الدنيا والواثق بها سواء. # وهذا من أبلغ التشبيه والقياس. ### | [سورة يونس (10) : آية 25] # والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) # ولما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات وجنة الآخرة سليمة منها، قال: # PageV01P317 # 10: 25 والله يدعوا إلى دار السلام فسماها هاهنا دار السلام، لسلامتها من ~~هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا. فعم بالدعوة إليها، وخص بالهداية لها من ~~يشاء. فذاك عدله. وهذا فضله. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 30] # هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون (30) # فإن قيل: فهل يظهر فرق بين قوله تعالى في سورة يونس 10: 30 وبين قوله في ~~سورة سبأ 34: 24 قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله قيل: ms234 هذا من أدق ~~هذه المواضع وأغمضها، وألطفها فرقا، فتدبر السياق تجده نقيضا لما وقع، فإن ~~الآيات التي في يونس سيقت مساق الاحتجاج عليهم بما أقروا به، ولم يمكنهم ~~إنكاره من كون الرب تعالى هو رازقهم، ومالك أسماعهم وأبصارهم، ومدبر أمورهم ~~وغيرها. ومخرج الحي من الميت والميت من الحي. # فلما كانوا مقرين بهذا كله حين الاحتجاج به عليهم: أن فاعل هذا هو الله ~~الذي لا إله غيره. فكيف يعبدون معه غيره ويجعلون له شركاء لا يملكون شيئا ~~من هذا، ولا يستطيعون فعل شيء منه ولهذا قال بعد أن ذكر ذلك من شأنه تعالى: ~~فسيقولون: الله أي لا بد أنهم يقرون بذلك، ولا يجحدونه. فلا بد أن يكون ~~المذكور مما يقرون به. والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية إنما كانوا ~~مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التي يشاهدونها بالحق، ولم يكونوا ~~مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء، حتى تنتهي إليهم، ولم يصل ~~علمهم إلى هذا. فأفرد لفظ السماء هنا، فإنهم لا يمكنهم إنكار مجيء الرزق ~~منها، لا سيما والرزق هاهنا إن كانوا هو المطر فمجيئه من السماء التي هي ~~السحاب، فإنه يسمى سماء لعلوه. وقد أخبر سبحانه أنه بسط السحاب في السماء ~~بقوله: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ~~والسحاب إنما هو # PageV01P318 # مبسوط في جهة العلو، لا في نفس الفلك. وهذا معلوم بالحس، فلا يلتفت إلى ~~غيره. فلما انتظم هذا بذكر الاحتجاج عليهم لم يصلح فيه إلا إفراد السماء، ~~لأنهم لا يقرون بما ينزل من فوق ذلك من الأرزاق العظيمة للقلوب والأرواح. ~~فلا بد من الوحي الذي به الحياة الحقيقية الأبدية. وهو أولى باسم الرزق من ~~المطر الذي به الحياة الفانية المنقضية. فما ينزل من فوق ذلك من الوحي ~~والرحمة والألطاف والمواد الربانية، والتنزلات الإلهية، وما به قوام العالم ~~العلوي والسفلي من أعظم أنواع الرزق. ولكن القوم لم يكونوا مقرين به، ~~فخوطبوا بما هو أقرب الأشياء إليهم، بحيث لا يمكنهم إنكاره. # أما الآية التي ms235 في سبأ: فلم تنتظم ذكر إقرارهم بما ينزل من السموات. ~~ولهذا أمر رسوله بأن يتولى الجواب فيها، ولم يذكر عنهم أنهم المجيبون ~~المقرون. فقال قل: من يرزقكم من السماوات والأرض؟ قل الله ولم يقل: سيقولون ~~الله. فأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيب بأن ذلك هو الله وحده ~~الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السموات السبع. وأما الأرض ~~فلم يدع السياق إلى جمعها في واحدة من الاثنين إذ يقر به كل أحد مؤمن ~~وكافر، وبر وفاجر. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 58] # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) # قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم: ورحمته القرآن، فجعلوا رحمته ~~أخص من فضله. فإن فضله الخاص على أهل الإسلام، ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم ~~دون بعض. فجعلهم مسلمين بفضله، وأنزل إليهم كتابه برحمته. قال تعالى: 28: ~~86 وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك وقال أبو سعيد ~~الخدري «فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلنا من أهله» . # قلت: يريد بذلك أن هاهنا أمرين: # PageV01P319 # أحدهما: الفضل في نفسه. والثاني: استعداد المحل لقبوله، كالغيث يقع على ~~الأرض القليلة النبات فيتم المقصود بالفضل وقبول المحل له. والله أعلم. # وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين: مطلق، ومقيد. فالمطلق: # جاء في الذم كقوله: 28: 76 لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وقوله 11: 10 ~~إنه لفرح فخور والمقيد نوعان أيضا: مقيد بالدنيا، ينسى صاحبه فضل الله ~~ومنته، فهو مذموم. كقوله 6: 44 حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا ~~هم مبلسون والثاني: مقيد بفضل الله وبرحمته، وهو نوعان أيضا: فضل ورحمة ~~بالسبب وفضل ورحمة بالمسبب. # فالأول: كقوله: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. # والثاني: كقوله 3: 17 فرحين بما آتاهم الله من فضله فالفرح بالله ورسوله ~~وبالإيمان والسنة وبالعلم والقرآن من علامات العارفين. قال الله تعالى: 9: ~~134 وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول: أيكم زادته هذه إيمانا؟ فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا، وهم يستبشرون وقال ms236 13: 36 والذين آتيناهم الكتاب ~~يفرحون بما أنزل إليك فالفرح بالعلم والإيمان والسنة دليل على تعظيمه عند ~~صاحبه ومحبته له. وإيثاره له على غيره. فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله على ~~قدر محبته له ورغبته فيه. فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله، ولا ~~يحزنه فواته. فالفرح تابع للمحبة والرغبة. فالفرق بينه وبين الاستبشار: أن ~~الفرح بالمحبوب بعد حصوله، والاستبشار يكون به قبل حصوله إذا كان على ثقة ~~من حصوله ولهذا قال تعالى: # 3: 170 فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم. # PageV01P320 # والفرح صفة كمال. ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها، كفرحه ~~بتوبة التائب أعظم من فرح الواحد براحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض ~~المهلكة بعد فقده لها والناس من حصولها. # والمقصود: أن الفرح على أنواع: نعيم القلب ولذته، وبهجته، والفرح ~~والسرور: نعيمه. والهم والحزن: عذابه. والفرح بالشيء فوق الرضى به، فإن ~~الرضى طمأنينته وسكونه وانشراحه. والفرح لذته وبهجته وسروره. فكل فرح راض. ~~وليس كل راض فرح. ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضى ضد السخط، والحزن يؤلم ~~صاحبه. والسخط لا يؤلمه، إلا إن كان مع العجز عن الانتقام. والله أعلم. ### | [سورة يونس (10) : آية 87] # وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة ~~وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) # هو من أحسن النظم وأبدعه، فإنه ثنى أولا، إذ كان موسى وهارون هما ~~الرسولان المطاعان. ويجب على بني إسرائيل طاعة كل واحد منهما، سواء. وإذا ~~تبوآ البيوت لقومهما فهم لهما تبع. # ثم جمع الضمير فقال وأقيموا الصلاة لأن إقامتها فرض على الجميع، ثم وحده ~~في قوله وبشر المؤمنين لأن موسى هو الأصل في الرسالة وأخاه ردءه ووزير، ~~وكما كان موسى الأصل في الرسالة فهو الأصل في البشارة. # وأيضا: فإن موسى وأخاه لما أرسلا برسالة واحدة كانا رسولا واحدا، كقوله ~~تعالى: 26: 16نا رسول رب العالمين # فهذا الرسول هو الذي قيل له: وبشر المؤمنين. # PageV01P321 ### | سورة هود # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 23] # إن ms237 الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون (23) # والخبت في أصل اللغة: المكان المنخفض من الأرض، وبه فسر ابن عباس وقتادة ~~لفظ «المخبتين» وقالا: هم المتواضعون. وقال مجاهد: # المخبت: المطمئن إلى الله عز وجل. # قال: والخبت المكان المطمئن من الأرض. وقال الأخفش: # الخاشعون. # وقال: إبراهيم النخعي: المصلون المخلصون. # وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون، ~~وإذا ظلموا لم ينتصروا. # وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع، والسكون إلى الله عز وجل ولذلك ~~عدي ب «إلى» تضمينا، لمعنى الطمأنينة والإنابة، والسكون إلى الله. # PageV01P323 ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 24] # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا ~~تذكرون (24) # فإنه ذكر سبحانه الكفار ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا ~~يبصرون، ثم ذكر المؤمنين ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم ~~فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن، ثم جعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث ~~كان قلبه أعمى عن رؤية الحق، أعمى أصم عن سماعه. # فشبه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء، وسمعه أصم عن استماع الأصوات. # والفريق الآخر: بصير القلب سميعه بصير العين، سميع الأذن. # وقد تضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين. ثم نفى التسوية عن الفريقين ~~بقوله: هل يستويان مثلا. ### | [سورة هود (11) : آية 32] # قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (32) # أودع الله في قلوب أتباع رسله سرا من أسرار معرفته ومحبته، والإيمان به ~~خفي على أعداء الرسل، فنظروا إلى ظواهرهم، وعموا عن بواطنهم، فازدروهم ~~واحتقروهم وقالوا للرسول: وهؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع منك، وقالوا: أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننا فقال نوح لقومه ولا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا ~~أعلم الغيب، ولا أقول: إني ملك، ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم ~~الله خيرا. الله أعلم بما في أنفسهم. # قال الزجاج: المعنى: إن كنتم تزعمون أنهم اتبعوني في بادئ الرأي وظاهره ~~فليس علي أن أطلع على ما في أنفسهم، فإذا رأيت من يوحد الله ms238 عملت على ظاهره ~~ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله. وهذا معنى حسن. # والذي يظهر من الآية: أن الله يعلم ما في أنفسهم إذ أهلهم، لقبول # PageV01P324 # دينه، وتوحيده، وتصديق رسله، والله سبحانه وتعالى حكيم، يضع العطاء في ~~مواضعه. # وتكون هذه الآية مثل قوله 6: 53 وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين؟. # فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهلهم للهدى والحق، وحرمه رؤساء الكفار ~~وأهل العزة منهم والثروة، كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة، ~~فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يؤهله لذلك، لسر عنده من معرفة قدر النعمة ~~ورؤيتها من مجرد فضل المنعم ومحبته وشكره عليها، وليس كل أحد عنده هذا ~~السر، فلا يؤهل لهذا العطاء كل أحد. ### | [سورة هود (11) : آية 56] # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم (56) # أخبر عن عموم قدرته تعالى، وأن الخلق كلهم تحت تسخيره وقدرته، وأنه آخذ ~~بنواصيهم. فلا محيص لهم عن نفوذ مشيئته وقدرته فيهم. ثم عقب ذلك بالإخبار ~~عن تصرفه فيهم، وأنه بالعدل لا بالظلم، وبالإحسان لا بالإساءة، وبالصلاح لا ~~بالفساد. فهو يأمرهم وينهاهم إحسانا إليهم وحماية وصيانة لهم. لا حاجة ~~إليهم، ولا بخلا عليهم. بل جودا وكرما وبرا ولطفا ويثيبهم إحسانا وتفضلا ~~ورحمة. لا لمعاوضة واستحقاق منهم ودين واجب يستحقونه عليه ويعاقبهم عدلا ~~وحكمة. لا تشفيا ولا مخافة ولا ظلما. كما يعاقب الملوك وغيرهم. بل هو على ~~الصراط المستقيم. وهو صراط العدل والإحسان. في أمره ونهيه، وثوابه وعقابه. # فتأمل ألفاظ هذه الآية وما جمعته من عموم القدرة، وكمال الملك، ومن تمام ~~الحكمة والعدل والإحسان، وما تضمنته من الرد على الطائفتين، فإنها من كنوز ~~القرآن. ولقد كفت وشفت لمن فتح عليه باب فهمها. # فكونه تعالى على صراط مستقيم: ينفي ظلمه للعباد. وتكليفه إياهم ما # PageV01P325 # لا يطيقون. وينفي العيب من أفعاله وشرعه، ويثبت لها غاية الحكمة والسداد، ~~ردا على منكري ذلك، وكون كل دابة تحت قبضته وقدرته، ms239 وهو آخذ بناصيتها. ~~ينبغي أن لا يقع في ملكه من أحد من مخلوقاته شيء بغير مشيئته وقدرته. # وأن من ناصيته بيد الله وفي قبضته لا يمكنه أن يتحرك إلا بتحريكه، ولا ~~يفعل إلا بإقداره ولا يشاء إلا بمشيئته تعالى وهذا أبلغ رد على منكري ذلك ~~من القدرية. # فالطائفتان ما وفوا الآية معناها، ولا قدروها حق قدرها. # فهو سبحانه على صراط مستقيم في إعطائه ومنعه، وهدايته وإضلاله، وفي نفعه ~~وضره، وعافيته وبلائه، وإغنائه وإفقاره، وإعزازه وإذلاله، وإنعامه ~~وانتقامه، وثوابه وعقابه، وإحيائه وإماتته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، ~~وفي كل ما يخلق، وكل ما يأمر به، وهذه المعرفة بالله لا تكون إلا للأنبياء ~~ولورثتهم. # PageV01P326 ### | سورة يوسف # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 30] # وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا ~~لنراها في ضلال مبين (30) # هذا الكلام متضمن لوجوه من المكر. # أحدها: قولهن: امرأت العزيز تراود فتاها ولم يسموها باسمها، بل ذكروها ~~بالوصف الذي ينادي عليها بقبيح فعلها بكونها ذات بعل، فصدور الفاحشة من ذات ~~الزوج أقبح من صدورها ممن لا زوج لها. # الثاني: أن زوجها عزيز مصر، ورئيسها، وكبيرها. وذلك أقبح لوقوع الفاحشة ~~منها. # الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حر. وذلك أبلغ في القبح. # الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها، وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البيت. ~~بخلاف من تطلب ذلك من الأجنبي البعيد. # والخامس: أنها هي المراودة الطالبة. # PageV01P327 # السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف ~~قلبها. # السابع: أن في ضمن هذا: أنه أعف منها وأبر، وأوفى، حيث كانت هي المراودة ~~الطالبة، وهو الممتنع، عفافا وكرما وحياء. وهذا غاية الذم لها. # الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار ~~والوقوع حالا واستقبالا، وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها. وفرق بين ~~قولك: فلان أضاف ضيفا، وفلان يقري الضيف ويطعم الطعام، ويحمل الكل. فإن هذا ~~يدل على أن هذا شأنه وعادته. # التاسع: قولهن إنا لنراها ms240 في ضلال مبين أي إنا لنستقبح منها ذلك غاية ~~الاستقباح. فنسبن الاستقباح إليهن ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى ~~ولا يكدن يرين ذلك قبيحا، كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحيث ~~استقبحن منها ذلك كان هذا دليلا على أنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي ~~أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه. # العاشر: أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط، والطلب ~~المفرط، فلم تقتصد في حبها، ولا في طلبها. # أما العشق فقولهن قد شغفها حبا أي وصل حبه إلى شغاف قلبها. # وأما الطلب المفرط فقولهن تراود فتاها والمراودة: الطلب مرة بعد مرة ~~فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على الفاحشة. # فلما سمعت بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه، فهيأت لهن متكأ، ثم ~~أرسلت إليهن، فجمعتهن، وخبأت يوسف عليه السلام عنهن. # وقيل: إنها جملته، وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة. # فلم يرعهن إلا وأحسن خلق الله وأجمله قد طلع عليهن بغتة، فراعهن ذلك # PageV01P328 # المنظر البهي. وفي أيديهن مدى يقطعن بها ما يأكلن، فدهش حتى قطعن أيديهن، ~~وهن لا يشعرن. # وقد قيل: إنهن أبن أيديهن. ولكن الظاهر خلاف ذلك. وإنما تقطيعهن أيديهن ~~جرحها، وشقها بالمدى، لدهشتهن بما رأين. فقابلت مكرهن القولي بهذا المكر ~~الفعلي، وكانت هذه في النساء غاية في المكر. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 40] # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (40) # إنما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة، كاللات ~~والعزى، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة. # فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها. وليس لها من ~~الإلهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى. فما عبدوا إلا أسماء، لا حقائق ~~لمسمياتها. وهذا كمن سمى قشور البصل لحما، وأكلها. فيقال: ما أكلت من اللحم ~~إلا اسمه لا مسماه، وكمن سمى ms241 التراب خبزا وأكله، يقال له: ما أكلت إلا اسم ~~الخبز، بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم. فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه. وما ~~الحكمة ثم إلا مجرد الاسم. # فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى. ### | [سورة يوسف (12) : آية 53] # وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ~~(53) # فإن قيل: فكيف قال وقت ظهور براءته؟ وما أبرئ نفسي. # قيل: هذا قد قاله جماعة من المفسرين. وخالفهم في ذلك آخرون أجل منهم ~~وقالوا: إن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف عليه السلام. # والصواب معهم من وجوه. # أحدها: أنه متصل بكلام المرأة، وهو قولها 12: 51- 53 الآن # PageV01P329 # حصحص الحق. أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين. ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. وما أبرئ نفسي # ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه ~~ما. # والقول في مثل هذا لا يحذف، لئلا يوقع في اللبس. فإن غايته: أن يحتمل ~~الأمرين. فالكلام الأول أولى به قطعا. # والثاني: أن يوسف عليه السلام لم يكن حاضرا وقت مقالتها هذه، بل كان في ~~السجن لما تكلمت بقولها الآن «حصحص الحق» والسياق صحيح صريح في ذلك. فإنه ~~لما أرسل إليه الملك يدعوه قال للرسول ارجع إلى ربك، فسئله: ما بال النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن. فأرسل إليهن الملك وأحضرهن، وسألهن، وفيهن امرأته. ~~فشهدن ببراءته ونزاهته في غيبته، ولم يمكنهن إلا قول الحق، فقال النسوة حاش ~~لله ما علمنا عليه من سوء وقالت امرأة العزيز أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين. # فإن قيل: لكن قوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين الأحسن أن يكون من كلام يوسف عليه السلام، أي إنما كان تأخيري عن ~~الحضور مع رسوله ليعلم الملك أني لم أخنه في امرأته في حال غيبته، وأن الله ~~لا يهدي كيد الخائنين. ثم إنه صلى الله عليه وسلم قال: وما أبرئ نفسي إن ms242 ~~النفس لأمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم وهذا من تمام معرفته ~~صلى الله عليه وسلم بربه ونفسه. فإنه لما أظهر نزاهته وبراءته مما قذف به ~~أخبر عن حال نفسه، وأنه لا يذكيها ولا يبرئها، فإنها أمارة السوء، لكن رحمة ~~ربه وفضله هو الذي عصمه. فرد الأمر إلى الله بعد أن أظهر براءته. # قيل: هذا وإن كان قد قاله طائفة. الصواب أنه من تمام كلامها، ولكن فإن ~~الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه. وهو قول النسوة ما علمنا عليه من سوء ~~وقول امرأة العزيز أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين هذه خمسة ضمائر ~~بين بارز ومستتر. ثم اتصل بها قوله: # PageV01P330 # 12: 52 ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب فهذا هو المذكور أولا بعينه. # فلا شيء يفصل الكلام من نظمه، ويضمر فيه قول لا دليل عليه. # فإن قيل: فما معنى قولها: «ليعلم أني لم أخنه بالغيب» . # قيل: هذا من تمام الاعتذار، قرنت الاعتذار بالاعتراف، فقالت ذلك أي قولي ~~هذا وإقراري ببراءته: ليعلم أني لم أخنه بالكذب عليه في غيبته، وإن خنته في ~~وجهه في أول الأمر، فالآن يعلم أني لم أخنه في غيبته، ثم اعتذرت عن نفسها ~~بقولها وما أبرئ نفسي ثم ذكرت السبب الذي لأجله لم تبرئ نفسها، وهي أن ~~النفس أمارة بالسوء. # فتأمل ما أعجب أمر هذه المرأة، أقرت بالحق واعتذرت عن محبوبها، ثم اعتذرت ~~عن نفسها، ثم ذكرت السبب الحامل لها على ما فعلت، ثم ختمت ذلك بالطمع في ~~مغفرة الله ورحمته، وأنه إن لم يرحم عبده وإلا فهو عرضة للشر. # فوازن بين هذا وبين تقدير كون هذا الكلام كلام يوسف عليه السلام لفظا ~~ومعنى. # وتأمل ما بين التقديرين من التفاوت، ولا يستبعد أن تقول المرأة هذا وهي ~~على دين الشرك. فإن القوم كانوا يقرون بالرب سبحانه وتعالى وبحقه، وإن ~~أشركوا معه غيره. ولا تنس قول سيدها لها في أول الحال 12: 29 واستغفري ~~لذنبك إنك كنت من الخاطئين. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 101] # رب قد ms243 آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) # جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستسلام للرب وإظهار الافتقار إليه، ~~والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات # PageV01P331 # العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة ~~السعداء. ### | [سورة يوسف (12) : آية 108] # قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين (108) # قال الفراء: وجماعة «ومن اتبعني» معطوف على الضمير في «أدعو» يعني أنا ~~ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو، وهذا قول الكلبي، قال: حق على كل من ~~أتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة. # ويقوى هذا القول من وجوه كثيرة: # قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله «إلى الله» ثم يبتدئ ~~بقوله «على بصيرة أنا ومن اتبعني» فيكون الكلام على قوله جملتين، أخبر في ~~أولاهما أنه يدعو إلى الله، وفي الثانية: بأنه مع أتباعه على بصيرة، ~~والقولان متلازمان فلا يكون الرجل من أتباعه حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه ~~ويكون على بصيرة. # وقول الفراء أحسن وأقرب إلى الفصاحة والبلاغة. # وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها: فهي لا ~~تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في ~~العلم إلى حد أقصى يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم: أن صاحبه يحوز ~~به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء. # PageV01P332 ### | سورة الرعد # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 8] # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده ~~بمقدار (8) # قال ابن عباس رضي الله عنهما ما تغيض الأرحام من التسعة أشهر وما تزداد: ~~ما تزيد فيها، ووافقه على هذا أصحابه، كمجاهد وسعيد بن جبير. # وقال مجاهد أيضا: إذا حاضت المرأة على ولدها كان نقصانا من الولد، وما ~~تزداد، قال: إذا زادت على تسعة أشهر كان ms244 ذلك تماما لما نقص من ولدها. # وقال أيضا: ما رأت الحامل من الدم في حملها فهو نقصان من الولد، والزيادة ~~ما زاد على تسعة أشهر، وهو تمام النقصان. # وقال الحسن: ما تغيض الأرحام: ما كان من سقط، وما تزداد: تلد المرأة ~~لعشرة أشهر. # وقال عكرمة: ما تغيض الأرحام: الحيض بعد الحمل، فكل يوم رأت فيه الدم ~~حاملا ازدادته في الأيام طاهرا، فما حاضت يوما إلا ازدادت في الحمل. # PageV01P333 # وقال قتادة: الغيض: السقط، وما تزداد: فوق التسعة أشهر. # وقال سعيد بن جبير: إذا رأت المرأة الدم على الحمل فهو الغيض للولد، فهو ~~نقصان في غذاء الولد، وزيادة في الحمل. # «تغيض، وتزداد» فعلان متعديان مفعولهما محذوف، وهو العائد إلى «ما» ~~الموصولة، والغيض: النقصان. ومنه 11: 44 وغيض الماء وضده الزيادة. # والتحقيق في معنى الآية: أنه يعلم مدة الحمل، وما يعرض فيها من الزيادة ~~والنقصان، فهو العالم بذلك دونكم، كما هو العالم بما تحمل كل أنثى: هل هو ~~ذكر أو أنثى؟ وهذا أحد أنواع الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى، كما # في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا ~~الله: لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا ~~الله» # فهو سبحانه المنفرد بعلم ما في الرحم، وعلم مدة إقامته فيه، وما يزيد في ~~بدنه، وما ينقص. # وما عدا هذا القول فهو من توابعه ولوازمه كالسقط والتمام، ورؤية الدم ~~وانقطاعه. # والمقصود ذكر مدة إقامة الحمل في البطن، وما يتصل بها من زيادة ونقصان. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 17] # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17) # شبه الله الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي # PageV01P334 # أنزله لحياة الأرض بالنبات. وشبه القلوب بالأودية. فقلب كبير. يسع علما ~~عظيما. كواد ms245 كبير يسع ماء كثيرا. وقلب صغير إنما يسع بحسبه، كواد صغير، ~~فسالت أودية بقدرها. واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها، وكما أن السيل ~~إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات، ليقلعها ويذهبها، كما ~~يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه، فيتكدر بها شاربه، وهي من تمام نفع ~~الدواء. فإنه إنما أثارها ليذهب بها، فإنه لا يجامعها ولا يشاركها. وهكذا ~~يضرب الله الحق والباطل. # ثم ذكر المثل الناري فقال: ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو ~~متاع زبد مثله وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد، ~~فتخرجه النار وتميزه، وتفصله من الجوهر الذي ينتفع به، فيرمى ويطرح ويذهب ~~جفاء، وكذلك الشهوات والشبهات يرميها العلم والهدى من قلب المؤمن ويطرحها. ~~ويجفوها، كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث، ويستقر في قرار ~~الوادي الماء الصافي الذي يستسقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم. كذلك ~~يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع ~~به غيره. ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما، ويعرف ما يراد منهما فليس ~~من أهلهما. والله الموفق. # وقال في مفتاح دار السعادة: 13: 17 أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا. # هذا هو المثل المائي. شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب بالماء الذي ~~أنزله من السماء. وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل، فقلب ~~كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا، وقلب صغير كواد صغير يسع ~~علما قليلا، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها. # PageV01P335 # ولما كانت الأودية مجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل، ~~فيحتمله السيل، فيطفو على وجه الماء زبدا عاليا يمر عليه متراكما، ولكن ~~تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه ~~حتى لا يبقى ذلك منه شيء، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به ~~الأرض فيحيي به البلاد والعباد والشجر والدواب والغثاء يذهب جفاء يجفى ~~ويطرح على شفير الوادي، ms246 فكذلك العلم والإيمان، الذي أنزله في القلوب، ~~فاحتملته، فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد ~~الشبهات الباطلة. فيطفو في أعلاها. واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر ~~القلوب. فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء ويزول شيئا فشيئا حتى يزول ~~كله. ويبقى العلم النافع، والإيمان الخالص في هذا القلب، يرده الناس ~~فيشربون ويسقون ويمرعون. ### | [سورة الرعد (13) : آية 28] # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) # الطمأنينة: سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه. ومنه الأثر ~~المعروف «الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ~~ويجد عنده سكونا إليه. والكذب يوجب اضطرابا وارتيابا. ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «البر ما اطمأن إليه القلب» # أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه. # وفي «ذكر الله» هاهنا قولان. # أحدهما: أنه ذكر العبد ربه، فإنه يطمئن إليه قلبه، ويسكن. فإذا اضطرب ~~القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله. # ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه. فمنهم من قال: هذا في الحلف واليمين، إذا ~~حلف المؤمن على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه، واطمأنت. ويروى هذا عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما. # PageV01P336 # ومنهم من قال: بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه، يسكن إليه قلبه، ويطمئن. # والقول الثاني: أن ذكر الله هاهنا القرآن، وهو ذكره الذي أنزله على رسوله ~~به طمأنينة قلوب المؤمنين. فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين. # ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن. فإن سكون القلب ~~وطمأنينته من يقينه، واضطرابه وقلقه من شكه. والقرآن هو المحصل لليقين ~~الدافع للشكوك والظنون والأوهام. فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به. وهذا ~~القول هو المختار. # وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى: 43: 36 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين والصحيح: أنه ذكره الذي أنزله على رسوله، وهو كتابه من ~~أعرض عنه قيض الله له شيطانا يضله ويصده عن السبيل. وهو يحسب أنه على هدي. # وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى: ms247 20: 124 ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى والصحيح أنه ذكره الذي أنزله على ~~رسوله وهو كتابه. ولهذا يقول المعرض عنه 20: 125، 126 رب لم حشرتني أعمى، ~~وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى. # وأما تأويل من تأوله على الحلف ففي غاية البعد عن المقصود. فإن ذكر الله ~~بالحلف يجري على لسان الصادق والكاذب والبر والفاجر. والمؤمنون تطمئن ~~قلوبهم إلى الصادق ولو لم يحلف. ولا تطمئن قلوبهم إلى من يرتابون منه ولو ~~حلف. # وجعل الله الطمأنينة في قلوب المؤمنين ونفوسهم. وجعل الغبطة والمدحة ~~والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة. فطوبى لهم وحسن مآب. # PageV01P337 ### | سورة إبراهيم # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 18] # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) # شبه الله تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت ~~عليه ريح شديدة في يوم عاصف. # فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء المنثور، لكونها ~~على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكونها لغير الله عز وجل، وعلى غير ~~أمره: برماد طيرته الريح العاصف. فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته ~~إليه. فلذلك قال: لا يقدرون مما كسبوا على شيء لا يقدرون يوم القيامة مما ~~كسبوا من أعمالهم على شيء. فلا يرون له أثرا من ثواب، ولا فائدة نافعة. فإن ~~الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، موافقا لشرعه. # والأعمال أربعة: فواحد مقبول. وثلاثة مردودة. # فالمقبول: الخالص الصواب. فالخالص: أن يكون لله لا لغيره. # PageV01P339 # والصواب أن يكون مما شرعه الله على لسان رسوله. # والثلاثة المردودة ما خالف ذلك. # وفي تشبيهها بالرماد سر بديع. وذلك للتشابه بين أعمالهم وبين الرماد، في ~~إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا. فكانت الأعمال التي لغير الله، وعلى ~~غير مراده: طعمة للنار، وبها تسعر النار على أصحابها. # وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارا وعذابا، كما ينشئ ms248 لأهل ~~الأعمال الموافقة لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيما وروحا، ~~فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادا. فهم وأعمالهم وما يعبدون من ~~دون الله وقود النار. ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 25] # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون (25) # شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة. لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل ~~الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور ~~المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة: هي شهادة أن لا إله إلا الله. فإنها ~~تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة. فكل عمل صالح مرض لله فهو ~~ثمرة هذه الكلمة. # وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كلمة طيبة: شهادة أن لا إله ~~إلا الله. كشجرة طيبة: وهو المؤمن. أصلها ثابت قول: لا إله إلا الله في قلب ~~المؤمن وفرعها في السماء يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء. # وقال الربيع بن أنس: كلمة طيبة: هذا مثل الإيمان. فإن الإيمان الشجرة ~~الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه. وفرعها في # PageV01P340 # السماء: خشية الله. والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن. فإنه سبحانه ~~شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في ~~السماء علوا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين. # وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في ~~القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء. ولا تزال هذه ~~الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب ~~لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق ~~رعايتها. فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف ~~قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها. فعرف حقيقة ~~إلهيته التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفي تلك ~~الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه لسانه ms249 في هذا النفي ~~والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا ~~غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا. كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق ~~بدلا. فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ~~ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت. فهذه الكلمة الطيبة هي ~~التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى. # وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلما كثيرا طيبا، يقارنه عمل صالح، فيرفع العمل ~~الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى: 35: 10 إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه فأخبر سبحانه، أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وأخبر أن ~~الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت. # والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها ~~نفيا وإثباتا، ومتصفا بموجبها، قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته. # فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت ~~راسخ في قلبه. وفروعها متصلة بالسماء. وهي مخرجة ثمرتها كل وقت. # PageV01P341 # ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة. ويدل عليه حديث ابن عمر ~~في الصحيح. # ومنهم من قال: هي المؤمن نفسه. كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي حدثني عمي ~~حدثني أبي عن ابن عباس في قوله: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة ~~طيبة يعني بالشجرة الطيبة: المؤمن، ويعني بالأصل الثابت في الأرض، والفرع ~~في السماء: بكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم، فيبلغ عمله وقوله السماء. ~~وهو في الأرض. # وقال عطية العوفي في قوله: ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة قال: ذلك ~~مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إلى الله. # وقال الربيع بن أنس: أصلها ثابت وفرعها في السماء، قال: ذلك المؤمن ضرب ~~مثله في الإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له، أصلها ثابت قال: أصل عمله ~~ثابت في الأرض، وفرعها في السماء قال: ذكره في السماء. # ولا اختلاف بين القولين. # والمقصود بالمثل: المؤمن، والنخلة مشبهة به، ms250 وهو مشبه بها. وإذا كانت ~~النخلة شجرة طيبة فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك. # ومن قال من السلف: إنها شجرة في الجنة. فالنخلة من أشرف أشجار الجنة. # وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به، ويقتضيه علم الرب ~~الذي تكلم به، وحكمته سبحانه. # فمن ذلك: أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر. # فكذلك شجرة الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه له. فعروقها: العلم # PageV01P342 # والمعرفة، واليقين وساقها: الإخلاص، وفروعها: الأعمال وثمرتها: ما توجبه ~~الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة، والصفات الممدوحة، والأخلاق الزكية، ~~والسمت الصالح والهدى والدل المرضي. فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب ~~وثبوتها فيه بهذه الأمور. # فإذا كان العلم صحيحا مطابقا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به، والاعتقاد ~~مطابقا لما أخبر به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله، والإخلاص قائم في القلب، ~~والأعمال موافقة للأمر، والهدى والدل والسمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها: ~~علم أن شجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء. # وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة، ~~التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. # ومنها: أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها. فإذا قطع عنها ~~السقي أوشك أن تيبس. فهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها ~~بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، ~~وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس. # وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن الإيمان يخلق في القلب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم» . # وبالجملة: فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك. # ومن هاهنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على ~~تعاقب الأوقات، ومن عظيم رحمته، وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده: أن وظفها ~~عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم. # ومنها: أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بد ms251 أن ~~يخالطه دغل ونبت غريب، ليس من جنسه. فإن تعاهده ربه ونقاه وقلعه # PageV01P343 # كمل الغرس والزرع، واستوى وتم نباته، وكان أوفر لثمرته وأطيب، وأذكى. وإن ~~تركه أوشك أن يغلب على الغراس والزرع، ويكون الحكم له أو يضعف الأصل ويجعل ~~الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته. # ومن لم يكن له فقه نفس في هذا ومعرفة به، فإنه يفوته ربح كبير. # وهو لا يشعر. # فالمؤمن دائما سعيه في شيئين: سقي هذه الشجرة، وتنقية ما حولها. # فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتم. والله المستعان وعليه ~~التكلان. # فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم. # ولعلها قطرة من بحر، بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخطئة، وعلومنا ~~القاصرة. وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار، وإلا فلو طهرت منا القلوب، ~~وصفت الأذهان، وذكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجردت الهمم للتلقي عن الله ~~ورسوله لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم، ~~وتتلاشى عنده معارف الخلق. # وبهذا تعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم، وأن التفاوت الذي بين علومهم ~~وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي بينهم وبينهم في الفضل. والله أعلم حيث يجعل ~~مواقع فضله، ويختص من يشاء برحمته. ### | فصل # ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة. فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من ~~فوق الأرض، ما لها من قرار، فلا عرق ثابت، ولا فرع عال، ولا ثمرة زاكية. ~~فلا أصل، ولا جنى، ولا ساق قائم، ولا عرق في الأرض ثابت. فلا أسفلها مغدق، ~~ولا أعلاها مونق ولا جنى لها، ولا تعلو، بل تعلى. # PageV01P344 # وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكتبهم. وجده كذلك. ~~فالخسران كل الخسران: الوقوف معه، والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه، ~~الذي هو كتاب الرب سبحانه. # قال الضحاك: ضرب الله مثل الكافر بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من ~~قرار. يقول: ليس لها أصل ولا فرع. وليس لها ثمرة، ولا فيها منفعة. كذلك ~~الكافر لا يعمل خيرا، ولا يقوله، ولا يجعل له فيه بركة ولا منفعة. # وقال ابن عباس: ومثل ms252 كلمة خبيثة: وهي الشرك، كشجرة خبيثة: # يعني الكافر. اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يقول: الشرك ليس له أصل ~~يأخذ به الكافر، ولا برهان. ولا يقبل الله مع الشرك عملا، فلا يقبل عمل ~~المشرك ولا يصعد إلى الله، فليس له أصل ثابت في الأرض، ولا فرع في السماء ~~يقول: ليس له عمل صالح في السماء ولا في الأرض. # وقال الربيع بن أنس: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر، ليس لقوله ولا لعمله ~~أصل ولا فرع، ولا يستقر قوله ولا عمله على الأرض، ولا يصعد إلى السماء. # وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: إن رجلا لقي رجلا من أهل العلم، فقال ~~له: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ قال: ما أعلم لها في الأرض مستقرا، ولا في ~~السماء مصعدا، إلا أن تلزم عنق صاحبها، حتى يوافي بها القيامة. # وقوله «اجتثت» أي استؤصلت من فوق الأرض. # ثم أخبر سبحانه عن فضله وعدله في الفريقين: أصحاب الكلم الطيب، وأصحاب ~~الكلم الخبيث. فأخبر أنه يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما ~~يكونون إليه في الدنيا والآخرة، وأنه يضل الظالمين، # PageV01P345 # وهم المشركون عن القول الثابت. فأضل هؤلاء بعدله لظلمهم، وثبت المؤمنين ~~بفضله لإيمانهم. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 27] # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) # تحت هذه الآية كنز عظيم، من وفق لمعرفته وحسن استخراجه واقتنائه وأنفق ~~منه فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم. # وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين. فإن لم يثبته الله، ~~وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما. وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه ~~عبده ورسوله 17: 74 ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا وقال ~~تعالى لأكرم خلقه 8: 12 إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا وفي الصحيحين من حديث البجلي قال: «وهو يسألهم ويثبتهم» وقال تعالى ~~لرسوله: 11: 120 وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك. # والخلق كلهم ms253 قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت. # ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القول الثابت، وفعل ما أمر به العبد. # فبهما يثبت الله عبده. فكل من كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبيتا ~~قال تعالى: 4: 66 ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا. # فأثبت الناس قلبا: أثبتهم قولا. # والقول الثابت: هو القول الحق الصدق. وهو ضد القول الباطل الكذب. # فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له. # وأثبت القول: كلمة التوحيد ولوازمها. فهي أعظم ما يثبت الله بها # PageV01P346 # عبده في الدنيا والآخرة. ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا، ~~والكاذب من أبغض الناس وأخبثهم وأكثرهم تلونا، وأقلهم ثباتا. وأهل الفراسة ~~يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الاخبار وشجاعته ومهابته. # ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك. ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة. # وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به؟. # فقال: والله ما فهمت منه شيئا إلا أني رأيت لكلامه صولة ليست صولة مبطل. # فما منح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ~~ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم، ويوم معادهم. كما # في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن ~~هذه الآية نزلت في عذاب القبر» . # PageV01P347 # سورة الحجر # بسم الله الرحمن الرحيم # [سورة الحجر (15) : آية 21] # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) # متضمن لكنز من الكنوز، وهو أن كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه، ومن ~~مفاتيح تلك الخزائن بيديه، وإن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده، ولا يقدر ~~عليه. # وقوله: 53: 42 وأن إلى ربك المنتهى متضمن لكنز عظيم. # وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به، وإلا فهو مضمحل منقطع. فإنه ~~ليس المنتهى. وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها. فانتهت ~~إلى خلقه ومشيئته. وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوب لا يحب ~~لأجله فمحبته عناء وعذاب. وكل عمل لا يراد ms254 لأجله فهو ضائع وباطل. # وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه. # فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه واجتمع ما ~~يراد له كله في قوله: وأن إلى ربك المنتهى فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، ~~وليس دونه غاية إليها المنتهى. # [سورة الحجر (15) : آية 75] # إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) # PageV01P348 ### | سورة الحجر # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الحجر (15) : آية 21] # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) # متضمن لكنز من الكنوز، وهو أن كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه، ومن ~~مفاتيح تلك الخزائن بيديه، وإن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده، ولا يقدر ~~عليه. # وقوله: 53: 42 وأن إلى ربك المنتهى متضمن لكنز عظيم. # وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به، وإلا فهو مضمحل منقطع. فإنه ~~ليس المنتهى. وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها. فانتهت ~~إلى خلقه ومشيئته. وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوب لا يحب ~~لأجله فمحبته عناء وعذاب. وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل. # وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه. # فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه واجتمع ما ~~يراد له كله في قوله: وأن إلى ربك المنتهى فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، ~~وليس دونه غاية إليها المنتهى. ### | [سورة الحجر (15) : آية 75] # إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) # PageV01P349 # قد مدح الله سبحانه وتعالى الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه. هذا منها. # والمتوسمون: هم المتفرسون الذين يأخذون بالسيماء، وهي العلامة. # يقال: توسمت فيك كذا، أي تفرسته، كأنها أخذت من السيماء، وهي فعلاء من ~~السمة، وهي العلامة. # وقال تعالى: 47: 30 ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم وقال تعالى: 2: ~~273 يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم وفي الترمذي مرفوعا ~~«اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» «1» ثم قرأ إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين. # وقال في مدارج السالكين: # قال مجاهد رحمه ms255 الله: المتوسمين المتفرسين. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: للناظرين. وقال قتادة: للمقرين، وقال مقاتل: للمتفكرين. # ولا تنافي بين هذه الأقوال. فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين ~~ومنازلهم، وما آل إليه أمرهم، أورثه فراسة وعبرة وفكرة. وقال تعالى في حق ~~المنافقين ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ~~فالأول فراسة النظر والعين. والثاني فراسة الأذن والسمع. # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: علق معرفته إياهم بالنظر ~~على المشيئة ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط، بل أخبر به خبرا مؤكدا ~~بالقسم فقال: ولتعرفنهم في لحن القول وهو تعريض الخطاب، وفحوى الكلام ~~ومغزاه. # واللحن ضربان. صواب وخطأ. # فلحن الصواب نوعان. أحدهما: الفطنة. # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للمتخاصمين «ولعل بعضكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض» . PageV01P350 # والثاني: التعريض والإشارة. وهو قريب من الكتابة. ومنه قول الشاعر: # وحديث ألذه، وهو مما ... يشتهي السامعون يوزن وزنا # منطق صائب، وتلحن أحيا ... نا، وخير الحديث ما كان لحنا # والثالث: فساد المنطق في الاعراب، وحقيقته: تغيير الكلام عن وجهه، إما ~~إلى خطأ، وإما إلى معنى خفي، لم يوضع له اللفظ. # والمقصود: أنه سبحانه أقسم على معرفته المنافقين من لحن خطابهم. # فإن معرفة المتكلم وما في ضميره من كلامه أقرب من معرفته بسيماه وما في ~~وجهه. فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من دلالة السيماء ~~المرئية. والفراسة تتعلق بالنوعين: بالنظر، والسماع. # وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ قوله ~~تعالى: # إن في ذلك لآيات للمتوسمين # PageV01P351 ### | سورة النحل # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 76] # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ms256 يوجهه ~~لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) # هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس. وهو نفي الحكم لنفي علته ~~وموجبه. # فإن القياس نوعان: قياس طرد، يقتضى إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل ~~فيه. وقياس عكس، يقتضى نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه. # فالمثل الأول: ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان. فالله سبحانه هو ~~المالك لكل شيء، ينفق كيف يشاء على عبيده، سرا وجهرا، وليلا ونهارا، يمينه ~~ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. والأوثان مملوكة لعابديها # PageV01P353 # عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف يجعلونها شركاء لله، ويعبدونها من دونه، مع ~~هذا التفاوت العظيم، والفرق المبين؟ هذا قول مجاهد وغيره. # وقال ابن عباس: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، مثل المؤمن في الخير ~~الذي عنده، ثم رزقه منه رزقا حسنا. فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا ~~وجهرا. والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز، لا يقدر على شيء، لأنه لا خير عنده، ~~فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟. # والقول الأول: أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند ~~المخاطب وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبا بقوله: ويعبدون من دون الله ما ~~لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون. فلا تضربوا لله ~~الأمثال، إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ثم قال ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ~~لا يقدر على شيء. # ومن لوازم هذا المثل وأحكامه: أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه الله رزقا ~~حسنا والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. # فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه. فذكره ابن عباس رضي الله عنهما ~~منبها على إرادته، لا أن الآية اختصت به. # فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرمان ~~فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قوله. ### | فصل # وأما المثل الثاني: فهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لنفسه ولما يعبد من ~~دونه أيضا. ms257 فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم، لا يعقل ولا ينطق، ~~بل هو أبكم القلب واللسان. قد عدم النطق القلبي واللساني، ومع هذا فهو عاجز ~~لا يقدر على شيء البتة. ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك # PageV01P354 # بخير، ولا يقضي لك حاجة. والله سبحانه حي قادر متكلم، يأمر بالعدل، وهو ~~على صراط مستقيم. وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد. فإن أمره بالعدل- وهو ~~الحق- يتضمن أنه سبحانه عالم به، معلم له، راض به، آمر لعباده به، محب ~~لأهله. لا يأمر بسواه، بل ينزه عن ضده، الذي هو الجور والظلم والسفه ~~والباطل. بل أمره وشرعه عدل كله. وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه، وهم ~~المجاورون له عن يمينه على منابر من نور. # وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني، والأمر القدري الكوني. # وكلاهما عدل، لا جور فيه بوجه ما، كما في الحديث الصحيح «اللهم إني عبدك ~~ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك» فقضاؤه: هو ~~أمره الكوني. فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فلا يأمر إلا ~~بالحق والعدل، وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل. # وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم. فالقضاء غير المقضي، والقدر ~~غير المقدر. # ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم. وهذا نظير قول رسوله هود 11: 56 إني ~~توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط ~~مستقيم. # فقوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها نظير # قوله صلى الله عليه وسلم: «ناصيتي بيدك» # وقوله: إن ربي على صراط مستقيم نظير قوله «عدل في قضاؤك» فالأول ملكه. ~~والثاني حمده. وهو سبحانه له الملك. وله الحمد. وكونه سبحانه على صراط ~~مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق، ولا يأمر إلا بالعدل، ولا يفعل إلا ما ~~هو مصلحة ورحمة، وحكمة وعدل، فهو على الحق في أقواله وأفعاله فلا يقضي على ~~العبد بما يكون ظالما له به، ولا يأخذه بغير ذنبه، ولا ينقصه من حسناته ~~شيئا. ولا ms258 يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيئا، ~~ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، ولا # PageV01P355 # يفعل قط ما لا يحمد عليه ويثنى به عليه، ويكون له فيه العواقب الحميدة ~~والغايات المطلوبة. فإن كونه على صراط مستقيم: يأبى ذلك كله. # قال محمد بن جرير الطبري: وقوله: إن ربي على صراط مستقيم يقول: إن ربي ~~على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء بإساءته. لا يظلم ~~أحدا منهم شيئا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان به. # ثم حكى عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح عنه إن ربي على صراط مستقيم قال: ~~الحق. وكذلك رواه ابن جريج عنه. # وقالت فرقة: هي مثل قوله: 89: 14 إن ربك لبالمرصاد. # وهذا اختلاف عبارة. فإن كونه بالمرصاد: هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء ~~بإساءته. # وقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم ~~عليه. # وهؤلاء، إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها. فليس هو كما زعموا. ~~ولا دليل على هذا المقدر. وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل، وبين كونه ~~على صراط مستقيم. # وإن أرادوا: أن حثه على الصراط المستقيم من جملة كونه على صراط مستقيم، ~~فقد أصابوا. # وقالت فرقة أخرى: معنى كونه على صراط مستقيم: أن مرد العباد والأمور كلها ~~إلى الله، لا يفوته شيء منها. # وهؤلاء: إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس كذلك. وإن أرادوا: أن هذا من ~~لوازم كونه على صراط مستقيم، ومن مقتضاه وموجبه: فهو حق. # PageV01P356 # وقالت فرقة أخرى: معناه كل شيء تحت قدرته وقهره، وفي ملكه وقبضته. # وهذا- وإن كان حقا- فليس هو معنى الآية. وقد فرق هود عليه السلام بين ~~قوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وبين قوله: إن ربي على صراط مستقيم ~~فهما معنيان مستقلان. # فالقول قول مجاهد. وهو قول أئمة التفسير. ولا تحتمل العربية غيره إلا على ~~استكراه. # قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: # أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم # وقد قال تعالى: 6: 39، 100 من ms259 يشأ الله يضلله. ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم. # وإذا كان الله سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على صراط مستقيم في ~~أقوالهم وأفعالهم، فهو وسبحانه أحق بأن يكون على صراط مستقيم في قوله ~~وفعله. وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره، فصراطه الذي هو سبحانه ~~عليه: هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده، من قول الحق وفعله. # وبالله التوفيق. # وقال في مفتاح دار السعادة: # فالمثل الأول للصنم وعابديه. والمثل الثاني: ضربه الله تعالى لنفسه، وأنه ~~يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم. # فكيف تسوى بينه وبين الصنم الذي له مثل السوء؟ فما فعله الرب تبارك ~~وتعالى مع عباده: هو غاية الحكمة والإحسان والعدل، في إقدارهم وإعطائهم ~~ومنعهم، وأمرهم ونهيهم. # PageV01P357 # فدعوى المدعي: أن هذا نظير تخلية السيد بين عبيده وإمائه يفجر بعضهم ~~ببعض، ويسبي بعضهم بعضا أكذب دعوى وأبطلها. والفرق بينهما أظهر وأعظم من أن ~~يحتاج إلى ذكره، والتنبيه عليه. والحمد لله الغني الحميد. فغناه التام ~~فارق، وحمده وملكه، وعزته وحكمته وعلمه، وإحسانه وعدله، ودينه وشرعه وحكمه ~~وكرمه، ومحبته للمغفرة والعفو عن الجناة، والصفح عن المسيئين، وقبوله توبة ~~التائبين، وصبر الصابرين، وشكر الشاكرين الذين يؤثرونه على غيره، ويتطلبون ~~مرضاته، ويعبدونه وحده، ويسيرون في عبيده سيرة العدل والإحسان والنصائح، ~~ويجاهدون أعداءه، فيبذلون دماءهم وأموالهم في محبته ومرضاته. ليتميز الخبيث ~~من الطيب، ووليه من عدوه، ويخرج طيبات هؤلاء وخبائث أولئك إلى الخارج، ~~فيترتب عليها آثارها المحبوبة للرب تعالى من الثواب والعقاب، والحمد ~~لأوليائه والذم لأعدائه. ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 99] # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) # فإن قيل: فقد أثبت له على أوليائه هاهنا سلطانا، فكيف نفاه بقوله تعالى ~~حاكيا عنه مقررا له 14: 23 وقال الشيطان لما قضي الأمر: إن الله وعدكم وعد ~~الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي وقال تعالى: 34: 20، 21 ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين، وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن ms260 بالآخرة ممن هو ~~منها في شك. # قيل: السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه من وجهين. # أحدهما: أن السلطان الثابت: هو سلطان التمكن منهم، وتلاعبه # PageV01P358 # بهم، وسوقه إياهم كيف أراد، بتمكينهم إياه من ذلك، بطاعته وموالاته. # والسلطان الذي نفاه: سلطان الحجة. فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط ~~بها، غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان. # الثاني: أن الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء ألبتة، ولكن هم سلطوه ~~على أنفسهم بطاعته، ودخولهم في جملة جنده وحزبه، فلم يتسلط عليهم بقوته، ~~فإن كيده ضعيف. وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم. # والمقصود: أن من قصده أعظم أوليائه وأحبابه ونصحائه، فأخذه وأخذ أولاده ~~وحاشيته وسلمهم إلى عدوه. كان من عقوبته: أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه. ### | [سورة النحل (16) : آية 125] # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) # جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق. فالمستجيب القابل الذكي ~~الذي لا يعاند الحق ولا يأباه: يدعى بطريق الحكمة. # والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يدعى بالموعظة الحسنة. وهي الأمر ~~والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. # والمعاند الجاحد: يجادل بالتي هي أحسن. # هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية. # لا ما يزعم أسير منطق اليونان: أن الحكمة قياس البرهان. وهي دعوة الخواص، ~~والموعظة الحسنة: قياس الخطابة، وهي دعوة العوام. # وبالمجادلة بالتي هي أحسن: القياس الجدلي. وهو رد شغب المشاغب بقياس جدلي ~~مسلم المقدمات. # وهذا باطل. وهو مبني على أصول الفلسفة. وهو مناف لأصول المسلمين. وقواعد ~~الدين من وجوه كثيرة. ليس هذا موضع ذكرها. # PageV01P359 ### | سورة الأسراء # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 80 الى 82] # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ~~(80) وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (82) # وأخبر عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم: أنه سأله ms261 أن يهب له لسان صدق ~~في الناس. فقال: 26: 84 واجعل لي لسان صدق في الآخرين وبشر عباده: أن لهم ~~عنده قدم صدق. ومقعد صدق. فقال تعالى: 10: 2 وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم وقال: 54: 54، 55 إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر. # وهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ~~ومقعد الصدق. # وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله، الموصل إلى ~~الله. وهو ما كان به وله، من الأقوال والأعمال، وجزاء ذلك في الدنيا ~~والآخرة. # فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا # PageV01P360 # بالله، ولله، وفي مرضاته، متصلا بالظفر بالبغية، وحصول المطلوب، ضد مخرج ~~الكذب ومدخله، الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساق ثابتة يقوم عليها. ~~كمخرج أعدائه يوم بدر، ومخرج الصدق: كمخرجه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه ~~في تلك الغزوة. وكذلك مدخله المدينة كان مدخل صدق بالله، ولله، وابتغاء ~~مرضاة الله. فاتصل به التأييد والظفر والنصر، وإدراك ما طلبه في الدنيا ~~والآخرة، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم ~~الأحزاب. فإنه لم يكن لله، ولا بالله، بل كان محادة لله ولرسوله. فلم يتصل ~~به إلا الخذلان والبوار. # وكذلك مدخل من دخل من اليهود والمحاربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حصن بني قريظة فإنه لما كان مدخل كذب أصابهم معه ما أصابهم. # فكل مدخل ومخرج كان بالله ولله وابتغاه مرضاة الله: فصاحبه ضامن على ~~الله. فهو مدخل صدق ومخرج صدق. # وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء وقال: # اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك. يريد أن لا ~~يكون المخرج مخرج صدق. ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه: بخروجه صلى الله عليه ~~وسلم من مكة، ودخوله المدينة. ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل. فإن هذا ~~المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه صلى الله عليه وسلم. وإلا فمداخله ~~ومخارجه ms262 كلها مداخل صدق ومخارج صدق، إذ هي لله وبالله وبأمره، ولابتغاء ~~مرضاته. # وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو أي مدخل آخر إلا بصدق أو بكذب. فمخرج ~~كل واحد ومدخله لا يعدو الصدق والكذب. والله المستعان. # وأما لسان الصدق: فهو الثناء الحسن عليه صلى الله عليه وسلم من سائر ~~الأمم بالصدق، ليس ثناء بالكذب. كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء ~~والرسل # PageV01P361 # عليهم صلوات الله وسلامه 19: 50 وجعلنا لهم لسان صدق عليا. # والمراد باللسان هاهنا: الثناء الحسن. فلما كان الصدق باللسان، وهو محله، ~~أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق، جزاء؟ وعبر به عنه. # فإن اللسان يراد به ثلاثة معان: هذا، واللغة، لقوله تعالى: 14: # 5 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وقوله: 30: 22 واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم وقوله: 16: 103 لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين. # ويراد به الجارحة نفسها كما في قوله: 75: 16 لا تحرك به لسانك لتعجل به. # وأما قدم الصدق: ففسر بالجنة، وفسر بمحمد صلى الله عليه وسلم. وفسر ~~بالأعمال الصالحة. # وحقيقة القدم: ما قدموه، ويقدمون عليه يوم القيامة. وهم قدموا الأعمال ~~والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك. # فمن فسره بها أراد ما يقدمون عليه. ومن فسره بالأعمال وبالنبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنهم قدموها وقدموا الايمان به بين أيديهم. فالثلاثة قدم صدق. # وأما مقعد الصدق: فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى. # ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم لثبوته واستقراره، وأنه حق مستلزم لدوامه ~~ونفعه وكمال عائدته. فإنه متصل بالحق سبحانه، كائن به وله. فهو صدق غير ~~كذب، وحق غير باطل. ودائم غير زائل، ونافع غير ضار. وما للباطل ومتعلقاته ~~إليه سبيل ولا مدخل. # قول الله تعالى: 17: 45 وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وقوله: 41: 5 ومن بيننا وبينك # PageV01P362 # حجاب # على أصح القولين. والمعنى: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا يحول ~~بينهم وبين فهمه وتدبره، والأيمان به، وبينه قوله: 17: 45 ms263 وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا. # وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله: 41: 5 وقالوا قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب فأخبر سبحانه أن ~~ذلك جعله. # فالحب يمنع من رؤية الحق، والأكنة تمنع من فهمه، والوقر يمنع من سماعه. # وقال الكلبي: الحجاب هاهنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول الله بالأذى ~~من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه. # ووصفه بكونه مستورا فقيل: بمعنى ساتر. وقيل: على النسب، أي في ستر ~~والصحيح: أنه على بابه، أي مستورا عن الأبصار فلا يرى. ومجيء مفعول بمعنى ~~فاعل لا يثبت. والنسب في مفعول لم يشتق من فعله، كمكان محول أي ذي حول، ~~ورجل مرطوب، أي ذي رطوبة. فأما مفعول فهو جار على فعله فهو الذي وقع عليه ~~الفعل. كمضروب ومجروح ومستور. ### | [سورة الإسراء (17) : آية 82] # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~(82) # و «من» هاهنا لبيان الجنس، لا للتبعيض. فإن القرآن كله شفاء. كما قال في ~~الآية الأخرى 10: 57 يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. # فهو شفاء للقلوب من داء الجهل، والشك والريب. فلم ينزل الله سبحانه من ~~السماء شفاء قط أعم ولا أنفع، ولا أعظم، ولا أسرع في إزالة الداء من ~~القرآن. # PageV01P363 ### | سورة الكهف # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 28] # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) # فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من ~~الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى ~~وهو من أهل الغفلة. كان أمره فرطا. # ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع، أي أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه ~~رشده وفلاحه: ضائع، قد فرط فيه. # وفسر بالإسراف، ms264 أي قد أفرط بالإهلاك. وفسر بالخلاف للحق. # وكلها أقوال متقاربة. # والمقصود: أن الله سبحانه وتعالى نهي عن طاعة من جمع هذه الصفات. فينبغي ~~للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه. فإن وجده كذلك فليبعد منه وإن وجده ~~ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل واتباع # PageV01P365 # السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه. # وقد سئل أبو العباس ثعلب عن قوله تعالى: أغفلنا قلبه عن ذكرنا فقال: ~~جعلناه غافلا. قال: ويكون في الكلام: أغفلته، سميته غافلا: # ووجدته غافلا. # قلت: الغفل الشيء الفارغ، والأرض الغفل: التي لا علامة بها، والكتاب ~~الغفل: الذي لا شكل عليه. فأغفلناه: تركناه غافلا عن الذكر فارغا منه. فهو ~~إبقاء له على العدم الأصلي، لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر، فبقي غافلا، ~~فالغفلة وصفه. والإغفال فعل الله فيه بمشيئته، وعدم مشيئته لتذكرة. فكل ~~منهما مقتض لغفلته. فإذا لم يشأ له التذكر لم يتذكر، وإذا شاء غفلته امتنع ~~منه الذكر. # فإن قيل: فهل تضاف الغفلة والكفر والأعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب ~~لأضدادها، أم إلى عدم مشيئته لوقوعها؟ # قيل: القرآن قد نطق بهذا وبهذا. قال تعالى: 5: 41 أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم وقال: 5: 41 ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا وقال: 6: 125 فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء. # فإن قيل: فكيف يكون عدم السبب المقتضي موجبا للأثر؟ # قيل: الأثر إن كان وجوديا فلا بد من مؤثر وجودي، وأما العدم فيكفى فيه ~~عدم سببه وموجبه. فيبقى على العدم الأصلي. فإذا أضيف إليه، كان من باب ~~إضافة الشيء إلى دليله. فعدم السبب دليل على عدم المسبب. # وإذا سمي موجبا ومقتضيا بهذا الاعتبار فلا مشاحة في ذلك وإما أن يكون ~~العدم أثرا ومؤثرا فلا. # PageV01P366 # وهذا الإغفال ترتب عليه اتباع هواه، وتفريطه في أمره. # قال مجاهد: كان أمره فرطا: أي ضياعا. # وقال قتادة: ضاع أكبر الضيعة. # وقال ms265 السدي: هلاكا. # وقال أبو الحسن بن الهيثم: أمر فرط: متهاون به مضيع. والتفريط تقديم ~~العجز. # : أمر فرط: متهاون به مضيع. والتفريط تقديم العجز. # وقال أبو إسحاق: من قدم العجز في أمر أضاعه وأهلكه. # وقال الليث: الفرط الأمر الذي يفرط فيه. يقال: كل أمر فلان فرط. # وقال الفراء: فرطا متروكا، فرط فيما لا ينبغي التفريط فيه، واتبع ما لا ~~ينبغي اتباعه. وغفل عما لا يحسن الغفلة عنه. ### | ### | [سورة الكهف (18) : آية # 57] # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا (57) # وهي جمع كنان، كعنان وأعنة. وأصله: من الستر والتغطية. # ويقال: كنه، وأكنه، وكنان، بمعنى واحد، بل بينهما فرق. فأكنه، إذا ستره ~~وأخفاه. كقوله تعالى: 2: 177 أو أكننتم في أنفسكم وكنه: إذا صانه وحفظه، ~~كقوله: 37: 49 كأنهن بيض مكنون ويشتركان في الستر، والكنان: ما أكن الشيء ~~وستره. وهو كالغلاف. # وقد أقروا على أنفسهم بذلك فقالوا: 41: 5 قلوبنا في أكنة مما تدعونا ~~إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب فذكروا غطاء القلب: وهو ~~الأكنة، وغطاء الأذن، وهو الوقر، وغطاء العين وهو الحجاب. # والمعنى: لا نفقه كلامك، ولا نسمعه، ولا نراك. # PageV01P367 # والمعنى: إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفقه ما تقول، ولا يراك. ~~قال ابن عباس: قلوبنا في أكنة: مثل الكنانة التي فيها السهام. وقال مجاهد: ~~كجعبة النبل. وقال مقاتل: عليها غطاء فلا نفقه ما تقول. ### | [سورة الكهف (18) : آية 101] # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) # وهذا يتضمن معنيين. # أحدهما: أن أعينهم في غطاء عما تضمنه الذكر من آيات الله، وأدلة توحيده، ~~وعجائب قدرته. # والثاني: أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن وتدبره، والاهتداء به. ~~وهذا الغطاء للقلب أولا، ثم يسري منه إلى العين. # PageV01P368 ### | سورة مريم # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة مريم (19) : آية 39] # وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ms266 (39) # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يجاء بالموت ~~يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، ~~هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم. هذا الموت، ثم يقال: يا ~~أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: # نعم. هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود ~~فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون متفق عليه. # وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال «يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن ~~بينهم، فيقول: يا أهل الجنة، لا موت، ويا أهل النار، لا موت. # كل خالد فيما هو فيه» # وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا صار أهل الجنة إلى ~~الجنة، وصار أهل النار إلى النار، أتى بالموت، حتى يجعل بين النار والجنة. ~~ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، لا موت. ويا أهل النار لا موت. فيزداد أهل ~~الجنة فرحا. ويزداد أهل النار حزنا» # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P369 # قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتى بالموت ملببا، فيوقف ~~على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون ~~خائفين. ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة. فيقال ~~لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقول هؤلاء وهؤلاء: قد عرفناه، هو ~~الموت الذي وكل بنا، فيضجع فيذبح ذبحا على السور، قم يقال: يا أهل الجنة ~~خلود لا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت» رواه النسائي والترمذي # ، وقال: حديث حسن صحيح. # وهذا الكبش والأضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا ~~تمثيل، كما أخطأ فيه بعض الناس خطأ قبيحا. وقال: الموت ms267 عرض والعرض لا ~~يتجسم، فضلا عن أن يذبح. # وهذا لا يصح. فإن الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح، كما ينشئ من ~~الأعمال صورا يثاب بها صاحبها ويعاقب، والله تعالى ينشئ من الأعراض أجساما ~~تكون الأعراض مادة لها. وينشئ من الأجسام أعراضا، كما ينشئ سبحانه من ~~الأعراض أعراضا. ومن الأجسام أجساما. # فالأقسام الأربعة ممكنة مقدورة للرب تعالى، ولا يستلزم جمعا بين ~~النقيضين، ولا شيئا من المحال، ولا حاجة إلى تكلف من قال: إن الذبح لملك ~~الموت، فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله ورسوله، ومن التأويل الباطل ~~الذي لا يوجبه عقل ولا نقل، وسببه: قلة الفهم لمراد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من كلامه، فظن هذا القائل: أن لفظ الحديث يدل على أن نفس العرض ~~يذبح. # وظن غالط آخر: أن العرض يعدم ويزول، ويصير مكانه جسم يذبح، ولم يهتد ~~الفريقان إلى هذا القول الذي ذكرناه، وأن الله سبحانه ينشئ من الأعراض ~~أجساما ويجعلها مادة لها، كما # في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال «تجيء البقرة وآل عمران يوم ~~القيامة كأنهما غمامتان- الحديث» # فهذه هي القراءة التي # PageV01P370 # ينشئ منها الله سبحانه غمامتين. وكذلك قوله # في الحديث الآخر «ما تذكرون من جلال الله: من تسبيحه وتحميده وتهليله؟ ~~يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن» ذكره أحمد # . وكذلك # قوله في عذاب القبر ونعيمه للصورة التي يراها المقبور «فيقول: من أنت؟ # فيقول: أنا عملك الصالح، وأنا عملك السيء» # وهذا حقيقة لا خيال، ولكن الله سبحانه أنشأ للمؤمن من عمله صورة حسنة ~~وللفاجر من عمله وصورة قبيحة. # وهل النور الذي يقسم بين المؤمنين يوم القيامة إلا نفس إيمانهم؟ # أنشأ الله سبحانه لهم منه نورا يسعى بين أيديهم؟ فهذا أمر معقول، وإن لم ~~يرد به النص، فورود النص به من باب تطابق العقل والسمع. # وقال سعيد عن قتادة: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال «إن ~~المؤمن إذا اخرج من قبره صور الله له عمله في صورة حسنة وبشارة حسنة، ms268 فيقول ~~له: من أنت؟ # فو الله إني لأراك امرأ صدق، فيقول: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى ~~الجنة. وأما الكافر فإذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة، وبشارة ~~سيئة، فيقول: من أنت؟ فو الله إني لأراك امرأ سوء، فيقول له: أنا عملك، ~~فينطلق به حتى يدخله النار» # وقال مجاهد مثل ذلك. # وقال ابن جريج: يمثل له عمله في صورة حسنة، وريح طيبة، يعارض صاحبه ~~ويبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيجعل له نورا بين ~~يديه، حتى يدخله الجنة، فذلك قوله: 10: 9 يهديهم ربهم بإيمانهم والكافر ~~يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويليله، حتى يقذفه في ~~النار. # وقال ابن المبارك: حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن أنه ذكر هذه الآية ~~37: 58، 59 أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين؟ قال: ~~علموا أن كل نعيم بعده الموت: أنه يقطعه، فقالوا: # PageV01P371 # أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين؟ قيل: لا، قالوا: إن ~~هذا لهو الفوز العظيم. # وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أمن أهل الجنة من الموت، فطاب لهم ~~العيش، وأمنوا من الأسقام، فهنأهم في جوار الله طول المقام، ثم يبكي حتى ~~تجري دموعه على لحيته. # PageV01P372 ### | سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة طه (20) : آية 10] # إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو ~~أجد على النار هدى (10) # قيل: المصدر مضاف إلى الفاعل، أي لأذكرك بها. # وقيل: مضاف إلى المذكور، أي لتذكروني بها، واللام على هذا لام التعليل، ~~وقيل: هي اللام الوقتية، أي أقم الصلاة عند ذكري كقوله: # 17: 78 أقم الصلاة لدلوك الشمس وقوله تعالى: 21: 47 ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة. # وهذا المعنى يراد بالآية، لكن تفسيرها به على أنه معناها فيه نظر، لأن ~~هذه اللام الوقتية بابها أسماء الزمان والظروف. والذكر: مصدر، إلا أن يقدر ~~زمان محذوف، أي عند وقت ذكري، وهذا محتمل. # والأظهر: أنها لام التعليل، أي أقم الصلاة لأجل ذكري، ms269 ويلزم من هذا أن ~~تكون إقامتها عند ذكره، وإذا ذكر العبد ربه، فذكر الله سابق على ذكره، فإنه ~~لما ذكره ألهمه ذكره. فالمعاني الثلاثة حق. # قول الله تعالى ذكره. # PageV01P373 ### | [سورة طه (20) : الآيات 118 الى 119] # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) # تأمل كيف قابل الجوع بالعرى، والظمأ بالضحى. # والواقف مع القالب ربما يخيل إليه: أن الجوع يقابل بالظمأ، والعرى ~~بالضحى. # والداخل إلى بلد الفقه عن الله: يرى هذا الكلام في أعلى الفصاحة والجلالة ~~لأن الجوع ألم الباطن، والعرى ألم الظاهر، فهما متناسبان في المعنى، وكذلك ~~الظمأ مع الضحى، لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن، والضحى موجب لحرارة الظاهر ~~فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهرا وباطنا. ### | [سورة طه (20) : آية 124] # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) # لما أخبر سبحانه عن حال من اتبع هداه وماله من الرغد وطيب الحياة في ~~معاشه ومعاده أخبر عن حال من أعرض عن الهدى ولم يتبعه، فقال: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا أي عن الذكر الذي أنزلته، فالذكر هنا ~~مصدر مضاف إلى الفاعل، كقيامي وقراءتي، لا إلى المفعول، وليس المعنى: ومن ~~أعرض عن أن يذكرني، بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر سنذكره. # وأحسن من هذا الوجه: أن يقال: الذكر هاهنا مضاف إضافة الأسماء، لا إضافة ~~المصادر إلى معمولاتها. # والمعنى: ومن أعرض عن كتابي ولم يتبعه، فإن القرآن يسمى ذكرا، قال تعالى: ~~21: 50 وهذا ذكر مبارك أنزلناه وقال تعالى: 3: 58 # PageV01P374 # ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم وقال تعالى: 68: 52 وما هو إلا ~~ذكر للعالمين وقال تعالى: 41: 41 إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه ~~لكتاب عزيز وقال تعالى: 36: 11 إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ~~وأمثالها كثير. # فإضافته كإضافة الأسماء الجوامد التي يقصد بها إضافة العامل إلى معموله. # ونظيره في إضافة اسم الفاعل قوله: 40: 3 غافر الذنب وقابل التوب شديد ~~العقاب فإن هذه الإضافات لا يقصد بها قصد الفعل ms270 المتجدد، وإنما قصد بها قصد ~~الوصف الثابت اللازم، ولذلك أرت أوصافا على أعرف المعارف، وهو اسم الله ~~تعالى في قوله: 145: 2- 3 تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. ### | ### | فصل # # قوله تعالى: 20: 124 فإن له معيشة ضنكا فسره غير واحد من السلف بعذاب ~~القبر، وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة الدالة على عذاب القبر، ولهذا قال: ~~نحشره يوم القيامة أعمى، قال: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # أي تترك في العذاب، كما تركت العمل بآياتنا. فذكر عذاب البرزخ وعذاب دار ~~البوار. # ونظيره قوله تعالى في حق آل فرعون 40: 46 النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ~~فهذا في البرزخ 40: 46 ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب فهذا ~~في القيامة الكبرى. # ونظيره قوله تعالى: 6: 93 ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت # PageV01P375 # والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون # فقول الملائكة «اليوم تجزون عذاب الهون» المراد به: عذاب البرزخ الذي ~~أوله يوم القبض والموت. # ونظيره قوله تعالى: 8: 51 ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق فهذه الإذاقة هي في البرزخ. وأولها حين ~~الوفاة فإنه معطوف على قوله: يضربون وجوههم وأدبارهم وهو من القول المحذوف ~~مقوله لدلالة الكلام عليه. كنظائره. # وكلاهما واقع وقت الوفاة وفي الصحيح عن البراء بن عازب رضي الله عنه «1» ~~في قوله تعالى: 14: 27 يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة قال «نزلت في عذاب القبر» والأحاديث في عذاب القبر تكاد ~~تبلغ حد التواتر. # والمقصود: أن الله سبحانه أخبر أن من أعرض عن ذكره- وهو الهدى الذي من ~~اتبعه لا يضل ولا يشقى- فإن له معيشة ضنكا. وتكفل لمن حفظ عهده أن يحييه ~~حياة طيبة، ويجزيه أجره في الآخرة. فقال تعالى: # 16: 97 من عمل صالحا من ذكر ms271 أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة. ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. # فأخبر سبحانه عن فلاح من تمسك بعهده علما وعملا في العاجلة بالحياة ~~الطيبة وفي الآخرة بأحسن الجزاء. وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا ~~والبرزخ ونسيانه في العذاب بالآخرة. PageV01P376 # وقال سبحانه: 43: 36، 37 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل، ويحسبون أنهم مهتدون فأخبر سبحانه أن من ~~ابتلاه بقرينه من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب إعراضه وعشوه عن ذكره ~~الذي أنزله على رسوله. فكان عقوبة هذا الأعراض أن قيض له شيطانا يقارنه، ~~فيصده عن سبيل ربه، وطريق فلاحه. # وهو يحسب أنه مهتد، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينة، وعاين هلاكه ~~وإفلاسه. قال: 43: 38 يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين. # وكل من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله فلا بد أن يقول هذا يوم ~~القيامة. # فإن قيل: فهل لهذا عذر في ضلاله؟ إذ كان يحسب أنه على هدى، كما قال ~~تعالى: 7: 30 ويحسبون أنهم مهتدون. # قيل: لا عذر لهذا لا لأمثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن ~~الوحي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو ظن أنه مهتد. فإنه ~~مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى. فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه. # وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة، وعجزه عن الوصول إليها. # فذاك له حكم آخر. والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول. # وأما الثاني: فإن الله لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه، كما قال ~~تعالى: 17: 15 وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى: # 4: 165 رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال ~~تعالى في أهل النار: 43: 76 وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين وقال ~~تعالى: 39: 56- 59 أن تقول نفس: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، وإن كنت ~~لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. ms272 أو تقول حين ترى ~~العذاب: لو أن لي كرة فأكون من المحسنين. بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت وكنت من # PageV01P377 # الكافرين # وهذا كثير في القرآن. ### | فصل # وقوله تعالى: 20: 124 ونحشره يوم القيامة أعمى. قال: رب، لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا؟ اختلف فيه: هل هو من عمى البصيرة، أو من عمى البصر؟ والذين ~~قالوا: هو من عمى البصيرة إنما حملهم على ذلك قوله: 19: 38 أسمع بهم وأبصر ~~يوم يأتوننا وقوله: # 50: 22 لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد وقوله: ~~25: 22 يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين وقوله: 102: 6، 7 لترون ~~الجحيم. ثم لترونها عين اليقين ونظائر هذا مما أثبت لهم الرؤية في الآخرة. ~~كقوله تعالى: 42: 45 وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ~~وقوله: 52: 13، 14 يوم يدعون إلى نار جهنم دعا. هذه النار التي كنتم بها ~~تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ وقوله: 18: 53 ورأى المجرمون النار ~~فظنوا أنهم مواقعوها. # والذين رجحوا أنه من عمى البصر قالوا: السياق لا يدل إلا عليه. # لقوله: 20: 124 قال: رب، لم حشرتني أعمى، وقد كنت بصيرا وهو لم يكن بصيرا ~~في كفره قط، بل قد تبين له حينئذ أنه كان في الدنيا في عمى عن الحق، فكيف ~~يقول: وقد كنت بصيرا؟ وكيف يجاب بقوله: # 20: 125 كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى بل هذا الجواب فيه ~~تنبيه على أنه من عمى البصر، وأنه جوزي من جنس عمله. فإنه لما أعرض عن ~~الذكر الذي بعث الله به رسوله وعميت عنه بصيرته: أعمى الله بصره يوم ~~القيامة. وتركه في العذاب، كما ترك هو الذكر في الدنيا، فجازاه على عمى ~~بصيرته عمى بصره في الآخرة. وعلى تركه ذكره تركه في العذاب. # PageV01P378 # وقال تعالى: 17: 97 ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء ~~من دونه، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما. # وقد قيل في هذه الآية أيضا: إنهم عمى وبكم وصم عن الهدى، ms273 كما قيل في قوله ~~«ونحشره يوم القيامة أعمى، قالوا: لأنهم يتكلمون يومئذ ويسمعون ويبصرون» . # ومن نصر أنه العمى والبكم والصم المضاد للبصر والسمع والنطق قال بعضهم: ~~هو عمى وصمم وبكم مقيد لا مطلق. فهم عمى عن رؤية ما يسرهم وسماعه. ولهذا قد ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال «لا يرون شيئا يسرهم» . # وقال آخرون: هذا الحشر حين تتوفاهم الملائكة يخرجون من الدنيا كذلك فإذا ~~قاموا من قبورهم إلى الموقف قاموا كذلك. ثم إنهم يسمعون ويبصرون فيما بعد. ~~وهذا مروي عن الحسن. # وقال آخرون: هذا إنما يكون إذا دخلوا النار واستقروا فيها سلبوا الأسماع ~~والأبصار والنطق، حين يقول لهم الرب تبارك وتعالى: 23: 108 اخسؤا فيها ولا ~~تكلمون فحينئذ ينقطع الرجاء وتبكم عقولهم، فيصيرون بأجمعهم عميا بكما صما ~~لا يبصرون ولا يسمعون ولا ينطقون، ولا يسمع منهم إلا الزفير والشهيق. وهذا ~~منقول عن مقاتل. # والذين قالوا: المراد به العمى عن الحجة إنما مرادهم: أنهم لا حجة لهم، ~~ولم يريدوا أن لهم لهم حجة هم عمى عنها، بل هم عمى عن الهدى، كما كانوا في ~~الدنيا. فإن العبد يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. # وبهذا يظهر أن الصواب هو القول الآخر، وأنه عمى البصر. فإن الكافر يعلم ~~الحق يوم القيامة عيانا، ويقر بما كان يجحده في الدنيا. فليس هو أعمى عن ~~الحق يومئذ. # PageV01P379 # وفصل الخطاب: أن الحشر هو الضم والجمع، ويراد به تارة: الحشر إلى موقف ~~القيامة. # كقول النبي صلى الله عليه وسلم «انكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا» # وكقوله تعالى: 81: 5 وإذا الوحوش حشرت وكقوله تعالى: # 18: 42 وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ويراد به الضم والجمع إلى دار ~~المستقر. فحشر المتقين: جمعهم وضمهم إلى الجنة. وحشر الكافرين: # جمعهم وضمهم إلى النار، قال تعالى: 19: 85 يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا وقال تعالى: 37: 22، 23 احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون ~~من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم فهذا الحشر هو بعد حشرهم إلى الموقف، ~~وهو ms274 حشرهم وضمهم إلى النار. لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا: 37: 21 يا ويلنا ~~هذا يوم الدين. هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ثم قال تعالى: 37: 22 ~~احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وهذا الحشر الثاني. # وعلى هذا فهم ما بين الحشر الأول من القبور إلى الموقف، والحشر الثاني من ~~الموقف إلى النار، فعند الحشر الأول: يسمعون ويبصرون، ويجادلون، ويتكلمون ~~وعند الحشر الثاني: يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصما. فلكل موقف حال يليق ~~به، ويقتضيه عدل الرب تعالى، وحكمته. فالقرآن يصدق بعضه بعضا 4: 82 ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # PageV01P380 ### | سورة الأنبياء # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 83] # وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) # جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد، وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه، ~~ووجود طعم المحبة في التملق له، والإقرار له بصفة الرحمة، وأنه أرحم ~~الراحمين. # والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة حاجته هو وفقره. ومتى وجد المبتلي هذا ~~كشفت عنه بلواه. وقد جرب أنه من قالها سبع مرات ولا سيما مع هذه المعرفة ~~كشف الله ضره. ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 107] # وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) # أصح القولين في هذه الآية: أنها على عمومها. # وفيها على هذا التقدير وجهان. # PageV01P381 # أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته. أما أتباعه: # فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة. # وأما أعداؤه المحاربون له: فالذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم لأن حياتهم ~~زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة. وهم قد كتب عليهم ~~الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر. # وأما المعاهدون له: فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته. وهم أقل شرا ~~بذلك العهد من المحاربين له. # وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الايمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهليهم ~~واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها. # وأما الأمم النائية عنه: فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن ~~أهل الأرض، فأصاب كل العالمين النفع برسالته. # الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن ms275 المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا ~~بها دنيا واخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم، لكن لم ~~يقبلوها، كما يقال: هذا دواء لهذا المرض. فإذا لم يستعمله لم يخرج عن أن ~~يكون دواء لذلك المرض. # PageV01P382 ### | سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الحج (22) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) # المرضع: من لها ولد ترضعه. والمرضعة: من ألقمت الثدي للرضيع. # وعلى هذا فقوله تعالى: يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت # أبلغ من مرضع في هذا المقام. فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير ~~مباشر للرضاعة. فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر هو ~~أعظم عندها من اشتغالها بالرضاع. # وتأمل رحمك الله السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل إلى قوله: ذات ~~حمل # فإن الحامل قد تطلق على المهيأة للحمل، وعلى من هي في أول حملها ومباديه. ~~فإذا قيل: ذات حمل لم يكن إلا لمن قد ظهر حملها وصلح للوضع كاملا، أو سقطا. ~~كما يقال: ذات ولد. # PageV01P383 # فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرضاعة دون التهيؤ لها. # وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع. # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 30 الى 31] # ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله ~~غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به ~~الريح في مكان سحيق (31) # فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله. وتعلق بغيره. # ويجوز لك في هذا التشبيه أمران. # أحدهما: أن تجعله تشبيها مركبا. ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه ~~غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكا لا يرجى معه نجاة. فصور حاله بصورة ~~حال من خر من السماء فاختطفته الطير في الهواء فتفرق مزعا في حواصلها، أو ~~عصفت به الريح ms276 حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة. # وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به. # الثاني: أن يكون من التشبيه المفرق، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل ~~بالممثل به. # وعلى هذا فيكون قد شبه الايمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء ~~التي هي مصعده ومهبطه. فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد منها. # وشبه تارك الايمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين، من حيث ~~التضييق الشديد والآلام المتراكمة. والطير التي تتخطف أعضاءه وتمزقه كل ~~ممزق بالشياطين التي يرسلها سبحانه وتعالى عليه تؤزه أزا وتزعجه وتدفعه إلى ~~مظان هلاكه. فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه، كما أن لكل طير مزعة من لحمه ~~وأعضائه والريح التي تهوى به في مكان سحيق: هو هواه الذي يحمله # PageV01P384 # على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء. ### | [سورة الحج (22) : آية 73] # يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب (73) # حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره. # فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه. # وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما ~~يضره. والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب، ~~ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف بما هو أكبر منه، بل لا يقدرون على الانتصار ~~من الذباب إذا سلبهم شيئا محا عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذوه منه. فلا هم ~~قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه، ~~واسترجاع ما سلبهم إياه. فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها. فكيف ~~يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟ # وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، ~~وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب ~~الصبيان بالكرة، حيث أعطوا الآلهة التي من بعض لوازمها ms277 القدرة على جميع ~~المقدورات، ولإحاطة بجميع المعلومات، والغني عن جميع المخلوقات، وأن يصمد ~~إلى الرب في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة ~~الدعوات- فأعطوها الصور وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الإلة ~~الحق، وأذلها وأصغرها وأحقرها. ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه. # PageV01P385 # وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء آلهتهم: أن هذا الخلق الأقل الأذل والعاجز ~~الضعيف لو اختطف منهم شيئا واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ~~ذلك ولم يقدروا عليه. # ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله: ضعف الطالب والمطلوب ~~قيل: الطالب والعابد، والمطلوب: المعبود، فهو عاجز متعلق بعاجز. # وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب منه وهو تسوية بين الإله والذباب في ~~الضعف والعجز. # وعلى هذا فقيل: الطالب الإله الباطل، والمطلوب الذباب يطلب منه، ما ~~استلبه منه. # وقيل: الطالب الذباب، والمطلوب الإله فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما ~~عليه. # والصحيح: أن اللفظ يتناول الجميع، فضعف العابد والمعبود والمستسلب. # فمن جعل هذا إلها مع القوي العزيز، فما قدر الله حق قدره، ولا عرفه حق ~~معرفته ولا عظمه حق تعظمه. # PageV01P386 ### | سورة المؤمنون # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 10 الى 11] # أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) # والفردوس: اسم يقال على جميع الجنة. ويقال: على أفضلها وأعلاها، كأنه أحق ~~بهذا الاسم من غيره من الجنات. # وأصل الفردوس: البستان، والفراديس البساتين. قال كعب: هو البستان الذي ~~فيه الأعناب. وقال الليث: الفردوس جنة ذات كروم، يقال: # كرم مفردس، أي معرش. وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة بالأشجار، وهو اختيار ~~المبرد. وقال: الفردوس- فيما سمعت من كلام العرب-: # الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وجمعه الفراديس. قال: ولهذا سمي باب ~~الفراديس بالشام. وأنشد لجرير: # فقلت للركب، إذ جد المسير بنا ... يا بعد ما بين أبواب الفراديس # وقال مجاهد: هذا البستان بالرومية. واختاره الزجاج. فقال: هو # PageV01P387 # بالرومية، منقول إلى لغة العرب. قال وحقيقته: أنه البستان الذي يجمع كل ~~ما يكون في البساتين. قال حسان: # وإن ثواب الله كل مخلد ... جنان من الفردوس ms278 فيها يخلد ### | [سورة المؤمنون (23) : آية 91] # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) # تأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين. فإن الإله الحق لا بد ~~أن يكون خالقا فاعلا، يوصل إلى عابديه النفع، ويدفع عنهم الضر فلو كان معه ~~سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضي شركة الإله الآخر معه، بل إن ~~قدر على قهره والتفرد بالالهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه، ~~وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم، إذا لم يقدر ~~المنفرد على قهر الآخر، والعلو عليه. فلا بد من أحد أمور ثلاثة: وإما أن ~~يذهب كل إله بخلقه وسلطانه. وإما أن يعلو بعضهم على بعض. وإما أن يكونوا ~~كلهم تحت قهر إله واحد، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا ~~يمتنعون من حكمه. فيكون وحده هو الإله الحق، وهم العبيد المبوبون ~~المقهورون. # وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض، وجريانه على نظام ~~محكم لا يختلف، ولا يفسد. من أدل دليل على أن مدبره واحد، لا إله غيره كما ~~دل دليل التمانع على أن خالقه واحد، لا رب غيره. # فذلك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في الغاية والألوهية. # فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان كذلك يستحيل أن يكون له ~~إلهان معبودان. # PageV01P388 ### | سورة النور # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة النور (24) : آية 35] # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) # قال أبي بن كعب «1» : مثل نوره في قلب المسلم. وهذا هو النور الذي أودعه ~~الله في قلب عبده من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره. وهو نوره الذي أنزله ~~إليهم ms279 فأحياهم به، وجعلهم يمشون به بين الناس. وأصله في قلوبهم، ثم تقوى ~~مادته فتتزايد حتى تظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل وثيابهم ودورهم، ~~يبصره من هو من جنسهم، وإن كان سائر الخلق له منكر فإذا كان يوم القيامة ~~برز ذلك النور، وصار بأيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة PageV01P389 # الجسر حتى يقطعوه وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا. # منهم من نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجوم، وآخر كالسراج، وآخر ~~يعطي نورا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذ كانت هذه حال نوره في ~~الدنيا، فأعطي على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانا ولما لم ~~يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا، بل كان نوره ظاهرا لا باطنا أعطى نورا ~~ظاهرا ماله؟؟؟ إلى الظلمة والذهاب. # وضرب الله عز وجل لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلا بالمشكاة وهي ~~الكوة في الحائط فهي مثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج حتى ~~شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه. وهي مثل القلب وشبه بالزجاجة لأنها ~~جمعت أوصافا هي في قلب المؤمن، وهي الصفاء والرقة والصلابة فيرى الحق ~~والهدى بصفائه وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله ~~تعالى ويغلظ عليهم ويشتد في الحق، ويصلب فيه بصلابته، ولا تبطل صفة منه صفة ~~اخرى ولا تعارضها بل تساعدها وتعاضدها 48: 29 أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~وقال تعالى: 3: 159 فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك وقال تعالى: 66: 9 يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ~~واغلظ عليهم. # وفي أثر «القلوب آنية الله تعالى في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها ~~وأصفاها» . # وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان على طرفي نقيض. # أحدهما: قلب حجري قاس، لا رحمة فيه، ولا إحسان ولا بر، ولا له صفاء يرى ~~به الحق، بل جبار جاهل، لا علم له بالحق ولا رحمة فيه للخلق. # PageV01P390 # وبإزائه قلب ضعيف مائي لا قوة ولا استمساك، بل يقبل كل صورة وليس له قوة ms280 ~~حفظ تلك الصور، ولا قوة التأثير في غيره. وكل ما خالطه أثر فيه من قوي ~~وضعيف، وطيب وخبيث. # وفي الزجاجة مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته. # ولذلك النور مادة وهو زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس ~~أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر، حتى أنه ليكاد من ~~صفائه يضيء بلا نار. # فهذه مادة نور المصباح. وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن: هو ~~من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة، وأبعدها عن الانحراف، بل هي أوسط ~~الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية، ولا انحراف اليهودية ~~بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء. # فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن. # ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار ~~فاشتدت بها إضاءته وقويت مادة ضوء النارية فيه كان ذلك نورا على نور. # وهكذا المؤمن: قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له ~~من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه. وخالطت بشاشته فازداد نورا بالوحي ~~على نوره الذي فطره الله تعالى عليه. فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة. ~~نور على نور، فيكاد ينطق بالحق، وإن لم يسمع فيه أثرا، ثم يسمع الأثر ~~مطابقا لما شهدت به فطرته، فيكون نورا على نور. # فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملا، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلا، ~~فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي وعن شهادة الفطرة. # PageV01P391 # فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة فقد ~~ذكر سبحانه وتعالى نوره في السموات والأرض، ونوره في قلب عباده المؤمنين: ~~النور المعقول المشهور بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهود بالأبصار ~~الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي. فهما نوران عظيمان، وأحدهما ~~أعظم من الآخر. # وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره، لأن ~~الحيوان إنما يكون حيث يكون النور، ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور ~~لا يعيش ms281 فيها حيوان ولا يكون البتة، فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والايمان ~~ميتة ولا بد، وقلب فقد منه هذا النور: ميت ولا بد، لا حياة له البتة، كما ~~لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه. # 24: 35 الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة، لا شرقية ولا ~~غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. نور على نور، يهدي الله لنوره من ~~يشاء. ويضرب الله الأمثال للناس. والله بكل شيء عليم. # وقد فسر قوله تعالى: الله نور السماوات والأرض بكونه منور السموات ~~والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدي أهل السموات والأرض. # وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق له ~~اسم النور، الذي هو أحد الأسماء الحسنى. # والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة ~~مفعول إلى فاعله. # PageV01P392 # فالأول كقوله عز وجل: 39: 69 وأشرقت الأرض بنور ربها فهذا إشراقها يوم ~~القيامة بنوره تعالى، إذا جاء لفصل القضاء. # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور «أعوذ بنور وجهك ~~الكريم: أن تضلني. لا إله إلا أنت» . # وفي الأثر الآخر «أعوذ بوجهك، أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» . # فأخبر صلى الله عليه وسلم: أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله، كما أخبر ~~تعالى: أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره. # وفي معجم الطبراني والسنة له، وكتاب عثمان بن سعيد الدرامي وغيرها: عن ~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال «ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات ~~والأرض من نور وجهه» . # وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أقرب إلى تفسيره الآية من ~~قول من فسرها بأنه هادي أهل السموات والأرض. # وأما من فسرها بأنه منور السموات والأرض فلا يتنافى بينه وبين قول ابن ~~مسعود. # والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها. # وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله ms282 عنه قال «قام ~~بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ~~ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل ~~النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ~~ما انتهى إليه بصره من خلقه» . # وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال «سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: نور. أني أراه» . # PageV01P393 # سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: معناه: كان ثم نور، أو حال ~~دون رؤيته نور، فإني أراه؟ # قال: ويدل عليه: أن # في بعض الألفاظ الصحيحة «هل رأيت ربك؟ # فقال: رأيت نورا» . # وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس، حتى صححه بعضهم فقال «نور ~~إني أراه» على أنها ياء النسب. والكلمة كلمة واحدة. # وهذا خطأ لفظا ومعنى. وإنما أوجب لهم هذا الأشكال والخطأ: انهم لما ~~اعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه، وكان قوله «أني أراه» ~~كالانكار للرؤية حاروا في الحديث ورده بعضهم باضطراب لفظه. # وكل هذا عدول عن موجب الدليل. # وقد حكي عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرؤية له إجماع الصحابة على أنه ~~لم ير ربه ليلة المعراج. وبعضهم استثني ابن عباس فيمن قال ذلك. # وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني ~~رأسه. وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين، حيث قال: إنه صلى الله عليه ~~وسلم رأى ربه عز وجل. ولم يقل بعيني رأسه. ولفظ أحمد لفظ ابن عباس رضي الله ~~عنه. # ويدل على صحته: ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه: # قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر «حجابه النور» # فهذا النور هو- والله أعلم- النور المذكور في حديث أبي ذر رضي الله عنه ~~«رأيت نورا» . ### | فصل # وقوله تعالى: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح هذا مثل لنوره في قلب عبده ~~المؤمن، كما قال أبي بن كعب وغيره. ms283 # PageV01P394 # وقد اختلف في مفسر الضمير في «نوره» فقيل: هو النبي صلى الله عليه وسلم ~~أي مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: مفسره المؤمن، أي مثل نور المؤمن. # والصحيح: أنه يعود على الله سبحانه وتعالى. والمعنى: مثل نور الله سبحانه ~~وتعالى في قلب عبده وأعظم عباده نصيبا من هذا النور: رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. # فهذا مع ما تضمنه عود الضمير المذكور، وهو وجه الكلام، يتضمن التقادير ~~الثلاثة، وهو أتم لفظا ومعنى. # وهذا النور يضاف إلى الله تعالى، إذ هو معطيه لعبده، وواهبه إياه. # ويضاف إلى العبد، إذ هو محله وقابله. فيضاف إلى الفاعل والقابل. ولهذا ~~النور فاعل وقابل، ومحل وحامل، ومادة. # قد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل. فالفاعل: # هو الله تعالى مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء. والقابل: العبد ~~المؤمن. والمحل: قلبه. والحامل: همته وعزيمته وإرادته. والمادة: # قوله وعمله. # وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار ~~تمام نعمته على عبده المؤمن بما؟ من نوره: ما تقربه عيون أهله، وتبتهج به ~~قلوبهم. # وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان. # إحداهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذا وأسلم من التكلف، وهي أن ~~تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء ~~المشبه، ومقابلته بجزء من المشبه به. وعلى هذا عامة أمثال القرآن. # فتأمل صفة المشكاة، وهي كوة تنفذ لتكون أجمع للضوء- قد وضع # PageV01P395 # فيها مصباح. وذلك المصباح داخل زجاجة تشبيه الكوكب الدري في صفائها ~~وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان وأتمها وقودا، من زيت شجرة في وسط القراح، ~~لا شرقية ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في إحدى طرفي النهار، بل هي في وسط ~~القراح، محمية بأطرافه، تصيبها الشمس أعدل إصابة. والآفات إلى الأطراف ~~دونها. فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار ~~فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تعالى الذي وصفه في قلب عبده المؤمن، ~~وخصه به. # والطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل، فقيل: المشكاة صدر ms284 المؤمن. ~~والزجاجة: قلبه. شبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها. # وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم ويحسن، ويتحنن، ~~ويشفق على الخلق برقته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي ~~عليه. ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء وبصلابته يشتد في ~~أمر الله ويتصلب في ذات الله تعالى، ويغلظ على أعداء الله تعالى، ويقوم ~~بالحق لله تعالى. # وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف «القلوب آنية الله ~~في أرضه، فأحبها إلى الله أرقها وأصلبها وأصفاها» والمصباح هو نور الإيمان ~~في قلبه، والشجرة المباركة: هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق. وهي ~~مادة المصباح التي يتقد منها. والنور على النور نور الفطرة الصحيحة، ~~والإدراك الصحيح ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد ~~العبد نورا على نور. ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه من ~~الأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل ~~والشرع، والفطرة والوحي فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم هو الحق لا يتعارض عنده العقل والنقل، بل يتصادقان ~~ويتوافقان فهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه # PageV01P396 # أمواج الشبه الباطلة، والخيالات الفاسدة، من الظنون، والجهليات التي ~~يسميها أهلها القواطع العقليات. فهي في صدره كما قال الله 24: 40 أو كظلمات ~~في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا ~~أخرج يده لم يكد يراها. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. # فانظر كيف تضمنت هذه الآيات طرائق انتظمت طوائف بني آدم أتم انتظام ~~واشتملت عليها أكمل اشتمال. فإن الناس قسمان: أهل الهدى والبصائر. الذين ~~عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه، وأن ~~كل ما عارضه فشبهات يشتبه أمرها على من قل نصيبه من العقل والسمع، فيظنها ~~شيئا له حاصل ينتفع به، وهي: ### | [سورة النور ms285 (24) : الآيات 39 الى 40] # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر ~~لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده ~~لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) # وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع، والعمل الصالح، ~~الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أخباره، ولم يعارضوه بالشبهات، ~~وأطاعوه في أوامره، ولم يضيعوها بالشهوات. فلا هم في علمهم من أهل الخوض ~~الخراصين، الذين هم في غمرة ساهون، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم، ~~الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الخاسرون. أضاء لهم نور ~~الوحي المبين، فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون، وفي ~~ضلالتهم يتهوكون، وفي ريبهم يترددون، مغترين بظاهر السراب، ممحلين مجدبين ~~مما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من الحكمة و ### | فصل # الخطاب، إن عندهم إلا نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان التي # PageV01P397 # قد رضوا بها واطمأنوا إليها، وقدموها على السنة والقرآن إن في صدورهم إلا ~~كبر ما هم ببالغيه أوجبه لهم اتباع الهوى، ونخوة الشيطان، وهم لأجله ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان. ### | ### | فصل # # القسم الثاني: أهل الجهل والظلم، الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والظلم لأنفسهم باتباع أهوائهم، الذين قال الله ~~تعالى فيهم 53: 23 إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس. ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى. # وهؤلاء قسمان: # أحدهما: الذين يحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل الجهل والضلال، فهؤلاء ~~أهل الجهل المركب، الذين يجهلون الحق ويعادون أهله، وينصرون الباطل ~~ويوالونه، ويوالون أهله 58: 18 ويحسبون أنهم على شيء، ألا إنهم هم ~~الكاذبون. # فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب، الذي يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. وهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة ~~السراب الذي ms286 لا يخون صاحبه أحوج ما هو إليه. ولم يقتصر على مجرد الخيبة ~~والحرمان. كما هو حال من أم السراب فلم يجده ماء، بل انضاف إلى ذلك: أنه ~~وجد عنده أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين سبحانه وتعالى، فحسب له ما عنده من ~~العلم والعمل، فوفاه إياه بمثاقيل الذر. # وقدم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه، فجعله هباء منثورا، إذ لم يكن خالصا ~~لوجهه، ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وصارت تلك الشبهات الباطلة ~~التي كان يظنها علوما نافعة كذلك هباء منثورا، فصارت أعماله وعلومه حسرات ~~عليه. # PageV01P398 # و «السراب» ما يرى في الفلاة المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب ~~على وجه الأرض، كأنه ماء يجرى. # و «القيعة» والقاع: هو المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه ولا واد. # فشبه علوم من لم يأخذ علومه من الوحي وأعماله: بسراب يراه المسافر في شدة ~~الحر فيؤمه، فيخيب ظنه، ويجده نارا تتلظى. # فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حشر الناس، واشتد بهم العطش بدت لهم ~~كالسراب فيحسبونه ماء، وإذا أتوه وجدوا الله عنده، فأخذتهم زبانية العذاب ~~فنقلوهم إلى نار الجحيم: 47: 15 وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم وذلك الماء ~~الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع والأعمال التي كانت لغير الله تعالى ~~صيرها الله تعالى حميما، وسقاهم إياه، كما أن طعامهم 88: 6، 7ن ضريع لا ~~يسمن ولا يغني من جوع # وهو تلك العلوم والأعمال الباطلة، التي كانت في الدنيا كذلك لا تسمن ولا ~~تغنى من جوع. # وهؤلاء هم الذين قال الله عنهم 18: 103، 104 قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا؟ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وهم ~~الذين عنى الله بقوله: 25: 22 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا. # وهم الذين عنى بقوله تعالى: 2: 167 كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ~~وما هم بخارجين من النار. # القسم الثاني من هذا الصنف: أصحاب الظلمات. # وهم المنغمسون في الجهل، بحيث قد أحاطت بهم جاهليتهم من كل وجه، وهم لذلك ~~بمنزلة ms287 الأنعام، بل هم أضل سبيلا. # فهؤلاء أعمالهم التي يعملونها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد، # PageV01P399 # واتباع الآباء من غير نور من الله تعالى. # فظلمات: جمع ظلمة، وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة ظلم النفس ~~بالتقليد واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث ~~الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم. والنور الذي أنزله معهم ~~ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى النور. # فالمعرض عما بعث الله به عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من الهدى ~~ودين الحق يتقلب في خمس ظلمات: قوله ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ~~ظلمة، ومصيره إلى الظلمة، وقلبه مظلم، ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله ~~مظلم، وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ~~من النور جد في الهرب منه، وكاد نوره يخطف بصره. فهرب إلى ظلمات الآراء. ~~التي هي به أنسب. كما قيل: # خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم # فإذا جاء إلى زبالة الأفكار، ونحاتة الأذهان، جال وصال، وأبدى وأعاد، ~~وقعقع وفرقع، فإذا طلع نور الوحي، وشمس الرسالة انجحر في جحرة الحشرات. # قوله في بحر لجي «اللجى» العميق، منسوب إلى لجة البحر. # وهو معظمه. # وقوله تعالى: يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب تصوير لحال هذا المعرض ~~عن وحيه. # فشبه تلاطم أمواج الشبه والباطل في صدره بتلاطم أمواج ذلك البحر. # وأنها أمواج بعضها فوق بعض. # والضمير الأول في قوله «يغشاه» راجع إلى البحر. والضمير الثاني في قوله ~~«من فوقه» عائد إلى الموج. # PageV01P400 # ثم إن تلك الأمواج مغشاة بسحاب. # فههنا ظلمات: ظلمة البحر اللجى، وظلمة الموج الذي فوقه، وظلمة السحاب ~~الذي فوق ذلك كله. إذا أخرج من في هذا البحر يده لم يكد يراها. # واختلف في معنى ذلك: # فقال كثير من النحاة: هو نفي لمقاربة رؤيتها. وهو أبلغ من نفيه الرؤية، ~~وأنه قد ينفي وقوع الشيء ولا ينفي مقاربته. فكأنه قال: لم يقارب رؤيتها ~~بوجه. # قال هؤلاء: «كاد» من أفعال المقاربة، لها حكم ms288 سائر الأفعال في النفي ~~والإثبات. فإذا قيل: كاد يفعل فهو إثبات مقاربة الفعل. فإذا قيل: لم يكد ~~يفعل: فهو نفي لمقاربة الفعل. # وقالت طائفة أخرى: بل هذا دال على أنه إنما يراها بعد جهد شديد. # وفي ذلك إثبات رؤيتها بعد أعظم العسر، لأجل تلك الظلمات. # قالوا: لأن «كاد» لها شأن ليس لغيرها من الأفعال. فإنها إذا أثبتت نفت، ~~وإذا نفت أثبتت، فإذا قلت: ما كدت أصل إليك. فمعناه: وصلت إليك بعد الجهد ~~والشدة: فهذا إثبات للوصول. وإذا قلت: كاد زيد يقوم. # فهي نفي لقيامه، كما قال تعالى: 72: 19 وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~كادوا يكونون عليه لبدا ومنه قوله تعالى: 68: 51 وإن يكاد الذين كفروا ~~ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر وأنشد بعضهم في ذلك لغزا. # أنحوي هذا العصر: ما هي لفظة ... جرت في لسان جرهم وثمود # وإذا استعملت في صورة النفي أثبتت ... فإن أثبتت قامت مقام جحود؟ # وقالت فرقة ثالثة، منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره: إن استعمالها مثبتة ~~يقتضى نفي خبرها، كقولك: كاد زيد يقوم: واستعمالها منفية يقتضى # PageV01P401 # نفيه بطريق الأولى. فهي عنده تنفي الخبر، سواء كانت منفية أو مثبتة. فلم ~~يكد زيد يقوم أبلغ عنده في النفي من لم يقم. واحتج بأنها إذا نفيت وهي من ~~أفعال المقاربة فقد نفت مقاربة الفعل، وهو أبلغ من نفيه. وإذا استعملت ~~مثبتة فهي تقتضي مقاربة اسمها لخبرها. وذلك يدل على عدم وقوعه. # واعتذر عن مثل قوله تعالى: 2: 71 فذبحوها وما كادوا يفعلون وعن مثل قوله: ~~وصلت إليك وما كدت أصل، وسلمت وما كدت أسلم: بأن هذا وارد على كلامين ~~متباينين أي فعلت كذا بعد أن لم أكن مقاربا له. فالأول يقتضى وجود الفعل. ~~والثاني يقتضى أنه لم يكن مقاربا له، بل كان آيسا منه. فهما كلامان مقصود ~~بهما أمران متباينان. # وذهبت فرقة رابعة: إلى الفرق بين ماضيها ومستقبلها. فإذا كانت في الإثبات ~~فهي لمقاربة الفعل، سواء كانت بصفة الماضي أو المستقبل. وإن كانت في طرف ~~النفي فإن كانت بصيغة ms289 المستقبل كانت لنفي الفعل ومقاربته نحو قوله لم يكد ~~يراها وإن كانت بصيغة الماضي فهي تقتضي الإثبات، نحو قوله فذبحوها وما ~~كادوا يفعلون. # فهذه أربعة طرق للنحاة في هذه اللفظة. # والصحيح: أنها فعل يقتضى المقاربة. ولها حكم سائر الأفعال، ونفي الخبر لم ~~يستفد من لفظها ووضعها. فإنها لم توضع لنفيه، وإنما استفيد من لوازم ~~معناها. فإنها إذا اقتضت مقاربة الفعل لم يكن واقعا، فيكون منفيا باللزوم. # وأما إذا استعملت منفية فإن كانت في كلام واحد فهي لنفي المقاربة، كما ~~إذا قلت: لا يكاد البطال يفلح، ولا يكاد البخيل يسود، ولا يكاد الجبان ~~يفرح. ونحو ذلك. # وإن كانت في كلامين اقتضت وقوع الفعل بعد أن لم يكن مقاربا. كما قال ابن ~~مالك. # PageV01P402 # فهذا التحقيق في أمرها. # والمقصود: أن قوله: لم يكد يراها إما أن يدل على أنه لا يقارب رؤيتها ~~لشدة الظلمة، وهو الأظهر. فإذا كان لا يقارب رؤيتها فكيف يراها؟ # قال ذو الرمة: # إذا غير النأى المحبين، لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح # أي لم يقارب البراح. وهو الزوال. فكيف يزول؟. # فشبه سبحانه أعمالهم أولا في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بسراب خداع ~~يخدع رائيه من بعيد، فإذا جاءه وجد عنده عكس ما أمله ورجاه. # وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة خالية عن نور الإيمان ~~بظلمات متراكمة في لجج البحر المتلاطم الأمواج، الذي قد غشيه السحاب من ~~فوقه. # فيا له تشبيها ما أبدعه، وأشد مطابقة لحال أهل البدع والضلال، وحال من ~~عبد الله سبحانه وتعالى على خلاف ما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم وترك ~~به كتابه. # وهذا التشبيه هو تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح، ولعلومهم ~~وعقائدهم الفاسدة باللزوم. # وكل واحد من السراب والظلمات مثل لمجموع علومهم وأعمالهم، فهي سراب لا ~~حاصل لها، وظلمات لا نور فيها. # وهذا عكس مثل أعمال المؤمن وعلومه التي تلقاها من مشكاة النبوة. # فإنها مثل الغيث الذي به حياة البلاد والعباد. ومثل النور الذي به انتفاع ~~أهل الدنيا والآخرة. ولهذا يذكر ms290 سبحانه هذين المثلين في القرآن في غير موضع ~~لأوليائه وأعدائه. # PageV01P403 # وقال في أعلام الموقعين: # ذكر سبحانه للكافرين مثلين: مثلا بالسراب، ومثلا بالظلمات المتراكمة وذلك ~~لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان. # أحدهما: من يظن أنه على شيء، فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان ~~يظنه، وهذه حال أهل الجهل، وأهل البدع والأهواء، الذين يظنون أنهم على هدى ~~وعلم. فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم ~~وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب بقيعة، يرى في عين الناظر ماء ولا ~~حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله، وعلى غير أمره، يحسبها العامل ~~نافعة له، وليست كذلك. وهذه الأعمال التي قال الله عز وجل فيها 25: 23 ~~وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا. # وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالبقيعة- وهي الأرض القفراء الخالية من ~~البناء، والشجر والنبات والعالم- فجعل السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب ~~لا حقيقة له، وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى. # وتأمل ما تحت قوله: يحسبه الظمآن ماء والظمآن: الذي قد اشتد عطشه فرأى ~~السراب فظنه ماء فتبعه، فلم يجده شيئا، بل خانه أحوج ما كان إليه. فكذلك ~~هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولغير ~~الله جعلت كالسراب، فرفعت لهم أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها فلم ~~يجدوا شيئا، ووجدوا الله سبحانه ثم فجازاهم بأعمالهم، ووفاهم حسابهم. # وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~التجلي يوم القيامة «ثم يؤتى بجهنم، تعرض كأنها السراب، فيقال لليهود: # ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن ~~لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال لهم: # PageV01P404 # اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ # فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ~~ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال لهم: اشربوا، ~~فيتساقطون» # وذكر ms291 الحديث. # وهذه حال كل صاحب باطل، فإنه يخونه باطله أحوج ما كان إليه. # فإن الباطل لا حقيقة له، وهو كاسمه باطل. # فإذا كان الاعتقاد غير مطابق ولا حق كان متعلقه باطلا، وكذلك إذا كانت ~~غاية العمل باطلة، كالعمل لغير الله، أو على غير أمره، بطل العمل ببطلان ~~غايته. وتضرر عامله من بطلانه، وبحصول ضد ما كان يؤمله، فلم يذهب عليه عمله ~~واعتقاده، لا له ولا عليه، بل صار معذبا بفوات نفعه، وبحصول ضد النفع فلهذا ~~قال الله تعالى: ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب. # فهذا مثل الضال الذي يحسب أنه على هدى. ### | فصل # النوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة، وهم الذين عرفوا الحق والهدى ~~وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع، وظلمة النفوس ~~وظلمة الجهل، حيث لم يعملوا بعلمهم، فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي ~~والهوى فحالهم كحال من كان في بحر لجي، لا ساحل له، وقد غشيه موج، ومن فوق ~~ذلك الموج موج، ومن فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة ~~السحاب. # وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور ~~الإيمان. # وهذان المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة، وهو الماء، والظلمات # PageV01P405 # المضادة للنور: نظير المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين والمؤمنين، ~~وهما المثل المائي، والمثل الناري، وجعل حظ المؤمنين منهما الحياة ~~والإشراق، وحظ المنافقين منهما الظلمة المضادة للنور، والموت المضاد ~~للحياة، فكذلك الكفار في هذين المثلين. حظهم من الماء السراب الذي يغر ~~الناظر ولا حقيقة له، وحظهم الظلمات المتراكمة. # وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار، وأنهم عدموا ~~مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد. # ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، وأن أصحاب المثل الأول هم ~~الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف فكانوا ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # وأصحاب المثل الثاني: هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل ~~على الحق، ms292 وعموا عنه بعد أن أبصروه، وجحدوه بعد أن عرفوه، فهذا حال المغضوب ~~عليهم، والأول حال الضالين. # وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله تعالى: الله ~~نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح- إلى قوله- ليجزيهم الله ~~أحسن ما عملوا، ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب. # فتضمنت الآيات أوصاف الفرق الثلاثة المنعم عليهم، وهم أهل النور، ~~والضالين، وهم أصحاب السراب، والمغضوب عليهم: وهم أهل الظلمات المتراكمة، ~~والله أعلم. # فالمثل الأول من المثلين: لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع. # والمثل الثاني: لأصحاب العلم الذي لا ينفع، والاعتقادات الباطلة، # PageV01P406 # وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق، ولهذا مثل حال الفريق الثاني في تلاطم ~~أمواج الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم: بتلاطم أمواج البحر فيه، ~~وأنها أمواج متراكمة، من فوقها سحاب مظلم، وهكذا أمواج الشكوك والشبهات في ~~قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سحب الغي والهوى والباطل. # فليتدبر اللبيب أحوال الفريقين وليطابق بينهما وبين المثلين: يعرف عظمة ~~القرآن وجلالته، وأنه تنزيل من حكيم حميد. # وأخبر سبحانه، أن الموجب لذلك: أنه لم يجعل لهم نورا، بل تركهم على ~~الظلمة التي خلقوا فيها، فلم يخرجهم منها إلى النور، فإنه سبحانه ولى الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. # وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ~~من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله» . # فالله سبحانه خلق الخلق في ظلمة، فمن أراد هدايته جعل له نورا وجوديا ~~يحيي به قلبه وروحه، كما يحيي بدنه بالروح التي ينفخها فيه. # فهما حياتان: حياة البدن بالروح، وحياة الروح والقلب بالنور، ولهذا سمى ~~سبحانه الوحي روحا، لتوقف الحياة الحقيقية عليه، كما قال تعالى: # 16: 2 ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده وقال 40: 15 ~~يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده وقال تعالى: # 42: 52 وكذلك أوحينا ms293 إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا. # فجعل وحيه روحا ونورا، فمن لم يحيه بهذا الروح فهو ميت، ومن لم يجعل له ~~نورا منه فهو في الظلمات وما له من نور. # PageV01P407 ### | سورة الفرقان # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 44] # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ~~(44) # فشبه أكثر الناس بالأنعام، والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول ~~الهدى والانقياد له، وجعل الأكثرين أضل سبيلا من الأنعام، لأن البهيمة ~~يهديها سائقها فتهتدي، وتتبع الطريق، فلا تحيد عنها يمينا ولا شمالا، ~~والأكثرون يدعوهم الرسل ويهدونهم السبيل فلا يستجيبون، ولا يهتدون ولا ~~يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم. # والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتتجنبه، وما ينفعها ~~فتؤثر. # والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها، ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ~~ذلك لهؤلاء، ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة ~~والأسماع والأبصار. فهم أضل من البهائم. فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى ~~الطريق مع الدليل إليه هو أضل وأسوأ حالا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه. # PageV01P409 ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 45] # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) # أخبر تعالى أنه بسط الظل ومده، وأنه جعله متحركا تبعا لحركة الشمس، ولو ~~شاء لجعله ساكنا لا يتحرك، إما بسكون المظهر له والدليل عليه، وإما بسبب ~~آخر. ### | [سورة الفرقان (25) : آية 46] # ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) # ثم أخبر أنه قبضه بعد بسطه قبضا يسيرا وهو شيء بعد شيء، لم يقبضه جملة. # فهذا من أعظم آياته الدالة على عظيم قدرته وكمال حكمته. # فندب سبحانه إلى رؤية صنعته وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته. ولو ~~شاء ربنا لجعله لاصقا بأصل ما هو ظل له، من جبل وبناء وشجر وغيره، فلم ~~ينتفع به أهله، فإن كمال الانتفاع به تابع ms294 لمده وبسطه وتحوله من مكان إلى ~~مكان. # وفي مده وبسطه، ثم قبضه شيئا فشيئا: من المصالح والمنافع ما لا يخفى ولا ~~يحصى. فلو كان ساكنا دائما، أو قبض دفعة واحدة، لتعطلت مرافق العالم ~~ومصالحه به وبالشمس، فمد الظل وقبضه شيئا فشيئا لازم لحركة الشمس على ما ~~قدرت عليه من مصالح العالم. # وفي دلالة الشمس على الظلال: ما تعرف به أوقات الصلوات، وما مضى من ~~اليوم، وما بقي منه. # وفي تحركه وانتقاله: ما يبرد ما أصابه حر الشمس، وينفع الحيوانات والشجر ~~والنبات، فهو من الآيات الدالة عليه. # وفي الآية وجه آخر: وهو أنه سبحانه مد الظل حين بنى السماء كالقبة ~~المضروبة، ودحا الأرض من تحتها، فألقت القبة ظلها عليها. فلو شاء # PageV01P410 # سبحانه لجعله ساكنا مستقرا في تلك الحال. ثم خلق الشمس ونصبها دليلا على ~~ذلك الظل، فهو يتبعها في حركتها، يزيد بها، وينقص، ويمتد ويقلص. فهو تابع ~~لها تبعية المدلول لدليله. # وفيها وجه آخر: وهو أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، ~~وهي الأجرام التي تلقي الظلال، فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر ~~إنشاءه بإنشاء أسبابه. # وقوله: قبضناه إلينا كأنه يشعر بذلك. # وقوله: قبضا يسيرا يشبه قوله: 50: 44 ذلك حشر علينا يسير. # وقوله: قبضناه بصيغة الماضي لا ينافي ذلك، كقوله تعالى: # 16: 1 أتى أمر الله والوجه في الآية: هو الأول. ### | ### | [سورة الفرقان (25) : آية # 55] # ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ~~(55) # هذا من ألطف خطاب القرآن، وأشرف معانيه، وأن المؤمن دائما مع الله على ~~نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه. وهذا معنى كونه من حزب الله وجنده وأوليائه. ~~فهو مع الله على عدوه الداخل فيه والخارج عنه، يحاربهم ويعاديهم ويبغضهم له ~~سبحانه، كما يكون خواص الملك معه على حرب أعدائه، والبعيدون منه فارغون من ~~ذلك غير مهتمين به. # والكافر مع شيطانه ونفسه وهواه على ربه. # وعبارات السلف على هذا تدور. ذكر ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار عن سعيد ~~بن ms295 جبير قال: عونا للشيطان على ربه بالعداوة والشرك. # وقال ليث ومجاهد: يظاهر الشيطان على معصية الله، يعينه عليها وقال زيد بن ~~سلم: ظهيرا أي مواليا. # والمعنى: أنه يوالي عدوه على معصيته والشرك به، فيكون مع عدوه # PageV01P411 # مغيب له على مساخط ربه، فالمعية الخاصة التي للمؤمن مع ربه وإلهه قد صارت ~~لهذا الكافر والفاجر مع الشيطان، ومع نفسه وهواه وملذاته. # ولهذا صدر الآية بقوله: ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وهذه ~~العبادة: هي الموالاة والمحبة والرضى بمعبوديهم المتضمنة لمعيتهم الخاصة ~~لهم فظاهر أعداء الله على معاداته ومخالفته، ومساخطه. # بخلاف وليه سبحانه. فإنه معه على نفسه وشيطانه وهواه. # وهذا المعنى من كنوز القرآن لمن فهمه وعقله. وبالله التوفيق. ### | [سورة الفرقان (25) : آية 73] # والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) # قال مقاتل: إذا وعظوا بالقرآن لم يقعوا عليه صما، لم يسمعوه، وعميانا: لم ~~يبصروه، ولكنهم سمعوا وأبصروا وأيقنوا به. # وقال ابن عباس: لم يكونوا عليها صما وعميانا: بل كانوا خائفين خاشعين. # وقال الكلبي: يخرون عليها سمعا وبصرا. # وقال الفراء: وإذا تلى عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولى، كأنهم ~~لم يسمعوه. فذلك الخرور، وسمعت العرب تقول: قعد يشتمني، كقولك: قام يشتمني ~~وأقبل يشتمني. # والمعنى على ما ذكر: لم يصيروا عندها صما وعميانا. # وقال الزجاج: المعنى إذا تليت عليهم آيات ربهم خروا سجدا وبكيا سامعين، ~~مبصرين. كما أمروا به. # وقال ابن قتيبة: أي لم يتغافلوا عنها، كأنهم صم لم يسمعوها، وعمى لم ~~يروها. # PageV01P412 # قلت: هاهنا أمران: ذكر الخرور، وتسليط النفي عليه. وهل هو خرور القلب أو ~~خرور البدن للسجود؟ وهل المعنى: لم يكن خرورهم عن صم وعمه. فلهم عليها حرور ~~بالقلب خضوعا، أو بالبدن سجودا أو ليس هناك خرور، وعبر به عن القعود؟. # PageV01P413 ### | سورة الشعراء # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الشعراء (26) : آية # 89] # إلا من أتى الله بقلب سليم (89) # والسليم: هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير ~~والظريف. فالسليم: القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة ms296 له كالعليم ~~والقدير وأيضا فإنه ضد المريض والسليم والعليل. # وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم. # والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ~~ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله ~~فسلم في محبته مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة ~~إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا ~~هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده. # فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيها شركة بوجه ما، بل ~~قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة، ومحبة وتوكلا، وإنابة، # PageV01P414 # وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله وأمره كله لله، فإن أحب أحب في الله، ~~وإن بغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا ~~حتى يسلم من الانقياد والتحكم لكل من عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في ~~الأموال والأعمال: من أقوال القلب، وهي العقائد. وأقوال اللسان، وهي الخبر ~~عما في القلب وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهية وتوابعها، وأعمال ~~الجوارح، فيكون الحكم عليه في ذلك كله دقة وجله: # لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا ~~قول ولا عمل، كما قال تعالى: 49: 1 يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر. # قال بعض السلف: ما من فعلة، وإن صغرت، إلا ينشر لها ديوانان: # لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟. # فالأول سؤال: عن علة الفعل وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، ~~وغرض من أغراض النفس في محبة المدح من الناس وخوف ذمهم؟ أو استجلاب محبوب ~~عاجل أو دفع مكروه عاجل، أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية لله، ~~وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه، وابتغاء ms297 الوسيلة إليه؟. # ومحل هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك أم فعلته ~~لحظك وهواك؟. # والثاني: سؤالك عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد؟ أي ~~هل كان ذلك العمل بما شرعته لك على لسان رسولي، أم كان عملا لم أشرعه ولم ~~أرضه؟. # فالأول: سؤال عن الإخلاص. والثاني: عن المتابعة. فإن الله سبحانه لا يقبل ~~عملا إلا بهما. # PageV01P415 # فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص. وطريق التخلص من السؤال ~~الثاني: بتحقيق المتابعة. وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص ومن هوى ~~يعارض الاتباع. فهذا حقيقة سلامة القلب. # فمن سلم قلبه ضمنت له النجاة والسعادة. ### | [سورة الشعراء (26) : آية 98] # إذ نسويكم برب العالمين (98) # وهذه التسوية إنما كانت في الحب والتأليه واتباع ما شرعوا، لا في الخلق ~~والقدرة والربوبية وهي العدل الذي أخبر به عن الكفار، كقوله: # 6: 1 الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين ~~كفروا بربهم يعدلون. # وأصح القولين: أن المعنى: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فيجعلون له عدلا ~~يحبونه ويقدسونه ويعبدونه، كما يعبدون الله ويعبدونه، ويعظمون أمره. # وقال في طريق الهجرتين: # وهذه التسوية لم تكن منهم في الأفعال والصفات، بحيث اعتقدوا أنها مساوية ~~لله سبحانه في أفعاله وصفاته. وإنما كانت تسوية منهم بين الله وبينها في ~~المحبة والعبودية والتعظيم، مع إقرارهم بالفرق بين الله وبينها. فتصحيح ~~هذه: هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله. # فحقيق لمن نصح نفسه، وأحب سعادتها ونجاتها: أن يتيقظ لهذه المسألة علما ~~وعملا، وتكون أهم الأشياء عنده، وأجل علومه وأعماله، فإن الشأن كله فيها، ~~والمدار كله عليها، والسؤال يوم القيامة عنها. قال تعالى: # 15: 92- 93 فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون قال غير واحد من ~~السلف: هو عن قول «لا إله إلا الله» وهذا حق. فإن السؤال كله عنها، # PageV01P416 # وعن أحكامها وحقوقها، وواجباتها ولوازمها. فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن ~~واجباتها، ولوازمها وحقوقها. قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون ~~والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟. # فالسؤال ms298 عما ذا كانوا يعبدون: هو السؤال عنها نفسها. والسؤال عما ذا ~~أجابوا المرسلين: سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها ~~وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأنه حقيق ~~بأن تثنى عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر. # ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضلة، بل يجعل هو المطلب الأعظم، ~~وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه. # PageV01P417 ### | سورة النمل # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة النمل (27) : آية 59] # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59) # هؤلاء هم أعلى الطبقات وأكرمها على الإطلاق. وهم المرسلون. # فأكرم الخلق على الله، وأخصهم بالزلفى لديه: هم رسله. وهم المصطفون من ~~عباده، الذين سلم عليهم في العالمين، كما قال تعالى: 27: 181 وسلام على ~~المرسلين. وقال تعالى: 37: 79 سلام على نوح في العالمين وقال 37: 108، 109 ~~سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين وقال 37: 130 سلام على إل ياسين. # وقال في بدائع الفوائد: # هل السلام من الله؟ فيكون المأمور به: الحمد والوقف التام عليه، أو هو ~~داخل في القول والأمر بهما جميعا؟. # فالجواب عنه: أن الكلام يحتمل الأمرين. ويشهد لكل منهما ضرب من الترجيح. # PageV01P419 # فيرجح كونه داخلا في جملة القول لأمور: # منها: اتصاله به، وعطفه عليه من غير فاصل. وهذا يقتضى أن يكون فعل القول ~~واقعا على كل واحد منهما. هذا هو الأصل، ما لم يمنع منه مانع. ولهذا إذا ~~قلت: قل: الحمد لله، وسبحان الله. فإن التسبيح هنا داخل في القول. # ومنها: أنه إذا كان معطوفا على القول. كان عطف خبر على خبر، وهو الأصل. ~~ولو كان منقطعا عنه. كان عطف جملة خبرية على جملة الطلب، وليس بالحسن عطف ~~الخبر على الطلب. # ومنها: أن قوله: «قل الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى» ظاهر في أن ~~المسلم هو القائل: الحمد لله. ولهذا أتى بالضمير بلفظ الغيبة، ولم يقل: ~~سلام على عبادي. # ويشهد لكون السلام من الله تعالى أمور: # أحدها: ms299 مطابقته لنظائره في القرآن، من سلامه تعالى بنفسه على عباده الذين ~~اصطفى، كقوله: 37: 79 سلام على نوح في العالمين وقوله: # 37: 108 سلام على إبراهيم وقوله: 37: 120 سلام على موسى وهارون وقوله: ~~37: 130 سلام على إل ياسين. # والثاني: أن عباده الذين اصطفى: هم المرسلون. والله سبحانه يقرن بين ~~تسبيحه لنفسه وسلامه عليهم. وبين حمده لنفسه وسلامه عليهم. # أما الأول: فقال تعالى: 37: 180، 181 سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام ~~على المرسلين وقد ذكر تنزيهه لنفسه عما لا يليق بجلاله، ثم سلام على رسله. ~~وفي اقتران السلام عليهم بتسبيحه لنفسه سر عظيم من أسرار القرآن يتضمن الرد ~~على كل مبطل ومبتدع، فإنه نزه نفسه تنزيها مطلقا، كما نزه نفسه عما يقول ~~ضلال خلقه فيه، ثم سلم على # PageV01P420 # المرسلين. وهذا يقتضى سلامتهم من كل ما يقول المكذبون لهم، المخالفون ~~لهم. وإذا سلموا من كل ما رماهم أعداؤهم لزم سلامة كل ما جاءوا به من الكذب ~~والفساد. # وأعظم ما جاءوا به: التوحيد ومعرفة الله، ووصفه بما يليق بجلاله مما وصف ~~به نفسه على ألسنتهم. وإذا سلم ذلك من الكذب والمحال والفساد: # فهو الحق المحض. وما خالفه: فهو الباطل، والكذب المحال. # وهذا المعنى بعينه في قوله: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. ~~فإنه يتضمن حمده بما هو من نعوت الكمال وأوصاف الجلال، والأفعال الحميدة، ~~والأسماء الحسنى وسلامة رسله من كل عيب ونقص وكذب. وذلك يتضمن سلامة ما ~~جاءوا به من كل باطل. # فقابل هذا السر في اقتران السلام على رسله بحمده وتسبيحه. فهذا يشهد بكون ~~السلام هنا من الله تعالى، كما هو في آخر الصافات. # وأما عطف الخبر على الطلب فما أكثره. فمنه قوله تعالى: 21: # 112 قال رب احكم بالحق، وربنا الرحمن المستعان وقوله: 23: # 118 وقل: رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين وقوله: 7: 89 ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين ونظائره كثيرة جدا. # وفصل الخطاب في ذلك: أن يقال الآية تتضمن الأمرين جميعا، وتنتظمها ~~انتظاما واحدا. فإن الرسول هو المبلغ ms300 عن الله كلامه، وليس له فيه إلا ~~البلاغ، والكلام كلام الرب تبارك وتعالى، فهو الذي حمد نفسه، وسلم على صفوة ~~عباده، وأمر رسوله بتبليغ ذلك. فإذا قال الرسول: الحمد لله، وسلام على ~~عباده الذين اصطفى كان قد حمد الله وسلم على عباده بما حمد الرب به نفسه ~~وسلم به هو على عباده. فهو سلام من الله ابتداء، ومن المبلغ بلاغا، ومن ~~العباد: اقتداء وطاعة. فنحن نقول كما أمرنا ربنا تعالى: # «الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى» . # PageV01P421 # وكلمة «السلام» هاهنا يحتمل أن تكون داخلة في حيز القول. فتكون معطوفة ~~على الجملة الخبرية، وهي «الحمد لله» ويكون الأمر بالقول متناولا للجملتين ~~معا. # وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة ويكون محلها النصب، محكية ~~بالقول. # ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة مستقلة، معطوفة على جملة. الطلب وعلى هذا: ~~فلا محل لها من الإعراب. وهذا التقدير أرجح. # وعليه يكون السلام من الله عليهم، وهو المطابق لما تقدم من سلامه سبحانه ~~على رسله صلى الله عليهم وسلم. # وعلى التقدير الأول: يكون أمرنا بالسلام عليهم، ولكن يقال على هذا: كيف ~~يعطف الخبر على الطلب، مع تنافر ما بينهما؟ فلا يحسن أن يقال: قم وذهب زيد، ~~ولا أخرج وقعد عمرو. # ويجاب عن هذا: بأن جملة الطلب قد حكيت بجملة خبرية، ومع هذا يمتنع العطف ~~فيه بالخبر على الجملة الطلبية. لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه. وهذا نظير ~~قوله تعالى: 10: 101 قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات ~~والنذر عن قوم لا يؤمنون؟. # فقوله تعالى: «وما تغنى الآيات» ليس معطوفا على القول وهو «انظروا» بل ~~معطوف على الجملة الكبرى، على أن عطف الخبر على الطلب كثير، كقوله تعالى: ~~21: 112 قال: رب احكم بالحق. وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون وقوله: ~~23: 118 وقل رب اغفر وارحم، وأنت خير الراحمين. # والمقصود: أنه على هذا القول: يكون الله سبحانه قد سلم على المصطفين من ~~عباده، والرسل أفضلهم. وقد أخبر تعالى: أنه أخلصهم كما # PageV01P422 # قال: 38: 46، 47 إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، ms301 وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار. # ويكفي في شرفهم وفضلهم: أن الله اختصهم بوحيه. وجعلهم أمناءه على رسالته، ~~وواسطته بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته، فمنهم من اتخذه خليلا. ~~ومنهم من كلمه تكليما، ومنهم من رفعه مكانا عليا على سائرهم درجات. ولم ~~يجعل لعباده طريقا للوصول إليه إلا من طريقهم، ولا دخولا إلى جنته إلا ~~خلفهم. # PageV01P423 ### | سورة القصص # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة القصص (28) : آية 47] # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) # فأخبر تعالى أن ما قدمت أيديهم قبل البعثة سبب لإصابتهم بالمصيبة. وأنه ~~سبحانه لو أصابهم بما يستحقون من ذلك لاحتجوا عليه بأنه لم يرسل إليهم ~~رسولا ولم ينزل عليهم كتابا. فقطع هذه الحجة بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وهذا صريح في أن أعمالهم قبل ~~البعثة كانت قبيحة، بحيث استحقوا أن يصابوا بها بالمصيبة. ولكنه سبحانه لا ~~يعذب إلا بعد إرسال الرسل. وهذا هو فصل الخطاب. # وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم: أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأنه لا ~~يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة. وهذه النكتة هي التي فاتت ~~المعتزلة والكلابية كليهما، فاستطالت كل طائفة منهما على الأخرى، لعدم ~~جمعها بين هذين الأمرين. فاستطالت الكلابية على المعتزلة بإثباتهم العذاب ~~قبل إرسال الرسل، وترتيبهم العقاب على مجرد القبح العقلي. وأحسنوا في رد ~~ذلك عليهم. # PageV01P425 # واستطالت المعتزلة عليهم في إنكارهم الحسن القبح العقليين جملة، وجعلهم ~~انتفاء العذاب قبل البعثة دليلا على انتفاء القبح، واستواء الأفعال في ~~أنفسها وأحسنوا في رد هذا عليهم. # فكل طائفة استطالت على الأخرى لسبب إنكارها الصواب. # وأما من سلك هذا المسلك الذي سلكناه فلا سبيل لواحدة من الطائفتين إلى رد ~~قوله، ولا الظفر عليه أصلا. فإنه لوافق لكل طائفة على ما معها من الحق مقرر ~~له، مخالف لها في باطلها منكر له. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 72] # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى ms302 يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ~~(72) # خص سبحانه النهار بذكر البصر، لأنه محله. وفيه سلطان البصر وتصرفه. وخص ~~الليل بذكر السمع. لأن سلطان السمع يكون بالليل، وتسمع فيه الحيوانات ما لا ~~تسمع في النهار. لأنه وقت هدوء الأصوات، وخمود الحركات، وقوة سلطان السمع ~~وضعف سلطان البصر. والنهار بالعكس، فيه قوة سلطان البصر، وضعف سلطان السمع. # فقوله: أفلا تسمعون راجع إلى قوله «قل أرأيتم» أي إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم به؟. # وقوله: «أفلا تبصرون» راجع إلى قوله «قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة» . # PageV01P426 ### | سورة العنكبوت # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : آية # 41] # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) # فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياء أضعف منهم. # فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا. # وهو أوهن البيوت وأضعفها. # وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حيث اتخذوا من دون الله ~~أولياء. فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفا على ضعفهم كما قال ~~تعالى: 19: 81، 82 واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون ~~بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا وقال تعالى: # 36: 74، 75 واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم ~~لهم جند محضرون وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين 11: 101 وما ظلمناهم ~~ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما ~~جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب # PageV01P427 # فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليا يتعزز ~~به، ويتكبر به، ويستقر به لم يحصل له به إلا ضد مقصوده. # وفي القرآن أكثر من ذلك، وهو ms303 من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك، ~~وعلى خسران صاحبه وحصوله على مقصوده. # فإن قيل: فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فكيف نفى عنهم علم ذلك ~~بقوله: لو كانوا يعلمون. # فالجواب: أنه سبحانه لم ينف عنهم علمهم بوهن بيت العنكبوت، وإنما نفى ~~عنهم علمهم بأن اتخاذهم الموتى أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتا، فلو ~~علموا ذلك ما فعلوه، ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزا ~~وقدرة. والأمر في الواقع بخلاف ما ظنوه. ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 45] # اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) # وقيل: المعنى: أنكم في الصلاة تذكرون الله، وهو ذاكركم ولذكر الله تعالى ~~إياكم أكبر من ذكركم إياه. وهذا يروى عن ابن عباس وسلمان وأبي الدرداء وابن ~~مسعود رضي الله عنهم. # وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل بن مرزوق عن عطية «ولذكر الله أكبر» قال: هو ~~قوله تعالى: 2: 152 فاذكروني أذكركم فذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم ~~إياه. # وقال ابن زيد وقتادة: معناه، ولذكر الله أكبر من كل شيء. # وقيل لسلمان: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن ولذكر الله أكبر. # ويشهد لهذا # حديث أبي الدرداء «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم ~~من إنفاق الذهب والورق- الحديث» # PageV01P428 # كان شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه يقول: # الصحيح أن معنى الآية: أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من ~~الآخر. فإنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، وهي مشتملة على ذكر الله تعالى، ~~ولما فيها من ذكر الله تعالى، أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر. # وذكر ابن أبي الدنيا ابن عباس: أنه سئل أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله ~~أكبر. # PageV01P429 ### | سورة الروم # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الروم (30) : آية # 28] # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون (28) # هذا دليل قياس. ms304 احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبده ~~وملكه شركاء فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، لا يحتاجون فيها إلى ~~غيرهم. # ومن أبلغ الحجاج. أن يأخذ الإنسان من نفسه، ويحتج عليه بما هو في نفسه ~~مقرر عندها، معلوم لها. فقال: هل لكم من ما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم ~~شركاء في المال والأهل؟ أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم فأنتم وهم ~~في ذلك سواء؟ تخافون أن يقاسموكم أموالكم، ويشاطروكم إياها، ويستكثرون ~~ببعضها عليكم، كما يخاف الشريك شريكه. # وقال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا. # PageV01P431 # والمعنى: هل يرضي أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله، حتى يساويه ~~في التصرف في ذلك؟ فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه، كما يخاف ~~غيره من الشركاء والأحرار؟ فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فلم عدلتم بي من ~~خلقي من هو مملوك لي؟ فإن كان هذا الحكم باطلا في فطركم وعقولكم، مع أنه ~~جائز عليكم، ممكن في حقكم، إذ ليس عبيدكم ملكا لكم حقيقة، وإنما هم ~~إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، وأنتم وهم عباد لي، فكيف تستجيزون مثل هذا ~~الحكم في حقي؟ مع أن جعلتموهم بي شركاء عبيدي وملكي وخلقي؟ فهكذا يكون ~~تفصيل الآيات لأولي العقول. ### | [سورة الروم (30) : آية 41] # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا ~~لعلهم يرجعون (41) # قال مجاهد: إذا ولي الظالم أساء بالظلم والفساد، فيحبس بذلك القطر، ويهلك ~~الحرث والنسل. والله لا يحب الفساد. ثم قرأ ظهر الفساد في البر والبحر بما ~~كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون # ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء جار، فهو بحر، ~~وقال عكرمة: ظهر الفساد في البر والبحر، أما إني لا أقول لكم: بحركم هذا، ~~ولكن كل قرية على ماء. # وقال قتادة: أما البر: فأهل العمور، وأما البحر: فأهل القرى والريف. # قلت: وقد سمى الله تعالى الماء العذب بحرا، فقال: ms305 25: 53 وهو الذي مرج ~~البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وليس في العالم بحر حلو واقفا، إنما هي ~~الأنهار الجارية والبحر المالح والساكن. وتسمى القرى التي على المياه ~~الجارية باسم تلك المياه. # PageV01P432 # وقال ابن زيد: ظهر الفساد في البر والبحر، قال: الذنوب. # قلت: أراد أن الذنب سبب الفساد الذي ظهر، وإن الفساد الذي ظهر هو الذنوب ~~نفسها، فيكون اللام في قوله: ليذيقهم بعض الذي عملوا لام العاقبة والتعليل. ~~وعلى الأول: فالمراد بالفساد: النقص والشر والآلام التي يحدثها الله في ~~الأرض بمعاصي العباد فكلما أحدثوا ذنبا أحدث الله لهم عقوبة. كما قال بعض ~~السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة. # والظاهر- والله أعلم- أن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها. # ويدل عليه قوله تعالى: ليذيقهم بعض الذي عملوا فهذا حالنا دائما، أذاقنا ~~الله الشيء اليسير من أعمالنا، فلو أذاقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من ~~دابة. # PageV01P433 ### | سورة سبأ # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة سبإ (34) : آية 22] # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) # فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى ~~الشرك وسدت بها عليهم الباب أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق ~~بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو كان لا يرجو منفعة منه فلا يتعلق قلبه ~~به أبدا. وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود إما مالكا للأسباب التي ينتفع بها ~~عابده، أو شريكا لمالكها، أو ظهيرا أو وزيرا أو معاونا له، أو وجيها ذا ~~حرمة وقدر، يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب ~~الشرك وانقطعت مواده. # فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض. # فقد يقول المشرك: هي شريكة للمالك الحق. فنفى شركها له. # فيقول المشرك: قد تكون ظهيرا أو وزيرا، أو معاونا. فقال: وما له منهم من ~~ظهير. # PageV01P435 # ولم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، ms306 وأخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا ~~بإذنه فإن لم يأذن للشافع لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق ~~المخلوقين. فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع وإلى معاونته له فيقبل ~~شفاعته، وإن لم يأذن له منها. وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته فهو ~~الغني بذاته عن كل ما سواه. فكيف يشفع عنده أحد بغير إذنه؟. # PageV01P436 ### | سورة فاطر # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة فاطر (35) : آية 15] # يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) # بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم، لا ينفك عنهم، ~~كما أن كونه غنيا حميدا ذاتي فغناه وحمده ثابت له لذاته: لا لأمر أوجبه. ~~وفقر من سواه إليه ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ~~ولا إمكان بل هو ذاتي للفقير. فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لعلة أوجبت تلك ~~الحاجة. كما أن غنى الرب سبحانه لذاته لا لأمر أوجب غناه. # كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: # والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما أن الغنى أبدا وصف له ذاتي # فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة. وكل ما يذكر ويقرر من أسباب ~~الفقر والحاجة فهي أدلة على الفقر والحاجة، لا علل لذلك. إذ ما بالذات لا ~~يعلل لفقير بذاته محتاج إلى الغنى بذاته. فما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج ~~فهي أدلة على الفقر لا أسباب له. # ولهذا كان الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب سبحانه غير # PageV01P437 # القولين اللذين تذكرهما الفلاسفة والمتكلمون. # فإن الفلاسفة قالوا: علة الحاجة الإمكان. والمتكلمون قالوا: علة الحاجة ~~الحدوث. # والصواب: أن الإمكان والحدوث متلازمان، وكلاهما دليل الحاجة والافتقار ~~وفقر العالم إلى الله سبحانه أمر ذاتي لا يعلل فهو فقير بذاته إلى ربه ~~الغني بذاته. # ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من ادلة على هذا الفقر. # والمقصود: أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه ~~سبحانه كما أخبر عن ذاته المقدسة، وحقيقته أنه غني ms307 حميد. # فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هي. # والغنى المطلق من كل وجه ثابت لذاته تعالى وحقيقته من حيث هي فيستحيل أن ~~يكون العبد إلا فقيرا. ويستحيل أن يكون الرب سبحانه إلا غنيا. كما أنه ~~يستحيل أن يكون العبد إلا عبدا ويستحيل أن يكون الرب إلا ربا. # PageV01P438 ### | سورة يس # بسم الله الرحمن الرحيم وأما الغل ### | ### | [سورة يس (36) : آية # 8] # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) # قال الفراء: حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله. وقال أبو عبيدة: منعناهم ~~عن الايمان بموانع. ولما كان الغل مانعا للمغلول من التصرف والتقلب كان ~~الغل الذي على القلب مانعا من الايمان. # فإن قيل: فالغل المانع من الايمان هو الذي في القلب، فكيف ذكر الغل الذي ~~في العنق. # قيل: لما كان عادة الغل أن يوضع في العنق ناسب ذكر محله والمراد به ~~القلب. كقوله تعالى: 17: 13 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ومن هذا ~~قولهم: اثمي في عنقك. وهذا في عنقك. ومن هذا قوله: # 17: 29 ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك شبه الإمساك عن الإنفاق باليد إذا ~~غلت إلى العنق. ومن هذا قال الفراء: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا: # PageV01P439 # حبسناهم عن الاتفاق. قال أبو إسحاق: إنما يقال للشيء اللازم: هذا في عنق ~~فلان، أي لزومه كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق. فقال أبو علي: هذا ~~مثل قولهم: طوقتك كذا وقلدتك. ومنه: قلده السلطان كذا، أي صارت الولاية في ~~لزومها له في موضع القلادة، ومكان الطوق. # قلت: ومن هذا قولهم: قلدت فلانا حكم كذا وكذا. كأنك جعلته طوقا في عنقه. ~~وقد سمى الله التكاليف الشاقة أغلالا في قوله: 7: 157 ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم فشبهها بالأغلال لشدتها وصعوبتها. قال الحسن: هي ~~الشدائد التي كانت في العبادة. كقطع أثر البول والنجاسة، وقتل النفس في ~~التوبة. وقطع الأعضاء الخاطئة. وتتبع العروق من اللحم. وقال ابن قتيبة: هي ~~تحريم الله سبحانه عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد صلى ms308 الله عليه وسلم ~~وجعلها أغلالا لأن التحريم يمنع، كما يفيض الغل اليد. # وقوله: فهي إلى الأذقان قالت طائفة: الضمير يعود إلى الأيدي، وإن لم تذكر ~~لدلالة السياق عليها. قالوا: لأن الغل يكون في العنق فتجمع إليه اليد. ~~ولذلك سمي جامعة. وعلى هذا فالمعنى: فأيديهم، أو فأيمانهم مضمومة إلى ~~أذقانهم. وهذا قول الفراء والزجاج. # وقالت طائفة: الضمير يرجع إلى الأغلال. وهذا هو الظاهر. وقوله: # فهي إلى الأذقان أي واصلة وملزوزة إليها، فهو غل عريض قد أحاط بالعنق حتى ~~وصل إلى الذقن. # وقوله: فهم مقمحون قال الفراء والزجاج: المقمح: هو الغاض بصره بعد رفع ~~رأسه. ومعنى الإقماح في اللغة رفع الرأس وغض البصر. يقال: أقمح البعير ~~رأسه، وقمح. وقال الأصمعي: بعير قامح إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. قال ~~الأزهري: لما غلت أيديهم إلى # PageV01P440 # أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل الرافعة رؤوسها انتهى. # فإن قيل: فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والايمان. # قيل: أحسن وجه وأبينه. فإن الغل إذا كان في العنق واليد. مجموعة إليها ~~منع اليد عن التصرف والبطش. فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن ~~منع الرأس من تصويبه. وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبه، لا تستطيع له حركة، ثم ~~أكد هذا المعنى والحبس قوله: ### | [سورة يس (36) : آية 9] # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) # قال ابن عباس: منعهم عن الهدى لما سبق في علمه والسد الذي جعل من بين ~~أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى. فأخبر سبحانه عن الموانع ~~التي منعهم بها من الايمان، عقوبة لهم، ومثلها بأحسن تمثيل وأبلغه وذلك حال ~~يوم قد وضعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم، وضمت أيديهم ~~إليها وجعلوا بين السدين، لا يستطيعون النفوذ من بينها، وأغشيت أبصارهم فهم ~~لا يرون شيئا. # وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق وتبين له ثم جحده وكفر به وعاداه ~~أعظم معاداة وجدت هذا المثل مطابقة له أتم مطابقة، وأنه قد ms309 حيل بينه وبين ~~الإيمان كما بين هذا وبين التصرف. والله المستعان. # PageV01P441 ### | سورة الصافات # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الصافات (37) : آية # 78] # وتركنا عليه في الآخرين (78) # قول الله تعالى: # قال تعالى عن نوح: 37: 78- 80 وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في ~~العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين. # وقال عن إبراهيم خليله: 37: 108، 109 وتركنا عليه في الآخرين سلام على ~~إبراهيم. # وقال في موسي وهارون: 37: 119، 120 وتركنا عليهما في الآخرين سلام على ~~موسى وهارون. # وقال: 37: 130 سلام على إل ياسين. # فالذي تركه سبحانه على رسله في الآخرين: هو السلام عليهم المذكور. # وقد قال جماعة من المفسرين، منهم: مجتهد وغيره «وتركنا عليه في الآخرين» ~~الثناء الحسن، ولسان الصدق للأنبياء كلهم. وهذا قول قتادة أيضا. ولا ينبغي ~~أن يحكى هذا قولان للمفسرين، كما يفعله من ليس عناية # PageV01P443 # بحكاية الأقوال، بل هما قول واحد. ### | ### | [سورة الصافات (37) : آية # 79] # سلام على نوح في العالمين (79) # فمن قال: إن المتروك هو السلام عليهم في الأخرى نفسه، فلا ريب أن قوله ~~«سلام على نوح» جملة في موضع نصب بتركنا. والمعنى: أن العالمين يسلمون على ~~نوح ومن بعده من الأنبياء. # ومن فسره بلسان الصدق والثناء الحسن. نظر إلى لازم السلام وموجبه، وهو ~~الثناء عليهم، وما جعل لهم من لسان الصدق الذي لأجله إذا ذكروا سلم عليهم. # وقد زعمت طائفة، منهم: ابن عطية وغيره. أن من قال: تركنا عليه ثناء لها ~~حسنا ولسان صدق. كان: «سلام على نوح في العالمين» جملة ابتدائية، لا محل من ~~الإعراب. وهو سلام من الله سلم به عليه. # قالوا: فهذا السلام من الله أمنة لنوح في العالمين أن يذكره أحد بشر: # قاله الطبراني. # وقد يقوي هذا القول: أنه سبحانه أخبر أن المتروك عليه هو في الأخرى وأن ~~المسلم عليه في العالمين، وبأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أبقى الله ~~عليه ثناء حسنا. وهذا القول ضعيف لوجوه. # أحدها: أنه يلزم منه حذف المفعول لتركنا، ولا يبقى في الكلام فائدة على ~~هذا التقدير، فإن المعنى يؤول إلى: أنا ms310 تركنا عليه في الآخرين أمرا لا ذكر ~~له في اللفظ. لأن السلام عند هذا القائل منقطع بما قبله، لا تعلق له ~~بالفعل. # الثاني: أنه لو كان المفعول محذوفا كما ذكره لذكروه في موضع واحد، ليدل ~~على المراد منه عند حذفه. ولم يطرد حذفه في جميع من أخبر أنه ترك عليه في ~~الآخرين الثناء الحسن. وهذه طريقة القرآن، بل وكل كلام فصيح: أن يذكر الشيء ~~في موضع ثم يحذفه في موضع آخر، لدلالة فصيح: أن يذكر الشيء في موضع ثم ~~يحذفه في موضع آخر، لدلالة # PageV01P444 # المذكور على المحذوف. وأكثر ما تجده مذكورا وحذفه قليل. وإما أن يحذف ~~حذفا مطردا ولم يذكره في موضع واحد، ولا في اللفظ ما يدل عليه. # فهذا لا يقع في القرآن. # الثالث: أن في قراءة ابن مسعود، وتركنا عليه في الآخرين. سلاما فالنصب ~~وهذا يدل على أن المتروك هو السلام نفسه. # الرابع: أنه لو كان السلام منقطعا مما قبله لأخل ذلك بفصاحة الكلام ~~وجزالته، ولما حسن الوقوف على ما قبله. # وتأمل هذا بحال السامع إذا سمع قوله: وتركنا عليه في الآخرين كيف يجد ~~قلبه متشوفا متطلعا إلى تمام الكلام واجتناء الفائدة منه، ولا يجد فائدة ~~الكلام انتهت وتمت، ليظهر عندها، بل يبقى طالبا لتمامها وهو المتروك. ~~فالوقف على «الآخرين» ليس بوقف تام. # فإن قيل: فيجوز حذف المحذوف من هذا الباب، لأن «ترك» هنا في معنى «أعطى» ~~لأنه أعطاه ثناء حسنا أبقاه عليه في الأخرى ويجوز في باب «أعطى» ذكر ~~المفعولين وحذفهما والاقتصار على أحدهما: وقد وقع ذلك في القرآن. كقوله: ~~108: 1 إنا أعطيناك الكوثر فذكرهما. وقال: # 92: 5 فأما من أعطى فحذفهما. وقال لسوف: 98: 5 ولسوف يعطيك ربك فحذف ~~الثاني، واقتصر على الأول. وقال: ويؤتون الزكاة فحذف الأول. واقتصر على ~~الثاني. # قيل: فعل الإعطاء فعل مدح، لفظه دليل على أن المفعول المعطي قد ناله عطاء ~~المعطى والإعطاء إحسان ونفع وبر، فجاز ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على ~~أحدهما بحسب الغرض المطلوب من الفعل. # فإن كان المقصود إيجاد ماهية الإعطاء ms311 المخرجة للعبد من البخل والشح ~~والمنع، المنافي للإحسان ذكر الفعل مجردا. كما قال تعالى: فأما من # PageV01P445 # أعطى واتقى # ولم يذكر ما أعطى، ولا من أعطى. وتقول فلان يعطي ويتصدق ويهب ويحسن، # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما ~~منعت» # لما كان المقصود بهذا تفرد الرب سبحانه بالإعطاء والمنع لم يكن لذكر ~~المعطى ولا لحظ المعطى معنى، بل المقصود: أن حقيقة الإعطاء والمنع إليك لا ~~إلى غيرك، بل أنت المتفرد بها، لا يشركك فيها أحد، فذكر المفعولين هنا يخل ~~بتمام المعنى وبلاغته. # وإذا كان المقصود ذكرهما ذكرا معا كقوله تعالى: 108: 1 إنا أعطيناك ~~الكوثر فإن المقصود إخباره لرسوله صلى الله عليه وسلم بما خصه به وأعطاه ~~إياه من الكوثر. ولا يتم هذا إلا بذكر المفعولين. وكذا قوله تعالى: 76: 8 ~~ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. # وإذا كان المقصود أحدهما فقط اقتصر عليه. كقوله تعالى: ويؤتون الزكاة ~~المقصود به: أنهم يفعلون هذا الواجب عليهم، ولا يهملونه. # فذكره لأنه هو المقصود. # وقوله ان أهل النار: 74: 43، 44 لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين ~~لما كان المقصود الإخبار عن المستحق للاطعام أنهم بخلوا عنه. ومنعوه حقه من ~~الإطعام، وقست قلوبهم عنه كان ذكره هو المقصود، دون ذكر المطعوم. # وتدبر هذه الطريقة في القرآن، وذكره للأهم المقصود، وحذفه لغيره، يطلعك ~~على باب من أبواب إعجازه وكمال فصاحته. # وأما فعل الترك: فلا يشعر بشيء من هذا، ولا يمدح به. فلو قلت: # فلان يترك لم يكن مفيدا فائدة أصلا، بخلاف قولك: يطعم، ويعطي، ويهب، ~~ونحوه، بل لا بد أن تذكر ما يترك. ولهذا لا يقال: فلان يأكل، ويقال: مطعم ~~ومطعم. ومن أسمائه سبحانه المعطى. # فقياس «ترك» على «أعطى» من أفسد القياس. # PageV01P446 # وسلام على نوح في العالمين جملة محكية. قال الزمخشري: # وتركنا عليه في الآخرين من الأمم. هذه الكلمة- وهي سلام على نوح- يعني ~~يسلمون عليه تسليما. ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقولك: قرأت: سورة ~~أنزلناها. # الخامس: أنه قال: سلام ms312 على نوح في العالمين فأخبر سبحانه أن هذا السلام ~~عليه في العالمين، ومعلوم أن هذا السلام فيهم هو سلام العالمين عليه، كلهم ~~يسلم عليه، ويثني عليه، ويدعو له. فذكره بالسلام عليه فيهم. # وأما سلام الله سبحانه عليه. فليس مقيدا بهم، ولهذا لا يشرع أن يسأل الله ~~تعالى مثل ذلك: فلا يقال: السلام على رسول الله في العالمين، ولا: اللهم ~~سلم على رسولك في العالمين، ولو كان هذا هو سلام الله لشرع أن يطلب من الله ~~على الوجه الذي سلم به. # وأما قولهم: إن الله سلم عليه في العالمين. وترك عليه في الآخرين. # فالله سبحانه وتعالى أبقى على أنبيائه ورسله سلاما وثناء حسنا فيمن تأخر ~~بعدهم، جزاء على صبرهم وتبليغهم رسالات ربهم، واحتمالهم للأذى من أممهم في ~~الله. وأخبر أن هذا المتروك على نوح هو عام في العالمين، وأن هذه التحية ~~ثابتة فيهم جميعا، لا يخلون منها. فأدامها عليه في الملائكة والثقلين طبقا ~~بعد طبق، وعالما بعد عالم مجازاة لنوح عليه السلام بصبره، وقيامه بحق ربه، ~~وبأنه أول رسول أرسله إلى أهل الأرض. وكل المرسلين بعده بعثوا بدينه، كما ~~قال تعالى: 42: 13 شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية. # وقولهم: إن هذا قول ابن عباس، فقد تقدم. أن ابن عباس وغيره: # إنما أرادوا بذلك أن السلام عليهم من الثناء الحسن ولسان الصدق. فذكروا ~~بمعنى السلام عليه وفائدته. والله سبحانه أعلم. # PageV01P447 ### | [سورة الصافات (37) : آية 130] # سلام على إل ياسين (130) # فهذه الآية فيها قراءتان. # إحداهما: إلياسين بوزن إسماعيل. وفيه وجهان. # أحدهما: أنه اسم ثان للنبي إلياس والياسين. كميكال وميكائيل. # والوجه الثاني: أنه جمع وفيه وجهان. # أحدهما: أنه جمع إلياس. وأصله إلياسين. بياءين. كعبرانيين. # خففت إحدى الياءين. فقيل: إلياسين. والمراد: أتباعه، كما حكي سيبويه: ~~الأشعرون مثله الأعجمون والثاني: أنه جمع إلياس محذوف الياء. # والقراءة الثانية سلام على إل ياسين وفيه أوجه. # أحدها: أن «ياسين» اسم لأبيه، فأضيف إليه الآل، كما يقال: آل إبراهيم. # والثاني: أن «آل ياسين» هو إلياس نفسه. فيكون «آل» مضافة ms313 إلى «ياسين» ~~والمراد بالآل: ياسين نفسه: كما ذكر الأولون. # والثالث: أنه على حذف ياء النسب، فيقال: ياسين وأصله: # ياسيين، كما تقدم. وآلهم أتباعهم على دينهم. # والرابع: أن «ياسين» هو القرآن، وآله هم أهل القرآن. # والخامس: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وآله أقاربه وأتباعه. كما سيأتي ~~وهذه الأقوال كلها ضعيفة. # والذي حمل قائليها عليها: استشكالهم إضافة آل إلى «ياسين» واسمه «الياس» ~~و «الياسين» ورووها في المصحف مفصولة. وقد قرأها بعض القراء «آلياسين» فقال ~~طائفة منهم: له أسماء ياسين، والياسين. وإلياس. # PageV01P448 # وقالت طائفة: ياسين: اسم لغيره. # ثم اختلفوا: فقال الكلبي «ياسين» محمد صلى الله عليه وسلم. # وقالت طائفة: هو القرآن. وهذا كله تعسف ظاهر لا حاجة إليه. # والصواب- والله أعلم- في ذلك أن أصل الكلمة «آل ياسين» كآل إبراهيم، ~~فحذفت الألف واللام من أوله لاجتماع الأمثال، ودلالة الاسم على موضع ~~المحذوف. وهذا كثير في كلامهم، إذا اجتمعت الأمثال كرهوا النطق بها كلها، ~~فحذفوا منها ما لا لبس في حذفه، وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه ~~الأمثال. ولهذا يحذفون النون من إني وأني وكأني ولكني. ولا يحذفونها من ~~ليتني. ولما كانت اللام في «لعل» شبيهة بالنون حذفوا النون معها، ولا سيما ~~عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي وتغييرها له، فيقولون مرة: إلياسين. ~~ومرة: إلياس. ومرة: ياسين، وربما قالوا: # يأس. # ويكون على إحدى القراءتين: قد وقع السلام عليه، وعلى القراءة الأخرى: على ~~آله. # PageV01P449 ### | سورة ص # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة ص (38) : آية # 50] # جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) # تأمل قوله، كيف تجد تحته معنى بديعا؟ وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق ~~أبوابها عليهم، بل تبقى مفتحة كما هي. وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت ~~عليهم أبوابها. كما قال تعالى: 104: 8 إنها عليهم مؤصدة أي مطبقة مغلقة. ~~ومنه سمي الباب وصيدا. وهي مؤصدة في عمد ممددة قد جعلت العمد ممسكة للأبواب ~~من خلفها. كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب. # قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة. فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها ms314 ~~غم. ولا يدخل فيها روح آخر الأبد. # وأيضا فإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم ~~وتبوئهم في الجنة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف # PageV01P451 # والألطاف من ربهم، ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت. # وأيضا فيه إشارة إلى أنها دار أمن، لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب، كما ~~كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا. # وقد اختلف أهل العربية في الضمير العائد من الصفة على الموصوف في هذه ~~الجملة. فقال الكوفيون: التقدير مفتحة لهم أبوابها. والعرب تعاقب بين الألف ~~واللام والاضافة، فيقولون: مررت برجل حسن العين، أي عينه. ومنه قوله تعالى: ~~فإن الجحيم هي المأوى أي مأواه. وقال بعض البصريين: التقدير مفتحة لهم ~~الأبواب منها. فحذف الضمير وما اتصل به. # قال: وهذا التقدير في العربية أجود من أن يجعل الألف واللام بدلا من ~~الهاء والألف. لأن معنى الألف واللام ليس من معنى الهاء والألف في شيء. لأن ~~الهاء والألف اسم، والألف واللام دخلتا للتعريف. فلا يبدل حرف من اسم، ولا ~~ينوب عنه. # قالوا: وأيضا لو كانت الألف واللام بدلا من الضمير لوجب أن يكون في ~~«مفتحة» ضمير الجنات، ويكون المعنى: مفتحة هي، ثم أبدل منها الأبواب ولو ~~كان كذلك لوجب نصب الأبواب، لكون «مفتحة» قد رفع ضمير الفاعل فلا يجوز أن ~~يرفع به اسم آخر، لامتناع ارتفاع فاعلين بفعل واحد. # فلما ارتفع «الأبواب» دل على أن «مفتحة» حال من ضمير، و «الأبواب» مرتفعة ~~يه. وإذا كان في الصفة ضمير تعين نصب الثاني، كما تقول: مررت برجل حسن ~~الوجه. ولو رفعت الوجه ونونت «حسنا» لم يجز. فالألف واللام إذا للتعريف ليس ~~إلا، فلا بد من ضمير يعود على الموصوف الذي هو «جنات عدن» ولا ضمير في ~~اللفظ. فهو محذوف، تقديره: الأبواب منها. # وعندي أن هذا غير مبطل لقول الكوفيين. فإنهم لم يريدوا بالبدل إلا أن ~~الألف واللام خلف وعوض عن الضمير تغني عنه. وإجماع العرب على قولهم: حسن ~~الوجه، وحسن وجهه: شاهد بذلك. وقد قالوا: إن التنوين # PageV01P452 # بدل ms315 من الألف واللام، بمعنى أنهما لا يجتمعان، وكذلك المضاف إليه يكون ~~بدلا من التنوين والتنوين بدلا من الاضافة بمعنى التعاقب والتوارد. ولا ~~يريدون بقولهم: هذا بدل من هذا: أن معنى البدل معنى المبدل منه، بل قد يكون ~~في كل منهما معنى لا يكون في الآخر. # فالكوفيون أرادوا أن الألف واللام في «الأبواب» أغنت عن الضمير أو قيل: ~~أبوابها، وهذا صحيح. فإن المقصود الربط بين الصفة والموصوف بأمر يجعلها له، ~~لا مستقلة. فلما كان الضمير عائدا على الموصوف نفي توهم الاستقلال وكذلك ~~لام التعريف فإن كلا من الضمير واللام يعين صاحبه، هذا يعين مفسره وهذا ~~يعين ما دخل عليه. وقد قالوا في زيد نعم الرجل: أن الألف واللام أغنت عن ~~الضمير. والله أعلم. # وقد أعرب الزمخشري هذه الآية إعرابا اعترض عليه فيه. فقال «جنات عدن» ~~معرفة لقوله: 19: 61 جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب وانتصابها على ~~أنها عطف بيان لحسن مآب و «مفتحة» حال، والعامل فيها ما في «المتقين» من ~~معنى الفعل. وفي «مفتحة» ضمير الجنات، والأبواب بدل من الضمير، تقديره: ~~مفتحة هي الأبواب، كقولهم: ضرب زيد اليد والرجل. وهو من بدل الاشتمال. هذا ~~إعرابه. # فاعترض عليه بأن «جنات عدن» ليس فيها ما يقتضي تعريفها. وأما قوله «التي ~~وعد الرحمن عباده» فبدل لا صفة. وبأن جنات عدن لا يسهل أن يكون عطف بيان ~~لحسن مآب، على قوله. لأن جريان المعرفة على النكرة عطف بيان لا قائل به. ~~فإن القائل قائلان. أحدهما: أنه لا يكون إلا في المعارف، كقول البصريين. ~~والثاني: أنه يكون في المعارف والنكرات، بشرط المطابقة، كقول الكوفيين وأبي ~~علي الفارسي. # وقوله: إن في «مفتحة» ضمير الجنات. فالظاهر خلافه. فإن الأبواب ترتفع به ~~ولا ضمير فيه. # PageV01P453 # وقوله: إن «الأبواب» بدل اشتمال. فبدل الاشتمال قد صرح هو وغيره: أنه لا ~~بد فيه من الضمير. وإن نازعهم فيه آخرون، ولكن يجوز أن يكون الضمير ملفوظا ~~به. وأن يكون مقدرا. وهاهنا لم يلفظ به. فلا بد من تقدير، أي الأبواب منها. ~~فإذا ms316 كان التقدير: مفتحة لهم هي الأبواب منها: # كان فيه تكثير للاضمار وتقليله أولى. ### | [سورة ص (38) : آية 75] # قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ~~(75) # إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع. مفردا، ومثنى، ومجموعا. # فالمفرد: كقوله: 68: 1 بيده الملك والمثنى كقوله: خلقت بيدي والمجموع ~~كقوله: عملت أيدينا. # فحيث ذكر اليد مثناة. أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعلى ~~بالباء إليهما، وقال: خلقت بيدي. # وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها، ولم يعد الفعل بالباء. # فهذه ثلاثة فروق: فلا يحتمل «خلقت بيدي» من المجاز ما يحتمله عملت أيدينا ~~فإن كل أحد يفهم من قوله: عملت أيدينا ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا، كما ~~يفهم ذلك من قوله: فبما كسبت أيديكم وأما قوله: خلقت بيدي فلو كان المراد ~~منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد ~~دخلت عليها الباء؟ فكيف إذا ثنيت؟ # وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه. ~~كقوله: بما قدمت يداك فبما كسبت أيديكم وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي ~~بالباء إلى اليد مفردة أو مثناة، فهو مما باشرته يده. # PageV01P454 # ولهذا قال عبد الله بن عمر «إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا خلق آدم ~~بيده، وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده» فلو كانت اليد هي القدرة ~~لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق ~~بالقدرة. # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن «أهل الموقف يأتونه يوم القيامة، ~~فيقولون: # يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده» # وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له # «اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده» # وفي لفظ آخر «كتب لك التوراة بيده» # وهو من أصح الأحاديث. وكذلك # الحديث المشهور «أن الملائكة قالوا: يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون، ~~وينكحون، ويركبون، فأجعل لهم الدنيا ولنا الأخرى، فقال الله تعالى: لا أجعل ~~صالح ms317 ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فكان» . # وهذا التخصيص إنما فهم من قوله «خلقت بيدي» فلو كان مثل قوله: # مما عملت أيدينا لكان هو والأنعام في ذلك سواء. فلما فهم المسلمون أن ~~قوله: 38: 75 ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي يوجب له تخصيصا وتفضيلا بكونه ~~مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له، وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من ~~خصائصه: كانت التسوية بينه وبين قوله: # 36: 71 أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما خطأ محضا. # PageV01P455 ### | سورة الزمر # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 29] # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) # هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد. فالمشرك بمنزلة عبد يملكه ~~جماعة متنازعون، مختلفون متشاحون. # والرجل الشكس: الضيق الخلق. فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد ~~يملكه جماعة متنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين. # والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، ~~وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه. فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل ~~هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته ~~عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه فهل يستوي هذان العبدان؟ # وهذا من أبلغ الأمثال. فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه ~~والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين الحمد ~~لله. بل أكثرهم لا يعلمون. # PageV01P457 ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 62] # الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) # احتج المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى: خالق كل شيء ونحو ذلك من ~~الآيات. # فأجاب الأكثرون: بأنه عام مخصوص، يختص محل النزاع، كسائر الصفات: من ~~العلم والنحو. قال ابن عقيل في الإرشاد: ووقع نحو لي هذا أن القرآن لا ~~تتناوله هذه الأخبار، ولا تصلح لتناوله، قال: لأن به حصل عقد الإعلام بكون ~~الله خالقا لكل شيء، ms318 وما حصل به عقد الأعلام والإخبار لم يكن داخلا تحت ~~الخبر. قال: ولو أن شخصا قال: لا أتكلم اليوم كلاما إلا كذبا. لا يدخل ~~إخباره بذلك تحت ما أخبر به. # قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكورا في قوله في قصة مريم: # 19: 26 فإما ترين من البشر أحدا فقولي: إني نذرت للرحمن صوما، فلن أكلم ~~اليوم إنسيا وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها. فقولها «فلن أكلم اليوم ~~إنسيا» به يحصل إخبارها بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلا ~~تحت الخبر، وإلا كان قولها مخالفا لنذرها. ### | [سورة الزمر (39) : آية 73] # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال ~~لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) # عقب دخولها على الطيب بحرف الفاء، الذين يؤذن بأنه سبب للدخول، أي بسبب ~~طيبكم قيل لكم: ادخلوها- فإنها دار الطبيين لا يدخلها إلا طيب. # وقال في حادي الأرواح: # PageV01P458 # قال لأهل الجنة: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها بالواو. # وقال في صفة النار: حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها بغير واو. # فقالت طائفة: هذه واو الثمانية. دخلت في أبواب الجنة لكونها ثمانية، ~~وأبواب النار سبعة، فلم تدخلها الواو. وهذا قول ضعيف لا دليل عليه، ولا ~~تعرفه العرب، ولا أئمة العربية. وإنما هو من استنباط بعض المتأخرين. # وقالت طائفة أخرى: الواو زائدة. والجواب الفعل الذي بعدها، كما هو في ~~الآية الثانية. وهذا أيضا ضعيف. فإن زيادة الواو غير معروف في كلامهم، ولا ~~يليق بأسفه الكلام أن يكون فيه حرف زائد لغير معنى ولا فائدة. # وقالت طائفة ثالثة: الجواب محذوف. # وقوله: وفتحت أبوابها عطف على قوله: جاؤها وهذا اختيار أبي عبيدة والمبرد ~~والزجاج وغيرهم. # قال المبرد: وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلم. # وقال أبو الفتح ابن جني: وأصحابنا يدفعون زيادة الواو، ولا يجيزونه، ~~ويرون أن الجواب محذوف للعلم به. # بقي أن يقال: فما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة، وذكره في آية أهل ~~النار؟ # فيقال: هذا أبلغ في الموضعين. فإن الملائكة تسوق أهل ms319 النار إليها، ~~وأبوابها مغلقة، حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم، فيفجؤهم العذاب بغتة ~~فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة. فإن هذا شأن الجزاء المرتب على ~~الشرط: أن يكون عقيبه. والنار دار الإهانة والخزي، فلم يستأذن لهم في ~~دخولها، ويطلب إلى خزنتها أن يمكنوهم من # PageV01P459 # الدخول. وأما الجنة فإنها دار الله، ودار كرامته، ومحل خواصه وأوليائه، ~~فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة، فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن ~~يفتتحها ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله، وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع ~~الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم. فيقول «أنا لها» فيأتي إلى تحت العرش ~~ويخر ساجدا حربه فيدعه ربه ساجدا ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه، ~~وأن يسأل حاجته، فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها، فيشفعه، ويفتحها تعظيما ~~لخاطرها، وإظهارا لمنزلة رسوله وكرامته عليه، وأن مثل هذه الدار التي هي ~~دار ملك الملوك ورب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة، ~~التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها، وما ركبه من ~~الأطباق طبقا بعد طبق، وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة، حتى أذن الله تعالى ~~لخاتم أنبيائه ورسله، وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم. وهذا أبلغ ~~وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدر بخلاف ذلك، لئلا ينوهم ~~الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء. فجنة الله عالية غالية، وبين ~~الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلا به. فما لمن ~~أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار؟ فليعد عنها إلى ما ~~أولى به. وقد خلق له وهيئ له. # وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرا: من فرحة هؤلاء بإخوانهم ~~وسيرهم معهم، كل زمرة على حدة، كمشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم ~~وجماعتهم، مستبشرين أقوياء القلوب، كما كانوا في الدنيا وقت إجماعهم على ~~الخير كذلك يؤنس بعضهم بعضا، ويفرح بعضهم ببعض. وكذلك أصحاب الدار الأخرى: ~~النار يساقون إليها زمرا ms320 يلعن بعضهم بعضا، ويتأذى بعضهم ببعض. وذلك أبلغ في ~~الخزي والفضيحة والهتيكة. من أن يساقوا واحدا واحدا. # فلا تهمل وتدبر قوله: زمرا وقول خزنة الجنة لأهلها «سلام # PageV01P460 # عليكم» # فبدءوهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شر ومكروه، أي سلمتم فلا يلحقكم ~~بعد اليوم ما تكرهون، ثم قالوا لهم «طبتم فادخلوها خالدين» أي سلامتكم ~~ودخولكم الجنة بطيبكم، فإن الله حرمها إلا على الطيبين، فبشروهم بالسلامة ~~والطيب، والدخول والخلود. # أما أهل النار فإنهم حين انتهوا إليها على تلك الحال من الهم والغم ~~والحزن، فتحت لهم أبوابها وقفوا عليها، وزيدوا على ما هم عليه: توبيخ ~~خزنتها وتبكيتهم لهم بقولهم «ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم، ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟» فاعترفوا وقالوا «بلى» فبشروهم بدخول النار ~~والخلود فيها، وأنها بئس المثوى والمآب لهم. # وتأمل قول خزنة الجنة لأهلها «ادخلوها» وقول خزنة النار لأهلها «ادخلوا ~~أبواب جهنم» تجد تحته سرا لطيفا، ومعنى بديعا، لا يخفى على المتأمل. وهو ~~أنه لما كانت النار دار العقوبة وأبوابها أفظع شيء وأشده حرا، وأعظمه غما، ~~يستقبل الداخل فيها من العذاب ما هو أشد منها، ويدنو من الغم والخزي والحزن ~~والكرب بدخول الأبواب. فقيل «ادخلوا أبواب جهنم» صغارا لهم، وإذلالا وخزيا. ~~ثم قيل لهم: لا يقتصر بكم العذاب على مجرد دخول الأبواب الفظيعة، ولكن ~~وراءها الخلود في النار. ### | [سورة الزمر (39) : آية 75] # وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق ~~وقيل الحمد لله رب العالمين (75) # وأمام الجنة: فهي دار الكرامة، والمنزل الذي أعده الله لأوليائه، فبشروا ~~من أول وهلة بالدخول إلى الأرائك والمنازل والخلود فيها. # 39: 75 وترى الملائكة حافين من حول العرش، يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم ~~بالحق، وقيل: الحمد لله رب العالمين. # فحذف فاعل القول، لأنه غير معين، بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم ~~به، فيحمده السموات وأهل الأرض: الأبرار، # PageV01P461 # والفجار، والإنس والجن، حتى أهل النار. # قال الحسن: وغيره: لقد دخلوا النار، وإن حمده لفي قلوبهم، ما وجدوا لهم ~~عليه سبيلا. # وهذا- والله ms321 أعلم- هو السر الذي الذي حذف لأجله الفاعل في قوله: # قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها وفي قوله: 66: 12 وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين كأن الكون كله نطق بذلك، وقال لهم ذلك، والله أعلم بالصواب. # PageV01P462 ### | سورة غافر # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة غافر (40) : آية 37] # أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون ~~سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) # قرأ أهل الكوفة «وصد» على البناء للمفعول، حملا على «زين» وقرأه الباقون ~~«وصد» بفتح الصاد، ويحتمل معنيين. # أحدهما: أعرض، فيكون لازما. # والثاني: يكون صد ومنع غيره، فيكون متعديا، والقراءتان كالآيتين لا ~~يتناقضان. # وأما الشد على القلب ففي قوله تعالى: 10: 88، 89 وقال موسى: ربنا إنك ~~آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ~~ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم، قال: قد أجيبت دعوتكما فاستقيما. # فهذا الشد على القلب: هو الصد والمنع، ولهذا قال ابن عباس: # PageV01P463 # يريد منعها، والمعنى قسها واطبع عليها، حتى لا تلين، ولا تنشرح للايمان. # وهذا مطابق لما في التوراة: إن الله سبحانه قال لموسى: اذهب إلى فرعون، ~~فإني سأقسي قلبه، فلا يؤمن حتى أظهر آياتي وعجائبي بمصر. # وهذا الشد والتقسية، من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه، فإنه جعله عقوبة ~~لهم على كفرهم وإعراضهم، كعقوبته لهم بالمصائب، ولهذا كان محمودا، فهو حسن ~~منه، وأقبح شيء منهم، فإنه عدل منه وحكمة، وهو ظلم منهم وسفه. فالقضاء ~~والقدر فعل عادل حكيم غني عليم، يضع الخير والشر في أليق المواضع لهما ~~والمقضي المقدر يكون من العبد ظلما وجورا وسفها، وهو فعل جاهل ظالم سفيه. # PageV01P464 ### | سورة حم السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة فصلت (41) : آية 16] # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) # لا ريب أن الأيام التي أوقع الله سبحانه فيها العقوبة بأعدائه وأعداء ~~رسله كانت أياما نحسات عليهم، لأن النحس أصابهم فيها، ms322 وإن كانت أيام خير ~~لأوليائه المؤمنين، فهي نحس على المكذبين، سعد للمؤمنين. # وهذا كيوم القيامة، فإنه عسير على الكافرين، يوم نحس لهم، يسير على ~~المؤمنين، يوم سعد لهم. # قال مجاهد: أيام نحسات مشائيم، وقال الضحاك: معناه شديد، أي شديد البرد، ~~حتى كان البرد هذابا لهم. # وقال أبو على: وأنشد الأصمعي في النحس بمعنى البرد: # كأن سلافة عرضت بنحس ... يحيل شفيفها الماء الزلالا # وقال ابن عباس: نحسات متتابعات. وكذلك قوله: 54: 19 إنا أرسلنا عليهم ~~ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر. # PageV01P465 # وكان اليوم نحسا عليهم لإرسال العذاب عليهم فيه، أي لا يقلع فيه، أي لا ~~يقلع عنهم، كما تقلع مصائب الدنيا التي تأتي وتذهب، بل هذا النحس دائم على ~~هؤلاء المكذبين للرسل. # و «مستمر» صفة للنحس، لا لليوم، ومن ظن أنه صفة لليوم، وأنه كان يوم ~~أربعاء آخر شهر، وأن هذا اليوم نحس أبدا. فقد غلط وأخطأ فهم القرآن، فإن ~~اليوم المذكور بحسب ما يقع فيه، فكم لله من نعمة على أوليائه في هذا اليوم، ~~وكم له فيه من بلايا ونقم على أعدائه، كما يقع ذلك في غيره من الأيام، ~~فسعود الأيام ونحوسها: إنما هو لسعود الأعمال، وموافقتها لمرضاة الرب، ~~ونحوس الأعمال: إنما هو بمخالفتها لما جاءت به الرسل. # واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة، ونحس لطائفة، كما كان يوم بدر يوم ~~سعد للمؤمنين، ويوم نحس على الكافرين. # وقال تعالى: 41: 33 ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني ~~من المسلمين. # وقال تعالى: 82: 108 قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة، أنا ومن ~~اتبعني وسواء كان المعنى: أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله على بصيرة، أو كان ~~الوقف عند قوله: أدعوا إلى الله ثم يبتدئ: على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~فالقولان متلازمان. فإنه أمره سبحانه أن يخبر أن سبيله الدعوة إلى الله. ~~فمن دعا إلى الله تعالى. فهو على سبيل رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو على ~~بصيرة، وهو من أتباعه، ومن دعا إلى غير ذلك فليس على ms323 سبيله، ولا هو على ~~بصيرة، ولا هو من أتباعه. فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين ~~وأتباعهم، وهم خلفاء الرسل في أممهم. والناس تبع لهم. والله سبحانه قد أمر ~~رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه وضمن له حفظه وعضمته من الناس. # وهؤلاء المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم ~~بدينه، وتبليغهم له، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ولو ~~آية، ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثا. # PageV01P466 # وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو. لأن تبليغ ~~السهام يفعله كثير من الناس. وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة ~~الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم. جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. # وهم كما قال عمر بن الخطاب في خطبته التي ذكرها ابن وضاح في كتاب الحوادث ~~والبدع له، إذ قال: # «الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا ~~من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون ~~بكتاب الله أهل العمى، كم من قتيل لا بليس قد أحيوه. وضال قد هدوه، بذلوا ~~دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر ~~الناس عليهم. يغلبونهم في سالف الدهر، وإلى يومنا هذا. فما نسيهم ربك. وما ~~كان ربك نسيا، جعل قصصهم هدى، وأخبر عن حسن مقالتهم، فلا تقصر عنهم، فإنهم ~~في منزلة رفيعة وإن أصابتهم الوضيعة» . # وقال عبد الله بن مسعود «إن لله عند كل بدعة كيد بها للإسلام وليا من ~~أوليائه يذب عنها، وينطق بعلاماتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على ~~الله» . # ويكفي في هذا # قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ولمعاذ أيضا «لأن يهدي بك الله رجلا ~~واحدا خير لك من حمر النعم» # وقوله صلى الله عليه وسلم «من أحيي شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة ~~كهاتين. وضم بين إصبعيه» # وقوله «من دعا إلى الهدى فأتبع عليه كان له مثل أجر ms324 من اتبعه إلى يوم ~~القيامة» . # فمتى يدرك العامل هذا الفضل العظيم. والحظ الجسيم بشيء من علمه. وإنما ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # PageV01P467 ### | سورة الشورى # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 11] # فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) # معناها: أن الله سبحانه يعيشكم فيما خلق لكم من الأنعام المذكورة، قال ~~الكلبي: يكثرها لكم ويكثر نسلكم في هذا التزويج، ولولا هذا التزويج لم يكثر ~~النسل. # والمعنى: يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر: من جعله لكم وللأنعام أزواجا، ~~فإن سبب خلقتنا وخلق الحيوان بالأزواج. # والضمير في قوله «فيه» يرجع إلى الجعل. # ومعنى «الذرء» الخلق، وهو هاهنا الخلق الكثير، فهو خلق وتكثير. # فقيل «في» بمعنى الباء، أي يكثركم بذلك. وهذا قول الكوفيين. # والصحيح: أنها على بابها، والفعل متضمن معنى ينشئكم، وهو يتعدى بفي كما ~~قال تعالى: 56: 61 وننشئكم في ما لا تعلمون # PageV01P468 ### | ### | [سورة الشورى (42) : آية # 49] # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور (49) # قسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام، اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ~~ما قدره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه وكفى بالعبد تعرضا لمقته: # أن يتسخط ما وهبه. # وبدأ سبحانه بذكر الإناث. فقيل: خيرا لهن لأجل استقبال الوالدين ~~لمكانهما. # وقيل- وهو أحسن- إنما قدمهن لأن سياق الكلام أنه فاعل لما يشاء، لا لما ~~يشاء الأبوان. فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبا، وهو سبحانه قد أخبر ~~أنه يخلق ما يشاء، فبدأ بذكر الصنف الذي يشاؤه ولا يريده الأبوان. # وعندي وجه آخر: وهو أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر ~~البنات، حتى كأن الغرض بيان أن هذا النوع المؤخر الحقير عندكم مقدم عندي في ~~الذكر. # وتأمل كيف نكر سبحانه الإناث، وعرف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، ~~وجبر نقص التأخير للذكور بالتعريف. فإن التعريف تنزيه. كأنه قال: ويهب لمن ~~يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون ms325 عليكم. ### | [سورة الشورى (42) : آية 50] # أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) # ثم لما ذكر الصنفين معا قدم الذكور إعطاء لكل من الجنسين حقه من التقديم ~~والتأخير. والله أعلم بما أراد من ذلك. # والمقصود: أن التسخط بالإناث من أخلاق الجاهلية الذين ذمهم الله سبحانه ~~في قوله: 16: 58 وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به: أيمسكه على هون، أم يدسه في # PageV01P469 # التراب؟ ألا ساء ما يحكمون # وقال تعالى: 43: 17 وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم. # ومن هاهنا عبر بعض المعبرين لرجل قال له: رأيت كأن وجهي أسود. # فقال له: ألك امرأة حامل؟ قال: نعم. قال تلد لك أنثى؟ ### | [سورة الشورى (42) : آية 52] # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) # قد قيل: إن الضمير في «جعلناه» عائدا إلى الأمر. وقيل: إلى الكتاب. وقيل: ~~إلى الإيمان. # والصواب: أنه عائد إلى «الروح» أي جعلنا الذي أوحيناه إليك نورا، فسماه ~~روحا لما يحصل به من الحياة الطيبة، والعلم والقوة. وجعله نورا لما يحصل به ~~من الإشراق والإضاءة، وهما متلازمان. فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت ~~الإضاءة والاستنارة، وحيث وجدت الاستنارة والإضاءة وجدت الحياة. # فمن لم يقبل قلبه هذا الروح فهو ميت مظلم، كما أن من فارق بدنه روح ~~الحياة فهو هالك مضمحل. # فلهذا يضرب سبحانه وتعالى المثلين المائي والناري لما يحصل بالماء من ~~الحياة، وبالنار من الإشراق والنور، كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة. # PageV01P470 ### | سورة الدخان # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الدخان (44) : آية # 51] # إن المتقين في مقام أمين (51) # المقام: موضع الإقامة. و «الأمين» الآمن من كل سوء وآفة ومكروه. وهو الذي ~~قد جمع صفات الأمن كلها. فهو آمن من الزوال والخراب، وأنواع النقص. وأهله ~~آمنون فيه من الخروج والنقص والنكد، والبلد الأمين الذي قد ms326 أمن أهله فيه ~~مما يخاف منه سواهم. # وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله: 44: 51 إن المتقين في مقام أمين وفي ~~قوله تعالى: 44: 55 يدعون فيها بكل فاكهة آمنين فجمع لهم بين أمن المكان. ~~وأمن الطعام. فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها وأمن ~~الخروج منها. فلا يخافون ذلك، وأمن الموت، فلا يخافون فيها موتا. # 44: 52- 56 إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون. يلبسون من سندس ~~وإستبرق متقابلين. كذلك وزوجناهم بحور عين. يدعون فيها # PageV01P471 # بكل فاكهة آمنين. لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب ~~الجحيم # . جمع لهم بين حسن المنزل وحصول الأمن فيه من كل مكروه، واشتماله على ~~الثمار والأنهار، وحسن اللباس، وكمال العشرة بمقابلة بعضهم بعضا، وتمام ~~اللذة بالحور العين، ودعائهم لجميع أنواع الفاكهة، مع أمنهم من انقطاعها ~~ومضرتها وغائلتها، وختام ذلك: أعلمهم بأنهم لا يذوقون فيها هناك موتا. ### | [سورة الدخان (44) : آية 54] # كذلك وزوجناهم بحور عين (54) # «والحور» جمع حوراء. وهي المرأة الشابة الحسناء، الجميلة، البيضاء شديدة ~~سواد العين. وقال زيد بن أسلم: الحوراء التي يحار فيها الطرف. و «عين» حسان ~~الأعين. وقال مجاهد: الحوراء التي يحار فيها الطرف، من رقة الجلد، وصفاء ~~اللون. وقال الحسن: الحوراء شديدة بياض العين، شديدة سواد العين. # واختلف في اشتقاق هذه اللفظة. فقال ابن عباس: الحور في كلام العرب: ~~البيض. وكذلك قال قتادة: والحور البيض. وقال مقاتل: الحور البيض الوجوه ~~وقال مجاهد: الحور العين: التي يحار فيهن الطرف، باديا مخ سوقهن من وراء ~~ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن، كالمرآة من رقة الجلد وصفاء ~~اللون، وهذا من الاتفاق. وليست اللفظة مشتقة من الحيرة. وأصل الحور: ~~البياض، والتحوير التبييض. والصحيح: # أن الحور مأخوذ من الحور في العين، وهو شدة بياضها مع قوة سوادها. فهو ~~يتضمن الأمرين. وفي الصحاح للجوهري «الحور» شدة بياض العين في شدة سوادها، ~~وامرأة حوراء بينة الحور. وقال أبو عمرو: # الحور: أن تسود العين كلها، مثل أعين الظباء والبقر. وليس في بني آدم حور ~~وإنما قيل للنساء: ms327 حور العين. لأنهن شبهن بالظباء والبقر. وقال الأصمعي: ما ~~أدري ما الحور في العين؟ # قلت: خالف أبو عمرو أهل اللغة في اشتقاق اللفظة، ورد الحور # PageV01P472 # إلى السواد، والناس غيره إنما ردوه إلى البياض، وإلى بياض في سواد. # والحور في العين معنى يلتئم من حسن البياض والسواد وتناسبهما، واكتساب كل ~~واحد منهما الحسن من الآخر. ويقال عين حوراء، إذا اشتد بياض أبيضها وسواد ~~أسودها. ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينها بياض لون الجسد. # «والعين» جمع عيناء. وهي العظيمة العين من النساء، ورجل أعين: # إذا كان ضخم العين. وامرأة عيناء. والجمع عين. والصحيح: أن العين هن ~~اللاتي جمعت أعينهن صفات الحسن والملاحة. قال مقاتل: العين حسان الأعين. ~~ومن محاسن المرأة: اتساع عينها في طول. وضيق العين في المرأة من العيوب. # 44: 54 وزوجناهم بحور عين قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجا، كما يزوج النعل ~~بالنعل. جعلناهم اثنين اثنين. وقال يونس: قرناهم بهن، وليس من عقد التزويج. ~~قال: والعرب لا تقول: تزوجت بها، وإنما تقول: تزوجتها. قال ابن نصر: هذا ~~والتنزيل يدل على ما قاله يونس. # وذلك قوله تعالى: 33: 37 فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ولو كان على ~~تزوجت بها لقال: زوجناك بها. وقال ابن سلام: تميم تقول: تزوجت امرأة. ~~وتزوجت بها. وحكاه الكسائي أيضا. قال الأزهري: تقول العرب: # زوجته امرأة، وتزوجت امرأة وليس من كلامهم: تزوجت بامرأة. # قوله تعالى: وزوجناهم بحور عين أي قرناهم، وقال الفراء: هي لغة في أزد ~~شنوءة. قال الواحدي: وقول أبي عبيدة في هذا أحسن، لأنه جعله من التزويج ~~الذي هو بمعنى جعل الشيء زوجا. لا بمعنى عقد النكاح. ومن هذا يجوز أن يقال: ~~كان فردا فزوجته بآخر، كما يقال: شققته بآخر. وإنما تمنع الباء عند من ~~يمنعها إذا كان بمعنى عقد التزويج. # PageV01P473 # قلت: ولا يمتنع أن يراد الأمران معا. فلفظ التزويج يدل على النكاح. كما ~~قال مجاهد: أنكحناهم الحور. ولفظ الباء تدل على الاقتران والضم. وهذا أبلغ ~~من حذفها والله أعلم. # PageV01P474 ### | سورة الجاثية # بسم الله ms328 الرحمن الرحيم ### | [سورة الجاثية (45) : آية 23] # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) # الغشاوة: هي الغطاء. وهذا الغطاء سرى إليها من غطاء القلب. فإن ما في ~~القلب من الخير والشر يظهر على العين، فالعين مرآة القلب، تظهر ما فيه. ~~وأنت إذا بغضت رجلا بغضا شديدا أبغضت كلامه ومجالسته، فتجد على عينك غشاوة ~~عند رؤيته ومخالطته. فذلك أثر البغض والإعراض عنه. # وغلطت الغشاوة على الكفار عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، وعما جاء به من الهدى ومن الحق. وجعل الغشاوة عليها يشعر ~~بالإحاطة على ما تحتها كالغمامة، ولما غشوا عن ذكره الذي أنزله صار ذلك ~~الغشي غشاوة على أعينهم، فلا تبصر مواقع الهدى. # PageV01P475 ### | سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الأحقاف (46) : آية 15] # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت ~~إليك وإني من المسلمين (15) # قال الزجاج من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين. وقال ابن عباس في ~~رواية عطاء: سن الأشد ثلاث وثلاثون سنة. وروي عنه أيضا ثلاثون. وقال ~~الضحاك: عشرون سنة. وقال مقاتل ثماني عشرة. # وقد أحكم الأزهري تفسير اللفظة، فقال بلوغ الأشد يكون من وقت بلوغ ~~الإنسان مبلغ الرجال إلى أربعين سنة، قال: فبلوغ الأشد مرتبة بين البلوغ ~~وبين الأربعين. # ومعنى اللفظة من الشدة، وهي القوة والجلادة، والشديد الرجل القوي. فالأشد ~~القوي. # قال الفراء واحدها شد في القياس، ولم أسمع لها بواحد. # وقال أبو الهيثم: واحدها شدة كالنعمة وأنعم. # وقال بعض أهل اللغة: واحدها شد- بضم الشين-. # وقال آخرون منهم هو اسم مفرد وليس لجمع حكاه ابن الأنباري. # PageV01P476 ### | سورة محمد # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة محمد (47) : آية 24] # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) # قال ms329 ابن عباس: يريد على قلوب هؤلاء أقفال. # وقال مقاتل: يعني الطبع على القلب. وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج، الذي ~~قد ضرب عليه قفل. فإنه إن ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ~~ما وراءه. وكذلك ما لم يرفع الختم والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان ولا ~~القرآن. # وتأمل تنكير القلوب وتعريف الأقفال بالإضافة إلى ضمير القلوب. فإن تنكير ~~القلوب يتضمن إرادة قلوب هؤلاء من هم بهذه الصفة. ولو قال: أم على القلوب ~~أقفالها. لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة. # وفي قوله «أقفالها» بالتعريف نوع تأكيد. فإنه لو قال: أقفال. لذهب الوهم ~~إلى ما يعرف بهذا الاسم. فلما أضافها إلى ضمير القلوب علم أن المراد بها ما ~~هو للقلب بمنزلة العقل للباب، فكأنه أراد أقفالها المختصة بها، التي لا ~~تكون لغيرها والله أعلم. # PageV01P477 ### | سورة الحجرات # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 6] # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) # نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى بني المصطلق- بعد الوقعة- مصدقا. وكان بينه وبينهم عداوة في ~~الجهلية. فلما سمع به القوم تلقوه، تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # فحدثه الشيطان: أنهم يريدون قتله، فهابهم، ورجع من الطريق إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهم أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقاه ونكرمه، ~~ونؤدي إليه ما قبلنا من حق الله، فبدا لنا، فخشينا أنه إنما رده من الطريق ~~كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا. وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. ~~فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكر، ~~وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له «أنظر، فإن رأيت منهم ما يدل على ~~إيمانهم فخذ # PageV01P478 # منهم زكاة أموالهم. وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في ms330 الكفار» ~~ففعل ذلك خالد، ووافاهم، فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم ~~صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير. فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخبره الخبر. فنزلت 49: 6 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا. # والنبأ هو الخبر الغائب عن المخبر، إذا كان له شأن. «والتبين» طلب بيان ~~حقيقته، والإحاطة بها علما. # وهاهنا فائدة لطيفة. وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه ~~وشهادته جملة. وإنما أمر بالتبين. فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على ~~صدقه عمل بدليل الصدق، ولو أخبر به من أخبر. # فهكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته. وكثير من الفاسقين يصدقون ~~في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري، ~~وفسقه من جهات أخر. فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو ردت شهادة مثل ~~هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق، وبطل كثير من الأخبار الصحيحة، ولا سيما ~~من فسقه من جهة الكذب: فإن كثر منه وتكرر، بحيث يغلب كذبه على صدقه. فهذا ~~لا يقبل خبره ولا شهادته. # وإن ندر منه مرة أو مرتين ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء، وهما ~~روايتان عن الإمام أحمد رحمهم الله. ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 12] # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ~~ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم (12) # PageV01P479 # وهذا من أحسن القياس التمثيلي. فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه. # ولما كان المغتاب يمزق عرض أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال ~~غيبة روحه عنه بالموت. # ولما كان المغتاب عاجزا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبا عن مجلس ذمه كان ~~بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه. # ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر، فعلق عليها المغتاب ضد ~~مقتضاها من الذم والعيب والطعن: كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه، والأخوة ~~تقتضي حفظه وصيانته والذب ms331 عنه. # ولما كان المغتاب متمتعا بعرض أخيه، متفكها بغيبته وذمه، متحليا بذلك شبه ~~بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه. # ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به: شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا ~~ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله، كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه. # فتأمل هذا التشبيه والتمثيل، وحسن موقعه، ومطابقة المعقول فيه للمحسوس ~~وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا، ووصفهم بذلك في آخر الآية، ~~والإنكار عليهم في أولها: أن يحب أحدهم ذلك، فكما أن هذا مكروه في طباعهم، ~~فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره؟. # فأحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه. وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء ~~إليهم، وهم أشد شيء نفرة عنه. # فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة: أن يكونوا أشد شيء نفرة عما هو نظيره ~~ومشبهه. وبالله التوفيق. # PageV01P480 ### | [سورة الحجرات (49) : آية 13] # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) # قالوا: الحس شاهد: أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف ~~الأجزاء التي فيه من أبيه. فثبت أن تكوينه من مني الأم ودم الطمث، ومني ~~الأب عاقد له كالأنفحة. # ونازعهم الجمهور، وقالوا: إنه يتكون من مني الرجل والأنثى، ثم لهم قولان. # أحدهما: أن يكون من مني الذكر أعضاؤه، وأجزاؤه، ومن مني الأنثى صورته. # والثاني: أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين، وأنهما ~~امتزجا واختلطا وصارا ماء واحدا. وهذا هو الصواب، لأننا نجد الصورة ~~والتشكيل تارة إلى الأب، وتارة إلى الأم. والله أعلم. # وقد دل على هذا قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~والأصل: هو الذكر. فمنه البذر، ومنه السقي. والأنثى وعاء ومستودع لولده. ~~تربيه في بطنها، كما تربيه في حجرها. ولهذا كان الولد للأب حكما ونسبا. ~~وأما تبعيته للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكون وصار ولدا في بطنها، ~~وغذته بلبانها مع الجزء الذي فيه منها. وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه ~~أصله ومادته ms332 ونسخته. وكان أشرفهما دينا أولى به، تغليبا لدين الله وشرعه. # PageV01P481 ### | سورة ق # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة ق (50) : آية 37] # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) # إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فأجمع قلبك عند تلاوته. وألق سمعك. # واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه، منه إليه. فإنه خطاب منه ~~سبحانه لك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. # وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض، ومحل قابل، وشرط ~~لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه: تضمنت الآية بيان ذلك كله ~~بأوجز لفظ وأبينه. وأدله على المراد. # فقوله: «إن في ذلك لذكرى» إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا. ~~وهذا هو المؤثر وقوله: «لمن كان له قلب» فهذا هو المحل القابل. والمراد به: # القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: 36: 69، 70 إن هو # PageV01P483 # إلا ذكر وقرآن مبين. لينذر من كان حيا # أي حي القلب. # وقوله: «أو ألقى السمع» أي وجه سمعه، وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له. ~~وهذا هو شرط التأثير بالكلام. # وقوله: «وهو شهيد» أي شاهد القلب حاضر، غير غائب. قال ابن قتيبة: استمع ~~لكتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه. # وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثر. وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما ~~يقال له، والنظر فيه وتأمله. # فإذا حصل المؤثر، وهو القرآن، والمحل القابل، وهو القلب الحي، ووجد ~~الشرط، وهو الإصغاء، وانتفي المانع، وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى ~~الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر: حصل الأثر، وهو الانتفاع بالقرآن ~~والتذكر. # فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه. فما وجه دخول أداة «أو» ~~في قوله «أو ألقى السمع» والموضع موضع واو الجمع، لا موضع «أو» التي هي ~~لأحد الشيئين؟ # قيل: هذا سؤال جيد. والجواب عنه أن يقال: # خرج الكلام بأو باعتبار حال ms333 المخاطب المدعو. فإن من الناس من يكون حي ~~القلب واعيه، تام الفطرة. فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه على صحة ~~القرآن، وأنه الحق، وشهد قلبه بما أخبر به القرآن. فكان ورود القرآن على ~~قلبه نورا على نور الفطرة. وهذا وصف الذين قيل فيهم: # 34: 6 ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق وقال في ~~حقهم: 24: 35 الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، ~~المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة، لا ~~شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي ~~الله لنوره من يشاء. # PageV01P484 # فهذا نور الفطرة على نور الوحي. وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي. # فصاحب القلب الحي بين قلبه وبين معاني القرآن أتم الاتصال، فيجدها كأنها ~~قد كتبت فيه. فهو يقرؤها عن ظهر قلب. # ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد، واعي القلب، كامل الحياة فيحتاج إلى ~~شاهد يميز له بين الحق والباطل. ولم تبلغ حياة قلبه لتأمله والتفكر فيه، ~~وتعقل معانيه، فيعلم حينئذ أنه الحق. # فالأول: حال من رأى بعينيه ما دعي إليه وأخبر به. # والثاني: حال من علم صدق الخبر وتيقنه. وقال: يكفيني خبره، فهو في مقام ~~الإيمان، والأول في مقام الإحسان. هذا قد وصل إلى علم اليقين، وترقى قلبه ~~منه إلى منزلة عين اليقين. وذلك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ~~ودخل به في الإسلام. # فعين اليقين نوعان: نوع في الدنيا، ونوع في الآخرة. فالحاصل في الدنيا ~~نسبته إلى القلب، كنسبة الشاهد إلى العين. وما أخبرت به الرسل من الغيب ~~يعاين في الآخرة بالأبصار. وفي الدنيا بالبصائر. فهو عين يقين في ~~المرتبتين. # PageV01P485 ### | سورة الذاريات # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الذاريات (51) : آية # 24] # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) # ففي هذا ثناء على إبراهيم من وجوه متعددة. # أحدها: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. وهذا على أحد القولين: # أنه بإكرام لا إبراهيم لهم. والثاني: أنهم المكرمون عند الله. ولا ms334 تنافي ~~بين القولين: فالآية تدل على معنيين. ### | [سورة الذاريات (51) : آية 25] # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) # الثاني: قوله تعالى: «إذ دخلوا عليه» فلم يذكر استئذانهم. ففي هذا دليل ~~على أنه صلى الله عليه وسلم كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم. فصار ~~منزله مضيفة مطروقا لمن ورده، لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل ~~إليه دخوله. وهذا غاية ما يكون من الكرم. # الثالث: قوله «سلام» بالرفع. وهم سلموا عليه بالنصب. والسلام # PageV01P487 # بالرفع أكمل. فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، ~~والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد. فإبراهيم حياهم بتحية ~~أحسن من تحيتهم. فإن قولهم «سلاما» يدل على: سلمنا سلاما وقوله: «سلام» أي ~~سلام عليكم. # الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: «قوم منكرون» فإنه لما أنكرهم ولم ~~يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال: أنتم مكرمون، فحذف ~~المبتدأ هنا من ألطف الكلام. # الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول، وحذف فاعله، فقال: # «منكرون» ولم يقل: إني أكرمكم. وهو أحسن في هذا المقام، وأبعد من التنفير ~~والمواجهة بالخشونة. ### | ### | [سورة الذاريات (51) : آية # 26] # فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) # السادس: أنه راغ إلى أهله ليحييهم بنزلهم. والروغان هو الذهاب في اختفاء ~~بحيث يكاد لا يشعر به. وهذا من كرم رب المنزل المضيف: أن يذهب في اختفاء ~~بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي. فلا يشعر به إلا وقد جاءه ~~بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه وهو يقول له، أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم ~~بالطعام، ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه. # السابع: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة. فدل على أن ذلك كان معدا عندهم ~~مهيئا للضيفان. ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه، أو غيرهم فيشتريه، ~~أو يستقرضه. # الثامن: قوله: «فجاء بعجل سمين» يدل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: ~~فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه، ولم يبعثه مع خادمه. وهذا أبلغ في ~~إكرام الضيف. # التاسع: أنه جاء بعجل كامل، ms335 ولم يأت ببضعة منه. وهذا من تمام كرمه صلى ~~الله عليه وسلم. # PageV01P488 # العاشر: أنه سمين لا هزيل. فمعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم، ومثله يتخذ ~~للاقتناء والتربية، فآثر به ضيفانه. ### | [سورة الذاريات (51) : آية 27] # فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) # الحادي عشر: أنه قربه إليهم بنفسه، ولم يأمر خادمه بذلك. # الثاني عشر: أنه قربه إليهم، ولم يقربهم إليه. وهذا أبلغ في الكرامة. أن ~~تجلس الضيف ثم تقرب الطعام إليه، وتحمله إلى حضرته، ولا تضع الطعام في ~~ناحية ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه. # الثالث عشر: أنه قال: «ألا تأكلون؟» وهذا عرض وتلطف في القول، وهو أحسن ~~من قوله: كلوا، أو مدوا أيديكم ونحوها. وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ~~ولطفه. ولهذا يقولون: بسم الله: أو ألا تتصدق؟ أو ألا تجبر؟ ونحو ذلك. # الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ~~ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا ~~وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم «ألا تأكلون؟» ولهذا أوجس منهم ~~خيفة، أي أحسها وأضمرها في نفسه، ولم يبدها لهم. وهو: # الوجه الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف منهم، ولم يظهر ~~لهم الخوف منهم. فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا: «لا تخف» وبشروه ~~بالغلام الحليم. # فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من ~~التكلفات التي هي تخلف وتكلف: إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم. وكفى بهذه ~~الآداب شرفا وفخرا. فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما، وعلى ~~سائر النبيين. # PageV01P489 ### | سورة الطور # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الطور (52) : آية 21] # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) # روي قيس عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في ~~درجته، وإن كانوا دونه ms336 في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ 52: 21 والذين آمنوا ~~واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ~~قال: «ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين» # وذكر ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس- قال شريك: أظنه حكاه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، ~~أو عملك. فيقول. # يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بالإلحاق بهم، ثم تلا ابن عباس والذين ~~آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان # إلى آخر الآية. # PageV01P491 # وقد اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية، هل المراد بها الصغار أو ~~الكبار أو النوعان؟ على ثلاثة أقوال. واختلافهم مبني على أن قوله: # «بإيمان» حال من الذرية التابعين أو المؤمنين المتبوعين. فقالت طائفة: # المعنى والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم في إيمانهم فأتوا من الإيمان بمثل ~~ما أتوا به ألحقناهم بهم في الدرجات. قالوا: ويدل على هذا قراءة من قرأ ~~واتبعتهم ذريتهم فجعل الفعل في الاتباع لهم. قالوا: وقد أطلق الله سبحانه ~~الذرية على الكبار، كما قال: ومن ذريته داود وسليمان وقال: ذرية من حملنا ~~مع نوح وقال: وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟ وهذا قول ~~لكبار العقلاء. قالوا: ويدل على ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~يرفعه «إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر ~~بهم عينه» فهذا يدل على أنهم دخوا بأعمالهم، ولكن لم يكن لهم أعمال يبلغوا ~~بها درجة آبائهم. فبلغهم إياها، وإن تقاصر عملهم عنها. قالوا: وأيضا ~~فالإيمان هو القول والعمل والنية. وهذا إنما يمكن من الكبار، وعلى هذا ~~فيكون المعنى: أن الله سبحانه يجمع ذرية المؤمن إليه إذا أتوا من الإيمان ~~بمثل إيمانه، إذ هذا حقيقة التبعية، وإن كانوا دونه في الإيمان، رفعهم الله ~~إلى درجته إقرارا لعينه، وتكميلا لنعيمه. وهذا كما أن زوجات النبي صلى الله ~~عليه وسلم معه في ms337 الدرجة تبعا، وإن لم يبلغوا تلك الدرجة بأعمالهن. # وقالت طائفة أخرى: الذرية هاهنا الصغار. والمعنى: والذين آمنوا وأتبعناهم ~~ذرياتهم في إيمان الآباء. والذرية تتبع الآباء. وإن كانوا صغارا في الإيمان ~~وأحكامه من الميراث، والدية والصلاة عليهم، والدفن في قبور المسلمين، وغير ~~ذلك، إلا فيما كان من أحكام البالغين. # ويكون قوله: «بإيمان» على هذا في موضع نصب على الحال من المفعولين، أي ~~وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء. # PageV01P492 # قالوا: يدل على صحة هذا القول: أن البالغين لهم حكم أنفسهم في الثواب ~~والعقاب، فإنهم مستقلون بأنفسهم، ليسوا تابعين للآباء في شيء من أحكام ~~الدنيا، ولا أحكام الثواب والعقاب، لاستقلالهم بأنفسهم. ولو كان المراد ~~بالذرية البالغين لكان أولاد الصحابة البالغون كلهم في درجة آبائهم، ولكان ~~أولاد التابعين البالغون كلهم في درجة آبائهم، وهلم جرا إلى يوم القيامة. ~~فيكون الآخرون في درجة السابقين. # قالوا: ويدل عليه أيضا: أنه سبحانه جعلهم معهم تبعا في الدرجة. # كما جعلهم تبعا معهم في الإيمان. ولو كانوا بالغين لم يكن إيمانهم تبعا، ~~بل إيمان استقلال. # قالوا: ويدل عليه أن الله سبحانه جعل المنازل في الجنة بحسب الأعمال. في ~~حق المستقلين. وأما الأتباع فإن الله سبحانه يرفعهم إلى درجة أهليهم. وإن ~~لم يكن لهم أعمال. كما تقدم. # وأيضا فالحور العين والخدم في درجة أهليهم، وإن لم يكن لهم عمل، بخلاف ~~المكلفين البالغين. فإنهم يرفعون إلى حيث بلغت بهم أعمالهم. # وقالت فرقة، منهم الواحدي: الوجه أن تحمل الذرية على الصغار والكبار. لأن ~~الكبير يتبع الأب بإيمان نفسه، والصغير يتبع الأب بإيمان الأب. # قالوا: والذرية تقع على الصغير والكبير، والواحد والكثير، والإبن والأب، ~~كما قال تعالى: 36: 41 وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون أي ~~آباءهم. والإيمان يقع على الإيمان التبعي وعلى الاختياري الكسبي. فمن وقوعه ~~على التبعي قوله: 4: 92 فتحرير رقبة مؤمنة فلو أعتق صغيرا جاز. # PageV01P493 # قالوا: وأقوال السلف تدل على هذا. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إن الله ~~يرفع ذرية المؤمنين في درجتهم. وإن كانوا دونهم في العمل، لتقر ms338 بهم عيونهم. ~~ثم قرأ هذه الآية. وقال ابن مسعود في هذه الآية: الرجل يكون له القدم، ~~ويكون له الذرية، فيدخل الجنة، فيرفعون إليه، لتقر بهم عينه، وإن لم يبلغوا ~~ذلك. وقال أبو مجلز: يجمعهم الله له، كما كان يحب أن يجتمعوا في الدنيا. ~~وقال الشعبي أدخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة. # وقال الكلبي عن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله ~~الأبناء إلى الآباء. وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء ~~إلى الأبناء. وقال إبراهيم: أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من ~~أجورهم شيئا. # قال: ويدل على صحة هذا القول: أن القراءتين كالآيتين، فمن قرأ واتبعتهم ~~ذريتهم فهذا في حق البالغين الذين تصح نسبة الفعل إليهم، كما قال تعالى: 9: ~~100 والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ومن ~~قرأ 52: 21 وأتبعناهم ذرياتهم فهذا في حق الصغار الذين أتبعهم الله إياهم ~~في الإيمان حكما. فدلت القراءتان على النوعين. # قلت: واختصاص الذرية هاهنا بالصغار أظهر، لئلا يلزم استواء المتأخرين ~~والسابقين في الدرجات. ولا يلزم مثل هذا في الصغار، فإن أطفال كل رجل ~~وذريته معه في درجته. والله أعلم. # PageV01P494 ### | سورة النجم # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة النجم (53) : آية # 8] # ثم دنا فتدلى (8) # كأن الشيخ «1» فهم من الآية: أن الذي دنا فتدلى، فكان من محمد صلى الله ~~عليه وسلم قاب قوسين أو أدني- هو الله عز وجل. وهذا، وإن كان قد قاله جماعة ~~من المفسرين- فالصحيح: أن ذلك هو جبريل عليه السلام. فهو الموصوف بما ذكر ~~من أول السورة إلى قوله: 53: 13، 14 ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى ~~هكذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح. # قالت عائشة رضي الله عنها: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه ~~الآية؟ # فقال: ذاك جبريل، لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين» . # ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه. # أحدها: أنه قال: «علمه شديد القوى» وهذا جبريل الذي وصفه بالقوة في ms339 سورة ~~التكوير فقال: 81: 19، 20 إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين. ~~PageV01P495 # الثاني: أنه قال: «ذو مرة» أي حسن الخلق، وهو الكريم في سورة التكوير. # الثالث: أنه قال: «فاستوى وهو بالأفق الأعلى» وهو ناحية السماء العليا. ~~وهذا استواء جبريل بالأفق. وأما استواء الرب جل جلاله فعلى عرشه. # الرابع: أنه قال: «ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى» فهذا دنو جبريل ~~وتدليه إلى الأرض، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما الدنو ~~والتدلي في حديث المعراج فرسول الله صلى الله عليه وسلم فوق السموات. فهناك ~~دنا الجبار جل جلاله منه وتدلى. فالدنو والتدلي في الحديث غير الدنو ~~والتدلي في الآية. وإن اتفقا في اللفظ. # الخامس: أنه قال: ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى والمرئي عند ~~السدرة هو جبرئيل قطعا. وبهذا # فسره النبي صلى الله عليه وسلم فقال لعائشة «ذاك جبريل» . # السادس: أن مفسر الضمير في قوله: «ولقد رآه» وقوله: «ثم دنا فتدلى» ~~وقوله: «فاستوى» وقوله: «وهو بالأفق الأعلى» واحدة. فلا يجوز أن يخالف بين ~~المفسر والمفسر من غير دليل. # السابع: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين: # الملكي، والبشري. ونزه البشري عن الضلال والغواية، والملكي عن أن يكون ~~شيطانا قبيحا ضعيفا، بل هو قوي كريم حسن الخلق. وهذا نظير المذكور في سورة ~~التكوير سواء. # الثامن: أنه أخبر هناك: انه رآه بالأفق المبين، وهاهنا: أنه رآه بالأفق ~~الأعلى. وهو واحد وصف بصفتين، فهو مبين وأعلى. فإن الشيء كلما علا بان ~~وظهر. # PageV01P496 # التاسع: أنه قال: «ذو مرة» والمرة: الخلق الحسن المحكم. # فأخبر عن حسن خلق الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ساق الخبر كله ~~عنه نسقا واحدا العاشر: أنه لو كان خبرا عن الرب تعالى لكان القرآن قد دل ~~على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه مرتين: مرة بالأفق، ~~ومرة عند السدرة. # ومعلوم أن الأمر لو كان كذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر # وقد سأله: هل ms340 رأيت ربك- قال: «نور، أنى أراه؟» # فكيف يخبر القرآن أنه رآه مرتين، ثم # يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنى أراه» # وهذا أبلغ من قوله: «لم أره» لأنه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية ~~فقط. وهذا يتضمن النفي وطرقا من الإنكار على السائل، كما إذا قال لرجل: هل ~~كان كيت وكيت؟ فيقول: كيف يكون ذلك؟ # الحادي عشر: أنه لم يتقدم للرب جل جلاله ذكر يعود الضمير عليه في قوله: ~~«ثم دنا فتدلى» والذي يعود الضمير عليه لا يصلح له، وإنما هو لعبده. # الثاني عشر: أنه كيف يعود الضمير إلى ما لم يذكر، ويترك عوده إلى ~~المذكور، مع كونه أولى به؟ # الثالث عشر: أنه قد تقدم ذكر «صاحبكم» وأعاد عليه الضمائر التي تليق به. ~~ثم ذكر بعده شديد القوى. ذا المرة. وأعاد عليه الضمائر التي تليق به. ~~والخبر كله عن هذين المفسرين، وهما الرسول الملكي، والرسول البشري. # الرابع عشر: أنه سبحانه أخبر أن هذا الذي دنا فتدلى: كان بالأفق الأعلى ~~وهو أفق السماء، بل هو تحتها، وقد دنا من الأرض، فتدلى من رسول رب العالمين ~~صلى الله عليه وسلم، ودنو الرب تعالى وتدليه على ما في حديث شريك: كان من ~~فوق العرش، لا إلى الأرض. # PageV01P497 # الخامس عشر: أنهم لم يماروه صلوات الله وسلامه عليه على رؤية ربه، ولا ~~أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها. وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من ~~الآيات التي أراه الله إياه. ولو أخبرهم برؤية الرب تعالى لكانت مماراتهم ~~له عليهم أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات. # السادس عشر: أنه سبحانه قرر صحة ما رآه. وأن مماراتهم له على ذلك باطلة ~~بقوله: لقد رأى من آيات ربه الكبرى ولو كان المرئي هو الرب سبحانه وتعالى ~~والمماراة على ذلك منهم: لكان تقرير تلك الرؤية أولى، والمقام إليها أحوج. ~~والله أعلم. ### | [سورة النجم (53) : آية 12] # أفتمارونه على ما يرى (12) # والمأوى مفعل عن أوى يأوي، إذا انضم إلى المكان وصار إليه، واستقر به ~~وقال عطاء عن ابن عباس: هي الجنة ms341 التي يأوي إليها جبريل والملائكة. # وقال مقاتل والكلبي: هي الجنة تأوي إليها أرواح الشهداء. # وقال كعب: جنة المأوى جنة فيها طير خضر، ترتع فيها أرواح الشهداء وقالت ~~عائشة رضي الله عنها وزر بن حبيش: هي جنة من الجنان. # والصحيح: أنه اسم من أسماء الجنة، كما قال تعالى: # 79: 40، 41 وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي ~~المأوى وقال في النار: 79: 39 فإن الجحيم هي المأوى وقال: # ومأواكم النار. ### | [سورة النجم (53) : آية 32] # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو ~~أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) # PageV01P498 # اللمم: طرف من الجنون. ورجل ملموم. أي به لمم. ويقال أيضا: أصابت فلانا ~~من الجن لمة. وهو المس، والشيء القليل. قاله الجوهري. # قلت: وأصل اللفظة من المقاربة. ومنه قوله تعالى: الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم. # وهي الصغائر. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما رأيت أشبه باللمم مما قال ~~أبو هريرة رضي عنه «إن العين تزني، وزناها النظر، واليد تزني، وزناها البطش ~~والرجل تزني، وزناها المشي، والفم يزني وزناه القبل» . # ومنه. ألم بكذا. أي قاربه ودنا منه. وغلام ملم، أي قارب البلوغ # وفي الحديث «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» # أي يقرب من ذلك قول الله تعالى: # 53: 59- 61 أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون. # قال عكرمة عن ابن عباس: السمود: الغناء في لغة حمير، يقال: # اسمدي لنا، أي غني لنا. وقال أبو زبيد: # وكأن العزيف فيها غناء ... للندامى من شارب مسمود # قال أبو عبيدة: المسمود: الذي غني له. وقال عكرمة: كانوا إذا سمعوا ~~القرآن تغنوا. فنزلت هذه الآية. # وهذا لا يناقض ما قيل في هذه الآية من أن السمود: هو الغفلة والسهو عن ~~الشيء. # قال المبرد: هو الاشتغال عن الشيء بهم أو فرح يتشاغل به. وأنشد: # PageV01P499 # رمي الحدنان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا # وقال ms342 ابن الأنباري: السامد اللاهي، والسامد: الساهي. والسامد: # المتكبر والسامد: القائم. # وقال ابن عباس في الآية: وأنتم مستكبرون. # وقال الضحاك أشرن بطرون. # وقال مجاهد: غضاب مبرطمون. وقال غيره: لاهون غافلون معرضون. فالغناء يجمع ~~هذا كله ويوجبه. # PageV01P500 ### | سورة الرحمن # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 26] # كل من عليها فان (26) # لم يقل «فيها» لأن عند الفناء ليس الحال حال القرار والتمكين. ### | [سورة الرحمن (55) : آية 54] # متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) # وقال تعالى: 56: 34 وفرش مرفوعة. # فوصف الفرش بكونها مبطنة بالإستبرق. وهذا يدل على أمرين. # أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها. لأن بطائنها للأرض، وظهائرها ~~للجمال والزينة والمباشرة. # قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي هبيرة ابن مريم عن ابن مسعود في ~~قوله: بطائنها من إستبرق قال: هذه البطائن قد أخبرتم بها. # فكيف بالظهائر؟ # PageV01P501 # الثاني: يدل على أنها فرش عالية، لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة وقد ~~روي في سمكها وارتفاعها آثار- إن كانت محفوظة- فالمراد: # ارتفاع محلها، كما # رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله: وفرش مرفوعة قال: «ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما ~~خمسمائة عام» # قال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. # قيل: ومعناه: أن الارتفاع المذكور للدرجات والفرش عليها. # قلت: رشدين بن سعد عنده مناكير. قال الدارقطني: ليس بالقوى. # وقال أحمد: لا يبالي عمن يروي. وليس به بأس في الرقاق. وقال: أرجو أنه ~~صالح الحديث. وقال يحي بن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: # ضعيف. وقال الجوزجاني: عنده مناكير. لا ريب أنه كان سيء الحفظ. # فلا يعتمد على ما ينفرد به. # وقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن ~~أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: وفرش ~~مرفوعة قال: «ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض» . # وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ. فالله أعلم. # وقال الطبراني: حدثنا المقدام ms343 بن داوود حدثنا أسد بن موسى حدثنا حماد بن ~~سلمة عن علي بن زيد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن كعب في قوله عز وجل: ~~وفرش مرفوعة قال «مسيرة أربعين سنة» # وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن نائلة حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ~~حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: «سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الفرش المرفوعة؟ فقال: لو طرح فراش من أعلاها # PageV01P502 # لهوى إلى قرارها مائة خريف» . # وفي رفع هذا الحديث نظر. فقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا اسحق بن إسماعيل ~~حدثنا معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي عن القاسم عن أبي أمامة في قوله ~~عز وجل: وفرش مرفوعة قال: «لو أن أعلاها سقط ما بلغ أسفلها بعد أربعين ~~خريفا» . ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 56] # فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (56) # وصفهن سبحانه بقصر في ثلاثة مواضع. أحدها: هذا. # والثاني: قوله تعالى في الصافات: 37: 48 وعندهم قاصرات الطرف عين. # والثالث: قوله تعالى في ص: 38: 52 وعندهم قاصرات الطرف أتراب. # وأجمع المفسرون كلهم على أن المعنى: أنهن قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ~~يطمحن إلى غيرهم. # وقيل: قصرن طرف أزواجهن عليهن. فلا يدعهم حسنهن وجمالهن أن ينظروا إلى ~~غيرهن. # وهذا صحيح من جهة المعنى. وأما من جهة اللفظ: فقاصرات صفة مضافة إلى ~~الفاعل لحسان الوجوه. وأصله قاصر طرفهن، أي ليس بطامح متعد. # قال آدم: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: # قاصرات الطرف قال: يقول قاصرات الطرف على أزواجهن، فلا يبغين # PageV01P503 # غير أزواجهن. وقال آدم: حدثنا المبارك بن فضالة «1» عن الحسن قال: # قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم. والله ما هن متبرجات، ولا ~~متطلعات. # وقال منصور عن مجاهد: قصرن أبصارهن وقلوبهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يردن ~~غيرهم. وفي تفسير سعيد عن قتادة قال: قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن ~~غيرهم. # وأما «الأتراب» فجمع ترب، وهو لدة الإنسان. # قال أبو عبيدة، وأبو إسحاق: أقران، أسنانهن ms344 واحدة. قال ابن عباس. وسائر ~~المفسرين: مستويات على سن واحدة، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين سنة. وقال ~~مجاهد «أتراب» أمثال. وقال أبو إسحاق: هن في غاية الشباب والحسن، وسمي ند ~~الإنسان وقرنه: تربة. لأنه مس تراب الأرض معه في وقت واحد. # والمعنى من الأخبار باستواء أسنانهن: أنهن ليس فيهن عجائز، قد فات حسنهن، ~~ولا ولائد لا يطقن الوطء، بخلاف الذكور، فإن فيهم الولدان، وهم الخدم. # وقد اختلف في مفسر الضمير في قوله: «فيهن» . # فقالت طائفة: مفسره الجنتان، وما حوتاه من القصور والغرف والخيام. ~~PageV01P504 # وقالت طائفة: مفسره الفرش المذكورة في قوله: متكئين على فرش بطائنها من ~~إستبرق و «في» هنا بمعنى «على» . # وقوله تعالى: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان قال أبو عبيدة: # لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه. # وقال يونس: تقول العرب: هذا جمل ما طمثه حبل قط، أي ما مسه. # وقال الفراء: الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية. والطمث هو الدم. ~~وفيه لغات. طمث: يطمث، ويطمث. # قال الليث: طمثت الجارية، إذا افترعتها، والطامث في لغتهم هي الحائض. ~~وقال أبو الهيثم: يقال للمرأة طمثت تطمث، إذا أدميت بالافتضاض. وطمثت علي- ~~فعلت- تطمث، إذا حاضت أول ما تحيض، فهي طامث. وقال في قول الفرزدق: # خرجن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام # أي لم يمسسن. قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن. هذه ~~ألفاظهم. وهم مختلفون في هؤلاء. فبعضهم يقول: هن اللواتي أنشئن في الجنة من ~~حورها. وبعضهم يقول: يعني نساء الدنيا أنشئن خلقا آخر أبكارا. كما وصفن. ~~قال الشعبي: نساء من نساء الدنيا، لم يمسسن منذ أنشئن خلقا. وقال مقاتل: ~~لأنهن خلقن في الجنة. وقال عطاء، عن ابن عباس: هن الآدميات اللاتي متن ~~أبكارا. وقال الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان. # قلت: ظاهر القرآن. أن هؤلاء النسوة لسن من نساء الدنيا وإنما هن من الحور ~~العين. وأما نساء الدنيا فنساء الإنس قد طمثهن الإنس، ونساء الجن قد طمثهن ms345 ~~الجن. والآية تدل على ذلك. # PageV01P505 # قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل على أن الجني يغشى كما أن الإنسي ~~يغشى. # ويدل على أنهن الحور اللاتي خلقن في الجنة: أنه سبحانه جعلهن مما أعده ~~الله في الجنة لأهلها، من الفواكه والثمار والأنهار والملابس وغيرها. # ويدل عليه أيضا الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: حور مقصورات في الخيام ~~ثم قال: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان قال الامام أحمد: والحور العين لا ~~يمتن عند النفخ في الصور، لأنهن خلقهن للبقاء. # وفي الآية دليل لما ذهب إليه الجمهور: أن مؤمني الجن في الجنة، كما أن ~~كافرهم في النار. وبوب عليه البخاري في صحيحه فقال «باب ثواب الجن وعقابهم» ~~ونص عليه غير واحد من السلف. قال ضمرة بن حبيب- وقد سئل: هل للجن ثواب؟ ~~فقال: نعم. وقرأ هذه الآية. ثم قال: الإنسيات للانس، والجنيات للجن. وقال ~~مجاهد في هذه الآية: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع ~~معه. # والضمير في قوله: «قبلهم» للمعنيين بقوله «متكئين» وهم أزواج هؤلاء ~~النسوة. ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 58] # كأنهن الياقوت والمرجان (58) # وقوله: كأنهن الياقوت والمرجان، قال الحسن وعامة المفسرين: أراد صفاء ~~الياقوت في بياض المرجان، شبههن في صفاء اللون وبياضه بالياقوت والمرجان، ~~ويدل عليه ما قاله عبد الله «إن المرأة من نساء أهل الجنة لتلبس عليها ~~سبعين حلة من حرير، فيرى بياض ساقيها من ورائهن، ذلك بأن الله يقول: كأنهن ~~الياقوت والمرجان ألا وإن الياقوت حجر، لو جعلت فيه سلكا ثم استصفيته لنظرت ~~إلى السلك من وراء الحجر» . # PageV01P506 ### | ### | [سورة الرحمن (55) : آية # 70] # فيهن خيرات حسان (70) # فالخيرات: جمع خيرة، وهي مخففة، من خيرة كسيدة ولينة، و «حسان» جمع حسنة. ~~فهن خيرات الصفات والأخلاق والشيم، حسان الوجوه. قال وكيع: حدثنا سفيان عن ~~جابر عن القاسم عن أبي برزة عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله قال: «لكل ~~مسلم خيرة، ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عليها في كل يوم ~~من كل باب تحفة وهدية وكرامة، لم ms346 تكن قبل ذلك. لا ترحات ولا ذفرات، ولا ~~بخرات ولا طماحات» . ### | [سورة الرحمن (55) : آية 72] # حور مقصورات في الخيام (72) # المقصورات: المحبوسات. قال أبو عبيدة: خدرن في الخيام. # وكذلك قال مقاتل في الخيام. وفيه معنى آخر. هو أن يكون المراد أنهن ~~محبوسات على أزواجهن لا يرين غيرهم، وهم في الخيام. وهذا معنى قول من قال: ~~قصرن على أزواجهن، فلا يرين غيرهم، ولا يطمحن إلى من سواهم، وذكره الفراء. # قلت: وهذا معنى «قاصرات الطرف» لكن أولئك قاصرات بأنفسهن، وهؤلاء ~~مقصورات، وقوله: «في الخيام» على هذا القول: صفة لحور. # أي هن في الخيام. وليس معمول لمقصورات، وكأن أرباب هذا القول فسروه بأن ~~يكن محبوسات في الخيام لا يفارقنها إلى الغرف والبساتين. # وأصحاب القول الأول: يجيبون عن هذا: بأن الله سبحانه وصفهن بصفات النساء ~~المخدرات المصونات. وذلك أجمل في الوصف. ولا يلزم من ذلك أنهن لا يفارقن ~~الخيام إلى الغرف والبساتين، كما أن نساء الملوك # PageV01P507 # ومن دونهن من النساء المخدرات المصونات يمنعن أن يخرجن في سفر وغيره إلى ~~متنزه وبستان ونحوه فوصفهن اللازم لهن: هو القصر في البيت، وإن كان يعرض ~~لهن مع الخدم الخروج إلى البساتين ونحوها. # وأما مجاهد فقال: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ. # وقد تقدم وصف النسوة الأول. بكونهن قاصرات الطرف، وهؤلاء بكونهن مقصورات. ~~والوصفان لكلا النوعين، فإنهما صفتا كمال. فتلك الصفة قصر الطرف عن طموحه ~~إلى غير الأزواج، وهذه الصفة قصرهن عن التبرج والبروز والظهور للرجال. ### | [سورة الرحمن (55) : آية 76] # متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) # وقال تعالى: # 88: 13- 15 فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي ~~مبثوثة. # وذكر هشام عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: الرفرف رياض الجنة. والعبقري: ~~عتاق الزرابي. وذكر إسماعيل بن علية عن أبي رجاء عن الحسن. في قوله تعالى: ~~متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان قال: هي البسط. قال: وأهل المدينة يقولون: ~~هي البسط. # وأما النمارق. فقال الواحدي: هي الوسائد في قول الجميع، واحدتها: نمرقة. ~~بضم النون. وحكى الفراء نمرقة بكسرها، وأنشد أبو ms347 عبيدة: # إذا ما بساط اللهو مد وقربت ... للذاته أنماطه ونمارقه # وقال الكلبي: وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض. وقال مقاتل: هي الوسائد مصفوفة ~~على الطنافس. والزرابي بمعنى البسط، والطنافس. # PageV01P508 # واحدتها: زربية. في قول جميع أهل اللغة والتعبير، و «مبثوثة» مبسوطة ~~ومنشورة. ### | ### | فصل # # وأما «الرفرف» فقال الليث: هو ضرب من الثياب خضر تبسط. # الواحد رفرفة. وقال أبو عبيدة: الرفارف: البسط وأنشد لابن مقبل: # وإنا لنزالون تغشى نعالنا ... سواقط من أصناف ريط ورفرف # وقال أبو إسحاق، قالوا، الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقالوا: الرفرف ~~الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس. وقالوا: فضول المحابس للفرش. # وقال المبرد: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره. # قال الواحدي: وكأن الأقرب هذا. لأن العرب تسمى كسر الخباء والخرقة التي ~~تخلط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه # الحديث في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم «فرفع الرفرف، فرأينا وجهه كأنه ~~ورقة» . # قال ابن الاعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط. فشبه ما فضل من المحابس عما ~~تحته بطرف الفسطاط، فسمي رفرفا. # قلت: أصل هذه الكلمة من الطرف أو الجانب، فمنه الرفرف في الحائط، ومنه ~~الرفرف، وهو كسر الخباء، وجوانب الدرع، وما تدلى منها، الواحدة رفرفة. ~~ومنه: رفرف الطير إذا حرك جناحه حول الشيء، يريد أن يقع عليه. والرفرف: ~~ثياب خضر يتخذ منها المحابس. الواحدة رفرفة، وكل ما فضل من شيء فثني وعطف: ~~فهو رفرف، وفي حديث ابن مسعود في قول الله عز وجل: لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى قال: «رأى رفرفا أخضر سد الأفق» وهو في الصحيحين. # PageV01P509 ### | فصل # وأما «العبقري» فقال أبو عبيدة: كل شيء من البسط عبقري. قال: # ويرون أنها أرض توشى البسط فيها، وقال الليث: عبقر: موضع بالبادية كثير ~~الجن، يقال: كأنه جن عبقر. # قال أبو عبيدة، في # حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حين ذكر عمر «فلم أر عبقريا يفري فريه» # وإنما أصل هذا، فيما يقال: أنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن، فصار ~~مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير: # تخيل عليها جنة عبقرية ms348 ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعملوا # وقال أبو الحسن الواحدي: وهذا القول هو الصحيح في العبقري. # وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن، أو شبهته بهم. # ومنه قول لبيد: # جن الردى رواسيا أقدامها وقال آخر يصف امرأة: # جنية، ولها جن يعلمها ... رمى القلوب بقوس ما لها وتر # وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون كل أمر عجيب ولما ~~كان «عبقر» معروفا بسكناهم نسبوا كل شيء يبالغ فيه إليه، يريدون بذلك أنه ~~من عملهم وصنعهم، هذا هو الأصل، ثم صار العبقري نعتا لكل ما بولغ في صفته. # ويشهد لما ذكرنا: بيت زهير، فإنه نسب الجن إلى عبقر. # ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله في صفة عمر ~~«عبقريا» وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري الرشيد من الرجال، وهو الفاخر ~~من الحيوان والجوهر، فلو كانت «عبقر» مخصوصة # PageV01P510 # بالوشي، لما نسب إليها غير الموشى وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة ~~الصنعة، كما ذكرنا. كما نسب إليها كل شيء ما بولغ في وصفه، قال ابن عباس: ~~وعبقري، يريد البسط والطنافس، وقال الكلبي: هي الطنافس المجملة، وقال ~~قتادة: هي عتاق الزرابي، وقال مجاهد: الديباج الغليظ. # وعبقري، جمع، واحده عبقرية، ولها وصف بالجمع فتأمل كيف وصف الله سبحانه ~~وتعالى الفرش بأنها مرفوعة، والزرابي بأنها مبثوثة، والنمارق بأنها مصفوفة، ~~فرفع الفرش دال على سمكها ولينها. # وبث الزرابي دال على كثرتها، وأنها في كل موضع، لا يختص بها صدر المجلس ~~دون مؤخره، ووصف المساند يدل على أنها مهيأة للاستناد إليها دائما، ليست ~~مخبأة تصف في وقت دون وقت. # وللجنة عدة أسماء، باعتبار صفاتها، ومسماها واحد باعتبار الذات. فهي ~~مترادفة من هذا الوجه، وتختلف باعتبار الصفات. فهي متباينة من هذا الوجه. ~~وهكذا أسماء الرب سبحانه وتعالى، وأسماء الرب سبحانه وتعالى، وأسماء كتابه. ~~وأسماء رسله. وأسماء اليوم الآخر. وأسماء النار. # فالاسم الأول: «الجنة» وهو الاسم العام المتناول لتلك الدار، وما اشتملت ~~عليه من أنواع النعيم واللذة، والبهجة والسرور، وقرة الأعين. ms349 # وأصل اشتقاق هذه اللفظة: من التسر والتغطية. ومنه الجنين، لاستتاره في ~~البطن، والجان لاستتاره عن العيون، والمجن لستره ووقايته الوجه. والمجنون ~~لاستتار عقله وتواريه عنه. والجان، وهي الحية الصغيرة الرقيقة. # ومنه قول الشاعر: # فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت # أي لو غطي وستر عن العيون لفعل بها ذلك. ومنه سمي البستان جنة. # PageV01P511 # لأنه يستر داخله بالأشجار ويغطيه. ولا يستحق هذا الاسم إلا الموضع الكثير ~~الأشجار المختلفة الأنواع. # والجنة- بالضم- ما يستجن به، من ترس أو غيره. ومنه قوله تعالى: # اتخذوا أيمانهم جنة يستترون بها من إنكار المؤمنين عليهم. ومنه الجنة- ~~بالكسر- وهم الجن، كما قال تعالى: من الجنة والناس. # وذهبت طائفة من المفسرين إلى أن الملائكة يسمون جنة. واحتجوا بقوله ~~تعالى: 37: 158 وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا قالوا: وهذا النسب قولهم: ~~الملائكة بنات الله. ورجحوا هذا القول بوجهين. # أحدهما: أن النسب الذي جعلوه إنما زعموا أنه بين الملائكة وبينه لا بين ~~الجن وبينه. # الثاني: قوله تعالى: ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون أي قد علمت الملائكة ~~أن الذين قالوا هذا القول محضرون للعذاب. # والصحيح: خلاف ما ذهب إليه هؤلاء، وأن الجنة هم الجن أنفسهم، كما قال ~~تعالى: من الجنة والناس وعلى هذا ففي الآية قولان. # أحدهما: قول مجاهد: قال: قالت كفار قريش: الملائكة بنات الله. # فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن. وقال الكلبي: قالوا ~~تزوج من الجن، فخرج من بينهما الملائكة. وقال قتادة، قالوا: صاهر الجن. ~~والقول الثاني: هو قول الحسن. قال: أشركوا الشياطين في عبادة الله. فهو ~~النسب الذي جعلوه. # والصحيح قول مجاهد وغيره. # وما احتج به أصحاب القول الأول ليس بمستلزم لصحة قولهم. فإنهم لما قالوا: ~~الملائكة بنات الله، وهم من الجن، عقدوا بينه وبين الجنة نسبا # PageV01P512 # بهذا الإيلاد وجعلوا هذا النسب متولدا بينه وبين الجن. # وأما قوله: ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون فالضمير يرجع إلى الجنة، أي قد ~~علمت الجنة أنهم محضرون الحساب. قاله مجاهد، أي لو كان بينه وبينهم نسب لم ~~يحضروا الحساب، كما ms350 قال تعالى: 5: 18 وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه. قل فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر ممن خلق فجعل سبحانه عقوبتهم ~~بذنوبهم وإحضارهم للعذاب مبطلا لدعواهم الكاذبة. # وهذا التقدير في الآية أبلغ في إبطال قولهم من التقدير الأول فتأمله. # الإسم الثاني: دار السلام، وقد سماها الله تعالى بهذا الإسم في قوله: 6: ~~127 لهم دار السلام عند ربهم وقوله: 10: 25 والله يدعوا إلى دار السلام وهي ~~أحق بهذا الإسم. فإنها دار السلامة من كل بلية وآفة ومكروه. وهي دار الله. ~~واسمه سبحانه وتعالى «السلام» الذي سلمها وسلم أهلها، وتحيتهم فيها سلام ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم والرب تعالى يسلم ~~عليهم من فوقهم، كما قال تعالى: # 36: 57، 58 لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون. سلام قولا من رب رحيم وحديث ~~جابر في سلام الرب تعالى على أهل الجنة. وكلامهم كله فيها سلام، أي لا لغو ~~فيها، ولا فحش ولا باطل، كما قال تعالى: 19: 62 لا يسمعون فيها لغوا إلا ~~سلاما. # وأما قوله تعالى: 56: 90، 91 وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من ~~أصحاب اليمين فأكثر المفسرين حاموا حول المعنى، وما وردوه. وقالوا أقوالا ~~لا يخفي بعدها عن المقصود. # وإنما معنى الآية- والله أعلم- فسلام لك أيها الراحل عن الدنيا حال كونك ~~من أصحاب اليمين، أي فسلام لك كائنا من أصحاب اليمين الذين سلموا من الدنيا ~~وأنكادها، ومن النار وعذابها، فبشر بالسلامة عند ارتحاله # PageV01P513 # من الدنيا وقدومه على الله، كما يبشر الملك روحه عند أخذها، بقوله: # «أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان» . # وهذا أول البشرى التي للمؤمن في الآخرة. # الإسم الثالث: دار الخلد. وسميت بذلك. لأن أهلها، لا يظعنون عنها أبدا ~~كما قال تعالى: 11: 108 عطاء غير مجذوذ وقال: # 38: 54 إن هذا لرزقنا ما له من نفاد وقال: 13: 35 أكلها دائم وظلها وقال: ~~15: 48 وما هم منها بمخرجين. # الإسم الرابع: دار المقامة. قال تعالى حكاية عن أهلها 35: 34 وقالوا: ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، ms351 الذي أحلنا دار المقامة ~~من فضله. لا يمسنا فيها نصب قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود، أقاموا فيها ~~أبدا، لا يموتون ولا يتحولون منها أبدا. # قال الفراء والزجاج: المقامة: مثل الإقامة. يقال: أقمت بالمكان إقامة، ~~ومقامة، ومقاما. # الإسم الخامس: جنة المأوى. قال تعالى: 53: 15 عندها جنة المأوى. # الإسم السادس: جنات عدن. فقيل: هي اسم لجنة من الجنان: # والصحيح أنه اسم لجملة الجنان، وكلها جنات عدن. قال تعالى: # 19: 61 جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب وقال تعالى 35: 33 جنات ~~عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا. ولباسهم فيها حرير وقال ~~تعالى: 9: 72 ومساكن طيبة في جنات عدن والاشتقاق يدل على أن جميعها جنات ~~عدن. فإنه من الإقامة والدوام. # يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به. وعدنت البلد: توطنته. وعدنت الإبل بمكان ~~كذا: لزمته فلم تبرح منه. وقال الجوهري: ومنه جنات عدن، أي # PageV01P514 # إقامة. ومنه سمي المعدن- بكسر الدال- لأن الناس يقيمون فيه الصيف ~~والشتاء. ومركز كل شيء: معدنه. والعادن: الناقة المقيمة في المرعى. # الإسم السابع: دار الحيوان. قال تعالى: 29: 64 وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان والمراد: الجنة عند أهل التفسير. قالوا: وإن الآخرة. يعني الجنة، ~~لهي الحيوان. لهي دار الحياة التي لا موت فيها. # وقال الكلبي: هي حياة لا موت فيها. وقال الزجاج: هي دار الحياة الدائمة ~~وأهل اللغة: على أن «الحيوان» بمعنى الحياة. # قال أبو عبيدة وابن قتيبة: الحياة الحيوان. وقال أبو عبيدة: الحياة، ~~والحيوان، والحي- بكسر الحاء- قال أبو علي: يعني أنها مصادر. # فالحياة: فعلة. كالجلبة، والحيوان: كالنزوان والغليان، والحي: كالعي، قال ~~العجاج: # كنا بها إذا الحياة حي # أي إذا الحياة حياة. وأما أبو زيد: فخالفهم، وقال: الحيوان: لما فيه روح. ~~والموتان الموت: مما لا روح فيه. # والصواب: أن الحيوان يقع على ضربين. # أحدهما: كما حكاه أبو عبيدة. # والثاني: وصف، كما حكاه أبو زيد. # وعلى قول أبي زيد: الحيوان مثل الحي، خلاف الميت. # ورجح القول الأول: بأن الفعلان: بابه المصادر، كالنزوان، والغليان، بخلاف ~~الصفات. فإن بابها: فعلان، كسكران وغضبان. # وأجاب من رجح ms352 القول الثاني: بأن فعلان قد جاء في الصفات أيضا. # قالوا: رجل ضميان للسريع الخفيف، وزفيان. قال في الصحاح: ناقة # PageV01P515 # زفيان سريعة. وقوس زفيان: سريعة الإرسال للسهم. # فيحتمل قوله تعالى: وإن الدار الآخرة لهي الحيوان معنيين. # أحدهما: أن حياة الآخرة هي الحياة، لأنها لا تنغيص فيها، ولا نفاد لها، ~~أي لا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار. # فيكون «الحيوان» مصدرا على هذا. # الثاني: أن يكون المعنى: أنها الدار التي لا تفنى، ولا تنقطع، ولا تبيد، ~~كما يفنى الأحياء في هذه الدنيا. فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الذي يفنى ~~ويموت. # الاسم الثامن: الفردوس. قال تعالى: 23: 11 أولئك هم الوارثون الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون وقال تعالى: # 18: 107، 108 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس ~~نزلا. خالدين فيها لا يبغون عنها حولا. # الاسم التاسع: جنات النعيم. قال تعالى: 31: 8 إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم جنات النعيم. # وهذا أيضا اسم جامع لجميع الجنات، لما تضمنته، من الأنواع التي يتنعم بها ~~أهلها: من المأكول، والمشروب، والملبوس، والصور الجميلة، والرائحة الطيبة، ~~والمنظر البهيج، والمساكن الواسعة وغير ذلك من النعيم الظاهر والباطن. # الاسم العاشر: المقام الأمين. قال تعالى: 44: 51 إن المتقين في مقام ~~أمين. # الاسم الحادي عشر والثاني عشر: مقعد الصدق، وقدم الصدق. # قال تعالى: 54: 54، 55 إن المتقين في جنات ونهر. في مقعد صدق فسمي جنته: ~~مقعد صدق، لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها، # PageV01P516 # كما يقال: مودة صادقة، إذا كانت ثابتة تامة. وحلاوة صادقة وحملة صادقة. ~~ومنه الكلام الصدق، لحصول مقصوده منه. # وموضع هذه اللفظة في كلامهم: الصحة والكمال. ومنه: الصدق في الحديث، ~~والصدق في العمل. والصديق: الذي يصدق قوله بالعمل. # والصدق- بفتح الصاد والدال- الصلب من الرماح، ويقال للرجل الشجاع: # إنه لذو صدق أي صادق الحملة. وهذا مصداق هذا: أي ما يصدقه. ومنه الصداقة: ~~لصفاء المودة والمخالة. ومنه: صدقني القتال: وصدقني المودة. ومنه: قدم صدق. ~~ولسان صدق. ومدخل صدق. ومخرج صدق. وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب ~~فيه. بخلاف ms353 الكذب الباطل، الذي لا شيء تحته. وهو لا يتضمن أمرا ثابتا قط. # وفسر قوم «قدم صدق» بالجنة، وفسرها آخرون بالأعمال التي تنال بها الجنة. ~~وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله. وفسر بالرسول الذي على يده، وبهدايته ~~نالوا ذلك. # والتحقيق: أن الجميع حق. فإنهم سبقت لهم من الله الحسنى بتلك السابقة أي ~~بالأسباب التي قدمها لهم على يد رسله، وادخر لهم جزاءها يوم القيامة. ولسان ~~الصدق: وهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق. # وفي كونه لسان صدق: إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنه ثناء بحق لا بباطل ~~ومدخل الصدق، ومخرج الصدق: هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنا ~~على الله. وهو دخوله وخروجه بالله ولله، وهذه الدعو من أنفع الدعاء للعبد. ~~فإنه لا يزال داخلا في أمر، فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك، كان قد ~~أدخل مدخل صدق، وأخرج مخرج صدق، والله المستعان. # PageV01P517 ### | سورة الواقعة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الواقعة (56) : آية # 35] # إنا أنشأناهن إنشاء (35) # أعاد الضمير إلى النساء، ولم يجر لهن ذكر. لأن الفرش دلت عليهن، إذ هي ~~محلهن، وقيل: الفرش في قوله: وفرش مرفوعة كناية عن النساء، كما يكنى عنهن ~~بالقوارير والأزر وغيرها، ولكن قوله: # «مرفوعة» يأبى هذا إلا أن يقال: المراد رفعة القدر، وقد تقدم تفسير النبي ~~صلى الله عليه وسلم للفرش وارتفاعها. # فالصواب: أنها الفرش نفسها، ودلت على النساء لأنها محلهن غالبا. # قال قتادة وسعيد بن جبير: خلقناهن خلقا جديدا. وقال ابن عباس: # يريد نساء الآدميات. # وقال الكلبي، ومقاتل: يعني نساء أهل الدنيا العجز الشمط. يقول الله: ~~خلقناهن بعد الكبر والهرم بعد الخلق الأول في الدنيا. # PageV01P519 # ويؤيد هذا التفسير: حديث أنس المرفوع «هن عجائزكم العمش الرمص» رواه ~~الثوري عن موسى بن عبيدة عن يزيد الرقاشي عنه. # ويؤيده أيضا ما # رواه يحيى الحماني حدثنا ابن إدريس عن ليث عن مجاهد عن عائشة «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وعندها عجوز. فقال: # من هذه؟ فقالت: إحدى خالاتي، فقال: أما إنه لا يدخل ms354 الجنة عجوز، فدخل على ~~العجوز من ذلك ما شاء الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا أنشأهن ~~إنشاء خلقا آخر، يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا، وأول من يكسي إبراهيم ~~خليل الله، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم إنا أنشأناهن إنشاء. # قال آدم بن أبي إياس. حدثنا شيبان عن الزهري عن جابر الجعفي عن يزيد بن ~~مرة عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله: # إنا أنشأناهن إنشاء «يعني الثيبات والأبكار اللاتي كن في الدنيا» . # قال آدم: وحدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا يدخل الجنة العجز» ، فبكت عجوز، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # «أخبروها أنها يومئذ ليست بعجوز، إنها يومئذ شابة. إن الله عز وجل يقول: # إنا أنشأناهن إنشاء» . # وقال ابن أبي شيبة: حدثنا أحمد بن طارق حدثنا مسعدة بن اليسع حدثنا سعيد ~~بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتته عجوز من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، أدع الله أن يدخلني ~~الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الجنة لا يدخلها عجوز. فذهب نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم، فصلى. ثم رجع إلى عائشة، فقالت عائشة: لقد لقيت ~~من كلمتك مشقة وشدة. فقال صلى الله عليه وسلم: إن ذلك كذلك إن الله تعالى ~~إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكارا» . # وذكر مقاتل قولا آخر، وهو اختيار الزجاج: أنهن الحور العين اللاتي ذكرهن ~~قبل، أنشأهن الله عز وجل لأوليائه لم يقع عليهن ولادة. # PageV01P520 # والظاهر: أن المراد أنشأهن الله في الجنة إنشاء. ويدل عليه وجوه: # أحدها: أنه قد قال في حق السابقين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب- إلى ~~قوله- كأمثال اللؤلؤ المكنون فذكر سدرهم، وآنيتهم، وشرابهم، وفاكهتهم ~~وطعامهم، وأزواجهم من الحور العين. ثم ذكر أصحاب الميمنة، وطعامهم، ~~وشرابهم، وفرشهم، ونساءهم. والظاهر أنهن مثل نساء من قبلهم، خلقن في الجنة. # الثاني: أنه سبحانه قال: إنا ms355 أنشأناهن إنشاء وهذا ظاهر: أنه إنشاء أول لا ~~ثان. لأنه سبحانه حيث يريد الإنشاء الثاني يقيده بذلك، كقوله: 53: 47 وأن ~~عليه النشأة الأخرى وقوله: 56: 62 ولقد علمتم النشأة الأولى. # الثالث: أن الخطاب بقوله: وكنتم أزواجا ثلاثة إلى آخره: # للذكور والإناث. والنشأة الثانية أيضا عامة للنوعين. قوله: إنا أنشأناهن ~~إنشاء ظاهره اختصاصهن بهذا الإنشاء. # وتأمل تأكيده بالمصدر. والحديث لا يدل على اختصاص العجائز المذكورات بهذا ~~الوصف، بل يدل على مشاركتهن للحور العين في هذه الصفات المذكورة. فلا يتوهم ~~انفراد الحور العين عنهن بما ذكر من الصفات، بل هن أحق به منهن فالإنشاء ~~واقع على الصنفين. والله اعلم. ### | ### | [سورة الواقعة (56) : آية # 37] # عربا أترابا (37) # وقوله: «عربا» جمع عروب. وهن المتحببات إلى أزواجهن. قال ابن الاعرابي: ~~العروب من النساء: المطيعة لزوجها، المتحببة إليه. # وقال أبو عبيدة: العروب الحسنة التبعل قلت: يريد حسن موافقتها وملاطفتها ~~لزوجها عند الجماع. # وقال المبرد: هي العاشقة لزوجها. وأنشد للبيد: # وفي الحدوج عروب غير فاحشة ... ربا الروادف يعشى دونها البصر # PageV01P521 # وذكر المفسرون في تفسير العرب: أنهن العواشق، المتحببات، الغنجات، ~~الشكلات، المتعشقات، الغلمات، المغنوجات. كل ذلك من ألفاظهم. وقال البخاري ~~في صحيحه «عربا» مثقلة، واحدها: عروب، مثل صبور وصبر. تسميها أهل مكة ~~العربة وأهل المدينة: الغنجة. وأهل العراق: الشكلة. والعرب المتحببات الى ~~أزواجهن» هكذا ذكره في كتاب بدء الخلق. # وقال في كتاب التفسير في سورة الواقعة! عربا مثقلة- أي مضمومة الراء- ~~واحدها عروب. مثل صبور وصبر. تسميها أهل مكة: العربة، وأهل المدينة الغنجة، ~~وأهل العراق: الشكلة. # قلت: فجمع سبحانه بين حسن صورتها وحسن عشرتها. وهذا غاية ما يطلب من ~~النساء، وبه تكمل لذة الرجل بهن. # وفي قوله: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان إعلام بكمال اللذة بهن. فإن لذة ~~الرجل بالمرأة التي لم يطأها سواه لها فضل على لذته بغيرها. # وكذلك هي أيضا. ### | ### | [سورة الواقعة (56) : آية # 74] # فسبح باسم ربك العظيم (74) # اللفظ المؤلف من الزاى والياء والدال- مثلا- له حقيقة متميزة متحصلة، ~~فأستحق أن يوضع له لفظ يدل عليه، لأنه شيء موجود في اللسان، ms356 مسموع بالأذان. ~~فاللفظ المؤلف من همزة الوصل والسين والميم: # عبارة عن اللفظ المؤلف من الزاى والياء والدال، مثلا. # واللفظ المؤلف من الزاى والياء والدال: عبارة عن الشخص الموجود في ~~الأعيان والأذهان. # PageV01P522 # وهذا المسمى والمعنى. واللفظ الدال عليه، الذي هو الزاى والياء والدال: ~~هو الاسم. # وهذا اللفظ أيضا قد صار مسمى، من حيث كان لفظ الهمزة والسين والميم: ~~عبارة عنه. # فقد بان لك أن «الاسم» في أصل الوضع ليس هو المسمى. ولهذا تقول: سميت هذا ~~الشخص بهذا الاسم، كما تقول: حليته بهذه الحلية. # والحلية غير المحلى، فكذلك الاسم غير المسمى. وقد صرح بذلك سيبويه. وأخطأ ~~نسب إليه غير هذا، وادعى أن مذهبه: اتحادهما. # والذي غر من ادعي ذحك: قوله: الأفعال أمثلة، أخذت من لفظ أحداث الأسماء. ~~وهذا لا يعارض نصه قبل هذا. فإنه نص على أن الاسم غير المسمى. فقال «الكلم ~~اسم، وفعل، وحرف» فقد صرح بأن الاسم كلمة. فكيف تكون الكلمة هي المسمى. ~~والمسمى شخص؟ ثم قال بعد هذا: تقول سميت زيدا بهذا الاسم، كما تقول: علمته ~~بهذه العلامة. # وفي كتابه قريب من ألف موضع: أن الاسم هو اللفظ الدال على المسمى. ومتى ~~ذكر الخفض أو النصب، أو التنوين، أو اللام، أو جميع ما يلحق الاسم من زيادة ~~ونقصان، وتصغير وتكبير، وإعراب وبناء- فذلك كله من عوارض الاسم: تعلق لشيء ~~من ذلك بالمسمى أصلا. وما قال نحوي قط ولا عربي: إن الاسم هو المسمى. ~~ويقولون: أجل مسمى. ولا يقولون أجل اسم. ويقولون: مسمى هذا الاسم كذا. ولا ~~يقول أحد: اسم هذا الاسم، ويقولون: هذا مسمى بزيد. ولا يقولون: هذا الرجل ~~اسم زيد. ويقولون: باسم الله، ولا يقولون: بمسمى الله. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لي خمسة أسماء» # ولا يصح أن يقال: لي خمس مسميات. # وقال: «فتسموا باسمي» # ولا يصح أن يقال: تسموا بمسمياتي. # وقال «لله تسعة وتسعون اسما» # ولا يصح أن يقال: لله تسعة وتسعون مسمى. # PageV01P523 # وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمى. فبقي هاهنا التسمية. وهي التي اعتبرها ~~من ms357 قال: باتحاد الاسم والمسمى. والتسمية: عبارة عن فعل المسمي ووضعه الاسم ~~للمسمي، كما أن التحلية: عبارة عن فعل المحلى، ووضعه الحلية على المحلى. # فهنا ثلاث، حقائق: اسم ومسمى، وتسمية، كحلية، ومحلى، وتحلية. وعلامة ~~ومعلم، وتعليم. ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد، ~~لتباين حقائقها. وإذا جعلت الاسم هو المسمى: بطل واحد من هذه الحقائق ~~الثلاث ولا بد. # فإن قيل: فحلوا لنا شبهة من قال: باتحادهما ليتم الدليل. فإنكم أقمتم ~~الدليل فعليكم الجواب عن المعارض. # فمنها: أن الله وحده هو الخالق، وما سواه مخلوق. فلو كانت أسماؤه غيره ~~لكانت مخلوقة. وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل، ولا صفة. لأن أسماءه ~~صفات. وهذا هو السؤال الأعظم، الذي قاد متكلمي الإثبات الى أن يقولوا: ~~الإسم هو المسمى. فما عندكم في دفعه؟ # والجواب: أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق اللفظة مجملة لمعنيين. ~~صحيح وباطل. فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها ~~عليها. ولا ريب أن الله تبارك وتعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال ~~المشتقة أسماؤه منها. فلم يزل بأسمائه وصفاته: رب واحد، وإله واحد، له ~~الأسماء الحسنى والصفات العلا. وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه، وإن كان ~~لا يطلق على الصفة أنها إله يخلق ويرزق. فليست صفاته وأسماؤه غيره. وليست ~~هي نفس الإله، وبلاء القوم من لفظة «الغير» فإنها يراد بها معنيين. # أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بالله. وكل ما غاير الله مغايرة محضة ~~بهذا الاعتبار. فلا يكون إلا مخلوقا. # PageV01P524 # ويراد بها: مغايرة الذات إذا خرجت عنها. فإذا قيل: علم الله، وكلام الله ~~غيره: وعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم، والكلام: كان المعنى صحيحا. ~~ولكن الإطلاق باطل. وإذا العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز ~~بها عن غيره: كان باطلا لفظا ومعنى. # وبهذا أجاب أهل السنة المعتزلة القائلين بخلق القرآن، وقالوا: كلامه ~~تعالى داخل في مسمى اسمه. ف «الله» اسم للذات الموصوفة بصفات الكمال. ومن ~~تلك الصفات: صفة الكلام، كما أن علمه ms358 وقدرته وحياته، وسمعه وبصره: غير ~~مخلوقة. وإذا كان القرآن كلامه، وهو صفة من صفاته. فهو متضمن لأسمائه ~~الحسنى. فإذا كان القرآن غير مخلوق، ولا يقال: إنه غير الله، فكيف يقال: إن ~~بعض ما تضمنه- وهو أسماؤه- مخلوقة، وهي غيره؟ # فقد حصحص الحق بحمد الله وانحسم الإشكال، وبان أسماءه الحسنى التي في ~~القرآن من كلامه. وكلامه غير مخلوق. ولا يقال: هو غيره، ولا هو هو. # وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون: أسماؤه تعالى غيره. وهي ~~مخلوقة، ولمذهب من رد عليهم ممن يقول: اسمه نفس ذاته، لا غيره. # وبالتفصيل تزول الشبه ويتبين الصواب والحمد الله. # حجة ثانية لهم: قالوا: قال تبارك وتعالى: 55: 78 تبارك اسم ربك و 73: 8 ~~اذكر اسم ربك و 87: 1 سبح اسم ربك الأعلى. # وهذه الحجة عليهم في لا لهم الحقيقة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتثل ~~هذا الأمر، # وقال: «سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم» # ولو كان الأمر كما زعموا لقال: سبحان اسم ربي العظيم. # PageV01P525 # ثم إن الأمة كلهم لا يجوز أحد منهم أن يقول: عبدت اسم ربي، ولا سجدت لاسم ~~ربي، ولا ركعت لاسم ربي، ولا اسم ربي ارحمني. وهذا يدل على أن الأشياء ~~متعلقة بالمسمى، لا بالاسم. # وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به ب «اسم» فقد قيل فيه: إن ~~التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم قد تعظم ما هو من سببه، ومتعلق به، كما ~~يقال: سلام على الحضرة العالية، والباب السامي، والمجلس الكريم. ونحوه. ~~وهذا جواب غير مرض لوجهين. # أحدهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفهم هذا المعنى، وإنما قال ~~«سبحان ربي» فلم يعرج على ما ذكرتموه. # الثاني: أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل، وسائر ~~ما يطلق على المسمى، فيقال: الحمد لاسم الله. ولا إله إلا اسم الله، ونحوه. ~~وهذا مما لم يقله أحد. # بل الجواب الصحيح: أن الذكر الحقيقي حله القلب، لأنه ضد النسيان. ~~والتسبيح نوع من الذكر. فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك، دون ~~اللفظ ms359 باللسان. والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعا، ولم يقبل الإيمان ~~وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما. # فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقلبك ولسانك. واذكر ربك بقلبك ولسانك. فأقحم ~~الاسم تنبيها على هذا المعنى. حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ ~~باللسان: لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم، دون ما سواه. ~~والذكر باللسان: متعلقه اللفظ مع مدلوله. لأن اللفظ لا يراد لنفسه. فلا ~~يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح، دون ما يدل عليه من المعنى. # وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى # PageV01P526 # بعبارة لطيفة وجيزة، فقال: المعنى سبح ناطقا باسم ربك، متكلما به. # وكذا سبح اسم ربك: المعنى: سبح ربك ذاكرا اسمه. # وهذه الفائدة تساوي رحلة، ولكن لمن يعرف قدرها. فالحمد لله المنان بفضله ~~ونسأله تمام نعمته. # حجة ثالثة لهم: قالوا: قال تعالى: 12: 40 ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها وإنما عبدوا مسمياتها. # والجواب: أنه كما قلتم: إنهم إنما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم ~~نحلوها أسماء باطلة، كاللاتي والعزى، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة، لا مسمى ~~لها في الحقيقة. فإنهم سموها آلهة. وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها. ~~وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء، لا حقيقة المسمى. # فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها. وهذا كمن سمى قشور البصل لحما، ~~وأكلها، فيقال له: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه. وكمن سمى التراب ~~خبزا، وأكله. يقال: ما أكلت إلا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في نفي ~~الإلهية آلهتهم. فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه. وما الحكمة ثم إلا مجرد ~~الاسم. # فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى. # فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: فسبح باسم ربك العظيم ولم ~~تدخل في قوله: سبح اسم ربك الأعلى؟. # قيل: التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد، دون معنى آخر. ويراد به مع ~~ذلك الصلاة. وهو ذكر وتنزيه مع عمل. ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا. # فإذا أريد التسبيح المجرد، فلا معنى للباء. لأنه ms360 لا يتعدى بحرف جر، لا ~~تقول: سبحت بالله. وإذا أردت المقرون بالفعل، وهو الصلاة، أدخلت الباء، ~~تنبها على ذلك المراد، كأنك قلت: سبح مفتتحا باسم ربك، أو ناطقا باسم ربك. ~~كما تقول: صل مفتتحا، أو ناطقا باسمه، ولهذا السر- # PageV01P527 # والله أعلم- دخلت اللام في قوله تعالى: سبح لله ما في السماوات والأرض ~~والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة، ولم يقل في موضع: سبح ~~الله ما في السموات والأرض، كما قال تعالى 13: 15 ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض. # وتأمل قوله تعالى: 7: 205 إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون فكيف قال: «ويسبحونه» لما ذكر السجود باسمه الخاص، ~~فصار التسبيح: ذكرهم له، وتنزيههم إياه. ### | [سورة الواقعة (56) : آية 79] # لا يمسه إلا المطهرون (79) # والصحيح في الآية: أن المراد به: الصحف التي بأيدي الملائكة لوجوه عديدة. # منها: أنه وصفه بأنه مكنون، والمكنون المستور عن العيون، وهذا إنما هو في ~~الصحف التي بأيدي الملائكة. # ومنها: أنه قال: لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة ولو أراد المؤمنين ~~المتوضئين لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، كما قال تعالى: 2: # 251 إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فالملائكة مطهرون، والمؤمنون ~~والمتوضئون متطهرون. # ومنها: أن هذا إخبار، ولو كان نهيا لقال: لا يمسسه، بالجزم. # والأصل في الخبر، أن يكون خبرا صورة ومعنى. # ومنها: أن هذا رد على من قال. إن الشيطان جاء بهذا القرآن، فأخبر تعالى ~~أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين، ولا وصول لها إليه، كما قال تعالى في ~~آية الشعراء: 26: 210- 212 وما تنزلت به الشياطين، وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون وأنما تناله الأرواح # PageV01P528 # المطهرة، وهم الملائكة. # ومنها: أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس به: 80: 12- 16من شاء ذكره. ~~في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة. كرام بررة # قال مالك في موطئه: أحسن ما سمعت في تفسير قوله: لا يمسه إلا المطهرون ~~أنها مثل هذه الآية في سورة عبس. # ومنها: أن الآية مكية، في سورة مكية، تتضمن تقرير التوحيد، والنبوة ~~والمعاد، ms361 وإثبات الصانع، والرد على الكفار، وهذا المعنى أليق بالمقصود من ~~فرع عملي، وهو حكم مس المحدث المصحف. # ومنها: أنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس لم يكن في الإقسام على ~~ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة، ومن المعلوم أن كل كلام فهو قابل لأن ~~يكون في كتاب، حقا أو باطلا، بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون ~~مستور عن العيون عند الله، لا يصل إليه شيطان، ولا ينال منه، ولا يمسه إلا ~~الأرواح الطاهرة الزكية. # فهذا المعنى أليق وأجل بالآية بلا شك. # فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: لكن تدل هذه الآية ~~وإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر. لأنه إذا كانت تلك الصحف لا ~~يمسها إلا المطهرون، لكرامتها على الله. فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا ~~طاهر. # PageV01P529 ### | سورة الحديد # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الحديد (57) : آية # 27] # ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) # «رهبانية» منصوب بابتدعوها على الإشتغال، إما بنفس الفعل المذكور، على ~~قول الكوفيين. وإما بمقدر محذوف، مفسر بهذا المذكور، على قول البصريين. أي ~~وابتدعوا رهبانية. وليس منصوبا بوقوع الجعل عليه. فالوقف التام عند قوله ~~«ورحمة» ثم يبتدئ «ورهبانية ابتدعوها» أي لم نشرعها لهم، ولم نكتبها عليهم، ~~بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم. # وفي نصب قوله: «إلا ابتغاء رضوان الله» ثلاثة أوجه. # أحدها: أنه مفعول له، أي لم نكتبها عليها إلا ابتغاء رضوان الله. # وهذا فاسد. فإنه لم يكتبها عليهم سبحانه. كيف وقد أخبر أنهم هم الذين ~~ابتدعوها فهي مبتدعة غير مكتوبة. # PageV01P531 # وأيضا فإن المفعول لأجله يجب أن يكون علة الفاعل المذكور معه فيتحد السبب ~~والغاية. نحو: قمت إكراما. فالقائم هو المكرم، وفعل الفاعل المعلل هاهنا: ~~هو الكتابة، وابتغاء رضوان الله: فعلهم لا فعل الله. # فلا ms362 يصلح أن يكون علة لفعل لاختلاف الفاعل. # وقيل: هو بدل من مفعول «كتبناها» أي ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان ~~الله. وهو فاسد أيضا، إذ ليس رضوان الله عين الرهبانية. فيكون بدل الشيء من ~~الشيء، ولا بعضها. فيكون بدل بعض من كل، ولا أحدهما مشتمل على الآخر، فيكون ~~بدل اشتمال. وليس ببدل غلط. # فالصواب: أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع، أي: لم يفعلوها ولم يبتدعوها ~~إلا لطلب رضوان الله. # ودل على هذا قوله «ابتدعوها» ثم ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه ~~الرهبانية، وأنه طلب رضوان الله، ثم ذمهم بترك رعايتها. إذ من التزم لله ~~شيئا لم يلزمه الله إياه من أنواع القرب، لزمه رعايته وإقامته، حتى ألزم ~~كثير من الفقهاء من شرع في طاعة مستحبة بإتمامها، وجعلوا التزامها بالشروع، ~~كالتزامها بالنذر، كما قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. ~~وهو إجماع، أو كالإجماع في أحد النسكين. # قالوا: والالتزام بالشروع أقوى من الالتزام بالقول. فكما يجب عليه رعاية ~~ما التزمه بالنذر وفاء، يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتماما. وليس هذا ~~موضع استقصاء هذه المسألة. # والقصد: أن الله سبحانه وتعالى ذم من لم يرع قربة ابتدعها لله تعالى حق ~~رعايتها. فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله لعباده، وأذن بها، وحث عليها؟. ### | [سورة الحديد (57) : آية 28] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) # PageV01P532 # في قوله «تمشون به» إعلام بأن تصرفهم، وتقبلهم الذي ينفعهم: # إنما هو بالنور، وأن مشيهم بغير النور غير مجد عليهم. ولا نافع لهم، بل ~~ضرره أكثر من نفعه. # وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومن سواهم أهل الزمانة ~~والانقطاع. فلا مشي لقلوبهم، ولا لأحوالهم، ولا لأقوالهم، ولا لأقدامهم إلى ~~الطاعات. وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم. # وفي قوله: «تمشون به» نكتة بديعة. وهي: أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم، ~~كما يمشون بها بين الناس في الدنيا. ms363 ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل ~~قدما عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه. # PageV01P533 ### | سورة المجادلة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة المجادلة (58) : آية 2] # الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) # إن قيل: فما تقولون في قول المظاهر: أنت علي كظهر أمي: هل هو إنشاء أو ~~إخبار؟ فإن قلتم: إنشاء كان باطلا من وجوه. # أحدها: أن الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب. والله سبحانه قد كذبهم هنا ~~في ثلاثة مواضع. # أحدها: في قوله «ما هن أمهاتهم» فنفي ما أثبتوه. وهذا حقيقة التكذيب. ومن ~~طلق امرأته، لا يحسن أن يقال: ما هي مطلقته والثاني: في قوله «إنهم ليقولون ~~منكرا من القول» والإنشاء لا يكون # PageV01P535 # منكرا من القول، وإنما يكون المنكر هو الخبر. # والثاني: أنه سماه «زورا» والزور: هو الكذب. # وإذا كذبهم الله دل على أن الظهار إخبار لا إنشاء. # الثالث: أن الظهار محرم، وليس جهة تحريمه إلا كونه كذبا. # والدليل على تحريمه: خمسة أشياء. # أحدها: وصفه بالمنكر. والثاني وصفه بالزور. والثالث: أنه شرع فيه ~~الكفارة. ولو كان مباحا لم يكن فيه كفارة. والرابع: أن الله قال: # ذلكم توعظون به والوعظ إنما يكون في غير المباحات. والخامس: # قوله: وإن الله لعفو غفور والعفو والمغفرة: إنما يكونان عن الذنب. # وإن قلتم: هو إخبار، فهو باطل من وجوه. # أحدها: أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الله في الإسلام تحريما ~~تزيله الكفارة. وهذا متفق عليه بين أهل العلم. ولو كان خبرا لم يوجب ~~التحريم. فإنه إن كان صدقا فظاهر. وإن كان كذبا: فأبعد له من أن يترتب عليه ~~التحريم. # والثاني: أنه لفظ الظهار يوجب حكمه الشرعي بنفسه، وهو التحريم. # وهذا حقيقة الإنشاء، بخلاف الخبر. فإنه لا يوجب حكمه بنفسه. فسلب كونه ~~إنشاء مع ثبوت حقيقة الإنشاء فيه: جمع بين النقيضين. # والثالث: أن إفادة قوله: أنت علي كظهر أمي: للتحريم، كإفادة قوله: أنت ~~حرة، ms364 وأنت طالق. وبعتك ورهنتك، وتزوجتك، ونحوها: # لأحكامها. فكيف يقولون: هذه إنشاءات دون الظهار؟ وما الفرق؟ # قيل: أما الفقهاء فيقولون: الظهار إنشاء. ونازعهم بعض المتأخرين في ذلك. ~~وقال: الصواب أنه إخبار. # PageV01P536 # وأجاب عما احتجوا به من كونه إنشاء. # قال: أما قولهم: كان طلاقا في الجاهلية: فهذا لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون ~~به الطلاق، بل يقتضي أنهم كانوا يزيلون به العصمة عند النطق به. # فجاز أن يكون زوالها لكونه إنشاء، كما زعمتم، أو لكونه كذبا، وجرت عادتهم ~~أن من أخبر بهذا الكذب زالت عصمة نكاحه. وهذا كما التزموا تحريم الناقة إذا ~~جاءت بعشرة من الولد. ونحو ذلك. # قال: وأما قولكم: إنه يوجب التحريم المؤقت. وهذا حقيقة الإنشاء، لا ~~الإخبار- فلا نسلم أن ثم تحريما البتة- والذي دل عليه القرآن: وجوب تقديم ~~الكفارة على الوطء، كتقديم الطهارة على الصلاة. فإذا قال الشارع: # لا تصل حتى تتطهر: ولا يدل ذلك على تحريم الصلاة عليه، بل ذلك نوع ترتيب. # سلمنا أن الظهار ترتب عليه تحريم، لكن التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء ~~اللفظ له، ودلالته عليه. وهذا هو الإنشاء. وقد يكون عقوبة محضة، كترتيب ~~حرمان الإرث على القتل. # وليس القتل إنشاء للتحريم، وكترتيب التعزير على الكذب، وإسقاط العدالة ~~به. فهذا ترتيب بالوضع الشرعي، لا بدلالة اللفظ. # وحقيقة الإنشاء: أن يكون ذلك اللفظ وضع لذلك الحكم. ويدل عليه، كصيغ ~~العقود. فسببية القول أعم من كونه سببا بالإنشاء أو بغيره. # فكل إنشاء سبب، وليس كل سبب إنشاء. فالسببية أعم. فلا يستدل بمطلقها على ~~الإنشاء. فإن الأعم لا يستلزم الأخص. فظهر الفرق بين ترتب التحريم على ~~الطلاق، وترتبه على الظهار. # قال: وأما قولكم: إنه كالتكلم بالطلاق والعتاق والبيع ونحوها: # فقياس في الأسباب. فلا نقبله. ولو سلمناه نص القرآن يدفعه. # PageV01P537 # وهذه الاعتراضات عليهم باطلة. # وأما قوله: إن كونه طلاقا في الجاهلية فلا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به ~~الطلاق إلخ فكلام باطل قطعا. فإنهم لم يكونوا يقصدون الإخبار بالكذب ليترتب ~~عليه التحريم، بل كانوا إذا أرادوا الطلاق أتوا بلفظ الظهار إرادة للطلاق. ms365 ~~ولم يكونوا عند أنفسهم كاذبين ولا مخبرين. وإنما كانوا منشئين للطلاق به. ~~ولهذا كان هذا ثابتا في أول الإسلام. حتى نسخه الله بالكفارة في # قصة خولة بنت ثعلبة وكانت تحت عبادة بن الصامت. فقال لها «أنت علي كظهر ~~أمي. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حرمت عليه. فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك ~~الكتاب ما ذكر الطلاق، وإنه أبو ولدي. وأحب الناس إلي. فقال: حرمت عليه. ~~فقالت: # أشكو إلى الله فاقتي وحدتي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك ~~إلا قد حرمت عليه. ولم أومر في شأنك بشيء. فجعلت تراجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وإذا قال لها: حرمت عليه. هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة ~~حالي، وأن لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. # وجعلت ترفع رأسها الى السماء، وتقول: اللهم إني أشكوا إليك. وكان هذا أول ~~ظهار في الإسلام. فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضي ~~الوحي. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعي زوجك، فتلا عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قوله تعالى: # 58: 1- 4 قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها. وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركما الآيات. # فهذا يدل على أن الظهار كان إنشاء للتحريم الحاصل بالطلاق في أول ~~الإسلام، ثم نسخ ذلك بالطلاق. وبهذا يبطل ما نظر به من تحريم الناقة عند ~~ولادها عشرة أبطن ونحوه. فإنه ليس هناك لفظ إنشاء يقتضي التحريم، بل هو شرع ~~منهم لهذا التحريم عند هذا السبب. # PageV01P538 # وأما قوله: إنا لا نسلم أنه يوجب تحريما: فكلام باطل. فإنه لا نزاع بين ~~الفقهاء أن الظهار يقتضي تحريما تزيله الكفارة. فلو وطئها قبل التكفير أثم ~~بالإجماع المعروف من الدين. والتحريم المؤقت هنا كالتحريم بالإحرام، ~~وبالصيام وبالحيض. # وأما تنظيره بالصلاة مع الطهر ففاسد. فإن الله أوجب على المصلي أن يصلي ~~صلاة بطهر. فإذا لم يأت بالطهر ms366 ترك ما أوجب الله عليه، فأستحق الإثم. وأما ~~المظاهر فإنه حرم على نفسه امرأته وشبهها بمن تحرم عليه. # فمنعه الله من قربانها حتى يكفر. فهنا تحريم مستند إلى كفارة. وفي الصلاة ~~لا تجزئ منه بغير طهر. لأنها صلاة غير مشروعة أصلا. # وقوله: التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له، وقد يكون عقوبة إلخ. # جوابه: أنهما غير متنافيين في الظهار، فإنه حرام، وتحرم المرأة به تحريما ~~مؤقتا حتى يكفر. وهذا لا يمنع كون اللفظ إنشاء، كجمع الثلاث عند من يوقعها، ~~والطلاق في الحيض، فإنه يحرم ويعقبه التحريم. وقد قلتم: إن طلاق السكران ~~يقع عقوبة له، مع أنه لم يقصد إنشاء سبب تطلق به امرأته اتفاقا. فكون ~~التحريم عقوبة لا ينفي أن يستند إلى أسبابها التي تكون إنشاءات لها. # وقوله: السببية أعم من الإنشاء. # جوابه: أن السبب نوعان. فعل وقول، فمتى كان قولا لم يكن إلا إنشاء. فإن ~~أردتم بالعموم: أن سببية القول أعم من كونها إنشاء وإخبارا فممنوع. وإن ~~أردتم أن مطلق السببية أعم من كونها سببية بالفعل وبالقول. # فمسلم. ولا يفيدكم شيئا. # وفصل الخطاب: أن قوله: أنت علي كظهر أمي: يتضمن إنشاء # PageV01P539 # وإخبارا. فهو إنشاء من حيث قصد التحريم بهذا اللفظ، وإخبار من حيث ~~تشبيهها بظهر أمه ولهذا جعله الله منكرا من القول زورا. فهو منكر باعتبار ~~الإنشاء، وزور باعتبار الإخبار. # وأما قوله: إن المنكر هو الخبر الكاذب من النكر. والنكر أعم منه. # فالإنكار في الإنشاء والإخبار. فإنه ضد المعروف. فما لم يؤذن فيه من ~~الإنشاء فهو منكر. وما لم يكن صدقا من الأخبار فهو زور. # PageV01P540 ### | سورة الصف # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الصف (61) : آية 5] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) # وقال عن عباده المؤمنين إنهم سألوه التثبيت على الهدى بقولهم: # 3: 8 ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. # وأصل الزيغ: الميل، ومنه: زاغت الشمس، إذا مالت. فإزاغة القلب: إمالته عن ms367 ~~الهدى. وزيغه: ميله عن الهدى الى الضلال. # والزيغ: يوصف به القلب والبصر، كما قال تعالى: 33: 10 وإذ زاغت الأبصار، ~~وبلغت القلوب الحناجر. # قال قتادة ومقاتل: شخصت فرقا. وهذا تقريب للمعنى: فإن الشخوص غير الزيغ. ~~وهو أن يفتح عينيه ينظر إلى الشيء، فلا يطرف. # ومنه: شخص بصر الميت. # ولما مالت الأبصار عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا إليهم ~~من كل جانب اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر، فمالت عنه. # PageV01P541 # وشخصت بالنظر إلى الأحزاب. # وقال الكلبي: مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم. وقال الفراء: # زاغت عن كل شيء، فلم تلتفت إلا إلى عدوها، متحيرة تنظر إليه. # قلت: القلب إذا امتلأ رعبا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المخوف، فزاغ البصر ~~عن الوقوع عليه. وهو مقابله. # PageV01P542 ### | سورة الجمعة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الجمعة (62) : آية 5] # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) # قاس من حمله سبحانه كتابه ليؤمن به، ويعمل به، ويدعو إليه. ثم خالف ذلك ~~ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقرأه بغير تدبر، ولا تفهم، ولا اتباع له، ولا ~~تحكيم له، ولا عمل بموجبه: كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها، ~~فحظه منها: حملها على ظهره ليس إلا. فحظ هذا من كتاب الله كحظ هذا الحمار ~~من الكتب التي على ظهره. # فهذا المثل، وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل ~~القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته. # PageV01P543 ### | سورة المنافقون # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة المنافقون (63) : آية 9] # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) # المقصود: أن دوام الذكر لما كان سببا لدوام المحبة، وكان الله سبحانه أحق ~~بكمال الحب والعبودية والتعظيم والإجلال، كان كثرة ذكره من أنفع ما للعبد. ~~وكان عدوه حقا هو الصاد له عن ذكر ربه، وعبوديته. # ولهذا ms368 أمر سبحانه بكثرة ذكره في القرآن. وجعله سببا للفلاح. فقال تعالى: # 62: 10 اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وقال: 33: 41 يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا وقال: 33: 35 والذاكرين الله كثيرا والذاكرات وقال: ~~63: 9 يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله. ومن ~~يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وقال: 2: 152 فاذكروني أذكركم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «سبق المفردون. قالوا: يا رسول الله وما ~~المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا» # وفي الترمذي عن أبي الدرداء عن # PageV01P544 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها ~~عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم ~~من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول ~~الله، قال: ذكر الله» # وهو في الموطأ موقوف على أبي الدرداء. # وقال معاذ بن جبل «ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله» . # وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم تبع لذكره. # والمقصود: أن دوام الذكر سبب لدوام المحبة. # فالذكر للقلب كالماء للزرع، بل كالماء للسمك، لا حياة له إلا به. # وهو أنواع: ذكره بأسمائه وصفاته، والثناء عليه بها. # الثاني: تسبيحه وتحميده، وتكبيره وتهليله، وتمجيده، وهو الغالب من ~~استعمال لفظ الذكر عند المتأخرين. # الثالث: ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه. وهو ذكر أهل العلم، بل الأنواع ~~الثلاثة هي ذكرهم لربهم. # ومن أفضل ذكره: ذكره بكلامه. قال تعالى: 20: 124 ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى فذكره هاهنا هو كلامه الذي أنزله على ~~رسوله، وقال تعالى: 13: 28 الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله. ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب. # ومن ذكره سبحانه: دعاؤه واستغفاره والتضرع إليه. # فهذه خمسة أنواع من الذكر. # PageV01P545 ### | سورة التحريم # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة التحريم (66) : آية # 4] # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) # إن لغة العرب متنوعة ms369 في إفراد المضاف، وتثنيته وجمعه، بحسب أحوال المضاف ~~إليه. فإن أضافوا الواحد المتصل الى مفرد أفردوه. وإن أضافوه الى اسم جمع ~~ظاهر أو مضمر جمعوه. وإن أضافوه الى اسم مثنى فالأصح في لغتهم جمعه. كقوله ~~تعالى: فقد صغت قلوبكما وإنما هما قلبان، وكقوله: 5: 38 والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما وتقول العرب: اضرب أعناقهما. وهذا أفصح في استعمالهم. ### | [سورة التحريم (66) : آية 10] # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين (10) # PageV01P547 # فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال: مثل للكفار. ومثلين للمؤمنين. # فيتضمن مثل الكفار أن الكافر يعاقب على كفره وعداوته لله ورسوله ~~وأوليائه، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين عن لحمة نسب، أو ~~وصلة صهر، أو سبب من أسباب الاتصال. فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة ~~إلا ما كان منها متصلا بالله وحده على أيدي رسله، فلو نفعت وصلة القرابة ~~والمصاهرة أو النكاح مع عدم الايمان، لنفعت الوصلة التي كانت بين نوح ولوط ~~وامرأتيهما فلما لم يغنيا عنهما من الله شيئا، وقيل: ادخلا النار مع ~~الداخلين. قطعت الآية حينئذ طمع من ركب معصية الله، وخالف امره، ورجا أن ~~ينفعه صلاح غيره من قريب أو أجنبي، ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال. ~~فلا اتصال فوق اتصال البنوة والأبوة والزوجية، ولم يغن نوح عن ابنه، ولا ~~إبراهيم عن أبيه، ولا نوح ولا لوط عن امرأتيهما من الله شيئا. قال الله ~~تعالى: 60: 3 لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم، يوم القيامة يفصل بينكم وقال ~~تعالى: 82: 19 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا وقال تعالى: 2: 48 واتقوا يوما لا ~~تجزي نفس عن نفس شيئا وقال: # 31: 33 واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا. إن وعد الله حق وهذا كله تكذيب لإطماع المشركين الباطلة: أن ما ~~تعلقوا به من دون الله من قرابة، أو صهر، أو نكاح أو صحبة ينفعهم ms370 يوم ~~القيامة، أو يجيرهم من عذاب الله، أو يشفع لهم عند الله. وهذا أصل ضلال بني ~~آدم، وشركهم، وهو الشرك الذي لا يغفره الله. وهو الذي بعث الله جميع رسله ~~وأنزل جميع كتبه بإبطاله، ومحاربة أهله، ومعاداتهم. # PageV01P548 # فصل ### | [سورة التحريم (66) : آية 11] # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) # وأما المثلان اللذان للمؤمنين: فأحدهما: امرأة فرعون. # ووجه المثل: أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئا، إذا فارقه في كفره ~~وعمله. فمعصية الغير لا تضر المؤمن المطيع شيئا في الآخرة وإن تضرر بها في ~~الدنيا بسبب العقوبة التي تحل بأهل الأرض، إذا أضاعوا أمر الله، فتأتي ~~عامة. فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به. وهو من أكفر الكافرين، ولم ينفع ~~امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا رب العالمين. # المثل الثاني للمؤمنين: مريم التي لا زوج لها، لا مؤمن ولا كافر. # فذكر ثلاثة أصناف النساء: المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح. ~~والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالرجل الكافر. والمرأة العزب التي لا وصلة ~~بينها وبين أحد. # فالأولى: لا تنفعها وصلتها وسببها. # والثانية: لا تضرها وصلتها وسببها. # والثالثة: لا يضرها عدم الوصلة شيئا. # ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة. فإنها سيقت ~~في ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيرهن من التظاهر عليه، وأنهن إن ~~لم يطعن الله ورسوله، ويردن الدار الآخرة: لم ينفعهن اتصالهن برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كما لم ينفع امرأة نوح وامرأة لوط اتصالهما بهما. # قال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما ~~المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة ### | [سورة التحريم (66) : آية 12] # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ~~ربها وكتبه وكانت من القانتين (12) # وفي ضرب المثل للمؤمنين مريم أيضا: اعتبار آخر، وهو أنها لم يضرها عند ~~الله شيئا قذف أعداء الله اليهود لها، ونسبتهم ms371 إياها وابنها الى ما # PageV01P549 # برأهما الله منه، مع كونها الصديقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين. # فلا يضر الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه. # وفي هذا أيضا تسلية لعائشة أم المؤمنين، إن كانت السورة نزلت بعد قصة ~~الإفك. وتوطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون، إن كانت قبلها. # كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط تحذير لها ولحفصة مما تعمدتاه في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # فتضمن هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف، والتحريض لهن على الطاعة ~~والتوحيد، والتسلية وتوطيد النفس لمن أوذي منهن، وكذب عليهن. # وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه، ولا سيما اسرار الأمثال التي لا يعقلها ~~إلا العالمون. # PageV01P550 ### | سورة ن # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة القلم (68) : آية 48] # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) # قال ابن عباس: نهاه أن يتشبه بصاحب الحوت، حيث لم يصبر صبر أولي العزم. # وهاهنا سؤال نافع، وهو أن يقال: العامل في الظرف، وهو قوله «إذ نادى» لا ~~يمكن أن يكون المنهي عنه، إذ يصير المعنى: لا تكن مثله في ندائه. وقد اثنى ~~الله سبحانه عليه في هذا النداء فأخبر أنه نجاه به. فقال: # 21: 87، 88 وذا النون إذ ذهب مغاضبا، فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في ~~الظلمات، أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين # وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال «دعوة أخي ذي ~~النون، إذ دعي في بطن الحوت: ما دعي بها مكروب إلا فرج الله عنه: لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» # فلا يمكن أن ينهى عن التشبه به في هذه الدعوة، وهي النداء الذي نادى به # PageV01P551 # ربه. وإنما نهى عن التشبه به في السبب الذي أفضى به إلى هذه المناداة، ~~وهي مغاضبته التي أفضت به الى حبسه في بطن الحوت، وشدة ذلك عليه حتى نادى ~~ربه وهو مكظوم. والكظيم والكاظم الذي قد امتلأ غيظا وغضبا، أو هما وحزنا، ms372 ~~وكظم عليه فلم يخرجه. # فإن قيل: وعلى ذلك فما العامل في الظرف؟ # قيل: ما في «صاحب الحوت» من معنى الفعل. # فإن قيل: فالسؤال بعد قائم، فإنه إذا قيد المنهي بقيد أو زمن كان داخلا ~~في حين النهي فإن كان المعنى: لا تكن مثل صاحب الحوت في هذه الحال، أو هذا ~~الوقت. كان نهيا عن تلك الحالة. # قيل: لما كان نداؤه مسببا عن كونه صاحب الحوت، فنهى أن يشبه به في الحال ~~التي أفضت به إلى صحبته الحوت وألجأته إلى النداء، وهو ضعف العزيمة وعدم ~~الصبر لحكمه تعالى، ولم يقل تعالى: ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضبا ~~فالتقمه الحوت، فنادى، بل طوى القصة واختصرها، وأحال بها على ذكرها في ~~الموضع الآخر، واكتفى بغايتها وما انتهت إليه. # فإن قيل: فما منعك بتعويض الظرف بنفس الفعل المنهي عنه؟ أي لا تكن مثله ~~في ندائه وهو ممتلئ غيظا وهما وغما، بل يكون نداؤك نداء راض بما قضى ربه ~~عليه، قد تلقاه بالرضى والتسليم وسعة الصدر، لا نداء كظيم. # قيل: هذا المعنى، وإن كان صحيحا، فلم يقع النهي عن التشبه به في مجرده. ~~وإنما نهي عن التشبه به في الحال التي حملته على ذهابه مغاضبا، حتى سجن في ~~بطن الحوت. # ويدل عليه قوله تعالى: فاصبر لحكم ربك ثم قال: ولا # PageV01P552 # تكن كصاحب الحوت # أي في ضعف صبره لحكم ربه. فإن الحالة التي نهى عنها هي ضد الحالة التي ~~امر بها. # فإن قيل: فما منعك أن تصير إلى أنه أمر بالصبر لحكمه الكوني القدري الذي ~~قدره عليه، ولا تكن كصاحب الحوت، حيث لم يصبر عليه، بل نادى وهو كظيم ~~لكشفه. فلم يصبر على احتماله والسكون تحته. # قيل: منع من ذلك: أن الله سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم ~~إياه كشف ما بهم من ضر، وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله: # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه. فنادى في الظلمات: أن لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ms373 الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين فكيف ينهي عن التشبه به فيما يثني به عليه ويمدحه به؟ ~~وكذلك أثنى على أيوب بقوله: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين وعلى يعقوب ~~بقوله: نما أشكوا بثي وحزني إلى الله # وعلى موسى بقوله: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير # وقد شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله بقوله: «اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة ~~حيلتي- الحديث» # فالشكوى إليه سبحانه لا تنافى الصبر الجميل، بل إعراض عبده عن الشكوى إلى ~~غيره جملة، وجعل الشكوى إليه وحده: هو الصبر. # والله تعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه، وتضرعه ودعاؤه. # وقد ذم الله سبحانه من لم يتضرع إليه. ولم يستكن له وقت البلاء كما قال ~~تعالى: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون. # والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد ~~عليه، بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه، وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى ~~خلقه، ويحب من يشكو ما به إليه. # PageV01P553 # وقيل لبعضهم: كيف تشتكي إليه ما ليس يخفى عليه؟ فقال: ربي يرضى ذل العبد ~~إليه. # والمقصود: أنه سبحانه أمر رسوله أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا ~~لحكمه اختيارا. وهذا أكمل الصبر، ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على ~~هؤلاء، حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم، وأصبرهم لحكم الله، صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين. # PageV01P554 ### | سورة المزمل # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة المزمل (73) : آية 8] # واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) # التبتل: الانقطاع. وهو تفعل من البتل. وهو القطع. وسميت مريم: البتول. ~~لانقطاعها عن الأزواج، وعن نظراء نساء زمانها. ففاقت نساء الزمان شرفا ~~وفضلا، وقطعت منهن. # ومصدر تبتل إليه تبتيلا كالتعلم والتفهم. ولكن جاء على التفعيل مصدر تفعل ~~لسر لطيف. # فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف، والتعمل والتكثر والمبالغة. # فأتي بالفعل الدال على أحدهما، وبالمصدر الدال على الآخر. فكأنه قيل: بتل ~~نفسك إلى الله تبتيلا. وتبتل إليه تبتلا. ففهم المعنيان من الفعل ومصدره. ~~وهذا كثير في القرآن. وهو ms374 من حسن الاختصار والإيجاز # PageV01P555 ### | سورة المدثر # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة المدثر (74) : آية 4] # وثيابك فطهر (4) # قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول ~~إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير. # قال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا قذر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان ~~بن سلمة الثقفي: # وإني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست، ولا من غدرة أتقنع # والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: طاهر الثياب، وتقول للفاجر ~~والغادر: دنس الثياب. # وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم، ولكن البسها وأنت ~~بر طاهر. # PageV01P556 # وقال الضحاك: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه ~~لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. # وقال سعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهر. # وقال الحسن والقرطبي: وخلقك فحسن. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير ~~الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها. لأن المشركين كانوا لا ~~يتطهرون، ولا يطهرون ثيابهم. # وقال طاوس: وثيابك فقصر. لأن تقصير الثياب طهرة لها. # والقول الأول: أصح الأقوال. ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها: من ~~جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق. لأن نجاسة ~~الظاهر تورث نجاسة الباطن. ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها ~~والبعد عنها. ### | [سورة المدثر (74) : الآيات 49 الى 51] # فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة ~~(51) # شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرماة ففرت منه. # وهذا من بديع القياس والتمثيل، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله ~~كالحمر وهي لا تعقل شيئا. فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد ~~النفور. وهذا غاية الذم لهؤلاء. فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم ~~وحياتهم. كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها. # وتحت «المستنفرة» معنى أبلغ من النافرة. فإنها لشدة نفورها قد استنفر ~~بعضها بعضا وحضه على النفور. فإن في الاستفعال من الطلب قدرا # PageV01P557 # زائدا على الفعل المجرد. كأنها تواصت ms375 بالنفور وتواطأت عليه. # ومن قرأها بفتح الفاء: فالمعنى: أن القسورة استنفرها، وحملها على النفور ~~ببأسه وشدته. # PageV01P558 ### | سورة القيامة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة القيامة (75) : آية 36] # أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) # قال الشافعي رضي الله عنه: أي هملا لا يؤمر ولا ينهى؟ # وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. # والقولان واحد. لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهي. فهو سبحانه خلقهم ~~للأمر والنهي في الدنيا. والثواب والعقاب في الآخرة. # فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك ~~واستهجانه. وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى أحكم الحاكمين. # PageV01P559 ### | سورة النبأ # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة النبإ (78) : الآيات 31 الى 33] # إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) # فالكواعب: جمع كاعب، وهي الناهد. قاله قتادة ومجاهد والمفسرون. وقال ~~الكلبي: هن الفلكات اللواتي تكعب ثديهن. وتفلكت. # وأصل اللفظ: من الاستدارة. والمراد: أن ثديهن نواهد، كالرمان، ليست ~~متدلية إلى أسفل ويسمين نواهد وكواعب. # PageV01P560 ### | سورة التكوير # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) # وقرأ قارئ إذا الشمس كورت، وفي الحاضرين أبو الوفا ابن عقيل. فقال له ~~قائل: يا سيدي، هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب، وزوج النفوس بقرنائها ~~بالثواب والعقاب، فلم هدم الأبنية وسير الجبال، ودك الأرض، وفطر السماء، ~~ونثر النجوم، وكورت الشمس؟ # فقال: إنما بني لهم الدار للسكنى والتمتع، وجعلها وجعل ما فيها للاعتبار ~~والتفكر والاستدلال عليه: لحسن التأمل والتذكر. فلما انقضت مدة السكنى ~~وأجلاهم من الدار خربها، لانتقال الساكن منها. فأراد أن يعلمهم بأن الكون ~~كان معموا بهم. وفي إحالة الأحوال، وإظهار تلك الأهوال، وبيان المقدرة بعد ~~بيان العزة، وتكذيب لأهل الإلحاد، وزنادقة المنجمين، # PageV01P561 # وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان، فيعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين. فإذا رأوا آلهتهم قد انهدمت، وأن معبوداتهم قد انتثرت وانفطرت، ~~ومحالها قد تشققت ظهرت فضائحهم وتبين كذبهم، وظهر أن العالم مربوب محدث، ~~مدبر، له رب يصرفه كيف يشاء، تكذيبا لملاحدة ms376 الفلاسفة القائلين بالقدم. # فكم لله من حكمة في هدم هذه الدار، ودلالة على عظيم عزته وقدرته، ~~وسلطانه، وانفراده بالربوبية، وانقياد المخلوقات بأسرها لقهره، وإذعانها ~~لمشيئته. فتبارك الله رب العالمين. # PageV01P562 ### | سورة المطففين # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة المطففين (83) : آية 14] # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) # قال: هو الذنب بعد الذنب. وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، حتى يعمى ~~القلب. # وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم. # وأصل هذا: أن القلب يصدأ عن المعصية، فإذا زادت غلب عليه الصدأ حتى يصير ~~رانا، ثم يغلب حتى يصير طبقا وقفلا وختما. فيصير القلب في غشاوة وغلاف، ~~فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس، فصار أعلاه أسفله، فحينئذ ~~يتولاه عدوه، ويسوقه حيث أراد، والمعافى من عافاه الله. # وقال في شفاء العليل. # وأما الران: فقد قال الله تعالى: كلا، بل ران على قلوبهم ما كانوا # PageV01P563 # يكسبون # قال أبو عبيدة: غلب عليها. والخمر ترين على عقل السكران، والموت يرين على ~~الميت، فيذهب به، ومن هذا الحديث أسيفع جهينة وقول عمر: «فأصبح قدرين به» ~~أي غلب عليه، وأحاط به الرين. # وقال أبو معاذ النحوي: الرين أن يسود القلب من الذنوب، والطبع: # أن يطبع على القلب. وهو أشد من الرين. والأقفال أشد من الطبع. وهو أن ~~يقفل على القلب. # وقال الفراء: كثرت الذنوب والمعاصي منهم، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين ~~عليها. # وقال أبو إسحاق: ران غطى، يقال: ران على قلبه الذنب يرين رينا. # أي غشيه. قال: والرين كالغشاء يغشي القلب. ومثله العين. # قلت: أخطأ أبو إسحاق. فالغين ألطف شيء وأرقه. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر ~~الله في اليوم مائة مرة» # وأما الرين والران: فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها وقال مجاهد: هو ~~الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه، فيموت القلب. # وقال مقاتل: غمرت القلوب أعمالهم الخبيثة، # وفي سنن النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن العبد إذا ms377 أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع ~~واستغفر وتاب صقل قلبه. # وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه. وهو الران الذي ذكر الله كلا، بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون» # قال الترمذي: هذا حديث صحيح. # وقال عبد الله بن مسعود «كلما أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود ~~القلب كله» فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على ~~قلوبهم، فكان سبب الران منهم. وهو خلق الله فيهم، فهو خالق السبب # PageV01P564 # ومسببه، لكن السبب باختيار العبد، والمسبب خارج عن قدرته واختياره. ### | [سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 20] # كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم ~~(20) # أخبر تعالى أن كتابهم كتاب مرقوم، تحقيقا. لكونه مكتوبا كتابة حقيقية. ~~وخص تعالى كتاب الأبرار: أنه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقربين من الملائكة ~~والنبيين سادات المؤمنين. ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب الفجار، تنويها بكتاب ~~الأبرار وما وقع لهم به، وإشهارا له وإظهارا لمكانتهم بين خواص خلقه، كما ~~يكتب الملوك تواقيع يعظمون بين الأمراء وخواص أهل المملكة، تنويها باسم ~~المكتوب له، وإشهارا بذكره. وهذا نوع من صلاة الله سبحانه وتعالى وملائكته ~~على عبده. # PageV01P565 ### | سورة الانشقاق # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الانشقاق (84) : آية 19] # لتركبن طبقا عن طبق (19) # أي حالا بعد حال. فأول أطباقه: كونه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنينا، ~~ثم مولودا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم صحيحا أو مريضا، غنيا أو فقيرا، معافى ~~أو مبتلى- إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت، ثم يبعث، ثم ~~يوقف بين يدي الله، ثم يصير الى الجنة أو النار. # فالمعنى: لتركبن حالا بعد حال، ومنزلا بعد منزل، وأمرا بعد أمر. # قال سعيد بن جبير وابن زيد: لتكونن في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرن أغنياء ~~بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى. # وقال عطاء: شدة بعد شدة. # والطبق والطبقة: الحال. ولهذا يقال: كان فلان على طبقات شتى. # قال عمرو بن العاص: «لقد كنت على طبقات ثلاث» أي أحوال. # PageV01P567 # قال ابن الاعرابي: الطبق ms378 الحال على اختلافها. # وقد ذكرنا بعض أطباق الجنين في البطن من حين كونه نطفة إلى وقت ميلاده. ~~ثم نذكر الطباقات بعد ولادته إلى آخرها. # PageV01P568 ### | سورة الطارق # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الطارق (86) : الآيات 5 الى 7] # فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) # قال الزجاج: قال أهل اللغة أجمعون: التربة، موضع القلادة من الصدر، ~~والجمع: ترائب. # وقال أبو عبيدة: الترائب معلق الحلق من الصدر، وهو قول جميع أهل اللغة، ~~وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. يريد صلب الرجل وترائب المرأة. وهو ~~موضع قلادتها، وهو قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو ~~المطابق لهذه الأحاديث، وبذلك أجرى الله العادة في إيجاد ما يوجده من ~~أصلين، كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات. # فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى، كما ينعقد النبات من الماء ~~والتراب والهواء. ولهذا قال تعالى: 6: 101 بديع السماوات والأرض أنى يكون ~~له ولد ولم تكن له صاحبة؟ فإن الولد لا يكون إلا من بين الذكر وصاحبته. # PageV01P569 # ولا ينقض هذا بآدم وحواء أبوينا، ولا بالمسيح، فإن الله سبحانه خلط تراب ~~آدم بالماء حتى صار طينا، ثم أرسل الله الهواء والشمس عليه حتى صار ~~كالفخار، ثم نفخ فيه الروح، وكانت حواء مستلة منه، وجزءا من أجزائه. # والمسيح خلق من ماء مريم، ونفخ الملك. فكانت النفخة له كالأب لغيره. # PageV01P570 ### | سورة والشمس وضحاها # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الشمس (91) : الآيات 9 الى 10] # قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) # المعنى: قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله، وأظهرها، وقد خاب وخسر من ~~أخفاها، وحقرها وصغرها بمعصية الله. # وأصل التدسية: الإخفاء. ومنه قوله تعالى: 16: 49 أم يدسه في التراب ~~فالعاصي يدس نفسه بالمعصية، ويخفي مكانها، ويتوارى من الخلق من سوء ما يأتي ~~به، قد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق. # فالطاعة والبر: تكبر النفس وتعزها وتعليها، حتى تصير أشرف شيء وأكبره، ~~وأزكاه وأعلاه، ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى. ms379 # وبهذا الذل لله حصل لها العز والشرف والنمو، فما صغر النفس مثل ومعصيته ~~الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله. # PageV01P571 ### | سورة الضحى # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الضحى (93) : آية 11] # وأما بنعمة ربك فحدث (11) # في هذا التحديث قولان. # أحدهما: أنه ذكر النعمة والإخبار بها. وقول العبد: أنعم الله علي بكذا ~~وكذا. # قال مقاتل: يعني أشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة من الإيواء مع ~~اليتم، والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة. والتحدث بنعمة الله شكر.. ~~كما # في حديث جابر مرفوعا «من صنع إليه معروف فليجز به، فإن لم يجد ما يجزي به ~~فليثن عليه. فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما ~~لم يعط، كان كلابس ثوبي زور» . # فذكر أقسام الخلق الثلاثة. شاكر النعمة المثني بها، والجاحد لها، والكاتم ~~لها، والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها. فهو متحل بما لم يفعله. # PageV01P573 # وفي أثر آخر مرفوع «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير. ومن لم يشكر الناس ~~لم يشكر الله. والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر. # والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» . # والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة ~~إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة. قال مجاهد: هي النبوة. # وقال الزجاج: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله. # وقال الكلبي: هو القرآن، امره أن يقرأه على الناس. # والصواب: أنه يعم النوعين، إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها، والتحدث بها. ~~وإظهارها من شكرها. # PageV01P574 ### | سورة التكاثر # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف ~~تعلمون (4) # كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين ~~(7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) # أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، ~~حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء ~~التكاثر. # وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا ms380 بأنهم غير مستبقين ولا ~~مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون ~~عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار ~~هي الجنة أو النار. # ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس ~~التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، # PageV01P575 # ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به ~~العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو ~~غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من ~~التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. # وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم: مالي، ~~مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست ~~فأبليت؟» . # ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب ~~هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد ~~عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من ~~الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من ~~أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به ~~يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب ~~به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة ~~والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به ~~في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. # فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا ~~توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، ~~وعملت ms381 فيه بطاعة الله قبل وفاتي رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت فقيل ~~له كلا إنها كلمة هو قائلها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته ~~يسألها، فلا يجاب إليها. # وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت الى الملائكة الذين أمروا ~~بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال ~~الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه # PageV01P576 # وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمرت ~~ما يتذكر فيه من تذكر. # ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ~~ليتذكر ما فاته- أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، ~~لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك ~~شيء يقوله بلسانه، وإنه لو رد لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. # فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه ~~لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال ~~تعالى: 6: 27 ولو ترى إذ وقفوا على النار، فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين. بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل، ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه. # وقوله: كلا لو تعلمون علم اليقين جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ~~ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لما فقد ~~منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا ~~يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب ~~وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح ~~الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء ~~هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلف موجبه ~~عنه اندر شيء. # وفي هذا المعنى قال حسان بن ms382 ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: # سرنا، وساروا إلى بدر، لحتفهم لو يعلمون يقين العلم ما ساروا # PageV01P577 # قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: 78: 4، 5 كلا سيعلمون، ثم كلا سيعلمون. # وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. # والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. # ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. # أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع ~~فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. # الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا ~~وخطرا. # الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ~~ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم ~~الأول. # الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية ~~عذاب القبر. # قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي ~~قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا ~~نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألهاكم التكاثر» # قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كلا سوف تعلمون» في القبر. # الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لترون الجحيم، ثم لترونها عين ~~اليقين فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد ~~الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. # ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة # PageV01P578 # عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله ~~من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله ~~تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ # فالأول سؤال عن سبب استخراجه. # والثاني: عن محل صرفه. كما # في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا تزول قدما ابن آدم ms383 يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن ~~خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: # فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما ~~علم؟» . # وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تزول ~~قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل ~~فيه؟ # وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» # وقال: هذا حديث صحيح «1» . # وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة- يعني من النعيم- أن يقال له: ألم ~~نصح جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟» . # وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لتسئلن ~~يومئذ عن النعيم قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو ~~الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» # وقال: هذا حديث حسن. # وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على ~~عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون» . PageV01P579 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن ذلك سيكون» # إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما ان يرجع إلى ~~السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. # ويدل عليه: # قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح- وقد أكلوا معه رطبا ولحما، ~~وشربوا من الماء البارد- «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» # فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه. # وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالعبد ~~يوم القيامة، كأنه بذج «1» فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول الله: أعطيتك ~~وخولتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ~~ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار» «2» ~~» . # وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، ms384 فيقول الله: ألم أجعل لك ~~سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، ~~أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما ~~نسيتني» . # وقال: هذا حديث صحيح. # وقد زعم طائفة من المفسرين: أن هذا الخطاب خاص بالكفار، وأنهم هم ~~المسؤولون عن النعيم. وذكروا ذلك عن الحسن ومقاتل. واختار الواحدي ذلك. # واحتج بحديث أبي بكر «لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله: # أرأيت أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم، ~~PageV01P580 # وبسر قد ذنب، وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ 43: 17 وهل ~~نجازي إلا الكفور؟. # وقال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول. لأن السورة كلها خطاب للمشركين ~~وتهديد لهم. والمعنى أيضا يشهد بهذا القول، وهو أن الكفار لم يؤدوا حق ~~النعيم عليهم، حيث أشركوا بربهم وعبدوا غيره، فاستحقوا أن يسألوا عما أنعم ~~به عليهم، توبيخا لهم، هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم ~~يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. # قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا ~~أهل النار. # قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة، ولا في أدلة العقل ما يقتضي ~~اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ، وصريح السنة والاعتبار: يدل على ~~عموم الخطاب لكل من اتصف بأنه ألهاه التكاثر. فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض ~~المتصفين بذلك. # ويدل على ذلك: # قول النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة هذه السورة «يقول ابن آدم: مالي ~~مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت- الحديث» وهو في ~~صحيح مسلم # . وقائل ذلك قد يكون مسلما. # وقد يكون كافرا. # ويدل عليه أيضا: الأحاديث التي تقدمت، وسؤال الصحابة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وفهمهم العموم، حتى قالوا له «وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان» ~~فلو كان الخطاب مختصا بالكفار لبين لهم ذلك. # وقال: مالكم ms385 ولها؟ إنما هي للكفار. # فالصحابة فهموا العموم، والأحاديث صريحة في التعميم. والذي أنزل عليه ~~القرآن أقرهم على فهم العموم. # PageV01P581 # وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول. فحديث لا يصح. والحديث ~~الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه. ونحن نسوقه بلفظه. # في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم أو ليلة. فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من ~~بيوتكما في هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول الله. قال: وأنا والذي نفسي ~~بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوما، فقاما معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا ~~هو ليس في بيته. فلما رأته امرأته قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أين فلان؟ قالت: ذهب ليستعذب لنا من الماء، إذ جاء ~~الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فقال: الحمد لله ~~ما أجد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب ~~فقال: كلوا من هذا. فأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إياك والحلوبة. فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا. فلما أن ~~شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: والذي نفسي ~~بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ~~ترجعوا حتى أصبتم هذا النعيم» . # فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب، وأنه غير مختص بالكفار. # وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الإلهاء بالتكاثر واقع بين ~~المسلمين كثيرا، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر. وخطاب القرآن عام لمن بلغه، ~~وإن كان أول من دخل فيه المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ~~متناول لمن بعدهم. وهذا معلوم بضرورة الدين، وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله ~~من المتأخرين. # فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: 2: # PageV01P582 # 183 يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ونظائره، كما دخل تحته الصحابة ~~بالضرورة المعلومة من ms386 الدين. # فقوله: ألهاكم التكاثر خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف. # وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. # فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر. ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور ~~لمن ألهاه. # قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار، لأنه لم يمكنهم ~~حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد، فخصوهم به. # وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في ~~تناول الذم له من حيث هو إنسان. كقوله: 17: 11 وكان الإنسان عجولا 17: 67 ~~وكان الإنسان كفورا 100: 6 إن الإنسان لربه لكنود 33: 73 وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا 22: 66 إن الإنسان لكفور ونظائره كثيرة. # فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما ~~الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه. وليس له ذلك من نفسه. بل ليس ~~له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل ~~وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته، التي هي له ~~من نفسه. ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدا للآخرة، ~~مؤثرا لها على التكاثر بالدنيا. فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في ~~الدنيا ولا بد. # أما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار. فيقال: # الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة. فهذا أمر # PageV01P583 # يحصل لكل أحد، لم يكن حاصلا له في الدنيا. وليس في قوله: سوف تعلمون ما ~~يقتضى دخول النار، فضلا عن التخليد فيها. وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم ~~دخولها لكل من رآها. فإن أهل الموقف يرونها، ويشاهدونها عيانا، وقد أقسم ~~الرب تبارك وتعالى أن لا بد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، وبرهم ~~وفاجرهم 19: 71 وإن منكم إلا واردها. كان على ربك حتما مقضيا. # فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها. # وأما ما ذكروه عن الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. فباطل قطعا، ~~إما عليه وإما منه. والأحاديث الصحيحة الصريحة ms387 ترده. وبالله التوفيق. # ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها. وما تضمنته من ~~تحذير الإنسان عن التكاثر الملهي، وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى ~~اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها. # ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها. والله أعلم. # وتأمل ما في هذا العتاب الراجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته ~~كلها، إلى أن زار القبور، ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه ~~فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات. # وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتعين لك أن العموم مقصود. # وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثر ~~به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا، على اختلاف أجناسها وأنواعها. # وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه. ~~فيكون أكثر منه فيما يتكاثره به. والحامل له على ذلك: توهمه أن # PageV01P584 # العزة للكاثر كما قيل: # ولست بالأكثر منهم غنى ... وإنما العزة للكاثر # فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره، كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة ~~من الصحابة، ولم تضرهم. إذ لم يتكاثروا بها. وكل من كاثر إنسانا في دنياه، ~~أو جاهه، أو غير ذلك، أشغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة. # فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها ~~نفعه، وتكمل به وتزكوا، وتصير مفلحة. فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، ~~وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية ~~سعادة العبد. # وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم. فهذا تكاثر مله عن الله وعن الدار ~~الآخرة. وهو جار إلى غاية القلة. # فعاقبة هذا التكاثر: قل وفقر وحرمان. # والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه. # وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى. وصاحب هذا التكاثر لا ~~يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا، وأحسن منه عملا، وأغزر منه علما. ~~وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال ms388 الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره ~~بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها. وليس هذا التكاثر مذموما، ولا ~~قادحا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. # وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره. # وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق ~~أبي بكر له قال: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا» . # PageV01P585 ### | ### | فصل # # ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن ~~التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم ~~به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة ~~تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ~~ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب ~~تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟. # فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، ~~وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ~~ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. # فصل # وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم ~~مستودعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار. فإذا كانوا عند وصولهم ~~إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ فهم فيها عابرو ~~سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر. # فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، ~~وبعدها النقلة إلى دار القرار. # PageV01P586 ### | سورة الكافرون # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الكافرون (109) : الآيات 3 الى 6] # ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين (6) # «ما» على بابها لأنها واقعة على معبوده صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، ~~لأن امتناعهم ms389 من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ~~ولكنهم كانوا جاهلين به. فقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد أي لا أنتم تعبدون ~~معبودي. ومعبوده هو كان صلى الله عليه وسلم عارفا به دونهم، وهم جاهلون به. ~~هذا جواب بعضهم. # وقال آخرون: إن «ما» هنا مصدرية. لا موصولة، أي لا تعبدون عبادتي. ويلزم ~~من تبرئتهم من عبادته تبرئتهم من المعبود، لأن العبادة متعلقة به، وليس هذا ~~بشيء. إذ المقصود: براءته من معبوديهم، وإعلامه أنهم بريئون من معبوده ~~تعالى. فالمقصود المعبود لا العبادة. # وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته صلى الله عليه وسلم حسدا له، وأنفة من ~~أتباعه. # فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ولكن كراهية لاتباعه صلى ~~الله عليه وسلم، # PageV01P587 # وحرصا على مخالفته في العبادة. وعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى ~~الرفيع إلا لفظ «ما» لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية. # وقيل في ذلك وجه رابع، وهو: قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل ~~قوله: نسوا الله فنسيهم وفمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه فكذلك لا أعبد ما ~~تعبدون ومعبودهم لا يعقل. ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد فاستوى اللفظان، وإن اختلف المعنيان، ولهذا لا يجيء في الأفراد مثل ~~هذا، بل لا يجيء إلا «من» كقوله قل أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر؟ قل من ~~يرزقكم؟ # أمن يملك السمع والأبصار؟ أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر؟ أمن يجيب ~~المضطر إذا دعاه؟ أمن يبدؤا الخلق؟ إلى أمثال ذلك. # وعندي فيه وجه خامس، أقرب من هذا وهو: أن المقصود هنا ذكر المعبود ~~الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها، فأتى ب «ما» الدالة على هذا ~~المعنى. كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق. ولو ~~أتى بلفظة «من» لكانت إنما تدل على الذات فقط، ويكون ذكر الصلة تعريفا، لا ~~أنه هو جهة العبادة. # ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد، وبين أن يكون تعريفا محضا أو ~~وصفا مقتضيا لعبادته. فتأمله ms390 فإنه بديع جدا. وهذا معنى قوله النحاة: # إن «ما» تأتي لصفات من يعلم. # ونظيره فانكحوا ما طاب لكم من النساء لما كان المراد الوصف، وأن السبب ~~الداعي إلى الأمر بالنكاح، وقصده- وهو الطيب- فتنكح المرأة الموصوفة به: ~~أتى ب «ما» دون «من» ، وهذا باب لا ينخرم، وهو من ألطف مسالك العربية. # وإذا قد أفضى الكلام بنا إلى هنا، فلنذكر فائدة ثانية على ذلك، وهي # PageV01P588 # تكرير الأفعال في هذه السورة. # ثم فائدة ثالثة، وهي كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في ~~الموضعين، وأتى في حقهم بالماضي. # ثم فائدة رابعة، وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم بلفظ الفعل المستقبل، ~~وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل. # ثم فائدة خامسة: وهي كون إيراده النفي هنا ب «لا» دون «لن» . # ثم فائدة سادسة، وهي: أن طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات ~~فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد. # والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي. فلا يكون التوحيد ~~إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله» . # فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض، وما سر ذلك؟. # وفائدة سابعة، وهي: ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم ثم نفي عبادتهم ~~عن معبوده؟. # وفائدة ثامنة، وهي: أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين ~~كفروا، والذين هادوا، كقوله: يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم قل يا ~~أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله ولم يجيء: # يا أيها الكافرون إلا في هذا الموضع، فما وجه هذا الاختصاص؟. ### | [سورة الكافرون (109) : آية 6] # لكم دينكم ولي دين (6) # وفائدة تاسعة، وهي: أن في قوله: لكم دينكم ولي دين معنى زائد على النفي ~~المتقدم، فإنه يدل على اختصاص كل بدينه ومعبوده، وقد فهم هذا من النفي فما ~~أفاد التقسيم المذكور؟. # وفائدة عاشرة، وهي: تقديم ذكرهم ومعبودهم في هذا التقسيم والاختصاص، ~~وتقديم ذكر شأنه وفعله في أول السورة. # PageV01P589 # وفائدة حادية عشرة، وهي: أن هذه السورة قد اشتملت على جنسين من ms391 الأخبار: # أحدهما: براءته من معبودهم، وبراءتهم من معبوده، وهذا لازم أبدا. # الثاني: إخباره بأن له دينه ولهم دينهم. # فهل هذا متاركة وسكوت عنهم، فيدخله النسخ بالسيف، أو التخصيص ببعض ~~الكفار، أم الآية باقية على عمومها وحكمها، غير منسوخة ولا مخصوصة؟. # فهذه عشر مسائل في هذه السورة. فقد ذكرنا منها مسألة واحدة، وهي وقوع ~~«ما» فيها بدل «من» . # فلنذكر المسائل التسع مستمدين من فضل الله، مستعينين بحوله وقوته، ~~متبرئين إليه من الخطأ، فما كان من صواب فمنه وحده لا شريك له، وما كان من ~~خطأ فمنا ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه. # فأما المسألة الثانية، وهي: فائدة تكرار الأفعال. فقيل فيها وجوه: # أحدها: أن قوله: لا أعبد ما تعبدون نفى للحال والمستقبل، وقوله: أنتم ~~عابدون ما أعبد مقابله، أي لا تفعلون ذلك. وقوله: # ولا أنا عابد ما عبدتم أي لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي، ولهذا أتى ~~في عبادتهم بلفظ الماضي فقال «ما عبدتم» فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم. ~~وقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد مقابله، أي لم تعبدوا قط في الماضي ما ~~أعبده أنا دائما. # وعلى هذا فلا تكرار أصلا. وقد استوفت الآيات أقسام النفي ماضيا وحالا ~~ومستقبلا عن عبادته وعبادتهم بأوجز لفظ وأخصره وأبينه، وهذا إن شاء الله ~~أحسن ما قيل فيها. فلنقتصر عليه ولا نتعداه إلى غيره. فإن الوجوه # PageV01P590 # التي قيلت في مواضعها، فعليك بها. # وأما المسألة الثالثة، وهي: تكرير الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن ~~نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم. # ففي ذلك سر، وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة الله لنبيه عن الزيغ ~~والانحراف عن عبادة معبوده، والاستبدال به غيره، وأن معبوده الحق واحد في ~~الحال والمآل على الدوام، لا يرضى به بدلا، ولا يبغي عنه حولا، بخلاف ~~الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم. فهم ~~بصدد أن يعبدوا اليوم معبودا، وغدا غيره. فقال: لا أعبد ما تعبدون يعني ~~الآن ولا أنتم عابدون ما أعبد أي الآن أيضا. # ثم قال: ولا ms392 أنا عابد ما عبدتم يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة ~~لما عبدتم أيها الكافرون، وأشبهت «ما» هنا رائحة الشرط، فلذلك وقع بعدها ~~الفعل بلفظ الماضي، وهو مستقبل في المعنى، كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط، ~~كأنه يقول: مهما عبدتم من شيء فلا أعبده أنا. # فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط، وقد عمل فيها الفعل، ولا جواب لها وهي ~~موصولة. فما أبعد الشرط منها؟. # قلنا: لم نقل: إنها نفسها شرط، ولكن فيها رائحة منه، وطرف من معناه ~~لوقوعها على غير معين وإبهامها في المعبودات وعمومها، وأنت إذا ذقت معنى ~~هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديا على صفحاته. فإذا قلت لرجل ما- تخالفه في ~~كل ما يفعل-: أنا لا أفعل ما تفعل. ألست ترى معنى الشرط قائما في كلامك ~~وقصدك، وأن روح هذا الكلام: مهما فعلت من شيء فإني لا أفعله؟. # وتأمل ذلك من مثل قوله تعالى: قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟ كيف ~~تجد معنى الشرطية فيه؟ حتى وقع الفعل بعد «من» بلفظ الماضي، والمراد به ~~المستقبل، وأن المعنى: من كان في المهد صبيا # PageV01P591 # كيف نكلمه؟ وهذا هو المعنى الذي حام حوله من قال من المفسرين والمعربين: ~~أن «كان» نبيا. بمعنى «يكون» لكنهم لم يأتوا إليه من بابه، بل ألقوه عطلا ~~من تقدير وتنزيل، وعزب فهم غيرهم عن هذا، للطفه ودقته. # فقالوا: «كان» زائدة. # والوجه ما أخبرتك به، فخذه عفوا، لك غنمه، وعلي غرمه. هل على «من» في ~~الآية قد عمل فيها الفعل وليس لها جواب، ومعنى الشرطية قائم فيها فكذلك في ~~قوله: ولا أنا عابد ما عبدتم وهذا كله مفهوم من كلام فحول النحاة كالزجاج ~~وغيره. # فإذا ثبت هذا فقد صحت الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضي من ~~قوله: ولا أنا عابد ما عبدتم بخلاف قوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد لبعد ~~«ما» فيها عن معنى الشرط، تنبيها من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبود ~~سواه، وأن يتنقل في المعبودات تنقل الكافرين. # وأما ms393 المسألة الرابعة هي: أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي ~~جهته جاء بالفعل تارة وباسم الفاعل أخرى. # فذلك- والله أعلم- لحكمة بديعة وهي: أن المقصود الأعظم براءته من ~~معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت. فأتى أولا بصيغة الفعل الدالة على الحدوث ~~والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل في الثاني: أن هذا ~~ليس وصفي ولا شأني، فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلا لي ولا وصفا ~~لي. فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي. وأما في حقهم فإنما أتى بالاسم ~~الدال على الوصف والثبوت دون الفعل. أي إن الوصف الثابت اللازم العائد لله ~~منتف عنكم، فليس هذا الوصف ثابتا لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده ~~بالعبادة، ولم يشرك معه فيها أحدا، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه. ~~وإن عبدوه في بعض الأحيان، فإن المشرك # PageV01P592 # يعبد الله ويعبد معه غيره، كما قال أهل الكهف وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون ~~إلا الله أي اعتزلتم معبوديهم، إلا الله، فإنكم لم تعتزلوه. وكذا قال ~~المشركون عن معبوديهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فهم كانوا ~~يعبدون معه غيره، فلم ينف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفى الوصف لأن من عبد ~~غير الله لم يكن ثابتا على عبادة الله موصوفا بها. # فتأمل هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد لله، ~~وأنه عبده المستقيم على عبادته: إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه ~~تبتيلا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدا في عبادته، وأنه إن عبده ~~وأشرك معه غيره، فليس عابدا لله، ولا عبدا له. # وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة، التي هي إحدى سورتي الإخلاص، ~~التي تعدل ربع القرآن، كما جاء في بعض السنن. وهذا لا يفهمه كل أحد، ولا ~~يدركه إلا من منحه الله فهما من عنده. فله الحمد والمنة. # وأما المسألة الخامسة، وهي: أن النفي في هذه السورة أتى بأداة «لا» دون ~~«لن» فلما تقدم تحقيقه عن قرب أن النفي «بلا» أبلغ ms394 منه «بلن» وأنها أدل على ~~دوام النفي وطوله من «لن» وأنها للطول والمد الذي في لفظها طال النفي بها ~~واشتد، وأن هذا ضد ما فهمته الجهمية والمعتزلة من أن «لن» إنما تنفي ~~المستقبل ولا تنفي الحال المستمر النفي في الاستقبال، وقد تقدم تقرير ذلك ~~بما لا تكاد تجده في غير هذا التعليق، فالإتيان «بلا» متعين هنا. والله ~~أعلم. # وأما المسألة السادسة، وهي: اشتمال هذه السورة على النفي المحض، فهذا هو ~~خاصة هذه السورة العظيمة، فإنها سورة البراءة من الشرك، كما جاء في وصفها: ~~أنها براءة من الشرك. فمقصودها الأعظم: # هو البراءة المطلوبة. وهذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحا. فقوله: لا # PageV01P593 # أعبد ما تعبدون # براءة محضة ولا أنتم عابدون ما أعبد إثبات أن له معبودا يعبده وحده، ~~وأنتم بريئون من عبادته، فتضمنت النفي والإثبات، وطابقت قول إبراهيم إمام ~~الحنفاء 43: 27 إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني وطابقت قول الفئة ~~الموحدة 18: 16 وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فانتظمت حقيقة «لا إله ~~إلا الله» ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرنها بسورة قل هو الله أحد ~~في سنة الفجر وسنة المغرب. # فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا ~~نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن ~~تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد، وأنه إله أحد ~~صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا أحد فيكون ~~له نظير. ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها. # فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به ~~من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا. فهذا توحيد العلم والاعتقاد. # والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في ~~عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود. # وسورة قل يا أيها الكافرون مشتملة على هذا التوحيد. # فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان صلى الله عليه ms395 وسلم ~~يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب. # وفي السنن «أنه كان يوتر بهما» # فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار. # ومن هنا تخريج جواب المسألة السابعة. وهي: تقديم براءته من معبودهم، ثم ~~أتبعها ببراءتهم من معبوده فتأمله. # وأما المسألة الثامنة. وهي: إثباته هنا بلفظ يا أيها الكافرون دون # PageV01P594 # يا أيها الذين كفروا فسره- والله أعلم- إرادة الدلالة على أن من كان ~~الكفر وصفا ثابتا له لازما لا يفارقه، فهو حقيق أن يتبرأ الله منه، ويكون ~~هو أيضا بريئا من الله، فحقيق بالموحد البراءة منه، فكان في معرض البراءة ~~التي هي غاية البعد والمجانبة بحقيقة حاله، التي هي غاية الكفر، وهو الكفر ~~الثابت اللازم، في غاية المناسبة، فكأنه يقول: كما أن الكفر لازم لكم ثابت ~~لا تنتقلون عنه فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة لي دائما أبدا، ولهذا أتى ~~فيها بالنفي الدال على الاستمرار في مقابلة الكفر الثابت المستمر. وهذا ~~واضح. # وأما المسألة التاسعة. وهي: ما هي الفائدة في قوله: لكم دينكم ولي دين ~~وهل أفاد هذا معنى زائدا على ما تقدم؟. # فيقال: في ذلك من الحكمة- والله أعلم- أن النفي الأول أفاد البراءة وأنه ~~لا يتصور منه، ولا ينبغي له: أن يعبد معبوديهم، وهم أيضا لا يكونون عابدين ~~لمعبوده، وأفاد آخر السورة إثبات ما تضمنه النفي من جهتهم من الشرك والكفر ~~الذي هو حظهم وقسمهم ونصيبهم، فجرى ذلك مجرى من اقتسم هو وغيره أرضا فقال ~~له: لا تدخل في حدى، ولا أدخل في حدك، لك أرضك، ولي أرضي. # فتضمنت الآية أن هذه البراءة اقتضت أنا اقتسمنا خطتنا بيننا، فأصابنا ~~التوحيد والإيمان، فهو نصيبنا وقسمنا الذي نختص به لا تشركونا فيه، وأصابكم ~~الشرك بالله والكفر به، فهو نصيبكم وقسمكم الذي تختصون به لا نشرككم فيه، ~~فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه. # وهذه المعاني ونحوها إذا تجلت للقلوب. رافلة في حللها، فإنها تسبي القلوب ~~وتأخذ بمجامعها، ومن لم يصادف من قلبه حياة فهي خود تزف إلى ضرير ms396 مقعد، ~~فالحمد لله على مواهبه التي لا منتهي لها، ونسأله إتمام نعمته. # وأما المسألة العاشرة. وهي: تقديم قسمهم ونصيبهم على قسمه # PageV01P595 # ونصيبه، وفي أول السورة قدم ما يختص به على ما يختص بهم. # فهذا من أسرار الكلام، وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة ~~وفرسانها، فإن السورة ما اقتضت البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه ~~وبينهم، ورضى كل بقسمه، وكان المحق هو صاحب القسمة، وقد أبرز النصيبين وميز ~~القسمين، وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون، الذي لا أردأ منه ولا أدون، وأنه ~~هو قد استولى على القسم الأشرف والحظ الأعظم، بمنزلة من اقتسم هو وغيره سما ~~وشفاء، فرضي مقاسمة بالسم، فإنه يقول له: لا تشاركني في قسمي، ولا أشاركك ~~في قسمك، لك قسمك، ولي قسمي. # فتقدم ذكر قسمه هنا أحسن وأبلغ، كأنه يقول: هذا هو قسمك الذي آثرته ~~بالتقدم وزعمت أنه أشرف القسمين، وأحقهما بالتقديم، فكان في تقديم ذكر قسمه ~~من التهكم بهم، والنداء على سوء اختيارهم، وقبح ما رضوه لأنفسهم من الحسن ~~والبيان، ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه، والحاكم في هذا هو الذوق. ~~والفطن يكتفي بأدنى إشارة، وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان. # ووجه ثان. وهو: أن مقصود السورة براءته صلى الله عليه وسلم من دينهم ~~ومعبودهم، هذا هو لبها ومغزاها، وجاء ذكر براءتهم من دينه ومعبوده بالقصد ~~الثاني، مكملا لبراءته ومحققا لها، فلما كان المقصود براءته من دينهم بدأ ~~به في أول السورة، ثم جاء قوله: لكم دينكم مطابقا لهذا المعنى، أي لا ~~أشارككم في دينكم، ولا أوافقكم عليه، بل هو دين باطل تختصون أنتم به ولا ~~أشارككم فيه أبدا. فطابق آخر السورة أولها، فتأمل. # وأما المسألة الحادية عشرة. وهي: أن هذا الإخبار بأن لهم دينهم وله دينه، ~~هل هو إقرار؟ فيكون منسوخا، أولا نسخ في الآية ولا تخصيص؟. # فهذه مسألة شريفة من أهم المسائل المذكورة، وقد غلط في السورة خلائق ~~وظنوها منسوخة بآية السيف، لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير # PageV01P596 # لهم على ms397 دينهم، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل ~~الكتاب، وكلا القولين غلط محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، ~~وعمومها نص محفوظ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإن ~~أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه، وهذه ~~السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم. # ومنشأ الغلط: ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم، ثم رأوا أن هذا ~~الإقرار زال بالسيف، فقالوا: هو منسوخ. # وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار، وهم من لا كتاب لهم. فقالوا: # هذا مخصوص بأهل الكتاب. # ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرا لهم أو إقرارا على دينهم أبدا، ~~فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه ~~أشد في الإنكار عليهم، وعيب دينهم، وتقبيحه والنهي عنه، والتهديد والوعيد ~~لهم كل وقت، وفي كل ناد، وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم. وعيب دينهم، ~~ويتركونه وشأنه، فأبى إلا مضيا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال: ~~إن الآية اقتضت تقريره لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل، إنما الآية ~~اقتضت براءته المحضة كما تقدم، وأن ما أنتم عليه من الدين لا نوافقكم عليه ~~أبدا، فإنه دين باطل، فهو مختص بكم، لا نشارككم فيه، ولا أنتم تشاركوننا في ~~ديننا الحق. وهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين ~~الإقرار؟ حتى يدعو النسخ أو التخصيص؟. # أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال لكم دينكم ولي ~~دين؟ بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر ~~الله منهم عباده وبلاده. # وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل سنته ~~وبين أهل # PageV01P597 # البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته، إذا قال لهم خلفاء ~~الرسول وورثته: لكم دينكم ولنا ديننا. لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم، بل ~~يقولون لهم هذا: براءة منهم ومن بدعتهم. وهم مع ms398 هذا منتصبون للرد عليهم ~~ولجهادهم بحسب الإمكان. # فهذا ما فتح الله العظيم به من هذه الكلمات اليسيرة، والنبذة المثيرة إلى ~~عظمة هذه السورة، وجلالتها ومقصودها، وبديع نظمها من غير استعانة بتفسير، ~~ولا تتبع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه، بل هي استجلاء مما علمه الله ~~وألهمه، بفضله وكرمه، والله يعلم أني لو وجدتها في كتاب لأضفتها إلى ~~قائلها، وبالغت في استحسانها. وعسى الله، المان بفضله الواسع العطاء الذي ~~عطاؤه على غير قياس المخلوقين: أن يعين على تعليق تفسير على هذا النمط وهذا ~~الأسلوب. # وقد كتبت على مواضع متفرقة من القرآن بحسب ما يسنح من هذا النمط وقت ~~مقامي بمكة وبالبيت المقدس. والله المرجو إتمام نعمته. # PageV01P598 ### | سورة الفلق # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر ~~النفاثات في العقد (4) # ومن شر حاسد إذا حسد (5) بسم الله الرحمن الرحيم # روى مسلم في صحيحه من حديث قيس بن حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: أعوذ ~~برب الفلق. أعوذ برب الناس» . # وفي لفظ آخر من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن عقبة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال له «ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ قلت: بلى. ~~قال: # قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس» . # وفي الترمذي: حدثنا قتيبة أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن علي ~~بن رباح عن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ ~~بالمعوذتين في دبر كل صلاة» # وقال: هذا حديث غريب. # وفي الترمذي والنسائي وسنن أبي داود. عن عبد الله بن حبيب قال: «خرجنا في ~~ليلة مطر وظلمة، نطلب النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا، فأدركناه، فقال: # قل. فلم أقل شيئا. ثم قال: قل. فلم أقل شيئا. ثم قال: قل. ms399 قلت: # PageV01P599 # يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل: قل هو الله أحد والمعوذتين، حين تمسي ~~وحين تصبح، ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء» . # قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وفي الترمذي أيضا: من حديث الجريري عن أبي هريرة عن أبي سعيد قال: «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت ~~المعوذتان. فلما نزلتا أخذهما وترك ما سواهما» قال: وفي الباب عن أنس. # وهذا حديث غريب. # وفي الصحيحين عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى ~~فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه. ~~وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به» ~~. # قلت: هكذا رواه يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة. ذكره البخاري. # ورواه مالك عن الزهري عن عروة عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث. فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، ~~وأمسح عليه بيده، رجاء بركتها» # وكذلك # قال معمر عن الزهري عن عروة عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث ~~على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن ~~وأمسح بيد نفسه لبركتها. فسألت ابن شهاب: كيف كان ينفث؟ قال: ينفث على يديه ~~ثم يمسح بهما وجهه» ذكره البخاري # أيضا. # وهذا هو الصواب: أن عائشة كانت تفعل ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يأمرها ولم يمنعها من ذلك. وأما أن يكون استرقى وطلب منها أن ترقيه فلا ~~ولعل بعض الرواة رواه بالمعنى. فظن أنها لما فعلت ذلك وأقرها النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أنه # PageV01P600 # كان يأمرها. وفرق بين الأمرين. ولا يلزم من كون النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد أقرها على رقيته أن يكون هو مسترقيا. فليس أحدهما بمعنى الآخر. ولعل ~~الذي كان يأمرها به: إنما هو المسح على نفسه بيده. فيكون هو الراقي لنفسه ~~ويده لما ضعفت عن التنقل ms400 على سائر بدنه أمرها أن تنقلها على بدنه. ويكون ~~هذا غير قراءتها هي عليه، ومسحها على بدنه. فكانت تفعل هذا وهذا. والذي ~~أمرها به إنما هو نقل يده لا رقيته. والله أعلم. # والمقصود: الكلام على هاتين السورتين. وبيان عظيم منفعتهما، وشدة الحاجة ~~بل الضرورة إليهما. وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرا خاصا في ~~دفع السحر والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين ~~السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس، فنقول والله ~~المستعان: # قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول. وهي أصول الاستعاذة. # أحدها: نفس الاستعاذة. # والثانية: المستعاذ به. # والثالثة: المستعاذ منه. # فبمعرفة ذلك تعرف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين. # فنعقد لهما ثلاثة فصول: ### | الفصل الأول # : في الاستعاذة. والثاني: في المستعاذ به. والثالث في المستعاذ منه. # الفصل الأول # اعلم أن لفظة «عاذ» وما تصرف منها تدل على التحرز والتحصن والنجاة. ~~وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. # ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذا، كما يسمى: ملجأ ووزرا. # PageV01P601 # وفي الحديث «أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فوضع ~~يده عليها، قالت: أعوذ بالله منك. فقال لها. لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك» . # فمعنى «أعوذ» ألتجئ وأعتصم، وأتحرز. # وفي أصله قولان. أحدها: أنه مأخوذ من الستر. # والثاني: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة. # فأما من قال: إنه من الستر فقال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة ~~التي قد استتر بها «عوذ» بضم العين وتشديد الواو وفتحها، فكأنه لما عاذ ~~بالشجرة واستتر بأصلها وظلها: سموه عوذا. فكذلك العائذ قد استتر من عدوه ~~بمن استعاذ به منه واستجن به منه. # ومن قال: هو لزوم المجاورة قال: العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم ~~يتخلص منه «عوذ» لأنه اعتصم به، واستمسك به. فكذلك العائذ قد استمسك ~~بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه. # والقولان حق. والاستعاذة تنتظمهما معا. فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، ~~مستمسك به، معتصم به. قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا ms401 ~~أشهر عليه عدوه سيفا وقصده به، فهرب منه. فعرض له أبوه في طريق هربه. فإنه ~~يلقي نفسه عليه، ويستمسك به أعظم استمساك. فكذلك العائذ قد هرب من عدوه ~~الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم ~~به، والتجأ إليه. # وبعد، فمعنى الاستعاذة القائم بقلب المؤمن وراء هذه العبارات. # وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الالتجاء ~~والاعتصام، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه: # أمر لا تحيط به العبارة. # PageV01P602 # ونظير هذا: التعبير عن معنى محبته وخشيته، وإجلاله ومهابته. فإن العبارة ~~تقصر عن وصف ذلك، ولا تدرك إلا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الوصف والخبر، كما ~~أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنين لم تخلق له شهوة أصلا، فمهما قربتها وشبهتها ~~بما عساك أن تشبهها به، لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه. فإذا وصفتها لمن ~~خلقت الشهوة فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق. # وأصل هذا الفعل: «أعوذ» بتسكين العين وضم الواو، ثم أعل بنقل حركة الواو ~~إلى العين وتسكين الواو. فقالوا: أعوذ على أصل هذا الباب، ثم طردوا إعلاله، ~~فقالوا في اسم الفاعل: عائذ. وأصله: عاوذ. فوقعت الواو بعد ألف فاعل، ~~فقلبوها همزة، كما قالوا: قائم، وخائف. وقالوا في المصدر: عياذا بالله. ~~وأصله: عواذا كلوذ، فقلبوا الواو ياء لكسرة ما قبلها، ولم تحصنها حركتها. ~~لأنها قد ضعفت بإعلالها في العمل. وقالوا: # مستعيذ. وأصله: مستعوذ، كمستخرج، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها، ~~فلما كسرت العين قبلت قبلها كسرة، فقلبت ياء على أصل الباب. # فإن قلت: فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل، كقوله: # 16: 98 فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ولم تدخل في الماضي والمضارع، بل ~~الأكثر أن يقال: أعوذ بالله، وتعوذت، دون أستعيذ، واستعذت؟. # قلت: السين والتاء دالة على الطلب، فقوله: أستعيذ بالله، أي أطلب العياذ ~~به. كما إذا قلت: أستخير الله: أي أطلب خيرته، وأستغفره. # أي أطلب مغفرته. وأستقيله. أي أطلب إقالته. فدخلت في الفعل إيذانا بطلب ~~هذا المعنى من ms402 المعاذ. فإذا قال المأمور: أعوذ بالله. فقد امتثل ما طلب ~~منه. لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام. وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام، ~~وبين طلب ذلك. فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما # PageV01P603 # بالله، أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك فتأمله. # وهذا بخلاف ما إذا قيل: استغفر الله. فقال: أستغفر الله. فإنه طلب منه أن ~~يطلب المغفرة من الله. فإذا قال: أستغفر الله، كان ممتثلا. لأن المعنى: ~~أطلب من الله أن يغفر لي. # وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين والتاء، ~~فيقول: أستعيذ بالله. أي أطلب منه أن يعيذني. ولكن هذا معنى غير نفس ~~الاعتصام والالتجاء والهرب إليه. # فالأول: مخبر عن حاله وعياذه بربه. وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه. # والثاني: طالب سائل من ربه أن يعيذه. كأنه يقول: أطلب منك أن تعيذني. # فحال الأول أكمل. ولهذا # جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في امتثال هذا الأمر «أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم» . و «أعوذ بكلمات الله التامات» . و «أعوذ بعزة الله ~~وقدرته» # دون: أستعيذ، بل الذي علمه الله إياه أن يقول: أعوذ برب الفلق أعوذ برب ~~الناس دون أستعيذ. فتأمل هذه الحكمة البديعة. # فإن قلت: فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به، فقال: # قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ومعلوم أنه إذا قيل: # قل الحمد لله، وقل: سبحان الله فإن امتثاله أن يقول: الحمد لله، وسبحان ~~الله، ولا يقول: قل سبحان الله. # قلت: هذا هو السؤال الذي أورده أبي بن كعب على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعينه، وأجابه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقد قال البخاري في صحيحه. حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن عاصم وعبدة عن زر ~~بن حبيش قال: «سألت أبي بن كعب عن # PageV01P604 # المعوذتين؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال. قيل لي، ~~فقلت. فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» ثم قال: حدثنا علي ~~بن عبد الله حدثنا ms403 سفيان حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش. وحدثنا ~~عاصم عن زر قال «سألت أبي بن كعب. قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول ~~كذا وكذا. فقال: إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: قيل لي، ~~فقلت: قل. # فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» . # قلت: مفعول القول محذوف، وتقديره: قيل لي قل، أو قيل لي هذا اللفظ. فقلت ~~كما قيل لي. # وتحت هذا من السر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له في القرآن إلا ~~إبلاغه، لا أنه هو أنشأه من قبل نفسه، بل هو المبلغ له عن الله. وقد قال ~~الله له: # قل أعوذ برب الفلق فكان مقتضى البلاغ التام أن يقول: قل أعوذ برب الفلق ~~كما قال الله. وهذا هو المعنى الذي # أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه بقوله «قيل لي، فقلت» # أي إني لست مبتدئا، بل أنا مبلغ، أقول كما يقال لي، وأبلغ كلام ربي كما ~~أنزله إلي. # فصلوات الله وسلامه عليه، لقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وقال كما قيل ~~له. فكفانا من المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممن يقول: هذا القرآن العربي ~~وهذا النظم كلامه ابتدأ هو به. ففي هذا الحديث أبين الرد لهذا القول، وأنه ~~صلى الله عليه وسلم بلغ القول الذي أمر بتبليغه على وجهه ولفظه، حتى إنه ~~لما قيل له «قل» قال هو «قل» لأنه مبلغ محض. وما على الرسول إلا البلاغ. ### | الفصل الثاني # في المستعاذ. وهو الله وحده، رب الفلق. ورب الناس، ملك الناس، إله الناس. ~~الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه، بل هو الذي يعيذ ~~المستعيذين، ويعصمهم. ويمنعهم من شر ما # PageV01P605 # استعاذوا من شره. وقد أخبر تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه: أن استعاذته ~~زادته طغيانا ورهقا. فقال حكاية عن مؤمني الجن: 72: 6 وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا جاء في التفسير: أنه «كان الرجل ~~من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى ms404 في أرض قفر، قال: أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من شر سفهاء قومه. فيبيت في أمن وجوار منهم، حتى يصبح» أي فزاد ~~الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رهقا أي طغيانا وإثما وشرا. يقولون: سدنا ~~الانس والجن. و «الرهق» في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم. فزادوهم بهذه ~~الاستعاذة غشيانا لما كان محظورا من الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا ~~الإنس والجن. # واحتج أهل السنة على المعتزلة، في أن كلمات الله غير مخلوقة: بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استعاذ # بقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات» # وهو صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق أبدا. # ونظير ذلك: # قوله: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» # فدل على أن رضاه وعفوه من صفاته، وأنه غير مخلوق. وكذلك # قوله: «أعوذ بعزة الله وقدرته» # وقوله: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» # وما استعاذ به النبي صلى الله عليه وسلم غير مخلوق، فإنه لا يستعيذ إلا ~~بالله، أو بصفة من صفاته. # وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب، والملك، والإله. # وجاءت الربوبية فيهما مضافة إلى الفلق، وإلى الناس. ولا بد من أن يكون ما ~~وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة. # ويقتضى دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها. # وقد قررنا في مواضع متعددة: أن الله سبحانه يدعى بأسمائه الحسنى. # فيسأل لكل مطلوب باسم يناسبه ويقتضيه. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في هاتين السورتين «أنه ما تعوذ ~~المتعوذون بمثلهما» # فلا بد أن يكون الاسم المستعاذ به # PageV01P606 # مقتضيا للمطلوب. وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه. # وإنما يتقرر هذا بالكلام في ### | ال ### | فصل # الثالث. وهو الشيء المستعاذ منه. # فتتبين المناسبة المذكورة. فنقول: # الفصل الثالث # في أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين. # الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين: # إما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها. فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه. ويكون ~~هذا الشر هو الذنوب وموجباتها. وهو أعظم الشرين وأدومهما، وأشدهما اتصالا ~~بصاحبه. # وإما شر واقع به من غيره. وذلك الغير إما مكلف أو ms405 غير مكلف، والمكلف إما ~~نظيره، وهو الإنسان، أو ليس نظيره، وهو الجني. وغير المكلف: مثل الهوام ~~وذوات الحمة «1» وغيرها. # فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه، ~~وأدله على المراد، وأعمه استعاذة، بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت ~~الشر المستعاذ منه فيهما. # فإن سورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة. # أحدها: شر المخلوقات التي لها شر عموما. # الثاني: شر الغاسق إذا وقب. # الثالث: شر النفاثات في العقد. # الرابع شر الحاسد إذا حسد. PageV01P607 # فنتكلم على هذه الشرور الأربعة ومواقعها واتصالها بالعبد، والتحرز منها ~~قبل وقوعها، وبماذا تدفع بعد وقوعها؟. # وقبل الكلام في ذلك لا بد من بيان الشر: ما هو؟ وما حقيقته؟. # فنقول: الشر. يقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضى إليه. # وليس له مسمى سوى ذلك. فالشرور: هي الآلام وأسبابها. فالمعاصي والكفر ~~والشرك وأنواع الظلم: هي شرور، وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض ولذة، لكنها ~~شرور. لأنها أسباب للآلام، ومفضية إليها، كإفضاء سائر الأسباب إلى ~~مسبباتها. فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى ~~الذبح والإحراق بالنار، والخنق بالحبل، وغير ذلك من الأسباب التي تكون ~~مفضية إلى مسبباتها، ولا بد، ما لم يمنع من السبية مانع، أو يعارض السبب ما ~~هو أقوى منه وأشد اقتضاء لضده، كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان، وعظم ~~الحسنات الماحية وكثرتها. فيزيد في كميتها أو كيفيتها على أسباب العذاب. ~~فيدفع الأقوى الأضعف. # وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة، كأسباب الصحة والمرض، وأسباب الضعف ~~والقوة. # والمقصود: أن هذه الأسباب التي فيها لذة ما هي شر، وإن نالت بها النفس ~~مسرة عاجلة. وهي بمنزلة طعام لذيذ شهي لكنه مسموم، إذا تناوله الآكل لذ ~~لأكله وطاب له مساغه، وبعد قليل يفعل به ما يفعل. فهكذا المعاصي والذنوب ~~ولا بد، حتى لو لم يخبر الشارع بذلك لكان الواقع والتجربة والخاصة والعامة ~~من أكبر شهوده. # وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته؟ فإن الله إذا أنعم على عبد ~~نعمة حفظها ms406 عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه ~~13: 11 إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا فلا مرد له. وما لهم من دونه من وال. # PageV01P608 # 8: 53 ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم. # ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم، وجد ~~سبب ذلك جميعه: إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله. # وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم من نعمه. وجد ذلك ~~كله من سوء عواقب الذنوب، كما قيل: # إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم # فما حفظت نعمة الله بشيء قط مثل طاعته. ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره. ~~ولا زالت عن العبد نعمة بمثل معصيته لربه. فإنها نار النعم التي تعمل فيها ~~كما تعمل النار في الحطب اليابس. ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن ~~تعريف غيره له. # والمقصود: أن هذه الأسباب شرور ولا بد. # وأما كون مسبباتها شرورا: فلأنها آلام نفسية وبدنية. فيجتمع على صاحبها ~~مع شدة الألم الحسي ألم الروح بالهموم والغموم والأحزان والحسرات. ولو تفطن ~~العاقل اللبيب لهذا حق التفطن لأعطاه حقه من الحذر والجد في الهرب. ولكن قد ~~ضرب على قلبه حجاب الغفلة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فلو تيقظ حق التيقظ ~~لتقطعت نفسه في الدنيا، حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من الله. ~~وإنما يظهر له هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم، والإشراف والاطلاع ~~على عالم البقاء فحينئذ يقول: # 89: 24 يا ليتني قدمت لحياتي و 39: 56 يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله. # ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها، كانت استعاذات النبي صلى الله عليه ~~وسلم جميعها مدارها على هذين الأصلين. فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة ~~منه فهو إما # PageV01P609 # مؤلم، وإما سبب يفضى إليه، فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع. وأمر ~~بالاستعاذة منهن وهي: ms407 «عذاب القبر، وعذاب النار» فهذان أعظم المؤلمات ~~«وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال» وهذان سبب العذاب المؤلم. ~~فالفتنة سبب العذاب. وذكر الفتنة خصوصا. وذكر نوعي الفتنة. # لأنها إما في الحياة وإما بعد الموت. ففتنة الحياة: قد يتراخى عنها ~~العذاب مدة، وأما فتنة بعد الموت فيتصل بها العذاب من غير تراخ. # فعادت الاستعاذة إلى الاستعاذة من الألم والعذاب وأسبابها. # وهذا من آكد أدعية الصلاة، حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم ~~يدع به في التشهد الأخير. وأوجبه ابن حزم في كل تشهد. فإن لم يأت به فيه ~~بطلت صلاته. # ومن ذلك # قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز ~~والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال» # فاستعاذ من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان. # فالهم والحزن قرينان، وهما من آلام الروح ومعذباتها. والفرق بينهما: أن ~~الهم توقع الشر في المستقبل. والحزن: هو التألم على حصول المكروه في ~~الماضي، أو فوات المحبوب، وكلاهما تألم وعذاب يرد على الروح. فإن تعلق ~~بالماضي سمي حزنا. وإن تعلق بالمستقبل سمى هما. # والعجز والكسل قرينان، وهما من أسباب الألم. لأنهما يستلزمان فوات ~~المحبوب. فالعجز يستلزم عدم القدرة. والكسل يستلزم عدم إرادته. # فتتألم الروح لفواته بحسب تعلقها به، والتذاذها بإدراكه لو حصل. # والجبن والبخل قرينان. لأنهما عدم النفع بالمال والبدن. وهما من أسباب ~~الألم. لأن الجبان تفوته محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة، لا تنال إلا ~~بالبذل والشجاعة. والبخل يحول بينه وبينها. فهذان الخلقان من أعظم أسباب ~~الآلام. # PageV01P610 # وضلع الدين، وقهر الرجال: قرينان. وهما مؤلمان للنفس معذبان لها. أحدهما: ~~قهر بحق، وهو ضلع الدين. والثاني: قهر بباطل، وهو غلبة الرجال. # وأيضا: فضلع الدين. قهر بسبب من العبد في الغالب. وغلبة الرجال قهر بغير ~~اختياره. # ومن ذلك تعوذه صلى الله عليه وسلم «من المأثم والمغرم» فإنهما يسببان ~~الألم العاجل. # ومن ذلك # قوله: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» # فالسخط: سبب الألم، والعقوبة: هي الألم، فاستعاذ من أعظم الآلام وأقوى ~~أسبابها. ### | ### | فصل # ms408 # والشر المستعاذ منه نوعان. # أحدهما: موجود، يطلب رفعه. والثاني: معدوم، يطلب بقاؤه على العدم، وأن لا ~~يوجد. كما أن الخير المطلق نوعان. أحدهما: موجود فيطلب دوامه وثباته وأن لا ~~يسلبه. والثاني: معدوم فيطلب وجوده وحصوله. # فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين. وعليها مدار ~~طلباتهم. # وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر ~~آل عمران في قولهم: ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان: أن آمنوا بربكم. ~~فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا فهذا الطلب لدفع الشر ~~الموجود. فإن الذنوب والسيئات شر، كما تقدم بيانه. ثم قال: # وتوفنا مع الأبرار فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم ~~عليه. فهذان قسمان. # PageV01P611 # ثم قال: ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم ~~إياه. ثم قال: ولا تخزنا يوم القيامة فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر ~~المعدوم، وهو خزي يوم القيامة. # فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام، مرتبة أحسن ترتيب، قدم ~~فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة ودوام الإسلام إلى الموت. # ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة، وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة ~~رسله، وأن لا يخزيهم يوم القيامة. # فإذا عرف هذا. # فقوله صلى الله عليه وسلم في تشهد الخطبة «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~وسيئات أعمالنا» # يتناول الاستعاذة من شر النفس، الذي هو معدوم لكنه فيها بالقوة. فيسأل ~~دفعه وأن لا يوجد. # وأما قوله: «من سيئات أعمالنا» ففيه قولان. # أحدهما: أنه استعاذة من الأعمال السيئة التي قد وجدت. فيكون الحديث قد ~~تناول نوعي الاستعاذة من الشر المعدوم الذي لم يوجد، ومن الشر الموجود. ~~فطلب دفع الأول ورفع الثاني. # والقول الثاني: أن سيئات الأعمال هي عقوباتها وموجباتها السيئة التي تسوء ~~صاحبها. وعلى هذا يكون من استعاذة الدفع أيضا دفع المسبب. # والأول دفع السبب. فيكون قد استعاذ من حصول الألم وأسبابه. # وعلى الأول: تكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى ~~جنسه. فإن الأعمال ms409 جنس وسيئاتها نوع منها. # وعلى الأول: تكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى ~~جنسه. فإن الأعمال جنس وسيئاتها نوع منها. # وعلى الثاني: تكون من باب إضافة المسبب إلى سببه، والمعلول إلى علته. ~~كأنه قال: من عقوبة عملي. والقولان محتملان. # PageV01P612 # فتأمل أيهما أليق بالحديث وأولى به. فإن مع كل واحد منهما نوعا من ~~الترجيح. فيترجح الأول بأن منشأ الأعمال السيئة من شر النفس. فشر النفس ~~يولد الأعمال السيئة، فاستعاذ من صفة النفس، ومن الأعمال التي تحدث عن تلك ~~الصفة. وهذان جماع الشر، وأسباب كل ألم. فمتى عوفي منهما عوفي من الشر ~~بحذافيره. # ويترجح الثاني: بأن سيئات الأعمال هي العقوبات التي تسوء العامل، ~~وأسبابها شر النفس، فاستعاذ من العقوبات والآلام وأسبابها. # والقولان في الحقيقة متلازمان. والاستعاذة من أحدهما تستلزم الاستعاذة من ~~الآخر. ### | ### | فصل # # ولما كان الشر له سبب: هو مصدره، وله مورد ومنتهى. وكان السبب إما من ذات ~~العبد، وإما من خارج. ومورده ومنتهاه إما نفسه وإما غيره: كان هنا أربعة ~~أمور: شر مصدره من نفسه، ويعود على نفسه تارة، وعلى غيره أخرى. وشر مصدره ~~من غيره، وهو السبب فيه. ويعود على نفسه تارة، وعلى غيره أخرى- # جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه المقامات الأربعة في الدعاء الذي علمه ~~الصديق رضي الله عنه: أن يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه «اللهم ~~فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا ~~إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن اقترف على نفسي ~~سوءا، أو أجره إلى مسلم» # فذكر مصدري الشر، وهما النفس والشيطان وذكر مورديه ونهايتيه وهما عوده ~~على النفس، أو على أخيه المسلم. فجمع الحديث مصادر الشر وموارده في أوجز ~~لفظ وأحضره وأجمعه وأبينه. # PageV01P613 ### | ### | فصل # # فإذا عرف هذا فلنتكلم على الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين. # الشر الأول: العام في قوله من شر ما خلق و «ما» هاهنا موصولة ليس إلا. ~~والشر مسند في الآية إلى المخلوق ms410 المفعول، لا إلى خلق الرب تعالى الذي هو ~~فعله وتكوينه، فإنه لا شرفيه بوجه ما. فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ~~ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاته تبارك وتعالى. فإن ذاته لها الكمال ~~المطلق، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق ~~والجلال التام، ولا عيب فيها ولا نقص بوجه ما، وكذلك أفعاله كلها خيرات ~~محضة، لا شر فيها أصلا، ولو فعل الشر سبحانه لاشتق له منه اسم، ولم تكن ~~أسماؤه كلها حسنى، ولعاد إليه منه حكم، تعالى ربنا وتقدس عن ذلك. # وما يفعله من العدل بعباده، وعقوبة من يستق العقوبة منهم: هو خير محض إذ ~~هو محض العدل والحكمة، وإنما يكون شرا بالنسبة إليهم. فالشر وقع في تعلقه ~~بهم وقيامه بهم، لا في فعله القائم به تعالى. ونحن لا ننكر أن الشر يكون في ~~مفعولاته المنفصلة فإنه خالق الخير والشر. # ولكن هنا أمران ينبغي أن يكونا منك على بال. # أحدهما: أن ما هو شر، أو متضمن للشر، فإنه لا يكون إلا مفعولا منفصلا لا ~~يكون وصفا له، ولا فعلا من أفعاله. # الثاني: أن كونه شرا هو أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تعلق فعل الرب ~~وتكوينه به، وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه. فله وجهان، هو من ~~أحدهما خير، وهو الوجه الذي نسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى خلقا وتكوينا ~~ومشيئة، لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها، وأطلع من شاء من ~~خلقه على ما شاء منها، وأكثر الناس تضيق عقولهم عن # PageV01P614 # مبادئ معرفتها، فضلا عن حقيقتها، فيكفيهم الإيمان المجمل بأن الله سبحانه ~~هو الغني الحميد، وفاعل الشر لا يفعله إلا لحاجته المنافية لغناه، أو لنقصه ~~وعيبه المنافي لحمده. فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلا. # وإن كان هو الخالق للخير والشر. # فقد عرفت أن كونه شرا هو أمر إضافي، وهو في نفسه خير من جهة نسبته إلى ~~خالقه ومبدعه. فلا تغفل عن هذا الموضع فإنه ms411 يفتح لك بابا عظيما من معرفة ~~الرب ومحبته. ويزيل عنك شبهات حارت فيها عقول أكثر الفضلاء. # وقد بسطت هذا في كتاب «التحفة المكية» وكتاب «الفتح القدسي» وغيرهما. # وإذا أشكل عليك هذا فأنا أوضحه لك بأمثلة. # أحدهما: أن السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه، وخير محض ~~بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم، ودفع الضرر عنهم، وخير ~~بالنسبة إلى متولي القطع أمرا وحكما، لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده ~~عموما بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضر بهم. فهو محمود على حكمه بذلك، ~~وأمره به مشكور عليه يستحق عليه الحمد من عباده، والثناء عليه والمحبة له. # وكذلك الحكم بقتل من يصول عليهم في دمائهم وحرماتهم، وجلد من يصول عليهم ~~في أعراضهم. فإذا كان هذا عقوبة من يصول عليهم في دنياهم فكيف عقوبة من ~~يصول على أديانهم، ويحول بينهم وبين الهدى الذي بعث الله به رسله وجعله ~~سعادة العباد في معاشهم ومعادهم منوطة به؟ أفليس في عقوبة هذا الصائل خير ~~محض، وحكمة وعدل، وإحسان إلى العبيد؟ وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي. # PageV01P615 # فالشر: ما قام به من تلك العقوبة. وأما ما نسب إلى الرب منها من المشيئة ~~والإرادة والفعل فهو عين الخير والحكمة. # فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم. والسر الذي يطلعك على مسألة ~~القدر ويفتح لك الطريق إلى الله، ومعرفة حكمته ورحمته، وإحسانه إلى خلقه، ~~وأنه سبحانه: كما أنه البر الرحيم الودود المحسن، فهو الحكيم الملك العدل، ~~فلا تناقض حكمته رحمته. بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، ويضع عقوبته ~~وعدله وانتقامه وبأسه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم، ~~فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا أن يضع غضبه ~~وعقوبته موضع رضاه ورحمته. # ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله: إن الأمرين بالنسبة إليه على حد ~~سواء، ولا فرق أصلا، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة. # وتأمل القرآن من أوله إلى آخره كيف تجده كفيلا بالرد ms412 على هذه المقالة، ~~وإنكارها أشد الإنكار، وتنزيه الرب نفسه عنها، كقوله تعالى: # 68: 35، 36 أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون؟ وقوله: 45: 21 ~~أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون # وقوله: # 38: 28 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل ~~المتقين كالفجار فأنكر سبحانه على من ظن به هذا الظن السيء، ونزه نفسه عنه. # فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة: أن هذا لا يكون ولا يليق ~~بحكمته وعزته وإلهيته لا إله إلا هو، تعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيرا. # وقد فطر الله عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع # PageV01P616 # الرحمة والإحسان، ومكافأة الصنع الجميل بمثلة وزيادة. فإذا وضع العقوبة ~~موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار، واستهجنته أعظم الاستهجان. # وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام في موضع العقوبة والانتقام، كما إذا ~~جاء إلى من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم ~~ودمائهم، فأكرمه غاية الإكرام، ورفعه وكرمه. فإن الفطر والعقول تأبى ~~استحسان هذا، وتشهد على سفه من فعله. هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها. # فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته البالغة، وعزته وعدله في وضع عقوبته في ~~أولى المحال بها، وأحقها بالعقوبة؟ وأنها لو أوليت النعم لم تحسن بها، ولم ~~تلق، ولظهرت مناقضة الحكمة، كما قال الشاعر: # نعمة الله لا تعاب، ولكن ... ربما استقبحت على أقوام # فهكذا نعم الله لا تليق ولا تحسن ولا تجمل بأعدائه الصادين عن سبيله ~~الساعين في خلاف مرضاته، الذين يرضون إذا غضب، ويغضبون إذا رضي، ويعطلون ما ~~حكم به، ويسعون في أن تكون الدعوة لغيره، والحكم لغيره، والطاعة لغيره. فهم ~~مضادون له في كل ما يريد، يحبون ما يبغضه، ويدعون إليه. ويبغضون ما يحبه ~~وينفرون عنه، ويوالون أعداءه وأبغض الخلق إليه، ويظاهرونهم عليه وعلى ~~رسوله: كما قال تعالى: 25: 55 وكان الكافر على ربه ظهيرا وقال: 18: 50 وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان ms413 من الجن، ففسق عن أمر ربه. ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني، وهم لكم عدو؟. # فتأمل ما تحت هذا الخطاب الذي يسلب الأرواح حلاوة وعقابا وجلالة وتهديدا ~~كيف صدره باخبارنا: أنه أمر إبليس بالسجود لأبينا فأبى ذلك، فطرده # PageV01P617 # ولعنه، وعاداه من أجل إبائه عن السجود لأبينا، ثم أنتم توالونه من دوني. # وقد لعنته وطردته، إذ لم يسجد لأبيكم، وجعلته عدوا لكم ولأبيكم، ~~فواليتموه وتركتموني. أفليس هذا من أعظم الغبن، وأشد الحسرة عليكم؟ # ويوم القيامة يقول تعالى «أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان ~~يتولى في دار الدنيا؟» . # فليعلمن أولياء الشيطان: كيف حالهم يوم القيامة: إذا ذهبوا مع أوليائهم، ~~وبقي أولياء الرحمن لم يذهبوا مع أحد فيتجلى لهم ويقول «ألا تذهبون حيث ذهب ~~الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم، وإنما ننتظر ربنا الذي ~~كنا نتولاه ونعبده. فيقول: هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها؟ فيقولون: ~~نعم، إنه لا مثل له. فيتجلى لهم ويكشف عن ساق، فيخرون له سجدا» . # فيا قرة عيون أوليائه بتلك الموالاة، ويا فرحهم إذا ذهب الناس مع ~~أوليائهم، وبقوا مع مولاهم الحق. فسيعلم المشركون به الصادون عن سبيله أنهم ~~ما كانوا أولياءه 8: 34 إن أولياؤه إلا المتقون. ولكن أكثرهم لا يعلمون. # ولا تستطل هذا البسط فما أحوج القلوب إلى معرفته وتعقله، ونزولها منه ~~منازلها في الدنيا لتنزل في جوار ربها في الآخرة، مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. ### | ### | فصل # # إذا عرفت هذا عرفت معنى # قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «لبيك وسعديك، والخير في يديك، ~~والشر ليس إليك» # وأن معناه أجل وأعظم من قول من قال: والشر لا يتقرب به إليك، وقول من ~~قال: والشر لا يصعد إليك، وأن هذا الذي قالوه- وإن تضمن تنزيهه عن صعود ~~الشر إليه والتقرب # PageV01P618 # به إليه- فلا يتضمن تنزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشر. بخلاف لفظ ~~المعصوم الصادق المصدق. فإنه يتضمن تنزيهه في ذاته تبارك وتعالى عن نسبة ~~الشر إليه ms414 بوجه ما، لا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه. # وإن دخل في مخلوقاته كقوله: قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. # وتأمل طريقة القرآن في إضافة الشر تارة إلى سببه ومن قام به. كقوله: # 2: 254 والكافرون هم الظالمون وقوله: 5: 111 والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين وقوله: 4: 160 فبظلم من الذين هادوا وقوله: # 6: 146 ذلك جزيناهم ببغيهم وقوله: 43: 76 وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ~~الظالمين وهو في القرآن أكثر من أن يذكر هاهنا عشر معشاره. وإنما المقصود ~~التمثيل. # وتارة بحذف فاعله. كقوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن 72: 10 وأنا لا ندري: ~~أشر أريد بمن في الأرض. أم أراد بهم ربهم رشدا؟ فحذفوا فاعل الشر ومريده، ~~وصرحوا بمريد الرشد. # ونظيره في الفاتحة: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين فذكر النعمة مضافة إليه سبحانه، والضلال منسوبا إلى من قام به، ~~والغضب محذوفا فاعله. # ومثله قول الخضر في السفينة 18: 79 فأردت أن أعيبها وفي الغلامين 18: 82 ~~فأراد ربك أن يبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ومثله قوله: 49: 7 ~~ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان فنسب هذا التزيين المحبوب إليه. وقال: 3: 14 زين للناس حب الشهوات ~~من النساء والبنين فحذف الفاعل المزين. ومثله قول الخليل صلى الله عليه ~~وسلم: 26: 78- 82 الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت ~~فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # PageV01P619 # فنسب إلى ربه كل كمال من هذه الأفعال، ونسب إلى نفسه النقص منها، وهو ~~المرض والخطيئة. # وهذا كثير في القرآن ذكرنا منه أمثلة كثيرة في كتاب الفوائد المكية وبينا ~~هناك السر في مجيء 2: 121 الذين آتيناهم الكتاب 2: 101 والذين أوتوا الكتاب ~~والفرق بين الموضعين، وأنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعا في ~~سياق المدح. وحيث حذفه كان من أوتيه واقعا في سياق الذم أو منقسما. وذلك من ~~أسرار القرآن. # ومثله 35: 32 ثم أورثنا الكتاب الذين ms415 اصطفينا من عبادنا وقال: # 42: 14 وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب وقال: 7: 168 ~~فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى. # وبالجملة: فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة ومصلحة، وعدل. والشر ~~ليس إليه. ### | ### | فصل # # وقد دخل في قوله تعالى: «من شر ما خلق» الاستعاذة من كل شر في أي مخلوق ~~قام به الشر: من حيوان، أو غيره، إنسيا كان أو جنيا، أو هامة أو دابة أو ~~ريحا، أو صاعقة، أي نوع كان من أنواع البلاء. # فإن قلت: فهل في «ما» هاهنا عموم؟. # قلت: فيها عموم تقييدي وصفي، لا عموم إطلاقي. والمعنى: من شر كل مخلوق ~~فيه شر. فعمومها من هذا الوجه. وليس المراد الاستعاذة من شر كل ما خلقه ~~الله. فإن الجنة وما فيها ليس فيها شر. وكذلك الملائكة والأنبياء فإنهم خير ~~محض. والخير كله حصل على أيديهم، فالاستعاذة من شر ما خلق: تعم شر كل مخلوق ~~فيه شر. وكل شر في الدنيا والآخرة، وشر # PageV01P620 # شياطين الإنس والجن وشر السباع والهوام، وشر النار والهواء، وغير ذلك. # وفي الصحيح: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نزل منزلا فقال: ~~أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم يضره شيء، حتى يرتحل منه» رواه ~~مسلم. # وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله ~~من شرك، وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد ~~وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد» . # وفي الحديث الآخر «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا ~~فاجر: من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما نزل من السماء وما يعرج فيها، ~~ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر ~~كل طارق، إلا ms416 طارقا يطرق بخير يا رحمن» . ### | ### | فصل # # الشر الثاني: شر الغاسق إذا وقب. فهذا خاص بعد عام. وقد قال أكثر ~~المفسرين: إنه الليل. # قال ابن عباس: الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق، ودخل في كل شيء وأظلم ~~والغسق: الظلمة. يقال: غسق الليل، وأغسق: إذا أظلم. # ومنه قوله تعالى: 17: 78 أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وكذلك قال ~~الحسن ومجاهد: الغاسق إذا وقب: الليل إذا أقبل ودخل. # والوقوب: الدخول، وهو دخول الليل بغروب الشمس. وقال مقاتل: يعني ظلمة ~~الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار. # وفي تسمية الليل غاسقا قول آخر: أنه من البرد، والليل أبرد من النهار، ~~والغسق: البرد. وعليه حمل ابن عباس قوله تعالى: 38: 57 فليذوقوه حميم وغساق ~~وقوله: 78: 24، 25 لا يذوقون فيها بردا ولا # PageV01P621 # شرابا إلا حميما وغساقا # قال: هو الزمهرير يحرقهم ببرده. كما تحرقهم النار بحرها. وكذلك قال مجاهد ~~ومقاتل: هو الذي انتهى برده. # ولا تنافي بين القولين. فإن الليل بارد مظلم. فمن ذكر برده فقط، أو ظلمته ~~فقط: اقتصر على أحد وصفيه. # والظلمة في الآية أنسب لمكان الاستعاذة. فإن الشر الذي يناسب الظلمة أولى ~~بالاستعاذة من البرد الذي في الليل. ولهذا استعاذ برب الفلق الذي هو الصبح ~~والنور: من شر الغاسق، الذي هو الظلمة. فناسب الوصف المستعاذ به المعنى ~~المطلوب بالاستعاذة. كما سنزيده تقريرا عن قريب إن شاء الله. # فإن قيل: فما تقولون فيما # رواه الترمذي من حديث ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن ~~عائشة قالت: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، فنظر إلى القمر، فقال: يا ~~عائشة، استعيذي بالله من شر هذا. فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» # قال الترمذي: هذا حسن صحيح. وهذا أولى من كل تفسير. فيتعين المصير إليه؟. # قيل: هذا التفسير حق، ولا يناقض التفسير الأول، بل يوافقه، ويشهد لصحته. ~~فإن الله تعالى قال: 17: 12 وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل، ~~وجعلنا آية النهار مبصرة # فالقمر هو آية الليل، وسلطانه فيه. فهو أيضا ms417 غاسق إذا وقب، كما أن الليل ~~غاسق إذا وقب، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن القمر بأنه غاسق إذا وقب. ~~وهذا خبر صدق. وهو أصدق الخبر، ولم ينف عن الليل اسم الغاسق إذا وقب. ~~وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم له بالذكر لا ينفي شمول الاسم لغيره. # ونظير هذا: قوله في المسجد الذي أسس على التقوى- وقد سئل عنه- # فقال: «هو مسجدي هذا» # ومعلوم أن هذا لا ينفي كون مسجد قباء مؤسسا على التقوى مثل ذاك. # PageV01P622 # ونظيره أيضا: # قوله في على وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين «اللهم هؤلاء ~~أهل بيتي» # فإن هذا لا ينفي دخول غيرهم من أهل بيته في لفظ أهل البيت، ولكن هؤلاء ~~أحق من دخول في لفظ أهل بيته. # ونظير هذا: # قوله: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة ~~والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئا، ولا يعطن له فيتصدق ~~عليه» # وهذا لا ينفي اسم المسكنة عن الطواف، بل ينفي اختصاص الاسم به، وتناول ~~المسكين لغير السائل أولى من تناوله له. # ونظير هذا: # قوله: «ليس الشديد بالصرعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب» # فإنه لا يقتضي نفي الاسم عن الذي يصرع الرجال، ولكن يقتضي أن ثبوته للذي ~~يملك نفسه عند الغضب أولى. # ونظيره: الغسق، والوقوب، وأمثال ذلك. # فكذلك # قوله في القمر «هذا هو الغاسق إذا وقب» # لا ينفي أن يكون الليل غاسقا، بل كلاهما غاسق. # فإن قيل: فما تقولون في القول الذي ذهب إليه بعضهم: أن المراد به القمر ~~إذا خسف واسود. وقوله: «وقب» أي دخل في الخسوف، أو غاب خاسفا؟. # قيل: هذا القول ضعيف. ولا نعلم به سلفا. والنبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أشار إلى القمر، # وقال: «هذا الغاسق إذا وقب» # لم يكن خاسفا إذ ذاك. وإنما كان مستنيرا، ولو كان خاسفا لذكرته عائشة. ~~وإنما # قالت «نظر إلى القمر، وقال: «هذا هو الغاسق» # ولو كان خاسفا لم يصح أن يحذف ذلك الوصف منه. فإن ما أطلق عليه اسم ~~الغاسق باعتبار صفة ms418 لا يجوز أن يطلق عليه بدونها، لما فيه من التلبيس. # وأيضا: فإن اللغة لا تساعد على هذا. فلا نعلم أحدا قال: الغاسق: # PageV01P623 # القمر في حال خسوفه. # وأيضا: فإن الوقوب لا يقول أحد من أهل اللغة: إنه الخسوف، وإنما هو ~~الدخول، من قولهم: وقبت العين: إذا غارت، وركية وقباء: غار ماؤها. فدخل في ~~أعماق التراب. ومنه الوقب للثقب الذي يدخل فيه المحور. وتقول العرب وقب يقب ~~وقوبا إذا دخل. # فإن قيل: فما تقولون في القول الذي ذهب إليه بعضهم: أن الغاسق هو الثريا ~~إذا سقطت، فإن الأسقام تكثر عند سقوطها وغروبها، وترتفع عند طلوعها؟. # قيل: إن أراد صاحب هذا القول اختصاص الغاسق بالنجم إذا غرب فباطل. وإن ~~أراد: أن اسم الغاسق يتناول ذلك بوجه ما: فهذا يحتمل أن يدل اللفظ عليه ~~بفحواه ومقصوده وتنبيهه. وأما أن يختص به اللفظ به فباطل. ### | ### | فصل # # والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل وشر القمر إذا وقب ~~هو: أن الليل إذا أقبل فهو محل سلطان الأرواح الشريرة الخبيثة. وفيه تنتشر ~~الشياطين. # وفي الصحيح «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشمس إذا غربت انتشرت ~~الشياطين» ولهذا قال: «فاكفتوا صبيانكم، واحبسوا مواشيكم حتى تذهب فحمة ~~العشاء» # وفي حديث آخر «فإن الله يبث من خلقه ما يشاء» . # والليل هو محل الظلام. وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط ~~بالنهار. فإن النهار نور، والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع ~~المظلمة، وعلى أهل الظلمة. # وروى أن سائلا سأل مسيلمة: كيف يأتيك؟ فقال: في ظلماء حندس. # وسئل النبي صلى الله عليه وسلم «كيف يأتيك؟ فقال: في مثل ضوء النهار» # PageV01P624 # فاستدل بهذا على نبوته، وأن الذي يأتيه ملك من عند الله، وأن الذي يأتي ~~مسيلمة شيطان. # ولهذا كان سلطان السحر وعظم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار، فالسحر ~~الليلي عندهم: هو السحر القوي التأثير. ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محال ~~الشياطين وبيوتهم ومأواهم، والشياطين تجول فيها، وتتحكم كما يتحكم ساكن ~~البيت فيه. وكلما كان القلب أظلم ms419 كان للشيطان أطوع، وهو فيه أثبت وأمكن. ### | ### | فصل # # ومن هاهنا: تعلم السر في الاستعاذة برب الفلق في هذا الموضع. # فإن الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام، ~~وعسكر المفسدين في الليل. فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى ~~سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل ~~إلى أمكنتها ومحالها. فأمر الله عباده أن يستعيذوا برب النور الذي يقهر ~~الظلمة ويزيلها، ويقهر عسكرها وجيشها. # ولهذا ذكر سبحانه في كل كتاب: أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور، ويدع ~~الكفار في ظلمات كفرهم. قال الله تعالى: 2: 257 الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات وقال تعالى: 6: 122 أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟ وقال في أعمال ~~الكفار 24: 40 أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ~~ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها. ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور وقد قال قبل ذلك في صفات أهل الإيمان ونورهم 24: 36 الله نور # PageV01P625 # السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء. # فالإيمان كله نور، ومآله إلى نور، ومستقره في القلب المضيء المستنير، ~~والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة. والكفر والشرك كله ~~ظلمة، ومآله إلى الظلمات ومستقره في القلوب المظلمة، والمقترن بأهله ~~الأرواح المظلمة. # فتأمل الاستعاذة برب الفلق من شر الظلمة، ومن شر ما يحدث فيها ونزل هذا ~~المعنى على الواقع يشهد بأن القرآن، بل هاتان السورتان، من أعظم أعلام ~~النبوة، وبراهين صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومضادته لما جاء به ~~الشياطين ms420 من كل وجه، وأن ما جاء به ما تنزلت به الشياطين، وما ينبغي لهم ~~وما يستطيعون فما فعلوه، ولا يليق بهم، ولا يتأتى منهم، ولا يقدرون عليه. # وفي هذا أبين جواب وأشفاه لما يورده أعداء الرسول عليه من الأسئلة ~~الباطلة التي قصر المتكلمون غاية التقصير في دفعها، وما شفوا في جوابها. # وإنما الله سبحانه هو الذي شفى وكفى في جوابها. فلم يحوجنا إلى متكلم، ~~ولا إلى أصولي، ولا إلى نظار. فله الحمد والمنة، لا نحصي ثناء عليه. ### | ### | فصل # # واعلم أن الخلق كله فلق. وذلك أن «فلقا» فعل بمعنى مفعول، كقبض وسلب، ~~وقنص: بمعنى مقبوض ومسلوب ومقنوص. والله عز وجل 6: 96 فالق الإصباح و 6: 95 ~~فالق الحب والنوى وفالق الأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن ~~المطر، والأرحام عن # PageV01P626 # الأجنة، والظلام عن الإصباح. ويسمى الصبح المتصدع عن الظلمة: فلقا وفرقا. ~~يقال: هو أبيض من فرق الصبح وفلقه. # وكما أن في خلقه فلقا وفرقا. فكذلك أمره كله فرقان، يفرق بين الحق ~~والباطل. فيفرق ظلام الباطل بالحق، كما يفرق ظلام الليل بالإصباح. ولهذا ~~سمى كتابه «الفرقان» ونصره فرقانا، لتضمنه الفرق بين أوليائه وأعدائه. ومنه ~~فلقه البحر لموسى، وسماه فلقا. # فظهرت حكمة الاستعاذة برب الفلق في هذه المواضع. وظهر بهذا إعجاز القرآن، ~~وعظمته وجلالته، وأن العباد لا يقدرون قدره، وأنه تنزيل من حكيم حميد. ### | ### | فصل # # الشر الثالث: شر النفاثات في العقد. # وهذا الشر هو شر السحر. فإن النفاثات في العقد: هن السواحر اللاتي يعقدن ~~الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر. والنفث: هو النفخ ~~مع ريق. وهو دون التفل. وهو مرتبة بينهما. # والنفث: فعل الساحر. فإذا تكيف نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ~~ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق، فيخرج من ~~نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك. وقد تساعد ~~هو والروح الشيطانية على أذى المسحور. فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني ~~القدري. لا الأمري الشرعي. # فإن قيل: فالسحر ms421 يكون من الذكور والإناث، فلم خص الاستعاذة من الإناث دون ~~الذكور؟. # قيل في جوابه: إن هذا خرج على السبب الواقع، وهو أن بنات لبيد # PageV01P627 # ابن الأعصم سحرن النبي صلى الله عليه وسلم. # هذا جواب أبي عبيدة وغيره. وليس هذا بسديد. فإن الذي سحر النبي صلى الله ~~عليه وسلم هو لبيد بن الأعصم، لا بناته، كما جاء في الصحيح. # والجواب المحقق: أن النفاثات هنا: هن الأرواح والأنفس النفاثات لا النساء ~~النفاثات. لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح ~~الشريرة وسلطانه إنما يظهر منها. فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث، ~~دون التذكير. والله أعلم. # ففي الصحيح: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم طب، حتى إنه ليخيل إليه أنه صنع شيئا وما صنعه، وإنه دعا ربه، ثم قال: # أشعرت أن الله قد أفتاني فيما أستفتيه فيه؟ فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول ~~الله؟ قال: جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي فقال ~~أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال الآخر: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن ~~الأعصم. قال فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع ذكر. قال: فأين هو؟ قال: ~~في ذروان، بئر في بني زريق. قالت عائشة رضي الله عنها فأتاها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم رجع إلى عائشة فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ~~ولكأن نخلها رؤوس الشياطين. قالت: فقلت له: # يا رسول الله، هلا أخرجته؟ قال: أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير ~~على الناس شرا. فأمر بها، فدفنت» # قال البخاري: وقال الليث وابن عيينة عن هشام «في مشط ومشاقة» . # ويقال: إن المشاطة: ما يخرج من الشعر إذا مشط، والمشاقة: من مشاقة ~~الكتان. # قلت: هكذا في هذه الرواية: أنه لم يخرجه، اكتفاء بمعافاة الله له. # وشفائه إياه. # PageV01P628 # وقد روى البخاري من حديث ابن عيينة قال: «أول من حدثنا به ابن جريج يقول: ~~حدثني آل عروة عن عروة. فسألت هشاما عنه؟ فحدثنا عن أبيه ms422 عن عائشة: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا ~~يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا. فقال: # يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد ~~أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي. فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال ~~الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، رجل من بني زريق ~~حليف ليهود. وكان منافقا. قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة. قال: وأين؟ قال ~~في جف طلع ذكر، تحت راعوفة في بئر ذروان. # قال: فأتي البئر حتى استخرجه. فقال: هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها ~~نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين. قال: فاستخرج. قالت. # فقلت: أفلا- أي تنشرت-؟ قال: أما الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد ~~من الناس شرا» . # ففي هذا الحديث: أنه استخرجه. وترجم البخاري عليه: باب هل يستخرج السحر. ~~وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب، ويؤخذ عن امرأته أيحل عنه ~~وينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح. فأما ما ينفع الناس فلم ~~ينه عنه. # فهذان الحديثان قد يظن في الظاهر تعارضهما. فإن حديث عيسى عن هشام عن ~~أبيه: الأول فيه: أنه لم يستخرجه. وحديث ابن جريج عن هشام فيه «أنه ~~استخرجه» ولا تنافي بينهما. فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه، ثم دفنه ~~بعد أن شفي. وقول عائشة «هلا استخرجته؟» أي هلا أخرجته للناس حتى يروه ~~ويعاينوه؟ فأخبرها بالمانع له من ذلك، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا ~~عن ذلك، فيقع الإنكار، ويغضب للساحر قومه، فيحدث الشر. وقد حصل المقصود ~~بالشفاء والمعافاة. فأمر بها # PageV01P629 # فدفنت، ولم يستخرجها للناس. فالاستخراج الواقع غير الذي سألت عنه عائشة. # والذي يدل عليه: أنه صلى الله عليه وسلم إنما جاء إلى البئر ليستخرجها ~~منه ولم يجيء لينظر إليها ثم ينصرف، إذ لا غرض له في ذلك. والله أعلم. # وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم. ms423 # لا يختلفون في صحته. وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه ~~أشد الإنكار. وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا، حمل فيه على ~~هشام. وكان غاية ما أحسن القول فيه: أن قال: غلط، واشتبه عليه الأمر، ولم ~~يكن من هذا شيء. قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يسحر. فإنه ~~يكون تصديقا لقول الكفار 17: 47 25: 8 إن تتبعون إلا رجلا مسحورا. # قالوا: وهذا كما قال فرعون لموسى 17: 101 إني لأظنك يا موسى مسحورا وكما ~~قال قوم صالح له 26: 153 إنما أنت من المسحرين وكما قال قوم شعيب له 26: 85 ~~إنما أنت من المسحرين. # قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا. فإن ذلك ينافي حماية الله ~~لهم، وعصمتهم من الشياطين. # وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم. فإن هشاما من أوثق الناس ~~وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه. فما للمتكلمين وما ~~لهذا الشأن؟ وقد رواه غير هشام عن عائشة. وقد اتفق أصحاب الصحيحين على ~~تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة. والقصة ~~مشهورة عن أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء. وهؤلاء أعلم ~~بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين. # قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن # PageV01P630 # حباب عن زيد بن أرقم قال «سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، ~~فاشتكى لذلك أياما. قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، وعقد ~~لذلك عقدا. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا. فاستخرجها، فجاء بها، ~~فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما ~~نشط من عقال. فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط» # وقال ابن عباس وعائشة «كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فدنت إليه اليهود. فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وعدة أسنان من مشطه. فأعطاها اليهود، ms424 فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن ~~الأعصم: رجل من اليهود. فنزلت هاتان السورتان فيه» . # قال البغوي: وقيل «كانت مغروزة بالأبر. فأنزل الله عز وجل هاتين ~~السورتين. وهما أحد عشر آية: سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات ~~فكلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها. فقام النبي صلى الله عليه ~~وسلم كأنما أنشط من عقال» قال: وروى أنه لبث فيه ستة أشهر، واشتد عليه ~~ثلاثة أيام فنزلت المعوذتان. # قالوا: والسحر الذي أصابه كان مرضا من الأمراض عارضا شفاه الله منه. ولا ~~نقص في ذلك، ولا عيب بوجه ما. فإن المرض يجوز على الأنبياء. وكذلك الإغماء. ~~فقد أغمى عليه صلى الله عليه وسلم في مرضه، ووقع حين انفكت قدمه وجحش شقه ~~وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته. # ونيل كرامته. وأشد الناس بلاء الأنبياء. فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به: ~~من القتل، والضرب، والشتم، والحبس. فليس ببدع أن يبتلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم من بعض أعدائه بنوع من السحر، كما ابتلى بالذي رماه فشجه. وابتلى ~~بالذي ألقى على ظهره السلا «1» وهو ساجد، وغير ذلك. فلا نقص عليهم. ولا عار ~~في ذلك، بل هذا من كمالهم، وعلو درجاتهم عند الله. PageV01P631 # قالوا: # وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري «أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم. فقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء ~~يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك» # فعوذه جبريل من شر كل نفس وعين حاسد، لما اشتكى. فدل على أن هذا التعويذ ~~مزيل لشاكيته صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا يعوذه من شيء وشكايته من غيره. # وقالوا: وأما الآيات التي استدللتم بها فلا حجة لكم فيها. # أما قوله تعالى عن الكفار: إنهم قالوا: إن تتبعون إلا رجلا مسحورا وقول ~~قوم صالح وشعيب لهما إنما أنت من المسحرين فقيل: المراد به من له سحر، وهي ~~الرثة، أي إنه بشر مثلهم، يأكل ms425 ويشرب، ليس بملك، وليس المراد به السحر. # وهذا جواب غير مرض. وهو في غاية البعد. فإن الكفار لم يكونوا يعبرون عن ~~البشر بمسحور، ولا يعرف هذا في لغة من اللغات. وحيث أرادوا هذا المعنى أتوا ~~بصريح لفظ البشر، فقالوا: 36: 15 ما أنتم إلا بشر مثلنا و 23: 48 أنؤمن ~~لبشرين مثلنا و 17: 94 أبعث الله بشرا رسولا. وأما المسحور فلم يريدوا به ~~ذا السحر، وهي الرئة. وأي مناسبة لذكر الرئة في هذا الموضع؟. # ثم كيف يقول فرعون لموسى إني لأظنك يا موسى مسحورا؟ # أفتراه ما علم أن له سحرا، وأنه بشر؟. # ثم كيف يجيبه موسى بقوله: 17: 102 إني لأظنك يا فرعون مثبورا ولو أراد ~~بالمسحور: أنه بشر لصدقه موسى، وقال: نعم، أنا بشر أرسلني الله إليك، كما ~~قالت الرسل لقومهم لما قالوا لهم 14: 10 إن أنتم إلا بشر مثلنا فقالوا: 14: ~~11 إن نحن إلا بشر مثلكم ولم ينكروا ذلك. # PageV01P632 # فهذا الجواب في غاية الضعف. # وأجابت طائفة، منهم ابن جرير وغيره: بأن المسحور هنا هو معلم السحر الذي ~~قد علمه إياه غيره. فالمسحور عنده: بمعنى ساحر، أي عالم بالسحر. # وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة. وهو أن من علم السحر يقال له مسحور. ولا ~~يكاد هذا يعرف في الاستعمال، ولا في اللغة. وإنما المسحور من سحره غيره، ~~كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه. وأما من علم السحر فإنه يقال له: ساحر، ~~بمعنى أنه عالم بالسحر، وإن لم يسحر غيره. كما قال قوم فرعون لموسى 7: 109 ~~إن هذا لساحر عليم ففرعون قذفه بكونه مسحورا، وقومه قذفوه بكونه ساحرا. # فالصواب: هو الجواب الثالث. وهو جواب صاحب الكشاف وغيره: # أن «المسحور» على بابه. وهو من سحر حتى جن. فقالوا: مسحور، مثل مجنون أي ~~زائل العقل، لا يعقل ما يقول. فإن المسحور الذي لا يتبع: هو الذي فسد عقله، ~~بحيث لا يدرى ما يقول. فهو كالمجنون. ولهذا قالوا فيه 44: 14 معلم مجنون ~~فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس، فإنه لا يمنع ذلك من ms426 ~~اتباعه. وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان، وإنما قذفوهم بما يحذرون ~~به سفهاءهم من أتباعهم. وهو أنهم قد سحروا، حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون، ~~بمنزلة المجانين. # ولهذا قال تعالى: 17: 48 انظر كيف ضربوا لك الأمثال؟ فضلوا. فلا يستطيعون ~~سبيلا مثلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى. ~~فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيره طريقا يسلكه، فلا يقدر ~~عليه. فإنه أي طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة. فهو متحير في أمره، لا ~~يهتدي سبيلا، ولا يقدر على سلوكها. # فهكذا حال أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، حتى ضربوا له أمثالا، ~~برأه الله منها. # PageV01P633 # وهو أبعد الله عنها. وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان. # وأما قولكم: إن سحر الأنبياء ينافي حماية الله لهم فإنه سبحانه كما ~~يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم، فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ~~ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا ~~من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا ورضوا، وتأسوا بهم، ~~ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل، والعقوبة ~~الآجلة، فيمحقهم بسبب بغيهم وعدوانهم، فيعجل تطهير الأرض منهم. فهذا من بعض ~~حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم. وله الحكمة البالغة، ~~والنعمة السابغة لا إله غيره، ولا رب سواه. # وقد دل قوله: من شر النفاثات في العقد وحديث عائشة المذكور على تأثير ~~السحر، وأن له حقيقة. # وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم. # وقالوا: إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض، ولا قتل، ولا حل، ولا عقد. # قالوا: وإنما ذلك تخييل لأعين الناظرين، لا حقيقة له سوى ذلك. # وهذا خلاف ما تواترت به الآراء عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء، ~~وأهل التفسير والحديث. وما يعرفه عامة العقلاء. # والسحر الذي يؤثر مرضا وثقلا وعقدا وحبا وبغضا ونزيفا وغير ذلك من الآثار ~~موجود، تعرفه عامة الناس. وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به منه، وقوله ms427 ~~تعالى: ومن شر النفاثات في العقد دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال ~~غيبته عنه، ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرا، كما يقوله ~~هؤلاء. لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يستعاذ منه. # وأيضا فإذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم # PageV01P634 # حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به، مع أن هذا تغيير في إحساسهم، فما الذي ~~يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم؟ وما الفرق بين التغيير ~~الواقع في الرؤية والتغيير الواقع في صفة أخرى من صفات النفس والبدن؟ فإذا ~~غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركا، والمتصل منفصلا، والميت حيا، فما ~~المحيل لأن يغير صفات نفسه، حتى يجعل المحبوب إليه بغيضا، والبغيض محبوبا، ~~وغير ذلك من التأثيرات. وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم 7: 155 سحروا ~~أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم فبين سبحانه أن أعينهم سحرت. وذلك ~~إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي، وهو الحبال والعصي، مثل أن يكون السحرة ~~استغاثت بأرواح حركتها، وهي الشياطين. فظنوا أنها تحركت بأنفسها. وهذا كما ~~إذا جر من لا تراه حصيرا أو بساطا فترى الحصير والبساط ينجر، ولا ترى الجار ~~له، مع أنه هو الذي يجره، فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين، ~~فقلبتها كتقليب الحية. فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها، والشياطين هم الذين ~~يقلبونها. وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي. حتى رأى الحبال والعصي ~~تتحرك، وهي ساكنة في أنفسها. ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف ~~في نفس الرائي وإحساسه، حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في ~~المرئي باستغاثته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها. # وأما ما يقوله المنكرون: من أنهم فعلوا في الحبال والعصي ما أوجب حركتها ~~ومشيها، مثل الزئبق وغيره، حتى سعت. فهذا باطل من وجوه كثيرة. فإنه لو كان ~~كذلك لم يكن هذا خيالا، بل حركة حقيقية. ولم يكن ذلك سحرا لأعين الناس، ولا ~~يسمى ذلك سحرا، بل صناعة من الصناعات المشتركة. وقد قال ms428 تعالى: 20: 66 فإذا ~~حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ولو كانت تحركت بنوع حيلة- كما ~~يقوله المنكرون- لم يكن هذا من السحر في شيء. ومثل هذا لا يخفى. # PageV01P635 # وأيضا لو كان ذلك بحيلة- كما قال هؤلاء- لكان طريق إبطالها إخراج ما فيها ~~من الزيبق. وبيان ذلك المحال ولم يحتج إلى إلقاء العصا لابتلاعها. # وأيضا: فمثل هذه الحيلة لا يحتاج فيها إلى الاستعانة بالسحرة، بل يكفي ~~فيها حذاق الصاع. ولا يحتاج في ذلك إلى تعظيم فرعون للسحرة، وخضوعه لهم، ~~ووعدهم بالتقريب والجزاء. # وأيضا: فإنه لا يقال في ذلك 20: 71، 26: 49 إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فإن الصناعات يشترك الناس في تعلمها وتعليمها. # وبالجملة: فبطلان هذا أظهر أن يتكلف رده، فلنرجع إلى المقصود. ### | ### | فصل # # الشر الرابع: شر الحاسد إذا حسد. وقد دل القرآن والسنة على أن نفس حسد ~~الحاسد يؤذي المحسود. فنفس حسده شر متصل بالمحسود من نفسه وعينه وإن لم ~~يؤذه بيده ولا لسانه. فإن الله تعالى قال: ومن شر حاسد إذا حسد فحقق الشر ~~منه عند صدور الحسد. والقرآن ليس فيه لفظة مهملة. # ومعلوم أن الحاسد لا يسمى حاسدا إلا إذا قام به الحسد، كالضارب، والشاتم، ~~والقاتل ونحو ذلك. ولكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المحسود، ~~لاه عنه، فإذا خطر على ذكره وقلبه انبعث نار الحسد من قلبه إليه، وتوجهت ~~إليه سهام الحسد من قبله. فيتأذى المحسود بمجرد ذلك. فإن لم يستعذ بالله ~~ويتحصن به، ويكون له أوراد من الأذكار والدعوات والتوجه إلى الله والإقبال ~~عليه، بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه وإقباله على الله، وإلا ناله شر ~~الحاسد ولا بد. # فقوله تعالى: إذا حسد بيان لأن شره إنما يتحقق إذا حصل منه الحسد بالفعل. # PageV01P636 # وقد تقدم في حديث أبي سعيد الصحيح: رقية جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفيها «بسم الله أرقيك. من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله ~~يشفيك» فهذا فيه الاستعاذة من شر عين الحاسد. # ومعلوم أن عينه لا ms429 تؤثر بمجردها، إذا لو نظر إليه نظر لاه ساه عنه، كما ~~ينظر إلى الأرض والجبل وغيره، لم يؤثر فيه شيئا، وإنما إذا نظر إليه نظر من ~~قد تكيفت نفسه الخبثة وانسمت، واحتدت فصارت نفسا غضبية خبيثة حاسدة أثرت ~~بها تلك النظرة فأثرت في المحسود تأثيرا بحسب صفة ضعفه، وقوة نفس الحاسد. ~~فربما أعطبه وأهلكه، بمنزلة من فوق سهما نحو رجل عريان فأصاب منه مقتلا. ~~وربما صرعه وأمرضه. والتجارب عند الخاصة والعامة بهذا أكثر من أن تذكر. # وهذه العين إنما تأثيرها بواسطة النفس الخبيثة. وهي في ذلك بمنزلة الحية ~~التي إنما يؤثر سمها إذا عضت واحتدت فإنها تتكيف بكيفية الغضب والخبث، ~~فتحدث فيها تلك الكيفية السم، فتؤثر في اللديغ، وربما قويت تلك الكيفية ~~واشتدت في نوع منها حتى تؤثر بمجرد نظرة. فتطمس البصر، وتسقط الحبل. كما ~~ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الأبتر، وذي الطفيتين منها. # فقال «اقتلوهما فإنهما يطمسان البصر، ويسقطان الحبل» # فإذا كان هذا في الحيات فما الظن في النفوس الشريرة الغضبية الحاسدة، إذا ~~تكيفت بكيفيتها الغضبية، وانسمت وتوجهت إلى المحسود بكيفيتها؟ فلله كم من ~~قتيل؟ وكم من سليب؟ وكم من معافى عاد مضنى على فراشه، يقول طبيبه: لا أعلم ~~داءه ما هو؟ فصدق. ليس هذا الداء من علم الطبائع. هذا من علم الأرواح ~~وصفاتها. وكيفياتها ومعرفة تأثيراتها في الأجسام والطبائع، وانفعال الأجسام ~~عنها. # وهذا علم لا يعرفه إلا خواص الناس، والمحجوبون منكرون له. ولا يعلم تأثير ~~ذلك وارتباطه بالطبيعة وانفعالها عنه إلا من له نصيب من ذوقه. # وهل الأجسام إلا كالخشب الملقى؟ وهل الانفعال والتأثير، وحدوث ما # PageV01P637 # يحدث عنها من الأفعال العجيبة، والآثار الغريبة إلا من الأرواح، والأجسام ~~آلتها بمنزلة الصانع؟ فالصنعة في الحقيقة له، والآلات وسائط في وصول أثره ~~إلى الصنع. # ومن له أدنى فطنة وتأمل لأحوال العالم وقد لطفت روحه، وشاهدت أحوال ~~الأرواح وتأثيرتها، وتحريكها الأجسام وانفعالها عنها. وكل ذلك بتقدير ~~العزيز العليم، خالق الأسباب والمسببات- رأى عجائب في الكون، وآيات دالة ~~على وحدانية الله، وعظمة ms430 ربوبيته، وأن ثم عالما آخر تجرى عليه أحكام أخر، ~~تشهد آثارها. وأسبابها غيب عن الأبصار. # فتبارك الله رب العالمين. وأحسن الخالقين الذي أتقن ما صنع، وأحسن كل شيء ~~خلقه. # ولا نسبة لعالم الأجسام إلى عالم الأرواح، بل هو أعظم وأوسع، وعجائبه ~~أبهر وآياته أعجب. # وتأمل هذا الهيكل الإنساني إذا فارقته الروح، كيف يصير بمنزلة الخشبة أو ~~القطعة من اللحم؟ فأين ذهبت تلك العلوم والمعارف والعقل، وتلك الصنائع ~~الغريبة، وتلك الأفعال العجيبة، وتلك الأفكار والتدبيرات؟ # كيف ذهبت كلها مع الروح، وبقي الهيكل سواء هو والتراب؟ وهل يخاطبك من ~~الإنسان أو يراك أو يحبك أو يواليك، أو يعاديك، ويخف عليك أو يثقل، ويؤنسك ~~أو يوحشك إلا ذلك الأمر الذي هو وراء الهيكل المشاهد بالبصر؟. # فرب رجل عظيم الهيولى كبير الجثة. خفيف على قلبك، حلو عندك. وآخر لطيف ~~الخلقة، صغير الجثة، أثقل على قلبك من جبل. وما ذاك إلا للطافة روح ذاك ~~وخفتها وحلاوتها، وكثافة هذا وغلظ روحه ومرارتها. # وبالجملة: فالعلق والوصل التي بين الأشخاص والمنافرات والبعد: # إنما هي للأرواح أصلا والأشباح تبعا. # PageV01P638 ### | ### | فصل # # والعاين والحاسد يشتركان في شيء، ويفترقان في شيء. # فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه، وتتوجه نحو من يريد أذاه. # فالعائن: تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته. # والحاسد: يحصل له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره أيضا. # ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده، من جماد أو حيوان، أو زرع أو ~~مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه. وربما أصابت عينه نفسه. فإن رؤيته ~~للشيء رؤية تعجب وتحديق، مع تكيف نفسه بتلك الكيفية: تؤثر في العين. # وقد قال غير واحد من المفسرين في قوله تعالى: 58: 51 وإن يكاد الذين ~~كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر: إنه الإصابة بالعين. أرادوا أن ~~يصيبوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنظر إليه قوم من العائنين، ~~وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حجته. وكان طائفة منهم تمر به الناقة ~~والبقرة السمينة فيعينها، ثم يقول لخادمه: خذ المكتل ms431 والدرهم وائتنا بشيء ~~من لحمها. فما تبرح حتى تقع. فتنحر. # وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل، ثم يرفع ~~جانب خبائه، فتمر به الإبل، فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من ~~هذه. فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها طائفة. فسأل الكفار هذا الرجل أن ~~يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين، ويفعل به كفعله في غيره. فعصم ~~الله رسوله وحفظه. وأنزل عليه وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم هذا ~~قول طائفة. # وقالت طائفة أخرى، منهم ابن قتيبة: ليس المراد: أنهم يصيبونك # PageV01P639 # بالعين، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه. وإنما أراد: أنهم ينظرون إليك ~~إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء، يكاد يسقطك. قال الزجاج: ~~يعني من شدة العداوة يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. # وهذا مستعمل في الكلام. يقول القائل: نظر إلي نظرا كاد يصرعني. # قال: ويدل على صحة هذا المعنى: أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن، وهم ~~كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية، فيحدون إليه النظر بالبغضاء. # قلت: النظر الذي يؤثر في المنظور: قد يكون سببه شدة العداوة والحسد فيؤثر ~~نظره فيه، كما تؤثر نفسه بالحسد، ويقوى تأثير النفس عند المقابلة. فإن ~~العدو إذا غاب عن عدوه فقد يشغل نفسه عنه. فإذا عاينه قبلا اجتمعت الهمة ~~عليه، وتوجهت النفس بكليتها إليه. فيتأثر بنظره، حتى إن من الناس من يسقط، ~~ومنهم من يحم، ومنهم من يحمل إلى بيته. وقد شاهد الناس من ذلك كثيرا. # وقد يكون سببه الإعجاب. وهو الذي يسمونه: بإصابة العين. وهو أن الناظر ~~يرى الشيء رؤية إعجاب به أو استعظام، فتتكيف روحه بكيفية خاصة تؤثر في ~~المعين. وهذا هو الذي يعرفه الناس من رؤية المعين. فإنهم يستحسنون الشيء ~~ويعجبون منه، فيصاب بذلك. # قال عبد الرزاق: عن معمر عن هشام بن قتيبة قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «العين حق. ونهى عن الوشم» . # وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن عروة عن ms432 عامر عن عبيد بن رفاعة «أن أسماء ~~بنت عميس قالت: يا رسول الله، إن بني جعفر تصيبهم العين، أفنسترقي لهم؟ ~~قال: نعم. فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين» . # فالكفار كانوا ينظرون إليه نظر حاسد شديد العداوة. فهو نظر يكاد يزلقه. # PageV01P640 # لولا حفظ الله وعصمته. فهذا أشد من نظر العائن، بل هو جنس من نظر العائن ~~فمن قال: إنه من الإصابة بالعين أراد: هذا المعنى. ومن قال: ليس به. أراد: ~~أن نظرهم لم يكن نظر استحسان وإعجاب. فالقرآن حق. # وقد روى الترمذي من حديث أبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يتعوذ من عين الإنسان» # فلولا أن العين شر لم يتعوذ منها. # وفي الترمذي من حديث على بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير حدثني حابس بن ~~حبة التميمي حدثني أبي: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا شيء ~~في الهام. والعين حق» . # وفيه أيضا من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا ~~استغسلتم فاغسلوا» # وفي الباب عن عبد الله بن عمرو. وهذا حديث صحيح. # والمقصود: أن العائن حاسد خاص. وهو أضر من الحاسد. ولهذا- والله أعلم- ~~إنما جاء في السورة ذكر الحساد دون العائن. لأنه أعم. فكل عائن حاسد ولا ~~بد. وليس كل حاسد عائنا. فإذا استعاذ من شر الحاسد دخل فيه العائن. وهذا من ~~شمول القرآن وإعجازه وبلاغته. # وأصل الحسد: هو بغض نعمة الله على المحسود، وتمني زوالها. # فالحاسد عدو النعم. وهذا الشر هو من نفسه وطبعها. ليس هو شيئا اكتسبه من ~~غيرها، بل هو من خبثها وشرها، بخلاف السحر. فإنه إنما يكون باكتساب أمور ~~أخرى، واستعانة بالأرواح الشيطانية. فلهذا- والله أعلم- قرن في السورة بين ~~شر الحاسد وشر الساحر. لأن الاستعاذة من شر هذين تعم كل شر يأتي من شياطين ~~الإنس والجن. فالحسد من شياطين الإنس والجن، والسحر من النوعين. # PageV01P641 # وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن، ms433 وهو الوسوسة في القلب. فذكره في السورة ~~الأخرى، كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله. فالحاسد والساحر يؤذيان ~~المحسود والمسحور بلا عمل منه. بل هو أذى من أمر عنه. ففرق بينهما في الذكر ~~في سورة الفلق. # والوسواس إنما يؤذي العبد من داخل بواسطة مساكنته له، وقبوله منه. # ولهذا يعاقب العبد على الشر الذي يؤذيه به الشيطان من الوساوس التي تقترن ~~بها الأفعال، والعزم الجازم. لأن ذلك بسعيه وإرادته، بخلاف شر الحاسد ~~والساحر فإنه لا يعاقب عليه. إذ لا يضاف إلى كسبه ولا إرادته. فلهذا أفرد ~~شر الشيطان في سورة، وقرن بين شر الساحر والحاسد في سورة. وكثيرا ما يجتمع ~~في القرآن الحسد والسحر للمناسبة. ولهذا كان اليهود أسحر الناس وأحسدهم. ~~فإنهم لشدة خبثهم: فيهم من السحر والحسد ما ليس في غيرهم. وقد وصفهم الله ~~في كتابه بهذا وهذا. فقال: 2: 102 واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان. وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر. وما ~~أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما ~~نحن فتنة، فلا تكفر. فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه. وما هم ~~بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم. ولقد علموا ~~لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا ~~يعلمون. # والكلام على أسرار هذه الآية وأحكامها وما تضمنته من القواعد والرد على ~~من أنكر السحر، وما تضمنته من الفرقان بين السحر وبين المعجزات الذي أنكره ~~من أنكر السحر خشية الالتباس. وقد تضمنت الآية أعظم الفرقان بينهما- في ~~موضع غير هذا. # وإذ المقصود الكلام على أسرار هاتين السورتين وشدة حاجة الخلق إليهما، ~~وأنه لا يقوم غيرهما مقامهما. # PageV01P642 # وأما وصفهم بالحسد فكثير في القرآن. كقوله تعالى: 4: 55 أم يحسدون الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله وفي قوله: 2: 109 ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم ms434 الحق. # والشيطان يقارن الساحر والحاسد، ويحادثهما ويصاحبهما. ولكن الحاسد تعينه ~~الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان. لأن الحاسد شبيه بإبليس، وهو في الحقيقة ~~من أتباعه. لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس، وزوال نعم الله عنهم، ~~كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله، وأبى أن يسجد له حسدا. فالحاسد من جند ~~إبليس. وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ويستعينه. وربما يعبده من ~~دون الله، حتى يقضي له حاجته، وربما يسجد له. # وفي كتب السحر والسر المكتوم من هذا عجائب. ولهذا كلما كان الساحر أكفر ~~وأخبث وأشد معاداة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ. وكان ~~سحر عباد الأصنام أقوى من أهل الكتاب، وسحر اليهود أقوى من سحر المنتسبين ~~إلى الإسلام. وهم الذين سحروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي الموطأة عن كعب قال: «كلمات أحفظهن من التوراة، لولاها لجعلتني يهود ~~حمارا: أعوذ بوجه الله العظيم، الذي لا شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات ~~التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى، ما علمت منها وما لم ~~أعلم: من شر ما خلق، وذرأ، وبرأ» . # والمقصود: أن الساحر والحاسد كل منهما قصده الشر، لكن الحاسد بطبعه ونفسه ~~وبغضه للمحسود، والشيطان يقترن به ويعينه، ويزين له حسده، ويأمره بموجبه. ~~والساحر بعلمه، وكسبه، واستعانته بالشياطين. # PageV01P643 ### | ### | فصل # # وقوله: ومن شر حاسد إذا حسد يعم الحاسد من الجن والإنس. # فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله. كما حسد ~~إبليس أبانا آدم، وهو عدو لذريته، كما قال تعالى: 35: 6 إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا ولكن الوسواس أخص بشياطين الجن، والحسد أخص بشياطين الإنس. ~~والوسواس يعمهما، كما سيأتي بيانهما. # والحسد يعمهما أيضا. فكلا الشيطانين حاسد موسوس. فالاستعاذة من شر الحاسد ~~تتناولهما جميعا. # فقد اشتملت السورة على الاستعاذة من كل شر في العالم. # وتضمنت شرورا أربعة يستعاذ منها: شرا عاما. وهو شر ما خلق. وشر الغاسق ~~إذا وقب. فهذان نوعان. # ثم ذكر شر الساحر والحاسد، وهما نوعان أيضا. ms435 لأنهما من شر النفس الشريرة. ~~وأحدهما يستعين بالشيطان ويعبده، وهو الساحر. وقلما يتأتى السحر بدون نوع ~~عبادة للشيطان، وتقرب إليه: إما بذبح باسمه، أو بذبح يقصد به هو، فيكون ~~ذبحا لغير الله، وبغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق. # والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان. فهو عبادة له، وإن سماه بما سماه ~~به. فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه. فمن سجد ~~لمخلوق، وقال: ليس هذا بسجود له، هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة، كما ~~أقبلها بالنعم، أو هذا إكرام: لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودا لغير ~~الله فليسمه بما يشاء. # وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به، وتقرب إليه بما يحب. # فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة، بل يسميه استخداما، وصدق. هو استخدام من ~~الشيطان له. فيصير من خدم الشيطان وعابديه. وبذلك يخدمه # PageV01P644 # الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة. فإن الشيطان لا يخضع له ~~ولا يعبده، كما يفعل هو به. # والمقصود: أن هذا عبادة منه للشيطان. وإنما سماه استخداما. قال تعالى: ~~36: 60 ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان؟ إنه لكم عدو مبين ~~وقال تعالى: 34: 40، 41 ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة: أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون؟ قالوا: سبحانك، أنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن، ~~أكثرهم بهم مؤمنون. # فهؤلاء وأشباههم عباد الجن والشياطين. وهم أولياؤهم في الدنيا والآخرة. ~~ولبئس المولى، ولبئس العشير. فهذا أحد النوعين. # والنوع الثاني: من يعينه الشيطان، وإن لم يستعن هو به. وهو الحاسد. لأنه ~~نائبة وخليفته. لأن كليهما عدو نعم الله، ومنغصها على عباده. ### | ### | فصل # # وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله «إذا حسد» لأن الرجل قد يكون عنده ~~حسد، ولكن يخفيه، ولا يرتب عليه أذى بوجه ما، لا بقلبه، ولا بلسانه، ولا ~~بيده، بل يجد في قلبه شيئا من ذلك ولا يعامل أخاه إلا بما يحب الله. فهذا ~~لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصمه الله. # وقيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ قال: ms436 ما أنساك لإخوة يوسف. # لكن الفرق بين القوة التي في قلبه من ذلك وهو لا يطيعها ولا يأتمر بها، ~~بل يعصيها طاعة الله وخوفا وحياء منه، وإجلالا له. أن يكره نعمه على عباده، ~~فيرى ذلك مخالفة لله وبغضا لما يحب الله، ومحبة لما يبغضه. فهو يجاهد نفسه ~~على دفع ذلك، ويلزمها بالدعاء للمحسود، وتمنى زيادة الخير له، بخلاف ما إذا ~~حقق ذلك وحسده، ورتب على حسده مقتضاة: من الأذى بالقلب، واللسان والجوارح ~~فهذا الحسد المذموم. هذا كله حسد # PageV01P645 # تمنى الزوال. # وللحسد ثلاث مراتب: إحداها هذه. # والثانية: تمنى استصحاب عدم النعمة. فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، ~~بل يحب أن يبقى على حاله من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو شتات قلبه عن الله، ~~أو قلة دينه. فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب. فهذا حسد على شيء ~~مقدر. والأول حسد على شيء محقق. # وكلاهما حاسد، عدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله تعالى، وعند ~~الناس. ولا يسود أبدا، ولا يواسى فإن الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد ~~الإحسان إليهم. فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه باختيارهم أبدا إلا ~~قهرا يعدونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم الله بها. فهم يبغضونه وهو ~~يبغضهم. # والحسد الثالث: حسد الغبطة، وهو تمنى أن يكون له مثل حال المحسود من غير ~~أن تزول النعمة عنه. فهذا لا بأس به، ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من ~~المنافسة، وقد قال تعالى: 83: 26 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا حسد إلا في اثنتين: ~~رجل آتاه الله مالا، وسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله الحكمة. فهو ~~يقضى بها ويعلمها الناس» # فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه كبر نفسه، وحب خصال الخير، والتشبه ~~بأهلها، والدخول في جملتهم، وأن يكون من سباقهم وعليتهم ومصليهم لا من ~~فساكلهم «1» فتحدث له من هذه الهمة المنافسة والمسابقة والمسارعة، مع محبته ~~لمن يغبطه، وتمنى دوام نعمة الله عليه. ms437 فهذا لا يدخل في الآية بوجه ما. # فهذه السورة من أكبر أدوية الحسد. فإنها تتضمن التوكل على الله، ~~PageV01P646 # والالتجاء إليه، والاستعاذة به من شر حاسد النعمة. فهو مستعيذ بولي النعم ~~وموليها. كأنه يقول: يا من أولاني نعمته وأسداها إلي أنا عائذ بك من شر من ~~يريد أن يستلبها مني، ويزيلها عني. وهو حسب من توكل عليه، وكافى من لجأ ~~إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير المستعير. وهو نعم المولى ونعم ~~النصير. فمن تولاه واستنصر به، وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه، تولاه وحفظه ~~وحرسه وصانه. ومن خافه واتقاه أمنه مما يخاف ويحذر. # وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع 65: 2، 3 ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. ومن يتوكل على الله فهو حسبه فلا تستبطئ ~~نصره ورزقه وعافيته. فإن الله بالغ أمره. وقد جعل الله لكل شيء قدرا. لا ~~يتقدم عنه ولا يتأخر. ومن لم يخفه أخافه من كل شيء، وما خاف أحد غير الله ~~إلا لنقص خوفه من الله. قال تعالى: 16: 98، 99 فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقال: 3: 175 ~~إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه. فلا تخافوهم، وخافون إن كنتم مؤمنين أي ~~يخوفكم بأوليائه، ويعظمهم في صدوركم. فلا تخافوهم، وأفردوني بالمخافة أكفكم ~~إياهم. ### | ### | فصل # # ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب. # أحدها: التعوذ بالله من شره، والتحصن به واللجأ إليه. وهو المقصود بهذه ~~السورة، والله تعالى سميع لاستعاذته، عليم بما يستعيذ منه، والسمع هنا ~~المراد به: سمع الإجابة، لا السمع العام. فهو مثل قوله: «سمع الله لمن ~~حمده» وقول الخليل صلى الله عليه وسلم: 14: 39 إن ربي لسميع الدعاء ومرة ~~يقرنه بالعلم، ومرة بالبصر، لاقتضاء حال المستعيذ ذلك. فإنه يستعيذ به من ~~عدو يعلم أن الله يراه، ويعلم كيده وشره. فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ # PageV01P647 # ذلك. فإنه يستعيذ به من عدو يعلم ms438 أن الله يراه، ويعلم كيده وشره. فأخبر ~~الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته، أي مجيب عليم بكيد عدوه، يراه ~~ويبصره، لينبسط أمل المستعيذ، ويقبل بقلبه على الدعاء. # وتأمل حكمة القرآن، كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا ~~نراه بلفظ «السميع العليم» في الأعراف وحم السجدة. وجاءت الاستعاذة من شر ~~الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ «السميع البصير» في سورة حم ~~المؤمن. فقال: 40: 56 إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، إن ~~في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه، فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير لأن ~~أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر. وأما نزغ الشيطان فوساوس، وخطرات ~~يلقيها في القلب، يتعلق بها العلم. فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها. ~~وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر، ويدرك بالرؤية. ~~والله أعلم. # السبب الثاني: تقوى الله، وحفظه عند أمره ونهيه. فمن اتقى الله تولى الله ~~حفظه، ولم يكله إلى غيره. قال تعالى: 3: 121 وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس «احفظ الله يحفظك، احفظ ~~الله تجده تجاهك» # فمن حفظ الله حفظه الله، ووجده أمامه أينما توجه. ومن كان الله حافظه ~~وأمامه فممن يخاف؟ ومن يحذر؟. # السبب الثالث: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه ~~بأذاه أصلا. فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه، والتوكل على الله ~~ولا يستطل تأخيره وبغيه. فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندا وقوة للمبغى ~~عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه. وهو لا يشعر. فبغيه سهام يرميها من ~~نفسه إلى نفسه. ولو رأى المبغى عليه ذلك لسره بغيه عليه. # ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي، دون آخره ومآله. وقد قال تعالى: ~~22: 60 ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه # PageV01P648 # الله # فإذا كان الله قد ضمن له النصر، مع أنه قد استوفى حقه أولا، فكيف بمن لم ~~يستوف شيئا من حقه، بل بغى ms439 عليه وهو صابر؟ وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من ~~البغي وقطيعة الرحم. وقد سبقت سنة الله: أنه لو بغى جبل على جبل لجعل ~~الباغي منهما دكا. # السبب الرابع: التوكل على الله. فمن يتوكل على الله فهو حسبه. # والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق ~~وظلمهم وعدوانهم. وهو من أقوى الأسباب في ذلك. فإن الله حسبه، أي كافيه. ~~ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد ~~منه، كالحر والبرد، والجوع والعطش، وإما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا ~~يكون أبدا. # وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له، وهو في الحقيقة إحسان إليه ~~وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه. قال بعض السلف: # جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، ~~فقال: 65: 3 ومن يتوكل على الله فهو حسبه ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر ~~كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه، ~~وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن ~~لجعل له ربه مخرجا من ذلك، وكفاه ونصره. # وقد ذكرنا حقيقة التوكل وفوائده، وعظم منفعته، وشدة حاجة العبد إليه في ~~«كتاب الفتح القدسي» وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلولة، وأنه ~~من مقامات العوام. وأبطلنا قوله من وجوه كثيرة. وبينا أنه من أجل مقامات ~~العارفين، وأنه كلما علا مقام العبد كانت حاجته إلى التوكل أعظم وأشد، وأنه ~~على قدر إيمان العبد يكون توكله. # وإنما المقصود هنا ذكر الأسباب التي يندفع بها شر الحاسد، والعائن، ~~والساحر، والباغي. # PageV01P649 # السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه ~~من باله كلما خطر له. فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر ~~فيه. # وهذا من أنفع الأدوية، وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره. فإن هذا ~~بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم ms440 يتعرض له ولا تماسك هو وإياه، ~~بل انعزل عنه لم يقدر عليه. فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه، حصل الشر ~~وهكذا الأرواح سواء. فإذا علق روحه وشبثها به، وروح الحاسد الباغي متعلقة ~~به يقظة ومناما، لا يفتر عنه، وهو يتمنى أن يتماسك الروحان ويتشبثا. فإذا ~~تعلقت كل روح منهما بالأخرى عدم القرار. ودام الشر، حتى يهلك أحدهما. فإذا ~~جبذ روحه منه، وصانها عن الفكر فيه والتعلق به، وأن لا يخطره بباله. فإذا ~~خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر، والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به. ~~بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضا. فإن الحسد كالنار، فإذا لم تجد ما تأكله ~~أكل بعضها بعضا. # وهذا باب عظيم النفع لا يلقاه إلا أصحاب النفوس الشريفة والهمم العلية، ~~وبين الكيس الفطن وبينه حتى يذوق حلاوته وطيبه ونعيمه كأنه يرى من أعظم ~~عذاب القلب والروح اشتغاله بعدوه، وتعلق روحه به، ولا يرى شيئا آلم لروحه ~~من ذلك، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة الوادعة اللينة، التي رضيت ~~بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها. فوثقت ~~بالله، وسكنت إليه، واطمأنت به، وعلمت أن ضمانه حق، ووعده صدق، وأنه لا ~~أوفى بعهده من الله، ولا أصدق منه قيلا. # فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم، وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها، أو ~~نصر مخلوق مثلها لها، ولا يقوى على هذا إلا بالسبب السادس: # وهو الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته ورضاه والانابة # PageV01P650 # إليه في محل خواطر نفسه، وأمانيها تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئا فشيئا، ~~حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية. فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في ~~محاب الرب، والتقرب إليه وتملقه وترضيه، واستعطافه وذكره، كما يذكر المحب ~~التام المحبة محبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه. فلا يستطيع ~~قلبه انصرافا عن ذكره، ولا روحه انصرافا عن محبته. فإذا صار كذلك فكيف يرضى ~~لنفسه أن يجعل بيت أفكاره وقلبه معمورا بالفكر في حاسده والباغي عليه، ~~والطريق إلى الانتقام منه، ms441 والتدبير عليه؟ هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب ~~لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله، وطلب مرضاته. بل إذا مسه طيف من ذلك واجتاز ~~ببابه من خارج، ناداه حرس قلبه: إياك وحمى الملك. اذهب إلى بيوت الخانات ~~التي كل من جاء حل فيها، ونزل بها. مالك ولبيت السلطان الذي أقام عليه ~~اليزك وأدار عليه الحرس، وأحاطه بالسور، قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس: ~~أنه قال: # 38: 82، 83 فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين فقال تعالى: ~~15: 42 إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقال: # 16: 99، 100 إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقال في حق الصديق يوسف صلى ~~الله عليه وسلم: 12: 24 كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين. # فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن، وصار داخل اليزك، لقد آوى إلى حصن لا ~~خوف على من تحصن به. ولا ضيعة على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو ~~إليه منه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه. ~~فإن الله تعالى يقول: 42: 30 وما أصابكم من مصيبة فبما # PageV01P651 # كسبت أيديكم # وقال لخير الخلق، وهم أصحاب نبيه دونه صلى الله عليه وسلم: 3: # 165 أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا؟ قل هو من عند ~~أنفسكم. # فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه ~~العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها. وما ينساه مما عمله أضعاف ما يذكره. # وفي الدعاء المشهور «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم. # واستغفرك لما لا أعلم» . # فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه. ~~فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب. # ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه، فقال له: قف حتى أدخل البيت، ثم ~~أخرج إليك. فدخل فسجد لله ms442 وتضرع إليه وتاب، وأناب إلى ربه. ثم خرج إليه ~~فقال له: ما صنعت؟ فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي. # وسنذكر إن شاء الله تعالى أنه ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها. ~~فإذا عوفي العبد من الذنوب عوفي من موجباتها. فليس للعبد إذا بغي عليه ~~وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنقع له من التوبة النصوح. # وعلامة سعادته: أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه، فيشتغل بها ~~وبإصلاحها وبالتوبة منها. فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به، بل يتولى هو ~~التوبة وإصلاح عيوبه. والله يتولى نصرته وحفظه، والدفع عنه ولا بد. فما ~~أسعده من عبد، وما أبركها من نازلة نزلت به. وما أحسن أثرها عليه، ولكن ~~التوفيق والرشد بيد الله. لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. فما كل أحد ~~يوفق لهذا. لا معرفة به، ولا إرادة له، ولا قدرة عليه، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # PageV01P652 # السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه. فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع ~~البلاء، ودفع العين، وشر الحاسد. ولو لم يكن في هذا إلا بتجارب الأمم قديما ~~وحديثا لكفى به. فما تكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن ~~أصابه شيء من ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد. وكانت له فيه ~~العاقبة الحميدة. # فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته، عليه من الله جنة واقية، وحصن ~~حصين. # وبالجملة: فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها. # ومن أقوى الأسباب: حسد الحاسد والعائن. فإنه لا يفتر ولا يني، ولا يبرد ~~قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود. فحينئذ يبرد أنينه، وتتطفئ ناره، لا ~~أطفأها الله. فما حرس العبد نعمة الله بمثل شكرها، ولا عرضها للزوال بمثل ~~العمل فيها بمعاصي الله. وهو كفران النعمة. وهو باب إلى كفران المنعم. # فالمحسن المتصدق يستخدم جندا وعسكرا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه. فمن ~~لم يكن له جند ولا عسكر، وله عدو. فإنه يوشك أن يظفر به عدوه، وإن تأخرت ~~مدة الظفر. ms443 والله المستعان. # السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس، وأشقها عليها، ولا يوفق له ~~إلا من عظم حظه من الله- وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان ~~إليه. فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا، وله نصيحة، ~~وعليه شفقة. وما أظنك تصدق بأن هذا يكون، فضلا عن أن تتعاطاه. # فاسمع الآن قوله عز وجل: 41: 34- 36 ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. # PageV01P653 # وما يلقاها إلا الذين صبروا. وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله. إنه هو السميع العليم # وقال: 28: 54 أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا، ويدرؤن بالحسنة السيئة. ~~ومما رزقناهم ينفقون. # وتأمل حال النبي صلى الله عليه وسلم إذ ضربه قومه حتى أدموه. فجعل يسلت ~~الدم عنه، # ويقول «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» # كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان، قابل بها إساءتهم ~~العظيمة إليه؟. # أحدها: عفوه عنهم. والثاني: استغفاره لهم. والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم ~~لا يعلمون. والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه. # فقال «اغفر لقومي» # كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به. هذا ولدي: هذا غلامي. هذا ~~صاحبي، فهبه لي. # واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس، ويطيبه إليها وينعمها به. # اعلم أن لك ذنوبا بينك وبين الله، تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفو عنها ~~ويغفرها لك ويهبها لك. ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة، حتى ~~ينعم عليك ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله. فإذا كنت ~~ترجو هذا من ربك، وتحب أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به ~~خلقه، وتقابل به إساءتهم؟ ليعاملك الله تلك المعاملة. فإن الجزاء من جنس ~~العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك ~~وإساءتك، جزاء وفاقا. فانتقم بعد ذلك، أو اعف، وأحسن أو اترك. فكما تدين ~~تدان، وكما تفعل مع عباده يفعل معك. # فمن تصور هذا المعنى، ms444 وشغل به فكره. هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه. # PageV01P654 # وهذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة. كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي شكا إليه قرابته، وأنه يحسن إليهم، ~~وهم يسيئون إليه. # فقال «لا يزال معك من الله ظهير، ما دمت على ذلك» . # هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلهم معه على خصمه. فإن كل ~~من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير، وهو مسيء إليه. # وجد قلبه وداءه وهمته مع المحسن على المسيء. وذلك أمر فطري، فطر الله ~~عليه عباده. فهو بهذا الإحسان، قد استخدم عسكرا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا ~~يريدون منه إقطاعا ولا خبزا. # هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين: إما أن يملكه ~~بإحسانه، فيستعبده وينقاد له، ويذل له، ويبقى الناس إليه. وإما أن يفتت ~~كبده ويقطع دابره، إن أقام على إساءته إليه. فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ~~ينال منه بانتقامه، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة. والله هو الموفق والمعين. ~~بيده الخير كله، لا إله غيره، وهو المسؤول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك ~~بمنه وكرمه. # وفي الجملة: ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد ~~عاجلة وآجلة. سنذكرها في موضع آخر إن شاء الله تعالى. # السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد ~~التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن ~~هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها، وفاطرها وبارئها، ولا تضر ~~ولا تنفع إلا بإذنه. فهو الذي يحسن عبده بها. # وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه. قال تعالى: 10: 107 وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما «واعلم ~~أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ~~ولو اجتمعوا على # PageV01P655 # أن يضروك ms445 بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك» . # فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون ~~عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من ~~قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة ~~وتوكلا، واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه ~~واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، ~~والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فإن كان ~~مؤمنا بالله فالله يدافع عنه ولا بد. وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه. # فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج، مزج له. وإن كان مرة ~~الله عليه جملة. ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة. ومن كان مرة ~~ومرة فالله له مرة ومرة. # فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: ~~من خاف الله خافه كل شيء. ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء. # هذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من ~~التوجه إلى الله وإقباله عليه، وتوكله عليه، وثقته به، وأن لا يخاف معه ~~غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجو سواه، بل يرجوه وحده، فلا يعلق قلبه ~~بغيره، ولا يستغيث بسواه. ولا يرجو إلا إياه. ومتى علق قلبه بغيره ورجاه ~~وخافه: وكل إليه وخذل من جهته، فمن خاف شيئا غير الله سلط عليه. ومن رجا ~~شيئا سوى الله خذل من جهته وحرم خيره. هذه سنة الله في خلقه. ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا. ### | فصل # فقد عرفت بعض ما اشتملت عليه هذه السورة من القواعد النافعة # PageV01P656 # المهمة التي لا غنى للعبد عنها في دينه ودنياه، ودلت على أن نفوس ~~الحاسدين وأعينهم لها تأثير، وعلى أن الأرواح الشيطانية لها تأثير بواسطة ~~السحر والنفث في العقد. # وقد افترق العالم في هذا المقام أربع ms446 فرق. # ففرقة: أنكرت تأثير هذا وهذا. وهم فرقتان. # فرقة: اعترفت بوجود النفوس الناطقة والجن، وأنكرت تأثيرهما البتة. # وهذا قول طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والقوى والتأثيرات. # وفرقة أنكرت وجودهما بالكلية. وقالت: لا وجود لنفس الآدمي سوى هذا الهيكل ~~المحسوس، وصفاته وأعراضه فقط. ولا وجود للجن والشياطين سوى أعراض قائمة به. ~~وهذا قول كثير من ملاحدة الطبائعيين وغيرهم من الملاحدة المنتسبين إلى ~~الإسلام. وهو قول شذاذ من أهل الكلام الذين ذمهم السلف، وشهدوا عليهم ~~بالبدعة والضلالة. # الفرقة الثانية: أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن، وأقرت بوجود ~~الجن والشياطين، وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم. # الفرقة الثالثة: بالعكس، أقرت وجود النفس الناطقة المفارقة البدن، وأنكرت ~~وجود الجن والشياطين. وزعمت أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها. وهذا قول ~~كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم. # وهؤلاء يقولون إن ما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث ~~الخارقة فهو من تأثيرات النفس، ويجعلون السحر والكهانة كله من تأثير النفس ~~وحدها، بغير واسطة شيطان منفصل، وابن سينا وأتباعه على هذا القول، حتى إنهم ~~يجعلون معجزات الرسل من هذا الباب. # ويقولون إنما هي من تأثيرات النفس في هيولى العالم. # وهؤلاء كفار بإجماع أهل الملل. ليسوا من أتباع الرسل جملة. # PageV01P657 # الفرقة الرابعة: وهم أتباع الرسل، وأهل الحق: أقروا بوجود النفس الناطقة ~~المفارقة للبدن، وأقروا بوجود الجن والشياطين، وأثبتوا ما أثبته الله تعالى ~~من صفاتهما، وشرهما، واستعاذوا بالله منه. وعلموا أنه لا يعيذهم منه، ولا ~~يجيرهم إلا الله. # فهؤلاء أهل الحق. ومن عداهم مفرط في الباطل، أو معه باطل وحق. والله يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم. # فهذا ما يسر الله من الكلام على سورة الفلق. # PageV01P658 ### | سورة الناس # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس ~~(4) # الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) # قد تضمنت أيضا استعاذة، ومستعاذا به، ومستعاذا منه. # فالاستعاذة تقدمت. # وأما المستعاذ به: فهو الله ms447 برب الناس. ملك الناس. إله الناس. # فذكر ربوبيته للناس، وملكه إياهم، وإلهيته لهم، ولا بد من مناسبة في ذكر ~~ذلك في الاستعاذة من الشيطان، كما تقدم. # فذكر أولا معنى هذه الإضافات الثلاث. ثم وجه مناسبتها لهذه الاستعاذة، ~~فنقول: # الإضافة الأولى: إضافة الربوبية المتضمنة لحقهم وتدبيرهم، وتربيتهم، ~~وإصلاحهم، وجلب مصالحهم، وما يحتاجون إليه، ودفع الشر # PageV01P659 # عنهم، وحفظهم مما يفسدهم. هذا معنى ربوبيته لهم. وذلك يتضمن قدرته ~~التامة. ورحمته الواسعة، وإحسانه، وعلمه بتفاصيل أحوالهم، وإجابة دعواتهم، ~~وكشف كرباتهم. # الإضافة الثانية: إضافة الملك: فهو ملكهم المتصرف فيهم: وهم عبيده ~~ومماليكه، وهو المتصرف لهم المدبر لهم كما يشاء، النافذ القدرة فيهم، الذي ~~له السلطان التام عليهم، فهو ملكهم الحق: الذي إليه مفزعهم عند الشدائد ~~والنوائب، وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجأهم. فلا صلاح لهم ولا قيام إلا به ~~وبتدبيره فليس لهم ملك غيره يهربون إليه إذا دهمهم العدو، ويستصرخون به إذا ~~نزل العدو بساحتهم. # الإضافة الثالثة: إضافة الإلهية. فهو إلههم الحق، ومعبودهم الذي لا إله ~~لهم سواه ولا معبود لهم غيره. فكما أنه وحده هو ربهم ومليكهم لم يشركه في ~~ربوبيته ولا في ملكه أحد، فكذلك هو وحده إلههم ومعبودهم. فلا ينبغي أن ~~يجعلوا معه شريكا في إلهيته، كما لا شريك معه في ربوبيته وملكه. # وهذه طريقة القرآن يحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على ما أنكروه من ~~توحيد الإلهية والعبادة. # وإذا كان وحده هو ربنا وملكنا وإلهنا، فلا مفزع لنا في الشدائد سواه. # ولا ملجأ لنا منه إلا إليه. ولا معبود لنا غيره. فلا ينبغي أن يدعى ولا ~~يخاف ولا يرجى، ولا يحب سواه، ولا يذل لغيره، ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل ~~إلا عليه، لأن من ترجوه وتخافه وتدعوه وتتوكل عليه: إما أن يكون مربيك ~~والقيم بأمورك، ومتولي شأنك وهو ربك، فلا رب سواه، أو تكون مملوكه وعبده ~~الحق، فهو ملك الناس حقا، وكلهم عبيده ومماليكه، أو يكون معبودك وإلهك الذي ~~لا تستغني عنه طرفة عين، بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى حياتك وروحك، وهو ms448 ~~الإله الحق إله الناس الذي لا إله لهم سواه. # PageV01P660 # فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا ~~يستنصروا بسواه ولا يلجئوا إلى غير حماه، فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم ~~ووليهم، ومتولي أمورهم جميعا بربوبيته وملكه وإلهيته لهم، فكيف لا يلتجئ ~~العبد عند النوازل ونزول عدوه به إلى ربه ومالكه وإلهه؟. # فظهرت مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة: من أعدى الأعداء وأعظمهم ~~عداوة، وأشدهم ضررا، وأبلغهم كيدا. # ثم إنه سبحانه كرر الإسم الظاهر، ولم يوقع المضر موقعه. فيقول: # رب الناس وملكهم وإلههم: تحقيقا لهذا المعنى، وتقوية له. فأعاد ذكرهم عند ~~كل اسم من أسمائه، ولم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة. # والمقصود: الاستعاذة بمجموع هذه الصفات، حتى كأنها صفة واحدة. # وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب. # وأخر الإلهية لخصوصها لأنه سبحانه إنما هو إله من عبده ووحده واتخذه دون ~~غيره إلها. فمن لم يعبده ويوحده فليس بإلهه. وإن كان في الحقيقة لا إله له ~~سواه، ولكن المشرك ترك إلهه الحق واتخذ إلها غيره باطلا. # ووسط صفة الملك بين الربوبية والإلهية لأن الملك هو المتصرف بقوله وأمره. ~~فهو المطاع إذا أمر. وملكه لهم تابع لخلقه إياهم. فملكه من كمال ربوبيته. ~~وكونه إلههم الحق من كمال ملكه. فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه. # وملكه يستلزم إلهيته: يقتضيها، فهو الرب الحق، الملك الحق، الإله الحق، ~~خلقهم بربوبيته وقهرهم بملكه. واستعبدهم بإلهيته. # فتأمل هذه الجلالة، وهذه العظمة، التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على ~~أبدع نظام، وأحسن سياق «رب الناس، ملك الناس، إله الناس» . # وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان، # PageV01P661 # وتضمنت معاني أسمائه الحسنى. # أما تضمنها لمعاني أسمائه الحسنى. فإن الرب هو القادر الخالق، البارئ ~~المصور، الحي القيوم، العليم السميع البصير، المحسن المنعم، الجواد المعطي. ~~المانع، الضار النافع، المقدم المؤخر، الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ~~ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء- إلى غير ذلك من ~~معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى. ms449 # وأما الملك: فهو الآمر الناهي، المعز المذل، الذي يصرف أمور عباده كما ~~يحب، ويقلبهم كما يشاء. وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى، ~~كالعزيز، الجبار المتكبر، الحكم العدل، الخافض الرافع، المعز المذل، العظيم ~~الجليل الكبير، الحسيب المجيد، الوالي المتعالي، مالك الملك، المقسط ~~الجامع- إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك. # وأما الإله: فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال. فيدخل في هذا ~~الإسم جميع الأسماء الحسنى. ولهذا كان القول الصحيح: أن «الله» أصله الإله. ~~كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه، إلا من شذ منهم، وأن اسم الله تعالى هو ~~الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى. فقد تضمنت هذه الأسماء ~~الثلاثة جميع معاني أسمائه الحسنى. فكان المستعيذ بها جديرا بأن يعاذ ~~ويحفظ، ويمنع من الوسواس الخناس ولا يسلط عليه. # وأسرار كلام الله أجل وأعظم من أن تدركها عقول البشر. وإنما غاية أولي ~~العلم الاستدلال بما ظهر منها على ما وراءه، وأن نسبة باديه إلى الخافي ~~يسير. # PageV01P662 ### | ### | ### | فصل # # وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي ~~كلها. وهو الشر الداخل في الإنسان، الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا ~~والآخرة. # فسورة الفلق: تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو ظلم الغير له بالسحر ~~والحسد. وهو شر من خارج. # وسورة الناس: تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه وهو شر ~~من داخل. # فالشر الأول: لا يدخل تحت التكليف، ولا يطلب منه الكف عنه. # لأنه ليس من كسبه. # والشر الثاني في سورة الناس: يدخل تحت التكليف، ويتعلق به النهي. فهذا شر ~~المعائب. والأول شر المصائب، والشر كله يرجع إلى العيوب والمصائب. ولا ثالث ~~لهما. # فسورة الفلق تتضمن الاستعاذة من شر المصيبات. وسورة الناس تتضمن ~~الاستعاذة من شر العيوب التي أصلها كلها الوسوسة. # فصل # إذا عرف هذا، فالوسواس: فعلال من وسوس. # وأصل الوسوسة: الحركة أو الصوت الخفي الذي لا يحس، فيحترز منه. # فالوسواس: الإلقاء الخفي في النفس، إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي ~~إليه، ms450 وإما بغير صوت، كما يسوس الشيطان إلى العبد. # PageV01P663 # ومن هذا: وسوسة الحلي وهو حركته الخفية في الأذن. # والظاهر- والله أعلم- أنها سميت وسوسة لقربها، وشدة مجاورتها لمحل ~~الوسوسة من شياطين الإنس. وهو الإذن. فقيل: وسوسة الحلي. # لأنه صوت مجاور للأذن، كوسوسة الكلام الذي يلقيه الشيطان في أذن من يوسوس ~~له. # ولما كانت الوسوسة كلاما يكرره الموسوس، ويؤكده عند من يلقيه إليه كرروا ~~لفظها بإزاء تكرير معناها. فقالوا: وسوس وسوسة. فراعوا تكرير اللفظ ليفهم ~~منه تكرير مسماه. # ونظير هذا: ما تقدم من متابعتهم حركة اللفظ بإزاء متابعة حركة معناه، ~~كالدوران، والغليان، والنزوان، وبابه. # ونظير ذلك: زلزل، ودكدك، وقلقل، وكبكب الشيء. لأن الزلزلة حركة متكررة. ~~وكذلك الدكدكة، والقلقلة. وكذلك كبكب الشيء: إذا كبه في مكان بعيد، فهو يكب ~~فيه كبا بعد كب كقوله تعالى: 26: 94 فكبكبوا فيها هم والغاوون ومثله: رضرضه ~~إذا كرر رضة مرة بعد مرة. # ومثله: ذرذره. إذا ذره شيئا بعد شيء. ومثله صرصر: الباب: إذا تكرر صريره. ~~ومثله: مطمط الكلام: إذا مططه شيئا بعد شيء. ومثله: كفكف الشيء: إذا كرر ~~كفه، وهو كثير. # وقد علم بهذا أن من جعل هذا الرباعي بمعنى الثلاثي المضاعف لم يصب. لأن ~~الثلاثي لا يدل على تكرار، بخلاف الرباعي المكرر، فإذا قلت: ذر الشيء وصر ~~الباب، وكف الثوب، ورض الحب: لم يدل على تكرار الفعل، بخلاف ذرذر، وصرصر، ~~ورضرض، ونحوه. # فتأمله. فإنه مطابق للقاعدة العربية في الحذو بالألفاظ حذو المعاني. # وقد تقدم التنبيه على ذلك. فلا وجه لإعادته. # PageV01P664 # وكذلك قولهم: عج العجل: إذا صوت. فإن تابع صوته، قالوا: # عجعج. وكذلك. ثج الماء إذا صب. فإن تكرر ذلك قيل: ثجثج. # والمقصود: أن الموسوس لما كان يكرر وسوسته ويتابعها، قيل: # وسوس. ### | ### | فصل # # إذا عرف هذا. فاختلف الن # حاة في لفظ الوسواس: هل هو وصف، أو مصدر؟ على قولين. ونحن نذكر حجة كل ~~قول. ثم نبين الصحيح من القولين بعون الله وفضله. # فأما من ذهب إلى أنه مصدر فاحتج بأن الفعل منه فعلل، والوصف من فعلل إنما ~~مفعلل، ms451 كمدحرج، ومسرهف، ومبيطر، ومسيطر. وكذلك هو من فعل بوزن مفعل، كمقطع، ~~ومخرج، وبابه. فلو كان بالوسواس صفة لقيل: # موسوس، ألا ترى أن اسم الفاعل من زلزل: مزلزل، لا زلزال. وكذلك من دكدك: ~~مدكدك. وهو مطرد. فدل على أن الوسواس مصدر وصف به على وجه المبالغة. أو ~~يكون على حذف مضاف، تقديره: ذو الوسواس. # قالوا: والدليل عليه أيضا قول الشاعر: # تسمع للحلى بها وسواسا # فهذا مصدر بمعنى الوسوسة سواء. # قال أصحاب القول الآخر: الدليل على أنه وصف: أن فعلل ضربان. # أحدهما: صحيح لا تكرار فيه، كدحرج، وسرهف، وبيطر. وقياس مصدر هذا ~~الفعللة، كالدحرجة والسرهفة، والبيطرة، والفعلان- بكسر الفاء- كالسرهاف ~~والدحراج. والوصف منه: مفعلل كمدحرج ومبيطر. # والثاني: فعل الثنائي المكرر كزلزل، ودكدك ووسوس. وهذا فرع على فعلل ~~المجرد عن التكرار. لأن الأصل السلامة من التكرار. ومصدر # PageV01P665 # هذا النوع والوصف منه: مساو لمصدر الأول ووصفه. فمصدره يأتي على الفعللة، ~~كالوسوسة، والزلزلة، والفعلان كالزلزال. # وأقيس المصدرين وأولاهما بنوعي فعلل: الفعلان. لأمرين. # أحدهما: أن فعلل مشاكل لأفعل في عدد الحروف وفتح الأول والثالث والرابع ~~وسكون الثاني. فجعل إفعال مصدر أفعل، وفعلال مصدر فعلل ليتشاكل المصدران، ~~كما يتشاكل الفعلان. فكان الفعلال أولى بهذا الوزن من الفعللة. # الثاني: أن أصل المصدر أن يخالف وزنه وزن فعله، ومخالفة فعلال لفعلل أشد ~~من مخالفة فعللة له. فكان فعلال أحق بالمصدرية من فعللة، أو تساويا في ~~الاطراد، مع أن فعللة أرجح في الاستعمال وأكثر. هذا هو الأصل. # وقد جاءوا بمصدر هذا الوزن المكرر مفتوح الفاء. # فقالوا: وسوس الشيطان وسواسا، ووعوع الكلب وعواعا. إذا عوى، وعظعظ السهم ~~«1» عظعاظا. والجاري على القياس فعلال بكسر الفاء أو فعللة. وهذا المفتوح ~~نادر. لأن الرباعي الصحيح أصل للمتكرر ولم يأت مصدر الصحيح، مع كونه أصلا، ~~إلا على فعللة وفعلال بالكسر. فلم يحسن بالرباعي المكرر، لفرعيته، أن يكون ~~مصدره إلا كذلك. لأن الفرع لا يخالف أصله، بل يحتذي فيه حذوه. وهذا يقتضي ~~أن لا يكون مصدره على فعلال بالفتح. فإن شذ حفظ ولم يزد عليه. # قالوا: وأيضا فإن ms452 فعلالا المفتوح الفاء قد كثر وقوعه صفة مصوغة من فعلل ~~المكرر، ليكون فيه نظير فعال من الثلاثي. لأنهما متشاركان وزنا. # فاقتضى ذلك أن لا يكون لفعلال من المصدرية نصيب، كما لم يكن لفعال ~~PageV01P666 # فيها نصيب. فلذلك استندروا وقوع وسواس، ووعواع، وعظعاظ مصادر. # وإنما حقها أن تكون صفات دالة على المبالغة في مصادر هذه الأفعال. # قالوا: وإذا ثبت هذا: فحق ما وقع منها محتملا للمصدرية والوصفية أن يحمل ~~على الوصفية حملا على الأكثر الغالب، وتجنبا للشاذ. # فمن زعم أن الوسواس مصدر مضاف إليه «ذو» تقديرا. فقوله خارج عن القياس ~~والاستعمال الغالب. # ويدل على فساد ما ذهب إليه أمران. # أحدهما: أن كل مصدر أضيف إليه «ذو» تقديرا، فتجرده للمصدرية أكثر من ~~الوصف به. كرضى وصوم وفطر، وفعلال المفتوح لم يثبت تجرده للمصدرية إلا في ~~ثلاثة ألفاظ فقط: وسواس، ووعواع، وعظعاظ، على أن منع المصدرية في هذا ممكن. ~~لأن غاية ما يمكن أن يستدل به على المصدرية قولهم: وسوس إليه الشيطان ~~وسواسا. وهذا لا يتعين للمصدرية، لاحتمال أن يراد به الوصفية: وينتصب ~~وسواسا على الحال، ويكون حالا مؤكدة. فإن الحال قد يؤكد بها عاملها الموافق ~~لها لفظا ومعنى، كقوله تعالى: 4: 79 وأرسلناك للناس رسولا و 16: 12 سخر لكم ~~الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره. # نعم، إنما تتعين مصدرية الوسواس إذا سمع: أعوذ بالله من وسواس الشيطان ~~ونحو ذلك مما يكون الوسواس فيه مضافا إلى فاعله، كما سمع ذلك في الوسوسة. ~~ولكن أين لكم ذلك؟ فهاتوا شاهده. فبذلك يتعين أن يكون الوسواس مصدرا لا ~~بانتصابه بعد الفعل. # الوجه الثاني من دليل فساد من زعم أن «وسواسا» مصدر مضاف إليه «ذو» ~~تقديرا: أن المصدر المضاف إليه «ذو» تقديرا لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. بل ~~يلزم طريقة واحدة، ليعلم أصالته في المصدرية، وأنه عارض # PageV01P667 # الوصفية فيقال: امرأة صوم، وامرأتان صوم، ونساء صوم لأن المعنى ذات صوم ~~وذاتا صوم، وذوات صوم وفعلال الموصوف به ليس كذلك بل يثنى ويجمع ويؤنث ~~فنقول: رجل ثرثار، وامرأة ثرثارة، ms453 ورجال ثرثارون، وفي الحديث «أبغضكم إلي ~~الثرثارون المتفيهقون» وقالوا: ريح رقراقة، أي تحرك الأشجار، وريح سفسافة ~~أي تنخل التراب، ودرع فضفاضة أي متسعة، والفعل من ذلك كله فعلل، والمصدر ~~فعللة وفعلال بالكسر، ولم ينقل في شيء من ذلك فعلال بالفتح وكذلك قالوا: ~~تمتام وفأفاء، ولضلاض، أي ماهر في الدلالة، وفجفاج كثير الكلام وهرهار أي ~~ضحاك، وكهكاه، ووطواط أي ضعيف، وحشحاش، وعسعاس أي خفيف. وهو كثير. ومصدره ~~كله الفعللة، والوصف فعلال بالفتح، ومثله هفهاف أي خميص، ومثله دحداح، أي ~~قصير، ومثله: بجباج أي جسيم، وتختاج: # أي ألكن، وشمشام: أي سريع، وشيء خشخاش أي مصوت، وقعقاع مثله، وأسد قضقاض: ~~أي كاسر، وحية نضناض: تحرك لسانها. # فقد رأيت فعلال في هذا كله وصفا لا مصدرا. فما بال الوسواس أخرج عن ~~نظائره وقياس بابه؟. # فثبت أن وسواسا وصف لا مصدر، كثرثار، وتمتام، ودحداح وبابه. # ويدل عليه وجه آخر: وهو أنه وصفه بما يستحيل أن يكون مصدرا، بل هو متعين ~~في الوصفية، وهو «الخناس» فالوسواس، والخناس: وصفان لموصوف محذوف. وهو ~~الشيطان. # وحسن حذف الموصوف هاهنا غلبة الوصف، حتى صار كالعلم عليه. # والموصوف إنما يقبح حذفه إذا كان الوصف مشتركا. فيقع اللبس كالطويل ~~والقبيح، والحسن ونحوه، فيتعين ذكر الموصوف ليعلم أن الصفة له لا لغيره. # فأما إذا غلب الوصف واختص، ولم يعرض فيه اشتراك. فإنه يجرى # PageV01P668 # مجرى الاسم، ويحسن حذف الموصوف: كالمسلم والكافر، والبر، والفاجر، ~~والقاصي، والداني، والشاهد والوالي، ونحو ذلك. فحذف الموصوف هنا أحسن من ~~ذكره. # وهذا التفصيل أولى من إطلاق من منع حذف الموصوف ولم ي ### | ### | فصل # . # ومما يدل على أن الوسواس وصف لا مصدر: أن الوصفية أغلب على فعلال من ~~المصدرية كما تقدم. فلو أريد المصدر لأتى بذو المضافة إليه ليزول اللبس ~~وتتعين المصدرية. فإن اللفظ إذا احتمل الأمرين على السواء فلا بد من قرينه ~~تدل على تعيين أحدهما. فكيف والوصفية أغلب عليه من المصدرية؟. # وهذا بخلاف صوم وفطر وبابهما، فإنهما مصادر لا تلتبس بالأوصاف. # فإذا جرت أوصافا علم أنها على حذف ms454 مضاف، أو تنزيلا للمصدر منزلة الوصف، ~~مبالغة، على الطريقتين في ذلك. # فتعين أن «الوسواس» هو الشيطان نفسه. وأنه ذات لا مصدر. والله أعلم. # فصل # وأما الخناس: فهو فعال، من خنس يخنس: إذا توارى واختفى. # ومنه قول أبي هريرة «لقيني النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، ~~وأنا جنب. فانخنست منه» . # وحقيقة اللفظ: اختفاء بعد ظهور. فليست لمجرد الاختفاء. ولهذا وصفت بها ~~الكواكب في قوله تعالى: 81: 15 فلا أقسم بالخنس قال قتادة: هي النجوم تبدو ~~بالليل وتخنس بالنهار، فتختفي ولا ترى. وكذلك قال علي رضي الله عنه: هي ~~الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى. # PageV01P669 # وقالت طائفة: الخنس: هي الراجعة التي ترجع كل ليلة إلى جهة المشرق، وهي ~~السبعة السيارة. # قالوا: وأصل الخنوس: الرجوع إلى وراء. و «الخناس» مأخوذ من هذين ~~المعنيين. فهو من الاختفاء والرجوع والتأخر. فإن العبد إذا غفل عن ذكر الله ~~جثم على قلبه الشيطان. وانبسط عليه، وبذر فيه أنواع الوساوس التي هي أصل ~~الذنوب كلها. فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به، انخنس وانقبض، كما ينخنس ~~الشيء ليتوارى. وذلك الانخناس والانقباض: هو أيضا تجمع ورجوع، وتأخر عن ~~القلب إلى خارج. فهو تأخر ورجوع معه اختفاء. # وخنس وانخنس: يدل على الأمرين معا. قال قتادة: الخناس: له خرطوم كخرطوم ~~الكلب في صدر الإنسان. فإذا ذكر العبد ربه خنسه. # ويقال: رأسه كرأس الحية. وهو واضع رأسه على ثمرة القلب يمنيه ويحدثه. ~~فإذا ذكر الله خنس. وإذا لم يذكره عاد، ووضع رأسه يوسوس إليه ويمنيه. # وجيء من هذا الفعل بوزن فعال الذي للمبالغة دون الخانس والمنخنس: إيذانا ~~بشدة هروبه ورجوعه، وعظم نفوره عند ذكر الله. وأن ذلك دأبه وديدنه لا أنه ~~يعرض له ذلك ذكر الله أحيانا. بل إذا ذكر الله هرب وانخنس وتأخر. فإن ذكر ~~الله هو مقمعته التي يقمع بها، كما يقمع المفسد والشرير بالمقامع التي ~~تردعه من سياط وحديد وعصى ونحوها. فذكر الله يقمع الشيطان ويؤلمه ويؤذيه، ~~كالسياط والمقامع التي تؤذي من يضرب بها. # ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلا ms455 ضئيلا مضنى، مما يعذبه المؤمن ويقمعه به ~~من ذكر الله وطاعته. # وفي أثر عن بعض السلف: أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره في ~~السفر. لأنه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر، والتوجه # PageV01P670 # والاستغفار والطاعة، فشيطانه معه في عذاب شديد. ليس بمنزلة شيطان الفاجر ~~الذي هو معه في راحة ودعة. ولهذا يكون قويا عاتيا شديدا. # فمن لم يعذب شيطانه في هذه الدار بذكر الله تعالى وتوحيده واستغفاره ~~وطاعته عذبه شيطانه في الآخرة بعذاب النار. فلا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه ~~أو يعذبه شيطانه. # وتأمل كيف جاء بناء «الوسواس» مكررا لتكريره الوسوسة الواحدة مرارا، حتى ~~يعزم عليها العبد. وجاء بناء «الخناس» على وزن الفعال الذي يتكرر منه نوع ~~الفعل. لأنه كلما ذكر الله انخنس، ثم إذا غفل العبد عاوده بالوسوسة. فجاء ~~بناء اللفظين مطابقا لمعنييهما. ### | ### | فصل # # وقوله: الذي يوسوس في صدور الناس صفة ثالثة للشيطان. # فذكر وسوسته أولا. ثم ذكر محلها ثانيا، وأنها في صدور الناس ثالثا. # وقد جعل الله للشيطان دخولا في جوف العبد ونفوذا إلى قلبه وصدره. # فهو يجري منه مجرى الدم. وقد وكل بالعبد فلا يفارقه إلى الممات. # وفي الصحيحين من حديث الزهري عن علي بن حسين عن صفية بنت حيي قالت «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا، فأتيته أزوره ليلا. فحدثته. ثم قمت، ~~فانقلبت، فقام معي ليقلبني. وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من ~~الأنصار. فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا. فقال: النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: ~~إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم. وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا- ~~أو قال- شيئا» . # وفي الصحيح أيضا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ~~ضراط. فإذا قضى # PageV01P671 # أقبل. فإذا ثوب بها أدبر. فإذا قضى أقبل، حتى يخطر بين الإنسان وقلبه، ms456 ~~فيقول: اذكر كذا اذكر كذا- لما لم يكن يذكر- حتى لا يدري: أثلاثا صلى أم ~~أربعا؟ فإذا لم يدر: أثلاثا صلى أم أربعا؟ سجد سجدتي السهو» . # ومن وسوسته: ما # ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي ~~الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: # من خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليستعذ بالله ولينته» . # وفي الصحيح: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: «يا رسول الله ~~إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن ~~يتكلم به. قال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» . # ومن وسوسته أيضا: أن يشغل القلب بحديثه حتى ينسيه ما يريد أن يفعله. ~~ولهذا يضاف النسيان إليه إضافته إلى سببه. قال تعالى: حكاية عن صاحب موسى ~~إنه قال: 18: 63 فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. # وتأمل حكمة القرآن وجلالته كيف أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف ~~بأنه «الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس» ولم يقل: من شر وسوسته: ~~لتعم الاستعاذة شره جميعه. فإن قوله: من شر الوسواس يعم كل شره. ووصفه ~~بأعظم صفاته وأشدها شرا، وأقواها تأثيرا وأعمها فسادا. وهي الوسوسة التي هي ~~مبادئ الإرادة. فإن القلب يكون فارغا من الشر والمعصية فيوسوس إليه، ويخطر ~~الذنب بباله، فيصوره لنفسه ويمنيه، ويشهيه، فيصير شهوة، ويزينها له ~~ويحسنها، ويخيلها له في خياله، حتى تميل نفسه إليه فيصير إرادة. ثم لا يزال ~~يمثل له ويخيل ويمنى ويشهى وينسى علمه بضررها، ويطوى عنه سوء عاقبتها. ~~فيحول بينه وبين مطالعته، فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها فقط. ~~وينسى ما وراء ذلك. فتصير الإرادة عزيمة جازمة. فيشتد الحرص عليها من ~~القلب. فيبعث # PageV01P672 # الجنود في الطلب. فيبعث الشيطان معهم مددا لهم وعونا. فإن فتروا حركهم. ~~وإن ونوا أزعجهم. كما قال تعالى: 19: 83 ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم أزا أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا. # كلما فتروا أو ونوا أزعجتهم ms457 الشياطين وأزتهم وأثارتهم. فلا تزال بالعبد ~~تقوده إلى الذنب، وتنظم شمل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة. وقد رضي لنفسه ~~بالقيادة لفجرة بني آدم. وهو الذي استكبر وأبى أن يسجد لأبيهم. فلا بتلك ~~النخوة والكبر ولا برضاه أن يصير قوادا لكل من عصى الله. كما قال بعضهم: # عجبت من إبليس في تيهه ... وقبح ما أظهر من نخوته # تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته # فأصل كل معصية وبلاء: إنما هو الوسوسة. فلهذا وصفه بها لتكون الاستعاذة ~~من شرها أهم من كل مستعاذ منه. وإلا فشره بغير الوسوسة حاصل أيضا. # فمن شره: أنه لص سارق لأموال الناس. فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله ~~عليه فله فيه حظ بالسرقة والخطف. وكذلك يبيت في البيت إذا لم يذكر فيه اسم ~~الله، فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم، ويبيت في بيوتهم بغير أمرهم. فيدخل ~~سارقا ويخرج مغيرا. ويدل على عوراتهم. فيأمر العبد بالمعصية. ثم يلقي في ~~قلوب الناس يقظة ومناما أنه فعل كذا وكذا. # ومن هذا: أن العبد يفعل الذنب لا يطلع عليه أحد من الناس، فيصبح والناس ~~يتحدثون به، وما ذاك إلا أن الشيطان زينه له وألقاه في قلبه، ثم وسوس إلى ~~الناس بما فعل وألقاه إليهم، فأوقعه في الذنب، ثم فضحه به. # فالرب تعالى يستره والشيطان يجهد في كشف ستره وفضيحته، فيغتر العبد ~~ويقول: هذا ذنب لم يره إلا الله. ولم يشعر بأن عدوه ساع في إذاعته وفضيحته. ~~وقل من يتفطن من الناس لهذه الدقيقة. # PageV01P673 # ومن شره: أنه إذا نام العبد عقد على رأسه عقدا تمنعه من اليقظة. # كما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم- إذا هو نام- ثلاث ~~عقد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله ~~انحلت عقدة. فإن توضأ انحلت عقدة. فإن صلى انحلت عقده كلها. # فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» . # ومن شره: ms458 أنه يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح، كما # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه ذكر عنده رجل نام ليله حتى أصبح. ~~فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال: في أذنه» رواه البخاري. # ومن شره: أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها. فما من طريق من طرق الخير ~~إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه. فإن خالفه وسلكه ثبطه فيه ~~وعوقه وشوش عليه بالمعارضات والقواطع. فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل ~~أثره ويرده على حافرته. # ويكفي من شره: أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم. # وأقسم ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. # ولقد بلغ شره: أن أعمل المكيدة وبالغ في الحيلة حتى أخرج آدم من الجنة. ~~ثم لم يكفه ذلك حتى استقطع من أولاده شرطة للنار، من كل ألف: # تسعمائة وتسعة وتسعين. ثم لم يكفه ذلك حتى أعمل الحيلة في إبطال دعوة ~~الله من الأرض وقصد أن تكون الدعوة له، وأن يعبد هو من دون الله. فهو ساع ~~بأقصى جهده على إطفاء نور الله، وإبطال دعوته، وإقامة دعوة الكفر والشرك، ~~ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض. # ويكفي من شره: أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومه بالمنجنيق في ~~النار. فرد الله كيده عليه. وجعل النار على خليله بردا وسلاما. # PageV01P674 # وتصدى للمسيح صلى الله عليه وسلم حتى أراد اليهود قتله وصلبه. فرد الله ~~كيده. # وضان المسيح ورفعه إليه. # وتصدى لزكريا ويحيى حتى قتلا. # واستثار فرعون حتى زين له الفساد العظيم في الأرض، ودعوى أنه ربهم ~~الأعلى. # وتصدى للنبي صلى الله عليه وسلم وظاهر الكفار على قتله بجهده. والله ~~تعالى يكبته ويرده خاسئا. # وتفلت على النبي صلى الله عليه وسلم بشهاب من نار، يريد أن يرميه به. وهو ~~في الصلاة. # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألعنك بلعنة الله» . # وأعان اليهود على سحرهم للنبي صلى الله عليه وسلم. # فإذا كان هذا شأنه وهمته في الشر، فكيف الخلاص منه ms459 إلا بمعونة الله ~~وتأييده وإعاذته؟. # ولا يمكن حصر أجناس شره، فضلا عن آحادها. إذ كل شر في العالم فهو السبب ~~فيه. ولكن ينحصر شره في ستة أجناس. لا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحدا ~~منها أو أكثر. # الشر الأول: شر الكفر والشرك، ومعاداة الله ورسوله. فإذا ظفر بذلك من ابن ~~آدم برد أنينه، واستراح من تعبه معه. وهو أول ما يريد من العبد. # فلا يزال به حتى يناله منه. فإذا نال ذلك صيره من جنده وعسكره، واستنابه ~~على أمثاله وأشكاله، فصار من دعاة إبليس ونوابه. فإن يئس منه من ذلك، وكان ~~ممن سبق له الإسلام في بطن أمه نقله إلى المرتبة الثانية من الشر. # وهي البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي. لأن ضررها في نفس الدين. ~~وهو ضرر متعد. وهي ذنب لا يتاب منه، وهي مخالفة لدعوة الرسل، ودعاء إلى ~~خلاف ما جاءوا به. وهي باب الكفر والشرك. فإذا نال # PageV01P675 # منه البدعة، وجعله من أهلها صار أيضا نائبه، وداعيا من دعاته. # فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ~~ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر. وهي الكبائر ~~على اختلاف أنواعها. فهو أشد حرصا على أن يوقعه فيها. ولا سيما إن كان ~~عالما متبوعا. فهو حريص على ذلك، لينفر الناس عنه، ثم يشيع ذنوبه ومعاصيه ~~في الناس، ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينا وتقربا بزعمه إلى الله ~~تعالى، وهو نائب إبليس ولا يشعر. فإن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة. هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها. ~~فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها، لا نصيحة منهم، ولكن طاعة لإبليس ~~ونيابة عنه. كل ذلك لينفر الناس عنه، وعن الانتفاع به. # وذنوب هذا- ولو بلغت عنان السماء- هي أهون عند الله من ذنوب هؤلاء، فإنها ~~ظلم منه لنفسه، إذا استغفر الله وتاب إليه قبل الله توبته، وبدل سيئاته ~~حسنات. # وأما ذنوب أولئك: فظلم للمؤمنين، وتتبع لعوراتهم، وقصد ms460 لفضيحتهم. والله ~~سبحانه بالمرصاد، لا تخفى عليه كمائن الصدر، ودسائس النفوس. # فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابعة: وهي الصغائر ~~التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها. كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ذلك مثل ~~قوم نزلوا بفلاة من الأرض» # وذكر حديثا معناه: أن كل واحد منهم جاء بعود حطب، حتى أوقدوا نارا عظيمة ~~فطبخوا واشتووا. # ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها. فيكون صاحب الكبيرة ~~الخائف منها أحسن حالا منه. # PageV01P676 # فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الخامسة: وهي اشغاله ~~بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع ~~عليه باشتغاله بها. # فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، وكان حافظا لوقته، شحيحا به، يعلم مقدار ~~أنفاسه وانقطاعها، وما يقابلها من النعيم والعذاب: نقله إلى المرتبة ~~السادسة وهي: أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه، ليزيح عنه الفضيلة، ~~ويفوته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول، ويحضه عليه، ويحسنه ~~له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه. وقل من يتنبه لهذا من الناس. فإنه ~~إذا رأى فيه داعيا قويا ومحركا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة. فإنه لا ~~يكاد يقول: إن هذا الداعي من الشيطان فإن الشيطان لا يأمر بخير، ويرى أن ~~هذا خير، فيقول: هذا الداعي من الله. # وهو معذور. ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابا من أبواب ~~الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوت بها خيرا أعظم من ~~تلك السبعين بابا وأجل وأفضل. # وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون ~~سببه تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وشدة عنايته بمراتب الأعمال ~~عند الله. # وأحبها إليه وأرضاها له، وأنفعها للعبد، وأعمها نصيحة لله ولرسوله، ~~ولكتابه، ولعبادة المؤمنين، خاصتهم وعامتهم، ولا يعرف هذا إلا من كان من ~~ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه في ms461 الأمة، وخلفائه في الأرض. وأكثر ~~الخلق محجوبون عن ذلك. فلا يخطر ذلك بقلوبهم. والله يمن بفضله على من يشاء ~~من عباده. # فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيي عليه: سلط عليه حزبه من ~~الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع، والتحذير منه، وقصد ~~إخماله وإطفاءه ليشوش عليه قلبه. ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس # PageV01P677 # من الانتفاع به. فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن ~~عليه، لا يفتر ولا يني. فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب، ولا يضعها عنه إلى ~~الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب، فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله. # فتأمل هذا ال ### | ### | فصل # . وتدبر موقعه، وعظيم منفعته، واجعله ميزانك تزن به الناس، وتزن ~~به الأعمال. فإنه يطلعك على حقائق الوجود ومراتب الخلق. والله المستعان، ~~وعليه التكلان. # ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذا الفصل لكان نافعا لمن تدبره ووعاه. # فصل # وتأمل السر في قوله تعالى: يوسوس في صدور الناس ولم يقل: # في قلوبهم والصدر: هو ساحة القلب وبيته. فمنه تدخل الواردات إليه، فتجتمع ~~في الصدر ثم تلج في القلب. فهو بمنزلة الدهليز له. ومن القلب تخرج الأوامر ~~والإرادات إلى الصدر، ثم تتفرق على الجنود. ومن فهم هذا فهم قوله تعالى: 3: ~~154 وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم. # فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته، فيلقي ما يريد إلقاءه إلى القلب، ~~فهو موسوس في الصدر. ووسوسته واصلة إلى القلب. ولهذا قال تعالى: 20: 120 ~~فوسوس إليه الشيطان ولم يقل «فيه» لأن المعنى أنه ألقى إليه ذلك، وأوصله ~~إليه. فدخل في قلبه. # فصل # وقوله تعالى: من الجنة والناس اختلف المفسرون في هذا الجار والمجرور: بم ~~يتعلق؟. # PageV01P678 # فقال الفراء وجماعة: هو بيان للناس الموسوس في صدورهم. # والمعنى: يوسوس في صدور الناس الذين هم من الجن والإنس، أي الموسوس في ~~صدورهم قسمان: إنس وجن. فالوسواس يوسوس للجني، كما يوسوس للانسي. # وعلى هذا القول: فيكون «من الجنة والناس» نصب على الحال. # لأنه مجرور بعد معرفة، على قول البصريين. ms462 وعلى قول الكوفيين: نصب بالخروج ~~من المعرفة. هذه عبارتهم. ومعناها: أنه لما لم يصلح أن يكون نعتا للمعرفة ~~انقطع عنها. فكان موضعه نصبا. # والبصريون يقدرونه حالا. أي كائنين من الجنة والناس. وهذا القول ضعيف ~~جدا، لوجود: # أحدها: أنه لم يقم دليل على أن الجني يوسوس في صدر الجني. # ويدخل فيه، كما يدخل في إنسي، ويجري منه مجراه من الإنسي. فأي دليل يدل ~~على هذا، حتى يصح حمل الآية عليه؟. # الثاني: أنه فاسد من جهة اللفظ أيضا. فإنه قال: «الذي يوسوس في صدور ~~الناس» فكيف يبين الناس بالناس. فإن معنى الكلام على قوله: # يوسوس في صدور الناس الذين هم، أو كائنين، من الجنة والناس. أفيجوز أن ~~يقال: في صدور الناس الذين هم من الناس وغيرهم؟ هذا ما لا يجوز، ولا هو في ~~الاستعمال فصيح. # الثالث: أن يكون قد قسم الناس إلى قسمين: جنة، وناس. وهذا غير صحيح. فإن ~~الشيء لا يكون قسيم نفسه. # الرابع: أن «الجنة» لا يطلق عليهم اسم الناس بوجه، لا أصلا ولا اشتقاقا ~~ولا استعمالا. ولفظهما يأبى ذلك. فإن الجن إنما سمو جنا من الاجتنان، وهو ~~الاستتار. فهم مستترون عن أعين البشر. فسمو جنا لذلك، # PageV01P679 # من قولهم جنة الليل وأجنة: إذا ستره. وأجن الميت: إذا ستره في الأرض. # قال: # ولا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر # يريد النبي صلى الله عليه وسلم. ومنه الجنين لاستتاره في بطن أمه. قال ~~تعالى: # 53: 32 وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ومنه المجن: لاستتار المحارب به من ~~سلاح خصمه. ومنه الجنة: لاستتار داخلها بالأشجار. ومنه الجنة- بالضم لما ~~يقي الإنسان من السهام والسلاح. ومنه المجنون: لاستتار عقله. # وأما الناس: فبينه وبين الإنس مناسبة في اللفظ والمعنى، وبينهما اشتقاق ~~أوسط. وهو عقد تقاليب الكلمة على معنى واحد. # والإنس والإنسان: مشتق من الإيناس، وهو الرؤية والإحساس. ومنه قوله: 28: ~~29 آنس من جانب الطور نارا أي رآها ومنه 4: 6 فإن آنستم منهم رشدا أي ~~أحسستموه ورأيتموه. # فالإنسان سمي إنسانا لأنه يونس، أي ms463 بالعين يرى. والناس فيه قولان. # أحدهما: أنه مقلوب من أنس، وهو بعيد. والأصل عدم القلب. # والثاني: وهو الصحيح، أنه من النوس، وهو الحركة المتتابعة. # فسمي الناس ناسا للحركة الظاهرة والباطنة، كما سمي الرجل حارث وهمام، ~~وهما أصدق الأسماء كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «أصدق الأسماء: حارث وهمام» # لأن كل أحد له هم وإرادة، هي مبدأ، وحرث وعمل، هو منتهي. # فكل أحد حارث وهمام. والحرث والهم: حركتا الظاهر والباطن. وهو حقيقة ~~النوس. # وأصل ناس: نوس، تحركت الواو، وقبلها: فتحة. فصارت ألفا. # هذان هما القولان المشهوران في اشتقاق «الناس» . # PageV01P680 # وأما قول بعضهم: إنه من النسيان، وسمي الإنسان إنسانا لنسيانه. # وكذلك الناس سموا ناسا لنسيانهم: فليس هذا القول بشيء. وأين النسيان، ~~الذي مادته ن س ى إلى الناس الذي مادته ن وس؟ وكذلك أين هو من الأنس الذي ~~مادته أن س؟. # وأما إنسان فهو فعلان من أن س. والألف والنون في آخره زائدتان، لا يجوز ~~فيه غير هذا ألبتة. إذ ليس في كلامهم: أنسن، حتى يكون إنسانا إفعالا منه. ~~ولا يجوز أن يكون الألف والنون في أوله زائدتين، إذ ليس في كلامهم: انفعل. ~~فيتعين أنه فعلان من الأنس. # إذ ليس في كلامهم: انفعل. فيتعين أنه فعلان من الأنس. # ولو كان مشتقا من نسي لكان نسيانا لا إنسانا. # فإن قلت: فهلا جعلته افعلالا. وأصله إنسيان، كليلة إضحيان، ثم حذفت الياء ~~تخفيفا فصار إنسانا؟ # قلت: يأبى ذلك عدم افعلال في كلامهم، وحذف الياء بغير سبب، ودعوى ما لا ~~نظير له. وذلك كله فاسد، على أن «الناس» قد قيل: إن أصله الأناس. فحذفت ~~الهمزة. فقيل: الناس. واستدل بقول الشاعر: # إن المنايا يطلعن على الأناس الغافلينا ولا ريب أن أناسا فعال. ولا يجوز ~~فيه غير ذلك البتة. فإن كان أصل ناس أناسا، فهو أقوى الأدلة على أنه من ~~أنس، ويكون الناس كالإنسان سواء في الاشتقاق. # ويكون وزن ناس- على هذا القول-: عال. لأن المحذوف فاؤه. # وعلى القول الأول: يكون وزنه: فعل. لأنه من النوس. # وعلى القول ms464 الضعيف: يكون وزنه: فلع. لأنه من نسى. فنقلت لامه إلى موضع ~~العين، فصار ناسا وزنه فلعا. # PageV01P681 # والمقصود: أن «الناس» اسم لبني آدم. فلا يدخل الجن في مسماهم فلا يصح أن ~~يكون «من الجنة والناس» بيانا لقوله: في صدور الناس وهذا واضح لا خفاء فيه. # فإن قيل: لا محذور في ذلك. فقد أطلق على الجن اسم الرجال. # كما في قوله تعالى: 72: 6 وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فإذا أطلق عليهم اسم الرجال لم يمتنع أن يطلق عليهم اسم: # الناس؟. # قلت: هذا هو الذي غر من قال: إن الناس اسم للجن والإنس في هذه الآية. # وجواب ذلك: أن اسم الرجال إنما وقع عليهم وقوعا مقيدا في مقابلة ذكر ~~الرجال من الإنس. ولا يلزم من هذا أن يقع اسم الناس والرجال عليهم مطلقا. # وأنت إذا قلت: إنسان من حجارة، أو رجل من خشب، ونحو ذلك: # لم يلزم من ذلك: وقوع اسم الرجل والإنسان عند الإطلاق على الحجر والخشب. # وأيضا فلا يلزم من إطلاق اسم الرجل على الجني أن يطلق عليه اسم الناس. ~~وذلك لأن الناس والجنة متقابلان. وكذلك الإنس والجن. فالله سبحانه يقابل ~~بين اللفظين كقوله: 55: 33امعشر الجن والإنس # وهو كثير في القرآن. وكذلك قوله: من الجنة والناس يقتضى أنهما متقابلان. ~~فلا يدخل أحدهما في الآخر، بخلاف الرجال والجن. فإنهما لم يستعملا ~~متقابلين. فلا يقال: الجن والرجال، كما يقال: الجن والإنس. # وحينئذ فالآية أبين حجة عليهم في أن الجن لا يدخلون في لفظ «الناس» لأنه ~~قابل بين الجنة والناس. فعلم أن أحدهما لا يدخل في الآخر. # PageV01P682 # فالصواب: القول الثاني. وهو أن قوله: من الجنة والناس بيان للذي يوسوس، ~~وأنهم نوعان إنس وجن. فالجني يوسوس في صدور الإنس، والإنسي أيضا يوسوس في ~~صدور الإنس. # فالموسوس نوعان: إنس وجن فإن الوسوسة هي الإلقاء الخفي في القلب. وهذا ~~مشترك بين الجن والإنس، وإن كان إلقاء الإنسي وسوسته إنما هي بواسطة الأذن، ~~والجني لا يحتاج إلى تلك الواسطة. لأنه يدخل في ابن آدم، ms465 ويجرى منه مجرى ~~الدم. على أن الجني قد يتمثل له، ويوسوس إليه في أذنه كالإنسي، كما # في البخاري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ~~الملائكة تحدث في العنان- والعنان الغمام- بالأمر يكون في الأرض، فتستمع ~~الشياطين الكلمة، فتقرها في أذن الكاهن، كما تقر القارورة، فيزيدون معها ~~مائة كذبة من عند أنفسهم» . # فهذه وسوسة وإلقاء من الشيطان بواسطة الأذن. # ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة: اشتراكهما في الوحي الشيطاني. # قال تعالى: 6: 112 وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن، يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. # فالشيطان يوحي إلى الإنسي باطله، ويوحيه الإنسي إلى إنسى مثله. # فشياطين الإنس والجن يشتركان في الوحي الشيطاني. ويشتركان في الوسوسة. # وعلى هذا: تزول تلك الإشكالات والتعسفات التي ارتكبها أصحاب القول الأول. ~~وتدل الآية على الاستعاذة من شر نوعي الشياطين: شياطين الإنس، وشياطين ~~الجن. # وعلى القول الأول: إنما تكون استعاذة من شر شياطين الجن فقط. # فتأمله فإنه بديع جدا. # PageV01P683 # فهذا ما من الله به من الكلام على بعض أسرار هاتين السورتين. وله الحمد ~~والمنة. وعسى الله أن يساعد بتفسير على هذا النمط. فما ذلك على الله بعزيز. ~~والحمد لله رب العالمين. ونختم الكلام على السورتين بذكر: # PageV01P684 ### | قاعدة نافعة # فيما يعتصم به العبد من الشيطان، ويستدفع به شره، ويحترز به منه وذلك ~~عشرة أسباب. # أحدها: الاستعاذة بالله من الشيطان. قال تعالى: 41: 36 وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وفي موضع آخر 7: 200 إنه ~~سميع عليم وقد تقدم: أن السمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع ~~العام. # وتأمل سر القرآن كيف أكد الوصف بالسميع العليم بذكر صيغة «هو» الدال على ~~تأكيد النسبة واختصاصها، وعرف الوصف بالألف واللام في سورة حم لاقتضاء ~~المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف، لاستغناء المقام عنه. فإن ~~الأمر بالاستعاذة في سورة حم وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس. وهو ~~مقابلة إساءة المسيء بالإحسان إليه. وهذا أمر لا يقدر عليه إلا ms466 الصابرون، ~~ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم. كما قال الله تعالى. # والشيطان لا يدع العبد يفعل هذا. بل يريه أن هذا ذل وعجز، ويسلط # PageV01P685 # عليه عدوه، فيدعوه إلى الانتقام، ويزينه له. فإن عجز عنه دعاه إلى ~~الإعراض عنه، وأن لا يسيء إليه ولا يحسن، فلا يؤثر الإحسان إلى المسيء إلا ~~من خالفه وآثر الله وما عنده على حظه العاجل. فكان المقام مقام تأكيد ~~وتحريض. فقال فيه: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله. إنه هو السميع ~~العليم. # وأما في سورة الأعراف: فإنه أمره أن يعرض عن الجاهلين. وليس فيها الأمر ~~بمقابلة إساءتهم بالإحسان، بل بالإعراض. وهذا سهل على النفوس، غير مستعصى ~~عليها. فليس حرص الشيطان وسعيه في دفع هذا كحرصه على دفع المقابلة ~~بالإحسان، فقال: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله. إنه سميع عليم ~~وقد تقدم ذكر الفرق بين هذين الموضعين. وبين قوله في حم المؤمن: 40: 56 ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير. # وفي صحيح البخاري عن عدى بن ثابت عن سليمان بن صرد قال: «كنت جالسا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان. فأحدهما احمر وجهه، وانتفخت ~~أوداجه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ~~ما يجد. لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد» . # الحرز الثاني: قراءة هاتين السورتين. فإن لهما تأثيرا عجيبا في الاستعاذة ~~بالله من شره ودفعه والتحصن منه. ولهذا # قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما» # وقد تقدم أنه كان يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم، وأمر عقبة أن يقرأ بهما ~~دبر كل صلاة. # وتقدم # قوله صلى الله عليه وسلم: «إن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثا حين يمسي، ~~وثلاثا حين يصبح، كفته من كل شيء» . # الحرز الثالث: قراءة آية الكرسي. # ففي الصحيح من حديث محمد بن # PageV01P686 # سيرين عن أبي هريرة قال: «وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة ~~رمضان، فأتى آت، فجعل يحثو من الطعام. فأخذته فقلت: لأرفعنك ms467 إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث، إلى أن قال- فقال: إذا أويت إلى فراشك ~~فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى ~~تصبح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقك وهو كذوب، ذاك الشيطان» . # وسنذكر إن شاء الله تعالى السر الذي لأجله كان لهذه الآية العظيمة هذا ~~التأثير العظيم في التحرز من الشيطان، واعتصام قارئها بها في كلام مفرد ~~عليها وعلى أسرارها وكنوزها بعون الله وتأييده. # الحرز الرابع: قراءة سورة البقرة: # ففي الصحيح من حديث سهل بن عبد الله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا. # وإن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان» . # الحرز الخامس: خاتمة سورة البقرة. # فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: «قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» «1» . # وفي الترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة ~~البقرة، فلا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» «2» . # الحرز السادس: أول سورة حم المؤمن إلى قوله: إليه المصير مع آية الكرسي. # ففي الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن زرارة بن ~~مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~قرأ حم المؤمن إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح PageV01P687 # حفظ بهما حتى يسمي. ومن قرأهما حين يسمي حفظ بهما حتي يصبح» # وعبد الرحمن المليكي، وإن كان قد تكلم فيه من قبل حفظه. فالحديث له شواهد ~~في قراءة آية الكرسي وهو محتمل على غرابته. # الحرز السابع: # «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير» # مائة مرة. # ففي الصحيحين من حديث سمى مولى أبي بكر عن أبي ms468 صالح عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك، وله الحمد. وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة. كانت له عدل عشر ~~رقاب. وكتبت له مائة حسنة. ومحيت عنه مائة سيئة. وكانت له حرزا من الشيطان ~~يومه ذلك حتى يمسي. ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك» # فهذا حرز عظيم النفع جليل الفائدة يسير سهل على من يسره الله عليه. # الحرز الثامن: وهو من أنفع الحروز من الشيطان: كثرة ذكر الله عز وجل # ففي الترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات: أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن ~~يعملوا بها، وأنه عاد أن يبطئ بها. فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات ~~لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها. فإما أن تأمرهم وإما أن ~~آمرهم. # فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب. فجمع الناس في بيت ~~المقدس فامتلأ، وقعدوا على الشرف. فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل ~~بهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن ~~مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه ~~داري، وهذا عملي، فاعمل وأد إلي. فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده. فأيكم يرضى ~~أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله أمركم بالصلاة. فإذا صليتم فلا تلتفتوا. فإن ~~الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت. وأمركم بالصيام. فإن مثل ~~ذلك كمثل رجل في عصابة # PageV01P688 # معه صرة فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها. وإن ريح الصائم أطيب عند ~~الله من ريح المسك. وأمركم بالصدقة. فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو ~~فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه. فقال: أنا أفديه منكم بالقليل ~~والكثير ففدى نفسه منهم. وأمركم ms469 أن تذكروا الله. فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج ~~العدو في أثره سراعا، حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم. كذلك العبد لا ~~يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا ~~آمركم بخمس الله أمرني بهن: السمع والطاعة. والجهاد. # والهجرة. والجماعة. فإن من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام ~~من عنقه، إلا أن يراجع. ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم. فقال ~~رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام. فادعوا بدعوى الله ~~الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله» # قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال البخاري: الحارث الأشعري له ~~صحبة. وله غير هذا الحديث. # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن العبد لا يحرز نفسه ~~من الشيطان إلا بذكر الله. وهذا بعينه هو الذي دلت عليه سورة قل أعوذ برب ~~الناس فإنه وصف الشيطان فيها بأنه الخناس الذي إذا ذكر العبد الله انخنس، ~~وتجمع وانقبض. وإذا غفل عن ذكر الله التقم القلب وألقى إليه الوساوس التي ~~هي مبادئ الشر كله. فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله عز وجل. # الحرز التاسع: الوضوء والصلاة. وهذا من أعظم ما يتحرز به منه، ولا سيما ~~عند توارد قوة الغضب والشهوة. فإنها نار تغلي في قلب ابن آدم. # كما # في الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه ~~وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض» . # وفي أثر آخر «إن الشيطان خلق من نار، وإنما تطفأ النار بالماء» # فما # PageV01P689 # أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة. فإنها نار والوضوء ~~يطفئها، والصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثر ذلك ~~كله. وهذا أمر تجربته تغنى عن إقامة الدليل عليه. # الحرز العاشر: إمساك فضول النظر والكلام والطعام، ومخالطة الناس. فإن ~~الشيطان إنما ms470 يتسلط على ابن آدم، وينال منه غرضه: من هذه الأبواب الأربعة ~~فإن فضول النظر يدعو إلى الاستحسان، ووقوع صورة المنظور إليه في القلب، ~~والاشتغال به، والفكرة في الظفر به. # فمبدأ الفتنة من فضول النظر، كما # في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «النظرة سهم مسموم من ~~سهام إبليس، فمن غض بصره لله أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم ~~يلقاه» # أو كما قال صلى الله عليه وسلم. # فالحوادث العظام إنما هي كلها من فضول النظر. فكم نظرة أعقبت حسرات لا ~~حسرة؟ كما قال الشاعر: # كل الحوادث مبدأها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر # كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر؟ # وقال الآخر: # وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه، ولا عن بعضه أنت صابر # وقال المتنبي: # وأنا الذي جلب المنية طرفه ... فمن المطالب، والقتيل القاتل؟ # ولي من أبيات: # يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي، فلا تصب # وباعث الطرف يرتاد الشفاء له ... توقه، إنه يرتد بالعطف # PageV01P690 # ترجو الشفاء بأحداق بها مرض ... فهل سمعت ببرء جاء من عطب؟ # ومفنيا نفسه في إثر أقبحهم ... وصفا للطخ جمال فيه مستلب # وواهبا عمره في مثل ذا سفها ... لو كنت تعرف قدر العمر لم تهب # وبائعا طيب عيش ماله خطر ... بطيف عيش من الآلام منتهب # غبنت والله غبنا فاحشا فلو اس ... ترجعت ذا العقد لم تغبن ولم تخب # وواردا صفو عيش كله كدر ... أمامك الورد صفوا ليس بالكذب # وحاطب الليل في الظلماء منتصبا ... لكل داهية تدنى من العطب # شاب الصبا والتصابي بعد لم يشب ... وضاع وقتك بين اللهو واللعب # وشمس عمرك قد حان الغروب لها ... والضي في الأفق الشرقي لم يغب # وفاز بالوصل من قد فاز وانقشعت ... عن أفقه ظلمات الليل والسحب # كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت ... ورسل ربك قد وافتك في الطلب # ما في الديار وقد سارت ركائب من ... تهواه للصب من ms471 سكنى ولا أرب # فأفرش الخد ذياك التراب، وقل ... ما قاله صاحب الأشواق في الحقب # ما ربع مية محفوفا يطوف به ... غيلان أشهى له من ربعك الخرب # ولا الخدود وإن أدمين من ضرج ... أشهى إلى ناظري من خدك الترب # منازلا كان يهواها ويألفها ... أيام كان منال الوصل عن كثب # فكلما جليت تلك الربوع له ... يهوى إليها هوى الماء في صبب # أحيا له الشوق تذكار العهود بها ... فلو دعا القلب للسلوان لم يجب # هذا وكم منزل في الأرض يألفه ... وما له في سواها الدهر من رغب # ما في الخيام أخو وجد يريحك إن ... بثثته بعض شأن الحب، فاغترب # وأسر في غمرات الليل مهتديا ... بنفحة الطيب لا بالنار والحطب # وعاد كل أخي جبن ومعجزة ... وحارب النفس لا تلقيك في الحرب # وخذ لنفسك نورا تستضيء به ... يوم اقتسام الورى الأنوار بالرتب # فالجسر ذو ظلمات ليس يقطعه ... إلا بنور ينجي العبد في الكرب # والمقصود: أن فضول النظر أصل البلاء. # PageV01P691 # وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابا من الشر كلها مداخل للشيطان، ~~فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها. وكم من حرب جرتها كلمة ~~واحدة. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ «وهل يكب الناس على مناخرهم في ~~النار إلا حصائد ألسنتهم» # وفي الترمذي «أن رجلا من الأنصار توفي فقال بعض الصحابة: طوبى له. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: فما يدريك؟ فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما ~~لا ينقصه» . # وأكثر المعاصي: إنما يولدها فضول الكلام والنظر. وهما أوسع مداخل ~~الشيطان. فإن جارحتيهما لا يملان، ولا يسأمان، بخلاف شهوة الباطن. فإنه إذا ~~امتلأ لم يبق فيه إرادة للطعام. # وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا من النظر والكلام، فجنايتهما متسعة ~~الأطراف، كثيرة الشعب، عظيمة الآفات. # وكان السلف يحذرون من فضول النظر، كما يحذرون من فضول الكلام، كانوا ~~يقولون: ما شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان. # وأما فضول الطعام: فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح ~~إلى المعاصي، ويثقلها ms472 عن الطاعات. وحسبك بهذين شرا. فكم من معصية جلبها ~~الشبع وفضول الطعام؟ وكم من طاعة حال دونها؟. # فمن وقى شر بطنه فقد وقى شرا عظيما. # والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام. # ولهذا جاء في بعض الآثار «ضيقوا مجاري الشيطان بالصوم» وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن» . # ولو لم يكن في الامتلأ من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز ~~وجل، وإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة جثم عليه الشيطان ووعده، ومناه ~~وشهاه، وهام به في كل واد. فإن النفس إذا شبعت تحركت # PageV01P692 # وجالت، وطافت على أبواب الشهوات، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت. # وأما فضول المخالطة: فهي الداء العضال الجالب لكل شر. وكم سلبت المخالطة ~~والمعاشرة من نعمة. وكم زرعت من عداوة. وكم غرست في القلب من حزازات تزول ~~الجبال الراسيات، وهي في القلوب لا تزول، ففي فضول المخالطة خسارة الدنيا ~~والآخرة. وإنما ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة. # ويجعل الناس فيها أربعة أقسام: متي خلط أحد الأقسام بالآخر، ولم يميز ~~بينهما دخل عليه الشر. # أحدها: من مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة. فإذا أخذ ~~حاجته منه ترك الخلطة ثم إذا احتاج إليه خالطه هكذا على الدوام. وهذا الضرب ~~أعز من الكبريت الأحمر، وهم العلماء بالله وأمره، ومكايد عدوه، وأمراض ~~القلوب وأدويتها الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولخلقه. فهذا الضرب في ~~مخالطتهم الربح كل الربح. # القسم الثاني: من مخالطته كالدواء، يحتاج إليه عند المرض. فما دمت صحيحا ~~فلا حاجة لك في خلطته، وهم من لا يستغنى عن مخالطتهم في مصلحة المعاش، ~~وقيام ما أنت محتاج من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج ~~للأدواء ونحوها فإذا قضيت حاجتك من مخالطة هذا الضرب بقيت مخالطتهم من. # القسم الثالث: وهم من مخالطته كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته ~~وضعفه. # فمنهم من مخالطته كالداء العضال، والمرض المزمن، وهو من لا تربح عليه في ~~دين ولا دنيا. ومع ms473 ذلك فلا بد من أن تخسر عليه الدين والدنيا # PageV01P693 # أو أحدهما. فهذا إذا تمكنت مخالطته واتصلت، فهي مرض الموت المخوف. # ومنهم من مخالطته كوجع الضرس يشتد ضربه عليك، فإذا فارقك سكن الألم. # ومنهم من مخالطته حمى الروح. وهو الثقيل البغيض العقل، الذي لا يحسن أن ~~يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولا يعرف نفسه فيضعها في ~~منزلتها، بل إن تكلم فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين، مع إعجابه ~~بكلامه وفرحه به. فهو يحدث من فيه كلما تحدث، ويظن أنه مسك يطيب به المجلس. ~~وإن سكت فأثقل من نصف الرحا العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على ~~الأرض. ويذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: ما جلس إلى جانبي ثقيل إلا ~~وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر. # ورأيت يوما عند شيخنا قدس الله روحه رجلا من هذا الضرب والشيخ يحمله، وقد ~~ضعفت القوى عن حمله، فالتفت إلي وقال: مجالسة الثقيل حمى الربع. ثم قال: ~~لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى، فصارت لها عادة. أو كما قال. # وبالجملة: فمخالطة كل مخالف حمى للروح، فعرضية ولازمة. ومن نكد الدنيا ~~على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب. وليس له بد من معاشرته ومخالطته ~~فليعاشره بالمعروف، حتى يجعل الله له من أمره فرجا ومخرجا. # القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله ومخالطته بمنزلة أكل السم. # فإن اتفق لآكله ترياق، وإلا فأحسن الله فيه العزاء. وما أكثر هذا الضرب ~~في الناس لأكثرهم الله. وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، الداعون إلى خلافها، الذين يصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا، فيجعلون البدعة سنة، والسنة بدعة، والمعروف منكرا، والمنكر ~~معروفا. # PageV01P694 # إن جردت التوحيد بينهم قالوا: تنقصت جناب الأولياء والصالحين. # وإن جردت المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أهدرت الأئمة ~~المتبوعين. # وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير غلو ولا تقصير ~~قالوا: أنت من المشبهين. # وإن أمرت بما ms474 أمر الله به ورسوله من المعروف ونهيت عما نهى الله عنه ~~ورسوله من المنكر، قالوا: أنت من المفتنين. # وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين. # وإن انقطعت إلى الله تعالى، وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا، قالوا: # أنت من الملبسين. # وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهواءهم، فأنت عند الله من الخاسرين، وعندهم ~~من المنافقين. # فالحزم كل الحزم: التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغل ~~بإعتابهم، ولا باستعتابهم، ولا تبالي بذمهم ولا بغضهم. فإنه عين كمالك كما ~~قال: # وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل # وقال آخر: # وقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل # فمن أيقظ بواب قلبه وحارسه من هذه المداخل الأربعة التي هي أصل بلاء ~~العالم، وهي فضول النظر، والكلام، والطعام، والمخالطة. واستعمل ما ذكرناه ~~من الأسباب التسعة التي تحرزه من الشيطان. فقد أخذ بنصيبه من التوفيق. وسد ~~على نفسه أبواب جهنم، وفتح عليها أبواب الرحمة، وانغمر ظاهره وباطنه، ويوشك ~~أن يحمد عند الممات عاقبة هذا الدواء. فعند الممات يحمد القوم التقى. وفي ~~الصباح يحمد القوم السرى. والله الموفق لا رب غيره، ولا إله سواه. ~~PageV01P695 ms475