######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000065 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله #META# 011.AuthorBORN :: 791 #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: طريق الهجرتين وباب السعادتين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن القيم :: مجموعة ابن القيم في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: طريق الهجرتين #META# 030.LibURI :: JK_000065 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عمر بن محمود أبو عمر #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ابن القيم #META# 044.EdPLACE :: الدمام #META# 045.EdYEAR :: 1414 - 1994 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # طريق الهجرتين وباب السعادتين PageV01P007 $ خطبة الكتاب # الحمد لله الذي نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججا وحجب العقول ~~والأبصار أن تجد إلى تكييفه منهجا وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له ~~بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجا وجعل لمن لاذ به واتقاه من كل ضائقة ~~مخرجا وأعقب من ضيق الشدائد وضنك الأوابد لمن توكل عليه فرجا وجعل قلوب ~~أوليائه متنقلة في منازل عبوديته من الصبر والتوكل والإنابة والتفويض ~~والمحبة والخوف والرجا فسبحان من أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه ~~الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه أسبغ على عباده نعمه ~~الفرادى والتوأم وسخر لهم البر والبحر والشمس والقمر والليل والنهار ~~والعيون والأنهار والضياء والظلام وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ~~يدعوهم إلى جواره في دار PageV01P017 السلام @QB@ فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ فسبحان من ~~@QB@ أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا @QE@ ورفع لمن ائتم به فأحل ~~حلاله وحرم حرامه وعمل بمحكمه وآمن بمتشابهه في مراقي السعادة درجا ووضع ~~قهره على من أعرض عنه ولم يرفع به رأسه ونبذه وراء ظهره وابتغى الهدى من ~~غيره فجعله في دركات الجحيم متولجا فإنه الذكر الحكيم والصراط المستقيم ~~والنبأ العظيم وحبل الله المتين المديد بينه وبين خلقه وعهده الذي من ~~استمسك به فاز ونجا # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا سمي له ولا كفوا له ولا ~~صاحبة له ولا ولدا ولا شبيه له ولا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على ~~نفسه وفوق ما يثني عليه خلقه شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه ~~وصفاته مبتهجا ولم يدع إلى شبه الجاحدين المعطلين معرجا # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه ~~وبين عباده أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين وحجة على ~~العباد أجمعين أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح ~~السبل وافترض على العباد ms001 طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقوقه وسد ~~إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فشرح له صدره ورفع له ذكره ~~ووضع عنه وزره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره فهدى به من الضلالة ~~وعلم به من PageV01P018 الجهالة وكثر به بعد القلة وأعز به بعد الذلة وأغنى ~~به بعد العيلة وبصر به من العمي وأرشد به من الغي وفتح برسالته أعينا عميا ~~وآذانا صما وقلوبا غلفا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في ~~الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين فلم يدع خيرا إلا دل أمته عليه ~~ولا شرا إلا حذر منه ونهى عن سلوك الطريق الموصلة إليه ففتح القلوب ~~بالإيمان والقرآن وجاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان فدعا إلى الله على ~~بصيرة وسار في الأمة بالعدل والإحسان وخلقه العظيم أحسن سيرة إلى أن أشرقت ~~برسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت به القلوب بعد شتاتها وسارت دعوته سير ~~الشمس في الأفطار وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار واستجابت لدعوته ~~الحق القلوب طوعا وإذعانا وامتلأت بعد خوفها وكفرها أمنا وإيمانا فجزاه ~~الله عن أمته أفضل الجزاء وصلى عليه صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء وسلم ~~تسليما كثيرا # أما بعد فإن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من ~~اختارهم لربوبيته واختصهم بنعمته وفضلهم على سائر خليقته فهي @QB@ كشجرة ~~طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها @QE@ فكذلك ~~شجرة الإيمان أصلها ثابت في القلب وفروعها الكلم الطيب والعمل الصالح في ~~السماء فلا تزال هذه الشجرة تخرج ثمرها كل وقت بإذن ربها من طيب القول ~~وصالح العمل ما تقر به عيون صاحب الأصل وعيون حفظته وعيون أهله وأصحابه ومن ~~قرب منه فإن من قرت عينه بالله سبحانه قرت به كل عين وأنس به كل مستوحش ~~وطاب به كل خبيث وفرح به كل حزين وأمن به كل خائف وشهد به كل PageV01P019 ~~غائب وذكرت رؤيته بالله فإذا رؤي ذكر الله فاطمأن قلبه إلى الله وسكنت ms002 نفسه ~~إلى الله وخلصت محبته لله وقصر خوفه على الله وجعل رجاءه كله لله فإن سمع ~~سمع بالله وإن أبصر أبصر بالله وإن بطش بطش بالله وإن مشى مشى بالله فبه ~~يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي فإذا أحب فلله وإذا أبغض فلله وإذا أعطى ~~فلله وإذا منع فلله قد اتخذ الله وحده معبوده ومرجوه ومخوفه وغاية قصده ~~ومنتهى طلبه واتخذ رسوله وحده دليله وإمامه وقائده وسائقه فوحد الله ~~بعبادته ومحبته وخوفه ورجائه وإفراد رسوله بمتابعته والاقتداء به والتخلق ~~بأخلاقه والتأدب بآدابه وله في كل وقت هجراتان # هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل والإنابة والتسليم ~~والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجا والأفتقار في كل نفس ~~إليه # وهجرة إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة بحيث تكون موافقة ~~لشرعه الذي هو تفصيل محاب الله ومرضاته ولا يقبل الله من أحد دينا سواه وكل ~~عمل سواه تعيش النفس وحظها لا زاد المعاد وقال شيخ الطريقة وإمام الطائفة ~~الجنيد بن محمد قدس الله روحه الطرق كلها PageV01P020 مسدودة إلا طريق من ~~اقتفى آثار النبي فإن الله عز وجل يقول وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق ~~واستفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك وقال بعض العارفين كل ~~عمل بلا متابعة فهو عيش النفس # ولما كانت السعادة دائرة نفيا وإثباتا مع ما جاء به كان جديرا بمن نصح ~~نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفا على معرفته وإرادته مقصورة على محابه وهذا ~~أعلى همة شمر إليها السابقون وتنافس فيها المتنافسون فلا جرم ضمنا هذا ~~الكتاب قواعد من سلوك الهجرة المحمدية وسميناه طريق الهجرتين وباب ~~السعادتين وابتدأناه بباب الفقر والعبودية إذ هو باب سبب تسميته السعادة ~~وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلا منه وختمناه بذكر طريق ~~الهجرتين طبقات المكلفين من الجن والإنس في الآخرة ومراتبهم في دار السعادة ~~والشقاوة فجاء الكتاب غريبا في معناه عجيبا في مغزاه لكل قوم منه نصيب ولكل ~~وارد منه مشرب وما كان فيه من ms003 حق وصواب فمن الله هو الله المان به فإن ~~التوفيق بيده وما كان فيه من زلل فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء # فيا أيها القارىء له والناظر فيه هذه بضاعة صاحبها المزجاة مسوقة إليك ~~وهذا فهمه وعقله معروض عليك لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه ولك ثمرته وعليه ~~عائدته فإن عدم منك حمدا وشكرا فلا يعدم منك عذرا وإن أبيت إلا الملام ~~فبابه مفتوح وقد # استأثر الله بالثناء وبالحمد وولى الملامة الرجلا # والله المسؤول أن يجعله لوجهه خالصا وينفع به مؤلفه وقارئه وكاتبه في ~~الدنيا والآخرة إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل ~~PageV01P021 # | فصل في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه # قال الله سبحانه @QB@ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد @QE@ بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي ~~لهم لا ينفك عنهم كما أن كونه غنيا حميدا ذاتي له فغناه وحمده ثابت له ~~لذاته لا لأمر أوجبه وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه فلا يعلل ~~هذا الفقر بحدوث ولا إمكان بل هو ذاتي للفقير فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا ~~لعلة أوجبت تلك الحاجة كما أن غنى الرب سبحانه لذاته لا لأمر أوجب غناه كما ~~قال شيخ الإسلام ابن تيمية # والفقر لي وصف ذات لازم أبدا % كما الغنى أبدا وصف له ذاتي PageV01P022 # فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة وكل ما يذكر ويقرر من أسباب ~~الفقر والحاجة فهي أدلة على الفقر والحاجة لا علل لذلك إذا ما بالذات لا ~~يعلل فالفقير بذاته محتاج إلى الغني بذاته فما يذكر من إمكان وحدوث واحتياج ~~فهي أدلة على الفقر لا أسباب له ولهذا كان الصواب في مسألة علة احتياج ~~العالم إلى الرب سبحانه غير القولين اللذين يذكرهما الفلاسفة والمتكلمون ~~فإن الفلاسفة قالوا علة الحاجة الإمكان والمتكلمون قالوا علة الحاجة الحدوث ~~والصواب أن الإمكان والحدوث متلازمان وكلاهما دليل الحاجة والافتقار وفقر ~~العالم إلى الله سبحانه أمر ذاتي ms004 لا يعلل فهو فقير بذاته إلى ربه الغني ~~بذاته ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلة على هذا الفقر والمقصود ~~أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه سبحانه كما أخبر ~~عن ذاته المقدسة وحقيقته أنه غني حميد فالفقر المطلق من كل وجه ثابت ~~لذواتهم وحقائقهم من حيث هي والغنى المطلق من كل وجه ثابت لذاته تعالى ~~وحقيقته من حيث هي فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرا ويستحيل أن يكون الرب ~~سبحانه إلا غنيا كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا عبدا والرب إلا ربا # إذا عرف هذا فالفقر فقران فقر اضطراري وهو فقر عام لا خروج لبر ولا فاجر ~~عنه وهذا الفقر لا يقتضي مدحا ولا ذما ولا ثوابا ولا عقابا بل هو بمنزلة ~~كون المخلوق مخلوقا ومصنوعا # والفقر الثاني فقر اختياري هو نتيجة علمين شريفين أحدهما معرفة العبد ~~بربه والثاني معرفته بنفسه فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا فقرا هو ~~عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في ~~هاتين المعرفتين فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق ومن عرف ~~ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام PageV01P023 ومن عرف ربه بالعز ~~التام عرف نفسه بالمسكنة التامة ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه ~~بالجهل فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء ~~ولا يملك شيئا ولا يقدر على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء البتة ~~فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كماله أمرا مشهودا محسوسا لكل أحد ومعلوم ~~أن هذا له من لوازم ذاته وما بالذات دائم بدوامها وهو لم ينتقل من هذه ~~الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى بل لم يزل عبدا فقيرا بذاته إلى بارئه ~~وفاطره فلما أسبغ عليه نعمته وأفاض عليه رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده ~~ظاهرا وباطنا وخلع عليه ملابس إنعامه وجعل له السمع والبصر والفؤاد وعلمه ~~وأقدره وصرفه وحركه ومكنه من استخدام ms005 بني جنسه وسخر له الخيل والإبل وسلطه ~~على دواب الماء واستنزال الطير من الهواء وقهر الوحش العادية وحفر الأنهار ~~وغرس الأشجار وشق الأرض وتعلية البناء والتحليل على مصالحه والتحرز والتحفظ ~~لما يؤذيه ظن المسكين أن له نصيبا من الملك وادعى لنفسه ملكا مع الله ~~سبحانه ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام ~~والفقر والحاجة حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج بل كأن ذلك شخصا آخر ~~غيره كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي أن رسول ~~الله بصق يوما في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال قال الله تعالى يا ابن آدم ~~أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين ~~وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان ~~الصدقة ومن ههنا خذل من PageV01P024 خذل ووفق من وفق فحجب المخذول عن ~~حقيقته ونسي نفسه فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه فطغى وعتا فحقت عليه ~~الشقوة قال تعالى @QB@ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى @QE@ وقال @QB@ ~~فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ فأكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودا ~~لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين ولهذا كان من ~~دعائه أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك # وكان يدعو يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يعلم PageV01P025 أن قلبه ~~بيد الرحمن عز وجل لا يملك منه شيئا وأن الله سبحانه يصرفه كما يشاء كيف ~~وهو يتلو قوله تعالى @QB@ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ~~@QE@ فضرورته إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به وحسب قربه منه ومنزلته ~~عنده وهذا أمر إنما بدا منه لمن بعده ما يرشح من ظاهر الوعاء ولهذا كان ~~أقرب الخلق إلى الله وسيلة وأعظمهم عنده جاها وأرفعهم عنده منزلة لتكميله ~~مقام العبودية والفقر ms006 إلى ربه وكان يقول لهم أيها الناس ما أحب أن ترفعوني ~~فوق منزلتي إنما أنا عبد وكان يقول لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن ~~مريم إنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله # وذكره الله سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته مقام الإسراء ومقام ~~الدعوة ومقام التحدي فقال @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ وقال وأنه ~~لما قام عبدالله يدعوه وقال @QB@ وإن كنتم في ريب مما @QE@ PageV01P026 ~~@QB@ نزلنا على عبدنا @QE@ وفي حديث الشفاعة إن المسيح يقول لهم اذهبوا إلى ~~محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فنال ذلك المقام بكمال ~~عبوديته لله وبكماله مغفرة الله له فتأمل قوله تعالى في الآية @QB@ أنتم ~~الفقراء إلى الله @QE@ باسم الله دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر فإنه ~~كما تقدم نوعان فقر إلى ربوبيته وهو فقر المخلوقات بأسرها وفقر إلى ألوهيته ~~وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين وهذا هو الفقر النافع والذي يشير ~~إليه القوم ويتكلمون عليه ويشيرون إليه هو الفقر الخاص لا العام وقد اختلفت ~~عباراتهم عنه ووصفهم له وكل أخبر عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير # قال شيخ الإسلام الأنصاري الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة وهو على ثلاث ~~درجات الدرجة الأولى فقر الزهاد وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا ~~وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا والسلامة منها PageV01P027 طلبا أو تركا ~~وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه الدرجة الثانية الرجوع إلى السبق ~~بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال ويقطع شهود الأحوال ويمحص ~~من أدناس مطالعة المقامات والدرجة الثالثة صحة الاضطرار والوقوع في يد ~~التقطع الوحداني والاحتباس في بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية # فقوله الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة يعني أن الفقير هو الذي يجرد ~~رؤية الملك لمالكه الحق فيرى نفسه مملوكة لله لا يرى نفسه مالكا بوجه من ~~الوجوه ويرى أعماله مستحقة عليه بمقتضى كونه مملوكا عبدا مستعملا فيما أمره ~~به سيده فنفسه مملوكة وأعماله مستحقة بموجب العبودية فليس مالكا لنفسه ولا ~~لشيء من ms007 ذراته ولا لشيء من أعماله بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه كرجل ~~اشترى عبدا بخالص ماله ثم علمه بعض الصنائع فلما تعلمها قال له إعمل وأد ~~إلي فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء فلو حصل بيد هذا العبد من الأموال ~~والأسباب ما حصل لم ير له فيها شيئا بل يراه كالوديعة في يده وأنها أموال ~~أستاذه وخزائنه ونعمه بيد عبده مستودعا متصرفا فيها لسيده لا لنفسه كما قال ~~عبدالله ورسوله وخيرته من خلقه والله إني لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما ~~أنا قاسم أضع حيث أمرت فهو متصرف في تلك الخزائن بالأمر المحض تصرف ~~PageV01P028 العبد المحض الذي وظيفته تنفيذ أوامر سيده فالله هو المالك ~~الحق وكل ما بيد خلقه هو من أمواله وأملاكه وخزائنه أفاضها عليهم ليمتحنهم ~~في البذل والإمساك # وهل يكون ذلك منهم على شاهد العبودية لله عز وجل فيبذل أحدهم الشيء رغبة ~~في ثواب الله ورهبة من عقابه وتقربا إليه وطلبا لمرضاته أم يكون البذل ~~والإمساك منهم صادرا عن مراد النفس وغلبة الهوى وموجب الطبع فيعطي لهواه ~~ويمنع لهواه فيكون متصرفا تصرف المالك لا المملوك فيكون مصدر تصرفه الهوى ~~ومراد النفس وغايته الرغبة فيما عند الخلق من جاه أو رفعة أو منزلة أو مدح ~~أو حظ من الحظوظ أو الرهبة من فوت شيء من هذه الأشياء وإذا كان مصدر تصرفه ~~وغايته هو هذه الرغبة والرهبة رأى نفسه لا محالة مالكا فادعى الملك وخرج عن ~~حد العبودية ونسي فقره ولو عرف نفسه حق المعرفة لعلم أنما هو مملوك ممتحن ~~في صورة ملك متصرف كما قال تعالى @QB@ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون @QE@ وحقيق بهذا الممتحن أن يوكل إلى ما ادكعته نفسه من ~~الإحالات والملكات مع المالك الحق سبحانه فإن من ادعى لنفسه حالة مع الله ~~سبحانه وكل إليها ومن كل إلى شيء غير الله فقد فتح له باب الهلاك والعطب ~~وأغلق عنه باب الفوز والسعادة فإن كل شيء ما سوى الله ms008 باطل ومن وكل إلى ~~الباطل بطل عمله وضل سعيه ولم يحصل إلا على الحرمان فكل من تعلق بغير الله ~~انقطع به أحوج ما كان إليه كما قال تعالى @QB@ إذ تبرأ الذين اتبعوا من ~~الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب @QE@ فالأسباب التي ~~PageV01P029 تقطعت بهم هي العلائق التي بغير الله ولغير الله تقطعت بهم ~~أحوج ما كانوا إليها وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلت وبطلت اضمحلت أسبابها ~~وبطلت فإن الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها وكل شيء هالك إلا ~~وجهه سبحانه وكل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه وكل سعي لغيره باطل ومضمحل ~~وهذا كما يشاهده الناس في الدنيا من اضمحلال السعي والعمل والكد والخدمة ~~التي يفعلها العبد لمتول أو أمير أو صاحب منصب أو مال فإذا زال ذلك الذي ~~عمل له عدم ذلك العمل وبطل ذلك السعي ولم يبق في يده سوى الحرمان ولهذا ~~يقول الله تعالى يوم القيامة أليس عدلا مني أني أولي كل رجل منكم ما كان ~~يتولى في الدنيا فيتولى عباد الأصنام والأوثان أصنامهم وأوثانهم فتتساقط ~~بهم في النار ويتولى عابدو الشمس والقمر والنجوم آلهتهم فإذا كورت الشمس ~~وانتثرت النجوم اضمحلت تلك العبادة وبطلت وصارت حسرة عليهم PageV01P030 ~~@QB@ كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار @QE@ ~~ولهذا كان المشرك من أخسر الناس صفقة وأغبنهم يوم معاده فإنه يحال على مفلس ~~كل الإفلاس بل على عدم والموحد حوالته على المليء الكريم فيا بعد ما بين ~~الحوالتين # وقوله البراءة من رؤية الملكة ولم يقل من الملكة لأن الإنسان قد يكون ~~فقيرا لا ملكة له في الظاهر وهو عري عن التحقق بنعت الفقر الممدوح أهله ~~الذين لا يرون ملكة إلا لمالكها الحق ذي الملك والملكوت وقد يكون العبد قد ~~فوض إليه من ذلك شيء وجعل كالخازن فيه كما كان سليمان بن داود أوتي ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعده وكذلك الخليل وشعيب والأغنياء من الأنبياء وكذلك أعنياء ~~الصحابة فهؤلاء لم يكونوا بريئين من الملكة في الظاهر وهم ms009 بريئون من رؤية ~~الملكة لنفوسهم فلا يرون لها ملكا حقيقيا بل يرون ما في أيديهم لله عارية ~~ووديعة في أيديهم ابتلاهم به لينظر هل يتصرفون فيه تصرف العبد أو تصرف ~~الملاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم فوجود المال في يد الفقير لا ~~يقدح في فقره إنما يقدح في فقره رؤيته لملكته فمن عوفي من رؤية الملكة لم ~~يتلوث باطنه بأوساخ المال وتعبه وتدبيره واختياره وكان كالخازن لسيده الذي ~~ينفذ أوامره في ماله فهذا لو كان بيده من المال أمثال جبال الدنيا لم يضره ~~ومن لم يعاف من ذلك ادعت نفسه الملكة وتعلقت به النفس تعلقها بالشيء ~~المحبوب المعشوق فهو أكبر همه ومبلغ علمه إن PageV01P031 أعطي رضي وإن منع ~~سخط فهو عبد الدينار والدرهم يصبح مهموما ويمسي كذلك يبيت مضاجعا له تفرح ~~نفسه إذا ازداد وتحزن وتأسف إذا فات منه شيء بل يكاد يتلف إذا توهمت نفسه ~~الفقر وقد يؤثر الموت على الفقر والأول مستغن بمولاه المالك الحق الذي بيده ~~خزائن السموات والأرض وإذا أصاب المال الذي في يده نائبة رأى أن المالك ~~الحق هو الذي أصاب مال نفسه فما للعبد وما للجزع والهلع وإنما تصرف مالك ~~المال في ملكه الذي هو وديعة في يد مملوكه فله الحكم في ماله إن شاء أبقاه ~~وإن شاء ذهب به وأفناه فلا يتهم مولاه في تصرفه في ملكه ويرى تدبيره هو ~~موجب الحكمة فليس لقلبه بالمال تعلق ولا له به اكتراث لصعوده عنه وارتفاع ~~همته إلى المالك الحق فهو غني به وبحبه ومعرفته وقربه منه عن كل ما سواه ~~وهو فقير إليه دون ما سواه فهذا هو البريء عن رؤية الملكة الموجبة للطغيان ~~كما قال تعالى @QB@ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى @QE@ ولم يقل إن ~~استغنى بل جعل الطغيان ناشئا عن رؤيته غنى نفسه ولم يذكر هذه الرؤية في ~~سورة الليل بل قال @QB@ وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ~~@QE@ وهذا والله أعلم لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤية غنى نفسه وذكر ms010 في سورة ~~الليل موجب هلاكه وعدم تيسيره لليسرى وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته ~~وعبوديته فإنه لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره من طاعته فعل المملوك ~~الذي لا غنى له عن مولاه طرفة عين ولا يجد بدا من امتثال أوامره ولذلك ذكر ~~معه بخله وهو تركه أعطاء ما وجب عليه من الأقوال والأعمال وأداء المال وجمع ~~إلى ذلك تكذيبه بالحسنى وهي التي وعد بها أهل الإحسان بقوله @QB@ للذين ~~@QE@ PageV01P032 @QB@ أحسنوا الحسنى وزيادة @QE@ ومن فسرها بشهادة أن لا ~~إله إلا الله فلأنها أصل الإحسان وبها تنال الحسنى ومن فسرها بالخلف في ~~الإنفاق فقد هضم المعنى حقه وهو أكبر من ذلك وإن كان الخلف جزءا من أجزاء ~~الحسنى والمقصود أن الاستغناء عن الله سبب هلاك العبد وتيسيره لك عسرى ~~ورؤيته غنى نفسه سبب طغيانه وكلاهما مناف للفقر والعبودية # قوله الدرجة الأولى فقر الزهاد وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا ~~وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا والسلامة منها طلبا أو تركا وهذا هو الفقر ~~الذي تكلموا في شرفه فحاصل هذه الدرجة فراغ اليد والقلب من الدنيا والذهول ~~عن الفقر منها والزهد فيها وعلامة فراغ اليد نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو ~~طلبا فهو لا يضبط يده مع وجودها شحا وضنا بها ولا يطلبها مع فقدها سؤالا ~~وإلحافا وحرصا فهذا الإعراض والنفض دال على سقوط منزلتها من القلب إذ لو ~~كان لها في القلب منزلة لكان الأمر بضد ذلك وكان يكون حاله الضبط مع الوجود ~~لغناه بها ولكان يطلبها مع فقدها لفقره إليها وأيضا من أقسام الفراغ إسكات ~~اللسان عنها ذما ومدحا لأن من اهتم بأمر وكان له في قلبه موقع اشتغل اللسان ~~بما فاض على القلب من أمره مدحا أو ذما فإنه إن حصلت له مدحها وإن فاتته ~~ذمها ومدحها وذمها علامة موضعها من القلب وخطرها فحيث اشتغل اللسان بذمها ~~كان بذلك لخطرها في القلب لأن الشيء إنما يذم على قدر الاهتمام به ~~والاعتناء شفاء الغيظ منه بالذم وكذلك تعظيم الزهد ms011 فيها إنما هو على قدر ~~خطرها في القلب إذ لولا خطرها وقدرها لما صار للزهد فيها خطر وكذلك مدحها ~~دليل على خطرها وموقعها من قلبه فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره وصاحب هذه ~~الدرجة PageV01P033 لا يضبطها مع وجودها ولا يطلبها مع عدمها ولا يفيض من ~~قلبه على لسانه مدح لها يدل على محبتها ولا يفيض من القلب على اللسان ذم ~~يدل على موقعها وخطرها فإن الشيء إذا صغر أعرض القلب عنه مدحا أو ذما وكذلك ~~صاحب هذه الدرجة سالم عن النظر إلى تركها وهو الذي تقدم من ذكر خطر الزهد ~~فيها لأن نظر العبد إلى كونه تاركا لها زاهدا فيها تتشرف نفسه بالترك وذلك ~~من خطرها وقدرها ولو صغرت في القلب لصغر تركها والزهد فيها ولو اهتم القلب ~~بمهم من المهمات المطلوبة التي هي مذاقات أهل القلوب الأرواح لذهل عن النظر ~~إلى نفسه بالزهد والترك فصاحب هذه الدرجة معافى من هذه الأمراض كلها من مرض ~~الضبط والطلب والذم والمدح والترك فهي بأسرها وإن كان بعضها ممدوحا في ~~العلم مقصودا يستحق المتحقق به الثواب والمدح لكنها آثار وأشكال مشعرة بأن ~~صاحبها لم يذق حال الخلو والتجريد الباطن فضلا عن أن يتحقق من الحقائق ~~المتوقعة المتنافس فيها فصاحب هذه الدرجة متوسط بين درجتي الداخل بكليته في ~~الدنيا قد ركن إليها واطمأن إليها واتخذها وطنا وجعلها له سكنا وبين من ~~نفضها بالكلية من قلبه ولسانه وتخلص من قيودها ورعونتها وآثارها وارتقى إلى ~~ما يسر القلب ويحييه ويفرحه ويبهجه من جذبات العزة فهو في البرزخ كالحامل ~~المقرب ينتظر ولادة الروح والقلب صباحا ومساء فإن من لم تولد روحه وقلبه ~~ويخرج من مشيمة نفسه ويتخلص من ظلمات طبعه وهواه وإرادته فهو كالجنين في ~~بطن أمه الذي لم ير الدنيا وما فيها فهكذا هذا الذي بعد في مشيمة النفس ~~والظلمات الثلاث هي ظلمة النفس وظلمة الطبع وظلمة الهوى فلا بد من الولادة ~~مرتين كما قال المسيح للحواريين إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا ~~مرتين ms012 ولذلك كان النبي أبا للمؤمنين كما في قراءة أبي النبي PageV01P034 ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ولهذا تفرع على هذه الأبوة أن جعلت ~~أزواجه أمهاتهم فإن أرواحهم وقلوبهم ولدت به ولادة أخرى غير ولادة الأمهات ~~فإنه أخرج أرواحهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغي إلى نور العلم ~~والإيمان وفضاء المعرفة والتوحيد فشاهدت حقائق أخر وأمورا لم يكن لها بها ~~شعور قبله قال تعالى @QB@ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم @QE@ وقال هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين وقال لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب الحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين # والمقصود أن القلوب في هذه الولادة ثلاثة قلب لم يولد ولم يأن له أنواع ~~القلوب بل هو جنين في بطن الشهوات والغي والجهل والضلال وقلب قد ولد وخرج ~~إلى فضاء التوحيد والمعرفة وتخلص من مشيمة الطباع وظلمات النفس والهوى فقرت ~~عينه بالله وقرت عيون به وقلوب وأنست بقربه الأرواح وذكرت رؤيته بالله ~~فاطمأن بالله وسكن إليه وعكف بهمته عليه وسافرت هممه وعزائمه إلى الرفيق ~~الأعلى لا يقر بشيء غير الله ولا يسكن إلى شيء سواه ولا يطمئن بغيره يجد من ~~كل شيء سوى الله عوضا ومحبته قوته لا يجد من الله عوضا أبدا فذكره حياة ~~قلبه ورضاه PageV01P035 غاية مطلبه ومحبته قوته ومعرفته أنيسه عدوه من جذب ~~قلبه عن الله وإن كان القريب المصافيا ووليه من رده إلى الله وجمع قلبه ~~عليه وإن كان البعيد المناويا فهذان قلبان متباينان غاية التباين وقلب ثالث ~~في البرزخ ينتظر الولادة صباحا ومساء قد أصبح على فضاء التجريد وآنس من ~~خلال الديار أشعة التوحيد تأبى غلبات الحب والشوق إلا تقربا إلى من السعادة ~~كلها بقربه والحظ كل الحظ في طاعته وحبه وتأبى غلبات الطباع إلا جذبه ~~وإيقافه وتعويقه فهو بين الداعين ms013 تارة وتارة قد قطع عقبات وآفات وبقي عليه ~~مفاوز وفلوات والمقصود أن صاحب هذا المقام إذا تحقق به ظاهرا وباطنا وسلم ~~عن نظر نفسه إلى مقامه واشتغاله به ووقوفه عنده فهو فقير حقيقي ليس فيه ~~قادح من القوادح التي تحطه عن درجة الفقر # واعلم أنه يحسن إعمال اللسان في ذم الدنيا في موضعين أحدهما موضع التزهيد ~~فيها للراغب والثاني عندما يرجع به داعي الطبع والنفس إلى طلبها ولا يأمن ~~من إجابة الداعي فيستحضر في نفسه قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها ~~فإنه إن تم عقله وحضر رشده زهد فيها ولا بد PageV01P036 # | فصل في تفسير الفقر ودرجاته # وقوله الدرجة الثانية الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من ~~رؤية الأعمال ويقطع شهود الأحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات فهذه ~~الدرجة أرفع من الأولى وأعلى والأولى كالوسيلة إليها لأن في الدرجة الأولى ~~يتخلى بفقره عن أن يتأله غير مولاه الحق وأن يضيع أنفاسه في غير مرضاته وأن ~~يفرق همومه في غير محابه وأن يؤثر عليه في حال من الأحوال فيوجب له هذا ~~الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية وعمارة السر بينه وبين الله وخلوص الود ~~فيصبح ويمسي ولا هم له غير ربه قد قطع همه بربه عنه جميع الهموم وعطلت ~~إرادته جميع الإرادات ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه كما قيل # لقد كان يسبي القلب في كل ليله % ثمانون بل تسعون نفسا وأرجح # يهيم بهذا ثم يألف غيره % ويسلوهم من فوره حين يصبح # وقد كان قلبي ضائعا قبل حبكم % فكان بحب الخلق يلهو ويمرح # فلما دعا قلبي هواك أجابه % فلست أراه عن خبائك يبرح # حرمت الأماني منك إن كنت كاذبا % وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح # وإن كان شيء في الوجود سواكم % يقر به القلب الجريح ويفرح # إذا لعبت أيدي الهوى بمحبكم % فليس له عن بابكم متزحزح # فإن أدركته غربة عن دياركم % فحبكم بين الحشا ليس يبرح # وكم مشتر في الخلق قد سام قلبه % فلم يره إلا لحبك يصلح PageV01P037 # هوى ms014 غيركم نار تلظى ومحبس % وحبكم الفردوس أو هو أفسح # فيا ضيم قلب قد تعلق غيركم % ويا رحمة مما يجول ويكدح # والله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه فبقدر ما يدخل القلب من هم ~~وإرادة وحب يخرج منه هم وإرادة وحب يقابله فهو إناء واحد والأشربة متعددة ~~فأي شراب ملأه لم يبق فيه موضع لغيره وإنما يمتلىء الإناء بأعلى الأشربة ~~إذا صادفه خاليا فأما إذا صادفه ممتلئا من غيره لم يساكنه حتى يخرج ما فيه ~~ثم يسكن موضعه كما قال بعضهم # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى % فصادف قلبا خاليا فتمكنا # ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إنائه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة ~~لأن كل شراب مسكر ولا بد وما أسكر كثيره فقليله حرام وأين سكر الهوى ~~والدنيا من سكر الخمر وكيف يوضع شراب التسنيم الذي هو أعلى أشربة المحبين ~~في إناء ملآن بخمر الدنيا والهوى ولا يفيق من سكره ولا يستفيق ولو فارق هذا ~~السكر القلب لطار بأجنحة الشوق إلى الله والدار الآخرة ولكن رضي المسكين ~~بالدون وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأخس الثمن صفقة خاسر مغبون ~~فسيعلم أي حظ أضاع إذا فاز المحبون وخسر المبطلون PageV01P038 # | فصل في أن حقيقة الفقر توجه العبد بجميع أحواله إلى الله # وإذا كان التلوث بالأعراض قيدا يقيد القلوب عن سفرها إلى بلد حياتها ~~ونعيمها الذي لا سكن لها غيره ولا راحة لها إلا فيه ولا سرور لها إلا في ~~منازله ولا أمن لها إلا بين أهله فكذلك الذي باشر قلبه روح التأله وذاق طعم ~~المحبة وآنس نار المعرفة له أعراض دقيقة حالية تقيد قلبه عن مكافحة صريح ~~الحق وصحة الاضطرار إليه والفناء التام به البقاء الدائم بنوره الذي هو ~~المطلوب من السير والسلوك وهو الغاية التي شمر إليها السالكون والعلم الذي ~~أمه العابدون ودندن حوله العارفون فجميع ما يحجب عنه أن يقيد القلب نظره ~~وهمه يكون حجابا يحجب الواصل ويوقف السالك وينكس الطالب فالزهد فيه على ~~أصحاب الهمم العلية ms015 متعين تعين الواجب الذي لا بد منه وهو كزهد السالك إلى ~~الحج في الظلال والمياه التي يمر بها في المنازل فالأول مقيد عن الحقائق ~~برؤية الأعراض والثاني مقيد عن النهايات برؤية الأحوال فتقيد كل منهما عن ~~الغاية المطلوبة وترتب على هذا القيد عدم النفوذ وذلك مؤخر مخلف # وإذا عرف العبد هذا وانكشف له علمه تعين عليه الزهد في الأحوال والفقر ~~منها كما تعين عليه الزهد في المال والشرف وخلو قلبه منهما ولما كان موجب ~~الدرجة الأولى من الفقر الرجوع إلى الآخرة فأوجب الاستغراق في PageV01P039 ~~هم الآخرة نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها مدحا أو ~~ذما وكذلك كان موجب هذه الدرجة الثانية الرجوع إلى فضل الله سبحانه ومطالعة ~~سبقه الأسباب والوسائط فبفضل الله ورحمته وجدت منه الأقوال الشريفة ~~والمقامات العلية وبفضله ورحمته وصلوا إلى رضاه ورحمته وقربه وكرامته ~~وموالاته وكان سبحانه هو الأول في ذلك كله كما أنه الأول في كل شيء وكان هو ~~الآخر في ذلك كما هو الآخر في كل شيء فمن عبده باسمه الأول والآخر حصلت له ~~حقيقة هذا الفقر فإن انضاف إلى ذلك عبوديته باسمه الظاهر والباطن فهذا هو ~~العارف الجامع لمتفرقات التعبد ظاهرا وباطنا # فعبوديته باسمه الأول تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف أو ~~الالتفات إليها وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته وأنه هو المبتدىء ~~بالإحسان من غير وسيلة من العبد إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده أي ~~وسيلة كانت هناك وإنما هو عدم محض وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا فمنه سبحانه الإعداد ومنه الإمداد وفضله سابق على الوسائل والوسائل ~~من مجرد فضله وجوده لم تكن بوسائل أخرى فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى ~~أوجب له فقرا خاصا وعبودية خاصة # وعبوديته باسمه الآخر تقتضي أيضا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها ~~فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية ويبقى الدائم الباقي بعدها فالتعلق ~~بها تعلق بعدم وينقضي والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا ms016 يموت ولا ~~يزول فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع بخلاف التعلق بغيره مما له آخر ~~يفنى به كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية حيث كان قبل الأسباب كلها وكذلك ~~نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى PageV01P040 بعد الأسباب كلها فكان الله ~~ولم يكن شيء غيره وكل شيء هالك إلا وجهه فتأمل عبودية هذين الاسمين وما ~~يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه ~~وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع فهو المبتدىء بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة ~~وإليه تنتهي الأسباب والوسائل فهو أول كل شيء وآخره وكما أنه رب كل شيء ~~وفاعله وخالقه وبارئه فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال ~~إلا بأن يكون وحده غايته ونهايته ومقصوده فهو الأول الذي ابتدأت منه ~~المخلوقات والآخر الذي انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها فليس وراء ~~الله شيء يقصد ويعبد ويتأله كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ فكما كان ~~واحدا في إيجادك فاجعله واحدا في تألهك إليه لتصح عبوديتك وكما ابتدأ وجودك ~~وخلقك منه فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه لتصح لك عبوديته باسمه ~~الأول والآخر وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه الأول وإنما الشأن في التعبد له ~~باسمه الآخر فهذه عبودية الرسل وأتباعهم فهو رب العالمين وإله المرسلين ~~سبحانه وبحمده وأما عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبي بقوله وأنت ~~الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء # فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته وأنه ليس فوقه شيء البتة ~~وأنه قاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QB@ ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ صار لقلبه أمما يقصده وربا ~~يعبده وإلها يتوجه إليه بخلاف من لا يدري أين ربه فإنه PageV01P041 ضائع ~~مشتت القلب ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها ولا معبود يتوجه إليه قصده وصاحب ~~هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلها يسكن إليه ويتوجه إليه وقد ~~اعتقد أنه ليس فوق العرش ms017 شيء إلا العدم وأنه ليس فوق العالم إله يعبد ويصلى ~~له ويسجد وأنه ليس على العرش من يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل ~~الصالح جال قلبه في الوجود جميعه فوقع في الاتحاد ولا بد وتعلق قلبه ~~بالوجود المطلق الساري في المعينات فاتخذ إلهه من دون إله الحق وظن أنه قد ~~وصل إلى عين الحقيقة وإنما تأله وتعبد لمخلوق مثله ولخيال نحته بفكره ~~واتخذه إلها من دون الله سبحانه وإله الرسل وراء ذلك كله إن ربكم الله الذي ~~خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع ~~إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعا وعد ~~الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون وقال ~~الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب ~~والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم ~~جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون PageV01P042 # فقد تعرف سبحانه إلى عباده بكلامه معرفة لا يجحدها إلا من أنكره سبحانه ~~وإن زعم أنه مقربه والمقصود أن التعبد باسمه الظاهر يجمع القلب على المعبود ~~ويجعل له ربا يقصده وصمدا يصمد إليه في حوائجه وملجأ يلجأ إليه فإذا استقر ~~ذلك في قلبه وعرف ربه باسمه الظاهر استقامت له عبوديته وصار له معقل وموئل ~~يلجأ إليه ويهرب إليه ويفر كل وقت إليه وأما تعبده باسمه الباطن فأمر يضيق ~~نطاق التعبير عن حقيقته ويكل اللسان عن وصفه وتصطلم الإشارة إليه وتجفو ~~العبارة عنه فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل ms018 مخلصة من فرث ~~التشبيه منزهة عن رجس الحلول والاتحاد وعبارة مؤدية للمعنى كاشفة عنه وذوقا ~~صحيحا سليما من أذواق أهل الانحراف فمن رزق هذا فهم معنى اسمه الباطن وضح ~~له التعبد به وسبحان الله كم زلت في هذا المقام أقدام وضلت فيه أفهام وتكلم ~~فيه الزنديق بلسان الصديق واشتبه فيه إخوان النصارى بالحنفاء المخلصين لنبو ~~الأفهام عنه وعزة تخلص الحق من الباطل فيه والتباس ما في الذهن بما في ~~الخارج إلا على من رزقه الله بصيرة في الحق ونورا يميز به بين الهدى ~~والضلال وفرقانا يفرق به بين الحق والباطل ورزق مع ذلك اطلاعا على أسباب ~~الخطأ وتفرق الطرق ومثار الغلط وكان له بصيرة في الحق والباطل وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم وعظمته وأن ~~العوالم كلها في قبضته وأن السموات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في ~~يد العبد قال تعالى @QB@ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس @QE@ وقال @QB@ ~~والله من ورائهم محيط @QE@ ولهذا يقرن سبحانه PageV01P043 بين هذين الاسمين ~~الدالين على هذين المعنيين اسم العلو الدال على أنه الظاهر وأنه لا شيء ~~فوقه واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء دونه كما قال تعالى @QB@ ~~وهو العلي العظيم @QE@ وقال تعالى @QB@ وهو العلي الكبير @QE@ وقال @QB@ ~~ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم @QE@ وهو ~~تبارك وتعالى كما أنه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء فهو الباطن ~~بذاته فليس دونه شيء بل ظهر على كل شيء فكان فوقه وبطن فكان أقرب إلى كل ~~شيء من نفسه وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه وكل شيء في قبضته وليس ~~شيء في قبضة نفسه فهذا أقرب لإحاطة العامة # وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه ودادعيه ~~وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن قال الله تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ فهذا قربه من ms019 داعيه وقال تعالى إن ~~رحمت الله قريب من المحسنين فذكر الخبر وهو قريب عن لفظ الرحمة وهي مؤنثة ~~إيذانا بقربه تعالى من المحسنين فكأنه قال إن الله برحمته قريب من المحسنين ~~وفي الصحيح عن النبي قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وأقرب ما يكون ~~الرب من PageV01P044 عبده في جوف الليل فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب ~~البطون وفي الصحيح من حديث أبي موسى أنهم كانوا مع النبي في سفر فارتفعت ~~أصواتهم بالتكبير فقال أيها الناس اربعوا على أنفسكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته فهذا قربه من ~~داعيه وذاكره يعني فأي حاجة بكم إلى رفع الأصوات وهو لقربه يسمعها وإن خفضت ~~كما يسمعها إذا رفعت فإنه سميع قريب وهذا القرب هو من لوازم المحبة فكلما ~~كان الحب أعظم كان القرب أكثر وقد استولت محبة المحبوب على قلب محبه بحيث ~~يفنى بها عن غيرها ويغلب محبوبه على قلبه حتى كأنه يراه ويشاهده فإن لم يكن ~~عنده معرفة صحيحة بالله وما يجب له وما يستحيل عليه وإلا طرق باب الحلول إن ~~لم يلجه وسببه ضعف تمييزه وقوة سلطان المحبة واستيلاء المحبوب على قلبه ~~بحيث يغيب عن ملاحظة ما سواه وفي مثل هذه الحال يقول سبحاني أو ما في الجبة ~~إلا الله ونحو هذا من الشطحات PageV01P045 التي نهايتها أن يغفر له ويعذر ~~لسكره وعدم تمييزه في تلك الحال فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة ~~وصفوة الوداد وأن يكون الإله أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه مع ~~كونه ظاهرا ليس فوقه شيء ومن كثف ذهنه وغلط طبعه عن فهم هذا فليضرب عنه ~~صفحا إلى ما هو أولى به فقد قيل # إذا لم تستطع شيئا فدعه % وجاوزه إلى ما تستطيع # فمن لم يكن له ذوق من قرب المحبة ومعرفة بقرب المحبوب من محبة غاية القرب ~~وإن كان بينهما غاية المسافة ولا سيما إذا كانت المحبة من الطرفين ms020 وهي محبة ~~بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها فإن المحب كثيرا ما يستولي ~~محبوبه على قلبه وذكره ويفنى عن غيره ويرق قلبه وتتجرد نفسه فيشاهد محبوبه ~~كالحاضر معه القريب إليه وبينهما من البعد ما بينهما وفي هذه الحال يكون في ~~قلبه وجوده العلمي وفي لسانه وجوده اللفظي فيستولي هذا الشهود عليه ويغيب ~~به فيظن أن في عينه وجوده الخارجي لغلبة حكم القلب والروح كما قيل # خيالك في عيني وذكرك في فمي % ومثواك في قلبي فأين تغيب # هذا ويكون ذلك المحبوب بعينه بينه وبين عدوه وما بينهما من البعد وإن ~~قربت الأبدان وتلاصقت الديار والمقصود أن المثال العلمي غير الحقيقة ~~الخارجية وإن كان مطابقا لها لكن المثال العلمي محله القلب والحقيقة ~~الخارجية محلها الخارج فمعرفة هذه الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر ~~والباطن هي أركان العلم والمعرفة فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ~~ينتهي به قواه وفهمه PageV01P046 # واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا بل كل شيء فله أول وآخر وظاهر ~~وباطن حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر فأولية الله عز وجل ~~سابقة على أولية كل ما سواه وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه فأوليته ~~سبقه لكل شيء وآخريته بقاؤه بعد كل شيء وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على ~~كل شيءومعنى الظهور يقتضي العلو وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه ~~وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه وهذا قرب غير ~~قرب المحب من حبيبه هذا لون وهذا لون فمدار هذه الأسماء الأربعة على ~~الإحاطة وهي إحاطتان زمانية ومكانية فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد ~~فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته وآخريته ~~بالأوائل والأواخر وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن فما من ظاهر إلا ~~والله فوقه وما من باطن إلا والله ودونه وما من أول إلا والله قبله وما من ~~آخر إلا والله بعده فالأول قدمه والآخر دوامه وبقاؤه والظاهر علوه وعظمته ~~والباطن قربه ودنوه فسبق ms021 كل شيء بأوليته وبقي بعد كل شيء بآخريته وعلا على ~~كل شيء بظهوره ودنا من كل شيء ببطونه فلا توارى منه سماء سماء ولا أرض أرضا ~~ولا يحجب عنه ظاهر باطنا بل الباطن له ظاهر والغيب عنده شهادة والبعيد منه ~~قريب والسر عنده علانية فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد فهو ~~الأول في آخريته والآخر في أوليته والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره لم ~~يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا # والتعبد بهذه الأسماء رتبتان الرتبة الأولى أن تشهد الأولية منه تعالى في ~~كل شيء والآخرية بعد كل شيء والعلو والفوقية فوق كل شيء والقرب والدنو دون ~~كل شيء فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب ~~والرب جل جلاله ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه # والمرتبة الثانية من التعبد أن يعامل كل اسم بمقتضاه فيعامل سبقه ~~PageV01P047 تعالى بأوليته لكل شيء وسبقه بفضله وإحسانه الأسباب كلها بما ~~يقتضيه ذلك من أفراده وعدم الالتفات إلى غيره والوثوق بسواه والتوكل على ~~غيره فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئا مذكورا حتى سماك باسم ~~الإسلام ووسمك بسمة الإيمان وجعلك من أهل قبضة اليمين وأقطعك في ذلك الغيب ~~عمالات المؤمنين فعصمك عن العبادة للعبيد وأعتقك من التزام الرق لمن له شكل ~~ونديد ثم وجه وجهة قلبك إليه سبحانه دون ما سواه فاضرع إلى الذي عصمك من ~~السجود للصنم وقضى لك بقدم الصدق في القدم أن يتم عليك نعمة هو ابتدأها ~~وكانت أوليتها منه بلا سبب منك واسم بهمتك عن ملاحظة الاختيار ولا تركنن ~~إلى الرسوم والآثار ولا تقنع بالخسيس الدون وعليك بالمطالب العالية ~~والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله فإن الله سبحانه قضى أن لا ~~ينال ما عنده إلا بطاعته ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد فمن ~~أقبل إليه تلقاه من بعيد ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد ومن ترك ~~لأجله أعطاه فوق المزيد ومن أراد مراده الديني أراد ms022 ما يريد ثم اسم بسرك ~~إلى المطلب الأعلى واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب ~~منك بل هو الذي جاد عليك بالأسباب وهيأ لك وصرف عنك موانعها وأوصلك بها إلى ~~غايتك المحمودة فتوكل عليه وحده وعامله وحده وآثر رضاه وحده واجعل حبه ~~ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفا بها مستلما لأركانها واقفا ~~بملتزمها فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك ماذا يفيض ~~عليك من ملابس نعمه وخلع أفضاله اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وبحمدك ثم تعبد له باسمه PageV01P048 ~~الآخر بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه ولا مطلوب لك وراءه فكما ~~انتهت إليه الأواخر وكان بعد كل آخر فكذلك اجعل نهايتك إليه فإن إلى ربك ~~المنتهى إليه انتهت الأسباب والغايات فليس وراءه مرمى ينتهي إليه وقد تقدم ~~التنبيه على ذلك وعلى التعبد باسمه الظاهر وأما التعبد باسمه الباطن فإذا ~~شهدت إحاطته بالعوالم وقرب العبيد منه وظهور البواطن له وبدو السرائر وأنه ~~لا شيء بينه وبينها فعامله بمقتضى هذا الشهود وطهر له سريرتك فإنها عنده ~~علانية وأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة وزك له باطنك فإنه عنده ظاهر # فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله وجماع العبودية ~~له فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته فلا يرى لغيره شيئا إلا به ~~وبحوله وقوته وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو مما كان يستند إليه ~~أو يتحلى به أو يتخذه عقدة أو يراه ليوم فاقته أو يعتمد عليه في مهمة من ~~مهماته فكل ذلك من قصور نظره وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب ~~والفروع كما هو شأن الطبيعة والهوى وموجب الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول ~~فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمل فطرته وأوقفه على مبادىء الأمور ~~وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كمفلس حقا من علومه وأعماله ~~وأحواله وأذواقه يقول أستغفر الله من علمي ms023 ومن عملي أي من انتسابي إليهما ~~وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما وابتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني ~~يوجب ذلك فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبق منته ودوامه فيثيبه مولاه على هذه ~~الشهادة العالية بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى ثوابين ~~أحدهما الخلاص من PageV01P049 رؤية الأعمال حيث كان يراها ويتمدح بها ~~ويستكثرها فيستغرق بمطالعة الفضل غائبا عنها ذاهبا عنها فانيا عن رؤيتها ~~الثواب الثاني أن يقطعه عن شهود الأحوال أي عن شهود نفسه فيها متكثرة بها ~~فإن الحال محله الصدر والصدر بيت القلب والنفس فإذا نزل العطاء في الصدر ~~للقلب ثبتت النفس لتأخذ نصيبها من العطاء فتتمدح به وتدل به وتزهو وتستطيل ~~وتقرر إنيتها لأنها جاهلة ظالمة وهذا مقتضى الجهل والظلم # فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة وشهد معنى اسمه المنان وتجلى سبحانه ~~على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه الأول ذهل القلب والنفس به وصار العبد ~~فقيرا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول فصار مقطوعا عن شهود أمر أو حال ~~ينسبه إلى نفسه بحيث يكون بشهادته لحاله مفصوما مقطوعا عن رؤية عزة مولاه ~~وفاطره وملاحظة صفاته فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منة خالقه وفضله ~~ومشاهدة سبق الأولية للأسباب كلها وغائب بمشاهدة عزة نفسه عن عزة مولاه ~~فينعكس هذا الأمر في حق هذا العبد الفقير وتشغله رؤية عزة مولاه ومنته ~~ومشاهدة سبقه بالأولية عن حال يعتز بها العبد أو يشرف بها وكذلك الرجوع إلى ~~السبق بمطالعة الفضل يمحص من أدناس مطالعات المقامات فالمقام ما كان راسخا ~~فيه والحال ما كان عارضا لا يدوم فمطالعات المقامة وتشوفه بها وكونه يرى ~~نفسه صاحب مقام قد حققه وكمله فاستحق أن ينسب إليه ويوصف به مثل أن يقال ~~زاهد صابر خائف راج محب راض فكونه يرى نفسه مستحقا بأن تضاف المقامات إليه ~~وبأن يوصف بها على وجه الاستحقاق لها خروج عن الفقر إلى الغنى وتعد لطور ~~العبودية وجهل بحق الربوبية فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرق همة ~~العبد ms024 ويمحصه ويطهره من مثل هذه الأدناس فيصير مصفى بنور الله سبحانه عن ~~رذائل هذه الأرجاس # قوله والدرجة الثالثة صحة الاضطرار والوقوع في يد التقطع PageV01P050 ~~الوحداني والاحتباس في بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية هذه الدرجة فوق ~~الدرجتين السابقتين عند أرباب السلوك وهي الغاية التي شمروا إليها وحاموا ~~حولها فإن الفقر الأول فقر عن الأعراض الدنيوية والفقر الثاني فقر عن رؤية ~~المقامات والأحوال وهذا الفقر الثالث فقر عن ملاحظة الموجود الساتر للعبد ~~عن مشاهدة الوجود فيبقى الوجود الحادث في قبضة الحق سبحانه كالهباء المنثور ~~في الهواء يتقلب بتقليبه إياه ويسير في شاهد العبد كما هو في الخارج فتمحو ~~رؤية التوحيد من العبد شواهد استبداده واستقلاله بأمر من الأمور ولو في ~~النفس واللمحة والطرفة والهمة والخاطر والوسوسة إلا بإرادة المريد الحق ~~سبحانه وتدبيره وتقديره ومشيئته فيبقى العبد كالكرة الملقاة بين صولجانات ~~القضاء والقدر تقلبها كيف شاءت بصحة شهادة قيومية من له الخلق والأمر ~~وتفرده بذلك دون ما سواه وهذا الأمر لا يدرك بمجرد العلم ولا يعرفه إلا من ~~تحقق به أو لاح له منه بارق وربما ذهل صاحب هذا المشهد عن الشعور بوجوده ~~لغلبة شهود وجود القيوم عليه فهناك يصح من مثل هذا العبد الاضطرار إلى الحي ~~القيوم وشهد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرا تاما إليه من جهة ~~كونه ربا ومن وجهة كونه إلها معبودا لا غنى له عنه كما لا وجود له بغيره ~~فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم بل هو قطب تلك الرحى وإنما ~~يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما معرفة حقيقة الربوبية والإلهية ومعرفة ~~حقيقة النفس والعبودية فهنالك تتم له معرفة هذا الفقر فإن أعطى هاتين ~~المعرفتين حقهما من العبودية اتصف بهذا الفقر حالا فما أغناه حينئذ من فقير ~~وما أعزه من ذليل وما أقواه من ضعيف وما آنسه من وحيد فهو الغني بلا مال ~~القوي بلا سلطان العزيز بلا عشيرة المكفي بلا عتاد قد قرت عينه بالله ~~فافتقر إليه الأغنياء والملوك ms025 PageV01P051 ولا يتم له ذلك إلا بالبراءة من ~~فرث الجبر ودمه فإنه إن طرق باب الجبر انحل عنه نظام العبودية وخلع ربقة ~~الإسلام من عنقه وشهد أفعاله كلها طاعات للحكم القدري الكوني وأنشد # أصبحت منفعلا لما يختاره % مني ففعلي كله طاعات # وإذا قيل له اتق الله ولا تعصه يقول إن كنت عاصيا لأمره فأنا مطيع لحكمه ~~وإرادته فهذا منسلخ من الشرائع بريء من دعوة الرسل شقيق لعدو الله إبليس بل ~~وظيفة الفقير في هذا الموضوع وفي هذه الضرورة مشاهدة الأمر والشرع ورؤية ~~قيامه بالأفعال وصدورها منه كسبا واختيارا وتعلق الأمر والنهي بها طلبا ~~وتركا وترتب الذم والمدح عليها شرعا وعقلا وتعلق الثواب والعقاب بها آجلا ~~وعاجلا فمتى اجتمع له هذا الشهود الصحيح إلى شهود الاضطرار في حركاته ~~وسكناته والفاقة التامة إلى مقلب القلوب ومن بيده أزمة الاختيار ومن إذا ~~شاء وجب وجوده وإذا لم يشأ امتنع وجوده وأنه لا هادي لمن أضله ولا مضل لمن ~~هداه وأنه هو الذي يحرك القلوب بالإرادات والجوارح بالأعمال وأنها مدبرة ~~تحت تسخيره مذللة تحت قهره وأنها أعجز وأضعف من أن تتحرك بدون مشيئته وأن ~~مشيئته نافذة فيها كما هي نافذة في حركات الأفلاك والمياه والأشجار وأنه ~~حرك كلا منها بسبب اقتضى تحريكه وهو خالق السبب المقتضي وخالق السبب خالق ~~للمسبب فخالق الإرادة الجازمة التي هي سبب الحركة والفعل الاختياري خالق ~~لهما وحدوث الإرادة بلا خالق محدث محال وحدوثها بالعبد بلا إرادة منه محال ~~وإن كان بإرادته فإرادته للإرادة كذلك ويستحيل بها التسلسل فلا بد من فاعل ~~أوجد تلك الإرادة التي هي سبب الفعل فهنا PageV01P052 يتحقق الفقر والفاقة ~~والضرورة التامة إلى مالك الإرادات ورب القلوب ومصرفها كيف شاء فما شاء أن ~~يزيغه منها أزاغه وما شاء أن يقيمه منها أقامه @QB@ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ~~إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب @QE@ فهذا هو الفقر الصحيح ~~المطابق للعقل والفطرة والشرع ومن خرج عنه وانحرف إلى أحد الطرفين زاغ قلبه ~~عن الهدى وعطل ملك ms026 الملك الحق وانفراده بالتصرف والربوبية عن أوامره وشرعه ~~وثوابه وعقابه وحكم هذا الفقير المضطر إلى خالقه في كل طرفة عين وكل نفس ~~أنه إن حرك بطاعة أو نعمة شكرها وقال هذا من فضل الله ومنه وجوده فله الحمد ~~وإن حرك بمبادىء معصيته صرخ ولجأ واستغاث وقال أعوذ بك منك يا مقلب القلوب ~~ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك فإن تم تحريكه ~~بالمعصية التجأ التجاء أسير قد أسره عدوه وهو يعلم أنه لا خلاص له من أسره ~~إلا بأن يفكه سيده من الأسر ففكاكه في يد سيده ليس في يده منه شيء البتة ~~ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فهو في أسر العدو ~~ناظر إلى سيده وهو قادر قد اشتدت ضرورته إليه وصار اعتماده كله عليه قال ~~سهل إنما يكون الالتجاء على معرفة الابتلاء يعني على قدر الابتلاء تكون ~~المعرفة بالمبتلي ومن عرف قوله وأعوذ بك منك / ح / وقام بهذه المعرفة ~~PageV01P053 شهودا وذوقا وأعطاها حقها من العبودية فهو الفقير حقا ومدار ~~الفقر الصحيح على هذه الكلمة فمن فهم سر هذا فهم سر الفقر المحمدي فهو ~~سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه وهو الذي يعيذ بنفسه من نفسه وهو الذي ~~يدفع ما منه بما منه فالخلق كله له والأمر كله له والحكم كله له وما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئته وما لم يشأ لم ~~يمكن أن يجلبه إلا مشيئته فلا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا ~~هو ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو ولا يصرف سيئها إلا هو @QB@ وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله @QE@ ~~والتحقق بمعرفة هذا يوجب صحة الاضطرار وكمال الفقر والفاقة ويحول بين العبد ~~وبين رؤية أعماله وأحواله والاستغناء بها والخروج عن ربقة العبودية إلى ~~دعوى ما ليس له وكيف يدعي مع الله حالا أو ملكة أو ms027 مقاما من قلبه وإرادته ~~وحركاته الظاهرة والباطنة بيد ربه ومليكه لا يملك هو منها شيئا وإنما هي ~~بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء فالإيمان بهذا والتحقق به نظام التوحيد ~~ومتى انحل من القلب انحل نظام التوحيد فسبحان من لا يوصل إليه إلا به ولا ~~يطاع إلا بمشيئته ولا ينال ما عنده من الكرامة إلا بطاعته ولا سبيل إلى ~~طاعته PageV01P054 إلا بتوفيقه ومعونته فعاد الأمر كله إليه كما ابتدأ ~~الأمر كله منه فهو الأول والآخر وإن إلى ربك المنتهى # ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد وأشرف على مقام التوحيد ~~الخاصي فإن التوحيد نوعان عامي وخاصي كما أن الصلاة نوعان والذكر نوعان ~~وسائر القرب كذلك خاصية وعامية فالخاصية ما بذل فيها العامل نصحه وقصده ~~بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها والعامية ما لم يكن كذلك فالمسلمون ~~كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله وتفاوتهم في معرفتهم ~~بمضمون هذه الشهادة وقيامهم باطنا وظاهرا أمر لا يحصيه إلا الله عز وجل # وقد ظن كثير من الصوفية أن التوحيد الخاص أن يشهد العبد المحرك له ويغيب ~~عن المتحرك وعن الحركة فيغيب بشهوده عن حركته ويشهد نفسه شبحا فانيا يجري ~~على تصاريف المشيئة كمن غرق في البحر فأمواجه ترفعه طورا وتخفضه طورا فهو ~~غائب بها عن ملاحظة حركته في نفسه بل قد اندرجت حركته ضمن حركة الموج وكأنه ~~لا حركة له بالحقيقة وهذا وإن ظنه كثير من القوم غاية وظنه بعضهم لازما من ~~لوازم التوحيد فالصواب أن من ورائه ما هو أجل منه وغاية هذا الفناء في ~~توحيد الربوبية وهو أن لا يشهد ربا وخالقا ومدبرا إلا الله وهذا هو الحق ~~ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي في النجاة فضلا عن أن يكون شهوده والفناء ~~فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم فالغاية التي لا غاية وراءها ولا نهاية ~~بعدها الفناء في توحيد الإلهية وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه ~~وبتألهه عن تأله ما سواه وبالشوق ms028 إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه ~~وبالذل له والفقر إليه من جهة كونه معبوده وإلهه ومحبوبه عن الذل إلى كل ما ~~سواه وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه فيرى أنه ليس في ~~الوجود ما يصلح له ذلك إلا الله ثم يتصف بذلك حالا وينصبغ به قلبه صبغة ثم ~~PageV01P055 يفنى بذلك عما سواه فهذا هو التوحيد الخاصي الذي شمر إليه ~~العارفون والورد الصافي الذي حام حوله المحبون ومتى وصل إليه العبد صار في ~~يد التقطع والتجريد واشتمل بلباس الفقر الحقيقي وفرق حب الله من قلب كل ~~محبة وخوفه كل خوف ورجاءه كل رجاء فصار حبه وخوفه ورجاؤه وذله وإيثاره ~~وإرادته ومعاملته كل ذلك واحد لواحد فلم ينقسم طلبه ولا مطلوبه فتعدد ~~المطلوب وانقسامه قادح في التوحيد والإخلاص وانقسام الطلب قادح في الصدق ~~والإرادة فلا بد من توحيد الطلب والإرادة وتوحيد المطلوب المراد فإذا غاب ~~بمحبوبه عن حب غيره وبمذكوره عن ذكر غيره وبمألوهه عن تأله غيره صار من أهل ~~التوحيد الخاصي وصاحبه مجرد عن ملاحظة سوى محبوبه أو إيثاره أو معاملته أو ~~خوفه أو رجائه وصاحب توحيد الربوبية في قيد التجريد عن ملاحظة فاعل غير ~~الله وهو مجرد عن ملاحظة وجوده وهو كما كان صاحب الدرجة الأولى مجردا عن ~~أمواله وصاحب الثانية مجردا عن أعماله وأحواله فصاحب الفناء في توحيد ~~الإلهية مجرد عن سوى مراضي بمحبوبه وأوامره قد فني بحبه وابتغاء مرضاته عن ~~حب غيره وابتغاء مرضاته وهذا هو التجريد الذي سمت إليه همم السالكين فمن ~~تجرد عن ماله وحاله وكسبه وعمله ثم تجرد عن شهود تجريده فهو المجرد عندهم ~~حقا وهذا تجريد القوم الذي عليه يحومون وإياه يقصدون ونهايته عندهم التجريد ~~بفناء وجوده وبقاؤه بموجوده بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ولا غاية ~~عندهم وراء هذا ولعمر الله إن وراءه تجريد أكمل منه ونسبته إليه كتفلة في ~~بحر وشعرة في ظهر بعير وهو تجريد الحب والإرادة عن الشوائب والعلل والحظوظ ~~فيتوحد حبه ms029 كما توحد محبوبه ويتجرد عن مراده من محبوبه بمراد محبوبه منه بل ~~يبقى مراد محبوبه هو من نفس مراده وهنا يعقل الاتحاد الصحيح وهو اتحاد ~~المراد فيكون عين مراد المحبوب هو عين مراد الحب وهذا هو غاية الموافقة ~~وكمال العبودية ولا تتجرد المحبة عن العلل والحظوظ التي PageV01P056 تفسدها ~~إلا بهذا فالفرق بين محبة حظك ومرادك من المحبوب وأنك إنما تحبه لذلك وبين ~~محبة مراد المحبوب منك ومحبتك له لذاته أنه أهل أن يحب وأما الاتحاد في ~~الإرادة فمحال كما أن الاتحاد في المريد محال فالإرادتان متباينتان وأما ~~مراد المحب والمحبوب إذا خلصت المحبة من العلل والحظوظ فواحد فالفقر ~~والتجريد والفناء من واد واحد وقد جعله صاحب منازل السائرين من قسم ~~النهايات وحده بأنه الانخلاع عن شهود الشواهد وجعله على ثلاث درجات الدرجة ~~الأولى تجريد الكشف عن كسب اليقين والثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم ~~والثالثة تجريد الخلاص من شهود التجريد # فقوله في الأولى تجريد الكشف عن كسب اليقين يريد كشف الإيمان ومكافحته ~~للقلب وهذا وإن حصل باكتساب اليقين من أدلته وبراهينه فالتجريد أن يشهد سبق ~~الله بمنته لكل سبب ينال به اليقين أو الإيمان فيجرد كشفه لذلك عن ملاحظة ~~سبب أو وسيلة بل يقطع الأسباب والوسائل وينتهي نظره إلى المسبب وهذه إن ~~أريد تجريدها عن كونها أسبابا فتجريد باطل وصاحبه ضال وإن أريد تجريدها عن ~~الوقوف عندها ورؤية انتسابها إليه وصيرورتها عنوان اليقين إنما كان به وحده ~~فهذا تجريد صحيح ولكن على صاحبه إثبات الأسباب فإن نفاها عن كونها أسبابا ~~فسد تجريده # وقوله في الدرجة الثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم لما كانت الدرجة ~~الأولى تجريدا عن الكسب وانتهاء إلى عين الجمع الذي هو الغيبة بتفرد الرب ~~بالحكم عن إثبات وسيلة أو سبب اقتضت تجريدا آخر أكمل من الأول وهو تجريد ~~هذا الجمع عن علم العبد به فالأولى تجريد عن رؤية السبب والفعل والثانية ~~تجريد عن العلم والإدراك وهذا يقتضي PageV01P057 أيضا تجريدا ثالثا أكمل من ~~الثاني وهو تجريد ms030 التخلص من شهود التجريد وصاحب هذا التجريد الثالث في عين ~~الجمع قد اجتمعت همته على الحق وشغل به عن ملاحظة جمعه وذكره وعلمه به قد ~~استغرق ذلك قلبه فلا سعة فيه لشهود علمه بتجريده ولا شعوره به فلا التفات ~~له إلى تجريده ولو بقي له التفات إليه لم يكمل تجريده ووراء هذا كله تجريد ~~نسبة هذا التجريد إليه كشعرة من ظهر بعير إلى جملته وهو تجريد الحب ~~والإرادة عن تعلقه بالسوى وتجريده عن العلل والشوائب والحظوظ التي هي مراد ~~النفس فيتجرد الطلب والحب عن كل تعلق يخالف مراد المحبوب فهذا تجريد ~~الحنيفية والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به PageV01P058 # | فصل في تقسيم الغنى إلى عال وسافل # ولما كان الفقر إلى الله سبحانه هو عين الغنى به فأفقر الناس إلى الله ~~أغناهم به وأذلهم له وأعزهم وأضعفهم بين يديه أقواهم وأجهلهم عند نفسه ~~أعلمهم بالله وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله كان ذكر الغنى بالله مع ~~الفقر إليه متلازمين متناسبين فنذكر فصلا نافعا في الغنى العالي واعلم أن ~~الغنى على الحقيقة لا يكون إلا بالله الغني بذاته عن كل ما سواه وكل ما ~~سواه فموسوم بسمة الفقر كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع وكما أن كونه ~~مخلوقا أمر ذاتي له فكونه فقيرا أمر ذاتي له كما تقدم بيانه وغناه أمر نسبي ~~إضافي عارض له فإنه إنما استغنى بأمر خارج عن ذاته فهو غني به فقير إليه ~~ولا يوصف بالغنى على الإطلاق إلا من غناه من لوازم ذاته فهو الغني بذاته ~~عما سواه وهو الأحد الصمد الغني الحميد # والغنى قسمان غنى سافل وغنى عال فالغنى السافل الغني بالعواري المستردة ~~من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعام والحرث وهذا أضعف الغنى فإنه غنى بظل زائل وعارية ترجع عن قريب ~~إلى أربابها فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها وكأن الغنى بها كان حلما فانقضى ~~ولا همة أضعف من همة من PageV01P059 رضي بهذا الغنى الذي هو ظل زائل وهذا ms031 ~~غنى أرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون وإياه يطلبون وحوله يحومون ولا أحب إلى ~~الشيطان وأبعد عن الرحمن من قلب ملآن بحب هذا الغنى والخوف من فقده قال بعض ~~السلف إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء مؤمن قتل ~~مؤمنا ورجل يموت على الكفر وقلب فيه خوف الفقر وهذا الغنى محفوف بفقرين فقر ~~قبله وفقر بعده وهو كالغفوة بينهما فحقيق بمن نصح نفسه أن لا يغتر به ولا ~~يجعله نهاية مطلبه بل إذا حصل له جعله سببا لغناه الأكبر ووسيلة إليه ~~ويجعله خادما من خدمه لا مخدوما له وتكون نفسه أعز عليه من أن يعبدها لغير ~~مولاه الحق أو يجعلها خادمة لغيره PageV01P060 # | فصل في الغنى العالي # وأما الغنى العالي فقال شيخ الإسلام هو على ثلاث درجات الدرجة الأولى غنى ~~القلب وهو سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة والدرجة ~~الثانية غنى النفس وهو استقامتها على المرغوب وسلامتها من الحظوظ وبراءتها ~~من المراءاة والدرجة الثالثة الغنى بالحق وهو ثلاث مراتب الأولى شهود ذكره ~~إياك والثانية دوام مطالعة أوليته والثالثة الفوز بوجوده # قلت ثبت عن النبي أنه قال ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس # ومتى استغنت النفس استغنى القلب ولكن الشيخ قسم الغنى إلى هذه الدرجات ~~بحسب متعلقه فقال غنى القلب سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من ~~الخصومة ومعلوم أن هذا شرط في الغنى لا أنه PageV01P061 نفس الغنى بل وجود ~~المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من الغنى فهذه السلامة والمسالمة ~~دليل على غنى القلب لا أن غناه بها نفسها وإنما غنى القلب بالدرجة الثالثة ~~فقط كما سيأتي بيانه إن شاء الله فالغني إنما يصير غنيا بحصول ما يسد فاقته ~~ويدفع حاجته وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا ~~فوزه بحصول الغنى الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل ~~شيء فكما أنه سبحانه الغني على الحقيقة ولا غني سواه فالغني به هو الغني في ~~الحقيقة ولا ms032 غنى بغيره ألبتة فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على ~~السوى حسرات ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح والله ~~المستعان # وإنما قدم شيخ الإسلام الكلام على غنى القلب على الكلام على غنى النفس ~~لأن كمال صلاح النفس غناها بالاستقامة من جميع الوجوه وبلوغها إلى درجة ~~الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب وصلاح النفس متقدم على إصلاحها هكذا ~~قيل وفيه ما فيه لأن صلاح كل واحد منهما مقارن لصلاح الآخر ولكن لما كان ~~القلب هو الملك وكان صلاحه صلاح جميع رعيته كان أولى بالتقديم # وقد قال النبي إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت ~~فسد لها سائر الجسد إلا وهي القلب / ح / PageV01P062 # والقلب إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية خلع على ~~الأمراء والرعية خلعا تناسبها فخلع على النفس خلع الطمأنينة والسكينة ~~والرضا والإخبات فأدت الحقوق سمحة لا كظما بانشراح ورضا ومبادرة وذلك لأنها ~~جانست القلب حينئذ ووافقته في أكثر أموره واتحد مرادهما غالبا فصارت له ~~وزير صدق بعد أن كانت عدوا مبارزا بالعداوة فلا تسأل عما أحدثت هذه ~~المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولذة عيش ونعيم هو دقيقة من نعيم أهل الجنة ~~هذا ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما بل عدتها وسلاحها كامن متوار لولا ~~قدرة سلطان القلب وقهره لحاربت بكل سلاح فالمرابطة على ثغري الظاهر والباطن ~~فرض متعين مدة أنفاس الحياة # وتنقضي الحرب محمودا عواقبها % للصابري وحظ الهارب الندم # وخلع على الجوارح خلع الخشوع والوقار وعلى الوجه خلعة المهابة والنور ~~والبهاء وعلى اللسان خلعة الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة وعلى ~~العين خلعة الاعتبار في النظر والغض عن المحارم وعلى الأذن خلعة استماع ~~النصيحة واستماع القول النافع استماعه للعبد في معاشه ومعاده وعلى اليدين ~~والرجلين خلعة البطش في الطاعات أين كانت بقوة وأيد وعلى الفرج خلعة العفة ~~والحفظ فغدا العبد وراح يرفل في هذه الخلع ويجر لها في الناس أذيالا ~~وأردانا فغنى النفس مشتق ms033 من غنى القلب وفرع عليه فإذا استغنى سرى الغنى منه ~~إلى النفس وغنى القلب ما يناسبه من تحقيقه بالعبودية المحضة التي هي أعظم ~~خلعة تخلع عليه فيستغني حينئذ بما توجبه هذه العبودية له من المعرفة الخاصة ~~والمحبة الناصحة الخالصة وبما يحصل له من آثار الصفات المقدسة وما تقتضيه ~~من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة على الانفراد ومجموعها قائمة ~~بالذات وهذا أمر تضيق عن شرحه عدة أسفار بل حظ العبد منه علما وإرادة كما ~~يدخل إصبعه في اليم بل الأمر أعظم من ذلك والله سبحانه PageV01P063 @QB@ ~~أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها @QE@ فإذا استغنى القلب بهذا الغنى ~~الذي هو غاية فقره استغنت النفس غنى يناسبها وذهبت عنها البرودة التي توجب ~~ثقلها وكسلها وإخلادها إلى الأرض وصارت لها حرارة توجب حركتها وخفتها في ~~الأوامر وطلبها الرفيق الأعلى وصارت برودتها في شهواتها وحظوظها ورعوناتها ~~وذهبت عنها أيضا اليبوسة المضادة للينها وسرعة انفعالها وقبولها فإنها إذا ~~كانت يابسة قاسية كانت بطيئة الانفعال بعيدة القبول لا تكاد تنقاد فإذا ~~صارت يبوستها حرارة وبرودتها رطوبة وسقيت بماء الحياة الذي أنزله الله عز ~~وجل على قلوب أنبيائه وجعلها قرارا ومعينا له ففاض منها على قلوب أتباعهم ~~فأنبتت من كل زوج كريم فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق مؤدية ~~لحقوقه قائمة بأوامره راضية عنه مرضية له بكمال طمأنينتها @QB@ يا أيتها ~~النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية @QE@ فلنرجع إلى كلامه # فقوله في الدرجة الأولى وهي غنى القلب إنه سلامته من السبب أي من الفقر ~~إلى السبب وشهوده والاعتماد عليه والركون إليه والثقة به فمن كان معتمدا ~~على سبب غناه واثقا به لم يطلق عليه اسم الغنى لأنه فقير إلى الوسائط بل لا ~~يسمى صاحبه غنيا إلا إذا سلم من علة السبب استغناء بالمسبب بعد الوقوف على ~~رحمته وحكمته وتصرفه وحسن تدبيره فلذلك يصير صاحبه غنيا بتدبير الله سبحانه ~~فمن كملت له السلامة من علة الأسباب ومن علة المنازعة للحكم بالاستسلام له ~~والمسالمة أي بالانقياد لحكمه حصل الغنى ms034 للقلب بوقوفه على حسن تدبيره ~~ورحمته وحكمته PageV01P064 فإذا وقف العبد على حسن تدبيره واستغنى القلب به ~~لم يتم له الاستغناء بمجرد هذا الوقوف وإن لم ينضم إليه المسالمة للحكم وهو ~~الانقياد له فإن المنازعة للحكم إلى حكم آخر دليل على وجود رعونة الاختيار ~~وذلك دال على فقر صاحب الاختيار إلى ذلك الشيء المختار ومن كان فقيرا إلى ~~شيء لم يرده الله لم يطلق عليه اسم الغنى بتدبير الله فلا يتم الغنى بتدبير ~~الله سبحانه لعبده إلا بالمسالمة لحكمه بعد الوقوف على حسن تدبيره # ثم يبقى عليه الخلاص من معنى آخر وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من منازعة ~~الرب سبحانه فإن منازعة الخلق دليل على فقره إلى الأمر الذي وقعت فيه ~~الخصومة من الحظوظ العاجلة ومن كان فقيرا إلى حظ من الحظوظ يسخط لفوته ~~ويخاصم الخلق عليه لا يطلق عليه اسم الغني حتى يسلم الخلق من خصومته بكمال ~~تفويضه إلى وليه وقيومه ومتولي تدبيره فمتى سلم العبد من علة فقره إلى ~~السبب ومن علة منازعته لأحكام الله سبحانه ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظ ~~استحق أن يكون غنيا بتدبير مولاه مفوضا إليه لا يفتقر قلبه إلى غيره ولا ~~يسخط شيئا من أحكامه ولا يخاصم عباده إلا في حقوق ربه فتكون مخاصمته لله ~~وبالله ومحاكمته إلى الله كما كان النبي يقول في استفتاح صلاة الليل اللهم ~~لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت ~~PageV01P065 # فتكون مخاصمة هذا العبد لله لا لهواه وحظه ومحاكمته خصمه إلى أمر الله ~~وشرعه لا إلى شيء سواه فمن خاصم لنفسه فهو ممن اتبع هواه وانتصر لنفسه وقد ~~قالت عائشة ما انتقم رسول الله لنفسه قط # وهذا لتكميل عبوديته ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله فقد حاكم إلى ~~الطاغوت وقد أمر أن يكفر به ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله ~~وحده كما هو كذلك في نفس الأمر والحكم نوعان حكم كوني قدري وحكم أمري ديني ~~فهذا الذي ذكره الشيخ في منازل ms035 السائرين وشرحه عليه الشارحون إنما مراده به ~~الحكم الكوني القدري وحينئذ فلا بد من تفصيل ما أجملوه من مسالمة الحكم ~~والاستسلام له وترك المناعة له فإن هذا الإطلاق غير مأمور به ولا ممكن ~~للعبد في نفسه بل الأحكام ثلاثة حكم شرعي ديني فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة ~~والتسليم وترك المنازعة بل بالانقياد المحض وهذا تسليم العبودية المحضة فلا ~~يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد ولا يرى إلى خلافه سبيلا ~~البتة وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول فإذا تلقى بهذا ~~التسليم والمسالمة إقرارا وتصديقا بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادة ~~وتنفيذا وعملا فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه كما لم تكن ~~له شبهة تعارض إيمانه وإقراره وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة ~~تعارض الحق وشهوة تعارض الأمر فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين ~~يتبعون الشهوات ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات بل اندرج خلاقه ~~تحت الأمر واضمحل خوضه في معرفته بالحق فاطمأن إلى الله معرفة به ومحبة له ~~وعلما بأمر PageV01P066 وإرادة لمرضاته فهذا حق الحكم الديني الحكم الثاني ~~الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة والذي إذا حكم به ~~يسخطه ويبغضه ويذم عليه فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم البتة ~~بل ينازع بالحكم الكوني أيضا فينازع حكم الحق بالحق للحق فيدافع به وله كما ~~قال شيخ العارفين في وقته عبدالقادر الجيلي الناس إذا دخلوا إلى القضاء ~~والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والعارف ~~من يكون منازعا للقدر لا واقفا مع القدر اه # فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه فتأمل قول عمر بن الخطاب وقد عوتب على ~~فراه من الطاعون فقيل له أتفر من قدر الله فقال نفر من قدر الله إلى قدره ~~PageV01P067 # ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به ولا تتم له ~~مصلحة إلا بموجبه فإنه إذا ms036 جاءه قدر من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك ~~الانقياد له ومسالمته ودفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس فقد دفع قدر ~~الله بقدره وهكذا إذا وقع الحريق في داره فهو بقدر الله فما باله لا يستسلم ~~له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى ~~يطفىء قدر الله بقدر الله وما خرج في ذلك عن قدر الله وهكذا إذا أصابه مرض ~~بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة ~~للمرض فحق هذا الحكم الكوني أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما ~~يمكنه فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله ~~لذلك فيكون قد دفع القدر بالقدر ونازع الحكم بالحكم وبهذا أمر هذا حقيقة ~~الشرع والقدر ومن لم يستبصر فيه هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل ~~للقدر أو الشرع شاء أو أبى فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه ~~وأسباب معاشه ومصالحه الدنيوية ولا ينازع أقداره في حق مولاه وأوامره ودينه ~~وهل هذا إلا خروج عن العبودية ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه ولو أن ~~عدوا للإسلام قصده لكان هذا بقدر الله ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر ~~يحبه الله وهو الجهاد باليد أو المال في العبودية اللهم إلا إذا بذل العبد ~~جهده في المدافعة والمنازعة وخرج الأمر عن يده فحينئذ يبقى من أهل الحكم ~~الثالث وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره ولا طاقة ~~له بدفعه ولا حيلة له في منازعته فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة ~~وترك المخاصمة وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل وكمن انكسر به المركب في ~~لجة البحر وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه من النجاة فههنا يحسن الاستسلام ~~والمسالمة مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة وهي ~~أن يشهد عزة الحاكم في حكمه وعدله في قضائه وحكمته في جريانه عليه وأن ~~PageV01P068 ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وإن ms037 الكتاب ~~الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد فمن رضي فله ~~الرضا ومن سخط فله السخط ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم ~~الحكيم جل جلاله وصفته الحكمة وأن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ~~ينبغي له أن ينزل به وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه ~~العادل فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى فله عليه أكمل حمد وأتمه كما ~~له الحمد على جميع أفعاله وأوامره وإن كان حظ العبد من هذا القدر الذم فحق ~~الرب تعالى منه الحمد والمدح لأنه موجب كماله وأسمائه الحسنى وصفاته العلى ~~وهو موجب نقص العبد وجهله وظلمه وتفريطه فاقتسم الرب والعبد الحظين في هذا ~~القدر وكان للرب سبحانه فيه الحمد والنعمة والفضل والثناء الحسن والعبد حظه ~~الذم واللوم والإساءة واستحقاق العقوبة # استأثر الله بالمحامد والف % ضل وولي الملامة الرجلا # ويتبين هذا المقام في أربع آيات إحداها قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن ~~الله ومن أصابك من سيئة فمن نفسك # والثانية قوله أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو ~~من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير # والثالثة قوله تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير @QE@ PageV01P069 # والرابعة قوله تعالى @QB@ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور @QE@ # فمن نزل هذه الآيات على هذا الحكم علما ومعرفة وقام بموجبها إرادة وعزما ~~وتوبة واستغفارا فقد أدى عبودية الله في هذا الحكم وهذا قدر زائد على مجرد ~~التسليم والمسالمة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~PageV01P070 # | فصل في تفسير غنى النفس # قوله في غنى النفس أنه استقامتها على المرغوب وسلامتها من الحظوظ ~~وبراءتها من المراءاة يريد استقامتها على الأمر الديني الذي يحبه الله ~~ويرضاه وتجنبها لمناهيه التي يسخطها ويبغضها وأن تكون هذه الاستقامة على ~~الفعل والترك تعظيما لله سبحانه وأمره وإيمانا به واحتسابا لثوابه ms038 وخشية من ~~عقابه لا طلبا لتعظيم المخلوقين له ومدحهم وهربا من ذمهم وازدرائهم وطلبا ~~للجاه والمنزلة عندهم فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله والبعد عنه وأنه ~~أفقر شيء إلى المخلوق فسلامة النفس من ذلك واتصافها بضده دليل غناها لأنها ~~إذا أذعنت منقادة لأمر الله طوعا واختيارا ومحبة وإيمانا واحتسابا بحيث ~~تصير لذتها وراحتها ونعيمها وسرورها في القيام بعبوديته كما كان النبي يقول ~~يا بلال أرحنا بالصلاة وقال حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة ~~عيني في الصلاة فقرة العين فوق المحبة فجعل النساء والطيب مما يحبه وأخبر ~~أن قرة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها PageV01P071 ومحض لذته وفرحه ~~وسروره وبهجته إنما هو في الصلاة التي هي صلة الله وحضور بين يديه ومناجاة ~~له واقتراب منه فكيف لا تكون قرة العين وكيف تقر عين المحب بسواها فإذا حصل ~~للنفس هذا الحظ الجليل فأي فقر يخشى معه وأي غنى فاتها حتى تلتفت إليه ولا ~~يحصل لها هذا حتى ينقلب طبعها ويصير مجانسا لطبيعة القلب فتصير بذلك مطمئنة ~~بعد أن كانت لوامة وإنما تصير مطمئنة بعد تبدل صفاتها وانقلاب طبعها ~~لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحق سبحانه فجرى أثر ذلك النور في ~~سمعه ونثره وشعره وبشره وعظمه ولحمه ودمه وسائر مفاصله وأحاط بجهاته من ~~فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلفه وأمامه وصارت ذاته نورا وصار عمله نورا ~~وقوله نورا ومدخله نورا ومخرجه نورا وكان في مبعثه ممن انبهر له نوره فقطع ~~به الجسر # وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي ~~توجب اقتحام الحدود المسخوطة والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة فإن ~~فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب وأيضا ~~فتقاعدها عن المطلوب بينهما موجب لفقرها إلى الشهوات فكل منهما موجب للآخر ~~وترك الأوامر أقوى لها من افتقارها إلى الشهوات فإنه بحسب قيام العبد ~~بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة كما قال تعالى إن الصلواة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر وقال تعالى @QB@ إن الله ms039 يدافع عن الذين آمنوا @QE@ وفي القراءة ~~الأخرى PageV01P072 يدفع فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان وضعفه ~~وإذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما إغناها به مالكها وفاطرها من ~~النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغنى على الأمر ~~الموهوب وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة ومدار ذلك كله على ~~الاستقامة باطنا وظاهرا ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى @QB@ فاستقم كما ~~أمرت @QE@ وقال سبحانه @QB@ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون @QE@ PageV01P073 # | فصل فيما يغني القلب ويسد الفاقة # وهذه الاستقامة ترقيها إلى الدرجة الثالثة من الغنى وهو الغنى بالحق ~~تبارك وتعالى عن كل ما سواه وهي أعلى درجات الغنى فأول هذه الدرجة أن تشهد ~~ذكر الله عز وجل إياك قبل ذكرك له وأنه تعالى ذكرك فيمن ذكره من مخلوقاته ~~ابتداء قبل وجودك وطاعتك وذكرك فقدر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه إليك ونعمه ~~عليك حيث لم تكن شيئا البتة وذكرك تعالى بالإسلام فوفقك له واختارك له دون ~~من خذله قال تعالى @QB@ هو سماكم المسلمين من قبل @QE@ فجعلك أهلا لما لم ~~تكن أهلا له قط وإنما هو الذي أهلك بسابق ذكره فلولا ذكره لك بكل جميل ~~أولاكه لم يكن لك إليه سبيل ومن الذي ذكرك باليقظة حتى استيقظت وغيرك في ~~رقدة الغفلة مع النوام ومن الذي ذكرك سواه بالتوبة حتى وفقك لها وأوقعها في ~~قلبك وبعث دواعيك وأحيى عزماتك الصادقة عليها حتى ثبت إليه وأقبلت عليه ~~فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذاتها ومن الذي ذكرك سواه بمحبته حتى هاجبت من ~~قلبك لواعجها وتوجهت نحوه سبحانه ركائبها وعمر قلبك بمحبته بعد طول الخراب ~~وآنسك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب ومن تقرب إليك أولا حتى تقربت إليه ~~ثم أثابك على PageV01P074 هذا التقرب تقربا آخر فصار التقرب منك محفوفا ~~بتقربين منه تعالى تقرب قبله وتقرب بعده والحب منك محفوفا بحبين منه حب ~~قبله وحب بعده والذكر منك محفوفا بذكرين ذكر قبله وذكر بعده فلولا سابق ~~ذكره إياك ms040 لم يكن من ذلك كله شيء ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من ~~معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقر ~~إليه فهذه كلها آثار ذكره لك ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة المتواصلة ~~بعدد الأنفاس فله عليك في كل طرفة عين ونفس نعم عديدة ذكرك بها قبل وجودك ~~وتعرف بها إليك وتتحبب بها إليك مع غناه التام عنك وعن كل شيء وإنما ذلك ~~مجرد إحسانه وفضله وجوده إذ هو الجواد المفضل المحسن لذاته لا لمعاوضة ولا ~~لطلب جزاء منك ولا لحاجة دعته إلى ذلك كيف وهو الغني الحميد فإذا وصل إليك ~~أدنى نعمة منه فاعلم أنه ذكرك بها فلتعظم عندك لذكره لك بها فإنه ما حقرك ~~من ذكرك بإحسانه وابتدأك بمعروفه وتحبب إليك بنعمته هذا كله مع غناه عنك # فإذا شهد العبد ذكر ربه تعالى له ووصل شاهده إلى قلبه شغله ذلك عما سواه ~~وحصل لقلبه به غنى عال لا يشبهه شيء وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال ~~أستاذه وسيده يذكره ولا ينساه فهو يحصل له بشعوره بذكر أستاذه له غنى زائد ~~على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له فهذا هو غنى ذكر الله للعبد وقد قال ~~فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني ~~في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم فهذا ذكر ثان بعد ذكر العبد لربه غير الذكر ~~الأول PageV01P075 الذي ذكره به حتى جعله ذاكرا وشعور العبد بكلا الذكرين ~~يوجب له غنى زائدا على إنعام ربه عليه وعطاياه له وقد ذكرنا في كتاب الكلم ~~الطيب والعمل الصالح من فوائد الذكر استجلاب ذكر الله سبحانه لعبده وذكرنا ~~قريبا من مائة فائدة تتعلق بالذكر كل فائدة منها لا نظير لها وهو كتاب عظيم ~~النفع جدا والمقصود أن شعور العبد وشهوده لذكر الله له يغني قلبه ويسد ~~فاقته وهذا بخلاف من نسوا الله فنسيهم فإن الفقر من كل خير حاصل لهم وما ~~يظنون أنه حاصل لهم من ms041 الغنى فهو من أكبر أسباب فقرهم PageV01P076 # | فصل في بيان الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز وجل # الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز وجل دوام شهود أوليته سبحانه ~~وهذا الشهود عند أرباب السلوك أعلى مما قبله والغنى به أتم من الغنى ~~المذكور لأنه من مبادي الغنى بالحقيقة لأن العبد إذا فتح الله لقلبه شهود ~~أوليته سبحانه حيث كان ولا شيء غيره وهو الإله الحق الكامل في أسمائه ~~وصفاته الغني بذاته عما سواه الحميد بذاته قبل أن يخلق من يحمده ويعبده ~~ويمجده فهو معبود محمود حي قيوم له الملك وله الحمد في الأزل والأبد لم يزل ~~ولا يزال موصوفا بصفات الجلال منعوتا بنعوت الكمال وكل شيء سواه فإنما كان ~~به وهو سبحانه بنفسه ليس بغيره فهو القيوم الذي قيام كل شيء به ولا حاجة به ~~في قيوميته إلى غيره بوجه من الوجوه فإذا شهد العبد سبقه تعالى بالأولية ~~ودوام وجوده الحق وغاب بهذا عما سواه من المحدثات فني في وجوده من لم يكن ~~وبقي من لم يزل واضمحلت الممكنات في وجوده الأزلي الدائم بحيث صارت كالظلال ~~التي يبسطها ويمدها ويقبضها فيستغني العبد بهذا المشهد العظيم ويتغذى به عن ~~فاقاته وحاجاته وإنما كان هذا عندهم أفضل مما قبله لأن الشهود الذي قبله ~~فيه شائبة مشيرة إلى وجود العبد وهذا الشهود الثاني سائر الموجودات كلها ~~سوى الأول تعالى قد اضمحلت وفنيت فيه وصارت كأوليتها وهو العدم PageV01P077 ~~فأفنتها أولية الحق سبحانه فبقي العبد محوا صرفا وعدما محضا وإن كانت انيته ~~مشخصة مشارا إليها لكنها لما نسبت إلى أولية الحق عز وجل اضمحلت وفنيت وبقي ~~الواحد الحق الذي لم يزل باقيا فاضمحل ما دون الحق تعالى في شهود العبد كما ~~هو مضمحل في نفسه وشهد العبد حينئذ أن كل شيء ما سواه باطل وأن الحق المبين ~~هو الله وحده ولا ريب أن الغنى بهذا الشهود أتم من الغنى الذي قبله وليس ~~هذا مختصا بشهود أوليته تعالى فقط بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات ms042 الرب ~~سبحانه يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها فمن ~~شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستواءه على عرشه كما أخبر به ~~أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير ~~لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجيا له مطرقا واقفا بين يديه وقوف العبد ~~الذليل بين يدي الملك العزيز فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه مع ~~أوفى خاصته وأوليائه فيستحي أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك ~~ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع ~~التدبير والمصرف من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع ~~والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس ~~إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه فمراسمه نافذة ~~فيها كما يشاء @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم ~~كان مقداره ألف سنة مما تعدون @QE@ فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية ~~استغنى به وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~الأرض ولا في السموات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال بل أحاط ~~بذلك علمه علما PageV01P078 تفصيليا ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة ~~خواطره وإرادته وجميع أحواله وعزماته وجوارحه علم أن حركاته الظاهرة ~~والباطنة وخواطره وإراداته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية له بادية ~~لا يخفى عليه منها شيء وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه سبحانه لأصوات عباده ~~على اختلافها وجهرها وخفائها سواء عنده من أسر القول ومن جهر به لا يشغله ~~جهر من جهر عن سمعه لصوت من أسر ولا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه الأصوات ~~على كثرتها واختلافها واجتماعها بل هي عنده كلها كصوت واحد كما أن خلق ~~الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير ~~جل جلاله الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في حندس الظلماء ~~ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ms043 ومخها وعروقها ولحمها وحركتها ويرى مد ~~البعوضة جناحها في ظلمة الليل وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية بحرس ~~حركاتها وسكناتها وتيقن أنها بمرأى منه سبحانه ومشاهدة لا يغيب عنه منها ~~شيء وكذلك إذا شهد مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال وأنه قائم على كل ~~شيء وقائم على كل نفس وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره القائم عليه ~~بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء المحسن إليه وجزاء المسيء إليه وأنه ~~بكمال قيوميته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه ~~عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل لا تأخذه سنة ولا نوم ولا يضل ~~ولا ينسى وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين وهو مشهد الربوبية وأعلى منه ~~مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء وهو شهادة أن لا إله إلا ~~هو وأن إلهية ما سواه باطل ومحال كما PageV01P079 أن ربوبية ما سواه كذلك ~~فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد ويصلى له ويسجد ويستحق نهاية الحب مع ~~نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله فهو المطاع وحده على الحقيقة ~~والمألوه وحده وله الحكم وحده فكل عبودية لغيره باطلة وعناءو ضلال وكل محبة ~~لغيره عذاب لصاحبها وكل غنى لغيره فقر وضلال وكل عز بغيره ذل وصغار وكل ~~تكثر بغيره قلة وفاقة فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره فكذلك استحال أن ~~يكون لهم إله غيره فهو الذي انتهت إليه الرغبات وتوجهت نحوه الطلبات ~~ويستحيل أن يكون معه إله آخر فإن الإله على حقيقة هو الغني الصمد ولا حاجة ~~به إلى أحد وقيام كل شيء به وليس قيامه بغيره ومن المحال أن يحصل في الوجود ~~اثنان كذلك ولو كان في الوجود إلهان لفسد نظامه أعظم فساد واختل أعظم ~~اختلال كما يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان كل منهما مستقل بالفعل فإن ~~استقلالهما ينافي استقلالهما واستقلال أحدهما يمنع ربوبية الآخر فتوحيد ~~الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن ~~أكثر مما وقع بغيره لصحة دلالته وظهورها ms044 وقبول العقول والفطر لها ولاعتراف ~~أهل الأرض بتوحيد الربوبية وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد ~~الإلهية ويقولون @QB@ أجعل الآلهة إلها واحدا @QE@ مع اعترافهم بأن الله ~~وحده هو الخالق لهم وللسموات والأرض وما بينهما وأنه المنفرد بملك ذلك كله ~~فأرسل الله تعالى يذكر بما في فطرتهم الإقرار به من توحيده وحده لا شريك له ~~وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم لدلتهم على امتناع إله آخر معه واستحالته ~~وبطلانه فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء وهو مشهد جامع للأسماء والصفات وحظ ~~العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات ولذلك كان الاسم الدال على ~~هذا المعنى هو اسم الله جل PageV01P080 جلاله فإن هذا الاسم هو الجامع ~~ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه فيقال الرحمن الرحيم العزيز الغفار ~~القهار من أسماء الله ولا يقال الله من أسماء الرحمن قال الله تعالى @QB@ ~~ولله الأسماء الحسنى @QE@ فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها وكل مشهد ~~سواه فإنما هو مشهد لصفة من صفاته فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية وقام بحقه ~~من التعبد الذي هو كمال الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية ~~فقد تم له غناه بالإله الحق وصار من أغنى العباد ولسان حال مثل هذا يقول # غنيت بلا مال عن الناس كلهم % وإن الغنى العالي عن الشيء لا به # فيا له من غنى ما أعظم خطره وأجل قدره تضاءلت دونه الممالك فما دونها ~~وصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له والطيف الموافي في المنام الذي يأتي ~~به حديث النفس ويطرده الانتباه من النوم PageV01P081 # | فصل في بيان الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب # الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب سبحانه الفوز بوجوده هذا الغنى أعلى ~~درجات الغنى لأن الغنى الأول والثاني كانا من آثار ذكر الله والتوجه ففاض ~~على القلب من صدق التوجه أنوار الصفات المقدسة واستغنى القلب بذلك وجعل له ~~أيضا أنوار الشعور بكفالته وكفايته لعبده وحسن وكالته وقيوميته بتدبيره ~~وحسن تدبيره فاستغنت النفس بذلك أيضا وأما هذا الغنى الثالث الذي هو الغنى ~~بالحق فهو ms045 من آثار وجود الحقيقة وهو إنما يكون بعد ترقيه من آثار الصفات ~~إلى آثار وجود الذات وإنما يكون هذا الوجود بعد مكاشفة عين اليقين عندما ~~يطلع فجر التوحيد فهذا أوله وكماله عند طلوع شمسه فينقطع ضباب الوجود ~~الفاني وتشرق شمس الوجود الباقي فينقطع لها كل ضباب وهذا عبارة عن نور يقذف ~~في القلب يكشف له بذلك النور عن عظمة الذات كما كشف له بالنور الذي قبله عن ~~عظمة الصفات فإذا كان أثر من آثار صفات الذات أو صفات الأفعال يغني القلب ~~والنفس فما ظنك بما تكاشف به الأرواح من أنوار قدس الذات المتصفة بالجلال ~~والإكرام فهذا غنى لا يناله الوصف ولا يدخل تحت الشرح فيستغني العبد الفقير ~~بوجود سيده العزيز الرحيم فما لك من فقر ينقضي ومن غنى يدوم ومن عيش ألذ من ~~المنى فلا تستعجز PageV01P082 نفسك عن البلوغ إلى هذا المقام فبينك وبينه ~~صدق الطلب وإنما هي عزمة صادقة ونهضة حر ممن لنفسه عنده قدر وقيمة يغار ~~عليها أن يبيعها بالدون وقد جاء في أثر إلهي يقول الله عز وجل ابن آدم ~~خلقتك لنفسي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم اطلبني تجدني فإن ~~وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء / ح / فمن ~~طلب الله بصدق وجده ومن وجده أغناه وجوده عن كل شيء فأصبح حرا في غنى ~~ومهابة على وجهه أنواره وضياؤه وإن فاته مولاه جل جلاله تباعد ما يرجو وطال ~~عناؤه ومن وصل إلى هذا الغنى قرت به كل عين لأنه قد قرت عينه بالله والفوز ~~بوجوده ومن لم يصل إليه تقطعت نفسه على الدنيا حسرات وقد قال من أصبح ~~والدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما قدر له ومن أصبح والآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه ~~وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة وكان الله بكل خير إليه أسرع / ح / ~~فهذا هو الفقر الحقيقي والغنى ms046 الحقيقي وإذا كان هذا غنى من كانت الآخرة ~~أكبر همه فكيف من كان الله سبحانه أكبر همه فهذا من باب التنبيه والأولى ~~PageV01P083 # | فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى # قال يحيى بن معاذ الفقر أن لا تستغني بشيء غير الله ورسمه عدم الأسباب ~~كلها # قلت يريد عدمها في الاعتماد عليها والطمأنينة بها بل تصير عدما بالنسبة ~~إلى سبق مسببها بالأولية وتفرده بالأزلية وسئل محمد بن عبدالله الفرغاني عن ~~الافتقار إلى الله سبحانه والاستغناء به فقال إذا صح الافتقار إلى الله ~~تعالى صح الاستغناء به وإذا صح الاستغناء به صح الافتقار إليه فلا يقال ~~أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر قلت الاستغناء بالله هو عين ~~الفقر إليه وهما عبارتان عن معنى واحد لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته ~~وحقيقة العبودية كمال الافتقار إليه من كل وجه وهذا الافتقار هو عين الغنى ~~به فليس هنا شيئان يطلب تفضيل أحدهما على الآخر وإنما يتوهم كونهما شيئين ~~بحسب المستغنى عنه والمفتقر إليه فهي حقيقة واحدة ومقام واحد يسمى غنى ~~بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية وفقرا بالنسبة إلى قصر همته وجمعها ~~على الله سبحانه وتعالى PageV01P084 فهي همة سافرت عن شيء واتصلت بغيره ~~فسفرها عن الغير غنى وسفرها إلى الله يصير فقرا فإذا وصلت إليه استغنت به ~~بكمال فقرها إليه إذ يصير لها بعد الوصول فقر آخر غير فقرها الأول وإنما ~~يكمل فقرها بهذا الوصول # وسئل رويم عن الفقر فقال إرسال النفس في أحكام الله تعالى قلت إن أراد ~~الحكم الديني فصحيح وإن أراد الحكم الكوني القدري فلا يصح هذا الإطلاق بل ~~لا بد فيه من التفضيل كما تقدم بيانه وإرسال النفس في أحكامه التي يسخطها ~~ويبغضها وإرسالها في أحكامه التي يجب منازعتها ومدافعتها بأحكامه خروج عن ~~العبودية # وقيل نعت الفقير ثلاثة أشياء حفظ سره وأداء فرضه وصيانة فقره قلت حفظ ~~السر كتمانه صيانة له من الأغيار وغيرة عليه أن ينكشف لمن لا يعرفه ولا ~~يؤمن عليه وأداء الفرض ms047 قيام بحق العبودية وصيانة الفقر حفظه عن لوث مساكنة ~~الأغيار وحفظه عن كل سبب يفسده وكتمانه ما استطاع # وقال إبراهيم بن أدهم طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى وطلب الناس الغنى ~~فاستقبلهم الفقر وسئل يحيى بن معاذ عن الغنى فقال هو PageV01P085 الأمن ~~بالله عز وجل وسئل أبو حفص بماذا ينبغي أن يقدم الفقير على ربه فقال ما ~~ينبغي للفقير أن يقدم على ربه بشيء سوى فقره وقال بعضهم إن الفقير الصادق ~~ليخشى من الغنى حذرا أن يدخله فيفسد عليه فقره كما يخشى الغني الحريص من ~~الفقر أن يدخله فيفسد عليه غناه # وقال بشر بن الحارث أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر قلت ~~ومن ههنا قال القائل # قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه % فقتل خلعة ساق حبه جرعا # فقر وصبر هما ثوبان تحتهما % قلب يرى ألفة الأعياد والجمعا # الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي % والعيد ما دمت لي مرأى ومستمعا # وسئل ابن الجلاء متى يستحق الفقير اسم الفقر فقال إذا لم يبق عليه بقية ~~منه فقيل له كيف ذلك فقال إذا كان له فليس له وإذا لم يكن له فهو له قلت ~~معنى هذا أنه لا يبقى عليه بقية من نفسه فإذا كان لنفسه فليس لها بل قد ~~اضاع حقها وضيع سعادتها وكمالها وإذا لم يكن لنفسه بل كان كله لربه فقد ~~أحرز كل حظ له وحصل لنفسه سعادتها فإنه إذا كان لله كان الله له وإذا لم ~~يكن لله لم يكن الله له فكيف تكون PageV01P086 نفسه له فهذا من الذين خسروا ~~أنفسهم وقيل حقيقة الفقر أن لا يستغني الفقير في فقره بشيء إلا بمن إليه ~~فقره وقال أبو حفص أحسن ما توسل به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على ~~جميع الأحوال وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال # وقال بعضهم ينبغي للفقير أن لا تسبق همته خطوته قلت يشير إلى تعلق همته ~~بواجب وقته وأنه لا تتخطى همته واجب الوقت قبل إكماله وأيضا يشير إلى ms048 قصر ~~أمله وأن همته غير متعلقة بوقت لا يحدث نفسه ببلوغه وأيضا يشير إلى جمع ~~الهمة على حفظ الوقت ولا يضعفها بتقسيمها على الأوقات # وقيل أقل ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء علم يسوسه وورع يحجزه ويقين ~~يحمله وذكر يؤنسه # وقال أبو سهل الخشاب لمنصور المغربي إنما هو فقر وذل فقال منصور بل فقر ~~وعز فقال أبو سهل فقر وثرى فقال منصور بل فقر وعرش قلت أشار أبو سهل إلى ~~البداية ومنصور إلى الغاية وقال الجنيد إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا ~~تلقه بالعلم فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه فقلت يا أبا القاسم كيف يكون ~~فقير يوحشه العلم فقال نعم الفقير إذا كان صادقا في فقره فطرحت عليه العلم ~~ذاب كما يذوب الرصاص في النار # وقال المظفر القرميسيني الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة ~~PageV01P087 # قال أبو القاسم القشيري وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف ~~الغفلة عن مرمى القوم وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات وانتفاء ~~الاختيارات والرضى بما يجريه الحق سبحانه قلت وبعد فهو كلام مستدرك خطأ فإن ~~حاجات هذا العبد إلى الله بعدد الأنفاس إذ حاجاته ليست كحاجات غيره من ~~أصحاب الحظوظ والأقسام بل حاجات هؤلاء في حاجة هذا العبد كتفلة في بحر فإن ~~حاجته إلى الله في كل طرفة عين أن يحفظ عليه حاله ويثبت قلبه ويرقيه في ~~مقامات العبودية ويصرف عنه ما يفسدها عليه ويعرفه منازل الطريق ومكامنها ~~وأوقاتها ويعرفه مواقع رضاه ليفعلها ويعزم عليها ومواقع سخطه ليعزم على ~~تركها ويجتنبها فأي حاجات أكثر وأعظم من هذه فالصواب أن يقال الفقير هو ~~الذي حاجاته إلى الله بعدد أنفاسه أو أكثر فالعبد له في كل نفس ولحظة وطرفة ~~عين عدة حوائج إلى الله لا يشعر بكثير منها فأفقر الناس إلى الله من شعر ~~بهذه الحاجات وطلبها من معدنها بطريقها وإن كان لا بد من إطلاق تلك العبارة ~~على أن منها كل بد فيقال هو الذي لا حاجة له إلى الله ms049 تخالف مرضاته وتحطه ~~عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء وأما أن يقال لا حاجة له إلى الله ~~فشطح قبيح وأما حمل أبي القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء ~~الاختيار والرضى بمجاري الأقدار فإنما يحسن في بعض الحالات وهو في القدر ~~الذي يجري عليه بغير اختياره ولا يكون مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر آخر كما ~~تقدم وأما إذا كان مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر هو أحب إلى الله منه وهو ~~مأمور به أمر إيجاب أو استحباب فإسقاط PageV01P088 المطالبات وانتفاء ~~الاختيار فيه والسعي عين العجز والله سبحانه يلوم على العجز # وقال ابن خفيف الفقر عدم الأملاك والخروج عن أحكام الصفات قلت يريد عدم ~~إضافة شيء إليه إضافة ملك وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه ويبدلها بأحكام صفات ~~مالكه وسيده مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التي توجب له دعوى ~~الملك والتصرف والإضافات ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التي توجب له ~~العجز والفقر والفاقة كما في دعاء الاستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك ~~وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم ~~وأنت علام الغيوب فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى في العبد وخروج عن أحكام ~~صفات النفس # وقال أبو حفص لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه من الأخذ وليس ~~السخاء أن يعطي الواجد المعدم وإنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد وقال ~~بعضهم الفقير الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأشياء سوى ربه تبارك ~~وتعالى وسئل سهل بن عبدالله متى يستريح الفقير فقال إذا لم ير لنفسه ~~غيرالوقت الذي هو فيه وقال أبو بكر بن PageV01P089 طاهر من حكم الفقير أن ~~لا يكون له رغبة وإن كان لا بد فلا تجاوز رغبته كفايته وسئل بعضهم عن ~~الفقير الصادق فقال الذي لا يملك ولا يملك وقال ذو النون دوام الفقر إلى ~~الله مع التخليط أحب إلي من دوام الصفاء مع العجب والله أعلم PageV01P090 # | فصل في تحقيق نعت الفقير # فجملة نعت الفقير حقا أنه المتخلي من الدنيا تطرفا والمتجافي ms050 عنها تعففا ~~لا يستغني بها تكثرا ولا يستكثر منها تملكا وإن كان مالكا لها بهذا الشرط ~~لم تضره بل هو فقير غناه في فقره وغني فقره في غناه ومن نعته أيضا أن يكون ~~فقيرا من حاله وهو خروجه عن الحال تبريا وترك الالتفات إليه تسليا وترك ~~مساكنة الأحوال والرجوع عن موافقتها فلا يستغني بها اعتمادا عليها ولا ~~يفتقر إليها مساكنة لها ومن نعته أنه يعمل على موافقة الله في الصبر والرضى ~~والتوكل والإنابة فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه وهو تحصيل ~~مراده من الله فالفقير خلص بكليته لله سبحانه ليس لنفسه ولا لهواه في ~~أحواله حظ ونصيب بل عمله بقيام شاهد الحق وفناء شاهد نفسه قد غيبه شاهد ~~الحق عن شاهد نفسه فهو يريد الله بمراد الله فمعوله على الله وهمته لا تقف ~~دون شيء سواه قد فني بحبه عن حب ما سواه وبأمره عن هواه وبحسن اختياره له ~~عن اختياره لنفسه فهو في واد والناس في واد خاضع متواضع سليم القلب سلس ~~القياد للحق سريع القلب إلى ذكر الله بريء من الدعاوى لا يدعي بلسانه ولا ~~بقلبه ولا بحاله زاهد في كل ما سوى الله راغب في كل ما يقرب إلى الله قريب ~~من الناس أبعد شيء منهم يأنس بما يستوحشون منه ويستوحش مما يأنسون به منفرد ~~في طريق طلبه لا تقيده الرسوم ولا تملكه الفوائد ولا يفرح بموجود لا يأسف ~~على مفقود من جالسه قرت عينه به PageV01P091 ومن رآه ذكرته رؤيته بالله ~~سبحانه قد حمل كله ومؤنته على الناس واحتمل أذاهم وكف أذاه عنهم وبذل لهم ~~نصيحته وسبل لهم عرضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلة وعجز لا يدخل فيما لا ~~يعنيه ولا يبخل بما لا ينقصه وصفه الصدق والعفة والإيثار والتواضع والحلم ~~والوقار والاحتمال لا يتوقع لما يبذله للناس عوضا منهم ولا مدحة لا يعاتب ~~ولا يخاصم ولا يطالب ولا يرى له على أحد حقا ولا يرى له على أحد فضلا مقبل ~~على شأنه ms051 مكرم لإخوانه بخيل بزمانه حافظ للسانه مسافر في ليله ونهاره ~~ويقظته ومنامه لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه قد رفع له علم ~~الحب فشمر إليه وناداه داعي الاشتياق فأقبل بكليته عليه أجاب منادي المحبة ~~إذ دعاه حي على الفلاح ووصل السرى في بيداء الطلب فحمد عند الوصول سراه ~~وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح # فحي على جنات عدن فإنها % منازلك الأولى وفيها المخيم # ولكننا سبي العدو فهل ترى % نعود إلى أوطاننا ونسلم # وحي على روضاتها وخيامها % وحي على عيش بها ليس يسأم # وحي على يوم المزيد وموعد ال % / محبين طوبى للذي هو منهم # وحي على واد بها هو أفيح % وتربته من أذفر المسك أعظم # ومن حولها كثبان مسك مقاعد % لمن دونهم هذا الفخار المعظم # يرون به الرحمن جل جلاله % كرؤية بدر التم لا يتوهم # أو الشمس صحوا ليس من دون أفقها % ضباب ولا غيم هناك يغيم # وبينا هم في عيشهم وسرورهم % وأرزاقهم تجري عليهم وتقسم # إذا هم بنور ساطع قد بدا لهم % فقيل ارفعوا أبصاركم فإذا هم # بربهم من فوقهم وهو قائل % سلام عليكم طبتم وسلمتم # فيا عجبا ما عذر من هو مؤمن % بهذا ولا يسعى له ويقدم PageV01P092 # فبادر إذا ما دام في العمر فسحة % وعدلك مقبول وصرفك قيم # فما فرحت بالوصل نفس مهينة % ولا فاز قلب بالبطالة ينعم # فجد وسارع واغتنم ساعة السرى % ففي زمن الإمكان تسعى وتغنم # وسر مسرعا فالسير خلفك مسرع % وهيهات ما منه مفر ومهزم # فهن المنايا أي واد نزلته % عليها قدوم أو عليك ستقدم # وإن تك قد عاقتك سعدى فقلبك ال % معنى رهين في يديها مسلم # وقد ساعدت بالوصل غيرك فالهوى % لها منك والواشي بها يتنعم # فدعها وسل النفس عنها بجنة % من الفقر في روضاتها الدر يبسم # ومن تحتها الأنهار تخفق دائما % وطير الأماني فوقها يترنم # وقد ذللت منها القطوف فمن يرد % جناها ينله كيف شاء وينعم # وقد فتحت أبوابها داعي الهدى % هلموا إلى دار السعادة تغنموا # وقد طاب منها نزلهاومقيلها ms052 % فطوبى لمن حلوا بها وتنعموا # وقد غرس الرحمن فيها غراسه % من الناس والرحمن بالغرس أعلم # فمن كان من غرس الإله فإنه % سعيد وإلا فالشقا متحتم # فيا مسرعين السير بالله ربكم % قفوا بي على تلك الربوع وسلموا # وقولوا محب قاده الشوق نحوكم % قضى نحبه فيكم تعيشوا وتسلموا # قضى الله رب العالمين قضية % بأن الهوى يعمي القلوب ويبكم # وحبكم أصل الهدى ومداره % عليه وفوز للمحب ومغنم # وتفنى عظام الصب بعد مماته % وأشواق وقف عليه محرم # فيا أيها القلب الذي ملك الهوى % أعنته حتام هذا التلوم # وحتام لا تصحو وقد قرب المدى % ودقت كؤوس السير والناس نوم # بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا % ويبدو لك الأمر الذي كنت تكتم # ويا موقدا نارا لغيرك ضوؤها % وحر لظاها بين جنبيك يضرم # أهذا جنى العلم الذي قد غرسته % وهذا الذي قد كنت ترجوه تطعم # وهذا هو الحظ الذي قد رضيته % لنفسك في الدارين لو كنت تفهم PageV01P093 # وهذا هو الربح الذي قد كسبته % لعمرك لا ربح ولا الأصل يسلم # بخلت بشيء لا يضرك بذله % وجدت بشيء مثله لا يقوم # وبعت نعيما لا انقضاء له ولا % نظير ببخس عن قليل سيعدم # فهلا عكست الأمر إن كنت حازما % ولكن أضعت الحزم إن كنت تعلم # وتهدم ما تبني بكفك جاهدا % فأنت مدى الأيام تبني وتهدم # وعند مراد الحق تفنى كميت % وعند مراد النفس تسدى وتلحم # وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا % ظهيرا على الرحمن للجبر تزهم # تنزه تلك النفس عن سوء فعلها % وتغتاب أقدار الإله وتظلم # وتزعم مع هذا بأنك عارف % كذبت يقينا في الذي أنت تزعم # وما أنت إلا جاهل ثم ظالم % وإنك بين الجاهلين مقدم # إذا كان هذا نصح عبد لنفسه % فمن ذا الذي منه الهدى يتعلم # وفي مثل هذا كان قد قال من مضى % وأحسن فيما قاله المتكلم # فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة % وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم # ولو تبصر الدنيا وراء ستورها % رأيت خيالا في منام سيصرم # كحلم بطيف زار في النوم وانقضى ال % منام وراح ms053 الطيف والصب مغرم # وظل أرته الشمس عند طلوعها % سيقلص في وقت الزوال ويفصم # ومزنة صيف طاب منها مقيلها % فولت سريعا والحرور تضرم # فجزها ممرا لا مقرا وكن بها % غريبا تعش فيها حميدا وتسلم # أو ابن سبيل قال في ظل دوحة % وراح وخلى ظلها يتقسم # أخا سفر لا يستقر قراره % إلى أن يرى أوطانه ويسلم # فيا عجبا كم مصرع عطبوا به % بنوها ولكن عن مصارعها عموا # سقتهم بكأس الحب حتى إذا انثنوا % سقتهم كؤوس السم والقوم قد ظموا ~~PageV01P094 # واعجب ما في العبد رؤية هذه ال % عظائم منها وهو فيها متيم # وأعجب من ذا أن أحبابها الألى % تهين وللأعدا تراعي وتكرم # وذلك برهان على أن قدرها % جناح بعوض أو أدق وألأم # وحسبك ما قال الرسول ممثلا % لها ولدار الخلد والحق يفهم # كما يدخل الإنسان في اليم إصبعا % وينزعها منه فما ذاك يغنم # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة % على حذر منها وأمري محكم # وهل أردن ماء الحياة وأرتوي % على ظمأ من حوضه وهو مفعم # وهل تبدون أعلامهم بعدما سفت % عليها السوافي تستبين وتعلم # وهل أفرشن خدي ثرى عتباتهم % خضوعا لهم كيما يرقوا ويرحموا # وهل أرين نفسي طريحا ببابهم % وطير أماني الحب فوقي تحوم # فواأسفي تفنى الحياة وتنقضي % وعتبكم باق بقيتم وعشتم # فما منكم بد ولا عنكم غنى % ومالي من صبر فأسلو عنكم # فمن شاء فليغضب سواكم فلا أذى % إذا كنتم عن عبدكم قد رضيتم # وعقبى اصطباري في رضاكم هوى % لكم حميد ولكنه عقاب ومغرم # وما أنا بالشاكي لما ترتضونه % ولكنني أرضى به وأسلم # وحسبي انتسابي من بعيد إليكم % وذلك حظ مثله يتيمم # إذا قيل هذا عبدهم ومحبهم % تهلل بشرا ضاحكا يتبسم # وها هو قد أبدى الضراعة قائلا % لكم بلسان الحال والحال يعلم # أحببتنا عطفا علينا فإننا % بنا ظمأ والمورد العذب أنتم # فيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى % صريع الأماني عن قليل ستندم # أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده % سوى جنة أو حر نار تضرم # وبالسنة الغراء كن متمسكا % هي العروة الوثقى ms054 التي ليس تفصم # تمسك بها مسك البخيل بماله % وعض عليها بالنواجذ تسلم PageV01P095 # وإياك مما أحدث الناس بعدها % فمرتع هاتيك الحوادث أوخم # وهيء جوابا عندما تسمع الندا % من الله يوم العرض ماذا أجبتم # به رسلي لما أتوكم فمن يجب % سواهم سيخزى عند ذاك ويندم # وخذ من تقى الرحمن أسبغ جنة % ليوم به تبدو عيانا جهنم # وينصب ذاك الجسر من فوق متنها % فهاو ومخدوش وناج مسلم # ويأتي إله العالمين لوعده % فيفصل ما بين العباد ويحكم # ويأخذ للمظلوم إذ ذاك حقه % فيا ويح من قد كان للخلق يظلم # وينشر ديوان الحساب وتوضع ال % موازين بالقسط الذي ليس يظلم # فلا مجرم يخشى هناك ظلامة % ولا محسن من أجره الذر يهضم # وتشهد أعضاء المسيىء بما جنى % لذاك على فيه المهيمن يختم # ويا ليت شعري كيف حالك عندما % تطاير كتب العالمين وتقسم # أتأخذ باليمنى كتابك أم ترى % بيسراك خلف الظهر منك يسلم # وتقرأفيه كل شيء عملته % فيشرق منك الوجه أو هو يظلم # تقول كتابي هاؤم اقرؤوه لي % تبشر بالجنات حقا وتعلم # وإن تكن الأخرى فإنك قائل % ألا ليتني لم أوته فهو مغرم # فلا والذي شق القلوب وأودع ال % محبة فيها حيث لا تتصرم # وحملها قلب المحب وإنه % ليضعف عن حمل القميص ويألم # وذللها حتى استكانت لصولة ال % محبة لا تلوي ولا تتلعثم # وذلل فيها أنفسا دون ذلها % حياض المنايا فوقها هي حوم # قد فاز أقوام وحازوا مراحبا % بتركهم الدنيا والإقبال منهم # على ربهم طول الحياة وحبهم % على نهج ما قد سنه فهم هم # | قاعدة شريفة عظيمة القدر # حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس بل وإلى الروح ~~التي بين جنبيه # اعلم أن كل حي سوى الله فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما PageV01P096 ~~يضره والمنفعة للحي من جنس النعيم واللذة والمضرة من جنس الألم والعذاب فلا ~~بد من أمرين # أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع به ويتلذذ به والثاني هو ~~المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه والدافع له بعد ms055 ~~وقوعه فهاهنا أربعة أشياء أمر محبوب مطلوب الوجود والثاني أمر مكروه مطلوب ~~العدم والثالث الوسيلة إلى حصول المحبوب والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه ~~فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد بل ولكل حي سوى الله لا يقوم صلاحه إلا ~~بها إذا عرف هذا فالله سبحانه هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له ~~وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه فلا معبود سواه ولا معين على ~~المطلوب غيره وما سواه هو المكروه المطلوب بعده وهو المعين على دفعه فهو ~~سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه وهذا معنى قول العبد إياك نعبد ~~وإياك نستعين فإن هذه العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه ~~والمستعان هو الذي يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه فالأول من ~~مقتضى ألوهيته والثاني من مقتضى ربوبيته لأن الإله هو الذي يؤله فيعبد محبة ~~وإنابة وإجلالا وإكراما والرب هو الذي يرب عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى ~~جميع أحواله ومصالحه التي بها كماله ويهديه إلى اجتناب المفاسد التي بها ~~فساده وهلاكه وفي القرآن سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين أحدهما قوله تعالى ~~إياك نعبد وإياك نستعين الثاني قوله تعالى عليه توكلت وإليه أنيب الثالث ~~قوله تعالى فاعبده وتوكل عليه الرابع قوله تعالى عليك توكلنا وإليك ~~PageV01P097 أنبنا الخامس قوله تعالى وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح ~~بحمده السادس قوله عليه توكلت وإليه متاب السابع قوله واذكر اسم ربك وتبتل ~~إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ومما يقرر هذا ~~أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة إليهم من النظر إليه ولا شيء يعطيهم في ~~الدنيا أحب إليهم من الإيمان به ومحبتهم له ومعرفتهم به وحاجتهم إليه في ~~عبادتهم له وتألههم له كحاجتهم إليه بل أعظم في خلقه وربوبيته لهم ورزقه ~~لهم فإن ذلك هو الغاية المقصودة التي بها سعادتهم وفوزهم وبها ولأجلها ~~يصيرون عاملين متحركين ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة ولا سرور ~~بدون ذلك بحال فمن أعرض عن ذكر ربه فإن له ms056 معيشة ضنكا ويحشره يوم القيامة ~~أعمى ولهذا لا يغفر الله لمن يشرك به شيئا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولهذا ~~كانت لا إله إلا الله أفضل الحسنات وكان توحيد الإلهية الذي كلمته لا إله ~~إلا الله رأس الأمر فأما توحيد الربوبية الذي أقر به كل المخلوقات فلا يكفي ~~وحده وإن كان لا بد منه وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية فحق الله على ~~العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن لا ~~يعذبهم وأن يكرمهم إذا قدموا عليه وهذا كما أنه غاية محبوب العبد ومطلوبه ~~وبه سروره ولذته ونعيمه فهو أيضا محبوب الرب من عبده ومطلوبه الذي يرضى به ~~ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته أعظم من فرح من وجد ~~راحلته التي عليها طعامه وشرابه في PageV01P098 أرض مهلكة بعد أن فقدها ~~وأيس منها وهذا أعظم فرح يكون وكذلك العبد لا فرح له أعظم من فرحه بوجود ~~ربه وأنسه به وطاعته له وإقباله عليه وطمأنينته بذكره وعمارة قلبه بمعرفته ~~والشوق إلى لقائه فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ويتنعم ~~بالتوجه إليه إلا الله سبحانه ومن عبد غيره وأحبه وإن حصل له نوع من اللذة ~~والمودة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده ففساده به ومضرته وعطبه أعظم ~~من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهي الذي هو عذاب في مبدئه عذاب في ~~نهايته كما قال قائل # مآرب كانت في الشباب لأهلها % عذابا فصارت في المشيب عذابا # لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون فإن ~~قوام السموات والأرض والخليقة بأن تؤله الإله الحق فلو كان فيهما إله آخر ~~غير الله لم يكن إلها حقا إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمي له ولا مثل له ~~فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها إذ صلاحها بتأله ~~الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار ويستحيل ~~أن تستند في وجودها ms057 إلى ربين متكافئين فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها ~~وصلاحها إلى إلهين متساويين # إذا عرفت هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ~~في محبته ولا في خوفه ولا في رجائه ولا في التوكل عليه ولا في العمل له ولا ~~في الحلف به ولا في النذر له ولا في الخضوع له ولا في التذلل والتعظيم ~~والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها بل ليس لهذه ~~الحاجة نظير تقاس به فإن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إلا بإلهها ~~الذي لا إله إلا هو فلا تطمئن في الدنيا إلا PageV01P099 بذكره وهي كادحة ~~إليه كدحا فملاقيته ولا بد لها من لقائه ولا صلاح لها إلا بمحبتها ~~وعبوديتها له ورضاه وإكرامه لها ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ~~ما حصل لم يدم له ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا ~~في وقت ثم يعذب ولا بد في وقت آخر وكثيرا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ ~~به غير منعم له ولا ملذ بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك وإنما ~~يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه فهي تدمي ~~الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة وهكذا ما ~~يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا ~~تزيد لذته على لذة حك الجرب والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما ~~وأنفعهما والله الموفق المعين وله الحجة البالغة كما له النعمة السابغة ~~والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة ~~عين وهو الإله الحق الذي كل ما سواه باطل والذي أينما كان فهو معه وضرورته ~~وحاجته إليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة بل هي فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة ~~لهذا قال إمام الحنفاء لا ms058 أحب الأفلين والله أعلم PageV01P100 # | فصل في بيان أصلين عظيمين مبني عليهما ما تقدم # وهذا مبني على أصلين أحدهما أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإخلاص ~~العمل له وإفراده بالتوكل عليه هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما ~~عليه أهل الإيمان وكما دل عليه القرآن لا كما يقوله من يقول إن عبادته ~~تكليف ومشقة على خلاف مقصود القلب ولذته بل لمجرد الامتحان والابتلاء كما ~~يقوله منكرو الحكمة والتعليل أو لأجل التعويض بالأجر لما في إيصاله إليه ~~بدون معاوضة منه تكدره أو لأجل تهذيب النفس ورياضتها واستعدادها لقبول ~~العقليات كما يقوله من يتقرب إلى النبوات من الفلاسفة بل الأمر أعظم من ذلك ~~كله وأجل بل أوامر المحبوب قرة العيون وسرور القلوب ونعيم الأرواح ولذات ~~النفوس وبها كمال النعيم فقرة عين المحب في الصلاة والحج وفرح قلبه وسروره ~~ونعيمه في ذلك وفي الصيام والذكر والتلاوة وأما الصدقة فعجب من العجب وأما ~~الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والصبر على ~~أعداء الله سبحانه فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف ولا يدركه من ليس له ~~نصيب منه وكل من كان به أقوم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم ومن غلظ فهمه ~~وكثف طبعه عن إدراك هذا فليتأمل إقدام القوم على قتل آبائهم وأبنائهم ~~وأحبابهم ومفارقة أوطانهم وبذل نحورهم لأعدائهم PageV01P101 ومحبتهم للقتل ~~وإيثارهم له على البقاء وإيثار لوم اللائمين وذم المخالفين على مدحهم ~~وتعظيمهم ووقوع هذا من البشر بدون أمر يذوقه قلبه من حلاوته ولذته وسروره ~~ونعيمه ممتنع والواقع شاهد ذلك بل ما قام بقلوبهم من اللذة والسرور والنعيم ~~أعظم مما يقوم بقلب العاشق الذي يتحمل ما يتحمله في موافقة رضى معشوقه فهو ~~يلتذ به ويتنعم به لما يعلم من سرور معشوقه به # فيا منكرا هذا تأخر فإنه % حرام على الخفاش أن يبصر الشمسا # فمن كان مراده وحبه الله وحياته في معرفته ومحبته في التوجه إليه وذكره ~~وطمأنينته به وسكونه إليه وحده عرف هذا وأقر به # الأصل الثاني كمال النعيم في الدار ms059 الآخرة أيضا به سبحانه برؤيته وسماع ~~كلامه وقربه ورضوانه لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة في الآخرة إلا ~~بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبس والمنكوح بل اللذة والنعيم التام في ~~حظهم من الخالق تعالى أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال وفي دعاء ~~النبي الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وابن حبان والحاكم في صحيحيهما أسألك ~~لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة وفتنة مضلة / ح / ~~ولهذا قال تعالى في حق PageV01P102 الكفار كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ~~ثم إنهم لصالوا الجحيم فعذاب الحجاب من أعظم أنواع العذاب الذي يعذب به ~~أعداءه ولذة النظر إلى وجه الله الكريم أعظم أنواع اللذات التي ينعم بها ~~أولياؤه ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم من رؤيته وسماع كلامه ~~والدنو منه وقربه # وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنة وعليهما أهل العلم والإيمان ويتكلم ~~فيهما مشايخ الطرق العارفون وعليهما أهل السنة والجماعة وهما من فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها ويحتجون على من ينكرهما بالنصوص والآثار تارة وبالذوق ~~والوجد تارة وبالفطرة تارة وبالقياس والأمثال تارة وقد ذكرنا مجموع هذه ~~الطرق في كتابنا الكبير في المحبة الذي سميناه المورد الصافي والظل الضافي ~~في المحبة وأقسامها وأنواعها وأحكامها وبيان تعلقها بالإله الحق دون ما ~~سواه وذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه ومما يوضح ذلك ويزيده تقريرا أن ~~المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا منع ولا عطاء بل ربه سبحانه الذي ~~خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمه وتحبب إليه بها مع غناه عنه ومع ~~تبغض العبد إليه بالمعاصي مع فقره إليه فإذا مسه الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإذا أصابه بنعمة فلا راد لها ولا مانع كما قال تعالى وإن يمسسك الله ~~بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من ~~عباده وهو الغفور الرحيم و ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك ~~PageV01P103 لها وما ms060 يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم فالعبد لا ~~ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله فالأمر كله لله أولا وآخرا ~~وظاهرا وباطنا وهو مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء المتفرد بالضر والنفع ~~والعطاء والمنع والخفض والرفع ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ألا له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين وهذا الوجه أعظم لعموم الناس من الوجه الأول ~~ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول لكن من تدبر طريقة القرآن تبين له ~~أن الله سبحانه يدعو عباده بهذا إلى الوجه الأول فهذا الوجه يقتضي التوكل ~~على الله والاستعانة به والدعاء له ومسألته دون ما سواه ويقتضي أيضا محبته ~~وعبادته لإحسانه إلى عبده وإسباغ نعمه عليه فإذا عبده وأحبه وتوكل عليه من ~~هذا الوجه دخل في الوجه الأول وهكذا من نزل به بلاء عظيم وفاقة شديدة أو ~~خوف مقلق فجعل يدعو الله ويضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته له باب ~~الإيمان والإنابة إليه وما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا لكنه ~~لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه فعرفه إياه بما اقدمه له من ~~الأسباب التي أوصلته إليه والقرآن مملوء من ذكر حاجة العبيد إلى الله دون ~~ما سواه ومن ذكر نعمائه عليهم ومن ذكر ما وعدهم به في الآخرة من صنوف ~~النعيم واللذات وليس عند المخلوق شيء من هذا فهذا الوجه يحقق التوكل على ~~الله والشكر له ومحبته على إحسانه ومما يوضح ذلك ويقويه أن في تعلق العبد ~~بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعينة له على ~~عبودية الله ومحبته وتفريغ قلبه له فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق ~~حاجاته ضره أو أهلكه وكذلك من النكاح واللباس وإن أحب شيئا بحيث يخالله فلا ~~بد أن يسأمه أو يفارقه فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد فإن فقد تعذب بالفراق ~~وتألم وإن وجد فإنه PageV01P104 يحصل له من الألم أكثر مما ms061 يحصل له من ~~اللذة وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء أن كل من أحب شيئا دون الله ~~لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته وعذابه أعظم من نعيمه ويزيد ذلك إيضاحا ~~أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته فإنه يخذل من ~~تلك الجهة وهذا أيضا معلوم بالاعتبار والاستقراء أنه ما علق العبد رجاءه ~~وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة ولا استنصر بغيره إلا خذل قال تعالى ~~واتخذوا من دون الله الهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون ~~عليهم ضدا @QB@ وقال @QE@ واتخذوا من دون الله الهة لعلهم ينصرون لا ~~يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون # وقال عن إمام الحنفاء أنه قال للمشركين إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا ولما كان غاية صلاح العبد في عبادة الله وحده واستعانته وحده كان في ~~عبادة غيره والاستعانة بغيره غاية مضرته ومما يوضح الأمر في ذلك ويبينه أن ~~الله سبحانه غني حميد كريم رحيم فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه يريد به ~~الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة إليه سبحانه ولا لدفع مضرة بل رحمة ~~وإحسانا وجودا محضا فإنه رحيم لذاته محسن لذاته جواد لذاته كريم لذاته كما ~~أنه غني لذاته قادر لذاته حي لذاته فإحسانه وجوده وبره ورحمته من لوازم ~~ذاته لا يكون إلا كذلك كما أن قدرته وغناه من لوازم ذاته فلا يكون إلا كذلك ~~وأما العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لحظوظهم فأكثر ما عندهم للعبد أن ~~يحبوه ويعظموه ليجلبوا PageV01P105 له منفعة ويدفعوا عنه مضرة وذلك من ~~تيسير الله وإذنه لهم به فهو في الحقيقة ولي هذه النعمة ومسديها ومجريها ~~على أيديهم ومع بهذا فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد فإنهم إذا ~~أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر ~~فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء فطلبوا لقاءهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم ~~وسماع كلامهم ونحو ms062 ذلك وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو ~~كرمه فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة ولولا التذاذه بها لما أحب ذلك وإن ~~جلبوا له منفعة أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو ولو بالدعاء فهم يطلبون العوض ~~إذا لم يكن العمل لله فأجناد الملوك وعبيد المماليك وأجراء المستأجر وأعوان ~~الرئيس كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة ~~المخدوم إلا أن يكون قد علم وهذب من جهة أخرى فيدخل ذلك في الجهة الدينية ~~أو يكون فيه طبع عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة وإلا فالمقصود بالقصد ~~الأول هو منفعة نفسه وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه إذ قسم ~~بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا PageV01P106 # | فصل في بيان منفعة الحق ومنفعة الخلق وما بينهما من التباين # إذا تبين هذا ظهر أن أحدا من المخلوقين لا يقصد منفعتك بالقصد الأول بل ~~إنما يقصد منفعته بك وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل ~~فإذا دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه وأما الرب سبحانه فهو يريدك لك ~~ولمنفعتك لا لينتفع بك وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها فتدبر هذا حق التدبر ~~وراعه حق المراعاة فملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعته لك ~~فإنه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأول بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلا أو ~~آجلا فهو يريد نفسه لا يريدك ويريد نفع نفسه بك لا نفعك بنفسه فتأمل ذلك ~~فإن فيه منفعة عظيمة وراحة ويأسا من المخلوقين سدا لباب عبوديتهم وفتحا ~~لباب عبودية الله وحده فما أعظم حظ من عرف هذه المسألة ورعاها حق رعايتها ~~ولا يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان إليهم واحتمال أذاهم بل أحسن ~~إليهم لله لا لرجائهم فكما لا تخافهم لا ترجوهم ومما يبين ذلك أن غالب ~~الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك وإن كان ذلك ضررا عليك فإن ms063 صاحب الحاجة لا ~~يرى إلا قضاءها فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم بل لو كان فيها ~~هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك وهذا PageV01P107 إذا تدبره العاقل علم ~~أنه عداوة في صورة صداقة وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة فهم ~~يريدون أن يصيروك كالكير ينفخ بطنك ويعصر أضلاعك في نفعهم ومصالحهم بل لو ~~أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين ~~لمصالحهم وكم اتخذوك جسرا ومعبرا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر وكم بعت ~~آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم وربما علمت وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك ~~ورحت صفر اليدين وكم فوتوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك ~~وبينها وقطعوا طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التي دعيت إليها وقالوا ~~نحن أحبابك وخدمك وشيعتك وأعوانك والساعون في مصالحك وكذبوا والله إنهم ~~لأعداء في صورة أولياء وحرب في صورة مسالمين وقطاع طريق في صورة أعوان ~~فواغوثاه ثم واغوثاه بالله الذي يغيث ولا يغاث يا أيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون # فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم ولم يعاملهم في الله وخاف الله فيهم ~~ولم يخفهم في الله وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله وراقب الله فيهم ~~ولم يراقبهم في الله وآثر الله ولم يؤثرهم على الله وأمات خوفهم ورجاءهم ~~وحبهم من قلبه وأحيى حب الله وخوفه ورجاءه فيه فهذا هو الذي يكتب عليهم ~~وتكون معاملته لهم كلها ربحا بشرط أن يصبر على أذاهم ويتخذه مغنما لا مغرما ~~وربحا لا خسرانا # ومما يوضح الأمر أن الخلق لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة PageV01P108 ~~البتة إلا بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره فهو في الحقيقة الذي لا يأتي ~~بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو وإن يردك بخير فلا ms064 راد لفضله قال النبي لعبدالله بن عباس واعلم أن ~~الخليقة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو ~~اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك وإذا كانت هذه حال ~~الخليقة فتعليق الخوف والرجاء بهم ضار غير نافع والله أعلم PageV01P109 # | فصل في بيان أن المنفعة والمضرة لا تكون إلا من الله وحده # وجماع هذا أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ~~ينبغي فغيرك أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك ولا قادرا عليها ولا مريدا لها ~~والله سبحانه هو يعلم ولا تعلم ويقدر ولا تقدر ويعطيك من فضله لا لمعوضة ~~ولا لمنفعة يرجوها منك ولا لتكثر بك ولا لتعزز بك ولا يخاف الفقر ولا تنقص ~~خزائنه على سعة الإنفاق ولا يحبس فضله عنك لحاجة منه إليك واستغنائه بحيث ~~إذا أخرجه أثر ذلك في غناه وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم مما ~~تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته فإذا حبسه عنك فاعلم أن هناك أمرين لا ~~ثالث لهما أحدهما أن تكون أنت الواقف في طريق مصالحك وأنت المعوق لوصول ~~فضله إليك وأنت حجر في طريق نفسك وهذا هو الأغلب على الخليقة فإن الله ~~سبحانه قضى فيما قضى به أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته وأنه ما استجلبت نعم ~~الله بغير طاعته ولا استديمت بغير شكره ولا عوقت وامتنعت بغير معصيته وكذلك ~~إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها ~~عليك وإنما أنت المسبب في سلبها عنك فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على PageV01P110 قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم فما أزيلت نعم الله بغير معصيته # إذا كنت في نعمة فارعها % فإن المعاصي تزيل النعم # فآفتك من نفسك وبلاؤك من نفسك وأنت في الحقيقة الذي بالغت في عداوتك ~~وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو ms065 منك كما قيل # ما يبلغ الأعداء من جاهل % ما يبلغ الجاهل من نفسه # ومن العجب أن هذا شأنك مع نفسك وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية وتتهم ~~أقداره وتعانيها وتلومها فقد ضيعت فرصتك وفرطت في حظك وعجز رأيك عن معرفة ~~أسباب سعادتك وإرادتها ثم قعدت تعاتب القدر بلسان الحال والقال فأنت المعني ~~بقول القائل # وعاجز الرأي مضياع لفرصته % حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # ولو شعرت برأيك وعلمت من أين ذهبت ومن أين أصبت لأمكنك تدارك ذلك ولكن قد ~~فسدت الفطرة وانتكس القلب وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه فأعرضت ~~عمن أصل بلائك ومصيبتك منه وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل إليك ~~فمنه فإذا شكوته إلى خلقه كنت كما قال بعض العارفين وقد رأى رجلا يشكو إلى ~~آخر ما أصابه ونزل به فقال يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك # وإذا أتتك مصيبة فاصبر لها % صبر الكريم فإنه بك أرحم # وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما % تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم # وإذا علم العبد حقيقة الأمر وعرف من أين أتي ومن أي الطرق أغير على سرحه ~~ومن أي ثغرة سوق متاعه وسلب استحى من نفسه إن لم PageV01P111 يستح من الله ~~أن يشكوا أحدا من خلقه أو يتظلمهم أو يرى مصيبته وآفته من غيره قال تعالى ~~وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QB@ وقال @QE@ أولما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QB@ وقال ~~@QE@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك # فإن أصررت على اتهام القدر وقلت فالسبب الذي أصبت منه وأتيت منه ودهيت ~~منه قد سبق به القدر والحكم وكان في الكتاب مسطورا فلا بد منه على الرغم ~~مني وكيف لي أن أنفك منه وقد أودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة والكتاب ~~الثاني قبل خروجي إلى هذا العالم وأنا في ظلمات الأحشاء حين أمر الملك بكتب ~~الرزق والأجل والسعادة والشقاوة فلو ms066 جريت إلى سعادتي ما جريت حتى بقي بيني ~~وبينها شبر لغلب علي الكتاب فأدركتني الشقاوة فما حيلة من قلبه بيد غيره ~~يقلبه كيف يشاء ويصرفه كيف أراد إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء ان يزيغه ~~أزاغه وهو الذي يحول بين المرء وقلبه وهو الذي يثبت قلب العبد إذا شاء ~~ويزلزله إذا شاء فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ومشيئته ~~قال أعلم الخلق بربه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء ~~أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه / ح / ثم قال اللهم مقلب القلوب ثبت ~~قلوبنا على دينك / ح / وكان أكثر يمينه لا ومقلب القلوب / ح / PageV01P112 # وقال بعض السلف مثل القلب مثل الريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا ~~لبطن فما حيلة قلب هو بيد مقلبه ومصرفه وهل له مشيئة بدون مشيئته كما قال ~~تعالى وما تشآءون إلا إن يشاء الله رب العالمين # وروي عن عبدالعزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال تلا رسول الله ~~قوله عز وجل أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها وغلام جالس عند رسول ~~الله فقال بلى والله يا رسول الله إن عليها لأقفالها ولا يفتحها إلا الذي ~~أقفلها فلما ولي عمر بن الخطاب طلبه ليستعمله وقال لم يقل ذلك إلا من عقل # وقال طاوس أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله يقولون كل PageV01P113 شيء ~~بقدر وقال أيوب السختياني أدركت الناس وما كلامهم إلا إن قضى إن قدر # وقال عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون قال ~~كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة قال والملائكة ~~تستنسخ ما يعمل بنو آدم يوما بيوم فذلك قوله إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون # وفي الآية قول آخر إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد ~~أن يعملوه وقد يقال وهو الأظهر إن الآية تعم الأمرين فيأمر الله ملائكته ~~فتستنسخ من أم الكتاب أعمال ms067 بني آدم ثم يكتبونها عليهم إذا عملوها فلا تزيد ~~على ما نسخوه من أم الكتاب ذرة ولا تنقصها # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى إنا كل PageV01P114 شيء ~~خلقناه بقدر خلق الله الخلق كلهم بقدر وخلق الخير والشر فخير الخير السعادة ~~وشر الشر الشقاوة # وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدؤلي قال قال لي عمران بن حصين أرأيت ما ~~يعمل الناس اليوم ويكدحون أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما ~~يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة قال قلت لا بل فيما قضي عليهم ~~ومضى قال أفيكون ذلك ظلما قال ففزعت فزعا شديدا وقلت إنه ليس شيء إلا خلقه ~~وملكه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فقال سددك الله إنما سألتك لأحرز عقلك ~~إن رجلا من مزينة أو جهينة أتى النبي فقال يا رسول الله أرأيت ما يعمل ~~الناس ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى أو فيما يستقبلون مما أتاهم به ~~نبيهم قال فيما قضي عليهم ومضى فقال الرجل ففيم العمل قال رسول الله من كان ~~خلقه الله لإحدى المنزلتين فسيستعمله لها وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل ~~ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها # وقال مجاهد في قوله تعالى إنى أعلم مالا تعلمون قال علم من إبليس المعصية ~~وخلقه لها PageV01P115 # وقال تعالى فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال ابن عباس إن الله ~~سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا ثم قال هو الذي خلقكم فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمن وكافر # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه قال يحول بين المؤمن الكفر ومعاصي الله ويحول بين الكافر ~~والإيمان وطاعة الله # وقال ابن عباس ومالك وجماعة من السلف في قوله تعالى ولا يزالون مختلفين ~~إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم قالوا خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف ~~للاختلاف وقال تعالى ولو شاء الله ms068 ما اقتتلوا ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ~~ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ~~ولو شاء ربك ما فعلوه وقال تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب أي نصيبهم مما كتب PageV01P116 لهم ~~وقال كذلك سلكناه في قلوب المجرمين قال الحسن وغيره الشرك والتكذيب # وقال سبحانه كلا إن كتاب الفجار لفي سجين قال محمد بن كعب القرظي رقم ~~الله سبحانه كتاب الفجار في أسفل الأرض فهم عاملون بما قد رقم عليهم في ذلك ~~الكتاب ورقم كتاب الأبرار فجعله في عليين فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قد ~~رقم عليهم في ذلك الكتاب # وقال ابن عباس تبت يدا أبي لهب وتب بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ # وقال مجاهد في قوله وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا قال عن الحق # وفي قوله إنا جعلنا على قلوبهم أكنة قال كالجعبة فيها السهام # وقال ابن عباس في قوله تعالى وأضله الله على علم قال أضله في سابق علمه ~~PageV01P117 # وقال في قوله تعالى حكاية عن عدوه إبليس فبما أغويتني قال أضللتني # وقال في قوله ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم قال من قضيت له ~~أنه صالي الجحيم # وقال عمر بن عبدالعزيز لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس وقد فصل ~~لكم وبين لكم ما أنتم عليه بفاتنين إلا من قدر أن يصلى PageV01P118 الجحيم ~~وقال وهيب بن خالد أنبأنا خالد قال قلت للحسن ألهذه خلق آدم يعني السماء أم ~~للأرض فقال لا بل للأرض قال قلت أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها أكان ~~ترك في الجنة قال سبحان الله أكان لا بد من أن يعملها وقال تعالى وجعلناهم ~~أئمة يهدون بأمرنا وقال تعالى وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار @QB@ وقال ~~@QE@ واجعلنا للمتقين إماما أي أئمة يهتدى بنا ولا تجعلنا أئمة ضالين ~~PageV01P119 يدعون إلى النار وقال ولو ردوا لعادوا لما نهوا ms069 عنه @QB@ وقال ~~@QE@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QB@ وقال @QE@ ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله # وقال زيد بن أسلم والله ما قالت القدرية كما قال الله ولا كما قال رسله ~~ولا كما قال أهل الجنة ولا كما قال أهل النار ولا كما قال أخوهم إبليس قال ~~الله وما تشاءون إلا أن يشاء الله وقالت الملائكة لا علم لنا إلا ما علمتنا ~~وقال شعيب وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله # وقال أهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ~~الله وقال أهل النار غلبت علينا شقوتنا وقال أخوهم إبليس رب بما أغويتني ~~وقال مجاهد في قوله وكل إنسان ألزمناه PageV01P120 طائره في عنقه قال مكتوب ~~في عنقه شقي أو سعيد # وقال ابن عباس في قوله @QB@ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ~~@QE@ يقول ومن يرد الله ضلالته لم تغن عنه شيئا # وذكر الطبري وغيره من حديث سويد بن سعد عن سوار بن مصعب عن أبي حمزة عن ~~مقسم عن ابن عباس صعد النبي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم بسط يده اليمنى ~~فقال بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل الجنة ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم فجمل أولهم على آخرهم لا ينقص ~~منهم ولا يزاد فيهم فرغ ربكم وقد يسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال ~~كأنهم هم بل هم هم ما أشبههم بهم بلى هم هم فيردهم ما سبق لهم من الله من ~~السعادة فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها قبل موته بفواق ناقة وقد يسلك بأهل ~~الشقاء طريق السعادة حتى يقال كأنهم هم بل هم هم ما أشبههم بهم بل هم هم ~~فيردهم ما سبق لهم من الله فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ولو قبل موته ~~بفواق ناقة فصاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة وإن عمل عمل أهل النار ms070 ~~وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإن عمل بعمل أهل الجنة ثم قال رسول ~~الله الأعمال بخواتيمها PageV01P121 # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى إن الذين كفروا سواء ~~عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وفي قوله @QB@ ولو شاء الله لجمعهم ~~على الهدى @QE@ وفي قوله @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله @QE@ وفي قوله @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~@QE@ وقوله @QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا @QE@ وقوله @QB@ ~~إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا @QE@ وقوله @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا @QE@ ونحو هذا من القرآن وإن رسول الله كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ~~ويتابعوه على الهدى فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة ~~في الذكر الأول # ثم قال لنبيه @QB@ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين @QE@ ويقول @QB@ إن ~~@QE@ PageV01P122 @QB@ نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين @QE@ ثم قال @QB@ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك ~~فلا مرسل له من بعده @QE@ ويقول @QB@ ليس لك من الأمر شيء @QE@ # وفي صحيح مسلم عن طاوس أدركت ناس من أصحاب رسول الله يقولون كل شيء بقدر ~~وسمعت عبدالله بن عمر يقول قال رسول الله كل شيء بقدر حتى العجز والكيس # وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو قال سمعت رسول الله يقول كتب الله ~~مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء # وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله المؤمن القوي خير وأحب ~~إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير فاحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا ~~تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء ~~الله فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان # وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة قال ms071 قال رسول الله إن النذر لا يقدر لابن ~~آدم شيئا لم يكن الله قدره ولكن النذر يوافق القدر PageV01P123 فيخرج ذلك ~~من البخيل مالم يكن يريد أن يخرجه وفي حديث جبرائيل وسؤاله النبي عن ~~الإيمان قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره ~~وفي الصحيحين حديث ابن مسعود في التخليق وفيه فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما ~~يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ~~PageV01P124 # وذكر الطبري عن الحسن بن علي الطوسي أنبأنا محمد بن يزيد الأسفاطي البصري ~~محدث البصرة قال رأيت رسول الله في النوم فقلت يا رسول الله حديث عبدالله ~~بن مسعود حدثني الصادق المصدوق أعني حديث القدر فقال إي والله الذي لا إله ~~إلا هو حدثت به رحم الله عبدالله بن مسعود حيث حدث به ورحم الله زيد بن وهب ~~حيث حدث به ورحم الله الأعمش حيث حدث به ورحم الله من حدث به قبل الأعمش ~~ورحم الله من يحدث به بعد الأعمش # وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ ~~بغيره وقد روي حديث تقدير السعادة والشقاوة في بطن الأم من حديث عبدالله بن ~~مسعود وأنس بن مالك وعبدالله بن عمر وعائشة أم المؤمنين وحذيفة بن أسيد ~~وأبي هريرة PageV01P125 # وقال أبو الحسن علي بن عبيد الحافظ سمعت أبا عبدالله بن أبي خيثمة يقول ~~سمعت عمرو بن علي الفلاس يقول انحدرت من سر من رأى إلى بغداد في حاجة لي ~~فبينما أنا أمشي في بعض الطريق إذا بجمجمة قد نخرت فأخذتها فإذا على الجبهة ~~مكتوب شقي والياء مكسورة إلى خلف وهؤلاء كلهم أئمة حفاظ ذكره الطبري في ~~السنة # وفي الصحيحين حديث علي عن النبي ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ~~ومقعده من ms072 الجنة فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فقال ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل ~~السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ @QB@ ~~فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ # وفي الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي سئل أعلم أهل الجنة من أهل النار ~~قال نعم قيل ففيم يعمل العاملون قال نعم كل ميسر لما خلق له PageV01P126 # وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت دعي رسول الله إلى جنازة غلام من الأنصار ~~فقلت يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يدرك السوء ولم ~~يعمله قال أو غير ذلك إن الله تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب ~~آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم # وفي الصحيحين عن ابن عباس وأبي بن كعب عن النبي قال الغلام الذي قتله ~~الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا # وفي مسند الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ~~يقول إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره وفي لفظ فجعلهم في ~~ظلمة واحدة فأخذ من نوره فألقاه على تلك الظلمة فمن أصابه النور اهتدى ومن ~~أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله PageV01P127 # وذكر راشد بن سعد عن أبي عبدالرحمن السلمي أن أبا قتادة سمع النبي يقول ~~خلق الله آدم وأخرج الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في ~~النار ولا أبالي قال قيل على ما نعمل قال على مواقع القدر # وذكر أبو داود في كتاب القدر عن عبدالله بن مسعود أنه مر على رجل فقالوا ~~هذا هذا ونالوا منه فقال عبدالله أرأيتم لو قطعتم يده كنتم تستطيعون أن ~~تخلقوا له يدا قالوا لا قال فلو قطع رأسه أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسا ms073 ~~قالوا لا قال فكما لا تستطيعون أن تغيروا خلقه لا تستطيعون أن تغيروا خلقه ~~إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله ملكا فكتب أجله وعمله ورزقه وشقي أو ~~سعيد وذكر فيه عن ابن مسعود مرفوعا إنما هما اثنتان الهدي والكلام فأحسن ~~الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وإن كل بدعة ~~ضلالة وإن كل ما هو آت قريب وإن الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ ~~بغيره / ح / # وقال ابن وهب أخبنري يونس عن ابن شهاب أن عبدالرحمن بن PageV01P128 هنيدة ~~حدثه أن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله إذا أراد الله أن يخلق النسمة ~~قال ملك الأرحام تعرفا يا رب أذكر أم أنثى فيقضي الله أمره ثم يكتب بين ~~عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها # وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث ~~بن هشام أن رسول الله قال فذكره سواء قال الزهري وحدثني عبدالرحمن بن هنيدة ~~عن ابن عمر مثل ذلك # وذكر أبو داود أيضا عن عائشة يرفعه إن الله حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ~~ملكا فيدخل على الرحم فيقول أي رب ماذا فيقول غلام أو جارية أو ما شاء الله ~~أن يخلق في الرحم فيقول أي رب أشقي أم سعيد فيقول شقي أو سعيد فيقول أي رب ~~ما أجله فيقول كذا وكذا قال فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم # وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي تميم الجيشاني عن أبي ~~ذر أن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى ~~الرب سبحانه في راحته فيقول يا رب عبدك ذكر أم أنثى فيقضي الله ما هو قاض ~~أشقي أم سعيد فيكتب ما هو لاق بين عينيه قال أبو تعيم وقرأ أبو ذر من فاتحة ~~سورة التغابن خمس آيات PageV01P129 # قال ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن كعب بن علقمة عن عيسى بن ms074 هلال عن ~~عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ~~يوما جاءها ملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الرحمن عز وجل فقال اخلق يا أحسن ~~الخالقين فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره ثم يدفع إلى الملك فيسأل الملك ~~عن ذلك فيقول يا رب سقط أم تم فيبين له ثم يقول يا رب واحد أو توأم فيبين ~~له ثم يقول يا رب ذكر أم أنثى فيبين له فيقول يا رب أناقص الأجل أم تام ~~الأجل فيبين له ذلك ثم يقول يا رب أشقي أم سعيد فيبين له ثم يقول يا رب ~~اقطع رزقه مع خلقه فيهبط بهما جميعا فوالذي نفسي بيده ما ينال من الدنيا ~~إلا ما قسم له فإذا أكل رزقه قبض # في صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي قال يدخل الملك على النطفة ~~بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم ~~سعيد فيكتبان فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره ورزقه ثم ~~تطوى الصحف ولا يزاد فيهاه ولا ينقص # وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ورفع الحديث قال إن الله وكل بالرحم ملكا ~~فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال ~~الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو PageV01P130 سعيد فما الرزق فما الأجل ~~فيكتب ذلك في بطن أمه # وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ~~أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ينفخ فيه الروح ~~ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ~~وفي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير وهذه الكتابة في الطور الرابع من أطوار ~~التخليق عند نفخ الروح فيه وفي الأحاديث التي ذكرت أيضا أنفا أن ذلك في ~~الأربعين الأولى قبل كونه علقة ومضغة وفي رواية صحيحة إذا ms075 مر بالنطفة ثنتان ~~وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وفي ~~رواية إن ذلك يكون في بضع وأربعين ليلة والله أعلم PageV01P131 # | فصل في الجمع بين الروايات المتقدمة # الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة بحال النطفة وأنه يقول ~~يا رب هذه نطفة هذه علقة هذه مضغة في أوقاتها فكل وقت يقول فيه ما صارت ~~إليه بأمر الله وهو أعلم بها وبكلام الملك فتصرفه في أوقات أحدها حين ~~يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة وهو أول أوقات علم الملك بأنه ولد لأنه ~~ليس كل نطفة تصير ولدا وذلك بعد الأربعين الأولى في أول الطور الثاني ولهذا ~~والله أعلم وقعت الإشارة إليه في أول سورة أنزلها على رسوله @QB@ اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق @QE@ إذ خلقه من علقة هو أول مبدأ ~~الإنسانية وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ثم للملك فيه تصرف ~~آخر في وقت آخر وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته ~~وأنوثيبته وهذا إنما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيها فإن نفخ ~~الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره فههنا تقديران وكتابان التقدير الأول ~~عند ابتداء تعليق التخليق في النطفة وهو إذا مضى عليها أربعون ودخلت في طور ~~العلقة ولهذا في إحدى الروايات إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة والتقدير ~~الثاني الكتابة إذا كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرا أو أنثى ~~فالتقدير الأول PageV01P132 تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين والتقدير ~~الثاني تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ~~ما يلقاه في تلك السنة وهو ما يقدر ليلة القدر من العام إلى العام فهذا ~~التقدير أخص من التقدير الثاني الثاني أخص من الأول ونظير هذا أيضا أن الله ~~قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ثم قدر ~~مقادير هذا الخلق حين خلقهم وأوجدهم ثم يقدر في كل سنة في ليلة القدر ما ~~يكون في ذلك العام ms076 وهكذا تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلقها بالرحم ~~وبعد كمال تصوير الجنين وقد تقدم ذكر تقدير شأنها قبل خلق السموات والأرض ~~فهو تقدير بعد تقدير # ونظير هذا أيضا رفع الأعمال وعرضها على الله فإن عمل العام يرفع في شعبان ~~كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال قال فأحب أن يرفع ~~عملي وأنا صائم / ح / ويعرض عمل الأسبوع يوم الإثنين والخميس كما ثبت ذلك ~~عن النبي ويعرض عمل اليوم في آخره والليلة في آخرها كما في حديث أبي موسى ~~الذي رواه البخاري عن النبي إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض ~~القسط ويرفعه PageV01P133 يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل ~~الليل فهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض يوم الإثنين والخميس والعرض ~~فيها أخص من العرض في شعبان ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله وعرض على ~~الله وطويت الصحف وهذا عرض آخر وهذه المسائل العظيمة القدر هي من أهم مسائل ~~الإيمان بالقدر فصلوات الله وسلامه على كاشف الغمة وهادي الأمة محمد # فإن قيل ما تقولون في قوله إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ~~إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال يا رب ~~أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ~~ما شاء ويكتب الملك وهذه بعض ألفاظ مسلم في الحديث وهذا يوافق الرواية ~~الأخرى يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس ~~وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أو سعيد ويوافق الرواية الأخرى إن النطفة ~~تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك وهذا يدل على أن تصويرها ~~عقيب الأربعين الأولى قيل لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم ~~واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة ولا يقع عقيب الأولى هذا أمر معلوم ~~بالضرورة فإما أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ الأربعين الثالثة ~~وسمى المضغة فيها نطفة اعتبارا بأول أحوالها وما ms077 كانت عليه أو يكون المراد ~~بها الأربعين الأولى وسمى كتابة تصويره وتقديره تخليقا اعتبارا بما يؤول ~~فيكون قوله صورها وخلق سمعها وبصرها أي قدر ذلك وكتبه وأعلم به ثم يفعله به ~~بعد الأربعين الثالثة أو يكون المراد به أي PageV01P134 الأربعين الأربعين ~~الأولى وحقيقة التصوير فيها فيتعين حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس ~~البشر فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة وحينئذ يكون أول مبدإ ~~التخليق فيكون مع هذا المبدإ مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس ثم إذا ~~مضت الأربعون الثالثة صورت التصوير المحسوس المشاهد فأحد التقديرات الثلاثة ~~يتيعن ولا بد ولا يجوز غير هذا البتة إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا ~~جلد ولا عظم وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدر ~~والله أعلم بمراد رسوله غير أنا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى ~~الجلد والعظم واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة والمقصود أن كتابة ~~الشقاوة والسعادة وما هو لاق عند أول تخليقه ويحتمل وجها رابعا وهو أن ~~النطفة في الأربعين الأولى لا يتعرض إليها ولا يعتني بشأنها فإذا جاوزتها ~~وقعت في أطوار التخليق طورا بعد طور ووقع حينئذ التقدير والكتابة فحديث ابن ~~مسعود صريح بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة وحديث حذيفة ~~بن أسيد وغيره من الأحاديث المذكورة إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين ولم ~~يوقت فيها البعدية بل أطلقها وقد قيدها ووقتها في حديث ابن مسعود والمطلق ~~في مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب فأخبر بما تكون النطفة بعد الطور الأول ~~من تفاصيل شأنها وتخليقها وما يقدر لها وعليها وذلك يقع في أوقات متعددة ~~وكله بعد الأربعين الأولى وبعضه متقدم على بعض كما أن كونها علقة يتقدم على ~~كونها مضغة وكونهها مضغة متقدم على تصويرها والتصوير متقدم على نفخ الروح ~~مع ذلك فيصح أن يقال إن النطفة بعد الأربعين تكون علقة ومضغة ويصور خلقها ~~وتركب فيها العظام والجلد ويشق لها السمع والبصر وينفخ فيها الروح ويكتب ms078 ~~شقاوتها وسعادتها وهذا لا يقتضي وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير ~~فصل وهذ وجه حسن جدا PageV01P135 # والمقصود أن تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى ~~دار الدنيا فأسكنه الجنة أو النار وهو في بطن أمه وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا ~~محالة الحديث # وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد عن النبي قال ما بعث الله من نبي ولا ~~استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة ~~تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه الله # وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم أنه قال أتيت النبي فقال يا عدي أسلم ~~تسلم قلت وما الإسلام قال تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتؤمن ~~بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها # وفي صحيح البخاري من حديث عمرو بن تغلب قال أتى النبي مال فأعطى قوما ~~ومنع آخرين فبلغه أنهم عتبوا فقال إني أعطي الرجل PageV01P136 وأدع الرجل ~~والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي أعطي أقواما لما في قلوبهم من الجزع والهلع ~~وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من القناعة والخير الحديث # وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين عن النبي كان الله ولم يكن شيء قبله ~~وكان عرشه على الماء وخلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء # وفي الصحيح عن ابن عباس أن النبي قال لأشج عبدالقيس إن فيك لخلقين يحبهما ~~الله الحلم والأناة قال يا رسول الله خلقين تخلقت بهما أم جلبت عليهما قال ~~بل جبلت عليهما قال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله # وقال أبو هريرة قال النبي جف القلم بما أنت لاق رواه البخاري تعليقا ~~PageV01P137 # وذكر البخاري أيضا عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ أولئك يسارعون في ~~الخيرات وهم لها سابقون @QE@ قال سبقت لهم السعادة # وفي سنن أبي داود وابن ماجة من حديث عبدالله بن مسعود وحذيفة بن ms079 اليمان ~~وأبي بن كعب وزيد بن ثابت أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو ~~غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ~~ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم ~~يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار وقاله ~~زيد بن ثابت عن النبي # وفي سنن أبي داود عن أبي حفصة الشامي قال قال عبادة بن الصامت يا بني إنك ~~لم تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ومن أخطأك لم يكن ~~ليصيبك سمعت رسول الله يقول PageV01P138 إن أول ما خلق الله القلم فقال له ~~اكتب قال يا رب وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة يا بني ~~سمعت رسول الله يقول من مات على غير هذا فليس مني # وفي الصحيحين عن علي قال كنا في جنازة فيها رسول الله ببقيع الغرقد فجاء ~~رسول الله فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم رفع رأسه فقال ~~ما منكم من أحد من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها في النار أو في الجنة إلا ~~قد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل من القوم يا نبي الله أولا نتكل على ~~كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من ~~أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة ~~فييسرون للسعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة ثم قرأ نبي الله @QB@ ~~فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ وفي السنن الأربعة عن مسلم بن PageV01P139 ~~يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية @QB@ وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذريتهم @QE@ فقال سمعت رسول الله قد سئل عنها فقال رسول الله ~~خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينيه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت ms080 هؤلاء للجنة وبعمل ~~أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار ~~وبعمل أهل النار يعملون قال رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال رسول الله إن ~~الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل ~~من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل ~~النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار # وفي الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله إن الله خلق آدم من ~~قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر ~~والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل PageV01P140 والحزن والخبيث والطيب قال ~~الترمذي + حديث حسن صحيح + # وذكر الطبري من حديث مالك بن عبادة أن رسول الله قال لابن مسعود لا يكثر ~~همك ما يقدر يكن وما ترزق يأتك # وذكر عن طارق بن شهاب عن عمر قال قال رسول الله بعثت داعيا ومبلغا وليس ~~إلي من الهدى شيء وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيء # وقال ابن وهب أنبأنا عبد الرحمن بن سليمان عن عقيل عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال خرج النبي فسمع ناسا من أصحابه يذكرون القدر فقال إنكم قد أخذتم في ~~شعبتين بعيدتي الغور فيهما هلك أهل الكتاب من قبلكم ولقد أخرج يوما كتابا ~~فقال هذا كتاب من الله الرحمن الرحيم فيه تسمية أهل الجنة بأسمائهم وأسماء ~~آبائهم وقبائلهم وعشائرهم فجمل على آخرهم لا ينقص منهم أحد فريق في الجنة ~~وفريق في السعير PageV01P141 # وفي الترمذي عن ابن عباس قال ردفت رسول الله يوما فقال يا غلام ألا أعلمك ~~كلمات ينفعك الله بهن احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله ~~في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ~~رفعت الأقلام وجفت الصحف لو جهدت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا ~~بشيء قد كتبه الله عليك واعلم أن النصر مع الصبر وأن ms081 الفرج مع الكرب وأن مع ~~العسر يسرا وفي بعض روايات الحديث في غير الترمذي فلو أن الناس اجتمعوا على ~~أن يعطوك شيئا لم يعطه الله لم يقدروا عليه ولو أن الناس اجتمعوا على أن ~~يمنعوك شيئا قدره الله لك ما استطاعوا فاعبد الله مع الصبر على اليقين # وقال علي بن الجعد أنبأنا عبدالواحد البصري عن عطاء بن أبي رباح قال سألت ~~الوليد بن عبادة بن الصامت كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت قال جعل يقول ~~يا بني اتق الله واعلم أنك لن تتق الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده ~~وتؤمن بالقدر خيره وشره قلت يا أبت كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره قال ~~تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك فإن مت على غير ~~هذا دخلت النار سمعت رسول الله يقول إن أول ما خلق الله PageV01P142 القلم ~~فقال له اكتب فقال ما أكتب فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد # وذكر الطبري من حديث بقية أنبأنا أبو بكر العنسي عن زيد بن أم حبيب ومحمد ~~بن يزيد قالا حدثنا نافع عن ابن عمر قال قالت أم سلمة يا رسول الله لا تزال ~~نفسك في كل عام وجعة من تلك الشاة المسمومة التي أكلتها قال ما أصابني شيء ~~منها إلا وهو مكتوب علي وآدم في طينته # وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس في خطبة النبي الحمد لله نحمده ونستعينه ~~من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله # وفي صحيحه أيضا عن زيد بن أرقم كان النبي يقول اللهم آت نفسي تقواها ~~وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها # وفي صحيحه أيضا عن علي عن النبي في دعاء الاستفتاح اللهم اهدني لأحسن ~~الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سييء الأخلاق لا يصرف عني سيئها ~~إلا أنت PageV01P143 # وفي الترمذي ms082 والمسند من حديث عمران بن حصين أن النبي علم أباه هذا الدعاء ~~اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي # وروى سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن عبدالأعلى عن عبدالله بن الحارث قال ~~قام عمر بن الخطاب خطيبا فقال في خطبته من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل ~~فلا هادي له وعنده الجاثليق يسمع ما يقول قال فنفض ثوبه كهيئة المنكر فقال ~~عمر ما تقولون قالوا يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدا قال كذبت ~~يا عدو الله بل الله خلقك وهو أضلك وهو يدخلك النار إن شاء الله أما والله ~~لولا عهد لك لضربت عنقك إن الله خلق الخلق فخلق أهل الجنة وما هم عاملون ~~وخلق أهل النار وما هم عاملون قال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه # وذكر الطبري عن أبي بكر الصديق قال خلق الله الخلق فكانوا في PageV01P144 ~~قبضته فقال لمن في يمينه ادخلوا الجنة بسلام وقال لمن في يده الأخرى ادخلوا ~~النار ولا أبالي فذهبت إلى يوم القيامة # وقال ابن عمر جاء رجل إلى أبي بكر فقال أرأيت الزنا بقدر الله فقال نعم ~~قال فإن الله قدره علي ثم يعذبني قال نعم يا ابن اللخناء أما والله لو كان ~~عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك # وذكر عن علي أنه ذكر عنده القدر يوما فأدخل إصبعيه السبابة والوسطى في ~~فيه فرقم بهما باطن يده فقال أشهد إن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب # وذكر عنه أيضا أنه قال إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستقين ~~يقينا غير ظن أن ما اصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر ~~بالقدر كله PageV01P145 # وذكر البخاري عن ابن مسعود أنه قال في خطبته الشقي من شقي في بطن أمه ~~والسعيد من وعظ بغيره # وقال ابن مسعود لأن أعض على جمرة أو أن أقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب ~~إلي من أن أقول لشيء قضاه الله ليته لم يكن # وقال لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ms083 ويعلم أنه ميت وأنه مبعوث ~~من بعد الموت # وقال الأعمش عن ابن مسعود إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ~~يتيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سموات فيقول للملائكة اصرفعوه عنه فإني ~~إن يسرته له أدخلته النار قال فيصرفه الله عنه قال فيقول من أين دهيت أو ~~نحو هذا وما هو إلا فضل الله سبحانه PageV01P146 # وذكر الزهري عن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف أن عبدالرحمن بن عوف أن عبد ~~الرحمن بن عوف مرض مرضا شديدا أغمي عليه وأفاق فقال أغمي علي قالوا نعم قال ~~إنه أتاني رجلان غليظان فأخذا بيدي فقالا انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين ~~فانطلقا بي فتلقاهما رجل فقال أين تريدان به قالا نحاكمه إلى العزيز الأمين ~~فقال دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه # وقال ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال أشهد لسمعت ابن عباس يقول العجز ~~والكيس بقدر # وقال مجاهد قيل لابن عباس إن ناسا يقولون في القدر قال يكذبون بالكتاب إن ~~أحدث سعر أحدهم لا تصونه إن الله عز وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا ~~فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فإنما يجري الناس على أمر قد ~~فرغ منه # وقال ابن عباس أيضا القدر نظام التوحيد فمن وحد الله ولم يؤمن ~~PageV01P147 بالقدر كان كفره بالقضاء نقضا للتوحيد ومن وحد الله وآمن ~~بالقدر كانت العروة الوثقى لا انفصام لها # وقال عطاء بن أبي رباح كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال يا ابن عباس ~~أرأيت من صدني عن الهدى وأوردني دار الضلالة واردا ألا تراه قد ظلمني فقال ~~إن كان الهدى شيئا كان لك عنده فقد فمنعكه فقد ظلمك وإن كان الهدى هو له ~~يؤتيه من يشاء فلا يظلمك قم فلا تجالسني # وقال عكرمة عن ابن عباس كان الهدهد يدل سليمان على الماء فقلت له فكيف ~~ذاك الهدهد ينصب له الفخ عليه التراب فقال أعضك الله بهن أبيك إذا جاء ~~القضاء ذهب ms084 البصر # وقال الإمام أحمد أنبأنا إسماعيل أنبأنا أبو هرون الغنوي أنبأنا سليمان ~~الأزدي عن أبي يحيى مولى بني عفراء قال أتيت ابن عباس ومعي رجلان من الذين ~~يذكرون القدر أو ينكرونه فقلت يا ابن عباس ما تقول في القدر فإن هؤلاء ~~يسألونك عن القدر إن زنى وإن شرب وإن سرق فحسر قميصه حتى أخرج منكبيه وقال ~~يا يحيى لعلك من الذين ينكرون PageV01P148 القدر ويكذبون به والله لو أعلم ~~أنك منهم وهذين معك لجاهدتكم إن زنى فبقدر وإن سرق فبقدر وإن شرب الخمر ~~فبقدر # وصح عن ابن عمر أن يحيى بن يعمر قال له إن ناسا يقولون لا قدر وإن الأمر ~~أنف فقال إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر بريء منهم وأنهم براء منه # وقد تقدم قول أبي بن كعب وحذيفة وابن مسعود وزيد بن ثابت لو أنفقت مثل ~~جبل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك ~~لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وإن مت على غير ذلك دخلت النار ~~وتقدم قول عبادة بن الصامت لن تؤمن حتى تؤمن بالقدر خيره وشره وتعلم أن ما ~~أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك # وقال قتادة عن أبي السوار عن الحسن بن علي قال قضي القضاء وجف القلم ~~وأموت بقضاء في كتاب قد خلا PageV01P149 # وقال عمرو بن العاص انتهى عجبي إلى ثلاث المرء يفر من القدر وهو لاقيه ~~ويرى في عين أخيه القذاة فيعيبها ويكون في عنيه مثل الجذع فلا يعيبها ويكون ~~في دابته الطفر فيقومها جهده ويكون في نفسه الطفر فلا يقومها # قال أبو الدرداء ذروة الإيمان أربع الصبر للحكم والرضا بالقدر والإخلاص ~~للتوكل والإستسلام للرب # وقال الحجاج الأزدي سألنا سلمان ما الإيمان بالقدر فقال أن تعلم أن ما ~~أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك # وقال سلمان أيضا إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ذراري إلى يوم ~~القيامة وكتب الآجال والأعمال والأرزاق والشقاوة ms085 والسعادة فمن عمل السعادة ~~فعل الخير ومجالس الخير ومن عمل الشقاوة عمل الشر ومجالس الشر PageV01P150 # وقال جابر بن عبد الله لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره وأن ما ~~أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه # وقال هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة إن العبد ليعمل الزمان ~~بعمل أهل الجنة وإنه عند الله مكتوب من أهل النار والآثار في ذلك أكثر من ~~أن تذكر وإنما أشرنا إلى بعضها إشارة فصل # فالجواب أن ههنا مقامين مقام إيمان وهدى ونجاة ومقام ضلال وردى وهلاك زلت ~~فيه أقدام فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء # فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به وإسناد ~~جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها وأن ما شاء كان وإن لم يشأ ~~الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس وهذه الآثار كلها تحقق هذا المقام ~~وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك بل لم ~~يؤمن بالله ولم يعرفه وهذا في كل كتاب أنزله الله على رسله # وأما المقام الثاني وهو مقام الضلال والردى والهلاك فهو الاحتجاج به على ~~ذنبه على الله وحمل العبد ذنبه على ربه وتنزيه نفسه الجاهلة الظالمة ~~الأمارة بالسوء وجعل أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأحكم PageV01P151 ~~الحاكمين وأغنى الأغنياء أضر على العباد من إبليس كما صرح به بعضهم واحتج ~~عليه بما خصمه فيه من لا تدحض حجته ولا تطاف مغالبته حتى يقول قائل هؤلاء # ما حيلة العبد والأقدار جارية % عليه في كل حال أيها الرائي # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له % إياك إياك أن تبتل بالماء # ويقول قائلهم # دعاني وسد الباب دوني فهل إلى % دخولي سبيل بينوا لي قصتي # ويقول الآخر # وضعوا اللحم للبزاة % على ذروتي عدن # ثم لاموا البزاة إذ % خلعوا عنهم الرسن # لو أرادوا صيانتي % ستروا وجهك الحسن # وقال بعضهم وقد ذكر له ما يخاف من إفساده فقال لي خمس بنات لا أخاف على ~~إفسادهن غيره وصعد رجل ms086 يوما على سطح دار له فأشرف على غلام له يفجر بجاريته ~~فنزل وأخذهما ليعاقبهما فقال الغلام إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ~~ذلك فقال لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلي من كل شيء أنت حر لوجه الله # ورأى آخر يفجر بامرأته فبادر ليأخذه فهرب فأقبل يضرب المرأة وهي تقول ~~القضاء والقدر فقال يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا فقالت أو تركت ~~السنة وأخذت بمذهب ابن عباس فتنبه ورمى بالسوط من يده واعتذر إليها وقال ~~لولاك لضللت ورأى آخر رجلا آخر يفجر بامرأته فقال ما هذا فقالت هذا قضاء ~~الله وقدره فقال الخيرة فيما قضى الله فقبل بالخيرة فيما قضى الله وكان إذا ~~دعي به غضب PageV01P152 # وقيل لبعض هؤلاء أليس هو يقول @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ فقال دعنا ~~من هذا رضيه وأحبه وأراده ومن أفسدنا غيره ولقد بالغ بعضهم في ذلك حتى قال ~~القدر عذر لجميع العصاة وإنما مثلنا في ذلك كما قيل # إذا مرضنا أتيناكم نعودكم % وتذنبون فنأتيكم فنعتذر # وبلغ بعض هؤلاء أن عليا أمر بقتلى النهروان فقال بؤسا لكم لقد ضركم من ~~غركم فقيل من غرهم فقال الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والأماني فقال هذا ~~القائل كان علي قدريا وإلا فالله غرهم وفعل بهم ما فعل وأوردهم تلك الموارد # واجتمع جماعة من هؤلاء يوما فتذاكروا القدر فجرى ذكر الهدهد وقوله @QB@ ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم @QE@ فقال كان الهدهد قدريا أضاف العمل إليهم ~~والتزيين إلى الشيطان وجميع ذلك فعل الله وسئل بعض هؤلاء عن قوله تعالى ~~لإبليس @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ أيمنعه ثم يسأله ما منعه ~~قال نعم قضى عليه في السر ما منعه في العلانية ولعنه عليه قال له فما معنى ~~قوله @QB@ وماذا عليهم لو آمنوا بالله @QE@ إذا كان هو الذي منعهم قال ~~استهزاء بهم قال فما معنى قوله @QB@ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ~~@QE@ قال قد فعل ذلك بهم من غير ذنب جنوه بل ابتدأهم بالكفر ثم عذبهم عليه ~~وليس للآية معنى PageV01P153 # وقال بعض هؤلاء ms087 وقد عوتب على ارتكابه معاصي الله فقال إن كنت عاصيا لأمره ~~فأنا مطيع لإرادته # وجرى عند بعض هؤلاء ذكر إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم فأخذ ~~الجماعة يلعنونه ويذمونه فقال إلى متى هذا اللوم ولو خلي لسجد ولكن منع ~~وأخذ يقيم عذره فقال بعض الحاضرين تبا لك سائر اليوم أتذب عن الشيطان وتلوم ~~الرحمن # وجاء جماعة إلى منزل رجل من هؤلاء فلم يجدوه فلما رجع قال كنت أصلح بين ~~قوم فقيل له أصلحت بينهم قال أصلحت إن لم يفسد الله فقيل له بؤسا لك أتحسن ~~الثناء على نفسك وتسيء الثناء على ربك # ومر بلص مقطوع اليد على بعض هؤلاء فقال مسكين مظلوم أجبره على السرقة ثم ~~قطع يده عليها # وقيل لبعضهم أترى الله كلف عباده مالا يطيقون ثم يعذبهم عليه قال والله ~~قد فعل ذلك ولكن لا نجسر أن نتكلم # وأراد رجل من هؤلاء السفر فودع أهله وبكى فقيل استودعهم الله واستحفظهم ~~إياه فقال ما أخاف عليهم غيره # وقال بعض هؤلاء ذنبة أذنبها أحب إلي من عبادة الملائكة قيل لم قال لعلمي ~~بأن الله قضاها علي وقدرها ولم يقضها إلا والخيرة لي فيها وقال بعض هؤلاء ~~العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر PageV01P154 # ولقد دخل شيخ من هؤلاء بلدا فأول ما بدأ به من الزيارات زيارة المواخير ~~المشتملة على البغايا والخمور فجعل يقول كيف أنتم في قدر الله # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول عاتبت بعض شيوخ هؤلاء فقال لي المحبة ~~نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب والكون كله مراد فأي شيء أبغض منه ~~قال فقلت له إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من في الكون وعاداهم ولعنهم ~~فأحببتهم أنت وواليتهم أكنت وليا للمحبوب أو عدوا له قال فكأنما ألقم حجرا # وقرأ قارىء بحضرة بعض هؤلاء @QB@ قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي @QE@ فقال هو والله منعه ولو قال إبليس ذلك لكان صادقا وقد أخطأ إبليس ~~الحجة ولو كنت حاضرا لقلت له أنت ms088 منعته # وسمع بعض هؤلاء قارئا يقرأ @QB@ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى @QE@ فقال ليس من هذا شيء بل أضلهم وأعماهم قالوا فما معنى الآية قال ~~مخرقة بمخرق بها # فيقال الله أكبر على هؤلاء الملاحده أعداء الله حقا الذين ما قدروا الله ~~حق قدره ولا عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه ولا نزهوه عما لا يليق به ~~وبغضوه إلى عباده وبغضوهم إليه سبحانه وأساؤوا الثناء عليه جهدهم وطاقتهم ~~وهؤلاء خصماء الله حقا الذين جاء فيهم الحديث يقال يوم القيامة أين خصماء ~~الله فيؤمر بهم إلى النار / ح / قال PageV01P155 شيخ الإسلام ابن تيمية في ~~تائيته # ويدعى خصوم الله يوم معادهم % إلى النار طرا فرقة القدرية # سواء نفوه أو سمعوا ليخاصموا % به الله أو ماروا به للشريعة # وسمعته يقول القدرية المذمومون في السنة على لسان السلف هم هؤلاء الفرق ~~الثلاث نفاته وهم القدرية المجوسية والمعارضون به للشريعة الذين قالوا @QB@ ~~لو شاء الله ما أشركنا @QE@ وهم القدرية الشركية والمخاصمون به الرب سبحانه ~~وهم أعداء الله وخصومه وهم القدرية الإبليسية وشيخهم إبليس وهو أول من احتج ~~على الله بالقدر فقال بما أغويتني ولم يعترف بالذنب ويبؤ به كما اعترف به ~~آدم فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه فقد أشبه أباه آدم ومن أشبه أباه فما ~~ظلم ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس ولا ريب أن هؤلاء ~~القدرية الإبليسية والشركية شر من القدرية النفاة لأن النفاة إنما نفوه ~~تنزيها للرب وتعظيما له أن يقدر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب ونزهوه أن يعاقب ~~العبد على مالا صنع للعبد فيه البتة بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه ~~ونحو ذلك كما يحكى عن بعض الجبرية أنه حضر مجلس بعض الولاة PageV01P156 ~~فأتي بطرار أحوال فقال له الوالي ما ترى فيه فقال اضربه خمسة عشر يعني سوطا ~~فقال له بعض الحاضرين ممن ينفي الجبر بل ينبغي أن يضرب ثلاثين سوطا خمسة ~~عشرة لطرة ومثلها لحوله فقال الجبري كيف يضرب على الحول ولا صنع ms089 له فيه ~~فقال كما ضرب على الطر ولا صنع له فيه عندك فبهت الجبري وأما القدرية ~~الإبليسية والشركية فكثير منهم منسلخ عن الشرع عدو الله ورسله لا يقر بأمر ~~ولا نهي وتلك وراثة عن شيوخهم الذين قال الله فيهم @QB@ سيقول الذين أشركوا ~~لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من ~~قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ~~وإن أنتم إلا تخرصون @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ~~ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل ~~الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ وقال تعالى وقالوا لو ~~شاء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون وقال @QB@ وإذا ~~قيل لهم أنفقوا من ما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو ~~يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين @QE@ فهذه أربعة مواضع في القرآن ~~بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل ~~PageV01P157 # وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع فرق # الفرقة الأولى جعلت هذه الآيات حجة صحيحة وأن للمحتج بها الحجة على الله ~~ثم افترق هؤلاء فرقتين فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد وزعمت أن الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلما والله لا يظلم من خلقه أحدا وفرقة ~~صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد وقالت ليس ذلك بظلم والله يتصرف في ملكه ~~كيف يشاء ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه بل يعذبه على فعله هو سبحانه لا ~~على فعل عبده إذ العبد لا فعل له والملك ملكه ولا يسأل عما يقول وهم يسألون ~~فإن هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة التي حكاها الله عنهم استهزاء ~~منهم ولو قالوها اعتقادا للقضاء والقدر وإسنادا لجميع الكائنات إلى مشيئته ~~وقدرته لم ينكر عليهم ومضمون قول هذه الفرقة أن هذه حجة صحيحة إذا قالوها ms090 ~~على وجه الإعتقاد لا على جهة الاستهزاء فيكون للمشركين على الله الحجة وكفى ~~بهذا القول فسادا وبطلانا # الفرقة الثانية جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة ~~العامة إذ لو صحت المشيئة العامة وكان الله قد شاء منهم الشرك والكفر ~~وعبادة الأوثان لكانوا قد قالوا الحق وكان الله يصدقهم عليه ولم ينكر عليهم ~~فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب ونفى عنهم العلم دل على أن هذا الذي قالوه ~~ليس بصحيح وأنهم كاذبون فيه إذ لو كان علما لكانوا صادقين في الإخبار به ~~ولم يقل لهم @QB@ قل هل عندكم من علم @QE@ وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة ~~لها على التكذيب بالقضاء والقدر وزعمت بها أن يكون في ملكه ما لا يشاء ~~ويشاء مالا يكون وأنه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة ~~ولا على أفعال الحيوانات PageV01P158 وأنه لا يقدر أن يضل أحد ولا يهديه ~~ولا يوفقه أكثر مما فعل به ولا يعصمه من الذنوب والكفر ولا يلهمه رشده ولا ~~يجعل في قلبه الإيمان ولا هو الذي جعل المصلي مصليا والبر برا والفاجر ~~فاجرا والمؤمن مؤمنا والكافر كافرا بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك فهذه ~~الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر ~~فالأولى تحيزت إلى القدر وحاربت الشرع والثانية تحيزت إلى الشرع وكذبت ~~القدر # والطائفتان ضالتان وإحداهما أضل من الأخرى # والفرقة الثالثة آمنت بالقضاء والقدر وأقرت بالأمر والنهي ونزلوا كل واحد ~~منزلته فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به والأمر النهي يتمثل ويطاع ~~فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ~~والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدا رسول الله وقالوا من لم يقر ~~بالقضاء والقدر ويقم بالأمر والنهي فقد كذب الشهادتين وإن نطق بهما بلسانه ~~ثم افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين فرقة قالت إنما أنكر عليهم استدلالهم ~~بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك فجعلوا مشيئته له ~~وتقديره له دليلا على رضاه به ومحبته ms091 له إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينه ~~وبينهم فإن الحكيم إذا كان قادرا على دفع ما يكرهه ويبغضه دفعه ومنع من ~~وقوعه وإذا لم يمنع من وقوعه لزم إما عدم قدرته وإما عدم حكمته وكلاهما ~~ممتنع في حق الله فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به وقد ~~وافق هؤلاء من قال إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها ولكن ~~حالفهم في أنه نهى عنها وأمر باضدادها ويعاقب عليها فوافقهم في نصف قولهم ~~وخالفهم في الشطر الآخر وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين ~~وأن مشيئة الله تعالى العامة وقضاءه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما ~~شاءه وقدره وهؤلاء المشركون لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه كذبهم ~~PageV01P159 وأنكر عليهم وأخبر أنه لا علم لهم بذلك وأنهم خارصون مفترون ~~فإن محبة الله للشيء ورضاه به إنما يعلم بأمره على لسان رسوله لا بمجرد ~~خلقه فإنه خلق إبليس وجنوده وهم أعداؤه وهو سبحانه يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه ~~فهكذا في الأفعال خلق خيرها وشرها وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه ويبغض ~~شرها وينهى عنه ويعاقب عليه وكلاهما خلقه ولله الحكمة البالغة التامة في ~~خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال كل صادر عن حكمته وعلمه ~~كما هو صادر عن قدرته ومشيئته وقالت الفرقة الثانية إنما أنكر عليهم معارضة ~~الشرع بالقدر ودفع الأمر بالمشيئة فلما قامت عليهم حجة الله ولزمهم أمره ~~نهيه دفعوه بقضائه وقدره فجعلوا القضاء والقدر إبطالا لدعوة الرسل ودفعا ~~لما جاؤوا به وشاركهم في ذلك إخوانهم وذريتهم الذين يحتجون بالقضاء والقدر ~~على المعاصي والذنوب في نصف أقوالهم وخالفوهم في النصف الآخر وهو إقرارهم ~~بالأمر والنهي # فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام وورث كل قوم أئمتهم ~~وأسلافهم إما في جميع تركتهم وإما في كثير منها وإما في جزء منها وهدى الله ~~بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ~~ويكفروا ببعض بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة ms092 النافذة وأنه ما ~~شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد وأنه هو ~~الذي جعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والمتقي متقيا وجعل أئمة الهدى يهدون ~~بأمره وأئمة الضلالة يدعون إلى النار وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها وأنه ~~يهدي من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته وأنه هو الذي وفق أهل ~~الطاعة لطاعته فأطاعوه ولو شاء لخذلهم فعصوه وأنه حال بين الكفار وقلوبهم ~~فإنه يحول بين المرء وقلبه فكفروا به ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه ~~وأنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأنه لو شاء لآمن من في ~~PageV01P160 الأرض كلهم جميعا إيمانا يثابون عليه ويقبل منهم يرضى به عنهم ~~وأنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد @QB@ ولو شاء ربك ما فعلوه ~~فذرهم وما يفترون @QE@ # والقضاء والقدر عندهم أربع مراتب جاء بها نبيهم وأخبر بها عن ربه تعالى ~~الأولى علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم # الثانية كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السموات والأرض # الثالثة مشيئته المتناولة لكل موجود فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا ~~خروج له عن علمه # الرابعة خلقه له وإيجاده وتكوينه فإنه لا خالق إلا الله والله خالق كل ~~شيء فالخالق عندهم واحد وما سواه فمخلوق ولا واسطة عندهم بين الخالق ~~والمخلوق ويؤمنون مع ذلك بحكمته وأنه حكيم في كل ما فعله وخلقه وإن مصدر ~~ذلك جميعه عن حكمة تامة هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه وإن حكمته حكمة حق ~~عائدة إليه قائمه به كسائر صفاته وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه ~~وقدرته لمقدوره كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها بل ~~هي أمر وراء ذلك وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته ~~وحمده ولأجلها خلق فسوى وقدر فهدى وأحيا وأسعد وأشقى وأضل وهدى ومنع وأعطى ~~وهذه الحكمة هي الغاية والفعل وسيلة إليها فإثبات الفعل مع نفيها إثبات ~~للوسائل ونفي للغايات وهو محال إذ ms093 نفي الغاية مستلزم لنفي الوسيلة فنفي ~~الوسيلة وهي الفعل لازم لنفي الغاية وهي الحكمة ونفي قيام الفعل والحكمة به ~~نفي لهما في الحقيقة إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا ~~يعقل وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته وهذا لازم PageV01P161 لمن نفى ذلك ~~ولا محيد له عنه وإن أبى التزامه وأما من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه ~~المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور البتة بل ~~قوله حق ولازم الحق حق كائنا ما كان # والمقصود أن ورثة الرسل وخلفاءهم لكمال ميراثهم لنبيهم آمنوا بالقضاء ~~والقدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره وقاموا مع ذلك ~~بالأمر والنهي وصدقوا بالوعد والوعيد فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان ~~به إثبات القدر والحكمة وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد ~~والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب فصدقوا بالخلق والأمر ولم ينفوهما ~~بنفي لوازمهما كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر ~~وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواص ~~الخلق ولب العالم وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها ~~كما يفعل كثير من طوائف الضلال فإن القدرية تؤمن بلفظ القدر ومنهم من يرده ~~إلى العلم ومنهم من يرده إلى الأمر الديني ويجعل قضاءه وقدره هو نفس أمره ~~ونهيه ونفس مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها وهذا حقيقة إنكار القضاء ~~والقدر وكذلك الحكمة فإن الجبرية تؤمن بلفظها ويجحدون حقيقتها فإنهم ~~يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه تعالى وإرادته لمراده تعالى فهي عندهم ~~وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته والقدرية النفاة لا يرضون بهذا بل ~~يرتفعون عنه طبقة ويثبتون حكمة زائدة على ذلك لكنهم ينفون قيامها بالفاعل ~~الحكيم ويجعلونها مخلوقا من مخلوقاته كما قالوا في كلامه وإرادته فهؤلاء ~~كلهم PageV01P162 أقروا بلفظ الحكمة وجحدوا معناها وحقيقتها وكذلك الأمر ~~والشرع فإن من أنكر ms094 كلام الله وقال إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قال ولا ~~يقول ولا يحب شيئا ولا يبغض شيئا وجميع الكائنات محبوبة له وما لم يكن فهو ~~مكروه له ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب ~~والفجور والسجود للأصنام والشمس والقمر والسجود له ولم يكلف أحدا ما يقدر ~~عليه بل كل تكليفه تكلف مالا يطاق ولا قدرة للمكلف عليه البتة ويجوز أن ~~يعذب رجالا إذ لم يكونوا نساء ويعذب نساء إذ لم يكونوا رجالا وسودا حيث لم ~~يكونوا بيضا وبيضا حيث لم يكونوا سودا ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدي ~~الكذابين ويرسل رسولا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان ويأمر بقتل النفوس ~~وأنواع الفجور ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية ولولا ~~تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل ولكن مشى الحال بعض المشي ~~بتناقضهم وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها # والمقصود أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد ~~والوعيد حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتهم والقضاء والقدر منشؤه عن ~~علم الرب وقدرته ولهذا قال الإمام أحمد القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل ~~هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان وقال إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن ~~حقيقة القدر ولهذا كان المنكرون القدرة فرقتين فرقة كذبت بالعلم السابق ~~ونفته وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة وفرقة جحدت ~~كمال القدرة وأنكرت أن تكون أفعال العبادة مقدورة لله تعالى وصرحت بأن الله ~~لا يقدر عليها فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب وأنكرت الأخرى كمال علمه ~~وقابلتهم الجبرية فجاءت على إثبات القدرة والعلم وأنكرت الحكمة والرحمة ~~ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته ~~ولهذا يقرن تعالى بين PageV01P163 الإسمين من هذه الثلاثة كثيرا كقوله @QB@ ~~وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم @QE@ وقال @QB@ تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم @QE@ وقال @QB@ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم @QE@ ~~وقال في حم بعد ذكر تخليق العالم @QB@ ذلك ms095 تقدير العزيز العليم @QE@ وذكر ~~نظير هذا فقال فالق الإصباح وجعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير ~~العزيز العليم # فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي أن لا يخرج موجود عن قدرته وارتباطه ~~بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على ~~أكمل الوجوه وأحسنها واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب سبحانه ~~وكذلك أمره بعلمه وحكمته وعزته فهو عليم بخلقه وأمره ولهذا كان الحكيم من ~~أسمائه الحسنى والحكمة من صفاته العلى والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على ~~الحكمة والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة والحكمة هي سنة الرسول ~~وهي تتضمن العلم بالحق والعلم به والخبر عنه والأمر به فكل هذا يسمى حكمة ~~وفي الأثر الحكمة ضالة المؤمن وفي الحديث إن من الشعر حكمة PageV01P164 ~~فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده ~~وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته وصدر عنه ~~خلقه وأمره فمصدر ذلك كله عن الحكمة فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة ~~والله أعلم PageV01P165 # | فصل في تفصيل ما أجمل فيما مر وتوضيحه # وإنما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كل ما خلقه الله وأمر به وبيان أنه ~~كله خير من جهة إضافته إليه سبحانه وأنه من تلك الإضافة خير وحكمة وأن جهة ~~الشر منه من جهة إضافته إلى العبد كما قال في دعاء الاستفتاح لبيك وسعديك ~~والخير في يديك والشر ليس إليك فهذا النفي يقتضي امتناع إضافة الشر إليه ~~تعالى بوجه فلا يضاف إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله فإن ذاته ~~منزهة عن كل شر وصفاته كذلك إذ كلها صفات كمال ونعوت جلال لا نقص فيها بوجه ~~من الوجوه وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب وأفعاله كلها حكمة ~~ورحمة مصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة وهو المحمود على ذلك كله ~~فيستحيل إضافة الشر إليه وتحقيق ذلك أن الشر ليس هو إلا الذنوب وعقوباتها ~~كما في خطبته الحمد لله نستعينه ms096 ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا فتضمن ذلك الإستعاذة من شرور النفوس ومن سيئات ~~الأعمال وهي عقوباتها وعلى هذا فالإضافة على معنى اللام من باب إضافة ~~المتغايرين أو يقال المراد PageV01P166 السيئات من الأعمال فعلى هذا ~~الإضافة بمعنى من وهي من باب إضافة النوع إلى جنسه ويدل على الأول قوله ~~تعالى @QB@ وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته @QE@ قال شيخنا ~~وهذا أشبه إذا أريد السيئات من الأعمال فإن أريد ما وقع منها فالإستعاذة ~~إنما تكون من عقوباتها إذ الواقع من شر النفس وأضا فلا يقال في هذه التي لم ~~توجد بعد سيئات أعمالنا فإنها لم تكن بعد أعمالا فضلا عن أن تكون سيئات ~~وإضافة الأعمال إلينا تقتضي وجودها إذ ما لم يوجد بعد ليس هو من أعمالنا ~~إلا أن يقال من سيئات الأعمال التي إذا علمناها كانت سيئات ولمن رجح ~~التقدير الثاني أن يقول العقوبات ليست لجميع الأعمال بل للمحرمات منها ~~والأعمال أعم وحملها على المحرمات خاصة خلاف ظاهر اللفظ بخلاف ما إذا كانت ~~الإضافة على معنى من فتكون الأعمال على عمومها والسيئات بعضها فتكون ~~السيئات على عمومها ويترجح أيضا أن الإستعاذة تكون قد اشتملت على أصول الشر ~~كله وهو شر النفس الكامن فيها الذي لم يخرج إلى العمل وشر العمل الخارج ~~الذي سولته النفس فالأول شر الطبيعة والصفة التي في النفس والثاني شر العمل ~~المتعلق بالكسب والإرادة ويلزم من المعافاة من هذين الشرين المعافاة من ~~موجبهما وهو العقوبة فتكون الإستعاذة قد شملت جميع أنواع الشر بالمطابقة ~~واللزوم وهذا هو اللائق بمن أوتي جوامع الكلم فإن هذا من جوامع كلمة ~~البديعة العظيمة الشأن التي لا يعرف قدرها إلا أهل العلم والإيمان # وإذا عرف هذا وأنه ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها وكونها ذنوبا ~~تأتي من نفس العبد فإن سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد كما أن ~~سبب الخير الحمد والعلم والحكمة والغنى وهي أمور PageV01P167 ذاتية للرب ~~وذات الرب سبحانه مستلزمة للحكمة والخير والجود ms097 وذات العبد مستلزمة للجهل ~~والظلم وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه وهو أمر خارج ~~عن نفسه فمن أراد الله به خيرا أعطاه هذا الفضل فصدر منه الإحسان والبر ~~والطاعة ومن أراد به شرا أمسكه عنه وخلاه ودواعي نفسه وطبعه وموجبها فصدر ~~منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح وليس منعه لذلك ظلمامنه سبحانه فإنه ~~فضله وليس من منع فضله ظالما لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق ~~به وأيضا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ~~ويعينه ولا يخلي بينه وبين نفسه وهذا محض فعله وفضله وهو سبحانه أعلم ~~بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر به ويزكو به وقد أشار الله ~~تعالى إلى هذا المعنى بقوله @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ فأخبر سبحانه أنه أعلم ~~بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكره عليها فإن أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام ~~المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلا ~~بها لم يشكرها ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها ولم يشكرها أيضا ومن عرف ~~النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها ~~ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضى ~~به وعنه لم يشكرها أيضا ومن عرفها وعرف المنعم بها وخضع للمنعم بها وأحبه ~~ورضي به وعنه واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها فلا بد في ~~الشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع ~~له كما في صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال قال رسول الله سيد الاستغفار أن ~~يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا PageV01P168 أنت خلقتني وأنا عبدك ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي ~~وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا ms098 يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا ~~بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل ~~الجنة فقوله أبوء لك بنعمتك علي يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله بعبوديته ~~فإن المباءة هي التي يبوء إليها الشخص أي يرجع إليها رجوع استقرار والمباءة ~~هي المستقر ومنه قوله من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار أي ليتخذ ~~مقعده من النار مباءة يلزمه ويستقر فيه لا كالمنزل الذي ينزله ثم يرحل عنه ~~فالعبد يبوء إلى الله بنعمته عليه ويبوء بذنبه ويرجع إليه بالاعتراف بهذا ~~وبهذا رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه بل ~~رجوع من لا يعرض عن ربه بل لا يزال مقبلا عليه إذا كان لا بد له منه فهو ~~معبوده وهو مستغاثه لا صلاح له إلا بعبادته فإن لم يكن معبوده هلك وفسد ولا ~~يمكن أن يعبده إلا بإعانته وفي الحديث مثل المؤمن مثل الفرس في آخيته يجول ~~ثم يرجع إلى آخيته كذلك المؤمن يجول ثم يرجع إلى الإيمان فقوله أبوء يتضمن ~~أني وإن جلت كما يجول الفرس إما بالذنب وإما بالتقصير في الشكر فإني راجع ~~منيب أواب إليك رجوع من لا غنى له عنك وذكر PageV01P169 النعمة والذنب لأن ~~العبد دائما يتقلب بينهما فهو بين نعمة من ربه وذنب منه هو كما في الأثر ~~الإلهي ابن آدم خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد كم أتحبب إليك بالنعم وأنا ~~غني عنك وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج ~~إلي منك بعمل قبيح وكان في زمن الحسن البصري شاب لا يرى إلا وحده فسأله ~~الحسن عن ذلك فقال إني أجدني بين نعمة من الله وذنب مني فأريد أن أحدث ~~للنعمة شكرا وللذنب استغفارا فذلك الذي شغلني عن الناس أو كما قال فقال له ~~أنت أفقه من الحسن فالخير كله من الله كما قال تعالى @QB@ وما بكم من نعمة ~~فمن الله @QE@ وقال تعالى ms099 @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ~~ونعمة @QE@ وقال @QB@ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ وهؤلاء المنعم عليهم هم ~~المذكورون في قوله @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ ~~فالنعم كلها من نعم الله وفضله على عبده وهو سبحانه وإن كان أجود الأجودين ~~وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين فإنه أحكم الحاكمين وأعدل العادلين لا يضع ~~الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته ~~وعدله ولو رأى العقلاء واحدا منهم PageV01P170 قد وضع المسك في الحشوش ~~والأخلية ووضع النجاسات والقاذورات في مواضع الطيب والنظافة لاشتد نكيرهم ~~عليه والقدح في عقله ونسبوه إلى السفه وخلاف الحكمة وكذلك لو وضع العقوبة ~~موضع الإحسان والإحسان موضع العقوبة لسفهوه وقدحوا في عقله كما قال القائل # ووضع الندى موضع السيف بالعلا % مضر كوضع السيف في موضع الندى # وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء والغذاء موضع الدواء والاستفراغ حيث ~~يكون اللائق به عدمه والإمساك حيث يليق الاستفراغ وكذلك وضع الماء موضع ~~الطعام والطعام موضع الماء وأمثال ذلك مما يخل بالحكمة بل لو أقبل على ~~الحيوان البهيم يريد تعليمه مالم يخلق له من العلوم والصنائع فمن بهرت ~~حكمته العقول والألباب كيف ينبغي له أن يضع الأشياء في غير مواضعها اللائقة ~~بها ومن المعلوم أن أجل نعمه على عبده الإيمان به معرفته ومحبته وطاعته ~~والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته ومن المعلوم أيضا أن ~~الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث منه ومنها الطيب وبين ذلك وكذلك القلوب ~~منها القلب الشريف الزكي والقلب الخسيس الخبيث وهو سبحانه خلق الأضداد كما ~~خلق الليل والنهار والبرد والحر والداء والدواء والعلو والسفل وهو أعلم ~~بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم فيها ms100 ~~وإيداعها عندها ويزكو بذرها فيها فيكون تخصيصه لها بهذه النعمة كتخصيص ~~الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر فليس من الحكمة أن يبذر البر في الصخور ~~والرمال والسباخ وفاعل ذلك غير حكيم فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ~~ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال # فالله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا فهو أعلم بمن يصلح ~~لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل ~~PageV01P171 والقيام بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب إليه ومن ~~لا يصلح لذلك وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام ~~بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم قال عبدالله بن مسعود إن الله نظر في قلوب ~~العباد فرأى قلب محمد خير قلوب أهل الأرض فاختصه برسالته ثم نظر في قلوب ~~العباد فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته وفي أثر بني ~~إسرائيل أن الله تعالى قال لموسى أتدري لم اخترتك لكلامي قال لا يا رب قال ~~إني نظرت في قلوب العباد فلم أر فيها أخضع من قلبك لي أو نحو هذا # فالرب سبحانه إذا علم من محل أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبب ~~إليه ذلك ووضعه فيه وكتبه في قلبه ووفقه له وأعانه عليه ويسر له طرقه وأغلق ~~دونه الأبواب التي تحول بينه وبين ذلك ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره ~~وتربيته أحسن من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء ~~إليه فلا يزال يعامله بلطفه ويختصه بفضله ويؤثره برحمته ويمده بمعونته ~~ويؤيده بتوفيقه ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به فيزداد العبد به معرفة وله ~~محبة وإليه إنابة وعليه توكلا ولا يتولى معه غيره ولا يعبد معه سواه وهذا ~~هو الذي عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها في مرضاته واقتضت ~~حكمة الرب وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر في هذا القلب بذرة الإيمان والمعرفة ~~وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح وأطلع عليه من نوره شمس الهداية وصرف ~~عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة فأنبتت أرضه الزاكية من ms101 كل زوج كريم كما ~~في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي قال مثل ما بعثني الله من من الهدى ~~والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت PageV01P172 الماء ~~فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقي الناس ~~وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك ~~مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ~~ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به فمثل القلوب بالأرض التي هي محل النبات ~~والثمار ومثل الوحي الذي وصل إليها من بارئها وفاطرها بالماء الذي ينزله ~~على الأرض فمن الأرض أرض طيبة قابلة للماء والنبات فلما أصابها الماء أنبتت ~~ما انتفع به الآدميون البهائم وأقوات المكلفين وغيرهم وهذه بمنزلة القلب ~~القابل لهدى الله ووحيه المستعد لزكائه فيه وثمرته ونمائه وهذا خير قلوب ~~العالمين ومن الأرض ارض صلبة منخفضة غير مرتفعة ولا رابية قابلة لحفظ الماء ~~واستقراره فيها ففيها قوة الحفظ وليس فيها قوة النبات فلما حصل فيها الماء ~~أمسكته وحفظته فورده الناس لشربهم وشرب مواشيهم وسقوا منه زروعهم وهذا ~~بمنزلة القلب الذي حفظ الوحي وضبطه وأداه إلى من هو أفهم له منه وأفقه منه ~~وأعرف بمراده وهذا في الدرجة الثانية ومن الأرض أرض قيعان وهي المستوية ~~التي لا تنبت إما لكونها سبخة أو رمالا ولا يستقر فيها الماء فإذا وقع ~~عليها الماء ذهب ضائعا لم تمسكه لشرب الناس ولم تنبت به كلأ لأنها غير ~~قابلة لحفظ الماء ولا لنبات الكلإ والعشب وهذا حال أكثر الخلق وهم الأشقياء ~~الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا ومن كان بهذه المثابة فليس من ~~المسلمين بل لا بد لكل مسلم أن يزكو الوحي في قلبه فينبت من العمل الصالح ~~والكلم الطيب ونفع نفسه وغيره بحسب قدرته فمن لم ينبت قلبه شيئا من الخير ~~ألبتة فهذا من أشقى الأشقياء PageV01P173 فصلوات الله وسلامه على من الهدى ~~والبيان والشفاء والعصمة ms102 في كلامه وفي أمثاله # والمقصود أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه ومن يصلح لها ~~ومن لا يصلح وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله كما تأبى أن يمنعه من ~~يصلح له وهو سبحانه الذي جعل المحل صالحا وجعله أهلا وقابلا فمنه الإعداد ~~والإمداد ومنه السبب والمسبب ومن اعترض بقوله فهلا جعل المحال كلها كذلك ~~وجعل القلوب على قلب واحد فهو من أجهل الناس وأضلهم وأسفههم وهو بمنزلة من ~~يقول لم خلق الأضداد وهلا جعلها كلها سببا واحدا فلم خلق الليل والنهار ~~والفوق والتحت والحر والبرد والدواء والداء والشياطين والملائكة والروائح ~~الطيبة والكريهة والحلو والمر والحسن والقبيح وهل يسمح خاطر من له أدنى ~~مسكة من عقل بمثل هذا السؤال الدال على حمق سائله وفساد عقله وهل ذلك إلا ~~موجب ربوبيته وإلهيته وملكه وقدرته ومشيئته وحكمته ويستحيل أن يتخلف موجب ~~صفات كماله عنها وهل حقيق الملك إلا بإكرام الأولياء وإهانة الأعداء وهل ~~تمام الحكمة وكمال القدرة إلا بخلق المتضادات والمختلفات وترتيب آثارها ~~عليها وإيصال ما يليق بكل منها إليه وهل ظهور آثار أسمائه وصفاته في العالم ~~إلا من لوازم ربوبيته وملكه فهل يكون رزاقا وغفارا وعفوا وحليما ورحيما ولم ~~يوجد من يرزقه ولا من يغفر له ويعفو عنه ويحلم عنه ويرحمه وهل انتقامه إلا ~~من لوازم ربوبيته وملكه فممن ينتقم إن لم يكن له أعداء ينتقم منهم ويري ~~أولياءه كمال نعمته عليهم واختصاصه إياهم دون غيرهم بكرامته وثوابه وهل في ~~الحكمة الإلهية تعطيل الخير الكثير لأجل شر جزئي يكون من لوازمه فهذا الغيث ~~الذي يحيي به الله البلاد والعباد والشجر والدواب كم يحبس من مسافر ويمنع ~~من قصاد ويهدم من بناء ويعوق من مصلحة ولكن أين هذا مما يحصل به من المصالح ~~وهل هذه المفاسد في جنب مصالحه إلا كتفلة في PageV01P174 بحر وهل تعطيله ~~لئلا تحصل به هذه المفاسد إلا موجبا لأعظم المفاسد والهلاك وهذه الشمس التي ~~سخرها الله لمنافع عباده وإنضاج ثمارهم وأقواتهم وتربية أبدانهم وأبدان ~~الحيوانات ms103 والطير وفيها من المنافع والمصالح ما فيها كم تؤذي مسافرا وغيره ~~بحرها وكم تجفف رطوبة وكم تعطش حيوانا وكم تحبس عن مصلحة وكم تنشف من مورد ~~وتحرق من زرع ولكن أين يقع هذا في جنب ما فيها من المنافع والمصالح ~~الضرورية المكملة فتعطيل الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر كثير وهو خلاف ~~موجب الحكمة الذي تنزه الله سبحانه عنه # قلت لشيخ الإسلام فقد كان من الممكن خلق هذه الأمور مجردة عن المفاسد ~~مشتملة على المصلحة الخالصة فقال خلق هذه الطبيعة بدون لوازمها ممتنع فإن ~~وجود الملزوم بدون لازمه محال ولو خلقت على غير هذا الوجه لكانت غير هذه ~~ولكان عالما آخر غير هذا قال ومن الأشياء ما تكون ذاته مستلزمة لنوع من ~~الأمور لا ينفك عنه كالحركة مثلا المستلزمة لكونها لا تبقى فإذا قيل لم لم ~~تخلق الحركة المعينة باقية قيل لأن ذات الحركة تتضمن النقلة من مكان إلى ~~مكان والتحول من حال إلى حال فإذا قدر ما ليس كذلك لم يكن حركة ونفس ~~الإنسان هي في ذاتها جاهلة عاجزة فقيرة كما قال تعالى @QB@ والله أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا @QE@ وإنما يأتيها العلم والقدرة والغنى من ~~الله بفضله ورحمته فما حصل لها من كمال وخير فمن الله وما حصل لها من عجز ~~وفقر وجهل يوجب الظلم والشر فهو منها ومن حقيقتها وهذه أمور عدمية وليس لها ~~من نفسها وجود ولا كمال والأمور العدمية من لوازم وجودها ولو جعلت على غير ~~ذلك لم تكن هي هذه النفس الإنسانية بل مخلوقا آخر PageV01P175 # فحقيقة نفس الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة والشر الذي يحصل لها نوعان ~~عدم ووجود فالأول كعدم العلم والإيمان والصبر وإرادة الخيرات وعدم العمل ~~بها وهذا العدم ليس له فاعل إذ العدم المحض لا يكون له فاعل لأن تأثير ~~الفاعل إنما هو في أمر وجودي وكذلك عدم استعدادها للخيرات والكمالات هو عدم ~~محض ليس له فاعل فإن العدم ليس بشيء أصلا وما ليس بشيء لا يقال إنه مفعول ~~لفاعل ms104 فلا يقال إنه من الله إنما يحتاج إلى الفاعل الأمور الوجودية ولهذا ~~من قول المسلمين كلهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فكل كائن فبمشيئته ~~كان وما لم يكن فلعدم مشيئته والعدم يعلل بعدم السبب أو الشرط تارة وبوجود ~~المانع أخرى وقد يقال علة العدم عدم العلة وبعض الناس يقول الممكن لا يترجح ~~أحد طرفيه إلا بمرجح فلا يوجد إلا بسبب ولا يعدم إلا بسبب قال والتحقيق في ~~هذا أن العدم ليس له فاعل ولا علة فاعلة أصلا وإذا أضيف إلى عدم السبب أو ~~عدم الشرط فمعناه الملازمة أي عدم العلة استلزم عدم المعلول وعدم الشرط ~~استلزم عدم المشروط فإذا قيل عدم لعدم علة مستلزمة لعدمه والنفس تطلب سبب ~~العدم فتقول لم لم يوجد كذا فيقال لعدم كذا فيضاف عدم المعلوم إلى عدم علته ~~لا إضافة تاثير ولكن إضافة استلزام وتعريف وأما التعليل بالمانع فلا يكون ~~إلا مع قيام السبب إذا جعل المانع مقتضيا للعدم وأما إذا أريد قياس الدلالة ~~فوجود المانع يستلزم عدم الحكم سواء كان المقتضي موجودا أو لم يكن # والمقصود أن ما عدمته النفس من كمالها فمنها فإنها لا تقتضي إلا لعدم أي ~~عدم استعداد نفسها وقوتها هو السبب في عدم هذا الكمال فإنه كما يكون أحاد ~~الوجودين سببا للآخر فكذلك أحد العدمين يكون سببا لعدم الآخر والموجود ~~الحادث يضاف إلى السبب المقتضي لإيجاده وأما المعدوم فلا PageV01P176 يحتاج ~~استمراره على العدم إلى فاعل يحدث العدم بل يكفي في استمراره عدم مشيئة ~~الفاعل المختار له فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لانتفاء مشيئته ~~فانتفاء مشيئة كونه سبب عدمه وهذا معنى قولهم عدم علة الوجود علة العدم ~~وبهذا الاعتبار الممكن القابل للوجود والعدم لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ~~إلا بمرجح فمرجح عدمه عدم مرجحه ومعنى الترجيح والسببية ههنا الاستلزام لا ~~التأثير كما تقدم فظهر استحالة إضافة هذا الشر إلى الله عز وجل # وأما الشر الثاني وهو الشر الوجودي كالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة ms105 ~~فهو من لوازم ذلك العدم فإنه متى عدم ذلك العلم النافع والعمل والصالح من ~~النفس لزم أن يخلفه الشر والجهل وموجبهما ولا بد لأن النفس لا بد لها من ~~أحد الضدين فإذا لم تشتغل بالضد النافع الصالح اشتغلت بالضد الضار الفاسد ~~وهذا الشر الوجودي هو من خلقه تعالى إذ لا خالق سواه وهو خالق كل شيء لكن ~~كل ما خلقه الله فلا بد أن يكون له في خلقه حكمة لأجلها خلقه لو لم يخلقه ~~فاتت تلك الحكمة وليس في الحكمة تفويت هذه الحكمة التي هي أحب إليه سبحانه ~~من الخير الحاصل بعدمها فإن في وجودها من الحكمة والغايات التي يحمد عليها ~~سبحانه أضعاف ما في عدمها من ذلك ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع وليس في ~~الحكمة تفويت هذه الحكمة العظيمة لأجل ما يحصل للنفس من الشر مع ما حصل من ~~الخيرات التي لم تكن تحصل بدون هذا الشر ووجود الشيء لا يكون إلا مع وجود ~~لوازمه وانتفاء أضداده فانتفاء لوازمه يكون ممتنعا لغيره وحينئذ فقد يكون ~~هدي هذه النفوس الفاجرة وشهادتها مشروطا بلوازم لم تحصل أو بانتفاء أضداد ~~لم تنتف # فإن قيل فهلا حصلت تلك اللوازم وانتفت تلك الأضداد فهذا هو السؤال الأول ~~وقد بينا أن لوازم هذا الخلق وهذه النشأة وهذا العالم لا بد PageV01P177 ~~منها فلو قدر عدمها لم يكن هذا العالم بل عالما لا بد منها ونشأة أخرى ~~وخلقا آخر وبينا أن هذا السؤال بمنزلة أن يقال هلا تجرد الغيث والأنهار عما ~~لا يحصل به من تغريق وتخريب وأذى وهلا تجردت الشمس عما يحصل منها من حر ~~وسموم وأذى وهلا تجردت طبيعة الحيوان عما يحصل له من ألم وموت وغير ذلك ~~وهلا تجردت الولادة عن مشقة الحمل والطلق وألم الوضع هلا تجرد بدن الإنسان ~~عن قبوله للآلام والأوجاع واختلاف الطبائع الموجبة لتغير أحواله وهلا تجردت ~~فصول العام عما فيها من البرد الشديد القاتل والحر الشديد المؤذي فهل يقبل ~~عاقل هذا السؤال أو يورده وهل هذا إلا بمنزلة أن ms106 يقال لم كان المخلوق فقيرا ~~محتاجا والفقر والحاجة صفة نقص فهلاتجرد منها وخلعت عليه خلعة الغنى المطلق ~~والكمال المطلق فهل يكون مخلوقا إذا كان غنيا غنى مطلقا ومعلوم أن لوازم ~~الخلق لا بد منها فيه ولا بد للعلو من سفل والسفل من مركز ولوازم العلو من ~~السعة والإضاءة والبهجة والخيرات وما هناك من الأرواح العلوية النيرة ~~المناسبة لمحلها وما يليق بها ويناسبها من الإبتهاج والسرور والفرح والقوة ~~والتجرد من علائق المواد العلية لا بد منها ولوازم السفل والمركز من الضيق ~~والحصر ولوازم ذلك من الظلمة والغلظ والشر وما هنالك من الأرواح السفلية ~~المظلمة الشريرة وأعمالها وآثارها لا بد منها فهما عالمان علوي وسفلي ~~ومحلان وساكنان تناسبهما مساكنهما وأعمالهما وطبائعهما وقد خلق كلا من ~~المحلين معمورا بأهليه وساكنيه حكمة بالغة وقدرة قاهرة وكل من هذه الأرواح ~~لا يليق بها غير ما خلقت له مما يناسبها ويشاكلها قال تعالى @QB@ قل كل ~~يعمل على شاكلته @QE@ أي على ما يشاكله ويناسبه ويليق به كما يقول الناس كل ~~إناء بالذي فيه ينضح فمن أرادت من الأرواح الخبيثة السفلية أن تكون مجاورة ~~للأرواح الطيبة العلوية في مقام الصديق PageV01P178 بين الملأ الأعلى فقد ~~أرادت ما تأباه حكمة أحكم الحاكمين ولو أن ملكا من ملوك الدنيا جعل خاصته ~~وحاشيته سفلة الناس وسقطهم وغرتهم الذين تتناسب أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم ~~في القبح والرداءة والدناءة لقدح الناس في ملكه وقالوا لا يصلح للملك فما ~~الظن بمجاوري الملك الأعظم مالك الملوك في داره وتمتعهم برؤية وجهه وسماع ~~كلامه ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيب خلقه وأزكاهم وأشرفهم أفيليق ~~بذلك الرفيق الأعلى والمحل الأسنى والدرجات العلى روح سفلية أرضية قد أخلدت ~~إلى الأرض وعكفت على ما تقتضيه طبائعها مما تشارك فيه بل قد تزيد على ~~الحيوان البهيم وقصرت همتها عليه وأقبلت بكليتها عليه لا ترى نعيما ولا لذة ~~ولا سرورا إلا ما وافق طباعها من كل مأكل ومشرب ومنكح من أين كان وكيف اتفق ~~فالفرق بينها وبين الحمير والكلاب والبقر بانتصاب القامة ونطق ms107 اللسان ~~والأكل باليد وإلا فالقلب والطبع على شاكلة قلوب هذه الحيوانات وطباعها ~~وربما كانت طباع الحيوانات خيرا من طباع هؤلاء وأسلم وأقبل للخير ولهذا ~~جعلهم الله سبحانه شر الدواب فقال تعالى @QB@ إن شر الدواب عند الله الصم ~~البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون @QE@ فهل يليق بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية ~~وأزكى الخلق وبين شر البرية وشر الدواب في دار واحدة يكونون فيها على حال ~~واحدة من النعيم أو العذاب قال الله تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم ~~كيف تحكمون فأنكر عليهم الحكم بهذا وأخرجه مخرج الإنكار لا مخرج الإخبار ~~لينبه العقول على أن هذا مما تحيله الفطر وتأباه العقول السليمة وقال تعالى ~~@QB@ لا يستوي أصحاب @QE@ PageV01P179 @QB@ النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة ~~هم الفائزون @QE@ وقال تعالى @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ وقال تعالى @QB@ قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب @QE@ بل ~~الواحد من الخلق لا تستوي أعاليه وأسافله فلا يستوي عقبه وعينه ولا رأسه ~~ورجلاه ولا يصلح أحدهما لما صلح له الآخر فالله عز وجل قد خلق الخبيث ~~والطيب والسهل والحزن والضار والنافع وهذه أجزاء الأرض منها ما يصلح جلاء ~~للعين ومنها ما يصلح للأتون والنار وبهذا ونحوه يعرف كمال القدرة وكمال ~~الحكمة فكمال القدرة بخلق الأضداد وكمال الحكمة تنزيلهامنازلها ووضع كل ~~منها في موضعه والعالم من لا يلقي الحرب بين قدرة الله وحكمته فإن آمن ~~بالقدرة قدح في الحكمة وعطلها وإن آمن بالحكمة قدح في القدرة ونقصها بل ~~يربط القدرة بالحكمة ويعلم شمولها لجميع ما خلقه الله ويخلقه فكما أنه لا ~~يكون إلا بقدرته ومشيئته فكذلك لا يكون إلا بحكمته وإذا كان لا سبيل للعقول ~~البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلا فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه ثم ~~تستدل على الغائب بالشاهد وتعتبر ما علمت بما لم تعلم وقد ضرب الله الأمثال ~~لعباده في كتابه وبين لهم ما ms108 في لوازم ما خلقه لهم وأنزله عليهم من الغيث ~~الذي به حياتهم وأقواتهم وحياة الأرض والدواب وما خلقه لهم من المعادن التي ~~بها صلاح أبدانهم وأقواتهم وصنائعهم من الشر والخير وبين المغمور بالإضافة ~~إلى الخير الحاصل بذلك فقال تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية ~~@QE@ PageV01P180 @QB@ أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله ~~الأمثال @QE@ فأخبر سبحانه أن الماء بمخالطته سبسب الأرض إذا سال فلا بد من ~~أن يحمل السيل من الغثاء والوسخ وغيره زبدا عاليا على وجه السيل فالذي لا ~~يعرف ما تحت الزبد يقصر نظره عليه ولا يرى إلا غثاء ووسخا ونحو ذلك ولا يرى ~~ما تحته من مادة الحياة وكذلك ما يستخرج من المعادن من الذهب والفضة ~~والحديد والنحاس وغيرها إذا أوقد عليها في النار ليتهيأ الانتفاع بها خرج ~~منها خبث ليس من جوهرها ولا ينتفع به وهذا لا بد منه في هذا وهذا يجاوزه ~~بصره وقد ذم تعالى من ضعفت بصيرته من المنافقين وعمي عما في القرآن مما به ~~ينال كل سعادة وعلم وهدى وصلاح وخير في الدنيا والآخرة لمن لم يجاوز بصره ~~وسمعه وعود وعيده وبروقها وصواعقها وما أعد الله لأعدائه من عذابه ونكاله ~~وخزيه وعقابه الذي هو بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب والأرواح ومن ~~المعارف الإلهية يبين طريق العبودية التي هي غاية كمال العبد وهو مقصود ~~لتكميل ذلك وتمامه قال تعالى @QB@ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ~~ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء ~~لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا @QE@ فهكذا حال كل من قصر نظره في بعض ~~مخلوقات الرب ms109 سبحانه على ما لا بد منه PageV01P181 من شر جزئي جدا بالإضافة ~~إلى الخير الكثير ولو لم تكن في هذه النشأة الإنسانية إلا خاصته وأولياؤه ~~من رسله وأنبيائه وأتباعهم لكفى بها خيرا ومصلحة ومن عاداهم وإن كانوا ~~أضعاف أضعاف أضعافهم فهم كالقش والزبالة وغثاء السيل لا يعبأ بكثرتهم ولا ~~يقدح في الحكمة الإلهية بل وجود الواحد الكامل من هذا النوع يغتفر معه ~~لآلاف مؤلفة من النوع الآخر فإنه إذا وجد واحد يوازن البرية ويرجح عليها ~~كان الخير الحاصل بوجوده والحكمة والمصلحة أضعاف الشر الحاصل من وجود ~~أضداده وأثبت وأنفع وأحب إلى الله من فواته بتفويت ذلك الشر المقابل له ~~وهذا كالشمس فإن الخير الحاصل بها أنفع للخلق وأكثر وأثبت وأصلح من تفويته ~~بتفويت الشر المقابل له بها وأين نفع الشمس وصلاح النبات والحيوان بها من ~~نفع الرسل وصلاح الوجود بهم بل أين ذلك من نفع سيد ولد آدم وصلاح الأبدان ~~والدين والدنيا والآخرة به # وقد ضرب للنفس الإنسانية وما فيها من الخير والشر مثلا بدولاب أو طاحون ~~شديد الدوران أي شيء خطفه ألقاه تحته وأفسده وعنده قيمه الذي يديره وقد ~~أحكم أمره لينتفع به ولا يضر أحدا فربما جاء الغر الذي لا يعرف فيقترب منه ~~فيخرق ثوبه أو بدنه أو يؤذيه فإذا قيل لصاحبه لم لم تجعله ساكنا لا يؤذي من ~~اقترب منه قال هذه صفته اللازمة التي كان بها دولابا وطاحونا ولو جعل على ~~غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه وكذلك إذا أوقدنا نار الأتون ~~التي تحرق ما وقع فيها وعندها وقاد حاذق يحشوها فإذا غفل عنها أفسدت وإذا ~~أراد أحد أن يقرب منها نهاه وحذره فإذا استغفله من قرب منها حتى أحرقته لم ~~يقل لصاحب النار هلا قللت حرها لئلا تفسد من يقرب منها وتحرقه فإنه يقول ~~هذه صفتها التي لا يحصل المقصود منها إلا بها ولو جعلتها دون ذلك لم تحرقه ~~أحجار الكلس ولم تطبخ الآجر ولم تنضج الأطعمة الغليظة ونحو ذلك فما يحصل من ms110 ~~الدولاب والطاحون ومن النار من نفعها هو من فضل الله PageV01P182 ورحمته ~~وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التي خلقت عليها والتي لا تكون نارا إلا ~~بها فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن نارا وكذلك النفس فما يحصل لها من شر ~~فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها وما يحصل لها من خير فهو من فضل ~~الله ورحمته والله خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل ~~وغير ذلك فأما الأمور العدمية فهي باقية على ما كانت عليه من العدم ~~والإنسان جاهل ظالم بالضرورة كما قال تعالى @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا @QE@ فإن الله أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا وهي ظالمة نفسها ~~فهي الظالمة والمظلومة إذ كانت منقوصة من كمالها بعدم بعض الكمالات أو ~~أكثرها بها وتلك الكمالات التي عدمت كان وجودها سببا لكمالات أخرى فصار ~~عدمها مستلزما لعدم تلك الكمالات التي لا سعادة لها بدونها فإن أحد ~~الموجودين قد يكون مشروطا بالآخر فيستحيل وجوده بدونه لأن عدم الشرط يستلزم ~~عدم المشروط فإذا عدمت النفس هذا الكمال المستلزم لكمال آخر مثله أو أعلى ~~منه وهي موصوفة بالنقص الذي هو الظلم والجهل ولوازمها من أصل الخلقة صارت ~~مستلزمة للشر وقوة شرها وضعفه بحسب قوتها وضعفها في ذاتها وتأمل أول نقص ~~دخل على أبي البشر وسرى إلى أولاده كيف كان من عدم العلم والعزم قال تعالى ~~@QB@ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما @QE@ والنسيان سواء ~~كان عدم العلم أو عدم الصبر كما فسر بهما ههنا فهو أمر عدمي ولهذا قال آدم ~~لما رأى ما دخل عليه من ذلك @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ فإنه إذا اعترف بنقصه خص نفسه بما حصل لها ~~من عدم العلم والصبر بالنسيان الذي أوجب فوات حظه من PageV01P183 الجنة ثم ~~قال @QB@ وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ فإنه سبحانه إن ~~لم يغفر السيئات الوجودية فيمنع أثرها وعقابها ويق ms111 العبد من ذلك وإلا ضرته ~~آثارها ولا بد كآثار الطعام المسموم إن لم يتداركه المداوي بشرب الترياق ~~ونحوه وإلا ضره ولا بد وإن لم يرحمه سبحانه بإيجاد ما يصلح به النفس وتصير ~~عالمة بالحق عاملة به وإلا خسر والمفغرة تمنع الشر والرحمة توجب الخير ~~والرب سبحانه إن لم يغفر للإنسان فيقيه السيئات ويرحمه فيؤتيه الحسنات وإلا ~~هلك ولا بد إذ عاد كما كان ظالما لنفسه ظلوما بنفسه فإن نفسه ليس عندها خير ~~يحصل لها منها وهي متحركة بالذات فإن لم تتحرك للخير تحركت إلى الشر فضرت ~~صاحبها وكونها متحركة بالذات من لوازم كونها نفسا لأن ما ليس حساسا متحركا ~~بالإرادة فليس نفسا ففي الصحيح عن النبي أصدق الأسماء حارث وهمام فالحارث ~~الكاسب العامل والهمام الكثير الهم والهم مبدأ الإرادة فالنفس لا تكون إلا ~~مريدة عاملة فإن لم توفق للإرادة PageV01P184 الصالحة وإلا وقعت في الإرادة ~~الفاسدة والعمل الضار وقد قال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر ~~جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين فأخبر سبحانه أن الإنسان خلق على ~~هذه الصفة وإن من كان على غيرها فلأجل ما زكاه الله به من فضله وإحسانه ~~وقال تعالى وخلق الإنسان ضعيفا قال طاوس ومقاتل وغيرهما لا يصبر عن النساء ~~وقال الحسن هو خلقه من ماء مهين وقال الزجاج ضعف عزمه عن قهر الهوى والصواب ~~أن ضعفه يعم هذا كله وضعفه أعظم من هذا وأكثر فإنه ضعيف البنية ضعيف القوة ~~ضعيف الإرادة ضعيف العلم ضعيف الصبر والآفات إليه مع هذاالضعف أسرع من ~~السيل في صيب الحدور فبالإضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ~~ويساعده فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه وخلقه ~~على هذه الصفة هو من الأمور التي يحمد عليها الرب سبحانه ويثنى عليه بها ~~وهو موجب حكمته وعزته فكل ما يحدث من هذه الخلقة ويلزم عنها فهو بالنسبة ~~إلى الخالق سبحانه خير وعدل وحكمة إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من ~~غناه ms112 وعلمه وعزته وحكمته ورحمته وبالنسبة إلى العبد تنقسم إلى خير وشر وحسن ~~وقبيح كما تكون بالنسبة إليه طاعة ومعصية وبرا وفجورا بل أخص من ذلك مثل ~~كونها صلاة وصياما وحجا وزنا وسرقة وأكلا وشربا إذ ذاك موجب حاجته وظلمه ~~وجهله وفقره وضعفه وموجب أمر الله ونهيه ولله سبحانه الحكمة البالغة ~~والنعمة السابغة والحمد المطلق على جميع ما خلقه وأمر به وعلى مالم يخلقه ~~مما لو شاءه لخلقه وعلى توفيقه الموجب لطاعته وعلى خذلانه الموقع في معصيته ~~وهو سبحانه سبقت رحمته غضبه وكتب على نفسه PageV01P185 الرحمة وأحسن كل شيء ~~خلقه وأتقن كل ما صنع وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله في ذلك ~~سبحانه أعظم حكمة مطلوبة وتلك الحكمة إنما تحصل على الوجه الواقع المقدر ~~بما خلق لها من الأسباب التي لا تنال غاياتها إلا بها فوجود هذه الأسباب ~~بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة ولهذا يقرن سبحانه في كتابه ~~بين اسمه الحكيم واسمه العليم تارة وبين اسمه العزيز تارة كقوله والله عليم ~~حكيم والله عزيز حكيم وقوله وكان الله عزيزا حكيما وكان الله عليما حكيما ~~وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم فإن العزة تتضمن القوة ولله القوة ~~جميعا يقال عز يعز بفتح العين إذا اشتد وقوي ومنه الأرض العزاز الصلبة ~~الشديدة وعز يعز بكسر العين إذا امتنع ممن يرومه وعز يعز بضم العين إذا غلب ~~وقهر فأعطوا أقوى الحركات وهي الضمة لأقوى المعاني وهو الغلبة والقهر للغير ~~وأضعفها وهي الفتحة لأضعف هذه المعاني وهو كون الشيء في نفسه صلبا ولا يلزم ~~من ذلك أن يمتنع عمن يرومه والحركة المتوسطة وهي الكسرة للمعنى المتوسط وهو ~~القوي الممتنع عن غيره ولا يلزم منه أن يقهر غيره ويغلبه فأعطوا الأقوى ~~للأقوى والأضعف للأضعف والمتوسط للمتوسط ولا ريب أن قهر المربوب عما يريده ~~من أقوى أوصاف القادر فإن قهره عن إرادته وجعله غير مريد كان أقوى أنواع ~~القهر والعز ضد الذل والذل أصله الضعف والعجز فالعز يقتضي كمال القدرة ~~ولهذا ms113 يوصف به المؤمن ولا يكون ذما له بخلاف الكبر قال رجل للحسن البصري ~~إنك متكبر فقال لست PageV01P186 بمتكبر ولكني عزيز وقال تعالى ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين وقال ابن مسعود ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر وقال النبي ~~اللهم أعز الإسلام بأحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب أو أبي جهل بن هشام وفي ~~بعض الآثار إن الناس يطلبون العزة في أبواب الملوك ولا يجدونها إلا في طاعة ~~الله عز وجل وفي الحديث اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك وقال بعضهم ~~من المعصية إلى عز الطاعة فالعزة من جنس القدرة والقوة وقد ثبت في الصحيح ~~عن النبي أنه قال المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من PageV01P187 المؤمن ~~الضعيف وفي كل خير فالقدرة إن لم يكن معها حكمة بل كان القادر يفعل ما ~~يريده بلا نظر في العاقبة ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله ~~كان فعلها فسادا كصاحب شهوات الغي والظلم الذي يفعل بقوته ما يريده من ~~شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس فإن هذا وإن كان له بقوة وعزة لكن ~~لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده وكذلك العلم كماله أن ~~تقترن به الحكمة وإلا فالعالم الذي لا يريد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه بل ~~يريد ما يهواه سفيه غاو وعلمه عون على الشر والفساد هذا إذا كان عالما ~~قادرا مريدا له إرادة من غير حكمة وإن قدر أنه لا إرادة له بحال فهذا أولا ~~ممتنع من الحي فإن وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إرادة ممتنع كوجود ~~إرادة بدون الشعور وأما القدرة والقوة إذا قدر وجودها بدون إرادة فهي كقوة ~~الجماد فإن القوة الطبيعية التي هي مبدأ الفعل والحركة لا إرادة لها وقد ~~قال بعض الناس إن للجماد شعورا يليق به واحتج بقوله تعالى وإن من الحجارة ~~لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما ~~يهبط من خشية الله وبقوله تعالى فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض وهذه ms114 ~~المسألة كبيرة تحتاج إلى كلام لا يليق بهذا الموضع والمقصود أن العلم ~~والقدرة المجردين عن الحكمة لايحصل بهما الكمال والصلاح وإنما يحصل ذلك ~~بالحكمة معها واسمه سبحانه الحكيم يتضمن حكمته في خلقه وأمره في إرادته ~~الدينية والكونية وهو حكيم في كل ما خلقه وأمر به PageV01P188 والناس في ~~هذا المقام أربع طوائف # الطائفة الأولى الجاحدة لقدرته وحكمته فلا يثبتون له سبحانه قدرة ولا ~~حكمة كما يقوله من ينفي كونه تعالى فاعلا مختارا وأن صدور العالم عنه ~~بالإيجاب الذاتي لا بالقدرة والاختيار وهؤلاء يثبتون حكمة يسمونها عناية ~~إلهية وهم من أشد الناس تناقضا إذ لا يعقل حكيم لا قدرة له ولا اختيار ~~وإنما يسمون ما في العالم من المصالح والمنافع عناية إلهية من غير أن يرجع ~~منها إلى الرب سبحانه إرادة ولا حكمة وهؤلاء كما أنهم مكذبون لجميع الرسل ~~فإنهم مخالفون لصريح العقل والفطرة قد نسبوا للرب سبحانه أعظم النقبص ~~وجعلوا كل قار مريد مختار أكمل منه وإن كان من كان بل سلبهم القدرة ~~والاختيار والفعل عن رب العالمين شر من شرك عباد الأصنام به بكثير وشر من ~~قول النصارى أنه تعالى عن قولهم ثالث ثلاثة وأن له صاحبة وولدا فإن هؤلاء ~~أثبتوا له قدرة وإرادة واختيارا وحكمة ووصفوه مع ذلك بما لا يليق به وأما ~~أولئك فنفوا ربوبيته وقدرته بالكلية وأثبتوا له أسماء لا حقائق لها ولا ~~معنى # والطائفة الثانية أقرت بقدرته وعموم مشيئته للكائنات وجحدت حكمته وماله ~~في خلقه من الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه التي يفعل لأجلها ويأمر ~~لأجلها فحافظت على القدر وجحدت الحكمة وهؤلاء هم النفاة للتعليل والأسباب ~~القوى والطبائع في المخلوقات فعندهم لا يفعل لشيء ولا لأجل شيء وليس في ~~القرآن عندهم لام تعليل ولا باء تسبب وكل لام توهم التعليل فهي عندهم لام ~~العاقبة وكل باء تشعر بالتسبب فهي عندهم باء المصاحبة وهؤلاء سلطوا نفاة ~~القدر عليهم بما نفوه من الحكمة والتعليل والأسباب فاستطالوا عليهم بذلك ~~فوجدوا مقالا واسعا بالشناعة فقالوا وشنعوا ولعمر والله إنهم لمحقون ms115 في ~~أكثر ما شنعوا عليهم به إذ نفي الحكمة والتعليل والأسباب له من لوازم في ~~غاية الشناعة والتزامها بمكابرة ظاهرة لعامة العقلاء PageV01P189 # والطائفة الثالثة أقرت بحكمته وأثبتت الأسباب والعلل والغايات في أفعاله ~~وأحكامه وجحدت كمال قدرته فنفت قدرته على شطر العالم وهو أشرف ما فيه من ~~أفعال الملائكة والجن والإنس وطاعاتهم بل عندهم هذه كلها لاتدخل تحت مقدوره ~~سبحانه ولا يوصف بالقدرة عليها ولا هي داخلة تحت مشيئته ولا ملكه وليس في ~~مقدوره عندهم أن يجعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والموفق موفقا بل هو الذي ~~تجعل نفسه كذلك وعندهم أن أفعال العباد من الملائكة والجن والإنس كانت بغير ~~مشيئته واختياره فتعالى الله عن قولهم وهؤلاء سلطوا عليهم نفاة الحكمة ~~والتعليل والأسباب فمزقوهم كل ممزق ووجدوا طريقا وسيعا إلى الشناعة عليهم ~~وأبدوا تناقضهم فقالوا وشنعوا ورموهم بكل داهية وفي قدرة الرب سبحانه على ~~شطر المملكة له لوازم في غاية الشناعة والقبح والفساد والتزامها مكابرة ~~ظاهرة عند عامة العقلاء ونفي التزامها تناقض بين فصاروا بذلك بين التناقض ~~وهو أحسن حالهم وبين التزام تلك العظائم التي تخرج عن الإيمان كما كان نفاة ~~الحكمة والأسباب والغايات كذلك # فهدى الله الطائفة الرابعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم فآمنوا بالكتاب كله وأقروا بالحق جميعه ووافقوا كل ~~واحدة من الطائفلتين على ما معها من الحق وخالفوهم فيما قالوه من الباطل ~~فآنوا بخلق الله وأمره بقدره وشرعه وأنه سبحانه المحمود على خلقه وأمره ~~وأنه له الحكمة البالغة والنعمة السابغة وأنه على كل شيء قدير فلا يخرج عن ~~مقدوره شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها وصفاتها كما لا يخرج عن علمه فكل ~~ما تعلق به علمه من العالم تعلقت به قدرته ومشيئته وآمنوا مع ذلك بأن له ~~الحجة على خلقه وأنه لا حجة لأحد عليه بل لله الحجة البالغة وأنه لو عذب ~~أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم بل كان تعذيبهم منه عدلا ~~منه وحكمة لا بمحض المشيئة المجردة ms116 عن السبب والحكمة كما PageV01P190 يقوله ~~الجبرية ولا يجعلون القدر حجة لأنفسهم ولا لغيرهم بل يؤمنون به ولا يحتجون ~~به ويعلمون أن الله سبحانه أنعم عليهم بالطاعات وأنها من نعمته عليهم ~~وفلضله وإحسانه وأن المعاصي من نفوسهم الظالمة الجاهلة وأنهم هم جناتها وهم ~~الذين اجترحوها ولا يحملونها على القضاء والقدر مع علمهم بشمول قضائه وقدره ~~لما في العالم من خير وشر وطاعة وعصيان وكفر وإيمان وأن مشيئة الله سبحانه ~~محيطة بذلك كإحاطة علمه به وأنه لو شاء ألا يعصى لما عصي وأنه تعالى أعز ~~وأجل من أن يعصى قسرا والعباد أقل من ذلك وأهون وأنه ما شاء الله كان وكل ~~كائن فهو بمشيئته ومالم يشأ لم يكن وما لم يكن فلعدم مشيئته فله الخلق ~~والأمر وله الملك والحمد وله القدرة التامة والحكمة الشاملة البالغة فهذه ~~الطائفة هم أهل البصر التام والأولى لهم العمى المطلق والثانية والثالثة كل ~~طائفة منهما لها عين عمياء ومع هذا فسرى العمى من العين العمياء إلى العين ~~الصحيحة فأعماها ولا يستكثر تكرار هذه الكلمات من يعلم شدة الحاجة إليها ~~وضرورة النفوس إليها فلو تكررت ما تكررت فالحاجة إليها في محل الضرورة ~~والله المستعان PageV01P191 # | فصل في إثبات الحمد كله لله عز وجل # ويجمع هذين الأصلين العظيمين أصل ثالث هو عقد نظامهما وجامع شملهما ~~وبتحقيقه وإثباته على وجهه يتم بناء هذين الأصلين وهو إثبات الحمد كله لله ~~رب العالمين فإنه المحمود على ما خلقه وأمر به ونهى عنه فهو المحمود على ~~طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم وهو المحمود على خلق الأبرار ~~والفجار والملائكة والشياطين وعلى خلق الرسل وأعدائهم وهو المحمود على عدله ~~في أعدائه كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه فكل ذرة من ذرات ~~الكون شاهدة بحمده ولهذا سبح بحمده السموات السبع الأرض ومن فيهن وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده وكان في قول النبي عند الاعتدال من الركوع ربنا ولك ~~الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد فله ~~سبحانه ms117 الحمد حمدا يملأ المخلوقات والفضاء الذي بين PageV01P192 السماوات ~~والأرض ويملأ ما يقدر بعد ذلك مما يشاء الله أن يملأ بحمده وذاك يحتمل ~~أمرين أحدهما أن يملأ ما يخلقه الله بعد السموات والأرض والمعنى أن الحمد ~~ملء ما خلقته وملء ما تخلقه بعد ذلك الثاني أن يكون المعنى ملء ما شئت من ~~شيء بعد يملؤه حمدك أي يقدر مملوءا بحمدك وإن لم يكن موجودا ولكن يقال ~~المعنى الأول أقوى لأن قوله ما شئت من شيء بعديقتضي أنه شيء يشاؤه وما شاء ~~كان والمشيئة متعلقة بعينه لا بمجرد ملء الحمد له فتأمله لكنه إذا شاء كونه ~~فله الحمد ملؤه فالمشيئة راجعة إلى المملوء بالحمد فلا بد أن يكون شيئا ~~موجودا يملؤه حمده وأيضا فإن قوله من شيء بعد يقتضي أنه شيء يشاؤه سبحانه ~~بعد هذه المخلوقات كما يخلقه بعد ذلك من مخلوقاته من القيامة وما بعدها # ولو أريد تقدير خلقه لقيل وملء ما شئت من شيء مع ذلك لأن المقدر يكون مع ~~المحقق وأيضا فإنه لم يقل ملء ما شئت أن يملأه الحمد بل قال ما شئت والعبد ~~قد حمد حمدا أخبر به وإن ثناءه ووصفه بأنه يملأ ما خلقه الرب سبحانه وما ~~يشاء بعد ذلك وأيضا فقوله وملء ما شئت من شيء بعد يقتضي إثبات مشيئة تتعلق ~~بشيء بعد ذلك وعلى الوجه الثاني قد تتعلق المشيئة بملءالمقدر وقد لا تتعلق ~~وأيضا فإذا قيل ما شئت من شيء بعد ذلك كان الحمد مالئا لما هو موجود يشاؤه ~~الرب دائما ولا ريب أن له الحمد دائما في الأولى والآخرة وأما إذا قدر ما ~~يملؤه الحمد وهو غير موجود فالمقدرات لا حد لها وما من شيء منها إلا يمكن ~~تقدير شيء بعده وتقدير ما لا نهاية له كتقدير الأعداد ولو أريد هذا المعنى ~~لم يحتج إلى تعليقه بالمشيئة بل قيل ملء ما لا يتناهى فأما ما يشاؤه الرب ~~فلا يكون إلا موجودا مقدرا وإن كان لا آخر لنوع الحوادث أو بقاء ما يبقى ~~منها ms118 فهذا كله مما يشاؤه بعد وأيضا فالحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على ~~وجه الحب له ومحاسن المحمود تعالى إما PageV01P193 قائمة بذاته وإما ظاهرة ~~في مخلوقاته فأما المعدوم المحض الذي لم يخلق ولا خلق قط فذاك ليس فيه ~~محاسن ولا غيرها فلا محامد فيه البتة فالحمد لله الذي يملأ المخلوقات ما ~~وجد منها ويوجد هو حمد يتضمن الثناء عليه بكماله القائم بذاته والمحاسن ~~الظاهرة في مخلوقاته وأما مالا وجود له فلا محامد فيه ولا مذام فجعل الحمد ~~مالئا له لا حقيقة له # وقد اختلف الناس في معنى كون حمده يملأ السموات والأرض وما بينهما فقالت ~~طائفة على جهة التمثيل أي لو كان أجساما لملأ السموات والأرض وما بينهما ~~قالوا فإن الحمد من قبيل المعاني والأعراض التي لا تملأ بها الأجسام ولا ~~تملأ الأجسام إلا بالأجسام والصواب أنه لا يحتاج إلى هذا التكلف البارد فإن ~~ملء كل شيء يكون بحسب المالىء والمملوء فإذا قيل امتلأت الإناء ماء وامتلأت ~~الجفنة طعاما فهذا الامتلاء نوع وإذا قيل امتلأت الدار رجالا وامتلأت ~~المدينة خيلا ورجالا فهذا نوع آخر وإذا قيل امتلأ الكتاب سطورا فهذا نوع ~~آخر وإذا قيل امتلأت مسامع الناس حمدا أو ذما لفلان فهذا نوع آخر كما في ~~أثر معروف أهل الجنة من امتلأت مسامعه من ثناء الناس عليه وأهل النار من ~~امتلأت مسامعه من ذم الناس له وقال عمر بن الخطاب في عبدالله بن مسعود كنيف ~~مليء علما ويقال فلان علمه قد ملأ الدنيا وكان يقال ملأ PageV01P194 ابن ~~أبي الدنيا الدنيا علما ويقال صيت فلان قد ملأ الدنيا وضيق الآفاق وحبه قد ~~ملأ القلوب وبغض فلان قد ملأ القلوب وامتلأ قلبه رعبا وهذا أكثر من أن ~~تستوعب شواهده وهو حقيقة في بابه وجعل الملء والامتلاء حقيقة للأجسام خاصة ~~تحكم باطل ودعوى لا دليل عليها البتة والأصل الحقيقة الواحدة والاشتراك ~~المعنوي هو الغالب على اللغة والأفهام والاستعمال فالمصير إليه أولى من ~~المجاز والاشتراك وليس هذا موضع تقرير المسألة # والمقصود أن الرب أسماؤه كلها ms119 حسنى ليس فيها اسم سوء وأوصافه كلها كمال ~~ليس فيها صفة نقبص وأفعاله كلها حكمة ليس فيها فعل خال عن الحكمة والمصلحة ~~وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم موصوف بصفة الكمال ~~مذكور بنعوت الجلال منزه عن الشبيه والمثال ومنزه عما يضاد صفات كماله ~~فمنزه عن الموت المضاد للحياة وعن السنة والنوم والسهو والغفلة المضاد ~~للقيومية وموصوف بالعلم منزه عن أضداده كلها من النسيان والذهول وعزوب شيء ~~عن علمه موصوف بالقدرة التامة منزه عن ضدها من العجز واللغوب والإعياء ~~موصوف بالعدل المنزه عن الظلم موصوف بالحكمة منزه عن العبث موصوف بالسمع ~~والبصر منزه عن أضدادهما من الصمم والبكم موصوف بالعلو والفوقية منزه عن ~~أضدا ذلك موصوف بالغنى التام منزه عما يضاده بوجه من الوجوه ومستحق للحمد ~~كله فيستحيل أن يكون غير محمود كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالق ولا ~~حي وله الحمد كله واجب لذاته فلا يكون إلا محمودا كما لا يكون إلا إلها ~~وربا وقادرا PageV01P195 # فإذا قيل الحمد كله لله فهذا له معنيان أحدهما أنه محمود على كل شيء وبكل ~~ما يحمد به المحمود التام وإن كان بعض خلقه يحمد أيضا كما بحمد رسله ~~وأنبياؤه وأتباعهم فلذلك من حمده تبارك وتعالى بل هو المحمود بالقصد الأول ~~وبالذات وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده فهو المحمود أولا وآخرا ~~وظاهرا وباطنا وهذا كما أنه بكل شيء عليم وقد علم غيره من علمه مالم يكن ~~يعلمه بدون تعليمه وفي الدعاء المأثور اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله ~~وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر ~~كله وهو سبحانه له الملك وقد آتى من الملك بعض خلقه وله الحمد وقد آتى غيره ~~من الحمد ما شاء وكما أن ملك الخلوق داخل في ملكه فحمده أيضا داخل في حمده ~~فما من محمود يحمد على شيء مما دق أو جل إلا والله المحمود عليه بالذات ~~والأولوية أيضا وإذا قال اللهم لك الحمد ms120 فالمراد به أنت المستحق لكل حمد ~~ليس المراد به الحمد الخارجي فقط المعنى الثاني أن يقال لك الحمد كله أي ~~الحمد التام الكامل فهذا مختص بالله ليس لغيره فيه شركة والتحقيق أن له ~~الحمد بالمعنيين جميعا فله عموم الحمد وكماله وهذا من خصائصه سبحانه فهو ~~المحمود على كل حال وعلى كل شيء أكمل حمد وأعظمه كما أن له الملك التام ~~العام فلا يملك كل شيء إلا هو وليس الملك التام الكامل إلا له وأتباع الرسل ~~يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد فإنهم يقولون إنه خالق كل شيء وربه ~~ومليكه لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء البتة فله الملك كله والقدرية ~~المجوسية يخرجون من ملكه أفعال العباد ويخرجون سائر حركات الملائكة والجن ~~والإنس عن ملكه وأتباع الرسل يجعلون ذلك كله داخلا في ملكه وقدرته ويثبتون ~~كمال الحمد أيضا وأنه المحمود على جميع ذلك وعلى كمال الحمد أيضا وأنه ~~المحمود على PageV01P196 جميع ذلك وعلى كل ما خلقه ويخلقه لما له فيه من ~~الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل وأما نفاة الحكمة والأسباب من ~~مثبتي القدر فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمدا كما لا يثبتون له الحكمة فإن ~~الحمد من لوازم الحكمة والحكمة إنما تكون في حق من يفعل شيئا لشيء فيريد ~~بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله فأما من لا يفعل شيئا لشيء البتة فلا ~~يتصور في حقه الحكمة وهؤلاء يقولون ليس في افعاله وأحكامه لام التعليل وما ~~اقترن بالمفعولات من قوى وطبائع ومصالح فإنما اقترنت بها اقترانا عاديا لا ~~أن هذا كان لأجل هذا ولا نشأ السبب لأجل المسبب بل لا سبب عندهم ولا مسبب ~~البتة إن هو إلا محض المشيئة وصرف الإراة التي ترجح مثلا على مثل بل لا ~~مرجح أصلا وليس عندهم في الأجسام طبائع وقوى تكون أسبابا لحركاتها ولا في ~~العين قوة امتازت بها على الرجل يبصر بها ولا في القلب قوة يعقل بها امتاز ~~بها عن الظهر بل خص سبحانه أحد الجسمين بالرؤية والعقل والذوق تخصيصا ms121 لمثل ~~على مثل بلا سبب أصلا ولا حكمة فهؤلاء لم يثبتوا له كمال الحمد كما لم يثبت ~~له أولئك كمال الملك وكلا القولين منكر عند السلف وجمهور الأمة ولهذا كان ~~منكرو الأسباب والقوى والطبائع يقولون العقل نوع من العلوم الضرورية كما ~~قاله القاضيان أبو بكر بن الطيب وأبو يعلى بن الفراء وأتباعهما وقد نص أحمد ~~على أنه غريزة وكذلك الحارث المحاسبي وغيرهما فأولئك لا يثبتون غريزة ولا ~~قوة ولا طبيعة ولا سببا وأبطلوا مسميات هذه الأسماء جملة وقالوا إن ما في ~~الشريعة من المصالح والحكم لم يشرع الرب سبحانه ما شرع من الأحكام لأجلها ~~بل اتفق اقترانها بها أمرا اتفاقيا كما قالوا نظير ذلك في المخلوقات سواء ~~والعلل عندهم أمارات محضة لمجرد الاقتران الاتفاقي وهم فريقان أحدهما لا ~~يعرجون على المناسبات ولا يثبتون العلل بها البتة وإنما يعتمدون على تأثير ~~العلة بنص أو إجماع فإن فقدوا فزعوا إلى الأقيسة الشبيهة PageV01P197 # والفريق الثاني أصلحوا المذهب بعض الإصلاح وقربوه بعض الشيء وأزالوا تلك ~~النفرة عنه فأثبتوا الأحكام بالعلل والعلل بالمناسبات والمصالح ولم يمكنهم ~~الكلام في الفقه إلا بذلك ولكن جعلوا اقتران أحكام تلك العلل والمناسبات ~~بها اقترانا عاديا غير مقصود في نفسه والعلل والمناسبات أمارات ذلك ~~الاقتران وهؤلاء يستدلون على إثبات علم الرب بما في مخلوقاته من الأحكام ~~والإتقان والمصالح وهذا تناقض بين منهم فإن ذلك إنما يدل إذا كان الفاعل ~~يقصد أن يفعل الفعل على وجه مخصوص لأجل الحكمة المطلوبة منه وأما من لم ~~يفعل لأجل ذلك الإحكام والإتقان وإنما اتفق اقترانه بمفعولاته عادة فإن ذلك ~~الفعل لا يدل على العلم ففي أفعال الحيوانات من الإحكام والإتقان والحكم ما ~~هو معروف لمن تأمله ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح مقصودة لها لم تدل ~~على علمها والمقصود أن هؤلاء إذا قالوا إنه تعالى لا يفعل لحكمة امتنع ~~عندهم أن يكون الإحكام دليلا على العلم وأيضا فعلى قولهم يمتنع أن يحمد على ~~فعله لأمر ما حصل للعباد من نفع فهو سبحانه لم ms122 يقصد بما خلقه نفعهم ولا ~~خلقه لنفعهم ومصالحهم بل إنما أراد مجرد وجوده لا لأجل كذا ولا لنفع أحد ~~ولا لضره فكيف يتصور في حق من يكون فعله ذلك حمد فلا يحمد على فعل عدل ولا ~~على ترك ظلم لأن الظلم عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل في المقدور وذلك لا ~~يمدح أحد على تركه وكل ما أمكن وجوده فهو عندهم عدل فالظلم مستحيل عندهم إذ ~~هو عبارة عن الممتنع المستحيل لذاته الذي لا يدخل تحت المقدور ولا يتصور ~~فيه ترك اختياري فلا يتيعلق به حمد وإخباره تعالى عن نفسه بقيامه بالقسط ~~حقيقته عندهم مجرد كونه فاعلا لا أن هناك شيا هو قسط في نفسه يمكن وجود ضده ~~وكذلك قوله وما ربك بظلام للعبيد نفي عندهم لما PageV01P198 هو مستحيل في ~~نفسه لا حقيقة له كجعل الجسم في مكانين في آن واحد وجعله موجودا معدوما في ~~آن واحد فهذا ونحوه عندهم هو الظلم الذي تنزه عنه وكذلك قوله يا عبادي إني ~~حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا فالذي حرمه على نفسه ~~هو المستحيل الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين وليس هناك ممكن يكون ظلما ~~في نفسه وقد حرمه على نفسه ومعلوم أنه لا يمح الممدوح بترك ما لو أراده لم ~~يقدر عليه وأيضا فإنه قال وجعلته محرما بينكم فالذي حرمه على نفسه هو الذي ~~جعله محرما بين عباده وهو الظلم المقدور الذي يستحق تاركه الحمد والثناء ~~والذي أوجب لهم هذا مناقضة القدرية المجوسية ورد أصولهم وهدم قواعدهم ولكن ~~ردوا باطلا بباطل وقابلوا بدعة ببدعة وسلطوا عليهم خصومهم بما التزموه من ~~الباطل فصارت الغلبة بينهم وبين خصومهم سجالا مرة يغلبون ومرة يغلبون لم ~~يستقر لهم النصرة وإنما النصرة الثابتة لأهل السنة المحضة الذين لم يتحيزوا ~~إلى فئة غير رسول الله ولم يلتزموا غير ما جاء به ولم يؤصلوا أصلا ببدعة ~~يسلطون عليهم به خصومهم بل أصلهم ما دل عليه كتاب الله وكلام رسوله وشهدت ~~به الفطر والعقول PageV01P199 # | فصل في بيان ms123 أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه # والمقصود بيان شمول حمده سبحانه وحكمته لك ما يحدثه من إحسان ونعمة ~~وامتحان وبلية وما يقضيه من طاعة ومعصية والله تعالى محمود على ذلك مشكور ~~حمد المدح وحمد الشكر أما حمد المدح فالله محمود على كل ما خلق إذ هو رب ~~العالمين والحمد لله رب العالمين وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق ~~المؤمن إذا اقترن بواجبه من الإحسان والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمه ~~والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمة والطاعة من أجل نعمه وأما ~~المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع ~~فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضا وإن ~~كان سببها مسخوطا مبغوضا للرب سبحانه ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة ~~والاستغفار وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده من الرجل إذا أضل راحلته بأرض دوية ~~مهلكة عليها طعامه وشرابه فأيس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإذا بها قد ~~تعلق خطامها في أصل شجرة فجاء حتى أخذها فالله أفرح بتوبة العبد حين يتوب ~~إليه من هذا براحلته فهذا الفرح العظيم الذي لايشبهه شيء أحب إليه سبحانه ~~من عدمه وله أسباب ولوازم لا بد منها وما يحصل لتقدير عدمه من الطاعات وإن ~~كان محبوبا له فهذا الفرمح PageV01P200 أحب إليه بكثير ووجوده بدون لازمه ~~ممتنع فله من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغبة ونعمة سابغة هذا ~~بالإضافة إلى الرب سبحانه وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال ~~عبوديته وخضوعه موقوفا على أسباب لا تحصل بدونها فتقدير الذنب عليه إذا ~~اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من ~~النعم باعتبار غايته وما يعقبه وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار ~~صورته ونفسه والرب سبحانه محمود على الأمرين فإن اتصل بالذنب الآثار ~~المحبوبة للرب سبحانه من التوبة والإنابة والذل والانكسار فهو عين مصلحة ~~العبد والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا ~~يكون إلا من ms124 خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الزكية ~~الطاهرة في الملأ الأعلى ومعلوم أن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها ~~فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار ~~المناسبة لها ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل ~~الأسفل فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها ~~الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له ولا يليق بها سواه والرب سبحانه ~~محمود على ذلك أيضا كما هو محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان ~~والإنعام القابلين له فما كل أحد قابلا لنعمته تعالى فحمده وحكمته تقتضي أن ~~لا يودع نعمه وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها ولا يبقى إلا أن يقال فما ~~الحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته فقد تقدم من الجواب عن ~~ذلك ما فيه كفاية وأن خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ~~ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية وأيضا ~~فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها ~~بقلبه ويده ولسانه أو بقلبه ولسانه قط أو بقلبه فقط ومأمور أن يجاهد ~~أربابها بحسب الإمكان فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه ~~وبدنه ومصالح دنياه وآخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك PageV01P201 # والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته ~~فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة وكان في ~~تمكين أهل الكفر والفسق والعصيان من ذلك إيصال إلى الكمال الذي يحصل لهم ~~بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه وبذل ~~نفوسهم وأموالهم وقواهم له فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة ~~وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة ~~في مرضاة محبوبة والتقرب إليه فإن بذل له روحه يحصل إلا بها أن يخلق ذواتا ~~وأسبابا وأعمالا وأخلاقا وطبائع تقتضي معاداة من ms125 يحبه ويؤثر مرضاته لها ~~وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها فكل أحد يحب الإحسان والراحة ~~والدعة واللذة ويحب من يوصل إليه ذلك ويحصله له ولكن الشأن في أمر وراء هذا ~~وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيء عليها ~~مما لا يلائمها فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يحب ~~ممن يحبه لأجل مخلوقاته فقط من المأكل والمشرب والمنكح والرياسة فإن أعطي ~~منها رضي وإن منعها سخط وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته فلولا ~~خلق الأضداد وتسليط أعدائه وامتحان أوليائه لم يستخرج خاص العبودية من ~~عبيده الذين هم عبيده ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه ~~والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له ولا عبودية بذل الأرواح ~~والأموال والأولاد والقوى في جهاد أعدائه ومضرته ولا عبودية مفارقة الناس ~~أحوج ما يكون إليهم عند لأجله في مرضاته ولا يتحيز إليهم وهو يرى محاب نفسه ~~وملاذها بأيديهم فيرضى مفارقتهم ومشاققتهم وإيثار موالاة الحق عليهم فلولا ~~الأضداد والأسباب التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار وأيضا فلولا تسليط ~~الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فلضيلة الصبر وجهاد النفس ~~ومنعها من خوضها وشهواتها محبة لله PageV01P202 وإيثارا لمرضاته وطلبا ~~للزلفى لديه والقرب منه وأيضا فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية ~~إنسانية بل كانت ملكية فإن الله سبحانه خلق خلقه أطوارا فخلق الملائكة ~~عقولا لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد من مادة نورية لا ~~تقتضي شيئا من الآثار والطبائع المذمومة وخلق الحيوانات ذوات شهوات لا عقول ~~لها وخلق الثقلين الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة ~~لآثارمختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء ~~وهم المعرضون للثواب والعقاب ولو شاء سبحانه لجعل خلقه على طبيعة خلق واحد ~~ولم يفاوت بينهم لكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة وموجب الربوبية ومقتضى ~~الإلهية ولو كان الخلق كله طبيعة واحدة ونمطا واحدا لوجد الملحد ms126 مقالا وقال ~~هذا مقتضى الطبيعة ولو كان فاعلا بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته ولفعل ~~الشيء وضده والشيء وخلافه وكذلك لولا شهود هذه الحوادث المشهودة لوجد ~~الملحد أيضا مقالا وقال لو كان لهذا العالم خالقا مختارا لوجدت فيه الحوادث ~~على حسب إرادته واختياره كما روى الحسن أو غيره قال كان أصحاب محمد يقولون ~~جل ربنا القديم إنه لو لم يتغير هذا الخلق لقال الشاك فيه إنه لو كان لهذا ~~العالم خالق لأحدثه بينا هو ليل إذ جاء نهار وبينا هو نهار إذ جاء ليل بينا ~~هو صحو إذ جاء غيم وبينا عو غيم إذ جاء صحو ونحو هذا من الكلام ولهذا يستدل ~~سبحانه في كتابه بالحوادث تارة وباختلافها تارة إذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته ~~وقدرته واختياره ووقوع كل الكائنات على وفق مشيئته فتنوع أفعاله ومفعولاته ~~من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه ولهذا خلق سبحانه النوع الإنساني ~~أربعة أقسام # أحدها لا من ذكر ولا أنثي وهو خلق أبيهم واصلهم آدم # الثاني خلقه من ذكر بلا أنثى كخلق أمهم حواء من ضلع من أضلاع PageV01P203 ~~آدم من غير أن تحمل بها أنثى أو يشتمل عليها بطن # الثالث خلقه من أنثى بلا ذكر كخلق المسيح عيسى بن مريم # الرابع خلق سائر النوع لإنساني من ذكر وأنثى وكل هذا ليدل عباده على كمال ~~قدرته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له ~~الكافرون به من أن ذلك أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال وأنه ليس للنوع أب ~~ولاأم وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد ولم ~~يعلم هؤلاء الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها محتاجة إلى ~~حامل لها وأنها من أدل الدلائل على وجود أمره في طبعها وخلقها وأودعها ~~الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته ومملوك ~~من مماليكه وعبيدة مسخرة لأمره تعالى منقادة لمشيئته ودلائل الصنعة وإمارات ~~الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها بأنها مخلوقة مصنوعة لا ~~تخلق ms127 ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها فضلا عن إسناد الكائنات إليها # والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والملك ~~وهو أيضا من موجبات الحمد فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه أيضا فإن ~~مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته فلكل اسم وصفة أثر لا بد من ظهوره فيه ~~واقتضائه له فيمتنع تعطيل آثار أسمائه وصفاته كما يمتنع تعطيل ذاته عنها ~~وهذه الآثار لها متعلقات ولوازم يمتنع أن لا توجد كما تقدم التنبيه عليه ~~وأيضا فإن تنويع أسباب الحمد أمر مطلوب للرب محبوب له فكما تنوعت أسباب ~~الحمد تنوع الحمد بتنوعها وكثر بكثرتها ومعلوم أنه سبحانه محمود على ~~انتقامه من أهل الإجرام والإساءة كما هو محمود على إكرامه لأهل العدل ~~والإحسان فهو محمود على هذا وعلى هذا مع ما يتبع ذلك من حمده على حلمه ~~وعفوه ومغفرته وترك PageV01P204 حقوقه ومسامحة خلقه بها والعفو عن كثير من ~~جنايات العبيد فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه ~~وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذهم بحقه لقضى إليهم أجلهم ولما ترك على ظهرها ~~من دابة ولكنه سبقت رحمته غضبه وعفوه انتقامه ومغفرته عقابه فله الحمد على ~~عفوه وانتقامه وعلى عدله وإحسانه ولا سبيل إلى تعطيل أسباب حمده ولا بعضها ~~فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر وليعطه حقه يطلعه على أبواب عظيمة من ~~أسرار القدر ويهبط به على رياض منه معشبة وحدائق مأنقة والله الموفق الهادي ~~للصواب # وأيضا فإن الله سبحانه نوع الأدلة الدالة عليه والتي تعرف عباده به غاية ~~التنوع وصرف الآيات وضرب الأمثال ليقيم عليهم حجته البالغة ويتم عليهم بذلك ~~نعمته السابغة ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليهم سبحانه بل الحجة كلها له ~~والقدرة كلها له فأقام عليهم حجته ولو شاء لسوى بينهم في الهداية كما قال ~~تعالى فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين فأخبر أن له الحجة البالغة ~~وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن للعقل دفعها ~~ولا جحدها ثم أخبر ms128 أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم ولو شاء ذلك لفعله ~~لكمال قدرته ونفوذ مشيئته ولكن حكمته تأبى ذلك وعدله يأبى تعذيب أحد وأخذه ~~بلا حجة فأقام الحجة وصرف الآيات وضرب الأمثال ونوع الأدلة ولو كان الخلق ~~كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأمور ولا تنوعت هذه الأدلة ~~والأمثال ولا ظهرت عزته سبحانه في انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم ~~ولا حججه التي أقامها على صدق أنبيائه ورسله ولا كان للناس آية في فئتين ~~التقتا فئة تقاتل في PageV01P205 سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي ~~العين ولا كان للخلق آية باقية ما بقيت الدنيا في شأن موسى وقومه وفرعون ~~وقومه وفلق البحر لهم ودخولهم جميعا فيه ثم إنجاء موسى وقومه ولم يغرق أحد ~~منهم وأغرق فرعون وقومه لم ينج منهم أحد فهذا التعرف إلى عباده وهذه الآيات ~~وهذه العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها البتة ولا توجد بدون لوازمها # وأيضا فإن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة ~~والإثابة والعقوبة والغضب والرضا والتولية والعزل وإعزاز من يليق به العز ~~وإذلال من يليق به الذل قال تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شىء ~~قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت ~~وتخرج الميت من الحى وترزق من تشاء بغير حساب وقال تعالى يسئله من في ~~السموات والأرض كل يوم هو في شأن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويكشف غما وينصر ~~مظلوما ويأخذ ظالما ويفك عانيا ويغني فقيرا ويجبر كسيرا ويشفي مريضا ويقيل ~~عثرة ويستر عورة ويعز ذليلا ويذل عزيزا ويعطي سائلا ويذهب بدولة ويأتي ~~بأخرى ويداول الأيام بين الناس ويرفع أقواما ويضع آخرين يسوق المقادير التي ~~قدرها قيل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء ~~منها عن وقته ولا يتأخر بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه وجرى به قلمه ms129 ~~ونفذ فيه حكمه وسبق به علمه فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف ملك ~~قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه ~~معارض فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة ~~فلا يخرج تصرفه عن ذلك PageV01P206 وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى ~~بن مردويه من حديث الحماني حدثنا إسحاق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن ~~يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى كل يوم ~~هو في شأن فقال سئل عنها رسول الله فقال من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ~~ويرفع قوما ويضع آخرين وفيه أيضا من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير أبو ~~عبدالسلام عن أيوب بن عبدالله بن مكرز عن أبيه قال قال عبدالله بن مسعود إن ~~ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه أيامكم عنده ~~اثنتا عشرة ساعة تعرض عليه أعمالكم بالأمس ثلاث ساعات من أول النهار فيطلع ~~منها على ما يكره فيغضب فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش فتسبح حملة ~~العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة وينفخ جبريل في ~~القرن فلا يبقى خلق لله في السموات ولا في الأرض إلا سمعه إلا الثقلين ~~ويسبحون لذلك ثلاث ساعات حتى يمتلىء الرحمن رحمة فتلك ست ساعات ثم يدعو ~~بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور فتلك تسع ساعات ثم ~~يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر فتلك اثنتا ~~عشرة ساعة ثم قرأ عبدالله كل يوم هو في شأن ثم قال هذا شأنكم وشأن ربكم ~~PageV01P207 عز وجل وذكره الطبراني في المعجم الكبير من وجه آخر وهذا من ~~تمام تصرفه في ملكه سبحانه فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن ~~تصرفا تاما # والمقصود أن الملك والحمد في حقه متلازمان فكل ms130 ما شمله ملكه وقدرته شمل ~~حمده فهو محمود في ملكه وله الملك والقدرة مع حمده فكما يستحيل خروج شيء من ~~الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته ولهذا يحمد سبحانه ~~نفسه عند خلقه وأمره لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده فهو محمود ~~على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر وعبودية وحمد ثناء ومدح ويجمعهما التبارك ~~فتبارك الله يشمل ذلك كله ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله ألا له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح والطرق إلى ~~العلم به في غاية الكثرة والسبيل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزئياته ~~وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جدا لأن جميع أسمائه تبارك وتعالى حمد وصفاته ~~حمد وأفعاله حمد وأحكامه حمد وعدله حمد وانتقامه من أعدائه حمد وفضله في ~~إحسانه إلى أوليائه حمد والخلق والأمر إنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر ~~بحمده وكان الغاية هي PageV01P208 حمده فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله ~~فحمده روح كل شيء وقيام كل شيء بحمده وسريان حمده في الموجودات وظهور آثاره ~~فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر من الطرق الدالة على شمول معنى الحمد ~~وانبساطه على جميع المعلومات معرفة أسمائه وصفاته وإقرار العبد بأن للعالم ~~إلها حيا جامعا لكل صفة كمال واسم حسن وثناء جميل وفعل كريم وأنه سبحانه له ~~القدرة التامة والمشيئة النافذة والعلم المحيط والسمع الذي وسع الأصوات ~~والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات والملك ~~الأعلى الذي لا يخرج عنه ذرة من الذرات والغنى التام المطلق من جميع الجهات ~~والحكمة البالغة المشهودة آثارها في الكائنات والعزة الغالبة بجميع الوجوه ~~والاعتبارات والكلمات التامات النافذات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من ~~جميع البريات واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيته ولا شبيه له في ~~ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وليس له من يشركه في ذرة من ذرات مكله أو ~~يخلفه في تدبير خلقه أو يحجبه عن داعيه أو مؤمليه أو سائليه أو ms131 يتوسط بينهم ~~وبينه بتلبيس أو فرية أو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك ولو كان ~~كذلك لفسد نظام الوجود وفسد العالم بأسره لو كان فيهما إلهة إلا الله ~~لفسدتا ولو كان معه آلهة أخرى كما يقوله أعداؤه المبطلون لوقع من النقص في ~~التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبت معه حال ولا يصلح عليه وجود ومن أعظم ~~نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له أن يجعلنا عبيدا له خاصة ولم يجعلنا ~~ربنا منقسمين بين شركاء متشاكسين ولم يجعلنا عبيدا لإله نحتته الأفكار لا ~~يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا PageV01P209 يملك ~~لعابديه ضرا ولا نفعا ولا وموتا ولا حياة ولا نشورا ولا تكلم قط ولا يتكلم ~~ولا يأمر ولا ينهى ولا ترفع إليه الأيدي ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا ~~يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل الصالح وأنه ليس داخل العالم ~~ولا خارجه ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا ~~متصلا به ولا منفصلا عنه ولا محاذيا له ولا مباينا ولا هو مستو على عرشه ~~ولا هو فوق عباده وحظ العرش منه حظ الحشوش والأخلية ولا تنزل الملائكة من ~~عنده بل لا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء ولا يحب ~~ولا يحب ولا يلتذ المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم في دار الثواب بل ليس له ~~وجه يرى ولا له يد يقبض بها السموات وأخرى يقبض بها الأرض ولا فعل يقوم به ~~ولا حكمة تقوم به ولا كلم موسى تكليما ولا تجلى للجبل فجعله دكا هشيما ولا ~~يجيء يوم القيامة لفصل القضاء ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول أسأل ~~عن عبادي غيري ولا يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ويجوز في حكمته تعذيب ~~أنبيائه ورسله وملائكته وأهل طاعته أجمعين من أهل السموات والأرضين وتنعيم ~~أعدائه من الكفار به والمحاربين له والمكذبين له ولرسله والكل بالنسبة إليه ~~سواء ولا فرق البتة إلا أنه ms132 أخبر أنه لا يفعل ذلك فامتنع للخبر بأنه لا ~~يفعله لا لأنه في نفسه مناف لحكمته ومع ذلك فرضاه عين غضبه وغضبه عين رضاه ~~ومحبته كراهته وكراهته محبته إن هي إلا إرادة محضة ومشيئة صرفة يشاء بها لا ~~لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة ومع ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوه ولا ~~قدرة لهم عليه بل يعذبهم على نفس فعله الذي فعله هو ونسبه إليهم ويعذبهم ~~إذا لم يعفلوا فعله ويلومهم عليه يجوز في حكمته أن يعذب رجالا إذا لم ~~يكونوا نساء ونساء حيث لم يكونوا رجالا وطوالا حيث لم يكونوا قصارا وبالعكس ~~وسودا إذا لم يكونوا بيضا وبالعكس بل تعذيبه لهم على مخالفته هو من هذا ~~الجنس إذ لا قدرة لهم PageV01P210 البتة على فعل ما أمروا به ولا ترك ما ~~نهوا عنه فله الحمد والمنة والثناء الحسن الجميل إذ لم يجعلنا عبيدا لمن ~~هذا شأنه فنكون مضيعين ليس لنا رب نقصده ولا صمد نتوجه إليه ونعبده ولا إله ~~نعول عليه ولا رب نرجع إليه بل قلوبنا تنادي في طرق الحيرة من دلنا وجمع ~~علينا ربا ضائعا لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا محاذ له ولا ~~متصل به ولا منفصل عنه ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا كلم ~~أحدا ولا يكلمه أحد ولا ينبغي له أن يعاقب بالقتل أو بالضرب والحبس من ~~ذكرها أو أخبر عنه بها أو أثبتها له أو نسبها إليه أو عرفه بها بل التوحيد ~~الصرف جحدها وتعطيله عنها ونفي قيامها به واتصافه بها وما لم تدركه عقولنا ~~من ذلك فالواجب نفيه وجحده وتكفير من أثبته واستحلال دمه وماله أو تبديعه ~~وتضليله وتفسيقه وكلما كان النفي أبلغ كان التوحيد أتم فليس كذا وليس كذا ~~أبلغ في التوحيد من قولنا هو كذا وهو كذا فلله العظيم أعظم حمد وأتمه ~~وأكمله على ما من به من معرفته وتوحيده والإقرار بصفاته العليا وأسمائه ~~الحسنى وإقرار قلوبنا بأنه الله الذي لا إله ms133 إلا هو عالم الغيب والشهادة رب ~~العالمين قيوم السموات والأرضين إله الأولين والآخرين ولا يزال موصوفا ~~بصفات الجلال منعوتا بنعوت الكمال منزها عن أضدادها من النقائص والتشبيه ~~والمثال فهو الحي القيوم الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم ~~مالك السموات والأرض الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه العالم ~~بكل شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم فلا تسقط ورقة ~~إلا بعلمه ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا ~~يطلع عليها الملك PageV01P211 ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب ~~البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضائها ولحمها ~~ودمها ومخها وعروقها ويرى دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويرى ~~ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق السموات السبع السميع الذي قد استوى ~~في سمعه سر القول وجهره وسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه أصوات الخلق ولا ~~تشتبه عليه ولا يشغله منها سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه كثرة ~~السائلين قالت عائشة الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة ~~تشكو إلى رسول الله وإني ليخفى علي بعض كلامها فأنزل الله عز وجل قد سمع ~~الله قول التى تجاد لك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن ~~الله سميع بصير القدير الذي لكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويجعل ~~المؤمن مؤمنا والكافر كافرا والبر برا والفاجر فاجرا وهو الذي جعل إبراهيم ~~وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره وجعل فرعون وقومه أئمة يدعون إلى النار ~~ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء أن يعلمه إياه ولكمال ~~قدرته خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب ولا ~~يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته بل هو في قبضته أين كان فإن فر منه فإنما يطوي ~~المراحل في يديه كما قيل # وكيف يفر المرء عنك بذنبه % إذا كان يطوي في يديك ms134 المراحلا PageV01P212 # ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه ~~ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السموات والأرض ولم تسعه أرضه ولا سماواته ~~ولم تحط به مخلوقاته بل هو العالي على كل شيء وهو بكل شيء محيط ولا تنفد ~~كلماته ولا تبدل ولو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادا وأشجار الأرض ~~أقلاما فكتب بذلك المداد وبتلك الأقلام لنفد المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد ~~كلماته إذ هي غير مخلوقة ويستحيل أن يفنى غير مخلوق بالمخلوق ولو كان كلامه ~~مخلوقا كما قاله من لم يقدره حق قدرة ولا أثنى عليه بما هو أهله لكان أحق ~~بالفناء من هذا المداد وهذه الأقلام لأنه إذا كان مخلوقا فهو نوع من أنواع ~~مخلوقاته ولا يحتمل المخلوق إفناء هذا المداد وهذه الأقلام وهو باق غير فان ~~وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين ويحبونه بل لا شيء أحب إليهم منه ولا ~~أشوق إليهم من لقائه ولا أقر لعيونهم من رؤيته ولا أحظى عندهم من قربه وأنه ~~سبحانه له الحكمة البالغة في خلقه وأمره وله النعمة السابغة على خلقه وكل ~~نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وأنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها وأنه ~~أفرح بتوبة عبده من واجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة ~~بعد فقدها واليأس منها وأنه سبحانه لم يكلف عباده إلا وسعهم وهو دون طاقتهم ~~فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم بخلاف وسعهم فإنه ما يسعونه ويسهل عليهم ~~ويفضل قدرهم عنه كما هو الواقع # وأنه سبحانه لا يعاقب أحدا بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره ولا يعاقبه ~~بترك ما لا يقدر على فعله ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه وأنه حكيم ~~كريم جواد ماجد محسن ودود صبور شكور يطاع فيشكر ويعصى فيغفر لا أحد أصبر ~~على أذى سمعه منه ولا أحد أحب إليه المدح منه ولا أحد أحب إليه العذر منه ~~ولا أحد أحب إليه الإحسان منه فهو محسن PageV01P213 يحب المحسنين شكور يحب ~~الشاكرين جميل يحب ms135 الجمال طيب يحب كل الطيب نظيف يحب النظافة عليم يحب ~~العلماء من عباده كريم يحب الكرماء قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن ~~الضعيف بر يحب الأبرار عدل يحب أهل العدل حيي ستير يحب أهل الحياء والستر ~~غفور عفو يحب من يعفو عن عباده ويغفر لهم صادق يحب الصادقين رفيق يحب الرفق ~~جواد يحب الجود وأهله رحيم يحب الرحماء وتر يحب الوتر ويحب أسماءه وصفاته ~~ويحب المتعبدين له بها ويحب من يسأله ويدعوه بها ويحب من يعرفها ويعقلها ~~ويثني عليه بها ويحمده ويمدحه بها كما في الصحيح عن النبي لا أحد أحب إليه ~~المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك ~~حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ~~ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وفي حديث آخر صحيح لا أحد أصبر على أذى ~~يسمعه من الله يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم ولمحبته لأسمائه وصفاته ~~أمر عباده بموجبها ومقتضاها فأمرهم بالعدل والإحسان والبر والعفو الجود ~~والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت ولما ~~كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته كان أحب الخلق إليه من اتصف بالصفات التي ~~يحبها وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها فإنما أبغض من اتصف بالكبر ~~والعظمة والجبروت لأن اتصافه بها ظلم إذ لا تليق به هذه الصفات ولا ~~PageV01P214 تحسن منه لمنافاتها لصفات العبد وخروج من اتصف بها من ربقة ~~العبودية ومفارقته لمنصبه ومرتبته وتعديه طوره وحده وهذا خلاف ما تقدم من ~~الصفات كالعلم والعدل والرحمة الإحسان والصبر والشكر فإنها لا تنافي ~~العبودية بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته إذ المتصف بها من العبيد لم ~~يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية والمقصود أنه سبحانه لكمال ~~أسمائه وصفاته موصوف بكل صفة كمال منزه عن كل نقص له كل ثناء حسن ولا يصدر ~~عنه إلا كل فعل جميل ولا يسمى إلا بأحسن الأسماء ولا يثنى عليه إلا ms136 بأكمل ~~الثناء وهو المحمود المحبوب المعظم ذو الجلال والإكرام على كل ما قدره ~~وخلقه وعلى ما أمر به وشرعه # ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقراء آثارها في الخلق والأمر ~~رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام ورأى سريان آثارها فيهما وعلم ~~بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق فاستدل بأسمائه ~~على ما يفعله وما لا يفعله فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته وكذلك يعلم ~~ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به فيعلم أنه لا يأمر بخلاف موجب ~~حمده وحكمته فإذا رأى في بعض الأحكام جورا وظلما أو سفها وعبثا ومفسدة أو ~~ما لا يوجب حمدا وثناء فليعلم أنه ليس من أحكامه ولا دينه وأنه بريء منه ~~ورسوله فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم وبالمصلحة لا بالمفسدة وبالحكمة لا ~~بالعبث والسفه وإنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة وبعثه ~~بالرحمة لا بالقسوة فإنه أرحم الراحمين ورسوله رحمة مهداة إلى العالمين ~~ودينه كله رحمة وهو نبي الرحمة وأمته الأمة المرحومة وذلك كله موجب أسمائه ~~الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة فلا يخبر عنه إلا بحمده ولا يثنى ~~عليه إلا بأحسن الثناء كما لا يسمى إلا بأحسن الأسماء # وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره بأن حمد نفسه في PageV01P215 ~~أول الخلق وآخره وعند الأمر والشرع وحمد نفسه على ربوبيته للعالمين وحمد ~~نفسه على تفرده بالإلهية وعلى حياته وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا ~~يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه وحمد ~~نفسه على علوه وكبريائه وحمد نفسه في الأولى والآخرة وأخبر عن سريان حمده ~~في العالم العلوي والسفلي ونبه على هذا كله في كتابه وحمد نفسه عليه فتنوع ~~حمده وأسباب حمده وجمعها تارة وفرقها أخرى ليتعرف إلى عباده ويعرفهم كيف ~~يحمدونه وكيف يثنون عليه وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه ~~وحمدوه قال تعالى الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وقال ms137 ~~تعالى الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين ~~كفروا بربهم يعدلون وقال تعالى الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين @QB@ وقال @QE@ ~~الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير وقال تعالى الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة ~~رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل ~~شيء قدير @QB@ وقال @QE@ وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون PageV01P216 @QB@ وقال @QE@ هو الحي لا إله ~~إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين @QB@ وقال @QE@ ~~فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين ~~تظهرون # وأخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته ~~والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين # وأخبر عن حمد أهل الجنة له وأنهم لم يدخلوها إلا بحمده كما أن أهل النار ~~لم يدخلوها إلا بحمده فقال عن أهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا ~~لنهتدي لولا أن هدانا الله و دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وقال عن أهل النار ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركاءي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا ~~برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون @QB@ وقال @QE@ ~~فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم ~~وعلموا أنهم كانوا كاذبين في الدنيا مكذبين بآيات ربهم مشركين به جاحدين ~~لإلهيته مفترين عليه وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم وأخذهم ببعض حقه عليهم ~~وأنه غير ظالم PageV01P217 لهم وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده وإنما ~~عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه لا كما تقول الجبرية ~~وتفصيل هذه الحكمة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ms138 ولا إلى ~~التعبير عنه ولكن بالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناء جميل وكل حمد ومدح ~~وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمها ~~وأدومها وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه به فهو محامد له وثناء وتسبيح ~~تقديس فسبحانه وبحمده لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثنى على ~~نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه فله الحمد أولا وآخرا حمدا كثيرا طيبا ~~مباركا فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده # فهذا تنبيه على أحد نوعي حمده وهو حمد الصفات والأسماء والنوع الثاني حمد ~~النعم والآلاء وهذا مشهود للخليقة برها وفاجرها مؤمنها وكافرها من جزيل ~~مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه وحسن معاملته لعباده وسعة ~~رحمته لهم وبره ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرين وكشف كربات المكروبين ~~وإغاثة الملهوفين ورحمته للعالمين وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير ~~استحقاق بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه ودفع المحن والبلايا بعد ~~انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها ولطفه تعالى في ذلك بإيصاله إلى من أراده ~~بأحسن الألطاف وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال وهدايته خاصته وعباده ~~إلى سبيل دار السلام ومدافعته عنهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام ~~وحبب إليهم الإيمان وزينة في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ~~وجعلهم من الراشدين وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه وسماهم ~~المسلمين قبل أن يخلقهم وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه وتحبب ~~إليهم بنعمة مع غناه وتبغضهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه ومع هذا كله فاتخذ ~~لهم دارا وأعد لهم فيها من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين PageV01P218 ~~وملأها من جميع الخيرات وأودعها من النعيم والحبرة والسرور والبهجة ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم ~~إليها ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها ورضي منهم ~~باليسير في هذه المدة القصيرة جدا بالإضافة إلى بقاء دار ms139 النعيم وضمن لهم ~~إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرا وإن أساؤوا واستغفروه أن يغفر لهم ووعدهم ~~أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات وذكرهم بآلائه ~~وتعرف إليهم بأسمائه وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانا لا حاجة منه ~~إليهم ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصاينة لهم لا بخلا منه عليهم وخاطبهم ~~بألطف الخطاب وأحلاه ونصحهم بأحسن النصائح ووصاهم بأكمل الوصايا وأمرهم ~~بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال وصرف لهم الآيات وضرب لهم ~~الأمثال ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته وفتح لهم أبواب الهداية وعرفهم ~~الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه ويخاطبهم بألطف الخطاب ~~ويسميهم بأحسن أسمائهم كقوله يا أيها الذين آمنوا وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيه المؤمنون يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم قل لعبادي وإذا سألك عبادي ~~عني فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف كقوله يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا ~~والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~PageV01P219 فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون يا أيها الناس اذكروا نعمة ~~الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو ~~فأنى تؤفكون يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك ~~فعدلك يا أيها الذين إمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون يا أيها الذين إمنوا ~~لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من ~~أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون يا أيها ~~الذين إمنوا لا تتخذوا ms140 عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا ~~بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم ~~خرجتم جهادا في سبيلي واتبغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما ~~أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله PageV01P220 وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في ~~الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات ~~لعلكم تشكرون يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا فتحت هذا ~~الخطاب إني عاديت إبليس وطردته من سمائي وباعدته من قربي إذ لم يسجد لأبيكم ~~آدم ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دوني وهم أعداء لكم فليتأمل اللبيب ~~مواقع هذا الخطاب وشدة لصوقه بالقلوب والتباسه الأرواح وأكثر القرآن جاء ~~على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة ~~وأعلم عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وأجل العلوم ~~والمعارف قال تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم @QB@ وقال @QE@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت PageV01P221 ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QB@ وقال @QE@ يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر وقال تعالى يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ~~ضعيفا ms141 # ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التي نسبها إليه من لم ~~يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا ~~طاقة لهم بفعله البتة وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به وخلق السموات والأرض وما ~~بينهما لا لحكمة ولا لغاية وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم ولا ليتكثر ~~بهم من قلة ولا ليتعزز بهم كما قال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما ~~أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة ~~منه إليهم ولا ليربح عليهم لكن خلقهم جودا وإحسانا ليعبدوه فيربحوا هم عليه ~~كل الأرباح كقوله إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ~~ولما أمرهم بالوضوء وبالغسل من الجنابة الذي يحط عنهم أوزارهم ويدخلون به ~~عليه ويرفع به درجاتهم قال تعالى ما يريد الله PageV01P222 ليجعل عليكم من ~~حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون وقال في الأضاحي ~~والهدايا لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم وقال عقيب ~~أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون ولستم بإخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد يقول ~~سبحانه إني غني عما تنفقون أن ينالني منه شيء حميد مستحق المحامد كلها ~~فإنفاقكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمدا بل هو الغني بنفسه الحميد بنفسه ~~وأسمائه وصفاته وإنفاقكم إنما ننفعه لكم وعائدته عليكم ومن المتعين على من ~~لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه وجذبه للقلوب والأرواح ~~ومخالطته لها أن يعالج قلبه بالتقوى وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي ~~حالت بينه وبين حظه من ذلك ويتعرض إلى الأسباب التي يناله بها من صدق ~~الرغبة واللحأ إلى الله أن يحيي قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة ~~فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة ~~لا في الدنيا ولا في الآخرة ومن أراد مطالعة أصول النعم فليدم سرح ms142 الذكر في ~~رياض القرآن وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول ~~القرآن إلى آخره حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم ~~عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ~~ومحاربتها فالله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من ~~محبوب ومكروه ونعمه ومحنه وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه ~~وإكرامه لأوليائه PageV01P223 وفي كل ما قضاه وقدره وتفصيل ذلك لا تفي به ~~أقلام الدنيا وأوراقها ولا قوى العباد وإنما هو التنبيه والإشارة ومن ~~استقرى الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناء تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ ~~كنهها وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فلله سبحانه محامد ~~ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست في الضمائر ولا ~~لاحت لمتوسم ولا سنحت في فكر ففي دعاء أعرف الخلق بربه وأعلمهم بأسمائه ~~وصفاته ومحامده أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو ~~علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع ~~قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي / ح / وفي الصحيح عنه في حديث ~~الشفاعة لما يسجد بين يدي ربه قال فيفتح قلبي من محامده بشيء لا أحسنه الآن ~~/ ح / وكان يقول في سجوده أعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كا أثنيت على ~~نفسك / ح / فلا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه البتة وله أسماء وأوصاف وحمد ~~وثناء لا يعلمه PageV01P224 ملك مقرب ولا نبي مرسل ونسبة ما يعلم العباد من ~~ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر # فإن قيل فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاء والامتحان والآلام ~~للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه وما ~~تقولون في الأسماء الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها قيل ~~قد تقدم من الكلام في ذلك ما يكفي بعضه لذي الفطرة السليمة والعقل المستقيم ~~وأما من ms143 فسدت فطرته وانتكس قلبه وضعفت بصيرة عقله فلو ضرب له من الأمثال ما ~~ضرب فإنه لا يزيده إلا عمى وتحيرا ونحن نزيد ما تقدم إيضاحا وبيانا إذ بسط ~~هذا المقام أولى من اختصاره فنقول قد علمت أن جميع أسماء الرب سبحانه حسنى ~~وصفاته كمال وأفعاله حكمة ومصلحة وله كل ثناء وكل حمد ومدحة وكل خير فمنه ~~وله وبيده والشر ليس إليه بوجه من الوجوه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله ولا في اسمائه وإن كان في مفعولاته فهو خير بإضافته إليه وشر ~~بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به فتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه في كل دقيق ~~وجليل وحكمه على كل ما يرد عليك وحاكم إليه واجعله آخيتك التي ترجع إليها ~~وتعتمد عليها واعلم أن لله خصائص في خلقه ورحمة وفضلا يختص به من يشاء وذلك ~~موجب ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته فإياك ثم إياك أن تصغي إلى وسوسة شياطين ~~الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة إنه هلا سوى بين عباده في تلك الخصائص ~~وقسمها بينهم على السواء فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به وقد بينا ~~فيما تقدم أن حكمته تأبى ذلك وتمنع منه ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين فضله ~~وعدله فيختص برحمته من يشاء ويقصد بعذابه من يشاء وهو المحمود على هذا ~~فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته والخبيثون مقصودون بعذابه ولكل واحد ~~قسطه من الحكمة والابتلاء والامتحان وكل مستعمل فيما هو له مهيأ وله مخلوق ~~وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين فإنه تعالى PageV01P225 خلقهم للخيرات فهم ~~لها عاملون واستعملهم فيها فلم يدركوا ذلك إلا به ولا استحقوه إلا بما سبق ~~لهم من مشيئته وقسمته فكذلك لا تضرهم الأدواء ولا السموم بل متى وسوس لهم ~~العدو واغتالهم بشيء من كيده أو مسهم بشيء من طيفه تذكروا فإذا هم مبصرون ~~وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون وإذا وقعوا في معصية صغيرة أو كبيرة ~~عاد ذلك عليهم رحمة وانقلب في حقهم دواء وبدل حسنه بالتوبة النصوح ms144 والحسنات ~~الماحية لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه حيث ~~نقض عزماتهم وقد عزموا أن لا يعصوه وأراهم عزته في قضائه وبره وإحسانه في ~~عفوه ومغفرته وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل وأشهدهم ~~حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم وأنه إن لم يعف عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل ~~إلى النجاة أبدا فإنهم لما أعطوا من أنفسهم العزم أن لا يعصوه وعقدوا عليهم ~~قلوبهم ثم عصوه بمشيئته وقدرته عرفوا بذلك عظيم اقتداره وجميل ستره إياهم ~~وكريم حلمه عنهم وسعة مغفرته لهم برد عفوه وحنانه وعطفه ورأفته وأنه حليم ~~ذو أناة ورحيم سبقت رحمته غضبه وأنهم متى رجعوا إليه بالتوبة وجدوه غفورا ~~رحيما حليما كريما يغفر لهم السيئات ويقيلهم العثرات ويودهم بعد التوبة ~~ويحبهم فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء وتوسلوا إليه بحسن إجابته وجميل عطفه ~~وحسن امتنانه في أن ألهمهم دعاءه ويسرهم للتوبة والإنابة وأقبلوا بقلوبهم ~~إليه بعد إعراضها عنه ولم تمنعه معاصيهم وجناياتهم من عطفه عليهم وبره لهم ~~وإحسانه إليهم فتاب عليهم قبل أن يتوبوا إليه وأعطاهم قبل أن يسألوه فلما ~~تابوا إليه واستغفروه وأنابوا إليه تعرف إليهم تعرفا آخر فعرفهم رحمته وحسن ~~عائدته وسعة مغفرته وكريم عفوه وجميل صفحه وبره وامتنانه وكرمه وشرعه ~~ومبادرته قبولهم بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرور وشدة النفور ~~والإيضاع في طرق معاصيه وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم وبره العميم وكرمه في ~~أن خلى بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمه وإعانته ثم لم يخل بينهم وبين ما ~~توجبه من PageV01P226 الهلاك والفساد الذي لا يرجى معه فلاح بل تداركهم ~~بالدواء الثاني الشافي فاستخرج منهم داء لو استمر معهم لأفضى إلى الهلاك ثم ~~تداركهم بروح الرجاء فقذفه في قلوبهم وأخبر أنه عند ظنونهم به ولو أشهدهم ~~عظم الجناية وقبح المعصية وغضبه ومقته على من عصاه فقط لأورثهم ذلك المرض ~~القاتل أو الداء العضال من اليأس من روحه والقنوط من رحمته وكان ذلك عين ~~هلاكهم ولكن رحمهم قبل البلاء وجعل تلك الآثار التي توجبها ms145 المعصية من ~~المحن والبلاء والشدائد رحمة لهم وسببا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفى ~~والكرامة عنده فأشهدهم بالجناية عزة الربوبية وذل العبودية ورقاهم بآثارها ~~إلى منازل قربة ونيل كرامته فهم على كل حال يربحون عليه يتقلبون في كرمه ~~وإحسانه وكل قضاء يقضيه للمؤمن فهو خير به يسوقه إلى كرامته وثوابه وكذلك ~~عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم فإذا استرجعها أيضا وسلبهم إياها انقلبت من ~~عطايا الآخرة ما قيل إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة فإذا ~~استرجعها كانت عطايا الآخرة والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين ~~وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه ومضى مشيئته وعظيم سلطانه وعلو شأنه وكرمه ~~وبره وإحسانه وسعة مغفرته ورحمته وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه ~~وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية ووراءه مما لم تحتمله قواهم ولا يخطر ~~ببال ولا يدخل في خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه فاعلم أن الذين كان قسمهم ~~أنواع المعاصي والفجور وفنون الكفر والشرك والتقلب في غضبه وسخطه وقلوبهم ~~وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصي والكفر مقرة بأن له الحجة عليهم وأن حقه ~~قبلهم ولا يذكر أحد منهم النار إلا وهو شاهد بذلك مقر به معترف اعتراف طائع ~~لا مكره مضطهد فهذه شهادتهم على أنفسهم وشهادة أوليائه عليهم والمؤمنون ~~يشهدون فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه ولو شهدوا بها وباؤوا بها ~~لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته فيشهدون أنهم عبيده وملكه وأنه أوجدهم ~~ليظهر بهم مجده PageV01P227 وينفذ فيهم حكمه ويمضي فيهم عدله ويحق عليهم ~~كلمته ويصدق فيهم وعيده ويبين فيهم سابق علمه ويعمر بها ديارهم ومساكنهم ~~التي هي محل عدله وحكمته وشهد أولياؤه عظيم ملكه وعز سلطانه وصدق رسله ~~وكمال حكمته وتمام نعمته عليهم وقدر ما اختصهم به ومن أي شيء حماهم وصانهم ~~وأي شيء صرف عنهم وأنه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجودهم يتوسلون بها إليه ~~أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليمين وشهدوا له سبحانه ~~بأن ما كان منه إليهم وفيهم مما يقتضيه إتمام ms146 كلماته الصدق والعدل قوله ~~وتحقق مقتضى أسمائه فهو محض حقه وكل ذلك منه حسن جميل له عليه أتم حمد ~~وأكمله وأفضله وهو حكم عدل وقضاء فصل وأنه المحمود على ذلك كله فلا يلحقه ~~منه ظلم ولا جور ولا عبث بل ذلك عين الحكمة ومحض الحمد وكمال أظهره في حقه ~~وعز أبداه وملك أعلنه ومراد له أنفذه كما فعل بالبدن وضروب الأنعام أتم بها ~~مناسك أوليائه وقرابين عباده وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام هلاكا ~~وإتلافا فأعداؤه الكفار المشركون به الجاحدون أولى أن تكون دماؤهم قرابين ~~أوليائه وضحايا المجاهدين في سبيله كما قال حسان بن ثابت # يتطهرون يرونه قربانهم % بدماء من علقوا من الكفار # وكذلك لما ضحى خالد بن عبدالله القسري بشيخ المعطلة PageV01P228 ~~الفرعونية جعد بن درهم فإنه خطبهم في يوم أضحى فلما أكمل خطبته قال أيها ~~الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم ~~يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا تعالى عما يقول الجعد علوا كبيرا ~~ثم نزل فذبحه فكان ضحيته وذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال فهذا شهود ~~أوليائه من شأن أعدائه ولكن أعداءه في غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به ~~ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانه ورحمته ولكن لما حجبوا عن معرفته ومحبته ~~وتوحيده وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ووصفه بما يليق به وتنزيهه عما ~~لا يليق به صاروا أسوأ حالا من الأنعام وضربوا بالحجاب وأبعدوا عنه بأقصى ~~البعد وأخرجوا من نوره إلى الظلمات وغيبت قلوبهم في الجهل به وبكماله ~~وجلاله وعظمته في غابات ليتم عليهم أمره وينفذ فيهم حكمه والله عليم حكيم ~~والله أعلم PageV01P229 # | فصل في أن الله خلق دارين وخص كل دار بأهل # والله سبحانه مع كونه خالق كل شيء فهو موصوف بالرضا والغضب والعطاء ~~والمنع والخفض والرفع والرحمة والانتقام فاقتضت حكمته سبحانه أن خلق دارا ~~لطالبي رضاه العاملين بطاعته المؤثرين لأمره القامين بمحابة وهي الجنة وجعل ~~فيها كل شيء مرضي وملأها من كل محبوب ms147 ومرغوب ومشتهى ولذيذ وجعل الخير ~~بحذافيره فيها وجعلها محل كل طيب من الذوات والصفات والأقوال وخلق دارا ~~أخرى لطالبي أسباب غضبه وسخطه المؤثرين لأإراضهم وحظوظهم على مرضاته ~~العاملين بأنواع مخالفته القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال الواصفين ~~له بما لا يليق به الجاحدين لما أخبرت به رسله من صفات كماله ونعوت جلاله ~~وهي جهنم وأودعها كل شيء مكروه وسجنها مليء من كل شيء مؤذ ومؤلم وجعل الشر ~~بحذافيره فيها وجعلها محل كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال ~~فهاتان الداران هما دارا القرار وخلق دارا ثالثة هي كالميناء لهاتين ~~الدارين ومنها يتزود المسافرون إليهما وهي دار الدنيا ثم أخرج إليها من ~~أثمار الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابهما وما يستدل به عليهما حتى ~~كأنهما رأي عين ليصير للإيمان بالدارين وإن كان غيبا وجه شهادة تستأنس به ~~النفوس وتستدل به فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار ~~والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور PageV01P230 الجميلة وسائر ملاذ ~~النفوس ومشتهياتها ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على ~~وجه الكمال فإذا رآه المؤمنون ذكرهم بما هناك من الخير والسرور والعيش ~~الرخي كما قيل # فإذا رآك المسلمون تيقنوا % حور الجنان لدى النعيم الخالد # فشمروا إليه وقالوا اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة وأحدثت لهم رؤيته عزمات ~~وهمما وجدا وتشميرا لأن النعيم يذكر بالنعيم والشيء يذكر بجنسه فإذا رأى ~~أحدهم ما يعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال موعدك الجنة وإنما هي عشية أو ~~ضحاها فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمة من الله يسوق بها ~~عباده المرمنين إلى تلك الدار التي هي أكمل منها وزاد لهم من هذه الدار ~~إليها فهي زاد وعبرة ودليل وأثر من آثار رحمته التي أودعها تلك الدار ~~فالمؤمن يهتز برؤيتها إلى ما أمامه ويثير ساكن عزماته إلى تلك فنفسه ذواقة ~~تواقة إذا ذاقت شيئا منها تاقت إلى ما هو أكمل منه حتى تتوق إلى النعيم ~~المقيم في جوار الرب الكريم وأخرج سبحانه ms148 إلى هذه الدار أيضا من آثار غضبه ~~ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل ~~بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك مع أن ذلك من آثار النفسين الشتاء ~~والصيف اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما فاقتضى ذانك ~~النفسان آثارا ظهرت في هذه الدار كانت دليلا عليها وعبرة وقد أشار تعالى ~~إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله في نار الدنيا نحن جعلناها تذكرة ومتاعا ~~للمقوين تذكرة تذكر بها الآخرة ومنفعة للنازلين بالقواء وهم المسافرون يقال ~~أقوى الرجل إذا نزل بالقي والقوى وهي الأرض الخالية وخص المقوين بالذكر وإن ~~كانت منفعتها عامة للمسافرين PageV01P231 والمقيمين تنبيها لعباده والله ~~أعلم بمراده من كلامه على أنهم كلهم مسافرون وأنهم في هذه الدار على جناح ~~سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر والمقصود ~~أنه سبحانه أشهد في هذه الدار ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار وأخرج ~~إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير ~~وشر وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطا يسوق بها عباده ~~المؤمنين فإذا رأوها حذروا كل الحذر واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما ~~في تلك الدار من المكروهات والعقوبات وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم ~~إياها وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم وإحسانا إليهم وتذكرة وتنبيها ~~ولما كانت هذه الدار ممزوجا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها ~~اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى هي دار ~~الخيرات المحضة ودار السرور المحضة فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج ~~والاختلاط وخلط فيها بين الفريقين وابتلى بعضهم ببعض وجعل بعضهم لبعض فتنة ~~حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما ~~يحبه ويرضاه ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه بل ~~العبد الواحد جمع فيه بين أساب الخير والشر وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ~~ما يحبه من العبودية التي لا ms149 تحصل إلا بذلك # فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز ~~والتخليص فميز بينهما بدارين ومحلين وجعل لكل دار ما يناسبها وأسكن فيها من ~~يناسبها وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته وأعداءه الكافرين لنقمته ~~والمخلطين للأمرين فهؤلاء أهل الرحمة وهؤلاء أهل النقمة وهؤلاء أهل النقمة ~~والرحمة وقسم آخر لا يستحقون ثوابا ولا عقابا ورتب على كل قسم من هذه ~~الأقسام الخمسة PageV01P232 حكمه اللائق به وأظهر فيه حكمته الباهرة ليعلم ~~العباد كمال قدرته وحكمته وأنه يخلق ما يشاء ويختار من خلقه من يصلح ~~للإختيار وأنه يضع ثوابه موضعه وعقابه موضعه ويجمع بينهما في المحل المقتضي ~~لذلك ولا يظلم أحدا ولا يبخسه شيئا من حقه ولا يعاقبه بغير جنايته هذا مع ~~ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى العبيد أنفسهم من ~~استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم واستخراج كمالاتهم الكامنة في نفسهم ~~من القوة إلى الفعل ودفع الأسباب بعضها ببعض وكسر كل شيء بمقابلته ومصادمته ~~بضده لتظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف والعجز ويتيقن العبد أن القهار لا ~~يكون إلا واحدا وأنه يستحيل أن يكون له شريك بل القهر والوحدة متلازمان ~~فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار ومن سواه مربوب مقهور ~~له ضد ومناف ومشارك فخلق الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر سورتها ~~وتذهب بها وخلق الماء وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره وخلق النار وسلط عليها ~~الماء يكسرها ويطفئها وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته وخلق ~~الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها وخلق آدم وذريته وسلط عليهم ~~إبليس وذريته وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ~~ويطردونهم كل مطرد وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلا منهما على ~~الآخر يذهبه ويقهره وخلق الليل والنهار وقهر كلا منهما بالآخر وكذلك ~~الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب ~~فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد وأن من تمام ملكه ~~إيجاد العالم على هذا الوجه وربط بعضه على ms150 بعض وإحواج بعضه إلى بعض وقهر ~~بعضه ببعض وابتلاء بعضه ببعض وامتزج خيره بشره وجعل شره لخيره الفداء ولهذا ~~يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له هذا فداؤك من النار وهكذا ~~المؤمن في الدنيا يسلط عليه الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من ~~عذاب الله وقد تكون PageV01P233 تلك الأسباب فداء له من شرور أكثر منها في ~~هذا العالم أيضا فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة ~~اللطيف الخبير # | فصل وقد تقرر أن الله سبحانه كامل الصفات له الأسماء الحسنى ولا يكون ~~عن # الكامل في ذاته وصفاته إلا الفعل المحكم وهو سبحانه خلق عباده على الفطرة ~~وكل مولود فإنما يولد على الفطرة ويعدلون بهم عنها ولو تركوهم لما اختاروا ~~عليها غيرها ولكن أخرجوهم عن سنن الحنيفية وأفسدوا فطرهم وقلوبهم وهكذا ~~بالأضداد والأغيار يخرج بعض المخلوقات عن سنن الإتقان والحكمة ولولا تلك ~~الأضداد والأغيار لكانت في مرتبتها كالمولو في فطرته ولذلك أمثلته # المثال الأول أن الماء خلقه الله طاهرا مطهرا فلو ترك على حالته التي خلق ~~عليها ولم يخالطه ما يزيل طهارته لم يكن إلا طاهرا ولكن بمخالطة أضداده من ~~الأنجاس والأقذار تغيرت أوصافه وخرج عن الخلقة التي خلق عليها فكانت تلك ~~النجاسات والقاذورات بمعنى أبوي الطفل وكافليه الذين يهودونه وينصرونه ~~ويمجسونه ويشركونه وكما أن الماء إذا فسد بمخالطته الأنجاس والقاذورات لم ~~يصلح للطهارة فكذلك القلوب إذا فسدت فطرها بالأغيار لم تصلح لحظيرة القدس # المثال الثاني الشراب المعتصر من العنب فإنه طيب يصلح للدواء ولإصلاح ~~الغذاء والمنافع التي يصلح لها فلو خلي على حاله لم يكن إلا طاهرا طيبا ~~ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكرا فخرج بذلك عن خلقته التي خلق عليها ~~من الطهارة والطيب فصار أخبث شيء وأنجسه فلو انقلب خلا أو زال تغير الماء ~~كان بمنزلة رجوع الكافر إلى فطرته الأولى فإن الحكم إذا ثبت للعلة زال ~~بزوالها والله أعلم # المثال الثالث الأغذية الطيبة النافعة إذا خالطت باطن الحيوان واستقرت ~~خرجت عن حالتها التي خلقت ms151 عليها واكتسبت بهذه المخالطة PageV01P234 ~~والمجاورة خبثا وفسادا لم يكن فيها لسلوكها في غير طرقها التي بها كمالها ~~ولما أنزل الله الماء طاهرا نافعا فمازج الأرض وسالت به أوديتها أوجد جل ~~جلاله بينهما بسبب هذه المخالطة والممازجة أنواع الثمار والفواكه والزروع ~~والنخيل والزيتون وسائر الأغذية والأقوات وأوجد مع ذلك المر والشوك والحنظل ~~وغير ذلك واللقاح واحد ولكن الأم مختلفة قال تعالى وفي الأرض قطع متجاورات ~~وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها ~~على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ثم إنه سبحانه يصرف ما أخرجه ~~من هذا الماء يقلبه ويحيل بعضه إلى بعض وينقل بعضه بالمخالطة والمجاورة عن ~~طبيعته إلى طبيعة أخرى وهذا كما خلق كل دابة من ماء ثم خالف بين صورها ~~وقواها ومنافعها وأوصافها وما يصلح لها وأمشى بعضا على بطنه وبعضا على ~~رجلين وبعضا على أربع حكمة بالغة وقدرة باهرة وكذلك سبحانه يقلب الليل ~~والنهار ويقلب ما يوجد فيهما ويقلب أحوال العالم كما يشاء ويسلك بذلك مسلك ~~الحكمة البالغة التي بها يتم مراده ويظهر ملكه ألا له الخلق والأمر تبارك ~~الله رب العالمين وهذا القرآن المجيد عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب ~~سبحانه وأسمائه وأفعاله وأنواع حمده والثناء عليه والإنباء عن عظمته وعزته ~~وحكمته وأنواع صنعه والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله وتصديقه ~~يفهم بما أقامه من الشواهد والدلالات على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله وتبيين ~~مراده من ذلك كله وكان من تمام ذلك الإخبار عن الكافرين والمكذبين وذكر ما ~~أجابوا به رسلهم وقابلوا به رسالات ربهم ووصف كفرهم وعنادهم وكيف كذبوا ~~PageV01P235 على الله وكذبوا رسله وردوا أمره ومصالحه فكان في اجتلاب ذلك ~~من العلوم والمعارف والبيان وضوح شواهد الحق وقيام أدلته وتنوعها وكان موقع ~~هذا من خلقه موقع تسبيحه تعالى وتنزيهه من الثناء عليه وأن أسماءه الحسنى ~~وصفاته العليا هي موضع الحمد ومن تمام حمده تسبيحه وتنزيهه عما وصفه به ~~أعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به ms152 وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم ~~والمعارف وتقرير صفات الكمال وتكميل أنواع الحمد ما في بيان محاسن الشيء ~~وكماله عند معرفة ما يضاده ويخالفه ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده ~~وحمده من تمام تسبيحه ولهذا كان التسبيح والتحميد قربتين وكان ما نسبه إليه ~~أعداؤه والمعطلون لصفات كماله من علوه على خلقه وإنزاله كلامه الذي تكلم به ~~على رسله وغير ذلك مما نزه عنه نفسه وسبح به نفسه وكان في ذلك ظهور حمده ~~بخلقه بل وتنوع أسبابه وكثرة شواهده وسعة طرق الثناء عليه به وتقرير عظمته ~~ومعرفته في قلوب عباده فلولا معرفة الأسباب التي يسبح وينزه ويتعالى عنها ~~وخلق من يضيفها إليه ويصفه بها لما قامت حقيقة التسبيح ولا ظهر لقلوب أهل ~~الإيمان عن أي شيء يسبحونه وعماذا ينزهونه فلما رأوا في خلقه من قد نسبه ~~إليه أعداؤه والمعطلون لصفاته ونظير هذا اشتمال كلمة الإسلام وهي شهادة أن ~~لا إله إلا الله على النفي والإثبات فكان في الإتيان بالنفي في صدر هذه ~~الكلمة من تقرير الإثبات وتحقيق معنى الإلهية وتجريد التوحيد الذي يقصد ~~بنفي الإلهية عن كل ما ادعيت فيه سوى الإله الحق تبارك وتعالى فتجريد هذا ~~التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير الله كما قاله أعداؤه ~~المشركون ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من تمام التوحيد وكماله وتقريره ~~وظهور أعلامه ووضوح شواهده وصدق براهينه ونظير ذلك أيضا أن تكذيب أعداء ~~الرسل وردهم ما جاؤوهم به كان من الأسباب الموجبة ظهور براهين صدق الرسل ~~ودفع ما احتج به أعداؤهم عليهم من الشبه الداحضة ودحض حججهم الباطلة وتقرير ~~طرق الرسالة وإيضاح أدلتها فإن الباطل كلما ظهر PageV01P236 فساده وبطلانه ~~أسفر وجه الحق واستنارت معالمه ووضحت سبله وتقرت براهينه فكسر الباطل ودحض ~~حججه وإقامة الدليل على بطلانه من أدلة الحق وبراهينه فتأمل كيف اقتضى الحق ~~وجود الباطل وكيف تم ظهور الحق بوجود الباطل وكيف كان كفر أعداء الرسل بهم ~~وتكذيبهم لهم ودفعهم ما جاؤوا به وهو من تمام صدق الرسل ms153 وثبوت رسالات الله ~~وقيام حججه على العباد ولنضرب مثالا يتبين به وهو ملك له عبد قد توحد في ~~العالم بالشجاعة والبسالة والناس بين مصدق ومكذب فمن قائل هو كذلك ومن قائل ~~هو بخلاف ما يظن به فإنه لم يقابل الشجعان ولا واجه الأقران ولو بارز ~~الأقران وقابل الشجعان لظهر أمره وانكشف حاله فسمع به شجعان العالم ~~وأبطالهم فقصدوه من كل صوب وأتوه من كل قطر فاراد الملك أن يظهر لرعيته ما ~~هو عليه من الشجاعة فمكن أولئك الشجعان من منازلته ومقاومته وقال دونكم ~~وإياه وشأنكم به فهل تسليط الملك لأولئك على عبده ومملوكه إلا لإعلاء شأنه ~~وإظهار شجاعته في العالم وتخويف أعدائه به وقضاء الملك أوطاره به كما يترتب ~~على هذا إظهار شجاعة عبده وقوته وحصول مقصوده بذلك فكذلك يترتب عليه ظهور ~~كذب من ادعى مقاومته وظهور عجزهم وفضيحتهم وخزيهم وأنهم ليسوا ممن يصلح ~~لمهمات الملك وحوائجه فإذا عدل بهم عن مهماته وولايته وعدل بها عنهم كان ~~ذلك مقتضى حكمة الملك وحسن تصرفه في ملكه وأنه لو استعملهم في تلك المهمات ~~لتشوش أمر المملكة وحصل الخلل والفساد والله أعلم بالشاكرين والمقصود أن ~~خلق الأسباب المضادة للحق وإظهارها في مقابلة الحق من أبين دلالاته وشواهده ~~فكان في خلقها من الحكمة ما لو فاتت لفاتت تلك الحكمة وهي أحب إلى الله من ~~تفويتها بتقدير تفويت هذه الأسباب والله أعلم PageV01P237 # | فصل في بيان ما للناس في دخول الشر في القضاء الإلهي من الطرق والأصول # التي تفرعت عنها هذه الطرق # وللناس طرق في دخول الشر في القضاء الإلهي فنذكرها ونذكر أصولهم التي ~~تفرعت عليها هذه الطرق قبل ذلك فنقول للناس قولان أحدهما قول أهل الإسلام ~~وأتباع المرسلين كلهم إن الله سبحانه فعال لما يريد يفعل باختياره وقدرته ~~ومشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو الذي يعبر عنه متأخرو المتكلمين ~~بكونه فاعلا بالإختيار وللفريق الثاني قول من نفى ذلك وقال صدر العلم عنه ~~تعالى صدورا ذاتيا كصدور النور عن الشمس والحرارة عن ms154 النار والتبريد عن ~~الماء ويسمي المتكلمون هذا الإيجاب الذاتي ومصدره موجبات الذات وهذا قول ~~الفلاسفة المشائين وهو الذي يذكره ابن الخطيب وغيره من الفلاسفة ولا يحكي ~~عنهم غيره وإنما هو قول المشائين وقربه متأخرهم وفاضلهم ابن سينا إلى ~~PageV01P238 الإسلام بعض التقريب مع مباينته لما جاءت به الرسل ولما دل ~~عليه صريح العقل والفطرة والفريقان متفقون على أن مصدر الكائنات بأسرها خير ~~محض من جميع الوجوه وكمال صرف ووجود الشر في العالم مشهود والخير لا يصدر ~~عنه إلا خير ولا جرم اختلفت طرقهم في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي ~~وتنوعت إلى أربعة طرق # الطريق الأول طريق نفاة التعليل والحكمة والأسباب فإنهم سدوا على أنفسهم ~~هذا الباب وأثبتوا مشيئة محضة لا غاية لها ولا سبب ولا حكمة تفعل لأجلها ~~ولا يتوقف فعل المختار بها على مصلحة ولا حكمة ولا غاية لها تفعل بل كل ~~مقدور يحسن منه فعله ولا حقيقة عندهم للقبيح لولا المستحيل لذاته الذي لا ~~يوصف بالقدرة عليه وهؤلاء نفوا مسمى الرحمة والحكمة وإن اقروا بلفظ لا ~~حقيقة له وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف بأصحابه على المجذومين وهم يتقلبون ~~في بلائهم فيقول أرحم الراحمين يفعل مثل هذا يعني أنه ليس في الحقيقة رحمة ~~وإنما هو محض مشيئته وصرف إرادة مجردة عن الحكمة والرحمة # وهؤلاء قابلوا أصحاب الطريق الثاني وهم الذين أثبتوا له حكمة وغاية ~~وقالوا لا يفعل شيئا إلا لحكمة وغاية مطلوبة ولكن حجروا عليه سبحانه في ذلك ~~وشرعوا له شريعة وضعوها بعقولهم وظنوا أن ما يحسن من خلقه يحسن منه وما ~~يقبح منهم يقبح منه فجعلوا ما أثبتوه له من الحكمة والرحمة من جنس ما هو ~~للخلق ولهذا كانوا مشبهة الأفعال كما أن من شبهه بخلقه في صفاته فهو مشبه ~~الصفات فاقتسموا التشبيه نصفين هؤلاء في أفعاله وإخوانهم في صفاته وقالوا ~~إنه تعالى لو خص بعض عبيده عن بعض بإعطائه توفيقا وقدرة وإرادة ولم يعطها ~~لآخر لكان PageV01P239 ظلما للذي منعه وقالوا لو شاء من عباده أفعال ~~المعاصي ms155 لكان ينزه عنه كما في المشاهد ولو شاء منهم الكفر والفسوق والعصيان ~~ثم عذبهم عليه لكان ظلما في المشاهد أيضا فإن السيد إذا أراد من عبده شيئا ~~ففعل العبد ما أراد سيده فإنه إذا عذبه عده الناس ظالما له وجعلوا العدل في ~~حقه تعالى من جنس العدل في حق عباده والظلم الذي تنزه عنه كالظلم الذي ~~يتنزهون عنه وجعلوا ما يحسن منه من جنس ما يحسن منهم وما يقبح منه من جنس ~~ما يقبح منهم وقالوا لو أراد الشر لكان شريرا كما في المشاهد فإن مريد الشر ~~شرير وقالوا لو ختم على قلوب أعدائه وأسماعهم وحال بينهم وبين قلوبهم ~~وأضلهم عن الإيمان وجعل على أبصارهم غشاوة وجعل من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا ثم عذبهم لكان ظالما لهم لأن أحدنا لو فعل ذلك بعبده ثم عذبه ~~لكان ظالما له فهؤلاء المشبهة حقا في الأفعال فعدلهم تشبيه وتوحيدهم تعطيل ~~فجمعوا بين التشبيه والتعطيل وهؤلاء قسموا الشر الواقع في العالم إلى قسمين ~~أحدهما شرور هي أفعال العباد وما تولد منها فهذه لا تدخل عندهم في القضاء ~~الإلهي تنزيها للرب عن نسبتها إليه ولا تدخل عندهم تحت قدرته ولا مشيئته ~~ولا تكوينه والثاني الشرور التي تتعلق بأفعال العباد كالسموم والأمراض ~~وأنواع الآلام وكإبليس وجنودعه وغير ذلك من شرور المخلوقات كإيلام الأطفال ~~وذبح الحيوان فهذا النوع هو الذي كدر على القدرية أصولهم وشوش عليهم ~~قواعدهم وقالوا ذلك كله حسن لما فيه من اللطف والمصلحة العاجلة والآجلة ~~قالوا أما الآلام والأمراض فمفعولة لغرض صحيح وهو ما ضمن الرب سبحانه لمن ~~أصابه بها من العوض الوافي قالوا وذلك يجري مجرى استئجار أجير في فعل شاق ~~فإنه يفرض الاستئجار أخرج الاستئجار عن كونه عبثا بالأجرة عن كونه ظلما ~~فكان حسنا قالوا فإن قيل إذا كان الله قادرا على التفضل بالعوض وبأضعافه ~~بدون توسط الألم فأي حاجة إلى توسطه وأيضا فإذا حسن الألم لأجل PageV01P240 ~~العوض فهل يحسن منا أن يؤلم أحدنا غيره بغير إذنه لعوض يصل إليه ms156 فالجواب أن ~~الله سبحانه لا يمرض ولا يؤلم إلا من يعلم من حاله أنه لو أطلعه على ~~الأعواض التي تصل إليه لرضي بالألم ولرغب فيه لوفور الأعواض وعظمها وليس ~~كذلك في شاهد استئجار الأجير من غير اختياره قالوا وليس كذلك إيلام أحدنا ~~لغيره لأجل التعويض فإن من قطع يد غيره أو رجله ليعوضه عنها لم يحسن ذلك ~~منه لأن العوض يصل إليه وهو مقطوع اليد والرجل وليس من العقلاء من يختار ~~ملك الدنيا مع ذلك والله يوصل الأعواض في الآخرة إلى الأحياء وهم أكمل شيء ~~خلقا وأتمه أعضاء فلذلك افترق الشاهد والغائب في هذا قالوا فإن فرضتموه في ~~ضرب وجلد مع سلامة الأعضاء قبح لأنه عيب فإن فرض فيه مصلحة ورضي المضروب ~~بذلك وعظمت الأعواض عنه فهو حسن في العقل لا محالة قالوا وسر الأمر أن ~~بالعوض يخرج الألم عن كونه ظلما لأنه نفع موقوف على مضرة الألم وباعتبار ~~كونه لطفا في الدين يخرج عن كونه عبثا قالوا وقد رأينا في المشاهد حسن ~~الألم للنفع فإنه يحسن في المشاهد إيلام أنفسنا وإتعابها في طلب العلوم ~~والأرباح التي لا نصل إليها إلا على جنس من التعب والمشقة قالوا وهذا الوجه ~~هو حسن لأجله إيلام الأطفال والبهائم فإنه إيلام للنفع فإن أبدان الأطفال ~~لا تستقيم إلا على الأسباب الجالبة للآلام وكذلك نفوسهم إنما تكمل بذلك ~~وإيلام الحيوان لنفع الآدمي به غير قبيح قالوا وأما الألم المستحق للعقوبة ~~فإنه حسن في المشاهد ولكنه غير متحقق في الغائب بالنسبة إلى الأطفال ~~والبهائم لعدم تكليفها ولكن لا بد في إيلامها من مصلحة ترجع إليها وهي ما ~~يحصل لهم من العوض في الآخرة قالوا ويجب إعادتها لاستيفاء ذلك الحق الذي ~~لها وهو العوض على الآلام التي حصلت لها قالوا وبقاؤها بعد الإعادة موقوف ~~ونعيم الأطفال والمجانين دائم واختلفوا في البهائم فقال بعضهم يدوم عوضهم ~~وقال آخرون بانقطاعه فإنهم يصيرون ترابا قالوا PageV01P241 فإن لم يكن ~~للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد لم تجب إعادتها عقلا وتحسن إعادتها ms157 وما يحسن ~~قد يفعله الله وقد لا يفعله وهل تجوز الآلام للتعويض المجرد فيه قولان لهم ~~مبنيان على أصل اختلفوا فيه وهو أنه هل يحسن منه سبحانه التفضل بمثل العوض ~~ابتداء فصار بعضهم إلى امتناعه كما يمتنع التفضل بمثل الثواب ابتداء عندهم ~~وهم مجمعون على امتناعه لئلا يسوى بين العامل وغيره وصار من ينتمي إلى ~~التحصيل منهم إلى أن التفضل بمقدار الأعواض ممكن غير ممتنع فمن قال بامتناع ~~التفضل بمقدار العوض جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد ومن جوز التفضل بأمثال ~~الأعواض لم تحسن عنده الآلام بمجرد التعويض بل قالواإنما تحسن لوجهين لا بد ~~من اقترانهما أحدهما التزام التعويض والثاني اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام ~~وكونها ألطافا في زجر غاو عن غوايته إذا شاهدها في غيره وذهب عباد الضمري ~~منهم إلى أن الآلام تحسن لمجرد الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته ورد عليه ~~جماهير القدرية ذلك قالوا والآلام التي يفعلها سبحانه إما أن تكون مستحقة ~~كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة وإما للتعويض وإما للمصلحة الراجحة قالوا وما ~~يفعله في الآخرة منها فكله للاستحقاق وما يفعله في الدنيا فللعوض والمصلحة ~~وقد يفعله عقوبة وأما ما شرعه من أسباب الألم فعقوبات محضة وأما مشايخ ~~القوم فقالوا إنما يحسن منه سبحانه الإيلام لأنه المنعم بالصحة والحياة ~~ولأنه في حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها فله قطعها إذا شاء ولأنه ~~قادر على التعويض عالم بقدره وليس كذلك الواحد من الخلق قالوا فإذا استرجع ~~عارية الصحة والحياة خلفها الألم ولا بد وأطالوا الكلام في الآلام وأسبابها ~~وما يحسن منها وما يقبح وعلى أي وجه يقع وحصروا أنفسهم غاية الحصر فاستطالت ~~عليهم الجبرية بالأسئلة والمضايقات وألجأوهم إلى مضايق تضايق عنها أن ~~تولجها الإبر وأضحكوا العقلاء منهم بإبداء تناقضهم وألبزمهوهم إلزامات لا ~~بد من التزامها أو ترك PageV01P242 المذهب وسأل أبو الحسن الأشعري أبا علي ~~الجبائي عن ثلاثة إخوة لأب وأم مات أحدهم صغيرا وبلغا الآخر فاختار لإسلام ~~وبلغ الآخر فاختار الكفر فاجتمعوا عند رب العالمين فرفع درجة ms158 البالغ المسلم ~~فقال أخوه الصغير يا رب ارفع درجتي حتى أبلغ منزلة أخي فقال إنك لا تستحق ~~إن أخاك بلغ فعمل أعمالا استحق بها تلك الدرجة فقال يا رب فهلا أحييتني حتى ~~أبلغ فأعمل عمله فقال كانت تلك لمصلحة تقتضي اخترامك قبل البلوغ لأني علمت ~~أنك لو بلغت لاخترت الكفر فكانت المصلحة في قبضك صغيرا قال فصاح الثالث بين ~~أطباق النار وقال يا رب لم لم تمتني صغيرا فما جواب هذا أيها الشيخ فلم يرد ~~إليه جوابا قالوا وإذا علم سبحانه من بعض العبيد أنه لا يختار الإسلام وأنه ~~لا يكون إلا كافرا مفسدا في الأرض فأي مصلحة لهذا العبد في إيجاده قالوا ~~وأي مصلحة لإبليس وذريته الكفار في إيجادهم فإن قلتم عرضهم للثواب قيل لكم ~~كيف يعرضهم لأمر قد يعلم أنهم لا يفعلونه ولا يقع منهم البتة ومن هنا مكر ~~غلاتهم العلم القديم وكفرهم السلف على ذلك ومن أقر به منهم فإقراره به مبطل ~~لمذهبه وأصله في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح وهذا معنى قول السلف ناظروا ~~القدرية بالعلم PageV01P243 فإن جحدوه كفروا وإن أقروا به خصموا قالوا وأما ~~حديث العوض على الآلام فالرب سبحانه قادر على أيصال تلك المنافع بدون توسط ~~الآلام قالوا وهذا بخلاف المستأجر فإن له منفعة وحاجة في توسط تعب الأجير ~~واستيفاء منفعته فأما من تعالى عن الانتفاع بخلقه ولا يحتاج إلى أحد منهم ~~البتة فلا يعقل فلي حقه ذلك قالوا وأما وقوع الآلام على وجه العقوبات فذلك ~~إنما يحسن في الشاهد لحصول التشفي من الجناة وإطفاء نار الغيظ والغضب ~~بالانتقام منهم وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب وانتفاعه به وقياس الغائب ~~على الشاهد في ذلك ممتنع قالوا وأما الإيلام للاعتبار بأن يعتبر الغير ~~بالألم الواقع بغيره فليكون ذلك أدعى له إلى الإذعان والانقياد فلا ريب أن ~~الصبي إذا شاهد لمعلم يضرب غيره على لعبه وتفريطه كان ذلك مصلحة واعتبارا ~~له ولعله أن ينتفع بضرب ذلك الغير أكثر من انتفاع المضروب أو حيث لا ينتفع ~~المضروب ولكن إنما ms159 يحسن ذلك إذا كان المضروب مستحقا للضرب فأين استحقاق ~~الأطفال والبهائم قالوا وكذلك تمكينه تعالى عباده أن يؤلم بعضهم بعضا ويضر ~~بعضهم بعضا مع قدرته على منع المؤلم المضر أي مصلحة لمن مكن من ذلك وأقدر ~~عليه وهل كانت مصلحته إلا تعجيزه وأن يحال بينه وبين القدرة على الأداء ~~وصون العباد قالوا فهذه الشريعة التي وضعتموها لرب العباد وأوجبتم عليه ما ~~أوجبتم وحرمتم عليه ما حرمتم وجحدتم عليه في تصرفه في ملكه بغير ما أصلتم ~~وفرعتم بعقولكم وآرائكم تشبيها له وتمثيلا بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح مع ~~أنها شريعة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان فإنكم لم تطردوها بل أنتم ~~متناقضون فيها غاية التناقض خارجون فيها عما يوجبه كل عقل صحيح وفطرة سليمة ~~فلا للتشبيه والتمثيل طردتم ولا بالتعويض قلتم ولا على حقيقة الحكمة والحمد ~~وقفتم بل أثبتم له نوع حمة لا تقوم به ولا ترجع إليه بل هي قائمة بالخلق ~~فقط وقد حتم بها في تمام ملكه كما أثبت له إخوانكم من الجبرية قدرة مجردة ~~PageV01P244 عن حكمة وحمد وغاية يفعل لأجلها بل جعلوا حمده وحكمته اقتران ~~أفعاله بما اقترنت به من المصالح عادة ووقوعها مطابقة لمشيئته وعلمه فقط ~~فقدحوا بذلك في تمام حمده # وقام حزب الله وحزب رسوله وأنصار الحقد بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~له الملك له الحمد وهو على كل شيء قدير حق القيام وراعوا هذه الكلمة حق ~~رعايتها علما ومعرفة وبصيرة ولم يلقوا الحرب بين حمده وملكه بل أثبتوا له ~~الملك التام الذي لا يخرج عنه شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها والحمد ~~التام الذي وسع كل معلوم وشمل كل مقدور وقالوا إن له في كل ما خلقه وشرعه ~~حكمة بالغة ونعمة سابغة لأجلها خلق وأمر ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها ~~كما يثنى عليه ويحمد لأسمائه الحسنى ولصفاته العليا فو المحمود على ذلك كله ~~أتم حمد وأكمله لما اشتملت عليه صفاته من الكمال وأسماؤه من الحسن وأفعاله ~~من الحكم والغايات عليه والمقضية ms160 لحمده المطابقة لحكمته الموافقة لمحابه ~~فإنه سبحانه كامل الذات كامل الأسماء والصفات لا يصدر عنه إلا كل فعل كريم ~~مطابق للحكمة موجب للحمد يترتب عليه من محابه ما فعل لأجله وهذا أمر ذهب عن ~~طائفتي أسسوها من تعطيل بعض صفات كماله كم عطل الفريقان حقيقة محبته عند ~~الجبرية مشيئته وإرادته ومحبة العباد له إرادتهم لما يخلقه من النعيم في ~~دار الثواب فالمحبة عندهم إنما تعلقت بمخلوقاته لا بذاته وحقيقة محبته ~~وكراهته عند القدرية أمره ونهيه ومحبة العباد له محبتهم لثوابه المنفصل ~~وأصل الفريقان أنه لا تقوم بذاته حكمة ولا غاية يفعل لأجلها ثم اختلفوا ~~فقالت الجبرية لا يفعل لغاية ولا لحكمة أصلا وتكايست القدرية بعض التكايس ~~فقالت يفعل لغاية وحكمة لا ترجع إليه ولا تقوم به ولا يعود إليه منها وصف ~~وأصل الفريقان أيضا أنه لا يقوم PageV01P245 بذاته فعل بل فعله عين مفعوله ~~فعطلوا أفعاله القائمة به وجعلوها نفس المخلوقات المشاهدة التي لا تقوم به ~~فلم يقم به عندهم فعل البتة كما عطل غلاة الجهمية صفاته فلم يثبتوا له صفة ~~تقوم به وإن تناقضوا وكما عطلت السينائية أتباع ابن سينا ذاته فلم يثبتوا ~~له ذاتا زائدة على وجود مجرد لا يقارن ماهية ولا حقيقة وأصلت الجبرية أنه ~~تعالى لا ينزه عن فعل مقدور يكون قبيحا بالنسبة إليه بل كل مقدور ممكن فهو ~~جائز عليه وإن علم عدم فعله فبالسمع وإلا فالعقل يقضي بجوازه عليه فلا ينزه ~~عن ممكن مقدر إلا ما دل عليه بالمسع فيكون تنزيهه عنه لا لقبحه في نفسه بل ~~لأن وقوعه يتضمن الخلف في خبره وخبر رسوله ووقوع الأمر على خلاف علمه ~~ومشيئته فهذا حقيقة التنزيه عند القوم وأصلت القدرية أن ما يحسن من عباده ~~يحسن منه وما يقبح منهم يقبح منه مع تناقضهم في ذلك غاية التناقض فاقتضت ~~هذه الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة فروعا ولوازم كثيرة منها مخالف لصريح ~~العقل ولسليم الفطرة كما هو مخالف لما أخبرت به الرسل عن الله فجعل أرباب ~~هذه القواعد والأصول ms161 قواعدهم وأصولهم محكمة وما جاء به الرسول متشابها ثم ~~أصلوا أصلا في رد هذا المتشابه إلى المحكم وقالوا الواجب فيما خالف هذه ~~القواطع العقلية بزعمهم من الظواهر الشرعية أحد أمرين إما يخرجها على ما ~~يعلم العقلاء أن المتكلم لم يرده بكلامه من المجازات البعيدة والألغاز ~~المعقدة ووحشي اللغات والمعاني المهجورة التي لا يعرف أحد من العرب عبر ~~عنها بهذه العبارة ولا تحتملها لغة القوم البتة وإنما هي محامل أنشأوها هم ~~ثم قالوا نحمل اللفظ عليها فأنشأوا محامل من تلقاء أنفسهم وحكموا على الله ~~أو رسله بإرادتها بكلامه فأنشأوا منكرا وقالوا زورا فإذا ضاق عليهم المجال ~~وغلبتهم النصوص وبهرتهم شواهد الحقيقة من اطرادها وعدم فهم العقلاء سواها ~~ومجيئها على طريقة واحدة وتنوع الألفاظ الدالة على الحقيقة واحتفافها ~~بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك مما يقطع كل سامع بأن PageV01P246 ~~المراد حقيقتها وما دلت عليه قالوا الواجب ردها وأن لا يشتغل بها وإن ~~أحسنوا العبارة والظن قالوا الواجب تفويضها وأن نكل علمها إلى الله من غير ~~أن يحصل لنا بها هدى أو علم أو معرفة بالله وأسمائه وصفاته أو ننتفع بها في ~~باب واحد من أبواب الإيمان بالله وما يوصف به وما ينزه عنه بل نجري ألفاظها ~~على ألسنتنا ولا نعتقد حقيقتها لمخالفتها للقواطع العقلية فسموا أصولهم ~~الفاسدة وشبههم الباطلة التي هي كبيت العنكبوت وكما قال فيها القائل شعرا # شبه تهافت كالزجاج تخالها % حق وكل كاسر مكسور # قواطع عقلية مع اختلافهم فيها وتناقضهم فيها ومناقضتها لصريح المعقول ~~وصحيح المنقول فسموا كلام الله ورسوله ظواهر سمعية إزالة لحرمته من القلوب ~~ومنعا للتعلق به والتمسك بحقيقته في باب الإيمان والمعرفة بالله وأسمائه ~~وصفاته فعبروا عن كلامهم بأنه قواطع عقلية فيظن الجاهل بحقيقته أنه إذا ~~خالفه فقد خالف صريح المعقول وخرج عن حد العقلاء وخالف القاطع وعبروا عن ~~كلام الله ورسوله بأنه ظواهر فلا جناح على من صرفه عن ظاهره وكذب بحقيقته ~~واعتقد بطلان الحقيقة بل هذا عندهم هو الواجب وقد أشهد الله عباده الذين ~~أوتوا ms162 العلم والإيمان أن الأمر بعكس ما قالوه وأن كلامه وكلام رسوله هو ~~الشفاء والعصمة والنور الهادي والعلم المطابق لعلومه وأنه هو المشتمل على ~~القواطع العقلية السمعية والبراهين اليقينية وأن كلام هؤلاء المتهوكين ~~الحيارى المتضمن خلاف ما أخبره به عن نفسه وأخبر به عن رسوله هو الشبهات ~~الفاسدة والخيالات الباطلة وأنه كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وهؤلاء هم ~~أهل العلم حقا الذين شهد الله لهم به فقال ويرى PageV01P247 الذين أوتوا ~~العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ومن ~~سواه من الصم والبكم الذين قال الله فيهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير وقال تعالى أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن ~~هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب وكان ما شهدوه من ذلك بالعقل والفطرة لا ~~بمجرد الخبر بل جاء إخبار الرب وإخبار رسوله مطابقا لما في فطرهم السليمة ~~وعقولهم المستقيمة فتضافر على إيمانهم به الشريعة المنزلة والفطرة المكملة ~~والعقل الصريح فكانوا هم العقلاء حقا وعقولهم هي المعيار فمن خالفها فقد ~~خالف صريح المعقول والقواطع العقلية ومن أراد معرفة هذا فليقرأ كتاب شيخنا ~~وهو بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح فإنه كتاب لم يطرق العالم له ~~نظير في بابه فإنه هدم فيه قواعد أهل الباطل من أسها فخرت عليهم سقوفه من ~~فوقهم وشيد فيه قواعد أهل السنة والحديث وأحكمها ورفع أعلامها وقررها ~~بمجامع الطرق التي تقرر بها الحق من العقل والنقل والفطرة والإعتبار فجاء ~~كتابا لا يستغنى عنه من نصح نفسه من أهل العلم فجزاه الله عن أهل العلم ~~والإيمان أفضل الجزاء وجزى العلم والإيمان عنه ذلك فصل # عدنا إلى تمام الكلام في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي وبيان طرق ~~الناس في ذلك واختلافهم في إيلام الأطفال والبهائم وقالت البكرية وهم أتباع ~~بكر ابن أخت عبدالواحد بن زيد البصري إن البهائم والأطفال لا تألم ms163 البتة ~~والذي حملهم على هذا موجب التعليل والحكمة PageV01P248 ولم يرتضوا ما قالت ~~الجبرية من نفي ذلك ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأعواض وما فرعوه عليه ~~ولم يمكنهم القول بمذهب التناسخية القائلين بأن الأرواح الفاجرة الظالمة ~~تودع في الحيوانات التي تناسبها فينالها من ألم الضرب والعذاب بحبسها ولا ~~بمذاهب المجوس من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب بخلقه ~~ولا بقول من يقول إن البهائم مكلفة مأمورة منهية مثابة معاقبة وإنه في كل ~~أمة منها رسول ونبي منها وهذه الآلام والعقوبات الدنيوية جزاء على مخالفتها ~~لرسولها ونبيها فلم يجدوا بدا من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع ~~الآلام بها ووصولها إليها وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس وجحدوا ~~الضرورة وأن العلم بخلاف ما ذهبوا إليه ضروري وقال من أنصف القوم لا سبيل ~~إلى نسبة هؤلاء إلى جحد الضرورة مع كثرتهم ولكنهم ربما رأوا أن الطفل ~~والبهيمة لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاء فإن العاقل إذا أدرك تألم ~~جوارحه وأحس به تألم قلبه وطال حزنه وكثر هم روحه وغمها واشتدت فكرته في ~~ذلك وفي الأسباب الجالبة له والأسباب الدافعة له وهذه الآلام زائدة على ~~مجرد ألم الطبيعة ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما ~~يحصل للعاقل المميز فإن أراد القوم هذا فهم مصيبون وإن أرادوا أنها لا شعور ~~لها بالآلام البتة وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة فإن الواحد منا يعلم ~~باضطرار أنه كان يتألم في طفولته بمس النار له وبالضرب وغير ذلك # وقالت طائفة كل ما يتألم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله ولا فعل الله ~~فيه الألم لما ثبت من حكمته وهذا يشبه قولهم في أفعال الحيوان أنها ليست من ~~خلق الله ولا كانت بمشيئته لكن هذا أشد فسادا من ذلك فإن هذه الآلام حوادث ~~لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته فلا بد لها من محدث إذ وجود حادث ~~بلا محدث محال والله خالقها بأسبابه المفضية إليها فخالق ms164 السبب خالق للمسبب ~~فإن أراد هؤلاء نفي فعلها عن الله PageV01P249 مباشرة من غير توسط بسبب ~~أصلا فهذا قد يكون حقا وإن أرادوا أنها غير منسوبة إلى قدرته ومشيئته البتة ~~فباطل # وذهبت طائفة إلى أن في كل نوع من أنواع الحيوانات أنبياء ورسلا وأنها ~~مستحقة للثواب والعقاب وأن ما ينزل بها من الآلام فجزاء لها وعقوبات على ~~معاصيها ومخالفتها واحتجوا بقوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثالكم وقال تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # وقالت طائفة من التناسخية إن الله خلق خلقه كلهم جملة واحدة بصفة واحدة ~~ثم أمرهم ونهاهم فمن عصى منهم نسخ روحه في جسد بهيمة تبتلى بالذبح والقتل ~~كالدجاج والغنم والإبل والبقر والبراغيث والقمل فما سلط على هذه البهائم من ~~الآلام فهو للأرواح الآدمية التي أودعت هذه الأجساد فمن كان منهم زانيا أو ~~زانية كوفىء بأن جعل في بدن حيوان ما يمكنه الجماع كالبغال ومن كان منهم ~~عفيفا عن الزنا مع ظلمه وغشمه كوفىء بأن جعل في بدن تيس أو عصفور أو ديك ~~ومن كان منهم جبارا عنيدا كوفىء بأن جعل في بدن قملة أو قرادة ونحوهما إلى ~~أن يقتص منهم ثم يردون فمن عصى منهم بعد ذلك رده كرر أيضا عليه ذلك التناسخ ~~هكذا أبدا حتى يطيع طاعة لا معصية بعدها أبدا فينتقل إلى الجنة من وقته وقد ~~ذهب إلى هذا المذهب من المنتسبين إلى الإسلام رجل يقال له أحمد بن حائط طرد ~~أصول القدرية وشريعتهم التي شرعوها لله فأوجبوا بها عليه وحرموا # وذهب المجوس إلى أن هذه الآلام والشرور من الإله الشرير المظلم ~~PageV01P250 فلا تضاف إلى الإله الخير العادل ولا تدخل تحت قدرته ولهذا كان ~~أشبه أهل البدع بهم القدرية النفاة # وقالت الزنادقة والدهرية كل ذلك من تصرف الطبيعة وفعلها وليس لذلك فاعل ~~مختار مدبر بمشيئته وقدرته ولا بد في النار من إحراق ونفع وفي الماء من ~~إغراق ونفع وليس وراء ذلك شيء فهذه مذاهب أهل الأرض ms165 في هذا المقام # ولما انتهى أبو عيسى الوراق إلى حيث انتهت إليه أرباب المقالات فطاش عقله ~~ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان وذبحه صنف كتابا سماه النوح على البهائم ~~فأقام عليها المآتم وناح وباح بالزندقة الصراح وممن كان على هذا المذهب ~~أعمى البصر والبصيرة كلب معرة النعمان المكنى بأبي العلاء المعري فإنه ~~امتنع من أكل الحيوان زعم لظلمه بالإيلام والذبح وأما ابن خطيب الري فإنه ~~سلك في ذلك طريقة مركبة من طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة المشائين ~~وهذبها ونقحها واعترف في آخرها بأنه لا سبيل إلى الخلاص من الشبه التي ~~أوردها على نفسه إلا بالتزام أنه تعالى موجب بالذات لا فاعل بالقصد ~~والاختيار فأقر على نفسه بالعجز عن أجوبة تلك المطالبات إلا بإنكار قدرة ~~الله ومشيئته وفعله الاختياري وذلك جحد PageV01P251 لربوبيته فزعم أنه لا ~~يمكن تقرير حكمته إلا بجحد ربوبيته ونحن نذكر كلامه بألفاظه وقال في مباحثه ~~المشرقية # الفصل السادس في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي وقبل الخوض فيه لا بد ~~من تقديم مقدمتين # المقمة الأولى الأمور التي يقال إنها شر إما أن تكون أمورا عدمية أو ~~أمورا وجودية فإن كانت أمورا عدمية فهي على أقسام ثلاثة لأنها إما أن تكون ~~عدما لأمر ضرورية للشيء في وجوده مثل عدم الحياة وإما أن تكون عدما لأمور ~~نافعة قريبة من الضرورة كالأعمى أو تكون كذلك كعدم العلم بالفلسفة والهندسة ~~وأما الأمور الوجودية التي يقال إنها شرور فهي كالحرارة المفرقة لاتصال ~~العضو واعلم أن الشر بالذات هو عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه مثل عدم ~~الحياة وعدم البصر فإن الموت والعمى لا حقيقة لهما إلا أنهما عدم الحياة ~~وعدم البصر وهما من حيث هما كذلك شر فإذن ليس لهما اعتبار آخر بحسبه يكونان ~~شرين وأما عدم الفضائل المستغنى عنها مثل عدم العلم بالفلسفة فظاهر أن ذلك ~~ليس بشر وأما الأمور الوجودية فإنها ليست شرورا بالذات بل بالعرض من حيث ~~أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة ويدل عليه أنا لا نجد شيئا من الأفعال ~~التي ms166 يقال لها شر إلا وهو كما قال بالنسبة إلى الفاعل وأما شريته فبالقياس ~~إلى شيء آخر فالظلم مثلا يصدر عن قوة ظلامة للغلبة وهي القوة الغضبية ~~والغلبة هي كمالها وفائدة خلقتها فهذا الفعل بالقياس إليها شر لأنها إن ~~ضعفت عنه فهو بالقبياس إليها شر وإنما كان شرا للمظلوم لفوات المال وغيره ~~عنه والنفس الناطقة كمالها الاستيلاء على هذه القوة فعند قهر القوة الغضبية ~~يفوت النفس ذالك الاستيلاء ولا جرم كان شرا لها وكذلك النار إذا أحرقت فإن ~~الإحراق كمالها ولكنها شر بالنسبة إلى من زالت سلامته بسببها وكذلك القتل ~~وهو استعمال الآلة القطاعة في قطع رقبة الإنسان فإن كون الإنسان قويا على ~~استعمال الآلة ليس شرا له بل PageV01P252 خيرا وكذلك كون الآلة قطاعة هو ~~خير لها وكذلك كون الرقبة قابلة للانقطاع كل ذلك خيرات ولكن القتل شر من ~~حيث أنه متضمن لزوال الحياة فثبت بما ذكرناه أن الأمور الوجودية ليست شرا ~~بالذات بل بالعرض والله أعلم # المقدمة الثانية ان الأشياء إما أن تكون مادية أو لا تكون فإن لم تكن ~~مادية لم يكن فيها ما بالقوة فلا يكون فيها شر أصلا وإن كانت مادية كانت في ~~معرض الشر وعروض الشر لها إما أن يكون في ابتداء تكونها أو بعد تكونها أما ~~الأول فهو إما أن تكون المادة التي تتكون إنسانا أو فرسا يعرض لها من ~~الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج رديئة الشكل والخلقة فرداءه مزاج ذلك الشخص ~~ورداءه خلقه ليس لأن الفاعل حرم بل لأن المنفعل له لم يقبل أما الثاني وهو ~~أن يعرض الشر للشيء وطروء طارىء عليه بعد تكونه فذلك الطارىء إما شيء يمنع ~~المكمل من الإكمال مثل تراكم السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذ صار مانعا من ~~تأثير الشمس في النبات وإما شيء يفسد مثل البرد الذي يصل إلى النبات فيفسد ~~بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو # وإذا عرفت ذلك فنقول قد بينا أن الشر بالحقيقة إما عدم ضروريات الشيء ~~وإما عدم نافعه فنقول إما أن يكون خيرا من ms167 كل الوجوه أو شرا من كل الوجوه ~~أو خيرا من وجه وشرا من وجه وهذا على تقدير أقسام فإنه إما أن يكون خيره ~~غالبا على شره أو يكون شره غالبا على خيره أو متساويا خيره وشره فهذه أقسام ~~خمسة أما الذي يكون خيرا من كل الوجوه وهو موجود أي الذي يكون كذلك لذاته ~~فهو الله تبارك وتعالى وأما الذي يكن خيره لغيره فهو العقول والأفلاك لأن ~~هذه الأمور ما فاتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من كمالاتها والذي كله شر أو ~~الغالب فيه أو المساوي فهو غير موجود لأن كلامنا في الشيء بمعنى عدم ~~الضروريات والمنافع لا بمعنى عدم الكمال الزائد فلا شك أن ذلك PageV01P253 ~~مغلوب والخير غالب لأن الأمراض وإن كثرت إلا أن الصحة أكثر منها فالحرق ~~والغرق والخسف وإن كانت قد تكثر إلا أن السلامة أكثر منها فأما الذي يكون ~~خيره غالبا على شره فالأولى فيه أن يكون موجودا لوجهين الأول أنه إن لم ~~يوجد فلا بد وأن يفوت الخير الغالب وفوت الخير الغالب شر غالب فإذا في عدمه ~~يكون الشر أغلب من الخير وفي وجوده يكون الخير أغلب من الشر ويكون وجود هذا ~~القسم أولى مثاله النار في وجودها منافع كثيرة وأيضا مفاسد كثيرة مثل إحراق ~~الحيوانات ولكنا إذا قابلنا منافعها بمفاسدها كانت مصالحها أكثر بكثير من ~~مفاسدها ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح وكانت مفاسد عدمها أكثر من مصالحها ~~فلا جرم وجب إيجادها وخلقها الثاني وهو الذي يكون خيره ممزوجا بالشر ليس ~~إلا الأمور التي تحت كرة القمر فلا شك أنها معلولات العلل العالية فلو لم ~~يوجد هذا القسم لكان يلزم من عدمها عدم عللها الموجبة لها وهي خيرات محضة ~~فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة وذلك شر محض فإذا لا بد من وجود هذا ~~القسم فإن قيل فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن كل الشرور فنقول ~~لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول وذلك مما قد فرغ منه وبقي في ~~العقل ms168 قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالبا على شره وقد بينا أن الأولى بهذا ~~القسم أن يكون موجودا قال وهذا الجواب لا يعجبني لأن لقائل أن يقول إن جميع ~~هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله وإرادته مثلا الاحتراق الحاصل ~~عقيب النار ليس موجبا من النار بل الله اختار خلقه عقيب مماسة النار وإذا ~~كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته فكان يمكنه أن ~~يختار خلق الإحراق عندما يكون خيرا ولا يختار خلقه عندما يكون شرا ولا خلاص ~~عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه سبحانه فاعلا بالذات لا PageV01P254 بالقصد ~~والاختيار ويرجع الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث # قلت لما لم يكن عند الرازي إلا مذهب الفلاسفة المشائين والقائلين بوجوب ~~رعاية الصلاح أو الأصلح أو مذهب الجبرية نفاة الأسباب والعلل والحكم وكان ~~الحق عنده مترددا بين هذه المذاهب الثلاثة فتارة يرجح مذهب المتكلمين وتارة ~~مذهب المشائين وتارة يلقي الحرب بين الطائفتين ويقف في النظارة وتارة يتردد ~~بين الطائفتين وانتهى إلى هذا المضيق ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بالتزام ~~طريق الجبرية وهي غير مرضية عنده وإن كان في كتبه الكلامية يعتمد عليها ~~ويرجع في مباحثه إليها وطريق المعتزلة القائلين برعاية الصلاح وهي متناقضة ~~غير مطردة لم يجد بدا من تحيزه إلى أعداء الملة القائلين بأن الله لا قدرة ~~له ولا مشيئة ولا اختيار ولا فعل يقوم به ومعلوم أن هذه المذاهب بأسرها ~~باطلة ومتناقضة وإن كان بعضها أبطل من بعض وإنما ألجأه إلى التزام القول ~~بإنكار الفاعل المختار في هذا المقام تسليمه لهم الأصول الفاسدة والقواعد ~~الباطلة التي قادت إلى التزام بعض أنواع الباطل ولو أعطى الدليل حقه وضم ما ~~مع كل طائفة من الحق إلى حق الطائفة الأخرى وتحيز إلى ما جاءت به الرسل على ~~علم وبصيرة وهو تقرير لما جاؤوا به بجميع طرق الحق لتخلص من تلك المطالبات ~~مع إقراره بأن رب العالمين فعال لما يريد يفعل بمشيئته وقدرته وحكمته وأن ~~له المشيئة النافذة ms169 والحكمة البالغة وأن تقدير تجريد النار عما خلقت عليه ~~من الإحراق والماء عما خلق عليه والرياح والنفوس البشرية عما هيئت له وخلقت ~~عليه مناف للحكمة المطلوبة المحبوبة للرب سبحانه وأن هذا تقرير لعالم آخر ~~وتعطيل للأسباب التي نصبها الله سبحانه مقتضيات لمسبباتها وأن تلك ~~PageV01P255 الأسباب مظهر حكمته وحمده وموضع تصرفه لخلقه وأمره فتقدير ~~تعطيلها تعطيل للخلق والأمر وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالا لها واقتضاء هذه ~~الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها فتعطيلها منها قدح في الحكمة ~~وتفويت لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه ولكن الرب سبحانه قد ~~يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانا إذا كان فيه مصلحة راجحة على ~~مفسدة فوات تلك المسببات كما عطل النار التي ألقى فيها إبراهيم وجعلها عليه ~~بردا وسلاما عن الإحراق لما في ذلك من المصالح العظيمة وكذلك تعطيل الماء ~~عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض ~~هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت ~~في الوجود وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب فهكذا سائر أفعاله ~~سبحانه مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب الأسباب وأن الأسباب خلقه وأنه ~~يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها ~~بل هو الذي جعلها كذلك وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها ~~وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة ~~والطبائعيين وزنادقة الأطباء أنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن ~~آثارها وموجباتها ويقولون لا تعطيل في الطبيعة وليست الطبيعة عندهم مربوبة ~~مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء بل هي المتصرفة المدبرة ~~ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى ~~والطبائع والغرائز وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه فجحد ~~ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية وعن ارتباط ~~العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحالها ثم المحذور ~~اللازم من ms170 إنكار الفاعل المختار الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل ~~محذور فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الطفل لحامله ~~والحرارة للنار ولا يمكنه دفعها ولا PageV01P256 تخليص الحرارة منها فهم ~~فروا من إضافة الشر إلى خلقه ومشيئته واختياره ثم ألزموه إياه وأضافوه إليه ~~إضافة لا يمكن إزالتها مع تعطيل قدرته ومشيئته وخلقه وعلمه بتفاصيل أحوال ~~عباده وفي ذلك تعطيل ربوبيته للعالمين ففروا من محذور بالتزام عدة محاذير ~~واستجاروا من الرمضاء بالنار وهذا كما نزه الجهمية عن استوائه على عرشه ~~وعلوه على مخلوقاته فإنه فرار من التحيز والجهة ثم جعلوه سبحانه في كل مكان ~~مخالطا للقاذورات والأماكن المكروهات وكل مكان يأنف العاقل من مجاورته ~~ففروا من تخصيصه بالعلو فعمموا به كل مكان ولما علمت الفرعونية بطلان هذا ~~المذهب فروا إلى شر منه فأخلوا داخل العالم وخارجه منه البتة وقالوا ليس ~~فوق العرش رب يعبد ولا إله يصلى له يسجد ولا ترفع إليه الأيدي ولا يصعد ~~إليه الكلم الطيب والعمل الصالح ولا عرج بمحمد إليه بل عرج به إلى عدم صرف ~~ولا فرق بالنسبة إليه بين العرش وبين أسفل السافلين ومن المعلوم أنه ليس ~~موجودا في أسفل السافلين فإذا لم يكن موجودا فوق العرش فهذا إعدام له البتة ~~وتعطيل لوجوده # فلما رأت الحلولية وإخوانهم من الإتحادية أشباه النصارى ما في ذلك من ~~الإحالة قالوا بل هو هذا الوجود الساري في الموجودات الظاهر فيها على ~~اختلاف صورها وأنواعها بحسنها فهو في الماء ماء وفي الخمر خمر وفي النار ~~نار وهو حقيقة كل شيء وماهيته فنزهوه عن استوائه على عرشه وجعلوه وجود كل ~~موجود خسيس أو شريف صغير أو كبير طيب أو غيره تعالى الله عما يقول أعداؤه ~~علوا كبيرا وكذلك القائلون بقدم العالم نزهوه عن قيام الإرادات والأفعال ~~المتجددة به ثم جعلوا جميع الحوادث لازمة له لا ينفك عنها ونزهوه عن إرادته ~~وجعلوه لازما لذاته كالمضطر إلى PageV01P257 صدوره عنه وكذلك المعتزلة ~~الجهمية نزهوه عن صفات كماله لئلا يقعوا في تشبيه ms171 ثم شبهوه بخلقه في أفعاله ~~وحكموا عليه بحسن ما يحسن منهم وقبح ما يقبح منهم مع تشبيهه في سلب صفات ~~كماله بالجمادات والناقصات وإن من فر من إثبات السمع والبصر والكلام ~~والحياة له لئلا يشبهه فقد شبهه بالأحجار التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ~~ومن عطله عن صفة الكلام لما يلزم من تشبيه بزعمه فقد شبهه بأصحاب الخرس ~~والآفات الممتنع منهم الكلام ومن نزهه عن نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ~~ودنوه عشية عرفة من أهل الموقف ومجيئه يوم القيامة للقضاء بين عباده فرارا ~~من تشبيهه بالأجسام فقد شبهه بالجماد الذي لا يتصرف ولا يفعل ولا يجيء ولا ~~يأتي ولا ينزل ومن نزهه عن أن يفعل لغرض أو حكمة أو لداع إلى الفعل حذرا من ~~تشبيهه بالفاعلين لذلك فقد شبهه بأهل السفه والعبث الذي لا يقصدون بأفعالهم ~~غاية محمودة ولا غرضا مطلوبا محبوبا ومن نزهه عن خلق أفعال عباده وتصرفه ~~فيهم بالهداية والإضلال وتخصيص من شاء منهم بفضله أو منعه لمن شاء حذرا من ~~الظلم بزعمه فقد وصفه بأقبح الظلم والجور حيث يخلد في أطباق النيران من ~~استنفد عمره كله في طاعته إذا فعل قبل الموت كبيرة واحدة فإنها تحبط جميع ~~تلك الطاعات وتجعلها هباء منثورا ويخلد في جهنم مع الكفار مالم يتب منها ~~إلى غير ذلك من أصولهم الفاسدة فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # قاعدة كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين إما أن تكون طبيعته ~~يابسة قاسية غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها وإما أن ~~تكون لينة منقادة سلسة القياد لكنها غير ثابتة على ذلك PageV01P258 بل ~~سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب فمتى رزق العبد انقيادا للحق وثباتا عليه ~~فليبشر فقد بشر بكل خير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء # قاعدة إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك ~~الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه ms172 فهو علامة سعادته وإرادة ~~الخير به والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض ~~منها أجل عوض وأفضله وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه وإقباله عليه ~~بعد أن كان نائيا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضا وللوقوف على ~~أبواب غيره متعرضا وكانت البلية في هذا عين النعمة وإن ساءته وكرهها طبعه ~~ونفرت منها نفسه فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب ~~وقوله تعالى في ذلك هو الشفاء والعصمة وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وإن لم يرده ذلك ~~البلاء إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه ~~والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادته الشر به ~~فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه ~~فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه ~~بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء فبلية هذا وبال عليه ~~وعقوبة ونقص في حقه وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل والله ولي التوفيق # | قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب # الناس في البلوى التي تجري عليهم أحكامها بإرادتهم وشهواتهم متفاوتون ~~بحسب شهودهم لأسبابها وغايتها أعظم تفاوت وجماع ذلك ثمانية مشاهد ~~PageV01P259 # أحدها شهود السبب الموصل إليها والغاية المطلوبة منها فقط وهو شهود ~~الحيوانات إذ لا تشهد إلا طريق وطرها وبرد النفس بعد تناولها وهذا الضرب من ~~الناس ليس بينه وبين الحيوان البهيم في ذلك فرق إلا بدقيق الحيلة في الوصول ~~إليها وربما زاد غيره من الحيوانات عليه مع تناولها ولذاتها # المشهد الثاني من يشهد مع ذلك مجرد الحكم القدري وجريانه عليه ولا يجوز ~~شهوده ذلك وربما رأى أن الحقيقة هي توفية هذا المشهد حقه ولا يتم له ذلك ~~إلا بالفناء عن شهود فعله هو جملة فيشهد الفاعل فيه غيره والمحرك سواه فلا ~~ينسب ms173 إلى نفسه فعلا ولا يرى لها إساءة ويزعم أن هذا هو التحقيق والتوحيد ~~وربما زاد على ذلك أنه يشهد نفسه مطيعا من وجه وإن كان عاصيا من وجه آخر ~~فيقول أنا مطيع الإرادة والمشيئة وإن كنت عاصيا للأمر وإن كان ممن يرى ~~الأمر تلبيسا وضبطا للرعاع عن الخبط والحرمان مع حكم الطبيعة الحيوانية فقد ~~رأى نفسه مطيعا لا عاصيا كما قال قائلهم في هذا المعنى # أصبحت منفعلا لما يختاره % مني ففعلي كله طاعات # وأصحاب المشهد الأول أقرب إلى السلامة من هؤلاء وخير منهم وهذا المشهد ~~بعينه هو المشهد الذي يشهده المشركون عباد الأصنام ووقفوا عنده كما قالوا ~~لو شاء الرحمن ما عبدناهم @QB@ وقالوا @QE@ لو شاء الله PageV01P260 ما ~~أشركنا ولا أباؤنا ولا حرمنا من شيء وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ~~قال الذين كفروا للذين أمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه فهذا مشهد من ~~أشرك بالله ورد أمره وهو مشهد إبليس الذي انتهى إليه إذ يقول لربه رب بما ~~أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين والله أعلم # المشهد الثالث مشهد العقل الكسبي القائم بالعبد فقط ولا يشهد إلا صدوره ~~عنه وقيامه به ولا يشهد مع ذلك مشيئة الرب له ولا جريان حكمه القدري به ولا ~~عزة الرب في قضائه ونفوذ أمره بل قد فني بشهود معصيته بذنبه وقبح ما اجترمه ~~عن شهود المشيئة النافذة والقدر السابق إما لعدم اتساع قلبه لشهود الأمرين ~~فقد امتلأ من شهود ذنبه وجرمه وفعله مع أنه مؤمن بقضاء الرب وقدره وأن ~~العبد أقل قدرا من أن يحدث في نفسه ما لم يسبق به مشيئة بارئه وخالقه وإما ~~لإنكاره القضاء والقدر جملة وتنزيهه للرب أن يقدر على العبد شيئا ثم يلومه ~~عليه فأما الأول وإن كان مشهده صحيحا نافعا له موجبا له أن لا يزال لائما ~~لنفسه مزريا عليها ناسيا للذنب والعيب إليها معترفا بأنه يستحق العقوبة ~~والنكال وأن الله سبحانه إن عاقبه فهو العادل فيه وأنه هو الظالم لنفسه ~~وهذا كله حق لا ms174 ريب فيه لكن صاحبه ضعيف مغلوب مع نفسه غير معان عليها بل هو ~~معها كالمقهور المخذول فإنه لم يشهد عزة الرب في قضائه ونفوذ أمره الكوني ~~ومشيئته وأنه لو شاء لعصمه وحفظه وأنه لا معصوم إلا من عصمه ولا محفوظ إلا ~~من حفظه وأنه هو محل لجريان أقضيته وأقداره مسوق إليها في سلسلة ~~PageV01P261 إرادته وشهوته وأن تلك السلسلة طرفها بيد غيره فهو القادر على ~~سوقه فيها إلى ما فيه صلاحه وفلاحه وإلى ما فيه هلاكه وشقاؤه فهو لغيبته عن ~~هذا المشهد وغلبة شهود المعصية والكسب على قلبه لا يعطي التوحيد حقه ولا ~~الاستعاذة بربه والاستغاثة به والالتجاء إليه والإفتقار والتضرع والإبتهال ~~حقه بحيث يشهد سر قوله وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك ~~منك فإنه سبحانه رب كل شيء وخالق كل شيء والمستعاذ منه واقع بخلقه ومشيئته ~~ولو شاء لم يكن فالفرار منه إليه والإستعاذة منه به ولا ملجأ منه إلا إليه ~~ولا مهرب منه إلا إليه لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأما الثاني وهو منكر ~~القضاء والقدر فمخذول محجوب عن شهود التوحيد مصدود عن شهود الحكمة الإلهية ~~موكول إلى نفسه ممنوع عن شهود عزة الرب في قضائه وكمال مشيئته ونفوذ حكمه ~~وعن شهود عجزه هو وفقره وأنه لا توفيق له إلا بالله وأنه إن لم يعنه الله ~~فهو مخذول وإن لم يوفقه ويخلق له عزيمة الرشد وفعله فهو عنه ممنوع فحجابه ~~عن الله غليظ فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق إلى الله أقرب من دوام ~~الافتقار إليه # المشهد الرابع مشهد التوحيد والأمر فيشهد انفراد الرب بالخالق ونفوذ ~~مشيئته وتعلق الموجودات بأسرها به وجريان حكمه على الخليقة وانتهاءها إلى ~~ما سبق لها في علمه وجرى به قلمه ويشهد ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه ~~وارتباط الجزاء بالأعمال واقتضاءها له ارتباط المسببات بأسبابها التي جعلت ~~أسبابا مقتضية لها شرعا وقدرا وحكمة فشهوده توحيد الرب وانفراده بالخلق ~~ونفوذ مشيئته وجريان قضائه وقدره يفتح له باب الإستعاذة ودوام ms175 الإلتجاء ~~إليه والافتقار إليه وذلك يدنيه من عتبة العبودية ويطرحه بالباب فقيرا ~~عاجزا مسكينا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا PageV01P262 حياة ~~ولا نشورا وشهوده أمره تعالى ونهيه وثوابه وعقابه يوجب له الحمد والتشمير ~~وبذل الوسع والقيام بالأمر والرجوع على نفسه باللوم والإعتراف بالتقصير ~~فيكون سيره بين شهود العزة والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنة ~~العظيمة وبين شهود التقصير والإساءة منه وتطلب عيوب نفسه وأعمالها فهذا هو ~~العبد الموفق المعان الملطوف به المصنوع له الذي أقيم مقام العبودية وضمن ~~له التوفيق وهذا هو مشهد الرسل فهو مشهد أبيهم آدم إذ يقول ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ومشهد أول الرسل نوح إذ ~~يقول رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين ومشهد إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء إبراهيم صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين إذ يقول الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا ~~مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين وقال في دعائه رب اجعل هذا البلد إمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~فعلم أن الذي يحول بين العبد وبين الشرك وعبادة الأصنام هو الله لا رب غيره ~~فسأله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام وهذا هو مشهد موسى إذ يقول في خطابه ~~لربه أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي ~~من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين أي إن ذلك ~~PageV01P263 إلا امتحانك واختبارك كما يقال فتنت الذهب إذا امتحنته ~~واختبرته وليس من الفتنة التي هي الفعل المسيء كما في قوله تعالى إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات وكما في قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~فإن تلك فتنة المخلوق فإن موسى أعلم بالله بأن يضيف إليه هذه الفتنة وإنما ~~هي كالفتنة في قوله وفتناك فتونا أي ابتليناك واختبرناك وصرفناك في الأحوال ~~التي قصها الله علينا ms176 من لدن ولادته إلى وقت خطابه له وإنزاله عليه كتابه ~~والمقصود أن موسى شهد توحيد الرب وانفراده بالخلق والحكم وفعل السفهاء ~~ومباشرتهم الشرك فتضرع إليه بعزته وسلطانه وأضاف الذنب إلى فاعله وجانيه ~~ومن هذا قوله رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي قال تعالى فغفر له إنه هو الغفور ~~الرحيم وهذا مشهد ذي النون إذ يقول لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين فوحد ربه ونزهه عن كل عيب وأضاف الظلم إلى نفسه وهذا مشهد صاحب ~~سيد الاستغفار إذ يقول في دعائه اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا ~~عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك ~~علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت / ح / فأقر بتوحيد ~~الربوبية المتضمن لانفراده سبحانه بالخلق وعموم المشيئة ونفوذها وتوحيد ~~الإلهية المتضمن لمحتبه وعبادته PageV01P264 وحده لا شريك له والاعتراف ~~بالعبودية المتضمن للإفتقار من جميع الوجوه إليه سبحانه ثم قال وأنا على ~~عهدك ووعدك فتضمن ذلك التزام شرعه وأمره ودينه وهو عهده الذي عهده إلى ~~عباده وتصديق وعده وهو جزاؤه من ثوابه فتضمن التزام الأمر والتصديق ~~بالموعود وهو الإيمان والاحتساب ثم لما علم أن العبد لا يوفي هذا المقام ~~حقه الذي يصلح له تعالى علق ذلك باستطاعته وقدرته التي لا يتعداها فقال ما ~~استطعت أي التزم ذلك بحسب استطاعتي وقدرتي ثم شهد المشهدين المذكورين وهما ~~مشهد القدرة والقوة ومشهد التقصير من نفسه فقال أعوذ بك من شر ما صنعت فهذه ~~الكلمة تضمنت المشهدين معا ثم أضاف النعم كلها إلى وليها وأهلها والمبتدىء ~~بها والذنب إلى نفسه وعمله فقال أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فأنت ~~المحمود والمشكور الذي له الثناء كله والإحسان كله ومنه النعم كلها فلك ~~الحمد كله ولك الثناء كله ولك الفضل كله وأنا المذنب المسيء المعترف بذنبه ~~المقر بخطئه كما قال بعض العارفين العارف يسير بين مشاهدة المنة من الله ~~ومطالعة عيب النفس والعمل فشهود المنة يوجب ms177 له المحبة لربه سبحانه وحمده ~~والثناء عليه ومطالعة عيب النفس والعمل يوجب استغفاره ودوام توبته وتضرعه ~~واستكانته لربه ثم لما قام هذا بقلب الداعي وتوسل إليه بهذه الوسائل قال ~~فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت # ثم أصحاب هذا المشهد فيه قسمان أحدهما من يشهد تسليط عدوه عليه وفساده ~~إياه وسلسلة الهوى وكبحه إياه بلجام الشهوة فهو أسير معه بحيث يسوقه إلى ~~ضرب عنقه وهو مع ذلك ملتفت إلى ربه وناصره ووليه عالم بأن نجاته في يديه ~~وناصيته بين يديه وأنه لو شاء طرده عنه وخلصه من يديه فكلما قاده عدوه ~~وكبحه بلجامه أكثر الالتفات إلى وليه وناصره والتضرع إليه والتذلل بين يديه ~~وكلما أراد اغترابه وبعده عن بابه تذكر عطفه PageV01P265 وبره وإحسانه ~~وجوده وكرمه وغناه وقدرته ورأفته ورحمته فانجذبت دواعي قلبه هاربة إليه ~~بتراميه على بابه منطرحة على فنائه كعبد قد شدت يداه إلى عنقه وقدم لتضرب ~~عنقه وقد استسلم للقتل فنظر إلى سيده أمامه وتذكر عطفه ورأفته به ووجد فرجة ~~فوثب إليه منها وثبة طرح نفسه بين يديه ومد له عنقه وقال أنا عبدك ومسكينك ~~وهذه ناصيتي بين يديك ولا خلاص لي من هذا العدو إلا بك وإني مغلوب فانتصر ~~فهذا مشهد عظيم المنفعة جليل الفائدة تحته من أسرار العبودية ما لا يناله ~~الوصف # وفوقه مشهد أجل منه وأعظم وأخص تجفو عنه العبارة وإن الإشارة إليه بعض ~~الإشارة وتقريبه إلى الفهم بضرب مثل تعبر منه إليه وذلك مثل عبد أخذه سيده ~~بيده وقدمه ليضرب عنقه بيده فهو قد أحكم ربطه وشد عينيه وقد أيقن العبد أنه ~~في قبضته وأنه هو قاتله لا غيره وقد علم مع ذلك بره به ولطفه ورحمته ورأفته ~~وجوده وكرمه فهو يناشده بأوصافه ويدخل عليه به قد ذهب عن وهمه وشهوده كل ~~نسب فانقطع تعلقه بشيء سواه فهو معرض عن عدوه الذي كان سبب غضب سيده عليه ~~قد محا شهوده من قلبه فهو مقصور النظر إلى سيده وكونه في قبضتها ناظر إلى ~~ما ms178 يصنعه منتظر منه ما يقتضيه عطفه وبره وكرمه ومثل الأول مثل عبد أمسكه ~~عدوه وهو يخنقه للموت وذلك العبد يشهد دنو عدوه له ويستغيث بسيده وسيده ~~يغيثه ويرحمه ولكن ما يحصل للثاني في مشهده ذلك من الأمور العجيبة فوق ما ~~يحصل للأول وهو بمنزلة من قد أخذه محبوبه فهو يخنقه خنقة وهو لا يشهد إلا ~~خنقه له فهو يقول اخنق خنقك فأنت تعلم أن قلبي يحبك وفي هذا المثل إشارة ~~وكفاية من غلظ حجابه وكثفت طباعه لا ينفعه التصريح فضلا عن ضرب الأمثال ~~والله المستعان وعليه التكلان ولا قوة إلا بالله فهذه ستة مشاهد # المشهد السابع مشهد الحكمة وهو أن يشهد حكمة الله في تخليته PageV01P266 ~~بينه وبين الذنب وإقداره عليه وتهيئة أسبابه له وأنه لو شاء لعصمه وحال ~~بينه وبينه ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله ~~أحدها أنه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على ~~عبده بالذنب ثم إذا كان ممن سبقت له العناية قضى له بالتوبة الثاني تعريف ~~العبد عزة الله سبحانه في قضائه ونفوذ مشيئته وجريان حكمه الثالث تعريفه ~~حاجته إلى حفظه وصيانته وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك ولا بد والشياطين ~~قد مدت أيديها إليه تمزقه كل ممزق الرابع استجلابه من العبد استعانته به ~~واستعاذته به من عدوه وشر نفسه ودعائه والتضرع إليه والابتهال بين يديه ~~الخامس إرادته من عبده تكميل مقام الذل والإنكسار فإنه متى شهد صلاحه ~~واستقامته شمخ بأنفه وظن أنه وأنه فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسه وذل ~~وتيقن وتمنى أنه وأنه السادس تعريفه بحقيقة نفسه وأنها الخطاءة الجاهلة وأن ~~كل ما فيها من علم أو عمل أو خير فمن الله من به عليه لا من نفسه السابع ~~تعريفه عبده سعة حلمه وكرمه في ستره عليه فإنه لو شاء لعاجله على الذنب ~~ولهتكه بين عباده فلم يصف له معهم عيش الثامن تعريفه أنه لا طريق إلى ~~النجاة إلا بعفوه ومغفرته التاسع تعريفه كرمه في قبول ms179 توبته ومغفرته له على ~~ظلمه وإساءته العاشر إقامة الحجة على عبده فإن له عليه الحجة البالغة فإن ~~عذبه فبعدله وببعض حقه عليه بل باليسير منه الحادي عشر أن يعامل عباده في ~~إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يجب أن يعامله الله به فإن الجزاء من جنس ~~العمل فيعمل في ذنوب الخلق معه ما يحب أن يصنعه الله بذنوبه الثاني عشر أني ~~يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم مع إقامة أمر الله فيهم فيقيم أمره ~~فيهم رحمة لهم لا قسوة وفظاظة عليهم الثالث عشر أن يخلع صولة الطاعة ~~والإحسان من قلبه فتتبدل برقة ورأفة ورحمة الرابع عشر أن يعريه من رداء ~~العجب بعمله كما قال النبي لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد منه ~~PageV01P267 العجب أو كما قال الخامس عشر أن يعريه من لباس الإدلال الذي ~~يصلح للملوك ويلبسه لباس الذل الذي لا يليق بالعبد سواه السادس عشر أن ~~يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية وتوابعهما من البكاء والإشفاق ~~والندم السابع عشر أن يعرف مقداره مع معافاته وفضله في توفيقه وعصمته فإن ~~من تربى في العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى ولا يعرف مقدار العافية ~~الثامن عشر أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب إليه ورجع إليه فإن ~~الله يحبه ويوجب له بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة ~~وإن كان يحصل بغيرها من الطاعات أثر آخر لكن هذا الأثر الخاص لا يحصل إلا ~~بالتوبة التاسع عشر أنه إذا شهد إساءته وظلمه واستكثر القليل من نعمة الله ~~لعلمه بأن الواصل إليه PageV01P268 منها كثير على مسيء مثله فاستقل الكثير ~~من عمله لعلمه بأن الذي يصلح له أن يغسل به نجاسته وذنوبه أضعاف أضعاف ما ~~يفعله فهو دائما مستقل لعمله كائنا ما كان ولو لم يكن في فوائد الذنب وحكمه ~~إلا هذا وحده لكان كافيا العشرون أنه يوجب له التيقظ والحذر من مصايد العدو ~~ومكايده ويعرفه من أين يدخل عليه وبماذا يحذر منه كالطبيب الذي ذاق المرض ~~والدواء الحادي ms180 والعشرون أن مثل هذا ينتفع به المرضى لمعرفته بأمراضهم ~~وأدوائها الثاني والعشرون أنه يرفع عنه حجاب الدعوى ويفتح له طريق الفاقة ~~فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق أقرب من العبودية فإن دوام الفقر إلى ~~الله مع التخليط خير من الصفاء مع العجب الثالث والعشرون أن تكون في القلب ~~أمراض مزمنة لا يشعر بها فيطلب دواءها فيمن عليه اللطيف الخبير ويقضي عليه ~~بذنب ظاهر فيجد ألم مرضه فيحتمي ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض ~~التي لم يكن يشعر بها ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فغلظ حجابه كما قيل # لعل عتبك محمود عواقبه % وربما صحت الأجسام بالعلل # الرابع والعشرون أنه يذيقه ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب ليكمل له ~~نعمته وفرحه وسروره إذا اقبل بقلبه إليه وجمعه عليه وأقامه في طاعته فيكون ~~التذاذه في ذلك بعد أن صدر منه ما صدر بمنزلة التذاذ الظمآن بالماء العذب ~~الزلال والشديد الخوف بالأمن والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه وإن لطف الرب ~~وبره وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربه ومحبته ~~الخامس والعشرون امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا ~~فإنه إذا وقع الذنب سلب حلاوة الطاعة والقرب ووقع في الوحشة فإن كان ممن ~~يصلح اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة فحنت وأنت وتضرعت واستعانت بربها ~~ليردها إلى ما عودها من بره ولطفه وإن ركنت عنها واستمر إعراضها ولم تحن ~~إلى تعهدها الأول ومألوفها ولم تحسن بضرورتها وفاقتها PageV01P269 الشديدة ~~إلى مراجعة قربها من ربها علم أنها لا تصلح لله وقد جاء هذا بعينه في أثر ~~إلهي لا أحفظه السادس والعشرون أن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة ~~والغضب في الإنسان أو بعضها ولو لم يخلق فيه هذه الدواعي لم يكن إنسانا بل ~~ملكا فالذنب من موجبات البشرية كما أن النسيان من موجباتها كما قال النبي ~~كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ولا يتم الابتلاء والاختبار إلا ~~بذلك والله أعلم السابع والعشرون أن ينسيه رؤية طاعته ويشغله برؤية ms181 ذنبه ~~فلا يزال نصب عينيه فإن الله إذا أراد بعبد خيرا سلب رؤية أعماله الحسنة من ~~قلبه والإخبار بها من لسانه وشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه حتى يدخل ~~الجنة فإن ما تقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيته ومن اللسان ذكره وقال بعض ~~السلف إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة ويعمل الحسنة فيدخل بها ~~النار قالوا كيف قال يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه إذا ذكرها ندم ~~واستقال وتضرع إلى الله وبادر إلى محوها وانكسر وذل لربه وزال عنه عجبه ~~وكبره ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يراها ويمن بها ويعتد بها ويتكبر ~~بها حتى يدخل النار الثامن والعشرون أن شهود ذنبه وخطيئته يوجب له أن لا ~~يرى له على أحد فضلا ولا له على أحد حقا فإنه إذا شهد عيب نفسه بفاحشة ~~وخطأها وذنوبها لا يظن أنه خير من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر وإذا شهد ~~ذلك من نفسه لم ير لها على الناس حقوقا من الإكرام يتقاضاهم إياها ويذمهم ~~على ترك القيام بها فإنها عند أخس قدرا PageV01P270 وأقل قيمة من أن يكون ~~لها على عباد الله حقوق يجب مراعاتها أو لها عليهم فضل يستحق أن يلزموه ~~لأجله فيرى أن من سلم عليه أو لقيه بوجه منبسط قد أحسن إليه وبذل له ما لا ~~يستحقه فاستراح في نفسه واستراح الناس من عتبه وشكايته فما أطيب عيشه وما ~~أنعم باله وما أقر عينه وأين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك ~~قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه أسخط فسبحان ذي الحكمة الباهرة التي بهرت ~~عقول العالمين التاسع والعشرون أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر ~~فيها فإنه في شغل بعيبه ونفسه وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وويل لمن ~~نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس فالأول علامة السعادة والثاني علامة الشقاوة ~~الثلاثون أنه يوجب له الإحسان إلى الناس والاستغفار لإخوانه الخاطئين من ~~المؤمنين فيصير هجيراه رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات فإنه ms182 يشهد أن إخوانه الخاطئين يصابون بمثل ما أصيب به ويحتاجون ~~إلى مثل ما هو محتاج إليه فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم يحب أن يستغفر ~~هو لأخيه المسلم وقد قال بعض السلف إن الله لما عتب على الملائكة في قولهم ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وامتحن هاروت وماروت جعلت الملائكة ~~بعد ذلك تستغفر لبني آدم ويدعون الله لهم الحادي والثلاثون أنه يوجب له سعة ~~إبطائه وحلمه ومغفرته لمن أساء إليه فإنه إذا شهد لنفسه مع ربه سبحانه ~~مسيئا خاطئا مذنبا مع فرط إحسانه إليه وبره وشدة حاجته إلى ربه وعدم ~~استغنائه عنه طرفة عين وهذا حاله مع ربه فكيف يطمع أن يستقيم له الخلق ~~ويعاملوه بمحض الإحسان وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة وكيف يطمع أن يطيعه ~~مملوكه وولده وزوجته في كل ما يريد وهو مع ربه ليس كذلك وهذا يوجب أن يغفر ~~لهم ويسامحهم ويعفو عنهم ويغضي عن الاستقصاء في طلب حقه قبلهم PageV01P271 # قاعدة كثيرا ما يتكرر في القرآن ذكر الإنابة والأمر بها كقوله تعالى ~~وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له وقوله حكاية عن شعيب أنه قال وما توفيقي إلا ~~بالله عليه توكلت وإليه أنيب وقوله تبصرة وذكرى لكل عبد منيب وقوله إن الله ~~يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب وقوله عن نبيه داود وخر راكعا وأناب ~~والإنابة الرجوع إلى الله وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه وهي تتضمن ~~المحبة والخشية فإن المنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل والناس في ~~إنابتهم على درجات متفاوتة فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من ~~المخالفات والمعاصي وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد والحامل عليها العلم ~~والخشية والحذر ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات فهو ~~ساع فيها بجهده وقد حبب إليه فعل الطاعات وأنواع القربات وهذه الإنابة ~~مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب ومحبة الكرامة من الله وهؤلاء أبسط ~~نفوسا من أهل القسم الأول وأشرح صدورا وجانب الرجاء ومطالعة الرحمة والمنة ~~أغلب عليهم وإلا فكل واحد من الفريقين ms183 منيب بالأمرين جميعا ولكن خوف هؤلاء ~~اندرج في رجائهم فأنابوا بالعبادات ورجاء الأولين اندرج تحت خوفهم فكانت ~~إنابتهم بترك المخالفات ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء والافتقار ~~إليه والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه ومصدر هذه الإنابة شهود الفضل والمنة ~~والغنى والكرم والقدرة فأنزلوا به حوائجهم وعلقوا به آمالهم فإنابتهم إليه ~~من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر PageV01P272 والنهي ولكن إنابتهم الخاصة ~~إنما من هذه الجهة وأما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم ~~المنيب عند الشدائد والضراء فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار كحال الذين ~~قال الله في حقهم وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه وقوله ~~تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين وهؤلاء كلهم قد تكون ~~نفس أرواحهم ملتفتة عن الله سبحانه معرضة عنه إلى مألوف طبيعي نفساني قد ~~حال بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق فهي ملتفتة إلى ~~غيره ولها إليه إنابة ما بحسب إيمانها به ومعرفتها له # فأعلى أنواع الإنابة إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة ~~المغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم وحين أنابت إليه أرواحهم لم يختلف ~~منهم شيء عن الإنابة فإن الأعضاء كلها رعيتها وملكها تبع للروح فلما أنابت ~~الروح بذاتها إليه إنابة محب صادق المحبة وليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه ~~حب ساكن لمحبوبه أنابت جميع القوى والجوارح فأناب القلب أيضا بالمحبة ~~والتضرع والذل والإنكسار وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه ~~وتسليمه لها وتحكيمه إياها دون غيرها فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها ~~وأنابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة ~~والإرادات الفاسدة وانقادت لأوامره خاضعة له وداعية فيه ومؤثرة إياها على ~~غيره فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر وخرجت عن تدبيرها ~~واختيارها تفويضا إلى مولاها ورضى بقضائه وتسليما لحكمه وقد قيل إن تدبير ~~العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة في النفس وأناب الجسد في الأعمال ~~والقيام بها فرضها وسننها على أكمل PageV01P273 الوجوه وأنابت كل جارحة ~~وعضو إنابتها الخاصة فلم ms184 يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله ~~إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها وإن ~~كانت عذبة في مباديها فإنها عذاب في عواقبها فإنابة العبد ولو ساعة من عمره ~~هذه الإنابة الخالصة أنفع له وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره فأين ~~إنابة هذا من إنابة من قبله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بل هذه روحه منيبة ~~أبدا وإن توارى عنه شهود إنابتها باشتغال فهي كامنة فيها كمون النار في ~~الزناد وأما أصحاب الإنابات المتقدمة فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر ~~الابتهال فلنفسه وروحه وقلبه وعقله التفاتات عمن قد أناب إليه فهو ينيب ~~ببعضه ساعة ثم يترك ذلك مقبلا على دواعي نفسه وطبعه والله الموفق المعين لا ~~رب غيره ولا إله سواه # قاعدة في ذكر طريق يوصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال # وهي شيئان أحدهما حراسة الخواطر وحفظها والحذر من إهمالها والاسترسال ~~معها فإن أصل الفساد كله من قبلها يجيء لأنها هي بذر الشيطان والنفس في أرض ~~القلب فإذا تمكن بذرها تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات ~~ثم يسقيها بسقيه حتى تكون عزائم ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال ولا ريب ~~أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم فيجد العبد نفسه عاجزا أو ~~كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة وهو المفرط إذا لم يدفعها وهي ~~خاطر ضعيف كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس فلما تمكنت منه عجز عن ~~إطفائها فإن قلت فما الطريق إلى حفظ الخواطر قلت أسباب عدة أحدها العلم ~~الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك الثاني ~~حياؤك منه الثالث إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق ~~لمعرفته ومحبته الرابع خوفك منه أن PageV01P274 تسقط من عينه بتلك الخواطر ~~الخامس إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته السادس خشيتك أن تتولد تلك ~~الخواطر ويستعر شرارها فتأكل ما في القلب من ms185 الإيمان ومحبة الله فتذهب به ~~جملة وأنت لا تشعر السابع أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى ~~للطائر ليصاد به فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا ~~تشعر الثامن أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ~~ودواعي المحبة والإنابة أصلا بل هي ضدها من كل وجه وما اجتمعا في قلب إلا ~~وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس ~~والشيطان فيه خواطر الإيمان والمعرفة والمحبة فأخرجتها واستوطنت مكانها لكن ~~لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه التاسع أن يعلم أن تلك ~~الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه ~~وتاه في ظلماته فيطلب الخلاص منه فلا يجد إليه سبيلا فقلب تملكه الخواطر ~~بعيد من الفلاح معذب مشغول بما لا يفيد العاشر أن تلك الخواطر هي وادي ~~الحمقى وأماني الجاهلين فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة والخزي وإذا غلبت على ~~القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانها وأفسدت عليه رعيته وألقته في الأسر ~~الطويل كما أن هذا معلوم في الخواطر النفسانية فهكذا الخواطر الإيمانية ~~الرحمانية هي أصل الخير كله فإن أرض القلب إذا بذر فيها خواطر الإيمان ~~والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء الثواب وسقيت مرة بعد مرة ~~وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها أثمرت له كل فعل جميل ~~وملأت قلبه من الخيرات واستعملت جوارحه في الطاعات واستقر بها الملك في ~~سلطانه واستقامت له رعيته ولهذا لما تحققت طائفة من السالكين ذلك عملت على ~~حفظ الخواطر فكان ذلك هو سيرها وجل أعمالها وهذا نافع لصاحبه بشرطين أحدهما ~~أن لا يترك به واجبا ولا سنة والثاني أن لا يجعل مجرد حفظها هو المقصود بل ~~لا يتم PageV01P275 ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان والمحبة ~~والإنابة والتوكل والخشية فيفرغ قلبه من تلك الخواطر ويعمره بأضدادها وإلا ~~فمتى عمل على تفريغه منها معا كان خاسرا فلا بد من التفطن لهذا ومن ms186 هنا غلط ~~أقوام من أرباب السلوك وعملوا على إلقاء الخواطر وإزالتها جملة فبذر فيها ~~الشيطان أنواع الشبه والخيالات فظنوها تحقيقا وفتحا رحمانيا وهم فيها ~~غالطون وإنما هي خيالات شيطانية والميزان هو الكتاب الناطق والفطرة السليمة ~~والعقل المؤيد بنور النبوة والله المستعان # | فصل صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته # فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها وخمدت ~~من نفسه نيران الشهوات وأخبت قلبه إلى الله وعكفت همته على الله وعلى محبته ~~وإيثار مرضاته واستحدثت همة أخرى وعلوما أخر وولد ولادة أخرى تكون نسبة ~~قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن ~~أمه فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة وكما كان بطن أمه حجابا ~~لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة فخروج ~~قلبه عن نفسه بارزا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزا إلى هذه ~~الدار وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أنه قال يا بني إسرائيل إنكم لن تلجوا ~~ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة ~~الثانية ولا تصوروها فضلا عن أن يصدقوا بها فيقول القائل كيف يولد الرجل ~~الكبير أو كيف يولد القلب لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة إذ كيف يعزم على ~~الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك ~~وعلم أنه لم يولد قلبه بعد والمقصود أن صدق التأهب للقاء هو مفتاح جميع ~~الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل ~~السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية ~~والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح PageV01P276 فمفتاح ذلك كله ~~صدق التأهب والاستعداد للقاء الله والمفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ~~ولا رب سواه # قاعدة شريفة الناس قسمان علية وسفلة فالعلية من عرف الطريق إلى ربه ~~وسلكها قاصدا الوصول إليه وهذا هو الكريم على ربه والسفلة ms187 من لم يعرف ~~الطريق إلى ربه ولم يتعرفها فهذا هو اللئيم الذي قال الله فيه ومن يهن الله ~~فماله من مكرم والطريق إلى الله في الحقيقة واحد لا تعدد فيه وهو صراطه ~~المستقيم الذي نصبه موصلا لمن سلكه قال الله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فوحد سبيله لأنه في نفسه واحد لا تعدد فيه وجمع ~~السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة كما ثبت أن النبي خط خطا ثم قال هذا ~~سبيل الله / ح / ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ثم قال هذه سبل على كل ~~سبيل منها شيطان يدعو إليه / ح / ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ومن هذا قوله تعالى الله ولي الذين امنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات فوحد النور الذي هو سبيله وجمع الظلمات التي هي سبيل ~~الشيطان ومن فهم هذا فهم السر في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله الحمد ~~لله الذي خلق السموات PageV01P277 والأرض وجعل الظلمات والنور مع أن فيه سر ~~ألطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور ومن أين فاض وعماذا حصل وأن أصله كله ~~واحد وأما الظلمات فهي متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها وهي كثيرة جدا لكل ~~حجاب ظلمة خاصة ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادي جل جلاله أصلا ولا وصفا ~~ولا ذاتا ولا اسما ولا فعلا وإنما ترجع إلى مفعولاته فهو جاعل الظلمات ~~ومفعولاتها متعددة متكثرة بخلاف النور فإنه يرجع إلى اسمه وصفته تعالى أن ~~يكون كمثله شيء وهو نور السموات والأرض قال ابن مسعود ليس عند ربكم ليل ولا ~~نهار نور السموات والأرض من نور وجهه ذكره الدارمي عنه وفي صحيح مسلم عن ~~أبي ذر قلت يا رسول الله هل رأيت ربك قال نور أنى أراه # والمقصود أن الطريق إلى الله واحد فإنه الحق المبين والحق واحد مرجعه إلى ~~واحد وأما الباطل والضلال فلا ينحصر بل كل ما سواه ms188 باطل وكل طريق إلى ~~الباطل فهو باطل فالباطل متعدد وطرقه متعددة وأما ما يقع في كلام بعض ~~العلماء أن الطريق إلى الله متعددة متنوعة جعلها الله كذلك لتنوع ~~الاستعدادات واختلافها رحمة منه وفضلا فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة ~~الطريق وإيضاحه أن الطريق هي واحدة جامعة لكل ما يرضي الله وما يرضيه متعدد ~~متنوع فجميع ما يرضيه PageV01P278 طريق واحد ومراضيه متعددة متنوعة بحسب ~~الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال وكلها طرق مرضاته فهذه التي جعلها الله ~~لرحمته وحكمته كثيرة متنوعة جدا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم ولو ~~جعلها نوعا واحدا مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم ~~يسلكها إلا واحد بعد واحد ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك ~~كل امرىء إلى ربه طريقا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله ومن هنا يعلم تنوع ~~الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد مع وحدة المعبود ودينه ومنه ~~الحديث المشهور الأنبياء أولاد علات دينهم واحد فأولاد العلات أن يكون الأب ~~واحدا والأمهات متعددة فشبه دين الأنبياء بالأب الواحد وشرائعهم بالأمهات ~~المتعددة فإنها وإن تعددت فمرجعها إلى أب واحد كلها وإذا علم هذا فمن الناس ~~من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم قد ~~وفر عليه زمانه مبتغيا به وجه الله فلا يزال كذلك عاكفا على طريق العلم ~~والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له فيها الفتح الخاص أو ~~يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته قال تعالى ومن يخرج ~~من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وقد ~~حكي عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤي بعد موته ~~وأخبر انه في تكميل مطلوبه وأنه يتعلم في البرزخ فإن العبد يموت على ما عاش ~~عليه ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر وقد جعله زاده لمعاده ورأس ماله ~~لمآله فمتى فتر عنه أو قصر رأى أنه قد غبن وخسر ومن PageV01P279 الناس ms189 من ~~يكون سيد عمله وطريقه الصلاة فمتى قصر في ورده منها أو مضى عليه وقت وهو ~~غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عليه وقته وضاق صدره ومن الناس من يكون ~~طريقه الإحسان والنفع المتعدي كقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات ~~وأنواع الصدقات قد فتح له في هذا وسلك منه طريقا إلى ربه ومن الناس من يكون ~~طريقه الصوم فهو متى أفطر تغير قلبه وساءت حاله ومن الناس من يكون طريقه ~~تلاوة القرآن وهي الغالب على أوقاته وهي أعظم أوراده ومنهم من يكون طريقه ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد فتح الله له فيه ونفذ منه إلى ربه ~~ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والاعتمار ومنهم من يكون طريقه قطع ~~العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر وحفظ الأوقات أن تذهب ~~ضائعة ومنهم جامع المنفذ السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق ~~فهو جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه ونصب عينه يؤمها أين كانت ويسير معها حيث ~~سارت قد ضرب مع كل فريق بسهم فأين كانت العبودية وجدته هناك إن كان علم ~~وجدته مع أهله أو جهاد وجدته في صف المجاهدين أو صلاة وجدته في القانتين أو ~~ذكر وجدته في الذاكرين أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين أو محبة ~~ومراقبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين يدين بدين ~~العبودية أنى استقلت ركائبها ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها لو قيل ما ~~تريد من الأعمال لقال أريد أن أنفذ أوامر ربي حيث كانت وأين كانت جالبة ما ~~جلبت مقتضية ما اقتضت جمعتني أو فرقتني ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام ~~بأدائها مراقبا له فيها عاكفا عليه بالروح والقلب والبدن والسر قد سلمت ~~إليه المبيع منتظرا منه تسليم الثمن إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة فهذا هو العبد السالك إلى ربه النافذ إليه حقيقة ~~ومعنى لنفوذ إليه أن يتصل به قلبه ويعلق به تعلق المحب التام المحبة ~~بمحبوبه فيسلو به PageV01P280 عن ms190 جميع المطالب سواه فلا يبقى في قلبه إلا ~~محبة الله وأمره وطلب التقريب إليه فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ~~ربه فقربه واصطفاه وأخذ بقلبه إليه وتولاه في جميع أموره في معاشه ودينه ~~وتولي تربيته أحسن وأبلغ مما يربي الوالد الشفيق ولده فإنه سبحانه القيوم ~~المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها فكيف تكون قيوميته بمن أحبه ~~وتولاه وآثره على ما سواه ورضي به من دون الناس حبيبا وربا ووكيلا وناصرا ~~ومعينا وهاديا فلو كشف الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث ~~لا يعلم لذاب قلبه محبة له وشوقا إليه ويقع شكرا له ولكن حجب القلوب عن ~~مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب فصدت عن كمال نعيمها ~~وذلك تقدير العزيز العليم وإلا فأي قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم ~~يركن إلى غيره ويسكن إلى ما سواه هذا ما لا يكون أبدا # ومن ذاق شيئا من ذلك وعرف طريقا موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على ~~إرادته وراحاته وشهواته ولذاته وقع في آثار المعاطب وأودع قلبه سجون ~~المضايق وعذب في حياته عذابا لم يعذب به أحد من العالمين فحياته عجز وغم ~~وحزن وموته كدر وحسرة ومعاده أسف وندامة قد فرط عليه أمره وشتت عليه شمله ~~وأحضر نفسه الغموم والأحزان فلا لذه الجاهلين ولا راحة العارفين يستغيث فلا ~~يغاث ويشتكي فلا يشكى فقد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة وأقبلت الآمه وأحزانه ~~وحسراته فقد أبدل بأنسه وحشة وبعزه ذلا وبغناه فقرا وبجمعيته تشتيتا ~~وأبعدوه فلم يظفر بقربهم وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا ذلك بأنه عرف طريقه إلى ~~الله ثم تركها ناكبا عنها مكبا على وجهه فأبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر وأقبل ~~ثم أدبر ودعي فما أجاب وفتح له فولى ظهره الباب قد ترك طريق مولاه وأقبل ~~بكليته على هواه فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشؤونه فهو مقيد القلب عن ~~انطلاقه في فسيح التوحيد وميادين الأنس ورياض المحبة وموائد القرب قد انحط ~~بسبب إعراضه عن ms191 إلهه الحق إلى أسفل سافلين وحصل في عداد PageV01P281 ~~الهالكين فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده وإعراض الكون عنه إذ أعرض عن ~~ربه حائل بينه وبين مراده فهو قبر يمشي على وجه الأرض وروحه في وحشة من ~~جسمه وقلبه في ملال من حياته يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه حتى ~~إذا جاءه الموت على تلك الحال والعياذ بالله فلا تسأل عما يحل به من العذاب ~~الأليم بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق وإحراقه بنار البعد عن قربه ~~والإعراض عنه وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته فلو توهم العبد المسكين هذه ~~الحال وصورتها له نفسه وأرته إياها على حقيقتها لتقطع والله قلبه ولم يلتذ ~~بطعام ولا شراب ولخرج إلى الصعدات يجأر إلى الله ويستغيث به يستعتبه في زمن ~~الاستعتاب هذا مع أنه إذا آثر شهواته ولذاته الفانية التي هي كخيال طيف أو ~~مزنة صيف نغصت عليه لذاتها أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبين أقدر ما كان ~~عليها وتلك سنة الله في خلقه كما قال تعالى حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها ~~حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون وهذا هو غب إعراضه ~~وإيثار شهوته على مرضاة ربه يعوق القدر عليه أسباب مراده فيخسر الأمرين ~~جميعا فيكون معذبا في الدنيا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم ~~له وإن قسم له منه شيء فحشوه الخوف والحزن والنكد والألم فهم لا ينقطع ~~وحسرة لا تنقضي وحرص لا ينفذ وذل لا ينتهي وطمع لا يقلع هذا في هذه الدار ~~وأما في البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك قد حيل بينه وبين ما يشتهي وفاته ما كان ~~يتمناه من قرب ربه وكرامته ونيل ثوابه وأحضر جميع غمومه وأحزانه وأما في ~~دار الجزاء فسجن أمثاله من المبعودين المطرودين فواغوثاه ثم واغوثاه ~~PageV01P282 بغياث المستغيثين وأرحم الراحمين فمن أعرض عن الله بالكلية ~~أعرض الله عنه بالكلية ومن أعرض الله عنه لزمه ms192 الشقاء والبؤس والبخس في ~~أعماله وأحواله وقارنه سوء الحال وفساده في دينه ومآله فإن الرب إذا أعرض ~~عن جهة دارت بها النحوس وأظلمت أرجاؤها وانكسفت أنوارها وظهرت عليها وحشة ~~الإعراض وصارت مأوى للشياطين وهدفا للشرور ومصبا للبلاء فالمحروم كل ~~المحروم من عرف طريقا إليه ثم أعرض عنها أو وجد بارقة من حبه ثم سلبها لم ~~ينفذ إلى ربه منها خصوصا اذا مال بتلك الإرادة إلى شيء من اللذات وانصرف ~~بجملته إلى تحصيل الأغراض والشهوات عاكفا على ذلك في ليله ونهاره وغدوه ~~ورواحه هابطا من الأوج الأعلى إلى الحضيض الأدنى قد مضت عليه برهة من ~~أوقاته وكان همه الله وبغيته قربه ورضاه وإيثاره على كل ما سواه على ذلك ~~يصبح ويمسي ويظل ويضحي وكان الله في تلك الحال وليه لأنه ولي من تولاه ~~وحبيب من أحبه ووالاه فأصبح في سجن الهوى ثاويا وفي أسر العدو مقيما وفي ~~بئر المعصية ساقطا وفي أودية الحيرة والتفرقة هائما معرضا عن المطالب ~~العالية إلى الأغراض الخسيسة الفانية كان قلبه يحوم حول العرش فأصبح محبوسا ~~في أسفل الحش # فأصبح كالبازي المنتف ريشه % يرى حسرات كلما طار طائر # وقد كان دهرا في الرياض منعما % على كل ما يهوى من الصيد قادر # إلى أن أصابته من الدهر نكبة % إذا هو مقصوص الجناحين حاسر # فيا من ذاق شيئا من معرفة ربه ومحبته ثم أعرض عنها واستبدل بغيرها منها ~~يا عجبا له بأي شيء تعوض وكيف قر قراره فما طلب الرجوع إلى أحنيته وما تعرض ~~وكيف اتخذ سوى أحنيته سكنا وجعل قلبه لمن عاداه مولاه من أجله وطنا أم كيف ~~طاوعه قلبه على الاصطبار ووافقه على مساكنة الأغيار فيا معرضا عن حياته ~~الدائمة ونعيمه المقيم ويا بائعا سعادته العظمى بالعذاب الأليم ويا مسخطا ~~من حياته وراحته وفوزه في PageV01P283 رضاه وطالبا رضى من سعادته في إرضاء ~~سواه إنما هي لذة فانية وشهوة منقضية تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها فرح ساعة ~~لا شهر وغم سنة بل دهر طعام لذيذ مسموم أوله لذة وآخره ms193 هلاك فالعامل عليها ~~والساعي في تحصيلها كدودة القز يسد على نفسه المذاهب بما نسج عليها من ~~المعاطب فيندم حين لا تنفع الندامة ويستقيل حين لا تقبل الاستقالة فطوبى ~~لمن أقبل على الله بكليته وعكف عليه بإرادته ومحبته فإن الله يقبل عليه ~~بتوليه ومحبته وعطفه ورحمته وإن الله سبحانه إذا أقبل على عبد استنارت ~~جهاته وأشرقت ساحاته وتنورت ظلماته وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة الجلال ~~وآثار الجمال وتوجه إليه أهل الملأ الأعلى بالمحبة والموالاة لأنهم تبع ~~لمولاهم فإذا أحب عبدا أحبوه وإذا والى واليا والوه إذا أحب الله العبد ~~نادى يا جبرائيل إني أحب فلانا فأحبه فينادي جبرائيل في السماء إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يحبه أهل الأرض فيوضع له القبول بينهم ~~ويجعل الله قلوب أوليائه تفد إليه بالود والمحبة والرحمة وناهيك بمن يتوجه ~~إليه مالك الملك ذو الجلال والإكرام بمحبته ويقبل عليه بأنواع كرامته ~~ويلحظه الملأ الأعلى وأهل الأرض بالتبجيل والتكريم وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم # قاعدة السائر إلى الله والدار الآخرة بل كل سائر إلى مقصد لا يتم سيره ~~ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين قوة علمية وقوة عملية فبالقوة العلمية يبصر ~~منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائرا فيها ويجتنب PageV01P284 أسباب ~~الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل فقوته العلمية ~~كنور عظيم بيده يمشي في ليلة عظيمة مظلمة شديدة الظلمة فهو يبصر بذلك النور ~~ما يقع الماشي في الظلمة في مثله من الوهاد والمتالف ويعثر به من الأحجار ~~والشوك وغيره ويبصر بذلك النور أيضا أعلام الطريق وأدلتها المنصوبة عليها ~~فلا يضل عنها فيكشف له النور عن الأمرين أعلام الطريق ومعاطبها وبالقوة ~~العملية يسير حقيقة بل السير هو حقيقة القوة العملية فإن السير هو عمل ~~المسافر وكذلك السائر إلى ربه إذا ابصر الطريق وأعلامها وأبصر المعاثر ~~والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح وبقي عليه ~~الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرا ms194 في الطريق قاطعا ~~منازلها منزلة بعد منزلة فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى واستشعر القرب ~~من المنزل فهانت عليه مشقة السفر وكلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة ~~الشد والرحيل وعدها قرب التلاقي وبرد العيش عند الوصول فيحدث لها ذلك نشاطا ~~وفرحا وهمة فهو يقول يا نفس أبشري فقد قرب المنزل ودنا التلاقي فلا تنقطعي ~~في الطريق دون الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة فإن صبرت وواصلت المسرى ~~وصلت حميدة مسرورة جذلة وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات وليس بينك ~~وبين ذلك إلا صبر ساعة فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة وعمرك درجة ~~من درج تلك الساعة فالله الله لا تنقطعي في المفازة فهو والله الهلاك ~~والعطب لو كنت تعلمين فإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامها من أحبابها وما ~~لديهم من الإكرام والإنعام وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الإهانة ~~والعذاب وأنواع البلاء فإن رجعت فإلى أعدائها رجوعها وإن تقدمت فإلى ~~أحبابها مصيرها وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها فإنهم وراءها في الطلب ~~ولا بد لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت وليجعل حديث ~~الأحبة حاديها وسائقها ونور معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها PageV01P285 ~~وصدق ودادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها ولا يوحشه انفراده في طريق سفره ~~ولا يغتر بكثرة المنقطعين فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم وحظه من ~~القرب والكرامة مختص به دونهم فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم وليعلم ~~أن هذه الوحشة لا تدوم بل هي من عوارض الطريق فسوف تبدو له الخيام وسوف ~~يخرج إليه المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم فيا قرة عينه إذ ذاك ~~ويا فرحته إذ يقول يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ~~ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع وذوب النفس وبطء سيرها فكلما أدمن على ~~السير وواظب عليه غدوا ورواحا وسحرا قرب من الدار وتلطفت تلك الكثافة وذابت ~~تلك الخبائث والأدران فظهرت عليه همة المسافرين وسيماهم فتبدلت وحشته أنسا ~~وكثافته لطافة ودرنه طهارة PageV01P286 # | فصل في تقسيم الناس ms195 من حيث القوة العلمية والعملية # فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها ~~وعوارضها ومعاثرها وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه ويكون ضعيفا في القوة ~~العملية يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا ~~يتوقاها فهو فقيه ما لم يحضر العمل وإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف ~~وفارقهم في العلم وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم والمعصوم ~~من عصمه الله ولا قوة إلا بالله ومن الناس من تكون له القوة العملية ~~الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد ~~في الدنيا والرغبة في الآخرة والجد والتشمير في العمل ويكون أعمى البصر عند ~~ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات كما ~~كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات فداء هذا من جهله وداء الأول من ~~فساد إرادته وضعف عقله وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير ~~طريق العلم بل على طريق الذوق والوجد والعادة يرى أحدهم أعمى عن مطلوبه لا ~~يدري من يعبد ولا بماذا يعبده فتارة يعبده بذوقه ووجده وتارة يعبده بعادة ~~قومه وأصحابه من لبس معين أو كشف رأس أو حلق لحية ونحوها وتارة يعبده ~~بالأوضاع التي وضعها بعض المتحذلقين وليس له أصل في الدين وتارة يعبده بما ~~تحبه نفسه وتهواه كائنا ما كان وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد ~~فهؤلاء كلهم عمي عن ربهم وعن PageV01P287 شريعته ودينه لا يعرفون شريعته ~~ودينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا يقبل من أحد دينا سواه كما أنهم ~~لا يعرفون صفات ربهم التي تعرف بها إلى عباده على ألسنة رسله ودعاهم إلى ~~معرفته ومحبته من طريقها فلا معرفة بالرب ولا عبادة له ومن كانت له هاتان ~~القوتان استقام له سيره إلى الله ورجي له النفوذ وقوي على رد القواطع ~~والموانع بحول الله وقوته فإن القواطع كثيرة شأنها شديد لا يخلص من حبائلها ~~إلا الواحد بعد الواحد ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة ms196 ~~بالسالكين ولو شاء الله لأزالها وذهب بها ولكن الله يفعل ما يريد والوقت كا ~~قيل سيف فإن قطعته وإلا قطعك فإذا كان السير ضعيفا والهمة ضعيفة والعلم ~~بالطريق ضعيفا والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة فإنه جهد البلاء ودرك ~~الشقاء وشماتة الأعداء إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب ~~فيأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع والله ولي التوفيق # قاعدة نافعة العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ~~ربه ومدة سفره هي عمره الذي كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار ~~إلى ربه ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل سفره فكل يوم وليلة مرحلة من ~~المراحل فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر فالكيس الفطن هو ~~الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالما غانما فإذا قطعها جعل ~~الأخرى نصب عينيه ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحصر ~~بالتسويف والوعد والتأخير والمطل بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد ~~في قطعها بخير ما بحضرته فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه ~~العمل فطوعت له نفسه الانقياد إلى التزويد فإذا استقبل المرحلة الأخرى من ~~عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ~~ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا ~~فحينئذ يحمد سراه وينجاب عنه كراه فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه ~~واستبان فلاحه PageV01P288 # ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان فقسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار ~~الشقاء فكلما قطعوا منها مرحلة قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار ~~كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأوليائه ودينه والسعي ~~في إطفاء نوره وإبطال دعوته وإقامة دعوة غيرها فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون ~~فيها إلى الدار التي خلقوا لها واستعملوا بها فهم مصحوبون فيها بالشياطين ~~الموكلة بهم يسوقهم إلى منازلهم سوقا كما قال تعالى ألم تر أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم ms197 أزا أي تزعجهم إلى المعاصي والكفر إزعاجا ~~وتسوقهم سوقا القسم الثاني قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى ~~دار السلام وهم ثلاثة أقسام ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله ~~وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعى إلى الله ولكن متفاوتون في ~~التزود وتعبئة الزاد واختياره وفي نفس السير وسرعته وبطئه فالظالم لنفسه ~~مقصر في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا في قدره ولا في صفته بل مفرط ~~في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده ومع ذلك فهو متزود ما يتأذى به في طريقه ~~ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار والمقتصد ~~اقتصر من الزاد على ما يبلغه ولم يشد مع ذلك أحمال التجارة الرابحة ولم ~~يتزود ما يضره فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب ~~الفاخرة والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح وشد أحمال التجارات لعلمه ~~بمقدار المربح الحاصل فيرى خسرانا أن يدخر شيئا مما بيده ولا يتجر به فيجد ~~ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجاراتهم فهو كرجل قد علم أن أمامه بلدة ~~الدرهم يكسب فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك ~~البلد وخبرة بالتجارة فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيء به ~~تجارة إلى ذلك البلد لفعل PageV01P289 فهكذا حال السابق بالخيرات بإذن الله ~~يرى خسرانا بينا أن يمر عليه وقت في غير متجر فنذكر بعون الله وفضله نبذة ~~من متاجر الأقسام الثلاثة ليعلم العبد من أي التجار هو # فأما الظالم لنفسه فإنه إذا استقبل مرحلة يومه وليلته استقبلها وقد سبقت ~~حظوظه وشهواته إلى قلبه فحركت جوارحه طالبة لها فإذا زاحمها حقوق ربه فتارة ~~وتارة فمرة يأخذ بالرخصة ومرة بالعزيمة ومرة يقدم على الذنب وترك الحق ~~تهاونا ووعدا بالتوبة فهذا حال الظالم لنفسه مع حفظ التوحيد والإيمان بالله ~~ورسوله واليوم الآخر والتصديق بالثواب والعقاب فمرحلة هذا مقطوعة بالربح ~~والخسران وهو للأغلب منهما فإذا ورد القيامة ميز ربحه من خسرانه وحصل ربحه ~~وحده ms198 وخسرانه وحده وكان الحكم للراجح منهما وحكم الله من وراء ذلك لا يعدم ~~منه فضله وعدله # وأما المقتصدون فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولا نقصوا منها ~~فلا حصلوا على أرباح التجار ولا بخسوا الحق الذي عليهم فإذا استقبل أحدهم ~~مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام والصلاة التامة في وقتها بأركانها ~~وواجباتها وشرائطها ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التي أذن ~~الله فيها مشتغلا بها قائما بأعيانها مؤديا واجب الرب فيها غير متفرغ ~~لنوافل العبادات وأوراد الأذكار والتوجه فإذا حضرت الفريضة الأخرى بادر ~~إليها فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول فهو كذلك سائر يومه فإذا جاء الليل ~~إلى حين النوم يأخذ الواجب ويقوم بحقه وكذلك الزكاة الواجبة والحج الواجب ~~وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط لا يظلمهم ولا يترك حقه لهم # وأما السابقون بالخيرات فهم نوعان أبرار ومقربون وهؤلاء الأصناف الثلاثة ~~هم أهل اليمين وهم المقتصدون والأبرار والمقربون وأما الظالم لنفسه فليس من ~~أصحاب اليمين عند الإطلاق وإن كان مآله إلى مصير PageV01P290 المؤمنين بعد ~~أخذ الحق منه وقد اختلف في قوله جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ~~ذهب الآية هل ذلك راجع إلى الأصناف الثلاثة الظالم لنفسه والمقتصد والسابق ~~بالخيرات أو يختص بالقسمين الأخيرين وهما المقتصد والسابق دون الظالم على ~~قولين فذهبت طائفة إلى أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة وهذا يروى عن ابن ~~مسعود وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين قال أبو إسحق السبيعي ~~أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج قال أبو داود الطائي أنبأنا الصلت بن ~~دينار حدثنا عقبة بن صهبان الهنائي قال سألت عائشة عن قول الله فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فقالت لي يا بني كل هؤلاء في الجنة ~~فأما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله يشهد له رسول الله بالخيرة ~~والرزق وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به وأما الظالم لنفسه ~~فمثلي ومثلك قال فجعلت نفسها معنا # وقال ابن ms199 مسعود هذه الأمة يوم القيامة أثلاث ثلث يدخلون الجنة بغير حساب ~~وثلث يوم القيامة يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة PageV01P291 وثلث ~~يجيئون بذنوب عظام فيقول الله ما هؤلاء وهو أعلم بهم فتقول الملائكة هم ~~مذنبون إلا أنهم لم يشركوا فيقول الله أدخلوهم في سعة رحمتي # وقال كعب تحاذت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم # وقال الحسن السابقون من رجحت حسناتهم والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته ~~والظالم من خفت موازينه واحتجت هذه الفرقة بأنه سبحانه سمى الكل مصطفين ~~وأخبر أنه اصطفاهم من جملة العباد ومحال أن يكون الكافر والمشرك من ~~المصطفين لأن الاصطفاء هو الاختيار وهو الافتعال من صفوة الشيء وهو خياره ~~فعلم أن هؤلاء الأصناف الثلاثة صفوة الخلق وبعضهم خير من بعض فسابقهم مصطفى ~~عليهم ثم مقتصدهم مصطفى على ظالمهم ثم ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك ~~واحتجت أيضا بآثار روتها تؤيد ما ذهبت إليه فمنها ما رواه سليمان الشاذكوني ~~حدثنا حصين بن بهر عن أبي ليلى عن أخيه عن أبيه عن أسامة بن زيد عن النبي ~~في هذه الآية قال كلهم في الجنة # ومنها ما رواه الطبراني حدثنا أحمد بن حماد بن رعية حدثنا يحيى بن بكير ~~حدثنا ابن لهيعة عن أحمد بن حازم المعارفي عن صالح مولى التوأمة عن أبي ~~الدرداء قال قرأ النبي هذه الآية فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله فقال أما السابق فيدخل الجنة PageV01P292 بغير حساب ~~وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم فيجلس في طول المحبس ثم ~~يتجاوز الله عنه # ومنها ما رواه زكريا الساجي بن سالم عن سعد بن طريف عن أبي هاشم الطائي ~~قال قدمت المدينة فدخلت مسجدها فجلست إلى سارية فجاء حذيفة فقال ألا أحدثك ~~بحديث سمعته من رسول الله يقول يبعث الله تبارك وتعالى هذه الأمة أو كما ~~قال ثلاثة أصناف وذلك في قوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب والمقتصد يحاسب حسابا ~~يسيرا والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة ms200 الله # ومنها ما رواه الطبراني عن محمد بن إسحاق بن راهويه حدثنا أبي حدثنا جرير ~~عن الأعمش عن رجل سماه عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله يقول في قوله ~~تعالى فمنهم ظالم لنفسه الآية قال السابق بالخيرات والمقتصد يدخلان الجنة ~~بغير حساب والظالم لنفسه يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة # ومنها ما رواه ابن لهيعة عن أبي جعفر عن يونس بن عبدالرحمن عن ~~PageV01P293 أبي الدرداء قال سمعت رسول الله يقول هذه الآية ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا إلى قول الله سابق بالخيرات قال فأما ~~السابقون فيدخلون الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما ~~الظالمون فيحاسبون فيصيبهم عناء وكرب ثم يدخلون الجنة ثم يقولون الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ومنها ما رواه الحميدي حدثنا سفيان ~~حدثنا طعمة بن عمرو الجعفري عن رجل قال قال أبو الدرداء لرجل ألا أحدثك ~~بحديث أخصك به لم أحدث به أحدا قال رسول الله فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~جنات عدن قال دخلوا الجنة جميعا واحتجت أيضا بالآيات والأحاديث التي تشهد ~~بنجاة الموحدين من أهل الكبائر ودخولهم الجنة واحتجت أيضا بأن ظلم النفس ~~إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي فإن الظلم ثلاثة أنواع ظلم في حق ~~النفس باتباعها شهواتها وإيثارها لها على طاعة ربها وظلم في حق الخلق ~~بالعدوان عليهم ومنعهم حقوقهم وظلم في حق الرب بالشرك به فظلم النفس إنما ~~هو بالمعاصي وقد تواترت النصوص بأن العصاة من الموحدين مآلهم إلى الجنة # وقالت طائفة بل الوعد بالجنات إنما هو للمقتصد والسابق دون الظالم لنفسه ~~فإن الظالم لنفسه لا يدخل تحت الوعد المطلق والظالم لنفسه هنا هو الكافر ~~والمقتصد المؤمن العاصي والسابق المؤمن التقي وهكذا يروى عن عكرمة والحسن ~~وقتادة وهو اختيار جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف ومنذر بن سعيد في ~~تفسيره والرماني وغيرهم قالوا وهذه الآية متناولة لجميع أقسام الخلق شقيهم ~~وسعيدهم وهي نظير آية وكنتم PageV01P294 أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما ~~أصحاب الميمنة وأصحاب ms201 المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون قالوا ~~فأصحاب الميمنة هم المقتصدون وأصحاب المشأمة الظالمون لأنفسهم والسابقون ~~السابقون هم السابقون بالخيرات قالوا ولم يصطف الله من خلقه ظالما لنفسه بل ~~المصطفون من عباده هم صفوته وخيارهم والظالمون لأنفسهم ليسوا خيار العباد ~~بل شرارهم فكيف يوقع عليهم اسم المصطفين ويتناولهم فعل الاصطفاء قالوا ~~وأيضا صفوة الله هم أحباؤه والله لا يحب الظالمين فلا يكونون مصطفين قالوا ~~ولأن الظالم لنفسه وإن كان ممن أورث الكتاب فهو بتركه العمل بما فيه قد ظلم ~~نفسه والله سبحانه إنما اصطفى من عباده من أورثه كتابه ليعمل بما فيه فأما ~~من نبذه وراء ظهره فليس من المصطفين من عباده قالوا ولأن الاصطفاء افتعال ~~من صفوة الشيء وهو خلاصته ولبه وأصله اصتفى فأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد ~~الصاد كالاصطباح والاصطلام ونحوه والظالم لنفسه ليس صفوة العباد ولا ~~خلاصتهم ولا لبهم فلا يكون مصطفى قالوا ولأن الله سلم على المصطفين من ~~عباده فقال قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وهذا يقتضي سلامتهم ~~من كل شر وكل عذاب والظالم لنفسه غير سالم من هذا ولا هذا فكيف يكون من ~~المصطفين قالوا وأيضا فطريقة القرآن أن الوعد المطلق بالثواب إنما يكون ~~للمتقين لا للظالمين كقوله تعالى تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان ~~تقيا فأين الظالم لنفسه هنا وقوله تعالى أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد ~~المتقون وقوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم PageV01P295 وجنة عرضها ~~السموات والأرض أعدت للمتقين وقوله إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب ~~أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا ~~والقرآن مملوء من هذا ولم يجئ فيه موضع واحد بإطلاق الوعد بالثواب للظالم ~~لنفسه أصلا قالوا وأيضا فلم يجئ في القرآن ذكر الظالم لنفسه إلا في معرض ~~الوعيد لا الوعد كقوله تعالى إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم ~~وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين وقوله فقالوا ربنا باعد ~~بين أسفارنا ms202 وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق وقوله وما ~~ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون قالوا وأيضا فالظالم لنفسه هو الذي خفت ~~موازينه ورجحت سيئاته والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناج كقوله تعالى ~~فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون وقوله وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ~~فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته للظالمين أنفسهم الخفيفة موازينهم قالوا ~~وأيضا فقوله تعالى جنات عدن مرفوع لأنه بدل من قوله ذلك هو الفضل الكبير ~~وهو بدل نكرة من معرفة كقوله لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة وحسن وقوعه مجيء ~~النكرة موصوفة لتخصيصها بالوصف وقربها من المعرفة ومعلوم أن المبدل منه وهو ~~الفضل الكبير مختص بالسابقين بالخيرات والمعنى أن سبقهم PageV01P296 ~~بالخيرات بإذنه ذلك هو الفضل الكبير وهو جنات عدن يدخلونها وجعل السبق ~~بالخيرات نفس الجنات لأنه سببها وموجبها قالوا وأيضا فإنه وصف حليتهم فيها ~~بأنها أساور من ذهب ولؤلؤ وهذه جنات السابقين لا جنات المقتصدين فإن جنات ~~الفردوس أربع كما ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال جنتان من ذهب آنيتهما ~~وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين ~~القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ~~ومعلوم أن الجنتين الذهبيتين أعلى وأفضل من الفضيتين فإذا كانت الجنتان ~~الذهبيتان للظالمين لأنفسهم فمن يسكن الجنتين الفضيتين فعلم أن هذه الجنات ~~المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم قالوا وأيضا فإن أقرب المذكورات إلى ~~ضمير الداخلين هم السابقون بالخيرات فوجب اختصاصهم بالدخول إلى الجنات ~~المذكورات قالوا وفي اختصاصهم بعد ذكر الأقسام بذكر ثوابهم والسكوت عن ~~الآخرين ما هو معلوم من طريقة القرآن إذ يصرح بذكر ثواب الأبرار والمتقين ~~والمخلصين والمحسنين ومن رجحت حسناتهم ويذكر عقاب الكفار والفجار والظالمين ~~لأنفسهم ومن خفت موازينهم ويسكت عن القسم الذي فيه شائبتان وله مادتان هذه ~~طريقة القرآن كقوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم وقوله ~~فأما من طغى وآثر الحياة ms203 الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وهذا كثير في القرآن قالوا وفي ~~السكوت عن شأن صاحب الشائبتين تحذير PageV01P297 عظيم وتخويف له بأن أمره ~~مرجأ إلى الله وليس عليه ضمان ولا له عنده وعد ليحذر كل الحذر وليبادر ~~بالتوبة النصوح التي تلحقه بالمضمون لهم النجاة والفلاح قالوا وأيضا فمن ~~المحال أن يقع على أحد من المصطفين اسم الظلم مطلقا وإنما يقع اسم الظلم ~~على الكافر كما قال تعالى يا أيها الذين امنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل ~~أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون @QB@ وقال ~~@QE@ والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير مع قوله الله ولي الذين امنوا ~~والظالم لا ولي له فلا يكون من المؤمنين قالوا وأيضا فمن تدبر الآيات وتأمل ~~سياقها وجدها قد استوعبت جميع أقسام الخلق ودلت على مراتبهم في الجزاء فذكر ~~سبحانه أن الناس نوعان ظالم محسن ثم قسم المحسن إلى قسمين مقتصد وسابق ثم ~~ذكر جزاء المحسن فلما فرغ منه ذكر جزاء الظالم فقال والذين كفروا لهم نار ~~جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ~~@QB@ وقال @QE@ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين فذكر أنواع العباد زجزاءهم قالوا وأيضا فهذه طريقة القرآن في ذكر ~~أصناف الخلق الثلاثة كما ذكرهم الله تعالى في سورة الواقعة والمطففين وسورة ~~الإنسان فأما سورة الواقعة فذكرهم في أولها وفي آخرها فقال في أولها وكنتم ~~أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة PageV01P298 والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ~~فأصحاب المشأمة هم الظالمون وأما أصحاب اليمين فقسمان أبرار وهم أصحاب ~~الميمنة وسابقون وهو المقربون وفي آخرها فأما إن كان من المقربين فروح ~~وريحان وجنت نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ~~وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية ms204 جحيم فذكر حالهم في ~~القيامة الكبرى في أول السورة ثم ذكر حالهم في القيامة الصغرى في البرزخ في ~~آخر السورة ولهذا قدم قبله ذكر الموت ومفارقة الروح فقال فلولا إذا بلغت ~~الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن ~~كنتم غير مدينين ترجعوهنها إن كنتم صادقين ثم قال فأما إن كان من المقربين ~~إلى آخرها وأما في أولها فذكر أقسام الخلق عقب قوله إذا وقعت الواقعة ليس ~~لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء ~~منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فهؤلاء الظالمون أصحاب المشأمة ثم قال إنا أعتدنا ~~للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا فهؤلاء الظالمون أصحاب المشأمة ثم قال إن ~~الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا فهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين ثم ~~قال PageV01P299 عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا فهؤلاء المقربون ~~السابقون ولهذا خصهم بالإضافة إليه وأخبر أنهم يشربون بتلك العين صرفا محضا ~~وأنها تمزج للأبرار مزجا كما قال في سورة المطففين في شراب الأبرار ومزاجه ~~من تسنيم عينا يشرب بها المقربون وقال يشرب بها المقربون ولم يقل منها ~~إشعارا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها فضمن يشرب معنى يروى ~~فعدى بالباء وهذا ألطف مأخذا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى من ويضمن ~~يشرب الفعل معنى فعل آخر فيتعدى تعديته وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهي ~~طريقة سيبويه وأئمة أصحابه وقال في الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها ~~كافورا لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباء الدالة على شرب الري ~~بالعين خالصة ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البشر وقال تعالى في ~~سورة المطففين كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ~~إلى قوله كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال ~~هذا الذي كنتم به تكذبون ثم قال كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ~~ما عليون فهؤلاء الأبرار المقتصدون وأخبر أن المقربين يشهدون ms205 كتابهم أي ~~يكتب بحضرتهم ومشهدهم لا يغيبون عنه اعتناء به وإظهارا لكرامة صاحبه ~~ومنزلته عند ربه ثم ذكر سبحانه نعيم الأبرار ومجالستهم ونظرهم إلى ربهم ~~وظهور نضرة النعيم في وجوههم ثم ذكر شرابهم فقال يسقون من PageV01P300 رحيق ~~مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ثم قال ومزاجه من تسنيم عينا ~~يشرب بها المقربون والتسنيم أعلى أشربة الجنة فأخبر سبحانه أن مزاج شراب ~~الأبرار من التسنيم وأن المقربين يشربون منه بلا مزاج ولهذا قال عينا يشرب ~~بها المقربون كما قال تعالى في سورة الإنسان سواء قال ابن عباس وغيره يشرب ~~بها المقربون صرفا ويمزج لأصحاب اليمين مزجا وهذا لأن الجزاء وفاق العمل ~~فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص شرابهم وكما مزج الأبرار الطاعات ~~بالمباحات مزج لهم شرابهم فمن أخلص أخلص شرابه ومن مزج مزج شرابه # يا لاهيا في غمرة الجهل والهوى % صريعا على فرش الردى يتقلب # تأمل هداك الله ما ثم وانتبه % فهذا شراب القوم حقا يركب # وتركيبه في هذه الدار إن تفت % فليس له بعد المنية مطلب # فيا عجبا من معرض عن حياته % وعن حظه العالي ويلهو ويلعب # ولو علم المحروم أي بضاعة % أضاع لأمسى قلبه يتلهب # فإن كان لا يدري فتلك مصيبة % وإن كان يدري فالمصيبة أصعب # بلى سوف يدري حين ينكشف الغطا % ويصبح مسلوبا ينوح ويندب # ويعجب ممن باع شيئا بدون ما % يساوي بلا علم وأمرك أعجب # لأنك قد بعت الحياة وطيبها % بلذة حلم عن قليل سيذهب # فهلا عكست الأمر إن كنت حازما % ولكن أضعت الحزم والحكم يغلب # تصد وتنأى عن حبيبك دائما % فأين عن الأحباب ويحك تذهب PageV01P301 # ستعلم يوم الحشر أي تجارة % أضعت إذا تلك الموازين تنصب # قالوا فهكذا هذه الآيات التي في سورة الملائكة ذكر فيها الأقسام الثلاثة ~~الظالم لنفسه وهو من أصحاب الشمال وذكر المقتصد وهو من أصحاب اليمين وذكر ~~السابقين وهم المقربون قالوا وليس في الآية ما يدل على اختصاص الكتاب ~~بالقرآن والمصطفين بهذه الأمة بل الكتاب اسم جنس للكتب التي أنزلها على ms206 ~~رسله فإنه أورثها المصطفى من عباده من كل أمة والأنبياء هم الذين أورثوه ~~أولا ثم أورثوه المصطفين من أممهم بعدهم قال تعالى ولقد اتينا موسى الهدى ~~وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب فأخبر أنه إنما يكون ~~هدى وذكرى لمن له لب عقل به الكتاب وعمل بما فيه والعامل بما فيه هو الذي ~~أورثه الله علمه وتأمل قوله تعالى وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك ~~منه مريب كيف حذف الفاعل هنا وبنى الفعل للمفعول لما كان في معرض الذم لهم ~~ونفى العلم عنهم ولما كان في سياق ذكر نعمه وآلائه ومنته عليهم قال وأورثنا ~~بني إسرائيل الكتاب ونظير هذه الآية ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا ومن ذلك قوله فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ~~ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه وأنه لما كان الكلام في سياق ~~ذمهم على اتباعهم شهواتهم وإيثارهم العرض الفاني على حظهم من الآخرة ~~وتماديهم في ذلك لم ينسب التوريث إليه بل نسبه إلى المحل فقال أورثوا ~~الكتاب PageV01P302 ولم يقل أورثناهم الكتاب وقد ذكرت نظير هذا في قوله ~~آتيناهم الكتاب أنه للمدح وأورثوا الكتاب إما في سياق الذم وإما منقسم في ~~كتاب التحفة المكية والمقصود أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباد ~~أولا وآخرا قالوا وقوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه لا يرجع إلى المصطفين بل ~~إما أن يكون الكلام قد تم عند قوله من عبادنا ثم استأنف جملة أخرى وذكر ~~فيها أقسام العباد وأنهم منهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق ويكون الكلام ~~جملتين مستقلتين بين في إحداهما أنه أورث كتابه من اصطفاه من عباده وبين في ~~الأخرى أن من عباده ظالما ومقتصدا وسابقا وإما أن يكون المعنى تقسيم المرسل ~~إليهم بالنسبة إلى قبول الكتاب وأن منهم من لم يقبله وهو الظالم لنفسه ~~ومنهم من قبله مقتصدا فيه ومنهم من قبله سابقا بالخيرات بإذن الله قالوا ~~والذي يدل على هذا الوجه أنه سبحانه ذكر إرساله في ms207 كل أمة نذيرا ممن تقدم ~~هذه الأمة فقال @QB@ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير @QE@ ثم ذكر أن رسلهم ~~جاءتهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير الآيات الدالة على صدقهم وصحة ~~رسالاتهم والزبر الكتاب واحدها زبور بمعنى مزبور أي مكتوب الكتاب المنير من ~~باب عطف الخاص على العام لتميزه علن المسمى العام بفضله وشرفه امتاز بها ~~واختص بها عن غيره وهو كعطف جبريل وميكال على الملائكة وكعطف أولي العزم ~~على النبيين من قوله @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم @QE@ والكتاب المنير ههنا PageV01P303 ~~التوراة والإنجيل ثم ذكر إهلاك المكذبين لكتابه ورسله فقال @QB@ ثم أخذت ~~الذين كفروا فكيف كان نكير @QE@ ثم ذكر التالين لكتابه وهم المتبعون له ~~العالمون بشرائعه فقال @QB@ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا من ما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور @QE@ ثم ذكر الكتاب الذي يخص به خاتم ~~أنبيائه ورسله محمدا فقال @QB@ والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا ~~لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير @QE@ ثم ذكر من أورثهم الكتاب بعد ~~أولئك وأنه اصطفاهم لتوريث كتابه إذ رده المكذبون ولم يقبلوا توريثه # قالوا وأما قولكم إن الاصطفاء افتعال من الصفوة وهي الخيار وهي إنما تكون ~~في السعداء فهذا بعينه حجة لنا في أن الظلم لنفسه ليس ممن اصطفاه الله من ~~عباده وقد تقدم تقريره قالوا وأما الآثار التي رويتموها عن النبي في ذلك ~~فكلها ضعيفة الأسانيد ومنقطعة لا تثبت كيف وهي معارضة بآثار مثلها أو أقوى ~~منها قال ابن مردويه في تفسيره حدثنا الحسن بن عبدالله حدثنا صالح بن أحمد ~~حدثنا أحمد بن محمد بن المعلى الأدمي حدثنا حفص بن عمار حدثنا مبارك بن ~~فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي في قوله تعالى @QB@ ~~فمنهم ظالم لنفسه @QE@ قال الكافر قالوا وأما النصوص الدالة على أن أهل ~~التوحيد يدخلون PageV01P304 الجنة فصحيح لا ننازعكم فيها غير ms208 أنها مطلقة ~~ولها شروط وموانع كما أن النصوص الدالة على عذاب أهل الكبائر صحيحة متواترة ~~ولها شروط وموانع يتوقف لحوق الوعيد عليها فكذلك نصوص الوعد يتوقف مقتضاها ~~على شروطها وانتفاء موانعها قالوا وأما قولكم إن ظلم النفس إنما يراد به ~~ظلمها بالذنوب والمعاصي دون الكفر فليس بصحيح فقد ذكر القرآن ما ييدل على ~~أن ظلم النفس يكون بالكفر والشرك ولو لم يكن في هذا إلا قول موسى @QB@ يا ~~قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل @QE@ وقوله عز وجل @QB@ وظلموا ~~أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق @QE@ ونظائره كثيرة # قالت الطائفة الأولى لو تدبرتم القرآن حق تدبره وأعطيتم الآيات حقها من ~~الفهم وراعيتم وجوهه الدالة وسياق الكلام لعلمتم أن الصواب معنا وأن هذا ~~التقسيم الذي دلت عليه أخص من التقسيم المذكور في سورة الواقعة والإنسان ~~والمطففين فإن ذلك تقسيم للناس إلى شقي وسعيد وتقسيم السعداء إلى أبرار ~~ومقربين وتلك القسمة خالية عن ذكر العاصي الظالم لنفسه وأما هذه الآيات ~~ففيها تقسيم الأمة إلى محسن ومسيء فالمسيء هو الظالم لنفسه والمحسن نوعان ~~مقتصد وسابق بالخيرات فإن الوجود شامل لهذا القسم بل هو أغلب أقسام الأمة ~~فكيف يخلو القرآن عن ذكره وبيان حكمه ثم لما استوفى أقسام الأمة ذكر ~~الخارجين عنهم وهم الذين كفروا فعمت الآية أقسام الخلق كلهم وعلى ما ذهبتم ~~إليه تكون الآية قد أهملت ذكر القسم الأغلب الأكثر وكررت ذكر حكم الكافر ~~PageV01P305 أولا وآخرا ولا ريب أن ما ذكرناه أولى لبيان هذا القسم وعموم ~~الفائدة وأيضا فإن قوله تعالى @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا @QE@ صريح في أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده وقوله عز ~~وجل @QB@ فمنهم ظالم لنفسه @QE@ إما أن يرجع إلى الذين اصطفاهم وإما أن ~~يرجع غلى العباد وجوعه إلى الذين اصطفاهم لوجهين أحدهما أن قوله تعالى @QB@ ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق @QE@ إنما يرجع إلى المصطفين لا إلى العباد فكذلك ~~قوله تعالى @QB@ فمنهم ظالم لنفسه @QE@ ولا يقال بل الضمائر كلها تعود على ~~العباد لأن سياق الآية والإتيان بالفاء ms209 والتقسيم المذكور كله يدل على أن ~~المراد بيان أقسام الوارثين للكتاب لا بيان أقسام العباد إذ لو أراد ذلك ~~لأتى بلفظ يزيل الوهم ولا يلتبس به المراد بغيره وكأن وجه الكلام على هذا ~~أن يقال ومن عبادنا ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا منهم وهذا معنى الكلام عندكم ولا ريب أن سياق الآية لا يدل ~~عليه إنما يدل على أنه أورث الكتاب طائفة من عباده وأن تلك الطائفة ثلاث ~~أقسام هذا وجه الكلام الذي يدل عليه ظاهره الثاني أنك إذا قلت أعطيت مالي ~~البالغين من أولادي فمنهم تاجر ومنهم خازن ومنهم مبذر ومسرف هل يفهم من هذا ~~أحد قط أن هذا التقسيم لجملة أولاده بل لا يفهم منه إلا أن أولاده كانوا في ~~أخذهم المال أقساما ثلاثة ولهذا أتى فيها بالفاء الدالة على تفصيل ما أجمله ~~أولا كما إذا قلت خذ هذا المال فأعط فلانا كذا وأعط فلانا كذا ونظائره ~~متعددة ولا وجه للإتيان بالفاء ههنا إلا تفصيل المذكور أولا لا تفصيل ~~المسكوت عنه والآية قد سكتت عن تفصيل العباد الذين اصطفى منهم من أورثه ~~الكتاب فالتفصيل للمذكور ليس إلا فتأمله فإنه واضح قالوا وأما قولكم إن ~~الله لا يصطفي من عباده ظالما لنفسه لأن الاصطفاء هو الاختيار من الشيء ~~صفوته وخياره إلى آخر ما ذكرتم فجوابه أن كون العبد PageV01P306 مصطفى ~~ووليا لله ومحبوبا لله ونحو ذلك من الأسماء الدالة على شرف منزلة العبد ~~وتقريب الله له لا ينافي ظلم العبد نفسه أحيانا بالذنوب والمعاصي بل أبلغ ~~من ذلك أن صدقيته لا تنافي ظلمه لنفسه ولهذا قال صديق الأمة وخيارها للنبي ~~علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا ~~يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ~~وقد قال تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت ~~للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ~~والله يحب ms210 المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم وأخبر سبحانه عن صفات المتقين وأنهم يقع منه ظلم النفس ~~والفاحشة لكن لا يصرون على ذلك وقال تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به ~~أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله ~~عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون @QE@ فهؤلاء ~~الصديقون المتقون قد أخبر سبحانه أن لهم أعمالا سيئة يكفرها ولا ريب أنها ~~ظلم للنفس وقال موسى @QB@ قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو ~~الغفور الرحيم @QE@ وقال آدم عليه السلام @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا @QE@ PageV01P307 @QB@ وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ وقال يونس ~~عليه السلام @QB@ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين @QE@ وقال ~~تعالى إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإن غفور ~~رحيم وإذا كان ظلم النفس لا ينافي الصديقية والولاية ولا يخرج العبد عن ~~كونه من المتقين بل يجتمع فيه الأمران يكون وليا لله صديقا متقيا وهو مسيء ~~ظالم لنفسه علم أن ظلمه لنفسه لا يخرجه عن كونه من الذين اصطفاهم الله من ~~عباده وأورثهم كتابه إذ هو مصطفى من جهة كونه من ورثة الكتاب علما وعملا ~~ظالم لنفسه من جهة تفريطه في بعض ما أمر به وتعديه بعض ما نهي عنه كما يكون ~~الرجل وليا لله محبوبا له من جهة ومبغبوضا له من جهة أخرى وهذا عبد الله ~~لخمار كان يكثر شرب الخمر والله يبغضه من هذه الجهة ويحب الله ورسوله ويحبه ~~الله ويواليه من هذه الجهة ولهذا نهى النبي عن لعنته وقال إنه يحب الله ~~ورسوله ونكتة المسألة أن الاصطفاء والولاية والصديقية وكون الرجل من ~~الأبرار ومن المتقين ونحو ذلك كلها مراتب تقبل التجزيء والانقسام والكمال ~~ولانقصان كما هو ثابت باتفاق المسلمين في أصل الإيمان وعلى هذا فيكون هذا ~~القسم مصطفى من وجه ظالما لنفسه من وجه آخر وظلم النفس نوعان نوع لا يبقى ~~معه ms211 شيء من الإيمان والولاية والصديقية والاصطفاء وهو ظلمها بالشرك والكفر ~~ونوع يبقى معه حظه من الإيمان والاصطفاء والولاية وهو ظلمها بالمعاصي وهو ~~درجات متفاوتة في القدر والوصف فهذا التفصيل يكشف قناع المسألة PageV01P308 ~~ويزيل أشكالها بحمد الله قالوا وأما قولكم إن قوله تعالى جنات عدن مرفوع ~~لأنه بدل من قوله @QB@ ذلك هو الفضل الكبير @QE@ وهو مختص بالسابقين وذكر ~~حليتهم فيها من أساور من ذهب يدل على ذلك إلخ فجوابه من وجهين أحدهما أن ~~هذا بعينه وارد عليكم فإن المقتصد من أهل الجنات ومعلوم أن جنات السابقين ~~بالخيرات أعلى وأفضل من جناته فما كان جوابكم عن المقتصد فهو الجواب بعينه ~~عن الظالم لنفسه فإن التفاوت حاصل بين جنات الأصناف الثلاثة ويختص كل صنف ~~بما يليق بهم ويقتضيه مقامهم وعلمهم الجواب الثاني أنه سبحانه ذكر جزاء ~~السابقين بالخيرات هنا مشوقا لعباده إليه منبها لهم على مقداره وشرفه وسكت ~~عن جزاء الظالمين لأنفسهم والمقتصدين ليحذر الظالمون ويجد المقتصدون وذكر ~~في سورة الإنسان جزاء الأبرار منبها على ما هو أعلى وأجل منه وهو جزاء ~~المقربين السابقين ليدل على أن هذا إذا كان جزاء للأبرار المقتصدين فما ~~الظن بجزاء المقربين السابقين فقال @QB@ إن الأبرار يشربون من كأس كان ~~مزاجها كافورا @QE@ إلى قوله ويطاف عليهم بأنية من فضة وأكواب كانت قواريرا ~~قواريرا من فضة إلى قوله عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة ~~وسقاهم ربهم شرابا طهورا فذكر هنا الأساور من الفضة والأكواب من الفضة في ~~جزاء الأبرار وذكر في سورة الملائكة الأساور من الذهب في جزاء السابقين ~~بالخيرات فعلم جزاء المقتصدين من سورة الإنسان وعلم جزاء السابقين من سورة ~~الملائكة فانتظمت السورتان جزاء المقربين على اتم الوجوه والله أعلم بأسرار ~~كلامه وحكمه قالوا وهذا هو الجواب عن قولكم إن الضمير يختص به أقرب مذكور ~~إليه قالوا وأما قولكم إن الظالم لنفسه PageV01P309 إنما هو الكافر فقد ~~تقدم جوابه وذكر ما يبطله قالوا وأما قولكم إن هذه الآيات نظير آيات ~~الواقعة وسورة الإنسان وسورة المطففين في ms212 تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام ~~أصحاب الشمال وأصحاب اليمين والمقربون فلا ريب أن هذه الآية وافية بالأقسام ~~الثلاثة مع مزيد تقسيم آخر وهو تقسيم أصحاب اليمين إلى ظالم لنفسه ومقتصد ~~فهي مشتملة على تلك الأقسام وزيادة # قالوا وأما قولكم إن الآثار الدالة على أن الأصناف الثلاثة هم السعداء ~~أهل الجنة ضعيفة لا تقوم بها حجة فجوابه إنها قد بلغت في الكثرة إلى حد يشد ~~بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض ونحن نسوق منها آثارا غير ما ذكرناه يعلم به ~~كثرتها وتعدد طرقها فروى ابن مردويه في تفسيره من حديث سفيان عن الأعمش عن ~~رجل عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي وسق ~~لي جليسا صالحا فقال أبو الدرداء إن كنت صادقا لأنا أسعد بذلك منك سمعت ~~رسول الله قرأ هذه الآية @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات @QE@ قال أما السابق ~~بالخيرات فيدخله الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما ~~الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم والحزن ثم يدخل الجنة ثم قرأ ~~هذه الآية @QB@ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور @QE@ وقد ~~ذكرنا فيما تقدم حديث أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن أسامة بن زيد في ~~قوله تعالى @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد @QE@ قال PageV01P310 رسول ~~الله كلهم من هذه الأمة وروى ابن مردويه أيضا من حديث الفضل بن عميرة ~~القيسي عن ميمون بن سياه عن أبي عثمان النهدي قال سمعت عمر بن الخطاب يقول ~~على المنبر سمعت رسول الله يقول سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له ~~وقرأ عمر @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات @QE@ وروى ~~أيضا من حديث أبي داود عن شعبة عن الوليد بن العيزار قال سمعت رجلا من ثقيف ~~يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد أن النبي قال في هذه الآية @QB@ ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا @QE@ قال كلهم في ms213 الجنة أو قال كلهم ~~بمنزلة واحدة قال شعبة أحدهما ورواه داود بن إبراهيم عن شعبة به وقالوا ~~دخلوا الجنة كلهم بمنزلة واحدة فهذا حديث صحيح إلى شعبة وإذا كان شعبة في ~~حديث لم يطرح بل شد يديك به ورواه يحيى بن سعيد عن الوليد بن العيزار فذكره ~~بمثله وروى محمد بن سعد عن أبيه عن عمه حدثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس ~~PageV01P311 في قوله عز وجل @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~@QE@ الآية قال جعل الله أهل الإيمان على ثلاث منازل كقوله واصحاب الشمال ~~ما أصحاب الشمال وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين والسابقون السابقون أولئك ~~المقربون فهم على هذا المثال قلت يريد ابن عباس أن الله قسم أصحاب اليمين ~~إلى ثلاث منازل كما قسم الخلق في الواقعة إلى ثلاث منازل فإن أصحاب الشمال ~~المذكورين في الواقعة هم الكفار المنكرون للبعث فكيف تكون هذه منزلة من ~~منازل أهل الإيمان ويجوز أن يريد أن الظالمين لأنفسهم المستحقين للعذاب هم ~~من أهل الشمال ولكن إيمانهم يجعلهم آخرا من أهل اليمين وروى من حديث معاوية ~~بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية فقال هم أمة محمد ~~ورثهم الله كل كتاب أنزله فظالمهم يغفر له ومقتصدهم يحاسب PageV01P312 ~~حسابا يسيرا وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب وروي من حديث عثمان بن أبي شيبة ~~حدثنا الحسن بن عبدالرحمن بن أبي ليلى حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى ~~حدثنا أبي عن الحكم بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أو عن رجل ~~عن البراء بن عازب قال قال رسول الله @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله @QE@ قال كلهم ناج وهي هذه الأمة ورواه ~~الفريابي حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن رجل حدثه عن البراء قال ~~قال رسول الله في هذه الآية @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~@QE@ الآية قال كل ناج وقال آدم ابن أبي إياس حدثنا أبو فضالة عن ms214 الأزهري ~~عبدالله الخزار حدثنا من سمع عثمان بن عفان يقول ألا إن سابقنا أهل جهادنا ~~ألا وإن مقتصدنا أهل حضرنا ألا وإن ظالمنا أهل بدونا وقد تقدم حديث عائشة ~~وأبي الدرداء وحفيده قالوا فهذه الآثار يشد بعضها بعضا وأنها قد تعددت ~~طرقها واختلفت مخارجها وسياق الآية يشهد لها بالصحة فلا نعدل عنها ~~PageV01P313 # والمقصود الكلام على مراحل العالمين وكيفية قطعهم إياها فلنرجع إليه ~~فنقول أما الأشقياء فقطعوا تلك المراحل سائرين إلى دار الشقاء متزودين غضب ~~الرب سبحانه ومعاداة كتبه ورسله وما بعثوا به ومعاداة أوليائه والصد عن ~~سبيله ومحاربة من يدعو إلى دينه ومقاتلة الذين يأمرون بالقسط من الناس ~~وإقامة دعوة غير دعوة الله التي بعث بها رسله لتكون الدعوة له وحده فقطع ~~هؤلاء الأشقياء مراحل أعمارهم في ضد ما يحبه الله ويرضاه وأما السائرون ~~إليه فظالمهم قطع مراحل عمره في غفلاته وإيثار شهواته ولذاته على مراضي ~~الرب سبحانه وأوامره مع إيمانه بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر لكن نفسه ~~مغلوبة معه مأسورة مع حظه وهواه يعلم سوء حاله ويعترف بتفريطه ويعزم على ~~الرجوع إلى الله فهذا حال المسلم وأما من زين له سوء عمله فرآه حسنا وهو ~~غير معترف ولا مقر ولا عازم على الرجوع إلى الله والإنابة إليه أصلا فهذا ~~لا يكاد إسلامه أن يكون صحيحا أبدا ولا يكون هذا إلا منسلخ القلب من ~~الإيمان ونعوذ بالله من الخذلان # وأما الأبرار المقتصدون فقطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر الله ~~وعقد القلب على ترك مخالفته ومعاصيه فهممهم مصروفة إلى القيام بالأعمال ~~الصالحة واجتناب الأعمال القبيحة فأول ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى ~~قلبه القيام إلى الوضوء والصلاة كما أمره الله فإذا أدى فرض وقته اشتغل ~~بالتلاوة والأذكار إلى حين تطلع الشمس فيركع الضحى ثم ذهب إلى ما أقامه ~~الله فيه من الأسباب فإذا حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف ~~الأول من المسجد فأدي فريضته كما أمر مكملا لها بشرائطها وأركانها وسننها ~~وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور ms215 بين يدي الرب فينصرف من ~~الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه وسائر أحواله آثارا تبدو على صفحاته ولسانه ~~وجوارحه ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار ~~الغرور وقلة التكالب PageV01P314 والحرص على الدنيا وعاجلها قد نهته صلاته ~~عن الفحشاء والمنكر وحببت إليه لقاء الله ونفرته من كل قاطع يقطعه عن الله ~~فهو مغموم مهموم كأنه في سجن حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت قام إلى نعيمه ~~وسروره وقرة عينه وحياة قلبه فهو لا تطيب له الحياة إلا بالصلاة هذا وهم في ~~ذلك كله مراعون لحفظ السنن لا يخلون منها شيء ما أمكنهم فيقبصدون من الوضور ~~أكمله ومن الوقت أوله ومن الصفوف أولها عن يمين الإمام أو خلف ظهره ويأتون ~~بعد الفريضة بألأذكار المشروعة كالاستغفار ثلاثا وقول اللهم أنت السلام ~~ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وقول # لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد لا ~~إله إلا الله ولا نعبد إلاإياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا ~~إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون # ثم يسبحون ويحمدون ويكبرون تسعا وتسعين ويختمون المائة بلا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير PageV01P315 # ومن أراد المزيد قرأ آية الكرسي والمعوذتين عقيب كل صلاة فإن فيها أحاديث ~~رواها النسائي وغيره ثم يركعون السنة على أحسن الوجوه هذا دأبهم في كل ~~فريضة # فإذا كان قبل غروب الشمس توفروا على أذكار المساء الواردة في السنة نظير ~~أذكار الصباح الواردة في أول النهار لا يخلون بها أبدا # فإذا جاء الليل كانوا فيه على منازلهم من مواهب الرب سبحانه التي قسمها ~~بين عباده # فإذا أخذوا مضاجعهم أتوا بأذكار النوم الواردة في السنة وهي كثيرة تبلغ ~~نحوا من أربعين فليأتون منها بما علموه وما يقدرون عليه من قراءة ms216 سورة ~~الإخلاص والمعوذتين ثلاثا ثم يمسحون بها رؤوسهم ووجوههم PageV01P316 ~~وأجسادهم ثلاثا ويقرأون آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة ويسبحون ثلاثا ~~وثلاثين ويحمدون ثلاثا وثلاثين ويكبرون أربعا وثلاثين ثم PageV01P317 يقول ~~أحدهم اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ~~ظهري إليك رغبة ورهبة إليه لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي ~~أنزلت ونبقيك الذي أرسلت # وإن شاء قال باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن ~~أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين # وإن شاء قال اللهم رب السموات السبع ورب العرض العظيم ربي ورب كل شيء ~~فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل دابة ~~أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت ~~الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من ~~الفقر # وبالجملة فلا يزال يذكر الله على فراشه حتى يغلبه النوم هو يذكر الله ~~فهذا منامه عبادة وزيادة له في قربه من الله PageV01P318 # فإذا استيقظ عاد إلى عادته الأولى ومع هذا فهو قائم بحقوق العباد من ~~عيادة المرضى وتشييع الجنائز وإجابة الدعوة والمعاونة لهم بالجاه والبدن ~~والنفس والمال وزيارتهم وتفقدهم وقائم بحقوق أهله وعياله فهو متنقل في ~~منازل العبودية كيف نقله فيها الأمر فإذا وقع منه تفريط في حق من حقوق الله ~~بادر إلى الاعتذار والتوبة والاستغفار ومحوه ومداواته بعمل صالح يزيل أثره ~~فهذا وظيفته دائما # وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولا من وصف ~~حالهم وعدم الاتصاف به بل ما شممنا له رائحة ولكن محبة القوم تحمل على تعرف ~~منزلتهم والعلم بها وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ففي معرفة ~~حال القوم فوائد عديدة منها أن لا يزال المتخلف المسكين مزريا على نفسه ~~ذاما لها ومنها أن لا يزال منكسر القلب بين يدي ربه تعالى ذليلا له حقيرا ~~يشهد منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين ويشهد ms217 بضائع التجار وهو في رفقة ~~المحرمين ومنها أنه عساه أن تنهض همته يوما إلى التشبث والتعلق بساقة القوم ~~ولو من بعيد ومنها أنه لعله أن يصدق في الرغبة واللجاء إلى من بيده الخير ~~كله أن يلحقه بالقوم ويهيئه لأعمالهم فيصادف ساعة إجابة لا يسأل الله فيها ~~شيئا إلا أعطاه ومنها أن هذا العلم هو من أشرف علوم العباد وليس بعد علم ~~التوحيد أشرف منه وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة ولا يناسب النفوس ~~الدنيئة المهينة فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم وتشتاق إليه وتحبه وتأنس ~~بأقله فليبشر بالخير فقد أهل له فليقل لنفسه يا نفس فقد حصل لك شطر السعادة ~~فاحرصي على الشطر الآخر فإن السعادة في العلم بهذا الشأن والعمل به فقد ~~قطعت نصف المسافة فهلا تقطعين باقيها فتفوزين فوزا عظيما ومنها أن العلم ~~بكل حال خير من الجهل فإذا كان اثنان أحدهما PageV01P319 عالم بهذا الشأن ~~غير موصوف به ولا قائم به وآخر جاهل به غير متصف به فهو خلو من الأمرين فلا ~~ريب أن العالم به خير من الجاهل وإن كان العالم المتصف به خيرا منهما ~~فينبغي أن يعطي كل ذي حق حقه وينزل في مرتبته ومنها أنه إذا كان العلم بهذا ~~الشأن همه ومطلوبه فلا بد أن ينال منه بحسب استعداده ولو لحظة ولو بارقة ~~ولو أنه يحدث نفسه بالنهضة إليه ومنها أنه لعله يجري منه على لسانه ما ~~ينتفع به غيره بقصده أو بغير قصده والله لا يضيع مثقال ذرة فعسى أن يرحم ~~بذلك العامل وبالجملة ففوائد العلم بهذا الشأن لا تنحصر فلا ينبغي أن تصغي ~~إلى من يثبطك عنه وتقول إنه لا ينفع بل احذره واستعن الله ولا تعجز ولكن لا ~~تغتر وفرق بين العلم والحال وإياك أن تظن أن بمجرد علم هذا الشأن قد صرت من ~~أهله هيهات ما أظهر الفرق بين العلم بوجوه الغنى وهو فقير وبين الغني ~~بالفعل وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم وبين الصحيح بالفعل ~~فاسمع الآن وصف القوم ms218 وأحضر ذهنك لشأنهم العجيب وخرهم الجليل فإن وجدت من ~~نفسك حركة وهمة إلى التشبه بهم فاحمد الله وادخل فالطريق واضح والباب مفتوح # إذا أعجبتك خصال امرىء % فكنه تكن مثل ما يعجبك # فليس على الجود والمكرما % ت إذا جئتها حاجب يحجبك # فنبأ القوم عجيب وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم فإنه يطلع من ~~حالهم على ما يريه إياه القدر المشترك وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت ~~قلوبهم من معرفة الله وغمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته فسرت المحبة في ~~أجزائهم فلم يبق فليها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب قد أنساهم حبه ذكر ~~غيره وأوحشهم أنسهم به ممن سواه قد فنا بحبه عن حب من سواه وبذكره عن ذكر ~~من سواه وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة ~~إليه والسكون إليه والتذلل PageV01P320 والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك ~~منهم بغيره فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه ~~واجتمع همه عليه متذكرا صفاته العلى وأسماءه الحسنى ومشاهدا له في اسمائه ~~وصفاته قد تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته فبات جسمه في ~~فراشه يتجافى عن مضجعه وقلبه قد أوى إلى مولاه وحبيبه فآواه إليه وأسجده ~~بين يديه خاضعا خاشعا ذليلا منكسرا من كل جهة من جهاته # فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء وقيل ~~لبعض العارفين أيسجد القلب بين يدي ربه قال أي والله بسجدة لا يرفع رأسه ~~منها إلى يوم القيامة فشتان بين قلب يبيت عند ربه قد قطع في سفره إليه ~~بيداء الأكوان وخرق حجب الطبيعة ولم يقف عند رسم ولا سكن إلى علم حتى دخل ~~على ربه في داره فشاهد عز سلطانه وعظمة جلاله وعلو شأنه وبهاء كماله وهو ~~مستو على عرشه يدبر أمر عباده وتصعد إليه شؤون العباد وتعرض عليه حوائجهم ~~وأعمالهم فيأمر فيها بما يشاء فينزل الأمر من عنده نافذا فيشاهد الملك الحق ~~قيوما بنفسه مقيما لكل ما سواه غنيا ms219 عن كل من سواه وكل من سواه فقير إليه ~~يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويفك ~~عانيا وينصر ضعيفا ويجبر كسيرا ويغني فقيرا ويميت ويحيي ويسعد ويشقي ويضل ~~ويهدي وينعم على قوم ويسلب نعمته عن آخرين ويعز أقواما ويذل آخرين ويرفع ~~أقواما ويضع آخرين ويشهده كما أخبر عنه أعلم الخلق به وأصدقهم في خبره حيث ~~يقول في الحديث الصحيح يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ~~أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى ~~الميزان يخفض ويرفع فيشاهده PageV01P321 كذلك يقسم الأرزاق ويجزل العطايا ~~ويمن بفضله على من يشاء من عباده بيمينه وباليد الأخرى الميزان يخفض به من ~~يشاء ويرفع به من يشاء عدلا منه وحكمة لا إله إلا هو العزيز الحكيم فيشهده ~~وحده القيوم بأمر السموات والأرض ومن فيهن ليس له بواب فيستأذن ولا حاجب ~~فيدخل عليه ولا وزير فيؤتى ولا ظهير فيستعان به ولا ولي من دونه فيشفع به ~~إليه ولا نائب عنه فيعرفه حوائج عباده ولا معين له فيعاونه على قضائها أحاط ~~سبحانه بها علما ووسعها قدرة ورحمة فلا تزيده كثرة الحاجات إلا جودا وكرما ~~ولا يشغله منها شأن عن شأن ولا تغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بإلحاح ~~الملحين لو اجتمع أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم وقاموا في صعيد واحد ثم ~~سألوه فأعطى كلا منهم مسألته ما نقص ذلك مما عنده ذرة واحدة إلا كما ينقص ~~المخيط البحر إذا غمس فيه ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى ~~قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئا ذلك بأنه الغني الجواد الماجد ~~فعطاؤه كلام وعذابه من كلام @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون @QE@ ويشهده كما أخبر عنه أيضا الصادق المصدوق حيث يقول إن الله لا ~~ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل ~~النهار وعمل النهار قبل عمل ms220 الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ~~ما أدركه بصره من خلقه وبالجملة فيشهده في كلامه فقد تجلى سبحانه وتعالى ~~لعباده في كلامه وتراءى لهم فيه وتعرف إليهم فيه فبعدا وتبا للجاحدين ~~PageV01P322 والظالمين أفي الله شك فاطر السموات والأرض 9 لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم فإذا صارت صفات ربه وأسماؤه مشهدا لقلبه أنسته ذكر غيره ~~وشغلته عن حب من سواه وحديث دواعي قلبه إلى حبه تعالى بكل جزء من أجزاء ~~قلبه وروحه وجسمه فحينئذ يكون الرب سبحانه سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فيه يسمع وبه يبصر وبه ~~يبطش وبه يمشي كما أخبر عن نفسه على لسان رسوله ومن غلظ حجابه وكثف طبعه ~~وصلب عوده فهو عن فهم هذا بمعزل بل لعله أن يفهم منه ما لا يليق به تعالى ~~من حلول أو اتحاد أو يفهم منه غير المراد منه فيحرف معناه ولفظه ومن لم ~~يجعل الله له نوارا فماله من نور وقد ذكرت معنى الحديث والرد على من حرفه ~~وغلط فيه في كتاب التحفة المكية وبالجملة فيبقى قلب العبد الذي هذا شأنه ~~عرشا للمثل الأعلى أي عرشا لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه ~~وناهيك بقلب هذا شأنه فيا له من قلب من ربه ما أدناه ومن قربه ما أحظاه فهو ~~ينزه قلبه أن يساكن سواه أو يطمئن بغيره فهؤلاء قلوبهم قد قطعت الأكوان ~~وسجدت تحت العرش وأبدانهم في فرشهم كما قال أبو الدرداء إذا نام العبد ~~المؤمن عرج بروحه حتى تسجد تحت العرش فإن كان طاهرا أذن لها في السجود وإن ~~كان جنبا لم يؤذن لها بالسجود PageV01P323 وهذا والله أعلم هو السر الذي ~~لأجله أمر النبي الجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ وهو إما واجب على أحد ~~القولين أو مؤكد الاستحباب على القول الآخر فإن الوضوء يخفف حدث الجنابة ~~ويجعله طاهرا من بعض الوجوه ولهذا روى الإمام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما ~~عن أصحاب رسول الله إنهم ms221 إذا كان أحدهم جنبا ثم اراد أن يجلس في المسجد ~~توضى ثم جلس فيه وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره مع أن المساجد لا تحل لجنب ~~على أن وضوءه رفع حكم الجنابة المطلقة الكاملة التي تمنع الجنب من الجلوس ~~في بيت الله وتمنع الروح من السجود بين يدي الله سبحانه فتأمل هذه المسألة ~~وفقهها واعرف مقادر فقه الصحابة وعمق علومهم فهل ترى أحدا من المتأخرين وصل ~~إلى مبلغ هذا الفقه الذي خص الله به خيار عباده وهم أصحاب نبيه وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذوا الفضل العظيم فإذا استيقظ هذا القلب من منامه ~~صعد إلى الله بهمه وحبه وأشواقه مشتاقا إليه طالبا له محتاجا إليه عاكفا ~~عليه فحاله كحال المحب الذي غاب عن محبوبه الذي لا غنى له عنه ولا بد له ~~منه وضرورته إليه أعظم من ضرورته إلى النفس والطعام والشراب فإذا نام غاب ~~عنه فإذا استيقظ عاد إلى الحنين إليه وإلى الشوق الشديد والحب المقلق ~~فحبيبه آخر خطراته عند منامه وأولها عند استيقاظه كما قال بعض المحبين ~~لمحبوبه # وآخر شيء أنت في كل هجعة % وأول شيء أنت عند هبوبي PageV01P324 # فقد أفصح هذا المحب عن حقيقة المحبة وشروطها فإذا كان هذا في محبة مخلوق ~~لمخلوق فما الظن في محبة المحبوب الأعلى فأف لقلب لا يصلح لهذا ولا يصدق به ~~لقد صرف عنه خير الدنيا والآخرة فصل فإذا استيقظ أحدهم إلى قلبه هذا الشأن ~~فأول ما يجري على لسانه ذكر محبوبه والتوجه إليه واستعطافه والتملق بين ~~يديه والاستعانة به أن لا يخلي بينه وبين نفسه وأن لا يكله إليها فيكله إلى ~~ضعة وعجز وذنب وخطيئة بل يكلؤه كلاءة الوليد الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فأول ما يبدأ به الحمد لله الذي أحيانا ~~بعد ما أماتنا وإليه النشور متدبرا لمعناها من ذكر نعمة الله عليه بأن ~~أحياه بعد نومه الذي هو أخو الموت وأعاده إلى حاله سويا سليما محفوظا مما ~~لا يعلمه ms222 ولا يخطر بباله من المؤذيات أو الأذى والتي هو غرض وهدف لسهامها ~~كلها تقصده بالهلاك أو الأذى والتي من بعضها شياطين الإنس والجن فإنها ~~تلتقي بروحه إذا نام فتصد إهلاكه وأذاه فلولا أن الله سبحانه يدفع عنه لما ~~سلم هذا ويلقي الروح في تلك الغيبة من أنواع الأذى والمخاوف والمكاره ~~والتفريعات ومحاربة الأعداء والتشويش والتخبيط بسبب ملابستها لتلك الأرواح ~~فمن الناس من يشعر إذا استيقظ من الوحشة والخوف والفزع PageV01P325 والوجع ~~الروحي الذي ربما غلب حتى سرى إلى البدن ومن الناس من تكون روحه أغلظ وأكثف ~~وأقسى من أن تشعر بذلك فهي مثخنة بالجراح مزمنة بالأمراض ولكن لنومها لا ~~تحس بذلك هذا وكم من مريد لإهلاك جسمه من الهوام وغيرها وقد حفظه منه فهي ~~في أحجارها محبوسة عنه لو خليت وطبعها لأهلكته فمن ذا الذي كلأه وحرسه وقد ~~غاب عنه حسه وعلمه وسمعه وبصره فلو جاءه البلاء من أي مكان جاء لم يشعر به ~~ولهذا ذكر سبحانه عباده هذه النعمة وعدها عليهم من جملة نعمه فقال من ~~يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون فإذا تصور العبد ~~ذلك فقال الحمد لله كان حمده أبلغ وأكمل من حمد الغافل عن ذلك ثم تفكر في ~~أن الذي أعاده بعد هذه الإماته حيا سليما قادرا على أن يعيده بعد موتته ~~الكبرى حيا كما كان ولهذا يقول بعدها وإليه النشور ثم يقول لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله والحمد ~~لله ولا إله إلا الله والله أكب ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم يدعو ويتضرع ~~ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه ثم يصلي ما كتب الله صلاة محب ~~ناصح لمحبوبه متذلل منكسر بين يديه لا صلاة مدل بها عليه يرى من أعظم نعم ~~محبوبه عليه أن أقامه وأنام غيره واستزاره وطرد غيره وأهله وحرم غيره فهو ~~يزداد بذلك محبة إلى محبته ويرى أن قرة عينه ms223 وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ~~ولذته سروره في تلك الصلاة فهو يتمنى طول ليله ويهتم بطلوع PageV01P326 ~~الفجر كما يتمنى المحب الفائز بوصل محبوبه ذلك فهو كما قيل # يود أن ظلام الليل دام له % وزيد فيه سواد القلب والبصر # فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه العزيز الرحيم ويناجيه بكلامه ~~معطيا لكل آية حظها من العبودية فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد ~~والآيات التي فيها الأسماء والصفات والآيات التي تعرف بها إلى عباده بآلائه ~~وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم وتطيب له السير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر ~~والمغفرة فتكون له بمنزلة الحادي الذي يطيب له السير ويهونه وتقلقه آيات ~~الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره ~~المائلين إلى سواه فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه فتأمل هذه الثلاثة ~~وتفقه فيها والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله وبالجملة فيشاهد ~~المتكلم سبحانه وقد تجلى في كلامه ويعطي كل آية حظها من عبودية قلبه الخاصة ~~الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها ثم شأن آخر لو فطن له العبد لعلم ~~أنه كان قبل يلعب كما قيل # وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى % إلى غاية ما بعدها لي مذهب # فلما تلاقينا وعاينت حسنها % تيقنت أني إنما كنت ألعب # فوا أسفاه وواحسرتاه كيف ينقضي الزمان وينفذ العمر والقلب محجوب ما شم ~~لهذا رائحة وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها بل عاش فيها ~~عيش البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس فكانت حياته عجزا وموته كمدا ~~ومعاده حسرة وأسفا اللهم فلك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك ~~المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك فصل فإذا صلى ما كتب الله ~~جلس مطرقا بين يدي ربه هيبة له وإجلالا واستغفره استغفار من قد تيقن أنه ~~هالك إن لم يغفر له ويرحمه PageV01P327 # فإذا قضى من الاستغفار وطرا وكان عليه بعد ليل اضطجع على شقه الأيمن مجما ~~نفسه مريحا لها مقويا على أداء وظيفة الفرض فيستقبله نشيطا بجده ms224 وهمته كأنه ~~لم يزل طول ليلته لم يعمل شيئا فهو يريد أن يستدرك ما فاته في صلاة الفجر ~~فيصلي السنة ويبتهل إلى الله بينها وبين الفريضة فإن لذلك الوقت شأنا يعرفه ~~من عرفه ويكثر فيه من قول يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت فلهذا الذكر في هذا ~~الموطن تأثير عجيب ثم ينهض إلى صلاة الصبح قاصد الصف الأول عن يمين الإمام ~~أو خلف قفاه فإن فاته ذلك قصد القرب منه مهما أمكن فإن للقرب من الإمام ~~تأثيرا في سر الصلاة ولهذا القرب تأثير في صلاة الفج خاصة يعرفه من عرف ~~قوله تعالى وقرءان الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا قيل يشهده الله عز وجل ~~وملائكته وقيل يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فيتفق نزول هؤلاء البدل ~~عند صعود أولئك فيجتمعون في صلاة الفجر وذلك لأنها هي أول ديوان النهار ~~وآخر ديوان الليل فيشهده ملائكة الليل والنهار واحتج لهذا القول بما في ~~الصحيح من حيث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله فضل صلاة ~~الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ويجتمع ملائكة الليل وملائكة ~~النهار في صلاة الفجر لقول أبي هريرة واقرؤوا إن شئتم وقرءان الفجر إن ~~قرءان الفجر كان مشهودا رواه البخاري في الصحيح قال أصحاب القول الأول وهذا ~~لا ينافي قولنا وهو أن يكون الله سبحانه وملائكة الليل والنهار يشهدون قرآن ~~الفجر وليس المراد الشهادة العامة فإن الله على كل شيء شهيد بل المراد ~~شهادة خاصة وهي شهادة حضور ودنو متصل بدنو الرب ونزوله إلى سماء ~~PageV01P328 الدنيا في الشطر الأخير من الليل وقد روى الليث بن سعد حدثني ~~زيادة بن محمد عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد الأنصاري عن أبي ~~الدرداء عن رسول الله قال إن الله عز وجل ينزل في ثلاث ساعات يبقين من ~~الليل فيفتح الذكر في الساعة الأولى الذي يم يره غيره فيمحو الله ما يشاء ~~ويثبت ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن وهي داره ms225 التي لم ترها عين ~~ولم تخطر على قلب بشر وهي مسكنه لا يسكنها معه من بني آدم غير ثلاث وهم ~~النبيون والصديقون والشهداء ثك يقول وطوبى لمن دخلك ثم ينزل في الساعة ~~الثالثة إلى سماء الدنيا بروحه ملائكته فتنتفض فيقول قومي بعزتي ثم يطلع ~~إلى عباده فيقول هل من مستغفر فأغفر له ألا من سائل يسألني فأعطيه ألا داع ~~يدعوني فأجيبه حتى تكون صلاة الفجر ولذلك يقول الله عز وجل وقرءان الفجر إن ~~قرءان الفجر كان مشهودا يشهده الله عز وجل وملائكته ملائكة الليل والنهار ~~ففي هذا الحديث أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر وعلى هذا PageV01P329 فيكون ~~شهوده سبحانه لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له وهذه خاصة بصلاة ~~الصبح ليست لغيرها من الصلاة وهذا لا ينافي دوام النزول في سائر الأحاديث ~~إلى طلوع الفجر ولا سيما وهو معلق في بعضها على انفجار الصبح وهو اتساع ~~ضوئه وفي لفظ حتى يضيء الفجر وهذا دليل لفظ حتى يسطع الفجر وذلك هو وقت ~~قراءة الفجر وهذا دليل على استحباب تقديمها مع مواظبة النبي وخلفائه ~~الراشدين على تقديمها في أول وقتها فكان النبي يقرأ فيها بالستين إلى ~~المائة ويطيل ركوعها وسجودها وينصرف منها والنساء لا يعرفن من الغلس وهذا ~~لا يكون إلا مع شدة التقديم في أول الوقت لتقع القراءة في وقت النزول فيحصل ~~الشهود المخصوص مع أنه قد جاء في بعض الأحاديث مصرحا به دوام ذلك إلى ~~الانصراف من صلاة الصبح رواه الدارقطني في كتاب نزول الرب كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله قال ~~ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا لنصف الليل الآخر أو الثلث الآخر يقول من ~~ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعيه من ذا الذي يستغفرني ~~فأغفر له حتى يطلع الفجر أو ينصرف القارىء من صلاة الصبح رواه عن محمد ~~جماعة منهم PageV01P330 سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر والدراوردي وحفص ~~بن ms226 غياث ويزيد بن هارون وعبدالوهاب بن عطاء ومحمد بن جعفر والنضر بن شميل ~~كلهم قال أو ينصرف القارىء من صلاة الفجر فإن كانت هذه اللفظة محفوظة عن ~~النبي فهي صريحة في المعنى كاشفة للمراد وإن لم تكن محفوظة وكانت من شك ~~الراوي هل قال هذا أو هذا فقد قدمنا أنه لا منافاة بين اللفظين وأن حديث ~~الليث بن سعد عن محمد بن زيادة يدل على دوام النزول إلى وقت صلاة الفجر وأن ~~تعليقه بالطلوع لكونه أول الوقت الذي يكون فيه الصعود كما رواه يونس بن أبي ~~إسحاق عن أبيه عن الأغر أبي مسلم قال شهدت على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ~~أنهما شهدا على النبي أنه قال إن الله عز وجل يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ~~هبط إلى هذه السماء ثم أمر بأبواب السماء ففتحت ثم قال هل من سائل فأعطيه ~~هل من داع فأجيبه هل من مستغفر فأغفر له هل من مستغيث أغيثه هل من مضطر ~~أكشف عنه فلا يزال ذلك مكانه حتى يطلع الفجر في كل ليلة من الدنيا ثم يصعد ~~إلى السماء قال الدارقطني فزاد فيه يونس بن أبي إسحاق زيادة حسنة والمقصود ~~ذكر القرب من الإمام في صلاة الفجر وتقديمها في أول وقتها والله أعلم ~~PageV01P331 فصل # فإذا فرغ من صلاة الصبح أقبل بكليته على ذكر الله والتوجه إليه بالأذكار ~~التي شرعت أول النهار فيجعلها وردا له لا يخل بها أبدا ثم يزيد عليها ما ~~شاء من الأذكار الفاضلة أو قراءة القرآن حتى تطلع الشمس فإذا طلعت فإن شاء ~~ركع ركعتي الضحى وزاد ما شاء وإن شاء قام من غير ركوع ثم يذهب متضرعا إلى ~~ربه سائلا له أن يكون ضامنا عليه متصرفا في مرضاته بقية يومه فلا ينقلب إلا ~~في شيء يظهر له فيه مرضاة ربه وإن كان من الأفعال العادية الطبيعية قلبه ~~عبادة بالنية وقصد الاستعانة به على مرضاة الرب وبالجملة فيقف عند أول ~~الداعي إلى فعله فيفتش ويستخرج منه منفذا ومسلكا يسلك به ms227 إلى ربه فينقلب في ~~حقه عبادة وقربة وشتان كم بين هذا وبين من إذا عرض له أمر من أوامر الرب لا ~~بد له من فعله وفتش فيه على مراد نفسه وغرض لطبعه ففعل لأجل ذلك وجعل الأمر ~~طريقا له منفذا لمقصده فسبحان من فاوت بين النفوس إلى هذا الحد والغاية ~~فهذا عباداته عادات والأول عاداته عبادات فإذا جاء فرض الظهر بادر إليه ~~مكملا له ناصحا فيه لمعبوده كنصح المحب الصادق المحبة PageV01P332 لمحبوبه ~~الذي قد طلب منه أن يعمل له شيئا ما فهو لا يبقي مجهودا بل يبذل مقدوره كله ~~في تحسينه وتزيينه وإصلاحه وإكماله ليقع موقعا من محبوبه فينال به رضاه عنه ~~وقربه منه أفلا يستحي العبد من ربه ومولاه ومعبوده أن لا يكون في عمله هكذا ~~وهو يرى المحبين في أشغال محبوبيهم من الخلق كيف يجتهدون على أحسن وجه ~~وأكمله بل هو يجد من نفسه ذلك مع من يحبه من الخلق فلا أقل من أن يكون مع ~~ربه بهذه المنزلة ومن أنصف نفسه وعرف أعماله استحى من الله أن يواجهه بعمله ~~أو يرضاه لربه وهو يعلم من نفلسه أنه لو عمل لمحبوب له من الناس لبذل فيه ~~نصحه ولم يدع من حسنه شيئا إلا فعله # وبالجملة فهذا حال هذا العبد مع ربه في جميع أعماله فهو يعلم أنه لا يوفي ~~هذا المقام حقه فهو أبدا إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثا وقال تعالى ~~@QB@ وبالأسحار هم يستغفرون @QE@ قال الحسن مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا ~~يستغفرون ربهم وقال تعالى @QB@ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ~~إن الله غفور رحيم @QE@ فأمر سبحانه بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة والمزدلفة ~~وشرع للمتوضىء أن يقول بعد وضوئه اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من ~~المتطهرين فهذه توبة بعد الوضوء وتوبة بعد الحج وتوبة بعد الصلاة وتوبة بعد ~~قيام الليل فصاحب هذا المقام مضطر إلى التوبة والاستغفار كما تبين فهو لا ~~يزال PageV01P333 مستغفرا تائبا وكلما كثرت طاعاته كثرت توبته واستغفاره ~~فصل وجماع الأمر في ms228 ذلك إنما هو بتكميل عبودية الله في الظاهر والباطن ~~فتكون حركات نفسه وجسمه كلها في محبوبات الله وكمال عبودية العبد موافقته ~~لربه في محبته ما أحبه وبذل الجهد في فلعه وموافقته في كراهة ما كرهه وبذل ~~الجهد في تركه وهذا إنما يكون للنفس المطمئنة لا للأمارة ولا للوامة فهذا ~~كمال من جهة الإرادة والعمل وأما من جهة العلم والمعرفة فأن تكون بصيرته ~~منفتحة في معرفة الأسماء والصفات والأفعال له شهود خاص فيها مطابق لما جاء ~~به الرسول لا مخالف له فإن بحسب مخالفته له في ذلك يقع الانحراف ويكون مع ~~ذلك قائما بأحكام العبودية الخاصة التي تقتضيها كل صفة بخصوصها وهذا سلوك ~~الأكياس الذين هم خلاصة العالم والسالكون على هذا الدرب أفراد من العالم ~~طريق سهل قريب موصل طريق آمن أكثر السالكين في غفلة عنه ولكن يستدعي رسوخا ~~في العلم ومعرفة تامة به وإقداما على رد الباطل المخالف له ولو قاله من ~~قاله وليس عند أكثر الناس سوى رسوم تلقوها عن قوم معظمين عندهم ثم لإحسان ~~ظنهم بهم قد وقفوا عند أقوالهم ولم يتجاوزوها فصارت حجابا لهم وأي حجاب فمن ~~فتح الله عليه بصيرة قلبه وإيمانه حتى خرقها وجاوزها إلى مقتضى الوحي ~~والفطرة والعقل فقد أوتي خيرا كثيرا ولا يخاف عليه إلا من ضعف همته فإذا ~~انضاف إلى ذلك الفتح همة عالية فذاك السابق حقا واحد الناس بزمانه لا يلحق ~~شأوه ولا يشق غباره فشتان ما بين من يتلقى أحواله ووارداته عن الأسماء ~~والصفات وبين من يتلقاها عن الأوضاع الاصطلاحية والرسوم أو عن مجرد ذوقه ~~ووجده إذا استحسن شيئا قال هذا هو الحق فالسير إلى الله من طريق الأسماء ~~والصفات شأنه عجب وفتحه عجب صاحبه قد سيقت له السعادة وهو مستلق على فراشه ~~غير تعب ولا مكدود ولا مشتت عن وطنه ولا مشرد عن سكنه @QB@ وترى الجبال ~~تحسبها جامدة وهي تمر مر @QE@ PageV01P334 السحاب وليس العجب من سائر في ~~ليله ونهاره وهو في الثرى لم يبرح من مكانه وإنما العجب من ms229 ساكن لا يرى ~~عليه أثر السفر وقد قطع المراحل والمفاوز فسائر قد ركبته نفسه فهو حاملها ~~وسائر بها ملبوك يعاقبها وتعاقبه ويجرها وتهرب منه ويخطو بها خطوة إلى ~~أمامه فتجذبه خطوتين إلى ورائه فهو معها في جهد وهي معه كذلك وسائر قد ركب ~~نفسه وملك عنانها فهو يسوقها كيف شاء وأين شاء لا تلتوي عليه ولا تنجذب ولا ~~تهرب منه بل هي معه كالأسير الضعيف في يد مالكه وآسره وكالدابة الريضة ~~المنقادة في يد سائسها وراكبها فهي منقادة معه حيث قادها فإذا رام التقدم ~~جمزت به وأسرعت فإذا أرسلها سارت به وجرت فلي الحلبة إلى الغاية ولا يردها ~~شيء فتسير به وهو ساكن على ظهرها ليس كالذي نزل عنها فهو يجرها بلجامها ~~ويشحطها ولا تنشحط فشتان ما بين المسافرين فتأمل هذا المثل فإنه مطابق لحال ~~السائرين المذكورين والله يختص برمحمته من يشاء فصل ومن شأن القوم أن تنسلخ ~~نفوسهم من التدبير والاختيار الذي يخالف تدبيره تعالى واختياره بل قد سلموا ~~إليه سبحانه التدبير كله فلا يزاحم تدبيرهم تدبيره ولا اختيارهم اختياره ~~لتيقنهم أنه الملك القاهر القابض على نواصي الخلق المتولي تدبير أمر العالم ~~كله وتيقنهم مع ذلك أنه الحكيم في أفعاله الذي لا تخرج أفعاله عن الحكمة ~~والمصلحة والرحمة فلم يدخلوا أنفسهم معه في تدبيره لملكه وتصريفه أمور ~~عباده ولو كان كذا وكذا ولا بعسى ولعل ولا بليت بل ربهم أجل وأعظم في ~~قلوبهم من أن يعترضوا عليه أو يتسخطوا تدبيره أو يتمنوا سواه وهو أعلم به ~~وأعرف بأسمائه وصفاته من أن يتهموه في تدبيره أو يظنوا به الإخلال بمقتضى ~~حكمته وعدله بل هو ناظر بعين قلبه إلى بارىء الأشياء وفاطرها PageV01P335 ~~ناظر إلى إتقان صنعه مشاهد لحكمته فيه وإن لم يخرج ذلك على مكاييل عقول ~~البشر وعوائدهم ومألوفاتهم قال بعض السلف لو قرض جسمي بالمقاريض أحب إلي من ~~أن أقول لشيء قضاه الله ليته لم يقضه وقال آخر أذنبت ذنبا أبكي عليه منذ ~~ثلاثين سنة وكان قد اجتهد في العبادة ms230 قيل له وما هو قال قلت مرة لشيء كان ~~ليته لم يكن وبعض العارفين يجعل عيب المخلوقات وتنقيصها بمنزلة العيب ~~لصانعها وخالقها لأنها صنعه وأثر حكمته وهو سبحانه أحسن كل شيء خلقه وأتقن ~~كل شيء وهو أحكم الحاكمين وأحسن الخالقين له في كل شيء حكمة بالغة وفي كل ~~مصنوع صنع متقن والرجل إذا عاب صنعة الرب سبحانه بلا إذنه سرى ذلك إلى ~~الصانع لأنه كذلك صنعها وعن حكمته أظهرها إذا كانت الصنعة مجبولة لم تصنع ~~نفسها ولا صنع له في خلقها فالعارف لا يعيب إلا ما عابه الله ولا يذم إلا ~~ما ذمه وإذا سبق إلى قلبه ولسانه عيب مالم يعبه الله وذم ما لم يذمه الله ~~تاب إلى الله منه كما يتوب صاحب الذنب من ذنبه فإنه يستحي من الله أن يكون ~~في داره وهو يعيب آلات تلك الدار وما فيها فهو يرى نفسه بمنزلة رجل دخل إلى ~~دار ملك من الملوك ورأى ما فيها من الآلات والبناء والترتيب فأقبل يعيب ~~منها بعضها ويذمه ويقول لو كان كذا بدل كذا لكان خيرا ولو كان هذا في مكان ~~هذا لكان أولى وشاهد الملك يولي ويعزل ويحرم ويعطي فجعل يقبول لو ولي هذا ~~مكان فلان كان خيرا ولو عزل هذا المتولي لكان أولى ولو عوفي هذا ولو أغنى ~~هذا فكيف يكون مقت الملك لهذا المعترض وإخراجه له من قربه وكذلك لو أضافه ~~صاحب له فقدم إليه طعاما فمجعل يعيب صفته ويذمه أكان ذلك يهون على صاحب ~~الطعام قالت عائشة وما عاب رسول الله طعاما قط إن اشتهى شيئا أكله وإلا ~~تركه والمقبصود أن ما شأن القوم ترك PageV01P336 الاهتمام بالتدبير ~~والاختيار بل همهم كله في إقامة حقه عليهم وأما التدبير العام والخاص فقد ~~سلموه لولي الأمر كله ومالكه الفعال لما يريد ولعلك تقول من ذا الذي ينازع ~~الله في تدبيره فلانظر إلى نفسك في عجزها وضعفها وجهلها كيف هي عرضت ~~للمنازعة منازعة جاهل عاجز ضعيف لو قدر لظهرت منه العجائب فسبحان من ms231 أذله ~~بعجزه وضعفه وجهله وأراه العبر في نفسه لو كان ذا بصر كيف هو عاجز القدرة ~~جبار الإرادة عبد مربوب مدبر مملوك ليس له من الأمر شيء وهو مع ذلك ينازع ~~الله ربوبيته وحكمته وتدبيره لا يرضى بما رضي الله به ولا يسكن عند مجاري ~~أقداره بل هو عبد ضعيف مسكين يتعاطى الربوبية فقير مسكين في مجموع حالاته ~~ويرى نفسه غنيا جاهل ظالم ويرى نفسه عارفا محسنا فما أجهله بنفسه وبربه وما ~~أتركه لحقه وأشد إضاته لحظه ولو أحضر رشده لرأى ناصيته ونواصي الخلائق بيد ~~الله سبحانه وتعالى يخفلضها ويرفعها كيف يشاء وقلوبهم بيده سبحانه وفي ~~قبضته يقلبها كيف يشاء يزيغ منها من يشاء ويقيم من يشاء ولكان هذا غالبا ~~على شهود قلبه فيغيب به عن مشيئاته وإرادته واختياره ولعرف أن التدبير ~~والركون إلى حول العبد وقوته من الجهل بنفسه وبربه فينفي العلم بالله الجهل ~~عن قلبه فتمحي منه الإرادات والمشيئات والتدبيرات ويفوضها إلى مالك القلوب ~~والنواصي فيصير بذلك عبدا لربه تقلبه يد القدرة ويصير ابن وقته لا ينتظر ~~وقتا آخر يدبر فيه نفسه لأن ذلك الوقت بيد موقته فيرى نفسه بمنزلة ~~PageV01P337 الميت في قبره ينتظر ما يفعل به مستسلم لله منقطع المشيئة ~~والاختيار هذا ما يجري على أحدهم من فعل الله وحكمه وقضائه الكوني فإذا جاء ~~الأمر جاءت الإرادة والاختيار والجد والسعي واستفراغ الفكر وبذل الجهد فهو ~~قوي حي فعال يشاهد عبودية مولاه في أمره فهو متحرك فيه بظاهره وباطنه قد ~~أخرج مقدوره من القوة إلى الفعل وهو مع ذلك مستعين بربه قائم بحوله وقوته ~~ملاحظ لضعفه وعجزه قد تحقق بمعنى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فهو ~~ناظر بقلبه إلى مولاه الذي حركه مستعين به في أن يوفقه لما يحبه ويرضاه ~~عينه في كل لحظة شاخصة إلى حقه المتوجه عليه لربه ليؤديه في وقته على أكمل ~~أحواله فإذا وردت عليهم أقداره التي تصيبهم بغير اختيارهم قابلوها بمقتضاها ~~من العبودية وهم فيها على مراتب ثلاثة إحداها الرضا عنه فيها والمزيد من ms232 ~~حبه والشوق إليه وهذا نشأ من مشاهدتهم للطفه فيها وبره وإحسانه العاجل ~~والآجل ومن مشاهدتهم حكمته فيها ونصبها سببا لمصالحهم وشوقهم بها إلى حبه ~~ورضوانه ولهم من ذلك مشاهد أخر لا تسعها العبارة وهي فتح من الله على العبد ~~لا يبلغه علمه ولا عمله المرتبة الثانية شكره عليها كشكره على النعم وهذا ~~فوق الرضا عنه بها ومنه ينتقل إلى هذه المرتبة فهذه مرتبتان لأهل هذا الشأن ~~والثالثة للمقتصدين وهي مرتبة الصبر التي إذا نزل منها نزل إلى نقصان ~~الإيمان وفواته من التسخط والتشكي واستبطاء الفرج واليأس من الروح والجزع ~~الذي لا يفيد إلا فوات الأجر وتضاعف المصيبة فالصبر أول منازل الإيمان ~~ودرجاته وأوسطها وآخرها فإن صاحب الرضا والشكر لا يعدم الصبر في مرتبته بل ~~الصبر معه وبه يتحقق الرضا والشكر لا تصور ولا تحقق لهما دونه وهكذا كل ~~مقام مع الذي فوقه كالتوكل مع الرضا وكالخوف والرجاء مع الحب فإن المقام لا ~~ينعدم بالترقي إلى الآخر ولو PageV01P338 عدم لخلفه ضده وذلك رجوع إلى نقص ~~الطبيعة وصفات النفس المذمومة وإنما يندرج حكمه في المقام الذي أعلى منه ~~فيصير الحكم له كما ينيدرج مقام التوكل في مقام المحبة والرضا وليس هذا ~~كمنازل سير الأبدان الذي إذا قطع منها منزلا خلفه وراء ظهره واستقبل المنزل ~~الآخر معرضا عن الأول بارتحاله بل هذا كمنزلة التاجر الذي كلما باع شيئا من ~~ماله وربح يه ثم باع الثاني وربح فقد ربح بهما معا وهكذا أبدا يكون ربحه في ~~كل صفقة متضاعفا بانضمامه إلى ما قبله فالربح الأول اندرج في الثاني ولم ~~يعدم فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه يزل عنك ما يعرض من الغلط في علل المقامات ~~وتعلم أن دعوى المدعي أنها من منازل العوام ودعوى أنها معلولة غلط من وجهين ~~أحدهما أن أعلى المقامات مقرون بأدناها مصاحب له كما تقدم متضمن له تضمن ~~الكل لجزئه أوم مستلزم له استلزام الملزوم للازمه لا ينفك عنه أبدا ولكن ~~لاندراجه فيه وانطواء حكمه تحته يصير المشهد والحكم للعالي الوجه ms233 الثاني أن ~~تلك المقامات والمنازل إنما هي منازل العوام وتعرض لها العلل بحسب ~~متعلقاتها وغاياتها فإن كان متعلقها وغاياتها بريئا من شوائب العلل وهو أجل ~~متعلق وأعظمه فلا علة فيها بحال وهي من منازل الخواص من جهة تعلقها بحظه ~~ولنذكر لذلك أمثلة المثال الأول الإرادة فإن الله جعلها من منازل صفوة ~~عباده وأمر رسوله أن يصبر نفلسه مع أهلها فقال @QB@ واصبر نفسك مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه @QE@ وقال تعالى @QB@ وما لأحد عنده ~~من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى @QE@ وقال حكاية عن أوليائه قولهم ~~@QB@ إنما نطعمكم لوجه الله @QE@ وهي لام التعليل الداخلة على PageV01P339 ~~الغايات المرادة وهي كثيرة في القرآن فقالت طائفة والإرادة حلية العوام وهي ~~تجريد القصد وجزم النية والجد في الطلب وذلك غيره في طريق الخواص تفرق ~~ورجوع إلى النفس فإن إرادة العبد عين حظه وهو رأس الدعوى وإنما الجمع ~~والوجود فيما يراد بالعبد لا فيما يريد كقوله تعالى @QB@ وإن يردك بخير فلا ~~راد لفضله @QE@ فيكون مراده ما يراد به واختياره ما اختيرله إذ لا إرادة ~~للعبد مع سيده ولا نظر كما قال # أريد وصاله ويريد هجري % فأترك ما أريد لما يريد # ومن هذا قول أبي يزيد قيل لي ما تريد قلت أريد أن لا أريد لأني أنا ~~المراد وأنت المريد فيقال ليس المراد من العوام في كلامهم العامة الجهال ~~وإنما مرادهم بهذه اللفظة عموم السالكين دون أهل الخصوص الواصلين منازل ~~الفناء وعين الجمع وإذا عرف هذا فالكلام على ما ذكر في الأرادة من وجوه # أحدها أن الإرادة هي مركب العبودية وأساس بنائها الذي لا تقوم إلا عليه ~~فلا عبودية لمن لا إرادة له بل أكمل الخلق أكملهم عبودية ومحبة وأصحهم حالا ~~وأقومهم معرفة وأتمهم إرادة فكيف يقال إنها حلية العوام أو من منازل العوام # الوجه الثاني أنه يلزم من هذا أن تكون المحبة من منازل العوام ~~PageV01P340 وتكون معلولة أيضا لأنها إرادة تامة للمحبوب ووجود المحبة بلا ~~إرادة كوجود الإنسانية من غير جيوانية وكوجود مقام ms234 الأحسان بدون الإيمان ~~والسلام فإذا كانت الإرادة معلولة وهي من منازل العوام لزم أن تكون المحبة ~~كذلك فإن قيل المحبة التي لا علة فيها هي تجرد المحب عن الإرادة وفناؤه ~~بإرادة محبوبه عن إرادته قيل هذا هو حقيقة الإرادة أن يبقى مراده مراد ~~محبوبه فلو لم يكن مريدا لمراد محبوبه لم يكن موافقا له في الإرادة والمحبة ~~هي موافقى المحبوب في إرادته فعاد الأمر إلى ما أشرنا إليه أن المعلول من ~~ذلك ما تعلق بحظ المريد دون محبوبه فإذا صارت إرادته موافقة لإرادة محبوبه ~~لم تكن تلك الإرادة من منازل العوام ولا معلولة بل هذه أشرف منازل الخواص ~~وغاية مطالبهم وليس وراءها إلا التجرد عن كل إرادة والفناء بشهوده عن إرادة ~~ما يريد وهذا هو الذي يشير إليه السالكون إلى منازل الفناء ويجعلونه غاية ~~الغايات وهذا عند أهل الكمال نقص وتغيير في وجه المحبة وهضم لجانب العبودية ~~وفناء بحظ المحب من مشاهدته جمال محبوبه وفنائه فيه عن حق المحبوب ومراده ~~فهو الوقوف مع نفس الحظ والهروب عن حق المحبوب ومراده وهل مثل هذا إلا كمثل ~~رجلين ادعيا محبة ملك فحضرا بين يديه فقال ما تريدان فقال أحدهما أريد أن ~~لا أريد شيئا بل أفنى عن إرادتي وأكون أنا المراد وأنت تريد بي ما تشاء ~~وقال الآخر أريد أن أنفق أنفاسي وذراتي في محابك ومرضاتك منفذا لأوامرك ~~مشمرا في طاعتك أتوجه حيث توجهني وأفعل ما تأمرني هذا الذي أريده فقال ~~الآخر وأنا أريد منك أن تفعل مثل هذا فإني سأبعثكما في أشغالي ومهماتي فأما ~~أحدهما فقال لا حظ لي سوى اتباع مرضاتك والقيام بحقوقك وقال الآخر لا أريد ~~إلا مشاهدتك والنظر إليك والفناء فيك فهل يكونان في نظره سواء وهل تستوي ~~منزلتهما عنده ولو أمعنوا النظر لعلموا أن صاحب الفناء هو طالب حظ الواقف ~~معه وأن الآخر وإن لم ينسلخ من الحظ ولكن حظه مراد المحبوب منه لا ~~PageV01P341 مراده هو من المحبوب وبين الأمرين من الفرق كما بين الأرض ~~والسماء فالعجب ms235 ممن يفضل صاحب الحظ الذي يريده من محبوبه على من صار حظه ~~مراد محبوبه منه بل الفناء الكامل أن يفنى بإرادته عن إرادة من سواه وبحبه ~~عن حب ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبالتوكل ~~عليه عن التوكل على ما سواه ليس أن تفنى بحطك منه عن مراده منك وهذا موضع ~~يشتبه علما وحالا وذوقا إلا على من فتح الله عليه بفرقان بين هذا وهذا # الوجه الثالث أن الإرادة إنما تكون ناقصة بحسب نقصان المراد فإذا كان ~~مرادها أشرف المرادات فإرادته أشرف الإرادات ثم إذا كانت الوسيلة إليه أجل ~~الوسائل وأنفعها وأكملها فإرادتها كذلك فلا تخرج إرادته عن إرادة أشرف ~~الغايات وإرادة أقرب الوسائل إليه وأنفعها فأي علة في هذه الإرادة وأي شيء ~~فوقها للخواص # الوجه الرابع أن نقصان الشيء يكون من وجهين أحدهما أن يوجب ضررا والثاني ~~أن تكون له ثمرة نافعة لكن يشغل عما هو أكمل منه وكلاهما منتف عن الإرادة ~~فكيف تكون ناقصة معلولة فإن قيل لما كان الوقوف معها رجوعا إلى النفس ~~وتفرقا ووقوفا مع حظ المريد كانت ناقصة قيل هذا منشأ الغلط # وجوابه بالوجه الخامس وهو أن يقال قوله إن الإرادة تفرق فإن أردتم ~~بالتفرق شهود المريد لإرادته ولمراده ولعبوديته ولمعبوده ولمحبته ولمحبوبه ~~فلم قلتم إن هذا التفرق نقص وهل هذا إلا عين الكمال وهل تتم العبودية إلا ~~بهذا فإن من شهد عبوديته وغاب بها عن معبوده كان محبوبا ومن شهد المعبود ~~وغاب به عن شهود عبوديته وقيامه بما أمره به كان ناقص العبودية ضعيف الشهود ~~وهل الكمال إلا شهود المعبو مع شهود عبادته فإنها عين حقه ومراده ومحبوبه ~~من عبده فهل يكون شهود العبد PageV01P342 لحق محبوبه ومراده منه وأنه قائم ~~به ممتثل له نقصا ويكون غيبته عن ذلك وإعراضه عنه وفناؤه عن شهوده كمالا ~~وهل هذا إلا قلب للحقائق فغاية صاحب هذا الحال والمقام أن يكون معذورا بضيق ~~قلبه عن شهود هذا إما لضعف المحل أو لغلبة الوارد ms236 وعجزه عن احتمال شيء آخر ~~معه فأما أن يكون هذا هو الكمال المطلوب والآخر نقص فكلا وأين مقام من يشهد ~~عبوديته ومنة الله عليه فيها وتوفيقه لها وجعهل محلا وآلة وهو ناظر مع ذلك ~~إلى معبوده بقلبه شاهدا له فانيا عن شهود غيره في عبوديته من مقام من لا ~~يتسع لهذا وهذا وتأمل حال أكمل الخلق وأفضلهم وأشدهم حبا لله كيف كان في ~~عبادته جامعا بين الشهودين حتى كان لا يغيب عن أحوال المأمومين فضلا عن ~~شهود عبادته وكان يراعي أحوالهم وهو في ذلك المقام بين يدي ربه سبحانه ~~فالكلمة من أمته على منهاجه وطريقته في ذلك فالواجب التمييز بين المراتب ~~وإعطاء كل ذي حق حقه فقد جعل الله لكل شيء قدرا وإن أردتم بالتفرق شتات ~~القلب في شعاب الحظوظ وأودية الهوى فهذه الإرادة لا تستلزم شيئا من ذلك بل ~~هي جمعية القلب على المحبوب وعلى محابه ومراداته ومثل هذا التفرق هو عين ~~البقاء ومحض العبودية ونفس الكمال وما عداه فمحض حظ العبد لا حق محبوبه # الوجه السادس أن قوله إن الإرادة رجوع إلى النفس وإن إرادة العبد عين حظه ~~كلام فيه إجمال وتفصيل فيقال ما تريدون بقولكم إن الإرادة رجوع إلى النفس ~~أتريدون أنها رجوع عن إرادة الرب وإرادة محابة إلى إرادة النفس وحظوظها أم ~~تريدون أنها رجوع إلى إرادة النفس لربها ولمرضاته فإن أردتم الأول علم أن ~~هذه الإرادة معلولة ناقصة فاسدة ولكن ليست هذه الإرادة التي نتكلم فيها وإن ~~أردتم المعنى الثاني فهو عين الكمال وإنما النقصان خلافه PageV01P343 # الوجه السابع أن قولكم إن هذه الإرادة عين حظ العبد قلنا نعم هي أكبر حظ ~~له وأجله وأعظمه وهل العبد حظ أشرف من أن يكون الله وحده إلهه ومعبوده ~~ومحبوبه ومراده فهذا هو الحظ الأوفر والسعادة العظمى ولكن لم قلتم إن ~~اشتغال العبد لهذا الحظ نقص في حقه وهل فوق هذا كمال فيطلبه العبد ثم يقال ~~لو كان فوقه شيء أكمل منه لكان اشتغال العبد به وطلبه إياه اشتغالا ms237 بحظه ~~أيضا فيكون ناقصا فأين الكمال فإن قلتم في تركه حظوظه كلها قيل لكم وتركه ~~هذا الحظ أيضا هو من حظوظه فإنه يبقى معطلا فارغا من الإرادة أصلا بل لا بد ~~له من إرادة ومراد وكل إرادة لكم رجوع إلى الحظ فأي اشتغال به وبإرادته كان ~~وقوفا عن حظه فيالله العجب متى يكون عبدا محضا خالصا لربه # ويوضح هذا الوجه الثامن أن الحي لا ينفك عن الإرادة ما دام شاعرا بنفسه ~~وإنما ينفك عنها إذا غاب عنه شعوره بعارض من العوارض فالإرادة من لوازم ~~الحياة فدعوى أن الكمال في التجرد عنها دعوى باطلة مستحيلة طبعا وحسا بل ~~الكمال في التجرد عن الإرادة التي تزاحم مراد المحبوب لا عن الإرادة التي ~~توافق مراده # الوجه التاسع قوله الجمع والوجود فيما يراد بالعبد لا فيما يريد إلخ ~~فيقال هذا على نوعين أحهما ما يراد بالعبد من المقدور الذي يجري عليه بغير ~~اختياره كالفقر والغنى والصحة والمرض والحياة والموت وغير ذلك فهذا لا ريب ~~أن الكمال فناء العبد فيه عن إرادته ووقوفه مع ما يراد به لا يكون له إرادة ~~تزاحم إرادة الله منه كحال الثلاثة الذين قال أحدهم أنا أحب الموت للقاء ~~الله وقال الآخر أحب البقاء لطاعته وعبادته فقال الثالث غلطتما ولكن أنا ~~أحب من ذلك ما يحب فإن كان يحب إماتتي أحببت الموت وإن كان يحب حياتي أحببت ~~الحياة PageV01P344 # فأنا أحب ما يحبه من الحياة والموت فهذا أكل وأصح حالا فيما يراد بالعبد ~~والنوع الثاني ما يراد من العبد من الأوامر والقربات فهذا ليس الكمال إلا ~~في إرادته وإن فرقته فهو مجموع في تفرقته متفرق في جمعيته وهذا حال الكملة ~~من الناس متفرق الإرادة في الأمر مجتمع على الأمر فهو مجموع عليه متفرق فيه ~~ولا يكون فعل المرادات المختلفة بإرادة واحدة بالعين وإنما غايتها أن تكون ~~هنا إرادتان إحداهما إرادة واحدة للمراد المحبوب والثانية إرادات متفرقة ~~لحقه ومحابه وما أمر به فهي وإن تعددت وتكثرت فمرجعها إلى مراد واحد بإرادة ~~كلية ms238 وكل فعل منها له إرادة جزئية محضة # الوجه العاشر أن قول أبي يزيد أريد أن لا أريد تناقض بين فإنه قد أراد ~~عدم الإرادة فإذا قال أريد أن لا أريد يقال له فقد أردت وأحسن من هذا أن ~~يكون الجواب أريد ما يريد لا ما أريد وإذا كان لا بد من إرادة ففرق بين ~~الإرادتين إرادة سلب الإرادة وإرادة موافقة المحبوب في مراده والله أعلم # الوجه الحادي عشر أنه فسر الإرادة بتجريد القصد وجزم النية والجد في ~~الطلب وهذا هو عين كمال العين وهو متضمن للصدق والإخلاص والقيام بالعبودية ~~فأي نقص في تجريد القبصد وهو تخليصه من كل شائبة نفسانية أو طبيعية وتجريده ~~لمراد المحبوب وحده والجد في طلبه وطلب مرضاته وجزم النية وهو أن لا ~~يعتريها وقفة ولا تأخير وهذا الأمر هو غاية منازل الصديقين وصديقية العبد ~~بحسب رسوخه في هذا المقام وكلما ازداد قربه وعلا مقامه قوي عزمه وتجرد صدقه ~~فالصادق لا نهاية لطلبه ولا فتور لقصده بل قصده أتم وطلبه أكمل ونيته أحزم ~~قال تعالى @QB@ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ واليقين هنا الموت باتفاق ~~علماء PageV01P345 الإسلام فجاءه إذ جاءه وإرادته وقصده ونيته في الذروة ~~العليا ونهاية كمالها وتمامها فأين العلة في هذه الإرادة ولكن العلة والنقص ~~في الإرادة التي يكون مصدرها النفس والهوى وغايتها نيل حظ المريد من محبوبه ~~وإن كان المحبوب يريد ذلك لكن غيره أحب إليه منه وهو أن يكون مراده محض حق ~~محبوبه وحصول مرضاته فانيا عن حظه هو من محبوبه بل قد صار حظه منه نفس حقه ~~ومراده فهذه هي الإرادة والمحبة التي لا علة فيه ولا نقص نسأل الله تعالى ~~أن يمن علينا ويحيينا ولو بنفس منها كما من بتعليمها ومعرفتها إنه جواد ~~كريم # الوجه الثاني عشر أنه قال بعد هذا فصحة الإرادة بذل الوسع واستفراغ ~~الطاقة مع ترك الاختيار والسكون إلى مجاري الأقدار فيكون كالميت بين يدي ~~الغاسل يقلبه كيف يشاء فأين هذا من قوله وذلك في طريق الخواص نقص وتفرق ms239 وهل ~~يكون بذل الوسع واستفراغ الطاقة إلا مع تمام الإرادة وإنما الذي يفرض له ~~النقص من الإرادة نوعان أحدهما إرادة مصدرها طلب الحظ والثاني اختياره فيما ~~يفعل به بغير اختياره فعن هاتين الإرادتين ينبغي الفناء وفيهما يكون النقص ~~فالكمال ترك الاختيار فيهما والسكون إلى مراد المحبوب وحقه في الأولى وإلى ~~مجاري أقداره وحكمه في الثانية فيكون في الأولى حيا فعالا منازعا لقواطعه ~~عن مراد محبوبه وفي الثانية كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء وبهذا ~~التفصيل ينكشف سر هذه المسألة ويحصل التمييز بين محض العبودية وحظ النفس ~~والله الموفق للصواب فصل المثال الثاني الزهد قال أبو العباس هو للعوام ~~أيضا PageV01P346 لأنه حبس النفس عن الملذوذات وإمساكها عن فضول الشهوات ~~ومخالفة دواعي الهوى وترك مالا يغني من الأشياء وهذا نقص في طريق الخاصة ~~لأنه تعظيم للدنيا واحتباس عن انتقادها وتعذيب للظاهر بتركها مع تعلق ~~الباطن بها والمبالاة بالدنيا عين الرجوع إلى ذاتك وتضييع الوقت في منازعة ~~نفسك وشهود جنسك وبقائك معك ألا ترى إلى من أعطاه الله الدنيا بحذافيرها ~~كيف قال @QB@ هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب @QE@ وذلك حيث عافى باطنه ~~من شهودها وظاهره من التعلق بها فالزهد صرف الرغبة إليه وتعلق الهمة به ~~والاشتغال به عن كل شيء يشغل عنه ليتولى هو حسم هذه الأسباب عنك كما قيل إن ~~بعض المريدين سأل بعض المشايخ فقال أيها الشيخ بأي شيء تدفع إبليس إذا قصدك ~~بالوسوسة فقال الشيخ إني لا أعرف إبليس فأحتاج إلى دفعه نحن قوم صرفنا ~~هممنا إلى الله فكفانا ما دونه وكما قال # تسترت عن دهري بظل جناحه % فعيني ترى دهري وليس يراني # فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت % وأين مكاني ما عرفن مكاني # فيقال الكلام على هذا من وجوه أحداها أن جعل الزهد للعوام لما ذكره إنما ~~يتم إذا كان الزهد ملزوما لمنازعة النفس ومجاذبتها لدواعي الشهوة والهوى ~~وحينئذ فيكون قلبه مشغولا بتلك الدواعي والجواذب ونفسه تطالبه بها وزهده ~~يأمره باجتنابها ولا ريب أن فوق هذا ms240 مقاما أعلى منه وهو طمأنينة نفسه ~~وسكونها إلى محبوبها وانجذاب دواعيها إلى محابه ومرضاته وهذا للخواص من ~~المؤمنين ولكن هذه المنازعة غير لازمة للزهد وإن كان لا بد منها في حكم ~~الطبيعة لتحقق الابتلاء والامتحان وليتحقق ترك العبد حظه وهواه لربه إيثارا ~~له على هواه ونفسه الثاني أنه لو كانت هذه المنازعة وحبس النفس عن ~~الملذوذات من لوازم الزهد لم يكن فيها PageV01P347 نقص ولا علة فإنها من ~~لوازم الطبيعة وأحكام الجبلة وهي كالجوع والعطش والألم والتعب فحبس النفس ~~عن إجابة دواعيها إيثارا لله ومرضاته عليها لا يكون نقصا ولا مستلزما لنقص ~~وقد اختلف أرباب السلوك هنا في هذه المسألة وهي أيهما أفضل من له داعية ~~وشهوة وهو يحبسها لله ولا يطيعهما حبا له وحياء منه وخوفا أو من لا داعية ~~له تنازعه بل نفسه خالية من تلك الدواعي والشهوة قد اطمأنت إلى ربها ~~واشتغلت به عن غيره وامتلأت بحبه وإرادته فليس فيها موضع لإرادة غيره ولا ~~حبه فرجحت طائفة الأول وقالت هذا يدل على قوة تعلقه وشدة محبته فهو يعاصي ~~دواعي الطبع والشهوة ويقهرها بسلطان محبته وإرادته وخوفه من الله وهذا يدل ~~على تمكنه من نفسه وتمكن حاله مع الله وغلبة داعي الحق عنده على داعي الطبع ~~والنفس قالوا وأيضا فله مزيد في حاله وإيمانه بهذا الإيثار والترك مع حضور ~~داعي الفعل عنده ومزيد مجاهدة عدوه الباطن ونفسه وهواه كما يكون له مزيد ~~مجاهدة عدوه الظاهر قالوا والذوق والوجد يشهد لمزيده من الحب والأنس ~~والسرور والفرح بربه عن إيثاره على دواعي الهوى والنفس والمطمئن الذي ليس ~~فيه هذا الداعي ليس له مزيد من هذه الجهة وإن كان مزيده من جهة أخرى فهي ~~مشتركة بينهما ويختص هذا بمزيده من الإيثار والمجاهدة قالوا وأيضا فهذا ~~مبتلى بهذه الدواعي والإرادات وذلك معافى منها وقد جرت سنة الله في ~~المؤمنين من عباده أن يبتليهم على حسب إيمانهم فمن ازداد إيمانه زيد في ~~بلائه كما ثبت عن النبي أنه قال يبتلى المرء على حسب دينه ms241 فإن كان في دينه ~~صلابة شدد عليه البلاء وإن كان في دينه رقة خفف عنه البلاء والمراد بالدين ~~PageV01P348 هنا الإيمان الذي يثبت عند نوازل البلاء فإن المؤمن يبتلى على ~~قدر ما يحمله إيمانه من وراء البلاء قالوا فالبلاء بمخالفة دواعي النفس ~~والطبع من أشد البلاء فإنه لا يصبر عليه إلا الصديقون وأما البلاء الذي ~~يجري على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والطش ونحوها فالصبر عليه لا ~~يتوقف على الإيمان بل يصبر عليه البر والفاجر لا سيما إذا علم أنه لا معول ~~له إلا الصبر فإنه إن لم يصبر اختيارا صبر اضطرارا ولهذا كان بين ابتلاء ~~يوسف الصديق بما فعل به إخوته من الأذى والإلقاء في الجب وبيعه بيع العبيد ~~والتفريق بينه وبين أبيه وابتلائه بمراودة المرأة وهو شاب عزب غريب بمنزلة ~~العبد لها وهي الداعية إلى ذلك فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاء ~~فإن الشباب داع إلى الشهوة والشاب قد يستحي من أهله ومارفه من قضاء وطره ~~فإذا صار في دار الغربة زال ذلك الاستحياء والاحتشام وإذا كان عزبا كان أشد ~~لشهوته وإذا كانت المرأة هي الطالبة كان أشد وإذا كانت جميلة كان أعظم فإن ~~كانت ذات منصب كان أقوى في الشهوة فإن كان ذلك في دارها وتحت حكمها بحيث لا ~~يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ فإن استوثقت بتغليق الأبواب والاحتفاظ من ~~الداخل كان أقوى أيضا للطلب فإن كان الرجل كمملوكها وهي كالحاكمة عليه ~~الآمرة الناهية كان أبلغ في الداعي فإذا كانت المرأة شديدة العشق والمحبة ~~للرجل قد امتلأ قلبها من حبه فهذا الابتلاء الذي صبر معه مثل الكريم ابن ~~الكريم ابن الكريم ابن الكريم صلوات الله عليهم أجمعين ولا ريب أن هذا ~~الابتلاء أعظم من الابتلاء الأول بل هو من جنس ابتلاء الخليل بذبح ولده إذ ~~كلاهما ابتلاء بمخالفة الطبع ودواعي النفس والشهوة ومفارقة حكم طبعه وهذا ~~بخلاف البلوى التي أصابت ذا النون والتي أصابت أيوب قالوا وأيضا فإن هذه هي ~~النكتة التي من أجلها ms242 كان صالح البشر أفضل من الملائكة لأن الملائكة ~~عبادتهم بريئة عن شوائب دواعي النفس والشهوات البشرية فهي صادرة عن غير ~~معارضة ولا مانع ولا عائق وهي PageV01P349 كالنفس للحي وأما عبادات البشر ~~فمع منازعات النفوس وقمع الشهوات ومخالفة دواعي الطبع فكانت أكمل ولهذا كان ~~أكثر الناس على تفضيلهم على الملائكة لهذا المعنى ولغيره فمن لم يخلق له ~~تلك الدواعي والشهوات فهو بمنزلة الملائكة ومن خلقت له وأعانه الله على ~~دفعها وقهرها وعصيانها كان أكمل وأفضل قالوا وأيضا فإن حقيقة المحبة إيثار ~~المحبوب ومرضاته على ما سواه قالوا وكيف يصح الإيثار ممن لا تنازعه نفسه ~~وطبعه إلى غير المحبوب قالوا وليس العجب من قلب خال عن الشهوات والإرادات ~~قد ماتت دواعي طبعه وشهوته إذا عكف على محبوبه ومعبوده واطمأن إليه واجتمعت ~~همته وإنما العجب من قلب قد ابتلي بما ابتلي من الهوى والشهوة ودواعي ~~الطبيعة مع قوة سلطانها وغلبتها وضعفه وكثرة الجيوش التي تغير على قلبه كل ~~وقت إذا آثر ربه ومرضاته على هواه وشهوته ودواعي طبعه فهو هارب إلى ربه من ~~بين تلك الجيوش وعاكف عليه في تلك الزعازع والأهوية التي تغشى على الأسماع ~~والأبصار والأفئدة يتحمل منها لأجل محبوبه مالا تتحمله الجبال الراسيات ~~قالوا وأيضا فنهي النفس عن الهوى عبودية خاصة لها تأثير خاص وإنما يحصل إذا ~~كان ثم ما ينهي عنه النفس قالوا وأيضا فالهوى عدو الإنسان فإذا قهر عدوه ~~وصار تحت قبضته وسلطانه كان أقوى وأكمل ممن لا عدو له يقهره قالوا ولهذا ~~كان حال النبي في قهره قرينه حتى انقاد وأسلم له فلم يكن يأمره إلا بخير ~~أكمل من حال عمر حيث كان الشيطان إذا رآه يفر PageV01P350 منه وكان إذا سلك ~~فجأ سلك غير فجه وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو كيف لا يقف ~~الشيطان لعمر بل يفر منه ومع هذا قد تفلت على النبي وتعرض له وهو في الصلاة ~~وأراد أن يقطع عليه الصلاة ومعلوم أن حال الرسول أكمل وأقوى والجواب ما ~~ذكرناه أن شيطان ms243 عمر كان يفر منه فلا يقدر أحدهما على قهر صاحبه وأما ~~الشيطان الذي تعرض للنبي فقد أخذه وأسره وجعله في قبضته كالأسير وأين من ~~يهرب منه عدوه فلا يظفر به إلى من يظفر بعدوه فيجعله في أسره وتحت يده ~~وقبضته فهذا ونحوه مما احتج به أرباب هذا القول # واحتج أرباب القول الثاني وهم الذين رجحوا من لا منازعة في طباعه ولا هوى ~~له يغالبه بأن قالوا كيف تستوي النفس المطمئنة إلى ربها العاكفة على حبه ~~التي لا منازعة فيها اصلا ولا داعية تدعوها إلى الإعراض عنه والنفس ~~المشغولة بمحاربة هواها ودواعيها وجواذبها قالوا وأيضا ففي الزمن الذي ~~يشتغل هذا بنفسه ومحاربة هواه وطبعه يكون صاحب النفس المطمئنة قد قطع مراحل ~~من سيره وفاز بقرب فات صاحب المحاربة PageV01P351 والمنازعة قالوا كما لو ~~كان رجلان مسافرين في طريق فطلع على أحدهما قاطع اشتغل بدفعه عن نفسه ~~ومحاربته ليتمكن من سيره والآخر سائر لم يعرض له قاطع بل هو على جادة سيره ~~فإن هذا يقطع من المسافة أكثر مما يقطع الأول ويقرب إلى الغاية أكثر من ~~قربه قالوا وأيضا فإن للقلب قوة يسير بها فإذا صرف تلك القوة في دفع ~~العوارض والدواعي القاطعة له عن السير اشتغل قلبه بدفها عن السير في زمن ~~المدافعة # قالوا ولأن المقصود بالقصد الأول إنما هو السير إلى الله والاشتغال بدفع ~~العوارض مقصود لغيره فالاشتغال بالمقصود لنفسه أولى وأفضل من الاشتغال ~~بالوسيلة قالوا وأيضا فالعوارض المانعة للقلب من سيره هي من باب المرض ~~واجتماع القلب على الله وطمأنينته به وسكونه إليه بلا منازع ولا جاذب ولا ~~معارض هو صحته وحياته ونعيمه فكيف يكون القلب الذي يعرض له مرض وهو مشغل ~~بدوائه أفضل من القلب الذي لا داء به ولا علة قالوا وأيضا فهذه الدواعي ~~والميول والإرادات التي في القلب تقتضي جذبه وتعويقه عن وجه سيره وما فيه ~~من داعي المحبة والإيمان يقتضي حذبه عن طريقها فتتعارض الجواذب فإن لم ~~توقفه عوقته ولا بد فأين السير بلا معوق من ms244 السير مع المعوق # قالوا وأيضا فالذي يسير العبد بإذن ربه إنما هو همته والهمة إذا علت ~~وارتفعت لم تلحقها القواطع والآفات كالطائر إذا علا وارتفع في الجو فات ~~الرماة ولم يلحقه الحصا ولا البنادق ولا السهام وإنما تدرك هذه الأشياء ~~للطائر إذا لم يكن عاليا فكذلك الهمة العالية قد فاتت الجوارح والكواسر ~~وإنما تلحق الآفات والدواعي والإرادات الهمة النازلة فأما إذا علت فلا ~~تلحقها الآفات قالوا وأيضا فالحس والوجود شاهد بأن قلب المحب متى خلا من ~~غير المحبوب واجتمعت شؤونه كلها على محبوبه ولم يبق فيه التفات إلى غيره ~~كان أكمل محبة من القلب الملتفت إلى الرقباء المهتم بمحاربتهم ومدافعتهم ~~والهرب منهم والتواري عنهم قالوا فكم بين PageV01P352 محب يجتاز على ~~الرقباء فيطرقون من هيبته وخشيته ولا يرفع أحد منهم رأسه إليه وبين محب إذا ~~اجتاز بالرقباء هاشوا عليه كالزنابير أو الكلاب فاشتغل بدفعهم وحرابهم أو ~~جد في الهرب منهم فكيف يسوي هذا بهذا أن كيف يفضل عليه مع هذا التباين ~~قالوا وأيضا فالمحبة الخالصة الصادقة حقيقتها أنها نار تحرق من القلب ما ~~سوى مراد المحبوب وإذا احترق ما سوى مراده عدم وذهب أثره فإذا بقي في القلب ~~شيء من سوى مراده لم تكن المحبة تامة ولا صادقة بل هي محبة مشوبة بغيرها ~~فالمحب الصادق ليس في قلبه سوى مراد محبوبه حتى ينازعه ويدافعه والآخر في ~~قلبه بقية لغير المحبوب فهو جاهد على إخراجها وإعدامها قالوا وأيضا ~~فالواردات الإلهية ترد على القلوب على قدر استعدادها وقبولها فإذا صادفت ~~القلب خاليا فارغا من العوارض والمنازعات ودواعي الطبع والهوى ملأته على ~~قدر فراغه وإذا امتلأ منها لم يبق لأضدادها وأعدائها فيه مسلك وإذا صادفت ~~فيه موضعا مشغولا بغير من الأغيار لم يساكن ذلك الموضع فيدخل الضد والعدو ~~من تلك الثلمة كما قال القائل # لا كان من لسواك فيه بقية % يجد السبيل بل إليه العذل # وقال # ومهما بقي للصحو فيه بقية % يجد نحوك اللاحي سبيلا إلى العذل # قالوا وأيضا فدواعي الطبع وإرادات النفس وشهواتها ms245 مصدرها إما جهل وإما ~~ضعف فإنها لا تصدر إلا من جهل العبد بأثارها وموجباتها أو يكون عالما بذلك ~~لكن فيه ضعف وعجز يمنعه عن محوها من قلبه بالكلية وما كانت سببه جهلا أو ~~عجزا لا يكون كمالا ولا مستلزما لكمال وأما القلب الخالي منها ومن الاشتغال ~~بدفعها فقلب شريف قوي علوي رفيع قالوا وأيضا فهذه الإرادات والدواعي لا ~~تسير العبد بل إما أن تنكسه إن أجابها وإما أن تعوقه وتوقفه إن اشتغل ~~بمدافعتها وأما إرادات القلب السليم منها PageV01P353 والنفس المطمئنة ~~بربها فكل إرادة منها تسير به مراحل على مهله فهو يسير رويدا وقد سبق ~~السعادة كما قيل # من لي بمثل سيرك المذلل % تمشي رويدا وتجي في الأول # قالوا وأيضا فإن هذه الدواعي والإرادات إنما تحمد عاقبتها إذا ردت صاحبها ~~إلى حال السليم منها فيكون كماله في تشبهه به وسيره معه فكيف يكون أكمل ممن ~~كماله إنما هو في تشبهه به قالوا وأيضا فالنفوس ثلاثة أمارة ولوامه ومطمئنة ~~والنفس الأمارة هي المطيعة لدواعي طباعها وشهواتها فمبادىء كونها أمارة هي ~~تلك الدواعي والإرادات فتستحكم فتصير عزمات ثم توجب الأفعال فمبدأ صفة الذم ~~فيها تلك الدواعي وأما النفس المطمئنة فهي التي عدمت هذه المبادىء فعدمت ~~غاياتها فكيف تكون مباي النفس الأمارة مما يوجب لها مزية على النفس ~~المطمئنة فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة أيضا لقولها # والحق أن كلا الطائفتين على صواب من القول لكن كل فرقة لحظت غير ملحظ ~~الفرقة الآخرى فكأنهما لم يتواردا على محل واحد بل الفرقة الأولى نظرت إلى ~~نهاية سير المجاهد لنفسه وإرادته وما ترتب له عليها من الأحوال والمقامات ~~فأوجب لها شهود نهايته رجحانه فحكمت بترجيحه واستحلت بتفضيله والفرق ة ~~الثانية نظرت إلى بدايته في شأنه ذلك ونهاية النفس المطمئنة فأوجب لها شهود ~~الأمرين الحكم بترجيح القلب الخالي من تلك الدواعي ومجاهدتها كل واحدة من ~~الطائفتين قد أدلت بحجج لا تمانع وأتت ببينات لا ترد ولا تدافع وفصل الخطاب ~~في هذه المسألة يظهر بمسألة يرتضع معها ms246 من لبانها ويخرج من مشكاتها وهي أن ~~العبد إذا كان له حال أو مقام مع الله ثم نزل عنه إلى ذنب ارتكبه ثم تاب من ~~ذنبه هل يعود إلى مثل ما كان أو لا يعود بل إن رجع رجع إلى أنزل من مقامه ~~وأنقص من رتبته أو يعود خيرا مما كان فقالت طائفة يعود بالتوبة إلى مثل ~~حاله الأولى فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا PageV01P354 محي أثر ~~الذنب بالتوبة صار وجوده كعدمه فكأنه لم يكن فيعود إلى مثل حاله قالوا ولأن ~~التوبة هي الرجوع إلى الله بعد الإباق منه فإن المعصية إباق العبد من ربه ~~فإذا تاب إلى الله فقد رجع إليه وإذا كان مسمى التوبة هو الرجوع فلو لم يعد ~~إلى حالته الأولى مع الله لم تكن توبته تامة والكلام إنما هو في التوبة ~~النصوح قالوا ولأن التوبة كما ترفع اثر الذنب في الحال بالإقلاع عنه وفي ~~المستقبل بالعزم على أن لا يعود فكذلك ترفع أثره في الماضي جملة ومن أثره ~~في الماضي انحطاط منزلته عند الله ونقصانه عنده فلا بد من ارتفاع هذا الأثر ~~بالتوبة وإذا ارتفع بها عاد إلى مثل حاله قالوا ولأنه لو بقي نازلا من ~~مرتبته منحطا عن منزلته بعد التوبة كما كان قبلها لم تكن التوبة قد محت أثر ~~الذنب ولا أفادت في الماضي شيئا وإن عاد إلى دون منزلته ولم يبلغها فبلوغه ~~تلك الدرجة إنما كان بالتوبة فلو ضعف تأثير التوبة عن إعادته إلى منزلته ~~الأولى لضعف عن تبليغه تلك المنزلة التي وصل إليها وإن لم تكن التوبة ضعيفة ~~التأثير عن تبليغه تلك المنزلة لم تكن ضعيفة التأثير عن إعادته إلى المنزلة ~~الأولى قالوا وأيضا ربط سبحانه الجزاء بالأعمال ربط الأسباب بمسبباتها ~~فالجزاء من جنس العمل فكما رجع التائب إلى الله بقلبه رجوعا تاما رجع الله ~~عليه بمنزلته وحاله بل ما رجع العبد إلى الله حتى رجع بقلبه إليه أولا فرجع ~~الله إليه وتاب عليه ثانيا فتوبة العبد محفوفة بتوبتين ms247 من الله توبة منه ~~إذنا وتمكينا تاب بها العبد وتاب الله عليه قبولا ورضى فتوبة العبد بين ~~توبتين من الله وهذا يدل على عنايته سبحانه وبره ولطفه بعبده التائب فكيف ~~يقال إنه لا يعيده مع هذا اللطف والبر إلى حاله قالوا وأيضا فإن التوبة من ~~أجل الطاعات وأوجبها على المؤمنين وأعظمها غناء عنهم وهم إليها أحوج من كل ~~شيء وهي من أحب الطاعات إلى الله فإنه يحب التوابين ويفرح بتوبة عبده إذا ~~تاب إليه أعظم فرح وأكمله وإذا كانت بهذه المثابة فالآتي بها آت بما هو من ~~أفضل القربات وأجل الطاعات فإذا كان قد حصل له بالمعصية انحطاط ونزول مرتبة ~~فبالتوبة يحصل له مزيد تقدم وعلو PageV01P355 درجة فإن لم تكن درجته بعد ~~التوبة أعلى فإنها لا تكون أنزل قالوا وأيضا فإنا إذا قابلنا بين جناية ~~المعصية والتقرب بالتوبة وجدنا الحاصل من التوبة أرجح من الأثر الحاصل من ~~المعصية والكلام إنما هو في التوبة النصوح الكاملة وجانب الفضل أرجح من ~~جانب العدل ولهذا كان في جانب العدل آحاد بآحاد وجانب الفضل آحاد بعشرات ~~إلى سبعمائة إلى اضعاف كثيرة وهذا يدل على رجحان جانب الفضل وغلبته وكذلك ~~مصدرهما من الغضب والرحمة فإن رحمة الرب تغلب غضبه قالوا وأيضا فالذنب ~~بمنزلة المرض والتوبة بمنزلة العافية والعبد إذا مرض ثم عوفي وتكاملت ~~عافيته رجعت صحته إلى ما كانت عليه بل ربما رجعت أقوى وأكمل مما كانت عليه ~~لأنه ربما كان معه في حال العافية آلام وأسقام كامنة فإذا اعتل ظهت تلك ~~الأسقام ثم زالت بالعافية جملة فتعود قوته خيرا مما كانت وأكمل وفي مثل هذا ~~قال الشاعر # لعل عتبك محمود عواقبه % وربما صحت الأجسام بالعلل # وهذا الوجه هو أحد ما احتج به من قال إنه يعود بالتوبة خيرا مما كان قبل ~~التوبة واحتجوا لقولهم أيضا بأن التوبة تثمر للعبد محبة من الله خاصة لا ~~تحصل بدون التوبة بل التوبة شرط في حصولها وإن حصل له محبة أخرى بغيرها من ~~الطاعات فالمحبة الحاصلة له بالتوبة ms248 لا تنال بغيرها فإن الله يحب التوابين ~~ومن محبته لهم فرحه بتوبة أحدهم أعظم فرح وأكمله فإذا أثمرت له التوبة هذه ~~المحبة ورجع بها إلى طاعاته التي كان عليها أولا انضم أثرها إلى أثرتلك ~~الطاعات فقوي الأثران فحصل له المزيد من القرب والوسيلة وهذا بخلاف ما يظنه ~~من نقصت معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود ~~الذي كان له منه قبل الجناية واحتجوا في ذلك بأثر إسرائيلي مكذوب أن الله ~~قال داود عليه السلام يا داود أما الذنب فقد غفرناه وأما الود فلا يعود ~~وهذا كذب قطا فإن الود يعود بعد التوبة النصوح أعظم مما كان فإنه سبحانه ~~يحب التوابين ولو لم PageV01P356 بعد الود لما حصلت له محبته وأيضا فإنه ~~يفرح بتوبة التائب ومحال أن يفرح بها أعظم فرح وأكمله وهو لا يحبه وتأمل سر ~~اقتران هذين الاسمين في قوله تعالى إنه هو يبدىء ويعيد وهو الغفور الودودو ~~تجد فيه من الرد والإنكار على من قال لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدا ~~ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه وفي ذلك ما يهيج القلب السليم ويأخذ ~~بمجامعه ويجعله عاكفا على ربه الذي لا إله إلا هو ولا رب له سواه عكوف ~~المحب الصادق على محبوبه الذي لا غنى له عنه ولا بد له منه ولا تندفع ~~ضرورته بغيره أبدا واحتجوا أيضا بأن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا منه قبل ~~الخطيئة لأن الذنب يحدث له من الخوف والخشية والانكسار والتذلل لله والتضرع ~~بين يديه والبكاء على خطيئته والندم عليها والأسف والإشفاء ما هو من أفضل ~~أحوال العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته ولم تكن هذه الأمور لتحصل بدون ~~أسبابها إذ حصول الملزوم بون لازمه محال والله يحب من عبده كسرته وتضرعه ~~وذله بين يديه واستعطافه وسؤاله أن يعفو عنه ويغفر له ويتجاوز عن جرمه ~~وخطيئته فإذا قضى عليه بالذنب فترتبت عليه هذه الآثار المحبوبة له كان ذلك ~~القضاء خيرا له وليس ذلك إلا ms249 للمؤمن ولهذا قال بعض السلف # لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه % لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه # وقيل إن في بعض الآثار يقول الله تعالى لداود عليه السلام يا داود كنت ~~تدخل علي دخول الملوك على الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك ~~قالوا وقد قال غير واحد من السلف كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة ~~قالوا ولهذا قال سبحانه فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب فزاده ~~على المغفرة أمرين الزلفى PageV01P357 وهي درجة القرب منه وقد قال فيها سلف ~~الأمة وأئمتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم ومن أراد معرفتها فعليه ~~بتفاسير السلف والثاني حسن المآب وهو حسن المنقلب وطيب المأوى عند الله ~~قالوا ومن تأمل زيادة القرب التي أعطيها داود بعد المغفرة علم صحة ما قلنا ~~وأن العبد بعد التوبة يعود خيرا مما كان قالوا وأيضا فإن للعبودية لوازم ~~وأحكاما وأسرارا وكمالات لا تحصل إلا بها ومن جملتها تكميل مقام الذل ~~للعزيز الرحيم فإن الله سبحانه يحب من عبده أن يكمل مقام الذل له وهذه هي ~~حقيقة العبودية واشتقاقها يدل على ذلك فإن العرب تقول طريق معبد أي مذلل ~~بوطء الأقدام والذل أنواع أكملها ذل المحب لمحبوبه الثاني ذل الملوك لمالكه ~~الثالث ذل الجاني بين يدي المنعم عليه المحسن إليه المالك له الرابع ذل ~~العاجز عن جميع مصالحه وحاجاته بين يدي القادر عليها التي هي في يده وبأمره ~~وتحت هذا قسمان أحدهما ذل له في أن يجلب له ما ينفعه والثاني ذل له في أن ~~يدفع عنه ما يضره على الدوام ويدخل في هذا ذل المصائب كالفقر والمرض وأنواع ~~البلاء والمحن فهذه خمسة أنواع من الذل إذا وفاها العبد حقها وشهدها كما ~~ينبغي وعرف ما يراد به وقام بين يدي ربه مستصحبا لها شاهدا لذله من كل وجه ~~ولعزة ربه وعظمته وجلاله كان قليل أعماله قائما مقام الكثير من أعمال غيره ~~قالوا وهذه أسرار لا تدرك بمجرد الكلام فمن لا نصيب له ms250 منها فلا يضره أن ~~يخلي المطي وحاديها ويعطي القوس باريها # فللكثافة أقوام لها خلقوا % وللمحبة أكباد وأجفان # قالوا وأيضا فقد ثبت عن النبي أنه قال لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم ~~أضل راحلته قالوا وهذا أعظم ما يكون من الفرح PageV01P358 وأكمله فإن صاحب ~~هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب وهي مركبه الذي يقطع ~~به مسافة سفره فلو عدمه لانقطع في طريقه فكيف إذا عدم مع مركبه طعامه ~~وشرابه ثم إنه عدمها في أرض دوية لا أنيس بها ولا معين ولا من يأوي له ~~ويرحمه ويحمله ثم إنها مهلكة لا ماء بها ولا طعام فلما أيس من الحياة ~~بفقدها وجلس ينتظر الموت إذا هو براحلته قد أشرفت عليه ودنت منه فأي فرحة ~~تعدل فرحة هذا ولو كان في الوجود فرح أعظم من هذا لمثل به النبي ومع هذا ~~ففرح الله بتوبة عبده إذ تاب إليه أعظم من فرح هذا براحلته وتحت هذا سر ~~عظيم يختص الله بفهمه من يشاء فإن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت نفسه وطباعه ~~فعليك بوادي الخفا وهو وادي المحرفين للكلم عن مواضعه الواضعين له على غير ~~المراد منه فهو واد قد سلكه خلق وتفرقوا في شعابه وطرقه ومتاهاته و لم ~~تستقر لهم فيه قدم ولا لجأوا منه إلى ركن وثيق بل هم كحاطب الليل وحاطم ~~السيل وإن نجاك الله من هذا الوادي فتأمل هذه الألفاظ النبوية المعصومة ~~التي مقصود المتكلم بها غاية البيان مع مصدرها عن كمال العلم بالله وكمال ~~النصيحة للأمة ومع هذه المقامات الثلاث أعني كمال بيان المتكلم وفصاحته ~~وحسن تعبيره عن المعاني وكمال معرفته وعلمه بما يعبر عنه وكمال نصحه ~~وإرادته لهداية الخلائق يستحيل عليه أن يخاطبهم بشيء وهو لا يريد منهم ما ~~يدل عليه خطابه بل يريد منه أمرا بعيدا عن ذلك الخطاب إنما يدل عليه كدلالة ~~الألغاز والأحاجي مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى بأحسن عبارة وأوجزها ~~فكيف يليق به أن يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال ms251 المزيل للإجمال ويوقع ~~الأمة في أودية التأويلات وشعاب الاحتمالات والتجويزات سبحانك هذا بهتان ~~عظيم وهل قدر الرسول حق قدره أو مرسله حق قدره من نسب كلامه سبحانه أو كلام ~~رسوله إلى مثل ذلك ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل ~~عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه PageV01P359 المحرفون للكلم عن ~~مواضعه المتأولون له غير تأويله وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجي ~~والحمد لله رب العالمين # فإن قلت فهل من مسلك غير هذا الوادي الذي ذممته فتسلك فيه أو من طريق ~~يستقيم عليه السالك قلت نعم بحمد الله الطريق واضحة المنار بينة الأعلام ~~مضيئة للسالكين وأولها أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفات رب ~~العالمين فإن هذه العقدة هي أصل بلاء الناس فمن حلها فما بعدها أيسر منها ~~ومن هلك بها فما بعدها أشد منها وهل نفى أحد ما نفى من صفات الرب ونعوت ~~جلاله إلا لسبق نظره الضعيف إليها واحتجاجه بها عن أصل الصفة وتجردها عن ~~خصائص المحدث فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها فيظن القاصر إذا رأى ~~ذلك اللازم في المحل المحدث أنه لازم لتلك الصفة مطلقا فهو يفر من إثباتها ~~للخالق سبحانه حيث لم يتجرد في ظنه عن ذلك اللازم وهذا كما فعل من نفى عنه ~~سبحانه الفرح والمحبة والرضى والغضب والكراهة والمقت والبغض وردها كلها إلى ~~الإرادة فإنه فهم فرحا مستلزما لخصائص المخلوق من انبساط دم القلب وحصول ما ~~ينفعه وكذلك فهم غضبا هو غليان دم القلب طلبا للانتقام وكذلك فهم محبة ورضى ~~وكراهة ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين فإن ذلك هو السابق إلى فهمه وهو ~~المشهود في علمه الذي لم تصل معرفته إلى سواه ولم يحط علمه بغيره ولما كان ~~هو السابق إلى فهمه لم يجد بدا من نفيه عن الخالق والصفة لم تتجرد في عقله ~~عن هذا اللازم فلم يجد بدا من نفيها ثم لأصحاب هذه الطريق مسلكان أحدهما ~~مسلك التناقض البين وهو إثبات كثير من الصفات ولا يلتفت فيها إلى ms252 هذا ~~الخيال بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق كالعلم والقدرة والإرادة والسمع ~~والبصر وغيرها فإن كان إثبات تلك الصفات التي نفاها يستلزم المحذور الذي فر ~~منه فكيف لم يستلزم إثبات ما أثبته وإن كان إثبات ما أثبته لا يستلزم ~~محذورا فكيف يستلزم إثبات ما نفاه PageV01P360 وهل في التناقض أعجب من هذا ~~والمسلك الثاني مسلك النفي العام والتعطيل المحض هربا من التناقض والتزاما ~~لأعظم الباطل وأمحل المحال فإذا الحق المحض في الإثبات المحض الذي أثبته ~~الله لنفسه في كلامه وعلى لسان رسوله من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تحريف ~~ولا تبديل ومنشأ غلط المحرفين إنما هو ظنهم أن ما يلزم الصفة في المحل ~~المعين يلزمها لذاتها فينفون ذلك اللازم عن الله فيضطرون في نفيه إلى نفي ~~الصفة ولا ريب أن الأمور ثلاثة أمر يلزم الصفة لذاتها من حيث هي فهذا لا ~~يجب بل لا يجوز نفيه كما يلزم العلم والسمع والبصر من تعلقها بمعلوم ومسموع ~~ومبصر فلا يجوز نفي هذه التعلقات عن هذه الصفات إذ لا تحقق لها بدونها ~~وكذلك الإرادة مثلا تستلزم العلم لذاتها فلا يجوز نفي لازمها عنها وكذلك ~~السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا يجوز نفي لوازمها وكذلك كون المرئي ~~مرئيا حقيقة له لوازم لا ينفك عنها ولا سبيل إلى نفي تلك اللوازم إلا بنفي ~~الرؤية وكذلك الفعل الاختياري له لوازم لا بد فيه منها فمن نفى لوازمه نفى ~~الفعل الاختياري ولا بد ومن هنا كان أهل الكلام أكثر الناس تناقضا واضطرابا ~~فإنهم ينفون الشيء ويثبتون ملزومه ويثبتون الشيء وينفون لازمه فتتناقض ~~أقوالهم وأدلتهم ويقع السالك خلفهم في الحيرة والشك ولهذا يكون نهاية أمر ~~أكثرهم الشك والحيرة حاشى من هو في خفارة بلادته منهم أو من قد خرق تلك ~~الخيالات وقطع تلك الشبهات وحكم الفطرة والشرعة والعقل المؤبد بنور الوحي ~~عليها فنقدها نقد الصيارف فنفى زغلها وعلم أن الصحيح منها إما أن يكون قد ~~تولت النصوص بيانه وإما أن يكون فيها غنية عنه بما هو خير منه ms253 وأقرب طريقا ~~وأسهل تناولا ولا يستفيد المؤمن البصير بما جاء به الرسول العارف به من ~~المتكلمين سوى مناقضة بعضهم بعضا ومعارضته وإبداء بعضهم عوار بعض ومحاربة ~~بعضهم بعضا فيتولى بعضهم محاربة بعض ويسلم ما جاء به الرسول فإذا رأى ~~PageV01P361 المؤمن العالم الناصح لله ولرسوله أحدهم قد تعدى إلى ما جاء به ~~الرسول يناقضه ويعارضه فليعلم أنهم لا طريق لهم إلى ذلك أبدا ولا يقع ردهم ~~إلا على آراء أمثالهم وأشباههم وأما ما جاء به الرسول فمحفوظ محروس مصون من ~~تطرق المعارضة والمناقضة إليه فإن وجدت شيئا من ذلك في كلامهم فبدار بدار ~~إلى إبداء فضائحهم وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم وتبيين كذبهم على العقل ~~والوحي فإنهم لا يردون شيئا مما جاء به الرسول إلا بزخرف من القول يغتر به ~~ضعيف العقل والإيمان فاكشفه ولا تهن تجده كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى ~~إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ولولا ~~أن كل مسائل القوم وشبههم التي خالفوا فيها النصوص بهذه المثابة لذكرنا من ~~أمثلة ذلك ما تقر به عيون أهل الإيمان السائرين إلى الله على طريق الرسول ~~وأصحابه وإن وفق الله سبحانه جردنا لذلك كتابا مفردا وقد كفانا شيخ الإسلام ~~ابن تيمية هذا المقصد في عامة كتبه لا سيما كتابه الذي وسمه ببيان موافقة ~~العقل الصريح للنقل الصحيح فمزق فيه شملهم كل ممزق وكشف أسرارهم وهتك ~~أستارهم فجزاه الله عن الإسلام وأهله من أفضل الجزاء واعلم أنه لا ترد شبهة ~~صحيحة قط على ما جاء به الرسول بل الشبهة التي يوردها أهل البدع والضلال ~~على أهل السنة لا تخلو من قسمين إما أن يكون القول الذي أوردت عليه ليس من ~~أقوال الرسول بل تكون نسبته إليه غلطا وهذا لا يكون متفقا عليه بين أهل ~~السنة أبدا بل يكون قد قاله بعضهم وغلط فيه فإن العصمة إنما هي لمجموع ~~الأمة لا لطائفة معينة منها وإما أن يكون القول الذي أوردت عليه قولا صحيحا ~~لكن لا ترد ms254 تلك الشبهة عليه وحينئذ فلا بد له من أحد أمرين إما أن تكون ~~لازمة وإما ألا تكون لازمة فإن كانت لازمة لما جاء بها الرسول فهي حق لا ~~شبهة إذ لازم الحق حق ولا ينبغي الفرار منها كما يفعل الضعفاء من المنتسبين ~~إلى السنة بل كل ما لزم من الحق فهو حق يتعين القول به كائنا ما ~~PageV01P362 كان وهل تسلط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنة إلا بهذه ~~الطريق ألزموهم بلوازم تلزم الحق فلم يلتزموها ودفعوها وأثبتوا ملزوماتها ~~فتسلطوا عليهم بما أنكروه لا بما أثبتوه فلو أثبتوا لوازم الحق ولم يفروا ~~منها لم يجد أعداؤهم إليهم سبيلا وإن لم تكن لازمة لهم فإلزامهم إياها باطل ~~وعلى النقدين فلا طريق لهم إلى رد أقوالهم وحينئذ فلهم جوابان مركب مجمل ~~ومفرد مفصل أما الأول فيقولون لهم هذه اللوازم التي تلزمونا بها إما أن ~~تكون لازمة في نفس الأمر وإما أن لا تكون لازمة فإن كانت لازمة فهي حق إذ ~~قد ثبت أن ما جاء به الرسول فهو الحق الصريح ولازم الحق حق وإن لم تكن ~~لازمة فهي مندفعة ولا يجوز إلزامها وأما الجواب المفصل فيفردون كل إلزام ~~بجواب ولا يردونه مطلقا بل ينظرون إلى ألفاظ ذلك الإلزام ومعانيه فإن كان ~~لفظها موافقا لما جاء به الرسول يتضمن إثبات ما أثبته ونفي ما نفاه فلا ~~يكون المعنى إلا حقا فيقبلون ذلك الإلزام وإن كان مخالفا لما جاء به الرسول ~~متضمنا لنفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه كان باطلا لفظا ومعنى فيقابلونه ~~بالرد وإن كان لفظا مجملا محتملا لحق وباطل لم يقبلوه مطلقا ولم يردوه ~~مطلقا حتى يستفسروا قائله ماذا أراد به فإن أراد معنى صحيحا مطابقا لما جاء ~~به الرسول قبلوه ولم يطلقوا اللفظ المحتمل إطلاقا إن أراد معنى باطلا ردوه ~~ولم يطلقوا نفي اللفظ المحتمل أيضا فهذه قاعدتهم التي بها يعتصمون وعليها ~~يعولون وبسط هذه الكلمات يستدعي أسفارا لا سفرا واحدا ومن لا ضياء له لا ~~ينتفع بها ولا بغيرها فلنقتصر ms255 عليها ولنعد إلى المقصود فنقول وبالله ~~التوفيق # فرح الرب سبحانه هذا الفرح العظيم بتوبة عبده إذا تاب إليه هو من ~~PageV01P363 ملزومات محبته ولوازمها أعني كونه محبا لعباده المؤمنين محبوبا ~~لهم وإنما خلق خلقه لعبادته المتضمنة لكمال محبته والخضوع له ولهذا خلق ~~الجنة والنار ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب وهذا هو الحق الذي خلق به ~~السموات والأرض وأنزل به الكتاب قال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وقال تعالى إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ~~ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إلى قوله هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق وقوله ~~الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق فهذا أمره ~~وتنزيله مصدره الحق والأول خلقه وتكوينه مصدره الحق أيضا فبالحق كان الخلق ~~والأمر وعنه صدر الخلق والأمر وقال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فأخبر ~~سبحانه أن الغاية المطلوبة من خلقه هي عبادته التي أصلها كمال محبته وهو ~~سبحانه كما أنه يحب أن يعبد يحب أن يحمد ويثنى عليه ويذكر بأوصافه العلى ~~وأسمائه الحسنى كما قال النبي في + الحديث الصحيح + لا أحد أحب إليه المدح ~~من الله ومن أجل ذلك أثنى على نفسه وفي المسند من حديث الأسود بن سريع أنه ~~قال يا رسول الله إني حمدت ربي بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد فهو ~~PageV01P364 يحب نفسه ومن أجل ذلك يثني على نفسه ويحمد نفسه ويقدس نفسه ~~ويحب من يحبه ويحمده ويثني عليه بل كلما كانت محبة عبده له أقوى كانت محبة ~~الله له أكمل وأتم فلا أحد أحب إليه ممن يحبه ويحمده ويثني عليه ومن أجل ~~ذلك كان الشرك أبغض الأشياء إليه لأنه ينقص هذه المحبة ويجعلها بينه وبين ~~من أشرك به ولهذا لا يغفر الله أن يشرك به لأن الشرك يتضمن نقصان ms256 هذه ~~المحبة والتسوية فيها بينه وبين غيره ولا ريب أن هذا من أعظم ذنوب المحب ~~عند محبوبه التي يسقط بها من عينه وتنقص بها مرتبته عنده إذا كان من ~~المخلوقين فكيف يحتمل رب العالمين أن يشرك بينه وبين غيره في المحبة ~~والمخلوق لا يحتمل ذلك ولا يرضى به ولا يغفر هذا الذنب لمحبه أبدا وعساه أن ~~يتجاوز لمحبه عن غيره من الهفوات والزلات في حقه ومتى علم بأنه يحب غيره ~~كما يحبه لم يغفر له هذا الذنب ولم يقربه إليه هذا مقتضى الطبيعة والفطرة ~~أفلا يستحي العبد أن يسوي بين إلهه ومعبوده وبين غيره في هذه العبودية ~~والمحبة قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين إمنوا أشد حبا لله فأخبر سبحانه أن من أحب شيئا دون الله كما يحب ~~الله فقد اتخذه ندا وهذا معنى قول المشركين لمعبوديهم تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين فهذه تسوية في المحبة والتأليه لا ~~PageV01P365 في الذات والأفعال والصفات والمقصود أنه سبحانه يحب نفسه أعظم ~~محبة ويحب من يحبه وخلق خلقه لذلك وشرع شرائعه وأنزل كتبه لأجل ذلك وأعد ~~الثواب والعقاب لأجل ذلك وهذا هو محض الحق الذي به قامت السماوات والأرض ~~وكان الخلق والأمر فإذا قام به العبد فقد قام بالأمر الذي خلق له فرضي عنه ~~صانعه وبارؤه وأحبه إذ كان يحب ويرضى فإذا صدف عن ذلك وأعرض عنه وأبق عن ~~مالكه وسيده أبغضه ومقته لأنه خرج عما خلق له وصار إلى ضد الحال التي هو ~~لها فاستوجب منه غضبه بدلا من رضاه وعقوبته بدلا من رحمته فكأنه استدعى من ~~رحمته أن يعامله من نفسه بخلاف ما يحب فإنه سبحانه عفو يحب العفو محسن يحب ~~الإحسان جواد يحب الجود سبقت رحمته غضبه فإذا ابق منه العبد وخامر عليه ~~ذاهبا إلى عدوه فقد استدعى منه أن يجعل غضبه غالبا على رحمته وعقوبته على ~~إحسانه وهو سبحانه يحب من نفسه الإحسان والبر والإنعام فقد استدعى ms257 من ربه ~~فعل ما غيره أحب إليه منه وهوبمنزلة عبد السوء الذي يحمل أستاذه من ~~المخلوقين المحسن إليه الذي طبيعته الإحسان والكرم على خلاف مقتضى طبيعته ~~وسجيته فأستاذه يحب لطبعه الإحسان وهو بإساءته ولؤمه يكلفه ضد طباعه ويحمله ~~على خلاف سجيته فإذا راجع هذاالعبد ما يحب سيده ورجع إليه وأقبل عليه ورجع ~~عن عدوه فقد صار إلى الحال التي تقتضي محبة سيده له وإنعامه عليه وإحسانه ~~إليه فيفرح به ولا بد أعظم فرح وهذا الفرح هو دليل غاية الكمال والغنى ~~والمجد فليتدبر اللبيب وجود هذا الفرح ولوازمه وملزوماته يجد في طيه من ~~المعارف الإلهية ما لا تتسع له إلا القلوب المهيأة لهذا الشأن المخلوقة له ~~وهذا فرح محسن بر لطيف جواد غني حميد لا فرح محتاج إلى حصول متكمل به ~~مستقيل له من غيره فهو عين الكمال لازم للكمال ملزوم له وألطف من هذا الوجه ~~أن الله سبحانه خلق عباده المؤمنين وخلق كل شيء لأجلهم كما قال تعالى ألم ~~تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في PageV01P366 الأرض وأسبغ عليكم ~~نعمه ظاهرة وباطنة وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق فقال ولقد كرمنا بني إدم ~~وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا وقال لصالحيهم وصفوتهم إن الله اصطفى إدم ونوحا وءال إبراهيم وءال ~~عمران على العالمين وقال لموسى واصطنعتك لنفسي واتخذ منهم الخليلين والخلة ~~أعلى درجات المحبة وقد جاء في بعض الآثار يقول تعالى ابن آدم خلقتك لنفسي ~~وخلقت كل شيء لك فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له وفي أثر ~~آخر يقول تعالى ابن آدم خلق تك لنفسي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن ~~آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب ~~إليك من كل شيء فالله سبحانه خلق عباده له ولهذا اشترى منهم أنفسهم وهذا ~~عقد لم يعقده مع خلق غيرهم فيما أخبر به على لسان رسوله ليسلموا إليه ~~النفوس ms258 التي خلقها له وهذا الشراء دليل على أنها محبوبة له مصطفاة عنده ~~مرضية لديه وقدر السلعة يعرف بجلاله قدر مشتريها وبمقدار ثمنها هذا إذا جهل ~~قدرها في نفسها فإذا عرف قدر السلعة وعرف مشتريها وعرف الثمن المبذول فيها ~~علم شأنها ومرتبتها في الوجود فالسلعة أنت والله المشتري والثمن جنته ~~والنظر إلى وجهه وسماع كلامه في دار الأمن والسلام والله لا يصطفي لنفسه ~~إلا أعز الأشياء وأشرفها وأعظمها قيمة وإذا كان قد اختار العبد لنفسه ~~وارتضاه لمعرفته ومحبته وبنى له دارا في جواره وقربه وجعل ملائكته خدمة ~~يسعون في PageV01P367 مصالحه في يقظته ومنامه وحياته وموته ثم إن العبد أبق ~~عن سيده ومالكه معرضا عن رضاه ثم لم يكفه ذلك حكى حتى خامر عليه وصالح عدوه ~~ووالاه من دونه وصار من جنده مؤثرا لمرضاته على مرضاة وليه ومالكه فقد باع ~~نفسه التي اشتراها منه إلهه ومالكه وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه من ~~عدوه وأبغض خلقه إليه واستبدل غضبه برضاه ولعنته برحمته ومحبته فأي مقت خلى ~~هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه قال تعالى وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه ~~وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا فتأمل ما تحت هذه ~~المعاتبة وما في طي هذا الخطاب من سوء هذا العبد وما تعرض له من المقت ~~والخزي والهوان ومن استعطاف ربه واستعتابه ودعائه إياه إلى العود إلى وليه ~~ومولاه الحق الذي هو أولى به فإذا عاد إليه وتاب إليه فهو بمثابة من أسر له ~~العدو محبوبا له واستولوا عليه وحالوا بينه وبينه فهرب منهم ذلك المحبوب ~~وجاء إلى محبه اختيارا وطوعا حتى توسد عتبة بابه فخرج المحب من بيته فوجد ~~محبوبه متوسدا عتبة بابه واضعا خده وذقنه عليها فكيف يكون فرحه به ولله ~~المثل الأعلى ويكفي في هذا المثل الذي ضربه رسول الله لمن فتح الله عين ~~قلبه فأبصر ما في طيه وما في ضمنه وعلم ms259 أنه ليس كلام مجاز ولا مبالغة ولا ~~تخييل بل كلام معصوم في منطقه وعلمه وقصده وعمله كل كلمة منه في موضعها ~~ومنزلتها ومقرها لا يتعدى بها عنه ولا يقصر بها والذي يزيد هذا المعنى ~~تقريرا أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه فإنه لولا محبة الله ~~له لما جعل محبته في قلبه فإنه ألهمه حبه وآثره به فلما أحبه العبد جازاه ~~على تلك المحبة محبة أعظم منها فإنه من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا ومن ~~تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا ومن أتاه مشيا أتاه PageV01P368 هرولة وهذا ~~دليل على أن محبة الله لعبده الذي يحبه فوق محبة العبد له وإذا تعرض هذا ~~المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذي فر من محبه وآثر غيره عليه ~~فإذا عاوده وأقبل إليه وتخلى عن غيره فكيف لا يفرح به محبه أعظم فرح وأكمله ~~والشاهد أقوى شاهد تؤيده الفطرة والعقل فلولم يخبر الصادق المصدوق بما أخبر ~~به عن هذا الأمر العظيم لكان في الفطرة والعقل ما يشهد به فإذا انضافت ~~الشرعة المنزلة إلى العقل المنور فذلك الذي لا غاية له بعده وذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل ومتى أراد العبد شاهد هذا من نفسه ~~فلينظر إلى الفرحة التي يجدها بعد التوبة النصوح والسرور واللذة التي تحصل ~~له والجزاء من جنس العمل فلما تاب إلى الله ففرح الله بتوبته أعقبه فرحا ~~عظيما وههنا دقيقة قل من يتفطن لها إلا فقيه في هذا الشأن وهي أن كل تائب ~~لا بد له في أول توبته من عصرة وضغطة في قلبه من هم أو غم أو ضيق أو حزن ~~ولو لم يكن إلا تألمه بفراق محبوبه فينضغط لذلك وينعصر قلبه ويضيق صدره ~~فأكثر الخلق رجعوا من التوبة ونكسوا على رؤوسهم لأجل هذه المحبة والعارف ~~الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة والحاصلة عقيب التوبة تكون على قدر ~~هذه العصرة فكلما كانت أقوى وأشد كانت الفرحة واللذة أكمل وأتم ولذلك اسباب ~~عديدة ms260 منها أن هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه وقوة استعداده ولو كان ~~قلبه ميتا واستعداده ضعيفا لم يحصل له ذلك وأيضا فإن الشيطان لص الإيمان ~~واللص إنما يقصد PageV01P369 المكان المعمور وأما المكان الخراب الذي لا ~~يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دل ~~على أن في قلبه من الخير ما يشتد حرص الشيطان على نزعه منه وأيضا فإن قوة ~~المعارض والمضاد تدل على قوة معارضته وضده ومثل هذا إما أن يكون رأسا في ~~الخير أو رأسا في الشر فإن النفوس الأبية القوية إن كانت خيرة رأست في ~~الخير وإن كانت شريرة رأست في الشر وأيضا فإن بحسب موافقته لهذا العارض ~~وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب لزيادة انشراحه ~~وطمأنينته وأيضا فإنه كلما عظم المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه هذه سنة ~~الله في الخلق فانظر إلى الجنة وعظمها وإلى الموانع والقواطع التي حالت ~~دونها حتى أوجبت أن ذهب من كل ألف رجل واحد إليها وانظر إلى محبة الله ~~والانقطاع إليه والإنابة إليه والتبتل إليه وحده والأنس به واتخاذه وليا ~~ووكيلا وكافيا وحسيبا هل يكتسب العبد شيئا أشرف منه وانظر إلى القواطع ~~والموانع الحائلة دونه حتى قد تعلق كل قوم بما تعلقوا به دونه والطالبون له ~~منهم الواقف مع عمله والواقف مع علمه والواقف مع حاله والواقف مع ذوقه ~~وجميعته وحظه من ربه والمطلوب منهم وراء ذلك كله والمقصود أن هذا الأمر ~~الحاصل بالتوبة لما كان من أجل الأمور وأعظمها نصبت عليه المعارضات والمحن ~~ليتميز الصادق من الكاذب وتقع الفتنة ويحصل الابتلاء ويتميز من يصلح ممن لا ~~يصلح قال تعالى الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين @QB@ ~~وقال @QE@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلا أفضت ~~به إلى رياض الأنس وجنات الانشراح وإن لم PageV01P370 يصبر لها انقلب على ~~وجهه والله الموفق لا ms261 إله غيره ولا رب سواه والمقصود أن هذا الفرح من الله ~~بتوبة عبده مع أنه لم يأت نظيره في غيرها من الطاعات دليل على عظم قدر ~~التوبة وفضلها عند الله وأن التعبد له بها من أشرف التعبدات وهذا يدل على ~~أن صاحبها يعود أكمل مما كان قبلها فهذا بعض ما احتج به لهذا القول # وأما الطائفة التي قالت لا يعود إلى مثل ما كان بل لا بد أن ينقص حاله ~~فاحتجوا بأن الجناية توجب الوحشة وزوال المحبة ونقص العبودية بلا ريب فليس ~~العبد الموفر أوقاته على طاعة سيده كالعبد المفرط في حقوقه وهذا مما لا ~~يمكن جحده ومكابرته فإذا تاب إلى ربه ورجع إليه أثرت توبته ترك مؤاخذته ~~بالذنب والعفو عنه وأما مقام القرب والمحبة فهيهات أن يعود قالوا ولأن هذا ~~في زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السير إلى الله فلو كان واقفا في ~~موضعه لفاته التقدم فكيف وهو في زمن المعصية كان سيره إلى وراء وراء فإذا ~~تاب واستقبل سيره فإنه يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافة حتى يصل إلى الموضع ~~الذي تأخر منه قالوا ونحن لا ننكر أنه قد يأتي بطاعات وأعمال تبلغه إلى ~~منزلته وهذا مما لا يكون فإنه بالتوبة قد وجه وجهه إلى الطريق فلا يصل إلى ~~مكانه الذي رجع منه إلا بسير مستأنف يوصله إليه ونحن لا ننكر أن العبد بعد ~~التوبة يعمل أعمالا عظيمة لم يكن ليعملها قبل الذنب توجب له التقدم قالوا ~~وأيضا فلو رجع إلى حاله الذي كان عليها أو إلى أرفع منها فكان بمنزلة ~~المداوم على الطاعة أو أحسن حالا منه فكيف يكون هذا وأين مسير صاحب الطاعة ~~في زمن اشتغال هذا بالمعصية وكيف يلتقي رجلان أحدهما سائر نحو المشرق ~~والآخر نحو المغرب فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر والآخر مجد على سيره ~~فإنه لا يزال سابقه ما لم يعرض له فتور أو توان هذا مما لا يمكن جحده ودفعه ~~قالوا وأيضا فمرض القلب بالذنوب على مثل مرض الجسم بالأسقام ms262 والتوبة بمنزلة ~~شرب الدواء PageV01P371 والمريض إذا شرب الدواء وصح فإنه لا تعود إليه قوته ~~قبل المرض وإن عادت فبعد حين قالوا وأيضا فهذا في زمن معالجة التوبة ملبوك ~~في نفسه مشغول بمداواتها ومعالجتها وفي زمن الذنب مشغول بشهواتها والسالم ~~من ذلك مشغول بربه قد قرب منه في سيره فكيف يلحقه هذا فهذا ونحوه مما احتجب ~~به هذه الطائفة لقولها # وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية فسمعته يحكي هذه الأقوال ~~الثلاثة حكاية مجردة فإما سألته وإما سئل عن الصواب منها فقال الصواب أن من ~~التائبين من يعود إلى مثل حاله ومنهم من يعود إلى أكمل منها ومنهم من يعود ~~إلى أنقص مما كان فإن كان بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأشد حذرا ~~وأعظم تشميرا وأعظم ذلا وخشية وإنابة عاد إلى أرفع مما كان وإن كان قبل ~~الخطيئة أكمل في هذه الأمور ولم يعد بعد التوبة إليها عاد إلى أنقص مما كان ~~عليه وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى مثل منزلته هذا ~~معنى كلامه # قلت وههنا مسألة هذا الموضع أخص المواضع ببيانها وهي أن التائب إذا تاب ~~إلى الله توبة نصوحا فهل تمحى تلك السيئات ويذهب لا له ولا عليه أو إذا ~~محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة هذا مما اختلف الناس فيه من المفسرين ~~وغيرهم قديما وحديثا فقال الزجاج ليس يجعل مكان السيئة الحسنة لكن يجعل ~~مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة قال ابن عطية يجعل أعمالهم بدل ~~معاصيهم الأولى طاعة فيكون ذلك سببا لرحمة الله إياهم قاله ابن عباس وابن ~~جبير وابن زيد والحسن ورد على من قال هو في يوم القيامة قال وقد ورد حديث ~~في كتاب مسلم من طريق أبي ذر يقتضي أن الله سبحانه يوم القيامة يجعل لمن ~~يريد المغفرة له من الموحدين بدل سيئاته حسنات وذكره الترمذي والطبري وهذا ~~تأويل سعيد بن المسيب في هذه الآية قال ابن عطية وهو معنى كرم العفو هذا ~~آخر كلامه ms263 قلت سيأتي إن شاء الله ذكر الحديث بلفظه والكلام عليه ~~PageV01P372 قال المهدوي وروي معنى هذا القول عن سلمان الفارسي وسعيد بن ~~جبير وغيرهما وقال الثعلبي قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات يبدلهم الله بقبيح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في ~~الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانا ويقتل المؤمنين قتل المشركين وبالزنا عفة ~~وإحصانا وقال آخرون يعني يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم ~~حسنات يوم القيامة # وأصل القولين أن هذا التبديل هل هو في الدنيا أو يوم القيامة فمن قال إنه ~~في الدنيا قال هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها وهي ~~حسنات وهذا تبديل حقيقة والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة لا تنقلب ~~حسنة بل غايتها أن تمحى وتكفر ويذهب أثرها فأما أن تنقلب حسنة فلا فإنها لم ~~تكن طاعة وإنما كانت بغيضة مكروهة للرب فكيف تنقلب محبوبة مرضية قالوا ~~وأيضا فالذي دل عليه القرآن إنما هو تكفير السيئات ومغفرة الذنوب كقوله ~~تعالى ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وقوله تعالى ويعفوا عن ~~السيئات وقوله تعالى إن الله يغفر الذنوب جميعا والقرآن مملوء من ذلك وفي ~~الصحيح من حديث قتادة عن صفوان بن محرز قال قال رجل لابن عمر كيف سمعت رسول ~~الله يقول في النجوى قال سمعته يقول يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى ~~يضع عليه كتفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول رب أعرف قال فإني قد ~~سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما ~~الكفار PageV01P373 والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين ~~كذبوا على الله عز وجل فهذا الحديث المتفق عليه الذي تضمن العناية بهذا ~~العبد إنما فيه ستر ذنوبه عليه في الدنيا ومغفرتها له يوم القيامة ولم يقل ~~له وأعطيتك بك سيئة منها حسنة فدل على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله ~~عنها وقد قال الله في حق الصادقين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم ~~أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون فهؤلاء ms264 خيار الخلق وقد أخبر عنهم أنه يكفر ~~عنهم سيئات أعمالهم ويجزيهم بأحسن ما يعملون وأحسن ما عملوا إنما هو ~~الحسنات لا السيئات فدل على أن الجزاء بالحسن إنما يكون على الحسنات وحدها ~~وأما السيئات فأن تلغى ويبطل أثرها قالوا وأيضا فلو انقلبت السيئات أنفسها ~~حسنات في حق التائب لكان أحسن حالا من الذي لم يرتكب منها شيئا وأكثر حسنات ~~منه لأنه إذا أساء شاركه في حسناته التي فعلها وامتاز عنه بتلك السيئات ثم ~~انقلبت له حسنات ترجح عليه وكيف يكون صاحب السيئات أرجح ممن لا سيئة له ~~قالوا وأيضا فكما أن العبد إذا فعل حسنات ثم أتى بما يحبطها فإنها لا تنقلب ~~سيئات يعاقب عليها بل يبطل أثرها ويكون لا له ولا عليه وتكون عقوبته عدم ~~ترتب ثوابه عليها فهكذا من فعل سيئات ثم تاب منها فإنها لا تنقلب حسنات فإن ~~قلتم وهكذا التائب يكون ثوابه عدم ترتب العقوبة على سيئاته لم ننازعكم في ~~هذا وليس هذا معنى الحسنة فإن الحسنة تقتضي ثوابا وجوديا # واحتجت الطائفة الأخرى التي قالت هو تبديل السيئة بالحسنة حقيقة يوم ~~القيامة بأن قالت حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيئة وهذا إنما ~~PageV01P374 يكون في السيئة المحققة وهي التي قد فعلت ووقعت فإذا بدلت حسنة ~~كان معناه أنها محيت وأثبت مكانها حسنة قالوا ولهذا قال تعالى سيئاتهم ~~حسنات فأضاف السيئات إليهم لكونهم باشروها واكتسبوها ونكر الحسنات ولم ~~يضفها إليهم لأنها من غير صنعهم وكسبهم بل هي مجرد فضل الله وكرمه قالوا ~~وأيضا فالتبديل في الآية إنما هو فعل الله لا فعلهم فإنه أخبر أنه هو يبدل ~~سيئاتهم حسنات ولو كان المراد ما ذكرتم لأضاف التبديل إليهم فإنهم هم الذين ~~يبدلون سيئاتهم حسنات والأعمال إنما تضاف إلى فاعلها وكاسبها كما قال الله ~~تعالى فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم وأما ما كان من غير الفاعل ~~فإنه يجعله من تبديله هو كما قال الله تعالى وبدلناهم بجنتيهم جنتين فلما ~~أخبر سبحانه أنه هو الذي يبدل سيئاتهم حسنات ms265 دل على أنه شيء فعله هو سبحانه ~~بسيئاتهم لا أنهم فعلوه من تلقاء أنفسهم وإن كان سببه منهم وهو التوبة ~~والإيمان والعمل الصالح قالوا ويدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ~~الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله إني ~~لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به ~~يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنها كبارها فتعرض عليه ~~صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا ~~وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه ~~فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا ~~فلقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت PageV01P375 نواجذه وقال الإمام أحمد ~~حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال قال رسول الله ~~يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه قال فتعرض عليه ~~ويخبأ عنه كبارها فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو ~~مشفق من الكبار فيقال أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة قال فيقول إن لي ذنوبا ~~ما أراها فلقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه قالوا وأيضا فروى أبو حفص ~~المستملي عن محمد بن عبدالعزيز بن أبي رزمة حدثنا الفضل بن موسى القطيعي عن ~~أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ليتمنين أقوام أنهم ~~أكثروا من السيئات قيل من هم قال الذين بدل سيئاتهم حسنات قالوا وهؤلاء هم ~~الأبدال في الحقيقة فإنهم إنما سموا أبدالا لأنهم بدلوا أعمالهم السيئة ~~بالأعمال الحسنة فبدل الله سيئاتهم التي عملوها حسنات قالوا وأيضا فالجزاء ~~من جنس العمل فكما بدلوا هم أعمالهم السيئة بالحسنة بدلها الله من صحف ~~الحفظة حسنات جزاء وفاقا # قالت الطائفة الأولى كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبي ذر على صحة قولكم وهو ~~صريح في ms266 أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها في النار حتى كان ~~آخر أهلها خروجا منها فهذا قد عوقب على PageV01P376 سيئاته فزال أثرها ~~بالعقوبة فبدل مكان كل سيئة منها حسنة وهذا حكم غير ما نحن فيه فإن الكلام ~~في التائب من السيئات لا فيمن مات مصرا عليها غير تائب فأين أحدهما من ~~الآخر وأما حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسنادا ومتنا إلا أنه مختصر ~~وأما حديث أبي هريرة فلا يثبت مثله ومن أبو العنبس ومن أبوه حتى يقبل منهما ~~تفردهما بمثل هذا الأمر الجليل وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول الله مع ~~شدة حرصه على التنفير من السيئات وتقبيح أهلها وذمهم وعيبهم والإخبار بأنها ~~تنقص الحسنات وتضادها فكيف يصح عنه أنه يقول ليتمنين أقوام أنهم أكثروا ~~منها ثم كيف يتمنى المرء إكثاره منها مع سوء عاقبتها وسوء مغبتها وإنما ~~يتمنى الإكثار من الطاعات وفي الترمذي مرفوعا ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ~~جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء فهذا فيه تمني ~~البلاء يوم القيامة لأجل مزيد ثواب أهله وهو تمني الحسنات وأما تمني ~~الحسنات فهذا لا ريب فيه وأما تمني السيئات فكيف يتمنى العبد أنه أكثر من ~~السيئات هذا ما لا يكون أبدا وإنما يتمنى المسيىء أن لو لم يكن أساء وأما ~~تمنيه أنه ازداد من إساءته فكلا قالوا وأما ما ذكرتم من أن التبديل هو ~~إثبات الحسنة مكان PageV01P377 السيئة فحق وكذلك نقول إن الحسنة المفعولة ~~صارت في مكان السيئة التي لولا الحسنة لحلت محلها قالوا وأما احتجاجكم ~~بإضافة السيئات إليهم وذلك يقتضي أن تكون هي السيئات الواقعة وتنكير ~~الحسنات وهو يقتضي أن تكون حسنات من فضل الله فهو حق بلا ريب ولكن من أين ~~يبقى أن يكون فضل الله بها مقارنا لكسبهم إياها بفضله قالوا وأما قولكم إن ~~التبديل مضاف إلى الله لا إليهم وذلك يقتضي أنه هو الذي بدلها من الصحف لا ~~أنهم هم الذين بدلوا الأعمال بأضدادها فهذا لا دليل ms267 لكم فيه فإن الله خالق ~~أفعال العباد فهو المبدل للسيئات حسنات خلقا وتكوينا وهم المبدلون لها فعلا ~~وكسبا قالوا وأما احتجاجكم بأن الجزاء من جنس العمل فكما بدلوا سيئات ~~أعمالهم بحسناتهم بدلها الله كذلك في صحف الأعمال فهذا حق وبه نقول وأنه ~~بدلت السيئات التي كانت مهيأة ومعدة أن تحمل في الصحف بحسنات حلت موضعها # فهذا منتهى إقدام الطائفتين ومحط نظر الفريقين وإليك أيها المنصف الحكم ~~بينهما فقد أدلى كل منهما بحجته فأقام بينته والحق لا يعدوهما ولا ~~يتجاوزهما فأرشد الله من أعان على هدى فنال به درجة الداعين إلى الله ~~القائمين ببيان حججه ودينه أو عذر طالبا منفردا عفي طريق مطلبه قد انقطع ~~رجاؤه من رفيق في الطريق فغاية أمنيته أن يخلي بينه وبين سيره وأن لا يقطع ~~عليه طريقه فمن رفع له مثل هذا العلم ولم يشمر إليه فقد رضي بالدون وحصل ~~على صفقة المغبون ومن شمر إليه ورام أن لا يعارضه معارض ولا يتصدى له ممانع ~~فقد منى نفسه المحال وإن صبر على لأوائهاه وشدتها فهو والله الفوز المبين ~~والحظ الجزيل وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب فالصواب إن شاء ~~الله في هذه المسألة أن يقال لا ريب أن الذنب نفسه لا ينقلب حسنة والحسنة ~~إنما هي أمر وجودي يقتضي ثوابا ولهذا كان تارك المنهيات إنما يثاب على كف ~~نفسه وحبسها عن مواقعة المنهي وذلك الكف والحبس أمر وجودي وهو متعلق ~~PageV01P378 الثواب وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلا ولم يحدث به نفسه ~~فهذا كيف يثاب على تركه ولو أثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابا على ~~ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى فإن ~~الترك مستصحب معه والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط فهل يثاب على ذلك كله هذا ~~مما لا يتوهم وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرا وجوديا فالتائب من ~~الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكف نفسه عنه وعزم ms268 على ~~ترك معاودته وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم ~~والعزم وهو حسنة قد بدلت تلك السيئة حسنة وهذا معنى قول بعض المفسرين يجعل ~~مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب ~~منها فتوبته منها حسنة حلت مكانها فهذا معنى التبديل لا أن السيئة نفسها ~~تنقلب حسنة وقال بعض المفسرين في هذه الآية يعطيهم بالندم على كل سيئة ~~أساؤوها حسنة وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال واتضح الصواب وظهر أن كل ~~واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة وأما حديث أبي ذر وإن كان ~~التبديل فيه في حق المصر الذي عذب على سيئاته فهو يدل بطريق الأولى على ~~حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته فإن الذنوب التي عذب عليها ~~المصر لما زال أثرها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن فأعطاه الله مكان كل سيئة ~~منها حسنة لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها مع العقوبة لا ~~يقتضي زوال أثرها وتبديلها حسنات فإن الندم لم يكن في وقت ينفعه فلما عقوب ~~عليه وزال أثرها بدلها الله له حسنات فزوال أثرها بالتوبة النصوح أعظم من ~~زوال أثرها بالعقوبة فإذا بدلت بعد زوالها بالعقوبة حسنات فلئن تبدل بعد ~~زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى ~~من تأثير العقوبة لأن التوبة فعل اختياري أتى به العبد طوعا ومحبة لله ~~وفرقا منه وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه ~~PageV01P379 بغير اختياره بل بفعل الله ولا ريب أن تأثير الأفعال ~~الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها في محو الذنوب أعظم من تأثير المصائب ~~التي تناله بغير اختياره # ولنرجع الآن إلى المقصود وهو ما ذكره أبو العباس بن الصائف في علل ~~المقامات فقد ذكرنا كلامه في علة مقام الإرادة وذكرنا أن الكلام على ذلك من ~~وجوه هذا آخر الوجه الثاني منها # الوجه الثالث أن يقال قوله الزهد تعظيم للدنيا واحتباس عن الانتفاع بها ms269 ~~إلى آخر الفصل إن أراد به أن زهده دليل على تعظيم الدنيا وأن لها في قلبه ~~من القدر والمنزلة ما يكره لأجله نفسه على تركها أو مستلزم لذلك فإن الزهد ~~لا يدل على هذا التعظيم ولا يستلزمه وإن كان من عوارض غلبات الطبع التي تذم ~~مساكنتها وانحجاب القلب بها بل زهده فيها دليل على خروج عظمها من قلبه ~~ومبالاته بها وترك الاهتبال بشأنها فكيف يكون هذا نقصا بوجه بل النقص في ~~الزهد يكون من أحد وجوه # أولها أن يزهد فيما ينفعه منها ويكون قوة له على سيره ومعونة له على سفره ~~فهذا نقص فإن حقيقة الزهد هي أن تزهد فيما لا ينفعك والورع أن تتجنب ما قد ~~يضرك فهذا الفرق بين الأمرين # الثاني أن يكون زهده مشوبا إما بنوع عجز أو ملالة وسآمة وتأذية بها ~~وبأهلها وتعب قلبه بشغله بها ونحو هذا من المزهدات فيها كما قيل لبعضهم ما ~~الذي أوجب زهدك في الدنيا قال قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها فهذا ~~زهد ناقص فلو صفت للزاهد تلك العوارض لم يزهد فيها بخلاف من كان زهده فيها ~~لامتلاء قلبه من الآخرة ورغبته في الله وقربه فهذا لا نقص في زهده ولا علة ~~من جهة كونه زهدا # الثالث أن يشهد زهده ويلحظه ولا يفنى عنه بما زهد لأجله فهذا نقص أيضا ~~فالزهد كله أن تزهد في رؤية زهدك وتغيب عنه برؤية الفضل PageV01P380 ~~ومطالعة المنة وأن لا تقف عنده فتنقطع بل أعرض عنه جادا في سيرك غير ملتفت ~~إليه مستصغرا لحاله بالنسبة إلى مطلوبك مع أن هذه العلة مطردة في جميع ~~المقامات على ما فيها كما سننبه عليه إن شاء الله فإن ربط هذا الشأن ~~بالنصوص النبوية والعقل الصريح والفطرة الكاملة من أهم الأمور فلا يحسن ~~بالناصح لنفسه أن يقنع فيه بمجرد تقليد أهله فما أكثر غلطهم فيه وتحكيمهم ~~مجرد الذوق وجعل حكم ذلك الذوق كليا عاما فهذا ونحوه من مثارات الغلط # الوجه الرابع أن الزهد على أربعة أقسام أحدها فرض على ms270 كل مسلم وهو الزهد ~~في الحرام وهذا متى أخل به انعقد سبب العقاب فلا بد من وجود مسببه ما لم ~~ينعقد سبب آخر يضاده الثاني زهد مستحب وهو على درجات في الاستحباب بحسب ~~المزهود فيه وهو الزهد في المكروه وفضول المباحات والتفنن في الشهوات ~~المباحة الثالث زهد الداخلين في هذا الشأن وهم المشمرون في السير إلى الله ~~وهو نوعان # أحدهما الزهد في الدنيا جملة وليس المراد تخليها من اليد ولا إخراجها ~~وقعوده صفرا منها وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكلية فلا يلتفت إليها ~~ولا يدعها تساكن قلبه وإن كانت في يده فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك ~~وهي في قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك وهذا كحال الخلفاء ~~الراشدين وعمر بن عبدالعزيز الذي يضرب بزهده المثل مع أن خزائن الأموال تحت ~~يده بل كحال سيد ولد آدم حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح ولا يزيده ذلك ~~إلا زهدا فيها ومن هذا الأثر المشهور وقد روي مرفوعا وموقوفا ليس الزهد في ~~الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في ~~يد الله أوثق منك بما في يدك وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب ~~منك فيها لو أنها PageV01P381 بقيت لك والذي يصحح هذا الزهد ثلاثة أشياء # أحدها علم العبد أنها ظل زائل وخيال زائر وأنها كما قال الله تعالى فيها ~~اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ~~وقال الله تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم ~~تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون وقال تعالى واضرب لهم مثل الحياة ~~الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح ms271 هشيما تذروه ~~الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا وسماها سبحانه متاع الغرور ونهى عن ~~الاغترار بها وأخبرها عن سوء عاقبة المغترين وحذرنا مثل مصارعهم وذم من رضي ~~بها واطمأن إليها وقال النبي ما لي وللدنيا إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ~~ثم راح وتركها وفي المسند عنه حديث معناه أن الله PageV01P382 جعل طعام ابن ~~آدم وما يخرج منه مثلا للدنيا فإنه وإن قزحه وملحه فلينظر إلى ماذا يصير ~~فما اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همة دنية وعقل حقير وقدر خسيس # الثاني علمه أن وراءها دارا أعظم منها قدرا وأجل خطرا وهي دار البقاء وأن ~~نسبتها إليها كما قال النبي ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه ~~في اليم فلينظر بم يرجع فالزاهد فيها بمنزلة رجل في يده درهم زغل قيل له ~~اطرحه فلك عوضه مائة ألف دينار مثلا فألقاه من يده رجاء ذلك العوض فالزهد ~~فيها لكمال الرغبة فيما هو أعظم منها زهد فيها # الثالث معرفته أن زهده فيها لا يمنعه شيئا كتب له منها وأن حرصه عليها لا ~~يجلب له ما لم يقض له منها فمتى تيقن ذلك وصار له به علم يقين هان عليه ~~الزهد فيها فإنه متى تيقن ذلك وثلج له صدره وعلم أن مضمونه منها سيأتيه بقي ~~حرصه وتعبه وكده ضائعا والعاقل لا يرضى لنفسه PageV01P383 بذلك فهذه الأمور ~~الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها وتثبت قدمه في مقامه والله الموفق لمن ~~يشاء # النوع الثاني الزهد في نفسك وهو أصعب الأقسام وأشقها وأكثر الزاهدين إنما ~~وصلوا إليه ولم يلجوه فإن الزاهد يسهل عليه الزهد في الحرام لسوء مغبته ~~وقبح ثمرته وحماية لدينه وصيانة لإيمانه وإيثارا للذة والنعيم على العذاب ~~وأنفة من مشاركة الفساق والفجرة وحمية من أن يستأثر لعدوه ويسهل عليه الزهد ~~في المكروهات وفضول المباحات علمه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور ~~الدائم والنعيم المقيم ويسهل عليه زهده في الدنيا معرفته بما وراءها وما ~~يطلبه من العوض التام والمطلب الأعلى ms272 وأما الزهد في النفس فهو ذبحها بغير ~~سكين وهو نوعان أحدهما وسيلة وبداية وهو أن تميتها فلا يبقى لها عندك من ~~القدر شيء فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها قد سبلت ~~عرضها ليوم فقرها وفاقتها فهي أهون عليك من أن تنتصر لها أو تنتقم لها أو ~~تجيبها إذا دعتك أو تكرمها إذا عصتك أو تغضب لها إذا ذمت بل هي عندك أخس ~~مما قيل فيها أو ترفهها عما فيه حظك وفلاحك وإن كان صعبا عليها وهذا وإن ~~كان ذبحا لها وإماتة عن طباعها وأخلاقها فهو عين حياتها وصحتها ولا حياة ~~لها بدون هذا البتة وهذه العقبة هي آخر عقبة يشرف منها على منازل المقربين ~~ويننحدر منها إلى وادي البقاء ويشرب من عين الحياة ويخلص روحه من سجون ~~المحن والبلاء وأسر الشهوات وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق فيا قرة ~~عينها به ويا نعيمها وسرورها بقربه ويا بهجتها بالخلاص من عدوها واللجوء ~~إلى مولاها ومالك أمرها ومتولي مصالحها وهذا الزهد هو أول نقدة من مهر الحب ~~فيا مفلس تأخر والنوع الثاني غاية وكمال وهو أن يبذلها للمحبوب جملة بحيث ~~لا يستبقي منها شيئا بل يزهد فيها زهد المحب في قدر خسيس من ماله قد تعلقت ~~رغبة محبوبه به فهل يجد من قلبه رغبة في PageV01P384 إمساك ذلك القدر وحبسه ~~عن محبوبه فهكذا زهد المحب الصادق في نفسه قد خرج عنها وسلمها لربه فهو ~~يبذلها له دائما بتعرض منه لقبولها وجميع مراتب الزهد المتقدمة مباد ووسائل ~~لهذه المرتبة ولكن لا يصح إلا بتلك المراتب فمن رام الوصول إلى هذه المرتبة ~~بدون ما قبلها فمتعن متمن كمن رام الصعود إلى أعلى المنارة بلا سلم قال بعض ~~السلف إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فمن ضيع الأصول حرم الوصول وإذا عرف ~~هذا فكيف يدعي أن الزهد من منازل العوام وأنه نقص في طريق الخاصة وهل ~~الكمال إلا في الزهد وما النقص إلا في نقصانه والله الموفق للصواب فصل ~~المثال الرابع التوكل ms273 قال أبو العباس هو للعوام أيضا لأنه وكل أمرك إلى ~~مولاك والتجاؤك إلى علمه ومعرفته لتدبير أمرك وكفاية همك وهذا في طريق ~~الخواص عمى عن الكفاية به ورجوع إلى الأسباب لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع ~~التوكل فصار بدلا عن تلك الأسباب فإنك معلق بما رفضته من حيث معتقدك ~~الانفصال وحقيقة التوكل عند القوم التوكل في تخليص القلب من علة التوكل وهو ~~أن يعلم أن الله لم يترك أمرا مهملا بل فرغ من الأشياء وقدرها وإن اختلف ~~منها شيء في المعقول أو تشوش في المحسوس أو اضطراب في المعهود فهو المدبر ~~له وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت والمتوكل من أراح نفسه من كل النظر في ~~مطالعة السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين عنده وهو أن ~~يعلم أن الطلب لا يجمع والتوكل لا يمنع ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله ~~مدخولا وقصده معلولا فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ في توكله سوى ~~خالص حق الله كفاه الله كل PageV01P385 مهم ثم ذكر حكاية عن موسى أنه في ~~رعايته نام عن غنمه فاستيقظ فوجد الذئب واضعا عصاه على عاتقه يرعاها فعجب ~~من ذلك فأوحى الله إليه يا موسى كن لي كما أريد أكن لك كما تريد # فيقال الكلام على هذا من وجوه # أحدها إن جعله التوكل من منازل العوام باطل كما تقدم بل الخاصة أحوج إليه ~~من العامة وتوكل الخواص أعظم من توكل العوام والتوكل مصاحب للصادق من أول ~~قدم يضعه في الطريق إلى نهايته وكلما ازداد قربه وقوي سيره ازداد توكله ~~فالتوكل مركب السائر الذي لا يتأتى له السير إلا به ومتى نزل عنه انقطع ~~لوقته وهو من لوازم الإيمان ومقتضياته قال الله تعالى وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتم مؤمنين فجعل التوكل شرطا في الإيمان فدل على انتفاء الإيمان عند ~~انتفاء التوكل وفي الآية الأخرى وقال موسى يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله ~~فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فجعل دليل صحة الإسلام التوكل وقال تعالى وعلى ~~الله ms274 فليتوكل المؤمنون فذكر اسم الإيمان ههنا دون سائر أسمائهم دليل على ~~استدعاء الإيمان للتوكل وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه وكلما ~~قوي إيمان العبد كان توكله أقوى وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل وإذا كان ~~التوكل ضعيفا فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد والله تعالى يجمع بين التوكل ~~والعبادة وبين التوكل والإيمان وبين التوكل والإسلام وبين التوكل والتقوى ~~وبين التوكل والهداية فأما التوكل والعبادة فقد جمع بينهما في سبعة مواضع ~~من كتابه أحدهما في سورة أم PageV01P386 القرآن فقال إياك نعبد وإياك ~~نستعين والثاني قوله حكاية عن شعيب أنه قال وما توفيقي إلا بالله عليه ~~توكلت وإليه أنيب الثالث قوله حكاية عن أوليائه وعباده المؤمنين أنهم قالوا ~~ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير الرابع قوله تعالى لنبيه محمد ~~واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه ~~وكيلا الخامس قوله ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده ~~وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون السادس قوله فأقيموا الصلاة وءاتوا ~~الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير السابع قوله قل ~~هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب فهذه السبعة المواضع جمعت ~~الأصلين التوكل وهو الوسيلة والإنابة وهي الغاية فإن العبد لا بد له من ~~غاية مطلوبه ووسيلة موصلة إلى تلك الغاية فأشرف غاياته التي لا غاية له أجل ~~منها عبادة ربه والإنابة إليه وأعظم وسائله التي لا وسيلة لها غيرها البتة ~~التوكل على الله والاستعانة به ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه ~~الوسيلة فهذه أشرف الغايات وتلك أشرف الوسائل وأما الجمع بين الإيمان ~~والتوكل ففي مثل قوله تعالى قل هو الرحمن إمنا به وعليه توكلنا ونظيره قوله ~~وعلى الله فتوكلوا PageV01P387 إن كنتم مؤمنين وقوله تعالى وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون وأما الجمع بين التوكل والإسلام ففي قوله تعالى وقال موسى ~~يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وأما الجمع بين ~~التقوى والتوكل ms275 ففي مثل قوله تعالى يا أيها النبي اتق الله ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين إلى قوله تعالى وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا وقوله ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه وأما الجمع بين التوكل والهداية ففي مثل قول الرسل لقومهم ومالنا ألا ~~نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا وقال الله تعالى لنبيه فتوكل على الله إنك ~~على الحق المبين فأمر سبحانه بالتوكل عليه وعقب هذا الأمر بما هو موجب ~~للتوكل مصحح له مستدع لثبوته وتحققه وهو قوله تعالى إنك على الحق المبين ~~فإن كون العبد على الحق يقتضي تحقيق مقام التوكل على الله والاكتفاء به ~~والإيواء إلى ركنه الشديد فإن الله هو الحق وهو ولي الحق وناصره ومؤيده ~~وكافي من قام به فما لصاحب الحق أن لا يتوكل عليه وكيف يخاف وهو على الحق ~~كما قالت الرسل لقومهم ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا فعجبوا ~~من تركهم التوكل على الله وقد هداهم وأخبروا أن ذلك PageV01P388 لا يكون ~~أبدا وهذا دليل على أن الهداية والتوكل متلازمان فصاحب الحق لعلمه بالحق ~~ولثقته بأن الله ولي الحق وناصره مضطر إلى توكله على الله لا يجد بدا من ~~توكله فإن التوكل يجمع أصلين علم القلب وعمله أما علمه فيقينه بكفاية وكيله ~~وكمال قيامه بما وكله إليه وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك وأما عمله فسكونه ~~إلى وكيله وطمأنينته إليه وتفويضه وتسليمه أمره إليه وأن غيره لا يقوم ~~مقامه في ذلك ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه فبهذين الأصلين ~~يتحقق التوكل وهما جماعه وإن كان التوكل دخل في عمل القلب من عمله كما قال ~~الإمام أحمد التوكل عمل القلب ولكن لا بد فيه من العلم وهو إما شرط فيه ~~وإما جزاء من ماهيته والمقصود أن القلب متى كان على الحق كان أعظم ~~لطمأنينته ووثوقه بأن الله وليه وناصره وسكونه إليه فما له أن لا يتوكل على ~~ربه وإذا كان على ms276 الباطل علما وعملا أو إحداهما لم يكن مطمئنا واثقا بربه ~~فإنه لا ضمان له عليه ولا عهد له عنده فإن الله لا يتولى الباطل ولا ينصره ~~ولا ينسب إليه بوجه فهو منقطع النسب إليه بالكلية فإنه سبحانه هو الموفق ~~وقوله الحق ودينه الحق ووعده حق ولقاؤه حق وفعله حق ليس في أفعاله شيء باطل ~~بل أفعاله سبحانه بريئة من الباطل كما أقواله كذلك فلما كان الباطل لا ~~يتعلق به بل هو مقطوع البتة كان صاحبه كذلك ومن لم يكن له تعلق بالله ~~العظيم وكان منقطعا عن ربه لم يكن الله وليه ولا ناصره ولا وكيله فتدبر هذا ~~السر العظيم في اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى وارتباط أحدهما بالآخر ~~ولو لم يكن في هذه الرسالة إلا هذه الفائدة السرية لكانت حقيقة أن تودع في ~~خزانة القلب لشدة الحاجة إليها والله السمتعان عليه وعليه التكلان فظهر أن ~~التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام وأن منزلته ~~منها منزلة الجسد من الرأس فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم ~~الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل والله أعلم PageV01P389 # الوجه الثاني أن قوله في التوكل إنه في طريق الخواص عمى عن الكفاية ورجوع ~~إلى الأسباب إلخ مضمونه أن التوكل لا يتم إلا برفض الأسباب والإعراض عنها ~~جملة والتوكل من أقوى الأسباب وأعظمها في حصول المطلوب فكأنه قد رفض سببا ~~وتعلق بسبب وقد ناقض في أمره ولهذا قال فصار بدلا عن تلك الأسباب وكأنك ~~تعلقت بما رفضته فهذه هي النكتة التي لأجلها صار التوكل عنده من منازل ~~العوام وهذه هي غير مسألة الجمع بين التوكل والسبب بل هذه مسألة تعليل نفس ~~التوكل فيقال قولك إنه عمى عن الكفاية ليس كذلك بل هو نظر إلى نفس الكفاية ~~وملاحظة لها ولا ريب أن الكفاية من الله لا تنال إلا بأسبابها من عبوديته ~~وسببها المقتضي لها هو التوكل كما قال الله تعالى ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه أي كافيه فجعل التوكل سببا ms277 للكفاية فربط الكفاية بالتوكل كربط سائر ~~الأسباب بمسبباتها فكيف يقال إن التوكل عمى عن الكفاية وهل التوكل إلا محض ~~العبودية التي جزاؤها الكفاية وهي لا تحصل بدونه بل العلة ههنا شهود حصولها ~~بفعلك وتوكلك غير ناظر إلى مسبب الأسباب الذي أجرى عليك هذا السبب ليوصلك ~~به إلى الكفاية فأول الأمر وآخره منه فهو المنعم بالسبب والمسبب جميعا ولكن ~~لا يوجب نظر العبد إلى المسبب المنعم بالسبب قطع نظره عن السبب والقيام به ~~بل الواجب القيام بالأمرين معا # الوجه الثالث أن قوله إنه رجوع إلى الأسباب إن أراد به أنه رجوع إلى سبب ~~ينقص العبودية ويضعف التوكل فليس كذلك وظاهر أن الأمر ليس كذلك وإن أراد به ~~أنه رجوع إلى سبب نصبه الله مقتضيا للكفاية منه ورتب عليه جزاء لا يحصل ~~بدونه فهذا حق ولكن القيام بهذا السبب PageV01P390 محض الكمال ونفس ~~العبودية وهو كجعل الإسلام والإيمان والإحسان أسباب مقتضية للفلاح والسعادة ~~بل كجعل سائر أعمال القلوب والجوارح أسبابا مقتضية لما رتب عليها من الجزاء ~~وهل الكمال إلا القيام بهذه الأسباب فالأسباب التي تكون مباشرتها نقصا هي ~~الأسباب التي تضعف التوكل وأما أن يكون التوكل نفسه ناقصا لكون التحقق به ~~تحققا بالسبب فقلب للحقائق # الوجه الرابع أن قوله لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع التوكل إن أراد به رفض ~~الأسباب جملة فهذا كما أنه ممتنع عقلا وحسا فهو محرم شرعا ودينا فإن رفض ~~الأسباب بالكلية انسلاخ من العقل والدين وإن أراد به رفض الوقوف معها ~~والوثوق بها وأنه يقوم قيام ناظر إلى سببها فهذا حق ولكن النقص لا يكون في ~~السبب ولا في القيام به وإنما يكون في الإعراض عن المسبب تعالى كما تقدم ~~فمنع الأسباب أن تكون أسبابا قدح في العقل والشرع وإثباتها والوقوف معها ~~وقطع النظر عن مسببها قدح في التوحيد والتوكل والقيام بها وتنزيلها منازلها ~~والنظر إلى مسببها وتعلق القيام به جمع بين الأمر والتوحيد وبين الشرع ~~والقدر وهو الكمال والله أعلم # الوجه الخامس قوله فصار التوكل بدلا عن تلك ms278 الأسباب هذا حق فإن التوكل من ~~أعظم الأسباب ولكنه بدل عنها كما تكون الطاعة بدلا عن المعصية والتوحيد ~~بدلا عن الشرك فهو بدل واجب مأمور به مطلوب من العبد والمذوم أن يجعل العبد ~~الأسباب بدلا عن التوكل لا أن يجعل التوكل بدلا عن الأسباب # الوجه السادس قوله فكأنك تعلقت بما رفضته من حيث معتقدك الانفصال ليس ~~كذلك فإن المرفوض هو التعلق بغير الله والالتفات إلى سواه فهذا هو الذي ~~رفضه وأما الذي تعلق به فهو التوكل على الله واللجأ PageV01P391 إليه ~~والتفويض إليه والاستعانة به فقد رفض المخلوق وتعلق بالخالق فكيف يقال إنه ~~تعلق بما رفضه # الوجه السابع أن قوله من حيث معتقدك الانفصال يشير به إلى أن التوكل نوع ~~تفرقة وانفصال يشهد فيه مع الله غيره وهذا مناف للفناء في التوحيد وأن لا ~~يشهد مع الله غيره أصلا وهذا قطب رحى السير الذي يشير إليه القوم والعلم ~~الذي يشمرون إليه ولأجله يجعلون كل ما دونه من المقامات معلولا ولا بد من ~~فصل القول فيه بعون الله وتأييده فإنه نهاية إقدامهم وغاية مرماهم فنقول ~~وبالله التوفيق # الفناء الذي يشار إليه على ألسنة السالكين ثلاثة أقسام فناء عن وجود ~~السوي وفناء عن شهود السوي وفناء عن عبادة السوي وإرادته وليس هنا قسم رابع # فأما القسم الأول فهو فناء القائلين بوحدة الوجود فهو فناء باطل في نفسه ~~مستلزم جحد الصانع وإنكار ربوبيته وخلقه وشرعه وهو غاية الإلحاد والزندقة ~~وهذا هو الذي يشير إليه علماء الاتحادية ويسمونه التحقيق وغاية أحدهم فيه ~~أن لا يشهد ربا وعبدا وخالقا ومخلوقا وآمرا ومأمورا وطاعة ومعصية بل الأمر ~~كله واحد فيكون السالك عندهم في بدايته يشهد طاعة ومعصية ثم يرتفع عن هذا ~~الفرق بكشف عندهم إلى أن يشهد الأفعال كلها طاعة لله لا معصية فيها وهو ~~شهود الحكم والقدر فيشهدها طاعة لموافقتها الحكم والمشيئة وهذا ناقص عندهم ~~أيضا إذ هو متضمن للفرق ثم يرتفع عندهم عن هذا الشهود إلى أن لا يشهد لا ~~طاعة ولا معصية إذ الطاعة ms279 والمعصية إنما تكون من غير لغير وما ثم غير فإذا ~~تحقق بشهود ذلك وفني فيه فقد فني عن وجود السوي فهذا هو غاية التحقيق عندهم ~~ومن لم يصل إليه فهو محجوب ومن أشعارهم في هذا قول قائلهم PageV01P392 # وما أنت غير الكون بل أنت عينه % ويفهم هذا السر من هو ذائق # وقول الآخر # ما الأمر إلا نسق واحد % ما فيه من مدح ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت % والطبع والشارع بالحكم # وقول الآخر # وما الموج إلا البحر لا شيء غيره % وإن فرقته كثرة المتعدد # والقسم الثاني من أقسام الفناء هو الذي يشير إليه المتأخرون من أرباب ~~السلوك وهو الفناء عن شهود السوي مع تفريقهم بين الرب والعبد وبين الطاعة ~~والمعصية وجعلهم وجود الخالق غير وجود المخلوق ثم هم مختلفون في هذا الفناء ~~على قولين أحدهما أنه الغاية المطلوبة من السلوك وما دونه بالنسبة إليه ~~ناقص ومن هنا يجعلون المقامات والمنازل معلولة والقول الثاني أنه من لوازم ~~الطريق لا بد منه للسالك ولكن البقاء أكمل منه وهؤلاء يجعلونه ناقصا ولكن ~~لا بد منه وهذه طريقة كثيرة من المتقدمين وهؤلاء يقولون إن الكمال شهود ~~العبودية مع شهود المعبود فلا يغيب بعبادته عن معبوده ولا بمعبوده عن ~~عبادته ولكن لقوة الوارد وضعف المحل وغلبة استيلاء الوارد على القلب حتى ~~يملكه من جميع جهاته يقع الفناء والتحقيق أن هذا الفناء ليس بغاية ولا من ~~لوازم الطريق بل هو عارض من عوارض الطريق يعرض لبعض السالكين دون جميعهم ~~وسببه أمور ثلاثة # أحدها قصده وإرادته والعمل عليه فإنه إذا علم أنه الغاية المطلوبة شمر ~~سائرا إليه عاملا عليه فإذا أشرف عليه وقف معه ونزل بواديه وطلب مساكنته ~~فهؤلاء إنما يحصل لهم الفناء لأن سيرهم كان طلب حظهم ومرادهم من الله وهو ~~الفناء لم يكن سيرهم على تحصيل مراد الله منهم وهو القيام بعبوديته والتحقق ~~بها والسائر على طلب تحصيل مراد الله منه لا يكاد الفناء يحل بساحته ولا ~~يعتريه السبب الثاني قوة الوارد PageV01P393 بحيث يغمره ويستولي عليه ms280 فلا ~~يبقى فيه متسع لغيره أصلا السبب الثالث ضعف المحل عن احتمال ما يرد عليه ~~فمن هذه الأسباب الثلاثة يعرض الفناء ولما رأى الصادق في طريقه السالك إلى ~~ربه أكثر أصحاب الفرق محجوبون على هذا المقام مشتتون في أودية الفرق وشهدوا ~~نقصهم ورأوا ما هم فيه من الفناء أكمل ظنوا أنه لا كمال وراء ذلك وأنه ~~الغاية المطلوبة فمن هنا جعلوه غاية # ولكن أكمل من ذلك وأعلى وهو الفناء عن عبادة السوي وإرادته وخشيته ورجائه ~~والتوكل عليه والسكون إليه فيفنى بعبادة ربه ومحبته وخشيته ورجائه والتوكل ~~عليه وبالسكون إليه عن عبادة غيره وعن محبته ورجائه والتوكل عليه مع شهود ~~الغير ومعاينته فهذا أكمل من فنائه عن عبودية الغير ومحبته مع عدم شهوده له ~~وغيبته عنه فإذا شهد الغير في مرتبته أوجب شهوده له زيادة في محبة معبوده ~~وتعظيما له وهروبا إليه وضنا به فإن نظر المحب إلى مبادي محبوبه ومضاده ~~يوجب زيادة حبه له وفي هذا المعنى قال القائل # وإذا نظرت إلى أمري زادني % حبا له نظري إلى الأمراء # وكان النبي يقول في دعائه اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك ~~أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت / ح / وفي سجوده اللهم لك سجدت وبك آمنت / ح / ~~وكذلك في ركوعه اللهم PageV01P394 لك ركعت وبك آمنت / ح / فهذا دعاء من قد ~~جمع بين شهود عبوديته وشهود معبوده ولم يغب بأحدهما عن الآخر وهل هذا إلا ~~كمال العبودية أن يشهد ما يأتي به من العبودية موجها لها إلى المعبود الحق ~~محضرا لها بين يديه متقربا بها إليه فأما الغيبة عنها بالكلية بحيث تبقى ~~الحركات كأنها طبيعية غير واقعة بالإرادة فهذا وإن كان أكمل من حال الغائب ~~بشهود عبوديته عن معبوده فحال الجامع بين شهود العبودية والمعبود أكمل ~~منهما وإذا عرفت هذه القاعدة ظهر إن تعليله التوكل بما ذكر تعليل باطل # الوجه الثامن أن التوكل على الله نوعان أحدهما توكل عليه في تحصيل حظ ~~العبد من الرزق والعافية وغيرهما والثاني توكل عليه في تحصيل ms281 مرضاته فأما ~~النوع الأول فغايته المطلوبة وإن لم تكن عبادة لأنها محض حظ العبد فالتوكل ~~على الله في حصوله عبادة فهو منشأ لمصلحة دينه ودنياه وأما النوع الثاني ~~فغايته عباده وهو في نفسه عبادة فلا علة فيه بوجه فإنه استعانة بالله على ~~ما يرضيه فصاحبه متحقق بإياك نعبد وإياك نستعين فتركه ترك لشطر الإيمان ~~والعلة إنما هي في ضعف هذا التوكل فهب أن التوكل في حصول الحظ معلول فيلزم ~~من هذا أن يكون التوكل في حصول مراد الرب سبحانه ومرضاته معلولا # الوجه التاسع قوله وحقيقة التوكل عند القوم التوكل في تخليص القلوب من ~~علة التوكل فيقال إذا كان هذا التوكل عندك ليس بمعلول ولا هو عمى عن ~~الكافية ولا رجوع إلى الأسباب بعد رفضها بطل تعليل التوكل بما عللته به وإن ~~كانت هذه العلة بعينها موجودة في هذا التوكل PageV01P395 بطل أن يكون علة ~~فلزم بطلان كونه معلولا على التقديرين وظهر أن العلة في التوكل لا تخرج عن ~~أحد شيئين إما أن يكون متعلقه حظا من حظوظك وإما وقوفك معه وركونك إليه فقط ~~فإذا خلص التوكل من هذا وهذا فلا علة تلحقه ولا نقيصة تدركه # الوجه العاشر أن علة التوكل عنده هي ترك التوكل كما فسره فكيف يتوكل في ~~ترك التوكل وهل هذا إلا جمع بين متضادين # الوجه الحادي عشر قوله وهو أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى لم يترك أمرا ~~مهملا بل فرغ من الأشياء وقدرها وإن اختلف منها شيء في العقول أو تشوش في ~~المحسوس أو اضطرب في المعهود فهو المدبر له وشأنه سوق المقادير إلى ~~المواقيت المتوكل من أراح نفسه من كد النظر في مطالعة السبب سكونا إلى ما ~~سبق من القسمة مع استواء الحالين عنده إلى آخر كلامه فيقال هو سبحانه فرغ ~~من الأشياء وقدرها بأسبابها المفضية إليها فكما أن المسببات من قدره الذي ~~فرغ منه فأسبابها أيضا من قدره الذي فرغ منه فتقديره المقادير بأسبابها لا ~~ينافي القيام بتلك الأسباب بل يتوقف حصولها عليها وقد سئل ms282 النبي فقيل له ~~أرأيت أدوية نتداوى بها ورقي نسترقي بها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي ~~من قدر الله / ح / وسئل أعلم أهل الجنة والنار فقال PageV01P396 نعم فقالوا ~~ففيم العمل قالوا اعملوا فكل مسير لما خلق له فأمرهم بالأعمال وأخبرهم أن ~~الله يسر كل عبد لما خلق له فجعل عمله سببا لنيل ما خلق له من الثواب ~~والعقاب فلا بد من إثبات السبب والمسبب جميعا # الوجه الثاني عشر قوله المتوكل من أراح نفسه من كد النظر في مطالعة السبب ~~سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين عنده فهذا الكلام إن أخذ على ~~إطلاقه فهو باطل قطعا فإن السكون إلى ما سبق من القسمة وترك السبب في أعمال ~~البر عين العجز وتعطيل الأمر والشرع ولا يجوز شرعا ولا عقلا التسوية بين ~~الحالين وأما السكون إلى ما سبق من القسمة في أسباب المعيشة فهو حق ولكن ~~الكمال أن يكون ساكنا إلى ما سبق مع قيامه وهذه حالة الكملة من الصحابة ومن ~~بعدهم فالكمال هو تنزيل الأسباب منازلها علما وعملا لا الإعراض عنها ومحوها ~~ولا الانتهاء إليها والوقوف عندها # الوجه الثالث عشر قوله مع استواء الحالين عنده وهو أن يعلم أن الطلب لا ~~يجمع والتوكل لا يمنع يشير به إلى استواء الحالين في مباشرة السبب وتركه ~~نظرا إلى ما سبق وهذا ليس بمأمور ولا معذور فإنه لا تستوي الحالتان شرعا ~~ولا قدرا وكيف يستوي مالم يسوه الله شرعا ولا قدرا PageV01P397 # الوجه الرابع عشر قوله الطلب لا يجمع والتوكل لا يمنع فقد بين أن التوكل ~~لا ينافي الطلب بل حقيقة التوكل وكماله مقارنته للطلب ومصاحبته للسبب وأما ~~توكل مجرد عن الطلب والسبب فعجرز وأماني فتوكل الحراث إنما هو بعد شق الأرض ~~وبذرها وحينئذ يصح منه التوكل في طلوع الزرع وأما توكله من غير حرث ولا بذر ~~فعجز وبطالة # الوجه الخامس عشر قوله ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله مدخولا وقصده ~~معلولا فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ في ms283 توكله سوى خالص حق الله ~~كفاه كل مهم فيقال التوكل يكون في أحد شيئين إما في حصول حظ العبد ورزقه ~~ونصره وعافيته وإما في حصول مراد ربه منه وكلاهما عبادة مأمور بها والثاني ~~أكمل من الأول بحسب المتوكل فيه ولكن توكله في الأول لا يكون معلولا من حيث ~~هو توكل وإنما تكون علته أن صرف توكله إلى غيره أولى بالتوكل منه وهذا إنما ~~يكون نقصا إذا ضعف توكله في الأمر ومراد الله منه وأما إن لم يضعفه بل أعطى ~~كل مقام حقه من التوكل فهذا محض العبودية والله أعلم فصل المثال الخامس ~~الصبر قال أبو العباس وهو من منازل العوام أيضا لأن الصبر حبس النفس على ~~مكروه وعقل اللسان عن الشكوى ومكابدة الغصص في تحمله وانتظار الفرج عن ~~عاقبته وهذا في طريق الخاصة تجلد ومناوأة وجرأة ومنازعة فإن حاصله يرجع إلى ~~كتمان الشكوى في تحمل الأذى بالبلوى وتحقيقه الخروج عن الشكوى بالتذذ ~~بالبلوى والاستبشار باختيار المولى وقيل إنه على ثلاث مقامات مرتبة بعضها ~~فوق بعض فالأول التصبر وهو تحمل مشقة وتجرع غصة PageV01P398 والثبات على ما ~~يجري من الحكم وهذا هو التصبر لله وهو صبر العوام والثاني الصبر وهو نوع ~~سهولة تخفف عن المبتلي بعض الثقل وتسهل عليه صعوبة المراد وهو الصبر لله ~~وهو نوع سهولة وهو صبر المريدين والثالث الاصطبار وهو التلذذ بالبلوى ~~والاستبشار باختيار المولى وهذا هو الصبر على الله وهو صبر العارفين ~~والكلام على هذا من وجوه # أحدها أن يقال الصبر نصف الدين فإن الإيمان نصفان رد نصف صبر ونصف شكر ~~قال تعالى إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وقال النبي والذي نفسي بيده لا ~~يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ~~وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن فمنازل الإيمان كلها ~~بين الصبر والشكر والذي يوضح هذا # الوجه الثاني وهو أن العبد لا يخلو قط من أن يكون في نعمة أو بلية فإن ~~كان ms284 في نعمة ففرضها الشكر والصبر وأما الشكر فهو قيدها وثباتها والكفيل ~~بمزيدها وأما الصبر فعن مباشرة الأسباب التي تسلبها وعلى القيام بالأسباب ~~التي تحفظها فهو أحوج إلى الصبر فيها من حاجة المبتلى ومن هنا يعلم سر ~~مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر وأن كلا منهما محتاج إلى الشكر والصبر ~~وأنه قد يكون صبر الغني أكمل من صبر الفقير كما قد يكون شكر الفقير أكمل ~~فأفضلهما أعظمهما شكرا وصبرا فإن فضل أحدهما في ذلك فضل صاحبه فالشكر ~~مستلزم للصبر لا يتم إلا به والصبر مستلزم للشكر لا يتم إلا به فمتى ذهب ~~الشكر ذهب الصبر ومتى ذهب الصبر ذهب الشكر وإن كان في بلية ففرضها الصبر ~~والشكر PageV01P399 أيضا أما الصبر فظاهر وأما الشكر فللقيام بحق الله عليه ~~في تلك البلية فإن لله على العبد أن يقوم بعبوديته في هذا وهذا فعلم أنه لا ~~انفكاك له عن الصبر ما دام سائرا إلى الله # الوجه الثالث أن الصبر ثلاثة أقسام إما صبر عن المعصية فلا يرتكبها وإما ~~صبر على الطاعة حتى يؤديها وإما صبر على البلية فلا يشكو ربه فيها وإن كان ~~العبد لا بد له من واحد من هذه الثلاثة فالصبر لازم له أبدا لا خروج له عنه ~~البتة # الوجه الرابع أن الله سبحانه ذكر الصبر في كتابه في نحو تسعين موضعا فمرة ~~أمر به ومرة أثنى على أهله ومرة أمر نبيه أن يبشر به أهله ومرة جعله شرطا ~~في حصول النصر والكفاية ومرة أخبر أنه مع أهله وأثنى به على صفوته من ~~العالمين وهم أنبياؤه ورسله فقال عن نبيه أيوب إنا وجدناه صابرا نعم العبد ~~إنه أواب وقال لخاتم أنبيائه ورسله فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل @QB@ ~~وقال @QE@ واصبر وما صبرك إلا بالله وقال يوسف الصديق وقد قال له إخوته ~~إءنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وهذا يدل على أن الصبر من أجل مقامات ~~الإيمان ms285 وأن أخص الناس بالله وأولاهم به أشدهم قياما وتحققا به وأن الخاصة ~~أحوج إليه من العامة # الوجه الخامس أن الصبر سبب في حصول كل كمال فأكمل الخلق أصبرهم ولم يتخلف ~~عن أحد كماله الممكن إلا من ضعف صبره فإن كمال العبد بالعزيمة والثبات فمن ~~لم يكن له عزيمة فهو ناقص ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ~~ناقص فإذا انضم الثبات إلى PageV01P400 العزيمة أثمر كل مقام شريف وحال ~~كامل ولهذا في دعاء النبي الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه اللهم ~~إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ومعلوم أن شجرة الثبات ~~والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر فلو علم العبد الكنز الذي تحت هذه ~~الأحرف الثلاثة أعني اسم الصبر لما تخلف عنه قال النبي ما أعطي أحد عطاء ~~خيرا وأوسع من الصبر وقال عمر بن الخطاب حين غشي عليه أدركناه بالصبر وفي ~~مثل هذا قال قائل # نزه فؤادك عن سوانا والقنا % فجنابنا حل لكل منزه # والصبر طلسم لكنز وصالنا % من حل ذا الطلسم فاز بكنزه # فالصبر طلسم على كنز السعادة من حله ظفر بالكنز # الوجه السادس قوله الصبر حبس النفس على مكروه وعقل اللسان عن الشكوى ~~ومكابدة الغصص في تحمله وانتظار الفرج عند عاقبته فيقال هذا أحد أقسام ~~الصبر وهو الصبر على البلاء وأما الصبر على الطاعة فقد يعرض فيه ذلك أو ~~بعضه وقد لا يعرض فيه بل يتحلى PageV01P401 بها ويأتي بها محبة ورضى ومع ~~هذا فالصبر واقع عليها فإنه حبس النفس على مداومتها والقيام بها قال الله ~~تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي وأما الصبر عن ~~المعصية فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه وقد لا يعرض فيه لتمكن الصابر من قهر ~~داعيها وغلبته وإذا كان ما ذكر من الأمور الأربعة إنما يعرض في الصبر على ~~البلية فقوله إنه في طريق الخاصة تجلد ومناوأة وجرأة ومنازعة ليس كذلك ~~وإنما فيه التجلد فأين المناوأة والجرأة والمنازعة وأما لوازم الطبيعة من ~~وجود ms286 ألم البلوى فلا تنقلب ولا تعدم فلا يصح أن يقال إن وجود التألم ~~والتجلد عليه وحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى جرأة ومنازعة بل هو ~~محض العبودية والاستكانة وامتثال الأمر وهو من عبودية الله المفروضة على ~~عبده في البلاء فالقيام بها عين كمال العبد ولوازم الطبيعة لا بد منها ومن ~~رام أن لا يجد البرد والحر والجوع والعطش والألم عند تمام أسبابها وعللها ~~فقد رام الممتنع وهل يكون الأجر إلا على وجود تلك الآلام والمشاق والصبر ~~عليها وقد ثبت عن النبي أنه قال أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ~~وقيل له في مرضه إنك لتوعك وعكا شديدا قال أجل إن PageV01P402 لي أجر رجلين ~~منكم يعني في وعكة ولا ريب أن ذلك الوعك مؤلم له وأيضا في مرض موته قال ~~وارأساه وهذا إنما هو من وجود ألم الصداع وكان يقول في غمرات الموت اللهم ~~أعني على سكرات الموت وهذا كله لتكميل أجره وزيادة رفعة درجاته وهل كان ذلك ~~PageV01P403 إلا محض العبودية وعين الكمال وهل الجرأة والمناوأة والمنازعة ~~إلا في ترك الصبر وفي التسخط والشكوى # الوجه السابع قوله فإن حامله يرجع إلى كتمان الشكوى في تحامل الأذى ~~بالبلوى والاستبشار باختيار المولى فيقال الذي يمكن الخروج عنه هو الشكوى ~~وأما أن يخرج عن ذوق البلوى فلا يجده أو يتلذذ به فهذا غير ممكن ولا هو في ~~الطبيعة وإنما الممكن أن يشاهد العبد في تضاعيف البلاء لطف صنع الله به ~~وحسن اختياره له وبره به في حمله عنه مؤنة حمله وتشتغل النفس باستخراج ~~لطائف صنع الله به وبره وحسن اختياره عن شهود حمله فيحصل له لذة بما شهده ~~من ذلك وفوق هذا مرتبة أرفع منه وهي أن يشهد أن هذا مراد محبوبه وأنه بمرأى ~~منه ومسمع وأنه هديته إلى عبده وخلعته التي خلعها عليه ليرفل له في أذيال ~~التذلل والمسكنة والتضرع لعزته وجلاله فيعلم العبد أن حقيقة المحبة هي ~~موافقة المحبوب في محابه فيحب ما يحبه محبوبه فيحب العبد تلك الحال من ms287 حيث ~~موافقته لمحبوبه وإن كرهها من حيث الطبع البشري فإن هذه الكراهة لا تنافي ~~محبته لها كما يكره طبعه الداء الكريه وهو يحبه من وجه آخر وهذا لا ينكر في ~~المحبة المتعلقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها كما قال القائل في ذلك # أهوى هواه وبعدي عنه يعجبه % فالبعد قد صار لي في حبه أربا # وقال الآخر # وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا % ما من يهون عليك ممن أكرم # وإنه لتبلغ المحبة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه عن مراده هو منه ~~فإذا شهد مراد محبوبه أحبه وإن كان كريها إليه فهذا لا ينكر ولا ينافي ~~التألم بمراد المحبوب المنافي للمحب وصبره عليه بل يجتمع في حقه الأمران ~~وتقوى هذه المحبة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى PageV01P404 وإفضائها ~~إلى غاية النعيم واللذة فكلما قوي علمه بذلك وقويت محبته لمن ذكره بابتلائه ~~ازداد تلذذه بها مع الكراهية الطبيعية التي هي من لوازم الخلقة ولا سيما ~~إذا علم المحب الذي أحب الأشياء إليه أن يجري ذكره على بال محبوبه أن ~~محبوبه قد ذكره بنوع من الامتحان فإنه يفرح بذكره له وإن ساءه ما ذكره به ~~كما قال القائل # لئن ساءني أن نلتني بمساءة % لقد سرني أني خطرت ببالكا # الوجه الثامن قوله وهو على ثلاث مقامات مرتبة بعضها فوق بعض فالأول ~~التصبر إلى قوله وهو صبر العوام فيقال لا ريب أن التصبر مؤذن بتكلف وتحمل ~~على كره ولكن هذا لا بد منه في الصبر وهو سببه الذي ينال به فالتصبر من ~~العبد والصبر ثمرته التي يفرعها الله إذا تعاطاه وتكلفه كما قال النبي ومن ~~يتصبر يصبره الله فمنزلة التصبر من الصبر منزلة التعلم والتفهم من العمل ~~والفهم فلا بد منه في حصول الصبر # الوجه التاسع قوله والثاني الصبر وهو نوع سهولة يخفف عن المبتلى بعض ~~الثقل ويسهل عليه صعوبة المراد وهو الصبر لله وهو صبر المريدين فقد تقدم أن ~~الصبر ثمرة التصبر وكلاهما إنما يحمد إذا كان لله وإنما يكون إذا كان بالله ~~فما لم يكن به ms288 لا يكون وما لم يكن له لا ينفع ولا يثمر فكلاهما لا يحصل ~~للمريد السالك مقصوده إلا أن يكون بالله ولله قال تعالى في الصبر به واصبر ~~وما صبرك إلا بالله وقال في الصبر له واصبر لحكم ربك واختلف الناس أي ~~الصبرين أعلى وأفضل PageV01P405 الصبر له أو به فقالت طائفة منهم صاحب ~~منازل السائرين وأضعف الصبر الصبر لله وهو صبر العامة وفوقه الصبر بالله ~~وهو صبر العابد الذي تصبر نفسه لأمر الله طالبا لمرضاته وثوابه فهو صابر ~~على العمل صابر عن المحرمات وأما الصبر به فهو تبرؤ من الحول والقوة وإضافة ~~ذلك إلى الله وهو صبر المريد وأما الصبر على الله فصبر السالك على ما يجيء ~~به متعلق أقداره وأحكامه والصواب أن الصبر لله أكمل من لاصبر به فإن الصبر ~~له متعلق بإلهيته ومحبته والصبر به متعلق بربوبيته ومشيئته وما هو له أكمل ~~مما هو به فإن ما هو له هو الغاية وما هو به هو الوسيلة فالصبر به وسيلة ~~والصبر له غاية وبينهما من التفاوت ما بين الغايات والوسائل وأيضا فإن ~~الصبر له متعلق بقوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين وهاتان الكلمتان ~~منقسمتان بين العبد وبين الله كما ثبت عن النبي فيما يروي عن ربه و إياك ~~نعبد وهي التي لله وإياك نستعين هي التي للعبد وما لله أكمل مما للعبد فما ~~تعلق بما هو له أفضل مما تعلق بما PageV01P406 هو للعبد وأيضا فالصبر له ~~مصدره المحبة والصبر به مصدره الاستعانة والمحبة أكمل من الاستعانة وأما ~~الصبر على الله فهو الصبر على أحكامه الدينية والكونية فهو يرجع إلى الصبر ~~على أوامره والصبر على ابتلائه فليس في الحقيقة قسما ثالثا والله أعلم فقد ~~تبين أن الصبر بجميع أقسامه أصل مقامات الإيمان وهو أصل لكمال العبد الذي ~~لا كمال له بدونه ولا يذم منه إلا قسم واحد وهو الصبر عن الله فإنه صبر ~~المعرضين المحجوبين فالصبر عن المحبوب أقبح شيء وأسوؤه وهو الذي يسقط المحب ~~من عين محبوبه فإن المحب كلما ms289 كان أكمل محبة كان صبره عن محبوبه متعذرا # الوجه العاشر قوله الثالث الاصطبار وهو التلذذ بالبلوى والاستبشار ~~باختيار المولى وهذا هو الصبر على الله وهو صبر العارفين فيقال الاصطبار ~~افتعال من الصبر كالاكتساب والاتخاذ وهو مشعر بزيادة المعنى على الصبر كأنه ~~صار سجية وملكة فإن هذا البناء مؤذن بالاتخاذ والاكتساب قال تعالى فارتقبهم ~~واصطبر فالاصطبار أبلغ من الصبر كما أن الاكتساب أبلغ من الكسب ولهذا كان ~~في العمل الذي يكون على صاحبه والكسب فيما له قال تعالى لها ما كسبت وعليها ~~ما اكتسبت تنبيها على أن الثواب يحصل لها بأدنى سعي وكسب وأن العقاب إنما ~~هو باكتسابها وتصرفها وما تعانيه وإذا علم العقاب إنما هو باكتسابها ~~وتصرفها وما تعانيه وإذا علم هذا فالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار الله ~~سبحانه لا يخص الاصطبار بل يكون مع الصبر ومع التصبر ولكن لما كان الاصطبار ~~أبلغ من الصبر وأقوى كان بهذا التلذذ والاستبشار أولى والله أعلم ~~PageV01P407 قاعدة الصبر عن المعصية ينشأ من أسباب عديدة # أحدها علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها وأن الله إنما حرمها ونهى عنها ~~صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره ~~وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد بالعذاب # السبب الثاني الحياء من الله سبحانه فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه ~~عليه وأنه بمرأى منه ومسمع وكان حييا استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه # السبب الثالث مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك فإن الذنوب تزيل النعم ولا ~~بد فما أذنب عبد ذنبا إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب فإن تاب ~~وراجع رجعت إليه أو مثلها وإن أصر لم ترجع إليه ولا تزال الذنوب تزيل عنه ~~نعمة حتى تسلب النعم كلها قال الله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم وأعظم النعم الإيمان وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر ~~وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها وقال بعض السلف أذنبت ذنبا فحرمت قيام الليل ~~سنة وقال آخر أذنبت ذنبا فحرمت فهم ms290 القرآن وفي مثل هذا قيل # إذا كنت في نعمة فارعها % فإن المعاصي تزيل النعم # وبالجملة فإن المعاصي نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب عياذا بالله ~~من زوال نعمته وتحويل عافيته # السبب الرابع خوف الله وخشية عقابه وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ~~ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله وهذا السبب يقوى بالعلم PageV01P408 ~~واليقين ويضعف بضعفهما قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~وقال بعض السلف كفى بخشية الله علما والاغترار بالله جهلا # السبب الخامس محبة الله وهي أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه ~~فإن المحب لمن يحب مطيع وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه ~~للطاعة وترك المخالفة أقوى وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة ~~وسلطانها وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من سوطه وعقوبته وبين ~~من يحمله على ذلك حبه لسيده وفي هذا قال عمر نعم العبد صهيب لو لم يخف الله ~~لم يعصه يعني أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما ~~يمنعه من معصيته فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه ~~وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه وههنا لطيفة يجب التنبه لها وهي ~~أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه ~~فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة وإلا فالمحبة ~~الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط وتذكر واشتياق ولهذا يتخلف عنها ~~أثرها وموجبها ويفتش العبد قلبه فيرى نوع محبة لله ولكن لا تحمله على ترك ~~معاصيه وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم فما عمر القلب شيء كالمحبة ~~المقترنة بإجلال الله وتعظيمه وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها ~~وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء PageV01P409 # السبب السادس شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب ~~التي تحطها وتضع من قدرها وتخفض منزلتها وتحقرها وتسوي بينها وبين السفلة # السبب السابع قوة العلم بسوء عاقبة المعصية وقبح أثرها والضرر الناشيء ~~منها من سواد الوجه ms291 وظلمة القلب وضيقه وغمه وحزنه وألمه وانحصاره وشدة قلقه ~~واضطرابه وتمزق شمله وضعفه عن مقاومة عدوه وتعريه من زينته والحيرة في أمره ~~وتخلي وليه وناصره عنه وتولي عدوه المبين له وتواري العلم الذي كان مستعدا ~~له عنه ونسيان ما كان حاصلا له أو ضعفه ولا بد ومرضه الذي إذا استحكم به ~~فهو الموت ولا بد فإن الذنوب تميت القلوب ومنها ذله بعد عزه ومنها أنه يصير ~~أسيرا في يد أعدائه بعد أن كان ملكا متصرفا يخافه أعداؤه ومنها أنه يضعف ~~تأثيره فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج فلا رعيته تطيعه إذا أمرها ~~ولا ينفذ في غيرهم ومنها زوال أمنه وتبدله به مخافة فأخوف الناس أشدهم ~~إساءة ومنها زوال الأنس والاستبدال به وحشة وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة ~~ومنها زوال الرضى واستبداله بالسخط ومنها زوال الطمأنينة بالله والسكون ~~إليه والإيواء عنده واستبداله بالطرد والبعد منه ومنها وقوعه في بئر ~~الحسرات فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم ~~يقض منها وطرا أو إلى غيرها إن قضى وطره منها وما يعجز عنه من ذلك أضعاف ~~أضعاف ما يقدر عليه وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه فيا لها ~~نارا قد عذب بها القلب في هذه الدار قبل نار الله الموقدة التي تطلع على ~~الأفئدة ومنها فقره بعد غناه فإنه كان غنيا بما معه من رأس مال الإيمان وهو ~~يتجر به ويربح الأرباح الكثيرة فإذا سلب رأس ماله أصبح فقيرا معدما فإما أن ~~يسعى بتحصيل رأس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير وإلا فقد فاته ربح ~~كثير بما أضاعه من رأس ماله ومنها نقصان رزقه فإن العبد يحرم الرزق بالذنب ~~يصيبه ومنها PageV01P410 ضعف بدنه ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها ~~بالطاعة فتبدل بها مهانة وحقارة ومنها حصول البغضة والنفرة منه في قلوب ~~الناس ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض ~~منه ولا يعود إليه أبدا ومنها طمع عدوه ms292 فيه وظفره به فإنه إذا رآه منقادا ~~مستجيبا لما يأمره اشتد طمعه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير ~~هو وليه دون مولاه الحق ومنها الطبع والرين على قلبه فإن العبد إذا أذنب ~~نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب منها صقل قلبه وإن أذنب ذنبا آخر نكت فيه ~~نكتة أخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه فذلك هو الران قال الله تعالى كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة فإذا فعلها لم يجد ~~أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة ~~فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد ومنها أن تمنع قلبه من ترحله من الدنيا ~~ونزوله بساحة القيامة فإن القلب لا يزال مشتتا مضيعا حتى يرحل من الدنيا ~~وينزل في الآخرة فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيق والعناية من كل جهة ~~واجتمع على جمع أطرافه وقضاء جهازه وتعبئة زاده ليوم معاده وما لم يترحل ~~إلى الآخرة ويحضرها فالتعب والعناء والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا ~~محالة ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه فإن العبد إذا أعرض عن طاعة ~~الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه فأعرضت عنه ملائكته وعباده كما أنه إذا ~~أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه ومنها أن الذنب يستدعي ~~ذنبا آخر ثم يقوى أحدهما بالآخر فيستدعيان ثالثا ثم تجتمع الثلاثة فتستدعي ~~رابعا وهلم جرا حتى تغمره ذنوبه وتحيط به خطيئته قال بعض السلف إن من ثواب ~~الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها ومنها علمه بفوات ما هو ~~أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير PageV01P411 جنسها فإنه لا يجمع الله ~~لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة كما قال تعالى ويوم ~~يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~فالمؤمن لا يذهب طيباته في الدنيا بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة وأما ~~الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص ms293 على تناول حظوظه كلها وطيباته في ~~الدنيا ومنها علمه بأن أعماله هي زاده ووسيلته إلى دار إقامته فإن تزود من ~~معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجناة وإن تزود من طاعته وصل ~~إلى دار أهل طاعته وولايته ومنها علمه بأن عمله هو وليه في قبره وأنيسه فيه ~~وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه فإن شاء جعله له وإن شاء جعله عليه ~~ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به فبحسب ~~قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها وأعمال الفجور تهوي به وتجذبه إلى ~~الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين بحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله ~~إلى حيث يستقر به قال الله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه وقال تعالى إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب ~~السماء فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها لم تفتح لأرواحهم ~~عند المفارقة بل أغلقت عنها وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب ~~السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه فتحت لأرواحهم حتى وصلت ~~إليه تعالى وقامت بين يديه فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين ومنهاخروجه ~~من حصن الله الذي لا ضيعة على من دخله فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبا ~~للصوص وقطاع الطريق فما الظن بمن خرج من حصن PageV01P412 حصين لا تدركه فيه ~~آفة إلى خربة موحشة هي مأوى اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئا من ~~متاعه ومنها أنه بالمعصية قد تعرض لمحق بركته وبالجملة فآثار المعصية ~~القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علما وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن ~~يحيط بها علما فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله وشر الدنيا ~~والآخرة بحذافيره في معصيته وفي بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى من ذا ~~الذي أطاعني فشقي بطاعتي ومن ذ الذي عصاني فسعد بمعصيتي # السبب الثامن قصر الأمل وعلمه بسرعة انتقاله وأنه كمسافر دخل قرية وهو ~~مزمع على الخروج منها أو كراكب قال ms294 في ظل شجرة ثم سار وتركها فهو لعلمه ~~بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه حريص ~~على الانتقال بخير ما بحضرته فليس للعبد أنفع من قصر الأمل ولا أضر من ~~التسويف وطول الأمل # السبب التاسع مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه ~~بالناس فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات فإنها تطلب ~~لها مصرفا فيضيق عليها المباح فتتعداه إلى الحرام ومن أعظم الأشياء ضررا ~~على العبد بطالته وفراغه فإن النفس لا تقعد فارغة بل إن لم يشغلها بما ~~ينفعها شغلته بما يضره ولا بد # السبب العاشر وهو الجامع لهذه الأسباب كلها ثبات شجرة الإيمان في القلب ~~فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه فكلما كان إيمانه أقوى كان ~~صبره أتم وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر فإن من باشر قلبه الإيمان بقيام الله ~~عليه ورؤيته له وتحريمه لما حرم عليه وبغضه له ومقته لفاعله وباشر قلبه ~~الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار امتنع من أن لا يعمل بموجب هذا ~~العلم ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ ~~الثابت فقد غلط فإذا قوي PageV01P413 سراج الإيمان في القلب وأضاءت جهاته ~~كلها به وأشرق نوره في أرجائه سرى ذل النور إلى الأعضاء وانبعث إليها ~~فأسرعت الإجابة لداعي الإيمان وانقادت له طائعة مذللة غير متثاقلة ولا ~~كارهة بل تفرح بدعوته حين يدعوها كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسن إليه ~~إلى محل كرامته فهو كل وقت يترقب داعيه ويتأهب لموافاته والله يختص برحمته ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل والصبر على الطاعة ينشأ من معرفة هذه ~~الأسباب ومن معرفة ما تجلبه الطاعة من العواقب الحميدة والآثار الجميلة ومن ~~أقوى أسبابها الإيمان والمحبة فكلما قوي داعي الإيمان والمحبة في القلب ~~كانت استجابته للطاعة بحسبه # وههنا مسألة تكلم فيها الناس وهي أي الصبرين أفضل صبر العبد عن المعصية ~~أم صبره على الطاعة فطائفة رجحت الأول وقالت الصبر عن المعصية من وظائف ~~الصديقين ms295 كما قال بعض السلف أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يقوى على ~~ترك المعاصي إلا صديق قالوا ولأن داعي المعصية أشد من داعي ترك الطاعة فإن ~~داعي المعصية إلى أمر وجودي تشتهيه النفس وتلتذ به والداعي إلى ترك الطاعة ~~الكسل والبطالة والمهانة ولا ريب أن داعي المعصية أقوى قالوا ولأن العصيان ~~قد اجتمع عليه داعي النفس والهوى والشيطان وأسباب الدنيا وقرناء الرجل وطلب ~~التشبه والمحاكاة وميل اطلبع وكل واحد من هذه الدواعي يجذب العبد إلى ~~المعصية ويطلب أثره فكيف إذا اجتمعت وتظاهرت على القلب فأي صبر أقوى من صبر ~~عن إجابتها ولولا أن الله يصبره لما تأتى منه الصبر وهذا القول كما ترى ~~حجته في غاية الظهور ورجحت طائفة الصبر على الطاعة بناء منها على أن فعل ~~المأمور أفضل من ترك المنهيات واحتجت على ذلك بنحو من عشرين حجة ولا ريب أن ~~فعل المأمورات PageV01P414 إنما يتم بالصبر عليها فإذا كان فعلها أفضل كان ~~الصبر عليها أفضل وفصل النزاع في ذلك أن هذا يختلف باختلاف الطاعة والمعصية ~~فالصبر على الطاعة المعظمة الكبيرة أفضل من الصبر عن المعصية الصغيرة ~~الدنية والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة وصبر ~~العبد على الجهاد مثلا أفضل وأعظم من صبره عن كثير من الصغائر وصبره عن ~~كبائر الإثم والفواحش أعظم من صبره على صلاة الصبح وصوم يوم تطوعا ونحوه ~~فهذا فصل النزاع في المسألة والله أعلم فصل والصبر على البلاء ينشأ من ~~أسباب عديدة # أحدها شهود جزائها وثوابها # الثاني شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها # الثالث شهود القدر السابق الجاري بها وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن ~~يخلق فلا بد منها فجزعه لا يزيده إلا بلاء # الرابع شهوده حق الله عليه في تلك البلوى وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين ~~الأمة أو الصبر والرضا على أحد القولين فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته ~~عليه في تلك البلوى فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه # الخامس شهود ترتبها عليه بذنبه كما قال الله تعالى ms296 وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة فشغله شهود هذا السبب ~~بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة قال علي بن أبي طالب ~~ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة # السادس أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها وأن العبودية ~~PageV01P415 تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه فإن لم يوف قدر المقبام ~~حقه فهو لضعفه فلينزل إلى مقام الصبر عليها فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم ~~وتعدى لحق # السابع أن يعلم أن هذه المصيبة هي داء نافع ساقه إليه الطبيب العليم ~~بمصلحته الرحيم به فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه ~~باطلا # الثامن أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال ~~الألم مالم تحصل بدونه فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الداء ومرارته فلينظر إلى ~~عاقبته وحسن تأثيره قال تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وقال الله تعالى فعسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا وفي مثل هذا القائل # لعل عتبك محمود عواقبه % وربما صحت الأجسام بالعلل # التاسع أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله وإنما جاءت لتمتحن صبره ~~وتبتليه فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا فإن ~~ثبت اصطفاه واجتباه وخلع عليه خلع الإكرام وألبسه ملا بس الفضل وجعل ~~أولياءه وحزبه خدما له وعونا له وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طرد ~~وصفع قفاه وأقصي وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها ~~وزيادتها ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة في حقه صارت مصائب كما يعلم ~~الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعما عديدة وما بين هاتين المنزلتين ~~المتباينتين إلا صبر ساعة PageV01P416 وتشجيع القلب في تلك الساعة والمصيبة ~~لا بد أن تقلع عن هذا وهذا ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات وعن ~~الآخرة بالحرمان ms297 والخذلان لأن ذلك تقدير العزيز العليم وفضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم # العاشر أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء ~~فيستخرج من عبوديته في جميع الأحوال فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية ~~الله على اختلاف الأحوال وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف ~~فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه فليس من عبيده ~~الذين اختارهم لعبوديته فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء ~~والعافية هو الأيمان النافع وقت الحاجة وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب ~~العبد ويبلغه منازل المؤمنين وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاء والعافية ~~فالابتلاء كير العبد ومحك إيمانه فإما أن يخرج تبرا أحمر وإما أن يخرج زغلا ~~محضا وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية فلا يزال به البلاء حتى يخرج ~~المادة النحاسية من ذهبه ويبقى ذهبا خالصا فلو علم العبد أن نعمة الله عليه ~~في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية لشغل قلبه بشكره ولسانه ~~اللهم أعني على ذكرك وشكر وحسن عبادتك وكيف لا يشكر من قيض له ما يستخرج ~~خبثه ونحاسه وصيره تبرا خالصا يصلح لمجاورته والنظر إليه في داره فهذه ~~الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء فإن قويت أثمرت الرضا والشكر فنسأل ~~الله أن يسترنا بعافيته ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه فصل المثال السادس ~~الحزن قال أبو العباس وهو من منازل العوام وهو انخلاع عن السرور وملازمة ~~الكآبة لتأسف عن فائت أو توجع لممتنع وإنما كان من منازل العوام لأن فيه ~~نسيان المنة والبقباء في رق الطبع وهو في مسالك الخواص حجاب لأن معرفة الله ~~جلا نورها كل PageV01P417 ظلمة وكشف سرورها كل غمة فبذلك فليفرحوا وقيل ~~أوحى الله إلى داود يا داود بي فافرح وبذكري فتلذذ وبمعرفتي فافتخر فعما ~~قليل أفرغ الدار من الفاسقين وأنزل نقمتي على الظالمين # اعلم أن الحزن من عوارض الطريق ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل ~~السائرين ولهذا لم يأمر الله ms298 به في موضع قط ولا أثنى عليه ولا رتب عليه ~~جزاء ولا ثوابا بل نهى عنه في غير موضع كقوله تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما ~~يمكرون وقال تعالى فلا تأس على القوم الفاسقين @QB@ وقال @QE@ إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأل الله ~~دفعها وكشفها ولهذا يقول أهل الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن فحمدوه ~~على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها وفي الصحيح عن النبي أنه كان يقول ~~في دعائه اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل ~~وضلع الدين وغلبة الرجال فاستعاذ من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان ~~فالهم والحزن قرينان وهما الألم الوارد على القلب فإن كان على ما مضى فهو ~~حزن وإن كان على ما يستقبل فهو الهم فالألم الوارد إن كان مصدره فوت الماضي ~~أثر الحزن وإن كان PageV01P418 مصدره خوف الآتي أثر الهم والعجز والكسل ~~قرينان فإن تخلف مصلحة العبد وبعدها عنه إن كان من عدم القدرة فهو عجز وإن ~~كان من عدم الإرادة فهو كسل والجبن والبخل قرينان فإن الإحسان يفرح القلب ~~ويشرح الصدر ويجلب النعم ويدفع النقم وتركه يوجب الضيم والضيق ويمنع وصول ~~النعم إلريه فالجن ترك الإحسان بالبدن والبخل ترك الإحسان بالمال وغلبة ~~الدين وقهر الرجال قرينان فإن القهر والغلبة الحاصلة للعبد إما منه وإما من ~~غيره وإن شئت قلت إما بحق وإما بباطل من غيره والمقبصود أن النبي جعل الحزن ~~مما يستغاذ منه وذلك لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم ويضر الإرادة ولا ~~شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن قال تعالى إنما النجوى من ال شيطان ~~ليحزن الذين ءامنوا فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره ~~وتشميره والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره ~~كالمرض والألم ونحوهما وأما أن يكون عبادة مأمورا بتحصيلها وطلبها فلا ففرق ~~بين ما ms299 يثاب عليه العبد من المأمورات وما يثاب عليه من البليات ولكن يحمد ~~في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته فإن المؤمن إما أن يحزن على تفريطه ~~وتقصيره في خدمة ربه وعبوديته وإما أن يحزن على تورطه في مخالفته ومعصيته ~~وضياع أيامه وأوقاته وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته حيث شغل ~~قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه ولو كان قلبه ميتا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم ~~يتألم فما لجرح بميت إيلام وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم ~~أقوى ولكن الحزن لا يجدي عليه فإنه يضعفه كما تقدم بل الذي ينفعه أن يستقبل ~~السير ويجد ويشمر ويبذل جهده وهذا نظير من انقطاع عن رفقته في السفر فجلس ~~في الطرريق حزينا كئيبا يشهد انقطاعه ويحدث نفسه باللحاق بالقوم فكلما فتر ~~وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته ووعدها إن PageV01P419 صبرت أن تلحق بهم ~~ويزول عنها وحشة الانقطاع فهكذا السالك إلى منازل الأبرار وديار المقربين ~~وأخص من هذا الحزن حزنه على قطع الوقت بالتفرقة المضعفة للقلب عن تمام سيره ~~وجده في سلوكه فإن التفرقة من أعظم البلاء على السالك ولا سيما في ابتداء ~~أمره فالأول حزن على التفريط في الأعمال وهذا حزن على نقص حاله مع الله ~~وتفرقة قلبه وكيف صار وقته ظرفا لتفرقة حاله واشتغال قلبه بغير معبوده وأخص ~~من هذا الحزن حزنه على جزء من أجزاء قلبه كيف هو خال من محبة لله وعلى جزء ~~من أجزاء بدنه كيف هو منصرف في غير محاب الله فهذا حزن الخاصة ويدخل في هذا ~~حزنهم على كل معارض يشغلهم عما هم بصدده من خاطر أو إرادة أو شاغل من خارج ~~فهذه المراتب من الحزن لا بد منها في الطريق ولكن الكيس لا يدعها تملكه ~~وتقعده بل يجعل عوض فكرته فيها فكرته فيما يدفعها به فإن المكروه إذا ورد ~~على النفس فإن كانت صغيرة اشتغلت بفكرها فيه وفي حصوله عن الفكرة في ~~الأسباب التي يدفعها به فأورثها الحزن وإن كانت نفسا ms300 كبيرة شريفة لم تفكر ~~فيه بل تصرف فكرها إلى ما ينفعها فإن علمت منه مخرجا فكرت في طريق ذلك ~~المخرج وأسبابه وإن علمت أنه لا مخرج منه فكرت في عبودية الله فيه وكان ذلك ~~عوضا لها من الحزن فعلى كل حال لا فائدة لها في الحزن أصلا والله أعلم وقال ~~بعض العارفين ليست الخاصة من الحزن في شيء وقوله معرفة الله جلا نورها كل ~~ظلمة وكشف سرورها كل غمة كلام في غاية الحسن فإن من عرف الله أحبه ولا بد ~~ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم ~~والأحزان وعمر قلبه بالسرور والأفراح وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من ~~كل جانب فإنه لا حزن مع الله ابدا ولهذا قال حكاية عن نبيه أنه قال لصاحبه ~~أبي بكر لا تحزن إن الله معنا فدل أنه لا حزن مع الله وأن من كان الله معه ~~فما له PageV01P420 والحزن وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله فمن حصل ~~الله له فعلى أي شيء يحزن ومن فاته الله فبأي شيء يفرح قال تعالى قل بفضل ~~الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا فالفرح بفضله ورحمته تبع للفرح به سبحانه ~~فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به من حبيب أو حياة أو مال ~~أو نعمة أو ملك يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله ولا ينال القلب حقيقب ة ~~الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة فيظهر سرورها في قلبه ونضرتها في ~~وجهه فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقاهم الله نضرة وسرورا فلمثل هذا ~~فليعمل العاملون وفي ذلك فليتنافس المتنافسون فهذا هو العلم الذي شمر إليه ~~أولوا الهمم والعزائم واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم # تلك المكارم لا قعبان من لبن % شيبا بماء فعادا بعد أبوالا فصل والمثال ~~السابع الخوف قال أبو العباس هو الانخلاع عن طمأنينة الأمن والتيقظ لنداء ~~الوعيد والحذر من سطوة العقاب وهو من منازل العوام أيضا وليس في منازل ~~الخواص خوف للأنه لا أمان للغافل ms301 إنما يعبد مولاه على وحشة من نظره ونفرة ~~من الأنس به عند ذكره ترى الطالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم وأما ~~الخواص أهل الاختصاص فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدا والعذاب فيه عذبا لأنهم ~~شاهدوا المبتلى من البلاء والمعذب في العذاب فاستعذبوا ما وجدوا في جنب ما ~~شاهدوا في ذلك قال قائلهم # سقمي في الحب عافيتي % ووجودي في الهوى عدمي # وعذاب ترتضون به % في فمي أحلى من النعم PageV01P421 # ومن كان مستغرقا في المشاهدة حل في بساط الأنس فلا يبقى للخوف بساحته ألم ~~لأن المشاهدة توجب الأنس والخوف يوجب القبض ثم ذكر حكاية المضروب الذي ضرب ~~مائة سوط فلم يتألم لأجل نظر محبوبه إليه ثم ضرب سوطا فصاح لما توارى عنه ~~محبوبه قال وقد قيل في قوله تعالى والكافرون لهم عذاب شديد دليل خطابه أن ~~المؤمنين لهم عذاب ولكن ليس بشديد وإنما كان عذاب الكفرين شديدا لأنهم لا ~~يشاهدون المعذب لهم والعذاب على شهود المعذب عذب والثواب على الغفة من ~~المعطي صعب فالخوف إذا من منازل العوام # والكلام على ما ذكره من وجوه # أحدها أن الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار ~~مقامات السالكين جميعها وهي الخوف والرجاء والمحبة وقد ذكره سبحانه في قوله ~~قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~فجمع بين المقامات الثلاثة فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه ~~وفعل ما يحبه ثم يقول ويرجون رحمته ويخافون عذابه فذكر الحب والخوف والرجاء ~~والمعنى إن الذين تدعونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين ~~يتقربون إلى ربهم ويخافونه ويرجونه فهم عبيده كما أنكم عبيده فلماذا ~~تعبدونهم من دونه وأنتم وهم عبيد له وقد أمر سبحانه بالخوف منه في قوله فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين فجعل الخوف منه شرطا PageV01P422 في تحقيق ~~الإيمان وإن كان الشرط داخلا في الصيغة على الإيمان فهو المشروط في المعنى ~~والخوف شرط في ms302 حصوله وتحققه وذلك لأن الإيمان سبب الخوف الحاصل عليه وحصول ~~المسبب شرط في تحقيق السبب كما أن حصول السبب موجب لحصول مسببه فانتفاء ~~الإيمان عند انتفاء الخوف انتفاء للمشروط عند انتفاء شرطه وانتفاء الخوف عن ~~انتفاء الإيمان انتفاء للمعلول عند انتفاء علته فتدبره والمعنى إن كنتم ~~مؤمنين فخافوني والجزاء محذوف مدلول عليه بالأول عند سيبويه وأصحابه أو هو ~~المتقدم نفسه وهو جزاء وإن تقدم كما هو مذهب المكوفيين وعلى التقديرين ~~فأداة الشرط قد دخلت على السبب المقتضي للخوف وهو الإيمان وكل منهما مستلزم ~~للآخر لكن الاستلزام مختلف وكل منهم منتف عند انتفاء الآخر لكن جهة ~~الانتفاء مختلفة كما تقدم والمقصود أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته فلا ~~يختلف عنه وقال تعالى فلا تحشوا الناس واخشون وقد أثنى سبحانه على أقرب ~~عباده إليه بالخوف منه فقال عن أنبيائه بعد أن ثنى عليهم ومدحهم إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيران ويدعوننا رغبا ورهبا فالرغب الرجاء والرغبة والرهب ~~الخوف والخشية وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم من عذابه يخافون ربهم من ~~فوقهم ويفعلون ما يؤمرون وفي الصحيح عن النبي أنه قال إني أعلمكم بالله ~~وأشدكم له خشية وفي لفظ آخر إني PageV01P423 أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي ~~وكان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء وقد قال تعالى إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء فكلما كان العبد بالله أعلم كان له أخوف قال ابن ~~مسعود وكفى بخشية الله علما ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة ~~العبد به فأعرف الناس أخشاهم لله ومن عرف الله اشتد حياؤه منه وخوفه له ~~وحبه له وكلما ازداد معرفة ازداد حياء وخوفا وحبا فالخوف من أجل منازل ~~الطريق وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة وهم إليه أحوج وهم بهم أليق ولهم ~~ألزم فإن العبد إما أن يكون مستقيما أو مائلا عن الاستقامة فإن كان مائلا ~~عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف ~~وهو ينشأ من ثلاثة أمر أحدها معرفته بالجناية وقبحها والثاني ms303 تصديق الوعيد ~~وأن الله رتب على المعصية عقوبتها والثالث أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ~~ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف ~~وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه فإن الحامل على الذنب إما أن يكون ~~عدم علمه بقبحه وإما عدم علمه بسوء عاقبته وإما أن يجتمع له الأمران لكن ~~يحمله عليه اتكاله على التوبة وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان فإذا علم قبح ~~الذنب وعلم سوء مغبته وخاف أن لا يفتح له باب التوبة بل يمنعها ويحال بينه ~~وبينها اشتد خوفه هذا قبل الذنب فإذا عمله كان خوفه أشد PageV01P424 ~~وبالجملة فمن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزاؤها وذكر المعصية والتوعد ~~عليها وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج في قلبه من الخوف مالا يملكه ~~ولا يفارقه حتى ينجو وأما إن كان مستقيما مع الله فخوفه يكون مع جريان ~~الأنفاس لعلمه بأن الله مقلب القلوب وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن عز وجل فإن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه كما ~~ثبت عن النبي وكانت أكثر يمينه لا ومقلب القلوب لا ومقلب القلوب وقال بعض ~~السلف القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا وقال بعضهم مثل القلب ~~في سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن ويكفي في هذا ~~قوله تعالى واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه فأي قرار لمن هذه حاله ~~ومن احق بالخوف منه بل خوفه لازم له في كل حال وإن توارى عنه بغلبة حالة ~~أخرى عليه فالخوف حشو قلبه لكن توارى عنه بغلبة غيره فوجود الشيء غير العلم ~~به فالخوف الأول ثمرة العلم بالوعد والوعيد وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة ~~الله وعزته وجلاله وأنه الفعال لما يريد وأنه المحرك للقلب المصرف له ~~المقلب له كيف يشاء لا إله إلا هو # الوجه الثاني قوله وليس في منازل الخواص خوف قد تبين فساده وأن الخاصة ~~أشد خوفا من العامة # الوجه الثالث ms304 قوله العاقل يعبد ربه على وحشة من نظره ونفرة من الأنس به ~~عند ذكره ترى الظالمين مشفقين فهذا إنما هو وحشة PageV01P425 ونفار وهو غير ~~الخوف فإن الوحشة إنما تنشأ من عدم الخوف وأما الخوف فإنه يوجب هروبا إلى ~~الله وجميعة عليه وسكونا إليه فهي مخافة مقرونة بجلاوة وطمأنينة وسكينة ~~ومحبة بخلاف خوف المسيء الهارب من الله فإنه خوف مقرون بوحشة ونفرة فخوف ~~الهارب إليه سبحانه محشو بالحلاوة والسكينة والأنس لا وحشة معه وإنما يجد ~~الوحشة من نفسه فله نظران نظر إلى نفسه وجنايته فيوجب له وحشة ونظر إلى ربه ~~وقدرته عليه وعزه وجلاله فيوجب له خوفا مقرونا بأنس وحلاوة وطمأنينة # الوجه الرابع إن استشهاه بقوله ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع ~~بهم ليس استشهادا صحيحا فإن هذا وصف لحالهم في الآخرة عند معانية العذاب أو ~~عند الموت فهذا الإشفاق مقرون بالاستيحاش لأنه قد علم أنه صائر إليه كمن ~~قدم إلى العقوبة ورأى أسبابها فهو مشفق منها إذا رآها لعلمه بأنه صائر ~~إليها فليست الآية من الخوف المأمور به في شيء # والوجه الخامس أن الخوف يتعلق بالأفعال وأما الحب فإنه يتعلق بالذات ~~والصفات ولهذا يزول الخوف في الجنة وأما الحب فيزداد ولما كان الحب يتعلق ~~بالذات كان من أسمائه سبحانه الودود قال البخاري في صحيحه الحبيب وأما ~~الخوف فإن متعلقه أفعال الرب ولا يخرج عن كون سببه جناية العبد وإن كانت ~~جنايته من قدر الله ولهذا قال علي بن أبي طالب لا يرجون عبد إلا ربه ولا ~~يخافن عبد إلا ذنبه فمتعلق الخوف ذنب العبد وعاقبته وهي مفعولات للرب فليس ~~الخوف عائدا إلى نفس الذات والفرق بينه وبين االحب أن الحب سببه الكمال ~~وذاته تعالى لها الكمال المطلق وهو متعلق الحب التام وأما الخوف فسببه ~~PageV01P426 توقع المكروه وهذا إنما يكون في الأفعال والمفعولات وبهذا يعلم ~~بطلان قول من زعم أنه سبحانه يخاف لا لعلة ولا لسبب بل كما يخاف السيل الذي ~~لا يدري العبد من أين يأتيه وهذا بناء من ms305 هؤلاء على نفي محبته سبحانه ~~وحكمته وأنه ليس إلا محض المشيئة والإرادة التي ترجح مثلا على مثل بلا مرجح ~~ولا يراعي فيها حكمة ولا مصلحة وهؤلاء عندهم الخوف يتعلق بنفس الذات من غير ~~نظر إلى فعل العبد وأنه سبب المخافة إذ ليس عندهم سبب ولا حكمة بل إرادة ~~محضة يفعل بها ما يشاء من تنعيم وتعذيب وعند هؤلاء فالخوف لازم للعبد في كل ~~حال أحسن أم أساء وليس لأفعاله تأثير في الخوف وهذا من قلة نصيبهم من ~~المعرفة بالله وكماله وحكمته وأين هذا من قول أمير المؤمنين علي لا يرجون ~~عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه فجعل الرجاء متعلقا بالرب سبحانه وتعالى ~~لأن رحمته من لوازم ذاته وهي سبقت غضبه وأما الخوف فمتعلق بالذنب فهو سبب ~~المخافة حتى لو قدر عدم الذنب بالكلية لم تكن مخافة # فإن قيل فما وجه خوف الملائكة وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب ~~المخافة وشدة خوف النبي مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله قيل عن هذا أربعة أجوبه # الجواب الأول أن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده وكلما ~~كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره ~~ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره ونظير هذا في ~~المشاهد أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفا منه من البعد ~~عنه بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه وأنه يطالب من حقوق ~~الخدمة وأدائها بما لا يطالب به PageV01P427 غيره فهو أحق بالخوف من البعيد ~~ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية وفهم قوله ~~في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبي أنه قال ~~إن الله تعالى لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو ~~رحمهم كانت رحمته لهم ms306 خيرا من أعمالهم وليس المراد به لو عذبهم لتصرف في ~~ملكه والمتصرف في ملكه غير ظالم كما يظنه كثير من الناس فإن هذا يتضمن مدحا ~~والحديث إنما سيق للمدح بغير استحقاق فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما ~~أتوا ولهذا قال بعده ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم يعني أن ~~رحمته لهم ليست على قدر أعمالهم إذ أعمالهم لا تستقبل باقتضاء الرحمة وحقوق ~~عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها فلو عذبهم والحالة هذه ~~لكان تعذيبا لحقه وهو غير ظالم لهم فيه ولا سيما فإن أعمالهم لا توازي ~~القليل من نعمه عليهم فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم فإذا عذبهم ~~على ترك شكرهم وأداء حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالما لهم # فإن قيل فهم إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ~~ينبغي له مقدورا لهم فكيف يحسن العذاب عليه قيل الجواب من وجهين # أحدهما أن المقدور للعبد لا يأتي به كله بل لا بد من فتور وإعراض وغفلة ~~وتوان وأيضا ففي نفس قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال ~~المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامة لله فيها بحيث يبذل مقدوره كله ~~في تحسينها وتكميلها ظاهرا وباطنا فالتقصير لازم PageV01P428 في حال الترك ~~وفي حال الفعل ولهذا سأل الصديق النبي دعاء يدعو به في صلاته فقال له قل ~~اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من ~~عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكدا له بأن ~~المقتضية ثبوت الخبر وتحققه ثم أكده بالمصدر النافي للتجوز والاستعارة ثم ~~وصفه بالكثرة المقتضية لتعدده وتكثره ثم قال فاغفر لي مغفرة من عندك أي لا ~~ينالها عملي ولا سعيي بل عملي يقصر عنها وإنما هي من فضلك وإحسانك لا بكسبي ~~ولا باستغفاري وتوبتي ثم قال وارحمني أي ليس معولي إلا على مجرد رحمتك فإن ~~رحمتني وإلا فالهلاك لازم لي فليتدبر اللبيب هذا الدعاء ms307 وما فيه من المعارف ~~والعبودية وفي ضمنه أنه لو عذبتني لعدلت في ولم تظلمني وإني لا أنجو إلا ~~برحمتك ومغفرتك ومن هذا قوله لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول ~~الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فإذا كان عمل العبد ~~لا يستقل بالنجاة فلو لم ينجه الله فلم يكن قد بخسه شيئا من حقه ولا ظلمه ~~فإنه ليس معه ما يقتضي نجاته وعمله ليس وافيا بشكر القليل من نعمه فهل ~~PageV01P429 يكون ظالما لو عذبه وهل تكون رحمته له جزاء لعمله ويكون العمل ~~ثمنا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغي له من بذل النصيحة فيه وكمال ~~العبودية من الحياء والمراقبة والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدي الله في ~~العمل له ومن علم هذا علم السر في كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار ففي + ~~صحيح مسلم + عن ثوبان قال كان رسول الله إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا ~~وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام قال تعالى ~~كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون فأخبر عن استغفارهم ~~عقيب صلاة الليل قال الحسن مدوا الصلاة إلى السحر فلما كان السحر جلسوا ~~يستغفرون الله وأمر الله تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة في الحج فقال ~~ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم وشرع رسول ~~الله للمتوضىء أن يختم وضوءه بالتوحيد والاستغفار فيقول أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من ~~المتطهرين فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر وأن كل أحد محتاج إلى مغفرة ~~الله ورحمته وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلا # الجواب الثاني أنه لو فرض أن العبد يأتي بمقدوره كله من الطاعة ظاهرا ~~وباطنا فالذي ينبغي لربه فوق ذلك وأضعاف أضعافه فإذا عجز العبد عنه لم ~~يستحق ما يترتب عليه من الجزاء والذي أتى به لا يقابل أقل النعم فإذا حرم ~~جزاء ms308 العمل الذي ينبغي للرب من عبده كان ذلك تعذيبا PageV01P430 له ولم يكن ~~الرب ظالما له في هذا الحرمان ولو كان عاجزا عن أسبابه فإنه لم يمنعه حقا ~~يستحقه عليه فيكون ظالما بمنعه فإذا أعطاه الثواب كان مجرد صدقة منه وفضل ~~تصدق بها عليه لا ينالها عمله بل هي خير من عمله وأفضل وأكثر ليست معوضة ~~عليه والله أعلم # الجواب الثالث عن السؤال الأول أن العبد إذا علم أن الله سبحانه وتعالى ~~هو مقلب القلوب وأنه يحول بين المرءوقلبه وأنه تعالى كل يوم هو في شأن يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يريد وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويرفع من يشاء ويخفض ~~من يشاء فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته ~~وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقولهم بنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ~~فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم وكان من داء النبي اللهم ~~مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ومثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك وفي ~~الترمذي عنه أنه يدعو أعوذ بعزتك أن تضلني أنت الحي الذي لا تموت وكان من ~~دعائه اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك ~~فاستعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب وبفعل العافية من فعل العقوبة واستعاذ به ~~منه باعتبارين وكأن في استعاذته منه جمعا لما فصله في الجملتين قبله فإن ~~الاستعاذة به منه ترجع إلى معنى الكلام قبلها مع تضمنها فائدة شريفة وهي ~~كمال التوحيد وأن الذي يستعيذ به العائذ ويهرب منه إنما هو فعل الله ~~ومشيئته وقدره فهو وحده المنفرد بالحكم فإذا أراد بعبده سوءا لم يعذه ~~PageV01P431 منه إلا هو فهو الذي يريد به ما يسوؤه وهو الذي يريد دفعه عنه ~~فصار سبحانه مستعاذا به منه باعتبار الإرادتين وإن يمسسك الله بضرفلا كاشف ~~له إلا هو فهو الذي يمس بالضر وهو الذي يكشفه لاإله إلا هو فالمهرب منه ~~إليه والفرار منه إليه واللجأ منه إليه كما أن ms309 الاستعاذة منه فإنه لا رب ~~غيره ولا مدبر للعبد سواه فهو الذي يحركه ويقلبه ويصرفه كيف يشاء # الجواب الرابع أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق أفعال العبد الظاهرة ~~والباطنة فهو الذي يجعل الإيمان والهدى في القلب ويجعل التوبة والإنابة ~~والإقبال والمحبة والتفويض وأضدادها والعبد في كل لحظة مفتقر إلى هداية ~~يجعلها الله في قلبه وحركات يحركها بها في طاعته وهذا إلى الله سبحانه ~~وتعالى فهو خلقه وقدره وكان من دعاء النبي اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت ~~خير من زكاها أنت وليها ومولاها وعلم حصين بن المنذر أن يقول اللهم الهمني ~~رشدي وقني شر نفسي / ح / وعامة أدعيته متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له ~~واستعماله في محابه فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره وهو المالك له ~~ولها المتصرف فيه بما يشاء ليس من أمره شيء من أحق بالخوف منه وهب أنه قد ~~خلق له في الحال الهداية فهل هو على يقين وعلم أن الله سبحانه وتعالى ~~يخلقها له في المستقبل ويلهمه رشده أبدا فعلم أن خوف المقربين عند ربهم ~~أعظم من خوف غيرهم والله المستعان ومن ههنا كان PageV01P432 خوف السابقين ~~من فوات الإيمان كما قال بعض السلف أنتم تخافون الذنب وأنا أخاف الكفر وكان ~~عمر بن الخطاب يقول لحذيفة نشدتك الله هل سماني لك رسول الله يعني في ~~المنافقين فيقول لا ولا أزكي بعدك أحدا رواه البخاري يعني لا أفتح علي هذا ~~الباب في سؤال الناس لي وليس مراده أنه لم يخلص من النفاق غيرك # الوجه السادس قوله وأما الخواص فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدا والعذاب فيه ~~عذبا لأنهم شاهدوا المبتلى والمعذب فاستعذبوا ما وجدوا في جنب ما شاهدوا ~~إلى آخر كلامه فيقال هذا الكلام ونحوه من رعونات النفس ومن الشطحات التي ~~يجب إنكارها فمن ذا الذي جعل وعيد الله وعدا وعقابه ثوابا وعذابه عذابا وهل ~~هذا إلا إنكار لوعيده وعذابه في الحقيقة وأي عذاب أشد من عذابه نعوذ بالله ~~منه قال تعالى ولكن عذاب الله شديد @QB@ وقال ms310 @QE@ فيومئذ لا يعذب عذابه ~~أحد ولا يوثق وثاقه أحد وهذا أظهر في كل ملة من أن يحتاج إلى الاستدلال ~~عليه وإنما ينسب هذا المذهب إلى الملاحدة من القائلين بوحدة الوجود كما قال ~~قائلهم # ولم يبق إلا صادق الوعد ووحده % فما لوعيد الحق غير تعاين PageV01P433 # وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم % على لذة فيها نعيم مباين # يسمى عذابا من عذوبة طعمه % وذاك له كالقشر والقشر صائن # نعيم جنان الخلد والأمر واحد % وبينهما عند التجلي تباين # فهذا القائل خط على تلك النقطة التي نقطها أبو العباس ولعل الكلامين من ~~مشكاة واحدة وهذا مباين للمعلوم بالاضطرار من دين الرسل وما أخبرت به عن ~~الله وأخبر به على لسان رسول الله فإن قيل ليس مراده ما ذكرتم وفهمتم من ~~كلامه وإنما مراده أنه سبحانه إذا ابتلى عبده في الدنيا فهو لكمال محبته له ~~يتلذذ بتلك البلوى ويعدها نعمة وليس مراده عذاب الآخرة قيل قوله عن الخواص ~~أنهم جعلوا الوعيد منه وعدا ينفي ما ذكرتم من التأويل فإن ابتلاء الدنيا ~~غير الوعيد وأيضا فإنه في مقام الخوف ونفيه عن الخاصة محتجا عليه بأنهم ~~يرون العذاب عذبا والوعيد وعدا فما لهم وللخوف هذا مقصوده من سياق كلامه ~~واحتجاجه عليه بهذا الهذيان الذي يسخر منه العقلاء بل نحن لا ننكر أن العبد ~~إذا تمكن حب الله في قلبه حتى ملك جميع أجزائه فإنه قد يتلذذ بالبلوى ~~أحيانا وليس ذلك دائما ولا أكثريا ولكنه يعرض عند هيجان الحب وغلبة الشوق ~~فيقهر شهود الألم ثم يراجع طبيعته فيذوق الألم ولكن أين هذا من جعل الوعيد ~~وعدا والعذاب عذبا وإن أحسن الظن بصاحب هذا الكلام ظن به أنه ورد عليه وارد ~~من الحب يخيل في نفسه أن محبوبه إذا توعده كان ذلك منه وعدا وإن عذبه كان ~~عذابه عنده عذبا لموافقته مراد محبوبه وهذا خيال فاسد وتقدير في النفس وإلا ~~فالحقيقة الخارجية تكذب هذا الخيال الباطل بل لو صب عليه أدنى شيء من عذابه ~~لصاح واستغاث وطلب العفو والعافية وحكمة الله ms311 تقتضي تعجيز هذه النفوس ~~الجاهلة الرعناء الحمقاء بأدنى شيء يكون من الألم والوجع حتى يتبين لها ~~دعاويها الكاذبة وشطحها الباطل وهذا سيد المحبين وسيد ولد آدم استعاذته ~~بالله من عذابه وبلائه وسؤاله عافيته ومعافاته معلومة في أدعيته وتضرعه إلى ~~ربه وابتهاله PageV01P434 إليه في ذلك وهي أكثر وأشهر من أن تذكر ههنا وإن ~~ما في سيد المحبين أسوة وقدوة ولكن قد ابتلي كثير من أهل الإرادة بالشطح ~~كما ابتلي كثير من أهل الكلام بالشك والمعافى من عافاه الله من هذا وهذا ~~فنسأل الله عافيته ومعافاته # الوجه السابع قوله إن عذاب الكافرين إنما كان شديدا لأنهم لا يشاهدون ~~المعذب لهم والمؤمنون يشاهدونه فلم يكن عذابهم شديدا وليس كذلك فإن عذاب ~~الكافرين شديد في نفسه لغلظ جرمهم وهو الكفر وهو دائم لا انقطاع له وأما ~~المؤمنون الذين يعذبون بذنوبهم فعذابهم أضعف من عذاب الكافرين لأن عذابهم ~~على الذنوب وهي دون الكفر وهو منقطع والأية لم يرد بها إثبات عذاب المؤمنين ~~دون عذاب الكافرين وإنما سيقت لبيان عذاب الكافرين فحسب فمفهومها نفي ~~العذاب عن المؤمنين لا إثبات عذاب غير شديد والله أعلم # الوجه الثاني قوله وللخواص الهيبة وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية ~~الخوف والخوف يزول بالأمن وينتهي به خوف الشخص على نفسه من العقاب فإذا أمن ~~العقاب زال الخوف والهيبة لا تزول أبدا لأنها مستحقة للرب بوصف التعظيم ~~والإجلال وذلك الوصف مستحق على الدوام وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف ~~أوقات المناجاة وتصدم المشاهد أحيان المشاهدة وتعصم العائن بصدمة العزة ~~ومنه قال قائلهم # أشتاقه فإذا بدا % أطرقت من إجلاله # لا خيفة بل هيبة % وصيانة لجماله # وأصد عنه تجلدا % وأروم طيف خياله PageV01P435 # فيقال من العجائب أن المعنى الذي أمر الله به في كتابه وأثنى به على خاصة ~~عباده وأقربهم إليه وهم أنبياؤه ورسله وملائكته يجعل ناقصا من منازل العوام ~~ويعمد إلى معنى لا يذكره الله ولا رسوله ولا علق به على المدح والثناء في ~~موضع واحد فيجعل هو الكمال وهو للخواص من العباد فأين ms312 في القرآن والسنة ذكر ~~الهيبة من لوازم الإيمان وموجباته ولكن المنكر أن يكون الوصف الذي وصف به ~~أنبياءه وملائكته ناقصا والوصف الذي لم يذكره هو الكامل التام وهذا المعنى ~~المعبر عنه بالهيبة حق ولكن لم تجىء العبارة عنه في القرآن والسنة بلفظ ~~الهيبة وإنما جاءت بلفظ الإجلال كقول النبي إن من إجلال الله إجلال ذي ~~الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه والإمام العادل ~~فالإجلال هو التعظيم وكذلك الهيبة يوضح هذا # الوجه التاسع وهو أن الهيبة والإجلال يجوز تعلقهما بالمخلوق كما قال ~~النبي إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم الحديث وقال ابن عباس عن ~~عمر هيبته وكان مهيبا وأما البخشية والمخافة فلا تصلح إلا لله وحده قال ~~تعالى فلا تخشوا الناس واخشون @QB@ وقال @QE@ فلا PageV01P436 تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين @QB@ وقال @QE@ إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله ~~واليوم الأخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين فالخوف عبودية القلب فلا تصلح إلا لله كالذل والمحبة ~~والإنابة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب وكيف يجعل المهابة ~~المشتركة أفضل منه وأعلى وتأمل قوله تعالى ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه فأولئك الفائزون كيف جعل الطاعة لله ولرسوله والخشية والتقوى له وحده ~~وقال تعالى لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه كيف جعل التوقير والتعزير ~~للرسول وحده والتوقير هو التعظيم الصادر عن الهيبة والإجلال هذه حقيقته ~~فعلم أن الخوف من أجل مقامات الخواص وأنهم إليه أحوج وبه أقوم من غيرهم # الوجه العاشر قوله الخوف يزول بالأمن والهيبة لا تزول أبدا إلخ فيقال هذا ~~حق فإن الخوف إنما يكون قبل دخول الجنة فإذا دخلوها زال عنهم الخوف الذي ~~كان يصحبهم في الدنيا وفي عرصات القيامة وبدلوا به أمنا لأنهم قد أمنوا ~~العبذاب فزايلهم الخوف منه ولكن لا يدل على هذا أنه كان مقاما ناقصا في ~~الدنيا كما أن الجهاد من أشرف المقامات وقد زال عنهم في الآخرة وكذلك ~~الإيمان بالغيب أجل المقامات على الإطلاق ms313 وقد زال في الآخرة وصار الأمر ~~شهادة وكذلك الصلاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النفس لله ~~وهي من أشرف الأعمال وكلها تزول في الجنة وهذا لا يدل على نقصانها فإن ~~الجنة ليست دار سعي وعمل إنما هي دار نعيم وثواب PageV01P437 # الوجه الحادي عشر أن الخوف إنما زال في الجنة لأن تعلقه إنما هو بالأفعال ~~لا بالذات كما تقدم وقد أمنهم ما كانوا يخافون منه فقد أمنوا أن لا يفعلوا ~~ما يخافون منه وأن يفعل بهم ربهم ما يخيفهم ولكن كان الخوف في الدنيا أنفع ~~لهم فبه وصلوا إلى الأمن التام فإن الله سبحانه وتعالى لا يجمع على عبده ~~مخافتين اثنتين فمن خافه في الدنيا أمنه يوم القيامة ومن أمنه في الدنيا ~~ولم يخفه أخافه في الآخرة وناهيك شرفا وفضلا بمقام ثمرته الأمن الدائم ~~المطلق # الوجه الثاني عشر أن الإجلال والمهابة والتعظيم إنما لم تزل لأنها متعلقة ~~بنفس الذات وهي موجودة في دار النعيم وأما الخوف فإنه إنما زال لأنه وسيلة ~~إلى توفية العبودية والقيام بالأمر والوسيلة تزول عند حصول الغاية ولكن ~~زوال الوسيلة عند حصول الغاية لا يدل على انها ناقصة وإذا كانت تلك الغاية ~~لا كمال للعبد بدونها فالوسيلة إليها كذلك # الوجه الثالث عشر قوله وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات ~~المناجاة وتصون المشاهد أحيان المشاهدة وتعصم المعاني بصدمة العزة فيقال لا ~~ريب أن الحب والأنس المجرد عن التعظيم والإجلال يبسط النفس ويحملها على بعض ~~الدعاوي والرعونات والأماني الباطلة وإساءة الأدب والجناية على حق المحبة ~~فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب وإجلاله وتعظيمه وشهود عز جلاله وعظيم ~~سلطانه انكسرت نفسه له وذلت لعظمته واستكانت لعزته وتصاغرت لجلاله وصفت من ~~رعونات النفس وحماقاتها ودعاويها الباطلة وأمانيها الكاذبة ولهذا في الحديث ~~يقول الله عز وجل أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ~~ظلي فقال أين المتحابون بجلالي فهو حب بجلاله وتعظيمه ومهابته PageV01P438 ~~ليس حبا لمجرد جماله فإنه سبحانه الجليل الجميل والحب الناشىء عن شهود هذين ~~الوصفين ms314 هو الحب النافع الموجب لكونهم في ظل عرشه يوم القيامة فشهود الجلال ~~وحده يوجب خوفا وخشية وانكسارا وشهد الجمال وحده يوجب حبا بانبساط وإذلال ~~ورعونة وشهود الوصفين معا يوجب حبا مقرونا بتعظيم وإجلال ومهابة وهذا هو ~~غاية كمال العبد والله أعلم وإنشاده هذه الأبيات الثلاثة في هذا المقام في ~~غاية القبح فإن هذا المحب ينفي خوفه من محبوبه ويعرض عنه إظهارا للتجلد ~~أمام رقيبه وذلك قبيح في حكم المحبة فإن التذلل للمحبوب وتملقه واستعطافه ~~والانكسار له أولى بالمحب من تجلده وتعززه كما قيل # اخضع وذل لمن تحب فليس في % شرع الهوى أنف يشال ويعقد # ثم أخبر أنه يروم طيف خياله فهو طالب لحظه من محبوبه لا لمراد محبوبه منه ~~فهذا محب لنفسه وقد جعل طيف محبوبه وسيلة إلى حصول مراده فأحبه حب الوسائل ~~بخلاف من قد أحب محبوبه لذات المحبوب ففني عن مراده هو منه بمراد محبوبه ~~فصار مراده مراد محبوبه فحصل الاتحاد في المراد لا في الإرادة ولا في ~~المريد هذا إن كان صبره عنه تجلدا عليه وإن كان تجلدا على الرقيب خوفا منه ~~فهو ضعيف المحبة لأن فيه بقية ليست مع محبوبه بل مع رقيبه فهلا ملأ الحب ~~قلبه فلم يبق فيه بقية يلاحظ بها الرقيب والعاذل كما قيل # لا كان من لسواك فيه بقبية % يجد السبيل بها إليه العذل # وبالجملة فهذه أبيات ناقصة المعنى لا يصلح الاستشهاد بها والله أعلم فصل ~~والمقصود الكلام على علل المقامات وبيان ما فيها من خطأ وصواب ولما كان أبو ~~العباس بن العريف قد تعرض لذلك في كتابه محاسن المجالس ذكرنا فيه وما له ~~وما عليه ثم ذكر بعد هذا فصلا PageV01P439 في المحبة وفصلا في الشوق فنذكر ~~كلامه في ذلك وما يفتح الله به تتميما لفائدة ورجاء للمنفعة وأن يمن الله ~~العزيز الوهاب بفضله ورحمته ويرقي عبده من العلم إلى الحال ومن الوصف إلى ~~الاتصاف إنه قريب مجيب # قال أبو العباس وأما المحبة فقد أشار أهل التحقيق في العبارة عنها وكل ~~نطق ms315 بحسب ذوقه وانفسح بمقدار شوقه قلت الشيء إذا كان في الأمور الوجدانية ~~الذوقية التي إنما تعلم بآثارها وعلاماتها وكان مما يقع في التفاوت بالشدة ~~والضعف وكان له لوازو وآثار وعلامات متعددة اختلفت العبارات عن بحسب اختلاف ~~هذه الأشياء وهذا شأن المحبة فإنها ليست بحقيقة معانيها ترى بالأبصار ~~فيشترك الواصفون لها في الصفة وهي في نفسها متفاوتة أعظم تفاوت كما بين ~~العلاقة التي هي تعلق القلب بالمحبوب والخلة التي هي أعلى مراتب الحب ~~وبينهما درجات متفاوتة تفاوتا لا ينحصر ولها آثار توجبها وعلامات تدل عليها ~~فكل أدرك بعض علاماتها فعبر بحسب ما أدركه وهي وراء ذلك كله ليس اسمها ~~كمسماها ولا لفظها مبين لمعناها وكذلك اسم المصيبة والبلية والشدة والألم ~~إنما تدل أسماؤها عليها نوع دلالة لا تكشف حقيقتها ولا تعلم حقيقتها إلا ~~بذوقها ووجودها وفرق بين الذوق والوجود وبين التصور والعلم فالحدود والرسوم ~~التي قيلت في المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها بل هي إشارات وعلامات ~~وتنبيهات فصل قال وهي على الإجمال قبل أن ننتهي إلى التفصيل وجود تعظيم في ~~القلب يمنع الانقياد لغير محبوبه فيقال هذا التعظيم المانع من الانقياد ~~لغير المحبوب هو أثر من آثار المحبة وموجب من موجباتها لا أنه نفس المحبة ~~فإن المحبة إذا كانت صادقة أوجبت للمحب تعظيما لمحبوبه يمنعه من انقياده ~~إلى غيره وليس مجرد التعظيم هو المانع له من الانقياد إلى غيره بل التعظيم ~~المقارن للحب هو الذي يمنع من PageV01P440 الانقياد إلى غير المحبوب فإن ~~التعظيم إذا كان مجردا عن الحب يمنع انقياد القلب إلى غير المعظم وكذلك إذا ~~كان الحب خاليا من التعظيم لم يمنع المحب أن ينقاد إلى غير محبوبه فإذا ~~اقترن الحب بالتعظيم وامتلأ القلب بهما امتنع انقياده إلى غير المحبوب ~~والمحبة المشتركة ثلاثة أنواع أحدها محبة طبيعية مشتركة كمحبة الجائع ~~للطعام والظمآن للماء وغير ذلك وهذه تستلزم التعظيم والنوع الثاني محبة ~~رحمة وإشفاق كمحبة الوالد لولده الطفل ونحوها وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم ~~والنوع الثالث محبة أنس وإلف وهي محبة ms316 المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة ~~أو تجارة أو سفر بعضهم بعضا وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا فهذه الأنواع الثلاثة ~~هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة ~~الله سبحانه ولهذا كان رسول الله يحب الحلواء والعسل # وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد # وكان أحب اللحم إليه الذراع PageV01P441 وكان يحب نساءه وكانت عائشة رضي ~~الله عنها أحبهن إليه # وكان يحب أصحابه وأحبهم إليه الصديق وأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا ~~لله وحده ومتى أحب العبد بها غيره كان شركا لا يغفره الله فهي محبة ~~العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره على غيره ~~فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلا وهي التي سوى المشركون بين ~~آلهتهم وبين الله فيها كما قال تعالى ومن الناس من يتحذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين ءامنوا أشد حبا لله وأصح القولين أن المعنى ~~يحبونهم كما يحبون الله وسووا بين الله وبين أندادهم في الحب ثم نفى ذلك عن ~~المؤمنين فقال والذين ءامنوا أشد حبا لله فإن الذين آمنوا وأخلصوا حبهم لله ~~لم يشركوا به معه غيره وأما المشركون فلم يخلصوا لله والمقصود من الخلق ~~والأمر إنما هو هذه المحبة وهي أول دعوة الرسل وآخر كلام العبد المؤمن الذ ~~إذا مات عليه دخل الجنة اعترافه وإقراره بهذه المحبة وإفراد الرب بها فهو ~~أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله وجميع ~~الأعمال كالأدوات والآلات لها وجميع المقامات وسائل إليها وأسباب لتحصيلها ~~وتكميلها وتحصينها من الشوائب والعلل فهي قطب رحى PageV01P442 السعادة وروح ~~الإيمان وساق شجرة الإسلام ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد فالكتاب هاد ~~إليها ودال عليها ومفصل لها والحديد لمن خرج عنها وأشرك فيها مع الله غيره ~~ولأجلها خلقت الجنة والنار فالجنة د دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده ~~فأخلصهم لها والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره وسوى بينه وبين الله ~~فيها كما أخبر تعالى ms317 عن أهلها أنهم يقولون في النار لآلهتهم تالله إن كنا ~~لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وهذه التسوية لم تكن منهم في الأفعال ~~والصفات بحيث اعتقدوا أنها مساوية لله سبحانه في أفعاله وصفاته وإنما كانت ~~تسوية منهم بين الله وبينها في المحبة والعبودية مع إقرارهم بالفرق بين ~~الله وبينها فتصحيح هذه هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله فحقيق لمن نصح ~~نفسه وأحب سعادتها ونجاتها أن يتيقظ لهذه المسألة علما وعملا وحالا وتكون ~~أهم الأشياء عنده وأجل علومه وأعماله فإن الشأن كله فيها والمدار عليها ~~والسؤال يوم القيامة عنها قال تعالى فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا ~~يعملون قال غير واحد من السلف هو عن قول لا إله إلا الله وهذا حق فإن ~~السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها فلا يسأل أحد قط ~~إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها قال أبو العالية كلمتان يسأل عنهما ~~الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون ماذا أجبتم المرسلين فالسؤال عماذا ~~كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها والسؤال عماذا أجابوا المرسلين سؤال عن ~~الوسيلة والطريق المؤدية إليها هل سلكوها وأجابوا لما دعوهم إليها فعاد ~~الأمر كله إليها وأمر هذا شأنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر ويعض عليه ~~بالنواجذ ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل ولا بطلب على فضله ~~بل يجعل هو PageV01P443 المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة والله ~~الموفق لا إله غيره ولا رب سواه فصل قال وقيل المحبة إيثار المحبوب على ~~غيره وهذا الحد أيضا من جنس ما قبله فإن إيثار المحبوب على غيره موجب ~~المحبة ومقتضاها فإذا استقرت المحبة في القلب استدعت من المحبة إيثار ~~محبوبه على غيره وهذا الإيثار علامة ثبوتها وصحتها فإذا آثر غير المحبوب ~~عليه لم يكن محبا له وإن زعم أنه محب فإنما هو محب لنفسه ولحظه ممن يحبه ~~فإذا رأى حظا آخر هو أحب إليه من حظه الذي يريده من محبوبه آثر ذلك الحظ ~~المحبوب إليه فهذا موضع يغلط فيه الناس كثيرا ms318 إذ أكثرهم إنما هو يحب لحظه ~~ومراده فإذا علم أنه عند غيره أحب ذلك الغير حب الوسائل لا حبا له لذاته ~~ويظهر هذا عند حالتين إحداهما أنه يرى حظا له آخر عند غيره فيؤثر ذلك الحظ ~~ويترك محبوبه الثانية أنه إذا نال ذلك الحظ من محبوبه فترت محبته وسكن قلبه ~~وترحل قاطن المحبة من قلبه كما قيل من ودك لأمر ولى عند انقضائه فهذه محبة ~~مشوبة بالعلل بل المحبة الخالصة أن يحب المحبوب لكماله وأنه أهل أن يحب ~~لذاته وصفاته وأن الذي يوجب هذه المحبة فناء العبد عن إرادته لمراد محبوبه ~~فيكون عاملا على مراد محبوبه منه لا على مراده هو من محبوبه فهذه هي المحبة ~~الخالصة من درن العلل وشوائب النفس وهي التي تتزايد وفي مثل هذا قيل # تعصي الإله وأن تزعم حبه % هذا لعمرك في القياس شنيع # لو كان حبك صادقا لأطعته % إن المحب لمن يحب مطيع # وههنا دقيقة ينبغي التفطن لها وهي أن إيثار المحبوب نوعان إيثار معاوضة ~~ومتاجرة وإيثار حب وإرادة فالأول يؤثر محبوبه على غيره طلبا لحظه منه فهو ~~يبذل ما يؤثره ليعاوضه بخير منه والثاني يؤثره إجابة لداعي PageV01P444 ~~محبته فإن المحبة الصادقة تدعوه دائما إلى إيثار محبوبه فإيثاره هو أجل ~~حظوظه فحظه في نفس الإيثار لا في العوض المطلوب بالإيثار وهذا لا تفهمه إلا ~~النفس اللطيفة الورعة المشرقة وأما النفس الكثيفة فلا خبر عندها من هذا وما ~~هو بعشها فلتدرج # والدين كله والمعاملة في الإيثار فإنه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما تؤثره ~~به على نفسك حتى إن من شرطه الاحتياج من جهة المؤثر إذ لو لم يكن محتاجا ~~إليه لكان بذله سخاء وكرما وهذا إنما يصح في إيثار المخلوق والله سبحانه ~~يؤثر عبده على غيره من غير احتياج منه سبحانه فإنه الغني الحميد وفي الدعاء ~~المرفوع اللهم زدنا ولا تنقصنا وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ~~ولا تؤثر لينا وأرضنا وارض عنا وقيل من آثر الله على غيره آثره الله على ~~غيره والفرق ms319 بين الإيثار والأثرة أن الإيثار تخصيص الغير بما تريده لنفسك ~~والأثرة اختصاصك به على الغير وفي الحديث بايعنا رسول الله على لاسمع ~~والطاعة في عسرنا ويسرنا وننشطنا ومكرهنا وأثرة علينا PageV01P445 # فإذا عرف هذا فالإيثار إما أن يتعلق بالخلق وإما أن يتعلق بيالخالق وإن ~~تعلق بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتا ولا يفسد ~~عليك حالا ولا يهضم لك دينا ولا يسد عليك طريقا ولا يمنع لك واردا فإن كان ~~في إيثارهم شيء من ذلك فإيثار نفلسك عليهم أولى فإن الرجل من لا يؤثر ~~بنصيبه من الله أحدا كائنا من كان وهذا في غاية الصعوبة على السالك والأول ~~أسهل منه فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله الإيثار بالدنيا لا ~~بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب قال الله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون فأخبر أن إيثارهم إنما ~~هو بالشيء الذي إذا وقي الرجل الشح به كان من المفلحين وهذا إنما هو فضول ~~الدنيا لا الأوقات المصروفة في الطاعات فإن الفلاح كل الفلاح في الشح بها ~~فمن لم يكن شحيحا بوقته تركه الناس على الأرض عيانا مفلسا فالشح بالوقت هو ~~عمارة القلب وحفظ رأس ماله ومما يدل على هذا أنه سبحانه أمر بالمسابقة في ~~أعمال البر والتنافس فيها والمبادرة إليها وهذا ضد الإيثار بها قال الله ~~تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض تعالى وقال ~~فاستبقوا الخيرات وقال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وقال النبي لو ~~يعلم الناس ما PageV01P446 في النداء والصف الأول لكانت قرعة والقرعة إنما ~~تكون عند التزاحم والتنافس لا عند الإيثار فلم يجعل الشارع الطاعات ~~والقربات محلا للإيثار بل محلا للتنافس والمسابقة ولهذا قال الفقهاء لا ~~يستحب الإيثيار بالقربات والسر فيه والله أعلم أن الإيثار إنما يكون بالشيء ~~الذي يضيق عن الاشتراك فيه فلا يسع المؤثر والمؤثر بل لا يسع إلا أحدهما ~~وأما أعمال البر والطاعات فلا ضيق على العباد فيها ms320 فلو اشتركت الألوف ~~المؤلفة في الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم ووسعتهم كلهم ~~وإن قدر التزاحم ي عمل واحد أو مكان لا يمكن أن يفعله الجميع بحيث إذا فعله ~~واحد فات على غيره فإن في العزو والنية الجازة على فعله من الثواب ما ~~لفاعله كما ثبت عن النبي في غير حديث فإذا قدر فوت PageV01P447 مباشرته له ~~فلا يفوت عليه عزمه ونيته لفعله وأيضا فإنه إذا فات عليه كان في غيره من ~~الطاعات والقربات عوض منه إما مساو له وإما أزيد وإما دونه فمتى أتى بالعوض ~~وعلم الله من نيته وعزيمته الصادقة إرادته لذلك العمل الفائت أعطاه الله ~~ثوابه وثواب ما تعوض به عنه فجمع له الأمرين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم وأيضا فإن المقصود رغبة العبد في التقرب إلى الله ~~وابتغاء الوسيلة إليه والمنافسة في محابه والإيثار بهذا التقرب يدل على ~~رغبته عنه وتركه له وعدم المنافسة فيه وهذا بخلاف ما يحتاج إليه العبد من ~~طعامه وشرابه ولباسه إذا كان أخوه محتاجا إليه فإذا اختص به أحدهما فات ~~الآخر فندب الله عبده إذا وجد من نفسه قوة وصبرا على الإيثار به ما لم يخرم ~~عليه دينا أو يجلب له مفسدة أو يقطع عليه طريقا عزم على سلوكه إلى ربه أو ~~شوش عليه قلبه بحيث يجعله متعلقا بالخلق فمفسدة إيثار هذا أرجح من مصلحته ~~فإذا ترجحت مصلحة الإيثار بحيث تتضمم إنقاذ نفسه من هلكة أو عطب أو شدة ~~ضرورة وليس للمؤثر نظيرها تعين عليه الإيثار فإن كان به نظيرها لم يتعين ~~عليه الإيثار ولكن لو فعله لكان غاية الكرم والسخاء والإحسان فإنه من آثر ~~حياة غيره على حياته وضرورة على ضرورته فقد استولى على أمد الكرم والسخاء ~~وجاوز أقصاه وضرب فيه بأوفر الحظ وفي هذا الموضع مسائل فقهية ليس هذا موضع ~~ذكرها فإن قيل فما الذي يسهل على النفس هذا الإيثار فإن النفس مجبولة على ~~الأثرة لا على الإيثار قيل يسهله أمور # أحدها ms321 رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها فإن من أفضل أخلاق الرجل ~~وأشرفها وأعلاها الإيثار وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته كما ~~جبلها على بغض المستأثر ومقته لا تبديل لخلق الله والأخلاق ثلاثة خلق ~~الإيثار وهو خلق الفضل وخلق القسمة والتسوية وهو خلق العدل وخلق الاستئثار ~~والاستبداد وهو خلق الظلم فصاحب PageV01P448 الإيثار محبوب مطاع مهيب وصاحب ~~العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه والتسلط عليه ولكنها لا تنقاد إليه انقيادها ~~لمن يؤثرها وصاحب الاستئثار النفوس إلى أذاه والتسلط عليه أسرع من السيل في ~~حدوره وهل أزال المملك وقلعهاإلا الاستئثار فإن النفوس لا صبر لها عليه ~~ولهذا أمر رسول الله أصحابه بالسمع والطاعة لولاة الأمر وإن استأثروا عليهم ~~لما في طاعة المستأثر من المشقة أو لكره الاستئثار # الثاني النفرة من أخلاق اللئام ومقت الشح وكراهته له # الثالث تعظيم الحقوق التي جعلها الله سبحانه وتعالى للمسلمين بعضهم على ~~بعض فهو يرعاها حق رعايتها ويخاف من تضييعها ويعلم أنه إن لم يبذل فوق ~~العدل لم يمكنه الوقوف مع حده فإن ذلك عسر جدا بل لا بد من مجاوزته إلى ~~الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم فهو لخوفه من تضييع الحق والدخول في الظلم ~~يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا وجزيل ~~الأجر في الآخرة مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه فيعود ~~عيه من إيثاره أفضل مما بذله ومن جرب هذا عرفه ومن لم يجربه فليستقر أحوال ~~العالم والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى فصل والإيثار المتعلق بالخالق ~~أجل من هذا وأفضل وهو إيثار رضاه على رضى غيره وإيثار حبه على حب غيره ~~وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه وإيثار الذل له والخضوع والاستكانة ~~والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره وكذلك إيثار الطلب من هوالسؤال وإنزال ~~الفاقات به على تعلق ذلك بغيره فالأول آثر بعض العبيد على نفسه فيما هو ~~محبوب له وهذا آثر الله على غيره ونفسه من أعظم الأغيار فآثر الله ms322 عليها ~~فترك PageV01P449 محبوبها لمحبوب الله وعلامة هذا الإيثار شيئان أحدهما فعل ~~ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه الثاني ترك ما يكرهه إذا كانت ~~النفس تحبه وتهواه فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار ومؤنة هذا الإيثار ~~شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة ~~فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به وإنه ليسير ~~على من يسره الله عليه فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى وأن يشمر ~~إليه وإن عظمت فيه المحنة ويحمل فيه خطرا يسير لملك عظيم وفوز كبير فإن ~~ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال ويسير منه يرقي ~~العبد ويسيره ما لا يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة وذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار والذي يسهله على العبد أمور ~~أحدها أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية بل تنقاد معه ~~بسهولة الثاني أن يكون إيمانه راسخا ويقينه قويا فإن هذا ثمرة الإيمان ~~ونتيجته الثالث قوة صبره وثباته فبهذه الأمور الثلاثة ينهض إلى هذا المقام ~~ويسهل عليه دركه والنقص والتخلف في النفس عن هذا يكون من أمرين أن تكون ~~جامدة غير سريعة الإدراك بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر ~~وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات فلا يتخلص له ~~رؤيتها وعيانها الثاني أن تكون القريحة وقادة دراكة لكن النفس ضعيفة مهينة ~~إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض ~~كلما ساقه خطوة وقف خطوة أو كسوق الطفل الصغير الذي تعلقت نفسه بشهواته ~~ومألوفاته فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا ~~كرها فإذا رزق العبد قريحة وقادة وطبيعة منقادة إذا زجرها انزجرت وإذا ~~قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين وارتدى مع ذلك بعلم نافع وإيمان راسخ أقبلت ~~إليه وفود السعادة من كل جانب # ولما كانت هذه القرائح والطبائع ثابتة للصحابة رضي الله ms323 عنهم PageV01P450 ~~وكملها الله لهم بنور الإسلام وقوة اليقين ومباشرة الإيمان لقلوبهم كانوا ~~أفضل العالمين بعد الأنبياء والمرسلين وكان من بعدهم لو أنفق مثل جب أحد ما ~~بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ومن تصور هذا الموضع حق تصوره علم من أين يلزمه ~~النقص والتأخر ومن أين يتقدم ويرقى في درجات السعادة وبالله التوفيق والله ~~أعلم # فصل قال وقيل المحبة موافقة المحبوب فيما ساء وسر ونفع وضر كما قيل # وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا % ما من يهون عليك ممن أكرم # فيقال وهذا الحد أيضا جنس ما قبله فإن موافقة المحبوب من موجبات المحبة ~~وثمراتها وليست نفس المحبة بل المحبة تستدعي الموافقة وكلما كانت المحبة ~~أقوى كانت الموافقة أتم قال الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله قال الحسن قال قوم على عهد النبي إنا نحب ربنا فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وقال الحسن ~~قال قوم على عهد النبي انا نحب ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وقال الجنيد ادعى قوم محبة الله فأنزل ~~الله آية المحبة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله يعني ~~PageV01P451 أن متابعة الرسول هي موافقة حبيبكم فإنه المبلغ عنه ما يحبه ~~وما يكرهه وقال مالك في هذه الآية من أحب طاعة الله أحبه الله وحببه إلى ~~خلقه وإنما كانت موافقة المحبوب دليلا على محبته لأن من أحب حبيبا فلا بد ~~أن يحب ما يحبه ويبغض ما يبغضه وإلا لم يكن محبا له محبة صادقة بل إن تخلف ~~ذلك عنه لم يكن له محبا له بل يكون محبا لمراده منه أحبه محبوبه أم كرهه ~~ومحبوبه عنده وسيلة إلى ذلك المراد فلو حصل له حظه من غيره ترحل عوضه فهذه ~~المحبة المدخولة الفاسدة وإذا كانت المحبة الصحيحة تستدعي حب ما يحبه ~~المحبوب وبغض ما يبغضه فلا بد أن يوافقه فيه # ولكن ههنا مسألة يغلط فيها كثير من المدعين للمحبة وهي أن ms324 موافقة المحبوب ~~في مراده ليس المعنى بها مراده الخلقي الكني فإن كل الكون مراده وكل ما ~~يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية فلو كانت موافقته في هذا ~~المراد هي محبته لم يكن له عدو أصلا وكانت الشياطين والكفار والمشركون عباد ~~الأوثان والشمس والقمر أولياءه وأحبابه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإنما ~~يظن ذلك من يظنه من أعدائه الجاحدين لمحبته ودينه والذين يسوون بين أوليائه ~~وأعدائه قال الله تعالى أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار وقال الله تعالى أم حسبت الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون وقال الله تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون ~~وبين المطيعين والمفسين مع أن الكل تحت المراد PageV01P452 الكوني والمشيئة ~~العامة وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول قال لي بعض شيوخ هؤلاء المحبة نار ~~تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب والكون كله مراده فأي شيء أبغض منه قال ~~فقلت له فإذا كان المحبوب قد أبغض بعض ما في الكون فأبغض قوما ومقتهم ~~ولعنهم وعاداهم فأحببتهم أنت وواليتهم تكون مواليا للمحبوب موافقا له أو ~~مخالفا له معاديا له قال فكأنما ألقم حجرا ويبلغ الجهل والكفر ببعض هؤلاء ~~إلى حد بحيث إذا فعل محظورا يزعم أنه مطيع لله سبحانه وتعالى ويقول أنا ~~مطيع لإرادته وينشد في ذلك # أصبحت منفعلا لما يختاره % مني ففعلي كله طاعات # ويقول أحدهم إبليس وإن عصى الأمر لكنه أطاع الإرادة يعني أن فعله طاعة ~~لله من حيث موافقة إرادته وهذا انسلاخ من ربقة العقل والدين وخروج عن ~~الشرائع كلها فإن الطاعة إنما هي موافقة الأمر الديني الذي يحبه الله ~~ويرضاه وأما دخوله تحت القدر الكوني الذي يبغضه ويسخطه ويكفر فاعله ويعاقبه ~~فهي المعصية والكفر ومعاداته ومعاداة دينه ولا ريب أن المسرفين على أنفسهم ~~المنهمكين في الذنوب والمعاصي المعترفين بأنهم عصاة مذنبون أقرب إلى الله ~~من هؤلاء العارفين المنسلخين عن دين الأنبياء كلهم الذين لا عقل ms325 لهم ولا ~~دين فنسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه # أما البيت الذي استشهد به فهو من أبيات لأبي الشيص من قصيدة يقول فيها # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي % متأخر عنه ولا متقدم # وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا % ما من يهون عليك ممن يكرم # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم % إذ كان حظي منك حظي منهم # أجد الملامة في هواك لذيذة % حبا لذكرك فليلمني اللوم # وقد ناقض فيها في دعواه مناقضة بينة فإنه أخبر أن هواه قد صار ~~PageV01P453 وقفا عليها لا يزول عنها ولا يتحول بتقدم ولا تأخر ثم أخبر أنه ~~قد بلغ به حبها وهواها إلى أن صار مرادها من نفسه غير مراده هو فلما أرادت ~~إهانته بالصد والهجران والبعد سعى هو في إهانة نفسه بجهده موافقة لها في ~~إرادتها فصارت إهانته لنفسه مرادة محبوبه له من حيث هي مرادة محبوبة لها ~~وزعم أنه لو أكرم نفسه لكان مخالفا لمحبوبته مكرما لمن أهانته ثم نقض هذا ~~الغرض من حيث شبهها بأعدائه الذين هم أبغض شيء إليه ووجه هذا التشبيه أنه ~~لم يحصل منها من حظه ومراده على شيء بل الذي يحصل له منها مثل ما يحصل له ~~من أعدائه من إهانتهم له وأذاه فصار حظه منها ومن أعدائه واحدا فصارت شبيهة ~~لهم فأين هذا من الموافقة التامة لها في مرادها بحيث يهين نفسه لمحبتها في ~~إهانته ثم أخبر أن له منها حظا مرادا وأن ذلك الحظ الذي يريده لم يحصل له ~~وإنما حصل له منه نظير ما يحصل له من أعدائه وهذه شكاية في الحقيقة وإخبار ~~عن محبه ببخله بالحظ وشكاية للحبيب بتفويته عليه ثم إنه أخبر عن جناية أخرى ~~وهي أنه شرك بينهما وبين أعدائه في حبه لها فصار حبه منقسما بعضه له وبعضه ~~لأعدائه لشبههم إياها ثم إن في الشعر جناية أخرى عليها وهو أنه شبهها بمن ~~جبلت القلوب على بغضه وهو العدو واللائق تشبيه الحبيب بما هو أحب الأشياء ~~إلى النفس كالسمع والبصر والحياة والروح والعافية كما ms326 هو عادة الشعراء ~~والناس في نظمهم ونثرهم كما هو معروف بينهم وهو جادة كلامهم ثم أخبر بمحبته ~~لأعدائه لشبههم بها فتضمن كلامه معاداة من يحبه ومحبة من يعاديه فإنها إذا ~~أشبهت أعداءه لزم أن يحصل لها نصيب من معاداته وإذا أشبهها أعداؤه لزم أن ~~يحصل لهم نصيب من محبته كما صرح به في جانبهم وترك التصريح في جانبها وهو ~~مفهوم من كلامه ثم أخبر أنه يلتذ بملامة اللوام في هواها لما يتضمن من ~~ذكراها وهذا يدل على قوة محبتها وسماع ذكرها وهذا غرض صحيح مع أنه مدخول ~~أيضا فإن محبوبته قد تكره PageV01P454 ذلك لما يتضمن من فضيحتها به وجعلها ~~مضغة للماضغين فيكون محبا لنفس ما تكرهه وهذه محبة فاسدة معلولة ناقضة ~~لدعواه موافقتها في محابها # فصل قال وقيل المحبة القيام بين يديه وأنت قاعد ومفارقة المضجع وأنت راقد ~~والسكون وأنت ناطق ومفارقة المألوف والوطن وأنت مستوطن فيقال وهذا أيضا أثر ~~من آثار المحبة وموجب من موجباتها وحكم من أحكامها وهو صحيح فإن المحبة ~~توجب سفر القلب نحو المحبوب دائما والمحبة وطنه وتوجب مثوله وقيامه بين يدي ~~محبوبه وهو قاعد وتجافيه عن مضجعه ومفارقته إياه وهو فيه راقد وفراغه ~~لمحبوبه كله وهو مشغول في الظاهر بغيره كما قال بعضهم # وأديم نحو محدثي ليرى % أن قد عقلت وعندكم عقلي # وقال بعض المريدين لشيخه أيسجد القلب بين يدي الله فقال نعم سجدة لا يرفع ~~رأسه منها إلى يوم القيامة فهذه سجدة متصلة بقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه ~~وحركته وسكونه وكذلك يكون جسده في مضجعه وقلبه قد قطع المراحل مسافرا إلى ~~حبيبه فإذا أخذ مضجعه اجتمع عليه حبه وشوقه فيهزه المضجع إلى مسكنه كما قال ~~الله تعالى في حق المحبين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ~~فلما تجافت جنوبهم عن المضاجع جافت الجنوب عنها واستخدمتها وأمرتها ~~فأطاعتها وقال القائل # نهاري نهار الناس حتى إذا بدا % لي الليل هزتني إليك المضاجع # ويحكى أن بعض الصالحين اجتاز بمجسد فرأى الشيطان واقفا ببابه لا يستطيع ~~دخوله ms327 فنظر فإذا فيه رجل نائم وآخر قائم يصلي فقال له أيمنعك هذا المصلي من ~~دخوله فقال كلا إنما يمنعني ذلك الأسد PageV01P455 الرابض ولولا مكانه ~~لدخلت وبالجملة فقلب المحب دائما في سفر لا ينقضي نحو محبوبه كلما قطع ~~مرحلة له ومنزلة تبدت له أخرى كما قيل إذا قطعت علما بدا علم فهو مسافر بين ~~أهله وظاعن وهو في داره وغريب وهو بين إخوانه وعشيرته ويرى كل أحد عنده ولا ~~يرى نفسه عند أحد فقوة تعلق المحب بمحبوبه توجب له أن لا يستقر قلبه دون ~~الوصول إليه وكلما هدأت حركاته وقلت شواغله اجتمعت عليه شؤون قلبه بله قوى ~~سيره إلى محبوبه # ومحك هذا الحال يظهر في مواطن أربعة # أحدها عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه من الشواغل واجتماع قلبه على ما ~~يحبه فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به # الموطن الثاني عند انتباهه من النوم فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه ~~فإنه إذا استيقظ وردت إليه روحه رد معها إليه ذكر محبوبه الذي كان قد غاب ~~عنه في النوم ولكن كان قد خالط روحه وقلبه فلما ردت إليه الروح أسرع من ~~الطرف رد إليه ذكر محبوبه متصلا بها مصاحبا لها فورد عليه قبل كل وارد وهجم ~~عليه قبل كل طارق فإذا وردت عليه الشواغل والقواطع وردت على محل ممتلىء ~~بمحبة ما يحبه فوردت على ساحته من ظاهرها فإذا قضى وطره منها قضاه بمصاحبته ~~لما في قلبه من الحب فإنه قد لزمه ملازمة الغريم لغريمه ولذلك يسمى غراما ~~وهو الحب اللازم الذي لا يفارق فسمع بمحبوبه وأبصر به وبطش به ومشى به فصار ~~محل سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي ~~يمشي بها هذا مثل محبوبه في وجوده وهو غير متحد به بل هو قائم بذاته مباين ~~له وهذا المعنى مفهوم بين الناس لا ينكره منهم إلا غليظ الحجاب أو قليل ~~العلم ضعيف العقل يجد محبوبه قد استولى على قلبه وذكره ms328 فيظن أنه هو نفس ~~ذاته الخارجة قد اتحدت به أو حلت PageV01P456 فيه فينشأ من قسوة الأول ~~وكثافته غلظ حجاب ومن قلة علم الثاني ومعرفته وضعف تمييزه ضلال الحلول ~~والاتحاد وضلال الإنكار والتعطيل والحرمان ويخرج للبصير من بين فرث هذا ودم ~~هذا لبن الفطرة الأولى خالصا سائغا للشاربين # الموطن الثالث عند دخوله في الصلاة فإنها محك الأحوال وميزان الإيمان بها ~~يوزن إيمان الرجل ويتحقق حاله ومقامه ومقدار قربه من الله ونصيبه منه فإنها ~~محل المناجاة والقربة ولا واسطة فيها بين العبد وبين ربه فلا شيء أقر لعين ~~المحب ولا ألذ لقلبه ولا أنعم لعيشه منها إذا كان محبا فإنه لا شيء آثر عند ~~المحب ولا أطيب له من خلوته بمحبوبه ومناجاته له ومثوله بين يديه وقد أقبل ~~محبوبه عليه وكان قبل ذلك معذبا بمقاساة الأغيار ومواصلة الخلق والاشتغال ~~بهم فإذا قام إلى الصلاة هرب من سوى الله إليه وآوى عنده واطمأن بذكره وقرت ~~عينه بالمثول بين يديه ومناجاته فلا شيء أهم إليه من الصلاة كأنه في سجن ~~وضيق وغم حتى تحضر الصلاة فيجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح كما قال النبي ~~لبلال يا بلال أرحنا بالصلاة ولم يقل أرحنا منها كما يقول المبطلون ~~الغافلون وقال بعض السلف ليس بمستكمل الإيمان من لم يزل في هم وغم حتى تحضر ~~الصلاة فيزول همه وغمه أو كما قال فالصلاة قرة عيون المحبين وسرور أرواحهم ~~ولذة قلوبهم وبهجة نفوسهم يحملون هم الفراغ منها إذا دخلوا فيها كما يحمل ~~الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة فلهم فيها شأن وللنقارين شأن يشكون ~~إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم كما يشكو الغافل المعرض تطويل ~~إمامه فسبحان من فاضل بين النفوس وفاوت بينها هذا التفاوت العظيم بالجملة ~~فمن كان قرة عينه في الصلاة فلا شيء أحب إليه ولا أنعم عنده منها ويود ~~PageV01P457 أن لو قطع عمره بها غير مشتغل بغيرها وإنما يسلي نفسه إذا ~~فارقها بأنه سيعود إليها عن قرب فهو دائما يثوب إليها ولا يقضي منها ms329 وطرا ~~فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة فإنها الميزان العادل ~~الذي وزنه غير عائل # الموطن الرابع عند الشدائد والأهوال فإن القلب في هذا الموطن لا يذكر إلا ~~أحب الأشياء إليه ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده ولهذا كانوا يفتخرون ~~بذكرهم من يحبونهم عند الحرب واللقاء وهو كثير في أشعارهم كما قال # ذكرتك والخطي يخطر بيننا % وقد نهلت مني المثقفة السمر # وقال غيره # ولقد ذكرتك والرماح كأنها % أشطان بئر في لبان الأدهم # وقد جاء في بعض الآثار يقول تبارك وتعالى إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني ~~وهو ملاق قرنه والسر في هذا والله أعلم أن عند مصائب الشدائد والأهوال يشتد ~~خوف القلب من فوات أحب الأشياء إليه وهي حياته التي لم يكن يؤثرها إلا ~~لقربه من محبوبه فهو إنما يحب حياته لتنعمه بمحبوبه فإذا خاف فوتها بدر إلى ~~قلبه ذكر المحبوب الذي يفوت بفوات حياته ولهذا والله أعلم كثيرا ما يعرض ~~للعبد عند موته لهجه بما يحبه وكثرة ذكره له وربما خرجت روحه وهو يلهج به ~~وذكر ابن أبي PageV01P458 الدنيا في كتاب المحتضرين عن زفر أنه جعل يقول ~~عند موته لها ثلاثة أخماس الصداق لها ربع الصداق لها كذا ومات لامتلاء قلبه ~~من محبة الفقه والعلم وأيضا فإنه عند الموت تنقطع شواغله وتبطل حواسه فيظهر ~~ما في القلب ويقوى سلطانه فيبدو ما فيه من غير حاجب ولا مدافع وكثيرا ما ~~سمع من بعض المحتضرين عند الموت شاه مات وسمع من آخر بيت شعر لم يزل يغني ~~به حتى مات وكان مغنيا وأخبرني رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت وكان ~~تاجرا يبيع القماش قال فجعل يقول هذه قطعة جيدة هذه على قدرك هذه مشتراها ~~رخيص يساوي كذا وكذا حتى مات والحكاية في هذا كثيرة جدا فمن كان مشغولا ~~بالله وبذكره ومحبته في حال حياته وجد ذلك أحوج ما هو إليه عند خروج روحه ~~إلى الله ومن كان مشغولا بغيره في حال حياته وصحته فيعسر عليه اشتغاله ms330 ~~بالله وحضوره معه عند الموت ما لم تدركه عناية من ربه ولأجل هذا كان جديرا ~~بالعاقل أن يلزم قلبه ولسانه ذكر الله حيثما كان لأجل تلك اللحظة التي إن ~~فاتت شقي شقاوة الأبد فنسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته # فصل وقد قيل في المحبة حدود كثيرة غير ما ذكره أبو العباس فقيل المحبة ~~ميل القلب إلى محبوبه وهذا الحد لا يعطي تصور حقيقة المحبة فإن المحبة أعرف ~~عند القلب من الميل وأيضا فإن الميل لا يدل على حقيقة المحبة فإنها أخص من ~~مجرد ميل القلب إذ قد يميل قلب العبد إلى الشيء ولا يكون محبا له لمعرفته ~~بمضرته له فإن سمي هذا الميل محبة فهو اختلاف عبارة وقيل المحبة علم المحب ~~بجمال المحبوب ومحاسنه وهذا حد قاصر فإن العلم بجماله ومحاسنه هو السبب ~~الداعي إلى محبته فعبر عن المحبة بسببها وقيل المحبة تعلق القلب بالمحبوب ~~وقيل انصباب القلب إلى المحبوب وقيل سكون القلب إليه وقيل اشتغال القلب ~~بالمحبوب بحيث لا يتفرغ قلبه لغيره وقيل PageV01P459 المحبة بذل المجهود في ~~معرفة محبوبك وبذل المجهود في مرضاته وقيل هيجان القلب عند ذكر المحبوب ~~وقيل شجرة تنبت في القلب تسقى بماء المراقبة وإيثار رضى المحبوب وقيل ~~المحبة حفظ الحدود فليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده وقيل ~~المحبة إرادة لا تنقص بالجفاء ولا تزيد بالبر وقيل المحبة هي السخاء بالنفس ~~للمحبوب وقيل المحبة أن لا يزال عليك رقيب من المحبوب لا يمكنك من الانصراف ~~عنه أبدا وأنشد في ذلك # أبت غلبات الشوق إلا تقربا % إليك ويأبى العذل إلا تجنبا # وما كان صدي عنك صد ملامة % ولا ذلك الإعراض إلا تقربا # وما كان ذاك العذل إلا نصيحة % ولا ذلك الإغضاء إلا تهيبا # علي رقيب منك حل بمهجتي % إذا رمت تسهيلا علي تصعبا # وقيل المحبة سقوط كل محبة من القلب سوى محبة حبيبك وقيل المحبة صدق ~~المجاهدة في أوامر الله وتجريد المتابعة لسنة رسول الله وقيل المحبة أن لا ~~يفتر من ms331 ذكره ولا يأنس بغيره وقال أبو يزيد المحبة استقلال الكثير من نفسك ~~واستكثار القليل من حبيبك وقيل المحبة أن يميتك حبيبك وتحيا به وقال أبو ~~عبدالله القرشي المحبة أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شيء وقيل أن ~~تمحو من قلبك ما سوى المحبوب وقيل المحبة نسيان حظك من محبوبك وفقرك بكلك ~~إليه وقال النصر أباذي المحبة مجانبة السلو على كل حال وقال الحارث بن أسد ~~المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ثم ~~موافقتك له سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه وقيل المحبة سكر لا يصحو إلا ~~بمشاهدة المحبوب وقيل المحبة إقامتك بالباب على الدوام وقيل المحبة حرفان ~~حاء وباء فالحاء الخروج عن الروح وبذلها للمحبوب والباء الخروج عن البدن ~~وصرفه في طاعة المحبوب وقال أبو عمر الزجاجي سألت الجنيد عن المحبة فقال ~~تريد PageV01P460 الإشارة قلت لا قال تريد الدعوى قلت لا قال فأيش تريد قلت ~~عين المحبة فقال أن تحب ما يحب الله في عباده وتكره ما يكره الله في عباده ~~وقيل المحبة معية القلب والروح مع المحبوب معية لا تفارقه فإن المرء مع من ~~أحب وقد قيل في المحبة حدود أكثر من هذا وكل هذا تعن ولا توصف المحبة ولا ~~تحد بحد أوضح من المحبة ولا أقرب إلى الفهم من لفظها وأما ذكر الحدود ~~والتعريفات فإنما يكون عند حصول الإشكال والاستعجام على الفهم فإذا زال ~~الإشكال وعدم الاستعجام فلا حاجة إلى ذكر الحدود والتعريفات كما قال بعض ~~العارفين إن كل لفظ يعبر به عن الشيء فلا بد أن يكون ألطف وأرق منه والمحبة ~~ألطف وأرق من كل ما يعبر به عنها # فصل قال أبو العباس وقال قوم ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها فإن ~~الغيرة من أوصاف المحبة والغيرة تأبى إلا التستر والاختفاء وكل من بسط ~~لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها فليس له منها ذوق وإنما حركة وجدان ~~الرائحة ولو ذاق منها شيئا لغاب عن الشرح والوصف ms332 فإن المحبة لا تظهر على ~~المحب بلفظه وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى ~~المحبوب لموضع اقتداح الأسرار من القلوب كما قيل # تشير فأدري ما تقول بطرفها % وأطرق طرفي عند ذاك فتعلم # تكلم منا في الوجوه عيوننا % فنحن سكوت والهوى يتكلم # قلت كل معنى فله صيغة تعبر به عنه ولا سيما إذا كانت من المعاني المعروفة ~~للخاص والعام ولكن العبارة قد تكون كاشفة للمعنى مطابقة له كلفظ الدراهم ~~والخبز والماء واللبن ونحوها وهي أكبر الألفاظ وقد يكون المعنى فوق ما يشير ~~إليه اللفظ ويعبر عنه وهو أجل من أن يدل لفظه على كمال ماهيته وهذا كأسماء ~~الرب سبحانه وأسماء كتابه وكذلك PageV01P461 اسم الحب فإنه لا يكشف اسمه ~~مسماه بل مسماه فوق لفظه وكذلك اسم الشوق والعشق والموت والبلاء ونحوها وقد ~~يكون المعنى دون اللفظ بكثير واللفظ أجل منه وأعظم وهذا كلفظ الجوهر الفرد ~~الذي هو عبارة عن أقل شيء وأصغره وأقه وأحقره فليس معناه على قدر لفظه وإذا ~~عرف هذا فقولهم ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها المراد به أن لفظها لا ~~يفهم حقيقة معناها ومعناها فوق ما يفهم من لفظها وقوله الغيرة من أوصاف ~~المحبة وهي تأبى إلا التستر والاختفاء هذا كلام في حكم المحبة ومقتضاها لا ~~في حقيقتها ومعناها والمحبون متباينون في هذا الحكم فمنهم من يجعل الغيرة ~~من لوازم المحبة وعلامة ثبوتها وتمكنها ويجعل نداء المرء عليها وبسط لسانه ~~بالإخبار بها دليلا على أنه دعي فيها وأن ما معه منها رائحتها لا حقيقتها ~~وحقيقتها تأبى إلا التستر والكتمان وهذه طريقة الملامين كما قيل # لا تنكري جحدي هواك فإنما % ذاك الجحود عليه ستر مسبل # ولهذا قيل المحبة كتمان الإرادة وإظهاره الموافقة وهذه الطائفة رأت أن ~~كمال المحبة بكتمانها لأسباب عديدة # أحدها أن الحب كلما كان مكتوما كان أشد وأعظم سريانا وسكونا في أجزاء ~~القلب كلها كما قيل الحب أقتله أكتمه فإذا أفشاه المحب وأظهره وباح به ~~ونادى عليه ضعف أثره وصار عرضة للزوال ms333 # الثاني أن الحب كنز من الكنوز بل هو أعظم الكنوز المودعة في سر العبد ~~وقلبه فلا طريق للصوص إليه فإذا باح به ونادى عليه فقد دل قطاع الطريق ~~واللصوص على موضع كنزه وعرضه لسلبه منه فإن النفوس غيارة مغيرة تغار على ~~المحبوب أن يشاركها في حبه فانتزعته منه وهذه الآفة قد ابتلي بها كثير من ~~السالكين الذين هم في الحقيقة قطاع الطريق على السالكين إلى الله وسولت لهم ~~أنفسهم أن هذه غيرة منهم على PageV01P462 محبوبهم أن يحب مثل هذه النفوس ~~المتلوثة بالدنيا وغرتهم أنفسهم ومنتهم أنهم يغارون على الله ويحولون بين ~~تلك النفوس وبين المحبة فغاروا وأغاروا ونهبوا واستلبوا وهذه الطريقة عند ~~المحبين المخلصين أولياء الله الداعين إلى الله عداوة لله في الحقيقة ~~ومعاونة للشيطان وقعود على طريق الله المستقيم الذي خلق عباده لأجله وأمرهم ~~به فالحذر من هؤلاء القطاع اللصوص حمل أهل المحبة على المبالغة في كتمانها ~~وإظهار التخلي منها بأسباب يلامون عليها ظاهرا وقلوبهم مغمورة بالمحبة ~~مأهولة بها وهذا الذي ظنوه غيرة هو من تلبيس الشيطان وخدعه لهم ومكره بهم ~~وإنما غيرة المحبين لله أن يغار أحدهم لمحارم الله إذا انتهكت فيغار لله ~~على الله كما قال النبي إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي ~~العبد ما حرم عليه فغيرة المحب هي الموافقة لغيرة محبوبه وهي أن يغار مما ~~يغار منه المحبوب وإذا كان المحبوب ممن يحبه وهذا يغار ممن يحبه الله فهو ~~في الحقيقة ساع في خلاف مراد محبوبه وفي إعدام ما يحبه محبوبه فأن هذا من ~~الغيرة المحبوبة لله وإنما هذه غيرة من أخيه المسلم كيف خصه الله بعطائه ~~وألبسه ثوب نعمائه فهي غيرة منه لا غيرة على الله فإن الله لا يغار عليه بل ~~يغار له وسنفرد إن شاء الله للغيرة فصلا نذكر فيه أقسامها وحقيقتها # الثالث أن المحبة التامة تستدعي شغل القلب بالمحبوب وعدم تفرغه للشرح ~~والوصف فلو صدقت محبته لاستغرق فيها عن شرح حاله ووصفه فهذه طريقة هؤلاء ~~ومنهم من ms334 يجعل تهتكه وبوحه بها وإعلامه لها من تمامها وقوتها ومن علامات ~~قهرها له وأنها غلبت على سره حتى لم يطق صبره كتمانها كما قال النوري ~~المحبة هتك الأستار وكشف الأسرار فهذا حال النوري وأضرابه وعند هؤلاء ~~التكتم ضعف في المحبة وجور PageV01P463 فيها وحقيقتها أن تخليها ومقتضاها ~~من ظهور آثارها على الجوارح والبدن فإن أثرت حركة لم يسكنها وإن أثرت دمعة ~~لم يمسكها وإن أثرت تنفسا لم يكظمه وإن أثرت بذلا وإيثارا لم يمسكه وكمال ~~المحبة عندهم أن تنادي عليه أعضاؤه وألفاظه وألحاظه وحركاته وسكناته بالحب ~~نداء لا يملك إنكاره وقال علي بن عبيد وكتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد سكرت ~~من كثرة ما شربت من كأس محبته فكتب إليه أبو يزيد غيرك شرب بحور السموات ~~والأرض ما روي بعد ولسانه خارج وهو يقول هل من مزيد فلم ير هذان العارفان ~~التكتم بها وإخفاءها وجحدها وهما هما وكان الأستاذ أبو علي الدقاق ينشد ~~كثيرا # لي سكرتان وللندمان واحدة % شيء خصصت به من بينهم وحدي # وجاء رجل إلى عبدالله بن المنازل فقال رأيت في المنام كأنك تموت إلى سنة ~~فقال عبدالله لقد أجلتني إلى أجل بعيد أعيش إلى سنة لقد كان لي أنس ببيت ~~سمعته من أبي علي الثقفي # يا من شكى شوقه من طول فرقته % اصبر لعلك تلقى من تحب غدا # وقال الشبلي المحب إذا سكت هلك والعارف إن لم يسكت هلك والتحقيق أن هذا ~~هو حال المتمكن في حبه الذي تزول الجبال الراسيات وقلبه على الود لا يلوي ~~ولا يتغير والأول حال المريد المبتدىء الذي قد علقت نار المحبة في قلبه ولم ~~يتمكن اشتعالها فهو يخاف عليها عواصف الرياح أن تطفئها فهو يخبئها ويكتمها ~~ويسترها من الرياح جهده فإذا اشتعلت وتمكن وقودها في القلب لم تزدها كثرة ~~الرياح إلا وقودا واشتعالا فهذا يختلف باختلاف الناس وتفاوتهم في قوة ~~المحبة وضعفها والمقصود أن من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها ~~وأحكامها أن يؤمن أن يكون من أهل العلم بالمحبة ms335 لا من المتصفين بها حالا ~~فكم بين العلم بالشيء والاتصاف به ذوقا وحالا فعلم المحبة شيء ووجودها في ~~القلب شيء وكثير من المحبين الذين امتلأت قلوبهم محبة لو سئل عن ~~PageV01P464 حدها وأحكامها وحقيقتها لم يطق أن يعبر عنها ولا يتهيأ له أن ~~يصفها ويصف أحكامها وأكثر المتكلمين فيها إنما تكلموا فيها بلسان العلم لا ~~بلسان الحال وهذا والله أعلم هو معنى قول بعض المشايخ أعظم الناس حجابا عن ~~الله أكثرهم إليه إشارة فإنه إنما حظه من الإشارة إليه لا علوق القلب عليه ~~كالفقير الذي دأبه وصف الأغنياء وأموالهم ووصف الدنيا وممالكها وهو خلو من ~~ذلك ولا ريب أن وجود الحب في القلب وترك الكلام علما خير من كثرة الكلام في ~~هذه المسألة وخلو القلب منها وخير من الرجلين من امتلأ قلبه منها حالا ~~وذوقا وفاضت على لسانه إرشادا وتعليما ونصيحة للأمة فهذا حال الكملة من ~~الناس والله المسؤول من فضله وكرمه # قوله المحبة لا تظهر على المحب بلفظه وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله هذا ~~حق فإن دلالة الحال على المحبة أعظم من دلالة القال عليها بل الدلالة عليها ~~في الحقيقة هو شاهد الحال لا صريح المقال ففرق بين من يقول لك بلسانه إني ~~أحبك ولا شاهد عليه من حاله وبين من هو ساكت لا يتكلم وأنت ترى شواهد ~~أحواله كلها ناطقة بحبه لك قال جعفر قال الجنيد دفع السري إلي رقعة وقال ~~هذه خير لي من سبعمائة قصة وكذا فإذا فيها # ولما ادعيت الحب قالت كذبتني % فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا # فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا % وتذبل حتى لا تجيب المناديا # وتبخل حتى ليس يبقي لك الهوى % سوى مقلة تبكي بها وتناجيا # وبالجملة فشاهد الحب الذي لا يكذب هو شاهد الحال وأما شاهد المقال فصادق ~~وكاذب # قوله ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب لموضع اقتداح الأسرار من ~~القلوب يعني أن حقيقة المحبة وسرها لا يفهمه من المحب إلا PageV01P465 ~~محبوبه وذلك لشدة الاتصال الذي بينه وبين محبوبه في ms336 الباطن فروحه أقرب شيء ~~إليه والغير وإن علم أنه محب بظهور أثر المحبة عليه وقيام شاهدها لكن لا ~~يدرك تلك اللطيفة والحقيقة التي يدركها المحبوب من محبه لموضع اتصال سره ~~وقرب ما بين الروحين ولا سيما إذا كانت المحبة من الطرفين فهناك العجب ~~والمناجاة والملاطفة والإشارة والعتاب والشكوى وهما ساكنان لا يدري جليسهما ~~بشأنهما # | فصل في محبة العوام # قال وأما محبة العوام فهي محبة تنبت من مطالعة المنة وتثبت باتباع السنة ~~وتنمو على الإجابة للغاية وهي محبة تقطع الوسواس وتلذذ الخدمة وتسلي عن ~~المصائب وهي طريق العوام عمدة الإيمان فيقال لا ريب أن المحبة درجات ~~متفاوتة بعضها أكمل من بعض وكل درجة خاصة بالنسبة إلى ما تحتها عامة ~~بالنسبة إلى ما فوقها فليس انقسامها إلى خاص وعام انقساما حقيقيا متميزا ~~بالنسبة بفصل يميز أحد النوعين عن الآخر وإنما تنقسم باعتبار الباعث عليها ~~وسببها وتنقسم بذلك إلى قسمين أحدهما محبة تنشأمن الإحسان ومطالعة الآلاء ~~والنعم فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ولا أحد ~~أعظم إحسانا من الله سبحانه فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة وهو يتقلب ~~في إحسانه في جميع أحواله ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان فضلا عن ~~أنواعه أو عن أفراده ويكفي أن من بعض أنواعه نعمة النفس التي لا تكاد تخطر ~~ببال العبد وله عليه في كل يوم وليلة فيه أربعة وعشرون ألف نعمة فإنه يتنفس ~~في اليوم والليلة أربعة وعشرين ألف نفس وكل نفس نعمة منه سبحانه فإذا كان ~~أدنى نعمة عليه في كل يوم أربعة وعشرين ألف نعمة فما الظن بما فوق ذلك ~~وأعظم منه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها هذا إلى ما يصرف عنه PageV01P466 ~~من المضرات وأنواع الأذى التي تقصده ولعلها توازن النعم في الكثرة والعبد ~~لا شعور له بأكثرها أصلا والله سبحانه يكلؤه منها بالليل والنهار كما قال ~~تعالى قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن وسواء كان المعنى من يكلؤكم ~~ويحفظكم منه ms337 إذا أراد بكم سوء ويكون يكلؤكم مضمنا معنى يجيركم وينجيكم من ~~بأسه أو كانت من البدلية أي من يكلؤكم بدل الرحمن أي هو الذي يكلؤكم وحده ~~لا كالىء لكم غيره ونظير من هذه قوله ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون على أحد القولين أي عوضكم وبدلكم واستشهدوا على ذلك بقول الشاعر # جارية لم تأكل المرققا % ولم تذق من البقول الفستقا # أي لم تأكل الفستق بدل البقول وعلى كلا القولين فهو سبحانه منعم عليهم ~~بكلاءتهم وحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده لا حافظ لهم غيره ~~هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه من كل وجه وفي بعض الآثار يقول ~~تعالى أنا الجواد ومن أعظم مني جودا وكرما أبيت أكلأ عبادي في مضاجعهم وهم ~~يبارزونني بالعظائم وفي الترمذي أن النبي لما رأى السحاب قال هذه روايا ~~الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يذكرونه ولا يعبدونه وفي الصحيحين عنه أنه ~~قال لا أحد أصبر على اذى سمعه من الله إنهم ليجعلون له الولد وهو يرزقهم ~~PageV01P467 ويعافيهم وفي بعض الآثار يقول الله ابن آدم خيري إليك نازل ~~وشرك إلي صاعد كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك وكم تتبغض إلي بالمعاصي ~~وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح ولو لم يكن من ~~تحببه إلى عباده وإحسانه إليهم وبره بهم إلا أنه خلق لهم ما في السموات ~~والأرض وما في الدنيا والآخرة ثم أهلهم وكرمهم وأرسل إليهم رسله وأنزل ~~عليهم كتبه وشرع لهم شرائعه وأذن لهم في مناجاته كل وقت أرادوا وكتب لهم ~~بكل حسنة يعملونها عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وكتب لهم ~~بالسيئة واحدة فإن تابوا منها محاها وأثبت مكانها حسنة وإذا بلغت ذنوب ~~أحدهم عنان السماء ثم استغفره غفر له ولو لقيه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه ~~بالتوحيد لا يشرك به شيئا لأتاه بقرابها مغفرة وشرع لهم التوبة الهادمة ~~للذنوب فوفقهم لفعلها ثم قبلها منهم وشرع لهم الحج الذي يهدم ما ms338 قبله ~~فوفقهم لفعله وكفر عنهم سيئاتهم به وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقربات ~~وهو الذي أمرهم بها وخلقها لهم وأعطاهم إياها ورتب عليها جزاءها فمنه السبب ~~ومنه الجزاء ومنه التوفيق ومنه العطاء أولا وآخرا وهم محل إحسانه كله منه ~~أولا وآخرا أعطى عبده المال وقال تقرب بهذا إلي أقبله منك فالعبد له والمال ~~له والثواب منه فهو المعطي أولا وخرا فكيف لا يحب من هذا شأنه وكيف لا ~~يستحي العبد أن يصرف شيئا من محبته إلى غيره ومن أولى بالحمد والثناء ~~والمحبة منه ومن أولى بالكرم والجود والإحسان منه فسبحانه وبحمده لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم ويفرح سبحانه وتعالى بتوبة أحدهم إذا تاب إليه أعظم ~~فرح وأكمله ويكفر عنه ذنوبه ويوجب له محبته بالتوبة وهو الذي ألهمه إياها ~~ووفقه لها وأعانه عليها وملأ سبحانه وتعالى سماواته من ملائكته واستعملهم ~~في الاستغفار لأهل PageV01P468 الأرض واستعمل حملة العرش منهم في الدعاء ~~لعباده المؤمنين والاستغفار لذنوبهم ووقايتهم عذاب الجحيم والشفاعة إليه ~~بإذنه أن يدخلهم جناته فانظر إلى هذه العناية وهذا الإحسان وهذا التحنن ~~والعطف والتحبب إلى العباد واللطف التام بهم ومع هذا كله بعد أن أرسل إليهم ~~رسله وأنزل عليهم كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه ينزل كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه ويدعوهم إلى سؤاله فيدعو ~~مسيئهم إلى التوبة ومريضهم إلى أن يسأله أن يشفيه وفقيرهم إلى أن يسأله ~~غناه وذا حاجتهم يسأله قضاءها كل ليلة ويدعوهم إلى التوبة وقد حاربوه ~~وعذبوا أولياءه وأحرقوهم بالنار قال تعالى إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق وقال بعض السلف ~~انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار ثم هو يدعوهم إلى التوبة ~~فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته سبحانه وتعالى فإن نعمته على عباده ~~مشهودة لهم يتقلبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات وقد روي في بعض الأحاديث ~~مرفوعا أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني بحب الله فهذه ms339 محبة تنشأ ~~من مطالعة المنن ورؤية النعم والآلاء وكلما سافر القلب فيها ازدادت محبته ~~وتأكدت ولا نهاية لها PageV01P469 فيقف سفر القلب عندها بل كلما ازداد فيها ~~نظرا ازداد فيها اعتبارا وعجزا عن ضبط القليل منها فيستدل بما عرفه على ~~مالم يعرفه والله سبحانه وتعالى دعا عباده إليه من هذا الباب حتى إذا دخلوا ~~منه دعوا من الباب الآخر وهو باب الأسماء والصفات الذي إنما يدخل منه إليه ~~خواص عباده وأوليائه وهو باب المحبين حقا الذي لا يدخل منه غيرهم ولا يشبع ~~من معرفته أحد منهم بل كلما بدا له منه علم ازداد شوقا ومحبة وظمأ فإذا ~~انضم داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من ~~هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأشدها نقصا وأبعدها من كل خير فإن الله ~~فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه وإذا كانت هذه فطرة ~~الله التي فطر عليها قلوب عباده فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانا منه ~~سبحانه وتعالى ولا شيء أكمل منه ولا أجمل فكل كمال وجمال في المخلوق من ~~آثار صنعه سبحانه وتعالى وهو الذي لا يحد كماله ولا يوصف جلاله وجماله ولا ~~يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله بل هو ~~كما أثنى على نفسه وإذا كان الكمال محبوبا لذاته ونفسه وجب أن يكون الله هو ~~المحبوب لذاته وصفاته إذ لا شيء أكمل منه وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته ~~وأفعاله دالة عليها فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل ما أمر إذ ~~ليس في أفعاله عبث ولا في أوامره سفه بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة ~~والمصلحة والعدل والفضل والرحمة وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء ~~والمحبة عليه وكلامه كله صدق وعدل وجزاؤه كله فضل وعدل فإنه إن أعطى فبفضله ~~ورحمته ونعمته وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته # ما للعباد عليه حق واجب % كلا ولا سعي لديه ضائع # إن عذبوا فبعدله أو نعموا ms340 % فبفضله وهو الكريم الواسع PageV01P470 # فصل ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلا عن أن يوفاه حقه فأعرف خلقه ~~به وأحبهم له يقول لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولو شهد بقلبه ~~صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها وهل مع امحبين ~~محبة إلا من آثار صفات كماله فإنهم لم يروه في هذه الدار وإنما وصل إليهم ~~العلم بآثار صفاته وآثار صنعه فاستدلوا بما علموه على ما غاب فلو شاهدوه ~~ورأوا جلاله وجماله وكماله سبحانه وتعالى لكان لهم في حبه شأن آخر وإنما ~~تفاوتت منازلهم ومراتبهم في محبته على حسب تفاوت مراتبهم في معرفته والعلم ~~به فأعرفهم بالله أشدهم حبا له ولهذا كانت رسله أعظم الناس حبا له ~~والخليلان من بينهم أعظمهم حبا وأعرف الأمة أشدهم له حبا ولهذا كان ~~المنكرون لحبه من أجهل الخلق به فإنهم منكرون لحقيقة إلهيته ولخلة الخليلين ~~ولفطرة الله التي فطر الله عباده عليها ولو رجعوا إلى قلوبهم لوجدوا حبه ~~فيها ووجدوا معتقدهم نفي محبتهم يكذب فطرهم وإنما بعثت الرسل بتكميل هذه ~~الفطرة وإعادة ما فسد منها إلى الحالة الأولى التي فطرت عليها وإنما دعوا ~~إلى القيام بحقوقها ومراعاتها لئلا تفسد وتنتقل عما خلقت له وهل الأوامر ~~والنواهي إلا خدم ووابع ومكملات ومصلحات لهذه الفطرة وهل خلق الله سبحانه ~~وتعالى خلقه إلا لعبادته التي هي غاية محبته والذل له وهل هيىء الإنسان إلا ~~لها كما قيل # قد هيئوك لأمر لو فطنت له % فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل # وهل في الوجود محبة حق غير باطلة إلا محبته سبحانه فإن كل محبة متعلقة ~~بغيره فباطلة زائلة ببطلان متعلقها وأما محبته سبحانه فهو الحق الذي لا ~~يزول ولا يبطل كما لا يزول متعلقها ولا يفنى وكل ما PageV01P471 سوى الله ~~باطل ومحبة الباطل باطل فسبحان الله كيف ينكر المحبة الحق التي لا محبة أحق ~~منها ويعترف بوجود المحبة الباطلة المتلاشية وهل تعلقت المحبة بوجود محدث ~~إلا الكمال في وجوده بالنسبة إلى غيره ms341 وهل ذلك الكمال إلا من آثار صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء وهل الكمال كله إلا له فكل من أحب شيئا لكمال ما يدعوه ~~إلى محبته فهو دليل وعبرة على محبة الله وأنه أولى بكمال الحب من كل شيء ~~ولكن إذا كانت النفوس صغارا كانت محبوباتها على قدرها وأما النفوس الكبار ~~الشريفة فإنها تبذل حبها لأجل الأشياء وأشرفها والمقصود أن العبد إذا اعتبر ~~كل كمال في الووجود وجده من آثار كماله سبحانه فهو دال على كمال مبدعه كما ~~ان كل علم في الوجود فمن آثار علمه وكل قدرة فمن آثار قدرته ونسبة الكمالات ~~الموجودة في العالم العلوي والسفلي إلى كماله كنسبة علوم الخلق وقدرهم ~~وقواهم وحياتهم إلى عمله سبحانه وقدرته وقوته وحياته فإذا لا نسبة أصلا بين ~~كمالات العالم وكمال الله سبحانه فيجب أن لا يكون بين محبته ومحبه غيره من ~~الموجودات له بل يكون حب العبد لكه أعظم من حبه لكل شيء بما لا نسبة بينهما ~~ولهذا قال تعالى والذين ءامنوا أشد حبا لله فالمؤمنون أشد حبا لربهم ~~ومعبودهم من كل محب لك محبوب هذا مقتضى عقد الأيمان الذي لا يتم إلا به ~~وليست هذه المسألة من المسائل التي للعبد عنها غنى أو منها بد كدقائق العلم ~~والمسائل التي يختص بها بعض الناس دون بعض بل هذه مسألة تفرض على العبد وهي ~~أصل عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها ولا فلاح للعبد ولا نجاة ~~له من عذاب الله إلا بها فليشتغل بها العبد أو ليعرض عنها ومن لم يتحقق بها ~~علما وحالا وعملا لم يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله فإنها سرها وحقيقتها ~~ومعناها وإن أبى ذلك الجاحدون وقصر عن PageV01P472 علمه الجاهلون فإن الإله ~~هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه ~~وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها ~~وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه وليس ذلك إلا الله وحده ولهذا كانت ~~لا إله إلا ms342 الله أصدق الكلام وكان أهلها أهل الله وحزبه والمنكرون لها ~~أعداؤه وأهل غضبه ونقمته فهذه المسألة قطب رحى الدين الذي عليه مداره وإذا ~~صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في ~~علومه وأعماله وأحواله وأقواله ولا حول ولا قوة إلا بالله # فلنرجع إلى شرح كلامه فقوله وأما محبة العوام فهي محبة تنبت من مطالعة ~~المنة يعني أن لهذه المحبة منشأ وثبوتا ونموا فمنشؤها الإحسان ورؤية فضل ~~الله ومنته على عبده وثبوتها باتباع أوامره التي شرعها على لسان رسول الله ~~ونموها وزيادتها يكون بإجابة العبد لدواعي فقره وفاقته إلى ربه فكلما دعاه ~~قره وفاقته إلى ربه أجاب هذا الداعي وهو فقير بالذات فلا يزال فقره يدعوه ~~إليه فإذا دامت استجابته له بدوام الداعي لم تزل المحبة تنمو وتتزايد فكلما ~~أخطر الرب في قلبه خواطر الفقر والفاقة بادر قلبه بالإجابة والانكسار بين ~~يديه ذلا وفاقة وحبا وخضوعا وإنما كانت هذه محبة العوام عنده لأن منشأها من ~~الأفعال لا من الصفات والجمال ولو قطع الإحسان عن هذه القلوب لتغيرت وذهبت ~~محبتها أو ضعفت فإن باعثها إنما هو الإحسان ومن ودك لأمر ولى عند انقضائه ~~فهو برؤية الإحسان مشغول وبتوالي النعم عليه محمول # قوله وهي محبة تقطع الوساوس وتلذذ الخدمة وتسلي على المصائب وهي في طريق ~~العوام عمدة للإيمان إنما كانت هذه المحبة قاطعة للوسواس لإحضار المحب قلبه ~~بين يدي محبوبه والوسواس إنما ينشأ من الغيبة والبعد وأما الحاضر المشاهد ~~فما له وللوسواس فالموسوس PageV01P473 يجاهد نفسه وقبه ليحضر بين يدي ~~معبوده والمحب لم يغب قلبه عن محبوبه فيجاهده على إحضاره فالوسواس والمحب ة ~~متنافيان ومن وجه آخر أن المحب قد انتقطعت عن قلبه وساوس الأطماع لامتلاء ~~قلبه من محبة حبيبه فلا تتوارد على قلبه جواذب الأطماع والأماني لاشتغاله ~~بما هو فيه وأيضا فإن الوسواس والأماني إنما تنشأ من حاجته وفاقته إلى ما ~~تعلق طمعه به وهذا عبد قد جنى من الإحسان وأعطي من النعم ما سد حاجته ms343 وأغنى ~~قافته فلم يبق له طمع ولا وسواس بل بقي حبه للمنعم عليه وشكره له وذكره ~~إياه في محل وساوسه وخواطره لمطالعة نعم الله عليه وشهوده منها ما لم يشهد ~~غيره وقوله وتلذذ الخدمة هو صحيح فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه في ~~طاعته وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذه الطاعة والخدمة أكمل فليزن العبد ~~إيمانه ومحبته لله بهذا الميزان ولينظر هل هو ملتذ بخدمة محبوبه أو متكره ~~لها يأتي بها على السآمة والملل والكراهة فهذا محك إيمان العبد ومحبته لله ~~قال بعض السلف إني أدخل في الصلاة فأحمل هم خروجي منها ويضيق صدري إذا فرغت ~~أني خارج منها ولهذا قال النبي جعلت قرة عيني في الصلاة ومن كانت قرة عينه ~~في شيء فإنه يود أن لا يفارقه ولا يخرج منه فإن قرة عين العبد نعيمه وطيب ~~حياته به وقال بعض السلف إني لأفرح بالليل حين يقبل لما يلتذ به عيشي وتقر ~~به عيني من مناجاة من أحب وخلوتي بخدمته والتذلل بين يديه وأغتم للفجر إذا ~~طلع لما أشتغل به بالنهار عن ذلك فلا شيء ألذ للمحب من خدمة محبوبه وطاعته ~~وقال بعضهم تعذبت بالصلاة عشرين سنة ثم تنعمت بها عشرين سنة وهذه اللذة ~~والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة والتعب أولا فإذا صبر عليه وصدق في ~~صبره أفضى به إلى هذه اللذة قال أبو زيد سقت نفسي إلى الله وهي تبكي فما ~~زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك PageV01P474 ولا يزال السالك عرضة ~~للآفات والفتور والانتكاس حتى يصل إلى هذه الحالة فحينئذ يصير نعيمه في ~~سيره ولذته في اجتهاده وعذابه في فتوره ووقوفه فترى أشد الأشياء عليه ضياع ~~شيء من وقته ووقوفه عن سيره ولا سبيل إلى هذا إلا بالحب المزعج # وقوله وسلا عن المصائب صحيح فإن المحب يتسلى بمحبوبه عن كل مصيبة يصاب ~~بها دونه فإذا سلم له محبوبه لم يبال بما فاته فلا يجزع على ما ناله فإنه ~~يرى في محبوبه عوضا عن كل شيء ولا يرى في ms344 شيء غيره عوضا منه أصلا فكل مصيبة ~~عنده هينة إذا أبقت عليه محبوبه ولهذا لما خرجت تلك المرأة الأنصارية يوم ~~أحد تنظر ما فعل برسول الله مرت بأبيها وأخيها مقتولين فلم تقف عندهما ~~وجاوزتهما تقول ما فعل رسول الله فقيل لها ها هو ذا حي فلما نظرت إليه قالت ~~ما أبالي إذا سلمت هلك من هلك ولو لم يكن في المحبة من الفوائد إلا هذه ~~الفائدة وحدها لكفى بها شرفا فإن المصائب لازمة للعبد لا محيد له عنها ولا ~~يمكن دفعها بمثل المحبة وهكذا مصائب الموت وما بعدها إنما تسهل وتهون ~~بالمحبة وكذلك مصائب القيامة وأعظم المصائب مصيبة النار ولا يدفعها إلا ~~محبة الله وحده ومتابعة رسوله PageV01P475 # فالمحبة أصل كل خير في الدنيا والآخرة كما قال سمنون ذهب المحبون لله ~~بشرف الدنيا والآخرة فإن النبي قال المرء مع من أحب فهم مع الله # وقوله وهي في طريق العوام عمدة الإيمان كلام قاصر فإنها عمود الإيمان ~~وعمدته وساقه الذي لا يقوم إلا عليه فلا إيمان بدونها البتة وإنما مراده ~~هذه المحبة الخاصة التي تنشأ من رؤية النعم هي عمدة إيمان العوام وأما ~~الخواص فعمدة إيمانهم محبة تنشأ من معرفة الكمال ومطالعة الأسماء والصفات ~~والله أعلم # قال أبو العباس وأما محبة الخواص فهي محبة خاطفة تقطع العبارة وتدقق ~~الإشارة ولا تنتهي بالنعوت ولا تعرف إلا بالحيرة والسكوت وقال بعضهم # يقول وقد ألبست وجدا وحيرة % وقد ضمنا بعد التفرق محضر # ألست الذي كنا نحدث أنه % ولوع بذكراها فأين التذكر # فرد عليه الوجد أفنيت ذكره % فلم يبق إلا زفرة وتحسر PageV01P476 # فيقال ههنا مرتبتان من المحبة مختلف في أيتهما أكمل من الأخرى إحداهما ~~هذه المرتبة التي أشار إليها المصنف وهي الدرجة الثالثة التي ذكرها شيخ ~~الإسلام في منازله فقال والدرجة الثالثة محبة خاطفة تقطع العبارة وتدقق ~~الإشارة ولا تنتهي بالنعوت وهذه المحبة قطب هذا الشأن وما دونها مجال تنادي ~~عليها الألسن وادعتها الخليقة وأوجبتها القول والمرتبة الثانية عند صاحب ~~المنازل ومن تبعه دون هذه المرتبة ms345 وهي المحبة التي تنشأ من مطالعة الصفات ~~فقال في منازله والدرجة الثانية محبة تبعث على إيثار الحق على غيره ويلهج ~~اللسان بذكره ويعلق القلب بشهوده وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات والنظر في ~~الآيات والارتياض بالمقامات وإنما جعل هؤلاء هذه المحبة أنقص من المحبة ~~الثالثة بناء على أصولهم فإن الفناء هو غاية السالك التي لا غاية له وراءها ~~فهذه المحبة لما أفنت المحب واستغرقت روحه بحيث غيبته عن شهوده وفني فيها ~~المحب وانمحت رسومه بالكلية ولم يبق هناك إلا محبوبه وحده فكأنه هو المحب ~~لنفسه بنفسه إذ فني من لم يكن وبقي من لم يزل ولما ضاق نطاق النطق بهم عن ~~التعبير عنها عدلوا إلى التعبير عنها بكونها قاطعة للعبارة مدققة للإشارة ~~يعني تدق عنها الإشارة ولأن الإشارة تتناول محبا ومحبوبا وفي هذه المحبة قد ~~فني المحب فانقطع تعلق الإشارة به إذ الإشارة لا تتعلق بمعدوم وسر هذا ~~المقام عندهم هو الفناء في الحب بحيث لا يشاهد له رسما ولا محبة ولا سببا ~~ولهذا كانت الدرجتان اللتان قبله عنه معلولتين لأنهما مصحوبتان بالبقاء ~~وشهود الأسباب بخلاف الثالثة ولهذا قال ولا تنتهي بالنعوت يعني أن النعت لا ~~يصل إليها ولا يدركها وهذا بناء على قاعدته في كل باب من أبواب كتابه يجعل ~~الدرجة العالية التي تتضمن الفناء أكمل مما قبلها والصواب أن الدرجة ~~الثانية أكمل من هذه وأتم وهي درجة الكملة من المحبين ولهذا كان إمامهم ~~وسيدهم وأعظمهم حبا في الذروة العليا من المحبة وهو PageV01P477 مراع ~~لجريان الأمور ولجريان الأمة مثل سماعه بكاء الصبي في الصلاة فيخففها لأجله # ومثل التفاته في صلاته إلى الشعب الذي بعث منه العين يتعرف له أمر العدو ~~وهذا هو في أعلى درجة المحبة ولهذا رأى ما رأى في ليلة الإسراء وهو ثابت ~~الجأش حاضر القلب لم يفن عن تلقي خطاب ربه وأوامره ومراجعته في أمر الصلاة ~~مرارا # ولا ريب أن هذا الحال أكمل من حال موسى الكليم فإن موسى خر صعقا وهو في ~~مقامه في الأرض ms346 لما تجلى ربه للجبل والنبي قطع تلك المسافات وخرق تلك الحجب ~~وأى ما رأى وما زاغ بصره وما طغى ولا اضطراب فؤاده ولا صعق ولا ريب أن ~~الوراثة المحمدية أكمل من الوراثة الموسوية وتأمل شأن النسوة اللاتي رأين ~~يوسف كيف أدهشهن حسنه وتعلقت قلبوهن به وأفناهن عن أنفسهن حتى قطعن أيديهن ~~وامرأة العزيز PageV01P478 أكمل حبا منهن له وأشد ولم يعرض لها ذلك مع أن ~~حبها أقوى وأتم لأن حبها كان مع البقاء وحبهن كان مع الفناء فالنسوة غيبهن ~~حسنه وحبه عن أنفسهن فبلغن من تقطيع أيديهن ما بلغن وامرأة العزيز لم يغبها ~~حبه لها عن نفسها بل كانت حاضرة القلب متمكنة في حبها فحالها حال الأقوياء ~~من المحبين وحال النسوة حال أصحاب الفناء ومما يدل على أن حال البقاء في ~~الحب أكمل من حال الفناء أن الفناء إنما يعرض لضعف النفس عن وارد المحبة ~~فتمتلىء به وتضعف عن حمله فيفنيها ويغيبها عن تمييزها وشهودها فيورثها ~~الحيرة والسكوت وأما حال البقاء فيدل على ثبابت النفس وتمكنها وأنها حملت ~~من الحب مالم يطق حمله صاحب الفناء فتصرفت في حبها ولم يتصرف فيها والكمال ~~من إذا ورد عليه الحال تصرف هو فيه ولا يدع حاله يتصرف فيه وأيضا فإن ~~البقاء متضمن لشهود كمال المحبوب ولشهود ذل عبوديته ومحبته ولشهود مراضيه ~~وأوامره والتمييز بين ما يحبه ويكرهه والتمييز بين المحبوب إليه والأحب ~~والعزم على إيثار الأحب إليه فكيف يكون الفاني عن شهود هذا التغييب الحب له ~~أكمل وأقوى وأي عبودية للمحبوب في فناء المحب في محبته وهل العبودية كل ~~العبودية إلا في البقاء والصحو وكمال التمييز وشهود عزة محبوبه وذله وهو في ~~حبه واستكانته فيه اجتماع أرادته كلها في تنفيذ مراد محبوبه فهذا وأمثاله ~~مما يدل على أن الدرجة الثانية التي أشار إليها أكمل من الثالثة وأتم هكذا ~~في جميع أبواب الكتاب والله أعلم # وكأني بك تقول لا يقبل في هذا إلا كلام من قطع هذه المفاوز حالا وذوقا ~~وأما الكلام فيها بلسان العمل ms347 المجرد فغير مقبول والمحبون أن أصحاب الحال ~~والذوق في المحبة لهم شأن وراء الأدلة والحجج فاعلم أولا أن كل حال وذوق ~~ووجد وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيد بالدليل فهو من عبث النفس ~~وحظوظها فلو قدر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد فلا ريب أن ما ~~كشفه العلم الصحيح المؤيد بالحجة PageV01P479 أنفع من حال يخالف العلم ~~والعلم يخالفه وليس من الإنصاف رد العلم الصحيح بمجرد الذوق والحال وهذا ~~أصل الضلالة ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين في تحكيم أذواقهم ~~ومواجيدهم على العلم فكانت فتنة في الأرض وفساد كبير وكم قد ضل وأضل محكم ~~الحال على العلم بل الواجب تحكيم العلم على الحال ورد الحال إليه فما زكاه ~~شاهد العلم فهو المقبول وما جرحه شاهد العلم فهو المردود وهذه وصية أرباب ~~الاستقامة من مشايخ الطريق يوصون بذلك ويخبرون أن كل ذوق ووجد لا يقوم عليه ~~شاهدان اثنان من العلم فهو باطل ويقال ثانيا ليس من شرط قبول العلم بالشيء ~~من العالم به أن يكون ذائقا له أفتراك لا تقبل معرفة الآلام والأوجاع ~~وأدويتها إلا ممن قد مرض بها وتداوى بها أفيقول هذا عاقل ويقال ثالثا أتريد ~~بالذوق أن يكون القائل قد بلغ الغاية القصوى في هذه المرتبة فلا يقبل إلا ~~ممن هذا شأنه أو تريد أنه لا بد أن يكون له أذواق أهله من حيث يحمله فإن ~~أردت الأول لزمك ن لا يقبل أحد من أحد إذ ما من ذوق إلا وفوقه أكمل منه وإن ~~أردت الثاني فمن أين لك نفيه عن صاحب العلم ولكن لإعراضك عن العلم وأهله ~~صرت تظن أن أهل العلم لهم العلم والكلام والوصف وللمعرضين عنه الذوق والحال ~~والاتصاف والظن يخطىء تارة ويصب والله أعلم # فصل قال أبو العباس فعند القوم كل ما هو من العبد فهو علة تليق بعجز ~~العبد وفاقته وإنما عين الحقيقة عندهم أن يكون قائما بإقاماته له محبا ~~بمحبته له ناظرا بنظره لا من غير أن يبقى معه بقية تناط ms348 باسم أو تقف على ~~رسم أو تتعلق بنظر أو تنعت بنعت أو توصف بوصف أو تنسب إلى وقت صم بكم عمي ~~لدينا محضرون فيقال هذا هو مقام الفناء الذي يشير إليه كثير من المتأخرين ~~ويجعلونه غاية الغايات ونهاية النهايات PageV01P480 وكل ما دونه فمرقاة ~~إليه وعيلة عليه ولهذا كانت المحبة عندهم آخر منازل الطريق وأول أودية ~~الفناء والعقبة التي ينحدر منها على منازل المحو وهي آخر منزل يلقى فيه ~~مقدمة العامة ساقة الخاصة وما دونها أعراض الإعراض فجعلوا المحبة منزلا من ~~المنازل ليست غاية وجعلوها أول الأدوية التي سلك فيها أصحاب الفناء فهي أول ~~أوديتهم والعقبة التي ينحدرون منها إلى منازل الفناء والمحو فليست هي ~~الغاية عندهم وأصحابها عندهم مقدمة العامة وساقة أصحاب الفناء عندهم مقدمون ~~عليهم سابقون لهم فإنهم ساقة الخاصة وهؤلاء مقدمة العامة فهذا كله بناء على ~~أن الفناء هو الغاية التي لا غاية للعبد وراءها ولا كمال له يطلبه فوقها ~~وقد تبين ما في ذلك وما هو الصواب بحمد الله كمال له يطلبه فوقها وقد تبين ~~ما في ذلك وما هو الصواب بحمد الله فقوله كل ما هو من العبد فهو علة تليق ~~بعجز العبد وفاقته يقال له إذا كان إنما منته العبودية التي يحبها الله ~~كسبا ومباشرة فهو قائم بها شاهد لمقيمه فيها مطالع لمنته وفضله فأي علة هنا ~~سوى وقوفه مع شهودها منه وغيبته عن شهود إقامة الله وتحريكه إياه وتوفيقه ~~له فالعلة هي بهذا الشهود وهذه الغيبة المنافية لكمال الافتقار والفاقة إلى ~~الله وأما شهود فقره وفاقته ومجموع حالاته وحركاته وسكناته إلى وليه وباريه ~~مستعينا به أن يقيمه في عبودية خالصة له فلا علة هناك قوله وإنما عين ~~الحقيقة أن يكون قائما بإقامته له إلى آخر كلامه يقال إن أردت أنه يشهد ~~إقامة الله له حتى قام ومحبته له حتى لا أحبه ونظره إلى عبده حتى أقبل عبده ~~عليه ناظرا إليه بقلبه فهذا حق فإن ما من الله سبق ما من العبد فهو الذي ~~أحب ms349 عبده أولا فأحبه العبد وأقام العبد في طاعته فقام بإقاماته ونظر إليه ~~فأقبل العبد عليه تاب عليه أولا فتاب إليه العبد وإن أردت أنه لا يشهد فعله ~~البتة بل يفنى عنه جملة ويشهد أن الله وحده هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه ~~المحب لنفسه وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدما في شهوده وإن لم تفن ~~PageV01P481 وتعدم في الخارج وهذا هو مراد القوم فدعوى أن هذا هو الكمال ~~الذي لا كمال فوقه ولا غاية وراءه دعوى مجردة لا يستدل عليها مدعيها بأكثر ~~من الذوق والوجد وقد تقدم أن هذا ليس بغاية وإنما غايته أن يكون من عوارض ~~الطريق وأن شهود الأشياء في مراتبها ومنازلها التي أنزلها سبحانه إياها ~~أكمل وأتم ويكفي في بعض هذا الاحتجاج عليه بصفات الكفار فإن الله ذمهم ~~بأنهم صم بكم عمي فهذه صفات نقص وذم لا صفات كمال ومدحة وهل الكمال إلا في ~~حضو السمع والبصر والعقل وكمال التمييز وتنزيل الخلق والأمر منازلهما ~~والتفريق بين ما فرق الله بينه فالأمر كله فرقان وتمييز وتبيين فكلما كان ~~تمييز العبد وفرقانه أتم كان حاله أكمل وسيره أصح وطريقه أقوم وأقرب والحمد ~~لله رب العالمين # فصل قال أبو العباس وأما الشوق فهو هبوب القلب إلى غائب وإعواز الصبر عن ~~فقده وارتياح السر إلى طلبه وهو من مقامات العوام وأما الخواص فهو عندهم ~~مخلة عظيمة لأن الشوق إنما يكون إلى غائب ومذهب هذه الطائفة إنما قام على ~~المشاهدة والطريق عندهم أن يكون العبد غائبا والحق ظاهرا ولهذا المعنى لم ~~ينطق بالشوق كتاب ولا سنة صحيحة إلا أن الشوق مخبر عن بعد ومشير إلى غائب ~~وهو يطلع إلى إدراك وهو معكم أين ما كنتم وقيل # ولا معنى لشكوى الشوق يوما % إلى من لا يزول عن العيان # اختلف الناس في الشوق والمحبة أيهما أعلى فقالت طائفة المحبة أعلى من ~~الشوق هذا قول ابن عطاء الله وغيره واحتجوا بأن الشوق غايته أن يكون أثرا ~~من آثار المحبة ومتولدا عنها فهي أصله وهو فرعها قالوا والمحبة ms350 توجب آثارا ~~كثيرة فمن آثارها الشوق وقالت طائفة منهم سري السقطي وغيره الشوق أعلى قال ~~الجنيد سمعت السري يقوله الشوق PageV01P482 أجل مقامات العارف إذا تحقق في ~~الشوق لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه وإنما يظهر سر المسألة بذكر ~~فصلين الأول في حقيقة الشوق والثاني في الفرق بينه وبين المحبة ويتبع ذلك ~~خمس مسائل إحداها هل يجوز إطلاقه على الله كما يطلق عليه أنه يحب عباده أم ~~لا الثانية هل يجوز إطلاقه على العبد فيقال يشتاق إلى الله كما يقال يحبه ~~الثالثة أنه هل يقوى بالوصول والقرب أم يضعف بهما فأي الشوقين أعلى شوق ~~القريب الداني أم شوق البعيد الطالب الرابعة ما الفرق بينه وبين الاشتياق ~~فهل هما بيمعنى واحد أم بينهما فرق الخامسة في بيان مراتبه وأقسامها ومنازل ~~أهله فيه # الفصل الأول في حقيقة الشوق هو سف القلب في طلب محبوبه بحيث لا يقر قراره ~~حتى يطفر به ويحصل له وقيل هو لهيب ينشأ بين أثناءالحشا سببه الفرقة فإذا ~~قع اللقاء أطفأ ذلك اللهيب وقيل الشوق هبوب القلب إلى محبوب غائب وقال ابن ~~خفيف الشوق ارتياح القلوب نحو المحبوب من غير منازع ويقال الشوق انتظار ~~اللقاء بعد البعاد فهذه الحدود ونحوها مشتركة في أن الشوق إنما يكون مع ~~الغيبة من المحبوب وأما مع حضوره ولقائه فلا شوق وهذه حجة من جعل المحبة ~~أعلى منه فإن المحبة لا تزول باللقاء وبهذا يتبين الكلام في الفصل الثاني ~~وهو الفرق بينه وبين المحبة # الفصل الثاني الفرق بينهما فرق ما بين الشيء وأثره فإن الحامل على الشوق ~~هو المحبة ولهذا يقال لمحبتي له اشتقت إليه وأحببته فاشتقت إلى لقائه ولا ~~يقال لشوقي إليه أحببته ولا اشتقت إلى لقائه فأحببته فالمحبة بذر في القلب ~~والشوق بعض ثمرات ذلك البذر وكذلك من ثمراتها حمد المحبوب والرضى عنه وشكره ~~وخوفه ورجاؤه والتنعم بذكره والسكون والأنس به والوحشة بغيره وكل هذه من ~~أحكام المحبة وثمراتها وهو حياتها فمنزلة الشوق من المحبة منزلة الهرب من ~~البغضاء والكراهة ms351 PageV01P483 فإن القلب إذا أبغض الشيء وكرهه جد في الهرب ~~منه وإذا أحبه جد في الهرب إليه وطلبه فهو حركة القلب في الظفر بمحبوبه ~~ولشدة ارتباط الشوق بالمحبة يقع كل واحد منهما موقع صاحبه ويفهم منه ويعبر ~~عنه # فصل وأما المسائل الخمس فإحداها هل يجوز إطلاقه على الله فهذا مما لم يرد ~~به القرآن ولا السنة بصريح لفظه قال صاحب منازل السائرين وغيره وسبب ذلك أن ~~الشوق إنما يكون لغائب ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة ولهذا ~~السبب عندهم لم يجىء في حق الله ولا في حق العبد وجوزت طائفة إطلاقه كما ~~يطلق عليه سبحانه ورووا في أثر انه يقول طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا ~~إلى لقائهم أشوق قالوا وهذا الذي تقتضيه الحقيقة وإن لم يرد به لفظ صريح ~~فالمعنى حق فإن كل محب فهو مشتاق إلى لقاء محبوبه قالوا وأما قولكم إن ~~الشوق إنما يكون إلى الغائب وهو سبحانه لا يغيب عن عبده ولا يغيب العبد عنه ~~فهذا حضور العلم وأما اللقاء والقرب فأمر آخر فالشوق يقع بالاعتبار الثاني ~~وهو قرب الحبيب ولقاؤه والدنو منه وهذا له أجل مضروب لا ينال قبله قال ~~تعالى من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لأت قال أبو عثمان الحيري هذا ~~تعزية للمشتاقين معناه إني أعلم أن اشتياقكم إلي غالب وأنا أجلت للقائكم ~~أجلا وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه والصواب أن يقال إطلاقه ~~متوقف على السمع ولم يرد به فلا ينبغي إطلاقه وهذا كلفظ العشق أيضا فإنه ~~لما لم يرد به سمع فإنه يمتنع إطلاقه عليه سبحانه واللفظ الذي اطلقه سبحانه ~~على نفسه وأخبر به عنها أتم من هذا وأجل شأنا هو لفظ المحبة فإنه سبحانه ~~يوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها وأعلاها فيوصف من الإرادة بأكملها وهو ~~الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته كما قال تعالى فعال PageV01P484 لما يريد ~~وبإرادة اليسر لا العسر كما قال يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~وبإرادة الإحسان وإتمام ms352 النعمة على عباده كقوله والله يريد أن يتوب عليكم ~~ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما فإرادة التوبة لله وإرادة ~~الميل لمبتغي الشهوات وقوله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون وكذلك الكلام يصف نفسه منه ~~بأعلى أنواعه كالصدق والعدل والحق وكذلك الفعل يصف نفسه منه بأكمله وهو ~~العدل والحكمة والمصلحة والنعمة وهكذا المحبة وصف نفسه منها بأعلاها ~~وأشرفها فقال يحبهم ويحبونه يحب التوابين ويحب المتطهرين يحب المحسنين و ~~يحب الصابرين ولم يصف نفسه بغيرها من العلاقة والميل والصبابة والعشق ~~والغرام ونحوها فإن مسمى المحبة أشرف وأكمل من هذه المسميات فجاء في حقه ~~إطلاقه دونها وهذه المسميات لا تنفك عن لوازم ومعان تنزه تعالى عن الاتصاف ~~بها وهكذا جميع ما أطلقه على نفسه من صفاته العلى أكمل معنى ولفظا مما لم ~~يطلقه فالعليم الخبير أكمل من الفقيه والعارف والكريم الجواد أكمل من السخي ~~والخالق البارىء المصور أكمل من الصانع الفاعل PageV01P485 ولهذا لم تجىء ~~هذه في أسمائه الحسنى والرحيم والرؤوف أكمل من الشفيق فعليك بمراعاة ما ~~أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات والوقوف معها وعدم إطلاق ما لم ~~يطلقه على نفسه مالم يكن مطابقا لمعنى أسمائه وصفاته وحينذ فيطلق المعنى ~~لمطابقته له دون اللفظ ولا سيما إذا كان مجملا أو منقسما إلى ما يمدح به ~~وغيره فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدا وهذا كلفظ الفاعل والصانع فإنه لا ~~يطلق عليه في أسمائه الحسنى إلا إطلاقا مقيدا أطلقه على نفسه كقوله تعالى ~~@QB@ فعال لما يريد @QE@ ويفعل الله ما يشاء وقوله صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء فإن اسم الفاعل والصانع منقسم المعنى إلى ما يمدح عليه ويذم ولهذا ~~المعنى والله أعلم لم يجىء في الأسماء الحسنى المريد كما جاء فيها السميع ~~البصير ولا المتكلم ولا لآمر الناهي لانقسام مسمى هذه الأسماء بل وصسف نفسه ~~بكمالاتها وأشرف أنواعها ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في ~~إشتقاقه له سبحانه من كل ms353 فعل أخبر به عن نفسه اسما مطلقا فأدخله في أسمائه ~~الحسنى فاشتق له اسم الماكر والخادع والفاتن والمضل والكاتب ونحوها من قوله ~~ويمكر الله ومن قوله وهو خادعهم ومن قوله لنفتنهم فيه ومن قوله يضل من يشاء ~~وقوله تعالى كتب الله PageV01P486 لأغلبن وهذا خطأ من وجوه أحدها أنه ~~سبحانه لم يطلق على نفسه هذه الأسماء فإطلاقها عليه لا يجوز الثاني أنه ~~سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الاسم ~~عند الإطلاق الثالث أن مسمى هذه الأسماء منقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به ~~وإلى ما يذم فيحسن في موضع ويقبح في موضع فيمتنع إظلاقه عليه سبحانه من غير ~~تفصيل الرابع أن هذه ليست من الأسماء الحسنى الذي يسمى بها سبحانه كما قال ~~تعالى ولله الأسماء الحسنى وهي التي يحب سبحانه أن يثني عليه ويحمد بها دون ~~غيرها الخامس أن هذا القائل لو سمي بهذه الأسماء وقيل له هذه مدحتك وثناء ~~عليك فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما ~~كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعدها مدحة ولله المثل الأعلى سبحانه ~~وتعالى عما يقول الجاهلون به علوا كبيرا السادس أن هذا القائل يلزمه أن ~~يجعل من أسمائه اللاعن والجائي والآتي والذاهب والتارك والمقاتل والصادق ~~والمنزل والنازل والمدمدم والمدمر وأضعاف ذلك فيشتق له اسما من فعل أخبر به ~~عن نفسه إلا تناقض تناقضا بينا ولا أحد من العقلاء طرد ذلك فعلم بطلان قوله ~~والحمد لله رب العالمين # فصل وأما المسألة الثانية وهي هل يطلق على العبد أنه يشتاق إلى الله وإلى ~~لقائه فهذا غير ممتنع فقد روى الإمام أحمد في مسنده والنسائي وغيرهما من ~~حديث حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبيه قال صلى بنا عمار بن ياسر ~~صلاة فأوجز فيها فقلت خففت يا أبا اليقظان فقال وما علي من ذلك ولقد دعوت ~~الله بدعوات سمعتها من رسول الله فلما قام تبعه رجل من القوم فسأله عن ~~الدعوات فقال PageV01P487 اللهم بعلمك ms354 الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما ~~علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك ~~في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر ~~والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء ~~وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ~~ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ~~فهذا فيه إثبات لذة النظر إلى وجهه الكريم وشوق أحبابه إلى لقائه فإن حقيقة ~~الشوق إليه هو الشوق إلى لقائه قال أبو القاسم القشيري سمعت الأستاذ أبا ~~علي يقول في لقائه أسألك الشوق إلى لقائك قال كان الشوق مائة جزء فتسعة ~~وتسعون له وجزء متفرق في الناس فأراد أن يكون ذلك الجزء له أيضا فغار أن ~~تكون شظية من الشوق في غيره قال وسمعته يقول في قول موسى وعجلت إليك رب ~~لترضى قال معناه شوقا إليك فستره بلفظ الرضى وهذا أكثر مشايخ الطريق ~~يطلقونه ولا يمتنعون منه وقيل إن شعيبا بكى حتى عمي بصره فأوحى الله إليه ~~إن كان هذا لأجل الجنة فقد أبحتها لك وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها ~~فقال لا بل شوقا إليك وقال بعض العارفين من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل ~~شيء وقال بعضهم قلوب العاشقين PageV01P488 منورة بنور الله فإذا تحرك ~~اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض فيعرضهم الله على الملائكة فيقول ~~هؤلاء المشتاقون إلي أشهدكم أني إليهم أشوق وإذا كان الشوق هو سفر القلب في ~~طلب محبوبه ونزوعه إليه فهو من أشرف مقامات العبيد وأجلها وأعلاها ومن أنكر ~~شوق العبد إلى ربه فقد أنكر محبته له لأن المحبة تستلذ الشوق فالمحب دائما ~~مشتاق إلى لقاء محبوبه لا يهدأ قلبه ولا يقر قراره إلا بالوصول إليه # فأما قوله إن الشوق عند الخواص علة عظيمة لأن الشوق إنما يكون إلى غائب ~~ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة فيقال المشاهدة نوعان مشاهدة ms355 ~~عرفان ومشاهدة عيان وبينهما من التفاوت ما بين اليقين والعيان ولا ريب أن ~~مشاهدة العرفان متفاوتة بحسب تفاوت الناس بالمعرفة ورسوخهم فيها وليس ~~للمعرفة نهاية تنتهي إليها بحيث إذا وصل إليها العارف سكن قلبه عن الطلب بل ~~كلما وصل منها إلى معلم ومنزلة اشتد شوقه إلى ما وراءه وكلما ازداد معرفة ~~ازداد شوقا فشوق العارف أعظم الشوق فلا يزال في مزيد من الشوق ما دام في ~~مزيد من المعرفة فكيف يكون الشوق عنده علة عظيمة هذا من المحال البين بل من ~~عرف الله اشتاق إليه وإذا كانت المعرفة لا نهاية لها فشوق العارف لا نهاية ~~له هذا مع الشوق الناشىء عن طلب اللقاء والرؤية والمعرفة العيانية فإذا كان ~~القلب حاضرا عند ربه وهو غير غائب عنه لم يوجب له هذا أن لا يكون مشتاقا ~~إلى لقائه ورؤيته بل هذا يكون أتم لشوقه وأعظم فظهر أن قوله وإن الشوق علة ~~عظيمة في طريق الخواص كلام باطل على كل تقدير وإن الشوق بالحقيقة إنما هو ~~شوق الخواص العارفين بالله والعبد إذا كان له مع الله حال أو مقام وكشف له ~~عما هو أفضل منه وأجل اشتاق إليه بالضرورة ولم يكن شوقه علة له ونقصا في ~~حاله بل زيادة وكمالا ويكون ترك الشوق هو العلة وقد تقدم أن لا غاية ~~للمعرفة تنتهي إليها PageV01P489 فيبطل الشوق بنهايتها بل لا يزال العارف ~~في مزيد من معرفته وشوقه والله المستعان # فصل وأما المسألة الثالثة وهي هل يزول الشوق باللقاء أم يقوى فقالت طائفة ~~الشوق يزول باللقاء لأنه طلب فإذا حصل المطلوب زال الطلب لأن تحصيل الحاصل ~~محال ولا معنى للشوق إلى شيء حاصل وإنما يكون الشوق إلى شيء مراد الحصول ~~محبوب الإدراك وقالت طائفة أخرى ليس كذلك بل الشوق يزيد بالوصول واللقاء ~~ويتضاعف بالدنو ولهذا قال القائل # وأعظم ما يكون الشوق يوما % إذ دنت الديار من الديار # ولهذا قال بعضهم شوق أهل القرب أتم من شوق المحبوبين واحتجت هذه الطائفة ~~بأن الشوق من آثار الحب ولوازمه ms356 فكما أن الحب لا يزول باللقاء فهكذا الشوق ~~الذي لا يفارقه قالوا ولهذا لا يزول الرضى والحمد والإجلال والمهابة التي ~~هي من آثار المحبة باللقاء فهكذا الشوق يتضاعف ولا يزول والقولان حق وفصل ~~الخطاب في المسألة أن المحب إذا اشتاق إلى لقاء محبوبه فإذا حصل له اللقاء ~~زال ذلك الشوق الذي كان متعلقا بلقائه وخلفه شوق آخر أعظم منه وأبلغ إلى ما ~~يزيد قربه والحظوة عنده وأما إذا قدر أنه لقيه ثم احتجب عنه ازداد شوقه إلى ~~لقاء آخر ولا يزال يحصل له الشوق كلما احتجب عنه فهذا لا ينقطع شوقه أبدا ~~فهو إذا رآه بل شوقه برؤيته وإذا زال عنه الطرف عاوده الشوق كما قيل # ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته % حتى يعود إليه الطرف مشتاقا # وإنما الشأن في دوام الشوق حال الوصول واللقاء فاعلم أن الشوق نوعان شوق ~~إلى اللقاء فهذا يزول باللقاء وشوق في حال اللقاء وهو تعلق الروح بالمحبوب ~~تعلقا لا ينقطع أبدا فلا تزال الروح مشتاقة إلى مزيد PageV01P490 من هذا ~~التعلق وقوته اشتياقا لا يهدأ وقد أفصح بعض المحبين للمخلوق عن هذاالمعنى ~~بقوله # أعانقها والنفس بعد مشوقة % إليها وهل بعد العناق تدان # وألثم فاها كي تزول صبابتي % فيشتد ما ألقى من الهيمان # فالشوق في حال الوصل والقرب إلى مزيد من النعيم واللذة لا ينقطع والشوق ~~في حال السير إلى اللقاء ينقطع ونستغفر الله من الكلام فيما لسنا بأهل له # فالخوف أولى بالمسي % ء إذا تأله والحزن # والحب يجمل بالتقى % وبالبقاء من الدرن # لكن إذا ما لم يحب % بكم المسيء إذن فمن # وإذا تخون فعلنا % فعل المحبة مؤتمن # أيحب شيء غيركم % وحياتكم كلا ولن # أيحب من تأتي محب % ته بأنواع المحن # والسعد فيها ذابح % والقلب فيها ممتحن # دون الذي في حبه % نيل السعادة والمنن # ومحل بدر كمالها % سعد السعود هو الوطن # والقلب حين يحل في % تلك المنازل والدمن # يمسي ويصبح من رضا % ه ومن مناه في وطن # أيحبهم قلب ويخ % شى أن يضام فلا إذن # فصل ms357 وأما المسألة الرابعة وهي الفرق بين الشوق والاشتياق فقال أبو ~~عبدالرحمن السلمي سمعت النصر أباذي يقول للخلق كلهم مقام بن الشوق وليس لهم ~~مقام الاشتياق ومن دخل في حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له أثر ولا قرار ~~وهذا يدل على أن الاشتياق عنده غير الشوق PageV01P491 ولا ريب أن الاشتياق ~~مصدر اشتاق يشتاق اشتياقا كما أن التشوق مصدر تشوق تشوقا والشوق في الأصل ~~إسم مصدر شاقة يشوقه شوقا مثل شاقه شوقا إذا دعاه إلى الاشتياق فالاشتياق ~~مطاوع شاقة يقال شاقني فاشتقت إليه ثم صار الشوق اسم مصدر الاشتياق وغلب ~~عليه حتى لا يفهم عند الإطلاق إلا الاشتياق القائم بالمشوق والمشوق هو الصب ~~المشتاق والشائق هو الذي قام به وادعى الشوق فههنا ألفاظ الشوق والاشتياق ~~والتشوق والشائق والمشوق والشيق فهذه ستة ألفاظ أحدها الشوق وهو في الأصل ~~مصدر الفعل المتعدي شاقة يشوقه ثم صار اسم مصدر الاشتياق اللفظ الثاني ~~الاشتياق وهو مصدر اشتاق اشتياقا والفرق بينه وبين الشوق هو الفرق بين ~~المصدر واسم المصدراللفظ الثالث التشوق وهو مصدر تشوق إذا اشتاق مرة بعد ~~مرة كما يقال تجرع وتعلم وتفهم وهذا البناء مشعر بالتكلف وتناول الشيء على ~~مهلة اللفظ الرابع الشائق وهو الداعي للمشوق إلى الاشتياق اللفظ الخامس ~~المشوق وهو المشتاق الذي قد حصل له الشوق اللفظ السادس الشيق وهو فيعل ~~بمنزلة هين ولين وهو المشتاق فهذه فروق ما بين هذه الألفاظ وأما كون ~~الاشتياق أبلغ من الشوق فهذا قد يقال فيه إنه الأصل وهو أكثر حروفا من ~~الشوق وهو يدل على المصدر الفاعل وأما المشوق ففرع عليه لأنه اسم مصدر وأقل ~~حروفا وهو إنما يدل على المصدر المجرد فهذه ثلاثة فروق منها والله أعلم # فصل وأما المسألة الخامسة وهي في مراتب الشوق ومنازله فقال صاحب منازل ~~السائرين وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى شوق العابد إلى الجنة ليأمن ~~الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل والدرجة الثانية شوق إلى الله سبحانه ~~وتعالى زرعه الحب الذي ينبت على حافات المنن تعلق قلبه بصفاته ms358 المقدسية ~~واشتاق إلى معاينة لطائف كرمه وآيات بره PageV01P492 وعلامة فضله وهذا شوق ~~تغشاه المبار وتخالجه المسار ويقارنه الاصطبار والدرجة الثالثة نار أضرمها ~~صفو المحبة فنغصت العيش وسلبت السلو ولم ينهنهها مقر دون اللقاء قلت الدرجة ~~الأولى هي شوق إلى فضل الله وثوابه والثانية شوق إلى لقائه ورؤيته والثالثة ~~شوق إليه لا لعلة ولا لسبب ولا ملاحظة فيه غير ذاته فالأول حظ المشتاق من ~~إفضاله وإنعامه والثاني حظه من لقائه ورؤيته والثالث قد فنيت فيه الحظوظ ~~واضمحلت فيه الأقسام # وقوله في الدرجة الأولى ليأمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل هذه ثلاثة ~~فوائد ذكرها في هذا الشوق أمن الخائف وفرح الحزين والظفر بالأمل فهذه ~~المقاصد لما كانت حاصلة بدخول الجنة كانت مصورة للنفس أشد الشوق إلى حصول ~~هذه المطالب وهي الفوز والفرح وجماع ذلك أمران أحدهما النجاة من كل مكروه ~~والثاني الظفر بكل محبوب فهذان هما المشوقان إلى الجنة # وقوله في الثانية شوق إلى الله سبحانه وتعالى زرعه الحب قد تقدم أن الشوق ~~ثمرة الحب وقوله الذي ينبت على حافات المنن أي انشأه الفكر في منن الله ~~وأياديه وأنعامه المتواترة وفيه إشارة إلى أن هذا الحب الذي هو نابت على ~~الحافات والجوانب بعده حب أكمل منه وهو الحب الناشىء من شهود كمال الأسماء ~~والصفات وذلك ليس من نبات الحافت ولكن من الحب الأول يدخل في هذا كما تقدم ~~ولهذا قال تعلق قلبه بصفاته المقدسة وقوله واشتاق إلى معاينة لطائف كرمه ~~وآيات بره وعلامة فضله يشير به غلى ما يكرم الله به عبده من أنواع كراماته ~~التي يستدل بها على أنه مقبول عند ربه ملاحظ بعنايته وأنه قد استخدمه وكتبه ~~في ديوان PageV01P493 أوليائه وخواصه ولا ريب أن العبد متى شاهد تلك ~~العلامات والآيات قوي قلبه وفرح بفضل ربه وعلم أنه أهل فطاب له السير ودام ~~اشتياقه وزالت عنه العلل وما لم ينعم عليه بشيء من ذلك لم يزل كئيبا حزينا ~~خائفا أن يكون ممن لا يصلح لذلك الجناب ولم يصل لتلك المنزلة وقوله ms359 وهذا ~~شوق تغشاه المبار هي جمع مبرة وهي البر أي أن هذا الشوق مشحون بالبر مغشي ~~به وهو إما بر القلب وهو كثرة خيره فهذا القلب أكثر القلوب خيرا فيفعل البر ~~تقربا إلى من هو مشتاق إليه فهو يجيش بأنواع البر وهذه من فوائد المحبة أن ~~قلب صاحبها ينبع منه عيون الخير وتنفجر منه ينابيع البر يريد به أن مبار ~~الله ونعمه تغشاه على الدوام وقوله وتخالجه المسار يخالطه السرور في غضون ~~أشواقه فإنها أشواق لا وحشة معها ولا ألم بل هي محشوة بالمسرات وقوله ~~ويقارنه الاصطبار أي صحابه له قوة على اصطباره على مرضاة حبيبه لشوقه إليه ~~وإنما يضعف الصبر لضعف المحبة والمحب من أصبر الخلق كما قيل # نفس المحب على الآلام صابرة % لعل مسقمها يوما يداويها # وقوله في الدرجة الثالثة إنها نار أضرمها صفو المحبة يعني أن هذا الشوق ~~يتوقد من خالص المحبة التي لا تشوبها علة فهو أشد أنواع الشوق ولهذا نغصت ~~العيش أي كدرته ونغصت المشتاق فيه لأنه لا يصل إلى محبوبه ما دام فيه فهو ~~يترقب مفارقته وقوله وسلبت السلو يعني أن صاحبه لم يبق له مطمع في سلوه ~~أبدا وهذا أعظم ما يكون من الحب والشوق أن المحب آيس من السلو وانتقطع طمعه ~~منه كما أيس من الأمور الممتنعة كرجوع أيام الشباب عليه وعوده طفلا ونحو ~~ذلك وقوله ولم ينهنهها مقر دون اللقاء أي أن هذه النار لا يبردها ولا يفتر ~~حرها مقصود ولا مطلب ولا مراد دون لقاء محبوبه فليس لا سبيل إلى تبريدها ~~وتسكينها إلا بلقاء محبوبه PageV01P494 # فصل قال أبو العباس فهذه كلها علل أنف الخواص منها وأسباب النفطموا عنها ~~فلم يبق لهم مع الحق إرادة ولا في عطائه تشوق إلى استزادة فهو منتهى زادهم ~~وغاية رغبتهم فيعتقدون أن ما دونه قاطع عنه قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ~~وإنما زهدهم جمع الهمة عن تعرفات الكون لأن الحق عافاهم بنور الكشف يعن ~~التعلق بالأحوال إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا ms360 لمن المصطفين ~~الأخيار قلت يشير بذلك إلى المحو ومقام الفناء الذي هو غاية الغايات عنده ~~وقد تقدم الكلام عليه وأن مقام الصحو والبقاء أفضل منه وأتم عبودية وينبغي ~~أن يعرف أن مراعاة مقام الفناء الذي جعلوه غاية آل بكثير من طالبيه إلى ترك ~~القيام بالأعمال جملة ورأوا أنها علل قاطعة عنه واشتد نكير الشيوخ والأئمة ~~عليهم حتى قال شيخ الطائفة الجنيد إن الذي يزني ويسرق خير من هؤلاء وهم ~~نوعان نوع جردوا الفناء في شهود الحكم وهو الحكم القدري ورأوا أنه نهاية ~~التوحيد فآل بهم استغراقهم فيه إلى اطراح الأسباب حتى قال قائلهم العارف لا ~~يعرف معروفا ولا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر والنوع الثاني ~~أصحاب تجريد الفناء والإرادة فجردوا الفناء والإرادة تجريدا آل بهم إلى ترك ~~الأسباب جملة والطائفتان منحرفتان ضالتان خارجتان عن العلم والدين ولهذا ~~قال لهم شيخ القوم الجنيد عليكم بالفرق الثاني يعني أن الفرق فرقان فرق ~~بالطبع والهوى وهو الفرق الذي شهدوه وفروا منه إلى معنى الجمع ولكن بعد ~~الجمع فرق ثان وهو الفرق بالأمر والمحبة لا بالشهوة والطبع وهو دين الرسل ~~فإن دينهم مبناه على الفرق الأمري الشرعي بين محبوب الرب ومأموره وبين ~~مسخوطه ومنهيه فمن لم يشهد هذا الفرق ولم يكن من أهله لم يكن من ~~PageV01P495 أتباع الرسل فإن الكمال شهود الجمع في هذا الفرق فيشهد انفراد ~~الله وحده بالخلق والأمر ويشهد الفرق بين ما يحبه فيؤثره ويقدمه وبين ما ~~بيبغضه فيتركه ويتجنبه فيصير له هذا الفرق في محل فرقه الطبعي الحسي بين ما ~~يلائمه وينافره ومن المعلوم أن صاحب الجمع لا بد أن يفرق بطبعه وحسه وإن ~~ادعى عدم التفريقب طبعا فإنه كاذب مفتر وإذا كان لا بد من الفرق فالفرق ~~الشرعي الإيماني الذي بعث الله به رسله أولى به من الفرق الطبعي الحيواني ~~الذي شاركه فيه سائر البهائم وأبطل من هذا الجمع الجمع في الوجود وهو أن ~~يرى الوجود كله واحدا لا فرق فيه أصلا وإنما التفريق بالعادة والوهم فقط ms361 ~~كما يقوله زنادقة القائلين بوحدة الوجود الذين لا يفرقون بين الخالق ~~والمخلوق بل يجعلون وجود أحدهما وجود الآخر بل ليس عندهم فرق بين أحدهما ~~والآخر إذ ما ثم غير فهذا جمع في الوجود وجمع أولئك جمع في الشهود فهدى ~~الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فكانوا أصحاب الجمع في ~~الفرق ففرقوا بين ما فرق الله بينه بإذنه وجمعوا الأشياء كلها في خلقه ~~وأمره وجمعوا إرادتهم ومحبتهم وشهودهم فيه فكانوا أصحاب جمع في فرق وفرق في ~~جمع فهؤلاء خواص الخلق فنسأل الله العظيم من فضله وكرمه أن يجعلنا منهم ~~فهؤلاء هم الذين لم يبق لهم مع الحق إرادة بل صارت إرادتهم تابعة لإرادته ~~فحصل الاتحاد في المراد فقط لا في الإرادة ولا في المريد فأصحاب الوحدة ~~ظنوا الاتحاد في المريد وأصحاب الحلول توهموا الاتحاد في بالإرادة فهدى ~~الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فعلموا أن المراد واحد ~~فالاتحاد وقع في المراد فقط لا في الإرادة ولا في المريد وقوله فيعتقدون أن ~~ما دونه قاطع عنه إنما يكون ما دونه قاطعا عنه إذا وقف العبد معه وتعلقت ~~إرادته به وانصرف طلبه إليه وأما إذا جعله وسيلة إلى الله PageV01P496 ~~وطريقا يصل بها إليه لم يكن قاطعا ولا حجابا بل يكون حاجبا موصلا إليه ~~وقوله تعالى قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم المراد بالآية ~~شهادته سبحانه لرسوله بتصديقه على رسالته فإن المشركين قالوا لرسول الله من ~~يشهد لك على ما تقول فأنزل الله سبحانه آيات شهادته له وشهادة ملائكته ~~وشهادة علماء أهل الكتاب به فقال تعالى قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن ~~عنده علم الكتاب أي ومن عنده علم الكتاب يشهد لي وشهادته مقبوله لأنها ~~شهادة بعلم قال الله تعالى لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ~~والملائكة يشهدون وكفى PageV01P497 بالله شهيدا وقال تعالى قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم فأخبر سبحانه في هذه المواضع بشهادته ~~لرسوله وكفى ms362 بشهادته إثباتا لصدقه وكفى به شهيدا فإن قيل وما شهادته لرسوله ~~قيل هي ما أقام على صدقه من الدلالات والآيات المستلزمه لصدقه بعد العلم ~~بها ضرورة فدلالتها على صدقه أعظم من دلالة كل بينة وشاهد على حق فشهادته ~~سبحانه لرسوله أصدق شهادة وأعظمها وأدلها على ثبوت المشهود به فهذا وجه ~~ووجه آخر أنه صدقه بقوله وأقام الأدلة القاطعة على صدقه فيما يخبر به عنه ~~فإذا أخبر عنه أنه شهد له قولا لزم ضرورة صدقه في ذلك الخبر وصحت الشهادة ~~له به قطعا فهذا معنى الآية وكان أجنبيا عما استدل به المصنف # ونظير هذا استشهادهم بقوله تعالى وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم ~~قل الله ثم ذرهم حتى رتب على ذلك بعضهم أن الذكر بالاسم المفرد وهو الله ~~الله أفضل من الذكر بالجملة المركبة كقوله سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر وهذا فاسد مبني على فاسد فإن الذكر بالاسم المفرد غير ~~مشروع أصلا ولا مفيد شيئا ولا هو كلام أصلا ولا يدل على مدح ولا تعظيم ولا ~~يتعلق به إيمان ولا ثواب ولا يدخل به الذاكر في عقد الإسلام جملة فلو قال ~~الكافر الله الله من أول عمره إلى آخره لم يصر بذلك مسلما فضلا عن أن يكون ~~من جملة الذكر أو يكون أفضل الأذكار وبالغ بعضهم في ذلك حتى قال الذكر ~~بالاسم المضمر أفضل من الذكر بالأسم الظاهر فالذكر بقوله هو هو بالاسم ~~المضمر أفضل من الذكر بقولهم الله الله PageV01P498 وكل هذا من أنواع الهوس ~~والخيالات الباطلة المفضية بأهلها إلى أنواع من الضلالات فهذا فساد هذا ~~البناء الهائر وأما فساد المبني عليه فإنهم ظنوا أن قوله تعالى قل الله أي ~~قل هذا الاسم فقل الله الله وهذا من عدم فهم القوم لكتاب الله فإن اسم الله ~~هنا جواب لقوله قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ~~تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا إلى أن قال قل الله أي قل الله أنزله ~~فإن ms363 السؤال معاد في الجواب فيتضمنه فيحذف اختصارا كما يقول من خلق السموات ~~والأرض فيقال الله أي الله خلقهما فيحذف الفعل لدلالة السؤال عليه فهذا ~~معنى الآية الذي لا تحتمل غيره # قوله وإنما زهدهم جمع الهمة عن تعريفات الكون لأن الحق عافاهم بنور الكشف ~~عن التعلق بالأحوال فيقال الكشف الذي أوجب لهم هذا الجمع وقطع هذا التعلق ~~هو الكشف الإيماني القرآني فهو في الحقيقة الكشف النافع الجاذب لصاحبه إلى ~~سلوك منازل الأبرار والوصول إلى مقامات القرب ولا سيما إذا قارنه الكشف عن ~~عيوب النفس وعلى الأعمال فناهيك به من كشف والكرامة المرتبة عليه هي لزوم ~~الاستقامة ودوام العبودية فهذا أفضل كشف يعطاه العبد وهذه أفضل كرامة يكرم ~~بها الولي رزقنا الله من فضله وبره وأما استشهاده بقوله تعالى إنا أخلصناهم ~~بخالصة ذكرى الدار فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياؤه ورسله ~~من ختصاصهم بالآخرة وفيها قولان أحدهما أن المعنى نزعنا من قلوبهم حب ~~الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها والقول الثاني إنا أخلصناهم بأفضل ما في ~~الدار الآخرة واختصصناهم به عن العالمين PageV01P499 # قوله وتوكلهم رضاهم بتدبير الحق وتخلصهم من تدبيرهم وفراغ همهم من ~~احتيالها فلي إصلاح شؤونها بوقوفهم على فراغ المدبر منها ومرها على علمه ~~بمصالحهم فيها ونفوسهم مطمئنة بذلك يا أيتها النفس المطمئنة الآية وقد تقدم ~~الكلام على التوكل وبيان أنه من مقامات العارفين وأنه لا انفكاك للمؤمن منه ~~وذكر العلة فيه ما هي وقوله وتوكلهم رضاهم بتدبير الحق الرضا بالتدبير ثمرة ~~التوكل وموجبه لا أنه نفس التوكل والمقدور يكشفه أمران التوكل قبل وقوعه ~~والرضا به بعد وقوعه ومن هنا قال بعضهم حقيقة التوكل الرضا لأنه لما كان ~~ثمرته وموجبه استدل له عليه استدلالا بالأثر على المؤثر وبالمعلول على ~~العلة ولهذا قال في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما عن ~~النبي أنه قال في دعائه اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ~~أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم وأسألك ~~خشيتك ms364 في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في ~~الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا ~~بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت الحديث وقد تقدم فقال وأسألك الرضا ~~بعد القضاء وأما التوكل فإنما يكون قبله وقوله وتخلصهم من تدبيرهم هذا مقام ~~كثيرا ما يشير إليه السالكون وهو ترك التدبير وينبغي أن لا يؤخذ على إطلاقه ~~بل لا بد فيه من التفصيل فيقال العبد دائر بين مأمور يفعله ومحظور يتركه ~~وقد يجري عليه بلا إرادة منه ولا كسب فوظيفته في المأمور كمال التدبير ~~والجد PageV01P500 والتشمير وأن يدبر الحيلة في تنفيذه بكل ما يمكنه فترك ~~التدبير هنا تعطيل للأمر بل يدبر فعله ناظرا إلى تدبير الحق له وأن تدبيره ~~إنما يتم بتدبير الله له فلا يكون هنا قدريا مجوسيا ناظرا إلى فعله جاحدا ~~لتدبير الله وتقديره ومعونته ولا قدريا مجبرا ولا واقفا مع القدر جاحدا ~~لفعله وتدبيره ومجلى أمر الله ونهيه فإن فعله الاختياري هو محل الأمر ~~والنهي فمن جحد فعل نفسه فقد عطل الأمر والنهي وجحد محلهما ووظيفته في ~~المحظور الفناء عن إرادته وفعله فإن عارضته أسباب الفعل فالواجب عليه الجد ~~في الهرب والتشمير في الكف والبعد وهذا تدبير للنهي وأما القدر الذي يصيبه ~~بغير إرادته فهذا الذي يحسن فيه إسقاط التدبير جملة وصبره ورضاه بما قسم له ~~من محبوب ومكروه فعلى هذا التفصيل ينبغي أن يوضع إيقاط التدبير وجماع ذلك ~~أنك تسقط التدبير في حظك وتكون قائما بالتدبير في حق ربك وهكذا ينبغي أن ~~تفرغ الهمة من إجالتها في إصلاح شأنك فإن إصلاح شأنك بحصول حظوظك يحصل فيه ~~فراغ الهمة وترك التدبير وأما أصلاح شأنك بأداء حق الله فالواجب شغل الهمة ~~وإجالتها في القيام به وقوله بوقوفهم على الفراغ المدبر منها ومرها على ~~علمه بمصالحهم فيها فلا ريب أن الله سبحانه وتعالى قضى القضية وفرغ من ~~تدبير أمور الخلائق ولكن قدرها بأسبابها المفضية إليها فلا يكون وقوف العبد ~~على فراغه ms365 سبحانه وتعالى من أقضيته في خلقه وتدبيره مانعا له من قيامه ~~بالأسباب التي جعلها طرقا لحصول ما قضاه منها وكذلك يباشر العبد الأسباب ~~التى بها حفظ حياته من الطعام والشراب واللباس والمسكن ولا يكون وقوفه مع ~~فراغ المدبر منها مانعا له من تعاطيها وكذلك يباشر الأسباب الموجبة لبقاء ~~النوع من النكاح والتسري ولا يكون وقوفه مع فراغ الله من خلقه مانعا له ~~وهكذا جميع مصالح الدنيا والآخرة وإن كانت مفروغا منها قضاء وقدرا فهي ~~منوطة بأسبابها التي يتوقف حصولها عليها شرا وخلقا وأما استدلاله بقوله ~~تعالى يا أيتها النفس المطمئنة PageV01P501 ارجعي إلى ربك فالنفس المطمئنة ~~هي التي اطمأنت إلى ربها وسكنت إلى حبه واطمأنت بذكره وأيقنت بوعده ورضيت ~~بقضائه وهي ضد النفس الأمارة بالسوء فلم تكن طمأنينتها بمجرد إسقاط تدبيرها ~~بل القيام بحقه والطمأنينة بحبه وبذكره # فصل قال وصبرهم صونهم قلبوهم عن خاطر السوء أن الله قضى قضاء عاريا عن ~~الموافقة خارجا عن الخيرة قال الله تعالى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا قد ~~تقدم الكلام في الصبر وأقسامه وبيان مرتبته من الإيمان وما ذكره في تفسيره ~~ههنا غير مطابق لمعناه وهو تفسير بعيد جدا فإن الصبر من أعمال القلوب وهو ~~حبس النفس وكفها عن السخط وأما صون القلب عن اعتقاد مالا يليق بالله فلا ~~يقال له صبر بل هذا من لوازم الإيمان وهو كاعتقاد أنه سبحانه وتعالى حكيم ~~رحيم عليم سميع بصير إلى غير ذلك من صفات كماله فلا يقال الصبر صون القلب ~~عن اعتقاد أضدادها هذا بعيد جدا وتكلف زائد لتفسير الصبر وهل فهم أحد قط ~~هذا المعنى من قوله تعالى يا أيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا وقوله تعالى ~~والصبر لحكم ربك وقوله تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله وقوله فاصبر على ما ~~يقولون واصبروا إن الله مع الصابرين وسائر نصوص الصبر ومن العجب جعل الصبر ~~الذي هو PageV01P502 نصف الإيمان من منازل العوام وتفسيره بهذا التفسير نعم ~~يجب على كل مسلم أن ينزه الله سبحانه وتعالى عن أن يقضي ms366 قضاء ينافي حكمته ~~وعدله وفضله وبره وإحسانه بل كل أقضيته لا تخرج عن الحكمة والرحمة والعدل ~~والمصلحة وإن كان كثير من المتكلمين ينازع في هذا الأصل ويقول الذي ينزه ~~الله عنه من الأقضية هو المستحيل الممتنع وأما الممكن فلا يقبح منه شيء ~~وهؤلاء لا يمكن صون القلب عن خواطر السوء المتعلقة بما يقضيه الله عندهم ~~إلا صونها عن خواطر الممتنعات والمستحيلات فقط وبالجملة هذا مقام آخر غير ~~مقام الصبر بل هذا باب من أبواب المعرفة والعلم ولكل مقام مقال وأما ~~استشهاده بقوله تعالى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا فالبلاء الحسن هنا هو ~~النعمة بالظفر والغنيمة والنصر على الأعداء وليس من الابتلاء الذي هو ~~الامتحان بالمكروه بل من أبلاه بلاء حسنا إذا أنعم عليه يقال أبلاك الله ~~ولا ابتلاك فأبلاه بالخير وابتلاه بالمكاره غالبا كما في الحديث إني مبتليك ~~ومبتل بك # فصل قال وحزنهم يأسهم عن أنفسهم الأمارة بالسوء إن الإنسان لربه لكنود ~~وقد تقدم أيضا الكلام على ما ذكره في الحزن وأما تفسيره إياه أنه بأسهم عن ~~أنفسهم الأمارة بالسوء فليس بالبين فإن الحزن هو الأسف على فوت محبوب أو ~~حصول مكروه وإن تعلق ذلك بالماضي كان حزنا وإن تعلق بالمستقبل كان خوفا ~~وهما وأما اليأس عن النفس الأمارة بالسوء فليس بحزن ويمكن أن يكون مراده أن ~~حزنهم ينشأ عن النفس الأمارة بالسوء لا عن المطمئنة فإن المطمئنة لا تحزن ~~وإنما تحزن الأمارة PageV01P503 لفوات محبوبها وليس هذا كما قال فإن النفس ~~المطمئنة تحزن على تقصيرها في أداء الحق وعلى تضييعها الوقت وإيثارها غير ~~الله عليه في الأحيان وهذا الحزن لا بد منه إذ التقصير والتضييع لازم وأما ~~استشهاده على ذلك بقوله تعالى إن الإنسان لربه لكنود فوجهه أن الكنود هو ~~الكفور وهو الذي يذكر المصائب وينسي النعم ولا ريب أن الحزن ينشأ عن هذين ~~ولا ريب أن الحزن الناشىء عن الكنود حزن ناشىء عن النفس الأمارة بالسوء ~~وأما الحزن على تقصيره وتضييع وقته فليس من هذا وقد تقدم ذلك وذكر ms367 أقسام ~~الحزن ومتعلقاته والله أعلم # فصل قال وخوفهم هيبة الجلال لا خوف العذاب فإن خوفهم مناضلة عن النفس وضن ~~بها وهيبة الجلال تعظيم الحق ونسيان النفس يخافون ربهم من فوقهم وقال في حق ~~العوام يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار وقد تقدم أيضا الكلام على ما ~~ذكره في الحديث وعلته وقوله هو هيبة الجلال لا خوف العذاب تقدم بيان بطلانه ~~وأن الله سبحانه أثنى على خاصة أوليائه من الملائكة والأنبياء وغيرهم ممن ~~عبدهم المشركون بأنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه فكيف يقال إن خوف العذاب نقص ومناضلة عن النفس هذا من ~~الترهات والزعوم ودعاوي الأنفس وقوله إن الخوف مناضلة عن النفس فسبحان الله ~~هل يقال لمن خاف الله وخاف عقوبته إنه مناضل ربه ولو كان مناضله فهو مناضلة ~~العدو والهوى والشهوة وهذه المناضلة من أعظم أنواع العبودية فإن من خاف ~~شيئا ناضل عنه فهو مناضلة عن العذاب PageV01P504 وأسبابه وما ثم إلا مناضلة ~~وإلقاء باليد إلى التهلكة ولولا هذه المناضلة لحصل الاستسلام للعقوبة ~~والمناضلة المحذورة المناضلة عن محبوبات الرب وأوامره وليس الضن بالنفس عن ~~عذاب الله نقصا بل الكمال والفوز والنعيم في ضن العبد بنفسه عن أن يسلمها ~~لعذاب الله ومن لم يضن بنفسه فليس فيه خير البتة والضن بالنفس إنما يذم إذا ~~ضن بها عن بذلها في محبوب الرب وأوامره وأما إذا ضن بها عن عذابه فهل يكون ~~هذا علة وهل العلة كلها إلا في عدم هذه المناضلة والضن قوله وهيبة الجلال ~~تعظيم الحق ونسيان النفس قد تقدم الكلام في الهيبة والتعظيم وأنهما غير ~~الخوف والخشية ولا تستلزم هذه الهيبة أيضا نسيان النفس ولا يكون شعور العبد ~~بنفسه في هذا المقام نقصا ولا علة كما تقدم بل هو أكمل لاستلزامه البقاء ~~الذي هو أقوى وأكمل من الفناء وأما قوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم فهو ~~حجة عليه كما تقدم ولا يصح تفسير الخوف هنا بالهيبة لوجهين أحدهما أنه خروج ~~عن حقيقة اللفظ ووضعه الأصلي بلا ms368 موجب الثاني أن هذا وصف للملائكة وقد ~~وصفهم سبحانه بخوفه وخشيته فالخوف في هذه الآية والخشية في قوله تعالى يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ~~فوصفهم بالخشية والإشفاق ووصفهم بخوف العذاب في قوله تعالى يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه وهم خواص خلقه فإياك ورعونات ~~النفس وحماقاتها وجهالاتها ولا تكن ممن لا يقدر الله حق قدره وقد قال النبي ~~إن الله لو عذب PageV01P505 أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ~~فإذا علم المقرب العارف أن الله لو عذبه لم يظلمه فمن أحق بالخوف منه قوله ~~وقال في حق العوام يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار هذا من الشطحات ~~القبيحة الباطلة فإن هذا صفة خواص عباده وعارفيهم وهم الذين قال فيهم رجال ~~لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون ~~يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من ~~فضله فهؤلاء خواص الخلق وهم أصحاب رسول الله ومن تبعهم بإحسان أفلا يستحي ~~من جعل هذا الومصف للعوام ولا ريب أن هذا مصدره إما جهل مفرط وإما تقليد ~~لقائل لا يدري لازم قوله هذا إن أحسن الظن بقائله وإن كان مصدره غير ذلك ~~فأدهى وأمر ولولا أن هذه الكلمات ونحوها مهاو ومعاطب في الطريق لكان ~~الإعراض عنها إلى ما هو أهم منها أولى والله المستعان # فصل قال ورجاؤهم ظمؤهم إلى الشراب الذي هم في غرقى وبه سكرى ألم تر إلى ~~ربك كيف مد الظل وهذا أيضا من ذلك النمط ورجاء الأنبياء والرسل فمن دونهم ~~إنما هو طمعهم في رحمته ومغفرته وانظر إلى دعوى هؤلاء وإلى قول إمام ~~الحنفاء خليل الرحمن والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين كيف علق رجاءه ~~وطمعه بمغفرة الله له قال تعالى عن خاصة خلقه وأعلمهم به أنهم يرجون ~~PageV01P506 رحمته ويخافون عذابه ومن العجب استدلاله بقوله تعالى ألم تر ~~إلى ربك كيف مد الظل فما ms369 لهذه الآية وما للرجاء ولا سيما ما ذكره المصنف في ~~تفسيره رجاء القوم والاستشهاد بهذا من جنس الألغاز ومعنى الآية التنبيه على ~~هذه الدلالة الباهرة على قدرة الرب سبحانه وعجائب مخلوقاته الدالة عليه ~~والمعنى انظر كيف بسط ربك الظل والظل ما قبل الزوال والفيء بعده فمده ~~سبحانه وبسطه عند طلوع الشمس فإنه يكون مديدا أطول ما يكون وجعل الشمس ~~دليلا عليه فإنها هي التي تظهره وتبينه ثم كلما ارتفعت الشمس شيئا انقبض من ~~الظل جزء فلا يزال ينقص يسيرا حتى ينتهي إلى غايته فإذا أخذت الشمس في ~~الجانب الغربي انبسط بعد انقباضه شيئا فشيئا حتى يصير كهيئته عند طلوعها ~~ولهذا كان الزوال يعرف بانتهاء الظل في قصره فإذا أخذ في الزيادة بعد تناهي ~~قصره فقد تحقق الزوال ولو شاء الله لجعله ساكنا دائما على حالة واحدة فلا ~~يتحرك بالزيادة والنقصان فالظل أحد الأدلة على الخالق سبحانه وأما دلالة ~~هذه الآية على الرجاء فيحتاج إلى أشارة وتكلف غير مقصود بها وآيات الرجاء ~~في القرآن أكثير وأظهر وأصرح في المقصود ظاهرة واستنباطا فالظاهرة كقوله ~~تعالى فمن كان يرجو لقاء به وقوله تعالى يرجون رحمته وقوله من كان يرجو ~~لقاء الله والمستنبطة كآيات البشارة كلها كقوله وبشر المؤمنين وبشر ~~الصابرين فبشر عباد PageV01P507 @QB@ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~@QE@ ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات # فصل قال وشكرهم وسرورهم بموجودهم واستبشارهم بلقائه @QB@ فاستبشروا ~~ببيعكم الذي بايعتم به @QE@ وهذا أيضا من النمط المتقدم وشكر القوم هو ~~عملهم بطاعة الله واستعانتهم بنعمه على محابه قال تعالى @QB@ اعملوا آل ~~داود شكرا @QE@ وقال النبي لما قيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا فسمى الأعمال شكرا وأخبر أن ~~شكره قيامه بها ومحافظته عليها فحقيقة الشكر هو الثناء على النعم ومحبته ~~والعمل بطاعته كما قال # أفادتكم النعماء عندي ثلاثة % يدي ولساني والضمير المحجبا # فاليد للطاعة واللسان للثناء والضمير للحب والتعظيم وأما السرور به وإن ~~كان من ms370 أجل المقامات فإن العبد إنما يسر بمن هو أحب الأشياء إليه وعلى قدر ~~حبه له يكون سروره وهذا السور ثمرة الشكر لا أنه نفس الشكر فكذلك الاستبشار ~~والفرح بلقائه إنما هو ثمرة الشكر وموجبه وهو كالرضا من التوكل وكالشوق من ~~المحبة وكالأنس من الذكر وكالخشية من PageV01P508 العلم وكالطمأنينة من ~~اليقين فإنها ثمرات لها وآثار وموجبات فعلى قدر شكره لله بالأعمال الظاهرة ~~والباطنة وتصحيح العبودية يكون سروره واستبشاره بلقائه وأما قوله سبحانه ~~وتعالى @QB@ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به @QE@ فهذا إنما قاله للشاكين ~~الذين يقاتلون في سبيله فيقتلون ويقتلون ثم وصفهم بعد ذلك بقيامهم بأعمال ~~الشكر فقال @QB@ التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله @QE@ فهؤلاء ~~المستبشرون ببيعهم جعلنا الله منهم بمنه وكرمه # فصل قال ومحبتهم فناؤهم في محبة الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال وقد تقدم ~~الكلام على هذا بما فيه الكفاية وبينا أن البقاء في المحبة أفضل وأكمل من ~~الفناء فيها من وجوه متعددة وأن الفناء إنما هو لضعف المحب عما حمل وأما ~~الأقوياء فهم مع شدة محبتهم في مقام البقاء والتمييز وأما استدلاله بقوله ~~تعالى @QB@ فماذا بعد الحق إلا الضلال @QE@ فالآية إنما سبقت في الكلام على ~~من يعبد غير الله ويشرك به قال تعالى قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن ~~يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر ~~الأمر فسيقولون الله فقل إفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال فأنى تصرفون فمن عبد غير الله فما عبد إلا الضلال المحض ~~PageV01P509 والباطل البحت وأما من عبد الله بأمره وكان في مقام التمييز ~~بين محابه ومساخطه مفرقا بينهما يحب هذا ويبغض هذا ناظرا بقلبه إلى ربه ~~عاكفا بهمته عليه منفذا لأوامره فهو مع الحق المحض والله أعلم # فصل قال وشوقهم هزمهم من رسمهم وسماتهم استعجالا للوصول إلى غاية المنى ~~@QB@ وعجلت إليك رب لترضى @QE@ قد تقدم الكلام في الشوق مستوفى وليس الهرب ~~من الغير والضد ms371 هو ال شوق بل هنا مهروب منه ومهروب إليه فالشوق هوسفر القلب ~~نحو المحبوب وهذا لا يتم إلا بالهرب من ضده فليس الشوق هو نفس الهرب من ~~الرسوم والسمات # فصل قال والإرادة والزهد والتوكل والصبر والحزن والخوف والرجاء والشكر ~~والمحبة والشوق من منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة فإذا شاهدوا ~~عين الحقيقة اضمحلت فيها أحوال الشاهدين حتى يفنى ما لم يكن ويبقى ما لم ~~يزل قلت الحقائق التي أشار إليها على لسان أهل السلوك ثلاث حقيقة إيمانية ~~نبوية وهي حقيقة العبودية التي هي كمال الحب وكمال الذل وسير أهل الاستقامة ~~إنما هو إلى هذه الحقيقة ومنازل السير التي ينزلون فيها هي منازل الإيمان ~~المصولة إليها والمنحرفون لا يرضون بهذه الحقيقة ولا يقفون معها ويرونها ~~منزلة من منازل العامة الحقيقة الثانية حقيقة كونية قدرية يشاهدون فيها ~~انفراد الرب سبحانه بالتكوين والإيجاد وحده وأن العالم كالميت يقلبه ويصرفه ~~كيف يشاء وهم يعظمون هذا المشهد ويورون الفناء فيه غاية ما بعيدها شيء وهذا ~~ن أغلاطهم في المعرفة والسلوك فإن هذا المشهد لا يدخل صاحبه في الإيمان ~~فضلا عن أن يكون أفضل مشاهد أولياء الله المقربين فإن عباد PageV01P510 ~~الأصنام شهدوا هذا المشهد ولم ينفعهم وحده قال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب ~~العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ~~ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QB@ ولئن سألتهم ~~من خلقهم ليقولن الله @QE@ @QB@ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم @QE@ @QB@ ~~سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا @QE@ وهذا كثير في ~~القرآن فالفناء في هذا المشهد لا يدخل العبد في دائرة الإسلام فكيف يجعله ~~هوم الحقيق ة التي ينتهي إليها سير السالكين ويجعل حقيقة الإيمان ودعوة ~~الرسل منزلة من منازل العامة وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد عن الصراط ~~المستقيم وقلب للحقائق وكم قد هلك في هذه ms372 الحقيقة من أمم لا يحصيهم إلا ~~الله وكم عطل لأجلها الواقفون معها من الشرائع وخربوا من المنازل وما نجا ~~من معاطيها إلا من شملته العناية الربانية ونفذ ببصره من هذه الحقيقة إلى ~~الحقيقة الإيمانية النبوية حقيقة رسل الله وأنبيائه وأتباعهم وذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والحقيقة الثالثة حقيقة اتحادية بل واحدية لا يفرق فيها بين ~~الرب والعبد ولا بين القديم والمحدث ولا بين صانع ومصنوع بل الأمر كله واحد ~~والأمر المخلوق هو عين الأمر الخالق وهذه الحقيقة التي يشير إلى عينها ~~طائفة الاتحادية ويعدون من PageV01P511 لم يكن من أهلها محجوبا وهذه حقيقة ~~كفرية اتحادية وهي مع ذلك خيال فاسد وعقل منكوس وذوق من عين منتنة ~~وكفرأهلها أعظم من كفر كل أمة فإنهم جحدوا الصانع حقا وإن أثبتوه جعلوا ~~وجوده وجود كل موجود والذين أثبتوا الصانع وعدلوا به غيره وسووا بينه وبين ~~غيره في العبادة مقالتهم خير من مقالة هؤلاء الذي جعلوه وجود كل موجود وعين ~~كل شيء تعالى الله عما يقول الكاذبون المفترون علوا كبيرا فعليك بالفرق بين ~~السائرين إلى هذه الحقيقة والسائرين إلى عين الحقيقة الكونية الحكمية # والسائرين إلى عين الحقيقة المحمدية الإبراهيمية الحنيفية التي هي حقيقة ~~جميع الأنبياء والمرسلين وفيها تفاوتت مراتب السالكين ويمنازلهم من القرب ~~من رب العالمين قال شيخ هذه الحقيقة إبراهيم عليه السلام لما تحقق فناء تلك ~~الرسوم وأفولها @QB@ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا ~~من المشركين @QE@ وهذا التوجه يتضمن محبته دون غيره وعبادته وطاعته دون ~~غيره فهذه هي الحقيقة حقا وما سواها باطل حقيقة قال تعالى لأكرم خلقه عليه ~~@QB@ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين @QE@ ~~فأمره تعالى أن يقتدي بأبيه إبراهيم في هذه الحقيقة وكان يعلم أصحابه إذا ~~أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين ~~نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنفا مسلما وما كان من المشركين فنسأل الله ~~العظيم أن يهب PageV01P512 لنا هذه الحقيقة ويثبتنا عليها ويعيذنا مما ms373 ~~سواها إنه قريب مجيب بمنه وكره والله أعلم PageV01P513 # | فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها وهم ثمان عشرة ~~طبقة # الطيقة الأولى وهي العليا على الإطلاق مرتبة الرسالة فأكرم الخلق على ~~الله وأخصهم بالزلفى لديه رسله وهم المصطفون من عباده الذين سلم عليهم في ~~العالمين كما قال تعالى @QB@ وسلام على المرسلين @QE@ وقال تعالى @QB@ سلام ~~على نوح في العالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ سلام على إبراهيم كذلك نجزي ~~المحسنين @QE@ @QB@ سلام على إل ياسين @QE@ وقال تعالى @QB@ قل الحمد لله ~~وسلام على عباده الذين اصطفى @QE@ وكلمة السلام هنا تحتمل أن تكون داخلة في ~~حيز القول فتكون معطوفة على الجملة الخبرية وهي الحمد لله ويكون الأمر ~~بالقول متناولا للجملتين معا وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة ~~ويكون محلها النصب محكيه بالقول ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة مستقلة معطوفة ~~على جملة الطلب وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب وهذا التقدير أرجح وعليه ~~يكون السلام من الله عليهم وهو المطابق لما تقدم من سلامه سبحانه ~~PageV01P514 وتعالى على رسله عليهم السلام وعلى التقدير الأول يكون أمر ~~بالسلام عليهم ولكن يقال على هذا كيف يعطف الخبر على الطلب مع تنافر ما ~~بينهما فلا يحسن أن يقال قم وذهب زيد ولا أخرج وقعد عمرو أو يجاب على هذا ~~بأن جملة الطلب قد حكيت بجملة خبرية ومع هذا لا يمتنع العطف فيه بالخبر على ~~الجملة الطلبية لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه وهذا نظير قوله تعالى قل ~~انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ~~فقوله تعالى @QB@ وما تغني الآيات @QE@ ليس معطوفا على القول وهو نظروا بل ~~معطوف على الجملة الكبرى على أن عطف الخبر على الطلب كثير كقوله تعالى قل ~~رب احكم بالحق وربنبا الرحمن المستعان على ما تصفون وقوله تعالى @QB@ وقل ~~رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين @QE@ والمقصود أنه على هذا القول يكون ~~الله سبحانه وتعالى قد سلم على المصطفين من عباده والرسل أفضلهم وقد أخبر ~~سبحانه وتعالى أنه أخلصهم @QB@ بخالصة ذكرى الدار ms374 وإنهم عندنا لمن المصطفين ~~الأخيار @QE@ ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله سبحانه وتعالى اختصهم بوحيه ~~وجعلهم أمناء على رسالته وواسطة بينه وبين عباده وخصهم بأنواع كراماته ~~فمنهم من اتخذه خليلا ومنهم من كلمه تكليما ومنهم من رفعه مكانا عليا على ~~سائرهم درجات ولم يجعل لعباده وصولا إليه إلا من طريقهم ولا دخولا إلى جنته ~~إلا خلفهم ولم يكرم أحدا منهم بكرامة إلا على أيديهم فهم أقرب الخلق إليه ~~وسيلة PageV01P515 وأرفعهم عنده درجة وأحبهم إليه وأكرمهم عليه وبالجملة ~~فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم وبهم عرف الله وبهم عبد ~~وأطيع بهم حصلت محابه تعالى في الأرض وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم ~~المذكورون في قوله تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى @QE@ وهؤلاء هم الطبقة ~~العليا من الخلائق وعليهم تدور الشفاعة حتى يردوها إلى خاتمهم وأفضلهم # الطبقة الثانية من عداهم من الرسل على مراتبهم من تفضيلهم بعضهم على بعض # الطبقة الثالثة الذين لم يرسلوا إلى أممهم وإنما كانت لهم النبوة دون ~~الرسالة فاختصوا عن الأمة بإيحاء الله إليهم وإرساله ملائكته إليهم واختصت ~~الرسل عنهم بإرسالهم إلى الأمة بدعوتهم إلى الله بشريعته وأمره واشتركوا في ~~الوحي ونزول الملائكة عليهم # الطبقة الرابعة ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم وهم القائمون بما بعثوا به ~~علما وعملا ودعوة للخلق إلى الله على طرقهم ومنهاجهم وهذه أفضل مراتب الخلق ~~بعد الرسالة والنبوة وهي مرتبة الصديقية ولهذا قرنهم الله في كتابه ~~بالأنبياء فقال تعالى @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ فجعل ~~درجة الصديقية معطوفة على درجة النبوة وهؤلاء هم الربانيون وهم الراسخون في ~~العلم وهم الوسائط بين الرسول وأمته فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته ~~وحملة دينه وهم PageV01P516 المضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق لا يضرهم ~~من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وقال الله تعالى ~~@QB@ والذين آمنوا بالله ms375 ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم ~~أجرهم ونورهم @QE@ وقيل إن الوقف على قوله تعالى @QB@ هم الصديقون @QE@ ثم ~~يبتدىء @QB@ والشهداء عند ربهم @QE@ فيكون الكلام جملتين أخبر في إحداهما ~~عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون والإيمان التام يستلزم العلم ~~والعمل والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه وأخبر في الثانية أن الشهداء ~~عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء ولهذا قدمهم ~~عليهم في الآيتين هنا وفي سورة النساء وهكذا جاء ذكرهم مقدما على الشهداء ~~في كلام النبي في قوله أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيد ولهذا كان نعت ~~الصديقية وصفا لأفضل الخلق بعبد الأنبياء والمرسلين أبي بكر الصديق ولو كان ~~بعبد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتا له رضي الله عنه وقيل إن ~~الكلام كله جملة واحدة وأخبر عن المؤمنين بأنهم هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشهدهم الله على الناس يوم القيامة وهو ~~قوله تعالى @QB@ لتكونوا شهداء على الناس @QE@ وهم المؤمنون فوصفهم بأنهم ~~صديقون في الدنيا وشهداء على الناس يوم القيامة ويكون الشهداء وصفا لجملة ~~PageV01P517 المؤمنين الصديقين وقيل الشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله ~~وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين ويكون قوله والشهداء مبتدأ ~~خبره ما بعده لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيدا في سبيل الله ويرجحه أيضا أنه لو ~~كان الشهداء داخلا في جملة الخبر لكان قوله تعالى @QB@ لهم أجرهم ونورهم ~~@QE@ داخلا أيضا في جملة الخبر عنهم ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء أحدها ~~أنهم هم الصديقون الثاني أنهم هم الشهداء والثالث أن لهم أجرهم ونورهم وذلك ~~يتضمن عطف الخبر الثاني على الأول ثم ذكر الخبر الثالث مجردا عن العطف وهذا ~~كما تقول زيد كريم وعالم له مال والأحسن في هذا تناسب الأخبار بأن تجردها ~~كلها من العطف أو تعطفها جميعا فتقول زيد كريم عالم له مال أو كريم وعالم ~~وله مال فتأمله ويرجحه أيضا أن الكلام يصير جملا مستقلة قد ذكر فيها أصناف ~~خلقه السعداء ms376 وهم الصديقون والشهداء والصالحون وهم المذكورون في الآية وهم ~~المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضا حسنا فهؤلاء ثلاثة أصناف ثم ذكر الرسول ~~في قوله تعالى @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات @QE@ فيتناول ذلك الأصناف ~~الأربعة المذكور في سورة النساء فهؤلاء هم السعداء ثم ذكر الأشقياء وهم ~~نوعان كفار ومنافقون فقال تعالى @QB@ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم @QE@ وذكر المنافقون في قوله تعالى @QB@ يوم يقول المنافقون ~~والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم @QE@ فهؤلاء أصناف العالم ~~كلهم وترك سبحانه وتعالى ذكر المخلط صاحب الشائبتين على طريقة القرآن في ~~ذكر السعداء والأشقياء دون المخلطين غالبا لسر اقتضته حكمته فليحذر صاحب ~~التخليط فإنه لا PageV01P518 ضمان له على الله ولا هو من أهل وعده المطلق ~~ولا ييأس من روح الله فإنه ليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب ولكنه بين ~~الجنة والنار واقف بين الوعد والوعيد كل منهما يدعوه إلى موجبه لأنه أتى ~~بسببه وهذا هو الذي لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين ولكن غلطوا في ~~تخليده في النار ولو نزلوه منزلة بين المنزلتين ووكلوه إلى المشيئة وقالوا ~~بأنه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه لأصابوا ولكن منزلة بين منزلتين ~~وصاحبهما مخلد في النار مما لا يقتضيه عقل ولا سمع بل النصوص الصريحة ~~المعلومة الصحة تشهد ببطلان قولهم والله أعلم وأيضا فصاحب الشائبتين يعلم ~~حكمه من نصوص الوعد والوعيد فإن الله سبحانه وتعالى رتب على كل عمل جزاء في ~~الخير والشر فإذا أتى العبد بهما كان فيه سبب الجزاءين والله لا يضيع مثقال ~~ذرة فإن كان عمل الشر مما يوجب سقوط أثر الحسنة كالكفر كان التأثير وإن لم ~~يسقطه كالمعصية ترتب في حقه الأثران ما لم يسقط أحدهما بسبب من الأسباب ~~التي نذكرها إن شاء الله فيما بعبد والمقصود أن درجة الصديقية والربانية ~~ووراثة النبوة وخلافة الرسالة هي أفضل درجات الأمة ولو لم يكن من فضلها ~~وشرفها إلا أن كل من علم بتعليمهم وإرشادهم أو علم غيره شيئا من ذلك كان له ~~مثل أجره ما دام ذلك جاريا ms377 في الأمة على آباد الدهور وقد صح عن النبي أنه ~~قال لعلي بن أبي طالب والله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر ~~النعم PageV01P519 # وصح عنه أنه قال من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كان له مثل أجر ~~من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا وصح عنه أيضا أنه قال إذا مات العبد ~~انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ~~وصح عنه أنه قال من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وفي السنن عنه أنه قال ~~إن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى النملة في جحرها وعنه ~~أنه PageV01P520 قال إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير وعنه أنه ~~قال إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ~~وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ عظيم وافر وعنه العالم والمتعلم شريكان ~~في الأجر ولا خير في سائر الناس بعد وعنه أنه قال نضر الله امرأ سمع مقالتي ~~فوعاها وأداهما كما سمعها والأحاديث في هذا كثيرة وقد ذكرنا مائتي دليل على ~~فضل العلم وأهله في كتاب مفرد فيا لها من مرتبة ما أعلاها ومنقبة ما أجلها ~~وأسناها أن يكون المرء في حياته مشغولا ببعض أشغاله أو في قبره قد صار ~~أشلاء متمزقة وأوصالا متفرقة وصحف حسناته متزايدة يملي فيها الحسنات كل وقت ~~وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب تلك والله المكارم والغنائم وفي ~~ذلك فليتنافس المتنافسون وعيه يحسد PageV01P521 الحاسدون وذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وحقيق بمرتبة هذا شأنها أن تنفق نفائس ~~الأنفاس عليها ويسبق السابقون إليها وتوفر عليها الأوقات وتتوجه نحوها ~~الطلبات فنسأل الله الذي بيده مفاتيح كل خير أن يفتح علينا خزائن رحمته ~~ويجعلنا من أهل هذه الصفة بمنه وكرمه وأصحاب هذه المرتبة يدعون عظماء في ~~ملكوت السماء كما قال بعض السلف من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيما ms378 في ملكوت ~~السماء وهؤلاء هم العدول حقا بتعديل رسول الله لهم إذ يقول فيما يروى عنه ~~من وجوه شد بعضها بعضا يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وما أحسن PageV01P522 ما قال ~~فيهم الإمام أحمد في خطبة كتابه في الرد على الجهمية الحمد لله الذي جعل في ~~كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون ~~منهم على الأذى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ~~ومن ضال جاهل قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ~~ينفون عن كتاب الله تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وذكر ~~ابن وضاح هذا الكلام عن عمر بن الخطاب PageV01P523 # الطبقة الخامسة أئمة العدل وولاته الذين تؤمن بهم السبل ويستقيم بهم ~~العالم ويستنصر بهم الضعيف ويذل بهم الظالم ويأمن بهم الخائف وتقام بهم ~~الحدود ويدفع بهم الفساد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقام بهم حكم ~~الكتاب والسنة وتطفأ بهم نيران البدع والضلالة وهؤلاء الذين تنصب لهم ~~المنابر من النور عن يمين الرحمن عز وجل يوم القيامة فيكونون عليها والولاة ~~الظلمة قد صهرهم حر الشمس وقد بلغ منهم العرق مبلغه وهم يحملون أثقال ~~مظالمهم العظيمة على ظهورهم الضعيفة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم ~~يرى سبيل أحدهم إما إلى الجنة وإما إلى النار فقال النبي المقسطون على ~~منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن تبارز وتعالى وكلتا يديه يمين ~~الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا وعنه إن أحب الخلق إلى الله وأقربهم ~~منه منزلة يوم القيامة إمام عادل وإن أبغض الخلق إلى الله وأبعدهم منه ~~منزلة يوم القيامة إمام جائر أو كما قال وهم أحد السبعة الأصناف الذين ~~PageV01P524 يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وكما كان الناس في ظل ~~عدلهم في الدنيا كانوا في ظل عرش الرحمن يوم القيامة ظلا بظل جزاء وفاقا ~~ولو لم يكن ms379 من فضلهم وشرفهم إلا أن أهل السموات والأرض والطير في الهواء ~~يصلون عليهم ويستغفرون لهم ويدعون لهم وولاة الظلم يلعنهم من بين السموات ~~والأرض حتى الدواب والطير كما أن معلم الناس الخير يصلي عليه الله وملائكته ~~وكاتم العلم والهدى الذي أنزله اله وحامل أهله على كتمانه يلعنه الله ~~وملائكته ويلعنه اللاعنون فيا لها من منقبة ومرتبة ما أجلها وأشرفها أن ~~يكون الوالي والإمام على فراشه ويعمل بالخير وتكتب الحسنات في صحائفه فهي ~~متزايدة ما دام يعمل بعدله ولساعة واحدة منه خير من عبادة أعوام من غيره ~~فأين هذا من الغاش لرعيته الظالم لهم قد حرم الله عليه الجنة وأوجب له ~~النار ويكفي في فضله وشرفه أن يكف عن الله دعوة المظلوم كما في الآثار أيها ~~الملك المسلط المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك ~~لتكف عني دعوة المظلوم إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض فإني لا ~~أحجبها ولو كانت من كافر فأين من هو نائم وأعين العباد ساهرة تدعو الله له ~~وآخر أعينهم ساهرة تدعو عليه # الطبقة السادسة المجاهدون في سبيل الله وهم جند الله اذين يقيم بهم دينه ~~وييدفع بهم بأس أعدائه ويحفظ بهم بيضة الإسلام ويحمي لهم حوزة الدين وهم ~~الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدين كله لله وتكون PageV01P525 كلمة الله ~~هي العليا قد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصر دينه وإعلاء كلمته ودفع ~~أعدائه وهم شركاء لكل من يحمونه بسيوفهم في أعمالهم التي يعملونها وإن ~~باتوا في ديارهم ولهم مثل أجور من عبدالله بسبب جهادهم وفتوحهم فإنهم كانوا ~~هم السبب فيه والشارع قد نزل المتسبب منزلة الفاعل التام في الأجر والوزر ~~ولهذا كان الداعي إلى الهدى والداعي إلى الضلال لكل منهما بتسببه مثل أجر ~~من تبعه وقد تظاهرت آيات الكتاب وتواترت نصوص السنة على الترغيب في الجهاد ~~والحض عليه ومدح أهله والإخبار عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات ~~والعطايا الجزيلات ويكفي في ذلك قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا هل ms380 ~~أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم @QE@ فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة ~~الرابحة الدال عليها رب العالمين العليم الحكيم فقال @QB@ تؤمنون بالله ~~ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم @QE@ فكأن النفوس ضنت ~~بحياتها وبقائها فقال @QB@ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون @QE@ يعني أن ~~الجهاد لكم لكم من قعودكم للحياة والسلامة فكأنها قالت فما لنا في الجهاد ~~من الحظ فقال @QB@ يغفر لكم ذنوبكم @QE@ مع المغفرة يدخلكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم فكأنها قالت هذا ~~في الآخرة فما لنا في الدنيا فقال @QB@ وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح ~~قريب وبشر المؤمنين @QE@ فيا لله ما أحلى هذه الألفاظ وما PageV01P526 ~~ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبا لها وتسييرا إلى ربها وما ألطف موقعها من ~~قلب كل محب وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها فنسأل الله ~~من فضله إنه جواد كريم ومن هذا قوله تعالى أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الآخر وجهد في سبيل الله لا يستوون ~~عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ~~ربهم برحمة منه وضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله ~~عنده أجر عظيم فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام ~~وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة هذه هي عمارة مساجده المذكورة في ~~القرآن وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله وأخبر أن ~~المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون وأنهم أهل البشارة ~~بالرحمة والرضوان والجنان فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام ~~مع انواع العبادة مع ثنائه على عماره بقوله تعالى @QB@ إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ فهؤلاء هم عمال المساجد ومع هذا ~~فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم وقال ms381 تعالى لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات ومغفرة PageV01P527 ~~@QB@ ورحمة وكان الله غفورا رحيما @QE@ فنفى سبحانه وتعالى التسوية بين ~~المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين ثم أخبر عن تفضيل المجاهدين ~~على القاعدين درجة ثم أخبر عن تفضيلهم عليهم درجات # وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس من جهة أن القاعدين الذين فضل ~~عليهم المجاهدون بدرجات إن كانوا هم القاعدين الذي فضل عليهم أولو الضرر ~~فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا وعلى هذا فما وجه استثناء أولي ~~الضرر من القاعدين وهم لا يستوون والمجاهدين أصلا فيكون حكم المستثني ~~والمستثنى منه واحدا فهذا وجه الإشكال ونحن نذكر ما يزيل الإشكال بحمد الله ~~فاختلف القراء في إعراب غير فقرىء رفعا ونصبا وهما في السبعة وقرىء بالجر ~~في غير السبعة وهي قراءة أبي حيوة فأما قراءة النصب فعلى الاستثناء لأن ~~غيرا يعرب في الاستثناء إعراب الاسم الواقع بعد إلا وهو النصب هذا هو ~~الصحبح وقالت طائفة إعرابها نصب على الحال أي لايستوي القاعدون غير مضرورين ~~أي لا يستوون في حال صحتهم هم والمجاهدون والاستثناء أصح فإن غير لا تكاد ~~تقع حالا في كلامهم إلا مضافة إلى نكرة كقوله تعالى @QB@ فمن اضطر غير باغ ~~@QE@ وقوله عز وجل في أول المائدة @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد @QE@ وقوله تعالى مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى ~~فإن أضيفت إلى معرفة PageV01P528 كانت تابعة لما قبلها كقوله تعالى صراط ~~الذين أنعمت عيهم غير المغضوب عليهم ولو قلت مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا ~~الندامى لجرت غير هذا هو المعروف من كلامهم والكلام في عدم تعرف غير ~~بالإضافة وحسن وقوعها إذ ذاك حالا له مقام آخر وأما الرفع فعلى النعت ~~للقاعدين هذا هو الصحيح وقال أبو إسحاق وغيره هو خبر مبتدأ محذوف تقديره ~~الذين هم غير أولي ms382 الضرر والذي حمله على هذا ظنه أن غيرا لا تقبل التعريف ~~بالإضافة فلا تجري صفة للمعرفة وليس مع من ادعى ذلك حجة يعتمد عليها سوى أن ~~غيرا توغلت في الإبهام فلا تتعرف بما يضاف إليه وجواب هذا أنها إذا دخلت ~~بين متقابلين لم يكن فيها إبهام لتعيينها ما تضاف إليه وأما قراءة الجر ~~ففيها وجهان أيضا أحدهما وهو الصحيح أنه نعت للمؤمين والثاني وهو قول ~~المبرد أنه بدل منه بناء على أنه نكرة فلا تنعت به المعرفة وعلى الأقوال ~~كلها فهو مفهوم معنى الاستثناء وإن نفي التسوية غير مسلط على ما أضيفت إليه ~~غيره وقوله فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة هو مبين ~~لمعنى نفي المساواة قالوا والمعنى فضل الله المجاهد على القاعد من اولي ~~الضرر درجة واحدة لامتيازه عنه بالجهاد بنفسه وماله ثم أخبر سبحانه وتعالى ~~أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى فقال وكلا وعد الله الحسنى أي المجاهد ~~والقاعد المضرور لاشتراكهما في الإيمان قالوا وفي هذا دليل على تفضيل الغني ~~المنفق على الفقير لأن الله أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد ~~وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس وأما PageV01P529 الفقير فنفى عنه ~~الحرج بقوله ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ~~فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج قالوا فهذا حكم ~~القاعد من أولي الضرر والمجاهد وأما القاعد من غير أولي الضرر فقال تعالى ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان ~~الله غفورا رحيما وقوله درجات قيل هو نصب على البدل من قوله أجرا عظيما ~~وقيل تأكيد له وإن كان بغير لفظه لأنه هو في المعنى قال قتادة كان يقال ~~الإسلام درجة والهجرة في الإسلام درجة والجهاد في الهجرة درجة والقتل في ~~الجهاد درجة وقال ابن زيد الدرجات التي فضل الله بها المجاهد على القاعد ~~سبع وهي التي ذكرها الله تعالى إذ يقول تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم طمأ ولا ms383 ~~نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو ~~نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين فهذه خمس ثم ~~قال ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم به عمل ~~صالح فهاتان اثنتان وقيل الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس ~~الجواد المضمر سبعين سنة والصحيح إن الدرجات هي المذكورة في حديث أبي هريرة ~~الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي أنه قال من آمن بالله ورسوله وأقام ~~الصلاة وصام رمضان فإن حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو ~~جلس في أرضه التي PageV01P530 ولد فيها قالوا يا رسول الله أفلا نخبر الناس ~~بذلك قال إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله كل درجتين ~~كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ~~وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة قالوا وجعل سبحانه ~~وتعالى التفضيل الأول بدرجة فقط وجعله ههنا بدرجات ومغفرة ورحمة وهذا يدل ~~على أنه يفضل على غير أولي الضرر فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه # ولكن بقي أن يقال إذا كان المجاهدون من القاعدين مطلقا لزم أن لا يستوي ~~مجاهد وقاعد مطلقا فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أولي الضرر ~~فائدة فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أولي الضرر ايضا وأيضا فإن ~~القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولي الضرر لا ~~القاعدون الذين هم أولو الضرر فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية بل استثناهم ~~وبين أن التفضيل على غيرهم فاللام في القاعدين للعهد والمعهود هم غير أولي ~~الضرر لا المضرورون وأيضا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له ~~مثل أجر المجاهد كما ثبت عن النبي أنه قال إذا مرض العبد أو سافر كتب له من ~~العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما وقال إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا ~~قطعتم واديا إلا وهم ms384 معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر ~~وعلى هذا فالصواب أن يقال الآية PageV01P531 دلت على أن القاعدين عن الجهاد ~~من غير أولي الضرر لا يستوون هم والمجاهدون وسكت عن حكمهم بطريقب منطوقها ~~ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين بل هذا النوع منقسم إلى معذور من ~~أهل الجهاد غلبه عذره وأقعده عنه ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها وإنما ~~أقعده العجز فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد وهذا القسم ~~لا يتناوله الحكم بنفي التسوية وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا ~~اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب ~~منزلة الفاعل التام كما دل عليه قوله إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار قالوا هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على ~~قتل صاحبه وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبي كبشة الأنماري عن ~~النبي أنه قال إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي ~~في ماله ربه ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأحسن المنازل وعبد رزقه ~~الله علما ولم يرزقه مالا فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو ~~بنيته وهما في الأجر سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو لا يتقي ~~في ماله ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأسوأ PageV01P532 ~~المنازل عند الله وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن لي مالا ~~لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواي فأخبر أن وزر الفاعل والناوي ~~الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواء لأنه أتى بالنية ومقدوره التام ~~وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته وكذلك المقتول الذي اقترن ~~قوله بنيته وكذلك المقتول الذي سل السيف وأراد به قتل أخيه المسلم فقتل نزل ~~منزلة القاتل لنيته التامة التي اقترن بها مقدورها من السعي والحركة ومثل ~~هذا قوله من دل على ms385 خير فله مثل أجر فاعله فإنه بدلالته ونيته نزل منزلة ~~الفاعل ومثله من دعا إلى هدى فله مثل أجور من اتبعه ومن دعا إلى ضلالة عليه ~~من الوزر مثل آثام من اتبعه لأجل نيته واقتران مقدورها بها من الدعوة ومثله ~~إذا جاء المصلي إلى المسجد ليصلي جماعة فأدركهم وقد صلوا فصلى وحده كتب له ~~مثل أجر صلاة الجماعة بنيته وسعيه كما جاء مصرحا به في حديث مروي ومثل هذا ~~من كان له ورد يصليه من الليل فنام ومن نيته أن يقوم PageV01P533 إليه فغلب ~~عينه نوم كتب له أجر ورده وكان نومه عليه صدقة ومثله PageV01P534 المريض ~~والمسافر إذا كان له عمل يعمله فشغل عنه المرض والسفر كتب له مثل عمله وهو ~~صحيح مقيم ومثله من سأل الله الشهادة بصدق بغله الله سبحانه وتعالى منازل ~~الشهداء ولو مات على فراشه ونظائر ذلك كثيرة والقسم الثاني معذور ليس من ~~نيته الجهاد ولا هو عازم عليه عزما تاما فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل ~~الله بل قد فضل الله المجاهدين عليه وإن كان معذورا لأنه لا نية له تلحقه ~~بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول وقد قال النبي في حديث عثمان بن ~~مظعون إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته فلما كان القسم المعذور فيه هذا ~~التفصيل لم يجز أن يساوي بالمجاهد مطلقا ولا ينفي عنه المساواة مطلقا ~~PageV01P535 ودلالة المفهوم لا عموم لها فإن العموم إنما هو من أحكام الصيغ ~~العامة وعوارض الألفاظ والدليل الموجب للقول بالمفهوم لا يدل على أن له ~~عموما يجب اعتباره فإن أدلة المفهوم ترجع إلى شيئين أحدهما التخصيص والآخر ~~التعليل فأما التخصيص فهو أن تخصيص الحكم بالمذكور يقتضي نفي الحكم عما ~~عداه وإلا بطلت فائدة التخصيص وهذا لا يقتضي العموم وسلب حكم المنطوق عن ~~جميع صور المفهوم لأن فائدة التخصيص قد تحصل بانقسام صور المفهوم إلى ما ~~يسلب الحكم عن بعضها ويثبت لبعضها ثبوت تفصيل فيه فيثبت له حكم المنطوق على ~~وجه دون وجه إما بشرط لا ms386 تجب مراعاته في المنطوق وإما في وقت دون وقت بخلاف ~~حكم المنطوق فإنه ثابت أبدا ونحو ذلك من فوائد التخصيص وإذا كانت فائدة ~~التخصيص حاصلة بالتفصيل والانقسام فدعوى لزوم العموم من التخصيص دعوى باطلة ~~فإثباته مجرد التحكم وأما التعليل فإنهم قالوا ترتيب الحكم على هذا الوصف ~~المناسب له يقتضي نفي الحكم عما عداه وإلا لم يكن الوصف المذكور علة وهذا ~~أيضا لا يستلزم عموم النفي عن كل ما عداه وإنما غايته اقتضاؤه نفي الحكم ~~المرتب على ذلك الوصف عن الصور المنفي عنها الوصف وأما نفي الحكم جملة فلا ~~يجوز ثبوته بوصف آخر وعلة أخرى فإن الحكم الواحد بالنوع يجوز تعليله بعلل ~~مختلفة وفي الواحد بالعين كلام ليس هذا موضعه ومثال هذا ما نحن فيه لأن ~~قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون لا ~~يدل على مساواة المضرورين المجاهدين مطلقا من حيث الضرورة بل إن ثبتت ~~المساواة فإنها معللة بوصف آخر وهي النية الجازمة والعزم التام والضرر ~~المانع من الجهاد في ذلك الحال لا يكون مانعا من المساواة في الأجر والله ~~أعلم PageV01P536 # والمقصود الكلام على طبقات الناس في الآخرة وأما النصوص والأدلة الدالة ~~على فضل الجهاد وأهله فأكثر من أن تذكر هنا ولعلها أن تفرد في كتاب على هذا ~~النمط إن شاء الله فهذه الدرجات الثلاثة هي درجات السبق أعني درجة العلم ~~والعدل والجهاد وبها سبق الصحابة وأدركوا من قبلهم وفاتوا من بعدهم ~~واستولوا على الأمد البعيد وحازوا قصبات العلى وهم كانوا السبب في وصول ~~الإسلام إلينا وفي تعليم كل خير وهدى وسبب تنال به السعادة والنجاة وهم ~~أعدل الأمة فيما ولوه وأعظمها جهادا في سبيل الله فالأمة في آثار علمهم ~~وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة فلا ينال أحد منهم مسألة علم نافع إلا على ~~أيديهم ومن طريقهم ينالها ولا يسكن بقعة من الأرض آمنا إلا بسبب جهادهم ~~وفتوحهم ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدى إلا كانوا هم السبب في وصولهم ~~إليه فهم الذين فتحوا البلاد ms387 بالسيف والقلوب بالإيمان وعمروا البلاد بالعدل ~~والقلوب بالعلم والهدى فلهم من الأجر بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة ~~مضافا إلى أجر أعمالهم التي اختصوا بها فسبحان من يختص بفضله ورحمته من ~~يشاء وإنما نالوا هذا بالعلم والجهاد والحكم بالعدل وهذه مراتب السبق التي ~~يهبها الله لمن يشاء من عباده # الطبقة السابعة أهل الإيثار والصدقة والإحسان إلى الناس بأموالهم على ~~اختلاف حاجاتهم ومصالحهم من تفريج كرباتهم ودفع ضروراتهم وكفايتهم في ~~مهماتهم وهم أحد الصنفين اللذين قال النبي فيهم لا حسد إلا في اثنتين رجل ~~آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس ورجل آتاه الله مالا وسلطه ~~على هلكته في الحق يعني أنه لا ينبغي لأحد PageV01P537 أن يغبط أحدا على ~~نعمة ويتمنى مثلها إلا أحد هذين وذلك لما فيهما من منافع النفع العام ~~والإحسان المتعدي إلى الخلق فهذا ينفعهم بعلمه وهذا ينفعهم بماله والخلق ~~كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ولا ريب أن هذين الصنفين من أنفع ~~الناس لعيال الله ولا يقوم أمر الناس إلا بهذين الصنفين ولا يعمر العالم ~~إلا بهما قال تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما ~~أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقال ~~تعالى الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقال تعالى إن المصدقين والمصدقات ~~وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم وقال تعالى من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ~~ترجعون فصدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب وهو الاستفهام المتضمن لمعنى ~~الطلب وهو أبلغ في الطلب من صيغة الأمر والمعنى هل أحد يبذل هذا القرض ~~الحسن فيجازى عليه أضعافا مضاعفة وسمي ذلك الإنفاق قرضا حسنا حثا للنفوس ~~وبعثا لها على البذل لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوعت ~~له نفسه بذله وسهل عليه إخراجه فإن علم أن ms388 المستقرض ملي وفي محسن كان أبلغ ~~في طيب قلبه وسماحة نفسه فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه وينميه له ~~ويثمره حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح فإن علم PageV01P538 ~~أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجرا آخر من غير جنس القرض وأن ذلك ~~الأجر حظ عظيم وعطاء كريم فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل ~~والشح أو عدم الثقة بالضمان وذلك من ضعف إيمانه ولهذا كانت الصدقة برهانا ~~لصاحبها وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التي تضمنتها الآية فإنه سماه ~~قرضا وأخبر أنه هو المقترض لا قرض حاجة ولكن قرض إحسان إلى المقرض واستدعاء ~~لمعاملته وليعرف مقدار الربح فهو الذي أعطاه ماله واستدعى منه معاملته به ~~ثم أخبر عما يرجع إليه بالقرض وهو الأضعاف المضاعفة ثم أخبر عما يعطيه فوق ~~ذلك من الزيادة وهو الأجر الكريم وحيث جاء هذا القرض في القرآن قيده بكونه ~~حسنا وذلك يجمع أمورا ثلاثة أحدها أن يكون من طيب ماله لا من رديئه وخبيثه ~~الثاني أن يخرجه طيبة به نفسه ثابتة عند بذله ابتغاء مرضاة الله الثالث أن ~~لا يمن به ولا يؤذي فالأول يتعلق بالمال والثاني يتعلق بالمنفق بينه وبين ~~الله والثالث بينه وبين الآخذ وقال تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ~~والله واسع عليم وهذه الآية كأنها كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التي ~~يضاعفها للمقرض ومثل سبحانه بهذا المثل إحضارا لصورة التضعيف في الأذهان ~~بهذه الحبة التي غيبت في الأرض فأنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة حتى ~~كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل ~~التي من الحبة الواحدة فينضاف الشاهد العياني إلى الشاهد الإيماني القرآني ~~فيقوى إيمان المنفق وتسخو نفسه بالإنفاق وتأمل كيف جمع السنبلة في هذه ~~الآية على سنابل وهي من جموع الكثرة إذ المقام مقام PageV01P539 تكثير ~~وتضعيف وجمعها ms389 على سنبلات في قوله تعالى وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات فجاء ~~بها على جمع القلة لأن السبعة قليلة ولا مقتضى للتكثير وقوله تعالى والله ~~يضاعف لمن يشاء قيل المعنى والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق ~~بل يختص برحمته من يشاء وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق في نفسه ولصفات المنفق ~~وأحواله في شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن الموقع وقيل والله يضاعف لمن يشاء ~~فوق ذلك فلا يقتصر به على السبعمائة بل يجاوز في المضاعفة هذا المقدار إلى ~~أضعاف كثيرة واختلف في تفسير الآية فقيل مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل ~~الله كمثل حبة وقيل مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل باذر حبة ليطابق ~~الممثل للممثل به فههنا أربعة أمور منفق ونفقة وباذر وبذر فذكر سبحانه من ~~كل شق أهم قسميه فذكر من شق الممثل المنفق إذ المقصود ذكر حاله وشأنه وسكت ~~عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو المحل ~~الذي حصلت فيه المضاعفة وترك ذكر الباذر لأن القرض لا يتعلق بذكره فتأمل ~~هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان وهذا كثير في أمثال ~~القرآن بل عامتها ترد على هذا النمط ثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى ~~مطابقين لسياقها وهما الواسع والعليم فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة ولا ~~يضيق عنها عطاؤه فإن المضاعف واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل ومع ذلك ~~فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق فإنه عليم بمن تصلح له هذه ~~المضاعفة وهو أهل لها ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها فإن كرمه وفضله تعالى ~~لا يناقض حكمته بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته ويمنعه من ليس من أهله ~~بحكمته وعلمه ثم قال تعالى الذين PageV01P540 ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون هذا بيان للقرض الحسن ما هو وهو أن يكون في سبيله أي في مرضاته ~~والطريق الموصلة إليه ms390 ومن أنفعها سبيل الجهاد وسبيل الله خاص وعام والخاص ~~جزء من السبيل العام وأن لا يتبع صدقته بمن ولا أذى فالمن نوعان أحدهما من ~~بقلبه من غير أن يصرح به بلسانه وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو من نقصان شهود ~~منة الله عليه في إعطائه المال وحرمان غيره وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه ~~فلله المنة عليه من كل وجه فكيف يشهد قلبه منة لغيره والنوع الثاني أن يمن ~~عليه بلسانه فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأنه أوجب ~~عليه حقا وطوقه منة في عنقه فيقول أما أعطيتك كذا وكذا ويعدد أياديه عنده ~~قال سفيان يقول أعطيتك فما شكرت وقال عبدالرحمن بن زياد كان أبي يقول إذا ~~أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه وكانوا يقولون إذا ~~اصطنعتم صنيعة فانسوها وإذا أسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها وفي ذلك قيل # وإن امرأ أهدى إلي صنيعة % وذكرنيها مرة لبخيل # وقيل صنوان من منح سائله ومن ومن منع نائله وضن وحظر الله على عباده المن ~~بالصنيعة واختص به صفة لنفسه لأن من العباد تكدير وتعبير ومن الله سبحانه ~~وتعالى إفضال وتذكير وأيضا فإنه هو المنعم في نفس الأمر والعباد وسائط فهو ~~المنعم على عبده في الحقيقة وأيضا PageV01P541 فالامتنان استعباد وكسر ~~وإذلال لمن يمن عليه ولا تصلح العبودية والذل إلا لله وأيضا فالمنة أن يشهد ~~المعطي أنه هو رب الفضل والإنعام وأنه ولي النعمة ومسديها وليس ذلك في ~~الحقيقة إلا الله وأيضا فالمان بعطائه يشهد نفسه مترفعا على الآخذ مستعليا ~~عليه غنيا عنه عزيزا ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته ولا ينبغي ذلك ~~للعبد وأيضا فإن المعطي قد تولى الله ثوابه ورد عليه أضعاف ما أعطى فبقي ~~عوض ما أعطى عند الله فأي حق بقي له قبل الآخذ فإذا امتن عليه فقد ظلمه ~~ظلما بينا وادعى أن حقه في قلبه ومن هنا والله أعلم بطلت صدقته بالمن فإنه ~~لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله وعوض تلك الصدقة عنده ms391 فلم يرض به ولاحظ ~~العوض من الأخذ والمعاملة عنه فمن عليه بما أعطاه أبطل معاوضته مع الله ~~ومعاملته له فتأمل هذه النصائح من الله لعباده ودلالته على ربوبيته وإلهيته ~~وحده وأنه يبطل عمل من نازعه في شيء من ربوبيته وإلهيته لا إله غيره ولا رب ~~سواه ونبه بقوله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى على أن المن والأذى ~~ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه ولم يحصل له مقصود الإنفاق ولو ~~أتى بالواو وقال ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لأوهمت تقييد ذلك بالحال ~~وإذا كان المن والأذى المتراخي مبطلا لأثر الإنفاق مانعا من الثواب ~~فالمقارن أولى وأحرى وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء فقال لهم أجرهم عند ~~ربهم وقرنه بالفاء في قوله تعالى الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو ~~الموصوف تفهم معنى الشرط والجزاء وأنه مستحق بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو ~~الصفة PageV01P542 فلما كان هنا يقتضي بيان حصر المستحق للجزاء دون غيره ~~جرد الخبر عن الفاء فإن المعنى أن الذي ينفق ماله لله ولا يمن ولا يؤذي هو ~~الذي يستحق الأجر المذكور لا الذي ينفق لغير الله ويمن ويؤذي بنفقته فليس ~~المقام مقام شرط وجزاء بل مقام بيان للمستحق دون غيره وفي الآية الأخرى ذكر ~~الإنفاق بالليل والنهار سرا وعلانية فذكر عموم الأوقات وعموم الأحوال فأتى ~~بالفاء في الخبر ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار وعلى أي ~~حالة وجد من سر وعلانية فإنه سبب للجزاء على كل حال فليبادر إليه العبد ولا ~~ينتظر به غير وقته وحاله ولا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار ولا نفقة ~~النهار إلى الليل ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر ولا بنفقة السر وقت ~~العلانية فإن نفقته في أي وقت وعلى أي حال وجدت سبب لأحره وثوابه فتدبر هذه ~~الأسرار في القرآن فلعلك لا تظفر بها تمر بك ms392 في التفاسير والمنة والفضل لله ~~وحده لا شريك له # ثم قال تعالى قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ~~فأخبر أن القول المعروف وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره والمغفرة وهي ~~العفو عمن أساء إليك خير من الصدقة بالأذى فالقول المعروف إحسان وصدقة ~~بالقول والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة فهما نوعان من أنواع ~~الإحسان والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها ولا ريب أن حسنتين ~~خير من حسنة باطلة ويدخل في المغفرة مغفرته للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة ~~والأذى له بسبب رده فيكون عفوه عنه خيرا من أن يتصدق عليه ويؤذيه هذا على ~~المشهور من القولين في الآية والقول الثاني أن المغفرة من الله أي مغفرة ~~لكم من الله بسبب القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى وفيها ~~قول ثالث أي مغفرة وعفو من السائل إذا رد وتعذر المسؤول خير من PageV01P543 ~~أن ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى وأوضح الأقوال هو الأول ويليه الثاني ~~والثالث ضعيف جدا لأن الخطاب إنما هو للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ ~~والمعنى أن قول المعروف له والتجاوز والعفو خير لك من أن تتصدق عليه وتؤذيه ~~ثم ختم الآية بصفتين مناسبتين لما تضمنته فقال والله غني حليم وفيه معنيان ~~أحدهما أن الله غني عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم وإنما الحظ الأوفر لكم في ~~الصدقة فنفعها عائد عليكم لا إليه سبحانه وتعالى فكيف يمن بنفقته ويؤذي مع ~~غنى الله التام عنها وعن كل ما سواه ومع هذا فهو حليم إذ لم يعاجل المان ~~بالعقوبة وفي ضمن هذا الوعيد والتحذير والمعنى الثاني أنه سبحانه وتعالى مع ~~غناه التام من كل وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح مع عطائه الواسع ~~وصدقاته العميمة فكيف يؤذي أحدكم بمنه وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره ~~ثم قال الله تعالى يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان ~~عليه تراب فأصابه ms393 وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا ~~يهدي القوم الكافرين تضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة ~~وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة مع قوله تعالى يا أيها الذين ~~ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم ~~لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في ~~أول هذه الرسالة فلا حاجة إلى إعادته وقد يقال إن المن والأذى المقارن ~~للصدقة هو الذي يبطلها دون ما يلحقها بعدها إلا أنه ليس في الفظ ما يدل على ~~PageV01P544 هذا التقييد والسياق يدل على إبطالها به مطلقا وقد يقال تمثيله ~~بالمرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل ~~هو المقارن كالرياء وعدم الإيمان فإن الرياء لو تأخر عن العمل لم يبطله ~~ويجاب عن هذا بجوابين أحدهما أن التشبيه وقع في الحال التي يحبط بها العمل ~~وهي حال المرائي والمان المؤذي في أن كل واحد منهما يحبط العمل الثاني أن ~~الرياء لا يكون إلا مقارنا للعمل لأنه فعال من الرؤية التي صاحبها يعمل ~~ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيا وهذا بخلاف المن والأذى فإنه يكون مقارنا ~~ومتراخيا وتراخيه أكثر من مقارنته وقوله كالذي ينفق إما أن يكون المعنى ~~كإبطال الذي ينفق فيكون شبه الإبطال بالإبطال أو المعنى لا تكونوا كالذي ~~ينفق ماله رئاء الناس فيكون تشبيها للمنفق بالمنفق وقوله فمثله أي مثل هذا ~~المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته كمثل صفوان وهو الحجر الأملس وفيه قولان ~~أحدهما أنه واحد والثاني جمع صفوة عليه تراب فأصابه وابل وهن المطر الشديد ~~فتركه صلدا وهو الأملس الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره وهذا من أبلغ ~~الأمثال وأحسنها فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر ~~إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر لشدته وصلاته وعدم الانتفاع به ~~وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل ms394 ~~الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما ~~يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدا فلا يقدر المنفق على شيء من ~~ثوابه لبطلانه وزواله وفيه معنى آخر وهو أن المنفق لغير الله هو في الظاهر ~~عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في ~~التراب الطيب أنبتت PageV01P545 سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ولكن وراء ~~هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرا يمنع من نبات ~~ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئا ثم قال ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل ~~فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير هذا مثل ~~الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص ~~والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان ~~إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية إحداهما طلبه بنفقته محمدة أو ~~ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية وهذا حال أكثر المنفقين والآفة الثانية ~~ضعف نفسه وتقاعسها وترددها هل يفعل أم لا فالآفة الأولى تزول بابتغاء مرضاة ~~الله والآفة الثانية تزول بالتثبيت فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها ~~والإقدام بها على البذل وهذا هو صدقها وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده ~~وهذا إخلاصها فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة وهي البستان ~~الكثير الأشجار فهو مجتن بها أي مستتر ليس قاعا فارغا والجنة بربوة وهو ~~المكان المرتفع فإنها أكمل من الجنة التي بالوهاد والحضيض لأنها إذا ارتفعت ~~كانت بدرجة الأهوية والرياح وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها ~~وغروبها فكانت أنضج ثمرا وأطيبه وأحسنه وأكثره فإن الثمار تزداد طيبا وزكاء ~~بالرياح والشمس بخلاف الثمار التي تنشأ في الظلال وإذا كانت الجنة بمكان ~~مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة الماء والشراب فقال تعالى أصابها وابل وهو ~~المطر الشديد العظيم ms395 القدر فأدت ثمرتها وأعطت بركتها فأخرجت ضعفي ما يثمر ~~غيرها أو ضعفي ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل PageV01P546 فهذا حال السابقين ~~المقربين فإن لم يصبها وابل فطل فهو دون الوابل فهو يكفيها لكرم منبتها ~~وطيب مغرسها فتكتفي في إخراج بركتها بالطل وهذا حال الأبرار المقتصدين في ~~النفقة وهم درجات عند الله فأصحاب الوابل أعلاهم درجة وهم الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ~~وأصحاب الطل مقتصدوهم فمثل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة ونفقتهم ~~الكثيرة بالوابل والطل وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاء ثمر الجنة ~~ونحوه بالأضعاف فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن صدرت عن ابتغاء ~~مرضاة الله والتثبيت من نفوسهم فهي زاكية عند الله نامية مضاعفة # واختلف في الضعفين فقيل ضعفا الشيء مثلاه زائدا عليه وضعفه مثله وقيل ~~ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله كلما زاد ضعفا ~~زاد مثلا والذي حمل هذا القائل ذلك فراره من استواء دلالة المفرد والتثنية ~~فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه فإذا زاد إلى المثل صار مثلين وهما ~~الضعف فلو قيل لها ضعفان لم يكن فرق بين المفرد والمثنى فالضعفان عنده ~~مثلان مضافان إلى الأصل ويلزم من هذا أن يكون ثلاثة أضعاف ثلاثة أمثاله ~~مضافة إلى الأصل ومثله وعليه يدل قوله تعالى فآتت أكلها ضعفين أي مثلين ~~وقوله تعالى يضاعف لها العذاب ضعفين أي مثلين ولهذا قال في الحسنات نؤتها ~~أجرها مرتين وأما ما توهموه من استواء دلالة المفرد والتثنية فوهم منشاؤه ~~ظن أن الضعف هو المثل مع الأصل وليس كذلك بل المثل له اعتباران إن اعتبر ~~وحده فهو ضعف وإن اعتبر مع نظيره فهما ضعفان والله أعلم واختلف في رافع ~~قوله فطل فقيل هو مبتدأ خبره PageV01P547 محذوف أي وطله يكفيها وقيل خبر ~~مبتدأه محذوف فالذي يرويها ويصيبها طل والضمير في أصابها إما أن يرجع إلى ~~الجنة أو إلى الربوة وهما متلازمان ثم قال تعالى أيود أحدكم أن ms396 تكون له جنة ~~من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر ~~وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات ~~لعلكم تتفكرون قال الحسن هذا مثل قل والله من يعقله من الناس شيخ كبير ضعف ~~جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى ~~عمله إذا انقطعت عنه الدنيا وفي صحيح البخاري عن عبيد بن عمير قال سأل عمر ~~يوما أصحاب النبي فيم هم يرون هذه الآيات نزلت أيود أحدكم أن تكون له جنة ~~من نخيل الآية قالوا الله أعلم فغضب عمر فقال قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ~~ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر قم يا ابن أخي ولا ~~تحقر بنفسك قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل قال عمر أي عمل قال ابن عباس لعمل ~~قال عمر لرجل عمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى ~~أغرق أعماله فقوله تعالى أيود أحدكم أخرجه مخرج الاستفهام الإنكاري وهو من ~~النفي والنهي وألطف موقعا كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا فتقول لا يفعل هذا ~~عاقل لا يفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة وقال تعالى أيود أحدكم بلفظ ~~الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام كما تقول أيفعل هذا PageV01P548 أحد فيه ~~خير وهو أبلغ في الإنكار من أن يقول أيودون وقوله أيود أبلغ في الإنكار من ~~لو قيل أيريد لأن محبة هذا الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد ~~إرادتها وقوله تعالى أن تكون له جنة من نخيل وأعناب خص هذين النوعين من ~~الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعا فإن منهما القوت ~~والغذاء والدواء والشراب والفاكهة والحلو والحامض ويؤكلان رطبا يابسا ~~منافعهما كثيرة جدا وقد اختلف في الأنفع والأفضل منهما فرجحت طائفة النخيل ~~ورجحت طائفة العنب وذكرت كل طائفة حججا لقولها فذكرناها في غير هذا الموضع ~~وفصل الخطاب أن هذا يختلف باختلاف البلاد فإن الله سبحانه وتعالى ms397 أجرى ~~العادة بأن سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر فالأرض التي يكون فيها ~~سلطان النخيل لا يكون العنب بها طائلا ولا كثيرا لأنه أنما يخرج في الأرض ~~الرخوة اللينة المعتدلة غير السبخة فينمو فيها ويكثر وأما النخيل فنموه ~~وكثرته في الأرض الحارة السبخة وهي لا تناسب العنب فالنخل في أرضه وموضعه ~~أنفع وأفضل من العنب فيها والعنب في أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها والله ~~أعلم والمقصود أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها فالجنة ~~المشتملة عليهما من أفضل الجنان ومع هذا فالأنهار تجري تحت هذه الجنة وذلك ~~أكمل لها وأعظم في قدرها ومع ذلك فلم تعدم شيئا من أنواع الثمار المشتهاة ~~بل فيها من كل الثمرات ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب فلا تنافي بين ~~كونها من نخيل وأعناب و فيها من كل الثمرات ونظير هذا قوله تعالى واضرب لهم ~~مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما PageV01P549 بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا إلى قوله تعالى وكان له ثمر وقد قيل إن الثمار هنا وفي ~~آية البقرة 266 المراد بها المنافع والأموال والسياق يدل على أنها الثمار ~~المعروفة لا غيرها لقوله هنا له فيها من كل الثمرات ثم قال تعالى فأصابها ~~أي الجنة إعصار فيه نار فاحترقت وفي وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما ~~أنفق فيها وهي خاوية على عروشها وما ذلك إلا ثمار الجنة ثم قال تعالى ~~وأصابه الكبر هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته وتعلق قلبه بها من وجوه ~~أحدها أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها الثاني أن ابن آدم عند كبر ~~سنه يشتد حرصه الثالث أن له ذرية فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ~~ذريته الرابع أنهم ضعفاء فهم كل عليه لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم الخامس أن ~~نفقتهم عليه لضعفهم وعجزهم وهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة ~~لخطرها في نفسها وشدة حاجته وذريته إليها فإذا تصورت هذه الحال وهذه الحاجة ~~فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب ms398 جنته إعصار وهي الريح التي تستدير في ~~الأرض ثم ترتفع في طبقات الجو كالعمود وفيه نار مرت بتلك الجنة فأحرقتها ~~وصيرتها رمادا فصدق والله الحسن هذا مثل قل من يعقله من الناس ولهذا نبه ~~سبحانه وتعالى على عظم هذا المثل وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها ~~إليه فقال تعالى كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فلو فكر العاقل ~~في هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه PageV01P550 فهكذا العبد إذا عمل ~~بطاعة الله ثم أتبعها بما يبطلها ويفرقها من معاصي الله كانت كالإعصار ذي ~~النار المحرق للجنة التي غرسها بطاعته وعمله الصالح ولولا أن هذه المواضع ~~أهم مما كلامنا بصدده من ذكر مجرد الطبقات لم نذكرها ولكنها من أهم المهم ~~والله المستعان الموفق لمرضاته فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا ~~المعنى حق تصوره وتأمله كما ينبغي لما سولت له نفسه والله إحراق أعماله ~~الصالحة وإضاعتها ولكن لا بد أن يغيب عنه علمه عند المعصية ولهذا استحق اسم ~~الجهل فكل من عصى الله فو جاهل # فإن قيل الواو في قوله تعالى وأصابه الكبر واو الحال أم واو العطف وإذا ~~كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها قلت فيه وجهان أحدهما أنه واو الحال اختاره ~~الزمخشري والمعنى أيود أحدكم أن تكون له جنة شأنها كذا وكذا في حال كبره ~~وضعف ذريته والثاني أن تكون للعطف على المعنى فإن فعل التمني وهو قوله أيود ~~أحدكم لطلب الماضي كثيرا فكان المعنى أيود لو كانت له جنة من نخيل وأعناب ~~وأصابه الكبر فجرى عليها ما ذكر وتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائي ~~الذي لم يصدر إنفاقه عن الإيمان بالصفوان الذي عليه التراب فإنه لم ينبت ~~شيئا أصلا بل ذهب بذره ضائعا لعدم إيمانه وإخلاصه ثم ضرب المثل لمن عمل ~~بطاعة الله مخلصا بنيته لله ثم عرض له ما أبطل ثوابه بالجنة التي هي من ~~أحسن الجنان وأطيبها وأزهرها ثم PageV01P551 سلط عليها الإعصار الناري ~~فأحرقها فإن هذا نبت له شيء وأثمر له عمله ms399 ثم احترق والأول لم يحصل له شيء ~~يدركه الحريق فتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء للصدور وهدى ورحمة ثم ~~قال يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون أضاف سبحانه الكسب إليهم وإن كان هو ~~الخالق لأفعالهم لأنه فعلهم القائم بهم وأسند الإخراج إليه لأنه ليس فعلا ~~لهم ولا هو مقدور لهم فأضاف مقدورهم إليهم وأضاف مفعوله الذي لا قدرة لهم ~~عليه إليه ففي ضمنه الرد على من سوى بين النوعين وسلب قدرة العبد وفعله ~~وتأثيره عنها بالكلية وخص سبحانه هذين النوعين وهما الخارج من الأرض ~~والحاصل بكسب التجارة دون غيرهما من المواشي إما بحسب الواقع فإنهما كانا ~~أغلب أموال القوم إذ ذاك فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب والأنصار ~~كانوا أصحاب حرث وزرع فخص هذين النوعين بالذكر لحاجتهم إلى بيان حكمهما ~~وعموم وجودهما وإما لأنهما أصول الأموال وما عداهما فعنهما يكون ومنهما ~~ينشأ فإن الكسب تدخل فيه التجارات كلها على اختلاف أصنافها وأنواعها من ~~الملابس والمطاعم والرقيق والحيوانات والآلات والأمتعة وسائر ما تتعلق به ~~التجارة والخارج من الأرض يتناول حبها وثمارها وركازها ومعدنها وهذان هما ~~أصول الأموال وأغلبها على أهل الأرض فكان ذكرهما أهم ثم قال ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون فنهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء للفقير ونهيه سبحانه عن ~~قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك لا عن قصد وتيمم بل عن اتفاق ~~إذا كان هو الحاضر إذ ذاك أو كان ماله من جنسه فإن هذا لم يتيمم الخبيث بل ~~تيمم إخراج بعض ما من الله عليه وموقع PageV01P552 قوله منه تنفقون موقع ~~الحال أي لا تقصدوه منفقين منه ثم قال ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه أي ~~لو كنتم أنتم المستحقين له وبذل لكم لم تأخذوه في حقوقكم إلا بأن تتسامحوا ~~في أخذه وتترخصوا فيه من قولهم أغمض فلان عن بعض حقه ويقال للبائع أغمض أي ~~لا تستقص كأنك لا تبصر وحقيقته ms400 من إغماض الجفن فكأن الرائي لكراهته له لا ~~يملأ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضا ومنه قول الشاعر # لم يفتنا بالوتر قوم واللضي % م رجال يرضون بالإغماض # وفيه معنيان أحدهما كيف تبذلون لله وتهدون له مالا ترضون ببذله لكم ولا ~~يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له والله أحق من يخير له خيار الأشياء ~~وأنفسها والثاني كيف تجعلون له ما تكروهو لأنفسكم وهو سبحانه طيب لا يقبل ~~إلا طيبا ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما فقال واعلموا أن الله غني ~~حميد فغناه وحمده يأبى قبول الرديء فإن قبل الرديء الخبيث إما أن يقبله ~~لحاجته إليه وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها وأما الغني عنه ~~الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله ثم قال تعالى الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم هذه ~~الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعاني ~~فإنها اشتملت على بيان الداعي إلى البخل والداعي إلى البذل والإنفاق وبيان ~~ما يدعوه إليه داعي البخل وما يدعو إليه داعي الإنفاق وبيان ما يدعو به ~~داعي PageV01P553 الأمرين فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل والشح هو ~~الشيطان وأخبر أن دعوته هي بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا ~~أموالهم وهذا هو الداعي الغالب على الخلق فإنه يهم بالصدقة والبذل فيجد في ~~قلبه داعيا يقول له متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه وافتقرت إليه بعد ~~إخراجه وإمساكه خير لك حتى لا تبقى مثل الفقير فغناك خير لك من غناه فإذا ~~صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش وهذا ~~إجماع من المفسرين أن الفحشاء هنا البخل فهذا وعده وهذا أمره وهو الكاذب في ~~وعده الغار الفاجر في أمره فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون فإنه يدلي ~~من يدعوه بغروره ثم يورده شر الموارد كما قال # دلاهم بغرور ثم أوردهم % إن الخبيث لمن والاه غرار # هذا وإن وعده له الفقر ms401 ليس شفقة عليه ولا نصيحة له كما ينصح الرجل أخاه ~~ولا محبة في بقائه غنيا بل لا شيء أحب إليه من فقره وحاجته وإنما وعده له ~~بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه ~~فيستوجب منه الحرمان وأما الله سبحانه فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه ~~وفضلا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه إما في الدنيا أو في الدنيا ~~والآخرة فهذا وعد الله وذاك وعد الشيطان فلينظر البخيل والمنفق أي الوعدين ~~هو أوثق وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه والله يوفق من يشاء ويخذل من ~~يشاء وهو الواسع العليم وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الإسمين فإنه واسع ~~العطاء عليم بمن يستحق فضله ومن يستحق عدله فيعطي هذا بفضله ويمنع هذا ~~بعدله وهو بكل شيء عليم فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها فإن ~~لها شأنا لا يعقله إلا من عقل عن الله خطابه وفهم مراده وتلك الأمثال ~~نضربها للناس وما PageV01P554 يعقلها إلا العالمون وتأمل ختم هذه السورة ~~التي هي سنام القرآن بأحكام الأموال وأقسام الأغنياء وأحوالهم وكيف قسمهم ~~إلى ثلاثة أقسام # القسم الأول محسن وهم المتصدقون فذكر جزاءهم ومضاعفته وما لهم في قرض ~~أموالهم للمليء الوفي ثم حذرهم مما يبطل ثواب صدقاتهم ويحرقها بعد استوائها ~~وكمالها من المن والأذى وحذرهم مما يمنع ترتب أثرها عليها ابتداء من الرياء ~~ثم أمرهم أن يتقربوا إليه بأطيبها ولا يتيمموا أردأها وخبيثها ثم حذرهم من ~~الاستجابة لداعي البخل والفحش وأخبر أن استجابتهم لدعوته وثقتهم بوعده أولى ~~بهم وأخبر أن هذا من حكمته التي يؤتيها من يشاء من عباده وأن من أوتيها فقد ~~أوتي خيرا كثيرا أوتي ما هو خير وأفضل من الدنيا كلها لأنه سبحانه وصف ~~الدنيا بالقلة فقال تعالى قل متاع الدنيا قليل وقال تعالى ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا فدل على أن ما يؤتيه عبده من حكمته خير من الدنيا وما ~~عليها ولا يعقل هذا كل أحد بل لا يعقله إلا من ms402 له لب وعقل ذكي فقال تعالى ~~وما يذكر إلا أولو الألباب ثم أخبر أن كل ما أنفقوه من نفقة أو تقربوا به ~~إليه من نذر فإنه يعلمه فلا يضيع لديه بل يعلم ما كان لوجهه ويكل جزاء من ~~عمل لغيره إلى من عمل له فإنه ظالم لنفسه وما له من نصير ثم أخبر سبحانه عن ~~أحوال المتصدقين لوجهه في صدقاتهم وأنه يثيبهم عليها إن أبدوها أو كتموها ~~بعد أن تكون PageV01P555 خالصة لوجهه فقال إن تبدوا الصدقات فنعماهي أي ~~فنعم شيء هي وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية فلا يتوهم مبديها ~~بطلان أثره وثوابه فيمنعه ذلك من إخراجها وينتظر بها الإخفاء فتفوت أو ~~تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه أو بينه وبين إخراجها فلا يؤخر صدقة ~~العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السر وهذه كانت حال الصحابة ثم قال وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم فأخبر أن إعطاءها للفقير في خفية خير ~~للمنفق من إظهارها وإعلانها وتأمل تقييده تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء ~~خاصة ولم يقل وإن تخفوها فهو خير لكم فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه ~~كتجهيز جيش وبناء قنطرة وإجراء نهر أو غير ذلك وأما إيتاؤها الفقراء ففي ~~إخفائها من الفوائد الستر عليه وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة ~~وأن يرى الناس أن يده هي اليد السفلى وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ~~ومعاوضته وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص ~~وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من الناس وكان إخفاؤها للفقير خيرا من ~~إظهارها بين الناس ومن هذا مدح النبي صدقة السر وأثنى على فاعلها وأخبر أنه ~~أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة ولهذا جعله سبحانه خيرا ~~للمنفق وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته ولا يخفى عليه سبحانه ~~أعمالكم ولا نياتكم فإنه بما تعملون خبير ثم أخبر أن هذا الإنفاق إنما نفعه ~~لأنفسهم يعود عليهم أحوج ما كانوا إليه فكيف يبخل أحدكم عن نفسه بما نفعه ms403 ~~مختص بها عائد إليها وإن نفقة المؤمنين إنما تكون ابتغاء وجهه خالصا ~~PageV01P556 لأنها صادرة عن إيمانهم وأن نفقتهم ترجع إليهم وافية كاملة ولا ~~يظلم منها مثقال ذرة وصدر هذا الكلام بأن الله هو الهادي الموفق لمعاملته ~~وإيثار مرضاته وأنه ليس على رسوله هداهم بل عليه إبلاغهم وهو سبحانه الذي ~~يوفق من يشاء لمرضاته # ثم ذكر المصرف الذي توضع فيه الصدقة فقال تعالى للفقراء الذين أحصروا في ~~سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ~~تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا فوصفهم بست صفات إحداها الفقر ~~الثانية حبسهم أنفسهم في سبيله تعالى وجهاد أعدائه ونصر دينه وأصل الحصر ~~المنع فمنعوا أنفسهم من تصرفها في أشغال الدنيا وقصروها على بذلها لله في ~~سبيله الثالثة عجزهم عن الأسفار للتكسب والضرب في الأرض هو السفر قال تعالى ~~علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وقال ~~تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الرابعة ~~شدة تعففهم وهو حسن صبرهم وإظهارهم الغنى حتى يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~تعففهم وعدم تعرضهم وكتمانهم حاجتهم الخامسة أنهم يعرفون بسيماهم وهي ~~العلامة الدالة على حالتهم التي وصفهم الله بها وهذا لا ينافي حسبان الجاهل ~~أنهم أغنياء لأن الجاهل له ظاهر الأمر والعارف هو المتوسم المتفرس الذي ~~يعرف الناس بسيماهم فالمتوسمون خواص المؤمنين كما قال تعالى إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين السادسة تركهم مسألة الناس فلا PageV01P557 يسألونهم ~~والإلحاف هو الإلحاح والنفي متسلط عليهما معا أي لا يسألون ولا يلحفون فليس ~~يقع منهم سؤال يكون بسببه إلحاف وهذا كقوله على لاحب لا يهتدي لمناره أي ~~ليس فيه منار فيهتدي به وفيه كالتنبيه على أن المذموم من السؤال هو سؤال ~~الإلحاف فأما السؤال بقدر الضرورة من غير إلحاف فالأفضل تركه ولا يحرم فهذه ~~ست صفات للمستحقين للصدقة فألغاها أكثر الناس ولحظوا منها ظاهر الفقر وزيه ~~من غير حقيقته وأما سائر الصفات المذكورة فعزيز أهلها ومن يعرفهم أعززه ~~والله ms404 يختص بتوفيقه من يشاء فهؤلاء هم المحسنون في أموالهم # القسم الثاني الظالمون وهم ضد هؤلاء وهم الذين يذبحون المحتاج المضطر ~~فإذا دعته الحاجة إليهم لم ينفسوا كربته إلا بزيادة على ما يبذلونه له وهم ~~أهل الربا فذكرهم تعالى بعد هذا فقال يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين فصدر الآية بالأمر بتقواه المضادة ~~للربا وأمر بترك ما بقي من الربا بعد نزول الآية وعفا لهم عما قبضوه به قبل ~~التحريم ولولا ذلك لردوا ما قبضوه به قبل التحريم وعلق هذا الامتثال على ~~وجود الإيمان منهم والمعلق على شرط منتف عند انتفائه ثم أكد عليهم التحريم ~~بأغلظ شيء وأشده وهي محاربة المرابي لله ورسوله فقال تعالى فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله ففي ضمن هذا الوعيد أن المرابي محارب لله ~~ورسوله قد آذنه الله بحربه ولم يجىء هذا الوعيد في كبيرة سوى الربا وقطع ~~الطريق والسعي في الأرض بالفساد لأن كل واحد منهما مفسد في الأرض قاطع ~~الطريق على الناس هذا بقهره لهم وتسلطه عليهم وهذا بامتناعه من PageV01P558 ~~تفريج كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم ~~يحاربون الله ورسوله وآذن هؤلاء إن لم يتركوا الربا بحربه وحرب رسوله ثم ~~قال وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه ~~وقد عاقدتم عليه فإنما لكم رؤوس أموالكم لا تزدادون عليها فتظلمون الآخذ ~~ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها فإن كان هذا القابض معسرا فالواجب إنظاره ~~إلى ميسرة وإن تصدقتم عليه وابرأتموه فهو أفضل لكم وخير لكم فإن أبت نفوسكم ~~وشحت بالعدل الواجب أو الفضل المندوب فذكروها يوما ترجعون فيه إلى الله ~~وتلقون ربكم فيوفيكم جزاء أعمالكم أحوج ما أنتم إليه فذكر سبحانه المحسن ~~وهو المتصدق ثم عقبه بالظالم وهو المرابي # ثم ذكر العادل في آية التداين فقال تعالى يا أيها الذين ءامنوا إذا ~~تداينتم بدين الآية ولولا أن هذه الآية تستدعي سفرا وحدها لذكرت بعض ms405 ~~تفسيرها والغرض إنما هو التنبيه والإشارة وقد ذكر أيضا العادل وهو آخذ رأس ~~ماله من غريمه لا بزيادة ولا نقصان ثم ختم السورة بهذه الخاتمة العظيمة ~~التي هي من كنز تحت عرشه والشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه وفيها من ~~العلوم والمعارف وقواعد الإسلام وأصول الإيمان ومقامات الإحسان ما يستدعي ~~بيانه كتابا مفردا والمقصود ذكر طبقات الخلائق في الدار الآخرة ولنعد إلى ~~المقصود فإن هذا من سعي القلم ولعله أهم مما نحن بصدده فهذه الطبقات الأربع ~~من طبقات الأمة هم أهل الإحسان والنفع المتعدي وهم العلماء وأئمة العدل ~~وأهل الجهاد وأهل الصدقة وبذل الأموال في مرضاة الله فهؤلاء ملوك الآخرة ~~وصحائف PageV01P559 حسناتهم متزايدة تملى فيها الحسنات وهم في بطون الأرض ~~ما دامت آثارهم في الدنيا فيا لها من نعمة ما أجلها وكرامة ما أعظمها يختص ~~الله بها من يشاء من عباده # الطبقة الثامنة من فتح الله له بابا من أبواب الخير القاصر على نفسه ~~كالصلاة والحج والعمرة وقراءة القرآن والصوم والاعتكاف والذكر ونحوها مضافا ~~إلى أداء فرائض الله عليه فهو جاهد في تكثير حسناته وإملاء صحيفته وإذا عمل ~~خطيئة تاب إلى الله منها فهذا على خير عظيم وله ثواب أمثاله من أعمال ~~الآخرة ولكن ليس له إلا عمله فإذا مات طويت صحيفته فهذه طبقة أهل الربح ~~والحظوة أيضا عند الله # الطبقة التاسعة طبقة أهل النجاة وهي طبقة من يؤدي فرائض الله ويترك محارم ~~الله مقتصرا على ذلك لا يزيد عليه ولا ينقص منه فلا يتعدى إلى ما حرم الله ~~عليه ولا يزيد على ما فرض عليه هذا من المفلحين بضمان رسول الله لمن أخبره ~~بشرائع الإسلام فقال والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال أفلح إن صدق ~~وأصحاب هذه الطبقة مضمون لهم على الله تكفير سيئاتهم إذا أدوا فرائضه ~~واجتنبوا كبائر ما نهاهم عنه قال تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم PageV01P560 سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما وصح عنه أنه قال الصلوات ~~الخمس ورمضان إلى رمضان ms406 والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما لم تغش ~~كبيرة فإن غشي أهل هذه الطبقة كبيرة وتابوا منها توبة نصوحا لم يخرجوا من ~~طبقتهم فكانوا بمنزلة من لا ذنب له فتكفير الصغائر يقع بشيئين أحدهما ~~الحسنات الماحية والثاني اجتناب الكبائر وقد نص عليها سبحانه وتعالى في ~~كتابه فقال تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات وقال تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم # الطبقة العاشرة طبقة قوم أسرفوا على أنفسهم وغشوا كبائر ما نهى الله عنه ~~ولكن رزقهم الله التوبة النصوح قبل الموت فماتوا على توبة صحيحة فهؤلاء ~~ناجون من عذاب الله إما قطعا عند قوم وإما رجاء وظنا عند آخرين وهم موكولون ~~إلى المشيئة ولكن نصوص القرآن والسنة تدل على نجاتهم وقبول توبتهم وهو وعد ~~وعدهم الله إياه والله لا يخلف الميعاد فإن قيل فما الفرق بين أهل هذه ~~الطبقة والتي قبلها فإن الله إذا كفر عنهم سيئاتهم وأثبت لهم بكل سيئة حسنة ~~كانوا قبلهم أو أرجح قيل قد تقدم الكلام على هذه المسألة بما فيه كفاية ~~فعليك بمعاودته هناك وكيف يستوي عند الله من أنفق عمره في طاعته ولم يغش ~~كبيرة PageV01P561 ومن لم يدع كبيرة إلا ارتكبها وفرط في أوامره ثم تاب ~~فهذا غايته أن تمحى سيئاته ويكون لا له ولا عليه وأما أن يكون هو من قبله ~~سواء أو أرجح منه فكلا الطبقة الحادية عشرة # طبقة أقوام خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فعملوا حسنات وكبائر ولقوا الله ~~مصرين عليها غير تائبين منها لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم فإذا وزنت بها ~~ورجحت كفة الحسنات فهؤلاء أيضا ناجون فائزون قال تعالى والوزن يومئذ الحق ~~فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون قال حذيفة وعبدالله بن مسعود وغيرهما من ~~الصحابة يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف فمن رجحت حسناته على سيئاته ~~بواحدة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار ms407 ومن استوت ~~حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف وهذه الموازنة تكون بعد قصاص واستيفاء ~~المظلومين حقوقهم من حسناته فإذا بقي شيء منها وزن هو وسيئاته PageV01P562 # ولكن هنا مسألة وهي إذا وزنت السيئات بالحسنات فرجحت الحسنات هل يلغى ~~المرجوح جملة ويصير الأثر للراجح فيثاب على حسناته كلها أو يسقط من الحسنات ~~ما قابلها من السيئات المرجوحة ويبقى التأثير للرجحان فيثاب عليه وحده فيه ~~قولان هذا عند من يقول بالموازنة والحكمة وأما من ينفي ذلك فلا عبرة عنده ~~بهذا وإنما هو موكول إلى محض المشيئة وعلى القول الأول فيذهب أثر السيئات ~~جملة بالحسنات الراجحة وعلى القول الثاني يكون تأثيرها في نقصان ثوابه لا ~~في حصول العقاب له ويترجح هذا القول الثاني بأن السيئات لو لم تحبط ما ~~قبلها من الحسنات وكان العمل والتأثير للحسنات كلها لم يكن فرق بين وجودها ~~وعدمها ولكان لا فرق بين المحسن الذي محض عمله حسنات وبين من خلط عملا ~~صالحا وآخر سيئا وقد يجاب عن هذا بأنها أثرت في نقصان ثوابه ولا بد فإنه لو ~~اشتغل في زمن إيقاعها بالحسنات لكان أرفع لدرجته وأعظم لثوابه وإذا كان ~~كذلك فقد ترجح القول الأول بأن الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأثير المغلوب ~~المرجوح وصار الحكم للغالب دونه لاستهلاكه في جنبه كما يستهلك يسير النجاسة ~~في الماء الكثير والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث والله أعلم # الطبقة الثانية عشرة قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فتقابل أثراهما فتقاوما ~~فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة ~~فهؤلاء هم أهل الأعراف لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ربه ولم ~~يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل هذه ~~الطبقة في سورة الأعراف بعد أن ذكر دخول أهل النار وتلاعنهم فيها ومخاطبة ~~أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم ثم مناداة أهل الجنة أهل النار فقال تعالى ~~وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن ~~سلام عليكم PageV01P563 لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت ms408 أبصارهم تلقاء ~~أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين فقوله تعالى وبينهما ~~حجاب أي بين أهل الجنة والنار حجاب قيل هو السور الذي يضرب بينهم له باب ~~باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب باطنه الذي يلي المؤمنين فيه ~~الرحمة وظاهره الذي يلي الكفار من جهتهم العذاب والأعراف جمع عرف وهو ~~المكان المرتفع وهو سور عال بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف قال حذيفة ~~وعبدالله بن عباس هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن ~~الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما ~~يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته قال عبدالله بن المبارك أخبرنا أبو بكر ~~الهذلي قال كان سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال يحاسب الله الناس يوم ~~القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته ~~أكثر بواحدة دخل النار ثم قرأ قوله تعالى فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ثم قال إن الميزان يخف ~~بمثقال حبة أو يرجح قال ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف ~~فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة ~~نادوا سلام عليكم وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا ~~مع القوم الظالمين فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين ~~أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورا فإذا أتوا على الصراط سلب الله ~~تعالى نور كل منافق ومنافقة فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا ~~ربنا أتمم لنا نورنا وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم ~~PageV01P564 فيقول الله لم يدخلوها وهم يطمعون فكان الطمع للنور الذي في ~~أيديهم ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولا يريد آخر أهل الجنة ~~دخولا ممن لم يدخل النار # وقيل هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا فأعتقوا من النار ~~لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم ms409 وهذا من جنس القول ~~الأول # وقيل هم قوم رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر يحبسون على الأعراف حتى يقضي ~~الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما # وقيل هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين # وقيل هم أولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف فيطلعون على أهل النار ~~وأهل الجنة جميعا # وقيل هم الملائكة لا من بني آدم # والثابت عن الصحابة هو القول الأول وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا ~~تكاد تثبت أسانيدها وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة وقد اختلف في تفسير ~~الصحابي هل له حكم المرفوع أو الموقوف على قولين الأول اختيار أبي عبدالله ~~والحاكم والثاني هو الصواب ولا نقول على PageV01P565 رسول الله ما لم نعلم ~~أنه قاله وقوله تعالى يعرفون كلا بسيماهم يعني يعرفون الفريقين بسيماهم ~~ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم أي نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام ~~وقوله تعالى لم يدخلوها وهم يطمعون الضميران في الجملتين لأصحاب الأعراف لم ~~يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها قال أبو العالية ما جعل الله ذلك ~~الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم وقال الحسن الذي جمع الطمع في قلوبهم ~~يوصلهم إلى ما يطمعون وفي هذا رد على قول من قال إنهم أفاضل المؤمنين علوا ~~على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة وهم ~~أعلم الأمة بكتاب الله ومراده منه ثم قال تعالى وإذا صرفت أبصارهم تلقاء ~~أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين هذا دليل على أنه ~~بمكان مرتفع بين الجنة والنار فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام ~~وطمعوا في الدخول إليها وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم ~~معهم ثم قال تعالى ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم يعني من ~~الكفار الذين في النار فقالوا لهم ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ~~يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على الحق ولا استكباركم وهذا إما نفي ~~وإما استفهام وتوبيخ وهو أبلغ وأفخم ثم نظروا إلى ms410 الجنة فرأوا من الضعفاء ~~الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم ~~بفضله كما لم يختصهم دونهم في الدنيا فيقول لهم أهل الأعراف أهؤلاء الذين ~~أقسمتم أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة فها هم في الجنة ~~يتمتعون ويتنعمون وفي رياضها يحبرون ثم يقال لأهل PageV01P566 الأعراف ~~ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون وقيل إن أصحاب الأعراف إذا ~~عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم جمعهم واستكبارهم عيرهم الكفار ~~بتخلفهم عن الجنة وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة لما رأوا من تخلفهم عن ~~الجنة وأنهم يصيرون إلى النار فتقول لهم الملائكة حينئذ أهؤلاء الذين ~~أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ~~والقولان قويان محتملان والله أعلم # فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار # الطبقة الثالثة عشرة طبقة أهل المحنة والبلية نعوذ بالله وإن كانت آخرتهم ~~إلى عفو وخير وهم قوم مسلمون خفت موازينهم ورجحت سيئاتهم على حسناتهم ~~فغلبتها السيئات فهذه الطبقة التي اختلفت فيها أقاويل الناس وكثر فيها ~~خوضهم وتشعبت مذاهبهم وتتشتت آراؤهم فطائفة كفرتهم وأوجب لهم الخلود في ~~النار وهذا مذهب أكثر الخوارج بل يكفرون من هو أحسن حالا منهم وهو مرتكب ~~الكبيرة الذي لم يتب منها ولو استغرقتها حسناته وطائفة أوجبت لهم الخلود في ~~النار ولم تطلق عليهم اسم الكفر بل سموهم منافقين وهذا المذهب ينسب إلى ~~البكرية أتباع بكر ابن أخت عبدالواحد وطائفة نزلتهم منزلة بين منزلة الكفار ~~والمؤمنين فجعلوا أقسام الخلق ثلاثة مؤمنين وكفارا وقسما لا مؤمنين ولا ~~كفارا بل بينهما وأوجبت لهم الخلود في النار وهذا هو الرأي الذي عليه أهل ~~الاعتزال وهو أحد أصولهم الخمسة التي هي قواعد مذهبهم وهي التوحيد الذي ~~مضمونه جحد صفات الخالق ونعوت كماله والتعطيل المحض والعدل الذي مضمونه نفي ~~عموم قدرة الله وأنه لا قدرة له على PageV01P567 أفعال الحيوانات بل هي ~~خارجة عن ملكه وخلقه وقدرته وأنه يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد ms411 فإنه لا ~~يقدر أن يهدي ضالا ولا أن يضل مهتديا ولا يجعل المصلي مصليا ولا الذاكر ~~ذاكرا ولا الطائف طائفا تعالى الله عن إفكهم وشركهم علوا كبيرا والمنزلة ~~بين المنزلتين التي مضمونها إيجاب القول بالنار للمسلم المبالغ في طاعة ربه ~~الذي أفنى عمره في عبادته وطاعته ومات مصرا على كبيرة واحدة تعالى الله عما ~~نسبوه إليه من ذلك وجل عن هذا الافتراء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~الذي مضمونه الخروج على أئمة الجور بالسيف وخلع اليد من طاعتهم ومفارقة ~~جماعة المسلمين والأصل الخامس النبوة مع أنهم لم يوفوها حقها بل هضموها ~~غاية الهضم من وجوه كثيرة ليس هذا موضعها والمقصود أن مذهبهم تخليد هذه ~~الطبقة في النار وإن لم يسموهم كفارا فوافقوا الخوارج في الحكم وخالفوهم في ~~الاسم ولهذا تسمى هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام فهذه ثلاث فرق ~~أوجبت لهذه الطائفة الخلود في النار وقالت المرجئة على اختلاف آرائهم لا ~~يدرى ما يفعل الله بهم فيجوز أن يعذبهم كلهم وأن يعفو عنهم كلهم وأن يعذب ~~بعضهم ويعفو عن بعضهم غير أنهم لا يخلد أحد منهم في النار فجوزوا أن يلحق ~~بعضهم بمن ترجحت حسناته على سيئاته بل جوزوا أن يرفع عليه في الدرجة فهم ~~موكولون عندهم إلى محض المشيئة لا يدرى ما يفعل الله بهم بل يرجأ أمرهم إلى ~~الله وحكمه وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء والصوفية وغيرهم فهذه ~~الأقوال التي يعرفها أكثر الناس ولا يحكي أهل الكلام غيرها وقول الصحابة ~~والتابعين وأئمة الحديث لا يعرفونه ولا يحكونه وهو الذي ذكرناه عن ابن عباس ~~وحذيفة وابن مسعود أن من ترجحت سيئاته بواحدة دخل النار وهؤلاء هم القسم ~~الذين جاءت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله فإنهم يدخلون النار ~~فيكونون فيها على مقدار أعمالهم فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من ~~تأخذه النار PageV01P568 إلى أنصاف ساقيه ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ~~ويلبثون فيها على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها فينبتون على أنهار الجنة ~~فيفيض عليهم أهل ms412 الجنة بالماء حتى تنبت أجسادهم ثم يدخلون الجنة وهم الطبقة ~~الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعين وهم الذين يأمر الله سيد الشفعاء ~~مرارا أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان وإخبار النبي أنهم يكونون ~~فيها على قدر أعمالهم مع قوله تعالى بما كنتم تعملون و هل تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون وقوله تعالى ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون وأضعاف ذلك ~~من نصوص القرآن والسنة يدل على ما قاله أفضل الأمة وأعلمها بالله وكتابه ~~وأحكام الدارين أصحاب محمد والعقل والفطرة تشهد له وهو مقتضى حكمة العزيز ~~الحكيم الذي بهرت حكمته العقول فليس الأمر سببا خارجا عن الضبط والحكمة بل ~~مربوطا بالأساليب والحكم مرتب عليها أكمل ترتيب جار على نظام اقتضاد السبب ~~واستدعته الحكمة وأي الطريق سلكها سالك غير هذه الطريق من الطرق المتقدمة ~~أفضت به إلى ترك بعض النصوص ولا بد فإنها تتناقض في حقه لما أصله من الأصل ~~الذي لا يلتئم عليه جمع النصوص فلا بد أن يرد بعضها ببعض أو يستشكلها أو ~~يتطلب لها مستنكر التأويلات ووجوه التحريفات كما رد الخوارج والمعتزلة ~~النصوص المتواترة الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وكذبوا ~~بها وقالوا لا سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بالشفاعة ولا غيرها ولما ~~بهرتهم نصوص الشفاعة وصاح بهم أهل السنة وأئمة الإسلام من كل قطر وجانب ~~ورموهم PageV01P569 بسهام الرد عليهم أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط ~~لا على الخروج من النار فردوا السنة المتواترة قطعا وصاروا مضغة في أفواه ~~الأمة وعارا في فرقها فإن أمر الشفاعة أظهر عند الأمة من أن يقبل شكا أو ~~نزاعا وهو عندهم مثل الصراط والحساب ونحوهما مما يعلم إخبار الرسول به قطعا ~~ولكن إنما أتى القوم لأنهم في غاية البعد عما جاء به الرسول أجانب عنه ~~ليسوا من الورثة وأما الخوارج فكذبوا الصحابة صريحا وأما المرجئة فإنهم ~~يجوزون أن لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد وهذا بخلاف المعلوم المتواتر ~~من نصوص السنة بدخول بعض ms413 أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها بالشفاعة ومع ~~هذا التواتر الذي لا يمكن دفعه لا يجوز أن يقال بجواز أن لا يدخل أحد منهم ~~النار بل لا بد من دخول بعضهم وذلك البعض هو الذي خفت موازينه ورجحت سيئاته ~~كما قال الصحابة وحكى أبو محمد بن حزم هذا إجماعا من أهل السنة ولولا أن ~~المقصود ذكر الطبقات لذكرنا ما لهذه المذاهب وما عليها وبينا تناقض أهلها ~~وما وافقوا فيه الحق وما خالفوه بالعلم والعدل لا بالجهل والظلم فإن كل ~~طائفة منها معها حق وباطل فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق ورد ما ~~قالوه من الباطل ومن فتح الله له بهذه الطريق فقد فتح له من العلم والدين ~~كل باب ويسر عليه فيهما الأسباب والله المستعان الطبقة الرابعة عشرة قوم لا ~~طاعة لهم ولا معصية ولا كفر ولا إيمان وهؤلاء أصناف منهم من لم تبلغه ~~الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئا ولا يميز ~~ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئا أبدا ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل ~~أن يميزوا شيئا فاختلفت الأمة في حكم هذه الطبقة اختلافا كثيرا والمسألة ~~التي وسعوا PageV01P570 فيها الكلام هي مسألة أطفال المشركين وأما أطفال ~~المسلمين فقال الإمام أحمد لا يختلف فيهم أحد يعني أنهم في الجنة وحكى ابن ~~عبدالبر عن جماعة أنهم توقفوا فيهم وأن جميع الولدان تحت المشيئة قال وذهب ~~إلى هذا القول جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن ~~سلمة وابن المبارك وإسحق بن راهويه قالوا وهو شبه ما رسم مالك في موطئه في ~~أبوال القدر وما أورده من الأحاديث في ذلك وعلى أكثر أصحابه وليس عن مالك ~~فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في ~~الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة # وأما أطفال المشركين فيهم ثمانية مذاهب # أحدها الوقف فيهم وترك الشهادة بأنهم في الجنة أو في النار بل يوكل علمهم ~~إلى الله تعالى ويقال الله أعلم ms414 ما كانوا عاملين واحتج هؤلاء بحجج منها ما ~~أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله قال ما من مولود إلا ~~يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تنتج البهيمة من بهيمة ~~جمعاء هل يحس فيها من جدعاء قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير ~~قال الله أعلم بما كانوا عاملين ومنها ما في الصحيحين أيضا عن ابن عباس أن ~~النبي PageV01P571 سئل عن أولاد المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين ~~وفي صحيح أبي حاتم بن حبان من حديث جرير بن حازم قال سمعت أبا رجاء قال ~~سمعت ابن عباس يقول وهو على المنبر قال رسول الله لا يزال أمر هذه الأمة ~~قواما أو مقاربا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر قال أبو حاتم الولدان ~~أراد به أطفال المشركين وفي استدلال هذه الفرقة على ما ذهبت إليه من الموقف ~~بهذه النصوص نظر فإن النبي لم يجب فيهم بالوقف وإنما وكل علم ما كانوا ~~يعملون لو عاشوا إلى الله سبحانه وتعالى والمعنى الله أعلم بما كانوا ~~يعملون لو عاشوا فهو سبحانه وتعالى يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو ~~عاش والقابل منهم للكفر المؤثر له لو عاش لكن لا يدل هذا على أنه يجزيهم ~~علمه فيهم بلا عمل يعملونه وإنما يدل على أنه يعلم منهم ما هم عاملون ~~بتقدير حياتهم وهذا الجواب خرج عن النبي على وجهين أحدهما جواب لهم إذا ~~سألوه عنهم ما حكمهم فقال الله أعلم بما كانوا عاملين وهو في هذا الوجه ~~يتضمن أن الله سبحانه وتعالى يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر بتقدير الحياة ~~وأما المجازاة على العلم فلم يتضمنها جوابه وفي صحيح أبي عوانة الإسفرايني ~~عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس كان النبي في بعض مغازيه فسأله رجل ~~ما يقول في اللاهين فسكت عنه فلما PageV01P572 فرغ من غزوة الطائف إذا هو ~~بصبي يبحث في الأرض فأمر مناديه فنادى أين السائل عن اللاهين فاقبل الرجل ~~فنهى رسول الله عن ms415 قتل الأطفال وقال الله أعلم بما كانوا عاملين والوجه ~~الثاني جواب لهم حين أخبرهم أنهم من آبائهم فقالوا بلا عمل فقال الله أعلم ~~بما كانوا عاملين كما روى أبو داود عن عائشة قالت قلت يا رسول الله ذراري ~~المؤمنين قال من آبائهم قلت يا رسول الله بلا عمل قال الله أعلم بما كانوا ~~عاملين ففي هذا الحديث ما يدل على أن الذين يلحقون بآبائهم منهم هم الذين ~~علم الله أنهم لو عاشوا لاختاروا الكفر وعملوا به فهؤلاء مع آبائهم ولا ~~يقتضي أن كل واحد من الذرية مع أبيه في النار فإن الكلام في هذا الجنس ~~سؤالا والجواب يدل علم التفصيل فإن قوله الله أعلم بما كانوا عاملين يدل ~~على أنهم متباينون في التبعية بحسب نياتهم ومعلوم الله فيهم بقي أن يقال ~~فالحديث يدل على أنهم يلحقون بآبائهم من غير عمل ولهذا فهمت ذلك منه عائشة ~~فقالت بلا PageV01P573 عمل فأقرها عليه السلام فقال الله أعلم بما كانوا ~~عاملين ويجاب عن هذا بأن الحديث إنما دل على أنهم يلحقون بهم بلا عمل عملوه ~~في الدنيا وهو الذي فهمته عائشة ولا ينفي هذا أن يلحقوا بهم إن شاء الله ~~فحينئذ يلحقون بآبائهم ويكونون منهم بلا عمل عملوه في الدنيا وعائشة إنما ~~استشكلت لحاقهم بهم بلا عمل عملوه مع الآباء وأجابها النبي بأن الله سبحانه ~~وتعالى يعلم منهم ما هم عاملوه ولم يقل لها إنه يعذبهم بمجرد علمه فيهم ~~وهذا ظاهر بحمد الله لا إشكال فيه وأما حديث أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس ~~ففي القلب من رفعه شيء وإن أخرجه ابن حبان في صحيحه وهو يدل على ذم من تكلم ~~فيهم بغير علم أو ضرب النصوص بعضها ببعض فيهم كما ذم من تكلم في القدر بمثل ~~ذلك وأما من تكلم فيهم بعلم وحق فلا # المذهب الثاني أنهم في النار وهذا قول جماعة من المتكلمين وأهل التفسير ~~وأحد الوجهين لأصحاب أحمد وحكاه القاضي نصا عن أحمد واحتج هؤلاء بحديث ~~عائشة المتقدم واحتجوا بما رواه ms416 أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية عن عائشة ~~سألت رسول الله عن أولاد المسلمين أين هم قال في الجنة وسألته عن أولاد ~~المشركين أين هم يوم القيامة قال في النار فقلت لم يدركوا الأعمال ولم تجر ~~عليهم الأقلام قال ربك أعلم بما كانوا عاملين قلت يحيى بن المتوكل لا يحتج ~~بحديثه فإنه في غاية من الضعف وأما حديث عائشة المتقدم PageV01P574 فهو من ~~حديث عمر بن ذر وتفرد به عن يزيد عن أبي أمية أن البراء بن عازب أرسل إلى ~~عائشة يسألها عن الأطفال فذكرت الحديث هكذا قال مسلم بن قتيبة وقال غيره عن ~~عمر بن ذر عن يزيد عن رجل عن البراء ورواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ~~عتبة بن ضمرة بن حبيب حدثني عبدالله بن أبي قيس مولى غطيف أنه سأل عائشة ~~فذكرت الحديث وعبدالله هذا ينظر في حاله وليس بالمشهور واحتجوا بما رواه ~~عبدالله بن أحمد في مسند أبيه عن عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل بن ~~غزوان عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي قال سألت خديجة رسول الله عن ولدين ~~لها ماتا في الجاهلية فقال هما في النار رأى الكراهية في وجهها قال لو رأيت ~~مكانهما لأبغضتهما قالت يا رسول الله فولدي منك قال إن المؤمنين وأولادهم ~~في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار ثم قرأ والذين ءامنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وهذا معلول من وجهين أحدهما أن محمد بن ~~عثمان مجهول والثاني أن زاذان لم يدرك عليا وقال جماعة عن داود بن أبي هند ~~عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن قيس الأشجعي قال أتيت أنا وأخي النبي فقلنا ~~إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتفعل وتفعل فهل نافعها ذلك ~~شيئا قال لا قلنا فإنها كانت وأدت أختا لنا في الجاهلية لم PageV01P575 ~~تبلغ الحنث قال الوائدة والموؤودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام ~~فتسلم وهذا إسناد لا بأس به وبحديث خديجة أنها سألت رسول الله ms417 عن أولادها ~~الذين ماتوا في الشرك فقال إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار قال شيخنا وهذا ~~حديث باطل موضوع واحتجوا أيضا بما روى البخاري في صحيحه في حديث احتجاج ~~الجنة والنار عن النبي أنه قال وأما النار فينشىء الله لها خلقا يسكنهم ~~إياها قالوا فهؤلاء ينشأون للنار بغير عمل فلأن يدخلها من ولد في الدنيا ~~بين كافرين أولى وهذه حجة باطلة فإن هذه اللفظة وقعت غلطا من بعض الرواة ~~وبينها البخاري في الحديث الآخر وهو الصواب فقال في صحيحه حدثني عبدالله بن ~~أحمد أنبأنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال النبي تحاجت ~~الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة مالي لا ~~يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم قال الله عز وجل للجنة أنت رحمتي أرحم بك من ~~أشاء من عبادي وقال PageV01P576 تعالى للنار أنت عذابي اعذب بك من أشاء من ~~عبادي لكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الجبار عز وجل ~~رجله فتقول قط قط فهناك تمتلىء ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه ~~أحدا وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقا فهذا هو الذي قاله رسول الله بلا ~~ريب وهو الذي ذكره في التفسير وفي باب ما جاء في قول الله تعالى إن رحمة ~~الله قريب من المحسنين حدثنا عبيدالله ابن سعد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ~~صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي قال اختصمت الجنة والنار ~~إلى ربهما فقالت الجنة يا رب مالها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت ~~النار إني أوثرت بالمتكبرين فقال الله تعالى للجنة أنت رحمتي وقال تعالى ~~للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها قال فأما الجنة ~~فإن الله تعالى لا يظلم من خلقه أحدا وإنه ينشىء للنار من يشاء فيلقون فيها ~~فتقول هل من مزيد ثلاثا حتى يضع قدمه فيها فتمتلىء ويرد بعضها إلى بعض ~~فتقول قط قط قط فهذا غير محفوظ وهو مما انقلب ms418 لفظه على بعض الرواة قطعا كما ~~انقلب على بعضهم قوله إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم ~~مكتوم فقال إن ابن PageV01P577 أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ~~بلال وله نظائر وحديث الأعرج هذا عن أبي هريرة لم يحفظ كما ينبغي وسياقه ~~يدل على أن راويه لم يقم متنه بخلاف حديث همام عن أبي هريرة واحتجوا بما ~~رواه أبو داود عن عامر الشعبي قال قال رسول الله الوائدة والموؤودة في ~~النار قال يحيى بن زكريا فحدثني أبو إسحاق السبيعي أن عامرا حدثه بذلك عن ~~علقمة عن ابن مسعود عن النبي ويأتي الجواب عن هذا الحديث إن شاء الله والله ~~أعلم # المذهب الثالث أنهم في الجنة وهذا قول طائفة من المفسرين والمتكلمين ~~وغيرهم واحتج هؤلاء بما رواه البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب قال كان ~~رسول الله مما يكثر أن يقول لأصحابه هل رأى منكم رؤيا / ح / قال فنقص عليه ~~ما شاء الله أن نقص وأنه قال لنا ذات غداة إني أتاني الليلة آتيان / ح / ~~فذكر الحديث وفيه فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع وإذا بين ~~ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل من ~~أكثر ولدان رأيتهم قط وفيه وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على ~~الفطرة / ح / فقال بعض المسلمين يا رسول الله وأولاد المشركين فقال الرسول ~~وأولاد المشركين / ح / فهذا الحديث الصحيح صريح في أنهم في الجنة ورؤيا ~~الأنبياء وحي PageV01P578 وفي مستخرج البرقاني على البخاري من حديث عوف ~~الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة عن النبي قال كل مولود يولد على ~~الفطرة فقال الناس يا رسول الله وأولاد المشركين قال وأولاد المشركين وقال ~~أبو بكر بن حمدان القطيعي حدثنا بشر بن موسى حدثنا هوذة بن خليفة حدثنا عوف ~~عن خنساء بنت معاوية قالت حدثتني عمتي قالت يا رسول الله من في الجنة قال ~~النبي في الجنة والشهيد في الجنة والموؤودة في الجنة ms419 وكذلك رواه بندار عن ~~غندر عن عوف واحتجوا بقوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وبقوله PageV01P579 تعالى لا يصلاها إلا الأشقى وبقوله تعالى أعدت للكافرين ~~وبقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وهؤلاء لم تقم عليهم حجة الله ~~بالرسل فلا يعذبهم واحتجوا بقوله تعالى وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في ~~أمها رسوللا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون فإذا ~~كان سبحانه لا يهلك القرى في الدنيا ويعذب أهلها إلا بظلمهم فكيف يعذب في ~~الآخرة العذاب الدائم من لم يصدر منه ظلم ولا يقال كما أهلكه في الدنيا ~~تبعا لأبويه وغيرهم فكذلك يدخله النار تبعا لهم لأن مصائب الدنيا إذا وردت ~~لا تخص الظالم وحده بل تصيب الظالم وغيره ويبعثون على نياتهم وأعمالهم كما ~~قال تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وكالجيش الذين يخسف ~~بهم جميعهم وفيهم المكره والمستبصر وغيره فأما عذاب الآخرة فلا يكون إلا ~~للظالمين خاصة ولا يتبعهم فيه من لا ذنب له أصلا وقال تعالى في النار كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء وقال لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين وإذا امتلأت بإبليس وأتباعه فأين يستقر فيها من لم يتبعه قالوا ~~وأيضا فالقرآن مملوء من الأخبار بأن دخول النار إنما يكون بالأعمال كقوله ~~تعالى هل تجزون إلا ما كنتم PageV01P580 تعملون وقوله تعالى ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل ~~نفس ما كسبت وهم لا يظلمون وقوله تعالى وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ~~إلى غير ذلك من النصوص قالوا وقد أخبر النبي أن كل مولود على الفطرة وإنما ~~يهوده وينصره أبواه فإذا مات قبل التهويد والتنصير مات على الفطرة فكيف ~~يستحق النار وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار عن النبي قال يقول الله ~~إني خلقت ms420 عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم وقال محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبدالرحمن ~~بن عائذ عن عياض عن النبي قال إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم ~~المال حلالا لا حراما فزاد مسلمين قالوا وأيضا فإن النار دار عدله والجنة ~~دار فضله فلهذا ينشىء للجنة من لم يعمل عملا قط وأما النار فإنه لا يعذب ~~بها إلا من عمل بعمل أهلها وقالوا وأيضا فإن النار دار جزاء فمن لم يعص ~~الله طرفة عين كيف PageV01P581 كيف يجازى بالنار خالدا مخلدا أبد الآباد ~~قالوا وأيضا خلو عذب هؤلاء لكان تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان أو بدون ~~التكليف والقسمان ممتنعان أما الأول فلاستحالة تكليف من لا تمييز له ولا ~~عقل أصلا وأما الثاني فيمتنع أيضا بالنصوص التي ذكرناها وأمثالها من أن ~~الله لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وقالوا وأيضا فلو كان تعذيب ~~هؤلاء لأجل عدم الإيمان المانع من العذاب لاشتركوا هم وأطفال المسلمين في ~~ذلك لاشتراكهم في عدم الإيمان الفعلي علما وعملا فإن قلتم أطفال المسلمين ~~منعهم تبعهم لآبائهم العذاب بخلاف أطفال المشركين قلنا الله لا يعذب أحدا ~~بذنب غيره قال تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وقال تعالى فاليوم لا تظلم نفس ~~شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون وهذه حجج كما ترى قوة وكثرة ولا سبيل ~~إلى دفعها وسيأتي إن شاء الله فصل النزاع في هذه المسألة والقول بموجب هذه ~~الحجج الصحيحة كلها على أن عادتنا في مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول ~~بموجبها ولا نضرب بعضها ببعض ولا نتعصب لطائفة على طائفة بل نوافق كل طائفة ~~على ما معها من الحق ونخالفها فيما معها من خلاف الحق لا نستثني من ذلك ~~طائفة ولا مقالة ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه ونلقى الله به ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله # المذهب الرابع أنهم في منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار ms421 فإنهم ليس ~~لهم إيمان يدخلون به الجنة ولا لآبائهم فوز يلحق بهم أطفالهم تكميلا ~~لثوابهم وزيادة في نعيمهم وليس لهم من الأعمال ما يستحقون به دخول النار ~~وهذا قول طائفة من المفسرين قالوا وهم أهل الأعراف وقال PageV01P582 ~~عبدالعزيز بن يحيى الكناني وهم الذين ماتوا في الفترة والقائلون بهذا إن ~~أرادوا أن هذا المنزل مستقرهم أبدا فباطل فإنه لا دار للقرار إلا الجنة أو ~~النار وإن أرادوا أنهم يكونون فيه مدة ثم يصيرون إلى دار القرار فهذا ليس ~~بممتنع # المذهب الخامس أنهم تحت مشيئة الله تعالى يجوز أن يعمهم بعذابه وأن يعمهم ~~برحمته وأن يرحم بعضا ويعذب بعضا بمحض الإرادة والمشيئة ولا سبيل إلى إثبات ~~شيء من هذه الأقسشام إلا بخبر يجب المصير إليه ولا حكم فيهم إلا بمحض ~~المشيئة وهذا قول الجبرية نفاة الحكمة والتعليل وقول كثير من مثبتي القدر ~~وغيرهم # المذهب السادس أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم وهم معهم بمنزلة أرقائهم ~~ومماليكهم في الدنيا واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبدالرحمن القاري عن ~~أبي حازم المديني عن يزيد الرقاشي عن أنس قال الدارقطني ورواه عبدالعزيز ~~الماجشون عن ابن المنكدر عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي قال سألت ربي ~~للاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم فهم خدام أهل الجنة يعني ~~الصبيان فهذان طريقان وله طريق ثالث عن فضيل بن سليمان عن عبدالرحمن بن ~~إسحاق عن الزهري عن أنس قال ابن قتيبة اللاهون من لهيت عن الشيء إذا ~~PageV01P583 غفلت عنه وليس هو من لهوت وهذه الطرق ضعيفة فإن يزيد الرقاشي ~~واه وفضيل بن سليمان متكلم فيه وعبدالرحمن بن إسحاق ضعيف # المذهب السابع أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة فلا يفردون عنهم ~~بحكم في الدارين فكما هم منهم في الدنيا فهم منهم في الآخرة والفرق بين هذا ~~المذهب ومذهب من يقول هم في النار أن صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعا لهم ~~حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنار وصاحب ~~القول الآخر يقول هم ms422 في النار لكونهم ليسوا بمسلمين لم يدخلوها تبعا وهؤلاء ~~يحتجون بحديث عائشة الذي تقدم ذكره واحتجوا بما في الصحيحين عن الصعب بن ~~جثامة قال سئل رسول الله عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصيبون من ~~PageV01P584 نسائهم وذراريهم فقال هم منهم ومثله من حديث الأسود بن سريع ~~وقد تقدم حديث أبي وائل عن ابن مسعود بن يرفعة الوائدة والموؤودة في النار ~~وهذا يدل على أنها كانت في النار تبعا لها قالوا ويدل عليه قوله والذين ~~آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من ~~شيء كل امرىء بما كسب رهين فهذا يدل على أن اتباع الذرية لآبائهم ونجاتهم ~~إنما كان إكراما لآبائهم وزيادة في ثوابهم وأن الأتباع إنما يستحق بإيمان ~~الآباء فإذا انتفى إيمان الآباء انتفى اتباع النجاة وبقي اتباع العذاب ~~ويفسره قوله هم منهم وأجيب عن حجج هؤلاء أما حديث عائشة الذي فيه إنهم في ~~النار فقد تقدم ضعفه وأما حديثهما الآخر هم من آبائهم فمثل محديث الصعب ~~والأسود بن سريع وليس فيه تعرض للعذاب بنفي ولا إثبات وإنما فيه أنهم تبع ~~لآبائهم في الحكم وأنهم إذا أصيبوا في الجهاد والبيات لم يضمنوا بدية ولا ~~كفارة وهذا مصرح به في يحديث الصعب والأسود أنه في الجهاد وأما حديث عائشة ~~الآخر فضعفه غير واحد قالوا وعبدالله بن أبي قيس مولى غطيف راويه عنها ليس ~~بالمعروف فيقبل حديثه وعلى تقدير ثبوته فليس فيه تصريح بأن السؤال وقع عن ~~الثواب والعقاب والنبي قال هم من آبائهم ولم يقل هم معهم وفرق بين الحرفين ~~وكونهم منهم لا يقتضي أن يكونوا معهم في أحكام الآخرة بخلاف كونهم منهم ~~فإنه يقتضي أن تثبت لهم أحكام الآباء في الدنيا من التوارث والحضانة والنسب ~~وغير ذلك من أحكام الإيلاد والله سبحانه يخرج الطيب من PageV01P585 الخبيث ~~والمؤمن من ا لكافر وأما حديث ابن مسعود فليس فيه أن هذا حكم كل واحد من ~~أطفال المشركين وإنما يدل على أن بعض أطفالهم في النار وأن من هذا الجنس ms423 ~~وهن الموؤودات من يدخل النار وكونها موؤودة لا يمنع من دخولها النار بسبب ~~آخر وليس المراد أن كونها موؤودة هو السبب الموجب لدخول النار حتى يكون ~~اللفظ عاما في كل موؤودة وهذا ظاهر ولكن كونها موؤودة لا يرد عنها النار ~~إذا استحقتها بسبب كما سيأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله وأحسن من هذا أن ~~يقال هي في النار ما لم يوجد سبب يمنع من دخولها النار كما سنذكره إن شاء ~~الله ففرق بين أن تكون جهة كونها موؤودة هي التي استحقت بها دخول النار ~~وبين كونها غير مانعة من دخول النار بسبب وإذا كان تعالى يسأل الوائدة عن ~~وأد ولدها بغير استحقاق ويعذبها على وأدها كما قال تعالى وإذا الموؤدة سئلت ~~فكيف يعذب الموؤودة بغير ذنب والله سبحانه لا يعذب من وأدها بغير ذنب وأما ~~قوله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم فهذه ~~الآية تدل على أن الله سبحانه يلحق ذرية المؤمنين بهم في الجنة وأنهم ~~يكونون معهم في درجتهم ومع هذه فلا يتوهم نزول الآباء إلى درجة الذرية فإن ~~الله لم يلتهم أي لم ينقصهم من أعمالهم شيئا بل رفع ذرياتهم إلى درجاتهم مع ~~توفير أجور الآباء عليهم لما كان إلحاق الذرية بالآباء في الدرجة إنما هو ~~بحكم التبعية لا بالأعمال ربما توهم متوهم أن ذرية الكفار يلحقون بهم في ~~العذاب تبعا وإن لم يكن لهم أعمال الآباء فقطع تعالى هذا التوهم بقوله ~~تعالى كل امرىء بما كسب رهين وتأمل قوله تعالى والذين آمنوا وأتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان كيف أتى بالواو العاطفة في اتباع الذرية وجعل الخبر عن ~~المؤمنين الذين هذا شأنهم فجعل الخبر مستحقا بأمرين PageV01P586 # أحدهما إيمان الآباء والثاني اتباع الله ذريتهم إياهم وذلك لا يقتضي أن ~~كل مؤمن يتبعه كل ذرية له ولو أريد هذا المعنى لقيل آمنوا تتبعهم ذرياهم ~~فعطف الاتباع بالواو يقتضي أن يكون المعطوف بها قيدا وشرطا في ثبوت الخبر ~~لا حصوله لكل أفراد المبتدأ وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم ms424 في صحيحه عن عائشة ~~قال أتي النبي بصبي من الأنصار يصلي عليه فقلت يا رسول الله طوبى لهذا لم ~~يعمل شرا ولم يدره قال أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها ~~أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وخلقها لهم ~~وهم في أصلاب آبائهم فهذا الحديث يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال ~~المؤمنين بالجنة وإن أطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة لكن ~~الشهادة للمعين ممتنعة كما يشهد للمؤمنين مطلقا أنهم في الجنة ولا يشهد ~~لمعين بذلك إلا من شهد له النبي فهذا وجه الحديث الذي يشكل على كثير من ~~الناس ورده الإمام أحمد وقال لا يصح ومن يشك أن اولاد المسلمين في الجنة ~~وتأوله قوم تأويلات بعيدة # المذهب الثامن أنهم يمتحنون في عرصات القيامة ويرسل إليهم هناك رسول وإلى ~~كل من لم تبلغه الدعوة فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله النار ~~وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار وبهذا يتألف شمل الأدلة ~~كلها وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله الذي أحال عليه النبي حيث يقول ~~الله أعلم بما كانوا عاملين يظهر حينئذ ويقع الثواب والعقاب عليه بحال كونه ~~معلوما علما خارجيا لا علما مجردا ويكون النبي قد رد جوابهم إلى علم الله ~~فيهم والله يرد ثوابهم وعقابهم إلى معلومه منهم فالخبر عنهم مردود إلى علمه ~~ومصيرهم PageV01P587 مردود إلى معلومه وقد جاءت بذلك آثار كثيرة يؤيد بعضها ~~بعضا فمنها ما رواه الإمام أحمد والبزار أيضا بإسناد صحيح فقال الإمام أحمد ~~حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع ~~أن النبي قال أربعة يحتجون يوم القيام رجل أصم لا يسمع رجل هرم ورجل أحمق ~~ورجل مات في الفترة أما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وأنا ما أسمع شيئا ~~وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحدفونني بالبعر وأما الهرم ~~فيقول رب لقد جاء الإسلام ms425 وما أعقل وأما الذي في الفترة فيقول رب ما أتاني ~~رسول فيأخذمواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار فوالذي نفسي ~~بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما قال معاذ بن هشام وحدثي أبي عن ~~الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث وقال في آخره فمن دخلها ~~كانت ليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها رد إليها وهو في مسند إسحق عن معاذ بن ~~هشام أيضا ورواه البزار ولفظه عن الأسود بن سريع عن النبي قال يعرض على ~~الله تبارك وتعالى الأصم الذي لا يسمع شيئا والأحمق والهرم ورجل مات في ~~الفترة فيقول الأصم رب جاء الإسلام وما أسمع شيئا والأحمق يقول رب لقد جاء ~~الإسلام وما أعقل شيئا ويقول الذي مات في الفترة رب ما أتاني لك رسول وذكر ~~الهرم وما يقول قال فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم ادخلوا النار ~~فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما قال الحافظ عبد ~~الحق في حديث الأسود قد جاء هذا الحديث PageV01P588 وهو صحيح فيما أعلم ~~والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل ولكن الله يخص من يشاء بما يشاء ويكلف من ~~شاء ما شاء وحيثما شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قلت وسيأتي الكلام على ~~وقوع التكليف في الدار الآخرة وامتناعه عن قريب إن شاء الله ورواه علي بن ~~المديني عن معاذ بنحوه قال البيهقي حدثنا علي بن محمد بن بشران أخبرنا أبو ~~جعفر الرازي أخبرنا حنبل بن الحسين أخبرنا علي بن عبدالله المديني وقال هذا ~~إسناد صحيح وأما حديث علي بن زيد بن جدعان عن أبي رافع عن أبي هريرة عن ~~النبي نحوه ورواه معمر عن عبدالله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قوله وروى ~~محمد بن المبارك الصوري ثقة حدثنا عمرو بن واقد ضعيف حدثنا يونس بن ميسرة ~~ثقة عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ يرفعه يؤتى يوم القايمة بالممسوخ عقلا ~~وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا فيقول الممسوخ عقلا يا رب لو آتيتني ~~عقلا ms426 ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني ويقول الهالك في الفترة يا رب لو ~~أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهده مني فيقول الهالك صغيرا ~~يا رب لو آتيتني عمرا ما كان من آتيته عمرا بأسعد مني ويقول الرب سبحانه ~~لئن أمرتكم بأمر فتطيعوني فيقولون نعم وعزتك فيقول اذهبوا فادخلوا النار ~~فلو دخلوها ما ضرتهم قال فيخرج عليهم قوابص يظنون أنها قد أهلكت ما خلق ~~الله من شيء فيرجعون ويقولون يا ربنا خرجنا وعزتك نريد PageV01P589 دخولها ~~فخرجت علينا قوبص من نار ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيأمرهم ~~الثانية فيرجعون كذلك ويقولون مثل قولهم فيقول الله قبل أن تخلقوا علمت ما ~~أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون فتأخذهم النار فهذا وإن كان ~~عمرو بن واقد لا يحتج به فله أصل وشواهد والأصول تشهد له وفي الباب أحاديث ~~غير هذا # وقد رويت أحاديث الامتحان في الآخرة من حديث الأسود بن سريع وصححه ~~عبدالحق والبيهقي من حديث أبي هريرة وأنس ومعاذ وأبي سعيد فأما حديث الأسود ~~فرواه معاذ عن هشام عن أبيه عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع ~~أن النبي قال معاذ وحدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة ~~ورواه أحمد وإسحق عن معاذ ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن ~~PageV01P590 رافع عن أبي هريرة ورواه معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي ~~هريرة موقوفا عليه وهذا لا يضر الحديث فإنه إن سلك طريق ترجيح الزائد ~~لزيادته فواضح وإن سلك طريق المعارضة فغايتها تحقق الوقف ومثل هذا لا يقدم ~~عليه بالرأي إذ لا مجال له فيقبل بجزم بأن هذا توقيف لا عن رأي وأما حديث ~~أنس فرواه جرير بن عبدالحميد عن ليث بن أبي سليم عن عبدالوارث عن أنس عن ~~النبي يؤتى يوم القيامة بأربعة بالمولود وبالمعتوه وبمن مات في الفترة ~~وبالشيخ الفاني كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب سبحانه ms427 لعنق من جهنم أبرزي ~~ويقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسولا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ~~قال ويقول لهم ادخلوا هذه ويقول من كتب عليه الشقاء أنى ندخلها ومنها كنا ~~نفر فيقول الله فأنتم لرسلي أشد تكذيبا قال وأما من كتب عليهم السعادة ~~فيمضي فيقتحم فيها فيدخل هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار وهذا وإن لم ~~يعتمد عليه بمجرده لمكان ليث بن أبي سليم عن عبدالوارث عن أنس عن النبي ~~وأما حديث معاذ فتقدم الكلام عليه وأما حديث أبي سعيد فرواه محمد بن يحيى ~~الذهلي أخبرنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال ~~قال رسول الله الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك في الفترة ~~لم يأتني كتاب ويقول المعتوه رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ~~ويقول المولود رب لم أدرك العقل فيرفع لهم نارا فيقول ردوها قال فيردها من ~~كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا ~~لو أدرك العمل فيقول إياي عصيتم فكيف لو رسلي أتتكم تابعه الحسن بن موسى عن ~~فضيل ورواه أبو نعيم عن فضيل بن مروزق فوقفه فهذا وإن كان فيه عطية فهو ممن ~~يعتبر بحديثه ويستشهد به وإن لم يكن حجة وأما الوقف فقد تقدم نظيره من حديث ~~أبي هريرة فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا وتشهد لها أصول الشرع وقواعده ~~والقول بمضمونها هو PageV01P591 مذهب السلف والسنة نقله عنهم الأشعري رحمه ~~الله في المقالات وغيرها # فإن قيل قد أنكر ابن عبدالبر هذه الأحاديث وقال أهل العلم ينكرون أحاديث ~~هذا الباب لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء وكيف يكلفون دخول النار وليس ~~ذلك في وسع المخلوقين والله لا يكلف نفسا إلا وسعها والجواب من وجوه أحدها ~~أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم وإن أنكرها بعضهم فقد ~~صحح غيره بعضها كما تقدم الثاني أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن ~~أهل ms428 السنة والحديث فدل على أنهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث الثالث أن ~~إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام ~~ولهذا رواه الأئمة أحمد وإسحق وعلي بن المديني الرابع أنه قد نص جماعة من ~~الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة وقالوا لا ينقطع التكليف إلا ~~بدخول دار القرار ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف الخامس ما ثبت في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة ~~دخولا إليها أن الله سبحانه وتالى يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غير ~~الذي يعطيه وأنه يخالفه ويسأله غيره فيقول الله تعالى ما أغدرك وهذا الغدر ~~منه هو لمخالفته للعهد الذي عاهد ربه عليه السادس قوله وليس ذلك في وسع ~~المخلوقين جوابه من وجهين أحدهما أن ذلك ليس تكليفا بما ليس في الوسع وإنما ~~هو تكليف بما فيه مشقة شديدة وهو كتكليف بني إسرائيل قتل PageV01P592 ~~أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل وكتكليف المؤمنين إذا رأوا ~~الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه نارا والثاني أنهم ~~لو أطاعوه ودخلوها لم يضرهم وكانت بردا وسلاما فلم يكلفوا بممتنع ولا بما ~~لم يستطع السابع أنه قد ثبت أنه سبحانه وتعالى يأمرهم في القيامة بالسجود ~~ويحول بين المنافقين وبينه وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطا فكيف ينكر ~~التكليف بدخول النار في رأي العين إذا كانت سببا للنجاة كما جعل قطع الصراط ~~الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف سببا كما قال أبو سعيد الخدري بلغني ~~أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف رواه مسلم فركوب هذا الصراط الذي هو في ~~غاية المشقة كالنار ولهذا كلاهما يفضي منه إلى النجاة والله أعلم # الثامن أن هذا استبعاد مجرد لا ترد بمثله الأحاديث والناس لهم طريقان فمن ~~سلك طريق المشيئة المجردة لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف ومن سلك طريق ~~الحكمة والتعليل لم يكن معه حجة تنفي أن يكون هذا التكليف موافقا ~~PageV01P593 للحكم ms429 بل الأدلة الصحيحة تدل على أنه مقتضى الحكمة كما ذكرناه # التاسع أن في اصح هذه الأحاديث وهو حديث الأسود أنهم يعطون ربهم المواثيق ~~ليطيعنه فيما يأمرهم به فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان فيتركون الدخول ~~معصية لأمره لا لعجزهم عنه فكيف يقال إنه ليس في الوسع # فإن قيل فالآخرة دار جزاء وليست دار تكليف فكيف يمتحنون في غير دار ~~التكليف فالجواب أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار وأما في البرزخ ~~وعرصات القيامة فلا ينقطع وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف ~~بمسألة الملكين في البرزخ وهي تكليف وأما في عرصة القيامة فقال تعالى يوم ~~يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون صريح في أن الله يدعو الخلائق ~~إلى السجود يوم القيامة وأ الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك ويكون هذا ~~التكليف بمالا يطاق حينئذ حسا عقوبة لهم لأنهم كلفوا به الدنيا وهم يطيقونه ~~فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم لا يقدرون عليه حسرة عليهم ~~عقوبة لهم ولهذا قال تعالى وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون دعوا ~~إليه في وقت حيل بينهم وبينه كما في الصحيح من حديث زيد بن أسلم عن عطاء عن ~~أبي سعيد رضي الله عنه أن ناسا قالوا يا رسول الله هل نرى بنا فذكر الحديث ~~بطوله إلى أن قال فيقول تتبع كل أمة ما كانت تعبد فيقول المؤمنون فارقنا ~~الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون ~~نعوذ بالله منك لا شريك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ~~ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونها بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا ~~يبقى من كان يسجد لله تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان ~~يسجد اتقاء PageV01P594 ورياءإلا جعل الله ظهره طبقا واحدا كلما أراد أن ~~يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقا واحدا كلما أراد أن يسجد خر على ~~قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وذكر ms430 الحديث وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ ~~بالمسألة فمن أجاب في الدنيا طوعا واختيارا أجاب في البرزخ ومن امتنع من ~~الإجابة في الدنيا منع منها في البرزخ ولم يكن تكليفه ف الحال وهو غير قادر ~~قبيحا بل هو مقتضى الحكمة الإلهية لأنه مكلف وقت القدرة وأبى فإذا كلف وقت ~~العجز وقد حيل بينه وبين الفعل كان عقوبة له وحسرة والمقصود أن التكليف لا ~~ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار وقد تقدم أن حديث الأسود بن سريع صحيح ~~وفيه التكليف في عرصة القيامة فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة ~~الصريحة فعلم أن الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأتلف به النصوص ومقتضى ~~الحكمة هذا القول والله أعلم # وقد حكى بعض أهل المقالات عن عامر بن أشرس أنه ذهب إلى أن الأطفال يصيرون ~~في يوم القيامة ترابا وقد نقل عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية والقاسم بن ~~محمد وغيرهم أنهم كرهوا الكلام في هذه المسألة جملة # الطبقة الخامسة عشرة طبقة الزنادقة وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل ~~وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله وهؤلاء المنافقون وهم فى الدرك الأسفل من ~~النار قال تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ~~فالكفار والمجاهرون بكفرهم أخف وهم فوقهم في دركات النار لأن الطائفتين ~~اشتركتا في الكفر ومعاداة الله PageV01P595 ورسله وزاد المنافقون عليهم ~~بالكذب بالكذب والنفاق وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار ~~المجاهرين ولهذا قال تعالى في حقهم هم العدو فاحذرهم ومثل هذا اللفظ يقتضي ~~الحصر أي لا عدو إلا هم ولكن لم يرد ها هنا من إثبات الأولوية والأحقية لهم ~~في هذا الوصف وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرا وموالاتهم لهم ~~ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في ~~الدار ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين ~~لهم وهم في الباطن على خلاف دينهم أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة ~~وألزم وأدوم لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياما ثم ms431 ينقضي ويعقبه النصر ~~والظفر وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحت ومساء يدلون العدو على ~~عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم فهم أحق بالعداوة من ~~المباين المجاهر فلهذا قيل هم العدو فاحذرهم لا على معنى أنه لا عدو لكم ~~سواهم بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوا من الكفار المجاهرين ونظير ~~ذلك قول النبي ليس المسكين الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة ~~والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه فليس ~~هذا نفيا لاسم المسكين عن الطواف بل إخبار بأن هذا القانع الذي لا يسمونه ~~مسكينا أحق بهذا الاسم من الطواف الذي يسمونه مسكينا ونظيره قوله ليس ~~الشديد بالصرعة ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب ليس نفيا للاسم عن الصرعة ~~ولكن إخبار بأن من يملك نفسه عن الغضب أحق منه بهذا الاسم ونظيره قوله ما ~~تعدون المفلس فيكم قالوا PageV01P596 من لا درهم له ولا متاع قال المفلس من ~~يأتي يوم القيامة بحسنات أمثل الجبال ويأتي قد لطم هذا وضرب هذا وأخذ مال ~~هذا فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما ~~عليه أخذ من سيئاتهم ثم طرح عليه فألقي في النار ونظيره قوله ما تعدون ~~الرقوب فيكم قالوا من لا يولد له قال الرقوب من لم يقدم من ولده شيئا ومنه ~~عندي قوله الربا في النسيئة وفي لفظ إنما الربا في النسيئة هو إثبات لأن ~~هذا النوع هو أحق باسم الربا من ربا الفضل وليس فيه نفي اسم الربا عن ربا ~~الفضل فتأمله والمقصود هذه الطبقة أشقى الأشقياء ولهذا يستهزأ بهم في ~~الآخرة وتعطى نورا يتوسطون به على الصراط ثم يطفىء الله نورهم ويقال لهم ~~ارجعو وراءكم فالتمسوا نورا ويضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور وهذا أشد ما يكون من ms432 الحسرة والبلاء أن يفتح للعبد طريق النجاة ~~والفلاح حتى إذا ظن أنه ناج PageV01P597 ورأى منازل السعداء اقتطع عنهم ~~وضربت عليه الشقوة ونعوذ بالله من غضبه وعقابه وإنما كانت هذه الطبقة في ~~الدرك الأسفل لغلظ كفرهم فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم وباشروا من أعلام ~~الرسالة وشواهد الإيمان لما لم يباشره البعداء ووصل إليهم من معرفته وصحته ~~ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا ~~أغلظ كفرا وأخبث قلوبا وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم ~~وإن كان البعداء متصدين لحرب المسلمين ولهذا قال تعالى ذلك بأنهم آمنوا ثم ~~كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وقال تعالى فيهم صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون وقال تعالى في الكفار صم بكم عمى فهم لا يرجعون فالكافر لم يعقل ~~والمنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم تجاهل وأقر ثم أنكر وآمن ومن ثم كفر ومن كان ~~هكذا كان أشد كفرا وأخبث قلبا وأعتى على الله ورسله فاستحق الدرك الأسفل ~~وفيه معنى آخر ايضا وهو أن الحامل لهم على النفاق طلب العز والجاه بين ~~الطائفتين فيرضوا المؤمنين ليعزهم ويرضوا الكفار ليعزوهم أيضا ومن ههنا دخل ~~عليهم البلاء فإنهم أرادوا العزتين من الطائفتين ولم يكن لهم غرض في ~~الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله بل كان ميلهم وصغوهم وجهتهم إلى ~~الكفار فقوبلوا على ذلك بأعظم الذل وهو أن جعل مستقرهم في أسفل السافلين ~~تحت الكفار فما اتصف به المنافقون من مخادعة الله ورسوله والذين ءامنوا ~~والاستهزاء بأهل الإيمان والكذب والتلاعب بالدين وإظهار أنهم من المؤمنين ~~وأبطنوا قلوبهم على الكفر والشرك وعداوة الله ورسوله أمر اختصوا به عن ~~الكفار فتغلظ كفرهم به فاستحقوا الدرك PageV01P598 الأسفل من النار ولهذا ~~لما ذكر تعالى أقسام الخلق في أول سورة البقرة 22 فقسمهم إلى مؤمن ظاهرا ~~وباطنا وكافر ظاهرا وباطنا ومؤمن في الظاهر كافر في الباطن وهم المنافقون ~~وذكر في حق المؤمنين ثلاث آيات 3 5 وفي حق الكفار آيتين 6 7 فلما انتهى إلى ~~ذكر ms433 المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية 8 2 ذمهم فيها غاية الذم وكشف عوراتهم ~~وقبحهم وفضحهم وأخبر أنهم هم السفهاء المفسدون في الأرض المخادعون ~~المستهزئون المغبونون في اشترائهم الضلالة بالهدى وأنهم صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضا إلى مرضهم فلم يدع ذما ولا ~~عيبا إلا ذمهم به وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم وبغضه اياهم وعداوته ~~لهم وأنهم أبغض أعدائه إليه فظهرت حكمته الباهرة في تخصيص هذه الطبقة ~~بالدرك الأسفل من النار نعوذ بالله من مثل حالهم ونسأله معافاته ورحمته ومن ~~تأمل ما وصف قلوبهم بالمرض وهو مرض الشبهات والشكوك ووصفهم بالإفساد في ~~الأرض وبالاستهزاء بدينه وبعباده وبالطغيان واشتراء الضلالة بالهدى والصمم ~~والبكم والعمى والحيرة والكسل عند عبادته والزنا وقلة ذكره والحلف باسمه ~~تعالى كذبا وباطلا وبالكذب وبغاية الجبن وبعدم الفقه في الدين وبعدم العلم ~~وبالبخل وبعدم الإيمان بالله وباليوم الآخر وبالرب وبأنهم مضرة على ~~المؤمنين ولا يحصل لهم بنصيحتهم إلا الشر من الخبال و الإسراع بينهم بالشر ~~وإلقاء الفتنة وكراهتهم لظهور أمر الله ومحو الحق وأنهم يحزنون بما يحصل ~~للمؤمنين من الخير والنصر ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاء وأنهم ~~يتربصون الدوائر بالمسلمين وبكراهتهم الإنفاق في مرضاة الله وسبيله وبعيب ~~المؤمنين ورميهم بما لس فيهم فيلزمون المتصدقين ويعيبون مزهدهم ويرمون ~~بالرياء إرادة الثناء في لناس مكثرهم وأنهم عبيد الدنيا إن أعطوا منها رضوا ~~وإن منعوا PageV01P599 سخطوا وبأنهم يؤذون رسول الله وينسبونه إلى ما برأه ~~الله منه ويعيبونه بما هو من كماله وفضله وأنهم يقصدون إرضاء المخلوقين ولا ~~يطلبون إرضاء رب العالمين وأنهم يسخرون من المؤمنين وأنهم يفرحون إذا ~~تخلفوا عن رسول الله ويكرهون الجهاد في سبيل الله وأنهم يتحيلون على تعطيل ~~فرائض الله ليهم بأنواع الحيل وأنهم يرضون بالتخلف عن طاعة الله ورسوله ~~وأنهم مطبوع على قلوبهم وأنهم يتركون ما أوجب الله عليهم مع قدرتهم عليه ~~وأنهم أحلف الناس بالله قد اتخذوا أيمانهم جنة تقيهم من إنكار المسلمين ~~عليهم وهذا ms434 شأن المنافق أحلف الناس بالله كاذبا قد اتخذ يمنه جنة ووقاية ~~يتقي بها إنكار المسلمين عليه ووصفهم بأنهم رجس والرجس من جنس أخبثه وأقذره ~~فهم أخبث بني آدم وأقذرهم وأرذلهم وبأنهم فاسقون وبأنهم مضرة على أهل ~~الإيمان يقصدون التفريق بينهم ويؤوون من حاربهم وحارب الله ورسوله وأنهم ~~يتشبهون بهم ويضاهونهم في أعمالهم ليتوصلوا منها إلى الإضراب بهم وتفريق ~~كلمتهم وهذا شأن المنافقين أبدا وبأنهم فتنوا أنفسهم بكفرهم بالله ورسوله ~~وتربصوا بالمسلين دوائر السوء وهذه عادتهم في كل زمان وارتابوا في الدين ~~فلم يصدقوا به وغرتهم الأماني الباطلة وغرهم الشيطان وأنهم أحسن الناس ~~أجساما تعجب الرائي أجسامهم والسامع منطقهم فإذا جاوزت أجسامهم وقولهم رأيت ~~خشبا مسندة ولا إيمان ولا فقه ولا علم ولا صدق بل خشب قد كسيت كسوة تروق ~~الناظر وليسوا وراء ذلك شيئا وإذا عرض عليهم التوبة والاستغفار أبوها ~~وزعموا أنهم لا حاجة لهم إليها إما لأن ما عندهم من الزندقة والجهل المركب ~~مغن عنها وعن الطاعات جملة كحال كثير من الزنادقة وإما احتقارا وازدراء بمن ~~يدعوهم إلى ذلك ووصفهم سبحانه بالاستهزاء به وبآياته وبرسوله وبأنهم مجرمون ~~وبأنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في ~~مرضاته ونسيان ذكره وبأنهم يتولوتن الكفار ويدعون المؤمنين وبأن الشيطان قد ~~استحوذ PageV01P600 عليهم وغلب عليهم حتى أنساهم ذكر الله فلا يذكرونه الا ~~قليلا وأنهم حزب الشيطان وأنهم يوادون من حاد الله ورسوله وبأنهم يتمنون ما ~~يعنت المؤمنين ويشق عليهم وأن البغضاء تبدو لهم من أفواههم وعلى فلتات ~~ألسنتهم وبأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ومن صفاتهم التي وصفهم ~~بها رسول الله الكذب في الحديث والخيانة في الأمانة والغدر عند العهد ~~والفجور عند الخصام والخلف عند الوعد وتأخير الصلاة إلى آخر وقتها ونقرها ~~عجلة وإسراعا وترك حضورها جماعة وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاء ومن ~~صفاتهم التي وصفهم الله بها الشح على المؤمنين بالخير والجبن عند الخوف ~~فإذا ذهب الخوف وجاء الأمن سلقوا المؤمنين بألسنة حداد فهم أحد الناس ألسنة ~~عليهم ms435 كما قيل # جهلا علينا وجبنا من عدوكم % لبئست الخلتان الجهل والجبن # وأنهم عند المخاوف تظهر كمائن صدورهم ومخبآتها وأما عند الأمن فيجب ستره ~~فإذا لحق المسلمين خوف دبت عقارب قلوبهم وظهرت المخبآت وبدت الأسرار ومن ~~صفاتهم أنهم أعذب الناس ألسنة وأمرهم قلوبا وأعظم الناس خلفا بين أعمالهم ~~وأقوالهم ومن صفاتهم أنهم لا يجتمع فيهم حسن صمت وفقه في دين أبدا ومن ~~صفاتهم أن أعمالهم تكذب أقوالهم وباطنهم يكذب ظاهرهم وسرائرهم تناقض ~~علانيتهم ومن صفاتهم أن المؤمن لا يثق بهم في شيء فإنهم قد أعدوا لكل أمر ~~مخرجا منه بحق أو بباطل بصدق أو بكذب ولهذا سمي منافقا أخذا من نافقاء ~~اليربوع وهو بيت يحفره ويجعل له أسرابا مختلفة فكلما طلب من سرب خرج من سرب ~~آخر فلا يتمكن طالبه من حصره في سرب واحد قال الشاعر # ويستخرج اليربوع من نافقائه % ومن جحره بالشيخه اليتقصع # فأنت منه كقابض على الماء ليس معك منه شيء ومن صفاتهم كثرة التلون وسرعة ~~التقلب وعدم الثبات على حال واحد بينا تراه على PageV01P601 حال تعجبك من ~~دين أو عبادة أو هدى صالح أو صدق إذا انقلب إلى ضد ذلك كأنه لم يعرف غيره ~~فهو أشد الناس تلونا وتقلبا وتنقلا جيفة بالليل قطرب بالنهار ومن صفاتهم ~~أنك إذا دعوتهم عند المنازعة للتحاكم إلى القرآن والسنة أبوا ذلك وأعرضوا ~~عنه ودعوك إلى التحاكم إلى طواغيتهم قال تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا ~~قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك ~~صدودا فكيف إذا أصبتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن ~~أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم ~~وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ومن صفاتهم معارضة ما جاء به الرسول ~~بعقول الرجال وآرائهم ثم تقديمها على ما ms436 جاء به فهم معرضون عنه معارضون له ~~زاعمون أن الهدى في آراء الرجال وعقولهم دون ما جاء به فلو أعرضوا عنه ~~وتعوضوا بغيره لكانوا منافقين فكيف إذا جمعوا مع ذلك معارضته وزعموا أنه لا ~~يستفاد منه هدى ومن صفاتهم كتمان الحق والتلبيس على أهله ورميهم له ~~بأدوائهم فيرمونهم إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ودعوا إلى الله ~~ورسوله بأنهم أهل فتن مفسدون في الأرض وقد علم الله ورسوله والمؤمنون بأنهم ~~أهل الفتن المفسدون في الأرض وإذا دعاهم ورثة الرسول إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله خالصة غير مشوبة رموهم بالبدع والضلال وإذا رأوهم زاهدين في الدنيا ~~راغبين في PageV01P602 الآخرة متمسكين بطاعة الله ورسوله رموهم بالزوكرة ~~والتلبيس والمحال وإذا رأوا معهم حقا ألبسوه لباس الباطل وأخرجوه لضعفاء ~~العقول في قالب شنيع لينفروهم عنه وإذا كان معهم باطل ألسوه لباس الحق ~~وأخرجوه في قالبه ليقبل منهم وجملة أمرهم أنهم في المسلمين كالزغل في ~~النقود يروج على أكثر الناس لعدم بصيرتهم بالنقد ويعرف حاله الناقد البصير ~~من الناس وقليل ما هم وليس على الأديان أضر من هذا الضرب من الناس وإنما ~~تفسد الأديان من قبلهم ولهذا جلا الله أمرهم في القرآن وأوضح أوصافهم وبين ~~أحوالهم وكرر ذكرهم لشدة المؤنة على الأمة بهم وعظم البلية عليهم بوجودهم ~~بين أظهرهم وفرط حاجتهم إلى معرفتهم والتحرز من مشابهتهم والإصغاء إليهم ~~فكم قطعوا على السالكين إلى الله طرق الهدى وسلكوا بهم سبيل الردى وعدوهم ~~ومنوهم ولكن وعدوهم الغرور ومنوهم الويل والثبور فكم من قتيل ولكن في سبيل ~~الشيطان وسليب ولكن للباس التقوى والإيمان وأسير لا يرجى له الخلاص وفار من ~~الله لا إليه وهيهات ولات حين مناص صحبتهم توجب العار والشنار وموودتهم تحل ~~غضب الجبار وتوجب دخول النار من علقت به كلاليب كلبهم ومخاليب رأيهم مزقت ~~منه ثياب الدين والإيمان وقطعت له مقطعات من البلاء والخذلان فهو يسمحب من ~~الحرمان والشقاوة أذيالا ويمشي على عقبيه القهقهرى إدبارا منه وهو يحسب ذلك ~~إقبالا فهم والله قطاع الطريق فيا أيها ms437 الركب المسافرون إلى منازل السعداء ~~حذار منهم حذار إذ هم الجزارون ألسنتهم شفار البلايا ففرارا منهم أيها ~~الغنم فرارا ومن البلية إنهم الأعداء حقا وليس لنا بد من مصاحبتهم وخلطتهم ~~أعظم الداء وليس بد في مخالطتهم قد جعلوا على أبواب جهنم دعاة إليها فبعدا ~~للمستجيبين ونصبوا شباكهم حواليها على ما حفت به من الشهوات فويل للمغترين ~~PageV01P603 نصبوا الشباك ومدوا الأشراك وأذن مؤذنهم يا شياه الأنعام حي ~~على الهلاك حي عن التباب فاستبقوا يهرعون إليهم فأوردوهم حياض العذاب لا ~~الموارد العذاب وساموهم من الخسف والبلاء أعظم خطة وقالوا ادخلوا باب ~~الهوان صاغرين ولا تقولوا حطة فليس بيوم حطة فواعجبا لمن نجا من شراكهم لا ~~من علق وأنى ينجو من غلبت عليه شقاوته ولها خلق فحقيق بأهل هذه الطبقة أن ~~يحلوا بالمحل الذي أحلهم الله من دار الهوان وأن ينزلوا في أردأ منازل أهل ~~العناد والكفران وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه ~~الطبقة ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقوها على أنفسهم أن يكونوا منهم فكان ~~عمر بن الخطاب يقول يا حذيفة ناشدتك الله هل سماني رسول الله مع القوم ~~فيقول لا ولا أزكي بعد أحدا يعني لا أفتح علي هذا الباب في تزكية الناس ~~وليس معناه أنه لم يبرأ من النفاق غيرك وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من ~~أصحاب رسول الله كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان ~~جبرائيل وميكائيل الطبقة السادسة عشرة # رؤساء الكفر وأئمته ودعاته الذين كفروا وصدوا عباد الله عن الإإيمان وعن ~~الدخول في دينه رغبة ورهبة فهؤلاء عذابهم مضاعف ولهم عذابان عذاب بالكفر ~~وعذاب بصد الناس عن الدخول في الإيمان قال الله تعالى الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله PageV01P604 زدناهم عذابا فوق العذاب فأخذ العذابين بكفرهم ~~والعذاب الآخر بصدهم عن سبيل الله وقد استقرت حكمة الله وعدله أن يجعل على ~~الداعي إلى الضلال مثل آثام من اتبعه واستجاب له ولا ريب أن عذاب هذا ~~يتضاعف ويتزايد بحسب ms438 من اتبعه وضل به وهذا النوع في الأشقياء مقابل دعاة ~~الهدى في السعداء فأولئك يتضاعف ثوابهم وتعلو درجاتهم بحسب من اتبعهم ~~واهتدى بهم وهؤلاء عكسهم ولهذا كان فرعون وقومه في أشد العذاب قال الله ~~تعالى في حقهم النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب وهذا تنبيه على أن فرعون نفسه في الأشد من ذلك لأنهم إنما ~~دخلوا أشد العذاب تبعا له فإنه هو الذي استخفهم فأطاعوه وغرهم فاتبعوه ~~ولهذا يكون يوم القيامة أمامهم وفرطهم في هذا الورد قال تعالى يقدم قومه ~~يوم القيامة فأوردهم النار والمقصود نهم استحقوا أشد العذاب لغلظ كفرهم ~~وصدهم عن سبيل الله وعقوبتهم من آمن بالله فليس عذاب الرؤساء في النار ~~كعذاب أتباعهم ولهذا كان في كتاب النبي لهرقل فإن توليت فإن عليك إثم ~~الأريسين والصحيح في اللفظ أنهم الأتباع ولهذا كان عدو الله إليس أشد أهل ~~النار عذابا وهو أول من يكسى حلة من النار لأنه إمام كل كفر وشرك وشر فما ~~عصي الله إلا على يديه وبسببه ثم الأمثل PageV01P605 فالأمثل من نوابه في ~~الأرض ودعاته ولا ريب أن الكفر يتفاوت فكفر أغلظ من كفر كما أن الإيمان ~~يتفاوت فإيمان أفضل من أيمان فكما أن المؤمنين ليسوا في درجة واحدة بل هم ~~درجات عند الله فكذلك الكفار ليسوا في طبقة واحدة ودرك واحد بل النار دركات ~~كما أن الجنة درجات ولا يظلم الله من خلقه أحدا وهو الغني الحميد فصل # وغلظ الكفر الموجب العذاب يكون من ثلاثة أوجه # أحدها من حيث العقيدة الكافرة في نفسها كمن جحد رب العالمين بالكلية وعطل ~~العالم عن الرب الخالق المدبر له فلم يؤمن بالله وملائكته ولا كتبه ولا ~~رسله ولا اليوم الآخر ولهذا لا يقر أرباب هذا الكفر بالجزية عند كثير من ~~العلماء ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم اتفاقا لتغلظ كفرهم وهؤلاء هم ~~المعطلة والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنه لا وجود ~~للرب سبحانه وتعالى غير وجود هذا العالم # الجهة ms439 الثانية تغلظه بالعناد والضلال عمدا على بصيرة ككفر من شهد قلبه أن ~~الرسول حق لما رآه من آيات صدقه وكفر عنادا وبغيا كقوم ثمود وقوم فرعون ~~واليهود الذين عرفوا الرسول كما عرفوا أبناءهم وكفر أبي مجهل وأمية بن أبي ~~الصلت وأمثال هؤلاء # الجهة الثالثة السعي في إطفاء نور الله وصد عباده عن دينه بما تصل إليه ~~قدرتهم فهؤلاء أشد الكفار عذابا بحسب تغلظ كفرهم ومنهم من يجتمع في حقه ~~الجهات الثلاث ومنهم من يكون فيه جهتان منها أو واحدة فليس عذاب هؤلاء ~~كعذاب من هو دونهم في الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله والمؤمنون من أذاه في ~~سلامة لا ينالهم منه أذى ولم يتغلظ كفره كتغلظ هؤلاء بل هو مقر بالله ~~ووحدانيته وملائكته وجنس الكتب والرسل واليوم الآخر وإن شارك أولئك في ~~كفرهم بالرسول فقد زادوا عليه أنواعا من الكفر وهل يستوي في النار عذاب أبي ~~طالب وأبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف وأضرابهم والمقصود ~~PageV01P606 أن هذه الطبقة وهي طبقة الرؤساء الدعاة الصادين عن دين الله ~~ليست كطبقة من دونهم وقد ثبت عن النبي أنه قال أهون أهل النار عذابا أبو ~~طالب / ح / ومعلوم أن كفر أبي طالب لم يكن مثل كفر أبي جهل وأمثاله الطبقة ~~السابعة عشرة # طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبعا لهم ~~يقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أسوة بهم ومع هذا فهم متاركون ~~لأهل الإسلام غير محاربين لهم كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ~~ينصبوا أنفسهم لما نصبت له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله وهدم ~~دينه وإخماد كلماته بل هم بمنزلة الدواب وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة ~~كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل ~~البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة وهذا ~~مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم ~~وإنما يعرف ms440 عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام وقد صح عن النبي أنه قال ~~ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~/ ح / فأخبر أن أبويه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية ~~ولم يعتبر في ذلك غير المربي والمنشأ على ما عليه الأبوان وصح نه أنه قال ~~إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة / ح / وهذا المقلد ليس بمسلم وهو عاقل ~~مكلف والعاقل المكلف لا يخرج الإسلام أو الفكر وأما من لم تبلغه الدعوة ~~فليس بمكلف في تلك الحال PageV01P607 وهو بمنزلة الأطفال والمجانين وقد ~~تقدم الكلام عليهم والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له ~~والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس ~~بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل فغاية هذه الطبقة أنهم كفار ~~جهال غير معاندين وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا فإن الكافر من جحد ~~توحيد الله وكذب رسوله إما عنادا أو جهلا وتقليدا لأهل العناد فهذا وإن كان ~~غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد وقد أخبر الله في القرآن في غير ~~موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار وأن الأتباع مع متبوعهم وأنهم ~~يتحاجون في النار وأن الأتباع يقولون ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا ~~من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقال تعالى وإذ يتحاجون في النار ~~فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون نا نصيبا من ~~النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد وقال ~~تعالى ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا ~~للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين ~~اشتركوا ms441 في العذاب ولم يغن عنهم تقليدهم شيئا PageV01P608 # وأصرح من هذا قوله تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ~~العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرءوا منا وصح عن النبي أنه قال من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم ~~مثل أوزار من اتبعه لا ينقص من أوزارهم شيئا وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم ~~إنما هو بمجرد اتباعهم وتقليدهم # نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال وهو الفرق بين مقلد ~~تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه والقسمان ~~واقعان في الوجود فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند ~~الله وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان ~~أيضا أحدهما مريد للهدى مؤثر له PageV01P609 محب له غير قادر عليه ولا على ~~طلبه لعدم من يرشده فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة ~~الثاني معرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه فالأول يقول يا رب ~~لو أعلم لك دينا خيرا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا أعرف ~~سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي والثاني ~~راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه ولا فرق عنده بين ~~حال عجزه وقدرته وكلاهما عاجز وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من ~~الفرق فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ ~~الوسع في طلبه عجزا وجهلا والثاني كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو ~~طلبه لعجز عنه ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض فتأمل هذا الموضع والله ~~يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته ~~بالرسل فهبذا مقطوع به في جملة الخلق وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه ms442 ~~الحجة أم لا فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه بل الواجب على ~~العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر وأن الله ~~سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول هذا في الجملة ~~والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب وأما في ~~أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في ~~أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة وهو ~~مبني على أربعة أصول # أحدها أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه كما ~~قال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QB@ وقال @QE@ PageV01P610 تعالى ~~رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى ~~كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء وقال تعالى فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير وقال تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة ~~الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وهذا كثير في القرآن يخبر أنه ~~إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة وهو المذنب الذي يعترف بذنبه ~~وقال تعالى وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين والظالم من عرف ماجاء به ~~الرسول أو تمكن من معرفته بوجه وأما من لم يعرف ما جاء به الرسول وعجز عن ~~ذلك فكيف يقال إنه ظالم # الأصل الثاني أن العذاب يستحق بسببين أحدهما الإعراض عن الحجة وعدم ~~إرادتها والعمل بها وبموجبها الثاني العناد لها بعد قيامها وترك إرادة ~~موجبها فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد وأما كفر الجهل مع عدم قيام ~~الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة ~~الرسل # والأصل الثالث أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة PageV01P611 ~~والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار ms443 في زمان دون زمان وفي بقعة وناحية ~~دون أخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير ~~والمجنون وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له ~~فهذا بمنزلة الأصم الذي يلا يسمع شيئا ولا يتمكن من الفهم وهو أحد الأربعة ~~الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي ~~هريرة وغيرهما # الأصل الرابع أن أفعال الله سبحانه وتعالى تابعة لحكمته التي لا يخل بها ~~وأنها مصقودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة وهذا الأصل هو أساس الكلام ~~في هذه الطبقات إلا من عرف ما في كتب الناس ووقف على أقوال الطوائف في هذا ~~الباب وانتهى إلى غاية مراتبهم ونهاية إقدامهم والله الموفق للسداد الهادي ~~إلى الرشاد وأما من لم يثبت حكمة ولا تعليلا ورد الأمر إلى محض المشيئة ~~التي ترجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح فقد أراح نفسه من هذا المقام ~~الضنك وافتحام عقبات هذه المسائل العظيمة وأدخلها كلها تحت قوله لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون وهو افعال لما يريد وصدق الله وهو أصدق القائلين لا ~~يسأل عما يفعل لكما حكمته وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها وأنه ليس في أفعاله ~~خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما يسأل المخلوق وهو الفعال لما يريد ولكن ~~لا يريد أن يفعل إلا ما هوم خير ومصلحة ورحمة وحكة فلا يفعل الشر ولا ~~الفساد ولا الجور ولا خلاف مقتضى حكمته لكمال أسمائه وصفاته وهو الغني ~~الحميد العليم الحكيم الطبقة الثامنة عشرة % # طبقة الجن وقد اتفق المسلمون على أن منهم PageV01P612 المؤمن والكافر ~~والبر والفاجر قال تعالى إخبارا عنهم وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا ~~طرائق قددا قال مجاهد يعنون مسلمين وكافرين وقال الحسن والسدي أمثالكم ~~فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة وقال سعيد بن جبير ألوانا شتى وقال ابن كيسان ~~شيعا وفرقا ومعنى الكلام أصنافا مختلفة ومذاهب متفرقة ثم قيل في إعراب ~~الآية ومنا دون ذلك قوم دون ذلك فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه ms444 كقوله وما ~~منا إلا له مقام معلوم أي إلا من له مقام معلوم وكقوله ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب أي فريق سماعون وكقوله من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~أي فريق يحرفون وكقوله على أظهر القولين ومن الذين أشركوا يود أحدهم أي ~~فلريق يود أحدهم وقال الشاعر # فظلوا ومنهم دمعه سابق لهم % وآخر يذري دمعة العين بالمهل # أي ومنهم من دمعه وقولهم كنا طرائق قددا بيان لقولهم منا الصالحون ومنا ~~دون ذلك أي كنا ذوي طرائق وهي المذاهب واحدها طريقة وهي المذهب والقدد جمع ~~قدة كقطعة وقطع وزنا ومعنى وهي من القد وهو القطع وقيل كنا في اختلاف ~~أحوالنا مثل الطرائق المختلفة في اختلافها وعلى هذا المعنى كنا طرائق قددا ~~وليس بشيء وأضعف منه قول من قال إن طرائق منصوب على الظرف أي كنا في طرق ~~مختلفة PageV01P613 كقوله عسل الطريق الثعلب وهذا مما لا يحمل عليه أفصح ~~الكلام وقيل المعنى كانت طرائقنا طرائق قددا فحذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه وقال تعالى إخبار عنهم وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فالمسلمون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله منهم والقاسطون الجائرون العادلون عن الحق قال ~~ابن عباس هم الذين جعلوا لله أندادا يقال أقسط الرجل إذا عدل فهو مقسط ومنه ~~وأقسطوا إن الله يحب المقسطين وقسط إذا جار فهو قاسط وأما القاسطون فكانوا ~~لجهنم حطبا قد تضمنت هذه الآيات انقبسامهم إلى ثلاث طبقات صالحين ودون ~~الصالحين وكفار وهذه الطبقات بإزاء طبقات بني آدم فإنها ثلاثة أبرار ~~ومقتصدون وكفار فالصالحون بإزاء الأبرار ومن دونهم بإزاء المقتصدين ~~والقاسطون بإزاء الكفار وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام ~~الثلاثة في قوله وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ~~فهؤلاء الناجون منهم ثم ذكر الظالمين وهم خلف السوء الذين خلفوا بعدهم ولما ~~كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر ليس شيء ~~منها للجن وهم الرسل والأنبياء والمقربون فليس في الجن صنف من هؤلاء بل ~~حليتهم الصلاح وذهب شذاذ ms445 من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياء محتجين على ~~ذلك بقوله تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل PageV01P614 منكم ~~وبقوله وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن إلى قوله منذرين وقد قال الله تعالى ~~رسلا مبشرين ومنذرين هذا قول شاذ لا يلتفت إليه ولا يعرف به سلف من الصحابة ~~والتابعين وأئمة الإسلام وقوله تعالى ألم يأتكم رسل منكم لا يدل على أن ~~الرسل من كل واحدة من الطائفتين بل إذا كانت الرسل من الإنس وقد أمرت الجن ~~باتباعهم صح أن يقال للإنس والجن ألم يأتكم رسل منكم ونظير هذا أن يقال ~~للعرب والعجم ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب والعجم فهذا لا يقتضي بأن ~~يكون من هؤلاء رسل ومن هؤلاء وقال تعالى وجعل القمر فيهن نورا وليس في كل ~~سماء قمر وقوله تعالى ولوا إلى قومهم منذرين فالإنذار أعم من الرسالة ~~والأعم لا يستلزم الأخص قال تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم فهؤلاء نذر وليسوا برسل ~~قال غير واحد من السلف الرسل من الإنس وأما الجن ففيهم النذر قال تعالى وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى فهذا يدل على أنه لم ~~يرسل جنيا ولاامرأة ولا بدويا وأما تسميته تعالى الجن رجالا في PageV01P615 ~~قوله وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فلم يطلق عليهم الرجال ~~بل هي تسمية مقيدة بقوله من الجن فهم رجال من الجن ولا يستلزم ذلك دخولهم ~~في الرجال عند الإطلاق كما تقول رجال من حجارة ورجال من خشب ونحوه فصل # وقد اتفق المسلمون على أن كفار الجن في النار وقد دل على ذلك القرآن في ~~غير موضع كقوله تعالى ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين وقوله تعالى لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين الآية فملؤها ~~منه به وبكفار ذريته وقال تعالى ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار وقال ms446 تعالى حكاية عن مؤمنهم وأنا منا المسلمون ومنا ~~القاسطون إلى قوله حطبا وقال الله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس وقال الله تعالى فكبكبوا فيها هم والكافرون وجنود إبليس أجمعون ~~وجنوده إن لم يختص بالشياطين فهم داخلون في عمومه وبالجملة فهذا أمر معلوم ~~باضطرار من دين الإسلام وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع ووجوب اتباعهم لهم ~~فأما شريعتنا فأجمع المسلمون على أن محمدا بعث إلى الجن والإنس وأنه يجب ~~على PageV01P616 الجن طاعته كما يجب على الإنس وأما قبل نبينا فقوله تعالى ~~ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار يدل على أن الأمم ~~الخالية من كفا الجن في النار وذلك إنما يكون بعد إقامة الحجة عليهم ~~بالرسالة وقد دلت سورة الرحمن على تكليفهم بالشرائع كما كلف الإنس ولهذا ~~يقول في إثر كل آية الرحمن فبأي آلاء ربكما تكذبان فدل ذلك على أن السورة ~~خطاب للثقلين معا ولهذا قرأها رسول الله على الجن قراءة تبليغ وأخبر أصحابه ~~أنهم كانوا أحسن ردا منهم فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأ عليهم فبإي آلاء ~~ربكما تكذبان لا نكذب بشيء من آلائك ربنا فلك الحمد ولما كان أبوهم هو أول ~~PageV01P617 من دعا إلى معصية الله وعلى يده حصل كل كفر وفسوق وعصيان فهو ~~الداعي إلى النار وكان أول من يكسى حلة من النار يوم القيامة يسحبها وينادي ~~واثبوراه فأتباعه من أولاده وغيرهم خلفه ينادون واثبوراهم حتى قيل إن كل ~~عذاب يقسم على أهل النار يبدأ به فيه ثم يصير إليهم فصل وأما حكم مؤمنيهم ~~في الدار الآخرة فجمهور السلف والخلف على أنهم في الجنة وترجم على ذلك ~~البخاري في صحيحه فقال باب ثواب الجن وعقابهم لقوله تعالى يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي الآية بخسا نقصا قال مجاهد ~~وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا قال كفار قريش الملائكة بنات الله وأمهاتهم ~~بنات سروات الجن قال الله تعالى ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ستحضر للحساب ~~ثم ذكر حديث ms447 أبي سعيد إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك ~~بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم ~~القيامة / ح / سمعته من رسول الله هذا ما ذكره في الباب وقد ذهب جمهور ~~الناس إلى أن مؤمنيهم في الجنة وحكى عن أبي حنيفة وغيره أن ثوابهم نجاتهم ~~من النار واحتج لهذا بقوله تعالى حكاية عنهم يا قومنا أجيبوا داعي الله ~~PageV01P618 الآية فجعل غاية ثوابهم إجارتهم من العذاب الأليم وأما الجمهور ~~فقالوا مؤمنهم في الجنة كما أن كافرهم في النار ثم اختلفوا فأطلق أكثر ~~الناس دخول الجنة ولم يقيدوه وقال سهل بن عبدالله يكونون في ربض الجنة ~~يراهم المؤمنون من حيث لا يرونهم فهذه مذاهب الناس في أحكامهم في الآخرة ~~وأما أحكامهم في الدنيا فاختلف الناس هل هم مكلفون بالأمر والنهي أم هم ~~مضطرون على أفعالهم على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات ~~له فقال واختلف الناس في الجن هل هم مكلفون أم مضطرون فقال قائلون من ~~المعتزلة وغيرهم هم مأمورون منهيون وقد أمروا ونهوا وهم مختارون وزعم ~~زاعمون أنهم مضطرون قلت الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون ~~منهيون مكلفون بالشريعة الإسلامية وأدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن ~~تحصر فإضافة هذا القول إلى المعتزلة بمنزلة أن يقال ذهبت المعتزلة إلى ~~القول بمعاد الأبدان ونحو ذلك مما هو أقوال سائر أهل الإسلام وقال الله ~~تعالى أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ~~إنهم الآية فأخبر أن منهم من حق عليه القول أي وجب عليه العذاب وأنه خاسر ~~ولا يكون ذلك إلا في أهل التكليف المستوجبين العقاب بأعمالهم ثم قال بعد ~~ذلك ولكل درجات مما عملوا أي في الخير والشر يوفونها ولا يظلمون شيئا من ~~أعمالهم وهذا ظاهر جدا في ثوابهم وعقابهم وأن مسيئهم كما يستحق العذاب ~~بإساءته فمحسنهم يستحق الدرجات بإحسانه ولكل درجات مما عملوا فدل ذلك لا ~~محالة أنهم ms448 كانوا مأمورين بالشرائع متعبدين بها في الدنيا ولذلك ~~PageV01P619 استحقوا الدرجات بأعمالهم في الآخرة في الخير والشر # وقال الله تعالى وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس الآية ومعنى الآية ~~إن الله قيض للمشركين أي سبب لهم قرناء من الشياطين يزينون لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم من التكذيب بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب # وقيل عكس هذا وأن ما بين أيديهم هو ترغيبهم في الدنيا وحرصهم عليها وما ~~خلفهم هو حب ما كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيب الرسل وما خلفهم تكذيبهم ~~بالبعث وما بعده # وفي الآية قول رابع وهو أن التزيين كله راجع إلى أعمالهم فزينوا لهم ما ~~بين أيديهم أعمالهم التي عملوها وما خلفهم الأعمال التي هم عازمون عليها ~~ولما يعملوها بعد وكأن لفظ التزيين بهذا القول أليق ومن جعل ما خلفهم هو ~~الآخرة لم يستقم قوله إلا بإضمار أي زينوا لهم التكذيب بالآخرة ومع هذا فهو ~~قول مستقيم ظاهر فإنهم زينوا لهم ترك العمل لها والاستعداد للقائها ولهذا ~~كان عليه جمهور أهل التفسير حتى لم يذكر البغوي غيره وحكاه عن الزجاج فقال ~~الزجاج سببنا لهم قرناء نظراء من الشياطين حتى أضلوهم فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروه على الآخرة وما خلفهم من أمر الآخرة فدعوهم ~~إلى التكذيب به وإنكار التكذيب به وإنكار البعث # والمقصود أن قوله تعالى وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ~~والإنس إنهم كانوا خاسرين أي وجب عليهم العذاب PageV01P620 مع أمم قد مضت ~~من قبله من الجن والإنس ففي هذا أبين دليل على تكليف الثقلين وتعلق الأمر ~~والنهي بهم وكذلك تعلق الثواب والعقاب بهم وقال تعالى ويوم يحشرهم جميعا يا ~~معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا إلى قوله تعالى إلا ما شاء الله وهذا صريح ~~في تكليفهم فإن ms449 هذا القول للجن في القيامة فيذكر الإنس استمتاع بعضهم ببعض ~~في الدنيا وذلك الاستمتاع هو ما بين الجن والإنس من طاعتهم إياهم في معصية ~~الله وعبادتهم لهم دون الله ليستعينوا بهم على شهواتهم وأغراضهم فإنهم ~~كانوا يستوحونهم ويعوذون بهم ويذبحون لهم وبأسمائهم ويوالونهم من دون الله ~~كما هو شأن أكثر المشركين من أولياء الشيطان فهذا هو استمتاع بعضهم ببعض ~~ولهذا يقول تعالى للملائكة يوم القيامة وقد جمع العابدين والمعبودين أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون فهؤلاء عباد الجن وأولياء الشياطين وأكثرهم يعلم ذلك ~~ويرضى به لما ينال به من المتعة بمعبوده وكثير منهم ملبوس عليه فهو يعبد ~~الشيطان ولا يشعر وقد أشار زيد بن عمرو بن نفيل في شعره إلى هذا الشرك ~~بالجن فقال # حنانيك إن الجن كانت رجاؤهم % وأنت إلهي ربنا ورجاؤنا PageV01P621 # ولهذا يقولون في القيامة ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت ~~لنا قال الله تعالى النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله فهذا خطاب ~~للصنفين وهو صريح في اشتراكهم في التكليف كما هو صريح في اشتراكهم في ~~العذاب وهو كثير في القرآن ومما يدل على تكليفهم أيضا قوله تعالى يا معشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي إلى قوله تعالى كافرين ~~فلما اعترفوا بأنهم كانوا كافرين وشهدوا على أنفسهم بالكفر دل ذلك على ~~تكليفهم وتوجه الخطاب إليهم وقال تعالى وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا إلى قوله أولئك في ضلال مبين فهذا ~~يدل على تكليفهم من وجوه متعددة أحدها أن الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى ~~رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به ويأمرون بأوامره وينتهوا عن نواهيه الثاني ~~أنهم ولوا إلى قومهم منذرين والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه ~~فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول الثالث أنهم أخبروا أنهم سمعوا ~~القرآن وعقلوه وفهموه وأنه يهدي إلى الحق وهذا القول منهم يدل على أنهم ~~عالمون ms450 بموسى وبالكتاب المنزل عليه وأن القرآن مصدق له وأنه هاد إلى صراط ~~مستقيم وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة وهم قادرون على ~~امتثال ما فيه والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة الرابع إنهم قالوا ~~لقومهم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به وهذا صريح في أنهم PageV01P622 ~~مكلفون مأمورون بإجابة الرسول وهي تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر الخامس ~~أنهم قالوا يغفر لكم من ذنوبكم والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب وهو مخالفة ~~الأمر السادس أنهم قالوا من ذنوبكم والذنب مخالفة الأمر السابع أنهم قالوا ~~ويجركم من عذاب أليم وهذا يدل على أن من لم يستجب منهم لداعي الله لم يجره ~~من العذاب الأليم وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم الثامن أنهم ~~قالوا ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء ~~وهذا تهديد لمن تخلف عن إجابة داعي الله منهم وقد استدل بها على أنهم كانوا ~~متعبدين بشريعة موسى كما هم متعبدون بشريعة محمد وهذا ممكن والآية لا ~~تستلزمه ولكن قوله تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم الآية يدل ~~على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد والآيات المتقدمة تدل على ~~ذلك أيضا وعلى هذا فيكون اختصاص النبي بالبعثة إلى الثقلين هو اختصاصه ~~بالبعثة إلى جميعهم لا إلى بعضهم ومن قبله كان يبعث إلى طائفة مخصوصة وأيضا ~~فقد قال تعالى عن نبيه سليمان ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ ~~منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير وهذا محض التكليف وقد تقدم قوله حكاية ~~عنهم وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم إلى قوله تعالى لجهنم حطبا ~~وقد صح أن رسول الله قرأ عليهم القرآن وأنهم سألوه الزاد لهم ولدوابهم فجعل ~~لهم كل عظم ذكر اسم الله PageV01P623 عليه وكل بعرة علف لدوابهم ونهانا عن ~~الاستنجاء بهما ولو لم يكن في هذا إلا قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا وقد أخبر أنه يعذب ms451 كفرة الجن لكفى به حجة على أنهم مكلفون باتباع ~~الرسل ومما يدل على أنهم مأمورون منهيون بشريعة الإسلام ما تضمنته سورة ~~الرحمن فإنه سبحانه وتعالى ذكر خلق النوعين في قوله تعالى خلق الإنسان من ~~صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ثم خاطب النوعين بالخطاب المضتمن ~~لاستدعاء الإيمان منهم وإنكار تكذيبهم بالآية وترغيبهم في وعده وتخويفهم من ~~وعيده وتهديدهم بقوله تعالى سنفرغ لكم أيه الثقلان وتخويفهم من عواقب ~~ذنوبهم وأنه لعلمه بها لا يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام بل يعرف ~~المجرمون منهم بسيماهم فيؤخذ بنواصيهم والأقدام ثم ذكر عقاب الصنفين ~~وثوابهم وهذا كله صريح في أنهم هم المكلفون المأمورون المنهيون المثابون ~~المعاقبون وفي الترمذي من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال خرج ~~رسول الله على أصحابه فقرأعليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا ~~فقال لقد قرأتها على الجن ليلة الجن وكانوا أحسن مردودا منكم كنت كلما أتيت ~~على آية فبأي آلاء ربكما تكذبان @QB@ قالوا @QE@ PageV01P624 لا شيء من ~~نعمك ربنا نكذب فلك الحمد وهذا يدل على ذكائهم وفطنتهم ومعرفتهم بمؤنة ~~الخطاب وعلمهم أنهم مقصودون به وقوله في هذه السورة سنفرغ لكم أيه الثقلان ~~وعيد للصنفين المكلفين بالشرائع قال قتادة معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها ~~ومجيء الآخرة والجزاء فيها والله سبحانه لا يشغله شيء عن شيء والفراغ في ~~اللغة على وجهين فراغ من الشغل وفراغ بمعنى القصد وهو في هذا الموضع ~~بالمعنى الثاني وهو قصد لمجازاتهم بأعمالهم يوم الجزاء وقوله يا معشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنقذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا فيها قولان ~~أحدهما إن استطعتم أن تنفذوا ما في السموات والأرض علما أي أن تعلموا ما ~~فيها فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان اي إلا ببينة من الله وعلى هذا فالنفوذ ~~ههنا نفوذ علم الثقلين في السموات والأرض الثاني إن استطعتم أن تخرجوا عن ~~قهر الله ومحل سلطانه ومملكته بنفوذكم من أقطار السموات والأرض وخروجكم عن ~~محل حكم الله وسلطانه فافعلوا ومعلوم أن هذا من ms452 الممتنع عليكم فإنكم تحت ~~سلطاني وفي محل ملكي وقدرتي أين كنتم وقال الضحاك معنى الآية إن استطعتم أن ~~تهربوا عند الموت فاهربوا فإنه مدرككم وهذه الأقوال على أن يكون الخطاب لهم ~~بهذا القول في الدنيا وفي الآية تقرير آخر وهو أن يكون هذا الخطاب لهم بهذا ~~القول في الآخرة إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض وأحاط سرادق النار ~~بالآفاق فهرب الخلائق فلا يجدون مهربا ولا منفذا كما قال تعالى ويا قوم إني ~~أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين قال مجاهد PageV01P625 فارين غير ~~معجزين وقال الضحاك إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من ~~الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه فذلك ~~قوله تعالى والملك على أرجائها وقوله تعالى يا معشر الجن والإنس إن استطعتم ~~أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا وهذا القول أظهر والله أعلم ~~فإذا بده الخلائق ولوا مدبرين يقال لهم إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السموات والأرض فانفذوا أي إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السموات والأرض ~~فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم فافعلوا وكأن ما قبل هذه الآية وما ~~بعدها يدل على هذا القول فإن قبلها سنفرغ الآية وهذا في الآخرة وبعدها فإذا ~~انشقت السماء فكانت وردة كالدهان وهذا في الآخرة وأيضا فإن هذا خطاب لجميع ~~الإنس والجن فإنه أتى فيه بصيغة العموم وهي قوله تعالى يا معشر الجن والإنس ~~فلا بد أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه وهذا إنما يكون إذا جمعهم ~~الله في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وقال تعالى إن استطعتم ولم ~~يقل إن استطعتما لإرادة الجماعة كما في آية أخرى يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم وقال تعالى يرسل عليكما ولم يقل يرسل عليكم لإرادة الصنفين أي لا ~~يختص به صنف بل يرسل ذلك على الصنفين معا وهذا وإن كان مرادا بقوله تعالى ~~إن استطعتم خطاب الجماعة في ذلك بلفظ الجميع أحسن أي من استطاع منكم وحسن ~~الخطاب بالتثنية في قوله تعالى ms453 عليكما أمر آخر وهو موافقة رؤوس الآي فاتصلت ~~التثنية PageV01P626 بالتثنية وفيه التسوية بين الصنفين في العذاب بالتنصيص ~~عليهما فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما والله أعلم قال ابن عباس الشواظ اللهب ~~الذي لا دخان فيه والنحاس الدخان الذي لا لهب فيه وقوله تعالى فيومئذ لا ~~يسئل عن ذنبه إنس ولا جان فأضاف الذنوب إلى الثقلين وهذا دليل على أنهما ~~سويا في التكليف واختلف في هذا السؤال المنفي فقيل هو وقت البعث والمصير ~~إلى الموقف لا يسألون حينئذ ويسألون بعد إطالة الوقوف واستشفاعهم إلى الله ~~أن يحاسبهم ويريحهم من مقامهم ذلك وقيل المنفي سؤال الاستعلام والاستخبار ~~لا سؤال المحاسبة والمجازاة أي قد علم الله ذنوبهم فلا يسألهم عنها سؤال من ~~يريد علمها وإنما يحاسبهم عليها فصل فإذا علم تكليفهم بشرائع الأنبياء ~~ومطالبتهم بها وحشرهم يوم القيامة للثواب والعقاب علم أن محسنهم في الجنة ~~كما أن مسيئهم في النار وقد دل على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنهم وأنا ~~لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه الآية وبهذه الحجة احتج البخاري ~~ووجه الاحتجاج بها أن البخس المنفي هو نقصان الثواب والرهق الزيادة في ~~العقوبة على ما عمل فلا ينقص من ثواب حسناته ولا يزداد في سيئاته ونظير هذا ~~قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما أي لا ~~يخاف زيادة سيئاته ولا نقصان حسناته وأيضا قد قال تعالى في سورة الرحمن ~~ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان وذكر ما في الجنتين إلى ~~قوله تعالى لم يطمثهن PageV01P627 إنس قبلهم ولا جان وهذا يدل على أن ثواب ~~محسنهم الجنة من وجوه # أحدها أن من من صيغ العموم فتتناول كل خائف # الثاني أنه رتب الجزاء المذكور على خوف مقامه فدل على استحقاقه به وقد ~~اختلف في إضافة المقام إلى الرب هل هي من إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى ~~مفعوله على قولين أحدهما أن المعنى ولمن خاف مقامه بين يدي ربه فعلى هذا هو ~~إضافة المصدر إلى ms454 المفعول والثاني أن المعنى ولمن خالف مقام ربه عليه ~~واطلاعه عليه فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله وكذلك القولان في قوله ~~تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ونظيره قوله تعالى ذلك لمن ~~خاف مقامي وخاف وعيد فهذه ثلاثة مواضع وقد يقال الراجح هو الأول وأن المعنى ~~خاف مقامه بين يدي ربه لوجوه أحدها أن طريقة القرآن في التخويف أن يخوفهم ~~بالله وباليوم الآخر فإذا خوفهم به علق الخوف به لا بقيامه عليهم كقوله ~~تعالى فلا تخافوهم وخافون وقوله تعالى ذلك لمن خشي ربه وقوله تعالى يخافون ~~ربهم من فوقهم وقوله تعالى إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ~~ففي هذا كله لم يذكر خشية مقامه عليهم وإنما مدحهم بخوفه PageV01P628 ~~وخشيته وقد يذكر الخوف متعلقا بعذابه كقوله تعالى يرجون رحمته ويخافون ~~عذابه وأما خوف مقامه عليهم فهو وإن كان كذلك فليس طريقة القرآن والثاني أن ~~هذا نظير قوله تعالى وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم فخوفهم أن ~~يحشروا إليه هو خوفهم من مقامهم بين يديه والقرآن يفسر بعضه بعضا الثالث أن ~~خوف مقام العبد بين يدي ربه في الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمن بلقائه وباليوم ~~الآخر وبالبعث بعد الموت وهذا هو الذي يستحق الجنتين المذكورتين فإنه لا ~~يؤمن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل وهو من الإيمان بالغيب الذي جاءت ~~به الرسل وأما مقام الله على عبده في الدنيا واطلاعه عليه وقدرته عليه فهذا ~~مقر به المؤمن والكافر والبر والفاجر وأكثر الكفار يخافون جزاء الله لهم في ~~الدنيا لما عاينوه من مجازاة الظالم بظلمه والمحسن بإحسانه وأما مقام العبد ~~بين يدي ربه في الآخرة فلا يؤمن به إلا المؤمن بالرسل فإن قيل إذا كان ~~المعنى أنه خاف مقام ربه عليه في الآخرة بالجزاء فقد استوى التقديران فمن ~~أين رجحتم أحدهما قيل التخويف بمقام العبد بين يدي ربه أبلغ من التخويف ~~بمقام الرب على العبد ولهذا خوفنا تعالى في قوله يوم ms455 يقوم الناس لرب ~~العالمين ولأنه مقام مخصوص مضاف إلى الله وذلك في يوم القيامة بخلاف مقام ~~الله على العبد فإنه كل وقت وأيضا فإنه لا يقال لقدرة الله على العبد ~~واطلاعه عليه وعلمه به مقام الله ولا هذا من المألوف إطلاقه على الرب وأيضا ~~فإن المقام في القرآن والسنة إنما يطلق على المكان كقوله عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا PageV01P629 وقوله تعالى كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام ~~كريم وقوله تعالى خير مقاما وأحسن نديا والمقصود أن قوله تعالى ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان يتناول الصنفين من وجوه تقدم منها وجهان # الثالث قوله عقيب هذا الوعد فبأي آلاء ربكما تكذبان # الرابع أنه ذكر في وصف نسائهم أنهن لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان وهذا ~~والله أعلم معناه أنه لم يطمث نساء الإنس إنس قبلهم ولا نساء الجن جن قبلهم # ومما يدل على أن ثوابهم الجنة قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ~~وأمثال هذه من العمومات وقد ثبت أن منهم المؤمنين فيدخلون في العموم كما أن ~~كافرهم يدخل في الكافرين المستحقين للوعيد ودخول مؤمنهم في آيات الوعد أولى ~~من دخول كافرهم في آيات الوعيد فإن الوعد فضله والوعيد عدله وفضله من رحمته ~~وهي تغلب غضبه وأيضا فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله ~~فإذا أطاع الله أدخل الجنة وأيضا فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة والنار ~~وكل من لم يدخل النار من المكلفين فالجنة مثواه وأيضا فقد ثبت أنهم إذا ~~أجابوا داعي الله غفر لهم وأجارهم من عذابه وكل من غفر له دخل الجنة ولا بد ~~وليس فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار وأيضا فإنه قد ثبت ~~ورسوله مع الذين أنعم الله عليهم لقوله تعالى ومن يطع الله PageV01P630 ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا وقد أخبر سبحانه عن ملائكته حملة العرش ms456 ومن ~~حولهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا وأنهم يقولون فاغفر للذين تابوا واتبعوا ~~سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم فدل على أن كل ~~مؤمن غفر الله له ووقاه عذاب الجحيم فقد وعده الجنة وقد ثبت في حق مؤمنهم ~~الإيمان ومغفرة الذنب ووقاية النار كما تقدم فتعين دخولهم الجنة والله أعلم ~~وإذا ثبت تكليفهم بانقسامهم إلى المسلمين والكفار والصالحين ودون ذلك فهم ~~في الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمية إلا أنهم ليس فيهم رسول وأفضل ~~درجاتهم درجة الصالحين ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها فقد دل القرآن ~~على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام صالحين ودونهم وكفار وزاد عليهم الإنس بدرجة ~~الرسالة والنبوة ودرجة المقربين والله أعلم # فهذا ما وصل إليه الإحصاء من طبقات المكلفين في الدار الآخرة وهي ثمان ~~عشرة طبقة وكل طبقة منها لها أعلى وأدنى ووسط وهم درجات عند الله والله ~~تعالى يحشر الشكل مع شكله والنظير مع نظيره ويقرن بينهما في الدرجة قال ~~تعالى احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله قال ~~الإمام أحمد وقبله عمر بن الخطاب أزواجهم أشباههم ونظراؤهم وقال تعالى وإذا ~~النفوس زوجت PageV01P631 روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن ~~هذه الآية فقال يقرن الرجل السوء مع الرجل السوء في النار وقال الحسن ~~وقتادة يلحق كل امرىء بشيعته اليهودي باليهودي والنصراني بالنصراني وقال ~~الربيع بن خيثم يحشر الرجل مع صاحب عمله وفي الآية ثلاثة أقوال أخر أحدها ~~أن تزويج النفوس اقترانها بأجسادها وردها إليها الثاني تزويجها اقترانها ~~بأعمالها الثالث أنه تزويج المؤمنين بالحور العين وتزويج الكفار بالشياطين ~~والقول الأول أظهر الأقوال والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم PageV01P632 ms457