######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012029 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: طريق الهجرتين وباب السعادتين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012029 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12029 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12029 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1394هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار السلفية، القاهرة، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # طريق الهجرتين وباب السعادتين: للإمام العلامة شيخ الإسلام محمد بن أبى ~~بكر بن سعد بن جرير الزرعى ابن قيم الجوزية # خطبة الكتاب للمؤلف # الحمد لله الذى نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججا، وحجب العقول ~~والأبصار أن تجد إلى تكييفه منهجا وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له ~~بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجا، وجعل لمن لاذ به واتقاه من كل ضائقة ~~مخرجا، وأعقب من ضيق الشدائد وضنك الأوابد لمن توكل عليه فرجا، وجعل قلوب ~~أوليائه متنقلة من منازل عبوديته من الصبر والتوكل والإنابة والتفويض ~~والمحبة والخوف والرجا فسبحان من أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه ~~الرحمة، وضمن الكتاب الذى كتبه، أن رحمته تغلب غضبه. أسبغ على عباده نعمه ~~الفرادى والتوءام، وسخر لهم البر والبحر والشمس والقمر والليل والنهار ~~والعيون والأنهار والضياء والظلام، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ~~يدعوهم إلى جواره فى دار السلام، {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} [الأنعام: 125] ، فسبحان من {أنزل ~~على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} [الكهف: 1] ، ورفع لمن ائتم به فأحل ~~حلاله وحرم حرامه وعمل بمحكمه وآمن بمتشابهه فى مراقى السعادة درجا، ووضع ~~قهره على من أعرض عنه ولم يرفع به رأسه ونبذه وراء ظهره وابتغى الهدى من ~~غيره، فجعله فى دركات الجحيم متولجا، فإنه الذكر الحكيم والصراط المستقيم ~~والنبأ العظيم وحبل الله المتين المديد بينه وبين خلقه، وعهده الذى من ~~استمسك به فاز ونجا. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا سمى له ولا كفو له ولا ~~صاحبة له ولا ولد ولا شبيه له ولا يحصى أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على ~~نفسه وفوق ما يثنى عليه خلقه، شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه ~~وصفاته مبتهجا، ولم يدع إلى شبه الجاحدين المعطلين معرجا. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه ~~وبين عباده، أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين ms001 وحجة على ~~العباد أجمعين. أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح ~~السبل # PageV01P005 # وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقوقه، وسد إلى ~~جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ~~ووضع عنه وزره وجعل الذلة و [الصغار] على من خالف أمره. فهدى به من الضلالة ~~وعلم به من الجهالة. وكثر به بعد القلة، وأعز به بعد الذلة وأغنى به بعد ~~العيلة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغى وفتح برسالته أعينا [عميا] ~~وآذانا صما وقلوبا غلفا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد فى ~~الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين فلم يدع خيرا إلا دل أمته عليه ~~ولا شرا إلا حذر منه ونهى عن سلوك الطريق الموصلة إليه. ففتح القلوب ~~بالإيمان والقرآن، وجاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان. فدعا إلى الله ~~على بصيرة، وسار فى الأمة- بالعدل والإحسان وخلقه العظيم- أحسن سيرة، إلى ~~أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها. وسارت ~~دعوته سير الشمس فى الأقطار وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار. ~~واستجابت لدعوته الحق القلوب طوعا وإذعانا، وامتلأت بعد خوفها وكفرها أمنا ~~وإيمانا، فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى عليه صلاة تملأ أقطار الأرض ~~والسماء، وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد.. # فإن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده فى قلوب من اختارهم ~~لربوبيته، واختصهم بنعمته، وفضلهم على سائر خليقته، فهى {كشجرة طيبة أصلها ~~ثابت وفرعها في السمآء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 24-25] ، ~~فكذلك شجرة الإيمان أصلها ثابت فى القلب وفروعها الكلم الطيب والعمل الصالح ~~فى السماء، فلا تزال هذه الشجرة تخرج ثمرها كل وقت بإذن ربها من طيب القول ~~وصالح العمل ما تقر به عيون صاحب الأصل وعيون حفظته وعيون أهله وأصحابه ومن ~~قرب منه، فإن من قرت عينه بالله سبحانه قرت به كل عين وأنس به كل مستوحش ~~وطاب به كل خبيث وفرح به كل ms002 حزين وأمن به كل خائف وشهد به كل غائب، وذكرت ~~رؤيته بالله، فإذا رؤى ذكر الله فاطمأن قلبه إلى الله وسكنت نفسه إلى الله ~~وخلصت محبته لله وقصر خوفه على الله وجعل رجاءه كله لله، فإن سمع سمع بالله ~~وإن أبصر أبصر بالله وإن بطش بطش بالله وإن مشى مشى بالله، فبه يسمع وبه ~~يبصر وبه يبطش وبه # PageV01P006 # يمشى، فإذا أحب فلله وإذا أبغض [أبغض] لله وإذا أعطى فلله وإذا منع فلله، ~~قد اتخذ الله وحده معبوده ومرجوه ومخوفه وغاية قصده ومنتهى طلبه، واتخذ ~~رسوله وحده دليله وإمامه وقائده وسائقه، فوحد الله بعبادته ومحبته وخوفه ~~ورجائه وإفراد رسوله بمتابعته والاقتداء به والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه # فله فى كل وقت هجرتان: هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل ~~والإنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجإ ~~والافتقار فى كل نفس إليه، وهجرة إلى رسوله فى حركاته وسكناته الظاهرة ~~والباطنة، بحيث تكون موافقة لشرعه الذى هو تفصيل محاب الله ومرضاته، ولا ~~يقبل الله من أحد دينا سواه، وكل عمل سواه فعيش النفس وحظها لا زاد المعاد، ~~وقال شيخ الطريقة وإمام الطائفة الجنيد بن محمد قدس الله روحه: الطرق كلها ~~مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبى صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل ~~يقول: "وعزتى وجلالى لو أتونى من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، لما فتحت ~~لهم حتى يدخلوا خلفك". وقال بعض العارفين: كل عمل بلا متابعة فهو عيش ~~النفس. # ولما كانت السعادة دائرة- نفيا وإثباتا- مع ما جاء به كان جديرا بمن نصح ~~نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفا على معرفته وإرادته مقصورة على محابه، وهذا ~~أعلى همة شمر إليها السابقون وتنافس فيها المتنافسون، فلا جرم ضمنا هذا ~~الكتاب قواعد من سلوك الهجرة المحمدية، وسميناه طريق الهجرتين، وباب ~~السعادتين، وابتدأناه بباب الفقر والعبودية؛ إذ هو باب السعادة [الأعظم] ~~وطريقها الأقوم الذى لا سبيل إلى دخولها إلا منه، وختمناه بذكر طبقات ~~المكلفين من الجن والإنس فى [الدنيا و] الآخرة ومراتبهم فى ms003 دار السعادة ~~والشقاوة. فجاء الكتاب غريبا فى معناه، عجيبا فى مغزاه لكل قوم منه نصيب، ~~ولكل وارد منه مشرب [وما كان فيه من حق وصواب فمن الله هو المان به فإنما ~~التوفيق بيده] وما كان فيه من [خطأ و] زلل فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله ~~منه براء. # فيا أيها القاريء له والناظر فيه، هذه بضاعة صاحبها المزجاة مسوقة إليك، ~~وهذا فهمه وعقله معروض عليك، لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه. ولك ثمرته، وعليه ~~عائدته. فإن عدم منك حمدا وشكرا، فلا يعدم منك [مغفرة و] عذرا، وإن أبيت ~~إلا الملام فبابه # PageV01P007 # مفتوح، وقد: # استأثر الله بالثناء وبالحم # د وولى الملامة الرجلا # والله المسئول أن يجعله لوجهه خالصا، وينفع به مؤلفه وقارئه وكاتبه فى ~~الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # PageV01P011 ### | فصل: فى أن الله هو الغنى المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه # قال الله سبحانه: {يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغني ~~الحميد} [فاطر: 15] ، بين سبحانه فى هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتى ~~لهم لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيا حميدا [أمر] ذاتى له، فغناه وحمده ثابت ~~له لذاته لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه، فلا ~~يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتى للفقير: فحاجة العبد إلى ربه ~~لذاته لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما أن غنى الرب سبحانه لذاته لا لأمر ~~أوجب غناه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: # والفقر لى وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي # فالخلق فقير محتاج إلى ربه بالذات لا بعلة، وكل ما يذكر ويقرر من أسباب ~~الفقر والحاجة فهى أدلة على الفقر والحاجة لا علل لذلك، إذ ما بالذات لا ~~يعلل، فالفقير بذاته محتاج إلى الغنى بذاته، فما يذكر من إمكان وحدوث ~~واحتياج فهى أدلة على الفقر لا أسباب له، ولهذا كان الصواب فى مسألة علة ~~احتياج العالم إلى الرب سبحانه غير القولين اللذين يذكرهما الفلاسفة ms004 ~~والمتكلمون، فإن الفلاسفة قالوا: علة الحاجة الإمكان، والمتكلمون قالوا: ~~علة الحاجة الحدوث، والصواب أن الإمكان والحدوث متلازمان، وكلاهما دليل ~~الحاجة والافتقار، وفقر العالم إلى الله [عز وجل] أمر ذاتى لا يعلل، فهو ~~فقير بذاته إلى ربه الغنى بذاته، ثم يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من ~~الأدلة على هذا الفقر. والمقصود أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم ~~بأنها فقيرة إليه [عز وجل] ، كما أخبر عن ذاته المقدسة وحقيقته أنه غنى ~~حميد، فالفقر المطلق من كل وجه ثابت لذواتهم وحقائقهم من حيث هى، والغنى ~~المطلق من كل وجه ثابت # PageV01P008 # لذاته تعالى وحقيقته من حيث هى، فيستحيل أن يكون العبد إلا فقيرا، ~~ويستحيل أن يكون الرب سبحانه إلا غنيا، كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلا ~~عبدا والرب إلا ربا. # إذا عرف هذا فالفقر فقران: فقر اضطرارى، وهو فقر عام لا خروج لبر ولا ~~فاجر عنه، وهذا لا يقتضى مدحا ولا ذما ولا ثوابا ولا عقابا، بل هو بمنزلة ~~كون المخلوق مخلوقا ومصنوعا. والفقر الثانى فقر اختيارى هو نتيجة علمين ~~شريفين: أحدهما معرفة العبد بربه، والثانى معرفته بنفسه. فمتى حصلت له ~~هاتان المعرفتان أنتجتا [له] فقرا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته، ~~وتفاوت الناس فى هذا الفقر بحسب تفاوتهم فى هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه ~~بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف ~~نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن ~~عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل، فالله سبحانه أخرج العبد من ~~بطن أمه لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء، ولا يملك شيئا ولا يقدر على عطاء ~~ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء البتة، فكان فقره فى تلك الحال إلى ما به ~~كما له أمرا مشهودا محسوسا لكل أحد، ومعلوم أن هذا له من لوازم ذاته، وما ~~بالذات دائم بدوامها. وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية ~~والغنى، بل لم يزل عبدا فقيرا بذاته إلى بارئه ms005 وفاطره. فلما أسبغ عليه ~~نعمته، وأفاض عليه رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرا وباطنا، وخلع ~~عليه ملابس إنعامه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وعلمه وأقدره وصرفه ~~وحركه، ومكنه من استخدام بنى جنسه، وسخر له الخيل والإبل، وسلطه على دواب ~~الماء، واستنزال الطير من الهواء وقهر الوحش العادية، حفر الأنهار، وغرس ~~الأشجار، وشق الأرض، وتعلية البناء، والتحيل على مصالحه، والتحرز والتحفظ ~~لما يؤذيه، ظن المسكين أن له نصيبا من الملك، وادعى لنفسه ملكا مع الله ~~سبحانه، ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى، ونسى ما كان فيه من حالة الإعدام ~~والفقر والحاجة، حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأن ذلك شخصا ~~آخرغيره كما روى الإمام أحمد فى مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما فى كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال: "قال ~~الله تعالى: يا ابن آدم أنى تعجزنى وقد خلقتك من مثل هذه # PageV01P009 # حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى ~~إذا بلغت التراقى، قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة"، ومن هاهنا خذل من خذل ~~ووفق من وفق، فحجب المخذول عن حقيقته ونسى نفسه فنسى فقره وحاجته وضرورته ~~إلى ربه، فطغى [وبغا] وعتا فحقت عليه الشقوة، قال تعالى: {كلا إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى} [العلق: 6-7] ، وقال: {فأما من أعطى واتقى وصدق ~~بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} ~~[الليل: 5-10] ، فأكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودا لفقره وضرورته ~~وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين، ولهذا كان من دعائه صلى الله ~~عليه وسلم: "أصلح لى شأنى كله، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين ولا إلى أحد من ~~خلقك"، وكان يدعو: "يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك". يعلم صلى الله عليه ~~وسلم أن قلبه بيد الرحمن عز وجل لا يملك منه شيئا، وأن الله سبحانه يصرفه ~~كما يشاء كيف وهو يتلو قوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد ms006 كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا} [الإسراء: 74] ، فضرورته صلى الله عليه وسلم إلى ربه وفاقته ~~إليه بحسب معرفته به، وحسب قربه منه ومنزلته عنده. وهذا أمر إنما بدا منه ~~لمن بعده ما يرشح من ظاهر الوعاء، ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلة ~~وأعظمهم عنده جاها وأرفعهم عنده منزلة، لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ~~ربه عز وجل، وكان يقول لهم: "أيها الناس، ما أحب أن ترفعونى فوق منزلتى ~~إنما أنا عبد"، وكان يقول: "لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ~~وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". # وذكره الله سبحانه بسمة العبودية فى أشرف مقاماته، مقام الإسراء ومقام ~~الدعوة ومقام التحدى، فقال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} [الإسراء:1] ، ~~وقال: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} [الجن: 19] ، وقال: {وإن كنتم في ريب ~~مما نزلنا على عبدنا} [البقرة: 23] ، وفى حديث الشفاعة: "إن المسيح يقول ~~لهم [يوم القيامة] : اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر"، فنال ذلك المقام # PageV01P010 # بكمال عبوديته لله وبكمال مغفرة الله له، فتأمل قوله تعالى فى الآية: ~~{أنتم الفقرآء إلى الله} [فاطر: 15] ، [فعلق الفقر إليه باسمه] دون اسم ~~الربوبية ليؤذن بنوعى الفقر، فإنه كما تقدم نوعان: # فقر إلى ربوبيته وهو فقر المخلوقات بأسرها، وفقر إلى ألوهيته وهو فقر ~~أنبيائه ورسله وعباده الصالحين، وهذا هو الفقر النافع والذى يشير إليه ~~القوم ويتكلمون عليه ويشيرون إليه هو الفقر الخاص لا العام، وقد اختلفت ~~عباراتهم عنه ووصفهم له، وكل أخبر عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير، قال ~~شيخ الإسلام الأنصارى: "الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة، وهو على ثلاث ~~درجات: الدرجة الأولى فقر الزهاد وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا، ~~وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا، والسلامة منها طلبا أو تركا، وهذا هو ~~الفقر الذى تكلموا فى شرفه. الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة ~~الفضل، وهو يورث الخلاص من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال، ويمحص من ~~أدناس مطالعة المقامات. والدرجة الثالثة: صحة الاضطرار والوقوع فى ms007 يد ~~التقطع الوحدانى والاحتباس فى بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية". # فقوله: "الفقر اسم للبراءة من رؤية الملكة" يعنى أن الفقير هو الذى يجرد ~~رؤية الملك لمالكه الحق، فيرى نفسه مملوكة لله لا يرى نفسه مالكا بوجه من ~~الوجوه، ويرى أعماله مستحقة عليه بمقتضى كونه مملوكا عبدا مستعملا فيما ~~أمره به سيده، فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس مالكا ~~لنفسه ولا لشيء من ذراته ولا لشيء من أعماله. بل كل ذلك مملوك عليه مستحق ~~عليه، كرجل اشترى عبدا بخالص ماله ثم علمه بعض الصنائع، فلما تعلمها قال ~~له: اعمل وأد إلى فليس لك فى نفسك ولا فى كسبك شيء، فلو حصل بيد هذا العبد ~~من الأموال والأسباب ما حصل لم ير له فيها شيئا، بل يراه كالوديعة فى يده، ~~وأنها أموال أستاذه وخزائنه ونعمه بيد عبده، مستودعا متصرفا فيها لسيده لا ~~لنفسه، كما قال عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه: "والله إنى لا أعطى أحدا ~~ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"، فهو متصرف فى تلك الخزائن ~~الأمر المحض تصرف العبد المحض # PageV01P011 # الذى وظيفته تنفيذ أوامر سيده، فالله هو المالك الحق، وكل ما بيد خلقه هو ~~من أمواله وأملاكه وخزائنه أفاضها عليهم ليمتحنهم فى البذل والإمساك، وهل ~~يكون ذلك منهم على شاهد العبودية لله عز وجل، فيبذل أحدهم الشيء رغبة فى ~~ثواب الله ورهبة من عقابه وتقربا إليه وطلبا لمرضاته؟ أم يكون البذل ~~والإمساك منهم صادرا عن مراد النفس وغلبة الهوى وموجب الطبع فيعطى لهواه ~~ويمنع لهواه؟ فيكون متصرفا تصرف المالك لا المملوك، فيكون مصدر تصرفه الهوى ~~ومراد النفس، وغايته الرغبة فيما عند الخلق من جاه أو رفعة أو منزلة أو مدح ~~أو حظ من الحظوظ، أو الرهبة من فوت شيء من هذه الأشياء، وإذا كان مصدر ~~تصرفه وغايته هو هذه الرغبة والرهبة رأى نفسه لا محالة مالكا، فادعى الملك ~~وخرج عن حد العبودية ونسى فقره، ولو عرف نفسه حق المعرفة لعلم أنما هو ~~مملوك ممتحن فى ms008 صورة ملك متصرف كما قال تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض ~~من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس: 14] ، وحقيق بهذا الممتحن أن يوكل إلى ~~ما ادعته نفسه من الحالات والملكات مع المالك الحق سبحانه، فإن من ادعى ~~لنفسه حالة مع الله سبحانه وكل إليها، ومن وكل إلى شيء غير الله فقد فتح له ~~باب الهلاك والعطب، وأغلق عنه باب الفوز والسعادة، فإن كل شيء ما سوى الله ~~باطل، ومن وكل إلى الباطل بطل عمله وضل سعيه ولم يحصل إلا على الحرمان، فكل ~~من تعلق [بشيء غير] الله انقطع به أحوج ما كان إليه، كما قال تعالى: {إذ ~~تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} ~~[البقرة: 166] ، # فالأسباب التى تقطعت بهم هى العلائق التى بغير الله ولغير الله، تقطعت ~~بهم أحوج ما كانوا إليها، وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلت وبطلت اضمحلت ~~أسبابها وبطلت، فإن الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها، وكل ~~شيء هالك إلا وجهه سبحانه، وكل عمل باطل إلا ما أريد به وجهه. وكل سعى ~~لغيره باطل ومضمحل، وهذا كما يشاهده الناس فى الدنيا من اضمحلال السعى ~~والعمل والكد والخدمة التى يفعلها العبد لمتول أو أمير أو صاحب منصب أو ~~مال، فإذا زال ذلك الذى عمل له عدم ذلك العمل وبطل ذلك السعى ولم يبق فى ~~يده سوى الحرمان، ولهذا يقول الله تعالى يوم # PageV01P012 # القيامة: "أليس عدلا منى أنى أولى كل رجل منكم ما كان يتولى فى الدنيا"، ~~فيتولى عباد الأصنام والأوثان أصنامهم وأوثانهم فتتساقط بهم فى النار، ~~ويتولى عابدو الشمس والقمر آلهتهم، فإذا كورت الشمس وانتثرت النجوم اضمحلت ~~تلك العبادة وبطلت وصارت حسرة عليهم: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ~~وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 167] ، ولهذا كان المشرك من أخسر الناس ~~صفقة وأغبنهم يوم معاده، فإنه يحال على مفلس كل الإفلاس بل على عدم، ~~والموحد حوالته على المليء الكريم، فيا بعد ما بين الحوالتين. # وقوله: "البراءة من رؤية الملكة" ولم يقل من الملكة لأن الإنسان ms009 قد يكون ~~فقيرا لا ملكة له فى الظاهر وهو عرى عن التحقق بنعت الفقر الممدوح أهله ~~الذين لا يرون ملكة إلا لمالكها الحق ذى الملك والملكوت، وقد يكون العبد قد ~~فوض إليه من ذلك شيء وجعل كالخازن فيه، كما كان سليمان بن داود أوتى ملكا ~~لا ينبغى لأحد من بعده، وكذلك الخليل وشعيب والأغنياء من الأنبياء، [عليهم ~~الصلاة والسلام] وكذلك أغنياء الصحابة، فهؤلاء لم يكونوا بريئين من الملكة ~~فى الظاهر وهم بريئون من رؤية الملكة لنفوسهم فلا يرون لها ملكا حقيقيا، بل ~~يرون ما فى أيديهم لله عارية ووديعة فى أيديهم ابتلاهم به لينظر هل يتصرفون ~~فيه تصرف العبيد أو تصرف الملاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم، فوجود ~~المال فى يد الفقير ليس يقدح فى فقره، إنما يقدح فى فقره رؤيته لملكته، فمن ~~عوفى من رؤية الملكة لم يتلوث باطنه بأوساخ المال وتعبه وتدبيره واختياره، ~~وكان كالخازن لسيده الذى ينفذ أوامره فى ماله، فهذا لو كان بيده من المال ~~[مثال] جبال الدنيا لم يضره ومن لم يعاف من ذلك ادعت نفسه الملكة وتعلقت به ~~النفس تعلقها بالشيء المحبوب المعشوق، فهو أكبر همه ومبلغ علمه، إن أعطى ~~رضى، وإن منع سخط، فهو عبد الدينار والدرهم، يصبح مهموما ويمسى كذلك ~~[فيبيت] مضاجعا له، تفرح نفسه إذا ازداد وتحزن وتأسف إذا فات منه شيء، بل ~~يكاد يتلف إذا توهمت نفسه الفقر وقد يؤثر الموت على الفقر، والأول مستغن ~~بمولاه المالك الحق الذى بيده خزائن السموات والأرض، وإذا أصاب المال الذى ~~فى يده نائبة رأى أن المالك الحق هو الذى أصاب مال نفسه فما للعبد وما ~~للجزع والهلع، وإنما تصرف مالك المال فى ملكه الذى هو وديعة فى يد مملوكه، ~~فله الحكم # PageV01P013 # فى ماله: إن شاء أبقاه، وإن شاء ذهب به وأفناه، فلا يتهم مولاه فى تصرفه ~~فى ملكه ويرى تدبيره هو موجب الحكمة فليس لقلبه بالمال تعلق ولا له به ~~اكتراث، لصعوده عنه وارتفاع همته إلى المالك الحق، فهو غنى به وبحبه ~~ومعرفته ms010 وقربه منه عن كل ما سواه، وهو فقير إليه دون ما سواه، فهذا هو ~~البريء عن رؤية الملكة الموجبة للطغيان، كما قال تعالى: {كلا إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى} [العلق: 6-7] ، ولم يقل: إن استغنى، بل جعل الطغيان ~~ناشئا عن رؤية غنى نفسه، ولم يذكر هذه الرؤية فى سورة الليل بل قال: {وأما ~~من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [الليل: 8-10] ، وهذا- والله ~~أعلم لأنه ذكر موجب طغيانه وهو رؤية غنى نفسه، وذكر فى سورة الليل موجب ~~هلاكه وعدم تيسيره لليسرى، وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته، فإنه ~~لو افتقر إليه لتقرب إليه بما أمره من طاعته، فعل المملوك الذى لا غنى له ~~عن مولاه طرفة عين ولا يجد بدا من امتثال أوامره، ولذلك ذكر معه بخله وهو ~~تركه إعطاء ما وجب عليه من الأقوال والأعمال وأداء المال، وجمع إلى ذلك ~~تكذيبه بالحسنى وهى التى وعد بها أهل الإحسان بقوله: {للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة} [يونس: 26] ، ومن فسرها بشهادة أن لا إله إلا الله فلأنها أصل ~~الإحسان، وبها تنال الحسنى. ومن فسرها بالخلف فى الإنفاق فقد هضم المعنى ~~حقه وهو أكبر من ذلك. وإن كان الخلف جزءا من أجزاء الحسنى، والمقصود أن ~~الاستغناء عن الله سبب هلاك العبد وتيسيره لكل عسرى، ورؤيته غنى نفسه سبب ~~طغيانه، وكلاهما مناف للفقر والعبودية. # قوله: "الدرجة الأولى فقر الزهاد، وهو نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو ~~طلبا، وإسكات اللسان عنها ذما أو مدحا، والسلامة منها طلبا أو تركا، وهذا ~~هو الفقر الذى تكلموا فى شرفه". فحاصل هذه الدرجة فراغ اليد والقلب من ~~الدنيا والذهول عن الفقر منها والزهد فيها، وعلامة فراغ [اليد نفض اليدين ~~من الدنيا ضبطا أو طلبا فهو لا يضبط يده] مع وجودها شحا وضنا بها، ولا ~~يطلبها مع فقدها سؤالا وإلحافا وحرصا. فهذا الإعراض والنفض دال على سقوط ~~منزلتها من القلب، إذ لو كان لها فى القلب منزلة لكان الأمر بضد ذلك، وكان ~~يكون حاله الضبط مع الوجود لغناه بها، ms011 ولكان # PageV01P014 # يطلبها مع فقدها لفقره إليها. وأيضا من أقسام الفراغ إسكات اللسان عنها ~~ذما ومدحا لأن من اهتم بأمر وكان له فى قلبه موقع اشتغل اللسان بما فاض على ~~القلب من أمره مدحا أو ذما، فإنه إن حصلت له مدحها، وإن فاتته ذمها. ومدحها ~~وذمها علامة موضعها من القلب وخطرها فحيث اشتغل اللسان بذمها كان بذلك ~~لخطرها فى القلب، لأن الشيء إنما يذم على قدر الاهتمام به، والاعتناء شفاء ~~الغيظ منه بالذم. وكذلك تعظيم الزهد فيها إنما هو على قدر خطرها فى القلب، ~~إذ لولا خطرها وقدرها لما صار للزهد فيها خطر، وكذلك مدحها دليل على خطرها ~~وموقعها من قلبه، فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره، وصاحب هذه الدرجة لا ~~يضبطها مع وجودها ولا يطلبها مع عدمها ولا يفيض من قلبه على لسانه مدح لها ~~يدل على محبتها، ولا يفيض من القلب على اللسان ذم يدل على موقعها وخطرها، ~~فإن الشيء إذا صغر أعرض القلب عنه مدحا أو ذما، وكذلك صاحب هذه الدرجة سالم ~~عن النظر إلى تركها وهو الذى تقدم من ذكر خطر الزهد فيها، لأن نظر العبد ~~إلى كونه تاركا لها زاهدا فيها تتشرف نفسه بالترك [وتتلذذ به دليل على شغله ~~بها ولو على وجه الترك] ، وذلك من خطرها وقدرها. ولو صغرت فى القلب لصغر ~~تركها والزهد فيها لو اهتم القلب بمهم من المهمات المطلوبة التى هى مذاقات ~~أهل القلوب والأرواح لذهل عن النظر إلى نفسه والترك بالزهد. فصاحب هذه ~~الدرجة معافى من هذه الأمراض كلها: من مرض الضبط، والطلب، والذم، والمدح، ~~والترك. فهى بأسرها، وإن كان بعضها ممدوحا فى العلم مقصودا يستحق المتحقق ~~به الثواب والمدح، لكنها آثار وأشكال مشعرة بأن صاحبها لم يذق حال الخلو ~~والتجريد الباطن، فضلا عن أن يتحقق من الحقائق المتوقعة المتنافس فيها، ~~فصاحب هذه الدرجة متوسط بين درجتى الداخل بكليته فى الدنيا قد ركن إليها ~~واطمأن إليها واتخذها وطنا وجعلها له سكنا، وبين من نفضها بالكلية من قلبه ~~ولسانه، وتخلص من ms012 قيودها ورعونتها وآثارها، وارتقى إلى ما يسر القلب ويحييه ~~ويفرحه ويبهجه من جذبات العزة فهو فى البرزخ كالحامل المقرب ينتظر ولادة ~~الروح والقلب صباحا ومساء، فإن من لم تولد روحه وقلبه ويخرج من مشيمة نفسه ~~ويتخلص من ظلمات طبعه وهواه وإرادته فهو كالجنين فى بطن أمه الذى لم ير ~~الدنيا وما فيها. فهكذا هذا الذى بعد فى مشيمة النفس، والظلمات الثلاث هى: ~~ظلمة النفس، وظلمة # PageV01P015 # الطبع، وظلمة الهوى. فلا بد من الولادة مرتين كما قال المسيح للحواريين: ~~إنكم لن تجلوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين. ولذلك كان النبى صلى الله ~~عليه وسلم أبا للمؤمنين كما فى قراءة أبى: "النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وهو أب لهم"، ولهذا تفرع على هذه الأبوة أن جعلت أزواجه أمهاتهم، فإن ~~أرواحهم وقلوبهم ولدت به ولادة أخرى غير ولادة الأمهات، فإنه أخرج أرواحهم ~~وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغى إلى نور العلم والإيمان وفضاء ~~المعرفة والتوحيد، فشاهدت حقائق أخر وأمورا لم يكن لها بها شعور قبله، قال ~~تعالى: {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم} [إبراهيم: 1] ، وقال: {هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ~~[الجمعة: 2] وقال: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين} [آل عمران: 164] ، # والمقصود أن القلوب فى هذه الولادة ثلاثة: قلب لم يولد ولم يأن له بل هو ~~جنين فى بطن الشهوات والغى والجهل والضلال وقلب قد ولد وخرج إلى فضاء ~~التوحيد والمعرفة وتخلص من مشيمة الطباع وظلمات النفس والهوى، فقرت عينه ~~بالله وقرت عيون به وقلوب، وأنست بقربه الأرواح، وذكرت رؤيته بالله، فاطمأن ~~بالله، وسكن إليه، وعكف بهمته عليه، وسافرت هممه وعزائمه إلى الرفيق ~~الأعلى، لا يقر بشيء غير الله، ولا يسكن إلى شيء سواه، ولا يطمئن بغيره، ~~يجد من كل شيء سوى الله عوضا ms013 ومحبته وقوته، لا يجد من الله عوضا أبدا، ~~فذكره حياة قلبه ورضاه غاية مطلبه، ومحبته قوته، ومعرفته أنيسه، عدوه من ~~جدب قلبه ورضاه غاية مطلبه، ومحبته قوته، ومعرفته أنيسه، عدوه من جذب قلبه ~~عن الله: "وإن كان القريب المصافيا". ووليه من رده إلى الله وجمع قلبه عليه ~~"وإن كان البعيد المناويا"، فهذان قلبان متباينان غاية التباين. وقلب ثالث ~~فى البرزخ ينتظر الولادة صباحا ومساء، قد أصبح على فضاء التجريد، وآنس من ~~خلال الديار أشعة التوحيد، تأبى غلبات الحب والشوق إلا تقربا إلى من ~~السعادة كلها بقربه، والحظ كل الحظ فى طاعته وحبه، وتأبى غلبات الطباع إلا ~~جذبه وإيقافه وتعويقه # PageV01P016 # فهو بين الداعين تارة وتارة قد قطع عقبات وآفات، وبقى عليه مفاوز وفلوات. ~~والمقصود أن صاحب هذا المقام إذا تحقق به ظاهرا وباطنا، وسلم عن نظر نفسه ~~إلى مقامه واشتغاله به ووقوفه عنده، فهو فقير حقيقى، ليس فيه قادح من ~~القوادح التى تحطه عن درجة الفقر. # واعلم أنه يحسن إعمال اللسان فى ذم الدنيا فى موضعين: أحدهما موضع ~~التزهيد فيها للراغب، والثانى عندما يرجع به داعى الطبع والنفس إلى طلبها ~~ولا يأمن من إجابة الداعى، فيستحضر فى نفسه قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة ~~شركائها، فإنه إن تم عقله وحضر رشده زهد فيها ولا بد. # PageV01P017 ### | فصل: في تفسير الفقر ودرجاته # وقوله: "الدرجة الثانية: الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص ~~من رؤية الأعمال، ويقطع شهود الأحوال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات"، ~~فهذه الدرجة أرفع من الأولى وأعلى، والأولى كالوسيلة إليها، لأن فى الدرجة ~~الأولى يتخلى بفقره عن أن يتأله غير مولاه الحق، وأن يضيع أنفاسه فى غير ~~مرضاته، وأن يفرق همومه فى غير محابه، وأن يؤثر عليه فى حال من الأحوال. ~~فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين ~~الله وخلوص [الوداد والمحبة] ، فيصبح ويمسى ولا هم له غير ربه، قد قطع همه ~~بربه عنه جميع الهموم وعطلت إرادته جميع الإرادات ونسخت محبته له من قلبه ~~كل ms014 محبة لسواه، كما قيل: # لقدكان يسبى القلب فى كل ليلة ... ثمانون بل تسعون نفسا وأرجح # يهيم بهذا ثم يألف غيره ... ويسلوهم من فوره حين يصبح # وقد كان قلبى ضائعا قبل حبكم ... فكان بحب الخلق يلهو ويمرح # فلما دعا قلبى هواك أجابه ... فلست أراه عن خبائك يبرح # حرمت الأمانى منك إن كنت كاذبا ... وإن كنت فى الدنيا بغيرك أفرح # وإن كان شيء فى الوجود سواكم ... يقر به القلب الجريح ويفرح # إذا لعبت أيدى الهوى بمحبكم ... فليس له عن بابكم متزحزح # فإن أدركته غربة عن دياركم ... فحبكم بين الحشا ليس يبرح # PageV01P017 # وكم مشتر فى الخلق قد سام قلبه ... فلم يره إلا لحبك يصلح # هوى غيركم نار تلظى ومحبس ... وحبكم الفردوس أو هو أفسح # فيا ضيم قلب قد تعلق غيركم ... ويا رحمة مما يجول ويكدح # والله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين فى جوفه، فبقدر ما يدخل القلب من هم ~~وإرادة وحب يخرج منه هم وإرادة وحب يقابله، فهو إناء واحد والأشربة متعددة، ~~فأى شراب ملأه لم يبق فيه موضع لغيره، وإنما يمتليء الإناء بأعلى الأشربة ~~إذا صادفه خاليا، فأما إذا صادفه ممتلئا من غيره لم يساكنه حتى يخرج ما فيه ~~ثم يسكن موضعه، كما قال بعضهم: # أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إنائه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة، ~~لأن كل شراب فمسكر ولا بد، و"ما أسكر كثيره فقليله حرام"، وأين سكر الهوى ~~والدنيا من سكر الخمر، وكيف يوضع شراب التسليم-الذى هو أعلى أشربة المحبين- ~~فى إناء ملآن بخمر الدنيا والهوى ولا يفيق من سكره ولا يستفيق، ولو فارق ~~هذا السكر القلب لطار بأجنحة الشوق إلى الله والدار الآخرة، ولكن رضى ~~المسكين بالدون، وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأخس الثمن صفقة ~~خاسر مغبون، فسيعلم أى حظ أضاع إذا فاز المحبون، وخسر المبطلون. # PageV01P018 ### | فصل: في أن حقيقة الفقر توجه العبد بجميع أحواله إلى الله # وإذا كان التلوث بالأعراض قيدا يقيد القلوب عن ms015 سفرها إلى بلد حياتها ~~ونعيمها الذى لا سكن لها غيره، ولا راحة لها إلا فيه، ولا سرور لها إلا فى ~~منازله، ولا أمن لها إلا بين أهله، فكذلك الذى باشر قلبه روح التألة، وذاق ~~طعم المحبة، وآنس نار المعرفة، له أعراض دقيقة حالية تقيد قلبه عن مكافحة ~~صريح الحق، وصحة الاضطرار إليه والفناء التام به، والبقاء الدائم بنوره ~~الذى هو المطلوب من السير والسلوك، وهو الغاية التى شمر إليها السالكون، ~~والعلم الذى أمه العابدون ودندن حوله العارفون، فجميع ما يحجب عنه أو يقيد ~~القلب نظره وهمه يكون حجابا يحجب الواصل # PageV01P018 # ويوقف السالك وينكس الطالب، فالزهد فيه على أصحاب الهمم العلية متعين ~~تعين الواجب الذى لا بد منه، وهو كزهد السالك إلى الحج فى الظلال والمياه ~~التى يمر بها فى المنازل، فالأول مقيد عن الحقائق برؤية الأعراض، والثانى ~~مقيد عن النهايات برؤية الأحوال، فتقيد كل منهما عن الغاية المطلوبة، وترتب ~~على هذا القيد عدم النفوذ، وذلك مؤخر مخلف. # وإذا عرف العبد هذا وانكشف له [علمه] تعين عليه الزهد فى الأحوال والفقر ~~منها، كما تعين عليه الزهد فى المال والشرف وخلو قلبه منهما. ولما كان موجب ~~الدرجة الأولى من الفقر الرجوع إلى الآخرة، فأوجب الاستغراق فى هم الآخرة ~~نفض اليدين من الدنيا ضبطا أو طلبا، وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما. وكذلك ~~كان موجب هذه الدرجة الثانية الرجوع إلى فضل الله [عز وجل] ومطالعة سبقه ~~الأسباب والوسائط، فبفضل الله ورحمته وجدت منه الأقوال الشريفة، والمقامات ~~العلية، وبفضله ورحمته وصلوا إلى رضاه ورحمته، وقربه وكرامته وموالاته # وكان سبحانه هو الأول فى ذلك كله كما أنه الأول فى كل شيء، وكان هو الآخر ~~فى ذلك كما هو الآخر فى كل شيء، فمن عبده باسمه الأول والآخر حصلت له حقيقة ~~هذا الفقر، فإن انضاف إلى ذلك عبوديته باسمه الظاهر والباطن فهذا هو العارف ~~الجامع لمتفرقات التعبد ظاهرا وباطنا فعبوديته باسمه الأول تقتضى التجرد من ~~مطالعة الأسباب والوقوف عليها والالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق ms016 ~~فضله ورحمته، وأنه هو المبتديء بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا ~~وسيلة له فى العدم قبل وجوده، وأى وسيلة كانت هناك، وإنما هو عدم محض، وقد ~~أتى عليه [حين] من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، فمنه سبحانه الإعداد ومنه ~~الإمداد وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله وجوده لم تكن ~~بوسائل أخرى. فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقرا خاصا وعبودية ~~خاصة، وعبوديته باسمه الآخر تقتضى أيضا [عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف ~~معها فإنها تعدم لا محالة وتنقضى] بالآخرية، ويبقى الدائم الباقى بعدها، ~~فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضى، والتعلق بالآخر عز وجل تعلق بالحى الذى ~~لا يموت ولا يزول فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلق ~~بغيره مما له # PageV01P019 # آخر يفنى به، كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية حيث كان قبل الأسباب ~~كلها، فكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى بعد الأسباب كلها، فكان الله ~~ولم يكن شيء غيره، وكل شيء هالك إلا وجهه. فتأمل عبودية هذين الاسمين وما ~~يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه، ~~وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرفع، فهو المبتديء بالفضل حيث لا سبب ولا ~~وسيلة، وإليه ينتهى الأمر حيث تنتهى الأسباب والوسائل فهو أول كل شيء ~~وآخره، وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التى لا ~~صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون هو غايته كما أنه لا وجود له إلا ~~بكونه وحده هو ربه وخالقه وكذلك لا كمال له ولا صلاح إلا بكونه تعالى وحده ~~هو غايته وحده ونهايته ومقصوده، فهو الأول الذى ابتدأت منه المخلوقات، ~~والآخر الذى انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء ~~يقصد ويعبد ويتأله كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ، فكما كان واحدا فى ~~إيجادك فاجعله واحدا فى تألهك وعبوديتك، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه فاجعله ~~نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه لتصح لك عبوديته ms017 باسمه الأول والآخر، وأكثر ~~الخلق تعبدوا له باسمه الأول، وإنما الشأن فى التعبد له باسمه الآخر فهذه ~~عبودية الرسل وأتباعهم، فهو رب العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده. وأما ~~عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: "وأنت ~~الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء". # فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته، وأنه ليس فوقه شيء البتة، ~~وأنه قاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه {إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ، صار لقلبه [أملا] ~~يقصده، وربا يعبده، وإلها يتوجه إليه. بخلاف من لا يدرى أين ربه فإنه ضائع ~~مشتت القلب ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها ولا معبود يتوجه إليه قصده. وصاحب ~~هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلها يسكن إليه ويتوجه إليه، وقد ~~اعتقد أنه ليس فوق العرش شيء إلا العدم، وأنه ليس فوق العالم إله يعبد ~~ويصلى له ويسجد، وأنه ليس على العرش من يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع ~~إليه العمل الصالح، جال قلبه فى الوجود جميعه فوقع فى الاتحاد ولا بد، ~~وتعلق قلبه بالوجود المطلق السارى فى المعينات، فاتخذ إلهه من دون الإله ~~الحق وظن أنه قد وصل إلى عين الحقيقة، وإنما تأله وتعبد لمخلوق مثله، أو ~~لخيال نحته بفكره # PageV01P020 # واتخذه إلها من دون الله سبحانه، وإله الرسل وراء ذلك كله: {إن ربكم الله ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من ~~شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم ~~جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون} [يونس: 3- 4] وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم ms018 يعرج إليه في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن ~~كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} ~~[السجدة: 4- 9] . # فقد تعرف سبحانه إلى عباده بكلامه معرفة لا يجحدها إلا من أنكره سبحانه، ~~وإن زعم أنه مقربه. والمقصود أن التعبد باسمه الظاهر يجمع القلب على ~~المعبود، ويجعل له ربا يقصده وصمدا يصمد إليه فى حوائجه وملجأ يلجأ إليه ~~فإذا استقر ذلك فى قلبه وعرف ربه باسمه الظاهر استقامت له عبوديته وصار له ~~معقل وموئل يلجأ إليه ويهرب إليه ويفر كل وقت إليه. وأما تعبده باسمه ~~الباطن فأمر يضيق نطاق التعبير عن حقيقته، ويكل اللسان عن وصفه، وتصطلم ~~الإشارة إليه وتجفو العبارة عنه، فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل ~~مخلصة من فرث التشبيه، منزهة عن رجس الحلول والاتحاد وعبارة مؤدية للمعنى ~~كاشفة عنه، وذوقا صحيحا سليما من أذواق أهل الانحراف. فمن رزق هذا فهم معنى ~~اسمه الباطن وصح له التعبد به. وسبحان الله كم زلت فى هذا المقام أقدام ~~وضلت فيه أفهام، ونظم فيه الزنديق بلسان الصديق، فاشتبه فيه إخوان النصارى ~~بالحنفاء المخلصين، لنبو الأفهام عنه وعزة تخلص الحق من الباطل فيه، ~~والتباس ما فى الذهن بما فى الخارج إلا على من رزقه الله بصيرة فى # PageV01P021 # الحق، ونورا يميز به بين الهدى والضلال، وفرقانا يفرق به بين الحق ~~والباطل، ورزق مع ذلك اطلاعا على أسباب الخطأ وتفرق الطرق ومثار الغلط، ~~فكان له بصيرة فى الحق والباطل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم. # وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب [تبارك وتعالى] بالعالم ~~وعظمته، وأن العوالم كلها فى قبضته، وأن السموات السبع والأرضين السبع فى ~~يده كخردلة فى يد العبد، قال تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} ~~[الإسراء: 60] ، وقال: {والله من ورآئهم محيط} [البروج: 20] ، ولهذا ms019 يقرن ~~سبحانه بين هذين الاسمين الدالين على هذين المعنيين: اسم العلو الدال على ~~أنه الظاهر وأنه لا شيء فوقه، واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء ~~دونه، كما قال تعالى: {وهو العلى العظيم} [البقرة: 255] [الشورى: 4] ، وقال ~~تعالى: {وهو العلى الكبير} [سبأ: 23] ، وقال: {ولله المشرق والمغرب فأينما ~~تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} [البقرة: 115] ، هو تبارك وتعالى ~~كما أنه العالى على خلقه بذاته فليس فوقه شيء، فهو الباطن بذاته فليس دونه ~~شيء، بل ظهر على كل شيء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه، وهو ~~محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه وكل شيء فى قبضته وليس شيء فى قبضة نفسه، ~~فهذا أقرب لإحاطة العامة. # وأما القرب المذكور فى القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه، ~~وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186] ، فهذا قربه من داعيه، وقال ~~تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] ، فوجد الخبر وهو ~~قريب عن لفظ الرحمة وهى مؤنثة [إيذانا] بقربه تعالى من المحسنين، فكأنه ~~قال: إن الله برحمته قريب من المحسنين. وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، و"أقرب ما يكون الرب من ~~عبده فى جوف الليل"، فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون. وفى الصحيح ~~من حديث أبى موسى أنهم كانوا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر، فارتفعت ~~أصواتهم بالتكبير فقال: "أيها الناس اربعوا # PageV01P022 # على أنفسكم [فإنكم] لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذى تدعونه سميع قريب، ~~أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"، فهذا قربه من داعيه وذاكره، يعنى فأى حاجة ~~بكم إلى رفع الأصوات وهو لقربه يسمعها وإن خفضت، كما يسمعها إذا رفعت، فإنه ~~سميع قريب. وهذا القرب هو من لوازم المحبة فكلما كان الحب أعظم كان القرب ~~أكثر، وقد استولت محبة المحبوب على قلب محبه بحيث يفنى بها ms020 عن غيرها، ويغلب ~~محبوبه على قلبه حتى [كأنه يراه ويشاهده] . إن لم يكن عنده معرفه صحيحة ~~بالله وما يجب له ويستحيل عليه وإلا طرق باب الحلول إن لم يلجه، وسببه ضعف ~~تمييزه وقوة سلطان المحبة، واستيلاء المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة ~~سواه، وفى مثل هذه الحال يقول: سبحانى، أو: ما فى الجبة إلا الله. ونحو هذا ~~من الشطحات التى نهايتها أن يغفر له ويعذر لسكره وعدم تمييزه فى تلك الحال. ~~فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد، وأن يكون الإله ~~أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرا ليس فوقه شيء، ومن ~~كيف ذهنه وغلظ طبعه عن فهم هذا فليضرب عنه صفحا إلى ما هو أولى به، فقد ~~قيل: # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # فمن لم يكن له ذوق من قرب المحبة، ومعرفة بقرب المحبوب من محبة غاية ~~القرب، وإن كان بينهما غاية المسافة- ولا سيما إذا كانت المحبة من الطرفين، ~~وهى محبة بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها- فإن المحب كثيرا ~~ما يستولى محبوبه على قلبه وذكره ويفنى عن غيره ويرق قلبه وتتجرد نفسه، ~~فيشاهد محبوبه كالحاضر معه القريب إليه وبينهما من البعد ما بينهما، وفى ~~هذه الحال يكون فى قلبه وجوده العلمى، وفى لسانه وجوده اللفظى، فيستولى هذا ~~الشهود عليه ويغيب به، فيظن أن فى عينه وجوده الخارجى للغلبة حكم القلب ~~والروح، كما قيل: # خيالك فى عينى وذكرك فى فمى ... ومثواك فى قلبى فأين تغيب # هذا ويكون ذلك المحبوب بعينه بينه وبين عدوه من البعد وما بينهما وإن ~~قربت الأبدان وتلاصقت الديار. والمقصود أن المثال العلمى غير الحقيقة ~~الخارجية وإن كان # PageV01P023 # مطابقا لها لكن المثال العلمى محله القلب والحقيقة الخارجية محلها الخارج ~~فمعرفة هذه الأسماء الأربعة وهى: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن هى أركان ~~العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ فى معرفتها إلى حيث ينتهى به قواه ~~وفهمه. # واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، بل كل ms021 شيء فله أول وآخر وظاهر ~~وباطن، حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر. فأولية الله عز وجل ~~سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه فأوليته ~~سبقه لكل شيء، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على ~~كل شيء، ومعنى الظهور يقتضى العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط ~~بباطنه. وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء [بحيث يكون أقرب إليه من نفسه وهذا ~~قرب غير قرب المحب] من حبيبه، هذا لون وهذا لون. فمدار هذه الأسماء الأربعة ~~[على الإحاطة وهى إحاطتان زمانيه ومكانيه فأحاطت] أوليته وآخريته بالقبل ~~والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته ~~وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما ~~من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله [دونه] [وما من أول إلا ~~والله قبله وما من آخر إلا والله بعده] فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه ~~والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه. فسبق كل شيء بأوليته وبقى بعد كل ~~شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه [فلا توارى ~~منه سماء سماء ولا أرض أرضا] ، ولا يحجب عنه ظاهر باطن بل الباطن له ظاهر، ~~والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، فهذه الأسماء ~~الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول فى آخريته والآخر فى أوليته، ~~والظاهر فى بطونه والباطن فى ظهوره، لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. # والتعبد بهذه الأسماء رتبتان: الرتبة الأولى أن تشهد الأولية منه تعالى ~~فى كل شيء والآخرية بعد كل شيء والعلو والفوقية فوق كل شيء والقرب والدنو ~~دون كل شيء، فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه فيصير الحاجب بينه وبين ~~المحجوب، والرب جل جلاله ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه والمرتبة الثانية ~~من التعبد أن يعامل كل اسم # PageV01P024 # بمقتضاه، فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء [وسبقه] بفضله وإحسانه ~~الأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من إفراده وعدم الإلتفات إلى ms022 غيره والوثوق ~~بسواه والتوكل على غيره، فمن ذا الذى شفع لك فى الأزل حيث لم تكن شيئا ~~مذكورا حتى سماك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة ~~اليمين، وأقطعك فى ذلك الغيب عمالات المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، ~~وأعتقك من التزام الرق لمن له شكل ونديد، ثم وجه وجهة قلبك إليه [تبارك ~~وتعالى] دون ما سواه، فاضرع إلى الذى عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم ~~الصدق فى القدم، أن يتم عليك نعمة هو ابتدأها وكانت أوليتها منه بلا سبب ~~منك، واسم بهمتك عن ملاحظة الاختيار ولا تركنن إلى الرسوم والآثار، ولا ~~تقنع بالخسيس الدون، وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التى لا تنال ~~إلا [بطاعة الله. فإن الله عز وجل قضى أن لا ينال ما عنده إلا] بطاعته، ومن ~~كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، فمن أقبل إليه تلقاه من بعيد ~~ومن تصرف [بحوله] وقوته ألان له الحديد، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ~~ومن أراد مراده الدينى أراد ما يريد. ثم اسم بسرك إلى المطلب، واقصر حبك ~~وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك، بل هو الذى جاد عليك ~~بالأسباب، وهيأ لك وصرف عنك موانعها وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة. فتوكل ~~عليه وحده وعامله وحده [وآثر رضاه وحده. وأجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك ~~التى لا تزال طائفا بها. مستلما لأركانها] ، واقفا بملتزمها، فيا فوزك ويا ~~سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك، ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخلع ~~أفضاله: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد سبحانك وبحمدك"، ثم تعبد له باسمه الآخر بأن تجعله وحده غايتك التى لا ~~غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءه فكما انتهت إليه الأواخر، وكان بعد كل ~~آخر فكذلك اجعل نهايتك إليه، فإن إلى ربك المنتهى، إليه انتهت الأسباب ~~والغايات فليس وراءه مرمى ينتهى إليه. وقد تقدم التنبيه على ذلك وعلى ~~التعبد باسمه ms023 الظاهر. وأما التعبد باسمه الباطن، فإذا شهدت إحاطته بالعوالم ~~وقرب العبيد منه وظهور البواطن له وبدو السرائر له وأنه لا شيء بينه وبينها ~~فعامله بمقتضى هذا الشهود، وطهر له سريرتك فإنها عنده علانية # PageV01P025 # وأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة وزك له باطنك فإنه عنده ظاهر. # فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله، وجماع العبودية ~~له. فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته فلا يرى لغيره شيئا إلا به ~~وبحوله وقوته، وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو مما كان يستند إليه ~~أو يتحلى به أو يتخذه عقدة أو يراه ليوم فاقته أو يعتمد عليه فى [مهم] من ~~مهماته، فكل ذلك من قصور نظره وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب ~~والفروع كما هو شأن الطبيعة والهوى وموجب الظلم والجهل، والإنسان ظلوم جهول ~~فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمل فطرته وأوقفه على مبادئ الأمور ~~وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كمفلس حقا من علومه وأعماله ~~وأحواله وأذواقه يقول: أستغفر الله من علمى ومن عملى، أى من انتسابى إليهما ~~وغيبتى بهما عن فضل من ذكرنى بهما وابتدأنى بإعطائهما من غير تقدم سبب منى ~~يوجب ذلك. فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبق منته ودوامه، فيثيبه مولاه على ~~هذه الشهادة العالية بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى ~~ثوابين: أحدهما الخلاص من رؤية الأعمال حيث كان يراها ويمتدح بها ويستكثرها ~~فيستغرق بمطالعة الفضل غائبا عنها ذاهبا عنها فانيا عن رؤيتها، الثواب ~~الثانى أن يقطعه عن شهود الأحوال- أى عن شهود نفسه فيها متكثرة بها- فإن ~~الحال محله الصدر والصدر بيت القلب والنفس، فإذا نزل العطاء فى الصدر للقلب ~~وثبتت النفس لتأخذ نصيبها من العطاء فتتمدح به وتدل به وتزهو وتستطيل وتقرر ~~إنيتها لأنها جاهلة ظالمة وهذا مقتضى الجهل [والظلم] . فإذا وصل إلى القلب ~~نور صفة المنة، وشهد معنى اسمه المنان، وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا ~~الاسم مع اسمه الأول، ذهل القلب والنفس به وصار العبد فقيرا إلى مولاه ~~بمطالعة سبق ms024 فضله الأول، فصار مقطوعا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه ~~بحيث يكون بشهادته لحاله مفصوما مقطوعا عن رؤية عزة مولاه وفاطره وملاحظة ~~صفاته. فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منة خالقه وفضله ومشاهدة سبق ~~الأولية للأسباب كلها، وغائب بمشاهدة عزة نفسه عن عزة مولاه، فينعكس هذا ~~الأمر فى حق هذا العبد الفقير وتشغله رؤية عزة مولاه ومنته ومشاهدة سبقه ~~بالأولية عن حال يعتز بها العبد أو يشرف بها. وكذلك الرجوع # PageV01P026 # إلى السبق بمطالعة الفضل يمحص من أدناس مطالعات المقامات، فالمقام ما كان ~~راسخا فيه، والحال ما كان عارضا لا يدوم. فمطالعات المقامات [وشرفه] بها ~~وكونه يرى نفسه صاحب مقام قد حققه وكمله فاستحق أن ينسب إليه ويوصف به مثل ~~أن يقال زاهد صابر خائف راج محب راض، فكونه يرى نفسه مستحقا بأن تضاف ~~المقامات إليه وبأن يوصف بها- على وجه الاستحقاق لها- خروج عن الفقر إلى ~~الغنى، وتعد لطور العبودية، وجهل بحق الربوبية فالرجوع إلى السبق بمطالعة ~~الفضل يستغرق همة العبد ويمحصه ويطهره من مثل هذه الأدناس، فيصير مصفى بنور ~~الله [عز وجل] عن رذائل هذه الأرجاس. # [الدرجة الثالثة من درجات الفقر] # قوله: "والدرجة الثالثة صحة الاضطرار، والوقوع فى يد التقطع الوحدانى، ~~والاحتباس فى بدء قيد التجريد، وهذا فقر الصوفية". وهذه الدرجة فوق ~~الدرجتين السابقتين عند أرباب السلوك، وهى الغاية التى شمروا إليها وحاموا ~~حولها، فإن الفقر الأول فقر عن الأعراض الدنيوية، والفقر الثانى فقر عن ~~رؤية المقامات والأقوال، وهذا الفقر الثالث فقر عن ملاحظة الموجود الساتر ~~للعبد عن مشاهدة الوجود، فيبقى الوجود الحارث فى قبضة الحق عز وجل الهباء ~~المنثور فى الهواء، يتقلب بتقليبه إياه، ويسير فى شاهد العبد كما هو فى ~~الخارج، فتمحو رؤية التوحيد عن العبد شواهد استبداده واستقلاله بأمر من ~~الأمور، ولو فى النفس واللمحة والطرفة والهمة والخاطر والوسوسة، إلا بإرادة ~~المريد الحق سبحانه وتدبيره وتقديره ومشيئته، فيبقى العبد كالكرة الملقاة ~~بين صولجانات القضاء والقدر، تقلبها كيف شاءت بصحة شهادة قيومية من له ~~الخلق والأمر وتفرده ms025 بذلك دون ما سواه. وهذا الأمر لا يدرك بمجرد العلم، ~~ولا يعرفه إلا من تحقق به أولاح له منه بارق، وربما ذهل صاحب هذا المشهد عن ~~الشعور بوجوده لغلبة شهود وجود القيوم عليه، فهناك يصح من مثل هذا العبد ~~الاضطرار إلى الحى القيوم، وشهد فى كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرا ~~تاما إليه من جهة كونه ربا ومن جهة كونه إلها معبودا لا غنى له عنه كما لا ~~وجود له بغيره. فهذا هو الفقر الأعلى الذى دارت عليه رحى القوم، بل هو قطب ~~تلك الرحى. # وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما: معرفة حقيقة الربوبية والإلهية، ~~ومعرفة حقيقة النفس # PageV01P027 # والعبودية، فهنالك تتم له معرفة هذا الفقر، فإن أعطى هاتين المعرفتين ~~حقهما من العبودية اتصف بهذا الفقر حالا، فما أغناه حينئذ من فقير، وما ~~أعزه من ذليل، وما أقواه من ضعيف، وما آنسه من وحيد. فهو الغنى بلا مال ~~القوى بلا سلطان، العزيز بلا عشيرة، المكفى بلا عتاد. قد قرت عينه بالله ~~[فقرت به كل عين، واستغنى بالله] فافتقر إليه الأغنياء والملوك. ولا يتم له ~~ذلك إلا بالبراءة من فرث الجبر ودمه فإنه إن طرق باب الجبر انحل عنه نظام ~~العبودية، وخلع ربقة الإسلام من عنقه وشهد أفعاله كلها طاعات للحكم القدرى ~~الكونى وأنشد: # أصبحت منفعلا لما يختاره ... منى، ففعلى كله طاعات # وإذ قيل له: اتق الله ولا تعصه، يقول: إن كنت عاصيا لأمره، فأنا مطيع ~~لحكمه وإرادته ، فهذا منسلخ من الشرائع، بريء من دعوة الرسل، شقيق لعدو ~~الله إبليس بل وظيفة الفقير فى هذا [الموضع] ، وفى هذه الضرورة مشاهدة ~~الأمر والشرع، ورؤية قيامه بالأفعال وصدورها منه كسبا واختيارا، وتعلق ~~الأمر والنهى بها طلبا وتركا، وترتب الذم والمدح عليها شرعا وعقلا، وتعلق ~~الثواب والعقاب بها آجلا وعاجلا، فمتى اجتمع له هذا الشهود الصحيح إلى ~~[شهود] الاضطرار فى حركاته وسكناته، والفاقة التامة إلى مقلب القلوب ومن ~~بيده أزمة الاختيار ومن إذا شاء شيئا وجب وجوده، وإذا لم يشأ امتنع وجوده، ms026 ~~وأنه لا هادى لمن أضله ولا مضل لمن هداه وأنه هو الذى يحرك [القلوب ~~بالإرادات والجوارح بالأعمال وأنها مدبرة تحت] تسخيره مذللة تحت قهره، ~~وأنها أعجز وأضعف من أن تتحرك بدون [مشيئته، وأن] مشيئته نافذة فيها كما هى ~~نافذة فى حركات الأفلاك والمياه والأشجار وأنه حرك كلا منها بسبب اقتضى ~~تحريكه وهو خالق السبب المقتضى وخالق السبب خالق للمسبب، فخالق الإرادة ~~الحازمة التى هى سبب الحركة والفعل الاختيارى خالق لهما، وحدوث الإرادة بلا ~~خالق محدث محال، وحدوثها بالعبد بلا إرادة منه محال، وإن كان [بإرادته] ~~فإرادته للإرادة كذلك ويستحيل بها التسلسل، فلا بد من فاعل أوجد تلك ~~الإرادة التى هى سبب الفعل، فهنا يتحقق الفقر والفاقة والضرورة التامة إلى ~~مالك الإرادات ورب القلوب ومصرفها كيف شاء، فما شاء أن يزيغه منها أزاغه، ~~وما شاء أن يقيمه منها أقامه: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ # PageV01P028 # هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 8] ، فهذا هو ~~الفقر الصحيح المطابق للعقل والفطرة والشرع، ومن خرج عنه وانحرف إلى أحد ~~الطرفين زاغ قلبه عن الهدى، وعطل مالك الملك الحق وانفراده بالتصرف ~~والربوبية عن أوامره وشرعه وثوابه وعقابه. وحكم هذا الفقير المضطر إلى ~~خالقه فى كل طرفة عين وكل نفس أنه إن حرك بطاعة أو نعمة شكرها وقال: هذا من ~~فضل الله ومنه وجوده فله الحمد. وإن حرك بمباديء معصيته صرخ ولجأ واستغاث ~~وقال: "أعوذ بك منك، يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك يا مصرف القلوب صرف ~~قلبى على طاعتك"، فإن تم تحريكه بالمعصية التجأ التجاء أسير قد أسره عدوه ~~وهو يعلم أنه لا خلاص له من أسره إلا بأن يفكه سيده من الأسر، ففكاكه فى يد ~~سيده ليس فى يده منه شيء البتة، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا ~~حياة ولا نشورا، فهو فى أسر العدو ناظر إلى سيده وهو قادر [على تخليصه] ، ~~قد اشتدت ضرورته إليه، وصار اعتماده كله عليه. قال سهل: إنما يكون ~~الالتجاء، على ms027 معرفة الابتلاء، يعنى وعلى قدر الابتلاء تكون المعرفة ~~بالمبتلى ومن عرف قوله صلى الله عليه وسلم: "وأعوذ بك منك"، وقام بهذه ~~المعرفة شهودا وذوقا، وأعطاها حقها من العبودية، فهو الفقير حقا، ومدار ~~الفقر الصحيح على هذه الكلمة، فمن [زرق] فهم سر هذا [فهم سر] الفقر ~~المحمدى، فهو سبحانه الذى ينجى من قضائه بقضائه، وهو الذى يعيذ بنفسه من ~~نفسه، وهو الذى يدفع ما منه بمامنه، فالخلق كله له، والأمر كله له والحكم ~~كله له، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا ~~مشيئته، وما لم يشأ لم يمكن أن يجلبه إلا مشيئته، فلا يأتى بالحسنات إلا ~~هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدى لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ~~ولا يصرف سيئها إلا هو: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا رآد لفضله} [يونس: 107] ، والتحقق بمعرفة هذا يوجب صحة الاضطرار ~~وكمال الفقر والفاقة، ويحول بين العبد وبين رؤية أعماله وأحواله والاستغناء ~~بها والخروج عن رفقة العبودية إلى دعوى ما ليس له. وكيف يدعى مع الله حالا ~~أو ملكة أو مقاما من قلبه وإرادته وحركاته الظاهرة والباطنة بيد ربه ومليكة ~~لا يملك هو منها شيئا، وإنما هى بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء فالإيمان ~~بهذا # PageV01P029 # والتحقق به نظام التوحيد، ومتى من القلب انحل نظام التوحيد، فسبحان من لا ~~يوصل إليه إلا به. ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا ينال ما عنده من الكرامة إلا ~~بطاعته ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته فعاد الأمر كله إليه كما ~~ابتدأ الأمر كله منه، فهو الأول والآخر وأن إلى ربك المنتهى. # ومن وصل إلى هذا الحال وقع فى يد التقطع والتجريد، وأشرف على مقام ~~التوحيد الخاص، فإن التوحيد نوعان: عام وخاص، كما أن الصلاة نوعان، والذكر ~~نوعان، وسائر القرب كذلك خاصية وعامية، فالخاصية ما بذل فيها العامل نصحه ~~وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعامية ما لم يكن كذلك. ~~فالمسلمون كلهم ms028 مشتركون فى إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله، وتفاوتهم فى ~~معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم باطنا وظاهرا أمر لا يحصيه إلا الله عز ~~وجل، وقد ظن كثير من الصوفية أن التوحيد الخاص أن يشهد العبد المحرك له ~~ويغيب عن المتحرك وعن الحركة فيغيب بشهوده عن حركته، ويشهد نفسه شبحا فانيا ~~يجرى على تصاريف المشيئة، كمن غرق فى البحر فأمواجه ترفعه طورا وتخفضه ~~طورا، فهو غائب بها عن ملاحظة حركته فى نفسه، بل قد اندرجت حركته فى ضمن ~~حركة الموج وكأنه لا حركة له بالحقيقة، وهذا وإن ظنه كثير من القوم غاية، ~~وظنه بعضهم لازما من لوازم التوحيد فالصواب أن من ورائه ما هو أجل منه، ~~وغاية هذا الفناء فى توحيد الربوبية، وهو أن لا يشهد ربا وخالقا ومدبرا إلا ~~الله، وهذا هو الحق، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفى فى النجاة فضلا عن ~~أن يكون شهوده والفناء فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم، فالغاية التى ~~لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها الفناء فى توحيد الإلهية وهو أن يفنى بمحبة ~~ربه عن محبة كل ما سواه، وبتألهه عن تأله ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه ~~عن الشوق إلى ما سواه، وبالذل [والفقر] له والفقر إليه من جهة كونه معبوده ~~وإلهه ومحبوبه عن الذل إلى كل ما سواه، وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما ~~سواه ورجائه، فيرى أنه ليس فى الوجود ما يصلح له ذلك إلا الله، ثم يتصف ~~بذلك حاله وينصبغ به قلبه صبغة ثم يفنى بذلك عما سواه، فهذا هو التوحيد ~~الخاص الذى شمر إليه العارفون، والورد الصافى الذى حام حوله المحبون، ومتى ~~وصل إليه العبد # PageV01P030 # صار فى يد التقطع والتجريد، واشتمل بلباس الفقر الحقيقى، وفرق حب الله من ~~قلبه كل محبة وخوفه كل خوف ورجاؤه كل رجاء، فصار حبه وخوفه ورجاؤه وذله ~~وإيثاره وإرادته ومعاملته كل ذلك واحد لواحد، فلم ينقسم طلبه ولا مطلوبه، ~~فتعدد المطلوب وانقسامه قادح فى التوحيد والإخلاص، وانقسام الطلب قادح فى ~~الصدق والإرادة، ms029 فلا بد من توحيد الطلب والإرادة وتوحيد المطلوب المراد، ~~فإذا غاب بمحبوبه عن حب غيره وبمذكوره عن ذكر غيره وبمألوهه عن تأله غيره ~~صار من أهل التوحيد الخاص، وصاحبه مجرد عن ملاحظة سوى محبوبه أو إيثاره أو ~~معاملته أو خوفه أو رجائه. وصاحب توحيد [الربوبية] فى قيد التجريد عن ~~ملاحظة فاعل غير الله وهو مجرد عن ملاحظة وجوده، وهو كما كان صاحب الدرجة ~~الأولى مجردا عن أمواله وصاحب الثانية مجردا عن أعماله وأحواله، فصاحب ~~الفناء فى توحيد الإلهية مجرد عن سوه [مراضى محبوبه وأوامره قد فنى بحبه ~~وابتغاء مرضاته عن] حب غيره وابتغاء مرضاته. وهذا هو التجريد الذى سمت إليه ~~همم السالكين، فمن تجرد عن ماله وحاله وكسبه وعمله ثم تجرد عن شهود تجريده ~~فهو المجرد عندهم حقا، وهذا تجريد القوم الذى عليه يحومون، وإياه يقصدون، ~~ونهايته عندهم التجريد بفناء وجوده، وبقاؤه بموجوده، بحيث يفنى من لم يكن ~~ويبقى من لم يزل، ولا غاية عندهم وراء هذا. ولعمر الله إن وراءه [تجريدا] ~~أكمل منه، ونسبته إليه كفتلة فى بحر وشعرة فى [ظهر] بعير، وهو تجريد الحب ~~والإرادة عن الشوائب والعلل والحظوظ، فيتوحد حبه كما توحد محبوبه، ويتجرد ~~عن مراده من محبوبه [بمراد محبوبه] منه، بل يبقى مراد محبوبه هو من نفس ~~مراده، وهنا يعقل الاتحاد الصحيح وهو اتحاد المراد، فيكون عين مراد المحبوب ~~هو عين مراد المحب، وهذا هو غاية الموافقة وكمال العبودية، ولا تتجرد ~~المحبة عن العلل والحظوظ التى تفسدها إلا بهذا. فالفرق بين محبة حظك ومرادك ~~من المحبوب وأنك إنما تحبه لذلك وبين محبة مراد المحبوب منك ومحبتك له ~~لذاته أنه أهل أن يحب. وأما الاتحاد فى الإرادة فمحال كما أن الاتحاد فى ~~المريد محال، فالإرادتان متباينتان. وأما مراد المحب والمحبوب إذا خلصت ~~المحبة من العلل والحظوظ فواحد. # فالفقر والتجريد والفناء من واد واحد. وقد جعله صاحب "منازل السائرين" من ~~قسم النهايات، وحده # PageV01P031 # بأنه الانخلاع [من] شهود الشواهد، وجعله على ثلاث درجات: الدرجة الأولى ~~تجريد الكشف عن كسب ms030 اليقين، والثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم، ~~والثالثة تجريد الخلاص من شهود التصريح. # (يتبع ... ) # فقوله فى الأولى: "تجريد الكشف عن كسب اليقين" يريد كشف الإيمان ومكافحته ~~للقلب، وهذا وإن حصل باكتساب اليقين من أدلته وبراهينه، فالتجريد أن يشهد ~~سبق الله تعالى بمنته لكل سبب ينال به اليقين أو الإيمان، فيجرد كشفه لذلك ~~عن ملاحظة سبب أو وسيلة، بل يقطع الأسباب والوسائل وينتهى نظره إلى المسبب، ~~وهذه إن أريد تجريدها عن كونها أسبابا فتجريد باطل، وصاحبه ضال وإن أريد ~~تجريدها عن الوقوف عندها ورؤية انتسابها إليه وصيرورتها عنوان اليقين إنما ~~كان به وحده، فهذا تجريد صحيح ولكن على صاحبه إثبات الأسباب، فإن نفاها عن ~~كونها أسبابا فسد تجريده. # وقوله فى الدرجة الثانية: "تجريد عين الجمع عن درك العلم" لما كانت ~~الدرجة الأولى تجريدا عن الكسب وانتهاء إلى عين الجمع الذى هو الغيبة بتفرد ~~الرب بالحكم عن إثبات وسيلة أو سبب، اقتضت تجريدا آخر أكمل من الأول وهو ~~تجريد هذا الجمع عن علم العبد به. فالأولى تجريد عن رؤية السبب والفعل، ~~والثانية تجريد عن العلم والإدراك وهذا يقتضى أيضا تجريدا ثالثا أكمل من ~~الثانى وهو تجريد التخلص من شهود التجريد، وصاحب هذا التجريد الثالث فى عين ~~الجمع قد اجتمعت همته على الحق، وشغل به عن ملاحظة جمعه وذكره وعلمه به، قد ~~استغرق ذلك قلبه، فلا سعة فيه لشهود علمه بتجريده ولا شعوره به، فلا التفات ~~له إلى تجريده، ولو بقى له التفات إليه لم يكمل تجريده. ووراء هذا كله ~~تجريد نسبة هذا التجريد إليه كشعرة من ظهر بعير إلى جملته، وهو تجريد الحب ~~والإرادة عن تعلقه بالسوى، وتجريده عن العلل والشوائب والحظوظ التى هى مراد ~~النفس، فيتجرد الطلب والحب عن كل تعلق يخالف مراد المحبوب، فهذا تجريد ~~الحنيفية. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به. # PageV01P032 ### | فصل: فى تقسيم الغنى إلى عال وسافل # ولما كان الفقر إلى الله عز وجل هو عين الغنى به- فأفقر الناس إلى الله ~~أغناهم به، ms031 وأذلهم له أعزهم، وأضعفهم بين يديه أقواهم، وأجهلهم عند نفسه ~~أعلمهم بالله وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله- كأن ذكر الغنى بالله مع ~~الفقر إليه متلازمين متناسبين، فنذكر فصلا نافعا فى الغنى العالى. واعلم أن ~~الغنى على الحقيقة لا يكون إلا لله الغنى بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه ~~فموسوم بسمة الفقر كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع، وكما أن كونه مخلوقا ~~أمر ذاتى له، فكونه فقيرا أمر ذاتى له كما تقدم بيانه، وغناه أمر نسبى ~~إضافى عارض له، فإنه إنما استغنى بأمر خارج عن ذاته فهو غنى به فقير إليه، ~~ولا يوصف بالغنى على الإطلاق إلا من غناه من لوازم ذاته، فهو الغنى بذاته ~~عما سواه، وهو الأحد الصمد الغنى الحميد. # والغنى قسمان: غنى سافل، وغنى عال. فالغنى السافل الغنى بالعوارى ~~المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل ~~المسومة والأنعام والحرث وهذا أضعف الغنى، فإنه غنى بظل زائل، وعارية ترجع ~~عن قريب إلى أربابها، فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها، وكأن الغنى بها كان ~~حلما فانقضى، ولا همة أضعف من همة من رضى بهذا الغنى الذى هو ظل زائل. وهذا ~~غنى أرباب الدنيا الذى فيه يتنافسون، وإياه يطلبون، وحوله يحومون، ولا أحب ~~إلى الشيطان وأبعد عن الرحمن من قلب ملآن بحب هذا الغنى والخوف من فقده. ~~قال بعض السلف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة ~~أشياء: مؤمن قتل مؤمنا، ورجل يموت على الكفر، وقلب فيه خوف الفقر. وهذا ~~الغنى محفوف بفقرين: فقر قبله، وفقر بعده، وهو كالغفوة بينهما. فحقيق بمن ~~نصح نفسه أن لا يغتر به ولا يجعله نهاية مطلبه، بل إذا حصل له جعله سببا ~~لغناه الأكبر وسيلة إليه، ويجعله خادما من خدمه لا مخدوما له، وتكون نفسه ~~أعز عليه من أن يعبدها لغير مولاه الحق، أو يجعلها خادمة لغيره. # PageV01P033 ### | فصل: فى الغني العالي # أما الغنى العالى فقال شيخ الإسلام: "هو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: # PageV01P033 # غنى القلب، وهو سلامته من السبب، ms032 ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة، ~~والدرجة الثانية غنى النفس، وهو استقامتها على المرغوب، وسلامتها من ~~الحظوظ، وبراءتها من المراءاة. والدرجة الثالثة: الغنى الحق وهو ثلاث ~~مراتب: الأولى شهود ذكره إياك، والثانية: دوام مطالعة أوليته، والثالثة: ~~الفوز بوجوده". قلت: ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس الغنى ~~عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس"، ومتى استغنت النفس استغنى القلب، ~~ولكن الشيخ قسم الغنى إلى هذه الدرجات بحسب متعلقة فقال: "غنى القلب سلامته ~~من السبب، ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة ومعلوم أن هذا شرط فى الغنى، ~~لا أنه نفس الغنى، بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من ~~الغنى، فهذه السلامة والمسالمة دليل على غنى القلب، لا أن غناه بها نفسها، ~~وإنما غنى القلب بالدرجة الثالثة فقط كما سيأتى بيانه إن شاء الله، فالغنى ~~إنما يصير غنيا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته. وفى القلب فاقة عظيمة ~~وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى الحميد الذى إن حصل ~~للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء. فكما أنه سبحانه الغنى على ~~الحقيقة ولا غنى سواه، فالغنى به هو الغنى فى الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة، ~~فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات، ومن استغنى به زالت ~~عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح، والله المستعان. # وإنما قدم شيخ الإسلام الكلام على غنى القلب على الكلام على غنى النفس ~~لأن كمال صلاح النفس غناها بالاستقامة من جميع الوجوه، وبلوغها إلى درجة ~~الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب، وصلاح النفس متقدم على صلاح القلب ~~هكذا قيل، وفيه ما فيه، لأن صلاح كل واحد منهما مقارن لصلاح الآخر. ولكن ~~لما كان القلب هو الملك وكان صلاحه صلاح جميع رعيته كان أولى بالتقديم، وقد ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم: "إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر ~~الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهى القلب"، والقلب إذا استغنى ~~بما ms033 فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية خلع على الأمراء والرعية خلعا ~~تناسبها، فخلع على النفس خلع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات، فأدت ~~الحقوق سماحة لا كظما بانشراح ورضا ومبادرة، وذلك # PageV01P034 # لأنها جانست القلب حينئذ ووافقته فى أكثر أموره، واتحد مرادهما غالبا ~~فصارت له وزير صدق، بعد أن كانت عدوا مبارزا بالعداوة، فلا تسأل عما أحدثت ~~هذه المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولذة عيش ونعيم هو دقيقة من نعيم أهل ~~الجنة. هذا ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما بل عدتها وسلاحها كامن ~~متوار، لولا قوة سلطان القلب وقهره لحاربت بكل سلاح، فالمرابطة على ثغرى ~~الظاهر والباطن فرض متعين مدة أنفاس الحياة. # وتنقضى الحرب محمودا عواقبها ... للصابرين، وحظ الهارب الندم # وخلع على الجوارح خلع الخشوع والوقار، وعلى الوجه خلعة المهابة والنور ~~والبهاء، وعلى اللسان خلعة الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة، ~~وعلى العين خلعة الاعتبار فى النظر والغض عن المحارم، وعلى الأذن خلعة ~~استماع النصيحة واستماع القول النافع استماعه للعبد فى معاشه ومعاده، وعلى ~~اليدين والرجلين خلعة البطش فى الطاعات أين كانت بقوة وأيد، وعلى الفرج ~~خلعة العفة والحفظ. فغدا العبد وراح يرفل فى هذه الخلع ويجر لها فى الناس ~~أذيالا وأردانا. فغنى النفس مشتق من غنى القلب وفرع عليه، فإذا استغنى سرى ~~الغنى منه إلى النفس. وغنى القلب ما يناسبه من تحقيقه بالعبودية المحضة ~~التى هى أعظم خلعة تخلع عليه، فيستغنى حينئذ بما توجبه هذه العبودية له من ~~المعرفة الخاصة والمحبة الناصحة الخالصة، وبما يحصل له من آثار الصفات ~~المقدسة وما تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة على الانفراد ~~ومجموعها قائمة بالذات، وهذا أمر تضيق عن شرحه عدة أسفار بل حظ العبد منه ~~علما وإرادة كما يدخل إصبعه فى اليم، بل الأمر أعظم من ذلك. والله عز وجل: ~~{أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها} [الرعد: 17] ، فإذا استغنى القلب ~~بهذا الغنى الذى هو غاية فقره استغنت النفس غنى يناسبها، وذهبت عنها ~~البرودة التى ثقلها وكسلها وإخلادها إلى الأرض وصارت لها حرارة ms034 توجب حركتها ~~وخفتها فى الأوامر وطلبها الرفيق الأعلى، وصارت برودتها فى شهواتها وحظوظها ~~ورعوناتها وذهبت أيضا عنها اليبوسة المضادة للينها وسرعة انفعالها وقبولها، ~~فإنها إذا كانت يابسة قاسية كانت بطيئة الانفعال بعيدة القبول لا تكاد ~~تنقاد، فإذا صارت برودتها حرارة، وبوبستها رطوبة # PageV01P035 # وسقيت بماء الحياة الذى أنزله الله عز وجل [من السماء] على قلوب أنبيائه ~~وجعلها قرارا ومعينا له ففاض منها على قلوب أتباعهم فأنبتت من كل زوج كريم، ~~فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق مؤدية لحقوقه قائمة بأوامره ~~راضية عنه مرضية له بكمال طمأنينتها: {يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية} [الفجر: 27- 28] ، فلنرجع إلى كلامه. # فقوله فى الدرجة الأولى وهى غنى القلب: "إنه سلامته من السبب" أى من ~~الفقر إلى السبب وشهوده والاعتماد عليه والركون إليه والثقة به، فمن كان ~~معتمدا على سبب [غناه] واثقا به لم يطلق عليه اسم الغنى، لأنه فقير إلى ~~الوسائط، بل لا يسمى صاحبه غنيا إلا إذا سلم من علة السبب استغناء بالمسبب، ~~بعد الوقوف على رحمته وحكمته وتصرفه وحسن تدبيره، فلذلك يصير صاحبه غنيا ~~بتدبير الله عز وجل. فمن كملت له السلامة من علة الأسباب، ومن علة المنازعة ~~للحكم بالاستسلام له والمسالمة- أى بالانقياد لحكمه- حصل الغنى [فحمى] ~~للقلب بوقوفه على حسن تدبيره ورحمته وحكمته، فإذا وقف العبد على حسن تدبيره ~~واستغنى القلب به لم يتم له الاستغناء بمجرد هذا الوقوف، ان لم ينضم إليه ~~المسالمة للحكم وهو الانقياد له، فإن المنازعة للحكم إلى حكم آخر دليل على ~~وجود رعونة الاختيار، وذلك دال على فقر صاحب الاختيار إلى ذلك الشئ ~~المختار، ومن كان فقيرا إلى شيء لم يرده الله [عز وجل] لم يطلق عليه اسم ~~الغنى بتدبير الله عز وجل، فلا يتم الغنى بتدبير الرب عز وجل لعبده إلا ~~بالمسالمة لحكمه بعد الوقوف على حسن تدبيره، ثم يبقى عليه الخلاص من معنى ~~آخر وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من مخاصمة الرب سبحانه. فإن منازعة الخلق ~~دليل على فقره إلى الأمر الذى وقعت فيه ms035 الخصومة من الحظوظ العاجلة، ومن كان ~~فقيرا إلى حظ من الحظوظ- يسخط لفوته ويخاصم الخلق عليه- لا يطلق عليه اسم ~~الغنى حتى يسلم الخلق من خصومته بكمال تفويضه إلى وليه وقيومه ومتولى ~~تدبيره، فمتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب، ومن علة منازعته لأحكام ~~الله [عز وجل] ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظ، استحق أن يكون غنيا بتدبير ~~مولاه مفوضا إليه لا يفتقر قلبه إلى غيره ولا يسخط شيئا من أحكامه ولا ~~يخاصم عباده إلا فى حقوق ربه فتكون مخاصمته لله وبالله، ومحاكمته إلى الله، ~~كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى استفتاح صلاة الليل: "اللهم لك ~~أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك # PageV01P036 # أنبت، وبك خاصمت وإليك حاكمت"، فتكون مخاصمة هذا العبد لله لا لهواه وحظه ~~ومحاكمته خصمه إلى أمر الله وشرعه لا إلى شيء سواه، فمن خاصم لنفسه فهو ممن ~~اتبع هواه وانتصر لنفسه، وقد قالت عائشة: "ما انتقم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لنفسه قط"، وهذا لتكميل عبوديته. ومن حاكم خصمه إلى غير الله ~~ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت، وقد أمر أن يكفر به، ولا يكفر العبد بالطاغوت ~~حتى يجعل الحكم لله وحده كما هو كذلك فى نفس الأمر. # والحكم نوعان: حكم كونى قدرى، وحكم أمرى دينى، فهذا الذى ذكره الشيخ فى ~~منازل السائرين وشرحه عليه الشارحون، إنما مراده به الحكم الكونى القدرى، ~~وحينئذ فلا بد من تفصيل ما أجملوه من مسالمة الحكم والاستسلام له وترك ~~المنازعة له، فإن هذا الإطلاق غير مأمور به ولا ممكن للعبد فى نفسه والحكم ~~نوعان: حكم كونى قدرى، وحكم أمرى دينى، فهذا الذى ذكره الشيخ فى منازل ~~السائرين وشرحه عليه الشارحون، إنما مراده به الحكم الكونى القدرى، وحينئذ ~~فلا بد من تفصيل ما أجملوه من مسالمة الحكم والاستسلام له وترك المنازعة ~~له، فإن هذا الإطلاق غير مأمور به ولا ممكن للعبد فى نفسه # بل الأحكام ثلاثة: حكم شرعى دينى، فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم ~~وترك المنازعة، بل بالانقياد المحض، ms036 وهذا تسليم العبودية المحضة فلا يعارض ~~بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلا ~~البتة، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم [والإذغان والقبول فإذا تلقى بهذا ~~التسليم والمسألة إقرارا] وتصديقا بقى هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادة ~~وتنفيذا وعملا، فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم ~~تكن له شبهة تعارض وإقراره، إيمانه وهذا حقيقة القلب السليم الذى سلم من ~~شبهة تعارض الحق وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين ~~يتبعون الشهوات، ولا خاض فى الباطن خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج ~~خلاقه تحت الأمر، واضمحل خوضه فى معرفته بالحق فاطمأن إلى الله معرفة به ~~ومحبة له وعلما بأمره وإرادته لمرضاته، فهذا حق الحكم الدينى. بل الأحكام ~~ثلاثة: حكم شرعى دينى، فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك ~~المنازعة، بل بالانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة فلا يعارض بذوق ~~ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلا البتة، ~~وإنما هو الانقياد المحض والتسليم [والإذغان والقبول فإذا تلقى بهذا ~~التسليم والمسألة إقرارا] وتصديقا بقى هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادة ~~وتنفيذا وعملا، فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم ~~تكن له شبهة تعارض وإقراره، إيمانه وهذا حقيقة القلب السليم الذى سلم من ~~شبهة تعارض الحق وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين ~~يتبعون الشهوات، ولا خاض فى الباطن خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج ~~خلاقه تحت الأمر، واضمحل خوضه فى معرفته بالحق فاطمأن إلى الله معرفة به ~~ومحبة له وعلما بأمره وإرادته لمرضاته، فهذا حق الحكم الدينى. # الحكم الثانى: الحكم الكونى القدرى الذى للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، ~~والذى إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ~~ممكن ولا يسالم البتة، بل ينازع بالحكم الكونى أيضا، فينازع حكم الحق بالحق ~~للحق ويدافع به، وله كما قال شيخ العارفين فى ms037 وقته عبد القادر الجيلانى: ~~"الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لى روزنة فنازعت ~~أقدار الحق بالحق للحق، والعارف من يكون منازعا # PageV01P037 # للقدر لا واقفا مع القدر" اه، فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه فتأمل ~~قول عمر ابن الخطاب- وقد عوتب على فراره من الطاعون فقيل له-: "أتفر من قدر ~~الله؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدره"، ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء ~~له فى هذا العالم إلا به، ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه، فإنه إذا جاءه قدر ~~من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته، ودفع بقدر آخر ~~من الأكل والشرب واللباس، فقد دفع قدر الله بقدره، وهكذا إذا وقع الحريق فى ~~داره فهو بقدر الله، فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان؟ بل ~~ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى يطفيء قدر الله بقدر الله وما خرج ~~فى ذلك عن قدر الله، وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه ~~بقدر آخر يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض فحق هذا الحكم الكونى أن يحرص ~~العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه، فإن غلبه وقهره، حرص على دفع ~~آثاره وموجباته بالأسباب التى نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر ~~ونازع الحكم بالحكم، وبهذا أمر، بل هذا حقيقة الشرع والقدر، ومن لم يستبصر ~~فى هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى، فما ~~للعبد ينازع أقدار الرب [تعالى] بأقداره فى حظوظه وأسباب معاشه ومصالحه ~~الدنيوية ولا ينازع أقداره فى حق مولاه وأوامره ودينه؟ وهل هذا إلا خروج عن ~~العبودية ونقص فى العلم بالله وصفاته وأحكامه؟ ولو أن عدوا للإسلام قصده ~~لكان هذا بقدر الله، ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله وهو ~~الجهاد باليد أو المال أو القلب دفعا لقدر الله بقدره فما للاستلام ~~والمسالمة هنا مدخل فى العبودية، اللهم إلا إذا بذل العبد جهده فى المدافعة ~~والمنازلة وخرج الأمر عن يده. # فحينئذ ms038 يبقى من أهل الحكم الثالث وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على ~~العبد بغير اختياره ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته، فهذا حقه أن ~~يتلقى بالاستسلام والمسالمة وترك المخاصمة وأن يكون فيه كالميت بين يدي ~~الغاسل، وكمن انكسر به المركب في لجة البحر وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه ~~من النجاة فههنا يحسن الاستسلام والمسالمة، مع أن عليه في هذا الحكم ~~عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة، وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه، وعدله ~~في قضائه، وحمكته في جريانه عليه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما # PageV01P038 # أخطأه لم يكن ليصيبه، وإن الكتاب الأول سيق بذلك قبل بدء الخليفة، فقد جف ~~القلم بما يلقاه كل عبد، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، ويشهد أن ~~القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم جل جلاله وصفته الحكمة، وإن ~~القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به، وأن ذلك ~~أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل، فهو موجب أسمائه الحسنى ~~وصفاته العلى، فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله ~~وأوامره، وإن كان حظ العبد من هذا القدر الذم فحق الرب تعالى منه الحمد ~~والمدح، لأنه موجب كماله وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهو موجب نقص العبد ~~وجهله وظلمه وتفريطه، فاقتسم الرب والعبد الحظين في هذا القدر، وكان للرب ~~سبحانه فيه الحمد والنعمة والفضل والثناء الحسن، والعبد حظه الذم واللوم ~~والإساءة واستحقاق العقوبة. # استأثر الله بالمحامد والف ... ضل وولى الملامة الرجلا # ويتبين هذا المقام في أربع آيات. إحداها قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} الثانية قوله: {أولما أصابتكم مصيبة ~~قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء ~~قدير} الثالثة قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} الرابعة قوله تعالى: {وإنا إذا أذقنا الأنسان منا رحمة فرح بها وإن ms039 ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الأنسان كفور} فمن نزل هذه الآيات على هذا ~~الحكم علما ومعرفة وقام بموجبها إرادة وعزما وتوبة واستغفار فقد أدى عبودية ~~الله في هذا الحكم، وهذا قدر زائد على مجرد التسليم والمسالمة، والله ~~المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله. # PageV01P039 ### | فصل: فى تفسير غنى النفس # قوله فى غنى النفس أنه: "استقامتها على المرغوب، وسلامتها من الحظوظ ~~وبراءتها من المراءاة"، يريد استقامتها على الأمر الدينى الذى يحبه الله ~~ويرضاه، وتجنيها لمناهيه # PageV01P039 # التى يسخطها ويبغضها، وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيما ~~لله سبحانه وأمره، وإيمانا يه، واحتسابا لثوابه، وخشية من عقابه، لا طلبا ~~لتعظيم المخلوقين له ومدحهم، وهربا من ذمهم وازدرائهم، وطلبا للجاه ~~والمنزلة عندهم، فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله، والبعد عنه وأنه ~~أفقر شئ إلى المخلوق. فسلامة النفس من ذلك واتصافها بضده دليل غناها، لأنها ~~إذا أذعنت منقادة لأمر الله طوعا واختيارا ومحبة وإيمانا واحتسابا، بحيث ~~تصير لذاتها وراحتها ونعيمها وسرورها فى القيام بعبوديته كما كان النبى صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "يا بلال أرحنا بالصلاة"، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى فى الصلاة"، فقرة العين ~~فوق المحبة، فجعل النساء والطيب مما يحب، وأخبر أن قرة العين التى يطمئن ~~القلب بالوصول إليها ومحض لذته وفرحه وسروره وبهجته إنما هو فى الصلاة التى ~~هى صلة بالله وحضور بين يديه ومناجاة له واقتراب منه، فكيف لا تكون قرة ~~العين، وكيف تقر عين المحب بسواها. فإذا حصل للنفس هذا الحظ الجليل فأي فقر ~~يخشى معه، وأي غنى فاتها حتى تلتفت إليه؟ ولا يحصل لها هذا حتى ينقلب طبعها ~~ويصير مجانسا لطبيعة القلب، فتصير بذلك مطمئنة بعد أن كانت لوامة، وإنما ~~تصير مطمئنة بعد تبادل صفاتها وانقلاب طبعها، لاستغناء القلب بما وصل إليه ~~من نور الحق جل جلاله، فجرى أثر ذلك النور في سمعه وبصره وشعره وبشره وعظمه ~~ولحمه ودمه وسائر مفاصله، وأحاط بجهاته من ms040 فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلفه ~~وأمامه، وصارت ذاته نورا وصار عمله نورا، وقوله نورا، ومدخله نورا ومخرجه ~~نورا وكان في مبعثه ممن انبهر له نوره فقطع به الجسر. # وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي ~~توجب اقتحام الحدود المسخوطة، والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة، فإن ~~فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب، وأيضا ~~فتقاعدها عن المطلوب بينهما موجب لفقرها إلى الشهوات، فكل منهما موجب ~~للآخر، وترك الأوامر أقوى لها من افتقرها إلى الشهوات، فإنه بحسب قيام ~~العبد بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة، كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] ، وقال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا} [الحج: 38] ، وفي القراءة الأخرى (يدفع) ، # PageV01P040 # فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان وضعفه، فإذا صارت النفس حرة طيبة ~~مطمئنة غنية بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض ~~منه إليها استقامت بذلك الغنى على الأمر الموهوب، وسلمت به عن الأمر ~~المسخوط وبرئت من المراءاة، ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنا وظاهرا، ~~ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: {فاستقم كما أمرت} [هود: 112] ، وقال ~~سبحانه: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} [الأحقاف: 13] . # PageV01P041 ### | فصل: فيما يغنى القلب ويسد الفاقة # وهذه الاستقامة ترقيها إلى الدرجة الثالثة من الغنى، وهو الغنى بالحق ~~تبارك وتعالى عن كل ما سواه، وهى أعلى درجات الغنى. فأول هذه الدرجة أن ~~تشهد ذكر الله عز وجل إياك قبل ذكرك له، وأنه تعالى ذكرك فيمن ذكره من ~~مخلوقاته ابتداء قبل وجودك وطاعتك وذكرك، فقدر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه ~~إليك ونعمه عليك حيث لم تكن شيئا البتة، وذكرك سبحانه بالإسلام فوفقك له ~~واختارك له دون من خذله، قال تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج: 78] # فجعلك أهلا لما لم تكن أهلا له قط، وإنما هو الذى أهلك بسابق ذكره، فلولا ~~ذكره لك بكل جميل أولاكه لم يكن لك إليه سبيل، ومن الذى ms041 ذكرك سواه باليقظة ~~حتى استيقظت وغيرك فى رقدة الغفلة مع النوام؟ ومن الذى ذكرك سواه بالتوبة ~~حتى وفقك لها، وأوقعها فى قلبك، وبعث دواعيك عليها، وأحيى عزماتك الصادقة ~~عليها، حتى تبت إليه وأقبلت عليه، فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذاتها؟ ومن ~~الذى ذكرك سواه بمحبته حتى هاجت من قلبك لواعجها وتوجهت نحوه سبحانه ~~ركائبها، وعمر قلبك بمحبته بعد طول الخراب، وآنسك بقربه بعد طول الوحشة ~~والاغتراب ومن تقرب إليك أولا حتى تقربت إليه، ثم أثابك على هذا التقرب ~~تقربا آخر فصار التقرب منك محفوفا بتقربين منه تعالى: تقرب بعده وتقرب ~~قبله، والحب منك محفوفا بحبين منه: حب قبله وحب بعده، والذكر منك محفوفا ~~بذكرين: ذكر قبله وذكر بعده، فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء، ~~ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه # PageV01P041 # ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه، فهذه كلها آثار ذكره ~~لك، # ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس، فله عليك فى ~~كل طرفة عين ونفس نعم عديدة ذكرك بها قبل وجودك، وتعرف بها إليك وتحبب بها ~~إليك مع غناه التام عنك وعن كل شيء، وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده، إذ ~~هو الجواد المفضل المحسن لذاته لا لمعاوضة ولا لطلب جزاء منك ولا لحاجة ~~دعته إلى ذلك كيف وهو الغنى الحميد، فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنه ~~ذكرك بها، فلتعظم عندك لذكره لك بها، فإنه ما حقرك من ذكرك بإحسانه وابتدأك ~~بمعروفه وتحبب إليك بنعمته، هذا كله مع غناه عنك. # فإذا شهد العبد ذكر ربه تعالى له، ووصل شاهده إلى قلبه شغله ذلك عما ~~سواه، وحصل لقلبه به غنى عال لا يشبهه شيء، وهذا كما يحصل للمملوك الذى لا ~~يزال أستاذه وسيده يذكره ولا ينساه، فهو يحصل له- بشعوره بذكر أستاذه له- ~~غنى زائد على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له، فهذا هو غنى ذكر الله ~~للعبد. وقد قال صلى الله عليه وسلم، فيما يروى عن ربه ms042 تبارك وتعالى: "من ~~ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه" # فهذا ذكر ثان بعد ذكر العبد لربه غير الذكر الأول الذى ذكره به حتى جعله ~~ذاكرا، وشعور العبد بكلا الذكرين يوجب له غنى زائدا على إنعام ربه عليه ~~وعطاياه له، وقد ذكرنا فى كتاب- الكلم الطيب والعمل الصالح- من فوائد الذكر ~~استجلاب ذكر الله سبحانه لعبده، وذكرنا قريبا من مائة فائدة تتعلق بالذكر ~~كل فائدة منها لا نظير لها، وهو كتاب عظيم النفع جدا والمقصود أن شعور ~~العبد وشهوده لذكر الله له يغنى قلبه ويسد فاقته، وهذا بخلاف من نسوا الله ~~فنسيهم، فإن الفقر من كل خير حاصل لهم، وما يظنون أنه حاصل لهم من الغنى ~~فهو من أكبر أسباب فقرهم. # PageV01P042 ### | فصل: فى بيان الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز وجل # الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز وجل دوام شهود أوليته تعالى، ~~وهذا الشهود عند أرباب السلوك أعلى مما قبله، والغنى به أتم من الغنى ~~المذكور، لأنه من # PageV01P042 # مباديء الغنى بالحقيقة، لأن العبد إذا فتح الله لقلبه شهود أوليته سبحانه ~~حيث كان ولا شيء غيره، وهو الإله الحق الكامل فى أسمائه وصفاته، الغنى عما ~~سواه، الحميد المجيد بذاته قبل أن يخلق من يحمده ويعبده ويمجده، فهو معبود ~~محمود حى قيوم له الملك وله الحمد فى الأزل والأبد، لم يزل ولا يزال موصوفا ~~بصفات الجلال، منعوتا بنعوت الكمال، وكل شيء سواه فإنما كان به، وهو تعالى ~~بنفسه ليس بغيره فهو القيوم الذى قيام كل شيء به، ولا حاجة به فى قيوميته ~~إلى غيره بوجه من الوجوه. # فإذا شهد العبد سبقه تعالى بالأولية ودوام وجوده الحق وغاب بهذا عما سواه ~~من المحدثات فنى فى وجوده من لم يكن [كأنه لم يكن] وبقى من لم يزل، واضمحلت ~~الممكنات فى وجوده الأزلى الدائم بحيث صارت كالظلال التى يبسطها ويمدها ~~ويقبضها، فيستغنى العبد بهذا المشهد العظيم ويتغذى [بها] عن فاقاته ~~وحاجاته. وإنما كان هذا عندهم أفضل مما ms043 قبله لأن الشهود الذى قبله فيه ~~شائبة مشيرة إلى وجود العبد، وهذا الشهود الثانى سائر الموجودات كلها سوى ~~الأول تعالى قد اضمحلت وفنيت فيه، وصارت كأوليتها وهو العدم، فأفنتها أولية ~~الحق [تبارك وتعالى] ، فبقى العبد محوا صرفا وعدما محضا، وإن كانت انيته ~~مشخصة مشارا إليها لكنها لما نسبت إلى أولية الحق عز وجل اضمحلت وفنيت وبقى ~~الواحد الحق الذى لم يزل باقيا، فاضمحل ما دون الحق تعالى فى شهود العبد ~~كما هو مضمحل فى نفسه، وشهد العبد حينئذ أن كل شيء ما سواى [الله] باطل، ~~وأن الحق المبين هو الله وحده، ولا ريب أن الغنى بهذا الشهود [دائم] من ~~الغنى بالذى قبله، وليس هذا مختصا بشهود أوليته تعالى فقط بل جميع ما يبدو ~~للقلوب من صفات الرب [جل جلاله] يستغنى العبد بها بقدر حظه وقسمه من ~~معرفتها وقيامه بعبوديتها. # فمن شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما ~~أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث ~~يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجيا له مطرقا واقفا بين يديه وقوف العبد ~~الذليل بين يدى الملك العزيز. فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه ~~مع أوفى خاصته وأوليائه، فيستحى أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه ~~هناك، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع ~~التدبير والمصرف- من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع ~~والعطاء # PageV01P043 # والمنع وكشف البلاء وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس- إلى ~~غير ذلك من [التصرف] فى المملكة التى لا يتصرف فيها سواه، فمراسمه نافذة ~~كما يشاء {يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ~~ألف سنة مما تعدون} [السجدة: 5] فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية ~~استغنى به. وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذى لا يعزب عنه مثقال ذرة فى ~~الأرض ولا فى السموات ولا فى قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال بل أحاط ~~بذلك علمه علما تفصيليا ثم ms044 تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته ~~وجميع أحواله وعزماته وجوارحه علم أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره ~~وإرادته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية له بادية لا يخفى عليه منها ~~شيء. وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه تبارك وتعالى لأصوات عباده على اختلافها ~~وجهرها وخفائها [وسواء] عنده من أسر القول ومن جهر به لا يشغله جهر من جهر ~~عن سمعه لصوت من أسر ولا يشغله.. سمع عن سمع ولا تغلطه الأصوات على كثرتها ~~واختلافها واجتماعها بل هى عنده كلها كصوت واحد، كما أن خلق الخلق جميعهم ~~وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة # وكذلك.. إذا شهد معنى اسمه البصير جل جلاله الذى يرى دبيب النملة السوداء ~~على الصخرة الصماء فى حندس الظلماء، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ومخها ~~وعروقها ولحمها وحركتها ويرى مد البعوضة جناحها فى ظلمة الليل، وأعطى هذا ~~المشهد حقه من العبودية بحرس حركاتها وسكناتها وتيقن أنها بمرأى منه [تبارك ~~وتعالى] ومشاهدة لا يغيب عنه منها شئ # وكذلك إذا شهد مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال وأنه قائم على كل شيء، ~~وقائم على كل نفس [بما كسبت] ، وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره ~~القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء [المحسن إليه وجزاء المسيء ~~إليه وأنه بكمال قيوميته لا ينام ولا ينبغى له أن] ينام، يخفض القسط ~~ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، لا تأخذه ~~سنة ولا نوم ولا يضل ولا ينسى. وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين، وهو ~~مشهد الربوبية. # وأعلى منه مشهد الإلهية الذى هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء، وهو شهادة ~~أن لا إله إلا هو وأن إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أن ربوبية ما سواه ~~كذلك فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد، ويصلى له ويسجد، ويستحق نهاية الحب ~~مع # PageV01P044 # نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المطاع وحده على [الحقيقة] ~~، والمألوه وحده، وله الحكم وحده، فكل عبودية لغيره باطلة وعناء وضلال، وكل ~~محبة لغيره عذاب لصاحبها، وكل غنى لغيره ms045 فقر [وفاقة] ، وكل عز بغيره ذل ~~وصغار، وكل تكثر بغيره قلة وذلة، فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره فكذلك ~~استحال أن يكون لهم إله غيره، فهو الذى انتهت إليه الرغبات وتوجهت نحوه ~~الطلبات، ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فإن الإله على [الحقيقة] هو الغنى ~~الصمد [الكامل فى أسمائه وصفاته الذى حاجة كل أحد إليه] ولا حاجة به إلى ~~أحد، وقيام كل شيء به وليس قيامه بغيره، ومن المحال أن يحصل فى الوجود ~~اثنان كذلك، ولو كان فى الوجود إلهان لفسد نظامه أعظم فساد واختل أعظم ~~اختلال، كما [أنه] يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان كل منهما مستقل ~~بالفعل، فإن استقلالهما ينافى استقلالهما واستقلال أحدهما يمنع ربوبية ~~الآخر # فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية، [وذلك] وقع الاحتجاج به فى ~~القرآن أكثر مما وقع بغيره، لصحة دلالته وظهورها وقبول العقول والفطر لها، ~~ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية، وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به ~~وينكرون توحيد الإلهية ويقولون: {أجعل الآلهة إلها واحدا} [ص: 5] ، مع ~~اعترافهم بأن الله وحده هو الخالق لهم وللسموات والأرض وما بينهما، وأنه ~~المنفرد بملك ذلك كله، فأرسل الله تعالى الرسل يذكر بما فى فطرهم الإقرار ~~به من [توحيده] وحده لا شريك له وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم لدلتهم ~~على امتناع إله آخر معه واستحالته وبطلانه، فمشهد الألوهية هو مشهد ~~الحنفاء، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات، ولذلك كان الاسم الدال على هذا ~~المعنى هو اسم الله جل جلاله، فإن هذا الاسم هو الجامع، ولهذا تضاف الأسماء ~~الحسنى كلها إليه فيقال: الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء ~~الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، قال الله تعالى: {ولله الأسماء ~~الحسنى} [الأعراف: 180] # فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها وكل مشهد سواه، فإنما هو مشهد لصفة ~~من صفاته، فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية وقام بحقه من التعبد الذى هو كمال ~~الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تم له غناه بالإله ~~الحق، وصار من أغنى العباد، ولسان ms046 حال مثل # PageV01P045 # هذا يقول: # غنيت بلا مال عن الناس كلهم ... وإن الغنى العالى عن الشيء لا به # فياله من غنى ما أعظم خطره وأجل قدره، تضاءلت دونه الممالك فما دونها، ~~وصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له، والطيف الموافى فى المنام الذى ~~يأتى به حديث النفس ويطرده الانتباه من النوم. # PageV01P046 ### | فصل: فى بيان الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب # الدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب [جل جلاله] الفوز بوجوده، هذا الغنى ~~[بالغ] أعلى درجات الغنى، لأن الغنى الأول والثانى كانا من آثار ذكر الله ~~والتوجه [إليه] ، ففاض على القلب من صدق التوجه أنوار الصفات المقدسة، ~~واستغنى القلب بذلك وحصل أيضا أنوار الشعور بكفالته وكفايته لعبده وحسن ~~وكالته وقيوميته بتدبيره وحسن تدبيره فاستغنت النفس بذلك أيضا. وأما هذا ~~الغنى الثالث- الذى هو الغنى بالحق- فهو من آثار وجود الحقيقة، وهو إنما ~~يكون بعد ترقيه من آثار الصفات إلى آثار وجود الذات، وإنما يكون هذا الوجود ~~بعد مكاشفة عين اليقين عندما يطلع فجر التوحيد، فهذا أوله وكماله عند طلوع ~~شمسه فينقطع ضباب الوجود الفانى وتشرق شمس الوجود الباقى فينقطع لها كل ~~ضباب، وهذا عبارة عن نور يقذف فى القلب يكشف له بذلك النور عن عظمة الذات ~~كما كشف له بالنور الذى قبله عن عظمة الصفات، فإذا كان أثر من آثار صفات ~~الذات أو صفات الأفعال يغنى القلب والنفس فما ظنك بما تكاشف به الأرواح من ~~أنوار قدس الذات المتصفة بالجلال والإكرام فهذا غنى لا يناله الوصف ولا ~~يدخل تحت الشرح فيستغنى العبد الفقير بوجود سيده العزيز الرحيم، فيا لك من ~~فقر ينقضى ومن غنى يدوم ومن عيش ألذ من المنى، فلا تستعجز نفسك عن البلوغ ~~إلى هذا المقام فبينك وبينه صدق الطلب، وإنما هى عزمة صادقة ونهضة حر ممن ~~لنفسه عنده قدر وقيمة يغار عليها أن يبيعها بالدون، وقد جاء فى أثر إلهى ~~يقول الله عز وجل: "ابن آدم خلقتك لنفسى [فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ~~ابن آدم أطلبنى تجدنى] فإن وجدتنى وجدت ms047 كل شيء، وإن فتك فاتك # PageV01P046 # كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء"، فمن طلب الله بصدق وجده، ومن [وجده] ~~أغناه وجوده عن كل شيء، فأصبح حرا فى غنى ومهابة على وجهه أنواره وضياؤه، ~~وإن فاته مولاه جل جلاله تباعد ما يرجو وطال عناؤه، ومن وصل إلى هذا الغنى ~~قرت به كل عين لأنه قد قرت عينه بالله والفوز بوجوده، ومن لم يصل إليه ~~تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من أصبح ~~والدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح والآخرة أكبر همه جعل الله غناه فى قلبه، ~~وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهى راغمة، وكان الله بكل خير إليه أسرع"، ~~فهذا هو الفقر الحقيقى والغنى الحقيقى، وإذا كان هذا غنى من كانت الآخرة ~~أكبر همه فكيف من كان الله [عز وجل] أكبر همه، فهذا من باب التنبيه ~~والأولى. # PageV01P047 ### | فصل: فى ذكر كلمات عن أرباب الطريق فى الفقر والغني # قال يحيى بن معاذ: الفقر أن لا تستغنى بشيء غير الله ورسمه عدم الأسباب ~~كلها. قلت: يريد عدمها فى الاعتماد عليها والطمأنينة بها، بل تصير عدما ~~بالنسبة إلى سبق مسببها بالأولية، وتفرده بالأزلية. وسئل محمد بن عبد الله ~~الفرغانى عن الافتقار إلى الله [تعالى] والاستغناء به فقال: إذا صح ~~الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناء به، وإذا صح الاستغناء به صح ~~الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر. قلت: ~~الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد، لأن كمال ~~الغنى به هو كمال عبوديته، وحقيقة العبودية كمال الافتقار إليه من كل وجه، ~~وهذا الافتقار هو عين الغنى به، فليس هنا شيئان يطلب تفضيل أحدهما على ~~الآخر، وإنما يتوهم كونهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقر إليه، فهى ~~حقيقة واحدة ومقام واحد يسمى "غنى" بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات ~~الفانية، و"فقرا" بالنسبة إلى قصر همته وجمعها على ms048 الله [عز وجل] ، فهى همة ~~سافرت عن شيء واتصلت بغيره، فسفرها عن الغير غنى، وسفرها إلى الله فقر، ~~فإذا وصلت إليه استغنت به بكمال فقرها إليه، إذ يصير لها بعد الوصول فقر ~~آخر غير فقرها الأول، وإنما يكمل فقرها بهذا الوصول. وسئل رويم عن الفقر ~~فقال: إرسال النفس فى أحكام الله تعالى. قلت: إن # PageV01P047 # أراد الحكم الدينى فصحيح، [أو] إن أراد الحكم الكونى القدرى فلا يصح هذا ~~الإطلاق بل لا بد فيه من التفصيل كما تقدم بيانه. وإرسال النفس فى أحكامه ~~التى يسخطها ويبغضها، وإرسالها فى أحكامه التى يجب منازعتها ومدافعتها ~~بأحكامه خروج عن العبودية. # وقيل: نعت الفقير ثلاثة أشياء: حفظ سره، وأداء فرضه وصيانة فقره.. قلت: ~~حفظ السر كتمانه صيانة له من الأغيار، وغيرة عليه أن ينكشف لمن لا يعرفه ~~ولا يؤمن عليه. وأداء الفرض قيام بحق العبودية وصيانة الفقر حفظه عن لوث ~~مساكنة الأغيار، وحفظه عن كل سبب يفسده وكتمانه ما استطاع. وقال إبراهيم بن ~~أدهم: طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى، وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر. ~~وسئل يحيى بن معاذ عن الغنى فقال: هو الأمن بالله عز وجل. وسئل أبو حفص: ~~بماذا ينبغى أن يقدم الفقير على ربه؟ فقال: ما ينبغى للفقير أن يقدم على ~~ربه بشيء سوى فقره. وقال بعضهم: إن الفقير الصادق ليخشى من الغنى حذرا أن ~~يدخله فيفسد عليه فقره، كما يخشى الغنى الحريص من الفقر أن يدخله فيفسد ~~عليه غناه. وقال بشر بن الحارث: أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى ~~القبر. قلت: ومن هاهنا قال القائل: # قالوا: غدا العيد ماذا أنت لابسه؟ ... فقلت: خلعة ساق رحبه جرعا # فقر وصبر هما ثوبان تحتهما ... قلب يرى ألفة الأعياد والجمعا # الدهر لى مأتم إن غبت يا أملى ... والعيد ما دمت لى مرأى ومستمعا # وسئل ابن الجلاء: متى يستحق الفقير اسم الفقر؟ فقال: إذا لم يبق عليه ~~بقية منه. فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو ~~له. قلت: معنى هذا ms049 أنه لا يبقى عليه بقية من نفسه، فإذا كان لنفسه فليس لها ~~بل قد أضاع حقها وضيع سعادتها وكمالها. وإذا لم يكن لنفسه بل كان كله لربه ~~فقد أحرز كل حظ له وحصل لنفسه سعادتها فإنه إذا كان لله كان الله له، وإذا ~~لم يكن لله لم يكن الله له فكيف تكون نفسه له؟ فهذا من الذين خسروا أنفسهم. # وقيل: حقيقة الفقر أن لا يستغنى الفقير فى فقره بشيء إلا بمن إليه فقره. ~~وقال أبو حفص: "أحسن ما توسل به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع ~~الأحوال، وملازمة السنة فى جميع الأفعال، وطلب القوت من وجه حلال". وقال ~~بعضهم: "ينبغى للفقير أن لا تسبق همته خطوته". قلت: # PageV01P048 # يشير إلى تعلق همته بواجب وقته، وأنه لا تتخطى همته واجب الوقت قبل ~~إكماله. وأيضا يشير إلى قصر أمله، وأن همته غير متعلقة بوقت لا يحدث نفسه ~~ببلوغه وأيضا يشير إلى جمع الهمة على حفظ الوقت، وأن لا يضعفها بتقسيمها ~~على الأوقات. # وقيل: أقل ما يلزم الفقير فى فقره أربعة أشياء: علم يسوسه، وورع يحجزه، ~~ويقين يحمله، وذكر يؤنسه. وقال أبو سهل الخشاب لمنصور المغربى: إنما هو فقر ~~وذل. فقال منصور: بل فقر وعز. فقال أبو سهل: فقر وثرى، فقال منصور: بل فقر ~~وعرش. قلت: أشار أبو سهل إلى البداية ومنصور إلى الغاية. وقال الجنيد: إذا ~~لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم، فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه. ~~فقلت: يا أبا القاسم، كيف يكون فقير يوحشه العلم؟ فقال: نعم، الفقير إذا ~~كان صادقا فى فقره، فطرحت عليه العلم ذاب كما يذوب الرصاص فى النار. وقال ~~أبو المظفر القرميسينى: الفقير هو الذى لا يكون له إلى الله حاجة. قال أبو ~~القاسم القشيرى: وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن ~~مرمى القوم، وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات، وانتفاء الاختيار، ~~والرضى بما يجريه الحق سبحانه بتارك وتعالى. قلت: وبعد فهو كلام مستدرك خطأ ~~فإن حاجات هذا العبد إلى ms050 الله بعدد الأنفاس إذ حاجته ليست كحاجات غيره من ~~أصحاب الحظوظ والأقسام، بل حاجات هؤلاء فى حاجة هذا العبد كتفلة فى بحر، ~~فإن حاجته إلى الله فى كل طرفة عين أن يحفظ عليه حاله ويثبت قلبه ويرقيه فى ~~مقامات العبودية ويصرف عنه ما يفسدها عليه ويعرفه منازل الطريق ومكامنها ~~وأوقاتها ويعرفه مواقع رضاه ليفعلها ويعزم عليها ومواقع سخطه ليعزم على ~~تركها ويجتنبها، فأى حاجات أكثر وأعظم من هذه؟ فالصواب أن يقال: الفقير هو ~~الذى حاجاته إلى الله بعدد أنفاسه أو أكثر، فالعبد له فى كل نفس ولحظة ~~وطرفة عين عدة حوائج إلى الله لا يشعر بكثير منها، فأفقر الناس إلى الله من ~~شعر بهذه الحاجات وطلبها من معدنها بطريقها، وإن كان لا بد من إطلاق تلك ~~العبارة على أن منها كل بد فيقال: هو الذى لا حاجة له إلى الله تخالف ~~مرضاته وتحطه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء، وأما أن يقال لا حاجة ~~له إلى الله فشطح قبيح. وأما حمل أبى القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات ~~وانتفاء الاختيار والرضى بمجارى الأقدار فإنما يحسن فى # PageV01P049 # بعض الحالات، وهو فى القدر الذى يجرى عليه، بغير اختياره ولا يكون مأمورا ~~بدفعه ومنازعته بقدر آخر كما تقدم. وأما إذا كان مأمورا بدفعه ومنازعته ~~بقدر هو أحب إلى الله منه- وهو مأمور به أمر إيجاب أو استحباب- فإسقاط ~~المطالبات وانتفاء الاختيار فيه والسعى عين العجز، والله تعالى يلوم على ~~العجز. وقال ابن خفيف: الفقر [عدم الأملاك، والخروج عن أحكام الصفات، قلت: ~~يريد عدم إضافة شيء] إليه إضافة ملك، وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه ويبدلها ~~بأحكام صفات مالكه وسيده مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التى ~~توجب له دعوى الملك والتصرف والإضافات ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية ~~التى توجب له العجز والفقر والفاقة، كما فى دعاء الاستخارة: "اللهم إنى ~~أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا ~~أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب"، فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى ~~فى العبد، ms051 وخروج عن أحكام صفات النفس. # وقال أبو حفص: لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه من الأخذ وليس ~~السخاء أن يعطى الواجد المعدم، وإنما السخاء أن يعطى المعدم الواجد. وقال ~~بعضهم: الفقير الذى لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأشياء سوى ربه تبارك ~~وتعالى. وسئل سهل بن عبد الله: متى يستريح الفقير؟ فقال: إذا لم ير لنفسه ~~غير الوقت الذى هو فيه. وقال أبو بكر ابن طاهر: من حكم الفقير أن لا يكون ~~له رغبة، وإن كان لا بد فلا تجاوز رغبته كفايته وسئل بعضهم عن الفقير ~~الصادق فقال: الذى لا يملك ولا يملك وقال ذو النون: دوام الفقر إلى الله مع ~~التخليط أحب إلى من دوام الصفاء مع العجب والله أعلم. # PageV01P050 ### | فصل: فى تحقيق نعت الفقير # فجملة نعت الفقير حقا أنه المتخلى من الدنيا تطرفا والمتجافى عنها تعففا. ~~لا يستغنى بها تكثرا، ولا يستكثر منها تملكا، وإن كان مالكا لها بهذا الشرط ~~لم تضره، بل هو فقير غناه فى فقره، وغنى فقره فى غناه.. ومن نعته أيضا أن ~~يكون فقيرا من حاله وهو خروجه عن الحال تبريا، وترك الالتفات إليه تسليا، ~~وترك مساكنة الأحوال # PageV01P050 # .. # ... # ... # والرجوع عن موافقتها فلا يستغنى بها اعتمادا عليها ولا يفتقر إليها ~~مساكنة لها. ومن نعته أنه يعمل على موافقة الله [و] الصبر والرضى والتوكل ~~والإنابة، فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه وهو تحصيل مراده ~~من الله، فالفقير خالص بكليته لله عز وجل، ليس لنفسه ولا لهواه فى أحواله ~~حظ ولا نصيب، بل عمله بقيام شاهد الحق وفناء شاهد نفسه، قد غيبه شاهد الحق ~~عن شاهد نفسه فهو يريد الله بمراد الله، فمعوله على الله، وهمته لا تقف دون ~~شيء سواه، قد فنى بحبه عن حب ما سواه وبأمره عن هواه وبحسن اختياره له عن ~~اختياره لنفسه، فهو فى واد والناس فى واد خاضع متواضع سليم القلب، سلس ~~القيادة للحق، سريع القلب إلى ذكر الله، بريء من الدعاوى لا ms052 يدعى بلسانه ~~ولا بقلبه ولا بحاله، زاهد فى كل ما سوى الله، راغب فى كل ما يقرب إلى ~~الله، قريب من الناس أبعد شيء منهم، يأنس بما يستوحشون منه ويستوحش مما ~~يأنسون به، متفرد فى طريق طلبه لا تقيده الرسوم ولا تملكه العوائد ولا يفرح ~~بموجود لا يأسف على مفقود، من جالسه قرت عينه به ومن رآه ذكرته رؤيته بالله ~~سبحانه، قد حمل كله ومؤنته عن الناس، واحتمل أذاهم وكف أذاه عنهم، وبذل لهم ~~نصيحته وسبل لهم عرضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلة وعجز، لا يدخل فيما لا ~~يعنيه ولا يبخل بما لا ينقصه، وصفه الصدق والعفة والإيثار والتواضع والحلم ~~والوقار والاحتمال، لا يتوقع لما يبذله للناس منهم عوضا ولا مدحة، لا يعاتب ~~ولا يخاصم ولا يطالب ولا يرى له على أحد حقا ولا يرى له على أحد فضلا، مقبل ~~على شأنه مكرم لإخوانه بخيل بزمانه حافظ للسانه، مسافر فى ليله ونهاره ~~ويقظته ومنامه لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه، قد رفع له علم ~~الحب فشمر إليه، وناداه داعى الإشتياق فأقبل بكليته عليه، أجاب منادى ~~المحبة إذ دعاه حى على الفلاح، ووصل السرى فى بيداء الطلب، فحمد عند الوصول ~~سراه، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح: # فحى على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم # ولكننا سبى العدو، فهل تري ... نعود إلى أوطاننا ونسلم # وحى على روضاتها وخيامها ... وحى على عيش بها ليس يسأم # PageV01P051 # وحى على يوم المزيد وموعد ال ... المبين، طوبى للذى هو منهم # وحى على واد بها هو أفيح ... وتربته من أذفر المسك أعظم # ومن حولها كثبان مسك مقاعد ... لمن دونهم هذا الفخار المعظم # يرون به الرحمن جل جلاله ... كرؤية بدر التم لا يتوهم # أو الشمس صحوا ليس من دون أفقها ... ضباب ولا غيم هناك يغيم # وبينا فى عيشهم وسرورهم ... وأرزاقهم تجرى عليهم وتقسم # إذا هم بنور ساطح قد بدا لهم ... فقيل ارفعوا أبصاركم، فإذا هم # بربهم من فوقهم وهو قائل: ... سلام عليكم طبتم ms053 وسلمتم # فيا عجبا، ما عذر من هو مؤمن ... بهذا ولا يسعى له ويقدم # فبادر إذا ما دام فى العمر فسحة ... وعدلك مقبول وصرفك قيم # فما فرحت بالوصل نفس مهينة ... ولا فاز قلب بالبطالة ينعم # فجد وسارع واغتنم ساعة السري ... ففى زمن الإمكان [تسعى وتغنم] # وسر مسرعا فالسير خلفك مسرع ... وهيهات ما منه مفر ومهزم # فهن المنأيا أى واد نزلته ... عليها [قدوم] أو عليك ستقدم # وإن تك قد عاقتك سعدى فقلبك ال ... معنى رهين فى يديها مسلم # وقد ساعدت بالوصل غيرك فالهوى ... لها منك [والواشى] بها يتنعم # فدعها وسل النفس عنها بجنة ... من الفقر فى روضاتها الدر [يبسم] # ومن تحتها الأنهار تخفق دائما ... وطير الأمانى فوقها يترنم # وقد ذللت منها القطوف فمن يرد ... جناها ينله كيف شاء وينعم # وقد فتحت أبوابها وتزينت ... لخطابها فالحسن فيها [مقسم] # [أقام علي] أبوابها داعى الهدي ... هلموا إلى دار السعادة تغنموا # وقد طاب منها نزلها ومقيلها ... فطوبى لمن حلوا بها وتنعموا # وقد غرس الرحمن فيها غراسه ... من الناس، والرحمن بالغرس أعلم # فمن كان من غرس الإله فإنه ... سعيد وإلا فالشقا متحتم # فيا مسرعين السير بالله ربكم ... قفوا بى على تلك الربوع وسلموا # وقولوا: محب قاده الشوق نحوكم ... قضى نحبه فيكم [تعيشوا وتسلموا] # قضى الله رب العالمين قضية ... بأن الهوى يعمى القلوب ويبكم # وحبكم أصل الهدى ومداره ... عليه وفوز للمحب ومغنم # PageV01P052 # وتفنى عظام الصب بعد مماته ... وأشواقه وقف عليه محرم # فيا أيها القلب الذى ملك الهوي ... أعنته، حتام هذا التلوم # وحتام لا تصحو وقد قرب المدي ... ودقت كئوس السير والناس نوم # بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا ... ويبدو لك الأمر الذى كنت تكتم # ويا موقدا نارا لغيرك ضؤوها ... وحر لظاها بين جنبيك يضرم # أهذا جنى العلم الذى قد غرسته ... وهذا الذى قد كنت ترجوه تطعم # وهذا هو الحظ الذى قد رضيته ... لنفسك فى الدارين لو كنت تفهم # وهذا هو الربح الذى قد كسبته ... لعمرك لا ربح ولا الأصل يسلم # بخلت بشيء لا يضرك بذله ... وجدت بشيء مثله ms054 لا يقتوم # وبعت نعيما لا انقضاء له ولا ... نظبر ببخس عن قليل سيعدم # فهلا عكست الأمر إن كنت حازما ... ولكن أضعت الحزم إن كنت تعلم # وتهدم ما تبنى بكفك جاهدا ... فأنت مدى الأيام تبنى وتهدم # وعند مراد الحق تفنى كميت ... وعند مراد النفس تسدى وتلحم # وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ... ظهيرا على الرحمن للجبر تزعم # تنزه تلك النفس عن سوء فعلها ... وتغتاب أقدار الإله وتظلم # وتزعم مع هذا بأنك عارف ... كذبت يقينا فى الذى أنت تزعم # وما أنت إلا جاهل ثم ظالم ... وإنك بين الجاهلين مقدم # إذا كان هذا نصح عبد لنفسه ... فمن ذا الذى منه الهدى يتعلم # وفى مثل هذا كان قد قال من مضي ... وأحسن فيما قاله المتكلم # فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة ... وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم # ولو تبصر الدنيا وراء ستورها ... رأيت خيالا فى منام سيصرم # كحلم بطيف زار فى النوم وانقضى ال ... منام وراح الطيف والصب معرم # وظل أرته الشمس عند طلوعها ... سيقلص فى وقت الزوال ويفصم # ومزنة صيف طاب منها مقيلها ... فولت سريعا والحرور تضرم # فجزها ممرا لا مقرا، وكن بها ... غريبا تعش فيها حميدا وتسلم # أو ابن سبيل قال فى ظل دوحة ... وراح وخلى ظلها يتقسم # أخا سفر لا يستقر قراره ... إلى أن يرى أوطانه يسلم # فيا عجبا كم مصرح عطبوا به ... بنوها ولكن عن مصارعها عموا # PageV01P053 # سقتهم بكأس الحب حتى إذا انثنوا ... سقتهم كئوس السم والقوم قد ظموا # وأعجب ما فى العبد رؤية هذه ال ... عظائم منها وهو فيها متيم # وأعجب من ذا أن أحبابها الألي ... تهين وللأعداء تراعى وتكرم # وذلك برهان على أن قدرها ... جناح بعوض أو أدق وألأم # وحسبك ما قال الرسول ممثلا ... لها ولدار الخلد والحق يفهم # كما يدخل الإنسان فى اليم إصبعا ... وينزعها منه فما ذاك يغنم # ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... على حذر منها وأمرى محكم # وهل أردن ماء الحياة وأرتوي ... على ظمأ من حوضه وهو مفعم # وهل تبدون أعلامهم بعد ما سفت ... عليها السوافى ms055 تستبين وتعلم # وهل أفرشن خدى ثرى عتباتهم ... خضوعا لهم كيما يرقوا ويرحموا # وهل أرين نفسى طريحا ببابهم ... وطير أمانى الحب فوقى تحوم # فوا أسفى تفنى الحياة وتنقضي ... وعتبكم باق، بقيتم وعشتم # فما منكم بد ولا عنكم غني ... وما لى من صبر فأسلو عنكم # فمن شاء فليغضب سواكم فلا أذي ... إذا كنتم عن عبدكم قد رضيتم # وعقبى اصطبارى فى رضاكم هوى لكم ... حميد ولكنه عقاب ومغرم # وما أنا بالشاكى لما ترتضونه ... ولكننى أرضى به وأسلم # وحسبى انتسابى من بعيد إليكم ... وذلك حظ مثله يتيمم # إذا قيل هذا عبدهم ومحبهم ... تهلل بشرا ضاحكا يتبسم # وها هو قد أبدى الضراعة قائلا ... لكم بلسان الحال والحال يعلم # أحبتنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ، والمورد العذب أنتم # فيا ساهيا فى غمرة الجهل والهوى ... صريع الأمانى عن قليل ستندم # أفق قد دنا الوقت الذى ليس بعده ... سوى جنة أو حر نار تضرم # وبالسنة الغراء كن متمسكا ... هى العروة الوثقى التى ليس تفصم # تمسك بها مسك البخيل بماله ... وعض عليها بالنواجذ تسلم # وإياك مما أحدث الناس بعدها ... فمرتع هاتيك الحوادث أوخم # وهيء جوابا عندما تسمع الندا ... من الله يوم العرض: ماذا أجبتم # به رسلى لما أتوكم، فمن يجب ... سواهم سيخزى عند ذاك ويندم # وخذ من تقى الرحمن أسبغ جنة ... ليوم به تبدو عيانا جهنم # PageV01P054 # وينصباك الجسر من فوق متنها ... فهاو ومخدوش وناج مسلم # ويأتى إله العالمين لوعده ... فيفصل ما بين العباد ويحكم # ويأخذ للمظلوم إذ ذاك حقه ... فيا ويح من قد كان للخلق يظلم # وينشر ديوان الحساب وتوضع ال ... موازين بالقسط الذى ليس يظلم # فلا مجرم يخشى هناك ظلامة ... ولا محسن من أجره الذر يهضم # وتشهد أعضاء المسيء بما جني ... لذاك على فيه المهيمن يختم # ويا ليت شعرى كيف حالك عندما ... تطاير كتب العالمين وتقسم # أتأخذ باليمنى كتابك أم تري ... بيسراك خلف الظهر منك يسلم # وتقرأ فيه كل شيء عملته ... فيشرق منك الوجه أو هو يظلم # تقول كتابى هاؤم اقرؤوه لي ... تبشر بالجنات حقا وتعلم # وإن تكن ms056 الأخرى فإنك قائل ... ألا ليتنى لم أوته فهو مغرم # فلا والذى شق القلوب وأودع ال ... محبة فيها حيث لا تتصرم # وحملها قلب المحب وإنه ... ليضعف عن حمل القميص ويألم # وذللها حتى استكانت لصولة ال ... محبة لا تلوى ولا تتلعثم # وذلل فيها أنفسا دون ذلها ... حياض المنايا فوقها هى حوم # لقد فاز أقوام وحازوا مرابحا ... بتركهم الدنيا والإقبال منهم # على ربهم طول الحياة وحبهم ... على نهج ما قد سنه فهم هم # قاعدة شريفة عظيم القدر # حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس بل وإلى الروح ~~التى بين جنبيه. # اعلم أن كل حى سوى الله فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ~~والمنفعة للحى من جنس النعيم، واللذة والمضرة من جنس الألم والعذاب. فلابد ~~من أمرين: # أحدهما: هو المطلوب المقصود المحبوب الذى ينتفع به ويتلذذ به، والثانى: ~~هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه والدافع له ~~بعد وقوعه. فها هنا أربعة أشياء: أمر محبوب مطلوب الوجود، والثانى أمر ~~مكروه مطلوب العدم، والثالث الوسيلة إلى حصول المحبوب، والرابع الوسيلة إلى ~~دفع المكروه. فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد بل ولكل حى سوى الله، لا ~~يقوم صلاحه إلا بها # PageV01P055 # إذا عرف هذا فالله سبحانه وتعالى هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا ~~شريك له وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه ولا معين ~~على المطلوب غيره، وما سواه هو المكروه المطلوب بعده وهو المعين على دفعه، ~~فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، فإن هذه العبادة تتضمن المقصود المطلوب ~~على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذى يستعان به على حصول المطلوب ودفع ~~المكروه. فالأول من مقتضى ألوهيته، والثانى من مقتضى ربوبيته، لأن الإله هو ~~الذى يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكراما، والرب هو الذى يرب عبده ~~فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله ومصالحه التى بها كماله، ويهديه إلى ~~اجتناب المفاسد التى بها فساده وهلاكه. وفى القرآن ms057 سبعة مواضع تنتظم هذين ~~الأصلين: أحدها قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، ~~الثانى قوله تعالى: {عليه توكلت وإليه أنيب} [هود: 88] [الشورى: 10] ، ~~الثالث قوله تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] ، الرابع قوله تعالى: ~~{عليك توكلنا وإليك أنبنا} [الممتحنة: 4] ، الخامس قوله تعالى: {وتوكل على ~~الحى الذى لا يموت وسبح بحمده} [الفرقان: 58] ، السادس قوله: {عليه توكلت ~~وإليه متاب} [الرعد: 30] ، السابع قوله: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ~~رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 8- 9] ، ومما يقرر ~~هذا أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته ~~والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم وبرؤيته فى الآخرة تقر عيونهم، ولا شيء ~~يعطيهم فى الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم فى الدنيا أحب ~~إليهم من الإيمان به ومحبتهم له ومعرفتهم به، وحاجتهم إليه فى عبادتهم له ~~وتألههم له كحاجتهم إليه بل أعظم فى خلقه وربوبيته لهم ورزقه لهم، فإن ذلك ~~هو الغاية المقصودة التى بها سعادتهم وفوزهم، وبها ولأجلها يصيرون عاملين ~~متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة ولا سرور بدون ذلك بحال، ~~فمن أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا، ويحشره يوم القيامة أعمى، ولهذا لا ~~يغفر الله لمن يشرك به شيئا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت: "لا ~~إله إلا الله" أفضل الحسنات. وكان توحيد الإلهية الذى كلمته لا إله إلا ~~الله رأس الأمر، فأما توحيد الربوبية الذى أقر به كل المخلوقات # PageV01P056 # فلا يكفى وحده، وإن كان لا بد منه، وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية. # "فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحقهم عليه إذا فعلوا ~~ذلك أن لا يعذبهم"، وأن يكرمهم إذا قدموا عليه، وهذا كما أنه غاية محبوب ~~العبد ومطلوبه وبه سروره ولذته ونعيمه فهو أيضا محبوب الرب من عبده ومطلوبه ~~الذى يرضى به، ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته أعظم من ~~فرح من وجد راحلته التى عليها طعامه وشرابه فى أرض ms058 مهلكة بعد أن فقدها وأيس ~~منها، وهذا أعظم فرح يكون، وكذلك العبد فلا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه ~~وأنسه به وطاعته له وإقباله عليه وطمأنينته بذكره وعمارة قلبه بمعرفته ~~والشوق إلى لقائه، فليس فى الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ويتنعم ~~بالتوجه إليه إلا الله سبحانه، ومن عبد غيره وأحبه- وإن حصل له نوع من ~~اللذة والمودة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده- ففساده به ومضرته وعطبه ~~أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهى الذى هو عذب فى مبدئه عذاب ~~فى نهايته كما قال القائل: # مآرب كانت فى الشباب لأهلها ... [عذابا] فصارت فى المشيب عذابا # {لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون} ~~[الأنبياء: 22] ، فإن قوام السموات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، ~~فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلها حقا، إذ الإله الحق لا شريك له ~~ولا سمى له ولا مثل له، فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به ~~صلاحها، إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى ~~الرب الواحد القهار ويستحيل أن تستند فى وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك ~~يستحيل أن تستند فى بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين. # إذا عرف هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ~~فى محبته ولا فى خوفه ولا فى رجائه ولا فى التوكل عليه ولا فى العمل له ولا ~~فى الحلف به ولا فى النذر له ولا فى الخضوع له ولا فى التذلل والتعظيم ~~والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها. بل ليس ~~لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إلا ~~بإلهها الذى لا إله إلا هو، فلا تطمئن فى # PageV01P057 # الدنيا إلا بذكره وهى كادحة إليه كدحا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ~~ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه وإكرامه لها ولو حصل للعبد من ~~اللذات والسرور بغير الله ms059 ما حصل لم يدم له ذلك. بل ينتقل من نوع إلى نوع ~~ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا فى وقت ثم يتعذب به ولا بد فى وقت آخر، وكثيرا ~~ما يكون ذلك الذى يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه ~~اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل ~~للجرب من لذة الأظفار التى تحكه، فهى تدمى الجلد وتخرقه وتزيد فى ضرره، وهو ~~يؤثر ذلك لما له فى حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير ~~الله هو عذاب عليه ومضرة وألم فى الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، ~~والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما، والله الموفق المعين، ~~وله الحجة البالغة كما له النعمة السابغة. والمقصود أن إله العبد الذى لا ~~بد له منه فى كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين فهو الإله الحق الذى كل ما ~~سواه باطل، والذى أينما كان فهو معه، وضرورته إليه وحاجته إليه لا تشبهها ~~ضرورة ولا حاجة بل هى فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة، ولهذا قال إمام ~~الحنفاء: {لآ أحب الافلين} [الأنعام:76] والله أعلم. # PageV01P058 ### | فصل: فى بيان أصلين عظيمين مبنى عليهما ما تقدم # وهذا مبنى على أصلين: # أحدهما: أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإخلاص العمل له وإفراده ~~بالتوكل عليه هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، ~~وكما دل عليه القرآن، لا كما يقوله من يقول: إن عبادته تكليف ومشقة على ~~خلاف مقصود القلب ولذته بل لمجرد الامتحان والابتلاء كما يقوله منكرو ~~الحكمة والتعليل، أو لأجل التعويض بالأجر لما فى إيصاله إليه بدون معاوضة ~~منه تكدره، أو لأجل تهذيب النفس ورياضتها واستعدادها لقبول العقليات كما ~~يقوله من يتقرب إلى النبوات من الفلاسفة بل الأمر أعظم من ذلك كله وأجل، بل ~~أوامر المحبوب قرة العيون وسرور القلوب ونعيم الأرواح ولذات النفوس وبها ~~كمال النعيم، فقرة عين المحب فى الصلاة والحج، وفرح قلبه وسرره ms060 ونعيمه فى ~~ذلك وفى الصيام والذكر # PageV01P058 # والتلاوة، وأما الصدقة فعجب من العجب، وأما الجهاد والأمر بالمعروف ~~والنهى عن المنكر، والدعوة إلى الله والصبر على أعداء الله سبحانه، فاللذة ~~بذلك أمر آخر لا يناله الوصف ولا يدركه من ليس له نصيب منه، وكل من كان به ~~أقوم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم، ومن غلظ فهمه وكثف طبعه عن إدراك هذا ~~فليتأمل إقدام القوم على قتل آبائهم وأبنائهم وأحبابهم ومفارقة أوطانهم ~~وبذل نحورهم لأعدائهم ومحبتهم للقتل وإيثارهم على البقاء وإيثار لوم ~~اللائمين وذم المخالفين على مدحهم وتعظيمهم، ووقوع هذا من البشر بدون أمر ~~يذوقه من حلاوته ولذته وسروره ونعيمه ممتنع، والواقع شاهد بذلك، بل ما قام ~~بقلوبهم من اللذة والسرور والنعيم أعظم مما يقوم بقلب العاشق الذى يتحمل ما ~~يتحمله فى موافقة رضى معشوقه، فهو يلتذ به ويتنعم به لما يعلم من سرور ~~معشوقة به: # فيا منكرا هذا تأخر فإنه ... حرام على الخفاش أن يبصر الشمسا # فمن كان مراده وحبه الله، وحياته فى معرفته ومحبته فى التوجه إليه وذكره، ~~وطمأنينته به وسكونه إليه وحده عرف هذا وأقر به. # الأصل الثانى: كمال النعيم فى الدار الآخرة أيضا به سبحانه وتعالى: ~~برؤيته وسماع كلامه وقربه ورضوانه لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة فى ~~الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبس والمنكوح، بل اللذة ~~والنعيم التام فى حظهم من الخالق تعالى أعظم وأعظم ما يخطر بالبال أو يدور ~~فى الخيال، وفى دعاء النبى صلى الله عليه وسلم الذى رواه الإمام أحمد فى ~~مسنده وابن حبان والحاكم فى صحيحيهما: "أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق ~~إلى لقائك، فى غير ضراء مضرة، وفتنة مضلة" ولهذا قال تعالى فى حق الكفار: ~~{كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم} [المطففين: 15- ~~16] ، فعذاب الحجاب من أعظم أنواع العذاب الذى يعذب به أعداءه، ولذة النظر ~~إلى وجه الله الكريم أعظم أنواع اللذات التى ينعم بها أولياؤه، ولا تقوم ~~حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم من رؤيته ms061 وسماع كلامه والدنو منه ~~وقربه. # وهذان الأصلان ثابتان بالكتاب والسنة، وعليهما أهل العلم والإيمان، ~~ويتكلم # PageV01P059 # فيهما مشايخ الطريق العارفون وعليهما أهل السنة والجماعة، وهما من فطرة ~~الله التى فطر الناس عليها، ويحتجون على من ينكرهما بالنصوص والآثار تارة ~~وبالذوق والوجد وبالفطرة تارة وبالقياس والأمثال تارة. وقد ذكرنا مجموع هذه ~~الطرق فى كتابنا الكبير فى المحبة الذى سميناه "المورد الصافى، والظل ~~الضافى" فى المحبة وأقسامها وأنواعها وأحكامها وبيان تعلقها بالإله الحق ~~دون ما سواه، وذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه. ومما يوضح ذلك ويزيده ~~تقريرا أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا بضر ولا عطاء ولا منع بل ربه ~~سبحانه الذى خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمة وتحبب إليه بها مع ~~غناه عنه ومع تبغض العبد إليه بالمعاصى مع فقره إليه، فإذا مسه الله بضر ~~فلا كاشف له إلا هو، وإذا أصابه بنعمه فلا راد لها ولا مانع كما قال تعالى: ~~{وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب ~~به من يشآء من عباده وهو الغفور الرحيم} [يونس: 107] ، و {ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم} [فاطر: 2] ، فالعبد لا ينفع ولا يضر ولا يعطى ولا يمنع إلا بإذن ~~الله، فالأمر كله لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، هو مقلب القلوب ومصرفها ~~كيف يشاء، المتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع والخفض والرفع، ما من دابة ~~إلا هو آخذ بناصيتها، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، وهذا ~~الوجه أعظم لعموم الناس من الوجه الأول، ولهذا خوطبوا به فى القرآن أكثر من ~~الأول، لكن من تدبر طريقة القرآن تبين له أن الله سبحانه يدعو عباده بهذا ~~الوجه إلى لأول، فهذا الوجه يقتضى التوكل على الله والاستعانة به والدعاء ~~له ومسألته دون ما سواه، ويقتضى أيضا محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده ~~وإسباغ نعمه عليه، فإذا عبده وأحبه وتوكل عليه من هذا الوجه ms062 دخل فى الوجه ~~الأول. وهكذا كمن نزل به بلاء عظيم وفاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو الله ~~ويتضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته له باب الإيمان به والإنابة إليه ~~وما هو أحب إليه من تلك الحاجة التى قصدها أولا لكنه لم يكن يعرف ذلك أولا ~~حتى يطلبه ويشتاق إليه فعرفه إياه بما أقامه له من الأسباب التى أوصلته ~~إليه. والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه ومن ذكر # PageV01P060 # نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم به فى الآخرة من صنوف النعيم واللذات، ~~وليس عند المخلوق شيء من هذا. فهذا الوجه يحقق التوكل على الله والشكر له ~~ومحبته على إحسانه. # ومما يوضح ذلك ويقويه أن فى تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ ~~منه القدر الزائد على حاجته المعينة له على عبودية الله ومحبته وتفريغ قلبه ~~له، فإنه إن نال من الطعام الشراب فوق حاجاته ضره أو أهلكه، وكذلك من ~~النكاح واللباس، وإن أحب شيئا بحيث يخالله فلا بد أن يسأمه أو يفارقه، ~~فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد، فإن فقد تعذب بالفراق وتألم، وإن وجد فإنه ~~يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة. وهذا أمر معلوم بالاعتبار ~~والاستقراء أن كل من أحب شيئا دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته ~~وعذابه أعظم من نعيمه، ويزيد ذلك إيضاحا أن اعتماده على المخلوق وتوكله ~~عليه يوجب له الضرر من جهته، فإنه يخذل من تلك الجهة. وهذا أيضا معلوم ~~بالاعتبار والاستقراء فأنه ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من ~~تلك الجهة، ولا استنصر بغيره إلا خذل، قال تعالى: {واتخذوا من دون الله ~~آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81- ~~82] ، وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون ~~نصرهم وهم لهم جند محضرون} [يس: 74-75] . # وقال تعالى عن إمام الحنفاء أنه قال للمشركين: {إنما اتخذتم من دون الله ~~أوثانا مودة ms063 بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا} [العنكبوت: 25] ، ولما كان غاية صلاح العبد فى عبادة الله وحده ~~واستعانته وحده كان فى عبادة غيره والاستعانة بغيره غاية مضرته. ومما يوضح ~~الأمر فى ذلك ويبينه أن الله سبحانه غنى حميد كريم رحيم، فهو محسن إلى عبده ~~مع غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه سبحانه ولا ~~لدفع مضرة، بل رحمة وإحسانا وجودا محضا فإنه رحيم لذاته محسن لذاته جواد ~~لذاته كريم لذاته كما أنه غنى لذاته قادر لذاته حى لذاته، فإحسانه وجوده ~~وبره ورحمته من لوازم ذاته لا يكون إلا كذلك، كما أن قيامه قدرته وغناه من ~~لوازم ذاته فلا يكون إلا كذلك، وأما # PageV01P061 # العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ~~ويعظموه ليجلبوا له منفعة ويدفعوا عنه مضرة، وذلك من تيسير الله وإذنه لهم ~~به، فهو فى الحقيقة ولى هذه النعمة ومسديها ومجريها على أيديهم، ومع هذا ~~فإنهم يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد، فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا ~~غرضهم من محبته سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر فإذا أحبوا الأنبياء ~~والأولياء فطلبوا لقاءهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، ~~وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه فهو يحب أن ينال ~~حظه من تلك المحبة ولولا التذاذه بها لما أحب ذلك، وإن جلبوا له منفعة أو ~~دفعوا عنه مضرة- كمرض وعدو- ولو بالدعاء فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل ~~لله، فأجناد الملوك وعبيد المماليك وأجراء المستأجر وأعوان الرئيس كلهم ~~إنما يسعون فى نيل أغراضهم به، لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم إلا ~~أن يكون قد علم وهذب من جهة أخرى فيدخل ذلك فى الجهة الدينية، أو يكون فيه ~~طبع عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة، وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو ~~منفعة نفسه، وهذا من حكمة الله التى أقام بها مصالح خلقه إذ قسم بينهم ~~معيشتهم فى الحياة الدنيا ms064 ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا. # PageV01P062 ### | فصل: فى بيان منفعة الحق، ومنفعة الخلق، وما بينهما من التباين # إذا تبين هذا ظهر أن أحدا من المخلوقين لا يقصد منفعتك بالمقصد الأول، بل ~~إنما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك فى ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل، ~~فإذا دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه. وأما الرب تبارك وتعالى فهو ~~يريدك لك ولمنفعتك لا لينتفع بك، وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها، فتدبر ~~هذا حق التدبر وراعه حق المراعاة، فملاحظة تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب ~~منه منفعته لك فإنه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأول، بل إنما يريد انتفاعه ~~بك عاجلا أو آجلا، فهو يريد نفسه لا يريدك، ويريد نفع نفسه بك لا نفعك ~~بنفسه، فتأمل ذلك فإن فيه منفعة عظيمة وراحة ويأسا من المخلوقين، سدا لباب ~~عبوديتهم وفتحا لباب عبودية الله وحده، فما أعظم حظ من عرف هذه المسألة ~~ورعاها حق رعايتها. ولا يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان إليهم ~~واحتمال أذاهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم، # PageV01P062 # فكما لا تخافهم فلا ترجوهم، ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك ~~حاجتهم بك وإن كان ذلك ضررا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها، ~~فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم، بل لو كان فيها هلاك دنياك ~~وآخرتك لم يبالوا بذلك. وهذا إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة فى صورة ~~صداقة، وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة، فهم يريدون أن يصيروك ~~كالكير ينفخ بطنك ويعصر أضلاعك فى نفعهم ومصالحهم، بل لو أبيح لهم أكلك ~~لجزروك كما يجزرون الشاة، وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين [لمصالحهم] ، وكم ~~اتخذوك جسرا ومعبرا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر، وكم بعت آخرتك بدنياهم ~~وأنت لا تعلم، وربما علمت. وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك ورحت صفر ~~اليدين، وكم فوتوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك وبينها، ~~وقطعوا طريق سفرك ms065 إلى منازلك الأولى ودارك التى دعيت إليها وقالوا: نحن ~~أحبابك وخدمك، وشيعتك وأعوانك، والساعون فى مصالحك. وكذبوا والله إنهم ~~لأعداء فى صورة أولياء وحرب فى صورة مسالمين، وقطاع طريق فى صورة أعوان. ~~فواغوثاه ثم واغوثاه بالله الذى يغيث ولا يغاث {يأيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} [التغابن: 14] ، {يأيها الذين آمنوا ~~لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم ~~الخاسرون} [المنافقون: 9] . فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم ولم يعاملهم ~~فى الله، وخاف الله فيهم ولم يخفهم فى الله وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم ~~بسخط الله، وراقب الله فيهم ولم يراقبهم فى الله، وآثر الله عليهم ولم ~~يؤثرهم فى الله، وأمات خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه وأحى حب الله وخوفه ~~ورجاءه فيه، فهذا هو الذى يكتب عليهم، وتكون معاملته لهم كلها ربحا، بشرط ~~أن يصبر على أذاهم ويتخذه مغنما لا مغرما وربحا لا خسرانا. # ومما يوضح الأمر أن الخلق لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة البتة إلا ~~بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره فهو فى الحقيقة الذى لا يأتى بالحسنات إلا ~~هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله} [يونس: 107] ، قال النبى صلى الله عليه وسلم لعبد ~~الله بن عباس: "واعلم # PageV01P063 # أن الخليقة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ~~ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك"، وإذا كانت ~~هذه حال الخلقة فتعليق الخوف والرجاء بهم ضار غير نافع. والله أعلم. # PageV01P064 ### | فصل: فى بيان أن المنفعة والمضرة لا تكون إلا من الله وحده # وجماع هذا أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ~~ينبغى فغيرك أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك ولا قادرا عليها ولا مريدا لها، ~~والله سبحانه هو يعلم ولا تعلم ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله لا لمعوضة ~~ولا لمنفعة يرجوها ms066 منك، ولا لتكثر بك ولا لتعزز بك ولا يخاف الفقر ولا تنقص ~~خزائنه على سعة الإنفاق، ولا يحبس فضله عنك لحاجة منه إليك واستغناه بحيث ~~إذا أخرجه أثر ذلك فى غناه، وهو يحب الجود والبذل والعطاء والإحسان أعظم ~~مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته، فإذا حبسه عنك فاعلم أن هناك أمرين ~~لا ثالث لهما: أحدهما أن تكون أنت الواقف فى طريق مصالحك وأنت المعوق لوصول ~~فضله إليك وأنت حجر فى طريق نفسك، وهذا هو الأغلب على الخليقة، فإن الله ~~سبحانه فيما قضى قضى به أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته، وأنه ما استجلبت ~~نعم الله بغير طاعته، ولا استديمت بغير شكره، ولا عوقت وامتنعت بغير ~~معصيته، وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا ~~استئثار بها عليك وإنما أنت المسبب فى سلبها عنك، فإن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم} [الأنفال: 53] ، فما أزيلت نعم الله ~~بغير معصيته: # إذا كنت فى نعمة فارعها ... فإن المعاصى تزيل النعم # فآقتك من نفسك، وبلاؤك من نفسك، وأنت فى الحقيقة الذى بالغت فى عداوتك، ~~وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو منك، كما قيل: # ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه # PageV01P064 # ومن العجب أن هذا شأنك مع نفسك وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية، ~~وتتهم أقداره وتعانيها وتلومها، فقد ضيعت فرصتك وفرطت فى حظك، وعجز رأيك عن ~~معرفة أسباب سعادتك وإرادتها، ثم قعدت تعاتب القدر بلسان الحال والقال، ~~فأنت المعنى بقول القائل: # وعاجز الرأى مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # ولو شعرت برأيك، وعلمت من أين دهيت ومن أين أصبت، لأمكنك تدارك ذلك، ولكن ~~قد فسدت الفطرة وانتكس القلب وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه فأعرضت ~~عمن هو أصل بلائك ومصيبتك منه وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل ms067 ~~إليك فمنه فإذا شكوته إلى خلقه كنت كما قال بعض العارفين- وقد رأى رجلا ~~يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به- فقال: يا هذا تشكو من يرحمك، إلى من لا ~~يرحمك. # وإذا أتتك مصيبة فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أرحم # وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذى لا يرحم # وإذا علم العبد حقيقة الأمر، وعرف من أين أتى ومن أى الطرق أغير على سرحه ~~ومن أى ثغرة سرق متاعه وسلب استحى من نفسه- إن لم يستح من الله- أن يشكو ~~أحدا من خلقه أو يتظلمهم أو يرى مصيبته وآفته من غيره، قال تعالى {ومآ ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} [الشورى:30] ، وقال: {أو ~~لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل ~~عمران: 165] ، وقال: {مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن ~~نفسك} [النساء: 79] . # فإن أصررت على اتهام القدر وقلت: فالسبب الذى أصبت منه وأتيت منه ودهيت ~~منه قد سبق به القدر والحكم وكان فى الكتاب مسطورا، فلا بد منه على الرغم ~~منى، وكيف لى أن أنفك منه وقد أودع الكتاب الأول قبل بدء الخليقة والكتاب ~~الثانى قبل خروجى إلى هذا العلم وأنا فى ظلمات الأحشاء حين أمر الملك بكتب ~~الرزق # PageV01P065 # والأجل والسعادة والشقاوة فلو [جريت] إلى سعادتى ما جريت حتى بقى بينى ~~وبينها شبر لغلب على الكتاب فأدركتنى الشقاوة، فما حيلة من قلبه بيد غيره ~~يقلبه كيف يشاء ويصرفه كيف أراد، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه ~~أزاغه، وهو الذى يحول بين عوارى المرء وقلبه، وهو الذى يثبت قلب العبد إذا ~~شاء ويزلزله إذا شاء، فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ~~ومشيئته، قال أعلم الخلق بربه صلوات وسلامه عليه: "ما من قلب إلا وهو بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه"، ~~ثم قال: "اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك"، وكان أكثر يمينه: ms068 "لا ~~ومقلب القلوب" وقال بعض السلف: "مثل القلب مثل الريشة فى أرض فلاة تقلبها ~~الرياح ظهرا لبطن"، فما حيلة قلب هو بيد مقلبه ومصرفه، [وقل] له مشيئة بدون ~~مشيئته، كما قال تعالى: {وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين} ~~[التكوير: 29] ، وروى عن عبد العزيز ابن أبى حازم عن أبيه عن سهل بن سعد ~~قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل: {أفلا يتدبرون القرآن ~~أم على قلوب أقفالهآ} [محمد: 24] ، وغلام جالس عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: بلى والله يا رسول الله، إن عليها لأقفالها، ولا يفتحها إلا ~~الذى أقفلها. فلما ولى عمر بن الخطاب طلبه ليستعمله وقال: "لم يقل ذلك إلا ~~من عقل"، قال طاوس: أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: كل شيء بقدر. وقال أيوب السختيانى: أدركت الناس وما كلامهم إلا: إن ~~قضى، إن قدر. وقال عطاء عن ابن عباس فى قوله تعالى: # {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29] ، قال: كتب الله أعمال ~~بنى آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة. قال: والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو ~~آدم يوما بيوم فذلك قوله: {إن كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية 29] وفى ~~الآية قول آخر: إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد أن ~~يعملوه وقد يقال وهو الأظهر: إن الآية تعم الأمرين، فيأمر الله ملائكته ~~فتستنسخ من أم الكتاب أعمال بنى آدم ثم يكتبونها عليهم إذا عملوها فلا تزيد ~~على ما نسخوه من أم الكتاب ذرة ولا تنقصها، وقال على بن أبى طلحة عن ابن ~~عباس فى قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] ، # PageV01P066 # خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق الخير والشر، فخير الخير السعادة وشر ~~الشر الشقاوة. # وفى صحيح مسلم عن أبى الأسود الدؤلى قال: قال لى عمران بن حصين: أرأيت ما ~~يعمل الناس اليوم ويكدحون، أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو ~~فيما يستقبلون ممن أتاهم به نبيهم وثبتت ms069 به الحجة؟ قال: قلت: لا، بل فيما ~~قضى عليهم ومضى قال: أفيكون ذلك ظلما؟ قال: ففزعت فزعا شديدا، وقلت: إنه ~~ليس شيء إلا خلقه وملكه: {ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون} [الأنبياء: 23] ، ~~فقال: سددك الله إنما سألتك لأحرز عقلك. إن رجلا من مزينة- أو جهينة- أتى ~~النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ~~ويتكادحون فيه، أشيء قضى عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم؟ ~~قال: فيما قضى عليهم ومضى. فقال الرجل: ففيم العمل؟ قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من كان خلقه الله لإحدى المنزلتين فسيستعمله لها"، وتصديق ذلك ~~فى كتاب الله عز وجل: {ونفس وما سواها فألهمها فج ورها وتقواها} [الشمس: 7- ~~8] ، وقال مجاهد فى قوله تعالى: {إننى أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] ، ~~قال: علم إبليس المعصية وخلقه لها. وقال تعالى: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة} [الأعراف: 30] ، قال ابن عباس: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم ~~مؤمنا وكافرا ثم قال: {هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] ~~، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمن وكافر. وقال سعيد بن جبير: عن ~~ابن عباس فى قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: ~~24] ، قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصى الله، ويجول بين الكافر والإيمان ~~وطاعة الله. وقال ابن عباس ومالك وجماعة من السلف فى قوله تعالى: {ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118- 119] ، قالوا: خلق ~~أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف. وقال تعالى: {ولو شاء الله ما ~~اقتتلوا} [البقرة: 253 {ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها} [السجدة:13] ، {ولو ~~شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] ، {ولو شاء الله لجمعهم ~~على الهدي} [الأنعام: 35] ، {ولو شاء ربك ما فعلوه} [الأنعام: 112] ، وقال ~~تعالى: # PageV01P067 # {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب} [الأعراف: 37] أى نصيبهم مما كتب لهم. وقال: {كذلك سلكناه فى قلوب ~~المجرمين} [الشعراء: 200] ، قال الحسن وغيره: الشرك والتكذيب. وقال ms070 تعالى: ~~{كلا إن كتاب الفجار لفى سجين} [المطففين: 7] ، قال محمد بن كعب القرظى: ~~رقم الله سبحانه كتاب الفجار فى أسفل الأرض، فهم عاملون بما قدر رقم عليهم ~~فى ذلك الكتاب ورقم كتاب الأبرار فجعله فى عليين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ~~ما قدر رقم عليهم فى ذلك الكتاب. وقال ابن عباس: {تبت يدا أبى لهب} [المسد: ~~1] ، بما جرى من القلم فى اللوح المحفوظ، وقال مجاهد فى قوله تعالى: ~~{وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} [يس: 9] ، قال: عن الحق. وفى ~~قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة} [الإسراء: 46] ، قال: فالجعبة فيها السهام، ~~وقال ابن عباس فى قوله تعالى: {وأضله الله على علم} [الجاثية: 23] ، قال: ~~أضله فى سابق علمه، وقال فى قوله تعالى حكاية عن عدوه إبليس: {فبما ~~أغويتنى} [الأعراف: 16] ، قال: أضللتنى، وقال فى قوله: {مآ أنتم عليه ~~بفاتنين إلا من هو صال الجحيم} [الصافات: 162- 163] ، قال: من قضيت له أنه ~~صال الجحيم. وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق ~~إبليس، وقد فصل لكم وبين لكم ما أنتم عليه بفاتنين إلا من قدر أن يصلى ~~الجحيم. وقال وهيب بن خالد: أنبأنا خالد قال: قلت للحسن: ألهذه خلق آدم- ~~يعنى السماء- أم للأرض؟ فقال: لا بل للأرض. # قال: قلت أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها، أكان ترك فى الجنة؟ قال: ~~سبحانه الله أكان له بد من أن يعملها؟ وقال تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا} [الأنبياء:73] ، وقال تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} ~~[القصص: 41] ، وقال: {واجعلنا للمتقين إماما} [الفرقان: 74] ، أى أئمة ~~يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضالين يدعون إلى النار، وقال: {ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] ، وقال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة} [الأنعام: 110] ، وقال: {ولو أننا نزلنآ إليهم الملآئكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا # PageV01P068 # ليؤمنوا إلا أن يشآء الله} [الأنعام: 111] ، وقال زيد بن أسلم: والله ما ~~قالت القدرية كما قال الله ولا كما قال رسله ولا كمال قال أهل الجنة ms071 ولا ~~كما قال أهل النار ولا كما قال أخوهم إبليس، قال الله عز وجل: {وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله} [الإنسان: 30] [التكوير: 29] ، وقالت الملائكة: {لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا} [البقرة: 32] ، وقال شعيب: {وما يكون لنآ أن نعود فيهآ ~~إلا أن يشآء الله} [الأعراف: 89] ، وقال أهل الجنة: {الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولآ أن هدانا الله} [الأعراف: 43] ، وقال أهل النار: ~~{غلبت علينا شقوتنا} [المؤمنون: 106] ، وقال أخوهم إبليس: {رب بمآ أغويتني} ~~[الحجر: 39] ، # وقال مجاهد فى قوله: {وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه} [الإسراء: 13] ، ~~قال: مكتوب فى عنقه شقى أو سعيد. وقال ابن عباس فى قوله: {ومن يرد الله ~~فتنته فلن تملك له من الله شيئا} [المائدة: 41] يقول: ومن يرد الله ضلالته ~~لم تغن عنه شيئا. وذكر الطبرى وغيره من حديث سويد بن سعد عن سوار بن مصعب ~~عن أبى حمزة عن مقسم عن ابن عباس: صعد النبى صلى الله عليه وسلم المنبر، ~~فحمد الله وأثنى عليه، ثم بسط يده اليمنى فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم، ~~كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل الجنة بأسمائهم، وأسماء آبائهم وقبائلهم ~~وعشائرهم، فجمل أولهم على آخرهم، لا ينقص منهم ولا يزاد فيهم، فرغ ربكم وقد ~~يسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال [لا ينقض منهم ولا يزاد فيهم. فرغ ~~ربكم. وقد يسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال] كأنهم هم بل هم هم، ما ~~أشبههم بهم بل هم هم فيردهم ما سبق لهم من الله من السعادة، فيعمل بعمل أهل ~~الجنة فيدخلها قبل موته بفواق ناقة، وقد يسلك بأهل الشقاء طريق السعادة حتى ~~يقال كأنهم هم بل هم هم، ما أشبههم بهم بل هم هم، فيردهم ما سبق لهم من ~~الله، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ولو قبل موته بفواق ناقة، فصاحب الجنة ~~مختوم له بعمل أهل الجنة وإن عمل عمل أهل النار، وصاحب النار مختوم له بعمل ~~أهل النار وإن عمل بعمل أهل الجنة، ثم قال رسول الله: "الأعمال بخواتيمها"، ~~وقال على ms072 بن أبى طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى: {إن الذين كفروا سوآء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] ، وفى قوله: {ولو شآء ~~الله لجمعهم على الهدى} [الأنعام:35] ، وفى قوله {فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله # PageV01P069 # يجعل صدره ضيقا حرجا} [الأنعام: 125] ، وفى قوله: {ما كانوا ليؤمنوا إلا ~~أن يشآء الله} [الأنعام: 111] ، وفى قوله: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ~~[السجدة: 13] ، وقوله: {ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا} [يونس: ~~99] ، وقوله: {إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا} [يس: 8] ، وقوله: {ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا} [الكهف: 28] ، ونحو هذا من القرآن، إن رسول الله كان ~~يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا ~~من سبق له من الله السعادة فى الذكر الأول، ثم قال لنبيه: {لعلك باخع نفسك ~~أن لا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3] ، ويقول: {إن نشأ ننزل عليهم من السمآء ~~آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} [الشعراء: 4] ، ثم قال: {ما يفتح الله للناس ~~من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2] ، ويقول: ~~{ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128] ، وفى صحيح مسلم عن طاووس: أدركت ~~ناسا من أصحاب رسول الله يقولون: كل شيء بقدر. وسمعت عبد الله بن عمر يقول: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس"، وفى ~~صحيح مسلم [أيضا] عن عبد الله بن [عمر] قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة وعرشه على الماء"، وفى صحيحه أيضا عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل ~~خير. فاحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو ~~أنى فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل. فإن لو تفتح عمل ms073 ~~الشيطان"، وفى صحيحه أيضا عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئا لم يكن الله قدره ولكن النذر يوافق ~~القدر فيخرج ذلك من البخيل ما لم يكن يريد أن يخرجه" # وفي حديث جبرائيل وسؤاله النبى صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: ~~"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره"، وفى ~~الصحيحين حديث ابن مسعود فى التخليق وفيه: "فوالذى لا إله غيره إن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما ~~يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، # PageV01P070 # فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"، وذكر الطبرى الحسن بن على الطوسى أنبأنا ~~محمد بن يزيد الأسفاطى البصرى محدث البصرة قال: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فى النوم فقلت: يا رسول الله، حديث عبد الله بن مسعود حدثنى ~~الصادق المصدوق- أعنى حديث القدر- فقال: إى والله الذى لا إله إلا هو حدثت ~~به، رحم الله عبد الله بن مسعود حيث حدث به، ورحم الله حيث حدث به، ورحم ~~الله الأعمش حيث حدث به، ورحم الله من حدث به قبل الأعمش، ورحم الله من ~~يحدث به بعد الأعمش. # وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود: "الشقى من شقى فى بطن أمه، والسعيد من وعظ ~~بغيره"، وقد روى حديث تقدير السعادة والشقاوة فى بطن الأم من حديث عبد الله ~~بن مسعود، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين، وحذيفة بن ~~أسيد، وأبى هريرة. وقال أبو الحسن بن عبيد الحافظ: سمعت أبا عبد الله بن ~~أبى خيثمة يقول: سمعت عمرو بن على الفلاس يقول: انحدرت من سر من رأى إلى ~~بغداد فى حاجة لى فبينما أنا أمشى فى بعض الطريق إذا بجمجة قد نحرت ~~فأخذتها، فإذا على الجبهة مكتوب "شقى" والياء مكسورة إلى خلف. وهؤلاء كلهم ~~أئمة حفاظ، ذكره الطبرى ms074 فى السنة. وفى الصحيحين حديث [على عن] النبى صلى ~~الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة"، ~~فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "اعملوا، ~~فكل ميسر لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، ~~وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة"، ثم قرأ: {فأما من ~~أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسري} [الليل: 5- 10] # وفى الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل: أعلم ~~أهل الجنة من أهل النار؟ قال: "نعم"، قيل [له] : ففيم يعمل [العالمون] ؟ ~~قال: "نعم، كل ميسر لما خلق له". وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت: "دعى رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، ~~طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يدرك السوء ولم يعمله، قال: "أو غير ~~ذلك، إن الله تعالى خلق للجنة أهلا، خلقهم # PageV01P071 # لها وهم فى أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب ~~آبائهم"، وفى الصحيحين عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال: "الغلام الذى قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه ~~طغيانا وكفرا" وفى مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق الخلق فى [ظلمة ثم ~~ألقى عليهم من نوره وفى لفظ فجعلهم فى] واحدة، فأخذ من نوره فألقاه على تلك ~~الظلمة، فمن أصابه النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على ~~علم الله"، وذكر راشد بن سعد عن أبى عبد الرحمن السلمى أن أبا قتادة سمع ~~النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "خلق الله آدم وأخرج الخلق من ظهره فقال: ~~هؤلاء فى الجنة ولا أبالى، وهؤلاء فى النار ولا أبالى"، قال: قيل: على ما ~~نعمل؟ ms075 قال: "على مواقع القدر"، وذكر أبو داود فى كتاب القدر عن عبد الله بن ~~مسعود أنه مر على رجل فقالوا: هذا هذا.. ونالوا منه، فقال عبد الله: أرأيتم ~~لو قطعتم يده، كنتم تستطيعون أن تخلقوا له يدا؟ قالوا: لا [قال فلو قطع ~~رجله أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رجلا؟ قالوا لا] . قال: فلو قطع رأسه، ~~كنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسا؟ قالوا: لا، قال: فكما لا تستطيعون أن ~~تغيروا خلقه لا تستطيعون أن تغيروا خلقه، إن النطفة إذا وقعت فى الرحم بعث ~~الله ملكا فكتب أجله وعمله ورزقه وشقى أو سعيد. وذكر فيه عن ابن مسعود ~~مرفوعا: " إنما هما اثنتان: الهدى والكلام فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن ~~الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وإن كل ما هو آت ~~قريب وإن الشقى من شقى فى بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره "، وقال ابن وهب: ~~أخبرنى يونس عن ابن شهاب أن عبد الرحمن ابن هنيدة حدثه أن عبد الله بن عمرو ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله أن يخلق النسمة قال ~~ملك الأرحام تعرفا: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضى الله أمره [ثم يقول: يا رب ~~أشقى أم سعيد؟ فيقضى الله أمره] ، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ~~ينكبها" # وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب: أخبرنى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ~~بن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره سواء. قال الزهرى: ~~وحدثنى عبد الرحمن بن أذينة عن ابن عمر.. مثل ذلك. وذكر أبو داود أيضا عن ~~عائشة يرفعه: "إن # PageV01P072 # الله حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل على الرحم فيقول: أى رب ~~ماذا؟ فيقول: غلام، أو جارية، أو ما شاء الله أن يخلق فى الرحم. فيقول: أى ~~رب، أشقى أم سعيد؟ فيقول: شقى أو سعيد. فيقول: أى رب، ما أضله، فيقول كذا ~~وكذا. فتقول أى رب، ما خلقه؟ فيقول: كذا وكذا، قال: ms076 فيقول: يا رب، ما ~~خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا، قال: فما من شيء إلا وهو يخلق معه فى الرحم" وذكر ~~ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبى تميم الجيشانى عن أبى ذر أن ~~المنى إذا مكث فى الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب ~~[تعالى] فى راحته فيقول: يا رب عبدك ذكر أم أنثى؟ فيقضى الله ما هو قاض. ~~أشقى أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق بين عينية. قال أبو تميم: وقرأ أبو ذر من ~~فاتحة سورة التغابن خمس آيات. وقال ابن وهب: أخبرنى ابن لهيعة عن كعب بن ~~علقمة عن عيسى بن هلال عن عبد الله ابن عمرو بن العاص أنه قال: إذا مكثت ~~النطفة فى رحم المرأة أربعين يوما جاءها ملك فاختلجها، ثم عرج بها إلى ~~الرحمن عز وجل فقال: اخلق يا أحسن الخالقين. فيقضى الله فيها بما يشاء من ~~أمره، ثم يدفع إلى الملك، فيسأل الملك عن ذلك فيقول: يا رب، سقط أم تم؟ ~~فيبين له، ثم يقول: يا رب واحد أو توأم؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب ذكر أم ~~أنثى؟ فيبين له، فيقول: يا رب، أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له ذلك، ثم ~~يقول: يا رب، أشقى أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب، اقطع رزقه مع [خلقه] ~~، فيهبط بهما جميعا. فوالذى نفسى بيده ما ينال من الدنيا إلا ما قسم له، ~~فإذا أكل رزقه قبض". # وفى صحيح مسلم: عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبى صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة ~~فيقول: يا رب، أشقى أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ~~ويكتب عمله وأثره ورزقه، ثم تطوى الصحف ولا يزاد فيها ولا ينقص". وفى ~~الصحيحين عن أنس بن مالك- ورفع الحديث- قال: "إن الله وكل بالرحم ملكا ~~فيقول: أى رب نطفة، أى رب علقة، أى رب مضغة، فإذا أراد الله أن ms077 يقضى خلقا ~~قال الملك: أى رب ذكر أو أنثى؟ شقى أو سعيد، فما الرزق، فما الأجل؟ فيكتب ~~ذلك فى بطن أمه". وفى الصحيحين من حديث # PageV01P073 # ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه ~~أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه ~~الروح، ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو ~~سعيد". وفى حديث ابن مسعود أن هذا التقدير وهذه الكتابة فى الطور الرابع من ~~أطوار التخليق عند نفخ الروح فيه، وفى الأحاديث التى ذكرت أيضا آنفا أن ذلك ~~فى الأربعين الأولى قبل كونه علقة ومضغة، وفى رواية صحيحة: "إذا مر بالنطفة ~~ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها" ~~وفى رواية: "إن ذلك يكون فى بضع وأربعين ليلة" والله أعلم. # فصل: فى الجمع بين الروايات المتقدمة # الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة بحال النطفة، وأنه يقول: ~~يا رب هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة فى أوقاتها. فكل وقت يقول فيه ما صارت ~~إليه بأمر الله [تعالى] ، وهو أعلم بها وبكلام الملك، فتصرفه فى أوقات: ~~أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول أوقات علم الملك بأنه ~~ولد، لأنه ليس كل نطفة تصير ولدا، وذلك بعد الأربعين الأولى فى أول الطور ~~الثانى. ولهذا- والله أعلم- وقعت الإشارة إليه فى أول سورة أنزلها على ~~رسوله: {إقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق} [العلق: 1- 2] إذ خلقه ~~من علقة هو أول مبدء الإنسانية، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته ~~وسعادته ثم للملك فيه تصرف آخر [فى وقت آخر] وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره ~~وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأنوثيته وهذا إنما يكون فى الأربعين الثالثة ~~قبل نفخ الروح فيها فإن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره. فها هنا ~~تقديران وكتابان: التقدير الأول عند ابتداء تعليق التخليق فى النطفة وهو ~~إذا مضى عليها أربعون ودخلت فى طور العلقة. ms078 ولهذا فى إحدى الروايات: "إذا ~~مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة". والتقدير الثانى الكتابة [الثانية] إذا ~~كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرا أو أنثى. فالتقدير الأول ~~تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين، والتقدير الثانى تقدير لما يكون ~~للجنين بعد تصويره، ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ما يلقاه فى تلك ~~السنة، وهو ما يقدر ليلة القدر # PageV01P074 # من العام إلى العام فهذا التقدير أخص من التقدير الثانى، والثانى أخص من ~~الأول ونظير هذا أيضا أن الله [سبحانه] قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم قدر مقادير هذا الخلق حين خلقهم وأوجدهم ~~ثم يقدر كل سنة فى ليلة القدر ما يكون فى ذلك العام. وهكذا تقدير أمر ~~النطفة وشأنها يقع بعد تعلقها بالرحم، وبعد كمال تصوير الجنين، وقد تقدم ~~ذكر تقدير شأنها قبل خلق السموات والأرض فهو تقدير بعد تقدير. ونظير هذا ~~أيضا رفع الأعمال وعرضها على الله فإن عمل العام يرفع فى شعبان كما أخبر به ~~الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال: "فأحب أن يرفع عملى وأنا ~~صائم"، ويعرض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم، ويعرض عمل اليوم فى آخره والليلة فى آخرها كما فى حديث أبى ~~موسى الذى رواه البخارى عن النبى صلى الله عليه وسلم: "أن الله لا ينام ولا ~~ينبغى له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل ~~النهار قبل الليل"، فهذا الرفع والعرض اليومى أخص من العرض يوم الاثنين ~~والخميس، والعرض فيها أخص من العرض فى شعبان، ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل ~~كله وعرض على الله وطويت الصحف، وهذا عرض آخر. وهذه المسائل العظيمة القدر ~~من أهم فإن قيل: ما تقولون فى قوله: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ~~بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم ~~قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك. ثم ms079 يقول: يا رب ~~أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك"، وهذه بعض ألفاظ مسلم فى الحديث، وهذا ~~يوافق الرواية الأخرى: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم ~~بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقى [أم] سعيد؟ " # ويوافق مسائل الإيمان بالقدر، فصلوات الله وسلامه على كاشف الغمة وهادى ~~الأمة محمد صلى الله عليه وسلم. # الرواية الأخرى: "إن النطفة تقع فى الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها ~~الملك، وهذا يدل على أن تصويرها عقيب الأربعين الأولى. قيل: لا ريب أن ~~التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع فى الأربعين الثالثة، ~~لا يقع عقيب الأولى، هذا أمر معلوم بالضرورة، فأما أن يكون المراد ~~بالأربعين فى هذه الألفاظ الأربعين الثالثة وسمى المضغة فيها نطفة اعتبارا # PageV01P075 # بأول أحوالها وما كانت عليه، أو يكون المراد بها الأربعين الأولى وسمى ~~كتابة [تصويرها وتخليقها] وتقديره اعتبارا بما يئول، فيكون قوله: "صورها ~~وخلق سمعها وبصرها" أى قدر ذلك وكتبه وأعلم به، ثم يفعله به بعد الأربعين ~~الثالثة أو يكون المراد به- أى الأربعين- الأربعين الأولى وحقيقة التصوير ~~فيها، فيتعين حمله على تصوير خفى لا يدركه إحساس البشر، فإن النطفة إذا ~~جاوزت الأربعين انتقلت علقة، وحينذ يكون أول مبدإ التخليق فيكون مع هذا ~~المبدإ مبدأ التصوير الخفى الذى لا يناله الحس ثم إذا مضت الأربعون الثالثة ~~صورت التصوير المحسوس المشاهد فأحد التقديرات الثلاثة يتعين ولا بد، ولا ~~يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم، وهذا ~~التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدر، والله أعلم بمراد ~~رسوله، غير أنا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم ~~واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة والمقصود أن كتابة الشقاوة والسعادة ~~وما هو لاق، [كان] عند أول تخليقه. ويحتمل وجها رابعا وهو أن النطفة فى ~~الأربعين الأولى لا يتعرض إليها ولا يعتنى بشأنها، فإذا جاوزتها وقعت فى ~~أطوار التخليق طورا بعد طور، ووقع حينئذ التقدير والكتابة. فحديث ابن مسعود ~~صريح ms080 بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفة بن ~~أسيد وغيره من الأحاديث المذكورة إنما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين، ولم يوقت ~~فيها البعدية بل أطلقها، وقد قيدها ووقتها فى حديث ابن مسعود، والمطلق فى ~~مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب، فأخبر بما تكون النطفة بعد الطور الأول ~~من تفاصيل شأنها وتخليقها وما يقدر لها وعليها، وذلك يقع فى أوقات متعددة، ~~وكله بعد الأربعين الأولى، وبعضه متقدم على بعض، كما أن كونها علقة يتقدم ~~على كونها مضغة وكونها مضغة متقدم على تصويرها والتصوير متقدم على نفخ ~~الروح مع ذلك، فيصح أن يقال: إن النطفة بعد الأربعين تكون علقة ومضغة، ~~ويصور خلقها، وتركب فيها العظام والجلد، ويشق لها السمع والبصر، وينفخ فيها ~~الروح ويكتب شقاوتها وسعادتها. وهذا لا يقتضى وقوع ذلك كله عقيب الأربعين ~~الأولى من غير فصل. وهذا وجه حسن جدا. # والمقصود أن تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى ~~دار # PageV01P076 # الدنيا، فأسكنه الجنة أو النار وهو فى بطن أمه. وفى الصحيحين عن أبى ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ابن آدم ~~حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة" الحديث. وفى صحيح البخارى عن أبى سعيد عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة ~~إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر ~~وتحضه عليه والمعصوم من عصمه الله" # وفى سنن ابن ماجه عن عدى بن حاتم أنه قال: أتيت النبى صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "يا عدى أسلم تسلم" قلت: وما الإسلام؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله ~~وأنى رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها" وفى صحيح ~~البخارى من حديث الحسن عن عمرو بن تغلب قال: أتى النبى صلى الله عليه وسلم ~~مال، فأعطى قوما ومنع آخرين فبلغه أنهم عتبوا، فقال: "إنى أعطى الرجل وأدع ~~الرجل، والذى أدع أحب إلى ms081 من الذى أعطى، أعطى أقواما لما فى قلوبهم من ~~الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله فى قلوبهم من القناعة والخير ~~الحديث. # وفى الصحيحين من حديث عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم: "كان ~~الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء وخلق السموات والأرض وكتب فى ~~الذكر كل شيء". # وفى الصحيح عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: ~~"إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة" قال: يا رسول الله خلقين تخلقت ~~بهما، أم جبلت عليهما؟ قال: "بل جبلت عليهما" قال: الحمد لله الذى جبلنى ~~على خلقين يحبهما الله. وقال أبو هريرة: قال النبى صلى الله عليه وسلم: "جف ~~القلم بما أنت لاق" رواه البخارى تعليقا. # وذكر البخارى أيضا عن ابن عباس فى قوله تعالى: {أولئك يسارعون في الخيرات ~~وهم لها سابقون} [المؤمنون: 61] قال: سبقت لهم السعادة. # وفى سنن أبى داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن ~~اليمان، وأبى بن كعب، وزيد بن ثابت: "أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه ~~لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا لهم من أعمالهم، ~~ولو أنفقت مثل أحد ذهبا فى سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، ~~وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ~~هذا لدخلت النار" # وقاله زيد بن ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم. # وفى سنن أبى داود عن أبى # PageV01P077 # حفص الشامى قال: قال عبادة بن الصامت: يا بنى، إنك لن تجد طعم الإيمان ~~حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، ~~قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بنى، ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مات على ms082 غير هذا فليس منى". # وفىالصحيحين عن على رضى الله عنه قال: كنا فى جنازة فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ببقيع الغرقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه ~~مخصرة، فجعل ينكت بالمخصرة فى الأرض، ثم رفع رأسه فقال: "ما منكم من أحد من ~~نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من النار أو الجنة، إلا قد كتبت شقية أو ~~سعيدة". قال: فقال رجل من القوم: يا نبى الله أو لا نتكل على كتابنا وندع ~~العمل، فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة ~~ليكونن إلى الشقاوة؟ قال: "اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون ~~للسعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة"، ثم قرأ نبى الله: {فأما من ~~أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسرى} [الليل:5-10] . وفى السنن الأربعة عن مسلم بن يسار الجهنى ~~أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم} [الأعراف: 172] ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سئل ~~عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلق الله آدم ثم مسح ظهره ~~بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ~~ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار ~~يعملون" قال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت ~~على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله ~~بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" # وفى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر ~~الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث ms083 ~~والطيب". قال الترمذى: حديث حسن صحيح. # وذكر الطبرى من حديث مالك بن عبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لابن مسعود: "لا [تكثر] همك، ما يقدر يكن، وما ترزق # PageV01P078 # يأتك" # وذكر عن طارق بن شهاب عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"بعثت داعيا ومبلغا، وليس إلى من الهدى شيء. وخلق إبليس مزينا، وليس إليه ~~من الضلالة شيء"، # وقال ابن وهب: [أخبرنا] عبد الرحمن بن سليمان عن عقيل عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: خرج النبى صلى الله عليه وسلم فسمع ناسا من أصحابه يذكرون القدر ~~فقال: إنكم قد أخذتم فى شعبتين بعيدتى الغور، فيهما هلك أهل الكتاب من ~~قبلكم"، ولقد أخرج يوما كتابا فقال: "هذا كتاب من الله الرحمن الرحيم فيه ~~تسمية أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم فحمل على آخرهم ~~لا ينقص منهم أحد: فريق فى الجنة وفريق فى السعير". # وفى الترمذى عن ابن عباس قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~فقال: "يا غلام، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك، احفظ ~~الله تجده أمامك، تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة إذا سألت فاسأل ~~الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، رفعت الأقلام وجفت الصحف، لو جهدت الأمة ~~على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو جهدت الأمة على ~~أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، واعلم أن النصر مع ~~الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا". وفى بعض روايات الحديث فى ~~غير الترمذى: "فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئا لم يعطه الله لم ~~يقدروا عليه، ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئا قدره الله لك ما ~~استطاعوا، فاعبد الله مع الصبر على اليقين" # وقال على بن الجعد: أنبأنا عبد الواحد بن سليم البصرى عن عطاء بن أبى ~~رباح قال: سألت [الوليد بن] عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره ~~الموت؟ ms084 قال: جعل يقول: يا بنى اتق الله، واعلم أنك لن تتقى الله ولن تبلغ ~~العلم حتى تعبد الله وحده وتؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبت كيف لى أن ~~أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما ~~[أخطأك] لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير هذا دخلت النار، سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "إن أول ما خلق الله القلم [فقال] له: اكتب، فقال: ما ~~أكتب؟ فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد" # وذكر الطبرى من حديث بقية أنبأنا أبو بكر العنسى عن يزيد بن أبى حبيب ~~ومحمد بن يزيد قالا: حدثنا نافع عن ابن عمر قال: قالت أم سلمة: يا رسول ~~الله، لا تزال نفسك فى كل عام وجعة من تلك الشاة المسمومة التى أكلتها؟، ~~قال: # PageV01P079 # "ما أصابنى [من] شيء منها إلا وهو مكتوب على وآدم فى طينته". # وفى صحيح مسلم من حديث ابن عباس فى خطبة النبى صلى الله عليه وسلم: " ~~الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله". # وفى صحيحه أيضا عن زيد بن أرقم: كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"اللهم آت نفسى تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ". وفى ~~صحيحه أيضا عن على [رضى الله عنه] عن النبى صلى الله عليه وسلم فى دعاء ~~الاستفتاح: # "اللهم اهدنى لأحسن الأخلاق، لا يهدى لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سيئ ~~الأخلاق، لا يصرف عنى سيئها إلا أنت"، وفى الترمذى والمسند من حديث عمران ~~بن حصين أن النبى صلى الله عليه وسلم علم أباه هذا الدعاء: "اللهم ألهمنى ~~رشدى، وقنى شر نفسى ". # وروى سفيان الثورى عن خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: قام عمر بن ~~الخطاب [بالجابية] خطيبا فقال فى خطبته: "من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل ~~فلا هادى ms085 له" وعنده الجاثليق يسمع ما يقول، قال: فنفض ثوبه كهيئة المنكر، ~~فقال عمر: ما تقولون؟ قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحدا، ~~قال: كذبت يا عدو # الله خلقك وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله، أما والله لولا عهد لك ~~لضربت عنقك، إن الله خلق الخلق فخلق أهل الجنة وما هم عاملون، وخلق أهل ~~النار وما هم عاملون قال: هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه. وذكر الطبرى عن أبى بكر ~~الصديق قال: خلق الله الخلق فكانوا فى قبضته، فقال لمن فى يمينه: ادخلوا ~~الجنة بسلام، وقال لمن فى يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالى، فذهبت إلى ~~يوم القيامة، وقال ابن عمر: جاء رجل إلى أبى بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر ~~الله؟ فقال: نعم. قال: فإن الله قدره على ثم يعذبنى؟ قال: نعم يا ابن ~~اللخناء، أما والله لو كان عندى إنسان أمرت أن يجأ أنفك. وذكر عن علي رضى ~~الله عنه أنه ذكر عنده القدر يوما فأدخل إصبعيه السبابة والوسطى فى فيه ~~فرقم بهما باطن يده فقال: [أشهد] أن هاتين الرقمتين كانتا فى أم الكتاب. ~~وذكر عنه أيضا أنه قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن ~~يقينا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر ~~بالقدر كله. # وذكر البخارى عن ابن مسعود أنه قال فى خطبته: # PageV01P080 # الشقى من شقى فى بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. وقال ابن مسعود: لأن أعض ~~على جمرة أو أن أقبض عليها حتى تبرد فى يدى أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه ~~الله: ليته لم يكن. وقال: لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويعلم ~~أنه ميت، وأنه مبعوث من بعد الموت، وقال الأعمش عن [خثمة عن] ابن مسعود: إن ~~العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له، نظر الله إليه من فوق ~~سبع سموات فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنى إن يسرته له أدخلته النار. ~~قال: فيصرفه الله عنه، قال: ms086 فيقول: من أين دهيت؟ أو نحو هذا وما هو إلا فضل ~~الله [عز وجل] . # وذكر الزهرى عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف مرض ~~مرضا شديدا، واغمى عليه وأفاق فقال: أغمى على؟ قالوا نعم قال أنه أتانى ~~رجلان غليظان فأخذا بيدى فقالا: أنطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين فنطلقا بى ~~فتلقهما رجل فقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين فقال: ~~دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعاده وهو فى بطن أمه # وقال ابن جريج عن أنبأنا طاوس عن ابيه قال: أشهد [أنى] سمعت ابن عباس ~~يقول: العجز والكيس بقدر # وقال مجاهد: قيل لابن عباس: إن ناسا يقولون فى القدر: قال: يكذبون ~~بالكتاب إن أحدث أحدهم شعرا لاتصونه إن الله عزوجل كان على عرشه قبل أن ~~يخلق شيئا، فخلق القلم، فكتب ماهو كائن إلى يوم القيامة، فإنه يجرى الناس ~~على أمر قد فرغ منه وقال ابن عباس أيضا: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله ~~ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضا للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر ~~كانت العروة الوثقى لاانفصام لها # وقال عطاء بن رباح: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: ياابن عباس، أرأيت ~~من صدنى عن الهدى وأوردنى دار الضلالة واردا، إلا تراه قد ظلمنى؟ فقال: إن ~~كان الهدى شئ كان لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان الهدى هو له يؤتيه من ~~يشاء فلا يظلمك. قم ولا تجالسنى. # قال عكرمة عن ابن عباس: كان الهدهد يدل سليمان على الماء فقلت له: فكيف ~~ذاك؟ الهدهدد ينصب له الفخ عليه التراب فقال أعضك الله بهن أبيك ن إذا جاء ~~القضاء ذهب البصر # وقال الإمام أحمد: أنبأنا إسماعيل، أنبأنا أبا هارون الغنوى، أنبأنا ~~[ابو] سليمان الذدى عن أبى يحيى "مولى بنى # PageV01P081 # عفراء" قال اتيت ابن عباس، ومعى رجلان من الذين يذكرون القدر- أو ~~ينكرونه- فقلت يا ابن عباس ما تقول فى القدر؟ فإن هؤلاء يسألونك عن القدر، ~~إن زنى وإن سرق وإن شرب فحسر قميصه حتى ms087 أخرج منكبيه وقال: يا يحيى لعلك من ~~الذين ينكرون القدر ويكذبوون به، والله لو أعلم أنك منهم وهذين معك ~~لجاهدتكم، إن زنى بقدر، وإن سرق بقدر وإن شرب الخمر فبقدر # وصح عن ابن عمر أن يحيى ابن يعمر قال له: إن ناسا يقولون: لا قدر، وأن ~~الأمر أنف فقال: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أن ابن عمر برئ منهم وأنهم براء ~~منه، وقد تقدم قول أبي ابن كعب، وحذيفة وابن مسعود، وزيد ابن ثابت: لو ~~أنفقت مثل جبل أحدا ذهبا فى سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ~~ما أصابك لم يكن ليخطأك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير ذلك ~~دخلت النار وتقدم قول عبادة ابن الصامت: لن تؤمن حتى تؤمن بالقددر خيره ~~وشره، وتؤمن أنه ما أصابك لم يكن ليخطأك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك # وقال قتادة عن أبى السوار عن الحسن بن على قال: قضى القضاء وجف القلم، ~~وأمور بقظاء قد خلا # وقال عمرو بن العاص: انتهى عجبى إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لقيه، ~~ويرى فى عين أخيه الفذة ويكون فى عينه مثل الجذع فلا يعيبها، ويكون فى ~~دابته الطفر قيقومه جهده ويكون فى نفسه الطفر فلا يقومها # قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان أربع الصبر للحكم، والرضا بالقدر، ~~والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب # وقال الحجاج الأزدى: سألنا سلمان ما الإيمان بالقدر؟ فقال: أن تعلم إن ما ~~أصابك لم يكن ليخطأك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وقال سلمان أيضا: إن الله ~~لم خلق أدم مسح ظهره فأخرج منها زرارى إلى يوم القيامة، وكتب الأجال ~~والأعمال والأرزاق والشقاوة والسعادة فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس ~~الخير ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر، وقال جابر ابن عبد الله: لا ~~يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه، وقال هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة: إن ~~العبد ليعمل # PageV01P082 # الزمان ms088 بعمل أهل الجنة وإنه عند الله مكتوب من أهل النار، والأثار فى ذلك ~~أكثر من أن تذكر، وإنما أشرنا إلى بعضها أشارة # فصل # فالجواب: أن هاهنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك ~~زلت فيه أقدام فهوت بصاحبها إلى دار الشقاء # فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد ~~جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأن ماشاء كان وإن لم يشأ ~~الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس، وهذه الأثاركلها تحقق هذا المقام ~~وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد أنسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك، بل لم ~~يؤمن بالله ولم يعرفه، وهذا فى كل كتاب انزله الله على رسله # وأما المقام الثانى: وهو مقام الهدى وهو مقام الضلال والردى والهلاك فهو ~~الاحتجاج به على ذنبه على الله وحمل العبد ذنبه على ربه وتنزيه النفس ~~الجاهلة الظالمة الأمارة بالسوء وجعل أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأحكم ~~الحاكمين وأغنى الأغنياء أضر على العباد من أبليس، كما صرح به بعضهم واحتج ~~عليه بما خصمه فيه من لا تدحض حجته # ولا تطاق مغالبته حتى يقول قائل هؤلاء: # ما حيلة العبد والأقدار جارية ... عليه فى كل حال أيها الرائي # ألقاه فى اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء # ويقول قائلهم: # دعانى وسد الباب دونى فهل إلى ... دخولى سبيل؟ بينوا لى قصتي # ويقول الآخر: # وضعوا اللحم للبزاة ... على ذروتى عدن # ثم لاموا البزاة إذ ... خلعوا عنهم الرسن # لو أرادوا صيانتى ... ستروا وجهك الحسن # وقال بعضهم- وقد ذكر له ما يخاف من إفساده- فقال: لى خمس بنات لا أخاف # PageV01P083 # على إفسادهن غيره وصعد رجل يوما على سطح دار له، فأشرف على غلام له يفجر ~~بجاريته فنزل وأخذهما ليعاقبهما، فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدعانا ~~حتى فعلنا ذلك. فقال: لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلى من كل شيء، أنت حر لوجه ~~الله. ورأى آخر رجلا يفجر بامرأته، فبادر ليأخذه فهرب، فأقبل يضرب المرأة ~~وهى تقول: القضاء والقدر. فقال: يا عدوة ms089 الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ ~~فقالت: أو تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباس، فتنبه ورمى بالسوط من يده ~~واعتذر إليها وقال: لولاك لضللت، ورأى آخر رجلا آخر يفجر بامرأته فقال: ما ~~هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره. فقال: الخيرة فيما قضى الله، فلقب ~~بالخيرة فيما قضى الله، وكان إذا دعى به غضب، وقيل لبعض هؤلاء: أليس [الله ~~عز وجل] يقول: {ولا يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7] فقال: دعنا من هذا، رضيه ~~وأحبه وأراده، وما أفسدنا غيره، ولقد بالغ بعضهم فى ذلك حتى قال: القدر عذر ~~لجميع العصاة، وإنما مثلنا فى ذلك كما قيل: # إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر # وبلغ بعض هؤلاء أن عليا مر بقتلى النهروان فقال: بؤسا لكم، لقد ضركم من ~~غركم. فقيل: من غرهم؟ فقال: الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والأمانى، ~~فقال هذا القائل: كان على قدريا، وإلا فالله غرهم وفعل بهم ما فعل وأوردهم ~~تلك الموارد. واجتمع جماعة من هؤلاء يوما فتذاكروا القدر، فجرى ذكر الهدهد ~~وقوله: {وزين لهم الشيطان أعمالهم} [النمل: 24] فقال: كان الهدهد قدريا ~~أضاف العمل إليهم والتزيين إلى الشيطان، وجميع ذلك فعل الله. وسئل بعض ~~هؤلاء عن قوله تعالى لإبليس: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى} [سورة ص: 75] ~~: أيمنعه، ثم يسأله ما منعه؟ قال: نعم، قضى # PageV01P084 # عليه فى السر ما منعه فى العلانية ولعنه عليه، قال له: فما معنى قوله: ~~{وماذا عليهم لو آمنوا بالله} [النساء: 39] إذا كان هو الذى منعهم؟ قال: ~~استهزاء بهم. قال: فما معنى قوله: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} ~~[النساء: 147] قال: قد فعل ذلك بهم من غير ذنب جنوه، بل ابتدأهم بالكفر ثم ~~عذبهم عليه، وليس للآية معنى، وقال بعض هؤلاء- وقد عوتب على ارتكابه معاصى ~~الله فقال: إن كنت عاصيا لأمره فأنا مطيع لإرادته. وجرى عند بعض هؤلاء ذكر ~~إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم، فأخذ الجماعة يلعنونه ويذمونه، ~~فقال: إلى متى هذا اللوم؟ ولو خلى لسجد، ولكن منع. وأخذ يقيم عذره فقال بعض ~~الحاضرين: تبا لك ms090 سائر اليوم، أتذب عن الشيطان وتلوم الرحمن؟ وجاء جماعة ~~إلى منزل رجل من هؤلاء فلم يجدوه، فلما رجع قال: كنت أصلح بين قوم فقيل له: ~~وأصلحت بينهم؟ قال: أصلحت، إن لم يفسد الله. فقيل له: بؤسا لك، أتحسن ~~الثناء على نفسك وتسيء الثناء على ربك؟ ومر بلص مقطوع اليد على بعض هؤلاء ~~فقال: مسكين، مظلوم، أجبره على السرقة ثم قطع يده عليها، وقيل لبعضهم: أترى ~~الله كلف عباده ما لا يطيقون ثم يعذبهم عليه؟ قال: والله قد فعل ذلك، ولكن ~~لا نجسر أن نتكلم. وأراد رجل من هؤلاء السفر، فودع أهله وبكى. فقيل: ~~استودعهم الله واستحفظهم إياه. فقال: ما أخاف عليهم غيره، وقال بعض هؤلاء: ~~ذنبة أذنبها أحب إلى من عبادة الملائكة. قيل: ولم؟ قال: لعلمى بأن الله ~~قضاها على وقدرها، ولم يقضها إلا والخيرة لى فيها وقال بعض هؤلاء: العارف ~~لا ينكر منكرا، لاستبصاره بسر الله فى القدر. ولقد دخل شيخ من هؤلاء بلدا، ~~فأول ما بدأ به من الزيارات زيارة المواخير المشتملة على البغايا والخمور، ~~فجعل يقول: كيف أنتم فى قدر الله. # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: عاتبت بعض شيوخ هؤلاء فقال لى: المحبة ~~نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب والكون كله مراده، فأى شيء أبغض ~~منه؟ قال: فقلت له إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من فى الكون وعاداهم ~~ولعنهم، فأحببتهم أنت وواليتهم، أكنت وليا للمحبوب أو عدوا له؟ قال: فكأنما ~~ألقم حجرا. وقرأ قاريء بحضرة بعض هؤلاء: {قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي} [ص: 75] ، فقال: هو والله منعه، ولو قال إبليس ذلك لكان # PageV01P085 # صادقا، وقد أخطأ إبليس الحجة، ولو كنت حاضرا لقلت له: أنت منعته، وسمع ~~بعض هؤلاء قارئا يقرأ: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} ~~[فصلت: 17] فقال: ليس من هذا شئ، بل أضلهم وأعماهم. قالوا: فما معنى الآية؟ ~~قال: مخرقة يمخرق بها. # فيقال: الله أكبر على هؤلاء الملاحدة أعداء الله حقا الذين ما قدروا الله ~~حق قدره، ولا ms091 عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا نزهوه عما لا يليق ~~به، وبغضوه إلى عباده وبغضوهم إليه سبحانه، وأساؤوا الثناء عليه جهدهم ~~وطاقتهم، وهؤلاء خصماء الله حقا الذين جاء فيهم الحديث: "يقال يوم القيامة: ~~أين خصماء الله؟ فيؤمر بهم إلى النار". قال شيخ الإسلام ابن تيمية فى ~~تائيته: # ويدعى خصوم الله يوم معاده ... إلى النار طرا فرقة القدرية # سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا ... به الله أو ماروا به للشريعة # وسمعته يقول: القدرية المذمومون فى السنة وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق ~~الثلاث: نفاته، وهم القدرية المجوسية، والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: ~~{لو شاء الله ما أشركنا} [الأنعام: 148] ، وهم القدرية الشركية والمخاصمون ~~به للرب سبحانه وهم أعداء الله وخصومه وهم القدرية الإبليسية. وشيخهم ~~إبليس، وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال: {بما أغويتنى} [الحجر: 39] ، ~~ولم يعترف بالذنب يبوء به كما اعترف به آدم، فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ~~ربه فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم. ومن برأ نفسه واحتج على ربه ~~بالقدر فقد أشبه إبليس. ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والشركية شر من ~~القدرية النفاة، لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للرب [تعالي] وتعظيما له أن ~~يقدر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب، ونزهوه أن يعاقب العبد على ما لا صنع ~~للعبد فيه البتة بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه [وحوله] ونحو ذلك، ~~كما يحكى عن بعض الجبرية أنه حضر مجلس بعض الولاة فأتى # PageV01P086 # بطرار أحول فقال له الوالى: ما ترى فيه؟ فقال: اضربه خمسة عشر- يعنى ~~سوطا- فقال له بعض الحاضرين ممن ينفى الجبر: بل ينبغى أن يضرب ثلاثين سوطا ~~[خمسة عشر] لطره، [ومثلها] لحوله. فقال الجبرى: كيف يضرب على الحول ولا صنع ~~له فيه؟ فقال: كما يضرب على الطر ولا صنع له فيه عندك، فبهت الجبرى. وأما ~~القدرية الإبليسية والشركية فكثير منهم منسلخ عن الشرع، عدو لله ورسله، لا ~~يقر بأمر ولا نهى، وتلك وراثة عن شيوخهم الذين قال الله فيهم: {سيقول الذين ~~أشركوا لو ms092 شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين ~~من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا ~~الظن وإن أنتم إلا تخرصون} [الأنعام: 148] ، وقال تعالى: {وقال الذين ~~أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولآ آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} ~~[النحل:35] ، وقال تعالى: {وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يخرصون} [الزخرف: 20] ، وقال: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما ~~رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشآء الله أطعمه إن ~~أنتم إلا في ضلال مبين} [يس: 47] ، فهذه أربعة مواضع فى القرآن بين سبحانه ~~فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل. # وقد افترق الناس فى الكلام على هذه [الآيات] أربعة فرق: # الفرقة الأولى: جعلت هذه الآيات حجة صحيحة، وأن للمحتج بها الحجة على ~~الله. ثم افترق هؤلاء فرقتين: فرقة كذبت بالأمر والوعد والوعيد، وزعمت أن ~~الأمر والنهى والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلما، والله لا يظلم من خلقه ~~أحدا وفرقة صدقت بالأمر والنهى والوعد والوعيد وقالت: ليس ذلك بظلم، والله ~~يتصرف فى ملكه [كما] يشاء، ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه، بل يعذبه على ~~فعله هو سبحانه لا على فعل عبده، إذ العبد لا فعل له، والملك ملكه ولا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون. فإن هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة التى حكاها ~~الله عنهم استهزاء منهم، ولو قالوها اعتقادا للقضاء والقدر وإسنادا لجميع ~~الكائنات إلى مشيئته وقدرته لم ينكر [ذلك] عليهم، # PageV01P087 # ومضمون قول هذه الفرقة أن هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد لا ~~على جهة الاستهزاء فيكون للمشركين على الله الحجة، وكفى بهذا القول فسادا ~~وبطلانا. # الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجة لها فى إبطال القضاء والقدر ~~والمشيئة العامة إذ لو صحت المشيئة العامة وكان الله عز ms093 وجل قد شاء منهم ~~الشرك والكفر وعبادة الأوثان لكانوا قد قالوا الحق وكان الله [عز وجل] ~~يصدقهم عليه ولم ينكر عليهم، فحيث وصفهم بالخرص الذى هو الكذب، ونفى عنهم ~~العلم، دل على أن هذا الذى قالوه ليس بصحيح، وأنهم كاذبون فيه إذ لو كان ~~علما لكانوا صادقين فى الإخبار به ولم يقل لهم: {هل عندكم من علم} ~~[الأنعام: 148] ، وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء ~~والقدر، وزعمت بها أن يكون فى ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، وأنه لا ~~قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة ولا على أفعال ~~الحيوانات، وأنه لا يقدر أن يضل أحدا ولا يهديه ولا يوفقه أكثر مما فعل به، ~~ولا يعصمه من الذنوب والكفر ولا يلهمه رشده، ولا يجعل فى قلبه الإيمان، ولا ~~هو الذى جعل المصلى مصليا والبر برا والفاجر فاجرا والمؤمن مؤمنا والكافر ~~كافرا، بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك. فهذه الفرقة شاركت الفرقة التى ~~قبلها فى إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر: فالأولى تحيزت إلى القدر ~~وحاربت الشرع، والثانية تحيزت إلى الشرع وكذبت القدر. # والطائفتان ضالتان، وإحداهما أضل من الأخرى. # والفرقة الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر، وأقرت بالأمر والنهى، ونزلوا كل ~~واحد منزلته. فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به، والأمر والنهى يمتثل ~~ويطاع. فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله ~~إلا الله، والقيام بالأمر والنهى موجب شهادة أن محمدا رسول الله. وقالوا: ~~من لم يقر بالقضاء والقدر ويقوم بالأمر والنهى فقد كذب بالشهادتين وإن نطق ~~بهما بلسانه. ثم افترقوا فى وجه هذه الآيات فرقتين: فرقة قالت: إنما أنكر ~~عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك، ~~فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلا على رضاه به ومحبته له، إذ لو كرهه ~~وأبغضه لحال بينهم وبينه، فإن الحكيم إذا كان قادرا على دفع ما يكرهه ~~ويبغضه دفعه ومنع من وقوعه وإذا لم يمنع من وقوعه لزم إماعدم # PageV01P088 # قدرته وإما عدم حكمته، ms094 وكلاهما ممتنع فى حق الله، فعلم محبته لما نحن ~~عليه من عبادة غيره ومن الشرك به، وقد وافق هؤلاء من قال: إن الله يحب ~~الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها، ولكن خالفهم فى أنه نهى عنها وأمر ~~بأضدادها ويعاقب عليها، فوافقهم فى نصف قولهم وخالفهم فى الشطر الآخر، وهذه ~~الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين، وأن مشيئة الله تعالى ~~العامة وقضاءه وقدره لا يستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره. وهؤلاء ~~المشركون لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه كذبهم وأنكر عليهم وأخبر أنه ~~لا علم لهم بذلك وأنهم خارصون مفترون فإن محبة الله [تعالى] للشيء ورضاه به ~~إنما يعلم بأمره به على لسان رسوله لا بمجرد خلقه له، فإنه خلق إبليس ~~وجنوده وهم أعداؤه وهو تعالى يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه، فهكذا فى الأفعال ~~خلق خيرها وشرها، وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه ويبغض شرها وينهى عنه ~~ويعاقب عليه وكلاهما خلقه ولله تعالى الحكمة البالغة التامة فى خلقه ما ~~يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال، كل صادر عن حكمته وعلمه كما هو ~~صادر عن قدرته ومشيئته. وقالت الفرقة الثانية: إنما أنكر عليهم معارضة ~~الشرع بالقدر ودفع الأمر بالمشيئة، فلما قامت عليهم حجة الله ولزمهم أمره ~~ونهيه دفعوه بقضائه وقدره، فجعلوا القضاء والقدر إبطالا لدعوة الرسل ودفعا ~~لما جاؤوا به، وشاركهم فى ذلك إخوانهم وذريتهم الذين يحتجون بالقضاء والقدر ~~على المعاصى والذنوب فى نصف أقوالهم وخالفوهم فى النصف الآخر وهو إقرارهم ~~بالأمر والنهى. # فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام وورث كل قوم أئمتهم ~~وأسلافهم، إما فى جميع تركتهم وإما فى كثير منها. وإما فى جزء منها. وهدى ~~الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه فلم يؤمنوا ببعض ~~الكتاب ويكفروا ببعض، بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة، ~~وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف ~~أراد، وأنه هو الذى جعل المؤمن مؤمنا والمصلى مصليا والمتقى متقيا، وجعل ~~أئمة الهدى ms095 يهدون بأمره وأئمة الضلالة يدعون إلى النار، وأنه ألهم كل نفس ~~فجورها وتقواها؛ وأنه يهدى من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله ~~وحكمته، وأنه هو الذى وفق أهل الطاعة # PageV01P089 # لطاعته فأطاعوه ولو شاء لخذلهم فعصوه وأنه حال بين الكفار وقلوبهم فإنه ~~يحول بين المرء وقلبه فكفروا به ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه، وأنه من ~~يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأنه لو شاء لآمن من فى الأرض ~~كلهم جميعا إيمانا يثابون عليه ويقبل منهم ويرضى به عنهم، وأنه لو شاء ما ~~اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد: {ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} ~~[الأنعام: 112] . # والقضاء والقدر عندهم أربع مراتب جاء بها نبيهم وأخبر بها عن ربه تعالى: ~~الأولى: علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم. الثانية كتابة ذلك فى ~~الذكر عنده قبل خلق السموات والأرض. الثالثة مشيئته المتناولة لكل موجود، ~~فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه. الرابعة خلقه له وإيجاده ~~وتكوينه، فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل شيء. فالخالق عندهم واحد ~~وما سواه فمخلوق ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق، ويؤمنون مع ذلك ~~بحكمته، وأنه حكيم فى كل ما فعله وخلقه، وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة ~~هى التى اقتضت صدور ذلك وخلقه، وإن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمة به ~~كسائر صفاته، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره كما يقوله ~~نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها، بل هى أمر وراء ذلك، وهى ~~الغاية المحبوبة له المطلوبة التى هى متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى ~~وقدر فهدى، وأمات وأحيا وأسعد وأشقى، وأضل وهدى ومنع وأعطى، وهذه الحكمة هى ~~الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفى ~~للغايات وهو محال، إذ نفي الغاية مستلزم لنفى الوسيلة، فنفي الوسيلة # PageV01P090 # وهى الفعل لازم لنفى الغاية وهى الحكمة، ونفى قيام الفعل والحكمة به نفى ~~لهما فى الحقيقة، إذ فعل لا يقوم بفاعله ms096 وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا ~~يعقل، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته، وهذا لازم لمن نفى ذلك، ولا محيد ~~له عنه وإن أبى التزامه، وأما من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق ~~للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور البتة، بل قوله حق، ~~ولازم الحق حق كائنا ما كان # والمقصود أن ورثة الرسل وخلفاءهم- لكمال ميراثهم لنبيهم- آمنوا بالقضاء ~~والقدر والحكم والغايات المحمودة فى أفعال الرب وأوامره، وقاموا مع ذلك ~~بالأمر والنهى، وصدقوا بالوعد والوعيد، فآمنوا بالخلق الذى من تمام الإيمان ~~به إثبات القدر والحكمة، وبالأمر الذى من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد ~~والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب، فصدقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما ~~بنفى لوازمهما كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر، ~~وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة فى هذا الميراث النبوى، وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا فى قلوب خواص ~~الخلق ولب العالم، وليس الشأن فى الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد حقائقها ~~كما يفعل كثير من طوائف الضلال، فإن القدرية تؤمن بلفظ القدر، ومنهم من ~~يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الدينى ويجعل قضاءه وقدره هو نفس ~~أمره ونهيه ونفس مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها وهذا حقيقة إنكار ~~القضاء والقدر. وكذلك الحكمة، فإن الجبرية تؤمن بلفظها ويجحدون حقيقتها، ~~فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه تعالى، وإرادته لمراده تعالى، ~~فهى عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته. والقدرية النفاة لا يرضون ~~بهذا، بل يرتفعون عنه طبقة ويثبتون حكمة زائدة على ذلك، لكنهم ينفون قيامها ~~بالفاعل الحكيم ويجعلونها مخلوقا من مخلوقاته كما قالوا فى كلامه وإرادته ~~فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ الحكمة وجحدوا معناها وحقيقتها. وكذلك الأمر ~~والشرع، فإن من أنكر كلام الله وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، ولا قال ~~ولا يقول، ولا يحب شيئا ولا يبغض شيئا، وجميع الكائنات محبوبة له وما لم ~~يكن فهو مكروه له، ولا ms097 يحب ولا يرضى ولا يغضب، ولا فرق فى نفس الأمر بين ~~الصدق # PageV01P091 # والكذب [والبر] والفجور، والسجود للأصنام والشمس والقمر والسجود له، ولم ~~يكلف أحدا ما يقدر عليه بل كل تكليفه [تكليف] ما لا يطاق ولا قدرة للمكلف ~~عليه البتة، ويجوز أن يعذب رجالا إذ لم يكونوا نساء ويعذب نساء إذ لم ~~يكونوا رجالا وسودا حيث لم يكونوا بيضا وبيضا حيث لم يكونوا سودا، ويجوز أن ~~يظهر المعجزة على أيدى الكذابين ويرسل رسولا يدعو إلى الباطل وعبادة ~~الأوثان، ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور. ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع ~~والأمر والنهى بالكلية، ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين ~~الرسل [صلوات الله وسلامه عليه] ولكن مشى الحال بعض المشى بتناقضهم وهو خير ~~لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها. # والمقصود أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهى والوعد ~~والوعيد حقيقة [الإيمان] إلا أتباع الرسل وورثتهم، والقضاء والقدر منشؤه عن ~~علم الرب وقدرته، ولهذا قال الإمام أحمد: القدر قدرة الله، واستحسن ابن ~~عقيل هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان وقال: إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح ~~بها عن حقيقة القدر # المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته، وهم غلاتهم الذين ~~كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة. وفرقة جحدت كمال القدرة وأنكرت أن ~~تكون أفعال العباد مقدورة لله تعالى وصرحت بأن الله لا يقدر عليها، فأنكر ~~هؤلاء كمال قدرة الرب، وأنكرت الأخرى كمال علمه، وقابلتهم الجبرية فجاءت ~~على إثبات [القدرة] والعلم وأنكرت الحكمة والرحمة، ولهذا كان مصدر الخلق ~~والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته، ولهذا يقرن تعالى بين ~~الاسمين [والصفتين] من هذه الثلاثة كثيرا كقوله: {وإنك لتلقى القرآن من لدن ~~حكيم عليم} [النمل:6] ، وقال: {تنزيل الكتاب من الله العزيز} [الحكيم] ~~[الزمر: 1] ، وقال: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} [غافر: 1-2] ~~وقال: فى حم فصلت بعد ذكر تخليق العالم: {ذلك تقدير العزيز العليم} [فصلت: ~~12] # وذكر نظير هذا [فى الأنعام] فقال: {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير ms098 العزيز العليم} [الأنعام: 96] . # فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضى أن لا يخرج موجود عن قدرته، وارتباطه ~~بعلمه # PageV01P092 # التام يقتضى إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطه بحكمته يقتضى وقوعه على ~~أكمل الوجوه وأحسنها واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب [تعالى] . ~~وكذلك [ارتباط] أمره بعلمه وحكمته وعزته، فهو عليم بخلقه وأمره حكيم فى ~~خلقه عزيز فى خلقه وأمره. ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى والحكمة من ~~صفاته العلى، والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث ~~بها مبعوث بالكتاب والحكمة، والحكمة هى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهى ~~تتضمن العلم بالحق [والعمل] به [والخبر] عنه والأمر به، فكل هذا يسمى حكمة ~~وفى الأثر "الحكمة ضالة المؤمن"، وفى الحديث: "إن من الشعر حكمة"، فكما لا ~~يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده وهو محمود ~~على جميع ما فى الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته وصدر عنه خلقه وأمره، ~~فمصدر ذلك كله عن الحكمة، فإنكار الحكمة إنكار لحمده فى الحقيقة والله ~~أعلم. # PageV01P093 ### | فصل: فى تفصيل ما أجمل فيما مر وتوضيحه # وإنما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة فى كل ما خلقه الله وأمر به # ، وبيان أنه كله خير من جهة إضافته إليه سبحانه، وأنه من تلك الإضافة خير ~~وحكمة، وأن جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد، كما قال [النبى] صلى ~~الله عليه وسلم فى دعاء الاستفتاح: "لبيك وسعديك، والخير فى يديك، والشر ~~ليس إليك"، فهذا النفى يقتضى امتناع إضافة الشر إليه تعالى بوجه، فلا يضاف ~~إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله، فإن ذاته تعالى منزهة عن كل شر، ~~وصفاته كذلك إذ كلها صفات كمال ونعوت جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ~~وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ~~ومصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة، وهو المحمود على ذلك كله فيستحيل ~~إضافة الشر إليه، وتحقيق ذلك أن الشر ليس هو إلا الذنوب وعقوباتها كما فى ~~خطبته صلى ms099 الله عليه وسلم: "الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من ~~شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا"، فتضمن ذلك الاستعاذة من شرور النفوس ومن ~~سيئات الأعمال وهى عقوباتها. وعلى هذا فالإضافة على معنى "اللام" من باب ~~إضافة المتغايرين، أو يقال: المراد السيئات من الأعمال، فعلى هذا الإضافة ~~بمعنى "من" وهى من باب إضافة النوع إلى # PageV01P093 # جنسه، ويدل على الأول قوله تعالى: {وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ ~~فقد رحمته} [غافر: 9] قال شيخنا: وهذا أشبه [أنه] إذا أريد السيئات من ~~الأعمال، فإن أريد ما وقع منها فالاستعاذة إنما تكون من عقوباتها، إذ ~~الواقع [لا يمكن دفعه وإن استعاذه منها قبل وقوعها لئلا تقع فهذا هو ~~الاستعاذة] من شر النفس. وأيضا فلا يقال فى هذه التى لم توجد بعد سيئات ~~أعمالنا فإنها لم تكن بعد أعمالا فضلا عن أن تكون سيئات، وإضافة الأعمال ~~إلينا تقتضى وجودها إذ لم يوجد بعد ليس هو من أعمالنا إلا أن يقال: من ~~سيئات الأعمال التى إذا [عملناها] كانت سيئات. ولمن رجح التقدير الثانى أن ~~يقول: العقوبات ليست لجميع الأعمال، بل للمحرمات منها، والأعمال أعم وحملها ~~على المحرمات خاصة خلاف ظاهر اللفظ، بخلاف ما إذا كانت الإضافة على معنى ~~"من" فتكون الأعمال على عمومها والسيئات بعضها، فتكون السيئات على عمومها. ~~ويترجح أيضا أن الاستعاذة تكون قد اشتملت على أصول الشر كله، وهو شر النفس ~~الكامن فيها الذى لم يخرج إلى العمل، وشر العمل الخارج الذى سولته النفس ~~فالأول شر الطبيعة والصفة التى فى النفس والثانى شر العمل المتعلق بالكسب ~~والإرادة، ويلزم من المعافاة من هذين الشرين المعافاة من موجبهما وهو ~~العقوبة، فتكون الاستعاذة قد شملت جميع أنواع الشر بالمطابقة واللزوم، وهذا ~~هو اللائق بمن أوتى جوامع الكلم، فإن هذا من جوامع [كلمة] البديعة العظيمة ~~الشأن التى لا يعرف قدرها إلا أهل العلم والإيمان. # وإذا عرف هذا وأنه ليس فى الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، وكونها ذنوبا ~~تأتى من نفس العبد، فإن سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد، ms100 كما أن ~~سبب الخير الحمد والعلم والحكمة والغنى وهى أمور ذاتية للرب [تعالى] وذات ~~الرب [تعالى] مستلزمة للحكمة والخير والجود، وذات العبد مستلزمة للجهل ~~والظلم، وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه وهو أمر خارج ~~عن نفسه، فمن أراد الله به خيرا أعطاه هذا الفضل فصدر منه بوحيه من الإحسان ~~والبر والطاعة، ومن أراد به شرا أمسكه عنه وخلاه ودواعى نفسه وطبعه وموجبها ~~فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح، وليس منعه لذلك ظلما منه ~~[تعالى] ، فإنه فضله، وليس من منع فضله ظالما، لا سيما إذا منعه عن محل لا ~~يستحقه ولا يليق به. وأيضا فإن هذا الفضل هو توفيقه # PageV01P094 # وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلى بينه وبين نفسه، ~~وهذا محض فعله وفضله، وهو سبحانه أعلم بالمحل الذى يصلح لهذا الفضل ويليق ~~به ويثمر [فيه] ويزكو به. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله {وكذلك ~~فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلآء من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين} [الأنعام: 53] ، فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ~~ويشكره عليها. # عليها فإن أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل ~~والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلا بها لم يشكرها، ومن عرفها ولم ~~يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضا، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما ~~يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم وأقر ~~بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرض به وعنه لم يشكرها أيضا، ومن ~~عرفها وعرف المنعم بها وأقربها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضى به وعنه ~~واستعملها فى محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها. فلا بد فى الشكر من علم ~~القلب، وعمل يتبع العلم- وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له- كما فى ~~صحيح البخارى عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد ~~الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربى لا ms101 إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك، ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على، ~~وأبوء بذنبى، فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها إذا أصبح ~~موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ~~ليلته دخل الجنة، فقوله: "أبوء لك بنعمتك على" يتضمن الإقرار والإنابة إلى ~~الله بعبوديته، فإن المباءة هى التى يبوء إليها الشخص- أى يرجع إليها رجوع ~~استقرار- والمباءة هى المستقر، ومنه قوله [صلى الله عليه وسلم] : " من كذب ~~على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، أى ليتخذ مقعده من النار مباءة يلزمه ~~ويستقر فيه، لا كالمنزل الذى ينزله ثم يرحل عنه. فالعبد يبوء إلى الله [عز ~~وجل] بنعمته عليه، ويبوء بذنبه، ويرجع إليه بالاعتراف بهذا وبهذا رجوع ~~مطمئن إلى ربه منيب إليه، ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه، بل رجوع من ~~لا يعرض عن ربه بل لا يزال مقبلا عليه إذا كان لا بد له منه، فهو معبوده ~~وهو مستغاثه، لا صلاح له إلا بعبادته، فإن لم يكن معبوده هلك وفسد، ولا ~~يمكن أن يعبده إلا بإعانته. وفى الحديث: "مثل المؤمن مثل # PageV01P095 # الفرس فى آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته، كذلك المؤمن يجول ثم يرجع إلى ~~الإيمان". # فقوله: "أبوء" يتضمن أنى وإن جلت كما يجول الفرس- إما بالذنب وإما ~~بالتقصير فى الشكر- فإنى راجع منيب أواب إليك، رجوع من لا غنى له عنك. وذكر ~~النعمة والذنب لأن العبد دائما يتقلب بينهما، فهو بين نعمة من ربه وذنب منه ~~هو، كما فى الأثر الإلهى: "ابن آدم خيرى إليك نازل، وشرك إلى صاعد، كم ~~أتحبب إليك بالنعم وأنا غنى عنك، وكم تتبغض إلى بالمعاصى وأنت فقير إلى ولا ~~يزال الملك الكريم يعرج إلى منك بعمل قبيح" # وكان فى زمن الحسن البصرى شاب لا يرى إلا ه، وحدفسأله الحسن عن ذلك فقال: ~~إنى أجدنى بين نعمة من الله وذنب منى فأريد أن أحدث للنعمة شكرا وللذنب ms102 ~~استغفارا، فذلك الذى شغلنى عن الناس أو كما قال. فقال له: أنت أفقه [عندى] ~~من الحسن. # فالخير كله من الله كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: ~~53] ، وقال تعالى {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة} [الحجرات: 7- 8] ، ~~وقال: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17] ، وقال تعالى: {اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 6- 7] ، وهؤلاء المنعم عليهم ~~هم المذكورون فى قوله: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} ~~[النساء:69] فالنعم كلها [من نعم الدين والدنيا وهو أن الأعمال فى الدنيا ~~والآخرة] من نعم الله ومنه وفضله على عبده وهو سبحانه- وإن كان أجود ~~الأجودين وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين- فإنه أحكم الحاكمين وأعدل ~~العادلين، لا يضع الأشياء إلا فى مواضعها اللائقة بها ولا يناقض جوده ~~ورحمته وفضله حكمته وعدله. ولو رأى العقلاء واحدا منهم قد وضع المسك فى ~~الحشوس والأخلية ووضع النجاسات والقاذورات فى مواضع الطيب والنظافة لاشتد ~~نكيرهم عليه والقدح فى عقله ونسبوه إلى السفه وخلاف الحكمة، # PageV01P096 # وكذلك لو وضع العقوبة موضع الإحسان والإحسان موضع العقوبة لسفهوه وقدحوا ~~فى عقله، كما قال القائل: # ووضع الندى موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف فى موضع الندي # وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء والغذاء موضع الدواء، والاستفراغ حيث ~~يكون اللائق به عدمه والإمساك حيث يليق الاستفراغ وكذلك وضع الماء موضع ~~الطعام والطعام موضع الماء، وأمثال ذلك مما يخل بالحكمة، بل لو أقبل على ~~الحيوان البهيم يريد تعليمه ما لم يخلق له من العلوم والصنائع، فمن بهرت ~~حكمته العقول والألباب كيف ينبغى له أن يضع الأشياء فى غير مواضعها اللائقة ~~بها؟ ومن المعلوم أن أجل نعمة على عبده نعمة الإيمان به ومعرفته ومحبته ms103 ~~وطاعته والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته. ومن المعلوم ~~أيضا أن الأرواح منها الخبيث الذى لا أخبث منه، ومنها الطيب، وبين ذلك، ~~وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكى، والقلب الخسيس الخبيث، وهو سبحانه ~~خلق الأضداد كما خلق الليل والنهار والبرد والحر والداء والدواء والعلو ~~والسفل وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التى تصلح لاستقرار هذه ~~النعم فيها، وإيداعها عندها، ويزكو [بذروها] فيها، فيكون تخصيصه لها بهذه ~~النعم كتخصيص الأرض الطيبة القابلة [للبذر] بالبذر، فليس من الحكمة أن يبذر ~~البذر فى الصخور والرمال والسباخ، وفاعل ذلك غير حكيم فما الظن ببذر ~~الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة فى المحال التى هى أخبث ~~المحال. # فالله [عز وجل] أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا فهو أعلم بمن يصلح ~~لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل والقيام ~~بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب إليه، ومن لا يصلح لذلك. ~~وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ~~ما بلغوه عن ربهم # قال عبد الله بن مسعود: إن الله نظر فى قلوب العباد فرأى قلب محمد صلى ~~الله عليه وسلم خير # PageV01P097 # قلوب أهل الأرض فاختصه برسالته، ثم نظر فى قلوب العباد فرأى قلوب أصحابه ~~خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته. # وفى أثر بنى إسرائيل أن الله تعالى قال لموسى: أتدرى لم اخترتك لكلامى؟ ~~قال: لا يا رب. قال: إنى نظرت فى قلوب العباد فلم أر فيها أخضع من قلبك لى. ~~أو نحو هذا. # فالرب سبحانه إذا علم من محل أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبب ~~إليك ذلك ووضعه فيه وكتبه فى قلبه ووفقه له وأعانه عليه ويسر له طرقه وأغلق ~~دونه الأبواب التى تحول بينه وبين ذلك، ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره ~~وتربيته أعظم من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذى هو أحب شئ ~~إليه، فلا يزال يعامله بلطفه ويختصه بفضله ويؤثره برحمته ويمده بمعونته ~~ويؤيده بتوفيقه ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به، فيزداد العبد به ms104 معرفة ~~وله محبته وإليه إنابة وعليه توكلا، ولا يتولى معه غيره ولا يعبد معه سواه، ~~وهذا هو الذى عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها فى مرضاته. ~~واقتضت حكمة الرب [تعالى] وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر فى هذا القلب بذر ~~الإيمان والمعرفة. وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح، وأطلع عليه من ~~نوره شمس الهداية، وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة، فأنبتت أرضه ~~الزاكية من كل زوج كريم، كما فى الصحيح من حديث أبى موسى عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال: "مثل ما بعثنى الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، ~~فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها ~~طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى ~~قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه بما ~~بعثنى الله به، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت ~~به" # فمثل القلوب بالأرض التى هى محل النبات والثمار ومثل الوحى الذى وصل ~~إليها من بارئها وفاطرها بالماء الذى ينزله على الأرض، فمن الأرض أرض طيبة ~~قابلة للماء والنبات، فلما أصابها الماء أنبتت ما انتفع به الآدميون ~~والبهائم وأقوات المكلفين وغيرهم، وهذه بمنزلة القلب القابل لهدى الله ~~ووحيه المستعد لزكائه فيه وثمرته ونمائه، وهذا خير قلوب العالمين. ومن ~~الأرض أرض صلبة منخفضة غير مرتفعة ولا رابية، قابلة لحفظ الماء واستقراره ~~فيها، ففيها قوة الحفظ وليس فيها قوة النبات فلما حصل فيها الماء أمسكته ~~وحفظته فورده الناس # PageV01P098 # لشربهم وشرب مواشيهم وسقوا منه زروعهم، وهذا بمنزلة القلب الذى حفظ الوحى ~~وضبطه وأداه إلى من هو أفهم له منه وأفقه منه وأعرف بمراده، وهذا فى الدرجة ~~الثانية. ومن الأرض أرض قيعان- وهى المستوية التى لا تنبت إما لكونها سبخة ~~أو [رمالا] ، ولا يستقر فيها الماء- فإذا وقع عليها الماء ذهب ضائعا لم ~~تمسكه لشرب الناس ولم تنبت به كلأ لأنها غير قابلة لحفظ الماء ولا ms105 لنبات ~~الكلإ والعشب وهذا حال أكثر الخلق وهم الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى الله ~~ولم يرفعوا به رأسا، ومن كان بهذه المثابة فليس من المسلمين، بل لا بد لكل ~~مسلم أن يزكو الوحى فى قلبه فينبت من العمل الصالح والكلم الطيب ونفع نفسه ~~وغيره بحسب قدرته، فمن لم ينبت قلبه شيئا من الخير البتة فهذا من أشقى ~~الأشقياء. فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة فى ~~كلامه وفى أمثاله. # والمقصود أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه، ومن يصلح لها ~~ومن لا يصلح، وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله، كما تأبى أن يمنعه ~~من يصلح له. وهو سبحانه الذى جعل المحل صالحا وجعله أهلا وقابلا، فمنه ~~الإعداد والإمداد، ومنه السبب والمسبب. ومن اعترض بقوله: فهلا جعل المحال ~~كلها كذلك، وجعل القلوب على قلب واحد، فهو من أجهل الناس وأضلهم وأسفههم، ~~وهو بمنزلة من يقول: لم خلق الأضداد، وهلا جعلها كلها شيئا واحدا، فلم خلق ~~الليل والنهار والفوق والتحت والحر والبرد والدواء والداء والشياطين ~~والملائكة والروائح الطيبة والكريهة والحلو والمر والحسن والقبيح؟ وهل يسمح ~~خاطر من له أدنى مسكة من عقل بمثل هذا السؤال الدال على حمق سائله وفساد ~~عقله؟ وهل ذلك إلا موجب ربوبيته وإلاهيته وملكه وقدرته ومشيئته وحكمته، ~~ويستحيل أن يتخلف موجب صفات كماله عنها؟ وهل حقيقة الملك إلا بإكرام ~~الأولياء وإهانة الأعداء؟ وهل تمام الحكمة وكمال القدرة إلا بخلق المتضادات ~~والمختلفات وترتيب آثارها عليها وإيصال ما يليق بكل منها إليه؟ وهل ظهور ~~آثار أسمائه وصفاته فى العالم إلا من لوازم ربوبيته وملكه؟ فهل يكون رزاقا ~~وغفارا وعفوا ورحيما وحليما ولم يوجد من يرزقه، ولا من يغفر له ويعفو عنه ~~ويحلم عنه ويرحمه؟ وهل انتقامه إلا من لوازم ربوبيته وملكه؟ فممن ينتقم إن ~~لم يكن له أعداء ينتقم منهم، ويرى أولياءه كمال # PageV01P099 # نعمته عليهم واختصاصه إياهم دون غيرهم بكرامته وثوابه؟ وهل فى الحكمة ~~الإلهية تعطيل الخير الكثير لأجل شر جزئى يكون من لوازمه؟ ms106 فهذا الغيث الذى ~~يحيى به الله البلاد والعباد والشجر والدواب. كم يحبس من مسافر، ويمنع من ~~قصاد، ويهدم من بناء، ويعوق [عن] مصلحة؟ ولكن أين هذا مما يحصل به من ~~المصالح؟ وهل هذه المفاسد فى جنب مصالحه إلا كتفلة فى بحر؟ وهل تعطيله لئلا ~~تحصل به هذه المفاسد إلا موجبا لأعظم المفاسد والهلاك؟ وهذه الشمس التى ~~سخرها الله لمنافع عباده وإنضاج ثمارهم وأقواتهم وتربية أبدانهم وأبدان ~~الحيوانات والطير، وفيها من المنافع والمصالح ما فيها كم تؤذى مسافرا وغيره ~~بحرها، وكم تجفف رطوبة وكم تعطش حيوانا، وكم تحبس عن مصلحة، وكم [تشف] من ~~مورد وتحرق من زرع؟ ولكن أين يقع هذا فى جنب ما فيها من المنافع والمصالح ~~الضرورية المكملة؟ فتعطيل الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر كثير، وهو خلاف ~~موجب الحكمة الذى تنزه الله سبحانه عنه. # قلت لشيخ الإسلام: فقد كان من الممكن خلق هذه الأمور مجردة عن المفاسد ~~مشتملة على المصلحة الخالصة فقال: خلق هذه الطبيعة بدون لوازمها ممتنع، فإن ~~وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولو خلقت على غير هذا الوجه لكانت غير هذه، ~~ولكان عالما آخر غير هذا. قال: ومن الأشياء ما تكون ذاته مستلزمة لنوع من ~~الأمور لا ينفك عنه- كالحركة مثلا المستلزمة لكونها لا تبقى- فإذا قيل: لما ~~لم تخلق الحركة المعينة باقية؟ قيل: لأن ذات الحركة تتضمن النقلة من مكان ~~إلى مكان والتحول من حال إلى حال، فإذا قدر ما ليس كذلك لم يكن حركة. ونفس ~~الإنسان هى فى ذاتها جاهلة عاجزة فقيرة كما قال تعالى: {والله أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78] ، وإنما [يأتيها] العلم والقدرة ~~والغنى من الله بفضله ورحمته، فما حصل لها من كمال وخير فمن الله، وما حصل ~~لها من عجز وفقر وجهل يوجب الظلم والشر فهو منها ومن حقيقتها. وهذه أمور ~~عدمية، وليس لها من نفسها وجود ولا كمال والأمور العدمية من لوازم وجودها، ~~ولو جعلت على غير ذلك لم تكن هى هذه النفس الإنسانية بل مخلوقا آخر. # PageV01P100 # فحقيقة نفس ms107 الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة، والشر الذى يحصل لها ~~نوعان: عدم، ووجود. فالأول كعدم العلم والإيمان والصبر وإرادة الخيرات وعدم ~~العمل بها، وهذا العدم ليس له فاعل إذ العدم المحض لا يكون له فاعل، لأن ~~تأثير الفاعل إنما هو فى أمر وجودى، وكذلك عدم استعدادها للخيرات والكمالات ~~هو عدم محض ليس له فاعل، فإن العدم ليس بشئ أصلا، وما ليس بشيء لا يقال إنه ~~مفعول لفاعل، فلا يقال إنه من الله، إنما يحتاج إلى الفاعل الأمور ~~الوجودية، ولهذا من قول المسلمين كلهم: "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم ~~يكن" فكل كائن فبمشيئته كان وما لم يكن فلعدم مشيئته. والعدم يعلل بعدم ~~السبب أو الشرط تارة، وبوجود المانع أخرى. وقد يقال علة العدم عدم العلة. ~~وبعض الناس يقول: الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، فلا يوجد إلا بسبب، ~~ولا يعدم إلا بسبب قال: والتحقيق فى هذا أن العدم ليس له فاعل ولا علة ~~فاعلة أصلا [بل] ، إذا أضيف إلى عدم السبب أو عدم الشرط فمعناه الملازمة، ~~أى عدم العلة استلزم عدم المعلول وعدم الشرط استلزم عدم المشروط. فإذا قيل: ~~عدم لعدم [عليه أى عدم عليه] مستلزمة لعدمه، والنفس تطلب سبب العدم، فتقول: ~~لما لم يوجد كذا؟ فيقال: لعدم كذا، فيضاف عدم المعلوم إلى عدم علته، لا ~~إضافة تأثير ولكن إضافة استلزام وتعريف، وأما التعليل بالمانع فلا يكون إلا ~~مع قيام السبب إذا جعل المانع مقتضيا للعدم، وأما إذا أريد قياس الدلالة ~~فوجود المانع يستلزم عدم الحكم سواء كان المقتضى موجودا أو لم يكن. # والمقصود أن ما عدمته النفس من كمالها فمنها فإنها لا تقتضى إلا [العدم] ~~، أى عدم استعداد نفسها وقوتها هو السبب فى عدم هذا الكمال، فإنه كما يكون ~~أحد الوجودين سببا للآخر فكذلك أحد العدمين يكون سببا لعدم الآخر، والموجود ~~الحادث يضاف إلى السبب المقتضى لإيجاده وأما المعدوم فلا يحتاج استمراره ~~على العدم إلى فاعل يحدث العدم، بل يكفى فى استمراره عدم مشيئة الفاعل ~~المختار له، ms108 فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لانتفاء مشيئته، فانتقاء ~~مشيئة كونه سبب عدمه، وهذا معنى قولهم: عدم علة الوجود علة العدم، وبهذا ~~الاعتبار الممكن القابل للوجود والعدم لا يترجح أحد # PageV01P101 # طرفيه على الآخر إلا بمرجح، فمرجح عدمه عدم مرجحه، ومعنى الترجيح ~~والسببية [هاهنا] الاستلزام لا التأثير كما تقدم، فظهر استحالة إضافة هذا ~~الشر إلى الله عز وجل. # وأما الشر الثانى، وهو الشر الوجودى- كالعقائد الباطلة والإرادات ~~الفاسدة- فهو من لوازم ذلك العدم، فإنه متى عدم ذلك العلم النافع والعمل ~~الصالح من النفس لزم أن يخلفه الشر والجهل وموجبهما ولا بد، لأن النفس لا ~~بد لها من أحد الضدين، فإذا لم تشتغل بالضد النافع الصالح اشتغلت بالضد ~~الضار الفاسد، وهذا الشر الوجودى هو من خلقه تعالى إذ لا خالق سواه، وهو ~~خالق كل شيء، لكن كل ما خلقه الله فلا بد أن يكون له فى خلقه حكمة لأجلها ~~خلقه، لو لم يخلقه فاتت تلك الحكمة، وليس فى الحكمة تفويت هذه الحكمة التى ~~هى أحب إليه سبحانه من الخير الحاصل بعدمها، فإن فى وجودها من الحكمة ~~والغايات التى يحمد عليها سبحانه أضعاف ما فى عدمها من ذلك، ووجود الملزوم ~~بدون لازمه ممتنع، وليس فى الحكمة تفويت هذه الحكمة العظيمة لأجل ما يحصل ~~للنفس من الشر مع ما حصل من الخيرات التى لم تكن تحصل بدون هذا الشر، ووجود ~~الشيء لا يكون إلا مع وجود لوازمه وانتفاء أضداده، فانتفاء لوازمه يكون ~~ممتنعا لغيره، وحينئذ فقد يكون هدى هذه النفوس الفاجرة [وسعادتها] مشروطا ~~بلوازم لم تحصل، أو بانتفاء أضداد لم تنتف. # فإن قيل: فهلا حصلت تلك اللوازم وانتفت تلك الأضداد، فهذا هو السؤال ~~الأول، وقد بينا أن لوازم هذا الخلق وهذه النشأة وهذا العالم لا بد منها، ~~فلو قدر عدمها لم يكن هذا العالم بل عالما آخر ونشأة أخرى وخلقا آخر، وبينا ~~أن هذا السؤال بمنزلة أن يقال: هلا تجرد الغيث والأنهار عما يحصل به من ~~تغريق [وتعويق] وتخريب وأذى؟ وهلا تجردت الشمس ms109 عما يحصل منها من حر وسموم ~~وأذى؟ وهلا تجردت طبيعة الحيوان عما يحصل له من ألم وموت وغير ذلك؟ وهلا ~~تجردت الولادة عن مشقة الحمل والطلق وألم الوضع، هلا تجرد بدن الإنسان عن ~~قبوله للآلام والأوجاع واختلاف الطبائع الموجبة لتغير أحواله؟ وهلا تجردت ~~فصول العام عما [يحدث] فيها من البرد الشديد القاتل والحر الشديد المؤذى؟ ~~فهل يقبل عاقل هذا السؤال أو يورده؟ وهل هذا إلا بمنزلة أن يقال: لم كان ~~المخلوق فقيرا محتاجا والفقر والحاجة صفة نقص، فهلا تجرد منها # PageV01P102 # وخلعت عليه خلعة الغنى المطلق والكمال المطلق؟ فهل يكون مخلوقا إذا كان ~~غنيا غنى مطلقا؟ ومعلوم أن لوازم الخلق لا بد منها فيها، ولا بد للعلو من ~~سفل، والسفل من مركز ولوازم العلو من السعة والإضاءة والبهجة والخيرات وما ~~هناك من الأرواح العلوية النيرة المناسبة لمحلها وما يليق بها ويناسبها من ~~الابتهاج والسرور والفرح والقوة والتجرد من علائق المواد العلية لا بد ~~منها، ولوازم السفل والمركز من الضيق والحصر ولوازم ذلك من [الظلمة والغلط] ~~والشر وما هنالك من الأرواح السفلية المظلمة الشريرة وأعمالها وآثارها لا ~~بد منها، فهما عالمان علوى وسفلى ومحلان وساكنان تناسبهما مساكنهما ~~وأعمالهما وطبائعهما، وقد خلق كلا من المحلين معمورا بأهليه وساكنيه حكمة ~~بالغة وقدرة قاهرة، وكل من هذه الأرواح لا يليق بها غير ما خلقت له مما ~~يناسبها ويشاكلها قال تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: 84] أى على ~~ما يشاكله ويناسبه ويليق به، كما يقول الناس: "كل إناء بالذى فيه ينضح"، ~~فمن أرادت من الأرواح الخبيثة السفلية أن تكون مجاورة للأرواح الطيبة ~~العلوية فى مقام الصدق بين الملأ الأعلى فقد أراد ما تأباه حكمة أحكم ~~الحاكمين، ولو أن ملكا من ملوك الدنيا جعل خاصته وحاشيته سفلة الناس وسقطهم ~~وغرتهم الذين تتناسب أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم فى القبح والرداءة والدناءة ~~لقدح الناس فى ملكه وقالوا: لا يصلح للملك، فما الظن بمجاورى الملك الأعظم ~~مالك الملوك فى داره وتمتعهم برؤية وجهه وسماع كلامه ومرافقتهم للملأ ~~الأعلى الذين هم ms110 أطيب خلقه وأزكاهم وأشرفهم، أفيليق بذلك الرفيق الأعلى ~~والمحل الأسنى والدرجات العلى روح سفلية أرضية قد أخلدت إلى الأرض وعكفت ~~على ما تقتضيه طبائعها مما [تشاركها] فيه بل قد تزيد على الحيوان البهيم ~~وقصرت همتها عليه وأقبلت بكليتها عليه لا ترى نعيما ولا لذة ولا سرورا إلا ~~ما وافق طباعها من كل مأكل ومشرب ومنكح من أين كان وكيف اتفق، فالفرق بينها ~~وبين الحمير والكلاب والبقر بانتصاب القامة ونطق اللسان والأكل باليد، وإلا ~~فالقلب والطبع على [شاكله] قلوب هذه الحيوانات وطباعها، وربما كانت طباع ~~الحيوانات خيرا من طباع هؤلاء وأسلم وأقبل للخير ولهذا جعلهم الله سبحانه ~~شر الدواب فقال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ~~ولو علم الله فيهم خيرا # PageV01P103 # لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 22- 23] ، فهل يليق ~~بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية وأزكى الخلق وبين شر البرية ~~وشر الدواب فى دار واحدة يكونون فيها على حال واحدة من النعيم أو العذاب؟ ~~قال الله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} [القلم: ~~35- 36] ، فأنكر عليهم الحكم بهذا وأخرجه مخرج الإنكار لا مخرج الإخبار ~~لينبه العقول على هذا مما تحيله الفطر وتأباه العقول السليمة، وقال تعالى: ~~{لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفآئزون} [الحشر: 20] ~~، وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار} ### | [ص:28] # ، وقال تعالى: {قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ~~أولوا الألباب} [الزمر: 9] بل الواحد من الخلق لا تستوى أعاليه وأسافله، ~~فلا يستوى عقبه وعينه، ولا رأسه ورجلاه، ولا يصلح أحدهما لما يصلح له الآخر ~~فالله عز وجل قد خلق الخبيث والطيب والسهل والحزن والضار والنافع، وهذه ~~أجزاء الأرض: منها ما يصلح جلاء للعين ومنها ما يصلح للأتون والنار. # وبهذا ونحوه يعرف كمال القدرة وكمال الحكمة: فكمال القدرة بخلق الأضداد. ~~وكمال الحكمة تنزيلها منازلها ووضع كل منها فى موضعه والعالم من لا يلقى ~~الحرب بين قدرة الله ms111 وحكمته- فإن آمن بالقدرة قدح فى الحكمة وعطلها وإن آمن ~~بالحكمة قدح فى القدرة ونقصها- بل يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولها لجميع ~~ما خلقه الله ويخلقه، فكما أنه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته فكذلك لا يكون ~~إلا بحكمته. وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلا، ~~فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه، ثم تستدل على الغائب بالشاهد وتعتبر ~~ما علمت بما لم تعلم. وقد ضرب الله الأمثال لعباده فى كتابه وبين لهم ما فى ~~لوازم ما خلقه لهم وأنزله عليهم من الغيث الذى به حياتهم وأقواتهم وحياة ~~الأرض والدواب وما خلقه لهم من المعادن التى بها صلاح أبدانهم وأقواتهم ~~وصنائعهم من الشر والخير وبين المغمور بالإضافة إلى الخير الحاصل بذلك فقال ~~تعالى: {أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ~~ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك # PageV01P104 # يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث ~~في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد: 17] فأخبر سبحانه أن الماء [سبب] ~~بمخالطته الأرض إذا سال فلا بد من أن يحمل السيل من الغثاء والوسخ وغيره ~~زبدا عاليا على وجه السيل، فالذى لا يعرف ما تحت الزبد يقصر نظره عليه ولا ~~يرى إلا غثاء ووسخا ونحو ذلك ولا يرى ما تحته من مادة الحياة، وكذلك ما ~~يستخرج من المعادن من الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها إذا أوقد عليها ~~فى النار ليتهيأ الانتفاع بها خرج منها خبث ليس من جوهرها ولا ينتفع به، ~~وهذا لا بد منه فى هذا وهذا يجاوزه بصره. # وقد ذم تعالى من ضعفت بصيرته من المنافقين، وعمى عما فى القرآن مما به ~~ينال كل سعادة وعلم وهدى وصلاح وخير فى الدنيا والآخرة لمن لم يجاوز بصره ~~وسمعه وعود وعيده وبروقها وصواعقها وما أعد الله لأعدائه من عذابه ونكاله ~~وخزيه وعقابه [الذى هو - بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب] والأرواح ومن ~~المعارف الإلهية يبين طريق العبودية التى هى غاية ms112 كمال العبد، وهو مقصود ~~لتكميل ذلك وتمامه. قال تعالى {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمآ أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون ~~أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضآء ~~لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 17-20] ، فهكذا حال كل من ~~قصر نظره فى بعض مخلوقات الرب سبحانه على ما لا بد منه من شر جزئى جدا ~~بالإضافة إلى الخير الكثير، ولو لم تكن فى هذه النشأة الإنسانية إلا خاصته ~~وأولياؤه من رسله وأنبيائه وأتباعهم لكفى بها خيرا ومصلحة، ومن عاداهم- وإن ~~كانوا أضعاف أضعاف أضعافهم- فهم كالقش والزبالة وغثاء السيل، لا يعبأ ~~بكثرتهم ولا يقدح فى الحكمة الإلهية، بل وجود الواحد الكامل من هذا النوع ~~يغتفر معه [آلاف] مؤلفة من النوع الآخر فإنه إذا وجد واحد يوازن البرية ~~ويرجح عليها كان الخير الحاصل بوجوده والحكمة والمصلحة أضعاف الشر الحاصل ~~من وجود أضداده، وأثبت وأنفع وأحب إلى الله من فواته # PageV01P105 # بتفويت ذلك الشر المقابل له، وهذا كالشمس: فإن الخير الحاصل بها أنفع ~~للخلق وأكثر وأثبت وأصلح من تفويته بتفويت الشر المقابل له بها، وأين نفع ~~الشمس وصلاح النبات والحيوان بها من نفع الرسل وصلاح [القلوب] الوجود بهم؟ ~~بل أين ذلك من نفع سيد ولد آدم وصلاح الأبدان والدين والدنيا والآخرة به؟ # وقد ضرب للنفس الإنسانية وما فيها من الخير والشر مثل بدولاب أو طاحون ~~شديد الدوران، أى شيء خطفه ألقاه تحته وأفسده، وعنده قيمة الذى يديره وقد ~~أحكم أمره لينتفع به ولا يضر أحدا، فربما جاء الغر الذى لا يعرف فيتقرب منه ~~فيخرق ثوبه [أوبدنه] أو يؤذيه، فإذا قيل لصاحبه: لم لم تجعله ساكنا لا يؤذى ~~من اقترب منه؟ قال: هذه الصفة اللازمة التى كان بها دولابا وطاحونا، ولو ~~[جعل] على غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه. وكذلك إذا أوقدنا ms113 ~~نار الأتون التى تحرق ما وقع فيها وعندها وقاد حاذق يحشوها، فإذا غفل عنها ~~أفسدت وإذا أراد أحد أن يقرب منها نهاه وحذره، فإذا استغفله من قرب منها ~~حتى أحرقته لم يقل لصاحب النار: هلا قللت حرها لئلا تفسد من يقرب منها ~~وتحرقه؟ فإنه يقول: هذه صفتها التى لا يحصل المقصود منها إلا بها، ولو ~~جعلتها دون ذلك لم تحرق أحجار الكلس، ولم تطبخ الآجر، ولم تنضج الأطعمة ~~الغليظة ونحو ذلك، فما يحصل من الدولاب والطاحون ومن النار من نفعها هو من ~~فضل الله ورحمته، وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التى خلقت عليها والتى ~~لا تكون نارا إلا بها، فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن نارا، وكذلك النفس: ~~فما يحصل لها من شر فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها وما يحصل لها ~~من خير فهو من فضل الله ورحمته، والله خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة ~~وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك، فأما الأمور العدمية فهى باقية على ما [كانت] ~~عليه من العدم، والإنسان جاهل ظالم بالضرورة كما قال تعالى: {وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] ، فإن الله أخرجه من بطن أمه ~~لا يعلم شيئا [والظلم هو النقص، كما قال تعالى: {آتت أكلها ولم تظلم منه ~~شيئا} [الكهف: 33] أى ما نقص منه شيئا] ، وهى ظالمة نفسها فهى الظالمة ~~والمظلومة، إذ كانت منقوصة من كمالها بعدم الكمالات أو أكثرها بها، وتلك ~~أخرى فصار عدمها مستلزما لعدم تلك الكمالات [فعظم النقص والتعب كسبه وفقدت ~~من لذاتها وسرورها ونعيمها وبهجتها وروحها بحسب ما فعلت من تلك الكمالات] ~~التى لا سعادة لها بدونها، # PageV01P106 # فإن أحد الموجودين قد يكون مشروطا بالآخر فيستحيل وجوده بدونه، لأن عدم ~~الشرط يستلزم عدم المشروط، فإذا عدمت النفس هذا الكمال المستلزم لكمال آخر ~~مثله أو أعلى منه وهى- موصوفة بالنقص الذى هو الظلم والجهل ولوازمها من أصل ~~الخلقة- صارت متسلزمة للشر، وقوة شرها وضعفه بحسب قوتها وضعفها فى ذاتها. ~~وتأمل أول نقص دخل على أبى ms114 البشر وسرى إلى أولاده كيف كان من عدم العلم ~~والعزم. قال تعالى: {ولقد عهدنآ إلىءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} [طه: ~~115] والنسيان سواء كان عدم العلم أو عدم الصبر كما فسر بهما [هاهنا] فهو ~~أمر عدمى، ولهذا قال آدم لما رأى ما دخل عليه من ذلك: {ربنا ظلمنآ أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] ، فإنه إذا ~~اعترف خص نفسه- بما حصل لها من عدم العلم والصبر- بالنسيان الذى أوجب فوات ~~حظه من الجنة، ثم قال: {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~[الأعراف: 23] ، فإنه سبحانه لم يغفر السيئات الوجودية فيمنع أثرها وعقابها ~~[ونقى] العبد من ذلك وإلا ضرته آثارها ولا بد، [كآثار] الطعام المسموم إن ~~لم يتداركه المداوى بشرب الترياق ونحوه وإلا ضره ولا بد، وإن لم يرحمه ~~سبحانه بإيجاد ما به يصلح النفس وتصير عالمة [بالحق عاملة به] وإلا خسر. # ، والمغفرة تمنع الشر، والرحمة توجب الخير، والرب سبحانه إن لم يغفر ~~للإنسان فيقيه السيئات ويرحمه فيؤتيه الحسنات وإلا هلك ولا بد، إذ كان ~~ظالما لنفسه ظلوما بنفسه، فإن نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها، وهى ~~متحركة بالذات فإن لم تتحرك إلى الخير تحركت إلى الشر فضرت صاحبها، وكونها ~~متحركة بالذات من لوازم كونها نفسا لأن ما ليس حساسا متحركا بالإرادة فليس ~~نفسا، [فى] الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم "أصدق الأسماء حارث وهمام"، ~~فالحارث الكاسب العامل، والهمام الكثير الهم والهم مبدأ [الإرادة فالنفس لا ~~تكون إلا مريدة عاملة، فإن لم توفق] [للإرادة] الصالحة وإلا وقعت فى ~~الإرادة الفاسدة والعمل الضار، وقد قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا إذا ~~مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين} [المعارج: 19- 22] ، ~~فأخبر [تعالى] أن الإنسان خلق على هذه الصفة، وإن من كان على غيرها فلأجل ~~ما زكاه الله به من فضله وإحسانه. # PageV01P107 # وقال تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] ، # قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساء. وقال الحسن: هو خلقه من ~~ماء مهين. # وقال الزجاج: ms115 ضعف عزمه عن قهر الهوى. # والصواب أن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أعظم من هذا وأكثر: فإنه ضعيف ~~البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم ضعيف الصبر، والآفات إليه ~~[مع] هذا الضعف أسرع من السيل فى صيب الحدود. فبالإضطرار لا بد له من حافظ ~~معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين ~~فالهلاك أقرب إليه من نفسه. وخلقه على هذه الصفة هو من الأمور التى يحمد ~~عليها الرب [جل جلاله] ويثنى عليه بها. وهو موجب حكمته وعزته، فكل ما يحدث ~~من هذه الخلقة ويلزم عنها فهو بالنسبة إلى الخالق [عز وجل] خير وعدل وحكمة، ~~إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته، ~~وبالنسبة إلى العبد تنقسم إلى خير وشر وحسن وقبيح، كما تكون بالنسبة إليه ~~طاعة ومعصية وبرا وفجورا، بل أخص من ذلك، مثل كونها صلاة وصياما وحجا ~~[وزكاة] وسرقة وأكلا وشربا، إذ [ذلك] موجب حاجته وظلمه وجهله وفقره وضعفه، ~~وموجب أمر الله له ونهيه، ولله سبحانه الحكمة البالغة والنعمة السابغة ~~والحمد المطلق على تجميع ما خلقه وأمر به، وعلى ما لم يخلقه مما لو شاءه ~~لخلقه، وعلى توفيقه الموجب لطاعته وعلى خذلانه الموقع فى معصيته، وهو سبقت ~~رحمته غضبه وكتب على نفسه الرحمة، وأحسن كل شيء خلقه وأتقن كل ما صنع وما ~~يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله فى ذلك سبحانه أعظم حكمة مطلوبة ~~وتلك الحكمة إنما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأسباب ~~التى لا تنال غاياتها إلا بها، فوجود هذه الأسباب بالنسبة إلى الخالق ~~الحكيم سبحانه هو من الحكمة، ولهذا يقرن سبحانه فى كتابه بين اسمه الحكيم ~~واسمه العليم تارة وبين اسمه العزيز تارة كقوله: {والله عليم حكيم} ~~[النساء: 26] [الأنفال: 71] ، {والله عزيز حكيم} [البقرة: 240] [المائدة: ~~38] ، وقوله: {وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 158، 165] [الفتح: 7، 19] ، ~~{وكان الله عليما حكيما} [النساء: 170] [الفتح: 4] ، {وإنك لتلقى القرآن من ~~لدن حكيم عليم} [النمل: 6] # فإن العزة تتضمن القوة، ولله القوة جميعا، يقال: عز ms116 يعز- بفتح العين- إذا ~~اشتد # PageV01P108 # وقوى، ومنه الأرض العزاز: الصلبة الشديدة، وعز يعز بكسر العين إذا امتنع ~~ممن يرومه وعز يعز بضم العين إذا غلب وقهر، فأعطوا أقوى الحركات وهى الضمة- ~~لأقوى المعانى وهو الغلبة والقهر للغير وأضعفها وهى الفتحة لأضعف هذه ~~المعانى وهو كون الشئ فى نفسه صلبا، ولا يلزم من ذلك أن يمتنع عمن يرومه ~~والحركة المتوسطة وهى الكسرة للمعنى المتوسط وهو القوى الممتنع عن غيره، ~~ولا يلزم منه أن يقهر غيره ويغلبه، فأعطوا الأقوى للأقوى والأضعف للأضعف ~~والمتوسط للمتوسط. ولا ريب أن قهر [المريد] عما يريده من أقوى أوصاف ~~القادر، فإن قهره عن إرادته وجعله مريدا كان أقوى أنواع القهر، والعز ضد ~~الذل، والذل أصله الضعف والعجز فالعز يقتضى كمال القدرة [والعزة] ، ولهذا ~~يوصف به المؤمن ولا يكون ذما له بخلاف الكبر. قال رجل للحسن البصرى: إنك ~~متكبر. فقال: لست متكبرا، ولكنى [عزز] . وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين} [المنافقون: 8] ، وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة الإسلام [منذ ~~أسلم عمر. وقال النبى صلى الله عليه وسلم "اللهم أعز] بأحد هذين الرجلين: ~~عمر بن الخطاب، أو أبى جهل بن هشام"، وفى بعض الآثار: إن الناس بطلبون ~~العزة فى أبواب الملوك، ولا يجدونها إلا فى طاعة الله عز وجل. وفى الحديث: ~~"اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك" وقال بعضهم: من أراد عزا بلا ~~سلطان، وكثرة بلا عشيرة، وغنى بلا مال، فلينتقل من ذل المعصية إلى عز ~~الطاعة. فالعزة من جنس القدرة والقوة وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى ~~كل خير". فالقدرة إن لم يكن معها حكمة بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر ~~فى العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله، كان [فعلة] ~~فسادا كصاحب شهوات الغى والظلم، الذى [يفعله] بقوته ما يريده من شهوات الغى ~~فى بطنه وفرجه ومن ظلم الناس، فإن هذا وإن كان له قوة وعزة لكن لما لم ~~يقترن بها ms117 حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده. وكذلك العلم كماله أن [نقترن ~~به الحكمة وإلا فالعالم الذى لا يريد ما] تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما ~~يهواه، سيفه غاو، [وعلمه عون له على الشر والفساد هذا إذا كان عالما قادرا] ~~مريدا له إرادة من غير حكمة، وإن قدر أنه لا إرادة له فهذا أولا ممتنع من ~~الحى، فإن # PageV01P109 # وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إرادة ممتنع كوجود إرادة بدون الشعور، ~~وأما القدرة والقوة إذا قدر وجودها بدون إرادة فهى كقوة الجماد، فإن القوة ~~الطبيعية التى هى مبدأ الفعل والحركة [لا إرادة لها] وقد قال بعض الناس: إن ~~[للجماد] شعورا يليق به واحتج بقوله تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها لما يهبط من خشية ~~الله} [البقرة: 74] ، وبقوله تعالى: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} ~~[الكهف: 77] وهذه المسألة كبيرة تحتاج إلى كلام يليق بهذا الموضع. والمقصود ~~أن العلم والقدرة المجردين عن الحكمة لا يحصل بهما الكمال والصلاح وإنما ~~[يحصل] ذلك بالحكمة معها، واسمه سبحانه "الحكيم" يتضمن حكمته فى خلقه وأمره ~~فى إرادته الدينية الكونية وهو حكيم فى كل ما خلقه وأمر به. # والناس فى هذا المقام أربع طوائف: الطائفة الأولى الجاحدة لقدرته وحكمته ~~فلا يثبتون له [تعالى] قدرة ولا حكمة، كما يقوله من ينفى كونه تعالى فاعلا ~~مختارا وأن صدور العالم عنه بالإيجاب الذاتى لا بالقدرة والاختيار وهؤلاء ~~يثبتون حكمة يسمونها عناية إلهية، وهم من أشد الناس تناقضا، إذ لا يعقل ~~حكيم لا قدرة له ولا اختيار، وإنما يسمون ما فى العالم من المصالح والمنافع ~~عناية إلهية من غير أن يرجع منها إلى الرب [تعالى] إرادة ولا حكمة وهؤلاء ~~كما أنهم مكذبون لجميع الرسل فإنهم مخالفون لصريح العقل والفطرة، قد نسبوا ~~الرب [تعالى] إلى أعظم النقص، وجعلوا كل قادر مريد مختار أكمل منه وإن كان ~~من كان، بل سلبهم القدرة والاختيار والفعل عن رب العالمين شر من شرك عباد ~~الأصنام ms118 به بكثير، وشر من قول النصارى أنه- تعالى عن قولهم- ثالث ثلاثة وأن ~~له صاحبة وولدا، فإن هؤلاء أثبتوا له قدرة وإرادة واختيارا وحكمة، ووصفوه ~~مع ذلك بما لا يليق به. وأما أولئك فنفوا ربوبيته وقدرته بالكلية وأثبتوا ~~له أسماء لا حقائق لها ولا معنى. # والطائفة الثانية أقرت بقدرته وعموم مشيئته للكائنات وجحدت حكمته # PageV01P110 # وما له فى خلقه من الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه التى يفعل لأجلها ~~ويأمر لأجلها، فحافظت على القدر وجحدت الحكمة، وهؤلاء هم النفاة للتعليل ~~والأسباب والقوى والطبائع فى المخلوقات، فعندهم لا يفعل لشيء ولا لأجل شيء، ~~وليس فى القرآن عندهم لام تعليل ولا باء تسبب، وكل لام توهم التعليل فهى ~~عندهم لام العاقبة وكل باء تشعر بالتسبب فهى عندهم باء المصاحبة وهؤلاء ~~سلطوا نفاة القدر عليهم [بما نفوه من الحكمه والتعليل والأسباب فاستطالوا ~~عليهم بذلك] ، ووجدوا مقالا واسعا بالشناعة فقالوا وشنعوا، ولعمر والله ~~إنهم لمحقون فى أكثر ما شنعوا عليهم به، إذ نفى الحكمة والتعليل والأسباب ~~له لوازم فى غاية الشناعة، والتزامها بمكابرة ظاهرة لعامة [عند عامة] ~~العقلاء. # والطائفة الثالثة أقرت بحكمته أثبتت الأسباب والعلل والغايات فى أفعاله ~~وأحكامه، وجحدت كمال قدرته، فنفت قدرته على شطر العالم وهو أشرف ما فيه من ~~أفعال الملائكة والجن والإنس وطاعاتهم، بل عندهم [هذه] كلها لا تدخل تحت ~~مقدوره [تعالى] ، ولا يوصف بالقدرة عليها ولا هى داخلة تحت مشيئته ولا ~~ملكه، وليس فى مقدوره عندهم أن يجعل المؤمن مؤمنا والمصلى مصليا والموفق ~~موفقا، بل هو الذى [جعل] نفسه كذلك. وعندهم أن أفعال العباد من الملائكة ~~والجن والإنس كانت بغير مشيئته واختياره فتعالى الله عن [قولهم] ، وهؤلاء ~~سلطوا عليهم نفاة الحكمة والتعليل والأسباب فمزقوهم كل ممزق ووجدوا طريقا ~~وسيعا إلى الشناعة عليهم، وأبدوا تناقضهم فقالوا وشنعوا، ورموهم بكل داهية. ~~أو نفى قدرة الرب [تعالى] على شطر المملكة له لوازم فى غاية الشناعة والقبح ~~والفساد، والتزامها مكابرة ظاهرة عند عامة العقلاء، ونفى التزامها تناقض ~~بين، فصاروا بذلك بين التناقض- وهو أحسن حالهم- وبين التزام تلك العظائم ms119 ~~التى تخرج عن الإيمان، كما كان نفاة الحكمة والأسباب والغايات كذلك. # فهدى الله الطائفة الرابعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من ~~يشاء إلى # PageV01P111 # صراط مستقيم، فآمنوا بالكتاب كله، وأقروا بالحق جميعه، ووافقوا كل واحدة ~~من الطائفتين على ما معها من الحق، وخالفوهم فيما قالوه من الباطل، ~~[فآمنوا] بخلق الله وأمره بقدرته وشرعه وأنه سبحانه المحمود على خلقه ~~وأمره، وأنه له الحكمة البالغة والنعمة السابغة، وأنه على كل شيء قدير: فلا ~~يخرج عن مقدوره شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها وصفاتها، كما لا يخرج عن ~~علمه، فكل ما تعلق به علمه من العالم تعلقت به قدرته ومشيئته. وآمنوا مع ~~ذلك بأن له الحجة على خلقه، [وأنه لا حجة لأحد عليه بل لله الحجة البالغة] ~~وأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، بل كان ~~تعذيبهم منه عدلا منه وحكمة لا بمحض المشيئة المجردة عن السبب والحكمة كما ~~يقوله الجبرية، ولا يجعلون القدر حجة لأنفسهم ولا لغيرهم، بل يؤمنون به ولا ~~يحتجون به ويعلمون أن الله سبحانه أنعم عليهم بالطاعات وأنها من نعمته ~~عليهم وفضله وإحسانه، وأن المعاصى من نفوسهم الظالمة الجاهلة، وأنهم هم ~~جناتها وهم الذين اجترحوها، ولا يحملونها على القضاء والقدر مع علمهم بشمول ~~قضائه وقدره لما فى العالم من خير وشر وطاعة وعصيان وكفر وإيمان، وأن مشيئة ~~الله سبحانه محيطة بذلك كإحاطة علمه به، وأنه لو شاء ألا يعصى لما عصى وأنه ~~[سبحانه] أعز وأجل من أن يعصى قسرا، والعباد أقل من ذلك وأهون، وأنه ما شاء ~~الله كان وكل كائن فهو بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن، وما لم يكن فلعدم ~~مشيئته، فله الخلق والأمر وله الملك والحمد وله القدرة التامة والحكمة ~~الشاملة البالغة. فهذه الطائفة هم أهل البصر التام، والأولى لهم العمى ~~المطلق، والثانية والثالثة كل طائفة منهما [لهم] عين عمياء، ومع هذا فسرى ~~العمى من العين العمياء إلى العين الصحيحة فأعماها ولا يستكثر تكرار هذا ~~الكلمات من يعلم شدة الحاجة ms120 إليها وضرورة النفوس إليها، فلو تكررت فالحاجة ~~إليها فى محل الضرورة. والله المستعان. # PageV01P112 ### | فصل: فى إثبات الحمد كله لله عز وجل # ويجمع هذين الأصلين العظيمين أصل ثالث هو عقد نظامهما وجامع شملهما، ~~وبتحقيقه وإثباته على وجهه يتم بناء هذين الأصلين وهو إثبات الحمد كله لله ~~رب العالمين # PageV01P112 # فإنه المحمود على ما خلقه وأمر به ونهى عنه، فهو المحمود على طاعات ~~العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم، وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار ~~والملائكة والشياطين وعلى خلق الرسل وأعدائهم، وهو المحمود على عدله فى ~~أعدائه كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه، فكل ذرة من ذرات ~~الكون شاهدة بحمده، ولهذا سبح بحمده السموات السبع والأرض ومن فيهن: {وإن ~~من شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44] ، وكان فى قول النبى صلى الله عليه ~~وسلم عند الاعتدال من الركوع: "ربنا ولك الحمد، ملء السماء وملء الأرض، ~~وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد"، فله سبحانه الحمد حمدا يملأ ~~المخلوقات والفضاء الذى بين السماوات والأرض، ويملأ ما يقدر بعد ذلك مما ~~يشاء أن يملأ بحمده. وذاك يحتمل أمرين: أحدهما أن يملأ ما يخلقه الله بعد ~~السموات والأرض، والمعنى أن الحمد ملء ما خلقته وملء ما تخلقه بعد ذلك. ~~الثانى أن يكون المعنى ملء ما شئت من شيء [بعد] يملأه حمدك، أى يقدر مملوءا ~~بحمدك وإن لم يكن موجودا. ولكن [قد] يقال: المعنى الأول أقوى لأن قوله: "ما ~~شئت من شيء بعد" يقتضى أنه شيء يشاؤه، وما شاء كان، والمشيئة متعلقة بعينه ~~لا بمجرد ملء الحمد له. فتأمله لكنه إذا شاء كونه فله الحمد ملأه، فالمشيئة ~~راجعة إلى المملوء بالحمد، فلا بد أن يكون شيئا موجودا يملأه حمده وأيضا ~~فإن قوله: "من شيء بعد" يقتضى أنه [شيء يشاؤه سبحانه بعد هذه المخلوقات كما ~~يخلقه] بعد ذلك من مخلوقاته ومن القيامة وما بعدها. ولو أريد تقدير خلقه ~~لقيل: وملء ما شئت من شيء مع ذلك لأن المقدر يكون مع المحقق. وأيضا فإنه لم ~~يقل: ملء ما ms121 شئت أن يملأه الحمد، بل قال: ما شئت. والعبد قد حمد حمدا أخبر ~~به، وإن ثناءه ووصفه بأنه يملأ ما خلقه الرب سبحانه وما يشاء بعد ذلك، ~~وأيضا قوله "وملء ما شئت من شيء بعد" يقتضى إثبات مشيئة تتعلق بشيء بعد ~~ذلك، وعلى الوجه الثانى قد تتعلق المشيئة بملء المقدر، وقد لا تتعلق وأيضا ~~فإذا قيل: "ما شئت من شيء بعد ذلك" كان الحمد مالئا لما هو موجود يشاؤه ~~الرب دائما، ولا ريب أن له الحمد دائما فى الأولى والآخرة، وأما إذا قدر ما ~~يملأه الحمد وهو غير موجود فالمقدرات لا حد لها، وما من شيء منها إلا يمكن ~~تقدير شيء بعده وتقدير ما لا نهاية له كتقدير الأعداد، ولو أريد هذا المعنى ~~لم # PageV01P113 # يحتج إلى تعليقه بالمشيئة، بل قيل: "ملء ما لا يتناهى" فأما ما يشاؤه ~~الرب [تعالى] فلا يكون إلا موجودا مقدرا، وإن كان لا آخر لنوع الحوادث أو ~~بقاء ما يبقى منها فهذا كله مما يشاؤه بعد وأيضا فالحمد هو الإخبار بمحاسن ~~المحمود على وجه الحب له ومحاسن المحمود تعالى إما قائمة بذاته وإما ظاهرة ~~فى مخلوقاته، فأما المعدوم المحض الذى لم يخلق ولا خلق قط فذاك ليس فيه ~~محاسن ولا غيرها، فلا محامد فيه البتة فالحمد لله [الذى] يملأ المخلوقات ما ~~وجد منها ويوجد هو حمد يتضمن الثناء عليه بكماله القائم بذاته والمحاسن ~~الظاهرة فى مخلوقاته، وأما ما لا وجود له فلا محامد منه ولا مذام، فجعل ~~الحمد مالئا له لما لا حقيقة له. # وقد اختلف الناس فى معنى كون حمده يملأ السموات والأرض وما بينهما، فقالت ~~طائفة على جهة التمثيل: أى لو كان أجساما لملأ السموات والأرض وما بينهما ~~قالوا: فإن الحمد من قبيل المعانى والأعراض التى لا تملأ بها الأجسام، ولا ~~تملأ الأجسام [إلا بالأجسام] والصواب أنه لا يحتاج إلى [هذا التكلف البارد ~~فإن من كل شيء يكون بحسب] الماليء والمملوء، فإذا قيل امتلأ الإناء ماء ~~وامتلأت الجفنة طعاما فهذا الامتلاء نوع، وإذا قيل: ms122 امتلأت الدار رجالا ~~وامتلأت المدينة خيلا ورجالا فهذا نوع آخر. وإذا قيل: امتلأ الكتاب سطورا ~~فهذا نوع آخر، وإذا قيل: امتلأت مسامع الناس حمدا أو ذما لفلان فهذا نوع ~~آخر فى أثر معروف: أهل الجنة من امتلأت مسامعه من ثناء الناس عليه، وأهل ~~النار من امتلأت مسامعه من ذم الناس له". وقال عمر بن الخطاب فى عبد الله ~~بن مسعود كنيف مليء علما، ويقال: فلان علمه قد ملأ الدنيا. وكان يقال: ملأ ~~ابن أبى الدنيا الدنيا علما. ويقال: صيت فلان قد ملأ الدنيا وضيق الآفاق ~~وحبه قد ملأ القلوب، وبغض فلان قد ملأ القلوب، وامتلأ قلبه رعبا، وهذا أكثر ~~من أن تستوعب شواهده، وهو حقيقة فى بابه وجعل الملء والامتلاء حقيقة ~~للأجسام خاصة تحكم باطل ودعوى لا دليل عليها البتة، والأصل الحقيقة ~~الواحدة، والاشتراك المعنوى هو الغالب على اللغة والأفهام والاستعمال، ~~فالمصير إليه أولى من المجاز والاشتراك [اللفظى] وليس هذا موضع تقرير [هذه ~~المسألة] . # والمقصود أن الرب أسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم سوء، وأوصافه كلها كمال ~~ليس فيهاصفة نقص وأفعاله كلها حكمة ليس فيها فعل خال عن الحخكمة والمصلحة، ~~وله # PageV01P114 # المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، موصوف بصفة الكمال ~~مذكور بنعوت الجلال منزه عن الشبيه والمثال ومنزه عما يضاد صفات كماله: ~~فمنزه عن الموت المضاد للحياة، وعن السنة والنوم والسهو والغفلة المضاد ~~للقيومية، وموصوف بالعلم منزه عن أضداده كلها من النسيان والذهول وعزوب شيء ~~عن علمه، موةصوف بالقدرة التامة منزه عن ضدها من العجز واللغوب والإعياء، ~~موصوف بالعدل منزه عن الظلم، موصوف بالحكمة منزه عن العبث، موصوف بالسمع ~~والبصر منزه عن أضدادهما من الصمم والبكم، موصوف بالعلو والفوقية منزه عن ~~أضداد ذلك، موصوف بالغنى التام منزه عما يضاده بوجه من الوجوه، ومستحق ~~للحمد لكه فيستحيل أن يكون غير محمود كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالق ~~ولا حي، وله الحمد كله واجب لذاته فلا يكون إلا محموةدا كما لا يكون إلا ~~إلها وربا وقادرا # فإذا قيل: ms123 "الحمد كله لله" فهذا له معنيان: أحدهما أنه محمود على كل شيء ~~[وبكل ما يحمد به المحمود التام وإن كان بعض خلقه يحمد أيضا كما] يحمد رسله ~~وأنبياؤه وأتباعهم- فذلك من حمده تبارك وتعالى بل هو المحمود بالقصد الأول ~~[وبالذت وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده] فهو المحمود أولا وآخرا ~~وظاهرا وباطنا، وهذا كما أنه بكل شيء عليم، وقد علم غيره من علمه ما لم يكن ~~يعلمه بدون تعليمه، وفى الدعاء المأثور: "اللهم لك الحمد كله، ولك الملك ~~كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله وأعوذ بك ~~من الشر كله"، وهو سبحانه له الملك وقد آتى من الملك بعض خلقه، وله الحمد ~~وقد آتى غيره من الحمد ما شاء. وكما أن ملك المخلوق داخل فى ملكه، فحمده ~~أيضا داخل فى حمده، فما من محمود يحمد على شيء مما دق أو جل إلا والله ~~المحمود عليه بالذات [والأولوية] أيضا، وإذا قال [الحامد] : "اللهم لك ~~الحمد"، فالمراد به أنت المستحق لكل حمد، ليس المراد به الحمد الخارجى فقط. # المعنى الثانى أن يقال: "لك الحمد كله" أى الحمد التام الكامل فهذا مختص ~~بالله عز وجل ليس لغيره فيه شركة. والتحقيق أن له الحمد بالمعنيين جميعا، ~~فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سبحانه، فهو المحمود على كل حال ~~وعلى كل شيء أكمل حمد وأعظمه، كما أن له الملك التام العام فلا يملك كل شيء ~~إلا هو وليس الملك التام الكامل إلا له وأتباع الرسل [صلوات الله وسلامه ~~عليهم] يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد فإنهم # PageV01P115 # يقولون: إنه خالق كل شيء وربه ومليكه، لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته ~~شيء البتة فله الملك كله. والقدرية المجوسية يخرجون من ملكه أفعال العباد، ~~فيخرجون [طاعات الأنبياء والمرسلين والملائكة والمتقين من ملكه كما يخرجون] ~~سائر حركات الملائكة والجن والإنس عن ملكه. وأتباع الرسل يجعلون ذلك كله ~~داخلا [تحت] ملكه وقدرته، ويثبتون كمال الحمد أيضا، وأنه المحمود على جميع ~~ذلك وعلى كل ما ms124 خلقه ويخلقه، لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة ~~المقصودة بالفعل. وأما نفاة الحكمة والأسباب من مثبتى القدر فهم فى الحقيقة ~~لا يثبتون له حمدا كما لا يثبتون له الحكمة فإن الحمد من لوازم الحكمة ~~والحكمة إنما تكون فى حق من يفعل شيئا لشيء فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة ~~من فعله فأما من لا يفعل شيئا لشيء البتة فلا يتصور فى حقه الحكمة. وهؤلاء ~~يقولون: ليس فى أفعاله وأحكامه لام التعليل، وما اقترن بالمفعولات من قوى ~~وطبائع ومصالح فإنما اقترنت بها اقترانا عاديا، لا أن هذا كان لأجل هذا، ~~ولا نشأ السبب لأجل المسبب، بل لا سبب عندهم ولا مسبب البتة، إن هو إلا محض ~~المشيئة وصرف الإرادة التى ترجح مثلا على مثل، بل لا مرجح أصلا، وليس عندهم ~~فى الأجسام وطبائع وقوى تكون أسبابا لحركاتها، ولا فى العين قوة امتازت بها ~~على الرجل يبصر بها، ولا فى القلب قوة يعقل بها امتاز بها [على] الظهر، بل ~~خص سبحانه أحد الجسمين بالرؤية والعقل والذوق تخصيصا لمثل على مثل بلا سبب ~~أصلا ولا حكمة، فهؤلاء لم يثبتوا له كمال الحمد، كما لم يثبت له أولئك كمال ~~الملك، وكلا القولين منكر عند السلف وجمهور الأمة. # ولهذا كان منكرو الأسباب والقوى والطبائع يقولون: العقل نوع من العلوم ~~الضرورية كما قال القاضيان أبو بكر بن الطيب وأبو يعلى بن الفراء ~~وأتباعهما. وقد نص أحمد على أنه غريزة، وكذلك الحارث المحاسبى وغيرهما، ~~فأولئك لا يثبتون غريزة ولا قوة ولا طبيعة ولا سببا، وأبطلوا مسميات هذه ~~الأسماء جملة وقالوا: إن ما فى الشريعة من المصالح والحكم لم يشرع الرب ~~سبحانه ما شرع من الأحكام لأجلها بل اتفق اقترانها بها أمرا اتفاقيا، # PageV01P116 # كما قالوا نظير ذلك فى المخلوقات سواء، والعلل عندهم أمارات محضة لمجرد ~~الاقتران الاتفاقى. # وهم فريقان: أحدهما لا يعرجون على المناسبات ولا يثبتون العلل بها البتة، ~~وإنما يعتمدون على تأثير العلة بنص أو إجماع، فإن فقدوا فزعوا إلى الأقيسة ~~الشبهية. # والفريق الثانى أصلحوا المذهب بعض ms125 الإصلاح وقربوه بعض الشيء وأزالوا تلك ~~النفرة عنه، فأثبتوا الأحكام بالعلل والعلل بالمناسبات والمصالح، ولم ~~يمكنهم الكلام فى الفقه إلا بذلك، ولكم جعلوا اقتران أحكام تلك العلل ~~والمناسبات بها اقترانا عاديا غير مقصود فى نفسه العلل والمناسبات أمارات ~~ذلك الاقتران، وهؤلاء يستدلون على إثبت علم الرب تعالى بما فى مخلوقاته من ~~الأحكام والإتقان والمصالح، وهذا تناقض بين منهم، فإن ذلك إنما يدل إذا كان ~~الفاعل يقصد أن يفعل الفعل على وجه مخصوص لأجل الحكمة المطلوبة منه، وأما ~~من لم يفعل لأجل ذلك الإحكام والإتقان وإنما اتفق اقترانه بمفعولاته عادة ~~فإن ذلك الفعل لا يدل على العلم، ففى أفعال الحيوانات من الإحكام والإتقان ~~والحكم ما هو معروف لمن تأمله، ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح مقصودة ~~لها لم تدل على علمها. والمقصود أن هؤلاء إذا قالوا: إنه تعالى لا يفعل ~~لحكمة امتنع عندهم أن يكون الإحكام دليلا على العلم وأيضا فعلى قولهم يمتنع ~~أن يحمد على ما فعله لأمر ما حصل للعباد من نفع، فهو سبحانه لم يقصد بما ~~خلقه نفعهم ولا خلقه لنفعهم ومصالحهم، بل إنما أراد مجرد وجوده لا لأجل كذا ~~ولا لنفع أحد ولا لضره، فكيف يتصور فى حق من يكون فعله ذلك حمد؟ فلا يحمد ~~على فعل عدل، ولا على ترك ظلم، لأن الظلم- عندهم- والممتنع الذى لا يدخل فى ~~المقدور، وذلك لا يمدح أحد على تركه وكل ما أمكن وجوده فهو عندهم عدل ~~فالظلم مستحيل عندهم إذ هو عبارة عن الممتنع المستحيل لذاته الذى لا يدخل ~~تحت المقدور ولا يتصور فيه ترك اختيارى فلا يتعلق به حمد، وإخباره تعالى عن ~~نفسه بقيامه بالقسط حقيقة عندهم مجرد كونه فاعلا لا أن هناك شيئا هو قسط فى ~~نفسه يمكن وجود ضده، وكذلك قوله: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] نفى ~~عندهم لما هو مستحيل فى نفسه لا حقيقة له، كجعل الجسم فى مكانين فى آن ~~واحد، وجعله موجودا معدوما فى آن # PageV01P117 # واحد، فهذا ونحوه عندهم هو الظلم الذى تنزه عنه، ms126 وكذلك قوله: "يا عبادى، ~~إنى حرمت الظلم على نفسى، وجعلته محرما بينكم، فلا تظالموا"، فالذى حرمه ~~على نفسه هو المستحيل الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين وليس هناك ممكن ~~يكون ظلما فى نفسه وقد حرمه على نفسه، ومعلوم أنه لا يمدح الممدوح بترك ما ~~لو أراده لم يقدر عليه. وأيضا فإنه قال: "وجعلته محرما بينكم" فالذى حرمه ~~على نفسه هو الذى جعله محرما بين عباده وهو الظلم المقدور الذى يستحق تاركه ~~الحمد والثناء. والذى أوجب لهم هذا مناقضة القدرية المجوسية ورد أصولهم ~~وهدم قواعدهم، ولكن ردوا باطلا بباطل وقابلوا بدعة ببدعة وسلطوا عليهم ~~خصومهم بما التزموه من الباطل فصارت الغلبة بينهم وبين خصومهم سجالا مرة ~~يغلبون ومرة يغلبون لم يستقر لهم نصرة، وإنما النصرة الثابتة لأهل السنة ~~المحضة الذين لم يتحيزوا إلى فئة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يلتزموا غير ما جاء به، ولم يؤصلوا أصلا ببدعة يسلطون عليهم به خصومهم، بل ~~أصلهم ما دل عليه كتاب الله وكلام رسوله وشهدت به الفطر والعقول. # PageV01P118 ### | فصل: فى بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه # والمقصود بيان شمول حمده تعالى وحكمته لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة ~~وامتحان وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، أنه سبحانه محمود على ذلك مشكور ~~حمد المدح وحمد الشكر، أما حمد المدح فإنه محمود على كل ما خلق إذ هو رب ~~العالمين والحمد لله رب العالمين وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة فى حق ~~المؤمن إذا اقترن بواجبه من الإحسان، والنعمة إذا [اقترنت بالشكر صارت] ~~نعمة والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمه، والطاعة من أجل نعمه، ~~وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل ~~والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة ~~أيضا وإن كان سببها مسخوطا مبغوضا للرب تعالى، ولكنه يحب ما يترتب عليها من ~~التوبة والاستغفار، وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده من الرجل إذا أضل راحلته ~~بأرض دوية مهلكة عليها طعامه # PageV01P118 # وشرابه فأيس منها ms127 ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإذا بها قد تعلق خطامها فى ~~أصل شجرة فجاء حتى أخذها، فالله أفرح بتوبة العبد حين يتوب إليه من هذا ~~براحلته، فهذا الفرح العظيم الذى لا يشبهه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه، ~~وله أسباب ولوازم لابد منها، وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات وإن كان ~~محبوبا له فهذا الفرح أحب إليه بكثير ووجوده بدون لازمه ممتنع، فله من ~~الحكمة فى تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة. هذا بالإضافة إلى ~~الرب جل جلاله، وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه ~~موقوفا على أسباب لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة ~~والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من النعم باعتبار ~~غايته وما يعقبه وإن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه والرب ~~تعالى محمود على الأمرين، فإن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة للرب سبحانه من ~~والتوبة والذل والإنابة والانكسار فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال ~~النهاية لا بنقص البداية، وإن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إلا من خبث ~~نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الذكية الطاهرة فى الملأ ~~الأعلى ومعلوم وأن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ~~ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها ومساكنة ~~من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة فى المحل الأسفل، فإن هذه النفوس ~~إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التى توصلها إلى ما ~~هى مهيأة له ولا يليق به سواه والرب تعالى محمود على إنعامه وإحسانه على ~~أهل الإحسان والأنعام القابلين له فما كل أحد قابلا لنعمته تعالى فحمده ~~وحكمته تقتضى أن لا يودع وإحسانه وكنوزه فى محل غير قابل لها. # ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة فى خلق هذه الأرواح التى هى غير قابلة ~~لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية. وأن خلق الأضداد ~~والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته ms128 وعلمه وعزته، وأن ~~تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية. وأيضا فإن هذه الحوادث نعمة فى حق ~~المؤمن، فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن نكرها بقلبه ويده ولسانه فقط أو بقلبه ~~فقط، # PageV01P119 # ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب له على الإنكار والجهاد من ~~مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دنياه، وآخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك، ~~والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته ~~فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة، وكان فى ~~تمكين أهل الكفر والفسق والعصيان من ذلك إيصال إلى الكمال الذى يحصل لهم ~~بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه وبذل ~~نفوسهم وأموالهم وقواهم له، فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة ~~الصادقة، وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ~~ورياسة وقوة فى مرضاة محبوبة والتقرب إليه، فإن بذل له روحه كان هذا أعلى ~~درجات المحبة، ومن المعلوم أن من لوازم ذلك التى لا يحصل إلا بها أو يخلق ~~ذواتا وأسبابا وأعمالا وأخلاقا وطبائع تقتضى [معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته ~~لها وعند ذلك تتحق] المحبة الصادقة من غيرها فكل أحد يحب الإحسان والراحة ~~والدعة واللذة، ويجب من يوصل إليه ذلك ويحصله له، ولكن الشأن فى أمر وراء ~~هذا وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيء ~~عليها مما لا يلائمها، فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ~~ما يجب ممن يحبه لأجل مخلوقاته فقط من المأكل والمشرب والمنكح والرياسة، ~~فإن أعطى منها رضى وإن منعها سخط وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك ~~عبادته، فلولا خلق الأضداد وتسليط أعدائه وامتحان أوليائه بهم لم يستخرج ~~خالص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه ~~والمعاداة [فيه والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له، ولا عبودية بذل ~~الأرواح] فى جهاد أعدائه ونصرته وعبودية مفارقة الأمر عنده أحوج ما يكون ~~إليهم عبده فى ms129 مرضاته ما يتحسر إليهم وهو الذى عاب نفسه وملاذ بها بأيديهم ~~قد جنى بمفارقتهم ومشايعتهم وأما من موالاة الحق عليهم، فلولا الأضداد ~~والأسباب التى توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار. # وأيضا فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فضيلة ~~الصبر وجهاد النفس ومنعها من حظوظها وشهواتها محبة لله وإيثارا لمرضاته ~~وطلبا للزلفى لديه والقرب منه. وأيضا فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة ~~الإنسانية إنسانية، بل كانت ملكية، فإن آلله سبحانه خلق خلقه أطوارا: # PageV01P120 # فخلق الملائكة عقولا لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد من ~~مادة نورية لا تقتضى شيئا من الآثار والطبائع المذمومة، وخلق الحيوانات ~~ذوات شهوات لا عقول لها، وخلق الثقلين- الجن والإنس وركب فيهم العقول ~~والشهوات والطبائع المختلفة لآثار مختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها. ~~وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء، وهم المعرضون للثواب والعقاب ولو شاء ~~سبحانه لجعل خلقه على طبيعة واحدة وخلق واحد ولم يفاوت بينهم، لكن ما فعله ~~سبحانه هو محض الحكمة وموجب الربوبية ومقتضى الإلهية، ولو كان الخلق كله ~~طبيعة واحدة ونمطا واحدا لوجد الملحد مقالا وقال: هذا مقتضى الطبيعة، ولو ~~كان فاعلا بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته ولفعل الشيء وضده والشيء ~~وخلافه. وكذلك لولا شهود هذه الحوادث المشهودة لوجد الملحد أيضا مقالا ~~وقال: لو كان لهذا العالم خالقا مختارا لوجدت فيه الحوادث على حسب إرادته ~~واختياره، كما روى الحسن أو غيره قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: جل ربنا القديم، لم يتغير هذا الخلق لقال الشاك فى الله إنه لو كان ~~لهذا العالم خالق لحادثه بينا هو ليل إذ جاء نهار وبينا هو نهار إذ جاء ~~ليل، بينا هو صحو إذ جاء غيم وبينا هو غيم إذ جاء صحو، ونحو هذا من الكلام، ~~ولهذا يستدل سبحانه فى كتابه بالحوادث تارة وباختلافها تارة، إذ هذا وهذا ~~يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره ووقوع الكائنات على وفق مشيئته، فتنوع ~~أفعاله ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه. ولهذا سبحانه ~~خلق النوع ms130 الإنسانى أربعة أقسام: أحدها لا من ذكر ولا أنثى وهو خلق أبيهم ~~وأصلهم آدم، الثانى خلقه من ذكر بلا أنثى كخلق أمهم حواء من ضلع من أضلاع ~~آدم من غير أن تحمل بها أنثى أو يشتمل عليها بطن، الثالث خلقه من أنثى بلا ~~ذكر كخلق المسيح عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم الرابع خلق سائر النوع ~~الإنسانى من ذكر وأنثى، وكل هذا ليدل عباده على كمال قدرته ونفوذ مشيئته ~~وكمال حكمته، وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به من أن ~~ذلك أمر طبيعى لم يزل هكذا ولا يزال، وأنه ليس للنوع أب ولا أم وأنه ليس ~~إلا أرحام تدفع وأرض تبلغ وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد، ولم يعلم هؤلاء ~~الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها محتاجة إلى حامل لها، ~~وأنها من أدل الدلائل على وجود أمره فى طبعها # PageV01P121 # وخلقها، وأودعها الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة، فالطبيعة مخلوق ~~من مخلوقاته ومملوك من مماليكه وعبيدة مسخرة لأمره تعالى منقادة لمشيئته، ~~ودلائل الصنعة وإمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهدة عليها ~~بأنها مخلوقة مصنوعة، لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف فى ذاتها ونفسها، فضلا عن ~~إسناد الكائنات إليها. # والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية ~~والملك، وهو أيضا من موجبات الحمد فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه ~~أيضا، فإن مخلوقاته هى موجبات أسمائه وصفاته، فلكل اسم وصفة أثر لا بد من ~~ظهوره فيه واقتضائه له، فيمتنع تعطيل آثار أسمائه وصفاته كما يمتنع تعطيل ~~ذاته عنها، وهذه الآثار لها متعلقات ولوازم يمتنع أن لا توجد كما تقدم ~~التنبيه عليه. وأيضا فإن تنويع أسباب الحمد أمر مطلوب للرب تعالى محبوب له، ~~فكما تنوعت أسباب الحمد تنوع الحمد بتنوعها وكثر بكثرتها ومعلوم أنه سبحانه ~~محمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة، كما هو محمود على إكرامه لأهل ~~العدل والإحسان، فهو محمول على هذا وعلى هذا، مع ما يتبع ذلك من حمده على ~~حلمه وعفوه ms131 ومغفرته وترك حقوقه ومسامحة خلقه بها والعفو عن كثير من جنايات ~~العبيد فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذى عفا عنه، وأنه لو ~~عاجلهم بعقوبته وأخذهم بحقه لقضى إليهم أجلهم ولما ترك على ظهرها من دابة، ~~ولكنه سبقت رحمته غضبه وعفوه انتقامه ومغفرته عقابه، فله الحمد على عفوه ~~وانتقامه، وعلى عدله وإحسانه، ولا سبيل إلى تعطيل أسباب حمده ولا بعضها. ~~فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر، وليعطه حقه يطلعه على أبواب عظيمة من ~~أسرار القدر، ويهبط به على رياض منه معشبة وحدائق مونقة. والله الموفق ~~الهادى للصواب. # وأيضا فإن الله سبحانه نوع الأدلة الدالة عليه والتى تعرف عباده به غاية ~~التنوع، وصرف الآيات وضرب الأمثال، ليقيم عليهم حجته البالغة ويتم عليهم ~~بذلك نعمته السابغة، ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليهم سبحانه، بل الحجة ~~كلها له والنعم كلها له والقدرة كلها له فأقام عليهم حجته، ولو شاء لسوى ~~بينهم فى الهداية كما قال تعالى: {فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم ~~أجمعين} [الأنعام: 149] : فأخبر أن له الحجة البالغة، وهى التى # PageV01P122 # بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن العقل دفعها ولا ~~جحدها، ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم، ولو شاء ذلك لفعله ~~لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، ولكن حكمته تأبى ذلك وعدله يأبى تعذيب أحد وأخذه ~~بلا حجة، فأقام الحجة وصرف الآيات وضرب الأمثال ونوع الأدلة، ولو كان الخلق ~~كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأمور ولا تنوعت هذه الأدلة ~~والأمثال، ولا ظهرت عزته سبحانه فى انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم، ~~ولا حججه التى أقامها على صدق أنبيائه ورسله ولا كان للناس آية فى فئتين ~~التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله، وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين، ولا ~~كان للخلق آية باقية ما بقيت الدنيا فى شأن موسى وقومه وفرعون وقومه وفلق ~~البحر لهم ودخولهم جميعا فيه ثم إنجاء موسى وقومه ولم يغرق أحد منهم وأغرق ~~فرعون وقومه لم ينج منهم أحد، ms132 فهذا التعرف إلى عباده وهذه الآيات وهذه ~~العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها البتة ولا توجد بدون لوازمها. # وأيضا فإن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة ~~والإثابة والعقوبة والغضب والرضا والتولية والعزل وإعزاز من يليق به العز ~~وإذلال من يليق به الذل، قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من ~~تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك على ~~كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من ~~الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشآء بغير حساب} [آل عمران: 26- 27] ، ~~وقال تعالى: {يسأله من فى السموات والأرض كل يوم هو فى شأن} [الرحمن: 29] ، ~~يغفر ذنبا ويفرج كربا ويكشف غما وينصر مظلوما ويأخذ ظالما ويفك عانيا ويغنى ~~فقيرا ويجبر كسيرا ويشفى مريضا ويقبل عثرة ويستر عورة ويعز ذليلا ويذل ~~عزيزا ويعطى سائلا ويذهب بدولة ويأتى بأخرى ويداول الأيام بين الناس ويرفع ~~أقواما ويضع آخرين يسوق المقادير التى قدرها قبل خلق السموات والأرض بخمسين ~~ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد ~~أحصاه كما أحصاه كتابه وجرى به قلمه ونفذ # PageV01P123 # فيه حكمه وسبق به علمه، فهو المتصرف فى الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر ~~قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه فى ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، ~~فتصرفه فى المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة فلا ~~يخرج تصرفه عن ذلك. وفى تفسير الحافظ أبى بكر أحمد بن موسى بن مردويه من ~~حديث الحمانى: حدثنا إسحق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن يونس ابن ميسرة ~~عن أبى إدريس عن أبى الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى: {كل يوم هو فى شأن} ~~[الرحمن: 29] ، فقال: سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من ~~شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين، وفيه أيضا من حديث ~~حماد بن سلمة حدثنا الزبير أبو عبد السلام عن أيوب ms133 بن عبد الله بن مكرز عن ~~أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، ~~نور السموات والأرض من نور وجهه. أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة: تعرض عليه ~~أعمالكم بالأمس ثلاث ساعات من أول النهار، فيطلع منها على ما يكره فيغضب ~~فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش، فتسبح حملة العرش وسراداقات العرش ~~والملائكة المقربون وسائر الملائكة، وينفخ جبريل فى القرن فلا يبقى خلق لله ~~فى السموات ولا فى الأرض إلا سمعه إلا الثقلين، ويسبحون [ثلاث ساعات] حتى ~~يمتليء الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ~~ساعات: {يصوركم في الأرحام كيف يشآء لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل ~~عمران: 6] ، {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} [الشورى: 49] ، ~~فتلك تسع ساعات. ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات: {يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر} [الإسراء: 30] [الروم: 37] [سبأ: 36] [الزمر: 52] [الشورى: 12] ~~فتلك اثنتا عشرة ساعة. ثم قرأ عبد الله: {كل يوم هو فى شأن} [الرحمن: 29] ~~ثم قال: هذا شأنكم وشأن ربكم عز وجل. وذكره الطبرانى فى المعجم الكبير من ~~وجه آخر. وهذا من تمام تصرفه فى ملكه سبحانه، فلو قصر تصرفه على وجه واحد ~~ونمط واحد لم يكن تصرفا تاما. # PageV01P124 # والمقصود أن الملك والحمد فى حقه متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل ~~حمده، فهو محمود فى ملكه وله الملك والقدرة مع حمده، فكما يستحيل خروج شيء ~~من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته، ولهذا يحمد ~~سبحانه نفسه عند خلقه وأمره، لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده، ~~فهو محمود على كل ما خلقة وأمر به حمد شكر وعبودية، وحمد ثناء ومدح، ~~ويجمعهما التبارك، فتبارك الله يشمل ذلك كله، ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب ~~قوله: {ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] # فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح والطرق إلى العلم به فى غاية الكثرة، ~~والسبيل إلى اعتباره فى ذرات العالم وجزئياته وتفاصيل الأمر والنهى ms134 واسعة ~~جدا، لأن جميع أسمائه تبارك وتعالى حمد، وصفاته حمد وأفعاله حمد، وأحكامه ~~حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله فى إحسانه إلى أوليائه حمد ~~والخلق والأمر إنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر بحمده وكان الغاية هى حمده ~~فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، ~~وسريان حمده فى الموجودات وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر: ~~فمن الطرق الدالة على شمول معنى الحمد وانبساطه على جميع المعلومات معرفة ~~أسمائه وصفاته، وإقرار العبد بأن للعالم إلها حيا جامعا لكل صفة كمال واسم ~~حسن وثناء جميل وفعل كريم وأنه سبحانه له القدرة التامة والمشيئة النافذة ~~والعلم المحيط والسمع الذى وسع الأصوات والبصر الذى أحاط بجميع المبصرات ~~والرحمة التى وسعت جميع المخلوقات والملك الأعلى الذى لا يخرج عنه ذرة من ~~الذرات والغنى التام المطلق من جميع الجهات والحكمة البالغة المشهود آثارها ~~فى الكائنات والعزة الغالبة بجميع الوجوه والاعتبارات والكلمات التامات ~~النافذات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات، واحد لا شريك له فى ~~ربوبيته ولا فى إلهيته، ولا شبيه له فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله، ~~وليس له من يشركه فى ذرة من ذرات ملكه، أو يخلفه فى تدبير خلقه، أو يحجبه ~~عن داعيه أو مؤمليه أو سائليه، أو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أو فرية أو كذب ~~كما يكون بين الرعايا وبين الملوك، ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد ~~العالم بأسره: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] # PageV01P125 # فلو كان معه آلهة أخرى كما يقول أعداؤه المبطلون لوقع من النقص فى ~~التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبت معه حال، ولا يصلح عليه وجود. ومن أعظم ~~نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له أن يجعلنا عبيدا له خاصة ولم يجعلنا ~~ربنا منقسمين بين شركاء متشاكسين، ولم يجعلنا عبيدا لإله نحتته الأفكار، لا ~~يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا يملك لعابديه ضرا ولا ~~نفعا، ولا موتا ولا ms135 حياة ولا نشورا، ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ~~ينهى، ولا ترفع إليه الأيدى ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا يصعد إليه ~~الكلم الطيب، ولا يرفع إليه العمل الصالح، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ~~ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا متصلا به ولا ~~منفصلا عنه ولا محاذيا له ولا مباينا، ولا هو مستو على عرشه ولا هو فوق ~~عباده، وحظ العرش منه حظ الحشوش والأخلية ولا تنزل الملائكة من عنده بل لا ~~ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يقرب منه شيء، ولا يحب ولا يحب، ~~ولا [يلتذ] المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم فى دار الثواب، بل ليس له وجه ~~يرى ولا له يد يقبض بها السموات وأخرى يقبض بها الأرض، ولا [له] فعل يقوم ~~به ولا حكمة تقوم به، ولا كلم موسى تكليما، ولا تجلى للجبل فجعله دكا ~~هشيما، ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا فيقول [لا] أسأل عن عبادى غيرى، ولا يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ~~ويجوز فى حكمته تعذيب أنبيائه ورسله وملائكته وأهل طاعته أجمعين من أهل ~~السموات والأرضين، وتنعيم أعدائه من الكفار به والمحاربين والمكذبين له ~~ولرسله، والكل بالنسبة إليه سواء ولا فرق البتة إلا أنه أخبر أنه لا يفعل ~~ذلك، فامتنع للخبر بأنه لا يفعله، لا لأنه فى نفسه مناف لحكمته، ومع ذلك ~~فرضاه عين غضبه وغضبه عين رضاه ومحبته كراهته وكراهته محبته، إن هى إلا ~~إرادة محضة ومشيئة صرفة يشاء بها لا لحكمة ولا لغاية ولا لأجل مصلحة، ومع ~~ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوه ولا قدرة لهم عليه، بل يعذبهم على نفس ~~فعله الذى فعله هو ونسبه إليهم، ويعذبهم إذا لم يفعلوا فعله ويلومهم عليه، ~~يجوز فى حكمته أن # PageV01P126 # يعذب رجالا إذا لم يكونوا نساء ونساء حيث لم يكونوا رجالا وطوالا حيث لم ~~يكونوا قصارا وبالعكس وسودا إذا لم يكونوا بيضا وبالعكس، ms136 بل تعذيبه لهم على ~~مخالفته هو من هذا الجنس إذ لا قدرة لهم البتة على فعل ما أمروا به ولا ترك ~~ما نهوا عنه. فله الحمد والمنة والثناء الحسن الجميل إذ لم يجعلنا عبيدا ~~لمن هذا شأنه فنكون مضيعين، ليس لنا رب نقصده، ولا صمد نتوجه إليه ونعبده، ~~ولا إله نعول عليه، ولا رب نرجع إليه بل قلوبنا تنادى فى طرق الحيرة: من ~~دلنا وجمع علينا ربا ضائعا لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا ~~محاذ له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا نزل من عنده شيء ولا يصعد إليه ~~شيء، ولا كلم أحدا ولا يكلمه أحد، ولا ينبغى [لأحد أن يذكر صفاته ولايعرفه ~~بها بل يذكرها بلسانه فلا يتكلم بها وبقلبه فلا يعقلها وينبغى] له أن يعاقب ~~بالقتل أو بالضرب والحبس من ذكرها أو أخبر عنه بها أو أثبتها له. أو نسبها ~~إليه أو عرفه بها، بل التوحيد الصرف جحدها وتعطيله عنها ونفى قيامها به ~~واتصافه وما لم تدركه عقولنا من ذلك فالواجب نفيه وجحده [وتكفير] من أثبته ~~واستحلال دمه وماله أو تبديعه وتضليله وتفسيقه، وكلما كان النفى أبلغ كان ~~التوحيد أتم، فليس كذا وليس كذا أبلغ فى التوحيد من قولنا هو كذا وهو كذا. # فلله العظيم أعظم حمد وأتمه وأكمله على ما من به من معرفته وتوحيده ~~والإقرار بصفاته [العلى] وأسمائه الحسنى، وإقرار قلوبنا بأنه الله الذى لا ~~إله إلا هو عالم الغيب والشهادة رب العالمين قيوم السموات والأرضين إله ~~الأولين والآخرين، ولا يزال موصوفا بصفات الجلال، منعوتا بنعوت الكمال، ~~منزها عن أضدادها من النقائص والتشبيه والمثال. فهو الحى القيوم الذى لكمال ~~حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم، مالك السموات والأرض الذى لكمال ملكه ~~لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، العالم بكل شيء الذى لكمال علمه يعلم ما بين ~~أيدى الخلائق وما خلفهم فلا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه ~~يعلم دبيب الخواطر فى القلوب حيث لا يطلع عليها الملك ms137 ويعلم ما سيكون منها ~~حيث لا يطلع عليه القلب، البصير الذى لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة ~~الصغيرة وأعضائها ولحمها ودمها ومخها وعروقها، ويرى دبيبها على الصخرة ~~الصماء فى الليلة الظلماء، ويرى ما تحت الأرضين [السبع] كما يرى ما فوق ~~السموات السبع. السميع الذى قد استوى فى سمعه سر القول # PageV01P127 # وجهره، وسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه أصوات الخلق ولا تشتبه عليه ولا ~~يشغله منها سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه كثرة السائلين، قالت ~~عائشة: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم [وأنه] ليخفى على بعض كلامها، فأنزل الله عز وجل: ~~{قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] ، القدير الذى لكمال قدرته يهدى ~~من يشاء ويضل من يشاء ويجعل المؤمن مؤمنا والكافر كافرا والبر برا والفاجر ~~فاجرا، وهو الذى جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره، وجعل ~~فرعون قومه أئمة يدعون إلى النار. ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه ~~إلا بما شاء سبحانه أن يعلمه إياه. ولكمال قدرته خلق السموات والأرض وما ~~بينهما فى ستة أيام وما مسه من لغوب ولا يعجزه أحد من خلقه، ولا يفوته، بل ~~هو فى قبضته أين كان، فإن فر منه فإنما يطوى المراحل فى يديه كما قيل: # وكيف يفر المرء عنك بذنبه ... إذا كان يطوى فى يديك المراحلا # ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه ~~إليه، ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السموات والأرض، ولم تسعه أرضه ولا ~~سماواته ولم تحط به مخلوقاته، بل هو العالى على كل شيء وهو بكل شيء محيط، ~~ولا تنفد كلماته ولا تبدل، ولو أن البحر يمده من بعده سبعة [أبحر] مدادا ~~وأشجار الأرض أقلاما، فكتب بذلك المداد وبتلك الأقلام، لنفد المداد وفنيت ~~الأقلام، ولم تنفد كلماته إذ هى غير مخلوقة، ويستحيل أن يفنى غير المخلوق ~~بالمخلوق. ولو كان كلامه ms138 مخلوقا- كما قاله من لم يقدره حق قدره، ولا أثنى ~~عليه بما هو أهله- لكان أحق بالفناء من هذا المداد وهذه الأقلام، لأنه إذا ~~كان مخلوقا فهو نوع من أنواع مخلوقاته، ولا يحتمل المخلوق إفناء هذا المداد ~~وهذه الأقلام وهو باق غير فان. وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين ~~ويحبونه، بل لا شيء أحب إليهم منه ولا أشوق إليهم من لقائه ولا أقر لعيونهم ~~من رؤيته ولا أحظى عندهم من قربه، وأنه سبحانه له الحكمة البالغة فى خلقه ~~وأمره وله النعمة السابغة على خلقه، وكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل، ~~وأنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها وأنه أفرح بتوبة عبده من واجد راحلته ~~التى عليها طعامه وشرابه فى الأرض المهلكة بعد فقدها واليأس منها، وأنه ~~سبحانه لم يكلف عباده إلا وسعهم وهو # PageV01P128 # دون طاقتهم، فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم، بخلاف وسعهم فإنه ما يسعونه ~~ويسهل عليهم ويفضل قدرهم عنه كما هو الواقع، وأنه سبحانه لا يعاقب أحدا ~~بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله ~~ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه، وأنه [سبحانه] حكيم كريم جواد ما جد ~~محسن ودود وصبور شكور يطاع فيشكر ويعصى فيغفر، لا أحد أصبر على أذى سمعه ~~منه، ولا أحب إليه المدح منه ولا أحب إليه العذر منه، ولا أحد أحب إليه ~~الإحسان منه، فهو محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين جميل يحب الجمال، ~~طيب يحب كل طيب، نظيف يحب النظافة، عليم يحب العلماء من عباده، كريم يحب ~~الكرماء، قوى والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف، بر يحب الأبرار، ~~عدل يحب أهل العدل حى ستير يحب أهل الحياء والستر عفو غفور يحب [من] يعفو ~~من عباده ويغفر لهم، صادق يحب الصادقين، رفيق يحب الرفق، جواد يحب [الجود] ~~وأهله، رحيم يحب الرحماء، وتر يحب الوتر، ويحب أسماءه وصفات ويحب المتعبدين ~~له بها ويحب من يسأله ويدعوه بها ويحب من يعرفها ويعقلها [ويثنى] عليه بها ~~ويحمده ms139 ويمدحه بها # كما فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أحب إليه المدح من ~~الله من أجل ذلك أثنى على نفسه، ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك ~~أرسل الرسل مبشرين ومنذرين"، وفى حديث آخر صحيح: "لا أحد أصبر على أذى سمعه ~~من الله، يجعلون له ولدا وهو يرزفقهم ويعافيهم"، ولمحبته لأسمائه وصفاته ~~أمر عباده بموجبها ومقتضاها، فأمرهم بالعدل والإحسان والبر والعفو والجود ~~والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت ولما ~~كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته كان أحب الخلق إليه من اتصف بالصفات التى ~~يحبها، وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التى يكرهها، فإنما أبغض من اتصف ~~بالكبر والعظمة والجبروت لأن اتصافه بها ظلم، إذ لا تليق به هذه الصفات ولا ~~تحسن منه، لمنافاتها لصفات العبيد، وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية ~~ومفارقته لمنصبه ومرتبته، وتعديه طوره وحده، وهذا خلاف ما تقدم من الصفات ~~كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر فإنها لا تنافى العبودية، بل ~~اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد # PageV01P129 # لم يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية والمقصود أنه سبحانه لكمال ~~أسمائه وصفاته موصوف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، له كل ثناء حسن ولا ~~يصدر عنه إلا كل فعل جميل، ولا يسمى إلا [بأحسن] الأسماء ولا يثنى [عليه] ~~إلا بأكمل الثناء وهو المحمود [المحبوب] المعظم ذو الجلال والإكرام على كل ~~ما قدره وخلقه، وعلى [كل] ما أمر به وشرعه. # ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقر آثارها فى الخلق والأمر، ~~رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام، ورأى سريان آثارها فيهما وعلم- ~~بحسب معرفته بها ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق، فاستدل ~~بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله فإنه لا يفعل خلاف موجب [حمده] وحكمته، ~~وكذلك يعلم ما يلبق به أن يأمر ms140 به ويشرعه مما لا يليق به، فيعلم أنه لا ~~يأمر بخلاف موجب حمده وحكمته. فإذا رأى بعض الأحكام جورا وظلما أو سفها ~~وعبثا ومفسدة أو ما لا يوجب حمدا وثناء [فليعلم] أنه ليس من أحكامه ولا ~~دينه، وأنه بريء منه ورسوله، فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم وبالمصلحة لا ~~بالمفسدة وبالحكمة لا بالعبث والسفه، وإنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا ~~بالغلظة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنه أرحم الراحمين، ورسوله ~~رحمة مهداة إلى العالمين، ودينه كله رحمة، وهو نبى الرحمة وأمته الأمة ~~المرحومة وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة، فلا ~~يخبر عنه إلا بحمده ولا يثنى عليه إلا بأحسن الثناء كما لا يسمى إلا بأحسن ~~الأسماء. # وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره بأن حمد نفسه فى أول الخلق ~~وآخره وعند الأمر والشرع وحمد نفسه على ربوبيته للعالمين، وحمد نفسه على ~~[تفرده] بالإلهية وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق ~~بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه، وحمد نفسه ~~على علوه وكبريائه، وحمد نفسه فى الأولى والآخرة، وأخبر عن سريان حمده فى ~~العالم العلوى والسفلى، ونبه على هذا كله فى كتابه وحمد نفسه عليه، فتنوع ~~حمده وأسباب حمده، وجمعها تارة وفرقها أخرى ليتعرف إلى عباده ويعرفهم كيف ~~يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه ~~وحمدوه. قال تعالى: {الحمد لله رب العالمين # PageV01P130 # الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} [الفاتحة: 2- 4] ، وقال تعالى: {الحمد لله ~~الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} ~~[الأنعام: 1] ، وقال تعالى: {الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل ~~له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين} [الكهف: 1-2] ، ~~وقال: {الحمد لله الذى له ما فى السموات وما فى الأرض وله الحمد فى الآخرة ~~وهو الحكيم الخبير} [سبأ: 1] ، وقال تعالى: {الحمد لله فاطر السموات والأرض ~~جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد فى الخلق ما ms141 يشاء إن ~~الله على كل شيء قدير} [فاطر: 1] ، وقال: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد ~~فى الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} [القصص: 70] ، وقال: {هو الحى ~~لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} [غافر: 65] ، ~~وقال: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد فى السموات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون} [الروم: 17- 18] . # أخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته ~~والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته {وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين} [الزمر: 75] . # وأخبر عن حمد أهل الجنة له [وأنهم] لم يدخلوها إلا بحمده، كما أن أهل ~~النار لم يدخلوها إلا بحمده، فقال أهل الجنة: {الحمد لله الذى هدانا لهذا ~~وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله} [الأعراف: 43] ، و {دعواهم فيها سبحانك ~~اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: ~~10] ، وقال عن أهل النار: {ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون} [القصص: 74- 75] ، وقال: {فاعترفوا بذنبهم فسحقا ~~لأصحاب السعير} [الملك: 11] . # وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم وعلموا أنهم كانوا كاذبين فى الدنيا ~~مكذبين بآيات ربهم مشركين به جاحدين لإلهيته مفترين عليه، وهذا اعتراف منهم ~~بعدله فيهم وأخذهم # PageV01P131 # ببعض حقه عليهم وأنه غير ظالم لهم وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده ~~وإنما عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه، لا كما تقول ~~الجبرية. وتفصيل هذه الحكمة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ولا ~~إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناء جميل وكل حمد ~~ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه ~~وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه فهو محامد له وثناء ~~وتسبيح وتقديس، فسبحانه وبحمده لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما ~~أثنى على نفسه وفوق ما يثنى عليه خلقه، فله ms142 الحمد أولا وآخرا حمدا كثيرا ~~طيبا مباركا فيه، كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده. # فهذا تنبيه على أحد نوعى حمده، وهو حمد الصفات والأسماء. والنوع الثانى ~~حمد النعم والآلاء، وهذا [مشهود] [للخليقة] برها وفاجرها مؤمنها وكافرها، ~~من جزيل مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه وحسن معاملته لعباده ~~وسعة رحمته لهم وبره ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرين وكشف كربات ~~المكروبين وإغاثة الملهوفين ورحمته للعالمين وابتدائه بالنعم قبل السؤال ~~ومن غير استحقاق بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه ودفع المحن ~~والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها. # ولطفه تعالى فى ذلك بإيصاله إلى من [أراده] بأحسن الألطاف، وتبليغه من ~~ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهدايته خاصته وعباده إلى سبل دار السلام، ~~ومدافعته عتهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم [الإيمان] ~~وزينه فى قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين ~~وكتب فى قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، ~~وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه وتحبب إليهم بنعمة مع [غناه] ~~[عنهم] وتبغضهم إليه بالمعاصى وفقرهم إليه، ومع هذا كله فاتخذ لهم دارا ~~وأعد لهم فيها من كل ما تشتيهه الأنفس وتلذ الأعين، وملأها من جميع الخيرات ~~وأودعها من النعيم والحبرة والسرور [والبهجة] ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر، ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثم يسر لهم ~~الأسباب التى توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضى منهم باليسير فى هذه المدة ~~القصيرة جدا بالإضافة # PageV01P132 # إلى بقاء دار النعيم، وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرا وإن ~~أساؤوا واستغفروه أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما ~~يفعلونه بعدها من الحسنات، وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما ~~أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانا لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه ~~حماية وصيانة لهم لا بخلا منه عليهم وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه ونصحهم ~~بأحسن النصائح ووصاهم بأكمل الوصايا وأمرهم ms143 بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح ~~الأقوال والأعمال. # فحقيقة نفس الإنسان جاهلة ظالمة فقيرة محتاجة، والشر الذى. وصرف لهم ~~الآيات وضرب لهم الأمثال ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته وفتح لهم أبواب ~~الهداية وعرفهم الأسباب التى تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه، ويخاطبهم ~~بألطف الخطاب ويسميهم بأحسن أسمائهم كقوله: {يا أيها الذين آمنوا} ، ~~{وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون} [النور: 31] ، {يا عبادى الذين ~~أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] ، {قل لعبادى} [ابراهيم: 31] ، {وإذا سألك ~~عبادى عنى} [البقرة: 186] ، فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف كقوله: ~~{يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 21- 22] ، {يأيها ~~الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السمآء والأرض ~~لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} [فاطر: 3] ، {يأيها الناس إن وعد الله حق فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [فاطر: 5] ، {يأيها الإنسان ~~ما غرك بربك الكريم الذى خلقك فسواك فعدلك} [الانفطار: 6- 7] ، {يأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين ~~قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ~~كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران: 102- 103] ، {يأيها # PageV01P133 # الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الايات إن كنتم ~~تعقلون} [آل عمران: 118] {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء ~~تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جآءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن ~~تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء مرضاتي تسرون ~~إليهم بالمودة وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء ~~السبيل} [الممتحنة:1] ، {يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ms144 ~~لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة واعلموا أن الله شديد العقاب واذكروا ~~إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم ~~بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} [الأنفال: 24- 26] ، {يأيها الناس ~~ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما ~~قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 73- 74] ، {وإذا قلنا ~~للملآئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ~~أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} [الكهف: ~~50] فتحت هذا الخطاب: إنى عاديت إبليس وطردته من [سمائى] وباعدته من قربى ~~إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دونى وهم أعداء ~~لكم. # فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب وشدة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح ~~وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف ~~والنصيحة البالغة، وأعلم [سبحانه] عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل ~~وأفضل المنازل وأجل العلوم والمعارف. # قال تعالى: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا # PageV01P134 # يرضه لكم} [الزمر: 7] ، وقال [تعالى] : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ، وقال: {يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ، وقال: {يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن ~~يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن ~~يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 26-28] . # ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التى نسبها إليه من ~~يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره: من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا ~~طاقة لهم بفعله البتة، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به، وخلق السموات والأرض ~~وما بينهما لا لحكمة ولا ms145 لغاية، وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم، ولا ~~ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم كما قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} [الذاريات: 56- 57] ، ~~فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن ~~خلقهم جودا وإحسانا ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح كقوله: {إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم} [الإسراء: 7] ، {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} [الروم: ~~44] ، ولما أمرهم بالوضوء وبالغسل من الجنابة الذى يحط عنهم أوزارهم ~~ويدخلون به عليه ويرفع به درجاتهم، قال تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} [المائدة: 6] ، ~~وقال فى الأضاحى والهدايا: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم} [الحج: 37] ، وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء ~~من المال: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ~~واعلموا أن الله غني حميد} [البقرة: 267] . # يقول سبحانه: إنى غنى عما تنفقون أن ينالنى منه شيء، [حميد] مستحق ~~المحامد كلها، فإنفاكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمدا، بل هو الغنى ~~بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه # PageV01P135 # وصفاته [وإنفاقكم] إنما نفعه لكم وعائدته عليكم. ومن [المتعين] على من لم ~~يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه، وجذبه للقلوب والأرواح ~~ومخالطته لها أن يعالج قلبه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التى ~~حالت بينه وبين حظه من ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التى يناله بها، من صدق ~~الرغبة واللجإ إلى الله أن يحيى قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة، ~~فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة ~~لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ومن أراد مطالعة أصول النعم فليسم سرح الذكر فى ~~رياض القرآن، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول ~~القرآن إلى آخره حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم ~~عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ~~ومحاربتها، ms146 [أعداء الله] على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها فى كل ما ~~خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة وفى كل ما أحدثه فى الأرض من وقائعه ~~بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفى كل ما قضاه وقدره، وتفصيل ذلك لا تفى به ~~أقلام الدنيا وأوراقها ولا قوى العباد، وإنما هو التنبيه والإشارة. # ومن استقرئ الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناء تقصر بلاغات الواصفين عن ~~بلوغ كنهها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فالله سبحانه ~~محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست فى الضمائر ~~ولا لاحت لمتوسم ولا سنحت فى فكر. # ففى دعاء أعرف الخلق بربه تعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده: "أسألك ~~بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو ~~استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وجلاء ~~حزنى وذهاب همى وغمى". # وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فى حديث الشفاعة لما يسجد بين يدى ربه ~~قال: "فيفتح قلبى من محامده بشيء لا أحسنه الآن"، وكان يقول فى سجوده: ~~[أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك] "أعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك "، فلا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه البتة، وله ~~أسماء وأوصاف وحمد وثناء لا يعلمه ملك مقرب ولا نبى مرسل، ونسبة ما يعلم ~~العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور فى بحر. # PageV01P136 # فإن قيل: فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاء والامتحان والآلام ~~للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه؟ وما ~~تقولون فى الأسماء الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها؟ قيل: ~~قد تقدم من الكلام فى ذلك ما يكفى بعضه لذى الفطرة السليمة والعقل المستقيم ~~وأما من فسدت فطرته وانتكس قلبه وضعفت بصيرة عقله فلو ضرب له من الأمثال ما ~~ضرب فإنه لا يزيده إلا عمى وتحيرا ونحن نزيد ما تقدم إيضاحا وبيانا إذ بسط ~~هذا ms147 المقام أولى من اختصاره فنقول: قد علمت أن جميع أسماء الرب سبحانه حسنى ~~وصفاته كمال وأفعاله حكمة ومصلحة، وله كل ثناء وكل حمد ومدحه وكل خير فمنه ~~وله وبيده، والشر ليس إليه بوجه من الوجوه. لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى ~~أفعاله ولا فى أسمائه، وإن كان فى مفعولاته فهو خير بإضافته إليه وشر ~~بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به. فتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه فى كل دقيق ~~وجليل، وحكمه على كل ما يرد عليك، وحاكم إليه واجعله آخرتك التى ترجع إليها ~~وتعتمد عليها. # واعلم أن لله خصائص فى خلقه ورحمة وفضلا يختص به من يشاء، وذلك موجب ~~ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته، فإياك ثم إياك أن تصغى إلى وسوسة شياطين ~~الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة إنه هلا سوى بين عباده فى تلك الخصائص ~~وقسمها بينهم على السواء، فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به، وقد ~~بينا فيما تقدم أن حكمته تأبى ذلك وتمنع منه. ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين ~~فضله وعدله، فيختص برحمته من يشاء ويقصد بعذابه من يشاء وهو المحمود على ~~هذا، فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته، والخبيثون مقصودون بعذابه، ~~ولكل واحد قسطه من الحكمة والابتلاء والامتحان، وكل مستعمل فيما هو له مهيأ ~~وله مخلوق، وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين فإنه تعالى خلقهم للخيرات فهم ~~لها عاملين، واستعملهم فيها فلم يدركوا ذلك إلا به ولا استحقوه إلا بما سبق ~~لهم من مشيئته وقسمته، فكذلك لا تضرهم الأدواء ولا السموم، بل متى وسوس لهم ~~العدو واغتالهم بشيء من كيده أو مسهم بشيء من طيفة تذكروا فإذا هم مبصرون، ~~وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون وإذا واقعوا فى معصية صغيرة أو ~~كبيرة عاد ذلك عليهم رحمة وانقلب فى حقهم دواء وبدل # PageV01P137 # حسنة بالتوبة النصوح والحسنات الماحية، لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله ~~وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه حيث نقض عزماتهم وقد عزموا أن لا يعصوه، ~~وأراهم عزته فى قضائه، وبره وإحسانه فى عفوه ومغفرته، ms148 وأشهدهم نفوسهم وما ~~فيها من النقص والظلم والجهل، وأشدهم حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم، وأنه إن ~~لم يعف عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلى النجاة أبدا، فإنهم لما أعطوا من ~~أنفسهم العزم أن لا يعصون وعقدوا عليه قلوبهم ثم عصوه بمشيئته وقدرته، ~~عرفوا بذلك عظيم اقتداره وجميل ستره إياهم وكريم حلمه عنهم وسعة مغفرته لهم ~~برد عفوه وحنانه وعطفه ورأفته، وأنه حليم ذو أناة لا يعجل ورحيم سبقت رحمته ~~غضبه، وأنهم متى رجعوا إليه بالتوبة وجدوه غفورا رحيما، حليما كريما، يغفر ~~لهم السيئات ويقيلهم العثرات ويودهم بعد التوبة ويحبهم. # فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء وتوسلوا إليه بذل العبيد وعزا الربوبية فتعرف ~~سبحانه إليهم بحسن إجابته وجميل عطفه وحسن امتنانه فى أن ألهمهم دعاءه ~~ويسرهم للتوبة والإنابة وأقبلوا بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه، ولم تمنعه ~~معاصيهم وجناياتهم من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم فتاب عليهم قبل أن ~~يتوبوا إليه، وأعطاهم قبل أن يسألوه فلما تابوا إليه واستغفروه وأنابوا ~~إليه تعرف إليهم تعرفا آخر: فعرفهم رحمته وحسن عائدته وسعة مغفرته وكريم ~~عفوه وجميل صفحه وبره وامتنانه وكرمه وشرعه، ومبادرته قبولهم بعد أن كان ~~منهم ما كان من طول الشرور وشدة النفور والإيضاع فى طرق معاصيه، وأشهدهم مع ~~ذلك حمده العظيم وبره العميم، وكرمه فى أن خلى بينهم وبين المعصية فنالوها ~~بنعمته وإعانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الإهلاك والفساد الذى لا ~~يرجى معه صلاح، بل تداركهم بالدواء الشافى فاستخرج منهم داء لو استمر معهم ~~لأفضى إلى الهلاك، ثم تداركهم بروح الرجاء فقذفه فى قلوبهم وأخبر أنه عند ~~ظنونهم به، ولو أشهدهم عظم الجناية وقبح المعصية وغضبه ومقته على من عصاه ~~فقط لأورثهم ذلك المرض القاتل أو الداء العضال من اليأس من روحه والقنوط من ~~رحمته، وكان ذلك عين هلاكهم، ولكن رحمهم قبل البلاء وفى حشو البلاء وبعد ~~البلاء وجعل تلك الآثار التى توجبها معصيته من المحن والبلاء والشدائد رحمة ~~لهم وسببا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفى والكرامة عنده، فأشهدهم ms149 بالجناية ~~عزة الربوبية وذل العبودية، ورقاهم بآثارها إلى # PageV01P138 # منازل قربه ونيل كرامته، فهم على كل حال يربحون عليه يتقلبون فى كرمه ~~وإحسانه، وكل قضاء يقضيه للمؤمن فهو خير به يسوقه إلى كرامته وثوابه، وكذلك ~~عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم، فإذا استرجعها أيضا منهم وسلبهم إياها ~~انقلبت من عطايا الآخرة ما قيل: # إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة، فإذا استرجعها كانت عطايا ~~الآخرة، والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين وظهر لها بقدرته ~~وجلاله وكبريائه ومضى مشيئته وعظيم سلطانه وعلو شأنه وكرمه وبره وإحسانه ~~وسعة مغفرته ورحمته وما ألقاه فى قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث ~~احتملته القوى البشرية ووراءه مما لا تحتمله قواهم ولا يخطر ببال ولا يدخل ~~فى خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه. # فاعلم أن الذين كان قسمهم أنواع المعاصى والفجور، وفنون الكفر والشرك ~~والتقلب فى غضبه وسخطه وقلوبهم وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصى والكفر مقرة ~~بأن له الحجة عليهم وأن حقه قبلهم، ولا يذكر أحد منهم النار إلا وهو شاهد ~~بذلك مقر به معترف اعتراف طائع لا مكره مضطهد، فهذه شهادتهم على أنفسهم ~~وشهادة أوليائه عليهم والمؤمنون يشهدون فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها ~~أعداؤه، ولو شهدوا بها وباؤا بها لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته، ~~فيشهدون أنهم عبيده وملكه وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده وينفذ فيهم حكمه ~~ويمضى فيهم عدله، ويحق عليهم كلمته ويصدق فيهم وعيده ويبين فيهم سابق علمه، ~~ويعمر بهم ديارهم ومساكنهم التى هى محل عدله وحكمته، وشهد أولياؤه عظيم ~~ملكه وعز سلطانه وصدق رسله وكمال حكمته وتمام نعمته عليهم وقدر ما اختصهم ~~به ومن أى شيء حماهم وصانهم، وأى شيء صرف عنهم، وأنه لم يكن لهم إليه وسيلة ~~قبل وجوده يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من ~~أصحاب اليمينى، وشهدوا له سبحانه بأن ما كان منه إليهم وفيهم مما يقتضيه ~~إتمام كلماته الصدق والعدل قوله وتحقق مقتضى أسمائه فهو محض حقه. # وكل ذلك منه حسن جميل ms150 له عليه أتم حمد وأكمله وأفضله، وهو حكم عدل وقضاء ~~فصل، وأنه المحمود على ذلك كله فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث، بل ذلك ~~عين الحكمة ومحض الحمد وكمال أظهره فى حقه وعز أبداه وملك أعلنه ومراد له ~~أنفذه كما فعل بالبدن وضروب الأنعام أتم بها مناسك أوليائه وقرابين عباده، ~~وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام هلاكا وإتلافا، # PageV01P139 # .. # فأعداؤه الكفار المشركون به الجاحدون أو لى أن تكون دماؤهم قرابين ~~أوليائه وضحايا المجاهدين فى سبيله، كما قال حسان بن ثابت: # يتطهرون- يرونه قربانهم ... بدماء من علقوا من الكفار # وكذلك لما ضحى خالد بن عبد الله القسرى بشيخ المعطلة الفرعونية جعد بن ~~درهم، فإن خطبهم فى يوم أضحى، فلما أكمل خطبته قال: أيها الناس ضحوا تقبل ~~الله ضحاياكم، فإنى مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى ~~تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، تعالى عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل ~~فذبحه، فكان ضحيته. وذكر ذلك البخارى فى كتاب خلق الأفعال، فهذا شهود ~~أوليائه من شأن أعدائه، ولكن أعداؤه فى غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون ~~به، ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانه ورحمته، ولكن لما حجبوا عن معرفته ~~ومحبته وتوحيده وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ووصفه بما يليق به ~~وتنزيهه عما لا يليق به صاروا أسوأ حالا من الأنعام وضربوا بالحجاب، ~~وأبعدوا عنه بأقصى البعد وأخرجوا من نوره إلى الظلمات، وغيبت قلوبهم فى ~~الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته فى غابات، ليتم عليهم أمده، وينفذ فيهم ~~حكمه، والله عليم حكيم، والله أعلم. # PageV01P140 ### | فصل: فى أن الله خلق دارين وخص كل دار بأهل # والله سبحانه مع كونه خالق كل شيء فهو موصوف بالرضا والغضب والعطاء ~~والمنع والخفض والرفع والرحمة والانتقام، فاقتضت حكمته سبحانه أن خلق دارا ~~لطالبى رضاه العاملين بطاعته المؤثرين لأمره القائمين بمحابة وهى الجنة، ~~وجعل فيها كل شيء مرضى وملأها من كل محبوب ومرغوب ومشتهى ولذيذ، وجعل الخير ~~بحذافيره فيها، وجعلها محل كل طيب من الذوات والصفات ms151 والأقوال. # وخلق دارا أخرى لطالبى أسباب غضبه وسخطه، المؤثرين لأغراضهم وحظوظهم على ~~مرضاته، العاملين بأنواع مخالفته، القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال، ~~الواصفين له بما لا يليق به، الجاحدين لما أخبرت به رسله من صفات كماله ~~ونعوت جلاله لما أخبرت به رسله من صفات كماله ونعوت جلاله، وهى # PageV01P140 # جهنم، وأودعها كل شيء مكروه وسجنها مليء من كل شيء مؤذ ومؤلم، وجعل الشر ~~بحذافيره فيها، وجعلها محل كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال. # فهاتان الداران هما دارا القرار. وخلق دارا ثالثة هى كالميناء لهاتين ~~الدارين، ومنها يتزود المسافرون إليهما، وهى دار الدنيا، ثم أخرج إليها من ~~أثمار الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابهما وما يستدل به عليهما، حتى ~~كأنهما رأى عين، ليصير للإيمان بالدارين- وإن كان غيبا- وجه شهادة تستأنس ~~به النفوس وتسدل به، فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار ~~والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور الجميلة وسائر ملاذ النفوس ~~ومشتهاها ما هو نفحة من نفحات الدار التى جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال، ~~فإذا رآه المؤمنون ذكرهم بما هناك من الخير والسرور والعيش الرخى كما قيل: # فإذا رآك المسلمون تيقنوا ... حور الجنان لدى النعيم الخالد # فشمروا إليها وقالوا: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة وأحدثت لهم رؤيته ~~عزمات وهمما وجدا وتشميرا، لأن النعيم يذكر بالنعيم، والشيء يذكر بجنسه، ~~فإذا رأى أحدهم ما يعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال: موعدك الجنة، وإنما ~~هى عشية أو ضحاها. # فوجود تلك المشتهيات والملذوذات فى هذه الدار رحمة من الله يسوق بها ~~عباده المؤمنين إلى تلك الدار التى هى أكمل منها، وزاد لهم من هذه الدار ~~إليها، فهى زاد وعبرة ودليل، وأثر من آثار رحمته التى أودعها تلك الدار، ~~فالمؤمن يهتز برؤيتها إلى ما أمامه، ويثير ساكن عزماته إلى تلك، فنفسه ~~ذواقة تواقة، إذا ذاقت شيئا منها تاقت إلى ما هو أكمل منه حتى تتوق إلى ~~النعيم المقيم فى جوار الرب الكريم. # وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضا من آثار غضبه ms152 ونقمته من العقوبات ~~والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما فى ~~دار الشقاء من ذلك، مع أن ذلك من آثار النفسين الشتاء والصيف اللذين أذن ~~الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما، فاقتضى ذانك النفسان آثارا ظهرت ~~فى هذه الدار كانت دليلا عليها وعبرة. # وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله فى نار الدنيا: {نحن ~~جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] ، تذكرة تذكر بها الآخرة ~~ومنفعة للنازلين بالقواء وهم المسافرون، يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقى ~~والقوى وهى الأرض # PageV01P141 # الخالية، وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين ~~تنبيها لعباده- والله أعلم بمراده من كلامه- على أنهم كلهم مسافرون وأنهم ~~فى هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين وأنهم عابرو سبيل ~~وأبناء سفر. والمقصود أنه سبحانه أشهد فى هذه [الدار] ما أعد لأوليائه ~~وأعدائه فى دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو ~~عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر، وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن ~~والبلايا سياطا يسوق بها عباده المؤمنين، فإذا رأوها حذروا كل الحذر ~~واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما فى تلك الدار من المكروهات ~~والعقوبات، وكان وجودها فى هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير ~~منها رحمة منه بهم وإحسانا إليهم وتذكرة وتنبيها. ولما كانت هذه الدار ~~ممزوجا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم ~~الحاكمين أن خلص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى هى دار الخيرات المحضة ودار ~~السرر المحضة، فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط وخلط فيها بين ~~الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة، حكمة بالغة بهرت ~~العقول وعزة قاهرة. # فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم عبوديته ~~التى يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه، بل العبد الواحد جمع فيه بين أسباب ~~الخير والشر، وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التى لا ~~تحصل إلا بذلك. فلما حصلت الحكمة المطلوبة من ms153 هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه ~~بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكل دار ما يناسبها، ~~وأسكن فيها من يناسبها، وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته، وأعداءه ~~الكافرين لنقمته، والمخلصين للأمرين: فهؤلاء أهل الرحمة وهؤلاء أهل النقمة، ~~وهؤلاء أهل النقمة والرحمة. وقسم آخر لا يستحقون ثوابا ولا عقابا. # ورتب على كل قسم من هذه الأقسام الخمسة حكمه اللائق به، وأظهر فيه حكمته ~~الباهرة، ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته وأنه يخلق ما يشاء، ويختار من ~~خلقه من يصلح للاختيار، وأنه يضع ثوابه موضعه، ويجمع بينهما فى المحل ~~المقتضى لذلك، ولا يظلم أحدا ولا يبخسه شيئا من حقه ولا يعاقبه بغير ~~جنايته، هذا مع ما فى ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى # PageV01P142 # العبيد أنفسهم: من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج ~~كمالاتهم الكامنة فى نفسهم من القوة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، ~~وكسر كل شيء بمقابلة ومصادمته بضده، لتظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف ~~والعجز ويتيقن العبد أن القهار لا يكون إلا واحدا، وأنه يستحيل أن يكون له ~~شريك، بل القهر والوحدة متلازمان: فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله ~~الواحد القهار، ومن سواه مربوب مقهور، له ضد ومناف ومشارك: فخلق الرياح ~~وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر سورتها وتذهب بها، وخلق الماء وسلط عليه ~~الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها، وخلق ~~الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد ~~يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس ~~وذريته وسلط عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحر ~~والبرد والشتاء والصيف وسلط كلا منها على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل ~~والنهار وقهر كلا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان ~~البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب، فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب ~~لذلك كله واحد وأن من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه وربط بعضه على ~~بعض وإحواج بعضه إلى بعض وقهر بعضه ببعض وابتلاء بعضه ms154 ببعض وامتزاج خيره ~~بشره، وجعل شره لخيره الفداء، ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر ~~فيقال له: هذا فداؤك من النار، وهكذا المؤمن فى الدنيا يسلط عليه من ~~الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله، وقد تكون تلك ~~الأسباب فداء له من شرور أكثر منها فى هذا العالم أيضا، فليعط اللبيب هذا ~~الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة اللطيف الخبير. # فصل # وقد تقرر أن الله سبحانه كامل الصفات له الأسماء الحسنى، ولا يكون عن ~~الكامل فى ذاته وصفاته إلا الفعل المحكم، وهو سبحانه خلق عباده على الفطرة، ~~وكل مولود فإنما يولد على الفطرة التى فطر الخلائق عليها، ولكن الآباء ~~والكافلين للمولودين يخرجونهم من الفطرة، ويعدلون بهم عنها، ولو تركوهم لما ~~اختاروا عليها غيرها، ولكن أخرجوهم عن سنن الحنيفية وأفسدوا فطرهم وقلوبهم، ~~وهكذا بالأضداد والأغيار يخرج بعض المخلوقات عن سنن الإتقان والحكمة، ولولا ~~تلك الأضداد والأغيار لكانت فى مرتبتها كالملود فى فطرته ولذلك أمثلة: # PageV01P143 # المثال الأول: أن الماء خلقه الله طاهرا مطهرا، فلو ترك على حالته التى ~~خلق الله عليها ولم يخالطه ما يزيل طهارته لم يكن طاهرا، ولكن بمخاطة ~~أضداده من الأنجاس والأقذار تغيرت اوصافه وخرج عن لاخلقة التى خلق عليها، ~~فكانت تلك لانجاسات والقاذورات بمنزلة أيوى الطفل وكافليه لاذين يهودانه ~~وينصرونه ويمجسونه ويشركونه، وكما أن الماء إذا فسد بمخالطته الأنجاس ~~والقاذورات لم يصلح للطهارة، فكذلك القلوب إذا فسدت فطرها بالأغيار لم تصلح ~~لحظيرة القدس. # المثال الثاني: الشراب المعتصر من العنب، فإنه طيب يصلح للدواء ولإصلاح ~~الغذاء والمنافع التي يصلح لها، فلو خلي على حاله لم يكن إلا طاهرا طيبا ~~ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكرا، فخرج بذلك عن خلقته التي خلق عليها ~~من الطهارة والطيب، فصار أخبث شيء وأنجسه. فلو انقلب خلا أو زال بزوالها ~~والله أعلم. # المثال الثالث: الأغذية الطيبة النافعة إذا خالطت باطن الحيوان واستقرت ~~هنالك خرجت عن حالتها التي خلقت عليها واكتسبت بهذه المخالطة والمجاورة ~~خبثا وفسادا لم يكن فيها لسلوكها في ms155 غير طرقها التي بها كمالها. ولما أنزل ~~الله الماء طاهرا نافعا فمازج الأرض سالت به أوديتها أوجد جل جلاله بينهما ~~بسبب هذه المخالطة والممازجة أنواع الثمار والفواكه والزروع والنخيل ~~والزيتون وسائر الأغذية والأقوات وأوجد مع ذلك المر والشوك والحنظل وغير ~~ذلك، واللقاح واحد، ولكن الأم مختلفة، قال تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات ~~وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها ~~على بعض في الاكل إن في ذلك لايات لقوم يعقلون} [الرعد: 4] ، ثم إنه سبحانه ~~يصرف ما أخرجه من هذا الماء وبقلبه ويحيل بعضه إلى بعضه بالمخالطة ~~والمجاورة عن طبيعته إلى طبيعة أخرى، وهذا كما خلق كل دابة من ماء ثم خالف ~~بين صورها وقواها ومنافعها وأوصافها وما يصلح لها، وأمشى بعضا على بطنه ~~وبعضا على رجلين وبعضا على أربع، حكمة بالغة وقدرة باهرة. وكذلك سبحانه ~~يقلب الليل والنهار ويقلب ما يوجد فيهما ويقلب أحوال العالم كما يشاء ويسلك ~~بذلك مسلك الحكمة البالغة التي بها يتم مراده ويظهر ملكه: {ألا له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] . # PageV01P144 # وهذا القرآن المجيد عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب سبحانه وأسمائه ~~وأفعاله وأنواع حمده والثناء عليه والإنباء عن عظمته وعزته وحكمته، وأنواع ~~صنعه والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله، وتصديقه يفهم بما ~~أقامه من الشواهد والدلالات على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله وتبيين مراده من ~~ذلك كله، وكان من تمام ذلك الإخبار عن الكافرين والمكذبين وذكر ما أجابوا ~~به رسلهم وقابلوا به رسالات ربهم ووصف كفرهم وعنادهم وكيف كذبوا على الله ~~وكذبوا رسله وردوا أمره ومصالحه، فكان في اجتلاب ذلك من العلوم والمعارف ~~والبيان وضوح شواهد الحق وقيام أدلته وتنوعها، وكان موقع هذا من خلقه موقع ~~تسبيحه تعالى وتنزيهه من الثناء عليه، وإن أسماءه الحسنى وصفاته العليا هي ~~موضع الحمد، ومن تمام حمده تسبيحه وتنزيهه عما وصفه به أعداؤه والجاهلون به ~~مما لا يليق به. # وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف وتقرير صفات الكمال ms156 ~~وتكميل أنواع الحمد ما في بيان محاسن الشيء وكماله عند معرفة ما يضاده ~~ويخالفه، ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده، وحمده من تمام تسبيحه، ~~ولهذا كان التسبيح والتحميد قربتين، وكان ما نسبه إليه أعداؤه، والمعطلون ~~لصفات كماله- من علوه على خلقه وإنزاله كلامه الذي تكلم به على رسله وغير ~~ذلك مما نزه عنه نفسه وسبح به نفسه ن وكان في ذلك ظهور حمده في خلقه وتنوع ~~أسبابه وكثرة شواهده وسعة طرق الثناء عليه به وتقرير عظمته ومعرفته في قلوب ~~عباده، فلولا معرفة الاسباب التي يسبح وينزه ويتعالى عنها، وخلق من يضفيها ~~إليه ويصفه بها، لما ينزهونه. فلما رأوا في خلقه من قد نسبه إلى ما لا يليق ~~به وجحد من كماله ما هو أولى به سبحوه، وحينئذ تسبيح مجل له معظم له منزه ~~عن أمر قد نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفاته ونظير هذا اشتمال كلمة ~~الإسلام- وهي شهادة أن لا إله إلا الله- على النفي والإثبات، فكان في ~~الإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات وتحقيق معنى الإلهية ~~وتجريد التوحيد الذي قصد بنفي الإلهية عن كل ما ادعيت فيه سوى الإله الحق ~~تبارك وتعالى، فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان يتصور إثبات الإلهية ~~لغير الله كما قاله أعداؤه المشركون ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من ~~تمام التوحيد وكماله وتقريره # PageV01P145 # وظهور أعلامه ووضوح شواهده وصدق براهينه # ونظير ذلك أيضا أن تكذيب أعداء الرسل وردهم ما جاؤوهم به كان من الأسباب ~~الموجبة ظهور براهين صدق الرسل ودفع ما احتج به أعداؤهم عليهم من الشبه ~~الداحضة ودحض حججهم الباطلة وتقرير طرق الرسالة وإيضاح أدلتها، فإن الباطل ~~كلما ظهر فساده وبطلانه أسفر وجه الحق واستنارت معالمه ووضحت سبله وتقررت ~~براهينه، فكسر الباطل ودحض حججه وإقامة الدليل على بطلانه من أدلة الحق ~~وبراهينه. # فتأمل كيف اقتضى الحق وجود الباطل، وكيف تم ظهور الحق بوجود الباطل، وكيف ~~كان كفر أعدا الرسل بهم وتكذيبهم لهم ودفعهم ما جاؤوا به وهو من تمام صدق ~~الرسل وثبوت رسالات الله ms157 وقيام حججه على العباد، ولنضرب لذلك مثالا يتبين ~~به، وهو ملك له عبد قد توحد فى العالم بالشجاعة والبسالة والناس بين مصدق ~~ومكذب، فمن قائل: هو كذلك ومن قائل: هو بخلاف ما يظن به فإنه لم يقابل ~~الشجعان ولا واجه الأقران، ولو بارز الأقران وقابل الشجاعة لظهر أمره ~~وانكشف حاله. فسمع به شجعان العالم وأبطالهم فقصدوه من كل صوب وأتوه من كل ~~قطر، فأراد الملك أن يظهر لرعيته ما هو عليه من الشجاعة فمكن أولئك الشجعان ~~من منازلته ومقاومته وقال: دونكم وإياه وشأنكم به. فهل تسليط الملك لأولئك ~~على عبده ومملوكه إلا لإعلاء شأنه وإظهار شجاعته فى العالم وتخويف أعدائه ~~به، وقضاء الملك أوطاره به، كما يترتب على هذا إظهار شجاعة عبده وقوته ~~وحصول مقصوده بذلك، فكذلك يترتب عليه ظهور كذب من ادعى مقاومته وظهور عجزهم ~~وفضيحتهم وخزيهم وأنهم ليسوا ممن يصلح لمهمات الملك وحوائجه فإذا عدل بهم ~~عن مهماته وولايته وعدل بها عنهم كان ذلك مقتضى حكمة الملك وحسن تصرفه فى ~~ملكه وأنه لو استعملهم فى تلك المهمات لتشوش أمر المملكة وحصل الخلل ~~والفساد والله أعلم بالشاكرين. # والمقصود أن خلق الأسباب المضادة للحق وإظهارها فى مقابلة الحق من أبين ~~دلالته وشواهده، فكان فى خلقها من الحكمة ما لو فاتت [لفاتت] تلك الحكمة، ~~وهى أحب إلى الله من تفويتها بتقدير تفويت هذه الأسباب. والله أعلم. # PageV01P146 ### | فصل: فى بيان ما للناس فى دخول الشر فى القضاء الإلهي من الطرق والأصول التى تفرعت عنها هذه الطرق. # وللناس طرق فى دخول الشر فى القضاء الإلهى فنذكرها ونذكر أصولهم التى ~~تفرعت عليها هذه الطرق قبل ذلك. فنقول: للناس قولان: أحدهما قول أهل ~~الإسلام وأتباع المرسلين كلهم إن الله سبحانه فعال لما يريد يفعل باختياره ~~وقدرته ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذى يعبر عنه متأخرو ~~المتكلمين بكونه: "فاعلا بالاختيار". # وللفريق الثانى قول من نفى ذلك، وقال: صدر العلم عنه تعالى صدورا ذاتيا ~~كصدور النور عن الشمس والحرارة عن النار والتبريد ms158 عن الماء، ويسمى ~~المتكلمون هذا "الإيجاب الذاتى". ومصدره موجبات الذات، وهذا قول الفلاسفة ~~المشائين وهو الذى يذكره ابن الخطيب وغيره عن الفلاسفة، ولا يحكى عنهم ~~غيره، وإنما هو قول المشائين، وقربه متأخرهم وفاضلهم ابن سينا إلى الإسلام ~~بعض التقريب، مع مباينته لما جاءت به الرسل، ولما دل عليه صريح العقل ~~والفطرة. # والفريقان متفقون على أن مصدر الكائنات بأسرها خير محض من جميع الوجوه ~~وكمال صرف، ووجود الشر فى العالم مشهود، والخير لا يصدر عنه إلا خير. ولا ~~جرم اختلفت طرقهم فى كيفية دخول الشر فى القضاء الإلهى وتنوعت إلى أربعة ~~طرق: # الطريق الأول: طريق نفاة التعليل والحكمة والأسباب، فإنهم سدوا على ~~أنفسهم هذا الباب وأثبتوا مشيئة محضة لا غاية لها ولا سبب ولا حكمة تفعل ~~لأجلها، ولا يتوقف فعل المختار بها على مصلحة ولا حكمة، ولا غاية لها تفعل، ~~بل كل مقدور يحسن منه فعله، ولا حقيقة عندهم للقبيح لولا المستحيل لذاته ~~الذى لا يوصف بالقدرة عليه. وهؤلاء نفوا مسمى الرحمة والحكمة وإن أقروا ~~بلفظ لا حقيقة له، وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف بأصحابه على المجذومين ~~وهم يتقلبون فى بلائهم فقول: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا، يعنى أنه ليس فى ~~الحقيقة رحمة، وإنما هو محض مشيته وصرف إرادة مجردة عن الحكمة والرحمة. # PageV01P147 # وهؤلاء قابلوا أصحاب الطريق الثانى: وهم الذين أثبتوا له حكمة وغاية، ~~وقالوا: لا يفعل شيئا إلا لحكمة وغاية مطلوبة، ولكن حجروا عليه سبحانه فى ~~ذلك، وشرعوا له شريعة وضعوها بعقولهم وظنوا أن ما يحسن من خلقه يحسن منه ~~وما يقبح منهم يقبح منه، فجعلوا ما أثبتوه له من الحكمة والرحمة من جنس ما ~~هو للخلق، ولهذا كانوا "مشبهة الأفعال" كما أن من شبهة بخلقه فى صفاته فهو ~~"مشبه الصفات" فاقتسموا التشبيه نصفين: هؤلاء فى أفعاله، وإخوانهم فى ~~صفاته. وقالوا: إنه تعالى لو خص بعض عبيده عن بعض بإعطائه توفيقا وقدرة ~~وإرادة ولم يعطها لآخر لكان ظلما للذى منعه. وقالوا: لو شاء من عباده أفعال ~~المعاصى لكان ينزه ms159 عنه كما فى المشاهد ولو شاء منهم الكفر والفسوق والعصيان ~~ثم عذبهم عليه لكان ظلما فى المشاهد أيضا، فإن السيد إذا أراد من عبده شيء ~~ففعل ما أراد سيده، فإنه إذا عذبه عده الناس ظالما له، وجعلوا العدل فى حقه ~~تعالى من جنس العدل فى حق عباده، والظلم الذى تنزه عنه كالظلم الذى يتنزهون ~~عنه، وجعلوا ما يحسن منه من جنس ما يحسن منهم وما يقبح منه من جنس ما يقبح ~~منهم. وقالوا: لو أراد الشر لكان شريرا كما فى المشاهد، فإن مريد الشر ~~شرير. وقالوا: لو ختم على قلوب أعدائه وأسماعهم وحال بينهم وبين قلوبهم ~~وأضلهم عن الإيمان وجعل على أبصارهم غشاوة وجعل من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا ثم عذبهم لكان ظالما لهم، لأن أحدنا لو فعل ذلك بعبده ثم عذبه ~~لكان ظالما له. فهؤلاء المشبهة حقا فى الأفعال، فعدلهم تشبيه وتوحيدهم ~~تعطيل، فجمعوا بين التشبيه والتعطيل. # وهؤلاء قسموا الشر الواقع فى العالم إلى قسمين: أحدهما: "شرور هى أفعال ~~العباد" وما تولد منها، فهذه لا تدخل عندهم فى القضاء الإلهى تنزيها للرب ~~عن نسبتها إليه، ولا تدخل عندهم تحت قدرته ولا مشيئته ولا تكوينه. # والثانى: "الشرور التى لا تتعلق بأفعال العباد" كالسموم والأمراض وأنواع ~~الآلام، وكإبليس وجنوده وغير ذلك من شرور المخلوقات كإيلام الأأطفال وذبح ~~الحيوان، فهذا النوع هو الذى كدر على القدرية أصولهم وشوش عليهم قواعدهم ~~وقالوا: ذلك كله حسن لما فيه من اللطف والمصلحة # PageV01P148 # العاجلة والآجلة. قالوا: أما الآلام والأمراض فمفعولة لغرض صحيح وهو ما ~~ضمن الرب سبحانه لمن أصابه بها من العوض الوافى قالوا: وذلك يجرى مجرى ~~استئجار أجير فى فعل شاق فإنه بفرض الاستئجار أخرج الاستئجار عن كونه عبثا ~~بالأجرة عن كونه ظلما، فكان حسنا. قالوا: فإن قيل إذا كان الله قادرا على ~~التفضل بالعوض وبأضعافه بدون توسط الألم فأى حاجة إلى توسطه؟ وأيضا فإذا ~~حسن الألم لأجل العوض فهل يحسن منا أن يؤلم أحدنا [غيره] بغير إذنه لعوض ~~يصل إليه؟ فالجواب أن ms160 الله سبحانه لا يمرض ولا يؤلم إلا من يعلم من حاله ~~أنه لو أطلعه على الأعواض التى تصل إليه لرضى بالألم ولرغب فيه لوفور ~~الأعواض وعظمها، وليس كذلك فى شاهد استئجار الأجير من غير اختياره، قالوا: ~~وليس كذلك إيلام أحدنا لغيره لأجل التعويض، فإن من قطع يد غيره أو رجله ~~لعوضه عنها لم يحسن ذلك منه، لأن العوض يصل إليه وهو مقطوع اليد والرجل، ~~وليس من العقلاء من يختار ملك الدنيا مع ذلك، والله يوصل الأعواض فى الآخرة ~~إلى الأحياء وهم أكمل شيء خلقا وأتمه أعضاء، فلذلك افترق الشاهد والغائب فى ~~هذا، قالوا: فإن فرضتموه فى ضرب وجلد مع سلامة الأعضاء قبح لأنه عيب، فإن ~~فرض فيه مصلحة ورضى المضروب بذلك وعظمت الأعواض عنه فهو حسن فى العقل لا ~~محالة. قالوا: وسر الأمر أن بالعوض يخرج الألم عن كونه ظلما لأنه نفع موقوف ~~على مضرة الألم، وباعتبار كونه لطفا فى الدين يخرج عن كونه عبثا. # قالوا: وقد رأينا فى المشاهد حسن الألم للنفع، فإنه يحسن فى المشاهد ~~إيلام أنفسنا وإتعابها فى طلب العلوم والأرباح التى لا نصل إليها إلا على ~~جنس من التعب والمشقة، قالوا: وهذا الوجه هو الذى حسن لأجله إيلام الأطفال ~~والبهائم فإنه إيلام لنفع، فإن أبدان الأطفال لا تستقيم إلا على الأسباب ~~الجالبة للآلام، وكذلك نفوسهم إنما تكمل بذلك، وإيلام الحيوان لنفع الآدمى ~~به غير قبيح، قالوا: وأما الألم المستحق للعقوبة فإنه حسن فى المشاهد ولكنه ~~غير متحقق فى الغائب بالنسبة إلى الأطفال والبهائم لعدم تكليفها، ولكن لا ~~بد فى إيلامها من مصلحة ترجع إليها وهى ما يحصل لهم من العوض فى الآخرة. ~~قالوا: ويجب إعادتها لاستيفاء ذلك الحق الذى لها وهو العوض على # PageV01P149 # الآلام التى حصلت لها قالوا: وبقاؤها بعد الإعادة موقوف ونعيم الأطفال ~~والمجانين دائم. واختلفوا فى البهائم فقال بعضهم: يدوم عوضهم، وقال آخرون ~~بانقطاعه فإنهم يصيرون ترابا. # قالوا: فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد لم تجب إعادتها عقلا ~~وتحسن إعادتها، وما ms161 يحسن قد يفعله الله وقد لا يفعله وهل تجوز الآلام ~~للتعويض المجرد؟ فيه قولان لهم مبنيان على أصل اختلفوا فيه وهو أنه هل يحسن ~~منه سبحانه التفضل بمثل العوض ابتدا؟ فصار بعضهم إلى امتناعه، كما يمتنع ~~التفضل بمثل الثواب ابتدا عندهم وهم مجمعون على امتناعه لئلا يسوى بين ~~العامل وغيره وصار من ينتمى إلى التحصيل منهم إلى أن التفضل بمقدار الأعواض ~~ممكن غير ممتنع، فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض ممكن غير ممتنع، فمن ~~قال بامتناع التفضل بمقدار العوض الصيمرى جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد، ~~ومن جوز التفضل بأمثال الأعواض لم تحسن عنده الآلام بمجرد التعويض، بل ~~قالوا: إنما تحسن لوجهين لا بد من اقترانهما: أحدهما التزام التعويض، ~~والثانى: اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام، وكونها ألطافا فى زجر غاو من ~~غوايته إذا شاهدها فى غيره. وذهب عباد الصيمرى منهم إلى أن الآلام تحسن ~~لمجرد الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته، ورد عليه جماهير القدرية ذلك، ~~قالوا: والآلام التى يفعلها سبحانه إما أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا ~~وعذاب الآخرة، وإما للتعويض، وإما للمصلحة الراجحة. # قالوا: وما يفعله فى الآخرة منها فكله للاستحقاق، وما يفعله فى الدنيا ~~فللعوض والمصلحة، وقد يفعله عقوبة، وأما ما شرعه من أسباب الألم فعقوبات ~~محضة. # وأما مشايخ القوم فقالوا: إنما يحسن منه سبحانه الإيلام لأنه المنعم ~~بالصحة والحياة، ولأنه فى حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها فله قطعها ~~إذا شاء ولأنه قادر على التعويض عالم بقدره، وليس كذلك الواحد من الخلق. ~~قالوا: فإذا استرجع عارية الصحة والحياة خلفها الألم ولا بد. # وأطالوا الكلام فى الآلام وأسبابها، وما يحسن منها وما يقبح، وعلى أى وجه ~~يقع؟ وحصروا أنفسهم غاية الحصر، فاستطالت عليهم الجبرية بالأسئلة ~~والمضايقات وألجأوهم إلى مضايق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأضحكوا العقلاء ~~منهم بإبداء تنماقضهم، وألزموهم إلزامات لا بد من التزامها أو ترك المذهب. ~~وسأل أبو الحسن # PageV01P150 # الأشعرى أبا على الجبائى عن ثلاثة إخوة لأب وأم مات أحدهم صغيرا، وبلغ ~~الآخر فاختار الإسلام، ms162 وبلغ الآخر فاختار الكفر، فاجتمعوا عند رب العالمين، ~~فرفع درجة البالغ المسلم فقال أخوه الصغير: يا رب، ارفع درجتى حتى أبلغ ~~منزلة أخى، فقال: إنك لا تستحق، إن أخاك بلغ فعمل أعمالا استحق بها تلك ~~الدرجة، فقال: يا رب، فهلا أحييتنى حتى أبلغ فأعمال عمله"، فقال: كانت تلك ~~لمصلحة تقتضى اخترامك قبل البلوغ، لأنى علمت أنك لو بلغت لاخترت الكفر، ~~فكانت المصلحة فى قبضك صغرا. قال: فصاح الثالث بين أطباق النار وقال: يا ~~رب، لم لم تمتنى صغيرا؟ فما جواب هذا أيها الشيخ؟ فلم يرد إليه جوابا. ~~قالوا: وإذا علم سبحانه من بعض العبيد أنه لا يختار الإسلام وأنه لا يكون ~~إلا كافرا مفسدا فى الأرض، فأى مصلحة لهذا العبد فى إيجاده؟ قالوا: وأى ~~مصلحة لإبليس وذريته الكفار فى إيجادهم؟ فإن قلتم: عرضهم للثواب، قيل لكم: ~~كيف يعرضهم لأمر قد يعلم أنهم لا يفعلونه ولا يقع منهم البتة؟ ومن هنا أنكر ~~غلاتهم العلم القديم، وكفرهم السلف على ذلك، ومن أقر به منهم فإقراره به ~~مبطل لمذهبه وأصله فى وجوب مراعاة الصلاح والأصلح. # وهذا معنى قول السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن جحدوه كفروا، وإن أقروا ~~به خصموا. قالوا: وأما حدث العوض على الآلام فالرب سبحانه قادر على إيصال ~~تلك المنافع بدون توسط الآلام، قالوا: وهذا بخلاف المستأجر فإن له منفعة ~~وحاجة فى توسط تعب الأجير واستيفاء منفعته، فأما من تعالى عن الانتفاع ~~بخلقه ولا يحتاج إلى أحد منهم البتة فلا يعقل فى حقه ذلك. قالوا: وأما وقوع ~~الآلام على وجه العقوبات فذلك إنما يحسن فى الشاهد لحصول التشفى من الجناة ~~وإطفاء نار الغيظ والغضب بالاتتقام منهم، وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب ~~وانتفاعه به، وقياس الغائب على الشاهد فى ذلك ممتنع. قالوا: وأما الإيلام ~~للاعتبار بأن يعتبر الغير بالألم الواقع بغيره فيكون ذلك أدعى له إلى ~~الإذعان والانقياد، فلا ريب أن الصبى إذا شاهد المعلم يضرب غيره على لعبه ~~وتفريطه كان ذلك مصلحة واعتبارا له، ولعله أن ينتفع بضرب ذلك الغير أكثر ms163 من ~~انتفاع المضروب، أو حيب لا ينتفع المضروب، ولكن إنما يحسن ذلك إذا كان ~~المضروب مستحقا للضرب، فأين استحقاق الأطفال والبهائم؟ قالوا: وكذلك تمكينه ~~تعالى عباده أن يؤلم بعضهم بعضا ويضر بعضهم بعضا- مع # PageV01P151 # قدرته على منع المؤلم المضر- أى مصلحة لمن مكن من ذلك وأقدر عليه، وهل ~~كانت مصلحته إلا تعجيزه وأن يحال بينه وبين القدرة على الأداء وصون العباد؟ ~~قالوا: فهذه الشريعة التى وضعتموها لرب العباد، وأوجبتم عليه ما أوجبتم، ~~وحرمتم عليه ما حرمتم وجحدتم عليه فى تصرفه فى ملكه بغير ما أصلتم وفرعتم ~~بعقولكم وآرائكم، تشبيها له وتمثيلا بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح، مع أنها ~~شريعة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان فإنكم لم تطردوها، بل أنتم متناقضون ~~فيها غاية التناقض، خارجون فيها عما يوجبه كل عقل صحيح وفطرة سليمة، فلا ~~للتشبيه والتمثيل طردتم، ولا بالتعويض قلتم، ولا على حقيقة الحكمة والحمد ~~وقفتم، بل أثبتم له نوع حكمة لا تقوم به ولا ترجع إليه بل هى قائمة بالخلق ~~فقط، وقد حتم بها فى تمام ملكه، كما أثبت له إخوانكم من الجبرية قدرة مجردة ~~عن حكمة وحمد وغاية يفعل لأجلها، بل جعلوا حمده وحكمته اقتران أفعاله بما ~~اقترنت به من المصالح عادة ووقوعها مطابقة لمشيئته وعلمه فقط، فقدحوا بذلك ~~فى تمام حمده. # وقام حزب الله وحب رسوله وأنصار الحق بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير حق القيام وراعوا هذه الكلمة حق ~~رعايتها علما ومعرفة وبصيرة، ولم يلقوا الحرب بين حمده وملكه بل أثبتوا له ~~الملك التام الذى لا يخرج عنه شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها، والحمد ~~التام الذى وسع كل معلوم وشمل كل مقدور، وقالوا: إن له فى كل ما خلقه وشرعه ~~حكمة بالغة ونعمة سابغة لأجلها خلق وأمر، ويستحق أن يثنى عليه ويحمد ~~لأجلها، كما يثنى عليه ويحمد لأسمائه الحسنى ولصفاته العليا، فهو المحمود ~~على ذلك كله أتم حمد وأكمله، لما اشتملت عليه صفاته من الكمال وأسماؤه ms164 من ~~الحسن وأفعاله من الحكم والغايات والمقتضية لحمده المطابقة لحكمته الموافقة ~~لمحابه، فإنه سبحانه كامل الذات كامل الأسماء والصفات لا يصدر عنه إلا كل ~~فعل كريم مطابق للحكمة موجب للحمد يترتب عليه من محابه ما فعل لأجله، وهذا ~~أمر ذهب عن طائفتى الجبرية والدهرية وحال بينهم # PageV01P152 # وبينه أصول فاسدة أصلوها وقواعد باطلة أسسوها، من تعطيل بعض صفات كماله ~~كم عطل الفريقان حقيقة محبته: عند الجبرية مشيئته وإرادته، ومحبة العباد له ~~إرادتهم لما يخلقه من النعيم فى دار الثوب، فالمحبة عندهم إنما تعلقت ~~بمخلوقاته لا بذاته. # وحقيقة محبته وكراهته عند القدرية: أمره ونهيه، ومحبة العباد له محبتهم ~~لثوابه المنفصل. وأصل الفريقان أنه لا تقوم بذاته حكمة ولا غاية يفعل ~~لأجلها ثم اختلفوا فقالت الجبرية: لا يفعل لغاية ولا لحكمة أصلا. وتكايست ~~القدرية بعض التكايس فقالت: فعل لغاية وحكمة لا ترجع إليه ولا تقوم به ولا ~~يعود إليه منها وصف. # وأصل الفريقان أيضا أنه لا يقوم بذاته فعل البتة، بل فعله عين مفعوله، ~~فعطلوا أفعاله القائمة به وجعلوها نفس المخلوقات المشاهدة التى لا تقوم به، ~~فلم يقم به عندهم فعل البتة. كما عطل غلاة الجهمية صفاته فلم يثبتوا له صفة ~~تقوم به وإن تناقضوا، وكما عطلت "السينائية" أتباع ابن سينا ذاته فلم ~~يثبتوا له ذاتا زائدة على وجود مجرد لا يقارن ماهية ولا حقيقة، وأصلت ~~الجبرية أنه تعالى لا ينزه عن فعل مقدور يكون قبيحا بالنسبة إليه، بل كل ~~مقدور ممكن فهو جائز عليه، وإن علم عدم فعله فبالسمع وإلا فالعقل يقضى ~~بجوازه عليه فلا ينزه عن ممكن مقدور إلا ما دل عليه بالسمع فيكون تنزيهه ~~عنه لا لقبحه فى نفسه بل لأن وقوعه يتضمن الخلق فى خبره وخبر رسوله ووقع ~~الأمر على خلاف علمه ومشيئته، فهذا حقيقة التنزيه عند القوم. # وأصلت القدرية أن ما يحسن من عباده يحسن منه وما يقبح منهم يقبح منه، مع ~~تناقضهم فى ذلك غاية التناقض. فاقتضت هذه الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة ~~فروعا ولوازم كثيرة، منها مخالف ms165 لصريح العقل ولسليم الفطرة كما هو مخالف ~~لما أخبرت به الرسل عن الله، فجعل أرباب هذه القواعد والأصول قواعدهم ~~وأصولهم محكمة، وما جاء به الرسول متشابها، ثم أصلوا أصلا فى رد هذا ~~المتشابه إلى المحكم وقالوا: الواجب فيما خالف هذه القواطع العقلية بزعمهم ~~من الظواهر الشرعية أحد أمرين: إما يخرجها على ما يعلم العقلاء أن المتكلم ~~لم يرده بكلامه من المجازات البعيدة والألغاز المعقدة ووحشى اللغات ~~والمعانى المهجورة التى لا يعرف أحد من العرب عبر عنها بهذه العبارة ولا ~~تحتملها لغة القوم البتة، وإنما هى محامل أنشئوها هم ثم قالوا: نحمل اللفظ ~~عليها، فأنشؤوا محامل من تلقاء أنفسهم وحكموا على الله # PageV01P153 # أو رسله بإرادتها بكلامه، فأنشؤا منكرا وقالوا زورا. # فإذا ضاق عليهم المجال وغلبتهم النصوص وبهرتهم شواهد الحقيقة من اطرادها ~~وعدم فهم العقلاء سواها ومجيئها على طريقة واحدة وتنوع الألفاظ الدالة على ~~الحقيقة واحتفافها بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك مما يقطع كل سامع ~~بأن المراد حقيقتها وما دلت عليه، قالوا: الواجب ردها وأن لا يشتغل بها، ~~وإن أحسنوا العبارة والظن قالوا: الواجب تفويضها وإن نكل علمها إلى الله من ~~غير أن يحصل لنا بها هدى أو علم أو معرفة بالله وأسمائه وصفاته، أو ننتفع ~~بها فى باب واحد من أبواب الإيمان بالله وما يوصف به وما ينزه عنه، بل نجرى ~~ألفاظها على ألسنتنا ولا نعتقد حقيقتها لمخالفتها للقواطع العقلية، فسموا ~~أصولهم الفاسدة وشبههم الباطلة- التى هى كبيت العنكبوت، وكما قال فيها ~~القائل شعرا: # شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور # قواطع عقلية، مع اختلافهم فيها وتناقضهم فيها ومناقضتها لصريح المعقول ~~وصحيح المنقول، فسموا كلام الله ورسوله: "ظواهر سمعية" إزالة لحرمته من ~~القلوب ومنعا للتعلق به والتمسك بحقيقته فى باب الإيمان والمعرفة بالله ~~وأسمائه وصفاته، فعبروا عن كلامهم بأنه "قواطع عقلية" فيظن الجاهل بحقيقته ~~أنه إذا خالفه فقد خالف صريح المعقول، وخرج عن حد العقلاء، وخالف القاطع، ~~وعبروا عن كلام الله ورسوله بأنه "ظواهر" فلا جناح على من صرفه عن ms166 ظاهره ~~وكذب بحقيقته واعتقد بطلان الحقيقة بل هذا عندهم هو الواجب، وقد أشهد الله ~~سبحانه عباده الذين أوتوا العلم والإيمان أن الأمر بعكس ما قالوه، وأن ~~كلامه وكلام رسوله هو الشفاء والعصمة والنور الهادى والعلم المطابق لعلومه، ~~وأنه هو المشتمل على القواطع العقلية السمعية والبراهين اليقينية، وأن كلام ~~هؤلاء المتهوكين الحيارى المتضمن خلاف ما أخبره به عن نفسه وأخبر به عن ~~رسوله هو الشبهات الفاسدة والخيالات الباطلة، وأنه كالسراب الذى يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله ~~سريع الحساب، وهؤلاء هم أهل العلم حقا الذين شهد الله سبحانه لهم به فقال ~~[تعالى] : {ويرى الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك من ربك # PageV01P154 # الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد} [سبأ: 6] ، ومن سواه من الصم والبكم ~~[الذى] قال الله فيهم: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما [كنا] فى أصحاب ~~السعير} [الملك: 10] ، وقال تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى، إنما يتذكر أولوا الألباب} [الرعد: 19] ، وكان ما شهدوه من ~~ذلك بالعقل والفطرة لا بمجرد الخبر، بل جاء إخبار الرب [تعالى] وإخبار ~~رسوله مطابقا لما فى فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة فتضافر على إيمانهم ~~به الشريعة المنزلة والفطرة المكملة والعقل الصريح فكانوا هم العقلاء حقا ~~وعقولهم هى المعيار، فمن خالفها فقد خالف صريح المعقول والقواطع العقلية، ~~ومن أراد معرفة هذا فليقرأ كتاب شيخنا وهو "بيان موافقة العقل الصريح للنقل ~~الصحيح" فإنه كتاب لم يطرق العالم له نظير فى بابه، فإنه هدم فيه قواعد أهل ~~الباطل من أسها فخرت عليهم سقوفه من فوقهم، وشيد فيه قواعد أهل السنة ~~والحديث وأحكمها ورفع [أعلامها وقررها بمجامع الطرق التى تقرر بها الحق] من ~~العقل والنقل والفطرة والاعتبار فجاء كتابا لا يستغنى من نصح [نفسه من أهل ~~العلم عنه فجزاه الله عز وجل عن أهل العلم والإيمان] أفضل الجزاء، وجزى ~~العلم والإيمان عنه [كذلك] . # عدنا إلى إتمام الكلام فى كيفية دخول الشر فى القضاء الإلهى، وبيان طرق ms167 ~~الناس فى ذلك، واختلافهم فى إيلام الأطفال والبهائم. وقالت "البكرية" وهم ~~أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد بن زيد البصرى: إن البهائم والأطفال لا تألم ~~البتة، والذى حملهم على هذا موجب التعليل والحكمة، ولم يرتضوا ما قالت ~~الجبرية من نفى ذلك ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأعواض وما فرعوه عليه ~~ولم يمكنهم القول بمذهب "التناسخية" القائلين بأن الأرواح الفاجرة الظالمة ~~تودع فى الحيوانات التى تناسبها فينالها من ألم الضرب والعذاب بحسبها، ولا ~~بمذاهب "المجوس" من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب ~~بخلقه، ولا بقول من يقول: إن البهائم مكلفة مأمورة منهية مثابة معاقبة، وأن ~~فى كل أمة منها رسول ونبى منها، وهذه الآلام والعقوبات الدنيوية جزاء على ~~مخالفتها لرسولها ونبيها، فلم يجدوا بدا من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار ~~وقوع الآلام بها ووصولها إليها. # وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس وجحدوا الضرورة، وأن العلم بخلاف ~~ما ذهبوا إليه ضرورى. وقال من # PageV01P155 # أنصف القوم: لا سبيل إلى نسبة هؤلاء إلى جحد الضرورة مع كثرتهم، ولكنهم ~~ربما رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاء، فإن ~~العاقل إذا أدرك تألم جوارحه وأحس به تألم قلبه وطال حزنه وكثر هم روحه ~~وغمها واشتدت فكرته فى ذلك وفى الأسباب الجالبة له والأسباب الدافعة له، ~~وهذه الآلام زائدة على مجرد ألم الطبيعة، ولا ريب أن البهائم والأطفال لا ~~تحصل لها تلك الآلام كما يحصل للعاقل المميز، فإن أراد القوم هذا فهم ~~مصيبون، وإن أرادوا أنه لا شعور لها بالآلام البتة وأنها لا تحس بها ~~فمكابرة ظاهرة، فإن الواحد منا يعلم باضطرار أنه كان يتألم فى طفولته بمس ~~النار له وبالضرب وغير ذلك. # وقالت طائفة: كل ما يتألم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله، ولا فعل ~~الله فيه الألم لما ثبت من حكمته وهذا يشبه قولهم فى أفعال الحيوان أنها ~~ليست من خلق الله ولا كانت بمشيئته، لكن هذا أشد فسادا من ذلك، فإن هذه ~~الآلام حوادث ms168 لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته فلا بد لها من محدث، ~~إذ وجود حادث محال والله خالقها بأسبابها المفضية إليها، فخالق السبب خالق ~~للمسبب. فإن أراد هؤلاء نفى فعلها عن الله مباشرة من غير توسط بسبب أصلا ~~فهذا قد يكون حقا، وإن أرادوا أنها غير منسوبة إلى قدرته ومشيئته البتة ~~فباطل. وذهبت طائفة إلى أن فى كل نوع من أنواع الحيوانات أنبياء ورسلا، ~~وأنها مستحقة للثواب والعقاب، وأن ما ينزل بها من الآلام فجزاء لها وعقوبات ~~على معاصيها ومخالفتها واحتجوا بقوله تعالى: {وما من دابة فى الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} [الأنعام: 38] ، وقال تعالى: {وإن من ~~أمه إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] . # وقالت طائفة من التناسخية: إن الله خلق خلقه كلهم جملة واحدة بصفة واحدة ~~ثم أمرهم ونهاهم، فمن عصى منهم نسخ روحه فى جسد بهيمة تبتلى بالذبح والقتل ~~كالدجاج والغنم والإبل والبقر والبراغيث والقمل، فما سلط على هذه البهائم ~~من الآلام فهو للأرواح الآدمية التى أودعت هذه الأجساد فمن كان منهم زانيا ~~أو زانية كوفيء بأن جعل فى بدن حيوان ما يمكنه الجماع كالبغال، ومن كان ~~منهم عفيفا عن الزنا مع ظلمه وغشمه كوفيء بأن جعل فى بدن تيس أو عصفور أو ~~ديك. ومن كان منهم جبارا عنيدا كوفيء بأن جعل فى بدن قملة أو قرادة ~~ونحوهما، # PageV01P156 # إلى أن يقتص منهم ثم يردون، فمن عصى منهم بعد رده كرر أيضا عليه ذلك ~~التناسخ هكذا أبدا حتى يطيع طاعة لا معصية بعدها أبدا فينتقل إلى الجنة من ~~وقته. # وقد ذهب إلى هذا المذهب من المنتسبين إلى الإسلام رجل يقال له أحمد بن ~~حائط طرد أصول القدرية وشريعتهم التى شرعوها لله فأوجبوا بها عليه وحرموا. ~~وذهب المجوس إلى أن هذه الآلام والشرور من الإله الشرير المظلم فلا تضاف ~~إلى الإله الخير العادل ولا تدخل تحت قدرته، ولهذا كان أشبه أهل البدع بهم ~~القدرية النفاة. وقالت الزنادقة والدهرية: كل ذلك من تصرف الطبيعة وفعلها، ~~وليس لذلك فاعل ms169 مختار مدبر بمشيئته وقدرته، ولا بد فى النار من إحراق ونفع ~~وفى الماء من إغراق ونفع، وليس وراء ذلك شيء، فهذه مذاهب أهل الأرض فى هذا ~~المقام. # ولما انتهى أبو عيسى الوراق إلى حيث انتهت إليه أرباب المقالات فطاش عقله ~~ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان وذبحه صنف كتابا سماه النوح على البهائم، ~~فأقام عليها المآتم وناح، وباح بالزندقة الصراح. وممن كان على هذا المذهب ~~أعمى البصر والبصيرة كلب معرة النعمان المكنى بأبى العلاء المعرى، فإنه ~~امتنع من أكل الحيوان زعم لظلمه بالإيلام والذبح، وأما ابن خطيب الرى فإنه ~~سلك فى ذلك طريقة مركبة من طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة المشائين ~~وهذبها ونقحها واعترف فى آخرها بأنه لا سبيل إلى الخلاص من [المطالبات] ~~التى أوردها على نفسه إلا بالتزام أنه تعالى موجب بالذات لا فاعل بالقصد ~~والاختيار، فأقر على نفسه بالعجز عن أجوبة تلك المطالبات إلا بإنكار قدرة ~~الله ومشيئته وفعله الاختيارى، وذلك جحد لربوبيته، فزعم أنه لا يمكنه تقرير ~~حكمته إلا بجحد ربوبيته، ونحن نذكر كلامه بألفاظه. وقال فى "مباحثه ~~المشرقية": # PageV01P157 ### | الفصل السادس: فى كيفية دخول الشر فى القضاء الإلهى، # وقبل الخوض فيه لا بد من تقديم مقدمتين: # المقدمة الأولى- الأمور التى يقال لها: إنها شر إما أن تكون أمورا عدمية، ~~أو أمورا وجودية. فإن كانت أمورا عدمية فهى على أقسام ثلاثة: # PageV01P157 # لأنها إما أن تكون عدما لأمور ضرورية للشيء فى وجوده مثل عدم الحياة، ~~وإما أن تكون عدما لأمور نافعة قريبة من الضرورة كالعمى أو أن تكون كذلك ~~كعدم العلم بالفلسفة والهندسة. وأما الأمور الوجودية التى يقال لها شرور ~~فهى كالحرارة المفرقة لاتصال العضو. # واعلم أن الشر بالذات هو عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه، مثل عدم الحياة ~~وعدم البصر، فإن الموت والعمى لا حقيقة لهما إلا أنهما عدم الحياة وعدم ~~البصر، وهما من حيث هما كذلك شر، [فإذا] ليس لهما اعتبار آخر بحسبه يكونان ~~شرين. وأما عدم الفضائل المستغنى عنها- مثل عدم العلم بالفلسفة- فظاهر أن ~~ذلك ليس بشر، وأما الأمور الوجودية فإنها ms170 ليست شرورا بالذات بل بالعرض، من ~~حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة، ويدل عليه أنا لا نجد شيئا من ~~الأفعال التى يقال لها شر إلا وهو كمال بالنسبة إلى الفاعل، وأما شريته ~~فبالقياس إلى شيء آخر، فالظلم مثلا يصدر عن قوة ظلامة للغلبة وهى القوة ~~الغضبية والغلبة هى كمالها وفائدة خلقتها، فهذا الفعل بالقياس إليها خير، ~~لأنها إن ضعفت عنه فهو بالقياس إليها شر وإنما كان شرا للمظلوم لفوات المال ~~وغيره عنه، والنفس الناطقة كمالها الاستيلاء على هذه القوة فعند قهر ~~الغضبية يفوت النفس ذلك الاستيلاء ولا جرم كان شرا لها. وكذلك النار إذا ~~أحرقت فإن الإحراق [كمالها] ولكنها شر بالنسبة إلى من زالت [سلامته] ~~بسببها. # وكذلك القتل وهو استعمال الآلة القطاعة فى قطع رقبة إنسان، فإن كون ~~الإنسان قويا على استعمال الآلة ليس شرا له بل خيرا، وكذلك كون الآلة قطاعة ~~هو خير لها، وكذلك كون الرقبة قابلة للانقطاع كل ذلك خيرات، ولكن القتل شر ~~من حيث أنه متضمن لزوال الحياة، فثبت بما ذكرنا أن الأمور الوجودية ليست ~~شرور بالذات بل بالعرض. والله أعلم. # المقدمة الثانية: أن الأشياء إما أن تكون مادية، أو لا تكون، فإن لم تكن ~~مادية لم يكن فيها ما بالقوة فلا يكون فيها شر أصلا، وإن كانت مادية كانت ~~فى معرض الشر، وعروض الشر لها [إما أن يكون فى ابتداء تكونها أو بعد ~~تكونها] أما الأول فهو أن تكون المادة التى [يتكون] إنسانا أو فرسا يعرض ~~لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج رديئة الشكل والخلقة، فرداءة مزاج ~~ذلك الشخص ورداءة خلقه ليس لأن الفاعل حرم بل لأن المنفعل له لم يقبل، وأما ~~الثانى وهو أن يعرض # PageV01P158 # الشر للشيء وطروء طاريء عليه بعد تكونه فذلك الطاريء إما شيء يمنع المكمل ~~من الإكمال مثل تراكم السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذ صار مانعا من تأثير ~~الشمس فى [النبات] ، وإما شيء يفسد مثل البرد الذى يصل إلى النبات بسبب ذلك ~~استعداده للنشوء والنمو. # وإذا عرفت ذلك ms171 فنقول: قد بينا أن الشر بالحقيقة إما عدم ضروريات الشيء، ~~وإما عدم منافعه. [فنقول] : [الموجود] إما أن يكون خيرا من كل الوجوه، وشرا ~~من كل الوجوه أو خيرا من وجه وشرا من وجه. وهذا على تقدير أقسام: فإنه إما ~~أن يكون خيره غالبا على شره، أو يكون شره غالبا على خيره، أو متساويا خيره ~~وشره، فهذه أقسام خمسة. # أما الذى يكون خيرا من كل الوجوه وهو موجود-[أما] الذى يكون كذلك لذاته- ~~فهو الله تبارك وتعالى، وأما الذى يكون [خيره] لغيره فهو العقول والأفلاك، ~~لأن هذه الأمور ما فاتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من [كمالاتها] أما الذى ~~كله شر أو الغالب فيه أو [المتساوي] فهو غير موجود لأن كلامنا فى الشيء ~~بمعنى عدم الضروريات والمنافع، لا بمعنى عدم الكمال الزائد، [وإذا عنينا ~~بالشر] ذلك فلا شك أن ذلك مغلوب والخير غالب لأن الأمراض وإن كثرت إلا أن ~~الصحة أكثر منها، فالحرق والغرق والخسف، وإن كانت قد تكثر إلا أن السلامة ~~أكثر منها. # فأما الذى يكون خيره غالبا على شره فالأولى فيه أن يكون موجودا لوجهين: ~~الأول أنه إن لم يوجد فلا بد وأن يفوت الخير الغالب، وفوت الخير الغالب شر ~~غالب، فإذا فى عدمه يكون الشر أغلب من الخير، وفى وجوده يكون الخير أغلب من ~~الشر، ويكون وجود هذا القسم أولى، مثاله النار: فى وجودها منافع [كثيرة ~~وأيضا مفاسد كثيرة مثل إحراق الحيوانات، ولكننا إذا قابلنا منافعها] ~~بمفاسدها كانت مصالحها أكثر بكثير من مفاسدها، ولو لم توجد لفاتت تلك ~~المصالح، وكانت مفاسد عدمها أكثر من مصالحها فلا جرم وجب إيجادها وخلقها. # الثانى- وهو الذى يكون خيره ممزوجا بالشر- ليس إلا الأمور التى تحت كرة ~~القمر فلا شك، أنها معلولات العلل العالية، فلو لم يوجد هذا القسم لكان ~~يلزم من عدمها عدم عللها الموجبة لها، وهى خيرات محضة، فيلزم من عدمها عدم ~~الخيرات المحضة وذلك شر محض، فإذا لا بد من وجود هذا القسم. # فإن قيل: فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن ms172 كل الشرور؟ فنقول: لأنه ~~لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول، # PageV01P159 # وذلك مما قد فرغ منه. # وبقى فى العقل قسم آخر وهو: الذى يكون خيره غالبا على شره، وقد بينا أن ~~الأولى بهذا القسم أن يكون موجودا. قال: وهذا الجواب لا يعجبنى لأن لقائل ~~أن يقول: إن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله وإرادته، ~~مثلا الاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجبا من النار، بل الله تعالى اختار ~~خلقه عقيب مماسة النار، وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار ~~الله وإرادته فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عندما يكون خيرا ولا يختار ~~خلقه عندما يكون شرا، ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه سبحانه ~~فاعلا بالذات لا بالقصد والاختيار، ويرجع حاصل الكلام فى هذه المسألة إلى ~~مسألة القدم والحدوث. # قلت: لما لم يكن عند الرازى إلا مذهب الفلاسفة المشائين، والقائلين ~~[بالموجب بالذات أو مذهب القدرية بالمعتزلة القائلين] بوجوب رعاية الصلاح ~~أو الإصلاح، أو مذهب الجبرية نفاة الأسباب والعلل والحكم، وكان الحق عنده ~~مترددا بين هذه المذاهب الثلاثة، فتارة يرجح مذهب المتكلمين، وتارة مذهب ~~المشائين، وتارة يلقى الحرب بين الطائفتين ويقف فى النظارة، وتارة يتردد ~~بين الطائفتين، وانتهى إلى هذا المضيق ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بالتزام ~~طريق الجبرية- وهى غير مرضية عنده، وإن كان فى كتبه الكلامية يعتمد عليها ~~ويرجع فى مباحثه إليها- أو طريق المعتزلة القائلين برعاية الصلاح وهى ~~متناقضة غير مطردة، لم يجد بدا من تحيزه إلى أعداء الملة القائلين بأن الله ~~تعالى لا قدرة له ولا مشيئة ولا اختيار ولا فعل يقوم به. # ومعلوم أن هذه المذاهب بأسرها باطلة ومتناقضة وإن كان بعضها أبطل من بعض، ~~وإنما ألجأه إلى التزام القول بإنكار الفاعل المختار فى هذا المقام تسليمه ~~لهم الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التى قادت إلى التزام بعض أنواع ~~الباطل ولو أعطى الدليل حقه، وضم ما مع كل طائفة من الحق إلى حق الطائفة ~~الأخرى، وتحيز إلى ما جاءت به الرسل على علم ms173 وبصيرة، وهو تقرير لما [جاءوا] ~~به بجميع طرق الحق، لتخلص من تلك المطالبات مع إقراره بأن رب العالمين فعال ~~لما يريد يفعل بمشيئته وقدرته وحكمته، وأن له المشيئة النافذة [والحكمة ~~البالغة وأن تقدير تجريد النار عما خلقت] عليه من الإحراق، والماء عما خلق ~~عليه، والرياح والنفوس البشرية عما هيئت له وخلقت عليه، مناف للحكمة ~~المطلوبة المحبوبة للرب # PageV01P160 # الله سبحانه، وأن هذا تقرير لعالم آخر وتعطيل الأسباب التى نصبها الله ~~سبحانه مقتضيات لمسبباتها، وأن تلك الأسباب مظهر حكمته وحمده وموضع تصرفه ~~لخلقه وأمره، فتقدير تعطيلها تعطيل للخلق والأمر، وهو أشد منافاة للحكمة ~~وإبطالا لها، واقتضاء هذه الأسباب لمسبابتها كاقتضاء الغايات لأسبابها، ~~فتعطيلها [عنها] قدح فى الحكمة وتفويت لمصلحة العالم التى عليها نظامه وبها ~~قوامه. # ولكن الرب سبحانه قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانا إذا كان ~~فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطل النار التى ألقى ~~فيها إبراهيم وجعلها عليه بردا وسلاما عن الإحراق لما فى ذلك من المصالح ~~العظيمة، وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة ~~والتقاء أجزائه بعضها ببعض هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة ~~والحكمة التامة التى ظهرت فى الوجود وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ~~ما ترتب، فهكذا سبحانه سائر أفعاله، مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب ~~الأسباب وأن الأسباب خلقه وملكه وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، ~~وأن [جعلها] كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذى جعلها كذلك وأودع ~~فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، أنه إن شاء أن يسلبها إياها ~~سلبها لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء أنه ليس ~~فى الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها ويقولون: لا تعطيل فى ~~الطبيعة، وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر ~~يصرفها كيف يشاء، بل هى المتصرفة المدبرة، ولا كما يقول من نقص علمه ~~ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز وبالأسباب ~~التى ربط ms174 بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة ~~محضة مجردة عن الحكمة والغاية وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب ~~بمسبباتها والقوى بمحالها. # ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال لما يريد بقدرته ~~ومشيئته فوق كل محذور، فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له ~~لزوم الطفل لحامله والحرارة للنار ولا يمكنه دفعها ولا تخليص الحرارة منها، ~~فهم فروا من إضافة الشر إلى خلقه [ومشيئته واختياره ثم ألزموه إياه وأضافوه ~~إليه إضافة لا يمكن إزالتها مع تعطيل قدرته ومشيئته وخلقه] وعلمه بتفاصيل ~~أحوال عباده، وفى ذلك تعطيل ربوبيته للعاملين، ففروا من محذور بالتزام # PageV01P161 # عدة محاذير، واستجاروا من الرمضاء بالنار. # وهذا كما نزهه الجهمية عن استوائه على عرشه وعلوه على مخلوقاته، فإنه ~~فرار من التحيز والجهة، ثم جعلوه سبحانه فى كل مكان مخالطا للقاذورات ~~والأماكن المكروهات وكل مكان يأنف العاقل من مجاورته، ففروا من تخصيصه ~~بالعلو فعمموا به كل مكان. # ولما علمت الفرعونية بطلان هذا المذهب فروا إلى شر منه فأخلوا داخل ~~العالم وخارجه منه البتة وقالوا: ليس فوق العرش رب يعبد، ولا إله يصلى له ~~ويسجد، ولا ترفع إليه الأيدى، ولا يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح، ~~ولا عرج بمحمد صلى الله عليه وسلم إليه بل عرج به إلى عدم صرف، ولا فرق ~~بالنسبة إليه بين العرش وبين أسفل السافلين، ومن المعلوم أنه ليس موجودا فى ~~أسفل سافلين، فإذا لم يكن موجودا فوق العرش فهذا إعدام له البتة وتعطيل ~~لوجوده. # فلما [رأت] الحلولية وإخوانهم من الاتحادية أشباه النصارى ما فى ذلك من ~~الإحالة قالوا: بل هو هذا الوجود السارى فى الموجودات [الظاهر] فيها على ~~اختلاف صورها وأنواعها بحسنها فهو فى الماء ماء، وفى الخمر خمر، وفى النار ~~نار، وهو حقيقة كل شيء وماهيته، فنزهوه عن استوائه على عرشه وجعلوه وجود كل ~~موجود خسيس أو شريف، صغير أو كبير طيب أو غيره، تعالى الله عما يقول أعداؤه ~~علوا كبيرا، وكذلك القائلون بقدم العالم نزهوه عن ms175 قيام الإرادات والأفعال ~~المتجددة به، ثم جعلوا جميع الحوادث لازمة له لا ينفك عنها، ونزهوه عن ~~إرادته [لخلق العالم وأن يكون صدوره عن مشيئته وإرادته] وجعلوه لازما لذاته ~~كالمضطر إلى صدوره عنه. # وكذلك المعتزلة الجهمية نزهوه عن صفات كماله لئلا يقعوا فى تشبيه، ثم ~~شبهوه بخلقه فى أفعاله، وحكموا عليه بحسن ما يحسن منهم وقبح ما يقبح منهم، ~~مع تشبيه فى سلب صفات كماله بالجمادات والناقصات، وأن من فر من إثبات السمع ~~والبصر والكلام والحياة له- لئلا يشبهه- فقد شبهه بالأحجار التى لا تسمع ~~ولا تبصر ولا تتكلم. # ومن عطله عن صفة الكلام لما يلزم من تشبيه بزعمه فقد شبهه بأصحاب الخرس، ~~والآفات الممتنع منهم الكلام، ومن نزهه عن نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ~~ودنوه عشية عرفة من أهل الموقف، ومجيئه يوم [القيامة] # PageV01P162 # للقضاء بين عباده فرارا من تشبيهه بالأجسام فقد شبهه بالجماد الذى لا ~~يتصرف ولا يفعل ولا يجيء ولا يأتى ولا ينزل، ومن نزهه عن أن يفعل لغرض أو ~~حكمة أو لداع إلى الفعل حذرا من تشبيهه بالفاعلين لذلك فقد شبهه بأهل السفه ~~والعبث [الذين] لا يقصدون بأفعالهم غاية محمودة ولا غرضا مطلوبا محبوبا، ~~ومن نزهه عن خلق أفعال عباده وتصرفه فيهم بالهداية والإضلال وتخصيص من شاء ~~منهم بفضله أو منعه لمن شاء حذرا من الظلم بزعمه فقد وصفه بأقبح الظلم ~~والجور حيث يخلد فى [أطباق] النيران من استنفد عمره كله فى طاعته إذا فعل ~~قبل الموت كبيرة واحدة فإنها تحبط جميع تلك الطاعات وتجعلها هباء منثورا، ~~ويخلد فى جهنم مع الكفار ما لم يتب منها، إلى غير ذلك من أصولهم الفاسدة: ~~{فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدى من يشاء ~~إلى صراط مستقيم} [البقرة: 213] . # "قاعدة": كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين: إما أن تكون طبيعته ~~يابسة قاسية غير لينة منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها، وإما أن ~~تكون لينة منقادة سلسة القياد، لكنها غير ثابتة على ذلك، بل سريعة الانتقال ms176 ~~عنه كثيرة التقلب، فمتى رزق العبد انقيادا للحق وثباتا عليه فليبشر، فقد ~~بشر بكل خير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # "قاعدة": إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك ~~الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة ~~الخير به. والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض ~~منها أجل عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه، وإقباله ~~عليه بعد أن كان نائبا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضا، وللوقوف ~~على أبواب غيره متعرضا. # وكانت البلية فى حق هذا عين النعمة، وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها ~~نفسه فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب وقوله تعالى فى ~~ذلك هو الشفاء والعصمة: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] ، وإن لم يرده ~~ذلك البلاء # PageV01P163 # إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه ~~والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به، ~~فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه، ~~فجاءت طبيعته القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه ~~بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه فى الضراء فبلية هذا وبال عليه ~~وعقوبة ونقص فى حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل. وبالله التوفيق. # "قاعدة": فى مشاهد الناس فى المعاصى والذنوب # الناس فى البلوى التى تجرى عليهم أحكامها بإرادتهم وشهواتهم متفاوتون- ~~بحسب شهودهم لأسبابها وغايتها- أعظم تفاوت. وجماع ذلك ثمانية مشاهد: # أحدها: شهود السبب الموصل إليها، والغاية المطلوبة منها فقط. وهو شهود ~~الحيوانات، إذ لا تشهد إلا طريق وطرها، وبرد النفس بعد تناولها. وهذا الضرب ~~من الناس ليس بينه وبين الحيوان البهيم فى ذلك فرق إلا بدقيق الحيلة فى ~~الوصول إليها، وربما زاد غيره من الحيوانات عليه مع تناولها ولذاتها. # المشهد الثانى: من ms177 يشهد مع ذلك مجرد [الحكم] القدرى وجريانه عليه، ولا ~~يجوز شهوده ذلك. وربما رأى أن الحقيقة هو توفية هذا المشهد حقه، ولا يتم له ~~ذلك إلا بالفناء عن شهود فعله هو جملة، فيشهد الفاعل فيه غيره والمحرك ~~سواه، فلا ينسب إلى نفسه فعلا ولا يرى لها إساءة، ويزعم أن هذا هو التحقيق ~~والتوحيد وربما زاد على ذلك أنه يشهد نفسه مطيعا من وجه وإن كان عاصيا من ~~وجه آخر فيقول: أنا مطيع للإرادة والمشيئة وإن كنت عاصيا للأمر، فإن كان ~~ممن يرى الأمر تلبيسا وضبطا للرعاع عن الخبط والحرمان مع حكم الطبيعة ~~الحيوانية فقد رأى نفسه مطيعا لا عاصيا، كما قال قائلهم فى هذا المعنى: # أصبحت منفعلا لما يختاره ... منى ففعلى كله طاعات # وأصحاب المشهد الأول أقرب إلى السلامة من هؤلاء وخير منهم. وهذا المشهد ~~بعينه هو المشهد الذى يشهده المشركون عباد الأصنام ووقفوا عنده كما قالوا: # PageV01P164 # {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} [الزخرف: 20] ، وقالوا: {لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} [الأنعام: 148] ، # {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم ~~من لو يشاء الله أطعمه} [يس: 47] ، فهذا مشهد من أشرك بالله ورد أمره، وهو ~~مشهد إبليس الذى انتهى إليه إذ يقول لربه: {رب بما أغويتنى لأزينن لهم فى ~~الأرض ولأغوينهم أجمعين} [الحجر: 39] ، والله أعلم. # المشهد الثالث: مشهد الفعل الكسبى القائم بالعبد فقط ولا يشهد إلا صدوره ~~عنه وقيامه به، ولا يشهد مع ذلك مشيئة الرب له، ولا جريان حكمه القدرى به، ~~ولا عزة الرب فى قضائه ونفوذ أمره، بل قد فنى بشهود معصيته بذنبه وقبح ما ~~اجترمه عن شهود المشيئة النافذة والقدر السابق: إما لعدم اتساع قلبه لشهود ~~الأمرين- فقد امتلأ من شهود ذنبه وجرمه وفعله- مع أنه مؤمن بقضاء الرب ~~وقدره، وأن العبد أقل قدرا من أن يحدث فى نفسه ما لم يسبق به مشيئة بارئه ~~وخالقه، وإما لإنكاره القضاء والقدر جملة وتنزيهه للرب [تعالى] أن يقدر على ~~العبد شيئا ثم يلومه ms178 عليه، فأما الأول وإن كان مشهده صحيحا موجبا له أن لا ~~يزال لائما لنفسه مزريا عليها ناسبا للذنب والعيب إليها معترفا بأنه يستحق ~~العقوبة والنكال، وأن الله سبحانه إن عاقبه فهو العادل فيه وأنه هو الظالم ~~لنفسه، وهذا كله حق لا ريب فيه، لكن صاحبه ضعيف مغلوب مع نفسه غير معان ~~عليها، بل هو معها كالمقهور المخذول، فإنه لم يشهد عزة الرب [تعالي] فى ~~قضائه ونفوذ أمره الكونى ومشيئته وأنه لو شاء لعصمه وحفظه، وأنه لا معصوم ~~إلا من عصمه ولا محفوظ إلا من حفظه، وأنه هو محل لجريان أقضيته وأقداره، ~~مسوق إليها فى سلسلة إرادته وشهوته. # وأن تلك السلسلة طرفها بيد غيره فهو القادر على سوقه فيها إلى ما فيه ~~صلاحه وفلاحه وإلى ما فيه هلاكه وشقاؤه، فهو لغيبته عن هذا المشهد وغلبة ~~شهود المعصية والكسب على قلبه لا يعطى التوحيد حقه ولا الاستعاذة بربه ~~والاستغاثة به والالتجاء إليه والافتقار والتضرع والابتهال حقه، بحيث يشهد ~~سر قوله صلى الله عليه وسلم: "وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ [بعفوك] من ~~عقوبتك، وأعوذ بك منك ". # فإنه سبحانه رب كل شيء وخالق كل شيء، والمستعاذ منه واقع بخلقه ومشيئته، ~~ولو شاء لم يكن، فالفرار # PageV01P165 # منه إليه والاستعاذة منه به ولا ملجأ منه إلا إليه ولا مهرب منه إلا إليه ~~لا إله إلا هو العزيز الحكيم. # منكر القضاء والقدر- فمخذول محجوب عن شهود التوحيد مصدود عن شهود الحكمة ~~الإلهية، موكول إلى نفسه [فهو] ممنوع عن شهود عزة الرب فى قضائه وكمال ~~مشيئته ونفوذ حكمه وعن شهود عجزه هو وفقره وأنه لا توفيق له إلا بالله، ~~وأنه إن لم يعنه الله فهو مخذول وإن لم يوفقه ويخلق له عزيمة الرشد وفعله ~~فهو عنه ممنوع، فحجابه عن الله غليظ، فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا ~~طريق إلى الله أقرب من دوام الافتقار إليه. # المشهد الرابع: مشهد التوحيد والأمر، فيشهد انفراد الرب بالخلق، ونفوذ ~~مشيئته وتعلق الموجودات بأسرها به وجريان حكمه على الخليقة وانتهاءها إلى ~~ما سبق ms179 لها فى علمه وجرى به قلمه، ويشهد ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه، ~~وارتباط الجزاء بالأعمال واقتضاءها له ارتباط المسببات بأسبابها التى جعلت ~~أسبابا مقتضية لها شرعا وقدرا وحكمة، فشهوده توحيد الرب [تعالى] وانفراده ~~بالخلق ونفوذ مشيئته وجريان قضائه وقدره يفتح له باب الاستعاذة ودوام ~~الالتجاء إليه والافتقار إليه، وذلك يدنيه من عتبة العبودية ويطرحه بالباب ~~فقيرا عاجزا مسكينا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا ~~نشورا وشهوده أمره تعالى ونهيه وثوابه وعقابه يوجب له الحمد والتشمير وبذل ~~الوسع والقيام بالأمر والرجوع على نفسه باللوم والاعتراف بالتقصير، فيكون ~~سيره بين شهود العزة والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنة ~~العظيمة، وبين شهود التقصير والإساءة منه وتطلب عيوب نفسه وأعمالها. # فهذا هو العبد الموفق المعان الملطوف به المصنوع له الذى أقيم مقام ~~العبودية وضمن له التوفيق، وهذا هو مشهد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فهو ~~مشهد أبيهم آدم إذ يقول: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] ، ومشهد أول الرسل نوح إذ يقول: {رب إنى ~~أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم، وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين} ~~[هود: 47] ومشهد إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء إبراهيم صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين إذ يقول: {الذى خلقنى فهو يهدين والذى هو # PageV01P166 # يطعمنى ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذى يميتنى ثم يحيين والذى أطمع أن ~~يغفر لى خطيئتى يوم الدين} [الشعراء: 78- 82] ، وقال فى دعائه: {رب اجعل ~~هذا البلد آمنا واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35] . # فعلم صلى الله عليه وسلم أن الذى يحول بين العبد وبين الشرك وعبادة ~~الأصنام هو الله لا رب غيره، فسأله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام. وهذا هو ~~مشهد موسى إذ يقول فى خطابه لربه: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الغافرين} [الأعراف: 155] ، أى إن ذلك إلا امتحانك واختبارك، كما يقال ~~فتنت الذهب إذا ms180 امتحنته واختبرته، وليس من الفتنة التى هى الفعل المسيء كما ~~فى قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} [البروج: 10] وكما فى ~~قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] فإن تلك فتنة ~~المخلوق، فإن موسى أعلم بالله [تعالى] بأن يضيف إليه هذه الفتنة وإنما هى ~~كالفتنة فى قوله: {وفتناك فتونا} [طه: 40] ، أى ابتليناك واختبرناك وصرفناك ~~فى الأحوال التى قصها الله [سبحانه] علينا من لدن ولادته إلى وقت خطابه له ~~وإنزاله عليه كتابه. # والمقصود أن موسى شهد توحيد الرب وانفراده بالخلق والحكم وفعل السفهاء ~~ومباشرتهم الشرك، فتضرع إليه بعزته وسلطانه وأضاف الذنب إلى فاعله [وجانيه] ~~، ومن هذا قوله: {رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى} [القصص:16] ، قال تعالى: ~~{فغفر له، إنه هو الغفور الرحيم، وهذا مشهد ذى النون إذ يقول: {لا إله إلا ~~أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87] ، فوحد ربه ونزهه عن كل ~~عيب وأضاف الظلم إلى نفسه وهذا مشهد صاحب سيد الاستغفار إذ يقول فى دعائه: ~~"اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما ~~استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على، وأبوء بذنبى، فاغفر لى، ~~إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". # فأقر بتوحيد الربوبية المتضمن لانفراده سبحانه بالخلق وعموم المشيئة ~~ونفوذها، وتوحيد الإلهية المتضمن لمحبته وعبادته وحده لا شريك له والاعتراف ~~بالعبودية المتضمن للافتقار من جميع # PageV01P167 # الوجوه إليه سبحانه، ثم قال: "وأنا على عهدك ووعدك"، فتضمن ذلك التزام ~~شرعه وأمره ودينه، وهو عهده الذى عهد إلى عباده، وتصديق وعده وهو جزاؤه ~~وثوابه فتضمن التزام الأمر والتصديق بالموعود وهو الإيمان والاحتساب، ثم ~~لما علم أن العبد لا يوفى هذا المقام حقه الذى يصلح له تعالى علق ذلك ~~باستطاعته وقدرته التى لا يتعداها فقال: "ما استطعت" أى ألتزم ذلك بحسب ~~استطاعتى وقدرتى. # ثم شهد المشهدين المذكورين- وهما مشهد القدرة والقوة، ومشهد التقصير من ~~نفسه- فقال:- "أعوذ بك من شر ما صنعت"، فهذه الكلمة تضمنت المشهدين معا، ثم ~~أضاف النعم كلها إلى وليها وأهلها ms181 والمبتديء بها، والذنب إلى نفسه وعمله، ~~فقال: "أبوء لك بنعمتك على، وأبوء بذنبى"، فأنت المحمود والمشكور الذى له ~~الثناء كله والإحسان كله ومنه النعم كلها. # فلك الحمد كله ولك الثناء كله ولك الفضل كله، وأنا المذنب المسيء المعترف ~~بذنبه المقر بخطئه كما قال بعض العارفين: العارف يسير بين مشاهدة المنة من ~~الله، ومطالعة عيب النفس والعمل. # فشهود المنة يوجب له المحبة لربه سبحانه وحمده والثناء عليه ومطالعة عيب ~~النفس والعمل يوجب استغفاره ودوام توبته وتضرعه واستكانته لربه سبحانه، ثم ~~لما قام هذا بقلب الداعى وتوسل إليه بهذه الوسائل قال: "فاغفر لى فإنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت". # ثم أصحاب هذا المشهد فيه قسمان: أحدهما من يشهد تسليط عدوه عليه وفساده ~~إياه وسلسلة الهوى وكبحه إياه بلجام الشهوة، فهو أسير معه بحيث يسوقه إلى ~~ضرب عنقه وهو مع ذلك ملتفت إلى ربه وناصره ووليه، عالم بأن نجاته فى يديه ~~وناصيته بين يديه وأنه لو شاء طرده عنه وخلصه من يديه، فكلما قاده عدوه ~~وكبحه بلجامه أكثر الالتفات إلى وليه وناصره والتضرع إليه والتذلل بين ~~يديه، وكلما أراد اغترابه وبعده عن بابه تذكر عطفه وبره وإحسانه وجوده ~~وكرمه وغناه وقدرته ورأفته ورحمته فانجذبت دواعى قلبه هاربة إليه بتراميه ~~على بابه منطرحة على فنائه، كعبد قد شدت يداه إلى عنقه وقدم لتضرب عنقه وقد ~~استسلم للقتل، فنظر إلى سيده أمامه وتذكر عطفه ورأفته به ووجد فرجة فوثب ~~إليه منها وثبة طرح نفسه بين يديه ومد له عنقه وقال: # PageV01P168 # أنا عبدك ومسكينك، وهذه ناصيتى بين يديك، ولا خلاص لى من هذا العدو إلا ~~بك وإنى مغلوب فانتصر. # فهذا مشهد عظيم المنفعة جليل الفائدة تحته من أسرار العبودية ما لا يناله ~~الوصف، وفوقه مشهد أجل منه وأعظم وأخص تجفو عنه العبارة، وإن الإشارة إليه ~~بعض الإشارة، وتقريبه إلى الفهم بضرب مثل تعبر منه إليه وذلك مثل عبد أخذه ~~سيده بيده وقدمه ليضرب عنقه بيده، فهو قد أحكم ربطه وشد عينيه وقد أيقن ~~العبد أنه فى ms182 قبضته وأنه هو قاتله لا غيره، وقد علم مع ذلك بره به ولطفه ~~ورحمته ورأفته وجوده وكرمه، فهو يناشده بأوصافه ويدخل عليه به، قد ذهب عن ~~وهمه وشهوده كل نسب، فانقطع تعلقه بشيء سواه، فهو معرض عن عدوه الذى كان ~~سبب غضب سيده عليه، قد محا شهوده من قلبه، فهو مقصور النظر إلى سيده وكونه ~~فى قبضته ناظر إلى ما يصنعه، منتظر منه ما يقتضيه عطفه وبره وكرمه. # ومثل الأول مثل عبد أمسكه عدوه وهو يخنقه للموت وذلك العبد يشهد دنو عدوه ~~له، ويستغيث بسيده وسيده يغيثه ويرحمه، ولكن ما يحصل للثانى فى مشهده ذلك ~~من الأمور العجيبة فوق ما يحصل للأول، وهو بمنزلة من قد أخذه محبوبه فهو ~~يخنقه خنقة وهو لا يشهد إلا خنقه له، فهو يقول: اخنق خنقك، فأنت تعلم أن ~~قلبى يحبك. # وفى هذا المثل إشارة وكفاية، ومن غلظ حجابه وكتفت طباعه لا ينفعه التصريح ~~فضلا عن ضرب الأمثال. والله المستعان وعليه التكلان، ولا قوة إلا بالله. ~~فهذه ستة مشاهد. # المشهد السابع: مشهد الحكمة، وهو أن يشهد حكمة الله فى تخليته بينه وبين ~~الذنب وإقداره عليه وتهيئتة أسبابه له، وأنه لو شاء لعصمه وحال بينه وبينه، ~~ولكنه خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله: # أحدها: أنه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى ~~على عبده بالذنب، ثم إذا كان ممن سبقت له العناية قضى له بالتوبة. # الثانى: تعريف العبد عزة الله سبحانه فى قضائه ونفوذ مشيئته وجريان حكمه. # الثالث: تعريفه حاجته إلى حفظه وصيانته، وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك ~~ولا بد، والشياطين قد مدت أيديها إليه تمزقه كل ممزق. # الرابع: استجلابه من العبد استعانته به واستعاذته به من عدوه وشر نفسه ~~ودعائه والتضرع إليه والابتهال # PageV01P169 # بين يديه. # الخامس: إرادته من عبده تكميل مقام الذل والانكسار، فإنه متى شهد صلاحه ~~واستقامته شمخ بأنفه وظن أنه وأنه.. فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسه ~~وذل وتيقن وتمنى أنه وأنه. # السادس: تعريفه بحقيقة ms183 نفسه وأنها الخطائة الجاهلة، وأن كل ما فيها من ~~علم أو عمل أو خير فمن الله من به عليه لا من نفسه. # السابع: تعريفه عبده سعة حلمه وكرمه فى ستره عليه، فإنه لو شاء لعاجله ~~على الذنب ولهتكه بين عباده فلم يصف له معهم عيش. # الثامن: تعريفه أنه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته. # التاسع: تعريفه كرمه فى قبول توبته ومعرفته له على ظلمه وإساءته. # العاشر: إقامة الحجة على عبده، فإن له عليه الحجة البالغة، فإن عذبته ~~فبعدله وببعض حقه عليه بل اليسير منه. # الحادى عشر: أن يعامل عباده فى إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يجب أن ~~يعامله الله به، فإن الجزاء من جنس العمل، فيعمل فى ذنوب الخلق معه ما يحب ~~أن يصنعه الله بذنوبه. # الثانى عشر: أن يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم، مع إقامة أمره الله ~~فيهم، فيقيم أمر فيهم رحمة لهم، لا قسوة وفظاظة عليهم. # الثالث عشر: أن يخلع صولة الطاعة والإحسان من قلبه، فتتبدل برقة ورأفة ~~ورحمة. # الرابع عشر: أن يعريه من رداء العجب بعمله كما قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم: "لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد منه، العجب"، أو كما قال. # الخامس عشر: أن يعريه من لباس الإدلال الذى يصلح للملوك ويلبسه لباس الذل ~~الذى لا يليق بالعبد سواه. # السادس عشر: أن يستخرج من قلبه عبوديته بالخوف والخشية وتوابعهما من ~~البكاء والإشفاق والندم. # السابع عشر: أن يعرف مقداره مع معافاته وفضله فى توفيقه وعصمته، فإن من ~~تربى فى العافية لا يعرف ما يقاسيه المبتلى ولا يعرف مقدار العافية. # الثامن عشر: أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب إليه ورجع إليه، فإن ~~الله يحبه ويوجب له بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة ~~وإن كان يحصل توبة بغيرها من الطاعات أثر آخر، لكن هذا الأثر الخاص لا يحصل ~~إلا بالتوبة. # التاسع عشر: أنه إذا شهد إساءته وظلمه، واستكثر القليل من نعمة الله ~~لعلمه بأن الواصل إليه منها ms184 كثير على مسيء مثله، فاستقل الكثير من عمله ~~لعلمه بأن الذى يصلح له أن يغسل به نجاسته وذنوبه أضعاف أضعاف ما يفعله، ~~فهو دائما مستقل لعلمه كائنا ما كان، ولو لم يكن فى فوائد الذنب وحكمه إلا ~~هذا وحده لكان كافيا. # العشرون: أنه يوجب له التيقظ # PageV01P170 # والحذر من مصايد العدو ومكايده، ويعرفه من أين يدخل عليه، وبماذا يحذر ~~منه، كالطبيب الذى ذاق المرض والدواء. # الثانى والعشرون: أنه يرفع عنه حجاب الدعوى، ويفتح له طريق الفاقة فإنه ~~لا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق أقرب من العبودية، فإن دوام الفقر إلى ~~الله مع التخليط خير من الصفاء مع العجب. # الثالث والعشرون: أن تكون فى القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها، فيطلب ~~دواءها فيمن عليه اللطيف الخبير، ويقضى عليه بذنب ظاهر فيجد ألم مرضه ~~فيحتمى ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض التى لم يكن يشعر بها، ومن ~~لم يشعر بهذه اللطيفة فغلظ حجابه كما قيل: # لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل # الرابع والعشرون: أن يذيقه ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب ليكمل له ~~نعمته أو فرحه وسروره إذا أقبل بقلبه إليه وجمعه عليه وأقامه فى طاعته، ~~فيكون التذاذه فى ذلك- بعد أن صدر منه ما صدر- بمنزلة التذاذ الظمآن بالماء ~~العذب الزلال، والشديد الخوف بالأمن، والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه. # وإن لطف الرب وبره وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا، فيا بؤس من أعرض عن ~~معرفة ربه ومحبته. # الخامس والعشرون: امتحان العبد واختباره هل يصلح لعبوديته وولايته أم لا، ~~فإنه إذا وقع الذنب، سلب حلاوة الطاعة والقرب، ووقع فى الوحشة. فإن كان ممن ~~يصلح اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة فحنت وأنت وتضرعت واستعانت بربها ~~ليردها إلى ما عودها من بره ولطفه، وإن ركنت عنها واستمر إعراضها ولم تحن ~~إلى تعهدها الأول ومألفها ولم تحس بضرورتها وفاقتها الشديدة إلى مراجعة ~~قربها من ربها علم أنها لا تصلح لله، وقد جاء هذا بعينه فى أثر إلهى لا ~~أحفظه. # السادس والعشرون: أن الحكمة الإلهية اقتضت ms185 تركيب الشهوة والغضب فى ~~الإنسان أو بعضها، ولو لم يخلق فيه هذه الدواعى لم يكن إنسانا بل ملكا، ~~فالذنب من موجبات البشرية، كما أن النسيان من موجباتها، كما قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم: "كل بنى آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، ولا يتم ~~الابتلاء والاختبار إلا بذلك. والله أعلم. # السابع والعشرون: أن ينسيه رؤية # PageV01P171 # طاعته ويشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه، فإن الله إذا أراد بعبد ~~خيرا سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه والإخبار بها من لسانه، وشغله برؤية ~~ذنبه، فلا يزال نصب عينيه حتى يدخل الجنة، فإن ما تقبل من الأعمال رفع من ~~القلب رؤيته ومن اللسان ذكره. # وقال بعض السلف: إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة، ويعمل الحسنة ~~فيدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه، إذا ~~ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله وبادر إلى محوها وانكسر وذل لربه وزال ~~عنه عجبه وكبره، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يراها ويمن بها ويعتد بها ~~ويتكبر بها حتى يدخل النار. # الثامن والعشرون: أن شهود ذنبه وخطيئته يوجب له أن لا يرى له على أحد ~~فضلا ولا له على أحد حقا. فإنه إذا شهد عيب نفسه بفاحشة وخطأها وذنوبها لا ~~يظن أنه خير من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وإذا شهد ذلك من نفسه لم ير ~~لها على الناس حقوقا من الإكرام يتقاضاهم إياها ويذمهم على ترك القيام بها، ~~فإنها عنده أخس قدرا وأقل قيمة من أن يكون لها على عباد الله حقوق يجب ~~مراعاتها، أو لها عليهم فضل يستحق أن يلزموه لأجله، فيرى أن من سلم عليه أو ~~لقيه بوجه منبسط قد أحسن إليه وبذل له ما لا يستحقه فاستراح فى نفسه ~~واستراح الناس من عتبه وشكايته فما أطيب عيشه وما أنعم باله وما أقر عينه، ~~وأين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم ~~وهم عليه أسخط؟ فسبحان ذى الحكمة الباهرة التى بهرت عقول العالمين. # التاسع والعشرون: ms186 أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها، فإنه ~~فى شغل بعيبه ونفسه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسى عيبه ~~وتفرغ لعيوب الناس، فالأول علامة السعادة، والثانى علامة الشقاوة. # الثلاثون: أنه يوجب له الإحسان إلى الناس والاستغفار لإخوانه الخاطئين من ~~المؤمنين فيصير هجيراه: رب اغفر لى ولوالدى وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات، فإنه يشهد أن إخوانه الخاطئين يصابون بمثل ما أصيب به، ويحتاجون ~~إلى مثل ما هو محتاج إليه، فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم يحب أن ~~يستغفر هو لأخيه المسلم، وقد قال بعض السلف: إن الله لما عتب على الملائكة ~~فى قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [البقرة: 30] ، وامتحن ~~هاروت وماروت جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبنى آدم ويدعون الله لهم. # الحادى والثلاثون: أنه يوجب # PageV01P172 # له سعة إبطائه وحلمه ومغفرته لمن أساء إليه، فإنه إذا شهد نفسه مع وبه ~~سبحانه مسيئا خاطئا مذنبا- مع فرط إحسانه إليه وبره وشدة حاجته إلى ربه ~~وعدم استغنائه عنه طرفة عين وهذا حاله مع ربه- فكيف يطمع أن يستقيم له ~~الخلق ويعاملوه بمحض الإحسان وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة؟ وكيف يطمع أن ~~يطيعه مملوكه وولده وزوجته فى كل ما يريد وهو مع ربه ليس كذلك، وهذا يوجب ~~أن يغفر لهم ويسامحهم ويعفو عنهم ويغضى عن الاستقصاء فى طلب حقه قبلهم. # قاعدة: كثيرا ما يتكرر فى القرآن ذكر الإنابة والأمر بها كقوله تعالى: ~~{وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له} [الزمر: 54] ، وقوله حكاية عن شعيب أنه قال: ~~{وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} [هود: 88] ، وقوله: {تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب} [سورة ق: 8] ، وقوله: {إن الله يضل من يشاء ويهدى إليه ~~من أناب} [الرعد: 27] ، وقوله عن نبيه داود: {وخر راكعا وأناب} [سورة ص: ~~24] ، والإنابة الرجوع إلى الله وانصراف دواعى القلب وجواذبه إليه، وهى ~~تتضمن المحبة والخشية، فإن المنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل. ~~والناس فى إنابتهم على درجات متفاوتة فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه ~~من ms187 المخالفات والمعاصى، وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد، والحامل عليها ~~العلم والخشية والحذر، ومنهم المنيب إليه بالدخول فى أنواع العبادات ~~والقربات، فهو ساع فيها بجهده وقد حبب إليه فعل الطاعات وأنواع القربات، ~~وهذه الإنابة مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب ومحبة الكرامة من الله ~~وهؤلاء أبسط نفوسا من أهل القسم الأول وأشرح صدورا وجانب الرجاء ومطالعة ~~الرحمة والمنة أغلب عليهم، وإلا فكل واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعا، ~~ولكن خوف هؤلاء اندرج فى رجائهم فأنابوا بالعبادات، ورجاء الأولين اندرج ~~تحت خوفهم فكانت إنابتهم بترك المخالفات ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع ~~والدعاء والافتقار إليه والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه. # ومصدر هذه الإنابة شهود الفضل والمنة والغنى والكرم والقدرة، فأنزلوا به ~~حوائجهم وعلقوا به آمالهم، فإنابتهم إليه من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر ~~والنهى، ولكن إنابتهم الخاصة إنما هى من هذه الجهة، وأما الأعمال فلم ~~يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم المنيب إليه عند الشدائد والضراء فقط ~~إنابة اضطرار # PageV01P173 # لا إنابة اختيار كحال الذين قال الله فى حقهم: {وإذا مسكم الضر فى البحر ~~ضل من تدعون إلا إياه} [الإسراء: 67] ، وقوله تعالى: {فإذا ركبوا فى الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين} [العنكبوت: 65] ، وهؤلاء كلهم قد تكون نفس ~~أرواحهم ملتفتة عن الله سبحانه معرضة عنه إلى مألوف طبيعى نفسانى قد حال ~~بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق، فهى ملتفتة إلى غيره ~~ولها إليه إنابة ما بحسب إيمانها به ومعرفتها له # فأعلى أنواع الإنابة إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة ~~الغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم وحين أنابت إليه أرواحهم لم يختلف ~~منهم شيء عن الإنابة، فإن الأعضاء كلها رعيتها وملكها تبع للروح فلما أنابت ~~الروح بذاتها إليه إنابة محب صادق المحبة ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ~~ساكن لمحبوبه أنابت جميع القوى والجوارح: فأناب القلب أيضا بالمحبة والتضرع ~~والذل والانكسار. # وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه، وتسليمه لها، وتحكيمه ~~إياها دون غيرها، فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها، وأنابت النفس ~~بالانقياد ms188 والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات ~~الفاسدة، وانقادت لللأمر خاضعة له وداعية فيه مؤثرة إياه على غيره، فلم يبق ~~فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر، وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضا ~~إلى مولاها ورضى بقضائه وتسليما لحكمه. # وقد قيل: إن تدبير العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة فى النفس. # وأناب الجسد بالأعمال والقيام بها فرضها وسننها على أكمل الوجوه. وأنابت ~~كل جارحة وعضو إنابتها الخاصة فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل ~~إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذى كل محبة سوى محبته عذاب على ~~صاحبها، وإن كانت عذبة فى مباديها فإنها عذاب فى عواقبها، فإنابة العبد ولو ~~ساعة من عمره هذه الإنابة الخالصة أنفع له وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة ~~من غيره، فأين إنابة هذا من إنابة من قبله؟ # وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، بل هذه روحه منيبة أبدا، وإن توارى عنه ~~شهود إنابتها باشتغال فهى كامنة فيها كمون النار فى الزناد. # وأما أصحاب الإنابات المتقدمة فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر ~~والابتهال فلنفسه وروحه وقلبه وعقله التفاتات عمن قد أناب إليه، فهو ينيب ~~ببعضه ساعة ثم يترك ذلك مقبلا على دواعى نفسه وطبعه. والله الموفق المعين، ~~لا رب # PageV01P174 # غيره ولا إله سواه. # قاعدة: فى ذكر طريق يوصل إلى الاستقامة فى الأحوال والأقوال والأعمال، ~~وهى شيئان: # أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها، والحذر من إهمالها والاسترسال معها، فإن ~~أصل الفساد كله من قبلها يجيء، لأنها هى بذر الشيطان، والنفس فى أرض القلب، ~~فإذا تمكن بذرها تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات، ثم ~~يسقيها حتى تكون عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال ولا ريب أن دفع ~~الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبد نفسه عاجزا أو كالعاجز ~~عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرط إذا لم يدفعها وهى خاطر ~~ضعيف، كمن تهاون بشرارة من نار وقعت فى حطب يابس، فلما تمكنت منه عجز عن ~~إطفائها، فإن قلت: فما الطريق ms189 إلى حفظ الخواطر؟ # قلت: أسباب عدة: # أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب تعالى ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل ~~خواطرك. # الثانى: حياؤك منه. # الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر فى بيته الذى خلقه لمعرفته ~~ومحبته. # الرابع: خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر. # الخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته. # السادس: خشيتك أن تتولد تلك الخواطر يستعر شرارها فتأكل ما فى القلب من ~~الإيمان ومحبة الله فتذهب به جملة وأنت لا تشعر. # السابع: أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذى يلقى للطائر ليصاد به، ~~فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة فى فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر. # الثامن: أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هى وخواطر الإيمان ~~ودواعى المحبة والإنابة أصلا، بل هى ضدها من كل وجه، وما اجتمعا فى قلب إلا ~~وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس ~~والشيطان فيه خواطر الإيمان والمعرفة والمحبة فأخرجتها واستوطنت مكانها، ~~لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه. # التاسع: أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فإذا دخل ~~القلب فى غمراته غرق فيه وتاه فى ظلماته فيطلب الخلاص منه فلا يجد إليه ~~سبيلا، فقلب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح معذب مشغول بما لا يفيد. # العاشر: أن تلك الخواطر هى وادى الحمقى وأمانى الجاهلين، فلا تثمر ~~لصاحبها إلا الندامة # PageV01P175 # والخزى، وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانها وأفسدت ~~عليه رعيته وألقته فى الأسر الطويل كما أن هذا معلوم فى الخواطر النفسانية ~~فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية هى أصل الخير كله، فإن أرض القلب إذا ~~بذر فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء ~~الثواب، وسقيت مرة بعد مرة، وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام ~~عليها، أثمرت له كل فعل جميل، وملأت قلبه من الخيرات، واستعملت جوارحه فى ~~الطاعات، واستقر بها الملك فى سلطانه واستقامت له رعيته، ولهذا لما تحققت ~~طائفة من السالكين ذلك عملت ms190 على حفظ الخواطر، وكان ذلك هو سيرها وجل عملها ~~وهذا نافع لصاحبه بشرطين: أحدهما: أن لا يترك به واجبا، ولا سنة، الثانى: ~~أن لا يجعل مجرد حفظها هو المقصود بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر ~~الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية فيفرغ قلبه من تلك الخواطر ~~ويعمره بأضدادها، وإلا فمتى عمل على تفريغه منها معا كان خاسرا، فلا بد من ~~التفطن لهذا. # ومن هنا غلط أقوام من أرباب السلوك وعملوا على إلقاء الخواطر وإزالتها ~~جملة فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات فظنوها تحقيقا وفتحا ~~رحمانيا، وهم فيها غالطون، وإنما هى خيالات وفتوحات شيطانية، والميزان هو ~~الكتاب الناطق والفطرة السليمة والعقل المؤيد بنور النبوة. والله المستعان. # الفصل الثاني # صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه فى حصول استقامته، فإن من ~~استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها، وحمدت من نفسه ~~نيران الشهوات وأخبت قلبه إلى ربه تعالى وعكفت همته على الله وعلى محبته ~~وإيثار مرضاته، واستحدثت همة أخرى وعلوما أخر وولد ولادة أخرى تكون نسبة ~~قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان فى بطن ~~أمه فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة، وكما كان بطن أمه حجابا ~~لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة، فخروج ~~قلبه عن نفسه بارزا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزا إلى هذه ~~الدار، وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أنه قال: "يا بنى إسرائيل، إنكم لن ~~تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين"، ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه ~~الولادة الثانية ولا تصوروها- فضلا عن أن # PageV01P176 # يصدقوا بها- فيقول القائل: كيف يولد الرجل الكبير أم كيف يولد القلب، لم ~~يكن لهم إليها همة ولا عزيمة، إذ كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا ~~يصدقه؟ ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه ~~بعد والمقصود أن صدق التأهب للقاء الله ms191 هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة ~~والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه، من ~~اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر ~~أعمال القلوب والجوارح، فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله، ~~والمفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه. # قاعدة شريفة: الناس قسمان: علية وسفلة. فالعلية من عرف الطريق إلى ربه ~~وسلكها قاصدا الوصول إليه، وهذا هو الكريم على ربه. والسفلة من لم يعرف ~~الطريق إلى ربه ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذى قال الله تعالى فيه: {ومن ~~يهن الله فما له من مكرم} [الحج: 18] . # والطريق إلى الله فى الحقيقة واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذى ~~نصبه موصلا لمن سلكه إليه، قال الله تعالى: {وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل} [الأنعام: 153] ، فوحد سبيله لأنه فى نفسه واحد لا تعدد ~~فيه، وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة، كما ثبت أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم خط خطا ثم قال: "هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ~~ثم قال: هذا سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وأن هذا ~~صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام:153] ~~" ومن هذا قوله تعالى: {الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: ~~257] ، فوجد النور الذى هو سبيله وجميع الظلمات التى هى سبيل الشيطان. # ومن فهم هذا فهم السر فى إفراد النور وجمع الظلمات فى قوله تعالى: {الحمد ~~لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} [الأنعام:1] مع أن فيه ~~سرا ألطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور ومن أين فاض وعماذا حصل وأن أصله ~~كله واحد، وأما الظلمات فهى متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها، وهى كثيرة ~~جدا، لكل حجاب ظلمة خاصة، ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادى جل جلاله أصلا # PageV01P177 # لا وصفا ولا ذاتا ولا اسما ولا فعلا، وإنما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، ~~فهو ms192 جاعل الظلمات ومفعولاتها متعددة متكثرة، بخلاف النور فإنه يرجع إلى ~~اسمه وصفته جل جلاله، تعالى أن يكون كمثله شيء وهو نور السموات والأرض. # قال ابن مسعود: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور ~~وجهه ذكره الدارمى عنه. وفى صحيح مسلم عن أبى ذر قلت: يا رسول الله هل رأيت ~~ربك؟ قال: نور، أنى أراه،. # والمقصود أن الطريق إلى الله تعالى واحد، فإنه الحق المبين والحق واحد، ~~مرجعه إلى واحد. وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل ~~طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد، وطرقه متعددة. # وأما ما يقع فى كلام بعض العلماء أن الطريق إلى الله متعددة متنوعة جعلها ~~الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها، رحمة منه وفضلا، فهو صحيح لا ينافى ~~ما ذكرناه من وحدة الطريق. وكشف ذلك وإيضاحه أن الطريق وهى واحدة جامعة لكل ~~ما يرضى الله، وما يرضيه متعدد متنوع فجميع ما يرضيه طريق واحد، ومراضيه ~~متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، وكلها طرق مرضاته، ~~فهذه التى جعلها الله سبحانه لرحمته، وحكمته كثيرة متنوعة جدا لاختلاف ~~استعدادات العباد وقوابلهم، ولو جعلها نوعا واحدا مع اختلاف الأذهان ~~والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها إلا واحد بعد واحد، ولكن لما ~~اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل امريء إلى ربه طريقا يقتضيها ~~استعداده وقوته وقبوله. # ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد بل ~~تنوع الشريعة الواحدة مع وحدة المعبود ودينه، ومنه الحديث المشهور: " ~~الأنبياء أولاد علات دينهم واحد"، فأولاد العلات أن يكون الأب واحدا ~~والأمهات متعددة، فشبه دين الأنبياء بالأب الواحد وشرائعهم بالأمهات ~~المتعددة، فإنها وإن تعددت فمرجعها كلها إلى أب واحد. # وإذا علم هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذى يعد سلوكه إلى الله ~~طريق العلم والتعليم، قد وفر عليه زمانه مبتغيا به وجه الله فلا يزال كذلك ~~عاكفا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له ~~فيها الفتح ms193 الخاص أو يموت فى طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد ~~مماته. # قال تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد ~~وقع # PageV01P178 # أجره على الله} [النساء: 100] . # وقد حكى عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤى ~~بعد موته وأخبره أنه فى تكميل مطلوبه وأنه يتعلم فى البرزخ، فإن العبد يموت ~~على ما عاش عليه. ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر وقد جعله زاده لمعاده ~~ورأس ماله لمآله، فمتى فتر عنه أو قصر رأى أنه قد غبن وخسر، ومن الناس من ~~يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، فمتى قصر فى ورده منها أو مضى عليه وقت وهو ~~غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عليه وقته وضاق صدره. # ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدى، كقضاء الحاجات وتفريج ~~الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات، قد فتح له فى هذا وسلك منه طريقا ~~إلى ربه. ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن وهى الغالب على أوقاته وهى ~~أعظم أورداه. ومن الناس من يكون طريقه الصوم، فهو متى أفطر تغير عليه قلبه ~~وساءت حاله. # ومنهم يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قد فتح الله له فيه ~~ونفذ منه إلى ربه، ومنهم من يكون طريقه الذى نفذ فيه الحج والاعتمار. ومنهم ~~من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر ~~وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة. # ومنهم من جامع المنفذ السالك إلى الله فى كل واد الواصل إليه من كل طريق، ~~فهو جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه ونصب عينه يؤمها أين كانت ويسير معها حيث ~~سارت قد ضرب من كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك: إن كان علم ~~وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته فى صف المجاهدين، أو صلاة وجدته فى القانتين، ~~أو ذكر وجدته فى الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته فى زمرة المحسنين، أو ~~ومراقبة ومحبه وإنابة إلى الله وجدته فى زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين ~~العبودية أنى استقلت ms194 ركائبها، ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها، لو قيل له: ~~ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربى حيث كانت وأين كانت ~~جالبة ما جلبت مقتضية ما اقتضت جمعيتين أو فرقتين أو فرقتنى، ليس لى مراد ~~إلا تنفيذها والقيام بأدائها مراقبا له فيها عاكفا عليه بالروح والقلب ~~والبدن والسر قد سلمت إليه المبيع منتظرا منه تسليم الثمن: {إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] ، فهذا هو العبد ~~السالك إلى ربه النافذ إليه حقيقة # ومعنى النفوذ إليه أن يتصل به قلبه ويعلق به تعلق المحب التام المحبه ~~بمحبوبه فيسلو به عن جميع # PageV01P179 # المطالب سواه، فلا يبقى فى قلبه إلا محبة الله وأمره وطلب التقريب إليه. ~~فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه فقربه واصطفاه وأخذ بقلبه إليه ~~وتولاه فى جميع أموره فى معاشه ودينه وتولى تربيته أحسن وأبلغ مما يربى ~~الوالد الشفيق ولده، فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات ~~طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه، ~~ورضى به من الناس حبيبا وربا، ووكيلا وناصرا ومعينا وهاديا، فلو كشف الغطاء ~~عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبا له ~~وشوقا إليه ويقع شكرا له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم ~~الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العليم. # وإلا فأى قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى ~~ما سواه؟ هذا ما لا يكون أبدا، ومن ذاق شيئا من ذلك وعرف طريقا موصلة إلى ~~الله ثم تركها وأقبل على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته وقع فى آثار ~~المعاطب وأودع قلبه سجون المضايق وعذب فى حياته عذابا لم يعذبه أحد من ~~العالمين، فحياته عجز وغم وحزن، وموته كدر وحسرة، ومعاده أسف وندامة، قد ~~فرط عليه أمره وشتت عليه شمله، وأحضرت نفسه الغموم والأحزان، فلا لذة ~~الجاهلين ولا راحة العارفين، يستغيث فلا يغاث ويشتكى ms195 فلا يشكى، فقد ترحلت ~~أفراحه وسروره مدبرة وأقبلت آلامه، وأحزانه وحسراته مقبلة، فقد أبدل بأنسه ~~وحشه وبعزه ذلا وبغناه فقرا وبجمعيته تشتيتا، وأبعدوه فلم يظفر بقربهم، ~~وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا، ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها وناكبا ~~عنها مكبا على وجهه، فأبصر ثم عمى وعرف ثم أنكر وأقبل ثم أدبر ودعى فما ~~أجاب وفتح له فولى ظهره الباب، قد ترك طريق مولاه وأقبل بكليته على هواه، ~~فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشئونه فهو مقيد القلب عن انطلاقه فى فسيح ~~التوحيد وميادين الأنس ورياض المحبة وموائد القرب، قد انحط بسبب إعراضه عن ~~إلهه الحق إلى أسفل السافلين، وحصل فى عداد الهالكين فنار الحجاب تطلع كل ~~وقت على فؤاده، وإعراض الكون عنه- إذ أعرض عن ربه- حائل بينه وبين مراده، ~~فهو قبر يمشى على وجه الأرض فروحه فى وحشة من جسمه وقلبه فى ملال من حياته، ~~يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه، حتى إذا جاءه الموت على # PageV01P180 # تلك الحال والعياذ بالله فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم بسب وقوع ~~الحجاب بينه وبين مولاه الحق وإحداقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه وقد ~~حيل بينه وبين سعادته وأمنيته. # فلو توهم العبد المسكين هذه الحال وصورتها له نفسه وأرته إياها على ~~حقيقتها لتقطع والله قلبه ولم يلتذ بطعام ولا شراب، ولخرج إلى الصعدات يجأر ~~إلى الله ويستغيث به ويستعتبه فى زمن الاستعتاب، هذا مع أنه إذا آثر شهواته ~~ولذاته الفانية التى كخيال طيف أو مزنة صيف نغصت عليه لذاتها أحوج ما كان ~~إليها، وحيل بينه وبينها أقدر ما كان عليه، وتلك سنة الله فى خلقه كما قال ~~تعالى: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ~~أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس، كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يتفكرون} [يونس: 24] ، وهذا هو غب إعراضه وإيثار شهوته على ~~مرضاة ربه، فيعوق القدر عليه أسباب مراده فيخسر الأمرين جميعا، فيكون معذبا ~~فى الدنيا بتنغيص شهواته ms196 وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له، وإن قسم له منه ~~شيء فحشوه الخوف والحزن والنكد والألم، فهم لا ينقطع وحسرة لا تنقضى وحرص ~~لا ينفد وذل لا ينتهى وطمع لا يقلع، هذا فى هذه الدار. # وأما فى البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك: قد حيل بينه وبين ما يشتهى، وفاته ما ~~كان يتمناه من قرب ربه وكرامته ونيل ثوابه، وأحضر جميع غمومه وأحزانه. وأما ~~فى دار الجزاء فسجن أمثاله من المبعودين المطرودين. # فواغوثاه ثم واغوثاه بغياث المستغيثين بأرحم الراحمين، فمن أعرض عن الله ~~بالكلية أعرض الله عنه بالكلية، ومن أعرض الله عنه لزمه الشقاء والبؤس ~~والبخس فى أحواله وأعماله وقارنه سوء الحال وفساده فى دينه ومآله، فإن الرب ~~تعالى إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس وأظلمت أرجاؤها وانكسفت أنوارها ~~وظهرت عليها وحشة الإعراض وصارت مأوى للشياطين وهدفا للشرور ومصبا للبلاء، ~~فالمحروم كل المحروم من عرف طريقا إليه ثم أعرض عنها أو وجد بارقة من حبه ~~ثم سلبها لم ينفذ إلى ربه منه. # خصوصا إذا مال بتلك الإرادة إلى شيء من اللذات، وانصرف بجملته إلى تحصيل ~~الأغراض والشهوات عاكفا على ذلك فى ليله ونهاره وغدوه ورواحه، هابطا من ~~الأوج الأعلى إلى الحضيض الأدنى، قد مضت عليه برهة من أوقاته وكان همه الله ~~وبغيته قربه ورضاه # PageV01P181 # وإيثاره على كل ما سواه، على ذلك يصبح ويمسى ويظل ويضحى وكان الله فى تلك ~~الحال وليه لأنه ولى من تولاه وحبيب من أحبه ووالاه فأصبح فى سجن الهوى ~~ثاويا وفى أسر العدو مقيما وفى بئر المعصية ساقطا وفى أودية الحيرة ~~والتفرقة هائما، معرضا عن المطالب العالية إلى الأغراض الخسيسة الفانية، ~~كان قلبه يحوم حول العرش فأصبح محبوسا فى أسفل الحش: # فأصبح كالبازى المنتف ريشه ... ذيرى حسرات كلما طار طائر # وقد كان دهرا فى الرياض منعما ... على كل ما يهوى من الصيد قادر # إلى أن أصابته من الدهر نكبة ... إذا هو مقصوص الجناحين حاسر # فيا من ذاق شيئا من معرفة ربه ومحبته ثم أعرض عنها واستبدل ms197 بغيرها منها، ~~يا عجبا له بأى شيء تعرض وكيف قر قراره فما طلب الرجوع إلى أحنيته وما تعرض ~~وكيف اتخذ سوى أحنيته سكنا، وجعل قلبه لمن عاداه مولاه من أجله وطنا. # أم كيف طاوعه قلبه على الاصطبار ووافقه على مساكنة الأغيار، فيا معرضا عن ~~حياته الدائمة ونعيمه المقيم، ويا بائعا سعادته العظمى بالعذاب الأليم، ويا ~~مسخطا من حياته وراحته وفوزه فى رضاه وطالبا رضى من سعادته فى إرضاء سواه، ~~إنما هى لذة فانية وشهوة منقضية تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها، فرح ساعة لا ~~شهر وغم سنة بل دهر، طعام لذيذ مسموم أوله لذة وآخره هلاك، فالعامل عليها ~~والساعى فى تحصيلها كدودة القز يسد على نفسه المذاهب بما نسج عليها من ~~المعاطب، فيندم حين لا تنفع الندامة ويستقيل حين لا تقبل الاستقالة فطوبى ~~لمن أقبل على الله بكليته وعكف عليه بإرادته ومحبته، فإن الله يقبل عليه ~~بتوليه ومحبته وعطفه ورحمته، وإن الله سبحانه إذا أقبل على عبد استنارت ~~جهاته وأشرقت ساحاتها وتنورت ظلماتها وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة ~~الجلال وآثار الجمال، وتوجه إليه أهل الملأ الأعلى بالمحبة والموالاة لأنهم ~~تبع لمولاهم، فإذا أحب عبدا أحبوه وإذا والى واليا والوه، إذا أحب الله ~~العبد نادى: يا جبرائيل إنى أحب فلانا فأحبه، فينادى جبرائيل فى السماء: إن ~~الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يحبه أهل الأرض، فيوضع له ~~القبول بينهم، ويجعل الله قلوب أوليائه تفد إليه بالود والمحبة والرحمة، ~~وناهيك بمن يتوجه إليه مالك الملك ذو الجلال والإكرام بمحبته # PageV01P182 # ويقبل عليه بأنواع كرامته، ويلحظ الملأ الأعلى وأهل الأرض بالتبجيل ~~والتكريم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # قاعدة: السائر إلى الله تعالى والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد، لا ~~يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية، وقوة عملية، فبالقوة ~~العلمية يبصر منازل الطريق، ومواضع السلوك فيقصدها سائرا فيها، ويجتنب ~~أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل. فقوته ~~العلمية كنور عظيم بيده ms198 يمشى به فى ليلة عظيمة مظلمة شديدة الظلمة، فهو ~~يبصر بذلك النور ما يقع الماشى فى الظلمة فى مثله من الوهاد والمتالف ويعثر ~~به من الأحجار والشوك وغيره، ويبصر بذلك النور أيضا أعلام الطريق وأدلتها ~~المنصوبة عليها فلا يضل عنها، فيكشف له النور عن الأمرين: أعلام الطريق، ~~ومعطبها. # وبالقوة العملية يسير حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية، فإن السير ~~هو عمل المسافر. وكذلك السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها وأبصر ~~المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقى ~~عليه الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرا فى الطريق قاطعا ~~منازلها منزلة بعد منزلة، فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى واستشعر القرب ~~من المنزل فهانت عليه مشقة السفر، وكلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة ~~الشد والرحيل وعدها قرب التلاقى وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك ~~نشاطا وفرحا وهمة، فهو يقول: يا نفس أبشرى فقد قرب المنزل ودنا التلاقى فلا ~~تنقطعى فى الطريق دون الوصل فيحال بينك وبين منازل الأحبة، فإن صبرت وواصلت ~~السير وصلت حميدة مسرورة جذلة، وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات، وليس ~~بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة، فإن الدنيا كلها لساعة من ساعات الآخرة، وعمرك ~~درجة من درج تلك الساعة، فالله الله لا تنقطعى فى المفازة، فهو والله ~~الهلاك والعطب لو كنت تعلمين فإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامها من ~~أحبابها، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها وما لديهم ~~من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء، فإن رجعت فإلى أعدائها رجوعها، وإن ~~تقدمت فإلى أحبابها مصيرها، وإن وقفت فى طريقها أدركها أعداؤها، فإنهم ~~وراءها فى # PageV01P183 # الطلب. # ولا بد لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت. وليجعل حديث ~~الأحبة وشأنهم حاديها وسائقها، ونور معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها، وصدق ~~ودادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها ولا يوحشه انفراده فى طريق سفره ولا ~~يغتر بكثرة المنقطعين فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم، وحظه من القرب ~~والكرامة مختص به ms199 دونهم فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم؟ وليعلم أن ~~هذه الوحشة لا تدوم بل هى من عوارض الطريق فسوف تبدو له الخيام، وسوف يخرج ~~إليه الملتقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم، فيا قرة عينه إذ ذاك ويا ~~فرحته إذ يقول: {يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين} ~~[يس: 26- 27] ، ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع وذوب النفس وبطء سيرها، ~~فكلما أدمن على السير وواظب عليه غدوا ورواحا وسحرا قرب من الدار وتلطفت ~~تلك الكثافة وذابت تلك الخبائث والأدران، فظهرت عليه همة المسافرين ~~وسيماهم، فتبدلت وحشته أنسا وكثافته لطافة ودرنه طهارة. # PageV01P184 ### | فصل: فى تقسيم الناس من حيث القوة العلمية والعملية # فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها ~~وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفا فى ~~القوة العملية يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف ~~والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل فإذا حضر العمل شارك ~~الجهال فى التخلف وفارقهم فى العلم وهذا هو الغال على أكثر النفوس المشتغلة ~~بالعلم، والمعصوم من عصمة الله ولا قوة إلا بالله. # ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه ~~وتقتضى هذه القوة السير والسلوك والزهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة والجد ~~والتشمير فى العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات فى العقائد ~~والانحرافات فى الأعمال والأقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند ~~ورود الشهوات، فداء هذا من جهله وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله، وهذا ~~حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم، بل على طريق ~~الذوق # PageV01P184 # والوجد والعادة، يرى أحدهم أعمى عن مطلوبه لا يدرى من يعبد ولا بماذا ~~يعبده، فتارة يعبده بذوقه ووجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس ~~معين أو كشف رأس أو حلق لحية ونحوها، وتارة يعبده بالأوضاع التى وضعها بعض ~~المتحذلقين وليس له أصل فى الدين، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنا ~~ما كان. # وهنا طرق ms200 ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد، فهؤلاء كلهم عمى عن ربهم وعن ~~شريعته ودينه لا يعرفون شريعته ودينه الذى بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا ~~يقبل من أحد دينا سواه، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التى تعرف بها إلى ~~عباده على ألسنة رسله ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها، فلا معرفة له ~~بالرب ولا عبادة له. # ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله تعالى ورجى له النفوذ ~~وقوى على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فإن القواطع كثيرة شأنها ~~شديد لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد، ولولا القواطع والآفات ~~لكانت الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاء الله لأزالها وذهب بها، ولكن الله ~~يفعل ما يريد، والوقت كما قيل سيف فإن قطعته وإلا قطعك. # فإذا كان السير ضعيفا والهمة ضعيفة والعلم بالطريق ضعيفا، والقواطع ~~الخارجة والداخلة كثيرة شديدة فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء ~~وشماتة الأعداء إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب فيأخذ بيده ~~ويخلصه من أيدى القواطع. والله ولى التوفيق. # قاعدة نافعة: العبد من حين استقرت قدمه فى هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ~~ربه، ومدة سفره هى عمره الذى كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان فى هذه ~~الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالى مراحل لسفره: فكل يوم ~~وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. ~~فالكيس الفطن هو الذى يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالما غانما، ~~فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد ~~أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة ~~الواحدة فيجتهد فى قطعها بخير ما بحضرته، فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة ~~انقضائها هان عليه العمل وطوعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل ~~المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوى مراحل ~~عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته، ms201 فإذا طلع صبح # PageV01P185 # الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه، فما أحسن ~~ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه. # ثم الناس فى قطع هذه المراحل قسمان: قسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار ~~الشقاء، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار ~~كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأوليائه ودينه والسعى ~~فى إطفاء نوره وإبطال دعوته وإقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون ~~فيها إلى الدار التى خلقوا لها [واستعملوا] بها، فهم [مصحبون] فيها ~~بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقا كما قال تعالى: {ألم تر ~~أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} [مريم: 83] ، أى تزعجهم، إلى ~~المعاصى والكفر إزعاجا وتسوقهم سوقا. # القسم الثانى: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام. ~~وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله. # وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجع إلى الله، ولكن متفاوتون فى ~~التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفى نفس السير وسرعته وبطئه. # فالظالم لنفسه مقصر فى الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا فى قدره ولا ~~فى صفته، بل مفرط فى زاده الذى ينبغى له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما ~~يتأذى به فى طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك ~~المؤذى الضار. # والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشد مع ذلك أحمال التجارة ~~الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة ~~وأنواع المكاسب الفاخرة. والسابق بالخيرات همه فى تحصيل الأرباح وشد أحمال ~~التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانا أن يدخر شيئا مما بيده ~~ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجاراتهم، فهو كرجل قد علم ~~أن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل وله ~~خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك ~~حتى يهيء به تجارة إلى ذلك البلد لفعل، فهكذا ms202 حال السابق بالخيرات بإذن ربه ~~يرى خسرانا بينا أن يمر عليه وقت فى غير متجر. # فنذكر بعون الله وفضله نبذة من متاجر الأقسام الثلاثة ليعلم العبد من أى ~~التجار هو: # PageV01P186 # فأما الظالم لنفسه فإنه إذا استقبل مرحلة يومه وليلته استقبلها، وقد سبقت ~~حظوظه وشهواته إلى قلبه فحركت جوارحه طالبة لها ساعية فيها، فإذا زاحمها ~~حقوق ربه فتارة وتارة فمرة يأخذ بالرخصة ومرة بالعزيمة، ومرة يقدم على ~~الذنب وترك الحق تهاونا ووعدا بالتوبة. فهذا حال الظالم لنفسه مع حفظ ~~التوحيد والإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والتصديق بالثواب والعقاب ~~فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران وهو للأغلب منهما، فإذا ورد القيامة ميز ~~ربحه من خسرانه وحصل ربحه وحده وخسرانه وحده، وكان الحكم للراجح منهما، ~~وحكم الله من وراء ذلك لا يعدم عباده منه فضله وعدله. # وأما المقتصدون فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولم ينقصوا ~~منها، فلا حصلوا على أرباح التجار ولا بخسوا الحق الذى عليهم. فإذا استقبل ~~أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام والصلاة التامة فى وقتها بأركانها ~~وواجباتها وشرائطها، ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التى أذن ~~الله له فيها مشتغلا بها قائما بأعيانها مؤديا واجب الرب عالى فيها، غير ~~متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار والتوجه، فإذا حضرت الفريضة الأخرى ~~بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول فهو كذلك سائر يومه، ~~فإذا جاء الليل فكذلك إلى حين النوم يأخذ مضجعه حتى ينشق الفجر فيقوم إلى ~~غذائه وظيفته فإذا جاء الصوم الواجب ويقوم بحقه، وكذلك الزكاة الواجبة ~~والحج الواجب، وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط، لا يظلمهم ولا ~~يترك حقه لهم. # فصل # وأما السابقون بالخيرات فهم نوعان: أبرار ومقربون. وهؤلاء الأصناف ~~الثلاثة هم أهل اليمين، وهم المقتصدون والأبرار والمقربون. وأما الظالم ~~لنفسه فليس من أصحاب اليمين عند الإطلاق وإن كان مآله إلى أصحاب اليمين كما ~~أنه لا يسمى مؤمنا عند الإطلاق وإن كان مصيره ومآله مصير المؤمنين بعد أخذ ~~الحق منه. # وقد اختلف فى قوله تعالى: {جنات ms203 عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ~~ذهب} [فاطر: 33] الآية. هل ذلك راجع إلى الأصناف الثلاثة: الظالم لنفسه، ~~والمقتصد، والسابق بالخيرات، أو يختص بالقسمين الأخيرين وهما المقتصد ~~والسابق دون الظالم، على قولين: فذهبت طائفة إلى أن الأصناف الثلاثة كلهم ~~فى الجنة، وهذا يروى عن ابن مسعود وابن عباس # PageV01P187 # وأبى سعيد الخدرى وعائشة أم المؤمنين، قال أبو إسحق السبيعى: أما الذى ~~سمعت منذ ستون سنة فكلهم ناج، قال أبو داود الطيالسى: أنبأنا الصلت بن ~~دينار: حدثنا عقبة بن صبهان الهنائى قال: سألت عائشة عن قول الله تعالى: ~~{فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] ، فقالت ~~لى: يا بنى، كل هؤلاء فى الجنة، فأما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول ~~الله يشهد له رسول الله بالخيرة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع أثره من ~~أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلك. قال: فجعلت نفسها معنا. # وقال ابن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير ~~حساب، وثلث يوم القيامة يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، وثلث يجيئون ~~بذنوب عظام، فيقول الله: ما هؤلاء؟ وهو أعلم بهم، فتقول الملائكة: هم ~~مذنبون إلا أنهم لم يشركوا. فيقول الله: أدخلوهم فى سعة رحمتى، وقال كعب: ~~تحاذت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم وقال الحسن: السابقون من رجحت ~~حسناتهم، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من خفت موازينه واحتجت ~~هذه الفرقة بأنه سبحانه سمى الكل "مصطفين"، وأخبر أنه اصطفاهم من جملة ~~العباد، ومحال أن يكون الكافر والمشرك من المصطفين، لأن الاصطفاء هو ~~الاختيار، وهو الافتعال من صفوة الشيء وهو خياره، فعلم أن هؤلاء الأصناف ~~الثلاثة صفوة الخلق وبعضهم خير من بعض: فسابقهم مصطفى عليهم، ثم مقتصدهم ~~مصطفى على ظالمهم، ثم ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك. # واحتجت أيضا بآثار روتها تؤيد ما ذهب إليه: فمنها ما رواه سليمان ~~الشاذكونى حدثنا حصين بن بهز عن أبى ليلى عن أخيه عن أبيه عن أسامة بن زيد ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه ms204 الآية قال: كلهم فى الجنة. ومنها ما ~~رواه الطبرانى: حدثنا أحمد بن حماد بن رعية، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن ~~لهيعة عن أحمد بن حازم المعافرى عن صالح مولى التوأمة عن أبى الدرداء قال: ~~قرأ النبى هذه الآية: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ~~بإذن الله} [فاطر: 32] ، فقال: أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما ~~المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم فيجلس فى طول المحبس ثم يتجاوز ~~الله عنه، ومنها ما رواه زكريا الساجى [عن الحسن بن على الواسطى عن أبى ~~سعيد الخزاعى عن الحسن] بن سالم عن سعد بن ظريف عن أبى هاشم الطائى قال: ~~قدمت # PageV01P188 # المدينة فدخلت مسجدها فجلست إلى سارية، فجاء حذيفة فقال: ألا أحدثك بحديث ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول: "يبعث الله تبارك وتعالى هذه ~~الأمة- أو كما قال- ثلاثة أصناف، وذلك فى قوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه، ~~ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] ، فالسابق بالخيرات يدخل ~~الجنة بلا حساب والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا، والظالم لنفسه يدخل الجنة ~~برحمة الله. # ومنها ما رواه الطبرانى عن محمد بن إسحاق بن راهوية: حدثنا أبى، حدثنا ~~جرير عن الأعمش عن رجل سماه عن أبى الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول فى قوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه الآية ... قال: "السابق ~~بالخيرات والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابا ~~يسيرا ثم يدخل الجنة". # ومنها ما رواه ابن لهيعة عن أبى جعفر عن يونس بن عبد الرحمن عن أبى ~~الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذه الآية: {ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا- إلى قوله -سابق بالخيرات} [فاطر: ~~32] ، قال: فأما السابقون فيدخلون الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب ~~حسابا يسيرا، وأما الظالمون فيحاسبون فيصيبهم عناء وكرب ثم يدخلون الجنة ثم ~~يقولون: {الحمد لله الذى أذهب عنا الحرن إن ربنا لغفور شكور} [فاطر: 34] ~~منها ما رواه الحميدى: حدثنا سفيان، حدثنا طعمة بن عمرو الجعفرى عن رجل ~~قال: قال ms205 أبو الدرداء لرجل: ألا أحدثك بحديث أخصك به لم أحدث به أحدا؟ قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات} بإذن الله جنات عدن قال: "دخلوا الجنة جميعا". # واحتجت أيضا بالآيات والأحاديث التى تشهد بنجاة الموحدين من أهل الكبائر ~~ودخولهم الجنة. واحتجت أيضا بأن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب ~~والمعاصى، فإن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم فى حق النفس باتباعها شهواتها ~~وإيثارها لها على طاعة ربها وظلم فى حق الخلق بالعدوان عليهم ومنعهم ~~حقوقهم، وظلم فى حق الرب بالشرك به، فظلم النفس إنما هو بالمعاصى وقد ~~تواترت النصوص بأن العصاة من الموحدين مآلهم إلى الجنة. # وقالت طائفة: بل الوعد بالجنات إنما هو للمقتصد والسابق دون الظالم ~~لنفسه، فإن الظالم لنفسه لا يدخل تحت الوعد المطلق والظالم لنفسه هنا هو ~~الكافر، والمقتصد المؤمن العاصى والسابق المؤمن التقى. وهذا يروى عن عكرمة ~~والحسن وقتادة، وهو # PageV01P189 # اختيار جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف ومنذر ابن سعيد فى تفسيره ~~والرمانى وغيرهم، قالوا: وهذه الآية متناولة لجميع أقسام الخلق شقيهم ~~وسعيدهم، وهى نظير آية [قوله تعالي] : {وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ~~ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون} ~~[الواقعة: 7- 10] ، قالوا: فأصحاب الميمنة هم المقتصدون وأصحاب المشأمة ~~[هم] الظالمون لأنفسهم، والسابقون السابقون هم السابقون بالخيرات. # قالوا: ولم [يصطفى] الله من خلقه ظالما لنفسه، بل المصطفون من عباده هم ~~صفوته وخيارهم والظالمون لأنفسهم ليسوا خيار العباد بل شرارهم، فكيف يوقع ~~عليهم [اسم المصطفين وتناولهم فعل الأصطفاء؟ قالوا: فأيضا صفوة الله هم ~~أحباؤه والله لا يحب الظالمين فلا يكونون مصطفين قالوا: ولن الظالم لنفسه ~~وإن كان] ممن أورث الكتاب، فهو بتركه العمل بما فيه قد ظلم نفسه والله ~~[تعالي] إنما اصطفى من عباده من أورثة كتابه ليعمل بما فيه فأما من نبذه ~~وراء ظهوره فليس من المصطفين من عباده قالوا: ولأن الاصطفاء افتعال من صفوة ~~الشيء وهو خلاصته ولبه، وأصله اصتفى فأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد الصاد ms206 ~~كالاصطباح والاصطلام ونحوه، والظالم لنفسه ليس صفوة العباد ولا خلاصتهم ولا ~~لبهم فلا يكون مصطفى، قالوا: ولأن الله سلم على المصطفين من عباده فقال: ~~{قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} [النمل: 59] ، وهذا يقتضى ~~سلامتهم من كل شر وكل عذاب، والظالم لنفسه غير سالم من هذا ولا هذا فكيف ~~يكون من المصطفين؟ قالوا: وأيضا فطريقة القرآن أن الوعد المطلق بالثواب ~~إنما يكون للمتقين لا للظالمين كقوله تعالى: {تلك الجنة التى نورث من ~~عبادنا من كان تقيا} [مريم: 63] فأين الظالم لنفسه هنا؟ وقوله تعالى: {أذلك ~~خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون} [الفرقان: 15] ، وقوله تعالى: {وسارعوا ~~إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} [آل عمران: ~~132] ، وقوله: {إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا ~~لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا} [النبأ: 31- 36] ، ~~[والقرآن] مملوء من هذا، ولم يجيء [فيه موضع واحد بإطلاق الوعد بالثواب ~~للظالم لنفسه أصلا # PageV01P190 # قالوا: وأيضا فلم يجيء] فى القرآن ذكر الظالم لنفسه إلا فى معرض الوعيد ~~لا الوعد، كقوله تعالى: {إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم ~~فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 74-76] ، وقوله: ~~{فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ~~ممزق} [سبأ: 99] ، وقوله: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [النحل: ~~118] [وقوله لا ينال عهدى الظالمين وقوله: أن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن ~~الناس أنفسهم يظلمون] قالوا: وأيضا فالظالم لنفسه هو الذى خفت موازينه ~~ورجحت سيئاته، والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناج كقوله تعالى: {فمن ~~ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون} [الأعراف: 8-9] وقوله: {وأما من خفت ~~موازينه فأمه هاوية} [القارعة: 8- 9] ، فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته ~~للظالمين أنفسهم الخفيفة موازينهم؟ قالوا: وأيضا فقوله تعالى: {جنات عدن} ~~[يدخلونها] مرفوع لأنه بدل من قوله: {ذلك هو الفضل الكبير وهو بدل نكرة من ~~معرفة كقوله: {لنسفعا بالناصية ms207 ناصية كاذبة} [العلق: 15- 16] ، وحسن وقوعه ~~[مجيء النكرة موصوفة لتخصيصها بالوصف وقربها من المعرفة ومعلوم أن المبدل ~~منه هو] "الفضل الكبير" مختص بالسابقين بالخيرات، والمعنى أن سبقهم ~~بالخيرات بإذنه ذلك هو الفضل الكبير وهو جنات عدن يدخلونها، وجعل السبق ~~بالخيرات نفس الجنات لأنه سببها وموجبها. # قالوا: وأيضا فإنه وصف حليتهم فيها بأنها أساور من ذهب ولؤلؤ، وهذه جنات ~~السابقين لا جنات المقتصدين، فإن جنات الفردوس أربع كما ثبت فى الصحيح عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما ~~فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ~~ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن". # ومعلوم أن الجنتين الذهبيتين أعلى وأفضل من الفضيتين فإذا كانت الجنتان ~~الذهبيتان للظالمين لأنفسهم، فمن يسكن الجنتين الفضتين؟ فعلم أن هذه الجنات ~~المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم قالوا: وأيضا فإن أقرب المذكورات إلى ~~ضمير الداخلين # PageV01P191 # هم السابقون بالخيرات فوجب اختصاصهم بالدخول إلى الجنات المذكورات. ~~قالوا: وفى اختصاصهم- بعد ذكر الأقسام- بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما ~~هو معلوم من طريقة القرآن إذ يصرح بذكر ثواب الأبرار والمتقين والمخلصين ~~[والمحسنين ومن رجحت حسناتهم ويذكر عقاب الكفار] والفجار والظالمين لأنفسهم ~~ومن خفت موازينهم، ويسكت عن القسم الذى فيه شائبتان وله مادتان هذه طريقة ~~القرآن كقوله تعالى: {إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم} [الانفطار: ~~13- 14] ، وقوله: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هى المأوى ~~وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى} [النازعات ~~37- 41] ، وهذا كثير فى القرآن قالوا: وفى السكوت عن شأن صاحب الشائبتين ~~تحذير عظيم وتخويف له بأن أمره مرجأ إلى الله وليس عله ضمان ولا له عنده ~~وعد، وليحذر كل الحذر وليبادر بالتوبة، النصوح التى تلحقه فالمضمون لهم ~~النجاة والفلاح. # قالوا: وأيضا فمن المحال أن يقع على أحد من المصطفين اسم الظلم مطلقا، ~~على الكافر، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من ~~قبل أن ms208 يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون} ~~[البقرة:254] ، وقال [تعالى] : {والظالمون ما لهم من ولى ولا نصير} ~~[الشورى: 8] مع قوله: {الله ولى الذين آمنوا} [البقرة: 257] والظالم لا ولى ~~له [ولا] يكون من المؤمنين. # قالوا: وأيضا فمن تدبر الآيات وتأمل سياقها وجدها قد استوعبت جميع أقسام ~~الخلق، ودلت على مراتبهم فى الجزاء، فذكر سبحانه أن الناس نوعان: ظالم، ~~ومحسن. ثم [قسم] المحسن إلى قسمين: مقتصد، وسابق، ثم ذكر جزاء المحسن، فلما ~~فرغ منه ذكر جزاء الظالم فقال: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزى كل كفور} [فاطر: 36] ، وقال ~~[تعالى] : {ومن يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى ~~الظالمين} [الأنبياء: 29] ، فذكر أنواع العباد وجزاءهم قالوا: وأيضا فهذه ~~طريقة القرآن فى ذكر أصناف الخلق الثلاثة كما ذكرهم الله تعالى فى سورة # PageV01P192 # الواقعة والمطففين وسورة الإنسان، فأما سورة الواقعة فذكرهم فى أولها وفى ~~آخرها فقال فى أولها: {وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ~~وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون فى ~~جنات النعيم} # [الواقعة: 7- 12] ، فأصحاب المشأمة هم الظالمون. # وأما أصحاب اليمين فقسمان: أبرار وهم أصحاب الميمنة، وسابقون وهم ~~المقربون، وفى آخرها: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما ~~إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين ~~الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم} [الواقعة: 88- 94] ، فذكر حالهم فى ~~القيامة الكبرى فى أول السورة، ثم ذكر حالهم فى القيامة الصغرى فى البرزخ ~~فى آخر السورة، ولهذا قدم قبله ذكر الموت ومفارقة الروح فقال: {فلولا إذا ~~بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا ~~إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين} [الواقعة: 83- 87] ثم قال: ~~{فأما إن كان من المقربين} [الواقعة: 88] إلى آخرها. # وأما فى أولها فذكر أقسام الخلق عقب قوله: {إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها ~~كاذبة خافضة رافعة إذا رجت ms209 الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا ~~وكنتم أزواجا ثلاثة} [الواقعة: 1- 7] ، وأما سورة الإنسان فقال [تعالى] : ~~{إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا} [الإنسان: 4] فهؤلاء الظالمون ~~أصحاب المشأمة قال: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} ~~[الإنسان: 5] ، فهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين، ثم قال: {عينا يشرب بها ~~عباد الله يفجرونها تفجيرا} [الإنسان:6] ، فهؤلاء المقربون السابقون، ولهذا ~~خصهم بالإضافة إليه وأخبر أنهم يشربون بتلك العين صرفا محضا وأنها تمزج ~~للأبرار مزجا كما قال فى سورة المطففين فى شراب الأبرار: {ومزاجه من تسنيم ~~عينا يشرب بها المقربون} [المطففين:27-28] وقال: يشرب "بها" المقربون، ولم ~~يقل: "منها" إشعارا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها فضمن # PageV01P193 # "يشرب" معنى يروى، فعدى بالباء، وهذا ألطف مأخذا وأحسن معنى من أن يجعل ~~الباء بمعنى من، [ولكن] يضمن يشرب الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه ~~طريقة الحذاق من النحاة وهى طريقة سيبويه وأئمة أصحابه، وقال فى الأبرار: ~~{يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} [الإنسان: 5] ، لأن شرب المقربين لما ~~كان أكمل استعير له الباء الدالة على شرب الرى بالعين خالصة ودلالة القرآن ~~ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البشر. # وقال تعالى فى سورة المطففين: {كلا إن كتاب الفجار لفى سجين وما أدراك ما ~~سجين كتاب مرقوم} إلى قوله: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم ~~لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذى كنتم به تكذبون} [المطففين: 7- 17] ، ~~[فهؤلاء الظالمون أصحاب الشمال] ثم قال: # {كلا إن كتاب الأبرار لفى عليين ما أدراك ما عليون} [المطففين: 18- 19] ، ~~فهؤلاء الأبرار المقتصدون، وأخبر أن المقربين يشهدون كتابهم- أى يكتب ~~بحضرتهم ومشهدهم- لا يغيبون عنه، اعتناء به وإظهارا لكرامة صاحبه ومنزلته ~~عند ربه. # ثم ذكر سبحانه نعيم الأبرار ومجالستهم ونظرهم إلى ربهم وظهور نضرة النعيم ~~فى وجوههم، ثم ذكر شرابهم فقال: {يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفى ذلك ~~فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 25- 26] ، ثم قال: {ومزاجه من تسنيم عينا ~~يشرب بها المقربون} [المطففين: 27- 28] ، [التسنيم] أعلى أشربه الجنة، ~~فأخبر سبحانه أن مزاج شراب الأبرار من التسنيم، وأن المقربين ms210 يشربون منه ~~بلا مزاج، ولهذا قال: # {عينا يشرب بها المقربون} [المطففين: 28] ، كما قال تعالى فى سورة ~~الإنسان سواء، قال ابن عباس وغيره: يشرب بها المقربون صرفا، ويمزج لأصحاب ~~اليمين مزجا. # وهذا لأن الجزاء وفاق العمل، فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص ~~شرابهم، وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مزج لهم شرابهم، فمن أخلص أخلص ~~شرابه ومن مزج مزج شرابه. # يا لاهيا فى غمرة الجهل والهوي ... صريعا على فرش الردى يتقلب # تأمل- هداك الله- ما [ثم] وانتبه ... فهذا شراب القوم حقا يركب # وتركيبه فى هذه الدار إن تفت ... فليس له بعد المنية مطلب # PageV01P194 # فيا عجبا من معرض عن حياته ... وعن حظه العالى ويلهو ويلعب # ولو علم المحروم أى بضاعة ... أضاع لأمسى قلبه يتلهب # فإن كان لا يدرى فتلك مصيبة ... وإن كان يدرى فالمصيبة أصعب # بلي سوف يدرى حين ينكشف الغطا ... ويصبح مسلوبا ينوح ويندب # ويعجب ممن باع شيئا بدون ما ... يساوى بلا علم وأمرك أعجب # لأنك قد بعت الحياة وطيبها ... بلذة حلم عن قليل [سيذهب] # فهلا عكست الأمر إن كنت حازما ... ولكن أضعت الحزم والحكم يغلب # تصد وتنأى عن حبيبك دائما ... فأين عن الأحباب ويحك تذهب # ستعلم يوم الحشر أى تجارة ... أضعت إذا تلك الموازين تنصب # قالوا: فهكذا هذه الآيات التي في سورة الملائكة ذكر فيها الأقسام ~~الثلاثة: الظالم لنفسه وهو من أصحاب الشمال، وذكر المقتصد وهو من أصحاب ~~اليمين، وذكر السابقين وهم المقربون. # قالوا: وليس في الآية ما يدل على اختصاص الكتاب بالقرآن والمصطفين بهذه ~~الأمة، بل الكتاب اسم جنس للكتب التي أنزلها على رسله، فإنه أورثها ~~المصطفين من عباده من كل أمة، والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه ~~المصطفين من عباده من كل أمة، والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه ~~المصطفين من أممهم بعدهم، قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب} [غافر 54:53] ، فأخبر أنه إنما ~~يكون هدى وذكرى لمن له لب عقل به الكتاب وعمل بما فيه، والعامل بما فيه هو ms211 ~~الذي أورثه الله علمه. # وتأمل قوله تعالى: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب} ~~[الشورى: 14] ، كيف حذف الفاعل هنا وبنى الفعل للمفعول لما كان في معرض ~~الذم لهم ونفي العلم عنهم، ولما كان في سياق ذكر نعمه وآلائه ومنته عليهم ~~قال: {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} ، ونظير هذه الآية: # {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] ، ومن ذلك قوله ~~تعالى: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون ~~سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} [الاعراف: 196] ، وأنه لما كان ~~الكلام في سياق ذمهم على إتباعهم شهواتهم وإيثارهم العرض الفاني على حظهم ~~من الآخرة وتماديهم في ذلك لم # PageV01P195 # ينسب التوريث إليه، بل نسبه إلى المحل فقال: أورثوا الكتاب ولم يقل: ~~أورثناهم الكتاب وقد ذكرت نظير هذا قوله: {أورثنا الكتاب} أنه للمدح، ~~وأورثوا الكتاب إما في سياق الذم، وإما منقسم في كتاب " التحفة المكية " ~~الكلية. # والمقصود أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده أولا وآخرا قالوا: ~~وقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه} لا يرجع إلى المصطفين، بل إما أن يكون ~~الكلام قد تم عند قوله: {من عبادنا} ثم استأنف جملة أخرى وذكر فيها أقسام ~~العباد وأن منهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق. # ويكون الكلام جملتين مستقلتين: بين في إحداهما أنه أورث كتابه من اصطفاه ~~من عباده، وبين في الأخرى أن من عباده ظالما ومقتصدا وسابقا، وإما أن يكون ~~المعنى تقسيم المرسل إليهم بالنسبة إلى قبول الكتاب وأن منهم من لم يقبله ~~وهو الظالم لنفسه، ومنهم من قبله مقتصدا فيه، ومنهم من قبله سابقا بالخيرات ~~بإذن الله، قالوا: والذي يدل على هذا الوجه أنه سبحانه ذكر إرساله في كل ~~أمة نذيرا ممن تقدم هذه الأمة فقال: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: ~~24] ، ثم ذكر أن رسلهم جاءتهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المبين، الآيات ~~الدالة على صدقهم وصحة رسالاتهم، والزبر: الكتاب، واحدها زبور بمعنى مزبور ~~أي مكتوب، الكتاب المنير: من باب عطف الخاص على العام لتميزه عن ms212 المسمى ~~العام بفضله وشرفه امتاز بها واختص بها عن غيره، وهو كعطف جبريل وميكائيل ~~على الملائكة، وكعطف أولى العزم على النبيين من قوله: {وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} [الأحراب: 7] ~~والكتاب المنير هاهنا: التوراة والإنجيل. # ثم ذكر إهلاك المكذبين لكتابه ورسله فقال: {ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان ~~نكير} [فاطر: 26] ، ثم ذكر التالين لكتابه وهم المتبعون له العالمون ~~بشرائعه: فقال: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ~~إنه غفور شكور} [فاطر: 29-30] . # ثم ذكر الكتاب الذي خص به خاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم ~~فقال: {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله ~~بعباده # PageV01P196 # لخبير بصير} [فاطر: 31] . # ثم ذكر سبحانه من أورثهم الكتاب بعد أولئك وأنه اصطفاهم لتوريث كتابه إذ ~~رده المكذبون لو يقبلوا توريثه. # قالوا: وأما قولكم: إن الاصطفاء افتعال من الصفوة وهي الخيار وهي إنما ~~تكون في السعداء، فهذا بعينه حجة لنا في أن الظالم لنفسه ليس ممن اصطفاه ~~الله من عباده وقد تقدم تقريره. # قالوا: وأما الآثار التي رويتموها عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~فكلها ضعيفة الأسانيد ومنقطعة لا تثبت، كيف وهي معارضة بآثار مثلها أو أقوى ~~منها، قال ابن مردويه في " تفسيره ": حدثنا الحسن بن عبد الله، حدثنا صالح ~~بن أحمد، حدثنا أحمد بن محمد بن المعلي الآدمي، حدثنا حفص بن عمار، حدثنا ~~مبارك ابن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] ، قال: الكافر، ~~قالوا: وأما النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يدخلون الجنة فصحيحة لا ~~ننازعكم فيها، غير أنها مطلقة، ولكن لها شروط وموانع، كما أن النصوص الدالة ~~على عذاب أهل الكبائر صحيحة متواترة، ولها شروط وموانع يتوقف لحوق الوعيد ~~عليها، فكذلك نصوص الوعد يتوقف مقتضاها على ms213 شروطها وانتفاء موانعها. قالوا: ~~وأما قولكم إن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي دون الكفر ~~فليس بصحيح، فقد ذكر في القرآن ما يدل على أن ظلم النفس يكون بالكفر ~~والشرك، ولو لم يكن في هذا إلا قول موسى لقومه: {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل} [البقرة: 54] ، وقوله عز وجل: # {وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} [سبأ: 19] ونظائره ~~كثيرة. # قالت الطائفة الأولى: لو تدبرتم القرآن حق تدبره وأعطيتم الآيات حقها من ~~الفهم وراعيتم وجوه الدلالة وسياق الكلام، لعلمتم أن الصواب معنا وأن # (هذه الأقسام الثلاثة من الأقسام التي خلقت للجنة وهم درجات عند الله ~~وأن) هذا التقسيم الذي دلت عليه أخص من التقسيم المذكور في سورة # الواقعة والإنسان والمطففين، فإن ذلك تقسيم للناس إلى شقي وسعيد، وتقسيم ~~السعداء إلى أبرار ومقربين، وتلك القسمة خالية عن ذكر العاصي الظالم لنفسه، ~~وأما هذه الآيات ففيها تقسيم الأمة إلى محسن ومسيئ، فالمسيئ هو الظالم ~~لنفسه، والمحسن نوعنان مقتصد وسابق بالخيرات، فإن الوجود شامل لهذا القسم، ~~بل هو أغلب أقسام الأمة فكيف يخلو القرآن عن # PageV01P197 # ذكره وبيان حكمه، ثم لما استوفى أقسام الأمة ذكر الخارجين عنهم وهم الذين ~~كفروا فعمت الآية أقسام الخلق كلهم، وعلى ما ذهبتم إليه تكون الآية قد ~~أهملت ذكر القسم الأغلب الأكثر وكررت ذكر حكم الكافر أولا وآخرا. # ولا ريب أن ما ذكرناه أولى لبيان هذا القسم وعموم الفائدة، وأيضا فإن ~~قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] صريح ~~في أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده، وقوله عز وجل: {فمنهم ~~ظالم لنفسه} [فاطر: 32] إما أن يرجع إلى الذين اصطفاهم، وإما أن يرجع إلى ~~العباد، ورجوعه إلى الذين اصطفاهم لوجهين: أحدهما أن قوله تعالى: {ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق} [فاطر: 32] ، إنما يرجع إلى المصطفين لا إلى العباد لأن ~~سياق الآية والإتيان بالفاء والتقسيم المذكور كله يدل على أن المراد بيان ~~أقسام الوارثين للكتاب لا بيان أقسام العبد، إذ لو أراد ذلك لأتى بلفظ يزيل ms214 ~~الوهم ولا يلتبس به المراد بغيره، وكأن وجه الكلام الذي يدل عليه ظاهره. ~~الثاني: أنك إذا قلت: أعطيت مالي البالغين من أولادي فمنهم تاجر ومنهم خازن ~~ومنهم مبذر ومسرف، هل يفهم من هذا أحد قط أن هذا التقسيم لجملة أولاده، بل ~~لا يفهم منه إلا أن أولاده كانوا في أخذهم المال أقساما ثلاثة، ولهذا أتي ~~فيها بالفاء الدالة على تفصيل ما أجمله أولا كما إذا قلت: خذ هذا المال ~~فأعط فلانا كذا وأعط (فلانا) كذا، ونظائره متعددة، ولا وجه للإتيان بالفاء ~~هاهنا إلا تفصيل المذكور أولا، لا تفصيل المسكوت عنه والآية قد سكتت عن ~~تفصيل العباد الذين اصطفى منهم من أورثه الكتاب، فالتفصيل للمذكور ليس إلا، ~~فتأمله فإنه واضح. # قالوا: وأما قولكم إن الله لا يصطفي من عباده ظالما لنفسه لأن الاصطفاء ~~هو الاختيار من الشئ صفوته وخياره إلى آخر ما ذكرتم فجوابه أن كون العبد ~~المصطفى لله ووليا لله ومحبوبا لله ونحو ذلك من الأسماء الدالة على شرف ~~منزلة العبد وتقريب الله له لا ينافي ظلم العبد نفسه أحيانا بالذنوب # PageV01P198 # والمعاصي بل أبلغ من ذلك أن صديقيته لا تنافي ظلمه لنفسه، ولهذا قال صديق ~~الأمة وخيارها للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، ~~فقال: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر ~~لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم". # وقد قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 133-135] . # فأخبر سبحانه عن صفات المتقين وأنهم يقع منهم ظلم النفس والفاحشة لكن لا ~~يصرون على ذلك، وقال تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ~~لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} [الزمر: 33-35] ms215 فهؤلاء الصديقون ~~المتقون قد أخبر سبحانه أن لهم أعمالا سيئة يكفرها، ولا ريب أنها ظلم للنفس ~~وقال موسى: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} ~~[القصص: 16] ، وقال آدم عليه السلام: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] ، وقال يونس عليه السلام: ~~{لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87] ، وقال تعالى: ~~{إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم} ~~[النمل: 11] . # وإذا كان ظلم النفس لا ينافي الصديقية والولاية، ولا يخرج العبد عن كونه ~~من المتقين، بل يجتمع فيه الأمران يكون وليا لله صديقا متقيا وهو مسيئ ظالم ~~لنفسه، علم أن ظلمه لنفسه لا يخرجه عن كونه من الذين اصطفاهم الله من عباده ~~وأورثهم كتابه، إذ هو مصطفى من جهة كونه من ورثة الكتاب علما وعملا، ظالم ~~لنفسه من جهة تفريطه في بعض ما أمر به وتعديه بعض ما نهي عنه، كما يكون ~~الرجل وليا لله محبوبا له من جهة ومبغوضا # PageV01P199 # له من جهة أخرى، وهذا عبد الله حمار كان يكثر شرب الخمر والله يبغضه من ~~هذه الجهة، ويحب الله ورسوله ويحبه الله ويواليه من هذه الجهة، ولهذا نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنه وقال: إنه يحب الله ورسوله ونكتة المسألة ~~أن الاصطفاء والولاية والصديقية وكون الرجل من الأبرار ومن المتقين ونحو ~~ذلك كلها مراتب تقبل التجزيء والانقسام والكمال والنقصان كما هو ثابت ~~باتفاق المسلمين في أصل الإيمان، وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفى من وجه ~~ظالما لنفسه من وجه آخر. # وظلم النفس نوعان: نوع لا يبقى معه شيء من الإيمان والولاية والصديقية ~~والاصطفاء وهو ظلمها بالشرك والكفر، ونوع يبقى معه حظه من الإيمان ~~والاصطفاء والولاية وهو ظلمها بالمعاصي، وهو درجات متفاوتة في القدر ~~والوصف. # فهذا التفصيل يكشف قناع المسألة ويزيل أشكالها بحمد الله. قالوا: وأما ~~قولكم: إن قوله تعالى: {جنات عدن} مرفوع لأنه بدل من قوله: {ذلك ms216 هو الفضل ~~الكبير} [فاطر: 32] [الشورى: 22] وهو مختص بالسابقين، وذكر حليتهم فيها من ~~أساور من ذهب يدل على ذلك إلخ. # فجوابه من وجهين: أحدهما أن هذا بعينه وارد عليكم، فإن المقتصد من أهل ~~الجنات، ومعلوم أن جنات السابقين بالخيرات أعلى وأفضل من جناته، فما كان ~~جوابكم عن المقتصد فهو الجواب بعينه عن الظالم لنفسه، فإن التفاوت حاصل بين ~~جنات الأصناف الثلاثة، ويختص كل صنف بما يليق بهم ويقتضيه مقامهم وعملهم. # الجواب الثاني: أنه سبحانه ذكر جزاء السابقين بالخيرات هنا مشوقا لعباده ~~إليه منبها لهم على مقداره وشرفه، وسكت عن جزاء الظالمين لأنفسهم ~~والمقتصدين ليحذر الظالمون ويجد المقتصدون، وذكر في سورة الإنسان جزاء ~~الأبرار منبها على ما هو أعلى وأجل منه وهو جزاء المقربين السابقين ليدل ~~على أن هذا إذا كان جزاء الأبرار المقتصدين فما الظن بجزاء المقربين ~~السابقين فقال تعالى: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} إلى ~~قوله: # {ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قوارير من فضة} إلى قوله: ~~{عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا} [الإنسان: 5-21] ، فذكر # PageV01P200 # هنا الأساور من الفضة والأكواب من الفضة في جزاء الأبرار، وذكر في سورة ~~الملائكة الأساور من الذهب في جزاء السابقين بالخيرات، فعلم جزاء المقتصدين ~~من سورة الإنسان، وعلم جزاء السابقين من سورة الملائكة، فانتظمت السورتان ~~جزاء المقربين على أتم الوجوه، والله أعلم بأسرار كلامه وحكمه. # قالوا: وهذا هو الجواب عن قولكم: إن الضمير يختص به أقرب مذكور إليه. # قالوا: وأما قولكم إن الظالم لنفسه إنما هو الكافر فقد تقدم جوابه وذكر ~~ما يبطله. # قالوا: وأما قولكم: إن هذا الآيات نظير آيات الواقعة وسورة الإنسان وسورة ~~المطففين في تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: أصحاب الشمال، وأصحاب اليمين، ~~والمقربون. # فلا ريب أن هذه الآية وافية بالأقسام الثلاثة مع مزيد تقسيم آخر وهو ~~تقسيم أصحاب اليمين إلى ظالم لنفسه ومقتصد فهي مشتملة على تلك الأقسام ~~وزيادة. # قالوا: وأما قولكم: إن الآثار الدالة على أن الأصناف ms217 الثلاثة هم السعداء ~~أهل الجنة ضعيفة لا تقوم بها حجة فجوابه: إنها قد بلغت في الكثرة إلى حد ~~يشد بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض، ونحن نسوق م نها آثارا غير ما ذكرناه ~~يعلم به كثرتها وتعدد طرقها، فروى ابن مردويه في تفسيره من حديث سفيان عن ~~الأعمش عن رجل عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس ~~وحشتي وسق لي جليسا صالحا. فقال أبو الدرداء: إن كنت صادقا لأنا أسعد بذلك ~~منك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات} [فاطر: 32] ، مقال: أما السابق بالخيرات فيدخله الجنة بغير حساب، ~~وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى ~~يدخله الهم والحزن ثم يدخل الجنة ثم قرأ هذه الآية: {الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور} [فاطر: 34] . # وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن أسامة بن زيد ~~في قوله تعالى: # {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد} قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"كلهم من هذه الأمة". # وروى ابن مردويه أيضا من حديث الفضل بن عميرة القيسي عن ميمون بن سياه عن ~~أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن # PageV01P201 # الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"سابقنا سابق ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"، وقرأ عمر: {فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} . # وروى أيضا من حديث أبي داود عن شعبة عن الوليد بن العيراز قال: سمعت رجلا ~~من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~في هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} ، قال "كلهم في ~~الجنة"، أو قال: "كلهم بمنزلة واحدة". قال شعبة: أحدهما، ورواه دواد بن ~~إبراهيم عن شعبة به وقالوا: دخلوا الجنة كلهم بمنزلة واحدة. فهذا حديث صحيح ms218 ~~إلى شعبة وإذا كان شعبة في حديث لم يطرح، بل شد يديك به. ورواه يحيى بن ~~سعيد عن الوليد بن العيزار فذكره بمثله، وروى محمد بن سعد عن أبيه عن عمه: ~~حدثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس في قوله عز وجل: {ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا} الآية، قال: جعل الله أهل الإيمان على ثلاث منازل ~~كقوله: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} ، ~~{والسابقون السابقون أولئك المقربون} فهم على هذا المثال. # قلت: يريد ابن عباس أن الله قسم أصحاب اليمين إلى ثلاث منازل كما قسم ~~الخلق في الواقعة إلى ثلاث منازل، فإن أصحاب الشمال المذكورين في الواقعة ~~هم الكفار المنكرون للبعث، فكيف تكون هذه منزلة من منازل أهل الإيمان؟ ~~ويجوز أن يريد أن الظالمين لأنفسهم المستحقين للعذاب هم من أهل الشمال، ~~ولكن إيمانهم يجعلهم آخرا من أهل اليمين. وروي من حديث معاوية بن صالح عن ~~علي بن أبي (طلحة) عن ابن عباس في هذه الآية فقال: هم أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ورثهم الله (سبحانه) كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم ~~يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. # وروي من حديث عثمان بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ~~حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى، حدثنا أبي عن الحكم، عن عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى عن البراء بن عازب- أو عن رجل عن البراء بن عازب- قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله} ، قال: "كلهم ناج وهي هذه الأمة". # ورواه الفريابي حدثنا سفيان عن أبي ليلى عن الحكم عن رجل حدثه عن البراء ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P202 # في هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية، قال ~~"كل ناج". # وقال آدم بن أي إياس: حدثنا أبو فضالة عن الأزهري عبد الله الخزاز، حدثنا ~~من سمع عثمان بن عفان يقول: ألا إن ms219 سابقنا أهل جهادنا، ألا وإن مقتصدنا أهل ~~حضرنا ألا وإن ظالمنا أهل بدونا، وقد تقدم حديث عائشة وأبي الدرداء وحذيفة. ~~قالوا: فهذه الآثار يشد بعضها بعضا، وأنها قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها ~~وسياق الآية يشهد لها بالصحة فلا يعدل عنها. # والمقصود الكلام على مراحل العالمين وكيفية قطعهم إياها، فلنرجع إليه ~~فنقول: أما الأشقياء فقطعوا تلك المراحل سائرين إلى دار الشقاء متزودين غضب ~~الرب سبحانه ومعاداة كتبه ورسله ما بعثوا به، ومعاداة أوليائه والصد عن ~~سبيله، ومحاربة من يدعو إلى دينه، ومقاتلة الذين يأمرون بالقسط من الناس، ~~وإقامة دعوة غير دعوة الله التي بعث بها رسله لتكون الدعوة له واحدة، فقطع ~~هؤلاء الأشقياء مراحل أعمارهم في ضد ما يحبه الله ويرضاه، وأما السائرون ~~إليه فظالمهم قطع مراحل عمره في غفلاته وإيثار شهواته ولذاته على مراضي ~~الرب سبحانه وأوامره مع إيمانه بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، لكن نفسه ~~مغلوبة معه مأسورة مع حظه وهواه، يعلم سوء حاله ويعترف بتفريطه ويعزم على ~~الرجوع إلى الله، فهذا حال المسلم. # وأما من زين له سوء عمله فرآه حسنا وهو غير معترف ولا مقر ولا عازم على ~~الرجوع إلى الله الإنابة إليه أصلا، فهذا لا يكاد إسلامه أن يكون صحيحا ~~أبدا ولا يكون هذا إلا منسلخ القلب من الإيمان، ونعوذ بالله من الخذلان. # وأما الأبرار المقتصدون فقطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر الله ~~وعقد القلب على ترك مخالفته ومعاصيه فهممهم مصروفة إلى القيام بالأعمال ~~الصالحة واجتناب الأعمال القبيحة، فأول ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى ~~قلبه القيام إلى الوضوء والصلاة كما أمر الله، فإذا أدى فرض وقته اشتغل ~~بالتلاة والأذكار إلى حين تطلع الشمس فيركع الضحى، ثم ذهب إلى ما أقامه ~~الله فيه من الأسباب، فإذا حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف ~~الأول من المسجد فأدى فريضته كما كما أمر مكملا لها بشرائطها وأركانها ~~وسننها وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور # PageV01P203 # بين يدي الرب فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه ms220 وسائر أحواله ~~آثارا تبدو على صفحاته ولسانه وجوارحه، ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة إلى ~~دار الخلود والتجافي عن دار الغرور وقلة التكالب والحرص على الدنيا ~~وعاجلها، قد نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر، وحببت إليه لقاء الله ونفرته ~~من كل قاطع يقطعه عن الله، فهو مغموم مهموم كأنه في سجن حتى تحضر الصلاة، ~~فإذا حضرت قام إلى نعيمه وسروره وقرة عينه وحياة قلبه، فهو لا تطيب له ~~الحياة إلا بالصلاة. # هذا وهم في ذلك كله مراعون لحفظ السنن لا يخلون منها بشيء ما أمكنهم، ~~فيقصدون من الوضوء أكمله، ومن الوقت أوله، ومن الصفوف أولها عن يمين الإمام ~~أو خلف ظهره، ويأتون بعد الفريضة بالأذكار المشروعة كالاستغفار ثلاثا. # وقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". # وقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد ~~منك الجد"، "لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله ~~الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". # ثم يسبحون ويحمدون ويكبرون تسعها وتسعين، ويختمون المائة بلا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. # ومن أراد المزيد قرأ آية الكرسي والمعوذتين عقيب كل صلاة، فإن فيها ~~أحاديث رواها النسائي وغيره، ثم يركعون السنة على أحسن الوجوه هذا دأبهم في ~~كل فريضة. فإذا كان قبل غروب الشمس توافروا على أذكار المساء الواردة في ~~السنة نظير أذكار الصباح الواردة في أول النهار لا يخلون بها بأبدا، فإذا ~~جاء الليل كانوا فيه على منازلهم من مواهب الرب سبحانه التي قسمها بين ~~عباده، فإذا أخذوا مضاجعهم أتوا بأذكار النوم والواردة في السنة، وهي كثيرة ~~تبلغ نحوا من أربعين، فيأتون منها بما علموه وما يقدرون عليه من قراءة سورة ~~الإخلاص والمعوذتين ثلاثا ثم يمسحون بها رؤوسهم ووجوههم وأجسادهم ms221 ثلاثا، ~~ويقرؤون آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، ويسبحون ثلاثا وثلاثين ويحمدون ~~ثلاثا وثلاثين ويكبرون أربعا وثلاثين، ثم يقول أحدهم: "اللهم إني أسلمت ~~نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ~~ورهبة إليك، # PageV01P204 # لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي ~~أرسلت "، وإن شاء قال: "باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي ~~فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"، وإن شاء قال: ~~"اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربي ورب كل شيء فالق الحب ~~والنوى، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ ~~بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر ~~فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين واغنني من ~~الفقر". # وبالجملة فلا يزال يذكر الله على فراشه حتى يغلبه النوم وهو يذكر الله، ~~فهذا منامه عبادة وزيادة له في قربة من الله، فإذا استيقظ عاد إلى عادته ~~الأولى، ومع هذا فهو قائم بحقوق العباد من عيادة المرضى وتشييع الجنائز ~~وإجابة الدعوة والمعاونة لهم بالجاه والبدن والنفس والمال وزيارتهم ~~وتفقدهم، وقائم بحقوق أهله وعياله، فهو متنقل في منازل العبودية كيف نقله ~~فيها الأمر، فإذا وقع منه تفريط في حق من حقوق الله بادر إلى الإعتذار ~~والتوبة والاستغفار، ومحوه ومداواته بعمل صالح يزيل أثره فهذا وظيفته ~~دائما. # وأما السابقون المقربون: فنستغفر الله الذين لا إله غلا هو أولا من وصف ~~حالهم وعدم التصاف به، بل ما شممنا له رائحة. ولكن محبة القوم تحمل على ~~تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم، # ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة: # (فوائد معرفة حال السابقين المقربين) : # منها: أن لا يزال المتخلف المسكين مزريا على نفسه ذاما لها. # ومنها: أنه لا يزال منكسر القلب بين يدي ربه تعالى ذليلا له حقيرا يشهد ~~منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين، ويشهد بضائع التجار وهو في رفقة ms222 ~~المحرومين. # ومنها: أنه عساه أن تنهض همته يوما إلى التشبث والتعلق بساقة القوم ولو ~~من بعيد. # ومنها: أنه لعله أن يصدق في الرغبة واللجأ إلى من بيده الخير كله أن ~~يلحقه بالقوم ويهيئه لأعمالهم فيصادف ساعة إجابة لا يسأل الله عز وجل فيها ~~شيئا إلا أعطاه. # ومنها: أن هذا العلم هو من أشرف علوم العبادة، وليس بعد علم التوحيد أشرف ~~منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة، ولا يناسب النفوس الدنيئة المهينة، ~~فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم وتشتاق إليه وتحبه وتأنس بأقله فليبشر ~~بالخير فقد أهل له، فليقل لنفسه: يا نفس، فقد حصل لك شطر # PageV01P205 # .. # ... # السعادة فاحرصي على الشطر الآخر، فإن السعادة في العلم بهذا الشأن والعمل ~~به، فقد قطعت نصف المسافة فهلا تقطعين باقيا فتفوزين فوزا عظيما. # ومنها: أن العلم بكل حال خير من الجهل، فإذا كان اثنان أحدهما عالم بهذا ~~الشأن غير موصوف به ولا قائم به، وآخر جاهل به غير متصف به فهو خلو من ~~الأمرين، فلا ريب أن العالم به خير من الجاهل، وإن كان العالم المتصف به ~~خيرا منهما فينبغي أن يعطي كل ذي حق حقه وينزل في مرتبته. # ومنها: أنه إذا كان العلم بهذا الشأن همه ومطلوبه فلا بد أن ينال منه ~~بحسب استعداده ولو لحظة لو بارقة، ولو أنه يحدث نفسه بالنهضة إليه. # ومنها: أنه لعله يجري منه على لسانه ما ينتفع به غيره بقصده أو بغير ~~قصده، والله لا يضيع مثقال ذرة فعسى أن يرحم بذلك العامل. # وبالجملة ففوائد العلم بهذا الشأن لا تنحصر فلا ينبغي أن تصغي إلى من ~~يثبطك عنه وتقول: إنه لا ينفع بل احذره واستعن بالله ولا تعجز ولكن لا ~~تغتر، وفرق بين العلم والحال، وإياك أن تظن أن بمجرد علم هذا الشأن قد صرت ~~من أهله، هيهات ما أظهر الفرق بين العلم بوجوه الغنى وهو فقير وبين الغني ~~بالفعل، وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم وبين الصحيح بالفعل. # فاسمع الآن وصف القوم وأحضر ذهنك لشأنهم ms223 العجيب وخطرهم الجليل، فإن وجدت ~~من نفسك حركة وهمة إلى التشبه بهم فاحمد الله وادخل فالطريق واضح والباب ~~مفتوح: # إذا أعجبتك خصال امريء ... فكنه تكن مثل ما يعجبك # فليس على الجود والمكر ما ... ت إذا جئتها حاجب يحجبك # فنبأ القوم عجيب، وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم، فإنه يطلع ~~من حالهم على ما يريه إياه القدر المشترك. # وجلمة أمرهم: أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت بمحبته ~~وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا ~~مفصل إلا وقد دخله الحب. # قد أنساهم حبه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه. وقد فنوا بحبه عن حب ~~من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه ~~والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن ~~تعلق ذلك منهم بغيره. فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ~~ومولاه واجتمع همه عليه متذكرا صفاته العلى # PageV01P206 # وأسماءه الحسنى مشاهدا له فى أسمائه وصفاته، قد تجلت على قلبه أنوارها ~~فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته، فبات جسمه فى فراشه يتجافى عن مضجعه، وقلبه قد ~~أوى إلى مولاه وحبيبه فآواه إليه، وأسجده بين يديه خاضعا خاشعا ذليلا ~~منكسرا من كل جهة من جهاته. # فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة، لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء. # وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدى ربه؟ قال: أى والله، بسجدة لا ~~يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة. # فشتان بين قلب يبيت عنه ربه قد قطع فى سفره إليه بيداء الأكوان وخرق حجب ~~الطبيعة، ولم يقف عند رسم، ولا سكن إلى علم حتى دخل على ربه فى داره فشاهد ~~عز سلطانه وعظمة جلاله وعلو شأنه وبهاء كماله، وهو مستو على عرشه يدبر أمر ~~عباده وتصعد إليه شؤون العباد وتعرض عليه حوائجهم وأعمالهم، فيأمر فيها بما ~~يشاء، فينزل الأمر من عنده نافدا [كما أمر] ، فيشاهد الملك الحق قيوما ~~بنفسه مقيما لكل ما سواه غنيا ms224 عن كل من سواه وكل من سواه فقير إليه: {يسأله ~~من فى السموات والأرض كل يوم هو فى شأن} [الرحمن:29] ، يغفر ذنبا ويفرج ~~كربا ويفك عانيا وينصر ضعيفا ويجبر كسيرا ويغنى فقيرا ويميت ويحيى ويسعد ~~ويشقى ويضل ويهدى وينعم على قوم ويسلب نعمته عن آخرين ويعز أقواما ويذل ~~آخرين ويرفع أقواما ويضع آخرين. # ويشهده كما أخبر عنه أعلم الخلق به وأصدقهم فى خبره حيث يقول فى الحديث ~~الصحيح: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما ~~أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما فى يمينه، وبيده الأخرى الميزان يخفض ~~ويرفع"، فيشاهده كذلك يقسم الأرزاق ويجزل العطايا ويمن بفضله على من يشاء ~~من عباده بيمينه، وباليد الأخرى الميزان يخفض به من يشاء ويرفع به من يشاء ~~عدلا منه وحكمة لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فيشهده وحده القيوم بأمر ~~السموات والأرض ومن فيهن، ليس له بواب فيستأذن ولا حاجب فيدخل عليه، ولا ~~وزير فيؤتى ولا ظهير فيستعان به ولا ولى من دونه فيشفع به إليه، ولا نائب ~~عنه فيعرفه حوائج عباده، ولا معين له فيعاونه على قضائها، [بل قد] أحاط ~~سبحانه بها علما ووسعها قدرة ورحمة، فلا تزيده كثرة الحاجات إلا جودا ~~وكرما، ولا يشغله منها شأن عن شأن، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم ~~بإلحاح الملحين. # لو اجتمع أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم وقاموا فى # PageV01P207 # صعيد واحد ثم سألوه فأعطى كلا منهم مسألته ما نقص ذلك مما عنده ذرة واحدة ~~إلا كما ينقص المخيط البحر إذا غمس فيه. # ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما ~~زاد ذلك فى ملكه شيئا ذلك بأنه الغنى الجواد الماجد، فعطاؤه [من] كلام ~~وعذابه كلام: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس:82] . # ويشهده كما أخبر عنه أيضا الصادق المصدوق حيث يقول: "إن الله لا ينام ولا ~~ينبغى له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ms225 ~~وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما ~~أدركه بصره من خلقه". # وبالجملة فيشهده فى كلامه فقد تجلى سبحانه وتعالى لعباده فى كلامه وتراءى ~~لهم فيه وتعرف إليهم فيه، فبعدا وتبا للجاحدين والظالمين: {أفى الله شك ~~فاطر السموات والأرض} [إبراهيم: 10] إلا إله إلا هو الرحمن الرحيم. # فإذا صارت صفات ربه وأسماؤه مشهدا لقلبه أنسته ذكر غيره وشغلته عن حب من ~~سواه، وحديث: دواعى قلبه إلى حبه تعالى بكل جزء من أجزاء قلبه وروحه وجسمه، ~~فحينئذ يكون الرب سبحانه سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به ويده التى ~~يبطش بها، ورجله التى يمشى بها. فبه يسمع وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشى. # كما أخبر عن نفسه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: "ومن غلظ حجابه ~~وكثف طبعه وصلب عوده فهو عن فهم هذا بمعزل، بل لعله أن يفهم منه ما لا يليق ~~به تعالى من حلول أو اتحاد، أو يفهم منه غير المراد منه فيحرف معناه، ~~ولفظه: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] . وقد ذكرت ~~معنى الحديث والرد على من حرفه وغلط فيه فى كتاب "التحفة المكية". # وبالجملة فيبقى قلب العبد- الذى هذا شأنه- عرشا للمثل الأعلى أى عرشا ~~لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه، وناهيك بقلب هذا شأنه فياله ~~من قلب من ربه ما أدناه ومن قربه ما أحظاه، فهو ينزه قلبه أن يساكن سواه أو ~~يطمئن بغيره، فهؤلاء قلوبهم قد قطعت الأكوان وسجدت تحت العرش وأبدانهم فى ~~فرشهم كما قال أبو الدرداء: إذا نام العبد المؤمن عرج بروحه حتى تسجد تحت ~~العرش، فإن كان طاهرا أذن لها فى السجود، وإن كان جنبا لم يؤذن لها بالسجود ~~وهذا والله أعلم هو السر الذى لأجله "أمر النبى صلى الله عليه وسلم الجنب ~~إذا أراد النوم أن يتوضأ"، وهو إما واجب على أحد القولين، # PageV01P208 # أو مؤكد الاستحباب على القول الآخر، فإن الوضوء يخفف حدث الجنابة ويجعله ~~طاهرا من بعض الوجوه. # ولهذا روى ms226 الإمام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما عن أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إنهم إذا كان أحدهم جنبا ثم أراد أن يجلس فى المسجد توضأ ~~ثم جلس فيه، وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره، مع أن المساجد لا تحل لجنب، ~~[فدل] على أن وضؤه رفع حكم الجنابة المطلقة الكاملة التى تمنع الجنب من ~~الجلوس فى بيت الله وتمنع الروح من السجود بين يدى الله سبحانه. # فتأمل هذه المسألة وفقهها واعرف مقدار فقه الصحابة وعمق علومهم، فهل ترى ~~أحدا من المتأخرين وصل إلى مبلغ هذا الفقه الذى خص الله به خيار عباده وهم ~~أصحاب نبيه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # فإذا استيقظ هذا القلب من منامه صعد إلى الله بهمه وحبه وأشواقه مشتاقا ~~إليه طالبا له محتاجا [له] عاكفا عليه، فحاله كحال المحب الذى غاب عن ~~محبوبه الذى لا غنى له عنه ولا بد له منه، وضرورته إليه أعظم من ضرورته إلى ~~النفس والطعام والشراب، فإذا نام غاب عنه فإذا استيقظ عاد إلى الحنين إليه، ~~وإلى الشوق الشديد [والحب] المقلق فحبيبه آخر خطراته عند منامه وأولها عند ~~استيقاظه كما قال بعض المحبين لمحبوبه: # وآخر شيء أنت فى كل هجعة ... وأول شيء أنت عند هبوبي # فقد أفصح هذا المحب عن حقيقة المحبة وشروطها، فإذا كان هذا فى محبة مخلوق ~~لمخلوق فما الظن فى محبة المحبوب الأعلى، فأف لقلب لا يصلح لهذا ولا يصدق ~~به، لقد صرف عنه خير الدنيا والآخرة. # فصل # فإذا استيقظ أحدهم [وقد بدر] إلى قلبه هذا الشأن فأول ما يجرى على لسانه ~~ذكر محبوبه والتوجه إليه واستعطافه والتملق بين يديه والاستعانة به أن لا ~~يخلى بينه وبين نفسه وأن لا يكله إليها فيكله إلى ضعة وعجز وذنب وخطيئة بل ~~يكلأه كلاءة الوليد الذى لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا ~~نشورا، فأول ما يبدأ به الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، ~~متدبرا لمعناها من ذكر نعمة الله ms227 عليه بأن أحياه بعد نومه الذى هو أخو ~~الموت وأعاده إلى حاله سويا سليما محفوظا مما لا يعلمه ولا يخطر بباله من ~~المؤذيات [المهلكات] والتى هو غرض وهدف لسهامها كلها # PageV01P209 # تقصده بالهلاك أو الأذى والتى من بعضها [أرواح] شياطين الإنس والجن، ~~فإنها تلتقى بروحه إذا نام فتقصد إهلاكه وأذاه، فلولا أن الله سبحانه يدفع ~~عنه لما سلم. هذا [وكم تتلقى] الروح فى تلك الغيبة من أنواع الأذى والمخاوف ~~والمكاره والتفزيعات ومحاربة الأعداء والتشويش والتخبيط بسبب ملابستها لتلك ~~الأرواح، فمن الناس من يشعر [بذلك لرقة روحه ولطافتها ويجد آثار ذلك فيها] ~~إذا استيقظ من الوحشة والخوف والفزع والوجع الروحى الذى ربما غلب حتى سرى ~~إلى البدن، ومن الناس من تكون روحه أغلظ وأكثف وأقسى من أن تشعر بذلك، فهى ~~مثخنة بالجراح مزمنة بالأمراض ولكن لنومها لا تحس بذلك. # هذا، وكم من مريد لإهلاك جسمه من الهوام وغيرها، وقد حفظه منه فهى فى ~~أحجارها محبوسة عنه لو خليت وطبعها لأهلكته، فمن ذا الذى كلأه وحرسه وقد ~~غاب عنه حسه وعلمه وسمعه وبصره، فلو جاءه البلاء من أى مكان جاء لم يشعر ~~به، ولهذا ذكر سبحانه عباده هذه النعمة وعدها عليهم من جملة نعمه فقال: {من ~~يكلأكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون} [الأنبياء: 42] ~~. # فإذا تصور العبد ذلك فقال: "الحمد لله" كان حمده أبلغ وأكمل من حمد ~~الغافل عن ذلك، ثم تفكر فى أن الذى أعاده بعد هذه الإماتة حيا سليما قادرا ~~على أن يعيده بعد موتته الكبرى حيا كما كان، ولهذا يقول بعدها: "وإليه ~~النشور"، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير، والحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله" ثم يدعو ويتضرع، ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر ~~مستصحب لما فيه، ثم يصلى ما كتب الله [له] صلاة محب ناصح لمحبوبه متذلل ~~منكسر بين يديه، لا صلاة مدل ms228 بها عليه يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن ~~أقامه وأنام غيره، واستزاره وطرد غيره، وأهله وحرم غيره، فهو يزداد بذلك ~~محبة إلى محبته، ويرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته ~~وسروره فى تلك الصلاة، فهو يتمنى طول ليله ويهتم بطلوع الفجر كما يتمنى ~~المحب الفائز بوصول محبوبه ذلك، فهو كما قيل: # يود أن ظلام الليل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر # فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه، العزيز الرحيم، ويناجيه بكلامه ~~معطيا # PageV01P210 # لكل آية حظها من العبودية، فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد، ~~والآيات التى فيها الأسماء والصفات، والآيات التى تعرف بها إلى عباده ~~بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم، وتطيب له السير آيات الرجاء والرحمة ~~وسعة البر والمغفرة، فتكون له بمنزلة الحادى الذى يطيب له السير ويهونه ~~[عليه] ، وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه ~~العادلين به غيره المائلين إلى سواه، فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه. # فتأمل هذه الثلاثة وتفقه فيها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # وبالجملة فيشاهد المتكلم سبحانه وقد تجلى فى كلامه ويعطى كل آية حظها من ~~عبودية قلبه الخاصة الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها، ثم شأن آخر ~~لو فطن له العبد لعلم أنه كان قبل يلعب، كما قيل: # وكنت أرى أن قد تناهى بى الهوى ... إلى غاية ما بعدها لى مذهب # فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أنى إنما كنت ألعب # فوا أسفاه وواحسرتاه، كيف ينقضى الزمان وينفد العمر والقلب محجوب ما شم ~~لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش ~~فيها عيش البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزا وموته ~~كمدا ومعاده حسرة وأسفا. # اللهم [ولك] الحمد وإليك المستشكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك ~~التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك. # فصل # فإذا صلى ما كتب الله جلس مطرقا بين يدى ربه [تعالى] هيبة له وإجلالا، ~~واستغفره استغفار من قد تيقن أنه هالك ms229 إن لم يغفر له ويرحمه. # فإذا قضى من الاستغفار وطرا وكان عليه بعد ليل اضطجع على شقه الأيمن مجما ~~نفسه مريحا لها مقويا على أداء وظيفة الفرض، فيستقبله نشيطا بجده وهمته ~~كأنه لم يزل طول ليلته لم يعمل شيئا، فهو يريد أن يستدرك ما فاته فى صلاة ~~الفجر، فيصلى السنة ويبتهل إلى الله بينها وبين الفريضة، فإن لذلك الوقت ~~شأنا يعرفه من عرفه، ويكثر فيه من قول: "يا حى، يا قيوم، لا إله إلا أنت" ~~فلهذا الذكر فى هذا الموطن تأثير عجيب، ثم ينهض إلى صلاة الصبح قاصدا الصف ~~الأول عن يمين الإمام أو خلف قفاه، فإن فاته ذلك قصد القرب منه مهما أمكن ~~فإن للقرب من الإمام تأثيرا فى سر الصلاة، ولهذا القرب تأثير # PageV01P211 # فى صلاة الفجر خاصة يعرفه من عرف قوله تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر ~~كان مشهودا} [الإسراء: 78] . # قيل: يشهد الله عز وجل وملائكته، وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة ~~النهار، فيتفق نزول هؤلاء البدل عند صعود أولئك فيجتمعون فى صلاة الفجر، ~~وذلك لأنها هى أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل فيشهده ملائكة الليل ~~والنهار. # واحتج لهذا القول بما فى الصحيح من حديث الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد ~~خمس وعشرون درجة"، ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر لقول ~~أبى هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} ~~[الإسراء: 87] رواه البخارى فى الصحيح. # قال أصحاب القول الأول: وهذا لا ينافى قولنا، وهو أن يكون الله سبحانه ~~وملائكة الليل والنهار يشهدون قرآن الفجر، وليس المراد الشهادة العامة، فإن ~~الله على كل شيء شهيد، بل المراد شهادة خاصة وهى شهادة حضور ودنو متصل بدنو ~~الرب [تعالى] ونزوله إلى سماء الدنيا فى الشطر الأخير من الليل. # وقد روى الليث بن سعد: حدثنى زيادة بن محمد [عن محمد بن] كعب القرظى عن ~~فضالة ابن عبيد الأنصارى عن أبى الدرداء عن رسول ms230 الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إن الله عز وجل ينزل فى ثلاث ساعات يبقين من الليل، فيفتح الذكر فى ~~الساعة الأولى الذى لم يره غيره فيمحو الله ما يشأ ويثبت، ثم ينزل فى ~~الساعة الثانية إلى جنة عدن وهى داره التى لم ترها عين ولم تخطر على قلب ~~بشر وهى مسكنه لا يسكنها معه من بنى آدم غير ثلاث وهم النبيون والصديقون ~~والشهداء، ثم يقول: طوبى لمن دخلك، ثم ينزل فى الساعة الثالثة إلى سماء ~~الدنيا بروحه وملائكته فتنفض فيقول: قومى بعزتى، ثم يطلع إلى عباده فيقول: ~~هل من مستغفر فأغفر له؟ ألا من سائل يسألنى فأعطيه" ألا [من] داع يدعونى ~~فأجيبه؟ حتى تكون صلاة الفجر. # ولذلك يقول الله عز وجل: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} ~~[الإسراء: 78] ، يشهده الله عز وجل وملائكته ملائكة الليل والنهار". # ففى هذا الحديث أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر، وعلى هذا فيكون شهود ~~[الله] سبحانه لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له، وهذه خاصة ~~بصلاة الصبح ليست لغيرها من [الصلوات] ، وهذا لا ينافى دوام النزول فى سائر ~~الأحاديث إلى طلوع الفجر ولا سيما وهو معلق فى بعضها على # PageV01P212 # انفجار الصبح، وهو اتساع ضوئه. # وفى لفظ: "حتى يضيء الفجر"، [فى] لفظ: "حتى يسطع الفجر"، وذلك هو وقت ~~قراءة الفجر، وهذا دليل على استحباب تقديمها مع مواظبة النبى صلى الله عليه ~~وسلم وخلفائه الراشدين على تقديمها فى أول وقتها، فكان النبى صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ فيها بالستين إلى المائة ويطيل ركوعها وسجودها وينصرف منها ~~والنساء لا يعرفن من الغلس، وهذا لا يكون إلا مع شدة التقديم فى أول الوقت ~~لتقع القراءة فى وقت النزول فيحصل الشهود المخصوص، مع أنه قد جاء فى بعض ~~الأحاديث مصرحا به دوام ذلك إلى الانصراف من صلاة الصبح، رواه الدارقطنى فى ~~كتاب "نزول الرب [تعالى] كل ليلة إلى سماء الدنيا" من حديث محمد بن عمرو عن ~~أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ms231 وسلم قال: "ينزل الله عز ~~وجل إلى سماء الدنيا لنصف الليل الآخر أو الثلث الآخر يقول: من ذا الذى ~~يدعونى فأستجيب له؟ من ذا الذى يسألنى فأعطيه؟ من ذا الذى يستغفرنى فأغفر ~~له؟ حتى يطلع الفجر أو ينصرف القاريء من صلاة الصبح" رواه عن محمد جماعة: ~~منهم سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر والدراوردى وحفص بن غياث ويزيد بن ~~هارون وعبد الوهاب بن عطاء ومحمد بن جعفر والنضر بن شميل كلهم قال: "أو ~~ينصرف القاريء من صلاة الفجر"، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم فهى صريحة فى المعنى كاشفة للمراد، وإن لم تكن محفوظة وكانت ~~من شك الراوى هل قال هذا أو هذا، فقد قدمنا أنه لا منافاة بين اللفظين. # وأن حديث الليث بن سعد عن محمد بن زياد يدل على دوام النزول إلى وقت صلاة ~~الفجر، وأن تعليقه بالطلوع لكونه أول الوقت الذى يكون فيه الصعود، كما رواه ~~يونس بن أبى إسحق عن أبيه عن الأغر أبى مسلم قال: شهدت على النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل يمهل حتى إذا كان ثلث الليل هبط إلى ~~هذه السماء ثم أمر بأبواب السماء ففتحت ثم قال: هل من سائل فأعطيه؟ هل من ~~داع فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له هل من مستغيث أغيثه؟ هل من مضطر أكشف ~~عنه؟ فلا يزال ذلك مكانه حتى يطلع الفجر فى كل ليلة من الدنيا، ثم يصعد إلى ~~السماء؟ ". قال الدارقطنى: فزاد فيه يونس بن أبى إسحق زيادة حسنة. والمقصود ~~ذكر القرب من الإمام فى صلاة الفجر وتقديمها فى أول وقتها. والله أعلم. # PageV01P213 # فصل # فإذا فرغ من صلاة الصبح أقبل بكليته على ذكر الله والتوجه إليه بالأذكار ~~التى شرعت أول النهار فيجعلها وردا له لا يخل بها أبدا، ثم يزيد عليها ما ~~شاء من الأذكار الفاضلة أو قراءة القرآن حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت فإن شاء ~~ركع ركعتى الضحى وزاد ما شاء، وإن شاء قام من ms232 غير ركوع ثم يذهب متضرعا إلى ~~ربه سائلا له أن يكون ضامنا عليه متصرفا فى مرضاته بقية يومه، فلا ينقلب ~~إلا فى شيء يظهر له فيه مرضاة ربه، وإن كان من الأفعال العادية الطبيعية ~~قلبه عبادة بالنية وقصد الاستعانة به على مرضاة الرب. # وبالجملة فيقف عند أول الداعى إلى فعله، فيفتش [ويستخرج منه منفدأ ومسلكا ~~يسلك به فينقلب] فى حقه عبادة وقربة، وشتان كم بين هذا وبين من إذا عرض له ~~أمر من أوامر الرب لا بد له من فعله وفتش فيه على مراد لنفسه وغرض لطبعه، ~~ففعلة لأجل ذلك وجعل الأمر طريقا له ومنفذا لمقصده، فسبحان من فاوت بين ~~النفوس إلى هذا الحد والغاية، فهذا عباداته عادات، والأول عاداته عبادات. # فإذا جاء فرض الظهر بادر إليه مكملا له ناصحا فيه لمعبوده كنصح المحب ~~الصادق المحبة لمحبوبه الذى قد طلب منه أن يعمل له شيئا ما، فهو لا يبقى ~~مجهودا، بل يبذل مقدوره كله فى تحسينه وتزيينه وإصلاحه وإكماله ليقع موقعا ~~من محبوبه فينال به رضاه عنه وقربه منه. # أفلا يستحى العبد من ربه ومولاه ومعبوده أن لا يكون فى عمله هكذا، وهو ~~يرى المحبين فى أشغال محبوبيهم من الخلق كيف يجتهدون [فى إيقاعها] على أحسن ~~وجه وأكمله، بل هو يجد من نفسه ذلك مع من يحبه من الخلق، فلا أقل من أن ~~يكون مع ربه بهذه المنزلة، ومن أنصف نفسه وعرف أعماله استحى من الله أن ~~يواجهه بعمله أو يرضاه لربه وهو يعلم من نفسه أنه لو عمل لمحبوب له من ~~الناس لبذل فيه نصحه ولم يدع من حسنه شيئا إلا فعله. # وبالجملة فهذا حال هذا العبد مع ربه فى جميع أعماله، فهو يعلم أنه لا ~~يوفى هذا المقام حقه، فهو أبدا [يستغفر الله عقيب كل عمل وكان النبى صلى ~~الله عليه وسلم] إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثا، وقال تعالى: ~~{وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 18] . # قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون ربهم. وقال تعالى: ~~{ثم ms233 أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [البقرة: ~~199] ، فأمر # PageV01P214 # سبحانه بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة والمزدلفة، وشرع للمتوضيء أن يقول ~~بعد وضوئه: "اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين"، فهذه توبة ~~بعد الوضوء، وتوبة بعد الحج، وتوبة بعد الصلاة وتوبة بعد قيام الليل. فصاحب ~~هذا المقام مضطر إلى التوبة والاستغفار كما تبين، فهو لا يزال مستغفرا ~~تائبا، وكلما كثرت طاعاته كثرت توبته واستغفاره. # فصل # وجماع الأمر فى ذلك إنما هو بتكميل عبودية الله [عز وجل] فى الظاهر ~~والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلها فى محبوبات الله، وكمال عبودية العبد ~~موافقته لربه فى محبته ما أحبه، وبذل الجهد فى فعله وموافقته فى كراهة ما ~~كرهه وبذل الجهد فى تركه، وهذا إنما يكون للنفس المطمئنة، لا للأمارة ولا ~~للوامة. # فهذا كمال من جهة الإرادة والعمل، وأما من جهة العلم والمعرفة فأن تكون ~~بصيرته منفتحة فى معرفة الأسماء والصفات والأفعال، له شهود خاص فيها مطابق ~~لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له، [فإنه] بحسب مخالفته له ~~فى ذلك يقع الانحراف ويكون [مع] ذلك قائما بأحكام العبودية الخاصة التى ~~تقتضيها كل صفة بخصوصها، وهذا سلوك الأكياس الذين هم خلاصة العالم، ~~والسالكون على هذا الدرب أفراد من العالم، طريق سهل قريب موصل، طريق آمن ~~أكثر السالكين فى غفلة عنه، ولكن يستدعى رسوخا فى العلم ومعرفة تامة به ~~وإقداما على رد الباطل المخالف له ولو قاله من قاله، وليس عند أكثر الناس ~~سوى رسوم تلقوها عن قوم معظمين عندهم، ثم لإحسان ظنهم بهم قد وقفوا عند ~~أقوالهم ولم يتجاوزوها [إلى غيرها] فصارت حجابا لهم وأى حجاب. # فمن فتح الله عليه بصيرة قلبه وإيمانه حتى خرقها وجاوزها إلى مقتضى الوحى ~~والفطرة والعقل، فقد أوتىخيرا كثيرا ولا يخاف عليه إلا من ضعف همته، فإذا ~~انضاف إلى ذلك الفتح همة عالية فذاك السابق حقا، واحد الناس بزمانه، لا ~~يلحق شأوه ولا يشق غباره فشتان ما بين من يتلقى أحواله ووارداته عن الأسماء ms234 ~~والصفات وبين من يتلقاها عن الأوضاع الاصطلاحية والرسوم أو عن مجرد ذوقه ~~ووجده، إذا استحسن شيئا قال هذا هو الحق، فالسير إلى الله من طريق الأسماء ~~والصفات شأنه عجب، وفتحه عجب صاحبه قد سيقت له السعادة وهو مستلق على فراشه ~~غير تعب ولا مكدود ولا مشتت عن وطنه ولا مشرد عن سكنه: # PageV01P215 # {وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب} [النمل:88] . وليس العجب ~~من سائر فى ليله ونهاره وهو فى الثرى لم يبرح من مكانه، وإنما العجب من ~~ساكن لا يرى عليه أثر السفر وقد قطع المراحل والمفاوز، فسائر قد ركبته نفسه ~~فهو حاملها سائر بها ملبوك يعاقبها وتعاقبه ويجرها وتهرب منه ويخطو بها ~~خطوة إلى أمامه فتجذبه خطوتين إلى ورائه، فهو معها فى جهد وهى معه كذلك، ~~وسائر قد ركب نفسه وملك عنانها فهو يسوقها كيف شاء وأين شاء لا تلتوى عليه ~~ولا تنجذب ولا تهرب منه، بل هى معه كالأسير الضعيف فى يد مالكه وآسره ~~وكالدابة الريضة المنقادة فى يد سائسها وراكبها، فهى منقادة معه حيث قادها، ~~فإذا رام التقدم جمزت به وأسرعت، فإذا أرسلها سارت به وجرت فى الحلبة إلى ~~الغاية ولا يردها شيء فتسير به وهو ساكن على ظهرها، ليس كالذى نزل عنها فهو ~~يجرها بلجامها ويشحطها ولا تنشحط، فشتان ما بين المسافرين فتأمل هذا المثل ~~فإنه مطابق لحال السائرين المذكورين، والله يختص برحمته من يشاء. # فصل # ومن شأن القوم أن تنسلخ نفوسهم من التدبير والاختيار الذى يخالف تدبير ~~[ربهم] تعالى واختياره، بل قد سلموا إليه سبحانه التدبير كله، فلا يزاحم ~~تدبيرهم تدبيره ولا اختيارهم اختياره، لتيقنهم أنه الملك القاهر القابض على ~~نواصى الخلق المتولى [لتدبير] أمر العالم كله، وتيقنهم مع ذلك أنه الحكيم ~~فى أفعاله الذى لا تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والرحمة، فلم يدخلوا ~~أنفسهم معه فى تدبيره لملكه وتصريفه أمور عباده بلو كان كذا وكذا، ولا بعسى ~~ولعل ولا بليت، بل ربهم [تعالى] أجل وأعظم فى قلوبهم من أن يعترضوا عليه أو ~~يتسخطوا ms235 تدبيره أو يتمنوا سواه، وهم أعلم به وأعرف بأسمائه وصفاته من أن ~~يتهموه فى تدبيره أو يظنوا به الإخلال بمقتضى حكمته وعدله، بل هو ناظر بعين ~~قلبه إلى باريء الأشياء وفاطرها، ناظر إلى إتقان صنعه، مشاهد لحكمته فيه ~~وإن لم يخرج ذلك على مكاييل عقول البشر وعوائدهم ومألوفاتهم. # قال بعض السلف: لو قرض جسمى بالمقاريض أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه ~~الله: ليته لم يقضه. # وقال آخر: أذنبت ذنبا أبكى عليه منذ ثلاثين سنة. وكان قد اجتهد فى ~~العبادة قيل له: ما هو؟ قال: قلت مرة لشيء كان: ليته لم يكن. وبعض العارفين ~~يجعل عيب المخلوقات # PageV01P216 # وتنقيصها بمنزلة العيب لصانعها وخالقها، لأنها صنعه وأثر حكمته، وهو ~~سبحانه أحسن كل شيء فى خلقه وأتقن كل شيء وهو أحكم الحاكمين وأحسن ~~الخالقين، له فى كل شيء حكمة بالغة وفى كل مصنوع صنع متقن، والرجل إذا عاب ~~صنعة [رجل آخر وذمها سرى ذلك إلى صانعها فمن عاب صنعة] الرب سبحانه بلا ~~إذنه سرى ذلك إلى الصانع، لأنه كذلك صنعها عن حكمته أظهرها، إذ كانت الصنعة ~~مجبولة لم تصنع نفسها ولا صنع لها فى خلقها. # [والعارف] لا يعيب إلا ما عابه الله ولا يذم إلا ما ذمه، وإذا سبق إلى ~~قلبه ولسانه عيب ما لم يعبه الله وذم ما لم يذمه الله تاب إلى الله منه كما ~~يتوب صاحب الذنب من ذنبه فإنه يستحى من الله أن يكون فى داره وهو يعيب آلات ~~تلك الدار وما فيها، فهو يرى نفسه بمنزلة رجل دخل إلى دار ملك من الملوك ~~ورأى ما فيها من الآلات والبناء والترتيب، فأقبل يعيب منها بعضها ويذمه ~~ويقول: لو كان كذا بدل كذا لكان خيرا، ولو كان هذا فى مكان هذا لكان أولى ~~وشاهد الملك يولى ويعزل ويحرم ويعطى فجعل يقول: لو ولى هذا مكان فلان كان ~~خيرا، ولو عزل هذا المتولى لكان أولى، ولو عوفى هذا.. ولو أغنى هذا.. فكيف ~~يكون مقت الملك لهذا المعترض وإخراجه له من قربه؟ ms236 وكذلك لو أضافه صاحب له ~~فقدم إليه طعاما فجعل يعيب صفته ويذمه، أكان ذلك يهون على صاحب الطعام؟ ~~قالت عائشة: "ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط، إن اشتهى شيئا ~~أكله وإلا تركه ". # والمقصود أن من شأن القوم ترك الاهتمام بالتدبير والاختيار، بل همهم كله ~~فى إقامة حقه عليهم، وأما التدبير العام والخاص فقد سلموه لولى الأمر كله ~~ومالكه الفعال لما يريد. # ولعلك تقول: من ذا الذى ينازع الله فى تدبيره؟ فانظر إلى نفسك- فى عجزها ~~وضعفها وجهلها- كيف هى [عرضة] للمنازعة منازعة جاهل عاجز ضعيف لو قدر لظهرت ~~منه العجائب، فسبحان من أذله بعجزه وضعفه وجهله، وأراه العبر فى نفسه لو ~~كان ذا بصر: كيف هو عاجز القدرة، جبار الإرادة، عبد مربوب، مدبر مملوك ليس ~~له من الأمر شيء، وهو مع ذلك ينازع الله ربوبيته وحكمته وتدبيره، لا يرضى ~~بما رضى الله به، ولا يسكن عند مجارى أقداره، بل هو عبد ضعيف مسكين يتعاطى ~~الربوبية، فقير مسكين فى مجموع حالاته، ويرى نفسه غنيا، جاهل ظالم ويرى ~~نفسه عارفا محسنا، فما أجهله بنفسه وبربه، # PageV01P217 # وما أتركه لحقه [وأشده] إضاعته لحظه، ولو أحضر رشده لرأى ناصيته ونواصى ~~الخلائق بيد الله سبحانه وتعالى يحفظها ويرفعها كيف [شاء] وقلوبهم بيده ~~سبحانه وفى قبضته يقلبها كيف يشاء، يزيغ منها من يشاء ويقيم من يشاء، ولكان ~~هذا غالبا على شهود قلبه فيغيب به عن مشيئاته وإرادته واختياره، ولعرف أن ~~التدبير والركون إلى حول العبد وقوته من الجهل بنفسه وبربه، فينفى العلم ~~بالله الجهل عن قلبه، فتمحى منه الإرادات والمشيئات والتدبيرات، ويفوضها ~~إلى مالك القلوب والنواصى، فصير بذلك عبدا لربه تقلبه يد القدرة، ويصير ابن ~~وقته لا ينتظر وقتا آخر يدبر [نفسه فيه] ، لأن ذلك الوقت بيد موقته، فيرى ~~نفسه بمنزلة الميت فى قبره ينتظر ما يفعل به، مستسلم لله منقطع المشيئة ~~والاختيار. # هذا ما يجرى على أحدهم من فعل الله وحكمه وقضائه الكونى، فإذا جاء الأمر ~~جاءت الإرادة والاختيار [السعى والجد] واستفراغ الفكر وبذل ms237 الجهد، فهو قوى ~~حى فعال يشاهد عبودية مولاه فى أمره، فهو متحرك فيها بظاهره وباطنه قد أخرج ~~مقدوره من القوة إلى الفعل، وهو مع ذلك مستعين بربه قائم بحوله وقوته ملاحظ ~~لضعفه وعجزه قد تحقق بمعنى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، فهو ~~ناظر بقلبه إلى مولاه الذى حركه، مستعين به فى أن يوفقه لما يحبه ويرضاه، ~~عينه فى كل لحظة شاخصة إلى حقه المتوجه عليه لربه ليؤديه فى وقته على أكمل ~~أحواله، فإذا وردت عليهم أقداره التى تصيبهم بغير اختيارهم قابلوها ~~بمقتضاها من العبودية، وهم فيها على مراتب ثلاثة: # إحداها: الرضا عنه فيها والمزيد من حبه والشوق إليه، وهذا نشأ من ~~مشاهدتهم للطفه فيها وبره وإحسانه العاجل والآجل، ومن مشاهدتهم حكمته فيها ~~ونصبها سببا لمصالحهم، وشوقهم بها إلى حبه ورضوانه، ولهم من ذلك مشاهد أخر ~~لا تسعها العبارة وهى فتح من الله على العبد لا يبلغه علمه ولا عمله. # المرتبة الثانية: شكره عليها كشكره على النعم وهذا فوق الرضا عنه بها ~~ومنه ينتقل إلى هذه المرتبة، فهذه مرتبتان لأهل هذا الشأن. # والثالثة: للمقتصدين وهى مرتبة الصبر التى إذا نزل منها نزل إلى نقصان ~~الإيمان وفواته من التسخط والتشكى، واستبطاء الفرج، واليأس من الروح والجزع ~~الذى لا يفيد إلا فوات الأجر وتضاعف المصيبة. # فالصبر أول منازل الإيمان ودرجاته وأوسطها وآخرها، فإن صاحب الرضا والشكر ~~لا يعدم الصبر فى مرتبته، بل الصبر # PageV01P218 # معه وبه يتحقق الرضا والشكر، [و] لا تصور ولا تحقق لهما دونه، وهكذا كل ~~مقام مع الذى فوقه، كالتوكل مع الرضا، وكالخوف والرجاء مع الحب، فإن المقام ~~لا ينعدم بالترقى إلى الآخر ولو عدم لخلفه ضده، وذلك رجوع إلى نقص الطبيعة ~~وصفات النفس المذمومة، وإنما يندرج حكمه فى المقام الذى أعلى منه فيصير ~~الحكم له كما يندرج مقام [المتوكل] فى مقام المحبة والرضا، وليس هذا كمنازل ~~سير الأبدان الذى إذا قطع منها منزلا خلفه وراء ظهره واستقبل المنزل الآخر ~~معرضا عن الأول بارتحاله، بل هذا كمنزلة التاجر الذى كلما باع ms238 شيئا من ماله ~~وربح فيه، ثم باع الثانى وربح فقد ربح بهما معا، وهكذا أبدا يكون ربحه فى ~~كل صفقة متضاعفا بانضمامه إلى ما قبله، فالربح الأول اندرج فى الثانى ولم ~~يعدم. # فتأمل هذا الموضع واعطه حقه يزل عنك ما يعرض من الغلط فى علل المقامات ~~وتعلم أن دعوى المدعى أنها من منازل العوام ودعوى أنها معلولة غلط من ~~وجهين، أحدهما: أن أعلى المقامات مقرون بأدناها مصاحب له كما تقدم، متضمن ~~له تضمن الكل لجزئه، أو مستلزم له استلزام الملزوم للازمه لا ينفك عنه ~~أبدا، ولكن لاندراجه فيه وانطواء حكمه تحته يصير المشهد والحكم للعالى. # الوجه الثانى: أن تلك المقامات والمنازل إنما [تكون فى] منازل العوام ~~وتعرض لها العلل بحسب متعلقاتها وغاياتها، فإن كان متعلقها وغاياتها بريئا ~~من شوائب العلل وهو أجل متعلق وأعظمه فلا علة فيها بحال، وهى من منازل ~~الخواص [حينئذ وإن كان متعلقا خطأ للعبد أو أمرا موشبا بخطه فهى معلولة] من ~~جهة تعلقها بحظه ولنذكر لذلك أمثلة # المثال الأول: الإرادة، فإن الله جعلها من منازل صفوة عباده، وأمر رسوله ~~أن يصبر نفسه مع أهلها فقال: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشى يريدون وجهه} [الكهف: 28] وقال تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى ~~إلا ابتغاء وجه الله} [الليل 19-20] ، وقال حكاية عن أوليائه قولهم: {إنما ~~نطعمكم لوجه الله} [الإنسان: 9] ، وهى لام التعليل الداخلة على الغايات ~~المرادة، وهى كثيرة فى القرآن، فقالت طائفة: الإرادة حلية العوام، وهى ~~تجريد القصد، وجزم النية، والجد فى الطلب، وذلك # PageV01P219 # غيره فى طريق الخواص: [نقص و] تفرق، ورجوع إلى النفس. # فإن إرادة العبد عين حظه وهو رأس الدعوى، وإنما الجمع والوجود فيما يراد ~~بالعبد لا فيما يريد، كقوله تعالى: {وإن يردك بخير فلا راد لفضله} ~~[يونس:107] ، فيكون مراده ما يراد به واختياره ما اختير له، إذ لا إرادة ~~للعبد مع سيده ولا نظر، كما قال: # أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد # ومن هذا قول أبى [يزيد] : قيل لى ms239 ما تريد؟ قلت أريد أن لا أريد، لأنى أنا ~~المراد وأنت المريد. # فيقال ليس المراد من "العوام" فى كلامهم العامة الجهال، وإنما مرادهم ~~بهذه اللفظة عموم السالكين، دون أهل الخصوص الواصلين منازل [إلى] الفناء ~~وعين الجمع. وإذا عرف هذا فالكلام على ما ذكر فى الإرادة من وجه: # أحدها: أن الإرادة هى مركب العبودية، وأساس بنائها الذى لا تقوم إلا ~~عليه، فلا عبودية لمن لا إرادة له، بل أكمل الخلق أكملهم عبودية ومحبة ~~وأصحهم حالا وأقومهم معرفة وأتمهم إرادة، فكيف يقال: إنها حلية العوام أو ~~من منازل العوام. # الوجه الثانى: أنه يلزم من هذا أن تكون المحبة من منازل العوام، وتكون ~~معلولة أيضا لأنها إرادة تامة للمحبوب ووجود المحبة بلا إرادة كوجود ~~الإنسانية من غير حيوانية وكوجود مقام الإحسان بدون الإيمان [والإسلام] ، ~~فإذا كانت الإرادة معلولة وهى من منازل العوام لزم أن تكون المحبة كذلك. # فإن قيل: المحبة التى لا علة فيها هى تجرد المحب عن الإرادة وفناؤه ~~بإرادة محبوبه عن إرادته، قيل: هذا هو حقيقة الإرادة أن يبقى مراده مراد ~~محبوبه، فلو لم يكن مريدا لمراد محبوبه لم يكن موافقا له فى الإرادة. # والمحبة هى موافقة المحبوب فى إرادته فعاد الأمر إلى ما أشرنا إليه أن ~~المعلول من ذلك ما تعلق بحظ المريد دون محبوبه، فإذا صارت إرادته موافقة ~~لإرادة محبوبه لم تكن تلك الإرادة من منازل العوام ولا معلولة، بل هذه أشرف ~~منازل الخواص وغاية مطالبهم، وليس وراءها إلا التجرد عن كل إرادة والفناء ~~بشهوده عن إرادة ما يريد، وهذا هو الذى يشير إليه السالكون إلى منازل ~~الفناء ويجعلونه غاية الغايات، وهذا عند أهل الكمال نقص وتغيير فى وجه ~~المحبة وهضم لجانب العبودية وفناء بحظ المحب من مشاهدته # PageV01P220 # جمال محبوبه وفنائه فيه عن حق المحبوب ومراده، فهو الوقوف مع نفس الحظ ~~والهروب عن حق المحبوب ومراده، وهل مثل هذا إلا كمثل رجلين ادعيا محبة ملك ~~فحضرا بين يديه فقال: ما تريدان؟ فقال أحدهما: أريد أن لا أريد شيئا بل ms240 ~~أفنى عن إرادتى وأكون أنا المراد وأنت تريد بى ما تشاء. # وقال الآخر: [بل] أريد أن أنفق أنفاسى وذراتى فى محابك ومرضاتك منفذا ~~لأوامرك مشمرا فى طاعتك: أتوجه حيث توجهين وأفعل ما تأمرنى، هذا الذى ~~أريده. # فقال للآخر: وأنا أريد منك أن تفعل مثل هذا، فإنى سأبعثكما فى أشغالى ~~ومهماتى، فأما أحدهما فقال: لا حظ لى سوى اتباع مرضاتك والقيام بحقوقك، ~~وقال الآخر: لا أريد إلا مشاهدتك والنظر إليك والفناء فيك، فهل يكونان فى ~~نظره سواء، وهل تستوى منزلتهما عنده؟ ولو أنعموا النظر لعلموا أن صاحب ~~الفناء هو طالب [الحظ] الواقف معه، وأن الآخر وإن لم ينسلخ من الحظ ولكن ~~حظه مراد المحبوب منه لا مراده هو من المحبوب، وبين الأمرين من الفرق كما ~~بين الأرض والسماء. # فالعجب ممن يفضل صاحب الحظ الذى يريده من محبوبه على من صار حظه مراد ~~محبوبه منه، بل الفناء الكامل أن يفنى بإرادته عن إرادة [ما] سواه وبحبه عن ~~حب ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبالتوكل عليه ~~عن التوكل على ما سواه، ليس أن تفنى بحظك منه عن مراده منك. وهذا موضع ~~يشتبه علما وحالا وذوقا إلا على من فتح الله عليه بفرقان بين هذا وهذا. # الوجه الثالث: أن الإرادة إنما تكون ناقصة بحسب نقصان المراد، فإذا كان ~~مرادها أشرف [المراد] فإرادته أشرف الإرادات، ثم إذا كانت الوسيلة إليه أجل ~~الوسائل وأنفعها وأكملها فإرادتها كذلك، فلا تخرج إرادته عن إرادة أشرف ~~الغايات وإرادة أقرب الوسائل إليه وأنفعها، فأى علة فى هذه الإرادة وأى شيء ~~فوقها للخواص؟ # الوجه الرابع: أن نقصان الشيء يكون من وجهين، أحدهما: أن يوجب ضررا، ~~والثانى: أن تكون له ثمرة نافعة، لكن يشغل عما هو أكمل منه، وكلاهما منتف ~~عن الإرادة، فكيف تكون ناقصة معلولة؟ فإن قيل: لما كان الوقوف معها رجوعا ~~إلى النفس وتفرقا ووقوفا مع حظ المريد كانت ناقصة، قيل: هذا منشأ الغلط. # وجوابه بالوجه الخامس: وهو أن يقال: قوله: "إن [الإرادة] ms241 تفرق"، فإن ~~أردتم # PageV01P221 # بالتفرق شهود المريد لإرادته [لمرادته] ولعبوديته ولمعبوده ولمحبته ~~ولمحبوبه فلم قلتم: إن هذا التفرق نقص؟ وهل هذا إلا عين الكمال، وهل تتم ~~العبودية إلا بهذا؟ فإن من شهد عبوديته وغاب بها عن معبوده كان محبوبا، ومن ~~شهد المعبود وغاب به عن شهود عبوديته وقيامه بما أمره به كان ناقص العبودية ~~ضعيف الشهود، وهل الكمال إلا شهود المعبود مع شهود عبادته، فإنها [عين] حقه ~~ومراده ومحبوبه من عبده، فهل يكون شهود العبد لحق محبوبه ومراده منه وأنه ~~قائم به ممتثل له نقصا، ويكون غيبته عن ذلك وإعرضه عنه وفناؤه عن شهوده ~~كمالا، وهل هذا إلا قلب للحقائق؟ فغاية صاحب هذا الحال والمقام أن يكون ~~معذورا بضيق قلبه عن شهود هذا، وهذا إما لضعف المحل أو لغلبة الوارد وعجزه ~~عن احتمال شيء آخر معه، [فأما] أن يكون هذا هو الكمال المطلوب والآخر نقص ~~فكلا. # وأين مقام من يشهد عبوديته ومنة الله عليه فيها وتوفيقه لها وجعله محلا ~~وآلة [لها]- وهو ناظر مع ذلك إلى معبوده بقلبه، شاهدا له، فانيا عن شهود ~~غيره فى عبوديته- من مقام من لا يتسع لهذا وهذا؟ وتأمل حال أكمل الخلق ~~وأفضلهم وأشدهم حبا لله [صلى الله عليه وسلم] كيف كان فى عبادته جامعا بين ~~الشهودين، حتى كان لا يغيب عن أحوال المأمومين فضلا عن شهود عبادته، فكان ~~يراعى أحوالهم وهو فى ذلك المقام بين يدى ربه سبحانه، فالكلمة من أمته [عن] ~~منهاجه وطريقته [فى ذلك] صلى الله عليه وسلم، فالواجب التمييز بين المراتب ~~وإعطاء كل ذى حق حقه، فقد جعل الله لكل شيء قدرا. # وإن أردتم بالتفرق شتات القلب فى شعاب الحظوظ وأودية الهوى، فهذه الإرادة ~~لا تستلزم شيئا من ذلك، بل هى جمعية القلب على المحبوب وعلى محابه ~~ومراداته، ومثل هذا التفرق هو عين البقاء ومحض العبودية ونفس الكمال، وما ~~عداه فمحض حظ العبد لا حق محبوبه. # الوجه السادس: أن قوله: "إن الإرادة رجوع إلى النفس، وإن إرادة العبد عين ~~حظه" كلام فيه إجمال وتفصيل، ms242 فيقال: ما تريدون بقولكم: "إن الإرادة رجوع ~~إلى النفس"؟ أتريدون أنها رجوع عن إرادة الرب وإرادة محابه إلى إرادة النفس ~~وحظوظها، أم تريدون أنها رجوع إلى إرادة النفس لربها ولمرضاته؟ فإن أردتم ~~الأول علم أن هذه الإرادة معلولة ناقصة فاسدة، ولكن ليست هذه الإرادة التى ~~نتكلم فيها. # وإن أردتم المعنى الثانى فهو عين الكمال، وإنما النقصان خلافه. # PageV01P222 # الوجه السابع: أن قولكم: "إن هذه الإرادة عين حظ العبد" قلنا: نعم وهى ~~أكبر حظ له وأجله وأعظمه، وهل للعبد حظ أشرف من أن يكون الله وحده إلهه ~~ومعبوده ومحبوبه ومراده؟ فهذا هو الحظ الأوفر والسعادة العظمى، ولكن لم ~~قلتم: "إن اشتغال العبد بهذا الحظ نقص [فى] حقه"، وهل فوق هذا كمال فيطلبه ~~العبد؟ ثم يقال: لو كان فوقه شيء أكمل منه لكان اشتغال العبد به وطلبه إياه ~~اشتغالا بحظه أيضا، فيكون ناقصا، فأين الكمال؟ فإن قلتم: فى تركه حظوظه ~~كلها، قيل لكم: وتركه هذا الحظ أيضا هو من حظوظه، فإنه [لا] يبقى معطلا ~~فارغا خاو من الإرادة أصلا، بل لا بد له من إرادة ومراد، وكل إرادة [عندكم] ~~رجوع إلى الحظ، فأى [شيء إشتغل] به وبإرادته كان وقوفا عن حظه، فيالله ~~العجب متى يكون عبدا محضا خالصا لربه؟ # يوضح هذا الوجه الثامن: أن الحى لا ينفك عن الإرادة ما دام شاعرا بنفسه، ~~وإنما ينفك عنها إذا غاب عنه شعوره بعارض من العوارض، فالإرادة من لوازم ~~الحياة فدعوى أن الكمال فى التجرد عنها دعوى باطلة مستحيلة طبعا وحسا، بل ~~الكمال فى التجرد عن الإرادة التى تزحم مراد المحبوب، لا عن الإرادة التى ~~توافق مراده. # الوجه التاسع: قوله: "الجمع والوجود فيما يراد بالعبد لا فيما يريد ... ~~إلخ" فيقال: هذا على نوعين، أحدهما: ما يراد بالعبد من المقدور الذى يجرى ~~عليه بغير اختياره كالفقر والغنى والصحة والمرض والحياة والموت وغير ذلك، ~~فهذا، لا ريب أن الكمال فناء العبد فيه عن إرادته، ووقوفه مع ما يراد به لا ~~يكون له إرادة تزاحم إرادة الله منه، كحال ms243 الثلاثة الذين قال أحدهم: أنا ~~أحب الموت للقاء الله، وقال الآخر: أحب البقاء لطاعته وعبادته، فقال ~~الثالث: غلطتما، ولكن أنا أحب من ذلك ما يحب، فإن كان يحب إماتتى أحببت ~~الموت، وإن كان يحب حياتى أحببت الحياة، فأنا أحب ما يحبه من الحياة ~~والموت. # فهذا أكمل [منهما] وأصح حالا فيما يراد بالعبد والنوع الثانى ما يراد من ~~العبد من الأوامر والقربات، فهذا ليس الكمال إلا فى إرادته، وإن فرقته فهو ~~مجموع فى تفرقته متفرق فى جمعيته، وهذا حال [الكمل] من الناس: متفرق ~~الإرادة فى الأمر، مجتمع على الأمر- فهو مجموع عليه متفرق فيه- ولا يكون ~~فعل المرادات المختلفة بإرادة واحدة بالعين، وإنما غايتها أن تكون هنا ~~إرادتان: إحداهما إرادة واحدة للمراد # PageV01P223 # والثانية: إرادات متفرقة لحقه ومحابه وما أمر به فهى، وإن تعددت وتكثرت ~~فمرجعها إلى مراد واحد بإرادة [واحدة] كلية وكل فعل منها له إرادة جزئية ~~محضة. # الوجه العاشر: أن قول أبى يزيد: "أريد أن لا أريد" تناقض بين، فإنه قد ~~أراد عدم الإرادة. فإذا قال: "أريد أن لا أريد" يقال له: فقد أردت، وأحسن ~~من هذا أن يكون الجواب: أريد ما يريد لا ما أريد، وإذا كان لا بد من إرادة ~~ففرق بين الإرادتين: إرادة سلب الإرادة، وإرادة موافقة المحبوب فى مراده. ~~والله أعلم. # الوجه الحادى عشر: أنه فسر الإرادة بتجريد القصد وجزم النية، والجد فى ~~الطلب. وهذا هو عين كمال [العبد] وهو متضمن للصدق والإخلاص والقيام ~~بالعبودية، فأى نقص فى تجريد القصد وهو تخليصه من كل شائبة نفسانية أو ~~طبيعية وتجريده لمراد المحبوب وحده، والجد فى طلبه وطلب مرضاته وجزم النية ~~وهو أن لا يعتريها وقفة ولا تأخير، وهذا الأمر هو غاية منازل الصديقين، ~~وصديقية العبد بحسب رسوخه فى هذا المقام، وكلما ازداد قربه وعلا مقامه قوى ~~عزمه وتجرد صدقه، فالصادق لا نهاية لطلبه ولا فتور لقصده، بل قصده أتم ~~وطلبه أكمل ونيته. قال تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر:99] ، ~~واليقين هنا الموت باتفاق [أهل] الإسلام، فجاء صلى الله ms244 عليه وسلم إذ جاءه ~~وإرادته وقصده ونيته فى الذروة العليا ونهاية كمالها وتمامها، فأين العلة ~~فى هذه الإرادة؟ ولكن العلة والنقص فى الإرادة التى يكون مصدرها النفس ~~والهوى، وغايتها نيل حظ المريد من محبوبه، وإن كان المحبوب يريد ذلك لكن ~~غيره أحب إليه منه، وهو أن يكون مراده محض حق محبوبه وحصول مرضاته، فانيا ~~عن حظه هو من محبوبه، بل قد صار حظه منه نفس حقه ومراده، فهذه هى الإرادة ~~والمحبة التى لا علة فيها ولا نقص. # نسأل الله تعالى أن يمن علينا ويحيينا ولو بنفس منها، كما من بتعليمها ~~ومعرفتها إنه جواد كريم. # الوجه الثانى عشر: أنه قال بعد هذا: "فصحة الإرادة بذل الوسع واستفراغ ~~الطاقة مع ترك الاختيار والسكون إلى مجارى الأقدار، فيكون كالميت بين يدى ~~الغاسل يقلبه كيف يشاء فأين هذا من قوله: "وذلك فى طريق الخواص نقص وتفرق"، ~~وهل # PageV01P224 # يكون بذل الوسع واستفراغ الطاقة إلا مع تمام الإرادة؟ وإنما الذى يفرض له ~~النقص من الإرادة نوعان: أحدهما إرادة مصدرها طلب الحظ، والثانى اختياره ~~فيما يفعل به بغير اختياره. # فعن هاتين الإرادتين ينبغى الفناء، وفيهما يكون النقص، فالكمال ترك ~~الاختيار فيهما، والسكون إلى مراد المحبوب وحقه فى الأولى، وإلى مجارى ~~أقداره وحكمه فى الثانية، فيكون فى الأولى حيا فعالا منازعا لقواطعه عن ~~مراد محبوبه، وفى الثانية كالميت بين يدى الغاسل يقلبه كيف يشاء. # وبهذا التفصيل ينكشف سر هذه المسألة، ويحصل التمييز بين محض العبودية وحظ ~~النفس. والله الموفق للصواب. # فصل # المثال الثانى: الزهد. قال أبو العباس [رحمه الله] : "هو للعوام أيضا، ~~لأنه حبس النفس عن الملذوذات، وإمساكها عن فضول الشهوات، ومخالفة دواعى ~~الهوى، وترك ما لا يغنى من الأشياء وهذا نقص فى طريق الخاصة، لأنه تعظيم ~~للدنيا واحتباس عن انتقادها، وتعذيب للظاهر بتركها مع تعلق الباطن بها ~~والمبالاة بالدنيا عين الرجوع إلى ذاتك، وتضييع الوقت فى منازعة نفسك ~~[وشهود] جنسك وبقائك معك، ألا ترى إلى من أعطاه الله الدنيا بحذافيرها، كيف ~~قال: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك ms245 بغير حساب} [سورة ص: 39] ، وذلك حيث عافى ~~باطنه من شهودها، وظاهره من التعلق بها. # فالزهد صرف الرغبة إليه وتعلق الهمة به والاشتغال به عن كل شيء يشغل عنه، ~~ليتولى هو حسم هذه الأسباب عنك. كما قيل: إن بعض المريدين سأل بعض المشايخ ~~فقال: أيها الشيخ، بأى شيء تدفع إبليس إذا قصدك بالوسوسة؟ فقال الشيخ: إنى ~~لا أعرف إبليس فأحتاج إلى دفعه، نحن قوم صرفنا هممنا إلى الله فكفانا ما ~~دونه. وكما قال: # تسترت عن دهرى بظل جناحه ... فعينى ترى دهرى وليس يراني # فلو تسأل الأيام ما اسمى ما درت ... وأين مكانى ما عرفن مكاني # فيقال: الكلام على هذا من وجوه: # إحداها: أن جعل الزهد للعوام لما ذكره إنما يتم إذا كان الزهد ملزوما ~~لمنازعة النفس ومجاذبتها لدواعى الشهوة والهوى، وحينئذ فيكون قلبه مشغولا ~~بتلك الدواعى والجواذب ونفسه تطالبه بها وزهده يأمره باجتنابها. ولا ريب أن ~~فوق هذا مقاما أعلى منه، وهو طمأنينة نفسه وسكونها إلى محبوبها وانجذاب ~~دواعيها إلى محابه ومرضاته، وهذا للخواص من المؤمنين. # ولكن هذه المنازعة غير # PageV01P225 # لازمة للزهد، وإن كان لا بد منها فى حكم الطبيعة لتحقق الابتلاء ~~والامتحان، وليتحقق ترك العبد حظه وهواه لربه إيثارا له على هواه ونفسه. # الثانى: أنه لو كانت هذه المنازعة وحبس النفس عن الملذوذات من لوازم ~~الزهد لم يكن فيها نقص ولا علة، فإنها من لوازم الطبيعة وأحكام الجبلة، وهى ~~كالجوع والعطش والألم والتعب، فحبس النفس عن إجابة دواعيها إيثارا لله ~~ومرضاته عليها لا يكون نقصا ولا مستلزما لنقص. # وقد اختلف أرباب السلوك [وأهل الطريق] هنا فى هذه المسألة، وهى أيهما ~~أفضل: من له داعية وشهوة وهو يحبسهما لله ولا يطيعهما حبا له وحياء [منه] ~~وخوفا، أو من لا داعية له تنازعه بل نفسه خالية من تلك الدواعى والشهوة، ~~وقد اطمأنت إلى ربها واشتغلت به عن غيره، وامتلأت بحبه وإرادته، فليس فيها ~~موضع لإرادة غيره ولا حبه؟ فرجحت طائفة الأول وقالت: هذا يدل على قوة تعلقه ~~وشدة محبته، فهو يعاصى دواعى ms246 الطبع والشهوة ويقهرها بسلطان محبته وإرادته ~~وخوفه من الله، وهذا يدل على تمكنه من نفسه وتمكن حاله مع الله وغلبة داعى ~~الحق عنده على داعى الطبع والنفس. # قالوا: وأيضا فله مزيد فى حاله وإيمانه بهذا الإيثار والترك مع حضور داعى ~~الفعل عنده، ومزيد مجاهدة عدوه الباطن ونفسه وهواه، كما يكون له مزيد ~~مجاهدة عدوه الظاهر. # قالوا: والذوق والوجد يشهد لمزيده من الحب والأنس والسرور والفرح بربه ~~عند إيثاره على دواعى الهوى والنفس، والمطمئن الذى ليس فيه هذا الداعى ليس ~~له مزيد من هذه الجهة، وإن كان مزيده من جهة أخرى فهى مشتركة بينهما، ويختص ~~هذا بمزيده من الإيثار والمجاهدة. # قالوا: وأيضا فهذا مبتلى بهذه الدواعى والإرادات، [وذاك] معافى منها. # وقد جرت سنة الله فى المؤمنين من عباده أن يبتليهم على حسب إيمانهم، فمن ~~ازداد إيمانه زيد فى بلائه كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"يبتلى المرء على حسب دينه، فإن كان فى دينه صلابة شدد عليه البلاء، وإن ~~كان فى دينه رقة خفف عنه البلاء". # والمراد بالدين هنا: الإيمان الذى يثبت عند نوازل البلاء، فإن المؤمن ~~يبتلى على قدر ما يحمله إيمانه من وارد البلاء. قالوا: فالبلاء بمخالفة ~~دواعى النفس والطبع من أشد البلاء، فإنه لا يصبر عليه الصديقون. # وأما البلاء الذى يجرى على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والعطش ~~ونحوها، فالصبر عليه لا يتوقف على الإيمان، بل يصبر عليه البر والفاجر لا ~~سيما إذا علم أنه # PageV01P226 # لا معول له إلا الصبر، فإنه إن لم يصبر اختيارا صبر اضطرارا. # ولهذا كان بين ابتلاء يوسف الصديق [صلى الله عليه وسلم] بما فعل به إخوته ~~من الأذى والإلقاء فى الجب وبيعه بيع العبيد والتفريق بينه وبين أبيه، ~~وابتلائه بمراودة المرأة [له] وهو شاب عزب غريب بمنزلة العبد لها وهى ~~الداعية [له] إلى ذلك، فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاء، فإن ~~الشباب داع إلى الشهوة والشاب قد يستحى من أهله ومعارفه من قضاء وطره، فإذا ~~صار ms247 فى دار الغربة زال ذلك الاستحياء والاحتشام، وإذا كان عزبا كان أشد ~~لشهوته، وإذا كانت المرأة هى الطالبة كان أشد وإذا كانت جميلة كان أعظم، ~~فإن كانت ذات منصب كان أقوى فى الشهوة، فإن كان ذلك فى دارها وتحت حكمها ~~بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ، فإن استوثقت بتغليق الأبواب ~~والاحتفاظ من الداخل كان أقوى أيضا للطلب، فإن كان الرجل مملوكها وهى ~~كالحاكمة عليه الآمرة الناهية [له] كان أبلغ فى الداعى، فإذا كانت المرأة ~~شديدة العشق والمحبة للرجل قد امتلأ قلبها من حبه، [فهذا] الابتلاء الذى ~~صبر معه مثل الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم صلوات الله عليهم ~~أجمعين. # ولا ريب أن هذا الابتلاء أعظم من الابتلاء الأول، بل هو من جنس ابتلاء ~~الخليل بذبح ولده، إذ كلاهما ابتلاء بمخالفة الطبع ودواعى النفس والشهوة ~~ومفارقة حكم [الطبع] ، وهذا بخلاف البلوى التى أصابت ذا النون. والتى أصابت ~~أيوب [صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين] . # قالوا: وأيضا فإن هذه هى النكتة التى من أجلها كان صالح البشر أفضل من ~~الملائكة لأن الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب [و] دواعى [النفوس] والشهوات ~~البشرية، فهى صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق، [و] هى كالنفس للحى، ~~وأما عبادات البشر فمع منازعات النفوس وقمع الشهوات ومخالفة دواعى الطبع، ~~فكانت أكمل، ولهذا كان أكثر الناس على تفضيلهم على الملائكة لهذا المعنى ~~ولغيره، فمن لم يخلق له تلك الدواعى والشهوات فهو بمنزلة الملائكة، ومن ~~خلقت له وأعانه الله على دفعها وقهرها وعصيانها كان أكمل وأفضل. # قالوا: وأيضا فإن حقيقة المحبة إيثار المحبوب ومرضاته على ما سواه. # قالوا: وكيف يصح الإيثار ممن لا تنازعه نفسه وطبعه إلى غير المحبوب. # قالوا: وليس العجب من قلب خال عن الشهوات والإرادات قد ماتت دواعى طبعه ~~وشهوته إذا عكف على محبوبه ومعبوده واطمأن إليه واجتمعت همته، [عليه] وإنما ~~العجب من قلب قد ابتلى [بما ابتلى] به من # PageV01P227 # الهوى والشهوة ودواعى الطبيعة مع قوة سلطانها وغلبتها وضعفه وكثرة الجيوش ~~التى تغير ms248 على قلبه كل وقت إذا آثر ربه ومرضاته على هواه وشهوته ودواعى ~~طبعه، فهو هارب إلى ربه من بين تلك الجيوش، وعاكف عليه فى تلك الزعازع ~~والأهوية التى تغشى على الأسماع والأبصار والأفئدة يتحمل منها لأجل محبوبه ~~ما لا تتحمله الجبال الراسيات. # قالوا: وأيضا فنهى النفس عن الهوى عبودية خاصة لها تأثير خاص، وإنما يحصل ~~إذا كان ثم ما ينهى عنه النفس. # قالوا: وأيضا فالهوى عدو الإنسان، فإذا قهر عدوه وصار تحت قبضته وسلطانه ~~كان أقوى وأكمل ممن لا عدو له يقهره. # قالوا: ولهذا كان حال النبى صلى الله عليه وسلم فى قهره قرينه حتى انقاد ~~وأسلم له فلم يكن يأمره إلا بخير أكمل من حال عمر حيث كان الشيطان إذا رآه ~~يفر منه وكان إذا سلك فجا سلك غير فجه. # وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: كيف لا يقف الشيطان لعمر بل يفر ~~منه، ومع هذا قد تفلت على النبى صلى الله عليه وسلم وتعرض له وهو فى الصلاة ~~وأراد أن يقطع عليه الصلاة؟ ومعلوم أن حال الرسول أكمل وأقوى. # والجواب ما ذكرناه: أن شيطان عمر كان يفر منه فلا يقدر أحدهما على قهر ~~صاحبه، وأما الشيطان الذى تعرض للنبى صلى الله عليه وسلم فقد أخذه وأسره ~~وجعله فى قبضته كالأسير، وأين من يهرب منه عدوه فلا يظفر به إلى من يظفر ~~بعدوه فيجعله فى أسره وتحت يده وقبضته، فهذا ونحوه مما احتج به أرباب هذا ~~القول. # واحتج أرباب القول الثانى- وهم الذين رجحوا من لا منازعة فى طباعه ولا ~~هوى له يغالبه- بأن قالوا: كيف تستوى النفس المطمئنة إلى ربها العاكفة على ~~حبه التى لا منازعة فيها أصلا ولا داعية تدعوها إلى الإعراض عنه، والنفس ~~المشغولة بمحاربة هواها ودواعيها وجواذبها؟ قالوا: وأيضا ففى الزمن الذى ~~يشتغل هذا بنفسه ومحاربة هواه وطبعه يكون صاحب النفس المطمئنة قد قطع مراحل ~~من سيره وفاز بقرب فات صاحب المحاربة والمنازعة. # قالوا: وهذا كما لو كان رجلان مسافرين فى طريق فطلع على أحدهما قاطع ms249 ~~اشتغل بدفعه عن نفسه ومحاربته ليتمكن من سيره، والآخر سائر لم يعرض له ~~قاطع، بل هو على جادة سيره، فإن هذا يقطع من المسافة أكثر مما يقطع الأول ~~ويقرب إلى الغاية أكثر من قربه. قالوا: وأيضا فإن للقلب قوة يسير # PageV01P228 # بها، فإذا صرف تلك القوة فى دفع العوارض والدواعى القاطعة له عن السير ~~اشتغل قلبه بدفعها عن السير فى زمن المدافعة. قالوا: ولأن المقصود بالقصد ~~الأول إنما هو السير إلى الله، والاشتغال بدفع العوارض مقصود لغيره ~~فالاشتغال بالمقصود لنفسه أولى وأفضل من الاشتغال بالوسيلة، قالوا: وأيضا ~~فالعوارض المانعة للقلب من سيره هى من باب المرض، واجتماع القلب على الله ~~وطمأنينته به وسكونه إليه بلا منازع ولا جاذب ولا معارض هو صحته وحياته ~~ونعيمه، فكيف يكون القلب الذى [يعرض له مرض وهو مشغول بدوائه أفضل من القلب ~~الصحيح] لا داء به ولا علة؟ # قالوا: وأيضا، فهذه الدواعى والميول والإرادات التى فى القلب تقتضى جذبه ~~وتعويقه عن وجه سيره، وما فيه من داعى المحبة والإيمان يقتضى جذبه عن ~~طريقها فتتعارض الجواذب، فإن لم توقفه عوقته ولا بد، فأين السير بلا معوق ~~من السير مع المعوق؟ قالوا: وأيضا فالذى يسير العبد بإذن ربه إنما هو همته، ~~والهمة إذا علت وارتفعت لم تلحقها القواطع والآفات، كالطائر إذا علا وارتفع ~~فى الجو فات الرماة ولم يلحقه الحصا ولا البنادق ولا السهام، وإنما تدرك ~~هذه الأشياء للطائر إذا لم يكن عاليا، فكذلك الهمة العالية قد فاتت الجوارح ~~والكواسر، وإنما تلحق الآفات والدواعى والإرادات الهمة النازلة، فأما إذا ~~علت فلا تلحقها الآفات. # قالوا: وأيضا فالحس والوجود شاهد بأن قلب المحب متى خلا من غير المحبوب ~~واجتمعت شئونه كلها على محبوبه ولم يبق فيه التفات إلى غيره كان أكمل محبة ~~من القلب الملتفت إلى الرقباء المهتم بمحاربتهم ومدافعتهم والهرب منهم ~~والتوارى عنهم. # قالوا: فكم بين محب يجتاز على الرقباء فيطرقون من هيبته وخشيته ولا يرفع ~~أحد منهم رأسه إليه، وبين محب إذا اجتاز بالرقباء هاشوا عليه كالزنابير أو ms250 ~~كالكلاب فاشتغل بدفعهم وحرابهم أو جد فى الهرب منهم، فكيف يسوى هذا بهذا، ~~أم كيف يفضل عليه مع هذا التباين؟ # قالوا: وأيضا فالمحبة الخالصة الصادقة حقيقتها أنها نار تحرق من القلب ما ~~سوى مراد المحبوب، وإذا احترق ما سوى مراده عدم وذهب أثره، فإذا بقى فى ~~القلب شيء من سوى مراده لم تكن المحبة تامة ولا صادقة، بل هى محبة مشوبة ~~بغيرها، فالمحب الصادق ليس فى قلبه سوى مراد محبوبه حتى ينازعه ويدافعه، ~~والآخر فى قلبه # PageV01P229 # بقية لغير المحبوب فهو جاهد على إخراجها وإعدامها. # قالوا: وأيضا فالواردات الإلهية ترد على القلوب على قدر استعدادها ~~وقبولها، فإذا صادفت القلب فارغا خاليا من العوارض والمنازعات ودواعى الطبع ~~والهوى ملأته على قدر فراغه، وإذا امتلأ منها لم يبق لأضدادها وأعدائها فيه ~~مسلك، وإذا صادفت فيه موضعا مشغولا بغيرهم من الأغيار لم يساكن ذلك الموضع ~~فيدخل الضد والعدو من تلك الثلمة، كما قال القائل: # لا كان من لسواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه العذل # وقال: # ومهما بقى للصحو فيه بقية ... يجد نحوك اللاحى سبيلا إلى العذل # قالوا: وأيضا فدواعى الطبع وإرادات النفس وشهواتها مصدرها إما جهل وإما ~~ضعف، فإنها لا تصدر إلا من جهل العبد بآثارها وموجباتها، أو يكون عالما ~~بذلك، لكن فيه ضعف وعجز يمنعه عن محوها من قلبه بالكلية، وما كان سببه جهلا ~~أو عجزا لا يكون كمالا ولا مستلزما لكمال، وأما القلب الخالى منها ومن ~~الاشتغال بدفعها فقلب شريف قوى علوى رفيع. قالوا: وأيضا فهذه الإرادات ~~والدواعى لا تسير العبد، بل إما أن تنسكه إن أجابها، وإما أن تعوقه وتوقفه ~~إن اشتغل بمدافعتها، وأما إرادات القلب السليم منها والنفس المطمئنة بربها، ~~فكل إرادة منها تسير به مراحل على مهلة، فهو يسير رويدا وقد سبق السعادة ~~كما قيل: # من لى بمثل سيرك المذلل ... تمشى رويدا وتجيء فى الأول # قالوا: وأيضا فإن هذه الدواعى والإرادات إنما تحمد عاقبتها إذا ردت ~~صاحبها إلى حال السليم منها فيكون كماله فى تشبهه به وسيره معه، ms251 فكيف يكون ~~أكمل ممن كماله إنما هو فى تشبهه به؟ # قالوا: وأيضا فالنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة. # والنفس الأمارة هى المطيعة لدواعى طباعها وشهواتها، فمبادئ كونها أمارة ~~هى تلك الدواعى والإرادات فتستحكم فتصير عزمات، ثم توجب الأفعال. فمبدأ صفة ~~الذم فيها تلك الدواعى. وأما النفس المطمئنة فهى التى عدمت هذه المباديء ~~فعدمت غاياتها، فكيف تكون مباديء النفس الأمارة مما يوجب لها مزية على ~~النفس المطمئنة؟ فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة أيضا لقولها. # والحق أن كلا الطائفتين على صواب من القول، لكن كل فرقة لحظت غير ملحظ # PageV01P230 # الفرقة الأخرى، فكأنهما لم يتواردا على محل واحد، بل الفرقة الأولى نظرت ~~إلى نهاية سير المجاهد لنفسه وإرادته وما ترتب له عليها من الأحوال ~~والمقامات فأوجب لها شهود نهايته رجحانه فحكمت بترجيحه واستحلت بتفضيله، ~~والفرقة الثانية نظرت إلى بدايته فى شأنه ذلك ونهاية النفس المطمئنة فأوجب ~~لها شهود الأمرين الحكم بترجيح القلب الخالى من تلك الدواعى ومجاهدتها، وكل ~~واحدة من الطائفتين فقد أدلت بحجج لا تمانع، وأتت ببينات لا ترد ولا تدافع. # وفصل الخطاب فى هذه المسألة يظهر بمسألة يرتضع معها من لبانها ويخرج من ~~مشكاتها. # وهى أن العبد إذا كان له حال أو مقام مع الله ثم نزل عنه إلى ذنب ارتكبه ~~ثم تاب من ذنبه هل يعود إلى مثل ما كان؟ أو لا يعود، بل إن رجع رجع إلى ~~أنزل من مقامه وأنقص من رتبته؟ أو يعود خيرا مما كان؟ فقالت طائفة: يعود ~~بالتوبة إلى مثل حاله الأولى فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا محى ~~أثر الذنب بالتوبة صار وجوده كعدمه فكأنه لم يكن، فيعود إلى مثل حاله. ~~قالوا: ولأن التوبة هى الرجوع إلى الله بعد الإباق منه، فإن المعصية إباق ~~العبد من ربه، فإذا تاب إلى الله فقد رجع إليه وإذا كان مسمى التوبة هو ~~الرجوع، فلو لم يعد إلى حالته الأولى مع الله لم تكن توبته تامة، والكلام ~~إنما هو فى التوبة النصوح. # قالوا: ولأن ms252 التوبة كما ترفع أثر الذنب فى الحال بالإقلاع عنه وفى ~~المستقبل بالعزم على أن لا يعود فكذلك ترفع أثره فى الماضى جملة، ومن أثره ~~فى الماضى انحطاط منزلته عند الله ونقصانه عنده، فلابد من ارتفاع هذا الأثر ~~بالتوبة، وإذا ارتفع بها عاد إلى مثل حاله. # قالوا: ولأنه لو بقى نازلا من مرتبته منحطا عن منزلته بعد التوبة كما كان ~~قبلها لم تكن التوبة قد محت أثر الذنب ولا أفادت فى الماضى شيئا، وإن عاد ~~إلى دون منزلته ولم يبلغها فبلوغه تلك الدرجة إنما كان بالتوبة فلو ضعف ~~تأثير التوبة عن إعادته إلى منزلته الأولى لضعف عن تبليغه تلك المنزلة التى ~~وصل إليها، وإن لم تكن التوبة ضعيفة التأثير عن تبليغه تلك المنزلة لم تكن ~~ضعيفة التأثير عن إعادته إلى المنزلة الأولى. # قالوا: وأيضا ربط [فالله سبحانه ربط] الجزاء بالأعمال ربط الأسباب ~~بمسبباتها، فالجزاء من جنس العمل، فكما رجع التائب إلى الله بقلبه رجوعا ~~تاما رجع الله عليه بمنزلته وحاله، بل ما رجع العبد إلى الله حتى رجع ~~[الله] بقلبه إليه أولا فرجع الله إليه وتاب عليه ثانيا، فتوبة # PageV01P231 # العبد محفوفة بتوبتين من الله: توبة منه إذنا وتمكينا فتاب بها العبد، ~~وتاب الله عليه قبولا ورضى. فتوبة العبد بين توبتين من الله، وهذا يدل على ~~عنايته سبحانه وبره ولطفه بعبده التائب، فكيف يقال: إنه لا يعيده مع هذا ~~اللطف والبر إلى حاله؟ قالوا: وأيضا فإن التوبة من أجل الطاعات وأوجبها على ~~المؤمنين: وأعظمها عناء عنهم، وهم إليها أحوج من كل شئ، وهى من أحب الطاعات ~~إلى الله [سبحانه] فإنه يحب التوابين، ويفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم ~~فرح وأكمله، وإذا كانت بهذه المثابة فالآتى بها آت بما هو أفضل القربات ~~وأجل الطاعات، فإذا كان قد حصل له بالمعصية انحطاط ونزول مرتبة فبالتوبة ~~يحصل [له] مزيد تقدم وعلو درجة، فإن لم تكن درجته بعد التوبة أعلى فإنها لا ~~تكون أنزل. # قالوا: وأيضا فإنا إذا قابلنا بين جناية المعصية والتقرب بالتوبة وجدنا ms253 ~~الحاصل من التوبة [أرجح من الأثر الحاصل من المعصية والكلام إنما هو فى ~~التوبة] النصوح الكاملة، وجانب [العدل ولهذا كان من جانب العدل آحاد بآحاد ~~وجانب] الفضل أرجح من جانب الفضل آحاد بعشرات إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ~~وهذا يدل على رجحان جانب الفضل وغلبته، وكذلك مصدرهما من الغضب والرحمة فإن ~~رحمة الرب تغلب غضبه. # قالوا: وأيضا فالذنب بمنزلة المرض، والتوبة بمنزلة العافية، والعبد إذا ~~مرض ثم عوفى وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت، بل ربما رجعت أقوى ~~وأكمل مما كانت عليه، لأنه ربما كان معه فى حال العافية آلام وأسقام كامنة، ~~فإذا اعتل ظهرت تلك الأسقام ثم زالت بالعافية جملة فتعود قوته خيرا مما ~~كانت وأكمل، وفى مثل هذا قال الشاعر: # لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل # وهذا الوجه هو أحد ما احتج به من قال: أنه يعود خيرا بالتوبة مما كان قبل ~~التوبة واحتجوا لقولهم أيضا بأن التوبة تثمر للعبد محبة من الله خاصة لا ~~تحصل بدون التوبة، بل التوبة شرط فى حصولها، وإن حصل له محبة أخرى بغيرها ~~من الطاعات فالمحبة الحاصلة له بالتوبة لا تنال بغيرها، فإن الله يحب ~~التوابين، ومن محبته لهم فرحه بتوبة أحدهم أعظم فرح وأكمله، فإذا أثمرت له ~~التوبة هذه المحبة ورجع بها إلى طاعاته التى كان عليها أولا انضم أثرها إلى ~~أثر تلك الطاعات فقوى الأثران فحصل له المزيد من القرب والوسيلة وهذا بخلاف ~~ما يظنه من نقصت # PageV01P232 # معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذى ~~كان له منه قبل الجناية، واحتجوا فى ذلك بأثر إسرائيلى مكذوب أن الله قال ~~لداود عليه السلام: يا داود، أما الذنب فقد غفرناه، وأما الود فلا يعود. # وهذا كذب قطعا، فإن الود يعود [بعد] التوبة النصوح أعظم مما كان، فإنه ~~سبحانه يحب التوابين، ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته، وأيضا فإنه يفرح ~~بتوبة التائب، ومحال أن يفرح بها أعظم [فرح] وأكمله وهو لا يحبه. ms254 # وتأمل سر اقتران هذين الاسمين فى قوله تعالى: {إنه هو يبديء ويعيد وهو ~~الغفور الودود} [البروج: 13- 14] تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: لا ~~يعود الود والمحبة منه لعبده أبدا، ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه، وفى ~~ذلك ما يهيج القلب السليم ويأخذ بمجامعه ويجعله عاكفا على ربه- الذى لا إله ~~إلا هو ولا رب له سواه- عكوف المحب الصادق على محبوبه الذى لا غنى له عنه، ~~ولا بد له منه ولا تندفع ضرورته بغيره أبدا. # واحتجوا أيضا بأن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة لأن ~~الذنب يحدث له من الخوف والخشية والانكسار والتذلل لله والتضرع بين يديه ~~والبكاء على خطيئته والندم عليها والأسف [والإشفاق] ما هو من أفضل أحوال ~~العبد وأنفعها له فى دنياه وآخرته، ولم تكن هذه الأمور لتحصل بدون أسبابها ~~إذ حصول الملزوم بدون لازمة محال، والله يحب من عبده كسرته وتضرعه وذله بين ~~يديه واستعطافه وسؤاله أن يعفو عنه ويغفر له ويتجاوز عن جرمه وخطيئته، فإذا ~~قضى عليه بالذنب فترتبت عليه هذه الآثار المحبوبة له كان ذلك القضاء خيرا ~~له، وليس ذلك إلا للمؤمن. # ولهذا قال بعض السلف: # لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما أصاب بالذنب أكرم الخلق عليه. # وقيل: إن فى بعض الآثار يقول الله تعالى لداود عليه السلام: يا داود، كنت ~~تدخل على دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل على دخول العبيد على الملوك. # قالوا: وقد قال غير واحد من السلف: كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل ~~الخطيئة، قالوا: ولهذا قال سبحانه: {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مآب} [سورة ص: 25] ، فزاده على المغفرة أمرين: الزلفى وهى درجة القرب منه ~~وقد قال فيها سلف الأمة وأئمتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم، ومن ~~أراد معرفتها فعليه بتفاسير السلف. والثانى: حسن المآب وهو حسن المنقلب ~~وطيب المأوى عند الله. قالوا: ومن تأمل # PageV01P233 # زيادة القرب التى أعطيها داود بعد المغفرة علم صحة ما قلنا، وأن العبد ~~بعد التوبة ms255 يعود خيرا مما كان. # قالوا: وأيضا فإن للعبودية لوازم وأحكاما وأسرارا وكمالات لا تحصل إلا ~~بها ومن جملتها تكميل مقام الذل للعزيز الرحيم، فإن الله سبحانه يحب من ~~عبده أن يكمل مقام الذل له، وهذه هى حقيقة العبودية واشتقاقها يدل على ذلك، ~~فإن العرب تقول: طريق معبد أى مذلل بوطء الأقدام. # والذل أنواع: أكملها ذل المحب لمحبوبه، الثانى: ذل المملوك لمالكه، ~~الثالث: ذل الجانى بين يدى المنعم عليه المحسن إليه المالك له، الرابع: ذل ~~العاجز عن جميع مصالحه وحاجاته بين يدى القادر عليها التى هى فى يده ~~وبأمره. # وتحت هذا قسمان: أحدهما: ذل له فى أن يجلب له ما ينفعه. والثانى: ذل له ~~فى أن يدفع [عنه] ما يضره على الدوام. ويدخل فى هذا ذل المصائب كالفقر ~~والمرض وأنواع البلاء والمحن. # فهذه خمسة أنواع من الذل إذا وفاها العبد حقها وشهدها كما ينبغى وعرف ما ~~يراد به منه وقام بين يدى ربه مستصحبا لها شاهدا لذله من كل وجه ولعزة ربه ~~وعظمته وجلاله كان قليل أعماله قائما مقام الكثير من أعمال غيره. # قالوا: وهذه أسرار لا تدرك بمجرد الكلام، فمن لا نصيب له منها فلا يضره ~~أن يخلى المطى وحاديها، ويعطى القوس باريها. # فللكثافة أقوام لها خلقوا ... وللمحبة أكباد وأجفان # قالوا: وأيضا فقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لله أشد ~~فرحا بتوبة عبده من أحدكم [ضل] راحلته"، قالوا: وهذا أعظم ما يكون من الفرح ~~وأكمله، فإن صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب، وهى ~~مركبه الذى يقطع به مسافة سفره، فلو عدمه لانقطع فى طريقه فكيف إذا عدم مع ~~مركبه طعامه وشرابه. ثم إنه عدمها فى أرض دوية لا أنيس بها ولا معين ولا من ~~يأوى له ويرحمه ويحمله ثم إنها مهلكة لا ماء بها ولا طعام، فلما أيس من ~~الحياة بفقدها وجلس ينتظر الموت، إذا هو براحلته قد أشرفت عليه ودنت منه، ~~فأى فرحة تعدل فرحة هذا؟ ولو كان فى الوجود فرح ms256 أعظم من هذا لمثل به النبى ~~صلى الله عليه وسلم، ومع هذا ففرح الله بتوبة عبده إذ تاب إليه أعظم من فرح ~~هذا براحلته وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاء، فإن كنت ممن غلظ ~~حجابه وكثفت نفسه وطباعه فعليك بوادى الخفا وهو وادى المحرفين للكلم عن ~~مواضعه، الواضعين له على غير المراد منه، فهو # PageV01P234 # واد قد سلكه خلق وتفرقوا فى شعابه وطرقه ومتاهاته ولم تستقر لهم فيه قدم ~~ولا لجؤوا منه إلى ركن وثيق، بل هم كحاطب الليل وحاطم السيل. # مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى بأحسن عبارة وأوجزها، فكيف يليق به ~~أن يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال المزيل للإجمال، ويوقع الأمة فى ~~أودية التأويلات شعاب الاحتمالات والتجويزات، سبحانك هذا بهتان عظيم. # وهل قدر الرسول حق قدره أو مرسله حق قدره من نسب كلامه سبحانه أو كلام ~~رسوله إلى مثل ذلك؟ ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل ~~عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه المحرفون للكلم عن مواضعه ~~المتأولون له غير تأويله، وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجى. والحمد ~~لله رب العالمين. # فإن قلت: فهل من مسلك غير هذا الوادى الذى ذممته فنسلك فيه، أو من طريق ~~يستقيم عليه السالك؟ قلت: نعم، بحمد الله [الطريق واضحة المنار بينة ~~الأعلام مضيئة للسالكين وأولها أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى ~~صفات رب العالمين] فإن هذه العقدة هى أصل بلاء الناس، فمن حلها فما بعدها ~~أيسر منها، ومن هلك بها فما بعدها أشد منها. وهل نفى أحد ما نفى من صفات ~~الرب ونعوت جلاله إلا لسبق نظره الضعيف إليها واحتجاجه بها عن أصل الصفة ~~وتجردها عن خصائص المحدث، فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها فيظن ~~القاصر إذا رأى ذلك اللازم فى المحل المحدث أنه لازم لتلك الصفة مطلقا فهو ~~يفر من إثباتها للخالق سبحانه، حيث لم يتجرد فى ظنه عن ذلك اللازم، وهذا ~~كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرح والمحبة والرضى ms257 والغضب والكراهة والمقت ~~والبغض، وردها كلها إلى الإرادة، فإنه فهم فرحا مستلزما لخصائص المخلوق من ~~انبساط دم القلب وحصول ما ينفعه، # PageV01P235 # وكذلك فهم غضبا هو غليان دم القلب طلبا للانتقام، وكذلك فهم محبة ورضى ~~[وكرهة] ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين [فإن] ذلك هو السابق إلى فهمه، وهو ~~المشهود فى علمه الذى لم تصل معرفته إلى سواه ولم يحط علمه بغيره. # ولما كان [ذلك] هو السابق إلى فهمه لم يجد بدا من نفيه عن الخالق، والصفة ~~لم تتجرد فى عقله عن هذا اللازم فلم يجد بدا من نفيها. # ثم لأصحاب هذه الطريق مسلكان: أحدهما: مسلك التناقض البين، وهو إثبات ~~كثير من الصفات، ولا يلتفت فيها إلى هذا الخيال، بل يثبتها مجردة عن خصائص ~~المخلوق- كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها- فإن كان إثبات تلك ~~الصفات التى نفاها يستلزم [المحذور] الذى فر منه فكيف لم يتسلزم إثبات ما ~~أثبته وإن كان إثبات ما أثبته لا يستلزم محذورا فكيف يستلزمه إثبات ما ~~نفاه؟ وهل فى التناقض أعجب من هذا؟ # والمسلك الثانى: [مسلك النفى العام والتعطيل المحض هربا من التناقض ~~والتزاما] لأعظم الباطل وأمحل المحال، فإذا الحق المحض فى الإثبات المحض ~~الذى أثبته الله لنفسه فى كلامه وعلى لسان رسوله من غير تشبيه ولا تمثيل ~~ومن غير تحريف ولا تبديل ومنشأ غلط المحرفين إنما هو ظنهم أن ما يلزم الصفة ~~فى المحل المعين يلزمها لذاتها، فينفون ذلك اللازم عن الله، فيضطرون فى ~~نفيه إلى نفى الصفة، ولا ريب أن الأمور ثلاثة: أمر يلزم الصفة لذاتها من ~~حيث هى، فهذا لا يجب- بل لا يجوز- نفيه، كما يلزم العلم والسمع والبصر من ~~تعلقها بمعلوم ومسموع ومبصر فلا يجوز نفى هذه التعلقات عن هذه الصفات إذ لا ~~تحقق لها بدونها، وكذلك الإرادة [مثلا] تستلزم العلم لذاتها فلا يجوز نفى ~~لازمها عنها، وكذلك السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا يجوز نفى ~~لوازمها، وكذلك كون المرئى مرئيا حقيقة له لوازم لا ينفك عنها ولا سبيل إلى ~~نفى تلك اللوازم إلا بنفى الرؤية، وكذلك ms258 الفعل الاختيارى له لوازم لا بد ~~فيه منها، فمن نفى لوازمه نفى الفعل الاختيارى ولا بد. # ومن هنا كان أهل الكلام أكثر الناس تناقضا واضطرابا فإنهم ينفون الشيء ~~ويثبتون ملزومه، ويثبتون الشيء وينفون لازمه، فتتناقض أقوالهم وأدلتهم، ~~ويقع السالك خلفهم فى الحيرة والشك. # ولهذا يكون نهاية أمر أكثرهم الشك والحيرة، حاشى من هو فى خفارة # PageV01P236 # بلادته منهم، أو من قد خرق تلك الخيالات وقطع تلك الشبهات وحكم الفطرة ~~والشرعة والعقل المؤيد بنور الوحى عليها فنقدها نقد الصيارف فنفى [زغلها] ، ~~وعلم أن الصحيح منها إما أن يكون قد تولت النصوص بيانه، وإما أن يكون فيها ~~غنية عنه بما هو خير منه وأقرب طريقا وأسهل تناولا، ولا يستفيد المؤمن- ~~البصير بما جاء به الرسول العارف به- من المتكلمين سوى مناقضة بعضهم بعضا ~~ومعارضته وإبداء بعضهم عوار بعض ومحاربة بعضهم بعضا، فيتولى بعضهم محاربة ~~بعض ويسلم ما جاء به الرسول. # فإذا رأى المؤمن العالم الناصح لله ولرسوله أحدهم قد تعدى إلى ما جاء به ~~الرسول يناقضه ويعارضه [ويضاده] فليعلم أنهم لا طريق لهم إلى ذلك أبدا، ولا ~~يقع ردهم إلا على آراء أمثالهم وأشباههم. وأما [ما] جاء به الرسول فمحفوظ ~~محروس مصون من تطرق المعارضة والمناقضة إليه فإن وجدت شيئا من ذلك فى ~~كلامهم فبدار بدار إلى إبداء فضائحهم وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم وتبيين ~~كذبهم على العقل والوحى، فإنهم لا يردون شيئا مما جاء به الرسول إلا بزخرف ~~من القول يغتر به ضعيف العقل والإيمان، فاكشفه ولا تهن، تجده كسراب بقيعة ~~يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ~~والله سريع الحساب، ولولا أن كل مسائل القوم وشبههم التى خالفوا فيها ~~النصوص بهذه المثابة لذكرنا من أمثلة ذلك ما تقر به عيون أهل الإيمان ~~السائرين إلى الله على طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإن وفق ~~الله سبحانه جردنا لذلك كتابا مفردا، وقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيمية [قدس ~~الله روحه ونور ضريحه] هذا المقصد فى عامة كتبه، ms259 لا سيما كتابه الذى وسمه ~~ببيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح، فمزق فيه شملهم كل ممزق، وكشف ~~[فيه] أسرارهم وهتك أستارهم، فجزاه الله عن الإسلام وأهله من أفضل الجزاء. # واعلم أنه لا ترد شبهة صحيحة قط على ما جاء به الرسول، بل الشبهة التى ~~يوردها أهل البدع والضلال على أهل السنة لا تخلو من قسمين: إما أن يكون ~~القول الذى أوردت عليه ليس من أقوال الرسول بل تكون نسبته إليه غلطا، وهذا ~~لا يكون متفقا عليه بين أهل السنة أبدا، بل يكون قد قاله بعضهم وغلط فيه، ~~فإن العصمة إنما هى لمجموع الأمة لا لطائفة معينة منها. [وإما أن يكون ~~القول الذى أوردت عليه قولا صحيحا لكن لا ترد تلك الشبهة عليه وحينئذ فلابد ~~لها من أحد أمرين] . # وإما أن تكون لازمة، وإما ألا تكون لازمة. فإن كانت لازمة لما جاء بها ~~الرسول فهى حق لا شبهة، إذ لازم الحق حق، ولا ينبغى الفرار منها كما يفعل ~~الضعفاء # PageV01P237 # من المنتسبين إلى السنة، بل كل ما لزم من الحق فهو حق يتعين القول به ~~كائنا ما كان، وهل تسلط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنة إلا بهذه ~~الطريق، ألزموهم بلوازم تلزم الحق فلم يلتزموها ودفعوها وأثبتوا ملزوماتها، ~~فتسلطوا عليهم بما أنكروه لا بما أثبتوه فلو أثبتوا لوازم الحق ولم يفروا ~~منها لم يجد أعداؤهم إليهم سبيلا، وإن لم تكن لازمة لهم فإلزامهم إياها ~~باطل، وعلى النقدين فلا طريق لهم إلى رد أقوالهم، وحينئذ فلهم جوابان مركب ~~مجمل، ومفرد مفصل. # أما الأول فيقولون لهم: هذه اللوازم التى تلزمونا بها إما أن تكون لازمة ~~فى نفس الأمر، وإما أن لا تكون لازمة، فإن كانت لازمة فهى حق إذ قد ثبت أن ~~ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الحق الصريح، ولازم الحق حق، وإن ~~لم تكن لازمة فهى مندفعة ولا يجوز إلزامها، وأما الجواب المفصل فيفردون كل ~~إلزام بجواب، ولا يردونه مطلقا [ولا يقبلونه مطلقا] بل ينظرون إلى ألفاظ ~~ذلك الإلزام ms260 ومعانيه، فإن كان لفظها موافقا لما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم يتضمن إثبات ما أثبته [أو] ونفى ما نفاه فلا يكون المعنى إلا ~~حقا، فيقبلون ذلك الإلزام. # وإن كان مخالفا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم متضمنا لنفى ما ~~أثبته أو إثبات ما نفاه كان باطلا لفظا ومعنى فيقابلونه بالرد. # وإن كان لفظا مجملا محتملا لحق وباطل لم يقبلوه مطلقا، ولم يردوه مطلقا ~~حتى يستفسروا قائله ماذا أراد به، فإن أراد معنى صحيحا مطابقا لما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قبلوه ولم يطلقوا اللفظ المحتمل إطلاقا، وإن ~~أراد معنى باطلا ردوه ولم يطلقوا نفى اللفظ المحتمل أيضا. # فهذه قاعدتهم التى بها يعتصمون وعليها يعولون. وبسط هذه الكلمات يستدعى ~~أسفارا لا سفرا واحدا، ومن لا ضياء له لا ينتفع بها ولا بغيرها فلنقتصر ~~عليها، ولنعد إلى المقصود فنقول وبالله التوفيق. # فرح الرب سبحانه هذا الفرح العظيم بتوبة عبده إذا تاب إليه هو من ملزومات ~~محبته ولوازمها، أعنى كونه محبا لعباده المؤمنين، محبوبا لهم، وإنما خلق ~~خلقه لعبادته المتضمنة لكمال محبته والخضوع له، ولهذا خلق الجنة والنار، ~~ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب، وهذا هو الحق الذى خلق به السماوات والأرض ~~وأنزل به الكتاب، قال تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق} [الحجر: 85] ، وقال تعالى: {إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض ~~فى ستة أيام # PageV01P238 # ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ~~ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} إلى قوله: {هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} [يونس: ~~3] ، وقوله: {آلم الله لا إله إلا هو الحى القيوم نزل عليك الكتاب بالحق} ~~[آل عمران: 1- 3] . # فهذا أمره وتنزيله مصدره الحق والأول خلقه وتكوينه مصدره الحق أيضا، ~~فبالحق كان الخلق والأمر وعنه صدر الخلق والأمر، وقال: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ، فأخبر سبحانه أن الغاية المطلوبة من ~~خلقه ms261 هى عبادته التى أصلها كمال محبته، وهو سبحانه كما أنه يحب أن يعبد، ~~[أو] يحب أن يحمد ويثنى عليه ويذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى. # كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: "لا أحد أحب إليه ~~المدح من الله، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه". # وفى المسند من حديث الأسود بن سريع أنه قال: يا رسول الله، إنى حمدت ربى ~~بمحامد فقال: "إن ربك يحب الحمد"، فهو يحب نفسه ومن أجل ذلك يثنى على نفسه، ~~ويحمد نفسه، ويقدس نفسه، ويحب من يحبه ويحمده ويثنى عليه. بل كلما كانت ~~محبة عبده له أقوى كانت محبة الله له أكمل وأتم، فلا أحد أحب إليه ممن يحبه ~~ويحمده ويثنى عليه. # ومن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء إليه لأنه ينقص هذه المحبة، ويجعلها ~~بينه وبين من أشرك به ولهذا لا يغفر الله [سبحانه] أن يشرك به لأن الشرك ~~يتضمن نقصان هذه المحبة والتسوية فيها بينه وبين غيره، ولا ريب أن هذا من ~~أعظم ذنوب المحب عند محبوبه التى [ينقص] بها من عينه [وتنحط] بها مرتبته ~~عنده إذا كان من المخلوقين، فكيف يحتمل رب العالمين أن يشرك بينه وبين غيره ~~فى المحبة. # والمخلوق لا يحتمل ذلك ولا يرضى به، ولا يغفر هذا الذنب لمحبه أبدا وعساه ~~أن يتجاوز لمحبه عن غيره من الهفوات والزلات فى حقه، ومتى علم بأنه يحب ~~غيره كما يحبه لم يغفر له هذا الذنب ولم يقربه إليه. # هذا مقتضى الطبيعة والفطرة، أفلا يستحى العبد أن يسوى بين إلهه ومعبوده ~~وبين غيره فى هذه العبودية والمحبة، قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] ، ~~فأخبر سبحانه أن من أحب شيئا [من] دون الله كما يحب الله # PageV01P239 # فقد اتخذه ندا، وهذا معنى قول المشركين لمعبوديهم: {تالله إن كنا لفى ~~ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 97- 98] ، فهذه تسوية فى ~~المحبة والتألية، لا فى الذات والأفعال والصفات والمقصود أنه سبحانه ms262 يحب ~~نفسه أعظم محبة ويحب من يحبه وخلق خلقه لذلك، وشرع شرائعه وأنزل كتبه لأجل ~~ذلك، وأعد الثواب والعقاب لأجل ذلك، وهذا هو محض الحق الذى به قامت السموات ~~والأرض، وكان الخلق والأمر، فإذا قام به العبد فقد قام بالأمر الذى خلق له ~~فرضى عنه صانعه وبارئه وأحبه إذ كان يحب ويرضى، فإذا صدف عن ذلك وأعرض عنه ~~وأبق عن مالكه وسيده أبغضه ومقته، لأنه خرج عما خلق له وصار إلى ضد الحال ~~التى هو لها، فاستوجب منه غضبه بدلا من رضاه وعقوبته بدلا من رحمته، فكأنه ~~استدعى من رحمته أن يعامله من نفسه بخلاف ما يحب، فإنه سبحانه عفو يحب ~~العفو، محسن يحب الإحسان، جواد يحب الجود سبقت رحمته غضبه. فإذا أبق منه ~~العبد وخامر عليه ذاهبا إلى عدوه فقد استدعى منه أن يجعل غضبه غالبا على ~~رحمته وعقوبته على إحسانه، وهو سبحانه يحب من نفسه الإحسان والبر والإنعام، ~~فقد استدعى من ربه فعل ما غيره أحب إليه منه. وهو بمنزلة عبد السوء الذى ~~يحمل أستاذه من المخلوقين المحسن إليه، الذى طبيعته الإحسان والكرم، على ~~خلاف مقتضى طبيعته وسجيته، فأستاذه يحب لطبعه الإحسان، وهو بإساءته ولؤمه ~~يكلفه ضد طباعه ويحمله على خلاف سجيته، فإذا راجع هذا العبد ما يحب سيده ~~[إليه وأقبل عليه وأعرض عن عدوه فقد صار إلى الحال التى تقتضى محبة سيده ~~له] وإنعامه عليه وإحسانه إليه، فيفرح به ولا بد أعظم فرح، وهذا الفرح هو ~~دليل [عليه] غاية الكمال والغنى والمجد. # فليتدبر اللبيب وجود هذا الفرح ولوازمه وملزوماته يجد فى طيه من المعارف ~~الإلهية ما لا تتسع له إلا القلوب المهيأة لهذا الشأن المخلوقة له، وهذا ~~فرح محسن بر لطيف جواد غنى حميد، لا فرح محتاج إلى حصول [ما يفرح به] متكمل ~~به مستقيل له من غيره، فهو عين الكمال، لازم للكمال، ملزوم له. # وألطف من هذا الوجه أن الله سبحانه خلق عباده المؤمنين وخلق كل شيء ~~لأجلهم، كما قال تعالى: {ألم تروا أن الله سخر ms263 لكم ما فى السموات وما فى ~~الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} [لقمان:02] . # وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق # PageV01P240 # فقال: {ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} [الإسراء: 70] ، [وقال] لصالحيهم ~~وصفوتهم: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} ~~[آل عمران: 33] . وقال [تعالى] لموسى: {واصطنعتك لنفسى} [طه: 41] ، واتخذ ~~منهم الخليلين، والخلة أعلى درجات المحبة. # وقد جاء فى بعض الآثار: يقول تعالى: "ابن آدم خلقتك لنفسى، وخلقت كل شيء ~~لك فبحقى عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له". # وفى أثر آخر يقول تعالى: "ابن آدم، خلقتك لنفسى فلا تلعب، وتكفلت برزقك ~~فلا تتعب، ابن آدم اطلبنى تجدنى فإن وجدتنى وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل ~~شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء". # فالله سبحانه خلق عباده له، ولهذا اشترى منهم أنفسهم، وهذا عقد لم يعقده ~~مع خلق غيرهم فيما أخبر به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ليسلموا ~~إليه النفوس التى خلقها له. # وهذا الشراء دليل على أنها محبوبة له مصطفاة عنده، مرضية لديه. وقدر ~~السلعة يعرف بجلالة قدر مشتريها وبمقدار ثمنها، هذا إذا جهل قدرها فى ~~نفسها، فإذا عرف قدر السلعة وعرف مشتريها، وعرف الثمن المبذول فيها علم ~~شأنها ومرتبتها فى الوجود. فالسلعة أنت، والله المشترى والثمن جنته والنظر ~~إلى وجهه وسماع كلامه فى دار الأمن والسلام. # والله [سبحانه] لا يصطفى لنفسه إلا أعز الأشياء وأشرفها وأعظمها قيمة. ~~وإذا كان قد اختار العبد لنفسه، وارتضاه لمعرفته ومحبته، وبنى له دارا فى ~~جواره وقربه، وجعل ملائكته خدمه يسعون فى مصالحه فى يقظته ومنامه وحياته ~~وموته، ثم إن العبد أبق عن سيده ومالكه، معرضا عن رضاه، ثم لم يكفه ذلك حتى ~~خامر عليه وصالح عدوه ووالاه من دونه وصار من جنده مؤثرا لمرضاته على مرضاة ~~وليه ومالكه، فقد باع نفسه- التى اشتراها منه إلهه ومالكه وجعل ثمنها جنته ~~والنظر إلى وجهه- من عدوه وأبغض خلقه إليه، واستبدل ms264 غضبه برضاه ولعنته ~~برحمته ومحبته. # فأى مقت خلى هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه؟ قال تعالى: {وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو، بئس للظالمين بدلا} [الكهف: ~~50] . # PageV01P241 # فتأمل ما تحت هذه المعاتبة وما فى طى هذا الخطاب من سوء هذا العبد وما ~~تعرض له من المقت والخزى والهوان ومن استعطاف ربه واستعتابه ودعائه إياه ~~إلى العود إلى وليه ومولاه الحق الذى هو أولى به، فإذا عاد إليه وتاب إليه ~~فهو بمثابة من أسر له العدو محبوبا له، واستولوا عليه وحالوا بينه وبينه، ~~فهرب منهم ذلك المحبوب وجاء إلى محبه اختيارا وطوعا حتى توسد عتبة بابه ~~فخرج المحب من بيته فوجد محبوبه متوسدا عتبة بابه واضعا خده وذقنه عليها، ~~فكيف يكون فرحه ربه؟ ولله المثل الأعلى. # ويكفى فى هذا المثل الذى ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن فتح الله ~~عين قلبه فأبصر ما فى طيه وما فى ضمنه، وعلم أنه ليس كلام مجاز ولا مبالغة ~~ولا تخييل، بل كلام معصوم فى منطقة وعلمه وقصده وعمله، كل كلمة [منه] فى ~~موضعها ومنزلتها ومقرها لا يتعدى بها عنه ولا يقصر بها. # والذى يزيد هذا المعنى تقريرا أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له ~~سبحانه، فإن لولا محبة الله له لما جعل محبته فى قلبه، [فلما أحبه] ألهمه ~~حبه وآثره به فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبة أعظم منها فإنه من ~~تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، ومن ~~أتاه مشيا أتاه هرولة. # وهذا دليل على أن محبة الله لعبده الذى يحبه فوق محبة العبد له. [فإذا] ~~تعرض هذا المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذى فر من محبه وآثر ~~غيره عليه، فإذا عاوده وأقبل إليه وتخلى عن غيره، فكيف لا يفرح به محبه ~~أعظم فرح وأكمله، والشاهد أقوى شاهد تؤيده الفطرة والعقل، فلو ms265 لم يخبر ~~الصادق المصدوق بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان فى الفطرة والعقل ما ~~يشهد به، فإذا انضافت للشريعة المنزلة إلى [الفطرة المكملة إلى العقل ~~الصحيح] المنور، فذلك الذى لا غاية له بعده، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم. # فصل # ومتى أراد العبد شاهد هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التى يجدها بعد ~~التوبة النصوح، والسرور واللذة التى تحصل له، والجزاء من جنس العمل. # فلما تاب إلى الله ففرح الله بتوبته أعقبه فرحا عظيما. وهاهنا دقيقة قل ~~من يتفطن لها إلا فقيه فى هذا الشأن. وهى أن كل تائب لا بد له فى أول توبته ~~من عصرة وضغطة فى قلبه من هم أو غم أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلا تألمه ~~بفراق محبوبه فينضغط لذلك وينعصر # PageV01P242 # قلبه ويضيق صدره، فأكثر الخلق رجعوا من التوبة ونكسوا على رؤوسهم لأجل ~~هذه [المحنة] . # والعارف الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة الحاصلة عقيب التوبة تكون ~~على قدر هذه العصرة، فكلما كانت أقوى وأشد كانت الفرحة واللذة أكمل وأتم، ~~ولذلك أسباب عديدة: منها أن هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة ~~استعداده، ولو كان قلبه ميتا واستعداده ضعيفا لم يحصل له ذلك.. # وأيضا فإن الشيطان لص الإيمان، واللص إنما يقصد المكان المعمور، وأما ~~المكان الخراب الذى لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده فإذا قويت ~~المعارضات الشيطانية والعصرة دل على أن فى قلبه من الخير ما يشتد حرص ~~الشيطان على نزعه منه. # وأيضا فإن قوة المعارض والمضاد تدل على قوة معارضة وضده، ومثل هذا إما أن ~~يكون رأسا فى الخير أو رأسا فى الشر، فإن النفوس الأبية القوية إن كانت ~~خيرة رأست فى الخير، وإن كانت شريرة رأست فى الشر. # وأيضا فإن بحسب موافقته لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين ~~والثبات والعزم ما يوجب زيادة انشراحه وطمأنينته. وأيضا فإنه كلما عظم ~~المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه، هذه سنة الله فى الخلق. # فانظر ms266 إلى الجنة وعظمها وإلى الموانع والقواطع التى حالت دونها حتى أوجبت ~~أن ذهب من كل ألف رجل واحد إليها، وانظر إلى محبة الله والانقطاع إليه ~~والإنابة إليه والتبتل إليه وحده والأنس به واتخاذه وليا ووكيلا [وكافيا] ~~وحسيبا هل يكتسب العبد شيئا أشرف منه؟ وانظر إلى القواطع والموانع الحائلة ~~دونه، حتى قد تعلق كل قوم بما تعلقوا به دونه، والطالبون له منهم الواقف مع ~~عمله والواقف مع علمه، والواقف مع حاله، والواقف مع ذوقه وجمعيته وحظه من ~~ربه، والمطلوب منهم وراء ذلك كله. # والمقصود أن هذا الأمر الحاصل بالتوبة لما كان من أجل الأمور وأعظمها ~~نصبت عليه المعارضات والمحن، ليتميز الصادق من الكاذب وتقع الفتنة ويحصل ~~الابتلاء ويتميز من يصلح ممن لا يصلح، قال تعالى: {آلم أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ~~الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 1- 3] ، وقال: {ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] ، ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلا أفضت به ~~إلى رياض الأنس وجنات الانشراح، وإن # PageV01P243 # لم يصبر لها انقلب على وجهه. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه. # والمقصود أن هذا الفرح من الله بتوبة عبده- مع أنه لم يأت نظيره فى غيرها ~~من الطاعات- دليل على عظم قدر التوبة وفضلها عند الله، وأن التعبد له بها ~~من أشرف التعبدات، وهذا يدل على أن صاحبها يعود أكمل مما كان قبلها، فهذا ~~بعض ما احتج به لهذا القول. # وأما الطائفة التى قالت: لا يعود إلى مثل ما كان، بل لا بد أن ينقص حاله، ~~فاحتجوا بأن الجناية توجب الوحشة وزوال المحبة ونقص العبودية بلا ريب. # فليس العبد الموفر أوقاته على طاعة سيده كالعبد المفرط فى حقوقه، وهذا ~~مما لا يمكن جحده ومكابرته، فإذا تاب إلى ربه ورجع إليه أثرت توبته برك ~~مؤاخذته بالذنب والعفو عنه، وأما مقام القرب والمحبة فهيهات أن يعود. # قالوا: ولأن هذا فى زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السير إلى الله، ~~فلو كان واقفا فى ms267 موضعه لفاته التقدم فكيف وهو فى زمن المعصية كان سيره إلى ~~وراء وراء؟ فإذا تاب واستقبل سيره، فإنه [يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافة ~~حتى يصل إلى الوضع الذى] تأخر منه. قالوا: ونحن لا ننكر أنه قد يأتى بطاعات ~~وأعمال تبلغه إلى منزلته [وإنما انكرنا أن يكون بمجرد التوبة النصوح يعود ~~إلى منزلته وحالته] ، وهذا مما لا يكون فإنه بالتوبة قد وجه وجهه إلى ~~الطريق، فلا يصل إلى مكانه الذى رجع منه إلا بسير مستأنف يوصله إليه، ونحن ~~لا ننكر أن العبد بعد التوبة يعمل أعمالا عظيمة لم يكن ليعملها قبل الذنب ~~توجب له التقدم. # قالوا: وأيضا، فلو رجع إلى حاله التى كان عليها أو إلى أرفع منها لكان ~~بمنزلة المداوم على الطاعة أو أحسن حالا منه، فكيف يكون هذا، وأين مسير ~~صاحب الطاعة فى زمن اشتغال هذا بالمعصية؟ وكيف يلتقى رجلان أحدهما سائر نحو ~~المشرق والآخر نحو المغرب، فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر والآخر مجد على ~~سيره، فإنه لا يزال سابقه ما لم يعرض له فتور أو توان؟ هذا مما لا يمكن ~~جحده ودفعه. # قالوا: وأيضا فمرض القلب بالذنوب على مثل مرض الجسم بالأسقام، والتوبة ~~بمنزلة شرب الدواء، والمريض إذا شرب الدواء وصح فإنه لا تعود إليه قوته قبل ~~المرض، وإن عادت فبعد حين. # قالوا: وأيضا فهذا فى زمن معالجة التوبة ملبوك فى نفسه، مشغول بمداوتها ~~ومعالجتها، وفى زمن الذنب مشغول بشهواتها، والسالم من ذلك مشغول بربه قد ~~قرب منه فى سيره فكيف يلحقه هذا؟ فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة ~~لقولها. # PageV01P244 # وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية، فسمعته يحكى هذه الأقوال ~~الثلاثة حكاية مجردة، فإما سألته وإما سئل عن الصواب منها، فقال: الصواب أن ~~من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، [مما ~~كانت] ، ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان. فإن كان بعد التوبة خيرا مما كان ~~قبل الخطيئة وأشد حذرا وأعظم تشميرا وأعظم ذلا وخشية وإنابة عاد ms268 إلى أرفع ~~مما كان، وإن كان قبل الخطيئة أكمل فى هذه الأمور ولم يعد بعد التوبة إليها ~~عاد إلى أنقص مما كان عليه، وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع ~~إلى مثل منزلته. هذا معنى كلامه [رضى الله عنه] . # قلت: وهاهنا مسألة هذا الموضع أخص المواضع ببيانها، وهى أن التائب إذا ~~تاب إلى الله توبة نصوحا، فهل تمحى تلك السيئات ويذهب لا له ولا عليه، أو ~~إذا محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة؟ هذا مما اختلف الناس فيه من المفسرين ~~وغيرهم قديما وحديثا، فقال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل ~~مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة. # قال ابن عطية: يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة، فيكون ذلك سببا ~~لرحمة الله إياهم، قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن، ورد على من ~~قال هو فى يوم القيامة، قال: وقد ورد حديث فى كتاب مسلم من طريق أبى ذر ~~يقتضى أن الله سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحدين ~~بدل سيئاته حسنات، وذكره الترمذى والطبرى، وهذا تأويل سعيد بن المسيب فى ~~هذه الآية. قال ابن عطية: وهو معنى كرم العفو، هذا آخر كلامه. # قلت: سيأتى إن شاء الله ذكر الحديث بلفظه والكلام عليه. قال المهدوى: ~~وروى معنى هذا القول عن سلمان الفارسى وسعيد بن جبير وغيرهما. وقال ~~الثعلبى: قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد: {يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات} [الفرقان: 70] يبدلهم الله بقبيح أعمالهم فى الشرك محاسن الأعمال فى ~~الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانا وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة ~~وإحصانا. وقال آخرون: يعنى يبدل الله سيئاتهم التى عملوها فى حال إسلامهم ~~حسنات يوم القيامة. # وأصل القولين أن هذا التبديل هل هو فى الدنيا أو يوم القيامة؟ فمن قال: ~~إنه فى الدنيا قال: هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها، ~~وهى حسنات، # PageV01P245 # وهذا تبديل حقيقة. والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة لا تنقلب ~~حسنة، بل غايتها أن تمحى وتكفر ويذهب أثرها ms269 فأما أن تنقلب حسنة فلا، فإنها ~~لم تكن طاعة، وإنما كانت بغيضة مكروهة للرب فكيف تنقلب محبوبة مرضية. # قالوا: وأيضا فالذى دل عليه القرآن إنما هو تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، ~~كقوله تعالى: {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} [آل عمران: 193] ، ~~وقوله تعالى: {ويعفو عن السيئات} [الشورى: 30] [المائدة: 15] وقوله تعالى: ~~{إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] ، والقرآن مملوء من ذلك. # وفى الصحيح من حديث قتادة عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى النجوى؟ قال: سمعته يقول: "يدنى ~~المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل ~~تعرف؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك ~~اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس ~~الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على الله عز وجل"، فهذا الحديث المتفق عليه ~~الذى تضمن العناية بهذا العبد إنما فيه ستر ذنوبه عليه فى الدنيا ومغفرتها ~~له يوم القيامة، ولم يقل له: وأعطيتك بكل سيئة منها حسنة. # فدل على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله عنها، وقد قال الله فى حق ~~الصادقين: {ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى ~~كانوا يعملون} [الزمر: 35] ، فهؤلاء خيار الخلق، وقد أخبر أنه يكفر عنهم ~~سيئات أعمالهم، ويجزيهم بأحسن ما يعملون، وأحسن ما عملوا [إنما هو الحسنات ~~لا السيئات فدل على أن الجزاء بالحسنى] إنما يكون على الحسنات وحدها، وأما ~~السيئات [فإن فحسبها أن] تلغى ويبطل أثرها، قالوا: وأيضا فلو انقلبت ~~السيئات أنفسها حسنات فى حق التائب لكان أحسن حالا من الذى لم يرتكب منها ~~شيئا وأكثر حسنات منه، لأنه إذا أساء شاركه فى حسناته التى فعلها وامتاز ~~عنه بتلك السيئات ثم انقلبت له حسنات ترجح عليه، وكيف يكون صاحب السيئات ~~أرجح ممن لا سيئته له؟ # قالوا: وأيضا فكما أن العبد إذا فعل حسنات، ثم أتى بما يحبطها فإنها لا ~~تنقلب سيئات يعاقب عليها، بل يبطل ms270 أثرها ويكون لا له ولا عليه وتكون عقوبته ~~عدم ترتب ثوابه عليها، فهكذا من فعل سيئات ثم تاب منها، فإنها لا تنقلب ~~حسنات. فإن قلتم: وهكذا التائب # PageV01P246 # يكون ثوابه عدم ترتب العقوبة على سيئاته، [لم ننازعكم] فى هذا، وليس هذا ~~معنى الحسنة فإن الحسنة تقتضى ثوابا وجوديا. # واحتجت الطائفة الأخرى التى قالت: هو تبديل السيئة بالحسنة حقيقة يوم ~~القيامة بأن قالت: حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيئة. # وهذا إنما يكون فى السيئة المحققة وهى التى قد فعلت ووقعت، فإذا بدلت ~~حسنة كان معناه أنها محيت وأثبت مكانها حسنة قالوا: ولهذا قال تعالى: ~~{سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 70] ، فأضاف السيئات إليهم لكونهم باشروها ~~واكتسبوها، ونكر الحسنات ولم يضفها إليهم [لأنها] من غير صنعهم وكسبهم، بل ~~هى مجرد فضل الله وكرمه. # قالوا: وأيضا فالتبديل فى الآية إنما هو فعل الله لا فعلهم، فإنه أخبر ~~أنه هو يبدل سيئاتهم حسنات، ولو كان المراد ما ذكرتم لأضاف التبديل إليهم ~~فإنهم هم الذين يبدلون سيئاتهم حسنات، والأعمال إنما تضاف إلى فاعلها ~~وكاسبها كما قال الله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم} ~~[البقرة: 59] وأما ما كان من غير الفاعل فإنه يجعله من تبديله هو كما قال ~~الله تعالى: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} [سبأ: 16] ، فلما أخبر سبحانه أنه هو ~~الذى يبدل سيئاتهم حسنات دل على أنه شيء فعله هو سبحانه بسيئاتهم، لا أنهم ~~فعلوه من تلقاء أنفسهم، وإن كان سببه منهم، وهو التوبة والإيمان والعمل ~~الصالح. # قالوا: ويدل عليه ما رواه مسلم فى صحيحه من حديث الأعمش عن المعرور ابن ~~سويد عن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنى ~~لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها: رجل يؤتى به ~~يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض ~~عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا ~~كذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ms271 ذنوبه أن تعرض ~~عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياء لا ~~أراها [هاهنا] "، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت ~~نواجذه. # وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبى ~~ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالرجل يوم القيامة ~~فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، قال: فتعرض عليه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال: ~~عملت يوم كذا وكذا وكذا؟ وهو مقر لا ينكر وهو مشفق # PageV01P247 # من الكبار، فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، قال: فيقول: إن لى ~~ذنوبا ما أراها"، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت ~~نواجذه. # قالوا: وأيضا فروى أبو حفص المستملى عن محمد بن عبد العزيز بن أبى رزمة، ~~حدثنا الفضل بن موسى القطيعى عن أبى العنبس عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات"، ~~قيل: من هم؟ قال: "الذين بدل سيئاتهم حسنات". # قالوا: وهؤلاء هم الأبدال فى الحقيقة، فإنهم إنما سموا أبدالا لأنهم ~~بدلوا أعمالهم السيئة بالأعمال الحسنة، فبدل الله سيئاتهم التى عملوها ~~حسنات، قالوا: وأيضا فالجزاء من جنس العمل، فكما بدلوهم أعمالهم السيئة ~~بالحسنة بدلها الله من صحف الحفظة حسنات جزاء وفاقا. # قالت الطائفة الأولى: كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبى ذر على صحة قولكم ~~وهو صريح فى أن هذا الذى قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها فى النار حتى ~~كان آخر أهلها خروجا منها؟ فهذا قد عوقب على سيئاته فزال أثرها بالعقوبة، ~~فبدل مكان كل سيئة منها حسنة، وهذا حكم غير ما نحن فيه، فإن الكلام فى ~~التائب من السيئات، لا فيمن مات مصرا عليها غير تائب، فأين أحدهما من ~~الآخر؟ # وأما حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسنادا ومتنا، إلا أنه مختصر. # وأما حديث أبى هريرة [فلا] يثبت مثله، ومن أبو العنبس، ومن أبوه حتى يقبل ~~منهما تفردهما بمثل هذا الأمر ms272 الجليل؟ وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع شدة حرصه على التنفير من السيئات وتقبيح أهلها ~~وذمهم وعيبهم والإخبار بأنها تنقص الحسنات وتضادها؟ فكيف يصح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه يقول: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا منها"؟، ثم كيف يتمنى ~~المرء إكثاره منها، مع سوء عاقبتها، وسوء مغبتها؟ وإنما يتمنى الإكثار من ~~الطاعات؟ وفى الترمذى مرفوعا: "ليتمنين أقوام يوم القيامة أن جلودهم كانت ~~تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب أهل البلاء". # فهذا فيه تمنى البلاء يوم القيامة لأجل مزيد ثواب أهله، وهو تمنى ~~الحسنات، وأما تمنى الحسنات فهذا لا ريب فيه، وأما تمنى السيئات فكيف يتمنى ~~العبد أنه أكثر من السيئات؟ هذا مال لا يكون أبدا، وإنما يتمنى المسيء أن ~~لو لم يكن أساء، وأما تمنيه أنه ازداد من إساءته فكلا. # قالوا: وأما ما ذكرتم من أن التبديل هو إثبات # PageV01P248 # الحسنة مكان السيئة فحق. وكذلك نقول: إن الحسنة المفعولة صارت فى مكان ~~السيئة التى لولا الحسنة لحلت محلها. قالوا: وأما احتجاجكم بإضافة السيئات ~~إليهم وذلك يقتضى أن تكون هى السيئات الواقعة. # وتنكير الحسنات وهو يقتضى أن تكون حسنات من فضل الله، فهو حق بلا ريب ~~ولكن من أين يبقى أن يكون فضل الله بها مقارنا لكسبهم إياها بفضله؟ قالوا: ~~وأما قولكم: إن التبديل مضاف إلى الله لا إليهم وذلك يقتضى أنه هو الذى ~~بدلها [سبحانه] من الصحف لا أنهم هم الذين بدلوا الأعمال بأضدادها، فهذا لا ~~دليل لكم فيه، فإن الله خالق أفعال العباد، فهو المبدل للسيئات حسنات خلقا ~~وتكوينا، وهم المبدلون لها فعلا وكسبا. # قالوا: وأما احتجاجكم بأن الجزاء من جنس العمل، فكما بدلوا سيئات أعمالهم ~~بحسناتهم بدلها الله كذلك فى صحف الأعمال، فهذا حق وبه نقول، وأنه بدلت ~~السيئات التى كانت مهيأة ومعدة أن تحل فى الصحف بحسنات حلت موضعها. # فهذا منتهى أقدام الطائفتين، ومحط نظر الفريقين. وإليك أيها المنصف الحكم ~~بينهما، فقد أدلى كل منهما بحجته، فأقام بينته، والحق لا يعدوهما ms273 ولا ~~يتجاوزهما، فأرشد الله من أعان على هدى فنال به درجة الداعين إلى الله ~~القائمين ببيان حججه ودينه، أو عذر طالبا منفردا فى طريق مطلبه قد انقطع ~~رجاؤه من رفيق فى الطريق، فغاية أمنيته أن يخلى بينه وبين سيره وأن لا يقطع ~~عليه طريقه. # فمن رفع له مثل هذا العلم ولم يشمر إليه فقد رضى بالدون، وحصل على صفقة ~~المغبون، ومن شمر إليه ورام أن لا يعارضه معارض، ولا يتصدى له ممانع فقد ~~منى نفسه المحال، وإن صبر على لأوائها وشدتها فهو والله الفوز المبين والحظ ~~الجزيل.. وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. # فالصواب إن شاء الله فى هذه المسألة أن يقال: لا ريب أن الذنب نفسه لا ~~ينقلب حسنة، والحسنة إنما هى أمر وجودى يقتضى ثوابا، ولهذا كان تارك ~~المنهيات إنما يثاب على كف نفسه وحبسها عن مواقعة المنهى، وذلك الكف والحبس ~~أمر وجودى وهو متعلق الثواب. # وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلا ولم يحدث به نفسه، فهذا كيف يثاب على ~~تركه، ولو أثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابا على ترك ذنوب العالم ~~التى لا تخطر بباله، وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى، فإن # PageV01P249 # الترك مستصحب معه، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط، فهل يثاب على ذلك كله؟ ~~هذا مما لا يتوهم. # وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرا وجوديا فالتائب من الذنوب التى ~~عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه، وكف نفسه عنه، وعزم على ترك معاودته. ~~وهذه حسنات بلا ريب، وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم، وهو ~~حسنة قد بدلت تلك السيئة حسنة. # وهذا معنى قول بعض المفسرين: يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع ~~التوبة. فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها فتوبته منها حسنة حلت ~~مكانها، فهذا معنى التبديل، لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة. # وقال بعض المفسرين فى هذه الآية: يعطيهم بالندم على كل سيئة أساؤوها ~~حسنة، وعلى هذا فقد زال بحمد الله ms274 الإشكال، واتضح الصواب، وظهر أن كل واحدة ~~من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة. # وأما حديث أبى ذر - وإن كان التبديل فيه فى حق المصر الذى عذب على سيئاته ~~- فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته، ~~فإن الذنوب التى عذب عليها المصر لما زال أثرها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن، ~~فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة، لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم ~~المفرط عليها مع العقوبة [لاقتضى] زوال أثرها وتبديلها حسنات، فإن الندم لم ~~يكن فى وقت ينفعه، فلما عوقب عليها وزال أثرها بدلها الله له حسنات. # فزوال أثرها بالتوبة النصوح أعظم من زوال أثرها بالعقوبة، فإذا بدلت بعد ~~زوالها بالعقوبة حسنات فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى. ~~وتأثير التوبة فى هذا المحو والتبديل أقوى من تأثير العقوبة لأن التوبة فعل ~~اختيارى أتى به العبد طوعا ومحبة لله وفرقا منه. # وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التى تصيبه بغير ~~اختياره بل بفعل الله، ولا ريب أن تأثير الأفعال الاختيارية التى يحبها ~~الله ويرضاها فى محو الذنوب أعظم من تأثير المصائب التى تناله بغير ~~اختياره. # ولنرجع الآن إلى المقصود وهو [الكلام على] ما ذكره أبو العباس بن الصائف ~~فى علل المقامات، فقد ذكرنا كلامه فى علة مقام الإرادة، [والكلام عليه ~~وذكرنا كلامه فى مقام الزهد وقوله أنه من مقامات العامة] وذكرنا أن الكلام ~~على ذلك من وجوه هذا آخر الوجه الثانى منها. # PageV01P250 # الوجه الثالث أن يقال: قوله: "الزهد تعظيم للدنيا، واحتباس عن الانتفاع ~~بها" إلى آخر الفصل، إن أراد به أن زهده دليل على تعظيم الدنيا وأن لها فى ~~قلبه من بالقدر والمنزلة ما يكره لأجله نفسه على تركها، أو مستلزم لذلك، ~~فإن الزهد لا يدل على هذا التعظيم، ولا يستلزمه - وإن كان من عوارض غلبات ~~الطبع التى تذم مساكنتها وانحجاب القلب بها - بل زهده فيها دليل على خروج ~~عظمها من قلبه [وقلة] مبالاته بها وترك الاهتبال بشأنها، ms275 فكيف يكون هذا ~~نقصا بوجه؟ بل النقص فى الزهد يكون من أحد وجوه: # أولها: أن يزهد فيما ينفعه منها، ويكون قوة له على سيره ومعونة له على ~~سفره، فهذا نقص. فإن حقيقة الزهد هى أن تزهد فيما لا ينفعك، والورع أن ~~تتجنب ما قد يضرك. فهذا الفرق بين الأمرين. # الثانى: أن يكون زهده مشوبا إما بنوع عجز أو ملالة وسآمة وتأذية بها ~~وبأهلها، وتعب قلبه بشغله بها، ونحو هذا من المزهدات فيها، كما قيل لبعضهم: ~~ما الذى أوجب زهدك فى الدنيا؟ قال: قلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة ~~شركائها. فهذا زهد ناقص، فلو صفت للزاهد [من] تلك العوارض لم يزهد فيها ~~بخلاف من كان زهده فيها لامتلاء قلبه من الآخرة، ورغبته فى الله وقربه، ~~فهذا لا نقص فى زهده ولا علة من جهة كونه زهدا. # الثالث: أن يشهد زهده ويلحظه ولا يفنى عنه بما زهد لأجله فهذا نقص أيضا ~~فالزهد كله أن تزهد فى رؤية زهدك وتغيب عنه برؤية الفضل ومطالعة المنة، وأن ~~لا تقف عنده فتنقطع، بل أعرض عنه جادا فى سيرك غير ملتفت إليه مستصغرا ~~لحاله بالنسبة إلى مطلوبك، مع أن هذه العلة مطردة فى جميع المقامات على ما ~~فيها كما سننبه عليه إن شاء الله، فإن ربط هذا الشأن بالنصوص النبوية ~~والعقل الصريح والفطرة الكاملة من أهم الأمور فلا يحسن بالناصح لنفسه أن ~~يقنع فيه بمجرد تقليد أهله، فما أكثر غلطهم [فيهم] وتحكيمهم مجرد الذوق، ~~وجعل حكم ذلك الذوق كليا عاما، فهذا ونحوه من مثارات الغلط. # الوجه الرابع: أن الزهد على أربعة أقسام: # أحدها: فرض على كل مسلم وهو # PageV01P251 # الزهد فى الحرام، وهذا متى أخل به انعقد سبب العقاب، فلا بد من وجود ~~مسببه ما لم ينعقد سبب آخر يضاده. # الثانى: زهد مستحب، وهو على درجات فى الاستحباب بحسب المزهود فيه. وهو ~~الزهد فى المكروه وفضول المباحات والتفنن فى الشهوات المباحة. # الثالث: زهد الداخلين فى هذا الشأن، وهم المشمرون فى السير إلى الله وهو ~~نوعان: # أحدهما: الزهد فى ms276 الدنيا جملة، وليس [المراد] تخليها من اليد ولا إخراجها ~~وقعوده صفرا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكلية، فلا يلتفت إليها، ~~ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت فى يده. فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك ~~وهى فى قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهى فى يدك. # وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الذى يضرب بزهده المثل مع ~~أن خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم حين فتح ~~الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زهدا فيها. # ومن هذا الأثر المشهور، وقد روى مرفوعا وموقوفا: "ليس الزهد فى الدنيا ~~[بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهد فى الدنيا] أن تكون بما فى يد ~~الله أوثق منك بما فى يدك، وأن تكون فى ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك ~~فيها لو أنها بقيت لك". # والذى يصحح هذا الزهد ثلاثة أشياء: # أحدها: علم العبد أنها ظل زائل وخيال زائر وأنها كما قال الله تعالى ~~فيها: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما} [الحديد: 20] ، وقال الله تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو ~~نهارا فجعلنها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} ~~[يونس: 24] ، وقال تعالى: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل ~~شيء مقتدرا} [الكهف: 45] ، وسماها سبحانه: "متاع الغرور" ونهى عن الاغترار ~~بها، # PageV01P252 # وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترين [بها] وحذرنا مثل مصارعهم، وذم من رضى بها ~~واطمأن إليها. # وقال النبى صلى الله عليه وسلم: "مالى وللدنيا إنما أن كراكب قال فى ظل ~~شجرة ثم راح وتركها". # وفى المسند عنه صلى ms277 الله عليه وسلم حديث معناه: أن الله جعل طعام ابن آدم ~~وما يخرج منه مثلا للدنيا فإنه وإن فوحه وملحه فلينظر إلى ماذا يصير، فما ~~اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همة دنية وعقل حقير، وقدر خسيس. # الثانى: علمه أن وراءها دارا أعظم منها قدرا وأجل خطرا وهى دار البقاء، ~~وأن نسبتها إليها كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: "ما الدنيا فى الآخرة ~~إلا كما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع"، فالزاهد فيها بمنزلة ~~رجل فى يده درهم زغل قيل له: اطرحه [ولك] عوضه مائة ألف دينار مثلا، فألقاه ~~من يده رجاء ذلك العوض، فالزهد فيها لكمال [رغبته] فيما هو أعظم منها زهد ~~فيها. # الثالث: معرفته أن زهده فيها لا يمنعه شيئا كتب له منها، وأن حرصه عليها ~~لا يجلب له ما لم يقض له منها، فمتى تيقن ذلك وصار له به علم يقين هان عليه ~~الزهد فيها، فإنه متى تيقن ذلك وثلج له صدره وعلم أن مضمونه منها سيأتيه ~~بقى حرصه وتعبه وكده ضائعا، والعاقل لا يرضى لنفسه بذلك. فهذه الأمور ~~الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها، وتثبت قدمه فى مقامه. والله الموفق لمن ~~يشاء. # النوع الثانى: الزهد فى نفسك، وهو أصعب الأقسام وأشقها، وأكثر الزاهدين ~~إنما وصلوا إليه ولم يلجوه، فإن الزاهد يسهل عليه الزهد فى الحرام لسوء ~~مغبته وقبح ثمرته، وحماية لدينه وصيانة لإيمانه، وإيثارا للذة والنعيم على ~~العذاب، وأنفة من مشاركة الفساق والفجرة، وحمية من أن يستأثر لعدوه، ويسهل ~~عليه الزهد فى المكروهات وفضول المباحات علمه بما يفوته بإيثارها من اللذة ~~والسرور الدائم والنعيم المقيم. # ويسهل عليه زهده فى الدنيا معرفته بما وراءها وما يطلبه من العوض التام ~~والمطلب الأعلى. وأما الزهد فى النفس فهو ذبحها بغير سكين، وهو نوعان: # أحدهما: وسيلة وبداية، وهو أن تميتها فلا يبقى [لها] عندك من القدر شيء، ~~فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها، قد سبلت عرضها ~~ليوم فقرها وفاقتها، فهى ms278 أهون عليك من أن تنتصر لها أو تنتقم لها أو تجيبها ~~إذا دعتك # PageV01P253 # أو تكرمها إذا عصتك أو تغضب لها إذا ذمت، بل هى عندك أخس مما قيل فيها، ~~أو ترفهها عما فيه حظك وفلاحك، وإن كان صعبا عليها، وهذا وإن كان ذبحا لها ~~وأماتة عن طباعها وأخلاقها فهو عين حياتها وصحتها، ولا حياة لها بدون هذا ~~البتة. # وهذه العقبة هى آخر عقبة يشرف منها على منازل المقربين، وينحدر منها إلى ~~وادى البقاء ويشرب من عين الحياة، ويخلص روحه من سجون المحن والبلاء وأسر ~~الشهوات، وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق، فيا قرة عينها ويا نعيمها ~~وسرورها بقربه، ويا بهجتها بالخلاص من عدوها، [ومصيرها إلى وليها] مولاها ~~ومالك أمرها ومتولى مصالحها. وهذا الزهد هو أول نقدة من مهر الحب، فيا مفلس ~~تأخر. # والنوع الثانى: غاية وكمال، وهو أن يبذلها للمحبوب جملة، بحيث لا يستبقى ~~منها شيئا. بل يزهد فيها زهد المحب فى قدر خسيس من ماله قد تعلقت رغبة ~~محبوبه به، فهل يجد من قلبه رغبة فى إمساك ذلك القدر وحبسه عن محبوبه؟ ~~فهكذا زهد المحب الصادق فى نفسه قد خرج عنها وسلمها لربه، فهو يبذلها له ~~دائما بتعرض منه لقبولها. # وجميع مراتب الزهد المتقدمة مباد ووسائل لهذه المرتبة، ولكن لا يصح إلا ~~بتلك المراتب، فمن رام الوصول إلى هذه المرتبة بدون ما قبلها [فتمعن] متمن ~~كمن رام الصعود إلى أعلى المنارة بلا سلم. # قال بعض السلف: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول، فمن ضيع الأصول حرم ~~الوصول، وإذا عرف هذا فكيف يدعى أن الزهد من منازل العوام وأنه نقص فى طريق ~~الخاصة؟ وهل الكمال إلا فى الزهد؟ وما النقص إلا فى نقصانه. والله الموفق ~~للصواب. # فصل # المثال الرابع: التوكل، قال أبو العباس: "هو للعوام أيضا، لأنه وكل أمرك ~~إلى مولاك والتجاؤك إلى علمه ومعرفته لتدبير أمرك وكفاك همك، وهذا فى طريق ~~الخواص عمى عن الكفاية به ورجوع إلى الأسباب، لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع ~~التوكل فصار بدلا عن تلك الأسباب، فإنك ms279 معلق بما [رفضته] من حيث معتقدك ~~الانفصال. وحقيقة التوكل عند القوم التوكل فى تخليص القلب من علة التوكل ~~وهو أن يعلم أن الله [تعالى] لم يترك أمرا مهملا بل فرغ من الأشياء وقدرها، ~~وإن اختلف منها # PageV01P254 # شيء فى العقول أو تشوش فى المحسوس أو اضطراب فى المعهود فهو المدبر له، ~~وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت، والمتوكل من أراح نفسه من كل النظر فى ~~مطالعة السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين عنده وهو أن ~~يعلم أن الطلب لا يجمع والتوكل لا يمنع، ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله ~~مدخولا وقصده معلولا، فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ فى توكله سوى ~~خالص حق الله كفاه الله [تعالى] كل مهم". # ثم ذكر حكاية عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه فى رعايته نام عن غنمه، ~~فاستيقظ فوجد الذئب واضعا عصاه على عاتقه يرعاها فعجب من ذلك، فأوحى الله ~~إليه: يا موسى، كن لى كما أريد، أكن لك كما تريد. # فيقال: الكلام على هذا من وجوه: # أحدها: إن جعله التوكل من منازل العوام باطل كما تقدم، بل الخاصة أحوج ~~إليه من العامة، وتوكل الخواص أعظم من توكل العوام. والتوكل مصاحب للصادق ~~من أول قدم يضعه فى الطريق إلى نهايته، وكلما ازداد قربه وقوى سيره ازداد ~~توكله. فالتوكل مركب السائر الذى لا يتأتى له السير إلا به، ومتى نزل عنه ~~انقطع لوقته، وهو من لوازم الإيمان ومقتضياته، قال الله تعالى: {وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] ، فجعل التوكل شرطا فى الإيمان، فدل ~~على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، وفى الآية الأخرى: {وقال موسى يا ~~قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84] فجعل ~~دليل صحة الإسلام التوكل، وقال تعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل ~~عمران: 122، 160] [المائدة: 11] [التوبة: 51] [إبراهيم: 11] [المجادلة: 10] ~~[التغابن: 13] ، فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء ~~الإيمان للتوكل، وإن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوى ~~إيمان العبد كان ms280 توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ~~ضعيفا، فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد، والله تعالى يجمع بين التوكل ~~والعبادة وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل ~~والتقوى، وبين التوكل والهداية. # فأما التوكل والعبادة، فقد جمع [سبحانه] بينهما فى سبعة مواضع من كتابه، ~~أحدها: فى # PageV01P255 # سورة أم القرآن فقال [تعالى] : {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة:5] ، ~~والثانى: قوله حكاية عن شعيب أنه قال: {وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت ~~وإليه أنيب} [هود: 88] ، الثالث: قوله حكاية عن أوليائه وعبادة المؤمنين ~~أنهم قالوا: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} [الممتحنة: 4] ، ~~الرابع: قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {واذكر اسم ربك وتبتل ~~إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل:8-9] ، ~~الخامس: قوله: {ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل ~~عليه وما ربك بغافل عما تعملون} [هود: 123] ، السادس: قوله: {فأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} ~~[الحج: 78] ، السابع: قوله: {قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب} [الرعد: 30] . # فهذه السبعة مواضع جمعت الأصلين: التوكل وهو الوسيلة والإنابة وهى ~~الغاية، فإن العبد لا بد له من غاية مطلوبة، ووسيلة موصلة إلى تلك الغاية ~~فأشرف غاياته التى لا غاية له أجل منها عبادة ربه، والإنابة إليه. وأعظم ~~وسائله التى لا وسيلة له غيرها البتة التوكل على الله والاستعانة به، ولا ~~سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة، فهذه أشرف الغايات، وتلك أشرف ~~الوسائل، وأما الجمع بين الإيمان والتوكل، ففى مثل قوله تعالى: {قل هو ~~الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} [الملك: 29] ، ونظيره قوله: {وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] ، وقوله تعالى: {وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون} [آل عمران: 122، 160] [المائدة: 11] [التوبة: 51] [إبراهيم: 11] ~~[المجادلة: 10] [التغابن: 13] . # وأما الجمع بين التوكل والإسلام ففى قوله تعالى: {وقال موسى يا قوم إن ~~كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84] . # وأما الجمع بين التقوى والتوكل، ففى مثل قوله تعالى: ms281 {يأيها النبى اتق ~~الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} إلى قوله تعالى: {وتوكل على الله وكفى ~~بالله وكيلا} [الأحزاب: 1- 3] ، وقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2- 3] . # وأما الجمع بين التوكل والهداية ففى مثل قول الرسل [صلوات الله وسلامه ~~عليهم] لقومهم: # PageV01P256 # {وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا} [إبراهيم:12] ، وقال الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فتوكل على الله إنك على الحق المبين} ~~[النمل: 79] ، فأمر [رسوله] بالتوكل عليه، وعقب هذا الأمر بما هو موجب ~~للتوكل مصحح له مستدع لثبوته وتحققه، وهو قوله تعالى: "إنك على الحق المبين ~~فإن كون العبد على الحق يقتضى تحقيق مقام التوكل على الله، والاكتفاء به، ~~والإيواء إلى ركنه الشديد، فإن الله هو الحق، وهو ولى الحق وناصره ومؤيده، ~~وكافى من قام به،" [مخلصا للحق] أن لا يتوكل عليه؟ وكيف يخاف وهو على الحق؟ ~~كما قالت الرسل لقومهم: {وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا} ~~[إبراهيم: 12] ، فعجبوا من تركهم التوكل على الله [وهو] هداهم، [وأقروا] أن ~~ذلك لا يكون أبدا. # وهذا دليل على أن الهداية والتوكل متلازمان: فصادف الحق- لعلمه بالحق ~~[وليقينه] بأن الله ولى الحق وناصره- مضطر إلى توكله على الله لا يجد بدا ~~من توكله. فإن التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله. أما علمه: فيقينه ~~بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه فى ذلك. ~~وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، ~~وأن غيره لا يقوم مقامه فى ذلك. ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه. ~~فبهذين الأصلين يتحقق التوكل، وهما جماعه، وإن كان التوكل دخل فى عمل القلب ~~من عمله، كما قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب، ولكن لا بد فيه من العلم، ~~وهو إما شرط فيه، وإما جزء من ماهيته. # والمقصود أن القلب متى كان على الحق كان أعظم لطمأنينته ووثوقه بأن الله ~~وليه وناصره وسكونه إليه، فما له أن ms282 لا يتوكل على ربه؟ وإذا كان على الباطل ~~علما وعملا أو أحدهما لم يكن مطمئنا واثقا بربه فإنه لا ضمان له عليه، ولا ~~عهد له عنده، فإن الله [سبحانه] لا يتولى الباطل ولا ينصره، ولا ينسب إليه ~~بوجه، فهو منقطع النسب إليه بالكلية، فإنه سبحانه هو [الحق] ، وقوله الحق، ~~ودينه الحق ووعده حق، ولقاؤه حق، وفعله [كله] حق. # ليس فى أفعاله شيء باطل، بل أفعاله سبحانه بريئة من الباطل، كما أقواله ~~[سبحانه] كذلك، فلما كان الباطل لا يتعلق به [سبحانه] ، بل هو مقطوع [عليه] ~~البتة كان صاحبه كذلك. ومن لم يكن له تعلق بالله العظيم، وكان منقطعا عن ~~ربه لم يكن الله وليه ولا ناصره ولا وكيله. # فتدبر هذا السر العظيم فى اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى وارتباط ~~أحدهما بالآخر، لو لم يكن فى هذه # PageV01P257 # الرسالة إلا هذه الفائدة السرية لكانت حقيقة أن تودع فى خزانة القلب، ~~لشدة الحاجة إليها. والله المستعان وعليه التكلان # فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال ~~الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا ~~على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. ~~والله أعلم. # الوجه الثانى: أن قوله فى التوكل: "إنه فى طريق الخواص عمى عن الكفاية، ~~ورجوع إلى الأسباب.. إلى آخر كلامه" مضمونه أن التوكل لا يتم إلا برفض ~~الأسباب، والإعراض عنها جملة. والتوكل من أقوى الأسباب وأعظمها فى حصول ~~المطلوب فكأنه قد رفض سببا وتعلق بسبب، وقد ناقض فى أمره، ولهذا قال: "فصار ~~بدلا عن تلك الأسباب"، وكأنك تعلقت بما رفضته فهذه هى النكتة التى لأجلها ~~صار التوكل عنده من منازل العوام، وهذه هى غير مسألة الجمع بين التوكل ~~والسبب، بل هذه مسألة تعليل نفس التوكل. فيقال: قولك: "إنه عمى عن الكفاية" ~~ليس كذلك، بل هو نظر إلى نفس الكفاية وملاحظة لها. # ولا ريب أن الكفاية من الله لا تنال إلا بأسبابها من عبوديته، وسببها ~~المقتضى لها هو التوكل، كما قال ms283 الله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} ~~[الطلاق: 3] ، أى كافية، فجعل التوكل سببا للكفاية فربط الكفاية بالتوكل ~~كربط سائر الأسباب بمسبباتها، فكيف يقال: "إن التوكل عمى عن الكفاية"؟ وهل ~~التوكل إلا محض العبودية التى جزاؤها الكفاية، وهى لا تحصل بدونه؟ بل العلة ~~ههنا شهود حصولها بفعلك وتوكلك، غير ناظر إلى مسبب الأسباب الذى أجرى عليك ~~هذا السبب ليوصلك به إلى الكفاية، فأول الأمر وآخره منه، فهو المنعم بالسبب ~~والمسبب جميعا، ولكن لا يوجب نظر العبد إلى المسبب المنعم بالسبب قطع نظره ~~عن السبب والقيام به، بل الواجب القيام بالأمرين معا. # الوجه الثالث: أن قوله: "إنه رجوع إلى الأسباب" إن أراد به أنه رجوع إلى ~~سبب ينقص العبودية ويضعف التوكل فليس كذلك، وظاهر أن الأمر ليس كذلك، # PageV01P258 # وإن أراد به أنه رجوع إلى سبب نصبه الله مقتضيا للكفاية منه، ورتب عليه ~~جزاء لا يحصل بدونه فهذا حق، ولكن القيام بهذا السبب محض الكمال، ونفس ~~العبودية. وهو كجعل الإسلام والإيمان والإحسان أسبابا مقتضية للفلاح ~~والسعادة، بل كجعل سائر أعمال القلوب والجوارح أسبابا مقتضية لما رتب عليها ~~من الجزاء، وهل الكمال إلا القيام بهذه الأسباب؟ فالأسباب التى تكون ~~مباشرتها نقصا هى الأسباب التى تضعف التوكل، وأما أن يكون التوكل نفسه ~~ناقصا لكون التحقق به تحققا بالسبب فقلب للحقائق، # الوجه الرابع: أن قوله: "لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع التوكل" إن أراد به ~~رفض الأسباب جملة، فهذا كما أنه ممتنع عقلا وحسا فهو محرم شرعا ودينا، فإن ~~رفض الأسباب بالكلية انسلاخ من العقل والدين، وإن أراد به رفض الوقوف معها ~~والوثوق بها، وأنه يقوم [بها] قيام ناظر إلى سببها، فهذا حق ولكن النقص لا ~~يكون فى السبب ولا فى القيام به، وإنما يكون فى الإعراض عن المسبب تعالى ~~كما تقدم، فمنع الأسباب أن تكون أسبابا قدح فى العقل والشرع، وإثباتها ~~والوقوف معها وقطع النظر عن مسببها قدح فى التوحيد والتوكل، والقيام بها ~~وتنزيلها منازلها والنظر إلى مسببها وتعلق القيام به جمع بين الأمر ~~والتوحيد، ms284 وبين الشرع والقدر، وهو الكمال، والله أعلم. # الوجه الخامس: قوله: "فصار التوكل بدلا عن تلك الأسباب" هذا حق، فإن ~~التوكل من أعظم الأسباب، ولكنه بدل عنها، كما تكون الطاعة بدلا عن المعصية، ~~والتوحيد بدلا عن الشرك، فهو بدل واجب مأمور به مطلوب من العبد والمذموم أن ~~يجعل العبد الأسباب بدلا عن التوكل، لا أن يجعل التوكل بدلا عن الأسباب. # الوجه السادس: قوله: "فكأنك تعلقت بما رفضته من حيث معتقدك الانفصال" ليس ~~كذلك، فإن المرفوض هو التعلق بغير الله والالتفات إلى سواه، فهذا هو الذى ~~رفضه، وأما الذى تعلق به فهو التوكل على الله واللجأ إليه والتفويض إليه ~~والاستعانة به. فقد رفض المخلوق وتعلق بالخالق، فكيف يقال: إنه تعلق بما ~~رفضه؟ # الوجه السابع: أن قوله: "من حيث معتقدك الانفصال" يشير به إلى أن التوكل # PageV01P259 # نوع تفرقة وانفصال يشهد فيه مع الله غيره، وهذا مناف للفناء فى التوحيد، ~~وأن لا يشهد مع الله غيره أصلا، وهذا قطب رحى السير الذى يشير إليه القوم، ~~والعلم الذى يشمرون إليه، ولأجله يجعلون كل ما دونه من المقامات معلولا، ~~ولا بد من فصل القول فيه بعون الله وتأييده، فإنه نهاية إقدامهم وغاية ~~مرماهم. فنقول وبالله التوفيق: # الفناء الذى يشار إليه على ألسنة السالكين ثلاثة أقسام: فناء عن وجود ~~السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة السوى وإرادته، وليس هنا قسم ~~رابع. # فأما القسم الأول: فهو فناء القائلين بوحدة الوجود، فهو فناء باطل فى ~~نفسه، مستلزم جحد الصانع [سبحانه] ، وإنكار ربوبيته وخلقه وشرعه، وهو غاية ~~الإلحاد والزندقة. وهذا هو الذى يشير إليه علماء الاتحادية، ويسمونه ~~"التحقيق"، وغاية أحدهم فيه أن لا يشهد ربا وعبدا، وخالقا ومخلوقا، وآمرا ~~ومأمورا، وطاعة ومعصية، بل الأمر كله واحد، فيكون السالك عندهم فى بدايته ~~يشهد طاعة ومعصية. # ثم يرتفع [عن] هذا الفرق بكشف عندهم إلى أن يشهد الأفعال كلها طاعة لله ~~لا معصية فيها، وهو شهود الحكم والقدر، فيشهده طاعة لموافقتها الحكم ~~والمشيئة. وهذا ناقص عندهم أيضا، إذ هو متضمن للفرق، ms285 ثم يرتفع عندهم عن هذا ~~الشهود إلى أن لا يشهد لا طاعة ولا معصية، إذ الطاعة والمعصية إنما تكون من ~~غير لغير، وما ثم غير. # فإذا تحقق بشهود ذلك وفنى فيه فقد فنى عن وجود السوى، فهذا هو غاية ~~التحقيق عندهم ومن لم يصل إليه فهو محجوب. ومن أشعارهم فى هذا قول قائلهم: # وما أنت غير الكون، بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائق # وقول آخر: # ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من مدح ولا ذم # وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع بالحكم # وقول الآخر: # وما الموج إلا البحر لا شيء غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد # والقسم الثانى من أقسام الفناء هو الذى يشير إليه المتأخرون من أرباب ~~السلوك، # PageV01P260 # وهو الفناء عن شهود السوى، مع تفريقهم بين الرب والعبد وبين الطاعة ~~والمعصية وجعلهم وجود الخالق غير وجود المخلوق. ثم هم مختلفون فى هذا ~~الفناء على قولين: أحدهما أنه الغاية المطلوبة من السلوك، وما دونه بالنسبة ~~إليه ناقص، ومن هنا يجعلون المقامات [والمنازل] معلولة. والقول الثانى: أنه ~~من لوازم الطريق لا بد منه للسالك، ولكن البقاء أكمل منه وهؤلاء يجعلونه ~~ناقصا ولكن لا بد منه، وهذه طريقة كثير من المتقدمين. وهؤلاء يقولون: إن ~~الكمال شهود العبودية مع شهود المعبود، فلا يغيب بعبادته عن معبوده، ولا ~~بمعبوده عن عبادته ولكن لقوة الوارد وضعف المحل وغلبة استيلاء الوارد على ~~القلب- حتى يملكه من جميع جهاته- يقع الفناء. والتحقيق أن هذا الفناء ليس ~~بغاية، ولا هو من لوازم الطريق، بل هو عارض من عوارض الطريق يعرض لبعض ~~السالكين دون جميعهم وسببه أمور ثلاثة: # أحدها: قصده وإرادته والعمل عليه، فإنه إذا علم أنه الغاية المطلوبة شمر ~~سائرا إليه عاملا عليه، فإذا أشرف عليه وقف معه ونزل بواديه وطلب مساكنته. ~~فهؤلاء إنما يحصل لهم الفناء لأن سيرهم كان على طلب حظهم ومرادهم من الله ~~وهو الفناء لم يكن سيرهم على تحصيل مراد الله منهم وهو القيام بعبوديته ~~والتحقق بها. والسائر على طلب تحصيل مراد الله ms286 منه لا يكاد الفناء يحل ~~بساحته ولا يعتريه. # السبب الثانى: قوة الوارد بحيث يغمره ويستولى عليه، فلا يبقى فيه متسع ~~لغيره أصلا. # السبب الثالث: ضعف المحل عن احتمال ما يرد عليه. # فمن هذه الأسباب الثلاثة يعرض الفناء. ولما رأى الصادق فى طريقه السالك ~~إلى ربه أن أكثر أصحاب الفرق محجوبون عن هذا المقام مشتتون فى أودية الفرق ~~وشهدوا نقصهم ورأوا ما هم فيه من الفناء أكمل ظنوا أنه لا كمال [وراء] ذلك، ~~وأنه الغاية المطلوبة، فمن هنا جعلوه غاية. # ولكن أكمل من ذلك وأعلى [وأجل هو القسم الثالث] وهو الفناء عن عبادة ~~السوى وإرادته ومحبته وخشيته ورجائه والتوكل عليه والسكون إليه [فيفنى ~~بعبادة ربه ومحبته وخشيته ورجائه وخشيته ورجائه ورجائه والتوكل عليه إليه ~~عن عبادة غيره وعن محبته رجائه والتوكل عليه] مع شهود الغير ومعاينته. فهذا ~~أكمل من فنائه عن عبودية الغير ومحبته مع عدم شهوده له وغيبته عنه، فإذا ~~شهد الغير فى مرتبته أوجب شهوده له زيادة # PageV01P261 # فى محبة معبوده، وتعظيما له وهروبا إليه وظنا به، فإن نظر المحب إلى ~~مباديء محبوبه ومضاده يوجب زيادة حبه له، وفى هذا المعنى قال القائل: # وإذا نظرت إلى أميرى زادنى ... حبا له نظرى إلى الأمراء # وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى دعائه: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت، ~~وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت وإليك حاكمت". وفى سجوده: "اللهم لك ~~سجدت، وبك آمنت"، وكذلك فى ركوعه: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت". # فهذا دعاء من قد جمع بين شهود عبوديته وشهود معبوده، ولم يغب بأحدهما عن ~~الآخر، وهل هذا إلا كمال العبودية: أن يشهد ما يأتى به من العبودية موجها ~~لها إلى المعبود الحق، محضرا لها بين يديه، متقربا بها إليه. فأما الغيبة ~~عنها بالكلية بحيث تبقى الحركات كأنها طبيعية غير واقعة بالإرادة فهذا- وإن ~~كان أكمل من حال الغائب بشهود عبوديته عن معبوده- فحال الجامع بين شهود ~~العبودية والمعبود أكمل منهما. وإذا عرفت هذه القاعدة ظهر أن تعليله التوكل ~~بما ذكر تعليل باطل. ms287 # الوجه الثامن: أن التوكل على الله نوعان: أحدهما: توكل عليه فى تحصيل حظ ~~العبد من الرزق والعافية وغيرهما، والثانى: توكل عليه فى تحصيل مرضاته. # فأما النوع الأول فغايته المطلوبة وإن لم تكن عبادة لأنها محض حظ العبد، ~~فالتوكل على الله فى حصوله عبادة، فهو منشأ لمصلحة دينه ودنياه. # وأما النوع الثانى فغايته عبادة، وهو فى نفسه عبادة. فلا علة فيه بوجه ~~فإنه استعانة بالله على ما يرضيه. فصاحبه متحقق بإياك نعبد وإياك نستعين، ~~فتركه ترك لشطر الإيمان. والعلة إنما هى فى ضعف هذا التوكل. # فهب أن التوكل فى حصول الحظ معلول فيلزم من هذا أن يكون التوكل فى حصول ~~مراد الرب سبحانه ومرضاته معلولا. # الوجه التاسع: قوله: "وحقيقة التوكل عند القوم التوكل فى تخليص القلوب من ~~علة التوكل"، فيقال: إذا كان هذا التوكل عندك ليس بمعلول، ولا هو عمى عن ~~الكفاية، ولا رجوع إلى الأسباب بعد رفضها، بطل تعليل التوكل بما عللته به. ~~وإن # PageV01P262 # كانت هذه العلة بعينها موجودة فى هذا التوكل بطل أن يكون [علة] ، فلزم ~~بطلان كونه معلولا على التقديرين، وظهر أن العلة فى التوكل لا تخرج عن أحد ~~شيئين: إما أن يكون متعلقة حظا من حظوظك، وإما وقوفك معه وركونك إليه فقط، ~~فإذا خلص التوكل من هذا وهذا فلا علة تلحقه ولا نقيضة تدركه. # الوجه العاشر: أن علة التوكل عنده هى ترك التوكل كما فسره فكيف يتوكل فى ~~ترك التوكل؟ وهل هذا إلا جمع بين متضادين؟ # الوجه الحادى عشر: قوله: "وهو أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى لم يترك ~~أمرا مهملا، بل فرغ من الأشياء وقدرها، وإن اختلف منها شيء فى العقول أو ~~تشوش فى المحسوس أو اضطرب فى المعهود فهو المدبر له، وشأنه سوق المقادير ~~إلى المواقيت. المتوكل من أراح نفسه من كد النظر فى مطالعة السبب، سكونا ~~إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين عنده" إلى آخر كلامه. # فيقال: هو سبحانه فرغ من الأشياء وقدرها بأسبابها المفضية إليها، فكما أن ~~المسببات من قدره الذى ms288 فرغ منه فأسبابها [أيضا من قدره الذى فرع منه. ~~فتقريره المقادير بأسبابها] لا ينافى القيام بتلك الأسباب، بل يتوقف حصولها ~~عليها. # وقد سئل النبى صلى الله عليه وسلم فقيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى ~~نسترقى بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: "هى من قدر الله"، وسئل صلى ~~الله عليه وسلم: أعلم أهل الجنة والنار؟ قال: "نعم"، قالوا: ففيم العمل؟ ~~قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، فأمرهم بالأعمال، وأخبرهم أن الله يسر ~~كل عبد لما خلق له فجعل عمله سببا لنيل ما خلق له من الثواب والعقاب، فلا ~~بد من إثبات السبب والمسبب جميعا. # الوجه الثانى عشر: قوله: "المتوكل من أراح نفسه من كد النظر فى مطالعة ~~السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة، مع استواء الحالين عنده"، فهذا الكلام ~~إن أخذ على إطلاقه فهو باطل قطعا، فإن السكون إلى ما سبق من القسمة وترك ~~السبب فى أعمال البر عين العجز وتعطيل الأمر والشرع، ولا يجوز شرعا ولا ~~عقلا التسوية بين الحالين. وأما السكون إلى ما سبق من القسمة فى أسباب ~~المعيشة فهو حق، ولكن الكمال أن يكون ساكنا إلى ما سبق مع قيامه، وهذه حال ~~الكملة من الصحابة ومن بعدهم. فالكمال مع قيامه، هو تنزيل الأسباب منازلها ~~علما وعملا لا الإعراض عنها ومحوها، ولا الانتهاء إليها # PageV01P263 # والوقوف عندها. # الوجه الثالث عشر: قوله: "مع استواء الحالين عنده، وهو أن يعلم أن الطلب ~~لا يجمع، والتوكل لا يمنع" يشير به إلى استواء الحالين فى مباشرة السبب ~~وتركه نظرا إلى ما سبق. وهذا ليس بمأمور ولا معذور، فإنه لا تستوى الحالتان ~~شرعا ولا قدرا، وكيف يستوى ما لم يسوه الله شرعا ولا قدرا؟ # الوجه الرابع عشر: قوله: "الطلب لا يجمع، التوكل لا يمنع فقد بين أن ~~التوكل لا ينافى الطلب، بل حقيقة التوكل وكماله مقارنته للطلب ومصاحبته ~~للسبب، وأما توكل مجرد عن الطلب والسبب فعجز وأمانى. فتوكل الحراث إنما هو ~~بعد شق الأرض وبذرها، وحينئذ يصح منه التوكل فى ms289 طلوع الزرع. وأما توكله من ~~غير حرث ولا بذر فعجز وبطالة. # الوجه الخامس عشر: قوله: "ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله مدخولا وقصده ~~معلولا. فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ فى توكله سوى خالص حق الله ~~كفاه كل مهم"، فيقال: التوكل يكون فى أحد شيئين: إما فى حصول حظ العبد ~~ورزقه ونصره وعافيته، وإما فى حصول مراد ربه منه، وكلاهما عبادة مأمور بها، ~~والثانى أكمل من الأول بحسب المتوكل فيه. ولكن توكله فى الأول لا يكون ~~معلولا من حيث هو توكل، وإنما تكون علته أن صرف توكله إلى غيره أولى ~~بالتوكل منه. وهذا إنما يكون نقصا إذا أضعف توكله فى الأمر ومراد الله منه. # وأما إن لم يضعفه بل أعطى كل مقام حقه من التوكل فهذا محص العبودية. ~~والله أعلم. # فصل # المثال الخامس: الصبر. قال أبو العباس: "وهو من منازل العوام أيضا، لأن ~~الصبر حبس النفس على مكروه، وعقل اللسان عن الشكوى، ومكابدة الغصص فى ~~تحمله، وانتظار الفرج عند عاقبته. وهذا فى طريق الخاصة تجلد ومناوأة وجرأة ~~ومنازعة، فإن حاصله يرجع إلى كتمان الشكوى فى تحمل الأذى بالبلوى. وتحقيقه ~~الخروج عن الشكوى بالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى. # وقيل: إنه على ثلاث مقامات مرتبة بعضها فوق بعض، فالأول: التصبر، وهو ~~تحمل مشقة، وتجرع غصة، # PageV01P264 # والثبات على ما يجرى من الحكم. وهذا هو التصبر لله وهو صبر العوام. ~~والثانى: الصبر، وهو نوع سهولة تخفف عن المبتلى بعض الثقل، وتسهل عليه ~~صعوبة المراد، وهو الصبر لله، وهو نوع سهولة، وهو صبر المريدين. والثالث: ~~الاصطبار وهو التلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى، وهذا هو الصبر على ~~الله، وهو صبر العارفين". والكلام على هذا من وجوه: # أحدها: أن يقال الصبر نصف الدين، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. ~~قال تعالى: {إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور} [سبأ:19] ، وقال النبى صلى ~~الله عليه وسلم: "والذى نفسى بيده، لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا ~~له: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، ms290 إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، ~~وليس ذلك إلا للمؤمن". فمنازل الإيمان كلها بين الصبر والشكر، والذى يوضح ~~هذا: # الوجه الثانى: وهو أن العبد لا يخلو قط من أن يكون فى نعمة أو بلية، فإن ~~كان فى نعمة ففرضها الشكر والصبر. أما الشكر فهو قيدها وثباتها والكفيل ~~بمزيدها، وأما الصبر فعن مباشرة الأسباب التى تسلبها، وعلى القيام بالأسباب ~~التى تحفظها فهو أحوج إلى الصبر فيها من حاجة المبتلى. ومن هنا يعلم سر ~~مسألة الغنى الشاكر والفقير الصابر، وأن كلا منهما محتاج إلى الشكر والصبر، ~~وأنه قد يكون صبر الغنى أكمل من صبر الفقير. كما قد يكون شر الفقير أكمل، ~~فأفضلهما أعظمهما شكرا وصبرا، فإن فضل أحدهما فى ذلك فضل صاحبه. # فالشكر مستلزم للصبر لا يتم إلا به، والصبر مستلزم للشكر لا يتم إلا به. ~~فمتى ذهب الشكر ذهب الصبر، ومتى ذهب الصبر ذهب الشكر، وإن كان فى بلية ~~ففرضها الصبر والشكر أيضا: أما الصبر فظاهر، وأما الشكر فللقيام بحق الله ~~عليه فى تلك البلية، فإن لله على العبد [عبودية فى البلاء كما له عليه ~~عبودية فى النعماء وعليه] أن يقوم بعبوديته فى هذا وهذا. فعلم أنه لا ~~انفكاك له عن الصبر، ما دام سائرا إلى الله. # الوجه الثالث: أن الصبر ثلاثة أقسام: إما صبر عن المعصية فلا يرتكبها ~~وإما صبر على الطاعة حتى يؤديها وإما صبر على البلية فلا يشكو ربه فيها وإن ~~كان العبد # PageV01P265 # .. # ... # لا بد له من واحد من هذه الثلاثة فالصبر لازم له أبدا لا خروج له البتة. # الوجه الرابع: أن الله سبحانه ذكر الصبر فى كتابه فى نحو تسعين موضعا، ~~فمرة أمر به، ومرة أثنى على أهله، ومرة أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يبشر به أهله، ومرة جعله شرطا فى حصول النصر والكفاية ومرة أخبر أنه مع ~~أهله، وأثنى به على صفوته من العالمين وهم أنبياؤه ورسله، فقال عن نبيه ~~أيوب: {إنا وجدناه صابرا، نعم العبد إنه أواب} [سورة ص: 44] ، وقال [تعالى] ~~لخاتم ms291 أنبيائه ورسله: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} [الأحقاف: 35] ~~، وقال: {واصبر وما صبرك إلا بالله} [النمل: 127] ، وقال يوسف الصديق، وقد ~~قال له إخوته: {أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى، قد من الله علينآ ~~إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} [يوسف:90] ، وهذا يدل على ~~أن الصبر من أجل مقامات الإيمان، وأن أخص الناس بالله وأولاهم به أشدهم ~~قياما وتحققا به، وأن الخاصة أحوج إليه من العامة. # الوجه الخامس: أن الصبر سبب فى حصول كل كمال، فأكمل الخلق أصبرهم، ولم ~~يتخلف عن أحد كماله الممكن إلا من ضعف صبره، فإن كمال العبد بالعزيمة ~~والثبات، فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص، ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له ~~عليها فهو ناقص. # فإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمر كل مقام شريف وحال كامل، ولهذا فى ~~دعاء النبى صلى الله عليه وسلم الذى رواه الإمام أحمد وابن حبان فى صحيحه: ~~"اللهم إنى أسألك الثبات فى الأمر والعزيمة على الرشد"، ومعلوم أن شجرة ~~الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر، فلو علم العبد الكنز الذى تحت ~~هذه الأحرف الثلاثة أعنى اسم "الصبر" لما تخلف عنه. # قال النبى صلى الله عليه وسلم: "ما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر"، ~~وقال عمر بن الخطاب [رضى الله عنه] حين غشى عليه: أدركناه بالصبر. وفى مثل ~~هذا قال القائل: # نزه فؤادك عن سوانا والقنا ... فجنابنا حل لكل منزه # والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه # فالصبر طلسم على كنز السعادة، من حله ظفر بالكنز. # الوجه السادس: قوله: "الصبر حبس النفس على مكروه، وعقل اللسان عن # PageV01P266 # الشكوى، ومكابدة الغصص فى تحمله، وانتظار الفرج عند عاقبته"، فيقال: هذا ~~أحد أقسام الصبر، وهو الصبر على البلاء. وأما الصبر على الطاعة فقد يعرض ~~فيه ذلك أو بعضه وقد لا يعرض فيه، بل [يتجلى] بها ويأتى بها محبة ورضى، ومع ~~هذا فالصبر واقع عليها، فإنه حبس النفس على مداومتها والقيام بها، ms292 قال الله ~~تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى} [الكهف: 28] ، ~~وأما الصبر عن المعصية فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه، وقد لا يعرض فيه، لتمكن ~~الصابر من قهر داعيها وغلبته. # وإذا كان ما ذكر من الأمور الأربعة إنما يعرض فى الصبر على البلية فقوله: ~~"إنه فى طريق الخاصة تجلد ومناوأة وجرأة ومنازعة" ليس كذلك، وإنما فيه ~~التجلد، فأين المناوأة [والجرأة] والمنازعة؟ # وأما لوازم الطبيعة من وجود ألم البلوى فلا تنقلب ولا تعدم فلا يصح أن ~~يقال: إن وجود التألم والتجلد عليه وحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى ~~جرأة ومنازعة، بل هو محض العبودية والاستكانة وامتثال الأمر، وهو من عبودية ~~الله المفروضة على عبده فى البلاء، فالقيام بها عين كمال العبد ولوازم ~~الطبيعة لا بد منها، ومن رام أن لا يجد البرد والحر والجوع والعطش والألم ~~عند تمام أسبابها وعللها فقد رام الممتنع. # وهل يكون الأجر إلا على وجود تلك الآلام والمشاق والصبر عليها؟ وقد ثبت ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل ~~فالأمثل"، وقيل له فى مرضه: إنك لتوعك وعكا شديدا، قال: "أجل إن لى أجر ~~رجلين منكم" يعنى فى وعكة [صلى الله عليه وسلم] . # ولا ريب أن ذلك الوعك مؤلم له صلى الله عليه وسلم، وأيضا فى مرض موته ~~قال: "وارأساه"، وهذا إنما هو من وجود ألم الصداع، وكان يقول فى غمرات ~~الموت: "اللهم أعنى على سكرات الموت" [ويدخل يده فى القدح ويمسح وجهه ~~بالماء من كرب الموت] ، وهذا كله لتكميل أجره وزيادة رفعة درجاته صلى الله ~~عليه وسلم. # وهل كان ذلك إلا محض العبودية وعين الكمال؟ وهل الجرأة والمناوأة ~~والمنازعة إلا فى ترك الصبر، وفى التسخط والشكوى؟ # الوجه السابع: قوله: "فإن حامله يرجع إلى كتمان الشكوى فى تحامل الأذى ~~بالبلوى، والاستبشار باختيار المولى"، فيقال: الذى يمكن الخروج عنه هو ~~الشكوى، وأما أن يخرج عن ذوق البلوى فلا يجده أو يتلذذ بها، فهذا غير ممكن، ~~ولا هو فى الطبيعة، ms293 وإنما الممكن أن يشاهد العبد فى تضاعيف البلاء لطف صنع ~~الله به وحسن اختياره له # PageV01P267 # وبره به فى حمله عنه [فيخفف عنه] مؤنة حمله، وتشتغل النفس باستخراج لطائف ~~صنع الله به وبره وحسن اختياره عن شهود حمله فيحصل له لذة بما شهده من ذلك، ~~وفوق هذا مرتبة أرفع منه، وهى أن يشهد أن هذا مراد محبوبه، وإنه بمرأى منه ~~ومسمع، وأنه هديته إلى عبده، وخلعته التى خلعها عليه ليرفل له فى أذيال ~~التذلل والمسكنة والتضرع لعزته وجلاله، فيعلم العبد أن حقيقة المحبة هى ~~موافقة المحبوب فى محابه فيحب ما يحبه محبوبه، فيحب العبد تلك الحال من حيث ~~موافقته لمحبوبه وإن كرهها من حيث الطبع البشرى، فإن هذه الكراهة لا تنافى ~~محبته لها كما يكره طبعه الدواء الكريه وهو يحبه من وجه آخر، وهذا لا ينكر ~~فى المحبة المتعلقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها، كما قال القائل فى ~~ذلك: # أهوى هواه وبعدى عنه يعجبه ... فالبعد قد صار لى فى حبه أربا # وقال الآخر: # أريد وصاله ويريد هجرى ... فأترك ما أريد لما يريد # وقال الآخر: # وأهنتنى فأهتت نفسى جاهدا ... ما من يهون عليك ممن أكرم # وإنه لتبلغ المحبة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه عن مراده هو منه. ~~فإذا شهد مراد محبوبه أحبه، وإن كان كريها إليه. فهذا لا ينكر ولا ينافى ~~التألم بمراد المحبوب المنافى للمحب وصبره عليه، بل يجتمع فى حقه الأمران، ~~وتقوى هذه المحبة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى وإفضائها إلى غاية ~~النعيم واللذة، فكلما قوى علمه بذلك وقويت محبته لمن ذكره بابتلائه ازداد ~~تلذذه بها مع الكراهية الطبيعية التى هى من لوازم الخلقة ولا سيما إذا علم ~~المحب الذى أحب الأشياء إليه أن يجرى ذكره على بال محبوبه أن محبوبه قد ~~ذكره بنوع من الامتحان، فإنه يفرح بذكره له وإن ساءه ما ذكره به كما قال ~~القائل: # لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرنى أنى خطرت ببالكا # الوجه الثامن: قوله: "وهو على ثلاث مقامات مرتبة بعضها فوق بعض، ms294 فالأول ~~التصبر- إلى قوله- وهو صبر العوام"، فيقال: لا ريب أن التصبر مؤذن بتكلف # PageV01P268 # وتحمل على كره، ولكن هذا لا بد منه فى الصبر. وهو سببه الذى ينال به، ~~فالتصبر من العبد، والصبر ثمرته التى يفرعها الله إذا تعاطاه وتكلفه، كما ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم: "ومن يتصبر يصبره لله"، فمنزلة التصبر من ~~الصبر منزلة التعلم والتفهم من العمل والفهم، فلا بد منه فى حصول الصبر. # الوجه التاسع: قوله: "والثانى الصبر، وهو نوع سهولة يخفف عن المبتلى بعض ~~الثقل، ويسهل عليه صعوبة المراد وهو الصبر للله، وهو صبر المريدين"، فقد ~~تقدم أن الصبر ثمرة التصبر وكلاهما إنما يحمد إذا كان الله. وإنما يكون إذا ~~كان بالله فما لم يكن به لا يكون، وما لم يكن له لا ينفع ولا يثمر، فكلاهما ~~لا يحصل للمريد السالك مقصوده إلا أن يكون بالله ولله. قال تعالى فى الصبر ~~به: {واصبر وما صبرك إلا بالله} [النحل: 127] ، وقال فى الصبر له: {واصبر ~~لحكم ربك} [الطور: 48] . # واختلف الناس أى [الله] الصبرين أعلى وأفضل: الصبر له، أو به؟ فقالت ~~طائفة منهم صاحب [كتاب] "منازل السائرين": وأضعف الصبر الصبر لله وهو صبر ~~العامة، وفوقه الصبر بالله، [وهو صبر المريد وفوقهما الصبر على الله ووجه ~~هذا القول السالك ووجه هذا القول إن الصبر لله] هو صبر العابد الذى تصبر ~~نفسه لأمر الله طالبا لمرضاته وثوابه، فهو صابر على العمل صابر عن ~~المحرمات، وأما الصبر به فهو تبرؤ من الحول والقوة، وإضافة ذلك إلى الله ~~[عز وجل] وهو صبر المريد. # وأما الصبر على الله فصبر السالك على ما يجيء به متعلق أقداره وأحكامه. ~~والصواب أن الصبر لله أكمل من الصبر به، فإن الصبر له متعلق بإلهيته ~~ومحبته، والصبر به متعلق بربوبيته ومشيئته، وما هو له أكمل مما هو به، فإن ~~ما هو له [هو] الغاية وما به هو الوسيلة، فالصبر به وسيلة والصبر له غاية، ~~وبينهما من التفاوت ما بين الغايات والوسائل. # وأيضا فإن الصبر له متعلق بقوله تعالى: {إياك نعبد ms295 وإياك نستعين} ~~[الفاتحة: 5] ،وهاتان الكلمتان منقسمتان بين العبد وبين الله، كما ثبت عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه و"إياك نعبد" هى التى لله، ~~و"إياك نستعين" هى التى للعبد، وما لله أكمل مما للعبد فما تعلق بما هو له ~~أفضل مما تعلق بما هو للعبد، وأيضا فالصبر له مصدره المحبة، والصبر به ~~مصدره الاستعانة والمحبة أكمل من الاستعانة. وأما الصبر على الله [سبحانه] ~~فهو الصبر على # PageV01P269 # أحكامه الدينية والكونية، فهو يرجع إلى الصبر على أوامره والصبر على ~~ابتلائه، فليس فى الحقيقة قسما ثالثا، والله أعلم. # فقد تبين أن الصبر بجميع أقسامه أصل مقامات الإيمان، وهو أصل لكمال العبد ~~الذى لا كمال له بدونه، ولا يذم منه إلا قسم واحد وهو الصبر عن الله ~~[سبحانه] فإنه صبر المعرضين المحجوبين، فالصبر عن المحبوب أقبح شيء وأسوؤه، ~~وهو الذى يسقط المحب من عين محبوبه، فإن المحب كلما كان أكمل محبة كان صبره ~~عن محبوبه متعذرا. # الوجه العاشر: قوله: "الثالث الاصطبار، وهو التلذذ بالبلوى والاستبشار ~~باختيار المولى. وهذا هو الصبر على الله وهو صبر العارفين". فيقال: ~~الاصطبار افتعال من الصبر كالاكتساب والاتخاذ، وهو مشعر بزيادة المعنى على ~~الصبر، كأنه صار سجية وملكة: فإن هذا البناء مؤذن بالاتخاذ والاكتساب، قال ~~تعالى: {فارتقبهم واصطبر} [القمر: 27] ، فالاصطبار أبلغ من الصبر كما أن ~~الاكتساب أبلغ من الكسب، ولهذا كان فى العمل الذى يكون على صاحبه، والكسب ~~فيما له، قال تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] تنبيها ~~على أن الثواب يحصل لها بأدنى سعى وكسب، وأن العقاب إنما هو باكتسابها ~~وتصرفها وما تعانيه. # وإذا علم هذا فالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار الله سبحانه لا يخص ~~الاصطبار، بل يكون مع الصبر ومع [التصبر] . ولكن لما كان الاصطبار أبلغ من ~~الصبر وأقوى كان بهذا التلذذ والاستبشار أولى. والله أعلم # قاعدة: الصبر عن المعصية ينشأ من أسباب عديدة: # أحدها: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى ~~عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل، كما يحمى الوالد ms296 الشفيق [والده] ~~عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد ~~بالعذاب. # السبب الثانى: الحياء من الله سبحانه، فإن العبد متى علم بنظره إليه ~~ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع- وكان [حيا] حييا- استحى من ربه أن يتعرض ~~لمساخطه. # السبب الثالث: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولا ~~بد، # PageV01P270 # فما أذنب عبد ذنبا إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب ~~وراجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصر لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه ~~نعمة حتى تسلب النعم كلها، قال الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] ، وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة ~~وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها. # وقال بعض السلف: أذنبت ذنبا فحرمت قيام الليل سنة. وقال آخر: أذنبت ذنبا ~~فحرمت فهم القرآن. وفى مثل هذا قيل: # إذا كنت فى نعمة فارعها ... فإن المعاصى تزيل النعم # وبالجملة فإن المعاصى نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب، عياذا ~~بالله من زوال نعمته وتحويل عافيته. # السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه. وهذا إنما يثبت بتصديقه فى وعده ~~ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله. وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين ويضعف ~~بضعفهما. قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر:28] ، ~~وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلا. # السبب الخامس: محبة الله [سبحانه] وهى أقوى الأسباب فى الصبر عن مخالفته ~~ومعاصيه. فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوى سلطان المحبة فى القلب كان ~~اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف ~~المحبة وسلطانها وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من سوطه ~~وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده، وفى هذا قال عمر: "نعم العبد ~~صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه" يعنى أنه لو لم يخف من الله لكان فى قلبه من ~~محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته. # فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى ms297 قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبة ~~شهود هذا الرقيب ودوامه. # وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهى أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما ~~لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا ~~الحياء والطاعة، وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط ~~وتذكر واشتياق، ولهذا يتخلف عنها أثرها وموجبها، ويفتش العبد قلبه فيرى ~~[فيه] نوع محبة لله، ولكن # PageV01P271 # لا تحمله على ترك معاصيه. وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم، فما عمر ~~القلب شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه، وتلك من أفضل مواهب الله ~~لعبده أو أفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار ~~الأسباب التى تحطها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوى بينها وبين ~~السفلة. # السبب السابع: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية، وقبح أثرها والضرر الناشيء ~~منها: من سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمه، وحزنه وألمه، وانحصاره، ~~وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله. وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعريه من زينته ~~والحيرة فى أمره وتخلى وليه وناصره عنه، وتولى عدوه المبين له، وتوارى ~~العلم الذى كان مستعدا له عنه، ونسيان ما كان حاصلا له أو ضعفه ولا بد، ~~ومرضه الذى إذا استحكم به فهو الموت ولا بد، فإن الذنوب تميت القلوب، ومنها ~~ذله بعد عزة، ومنها أن يصير أسيرا فى يد أعدائه بعد أن كان ملكا متصرفا ~~يخافه أعداؤه، ومنها أن يضع تأثيره فلا يبقى له نفوذ فى رعيته ولا فى ~~الخارج فلا رعيته تطيعه إذا أمرها، ولا ينفذ فى غيرهم، ومنها زوال أمنه ~~وتبدله به مخافة، فأخوف الناس أشدهم إساءة، ومنها زوال الأنس والاستبدال به ~~وحشة، وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة، ومنها زوال الرضى واستبداله بالسخط، ~~ومنها زوال الطمأنينة بالله والسكون إليه والإيواء عنده واستبدال الطرد ~~والبعد منه، ومنها وقوعه فى بئر الحسرات، فلا يزال فى حسرة دائمة كلما نال ~~لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطرا، أو إلى [غيرها] إن قضى ~~وطره منها، وما يعجز ms298 عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد ~~نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه. # فيالها نارا قد عذب بها القلب فى هذه الدار قبل نار الله الموقدة التى ~~تطلع على الأفئدة، ومنها فقره بعد غناه فإنه كان غنيا بما معه من رأس مال ~~الإيمان وهو يتجر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأس ماله أصبح فقيرا ~~معدما، فإما أن يسعى بتحصيل رأس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير ~~[وإلا] فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأس # PageV01P272 # ماله، ومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ومنها ضعف ~~بدنه، ومنها زوال المهابة والحلاوة التى لبسها بالطاعة فتبدل بها مهانة ~~وحقارة، ومنها حصول البغضة والنفرة منه فى قلوب الناس، ومنها ضياع أعز ~~الأشياء عليه وأنفسها وأعلاها، وهو الوقت الذى لا عوض منه، ولا يعود إليه ~~أبدا، ومنها طمع عدوه فيه وظفره به، فإنه إذا رآه منقادا مستجيبا لما يأمره ~~اشتد طمعه فيه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير هو وليه دن ~~مولاه الحق، ومنها الطبع والرين على قلبه، فإن العبد إذا أذنب نكت فى قلبه ~~نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنبا آخر نكت فيه نكتة أخرى ~~ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران، قال الله تعالى: {كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14] ، ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة، ~~فإذا فعلها لم يجد أثرها فى قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل ~~والرغبة فى الآخرة، فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد. ومنها أن تمنع ~~قلبه من ترحله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة، فإن القلب لا يزال مشتتا ~~مضيعا حتى يرحل من الدنيا وينزل فى الآخرة، فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود ~~التوفيق والعناية من كل جهة، واجتمع على جمع أطرافه وقضاء جهازه وتعبئة ~~زاده ليوم معاده، وما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرها فالتعب والعناء والتشتت ~~والكسل والبطالة لازمة له لا محالة. # ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه، فإن ms299 العبد إذا أعرض عن طاعة الله ~~واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه فأعرضت عنه ملائكته وعباده، كما أنه إذا أقبل ~~على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه، ومنها أن الذنب يستدعى ~~ذنبا آخر، ثم يقوى أحدهما بالآخر فيستدعيان ثالثا، ثم تجتمع الثلاثة ~~فتستدعى رابعا، وهلم جرا حتى تغمره ذنوبه وتحيط به خطيئته. # قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة ~~بعدها، ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، ~~فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات فى الدنيا ولذة ما فى الآخرة. # كما قال تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم فى ~~حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20] ، فالمؤمن لا يذهب طيباته فى ~~الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة. # وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته ~~فى الدنيا، ومنها علمه بأن أعماله # PageV01P273 # هى زاده ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد ~~إلى دار العصاة والجناة، وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته، ~~ومنها علمه بأن عمله هو وليه فى قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم ~~والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه، ومنها علمه بأن أعمال ~~البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسب قوة تعلقه بها يكون ~~صعوده مع صعودها، وأعمال الفجور تهوى به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل ~~سافلين، وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث [تستقر] به، ~~قال الله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ، ~~وقال تعالى: {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب ~~السمآء} [الأعراف: 40] ، فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت ~~عنها، لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أغلقت عنها. # وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى ~~وصلت إلى الله سبحانه، فتحت لأرواحهم ms300 حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، ~~فرحمها وأمر بكتابة اسمها فى عليين، ومنها خروجه من حصن الله الذى لا ضيعة ~~على من دخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبا للصوص وقطاع الطريق. # فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه [آفة] إلى خربة موحشة هى مأوى ~~اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئا من متاعه؟ # ومنها أنه بالمعصية قد تعرض لمحق بركته [فى كل شيء من أمر دنياه وآخرته ~~فإن الطاعة تجلب للعبد بركات كل شيء والمعصية متحق منه كل بركة] . # وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علما، وآثار ~~الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علما فخير الدنيا والآخرة بحذافيره فى ~~طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره فى معصيته، وفى بعض الآثار يقول ~~الله سبحانه وتعالى: من ذا الذى أطاعنى فشقى بطاعتى؟ ومن ذاى الذى عصانى ~~فسعد بمعصيتى؟ # السبب الثامن: قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو ~~مزمع على الخروج منها، أو كراكب قال فى ظل شجرة ثم سار وتركها. فهو لعلمه ~~بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه، ~~حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل ولا أضر ~~من التسويف وطول الأمل. # PageV01P274 # السبب التاسع: مجانبة الفضول فى مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه ~~بالناس، فإن قوة الداعى إلى المعاصى إنما تنشأ من هذه الفضلات، فإنها تطلب ~~لها مصرفا فيضيق عليها المباح فتتعداه إلى الحرام. ومن أعظم الأشياء ضررا ~~على العبد بطالته وفراغه، فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ~~ينفعها شغلته بما يضره ولا بد. # السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: ثبات شجرة الإيمان فى ~~القلب، فصبر العبد عن المعاصى إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه ~~أقوى كان صبره أتم وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، فإن من باشر قلبه الإيمان ~~بقيام الله عليه ورؤيته له، وتحريمه لما حرم عليه، وبغضه له، ومقته ms301 لفاعله ~~وباشر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار، وامتنع من أن لا يعمل ~~بموجب هذا العلم. # ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصى بدون الإيمان الراسخ الثابت ~~فقد غلط، فإذا قوى سراج الإيمان فى القلب، وأضاءت جهاته كلها به، وأشرق ~~نوره فى أرجائه، سرى ذلك النور إلى الأعضاء، وانبعث إليها، فأسرعت الإجابة ~~لداعى الإيمان، وانقادت له طائعة مذللة غير متثاقلة ولا كارهة بل تفرح ~~بدعوته حين يدعوها، كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسن إليه إلى محل ~~كرامته. فهو كل وقت يترقب داعيه، ويتأهب لموافاته. والله يختص برحمته من ~~يشاء، والله ذو الفضل العظيم. # فصل # والصبر على الطاعة ينشأ من معرفة هذه الأسباب ومن معرفة ما تجلبه الطاعة ~~من العواقب الحميدة والآثار الجميلة، ومن أقوى أسبابها: الإيمان والمحبة، ~~فكلما قوى داعى الإيمان والمحبة فى القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه. # وههنا مسألة تكلم فيها الناس، وهى أى الصبرين أفضل صبر العبد عن المعصية، ~~أم صبره على الطاعة؟ فطائفة رجحت الأول وقالت: الصبر عن المعصية من وظائف ~~الصديقين، كما قال بعض السلف: أعمال البر يفعلها البر والفاجر، ولا يقوى ~~على ترك المعاصى إلا صديق. قالوا: ولأن داعى المعصية أشد من دواعى ترك ~~الطاعة، فإن داعى المعصية إلى [داع أمر] أمر وجودى تشتهيه النفس وتلتذ به، ~~والداعى إلى ترك الطاعة الكسل والبطالة والمهانة، ولا ريب أن داعى المعصية ~~أقوى. # قالوا: ولأن العصيان قد اجتمع عليه داعى النفس والهوى والشيطان وأسباب ~~الدنيا وقرناء الرجل وطلب التشبه # PageV01P275 # والمحاكاة وميل الطبع، وكل واحد من هذه الدواعى يجذب العبد إلى المعصية ~~ويطلب أثره، فكيف إذا اجتمعت وتظاهرت على القلب؟ فأى صبر أقوى من صبر عن ~~إجابتها؟ ولولا أن الله يصبره لما تأتى منه الصبر. # وهذا القول كما ترى حجته فى غاية الظهور، ورجحت طائفة الصبر على الطاعة ~~بناء منها على أن فعل المأمور أفضل من ترك المنهيات، واحتجت على ذلك بنحو ~~من عشرين حجة. ولا ريب أن فعل المأمورات إنما يتم بالصبر عليها، فإذا كان ~~فعلها أفضل ms302 كان الصبر عليها أفضل، وفصل النزاع فى ذلك أن هذا يختلف باختلاف ~~الطاعة والمعصية: فالصبر على الطاعة [العظيمة] الكبيرة أفضل من الصبر عن ~~المعصية الصغيرة الدنية، والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على ~~الطاعة الصغيرة، وصبر العبد على الجهاد مثلا أفضل وأعظم من صبره عن كثير من ~~الصغائر، وصبره عن كبائر الإثم والفواحش أعظم من صبره على صلاة [الضحى] # وصوم يوم تطوعا ونحوه، فهذا فصل النزاع فى المسألة. والله أعلم. # فصل # والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة: # أحدها: شهود جزائها وثوابها. # الثانى: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها. # الثالث: شهود القدر السابق الجارى بها، وأنها مقدرة فى أم الكتاب قبل أن ~~يخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء. # الرابع: شهوده حق الله عليه فى تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف ~~بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله ~~وعبوديته عليه فى تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه. # الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه، كما قال الله تعالى: {ومآ أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] ، فهذا عام فى كل مصيبة دقيقة ~~وجليلة، فيشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذى هو أعظم الأسباب فى دفع تلك ~~المصيبة. قال على بن أبى طالب: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا ~~بتوبة. # السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختاره وقسمها وأن العبودية # PageV01P276 # .. # تقتضى رضاه بما رضى له به سيده ومولاه، فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو ~~لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدى ~~الحق. # السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هى دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم ~~بمصلحته الرحيم به، فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه ~~باطلا. # الثامن: أن يعلم أن فى عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال ~~الألم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر ~~إلى عاقبته وحسن تأثيره. قال ms303 [الله] تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: ~~216] . # وقال الله تعالى: {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} ~~[النساء: 19] وفى مثل هذا القائل: # لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل # التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن ~~صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم ~~لا؟ فإن ثبت اصطفاه واجتباه وخلع عليه خلع الإكرام وألبسه ملابس الفضل وجعل ~~أولياءه وحزبه خدما له وعونا له، وإن انقلب على وجه ونكص على عقبيه طرد ~~وصفع قفاه وأقصى وتضاعفت عليه المصيبة، وهو لا يشعر فى الحال بتضاعفها ~~وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة فى حقه صارت مصائب، كما يعلم ~~الصابر أن المصيبة فى حقه صارت نعما عديدة. # وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيع القلب فى تلك ~~الساعة. والمصيبة لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع ~~الكرامات والخيرات، وعن الآخر بالحرمان والخذلان، لأن ذلك تقدير العزيز ~~العليم، وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # العاشر: أن يعلم أن الله يربى عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، ~~فيستخرج منه عبوديته فى جميع الأحوال. فإن العبد على الحقيقة من قام ~~بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبد السراء والعافية الذى يعبد الله ~~على حرف فإن أصابه خير اطمأن به # PageV01P277 # وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته. ~~فلا ريب أن الإيمان الذى يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع ~~وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل ~~المؤمنين، وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاء والعافية. # فالابتلاء كير العبد [محل] إيمانه: فإما أن يخرج تبرا أحمر، وإما أن يخرج ~~زغلا [غضا] ، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية، فلا يزال به البلاء ~~حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهبا خالصا فلو ms304 علم العبد أن نعمة ~~الله عليه فى البلاء ليست بدون نعمة الله عليه فى العافية لشغل قلبه بشكره ~~ولسانه، اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وكيف لا يشكر من قيض له ما ~~يستخرج خبثه ونحاسه وصيره تبرا خالصا يصلح لمجاورته والنظر إليه فى داره؟ ~~فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر. # فنسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه. # فصل # المثال السادس: الحزن، قال أبو العباس: "وهو من منازل العوام، وهو انخلاع ~~عن السرور، وملازمة الكآبة لتأسف عن فائت أو توجع لممتنع. وإنما كان من ~~منازل العوام لأن فيه نسيان المنة، والبقاء فى رق الطبع، وهو فى مسالك ~~الخواص حجاب، لأن معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة. فبذلك ~~فليفرحوا. # وقيل: أوحى الله إلى داود: يا داود بى فافرح، وبذكرى فتلذذ، وبمعرفتى ~~فافتخر. فعما قليل أفرغ الدار من الفاسقين، وأنزل نقمتى على الظالمين". # اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل ~~السائرين. ولهذا لم يأمر الله به فى موضع قط ولا أثنى عليه، ولا رتب عليه ~~جزاء ولا ثوابا، بل نهى عنه فى غير موضع كقوله تعالى: {ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] ، وقال تعالى: {ولا ~~تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون} [النحل: 127] ، وقال تعالى: {فلا تأس ~~على القوم الفاسقين} [المائدة: 26] ، وقال: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ~~الله معنا} [التوبة: 40] ، فالحزن هو بلية من البلايا التى نسأل الله دفعها ~~وكشفها، ولهذا يقول أهل الجنة: # PageV01P278 # {الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] ، فحمده على أن أذهب عنهم ~~تلك البلية ونجاهم منها. # وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى دعائه: "اللهم ~~إنى أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين ~~وغلبة الرجال". # فاستعاذ صلى الله عليه وسلم من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان: فالهم ~~والحزن قرينان، وهما الألم الوارد ms305 على القلب، فإن كان على ما مضى فهو ~~الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهم. فالألم الوارد إن كان مصدره فوت ~~الماضى أثر الحزن، وإن كان مصدره خوف الآتى أثر الهم. والعجز والكسل ~~قرينان، فإن تخلف مصلحة العبد وبعدها عنه إن كان من عدم القدرة فهو عجز، ~~وإن كان من عدم الإرادة فهو كسل والجبن والبخل قرينان، فإن الإحسان يفرح ~~القلب ويشرح الصدر ويجلب النعم ويدفع النقم، وتركه يوجب الضيم والضيق ويمنع ~~وصول النعم إليه، فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال، ~~[وضلع الدين وغلبة الرجال] قرينان، فإن القهر والغلبة الحاصلة للعبد إما ~~منه وإما من غيره، وإن شئت قلت: إما بحق وإما بباطل من غيره. # والمقصود أن النبى صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما يستعاذ منه. وذلك ~~لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان ~~من حزن المؤمن، قال تعالى: {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا} ~~[المجادلة: 10] ، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، ~~والثواب عليه ثواب المصائب التى يبتلى العبد بها بغير اختياره، كالمرض ~~والألم ونحوهما، وأما أن يكون عبادة مأمورا بتحصيلها وطلبها فلا، ففرق بين ~~ما يثاب عليه العبد من المأمورات، وما يثاب عليه من البليات. ولكن يحمد فى ~~الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته، فإن المؤمن إما أن يحزن.. على تفريطه ~~وتقصيره خدمة ربه وعبوديته، وأما أن يحزن على تورطه فى مخالفته ومعصيه ~~وضياع أيامه وأوقاته. # وهذا يدل على صحة الإيمان فى قلبه وعلى حياته، حيث شغل قلبه بمثل هذا ~~الألم فحزن عليه، ولو كان قلبه ميتا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم يتألم، فما ~~لجرح بميت إيلام، وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى، ولكن ~~الحزن لا يجدى عليه، # PageV01P279 # فإنه يضعفه كما تقدم. # بل الذى ينفعه أن يستقبل السير ويجد ويشمر، ويبذل جهده، وهذا نظير من ~~انقطع عن رفقته فى السفر، فجلس فى الطريق حزينا كئيبا يشهد انقطاعه ويحدث ~~نفسه ms306 باللحاق بالقوم. فكلما فتر وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته، ووعدها إن ~~صبرت أن تلحق بهم، ويزول عنها وحشة الانقطاع. فهكذا السالك إلى منازل ~~الأبرار، وديار المقربين وأخص من هذا الحزن حزنه على قطع الوقت بالتفرقة ~~المضعفة للقلب عن تمام سيره وجده فى سلوكه، فإن التفرقة من أعظم البلاء على ~~السالك، ولا سيما فى ابتداء أمره، فالأول حزن على التفريط فى [الأعمال] ، ~~وهذا حزن على نقص حاله مع الله وتفرقة قلبه وكيف صار ظرفا لتفرقة حاله، ~~واشتغال قلبه بغير معبوده. # وأخص من هذا الحزن حزنه على جزء من أجزاء قلبه كيف هو خال من محبة الله؟ ~~وعلى جزء من أجزاء بدنه كيف هو منصرف فى غير محاب الله؟ فهذا حزن الخاصة، ~~ويدخل فى هذا حزنهم على كل معارض يشغلهم عما هم بصدده من خاطر أو إرادة أو ~~شاغل من خارج. # فهذه المراتب من الحزن لا بد منها فى الطريق ولكن الكيس [من] لا يدعها ~~تملكه وتقعده، بل يجعل عوض فكرته فيها فكرته فيما يدفعها به، فإن المكروه ~~إذا ورد على النفس، فإن كانت صغيرة اشتغلت بفكرها فيه وفى حصوله عن الفكرة ~~فى الأسباب التى يدفعها به فأورثها الحزن، وإن كانت نفسا كبيرة شريفة لم ~~تفكر فيه، بل تصرف فكرها إلى ما ينفعها فإن علمت منه مخرجا فكرت فى طريق ~~ذلك المخرج وأسبابه وإن علمت أنه لا مخرج منه، فكرت فى عبودية الله فيه. ~~وكان ذلك عوضا لها من الحزن، فعلى كل حال لا فائدة لها فى الحزن أصلا والله ~~أعلم. # وقال بعض العارفين: ليست الخاصة من الحزن فى شيء. وقوله [رحمه الله:] : ~~"معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة" كلام فى غاية الحسن، ~~فإن من عرف الله أحبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، ~~[وانكشفت] عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح ~~وأقبلت إليه وفود التهانى والبشائر من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبدا، ~~ولهذا قال [تعالى] حكاية عن نبيه صلى الله ms307 عليه وسلم أنه قال لصاحبه أبى ~~بكر: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] ، فدل أنه لا حزن مع الله، وأن ~~من كان الله معه فما له وللحزن؟ وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن ~~حصل الله له فعلى أى شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأى شيء يفرح؟ قال تعالى: # PageV01P280 # {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58] ، فالفرح بفضله ورحمته ~~تبع للفرح به سبحانه. # فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به: من حبيب أو حياة، أو ~~مال، أو نعمة، أو ملك. يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله، ولا ينال القلب ~~حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة، فيظهر سرورها فى قلبه ~~ومضرتها فى وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقاهم الله نضرة ~~وسرورا. # فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون، فهذا هو العلم ~~الذى شمر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم. # تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء [فماذا] بعد أبوالا # فصل # والمثال السابع: الخوف. قال أبو العباس: "هو الانخلاع عن طمأنينة الأمن ~~والتيقظ لنداء الوعيد، والحذر من سطوة العقاب. وهو من منازل العوام # أيضا، وليس فى منازل الخواص خوف، لأنه لا أمان للغافل، إنما يعبد مولاه ~~على وحشة من نظره، ونفرة من الأنس به عند ذكره: {ترى الظالمين مشفقين مما ~~كسبوا وهو واقع بهم} [الشورى: 22] . # وأما الخواص أهل الاختصاص، فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدا، والعذاب فيه ~~عذبا لأنهم شاهدوا المبتلى فى البلاء، والمعذب فى العذاب، فاستعذبوا ما ~~وجدوا فى جنب ما شاهدوا فى ذلك. قال قائلهم: # سقمى فى الحب عاقبتى ... ووجودى فى الهوى عدمي # وعذاب ترتضون به ... فى فمى أحلى من النعم # ومن كان مستغرقا فى المشاهدة حل فى بساط الأنس، فلا يبقى للخوف بساحته ~~ألم. لأن المشاهد توجب الأنس، والخوف يوجب القبض". # ثم ذكر حكاية المضروب الذى ضرب مائة سوط فلم يتألم لأجل نظر محبوبه إليه، ~~ثم ضرب سوطا فصاح لما توارى عنه محبوبه. ms308 قال: "وقد قيل فى قوله تعالى: ~~{والكافرون لهم عذاب شديد} [الشورى: 26] ، دليل خطابه أن المؤمنين لهم عذاب ~~ولكن ليس بشديد، وإنما كان عذاب الكافرين شديدا لأنهم لا يشاهدون المعذب ~~لهم، والعذاب على شهود المعذب عذب، والثواب على الغفلة من المعطى صعب ~~فالخوف إذا من منازل العوام" # PageV01P281 # والكلام على ما ذكره من وجوه: # أحدها: أن الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التى عليها مدار ~~مقامات السالكين جميعها وهى: الخوف، والرجاء، والمحبة وقد ذكره سبحانه # فى قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه} [الإسراء: 56- 57] ، فجمع بين المقامات الثلاثة، فإن ابتغاء ~~الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه وفعل ما يحبه. ثم يقول: (ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه) ، فذكر الحب والخوف والرجاء، والمعنى أن الذين تدعونهم من ~~دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقربون إلى ربهم ويخافونه ~~ويرجونه، فهم عبيده كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه وأنتم وهم ~~عبيد له؟ وقد أمر سبحانه بالخوف منه فى قوله: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين} [آل عمران: 175] ، فجعل الخوف منه شرطا فى تحقق الإيمان، وإن كان ~~الشرط داخلا فى الصيغة على الإيمان فهو المشروط فى المعنى، والخوف شرط فى ~~حصوله وتحققه، وذلك لأن الإيمان سبب الخوف الحاصل عليه، وحصول المسبب شرط ~~فى تحقق السبب كما أن حصول السبب موجب لحصول مسببه، فانتفاء الإيمان عند ~~انتفاء الخوف انتفاء للمشروط عند انتفاء شرطه، وانتفاء الخوف عند انتفاء ~~الإيمان انتفاء للمعلول عند انتفاء علته. فتدبره. # والمعنى: إن كنتم مؤمنين فخافونى. والجزاء محذوف مدلول عليه بالأول عند ~~سيبويه وأصحابه، أو هو المتقدم نفسه، وهو جزاء وإن تقدم كما هو مذهب ~~الكوفيين. # وعلى التقديرين فأداة الشرط قد دخلت على السبب المقتضى للخوف وهو ~~الإيمان، وكل منهما مستلزم للآخر لكن الاستلزام مختلف، وكل منهما منتف عند ~~انتفاء الآخر، لكن جهة الانتفاء مختلفة كما تقدم. # والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته فلا ms309 يختلف عنه. وقال ~~تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44] . # وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن ~~أثنى عليهم ومدحهم: {إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} ~~[الأنبياء: 90] ، فالرغب: # PageV01P282 # الرجاء والرغبة، والرهب: الخوف والخشية، وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم ~~من عذابه: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] . # وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنى أعلمكم بالله ~~وأشدكم له خشية"، وفى لفظ آخر: "إنى أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقى"، وكان ~~صلى الله عليه وسلم يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وقد قال ~~تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] ، فكلما كان العبد ~~بالله أعلم كان له أخوف. # قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علما. ونقصان الخوف من الله إنما هو ~~لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم لله، ومن عرف الله اشتد حياؤه ~~منه وخوفه له وحبه له، وكلما ازداد معرفة ازداد حياء وخوفا وحبا، فالخوف من ~~أجل منازل الطريق، وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم ~~أليق، ولهم ألزم. فإن العبد إما أن يكون مستقيما أو مائلا عن الاستقامة فإن ~~كان مائلا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا ~~بهذا الخوف # وهو ينشأ من ثلاثة أمور: # أحدها: معرفته بالجناية وقبحها. # والثانى: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها. # والثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب ~~الذنب. فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة ~~الخوف وضعفه، فإن الحامل على الذنب إما أن يكون عدم علمه بقبحه، وإما عدم ~~علمه بسوء عاقبته، وإما أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتكاله على ~~التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان، فإذا علم قبح الذنب وعلم سوء ~~مغبته وخاف أن لا يفتح له باب التوبة بل يمنعها ويحال بينه وبينها اشتد ~~خوفه. هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه ms310 أشد. # وبالجملة فمن استقر فى قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية ~~والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج فى قلبه من الخوف ~~ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو. وأما إن كان مستقيما مع الله فخوفه يكون ~~مع جريان الأنفاس، لعلمه بأن الله مقلب القلوب، وما من قلب إلا وهو بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، فإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه ~~أزاغه، كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم، وكانت أكثر يمينه: "لا ومقلب ~~القلوب، لا ومقلب القلوب"، وقال بعض السلف: القلب أشد تقلبا من القدر إذا ~~استجمعت غليانا. وقال # PageV01P283 # بعضهم: مثل القلب فى سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ~~ظهرا لبطن. ويكفى فى هذا قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه} [الأنفال: 24] ، فأى قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحق بالخوف منه؟ بل ~~خوفه لازم له فى كل حال وإن توارى عنه بغلبة حالة أخرى عليه. فالخوف حشو ~~قلبه، لكن توارى عنه بغلبة غيره، فوجود الشيء غير العلم به، فالخوف الأول ~~ثمرة العلم بالوعد والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته ~~وجلاله، وأنه الفعال لما يريد وأنه المحرك للقلب المصرف له المقلب له كيف ~~يشاء لا إله إلا هو. # الوجه الثانى: قوله: "وليس فى منازل الخواص خوف" قد تبين فساده، وأن ~~الخاصة أشد خوفا [للله] من العامة. # الوجه الثالث: قوله: العاقل يعبد ربه على وحشة من نظره ونفرة من الأنس به ~~عند ذكره: {ترى الظالمين مشفقين} [الشورى: 22] ، فهذا إنما هو وحشة ونفار، ~~وهو غير الخوف، فإن الوحشة إما تنشأ من عدم الخوف، وأما الخوف فإنه يوجب ~~هروبا إلى الله وجمعية عليه وسكونا إليه، فهى مخافة مقرونة بحلاوة وطمأنينة ~~وسكينة ومحبة، بخلاف خوف المسيء الهارب من الله فإنه خوف مقرون بوحشة ونفرة ~~فخوف الهارب إليه سبحانه محشو بالحلاوة والسكينة والأنس لا وحشة معه، وإنما ~~يجد الوحشة من نفسه. # فله نظران: نظر إلى نفسه وجنايته فيوجب له وحشة، ونظر ms311 إلى ربه وقدرته ~~عليه وعزه وجلاله فيوجب له خوفا مقرونا بأنس وحلاوة وطمأنينة. # الوجه الرابع: إن استشهاده بقوله: {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو ~~واقع بهم} [الشورى: 22] ، ليس استشهادا صحيحا، فإن هذا وصف لحالهم فى ~~الآخرة عند معاينة العذاب أو عند الموت. # فهذا إشفاق مقرون بالاستيحاش، لأنه قد علم أنه صائر إليه كمن قدم إلى ~~العقوبة ورأى أسبابها، فهو مشفق منها إذا رآها لعلمه بأنه صائر إليها. ~~فليست الآية من الخوف المأمور به فى شيء. # الوجه الخامس: أن الخوف يتعلق بالأفعال، وأما الحب فإنه يتعلق بالذات ~~والصفات. ولهذا يزول الخوف فى الجنة، وأما الحب فيزداد. # ولما كان الحب يتعلق # PageV01P284 # بالذات كان من أسمائه سبحانه "الودود"، قال البخارى فى صحيحه: "الحبيب"، ~~وأما الخوف فإن متعلقه أفعال الرب [سبحانه] ولا يخرج عن كون سببه جناية ~~العبد، وإن كانت جنايته من قدر الله. ولهذا قال على بن أبى طالب [رضى الله ~~عنه] : لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن عبد إلا ذنبه. # فمتعلق الخوف ذنب العبد وعاقبته، وهى مفعولات للرب، فليس الخوف عائدا إلى ~~نفس الذات. والفرق بينه وبين الحب أن الحب سببه الكمال، وذاته تعالى لها ~~الكمال المطلق، وهو متعلق الحب التام. # وأما الخوف فسببه توقع المكروه، وهذا إنما يكون فى الأفعال والمفعولات. ~~وبهذا يعلم بطلان قول من زعم أنه سبحانه يخاف لا لعلة ولا لسبب، بل كما ~~يخاف السيل الذى لا يدرى العبد من أين يأتيه. وهذا بناء من هؤلاء على نفى ~~محبته سبحانه وحكمته. # وأنه ليس إلا محض المشيئة والإرادة التى ترجح مثلا على مثل بلا مرجح، ولا ~~يراعى فيها حكمة ولا مصلحة. وهولاء عندهم الخوف يتعلق بنفس الذات من غير ~~نظر إلى فعل العبد وأنه سبب المخافة، إذ ليس عندهم سبب ولا حكمة، بل إرادة ~~محضة يفعل بها ما يشاء من تنعيم وتعذيب. وعند هؤلاء فالخوف لازم للعبد فى ~~كل حال، أحسن أم أساء. وليس [لأفعالهم] تأثير فى الخوف. وهذا من قلة نصيبهم ~~من المعرفة بالله وكماله وحكمته. # وأين ms312 هذا من قول أمير المؤمنين على [رضى الله عنه] لا يرجون عبد إلا ربه، ~~ولا يخافن إلا ذنبه؟ فجعل الرجاء متعلقا بالرب سبحانه وتعالى، لأن رحمته من ~~لوازم ذاته، وهى سبقت غضبه. وأما الخوف فمتعلق بالذنب، فهو سبب المخافة، ~~حتى لو قدر عدم الذنب بالكلية لم تكن مخافة. # فإن قيل: فما وجه خوف الملائكة [وهم] معصومون من الذنوب التى هى أسباب ~~المخافة، وشدة خوف النبى صلى الله عليه وسلم مع علمه بأن الله قد غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله؟ قيل: عن هذا أربعة أجوبة: # الجواب الأول: إن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده. وكلما ~~كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد، لأنه يطالب بما لا يطالب به ~~غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره. # ونظير هذا فى المشاهد أن [الماثل] بين يدى أحد الملوك المشاهد له أشد ~~خوفا منه من البعيد عنه، بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه، ~~وأنه يطالب من [حقوقه] الخدمة وأدائها بما # PageV01P285 # لا يطالب به غيره، فهو أحق بالخوف من البعيد. # ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله صلى الله عليه وسلم: "إنى أعلمكم بالله ~~وأشدكم له خشية"، وفهم قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه أبو ~~داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن ~~الله تعالى لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم ~~كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم ". # وليس المراد به لو عذبهم لتصرف فى ملكه- والمتصرف فى ملكه غير ظالم- كما ~~يظنه كثير من الناس، فإن هذا يتضمن مدحا، والحديث إنما سيق للمدح [وبيان ~~عظم حق الله على عباده وأنه لو عذبهم لعذبهم بحقه عليهم ولم يكن] بغير ~~استحقاق، فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما أتوا. ولهذا قال بعده: "ولو ~~رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" يعنى ms313 أن رحمته لهم [ليست ثمنا ~~لأعمالهم ولا تبلغ أعمالهم رحمته فرحمته لهم] ليست على قدر أعمالهم، إذ ~~أعمالهم لا تستقل باقتضاء الرحمة، وحقوق عبوديته وشكره التى يستحقها عليهم ~~لم يقوموا بها، فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبا لحقه، وهو غير ظالم لهم ~~فيه. ولا سيما فإن أعمالهم لا توازى القليل من نعمه عليهم، فتبقى نعمه ~~الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداء حقه الذى ~~ينبغى له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالما لهم. # فإن قيل: فهم إذا [فعلوا] مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ~~ينبغى له مقدورا لهم. فكيف يحسن العذاب عليه؟ قيل: الجواب من وجهين: # أحدهما: أن المقدور للعبد لا يأتى به كله، بل لا بد من فتور وإعراض وغفلة ~~وتوان. وأيضا ففى نفس قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال ~~المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامة لله فيها، بحيث يبذل مقدوره ~~كله فى تحسينها وتكميلها ظاهرا وباطنا، فالتقصير لازم فى حال الترك وفى حال ~~الفعل، ولهذا سأل الصديق النبى، دعاء يدعو به فى صلاته، فقال له: "قل: ~~اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى مغفرة ~~من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم"، فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكدا له بأن ~~المقتضية ثبوت الخبر وتحققه، ثم أكده بالمصدر النافى للتجوز والاستعارة، ثم ~~وصفه بالكثرة المقتضية لتعدده وتكثره، ثم قال: "فاغفر لى مغفرة من عندك"، ~~أى لا ينالها عملى ولا سعيى بل عملى يقصر عنها، وإنما هى من فضلك وإحسانك، ~~لا بكسبى ولا باستغفارى وتوبتى. ثم قال: "وارحمنى" أى # PageV01P286 # ليس معولى إلا على مجرد رحمتك، فإن رحمتى وإلا فالهلاك لازم لى فليتدبر ~~اللبيب هذا الدعاء وما فيه من المعارف والعبودية، وفى ضمنه: إنه لو عذبتنى ~~لعدلت فى ولم يتظلمنى، وإنى لا أنجو إلا برحمتك ومغفرتك. ومن هذا قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "لن ينجى أحدا منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ ~~قال: "ولا أنا إلا ms314 أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل"، فإذا كان عمل العبد لا ~~يستقل بالنجاة، فلو لم ينجه الله فلم يكن قد بخسه شيئا من حقه ولا ظلمه، ~~فإنه ليس معه ما يقتضى نجاته، وعمله ليس وافيا بشكر القليل من نعمه، فهل ~~يكون ظالما له لو عذبه؟ وهل تكون رحمته له جزاء لعمله، ويكون العمل ثمنا ~~لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغى له من بذل النصيحة فيه، وكمال ~~العبودية من الحياء والمراقبة، والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدى الله ~~فى العمل له؟ ومن علم هذا علم السر فى كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار، ~~ففى صحيح مسلم عن ثوبان قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من ~~صلاته استغفر ثلاثا. وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا ~~الجلال والإكرام"، قال تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار ~~هم يستغفرون} [الذاريات: 17- 18] ، فأخبر عن استغفارهم عقيب صلاة الليل. ~~قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، فلما كان السحر جلسوا يستغفرون الله. # وأمر الله تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة فى الحج فقال: {ثم أفيضوا ~~من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [البقرة: 199] ، وشرع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتوضيء أن يختم وضوءه بالتوحيد والاستغفار ~~فيقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلنى ~~من التوابين واجعلنى من المتطهرين"، فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر، وأن ~~كل أحد محتاج إلى مغفرة الله ورحمته، وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ~~ورحمته أصلا. # الجواب الثانى: أنه لو فرض أن العبد يأتى بمقدوره كله من الطاعة ظاهرا ~~وباطنا، فالذى ينبغى لربه [سبحانه] فوق ذلك وأضعاف أضعافه. فإذا عجز العبد ~~عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاء. والذى أتى به لا يقابل أقل النعم. ~~فإذا حرم جزاء العمل الذى ينبغى # PageV01P287 # للرب [سبحانه] من عبده كان ذلك تعذيبا له، ولم يكن الرب ظالما له فى هذا ~~الحرمان. # ولو كان عاجزا عن أسبابه فإنه لم ms315 يمنعه حقا يستحقه عليه فيكون ظالما ~~بمنعه. فإذا أعطاه الثواب كان مجرد صدقة منه وفضل تصدق بها عليه لا ينالها ~~عمله، بل هى خير من عمله وأفضل وأكثر، ليست معوضة عليه. والله أعلم. # الجواب الثالث عن السؤال الأول: إن العبد إذا علم أن الله سبحانه وتعالى ~~هو مقلب القلوب، وأنه يحول بين المرء وقلبه وأنه تعالى [سبحانه] كل يوم [هو ~~فى] شأن، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وأنه يهدى من يشاء ويضل من يشاء، ~~ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء، فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه ~~وبينه ويزيغه بعد إقامته؟ وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقولهم: {ربنا ~~لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] ، فلولا خوف الإزاغة لما سألوه ~~أن لا يزيغ قلوبهم. # وكان من دعاء النبى صلى الله عليه وسلم: " اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا ~~على طاعتك، ومثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك"، وفى الترمذى عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يدعو: "أعوذ بعزتك أن تضلنى أنت الحى الذى لا تموت". # وكان من دعائه: "اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ~~وأعوذ بك منك". # فاستعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب، وبفعل العافية من فعل العقوبة، واستعاذ ~~به منه باعتبارين. وكأن فى استعاذته منه جمعا لما فصله فى الجملتين قبله. # فإن الاستعاذة به منه ترجع إلى معنى الكلام قبلها، مع تضمنها فائدة شريفة ~~وهى كمال التوحيد وأن الذى يستعيذ به [العائد] ويهرب منه إنما هو فعل الله ~~ومشيئته وقدره، فهو وحده المنفرد بالحكم. فإذا أراد بعبده سوءا لم يعذه منه ~~إلا هو. فهو الذى يريد به ما يسوؤه، وهو الذى يريد دفعه عنه. فصار سبحانه ~~مستعاذا به منه باعتبار الإرادتين: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو} [الأنعام: 17] ، فهو الذى يمس بالضر، وهو الذى يكشفه، لا إله إلا هو ~~فالمهرب منه إليه، والفرار منه إليه، واللجأ منه إليه، كما أن الاستعاذة ~~منه، فإنه لا رب غيره ولا مدبر للعبد ms316 سواه. فهو الذى يحركه ويقلبه، ويصرفه ~~كيف يشاء. # الجواب الرابع: أن الله سبحانه وتعالى هو الذى يخلق أفعال العبد الظاهرة ~~والباطنة، فهو الذى يجعل الإيمان والهدى فى القلب ويجعل التوبة والإنابة ~~والإقبال والمحبة # PageV01P288 # والتفويض وأضدادها والعبد فى كل لحظة مفتقر إلى هداية يجعلها الله فى ~~قلبه وحركات يحركها بها فى طاعته. # وهذا إلى الله سبحانه وتعالى فهو خلقه وقدره، وكان من دعاء النبى صلى ~~الله عليه وسلم: "اللهم آت نفسى تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ~~ومولاها" وعلم حصين بن المنذر أن يقول: "اللهم ألهمنى رشدى وقنى شر نفسى"، ~~وعامة أدعيته صلى الله عليه وسلم متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له ~~واستعماله فى محابه، فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره، وهو المالك له ~~ولها، المتصرف فيه بما يشاء ليس [له] من أمره شيء، من أحق بالخوف منه؟ وهب ~~أنه قد خلق له فى الحال الهداية، فهل هو على يقين وعلم أن الله سبحانه ~~وتعالى يخلقها له فى المستقبل ويلهمه رشده أبدا؟ فعلم أن خوف المقربين عند ~~ربهم أعظم من خوف غيرهم والله المستعان، ومن هاهنا كان خوف السابقين من ~~فوات الإيمان كما قال بعض السلف: أنتم تخافون الذنب، وأنا أخاف الكفر. # وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: نشدتك الله هل سمانى لك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ يعنى فى المنافقين فيقول: لا، ولا أزكى بعدك أحدا" رواه ~~البخارى يعنى لا أفتح على هذا الباب فى سؤال الناس لى، وليس مراده أنه لم ~~يخلص من النفاق غيرك. # [الوجه الخامس] : قوله: "وأما الخواص فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدا، ~~والعذاب فيه عذبا، لأنهم شاهدوا المبتلى والمعذب فاستعذبوا ما وجدوا فى جنب ~~ما شاهدوا" إلى آخر كلامه. # فيقال: هذا الكلام ونحوه من رعونات النفس، ومن الشطحات التى يجب إنكارها. ~~فمن ذا الذى جعل وعيد الله وعدا، وعقابه ثوابا وعذابه [عذبا] ؟ وهل هذا إلا ~~إنكار لوعيده وعذابه فى الحقيقة؟ وأى عذاب أشد من عذابه نعوذ بالله منه؟ ~~قال تعالى: {ولكن عذاب ms317 الله شديد} [الحج: 2] وقال: {فيومئذ لا يعذب عذابه ~~أحد ولا يوثق وثاقه أحد} [الفجر: 25- 26] ، وهذا أظهر فى كل ملة من أن ~~يحتاج إلى الاستدلال عليه. # وإنما ينسب هذا المذهب إلى الملاحدة من القائلين بوحدة الوجود كما قال ~~قائلهم: # PageV01P289 # ولم يبق إلا صادق الوعد وحده ... فما لوعيد الحق عين تعاين # وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ... على لذة فيها نعيم مباين # يسمى عذابا من عذوبة طعمه ... وذاك له كالقشر والقشر صائن # نعيم جنان الخلد والأمر واحد ... وبينهما عند التجلى تباين # فهذا القائل خط على تلك النقطة التى نقطها أبو العباس ولعل الكلامين من ~~مشكاة واحدة، وهذا مباين للمعلوم بالاضطرار من دين الرسل وما أخبرت به عن ~~الله وأخبر به على لسان رسله. # فإن قيل: ليس مراده ما ذكرتم وفهمتم من كلامه، وإنما مراده أنه سبحانه ~~إذا ابتلى عبده فى الدنيا فهو لكمال محبته له يتلذذ بتلك البلوى ويعدها ~~نعمة، وليس مراده عذاب الآخرة. # قيل قوله عن الخواص: "أنهم جعلوا الوعيد منه وعدا" ينفى ما ذكرتم من ~~التأويل، فإن ابتلاء الدنيا غير الوعيد. وأيضا فإنه فى مقام الخوف ونفيه عن ~~الخاصة محتجا عليه بأنهم يرون العذاب عذبا والوعيد وعدا، فما لهم وللخوف؟ ~~هذا مقصوده من سياق كلامه واحتجاجه عليه بهذا الهذيان الذى يسخر منه ~~العقلاء. # بل نحن لا ننكر أن العبد إذا تمكن حب الله فى قلبه حتى ملك جميع أجزائه ~~فإنه قد يتلذذ بالبلوى أحيانا، وليس ذلك دائما ولا أكثريا، ولكنه يعرض عند ~~هيجان الحب وغلبة الشوق، فيقهر شهود الألم، ثم يراجع طبيعته فيذوق الألم. ~~ولكن أين هذا من جعل الوعيد وعدا، والعذاب عذبا؟ وإن أحسن الظن بصاحب هذا ~~الكلام ظن به أنه ورد عليه وارد من الحب يخيل فى نفسه أن محبوبه إذا توعده ~~كان ذلك منه وعدا وإن عذبه كان عذابه عنده عذبا لموافقته مراد محبوبه، وهذا ~~خيال فاسد وتقدير فى النفس، وإلا فالحقيقة الخارجية تكذب هذا الخيال ~~الباطل. # بل لو صب عليه أدنى شيء من عذابه لصاح واستغاث وطلب ms318 العفو والعافية. ~~وحكمة الله تقتضى تعجيز هذه النفوس الجاهلة الرعناء الحمقاء بأدنى شيء يكون ~~من الألم والوجع، حتى يتبين لها دعاويها الكاذبة، وشطحها الباطل. # وهذا سيد المحبين وسيد ولد آدم استعاذته بالله من عذابه وبلائه وسؤاله ~~عافيته ومعافاته، معلومة فى أدعيته وتضرعه إلى ربه وابتهاله إليه فى ذلك، ~~وهى أكثر وأشهر من أن تذكر ههنا، وإن ما فى سيد المحبين أسوة وقدوة، ولكن ~~قد ابتلى كثير من أهل الإرادة بالشطح، كما ابتلى كثير من أهل الكلام # PageV01P290 # بالشك. والمعافى من عافاه الله من هذا وهذا. فنسأل الله عافيته ومعافاته. # [الوجه السادس] قوله: "إن عذاب الكافرين إنما كان شديدا لأنهم لا يشاهدون ~~المعذب لهم، والمؤمنون يشاهدونه فلم يكن عذابهم شديدا" وليس كذلك، فإن عذاب ~~الكافرين شديد فى نفسه لغلظ جرمهم وهو الكفر، وهو دائم لا انقطاع له. وأما ~~المؤمنون الذين يعذبون بذنوبهم فعذابهم أضعف من عذاب الكافرين، لأن عذابهم ~~على الذنوب وهى دون الكفر، وهو منقطع. # والآية لم يرد بها إثبات عذاب المؤمنين دون عذاب الكافرين، وإنما سيقت ~~لبيان عذاب الكافرين حسب مفهومها نفى العذاب عن المؤمنين، لا إثبات عذاب ~~غير شديد. والله أعلم. # [الوجه السابع] قوله: "وللخواص الهيبة، وهى أقصى درجة يشار إليها فى غاية ~~الخوف، والخوف يزول بالأمن وينتهى به خوف الشخص على نفسه من العقاب، فإذا ~~أمن العقاب زال الخوف، والهيبة لا تزول أبدا لأنها مستحقة للرب بوصف ~~التعظيم والإجلال، وذلك الوصف مستحق على الدوام. # وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة، وتصدم المشاهد ~~أحيان المشاهدة وتعصم العائن بصدمة العزة، ومنه قال قائلهم: # أشتاقه، فإذا بدا ... أطرقت من إجلاله # لا خيفة، بل هيبة ... وصيانة لجماله # وأصد عنه تجلدا ... وأروم طيف خياله # فيقال من العجائب أن المعنى الذى أمر الله به فى كتابه وأثنى به على خاصة ~~عباده وأقربهم إليه- وهم أنبياؤه ورسله وملائكته- يجعل ناقصا من منازل ~~العوام، ويعمد إلى معنى لم يذكره الله ولا رسوله، ولا علق به على المدح ~~والثناء فى موضع واحد. فيجعل هو الكمال، وهو للخواص من ms319 العباد. # فأين فى القرآن والسنة ذكر الهيبة [والأمر بها ووصف خاصته بها؟ ونحن لا ~~ننكرر أن الهيبة] من لوازم الإيمان وموجباته، ولكن المنكر أن يكون الوصف ~~الذى وصف به أنبياءه وملائكته ناقصا والوصف الذى لم يذكره هو الكامل التام، ~~وهذا المعنى المعبر عنه بالهيبة حق، ولكن لم تجيء العبارة عنه فى القرآن ~~والسنة بلفظ الهيبة، وإنما جاءت بلفظ الإجلال، كقول النبى صلى الله عليه ~~وسلم: # PageV01P291 # "إن من إجلال الله إجلال ذى الشيبه المسلم وحامل القرآن غير الغالى فيه ~~والجافى عنه، والإمام العادل"، فالإجلال هو التعظيم وكذلك الهيبة. يوضح ~~هذا. # [الوجه الثامن] : وهو أن الهيبة والإجلال يجوز تعلقهما بالمخلوق، ما قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم: "إن من إجلال [الله إجلال] ذى الشيبة المسلم ... ~~" الحديث. # وقال ابن عباس عن عمر: هبته وكان مهيبا، وأما الخشية والمخافة فلا تصلح ~~إلا لله وحده، قال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44] ، وقال: ~~{فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] ، وقال: {إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} [التوبة: 18] . # فالخوف عبودية القلب فلا تصلح إلا لله [وحده] كالذل والمحبة والإنابة ~~والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب، [فكيف] يجعل المهابة المشتركة ~~أفضل منه وأعلى؟ وتأمل قوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفآئزون} [النور: 52] ، كيف جعل الطاعة لله ولرسوله، والخشية ~~والتقوى له وحده، وقال تعالى: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه} ~~[الفتح: 9] ، كيف جعل التوقير والتعزيز للرسول وحده، والتوقير هو التعظيم ~~الصادر عن الهيبة والإجلال. # هذه حقيقته، فعلم أن الخوف من أجل مقامات الخواص وأنهم إليه أحوج وبه ~~أقوم من غيرهم. # [الوجه التاسع] : قوله: "الخوف يزول بالأمن، والهيبة لا تزول أبدا ... ~~إلخ"، فيقال: هذا حق، فإن الخوف إنما يكون قبل دخول الجنة، فإذا دخلوها زال ~~عنهم الخوف الذى كان يصحبهم فى الدنيا وفى عرصات القيامة، وبدلوا به أمنا، ~~لأنهم قد أمنوا العذاب فزايلهم الخوف منه. # ولكن ms320 لا يدل هذا على أنه كان مقاما ناقصا فى الدنيا، كما أن الجهاد من ~~أشرف المقامات، وقد زال عنهم فى الآخرة. وكذلك الإيمان بالغيب أجل المقامات ~~على الإطلاق، وقد زال فى الآخرة وصار الأمر شهادة. وكذلك الصلاة والحج ~~والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وبذل النفس لله، وهى من أشرف الأعمال، ~~وكلها تزول فى الجنة. # وهذا لا يدل على نقصانها فإن الجنة ليست دار سعى # PageV01P292 # وعمل، إنما هى دار نعيم وثواب. # الوجه العاشر: أن الخوف إنما زال فى الجنة لأن تعلقه إنما هو بالأفعال لا ~~بالذات كما تقدم، وقد أمنهم ما كانوا يخافون منه. فقد أمنوا أن لا يفعلوا ~~ما يخافون منه وأن يفعل بهم ربهم ما يخيفهم. ولكن كان الخوف فى الدنيا أنفع ~~لهم فبه وصلوا إلى الأمن التام، فإن الله سبحانه وتعالى لا يجمع على عبده ~~مخافتين [ولا أمنين] ، فمن خافه فى الدنيا أمنه يوم القيامة ومن أمنه فى ~~الدنيا ولم يخفه أخافه فى الآخرة. وناهيك شرفا وفضلا بمقام ثمرته الأمن ~~الدائم المطلق. # الوجه [الحادى عشر] : أن الإجلال والمهابة والتعظيم إنما لم تزل لأنها ~~متعلقة بنفس الذات، وهى موجودة فى دار النعيم. وأما الخوف فإنه إنما زال ~~لأنه وسيلة إلى توفية العبودية والقيام بالأمر. # والوسيلة تزول عند حصول الغاية، ولكن زوال الوسيلة عند حصول الغاية لا ~~يدل على أنها ناقصة. وإذا كانت تلك الغاية لا كمال للعبد بدونها فالوسيلة ~~إليها كذلك. # الوجه [الثانى عشر] : قوله: "وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات ~~المناجاة، وتصون المشاهد أحيان المشاهدة، وتعصم المعانى بصدمة العزة. ~~فيقال: لا ريب أن الحب والأنس المجرد عن التعظيم والإجلال يبسط النفس، ~~ويحملها على بعض الدعاوى والرعونات والأمانى الباطلة وإساءة الأدب والجناية ~~على حق المحبة. # فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب وإجلاله وتعظيمه وشهود عز جلاله وعظيم ~~سلطانه، انكسرت نفسه له وذلت لعظمته واستكانت لعزته وتصاغرت لجلاله وصفت من ~~رعونات النفس وحماقاتها ودعاويها الباطلة وأمانيها الكاذبة، ولهذا فى ~~الحديث: "يقول الله عز وجل: أين المتحابون بجلالى؟ اليوم أظلهم فى ظلى ms321 يوم ~~لا ظل إلا ظلى"، فقال: "أين المتحابون بجلالى"، فهو حب بجلاله [سبحانه] ~~وتعظيمه ومهابته ليس حبا لمجرد جماله، فإنه سبحانه الجليل الجميل. # والحب الناشيء عن شهود هذين الوصفين هو الحب النافع الموجب لكونهم فى ظل ~~عرشه يوم القيامة. فشهود الجلال وحده يوجب خوفا وخشية وانكسارا، وشهود ~~الجمال وحده يوجب حبا بانبساط وإدلال ورعونة. وشهود الوصفين معا يوجب حبا ~~مقرونا بتعظيم وإجلال ومهابة. # وهذا هو غاية كمال # PageV01P293 # العبد. والله أعلم، وإنشاده هذه الأبيات الثلاثة فى هذا المقام فى غاية ~~القبح، فإن هذا المحب ينفى خوفه من محبوبه [أخر أنه يصد عن محبوتبه] ويعرض ~~عنه إظهارا للتجلد أمام رقيبه، وذلك قبيح فى حكم المحبة، فإن التذلل ~~للمحبوب وتملقه واستعطافه والانكسار له أولى بالمحب من تجلده وتعززه كما ~~قيل: # اخضع وذل لمن تحب فليس فى ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد # ثم أخبر أنه يروم طيف خياله، فهو طالب لحظه من محبوبه لا لمراد محبوبه ~~منه. فهذا محب لنفسه، وقد جعل طيف محبوبه وسيلة إلى حصول مراده فأحبه حب ~~الوسائل، بخلاف من قد أحب محبوبه لذات المحبوب ففنى عن مراده هو منه بمراد ~~محبوبه فصار مراده مراد محبوبه، فحصل الاتحاد فى المراد لا فى الإرادة ولا ~~فى المريد، هذا إن كان صبده عنه تجلدا عليه، وإن كان تجلدا على الرقيب خوفا ~~منه، فهو ضعيف المحبة، لأن فيه بقية ليست مع محبوبه بل مع رقيبه، فهلا ملأ ~~الحب قلبه فلم يبق فيه بقية يلاحظ بها الرقيب والعاذل؟ كما قيل: # لا كان من لسواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه العذل # وبالجملة فهذه الأبيات ناقصة المعنى لا يصلح الاستشهاد بها [فى هذا ~~المقام] والله أعلم. # فصل # والمقصود الكلام على علل المقامات وبيان ما فيها من خطإ وصواب؛ ولما كان ~~أبو العباس بن العريف [رحمه الله] قد تعرض لذلك فى كتابه "محاسن المجالس" ~~ذكرنا كلامه فيه وما له وما عليه، ثم ذكر بعد هذا فصلا فى المحبة وفصلا فى ~~الشوق، فنذكر كلامه فى ذلك وما يفتح ms322 الله به تتميما للفائدة ورجاء للمنفعة، ~~وأن يمن الله العزيز الوهاب بفضله ورحمته ويرقى عبده من العلم إلى الحال، ~~ومن الوصف إلى الاتصاف. إنه قريب مجيب. # قال أبو العباس [رحمه الله] : "وأما المحبة فقد أشار أهل التحقيق فى ~~العبارة عنها، وكل نطق # PageV01P294 # بحسب ذوقه، وانفسخ بمقدار شوقه". # قلت: الشيء إذا كان فى الأمور الوجدانية الذوقية التى إنما تعلم بآثارها ~~وعلاماتها، وكان مما يقع [فيه] التفاوت بالشدة والضعف، وكان له لوازم وآثار ~~وعلامات متعددة، اختلفت العبارات عنه بحسب اختلاف هذه الأشياء. # وهذا شأن المحبة، فإنها ليست- بحقيقة معانيها- ترى بالأبصار، فيشترك ~~الواصفون لها فى الصفة. وهى فى نفسها متفاوتة أعظم تفاوت. كما بين العلاقة ~~التى هى تعلق القلب بالمحبوب، والخلة التى هى أعلى مراتب الحب، وبينهما ~~درجات متفاوتة تفاوتا لا ينحصر. # ولها آثار توجبها وعلامات تدل عليها، فكل أدرك بعض [آثارها أو بعض] ~~علاماتها فعبر بحسب ما أدركه وهى وراء ذلك كله: ليس اسمها كمسماها، ولا ~~لفظها مبين لمعناها. وكذلك اسم المصيبة والبلية والشدة والألم إنما تدل ~~أسماؤها عليها نوع دلالة لا تكشف حقيقتها، ولا تعلم حقيقتها إلا بذوقها ~~ووجودها. وفرق بين الذوق والوجود وبين التصور والعلم. فالحدود والرسوم التى ~~قيلت فى المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها بل هى إشارات وعلامات وتنبيهات. # فصل # قال: "وهى- على الإجمال قبل أن ننتهى إلى التفصيل- وجود تعظيم فى القلب ~~يمنع الانقياد لغير [المحبوب] ". فيقال: هذا التعظيم المانع من الانقياد ~~لغير المحبوب هو أثر من آثار المحبة وموجب من موجباتها، لا أنه نفس المحبة. ~~فإن المحبة إذا كانت صادقة أوجبت للمحب تعظيما لمحبوبه يمنعه من انقياده ~~إلى غيره. # وليس مجرد التعظيم هو المانع له من الانقياد إلى غيره بل التعظيم المقارن ~~للحب هو الذى يمنع من الانقياد إلى غير [المحبوب فإن التعظيم إذا كان مجرد ~~عن الحب لم يمنع انقياد القلب إلى غير] المعظم. وكذلك إذا كان الحب خاليا ~~عن التعظيم [لم يمنع المحب أن ينقاد إلى غير محبوبه فإذا اقترن الحب ~~بالتعظيم] وامتلأ القلب بهما امتنع انقياده إلى ms323 غير المحبوب. # والمحبة المشتركة ثلاثة أنواع: # أحدها: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء وغير ذلك، ~~وهذه لا تستلزم التعظيم. # والنوع الثانى: محبة رحمة وإشفاق كمحبة الوالد لولده الطفل ونحوها، وهذه ~~أيضا لا تستلزم التعظيم. # والنوع الثالث: محبة أنس وإلف، وهى محبة المشتركين- فى صناعة أو علم أو ~~مرافقة أو تجارة أو سفر- بعضهم بعضا وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا. # فهذه الأنواع الثلاثة هى المحبة التى تصلح # PageV01P295 # للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركا فى محبة الله سبحانه. # ولهذا "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء [و] العسل، وكان ~~أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع، وكان يحب ~~نساءه، وكانت عائشة رضى الله عنها أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم ~~إليه الصديق [رضى الله عنه] . # وأما المحبة الخاصة التى لا تصلح إلا لله وحده ومتى أحب العبد بها غيره ~~كان شركا لا يغفره الله، فهى محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع ~~والتعظيم، وكمال الطاعة وإيثاره على غيره. # فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلا، وهى التى سوى المشركون بين ~~آلهتهم وبين الله فيها كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] ، وأصح ~~القولين أن المعنى يحبونهم كما يحبون الله. وسووا بين الله وبين أندادهم فى ~~الحب. ثم نفى ذلك عن المؤمنين فقال: {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: ~~165] فإن الذين آمنوا وأخلصوا حبهم لله لم يشركوا به معه غيره، وأما ~~المشركون فلم يخلصوا لله. # والمقصود من الخلق والأمر إنما هو هذه المحبة وهى أول دعوة الرسل، وآخر ~~كلام العبد المؤمن الذى إذا مات عليه دخل الجنة اعترافه وإقراره بهذه ~~المحبة وإفراد الرب [تعالى] بها، فهو أول ما يدخل به فى الإسلام، وآخر ما ~~يخرج به من الدنيا إلى الله؛ وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع ~~المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها من الشوائب ~~والعلل؛ فهى قطب رحى السعادة، وروح الإيمان وساق شجرة ms324 الإسلام، ولأجلها ~~أنزل الله الكتاب والحديد. # فالكتاب هاد إليها ودال عليها ومفصل لها، والحديد لمن خرج عنها وأشرك ~~فيها مع الله غيره، ولأجلها خلقت الجنة النار، فالجنة دار أهلها الذين ~~أخلصوها لله وحده فأخلصهم لها، والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره وسوى ~~بينه وبين الله فيها، كما أخبر تعالى عن أهلها أنهم يقولون فى النار ~~لآلهتهم: {تالله إن كنا لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} ~~[الشعراء:97-98] ، وهذه التسوية لم تكن منهم فى الأفعال والصفات بحيث ~~اعتقدوا أنها مساوية لله سبحانه فى أفعاله وصفاته، وإنما كانت تسوية منهم ~~بين الله وبينها فى المحبة والعبودية [فقط] مع إقرارهم بالفرق بين الله ~~وبينها، فتصحيح هذه [المسألة] هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله، فحقيق ~~لمن نصح نفسه وأحب سعادتها ونجاتها أن يتيقظ لهذه المسألة # PageV01P296 # علما وعملا وحالا وتكون أهم الأشياء عنده، وأجل علومه وأعماله. # فإن الشأن كله فيها والمدار عليها والسؤال يوم القيامة عنها، قال تعالى: ~~{فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} [الحجر: 92- 93] ، قال غير واحد ~~من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا الله"، وهذا حق. # فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل ~~أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها، قال أبو العالية: كلمتان ~~يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ~~فالسؤال عماذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عماذا أجابوا ~~المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل ~~لما دعوهم إليها، فعاد الأمر كله إليها. # وأمر هذا شأنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض ~~فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله، بل يجعل هو ~~المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ~~ولا رب سواه. # فصل # قال: "وقيل: المحبة إيثار المحبوب على غيره" وهذا الحد أيضا من جنس ما ~~قبله، فإن إيثار المحبوب على غيره موجب المحبة ومقتضاها، فإذا استقرت ~~المحبة فى القلب ms325 استدعت من المحب إيثار محبوبه على غيره، وهذا الإيثار ~~علامة ثبوتها وصحتها، فإذا آثر غير المحبوب عليه لم يكن محبا له، وإن زعم ~~أنه محب فإنما هو محب لنفسه ولحظه ممن يحبه، فإذا رأى حظا آخر هو أحب إليه ~~من حظه الذى يريده من محبوبه آثر ذلك الحظ المحبوب إليه. # فهذا موضع يغلط فيه الناس كثيرا إذ أكثرهم إنما هو يحب لحظه ومراده، فإذا ~~علم أنه عند غيره أحب ذلك الغير حب الوسائل لا حبا له لذاته، ويظهر هذا عند ~~حالتين: # إحداهما: أنه يرى حظا له آخر عند غيره فيؤثر ذلك الحظ ويترك محبوبه. # الثانية: أنه إذا نال ذلك الحظ من محبوبه فترت محبته وسكن قلبه وترحل ~~قاطن المحبة من قلبه، كما قيل: من ودك لأمر ولى عند انقضائه. فهذه محبة ~~مشوبة بالعلل. # بل المحبة الخالصة أن يحب المحبوب لكماله، وأنه أهل أن يحب لذاته وصفاته. ~~وأن الذى يوجب هذه المحبة فناء العبد عن إرادته لمراد محبوبه، فيكون عاملا ~~على مراد محبوبه منه لا على مراده هو من محبوبه. فهذه هى المحبة الخالصة من # PageV01P297 # .. # ... # درن العلل وشوائب النفس، وهى التى [تستلزم إيثار المحبوب على غيره ولا بد ~~وكلما كان سلطان هذه المحبة أقوى كان هذا الإيثار أتم] تتزايد، وفى مثل هذا ~~قيل: # تعصى الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمرك فى القياس شنيع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # وهاهنا دقيقة ينبغى التفطن لها، وهى أن إيثار المحبوب نوعان: إيثار ~~معاوضة ومتاجرة، وإيثار حب وإرادة. # فالأول: يؤثر محبوبه على غيره طلبا لحظه منه، فهو يبذل ما يؤثره ليعاوضه ~~بخير منه. # والثانى: يؤثره إجابة لداعى محبته، فإن المحبة الصادقة تدعوه دائما إلى ~~إيثار محبوبه، فإيثاره هو أجل حظوظه، فحظه فى نفس الإيثار لا فى العوض ~~المطلوب بالإيثار، وهذا لا تفهمه إلا النفس اللطيفة الورعة المشرقة، وأما ~~النفس الكثيفة فلا خبر عندها من هذا، وما هو بعشها فتلدرج. # والدين كله والمعاملة فى الإيثار، فإنه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما ms326 تؤثره ~~به على نفسك، حتى [قيل] أن من شرطه الاحتياج من جهة المؤثر، إذ لو لم يكن ~~محتاجا إليه لكان بذله سخاء وكرما. # وهذا إنما يصح فى إيثار المخلوق، والله سبحانه يؤثر عبده على غيره من غير ~~احتياج منه سبحانه فإنه الغنى الحميد، وفى الدعاء المرفوع: "اللهم زدنا ولا ~~تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، ~~وارضنا وارض عنا". # وقيل: من آثره الله على غيره آثره الله على غيره. والفرق بين الإيثار ~~والأثرة أن الإيثار تخصيص الغير بما تريده لنفسك والأثرة اختصاصك به على ~~الغير، وفى الحديث: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة فى عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا". # فإذا عرف هذا، فالإيثار إما أن يتعلق بالخلق، وإما أن يتعلق بالخالق. وإن ~~تعلق بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتا، ولا يفسد ~~عليك حالا، ولا يهضم لك دينا ولا يسد عليك طريقا، ولا يمنع لك واردا. # فإن كان فى إيثارهم شيء من ذلك، فإيثار نفسك عليهم أولى، فإن الرجل من لا ~~يؤثر بنصيبه من الله أحدا كائنا من كان. # وهذا فى غاية الصعوبة على السالك، والأول أسهل منه. فإن الإيثار المحمود ~~الذى أثنى الله على فاعله: الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود ~~بصلاح القلب. قال الله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # PageV01P298 # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] . # فأخبر أن إيثارهم إنما هو بالشيء الذى إذا وقى الرجل الشح به كان من ~~المفلحين، وهذا إنما هو فضول الدنيا لا الأوقات المصروفة فى الطاعات. # فإن الفلاح كل الفلاح فى الشح بها فمن لم يكن شحيحا بوقته تركه الناس على ~~الأرض [عيانا] مفلسا، فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأس ماله. # ومما يدل على هذا أنه سبحانه أمر بالمسابقة فى أعمال البر والتنافس فيها ~~والمبادرة إليها، وهذا ضد الإيثار بها. قال الله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض} [آل عمران: ms327 133] ، وقال تعالى: ~~{فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] [المائدة: 48] ، وقال تعالى: {وفى ذلك ~~فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 26] ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: "لو ~~يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول لكانت قرعة". والقرعة إنما تكون عند ~~التزاحم والتنافس لا عند الإيثار فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلا ~~للإيثار، بل محلا للتنافس والمسابقة، ولهذا قال الفقهاء: لا يستحب الإيثار ~~بالقربات والسر فيه- والله أعلم- أن الإيثار إنما يكون بالشيء الذى يضيق عن ~~الاشتراك فيه، فلا يسع المؤثر والمؤثر، بل لا يسع إلا أحدهما، وأما أعمال ~~البر والطاعات فلا ضيق على العباد فيها، فلو اشترك الألوف المؤلفة فى ~~الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم ووسعتهم كلهم، وإن قدر ~~التزاحم فى عمل واحد أو مكان لا يمكن أن يفعله الجميع- بحيث إذا فعله واحد ~~فات على غيره، فإن فى العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما لفاعله ~~كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم فى غير حديث، فإذا قدر فوت مباشرته له ~~فلا يفوت عليه عزمه ونيته لفعله. # وأيضا فإنه إذا فات عليه كان فى غيره من الطاعات والقربات عوض منه: إما ~~مساو له، وإما أزيد، وإما دونه. فمتى أتى بالعوض وعلم الله من نيته وعزيمته ~~الصادقة إرادته لذلك العمل الفائت أعطاه الله ثوابه وثواب ما تعوض [به عنه ~~فجمع له الأمرين. وذلك فضلا الله يؤتيه] من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # وأيضا فإن المقصود رغبة العبد فى التقرب إلى الله، وابتغاء الوسيلة إليه ~~والمنافسة فى محابه، والإيثار بهذا التقرب يدل على رغبته عنه وتركه له، ~~وعدم المنافسة فيه، وهذا بخلاف ما يحتاج إليه العبد من طعامه وشرابه ولباسه ~~إذا كان أخوه محتاجا إليه، فإذا اختص به أحدهما فات الآخر، فندب الله ~~[سبحانه] عبده إذا وجد من نفسه قوة وصبرا # PageV01P299 # على الإيثار به ما لم يخرم عليه دينا، أو يجلب له مفسدة، أو يقطع عليه ~~طريقا عزم على سلوكه إلى ربه، أو شوش عليه قلبه، بحيث يجعله متعلقا بالخلق، ~~فمفسدة إيثار هذا أرجح من ms328 مصلحته، فإذا ترجحت مصلحة الإيثار، بحيث تتضمن ~~إنقاذ نفسه من هلكة أو عطب أو شدة ضرورة- وليس للمؤثر نظيرها- تعين عليه ~~الإيثار، فإن كان به نظيرها لم يتعين عليه الإيثار، ولكن لو فعله لكان غاية ~~الكرم والسخاء والإحسان، فإنه من آثر حياة غيره على حياته وضرورته على ~~ضرورته فقد استولى على أمد الكرم والسخاء وجاوز أقصاه وضرب فيه بأوفر الحظ. # وفى هذا الموضع مسائل فقهية ليس هذا موضع ذكرها. فإن قيل: فما الذى يسهل ~~على النفس هذا الإيثار، فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار؟ قيل: ~~يسهله أمور: # أحدها: رغبة العبد فى مكارم الأخلاق ومعاليها، فإن من أفضل أخلاق الرجل ~~وأشرفها وأعلاها الإيثار، وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته، كما ~~جبلها على بغض المستأثر ومقته، لا تبديل لخلق الله. والأخلاق ثلاثة: خلق ~~الإيثار، وهو خلق الفضل. وخلق القسمة والتسوية، وهو خلق العدل. وخلق ~~الاستئثار والاستبداد وهو خلق الظلم. فصاحب الإيثار محبوب مطاع مهيب، وصاحب ~~العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه والتسلط عليه ولكنها لا تنقاد إليه انقيادها ~~لمن يؤثرها، وصاحب الاستئثار النفوس إلى أذاه والتسلط عليه أسرع من السيل ~~فى حدوره. وهل أزال الممالك وقلعها إلا الاستئثار؟ فإن النفوس لا صبر لها ~~عليه. ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالسمع والطاعة لولاة ~~الأمر وإن استأثروا عليهم، لما فى طاعة المستأثر من المشقة [والكره] . # الثانى: النفرة من أخلاق اللئام، ومقت الشح وكراهته له. # الثالث: تعظيم الحقوق التى جعلها الله سبحانه وتعالى للمسلمين بعضهم على ~~بعض، فهو يرعاها حق رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنه إن لم يبذل فوق ~~العدل لم يمكنه # PageV01P300 # الوقوف مع حده، فإن ذلك عسر جدا، بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو ~~التقصير عنه إلى الظلم، فهو [لخوفه] من تضييع الحق والدخول فى الظلم يختار ~~الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره ويكتسب به جميل الذكر فى الدنيا وجزيل الأجر ~~فى الآخرة، مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه، فيعود ~~عليه ms329 من إيثاره أفضل مما بذله. ومن جرب هذا عرفه، ومن لم يجربه فليستقر ~~أحوال العالم. والموفق من وفقة الله سبحانه وتعالى # فصل # والإيثار المتعلق بالخالق أجل من هذا وأفضل، وهو إيثار [رضاه على] رضى ~~غيره، وإيثار حبه على حب غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، ~~وإيثار الذل له [و] الخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره. ~~وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره، ~~فالأول آثر بعض العبيد على نفسه فيما هو محبوب له، وهذا آثر الله على غيره ~~ونفسه من أعظم الأغيار. فآثر الله عليها فترك محبوبها لمحبوب الله. # وعلامة هذا الإيثار شيئان، أحدهما: فعل ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه ~~وتهرب منه، الثانى: ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبه وتهواه، فبهذين ~~الأمرين يصح مقام الإيثار، ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة ~~داعى العادة والطبع، فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ~~ضعيفة، ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به، وأنه ليسير على من يسره الله ~~عليه، فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى، وأن يشمر إليه وإن عظمت ~~فيه المنحة، ويحمل فيه خطرا يسيرا لملك عظيم وفوز كبير، فإن ثمرة هذا فى ~~العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال، ويسير منه يرقى العبد ويسيره ~~ما لا يرقى غيره إليه فى المدد المتطاولة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ~~ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار. # والذى يسهله على العبد أمور: أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ~~ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة. الثانى: أن يكون إيمانه راسخا ~~ويقينه قويا، فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته. الثالث: قوة صبره وثباته. # فبهذه الأمور الثلاثة الأمور ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه. ~~والنقص والتخلف فى النفس عن هذا يكون من أمرين: أن تكون جامدة غير سريعة ~~الإدراك، بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر، وإن رأتها اقترنت ~~به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات، فلا ms330 # PageV01P301 # يتخلص له رؤيتها وعيانها، الثانى أن تكون القريحة وقادة دراكة، لكن النفس ~~ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره، فصاحبها يسوقها سوق ~~العليل المريض، كلما ساقه خطوة وقف خطوة، أو كسوق الطفل الصغير الذى تعلقت ~~نفسه بشهواته ومألوفاته، فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ~~ينساق معه إلا كرها. فإذا رزق العبد قريحة وقادة، وطبيعة منقادة: إذا زجرها ~~انزجرت وإذا قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين، [وأيد] مع ذلك بعلم نافع ~~وإيمان راسخ، أقبلت إليه وفود السعادة من كل جانب. # ولما كانت هذه القرائح والطبائع ثابتة للصحابة رضى الله عنهم، وكملها ~~الله لهم بنور الإسلام وقوة اليقين ومباشرة الإيمان لقلوبهم، كانوا أفضل ~~العالمين بعد الأنبياء والمرسلين وكان من بعدهم لو أنفق مثل جبل أحد ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه. # ومن تصور هذا الموضع حق تصوره علم من أين يلزمه النقص والتأخر، ومن أين ~~يتقدم [ويتأخر] ويترقى فى درجات السعادة وبالله التوفيق. والله أعلم. # فصل # [عود لمعرفة حدود المحبة] # قال: "وقيل: المحبة موافقة المحبوب فيما ساء وسر، ونفع وضر، كما قيل: # وأهنتنى فأهنت نفسى صاغرا ... ما من يهون عليك ممن أكرم # فيقال: وهذا الحد أيضا [من] جنس ما قبله، فإن موافقة المحبوب من موجبات ~~المحبة وثمراتها، وليست نفس المحبة، بل المحبة تستدعى الموافقة، وكلما كانت ~~المحبة أقوى كانت الموافقة أتم، قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعونى يحببكم الله} [آل عمران: 31] ، قال الحسن: قال قوم على عهد النبى ~~صلى الله عليه وسلم: إنا نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} [آل عمران: 31] ، وقال الجنيد: ادعى ~~قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى ~~يحببكم الله} [آل عمران: 31] ، # PageV01P302 # يعنى أن متابعة الرسول هى موافقة حبيبكم، [فإنه] المبلغ عنه ما يحبه وما ~~يكرهه [وهى قوله] [فمتابعته موافقة لله فى فعل ما يحب وترك ما يكره] . # وقال مالك فى هذه الآية: من أحب طاعة ms331 الله أحبه الله وحببه إلى خلقه ~~وإنما كانت موافقة المحبوب دليلا على محبته لأن من أحب حبيبا فلا بد أن يحب ~~ما يحبه ويبغض ما يبغضه، وإلا لم يكن محبا له محبة صادقة، بل تخلف ذلك عنه ~~وإلا لم يكن [محبا] له، بل يكون محبا لمراده [أحبه محبوبه أم كرهه ومحبوبه ~~عنده وسيلة إلى ذلك المراد] فلو حصل له حظه من غيره ترحل عوضه. فهذه المحبة ~~المدخولة الفاسدة، وإذا كانت المحبة الصحيحة تستدعى حب ما يحبه المحبوب ~~وبغض ما يبغضه فلا بد أن يوافقه فيه. # ولكن هاهنا مسألة يغلط فيها كثير من المدعين للمحبة، وهى أن موافقة ~~المحبوب فى مراده ليس المعنى بها مراده الخلقى الكونى، فإن كل الكون مراده، ~~وكل ما يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية، فلو كانت موافقته ~~فى هذا المراد هى محبته لم يكن له عدو أصلا، وكانت الشياطين والكفار ~~والمشركون عباد الأوثان والشمس والقمر أولياءه وأحبابه، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. # وإنما يظن ذلك من يظنه من أعدائه الجاحدين لمحبته ودينه، الذين يسوون بين ~~أوليائه وأعدائه. قال الله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] ، وقال الله تعالى: ~~{أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم، ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21] ، وقال الله تعالى: ~~{أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} [القلم: 35- 36] [فأنكر ~~سبحانه على من سوى بين المسلمين والمجرمين] ، وبين المطيعين والمفسدين مع ~~أن الكل تحت المراد الكونى والمشيئة العامة. # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية [قدس الله روحه] يقول: قال لى بعض شيوخ ~~هؤلاء المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، والكون كله مراده، ~~فأى شيء أبغض منه"، قال: فقلت له: فإذا كان المحبوب قد أبغض بعض ما فى ~~الكون، فأبغض قوما ومقتهم ولعنهم وعاداهم فأحببتهم أنت وواليتهم، تكون ~~مواليا للمحبوب موافقا له، أو مخالفا له معاديا له؟ قال: فكأنما ألقم حجرا. ~~ويبلغ الجهل والكفر ببعض هؤلاء ms332 إلى حد بحيث إذا فعل محظورا يزعم أنه مطيع ~~لله سبحانه وتعالى، ويقول # PageV01P303 # أنا مطيع لإرادته، وينشد فى ذلك: # أصبحت منفعلا لما يختاره ... منى ففعلى كله طاعات # ويقول أحدهم: إبليس وإن عصى الأمر، لكنه أطاع الإرادة، يعنى أن فعله طاعة ~~لله من حيث موافقة إرادته، وهذا انسلاخ من ربقة العقل والدين، وخروج عن ~~الشرائع كلها، فإن طاعة الله إنما هى موافقة الأمر الدينى الذى يحبه الله ~~ويرضاه، وأما دخوله تحت القدر الكونى الذى يبغضه ويسخطه ويكفر فاعله ~~ويعاقبه، فهى المعصية والكفر ومعاداته ومعاداة دينه. ولا ريب أن المسرفين ~~على أنفسهم المنهمكين فى الذنوب والمعاصى المعترفين بأنهم عصاة مذنبون أقرب ~~إلى الله من هؤلاء العارفين المنسلخين عن دين الأنبياء كلهم، والذين لا عقل ~~لهم ولا دين فنسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه: # أما البيت الذى استشهد به فهو من أبيات لأبى الشيص من قصيدة يقول فيها: # وقف الهوى بى حيث أنت ... فليس لى متأخر عنه ولا متقدم # وأهنتنى فأهنت نفسى جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم # أشبهت أعدائى فصرت أحبهم ... إذ كان حظى منك حظى منهم # أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللوم # وقد ناقض فيها فى دعواه مناقضة بينه، فإنه أخبر أن هواه قد صار وقفا ~~عليها لا يزول ولا يتحول بتقدم ولا تأخر، ثم أخبر أنه قد بلغ به حبها ~~وهواها إلى أن صار مرادها من نفسه غير مراده هو، فلما أرادت إهانته بالصد ~~والهجران والبعد سعى هو فى إهانة نفسه بجهده موافقة لها فى إرادتها، فصارت ~~إهانته لنفسه مرادة محبوبة له من حيث هى مرادة محبوبة لها، وزعم أنه لو ~~أكرم نفسه لكان مخالفا لمحبوبته مكرما لمن أهانته. # ثم نقض هذا الغرض من حيث شبهها بأعدائه الذين هم أبغض شيء إليه. ووجه هذا ~~التشبيه أنه لم يحصل منها من حظه ومراده على شيء، بل الذى يحصل له منها مثل ~~ما يحصل له من أعدائه [من إهانتهم له وأذاه فصار حظه منها ومن أعدائه] ~~واحدا، ms333 فصارت شبيهة [بهم] ، فأين هذا من الموافقة التامة لها فى مرادها، ~~بحيث يهين نفسه لمحبتها فى إهانته؟ ثم أخبر أن له منها حظا مرادا وأن ذلك ~~الحظ الذى يريده لم يحصل له، # PageV01P304 # وإنما حصل له منه نظير ما يحصل له من أعدائه. # وهذه شكاية فى الحقيقة وإخبار عن [محبه معلول] بالحظ، وشكاية للحبيب ~~بتفويته عليه [ثم إنه أخبر عن جناية أخرى وهى أنه شرك بينها وبين أعدائه] ~~فى حبه لها، فصار حبه منقسما بعضه له وبعضه لأعدائه لشبههم إياها، ثم إن فى ~~الشعر جناية أخرى عليها وهو أنه شبهها بمن جبلت القلوب على بغضه وهو العدو، ~~واللائق تشبيه الحبيب بما هو أحب الأشياء إلى النفس كالسمع والبصر والحياة ~~والروح والعافية، كما هو عادة الشعراء والناس فى نظمهم ونثرهم كما هو معروف ~~بينهم وهو جادة كلاهم. # ثم أخبر بمحبته لأعدائه لشبههم بها، فتضمن كلامه معاداة من يحبه ومحبة من ~~يعاديه، فإنها إذا أشبهت أعداءه لزم أن يحصل لها نصيب من معاداته وإذا ~~أشبهها أعداؤه لزم أن يحصل لهم نصيب من محبته كما صرح به فى جانبهم وترك ~~التصريح فى جانبها، وهو مفهوم من كلامه، ثم أخبر أنه يلتذ بملامة اللوام فى ~~هواها لما يتضمن من ذكراها، وهذا يدل على قوة محبتها وسماع ذكرها، وهذا غرض ~~صحيح مع أنه مدخول أيضا، فإن محبوبته قد تكره ذلك لما يتضمن من فضيحتها به ~~وجعلها مضغة للماضغين، فيكون محبا لنفس ما تكرهه، وهذه محبة فاسدة معلولة ~~ناقضة [لدعواه] موافقتها فى محابها. # فصل # قال: "وقيل: المحبة القيام بين يديه وأنت قاعد، ومفارقة المضجع وأنت ~~راقد، والسكوت وأنت ناطق، ومفارقة المألوف والوطن وأنت مستوطن". # فيقال: وهذا أيضا أثر من آثار المحبة وموجب من موجباتها وحكم من أحكامها. ~~وهو صحيح، فإن المحبة توجب سفر القلب نحو المحبوب دائما، والمحبة وطنه ~~وتوجب مثوله وقيامه بين يدى محبوبه وهو قاعد، وتجافيه عن مضجعه ومفارقته ~~إياه وهو فيه راقد، وفراغه لمحبوبه كله وهو مشغول فى الظاهر بغيره. كما قال ~~بعضهم: # وأديم ms334 نحو محدثى ليرى ... أن قد عقلت وعندكم عقلي # وقال بعض المريدين لشيخه: أيسجد القلب بين يدى الله؟ فقال: نعم سجدة لا ~~يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة. فهذه سجدة متصلة بقيامه وقعوده وذهابه ~~ومجيئه وحركته وسكونه. # وكذلك يكون جسده فى مضجعه وقلبه قد قطع المراحل مسافرا إلى حبيبه، فإذا ~~أخذ مضجعه اجتمع عليه حبه وشوقه، فيهزه المضجع إلى مسكنه. كما # PageV01P305 # قال الله تعالى فى حق المحبين: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطعما} [السجدة: 16] ، فلما تجافت جنوبهم عن المضاجع جافت الجنوب عنها ~~واستخدمتها وأمرتها فأطاعتها. وقال القائل: # نهارى نهار الناس، حتى إذا ... بدا لى الليل هزتنى إليك المضاجع # ويحكى أن بعض الصالحين اجتاز بمسجد، فرأى الشيطان واقفا ببابه لا يستطيع ~~دخوله فنظر فإذا فيه رجل نائم وآخر قائم يصلى. فقال له: أيمنعك هذا المصلى ~~من دخوله؟ فقال: كلا، إنما يمنعنى ذلك الأسد الرابض، ولولا مكانه لدخلت. # وبالجملة فقلب المحب دائما فى سفر لا ينقضى نحو محبوبه، كلما قطع مرحلة ~~له ومنزلة تبدت له أخرى كما قيل: "إذا قطعت علما بدا علم"، فهو مسافر بين ~~أهله، وظاعن وهو فى داره، وغريب وهو بين إخوانه وعشيرته، ويرى كل أحد عنده ~~ولا يرى نفسه عند أحد. فقوة تعلق المحب [بمحبوبه] توجب له أن لا يستقر قلبه ~~دون الوصول إليه، وكلما هدأت حركاته وقلت شواغله اجتمعت عليه شئون قلبه، بل ~~قوى سيره إلى محبوبه. # ومحك هذا الحال يظهر فى مواطن أربعة: # أحدها: عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه الشواغل، واجتماع قلبه على ما ~~يحبه. فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به. # الموطن الثانى: عند انتباهه من النوم، فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر ~~محبوبه. [فإنه] إذا استيقظ وردت إليه روحه رد معها إليه ذكر محبوبه الذى ~~كان قد غاب عنه فى النوم. ولكن كان قد خالط روحه وقلبه، فلما ردت إليه ~~الروح أسرع من الطرف رد إليه ذكر محبوبه متصلا بها، مصاحبا لها. # فورد عليه قبل كل وارد، وهجم ms335 عليه قبل كل طارق. فإذا وردت عليه الشواغل ~~والقواطع وردت على محل ممتليء بمحبة ما يحبه فوردت على ساحته من ظاهرها، ~~فإذا قضى وطره منها قضاه بمصاحبته لما فى قلبه من الحب. # فإنه قد لزمه ملازمة الغريم لغريمه ولذلك يسمى غراما، وهو الحب اللازم ~~الذى لا يفارق: فسمع بمحبوه وأبصر به وبطش به ومشى به، فصار [محبوبه فى ~~وجوده فى] محل سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها، # PageV01P306 # ورجله التى يمشى بها. هذا مثل محبوبه فى وجوده وهو غير متحد به، بل هو ~~قائم بذاته مباين له. # وهذا المعنى مفهوم بين الناس لا ينكره منهم إلا غليظ الحجاب، أو قليل ~~العلم، ضعيف العقل، يجد محبوبه قد استولى على قلبه وذكره، فيظن أنه هو نفس ~~ذاته الخارجة قد اتحدت به أو حلت فيه، فينشأ من قسوة الأول وكثافته غلظ ~~حجاب، ومن قله علم الثانى ومعرفته وضعف تمييزه ضلال الحلول والاتحاد وضلال ~~الإنكار والتعطيل والحرمان، ويخرج [للبصير] من بين فرث هذا ودم هذا لبن ~~الفطرة الأولى خالصا سائغا للشاربين. # الموطن الثالث: عند دخوله فى الصلاة، فإنها محك الأحوال وميزان الإيمان، ~~بها يوزن إيمان الرجل [و] يتحقق حاله ومقامه ومقدار قربه من الله ونصيبه ~~منه، فإنها محل المناجاة والقربة ولا واسطة فيها بين العبد وبين ربه، فلا ~~شيء أقر لعين المحب ولا ألذ لقلبه ولا أنعم لعيشه منها [إن] كان محبا فإنه ~~لا شيء آثر عند المحب ولا أطيب له من خلوته بمحبوبه ومناجاته له ومثوله بين ~~يديه، وقد أقبل [بقلبه على محبوبه] ، وكان قبل ذلك معذبا بمقاساة الأغيار ~~ومواصلة الخلق والاشتغال بهم فإذا قام إلى الصلاة هرب من سوى الله إليه ~~وآوى عنده واطمأن بذكره وقرت عينه بالمثول بين يديه ومناجاته، فلا شيء أهم ~~إليه من الصلاة، كأنه فى سجن وضيق وغم حتى تحضر الصلاة فيجد قلبه قد انفسخ ~~وانشرح واستراح، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لبلال: "يا بلال، أرحنا ~~بالصلاة"، ولم يقل: أرحنا منها، ms336 كما يقول المبطلون الغافلون. # وقال بعض السلف: ليس بمستكمل الإيمان من لم يزل فى هم وغم حتى تحضر ~~الصلاة فيزول همه وغمه، أو كما قال. فالصلاة قرة عيون المحبين وسرور ~~أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون هم الفراغ منها إذا دخلوا فيها ~~كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة، فلهم فيها شأن وللنفارين ~~شأن، يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم، كما يشكوا الغافل ~~[وللنقارين شأن يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم كما يشكوا] ~~المعرض تطويل إمامه، فسبحان من فاضل بين النفوس وفاوت بينها هذا التفاوت ~~العظيم. وبالجملة فمن كان قرة عينه فى الصلاة فلا شيء أحب إليه ولا أنعم ~~عنده منها، ويود أن لو قطع عمره بها غير مشتغل بغيرها، وإنما يسلى نفسه إذا ~~فارقها بأنه سيعود إليها عن قرب فهو دائما يثوب إليها ولا يقضى منها وطرا، # PageV01P307 # .. # فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان ~~العادل، الذى وزنه غير عائل. # الموطن الرابع: عند الشدائد والأهوال، فإن القلب فى هذا الموطن لا يذكر ~~إلا أحب الأشياء إليه، ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده. ولهذا كانوا ~~يفتخرون بذكرهم من يحبونهم عند الحرب واللقاء، وهو كثير فى أشعارهم كما ~~قال: # ذكرتك والخطى يخطر بيننا ... وقد نهلت منى المثقفة السمر # وقال غيره: # ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر فى لبان الأدهم # وقد جاء فى بعض الآثار: يقول تبارك وتعالى: "إن عبدى كل عبدى الذى يذكرنى ~~وهو ملاق قرنه"، والسر فى هذا- والله أعلم- أن عند مصائب الشدائد والأهوال ~~يشتد خوف القلب من فوات أحب الأشياء إليه، وهى حياته التى لم يكن يؤثرها ~~إلا لقربه من محبوبه، فهو إنما يحب حياته لتنعمه بمحبوبه، فإذا خاف فوتها ~~بدر إلى قلبه ذكر المحبوب الذى يفوت بفوات حياته. # ولهذا- والله أعلم- كثيرا ما يعرض للعبد عند موته لهجه بما يحبه وكثرة ~~ذكره له، وربما خرجت روحه وهو يلهج به. وذكر ابن أبى الدنيا فى كتاب ~~"المحتضرين" عن زفر [رحمه الله] ms337 أنه جعل يقول عند موته: لها ثلاثة أخماس ~~الصداق، لها ربع الصداق، لها كذا ومات، لامتلاء قلبه من محبة الفقه والعلم، ~~وأيضا فإنه عند الموت تنقطع شواغله وتبطل حواسه فيظهر ما فى القلب ويقوى ~~سلطانه، فيبدو ما فيه من غير حاجب ولا مدافع. وكثيرا ما سمع من بعض ~~المحتضرين عند الموت: شاه مات، وسمع من آخر بيت شعر لم يزل يغنى به حتى مات ~~وكان مغنيا، وأخبرنى رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت- وكان تاجرا يبيع ~~القماش- قال: فجعل يقول: هذه قطعة جيدة هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص ~~يساوى كذا وكذا حتى مات. # والحكاية فى هذا كثيرة جدا، فمن كان مشغولا بالله وبذكره ومحبته فى حال ~~حياته، وجد ذلك أحوج ما هو إليه عند خروج روحه إلى الله، ومن # PageV01P308 # كان مشغولا بغيره فى حال حياته وصحته فيعسر عليه اشتغاله بالله وحضوره ~~معه عند الموت ما لم تدركه عناية من ربه، ولأجل هذا كان جديرا بالعاقل أن ~~يلزم قلبه ولسانه ذكر الله حيثما كان لأجل تلك اللحظة التى إن فاتت شقى ~~شقاوة الأبد. فنسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. # فصل # وقد قيل فى المحبة حدود كثيرة غير ما ذكره أبو العباس، فقيل: المحبة ميل ~~القلب إلى محبوبه. وهذا الحد لا يعطى تصور حقيقة المحبة. فإن المحبة أعرف ~~عند القلب من الميل. وأيضا فإن الميل لا يدل على حقيقة المحبة. # فإنها أخص من مجرد ميل القلب، إذ قد يميل قلب العبد إلى الشيء ولا يكون ~~محبا له لمعرفته بمضرته له، فإن سمى هذا الميل محبة فهو اختلاف عبارة. ~~وقيل: المحبة علم المحب بجمال المحبوب ومحاسنه. وهذا حد قاصر، فإن العلم ~~بجماله ومحاسنه هو السبب الداعى إلى محبته، فعبر عن المحبة بسببها. وقيل: ~~المحبة تعلق القلب بالمحبوب. وقيل: انصباب القلب إلى المحبوب. وقيل: سكون ~~القلب إليه. وقيل: اشتغال القلب بالمحبوب، بحيث لا يتفرغ قلبه لغيره. وقيل: ~~المحبة بذل المجهود فى معرفة محبوبك، وبذل المجهود فى مرضاته. وقيل: هيجان ~~القلب ms338 عند ذكر المحبوب، وقيل: شجرة تنبت فى القلب تسقى بماء [الموافقة] ، ~~وإيثار رضى المحبوب. وقيل: المحبة حفظ الحدود، فليس بصادق من ادعى محبة ~~الله ولم يحفظ حدوده. وقيل: المحبة إرادة لا تنقص بالجفاء ولا تزيد بالبر ~~[وقيل: فطام والجوارح عن إستعمالها فى غير مرضاة المحبوب] وقيل: المحبة هى ~~السخاء بالنفس للمحبوب وقيل: المحبة أن لا يزال عليك رقيب من المحبوب لا ~~يمكنك من الانصراف عنه أبدا. وأنشد فى ذلك: # أبت غلبات الشوق إلا تقربا ... إليك، ويأبى العذل إلا تجنبا # وما كان صدى عنك صد ملامة ... ولا ذلك الإعراض إلا تقربا # وما كان ذاك العذل إلا نصيحة ... ولا ذلك الإغضاء إلا تهيبا # على رقيب منك حل بمهجتى ... إذا رمت تسهيلا على تصعبا # وقيل: المحبة سقوط كل محبة من القلب سوى محبة حبيبك، وقيل: المحبة صدق ~~المجاهدة فى أوامر الله، وتجريد المتابعة لسنة رسول الله؟ صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: المحبة أن # PageV01P309 # يفتر من ذكره، [ولا يمل من حقه] ولا يأنس بغيره. # وقال أبو يزيد: المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك. ~~وقيل: المحبة أن يميتك حبيبك وتحيا به. وقال أبو عبد الله القرشى: المحبة ~~أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء. وقيل: أن تمحو من قلبك ما سوى ~~المحبوب، وقيل: المحبة نسيان حظك من محبوبك وفقرك بكلك إليه. # وقال النصر أباذى: المحبة مجانبة السلو على كل حال. وقال الحارث بن أسد: ~~المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم ~~موافقتك له سرا وجهرا، ثم علمك بتقصيرك فى حبه. # وقيل: المحبة سكر لا يصحو إلا بمشاهدة المحبوب. وقيل: المحبة إقامتك ~~بالباب على الدوام. وقيل: المحبة حرفان: حاء، وباء. فالحاء الخروج عن ~~الروح، وبذلها للمحبوب، والباء الخروج عن البدن وصرفه فى طاعة المحبوب. # وقال أبو عمر الزجاجى: سألت الجنيد عن المحبة فقال: تريد الإشارة؟ قلت: ~~لا. قال: تريد الدعوى؟ قلت: لا. قال: فإيش تريد؟ قلت: عين المحبة، فقال: أن ~~تحب ما يحب الله ms339 فى عباده، وتكره ما يكرهه الله فى عباده. وقيل: المحبة ~~معية القلب والروح مع المحبوب معية لا تفارقه، فإن المرء مع من أحب، وقد ~~قيل فى المحبة حدود أكثر من هذا وكل هذا تعن، ولا توصف المحبة ولا تحد بحد ~~أوضح من المحبة، ولا أقرب إلى الفهم من لفظها. # وأما ذكر الحدود والتعريفات فإنما يكون عند حصول الإشكال والاستعجام على ~~الفهم، فإذا زال الإشكال وعدم الاستعجام، فلا حاجة إلى ذكر الحدود ~~والتعريفات، كما قال بعض العارفين: إن كل لفظ يعبر به عن الشيء فلا بد أن ~~يكون ألطف وأرق منه. والمحبة ألطف وأرق من كل ما يعبر به عنها. # فصل # قال أبو العباس: "وقال قوم: ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها. # فإن الغيرة من أوصاف المحبة، والغيرة تأبى إلا التستر والاختفاء، وكل من ~~بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها فليس له منها ذوق، وإنما حركه ~~وجدان الرائحة، ولو ذاق منها شيئا لغاب عن الشرح والوصف. فإن المحبة لا ~~تظهر على المحب بلفظه وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله ولا يفهم حقيقتها من ~~المحب سوى المحبوب، لموضع اقتداح الأسرار من القلوب، كما قيل: # PageV01P310 # تشير فأدرى ما تقول بطرفها ... وأطرق طرفى عند ذاك فتعلم # تكلم منا فى الوجوه عيوننا ... فنحن سكوت والهوى يتكلم # قلت: كل معنى فله صيغة تعبر به عنه، ولا سيما إذا كانت من المعانى ~~المعروفة للخاص والعام. ولكن العبارة قد تكون كاشفة للمعنى مطابقة له، كلفظ ~~الدراهم والخبز والماء واللبن ونحوها، وهى أكبر الألفاظ. # وقد يكون المعنى فوق ما يشير إليه اللفظ ويعبر عنه، وهو أجل من أن يدل ~~لفظه على كمال ماهيته وهذا كأسماء الرب سبحانه وأسماء كتابه. # وكذلك اسم الحب فإنه لا يكشف اسمه مسماه، بل مسماه فوق لفظه، وكذلك اسم ~~الشوق والعشق والموت والبلاء ونحوها. وقد يكون المعنى دون اللفظ بكثير، ~~واللفظ أجل منه وأعظم. # وهذا كلفظ الجوهر الفرد الذى هو عبارة عن أقل شيء وأصغره وأدقه وأحقره، ~~فليس معناه على قدر لفظه، وإذا عرف ms340 هذا فقولهم: "ليس للمحبة صيغة يعبر بها ~~عن حقيقتها" المراد به أن لفظها لا يفهم حقيقة معناها ومعناها فوق ما يفهم ~~من لفظها. # وقوله: "الغيرة من أوصاف المحبة، وهى تأبى إلا التستر والاختفاء" هذا ~~كلام فى حكم المحبة ومقتضاها، لا فى حقيقتها ومعناها، والمحبون متباينون فى ~~هذا الحكم، فمنهم من يجعل الغيرة من لوازم المحبة وعلامة ثبوتها وتمكنها ~~ويجعل نداء المرء عليها وبسط لسانه بالإخبار بها دليلا على أنه دعى فيها، ~~وأن ما معه منها رائحتها لا حقيقتها، وحقيقتها تأبى إلا التستر والكتمان. ~~وهذه طريقة الملاميين، كما قيل: # لا تنكرى جحدى هواك، فإنما ... ذاك الجحود عليه ستر مسبل # ولهذا قيل: المحبة كتمان الإرادة، وإظهار الموافقة. وهذه الطائفة رأت أن ~~كمال المحبة بكتمانها لأسباب عديدة: # أحدها: أن الحب كلما كان مكتوما كان أشد وأعظم سريانا وسكونا فى أجزاء ~~القلب كلها، كما قيل: الحب أقتله أكتمه فإذا أفشاه المحب وأظهره وباح به ~~ونادى عليه ضعف أثره وصار عرضة للزوال. # الثانى: أن الحب كنز من الكنوز، بل هو أعظم الكنوز المودعة فى سر العبد # PageV01P311 # وقلبه، فلا طريق للصوص إليه، فإذا باح به ونادى عليه فقد دل قطاع الطريق ~~واللصوص على موضع كنزه، وعرضه لسلبه منه، فإن النفوس غيارة مغيرة، تغار على ~~المحبوب أن يشاركها فى حبه أحد. فإذا غارت عليه أغارت على القلوب التى فيها ~~حبه فانتزعته منه. # وهذه الآفة قد ابتلى بها كثير من السالكين الذين هم فى الحقيقة قطاع ~~الطريق على السالكين إلى الله، وسولت لهم أنفسهم أن هذه غيرة منهم على ~~محبوبهم أن يجب مثل هذه النفوس المتلوثة بالدنيا، وغرتهم أنفسهم ومنتهم ~~أنهم يغارون على الله [ويحولون بين تلك النفوس وبين محبته فغاروا وأغاروا ~~ونهبوا واستلبوا وهذه الطريقة عند المحبين المخلصين أولياء الله الداعين ~~إلى الله] عداوة لله فى الحقيقة ومعاونة للشيطان، وقعود على طريق الله ~~المستقيم الذى خلق عباده لأجله وأمرهم به. # فالحذر من هؤلاء القطاع اللصوص حمل أهل المحبة على المبالغة فى كتمانها، ~~وإظهار التخلى منها بأسباب يلامون ms341 عليها ظاهرا وقلوبهم مغمورة بالمحبة ~~مأهولة بها. # وهذا الذى ظنوه غيرة هو من تلبيس الشيطان وخدعه لهم ومكره بهم، وإنما [هو ~~حسد حملهم على أن يردوه وصالوا به وسموه غيرة] ، وإنما غيرة المحبين لله أن ~~يغار أحدهم لمحارم الله إذا انتهكت، فيغار لله لا على الله، كما قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم: "إن الله يغار، وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتى ~~العبد ما حرم عليه"، فغيرة المحب هى الموافقة لغيرة محبوبه، وهى أن يغار ~~مما يغار منه المحبوب [وأما] ، وإذا كان المحبوب ممن يحبه وهذا يغار ممن ~~يحبه الله فهو فى الحقيقة ساع فى خلاف مراد محبوبه، وفى إعدام ما يحبه ~~محبوبه، فأين هذا من الغيرة المحبوبة لله؟ وإنما هذه غيرة من أخيه المسلم ~~كيف خصه الله بعطائه وألبسه ثوب نعمائه، فهى غيرة منه لا غيرة على الله، ~~فإن الله لا يغار عليه بل يغار له. وسنفرد إن شاء الله للغيرة فصلا نذكر ~~فيه أقسامها وحقيقتها. # الثالث: أن المحبة التامة تستدعى شغل القلب بالمحبوب وعدم تفرغه للشرح ~~والوصف، فلو صدقت محبته لاستغرق فيها عن شرح حاله ووصفه، فهذه طريقة هولاء، ~~ومنهم من يجعل تهتكه وبوحه بها وإعلامه لها من تمامها وقوتها، ومن علامات ~~قهرها له وأنها غلبت على سره حتى لم يطق صبره كتمانها، كما قال النووى: ~~المحبة هتك # PageV01P312 # الأستار، وكشف الأسرار. فهذا حال النووى وأضرابه. # وعند هؤلاء التكتم ضعف فى المحبة وجور فيها، وحقيقتها أن تخليها ومقتضاها ~~من ظهور آثارها على الجوارح والبدن، فإن أثرت حركة لم يسكنها وإن [أثرت ~~دمعه لم يرسلها وإن أثرت تنفسا لم يكظمه وإن] أثرت بذلا وإيثارا لم يمسكه. # وكمال المحبة عندهم أن تنادى عليه أعضاؤه وألفاظه وألحاظه وحركاته ~~وسكناته بالحب نداء لا يملك إنكاره. # وقال على بن عبيد وكتب يحيى بن معاذ إلى أبى يزيد: سكرت من كثرة ما شربت ~~من كأس محبته، فكتب إليه أبو يزيد: غيرك شرب بحور السموات والأرض ما روى ~~بعد، ولسانه خارج وهو يقول هل من ms342 مزيد. فلم ير هذان العارفان التكتم بها ~~وإخفاءها وجحدها وهما هما. وكان الأستاذ أبو على الدقاق ينشد كثيرا: # لى سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي # وجاء رجل إلى عبد الله بن المنازل فقال: رأيت فى المنام كأنك تموت إلى ~~سنة، فقال عبد الله: لقد أجلتنى إلى أجل بعيد أعيش إلى سنة، لقد كان لى أنس ~~ببيت سمعته من أبى على [الثقفى] : # يا من شكى شوقه من طول فرقته ... اصبر لعلك تلقى من تحب غدا # وقال الشبلى: المحب إذا سكت هلك، والعارف إن لم يسكت هلك. # والتحقيق: أن هذا هو حال المتمكن فى حبه، الذى تزول الجبال الراسيات ~~وقلبه على الود لا يلوى ولا يتغير. # والأول حال المريد المبتديء الذى قد علقت نار المحبة فى قلبه، ولم يتمكن ~~اشتعالها، فهو يخاف عليها عواصف الرياح أن تطفئها، فهو يخبئها ويكتمها ~~ويسترها من الرياح جهده، فإذا اشتغلت وتمكن وقودها فى القلب لم تزدها كثرة ~~الرياح إلا وقودا واشتعالا. # فهذا يختلف باختلاف الناس وتفاوتهم فى قوة المحبة وضعفها. والمقصود أن من ~~بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها وأحكامها لن يؤمن أن يكون من أهل ~~العلم بالمحبة لا من المتصفين بها حالا، فكم بين العلم بالشيء والاتصاف به ~~ذوقا وحالا، فعلم المحبة شيء ووجودها فى القلب شيء. وكثير من المحبين الذين # PageV01P313 # .. # ... # ... # امتلأت قلوبهم محبة لو سئل عن حدها وأحكامها وحقيقتها لم يطق أن يعبر ~~عنها، ولا يتهيأ له أن يصفها ويصف أحكامها، وأكثر المتكلمين فيها إنما ~~تكلموا فيها بلسان العلم لا بلسان الحال. # وهذا والله أعلم هو معنى قول بعض المشايخ: أعظم الناس حجابا عن الله ~~أكثرهم إليه إشارة، فإنه إنما حظه منه الإشارة إليه لا [عكوف] القلب عليه، ~~كالفقير الذى دأبه وصف الأغنياء وأموالهم، ووصف الدنيا وممالكها، وهو خلو ~~من ذلك. # ولا ريب أن وجود الحب فى القلب وترك الكلام [منه] علما، [غير من كثرة ~~الكلام فى هذه المسألة وخلو القلب منها] ، وخير من الرجلين من امتلأ قلبه ~~منها حالا ms343 وذوقا، وفاضت على لسانه إرشادا وتعليما ونصيحة للأمة. فهذا حال ~~الكملة من الناس. والله المسئول من فضله وكرمه. # قوله: "المحبة لا تظهر على المحب بلفظه، وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله" ~~هذا حق، فإن دلالة الحال على المحبة أعظم من دلالة القال عليها، بل الدلالة ~~عليها فى الحقيقة هو شاهد الحال لا صريح المقال. ففرق بين من يقول لك ~~بلسانه: إنى أحبك، ولا شاهد عليه من حاله، وبين من هو ساكت لا يتكلم وأنت ~~ترى شواهد أحواله كلها ناطقة بحبه لك. # قال جعفر: قال الجنيد: دفع السرى إليه رقعة، وقال: هذه خير لك من سبعمائة ~~قصة وكذا [وكذا] فإذا فيها: # ولما ادعيت الحب قالت كذبتنى ... فما لى أرى الأعضاء منك كواسيا # فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا ... وتذبل حتى لا تجيب المناديا # وتبخل حتى [لا] يبقى لك الهوى ... سوى مقلة تبكى بها وتناجيا # وبالجملة فشاهد [المحبه] الذى لا يكذب هو شاهد الحال، وأما شاهد المقال ~~فصادق وكاذب. # قوله: "ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب، لموضع اقتداح الأسرار من ~~القلوب" يعنى أن حقيقة المحبة وسرها لا يفهمه من المحب إلا محبوبه. وذلك ~~لشدة الاتصال الذى بينه وبين محبوبه فى الباطن، فروحه أقرب شيء إليه، ~~[وأما] الغير وإن علم أنه محب بظهور أثر المحبة عليه وقيام شاهدها لكن لا ~~يدرك تلك اللطيفة والحقيقة التى يدركها المحبوب من محبه، لموضع اتصال سره، ~~وقرب ما بين الروحين، ولا سيما إذا # PageV01P314 # كانت المحبة من الطرفين فهناك العجب والمناجاة والملاطفة والإشارة ~~والعتاب والشكوى، وهما ساكنان لا يدرى جليسهما بشأنهما [فعجيب شأنهما] . # فصل فى محبة العوام: # قال: "وأما محبة العوام فهى محبة تنبت من [مطالعة] المنة وتثبت باتباع ~~السنة، وتنمو على الإجابة للغاية، وهى محبة تقطع الوسواس، وتلذذ الخدمة، ~~وتسلى عن المصائب، وهى [فى] طريق العوام عمدة الإيمان". فيقال: لا ريب أن ~~المحبة درجات متفاوتة، بعضها أكمل من بعض. وكل درجة خاصة بالنسبة إلى ما ~~تحتها، عامة بالنسبة إلى ما فوقها، فليس انقسامها إلى خاص وعام انقساما ms344 ~~حقيقيا متميزا بالنسبة بفصل يميز أحد النوعين عن الآخر، وإنما تنقسم ~~باعتبار الباعث عليها وسببها، وتنقسم بذلك إلى قسمين: # أحدهما: محبة تنشأ من الإحسان، ومطالعة الآلاء والنعم، فإن القلوب جبلت ~~على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليه، ولا أحد أعظم إحسانا من الله ~~سبحانه، فإن إحسانه على عبده فى كل نفس ولحظة، وهو يتقلب فى إحسانه فى جميع ~~أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان فضلا عن أنواعه أو عن ~~أفراده، ويكفى أن من بعض أنواعه نعمة النفس التى لا تكاد تخطر ببال العبد، ~~وله عليه فى كل يوم وليلة فيه أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنه يتنفس فى اليوم ~~والليلة أربعة وعشرون ألف نفس، وكل نفس نعمة منه سبحانه، فإذا كان أدنى ~~نعمة عليه فى كل يوم أربعة وعشرين ألف نعمة فما الظن بما فوق ذلك وأعظم ~~منه: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34] [النحل: 18] ، هذا إلى ~~ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التى تقصده، ولعلها توازن النعم فى ~~الكثرة، والعبد لا شعور به بأكثرها أصلا، والله سبحانه يكلؤه منها بالليل ~~والنهار كما قال تعالى: {قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن} ~~[الأنبياء:42] ، وسواء كان المعنى من يكلؤكم ويحفظكم منه إذا أراد بكم سوءا ~~ويكون يكلؤكم مضمنا معنى يجيركم وينجيكم من بأسه، أو كانت "من" البدلية أى ~~من يكلؤكم بدل الرحمن [سبحانه] أى هو الذى يكلؤكم وحده لا كاليء لكم غيره، ~~ونظير "من" هذه قوله: {ولو نشآء لجعلنا # PageV01P315 # منكم ملائكة فى الأرض يخلفون} [الزخرف: 60] ، على أحد القولين، أى عوضكم ~~وبدلكم، واستشدوا على ذلك بقول الشاعر: # جارية لم تأكل المرققا ... ولم تذق من البقول الفستقا # أى لم تأكل الفستق بدل البقول، وعلى كلا القولين فهو سبحانه منعم عليهم ~~بكلاءتهم وحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم ~~غيره. هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه من كل وجه، وفى بعض الآثار ~~يقول تعالى: "أنا الجواد، ومن أعظم منى جودا وكرما؟ أبيت أكلأ ms345 عبادى فى ~~مضاجعهم وهم يبارزوننى بالعظائم". # وفى الترمذى أن النبى صلى الله عليه وسلم لما رأى السحاب قال: "هذه روايا ~~الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يذكرونه، ولا يعبدونه". # وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه ~~من الله، إنهم ليجعلون له الولد، وهو يرزقهم ويعافيهم". # وفى بعض الآثار: "يقول الله: ابن آدم، خيرى إليك نازل، وشرك إلى صاعد، كم ~~أتحبب إليك بالنعم، وأنا غنى عنك، وكم تتبغض إلى بالمعاصى، وأنت فقير إلى، ~~وإلا يزال الملك الكريم يعرج إلى منك بعمل قبيح" # ولو لم يكن من تحببه إلى عباده وإحسانه إليهم وبره بهم إلا أنه [سبحانه] ~~خلق لهم ما فى السموات والأرض وما فى الدنيا والآخرة، ثم أهلهم وكرمهم، ~~وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وشرع لهم شرائعه، وأذن لهم فى مناجاته ~~كل وقت أرادوا وكتب لهم بكل حسنة يعملونها عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ~~إلى أضعاف كثيرة، وكتب لهم بالسيئة واحدة، فإن تابوا منها محاها وأثبت ~~مكانها حسنة، وإذا بلغت ذنوب أحدهم عنان السماء ثم استغفره غفر له، لو لقيه ~~بقراب، الأرض خطايا ثم لقيه بالتوحيد لا يشرك به شيئا لأتاه بقرابها، مغفرة ~~وشرع لهم التوبة الهادمة للذنوب فوفقهم لفعلها ثم قبلها منهم وشرع لهم الحج ~~الذى يهدم ما قبله فوفقهم لفعله وكفر عنهم سيئاتهم به، وكذلك ما شرعه لهم ~~من الطاعات والقربات وهو الذى أمرهم بها وخلقها لهم وأعطاهم إياها ورتب ~~عليها جزاءها، فمنه السبب ومنه الجزاء، ومنه التوفيق ومنه العطاء أولا ~~وآخرا. # وهم محل إحسانه كله منه [ليس منهم شيئا إنما الفضل كله والنعمة كلها ~~والإحسان كله] أولا وآخرا: أعطى عبده [ماله] وقال: تقرب بهذا إلى أقبله ~~منك، # PageV01P316 # فالعبد له والمال له والثواب منه، فهو المعطى أولا وآخرا فكيف لا يحب من ~~هذا شأنه؟ وكيف لا يستحى العبد أن يصرف شيئا من محبته إلى غيره؟ ومن أولى ~~بالحمد والثناء والمحبة منه؟ ومن أولى بالكرم والجود والإحسان منه؟ فسبحانه ~~وبحمده لا ms346 إله إلا هو العزيز الحكيم ويفرح سبحانه وتعالى بتوبة أحدهم إذا ~~تاب إليه أعظم فرح وأكمله، ويكفر عنه ذنوبه، ويوجب له محبته بالتوبة، وهو ~~الذى ألهمه إياها ووفقه لها وأعانه عليها، وملأ سبحانه وتعالى سماواته من ~~ملائكته، واستعملهم فى الاستغفار لأهل الأرض واستعمل حملة العرش منهم فى ~~الدعاء لعباده المؤمنين والاستغفار لذنوبهم ووقايتهم عذاب الجحيم، والشفاعة ~~إليه بإذنه أن يدخلهم جناته. # فانظر إلى هذه العناية وهذا الإحسان وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى ~~العباد واللطف التام بهم، ومع هذا كله بعد أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم ~~كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه، ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ~~يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه ويدعوهم إلى سؤاله، فيدعو مسيئهم إلى ~~التوبة ومريضهم إلى أن يسأله أن يشفيه وفقيرهم إلى أن يسأله غناه وذا ~~حاجتهم يسأله قضاءها كل ليلة، ويدعوهم إلى التوبة وقد حاربوه وعذبوا ~~أولياءه وأحرقوهم بالنار. قال تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ~~ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} [البروج: 10] . # وقال بعض السلف: انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار، ثم ~~هو يدعوهم إلى التوبة. فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته سبحانه ~~وتعالى، فإن نعمته على عباده مشهودة لهم، يتقلبون فيها على عدد الأنفاس ~~واللحظات. # وقد روى فى بعض الأحاديث مرفوعا: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، ~~وأحبونى بحب الله"، فهذه محبة تنشأ من مطالعة المنن [والإحسان] ورؤية النعم ~~والآلاء، وكلما سافر القلب [بفكره] فيها ازدادت محبته وتأكدت، ولا نهاية ~~لها فيقف سفر القلب عندها، بل كلما ازداد فيها نظرا ازداد فيها اعتبارا ~~وعجزا عن ضبط القليل منها، فيستدل بما عرفه على ما لم يعرفه، والله سبحانه ~~وتعالى دعا عباده إليه من هذا الباب، حتى إدا دخلوا منه دعوا من الباب ~~الآخر وهو باب الأسماء والصفات الذى إنما يدخل منه إليه خواص عباده ~~وأوليائه، وهو باب المحبين حقا الذى لا يدخل منه غيرهم، ولا يشبع من معرفته ~~أحد منهم، بل كلما بدا له ms347 منه علم ازداد شوقا ومحبة # PageV01P317 # .. # ... # [وظمأ] .فإذا انضم داعى الإحسان والإنعام إلى داعى الكمال والجمال لم ~~يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأشدها نقصا وأبعدها من ~~كل خير، فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل فى أوصافه وأخلاقه، ~~وإذا كانت هذه فطرة الله التى فطر عليها قلوب عباده، فمن المعلوم أنه لا ~~أحد أعظم إحسانا منه سبحانه وتعالى ولا شيء أكمل منه ولا أجمل، فكل كمال ~~وجمال فى المخلوق من آثار صنعه سبحانه وتعالى، وهو الذى لا يجد كماله، ولا ~~يوصف جلاله وجماله، ولا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه بجميل صفاته وعظيم ~~إحسانه وبديع أفعاله، بل هو كما أثنى على نفسه. # وإذا كان الكمال محبوبا لذاته ونفسه وجب أن يكون الله هو المحبوب لذاته ~~وصفاته، إذ لا شيء أكمل منه، وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته [تستدعى محبه ~~خاصة فإن اسمائه كلها حسنى وهى مشتقة من صفاته] ، وأفعاله دالة عليها [فهو ~~المحبوب المحمود لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه] . # فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل أمر، إذ ليس فى أفعاله عبث ~~ولا فى أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل ~~والفضل والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه، ~~وكلامه كله صدق وعدل، وجزاؤه كله فضل وعدل: فإنه إن أعطى فبفضله ورحمته ~~ونعمته، وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته: # ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعى لديه ضائع # إن عذبوا فبعدله، أو نعموا ... فبفضله، وهو الكريم الواسع # فصل # ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلا عن أن يوفاه حقه، فأعرف خلقه به ~~وأحبهم له صلى الله عليه وسلم يقول: "لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك"، ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة ~~عليها، وهل مع المحبين محبة إلا من آثار صفات كماله فإنهم لم يروه فى هذه ~~الدار، وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه، ms348 فاستدلوا بما علموه ~~على ما غاب، فلو شاهدوه ورأوا جلاله وجماله وكماله سبحانه وتعالى لكان لهم ~~فى حبه شأن آخر، وإنما تفاوتت منازلهم ومراتبهم فى محبته على حسب تفاوت ~~مراتبهم فى معرفته والعلم به. فأعرفهم بالله أشدهم حبا له، ولهذا كانت رسله ~~أعظم الناس حبا له [من غيره] والخليلان من بينهم أعظمهم حبا، وأعرف الأمة ~~به أشدهم له حبا، ولهذا كان المنكرون لحبه من أجهل الخلق به، فإنهم # PageV01P318 # منكرون لحقيقة إلهيته ولخلة الخليلين [صلى الله عليه وسلم] ولفطرة الله ~~التى فطر الله عباده عليها، ولو رجعوا إلى قلوبهم لوجدوا حبه فيها، ووجدوا ~~معتقدهم [وبحثهم] يكذب فطرهم، وإنما بعثت الرسل بتكميل هذه الفطرة وإعادة ~~ما فسد منها إلى الحالة الأولى التى فطرت عليها، وإنما دعوا إلى القيام ~~بحقوقها ومراعاتها لئلا تفسد وتنتقل عما خلقت له. # وهل الأوامر والنواهى إلا خدم وتوابع ومكملات ومصلحات لهذه الفطرة؟ وهل ~~خلق الله سبحانه وتعالى خلقه إلا لعبادته التى هى غاية محبته والذل له؟ وهل ~~هييء الإنسان إلا لها؟ كما قيل: # قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل # وهل فى الوجود محبة حق غير باطلة إلا محبته سبحانه؟ فإن كل محبة متعلقة ~~بغيره فباطلة زائلة ببطلان متعلقها، وأما محبته سبحانه فهو الحق الذى لا ~~يزول ولا يبطل، كما لا يزول متعلقها ولا يفنى. وكل ما سوى الله باطل، ومحبة ~~الباطل باطل. # فسبحان الله كيف ينكر المحبة الحق التى لا محبة أحق منها، ويعترف بوجود ~~المحبة الباطلة المتلاشية؟ وهل تعلقت المحبة بوجود محدث إلا الكمال فى ~~وجوده بالنسبة إلى غيره؟ وهل ذلك الكمال إلا من آثار صنع الله الذى أتقن كل ~~شيء؟ وهل الكمال كله إلا له" فكل من أحب شيئا لكمال ما يدعوه إلى محبته فهو ~~دليل وعبرة على محبة الله، وأنه أولى بكمال الحب من كل شيء. ولكن إذا كانت ~~النفوس صغارا كانت محبوباتها على قدرها، وأما النفوس الكبار الشريفة فإنها ~~تبذل حبها لأجل الأشياء وأشرفها. # والمقصود أن العبد إذا ms349 اعتبر كل كمال فى الوجود وجده من آثار كماله ~~سبحانه، فهو دال على كمال مبدعه، كما أن كل علم فى الوجود فمن آثار علمه، ~~وكل قدرة فمن آثار قدرته، ونسبة الكمالات الموجودة فى العالم العلوى ~~والسفلى إلى كماله كنسبة علوم الخلق وقدرهم وقواهم وحياتهم إلى علمه سبحانه ~~وقدرته وقوته وحياته، فإذن لا نسبة أصلا بين كمالات العالم وكمال الله [جل ~~جلاله] ، فيجب أن لا يكون بين محبته ومحبة غيره من الموجودات له، بل يكون ~~حب العبد له أعظم من حبه لكل شيء بما لا نسبة بينهما، ولهذا قال تعالى: ~~{والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] ، فالمؤمنون أشد حبا لربهم ~~ومعبودهم [تعالى] من كل محب لكل محبوب. هذا مقتضى عقد الإيمان الذى لا يتم # PageV01P319 # إلا به. وليست هذه المسألة من المسائل التى للعبد عنها غنى أو منها بد، ~~كدقائق العلم والمسائل التى يختص بها بعض الناس دون بعض، بل هذه مسألة تفرض ~~على العبد، وهى أصل عقد الإيمان الذى لا يدخل فيه الداخل إلا بها ولا فلاح ~~للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها، فليشتغل بها العبد أو ليعرض عنها، ~~ومن لم يتحقق بها علما وحالا وعملا لم يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله، ~~فإنها سرها وحقيقتها ومعناها، وإن أبى ذلك الجاحدون وقصر عن علمه الجاهلون. # فإن الإله هو المحبوب المعبود الذى تؤلهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له ~~وتخافه وترجوه وتنيب إليه فى شدائدها وتدعوه فى مهماتها وتتوكل عليه فى ~~مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه وليس ذلك إلا الله وحده، ~~ولهذا كانت [لا إله إلا الله] أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، ~~والمنكرون لها أعداؤه، وأهل غضبه ونقمته. # فهذه المسألة قطب رحى الدين الذى عليه مداره، وإذا صحت صح بها كل مسألة ~~وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له فى علومه وأعماله، ~~وأحواله وأقواله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # فلنرجع إلى شرح كلامه فقوله: "وأما محبة العوام فهى محبة تنبت ms350 من مطالعة ~~المنة" يعنى أن لهذه المحبة منشأ وثبوتا ونموا. [فمنشأها] الإحسان ورؤية ~~فضل الله ومنته على عبده، وثبوتها باتباع أوامره التى شرعها على لسان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ونموها وزيادتها يكون بإجابة العبد لدواعى فقره ~~وفاقته إلى ربه، فكلما دعاه فقره وفاقته إلى ربه أجاب هذا الداعى وهو فقير ~~بالذات فلا يزال فقره يدعوه إليه، فإن دامت استجابته له بدوام الداعى لم ~~تزل المحبة تنمو وتتزايد، فكلما أخطر الرب فى قلبه خواطر الفقر والفاقة ~~بادر قلبه بالإجابة والانكسار بين يديه ذلا وفاقة وحبا وخضوعا، وإنما كانت ~~هذه محبة العوام عنده لأن منشأها من الأفعال، لا من الصفات والجمال، ولو ~~قطع الإحسان عن هذه القلوب لتغيرت وذهبت محبتها أو ضعفت، فإن باعثها إنما ~~هو الإحسان، ومن ودك لأمر ولى عند انقضائه، فهو برؤية الإحسان مشغول، ~~وبتوالى النعم عليه محمول. # قوله: "وهى محبة تقطع الوسواس، وتلذذ الخدمة، وتسلى على المصائب، وهى فى ~~طريق العوام عمدة للإيمان". إنما كانت هذه المحبة قاطعة للوسواس لإحضار ~~المحب # PageV01P320 # قلبه بين يدى محبوبه. والوسواس إنما ينشأ من الغيبة والبعد، وأما الحاضر ~~المشاهد فماله وللوسواس؟ فالموسوس يجاهد نفسه وقلبه ليحضر بين يدى معبوده، ~~والمحب لم يغب قلبه عن محبوبه فيجاهده على إحضاره، فالوسواس والمحبة ~~متنافيان، ومن وجه آخر أن [المحب قد انقطعت عن قلبه وساوس الأطماع لامتلأ ~~قلبه من] محبة حبيبه فلا تتوارد على قلبه جواذب الأطماع والأمانى لاشتغاله ~~بما هو فيه. # وأيضا فإن الوسواس والأمانى إنما تنشأ من حاجته وفاقته إلى ما تعلق طمعه ~~به. وهذا عبد قد جنى من الإحسان، وأعطى من النعم ما سد حاجته وأغنى فاقته، ~~فلم يبق له طمع ولا وسواس، بل بقى حبه للمنعم عليه وشكره له وذكره إياه فى ~~محل وساوسه وخواطره لمطالعة نعم الله عليه، وشهوده منها ما لم يشهد غيره. # وقوله: "وتلذذ الخدمة" هو صحيح، فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه فى ~~طاعته، وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل، فليزن العبد ~~إيمانه ومحبته ms351 لله بهذا الميزان، ولينظر هل هو ملتذ [بخدمته كالمد والمحب ~~بخدمة محبوبه] ، أو متكره لها يأتى بها على السآمة والملل [واللوامة] ؟ ~~فهذا [محل] إيمان العبد ومحبته لله. # قال بعض السلف: إنى أدخل الصلاة فأحمل هم خروجى منها ويضيق صدرى إذا ~~[عرفت] أنى خارج منها، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم "جعلت قرة عينى ~~فى الصلاة"، ومن كانت قرة عينه فى شيء فإنه يود أن لا يفارقه ولا يخرج منه ~~فإن قرة عين العبد نعيمه وطيب حياته به. # وقال بعض السلف: إنى لأفرح بالليل حين يقبل، لما يلتذ به عيشى وتقر به ~~عينى من مناجاة من أحب، "وخلوتى بخدمته والتذلل بين يديه، وأغتم للفجر إذا ~~طلع، لما اشتغل به بالنهار عن ذلك، فلا شيء ألذ للمحب من خدمة محبوبه ~~وطاعته. # وقال بعضهم: تعذبت بالصلاة عشرين سنة، ثم تنعمت بها عشرين سنة. وهذه ~~اللذة والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة [على النكرة] والتعب أولا، فإذا ~~صبر عليه وصدق فى صبره أفضى به إلى هذه اللذة. # قال أبو زيد: سقت نفسى إلى الله وهى تبكى، فما زلت أسوقها حتى انساقت ~~إليه وهى تضحك، ولا يزال السالك عرضة للآفات والفتور والانتكاس حتى يصل إلى ~~هذه الحالة، فحينئذ يصير نعيمه فى سيره ولذته فى اجتهاده وعذابه فى فتوره ~~ووقوفه، فترى أشد الأشياء عليه ضياع شيء من وقته ووقوفه عن سيره، ولا سبيل ~~إلى هذا إلا بالحب المزعج. # PageV01P321 # وقوله: " [تسلى] عن المصائب" صحيح، فإن المحب يتسلى [بمحبوبه] عن كل ~~مصيبة يصاب بها دونه، فإذا سلم له محبوبه لم يبال لما فاته فلا يجزع على ما ~~ناله، فإنه يرى فى محبوبه عوضا عن كل شيء، ولا يرى فى شيء غيره عوضا منه ~~أصلا، فكل مصيبة عنده هينة إذا أبقت عليه محبوبه. # ولهذا لما خرجت تلك المرأة الأنصارية يوم أحد تنظر ما فعل برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مرت بأبيها وأخيها مقتولين، فلم تقف عندهما، وجاوزتهما ~~تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: ms352 ها هو ذا حى، فلما ~~نظرت إليه قالت: ما أبالى إذا سلمت هلك من هلك. # ولو لم يكن فى المحبة من الفوائد إلا هذه الفائدة وحدها لكفى بها شرفا، ~~فإن المصائب لازمة للعبد لا محيد له عنها، ولا يمكن دفعها بمثل المحبة ~~وهكذا مصائب الموت وما بعدها إنما تسهل وتهون بالمحبة، وكذلك مصائب ~~القيامة، وأعظم المصائب مصيبة النار ولا يدفعها إلا محبة الله وحده ومتابعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. # فالمحبة أصل كل خير فى الدنيا والآخرة كما قال سمنون: ذهب المحبون لله ~~بشرف الدنيا والآخرة، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "المرء مع من أحب" ~~فهم مع الله تعالى. # وقوله: "وهى فى طريق العوام عمدة الإيمان" كلام قاصر، فإنها عمود الإيمان ~~وعمدته وساقه الذى لا يقوم إلا عليه، فلا إيمان بدونها البتة. # وإنما [أن] مراده هذه المحبة الخاصة التى تنشأ من رؤية النعم هى عمدة ~~إيمان العوام، وأما الخواص فعمدة إيمانهم محبة تنشأ من معرفة الكمال ~~ومطالعة الأسماء والصفات. والله أعلم. # قال أبو العباس: "وأما محبة الخواص فهى محبة خاطفة: تقطع العبارة، وتدقق ~~الإشارة، ولا تنتهى بالنعوت، ولا تعرف إلا بالحيرة والسكوت." # وقال بعضهم: # يقول وقد ألبست وجدا وحيرة ... وقد ضمنا بعد التفرق محضر # ألست الذى كنا نحدث أنه ... ولوع بذكراها، فأين التذكر؟ # فرد عليها الوجد: # أفنيت ذكره فلم ... يبق إلا زفرة وتحسر # فيقال: [ها هنا] مرتبتان من المحبة مختلف فى أيتهما أكمل من الأخرى: ~~إحداهما هذه المرتبة التى أشار إليها المصنف، وهى الدرجة الثالثة التى ~~ذكرها شيخ الإسلام # PageV01P322 # فى منازله: فقال: "والدرجة الثالثة محبة خاطفة تقطع العبارة، وتدقق ~~الإشارة، ولا تنتهى بالنعوت وهذه المحبة قطب هذا الشأن، وما دونها مجال ~~تنادى عليها الألسن، وادعتها الخليقة، وأوجبتها العقول". # والمرتبة الثانية عند صاحب المنازل ومن تبعه دون هذه المرتبة، وهى المحبة ~~التى تنشأ من مطالعة الصفات، فقال فى منزله: "والدرجة الثانية محبة تبعث ~~على إيثار الحق على غيره، ويلهج اللسان بذكره، ويعلق القلب بشهوده، وهى ~~محبة تظهر من مطالعة ms353 الصفات والنظر فى الآيات والارتياض بالمقامات"، وإنما ~~جعل هؤلاء هذه المحبة أنقص من المحبة الثالثة بناء على أصولهم، فإن الفناء ~~هو غاية السالك التى لا غاية له وراءها، فهذه المحبة لما أفنت المحب ~~واستغرقت روحه، بحيث غيبته عن شهوده وفنى فيها المحب وانمحت رسومه بالكلية ~~ولم يبق هناك إلا محبوبه وحده، فكأنه هو المحب لنفسه بنفسه، إذ فنى من لم ~~يكن وبقى من لم يزل. # ولما ضاق نطاق النطق بهم عن التعبير عنها عدلوا إلى التعبير عنها بكونها ~~"قاطعة للعبارة، مدققة للإشارة" يعنى تدق عنها الإشارة، ولأن الإشارة ~~تتناول محبا ومحبوبا، وفى هذه المحبة قد فنى المحب فانقطع تعلق الإشارة به ~~إذ الإشارة لا تتعلق بمعدوم. # وسر هذا المقام عندهم هو الفناء فى الحب بحيث لا يشاهد له رسما ولا محبة ~~ولا سببا، ولهذا كانت الدرجتان اللتان قبله عنه معلولتين، لأنهما [مصحوبان] ~~بالبقاء وشهود الأسباب، بخلاف الثالثة، ولهذا قال: "ولا تنتهى بالنعوت" ~~يعنى أن النعت لا يصل إليها ولا يدركها. # وهذا بناء على قاعدته فى كل باب من أبواب كتابه، يجعل الدرجة [الثالثة] ~~التى تتضمن الفناء أكمل مما قبلها والصواب أن الدرجة الثانية أكمل من هذه ~~وأتم، وهى درجة الكملة من المحبين، ولهذا كان إمامهم وسيدهم وأعظمهم حبا ~~صلى الله عليه وسلم فى الذروة العليا من المحبة، وهو مراع لجريان الأمور ~~ولجريان الأمة، مثل سماعه بكاء الصبى فى الصلاة فيخففها لأجله، ومثل ~~التفاتة فى صلاته إلى الشعب الذى بعث منه العين يتعرف له أمر العدو، وهذا ~~هو فى أعلى درجة المحبة. # ولهذا رأى ما رأى فى ليلة الإسراء وهو ثابت الجأش حاضر القلب لم يفن عن ~~تلقى خطاب ربه وأوامره، ومراجعته فى أمر الصلاة مرارا ولا ريب أن هذا الحال ~~أكمل من حال موسى الكليم [صلوات الله وسلامه عليهما] فإن موسى خر صعقا وهو ~~فى مقامه فى الأرض لما تجلى ربه للجبل، والنبى # PageV01P323 # صلى الله عليه وسلم قطع تلك المسافات وخرق تلك الحجب ورأى ما رأى وما زاغ ~~بصره وما ms354 طغى، ولا [اضطرب] فؤاده ولا صعق [صلوات الله وسلامه عليه] . # ولا ريب أن الوراثة المحمدية أكمل من الوراثة الموسوية وتأمل شأن النسوة ~~اللاتى رأين يوسف كيف [أدهشهن] حسنه وتعلقت [قلوبهن] ، به، وأفناهن عن ~~أنفسهن حتى قطعن أيديهن وامرأة العزيز أكمل حبا منهن له وأشد ولم يعرض لها ~~ذلك، مع أن حبها أقوى وأتم، لأن حبها كان مع البقاء وحبهن كان مع الفناء، ~~فالنسوة غيبهن حسنه وحبه عن أنفسهن، فبلغن من تقطيع أيديهن ما بلغن، امرأة ~~العزيز لم [يغيبها حبها له] عن نفسها، بل كانت حاضرة القلب متمكنة فى حبها، ~~فحالها حال الأقوياء من المحبين، وحال النسوة حال أصحاب الفناء. # ومما يدل على أن حال البقاء فى الحب أكمل من حال الفناء أن الفناء إنما ~~يعرض لضعف النفس عن وارد المحبة، فتمتليء به وتضعف عن حمله فيفنيها ويغيبها ~~عن تمييزها وشهودها فيورثها الحيرة والسكوت، وأما حال البقاء فيدل على ثبات ~~النفس وتمكنها، وأنها حملت من الحب ما لم يطق حمله صاحب الفناء، فتصرفت فى ~~حبها ولم يتصرف فيها، والكمال من إذا ورد عليه الحال تصرف هو فيه ولا يدع ~~حاله يتصرف فيه. # وأيضا فإن البقاء متضمن لشهود كمال المحبوب، ولشهود ذل عبوديته ومحبته، ~~ولشهود مراضيه وأوامره، والتمييز بين ما يحبه ويكرهه، والتمييز بين المحبوب ~~إليه والأحب، والعزم على إيثار الأحب إليه، فكيف يكون [الفانى عن شهوة هذا ~~يتعيب الحب له أكمل وأقوى؟ وأى عبودية للمحبوب فى فناء المحب فى محبته؟] . # وهل العبودية كل العبودية إلا فى البقاء والصحو وكمال التمييز وشهود عزة ~~محبوبه وذله وهو فى حبه واستكانته فيه، واجتماع إرادته كلها فى تنفيذ مراد ~~محبوبه؟ فهذا وأمثاله مما يدل على أن الدرجة الثانية التى أشار إليها أكمل ~~من الثالثة وأتم وهكذا فى جميع أبواب الكتاب والله أعلم. # وكأنى بك تقول لا يقبل فى هذا إلا كلام من قطع هذه المفاوز حالا وذوقا، ~~وأما الكلام فيها بلسان [العلم] المجرد فغير مقبول، والمحبون أصحاب الحال ~~والذوق فى المحبة لهم شأن وراء الأدلة ms355 والحجج. # فاعلم أولا أن كل حال وذوق ووجد وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيد ~~بالدليل فهو من عبث النفس وحظوظها، فلو قدر أن المتكلم إنما تكلم بلسان ~~العلم المجرد فلا ريب أن ما كشفه العلم الصحيح المؤيد بالحجة أنفع من حال # PageV01P324 # يخالف العلم والعلم يخالفه. # وليس من الإنصاف رد العلم الصحيح بمجرد الذوق والحال، وهذا أصل الضلالة، ~~ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين فى تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على ~~العلم، فكانت فتنة فى الأرض وفساد كبير. وكم قد ضل وأضل محكم الحال على ~~العلم، بل الواجب تحكيم العلم على الحال ورد الحال إليه، فما زكاه شاهد ~~العلم فهو المقبول، وما جرحه شاهد العلم فهو المردود، وهذه وصية أرباب ~~الاستقامة من مشايخ الطريق [رضى الله عنه] يوصون بذلك ويخبرون أن كل ذوق ~~ووجد لا يقوم عليه شاهدان اثنان من العلم فهو باطل، ويقال ثانيا: ليس من ~~شرط قبول العلم بالشيء من العالم به أن يكون ذائقا له، أفتراك لا تقبل ~~معرفة الآلام والأوجاع وأدويتها إلا ممن قد مرض بها وتداوى بها؟ أفيقول هذا ~~عاقل؟ ويقال ثالثا: أتريد بالذوق أن يكون القائل قد بلغ الغاية القصوى فى ~~هذه المرتبة فلا يقبل إلا ممن هذا شأنه، أو تريد أنه لا بد أن يكون له ~~أذواق أهله من حيث [الحملة] ؟ فإن أردت الأول لزمك أن لا يقبل أحد من أحد، ~~إذ ما من ذوق إلا وفوقه أكمل منه، وإن أردت الثانى فمن أين لك نفيه عن صاحب ~~العلم؟ ولكن لإعراضك عن العلم وأهله صرت تظن أن أهل العلم لهم العلم ~~والكلام والوصف، وللمعرضين عنه الذوق والحال والاتصاف، والظن يخطيء تارة ~~ويصيب، والله أعلم. # فصل # قال أبو العباس: "فعند القوم كل ما هو من العبد فهو علة تليق بعجز العبد ~~وفاقته، وإنما عين الحقيقة عندهم أن يكون قائما بإقامته له، محبا بمحبته ~~له، ناظرا بنظره، لا من غر أن يبقى معه بقية تناط باسم أو تقف على رسم أو ~~تتعلق بنظر أو تنعت بنعت ms356 أو توصف بوصف أو تنسب إلى وقت، صم بكم عمى لدينا ~~محضرون". # فيقال: هذا هو مقام الفناء الذى يشير إليه كثير من المتأخرين، ويجعلونه ~~غاية الغايات ونهاية النهايات وكل ما دونه فمرقاة إليه وعيلة عليه. ولهذا ~~كانت المحبة عندهم آخر منازل الطريق، وأول أودية الفناء، والعقبة التى ~~ينحدر منها على منازل المحو، وهى آخر منزل يلقى فيه مقدمة العامة ساقة ~~الخاصة، وما دونها إعراض الإعراض. # فجعلوا المحبة منزلا من المنازل ليست غاية، وجعلوها أول الأودية التى ~~يسلك فيها أصحاب الفناء، فهى أول أوديتهم والعقبة التى ينحدرون منها إلى ~~منازل الفناء والمحو. # فليست هى الغاية عندهم، وأصحابها عندهم مقدمة العامة، وساقة أصحاب الفناء ~~عندهم مقدمون عليهم # PageV01P325 # سابقون لهم، فإنهم ساقة الخاصة وهؤلاء مقدمة العامة، فهذا كله بناء على ~~أن الفناء هو الغاية التى لا غاية للعبد وراءها ولا كمال له يطلبه فوقها. ~~وقد تبين ما فى ذلك، وما هو الصواب بحمد الله، فقوله [رحمه الله] : "كل ما ~~هو من العبد فهو علة تليق بعجز العبد وفاقته" يقال له: إذا كان إنما [منه] ~~العبودية التى يحبها الله كسبا ومباشرة فهو قائم بها شاهد لمقيمه فيها ~~مطالع [لمنه] ، وفضله، فأى علة هنا سوى وقوفه مع شهودها منه، وغيبته عن ~~شهود إقامة الله وتحريكه إياه، وتوفيقه له؟ فالعلة هى بهذا الشهود وهذه ~~الغيبة المنفاية لكمال الافتقار والفاقة إلى الله، وأما شهود فقره وفاقته ~~ومجموع حالاته وحركاته وسكناته إلى وليه [وبارئه] مستعينا به أن يقيمه فى ~~عبودية خالصة له، فلا علة هناك. # قوله: "وإنما عين الحقيقة أن يكون قائما بإقامته له" إلى آخر كلامه، ~~يقال: إن أردت أنه يشهد إقامة الله له حتى قام ومحبته له حتى أحبه ونظره ~~إلى عبده حتى أقبل عبده عليه ناظرا إليه بقلبه فهذا حق، فإن ما من الله سبق ~~ما من العبد، فهو الذى أحب عبده أولا فأحبه العبد، وأقام العبد فى طاعته ~~فقام بإقامته، ونظر إليه فأقبل العبد عليه، وتاب عليه أولا فتاب إليه ~~[عبده] . # وإن أردت أنه ms357 لا يشهد فعله البتة بل يفنى عنه جملة ويشهد أن الله وحده هو ~~الذاكر لنفسه الموحد لنفسه المحب لنفسه، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدما ~~[حرما] فى شهوده، وإن لم تفن وتعدم فى الخارج- وهذا هو مراد القوم- فدعوى ~~[أن هذا هو الكمال الذى لا كمال فوقه ولا غاية وراءه دعوى] مجردة لا يستدل ~~عليها مدعيها بأكثر من الذوق والوجد، وقد تقدم أن هذا ليس بغاية، وإنما ~~غايته أن يكون من عوارض الطريق، وأن شهود الأشياء فى مراتبها ومنازلها التى ~~أنزلها سبحانه إياها أكمل وأتم. # ويكفى فى بعض هذا الاحتجاج عليه بصفات الكفار، فإن الله ذمهم بأنهم صم ~~بكم عمى، فهذه صفات نقص وذم لا صفات كمال ومدحة، وهل الكمال إلا فى حضور ~~السمع والبصر والعقل وكمال التمييز وتنزيل الخلق والأمر منازلهما والتفريق ~~بين ما فرق الله بينه؟ فالأمر كله فرقان وتمييز وتبيين، فكلما كان تمييز ~~العبد وفوقانه أتم كان حاله أكمل وسيره أصح وطريقه أقوم وأقرب. والحمد لله ~~رب العالمين. # فصل # قال أبو العباس: وأما الشوق فهو هبوب القلب إلى غائب، وإعواز الصبر عن ~~فقده، وارتياح السر إلى طلبه. وهو من مقامات العوام، وأما الخواص # PageV01P326 # فهو عندهم مخلة عظيمة لأن الشوق إنما يكون إلى غائب. ومذهب هذه الطائفة ~~إنما قام على المشاهدة والطريق عندهم أن يكون العبد غائبا والحق ظاهرا. ~~ولهذا المعنى لم ينطق بالشوق كتاب ولا سنة صحيحة. # [لأن] الشوق مخبر عن بعد ومشير [إلى] غائب، وهو يطلع إلى إدراك: {وهو ~~معكم أينما كنتم} [الحديد: 4] ، وقيل: # ولا معنى لشكوى الشوق يوما ... إلى من لا يزول عن العيان # اختلف الناس فى الشوق والمحبة أيهما أعلى؟ فقالت طائفة: المحبة أعلى من ~~الشوق هذا قول ابن عطاء وغيره، واحتجوا بأن الشوق غايته أن يكون أثرا من ~~آثار المحبة، ومتولدا عنها: فهى أصله وهو فرعها. قالوا: والمحبة توجب آثارا ~~كثيرة فمن آثارها الشوق. وقالت طائفة منهم سرى السقطى وغيره: الشوق أعلى. ~~قال الجنيد: سمعت السرى يقول: الشوق أجل مقامات العارف، إذا تحقق فى الشوق ms358 ~~لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه. وإنما يظهر سر المسألة بذكر فصلين: ~~الأول فى حقيقة الشوق، والثانى فى الفرق بينه وبين المحبة. # ويتبع ذلك خمس مسائل: # إحداها: هل يجوز إطلاقه على الله كما يطلق عليه أنه يحب عباده أم لا؟ # الثانية: هل يجوز إطلاقه على العبد فيقال: يشتاق إلى الله كما يقال يحبه؟ # الثالثة: أنه هل يقوى بالوصول والقرب، أم يضعف بهما؟ فأى الشوقين أعلى: ~~شوق القريب الدانى، أم شوق البعيد الطالب؟ # الرابعة: ما الفرق بينه وبين الاشتياق، فهل هما بمعنى واحد أم بينهما ~~فرق؟ # الخامسة: فى بيان مراتبه وأقسامها ومنازل أهله فيه. # الفصل الأول - فى حقيقة الشوق: # هو سفر القلب فى طلب محبوبه، بحيث لا يقر قراره حتى يظفر به ويحصل له. ~~وقيل: هو لهيب ينشأ بين أثناء الحشا، سببه الفرقة، فإذا وقع اللقاء أطفأ ~~ذلك اللهيب. وقيل: الشوق هبوب القلب إلى محبوب غائب. # وقال ابن خفيف [الشوق ارتياح القلوب ومحبه اللقاء بالقرب: وقيل] الشوق ~~[تروح] القلوب نحو المحبوب من غير منازع. ويقال: الشوق انتظار اللقاء بعد ~~البعاد. فهذه الحدود ونحوها مشتركة فى أن الشوق إنما يكون مع الغيبة من ~~المحبوب وأما مع حضوره ولقائه فلا شوق. # وهذه حجة من جعل المحبة أعلى منه، فإن المحبة لا تزول باللقاء، وبهذا ~~يتبين الكلام فى الفصل الثانى وهو الفرق بينه وبين المحبة. # PageV01P327 # الفصل الثانى - الفرق بينهما: # فرق ما بين الشيء وأثره. فإن الحامل على الشوق هو المحبة، ولهذا يقال: ~~لمحبتى له اشتقت إليه وأحببته فاشتقت إلى لقائه، ولا يقال: لشوقى إليه ~~أحببته، ولا اشتقت إلى لقائه فأحببته. # فالمحبة بذر فى القلب، والشوق بعض ثمرات ذلك البذر، وكذلك من ثمراتها حمد ~~المحبوب والرضى عنه وشكره وخوفه ورجاؤه والتنعيم بذكره والسكون إليه والأنس ~~به والوحشية بغيره، وكل هذه من أحكام المحبة ... وثمراتها، وهو حياتها، ~~فمنزلة الشوق من المحبة منزلة الهرب من البغضاء والكراهة: فإن القلب إذا ~~أبغض الشيء وكرهه جد فى الهرب منه، وإذا أحبه جد فى الهرب إليه وطلبه، فهو ms359 ~~حركة القلب فى الظفر بمحبوبه ولشدة ارتباط الشوق بالمحبة يقع كل واحد منهما ~~موقع صاحبه ويفهم منه ويعبر عنه. # فصل # وأما المسائل [الخمس] فإحداها: هل يجوز إطلاقه على الله؟ فهذا مما لم يرد ~~به القرآن ولا السنة بصريح لفظه. قال صاحب "منازل السائرين" وغيره: وسبب ~~ذلك أن الشوق إنما يكون لغائب. # ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة، ولهذا السبب عندهم لم يجيء فى ~~حق الله ولا فى حق العبد.. وجوزت طائفة إطلاقه كما يطلق عليه سبحانه، ورووا ~~فى أثر أنه يقول: "طال شوق الأبرار إلى لقائى، وأنا إلى لقائهم أشوق". ~~قالوا: وهذا الذى تقتضيه الحقيقة، وإن لم يرد به لفظ صريح، فالمعنى حق، فإن ~~كل محب فهو مشتاق إلى لقاء محبوبه. # قالوا: وأما قولكم إن الشوق إنما يكون إلى الغائب وهو سبحانه لا يغيب عن ~~عبده ولا يغيب العبد عنه، فهذا حضور العلم، وأما اللقاء والقرب فأمر آخر، ~~فالشوق يقع بالاعتبار الثانى وهو قرب الحبيب ولقاؤه والدنو منه، وهذا له ~~أجل مضروب لا ينال قبله. # قال تعالى: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت} [العنكبوت: 5] ، ~~قال أبو عثمان الحيرى: هذا تعزية للمشتاقين، معناه: إنى أعلم أن اشتياقكم ~~إلى غالب، وأنا أجلت للقائكم أجلا، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون ~~إليه. والصواب أن يقال: إطلاقه [اللفظ] متوقف على السمع، ولم يرد به، فلا ~~ينبغى إطلاقه. وهذا كلفظ العشق أيضا، فإنه لما لم يرد به سمع فإنه يمتنع ~~إطلاقه عليه سبحانه. # واللفظ الذى أطلقه سبحانه على نفسه وأخبر به عنها أتم من هذا وأجل شأنا ~~هو لفظ المحبة، فإنه سبحانه يوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها # PageV01P328 # وأعلاها، فيوصف من الإرادة بأكملها وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته ~~كما قال تعالى: {فعال لما يريد} [هود: 107] [البروج: 16] ، وبإرادة اليسر ~~لا العسر كما قال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ~~، وبإرادة الإحسان وإتمام النعمة على عباده كقوله: {والله يريد أن يتوب ~~عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات ms360 أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] ، ~~[فإرادة] التوبة [له] وإرادة الميل لمبتغى الشهوات. # وقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون} [المائدة: 6] ، وكذلك الكلام يصف نفسه منه بأعلى ~~أنواعه كالصدق والعدل والحق، وكذلك الفعل [يصنف] نفسه منه بأكمله وهو العدل ~~والحكمة والمصلحة والنعمة. # وهكذا المحبة وصف نفسه منها بأعلاها وأشرفها فقال: {يحبهم ويحبونه} ~~[المائدة: 54] ، {يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] ، {يحب ~~المحسنين} [البقرة: 195] [آل عمران: 134] [آل عمران: 148] [المائدة: 13] ~~[المائدة: 93] ، و {يحب الصابرين} [آل عمران: 146] . # ولم يصف نفسه بغيرها من العلاقة والميل والصبابة والعشق والغرام ونحوها، ~~فإن مسمى المحبة أشرف وأكمل من هذه [المسميات] ، فجاء فى حقه إطلاقه دونها. ~~وهذه [المسميات] لا تنفك عن لوازم ومعان تنزه تعالى عن الاتصاف بها، وهكذا ~~جميع ما أطلقه على نفسه من صفاته العلى أكمل معنى ولفظا مما لم يطلقه. # فالعليم الخبير أكمل من الفقيه والعارف، والكريم الجواد أكمل من السخى، ~~والخالق الباريء المصور أكمل من الصانع الفاعل، ولهذا لم تجيء هذه فى ~~أسمائه الحسنى، والرحيم والرؤوف أكمل من الشفيق [والمشفق] فعليك بمراعاة ما ~~أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات والوقوف معها، وعدم إطلاق ما لم ~~يطلقه على نفسه ما لم يكن مطابقا لمعنى أسمائه وصفاته، وحينئذ فيطلق المعنى ~~لمطابقته له دون اللفظ ولا سيما إذا كان مجملا أو منقسما إلى ما [يمدح] به، ~~وغيره فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدا، وهذا كلفظ الفاعل والصانع، فإنه لا ~~يطلق عليه فى أسمائه الحسنى إلا إطلاقا مقيدا أطلقه على نفسه كقوله تعالى: ~~{فعال لما يريد} [البروج: 16] ، {ويفعل الله ما يشآء} [إبراهيم: 27] ، ~~وقوله: {صنع الله الذى أتقن كل شيء} [النمل: 88] ، فإن اسم الفاعل والصانع # PageV01P329 # منقسم المعنى إلى ما يمدح عليه ويذم. # ولهذا المعنى- والله أعلم- لم يجئ فى الأسماء الحسنى المريد كما جاء فيها ~~السميع البصير، ولا المتكلم ولا الآمر الناهى لانقسام مسمى هذه الأسماء بل ~~وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها. # ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقة الفاحش فى اشتقاقه له ms361 سبحانه من كل ~~فعل أخبر به عن نفسه اسما مطلقا فأدخله فى أسمائه الحسنى، فاشتق له اسم ~~الماكر، والخادع، والفاتن، والمضل، والكاتب، ونحوها من قوله: {ويمكر الله} ~~[الأنفال: 30] ، ومن قوله: {وهو خادعهم} [النساء: 142] ، ومن قوله: ~~{لنفتنهم فيه} [طه: 131] ، ومن قوله: {يضل من يشاء} [الرعد: 27] [النحل: ~~93] [فاطر: 8] ، وقوله تعالى: {كتب الله لأغلبن} [المجادلة: 21] ، وهذا خطأ ~~من وجوه: # أحدها: أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه السماء، فإطلاقها عليه لا يجوز. # الثانى: أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة، فلا يجوز أن ينسب ~~إليه مسمى الاسم عند الإطلاق. # الثالث: أن مسمى هذه الأسماء منقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به، وإلى ما ~~يذم، فيحسن فى موضع، ويقبح فى موضع، فيمتنع إطلاقه عليه سبحانه من غير ~~تفصيل. # الرابع: أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي يسمى بها سبحانه [فلا يجوز ~~أن يسمى بها فإن أسماء الرب تعالى كلها حسنى] ، كما قال تعالى: {ولله ~~الأسماء الحسنى} [الأعراف: 180] ، وهى التي يحب سحبانه أن يثنى عليه ويحمد ~~بها دون غيرها. # الخامس: أن هذا القائل لو سمي بهذه الأسماء، وقيل له هذه مدحتك وثناء ~~عليك، فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما ~~كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعدها مدحة، ولله المثل الأعلى سبحانه ~~وتعالى عما يقول الجاهلون به علوا كبيرا. # السادس: أن هذا القائل يلزمه أن يجعل من أسمائه اللاعن والجائي والآتي ~~والذاهب والتارك والمقاتل والصادق والمنزل والنازل [والمذموم] والمدمر ~~وأضعاف أضعاف ذلك، فيشتق له اسما من كل فعل أخبر به عن نفسه، وإلا تناقض ~~تناقضا بينا، ولا أحد من العقلاء طرد ذلك، فعلم بطلان قوله والحمد لله رب ~~العالمين. # فصل # وأما المسألة الثانية وهى: هل يطلق على العبد أنه يشتاق إلى الله وإلى ~~لقائه؟ فهذا غير ممتنع، فقد روى الإمام أحمد فى مسنده والنسائى وغيرهما من ~~حديث # PageV01P330 # حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة ~~فأوجز فيها، فقلت: خففت يا أبا اليقظان، فقال: ms362 وما على من ذلك ولقد دعوت ~~الله بدعوات سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام تبعه رجل من ~~القوم فسأله عن الدعوات فقال: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ~~ما علمت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا علمت الوفاة خيرا لى، اللهم إنى أسألك ~~خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا، وأسألك القصد ~~فى الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد ~~القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر فى وجهك والشوق إلى لقائك، ~~فى غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة ~~مهتدين". # فهذا فيه إثبات لذة النظر إلى وجهه الكريم، وشوق أحبابه إلى لقائه، فإن ~~حقيقة الشوق إليه هو الشوق إلى لقائه، قال أبو القاسم القشيرى: سمعت ~~الأستاذ أبا على يقول فى [قوله] ، صلى الله عليه وسلم: " أسألك الشوق إلى ~~لقائك" قال: كان الشوق مائة جزء فتسعة وتسعون له، وجزء متفرق فى الناس ~~فأراد أن يكون ذلك الجزء له أيضا، فغار أن تكون شظية من الشوق فى لغيره. ~~قال: وسمعته يقول فى قول موسى: {وعجلت إليك رب لترضى} [طه: 84] ، قال: ~~معناه شوقا إليك، فستره بلفظ [الرضا] ، وهذا أكثر مشايخ الطريق يطلقونه ولا ~~يمتنعون منه. # وقيل: إن شعيبا بكى حتى عمى بصره، فأوحى الله إليه: إن كان هذا لأجل ~~الجنة فقد أبحتها لك، وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها. فقال: لا بل شوقا ~~إليك، وقال بعض العارفين: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء. # وقال بعضهم: قلوب [المشتاقين] منورة بنور الله [عز وجل] فإذا تحرك ~~اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض، فيعرضهم الله على الملائكة ~~فيقول: هؤلاء المشتاقون إلى، أشهدكم أنى إليهم أشوق، وإذا كان الشوق هو سفر ~~القلب فى طلب محبوبه ونزوعه إليه فهو من أشرف مقامات العبيد وأجلها ~~وأعلاها، ومن أنكر شوق العبد إلى ربه فقد أنكر محبته له، لأن المحبة ~~[تستلذم] الشوق [فالمحب] دائما مشتاق إلى لقاء ms363 [حبيبه] : لا يهدأ قلبه ولا ~~يقر قراره إلا بالوصول إليه. # [وأما] قوله:"إن الشوق عند الخواص علة عظيمة، لأن الشوق إنما يكون إلى ~~غائب، ومذهب [هذه] الطائفة إنما قام على المشاهدة" فيقال: المشاهدة نوعان: ~~مشاهدة عرفان، # PageV01P331 # ومشاهدة عيان، وبينهما من التفاوت ما بين اليقين والعيان، ولا ريب أن ~~مشاهدة العرفان متفاوتة بحسب تفاوت الناس بالمعرفة ورسوخهم فيها، وليس ~~للمعرفة نهاية تنتهى إليها بحيث إذا وصل إليها العارف سكن قلبه عن الطلب، ~~بل كلما وصل منها إلى معلم ومنزلة اشتد شوقه إلى ما وراءه، وكلما ازداد ~~معرفة ازداد شوقا، فشوق العارف أعظم الشوق فلا يزال فى مزيد من الشوق ما ~~دام فى مزيد من المعرفة، فكيف يكون الشوق عنده علة عظيمة؟ هذا من المحال ~~البين. # بل من عرف الله اشتاق إليه، وإذا كانت المعرفة لا نهاية لها فشوق العارف ~~لا نهاية له. هذا مع الشوق الناشيء عن طلب اللقاء والرؤية والمعرفة ~~العيانية، فإذا كان القلب حاضرا عند ربه وهو غير غائب عنه لم يوجب له هذا ~~أن لا يكون مشتاقا إلى لقائه ورؤيته، بل هذا يكون أتم لشوقه وأعظم. # فظهر أن قوله: "وإن الشوق علة عظيمة فى طريق الخواص" كلام باطل على كل ~~تقدير، وإن الشوق بالحقيقة إنما هو شوق الخواص العارفين بالله، والعبد إذا ~~كان له مع الله حال أو مقام وكشف له عما هو أفضل منه وأجل اشتاق إليه ~~بالضرورة، ولم يكن شوقه علة له ونقصا فى حاله بل زيادة وكمالا، ويكون ترك ~~الشوق هو العلة. # وقد تقدم أن لا غاية للمعرفة تنتهى إليها فيبطل الشوق بنهايتها، بل لا ~~يزال العارف فى مزيد من معرفته وشوقه والله المستعان. # فصل # وأما المسألة [الثالثة] وهى: هل يزول الشوق باللقاء أم يقوى؟ فقالت ~~طائفة: الشوق يزول باللقاء، لأنه طلب، فإذا حصل المطلوب زال الطلب، لأن ~~تحصيل الحاصل محال، ولا معنى للشوق إلى شيء حاصل، وإنما يكون الشوق إلى شيء ~~مراد الحصول محبوب الإدراك، وقالت طائفة أخرى: ليس كذلك بل الشوق يزيد ~~بالوصول واللقاء ms364 ويتضاعف بالدنو، ولهذا قال القائل: # وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذ دنت الديار من الديار # ولهذا قال بعضهم: شوق أهل القرب أتم من شوق المحبوبين واحتجت هذه الطائفة ~~بأن الشوق من آثار الحب ولوازمه، [وكما] أن الحب لا يزول باللقاء فهكذا ~~الشوق الذى لا يفارقه. # قالوا: ولهذا لا يزول الرضى والحمد والإجلال والمهابة التى هى من آثار ~~المحبة باللقاء، فهكذا الشوق يتضاعف ولا يزوال، والقولان حق. # وفصل # PageV01P332 # الخطاب فى المسألة أن المحب إذا اشتاق إلى لقاء محبوبه فإذا حصل له ~~اللقاء زال ذلك الشوق الذى كان متعلقا بلقائه وخلفه شوق آخر أعظم منه وأبلغ ~~إلى ما [مزيد] قربه والخظوة عنده، وأما إذا قدر أنه لقيه ثم احتجب عنه ~~ازداد شوقه إلى لقاء آخر ولا يزال يحصل له الشوق كلما احتجب عنه، فهذا لا ~~ينقطع شوقه أبدا، فهو إذا رآه بل شوقه برؤيته. وإذا زال عنه الطرف عاوده ~~الشوق كما قيل: # ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته ... حتى يعود إليه الطرف مشتاقا # وإنما الشأن فى دوام الشوق حال الوصول واللقاء، فاعلم أن الشوق نوعان: # شوق إلى اللقاء، فهذا يزول باللقاء. وشوق فى حال اللقاء، وهو تعلق الروح ~~بالمحبوب تعلقا لا ينقطع [أبدلا] ، فلا تزال الروح مشتاقة إلى مزيد هذا ~~التعلق وقوته اشتياقا لا يهدأ. وقد أفصح بعد المحبين للمخلوق عن هذا المعنى ~~بقوله: # أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق [تدانى] # وألثم فاها كى تزول صبابتى ... فيشتد ما ألقى من الهيمان # فالشوق فى حال الوصل والقرب إلى مزيد النعيم واللذة لا ينقطع والشوق فى ~~حال السير إلى اللقاء ينقطع. ونستغفر الله من الكلام فيما لسنا بأهل له: # فالخوف أولى بالمسي ... إذا تأله والحزن # والحب يحمل بالتقي ... و [ب] النقاء من الدرن # لكن إذا ما لم يحب ... كم المسيء إذن فمن # وإذا تخون فعلنا ... فعل المحبة مؤتمن # أيحب شيء غيركم ... وحياتكم كلا ولن # أيحب من تأتى محب ... ته بأنواع المحن # والسعد فيها ذابح ... والقلب فيها ممتحن # دون الذى فى حبه ... نيل ms365 السعادة والمنن # ومحل بدر كمالها ... سعد السعود هو الوطن # والقلب حين يحل فى ... تلك المنازل والدمن # يمسى ويصبح من رضا ... ه ومن مناه فى وطن # أيحبهم قلب ويخ ... شى أن يضام؟ فلا إذن # PageV01P333 # فصل # وأما المسألة الرابعة وهى: الفرق بين الشوق والاشتياق، فقال أبو عبد ~~الرحمن السلمى: سمعت النصر أباذى يقول: للخلق كلهم مقام الشوق، وليس لهم ~~مقام الاشتياق. ومن دخل فى حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له أثر ولا ~~قرار. وهذا يدل على أن الاشتياق عنده غير الشوق. # ولا ريب أن الاشتياق مصدر اشتاق يشتاق اشتياقا، كما أن التشوق مصدر تشوق ~~تشوقا، والشوق فى الأصل اسم مصدر شاقه يشوقه شوقا مثل شاقه شوقا إذا دعاه ~~إلى الاشتياق، فالاشتياق مطاوع شاقة يقال شاقنى فاشتقت إليه، ثم صار الشوق ~~اسم مصدر الاشتياق وغلب عليه حتى لا يفهم [منه] عند الإطلاق إلا الاشتياق ~~القائم بالمشوق والمشوق هو الصب المشتاق، والشائق هو الذى قام به وادعى ~~الشوق. # [فهاهنا] ألفاظ الشوق والاشتياق والتشوق والشائق والمشوق والشيق. فهذه ~~ستة ألفاظ: أحدها: الشوق، وهو فى الأصل مصدر الفعل المتعدى شاقه يشوقه، ثم ~~صار اسم مصدر الاشتياق. اللفظ الثانى: الاشتياق، وهو مصدر اشتاق اشتياقا، ~~والفرق بينه وبين الشوق هو الفرق بين المصدر واسم المصدر. اللفظ الثالث: ~~التشوق وهو مصدر تشوق إذا اشتاق مرة بعد مرة كما يقال: تجرع وتعلم وتفهم. ~~وهذا البناء مشعر بالتكلف وتناول الشيء على مهلة. اللفظ الرابع: الشائق، ~~وهو الداعى للمشوق إلى الاشتياق. واللفظ الخامس: المشوق، وهو المشتاق الذى ~~قد حصل له الشوق. اللفظ السادس: الشيق، وهو فعل بمنزلة هين ولين، وهو ~~المشتاق. # فهذه فروق ما بين هذه الألفاظ، وأما كون الاشتياق أبلغ من الشوق فهذا قد ~~يقال فيه: إنه الأصل وهو أكثر حروفا من الشوق، وهو يدل على المصدر الفاعل. ~~وأما المشوق ففرع عليه لأنه اسم مصدر وأقل حروفا وهو إنما يدل على المصدر ~~المجرد، فهذه ثلاثة فروق [بينهما] . والله أعلم. # فصل # وأما المسألة الخامسة وهى فى مراتب الشوق ومنازله، فقال ms366 صاحب "منازل ~~السائرين": "هو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: شوق العابد إلى # PageV01P334 # الجنة ليأمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل. # والدرجة الثانية: شوق إلى الله [عز وجل] زرعه الحب الذى ينبت على حافات ~~المنن تعلق قلبه بصفاته المقدسة واشتاق إلى معانيه لطائف كرمه وآيات بره ~~وعلامة فضله. وهذا شوق تغشاه المبار، وتخالجه المسار ويقارنه الاصطبار. ~~والدرجة الثالثة: نار أضرمها صفو المحبة فنغصت العيش وسلبت السلو، ولم ~~ينهنهها مقر دون اللقاء". # قلت: الدرجة الأولى هى شوق إلى فضل الله وثوابه. والثانية: شوق إلى لقائه ~~ورؤيته. والثالثة: شوق إليه لا لعلة ولا لسبب ولا ملاحظة فيه غير ذاته. # فالأول: حظ المشتاق من إفضاله وإنعامه، والثانى: حظه من لقائه ورؤيته، ~~والثالث: قد فنيت فيه الحظوظ واضمحلت فيه الأقسام. # وقوله فى الدرجة الأولى: "ليأمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل" هذه ~~ثلاث فوائد ذكرها فى هذا الشوق: # أمن الخائف، وفرح الحزين، والظفر [بالأمل] . فهذه المقاصد لما كانت حاصلة ~~بدخول الجنة كانت مصورة للنفس أشد الشوق لها حصول هذه المطالب وهى الفوز ~~والفرح. # وجماع ذلك أمران: أحدهما: النجاة من كل مكروه، والثانى: الظفر بكل محبوب. ~~فهذان هما المشوقان إلى الجنة. # وقوله فى الثانية: "شوق إلى الله سبحانه وتعالى زرعه الحب" قد تقدم أن ~~الشوق ثمرة الحب. # وقوله: "الذى ينبت على حافات المنن" أى أنشأه الفكر فى منن الله [تعالي] ~~وأياديه وأنعامه المتواترة، وفيه إشارة إلى أن هذا الحب الذى هو نابت على ~~الحافات والجوانب بعده حب أكمل منه وهو الحب الناشيء من شهود كمال الأسماء ~~والصفات، وذلك ليس من نبات الحافات، ولكن من الحب الأول يدخل فى هذا كما ~~تقدم، ولهذا قال: "تعلق قلبه بصفاته المقدسة". # وقوله: "اشتاق إلى معاينة لطائف كرمه وآيات بره وعلامة فضله" يشير به إلى ~~ما يكرم الله به عبده من أنواع كراماته التى يستدل بها على أنه مقبول عند ~~ربه ملاحظ بعنايته، وأنه قد استخدمه وكتبه فى ديوان أوليائه وخواصه. # ولا ريب أن العبد متى شاهد تلك العلامات والآيات قوى قلبه وفرح ms367 بفضل ربه ~~وعلم [أنه] أهل فطاب له السير ودام اشتياقه وزالت عنه العلل، وما لم ينعم ~~عليه بشيء من ذلك لم يزل كئيبا حزينا خائفا أن يكون ممن لا يصلح لذلك ~~الجناب ولم يصل لتلك المنزلة. # وقوله: "وهذا شوق تغشاه المبار" هى جمع مبرة وهى البر، أى أن هذا الشوق # PageV01P335 # مشحون بالبر مغشى به، وهو إما بر القلب وهو كثرة خيره، فهذا القلب أكثر ~~القلوب خيرا، فيفعل البر [تقربا] إلى من هو مشتاق إليه، فهو يجيش بأنواع ~~البر، وهذه من فوائد المحبة أن قلب صاحبها ينبع منه عيون الخير وتتفجر منه ~~ينابيع البر، يريد به بأن مبار الله ونعمه تغشاه على الدوام. # وقوله: "وتخالجه المسار" [أى مخالطة] السرور فى غضو أشواقه، فإنها أشواق ~~لا وحشة معها ولا ألم، بل هى محشوة بالمسرات. # وقوله: "ويقارنه الاصطبار" أى صاحبه له قوة على اصطباره على مرضاة حبيبه ~~شوقه إليه، وإنما يضعف الصبر لضعف المحبة والمحب من أصبر الخلق كما قيل: # نفس المحب على الآلام صابرة ... لعل مسقمها يوما يداويها # وقوله فى الدرجة الثالثة: "إنها نار أضرمها صفو المحبة" يعنى أن هذا ~~الشوق يتوقد من خالص المحبة التى لا تشوبها علة، فهو أشد أنواع الشوق، ~~ولهذا " [نغصت] العيش" أى كدرته ونغصت المشتاق فيه لأنه لا يصل إلى محبوبه ~~ما دام فيه، فهو يترقب مفارقته. # وقوله: "وسلبت السلو" يعنى أن صاحبه لم يبق له مطمع فى سلوه أبدا، وهذا ~~أعظم ما يكون من الحب والشوق، أن المحب أيس من السلو [وينقطع] طمعه منه كما ~~[ييأس] من الأمور الممتنعة كرجوع أيام الشباب عليه وعوده طفلا ونحو ذلك. # وقوله: "ولم ينهنهها مقر دون اللقاء" أى أن هذه النار لا يبردها ولا يفتر ~~حرها مقصود ولا مطلب ولا مراد دون لقاء محبوبه، فليس لا سبيل إلى تبريدها ~~وتسكينها إلا بلقاء محبوبه. # فصل # قال أبو العباس: "فهذه كلها علل أنف الخواص منها وأسباب انفطموا عنها، ~~فلم يبق لهم مع الحق إرادة، ولا فى عطائه تشوق إلى استزادة. # فهو منتهى ms368 زادهم وغاية رغبتهم فيعتقدون أن ما دونه قاطع عنه: {قل أى شيء ~~أكبر شهادة قل الله شهيد} [الأنعام: 19] ، وإنما زهدهم جمع الهمة عن ~~تعريفات الكون لأن الحق عافاهم بنور الكشف عن التعلق بالأحوال: {إنا ~~أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} [سورة ص: ~~46- 47] . # قلت: يشير بذلك إلى المحو ومقام الفناء الذى هو غاية الغايات عنده، وقد ~~تقدم الكلام عليه وأن مقام الصحو والبقاء أفضل منه وأتم عبودية. وينبغى أن ~~يعرف أن مراعاة مقام الفناء الذى جعلوه غاية آل # PageV01P336 # بكثير من طالبيه إلى ترك القيام بالأعمال جملة ورأوا أنها علل قاطعة عنه، ~~واشتد نكير الشيوخ والأئمة عليهم حتى قال شيخ الطائفة الجنيد [رحمه الله] ~~إن الذى يزنى ويسرق خير من هؤلاء. # وهم نوعان: نوع جردوا الفناء فى شهود الحكم: وهو الحكم القدرى ورأوا أنه ~~نهاية التوحيد، فآل بهم استغراقهم فيه إلى اطراح الأسباب حتى قال قائلهم: ~~العارف لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا لاستبصاره بشر الله فى القدر. # والنوع الثانى: أصحاب تجريد الفناء والإرادة فجردوا الفناء والإرادة ~~تجريدا آل بهم إلى ترك الأسباب جملة، والطائفتان منحرفتان ضالتان خارجتان ~~عن العلم والدين، ولهذا قال لهم شيخ القوم الجنيد: عليكم بالفرق الثانى. ~~يعنى أن الفرق فرقان: فرق بالطبع والهوى، وهو الفرق الذى شهدوه وفروا منه ~~إلى معنى الجمع. # ولكن بعد الجمع فرق ثان وهو الفرق بالأمر والمحبة، لا بالشهوة والطبع، ~~وهو دين الرسل [صلوات الله عليهم وسلم] فإن دينهم مبناه على الفرق الأمرى ~~الشرعى بين محبوب الرب ومأموره وبين مسخوطه ومنهيه، فمن لم يشهد هذا الفرق ~~ولم يكن من أهله لم يكن من أتباع الرسل، فإن الكمال شهود الجمع فى هذا ~~الفرق فيشهد انفراد الله وحده بالخلق والأمر، ويشهد الفرق بين ما يحبه ~~فيؤثره ويقدمه وبين ما يبغضه فيتركه ويتجنبه فيصير له هذا الفرق فى محل ~~فرقه الطبعى الحسى بين ما يلائمه وينافره. # ومن المعلوم أن صاحب الجمع لا بد أن يفرق بطبعه وحسه، وإن ادعى عدم ~~التفريق طبعا فإنه كاذب ms369 مفتر، إذا كان لا بد من الفرق فالفرق الشرعى ~~الإيمانى الذى بعث الله به رسله أدلى به من الفرق الطبعى الحيوانى الذى ~~شاركه فيه سائر البهائم. # وأبطل من هذا الجمع الجمع فى الوجود، وهو أن يرى الوجود كله واحدا لا فرق ~~فيه أصلا، وإنما التفريق بالعادة والوهم فقط ما يقوله زنادقة القائلين ~~بوحدة الوجود الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود أحدهما ~~وجود الآخر بل ليس عندهم فرق بين أحدهما والآخر إذ ما ثم غير. # فهذا جمع فى الوجود وجمع أولئك جمع فى الشهود: {فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} [البقرة: 213] [فكانوا أصحاب الجمع فى ~~الفرق ففرقوا بين ما فرق الله بينه بإذنه وجمعوا الأشياء كلها فى خلقه ~~وأمره وجمعوا إراداتهم ومحبتهم وشهودهم فيه] ، فكانوا أصحاب جمع فى فرق ~~وفرق فى جمع. فهؤلاء خواص الخلق، فنسأل الله العظيم من فضله وكرمه أن ~~يجعلنا منهم. فهؤلاء هم # PageV01P337 # الذين لم يبق لهم مع الحق إرادة، بل صارت إرادتهم تابعة لإرادته، فحصل ~~الاتحاد فى المراد فقط لا فى الإرادة ولا فى المريد، فأصحاب الوحدة ظنوا ~~الاتحاد فى المريد وأصحاب الحلول توهموا الاتحاد فى الإرادة: {فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} [البقرة: 213] ، فعلموا أن ~~المراد واحد فالاتحاد وقع فى المراد فقط، لا فى الإرادة ولا فى المريد. # وقوله "فيعتقدون أن ما دونه قاطع عنه" إنما يكون ما دونه قاطعا عنه إذا ~~وقف العبد معه وتعلقت إرادته به وانصرف طلبه إليه، وأما إذا جعله وسيلة إلى ~~الله وطريقا يصل بها إليه لم يكن قاطعا ولا حجابا، بل يكون حاجبا موصلا ~~إليه، وقوله تعالى: {قل أى شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم} ~~[الأنعام: 19] ، المراد بالآية شهادته سبحانه لرسوله بتصديقه على رسالته، ~~فإن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك على ما ~~تقول؟ فأنزل الله [تعالى] آيات شهادته له وشهادة ملائكته وشهادة علماء أهل ~~الكتاب [له] ، فقال تعالى: {قل كفى بالله ms370 شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب} [الرعد: 43] ، أى ومن عنده علم الكتاب يشهد لى وشهادته مقبولة ~~لأنها شهادة بعلم، قال الله تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه، والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدا} [النساء: 166] ، وقال تعالى ~~{قل أى شيء أكبر شهادة، قل الله شهيد بينى وبينكم} [الأنعام: 19] ، فأخبر ~~سبحانه فى هذه المواضع بشهادته لرسوله وكفى بشهادته إثباتا لصدقه وكفى به ~~شهيدا. # فإن قيل: وما شهادته [سبحانه] لرسوله؟ قيل: هى ما أقام على صدقه من ~~الدلالات والآيات المستلزمة لصدقه بعد العلم بها ضرورة، فدلالتها على صدقه ~~أعظم من دلالة كل بينة وشاهد على حق، فشهادته سبحانه لرسوله أصدق شهادة ~~وأعظمها وأدلها على ثبوت المشهود به، فهذا وجه. # ووجه آخر: أنه صدقه بقوله وأقام الأدلة القاطعة على صدقه فيما يخبر به ~~عنه، فإذا أخبر عنه أنه شهد له قولا لزم ضرورة صدقه فى ذلك الخبر وصحت ~~الشهادة له به قطعا، فهذا معنى الآية وكان أجنبيا عما [استشهد] به المصنف. # ونظير هذا استشهادهم بقوله تعالى: {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، ~~قل الله، ثم ذرهم} [الأنعام: 91] حتى رتب على ذلك بعضهم أن الذكر بالاسم ~~المفرد # PageV01P338 # وهو "الله، الله" أفضل من الذكر بالجملة المركبة كقوله: "سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، وهذا فاسد مبنى على فاسد. فإن ~~الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلا، ولا مفيد شيئا، ولا هو كلام أصلا، ولا ~~يدل على مدح ولا تعظيم، ولا يتعلق به إيمان، ولا ثواب ولا يدخل به الذاكر ~~فى عقد الإسلام جملة. # فلو قال الكافر: "الله، الله" من أول عمره إلى آخره لم يصر بذلك مسلما ~~فضلا عن أن يكون من جملة الذكر [أو يكون أفضل الأذكار وبالغ بعضهم فى ذلك ~~حتى قال الذكر] بالاسم المضمر أفضل من الذكر [بالاسم الظاهر، يذكر بقوله ~~[هو، هو أفضل من الذكر] بقولهم: "الله، الله"، وكل هذا من أنواع الهوس ~~والخيالات الباطلة المفضية بأهلها إلى أنواع من الضلالات، فهذا فساد هذا ~~البناء ms371 الهائر، وأما فساد المبنى عليه فإنهم ظنوا أن قوله تعالى: {قل الله} ~~[الأنعام: 19] ، أى قل هذا الاسم، فقل: الله الله، وهذا من عدم فهم القوم ~~لكتاب الله، فإن اسم الله هنا جواب لقوله: {قل من أنزل الكتاب الذى جاء به ~~موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} [الأنعام: 91] ~~، إلى أن قال: {قل الله} ، أى قل: الله أنزله: فإن السؤال معاد فى الجواب ~~فيتضمنه فيحذف اختصارا كما يقول: من خلق السموات والأرض؟ فيقال: الله. أى ~~الله خلقهما، فيحذف الفعل لدلالة السؤال عليه، فهذا معنى الآية الذى لا ~~تحتمل غيره. # قوله: "وإنما زهدهم جمع [الهمة] عن تعريفات الكون لأن الحق عافاهم بنور ~~الكشف عن التعلق بالأحوال" فيقال: الكشف الذى أوجب لهم هذا الجمع وقطع هذا ~~التعلق هو الكشف الإيمانى القرآنى فهو فى الحقيقة الكشف النافع الجاذب ~~لصاحبه إلى سلوك منازل الأبرار والوصول إلى مقامات القرب، ولا سيما إذا ~~قارنه الكشف عن عيوب النفس وعلى الأعمال، فناهيك به من كشف. # والكرامة المرتبة عليه هى لزوم الاستقامة ودوام العبودية، فهذا أفضل كشف ~~يعطاه العبد، وهذه أفضل كرامة يكرم بها الولى. رزقنا الله من فضله وبره. # وأما استشهاده بقوله تعالى: {إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار} [ص: 64] ~~فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياؤه ورسله من اختصاصهم ~~بالآخرة، وفيها قولان: أحدهما أن المعنى نزعنا من قلوبهم # PageV01P339 # حب الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها. والقول الثانى: إنا أخلصناهم ~~بأفضل ما في الدار الآخرة واختصصناهم به عن العالمين. # قوله: وتوكلهم رضاهم بتدبير الحق، وتخلصهم من تدبيرهم، وفراغ [همهم] من ~~احتيالها في إصلاح شئونها، بوقوفهم على فراغ المدبر منها، ومرها على علمه ~~بمصالحهم فيها، ونفوسهم مطمئنة بذلك: {يأيتها النفس المطمئنة} [الفجر: 27] ~~الآية. # وقد تقدم الكلام على التوكل وبيان أنه من مقامات العارفين، وأنه لا ~~انفكاك للمؤمن منه، وذكر العلة فيه ما هى. وقوله: "وتوكلهم رضاهم بتدبير ~~الحق" الرضا بالتدبير ثمرة التوكل وموجبه لا أنه نفس التوكل والمقدور، ~~يكشفه أمران: التوكل قبل وقوعه، والرضا به بعد وقوعه. ms372 # ومن هنا قال بعضهم: حقيقة التوكل الرضا لأنه لما كان ثمرته وموجبه استدل ~~له عليه استدلالا بالأثر على المؤثر وبالمعلول على العلة، ولهذا قال فى ~~الحديث الذى رواه الإمام أحمد والنسائى: وغيرهما عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال فى دعائه: "اللهم إنى أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ~~أحيني ما كانت الحياة خيرا لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لي، اللهم ~~وأسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا، وأسألك ~~القصد فى الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، ~~وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت" الحديث. وقد تقدم، ~~فقال: "وأسألك الرضا بعد القضاء". # وأما التوكل فإنما يكون قبله، وقوله: "وتخلصهم من تدبيرهم" هذا مقام ~~كثيرا ما يشير إليه السالكون، وهو ترك التدبير، وينبغى أن لا يؤخذ على ~~إطلاقه بل لا بد فيه من التفصيل فيقال: العبد دائر بين مأمور يفعله، ومحظور ~~يتركه. وقد يجري عليه بلا إرادة منها ولا كسب فوظيفته فى المأمور كمال ~~التدبير والجد والتشمير، وأن يدبر الحيلة فى [تنفيذه] بكل ما يمكنه، فترك ~~التدبير هنا تعطيل للأمر. بل يدبر فعله ناظرا إلى تدبير الحق له، وأن ~~تدبيره إنما يتم بتدبير الله له، فلا يكون هنا قدريا مجوسيا ناظرا إلى فعله ~~جاحدا لتدبير الله وتقديره ومعونته، ولا قدريا مجبرا ولا واقفا مع القدر ~~جاحدا لفعله وتدبيره ومجلي أمر الله ونهيه. # فإن فعله الاختيارى هو محل الأمر والنهى، فمن جحد فعل نفسه فقد عطل الأمر ~~والنهي وجحد محلهما، ووظيفته فى المحظور الفناء عن إرادته وفعله، # PageV01P340 # فإن عارضته أسباب الفعل، فالواجب عليه الجد فى الهرب والتشمير فى الكف ~~والبعد، وهذا تدبير للنهى. # وأما القدر الذى يصيبه بغير إرادته، فهذا الذى يحسن فيه إسقاط التدبير ~~جملة، وصبره ورضاه بما قسم له من محبوب ومكروه. # فعلى هذا التفصل ينبغى أن يوضع إسقاط التدبير، وجماع ذلك أنك تسقط ~~التدبير فى حظك وتكون قائما بالتدبير فى حق ربك، وهكذا ينبغى أن تفرغ ms373 الهمة ~~من إجالتها فى إصلاح شأنك، فإن إصلاح شأنك بحصول حظوظك يحصل فيه فراغ الهمة ~~وترك التدبير، وأما إصلاح شأنك بأداء حق الله فالواجب شغل الهمة وإجالتها ~~فى القيام به. # وقوله: "بوقوفهم على الفراغ المدبر منها، ومرها على علمه بمصالحهم فيها" ~~فلا ريب أن الله سبحانه وتعالى قضى القضية وفرغ من تدبير أمور الخلائق، ~~ولكن قدرها بأسبابها المفضية إليها، فلا يكون وقوف العبد على فراغه سبحانه ~~وتعالى من أقضيته فى خلقه وتدبيره مانعا له من قيامه بالأسباب التى جعلها ~~طرقا لحصول ما قضاه منها. وكذلك يباشر العبد الأسباب التى بها حفظ حياته من ~~الطعام والشراب واللباس والمسكن، ولا يكون وقوفه مع فراغ المدبر منها مانعا ~~له من تعاطيها. # وكذلك يباشر الأسباب الموجبة لبقاء النوع من النكاح والتسرى، ولا يكون ~~وقوفه مع فراغ الله من خلقه مانعا له [من ذلك] وهكذا جميع مصالح الدنيا ~~والآخرة وإن كانت مفروغا منها قضاء وقدرا، فهى منوطة بأسبابها التى يتوقف ~~حصولها عليها شرا وخلقا. # وأما استدلاله بقوله تعالى: {يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك} ~~[الفجر: 27-28] ، فالنفس المطمئنة هى التى اطمأنت إلى ربها وسكنت إلى حبه ~~واطمأنت بذكره وأيقنت بوعده ورضيت بقضائه، وهى ضد النفس الأمارة بالسوء، ~~فلم تكن طمأنينتها بمجرد إسقاط تدبيرها، بل القيام بحقه والطمأنينة بحبه ~~وبذكره. # فصل # قال: وصبرهم صونهم قلوبهم عن خاطر السوء أن الله قضى قضاء عاريا عن ~~المرافقة خارجا عن الخيرة، قال الله تعالى: {وليبلى المؤمنين منه بلاء ~~حسنا} [الأنفال: 17] ، قد تقدم الكلام فى الصبر وأقسامه وبيان مرتبته من ~~الإيمان. # وما ذكره فى تفسيره [هاهنا] غير مطابق لمعناه، وهو تفسير بعيد جدا، فإن ~~الصبر من أعمال القلوب، وهو حبس النفس وكفها عن السخط، وأما صون القلب عن ~~اعتقاد ما لا يليق بالله فلا يقال له صبر بل هذا من لوازم الإيمان، وهو ~~كاعتقاد أنه سبحانه وتعالى حكيم رحيم # PageV01P341 # عليم سميع بصير إلى غير ذلك من صفات كماله. # فلا يقال: الصبر صون القلب عن اعتقاد أضدادها، هذا بعيد جدا وتكلف ms374 زائد ~~لتفسير الصبر، وهل فهم أحد قط هذا المعنى من قوله تعالى: {يأيها الذين ~~آمنوا اصبروا وصابروا} [آل عمران: 200] ، وقوله تعالى: {واصبر لحكم ربك} ~~[الطور: 48] وقوله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله} [النمل: 127] ، ~~وقوله: {فاصبر على ما يقولون} [طه: 130، وسورة ق: 39] [وقوله تعالى:] ~~{واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال:46] ، وسائر نصوص الصبر. # ومن العجب جعل الصبر الذى هو نصف الإيمان من منازل العوام، وتفسيره بهذا ~~التفسير، نعم يجب على كل مسلم أن ينزه الله سبحانه وتعالى عن أن يقضى قضاء ~~ينافى حكمته وعدله وفضله وبره وإحسانه، بل كل أقضيته لا تخرج عن الحكمة ~~والرحمة والعدل والمصلحة، وإن كان كثير من المتكلمين ينازع فى هذا الأصل ~~ويقول: الذى ينزه الله عنه من الأقضية هو المستحيل الممتنع، وأما الممكن ~~فلا يقبح منه شيء، وهؤلاء لا [معنى] صون القلب عن خواطر السوء المتعلقة بما ~~يقضيه الله عندهم إلا صونها عن خواطر الممتنعات والمستحيلات فقط. # وبالجملة هذا مقام آخر غير مقام الصبر، بل هذا باب من أبواب المعرفة ~~والعلم، ولكل مقام مقال. وأما استشهاده بقوله تعالى: {وليبلى المومنين منه ~~بلاء حسنا} [الأنفال: 17] ، فالبلاء الحسن هنا هو النعمة بالظفر والغنيمة ~~والنصر على الأعداء، وليس من الابتلاء الذى هو الامتحان بالمكروه، بل من ~~أبلاه بلاء حسنا إذا أنعم عليه، يقال: أبلاك الله ولا ابتلاك، فأبلاه ~~بالخير، وابتلاه بالمكاره غالبا كما فى الحديث: "إنى مبتليك ومبتل لك". # فصل # قال: وحزنهم يأسهم عن أنفسهم الأمارة بالسوء: {إن الإنسان لربه لكنود} ~~[العاديات: 6] ، وقد تقدم أيضا الكلام على ما ذكره فى الحزن، وأما تفسيره ~~إياه أنه "يأسهم عن أنفسهم الأمارة بالسوء" فليس بالبين، فإن الحزن هو ~~الأسف على فوت محبوب أو حصول مكروه، وإن تعلق ذلك بالماضى كان حزنا وإن ~~تعلق بالمستقبل كان خوفا وهما. # وأما "اليأس عن النفس الأمارة بالسوء" فليس بحزن، ويمكن أن يكون مراده أن ~~حزنهم ينشأ عن النفس الأمارة بالسوء"لا عن المطمئنة، فإن [النفس] المطمئنة # PageV01P342 # لا تحزن وإنما تحزن الأمارة لفوات محبوبها، وليس هذا كما قال، ms375 فإن النفس ~~المطمئنة تحزن على تقصيرها فى أداء الحق وعلى تضييعها الوقت وإيثارها غير ~~الله عليه فى الأحيان، وهذا الحزن لا بد منه، إذ التقصير والتضييع لازم، ~~وأما استشهاده على ذلك بقوله تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود} [العاديات:6] ~~، فوجهه أن الكنود هو الكفور، وهو الذى يذكر المصائب، وينسى النعم، ولا ريب ~~أن الحزن ينشأ عن هذين، ولا ريب أن الحزن الناشيء عن الكنود حزن ناشيء عن ~~النفس الأمارة بالسوء، وأما الحزن على تقصيره وتضييع وقته فليس من هذا، وقد ~~تقدم ذلك وذكر أقسام الحزن ومتعلقاته والله أعلم. # فصل # قال: وخوفهم هيبة الجلال لا خوف العذاب، فإن خوفهم مناضلة عن النفس وضن ~~بها، وهيبة الجلال تعظيم الحق ونسيان النفس: {يخافون ربهم من فوقهم} ~~[النمل: 50] ، وقال فى حق العوام: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} ~~[النور: 37] ، وقد تقدم أيضا الكلام على ما ذكره فى الحديث وعلته. # وقوله هو: "هيبة الجلال لا خوف العذاب" تقدم بيان بطلانه، وأن الله ~~سبحانه أثنى على خاصة أوليائه من الملائكة والأنبياء وغيرهم ممن عبدهم ~~المشركون بأنهم: {يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه} [الإسراء: 57] ، [فكيف] يقال: إن خوف العذاب نقص ومناضلة عن النفس؟ ~~هذا من الترهات، والزعومات، ودعاوى الأنفس. # وقوله: "إن الخوف مناضلة عن النفس" فسبحان الله، هل يقال لمن خاف الله ~~وخاف عقوبته إنه مناضل ربه؟ ولو كان مناضلة فهو مناضلة العدو والهوى ~~والشهوة، وهذه المناضلة من أعظم أنواع العبودية، فإن من خاف شيئا ناضل عنه ~~فهو مناضلة عن العذاب وأسبابه، وما ثم إلا مناضلة وإلقاء باليد إلى ~~التهلكة، ولولا هذه المناضلة لحصل الاستسلام للعقوبة. # والمناضلة المحذورة: المناضلة عن محبوبات الرب وأوامره، وليس الضن بالنفس ~~عن عذاب الله نقصا، بل الكمال والفوز والنعيم فى ضن العبد بنفسه عن أن ~~يسلمها لعذاب الله، ومن لم يضن بنفسه فليس فيه خير البتة، والضن بالنفس ~~إنما يذم إذا ضن بها عن بذلها فى محبوب الرب وأوامره، وأما إذا ضن بها عن # PageV01P343 # عذابه فهل يكون هذا علة؟ ms376 وهل العلة كلها إلا فى عدم هذه المناضلة والضن؟ ~~قوله: "وهيبة الجلال تعظيم الحق ونسيان النفس" قد تقدم الكلام فى الهيبة ~~والتعظيم وأنهما غير الخوف والخشية. # ولا تستلزم هذه الهيبة أيضا نسبان النفس، ولا يكون شعور العبد بنفسه فى ~~هذا المقام نقصا ولا علة كما تقدم، بل هو أكمل لاستلزامه البقاء الذى هو ~~أقوى وأكمل من الفناء، وأما قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} [النمل:50] ~~، فهو حجة عليه كما تقدم ولا يصح تفسير الخوف هنا بالهيبة لوجهين: أحدهما ~~أنه خروج عن حقيقة اللفظ ووضعه الأصلى بلا موجب، الثانى أن هذا وصف ~~للملائكة وقد وصفهم سبحانه بخوفه وخشيته فالخوف فى هذه الآية والخشية فى ~~قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم ~~من خشيته مشفقون} [الأنبياء: 28] فوصفهم بالخشية والإشفاق. ووصفهم بخوف ~~العذاب فى قوله تعالى: {يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه} [الإسراء: 57] ، وهم خواص خلقه، فإياك ورعونات النفس ~~وحماقاتها وجهالاتها، ولا تكن ممن لا يقدر الله حق قدره، وقد قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم ~~لهم"، فإذا علم المقرب العارف أن الله لو عذبه لم يظلمه، فمن أحق بالخوف ~~منه؟ قوله: وقال فى حق العوام: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} ~~[النور: 37] هذا من الشطحات القبيحة الباطلة، فإن هذا صفة خواص عباده ~~وعارفيهم، وهم الذين قال فيهم: # {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم ~~من فضله والله يرزق من يشآء بغير حساب} [النور:37-38] # فهولاء هم خواص الخلق، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم ~~بغحسان، أفلا يشحى من جعل هذا الوصف للعوام؟ لا ريب أن هذا مصدره إما جهل ~~مفرط، وإما تقليد لقائل لا يدرى لازم قوله. # هذا إن أحسن الظن بقائله وإن كان مصدره غير ذلك فأدهى وأمر. ms377 ولولا أن هذه ~~الكلمات ونحوها مهاو ومعاطب في الطريق لكان الإعراض عنها إلى ما هو أهم ~~منها أولى. والله المستعان. # فصل # كلام آخر فى مقام الرجاء # قال: ورجاؤهم ظمؤهم إلى الشراب الذي هم فيه غرقى، وبه سكرى، # PageV01P344 # {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} [الفرقان:45] # هذا أيضا من ذلك النمط، ورجاء الأنبياء والرسل فمن دونهم إنما هو طمعهم ~~فى رحمته ومغفرته وانظر إلى دعوى هؤلاء وإلى قوم إمام الحنفاء خليل الرحمن ~~صلى الله عليه وسلم: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} ~~[الشعراء:82] ، كيف علق رجاءه وطمعه بمغفرة الله له، وقال تعالى عن خاصة ~~خلقه وأعلمهم به انهم: {يرجون رحمته ويخافون عذابه} [الإسراء:57] # ومن العجب استدلاله بقوله تعالى {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} ~~[الفرقان:45] ، فما لهذه الآية وما للرجاء، ولا سيما ما ذكره المصنف فى ~~تفسيره رجاء القوم والاستشهاد بهذا من جنس الألغاز ومعنى الآية: التنبيه ~~على هذه الدلالة الباهرة على قدرة الرب سبحانه وعجائب مخلوقاته الدالة ~~عليه، والمعنى انظر كيف بسط ربك الظل، والظل ما قبل الزوال، والفئ بعده، ~~فمده سبحانه وبسطه عند طلوع الشمس فإنه يكون مديدا أطول ما يكون وجعل الشمس ~~دليلا عليه فإنها هى التى تظهره وتبينه ثم كلما ارتفعت الشمس شيئا انقبض من ~~الظل جزء، فلا يزال ينقص يسيرا [يسيرا] ، حتى ينتهى إلى غايته، فإذا أخذت ~~الشمس فى الجانب الغربى انبسط بعد انقباضه شيئا فشيئا، حتى يصير كهيئته عند ~~طلوعها. # ولهذا كان الزوال يعرف بانتهاء الظل فى قصره، فإذا أخذ فى الزيادة بعد ~~تناهى قصره فقد تحقق الزوال، ولو شاء الله لجعله ساكنا دائما على حالة ~~واحدة فلا يتحرك بالزيادة والنقصان، فالظل أحد الأدلة على الخالق سبحانه ~~وأما دلالة هذه الآية على الرجاء فيحتاج إلى إشارة وتكلف غير مقصود بها، ~~وآيات الرجاء فى القرآن أكثر وأظهر وأصرح فى المقصود ظاهرة واستنباطا، ~~فالظاهرة كقوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه} [الكهف: 110] ، وقوله ~~تعالى: {ويرجون رحمته} [الإسراء: 57] ، وقوله: {من كان يرجو لقاء الله} ~~[العنكبوت: ms378 5] . # والمستنبطة كآيات البشارة كلها كقوله: {وبشر المؤمنين} [البقرة: 223] ~~{وبشر الصابرين} [البقرة: 155] ، {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه} [الزمر: 17- 18] ، {ذلك الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} [الشورى: 23] . # فصل # قال: وشكرهم وسرورهم بموجودهم واستبشارهم بلقائه: {فاستبشروا # PageV01P345 # ببيعكم الذى بايعتم به} [التوبة: 111] وهذا أيضا من النمط المتقدم وشكر ~~القوم هو عملهم بطاعة الله واستعانتهم بنعمه على محابه، قال تعالى: {اعملوا ~~آل داود شكرا} [سبأ: 13] . # وقال النبى صلى الله عليه وسلم لما قيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " أفلا أكون عبدا شكورا". فسمى الأعمال شكرا ~~وأخبر أن شكره قيامه بها ومحافظته عليها، فحقيقة الشكر هو الثناء على النعم ~~ومحبته والعمل بطاعته، كما قال: # أفادتكم النعماء عندى ثلاثة ... يدى ولسانى والضمير المحجبا # فاليد للطاعة، واللسان للثناء، والضمير للحب والتعظيم، وأما السرور به ~~وإن كان من أجل المقامات فإن العبد إنما يسر بمن هو أحب الأشياء إليه، وعلى ~~قدر حبه له يكون سروره، وهذا السرور ثمرة الشكر لا أنه نفس الشكر، فكذلك ~~الاستبشار والفرح بلقائه إنما هو ثمرة الشكر وموجبه، وهو كالرضا من التوكل ~~وكالشوق من المحبة، وكالأنس من الذكر، وكالخشية من العلم وكالطمأننة من ~~اليقين، فإنها ثمرات لها وآثار وموجبات، فعلى قدر شكره بالأعمال الظاهرة ~~والباطنة وتصحيح العبودية يكون سروره واستبشاره بلقائه، وأما قوله سبحانه ~~وتعالى: {فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به} [التوبة: 111] فهذا إنما قاله ~~للشاكرين الذين يقاتلون فى سبيله فيقتلون ويقتلون، ثم وصفهم بعد ذلك ~~بقيامهم بأعمال الشكر فقال: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون ~~الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله} ~~[التوبة: 112] ، فهؤلاء المستبشرون ببيعهم جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. # فصل # قال: "ومحبتهم فناؤهم فى محبة الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال"؟ وقد ~~تقدم الكلام على هذا بما فيه كفاية، وبينا أن البقاء فى المحبة أفضل وأكمل ~~من الفناء فيها من وجوه متعددة، وأن الفناء إنما هو لضعف المحب عما حمل، ~~وأما الأقوياء فهم- مع شدة محبتهم- فى مقام البقاء والتمييز. # وأما ms379 استدلاله بقوله تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32] ~~فالآية إنما سبقت فى الكلام على من يعبد غير الله ويشرك به، قال تعالى: {قل ~~من يرزقكم من السماء والأرض أم من # PageV01P346 # يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن ~~يدبر الأمر؟ فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق، فماذا ~~بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} [يونس: 31- 32] ، [فمن] عبد غير الله فما ~~عبد إلا الضلال المحض والباطل البحت، وأما من عبد الله بأمره وكان فى مقام ~~التمييز بين محابه ومساخطه مفرقا بينهما يحب هذا ويبغض هذا ناظرا بقلبه إلى ~~ربه عاكفا بهمته عليه منفذا لأوامره فهو مع الحق المحض. والله أعلم. # فصل # قال: وشوقهم هزمهم من رسمهم وسماتهم استعجالا للوصول إلى غاية المنى: ~~{وعجلت إليك رب لترضى} [طه: 84] ، قد تقدم الكلام فى الشوق مستوفى وليس ~~الهرب من الغير والضد هو الشوق، بل هنا مهروب منه ومهروب إليه، فالشوق هو ~~سفر القلب نحو المحبوب، وهذا لا يتم إلا بالهرب من ضده، فليس الشوق هو نفس ~~الهرب من الرسوم والسمات. # فصل # قال: "والإرادة والزهد والتوكل والصبر والحزن والخوف والرجاء، والشكر ~~والمحبة والشوق من منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة، فإذا شاهدوا ~~عين الحقيقة اضمحلت فيها أحوال الشاهدين حتى يفنى ما لم يكن، ويبقى ما لم ~~يزل". # قلت: الحقائق التى أشار إليها على لسان أهل السلوك ثلاث: "حقيقة إيمانية ~~نبوية"، وهى حقيقة العبودية التى هى كمال الحب وكمال الذل، وسير أهل ~~الاستقامة إنما هو إلى هذه الحقيقة ومنازل السير التى ينزلون فيها هى منازل ~~الإيمان الموصلة إليها والمنحرفون لا يرضون بهذه الحقيقة ولا يقفون معها ~~ويرونها منزلة من منازل العامة، # الحقيقة الثانية: "حقيقة كونية قدرية" يشاهدون فيها انفراد الرب [تعالى] ~~بالتكوين والإيجاد وحده، وأن العالم كالميت يقلبه ويصرفه كيف يشاء، وهم ~~يعظمون هذا المشهد ويروون الفناء فيه غاية ما بعدها شيء. # وهذا من أغلاطهم فى المعرفة والسلوك، فإن هذا المشهد لا يدخل صاحبه فى ~~الإيمان فضلا ms380 عن أن يكون أفضل مشاهد أولياء الله المقربين، فإن عباد ~~الأصنام شهدوا هذا المشهد ولم ينفعهم وحده، قال تعالى: {قل لمن الأرض ومن ~~فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله، قل أفلا تذكرون # PageV01P347 # قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله، قل أفلا تتقون قل ~~من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله، ~~قل فأنى تسحرون} [المؤمنون: 84- 89] ، {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ~~[الزخرف: 87] ، {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} [الزخرف:20] ، {سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} [الأنعام: 148] ، وهذا ~~كثير فى القرآن، فالفناء فى هذا المشهد لا يدخل العبد فى دائرة الإسلام، ~~فكيف يجعله هو الحقيقة التى ينتهى إليها سير السالكين، ويجعل حقيقة الإيمان ~~ودعوة الرسل منزل من منازل العامة، وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد عن ~~الصراط المستقيم وقلب للحقائق؟ # وكم قد هلك فى هذه الحقيقة من أمم لا يحصيهم إلا الله، وكم عطل لأجلها ~~الواقفون معها من الشرائع، وخربوا من المنازل وما نجا من معاطبها إلا من ~~شملته العناية الربانية، ونفذ ببصره من هذه الحقيقة إلى الحقيقة الإيمانية ~~النبوية، حقيقة رسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # والحقيقة الثالثة: "حقيقة اتحادية" بل واحدية لا يفرق فيها بين الرب ~~والعبد، ولا بين القديم والمحدث، ولا بين صانع ومصنوع، بل الأمر كله واحد، ~~والأمر المخلوق هو عين الأمر الخالق. # وهذه الحقيقة التى يشير إلى عينها طائفة الاتحادية، ويعدون من لم يكن من ~~أهلها محجوبا، وهذه حقيقة كفرية اتحادية، وهى مع ذلك خيال فاسد، وعقل ~~منكوس، وذوق من عين منتنة، وكفر أهلها أعظم من كفر كل أمة، فإنهم جحدوا ~~الصانع حقا وإن أثبتوه جعلوا وجوده وجود كل موجود، والذين أثبتوا الصانع ~~وعدلوا به غيره وسووا بينه وبين غيره فى العبادة مقالتهم خير من مقالة ~~هؤلاء الذين جعلوه وجود كل موجود وعين كل شيء تعالى الله عما يقول الكاذبون ~~المفترون علوا كبيرا. # فعليك بالفرق بين السائرين إلى ms381 هذه الحقيقة، والسائرين إلى عين الحقيقة ~~الكونية الحكمية، والسائرين إلى عين الحقيقة المحمدية الإبراهيمية الحنيفية ~~التى هى حقيقة جميع الأنبياء والمرسلين، وفيها تفاوتت مراتب السالكين ~~ومنازلهم من القرب من رب العالمين. # قال شيخ هذه الحقيقة إبراهيم عليه السلام لما تحقق فناء تلك الرسوم ~~وأفولها: {إنى وجهت # PageV01P348 # جهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79] ، ~~وهذا التوجه يتضمن محبته دون غيره، وعبادته وطاعته دون غيره. فهذه هى ~~الحقيقة حقا وما سواها باطل حقيقة، قال تعالى لأكرم خلقه عليه: {ثم أوحينا ~~إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [النحل: 123] ، فأمره ~~تعالى أن يقتدى بأبيه إبراهيم فى هذه الحقيقة، وكان صلى الله عليه وسلم ~~يعلم أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام، ~~وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين"، فنسأل الله العظيم أن يهب لنا هذه الحقيقة ويثبتنا عليها، ~~ويعيدنا مما سواها، إنه قريب مجيب بمنه وكرمه. والله أعلم. # PageV01P349 ### | فصل: فى مراتب المكلفين فى الدار الآخرةوطبقاتهم فيها، # وهم ثمان عشرة طبقة # الطبقة الأولى: وهى العليا على الإطلاق مرتبة الرسالة، فأكرم الخلق على ~~الله وأخصهم بالزلفى لديه رسله، وهم المصطفون من عباده الذين سلم عليهم فى ~~العالمين كما قال تعالى: {وسلام على المرسلين} [الصافات: 181] ، وقال ~~تعالى: {سلام على نوح فى العالمين} [الصافات: 79] ، وقال تعالى: {سلام على ~~إبراهيم كذلك نجزى المحسنين} [الصافات: 109-110] ، {سلام على إل ياسين} ~~[الصافات: 130] ، وقال تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} ~~[النمل: 59] . # وكلمة "السلام" هنا تحتمل أن تكون داخلة فى حيز القول، فتكون معطوفة على ~~الجملة الخبرية وهى "الحمد لله"، ويكون الأمر بالقول متناولا للجملتين معا، ~~وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة ويكون محلها النصب محكية بالقول، ~~ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة مستقلة معطوفة على جملة الطلب، وعلى هذا فلا ~~محل لها من الإعراب. # وهذا التقدير أرجح، وعليه يكون السلام من الله عليهم، وهو المطابق لما ~~تقدم من سلامه سبحانه ms382 وتعالى على رسله عليهم السلام. # وعلى التقدير الأول يكون أمر بالسلام عليهم، ولكن يقال على هذا: كيف يعطف ~~الخبر على الطلب مع تنافر ما بينهما؟ فلا يحسن أن يقال: قم وذهب زيد، ولا: ~~اخرج وقعد وعمرو، أو يجاب على هذا بأن جملة الطلب قد حكيت # PageV01P349 # بجملة خبرية، ومع هذا لا يمتنع العطف فيه بالخبر على الجملة الطلبية لعدم ~~تنافر الكلام فيه وتباينه، وهذا نظير قوله تعالى: {قل انظروا ماذا فى ~~السموات والأرض، وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} # [يونس: 101] ، فقوله تعالى: {وما تغنى الآيات ليس معطوفا على القول وهو ~~انظروا بل معطوف على الجملة الكبرى، على أن عطف الخبر على الطلب كثير كقوله ~~تعالى: {قال رب احكم بالحق، وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} ~~[الأنبياء: 112] ، وقوله تعالى: {وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} ~~[المؤمنون: 118] ، والمقصود أنه على هذا القول يكون الله سبحانه وتعالى قد ~~سلم على المصطفين من عباده، والرسل أفضلهم، وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه ~~أخلصهم: {بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} [سورة ص: ~~46-47] ، ويكفى فى فضلهم وشرفهم أن الله سبحانه وتعالى اختصهم بوحيه، ~~وجعلهم أمناء على رسالته وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته: ~~فمنهم من اتخذه خليلا، ومنهم من كلمه تكليما، ومنهم من رفعه مكانا عليا على ~~سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولا إليه إلا من طريقهم، ولا دخول إلى ~~جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحدا منهم بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق ~~إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه. # وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد علي"أيديهم وبهم عرف الله ~~وبهم عبد وأطيع وبهم حصلت محابه [الله] تعالى فى الأرض، وأعلاهم منزلة أولو ~~العزم منهم المذكورون فى قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} [الشورى: 13] ، ~~وهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق وعليهم تدور الشفاعة حتى يردوها إلى ~~خاتمهم وأفضلهم صلى الله عليه وسلم. # الطبقة الثانية: ms383 من عداهم من الرسل على مراتبهم من [تفضيل الله] بعضهم ~~على بعض. # الطبقة الثالثة: الذين لم يرسلوا إلى أممهم وإنما كانت لهم النبوة دون ~~الرسالة، فاختصوا عن الأمة بإيحاء الله إليهم، وإرساله ملائكته إليهم ~~واختصت الرسل عنهم بإرسالهم إلى الأمة بدعوتهم إلى الله بشريعته وأمره، ~~واشتركوا فى الوحى ونزول الملائكة عليهم. # PageV01P350 # الطبقة الرابعة: ورثة الرسل وخلفاؤهم فى أممهم، وهم القائمون بما بعثوا ~~به علما وعملا ودعوة للخلق إلى الله، على طرقهم ومنهاجهم، [ولهذا أفضل ~~مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة وهى مرتبة الصديقيه] قرنهم الله فى كتابه ~~بالأنبياء فقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} ~~[النساء:69] ، فجعل درجة الصديقية معطوفة على درجة النبوة وهؤلاء هم ~~الربانيون، وهم الراسخون فى العلم، وهم الوسائط بين الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأمته، فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه وهم المضمون لهم ~~أنهم لا يزالون على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر ~~الله وهم على ذلك، وقال الله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون، والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19] ، وقيل: إن ~~الوقف على قوله تعالى: {هم الصديقون} ثم يبتديء "والشهداء عند ربهم"، فيكون ~~الكلام جملتين أخبر فى إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون ~~والإيمان التام يستلزم العلم والعمل والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر ~~عليه، وأخبر فى الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، ومرتبة ~~الصديقين فوق مرتبة الشهداء، ولهذا قدمهم عليهم فى الآيتين، هنا وفى سورة ~~النساء، وهكذا جاء ذكرهم مقدما على الشهداء فى كلام النبى صلى الله عليه ~~وسلم فى قوله: "اثبت أحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيد، ولهذا كان نعت ~~الصديقية وصفا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين [أبو] بكر الصديق [رضى ~~الله عنه] ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتا له رضى ~~الله عنه، وقيل: إن الكلام كله جملة واحدة وأخبر عن المؤمنين بأنهم ms384 هم ~~الصديقون والشهداء عند ربهم، وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشدهم الله على ~~الناس يوم القيامة وهو قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: ~~143] ، وهم المؤمنون، فوصفهم بأنهم صديقون فى الدنيا وشهداء على الناس يوم ~~القيامة، ويكون الشهداء وصفا لجملة المؤمنين الصديقين، وقيل: الشهداء هم ~~الذين قتلوا فى سبيل الله، وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين ~~ويكون قوله: "والشهداء" مبتدأ خبره ما بعده، لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيدا ~~فى سبيل الله. # PageV01P351 # ويرجحه أيضا أنه لو كان الشهداء داخلا فى جملة الخبر [عند المؤمنين] لكان ~~قوله تعالى: {لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19] داخلا [أيضا] فى جملة الخبر ~~عنهم ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم هم الصديقون، والثانى: ~~أنهم هم الشهداء، والثالث: أن لهم أجرهم ونورهم، وذلك يتضمن عطف الخبر ~~الثانى على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردا عن العطف، وهذا كما تقول: زيد ~~كريم وعالم له مال والأحسن فى هذا تناسب الأخبار بأن تجردها كلها من العطف ~~أو تعطفها جميعا فتقول: زيد كريم عالم له مال، أو كريم وعالم وله مال ~~فتأمله. # ويرجحه أيضا أن الكلام يصير جملا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء ~~وهم الصديقون [والشهداء والصالحون وهم المذكورون فى الآية وهم المتصدقون] ~~الذين أقرضوا الله قرضا حسنا، فهؤلاد ثلاثة أصناف ثم ذكر الرسل فى قوله ~~تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} [الحديد: 25] ، فيتناول ذلك الأصناف ~~الأربعة المذكورة فى سورة النساء، فهؤلاء هم السعداء، ثم ذكر الأشقياء وهم ~~نوعان: كفار، ومنافقون، فقال تعالى: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم} [الحديد: 19] ، وذكر المنافقون فى قوله تعالى: {يوم يقول ~~المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] ، ~~فهؤلاء أصناف العالم كلهم، وترك سبحانه وتعالى ذكر المخلط صاحب الشائبتين ~~على طريقة القرآن فى ذكر السعداء والأشقياء دون [المخلصين] غالبا لسر ~~اقتضته حكمته [سبحانه وتعالى] . # فليحذر صاحب التخليط، فإنه لا ضمان له على الله، ولا هو من أهل وعده ~~المطلق، ولا ييأس من روح الله فإنه ليس من ms385 الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ~~ولكنه بين الجنة والنار واقف بين الوعد والوعيد كل منهما يدعوه إلى موجبه ~~لأنه أتى بسببه. وهذا هو الذى لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن ~~غلطوا فى تخليده فى النار، ولو نزلوه منزلة بين المنزلتين ووكلوه إلى ~~المشيئة وقالوا بأنه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه لأصابوا، ولكن منزلة ~~بين منزلتين وصاحبهما مخلد فى النار مما لا يقتضيه عقل ولا سمع، # بل النصوص الصريحة المعلومة الصحة تشهد ببطلان قولهم # PageV01P352 # والله أعلم، وأيضا فصاحب الشائبتين يعلم حكمه من نصوص الوعد والوعيد، فإن ~~الله سبحانه وتعالى رتب على كل عمل جزاء فى الخير والشر، فإذا أتى العبد ~~بهما كان فيه سبب الجزاءين، والله لا يضيع عمل مثقال ذرة، فإن كان عمل الشر ~~مما يوجب سقوط أثر الحسنة كالكفر كان التأثير [له] وإن لم يسقطه كالمعصية ~~ترتب فى حقه الأثران ما لم يسقط أحدهما بسبب من الأسباب التى نذكرها إن شاء ~~الله فيما بعد، والمقصود أن درجة الصديقية والربانية ووراثة النبوة وخلافة ~~الرسالة هى أفضل درجات الأمة، ولو لم يكن من فضلها وشرفها إلا أن كل من علم ~~بتعليمهم وإرشادهم أو علم غيره شيئا من ذلك كان له مثل أجره ما دام ذلك ~~جاريا فى الأمة على آباد الدهور، وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لعلى بن أبى طالب: "والله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر ~~النعم". # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من سن فى الإسلام سنة حسنة فعمل ~~بها بعده كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا". # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال: " إذا مات العبد انقطع عمله ~~إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه فى ~~الدين ". # وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن العالم ms386 يستغفر له من فى ~~السموات ومن فى الأرض حتى النملة فى جحرها". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله وملائكته يصلون على معلم ~~الناس الخير"، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن العلماء ورثة ~~الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن ~~أخذه أخذ بحظ عظيم وافر". # وعنه صلى الله عليه وسلم: "العالم والمتعلم شريكان فى الأجر، ولا خير فى ~~سائر الناس بعد"، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نضر الله امرءا سمع ~~مقالتى فوعاها وأداها كما سمعها". # والأحاديث فى هذا كثيرة، وقد ذكرنا مائتى دليل على فضل العلم وأهله فى ~~كتاب مفرد، فيالها من مرتبة ما أعلاها، ومنقبة ما أجلها وأسناها، أن يكون ~~المرء فى حياته مشغولا ببعض أشغاله، أو فى قبره قد صار أشلاء متمزقا ~~وأوصالا متفرقة، وصحف حسناته متزايدة يملى فيها الحسنات كل وقت، وأعمال ~~الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب تلك والله المكارم والغنائم، وفى ذلك ~~فليتنافس المتنافسون، وعليه يحسد الحاسدون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم. # وحقيق بمرتبة هذا شأنها أن تنفق نفائس الأنفاس عليها، ويسبق السابقون # PageV01P353 # إليها، وتوفر عليها الأوقات وتتوجه نحوها الطلبات، فنسأل الله الذى بيده ~~مفاتيح كل خير أن يفتح علينا خزائن رحمته، ويجعلنا من أهل هذه الصفة بمنه ~~وكرمه وأصحاب هذه المرتبة يدعون عظماء فى ملكوت السماء كما قال بعض السلف: ~~من علم وعمل وعلم، فذلك يدعى عظيما فى ملكوت السماء. # وهؤلاء هم العدول حقا بتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، إذ يقول ~~فيما يروى عنه من وجوه [سند] بعضها بعضا "يحمل هذا العلم من كل خلف عدول ~~ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". # وما أحسن ما قال فيهم الإمام أحمد فى خطبة كتابه فى "الرد على الجهمية": ~~"الحمد لله الذى جعل فى كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ~~ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون بنور الله ms387 أهل العمى، فكم ~~من قتيل لإبليس قد أجبروه، ومن ضال جاهل قد هدوه، فما أحسن أثرهم على ~~الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تأويل الجاهلين، وتحريف ~~الغالين، وانتحال المبطلين". وذكر ابن وضاح هذا الكلام عن عمر بن الخطاب. # الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته الذين تؤمن بهم السبل ويستقيم بهم ~~العالم ويستنصر بهم الضعيف ويذل بهم الظالم ويأمن بهم الخائف وتقام بهم ~~الحدود ويدفع بهم الفساد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقام بهم حكم ~~الكتاب والسنة وتطفأ بهم نيران البدع والضلالة، وهؤلاء الذين تنصب لهم ~~المنابر من النور عن يمين الرحمن عز وجل يوم القيامة فيكونون عليها- ~~والولاة الظلمة قد صهرهم حر الشمس وقد بلغ منهم العرق مبلغه وهم يحملون ~~أثقال مظالمهم العظيمة على ظهورهم الضعيفة فى يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة، ثم يرى سبيل أحدهم إما إلى الجنة وإما إلى النار. # قال النبى صلى الله عليه وسلم: " المقسطون [عند الله] على منابر من نور ~~يوم القيامة عن يمين الرحمن تبارك وتعالى وكلتا يديه يمين، الذى يعدلون فى ~~حكمهم وأهلم وما ولوا"، وعنه صلى الله عليه وسلم: "إن أحب الخلق إلى الله ~~وأقربهم منه منزلة يوم القيامة إمام عادل، وإن أبغض الخلق إلى الله وأبعدهم ~~منه منزلة يوم القيامة إمام جائر" أو كما قال. # وهم أحد السبعة الأصناف الذين يظلهم الله فى ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ~~وكما كان الناس فى ظل عدلهم فى الدنيا كانوا فى ظل عرش الرحمن يوم القيامة ~~ظلا بظل جزاء وفاقا، ولو لم يكن من فضلهم # PageV01P354 # وشرفهم إلا أن أهل السموات والأرض والطير فى الهواء يصلون عليهم ~~ويستغفرون لهم ويدعون لهم، وولاة الظلم يلعنهم من بين السموات والأرض حتى ~~الدواب والطير، كما أن معلم الناس الخير يصلى عليه الله وملائكته، وكاتم ~~العلم والهدى الذى أنزله الله وحامل أهله على كتمانه يلعنه الله وملائكته ~~ويلعنه اللاعنون، فيا لها من منقبة ومرتبة ما أجلها وأشرفها أن يكون الوالى ~~والإمام على فراشه و [غيره] ms388 يعمل بالخير وتكتب الحسنات فى صحائفه فهى ~~متزايدة ما دام يعمل بعدله، ولساعة واحدة منه خير من عبادة أعوام من غيره، ~~فأين هذا من [صفه] الغاش لرعيته الظالم لهم [الذى] حرم الله عليه الجنة ~~وأوجب له النار. # ويكفى فى فضله وشرفه أنه يكف عن الله دعوة المظلوم كما فى الآثار: أيها ~~الملك المسلط المغرور، إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن ~~بعثتك لتكف عنى دعوة المظلوم، إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ~~فإنى لا أحجبها ولو كانت من كافر. فأين من هو نائم وأعين العباد ساهرة تدعو ~~الله له، وآخر أعينهم ساهرة تدعو عليه؟ # الطبقة السادسة: المجاهدون فى سبيل الله، وهم جند الله، الذين يقيم بهم ~~دينه ويدفع بهم بأس أعدائه ويحفظ بهم بيضة الإسلام ويحمى لهم حوزة الدين، ~~وهم الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هى ~~العليا، قد بذلوا أنفسهم فى محبة الله ونصر دينه وإعلاء كلمته ودفع أعدائه، ~~وهم شركاء لكل من يحمونه بسيوفهم فى أعمالهم التى يعملونها وإن [باتوا] فى ~~ديارهم، ولهم مثل أجور من عبد الله بسبب جهادهم وفتوحهم فإنهم كانوا هم ~~السبب فيه. # والشارع قد نزل المتسبب منزلة الفاعل التام فى الأجر والوزر، ولهذا كان ~~الداعى إلى الهدى والداعى إلى الضلال لكل منهما بتسببه مثل أجر من تبعه. # وقد تظاهرت آيات الكتاب وتواترت نصوص السنة على الترغيب فى الجهاد والحض ~~عليه ومدح أهله والإخبار عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات والعطايا ~~الجزيلات، ويكفى فى ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم} [الصف: 10] ، فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة ~~الرابحة التى الدال عليها رب [العالمين العليم] الحكيم فقال: {تؤمنون بالله ~~ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} [الصف: 11] ، فكأن # PageV01P355 # النفوس ضنت بحياتها وبقائها فقال: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} يعنى أن ~~الجهاد خير لكم من قعودكم للحياة والسلامة، فكأنها قالت: فما لنا فى الجهاد ~~من الحظ؟ فقال: {يغفر ms389 لكم ذنوبكم} ، مع المغفرة: {يدخلكم جنات تجرى من ~~تحتها الأنهار ومساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم} [الصف: 12] ، ~~فكأنها قالت: هذا فى الآخرة فما لنا فى الدنيا؟ فقال: {وأخرى تحبونها نصر ~~من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} [الصف: 13] . # [فلله] ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبا لها ~~وتسييرا إلى ربها، وما ألطف موقعها من قلب كل محب، وما أعظم غنى القلب ~~وأطيب عيشه حين تباشره معانيها، فنسأل الله من فضله إنه جواد كريم. # ومن هذا قوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله، والله لا يهدى ~~القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} ~~[التوبة: 19- 22] ، فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوى عنده عمار المسجد ~~الحرام، وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هى عمارة مساجده ~~المذكورة فى القرآن، وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد فى سبيل ~~الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون، ~~وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات فنفى التسوية بين المجاهدين ~~وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة مع ثنائه على عمارة بقوله تعالى: ~~{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخشى إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} [التوبة: 18] ، ~~فهؤلاء هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم. ~~وقال تعالى: {لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين # PageV01P356 # بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا ~~رحيما} [النساء: 95- 96] ، فنفى سبحانه وتعالى التسوية بين المؤمنين ~~القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم أخبر عن ms390 تفضيل المجاهدين على ~~القاعدين درجة ثم أخبر عن تفضيلهم عليهم درجات. # وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس من جهة أن القاعدين الذين فضل ~~عليهم المجاهدون بدرجات إن كانوا هم [أهل الضرر والقاعدون الذين فضل عليهم ~~المجاهدون بدرجات هم أولو] الضرر فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا، ~~وعلى هذا فما وجه استثناء أولى الضرر من القاعدين وهم لا يستوون والمجاهدين ~~أصلا؟ # فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدا، فهذا وجه الإشكال، ونحن نذكر ~~[ما قاله فى الأية ثم نذكر] ما يزيل الإشكال بحمد الله، فاختلف القراء فى ~~إعراب "غير"، فقريء رفعا ونصبا وهما فى السبعة، وقريء بالجر فى غير السبعة ~~وهى قراءة أبى حيوة، فأما قراءة النصب فعلى الاستثناء لأن غيرا يعرب فى ~~الاستثناء إعراب الاسم الواقع بعد إلا وهو النصب، هذا هو الصحيح. # وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال، أى لا يستوى القاعدون غير مضرورين، ~~أى لا يستوون فى حال صحتهم هم والمجاهدون، والاستثناء أصح، فإن "غير" لا ~~تكاد تقع حالا فى كلامهم إلا مضافة إلى نكرة كقوله تعالى: {فمن اضطر غير ~~باغ} [البقرة: 173] [الأنعام: 145] [النحل: 115] ، وقوله عز وجل فى أول ~~المائدة: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد} ~~[المائدة: 1] # وقوله صلى الله عليه وسلم: "مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى". # فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعة لما قبلها، كقوله تعالى: {صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم} ولو قلت: مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا ~~الندامى، لجررت غير، هذا هو المعروف من كلامهم والكلام فى عدم تعرف غير ~~بالإضافة وحسن وقوعها إذ ذاك حالا له مقام آخر. وأما الرفع فعلى النعت ~~للقاعدين، هذا هو الصحيح. # وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدإ محذوف تقديره هم غير أولى الضرر، ~~والذى حمله على هذا ظنه أن غيرا لا تقبل التعريف بالإضافة فلا تجرى صفة ~~للمعرفة، وليس مع من ادعى # PageV01P357 # ذلك حجة يعتمد عليها سوى [قولهم] أن غيرا توغلت فى الإبهام فلا تتعرف بما ~~يضاف إليه. # وجواب ms391 هذا أنها إذا دخلت بين [ن] تقابلين لم يكن فيها إبهام لتعيينها ما ~~تضاف إليه، وأما قراءة الجر ففيها وجهان أيضا: أحدهما- وهو الصحيح- أنه نعت ~~للمؤمنين، والثانى- وهو قول المبرد- أنه بدل منه، بناء على أنه نكرة فلا ~~تنعت به المعرفة. # وعلى الأقوال كلها فهو مفهوم معنى الاستثناء، وإن نفى التسوية غير مسلط ~~على ما أضيف إليه غيره، وقوله: {فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة} ~~[النساء: 95] ، هو مبين لمعنى نفى المساواة. قالوا: والمعنى فضل الله ~~[المجاهدين] على [القاعدين] من أولى الضرر درجة واحدة لامتيازه عنه بالجهاد ~~بنفسه وماله. ثم أخبر سبحانه وتعالى أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى ~~فقال: {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] أى المجاهد والقاعد المضرور، ~~لاشتراكهما فى الإيمان. # قالوا: وفى هذا دليل على تفضيل الغنى المنفق على الفقير، لأن الله ~~[سبحانه] أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد وقدم الجهاد بالمال ~~على الجهاد بالنفس، وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله: {ولا على الذين إذا ~~ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} [التوبة: 92] ، فأين مقام من ~~حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج. # قالوا: فهذا حكم القاعد من أولى الضرر والمجاهد، وأما القاعد من غير أولى ~~الضرر فقال [سبحانه] : {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات ~~منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 95- 96] ، وقوله: ~~{درجات} قيل: هو نصب على البدل من قوله {أجرا عظيما} ، وقيل: تأكيد له وإن ~~كان بغير لفظه، لأنه هو فى المعنى، قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، ~~والهجرة فى الإسلام درجة والجهاد فى الهجرة درجة، والقتل فى الجهاد درجة. # وقال ابن زيد: الدرجات التى فضل الله [الجهاد] بها المجاهد على القاعد ~~سبع، وهى التى ذكرها الله تعالى إذ يقول تعالي: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من ~~عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: ~~120] ، فهذه خمس ثم قال: {ولا ينفقون ms392 نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون ~~واديا إلا كتب لهم} [التوبة: 121] به عمل صالح، فهاتان اثنتان، وقيل: ~~الدرجات # PageV01P358 # سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة. # والصحيح أن الدرجات هى المذكورة فى حديث أبى هريرة الذى رواه البخارى فى ~~صحيحه [عنه] عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من آمن بالله ورسوله ~~وأقام الصلاة وصام رمضان فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر فى سبيل ~~الله أو جلس فى أرضه التى ولد فيها" قالوا: يا رسول الله، أفلا نخبر الناس ~~بذلك؟ قال: "إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله، كل ~~درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط ~~الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة". # قالوا: وجعل سبحانه وتعالى التفضيل الأول بدرجة فقط، وجعله [ها هنا] ~~بدرجات ومغفرة ورحمة، وهذا يدل على أنه يفضل على غير أولى الضرر، فهذا ~~تقرير هذا القول وإيضاحه. # ولكن بقى أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا لزم أن لا ~~يستوى مجاهد وقاعد مطلقا، فلا يبقى فى تقييد القاعدين بكونهم من غير أولى ~~الضرر فائدة، فإنه لا يستوى المجاهدون والقاعدون من أولى الضرر أيضا. # وأيضا فإن القاعدين المذكورين فى الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير ~~أولى الضرر لا القاعدون الذين هم أولوا الضرر، فإنهم لم يذكر حكمهم فى ~~الآية، بل استثناهم وبين أن التفضيل على غيرهم، فاللام فى "القاعدين" للعهد ~~والمعهود هم غير أولى الضرر لا المضررون وأيضا فالقاعد من المجاهدين لضرورة ~~تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا ~~مقيما"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا ~~قطعتم واديا إلا وهم معكم" قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة حبسهم ~~العذر"، وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن ms393 القاعدين من غير أولى ~~الضرر لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت [عن القاعدين من أولى الضرر فلم يدل ~~على حكمهم بطريق منطوقها] عن حكمهم بطريق منطوقها ولا يدل مفهومها على ~~مساواتهم للمجاهدين. # بل هذا النوع منقسم إلى معذور من أهل الجهاد غلبه عذره وأقعده عنه ونيته ~~جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذى تقتضيه أدلة ~~الشرع أن له مثل أجر المجاهد. # وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفى التسوية، وهذا لأن # PageV01P359 # قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات ~~الفعل نزل صاحبه فى الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام كما دل عليه قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى ~~النار"، قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه". # وفى الترمذى ومسند الإمام أحمد من حديث أبى كبشة الأنمارى عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا ~~وعلما، فهو يتقى فى ماله ربه ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأحسن ~~المنازل [عند الله] ، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو يقول: لو أن ~~لى مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، وهما فى الأجر سواء، وعبد رزقه ~~الله مالا ولم يرزقه علما، فهو لا يتقى فى ماله ربه، ولا يصل به رحمه، ولا ~~يعلم لله فيه حقا، فهذا بأسوإ المنازل عند الله، وعبد لم يرزقه الله مالا ~~ولا علما فهو يقول: لو أن لى مالا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، وهما فى ~~الوزر سواء"، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن وزر الفاعل والناوى الذى ليس ~~مقدوره إلا بقوله دون فعله سواء، لأنه أتى بالنية ومقدوره التام، وكذلك أجر ~~الفاعل والناوى الذى اقترن قوله بنيته. وكذلك المقتول الذى سل السيف وأراد ~~به قتل أخيه المسلم فقتل، نزل منزلة القاتل لنيته التامة التى اقترن بها ~~مقدورها من السعى والحركة. # ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ms394 "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، ~~فإن بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل. ومثله: "من دعا إلى هدى فله مثل أجور ~~من اتبعه"، ومن دعا إلى ضلالة عليه من الوزر مثل آثام من تبعه لأجل نيته ~~واقتران مقدورها بها من الدعوة، ومثله: "إذ جاء المصلى إلى المسجد ليصلى ~~جماعة فأدركهم وقد صلوا فصلى وحده كتب له مثل أجر صلاة الجماعة بنيته ~~وسعيه"، كما قد جاء مصرحا به فى حديث مروي. # ومثل هذا من كان له ورد يصليه من الليل فنام ومن نيته أن يقوم إليه فغلب ~~عينه نوم كتب له أجر ورده، وكان نومه عليه صدقة، ومثله المريض والمسافر إذا ~~كان له عمل يعمله، فشغل عنه بالمرض والسفر كتب له مثل عمله وهو صحيح مقيم، ~~ومثله: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغة الله، منازل الشهداء ولو مات على ~~فراشه"، ونظائر ذلك كثيرة. # والقسم الثانى معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزما تاما، ~~فهذا لا يستوى هو والمجاهد فى سبيل الله، بل قد فضل الله المجاهدين # PageV01P360 # عليه وإن كان معذورا لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب ~~القسم الأول. # وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث عثمان ابن مظعون: "إن الله قد ~~أوقع أجره على قدر نيته"، فلما كان القسم المعذور فيه هذا التفصيل لم يجز ~~أن يساوى بالمجاهد مطلقا، ولا ينفى عنه المساواة مطلقا، ودلالة المفهوم لا ~~عموم لها، فإن العموم إنما هو من أحكام الصيغ العامة وعوارض الألفاظ. # والدليل الموجب للقول بالمفهوم لا يدل على أن له عموما يجب اعتباره. # فإن أدلة المفهوم ترجع إلى شيئين: أحدهما التخصيص، والآخر التعليل. # فأما التخصيص فهو أن تخصيص الحكم بالمذكور يقتضى نفى الحكم عما عداه وإلا ~~بطلت فائدة التخصيص، وهذا لا يقتضى العموم وسلب حكم المنطوق عن جميع صور ~~المفهوم لأن فائدة التخصيص قد تحصل بانقسام صور المفهوم إلى ما يسلب الحكم ~~عن بعضها ويثبت لبعضها ثبوت تفصيل فيه، فيثبت له حكم المنطوق على ms395 وجه دون ~~وجه، إما بشرط لا تجب مراعاته فى المنطوق، وإما فى وقت دون وقت، بخلاف حكم ~~المنطوق فإنه ثابت أبدا، ونحو ذلك من فوائد التخصيص. # وإذا كانت فائدة التخصيص حاصلة بالتفصيل والانقسام فدعوى لزوم العموم من ~~التخصيص دعوى باطلة فإثباته [بمجرد] التحكم، وأما التعليل فإنهم قالوا: ~~ترتيب الحكم على هذا الوصف المناسب له يقتضى نفى الحكم عما عداه وإلا لم ~~يكن الوصف المذكور علة. # وهذا أيضا لا يستلزم عموم النفى عن كل ما عداه، وإنما غايته اقتضاؤه نفى ~~الحكم المرتب على ذلك الوصف عن الصور المنفى عنها الوصف، وأما نفى الحكم ~~جملة فلا تجوز ثبوته بوصف آخر وعلة أخرى، فإن الحكم الواحد بالنوع يجوز ~~تعليله بعلل مختلفة، وفى الواحد بالعين كلام ليس هذا موضعه. # ومثال هذا ما نحن فيه [فإن] قوله تعالى: {لا يستوى القاعدون من المؤمنين ~~غير أولى الضرر والمجاهدون} [النساء: 95] لا يدل على مساواة المضرورين ~~[للمجاهدين] مطلقا من حيث الصورة، بل إن ثبتت المساواة فإنها معللة بوصف ~~آخر وهى النية الجازمة والعزم التام، والضرر المانع من الجهاد فى ذلك الحال ~~لا يكون [مانعا] من المساواة فى الأجر، والله أعلم. # والمقصود الكلام على طبقات الناس فى الآخرة. وأما النصوص والأدلة الدالة ~~على فضل الجهاد وأهله فأكثر من أن تذكر هنا ولعلها أن تفرد فى كتاب على هذا # PageV01P361 # النمط إن شاء الله. # فهذه الدرجات الثلاث هى درجات السبق، أعنى درجة العلم والعدل والجهاد ~~وبها سبق الصحابة [رضى الله عنه] وأدركوا من قبلهم وفاتوا من بعدهم ~~واستولوا على الأمد البعيد وحازوا قصبات العلى، وهم كانوا السبب فى [بلوغ] ~~الإسلام إلينا وفى تعليم كل خير وهدى وسبب تنال به السعادة والنجاة، وهم ~~أعدل الأمة فيما ولوه، وأعظمها جهادا فى سبيل الله. # والأمة فى آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة، فلا ينال أحد منهم ~~مسألة علم نافع إلا على أيديهم ومن طريقهم ينالها، ولا يسكن بقعة من الأرض ~~آمنا إلا بسبب جهادهم وفتوحهم، ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدى إلا ms396 كانوا ~~هم السبب فى [وصوله] إليه، فهم الذين فتحوا البلاد بالسيف والقلوب بالإيمان ~~وعمروا البلاد بالعدل والقلوب بالعلم والهدى، فلهم من الأجر بقدر أجور ~~الأمة إلى يوم القيامة مضافا إلى أجر أعمالهم التى اختصوا بها، فسبحان من ~~يختص بفضله ورحمته من يشاء وإنما نالوا هذا بالعلم والجهاد والحكم بالعدل، ~~وهذه مراتب السبق التى يهبها الله لمن يشاء من عباده. # الطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان إلى الناس بأموالهم على ~~اختلاف حاجاتهم ومصالحهم من تفريج كرباتهم ودفع ضروراتهم وكفايتهم فى ~~مهماتهم وهم أحد الصنفين اللذين قال النبى صلى الله عليه وسلم فيهم: "لا ~~حسد إلا فى اثنين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس، ورجل ~~آتاه الله مالا وسلطه على هلكته فى الحق"، يعنى أنه لا ينبغى لأحد أن يغبط ~~أحدا على نعمة ويتمنى مثلها، إلا أحد هذين، وذلك لما فيهما من منافع النفع ~~العام والإحسان المتعدى إلى الخلق، فهذا ينفعهم بعلمه وهذا ينفعهم بماله، ~~والخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله. # ولا ريب أن هذين الصنفين من أنفع الناس لعيال الله، ولا يقوم أمر الناس ~~إلا بهذين الصنفين ولا يعمر العالم إلا بهما، قال تعالى: {الذين ينفقون ~~أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم # PageV01P362 # ولا هم يحزنون} [البقرة: 262] ، [وقال تعالى: {الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا يحزنون ~~وقال تعالى: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم ~~أجر كريم} [الحديد:18] قال تعالى {من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ~~له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} [البقرة: 542] ، وقال ~~تعالى: {من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم} [الحديد: ~~11] ، فصدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب، وهو الاستفهام المتضمن لمعنى ~~الطلب، وهو أبلغ فى الطلب من صيغة الأمر، والمعنى: هل أحد يبذل هذا القرض ~~الحسن فيجازى عليه أضعافا مضاعفة؟ وسمى ms397 ذلك الإنفاق قرضا حسنا حثا للنفوس ~~وبعثا لها على البذل لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوعت ~~له نفسه بذله وسهل عليه إخراجه. # فإن علم أن المستقرض ملى وفى محسن كان أبلغ فى طيب قلبه وسماحة نفسه، فإن ~~علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه وينميه له ويثمرة حتى يصير أضعاف ما ~~بذله كان بالقرض أسمح وأسمح، فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه ~~أجرا آخر من غير جنس القرض وأن ذلك الأجر حظ عظيم وعطاء كريم فإنه لا يتخلف ~~عن قرضه إلا لآفة فى نفسه من البخل والشح أو عدم الثقة بالضمان، وذلك من ~~ضعف إيمانه، ولهذا كانت الصدقة برهانا لصاحبها. # وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التى تضمنتها الآية، فإنه [سبحانه] ~~سماه قرضا، وأخبر أنه هو المقترض لا قرض حاجة، ولكن قرض إحسان إلى المقرض ~~[استدعاه] لمعاملته، وليعرف مقدار الربح فهو الذى أعطاه ماله واستدعى منه ~~معاملته به، ثم أخبر [عن ما] يرجع إليه بالقرض وهو الأضعاف المضاعفة، ثم ~~أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة وهو الأجر الكريم. # وحيث جاء هذا القرض فى القرآن قيده بكونه حسنا، وذلك يجمع أمورا ثلاثة: ~~أحدها أن يكون من طيب ماله لا من رديئه وخبيثه. الثانى: أن [يخرجه] طيبة به ~~نفسه ثابتة عند بذله ابتغاء مرضاة الله. الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذى. ~~فالأول يتعلق بالمال، والثانى يتعلق بالمنفق بينه وبين الله، والثالث بينه ~~وبين الآخذ. وقال تعالى: # PageV01P363 # {مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261] ، ~~وهذه الآية كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التى يضاعفها للمقرض، ومثل ~~سبحانه بهذا المثل إحضارا لصورة التضعيف فى الأذهان بهذه الحبة التى غيبت ~~فى الأرض فأنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة، حتى كأن القلب ينظر إلى ~~هذا التضعيف ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل التى من الحبة ms398 الواحدة ~~فينضاف الشاهد العيانى الشاهد الإيمانى القرآنى فيقوى إيمان المنفق وتسخو ~~نفسه بالإنفاق. # وتأمل كيف جمع السنبلة فى هذه الآية على سنابل وهى من [مجموع] الكثرة، إذ ~~المقام مقام تكثير وتضعيف، وجمعها على سنبلات فى قوله تعالى: {وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات} [يوسف: 43] ، فجاء بها على جمع القلة لأن السبعة قليلة ~~ولا مقتضى للتكثير. وقوله تعالى: {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] ، ~~قيل: المعنى والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق بل يختص برحمته ~~من يشاء، وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق فى نفسه، [وفى صفات] المنفق وأحواله ~~[و] فى شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن الموقع. # وقيل: والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك فلا يقتصر به على السبعمائة، بل ~~يجاوز فى المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة. # واختلف فى تفسير الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون فى سبيل الله كمثل ~~حبة. وقيل: مثل الذين ينفقون فى سبيل الله كمثل باذر حبة، ليطابق الممثل ~~للممثل به. [فها هنا] أربعة أمور: منفق، ونفقة، وباذر، وبذر. فذكر سبحانه ~~من كل شق أهم قسميه، فذكر من شق الممثل المنفق إذ المقصود ذكر حاله وشأنه، ~~وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها. وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو ~~المحل الذى حصلت فيه المضاعفة، وترك ذكر الباذر لأن القرض لا يتعلق بذكره. # فتأمل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان. وهذا كثير فى ~~أمثال القرآن، بل عامتها ترد على هذا النمط، ثم ختم الآية بإسمين من أسمائه ~~الحسنى مطابقين لسياقها، وهما الواسع والعليم، فلا [يستبعد] العبد هذه ~~المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه، فإن المضاعف [سبحانه] واسع العطاء واسع الغنى ~~واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضى حصولها لكل منفق فإنه عليم ~~بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا # PageV01P364 # هو أهل لها، فإن كرمه [سبحانه] وفضله تعالى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله ~~مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من [أهل] بحكمته وعلمه. ثم قال تعالى: ~~{الذين ينفقون ms399 أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة:262] ، هذا بيان ~~للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون فى سبيله أى فى مرضاته والطريق الموصلة ~~إليه، ومن أنفعها سبيل الجهاد. # [فسبيل] الله خاص وعام، والخاص جزء من السبيل العام وأن لا يتبع صدقته ~~بمن ولا أذى، فالمن نوعان: أحدهما: من [بقلبه] من غير أن يصرح به بلسانه، ~~وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو من [نقصان] شهود منة الله عليه فى إعطائه المال ~~وحرمان غيره وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه فلله المنة عليه من كل وجه، فكيف ~~يشهد قلبه منه لغيره؟ والنوع الثانى: أن يمن عليه بلسانه [فيتعدى] على من ~~أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأنه أوجب عليه حقا وطوقه منة فى عنقه ~~فيقول: أما أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده. # قال سفيان: يقول أعطيتك فما شكرت. وقال عبد الرحمن بن [زيد] ، كان أبى ~~يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه وكانوا ~~يقولون: إذا [اصنعتم] صنيعة فانسوها، وإذا أسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها. ~~وفى ذلك قيل: # وإن امرءا أهدى إلى ... صنيعة وذكرنيها مرة لبخيل # وقيل: صنوان من منح سائله ومن، ومن منع نائله وضن وحظر الله على عباده ~~المن بالصنيعة واختص به صفة لنفسه، لأن من العباد تكدير [تعبير] ، ومن الله ~~سبحانه إفضال وتذكير، وأيضا فإنه هو المنعم فى نفس الأمر والعباد وسائط، ~~فهو المنعم على عبده فى الحقيقة. وأيضا فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن ~~يمن عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله. # وأيضا فالمنة أن يشهد المعطى أنه هو رب الفضل والإنعام، وأنه ولى النعمة ~~ومسديها، وليس ذلك فى الحقيقة إلا الله، وأيضا فالمان بعطائه يشهد نفسه ~~مترفعا على الآخذ مستعليا عليه غنيا عنه عزيزا، ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه ~~وفاقته، ولا ينبغى ذلك للعبد، وأيضا فإن المعطى قد تولى الله ثوابه ورد ~~عليه أضعاف ما أعطى فبقى عوض ms400 ما أعطى عند الله. # فأى حق بقى له قبل الآخذ؟ فإذا امتن عليه فقد # PageV01P365 # ظلمه ظلما بينا، وادعى أن حقه فى قلبه. ومن هنا- والله أعلم- بطلت صدقته ~~بالمن، فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله، وعوض تلك الصدقة عنده، فلم ~~يرض به ولاحظ العوض من الآخذ والمعاملة عنده فمن عليه بما أعطاه أبطل ~~معاوضته مع الله ومعاملته له. # فتأمل هذه النصائح من الله لعباده، ودلالته على ربوبيته وإلهيته وحده، ~~وأنه يبطل عمل من نازعه فى شيء من ربوبيته وإلهيته لا إله غيره ولا رب سواه ~~ونبه بقوله: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى} [البقرة: 262] ، على أن ~~المن والأذى ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه ولم يحصل له مقصود ~~الإنفاق، ولو أتى بالواو وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، لأوهمت ~~تقييد ذلك بالحال، وإذا كان المن والأذى المتراخى مبطلا لأثر الإنفاق مانعا ~~من الثواب فالمقارن أولى وأحرى. # وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء فقال: {لهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: ~~262] ، وقرنه بالفاء فى قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ~~سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: 274] ، فإن الفاء الداخلة على ~~خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تفهم معنى الشرط والجزاء [وأن الخبر] مستحق ~~بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو الصفة، فلما كان هنا يقتضى بيان حصر المستحق ~~للجزاء دون غيره جرد الخبر عن الفاء، فإن المعنى أن الذى ينفق ماله لله ولا ~~يمن ولا يؤذى، هو الذى يستحق الأجر المذكور، لا الذى ينفق لغير الله [ولا ~~من] ويمن ويؤذى بنفقته، فليس المقام مقام شرط وجزاء بل مقام بيان للمستحق ~~[من] غيره [وفى الآيه الأخرى للمستحق دون غيره] . # وفى الآية الأخرى ذكر الإنفاق بالليل والنهار سرا وعلانية، فذكر عموم ~~الأوقات وعموم الأحوال، فأتى بالفاء فى الخبر ليدل على أن الإنفاق فى أى ~~وقت وجد من ليل أو نهار، وعلى [أية] حالة وجد من سر وعلانية فإنه سبب ~~للجزاء على كل حال فليبادر إليه العبد ولا ينتظر به ms401 غير وقته وحاله، ولا ~~يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر ~~بنفقة العلانية وقت السر ولا بنفقة السر وقت العلانية، فإن نفقته فى أى وقت ~~وعلى أى حال وجدت سبب لأجره وثوابه، فتدبر هذه الأسرار فى القرآن فلعلك لا ~~تظفر بها تمر بك فى التفاسير، والمنة والفضل لله وحده لا شريك له. # ثم قال تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى # PageV01P366 # والله غنى حليم} [البقرة: 263] ، فأخبر [سبحانه] أن القول المعروف وهو ~~الذى تعرفه القلوب ولا تنكره، والمغفرة وهى العفو عمن أساء إليك خير من ~~الصدقة [المقرون] بالأذى. فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول، والمغفرة ~~إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة، فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة ~~المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها. # ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة. [ويدخل فى هذا القول المعروف الرد ~~الجميل على السائل والعدة الحسنة والدعاء والصالح له نحو ذلك] . # ويدخل فى المغفرة مغفرته للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى بسبب رده، ~~فيكون عفوه عنه خيرا من أن يتصدق عليه ويؤذيه هذا على المشهور من القولين ~~فى الآية، والقول الثانى: أن المغفرة من الله، أى مغفرة لكم من الله بسبب ~~القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى. وفيها قول ثالث: أى ~~مغفرة وعفو من السائل إذا رد وتعذر [المسؤول] خير من أن ينال بنفسه صدقة ~~يتبعها أذى. # وأوصح الأقوال هو الأول، ويليه الثانى، والثالث ضعيف جدا لأن الخطاب إنما ~~هو للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ والمعنى أن قول المعروف له والتجاوز ~~والعفو خير لك من أن تتصدق عليه وتؤذيه. ثم ختم الآية بصفتين [مناسبتين] ~~لما تضمنته فقال: {والله غنى حليم} [البقرة: 263] ، وفيه معنيان: أحدهما أن ~~الله غنى عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم، وإنما الحظ الأوفر لكم فى الصدقة ~~فنفعها عائد عليكم لا إليه سبحانه وتعالى، فكيف يمن بنفقته ويؤذى مع غنى ~~الله التام عنها وعن كل ما سواه، ومع هذا فهو حليم إذ يعاجل ms402 المان ~~بالعقوبة، وضمن هذا الوعيد [له] والتحذير. والمعنى الثانى: أنه سبحانه ~~وتعالى مع غناه التام من وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح، مع عطائه ~~الواسع وصدقاته العميمة، فكيف يؤذى أحدكم بمنه وأذاه، مع قلة ما يعطى ~~ونزارته وفقره. # ثم قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان ~~عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا ~~يهدى القوم الكافرين} [البقرة: 264] ، تضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن ~~والأذى يحبط الصدقة، وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة مع قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا ~~له بالقول # PageV01P367 # جهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2] ، وقد ~~تقدم الكلام على هذه المسألة فى أول الرسالة فلا حاجة إلى إعادته. # وقد يقال: إن المن والأذى المقارن للصدقة هو الذى يبطلها دون ما يلحقها ~~بعدها، إلا أنه ليس فى اللفظ ما يدل على هذا التقييد والسياق يدل على ~~إبطالها به مطلقا. وقد يقال: تمثيله بالمرائى الذى لا يؤمن بالله واليوم ~~الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياء وعدم الإيمان، فإن ~~الرياء لو تأخر عن العمل لم يبطله. # ويجاب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن التشبيه وقع فى الحال التى يحبط بها ~~العمل، وهى حال المرائى والمان المؤذى فى أن كل واحد منهما يحبط العمل. ~~الثانى: أن الرياء لا يكون إلا مقارنا للعمل، لأنه "فعال" من الرؤية التى ~~صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيا، وهذا [خلاف] المن والأذى ~~فإنه يكون مقارنا ومتراخيا، وتراخيه أكثر من مقارنته. # وقوله: {كالذى ينفق إما أن يكون المعنى كإبطال الذى ينفق فيكون شبه ~~الإبطال بالإبطال، أو المعنى لا تكونوا كالذى ينفق ماله رئاء الناس، فيكون ~~تشبيها للمنفق بالمنفق. وقوله: {فمثله} أى مثل هذا المنفق الذى قد بطل ثواب ~~نفقته: {كمثل صفوان} وهو الحجر الأملس، ms403 وفيه قولان: أحدهما: أنه واحد، ~~والثانى: جمع صفوة، " عليه تراب فأصابه وابل "وهو المطر الشديد، "فتركه ~~صلدا" وهو الأملس الذى لا شيء عليه من نبات ولا غيره وهذا من أبلغ الأمثال ~~وأحسنها، فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائى- الذى لم يصدر إنفاقه عن ~~[إيمانه] واليوم الآخر- بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به. وتضمن ~~تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذى علق بذلك الحجر، والوابل الذى ~~أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذى أبطل صدقته وأزالها كما يذهب ~~الوابل التراب الذى على الحجر فيتركه صلدا فلا يقدر المنفق على شيء من ~~ثوابه لبطلانه وزواله. # وفيه معنى آخر: وهو أن المنفق لغير الله هو فى الظاهر عامل عملا يرتب ~~عليه الأجر [يزكوا] له كما تزكو الحبة التى إذا بذرت فى التراب الطيب أنبتت ~~سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة، ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه ~~وزكائه كما أن تحت التراب حجرا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ~~ولا يخرج شيئا ثم قال: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ~~وتثبيتا # PageV01P368 # من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها ~~وابل فطل، والله بما تعملون بصير} [البقرة: 265] . # هذا مثل الذى مصدر نفقته [على] الإخلاص والصدق، فإن ابتغاء مرضاته سبحانه ~~هو الإخلاص، والتثبيت من النفس هو الصدق فى البذل، فإن المنفق يعترضه عند ~~إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره فى هذه الآية، إحداهما: طلبه ~~بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية، وهذا حال أكثر المنفقين ~~والآفة الثانية: ضعف نفسه [بالبذل وتقاعسها] وترددها، هل يفعل أم لا؟ ~~فالآفة الأولى تزول بابتغاء مرضاة الله، والآفة الثانية تزول بالتثبيت فإن ~~تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل. وهذا هو صدقها، وطلب ~~مرضاة الله إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها، فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك ~~كان مثله كجنة- وهى البستان الكثير الأشجار- فهو مجتن بها أى مستتر ليس ~~قاعا فارغا. والجنة ms404 بربوة- وهو المكان المرتفع-[لأنها] أكمل من الجنة التى ~~بالوهاد والحضيض، لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة [الأهوية] والرياح، وكانت ~~ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها، فكانت أنضج ثمرا وأطيبه وأحسنه ~~وأكثره، فإن الثمار تزداد طيبا وزكاء بالرياح والشمس، بخلاف الثمار التى ~~تنشأ فى الظلال، وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة ~~[الشرب] فقال تعالى: {أصابها وابل} [البقرة: 265] ، وهو المطر الشديد ~~العظيم القدر فأدت ثمرتها وأعطت بركتها فأخرجت [ثمرتها] ضعفى ما يثمر غيرها ~~أو ضعفى ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل، فهذا حال السابقين المقربين: {فإن ~~لم يصبها وابل فطل} [البقرة: 265] ، فهو دون الوابل، فهو يكفيها لكرم ~~منبتها وطيب مغرسها فتكتفى فى إخراج بركتها بالطل، وهذا حال الأبرار ~~المقتصدين فى النفقة وهم درجات عند الله، فأصحاب الوابل أعلاهم درجة، وهم ~~الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة، وأصحاب الطل مقتصدوهم. # فمثل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة [والقليلة] ~~بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاء [أو] ثمر الجنة ونحوه ~~بالأضعاف، فكذلك نفقتهم كثيرة أو قليلة بعد أن صدرت عن ابتغاء مرضاة الله ~~والتثبيت من نفوسهم فهى زاكية عند الله نامية مضاعفة. # PageV01P369 # واختلف فى الضعفين، فقيل: ضعفا الشيء مثلاه زائدا عليه وضعفه مثله، وقيل: ~~ضعفه مثلاه [ضعفاء] ثلاثة أمثاله، وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله كلما زاد ~~ضعفا زاد مثلا. والذى حمل هذا القائل [على] ذلك فراره من استواء دلالة ~~المفرد والتثنية، فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه، فإذا [ضم] إلى ~~المثل صار مثلين، وهما الضعف. فلو قيل: لها ضعفان لم يكن فرق بين المفرد ~~والمثنى، فالضعفان عنده مثلان مضافان إلى الأصل، ويلزم من هذا أن يكون ~~ثلاثة أضعافه أمثال مضافة إلى الأصل [هكذا ابدا والصواب أن الضعفين هى ~~المثلان فقط الأصل ومثله] . وعليه يدل قوله تعالى: {فآتت أكلها ضعفين} ~~[البقرة: 265] ، أى مثلين، وقوله تعالى: {يضاعف لها العذاب ضعفين} ~~[الأحزاب: 30] ، أى مثلين، ولهذا قال فى الحسنات: {نؤتها أجرها ms405 مرتين} ~~[الأحزاب: 31] ، وأما ما توهموه من استواء دلالة المفرد والتثنية فوهم ~~منشؤه ظن أن الضعف هو المثل مع الأصل وليس كذلك، بل المثل له اعتباران: إن ~~اعتبر وحده فهو ضعف، وإن اعتبر مع نظيره فهما ضعفان. والله أعلم. # واختلف فى رافع قوله: "فطل" فقيل: هو مبتدأ خبره محذوف أى وطله يكفيها، ~~وقيل: فى "أصابها" إما أن يرجع إلى الجنة أو إلى الربوة وهما متلازمان. ثم ~~قال تعالى: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} [البقرة: 266] ، ~~قال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله من الناس، شيخ كبير ضعف جسمه وكثر ~~صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا ~~انقطعت عنه الدنيا. # وفى صحيح البخارى عن عبيد بن عمير قال: سأل عمر يوما أصحاب النبى صلى ~~الله عليه وسلم: فيم هم يرون هذه الآيات نزلت: {أيود أحدكم أن تكون له جنة ~~من نخيل} [البقرة: 266] الآية؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا ~~نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: فى نفسى منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال ~~عمر: قم يا ابن أخى ولا تحقر بنفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال ~~عمر: أى عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل # PageV01P370 # عمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أغرق أعماله. # فقوله تعالى: {أيود أحدكم} أخرجه مخرج الاستفهام الإنكارى، وهو أبلغ من ~~النفى والنهى وألطف موقعا، كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا فنقول: لا يفعل ~~هذا عاقل، لا يفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة. وقال تعالى: {أيود ~~أحدكم} بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام، كما تقول يفعل هذا أحد فيه ~~خير؟ وهو أبلغ فى الإنكار من أن يقول أيودون. وقوله: "أيود" أبلغ فى ~~الإنكار من لو قيل: أيريد، لأن محبة هذا ms406 الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر ~~من مجرد إرادتها. # وقوله تعالى: {أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} خص هذين النوعين من الثمار ~~بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعا، فإن منهما القوت والغذاء ~~والدواء والشراب والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطبا ويابسا، ومنافعهما ~~كثيرة جدا. # وقد اختلف فى الأنفع والأفضل منهما فرجحت طائفة النخيل، ورجحت طائفة ~~العنب وذكرت كل طائفة حججا لقولها، فذكرناها فى غير هذا الموضع وفصل الخطاب ~~أن هذا يختلف باختلاف البلاد، فإن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بأن ~~سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر، فالأرض التى يكون فيها سلطان ~~النخيل لا يكون العنب بها طائلا ولا كثيرا، لأنه إنما يخرج فى الأرض الرخوة ~~اللينة المعتدلة غير السبخة فينمو فيها فيكثر، وأما النخيل فنموه وكثرته فى ~~الأرض الحارة السبخة، وهى لا تناسب العنب، فالنخل فى أرضه وموضعه أنفع ~~وأفضل من العنب فيها، والعنب فى أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. والله ~~أعلم. # والمقصود أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها، فالجنة ~~المشتملة عليهما من أفضل الجنان، ومع هذا فالأنهار تجرى تحت هذه الجنة، ~~وذلك أكمل لها وأعظم فى قدرها، ومع ذلك فلم تعدم شيئا من أنواع الثمار ~~المشتهاة بل فيها من كل الثمرات، ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب، ~~فلا تنافى بين كونها من نخيل وأعناب، و {فيها من كل الثمرات} [البقرة: 266] ~~، ونظير هذا قوله تعالى: {واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من ~~أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا} [الكهف: 32] إلى قوله تعالى: # PageV01P371 # {وكان له ثمر} [الكهف: 34] ، وقد قيل: إن الثمار [هنا] وفى آية [البقرة: ~~266] المراد بها المنافع والأموال، والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة ~~لا غيرها، لقوله هنا: {له فيها من كل الثمرات} [البقرة: 266] ، ثم قال ~~تعالى: "فأصابها "أى الجنة "إعصار فيه نار فاحترقت"، وفى [الكهف] : {وأحيط ~~بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها} [الكهف: 42] ~~، وما ذلك إلا ثمار الجنة. # ثم قال تعالى: {وأصابه الكبر} هذا إشارة إلى شدة حاجته ms407 إلى جنته، وتعلق ~~قلبه بها من وجوه، أحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها، ~~الثانى: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه، الثالث: أن له ذرية فهو حريص ~~على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته، الرابع: أنهم ضعفاء فهم كل عليه لا ~~ينفعونه بقوتهم وتصرفهم، الخامس: أن نفقتهم عليه، لضعفهم وعجزهم، [وهذه] ~~نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة: لخطرها فى نفسها وشدة حاجته ~~وذريته إليها. # فإذا تصورت هذه الحال وهذه الحاجة فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب ~~جنته إعصار- وهى الريح التى تستدير فى الأرض ثم ترتفع فى طبقات الجو ~~كالعمود- وفيه نار مرت بتلك الجنة فأحرقتها وصيرتها رمادا ، فصدق والله ~~الحسن- هذا مثل قل من يعقله من الناس- ولهذا نبه سبحانه وتعالى على عظم هذا ~~المثل، وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال تعالى: {كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} [البقرة: 266] ، فلو فكر العاقل فى ~~هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه، فهكذا العبد إذا عمل بطاعة الله ثم ~~أتبعها بما يبطلها ويفرقها من معاصى الله كانت كالإعصار ذى النار المحرق ~~للجنة التى غرسها بطاعته وعمله الصالح، ولولا أن هذه المواضع أهم مما ~~كلامنا بصدده- من ذكر مجرد الطبقات- لم نذكرها، ولكنها من أهم المهم، والله ~~المستعان الموفق لمرضاته. # فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره وتأمله كما ~~ينبغى لما سولت له نفسه والله إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها، ولكن لا بد ~~أن يغيب عنه علمه [بذلك] عند المعصية، ولهذا استحق اسم الجهل فكل من عصى ~~الله فهو جاهل. # فإن قيل: الواو فى قوله تعالى: "وأصابه الكبر "واو الحال، أم واو العطف؟ # PageV01P372 # وإذا كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها؟ قلت فيه وجهان: أحدهما: أنه واو ~~الحال اختاره الزمخشرى، والمعنى: أيود أحدكم أن تكون له جنة شأنها كذا وكذا ~~فى حال كبره وضعف ذريته. والثانى: أن تكون للعطف على المعنى، فإن فعل ~~التمنى وهو قوله: "أيود أحدكم "لطلب الماضى كثيرا، فكان المعنى: أيود لو ~~كانت ms408 له جنة من نخيل وأعناب وأصابه الكبر فجرى عليها ما ذكر. # وتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائى- الذى لم [يصدد] إنفاقه عن ~~الإيمان- بالصفوان الذى عليه التراب، فإنه لم ينبت شيئا أصلا، بل ذهب ~~[بذره] ضائعا، لعدم إيمانه وإخلاصه. # ثم ضرب المثل لمن عمل بطاعة الله مخلصا بنيته لله ثم عرض له ما أبطل ~~ثوابه بالجنة التى هى من أحسن الجنان وأطيبها [وأزهارها] ، ثم سلط عليها ~~الإعصار النارى [فأحرقها] ، فإن هذا نبت له شيء وأثمر له عمله ثم احترق، ~~والأول لم يحصل له شيء يدركه الحريق. # فتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء للصدور وهدى ورحمة، ثم قال: {يا ~~أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] ، أضاف سبحانه الكسب إليهم وإن ~~كان هو الخالق لأفعالهم، لأنه فعلهم القائم بهم، وأسند الإخراج إليه لأنه ~~ليس فعلا لهم، ولا هو مقدور لهم، فأضاف مقدورهم إليهم وأضاف مفعوله الذى لا ~~قدرة لهم عليه إليه، ففى ضمنه الرد على من سوى بين النوعين وسلب قدرة العبد ~~وفعله وتأثيره عنها بالكلية. # وخص سبحانه هذين النوعين- وهما الخارج من الأرض والحاصل بكسب التجارة دون ~~غيرهما من المواشى- إما بحسب الواقع فإنهما كانا أغلب أموال القوم إذ ذاك، ~~فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب والأنصار كانوا أصحاب حرث وزرع، فخص ~~هذين النوعين بالذكر لحاجتهم إلى بيان حكمهما وعموم وجودهما، وإما لأنهما ~~أصول الأموال وما عداهما فعنهما يكون ومنهما ينشأ، فإن الكسب تدخل فيه ~~التجارات كلها على اختلاف أصنافها وأنواعها من الملابس والمطاعم والرقيق ~~والحيوانات والآلات والأمتعة وسائر ما تتعلق به التجارة والخارج من الأرض ~~يتناول حبها وثمارها وركازها ومعدنها، وهذان هما أصول الأموال وأغلبها على ~~أهل الأرض فكان ذكرهما أهم، ثم قال: {ولا تيمموا الخبيث # PageV01P373 # منه تنفقون} [البقرة: 267] ، فنهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء [كما هو ~~عادة أكثر النفوس تمسك الجيد لها وتخرج الرديء] للفقير، ونهيه سبحانه عن ~~قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك ms409 لا عن قصد وتيمم بل [إما] عن ~~اتفاق، إذا كان هو الحاضر إذ ذاك أو كان ماله من جنسه، فإن هذا لم يتيمم ~~الخبيث بل تيمم إخراج بعض ما من الله عليه، وموقع قوله: {منه تنفقون موقع ~~الحال، أى لا تقصدوه منفقين منه. # ثم قال [تعالى] : {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} [البقرة: 267] ، أى ~~لو كنتم أنتم المستحقين له وبذل لكم لم تأخذوه فى حقوقكم إلا بأن تتسامحوا ~~فى أخذه وتترخصوا فيه، من قولهم: أغمض فلان عن بعض حقه، ويقال للبائع: ~~أغمض- أى لا تستقص- كأنك لا تبصر وحقيقته من إغماض الجفن فكأن الرائى ~~لكراهته له لا يملأ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضا، ~~ومنه قول الشاعر: # لم يفتنا بالوتر قوم وللضي # م رجال يرضون بالإغماض # وفيه معنيان: أحدهما كيف تبذلون لله وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم ولا ~~يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له، والله أحق من يخير له [خيار] الأشياء ~~وأنفسها؟ والثانى كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم وهو سبحانه طيب لا يقبل ~~إلا طيبا؟ ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما فقال: {واعلموا أن الله ~~غنى حميد} [البقرة: 267] فغناه وحمده يأبى قبول الرديء، فإن قابل الرديء ~~الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها ~~وشرفها، وأما الغنى عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله. # ثم قال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة ~~منه وفضلا والله واسع عليم} [البقرة: 268] هذه الآية تتضمن الحض على ~~الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعانى، فإنها اشتملت على بيان ~~الداعى إلى البخل والداعى إلى البذل والإنفاق، وبيان ما يدعوه إليه داعى ~~البخل وما يدعو إليه داعى الإنفاق وبيان ما يدعو به داعى الأمرين. # فأخبر سبحانه أن الذى يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان، وأخبر أن دعوته ~~هى بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم، وهذا هو الداعى ~~الغالب على الخلق، فإنه يهم بالصدقة والبذل فيجد فى قلبه ms410 داعيا يقول له: ~~متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه وافتقرت إليه بعد # PageV01P374 # إخراجه، وإمساكه خير لك حتى لا تبقى مثل الفقير، فغناك خير لك من غناه. # فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهى البخل الذى هو من أقبح ~~الفواحش. وهذا إجماع من المفسرين أن الفحشاء هنا البخل، فهذا وعده وهذا ~~أمره، وهو الكاذب فى وعده، الغار الفاجر فى أمره. [فالمستجيب] لدعوته مغرور ~~مخدوع مغبون، فإنه يدلى من يدعوه بغروره، ثم يورده شر الموارد. كما قال: # دلاهم بغرور ثم أوردهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار # هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه ولا نصيحة له كما ينصح الرجل أخاه، ~~ولا محبة فى بقائه غنيا، بل لا شيء أحب إليه من فقره وحاجته، وإنما وعده له ~~بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه ~~فيستوجب منه الحرمان. # وأما الله سبحانه فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه، وفضلا بأن يخلف عليه ~~أكثر مما أنفق وأضعافه إما فى الدنيا أو فى الدنيا والآخرة، فهذا وعد الله ~~وذاك وعد الشيطان فلينظر البخيل والمنفق أى الوعدين هو أوثق وإلى أيهما ~~يطمئن قلبه وتسكن نفسه؟ والله يوفق من يشاء ويخذل من يشاء وهو الواسع ~~العليم. # وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الاسمين، فإنه واسع العطاء عليم بمن يستحق ~~فضله ومن يستحق عدله، فيعطى هذا بفضله ويمنع هذا بعدله وهو بكل شيء عليم. ~~فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها، فإن لها شأنا لا يعقله إلا من ~~عقل عن الله خطابه وفهم مراده: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون} [العنكبوت: 43] . # وتأمل ختم هذه السورة التى هى سنام القرآن بأحكام الأموال وأقسام ~~الأغنياء وأحوالهم، وكيف قسمهم إلى ثلاثة أقسام: # القسم الأول: محسن وهم "المتصدقون"، فذكر جزاءهم ومضاعفته وما لهم فى قرض ~~أموالهم للمليء الوفى، ثم حذرهم مما يبطل ثواب صدقاتهم ويحرقها بعد ~~استوائها وكمالها من المن والأذى، وحذرهم مما يمنع ترتب أثرها عليها ابتداء ~~من الرياء، ثم أمرهم أن ms411 يتقربوا إليه بأطيبها ولا يتيمموا أردأها وخبيثها، ~~ثم حذرهم من الاستجابة لداعى البخل والفحش وأخبر أن استجابتهم لدعوته ~~وثقتهم بوعده أولى بهم، وأخبر أن هذا من حكمته التى يؤتيها من يشاء من ~~عباده، وأن من أوتيها فقد أوتى خيرا كثيرا: أوتى # PageV01P375 # ما هو خير وأفضل من الدنيا كلها، لأنه سبحانه وصف الدنيا بالقلة فقال ~~تعالى: {قل متاع الدنيا قليل} [النساء: 77] ، وقال تعالى: {ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتى خيرا كثيرا} [البقرة: 269] . # فدل على أن ما يؤتيه عبده من حكمته خير من الدنيا وما عليها ولا يعقل هذا ~~كل أحد بل لا يعقله إلا من له لب وعقل زكى، فقال تعالى: # {وما يذكر إلا أولوا الألباب} [البقرة: 269] ، ثم أخبر أن كل ما أنفقوه ~~من نفقة أو تقربوا به إليه من نذر فإنه يعلمه، فلا يضيع لديه، بل يعلم ما ~~كان لوجهه، ويكل جزاء من عمل لغيره إلى من عمل له، فإنه ظالم لنفسه وما له ~~من نصير، ثم أخبر سبحانه عن أحوال المتصدقين لوجهه فى صدقاتهم، وأنه يثيبهم ~~عليها إن أبدوها أو كتموها بعد أن تكون خالصة لوجهه فقال: {إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هى} [البقرة: 271] أى فنعم شيء هى، وهذا مدح لها موصوفة ~~بكونها ظاهرة بادية، فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه فيمنعه ذلك من ~~إخراجها وينتظر بها الإخفاء فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه ~~أو بينه وبين إخراجها، فلا يؤخر صدقة العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت ~~السر، وهذه كانت حال الصحابة. # ثم قال: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271] ، فأخبر ~~أن إعطاءها للفقير فى خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها. وتأمل تقييده ~~تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة ولم يقل: وإن تحفوها فهو خير لكم، فإن ~~من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش وبناء قنطرة وإجراء نهر أو غير ~~ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء ففى إخفائها من الفوائد الستر عليه وعدم تخجيله ~~بين الناس وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن يده هى اليد السفلى وأنه ~~[فقير] ms412 لا شيء له فيزهدون فى معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد من الإحسان ~~إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص وعدم المراءاة وطلبهم المحمدة من ~~الناس، وكان إخفاؤها للفقير خيرا من إظهارها بين الناس، ومن هذا مدح النبى ~~صلى الله عليه وسلم صدقة السر وأثنى على فاعلها وأخبر أنه أحد السبعة الذين ~~هم فى ظل عرش الرحمن يوم القيامة. # ولهذا جعله سبحانه خيرا للمنفق وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من ~~سيئاته، ولا يخفى عليه سبحانه أعمالكم ولا نياتكم، فإنه بما تعملون خبير، ~~ثم أخبر أن هذا الإنفاق إنما # PageV01P376 # نفعه لأنفاسهم يعود عليهم أحوج ما كانوا إليه، فكيف يبخل أحدكم عن نفسه ~~بما نفعه مختص بها عائد إليها. # وإن نفقة المؤمنين إنما تكون ابتغاء وجهه خالصا لأنها صادرة عن إيمانهم، ~~وأن نفقتهم ترجع إليهم وافية كاملة، ولا يظلم منها مثال ذرة. وصدر هذا ~~الكلام بأن الله [سبحانه] هو الهادى الموفق لمعاملته وإيثار مرضاته، وأنه ~~ليس على رسوله هداهم، بل عليه إبلاغهم، وهو سبحانه الذى يوفق من يشاء ~~لمرضاته. # ثم ذكر [سبحانه] المصرف الذى توضع فيه الصدقة فقال تعالى: {للفقراء الذين ~~أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] ، فوصفهم بست ~~صفات: إحداها: الفقر، الثانية: حبسهم أنفسهم فى سبيله تعالى وجهاد أعدائه ~~ونصر دينه، وأصل الحصر المنع، فمنعوا أنفسهم من تصرفها فى أشغال الدنيا، ~~وقصروها على بذلها لله فى سبيله، الثالثة: عجزهم عن الأسفار للتكسب، والضرب ~~فى الأرض هو السفر، قال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون فى ~~الأرض يبتبغون من فضل الله} [المزمل: 20] ، وقال تعالى: {وإذا ضربتم فى ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء: 101] ، # الرابعة: شدة تعففهم، وهو حسن صبرهم، وإظهارهم الغنى حتى يحسبهم الجاهل ~~أغنياء من تعففهم وعدم تعرضهم وكتمانهم حاجتهم، # الخامسة: أنهم يعرفون بسيماهم، وهى العلامة الدالة على حالتهم التى ~~[وصفهم] الله بها، وهذا لا ينافى حسبان الجاهل أنهم أغنياء لأن الجاهل ms413 له ~~ظاهر الأمر، والعارف هو المتوسم المتفرس الذى يعرف الناس بسيماهم [ولهذا ~~وصف الجاهل أغنياء وقال يعرفهم بسيماهم] ، فالمتوسمون خواص المؤمنين كما ~~قال تعالى: {إن فى ذلك لآيات للمتوسمين} [الحجر: 75] ، # السادسة: تركهم مسألة الناس فلا يسألونهم [شيئا] والإلحاف هو الإلحاح ~~والنفى متسلط عليهما معا، أى لا يسألون ولا يلحفون، فليس يقع منهم سؤال ~~يكون بسببه إلحاف. وهذا كقوله: "على لا حب لا يهتدى لمناره" أى ليس فيه ~~منار فيهتدى به، وفيه كالتنبيه على أن المذموم من السؤال هو سؤال الإلحاف، ~~فأما السؤال بقدر الضرورة من غير إلحاف فالأفضل تركه ولا يحرم. # فهذه ستة صفات للمستحقين للصدقة، فألغاها أكثر # PageV01P377 # الناس ولحظوا منها ظاهر الفقر وزيه من غير حقيقته، وأما سائر الصفات ~~المذكورة فعزيز أهلها، ومن يعرفهم أعز، والله يختص بتوفيقه من يشاء. فهؤلاء ~~هم المحسنون فى أموالهم. # القسم الثانى: "الظالمون"، وهم ضد هؤلاء الذين يذبحون المحتاج المضطر، ~~فإذا دعته الحاجة إليهم لم ينفسوا كربته إلا بزيادة على ما يبذلونه له وهم ~~أهل الربا. # فذكرهم تعالى بعد هذا فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما ~~بقى من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] ، فصدر الاية بالأمر بتقواه ~~المضادة للربا وأمر بترك ما بقى من الربا بعد نزول الآية وعفا لهم عما ~~قبضوه به قبل التحريم، ولولا ذلك لردوا ما قبضوه به قبل التحريم، وعلق هذا ~~الامتثال على وجود الإيمان منهم والمعلق على شرط منتف عند انتفائه. # ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده، وهى محاربة المرابى لله ورسوله ~~فقال تعالى: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] ففى ~~ضمن هذا الوعيد أن المرابى محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه، ولم يجيء ~~هذا الوعيد فى كبيرة سوى الربا وقطع الطريق والسعى فى الأرض بالفساد، لأن ~~كل واحد منهما مفسد فى الأرض، قاطع الطريق على الناس، هذا بقهره لهم ~~وتسليطه عليهم، وهذا بامتناعه من تفريج كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد ~~منها. # فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله وآذن ms414 هؤلاء إن لم يتركوا ~~الربا بحربه وحرب رسوله، ثم قال: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} [البقرة: ~~279] يعنى إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه وقد عاقدتهم عليه، [فإنما] ~~لكم رؤوس أموالكم، لا تزدادون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها ~~فيظلمكم من أخذها. # فإن كان هذا القابض معسرا فالواجب إنظاره إلى ميسرة، وإن تصدقتم عليه ~~وأبرأتموه فهو أفضل لكم وخير لكم، فإن أبت نفوسكم وشحت بالعدل والواجب أو ~~الفضل المندوب فذكروها يوما ترجعون فيه إلى الله وتلقون ربكم فيوفيكم جزاء ~~أعمالكم أحوج ما أنتم إليه، فذكر سبحانه المحسن وهو المتصدق ثم عقبه ~~[بالظالم] وهو المرابى. # ثم ذكر "العادل" فى آية التداين فقال تعالى: {يا أيها الذين # PageV01P378 # آمنوا إذا تداينتم بدين} [البقرة: 282] الآية، ولولا أن هذه الآية تستدعى ~~سفرا وحدها لذكرت بعض تفسيرها. والغرض إنما هو التنبيه والإشارة، وقد ذكر ~~أيضا العادل، وهو آخذ رأس ماله من غريمه لا بزيادة ولا نقصان، ثم ختم ~~السورة بهذه الخاتمة العظيمة التى هى من كنز تحت عرشه، والشيطان يفر من ~~البيت الذى تقرأ فيه، وفيها من العلوم والمعارف وقواعد الإسلام وأصول ~~الإيمان ومقامات الإحسان ما يستدعى بيانه كتابا مفردا. # والمقصود ذكر طبقات الخلائق فى الدر الآخرة، ولنعد إلى المقصود، فإن هذا ~~من سعى القلم، ولعله أهم مما نحن بصدده: فهذه الطبقات الأربع من طبقات ~~الأمة هم أهل الإحسان والنفع المتعدى وهم العلماء، وأئمة العدل، وأهل ~~الجهاد، وأهل الصدقة وبذل الأموال فى مرضاة الله، فهؤلاء ملوك الآخرة، ~~وصحائف حسناتهم متزايدة، تملى فيها الحسنات وهم فى بطون الأرض، ما دامت ~~آثارهم فى الدنيا فيا لها من نعمة ما أجلها، وكرامة ما أعظمها، يختص الله ~~بها من يشاء من عباده. # الطبقة الثامنة: طبقة من فتح الله له بابا من أبواب الخير القاصر على ~~نفسه كالصلاة والحج، والعمرة، وقراءة القرآن، والصوم والاعتكاف، والذكر ~~ونحوها، مضافا إلى أداء فرائض الله عليه فهو جاهد فى تكثير حسناته، وإملاء ~~صحيفته، وإذا عمل خطيئته تاب إلى الله منها. فهذا على خير عظيم، وله ms415 ثواب ~~أمثاله من أعمال الآخرة. ولكن ليس له إلا علمه، فإذا مات طويت صحيفته ~~[بموته] فهذه طبقة أهل الربح والحظوة أيضا عند الله. # الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة، وهى طبقة من يؤدى فرائض الله ويترك ~~محارم الله، مقتصرا عل ذلك لا يزيد عليه ولا ينقص منه. فلا يتعدى إلى ما ~~حرم الله عليه، ولا يزيد على ما فرض عليه. # هذا من المفلحين بضمان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أخبره بشرائع ~~الإسلام فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه؛ فقال صلى الله عليه ~~وسلم: "أفلح إن صدق "، وأصحاب هذه الطبقة مضمون لهم على الله تكفير ~~سيئاتهم، إذا أدوا فرائضه واجتنبوا كبائر ما نهاهم عنه. # قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم ~~مدخلا كريما} [النساء: 31] . # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # PageV01P379 # "الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما ~~لم تغش كبيرة"، فإن غشى أهل هذه الطبقة كبيرة وتابوا منها توبة نصوحا لم ~~يخرجوا من طبقتهم [وكانوا] بمنزلة من لا ذنب له. # فتكفير الصغائر يقع بشيئين: أحدهما: الحسنات الماحية، والثانى: اجتناب ~~الكبائر. وقد نص عليها سبحانه وتعالى فى كتابه فقال تعالى: # {وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} ~~[هود: 114] ، وقال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم} [النساء:31] . # الطبقة العاشرة: طبقة قوم أسرفوا على أنفسهم، وغشوا كبائر ما نهى الله ~~عنه ولكن رزقهم الله التوبة النصوح قبل الموت، فماتوا على توبة صحيحة. ~~فهؤلاء [ناجون من عذاب الله إما قطعا عند قوم وإما ظنا ورجاء عند آخرين ~~وهم] موكولون إلى المشيئة، ولكن نصوص القرآن والسنة تدل على نجاتهم وقبول ~~توبتهم، وهو وعد وعدهم الله إياه، والله لا يخلف الميعاد. فإن قيل: فما ~~الفرق بين أهل هذه الطبقة والتى قبلها؟ فإن الله إذا كفر عنهم سيئاتهم، ~~وأثبت لهم بكل سيئة حسنة كانوا كمن قبلهم أو أرجح؟ قيل: قد تقدم الكلام على ~~هذه ms416 المسألة بما فيه كفاية، فعليك بمعاودته هناك. وكيف يستوى عند الله من ~~أنفق عمره فى طاعته ولم يغش كبيرة، ومن لم يدع كبيرة إلا ارتكبها وفرط فى ~~أوامره، ثم تاب؟ فهذا غايته أن تمحى سيئاته ويكون لا له ولا عليه. وأما أن ~~يكون هو ومن قبله سواء أو أرجح منه فكلا. # الطبقة الحادية عشرة: طبقة أقوام خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا: فعملوا ~~حسنات وكبائر، ولقوا الله مصرين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب ~~من سيئاتهم، فإذا وزنت بها رجحت كفة الحسنات، فهؤلاء أيضا ناجون فائزون قال ~~تعالى: {والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون} [الأعراف: 8- ~~9] . # قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يحشر الناس يوم ~~القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن # PageV01P380 # رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو ~~من أهل الأعراف. # وهذه الموازنة تكون بعد [القصاص] ، واستيفاء المظلومين حقوقهم من حسناته، ~~فإذا بقى شيء منها وزن هو وسيئاته. # ولكن هنا مسألة، وهى: إذا وزنت السيئات بالحسنات فرجحت الحسنات، هل يلغى ~~المرجوح جملة ويصير الأثر للراجح فيثاب على حسناته كلها، أو يسقط من ~~الحسنات ما قابلها من السيئات المرجوحة ويبقى التأثير للرجحان فيثاب عليه ~~وحده؟ فيه قولان: هذا عند من يقول بالموازنة والحكمة، وأما من ينفى ذلك فلا ~~عبرة عنده بهذا، وإنما هو موكول إلى محض المشيئة، وعلى القول الأول فيذهب ~~أثر السيئات جملة بالحسنات الراجحة، وعلى القول الثانى يكون تأثيرها فى ~~نقصان ثوابه لا فى حصول العقاب له، ويترجح هذا القول الثانى بأن السيئات لو ~~لم تحبط ما قبلها من الحسنات، وكان العمل والتأثير للحسنات كلها لم يكن فرق ~~بين وجودها وعدمها، ولكان لا فرق بين المحسن الذى محض عمله حسنات، وبين من ~~خلط عملا صالحا وآخر سيئا. # وقد يجاب عن هذا بأنها أثرت فى نقصان ثوابه ولا بد، فإنه لو اشتغل فى ms417 زمن ~~إيقاعها بالحسنات لكان أرفع لدرجته وأعظم لثوابه، وإذا كان كذلك فقد ترجح ~~القول الأول بأن الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأثير المغلوب المرجوح وصار ~~الحكم للغالب دونه لاستهلاكه فى جنبه كما يستهلك يسير النجاسة فى الماء ~~الكثير والماء إذا بلغ [قلتين] لم يحمل الخبث"، والله أعلم. # الطبقة الثانية عشر: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما ~~[فتقاوما] فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار وسيئاتهم المساوية من ~~دخول الجنة. # فهؤلاء هم أهل أهل [الأعراف] ، لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ~~ربه، ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب. # وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل هذه الطبقة فى سورة الأعراف- بعد أن ذكر ~~دخول أهل النار وتلاعنهم فيها ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم، ثم ~~مناداة أهل الجنة أهل النار- فقال تعالى: {وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال ~~يعرفون كلا بسيماهم، ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم ~~يطمعون وإذا صرفت أبصارهم # PageV01P381 # تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} [الأعراف: ~~46- 47] ، فقوله تعالى: {وبينهما حجاب} [الأعراف: 46] أى بين أهل الجنة ~~والنار حجاب، قيل: [هو] السور الذى يضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب: باطنه الذى يلى المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذى ~~يلى الكفار من [جهته] العذاب. # والأعراف جمع عرف وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار ~~[قيل: هو هذا السور الذى يضرب بينهم وقيل جبال بينم الجنة والنار] عليه أهل ~~الأعراف. # قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم ~~سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضى ~~الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته. # قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهذلى قال: كان سعيد بن جبير ~~يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته ~~أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر [من حسناته بواحده] ~~بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله تعالى: {فمن ثقلت ms418 موازينه فأولئك هم ~~المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} [الأعراف: 8- 9] ، ثم ~~قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته ~~كان من أصحاب الأعراف. # فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل ~~الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: {ربنا ~~لا تجعلنا مع القوم الظالمين} [الأعراف: 47] ، فأما أصحاب الحسنات فإنهم ~~يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورا، فإذا ~~أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ~~ما لقى المنافقون قالوا: {ربنا أتمم لنا نورنا} [التحريم: 8] ، وأما أصحاب ~~الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم [ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا وبقى فى ~~قلوبهم الطمع إذا لم يزغ النور من أيديهم] فيقول الله: {لم يدخلوها وهم ~~يطمعون} [الأعراف: 46] ، فكان الطمع للنور الذى فى أيديهم ثم أدخلوا الجنة ~~وكانوا آخر أهل الجنة دخولا. يريد آخر أهل الجنة دخولا ممن لم يدخل النار. # وقيل: هم قوم خرجوا فى الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا، فأعتقوا من النار ~~لقتلهم فى سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم. وهذا من جنس القول ~~الأول، وقيل: هم قوم رضى عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون على الأعراف ~~حتى يقضى الله بين الناس ثم # PageV01P382 # يدخلهم الجنة، وهى من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما. وقيل: هم أصحاب ~~الفترة وأطفال المشركين. وقيل: هم أولو الفضل من المؤمنين علوا على ~~الأعراف، فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعا. وقيل: هم الملائكة لا من ~~بنى آدم. # والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا ~~تكاد تثبت [أسانيدها] . وآثار الصحابة فى ذلك المعتمدة. # وقد اختلف فى تفسير الصحابى هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين: ~~الأول اختيار أبى عبد الله الحاكم، والثانى هو الصواب، ولا نقول على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما لم نعلم أنه قاله. وقوله تعالى: {وعلى الأعراف ~~رجال} ms419 [الأعراف: 46] صريح فى أنهم من بنى آدم ليسوا من الملائكة. وقوله ~~تعالى: {يعرفون كلا بسيماهم} [الأعراف: 46] ، يعنى يعرفون الفريقين ~~بسيماهم، {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم} [الأعراف: 46] ، أى نادى أهل ~~الأعراف أهل الجنة بالسلام. قوله تعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون} الضميرات ~~فى الجملتين لأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون فى دخولها. # قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم، وقال ~~الحسن: الذى [جعل] الطمع فى قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون، وفى هذا رد على ~~وقول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال ~~الفريقين، فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأمة بكتاب الله، ~~ومراده منه. # ثم قال تعالى: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين} هذا دليل على [أنهم] بمكان مرتفع بين الجنة ~~والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا فى الدخول إليها، ~~وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم، ثم قال تعالى: ~~{ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم} يعنى من الكفار الذين فى ~~النار، فقالوا لهم: {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون} [الأعراف:48] ~~يعنى ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على [أهل] الحق ولا استكباركم، وهذا ~~إما نفى، وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفخم. # ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم فى ~~الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله كما لم يختصهم دونهم فى ~~الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: # PageV01P383 # {أهؤلاء الذين أقسمتم} أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة، فها ~~هم فى الجنة يتمتعون ويتنعمون وفى رياضها يحبرون ثم يقال لأهل الأعراف: ~~{ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} [الأعراف: 49] . # وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم ~~[جموعهم] واستكبارهم، عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة، وأقسموا أن الله لا ~~ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلفهم عن الجنة، وأنهم يصيرون إلى النار، فتقول ~~لهم الملائكة حينئذ: {أهؤلاء ms420 الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة، ادخلوا ~~الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} [الأعراف: 49] ، والقولان قويان ~~محتملان، والله أعلم. # فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار. # الطبقة الثالثة عشرة: طبقة أهل المحنة والبلية، نعوذ بالله. وإن كانت ~~آخرتهم إلى عفو وخير، وهم قوم مسلمون خفت موازينهم ورجحت سيئاتهم على ~~حسناتهم فغلبتها السيئات، فهذه الطبقة التى اختلفت فيها أقاويل الناس وكثر ~~فيها خوضهم وتشعبت مذاهبهم وتشتتت آرآوهم، فطائفة كفرتهم، وأوجبت لهم ~~الخلود فى النار، وهذا مذهب أكثر الخوارج، بل يكفرون من هو أحسن حالا منهم ~~وهو مرتكب الكبيرة الذى لم يتب منها ولو استغرقتها حسناته. وطائفة أوجبت ~~لهم الخلود فى النار ولم تطلق عليهم اسم الكفر، بل سموهم منافقين. # وهذا المذهب ينسب إلى البكرية أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد. # وطائفة نزلتهم منزلة بين منزلة الكفار والمؤمنين، فجعلوا أقسام الخلق ~~ثلاثة: مؤمنين، وكفارا، وقسما لا مؤمنين ولا كفارا بل بينهما، وأوجبت لهم ~~الخلود فى النار، وهذا هو الرأى الذى عليه أهل الاعتزال، وهو أحد أصولهم ~~الخمسة التى هى قواعد مذهبهم وهى: التوحيد الذى مضمونه جحد صفات الخالق ~~ونعوت كماله والتعطيل المحض، والعدل الذى مضمونه نفى عموم قدرة الله وأنه ~~لا قدرة له على أفعال الحيوانات بل هى خارجة عن ملكه وخلقه وقدرته، وأنه ~~يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد، فإنه لا يقدر أن يهدى ضالا ولا أن يضل ~~مهتديا ولا يجعل المصلى مصليا ولا الذاكر ذاكرا ولا الطائف طائقا، تعالى ~~الله عن إفكهم # PageV01P384 # وشركهم علوا كبيرا. والمنزلة بين المنزلتين التى مضمونها إيجاب [الخلود ~~فى النار] للمسلم المبالغ فى طاعة ربه الذى أفنى عمره فى عبادته وطاعته ~~ومات مصرا على كبيرة واحدة، تعالى الله عما نسبوه إليه من ذلك وجل عن هذا ~~الافتراء. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى مضمونه الخروج على أئمة ~~الجور بالسيف، وخلع اليد من طاعتهم، ومفارقة جماعة المسلمين. والأصل # الخامس: النبوة مع أنهم لم يوفوها حقها، بل هضموها غاية الهضم من وجوه ~~كثيرة ms421 ليس هذا موضعها. # والمقصود أن مذهبهم تخليد هذه الطبقة فى النار، وإن لم يسموهم كفارا، ~~فوافقوا الخوارج فى الحكم وخالفوهم فى الاسم. # ولهذا تسمى هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام. فهذه ثلاث فرق أوجبت ~~لهذه الطائفة الخلود فى النار وقالت المرجئة على اختلاف آرائهم: لا يدرى ما ~~يفعل الله بهم فيجوز أن يعذبهم كلهم، وأن يعفو عنهم كلهم، وأن يعذب بعضهم ~~ويعفو عن بعضهم، غير أنهم لا يخلد أحد منهم فى النار فجوزوا # أن يلحق بعضهم بمن ترجحت حسناته على سيئاته، بل جوزوا أن يرفع عليه فى ~~الدرجة. فهم موكلون عندهم إلى محض المشيئة لا يدرى ما يفعل الله بهم، بل ~~يرجأ أمرهم إلى الله وحكمه، وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء والصوفية ~~وغيرهم. # فهذه الأقوال [هى] التى يعرفها أكثر الناس، ولا يحكى أهل الكلام غيرها، ~~وقول الصحابة والتابعين وأئمة الحديث لا [يعرفونه] ولا يحكونه [وهو] الذى ~~ذكرناه عن ابن عباس وحذيفة وابن مسعود [رضى الله عنهم] أن من ترجحت سيئاته ~~بواحدة دخل النار. # وهؤلاء هم القسم الذين جاءت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإنهم يدخلون النار فيكونون فيها على مقدار أعمالهم: ~~فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه، ~~ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ويلبثون فيها على قدر أعمالهم، ثم يخرجون ~~منها، فينبتون على [أنهار] الجنة: فيفيض عليهم أهل الجنة من الماء حتى تنبت ~~أجسادهم، ثم يدخلون الجنة. وهم الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة ~~الشافعين، وهم الذين يأمر الله سيد الشفعاء مرارا أن يخرجهم من النار بما ~~معهم من الإيمان. # وإخبار النبى صلى الله عليه وسلم أنهم يكونون فيها على قدر أعمالهم مع ~~قوله تعالى: {بما كنتم تعملون} [الأعراف: 43] [النحل:32، الزخرف 72، ~~الطور:19 السجدة:14، المرسلات:43] ، # PageV01P385 # و {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل: 90] ، وقوله تعالى: {ثم توفى كل ~~نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [آل عمران: 171] . # وأضعاف ذلك من نصوص القرآن والسنة يدل على ما قاله أفضل ms422 الأمة وأعلمها ~~بالله وكتابه وأحكام الدارين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والعقل ~~والفطرة تشهد له، وهو مقتضى حكمة العزيز الحكيم الذى بهرت حكمته العقول. # فليس الأمر سببا خارجا عن الضبط والحكمة بل مربوط بالأساليب، والحكم مرتب ~~عليها أكمل ترتيب، جار على نظام اقتضاه السبب واستدعته الحكمة. وأى الطريق ~~سلكها سالك غير هذه الطريق من الطرق المتقدمة أفضت به إلى ترك بعض النصوص ~~ولا بد، فإنها تتناقض فى حقه لما أصله من الأصل الذى لا يلتئم عليه جمع ~~النصوص، فلا بد أن يرد بعضها ببعض أو يستشكلها أو يتطلب لها مستنكر ~~التأويلات [ووجوه] التحريفات. كما رد الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة ~~الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة [ف] كذبوا بها وقالوا: لا ~~سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بشفاعة ولا غيرها. # ولما بهرتهم نصوص الشفاعة وصاح بهم أهل السنة وأئمة الإسلام من كل قطر ~~وجانب ورموهم بسهام الرد عليهم أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط لا ~~على الخروج من النار، فردوا السنة المتواترة قطعا وصاروا مضغة فى أفواه ~~الأمة وعارا فى فرقها، فإن أمر الشفاعة أظهر عند الأمة من أن يقبل شكا أو ~~نزاعا، وهو عندهم مثل الصراط والحساب ونحوهما مما يعلم إخبار الرسول صلى ~~الله عليه وسلم به قطعا، ولكن إنما أتى القوم لأنهم فى غاية البعد عما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم، أجانب عنه، ليسوا من الورثة، وأما الخوارج ~~فكذبوا الصحابة صريحا، وأما المرجئة فإنهم يجوزون أن لا يدخل النار أحد من ~~أهل التوحيد. # وهذا بخلاف المعلوم المتواتر من نصوص السنة بدخول بعض أهل الكبائر النار ~~ثم خروجهم منها بالشفاعة، ومع هذا التواتر الذى لا يمكن دفعه لا يجوز أن ~~يقال بجواز أن لا يدخل أحد منهم النار، بل لا بد من دخول بعضهم، وذلك البعض ~~هو الذى خفت موازينه ورجحت سيئاته كما قال الصحابة [رضى الله عنهم] وحكى ~~أبو محمد بن حزم هذا إجماعا من أهل السنة. # ولولا أن المقصود ذكر الطبقات لذكرنا ms423 ما لهذه المذاهب وما عليها، وبينا ~~تناقض أهلها، وما وافقوا فيه الحق وما خالفوه بالعلم والعدل لا بالجهل ~~والظلم، فإن كل طائفة منها معها حق وباطل، # PageV01P386 # فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق، ورد ما قالوه من الباطل. ومن فتح ~~الله له بهذه الطريق فقد فتح له من العلم والدين كل باب، ويسر عليه فيهما ~~الأسباب. والله المستعان. # الطبقة الرابعة عشرة: قوم لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان. # وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر، ومنهم ~~المجنون الذى لا يعقل شيئا ولا يميز، ومنهم الأصم الذى لا يسمع شيئا أبدا، ~~ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئا. # فاختلفت الأمة فى حكم هذه الطبقة اختلافا كثيرا، والمسألة التى وسعوا ~~فيها الكلام هى مسألة أطفال المشركين. وأما أطفال المسلمين فقال الإمام ~~أحمد: لا يختلف فيهم أحد [يعنى] أنهم فى الجنة. وحكى ابن عبد البر عن ~~جماعة: أنهم توقفوا فيهم، وأن جميع الولدان تحت المشيئة قال: وذهب إلى هذا ~~القول جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ~~وابن المبارك، وإسحاق ابن راهويه قالوا: وهو شبه ما رسم مالك فى موطئه فى ~~أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث فى ذلك. وعلى أكثر أصحابه، وليس عن ~~مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال ~~المسلمين فى الجنة وأطفال المشركين خاصة فى المشيئة. # وأما أطفال المشركين فللناس فيهم ثمانية مذاهب: # أحدها: الوقف فيهم، وترك الشهادة بأنهم فى الجنة أو فى النار، بل يوكل ~~علمهم إلى الله تعالى، ويقال الله أعلم ما كانوا عاملين. واحتج هؤلاء بحجج: ~~منها ما أخرجاه فى الصحيحين من حديث أبى هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، ~~كما تنتج البهيمة من بهيمة جمعاء، هل [يحسن] فيها من جدعاء"؟ قالوا: يا ~~رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله ms424 أعلم بما كانوا عاملين"، ~~ومنها ما فى الصحيحين أيضا عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين ". # وفى صحيح أبى حاتم بن حبان من حديث جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء ~~[العطاردى] يقول وهو على المنبر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يزال أمر هذه الأمة قواما- أو مقاربا- ما لم يتكلموا فى الولدان والقدر". ~~قال أبو حاتم: الولدان أراد به أطفال المشركين. # وفى استدلال هذه الفرقة على ما [ذهبت] إليه من # PageV01P387 # الموقف بهذه النصوص نظر. فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يجب فيهم ~~بالوقف، وإنما وكل علم ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله سبحانه وتعالى. ~~والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا. # فهو سبحانه وتعالى يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو عاش، والقابل ~~منهم للكفر المؤثر له لو عاش، [و] لكن لا يدل هذا على أنه يجزيهم [بمجرد] ~~علمه فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل على أنه [سبحانه وتعالى] يعلم منهم ~~ما هم عاملون بتقدير حياتهم. # وهذا الجواب خرج عن النبى صلى الله عليه وسلم على وجهين: أحدهما: جواب ~~لهم إذ سألوه عنهم: ما حكمهم؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، وهو فى ~~هذا الوجه يتضمن أن الله سبحانه وتعالى يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر بتقدير ~~الحياة، وأما المجازاة على العلم فلم يتضمنها جوابه صلى الله عليه وسلم. # وفى صحيح أبى عوانة الإسفراينى عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس: ~~كان النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض مغازيه، فسأله رجل: ما [تقول] فى ~~اللاهين؟ فسكت عنه، فلما فرغ من [غزوه وطاف] إذا هو بصبى يبحث فى الأرض، ~~فأمر مناديه فنادى: "أين السائل عن اللاهين"؟ فأقبل الرجل، فنهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قتل الأطفال، وقال: الله أعلم بما كانوا عاملين". # والوجه الثانى: جواب لهم حين أخبرهم أنهم من آبائهم، فقالوا: بلا عمل؟ ~~فقال: "الله أعلم بما كانوا ms425 عاملين"، كما روى أبو داود عن عائشة [رضى الله ~~عنه] قالت: قلت: يا رسول الله، ذرارى المؤمنين؟ قال: "من آبائهم"، فقلت: يا ~~رسول الله، بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" [قلت: يا رسول ~~الله، فذرارى المشركين؟ قال: "هم من آبائهم"، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ ~~قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين] ". ففى هذا الحديث ما يدل على أن الذين ~~يلحقون بآبائهم منهم هم الذين علم الله أنهم لو عاشوا لاختاروا الكفر ~~وعملوه به. فهؤلاء مع آبائهم، ولا يقتضى أن كل واحد من الذرية مع أبيه فى ~~النار. # فإن الكلام فى هذا الجنس سؤالا وجوابا، والجواب يدل على التفصيل، فإن ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يدل على أنهم ~~متباينون فى التبعية، بحسب نياتهم [فى] معلوم الله فيهم. # بقى أن يقال: فالحديث يدل على أنهم يلحقون بآبائهم من غير عمل، ولهذا ~~فهمت ذلك منه عائشة فقالت: بلا عمل؟ فأقرها عليه السلام فقال: "الله أعلم ~~بما كانوا عاملين"، ويجاب عن هذا بأن الحديث إنما دل على أنهم يلحقون بهم ~~بلا عمل عملوه فى الدنيا، وهو الذى فهمته عائشة. # ولا ينفى هذا أن يلحقوا بهم [بأسباب آخر يمتحنهم بها فى عرصات القيامة ~~كما سيأتى بيانه] إن شاء الله. فحينئذ يلحقون بآبائهم ويكونون منهم بلا عمل ~~عملوه فى الدنيا، وعائشة [رضى الله عنه] إنما # PageV01P388 # استشكلت لحاقهم بهم بلا عمل عملوه مع الآباء، وأجابها النبى صلى الله ~~عليه وسلم بأن الله سبحانه وتعالى يعلم منهم ما هم عاملوه، ولم يقل لها: ~~إنه يعذبهم بمجرد علمه فيهم. وهذا ظاهر بحمد الله لا إشكال فيه. # وأما حديث أبى رجاء العطاردى عن ابن عباس، ففى القلب من رفعه شيء وإن ~~أخرجه ابن حبان فى صحيحه، وهو يدل على ذم من تكلم فيهم بغير علم، أو ضرب ~~النصوص بعضها ببعض فيهم، كما ذم من تكلم فى القدر بمثل ذلك، وأما من تكلم ~~فيهم بعلم وحق فلا. # المذهب الثانى: أنهم فى النار. وهذا ms426 قول جماعة من المتكلمين وأهل ~~التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد، وحكاه القاضى نصا عن أحمد، واحتج هؤلاء ~~بحديث عائشة المتقدم، واحتجوا بما رواه أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية ~~عن عائشة: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المسلمين أين هم؟ ~~قال: "فى الجنة"، وسألته عن أولاد المشركين أين هم يوم القيامة؟ قال: "فى ~~النار"، فقلت: لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام. قال: "ربك أعلم ~~بما كانوا عاملين"، قلت: يحيى بن المتوكل لا يحتج بحديثه، فإنه فى غاية من ~~الضعف. # وأما حديث عائشة المتقدم فهو من حديث عمر بن ذر، وتفرد به عن يزيد عن أبى ~~أمية أن البراء بن عازب أرسل إلى عائشة يسألها عن الأطفال، فذكرت الحديث ~~هكذا، قال مسلم بن قتيبة [عنه] ، وقال غيره: عن عمر بن ذر عن يزيد عن رجل ~~عن البراء، ورواه الإمام أحمد فى مسنده من حديث عتبة بن ضمرة بن حبيب: ~~حدثنى عبد الله بن أبى قيس مولى غطيف أنه سأل عائشة، فذكرت الحديث. وعبد ~~الله هذا ينظر فى حاله، وليس بالمشهور. # واحتجوا بما رواه عبد الله بن أحمد فى مسند أبيه عن عثمان بن أبى شيبة عن ~~محمد بن فضيل بن غزوان عن محمد بن عثمان عن زاذان عن على قال: سألت خديجة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا فى الجاهلية فقال: "هما فى ~~النار" رأى الكراهية فى وجهها قال: "لو رأيت مكانهما لأبغضتهما" قالت: يا ~~رسول الله، فولدى منك؟ قال: "إن المؤمنين وأولادهم فى الجنة، وإن المشركين ~~وأولادهم فى النار"، ثم قرأ: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم} [الطور: 21] . # وهذا معلول من وجهين، أحدهما: أن محمد بن عثمان مجهول، والثانى: أن زاذان ~~لم يدرك عليا. وقال جماعة عن داود بن أبى هند عن الشعبى عن علقمة عن سلمة ~~بن قيس الأشجعى # PageV01P389 # قال: أتيت أنا وأخى النبى صلى الله عليه وسلم فقلنا: إن أمنا ماتت فى ~~الجاهلية وكانت تقرى الضيف وتفعل ms427 وتفعل، فهل نافعها ذلك شيئا؟ قال صلى الله ~~عليه وسلم: "لا"، قلنا: فإنها كانت وأدت أختا لنا فى الجاهلية لم تبلغ ~~الحنث؟ [فقال] : "الوائدة والموؤدة فى النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام ~~فتسلم"، وهذا إسناد لا بأس به، وبحديث خديجة أنها سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أولادها الذين ماتوا فى الشرك؟ فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم ~~فى النار"، قال شيخنا: وهذا حديث باطل موضوع. # واحتجوا أيضا بما روى البخارى فى صحيحه فى حديث احتجاج الجنة والنار عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وأما النار فينشيء الله لها خلقا ~~يسكنهم إياها" قالوا: فهؤلاء ينشؤون للنار بغير عمل، فلأن يدخلها من ولد فى ~~الدنيا بين كافرين أولى. وهذه حجة باطلة، فإن هذه اللفظة وقعت غلطا من بعض ~~الرواة، وبينها البخارى فى الحديث الآخر وهو الصواب فقال فى صحيحه: حدثنى ~~عبد الله بن محمد انبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن همام عن أبى هريرة قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم: "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت ~~بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة: مالى لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس ~~وسقطهم؟ قال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادى، وقال ~~تعالى للنار: أنت عذابى أعذب بك من أشاء من عبادى، ولكل واحدة منكما ملؤها: ~~فأما النار فلا تمتليء حتى يضع الجبار عز وجل رجله، فتقول: قط، قط، فهناك ~~تمتليء ويزوى بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا. وأما الجنة فإن ~~الله ينشيء لها خلقا"، فهذا هو الذى قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا ~~ريب، وهو الذى ذكره فى التفسير [وقال] وفى باب ما جاء فى قوله تعالى: {إن ~~رحمة الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] : حدثنا عبد الله بن سعد، حدثنا ~~يعقوب، حدثنا أبى عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال: "اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب ~~مالها لا يدخلها إلا ضعفاء ms428 الناس وسقطهم، وقالت النار: إنى أوثرت ~~بالمتكبرين، فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتى، وقال تعالى للنار: أنت ~~عذابى أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها قال: فأما الجنة فإن الله ~~تعالى لا يظلم من خلقه أحدا، وإنه ينشيء للنار من يشاء فيلقون فيها، فتقول: ~~هل من مزيد ثلاثا حتى يضع قدمه فيها فتمتليء ويرد بعضها إلى بعض، فتقول: قط # PageV01P390 # قط قط"، فهذا غير محفوظ، وهو مما انقلب لفظه على بعض الرواة قطعا كما ~~انقلب على بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا ~~واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، فقال: "إن ابن مكتوم يؤذن بليل فكلوا ~~واشربوا حتى يؤذن بلال". # وله نظائر وحديث الأعرج عن أبى هريرة لم يحفظ كما ينبغى وسياقه يدل على ~~أن رواية لم يقم متنه، بخلاف حديث همام عن أبى هريرة، واحتجوا بما رواه أبو ~~داود عن عامر الشعبى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوائدة ~~والمؤودة فى النار ". # قال يحيى بن زكريا: فحدثنى أبو إسحاق السبيعى: أن عامرا حدثه بذلك عن ~~علقمة عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم ويأتى الجواب عن هذا ~~الحديث إن شاء الله. والله أعلم. # المذهب الثالث: أنهم فى الجنة، وهذا قول طائفة من المفسرين والمتكلمين ~~وغيرهم. واحتج هؤلاء بما رواه البخارى فى صحيحه عن سمرة بن جندب قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم [يعنى] مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى ~~أحد منكم رؤيا"؟ قال: فنقص عليه ما شاء الله أن نقص، وأنه قال لنا ذات ~~غداة: "إنى أتانى الليلة آتيان- فذكر الحديث، وفيه: فأتينا على روضة ~~[معتمة] فيها من كل لون الربيع وإذا بين ظهرى الروضة رجل طويل لا أكاد أرى ~~رأسه طولا فى السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط- وفيه- وأما ~~الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة"، فقال بعض المسلمين: يا رسول ~~الله وأولاد المشركين؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "وأولاد المشركين"، ~~فهذا الحديث الصحيح ms429 صريح فى أنهم فى الجنة، ورؤيا الأنبياء وحى. # وفى مستخرج البرقانى على البخارى من حديث عوف الأعرابى عن أبى رجاء ~~العطاردى عن سمرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على ~~الفطرة"، فقال الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد ~~المشركين". # وقال أبو بكر بن حمدان القطيعى: حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هوذة بن خليفة، ~~حدثنا عوف عن خنساء بنت معاوية قالت: حدثتنى عمتى قالت: يا رسول الله، من ~~فى الجنة؟ قال: "النبى فى الجنة والشهيد فى الجنة والمؤودة فى الجنة"؟، ~~وكذلك رواه بندار عن غندر عن عوف. # واحتجوا بقوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم} ~~[الأعراف: 172] ، وبقوله تعالى: {لا يصلاها إلا الأشقى} [الليل: 15] ، ~~وبقوله تعالى: # PageV01P391 # {أعدت للكافرين} [البقرة: 24] ، وبقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} [الإسراء: 15] ، وهؤلاء لم تقم عليهم حجة الله بالرسل فلا يعذبهم ~~[واحتجوا بقوله تعالى {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل} ~~[النساء: 165] # واحتجوا بقوله تعالى: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا ~~يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون} [القصص:95] ، ~~فإذا كان سبحانه لا يهلك القرى فى الدنيا ويعذب أهلها إلا بظلمهم، فكيف ~~يعذب فى الآخرة العذاب الدائم من لم يصدر منه ظلم؟ ولا يقال: كما أهلكه فى ~~الدنيا تبعا لأبويه وغيرهم، [فكذلك] يدخله النار تبعا لهم، لأن مصائب ~~الدنيا إذا وردت لا تخص الظالم وحده بل تصيب الظالم وغيره ويبعثون على ~~نياتهم وأعمالهم كما قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة} [الأنفال: 25] ، وكالجيش الذى يخسف بهم جميعهم وفيهم المكره ~~والمستبصر وغيره. # فأما عذاب الآخرة فلا يكون إلا للظالمين خاصة، ولا يتبعهم فيه من لا ذنب ~~له أصلا. وقال تعالى فى النار: {كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} ~~[الملك:8،9] ، وقال [تعالى] لإبليس: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين} [النمل: ms430 85] ، وإذا امتلأت بإبليس وأتباعه فأين يستقر فيها من لم ~~يتبعه؟ قالوا: وأيضا فالقرآن مملوء من الأخبار بأن دخول النار إنما يكون ~~بالأعمال كقوله تعالى: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} [النمل: 90] ، وقوله ~~تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} # [الكهف: 49] ، {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] ، وقوله تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ~~الظالمين} [الزخرف: 76] إلى غير ذلك من النصوص. قالوا: وقد أخبر النبى صلى ~~الله عليه وسلم أن كل مولود [يولد] على الفطرة، وإنما يهوده وينصره أبواه، ~~فإذا مات قبل التهويد والتنصير مات على الفطرة، فكيف يستحق النار؟ وفى صحيح ~~مسلم من حديث عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله: ~~إنى خلقت عبادى حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ~~ما أحللت لهم"، وقال محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد ~~الرحمن بن عائذ عن عياض عن # PageV01P392 # النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين، ~~وأعطاهم المال حلالا لا حراما"، فزاد "مسلمين". # قالوا: وأيضا فإن النار دار عدله [تعالى] والجنة دار فضله، فلهذا ينشيء ~~للجنة من لم يعمل عملا قط، وأما النار فإنه لا يعذب بها إلا من عمل بعمل ~~أهلها. وقالوا: وأيضا فإن النار دار جزاء، فمن لم يعص الله طرفة عين كيف ~~يجازى بالنار خالدا مخلدا أبد الآباد؟ قالوا: وأيضا فلو عذب هؤلاء لكان ~~تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان أو بدون التكليف. # والقسمان ممتنعان: أما الأول فلاستحالة تكليف من لا تمييز له ولا عقل ~~أصلا، وأما الثانى فيمتنع أيضا بالنصوص التى ذكرناها وأمثالها من أن الله ~~لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه. وقالوا: وأيضا فلو كان تعذيب هؤلاء ~~لأجل عدم الإيمان المانع من العذاب لاشتركوا هم وأطفال المسلمين فى ذلك، ~~لاشتراكهم فى عدم الإيمان الفعلى علما وعملا. # فإن قلتم: أطفال المسلمين منعهم تبعهم لآبائهم [من] العذاب، ms431 بخلاف أطفال ~~المشركين، قلنا: الله [تعالى] لا يعذب أحدا بذنب غيره، قال تعالى: {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] ، وقال تعالى: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ~~ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} [يس: 54] ، وهذه حجج كما ترى قوة وكثرة، ولا ~~سبيل إلى دفعها وسيأتى إن شاء الله فصل النزاع فى هذه المسألة، والقول ~~بموجب هذه الحجج الصحيحة كلها، على أن عادتنا فى مسائل الدين كلها دقها ~~وجلها أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض ولا نتعصب لطائفة على طائفة بل ~~نوافق كل طائفة على ما معها من الحق ونخالفها فيما معها من خلاف الحق. لا ~~نستثنى من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك، ونموت عليه ~~ونلقى الله به، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # المذهب الرابع: أنهم فى منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار فإنهم ليس ~~لهم إيمان يدخلون به الجنة ولا لآبائهم فوز يلحق بهم أطفالهم تكميلا ~~لثوابهم وزيادة فى نعيمهم، وليس لهم من الأعمال ما يستحقون به دخول النار. # وهذا قول طائفة من المفسرين قالوا: وهم أهل الأعراف. وقال عبد العزيز ابن ~~يحيى الكنانى: "هم الذين ماتوا فى الفترة"، والقائلون بهذا إن أرادوا أن ~~هذا المنزل مستقرهم أبدا فباطل، فإنه لا دار للقرار إلا الجنة أو النار، ~~وإن أرادوا أنهم يكونون فيه مدة ثم يصيرون إلى دار القرار # PageV01P393 # فهذا ليس بممتنع. # المذهب الخامس: أنهم تحت مشيئة الله تعالى، يجوز أن يعمهم بعذابه، وأن ~~يعمهم برحمته، وأن يرحم بعضا ويعذب بعضا بمحض الإرادة والمشيئة، ولا سبيل ~~إلى إثبات شيء من هذه الأقسام إلا بخبر يجب المصير إليه، ولا حكم فيهم إلا ~~بمحض المشيئة. وهذا قول الجبرية نفاة الحكمة والتعليل، وقول كثير من مثبتى ~~القدر وغيرهم. # المذهب السادس: أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم، وهم معهم بمنزلة أرقائهم ~~وممالكيهم فى الدنيا. واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القارى عن ~~أبى حازم المدينى عن يزيد الرقاشى عن أنس، قال الدارقطنى: ورواه عبد العزيز ~~الماجشون عن ms432 ابن المنكدر عن يزيد الرقاشى عن أنس عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال: "سألت ربى للاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم، فهم ~~خدام أهل الجنة" يعنى الصبيان. # فهذان طريقان، وله طريق ثالث عن فضيل بن سليمان عن عبد الرحمن بن إسحاق ~~عن الزهرى عن أنس، قال ابن قتيبة: اللاهون من لهيت عن الشيء إذ غفلت عنه، ~~وليس هو من لهوت، وهذه الطرق ضعيفة، فإن يزيد الرقاشى واه وفضيل بن سليمان ~~متكلم فيه، وعبد الرحمن بن إسحق ضعيف. # المذهب السابع: أن حكمهم حكم آبائهم فى الدنيا والآخرة فلا يفردون عنهم ~~بحكم فى الدارين، فكما هم منهم فى الدنيا فهم منهم فى الآخرة. # والفرق بين هذا المذهب ومن مذهب من يقول هم فى النار، أن صاحب هذا المذهب ~~يجعلهم معهم تبعا لهم، حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم ~~لأفراطهما بالنار وصاحب القول الآخر يقول هم فى النار لكونهم ليسوا بمسلمين ~~لم يدخلوها تبعا. # وهؤلاء يحتجون بحديث عائشة الذى تقدم ذكره، واحتجوا بما فى الصحيحين عن ~~الصعب بن جثامة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من ~~المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم"، ومثله من ~~حديث الأسود بن سريع. وقد تقدم حديث أبى وائل عن ابن مسعود يرفعه: "الوائدة ~~والموءودة فى النار"، وهذا يدل على أنها كانت فى النار تبعا لها. قالوا: ~~ويدل عليه قوله: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان # PageV01P394 # ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امريء بما كسب رهين} ~~[الطور: 21] ، فهذا يدل على أن إتباع الذرية لآبائهم ونجاتهم إنما كان ~~إكراما لآبائهم وزيادة فى ثوابهم وأن الاتباع [إنما يستحق بإيمان الآباء ~~فإذا انتفى إيمان الآباء انتفى اتباع] النجاة، وبقى اتباع العذاب. ويفسره ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "هم منهم". # وأجيب عن حجج هؤلاء: أما حديث عائشة الذى فيه: "إنهم فى النار" فقد تقدم ~~ضعفه. وأما حديثها الآخر: "هم من آبائهم" فمثل حديث الصعب والأسود بن ms433 سريع، ~~وليس فيه تعرض للعذاب بنفى ولا إثبات، وإنما فيه أنهم تبع لآبائهم فى ~~الحكم، وأنهم إذا أصيبوا فى الجهاد والبيات لم يضمنوا بدية ولا كفارة. # وهذا مصرح به فى حديث الصعب والأسود أنه فى الجهاد، أما حديث عائشة الآخر ~~فضعفه غير واحد. قالوا: وعبد الله بن أبى قيس مولى غطيف رواية عنها ليس ~~بالمعروف فيقبل حديثه. وعلى تقدير ثبوته فليس فيه تصريح بأن السؤال وقع عن ~~الثواب والعقاب. # والنبى صلى الله عليه وسلم قال: "هم من آبائهم" ولم يقل هم معهم. وفرق ~~بين الحرفين. وكونهم منهم لا يقتضى [أن يكونوا معهم فى أحكام الآخرة بخلاف ~~كونهم منهم فإنه يقتضى] أن تثبت لهم أحكام الآباء فى الدنيا من التوارث ~~والحضانة والنسب وغير ذلك من أحكام الإيلاد، والله سبحانه يخرج الطيب من ~~الخبيث والمؤمن من الكافر. # وأما حديث ابن مسعود فليس فيه أن هذا حكم كل واحد من أطفال المشركين ~~وإنما يدل على أن بعض أطفالهم فى النار، وأن من هذا الجنس- وهن المؤودات- ~~من يدخل النار، وكونها موؤودة [لا يمنع من دخولها النار بسبب آخر وليس ~~المراد أن كونها موءودة] هو السبب الموجب لدخول النار، حتى يكون اللفظ عاما ~~فى كل موؤدة وهذا ظاهر [ولكن كونها موءودة لا يرد عنها النار إذا استحقتها ~~بسبب] ، كما سيأتى بيانه بعد هذا إن شاء الله. وأحسن من هذا أن يقال: هى فى ~~النار ما لم يوجد سبب يمنع من دخولها النار كما سنذكره إن شاء الله. ففرق ~~بين أن تكون جهة كونها موؤدة هى التى استحقت بها دخول النار، وبين كونها ~~غير مانعة من دخول النار بسبب آخر، وإذا كان تعالى يسأل [الوائدة] عن وأد ~~ولدها بغير استحقاق ويعذبها على وأدها كما قال تعالى: {وإذا الموءودة سئلت} ~~[التكوير:8] ، فكيف يعذب الموءودة بغير ذنب؟ والله سبحانه لا يعذب من وأدها ~~بغير ذنب. وأما قوله # PageV01P395 # تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} [الطور: ~~21] فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه يلحق ذرية المؤمنين بهم فى ms434 الجنة، ~~وإنهم يكونون معهم فى درجتهم. # ومع هذه فلا يتوهم نزول [الأباء إلى درجة الذرية فإن الله لم يلتهم- أى ~~لم ينقصهم من أعمالهم من شيئا بل رفع ذرياتهم إلى درجاتهم مع توفير أجور] ~~الآباء عليهم، [و] لما كان إلحاق الذرية بالآباء فى الدرجة إنما هو بحكم ~~التبعية لا بالأعمال، ربما توهم متوهم أن ذرية الكفار يلحقون بهم فى العذاب ~~تبعا وإن لم يكن لهم أعمال الآباء، فقطع تعالى هذا التوهم بقوله تعالى: {كل ~~امريء بما كسب رهين} ، وتأمل قوله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان} [الطور: 21] ، كيف أتى بالواو العاطفة فى اتباع الذرية وجعل الخبر ~~عن المؤمنين الذين هذا شأنهم، فجعل الخبر مستحقا بأمرين: أحدهما إيمان ~~الآباء، والثانى إتباع الله ذريتهم إياهم، وذلك لا يقتضى أن كل مؤمن يتبعه ~~كل ذرية له، ولو أريد هذا المعنى لقيل: [والذين] آمنوا تتبعهم ذرياتهم فعطف ~~الاتباع بالواو يقتضى أن يكون المعطوف بها قيدا وشرطا فى ثبوت الخبر، لا ~~حصوله لكل أفراد المبتدأ. وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم فى صحيحه عن عائشة ~~قالت أتى النبى صلى الله عليه وسلم بصبى من الأنصار يصلى عليه: فقلت: يا ~~رسول الله، طوبى لهذا لم يعمل شرا، ولم يدره به. قال: "أو غير ذلك يا ~~عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم فى أصلاب آبائهم، ~~وخلق النار وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم فى أصلاب آبائهم"، فهذا الحديث ~~يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال ~~المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين فى الجملة أنهم فى الجنة لكن ~~الشهادة للمعين ممتنعة، كما يشهد للمؤمنين مطلقا أنهم فى الجنة، ولا يشهد ~~لمعين بذلك إلا من شهد له النبى صلى الله عليه وسلم. # فهذا وجه الحديث الذى يشكل على كثير من الناس ورده الإمام أحمد وقال: لا ~~يصح. ومن يشك أن أولاد المسلمين فى الجنة؟ وتأوله قوم تأويلات بعيدة. # المذهب الثامن: أنهم يمتحنون فى [عرصة] القيامة، ويرسل ms435 إليهم هناك رسول ~~وإلى كل من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله ~~النار. وعلى هذا فيكون بعضهم فى الجنة وبعضهم فى النار. وبهذا يتألف شمل ~~الأدلة كلها. وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله [عز وجل] الذى أحال عليه ~~النبى صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "الله # PageV01P396 # أعلم بما كانوا عاملين"، يظهر حينئذ ويقع الثواب والعقاب عليه حال كونه ~~معلوما علما خارجيا لا علما مجردا، ويكون النبى صلى الله عليه وسلم قد رد ~~جوابهم إلى علم الله فيهم، والله [تعالى] يرد ثوابهم وعقابهم إلى معلومه ~~منهم، فالخبر عنهم مردود إلى علمه ومصيرهم مردود إلى معلومه، وقد جاءت بذلك ~~آثار كثيرة يؤيد بعضها بعضا: فمنها ما رواه الإمام أحمد [فى مسنده] والبزار ~~أيضا بإسناد صحيح، فقال الإمام أحمد: حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة ~~عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع، ورجل هرم، ورجل أحمق، ورجل ~~مات فى الفترة، أما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وأنا ما أسمع شيئا، ~~وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحدفوننى بالبعر، وأما ~~الهرم [رب لقد جاء الإسلام وما أغفل وأما الذى فى الفترة] فيقول: رب ما ~~أتانى رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه. فيرسل إليم رسولا أن ادخلوا النار، ~~فوالذى نفسى بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما"، قال معاذ [بن هشام] ~~: وحدثنى أبى عن قتادة عن الحسن عن أبى رافع عن أبى هريرة بمثل هذا الحديث ~~وقال فى آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها رد إليها". # وهو فى مسند إسحاق عن معاذ بن هشام أيضا، ورواه البزار ولفظه عن الأسود ~~ابن سريع عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "يعرض على الله تبارك وتعالى ~~الأصم الذى لا يسمع شيئا، والأحمق والهرم، ورجل مات فى الفترة، فيقول ~~الأصم: رب جاء الإسلام وما أسمع شيئا، والأحمق يقول: رب لقد جاء ms436 الإسلام ~~وما أعقل شيئا يقول الذى مات فى الفترة: رب ما أتانى لك رسول، وذكر الهرم ~~وما يقول، قال: فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم [تبارك وتعالى] : ~~ادخلوا النار، فوالذى نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما"، ~~قال الحافظ عبد الحق فى حديث الأسود: قد جاء هذا الحديث، وهو صحيح فيما ~~أعلم، والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل، ولكن الله يخص من يشاء بما يشاء، ~~ويكلف من [يشاء ما شاء] وحيثما شاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # قلت: وسيأتى الكلام على وقوع التكليف فى الدار الآخرة وامتناعه عن قريب ~~إن شاء الله، ورواه على بن المدينى عن معاذ بنحوه. قال البيهقى: حدثنا على ~~ابن محمد بن بشران، أخبرنا أبو جعفر الرازى، أخبرنا حنبل بن الحسين، أخبرنا # PageV01P397 # علي بن عبد الله وقال هذا إسناد صحيح , وأما حديث علي بن زيد بن جدعان عن ~~أبى رافع عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم نحوه، ورواه معمر عن ~~عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة قوله. # وروى محمد بن المبارك الصورى ثقة، حدثنا عمرو بن واقد ضعيف، حدثنا يونس ~~بن ميسرة ثقة عن أبى إدريس الخولانى عن معاذ يرفعه: "يؤتى يوم القيامة ~~بالممسوخ عقلا، وبالهالك فى الفترة، وبالهالك صغيرا. فيقول الممسوخ عقلا: ~~يا رب لو آتيتنى عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد منى، ويقول الهالك فى ~~الفترة: يا رب لو آتانى منك عهد ما كان من آتاه منك عهد بأسعد بعهده منى، ~~منى، فيقول الرب سبحانه: لئن أمرتكم بأمر فتطيعونى؟ فيقولون: نعم وعزتك ~~فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، فلو دخلوها ما ضرتهم قال: فيخرج عليهم قوابص ~~يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك ~~ويقولون: يا ربنا خرجنا وعزتك نريد دخولها، فخرجت علينا قوابص من نار ظننا ~~أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيأمرهم الثانية فيرجعون كذلك ويقولون ~~مثل قولهم، فيقول الله: قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون وعلى ms437 علمى ~~خلقتكم وإلى علمى تصيرون، فتأخذهم النار"، فهذا وإن كان عمرو بن واقد لا ~~يحتج به، فله أصل وشواهد والأصول تشهد له. # وفى الباب أحاديث غير هذا. وقد رويت أحاديث الامتحان فى الآخرة من حديث ~~الأسود بن سريع وصححه عبد الحق والبيهقى من حديث أبى هريرة وأنس ومعاذ وأبى ~~سعيد. # فأما حديث الأسود فرواه معاذ [عن] هشام عن أبيه عن قتادة عن الأحنف بن ~~قيس عن الأسود بن سريع أن النبى صلى الله عليه وسلم قال معاذ: وحدثنى أبى ~~عن قتادة عن الحسن عن أبى رافع عن أبى هريرة، ورواه أحمد وإسحاق عن معاذ ~~[ورواه] حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن رافع عن أبى هريرة، ورواه ~~معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة موقوفا عليه، وهذا لا يضر الحديث ~~فإنه إن سلك طريق ترجيح الزائد لزيادته فواضح، وإن سلك طريق المعارضة ~~فغايتها تحقق الوقف، ومثل هذا لا يقدم عليه بالرأى إذ لا مجال له فيقبل ~~بجزم بأن هذا توقيف لا عن رأى. # وأما حديث أنس فرواه جرير بن عبد الحميد عن ليث بن أبى سليم عن عبد ~~الوارث عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم: "يؤتى يوم القيامة بأربعة: # PageV01P398 # بالمولود وبالمعتوه، وبمن مات فى الفترة، وبالشيخ الفانى كلهم يتكلم ~~بحجته فيقول الرب سبحانه لعنق من جهنم: ابرزى. ويقول لهم: إنى كنت أبعث إلى ~~عبادى رسولا من أنفسهم وإنى رسول نفسى إليكم. قال: ويقول لهم: ادخلوا هذه. ~~ويقول من كتب عليه الشقاء: أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ فيقول الله: فأنتم ~~لرسلى أشد تكذيبا قال: وأما من كتب عليهم السعادة فيمضى فيقتحم فيها، فيدخل ~~هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار". # وهذا وإن لم يعتمد عليه بمجرده لمكان ليث بن أبى سليم عن عبد الوارث عن ~~أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم [وأما حديث معاذ فتقدم الكلام عليه. وأما ~~حديث أبى سعيد فرواه محمد بن يحيى الذهلى: أخبرنا سعيد بن سليمان عن فضيل ~~بن مرزوق ms438 عن عطية عن أبى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الهالك فى الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك فى الفترة: لم يأتنى ~~كتاب، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لى عقلا أعقل به خيرا ولا شرا. ويقول ~~المولود: رب لم أدرك العقل فيرفع لهم نارا فيقول: ردوها، قال: فيردها من ~~كان فى علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان فى علم الله شقيا ~~لو أدرك العمل، فيقول: إياى عصيتم، فكيف لو رسلى أتتكم"، تابعه الحسن بن ~~موسى عن فضيل. ورواه أبو نعيم عن فضيل بن مرزوق فوقفه. فهذا وإن كان فيه ~~عطية فهو ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به، وإن لم يكن حجة. وأما الوقف فقد ~~تقدم نظيره من حديث أبى هريرة. فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا وتشهد لها ~~أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة نقله عنهم ~~الأشعرى رحمه الله فى المقالات وغيرها. # فإن قيل: قد أنكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وقال: أهل العلم ينكرون ~~أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء وكيف يكلفون دخول ~~النار وليس ذلك فى وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها؟ [ف] ~~الجواب من وجوه: # أحدها: أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم، وإن أنكرها ~~بعضهم فقد صحح غيره بعضها كما تقدم. # الثانى: أن أبا الحسن الأشعرى حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث، فدل ~~على أنهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث. # الثالث: أن إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التى يحتج بها فى ~~الأحكام، # PageV01P399 # ولهذا رواه الأئمة أحمد وإسحق وعلى بن المدينى. # الرابع: أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان فى الدار الآخرة، ~~وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار ذكره البيهقى عن غير واحد ~~من السلف. # الخامس: ما ثبت فى الصحيحين من حديث أبى هريرة وأبى سعيد فى الرجل الذى ~~هو آخر أهل الجنة دخولا إليها أن الله سبحانه وتعالى يأخذ عهوده ومواثيقه ~~أن ms439 لا يسأله غير الذى يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيره، فيقول الله تعالى: ~~"ما أغدر كغدرك"، وهذا الغدر منه هو لمخلفته للعهد الذى عاهد ربه عليه. # السادس: قوله: وليس ذلك فى وسع المخلوقين. جوابه من وجهين: # أحدهما: أن ذلك ليس تكليفا بما ليس فى الوسع، وإنما تكليف بما فيه مشقة ~~شديدة، وهو كتكليف بنى إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا ~~العجل، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا ~~فى الذى يرونه نارا. # والثانى: أنهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرهم، وكانت بردا وسلاما، فلم ~~يكلفوا بممتنع ولا بما لم يستطع. # السابع: أنه قد ثبت أنه سبحانه وتعالى يأمرهم فى القيامة بالسجود ويحول ~~بين المنافقين وبينه. # وهذا تكليف بما ليس فى الوسع قطعا، فكيف ينكر التكليف بدخول النار فى رأى ~~العين إذا كانت سببا كما قال أبو سعيد الخدرى هو أدق من الشعرة وأحد من ~~السيف" رواه مسلم، فركوب هذا الصراط الذى هو فى غاية المشقة كالنار، ولهذا ~~كلاهما يفضى منه إلى النجاة والله أعلم. # الثامن: أن هذا استبعاد مجرد لا ترد بمثله الأحاديث والناس لهم طريقان: ~~فمن سلك طريق المشيئة المجردة لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف، ومن سلك ~~طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجة تنفى أن يكون هذا التكليف موافقا ~~للحكم، بل الأدلة الصحيحة تدل على أن مقتضى الحكمة كما ذكرناه. # التاسع: أن فى أصح هذه الأحاديث وهو حديث الأسود أنهم يعطون ربهم ~~المواثيق ليطيعنه فيما يأمرهم به، فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان فيتركون ~~الدخول معصية لأمره لا لعجزهم عنه. فكيف يقال أنه ليس فى الوسع. # فإن قيل: فالآخرة دار جزاء، وليست دار تكليف، فكيف يمتحنون فى غير دار ~~التكليف؟ فالجواب: أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار، وأما فى # PageV01P400 # البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع ~~التكليف بمسألة الملكين فى البرزخ وهى تكليف. # وأما فى عرصة القيامة فقال تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون} ms440 [القلم: 42] ، [فهذا] صريح فى أن الله يدعو الخلائق إلى ~~السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا ~~التكليف، بما لا يطاق حينئذ حسا عقوبة لهم، لأنهم كلفوا به فى الدنيا وهم ~~يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم لا يقدرون عليه حسرة ~~عليهم وعقوبة لهم، ولهذا قال تعالى: {وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم ~~سالمون} [القلم: 43] [يعنى أصحابه لا أحد يمنعهم منه فلما تركوه وهم ~~سالمون] دعوا إليه فى وقت حيل بينهم وبينه كما فى الصحيح من حديث زيد ابن ~~أسلم عن عطاء عن أبى سعيد رضى الله عنه: "إن ناسا قالوا: يا رسول الله، هل ~~نرى ربنا"- فذكر الحديث بطوله، إلى أن قال- "فيقول تتبع كل أمه ما كانت ~~تعبد فيقول المؤمنون: فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم ~~نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا- ~~مرتين أو ثلاثا- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية ~~تعرفونه بها" فيقولون نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد تلقاء نفسه ~~إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ~~ظهره:" [طبقة] واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم" وذكر ~~الحديث. # وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ بالمسألة، فمن أجاب فى الدنيا طوعا ~~واختيارا أجاب فى البرزخ، [ومن امتنع من الإجابة فى الدنيا منع منها فى ~~البرزخ] ولم يكن تكليفه فى الحال وهو غير قادر قبيحا، بل هو مقتضى الحكمة ~~الإلهية، لأنه كلف وقت القدرة فأبى، فإذا كلف وقت العجز وقد حيل بينه وبين ~~الفعل كان عقوبة له وحسرة. # والمقصود أن التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار، وقد تقدم أن ~~حديث الأسود بن سريع صحيح، وفيه التكليف فى عرصة القيامة. فهو مطابق لما ~~ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة. # فعلم أن الذى تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأتلف به النصوص ومقتضى الحكمة ~~هذا القول والله ms441 أعلم. # وقد حكى بعض أهل المقالات عن عامر بن أشرس أنه ذهب إلى أن الأطفال يصيرون ~~فى يوم القيامة ترابا، وقد نقل عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية والقاسم بن ~~محمد # PageV01P401 # وغيرهم أنهم كرهوا الكلام فى هذه المسألة جملة. # الطبقة الخامسة عشرة: طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة ~~الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله [ورسوله] . وهؤلاء المنافقون، وهم فى ~~الدرك الأسفل من النار، قال تعالى: {إن المنافقين فى الدرك الأسفل من ~~النار، ولن تجد لهم نصيرا} [النساء: 145] ، فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، ~~وهم فوقهم فى دركات النار. لأن الطائفتين اشتركتا فى الكفر ومعاداة الله ~~ورسله وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق، وبلية المسلمين بهم أعظم من ~~بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى فى حقهم: {هم العدو فاحذرهم} ~~[المنافقون: 4] ، ومثل هذا اللفظ يقتضى الحصر، أى لا عدو إلا هم، ولكن لم ~~يرد هاهنا [حصر العداوة فيهم وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم بل هذا] من إثبات ~~الأولوية والأحقية لهم فى هذا الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ~~ظاهرا وموالاتهم [لهم] ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق ~~بالعدواة ممن باينهم فى الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإن ضرر ~~هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم- وهم فى الباطن على خلاف دينهم- أشد ~~عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو ~~أياما ثم ينقضى ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم فى الديار والمنازل صباحا ~~ومساء، يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم، ~~فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: {هم العدو فاحذروهم} ~~[المنافقون: 4] ، لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق ~~بأن يكونوا لكم عدوا من الكفار المجاهرين. ونظير ذلك قول النبى صلى الله ~~عليه وسلم: "ليس المسكين الطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان والتمرة ~~والتمرتان، ولكن المسكين الذى لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه"، ~~فليس هذا نفيا لاسم المسكين عن الطواف، بل إخبار بأن هذا القانع الذى لا ~~يسمونه مسكينا ms442 أحق بهذا الاسم من الطواف الذى يسمونه مسكينا. # ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الذى يملك ~~نفسه عند الغضب"،ليس نفيا للاسم عن الصرعة، ولكن إخبار بأن من يملك نفسه ~~عند الغضب # PageV01P402 # أحق منه بهذا الاسم. # ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون المفلس فيكم"؟ قالوا: من لا ~~درهم له ولا متاع. قال: "المفلس من يأتى يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ~~ويأتى قد لطم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيقتص هذا من حسناته وهذا من ~~حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم ثم طرح عليه ~~فألقى فى النار"، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون الرقوب فيكم"؟ ~~قالوا: من لا يولد له؟ قال: "الرقوب من لم يقدم من ولده شيئا"، ومنه عندى ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "الربا فى النسيئة". # وفى لفظ: "إنما الربا فى النسيئة" هو إثبات لأن هذا النوع هو أحق باسم ~~الربا من ربا الفضل، وليس فيه اسم الربا عن ربا الفضل. فتأمله. # والمقصود أن هذه الطبقة أشقى الأشقياء، ولهذا يستهزأ بهم فى الآخرة، ~~وتعطى نورا يتوسطون به على الصراط ثم يطفيء الله نورهم ويقال لهم: {ارجعوا ~~وراءكم فالتمسوا نورا} [الحديد: 13] ، ويضرب بينهم وبين المؤمنين: {بسور له ~~باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا ~~بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأمانى حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور} [الحديد: 13] ، وهذا أشد ما يكون من الحسرة والبلاء أن ~~يفتح للعبد طريق النجاة والفلاح، حتى إذا ظن أنه ناج ورأى منازل السعداء ~~اقتطع عنهم وضربت عليه الشقوة ونعوذ بالله من غضبه وعقابه. # وإنما كانت هذه الطبقة فى الدرك الأسفل لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا ~~المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره ~~البعداء، ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، ~~فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرا وأخبث قلوبا، وأشد عداوة ~~لله ولرسوله ms443 وللمؤمنين من البعداء عنهم، وإن كان البعداء متصدين لحرب ~~المسلمين. # ولهذا قال تعالى [فى المنافقين] : {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون} [المنافقين: 3] ، وقال تعالى فيهم: {صم بكم عمى فهم ~~لا يعقلون} [البقرة: 18] ، وقال تعالى فى الكفار: {صم بكم عمى فهم لا ~~يرجعون} [البقرة: 171] ، فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم # PageV01P403 # عمى وعرف ثم تجاهل وأقر ثم أنكر وآمن، ثم كفر، ومن كان هكذا كان أشد كفرا ~~وأخبث قلبا وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل. # وفيه معنى آخر أيضا وهو أن الحامل لهم على النفاق طلب العز والجاه بين ~~الطائفتين فيرضوا المؤمنين ليعزوهم، ويرضوا الكفار ليعزوهم أيضا. # ومن [هاهنا] دخل عليهم البلاء، فإنهم أرادوا العزتين من الطائفتين، ولم ~~يكن لهم غرض فى الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله، بل كان ميلهم ~~وضعوهم وجهتهم إلى الكفار، فقوبلوا على ذلك بأعظم الذل وهو أن جعل مستقرهم ~~فى أسفل السافلين تحت الكفار، فما اتصف به المنافقون من مخادعة الله ورسوله ~~والذين آمنوا، والاستهزاء بأهل الإيمان والكذب والتلاعب بالدين وإظهار أنهم ~~[من المؤمنين وأبطنوا قلوبهم فتغلظ كفرهم به، فاستحقوا الدرك الأسفل] من ~~النار ولهذا لما ذكر تعالى أقسام الخلق فى أول سورة [البقرة: 2-20] فقسمهم ~~إلى مؤمن ظاهرا وباطنا، وكافر ظاهرا وباطنا، ومؤمن فى الظاهر كافر فى ~~الباطن وهم المنافقون، وذكر فى حق المؤمنين ثلاث آيات 3-5، وفى حق الكفار ~~آيتين 6- 7. # فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية 8- 20 ذمهم فيها ~~غاية الذم وكشف عوراتهم وقبحهم وفضحهم، وأخبر أنهم هم السفهاء المفسدون فى ~~الأرض المخادعون المستهزئون المغبونون فى اشترائهم الضلالة بالهدى، وأنهم ~~صم بكم عمى فهم لا يرجعون، وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضا إلى ~~مرضهم، فلم يدع ذما ولا عيبا إلا ذمهم به، وهذا يدل على شدة مقته سبحانه ~~لهم، وبغضه إياهم، وعداوته لهم، وأنهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته ~~الباهرة فى تخصص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار. # نعوذ بالله من مثل حالهم، ونسأله ms444 معافاته ورحمته. ومن تأمل ما وصف [الله ~~به المنافقين فى القرآن من صفات الذم علم أنهم أحق بالدرك الأسلف فإنه ~~وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده ووصف] قلوبهم بالمرض وهو مرض الشبهات ~~والشكوك. ووصفهم بالإفساد فى الأرض وبالاستهزاء بدينه وبعباده، وبالطغيان، ~~واشتراء الضلالة بالهدى والصمم والبكم والعمى والحيرة والكسل عند عبادته، ~~والزنا وقلة ذكره، والتردد- والتذبذب- بين المؤمنين والكفار، فلا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء، والحلف باسمه تعالى # PageV01P404 # كذبا وباطلا وبالكذب وبغاية الجبن، وبعدم الفقه فى الدين وبعدم العلم، ~~وبالبخل، وبعدم الإيمان بالله واليوم الآخر وبالرب، وبأنهم مضرة على ~~المؤمنين ولا يحصل كلهم بنصيحتهم إلا الشر من الخبال والإسراع بينهم بالشر ~~وإلقاء الفتنة، وكراهتهم لظهور أمر الله، ومحو الحق، وأنهم يحزنون بما يحصل ~~للمؤمنين من الخير والنصر، ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاء، ~~وأنهم يتربصون الدوائر بالمسلمين وبكراهتهم الإنفاق فى مرضاة الله وسبيله، ~~وبعيب [المؤمنين ورميهم بما ليس فيهم فيلزمون المتصدقين ويعيبون] مزهدهم، ~~ويرمون [مكثرهم] بالرياء إرادة الثناء فى الناس، وأنهم عبيد الدنيا إن ~~أعطوا منها رضوا وإن [منعو] سخطوا، وبأنهم يؤذون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وينسبونه إلى ما برأه الله منه ويعيبونه بما هو من كماله وفضله وأنهم ~~يقصدون إرضاء المخلوقين ولا يطلبون إرضاء رب العالمين وأنهم يسخرون من ~~المؤمنين، وأنهم يفرحون إذا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ويكرهون الجهاد فى سبيل الله، وأنهم يتحيلون على تعطيل فرائض الله عليهم ~~بأنواع الحيل، وأنهم يرضون بالتخلف عن طاعة الله ورسوله، [وأنهم] مطبوع على ~~قلوبهم، وأنهم يتركون ما أوجب الله عليهم مع قدرتهم عليه، وأنهم أحلف الناس ~~بالله قد اتخذوا أيمانهم جنة تقيهم من إنكار المسلمين عليهم، وهذا شأن ~~المنافق أحلف الناس بالله كاذبا قد اتخذ يمينه جنة ووقاية يتقى بها إنكار ~~المسلمين عليه، ووصفهم بأنهم رجس- والرجس من كل جنس أخبثه وأقذره- فهم أخبث ~~بنى آدم وأقذرهم وأرذلهم وبأنهم فاسقون، وبأنهم مضرة على أهل الإيمان ~~يقصدون التفريق بينهم، ويؤوون من حاربهم وحارب الله ورسوله، وأنهم يتشبهون ~~بهم ويضاهونهم فى أعمالهم ms445 ليتوصلوا منها إلى الإضرار بهم وتفريق كلمتهم، ~~وهذا شأن المنافقين أبدا وبأنهم فتنوا أنفسهم بكفرهم بالله ورسوله وتربصوا ~~بالمسلمين دوائر السوء، وهذه عادتهم فى كل زمان، وارتابوا فى الدين فلم ~~يصدقوا به، وغرتهم الأمانى الباطلة وغرهم الشيطان، وأنهم أحسن الناس أجساما ~~تعجب الرائى أجسامهم، والسامع منطقهم، فإذا جاوزت أجسامهم وقولهم رأيت خشبا ~~مسنده، ولا إيمان ولا فقه، ولا علم ولا صدق، بل خشب قد كسيت كسوة تروق ~~الناظر، وليسوا وراء ذلك شيئا، وإذا عرض عليهم التوبة والاستغفار أبوها # PageV01P405 # وزعموا أنهم لا حاجة لهم إليها، إما لأن ما عندهم من الزندقة والجهل ~~المركب مغن عنها وعن الطاعات جملة- كحال كثير من الزنادقة-وإما احتقارا ~~وازدراء بمن يدعوهم إلى ذلك، ووصفهم سبحانه بالاستهزاء به وبآياته وبرسوله ~~وبأنهم مجرمون وبأنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم عن ~~الإنفاق فى مرضاته، ونسيان ذكره، وبأنهم يتولون الكفار ويدعون المؤمنين، ~~وبأن الشيطان قد استحوذ عليهم وغلب عليهم حتى أنساهم ذكر الله فلا يذكرونه ~~إلا قليلا، وأنهم حزب الشيطان وأنهم يوادون من حاد الله ورسوله وبأنهم ~~يتمنون ما يعنت المؤمنين ويشق عليهم، وأن البغضاء تبدو لهم من أفواههم وعلى ~~فلتات ألسنتهم، بأنهم يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم. # ومن صفاتهم التى وصفهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب فى الحديث ~~والخيانة فى الأمانة، والغدر عند العهد، والفجور عند الخصام، والخلف عند ~~الوعد، وتأخير الصلاة إلى آخر وقتها، ونقرها عجلة وإسراعا، وترك حضورها ~~جماعة وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاء. # ومن صفاتهم التى وصفهم الله بها الشح على المؤمنين بالخير، والجبن عند ~~الخوف، فإذا ذهب الخوف وجاء الأمن سلقوا المؤمنين بألسنة حداد، فهم أحد ~~الناس ألسنة عليهم كما قيل: # جهلا علينا وجبنا عن عدوكم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن # وإنهم عند المخاوف تظهر كمائن صدورهم ومخبآتهم، وأما عند الأمن فيجب ~~ستره، فإذا لحق المسلمين خوف دبت عقارب قلوبهم وظهرت المخبآت وبدت الأسرار. # ومن صفاتهم أنهم أعذب الناس ألسنة، [وأمرهم] قلوبا وأعظم الناس [مخالفة] ~~بين أعمالهم وأقوالهم ومن صفاتهم ms446 أنهم لا يجتمع فيهم حسن صمت وفقه فى دين ~~أبدا ومن صفاتهم أن أعمالهم تكذب أقوالهم، وباطنهم يكذب ظاهرهم وسرائرهم ~~تناقض علانيتهم. # ومن صفاتهم أن المؤمن لا يثق بهم فى شيء فإنهم قد أعدوا لكل أمر مخرجا ~~منه، بحق أو بباطل بصدق أو بكذب، ولهذا سمى منافقا أخذا من نافقاء اليربوع- ~~وهو بيت يحفره ويجعل له أسرابا مختلفة- فكلما طلب من سرب خرج من سرب آخر، ~~فلا يتمكن طالبه من حصره فى سرب واحد، قال الشاعر: # PageV01P406 # ويستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن جحره بالشيحة اليتقصع # فأنت منه [كقبض] على الماء، ليس معك منه شيء. ومن صفاتهم كثرة التلون، ~~وسرعة التقلب، وعدم الثبات على حال واحد: بينا تراه على حال تعجبك من دين ~~أو عبادة أو هدى صالح أو صدق، إذ انقلب إلى ضد ذلك كأنه لم يعرف غيره، فهو ~~أشد الناس تلونا وتقلبا وتنقلا، جيفة بالليل قطرب بالنهار. # ومن صفاتهم أنك إذا دعوتهم عند المنازعة للتحاكم إلى القرآن والسنة أبوا ~~ذلك وأعرضوا عنه، ودعوك إلى التحاكم إلى طواغيتهم، قال تعالى: # {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك ~~يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما فى ~~قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 60-63] . # ومن صفاتهم: معارضة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بعقول الرجال ~~وآرائهم، ثم تقديمها على ما جاء. فهم معرضون عنه معارضون له، زاعمون أن ~~الهدى فى آراء الرجال وعقولهم، دون ما جاء به فلو أعرضوا عنه وتعوضوا بغيره ~~لكانوا منافقين، فكيف إذا جمعوا مع ذلك معارضته وزعموا أنه لا يستفاد منه ~~هدى. # ومن صفاتهم: كتمان الحق، والتلبيس على أهله، ورميهم له بأدوائهم: ms447 ~~فيرمونهم- إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ودعوا إلى الله ورسوله- ~~بأنهم أهل فتن مفسدون فى الأرض. # وقد علم الله ورسوله والمؤمنون بأنهم أهل الفتن المفسدون فى الأرض، وإذا ~~دعا ورثة الرسول إلى كتاب الله وسنة رسوله خالصة غير [مثوبة] رموهم بالبدع ~~والضلال، وإذا رأوهم زاهدين فى الدنيا راغبين فى الآخرة متمسكين بطاعة الله ~~ورسوله # PageV01P407 # رموهم بالزوكرة، والتلبيس والمحال. # وإذا رأوا معهم حقا ألبسوه لباس الباطل، وأخرجوه لضعفاء العقول فى قالبة ~~شنيع لينفروهم عنه، وإذا كان معهم باطل [ألبسوه] لباس الحق وأخرجوه فى ~~قالبه ليقبل منهم. # وجملة أمرهم أنهم فى المسلمين كالزغل فى النقود، يروج على أكثر الناس ~~لعدم بصيرتهم بالنقد، ويعرف حاله الناقد البصير من الناس، وقليل ما هم، ~~وليس على الأديان أضر من هذا الضرب من الناس، وإنما تفسد الأديان من قبلهم، ~~ولهذا جلا الله أمرهم فى القرآن، وأوضح أوصافهم وبين أحوالهم وكرر ذكرهم، ~~لشدة المؤنة على الأمة بهم وعظم البلية عليهم بوجودهم بين أظهرهم وفرط ~~حاجتهم إلى معرفتهم والتحرز من مشابهتهم والإصغاء إليهم، فكم قطعوا على ~~السالكين إلى الله طرق الهدى وسلكوا بهم سبيل الردى: وعدوهم ومنوهم، ولكن ~~وعدوهم الغرور ومنوهم الويل والثبور. # فكم من قتيل، ولكن فى سبيل الشيطان وسليب ولكن للباس التقوى والإيمان. ~~وأسير لا يرجى له الخلاص وفار من الله لا إليه، وهيهات ولات حين مناص. ~~صحبتهم توجب العار والشنار، ومودتهم تحل غضب الجبار وتوجب دخول النار من ~~[علقت] به كلاليب كلبهم ومخاليب رأيهم مزقت منه ثياب الدين والإيمان وقطعت ~~له مقطعات من البلاء والخذلان، فهو يسحب من الحرمان والشقاوة أذيالا، ويمشى ~~على عقبيه القهقرى إدبارا منه وهو يحسب ذلك إقبالا. # فهم والله قطاع الطريق، فيا أيها الركب المسافرون إلى منازل السعداء، ~~حذار منهم حذار، هم الجزارون ألسنتهم شفار البلايا. ففرارا منهم أيها الغنم ~~فرارا. # ومن البلية أنهم الأعداء حقا وليس لنا بد من مصاحبتهم، وخلطتهم أعظم ~~الداء وليس بد من مخالطتهم قد جعلوا على أبواب جهنم دعاة إليها فبعدا ~~للمستجيبين، ونصبوا شباكهم حواليها على ما ms448 حفت به من الشهوات، فويل ~~للمغترين. نصبوا الشباك ومدوا الأشراك وأذن مؤذنهم: يا شياه الأنعام حى على ~~الهلاك، حى على التباب. فاستبقوا يهرعون إليهم، فأوردوهم حياض العذاب، لا ~~الموارد العذاب. # وساموهم من الخسف والبلاء أعظم خطة، وقالوا: ادخلوا باب الهوان صاغرين ~~ولا تقولوا حطة، فليس بيوم حطة. [فواعجبا] لمن نجا من شراكهم لا من علق، ~~وأنى ينجو من غلبت عليه شقاوته ولها خلق، # PageV01P408 # فحقيق بأهل هذه الطبقة أن يحلو بالمحل الذى أحلهم الله من دار الهوان وأن ~~ينزلوا فى أردئ منازل أهل العناد والكفران. # وبحسب إيمان العبد ومعرفته بكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة، ولهذا ~~اشتد خوف سادة الأمة وسابقوها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر بن ~~الخطاب يقول: يا حذيفة، ناشدتك الله، هل سمانى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكى بعدك أحدا. # يعنى لا أفتح على هذا الباب فى تزكية الناس، وليس معناه أنه لم يبرأ من ~~النفاق غيرك. # وقال ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله؟ صلى الله عليه ~~وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبرائيل ~~وميكائيل. # الطبقة السادسة عشرة: رؤساء الكفر وأئمته، ودعاته الذين كفروا وصدوا عباد ~~الله عن الإيمان وعن الدخول فى دينه رغبة ورهبة فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم ~~عذابان: عذاب بالكفر، وعذاب بصد الناس عن الدخول فى الإيمان. قال الله ~~تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل: ~~88] فأحد العذابين بكفرهم، والعذاب الآخر بصدهم عن سبيل الله. وقد استقرت ~~حكمة الله وعدله أن يجعل على الداعى إلى الضلال مثل آثام من اتبعه واستجاب ~~له، ولا ريب أن عذاب هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتبعه وضل به. # وهذا النوع فى الأشقياء مقابل دعاة الهدى فى السعداء، فأولئك يتضاعف ~~ثوابهم وتعلو درجاتهم بحسب من اتبعهم واهتدى بهم، وهؤلاء عكسهم، ولهذا كان ~~فرعون وقومه فى أشد العذاب، قال تعالى فى حقهم: {النار يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا ms449 ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] ، وهذا ~~تنبيه على أن فرعون نفسه فى الأشد من ذلك، لأنهم إنما دخلوا أشد العذاب ~~تبعا له، فإنه هو الذى استخفهم فأطاعوه، وغرهم فاتبعوه. ولهذا يكون يوم ~~القيامة إمامهم وفرطهم فى هذا الورد، قال تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة ~~فأوردهم النار} [هود: 98] . # والمقصود: أنهم استحقوا أشد العذاب لغلظ كفرهم، وصدهم عن سبيل الله ~~وعقوبتهم من آمن بالله. # PageV01P409 # فليس عذاب الرؤساء فى النار كعذاب أتباعهم، ولهذا كان فى كتاب النبى صلى ~~الله عليه وسلم لهرقل: "فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ". # والصحيح فى اللفظ أنهم الأتباع ولهذا كان عدو الله إبليس أشد أهل النار ~~عذابا، وهو أول من يكسى حلة من النار، لأنه إمام كل كفر وشرك وشر. # فما عصى الله إلا على يديه وبسببه، ثم الأمثل فالأمثل من نوابه فى الأرض ~~ودعاته. ولا ريب أن الكفر يتفاوت، فكفر أغلظ من كفر، كما أن الإيمان يتفاوت ~~فإيمان أفضل من إيمان. # فكما أن المؤمنين ليسوا فى درجة واحدة، بل هم درجات عند الله، فكذلك ~~الكفار ليسوا فى طبقة واحدة ودرك واحد بل النار دركات كما أن الجنة درجات. ~~ولا يظلم الله من خلقه أحدا. وهو الغنى الحميد. # فصل # وغلظ الكفر الموجب لغلظ العذاب يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: من حيث ~~العقيدة الكافرة فى نفسها، كمن جحد رب العالمين بالكلية وعطل العالم عن ~~الرب الخالق المدبر له، فلم يؤمن بالله وملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا ~~اليوم الآخر. ولهذا لا يقر أرباب هذا الكفر بالجزية عند كثير من العلماء، ~~ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم اتفاقا لتغلظ كفرهم، وهؤلاء هم المعطلة ~~والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنه لا وجود للرب سبحانه ~~وتعالى غير وجود هذا العالم. # [الجهة الثانية] : تغلظه بالعناد والضلال عمدا على بصيرة، ككفر من شهد ~~قلبه أن الرسول حق لما رآه من آيات صدقه، وكفر عنادا وبغيا، كقوم ثمود، ~~وقوم فرعون واليهود الذين عرفوا الرسول كما عرفوا أبناءهم، وكفر أبى ms450 جهل ~~وأمية ابن أبى الصلت وأمثال هؤلاء. # الجهة الثالثة: السعى فى إطفاء نور الله وصد عباده عن دينه بما تصل إليه ~~قدرتهم، فهؤلاء أشد الكفار عذابا بحسب تغلظ كفرهم، ومنهم من يجتمع فى حقه ~~الجهات الثلاث، ومنهم من يكون فيه جهتان منها أو واحدة فليس ع # ذاب هؤلاء كعذاب من هو دونهم فى الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله، ~~والمؤمنون من أذاه فى سلامة لا ينالهم منه أذى، ولم يتغلظ كفره كتغلظ ~~هؤلاء، بل هو مقر بالله ووحدانيته وملائكته وجنس الكتب والرسل واليوم ~~الآخر. # وإن شارك أولئك فى كفرهم بالرسول فقد زادوا عليه أنواعا من الكفر. وهل ~~يستوى فى النار عذاب أبى طالب وأبى لهب وأبى جهل وعقبة بن أبى معيط وأبى ~~ابن خلف وأضرابهم؟ # والمقصود أن # PageV01P410 # هذه الطبقة وهى طبقة الرؤساء الدعاة الصادين عن دين الله ليست كطبقة من ~~دونهم، وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أهون أهل النار ~~عذابا أبو طالب"، ومعلوم أن كفر أبى طالب لم يكن مثل كفر أبى جهل وأمثاله. # الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين ~~هم معهم تبعا لهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة، ولنا أسوة بهم. ومع ~~هذا فهم متاركون لأهل الإسلام غير محاربين لهم، كنساء المحاربين وخدمهم ~~وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لنا نصب له أولئك أنفسهم من السعى فى ~~إطفاء نور الله وهدم دينه وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب. # وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم ~~وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار وجعلهم ~~بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا ~~الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث ~~فى الإسلام. # وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من مولود إلا وهو يولد ~~على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، فأخبر ms451 أن أبويه ينقلانه ~~عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية، ولم يعتبر فى ذلك غير المربى ~~والمنشإ على ما عليه الأبوان. # وصح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس ~~مسلمة"، وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن ~~الإسلام أو الكفر. وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف فى تلك الحال، وهو ~~بمنزلة الأطفال والمجانين. # وقد تقدم الكلام عليهم. والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، ~~والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس ~~بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار ~~جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا فإن الكافر من جحد ~~توحيد الله وكذب رسوله إما عنادا وإما جهلا وتقليدا لأهل العناد. # فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله ~~فى القرآن فى غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأن الأتباع مع ~~متبوعيهم وأنهم يتحاجون فى النار وأن الأتباع يقولون: {ربنا هؤلاء أضلونا ~~فآتهم عذابا ضعفا من النار، قال لكل # PageV01P411 # ضعف ولكن لا تعلمون} [الأعراف: 38] ، وقال تعالى: {وإذ يتحاجون فى النار ~~فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا ~~من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} ~~[غافر: 47-48] ، وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين قال الذين الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد ~~إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل ~~والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} [سبأ: 31- 33] . # فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا فى العذاب ~~ولم يغن عنهم تقليدهم شيئا. وأصرح من هذا قوله تعالى: {إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ms452 العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا ~~لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا} [البقرة: 166-167] . # وصح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من دعا إلى ضلالة كان عليه من ~~الإثم مثل أوزار من اتبعه، لا ينقص من أوزارهم شيئا"، وهذا يدل على أن كفر ~~من اتبعهم إنما هو بمجرد اتباعهم وتقليدهم. # نعم لا بد فى هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد ~~تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، ~~والقسمان واقعان فى الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر ~~له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذى لا يتمكن من العلم بوجه ~~فهم قسمان أيضا أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه ولا على ~~طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة. ~~الثانى: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا ~~رب لو أعلم لك دينا خيرا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا ~~أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدى ونهاية معرفتى. ~~والثانى: راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه # PageV01P412 # سواه ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز وهذا لا يجب أن ~~يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأول كمن طلب الدين فى الفترة ولم يظفر ~~به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع فى طلبه عجزا وجهلا، والثانى كمن لم يطلبه، ~~بل مات فى شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز ~~المعرض. # فتأمل هذا الموضع، والله يقضى بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا ~~يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به فى جملة الخلق. وأما كون ~~زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين ~~الله وبين عباده فيه، ms453 بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير ~~دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام ~~الحجة عليه بالرسول. # هذا فى الجملة والتعيين موكول إلى علم الله [عز وجل] وحكمه هذا فى أحكام ~~الثواب والعقاب. وأما فى أحكام الدنيا [فهى جارية مع ظاهر الأمر فأطفال ~~الكفار ومجانينهم كفار فى أحكام الدنيا] لهم حكم أوليائهم. وبهذا التفصيل ~~يزول الإشكال فى المسألة. وهو مبنى على أربعة أصول: # أحدها: أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما ~~قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، وقال تعالى: ~~{رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: ~~165] ، وقال تعالى: {كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا ~~بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} [الملك: 8- 9] ، وقال ~~تعالى: {فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} [الملك: 11] ، وقال تعالى: ~~{يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء ~~يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين} [الأنعام: 130] ، وهذا كثير فى القرآن، يخبر أنه إنما ~~يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة، وهو المذنب الذى يعترف بذنبه، وقال ~~تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 76] ، والظالم من ~~عرف ما جاء به الرسول أو تمكن من معرفته، وأما من لم [يكن عنده من الرسول ~~خبرا أصلا ولا يمكن من معرفته بوجه] وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم؟ # PageV01P413 # الأصل الثانى: أن العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم ~~[إرادة العلم] بها وبموجبها. الثانى: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة ~~موجبها. فالأول كفر إعراض والثانى كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام ~~الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذى نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة ~~الرسل. # الأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص ~~فقد تقوم حجة الله على الكفار ms454 فى زمان دون زمان وفى بقعة وناحية دون أخرى ~~كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون ~~وإما لعدم فهمه كالذى لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له. فهذا ~~بمنزلة الأصم الذى لا يسمع شيئا ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين ~~يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم فى حديث الأسود وأبى هريرة ~~وغيرهما. # الأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه وتعالى تابعة لحكمته التى لا يخل بها ~~[سبحانه] ، وأنها مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة. وهذا الأصل هو ~~أساس الكلام فى هذه الطبقات [الذى عليه نبنى مع تلقى أحكامها من نصوص ~~التكاب والسنة لا من أراء الرجال وعقولهم ولا يدرى عدد الكلام فى هذه ~~الطبقات] ، إلا من عرف ما فى كتب الناس ووقف على أقوال الطوائف فى هذا ~~الباب والنهى إلى غاية مراتبهم ونهاية إقدامهم، والله الموفق للسداد الهادى ~~إلى الرشاد. # وأما من لم يثبت حكمة ولا تعليلا، ورد الأمر إلى محض المشيئة التى ترجح ~~أحد المثلين على الآخر بلا مرجح، فقد أراح نفسه من هذا المقام الضنك ~~واقتحام عقبات هذه المسائل العظيمة، وأدخلها كلها تحت قوله: {لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] ، وهو الفعال لما يريد، وصدق الله وهو ~~أصدق القائلين: {لا يسأل عما يفعل} [الأنبياء: 23] لكمال حكمته وعلمه ووضعه ~~الأشياء مواضعها، وأنه ليس فى أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما ~~يسأل المخلوق، وهو الفعال لما يريد ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما [هو] خير ~~ومصلحة ورحمة وحكمة، فلا يفعل الشر ولا الفساد ولا الجور ولا خلاف مقتضى ~~حكمته، لكمال أسمائه وصفاته، وهو الغنى الحميد العليم الحكيم. # الطبقة الثامنة عشرة: طبقة الجن، وقد اتفق المسلمون على أن منهم المؤمن ~~والكافر والبر والفاجر. قال تعالى إخبارا عنهم: {وأنا منا الصالحون # PageV01P414 # ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} [الجن: 11] قال مجاهد: يعنون مسلمين ~~وكافرين. # وقال الحسن والسدى: أمثالكم، فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة. وقال سعيد ابن ~~جبير: ألوانا شتى. وقال ms455 ابن كيسان: شيعا وفرقا. ومعنى الكلام: أصنافا ~~مختلفة ومذاهب متفرقة، ثم قيل فى إعراب الآية: {ومنا دون ذلك} [أى ومنا] ~~قوم دون ذلك، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه كقوله: {وما منا إلا له مقام ~~معلوم} [الصافات: 164] ، أى إلا من له مقام معلوم، وكقوله: {ومن الذين ~~هادوا سماعون للكذب} [المائدة: 41] ، أى فريق سماعون، وكقوله: {من الذين ~~هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه} [النساء: 46] أى فريق يحرفون وكقوله على ~~أظهر القولين: {ومن الذين أشركوا يود أحدهم} [البقرة: 96] أى فريق يود ~~أحدهم، وقال الشاعر: # فظلوا ومنهم دمعه سابق لهم وآخر يذرى دمعة العين بالمهل # أى ومنهم من دمعه. وقولهم: {كنا طرائق قددا} [الجن: 11] بيان لقولهم: ~~{منا الصالحون ومنا دون ذلك} [الجن: 11] أى كنا ذوى طرائق- وهى المذاهب- ~~وأحدها طريقة وهى المذهب، والقدد جمع قدة، كقطعة وقطع وزنا ومعنى. وهى من ~~القد وهو القطع وقيل: كنا فى اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة فى ~~اختلافها، وعلى هذا فالمعنى كنا طرائق قددا وليس بشيء، وأضعف منه قول من ~~قال: إن طرائق منصوب على الظرف، أى كنا فى طرق مختلفة كقوله: "عسل الطريق ~~الثعلب"، وهذا مما لا يحمل عليه أفصح الكلام. # وقيل: المعنى كانت طرائقنا طرائق قددا فحذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه. وقال تعالى إخبارا عنهم: {وأنا منا المسلمون ومناالقاسطون} ~~[الجن:49] فالمسلمون الذين آمنوا بالله ورسوله منهم، والقاسطون الجائرون ~~العادلون عن الحق، قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أندادا، يقال أقسط ~~الرجل إذا عدل، فهو مقسط. ومنها: {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} ~~[الحجرات:9] ، وقسط إذا جار فهو قاسط، {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} ~~[الجن: 15] ، قد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون ~~الصالحين، وكفار. وهذه # PageV01P415 # الطبقات بإزاء طبقات بنى دم فإنها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون وكفار. ~~فالصحالون بإزاء والأبرار] ، ومن دونهم بإزاء المقتصدين والقاسطون بإزاء ~~الكفار. وهذا كما قسم سبحانه بنى إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة فى قوله: ~~{وقطعناهم فى الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} [الأعراف: 168] ، ~~فهؤلاء الناجون منهم، من ذكر الظالمين، وهم خلف السوء ms456 الذين خلفوا بعدهم، ~~ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر ~~ليس شيء منها للجن، وهم: الرسل، والأنبياء والمقربون. فليس فى الجن صنف من ~~هؤلاء، بل حيلتهم الصلاح: وذهب شذاذ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياء ~~محتجين على ذلك بقوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} ~~[الأنعام: 130] ، وبقوله: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} إلى قوله: ~~{منذرين} [الأحقاف: 29] ، وقد قال الله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين} ~~[النساء: 165] ، وهذا قول شاذ لا يلتفت إليه ولا يعرف به سلف من الصحابة ~~والتابعين وأئمة الإسلام، وقوله تعالى: {ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: ~~130] ، لا يدل على أن الرسل من كل واحدة من الطائفتين، بل إذا كانت الرسل ~~من الإنس وقد أمرت الجن باتباعهم [صح أن يقال للإنس والجن: ألم يأتكم رسل ~~منكم ونظير هذا] أن يقال للعرب والعجم: ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب ~~والعجم؟ فهذا لا يقتضى أن يكون من هؤلاء رسل ومن هؤلاء. # وقال تعالى: {وجعل القمر فيهن نورا} [نوح: 16] ، وليس فى كل سماء قمر. ~~وقوله تعالى: {ولوا إلى قومهم منذرين} [الأحقاف: 29] ، فالإنذار أعم من ~~الرسالة والأعم لا يستلزم الأخص، قال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] ، ~~فهؤلاء نذر وليسوا برسل. قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ~~ففيهم النذر. قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل ~~القري} [يوسف:109] ، فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيا ولا امرأة ولا بدويا، ~~وأما تسميته تعالى الجن رجالا فى قوله: # {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} [الجن:6] ، # PageV01P416 # فلم [يطبق] عليهم الرجال، بل هى تسمية مقيدة بقوله: {من الجن} فهم رجال ~~من الجن ولا يستلزم ذلك دخولهم # فى الرجال عند الإطلاق كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه. # فصل # وقد اتفق المسلمون على أن كفار الجن فى النار وقد دل على ذلك القرآن ms457 فى ~~غير موضع كقوله تعالى: {ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين} [السجدة: 13] ، وقوله تعالى: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين} ### | [ص:85] # الآية، فملؤها منه به وبكفار ذريته. وقال تعالى: {ادخلوا فى أمم قد خلت ~~من قبلكم من الجن والإنس فى النار} [الأعراف: 38] . وقال تعالى فى حكاية عن ~~مؤمنهم: {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون} إلى قوله: {حطبا} [الجن: 14-15] ~~، وقال الله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} [الأعراف: ~~179] وقال تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون} وجنوده إن ~~لم يختص بالشياطين فهم داخلون فى عمومه. # وبالجملة فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وهو يستلزم تكليف ~~الجن بشرائع الأنبياء ووجوب اتباعهم لهم. فأما شريعتنا فأجمع المسلمون على ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس، وأنه يجب على الجن ~~طاعته، كما يجب على الإنس، وأما قبل نبينا صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى: ~~{ادخلوا فى أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس فى النار} يدل على الأمم ~~الخالية من كفار الجن فى النار، وذلك إنما يكون بعد إقامة الحجة عليهم ~~بالرسالة. # وقد دلت سورة الرحمن على تكليفهم بالشرائع كما كلف الإنس، ولهذا يقول فى ~~إثر كل آية: {فبأى آلاء ربكما تكذبان} فدل ذلك على أن السورة خطاب للثقلين ~~معا، ولهذا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن قراءة تبليغ وأخبر ~~أصحابه أنهم كانوا أحسن ردا منهم، فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأ عليهم: ~~{فبأى آلاء ربكما تكذبان} : لا نكذب بشيء من آلائك ربنا فلك الحمد. # ولما كان أبوهم هو أول من دعا إلى معصية الله، وعلى يده حصل كل كفر وفسوق ~~وعصيان فهو الداعى إلى النار، وكان أول من يكسى حلة من النار يوم القيامة ~~يسحبها وينادى # PageV01P417 # "واثبوراه"، فأتباعه من أولاده وغيرهم خلفه ينادون "واثبوراهم" حتى قيل: ~~إن كل عذاب يقسم على أهل النار يبدأ به فيه، ثم يصير إليهم. # فصل # وأما حكم مؤمنيهم فى الدار الآخرة، فجمهور السلف ms458 والخلف على أنهم فى ~~الجنة. وترجم على ذلك البخارى فى صحيحه فقال: "باب ثواب الجن وعقابهم" ~~لقوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى} ~~[الأنعام: 130] الآية. بخسا نقصا، قال مجاهد: {وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا} . قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم بنات سروات الجن. قال ~~تعالى: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} [الصافات: 158] ستحضر للحساب. # ثم ذكر حديث أبى سعيد: "إذا كنت فى غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع ~~صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له ~~يوم القيامة"، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ما ذكره فى ~~الباب. # وقد ذهب جمهور الناس إلى أن مؤمنيهم فى الجنة وحكى عن أبى حنيفة وغيره أن ~~ثوابهم نجاتهم من النار. واحتج لهذا بقوله تعالى حكاية عنهم: # {يا قومنا أجيبوا داعى الله} [الأحقاف: 31] الآية، فجعل غاية ثوابهم ~~إجارتهم من العذاب الأليم. # وأما الجمهور فقالوا: مؤمنهم فى الجنة كما أن كافرهم فى النار، ثم ~~اختلفوا فأطلق أكثر الناس دخول الجنة ولم يقيدوه. وقال سهل بن عبد الله: ~~يكونون فى ربض الجنة يراهم المؤمنون من حيث لا يرونهم. فهذه مذاهب الناس فى ~~أحكامهم فى الآخرة، وأما أحكامهم فى الدنيا فاختلف الناس: هل هم مكلفون ~~بالأمر والنهى، أم هم مضطرون على أفعالهم؟ على قولين حكاهما أبو الحسن ~~الأشعرى فى كتاب "المقالات" له فقال: واختلف الناس فى الجن، هل هم مكلفون، ~~أم مضطرون؟ فقال قائلون من المعتزلة وغيرهم: هم مأمورون منهيون وقد أمروا ~~ونهوا، وهم مختارون، وزعم زاعمون أنهم مضطرون. # قلت: الصواب الذى عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون منهيون مكلفون ~~بالشريعة الإسلامية، أدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تحصر. فإضافة ~~هذا # PageV01P418 # القول إلى المعتزلة بمنزلة أن يقال: ذهبت المعتزلة إلى بمعاد الأبدان ~~ونحو ذلك، فما هو من أقوال سائر أهل الإسلام. وقال الله تعالى: # {أولئك الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ms459 ~~إنهم} [الأحقاف: 18] فأخبر أن منهم من حق عليه القول أى وجب عليه العذاب ~~وأنه خاسر ولا يكون ذلك إلا فى أهل التكليف المستوجبين العقاب بأعمالهم. # ثم قال بعد ذلك: {ولكل درجات مما عملوا} [الأحقاف: 19] أى فى الخير والشر ~~يوفونها ولا يظلمون شيئا من أعمالهم، وهذا ظاهر جدا فى ثوابهم وعقابهم، وأن ~~مسيئتهم كما يستحق العذاب بإساءته فمحسنهم يستحق الدرجات بإحسانه، ولكل ~~درجات مما عملوا فدل ذلك لا محالة أنهم كانوا مأمورين بالشرائع، متعبدين ~~بها فى الدنيا، ولذلك استحقوا الدرجات بأعمالهم فى الآخرة فى الخير والشر، ~~وقال الله تعالى: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~وحق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس..} الآية [فصلت:25] ~~، ومعنى الآية: إن الله قيض للمشركين- أى سبب لهم- قرناء من الشياطين ~~يزينون لهم ما بين أيديهم وما خلفهم من التكذيب بالآخرة وما فيها من الثواب ~~والعقاب، وقيل عكس هذا، وأن ما بين أيديهم هو ترغيبهم فى الدنيا وحرصهم ~~عليها، وما خلفهم هو [التكذيب بالآخرة وقال الحسن: ما بين أيديهم هو] حب ما ~~كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيب الرسل، وما خلفهم تكذيبهم بالبعث وما ~~بعده. # وفى الآية قول رابع وهو أن التزيين كله راجع إلى أعمالهم فزينوا لهم ما ~~بين أيديهم: أعمالهم التى عملوها، وما خلفهم: الأعمال التى هم عازمون عليها ~~ولما يعملوها بعد، وكأن لفظ التزيين بهذا القول أليق. ومن جعل ما خلفهم هو ~~الآخرة لم يستقم قوله إلا بإضمار، أى زينوا لهم التكذيب بالآخرة ومع هذا ~~فهو قول مستقيم ظاهر فإنهم زينوا لهم ترك العمل لها والاستعداد للقائها. # ولهذا كان عليه جمهور أهل التفسير حتى لم يذكر البغوى غيره، وحكاه عن ~~الزجاج، فقال الزجاج: سببنا لهم قرناء نظراء من الشياطين حتى أضلوهم فزينوا ~~لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروا على الآخرة، وما خلفهم من أمر ~~الآخرة فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث. # PageV01P419 # والمقصود أن قوله تعالى: {وحق عليهم القول فى أمم قد خلت من ms460 قبلهم من ~~الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [فصلت: 25] ، أى وجب عليهم العذاب مع أمم ~~قد مضت من قبلهم من الجن والإنس، ففى هذا أبين دليل على تكليف الثقلين ~~وتعلق الأمر والنهى بهم، وكذلك تعلق الثواب والعقاب بهم، وقال تعالى: {ويوم ~~يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ~~ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا} إلى قوله تعالى: {إلا ~~ما شاء الله} [الأنعام: 128] ، وهذا صريح فى تكليفهم، فإن هذا القول [يقال] ~~للجن فى القيامة، فيذكر الإنس استمتاع بعضهم ببعض فى الدنيا، وذلك ~~الاستمتاع هو ما بين الجن والإنس من طاعتهم إياهم فى معصية الله، وعبادتهم ~~لهم دون الله، ليستعينوا بهم على شهواتهم وأغراضهم فإنهم كانوا يستوحونهم ~~ويعوذون بهم ويذبحون لهم وبأسمائهم ويوالونهم من دون الله كما هو شأن أكثر ~~المشركين من أولياء الشيطان. # فهذا هو استمتاع بعضهم ببعض، ولهذا يقول تعالى للملائكة يوم القيامة- وقد ~~جمع العابدين والمعبودين-: {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ قالوا سبحانك أنت ~~ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: 40 -41] ~~فهؤلاء عباد الجن وأولياء الشياطين. # وأكثرهم يعلم ويرضى به لما ينال به من المتعة بمعبوده. وكثير منهم ملبوس ~~عليه، فهو يعبد الشيطان ولا يشعر. وقد أشار زيد بن عمرو بن نفيل فى شعره ~~إلى هذا الشرك بالجن فقال: # حنانيك إن الجن كانت رجاءهم # وأنت إلهى ربنا ورجاؤنا # ولهذا يقولون فى القيامة: {ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى ~~أجلت لنا} [الأنعام: 128] قال الله تعالى: {النار مثواكم خالدين فيها إلا ~~ما شاء الله} [الأنعام: 128] فهذا خطاب للصنفين، وهو صريح فى اشتراكهم فى ~~التكليف، كما هو صريح فى اشتراكهم فى العذاب. وهو كثير فى القرآن. # ومما يدل على تكليفهم أيضا قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم يقصون عليكم # PageV01P420 # آياتى} إلى قوله تعالى: {كافرين} [الأنعام: 130] ، فلما اعترفوا بأنهم ~~كانوا كافرين، وشهدوا على أنفسهم بالكفر دل ذلك على تكليفهم وتوجه الخطاب ~~إليهم. # وقال تعالى: {وإذ صرفنا إليك ms461 نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه ~~قالوا أنصتوا} إلى قوله: {أولئك فى ضلال مبين} [الأحقاف:29-32] ، فهذا يدل ~~على تكليفهم من وجوه متعددة: # أحدها: أن الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به ~~ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه. # الثانى: أنهم ولوا إلى قومهم منذرين والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد ~~انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول. # الثالث: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه وأنه يهدى إلى ~~الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، ~~وأن القرآن مصدق له وأنه هاد إلى صراط مستقيم. # وهذا يدل على تمكينهم من العلم الذى تقوم به الحجة، وهم قادرون على ~~امتثال ما فيه والتكليف إنما يستلزم [العقل] والقدرة. # الرابع: إنهم قالوا لقومهم: {يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به} ~~[الأحقاف:31] وهذا صريح فى أنهم مكلفون مأمورون بإجابة الرسول، وهى تصديقه ~~فيما أخبر وطاعته فيما أمر. # الخامس: أنهم قالوا: {يغفر لكم من ذنوبكم} والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب ~~وهو مخالفة الأمر. # السادس: أنهم قالوا: {من ذنوبكم} والذنب مخالفة الأمر. # السابع: أنهم قالوا: {ويجركم من عذاب أليم} ، وهذا يدل على أن من لم ~~يستجب منهم لداعى الله لم يجره من العذاب الأليم. وهذا صريح فى تعلق ~~الشريعة الإسلامية بهم. # الثامن: أنهم قالوا: {ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الأرض وليس له ~~من دونه أولياء} [الأحقاف: 32] ، وهذا تهديد لمن تخلف عن إجابة داعى الله ~~منهم. وقد استدل بها على أنهم كانوا متعبدين بشريعة موسى كما هم متعبدون ~~بشريعة محمد، وهذا ممكن والآية لا تستلزمه، ولكن قوله تعالى: {يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] ، الآية تدل على أن الجن كانوا ~~متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، والآيات المتقدمة تدل ~~على ذلك أيضا. # وعلى هذا فيكون اختصاص النبى صلى الله عليه وسلم بالبعثة إلى الثقلين إلى ~~جميعهم لا إلى بعضهم # PageV01P421 # ومن قبله كان يبعث إلى طائفة مخصوصة، وأيضا فقد قال ms462 تعالى عن نبيه ~~سليمان: {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه ~~من عذاب السعير} [سبأ: 12] ، وهذا محض التكليف. # وقد تقدم قوله حكاية عنهم: {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم} ~~إلى قوله تعالى: {لجهنم حطبا} [الجن: 14-15] ، وقد صح أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرأ عليهم القرآن وأنهم سألوه الزاد لهم ولدوابهم، فجعل لهم ~~كل عظم ذكر اسم الله عليه، وكل بعرة علف لدوابهم ونهانا عن الاستنجاء بهم. # ولو لم يكن فى هذا إلا قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~[الإسراء: 15]- وقد أخبر أنه يعذب كفرة الجن- لكفى به حجة على أنهم مكلفون ~~باتباع الرسل. ومما يدل على أنهم مأمورن منهيون بشريعة الإسلام ما تضمنته ~~سورة الرحمن، فإنه سبحانه وتعالى ذكر خلق النوعين فى قوله تعالى: {خلق ~~الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار} ثم خاطب النوعين ~~بالخطاب المتضمن لاستدعاء الإيمان منهم، وإنكار تكذيبهم بالآية، وترغيبهم ~~فى وعده، وتخويفهم من وعيده، وتهديدهم بقوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها ~~الثقلان} [الرحمن: 31] ، وتخويفهم من عواقب ذنوبهم، وأنه لعلمه بها لا ~~يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام، بل يعرف المجرمون منهم بسيماهم فيؤخذ ~~بنواصيهم والأقدام، ثم ذكر عقاب الصنفين وثوابهم. # وهذا كله تصريح فى أنهم هم المكلفون المأمورون المنهيون المثابون ~~المعاقبون. # وفى الترمذى من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى ~~آخرها فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن وكانوا أحسن مردودا ~~منكم: كنت كلما أتيت على آية: {فبأى آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن] قالوا: لا ~~شيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد". وهذا يدل على ذكائهم وفطنتهم ومعرفتهم ~~بمؤنة الخطاب، وعلمهم أنهم مقصودون به. # وقوله فى هذه السورة: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} [الرحمن: 31] وعيد ~~للصنفين المكلفين بالشرائع، قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها ومجيء ~~الآخرة والجزاء فيها، والله سبحانه لا يشغله ms463 شيء عن شيء. والفراغ فى اللغة ~~على وجهين: فراغ من # PageV01P422 # الشغل، وفراغ بمعنى القصد. # وهو فى هذا الموضع بالمعنى الثانى، وهو قصد لمجازاتهم بأعمالهم يوم ~~الجزاء وقوله: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات ~~والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33] فيها قولان: أحدهما إن استطعتم أن تنفذوا ما ~~فى السموات والأرض علما- أى أن تعلموا ما فيها- فاعلموه، ولن تعلموه إلا ~~بسلطان أى إلا ببينة من الله، وعلى هذا فالنفوذ [هاهنا] نفوذ علم الثقلين ~~فى السموات والأرض، والثانى: إن اسطعتم أن تخرجوا عن قهر الله ومحل سلطانه ~~ومملكته بنفوذكم من أقطار السموات والأرض وخروجكم عن محل حكم الله وسلطانه ~~فافعلوا، ومعلوم أن هذا من الممتنع عليكم، فإنكم تحت سلطانى وفى محل ملكى ~~وقدرتى أين كنتم. وقال الضحاك: معنى الآية إن استطعتم أن تهربوا عند الموت ~~فاهربوا فإنه مدرككم. هذه الأقوال على أن يكون الخطاب لهم بهذا القول فى ~~الدنيا. # وفى الآية تقرير آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب فى الآخرة إذا أحاطت ~~الملائكة بأقطار الأرض وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون ~~مهربا ولا منفذا، كما قال تعالى: {ويا قوم إنى أخاف عليكم يوم التناد يوم ~~تولون مدبرين} [غافر: 32-33] ، قال مجاهد: فارين غير معجزين، وقال الضحاك: ~~إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ~~الملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذى كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: ~~{والملك على أرجائها} [الحاقة: 17] ، وقوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33] ، وهذا ~~القول أظهر، والله أعلم. # فإذا بده الخلائق ولوا مدبرين يقال لهم: {إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السموات والأرض فانفذوا} [الرحمن: 33] أى إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار ~~السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم فافعلوا، وكأن ما قبل ~~هذه الآية وما بعدها يدل على هذا القول، فإن قبلها: {سنفرغ} [الرحمن: 31] ~~الآية وهذا فى الآخرة، وبعدها: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان} ~~[الرحمن: 37] ، وهذا فى الآخرة. # وأيضا ms464 فإن هذا خطاب لجميع الإنس والجن، فإنه أتى فيه بصيغة العموم وهى ~~قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس} [الرحمن: 33] فلا بد أن # PageV01P423 # يشترك الكل فى سماع هذا الخطاب ومضمونه. # وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله فى صعيد واحد يسمعهم الداعى وينفذهم ~~البصر. وقال تعالى: {إن استطعتم} [الرحمن: 33] ولم يقل إن استطعتما، لإرادة ~~الجماعة كما فى آية أخرى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم} [الأنعام: 130] ~~، وقال تعالى: {يرسل عليكما} [الرحمن: 35] ، ولم يقل يرسل عليكم لإرادة ~~الصنفين أى لا يختص به صنف عن صنف، بل يرسل ذلك على الصنفين معا. # وهذا وإن كان مرادا بقوله تعالى: {إن استطعتم} [الرحمن: 33] فخطاب ~~الجماعة فى ذلك بلفظ الجمع أحسن، أى من استطاع منكم. # وحسن الخطاب بالتثنية فى قوله تعالى: {عليكما} [الرحمن: 35] أمر آخر. وهو ~~موافقة رؤوس الآى، فاتصلت التثنية بالتثنية. وفيه التسوية بين الصنفين فى ~~العذاب بالتنصيص عليهما، فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما والله أعلم. # قال ابن عباس: الشواط اللهب الذى لا دخان فيه والنحاس الدخان الذى لا لهب ~~فيه. وقوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} [الرحمن: 39] ~~فأضاف الذنوب إلى الثقلين، وهذا دليل على أنهما سويا فى التكليف. # واختلف فى هذا السؤال المنفى، فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف لا ~~يسألون حينئذ ويسألون بعد إطالة الوقوف واستشفاعهم إلى الله أن يحاسبهم ~~ويريحهم من [مقابلهم] ذلك. وقيل: المنفى سؤال الاستعلام والاستخبار، لا ~~سؤال المحاسبة والمجازاة، أى قد علم الله ذنوبهم فلا يسألهم عنها سؤال من ~~يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها. # فصل # فإذا علم تكليفهم بشرائع الأنبياء ومطالبتهم بها وحشرهم يوم القيامة ~~للثواب والعقاب، علم أن محسنهم فى الجنة كما أن مسيئهم فى النار، وقد دل ~~على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنهم: {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن ~~يؤمن بربه الآية} [الجن: 13] ، وبهذه الحجة احتج البخارى. # ووجه الاحتجاج بها أن البخس المنفى هو نقصان الثواب، والرهق الزيادة فى ~~العقوبة على ما عمل، فلا ينقص من ثواب حسناته ولا يزداد فى ms465 سيئاته. ونظير ~~هذا قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} ~~[طه: 112] أى لا يخاف زيادة سيئاته ولا نقصان حسناته. وأيضا فقد قال تعالى ~~فى سورة الرحمن: {ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأى # PageV01P424 # آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 46] ، وذكر ما فى الجنتين إلى قوله تعالى: ~~{لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} [الرحمن: 56] ، وهذا يدل على أن ثواب محسنهم ~~الجنة من وجوه: # أحدها: أن "من" صيغ العموم، فتتناول كل خائف. # الثانى: أنه رتب الجزاء المذكور على خوف مقامه، فدل على استحقاقه به. وقد ~~اختلف فى إضافة المقام إلى الرب هل هى من إضافة المصدر إلى فاعله، أو إلى ~~مفعوله؟ على قولين: أحدهما: أن المعنى ولمن خاف مقامه بين يدى ربه، فعلى ~~هذا هو من إضافة المصدر إلى المفعول، والثانى: أن المعنى ولمن خاف مقام ربه ~~عليه واطلاعه عليه، فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله. وكذلك القولان فى ~~قوله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} [النازعات: 40] ، ~~ونظيره قوله تعالى: {ذلك لمن خاف مقامى وخاف وعيد} [إبراهيم: 14] ، فهذه ~~ثلاثة مواضع. # وقد يقال: الراجح هو الأول، وأن المعنى خاف مقامه بين يدى ربه لوجوه، ~~أحدها: أن طريقة القرآن فى التخويف أن يخوفهم بالله وباليوم الآخر، فإذا ~~خوفهم به علق الخوف به لا بقيامه عليهم كقوله تعالى: {فلا تخافوهم وخافون} ~~[آل عمران: 175] ، وقوله تعالى: {ذلك لمن خشى ربه} [البينة: 8] ، وقوله ~~تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] ، وقوله تعالى: {إن الذين يخشون ~~ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير} # [الملك: 12] ، ففى هذا كله لم يذكر خشية مقامه عليهم، وإنما مدحهم بخوفه ~~وخشيته. وقد يذكر الخوف متعلقا بعذابه كقوله تعالى: {يرجون رحمته ويخافون ~~عذابه} [الإسراء: 57] ، وأما خوف مقامه عليهم فهو وإن كان كذلك فليس طريقة ~~القرآن. # الثانى: أن هذا نظير قوله تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم} [الأنعام: 51] ، فخوفهم أن يحشروا إليه هو خوفهم من مقامهم بين يديه، ~~والقرآن يفسر بعضه بعضا. # الثالث: أن خوف مقام ms466 العبد بين يدى ربه فى الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمن ~~بلقائه وباليوم الآخر وبالبعث بعد الموت. وهذا هو الذى يستحق الجنتين ~~المذكورتين، فإنه لا يؤمن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل، وهو من ~~الإيمان بالغيب الذى جاءت به الرسل. # وأما مقام الله على عبده فى الدنيا واطلاعه عليه وقدرته عليه فهذا يقر به ~~المؤمن والكافر والبر والفاجر وأكثر # PageV01P425 # الكفار يخافون جزاء الله لهم فى الدنيا لما عاينوه من مجازاة الظالم ~~بظلمه والمحسن بإحسانه، وأما مقام العبد بين يدى ربه فى الآخرة فلا يؤمن به ~~إلا المؤمن بالرسل. # فإن قيل: إذا كان المعنى أنه خاف مقام ربه عليه فى الآخرة بالجزاء فقد ~~استوى التقديران، فمن أين رجحتم أحدهما؟ قيل: التخويف بمقام العبد بين يدى ~~ربه أبلغ من التخويف بمقام الرب على العبد، ولهذا خوفنا تعالى فى قوله: ~~{يوم يقوم الناس لرب العالمين} [المطففين: 6] ، ولأنه مقام مخصوص مضاف إلى ~~الله وذلك فى يوم القيامة، بخلاف مقام الله على العبد فإنه كل وقت. وأيضا ~~فإنه لا يقال لقدرة الله على العبد واطلاعه عليه وعلمه به: مقام الله، ولا ~~هذا من المألوف إطلاقه على الرب. # وأيضا فإن المقام فى القرآن والسنة إنما يطلق على المكان كقوله: {عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] ، وقوله تعالى: {كم تركوا من جنات ~~وعيون وزروع ومقام كريم} [الدخان: 25- 26] ، وقوله تعالى: {خير مقاما وأحسن ~~نديا} [مريم: 73] ، والمقصود أن قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ~~يتناول الصنفين من وجوه تقدم منها وجهان: # الثالث: قوله عقيب هذا الوعد: {فبأى آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن] . # الرابع: أنه ذكر فى وصف نسائهم أنهن: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} ~~[الرحمن: 56] وهذا والله أعلم معناه أنه لم يطمث نساء الإنس إنس قبلهم ولا ~~نساء الجن جن قبلهم. # ومما يدل على أن ثوابهم الجنة قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم ~~الأنهار} [الكهف: 30- 31] ، وأمثال هذه من العمومات. # وقد ثبت ms467 أن منهم المؤمنين فيدخلون فى العموم، كما أن كافرهم يدخل فى ~~الكافرين المستحقين للوعيد ودخول مؤمنهم فى آيات الوعد أولى من دخول كافرهم ~~فى آيات الوعيد، فإن الوعد فضله والوعيد عدله، وفضله من رحمته وهى تغلب ~~غضبه. # وأيضا فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله، فإذا أطاع الله ~~أدخل الجنة، وأيضا فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة والنار، وكل من لم يدخل ~~النار من المكلفين فالجنة مثواه. # وأيضا فقد ثبت أنهم إذا أجابوا داعى الله غفر لهم وأجارهم من عذابه، وكل ~~من غفر له دخل الجنة ولا بد، وليس # PageV01P426 # فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار، وأيضا فإنه قد ثبت [أن ~~الرسول مبعوث إليهم وأنهم مكلفون باتباعه وأن مطيعهم لله] ورسوله مع الذين ~~أنعم الله عليهم، لقوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} ~~[النساء: 69] ، وقد أخبر سبحانه عن ملائكته حملة العرش ومن حولهم أنهم ~~يستغفرون للذين آمنوا وأنهم يقولون: {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم ~~عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم} [غافر: 7- 8] ، فدل على أن ~~كل مؤمن غفر الله له ووقاه عذاب الجحيم، فقد وعده الجنة. وقد ثبت فى حق ~~مؤمنهم الإيمان ومغفرة الذنب ووقاية النار كما تقدم، فتعين دخولهم الجنة، ~~والله أعلم. # وإذا ثبت تكليفهم بانقسامهم إلى المسلمين والكفار والصالحين ودون ذلك، ~~فهم فى الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمة، إلا أنهم ليس فيهم رسول. ~~وأفضل درجاتهم درجة الصالحين، ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها. # فقد دل القرآن على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام: صالحين، ودونهم، وكفار. ~~وزاد عليهم الإنس بدرجة الرسالة والنبوة، ودرجة المقربين، والله أعلم. # فهذا ما وصل إليه الإحصاء من طبقات المكلفين فى الدار الآخرة، وهى ثمان ~~عشرة طبقة، وكل طبقة منها لها أعلى وأدنى ووسط. وهم درجات عند الله، والله ~~تعالى يحشر الشكل مع شكله والنظير مع نظيره ويقرن بينهما فى الدرجة. # قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا ms468 وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله} ~~[الصافات: 22] ، قال الإمام أحمد وقبله عمر بن الخطاب: "أزواجهم" أشباههم ~~ونظراؤهم. # وقال تعالى: {وإذا النفوس زوجت} [التكوير: 7] روى النعمان بن بشير عن عمر ~~بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية فقال: بقرن الرجل الصالح مع الرجل الصالح ~~في الجنة، ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء فى النار. وقال الحسن وقتادة: ~~يلحق كل بشيعته، اليهودى باليهودى، والنصرانى بالنصرانى. وقال الربيع: يحشر ~~الرجل مع صاحب عمله. # وفى الآية ثلاثة أقوال أخر، أحدها: أن تزويج النفوس اقترانها بأجسادها ~~وردها إليها. الثانى: تزويجها اقترانها بأعمالها. الثالث: أنه تزويج ~~المؤمنين الحور العين، وتزويج الكفار بالشياطين. # والقول الأول أظهر الأقوال، والله أعلم. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ~~PageV01P427 ms469