######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000102 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي #META# 011.AuthorBORN :: 691 هـ #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التبيان في أقسام القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن :: كتب التفاسير وعلوم القرآن :: مواضيع في علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: التبيان في أقسام القرآن #META# 030.LibURI :: JK_000102 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # التبيان في أقسام القرآن / ابن القيم الجوزية PageV01P001 @ # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه استعين # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه # | فصل في أقسام القرآن # وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور وإنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته وآياته ~~المستلزمة لذاته وصفاته وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته # فالقسم إما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله تعالى @QB@ فورب السماء ~~والأرض إنه لحق @QE@ وإما على جملة طلبية كقوله تعالى @QB@ فوربك لنسألنهم ~~أجمعين عما كانوا يعملون @QE@ مع أن هذا قد يراد به تحقيق المقسم عليه ~~فيكون من باب الخبر وقد يراد به تحقيق القسم # والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلا بد أن يكون مما يحسن فيه ~~ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور الظاهرة ~~المشهورة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا ~~يقسم عليها # وما أقسم عليه الرب فهو من آياته فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس # وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما PageV01P003 ~~@ يحذف جواب لو كثيرا كقوله تعالى @QB@ كلا لو تعلمون علم اليقين @QE@ ~~وقوله @QB@ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض @QE@ @QB@ ولو ~~ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة @QE@ @QB@ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ~~@QE@ @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم @QE@ ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام ~~لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولا عظيما فليس في ذكر الجواب زيادة على ~~ما دل عليه الشرط وهذه عادة الناس في كلامهم إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادوا ~~أن يخبروا بها الغائب عنها يقول أحدهم لو رأيت ما جرى يوم كذا بموضع كذا ~~ومنه قوله تعالى @QB@ ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد العذاب @QE@ فالمعنى في أظهر الوجهين لو يرى الذين ~~ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة والجواب محذوف ثم قال @QB@ أن ~~القوة لله جميعا @QE@ كما قال تعالى @QB@ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ms001 @QE@ ~~@QB@ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة @QE@ أي لو ترى ذلك الوقت وما ~~فيه # وأما القسم فان الحالف قد يحلف على الشيء ثم يكرر القسم فلا يعيد المقسم ~~عليه لأنه قد عرف ما يحلف عليه فيقول والله إن لي عليه ألف درهم ثم يقول ~~ورب السموات والأرض والذي نفسي بيده وحق القرآن العظيم ولا يعيد المقسم ~~عليه لأنه قد عرف المراد # والقسم لما كان يكثر في الكلام اختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء ~~ثم عوض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة والتاء في أسماء الله كقوله @QB@ ~~وتالله لأكيدن أصنامكم @QE@ وقد نقل ترب الكعبة وأما الواو فكثيرة # | فصل # إذا عرف هذا فهو سبحانه يقسم على أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفها ~~تارة يقسم على التوحيد وتارة يقسم على أن القرآن حق وتارة على أن الرسول حق ~~وتارة على الجزاء والوعد والوعيد وتارة على حال الإنسان PageV01P004 @ ~~فالأول كقوله @QB@ والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم ~~لواحد @QE@ والثاني كقوله @QB@ فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم إنه لقرآن كريم @QE@ وقوله @QB@ حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة @QE@ @QB@ حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ إذا ~~جعل ذلك جواب القسم كما هو الظاهر وإن قيل بل الجواب محذوف كان كقوله @QB@ ~~ص والقرآن ذي الذكر @QE@ فانه هنا حذف الجواب ومن قال إن الجواب هو قوله ~~@QB@ إن ذلك لحق تخاصم أهل النار @QE@ فقد أبعد النجعة # والقسم على الرسول كقوله @QB@ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على ~~صراط مستقيم @QE@ إذا قيل هو الجواب وإن قيل الجواب محذوف كان كما ذكر ومنه ~~@QB@ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون ~~@QE@ ومنه @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى ~~@QE@ إلى آخر القصة ومنه قوله @QB@ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه ~~لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون @QE@ وقوله @QB@ فلا أقسم ~~بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح ms002 إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ~~ذي قوة عند ذي العرش مكين @QE@ # وأما القسم على الجزاء والوعد والوعيد ففي مثل قوله @QB@ والذاريات ذروا ~~فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين ~~لواقع @QE@ ثم ذكر تفصيل الجزاء وذكر الجنة والنار وذكر أن في السماء رزقهم ~~وما يوعدون ثم قال @QB@ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ~~@QE@ ومثل قوله @QB@ والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا ~~فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما توعدون لواقع @QE@ ومثل ~~@QB@ والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر ~~المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع @QE@ PageV01P005 @ # وقد أمر نبيه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات فقال تعالى @QB@ ~~زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين @QE@ وهذا لأن ~~المعاد إنما يعلمه عامة الناس بأخبار الأنبياء وإن كان من الناس من قد ~~يعلمه بالنظر وقد تنازع النظار في ذلك فقالت طائفة انه لا يمكن علمه إلا ~~بالسمع وهو الخبر وهو قول من لا يرى تعليل الأفعال ويقولون لا ندري ما يفعل ~~الله إلا بعادة أو خبر كما يقوله جهم بن صفوان ومن اتبعه والأشعري وأتباعه ~~وكثير من أهل الكلام في الفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة بخلاف العلم ~~بالصانع فإن الناس متفقون على أنه لا يعلم إلا بالعقل وإن كان ذلك مما نبهت ~~الرسل عليه وصفاته قد تعلم بالعقل وتعلم بالسمع أيضا كما قد بسط في موضع ~~آخر # وأما القسم على أحوال الإنسان فكقوله @QB@ والليل إذا يغشى والنهار إذا ~~تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى @QE@ الآية ولفظ السعي هو العمل ~~لكن يراد به العمل الذي يهتم به صاحبه ويجتهد فيه بحسب الإمكان فان كان ~~يفتقر إلى عدو بدنه عدا وإن كان يفتقر إلى جمع أعوانه جمع وإن كان ms003 يفتقر ~~إلى تفرغ له وترك غيره فعل ذلك فلفظ السعي في القرآن جاء بهذا الاعتبار ليس ~~هو مرادفا للفظ العمل كما ظنه طائفة بل هو عمل مخصوص يهتم به صاحبه ويجتهد ~~فيه ولهذا قال في الجمعة @QB@ فاسعوا إلى ذكر الله @QE@ وهذه أحسن من قراءة ~~من قرأ / < فامضوا إلى ذكر الله > / وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون وعليكم ~~السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فلم ينه عن السعي إلى الصلاة ~~فإن الله أمر بالسعي إليها بل نهاهم أن يأتوا إليها يسعون فنهاهم عن ~~الإتيان المتصف بسعي صاحبه والإتيان فعل البدن وسعيه عدو البدن وهو ~~PageV01P006 @ منهي عنه وأما السعي المأمور به في الآية فهو الذهاب إليها ~~على وجه الاهتمام بها والتفرغ لها عن الأعمال الشاغلة من بيع وغيره ~~والاقبال بالقلب على السعي إليها وكذلك قوله في قصة فرعون لما قال له موسى ~~@QB@ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ~~ثم أدبر يسعى فحشر فنادى @QE@ فهذا اهتمام واجتهاد في حشر رعيته ومناداته ~~فيهم وكذلك قوله @QB@ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها @QE@ هو عمل بهمة ~~واجتهاد ومنه سمى الساعي على الصدقة والساعي على الأرملة واليتيم ومنه قوله ~~@QB@ إن سعيكم لشتى @QE@ وهو العمل الذي يقصده صاحبه ويعتنى به ليترتب عليه ~~ثواب أو عقاب بخلاف المباحات المعتادة فإنها لم تدخل في هذا السعي قال ~~تعالى @QB@ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل ~~واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ ومنه قوله تعالى @QB@ ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن @QE@ وقوله @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا @QE@ # | فصل # وأقسم على صفة الإنسان بقوله @QB@ والعاديات ضبحا فالموريات قدحا ~~فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا إن الإنسان لربه لكنود @QE@ ~~وأقسم على عاقبته وهو قسم على الجزاء في قوله @QB@ والعصر إن الإنسان لفي ~~خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ms004 الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ ~~وفي قوله @QB@ والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات @QE@ # وحذف جواب القسم لأنه قد علم بأنه يقسم على هذه الأمور وهي متلازمة فمتى ~~ثبت أن الرسول حق ثبت القرآن والمعاد ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول ~~الذي جاء به ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به ومتى ~~ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدقه وصدق الكتاب الذي جاء به PageV01P007 @ ~~والجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره بل يراد تعظيم المقسم به وأنه مما يحلف به ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولكن ~~هذا يذكر معه الفعل دون مجرد حرف القسم كقولك فلان يحلف بالله وحده وأنا ~~أحلف بالخالق لا بالمخلوق ونحو ذلك والنصراني يحلف بالصليب والمسيح وفلان ~~أكذب ما يكون إذا حلف بالله # وقد يكون هذا النوع بحرف القسم مجردا كما في الحديث كانت أكثر يمين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب وكان بعض السلف إذا اجتهد في ~~يمينه قال والله الذي لا إله إلا هو وتارة يحذف الجواب وهو مراد إما لكونه ~~قد ظهر وعرف إما بدلالة الحال كمن قيل له كل فقال لا والله الذي لا إله إلا ~~هو أو بدلالة السياق وأكثر ما يكون هذا إذا كان في نفس المقسم به ما يدل ~~على المقسم عليه وهي طريقة القرآن فان المقصود يحصل بذكر المقسم به فيكون ~~حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال والذي ~~أرسل محمدا بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات وأظهر دعوته وأعلى ~~كلمته ونحو ذلك فلا يحتاج إلى ذكر الجواب استغناء عنه بما في القسم من ~~الدلالة عليه كمن أراد أن يقسم على التوحيد وصفات الرب ونعوت جلاله فقال ~~والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الأول ms005 الآخر ~~الظاهر الباطن وكمن أراد أن يقسم على علوه فوق عرشه فقال والذي استوى على ~~عرشه فوق سمواته يصعد إليه الكلم الطيب وترفع إليه الأيدي وتعرج الملائكة ~~والروح إليه ونحو ذلك وكذلك من حلف لشخص أنه يحبه ويعظمه فقال والذي ملأ ~~قلبي من محبتك وإجلالك ومهابتك ونظائر ذلك لم يحتج إلى جواب القسم وكان في ~~المقسم به ما يدل على المقسم عليه فمن هذا قوله تعالى @QB@ ص والقرآن ذي ~~الذكر @QE@ فان في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن ~~لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه ~~حقا من عند PageV01P008 @ الله غير مفترى كما يقوله الكافرون وهذا معنى قول ~~كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق ~~وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى @QB@ كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن @QE@ فاعترض بين القسم وجوابه بقوله @QB@ بل الذين ~~كفروا في عزة وشقاق @QE@ فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله ~~كم أنفقت مالا وبالله كم أعتقت عبدا وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا ~~أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا وأبعد من هذا قول من قال ~~الجواب في قوله @QB@ إن كل إلا كذب الرسل @QE@ وأبعد منه قول من قال الجواب ~~@QB@ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد @QE@ وأبعد منه قول من قال الجواب قوله ~~@QB@ إن ذلك لحق تخاصم أهل النار @QE@ وأقرب ما قيل في الجواب لفظا وإن كان ~~بعيدا معنى عن قتادة وغيره إنه في قوله @QB@ بل الذين كفروا @QE@ كما قال ~~@QB@ ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم @QE@ وشرح صاحب النظم ~~هذا القول فقال معنى بل توكيد الخبر الذي بعده فصار كإن الشديدة في تثبيت ~~ما بعدها وقيل ههنا بمنزلة إن لأنه يؤكد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى ~~سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال ص والقرآن ذي الذكر إن ms006 الذين كفروا ~~في عزة وشقاق كما تقول والله إن زيدا لقائم قال واحتج صاحب هذا القول بأن ~~هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم فيحتمل أن يكون نظما ~~أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون بل بمعنى أن ا ه # وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن ~~لأن المراد بها توكيد الخبر وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن ~~الكوفيين وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام بل @QB@ والقرآن ذي الذكر بل ~~الذين كفروا في عزة وشقاق @QE@ فلما قدم القسم ترك على حاله قال الأخفش ~~وهذا يقوله الكوفيون وليس يجيد في العربية لو قلت والله قام وأنت تريد قام ~~والله لم يحسن وقال النحاس هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ ~~بالقسم وكان الكلام معتمدا عليه لم يكن بد من الجواب وأجمعوا أنه لا يجوز ~~والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله لأن الكلام يعتمد على القسم وذكر ~~الاخفش وجها آخر في جواب القسم فقال يجوز ن يكون لصاد معنى يقع عليه القسم ~~لا ندري نحن ما هو كأنه يقول PageV01P009 @ الحق والله قال أبو الحسن ~~الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ص الصادق الله ~~أو صدق محمد وذكر الفراء هذا الوجه أيضا فقال ص جواب القسم وقال هو كقولك ~~وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله والقرآن وذكر النحاس وغيره وجها آخر ~~في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء ~~الكفار ودل على المحذوف قوله تعالى @QB@ بل الذين كفروا @QE@ وهذا اختيار ~~ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ~~ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل ~~على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله @QB@ بل الذين كفروا في عزة ~~وشقاق @QE@ مخالفا لهذا المضمر فكأنه قيل والقرآن ذي الذكر إن ms007 الذين كفروا ~~يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا ~~به في جواب القسم والله أعلم # ونظير هذا قوله تعالى @QB@ ق والقرآن المجيد بل عجبوا @QE@ قيل جواب ~~القسم قد علمنا وقال الفراء محذوف دل عليه قوله أإذا متنا أي لتبعثن وقيل ~~قوله بل عجبوا كما تقدم بيانه # | فصل # ومن ذلك قوله @QB@ لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة @QE@ ~~فقد تضمن الأقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة ~~والقرآن والمعاد وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ ~~التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتهما والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليها ~~كما قال تعالى @QB@ ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما ~~عملتم وذلك على الله يسير @QE@ فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها يأمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن ~~والمعاد # فأقسم سبحانه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهين القطعية ~~على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذيبا PageV01P010 @ # واختلف في النفس المقسم بها ههنا هل هي خاصة أو عامة على قولين بناء على ~~الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة ~~يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون ~~رجع عن إساءته واختاره الفراء قال ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم ~~نفسها إن كانت عملت خيرا قالت هلا ازددت خيرا وإن كانت عملت سوءا قالت يا ~~ليتني لم أفعل # والقول الثاني أنها خاصة قال الحسن هي النفس المؤمنة وأن المؤمن والله لا ~~تراه إلا يلوم نفسه على كل حالة لأنه يستقصرها في كل ما تفعل فيندم ويلوم ~~نفسه وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب ms008 نفسه # والقول الثالث أنها النفس الكافرة وحدها قاله قتادة ومقاتل وهي النفس ~~الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله # قال شيخا والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقا فإن نفس كل إنسان لوامة ~~كما أقسم بجنس النفس في قوله @QB@ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ~~@QE@ فإنه لا بد لكل إنسان أن يلوم نفسه أو غيره على أمره ثم هذا اللوم قد ~~يكون محمودا وقد يكون مذموما كما قال تعالى @QB@ فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين @QE@ وقال تعالى @QB@ يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ فهذا اللوم غير محمود وفي الصحيحين في ~~قصة احتجاج آدم وموسى أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق فحج آدم ~~موسى فهو سبحانه يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله @QB@ إن الإنسان لربه ~~لكنود @QE@ PageV01P011 ) وعلى جزائها كقوله @QB@ فوربك لنسألنهم أجمعين ~~@QE@ وعلى تباين عملها كقوله @QB@ إن سعيكم لشتى @QE@ وكل نفس لوامة فالنفس ~~السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة والنفس الشقية ~~بالضد من ذلك # وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو ~~النفس اللوامة ونبه سبحانه بكونها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها ~~إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ورشدها إليه ويلهمها إياه فيجعلها ~~مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم ~~عليه ولأنها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفها ~~ما هو أنفع لها في معاشها ومعادها فتؤثره وتلوم نفسها عليه إذا فاتها فتتوب ~~منه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومها في القيامة لنفسها ~~عليه لوما بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه ففي صفة اللوم ~~PageV01P012 @ تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن وأنها لا ~~غنى لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونه البتة ولما كان يوم معادها هو محل ~~ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينهما في الذكر ms009 # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا ~~جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما ~~سواها فألهمها فجورها وتقواها @QE@ قال الزجاج وغيره جواب القسم @QB@ قد ~~أفلح من زكاها @QE@ ولما طال الكلام حسن حذف اللام من الجواب # وقد تضمن هذا القسم الأقسام بالخالق والمخلوق فأقسم بالسماء وبانيها ~~والأرض وطاحيها والنفس ومسويها # وقد قيل إن مصدرية فيكون الأقسام بنفس فعله تعالى فيكون قد أقسم بالمصنوع ~~الدال عليه وبصنعته الدالة على كمال علمه وقدرته وحكمته وتوحيده ولما كانت ~~حركة الشمس والقمر والليل والنهار أمرا يشهد الناس حدوثه شيئا فشيئا ~~ويعلمون أن الحادث لا بد له من محدث كان العلم بذلك منزلا منزلة ذكر المحدث ~~له لفظا فلم يذكر الفاعل في الأقسام الأربعة # ولهذا سلك طائفة من النظار طريق الاستدلال بالزمان على الصانع وهو ~~استدلال صحيح قد نبه عليه القرآن في غير موضع كقوله @QB@ إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب @QE@ # ولما كانت السماء والأرض ثابتتين حتى ظن من ظن أنهما قديمتان ذكر مع ~~الأقسام بهما بانيهما ومبدعهما وكذلك النفس فإن حدوثها غير مشهود حتى ظن ~~بعضهم قدمها فذكر مع الأقسام بها مسويها وفاطرها مع ما في ذكر بناء السماء ~~وطحو الأرض وتسوية النفس من الدلالة على الرحمة والحكمة والعناية بالخلق ~~فإن بناء السماء يدل على أنها كالقبة العالية على الأرض وجعلها سقفا لهذا ~~العالم والطحو هو مد الأرض وبسطها وتوسيعها ليستقر عليها الأنام ~~PageV01P013 @ والحيوان ويمكن فيها البناء والغراس والزرع وهو متضمن لنضوب ~~الماء عنها وهو مما حير عقول الطبائعيين حيث كان مقتضى الطبيعة أن يغمرها ~~كثرة الماء فيروز جانب منها على الماء على خلاف مقتضى الطبيعة وكونه هذا ~~الجانب المعين دون غيره مع استواء الجوانب في الشكل الكري يقتضي تخصيصا فلم ~~يجدوا بدا أن يقولوا عناية الصانع اقتضت ذلك قلنا فنعم إذا ولكن عناية من ~~لا مشيئة له ولا إرادة ولا اختيار ولا علم بمعين أصلا كما تقولونه فيه محال ms010 ~~فعنايته تقتضي ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وأنه الفاعل يفعل باختياره ما ~~يريد # وكذلك النفس أقسم بها وبمن سواها وألهمها فجورها وتقواها فإن من الناس من ~~يقول قديمة لا مبدع لها ومنهم من يقول بل هي التي تبدع فجورها وتقواها فذكر ~~سبحانه أنه هو الذي سواها وأبدعها وأنه هو الذي ألهمها الفجور والتقوى ~~فأعلمنا أنه خالق نفوسا وأعمالها وذكر لفظ التسوية كما ذكره في قوله @QB@ ~~ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك @QE@ وفي قوله @QB@ فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي @QE@ إيذانا بدخول البدن في لفظ النفس كقوله @QB@ هو ~~الذي خلقكم من نفس واحدة @QE@ وقوله @QB@ فسلموا على أنفسكم @QE@ @QB@ ولا ~~تقتلوا أنفسكم @QE@ @QB@ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم ~~خيرا @QE@ ونظائره وباجتماع الروح مع البدن تصير النفس فاجرة أو تقية وإلا ~~فالروح بدون البدن لا فجور لها # وقوله @QB@ قد أفلح من زكاها @QE@ الضمير مرفوع في زكاها عائد على من ~~وكذلك هو في دساها المعنى قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دساها هذا القول ~~هو الصحيح وهو نظير قوله @QB@ قد أفلح من تزكى @QE@ وهو سبحانه إذا ذكر ~~الفلاح علقه بفعل المفلح كقوله @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون @QE@ إلى آخر الآيات وقوله @QB@ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ وقوله ~~@QB@ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون @QE@ ونظائره قال PageV01P014 @ ~~الحسن قد أفلح من زكى نفسه وحملها على طاعة الله وقد خاب من أهلكها وحملها ~~على معصية الله وقاله قتادة وقال ابن قتيبة يريد أفلح من زكى نفسه أي نماها ~~وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروف وقد خاب من دساها أي نقصها ~~وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصي والفاجر أبدا خفي المكان زمن المروءة ~~غامض الشخص ناكس الرأس فكأن المتصف بارتكاب الفواحش دس نفسه وقمعها ومصطنع ~~المعروف ms011 شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربى ويفاع الأرض لتشهر ~~أنفسها للمنتفعين وتوقد النيران في الليل للطارقين وكانت اللئام تنزل ~~الأولاج والأطراف والأهضام لتخفى أماكنها على الطالبين فأولئك أعلوا أنفسهم ~~وزكوها وأولئك أخفوا أنفسهم ودسوها وأنشد # ( وبوأت بيتك في معلم % رحيب المباحات والمسرح ) # ( كفيت العفاة طلاب القرى % ونبح الكلاب لمستنبح ) # وقال أبو العباس سألت ابن الأعرابي عن قوله @QB@ وقد خاب من دساها @QE@ ~~فقال دسى معناه دس نفسه مع الصالحين وليس منهم وعلى هذا فالمعنى أخفى نفسه ~~في الصالحين يرى الناس أنه منهم وهو منطو على غير ما ينطوي عليه الصالحون ~~وقال طائفة أخرى الضمير يرجع إلى الله سبحانه قال ابن عباس في رواية عطاء ~~قد أفلحت نفس زكاها الله وأصلحها وهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي وسعيد ابن ~~جبير ومقاتل قالوا سعدت نفس وأفلحت نفس أصلحها الله وطهرها ووفقها للطاعة ~~حتى عملت بها وخابت وخسرت نفس أضلها الله وأغواها وأبطلها وأهلكها # قال أرباب هذا القول قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنها تدل على ~~وحدانيته وعلى فلاح من طهره وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي ~~يتولى تطهير نفسه وإهلاكها بالمعصية من غير قدر سابق وقضاء متقدم قالوا ~~وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة قالوا ويدل عليه قوله @QB@ ~~فألهمها فجورها وتقواها @QE@ قالوا ويشهد له حديث نافع عن ابن عمر عن ~~PageV01P015 @ ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت انتبهت نفسي ~~ليلة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول رب أعطي نفسي تقواها ~~وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها قالوا فهذا الدعاء هو تأويل ~~الآية بدليل الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ @QB@ قد ~~أفلح من زكاها @QE@ وقف ثم قال اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها ~~وزكها أنت خير من زكاها قالوا وفي هذا ما يبين أن الأمر كله له سبحانه فانه ~~هو خالق النفس وملهمها الفجور والتقوى وهو مزكيها ومدسيها فليس للعبد ms012 في ~~الأمر شيء ولا هو مالك من أمر نفسه شيئا # قال أرباب القول الأول هذا القول وإن كان جائزا في العربية حاملا للضمير ~~المنصوب على معنى من وإن كان لفظها مذكرا كما في قوله @QB@ ومنهم من ~~يستمعون إليك @QE@ جمع الضمير وإن كان لفظ من مفردا حملا على نظمها فهذا ~~إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر وههنا قد تقدم لفظ من والضمير ~~المرفوع في زكاها يستحقه لفظا ومعنى فهو أولى به ثم يعود الضمير المنصوب ~~على النفس التي هي أولى به لفظا ومعنى فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه ~~سياق الكلام ووضعه وأما عود الضمير الذي يلي من على الموصول السابق وهو ~~قوله @QB@ وما سواها @QE@ وإخلاء جاره الملاصق له وهو من ثم عود الضمير ~~المنصوب وهو مؤنث على من ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة فهذا يجوز لو لم يكن ~~للكلام محمل غيره أحسن منه فأما إذا كان سياق الكلام ونظمه يقتضي خلافه ولم ~~تدع الضرورة إليه فالحمل عليه ممتنع # قالوا والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه # أحدها أن فيه إشارة إلى ما تقدم من تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره ~~كما هي طريقة القرآن الثاني أن فيه زيادة فائدة وهي إثبات فعل العبد وكسبه ~~وما يثاب وما يعاقب عليه وفي قوله @QB@ فألهمها فجورها وتقواها @QE@ ~~PageV01P016 @ إثبات القضاء والقدر السابق فتضمنت الآيتان هذين الأصلين ~~العظيمين وهما كثيرا ما يقترنان في القرآن كقوله @QB@ إنه تذكرة فمن شاء ~~ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله @QE@ وقوله @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم ~~وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين @QE@ فتضمنت الآيتان الرد على ~~القدرية والجبرية الثالث أن قولنا يستلزم قولكم دون العكس فان العبد إذا ~~زكى نفسه ودساها فإنما يزكيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته وإنما ~~يدسيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه بخلاف ما إذا ~~كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر البتة # | فصل # وذكر في هذه السورة ثمود ms013 دون غيرهم من الأمم المكذبة فقال شيخنا هذا ~~والله أعلم من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه لم يكن في الإمم ~~المكذبة أخف ذنبا وعذابا منهم إذ لم يذكر عنهم من الذنوب ما ذكر عن عاد ~~ومدين وقوم لوط وغيرهم ولهذا لما ذكرهم وعادا قال @QB@ فأما عاد فاستكبروا ~~في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو ~~أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون @QE@ @QB@ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى @QE@ وكذلك إذا ذكرهم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنهم ما ~~ذكر عن أولئك من التجبر والتكبر والأعمال السيئة كاللواط وبخس المكيال ~~والميزان والفساد في الأرض كما في سورة هود والشعراء وغيرهما فكان في قوم ~~لوط مع الشرك إتيان الفاحشة التي لم يسبقوا إليها وفي قوم عاد مع الشرك ~~التجبر والتكبر والتوسع في الدنيا وشدة البطش وقولهم @QB@ من أشد منا قوة ~~@QE@ وفي أصحاب مدين مع الشرك الظلم في الأموال وفي قوم فرعون مع الشرك ~~الفساد في الأرض والعلو وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم فعذب قوم ~~عاد بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم لها شيء وعذب قوم لوط بأنواع من ~~العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من ~~السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها والخسف بهم ~~إلى أسفل سافلين وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم PageV01P017 @ وأحرقت ~~تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان وأما ثمود فأهلكوا بالصيحة ~~فماتوا في الحال فإذا كان عذاب هؤلاء وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي ~~جعلها الله آية لهم فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه وعقر ~~عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا ومن اعتبر أحوال العالم قديما وحديثا وما ~~يعاقب به من سعي في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق وأقام الفتن واستهان ~~بحرمات الله علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون # قلت وقد يظهر في تخصيص ثمود ههنا بالذكر دون غيرهم معنى آخر وهو أنهم ms014 ~~ردوا الهدى بعد ما تيقنوه وكانوا مستبصرين به قد ثلجت له صدورهم واستيقظت ~~له أنفسهم فاختاروا عليه العمى والضلالة كما قال تعالى في وصفهم @QB@ وأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى @QE@ وقال @QB@ وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة @QE@ أي موجبة لهم التبصرة واليقين وإن كان جميع الأمم المهلكة هذا ~~شأنهم فان الله لم يهلك أمة إلا بعد قيام الحجة عليها لكن خصت ثمود من ذلك ~~الهدى والبصيرة بمزيد ولهذا لما قرنهم بقوم عاد قال @QB@ فأما عاد ~~فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة @QE@ ثم قال @QB@ وأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى @QE@ ولهذا أمكن عادا المكابرة وأن ~~يقولوا لنبيهم @QB@ ما جئتنا ببينة @QE@ ولم يمكن ذلك ثمود وقد رأوا البينة ~~عيانا وصارت لهم بمنزلة رؤية الشمس والقمر فردوا الهدى بعد تيقنه والبصيرة ~~التامة فكان في تخصيصهم بالذكر تحذير لكل من عرف الحق ولم يتبعه وهذا داء ~~أكثر الهالكين وهو أعم الأدواء وأغلبها على أهل الأرض والله أعلم # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر ~~هل في ذلك قسم لذي حجر @QE@ قيل جوابه @QB@ إن ربك لبالمرصاد @QE@ وهذا ~~ضعيف لوجهين أحدهما طول الكلام والفصل بين القسم وجوابه بجمل كثيرة والثاني ~~قوله @QB@ إن ربك لبالمرصاد @QE@ ذكر لتقرير عقوبة الله الأمم المذكورة وهي ~~عاد وثمود وفرعون فذكر عقوبتهم ثم قال مقررا PageV01P018 @ ومحذرا @QB@ إن ~~ربك لبالمرصاد @QE@ فلا ترى تعلقه بذلك دون القسم وأحسن من هذا أن يقال إن ~~الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالا معظمة من المناسك وأمكنة معظمة ~~وهي محلها وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه فإن الحج والنسك ~~عبودية محضة لله وذل وخضوع لعظمته وذلك ضد ما وصف به عادا وثمود وفرعون من ~~العتو والتكبر والتجبر فإن النسك يتضمن غاية الخضوع لله وهؤلاء الأمم عتوا ~~وتكبروا عن أمر ربهم وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ما من أيام للعمل الصالح فيهن أحب إلى الله ms015 من هذه ~~الأيام العشر قيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في ~~سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله لم يرجع من ذلك بشيء فالزمان المتضمن ~~لمثل هذه الأعمال أهل أن يقسم الرب عز وجل به # @QB@ والفجر @QE@ إن أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمن وقت ~~صلاة الصبح التي هي أول الصلوات فافتتح القسم بما يتضمن أول الصلوات وختمه ~~بقوله @QB@ والليل إذا يسر @QE@ المتضمن لآخر الصلوات وإن أريد بالفجر فجر ~~مخصوص فهو فجر يوم النحر وليلته التي هي ليلة عرفة فتلك الليلة من أفضل ~~ليالي العام وما رؤي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها وذلك ~~الفجر فجر يوم النحر الذي هو أفضل الأيام عند الله كما ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال أفضل الأيام عند الله يوم النحر رواه أبو داود ~~بإسناد صحيح وهو آخر أيام العشر وهو يوم الحج الأكبر كما ثبت في صحيح ~~البخاري وغيره وهو اليوم الذي أذن فيه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~@QB@ أن الله بريء من المشركين ورسوله @QE@ وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا ~~يطوف بالبيت عريان ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لا يوم عرفة ~~وذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالا وتأويلا للقرآن # وعلى هذا فقد تضمن القسم المناسك والصلوات وهما المختصان بعبادة الله ~~والخضوع له والتواضع لعظمته ولهذا قال الخليل عليه السلام @QB@ إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين @QE@ وقيل لخاتم الرسل صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P019 @ @QB@ فصل لربك وانحر @QE@ بخلاف حال المشركين المتكبرين ~~الذين لا يعبدون الله وحده بل يشركون به ويستكبرون عن عبادته كحال من ذكر ~~في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون # وذكر سبحانه من جملة هذه الأقسام @QB@ والشفع والوتر @QE@ إذ هذه الشعائر ~~المعظمة منها شفع ومنها وتر في الأمكنة والأزمنة والأعمال فالصفا والمروة ~~شفع والبيت وتر والجمرات وتر ومنى ومزدلفة شفع وعرفة وتر وأما ms016 الأعمال ~~فالطواف وتر وركعتاه شفع والطواف بين الصفا والمروة وتر ورمي الجمار وتر كل ~~ذلك سبع سبع وهو الأصل فإن الله وتر يحب الوتر والصلاة منها شفع ومنها وتر ~~والوتر يوتر الشفع فتكون كلها وترا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الليل مثنى مثنى فاذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت وأما ~~الزمان فان يوم عرفة وتر ويوم النحر شفع وهذا قول أكثر المفسرين وروى مجاهد ~~عن ابن عباس الوتر آدم وشفع بزوجته حواء وقال في رواية أخرى الشفع آدم ~~وحواء والوتر الله وحده وعنه رواية ثالثة الشفع يوم النحر والوتر اليوم ~~الثالث وقال عمران ابن حصين وقتادة الشفع والوتر هي الصلاة وروى فيه حديثا ~~مرفوعا وقال عطية العوفي الشفع الخلق قال الله تعالى @QB@ وخلقناكم أزواجا ~~@QE@ والوتر هو الله وهذا قول الحكم قال كل شيء شفع والله وتر وقال أبو ~~صالح خلق الله من كل شيء زوجين اثنين والله وتر واحد وهذا قول مجاهد ومسروق ~~وقال الحسن الشفع والوتر العدد كله من شفع ووتر وقال ابن زيد الشفع والوتر ~~الخلق كله من شفع ووتر وقال مقاتل الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي ~~لا ليلة بعده وهو يوم القيامة # وذكرت أقوال أخر هذه أصولها ومدارها كلها على قولين أحدهما أن الشفع ~~والوتر نوعان للمخلوقات والمأمورات والثاني أن الوتر الخالق والشفع المخلوق ~~وعلى هذا القول فيكون قد جمع في القسم بين الخالق والمخلوق فهو نظير ما ~~تقدم في قوله @QB@ والشمس وضحاها @QE@ ونظير ما ذكر في قوله PageV01P020 @ ~~@QB@ وشاهد ومشهود @QE@ وما ذكر في قوله @QB@ والليل إذا يغشى والنهار إذا ~~تجلى وما خلق الذكر والأنثى @QE@ وقال ههنا @QB@ والليل إذا يسر @QE@ وفي ~~سورة المدثر أقسم بالليل إذا أدبر وفي سورة التكوير أقسم بالليل إذا عسعس ~~وقد فسر بأقبل وفسر بأدبر فإن كان المراد إقباله فقد أقسم بأحوال الليل ~~الثلاثة وهي حالة إقباله وحالة امتداده وسريانه وحالة إدباره وهي من آياته ~~الدالة عليه سبحانه # وعرف الفجر باللام إذ كل أحد يعرفه ونكر ms017 الليالي العشر لأنها إنما تعرف ~~بالعلم وأيضا فان التنكير تعظيم لها فان التنكير يكون للتعظيم # وفي تعريف الفجر ما يدل على شهرته وأنه الفجر الذي يعرفه كل أحد ولا ~~يجهله # فلما تضمن هذا القسم ما جاء به إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كان ~~في ذلك ما دل على المقسم عليه ولهذا اعتبر القسم بقوله تعالى @QB@ هل في ~~ذلك قسم لذي حجر @QE@ فإن عظمة هذا المقسم به يعرف بالنبوة وذلك يحتاج إلى ~~حجر بحجر صاحبه عن الغفلة واتباع الهوى ويحمله على اتباع الرسل لئلا يصيبه ~~ما أصاب من كذب الرسل كعاد وفرعون وثمود # ولما تضمن ذلك مدح الخاضعين والمتواضعين ذكر حال المستكبرين المتجبرين ~~الطاغين ثم أخبر أنه صب عليهم سوط عذاب ونكره إما للتعظيم وإما لأن يسيرا ~~من عذابه استأصلهم وأهلكهم ولم يكن معه بقاء ولا ثبات # ثم ذكر حال الموسع عليهم في الدنيا والمقتر عليهم واخبر أن توسعته على من ~~وسع عليه وإن كان إكراما له في الدنيا فليس ذلك إكراما على الحقيقة ولا يدل ~~على أنه كريم عنده من أهل كرامته ومحبته وأن تقتيره على من قتر عليه لا يدل ~~على إهانته له وسقوط منزلته عنده بل يوسع ابتلاء وامتحانا ويقتر ابتلاء ~~وامتحانا فيبتلي بالنعم كما يبتلى بالمصائب وسبحانه هو يبتلي عبده بنعمة ~~تجلب له نقمة وبنعمة تجلب له نعمة أخرى وبنقمة تجلب له نقمة أخرى وبنقمة ~~تجلب له نعمة فهذا شأن نعمه ونقمه سبحانه # وتضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانه وماله وهم هؤلاء الأمم ~~الثلاثة قوم عاد اغتروا بقوتهم وثمود اغتروا بجنانهم وعيونهم وزروعهم ~~PageV01P021 @ وبساتينهم وقوم فرعون اغتروا بالمال والرياسة فصارت عاقبتهم ~~إلى ما قص الله علينا وهذا شأنه دائما مع كل من اغتر بشيء من ذلك لا بد أن ~~يفسده عليه ويسلبه إياه ثم ذكر سبحانه حال الإنسان في معاملته لمن هو أضعف ~~منه كاليتيم والمسكين فلا يكرم هذا ولا يحض على طعام هذا ثم ذكر حرصه على ~~جمع المال وأكله وحبه له وذلك ms018 هو الذي أوجب له عدم رحمته لليتيم والمسكين # ثم ختم السورة بمدح النفس المطمئنة وهي الخاشعة المتواضعة لربها وما تؤول ~~إليه من كرامته ورحمته كما ذكر قبلها حال النفس الأمارة وما تؤول إليه من ~~شدة عذابه ووثاقه # | فصل # وأما سورة @QB@ لا أقسم بهذا البلد @QE@ فذكر فيها جواب القسم وهو قوله ~~@QB@ لقد خلقنا الإنسان في كبد @QE@ وفسر الكبد بالاستواء وانتصاب القامة ~~قال ابن عباس في رواية مقسم منتصبا على قدميه وهذا قول أبي صالح والضحاك ~~وإبراهيم وعكرمة وعبد الله بن شداد قال المنذر سمعت أبا طالب يقول الكبد ~~الاستواء والاستقامة وفسر بالنصب هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ~~ورواية عن علي وعن ابن عباس قال الحسن لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ~~ابن آدم وقال سعيد بن أبي الحسن يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وقال ~~قتادة يكابد أمر الدنيا والآخرة فلا تلقاه إلا في مشقة وروى ابن جريج عن ~~عطاء عن ابن عباس قال يعني حمله وولادته ورضاعه وفصاله ونبت أسنانه وحياته ~~ومعاشه ومماته كل ذلك شدة قال مجاهد حملته أمه كرها ووضعته كرها ومعيشته في ~~شدة فهو يكابد ذلك وعلى هذا فالكبد من مكابدة الأمر وهي معاناة شدته ومشقته ~~والرجل يكابد الليل إذا قاسى هو له وصعوبته والكبد شدة الأمر ومنه تكبد ~~اللبن PageV01P022 @ إذا غلظ واشتد ومنه الكبد لأنها دم يغلظ ويشتد وانتصاب ~~القامة والاستواء من ذلك لأنه إنما يكون عن قوة وشدة فان الإنسان مخلوق في ~~شدة بكونه في الرحم ثم في القماط والرباط ثم هو على خطر عظيم عند بلوغه حال ~~التكليف ومكابدة المعيشة والأمر والنهي ثم مكابدة الموت وما بعده في البرزخ ~~وموقف القيامة ثم مكابدة العذاب في النار ولا راحة له إلا في الجنة # وفسر الكبد بشدة الخلق وإحكامه وقوته ومنه قول لبيد # ( يا عين هلا بكيت أربد إذ % قمنا وقام الخصوم في كبد ) # أي في شدة وعناء وهذا يشبه قوله تعالى @QB@ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ~~@QE@ قال ابن عباس أي خلقهم وقال أبو عبيدة ms019 الأسر شدة الخلق يقال فرس شديد ~~الأسر قال وكل شيء شددته من قتب أو غير فهو مأسور وقال المبرد الأسر القوى ~~كلها وقال الليث الأسر قوة المفاصل والأوصال وشد الله أسر فلان أي قوى خلقه ~~وكل شيء جمع طرفاه فشد أحدهما بالآخر فقد أسر وقال الحسن شددنا أوصالهم ~~بعضها إلى بعض بالعروق والعصب وقال مجاهد هو الشرج يعني موضع البول والغائط ~~إذا خرج الأذى تقبضا # والمقصود أنه سبحانه أقسم في سورة البلد على حال الإنسان وأقسم سبحانه ~~بالبلد الأمين وهو مكة أم القرى # ثم أقسم بالوالد وما ولد وهو آدم وذريته في قول جمهور المفسرين وعلى هذا ~~فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان فمرجع البلاد إلى مكة ومرجع العباد ~~إلى آدم وقوله @QB@ وأنت حل بهذا البلد @QE@ فيه قولان أحدهما أنه من ~~الاحلال وهو ضد الاحرام والثاني أنه من الحلول وهو ضد الظعن فإن أريد به ~~المعنى الأول فهو حلال ساكن البلد بخلاف المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع ~~PageV01P023 @ ولأن أمنه إنما تظهر به النعمة عند الحل من الإحرام وإلا ففي ~~حال الإحرام هو في أمان والحرمة هناك للفعل لا للمكان والمقصود هو ذكر حرمة ~~المكان وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما يقتضي أمنه ولكن على ~~هذا ففيه تنبيه فإنه إذا أقسم به وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام فهو أولى ~~بالتعظيم والأمن وكذلك إذا أريد المعنى الثاني وهو الحلول فهو متضمن لهذا ~~التعظيم مع تضمنه أمرا آخر وهو الاقسام ببلده المشتمل على رسوله وعبده فهو ~~خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد فجعل بيته هدى للناس ونبيه إماما ~~وهاديا لهم وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه كما هو من أعظم آياته ~~ودلائل وحدانيته وربوبيته فمن اعتبر حال بيته وحال نبيه وجد ذلك من أظهر ~~ادلة التوحيد والربوبية # وفي الآية قول ثالث وهو أن المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد ~~الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش والجاني وقد استحل قومك فيه حرمتك وهم ~~لا يعضدون ms020 به شجرة ولا ينفرون به صيدا وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد وعلى كل ~~حال فهي جملة اعتراض في أثناء القسم موقعها من أحسن موقع وألطفه # فهذا القسم متضمن لتعظيم بيته ورسوله # ثم أنكر سبحانه على الإنسان ظنه وحسبانه أن لن يقدر عليه من خلقه في هذا ~~الكبد والشدة والقوة التي يكابد بها الأمور فإن الذي خلقه كذلك أولى ~~بالقدرة منه وأحق فكيف يقدر على غيره من لم يكن قادرا في نفسه فهذا برهان ~~مستقل بنفسه مع أنه متضمن للجزاء الذي مناطه القدرة والعلم فنبه على ذلك ~~بقوله @QB@ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد @QE@ وبقوله @QB@ أيحسب أن لم يره ~~أحد @QE@ فيحصى عليه ما عمل من خير وشر ولا يقدر عليه فيجازيه بما يستحقه # ثم أنكر سبحانه على الإنسان قوله @QB@ أهلكت مالا لبدا @QE@ وهو الكثير ~~الذي يلبد بعضه فوق بعض فافتخر هذا الإنسان بإهلاكه وإنفاقه في غير وجهه إذ ~~لو أنفقه في وجوهه التي أمر بإنفاقه فيها ووضعه مواضعه لم يكن ذلك إهلاكا ~~له بل تقربا به إلى الله وتوصلا به إلى رضاه وثوابه وذلك ليس بإهلاك ~~PageV01P024 @ له فأنكر سبحانه افتخاره وتبجحه بإنفاق المال في شهواته ~~وأغراضه التي إنفاقه فيها إهلاك له # ثم وبخه بقوله @QB@ أيحسب أن لم يره أحد @QE@ وأتى ههنا بلم الدالة على ~~المضي في مقابلة قوله @QB@ أهلكت مالا لبدا @QE@ فان ذلك في الماضي أفيحسب ~~أن لم يره أحد فيما أنفقه وفيما أهلكه # ثم ذكر برهانا مقدرا أنه سبحانه أحق بالرؤية وأولى من هذا العبد الذي له ~~عينان يبصر بهما فكيف يعطيه البصر من لم يره وكيف يعطيه آلة البيان من ~~الشفتين واللسان فينطق ويبين عما في نفسه ويأمر وينهى من لا يتكلم ولا يكلم ~~ولا يخاطب ولا يأمر ولا ينهى وهل كمال المخلوق مستفاد إلا من كمال خالقه ~~ومن جعل غيره عالما بنجدى الخير والشر وهما طريقاهما أليس هو أولى وأحق ~~بالعلم منه ومن هداه إلى هذين الطريقين كيف يليق به أن يتركه سدى لا يعرفه ~~ما يضره ms021 وما ينفعه في معاشه ومعاده وهل النبوة والرسالة إلا لتكميل هداية ~~النجدين فدل هذا كله على إثبات الخالق وصفات كماله وصدق رسله ووعده # وهذه أصول الإيمان التي اتفقت عليها جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إذا ~~تأمل الإنسان حاله وخلقه وجده من أعظم الأدلة على صحتها وثبوتها فتكفي ~~الإنسان فكرته في نفسه وخلقه والرسل بعثوا مذكرين بما في الفطر والعقول ~~مكملين له لتقوم على العبد حجة الله بفطرته ورسالته ومع هذا فقامت عليه ~~حجته ولم يقتحم العقبة التي بينه وبين ربه التي لا يصل إليها حتى يقتحمها ~~بالاحسان إلى خلقه بفك رقبة وهو تخليصها من الرق ليخلصه الله من رق نفسه ~~ورق عدوه وإطعام اليتيم والمسكين في يوم المجاعة وبالإخلاص له سبحانه ~~بالإيمان الذي هو خالص حقه عليه وهو تصديق خبره وطاعة أمره وابتغاء وجهه ~~وبنصيحة غيره أن يوصيه بالبر والرحمة ويقبل وصية من أوصاه بها فيكون صابرا ~~رحيما في نفسه معينا لغيره على الصبر والرحمة فمن لم يقتحم هذه العقبة وهلك ~~دونها هلك منقطعا عن ربه غير واصل إليه بل محجوبا عنه # والناس قسمان ناج وهو من قطع العقبة وصار وراءها وهالك وهو من ~~PageV01P025 @ دون العقبة وهم أكثر الخلق ولا يقتحم هذه العقبة إلا ~~المضمرون فانها عقبة كؤود شاقة لا يقطعها إلا خفيف الظهر وهم أصحاب الميمنة ~~والهالكون دون العقبة الذين لم يصدقوا الخبر ولم يطيعوا الأمر فهم @QB@ ~~أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة @QE@ # قد أطبقت عليهم فلا يستطيعون الخروج منها كما أطبقت عليهم أعمال الغي ~~والاعتقادات الباطلة المنافية لما أخبرت به رسله فلم تخرج قلوبهم منها كذلك ~~أطبقت عليهم هذه النار فلم تستطع أجسامهم الخروج منها # فتأمل هذه السورة على اختصارها وما اشتملت عليه من مطالب العلم والإيمان ~~وبالله التوفيق # وأيضا فان طريقة القرآن بذكر العلم والقدرة تهديدا وتخويفا لترتب الجزاء ~~عليهما كما قال تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على ~~الهدى أو ms022 أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ وقال @QB@ ~~أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون @QE@ وهذا ~~كثير جدا في القرآن وليس المراد به مجرد الاخبار بالقدرة والعلم لكن ~~الاخبار مع ذلك بما يترتب عليهما من الجزاء وبالعدل فانه إذا كان قادرا ~~أمكن مجازاته وإذا كان عالما أمكن ذلك بالقسط والعدل ومن لم يكن قادرا لم ~~يمكن مجازاته وإذا كان قادرا لكنه غير عالم بتفاصيل الأعمال ومقادير جزائها ~~لم يجاز بالعدل والرب تعالى موصوف بكمال القدرة وكمال العلم فالجزاء منه ~~موقوف على مجرد مشيئته وإرادته فحينئذ يجب على العاقل أن يطلب النجاة منه ~~بالإخلاص والاحسان فهو اقتحام العقبة المتضمن للتوبة إلى الله تعالى ~~والاحسان إلى خلقه # وقال @QB@ فلا اقتحم العقبة @QE@ وهو فعل ماض ولم يكرر معه لا إما ~~استعمالا لأداة لا كاستعمال ما وإما إجراء لهذا الفعل مجرى الدعاء نحو فلا ~~سلم ولا عاش ونحو ذلك وإما لأن العقبة قد فسرت بمجموع أمور فاقتحامها ~~PageV01P026 @ فعل كل واحد منها فأغنى ذلك عن تكريرها فكأنه قال فلا فك ~~رقبة ولا أطعم ولا كان من الذين آمنوا # وقراءة من قرأ @QB@ فك رقبة @QE@ بالفعل كأنها أرجح من قراءة من قرأها ~~بالمصدر لأن قوله @QB@ وما أدراك ما العقبة @QE@ على حد قوله @QB@ وما ~~أدراك ما الحاقة @QE@ @QB@ وما أدراك ما يوم الدين @QE@ @QB@ وما أدراك ما ~~هيه نار حامية @QE@ ونظائره تعظيما لشأن العقبة وتفخيما لأمرها وهي جملة ~~اعتراض بين المفسر والمفسر فإن قوله @QB@ فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة ~~يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا @QE@ تفسير ~~لاقتحام العقبة مكان شاق كؤود يقتحمه الناس حتى يصلوا إلى الجنة واقتحامه ~~بفعل هذه الأمور فمن فعلها فقد اقتحم العقبة ويدل على ذلك قوله تعالى @QB@ ~~ثم كان من الذين آمنوا @QE@ وهذا عطف على قوله @QB@ فك رقبة @QE@ والأحسن ~~تناسب هذه الجمل المعطوفة التي هي تفسير لما ذكر أولا # وأيضا ms023 فإن من قرأها بالمصدر المضاف فلا بد له من تقدير وهو ما أدراك ما ~~اقتحام العقبة واقتحامها فك رقبة وأيضا فمن قرأها بالفعل فقد طابق بين ~~المفسر وما فسره ومن قرأها بالمصدر فقد طابق بين المفسر وبعض ما فسره فان ~~التفسير ان كان لقوله اقتحم طابقه لقوله @QB@ ثم كان من الذين آمنوا @QE@ ~~وما بعده دون @QB@ فك رقبة @QE@ وما يليه وإن كان لقوله العقبة طابقه @QB@ ~~فك رقبة أو إطعام @QE@ دون قوله @QB@ ثم كان من الذين آمنوا @QE@ وما بعده ~~وإن كانت المطابقة حاصلة معنى فحصولها لفظا ومعنى أتم وأحسن # واختلف في هذه العقبة هل هي في الدنيا أو في الآخرة فقالت طائفة العقبة ~~ههنا مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر وحكوا ذلك ~~عن الحسن ومقاتل قال الحسن عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه ~~وعدوه والشيطان وقال مقاتل هذا مثل ضربه الله يريد أن المعتق رقبة والمطعم ~~اليتيم والمسكين يقاحم نفسه وشيطانه مثل أن يتكلف صعود العقبة فشبه المعتق ~~رقبة في شدته عليه بالمكلف صعود العقبة وهذا قول أبي عبيدة وقالت طائفة بل ~~هي عقبة حقيقة يصعدها الناس قال عطاء هي عقبة جهنم وقال الكلبي هي عقبة بين ~~الجنة والنار وهذا قول مقاتل إنها عقبة جهنم وقال مجاهد والضحاك هي الصراط ~~يضرب PageV01P027 @ على جهنم وهذا لعله قول الكلبي وقول هؤلاء أصح نظرا ~~وأثرا ولغة قال قتادة فإنها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله وفي أثر معروف ~~إن بين أيديكم عقبة كؤودا لا يقتحمها إلا المخفون أو نحو هذا وأن الله سمى ~~الإيمان به وفعل ما أمر وترك ما نهى عقبة فكثيرا ما يقع في كلام السلف ~~الوصية بالتضمر لاقتحام العقبة وقال بعض الصحابة وقد حضره الموت فجعل يبكي ~~ويقول مالي لا أبكي وبين يدي عقبة كؤود أهبط منها إما إلى جنة وإما إلى نار ~~فهذا القول أقرب إلى الحقيقة والآثار السلفية والمألوف من عادة القرآن في ~~استعماله وما أدراك في الأمور الغائبة العظيمة كما تقدم والله أعلم # | فصل # ومن ms024 ذلك أقسامه ب @QB@ والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين ~~@QE@ فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ~~ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد به نفس ~~الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنها أكثر البقاع ~~زيتونا وتينا وقد قال جماعة من المفسرين أنه سبحانه أقسم بهذين النوعين من ~~الثمار لمكان العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لا عجم ~~له وهو على مقدار اللقمة وهو فاكهة وقوت وغذاء وأدم ويدخل في الأدوية ~~ومزاجه من أعدل الأمزجة وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن ~~الأشكال ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر ~~الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل ~~رطبا ويابسا وأما الزيتون ففيه من الآيات ما هو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده ~~يخرج ثمرا يعصر منه هذا الدهن الذي هو مادة النور وصبغ للآكلين وطيب ودواء ~~وفيه من مصالح الخلق مالا يخفى وشجره باق على ممر السنين المتطاولة وورقه ~~لا يسقط وهذا الذي قالوه حق ولا ينافي أن يكون منبته مرادا فإن منبت هاتين ~~الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الاقسام قد ~~تناول الشجرتين PageV01P028 @ ومنبتهما وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته ~~وروحه عيسى بن مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى فإنه ~~الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه # ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم ~~وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم ثنى ~~بموضع مظهر الكليم ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير ~~هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى جاء الله من طور ~~سيناء واشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن ~~عمران وبدأ به على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمه بنبوة ~~محمد ms025 صلى الله عليه وسلم وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء الصبح ونبوة المسيح ~~بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهما ~~بعدهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم ولما كان الغالب على بني إسرائيل ~~حكم الحس ذكر ذلك مطابقا للواقع ولما كان الغالب على الأمة الكاملة حكم ~~العقل ذكرها على الترتيب العقلي وأقسم بها على بداية الانسان ونهايته فقال ~~@QB@ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم @QE@ أي في أحسن صورة وشكل واعتدال ~~معتدل القامة مستوي الخلقة كامل الصورة أحسن من كل حيوان سواه والتقويم ~~تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون في التأليف والتعديل وذلك صنعته تبارك ~~وتعالى في قبضة من تراب وخلقه بالمشاهدة من نطفة من ماء وذلك من أعظم ~~الآيات الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وعلمه وصفات كماله ولهذا يكررها ~~كثيرا في القرآن لمكان العبرة بها والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته ~~وعلى المبدأ والمعاد # وتضمن إقسامه بتلك الأمكنة الثلاثة الدالة عليه وعلى علمه وحكمته عنايته ~~بخلقه بأن أرسل منها رسلا أنزل عليهم كتبه يعرفون العباد بربهم وحقوقه ~~عليهم وينذرونهم بالله ونقمته ويدعونهم إلى كرامته وثوابه # ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى ~~ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم المردودون إلى أسفل سافلين والصحيح ~~أنه النار قاله مجاهد والحسن وأبو العالية قال علي ابن أبي طالب رضي الله ~~عنه هي النار بعضها أسفل من بعض وقالت طائفة PageV01P029 @ منهم قتادة ~~وعكرمة وعطاء والكلبي وإبراهيم أنه أرذل العمر وهو مروي عن ابن عباس ~~والصواب القول الأول لوجوه أحدها أن أرذل العمر لا يسمى أسفل سافلين لا في ~~لغة ولا عرف وإنما أسفل سافلين هو سجين الذي هو مكان الفجار كما أن عليين ~~مكان الأبرار الثاني أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان ~~قليل جدا فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر الثالث أن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منهم إلى أرذل العمر ~~فليس ms026 ذلك مختصا بالكفار حتى يستثنى منهم المؤمنين الرابع أن الله سبحانه ~~لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم فقال @QB@ ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا @QE@ فجعلهم ~~قسمين قسما متوفى قبل الكبر وقسما مردودا إلى أرذل العمر ولم يسمه أسفل ~~سافلين الخامس أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين وهو ~~سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان فجعل جزاء الكفار أسفل ~~سافلين وجزاء المؤمنين أجرا غير ممنون السادس أن قول من فسره بأرذل العمر ~~يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس ~~فيكون قد ترك الاخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن أمر يعرف بالحس والمشاهدة ~~وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصير بها عن المعنى اللائق بها السابع أنه ~~سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدأه ومعاده فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم ومعاده ~~رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته ~~في ذكر مبدأ العبد ومعاده فما لأرذل العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود ~~إثباته والاستدلال عليه الثامن أن أرباب القول الأول مضطرون إلى مخالفة ~~الحس وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له فإنهم إن قالوا إن الذي يرد ~~إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين كابروا الحس وإن قالوا إن من ~~النوعين من يرد إلى أرذل العمر احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثناء فمنهم من ~~قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل اعمالهم إذا ردوا إلى ~~أرذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة فهذا وإن ~~كان حقا فإن الاستثناء إنما وقع من الرد لا من الأجر والعمل ولما علم أرباب ~~هذا القول ما فيه من التكلف خص بعضهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة ~~القرآن خاصة فقالوا PageV01P030 @ من قرأ القرآن لا يرد إلى أرذل العمر ~~وهذا ضعيف من وجهين أحدهما أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم ~~وأنه لا دليل على ما ms027 ادعوه وهذا لا يعلم بالحس ولا خبر يجب التسليم له ~~يقتضيه والله أعلم # التاسع أنه سبحانه ذكر نعمته على الانسان بخلقه في أحسن تقويم وهذه ~~النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له فينقله حينئذ ~~من هذه الدار إلى أعلى عليين فإذا لم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله نقله منها ~~إلى أسفل سافلين وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح ~~الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران ~~نعمته العاشر أن نظير هذه الآية قوله تعالى @QB@ فبشرهم بعذاب أليم إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون @QE@ فالعذاب الأليم هو ~~أسفل سافلين والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو ~~المذكور هنا والله أعلم # وقوله غير ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص ولا مكدر عليهم وهذا هو الصواب ~~وقالت طائفة غير ممنون به عليهم بل هو جزاء أعمالهم ويذكر هذا عن عكرمة ~~ومقاتل وهو قول كثير من القدرية قال هؤلاء إن المنة تكدر النعمة فتمام ~~النعمة أن يكون غير ممنون بها على المنعم عليه وهذا القول خطأ قطعا أتى ~~أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق وهذا من ~~أبطل الباطل فإن المنة التي تكدر النعمة هي منة المخلوق على المخلوق وأما ~~منة الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها فإنها منة حقيقة ~~قال تعالى @QB@ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد مننا على ~~موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم @QE@ فتكون منة عليهما ~~بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة وقال لموسى @QB@ ولقد مننا عليك مرة أخرى ~~@QE@ وقال أهل الجنة @QB@ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم @QE@ ~~الآية وقال @QB@ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض @QE@ الآية وفي ~~الصحيح أن النبي صلى ms028 الله عليه وسلم قال للأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم ~~الله بي PageV01P031 @ ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي فجعلوا يقولون له ~~الله ورسوله أمن فهذا جواب العارفين بالله ورسوله وهل المنة كل المنة إلا ~~لله المان بفضله الذي جميع الخلق في منته وإنما قبحت منة المخلوق لأنها منة ~~بما ليس منه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وأما منة المنان بفضله التي ما ~~طاب العيش إلا بمنته وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على ~~من أنعم عليه فتلك لا يجوز نفيها وكيف يجوز أن يقال إنه لا منة لله على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة وهل هذا إلا من أبطل الباطل # فإن قيل هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء وليس مرادهم ~~ما ذكر وإنما مرادهم أنه لا يمن عليهم به وإن كانت لله فيه المنة عليهم ~~فإنه لا يمن عليهم به بل يقال هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا ~~وهذا أجركم فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم قيل وهذا ~~أيضا هو الباطل بعينه فإن ذلك الأجر ليست الاعمال ثمنا له ولا معاوضة عنه ~~وقد قال أعلم الخلق بالله صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ~~قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه ~~وفضل \ ح \ فأخبر أن دخول الجنة برحمة الله وفضله وذلك محض منته عليه وعلى ~~سائر عباده وكما أنه سبحانه المان بإرسال رسله وبالتوفيق لطاعته وبالإعانة ~~عليها فهو المان بإعطاء الجزاء وذلك كله محض منته وفضله وجوده لا حق لأحد ~~عليه بحيث إذا وفاه إياه لم يكن له عليه منة فان كان في الدنيا باطل فهذا ~~ليس منه في شيء # فإن قيل كيف تقولون هذا وقد أخبر رسوله عنه بأن حق العباد عليه إذا وحدوه ~~أن لا يعذبهم وقد أخبر عن نفسه أن حقا عليه نصر المؤمنين قيل لعمر الله هذا ~~من أعظم منته ms029 على عباده أن جعل على نفسه حقا بحكم وعده PageV01P032 @ لصادق ~~أن يثيبهم ولا يعذبهم إذا عبدوه ووحدوه فهذا من تمام منته فإنه لو عذب أهل ~~سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكن منته اقتضت أن أحق على نفسه ~~ثواب عابديه وإجابة سائليه # ( ما للعباد عليه حق واجب % كلا ولا سعى لديه ضائع ) # ( إن عذبوا فبعد له أو نعموا % فبفضله فهو الكريم الواسع ) # وقوله سبحانه @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ أصح القولين أن هذا خطاب ~~للإنسان أي فما يكذبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان فتقول ~~إنك لا تبعث ولا تحاسب ولو تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك ~~أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقا جديدا وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه ~~وأعياه خلقك الأول وأيضا فإن الذي كمل خلقك في أحسن تقويم بعد أن كنت نطفة ~~من ماء مهين كيف يليق به أن يتركك سدى لا يكمل ذلك بالأمر والنهي وبيان ما ~~ينفعك ويضرك ولا تنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذه الدار طريقا لك إليها ~~فحكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه قال منصور قلت لمجاهد @QB@ فما ~~يكذبك بعد بالدين @QE@ عنى به محمدا فقال معاذ الله إثما عنى به الإنسان ~~وقال قتادة الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم واختاره الفراء وهذا موضع ~~يحتاج إلى شرح وبيان # يقال كذب الرجل إذا قال الكذب وكذبته أنا إذا نسبته إلى الكذب ولو اعتقدت ~~صدقه وكذبته إذا اعتقدت كذبه وإن كان صادقا قال تعالى @QB@ فإن كذبوك فقد ~~كذب رسل من قبلك @QE@ وقال @QB@ فإنهم لا يكذبونك @QE@ فالأول بمعنى وإن ~~ينسبوك إلى الكذب والثاني بمعنى لا يعتقدون أنك كاذب ولكنهم يعاندون ~~ويدفعون الحق بعد معرفته جحودا وعنادا هذا أصل هذه اللفظة ويتعدى الفعل إلى ~~الخبر بنفسه وإلى خبره بالباء ونفي فيقال كذبته بكذا وكذبته فيه والأول ~~أكثر استعمالا ومنه قوله @QB@ بل كذبوا بالحق لما جاءهم @QE@ وقوله @QB@ ~~وكذبوا بآياتنا @QE@ # إذا عرف هذا فقوله @QB@ فما يكذبك @QE@ اختلف في ماء هل هي بمعنى ms030 أي شيء ~~PageV01P033 @ يكذبك أو بمعنى من الذي يكذبك فمن جعلها بمعنى أي شيء تعين ~~على قوله أن يكون الخطاب للإنسان أي فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مكذبا ~~بالدين وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق ومن جعلها بمعنى فمن الذي يكذبك ~~جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم قال الفراء كأنه يقول من يقدر على ~~تكذيبك بالثواب والعقاب بعدما تبين له من خلق الإنسان ما وصفناه وقال قتادة ~~فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا بالدين # وعلى قول قتادة والفراء إشكال من وجهين أحدهما إقامة ما مقام من وأمره ~~سهل والثاني أن الجار والمجرور يستدعي متعلقا وهو يكذبك أي فمن يكذبك ~~بالدين فلا يخلوا إما أن يكون المعنى فمن يجعلك كاذبا بالدين أو مكذبا به ~~ولا يصح واحدا منهما أما الثاني والثالث فظاهر فإن كذبته ليس معناه جعلته ~~مكذبا أو مكذبا وإنما معناه نسبته إلى الكذب فالمعنى على هذا فمن يجعلك بعد ~~كاذبا بالدين وهذا إنما يتعدى إليه بالباء الفعل المضاعف لا الثلاثي فلا ~~يقال كذب كذا وإنما يقال كذب به # وجواب هذا الإشكال أن قوله كذب بكذا معناه كذب المخبر به ثم حذف المفعول ~~به لظهور العلم به حتى كأنه نسي وعدوا الفعل إلى المخبر به فإذا قيل من ~~يكذبك بكذا فهو بمعنى كذبوك بكذا سواء أي نسبوك إلى الكذب في الاخبار به بل ~~الإشكال في قول مجاهد والجمهور فإن الخطاب إذا كان للإنسان وهو المكذب أي ~~فاعل التكذيب فكيف يقال له ما يكذبك أي يجعلك مكذبا والمعروف كذبه إذا جعله ~~كاذبا لا مكذبا ومثل فسقه إذا جعله فاسقا لا مفسقا لغيره # وجواب هذا الإشكال أن صدق وكذب بالتشديد يراد به معنيان أحدهما النسبة ~~وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم والثاني الداعي والحامل على ذلك وهو يكون ~~للفاعل قال الكسائي يقال ما صدقك بكذا أو ما كذبك بكذا أي ما حملك على ~~التصديق والتكذيب # قلت وهو نظير ما أجرأك على هذا أي ما حملك على الاجتراء عليه وما قدمك ~~وما ms031 أخرك أي ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير وهذا استعمال سائغ موافق ~~للعربية وبالله التوفيق PageV01P034 @ # ثم ختم السورة بقوله @QB@ أليس الله بأحكم الحاكمين @QE@ وهذا تقرير ~~لمضمون السورة من إثبات النبوة والتوحيد والمعاد وحكمه بتضمن نصره لرسوله ~~على من كذبه وجحد ما جاء به بالحجة والقدرة والظهور عليه وحكمه بين عباده ~~في الدنيا بشرعه وأمره وحكمه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه وإن أحكم ~~الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعد ما ظهرت حكمته في خلق الإنسان ~~في أحسن تقويم ونقله في أطوار التخليق حالا بعد حال إلى أكمل الأحوال فكيف ~~يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وهل ذلك ~~إلا قدح في حكمه وحكمته فلله ما أخصر لفظ هذه السورة وأعظم شأنها وأتم ~~معناها والله أعلم # | فصل # ومن ذلك قسمه سبحانه وتعالى @QB@ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما ~~خلق الذكر والأنثى @QE@ وقد تقدم ذكر القسم عليه وأنه سعى الإنسان في ~~الدنيا وجزاؤه في العقبى فهو سبحانه يقسم بالليل في جميع أحواله إذ هو من ~~آياته الدالة عليه فأقسم به وقت غشيانه وأتى بصيغة المضارع لأنه يغشى شيئا ~~بعد شيء وأما النهار فإنه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة ولهذا قال ~~في سورة الشمس وضحاها @QB@ والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها @QE@ وأقسم ~~به وقت سريانه كما تقدم وأقسم به وقت إدباره وأقسم به إذا عسعس فقيل معناه ~~أدبر فيكون مطابقا لقوله @QB@ والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر @QE@ وقيل ~~معناه أقبل فيكون كقوله @QB@ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى @QE@ فيكون ~~قد أقسم بإقبال الليل والنهار وعلى الأول يكون القسم واقعا على انصرام ~~الليل ومجيء النهار عقيبه وكلاهما من آيات ربوبيته # ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى وذلك يتضمن الاقسام بالحيوان كله على اختلاف ~~أصنافه ذكره وأنثاه وقابل بين الذكر والأنثى كما قابل بين الليل والنهار ~~وكل ذلك من آيات ربوبيته فإن إخراج الليل والنهار بواسطة الأجرام العلوية ~~كإخراج الذكر والأنثى بواسطة الأجرام السفلية فأخرج من الأرض ذكور ~~PageV01P035 @ الحيوان ms032 وإناثه على اختلاف أنواعها كما أخرج من السماء الليل ~~والنهار بواسطة الشمس فيها وأقسم سبحانه بزمان السعي وهو الليل والنهار ~~وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي كما اختلف الليل والنهار ~~والذكر والأنثى وسعيه وزمانه مختلف وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه وانه ~~سبحانه لا يسوي بين من اختلف سعيه في الجزاء كما لم يسو بين الليل والنهار ~~والذكر والأنثى # ثم أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي المسيء فقال @QB@ ~~فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ فتضمنت الآيتان ذكر شرعه وذكر الأعمال وجزائها ~~وحكمة القدر في تيسير هذا لليسرى وهذا للعسرى وأن العبد ميسر بأعماله ~~لغاياتها ولا يظلم ربك أحدا وذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب أحدها إعطاء ~~العبد وحذف مفعول الفعل إرادة للاطلاق والتعميم أي أعطى ما أمر به وسمحت به ~~طبيعته وطاوعته نفسه وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والاخلاص ~~والتوبة والشكر وإعطاءه الاحسان والنفع بماله ولسانه وبدنه ونيته وقصده ~~فتكون نفسه نفسا مطيعة باذلة لا لئيمة مانعة فالنفس المطيعة هي النافعة ~~المحسنة التي طبعها الاحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي فتعطي خيرها ~~لنفسها ولغيرها فهي بمنزلة العين التي ينتفع الناس بشربهم منها وسقي دوابهم ~~وأنعامهم وزرعهم فهم ينتفعون بها كيف شاءوا فهي ميسرة لذلك وهكذا الرجل ~~المبارك ميسر للنفع حيث حل فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى كما كانت نفسه ~~ميسرة للعطاء # السبب الثاني التقوى وهي اجتناب ما نهى الله عنه وهذا من أعظم أسباب ~~التيسير وضده من أسباب التعسير فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرته وتارك ~~التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه ~~من التقوى وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان ~~تيسيرها عليه أتم ولو قدر أنها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا ما ~~هو أنفع له مما ناله بغير التقى فإن طيب العيش ونعيم القلب ولذة الروح ms033 ~~وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا وهو أجل من نعيم أرباب PageV01P036 @ ~~الدنيا بالشهوات واللذات وقال تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا @QE@ فأخبر أنه ييسر على المتقي مالا ييسر على غيره وقال تعالى @QB@ ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ وهذا أيضا ييسر ~~عليه بتقواه وقال تعالى @QB@ ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ~~@QE@ وهذا يتيسر عليه بإزالة ما يخشاه وإعطائه ما يحبه ويرضاه وقال @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر ~~لكم @QE@ وهذا يتيسر بالفرقان المتضمن النجاة والنصر والعلم والنور الفارق ~~بين الحق والباطل وتكفير السيئات ومغفرة الذنوب وذلك غاية التيسير وقال ~~تعالى @QB@ واتقوا الله لعلكم تفلحون @QE@ والفلاح غاية اليسر كما أن ~~الشقاء غاية العسر وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم @QE@ فضمن ~~لهم سبحانه بالتقوى ثلاثة أمور أحدها أعطاهم نصيبين من رحمته نصيبا في ~~الدنيا ونصيبا في الآخرة وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين الثاني ~~أعطاهم نورا يمشون به في الظلمات الثالث مغفرة ذنوبهم وهذا غاية التيسير ~~فقد جعل سبحانه التقوى سببا لكل يسر وترك التقوى سببا لكل عسر # السبب الثالث التصديق بالحسنى وفسرت بلا إله إلا الله وفسرت بالجنة وفسرت ~~بالخلف وهي أقوال السلف واليسرى صفة لموصوف محذوف أي الحالة والخلة اليسرى ~~وهي فعلى من اليسرى والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء ~~فمن فسرها بلا إله إلا الله فقد فسرها بمفرد يأتي بكل جمع فإن التصديق ~~الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشعبها وفروعها كلها وجميع أصول ~~الدين وفروعه من شعب هذه الكلمة فلا يكون العبد مصدقا بها حقيقة التصديق ~~حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ولا يكون مؤمنا بالله إله ~~العالمين حتى يؤمن بصفات جلاله ونعوت كماله ولا يكون مؤمنا بأن الله لا إله ~~إلا هو حتى يسلب خصائص الإلهية عن كل ms034 موجود سواه ويسلبها عن اعتقاده ~~وإرادته كما هي منفية في الحقيقة والخارج ولا يكون مصدقا بها من نفي الصفات ~~العليا ولا من نفي كلامه وتكليمه ولا من نفي استوائه على عرشه وأنه يرفع ~~إليه الكلم الطيب والعمل الصالح وأنه رفع PageV01P037 @ المسيح إليه وأسرى ~~برسوله صلى الله عليه وسلم إليه وأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم ~~يعرج إليه إلى سائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا ~~يكون مؤمنا بهذه الكلمة مصدقا بها على الحقيقة من نفى عموم خلقه لكل شيء ~~وقدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء وبعثه الأجساد من القبور ليوم النشور ولا ~~يكون مصدقا بها من زعم أنه يترك خلقه سدى لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة ~~رسله وكذلك التصديق بها يقتضي الاذعان والاقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام ~~التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب ~~نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله فالمصدق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك ~~كله وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الاطلاق إلا بها وبالقيام بحقها ~~وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الاطلاق إلا بها وبحقها فالعقوبة في ~~الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها # ومن فسر الحسنى بالجنة فسرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله ومن فسرها بالخلف ~~ذكر نوعا من الجزاء فهذا جزاء دنيوي والجنة الجزاء في الآخرة فرجع التصديق ~~بالحسنى إلى التصديق بالايمان وجزائه والتحقيق أنها تتناول الأمرين # وتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث وهي الاعطاء والتقوى والتصديق ~~بالحسنى من العلم والعمل وتضمنته من الهدى ودين الحق فإن النفس لها ثلاث ~~قوى قوة البذل والاعطاء وقوة الكف والامتناع وقوة الإدراك والفهم ففيها قوة ~~العلم والشعور ويتبعها قوة الحب والإرادة وقوة البغض والنفرة فهذه القوى ~~الثلاث عليها مدار صلاحها وسعادتها وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها ففساد ~~قوة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحسنى وفساد قوة الحب والارادة يوجب ~~له ترك الاعطاء وفساد قوة البغض والنفرة يوجب له ترك الاتقاء فإذا ms035 كملت قوة ~~حبه وإرادته بإعطائه ما أمر به وقوة بغضه ونفرته باتقائه ما نهى عنه وقوة ~~علمه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها فقد زكى نفسه وأعدها ~~لكل حالة يسرى فصارت النفس بذلك ميسرة لليسرى PageV01P038 @ # ولما كان الدين يدور على ثلاث قواعد فعل لمأمور وترك لمحظور وتصديق الخبر ~~وإن شئت قلت الدين طلب وخبر والطلب نوعان طلب فعل وطلب ترك فقد تضمنت هذه ~~الكلمات الثلاث مراتب الدين أجمعها فالاعطاء فعل المأمور والتقوى ترك ~~المحظور والتصديق بالحسنى تصديق الخبر فانتظم ذلك الدين كله وأكمل الناس من ~~كملت له هذه التقوى الثلاث ودخول النقص بحسب نقصانها أو بعضها فمن الناس من ~~يكون قوة إعطائه وبذله أتم من قوة انكفافه وتركه فقوة الترك فيه أضعف من ~~قوة الاعطاء ومن الناس من يكون قوة الترك والانكفاف فيه أتم من قوة الاعطاء ~~والمنع ومن الناس من يكون فيه قوة التصديق أتم من قوة الاعطاء والمنع فقوته ~~العلمية والشعورية أتم من قوته الارادية وبالعكس فيدخل النقص بحسب ما نقص ~~من قوة هذه القوى الثلاث ويفوته من التيسير لليسرى بحسب ما فاته منها ومن ~~كملت له هذه القوى يسر لكل يسرى قال ابن عباس @QB@ فسنيسره لليسرى @QE@ أي ~~نهيئه لعمل الخير تيسر عليه أعمال الخير وقال مقاتل والكلبي والفراء نيسره ~~للعود إلى العمل الصالح # وحقيقة اليسرى أنها الخلة والحالة السهلة النافعة الواقعة له وهي ضد ~~العسرى وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه فيجري الخير وييسر على قلبه ويديه ~~ولسانه وجوارحه فتصير خصال الخير ميسرة عليه مذللة له منقادة لا تستعصي ~~عليه ولا تستصعب لأنه مهيأ لها ميسر لفعلها يسلك سبلها ذللا وتقاد له علما ~~وعملا فإذا خاللته قلت هو الذي قيل فيه # ( مبارك الطلعة ميمونها % يصلح للدنيا وللدين ) # @QB@ وأما من بخل @QE@ فعطل قوة الارادة والاعطاء عن فعل ما أمر به @QB@ ~~استغنى @QE@ بترك التقوى عن ربه فعطل قوة الانكفاف والترك عن فعل ما نهى ~~عنه @QB@ وكذب بالحسنى @QE@ فعطل قوة العلم والشعور عن التصديق بالإيمان ~~وجزائه @QB@ فسنيسره للعسرى @QE@ قال عطاء سوف ms036 أحول بين قلبه وبين الإيمان ~~بي وبرسولي وقال مقاتل يعسر عليه أن يعطى خيرا وقال عكرمة عن ابن عباس ~~نيسره للشر قال الواحدي وهذا هو القول لأن الشر يؤدي إلى العذاب فهو الخلة ~~العسرى والخير يؤدي إلى اليسر والراحة في الجنة فهو الخلة اليسرى يقول ~~سنهيؤه للشر بأن يجريه على يديه قال الفراء العرب تقول قد يسرت PageV01P039 ~~@ غنم فلان إذا تهيأت للولادة وكذلك إذا ولدت وغزرت ألبانها أي يسرت ذلك ~~على أصحابها انتهى # والتيسير للعسرى يكون بأمرين أحدهما أن يحول بينه وبين أسباب الخير فيجري ~~الشر على قلبه ونيته ولسانه وجوارحه والثاني أن يحول بينه وبين الجزاء ~~الأيسر كما حال بينه وبين أسبابه فإن قيل كيف قابل اتقى باستغنى وهل يمكن ~~العبد أن يستغني عن ربه طرفة عين # قيل هذا من أحسن المقابلة فإن المتقي لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته ~~إلى ربه اتقاه ولم يتعرض لسخطه وغضبه ومقته بارتكاب ما نهاه عنه فإن من كان ~~شديد الحاجة والضرورة إلى شخص فإنه يتقي غضبه وسخطه عليه غاية الاتقاء ~~ويجانب ما يكرهه غاية المجانبة ويعتمد فعل ما يحبه ويؤثره فقابل التقوى ~~بالاستغناء تبشيعا لحال تارك التقوى ومبالغة في ذمه بأن فعل فعل المستغني ~~عن ربه لا فعل الفقير المضطر إليه الذي لا ملجأ له إلا إليه ولا غنى له عن ~~فضله وجوده وبره طرفة عين فلله ما أحلى هذه المقابلة وما أجمع هاتين ~~الآيتين للخيرات كلها وأسبابها والشرور كلها وأسبابها فسبحان من تعرف إلى ~~خصائص عباده بكلامه وتجلى لهم فيه فهم لا يطلبون أثرا بعد عين ولا يستبدلون ~~الحق بالباطل والصدق بالمين # وقد تضمنت هاتان الآيتان فصل الخطاب في مسألة القدر وإزالة كل لبس وإشكال ~~فيها وذلك بين بحمد الله لمن وفق لفهمه ولهذا أجاب بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أورد عليه السؤال الذي لا يزال الناس يلهجون به في القدر فأجاب ~~بفصل الخطاب وأزال الإشكال ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه عن النبي ms037 صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده ~~من الجنة والنار قيل يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب قال ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ @QB@ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ~~فسنيسره لليسرى @QE@ \ ح \ فقد تضمن هذا الحديث الرد على القدرية والجبرية ~~وإثبات القدر والشرع وإثبات الكتاب الأول المتضمن لعلم الله سبحانه الأشياء ~~قبل كونها وإثبات خلق الفعل الجزائي وهو يبطل أصول القدرية الذين يمنعون ~~خلق الفعل مطلقا ومن أقر منهم بخلق فعل الجزاء دون PageV01P040 @ الابتداء ~~هدم أصله ونقض قاعدته والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بمثل ما أخبر به الرب ~~تعالى أن العبد ميسر لما خلق له لا مجبور فالجبر لفظ بدعي والتيسير لفظ ~~القرآن والسنة وفي الحديث دلالة على أن الصحابة كانوا أعلم الناس بأصول ~~الدين فإنهم تلقوها عن أعلم الخلق بالله على الإطلاق وكانوا إذا استشكلوا ~~شيئا سألوه عنه وكان يجيبهم بما يزيل الإشكال ويبين الصواب فهم العارفون ~~بأصول الدين حقا لا أهل البدع والأهواء من المتكلمين ومن سلك سبيلهم # وفي الحديث استدلال النبي صلى الله عليه وسلم على مسائل أصول الدين ~~بالقرآن وإرشاده الصحابة لاستنباطها منه خلافا لمن زعم أن كلام الله ورسوله ~~لا يفيد العلم بشيء من أصول الدين ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه ~~وصفاته وأفعاله منه وعبر عن ذلك بقوله الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين # وفي الحديث بيان أن من الناس من خلق للسعادة ومنهم من خلق للشقاوة خلافا ~~لمن زعم أنهم كلهم خلقوا للسعادة ولكن اختاروا الشقاوة ولم يخلقوا لها وفيه ~~إثبات الأسباب وأن العبد ميسر للأسباب الموصلة له إلى ما خلق له وفيه دليل ~~على اشتقاق السنة من الكتاب ومطابقتها له فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم ~~اعملوا فكل ميسر لما خلق له ومطابقته لقوله تعالى @QB@ فأما من أعطى واتقى ~~@QE@ إلى آخر الآيتين كيف انتظم الشرع والقدر والسبب والمسبب # وهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم هو ms038 الذي فطر الله عليه ~~عباده بل الحيوان البهيم بل مصالح الدنيا وعمارتها بذلك فلو قال كل أحد إن ~~قدر لي كذا وكذا فلا بد أن أناله وإن لم يقدر فلا سبيل إلى نيله فلا أسعى ~~ولا أتحرك لعد من السفهاء الجهال ولم يمكنه طرد ذلك أبدا وإن أتى به في أمر ~~معين فهل يمكنه أن يطرد ذلك في مصالحه جميعها من طعامه وشرابه ولباسه ~~ومسكنه وهروبه مما يضاد بقاءه وينافي مصالحه أم يجد نفسه غير منفكة ألبتة ~~عن قول النبي صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له فإذا كان هذا ~~في مصالح الدنيا وأسباب منافعها فما الموجب لتعطيله في مصالح الآخرة وأسباب ~~السعادة والفلاح فيها ورب الدنيا والآخرة واحد فكيف يعطل ذلك في شرع الرب ~~وأمره ونهيه ويستعمل في إرادة العبد وأغراضه PageV01P041 @ وشهواته وهل هذا ~~إلا محض الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول ظلوم لنفسه جهول بربه فهذا الذي ~~أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم وتلا عنده هاتين الآيتين موافقا لما ~~جعله الله في عقول العقلاء وركب عليه فطر الخلائق حتى الحيوان البهيم وأرسل ~~به جميع رسله وأنزل به جميع كتبه # ولو اتكل العبد على القدر ولم يعمل لتعطلت الشرائع وتعطلت مصالح العالم ~~وفسد أمر الدنيا والدين وإنما يستروح إلى ذلك معطلوا الشرائع ومن خلع ربقة ~~الأوامر والنواهي من عنقه وذلك ميراث من إخوانهم المشركين الذين دفعوا أمر ~~الله ونهيه وعارضوا شرعه بقضائه وقدره كما حكى الله سبحانه ذلك عنهم في غير ~~موضع من كتابه كقوله تعالى @QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل ~~هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل ~~فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شيء كذلك فعل ms039 الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم أنفقوا من ما رزقكم الله قال ~~الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال ~~مبين @QE@ # فان قيل فالاعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى هي من اليسرى بل هي أصل ~~اليسرى من يسرها للعبد أولا وكذلك أضدادها # قيل الله سبحانه هو الذي يسر للعبد أسباب الخير والشر وخلق خلقه قسمين ~~أهل سعادة فيسرهم لليسرى وأهل شقاوة فيسرهم للعسرى واستعمل هؤلاء في ~~الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وهؤلاء في الأسباب التي ~~خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في ~~موضع لا تصلح له كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا ~~يليق بهما بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك ومن جعل محل المسك والرجيع واحدا فهو ~~من أسفه السفهاء PageV01P042 @ # فإن قيل فلم جعل هذا لا يليق به إلا الكرامة وهذا لا يليق به إلا الإهانة ~~قيل هذا سؤال جاهل لا يستحق الجواب كأنه يقول لم خلق الله كذا وكذا # فإن قيل وعلى هذا فهل لهذا الجاهل من جواب لعله يشفى من جهله قيل نعم شأن ~~الربوبية خلق الأشياء وأضدادها وخلق الملزومات ولوازمها وذلك هو محض الكمال ~~فالعلو لازم وملزوم للسفل والليل لازم وملزوم للنهار وكمال هذا الوجود ~~بالحر والبرد والصحو والغيم ومن لوازم الطبيعة الحيوانية الصحة والمرض ~~واختلاف الارادات والمرادات ووجود اللازم بدون ملزومه ممتنع ولولا خلق ~~المتضادات لما عرف كمال القدرة والمشيئة والحكمة ولما ظهرت أحكام الأسماء ~~والصفات وظهور أحكامها وآثارها لا بد منه إذ هو مقتضى الكمال المقدس والملك ~~التام وإذا أعطيت اسم الملك حقه ولن تستطيع علمت أن الخلق والأمر والثواب ~~والعقاب والعطاء والحرمان أمر لازم لصفة الملك وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولا ~~بد وأن تعطيل هذه الصفة أمر ممتنع فالملك الحق ms040 يقتضي إرسال الرسل وإنزال ~~الكتب وأمر العباد ونهيهم وثوابهم وعقابهم وإكرام من يستحق الإكرام وإهانة ~~من يستحق الإهانة كما تستلزم حياة الملك وعلمه وإرادته وقدرته وسمعه وبصره ~~وكلامه ورحمته ورضاه وغضبه واستواءه على سرير ملكه يدبر أمر عباده وهذه ~~الإشارة تكفي اللبيب في مثل هذا الموضع ويطلع منها على أرض مونقة وكنوز من ~~المعرفة وبالله التوفيق # | فصل # ثم قال تعالى @QB@ إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى @QE@ قيل معناه ~~إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال قال قتادة على الله البيان ~~بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته اختاره أبو إسحاق وهو قول مقاتل وجماعة ~~وهذا المعنى حق ولكن مراد الآية شيء آخر وقيل المعنى إن علينا للهدى ~~والإضلال قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء PageV01P043 @ يريد ~~أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي قال ~~الفراء فترك ذكر الاضلال كما قال @QB@ سرابيل تقيكم الحر @QE@ أي والبرد ~~وهذا أضعف من القول الأول وإن كان معناه صحيحا فليس هو معنى الآية وقيل ~~المعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ ~~وهذا قول مجاهد وهو أصح الأقوال في الآية قال الواحدي علينا للهدى أي إن ~~الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته وهذا المعنى في القرآن في ثلاث ~~مواضع ههنا وفي النحل في قوله @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ وفي الحجر في ~~قوله @QB@ هذا صراط علي مستقيم @QE@ وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك ~~طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولا بد والهدى هو الصراط المستقيم فمن ~~سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى ~~الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى ~~الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه ~~والمطلوب منه فأعلمه سبحانه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئا وأن ~~الدنيا والآخرة جميعا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه ومطلوبه على ~~من ms041 يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية ~~ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانه وأقرب الطرق والوسائل إليه ~~وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو ~~الحق فلا يعدل عنه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن ~~هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق # والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطريق الموصلة ~~والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها فالشركة ~~في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة ~~والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني ~~يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله # فتوحيد المطلوب يعصم من الشرك وتوحيد الطلب يعصم من المعصية PageV01P044 ~~@ وتوحيد الطريق يعصم من البدعة والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة # ولما أقام سبحانه الدليل وأنار السبيل وأوضح الحجة وبين المحجة أنذر ~~عباده عذابه الذي أعده لمن كذب خبره وتولى عن طاعته وجعل هذا الصنف من ~~الناس هم أشقاهم كما جعل أسعدهم أهل التقوى والاحسان والاخلاص فهذا الصنف ~~هو الذي يجنب عذابه كما قال @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ~~@QE@ فهذا المتقي المحسن لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه فهو مخلص في تقواه ~~وإحسانه # وفي الآية الإرشاد إلى أن صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمل من الخلق ~~ونعمهم وإن حمل منهم شيئا بادر إلى جزائهم عليه لئلا يتبقى لأحد من الخلق ~~عليه نعمة تجزى فيكون بعد ذلك عمله كله لله وحده ليس للمخلوق جزاء على ~~نعمته # ونبه بقوله @QB@ تجزي @QE@ على أن نعمة الإسلام التي لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على هذا الأتقى لا تجزى فإن كل ذي نعمة يمكن جزاء نعمته إلا نعمة ~~الإسلام فإنها لا يمكن المنعم بها عليه أن يجزي بها وهذا يدل على أن الصديق ~~رضي الله عنه أول وأولى من ذكر في هذه الآية وأنه أحق الأمة بها فإن ms042 عليا ~~رضي الله عنه تربى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فلرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عنده نعمة غير نعمة الإسلام يمكن أن تجزى # ونبه سبحانه بقوله @QB@ إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى @QE@ على أن من ليس ~~لمخلوق عليه نعمة تجزى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى بخلاف ~~من تطور نعم المخلوقين ومننهم فإنه مضطر إلى أن يفعل لأجلهم ويترك لأجلهم ~~ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منة لأحد من الناس لتكون ~~معاملته كلها لله ابتغاء وجهه وطلب مرضاته فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات ~~وهذا المطلوب أشرف المطالب فهذا الطريق أقصد الطرق إليه وأقربها وأقومها ~~وبالله التوفيق PageV01P045 @ # | فصل # ومن ذلك إقسامه سبحانه @QB@ والضحى والليل إذا سجى @QE@ على إنعامه على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه ~~له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد ~~وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما ~~الليل والنهار # فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل للمقسم ~~عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدا ~~ربه فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة ~~احتباسه واحتجابه وأيضا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهاء هو الذي فلق ~~ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل وأيضا فإن ~~الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدا بل هداهم بضوء ~~النهاء إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغى بل ~~يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم # فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي ~~على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها # ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما ~~تركه منذ اعتنى به وأكرمه ولا أبغضه منذ ms043 أحبه وأطلق سبحانه أن الآخرة خير ~~له من الأولى وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها كما أن ~~الدار الآخرة خير له مما قبلها ثم وعده بما تقر به عينه وتفرح به نفسه ~~وينشرح به صدره وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى ~~والنصر وكثرة الاتباع ورفع ذكره وإعلاء كلمته وما يعطيه بعد مماته وما ~~يعطيه في موقف القيامة وما يعطيه في الجنة وأما ما يغتر به الجهال من أنه ~~لا يرضى وواحد من أمته في النار أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار فهذا ~~من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم فإنه صلوات الله وسلامه عليه يرضى ~~PageV01P046 @ بما يرضى به ربه تبارك وتعالى وهو سبحانه يدخل النار من ~~يستحقها من الكفار والعصاة ثم يحد لرسوله حدا يشفع فيهم ورسوله أعرف به ~~وبحقه من أن يقول لا أرضى أن يدخل أحدا من أمتي النار على أن يدعه فيها بل ~~ربه تبارك وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه ولا يشفع في غير ~~من أذن له فيه ورضيه # ثم ذكر سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه ~~بعد الفقر فكان محتاجا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه ~~فأمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنهاه أن ~~يقهر اليتيم وأن ينهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانه ~~باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل لا تحقر اليتيم فقد كنت ~~يتيما وقال الفراء لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب ~~تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك ~~من لا ناصر له يغلظ في أمره وهو نهي لجميع المكلفين # @QB@ وأما السائل فلا تنهر @QE@ قال أكثر المفسرين هو سائل المعروف ~~والصدقة لا تنهره إذا سألك فقد كنت فقيرا فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردا ~~لينا قال الحسن أما إنه ms044 ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول ~~يحيى بن آدم قال إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره والتحقيق أن الآية تتناول ~~النوعين # وقوله @QB@ وأما بنعمة ربك فحدث @QE@ قال مجاهد بالقرآن وقال الكلبي ~~بمعنى أظهرها والقرآن أعظم ما أنعم الله به عليه فأمره أن يقرئه ويعلمه ~~وروى أبو بشر عن مجاهد حدث بالنبوة التي أعطاك الله وقال الزجاج بلغ ما ~~أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك وهي أجل النعم وقال مقاتل أشكر هذه النعمة ~~التي ذكرت في هذه السورة والتحقيق أن النعم تعم هذا كله فأمر أن لا ينهر ~~سائل المعروف والعلم وأن يحدث بنعم الله عليه في الدين والدنيا PageV01P047 ~~@ # | فصل # ومن ذلك اقسامه سبحانه ب @QB@ والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات ~~صبحا @QE@ وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنهما هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن ~~مزدلفة إلى منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال ~~عبد الله بن عباس هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة ~~واختاره الفراء والزجاج قال أصحاب الابل السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولا ~~خيل تجاهد وإنما أقسم بما يعرفونه ويألفونه وهي إبل الحاج إذا عدت من عرفة ~~إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ضبحت ~~وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول # ( فكان لكم اجرى جميعا وأضبحت % بي البازل الوجناء في الآل تضبح ) # قالوا فهي تعدو ضبحا فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض ~~فتثير النقع وهو الغبار بعدوها فيتوسط جمعا وهي المزدلفة # قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون ~~والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحا مصدرا على الأول وحالا على الثاني ~~قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحا وهو صوت يسمع من أجوافها ليس ~~بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو ms045 وقال ~~الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنها الخيل ~~وهو قوله تعالى @QB@ فالموريات قدحا @QE@ والإيراء لا يكون إلا للحافر ~~لصلابته وأما الخف ففيه لين واسترخاء انتهى # قالوا والضبح في الخيل أظهر منه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منه ~~لاخفاف الابل قالوا والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة ~~أخفاف الإبل والضمير في به عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا ~~PageV01P048 @ وأعظم ما يثير الغبار عند الاغارة إذا توسطت الخيل جمع العدو ~~لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما حمل الآية في إثارة الغبار في ~~وادي محسر عند الاغارة فليس بالبين ولا يثور هناك غبار في الغالب لصلابة ~~المكان قالوا وأما قولكم إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد ولا خيل ~~تجاهد فهذا لا يلزم لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في ~~غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا أمر معروف وذكر خيل ~~المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه التمثيل لا الاختصاص فان ~~هذا شأن خيل المقاتلة واشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين والقسم إنما وقع بما ~~تضمنه شأن هذه العاديات من الآيات البينات من خلق هذا الحيوان الذي هو من ~~أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل به العز والظفر والنصر على الأعداء ~~فيعدوا طالبة للعدو وهاربة منه فيثير عدوها الغبار لشدته وتورى حوافرها ~~وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط ~~جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمه ~~عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم ~~كما ذكرهم سبحانه بنعمه عليهم في خلق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى ~~بلد فالابل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص بنصرة الرجال فذكرهم بنعمه بهذا ~~وهذا وخص الاغارة بالضبح لأن العدو لم ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم ~~وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا ~~أهبتهم ms046 بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذنا أمسك وإلا أغار # ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على ~~وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة ~~وعلى هذا فيكون التقدير فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما ~~الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم الذين ~~يغيرون فيورون بالليل نيرانهم لطامعهم وحاجتهم كأنهم أخذوه من قوله تعالى ~~@QB@ أفرأيتم النار التي تورون @QE@ وهذا ان أريد به التمثيل PageV01P049 @ ~~وأن الآية تدل عليه فصحيح وإن أريد به اختصاص الموريات فليس كذلك لأن ~~الموريات هي العاديات بعينها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنها ~~عدت فأورت وقال قتادة الموريات هي الخيل توري نار العداوة بين المقتتلين ~~وهذا ليس بشيء وهو بعيد من معنى الآية وسياقها وأضعف منه قول عكرمة هي ~~الألسنة توري نار العداوة بعظيم ما نتكلم به وأضعف منه ما ذكر عنه مجاهد هي ~~أفكار الرجال توري نار المكر والخديعة في الحرب # وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هي المراد فغلط وإن أريد ~~أنها أخذت من طريق الاشارة والقياس فأمرها قريب # وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول تفسير على اللفظ وهو الذي ينحو إليه ~~المتأخرون وتفسير على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة ~~والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لا بأس به بأربعة ~~شرائط أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحا في نفسه وأن يكون في ~~اللفظ إشعار به وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت ~~هذه الأمور الأربعة كان استنباطا حسنا # وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج قدحا يعني فالمنجحات أمرا يريد البالغين ~~بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله فأثرن فوسطن وهما فعلان على العاديات ~~والموريات لما فيه من معنى الفعل # وكان ذكر الفعل في أثرن ووسطن أحسن ms047 من ذكر الاسم لأنه سبحانه قسم أفعالنا ~~إلى قسمين وسيلة وغاية فالوسيلة هي العدو وما يتبعه من الايراء والاغارة ~~والغاية هي توسط الجمع وما يتبعه من إثارة النقع فهن عاديات موريات مغيرات ~~حتى يتوسطن الجمع ويثرن النقع فالأول شأنهن الذي أعددن له والثاني فعلهن ~~الذي انتهين إليه والله أعلم # | فصل # فهذا شأن القسم وأما شأن المقسم عليه فهو حال الإنسان وهو كون الانسان ~~كنودا بشهادته على نفسه أو شهادة ربه عليه وكونه بخيلا لحبه المال ~~PageV01P050 @ والكنود للنعمة وفعله كند يكند كنودا مثل كفر يكفر كفورا ~~والأرض الكنود التي لا تنبت شيئا وامرأة كندى أي كفور للمعاشرة واصل اللفظ ~~منع الحق والخير ورجل كنود إذا كان مانعا لما عليه من الحق وعبارات ~~المفسرين تدور على هذا المعنى قال ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه رحمهم ~~الله تعالى هو الكفور وقيل هو البخيل الذي يمنع رفده وبجيع عبده ولا يعطي ~~في النائبة وقال الحسن هو اللوام لربه يعد المصائب وينسى النعم # وأما قوله @QB@ وإنه على ذلك لشهيد @QE@ فقال ابن عباس يريد أن ربه على ~~ذلك لشهيد وقيل إن الإنسان لشهيد على ذلك إن أنكر بلسانه أشهد ربه عليه ~~حاله ويؤيد هذا القول سياق الضمائر فإن قوله @QB@ وإنه لحب الخير لشديد ~~@QE@ للانسان فافتتح الخبر عن الانسان بكونه كنودا ثم ثناه بكونه شهيدا على ~~ذلك ثم ختمه بكونه بخيلا بماله لحبه إياه ويؤيد قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه أتى بعلي فقال @QB@ وإنه على ذلك لشهيد @QE@ أي مطلع عالم به ~~كقوله @QB@ ثم الله شهيد على ما يفعلون @QE@ ولو أريد شهادة الإنسان لأتى ~~بالباء فقيل وإنه بذلك لشهيد كما قال تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر @QE@ فلو أراد شهادة الانسان لقال ~~وإنه على نفسه لشهيد فإن كنوده المشهود به ونفسه هي المشهود عليها # ثم قال تعالى @QB@ وإنه لحب الخير لشديد @QE@ والخير هنا المال باتفاق ~~المفسرين والشديد البخيل من أجل حب المال فحب المال هو الذي حمله على البخل ms048 ~~هذا قول الأكثرين وقال ابن قتيبة بل المعنى إنه لشديد الحب للخير فتكون ~~اللام في قوله لحب الخير متعلقة بقوله لشديد على حد تعلق قولك إنه لزيد ~~لضارب ومنعت طائفة من النحاة أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها وهذه الآيات ~~حجة على الجواز فإن قوله لربه معمول لكنود وقوله على ذلك معمول لشهيد ولا ~~وجه للتكلف البارد في تقدير عامل مقدم محذوف يفسره هذا المذكور فالحق جواز ~~إن لزيد لضارب فوصف سبحانه الانسان بكفران نعم ربه وبخله بما آتاه من الخير ~~فلا هو شكور للنعم ولا محسن إلى خلقه بل بخيل بشكره بخيل بماله وهذا ضد ~~المؤمن الكريم فإنه مخلص لربه محسن إلى خلقه PageV01P051 @ فالمؤمن له ~~الاخلاص والاحسان والفاجر له الكفر والبخل وقد ذم الله سبحانه هذين الخلقين ~~المهلكين في غير موضع من كتابه كقوله @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون @QE@ فالرياء ضد الاخلاص ومنع ~~الماعون ضد الاحسان وكذلك قوله تعالى @QB@ إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ~~@QE@ فاختياله وفخره من كفره وكنوده وهذا ضد قوله @QB@ الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون @QE@ وقوله @QB@ واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا @QE@ الآية وكذلك ذكر الخلقين الذميمين ~~في قوله @QB@ والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر @QE@ ونظيره @QB@ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ~~وأنفقوا من ما رزقهم الله @QE@ ونظيره ما تقدم في سورة الليل من ذم ~~المستغني البخيل ومدح المعطي المصدق بالحسنى ونظيره قوله @QB@ ويل لكل همزة ~~لمزة الذي جمع مالا وعدده @QE@ فإن الهمزة واللمزة من الفخر والكبر وجمع ~~المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما # ثم خوف سبحانه الانسان الذي هذا وصفه حين يبعثر ما في القبور ويحصل ما في ~~الصدور أي ميز وجمع وبين وأظهر ونحو ذلك وجمع سبحانه بين القبور والصدور ~~كما جمع بينهما النبي صلى الله عليه وسلم ms049 في قوله ملأ الله أجوافهم وقبورهم ~~نارا فإن الإنسان يواري صدره ما فيه من الخير والشر ويواري قبره جسمه فيخرج ~~الرب جسمه من قبره وسره من صدره فيصير جسمه بارزا على الأرض وسره باديا على ~~وجهه كما قال تعالى @QB@ يعرف المجرمون بسيماهم @QE@ وقال @QB@ سنسمه على ~~الخرطوم @QE@ # | فصل # ومفعول العلم إن علمت فيه وكسرت لمكان اللام وقيد سبحانه كونه ~~PageV01P052 @ خبيرا بهم ذلك اليوم وهو خبير بهم في كل وقت إيذانا بالجزاء ~~وأنه يجازيهم في ذلك اليوم بما يعلمه منهم فذكر العلم والمراد لازمه والله ~~سبحانه وتعالى أعلم # | فصل # ومن ذلك إقسامه بالعصر على حال الانسان في الآخرة هذه السورة على غاية ~~اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم فيها ~~لكفتهم # والعصر المقسم به قيل هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النهار وقيل هو ~~آخر ساعة من ساعاته وقيل المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنه الدهر ~~وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرا أمر معروف في لغتهم قال # ( ولن يلبث العصران يوم وليلة % إذا طلبا أن يدركا ما تيمما ) # ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة والآية فيه ~~فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم ~~على أكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة ~~واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونه وانقسام ~~العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات ~~الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته # فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الانسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال ~~وجزائها ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد وأن ~~قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد وأن حكمته التي اقتضت خلق ~~الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرا وشرا تأبى أن يسوى بينهم ~~وأن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو ~~خاسرين بل الانسان من حيث هو إنسان خاسر إلا ms050 من رحمه الله فهداه ووفقه ~~للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به وهذا نظير رده الانسان ~~PageV01P053 @ إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~هؤلاء المردودين # وتأمل حكمة القرآن لما قال @QB@ إن الإنسان لفي خسر @QE@ فإنه ضيق ~~الاستثناء وخصصه فقال @QB@ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر @QE@ ولما قال @QB@ ثم رددناه أسفل سافلين @QE@ وسع ~~الاستثناء وعممه فقال @QB@ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ ولم يقل ~~وتواصوا فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على ~~مجرد فعله فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون ~~في أسفل سافلين فإن الانسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضا على الاعيان وقد تكون ~~فرضا على الكفاية وقد تكون مستحبة # والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه ~~الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ~~حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم ~~يأمروا غيرهم به وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ~~فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانه إنما قال @QB@ إن الإنسان ~~لفي خسر @QE@ ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر وأنه ~~ذو خسر كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لقد فرطنا في قراريط كثيرة ~~فهذا نوع تفريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك # ولما قال في سورة والتين @QB@ ثم رددناه أسفل سافلين @QE@ قال @QB@ إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما ~~كان الانسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها ~~بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كمل قوته العلمية ~~بالايمان وقوته العملية بالعمل الصالح PageV01P054 @ وانقاد لأمر غيره له ~~بذلك وأمر غيره ms051 به من الانسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة ~~كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين علم بالحق ~~وصبر عليه فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الانساني من العلم النافع والعمل ~~الصالح والاحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره ~~بذلك # وقوله تعالى @QB@ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ إرشاد إلى منصب ~~الإمامة في قوة الدين كقوله تعالى @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ فبالصبر واليقين تنال الامامة في الدين # والصبر نوعان نوع على المقدور كالمصائب ونوع على المشروع وهذا النوع أيضا ~~نوعان صبر على الأوامر وصبر عن النواهي فذاك صبر على الارادة والفعل وهذا ~~صبر عن الارادة والفعل فأما النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن ~~والكافر والبر والفاجر لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق ابنته مرها فلتصبر ولتحتسب وقال تعالى ~~@QB@ إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ بلى إن تصبروا وتتقوا @QE@ وقال @QB@ وإن تصبروا وتتقوا @QE@ ~~فالصبر بدون الايمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى ~~وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور وقال تعالى @QB@ فاصبر إن ~~وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون @QE@ فأمره أن يصبر ولا يتشبه ~~بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر فإنهم لعدم يقينهم عدم صبرهم وخفوا ~~واستخفوا قومهم ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا فمن ~~قل يقينه قل صبره ومن قل صبره خف واستخف فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب ~~وعقل ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما ~~تلعب الرياح بالشيء الخفيف والله المستعان PageV01P055 @ # | فصل # ومن ذلك اقسامه سبحانه @QB@ والسماء ذات البروج @QE@ التي تنزلها الشمس ~~والقمر وفسرت بالنجوم أو نوع منها وفسرت بالقصور العظام وكل ذلك من آيات ~~قدرته وشواهد وحدانيته فإن السماء كرة متشابهة الأجزاء والشكل الكرى لا ~~يتميز منه ms052 جانب عن جانب بطول ولا قصر ولا وضع بل هو متساوي الجوانب فجعل ~~هذه البروج في هذه الكرى على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن ~~توجد بغير فاعل ويستحيل أن يكون فاعلها غير قادر ولا عالم ولا مريد ولا حي ~~ولا حكيم ولا مباين للمفعول وهذا ونحوه مما هدم قواعد الطبائعية والملاحدة ~~والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربا بائنا قادرا فاعلا بالاختيار عالما ~~بتفاصيله حكيما مدبرا له # فبروج السماء هي منازلها أو منازل السيارة التي فيها من أعظم آياته ~~سبحانه فلهذا أقسم بها مع السماء ثم أقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة ~~وهو المقسم به وعليه كما أن القرآن يقسم به وعليه ودال على وقوع اليوم ~~الموعود باتفاق جميع الرسل عليه وبما عرفه عباده من حكمته وعزته التي تأبى ~~أن يتركهم سدى ويخلقهم عبثا وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدل بها ~~سبحانه على إمكانه تارة وعلى وقوعه تارة وعلى تنزيهه عما يقول أعداؤه من ~~أنه لا يأتي به تارة فالاقسام به عند من آمن بالله كالاقسام بالسماء وغيرها ~~من الموجودات المشاهدة بالعيان # ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود مطلقين غير معينين وأعم المعاني فيه أنه ~~المدرك والمدرك والعالم والمعلوم والرائي والمرئي وهذا أليق المعاني به وما ~~عداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل لا على وجه التخصيص # فإن قيل فما واجه الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة المقسم بها قيل هي ~~بحمد الله في غاية الارتباط والاقسام بها متناول لكل موجود في الدنيا ~~والآخرة وكل منها آية مستقلة دالة على ربوبيته وإلهيته فأقسم بالعالم ~~العلوي وهي السماء وما فيها من البروج التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ثم ~~أقسم بأعظم الأيام PageV01P056 @ وأجلها قدرا الذي هو مظهر ملكه وأمره ~~ونهيه وثوابه وعقابه ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينهم بعلمه وعدله ثم ~~أقسم بما هو أعم من ذلك كله وهو الشاهد والمشهود وناسب هذا القسم ذكر أصحاب ~~الأخدود الذين عذبوا أولياءه وهم شهود على ما يفعلون بهم والملائكة شهود ~~عليهم بذلك والأنبياء وجوارحهم تشهد به ms053 عليهم وأيضا فالشاهد هو المطلع ~~والرقيب والمخبر والمشهود وهو المطلع عليه المخبر به المشاهد # فمن نوع الخليقة إلى شاهد ومشهود وهو أقدر القادرين كما نوعها إلى مرئي ~~لنا وغير مرئي كما قال @QB@ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون @QE@ كما ~~نوعها إلى أرض وسماء وليل ونهار وذكر وأنثى وهذا التنويع والاختلاف من ~~آياته سبحانه كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود # وفيه سر آخر وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه ولا يتم نظام العالم ~~إلا بذلك فكيف يكون المخلوق شاهدا رقيبا حفيظا على غيره ولا يكون الخالق ~~تبارك وتعالى شاهدا على عباده مطلعا عليهم رقيبا # وأيضا فإن ذلك يتضمن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله فإنهم شاهدون على ~~العباد فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه كما أقسم باليوم الموعود ~~وهو المقسم به وعليه وأيضا فيوم القيامة مشهود كما قال تعالى @QB@ ذلك يوم ~~مجموع له الناس وذلك يوم مشهود @QE@ يشهده الله وملائكته والإنس والجن ~~والوحش من آياته والمشهود من آياته # وأيضا فكلامه مشهود كما قال تعالى @QB@ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا @QE@ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فالمشهود من أعظم آياته ~~وكذلك الشاهد فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم فلا ~~وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل # وأيضا فكتاب الأبرار في عليين يشهده المقربون فالكتاب مشهود والمقربون ~~شاهدون # والاحسن أن يكون هذا القسم مستغنيا عن الجواب لأن القصة التنبيه على ~~المقسم به وأنه من آيات الرب العظيمة ويبعد أن يكون الجواب @QB@ قتل أصحاب ~~الأخدود @QE@ الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود PageV01P057 @ ~~ثم وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود شاهدين ما يجري على عباد ~~الله تعالى وأوليائه عيانا ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا يعيبون عليهم ~~دينا سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض وهذا ~~الوصف يقتضي إكرامهم وتعظيمهم ومحبتهم فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا به ~~وهذا شأن أعداء الله دائما ينقمون على أوليائه ما ms054 ينبغي أن يحبوا ويكرموا ~~لأجله كما قال تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون @QE@ وكذلك ~~اللوطية نقموا من عباد الله تنزيههم عن مثل فعلهم فقالوا @QB@ أخرجوهم من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون @QE@ وكذلك أهل الإشراك ينقمون من الموحدين ~~تجريدهم التوحيد وإخلاص الدعوة والعبودية لله وحده وكذلك أهل البدع ينقمون ~~من أهل السنة تجريد متابعتها وترك ما خالفها وكذلك المعطلة ينقمون من أهل ~~الاثبات إثباتهم لله صفات كماله ونعوت جلاله وكذلك الرافضة ينقمون على أهل ~~السنة محبتهم للصحابة جميعهم وترضيهم عنهم وولايتهم إياهم وتقديم من قدمه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وتنزيلهم منازلهم التي أنزلهم الله ~~ورسوله بها وكذلك أهل الرأي المحدث ينقمون على أهل الحديث وحزب الرسول ~~أخذهم بحديثه وتركهم ما خالفه وكل هؤلاء لهم نصيب وفيهم شبه من أصحاب ~~الأخدود وبينهم وبينهم نسب قريب أو بعيد # ثم أخبر سبحانه أنه أعد لهم عذاب جهنم وعذاب الحريق حيث لم يتوبوا وأنهم ~~لو تابوا بعد أن فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار لغفر لهم ولم يعذبهم وهذا ~~غاية الكرم والجود قال الحسن أنظروا إلى هذا الكرم والجود يقتلون أولياءه ~~ويفتنونهم وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة أنظروا إلى كرم الرب تعالى ~~يدعوهم إلى التوبة وقد فتنوا أولياءه فحرقوهم بالنار فلا ييأس العبد من ~~مغفرته وعفوه ولو كان منه ما كان فلا عداوة أعظم من هذه العداوة ولا أكفر ~~ممن حرق بالنار من آمن بالله وحده وعبده وحده ومع هذا فلو تابوا لم يعذبهم ~~وألحقهم بأوليائه # ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء ~~فإنه هو المبدىء المعيد ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه وهو مع ذلك الغفور ~~الودود يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه فهو سبحانه الموصوف بشدة PageV01P058 ~~@ البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يود من تاب ~~إليه وأقبل عليه وهو الودود أيضا أي المحبوب قال ms055 البخاري في صحيحه الودود ~~الحبيب والتحقيق أن اللفظ يدل على الأمرين على كونه وادا لأوليائه ومودودا ~~لهم فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ~~ويحبونه وقال شعيب عليه السلام @QB@ إن ربي رحيم ودود @QE@ # وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور فإن الرجل قد يغفر لمن أساء ~~إليه ولا يحبه وكذلك قد يرحم من لا يحب والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب ~~إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه يحب التوابين وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو ~~كان منه ما كان # ثم قال ذو العرش فأضاف العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة ~~الشريفة وهذا يدل على عظمة العرش وقربه منه سبحانه واختصاصه به بل يدل على ~~غاية القرب والاختصاص كما يضيف إلى نفسه بذو صفاته القائمة به كقوله ذو ~~القوة ذو الجلال والإكرام ويقال ذو العزة وذو الملك وذو الرحمة ونظائر ذلك ~~فلو كان حظ العرش منه حظ الأرض السابعة لكان لا فرق أن يقال ذو العرش وذو ~~الأرض # ثم وصف نفسه بالمجيد وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء ~~الخلق لها وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامه وأما من ليس له صفات كمال ولا ~~أفعال حميدة فليس له من المجد شيء والمخلوق إنما يصير مجيدا بأوصافه ~~وأفعاله فكيف يكون الرب تبارك وتعالى مجيدا وهو معطل عن الأوصاف والافعال ~~تعالى الله عما يقول المعطلون علوا كبيرا بل هو المجيد الفعال لما يريد ~~والمجد في لغة العرب كثرة أوصاف الكمال وكثرة أفعال الخير وأحسن ما قرن اسم ~~المجيد إلى الحميد كما قالت الملائكة لبيت الخليل عليه السلام @QB@ رحمة ~~الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد @QE@ وكما شرع لنا في آخر ~~الصلاة أن نثني على الرب تعالى بأنه حميد مجيد وشرع في آخر الركعة عند ~~الاعتدال أن نقول ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد فالحمد والمجد على ~~الاطلاق لله الحميد المجيد فالحميد الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال ~~والمجيد العظيم الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام PageV01P059 @ # ومن قرأ المجيد بالكسر ms056 فهو صفة لعرشه سبحانه وإذا كان عرشه مجيدا فهو ~~سبحانه أحق بالمجد وقد استشكل هذه القراءة بعض الناس وقال لم يسمع في صفات ~~الخلق مجيد ثم خرجها على أحد الوجهين إما على الجوار وإما أن يكون صفة لربك ~~وهذا من قلة بضاعة هذا القائل فإن الله سبحانه وصف عرشه بالكرم وهو نظير ~~المجد ووصفه بالعظمة فوصفه سبحانه بالمجد مطابق لوصفه بالعظمة والكرم بل هو ~~أحق المخلوقات أن يوصف بذلك لسعته وحسنه وبهاء منظره فإنه أوسع كل شيء في ~~المخلوقات وأجمله وأجمعه لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة ~~والذات ولا يقدر قدر عظمته وحسنه وبهاء منظره إلا الله ومجده مستفاد من مجد ~~خالقه ومبدعه والسموات السبع والأرضون السبع في الكرسي الذي بين يديه كحلقة ~~ملقاة في أرض فلاة والكرسي فيه كتلك الحلقة في الفلاة قال ابن عباس السموات ~~السبع في العرش كسبعة دراهم جعلن في ترس فكيف لا يكون مجيدا وهذا شأنه فهو ~~عظيم كريم مجيد وأما تكلف هذا المتكلف جره إلى الجوار أو أنه صفة لربك ~~فتكلف شديد وخروج عن المألوف في اللغة من غير حاجة إلى ذلك # وقوله @QB@ فعال لما يريد @QE@ دليل على أمور # أحدها أنه سبحانه يفعل بإرادته ومشيئته # الثاني أنه لم يزل كذلك لأنه لم يزل كذلك لأنه ساق ذلك في معرض المدح ~~والثناء على نفسه وأن ذلك من كماله سبحانه فلا يجوز أن يكون عادما لهذا ~~الكمال في وقت من الأوقات وقد قال تعالى 16 : 17 @QB@ أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون @QE@ وما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا ~~قعد أن لم يكن # الثالث أنه إذا أراد شيئا فعله فإن ما موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن ~~يفعله وهذا في إرادته المتعلقة بفعله وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك ~~لها شأن آخر فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه ويجعله فاعلا لم ~~يوجد الفعل وإن أراده حتى يريده من نفسه أن يجعله فاعلا وهذه هي النكتة ms057 ~~التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنها فإن ~~هنا إرادتين إرادة أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله الرب فاعلا وليستا ~~متلازمتين وإن لزم من PageV01P060 @ الثانية الأولى من غير عكس فمتى أراد ~~من نفسه أن يعين عبده وأن يخلق له أسباب الفعل فقد أراد فعله وقد يريه فعله ~~ولا يريد من نفسه أن يخلق له أسباب الفعل فلا يوجد الفعل # فإن اعتاص عليك فهم هذا الموضع وأشكل عليك فانظر إلى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم حاكيا عن ربه قوله للعبد يوم القيامة قد أردت منك أهون من هذا ~~وأنت في صلب أبيك أن لا تشرك بي شيئا ولم يقع هذا المراد لأنه لم يرد من ~~نفسه إعانته عليه وتوفيقه له # الرابع أن فعله سبحانه وإرادته متلازمان فما أراد أن يفعله فعله وما فعله ~~فقد أراده بخلاف المخلوق فإنه يريد مالا يفعل وقد يفعل مالا يريد فما ثم ~~فعال لما يريد إلا الله وحده # الخامس إثبات إرادة متعددة بحسب الأفعال وأن كل فعل له إرادة تخصه وهذا ~~هو المعقول في الفطر وهو الذي يعقله الناس من الارادة فشأنه تعالى أنه يريد ~~على الدوام ويفعل ما يريد # السادس أن كل ما صلح أن تتعلق به إرادته جاز فعله فإذا أراد أن ينزل كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يرى نفسه ~~لعباده وأن يتجلى لهم كيف شاء وأن يخاطبهم ويضحك إليهم وغير ذلك مما يريد ~~سبحانه لم يمتنع عليه فعله فإنه فعال لما يريد وإنما تتوقف صحة ذلك على ~~إخبار الصادق به فإذا أخبر به وجب التصديق به وكان رده ردا لكماله الذي ~~أخبر به عن نفسه وهذا عين الباطل وكذلك إذا أمكن إرادته سبحانه محو ما شاء ~~واثبات ما شاء أمكن فعله وكانت الإرادة والفعل من مقتضيات كماله المقدس # وقد اشتملت هذه السورة على اختصارها من التوحيد على وصفه سبحانه بالعزة ~~المتضمنة للقدرة والقوة وعدم النظير والحمد المتضمن لصفات الكمال والتنزيه ~~عن ms058 أضدادها مع محبته وإلهيته وملكه السموات والأرض المتضمن لكمال غناه وسعة ~~ملكه وشهادته على كل شيء المتضمن لعموم اطلاعه على ظواهر الأمور وبواطنها ~~وإحاطة بصره بمرئياتها وسمعه بمسموعاتها وعلمه بمعلوماتها ووصفه بشدة البطش ~~المتضمن لكمال القوة والعزة والقدرة PageV01P061 @ وتفرده بالإبداء ~~والاعادة المتضمن لتوحيد ربوبيته وتصرفه في المخلوقات بالابداء والاعادة ~~وانقيادها لقدرته فلا يستعصي عليه منها شيء ووصفه بالمغفرة المتضمن لكمال ~~جوده وإحسانه وغناه ورحمته ووصفه بالودود المتضمن لكونه حبيبا إلى عباده ~~محبا لهم ووصفه بأنه ذو العرش الذي لا يقدر قدره سواه وأن عرشه المختص به ~~لا يليق بغيره أن يستوي عليه ووصفه بالمجد المتضمن لسعة العلم والقدرة ~~والملك والغنى والجود والاحسان والكرم وكونه فعالا لما يريد المتضمن لحياته ~~وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته وغير ذلك من أوصاف كماله # فهذه السورة كتاب مستقل في أصول الدين تكفي من فهمها # فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده # ثم ختمها بذكر فعله وعقوبته بمن أشرك به وكذب رسله تحذيرا لعباده من سلوك ~~سبيلهم وأن من فعل فعلهم فعل به كما فعل بهم ثم أخبر عن أعدائه بأنهم ~~مكذبون بتوحيده ورسالاته مع كونهم في قبضته وهو محيط بهم ولا أسوأ حالا ممن ~~عادى من هو في قبضته ومن هو قادر عليه من كل وجه وبكل اعتبار فقال @QB@ بل ~~الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط @QE@ فهذا أعجب عجب ممن كفر بمن ~~هو محيط به وآخذ بناصيته قادر عليه ثم وصف كلامه بأنه مجيد وهو أحق بالمجد ~~من كل كلام كما أن المتكلم به له المجد كله فهو المجيد وكلامه مجيد وعرشه ~~مجيد قال ابن عباس رضي الله عنهما قرآن مجيد كريم لأن كلام الرب ليس كما ~~يقول الكافرون شعر وكهانة وسحر وقد تقدم أن المجد السعة وكثرة الخير وكثرة ~~خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلم به # وقوله @QB@ في لوح محفوظ @QE@ أكثر القراء على الجر صفة للوح وفيه إشارة ~~إلى أن الشياطين لا يمكنهم التنزل به لأن ms059 محله محفوظ أن يصلوا إليه وهو في ~~نفسه محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان فوصفه سبحانه بأنه ~~محفوظ في قوله @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ ووصف محله ~~بالحفظ في هذه السورة فالله سبحانه حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان ~~والتبديل وحفظ معانيه من التحريف كما حفظ ألفاظه من التبديل وأقام له من ~~يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان ومعانيه من التحريف والتغيير PageV01P062 @ # | فصل # ومن ذلك اقسامه سبحانه ب @QB@ والسماء والطارق @QE@ وقد فسره بأنه @QB@ ~~النجم الثاقب @QE@ الذي يثقب ضوؤه والمراد به الجنس لا نجم معين ومن عينه ~~بأنه الثريا أو زحل فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه # والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة وكل منها آية من آياته ~~الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقا لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء ~~الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهله ليلا قال الفراء ما أتاك ليلا ~~فهو طارق وقال الزجاج والمبرد لا يكون الطارق نهارا ولهذا تستعمل العرب ~~الطروق في صفة الخيال كثيرا كما قال ذو الرمة # ( ألا طرقت مي هيوما بذكرها % وأيدي الثريا جنح بالمغارب ) # وقال جرير # ( طرقتك صائدة القلوب وليس ذا % وقت الزيارة فارجعي بسلام ) # ولهذا قيل أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامه كالضيف ~~فالطيف والضيف كلاهما لا يرد وقال الآخر # ( ألا طرقت من آخر الليل زينب % عليك سلام هل لما فات مطلب ) # | فصل # والمقسم عليه ههنا حال النفس الانسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة ~~عليها وأنها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها ~~فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ~~ويحصي ما تكتسب من خير أو شر # واختلف القراء في لما فشددها بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد ~~جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين أحدهما بعد إن المخففة مثل ~~هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله @QB@ وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم ~~@QE@ والثاني في ms060 باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي ~~PageV01P063 @ الفارسي من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في ~~خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها ~~القسم كما يتلقى بالمثقلة # ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال ~~سيبويه عن الخليل في قولهم نشدتك بالله لما فعلت قال المعنى إلا فعلت # ثم نبه سبحانه الانسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على ~~طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال @QB@ فلينظر الإنسان مم ~~خلق @QE@ أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من ~~نطفة قادر على إعادته # ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء ~~فهو مدفوق ودافق ومندفق فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالمكسور والمضروب ~~والمتدفق المطلوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كما تقول كسرته فانكسر ~~والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم وعيشة راضية وقيل هو على ~~النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل وهو ~~الصواب انه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فان ~~اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال ماء جار ورجل ~~ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا ~~غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة ~~الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك ~~برضاها بهم كما رضوا بها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا ابلغ من مجرد كونها ~~مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون الوقت الحاضر والساعة الراهنة وإن لم ~~يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية # ونبه سبحانه بكونه دافقا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج ms061 ~~منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع ~~القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعا وقيل صلب الرجل وترائبه وهي ~~صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير ~~إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم PageV01P064 @ # ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله @QB@ إنه على رجعه لقادر @QE@ ~~أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو ~~الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في ~~الإحليل لقادر والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ~~ثالث قال مقاتل إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى ~~النطفة # والقول الصواب هو الأول لوجوه أحدهما أنه هو المعهود من طريقة القرآن من ~~الاستدلال بالمبدأ على المعاد الثاني أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على ~~رد الماء في الإحليل الثالث أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع ~~واحد ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه الرابع أنه قيد الفعل ~~بالظرف وهو قوله @QB@ يوم تبلى السرائر @QE@ وهو يوم القيامة أي أن الله ~~قادر على رجعه إليه حيا في ذلك اليوم الخامس أن الضمير في رجعه هو الضمير ~~في قوله @QB@ فما له من قوة ولا ناصر @QE@ وهذا للانسان قطعا لا للماء ~~السادس أنه لا ذكر للاحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل على ~~رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى ~~منه السابع أن رد الماء إلى الأحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا ~~هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم ~~تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيا أو إثباتا ومثل هذا لا يقرره ~~الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما يستدل ms062 على أمر واقع ~~ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع # فإن قيل فقد قال تعالى @QB@ أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على ~~أن نسوي بنانه @QE@ أي نجعله كخف البعير قيل هذه أيضا فيها قولان أحدهما ~~هذا والثاني وهو الأرجح أن تسوية بنانه إعادتها كما كانت بعد ما فرقها ~~البلى في التراب # الثامن أنه سبحانه دعا الانسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده عن تكذيبه ~~بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله بعد مفارقته ~~PageV01P065 @ له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان ~~رد الماء التاسع أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في ~~الاحليل بعد خروجه ولا تلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلا على إمكان الآخر ~~بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني ~~والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان ~~أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على ~~الآخر # العاشر أنه سبحانه نبه بقوله @QB@ إن كل نفس لما عليها حافظ @QE@ على أنه ~~قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله @QB@ ~~إنه على رجعه لقادر @QE@ على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه ~~فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه ~~على هذا بقوله @QB@ يوم تبلى السرائر @QE@ أي تختبر وقال مقاتل تظهر وتبدو ~~وبلوت الشيء إذا اختبرته ليظهر لك باطنه وما خفي منه والسرائر جمع سريرة ~~وهي سرائر الله التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه لله فالايمان من ~~السرائر وشرائعه من السرائر فتختبر ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ~~ومؤديها من مضيعها وما كان لله مما لم يكن له قال عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زينا في الوجوه وشينا فيها ~~والمعنى تختبر السرائر بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد ~~والذم # وفي ms063 التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة وهو أن الأعمال نتائج السرائر ~~الباطنة فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا فتبدو سريرته على وجهه نورا ~~وإشراقا وحياء ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعا لسريرته لا اعتبار ~~بصورته فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا وإن كان الذي يبدو عليه في ~~الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم ~~والظهور لها قال الشاعر # ( فإن لها في مضمر القلب والحشا % سريرة حب يوم تبلى السرائر ) # ثم أخبر سبحانه عن حال الانسان في يوم القيامة أنه غير ممتنع من عذاب ~~PageV01P066 @ الله لا بقوة منه ولا بقوة من خارج وهو الناصر فإن العبد إذا ~~وقع في شدة فإما أن يدفعها بقوته أو قوة من ينصره وكلاهما معدوم في حقه ~~ونظيره قوله سبحان @QB@ لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون @QE@ # ثم أقسم سبحانه ب @QB@ والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع @QE@ فأقسم ~~بالسماء ورجعها بالمطر والأرض وصدعها بالنبات قال الفراء تبدى بالمطر ثم ~~ترجع به في كل عام وقال أبو إسحاق الرجع المطر لأنه يجيء ويرجع ويتكرر ~~وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام ~~والتحقيق أن هذا على وجه التمثيل ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من ~~جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا أي تعطيه مرة بعد مرة ~~والخير كله من قبل السماء يجي لما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر ~~فسر الرجع به وحسن تفسيره به ومقابلته بصدع الأرض عن النبات وفسر الصدع ~~بالنبات لأنه يصدع الأرض أي يشقها فأقسم سبحانه بالسماء ذات المطر والأرض ~~ذات النبات وكل من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته # وأقسم على كون القرآن حقا وصدقا فقال @QB@ إنه لقول فصل وما هو بالهزل ~~@QE@ كما أقسم في أول السورة على حال الانسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل ~~هو الذي يفصل بين الحق والباطل فيميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما ms064 ~~اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال ~~أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامه نفس المعنى المراد ومنه فصل الخطاب ~~وأيضا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلا يتضمن هذه ~~المعاني كلها ويتضمن كونه حقا ليس بالباطل وجدا ليس بالهزل ولما كان الهزل ~~هو الذي لا حقيقة له وهو الباطل واللعب قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد ~~المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون ~~دينه ورسوله وعباده وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم ~~حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى @QB@ وأملي لهم إن كيدي متين @QE@ ~~فالانسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه PageV01P067 @ إليه ~~حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ~~ودينه كان كيد الله لهم حسنا لا قبح فيه فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى ~~إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة # ثم قال @QB@ فمهل الكافرين أمهلهم رويدا @QE@ أي أنظرهم قليلا ولا تستعجل ~~لهم والرب تعالى هو الذي يمهلهم وإنما خرج الخطاب للرسول على جهة التهديد ~~والوعيد لهم أو على معنى انتظر بهم قليلا ورويدا في كلامهم يكون اسم فعل ~~فينصب بها الاسم نحو رويدا زيدا أي خله وأمهله وارفق به الثاني أن يكون ~~مصدرا مضافا إلى المفعول نحو رويد زيد أي إمهال زيد نحو ضرب الرقاب الثالث ~~أن يكون نعتا منصوبا نحو قولك ساروا رويدا تقول العرب ضعه رويدا أي وضعا ~~رويدا وفي حديث عائشة في خروج النبي صلى الله عليه وسلم بالليل من عندها ~~إلى البقيع فخرج رويدا وأجاف الباب رويدا ويجوز في هذا الوجه وجهان أحدهما ~~أن يكون حالا والثاني أن يكون نعتا لمصدر محذوف فإن أظهرت المنعوت تعين ~~الوجه الثاني ورويدا في هذه الآية هو من هذا النوع الثالث والله أعلم # | فصل # ومن ذلك اقسامه ب @QB@ بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق @QE@ فأقسم ~~بثلاثة أشياء متعلقة بالليل أحدها الشفق وهو في اللغة الحمرة ms065 بعد غروب ~~الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع قال الفراء والليث ~~والزجاج وغيرهم الشفق الحمرة في السماء وأصل موضوع الحرف لرقة الشيء ومنه ~~شيء شفق لا تماسك له لرقته ومنه الشفقة وهو الرقة وأشفق عليه إذا رق له ~~وأهل اللغة يقولون الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها ولهذا كان الصحيح أن الشفق ~~الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة فإن الحمرة لما كانت بقية ~~ضوء الشمس جعل بقاؤها حدا لوقت المغرب فإذا ذهبت PageV01P068 @ الحمرة بعدت ~~الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء وأما البياض فإنه يمتد وقته بطول لبثه ~~ويكون حاصلا مع بعد الشمس عن الأفق ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه ~~قال الشفق الحمرة والعرب تقول ثوب مصبوغ كأنه الشفق إذا كان أحمر حكاه ~~الفراء وكذلك قال الكلبي الشفق الحمرة التي تكون في المغرب وكذلك قال مقاتل ~~هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة وقال عكرمة هو بقية ~~النهار وهذا يحتمل أن يريد به أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية ~~النهار وقال مجاهد هو النهار كله وهذا ضعيف جدا وكأنه لما رآه قابله بالليل ~~وما وسق ظن أنه النهار وهذا ليس بلازم # الثاني قسمه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل وما ضمه وحواه ~~آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى والشفق يتضمن إدبار النهار وهو آية ~~وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر يتعاقبان لمصالح ~~الخلق فإدبار النهار آية وإقبال الليل آية وتعقب أحدهما الآخر آية والشفق ~~الذي هو متضمن الأمرين آية والليل آية وما حواه آية والهلال آية وتزايده كل ~~ليلة آية واتساقه وهو امتلاؤه نورا آية ثم أخذه في النقص آية وهذه وأمثالها ~~آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله ولهذا شرع عند إقبال ~~الليل وإدبار النهار ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب وفي الحديث اللهم هذا ~~إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك وحضور صلواتك اغفر لي كما ms066 شرع ذكر ~~الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النهار ولهذا يقسم سبحانه بهذين ~~الوقتين كقوله @QB@ والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر @QE@ وهو يقابل إقسامه ~~بالشفق ونظيره إقسامه ب @QB@ والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس @QE@ # ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنهار ~~وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال ~~PageV01P069 @ الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النهار فيحدث هذا ~~الانتشار في العالم أثره شرع سبحانه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين ~~العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين وعند انصرام ~~إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينهما من التضاد والاختلاف وانتقال ~~الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم وذلك مبدأ ومعاد يومي ~~مشهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان العالم ~~في مبدأ ومعاد @QB@ أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على ~~الله يسير @QE@ # | فصل # وقوله @QB@ لتركبن طبقا عن طبق @QE@ الظاهر أنه جواب القسم ويجوز أن يكون ~~من القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف # وقرىء ولتركبن بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للانسان ~~أي لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وقيل ليست ~~التاء للخطاب ولكنها للغيبة أي لتركبن السماء طبقا عن طبق ومن ضمها فالخطاب ~~للجماعة ليس إلا فمن جعل الكناية للسماء قال المعنى لتركبن السماء حالا بعد ~~حال من حالاتها التي وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونها ~~كالمهل مرة وكالدهان مرة ومورانها وتفتحها وغير ذلك من حالاتها وهذا قول ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا ~~فيكون قسما على المعاد وتغيير العالم # ومن قال الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فله ثلاث معان لتركبن سماء بعد ~~سماء حتى تنتهي إلى حيث يصعدك الله هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد وقول ~~مسروق والشعبي قالوا والسماء ms067 طبق ولهذا يقال للسموات السبع الطباق والمعنى ~~الثاني لتصعدن درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي ~~إلى محل القرب والزلفى من الله والمعنى الثالث لتركبن حالا بعد حال من ~~الأحوال المختلفة التي نقل الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم من الهجرة ~~والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة وغناه وفقره وغير ذلك من ~~حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه PageV01P070 @ # ومن قال الخطاب للانسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان ~~حالا بعد حال من حين كونه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين ~~من الاطباق والأحوال للانسان # وأقوال المفسرين كلها تدور على هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما لتصيرن ~~الأمور حالا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من النطفة إلى ~~العلقة إلى المضغة إلى كونه حيا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق ~~التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ركوبه بعد ذلك طبقا آخر وهو طبق البلوغ ثم ~~ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت ~~في البرزخ وركوبه في أثناء هذه الاحوال أطباقا عديدة لا يزال ينتقل فيها ~~حالا بعد حال إلى دار القرار فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد ثم يفعل ~~الله سبحانه بعد ذلك ما يشاء # واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينه ومن يؤتى كتابه ~~بشماله ثم ذكر بعدها قوله @QB@ فما لهم لا يؤمنون @QE@ فذكر كونهم طبقا بعد ~~طبق قال الواحدي وهذا قول أكثر المفسرين قالوا لتركبن حالا بعد حال ومنزلا ~~بعد منزل وأمرا بعد أمر قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد ~~الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء شدة بعد شدة ~~وقال أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل # وأنت إذا ms068 تأملت هذا المقسم به والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة ~~على الربوبية وتغيير الله سبحانه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من ~~حال إلى حال وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون ~~فاعله غير قادر ولا حي ولا مريد ولا حكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع ~~سواء # فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه ~~وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله @QB@ فما لهم لا يؤمنون @QE@ ~~إنكارا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام ~~PageV01P071 @ وأنكر عليهم عدم خصوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك ~~بأفصح عبارة وأبينها وأجزلها وأوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف ~~عبارة غاية الحق بغاية البيان والفصاحة # @QB@ بل الذين كفروا يكذبون @QE@ ولا يصدقون بالحق جحودا وعنادا @QB@ ~~والله أعلم بما يوعون @QE@ بما يضمرون في صدورهم ويكتمونه وما يسرونه من ~~أعمالهم وما يجمعونه فيجازيهم عليه بعلمه وعدله @QB@ إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون @QE@ # | 22 فصل # ومن ذلك قوله سبحانه 81 : 15 @QB@ فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل ~~إذا عسعس والصبح إذا تنفس @QE@ أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من ~~طلوعها وجريانها وغروبها هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب # والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمى الشيطان خناسا ~~لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس ~~جمع كانس وهو الداخل في كناسة أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في ~~هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها # والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم ~~قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس ~~على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه باخفاء النهار لها وفيه قول آخر ~~وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة ms069 بفعلها وحركة ~~بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى PageV01P072 @ هذا فهو قسم بنوع ~~من الكواكب وهي السيارة وهذا قول الفراء وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها ~~وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها وهذا قول ~~الزجاج # ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه ~~بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الإختفاء ~~بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها ~~وغروبها صريحا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه ~~الطلوع فالطلوع أول جريانها # فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ~~ربوبيته # وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه أحدها أن هذه ~~الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة الثاني اشتراك أهل الأرض في ~~معرفته بالمشاهدة والعيان الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي ~~فيها عن العيان مطلقا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات الرابع إن الذين فسروا ~~الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء قال الواحدي هو من الخنس في الأنف ~~وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء ~~والظبي أخنس ومنه سميت الخنساء لخنس أنفها ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى ~~تأمل وأكثر الناس لا يعرفونه وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة ~~جلية يشترك في معرفتها الخلائق وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من ~~الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر الخامس أن كنوسها في ~~أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ولا ~~أظهر منه حتى يتعين للقسم السادس أنه لو كان جمعا للظبي لقال الخنس ~~بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان ~~على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر فلما جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن ~~يكون جمعا لواحد من الظباء والبقر وتعين أن يكون جمعا لخانس كشاهد وشهد ms070 ~~PageV01P073 @ وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها السابع أنه ليس بالبين اقسام ~~الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولا عادته وإنما يقسم ~~سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس ~~الانسانية ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم ~~بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومها ولما أقسم ~~بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك ~~أذرجه في العموم كقوله @QB@ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون @QE@ وقوله ~~@QB@ الذكر والأنثى @QE@ في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك ~~الثامن أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس ~~باللائق اقتران البقر والغزلان والليل والصبح في قسم واحد وبهذا احتج أبو ~~إسحاق على أنها النجوم فقال هذا أليق بذكر النجوم منه بذكر الوحش التاسع ~~أنه لو أراد ذلك سبحانه لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري ~~السفن قال @QB@ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام @QE@ وهنا ليس في اللفظ ~~ولا في السياق ما يدل على أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم ~~من الوجوه التي ذكرناها وغيرها العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي ~~هداية للسالكين ورجوم للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى ~~للعالمين وزينة للقلوب وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين ~~البقر والظباء والقرآن والله أعلم # | فصل # واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس ~~بمعنى ولى وذهب وأدبر هذا قول علي وابن عباس وأصحابه قال الحسن أقبل بظلامه ~~وهو إحدى الروايتين عن مجاهد # فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار ~~فقوله @QB@ والصبح إذا تنفس @QE@ مقابل لليل إذا عسعس قالوا ولهذا أقسم ~~الله ب @QB@ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى @QE@ وبالضحى قالوا فغشيان ~~الليل نظير عسعسته وتجلى النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله ~~PageV01P074 @ # ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى ms071 @QB@ كلا والقمر والليل إذ أدبر ~~والصبح إذا أسفر @QE@ فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة ~~الليل وتنفس الصبح قالوا والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال ~~النهار فإنه عقيبه من غير فصل فهذا أعظم في الدلالة والعبرة بخلاف إقبال ~~الليل وإقبال النهار فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما ولأن بينهما زمنا ~~طويلا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ فذكر سبحانه ~~حالة ضعف هذا وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة اليل بتنفسه ~~فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم # | فصل # ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو ههنا ~~جبريل قطعا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في ~~الحاقة فهو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من ~~أعدائه أنه قوله فقال @QB@ وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون @QE@ فأضافه إلى الرسول الملكي تارة وإلى البشرى تارة ~~وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده وإلا ~~تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من ~~أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا صلى الله عليه وسلم وأن ~~كلا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغا وقول الله الذي تكلم به حقا فلا ~~راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلما بالقرآن وهو كلامه حقا في هاتين الآيتين ~~بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين ~~الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~سمعه من جبريل # ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع ~~في السموات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سنة PageV01P075 @ القرآن وأنه ~~سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوا ms072 ~~وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته # الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد صلى الله عليه وسلم كريما ~~ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح ~~المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا ~~عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم ~~الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه ~~على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي # الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر @QB@ علمه شديد القوى @QE@ ~~وفي ذلك تنبيه على أمور # أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئا وأن ~~يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه # الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما ~~قال تعالى @QB@ وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ~~والملائكة بعد ذلك ظهير @QE@ ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ~~ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره # الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا ~~القوة والشدة فهو عرضة للهلاك # الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما ~~أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور ~~لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على ~~فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويا أمينا معظما ذا ~~مكانة عنده مطاعا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل ~~على عظمة شأن المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم ~~القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين ms073 فإن الملوك لا ~~ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية PageV01P076 @ # وقوله @QB@ عند ذي العرش مكين @QE@ أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب ~~الملائكة إليه وفي قوله @QB@ عند ذي العرش @QE@ إشارة إلى علو منزلة جبريل ~~أذ كان قريبا من ذي العرش سبحانه # وفي قوله مطاع ثم إشارة إلى أن جنوده وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر ~~صاحبه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة أيضا إلى أن هذا الذي ~~تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء وأن ~~كلا من الرسولين مطاع في محله وقومه وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك ~~المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع # وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه # ثم نزه رسوله البشرى وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال @QB@ وما صاحبكم ~~بمجنون @QE@ وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم ~~يعلمون أنهم كانوا كاذبين # ثم أخبر عن رؤيته صلى الله عليه وسلم لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في ~~الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه ~~العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في ~~الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به ~~عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل أهم ~~من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم ~~إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون ~~مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره ~~وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته ~~لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى وإن كانت PageV01P077 @ رؤية ~~الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة # ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما ms074 بطريق النطق والثاني بطريق اللزوم عما يضاد ~~مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي ~~يوجب التهمة فقال @QB@ وما هو على الغيب بضنين @QE@ فان الرسالة لا يتم ~~مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ~~ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن ~~البخل فان الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ~~ومنه قول جميل بن معمر # ( أجود بمضنون التلاد وانني % بسرك عمن سألني لضنين ) # قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن ~~عليهم بما يعلم # وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا القرآن والوحي وقال الفراء يقول تعالى ~~يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جدا فإن ~~عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من ~~هو عنده ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله ~~وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه ~~كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو ~~أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما ~~أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم وإذا ~~أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فاقدام هذا ~~الرسول على الاخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقا به مقيما ~~عليه مبديا له في كل مجمع ومعيدا مناديا به على صدقه مجلبا به على أعدائه ~~من أعظم الأدلة على صدقه # وأما قراءة من قرأ بظنين بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدا بمعنى ~~PageV01P078 @ اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والادراك فإن ذاك يتعدى ~~إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة # ( أما وكتاب الله لا عن شناءة % هجرت ولكن المحب ms075 ظنين ) # والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ~~ينقص وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم لأنه قد ~~تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال @QB@ وما صاحبكم بمجنون @QE@ ثم ~~قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل # واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما ~~اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل الثاني أنه قال على الغيب ولو كان ~~المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا # قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة ~~كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما ~~جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان ~~منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم ~~وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو ~~المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية فلهذا ~~قال سبحانه @QB@ وما هو بقول شيطان رجيم @QE@ ليس تعليم الشيطان ولا يقدر ~~عليه ولا يحسن منه كما قال تعالى @QB@ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ~~وما يستطيعون @QE@ فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى ~~خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علما لا يمارى ~~فيه ولا يشك بل علما ضروريا كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته ~~له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ~~ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور ~~هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون قال أبو ~~إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم # قلت هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ms076 ثم تقول له ~~PageV01P079 @ إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى @QB@ فبأي ~~حديث بعده يؤمنون @QE@ وقال @QB@ فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون @QE@ ~~فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق ~~فأين العدول وأين المذهب # ونظير هذا قوله @QB@ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم @QE@ أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا ~~الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى @QB@ بل ~~كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج @QE@ لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج ~~عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئا إلا ~~كان باطلا ولا يفعلون شيئا إلا كان ضائعا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج ~~عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى @QB@ فإن لم يستجيبوا لك ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم @QE@ وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل ~~@QB@ فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون @QE@ # | فصل # ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنه ذكر للعالمين وفي موضع آخر تذكرة للمتقين ~~وفي موضع آخر لرسوله صلى الله عليه وسلم ولقومه وفي موضع آخر ذكر مطلق وفي ~~موضع آخر ذكر مبارك وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر # وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر ~~فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ~~ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم ~~بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل ~~به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده ومن أي الأبواب ~~والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه وأنهم مضطرون إليه لا ~~يستغنون عنه نفسا واحدا ويذكرهم بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر ~~منها ويذكرهم بأسه وشدة بطشه وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم ~~بثوابه وعقابه PageV01P080 @ # ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال @QB@ خذوا ms077 ما ~~آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون @QE@ وإذا كان كذلك فأحق وأولى ~~وأول من كان ذاكرا له من أنزل عليه ثم لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به ~~المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره # وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلأنه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه ~~الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمة ~~وفيه الرحمة # وقوله سبحانه @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم @QE@ بدل من العالمين وهو بدل ~~بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين ~~مقصودين فإن جهة كونه ذكرا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرا لأهل الاستقامة ~~فإنه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما ~~أن البدل أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في ~~المبدل منه ولا بد من هذا فتأمله # وقوله @QB@ لمن شاء منكم @QE@ رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا ~~مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط بينها وبينه ~~إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببا فيه # وقوله @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ رد على القدرية القائلين ~~بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى ~~شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله ~~بدون مشيئة الله # فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن ~~الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن ~~قائلون بذلك وقال القدري قوله @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ ~~مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو ~~أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك PageV01P081 @ # فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل ~~عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر اغراضه التي لا تأثير ~~لها في الفعل فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل ms078 في عدم التأثير نسبة إرادية ~~عندك والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله ~~سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والارادة إلى ~~الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة ~~والاقتران العادي حاصل مع الجميع # وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر وقال المعنى وما ~~تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ~~ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله @QB@ ولو شاء ربك ما فعلوه @QE@ ~~وقوله @QB@ ولو شاء الله ما اقتتلوا @QE@ وقوله @QB@ ولو شئنا لآتينا كل ~~نفس هداها @QE@ وقوله @QB@ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى ~~الناس جميعا @QE@ ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر البتة # والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة ~~العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما ~~لم يشا لم يكن البتة كما أن ما شاء كان ولا بد # ولكن ههنا أمرا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق ~~بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة ~~عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا ~~يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه ~~قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم ~~يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له # وقد دل على هذا قوله تعالى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ~~@QE@ وقوله @QB@ وما يذكرون إلا أن يشاء الله @QE@ # وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل ~~العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية ~~PageV01P082 @ الآية الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي ~~وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال ~~التوفيق والعون منه والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا ms079 يفعل حتى يجعله ~~الله كذلك # وقوله رب العالمين ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد ~~كمال الربوبية وعطلها وبالله التوفيق # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا ~~فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا @QE@ فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة # فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف ~~مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم ~~على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول ~~كقوله ( 92 : 6 @QB@ فأما من أعطى واتقى @QE@ ونظائره فكان نفس النزع هو ~~المقصود لاعين المنزوع # وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التى تنزع أرواح بنى آدم من أجسامهم ~~وهم جماعة كقوله 6 : 61 @QB@ توفته رسلنا @QE@ وقوله 4 : 97 @QB@ إن الذين ~~توفاهم الملائكة @QE@ وأما قوله 22 : 11 @QB@ قل يتوفاكم ملك الموت الذي ~~وكل بكم @QE@ فأما أن يكون واحدا وله أعوان وإما أن يكون المراد الجنس لا ~~الوحدة كقوله 66 : 12 @QB@ وصدقت بكلمات ربها وكتبه @QE@ وقوله 16 : 18 ~~@QB@ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها @QE@ # والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والاغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ~~ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ~~ثم صار مثلا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره # والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم ~~PageV01P083 @ # واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون ~~متعديا وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطية عن ابن عباس وقال ابن ~~مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس وعلى هذا فهو ~~فعل لازم وغرقا على هذا معناه نزعا شديدا أبلغ ما يكون وأشده # وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها ~~الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الاقسام بنفوس الكفار ~~خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل ms080 عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس ~~بني آدم والاغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من ~~المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من ههنا وتغرق ههنا واختاره ~~الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح ~~نزعا شديدا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب ~~أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع # قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه ~~إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما ~~توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما ~~صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها ~~أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس ~~الإنسانية أيضا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع من أفق إلى أفق فالنزع ~~حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم والنفوس تنزع إلى ~~أوطانها وإلى مألفها وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس والقسي ~~تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل ~~تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها # فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى ~~فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر ~~PageV01P084 @ صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق ~~من تناوله هذا الوصف # فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من ~~الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من ~~البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في ~~الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات ~~التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت ms081 به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور ~~العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال # وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف ~~والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء ~~هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال ~~الواحدي إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين ~~فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط ~~لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به # وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى @QB@ كل في فلك ~~يسبحون @QE@ وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد ~~المفارقة صاعدة إلى ربها # قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه وأما السفن والنجوم فإنما ~~تسمى جارية وجواري كما قال تعالى @QB@ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ~~@QE@ وقال @QB@ حملناكم في الجارية @QE@ وقال @QB@ الجوار الكنس @QE@ ولم ~~يسمها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله @QB@ كل في فلك يسبحون @QE@ ~~ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول ~~بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت ~~فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت السابحات هي السفن أو النجوم أو ~~النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله ~~PageV01P085 @ # قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق ~~سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق ~~بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين ~~بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع وهذا القول خطأ لا يخفى ~~فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي وأن ~~الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتي به ~~الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين وهم معزولون عن سماعه وإن ~~استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من ms082 أمور الحوادث فالله ~~سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئا منه وعزلهم عن سمعه ~~ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم ~~بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه فإن الشيطان يبدر مسرعا ~~بالقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشهب الثواقب فتهلكه وربما ~~ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له # وفسرت السابقات سبقا بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته # وأما المدبرات أمرا فأجمعوا على أنها الملائكة قال مقاتل هم جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض وهم المقسمات ~~أمرا قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود وميكائيل موكل ~~بالقطر والنبات وملك الموت موكل بقبض الأنفس وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم ~~وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها ~~بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف ~~والمسخ والرياح والسحاب انتهى # وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا وللرؤيا ملك موكل بها وللجنة ملائكة ~~موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها ~~وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك # فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ قد وكل الله بذلك ~~كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد ~~أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به PageV01P086 @ # وأما من قال أنها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله ~~النجوم تدبر شيئا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال الله تعالى @QB@ ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره @QE@ فالله سبحانه هو المدبر بملائكته ~~لأمر العالم العلوي والسفلي # قال الجرجاني وذكر السابقات والمدبرات بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما ~~قبلها أقسام مستأنفة وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنه قال فاللاتي ~~سبحن فسبقن كما تقول قام فذهب اوجب الفاء أن القيام كان سببا للذهاب ولو ~~قلت قام وذهب لم تجعل القيام سببا للذهاب # واعترض عليه الواحدي فقال هذا غير مطرد في هذه ms083 الآية لأنه يبعد أن يجعل ~~السبق سببا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين # قلت الملائكة داخلون في السابقات قطعا وأما اختصاص السابقات بالملائكة ~~فهذا محتمل وأما قوله يبعد أن يكون السبق سببا للتدبير فليس كما زعم بل ~~السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر به الملك فهو سبب الفعل الذي أمر به وهو ~~التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ ~~بخلاف الأقسام الثلاثة والله أعلم # وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت ~~القرآن أو أنه من القسم الذي أريد به التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم ~~به دون أن يراد به مقسما عليه بعينه وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه ~~وإن لم يذكر لفظا ولعل هذا مراد من قال أنه محذوف للعلم به لكن هذا الوجه ~~ألطف مسلكا فإن المقسم به إذا كان دالا على المقسم عليه مستلزما استغنى عن ~~ذكره بذكره وهذا غير كونه محذوفا لدلالة ما بعده عليه فتأمله ولعل هذا قول ~~من قال أنه إنما أقسم برب هذه الأشياء وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على ~~غير الوجه الذي قدروه فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ~~ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته فالاقسام بها في الحقيقة إقسام ~~بربوبيته وصفات كماله فتأمله PageV01P087 @ # ثم قرر سبحانه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم إذ من المحال أن يكون موسى نبيا ومحمد ليس نبيا مع أن ~~ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منه وقرر سبحانه تكليمه لموسى ~~بندائه له بنفسه فقال @QB@ إذ ناداه ربه @QE@ فأثبت المستلزم للكلام ~~والتكليم وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ~~ثبوت النوع بدون الجنس # ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له @QB@ هل لك إلى أن تزكى وأهديك ~~إلى ربك فتخشى @QE@ ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه # أحدهما إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرجه مخرج الأمر والالزام وهو ms084 ألطف ~~ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين @QB@ ألا تأكلون @QE@ ولم يقل كلوا ~~الثاني قوله إلى أن تزكى والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض ~~عليه أمرا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل الثالث قوله تزكى ولم ~~يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه وعلى هذا يخاطب الملوك الرابع قوله ~~وأهديك أي أكون دليلا لك وهاديا بين يديك فنسب الهداية إليه والتزكي إلى ~~المخاطب أي أكون دليلا لك وهاديا فتزكى أنت كما تقول للرجل هل لك أن أدلك ~~على كنز تأخذ منه ما شئت وهذا أحسن من قوله أعطيك الخامس قوله إلى ربك فإن ~~في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه ~~الذي أوجده ورباه بنعمه حنينا وصغيرا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب ~~الاستعطاف والالزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده ألا تطيع سيدك ومولاك ~~ومالكك وتقول للوالد ألا تطيع أباك الذي رباك السادس قوله فتخشى أي إذا ~~اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه ~~فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية السابع أن في ~~قوله هل لك فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب ومعلوم أن ~~كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى ~~حاجة الداعي فكأنه يقول الحاجة لك وأنت المتزكي وأنا الدليل لك والمرشد لك ~~إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر PageV01P088 @ والعناء وادعى أنه رب ~~العالمين هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى ولا قدر فهدى فكذب الخبر ~~وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم ~~بأنه ربهم الأعلى واستخفهم فأطاعوه فبطش به جبار السموات والأرض بطشة عزيز ~~مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ~~ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين # ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم ms085 وأكبر وأعظم وأعلى ~~وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ~~ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب ~~الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها ~~وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ~~ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقا جديدا # فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق ~~الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجا ~~إلى جواب والله أعلم # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا ~~فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما توعدون لواقع @QE@ فسرت ~~المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريرة وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة ~~وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتادة ~~وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس # قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب ~~فيسوقه حيث يشاء ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء فارساله واقع على ذلك كله ~~وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كارسال PageV01P089 @ رسله وأنبيائه ~~وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كارسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ~~ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار # فالإرسال المقسم به ههنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال ~~رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين ~~وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء ~~مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في ~~القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضا فاقتران اللفظة بما بعدها ~~من الأقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضا فإن الرسل مقسم عليهم في ~~القرآن لا مقسم بهم كقولهم @QB@ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك @QE@ ~~وقوله @QB@ وإنك لمن المرسلين @QE@ وقوله @QB@ يس والقرآن الحكيم إنك لمن ms086 ~~المرسلين @QE@ وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى ~~فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ~~ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم ~~النوعين لوقوع الارسال عرفا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة ~~تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف العاصفات عليها بفاء التعقيب ~~والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في ~~مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح وفيها قول ثالث ~~أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى # ( تعصف بالدراع والحاسر % ) # حكاه أبو إسحاق وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهرة تدل ~~على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما ~~يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهرة ~~الدالة على ثبوتهما # وأما الناشرات نشرا فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله ~~PageV01P090 @ معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد ~~وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى @QB@ وهو الذي يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته @QE@ يعني أنها تنشر السحاب نشرا وهو ضد الطي ~~وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء ~~عن ابن عباس وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ~~ونزولها وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء وقيل تنشر النفوس فتحييها ~~بالإيمان وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها # قلت ويجوز أن تكون الناشرات لازما لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن ~~كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس ~~التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي ~~حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات والوحي سبب ~~لنشور الأرواح وحياتها لكن هنا أمرا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل ms087 ~~الأقسام في هذه السورة نوعين وفصل أحدهما من الآخر وجعل العاصفات معطوفا ~~على المرسلات بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد ثم جعل الناشرات كأنه قسم ~~مبتدأ فأتي فيه بالواو ثم عطف عليه الفارقات والملقيات بالفاء فأوهم هذا أن ~~الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات وقد ~~اختلف في الفارقات والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف الملقيات ~~ذكرا عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق # وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين ~~الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارا وإنذارا # ومن جعل الناشرات الرياح جعل الفارقات صفة لها وقال هي تفرق السحاب ههنا ~~وههنا ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها ومن قال الفارقات أي القرآن ~~يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون الناشرات الملائكة أكثر من ~~التئامه إذا قيل إنها الرياح ومن قال هي جماعات الرسل PageV01P091 @ فإن ~~أراد الرسل من الملائكة فظاهر وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف ~~هذا القول # ويظهر والله أعلم بما أراد من كلامه أن القسم في هذه الآية وقع على ~~النوعين الرياح والملائكة ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان ~~الحيوان بالرياح فإنها من روح الله وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة ~~القلوب والأرواح بالملائكة فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة ولهذا والله ~~أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء # وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية ~~وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله @QB@ ألم ~~نخلقكم من ماء مهين @QE@ فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن ~~الأقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة فكان في ~~القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة ولهذا ~~كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر فاستحق الويل بعد الويل ~~فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب # فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا ms088 أعظم منه موقعا فإنه تكرر عشر ~~مرات ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق وما ~~يوجب التصديق به فتأمله # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ~~@QE@ وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينهما في الذكر وكون الجواب ~~غير مذكور وأنه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم به ويجوز ~~أن يكون من القسم المقصود به التنبيه على دلالة المقسم به وكونه آية ولم ~~يقصد به مقسما عليه معينا فكأنه يقول اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة ~~مقسما بها لكونها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا PageV01P092 @ # ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانه وظنه أن الله لا يجمع عظامه ~~بعد ما فرقها البلى ثم أخبر سبحانه عن قدرته على جمع غيرها من عظامه وعلى ~~هذا فيكون سبحانه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن ~~فعله بأنه لا يلزمهم من القدرة وقوع المقدور والمعنى بل نجمعها قادرين على ~~تسوية بنانه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله بلى فإنها حرف إيجاب لما تقدم ~~من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على ~~الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين # وفي ذكر البنان لطيفة أخرى وهي أنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه فمن قدر ~~على جمع أطرافه وآخر ما يتم به خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على ما ~~دون ذلك أقدر فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والارمام قيل إنا ~~نجمع ونسوي أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ~~ومفاصلها # وقالت طائفة المعنى نحن قادرون على أن نسوي أصابع يديه ورجليه ونجعلها ~~مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينهما ولا يمكنه أن ~~يعمل بها شيئا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون ~~الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس ~~وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول إنا ms089 في الدنيا قادرون على أن نجعل ~~عظام بنانه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها # فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانه على جمع ~~العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانه على جمع عظامه ~~بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنه ~~هو المقصود وهو الذي أنكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام واطراده ولأن ~~الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في الدنيا وإنما سبق لجمعها في الآخرة ~~بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني ولعله قول جمهور المفسرين حتى أن ~~فيهم من لم يذكر غيره وأنه استدلال بآية ظاهرة مشهورة وهي تفريق البنان مع ~~انتظامها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منها ~~واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة PageV01P093 @ والأخرى ساكنة ويعمل بواحدة ~~والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو شاء سبحانه لسواها ~~فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح التي حصلت ~~بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانه على جمع عظامه بعد الموت # ثم أخبر سبحانه عن سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور وأنه لا ~~يرعوي ولا يخاف يوما يجمع الله فيه عظامه ويبعثه حيا بل هو مريد للفجور ما ~~عاش فيفجر في الحال ويريد الفجور في غد وما بعده وهذا ضد الذي يخاف الله ~~والدار الآخرة فهذا لا يندم يندم على ما مضى منه ولا يقلع في الحال ولا ~~يعزم في المستقبل على الترك بل هو عازم على الاستمرار وهذا ضد التائب ~~المنيب # ثم نبه سبحانه على الحامل له على ذلك وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا ~~استبعادا لزمنه مع إقراره بوقوعه بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنه في موضع ~~آخر قوله @QB@ ذلك رجع بعيد @QE@ أي بعيد وقوعه وليس المراد أنه واقع بعيد ~~زمنه هذا قول جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأصحابه قال ابن عباس يقدم ~~الذنب ويؤخر التوبة وقال ms090 قتادة وعكرمة قدما قدما في معاصي الله لا ينزع عن ~~فجوره # وفي الآية قول آخر وهو أن المعنى بل يريد الإنسان ليكذب بما أمامه من ~~البعث ويوم القيامة وهذا قول ابن زيد واختيار ابن قتيبة وأبي إسحاق قال ~~هؤلاء ودليل ذلك قوله @QB@ يسأل أيان يوم القيامة @QE@ ويرجع هذا القول ~~لفظه بل فإنها تعطي أن الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة مع هذا البيان والحجة ~~بل هو مريد للتكذيب به ويرجحه أيضا أن السياق كله في ذم المكذب بيوم ~~القيامة لا في ذم العاصي والفاجر وأيضا فإن ما قبل الآية وما بعدها يدل على ~~المراد فإنه قال @QB@ أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه @QE@ فأنكر سبحانه عليه حسبانه أن الله لا يجمع عظامه ثم قرر قدرته ~~على ذلك ثم أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة فالأول حسبان منه أن لا ~~يحييه بعد موته والثاني تكذيب منه بيوم البعث وأنه يريد أن يكذب بما وضح ~~وبأن دليل وقوعه وثبوته فهو مريد للتكذيب به ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب ~~فقال @QB@ يسأل أيان يوم القيامة @QE@ فالأول إرادة التكذيب PageV01P094 @ ~~والثاني نطق بالتكذيب وتكلم به وهذا قول قوي كما ترى لكن ينبغي إفراغ هذه ~~الألفاظ في قوالب هذا المعنى فإن لفظة يفجر إنما تدل على عمل الفجور لا على ~~التكذيب وحذف الموصول مع ما جره وإبقاء الصلة خلاف الأصل فإن أصاب هذا ~~القول قالوا تقديره ليكفر بما أمامه وهذا المعنى صحيح لكن دلالة هذا اللفظ ~~عليه ليست بالبينة # فالجواب أن الأمر كذلك لكن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر لم يلزم إعطاءه ~~حكمه من جميع الوجوه بل من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر ~~المتكلم فعلا وما يضمنه معنى فعل آخر ويجري على المضمن أحكامه لفظا وأحكام ~~الفعل الآخر معنى فيكون في قوة ذكر الفعلين مع غاية الاختصار ومن تدبر هذا ~~وجده كثيرا في كلام الله تعالى # فلفظ يفجر اقتضت أمامه بلا واسطة حرف ولا اسم موصول فأعطيت ما اقتضته ~~لفظا ms091 واقتضى ما تضمنه الفعل من ذكر الحرف والموصول فأعطيته معنى فهذا وجه ~~هذا القول لفظا ومعنى والله أعلم # ثم أخبر سبحانه عن حال هذا الانسان إذا شاهد اليوم الذي كذب به فقال @QB@ ~~فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر ~~@QE@ فبرق بصره أي يشخص يشاهده من العجائب التي كان يكذب بها وخسف القمر ~~ذهب ضوؤه وانمحى وجمع الشمس والقمر ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذي ~~يجمع عظام الإنسان بعد ما فرقها البلى ومزقها ويجمع للإنسان يومئذ جميع ~~عمله الذي قدمه وأخره من خير أو شر ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله ~~ويجمع المؤمنين في دار الكرامة فيكرم وجوههم بالنظر إليه ويجمع المكذبين في ~~دار الهوان وهو قادر على ذلك كله كما جمع خلق الانسان من نطفة من مني يمنى ~~ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء بعد ما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان ~~وكما يجمع بين الإنسان وملك الموت ويجمع بين الساق والساق إما ساق الميت أو ~~ساق من يجهز بدنه من البشر ومن يجهز روحه من الملائكة أو يجمع عليه شدائد ~~الدنيا والآخرة فكيف أنكر هذا الإنسان أن يجمع بينه وبين عمله وجزائه وأن ~~يجمع مع بني جنسه ليوم الجمع PageV01P095 @ وأن يجمع عليه بين أمر الله ~~ونهيه وعبوديته فلا يترك سدى مهملة معطلا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا ~~يعاقب فلا يجمع عليه ذلك # فما أجمع هذه السورة لمعان الجمع والضم وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة ~~الذي يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين وبالنفس اللوامة التي اجتمع فيها ~~همومها وغمومها وإرادتها واعتقاداتها وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد والقيامة ~~الصغرى والكبرى وأحوال الناس في المعاد وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة ~~وباسرة معذبة وتضمنت وصف الروح بأنها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع من ~~تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون من راق أي من يرقى من هذه ~~العلة التي أعيت على الحاضرين أي التمسوا له من يرقيه والرقية آخر الطب ~~وقيل ms092 من يرقى بها ويصعد أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب فعلى الأول تكون ~~من رقى يرقي كرمى يرمي وعلى الثاني من رقى يرقي كشقى يشقي ومصدره الرقاء ~~ومصدر الأول الرقية والقول الأول أظهر لوجوه أحدها أنه ليس كل ميت يقول ~~حاضروه من يرقى بروحه وهذا إنما يقوله من يؤمن برقي الملائكة بروح الميت ~~وأنهم ملائكة رحمة وملائكة عذاب بخلاف التماس الرقية وهي الدعاء فإنه قل ما ~~يخلو منه المحتضر الثاني أن الروح إنما يرقى بها الملك بعد مفارقتها وحينئذ ~~يقال من يرقى بها وأما قبل المفارقة فطلب الرقية للمريض من الحاضرين أنسب ~~من طلب علم من يرقى بها إلى الله الثالث أن فاعل الرقية يمكن العلم به ~~فيحسن السؤال عنه ويفيد السامع وأما الراقي إلى الله فلا يمكن العلم ~~بتعيينه حتى يسأل عنه ومن إنما يسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل ~~إلى العلم بتعيينه الرابع أن مثل هذا السؤال إنما يراد به تحضيض وإثارة ~~اهتمام إلى فعل يقع بعد من نحو قوله @QB@ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~@QE@ أو يراد به إنكار فعل ما يذكر بعدها كقوله @QB@ من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه @QE@ وفعل الراقي إلى الله لا يحسن فيه واحد من الأمرين هنا ~~بخلاف فاعل الرقية فإنه يحسن فيه الأول الخامس أن هذا خرج على عادة العرب ~~وغيرهم في طلب الرقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال فحكى الله سبحانه ما جرت ~~عادتهم بقوله وحذف فاعل القول لانه ليس الغرض متعلقا بالقائل بل بالقول ولم ~~تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا من يرقى بروحه فكان حمل الكلام على ما ألف ~~وجرت العادة بقوله أولى PageV01P096 @ إذ هو تذكير لهم بما يشاهدونه ~~ويسمعونه السادس أنه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال من هو ~~الراقي ومن الراقي ولا وجه للكلام غير ذلك كما يقال من هو القائل منكما كذا ~~وكذا وفي الحديث من القائل كلمة كذا السابع أن كلمة من إنما يسأل بها عن ~~التعيين كما ms093 يقول من الذي فعل كذا ومن ذا الذي قاله فيعلم أن فاعلا وقائلا ~~فعل وقال ولا يعلم تعيينه فيسأل عن تعيينه بمن تارة وبأي تارة وهم لم ~~يسألوا عن تعيين الملك الراقي بالروح إلى الله # فإن قيل بل علموا أن ملك الرحمة والعذاب صاعد بروحه ولم يعلموا تعيينه ~~فيسأل عن تعيين أحدهما قيل هم يعلمون أن تعيينه غير ممكن فكيف يسألون عن ~~تعيين مالا سبيل للسامع إلى تعيينه ولا إلى العلم به الثامن أن الآية إنما ~~سيقت لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه وتحقق أسباب الموت وأنه قد حضر ~~ولم يبق شيء ينجع فيه ولا مخلص منه بل هو قد ظن أنه مفارق لا محالة ~~فالحاضرون قد علموا أنه لم يبق لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه ~~فطلبوا أسبابا خارجة عن المقدور تستجلب بالرقي والدعوات فقالوا من راق أي ~~من يرقى هذا العليل من أسباب الهلاك والرقية عندهم كانت مستعملة حيث لا ~~يجدي الدواء التاسع أن مثل هذا إنما يراد به النفي والاستبعاد وهو أحد ~~التقديرين في الآية أي لا أحد يرقى من هذه العلة بعد ما وصل صاحبها إلى هذه ~~الحال فهو استبعاد لنفي الرقية لا طلب لوجود الراقي كقوله @QB@ قال من يحيي ~~العظام وهي رميم @QE@ أي لا أحد يحييها وقد صارت إلى هذه الحال فإن ~~PageV01P097 @ أريد بها هذا المعنى استحال أن يكون من الرقي وإن أريد بها ~~الطلب استحال أيضا أن يكون منه وقد بينا أنها في مثل هذا إنما تستعمل للطلب ~~أو للإنكار وحينئذ فتقول في الوجه العاشر إنها إما أن يراد بها الطلب أو ~~الاستبعاد والطلب إما أن يراد به طلب الفعل أو طلب التعيين ولا سبيل إلى ~~حمل واحد من هذه المعاني على الرقي لما بيناه والله أعلم # | فصل # ومن اسرار هذه السورة أنه سبحانه جمع فيها لأوليائه بين جمال الظاهر ~~والباطن فزين وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه فلا أجمل لبواطنهم ولا ~~أنعم ولا أحلى من النظر إليه ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه ms094 وهي إشراقه ~~وتحسينه وبهجته وهذا كما قال في موضع آخر @QB@ ولقاهم نضرة وسرورا @QE@ ~~ونظيره قوله @QB@ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ~~@QE@ فهذا جمال الظاهر وزينته ثم قال @QB@ ولباس التقوى ذلك خير @QE@ فهذا ~~جمال الباطن ونظيره قوله @QB@ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب @QE@ ~~فهذا جمال ظاهرها ثم قال @QB@ وحفظا من كل شيطان مارد @QE@ فهذا جمال ~~باطنها ونظيره قوله عن امرأة العزيز بعد أن قالت ليوسف @QB@ اخرج عليهن ~~فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ~~كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم @QE@ فذكرها ~~لهذا هو من تمام وصفها لمحاسنه وأنه في غاية المحاسن ظاهرا وباطنا وينظر ~~إلى هذا المعنى ويناسبه قوله @QB@ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى @QE@ فقابل بين الجوع والعري لأن الجوع ذل الباطن ~~والعري ذل الظاهر وقابل بين الظمأ وهو حر الباطن والضحى وهو حر الظاهر ~~بالبروز للشمس وقريب من هذا قوله @QB@ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى @QE@ ~~في ذكر الزاد الظاهر الحسي والزاد الباطن المعنوي فهذا زاد سفر الدنيا وهذا ~~زاد سفر الآخرة ويلم به قول هود @QB@ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم @QE@ فالأول القوة الظاهرة ~~المنفصلة عنهم والثاني الباطنة المتصلة بهم ويشبهه PageV01P098 @ قوله @QB@ ~~فما له من قوة ولا ناصر @QE@ فنفى عنهم الدافعين الدافع من أنفسهم والدافع ~~من خارج وهو الناصر # | فصل # ومن اسرارها أنها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنه لا يكون ولا ~~يفعله وهذا على أحد القولين في قوله @QB@ بلى قادرين على أن نسوي بنانه ~~@QE@ فأخبر أنه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح من هذا قوله تعالى @QB@ ~~وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ~~@QE@ وهذا أيضا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على ~~الماء قال ابن عباس يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون ms095 من هذا الباب بل يكون من ~~باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى @QB@ قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم @QE@ وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزول هذه الآية أعوذ بوجهك ولكن قد ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لا بد أن يقع في أمته خسف ولكن لا يكون ~~عاما وهذا عذاب من تحت الأرجل وروي أنه كان في الأمة قذف أيضا وهذا عذاب من ~~فوق فيكون هذا من باب الإخبار PageV01P099 @ بقدرته على ما سيفعله وإن أريد ~~به القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على ما لا يريده وقد صرح ~~سبحانه بأنه لو شاء لفعل مالم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله @QB@ ولو ~~شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا @QE@ وقوله @QB@ ولو شئنا لآتينا كل ~~نفس هداها @QE@ ونظائره وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد ~~قول من قال إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبله وأن الصواب التفصيل بين ~~القدرة الموجبة والمصححة فنفى القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقا خطأ ~~والله أعلم # | فصل # ومن اسرارها أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع ~~شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من ~~اداب الرب التي أدب بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمره بترك الاستعجال على ~~تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه ~~فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه ثم ~~يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منه ولا يبادره قبل فراغه # وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها ~~والثاني قوله @QB@ وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم ~~يتقون أو يحدث لهم ذكرا فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن ~~يقضى ms096 إليك وحيه وقل رب زدني علما @QE@ والثالث قوله @QB@ سنقرئك فلا تنسى ~~إلا ما شاء الله @QE@ فضمن لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول ~~القراءة وما بعدها # وقد ذم الله سبحانه في هذه السورة من يؤثر العاجلة على الآجلة وهذا ~~لاستعجاله بالتمتع بما يغني وإيثاره ما يبقى ورتب كل ذم ووعيد في هذه ~~السورة على هذا الاستعجال ومحبة العاجلة فإرادته أن يفجر أمامه هو من ~~استعجاله وحب العاجلة وتكذيبه بيوم القيامة من فرط حب العاجلة وإيثاره لها ~~واستعجاله بنصيبه وتمتعه به قبل أوانه ولولا حب العاجلة وطلب الاستعجال ~~لتمتع به PageV01P100 @ في الآجلة أكمل ما يكون وكذلك تكذيبه وتوليه وترك ~~الصلاة هو من استعجاله ومحبته العاجلة والرب سبحانه وصف نفسه بضد ذلك فلم ~~يعجل على عبده بل أمهله إلى أن بلغت الروح التراقي وأيقن بالموت وهو إلى ~~هذه الحال مستمر على التكذيب والتولي والرب تعالى لا يعاجله بل يمهله ويحدث ~~له الذكر شيئا بعد شيء ويصرف له الآيات ويضرب له الأمثال وينبهه على مبدئه ~~من كونه نطفة من مني يمنى ثم علقة ثم خلقا سويا فلم يعجل عليه بالخلق وهلة ~~واحدة ولا بالعقوبة إذ كذب خبره وعصى أمره بل كان خلقه وأمره وجزاؤه بعد ~~تمهيل وتدريج وأنا ولهذا ذم الإنسان بالعجلة بقوله @QB@ وكان الإنسان عجولا ~~@QE@ وقال @QB@ خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون @QE@ # | فصل # ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين ~~لأصحابنا وغيرهم وهو الصواب فإن الله سبحانه أنكر على من حسب أنه يترك سدى ~~فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانه ذلك بطريق الخبر ~~المجرد بل نفاه نفي مالا يليق نسبته إليه ونفى منكر على من حكم به وظنه ثم ~~استدل سبحانه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله ~~فيها طورا بعد طور حتى بلغ نهايته يأبى أن يتركه سدى فإنه ينزه عن ذلك كما ~~ينزه عن العبث والعيب والنقص # وهذه طريقة القرآن في غير موضع ms097 كما قال تعالى @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم @QE@ فجعل كمال ملكه وكونه سبحانه الحق وكونه لا إله إلا هو وكونه ~~رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه مبطلا لذلك الظن الباطل والحكم ~~الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانهم أنه لا يسمع ~~سرهم ونجواهم وحسبان أنه لا يراهم ولا يقدر عليهم وحسبان أنه يسوى بين ~~أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنه تنزيهه عن ~~سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنه مما لا يليق ~~PageV01P101 @ من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مما ينكره سبحانه على من ~~حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب ~~إليه سائر ما ينافي كماله المقدس # ولو كان نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بعد ذلك @QB@ ألم ~~يك نطفة @QE@ إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل ~~موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه وكذلك ~~يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه ~~والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ~~ولذلك كان منكر ذلك كافرا بربه وإن زعم أنه يقر بصانع العالم فلم يؤمن ~~بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل ~~لكلامه وعلوه على خلقه لم يؤمن به سبحانه فإنه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ~~ولا ينهى ولا يصعد إليه قول ولا عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولا نهي ~~ولا ترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا الذي آمن به رب مقدر في ذهنه ليس هو رب ~~العالمين وإله المرسلين # وكذلك إذا اعتبرت اسمه الحي وجدته مقتضيا لصفات كماله من علمه وسمعه ~~وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمه القيوم مقتض لتدبير أمر ~~العالم العلوي والسفلي وقيامه بمصالحه ms098 وحفظه له فمن أنكر صفات كماله لم ~~يؤمن بأنه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم ~~يمكنه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر إنها ~~لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر @QE@ أقسم سبحانه ~~بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه ~~وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة # وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما ~~نراه PageV01P102 @ من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس ~~والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته # ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما ~~وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع ~~في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ~~ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس ~~القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا ~~يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل ~~من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته ~~العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في ~~خلقهما مالا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا ~~الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا ~~الألباب قبلنا @QB@ ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار @QE@ ~~ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ~~ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ ~~في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشهر والسنين ~~وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ms099 ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ~~ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا والدين متعلقة ~~بالأهلة # وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله @QB@ يسألونك عن ~~الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ والثانية قوله @QB@ هو الذي جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون @QE@ والثالثة قوله @QB@ ~~وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ~~@QE@ فلولا ما يحدثه الله سبحانه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم ~~يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة ~~آجال الحاملات PageV01P103 @ # فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها ~~كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس قيل هذا وإن كان ~~ممكنا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن ~~معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس وهو أسهل ~~من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابا واختلافا ولا يحتاج إلى تكلف حساب ~~وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير ~~السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع واصلح وأقل اختلافا من تقديرها بسير ~~الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح ~~دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال حكمته ~~وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق ~~عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة ~~والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن ~~عدمها # فإذا تأمل البصير القمر مثلا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبا لا ~~يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة ~~وذهاب نوره شيئا فشيئا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة ms100 حتى يعود ~~قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر ~~له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلا وأن هذه الحركة فيه لا ~~بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ~~ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل وسيجمع بينهما جامع ~~المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من ~~عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد الكواكب انتثارها ~~وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام إهانتها وإلقاءها ~~في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد ~~وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام ~~في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد ~~هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت ~~لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه PageV01P104 @ سنة الله التي لا ~~تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة ~~وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ومعاداته له أحوج ما ~~يكون إليه @QB@ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة @QE@ ويعلم الذين ~~كفروا أنهم كانوا كاذبين # ( تأمل سطور الكائنات فإنها % من الملك الأعلى إليك رسائل ) # ( وقد خط فيها لو تأملت خطها % ألا كل شيء ما خلا الله باطل ) # ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في ~~الشمس ولو شاء لغيرهما معا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يري عباده ~~آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه الله الذي لا إله إلا هو الملك ~~الحق المبين الفعال لما يريد @QB@ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين @QE@ وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه ~~وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك ms101 من ~~المنافع فامر ظاهر # | فصل # وما أقسامه سبحانه ب @QB@ والليل إذ أدبر @QE@ فلما في إدباره وإقبال ~~النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي ~~مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ~~ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق ~~مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء ~~من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ~~فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدىء ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار ~~سوى الواحد القهار PageV01P105 @ # فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش ~~الظلام بنفسه واضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك ~~نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما ~~وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيما ~~لسلطان الليل والنهار فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس ~~يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانت تهنيهم ~~الحياة مع فقد لذة النور وروحه وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد وكيف كانت ~~تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار ~~مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم فلولا جثوم هذا الليل ~~عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنا ~~ولباسا كما جعل النهار ضياء ومعاشا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات ~~والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان ~~فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجا يطلع على العالم في وقت حاجتهم ~~إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار ~~النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه ~~فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده # وتأمل حكمته ms102 سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة ~~الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في ~~الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب ~~وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول ~~الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد ~~الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ~~ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة ~~الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ ~~والمعاد الغيبي PageV01P106 @ # والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن ~~الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى ~~مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في ~~العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام ~~الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه ~~لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله ~~سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع ~~من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا ~~التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل ~~منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار ~~النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر ~~الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضا وتعطلت المصالح ~~ولو استويا دائما لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد ~~والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ~~ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه ~~إلى عزته وعلمه كما قال تعالى @QB@ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم ~~مظلمون والشمس ms103 تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة ~~أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل ~~سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ~~ذلك تقدير العزيز العليم @QE@ فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات ~~الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه ~~قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته ~~واختياره وعلمه بالمغيبات PageV01P107 @ # | فصل # وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا ~~أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن ~~كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في ~~إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء ~~الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات ~~وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول ~~وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم ~~عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة ~~والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسيه ومنقولة ومعقولة ومشهودة ~~بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورا @QB@ واتخذوا من دونه ~~آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا ~~يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا @QE@ # ولما أقام الحجة وبين الحجة إرتهن كل نفس بكسبها وآخذها بذنبها واستثنى ~~من أولئك من قبل هداه واتبع رضاه وهم أصحاب اليمين الذين آمنوا بالله ~~وصدقوا المرسلين وسلكوا غير سبيل المجرمين الذين ليسوا من المصلين ولا من ~~مطعمي المسكين وهم ms104 من أهل الخوض مع الخائضين المكذبين بيوم الدين فهذه أربع ~~صفات أخرجتهم من زمرة المفلحين وأدخلتهم في جملة الهالكين الأولى ترك ~~الصلاة وهي عمود الاخلاص للمعبود الثانية ترك إطعام المسكين الذي هو من ~~مراتب الإحسان للعبيد فلا إخلاص للخلق ولا إحسان للمخلوق كما قال تعالى ~~@QB@ الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون @QE@ وقال @QB@ ولا يأتون الصلاة إلا ~~وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون @QE@ وهذا ضد ما وصف به أصحاب اليمين ~~بقوله @QB@ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون @QE@ وقال @QB@ تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون @QE@ وقرن ~~سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع في كتابه فأمر بهما تارة وأثنى على ~~فاعليهما تارة وتوعد بالويل PageV01P108 @ والعقاب تاركهما تارة فإن مدار ~~النجاة عليهما ولا فلاح لمن أخل بهما # الصفة الثالثة والرابعة الخوض بالباطل والتكذيب بالحق فاجتمع لهم عدم ~~الاخلاص والإحسان والخوض بالباطل والتكذيب بالحق واجتمع لأصحاب اليمين ~~الاخلاص والاحسان والتصديق بالحق والتكلم به فاستقام إخلاصهم وإحسانهم ~~ويقينهم وكلامهم واستبدل أصحاب الشمال بالاخلاص شركا وبالاحسان إساءة ~~وباليقين شكا وتكذيبا وبالكلام النافع خوضا في الباطل فلذلك لم تنفعهم ~~شفاعة الشافعين أي لم يكن لهم من شفيع فيهم لأن الشفاعة تقع فيهم ولا تنفع ~~وهذا لما أعرضوا عن التذكرة ولم يرفعوا بها رأسا وجفلوا عن سماعها كما تجفل ~~حمر الوحش من الأسد أو من الرماة # ثم ختم السورة بأنه جمع فيها بين شرعه وقدره وإقامة الحجة عليهم بإثبات ~~المشيئة لهم وبيان مقتضى التوحيد والربوبية وأن ذلك إليه لا إليهم فالأول ~~عدله والثاني فضله فالأول يوجب السعي والطلب والحرص على ما ينجيهم كما ~~يفعلون ذلك في مصالح دنياهم بل أشد والثاني يوجب الاستعانة والتوكل ~~والتفويض والرغبة إلى من ذلك بيده ليسهل لهم ويوفقهم والله المستعان وعليه ~~التكلان # | فصل # ومن ذلك قوله @QB@ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم ~~@QE@ إلى آخرها قال مقاتل بما تبصرون من الخلق ومالا تبصرون منه وقال قتادة ~~أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منها ومالا يبصر ms105 وقال الكلبي تبصرون من شيء ~~ومالا تبصرون من شيء وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنه يعم العلويات ~~والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى PageV01P109 @ ويدخل في ذلك ~~الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات ~~قدرته وربوبيته وهو سبحانه يصرف الأقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم ~~أن كل ما يرى ومالا يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء به هو من عند ~~الله وهو كلامه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن # ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه واعتبر ما جاء به الرسول ~~بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله ~~وأنه كلامه وهو أصدق الكلام وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى ~~منها ومالا يرى حق كما قال تعالى @QB@ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما ~~أنكم تنطقون @QE@ أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا ~~تشكون فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث ~~إنه لحق مثل ما أنك ههنا فكأنه سبحانه يقول إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه ~~من الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون ~~لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الانسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره ~~بعينه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرا وباطنا ففي ذلك أبين ~~دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وما لم يباشر ~~قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الايمان قلبه # ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال @QB@ إنه لقول رسول كريم @QE@ وهذا رسوله ~~البشري محمد صلى الله عليه وسلم وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل ~~أنه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة ~~الرسالة ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولا ولناقض ذلك ~~إضافته إلى ms106 رسوله الملكي في سورة التكوير # ثم بين سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره وأنه لم ~~يتكلم به بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال @QB@ إن هذا إلا قول ~~البشر @QE@ فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر # ثم أخبر سبحانه أنه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أمورا PageV01P110 @ ~~أحدها أنه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده والثاني أنه تكلم به ~~حقيقة لقوله @QB@ من رب العالمين @QE@ ولو كان غيره هو المتكلم به لكان من ~~ذلك الغير ونظير هذا قوله @QB@ ولكن حق القول مني @QE@ ونظيره قوله @QB@ قل ~~نزله روح القدس من ربك بالحق @QE@ وقوله @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم @QE@ وقوله @QB@ تنزيل من حكيم حميد @QE@ وما كان من الله فليس ~~بمخلوق ولا ينتقض هذا بأن الرزق والمطر وما في السموات والأرض جميعا منه ~~وهو مخلوق لأن ذلك كله أعيان قائمة بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان ~~فإضافتها إلى الله سبحانه وأنها منه إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته ~~وروحه وبابه إليه بخلاف كلامه فإنه لا بد أن يقوم بمتكلمه إذ كلام من غير ~~متكلم كسمع من غير سامع وبصره من غير مبصر وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى ~~الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصر وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته إليه ومن زعم ~~أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ~~ولا قدرة ولا مشيئة تقوم به وهذا هو التعطيل الذي هو شر من الاشراك وإن زعم ~~أن إضافة السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة إضافة صفة إلى موصوف فإضافة ~~الكلام إليه إضافة مخلوق إلى خالق فقد تناقض وخرج عن موجب العقل والفطرة ~~والشرع ولغات الأمم وفرق بين متماثلين حقيقة وعقلا وشرعا وفطرة ولغة # وتأمل كيف أضافة سبحانه إلى الرسول بلفظ القول وأضافه إلى نفسه بلفظ ~~الكلام في قوله @QB@ حتى يسمع كلام الله @QE@ فإن الرسول يقول للمرسل إليه ~~ما أمر بقوله فيقول قلت كذا وكذا ms107 وقلت له ما أمرتني أن أقوله كما قال ~~المسيح @QB@ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به @QE@ والمرسل يقول للرسول قل لهم ~~كذا وكذا كما قال تعالى @QB@ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة @QE@ ~~@QB@ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن @QE@ @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم @QE@ ونظائره فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال قال الرسول كذا وهذا ~~قول الرسول أي قاله مبلغا وهذا قوله مبلغا عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك ~~تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنه بكلام رسول كريم ولا ~~في موضع واحد بل قيل للصديق وقد تلى آية هذا كلامك وكلام صاحبك فقال ليس ~~بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله PageV01P111 @ # | فصل # الأمر الثالث ما تضمنه قوله @QB@ تنزيل من رب العالمين @QE@ إنه ربوبيته ~~الكاملة لخلقه تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ~~ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملا بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ~~ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا مالا يليق به تعالى @QB@ فتعالى ~~الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم @QE@ # ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما ~~قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالاهلاك فإن كمال علمه وقدرته ~~وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من ~~كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق ~~فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك ~~بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك ~~دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلا إن الله أمرني بذلك وأباحه ~~لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات ~~المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم ~~يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل أية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل ~~باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل ms108 آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن ~~معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله ~~وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين ~~البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب ~~المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الاطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا ~~بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ~~ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجى ومن فعل ذلك فقد أزرى ~~بنفسه ونادى على جهله # وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح ~~PageV01P112 @ في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في ~~الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام ~~فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولا وإنما كان ملكا ~~قاهرا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثا وعشرين سنة يكذب على الله ~~ويقول أوحي إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله ~~كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا ~~حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبا مفتريا على الله وعلى ~~أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك ~~دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ~~ومخالفته وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع ~~في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو ~~إما أن يكون الرب تعالى عالما بذلك مطلعا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا ~~فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به ms109 قد حتم في الرب تعالى ~~ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا ~~رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه واطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرا على ~~أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرا على ~~ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر ~~منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرا ولكن مكنه ونصره وسلطه على ~~الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم ~~والاخلال بالحكمة هذا لو كان مخلي بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ~~ناصره ومؤيده ومجيب دعواته ومهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ~~ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة ~~منها لما أمكنهم ولعجزوا عن ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر ~~والتمكين والظهور والعلو وكثرة الاتباع أمرا خارجا عن العادة فظهر أن من ~~أنكر كونه رسولا نبيا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه # قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتا ما ~~PageV01P113 @ ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم ~~يعيدوا شيئا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم ~~الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول ~~كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن ~~حاله كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ~~ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين ~~وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء ~~وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل ~~وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه # فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ms110 ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه ~~فهو من السعداء وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا # قلت له بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا اقررتم أنه نبي صادق فلا ~~بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا ~~الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار ~~وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ~~ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيا وعاد ~~الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدا ~~مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر # وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال @QB@ ولو تقول ~~علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين @QE@ يقول سبحانه لو تقول علينا قولا واحدا من تلقاء نفسه ~~لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد ~~القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام ~~اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من ~~صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين # قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس ~~من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده PageV01P114 ~~@ وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن ~~قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع ~~الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن # فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئا من الأقاويل لما أقره ولعاجله ~~بالعقوبة فإن كذبا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب ~~عليه فضلا عن أن ينصره ms111 ويؤيده ويصدقه # وبقوله @QB@ ثم لقطعنا منه الوتين @QE@ والوتين نياط القلب وهو عرق يجري ~~في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع ~~أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو ~~كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله صلى الله ~~عليه وسلم ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري والأبهر عرق ~~يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن ~~انقطع أبهره # ثم قال تعالى @QB@ فما منكم من أحد عنه حاجزين @QE@ أي لا يحجزه مني أحد ~~ولا يمنعه مني # الموضع الثاني قوله تعالى @QB@ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ ~~الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات ~~الصدور @QE@ وفي معنى الآية للناس قولان أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ ~~الله يربط PageV01P115 @ على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك ~~والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون ~~الأول لوجوه # أحدها أن هذا خرج جوابا لهم وتكذيبا لقولهم أن محمدا كذب على الله وافترى ~~عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء ~~فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير ~~القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو ~~افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب ~~مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا ~~والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة ~~والجلالة والأخبار بالغيوب مالم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه ~~فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه ~~فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم ms112 وكيف ~~يتضمن الرد عليهم # الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق ~~والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر ~~على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر # الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في ~~عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال ~~الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله @QB@ ~~ختم الله على قلوبهم @QE@ وقوله @QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة @QE@ ونظائره وأما ربطه ~~على قلب العبد بالصبر فكقوله @QB@ وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا ~~رب السماوات والأرض @QE@ وقوله @QB@ وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت ~~لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها @QE@ والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول ~~اللهم اربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي # الرابع أنه سبحانه حيث يحكي أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم عليه هذا ~~الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئا بل كان يأخذه ~~PageV01P116 @ ولا يقدرون على تخليصه كقوله @QB@ أم يقولون افتراه قل إن ~~افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا @QE@ وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته ~~بمثله أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم ~~الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر # الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه ~~وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير # السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما لا بالمطابقة ولا ~~التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير ~~هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الافتراء ~~عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه ms113 سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ~~ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى @QB@ قل ~~لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به @QE@ وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها ~~أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو ~~كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس ~~والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني ~~فلم يدعني أتلوه عليكم وإن أعلمكم به ألبتة لا على لساني ولا على لسان غيري ~~ولكنه أوحاه إلي وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا ~~دارين به فلو كان كذبا وافتراء كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم ~~وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم ~~تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري # ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه ~~فقال @QB@ فقد لبثت فيكم عمرا من قبله @QE@ تعلمون حالي ولا يخفى عليكم ~~سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبتة ~~ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا ~~معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين ~~البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني ~~من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به ~~فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليا له ولا ~~لبعضه PageV01P117 @ فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته # ومن هذا قوله سبحانه @QB@ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد ~~لك به علينا وكيلا @QE@ وهذا هو المناسب لقوله @QB@ أم يقولون افترى على ~~الله كذبا فإن يشأ ms114 الله يختم على قلبك @QE@ ولقوله @QB@ ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين @QE@ وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه ~~متعددة والله أعلم # الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله ~~تعالى @QB@ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك @QE@ وقوله @QB@ إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين @QE@ وقوله @QB@ إن يشأ يسكن الريح فيظللن ~~رواكد على ظهره @QE@ وقوله @QB@ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السماء @QE@ ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيا # التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ~~ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب ~~فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى @QB@ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم @QE@ ومعنى الربط في اللغة ~~الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الاضطراب ~~ومنه يقال هو رابط الجأش وقد طن الواحدي أن على زائدة والمعنى يربط قلوبكم ~~وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس ~~والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط عليه كأنه ~~أحاط عليه بالربط فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه ~~والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم # العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم ~~والتقصد والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ~~ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به فإذا قيل ~~الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعا من الأذى بقولهم PageV01P118 @ ~~قيل هذا أولى أن يسمى ختما وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى @QB@ ~~قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون @QE@ وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة ms115 ~~الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذي فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم # ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكرة للمتقين يتذكر به المتقي فيبصر ما ينفعه ~~فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ~~ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ~~ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم ~~المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة ~~تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين # ثم قال سبحانه @QB@ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين @QE@ أي لا يخفون علينا ~~فسنجازيهم بتكذيبهم # ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما ~~أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل ~~من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان ~~تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت ~~حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة # ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة ~~الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع ~~يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق # ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة حق اليقين وعلم اليقين ~~وعين اليقين كما قال تعالى @QB@ كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم ~~لترونها عين اليقين @QE@ فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق ~~التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة ~~مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن ~~الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر PageV01P119 @ # المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ~~@QB@ ثم لترونها عين اليقين @QE@ وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين ~~العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد ~~مرفوعا ليس ms116 الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه ~~أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله ~~زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة ~~التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي صلى الله عليه وسلم ~~لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا ~~من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع # المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالاحساس به كما إذا ~~أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي ~~الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها ~~وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس ~~الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال @QB@ وإنه لحق اليقين @QE@ فإن القلب ~~يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط ~~بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية ~~التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين # وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم ~~بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين ~~يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه ~~الاضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن ~~العلم والعين والحق أعم من كونها يقينا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض ~~المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ~~ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف ~~إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة PageV01P120 @ الجنس إلى نوعه كثوب ~~خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة ~~وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم # ثم ms117 ختم السورة بقوله @QB@ فسبح باسم ربك العظيم @QE@ وهي جديرة بهذه ~~الخاتمة لما تضمنته من الاخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه ~~وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال ~~رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سمواته والمؤمنين ~~من عباده من أن يقر كذبا متقولا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ~~ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ~~ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي ~~تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا ~~العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا # | فصل # ومن ذلك قوله عز وجل @QB@ فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على ~~أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين @QE@ أقسم سبحانه برب المشارق والمغارب ~~وهي إما مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها وأن كل موضع من ~~الجهة مشرق ومغرب فكذلك جمع في موضع وأفرد في موضع وثنى في موضع آخر فقال ~~@QB@ رب المشرقين ورب المغربين @QE@ فقيل هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في ~~كل موضع ما يناسبه فجاء في سورة الرحمن @QB@ رب المشرقين ورب المغربين @QE@ ~~لأنها سورة ذكرت فيها المزدوجات فذكر فيها الخلق والتعليم والشمس والقمر ~~والنجوم والشجر والسماء والأرض والحب والثمر والجن والإنس ومادة أبي البشر ~~وأبي الجن والبحرين والجنة والنار وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين وجنتين ~~دونهما وأخبر أن في كل جنة عينين فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين ~~والمغربين # وأما سورة @QB@ سأل سائل @QE@ فإنه أقسم سبحانه على عموم قدرته وكمالها ~~وصحة تعلقها بإعادتهم بعد العدم فذكر المشارق والمغارب بلفظ الجمع إذ هو ~~أدل PageV01P121 @ على المقسم عليه سواء أريد مشارق النجوم ومغاربها أو ~~مشارق الشمس ومغاربها أو كل جزء من جهتي المشرق والمغرب فكل ذلك آية ودلالة ~~على قدرته تعالى على أن يبدل أمثال هؤلاء المكذبين وينشئهم فيما لا يعلمون ~~فيأتي بهم في نشأة أخرى كما يأتي ms118 بالشمس كل يوم من مطلع ويذهب بها في مغرب # وأما في سورة المزمل فذكر المشرق والمغرب بلفظ الأفراد لما كان المقصود ~~ذكر ربوبيته ووحدانيته وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك ~~يحب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده فليس للمشرق والمغرب رب سواه ~~فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه وكذلك قال موسى لفرعون حين سأله ~~@QB@ وما رب العالمين @QE@ فقال @QB@ رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون @QE@ وفي ربوبيته سبحانه للمشارق والمغارب تنبيه على ربوبيته ~~السموات وما حوته من الشمس والقمر والنجوم وربوبيته ما بين الجهتين ~~وربوبيته الليل والنهار وما تضمناه ثم قال @QB@ إنا لقادرون على أن نبدل ~~خيرا منهم وما نحن بمسبوقين @QE@ أي لقادرون على أن نذهب بهم ونأتي بأطوع ~~لنا منهم وخيرا منهم كما قال تعالى @QB@ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت ~~بآخرين وكان الله على ذلك قديرا @QE@ وقوله @QB@ وما نحن بمسبوقين @QE@ أي ~~لا يفوتني ذلك إذا أردته ولا يمتنع مني وعبر عن هذا المعنى بقوله @QB@ وما ~~نحن بمسبوقين @QE@ لأن المغلوب يسبقه الغالب إلى ما يريده فيفوت عليه ولهذا ~~عدى بعلي دون إلي كما في قوله @QB@ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ~~@QE@ فإنه لما ضمنه معنى مغلوبين ومقهورين عداه بعلي بخلاف سبقه إليه فإنه ~~فرق بين سبقته إليه وسبقته عليه فالأول بمعنى غلبته وقهرته عليه والثاني ~~بمعنى وصلت إليه قبله # | فصل # وقد وقع الاخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم وفي بعضها ~~تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ~~ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم ~~فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا ~~وذلك PageV01P122 @ قوله @QB@ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم @QE@ يعني بل يكونوا خيرا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من ~~عباده فيجعلهم خيرا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم وأما ~~ذكره تبديل ms119 أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة @QB@ ~~نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما ~~لا تعلمون @QE@ وقال في سورة الإنسان @QB@ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا ~~شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا @QE@ قال كثير من المفسرين المعنى أنا إذا أردنا ~~أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك وفي قوله @QB@ وإذا شئنا ~~بدلنا أمثالهم تبديلا @QE@ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم ~~بدلا منهم قال المهدوي قوما موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل ولم ~~يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير ~~قوله تعالى @QB@ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين @QE@ فيكون استدلالا ~~بقدرته على إذهابهم والاتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا # ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال @QB@ ولقد علمتم النشأة ~~الأولى فلولا تذكرون @QE@ فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به ~~رسله من النشأة الثانية # والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد ~~بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها وقد وفق ~~الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني ~~النشأة الأخرى ثم قال وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بأن لا بإذا ~~كقوله @QB@ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم @QE@ قلت وإتيانه بإذا التي لا ~~تكون إلا للمحق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة ~~وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله @QB@ ولقد علمتم ~~النشأة الأولى @QE@ واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه ~~وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقا جديدا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم ~~أمثالهم فهم أنفسهم يعادون فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت وإن ~~قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله ~~PageV01P123 @ @QB@ بل هم في لبس من خلق جديد @QE@ فهذا الخلق الجديد هو ~~المتضمن لكونهم أمثالهم وقد ms120 سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل ~~المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقا جديدا وهو مثل الخلق ~~الأول كما قال @QB@ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد @QE@ ~~وسماه أمثالا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضا وبين بعضها بعضا ~~ولهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ~~ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه فهذا ~~خطأ قطعا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت ~~الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم # وتأمل قوله تعالى في الواقعة @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت @QE@ كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلا ~~بها على النشأة الثانية بقوله @QB@ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون @QE@ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون ~~أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا ~~تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال ~~قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة ~~منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب ~~إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا ~~الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان # وقال في سورة الإنسان @QB@ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم @QE@ فهذه النشأة ~~الأولى ثم قال @QB@ وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا @QE@ فهذه النشأة ~~الأخرى ونظير هذا @QB@ وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى ~~وأن عليه النشأة الأخرى @QE@ وهذا في القرآن كثيرا جدا يقرن بين النشأتين ~~مذكرا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق PageV01P124 @ # | فصل # فلما أقام عليهم الحجة وقطع المعذرة قال @QB@ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون @QE@ وهذا تهديد شديد يتضمن ترك هؤلاء الذين قامت ~~عليهم حجتي فلم ms121 يقبلوها ولم يخافوا بأسي ولا صدقوا رسالاتي في خوضهم ~~بالباطل ولعبهم فالخوض في الباطل ضد التكلم بالحق واللعب ضد السعي الذي ~~يعود نفعه على ساعيه فالأول ضد العلم النافع والثاني ضد العمل الصالح فلا ~~تكلم بالحق ولا عمل بالصواب وهذا شأن كل من أعرض عما جاء به الرسول لا بد ~~له من هذين الأمرين # ثم ذكر سبحانه حالهم عند خروجهم من القبور فقال @QB@ يوم يخرجون من ~~الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون @QE@ أي يسرعون والنصب العلم والغاية ~~التي تنصب فيؤمونها وهذا من ألطف التشبيه وأبينه وأحسنه فإن الناس يقومون ~~من قبورهم مهطعين إلى الداعي يؤمون الصوت لا يعرجون عنه يمنة ولا يسرة كما ~~قال @QB@ يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له @QE@ أي يقبلون من كل أوب إلى صوته ~~وناحيته لا يعرجون عنه قال الفراء وهذا كما تقول دعوتك دعوة لا عوج لك عنها ~~وقال الزجاج المعنى لا عوج لهم عن دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده # فإن قلت إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال لا عوج له قيل قالت ~~طائفة اللام بمعنى عن أي لا عوج عنه وقالت طائفة المعنى لا عوج لهم عن ~~دعائي كما قال الزجاج وفي القولين تكلف ظاهر ولما كانت الدعوى تسمع الجميع ~~لا تعوج عنهم وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنه كان مجيء اللام ~~منتظما للمعنيين ودالا عليهما والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ~~ولا في إجابتهم له # ثم قال تعالى @QB@ خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة @QE@ فوصفهم بذل الظاهر وهو ~~خشوع الأبصار وذل الباطن وهو ما يرهقهم من الذل خشعت عنه أبصارهم وقريب من ~~هذا قوله @QB@ ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة @QE@ PageV01P125 ) ~~ونظيره قوله @QB@ @QE@ وضد هذا قوله تعالى @QB@ إن لك ألا تجوع فيها ولا ~~تعرى @QE@ فنفى عنه الجوع الذي هو ذل الباطن والعري الذي هو ذل الظاهر وضده ~~أيضا قوله @QB@ ولقاهم نضرة وسرورا @QE@ فالنضرة عز الظاهر وجماله والسرور ~~عز الباطن وجماله ومثله أيضا قوله @QB@ عاليهم ms122 ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا ~~أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا @QE@ فجمع لهم بين زينة الظاهر ~~والباطن ومثله وقوله @QB@ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ~~وريشا ولباس التقوى ذلك خير @QE@ فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله ~~قوله @QB@ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد ~~@QE@ فزين ظاهرها بالنجوم وباطنها بالحفظ من كل شيطان رجيم ومثل قوله أيضا ~~@QB@ وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات @QE@ وقريب منه قوله تعالى @QB@ ~~وتزودوا فإن خير الزاد التقوى @QE@ ومنه قوله @QB@ فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ~~ففي رحمة الله هم فيها خالدون @QE@ فجمع لهؤلاء بين جمال الظاهر والباطن ~~ولأولئك بين تسويد الظاهر والباطن ومنه قول امرأة العزيز @QB@ فذلكن الذي ~~لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم @QE@ فوصفت ظاهره بالجمال وباطنه ~~بالعفة فوصفته بجمال الظاهر والباطن فكأنها قالت هذا ظاهره وباطنه أحسن من ~~ظاهره وهذا كله يدلك على ارتباط الظاهر بالباطن قدرا وشرعا والله أعلم ~~بالصواب # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ~~@QE@ الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض ~~السور وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم ~~تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسما به وإما مخبرا عنه ~~ما خلا سورتين سورة كهيعص ون PageV01P126 @ كقوله @QB@ الم ذلك الكتاب @QE@ ~~@QB@ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب @QE@ المص كتاب ~~أنزل إليك ) @QB@ المر تلك آيات الكتاب @QE@ وهكذا إلى آخره ففي هذا تنبيه ~~على شرف هذه الحروف وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامه وكتبه التي تكلم ~~سبحانه بها وأنزلها على رسله وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه واسماءه ~~وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن ~~والقبيح وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل ~~طريق وقلة كلفة ومشقة ms123 وأوصله إلى المقصود وأدله عليه وهذا من أعظم نعمه ~~عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلها لا يتكلم ~~وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف ~~التنبيه على كمال ربوبيته وكمال إحسانه وإنعامه فهي أولى أن يقسم بها من ~~الليل والنهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة ~~أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله # وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمها من ~~تمام نعمته وامتنانه كما قال @QB@ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه ~~البيان @QE@ فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على ~~سائر أنواع الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظت ~~وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل ~~والصحيح من الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم ~~جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة ~~وهدى بها من ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل فآياته سبحانه في ~~تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك ~~الفضائل في لحم ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة ~~فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله وعلى وسط ~~اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع له عند كل مقطع من ~~تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف PageV01P127 @ # فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ~~ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع ~~المعاني أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ونفيا وإثباتا وإقرارا وإنكارا وتصديقا ~~وتكذيبا وإيجابا واستحبابا وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمه ~~ونثره ووجيزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعه تبارك ms124 وتعالى في ~~هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه ~~وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا ~~شأن الحرف المخلوق # وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن ~~الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالاقسام لما فيها من آيات ~~الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانه وكمال علمه وكمال ~~حكمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت ~~بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد والرسالة فهي من أظهر أدلة ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم ~~به حقا وأنزله على رسوله وحيا وبلغه كما أوحى إليه صدقا ولا تهمل الفكرة في ~~كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها ~~وبالله التوفيق # | فصل # ثم أقسم سبحانه ب @QB@ والقلم وما يسطرون @QE@ فأقسم بالكتاب وآلته وهو ~~القلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به ~~الوحي وقيد به الدين وأثبتت به الشريعة وحفظت به العلوم وقامت به مصالح ~~العباد في المعاش والمعاد فوطدت به الممالك وأمنت به السبل والمسالك وأقام ~~في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه وواعظا تشفي مواعظه القلوب من ~~السقم وطبيبا يبرئ بإذنه من أنواع الألم يكسر العساكر العظيمة على أنه ~~الضعيف الوحيد ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد PageV01P128 @ بالأقلام ~~تدبر الأقاليم وتساس الممالك والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن ~~الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشي المرقوم ويودعها ~~حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام الافهام وكما أن اللسان يريد القلب ~~فالقلم يريد اللسان ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة ~~عن القلم والقلم يريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت # | فصل # والأقلام متفاوتة في الرتب فأعلاها وأجلها قدرا قلم القدر السابق الذي ~~كتب الله به مقادير الخلائق كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت ms125 قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال له ~~اكتب قال يا رب وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة واختلف ~~العلماء هل القلم أو المخلوقات أو العرش على قولين ذكرهما الحافظ أبو يعلى ~~الهمداني أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن ~~عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر الله مقادير الخلائق قبل أن ~~يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام عرشه على الماء فهذا صريح أن التقدير ~~وقع قبل خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة هذا # ولا يخلو قوله إن أول ما خلق الله القلم إلى آخره إما أن يكون جملة أو ~~جملتين فإن كان جملة وهو الصحيح كان معناه أنه عند أول خلقه قال له اكتب ~~كما في لفظ أول ما خلق الله القلم قال له اكتب بنصب أول والقلم فإن كانا ~~جملتين وهو مروي برفع أول والقلم فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا ~~العالم ليتفق الحديثان إذ حديث عبد الله بن عمر صريح في أن العرش سابق على ~~التقدير والتقدير مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال ~~له اكتب # فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير ~~أنه القلم الذي أقسم الله به PageV01P129 @ # | فصل # القلم الثاني قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله ~~وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والعالم خدم لهم وإليهم الحل والعقد ~~والأقلام كلها خدم لأقلامهم وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ~~إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله ~~تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي # | فصل # والقلم الثالث قلم التوقيع عن الله ورسوله وهو قلم الفقهاء والمفتين وهذا ~~القلم أيضا حاكم غير محكوم عليه فإليه التحاكم في الدماء والأموال ms126 والفروج ~~والحقوق وأصحابه مخبرون عن الله بحكمه الذي حكم به بين عباده وأصحابه حكام ~~وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم لهذا القلم # | فصل # القلم الرابع قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة وترد إليها ~~صحتها المفقودة وتدفع به عنها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها وهذا القلم ~~أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورة # | فصل # القلم الخامس التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياس الملك ولهذا كان أصحابه ~~أعز أصحاب الأقلام والمشاركون للملوك في تدبير الدول فإن صلحت أقلامهم صلحت ~~المملكة وإن فسدت أقلامهم فسدت المملكة وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم ~~PageV01P130 @ # | فصل # القلم السادس قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط به الأموال مستخرجها ~~ومصروفها ومقاديرها وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل الذي ~~تضبط به المقادير وما بينها من التفاوت والتناسب ومبناه على الصدق والعدل ~~فإذا كذب هذ القلم وظلم فسد أمر المملكة # | فصل # القلم السابع قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا وتراق به ~~الدماء وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة ~~ويثبت به الإنسان وتنقطع به الخصومات وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله ~~عموم وخصوص فهذا له الفنوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول وهو قلم قائم ~~بالصدق فيما يثبته وبالعدل فيما يمضيه وينفذه # | فصل # القلم الثامن قلم الشهادة وهو القلم الذي تحفظ به الحقوق وتصان به عن ~~الإضاعة وتحول بين الفاجر وإنكاره ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويشهد للمحق ~~بحقه وعلى المبطل بباطله وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والأنساب ~~والحقوق ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد وباستقامته يستقيم أمر ~~العالم ومبناه على العلم وعدم الكتمان # | فصل # القلم التاسع قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره وتعبيره وما أريد ~~منه وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي كاشف له وهو من الأقلام التي ~~تصلح للدنيا والدين وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته وتحريه للصدق ~~والطرائق الحميدة والمناهج السديدة مع علم راسخ وصفاء باطن وحس PageV01P131 ~~@ مؤيد بالنور ms127 الإلهي ومعرفة بأحوال الخلق وهيآتهم وسيرهم وهو من ألطف ~~الأقلام وأعمها جولانا وأوسعها تصرفا وأشدها تشبثا بسائر الموجودات علويها ~~وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ~~ولايته وكرسي مملكته وسلطانه # | فصل # القلم العاشر قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط به الحوادث ~~وتنقل من أمة إلى أمة ومن قرن إلى قرن فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في ~~الخيال وينقشه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشهده فهو قلم المعاد ~~الروحاني وهذا القلم قلم العجائب فإنه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه ~~بقلبك وتشاهده ببصيرتك # | فصل # القلم الحادي عشر قلم اللغة وتفاصيلها من شرح معاني ألفاظها ونحوها ~~وتصريفها وأسرار تراكيبها وما يتبع ذلك من أحوالها ووجوهها وأنواع دلالتها ~~على المعاني وكيفية الدلالة وهو قلم التعبير عن المعاني باختيار أحسن ~~الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها وهذا القلم واسع التصرف جدا بحسب سعة ~~الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعها # | فصل # القلم الثاني عشر القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة ~~المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم ~~وتهافتهم وخروجهم عن الحق ودخولهم في الباطل وهذا القلم في الأقلام نظير ~~الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون ~~لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج ~~عن سبيله بأنواع الجدال وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل وعدو لكل مخالف ~~للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن PageV01P132 @ فهذه ~~الأقلام التي فيها انتظام مصالح العالم ويكفي في جلالة القلم أنه لم تكتب ~~كتب الله إلا به وأن الله سبحانه أقسم به في كتابه وتعرف إلى غيره بأن علم ~~بالقلم وإنما وصل إلينا ما بعث به نبينا صلى الله عليه وسلم بواسطة القلم ~~ولقد أبدع أبو تمام إذ يقول في وصفه # ( لك القلم الأعلى الذي بشباته % يصاب من الأمر الكلي والمفاصل ) # ( له ريقة طل ولكن وقعها % بآثاره في الغرب والشرق وابل ) # ( لعاب الأفاعي القاتلات لعابه % وأرى الجنا ms128 اشتارته أيد عواسل ) # ( له الخلوات اللاء لولا نجيها % لما احتفلت للملك تلك المحافل ) # ( فصيح إذا استنطقته وهو راكب % وأعجم إن خاطبته وهو راجل ) # ( إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت % عليه شعاب الفكر وهي حوافل ) # ( أطاعته أطراف القنا وتقوضت % لنجواه تقويض الخيام الجحافل ) # ( إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت % أعاليه في القرطاس وهي أسافل ) # ( وقد رفدته الخنصران وسددت % ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل ) # ( رأيت جليلا شأنه وهو مرهف % ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل ) # | فصل # والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول ~~فيه أعداؤه وهو قوله تعالى @QB@ ما أنت بنعمة ربك بمجنون @QE@ وأنت إذا ~~طابقت بين هذا القسم والمقسم به وجدته دالا عليه أظهر دلالة وأبينها فإن ما ~~سطر الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا ~~تصدر من مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء به الرسول من هذا ~~الكتاب الذي هو في أعلى درجات العلوم بل العلوم التي تضمنها ليس في قوى ~~البشر الإتيان بها ولا سيما من أمي لا يقرأ كتابا ولا يخط بيمينه مع كونه ~~في أعلى أنواع الفصاحة سليما من الاختلاف بريا من التناقض يستحيل من ~~العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل ~~واحد منهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز به ما عسى كثير من ~~الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك PageV01P133 @ # فتأمل شهادة هذا المقسم به للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن ~~رجلا أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق ~~بعضها بعضا أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتابا كذلك لشهد له العقلاء بالعقل ~~ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان بل وقوع معارضتها ومشاكلتها ~~والإتيان بمثلها أو أحسن منها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء ~~كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق مالا تهتدي عقولهم إليه ~~بحيث أذعنت له عقول ms129 العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء ~~به بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى ~~عقولها أشد فقرا وحاجة إلى ما جاء به ولا كمال لها إلا بما جاء به فهو الذي ~~كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على ~~الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينها وبين مؤلفات ~~مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها ويكفي في عقولهم أنهم عمروا الدنيا بالعلم ~~والعدل والقلوب بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنونا وهذا حال كتابه ~~وهديه وسيرته وحال أتباعه وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه ~~وعليهم فنفى عنه الجنون بنعمته عليه # وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة الباء في بنعمة ربك باء القسم فهو ~~قسم آخر اعتراض بين المحكوم به والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب ~~وهذا التقدير ضعيف جدا لأنه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في ~~جوابه ولا يحسن أن تقول والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ~~ولا عهد في كلامهم وقالت فرقة العامل في بنعمة ربك أداة معنى النفي أو معنى ~~أنفي عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره هذا القول بأن ~~الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق @QB@ بنعمة ~~ربك بمجنون @QE@ منفيا كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك أنت بنعمة الله عاقل ~~يستويان في ذلك الاثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرا وما ضرب زيد ~~عمرا يعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا ومحله النصب على الحال أي ما ~~أنت بمجنون منعما عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها ~~زائدة لتأكيد النفي PageV01P134 @ # واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم به وله معمول فإنه يجوز فيه ~~وجهان أحدهما نفي ذلك المعمول فقط نحو قولك ما زيد بذاهب مسرعا فانه ينتفي ~~الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ذهاب في غير إسراع والثاني ms130 ينفي ~~المحكوم به فينتفي معموله بانتفائه فينتفي الذهاب في هذه الحال فينتفي ~~الإسراع بانتفائه فإذا جعل بنعمة ربك معمولا لمجنون لزم أحد الأمرين ~~وكلاهما منتف جزما # وهذا الاعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم ~~من صدق هذا الخبر نفيها قطعا ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا ~~الكلام ولا يفهم منه من له آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن ~~الجنون انتفى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا ما فهمه هذا المعترض بنعمة ~~الله علينا ثم أخبر سبحانه عن كمال حالتي نبيه صلى الله عليه وسلم في دنياه ~~وأخراه فقال @QB@ وإن لك لأجرا غير ممنون @QE@ أي غير مقطوع بل هو دائم ~~مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم كما قال @QB@ إن في ذلك لعبرة @QE@ و @QB@ إن ~~في ذلك لآية @QE@ و @QB@ إن في ذلك لذكرى @QE@ و @QB@ إن للمتقين مفازا ~~@QE@ و @QB@ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب @QE@ وهو كثير وإنما كان التنكير ~~للتعظيم لأنه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير ~~ثم قال @QB@ وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته لمن ~~منحه الله فهما ولقد سئلت أم المؤمنين عن خلقه صلى الله عليه وسلم فأجابت ~~بما شفى وكفى فقالت كان خلقه القرآن فهم سائلها أن يقوم لا يسألها شيئا بعد ~~ذلك ومن هذا قال ابن عباس وغيره أي على دين عظيم وسمى الدين خلقا لأن الخلق ~~هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل ~~والحكمة والمصلحة وأقوال مطابقة للحق تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك ~~العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقا هي أزكى الأخلاق PageV01P135 @ ~~وأشرفها وأفضلها فهذه كانت أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم المقتبسة من ~~مشكاة القرآن فكان كلامه مطابقا للقرآن تفصيلاله وتبيينا وعلومه علوم ~~القرآن وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه وتركه لما منع ~~منه القرآن ورغبته فيما رغب فيه وزهده فيما زهد فيه وكراهته لما كرهه ~~ومحبته لما ms131 أحبه وسعيه في تنفيذ أوامره وتبليغه والجهاد في إقامته فترجمت ~~أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه وسلم وحسن ~~تعبيرها عن هذا كله بقولها كان خلقه القرآن وفهم هذا السائل لها عن هذا ~~المعنى فاكتفى به واشتفى # فإذا كانت أخلاق العباد وعلومهم وإراداتهم وأعمالهم مستفادة من القلم وما ~~يسطرون وكان في خلق القلم والكتابة إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا به ~~إلى ذلك فكيف ينكرون إنعامه وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى ~~الأخلاق وأفضل العلوم والأعمال والإرادات التي لا تهتدي العقول إلى ~~تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق ~~رسالاته وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون هو أم هم وقد علموا هم ~~والعقلاء ذلك في الدنيا ويزداد علمهم في البرزخ وينكشف ويظهر كل الظهور في ~~الآخرة بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به # وقد اختلف في تقدير قوله @QB@ بأيكم المفتون @QE@ فقال أبو عثمان المازني ~~هو كلام مستأنف والمفتون عنده مصدر أي بأيكم الفتنة والاستفهام عن أمر دائر ~~بين اثنين قد علم انتفاؤه عن أحدهما قطعا فتعين حصوله للآخر والجمهور على ~~خلاف هذا التقدير وهو عندهم متصل بما قبله ثم لهم فيه أربعة أوجه # أحدها أن الباء زائدة والمعنى أيكم المفتون وزيدت في المبتدأ كما زيدت في ~~قولك بحسبك أن تفعل قاله أبو عبيد # الثاني أن المفتون بمعنى الفتنة أي ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة والباء ~~على هذا ليست بزائدة قاله الأخفش # الثالث أن المفتون مفعول على بابه ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون ~~المفتون وليست الباء زائدة قاله الأخفش أيضا PageV01P136 @ # الرابع أن الباء بمعنى في والتقدير في أي فريق منكم النوع المفتون والباء ~~على هذا ظرفية وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه وستبصر ~~مضمن معنى تشعر وتعلم فعدى بالباء كما تقول ستشعر بكذا وتعلم به قال تعالى ~~@QB@ ألم يعلم بأن الله يرى @QE@ وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب ~~فلا تجب من دعاك إليه ms132 من مكان بعيد # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب ~~العالمين @QE@ ذكر سبحانه هذا القسم عقيب ذكر القيامة الكبرى وأقسام الخلق ~~فيها ثم ذكر الأدلة القاطعة على قدرته وعلى المعاد بالنشأة الأولى وإخراج ~~النبات من الأرض وإنزال الماء من السماء وخلق النار ثم ذكر بعد ذلك أحوال ~~الناس في القيامة الصغرى عند مفارقة الروح للبدن وأقسم بمواقع النجوم على ~~ثبوت القرآن وأنه تنزيله # وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها فقيل هي آيات القرآن ومواقعها ~~نزولها شيئا بعد شيء وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء وقول ~~سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة وقيل النجوم هي الكواكب ومواقعها ~~مساقطها عند غروبها هذا قول أبي عبيدة وغيره وقيل مواقعها انتشارها ~~وانكدارها يوم القيامة وهذا قول الحسن ومن حجة هذا القول أن لفظ مواقع ~~تقتضيه فإنه مفاعل من الوقوع وهو السقوط فلكل نجم موقع وجمعها مواقع ومن ~~حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها ~~وجريانها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة كما تقدم في ~~قوله تعالى @QB@ فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس @QE@ وقال @QB@ والنجم إذا ~~هوى @QE@ وقال @QB@ فلا أقسم برب المشارق والمغارب @QE@ ويرجح هذا القول ~~أيضا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى @QB@ ~~وإدبار النجوم @QE@ وقوله @QB@ والشمس والقمر والنجوم @QE@ PageV01P137 @ # وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو ~~القرآن من وجوه أحدها أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ~~وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية ~~وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من ~~الرجوم للشياطين وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن والنجوم آياته ~~المشهودة المعاينة والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما في مواقعها عند ~~الغروب ms133 من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول # ومن قرأ بموقع النجوم على الأفراد فلدلالة الواحد المضاف إلى الجمع على ~~التعدد والمواقع اسم جنس والمصادر إذا اختلفت جمعت وإذا كان النوع واحدا ~~أفردت قال تعالى ( 6 إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) فجمع الأصوات لتعدد ~~النوع وأفرد صوت الحمير لوحدته فإفراد موقع النجوم لوحدة المضاف إليه وتعدد ~~المواقع لتعدده إذ لكل نجم موقع # | فصل # والمقسم عليه ههنا قوله @QB@ إنه لقرآن كريم @QE@ ووقع الاعتراض بين ~~القسم وجوابه بقوله @QB@ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم @QE@ ووقع الاعتراض بين ~~الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى @QB@ لو تعلمون عظيم @QE@ ~~فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعا وأحسن ما يقع ~~هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدا أو تنبيها أو احت 4 رازا كقوله تعالى @QB@ ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون @QE@ فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله @QB@ لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها @QE@ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما ~~يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله @QB@ لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~@QE@ وهذا أحسن من قول من قال أنه خبر عن الذين آمنوا ثم أخبر عنهم بخبر ~~آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا ~~بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط ~~وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منها وتعطيل هذه الفائدة الجليلة PageV01P138 @ # ومن ألطف الاعتراض وأحسنه قوله تعالى @QB@ ويجعلون لله البنات سبحانه ~~ولهم ما يشتهون @QE@ فاعترض بقوله سبحانه بين الجعلين وفوائد الاعتراض ~~تختلف بحسب قصد المتكلم وسياق الكلام من قصد الاعتناء والتقرير والتوكيد ~~وتعظيم المقسم به والمخبر عنه ورفع توهم خلاف المراد والجواب عن سؤال مقدر ~~وغير ذلك # فمن الاعتراض الذي يقصد به التقرير والتوكيد قول الشاعر # ( لو أن الباخلين وأنت منهم % رأوك تعلموا منك المطالا ) # ومما يقصد به الجواب عن سؤال مقدر قول ms134 الآخر # ( فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة % ولا وصله يصفو لنا فنكارمه ) # فقوله وفي اليأس راحة جواب لتقدير سؤال سائل وما يغني عنك هجره فقال وفي ~~اليأس راحة أي المطلوب أحد أمرين إما يأس مريح أو وصال صاف # ومن اعتراض الاحتراز قول الجعدي # ( ألا زعمت بنو جعد بأني % وقد كذبوا كبير السن فاني ) # ومنه قول نصيب # ( فكدت ولم أخلق من الطير إن بدا % سنا بارق نحو الحجاز أطير ) # فقوله ولما أخلق من الطير لرفع استفهام يتوجه عليه على سبيل الإنكار لو ~~قال فكدت أطير فيقال له وهل خلقت من الطير فاحترز بهذا الاعتراض وعندي أن ~~هذا الاعتراض يفيد غير هذا وهو قوة شوقه ونزوعه إلى أرض الحجاز فأخبر أنه ~~كاد يطير على أنه أبعد شيء من الطيران فإنه لم يخلق من الطير ولا عجب طيران ~~من خلق من الطير وإنما العجب طيران من لم يخلق من الطير لشدة نزوعه وشوقه ~~إلى جهة محبوبه فتأمله # ومن مواقع الاعتراض الاعتراض بالدعاء كقول الشاعر # ( قد كنت أبكي وأنت راضية % حذار هذا الصدود والغضب ) # ( إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولا % تم فما لي في العيش من أرب ) PageV01P139 ~~@ # وقول الآخر # ( إن سليمى والله يكلؤها % ضنت بشيء ما كان يرزؤها ) # وقول الآخر # ( إن الثمانين وبلغتها % قد أحوجت سمعي إلى ترجمان ) # ومنه الاعتراض بالقسم كقوله # ( ذاك الذي وأبيك يعرف مالكا % والحق يدفع ترهات الباطل ) # ومن اعتراض الاستعطاف قوله # ( فمن لي بعين التي كنت مرة % إلى بها نفسي فداؤك تنظر ) # فاعترض بقوله نفسي فداؤك استعطافا # فتأمل حسن الاعتراض وجزالته في قول الرب تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان ~~آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر @QE@ فقوله والله أعلم بما ~~ينزل اعتراض بين الشرط وجوابه أفاد أمورا منها الجواب عن سؤال سائل ما حكمة ~~هذا التبديل وما فائدته ومنها أن الذي يدل وأتى بغيره منزل محكم نزوله قبل ~~الاخبار بقولهم ومنها أن مصدر الأمرين عن علمه تبارك وتعالى وأن كلا منهما ~~منزل فيجب التسليم والإيمان بالأول والثاني ms135 # ومن الاعتراض الذي هو في أعلى درجات الحسن قوله تعالى @QB@ ووصينا ~~الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ~~ولوالديك @QE@ فاعترض بذكر شأن حمله ووضعه بين الوصية والموصى به توكيدا ~~لأمر الوصية بالوالدة التي هذا شأنها وتذكيرا لولدها بحقها وما قاسته من ~~حمله ووضعه مما لم يتكلفه الأب ومنه قوله تعالى @QB@ وإذ قتلتم نفسا ~~فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها @QE@ فاعترض ~~بقوله @QB@ والله مخرج ما كنتم تكتمون @QE@ بين الجمل المعطوف بعضها على ~~بعض إعلاما بأن تدارؤهم وتدافعهم في شأن القتيل ليس نافعا لهم في كتمانه ~~فالله يظهره ولا بد ولا تستطل هذا الفصل وأمثاله فإنه يعطيك ميزانا وينهج ~~لك طريقا يعينك على فهم الكتاب والله المستعان PageV01P140 @ # | فصل # ثم قال @QB@ إنه لقرآن كريم @QE@ فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ~~ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل ~~شيء أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ~~ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم ~~بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل كرمه ~~الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم ~~جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة ~~وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده ~~اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس ~~واللئيم # | فصل # ثم قال تعالى @QB@ في كتاب مكنون @QE@ اختلف المفسرون في هذا فقيل هو ~~اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله ~~@QB@ في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة @QE@ ويدل على أنه ~~الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ فهذا يدل ~~على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال ~~إن المراد به أن ms136 المصحف لا يمسه إلا طاهر # والأول أرجح لوجوه # أحدها أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل ~~إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه ~~أو يمسوه كما قال تعالى @QB@ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون @QE@ فنفى الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق ~~بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفي عمن يحسن منه وقد يليق بمن ~~PageV01P141 @ # لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة وكذلك قوله في سورة عبس @QB@ في ~~صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة @QE@ فوصف محله بهذه الصفات ~~بيانا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به وتقرير هذا المعنى أهم وأجمل وأنفع ~~من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر # الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول ~~الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة واما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة ~~السور المدنية # الثالث إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن ~~جاز أن يكون اعتبار ما يأتي فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الاخبار يوضحه # الوجه الرابع وهو قوله في كتاب مكنون والمكنون المصون المستور عن الأعين ~~الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى @QB@ كأنهن بيض مكنون @QE@ وهكذا ~~قال السلف قال الكلبي مكنون من الشياطين وقال مقاتل مستور وقال مجاهد لا ~~يصيبه تراب ولا غبار وقال أبو إسحاق مصون في السماء يوضحه # الوجه الخامس أن وصفه بكونه مكنونا نظير وصفه بكونه محفوظا فقوله @QB@ ~~لقرآن كريم في كتاب مكنون @QE@ كقوله @QB@ بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ~~@QE@ يوضحه # الوجه السادس أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وأبلغ في تعظيم القرآن من ~~كون المصحف لا يمسه محدث # الوجه السابع قوله @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ بالرفع فهذا خبر لفظا ~~ومعنى ولو كان نهيا لكان مفتوحا ومن حمل ms137 الآية على النهي احتاج إلى صرف ~~الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على ~~حقيقته وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي # الوجه الثامن أنه قال إلا المطهرون ولم يقل إلا المتطهرون PageV01P142 @ ~~ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى @QB@ إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ وفي الحديث اللهم اجعلني من ~~التوابين واجعلني من المتطهرين فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره ~~غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون # الوجه التاسع أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن ~~كونه مكنونا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب لا يستلزم ثبوته ~~فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت ~~لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند ~~الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان بوجه ما ولا يمس محله إلا ~~المطهرون وهم السفرة الكرام البررة # الوجه العاشر ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم ~~الأحول عن أنس بن مالك في قوله لا يمسه إلا المطهرون قال المطهرون الملائكة ~~وهذا عند طائفة من أهل الحديث في الحكم المرفوع وقال الحاكم تفسير الصحابة ~~عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير ~~من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم ~~وقال حرب في مسائله سمعت إسحاق في قوله لا يمسه إلا المطهرون قال النسخة ~~التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة # وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث ~~بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء ~~PageV01P143 @ # لا يمسها إلا المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن ~~يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية وقوله لا تمس القرآن إلا وأنت ~~طاهر ms138 رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه ~~عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن في ~~السنن والفرائض والديات أن لا يمس القرآن إلا طاهر قال أحمد أرجو أن يكون ~~صحيحا وقال أيضا لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه وقال أبو عمر ~~بن عبد البر هو كتاب مشهور عند أهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى ~~بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول ~~والمعرفة ثم قال وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا ~~وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطئه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في ~~غير هذا الموضع # | فصل # ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا ~~القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال ~~معانيه وأن يفهمه كما ينبغي قال البخاري في صحيحه في هذه الآية لا يجد طعمه ~~إلا من آمن به وهذا أيضا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به ~~وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم بها حقا وأنزله على ~~رسوله وحيا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه ~~فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج ومن لم يؤمن بأن الله ~~سبحانه تكلم به وحيا وليس مخلوقا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ومن ~~قال إن له باطنا يخالف ظاهره وإن له تأويلا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه ~~حرج ومن قال إن له تأويلا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ~~ففي قلبه منه حرج ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة ~~المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج ومن جعله تابعا لنحلته ~~ومذهبه وقول من قلده دينه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ms139 ففي قلبه منه ~~حرج ومن لم يحكمه ظاهرا وباطنا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمه ~~أين PageV01P144 @ كان ففي قلبه منه حرج ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن ~~زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونهيه وخبره ويرد له كل أمر ونهي وخبر ~~خالفه ففي قلبه منه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونه كما ~~ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم # وأنت إذا تأملت قوله @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ وأعطيت الآية حقها ~~من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره ~~بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن ~~فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق # | فصل # ثم أكد ذلك وقرره وأطده بقوله @QB@ تنزيل من رب العالمين @QE@ وكما أنه ~~لازم لكونه قرآنا كريما في كتاب مكنون فهو ملزوم له فهو دليل عليه مدلول له # وأفاد كونه تنزيلا من رب العالمين مطلوبين عظيمين من أجل مطالب الدين # أحدهماأنه المتكلم وأنه منه نزل ومنه بدأ وهو الذي تكلم به ومن هنا قال ~~السلف منه بدأ ونظيره @QB@ ولكن حق القول مني @QE@ وقوله @QB@ قل نزله روح ~~القدس من ربك @QE@ # والثاني علو الله سبحانه فوق خلقه فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول ~~وتعرفه الفطر هو وصول الشيء من أعلا إلى أسفل والرب تعالى إنما يخاطب عباده ~~بما تعرفه فطرهم وتشهد به عقولهم وذكر التنزيل مضافا إلى ربوبيته للعالمين ~~المستلزمة تملكه لهم وتصرفه فيهم وحكمه عليهم وإحسانه وإنعامه عليهم وإن من ~~هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى ويدعهم ~~هملا ويخلقهم عبثا لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم فمن أقر ~~بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله واستدل بكونه رب ~~العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به وهذا PageV01P145 @ ~~الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها ~~أقرب إلى أذهان عموم الناس وتلك إنما تكون لخواص العقلاء # وقد ms140 أشار سبحانه إلى الطريقين في غير موضع من كتابه كقوله @QB@ سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ فهذا استدلال ~~بالآيات المعاينة المخلوقة ثم قال @QB@ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ~~@QE@ فهذا استدلال بكمال ربوبيته وكمال أوصافه على صدق رسوله فيما جاء به ~~وهذه الطريق أخص وأقوى وأكمل وأعلى والأول أعم وأشمل وقد تقدم بيانها عند ~~قوله تعالى @QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل @QE@ وأين الاستدلال بأوصاف ~~الرب تعالى وكماله المقدس على ثبوت النبي وبعثه من الاستدلال عليه ببعض ~~مخلوقاته # وتأمل فرق ما بين استدلال سيدة نساء العالمين خديجة رضي الله عنها بصفات ~~الرب تعالى وصفات محمد صلى الله عليه وسلم واستنتاجها من بين هذين الأمرين ~~صحة نبوته وأنه رسول الله حقا وأن من كانت هذه صفات ربه وخالقه تأبى أن ~~يخزيه وأنه يؤيده ويعليه ويتم نعمته عليه # وأنت إذا تأملت هذه الطريقة وهذا الاستدلال وجدت بينها وبين طريقة ~~المتكلمين من الفرق مالا يخفى وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات ~~انتفع به في باب معرفة الحق والباطل من الأقوال والطرائق والمذاهب والعقائد ~~أعظم انتفاع وأتمه وقد بد بينا في كتابنا المعالم بطلان التحيل وغيره من ~~الحيل الربوبية من أسماء الرب وصفاته وأنه يستحيل على الحكيم أن يحرم ~~PageV01P146 @ الشيء وبتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات ثم يبيح التوصل ~~إليه بنفسه بأنواع التحيلات فأين ذلك الوعد الشديد وجواز التوصل إليه ~~بالطريق البعيد إذ ليست حكمة الرب تعالى وكمال علمه واسمائه وصفاته تنتقض ~~بإحالة ذلك وامتناعه عليه فهذا استدلال بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات ~~على الفقه العملي في باب الأمر والنهي وهذا باب حرام على الجهمي المعطل أن ~~يلجه إلى الجنة حرام عليه ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة ~~والله العزيز الوهاب لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وبه التوفيق # | فصل # ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الأدهان في غير موضعه وأنهم يداهنون بما حقه ~~أن يصدع به ويفرق به ويعض عليه بالنواجذ وتثنى ms141 عليه الخناصر وتعقد عليه ~~القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنه لا يمنة ولا يسرة ولا ~~يكون للقلب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا به ولا ~~اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا به فهو روح الوجود ~~وحياة العالم ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة وسبيل الرشاد ونور ~~البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ولم ينزل للمداهنة وإنما أنزل ~~بالحق وللحق والمداهنة إنما تكون في باطل قوى لا يمكن إزالته أو في حق ضعيف ~~لا يمكن إقامته فيحتاج المداهن إلى أنه يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل ~~فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يدهن به # ثم قال سبحانه @QB@ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون @QE@ لما كان قوام كل واحد ~~من البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام والشراب ورزق القلب ~~الإيمان والمعرفة بربه وفاطره ومحبته والشوق إليه والإنس بقربه والابتهاج ~~بذكره وكان لا حياة له إلا بذلك كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام ~~والشراب أنعم سبحانه على عباده بهذين النوعين من الرزق وجعل قيام أبدانهم ~~وقلوبهم بهما ثم فاوت سبحانه بينهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه ~~علمه وحكمته فمنهم من وفر حظه من الرزقين ووسع عليه فيهما ومنهم من قتر ~~عليه في الرزقين PageV01P147 @ ومنهم من وسع عليه رزق البدن وقتر عليه رزق ~~القلب وبالعكس وهذا الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر والشكر مادة زيادته وسبب ~~حفظه وبقائه وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد فإن الله تعالى تأذن ~~أنه لا بد أن يزيد الشكور من نعمه ولا بد أن يسلبها من لم يشكرها فلما ~~وضعوا الكفر والتكذيب موضع الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبا فإن ~~التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء ~~جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو ~~الذي حام حوله من قال التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون ~~التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم ms142 أنكم تكذبون فحذف مضافين معا وهؤلاء أطالوا ~~اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض معنى الآية قوله مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا ~~يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منه وأعم وأعلى والله ~~أعلم # | فصل # ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في ~~القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين ~~يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون ~~فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا ~~سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال @QB@ فلولا إذا بلغت الحلقوم @QE@ أي ~~وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت ~~والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب ~~تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الإنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلو لا ~~تردونها إلى مكانها من البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم ~~غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب PageV01P148 @ # فإن قيل أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما # قيل هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون ~~مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك فإن ~~أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ~~ندا ولا شريكا وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزل عليه به كتابه وإن أنكروا ~~ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وإن الأمر إليهم ~~يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على ~~روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له سواء ~~الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ~~ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان انتفع به غاية النفع وانقاد لأجله ~~للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار ms143 بالعبودية ~~ولله ما أحسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب البلاغة ~~والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على ~~التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في ~~معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ~~ثانيا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانه اقتضاء واحدا ~~وذكر الشرطين مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى ~~والثانية والشرط الأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه # فتضمنت الآيتان تقريرا وتوبيخا واستدلالا على أصول الإيمان من وجود ~~الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته وتصرفه في أرواح عباده ~~حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ~~ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة ~~وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما أخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية ~~الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين ~~منتظمة أحسن الانتظام ومتداخلة أحسن PageV01P149 @ التداخل متعلقا بعضها ~~ببعض وهذا كلام لا يقدر البشر على مثل نظمه ومعناه قال الفراء وأجيبت @QB@ ~~فلولا إذا بلغت @QE@ و @QB@ فلولا إن كنتم غير مدينين @QE@ بجواب واحد وهو ~~@QB@ ترجعونها إن كنتم صادقين @QE@ قال ومثله قوله تعالى @QB@ فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ أجيبا بجواب واحد ~~وهما شرطان قال الجرجاني قوله ترجعونها جواب قوله فلولا المتقدمة والمتأخرة ~~على تأويل فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها إلى موضعها إن كنتم غير ~~محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون يقول تعالى إن كان الأمر كما تزعمون أنه لا ~~بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز ~~عليكم إذا بلغت الحلقوم فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل ~~دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله ~~إلا هو وقال أبو إسحق معناه فهلا ms144 ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين ~~فهلا إن كان الأمر كما تزعمون في كما يقول قائلكم @QB@ لو أطاعونا ما قتلوا ~~@QE@ و @QB@ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا @QE@ أي إن كنتم تقدرون أن ~~تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم ~~الموت # قلت وكان هذا يلتفت إلى قوله تعالى @QB@ قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا ~~مما يكبر في صدوركم @QE@ أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقا ~~جديدا فكونوا خلقا لا يفنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ~~ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربا متصرفا فيكم ~~ومالكا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف ~~تنكرون قدرته على إعادتكم خلقا جديدا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون ~~لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقا لا يقبل ~~الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا أن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من ~~جعلكم خلقا يموت ويحيا أن يحييكم بعد ما أماتكم فهذا استدلال يعجزهم عن ~~كونهم خلقا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى ~~مكانها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو ~~الكفر والعناد PageV01P150 @ # | فصل # فلما قام الدليل ووضح السبيل وتم البرهان على أنهم مملوكون مربوبون ~~مجزيون محاسبون ذكر طبقاتهم عند الحشر الأول والقيامة الصغرى وهي ثلاث ~~طبقات طبقة المقربين وطبقة أصحاب اليمين وطبقة المكذبين فجعل تحية المقربين ~~عند الوفاة الروح والريحان والجنة وهذه الكرامات الثلاثة التي يعطونها بعد ~~الموت نظير الثلاث التي يعطونها يوم القيامة فالروح الفرح والسرور ~~والابتهاج ولذة الروح فهي كلمة جامعة لنعيم الروح ولذتها وذلك قوتها ~~وغذاؤها والريحان الرزق وهو الأكل والشرب والجنة المسكن الجامع لذلك كله ~~فيعطون هذه الثلاث في البرزخ وفي المعاد الثاني # ثم ذكر الطبقة الثانية وهي طبقة أصحاب اليمين ولما كانوا دون المقربين في ~~المرتبة جعل تحيتهم ms145 عند القدوم عليه السلامة من الآفات والشرور التي تحصل ~~للمكذبين الضالين فقال @QB@ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب ~~اليمين @QE@ والسلام مصدر من سلم أي فلك السلامة والخطاب له نفسه أي يقال ~~لك السلامة كما يقال للقادم لك الهناء ولك السلامة ولك البشرى ونحو ذلك من ~~الألفاظ كما يقولون خير مقدم ونحو ذلك فهذه تحية عند اللقاء قال مقاتل يسلم ~~الله لهم أمرهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويتقبل حسناتهم وقال الكلبي يسلم عليه ~~أهل الجنة ويقولون السلامة لك وعلى هذا فقوله @QB@ من أصحاب اليمين @QE@ أي ~~هذه التحية حاصلة لك من إخوانك أصحاب اليمين فإنه إذا قدم عليهم حيوه بهذه ~~التحية وقالوا السلامة لك وفي الآية أقوال أخر فيها تكلف وتعسف فلا حاجة ~~إلى ذكرها # ثم ذكر الطبقة الثالثة وهي طبقة الضال في نفسه المكذب لأهل الحق وإن له ~~عند الموافاة نزل الحميم وسكنى الجحيم ثم أكد هذا الجزاء بما جعله كأنه رأي ~~العين لمن آمن بالله ورسوله فقال @QB@ إن هذا لهو حق اليقين @QE@ فرفع شأنه ~~عن درجة الظن والعلم إلى اليقين وعن درجة اليقين إلى حقه # ثم أمره أن ينزه اسمه تبارك وتعالى عما لا يليق به وتنزيه الاسم متضمن ~~لتنزيه المسمى عما يقوله الكاذبون والجاحدون PageV01P151 @ # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق ~~عن الهوى @QE@ أقسم سبحانه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما ~~نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي # واختلف الناس في المراد بالنجم فقال الكلبي عن ابن عباس أقسم بالقرآن إذا ~~نزل نجما على رسوله أربع آيات وثلاثا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون ~~سنة وكذلك روى عطاء عنه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء وعلى ~~هذا فسمي القرآن منجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجما والمفرق ~~نجما ونجوم الكتاب أقساطها ويقول جعلت مالي على فلان نجوما منجمة كل نجم ~~كذا وكذا وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع القمر ومساقطها مواقيت لحلول ~~ديونها وآجالها ms146 فيقولون إذا طلع النجم يريدون الثريا حل عليك الدين ومنه ~~قول زهير في دية جعلت نجوما على العاقل # ( ينجمها قوم لقوم غرامة % ولم يهرقوا ما بينهم ملء مجحم ) # ثم جعل كل تنجم تفريقا وإن لم يكن موقتا بطلوع نجم # وقوله هوى على هذا القول أي نزل من على إلى أسفل قال أبو زيد هوت العقاب ~~تهوى هويا بفتح الهاء إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي ~~وفرق بين الهوى لقوله # ( والدلو في أصعادها عجل الهوى % ) # وقال الليث العامة تقول الهوى بالضم في مصد هوى يهوي وكذلك قال الأصمعي ~~هوى يهوي هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوي في السير إذا مضى # وههنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في ~~السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بما في الصحيح من حديث عائشة أن ~~PageV01P152 @ رسوله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده سبحان ربي ~~الأعلى الهوى فظن أبو محمد أن الهوى صفة للرب وهذا من غلطه رحمه الله وإنما ~~الهوى على وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال مضى هوى من الليل على وزن فعيل ~~ومضى هزيع منه أي طرف وجانب وكان يقول سبحان ربي الأعلى في قطعة من الليل ~~وجانب منه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر فقالت كان يقول سبحان ربي الأعلى ~~الهوى من الليل # عدنا إلى قوله والنجم إذا هوى وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة ~~وعطية يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا ~~أطلقت النجم تعني به الثريا قال فباتت تعد النجم وقال أبو حمزة اليماني ~~يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة وقال ابن عباس في رواية عكرمة يعني ~~النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع وهذا ~~قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة ~~المشاهدة التي نصبها الله سبحانه آية وحفظا للوحي من استراق الشياطين ms147 له ~~على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد ~~أحرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدي الوحي وحرسا له وعلى هذا فالارتباط بين ~~المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم به دليل على المقسم عليه # وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويا ~~ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم ~~بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم ~~القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا ~~لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكروا البعث فإنه سبحانه إنما استدل بما لا ~~يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم # وبين المقسم به والمقسم عليه من التناسب مالا يخفى فإن النجوم التي ترمي ~~الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله ~~ظهر دينه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدما وحرسا لهذه ~~النجوم الهاوية ونفى سبحانه عن رسوله الضلال المنافي للهدى PageV01P153 @ ~~والغي المنافي للرشاد ففي ضمن هذا النفي الشهادة له بأنه على الهدى والرشاد ~~فالهدى في علمه والرشاد في علمه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما ~~سعادته وفلاحه وبهما وصف النبي صلى الله عليه وسلم خلفاءه فقال عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي فالراشد ضد الغاوي والمهدي ضد ~~الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين ~~الحق ولا يشتبه الراشد المهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله وأعماهم ~~قلبا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية ولله در القائل # ( وما انتفاع أخي الدنيا بناظره % إذا استوت عنده الأنوار والظلم ) # فالناس أربعة اقسام ضال في علمه غاو في قصده وعلمه وهؤلاء شرار الخلق وهم ~~مخالفوا الرسل # الثاني مهتد في علمه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه ~~بهم وهو حال كل من عرف ms148 الحق ولم يعمل به # الثالث ضال في علمه ولكن قصده الخير وهو لا يشعر # الرابع مهتد في علمه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا ~~الأقلين عددا فهم الأكثرون عند الله قدرا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من ~~خلقه # وتأمل كيف قال سبحانه @QB@ ما ضل صاحبكم @QE@ ولم يقل ما ضل محمد تأكيدا ~~لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله ~~وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط وقد ~~نبه على هذا المعنى بقوله @QB@ أم لم يعرفوا رسولهم @QE@ وبقوله @QB@ وما ~~صاحبكم بمجنون @QE@ PageV01P154 @ # | فصل # ثم قال سبحانه @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ ينزه نطق ~~رسوله أن يصدر عن هوى وبهذه الكمال هداه ورشده وقال @QB@ وما ينطق عن الهوى ~~@QE@ ولم يقل وما ينطق بالهوى لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنه يتضمن أن نطقه ~~لا يصدر عن هوى وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به فتضمن نفي الأمرين نفي ~~الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد لا ~~الغي والضلال # ثم قال @QB@ إن هو إلا وحي يوحى @QE@ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من ~~الفعل أي ما نطقه إلا وحي يوحى وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدا إلى ~~القرآن فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة وإن كليهما وحي يوحى وقد احتج الشافعي ~~لذلك فقال لعل من حجة من قال بهذا قوله @QB@ وأنزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة @QE@ قال ولعل من حجته أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم والذي نفسي بيده ~~لأقضين بينكما بكتاب الله الغنم والخادم رد عليك الحديث PageV01P155 @ # وفي الصحيحين أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر ليتني أرى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال كيف ~~ترى في رجل أحرم بعمرة في جبته بعد ما تضمخ بالخلوق فنظر إليه ms149 النبي صلى ~~الله عليه وسلم ساعة ثم سكت فجاء الوحي فأشار عمر بيده إلى يعلى فجاء فأدخل ~~رأسه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محرم يغط ثم سرى عنه فقال أين السائل ~~آنفا فجيء به فقال انزع عنك الجبة واغسل أثر الطيب واصنع في عمرتك ما تصنع ~~في حجتك وقال الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن أبي طاووس عن أبيه أن ~~عنده كتابا نزل به الوحي وما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من صدقة ~~وعقول فإنما نزل به الوحي وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال كان جبريل ~~ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه ~~إياه وذكر الأوزاعي أيضا عن أبي عبيد صاحب سليمان أخبرني القاسم بن مخيمرة ~~حدثني ابن فضيلة قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم سعر لنا قال لا ~~تسألني عن سنة أحدثها فيكم لم يمرني بها ولكن سلوا الله من فضله وابن فضيلة ~~هذا يسمى طلحة وقد صح عنه أنه قال ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه وهذا هو ~~السنة بلا شك وقد قال تعالى @QB@ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة @QE@ وهما ~~القرآن والسنة وبالله التوفيق # | فصل # ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن مما يعلم أنه مضاد لأوصاف ~~الشيطان معلم الضلال والغواية فقال @QB@ علمه شديد القوى @QE@ وهذا نظير ~~قوله @QB@ ذي قوة عند ذي العرش @QE@ وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة ~~PageV01P156 @ # وقوله ذو مرة أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانا اقبح خلق ~~الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند ~~الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة ~~التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف الرسول ~~البشري والملكي فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأعلمهم ~~وأجملهم وأجلهم والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى ~~وأجهل الخلق وأضعفهم همما ونفوسا # ثم ذكر استواء ms150 هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانه لأهل الإيمان صورة ~~الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من ~~رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنهم يشاهدون صورة الحال ~~ويعاينونها هابطا من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستويا عليه ثم نزل ~~وقرب من محمد صلى الله عليه وسلم وخاطبه بما أمره الله به قائلا ربك يقول ~~لك كذا وكذا وأخبر سبحانه عن مسافة هذا القرب بأنه قدر قوسين أو أدنى من ~~ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنها لا تزيد عن قوسين ~~البتة كما قال تعالى @QB@ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون @QE@ تحقيق لهذا ~~العدد وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدا ونظيره قوله @QB@ ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة @QE@ أي لا تنقص قسوتها عن ~~قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها وهذا المعنى أحسن ~~وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها ~~للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى # | فصل # ثم أخبر تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه وأن القلب صدق العين وليس ~~كمن رأى شيئا على خلاف ما هو به فكذب فؤاده بصره بل ما رآه ببصره صدقه ~~الفؤاد وعلم أنه كذلك وفيها قراءتان إحداهما بتخفيف كذب والثانية ~~PageV01P157 @ بتشديدها يقال كذبته عينه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ~~ظنه وحدسه قال الشاعر # ( كذبتك عينك أم رأيت بواسط % غلس الظلام من الرباب خيالا ) # أي أرتك مالا حقيقة له فنفى هذا عن رسوله وأخبره أن فؤاده لم يكذب ما رآه ~~وما إما أن تكون مصدرية فيكون المعنى ما كذب فؤاده رؤيته وإما أن تكون ~~موصولة فيكون المعنى ما كذب الفؤاد الذي رآه بعينه وعلى التقديرين فهو ~~إخبار عن تطابق ms151 رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما وتصديق كل منهما لصاحبه ~~وهذا ظاهر جدا في قراءة التشديد وقد استشكلها طائفة منهم المبرد وقال في ~~هذه القراءة بعد قال لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضا بقلبه وإذا وقع ~~العلم فلا كذب معه فإنه إذا كان الشيء في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب # قلت وجواب هذا من وجهين أحدهما أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو ~~فيكذبه قلبه إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه ~~فيقال كذبه قلبه وكذبه ظنه وكذبته عينه فنفى سبحانه ذلك عن رسوله وأخبر أن ~~ما رآه الفؤاد فهو كما رآه كمن رأى الشيء على حقيقة ما هو به فإنه يصح أن ~~يقال لم تكذبه عينه # الثاني أن يكون الضمير في رأى عائدة إلى الرأي لا إلى الفؤاد ويكون ~~المعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر وهذا بحمد الله لا إشكال فيه والمعنى ما ~~كذب الفؤاد ما رآه البصر بل صدقه وعلى القراءتين فالمعنى ما أوهمه الفؤاد ~~أنه رأى ولم ير ولا اتهم بصره # ثم أنكر سبحانه عليه مكابرتهم وجحدهم له على ما رآه كما ينكر على الجاهل ~~مكابرته للعالم ومماراته له على ما عمله وفيها قراءتان أفتمارونه وأفتمرونه ~~وهذه المماراة أصلها من الجحد والدفع يقول مريت الرجل حقه إذا جحدته كما ~~قال الشاعر # ( لئن هجرت أخا صدق ومكرمة % لقد مريت أخا ما كان يمريكا ) PageV01P158 @ # ومنه المماراة وهي المجادلة والمكابرة ولهذا عدى هذا الفعل بعلى وهي على ~~بابها وليست بمعنى عن كما قاله المبرد بل الفعل متضمن معنى المكابرة وهذا ~~في قراءة الألف أظهر ورجح أبو عبيدة قراءة من قرأ أفتمرونه قال وذلك أن ~~المشركين إنما شأنهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي وهذا كان أكثر من ~~المماراة منهم يعني أن من قرأ أفتمارونه فمعناه أفتجادلونه ومن قرأ ~~أفتمرونه معناه أفتجحدونه وجحودهم لما جاء به كان هو شأنهم وكان أكثر من ~~مجادلتهم له وخالفه أبو علي وغيره واختاروا قراءة أفتمارونه قال ms152 أبو علي من ~~قرأ أفتمارونه فمعناه أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما علمه وشاهده ~~ويقوى هذا الوجه قوله تعالى @QB@ يجادلونك في الحق بعد ما تبين @QE@ ومن ~~قرأ أفتمرونه كان المعنى أفتجحدونه قال والمجادلة كأنها أشبه في هذا لأن ~~الجحود كان منهم في هذا وغيره وقد جادله المشركون في الإسراء # قلت القوم جمعوا بين الجدال والدفع والإنكار فكان جدالهم جدال جحود ودفع ~~لا جدال استرشاد وتبين للحق وإثبات الألف يدل على المجادلة والإتيان بعلى ~~يدل على المكابرة فكانت قراءة الألف منتظمة للمعنيين جميعا فهي أولى وبالله ~~التوفيق # | فصل # ثم أخبر سبحانه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى فالمرة الأولى ~~كانت دون السماء بالأفق الأعلى والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى ~~وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه جبريل عليه الصلاة والسلام رآه على ~~صورته التي خلق عليها مرتين كما في الصحيحين عن زر بن حبيش أنه سئل عن قوله ~~تعالى @QB@ فكان قاب قوسين أو أدنى @QE@ قال أخبرني ابن مسعود أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن ~~مسعود @QB@ ما كذب الفؤاد ما رأى @QE@ قال رأى جبريل في صورته له ستمائة ~~جناح وقال البخاري عنه رأى رفرفا أخضر يسد الأفق وفي صحيح مسلم عن ~~PageV01P159 @ أبي هريرة @QB@ ولقد رآه نزلة أخرى @QE@ قال رأى جبريل عليه ~~السلام وفي صحيحه أيضا عن مسروق قال كنت متكئا عند عائشة فقالت ثلاث من ~~تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت ما هن قالت من زعم أن محمدا ~~رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال وكنت متكئا فجلست فقلت يا أم ~~المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل @QB@ ولقد رآه بالأفق ~~المبين @QE@ @QB@ ولقد رآه نزلة @QE@ أخرى فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنما هو جبريل لم أره على صورته ~~التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته متهبطا من السماء سادا ms153 عظم خلقه ما ~~بين السماء والأرض فقالت أولم تسمع أن الله عز وجل يقول @QB@ لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير @QE@ أولم تسمع أن الله عز وجل ~~يقول @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم @QE@ قالت ومن زعم أن محمدا كتم ~~شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله عز وجل يقول @QB@ يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته @QE@ ~~قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله عز ~~وجل يقول @QB@ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله @QE@ ولو ~~كان محمد كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية @QB@ وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه @QE@ وفي الصحيحين عن مسروق أيضا قال ~~سألت عائشة رضي الله عنها هل رأى محمد ربه فقالت سبحان الله لقد وقف شعري ~~مما قلت وفيهما أيضا قال قلت لعائشة فأين قوله عز وجل @QB@ ثم دنا فتدلى ~~فكان قاب قوسين أو أدنى @QE@ PageV01P160 ) قالت إنما ذاك جبريل كان يأتيه ~~في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق ~~وفي صحيح مسلم بأن أبا ذر سأله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور ~~أني أراه وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي موسى الأشعري قال قام فينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ~~ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل ~~الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ~~وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المقدم وهو كالتفسير له ولا ينافي ~~هذا ms154 قوله في حديث الصحيح حديث الرؤية يوم القيامة فيكشف الحجاب فينظرون ~~إليه فإن النور الذي هو حجاب الرب تعالى يراد به الحجاب الأدنى إليه وهو لو ~~كشف لم يقم له شيء كما قال ابن عباس في قوله عز وجل @QB@ لا تدركه الأبصار ~~@QE@ قال ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء وهذا الذي ذكره ~~ابن عباس يقتضي أن قوله لا تدركه الأبصار على عمومه وإطلاقه في الدنيا ~~والآخرة ولا يلزم من ذلك أن لا يرى بل يرى في الآخرة بالابصار من غير إدراك ~~وإذا كانت أبصارنا لا تقوم لإدراك الشمس على ما هي عليه وإن رأتها مع القرب ~~الذي بين المخلوق والمخلوق فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرب جل ~~جلاله أعظم وأعظم ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب تسافى الجبل ~~واندك لسبحات ذلك القدر من التجلي وفي الحديث الصحيح المرفوع جنتان من ذهب ~~آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما ~~بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا راد الكبرياء على وجهه في جنة عدن ~~فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه تبارك وتعالى هو المانع من رؤية الذات ~~ولا يمنع من أصل الرؤية فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالى فإذا ~~تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينهم وبينه فهو الحجاب ~~المخلوق وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة للذات لا تفارق ~~ذات الرب جل جلاله ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من ~~خلقه وتكفي هذه الاشارة في هذا المقام للمصدق الموقن وأما المعطل الجهمي ~~فكل هذا عنده باطل ومحال PageV01P161 @ # والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل 2 # وأما قول ابن عباس رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فالظاهر أن مستنده هذه ~~الآية وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس ~~وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي الاجماع على ما قالته ms155 عائشة فقال في نقضه ~~على بشر المريسي في الكلام على حديث ثوبان ومعاذ أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فحكى تأويل المريسي الباطل ثم ~~قال ويلك أن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه أما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال في حديث أبي ذر إنه لم ير ربه وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لن تروا ربكم حتى تموتوا وقالت عائشة رضي الله عنها من زعم أن ~~محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية وأجمع المسلمون على ذلك مع قول ~~الله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ يعنون أبصار أهل الدنيا وإنما هذه الرؤية ~~كانت في المنام يمكن رؤية الله على كل حال كذلك وروى معاذ بن جبل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال صليت ما شاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ~~ربي في أحسن صورة فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم وقد ظن القاضي أبو ~~يعلى أن الرواية اختلفت عن الامام أحمد هل رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ربه ليلة الإسراء أم لا على ثلاث روايات # أحداها أنه رآه قال المروزي قلت لأبي عبد الله يقولون إن عائشة قالت من ~~زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة ~~فقال بقول النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~أكبر من قولها قال وذكر المروزي في موضع آخر أنه قال لأبي عبد الله ههنا ~~رجل يقول إن الله يرى في الآخرة ولا أقول إن محمدا رأى ربه في الدنيا فغضب ~~وقال هذا أهل أن يخفى يسلم الخبر كما جاء قال فظاهر هذا أنه أثبت رؤية عين ~~ونقل حنبل قال قلت لأبي عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه رؤيا ~~حلم بقلبه قال فظاهر هذا نفي الرؤية وكذلك نقل الأثرم وقد سأله عن حديث عبد ~~الرحمن بن عابس عن ms156 النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في أحسن صورة فقال ~~معمر مضطرب لأن معمرا رواه عن أيوب عن معبد عن عبد الرحمن بن عابس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ورواه حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه يوسف ~~بن عطية عن PageV01P162 @ قتادة عن أنس ورواه عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن ~~خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن ابن عابس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم ورواه يحيى بن أبي كثير فقال عن ابن عابس عن معاذ عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصل الحديث واحد قال الأثرم فقلت لابي عبد الله فإلى أي ~~شيء تذهب فقال قال الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس ~~قال رأى محمد ربه بقلبه ونقل الأثرم أن رجلا قال لأحمد عن الحسين الأشيب ~~أنه قال لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ربه تعالى فأنكره عليه إنسان وقال ~~لم تقول رأه ولا تقول بعينه ولا بقلبه كما جاء الحديث فاستحسن ذلك الأشيب ~~فقال أبو عبد الله حسن قال وظاهر هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت ~~بعينه أم بقلبه فهذه نصوص أحمد وقد جعلها القاضي مختلفة وجعل المسألة على ~~ثلاث روايات ثم احتج للرواية الأولى بحديث أم الطفيل وحديث عبد الرحمن بن ~~عابس الحضرمي ولا دلالة فيهما لأنها رؤية منام فقط واحتج لها بما لا يرضى ~~أحمد أن يحتج به وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا لما كانت ~~ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى وذكر ~~الحديث وهذا غلط قطعا فإن القصة إنما كانت بالمدينة كما قال معاذ بن جبل ~~احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين ~~الشمس ثم خرج فصلى بنا ثم قال رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال يا محمد ~~فيم يخصتم الملأ الأعلى وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والاسراء كان ms157 بمكة ~~وليس عن الإمام أحمد ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم نص أنه رآه بعينه ~~يقظه وإنما حمل القاضي كلام أحمد مالا يحتمله واحتج لما فهم منه بما لا يدل ~~عليه وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل ~~بعينه وإنما قال رآه واتبع في ذلك قول ابن عباس رأى محمد ربه ولفظ الحديث ~~رأيت ربي وهو مطلق وقد جاء بيانه في الحديث الآخر # ولكن في رد أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي صلى الله عليه وسلم اشعار ~~بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهي لم تنكر رؤية المنام ولم تقل من ~~زعم أن محمدا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية وهذا يدل على أحد ~~أمرين إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفته ~~PageV01P163 @ للحديث وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية وقد صرح بأنه ~~رآه رؤيا حلم بقلبه وهذا تقييد منه للرؤية وأطلق أنه رآه وأنكر قول من نفى ~~مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه وهذه النصوص ~~عنه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد رآه بعيني رأسه يقظة ولم يجيء ذلك في ~~حديث قط فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت وإنكاره قول من قال لم يره ~~أصلا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم # | فصل # وقوله تعالى @QB@ ما زاغ البصر وما طغى @QE@ قال ابن عباس ما زاغ البصر ~~يمينا ولا شمالا ولا جاوز ما أمر به وعلى هذا المفسرون فنفى عن نبيه ما ~~يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاته يمينا ~~وشمالا ومجاوزة بصره لما بين يديه وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام وفي ~~تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبا ولم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات وما ~~هناك من العجائب بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه وإطراقه وإقباله على ما ~~أرى دون التفاته إلى غيره ودون ms158 تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات ~~الجأش وسكون القلب وطمأنينته وهذا غاية الكمال وزيغ البصر التفاته جانبا ~~وطغيانه مده أمامه إلى حيث ينتهي فنزه في هذه السورة علمه عن الضلال وقصده ~~وعمله عن الغي ونطقه عن الهوى وفؤاده عن تكذيب بصره وبصره عن الزيغ ~~والطغيان وهكذا يكون المدح # ( تلك المكارم لا قعبان من لبن % شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ) # | فصل # ولما ذكر رؤيتة لجبريل عند سدرة المنتهى استطرد منها وذكر أن جنة المأوى ~~عندها وأنه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى وهذا من أحسن الاستطراد وهو أسلوب ~~لطيف جدا في القرآن وهو نوعان PageV01P164 @ # أحدهما أن يستطرد من الشيء إلا لازمه مثل هذا ومثل قوله @QB@ ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم @QE@ ثم استطرد من ~~جوابهم إلى قوله @QB@ الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم ~~تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون ~~والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ~~ظهوره @QE@ وهذا ليس من جوابهم ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم ومثله ~~قوله تعالى @QB@ فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ~~قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ~~@QE@ فهذا جواب موسى ثم استطرد سبحانه منه إلى قوله @QB@ الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى @QE@ ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد ~~منه # والنوع الثاني أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله @QB@ ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين @QE@ إلى آخره فالأول ~~آدم والثاني بنوه ومثله قوله @QB@ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت ms159 حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا ~~الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له ~~شركاء فيما آتاهما @QE@ إلى آخر الآيات فاستطرد من ذكر الأبوين إلى ذكر ~~المشركين من أولادهما والله أعلم # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور ~~والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع @QE@ تضمن ~~هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ~~ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران ~~عند جمهور المفسرين من السلف PageV01P165 @ والخلف وعرفه ههنا باللام وعرفه ~~في موضع آخر بالإضافة فقال وطور سينين وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة ~~وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب ~~الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال ~~حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال ~~إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع ~~وقال أرضى بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم ~~الله به وإنه لسيد الجبال # الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور واختلف في هذا الكتاب فقيل هو ~~اللوح المحفوظ وهذا غلط فإنه ليس برق وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني ~~آدم وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور وهذا وإن كان ~~أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره ~~فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله وأقسم الله به لعظمته ~~وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه # ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى وكأن صاحب هذا القول رأى ~~اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة ولكن التوراة إنما أنزلت في الواح لا ~~في رق إلا أن يقال هي في رق ms160 في السماء وأنزلت في ألواح وقيل هو القرآن ولعل ~~هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة ~~كرام بررة فالصحف هي الرق وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورا وعلى هذا فيكون ~~قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنا للنبوتين المعظمتين نبوة ~~موسى ونبوة محمد وكثيرا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة التين ~~والزيتون # ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور وفي وصفه الكتاب بأنه مسطور تحقيق ~~لكونه مكتوبا مفروغا منه وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالاعتناء به وأنه ~~بأيدي الملائكة منشور غير مهجور PageV01P166 @ # وأما البيت المعمور فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون ~~إليه آخر ما عليهم وهو بحيال البيت المعمور في الأرض وقيل هو البيت الحرام ~~ولا ريب أن كلا منهما معمور فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم وهذا معمور ~~بالطائفين والقائمين والركع والسجود وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت # ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب ~~صنعته وهما السقف المرفوع وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا ~~وسعة وسمكا ولونا وإشراقا وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه ~~ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام ~~والصيف والشتاء والربيع والخريف ومنها تنزل البركات واليها تصعد الأرواح ~~وأعمالها وكلماتها الطيبة # والثاني البحر المسجور وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا ~~الله واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السموات أو البحر الذي نشاهده على ~~قولين فقالت طائفة هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة ~~خمسمائة عام كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن ~~مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال ما تسمون هذه قالوا السحاب ~~قال والمزن ms161 قالوا والمزن قال والعنان قالوا والعنان قال هل تدرون ما بين ~~السماء والأرض قالوا لا ندري قال إن بعد ما بينهما اما واحدة أو اثنتان أو ~~ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السابعة ~~بحرا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال ~~بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين ~~أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك وهذا لا يناقض ما ~~في جامع الترمذي إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام إذ المسافات تختلف ~~مقاديرها باختلاف المقدر به فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل والسبعون بسير ~~البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف وهذا القول في البحر الذي ~~تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب PageV01P167 @ # والثاني أنه بحر الأرض واختلف في المسجور فقيل المملوء هذا قول جميع أهل ~~اللغة قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الاناء إذا ~~ملأته قال لبيد # ( فتوسطا عرض السرى وصدعا % مسجورة متجاور أقلامها ) # وقال المبرد المسجور المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب # ( إذا شاء طالع مسجورة % ) # يريد عينا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد ~~المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم ~~الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما قال البحر يسجر فيزداد في جهنم وحكى ~~هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور قال الفراء وهذا يرجع ~~إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا وروى ذو الرمة ~~الشاعر عن ابن عباس أن المسجور اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب وليس لذي ~~الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف وهذا القول اختيار أبي العالية قال ~~أبو زيد المسجور المملوء والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد وقد ~~روى عن ابن عباس أن المسجور المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة ms162 من عود ~~أو حديد تمسكه والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض ~~فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرا للأرض فوقها كما أن ~~الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا وفي هذا ~~حديث ذكره أحمد مرفوعا ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم # وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما ~~يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض ~~بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي ~~تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن ~~العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من ~~يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء PageV01P168 @ قدير وهو ~~أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته ~~وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية ~~الإلهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق # وأقوى الأقوال في المسجور أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من ~~المسجور ويدل عليه قوله تعالى @QB@ وإذا البحار سجرت @QE@ قال علي وابن ~~عباس أوقدت فصارت نارا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارا موقدة ~~وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارا # وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله ~~فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارا ~~فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم # | فصل # وأقسم سبحانه بهذه الأمور على المعاد والجزاء فقال @QB@ إن عذاب ربك ~~لواقع ما له من دافع @QE@ ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانه أنه ~~لا دافع له وهذا يتناول أمرين أحدهما أنه لا دافع لوقوعه والثاني أنه لا ~~دافع له إذا وقع # ثم ذكر سبحانه وقت وقوعه فقال @QB@ يوم تمور السماء مورا وتسير ms163 الجبال ~~سيرا @QE@ والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب ~~والتحقيق أنه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء ~~وحركة الجبال فقال @QB@ وتسير الجبال سيرا @QE@ وقال @QB@ وإذا الجبال سيرت ~~@QE@ من مكان إلى مكان وأما السماء فإنها تتكفأ وتموج وتذهب وتجيء قال ~~الجوهري مار الشيء يمور مورا ترهيا أي تحرك وجاء وذهب كما تكفأ النخلة ~~العيدانة أي الطويلة ومنه قوله @QB@ يوم تمور السماء مورا @QE@ قال الضحاك ~~تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ وأنشد للأعشى # ( كأن مشيتها من بيت جارتها % مور السحابة لا ريث ولا عجل ) # ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومهم التي كانوا ~~PageV01P169 @ عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعي ضائع ~~فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت ~~هذه العلوم والأ 00 عمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم ~~يدعون إليها دعا إي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعا بعد دفع فإذا وقفوا ~~عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم @QB@ هذه النار التي كنتم بها تكذبون @QE@ ~~وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال @QB@ أفسحر هذا @QE@ ~~الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم به الرسل أنه سحر وأنهم سحرة فهذا ~~الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونها كما كان ~~عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا ~~الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ثم سلب عنهم نفع البصر الذي كانوا ~~في الدنيا إذا داهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء ~~البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ @QB@ فاصبروا أو لا تصبروا @QE@ ~~كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل ~~هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الخزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم ~~أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابا فلم ~~يجدوا من اقترانهم به ms164 بدا بل صارت عذابا لازما لهم كما كانت إرادتهم ~~وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار ~~بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من ~~الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح ~~زوالا كليا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم ~~وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له ~~والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنها وإن ~~لم تزل تلك الارادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منها كان التأثير ~~للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تدافعا وقاوم كل منهما الآخر ~~وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في ~~خلقه وأمره ونهيه وعقابه ولا يظلم ربك أحدا PageV01P170 @ # | فصل # ثم ذكر سبحانه أرباب العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاعتقادات ~~الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو ~~النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم @QB@ فاكهين بما آتاهم ربهم @QE@ ~~والفاكه المعجب بالشيء المسرور المغتبط به وفعله فكه بالكسر يفكه فهو فكه ~~وفاكه إذا كان طيب النفس والفاكه البال ومنه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ ~~عن طيب النفس وتفكهت بالشيء إذا تمتعت به ومنه الفاكهة التي يتمتع بها ومنه ~~قوله @QB@ فظلتم تفكهون @QE@ قيل معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى ~~وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه وإذا زال التفكه خلقه ضده يقال تحنث إذا ~~زال الحنث عنه وتحرج وتحوب وتأثم ومنه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في ~~الشيء كتعلم وتحلم وللخارج منه كتحرج وتأثم # والمقصود أنه سبحانه جمع لهم بين النعيمين نعيم القلب بالتفكه ونعيم ~~البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ~~ما يحبون جزاء وفاقا لأنهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب فكان جزاؤهم مطابقا ~~لأعمالهم # ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمه قوله هنيئا فإنهم لو علموا زواله ~~وانقطاعه لنغص عليهم ms165 ذلك نعيمهم ولم يكن هناء لهم # ثم ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها فقال @QB@ متكئين على سرر مصفوفة @QE@ وفي ~~ذكر اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض ومقابلة بعضهم ~~بعضا كما قال تعالى @QB@ متكئين عليها متقابلين @QE@ فإن من تمام اللذة ~~والنعيم أن يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ~~ولا يكون بكون بعيدا منه قد حيل بينه وبينه بل سريره إلى جانب سرير من يحبه # وذكر أزواجهم وأنهم الحور العين وقد تكرر وصفهم في القرآن بهاتين ~~PageV01P171 @ الصفتين قال أبو عبيدة جعلناهم أزواجا كما يزوج البعل بالبعل ~~جعلناهم اثنين اثنين وقال يونس قرناهم بهن وليس من عقد التزويج واحتج على ~~هذا بأن العرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها قال تعالى @QB@ فلما ~~قضى زيد منها وطرا زوجناكها @QE@ وفي الحديث زوجتكها بما معك من القرآن ~~وقال غيره العرب تقول تزوجت بامرأة وقال الأزهري العرب تقول زوجته امرأة ~~وتزوجت امرأة وليس في كلامهم تزوجت بامرأة ومنه قوله تعالى @QB@ وزوجناهم ~~بحور عين @QE@ أي قرناهم وعلى هذا فزوجناهم عند هؤلاء من الاقتران والشفع ~~أي شفعناهم وقرناهم بهن وقالت طائفة منهم مجاهد زوجناهم بهن أي أنكحناهم ~~إياهن # قلت وعلى هذا فتلويح فعل التزويج قد دل على النكاح وتعديته بالباء ~~المتضمنة معنى الاقتران والضم فالقولان واحد والله أعلم # وأما الحور العين فقال مجاهد التي يحار فيها الطرف باديا مخ سوقهن من ~~وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء ~~اللون وقال قتادة بحور أي بيض وكذا قال ابن عباس وقال مقاتل الحور البيض ~~الوجوه العين الحسان الأعين وعين حوراء شديدة السواد نقية البياض طويلة ~~الأهداب مع سوادها كاملة الحسن ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور ~~عينها بياض لون الجسد فوصفهن بالبياض والحسن والملاحة كما قال @QB@ خيرات ~~حسان @QE@ فالبياض في ألوانهن والحسن في وجوههن والملاحة في عيونهن وقد وصف ~~الله سبحانه نساء أهل الجنة بأحسن الصفات ودل بما وصف بما سكت عنه # فإن شئت التفصيل ms166 فالذي يحمد ويستحب من وجه المرأة وبدنها وأخلاقها البياض ~~في أربعة اشياء اللون وبياض العين والفرق والثغر والسواد في أربعة سواد ~~العين وسواد شعر الرأس والجفن وسواد الحاجبين والحمرة في أربعة اللسان ~~والشفتين والوجنتين وحمرة تشوب البياض وفتحسنه وتزينه ومن التدوير أربعة ~~أشياء الوجه والرأس والكعب والمقعد ومن الطول أربعة القامة والعنق والشعر ~~والحاجب والسعة في أربعة الجبهة والعين PageV01P172 @ والوجه والصدر ومن ~~الصغر في أربعة الثدي والفم والكف والقدم ومن الطيب في أربعة الفم والأنف ~~والفرق والفرج ومن الضيق في موضع واحد ومن الأخلاق كما قال تعالى @QB@ عربا ~~أترابا @QE@ إذ العرب جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها بأخلاقها ~~ولطافتها وشمائلها قال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها ~~المتحببة إليه وقال أبو عبيدة هي الحسنة التبعل قال المبرد هي العاشقة ~~لزوجها وقال البخاري في صحيحه هي الغنجة ويقال الشكلة فهذا وصف أخلاقهن ~~وذلك وصف خلقهن وأنت إذا تأملت الصفات التي وصفهن الله بها رأيتها مستلزمة ~~لهذه الصفات ولما وراءها والله المستعان # | فصل # ثم أخبر سبحانه عن تكميل نعيمهم بإلحاق ذرياتهم بهم في الدرجة وإن لم ~~يعملوا أعمالهم لتقر أعينهم بهم ويتم سرورهم وفرحهم وأخبر سبحانه أنه لم ~~ينقص الآباء من عملهم من شيء بهذا الإلحاق فينزلهم من الدرجة العليا إلى ~~الدرجة السفلى بل ألحق الأبناء بالآباء ووفر على الآباء أجورهم ودرجاتهم # ثم أخبر سبحانه أن هذا إنما هو فعله في أهل الفضل وأما أهل العدل فلا ~~يفعل بهم ذلك بل @QB@ كل امرئ بما كسب رهين @QE@ ففي هذا دفع لتوهم التسوية ~~بين الفريقين بهذا الالحاق كما في قوله @QB@ وما ألتناهم من عملهم من شيء ~~@QE@ دفع لتوهم حط الآباء إلى درجة الأبناء وقسمة أجور الآباء بينهم وبين ~~الأبناء فينقص أجر أعمالهم فرفع هذا التوهم بقوله @QB@ وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء @QE@ أي ما نقصناهم ثم ذكر امدادهم باللحم والفاكهة والشرب ~~وأنهم يتعاطون كؤوس الشراب بينهم يشرب أحدهم ويناول صاحبه ليتم بذلك فرحهم ~~وسرورهم # ثم نزه ذلك الشراب عن الآفات من اللغو ms167 من أهله عليه ولحوق الأثم لهم فقال ~~@QB@ لا لغو فيها ولا تأثيم @QE@ فنفى باللغو السباب والتخاصم والهجر ~~والفحش في المقال والعربدة ونفى بالتأثيم جميع الصفات المذمومة التي أثمت ~~شارب الخمر وقال سبحانه @QB@ ولا تأثيم @QE@ ولم يقل ولا إثم أي ليس فيها ~~ما يحملهم على الاثم PageV01P173 @ ولا يؤثم بعضهم بعضا بشربها ولا يؤثمهم ~~الله بذلك ولا الملائكة فلا يلغون ولا يأثمون قال ابن قتيبة لا يذهب ~~بعقولهم فيلغوا ولم يقع منهم ما يؤثمهم # ثم وصف خدمهم الطائفين عليهم بأنهم كاللؤلؤ في بياضهم والملكنون المصون ~~الذي لا تدنسه الأيدي فلم تذهب الخدمة تلك المحاسن وذلك اللون والصفاء ~~والبهجة بل مع انتصابهم لخدمتهم كأنهم لؤلؤ مكنون ووصفهم في موضع آخر @QB@ ~~إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا @QE@ ففي ذكره المنثور إشارة إلى تفرقهم في ~~حوائج ساداتهم وخدمتهم وذهابهم ومجيئهم وسعة المكان بحيث لا يحتاجون أن ~~ينضم بعضهم إلى بعض فيه لضيقه # ثم ذكر سبحانه ما يتحدثون به هناك وانهم يقولون @QB@ إنا كنا قبل في ~~أهلنا مشفقين @QE@ أي كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل والأقارب والعشائر ~~فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما نخاف @QB@ ~~ووقانا عذاب السموم @QE@ وهذا ضد حال الشقي الذي كان في أهله مسرورا فهذا ~~كان مسرورا مع إساءته وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانهم فبدل الله سبحانه ~~إشفاقهم بأعظم الأمن وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف فبالله سبحانه المستعان # ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا يعبدون الله فيها فأصلتهم عبادته ~~وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنه ~~هو البر الرحيم فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة ~~والله أعلم # | فصل # ومن ذلك قوله @QB@ والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا ~~فالمقسمات أمرا @QE@ أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب ~~وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى @QB@ فأصبح هشيما تذروه الرياح @QE@ ~~أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرا أي ثقلا من الماء ~~وهي روايا الأرض يسوقها ms168 الله سبحانه على متون السحاب PageV01P174 @ الرياح ~~كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال بينما نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا العنان هذه ~~روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه # ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق ~~الغمام ويسرا أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن ~~تجري ميسرة في الماء جريا سهلا ومنهم من لم يذكر غيره واختار شيخنا رحمه ~~الله القول الأول وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي ~~فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم وفوقها الملائكة المقسمات أمر ~~الله الذي أمرت به بين خلقه والصحيح أن المقسمات أمرا لا تختص بأربعة وقيل ~~هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل وميكائيل ~~على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله وملك الموت يقسم المنايا ~~بين الخلق بأمر الله وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور ~~وهم المدبرات أمرا وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم # وأقسم سبحانه بهذه الأمور الاربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة ~~على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ~~ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها وتصريفها وتنوع منافعها ~~وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح ~~تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ~~ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضي بوجود ~~خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ~~ورحمة تارة وعذابا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها ~~وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها ~~وتارة عقيما وتارة ms169 لاقحة وتارة جنوبا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا ~~وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل ~~كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة PageV01P175 @ المسارق بين السماء ~~والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا ~~فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل ~~الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح ~~الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه ~~الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما ~~خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت ~~الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم ~~الحديد قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالوا يا ~~رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالوا يا رب فهل من خلقك ~~أشد من الماء قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح قال نعم ~~ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي ~~الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم ~~فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها عاتية قال ~~البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها # والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته # | فصل # ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل ~~الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث ~~أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه ~~حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان ~~فأنشاه سبحانه في ms170 زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى ~~بلد شديد الحاجة إليه # فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ~~ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ومن أغاث بقطره ~~PageV01P176 @ العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك ~~القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء لأدامه ~~عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون إليه ~~وصولا فإن لم يحبك جوابا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته وصرفها ~~بحكمته وسخرها بمشيئته وارسلها بشرا بين يدي رحمته جعلها سببا لتمام نعمته ~~وسلطانا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ~~ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفا وعاصفا ومهلكة وعاتية ~~إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شهدت ~~الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين # وسل الجاريات يسرا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر ومن ~~أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن ~~حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح ~~لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحا ~~واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها فتتموج في ~~البحر يمينا وشمالا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا ~~البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده ~~يشق الماء ويمخره مقبلا ومدبرا بريح واحدة تجري في موج كالجبال @QB@ ومن ~~آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير @QE@ ومن ~~الذي حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم # وسل ms171 الجاريات يسرا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها PageV01P177 @ ~~وأحسن خلقها ورفع مكانها وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها ~~وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط ~~والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك ~~والمتطرف في جوانبها 2 وبين ذلك ومنها ما يقطع الفلك في شهر ومنها ما يقطعه ~~في عام ومنها ما يقطعه في ثلاثين عاما ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك ومنها ~~مالا يزال ظاهرا لا يغيب بحال فهو أبدى ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله ~~حالتان ظهور واختفاء ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب ~~وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب ~~آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر ~~في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر ~~قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته # وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على ~~المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم ~~دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله ~~النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه ~~وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا ~~تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من ~~دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا # | فصل # وأما دلالة المقسمات أمرا وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم ~~العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر ~~بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر ~~والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات طائفة ~~ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة ~~وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة ms172 وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة PageV01P178 ~~@ وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء ~~والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد ~~لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في اقطار العالم # ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب ~~فقال @QB@ إنما توعدون لصادق @QE@ أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب ~~والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب @QB@ وإن الدين لواقع @QE@ أي إن ~~الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي ~~توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق # ووصف الوعد بكونه صادقا أبلغ من وصفه بكونه صدقا ولا حاجة إلى تكلف جعله ~~بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف ~~كلامه بأنه صادق وهذا مثل قولهم سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق ~~ومنه @QB@ عيشة راضية @QE@ وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب # وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالا ~~عليه مرشدا إليه # ثم أقسم سبحانه @QB@ والسماء ذات الحبك @QE@ أصل الحبك في اللغة إجادة ~~النسج يقال حبك الثوب إذا أجاد نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس ~~محبوك الكفل أي مدمجه وقال شمر المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة ~~إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك الطريق واحدها حباك ~~وحباك الحمام طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء الحبك تكسير ~~كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح والماء الدائم إذا مرت به الريح وتجعد ~~الشعر حبك أيضا واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود ~~بهذا كله ما أفصح به ابن عباس فقال يريد الخلق الحسن # وروى سعيد بن جبير عنه قال الحبك حسنها واستواؤها وقال قتادة ذات الخلق ~~الشديد وقال مجاهد متقن البنيان وقال أيضا ذات الطرائق PageV01P179 @ ~~ولكنها بعيدة من العباد فلا يرونها كحبك الماء ms173 إذا ضربته الريح وكحبك الرمل ~~وكحبك الشعر وقال عكرمة بنيانها كالبرد المسلسل # قلت وفي الحديث في صفة الدجال ورأسه حبك أي جعد الشعر ومن أحسن ما قيل في ~~تفسير الحبك ما ذكره الترمذي في تفسير الجامع من حديث الحسن عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل تدرون ما فوقكم قالوا الله ورسوله ~~أعلم قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف وذكر الحديث PageV01P180 @ # | فصل # ثم ذكر المقسم عليه فقال @QB@ إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك @QE@ ~~فالقول المختلف أقوالهم في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو خرص ~~كله فإنهم لما كذبوا بالحق اختلفت مذاهبهم وآراؤهم وطرائقهم وأقوالهم فإن ~~الحق شيء واحد وطريق مستقيم فمن خالفه اختلفت به الطرق والمذاهب كما قال ~~تعالى @QB@ بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج @QE@ أي مختلط ملتبس ~~وفي ضمن هذا الجواب أنكم في أقوال باطلة متناقضة يكذب بعضها بعضا # ثم أخبر سبحانه بسبب تكذيبهم بالحق أنه يصرف بسبب ذلك القول المختلف من ~~صرف فعن ههنا فيها طرف من معنى التسبيب كقوله @QB@ وما نحن بتاركي آلهتنا ~~عن قولك @QE@ # وقوله @QB@ من أفك @QE@ أي من سبق في علم الله أنه يضل ويؤفك كقوله @QB@ ~~فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم @QE@ # وقالت طائفة الضمير يرجع إلى القرآن وقيل إلى الإيمان وقيل إلى الرسول ~~والمعنى يصرف عنه من صرف حتى يكذب به # ولما كان هذا القول المختلف خرصا وباطلا قال @QB@ قتل الخراصون @QE@ أي ~~المكذبون @QB@ الذين هم في غمرة ساهون @QE@ وجهالة قد عمرت قلوبهم أي غطتها ~~وغشتها كغمرة الماء وغمرة الموت فالغمرات ما غطاها من جهل أو هوى أو سكر أو ~~غفلة أو حب أو بغض أو خوف أو غم ونحو ذلك قال تعالى @QB@ بل قلوبهم في غمرة ~~من هذا @QE@ أي غفلة وقيل جهالة # ثم وصفهم بأنهم ساهون في غمرتهم والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه ~~والفرق بينه وبين النسيان أن النسيان الغفلة بعد الذكر والمعرفة ms174 والسهو لا ~~يستلزم ذلك PageV01P181 @ # ثم قال @QB@ يسألون أيان يوم الدين @QE@ استبعادا للوقوع وجحدا فأخبر ~~تعالى أن ذلك @QB@ يوم هم على النار يفتنون @QE@ والمشهور في تفسير هذا ~~الحرف أنه بمعنى يحرقون ولكن لفظة على تعطي معنى زائدا على ما ذكروه ولو ~~كان المراد نفس الحرق لقيل يومهم في النار يفتنون ولهذا لما علم هؤلاء ذلك ~~قال كثير منهم على بمعنى في كما تكون في بمعنى على والظاهر أن فتنتهم على ~~النار قيل فتنتهم فيها لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة وعند دخولهم ~~والتعذيب بها فتنة أشد منها ومن جعل الفتنة ههنا من الحريق أخذه من قوله ~~تعالى @QB@ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا @QE@ واستشهد ~~على ذلك أيضا بهذه اللفظة التي في الذاريات وحقيقة الأمر أن الفتنة تطلق ~~على العذاب وسببه ولهذا سمى الله الكفر فتنة فهم لما أتوا بالفتنة التي هي ~~أسباب العذاب في الدنيا سمى جزاءهم فتنة ولهذا قال @QB@ ذوقوا فتنتكم @QE@ ~~وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها من أعظم فتنتهم وآخر هذه الفتنة دخول ~~النار والتعذيب بها ففتنوا أولا بأسباب الدنيا وزينتها ثم فتنوا بإرسال ~~الرسل إليهم ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم ثم فتنوا بعذاب الدنيا ثم فتنوا ~~بعذاب الموت ثم يفتنون في موقف القيامة ثم إذا حشروا إلى النار وقفوا عليها ~~وعرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم ثم الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن ~~قبلها # | فصل # ثم ذكر سبحانه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى وهو الجنات والعيون ~~وأنهم @QB@ آخذين ما آتاهم ربهم @QE@ من الخير والكرامة # وفي ذلك دليل على أمور منها قبولهم له ومنها رضاهم به ومنها وصولهم إليه ~~بلا مانع ولا عائق ومنها أن جزاءهم من جنس أعمالهم فكما أخذوا ما أمرهم به ~~في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر أخذوا ما آتاهم من الجزاء ~~كذلك ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك وهو إحسانهم المتضمن لعبادته وحده ~~لا شريك له والقيام بحقوقه وحقوق عباده ثم ذكر ليلهم وأنهم قليل هجوعهم منه # وقد قيل ms175 إن ما نافية والمعنى ما يهجعون قليلا من الليل فكيف PageV01P182 ~~@ بالكثير وهذا ضعيف لوجوه أحدها أن هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين ~~يستحقون هذا الجزاء الثاني أن قيام من نام من الليل نصفه أحب إلى الله من ~~قيام من قامه كله الثالث أنه لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعه لكان ~~أولى الناس بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قام ليلة حتى الصباح ~~الرابع أن الله سبحانه إنما أمر رسوله أن يتهجد بالقرآن من الليل لا في ~~الليل كله فقال @QB@ ومن الليل فتهجد به @QE@ الخامس أنه سبحانه لما أمره ~~بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منه أو ~~الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة ولم يذكر قيامه كله السادس أنه ~~صلى الله عليه وسلم لما بلغه عن عثمان بن مظعون أنه لا ينام من الليل بعث ~~إليه فجاء فقال يا عثمان أرغبت عن سنتي قال لا والله يا رسول ولكن سنتك ~~أطلب قال فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن ~~لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وأفطر وصل ونم ~~ولما بلغه عن زينب بنت جحش أنها تصلي الليل كله حتى جعلت حبلا بين ساريتين ~~إذا فترت تعلقت به أنكر ذلك وأمر بحله السابع أن الله أثنى عليهم بأنهم ~~كانت @QB@ تتجافى جنوبهم عن المضاجع @QE@ وتقلق عنها حتى يقوموا إلى الصلاة ~~ولهذا جازاهم عن هذا التجافي الذي سببه قلق القلب واضطرابه حتى يقوم إلى ~~الصلاة بقرة الأعين الثامن أن الصحابة الذين هم أول وأولى من دخل في هذه ~~الآية لم يفهموا منها عدم نومهم بالليل أصلا فروى بجير بن سعد عن سعيد عن ~~قتادة عن أنس في قوله @QB@ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون @QE@ قال كانوا ~~يصلون ما بين المغرب والعشاء التاسع أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام ~~وتقديما لمعمول العامل المنفي عليه لأنك تجعل قليلا مفعول يهجعون وهو منفي ~~والبصريون لا يجيزون ذلك ms176 وإن أجازه الكوفيون وفصل بعضهم فأجازه في الظرف ~~ولم يجزه في غيره PageV01P183 @ # | فصل # وقيل ما زائدة وخبر كان يهجعون وقليلا منصوب إما على المصدرية أي هجوعا ~~قليلا وإما على الظرف أي زمنا قليلا # واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نوم سدسه أحب القيام إلى ~~الله فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام فكيف يثنى عليهم بما الأفضل ~~خلافه # وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعا ~~فإنه مستيقظ من المغرب إلى العشاء ومن الفجر إلى طلوع الشمس فيبقى ما بين ~~العشاء إلى طلوع الفجر فيقومون نصف ذلك الوقت فيكون زمن الهجوع أقل من زمن ~~الاستيقاظ # وقيل ما مصدرية وهي في موضع رفع بقليل أي كانوا قليلا هجوعهم وهو قول ~~الحسن وقيل إنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي قليلا من الليل الوقت ~~الذي يهجعون وفيه تكلف وقيل ما يهجعون بدل اشتمال من اسم كان والتقدير كان ~~هجوعهم من الليل قليلا ويرد عليه أن من الليل متعلق بيهجعون ومعمول المصدر ~~لا يتقدم عليه وأجيب عنه أنه منصوب على التفسير ومعناه أن يقدر له فعل ~~محذوف ينصبه مفسره هذا المذكور وقليلا خبر كان وتم الكلام بذلك والمعنى ~~كانوا صنفا أو جنسا قليلا ثم قال @QB@ من الليل ما يهجعون @QE@ وأصحاب هذا ~~القول يجعلون ما نافية فيعود الكلام إلى نفي هجوعهم شيئا من الليل وقد تقدم ~~ما فيه # ثم أخبر عنهم بأنهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السحر ~~فختموا صلاتهم بالاستغفار والتوبة فباتوا لربهم سجدا وقياما ثم تابوا إليه ~~واستغفروه عقيب ذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته استغفر ~~ثلاثا وأمره الله سبحانه أن يختم عمره بالاستغفار وأمر عباده أن يختموا ~~إفاضتهم من عرفات بالاستغفار وشرع صلى الله عليه وسلم للمتوضئ أن يختم ~~وضوءه بالتوبة فأحسن ما ختمت به الأعمال التوبة والاستغفار PageV01P184 @ # ثم أخبر سبحانه عن إحسانهم إلى الخلق مع إخلاصهم لربهم فجمع لهم بين ~~الإخلاص والإحسان ضد ms177 @QB@ الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون @QE@ وأكد ~~إخلاصهم في هذا الإحسان بأن مصرفه للسائل والمحروم الذي لا يقصد بإعطائه ~~الجزاء منه ولا الشكور والمحروم المتعفف الذي لا يسأل # وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه حرمه بقضائه وشرع لأصحاب الجدة إعطاءه وهو ~~أغنى الأغنياء وأجود الأجودين فلم يجمع عليه بين الحرمان بالقدر وبالشرع ~~شرع عطاءه بأمره وحرمه بقدره فلم يجمع عليه حرمانين # | فصل # ثم ذكرهم سبحانه بآياته الأفقية والنفسية فقال @QB@ وفي الأرض آيات ~~للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ فآيات الأرض أنواع كثيرة منها خلقها ~~وحدوثها بعد عدمها وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد فإنها ~~شواهد قائمة بها ومنها بروز هذا الجانب فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة ~~أن يكون مغمورا به ومنها سعتها وكبر خلقها ومنها تسطيحها كما قال تعالى ~~@QB@ وإلى الأرض كيف سطحت @QE@ ولا ينافي ذلك كونها كرية فهي كرة في ~~الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان ومنها أنه جعلها فراشا لتكون مقر ~~الحيوان ومساكنه وجعلها قرارا وجعلها مهادا ذلولا توطأ بالأقدام وتضرب ~~بالمعاول والفئوس وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد ~~العبد منها وجعلها بساطا وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها وللأموات ~~تضمهم في بطنها وطحاها فمدها وبسطها ووسعها ودحاها فهيأها لما يراد منها ~~بأن أخرج منها ماءها ومرعاها وشق فيها الأنهار وجعل فيها السهل والفجاج ~~ونبه بجعلها مهادا وفراشا على حكمته في جعلها ساكنة وذلك آية اخرى إذ لا ~~دعامة تحتها تمسكها ولا علاقة فوقها ولكنها لما كانت على وجه الماء كانت ~~تكفأ فيه تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع ~~عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام وجعلها ذلولا على ~~الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد فيمتنع حفرها وشقها ~~والبناء PageV01P185 @ فيها والغرسى والزرع وبعث النوم عليها والمشي فيها ~~ونبه بكونها قرارا على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة ~~والدماثة فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة بل ~~جعلها ms178 بين الصلابة والدماثة وأشرف الجواهر عند الإنسان الذهب والفضة ~~والياقوت والزمرد فلو كانت الأرض من هذه الجواهر لفاتت مصالح العباد ~~والحيوان منها وتعطلت المنافع المقصودة منها وبهذا يعلم أن جواهر التراب ~~أشرف من هذه الجواهر وأنفع وأبرك وإن كانت تلك أعلى وأعز فغلاؤها وعزتها ~~لقاتها وإلا فالتراب أنفع منها وأبرك وأنفس وكذلك لم يجعلها شفافة فان ~~الجسم الشفاف لا يستقر عليه النور وما كان كذلك لم يقبل السخونة فيبقى في ~~غاية البرد فلا يستقر عليه الحيوان ولا يتأتى فيه النبات وكذلك لم يجعلها ~~صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس كما يشاهد من ~~احتراق القطن ونحوه عند انعكاس شعاع الجسم الصقيل الشفاف فاقتضت حكمته ~~سبحانه أن جعلها كثيفة غبراء فصلحت أن تكون مستقرا للحيوان والأنام والنبات # ولما كان الحيوان الهوائي لا يمكنه أن يعيش في الماء كالحيوان المائي ~~أبرز له جانبها كما تقدم وجعله على أوفق الهيئات لمصالحه وأنشا منها طعامه ~~وقوته وكذلك خلق منها النوع الإنساني وأعاده إليها ويخرجه منها # | فصل # ومن آياتها إن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنها قطع ~~متجاورات متلاصقة فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها وهذه طيبة تنبت ~~وتلاصقها أرض لا تنبت وهذه تربة وتلاصقها رمال وهذه صلبة ويلاصقها ويليها ~~رخوة وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء وهذه حصى كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها ~~حجر وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره وهذه سبخة ~~مالحة وهذه بضدها وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال وهذه لا ~~تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنهار ~~فيمطر الله سبحانه الماء على الأرض البعيدة وهذه لا ينفعها المطر ويسوق ~~الماء إليها على وجه الأرض PageV01P186 @ # فلو سألتها من نوعها هذه التنوع ومن فرق أجزاءها هذا التفريق ومن خصص كل ~~قطعة منها بما خصها به ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منها ~~الماء والمرعى ومن أمسكها عن الزوال ومن بارك ms179 فيها وقدر فيها أقواتها وأنشأ ~~منها حيوانها ونباتها ومن وضع فيها معادنها وجواهرها ومنافعها ومن هيأها ~~مسكنا ومستقرا للأنام ومن يبدأ الخلق منها ثم يعيده إليها ثم يخرجه منها ~~ومن جعلها ذلولا غير مستصعبة ولا ممتنعة ومن وطأ مناكبها وذلل مسالكها ووسع ~~مخارجها وشق أنهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها ومن صدعها عن النبات وأودع ~~فيها جميع الأقوات ومن بسطها وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما ~~عليها زينة لها ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتزلزل فيسقط ما عليها من بناء ~~ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور ومن الذي أنشأ منها النوع الإنساني ~~الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات بل أنشأ منها آدم ونوحا وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وأنشأ منها أولياءه ~~وأحباءه وعباده الصالحين ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه ~~والأرزاق والمعادن والحيوان ومن جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا القدر من ~~المسافة فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت ~~المنفعة الواصلة إلى الحيوان والنبات بسبب ذلك ولو زادت في القرب لاشتدت ~~الحرارة والسخونة كما نشاهده في الصيف فاحترقت أبدان الحيوان والنبات ~~وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم ومن الذي جعل فيها ~~الجنات والحدائق والعيون ومن الذي جعل باطنها بيوتا للأموات وظاهرها بيوتا ~~للأحياء ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل ~~عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الحبل فإذا كان وقت الولادة مخضت ~~للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج # فسبحان من جعل السماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منه ~~الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه ~~وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن ~~الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين ساق من فوقها وهو الشجرة ~~وساق من تحتها وهو العرق ثم عظم ذلك الولد PageV01P187 @ حتى لم يبق لأبيه ~~نسبة إليه ثم وضع من الأولاد ms180 بعد أبيه آلافا مؤلفة كل ذلك صنع الرب الحكيم ~~في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها ~~الله سبحانه في هذه الأم # فيا لها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات كماله ~~وأفعاله وعلى صدق رسله فيما أخبروا به عنه بإخراج من في القبور ليوم البعث ~~والنشور # فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى ~~بعض وانفصال بعضها عن بعض وتأثيره فيه وتأثره به بحيث لا يمكنه إلا الاتباع ~~من التأثر والانفعال ولا يستقل الآخر بالتأثير ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك ~~أظهر دلالة على أنها مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة حادثة بعد عدمها فقيرة إلى ~~موجد غنى عنها مؤثر غير متأثر قديم غير حادث تنقاد المخلوقات كلها لقدرته ~~وتجيب داعي مشيئته وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته وتشهد بعلمه وحكمته وتدعو ~~عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وعبوديته ومحبته وتحذرهم من بأسه ونقمته ~~وتحثهم على المبادرة إلى رضوانه وجنته # فانظر إلى الماء والأرض كيف لما أراد الرب تعالى امتزاجهما وازدواجهما ~~أنشأ الرياح فحركت الماء وساقته إلى أن قذفته في عمق الأرض ثم أنشأ لها ~~حرارة لطيفة سماوية وحصل بها الانبات ثم أنشأ لها حرارة أخرى أقوى منها حصل ~~بها الانفتاح وكانت حالته الأولى تضعف عن الحرارة الثانية فادخرت إلى وقت ~~قوته وصلابته فحرارة الربيع للاخراج وحرارة الصيف للإنضاج هذا وإن الأم ~~واحدة والأب واحد واللقاح واحد والاولاد في غاية التباين والتنوع كما قال ~~تعالى @QB@ وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير ~~صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون @QE@ # فهذا بعض آيات الأرض ومن الآيات التي فيها وقائعه سبحانه التي أوقعها ~~بالأمم المكذبين لرسلهم المخالفين لأمره وأبقى آثارهم دالة عليهم كما قال ~~تعالى @QB@ وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم @QE@ وقال في قوم لوط ~~PageV01P188 @ @QB@ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون @QE@ ~~وقال @QB@ فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم ms181 حجارة ~~من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم @QE@ أي بطريق ثابت ~~لا يزول عن حاله وقال @QB@ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم ~~وإنهما لبإمام مبين @QE@ أي ديار هاتين الأمتين لبطريق واضح يمر به ~~السالكون وقال تعالى @QB@ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم ~~كيف فعلنا بهم @QE@ وقال عن قوم عاد @QB@ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم @QE@ ~~وقال 32 : 26 @QB@ أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في ~~مساكنهم @QE@ فأي دلالة أعظم من رجل يخرج وحده لا عدة له ولا عدد ولا مال ~~فيدعوا الأمة العظيمة إلى توحيد الله والإيمان به وطاعته ويحذرهم من بأسه ~~ونقمته فتتفق كلمتهم أو أكثرهم على تكذيبه ومعاداته فيذكرهم أنواع العقوبات ~~الخارجة عن قدرة البشر فيغرق المكذبين كلهم تارة ويخسف بغيرهم الأرض تارة ~~ويهلك آخرين بالريح وأخرين بالصيحة وآخرين بالمسخ وآخرين بالصواعق وآخرين ~~بأنواع العقوبات وينجو داعيهم ومن معه والهالكون أضعاف أضعاف أضعافهم عددا ~~وقوة ومنعة وأموالا # ( ? < فيالك من آيات حق لو اهتدى % بهن مريد الحق كن هواديا > ? # ( ولكن على تلك القلوب أكنة % فليست وإن أصغت تجيب المناديا ) # فهلا امتنعوا إن كانوا على الحق وهم أكثرهم عددا وأقوى شوكة بقوتهم ~~وعددهم من بأسه وسلطانه وهلا اعتصموا من عقوبته كما اعتصم من هو أضعف منهم ~~من أتباع الرسل # ومن الآيات التي في الأرض مما يحدثه الله فيها كل وقت ما يصدق به رسله ~~فيما أخبرت به فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم وأدلة نبوتهم يحدثها الله ~~سبحانه وتعالى في الأرض إقامة للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت ~~عصر الرسل حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره كما قال ~~@QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ وهذه ~~الارادة لا تختص بقرن دون قرن بل لا بد أن يرى الله سبحانه أهل كل ~~PageV01P189 @ قرن من الآيات ما يبين لهم أنه الله الذي لا إله إلا هو وأن ~~رسله صادقون وآيات الأرض ms182 أعظم مما ذكر وأكثر فنبه باليسير منها على الكثير # | فصل # ثم قال @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ لما كان أقرب الأشياء إلى ~~الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر ~~والتفكر في نفسه فإذا تفكر الإنسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت ~~له أنوار اليقين واضمحلت عنه غمرات الشك والريب وانقشعت عنه ظلمات الجهل ~~فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات وأدلة التوحيد على ربه ~~ناطقات شاهدة لمدبره دالة عليه مرشدة إليه إذا يجده مكونا من قطرة ماء ~~لحوما منضدة وعظاما مركبة وأوصالا متعددة مأسورة مشددة بحبال العروق ~~والأعصاب قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلا ما ~~بين كبير وصغير وثخين ودقيق ومستطيل ومستدير ومستقيم ومنحن وشدت هذه ~~الأوصال بثلاثمائة وستين عرقا للاتصال والانفصال والقبض والبسط والمد والضم ~~والصنائع والكتابة # وجعل فيه تسعة أبواب فبابان للسمع وبابان للبصر وبابان للشم وبابان ~~للكلام والطعام والشراب والتنفس وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها # وجعل داخل بابي السمع مرا قاتلا لئلا تلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ ~~فتؤذيه وجعل داخل بابي البصر مالحا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من ~~الشحم وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوا ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا ~~يتنغص به لو كان مرا أو مالحا # وجعل له مصباحين من نور كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منه وفي أشرف ~~عضو من أعضائه طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدا يبصر به السماء ~~والأرض وما بينهما وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض حماية له ~~وصيانة وحراسة وجعل على محله غلقا بمصراعين أعلا وأسفل وركب في ذيل ~~المصراعين أهدابا من الشعر وقاية للعين وزينة PageV01P190 @ وجمالا وجعل ~~فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنها ~~ما ينصب من هناك وجعل سبحانه لكل طبقة من طبقات العين شغلا مخصوصا ولكل ~~واحد من الرطوبات مقدارا مخصوصا لو زاد على ذلك أو نقص منه ms183 لاختلت المنافع ~~والمصالح المطلوبة وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة ثم أظهر في تلك ~~العدسة صورة السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والعالم العلوي ~~والسفلي مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره واقتضت حكمته سبحانه أن جعل فيها ~~بياضا وسوادا وجعل القوة الباصرة في السواد وجعل البياض مستقرا لها ومسكنا ~~وزين كلا منهما بالآخر وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم ~~والحواجب بالأهداب وجعلها سوداء إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر فضعف ~~الإدراك فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر وخلق سبحانه ~~لتحريك الحدقة وتقليبها أربعا وعشرين عضلة لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر ~~العين # ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية ~~الصقالة والصفاء جعل سبحانه هذه الأجفان متحركة جدا بالطبع إلى الانطباق من ~~غير تكلف لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات ولهذا لما لم يخلق ~~لعين الذبابة أجفانا فانها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار ~~والكدورات # | فصل # وكما جعل سبحانه العينين مؤديتين للقلب ما يريانه فيوصلانه إليه كما ~~ترياه جعلهما مرآتين للقلب يظهر فيهما ما هو مودع فيه من الحب والبغض الخير ~~والشر والبلادة والفطنة الزيغ والاستقامة فيستدل بأحوال العين على أحوال ~~القلب وهو أحد أنواع الفراسة الثلاثة وهي فراسة العين وفراسة الأذن وفراسة ~~القلب فالعين مرآة للقلب وطليعة ورسول ومن عجيب أمرها أنها من ألطف الأعضاء ~~وأبعدها تأثرا بالحر والبرد على أن الاذن على صلابتها وغلظها PageV01P191 @ ~~لتتأثر بهما أكثر من تأثر العين على لطافتها وليس ذلك بسبب الغطاء الذي ~~عليها من الأجفان فإنها لو كانت منفتحة لم تتأثر بذلك تأثر الأعضاء اللطيفة # | فصل # ومن ذلك الأذنان شقهما تبارك وتعالى في جانبي الوجه وأودعهما من الرطوبة ~~ما يكون معينا على إدراك السمع وأودعهما القوة السمعية وجعل سبحانه في هذه ~~الصدقة انحرافات واعوجاجات لتطول المسافة قليلا فلا يصل الهواء إلا بعد ~~انكسار حدته فلا يصدمها وهلة واحدة فيؤذيها وأيضا لئلا يفجأها الداخل إليها ~~من الدبيب والحشرات بل ms184 إذا دخل إلى عوجة من تلك الانعطافات وقف هناك فسهل ~~إخراجه # وكانت العينان في وسط الوجه والاذنان في جانبيه لأن العينين محل الملاحة ~~والزينة والجمال وهما بمنزلة النور الذي يمشي بين يدي الإنسان وأما الأذنان ~~فكان جعلهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان وأمامه وعن يمينه ~~وعن شماله سواء فتأتي المسموعات إليهما على نسبة واحدة وخلقت العينان بغطاء ~~والأذنان بغير غطاء وهذا في غاية الحكمة إذ لو كان للأذنين غطاء لمنع ~~الغطاء إدراك الصوت فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء والصوت عرض لا ثبات له ~~فكان يزول قبل كشف الغطاء بخلاف ما ترا العين فإنه أجسام وأعراض لا تزول ~~فيما بين كشف الغطاء وفتح العين وجعل سبحانه الأذن عضوا غضروفيا ليس بلحم ~~مسترخ ولا عظم صلب بل هي بين الصلابة واللين فتقبل بلينها وتحفظ بصلابتها ~~ولا تنصدع انصداع العظام ولا تتأثر بالحر والبرد والشمس والسموم تأثر اللحم ~~إذ المصلحة في بروزها لتتلقى ما يرد عليها من الأصوات والأخبار # | فصل # ومن ذلك الأنف نصبه سبحانه في وسط الوجه قائما معتدلا في أحسن شكل وأوفقه ~~للمنفعة وأودعه حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها PageV01P192 @ ~~وكيفياتها ومنافعها ومضارها ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها ~~وأيضا فإنه يستنشق بالتخزين الهواء الباردالرطب فيؤديه إلى القلب فيتروح به ~~فيستغني بذلك عن فتح الفم أبدا وجعل تجويفه بقدر الحاجة فلم يوسعه عن ذلك ~~فيدخله هواء كثير ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه وجعل ذلك التجويف ~~مستطيلا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده وحدته قبل أن يصل إلى الدماغ فلولا ~~ذلك لصدمه بحدته وقوته # والهواء الذي يستنشقه الأنف ينقسم شطرين شطرا يصعد إلى الدماغ وشطرا ينزل ~~إلى الرئة وهو من آلات النطق فإن له إعانة على تقطيع الحروف وكما أن تجويفه ~~جعل لاستنشاق الهواء فإنه جعل مصبا لفضلات الدماغ تنحدر منه في تلك القصبة ~~فيخرج فيستريح الدماغ ولذلك جعل عليها سترا ولم يجعلها بارزة فتستقبحها ~~العيون وجعل فيها تجويفا فإنه قد ينسد أحدهما أو يعرض ms185 له آفة تمنعه من ~~الإدراك والاستنشاق فيبقى التجويف الثاني نائبا عنه يعمل عمله كما اقتضت ~~الحكمة مثل ذلك في العينين # ثم تأمل الهواء الذي يستنشقه الأنف كيف يدخله أولا من المنخرين وينكسر ~~برده هناك ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك ثم يصل إلى الرئة ألطف ما ~~يكون ثم تبعثه الرئة إلى القلب فيروح عن الحرارة الغريزية التي فيه ثم ينفذ ~~من القلب إلى العروق المتحركة ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن ثم إذا سخن في ~~الباطن وخرج عن حد الانتفاع خرج عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم ~~إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين خارجا فيخرج منهما ويعود عوضه هواء بارد نافع ~~والنفس الواحد من أنفاس العبد إنما يتم بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال ~~وهو له في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس لله في كل نفس عدة نعم قد ~~وقفت على القليل منها فما ظنك بما وراء التنفس من الأعضاء والقوى ومنافعها ~~وتمام النعمة بها # | فصل # وأما الفم فمحل العجائب وباب الطعام والشراب والنفس والكلام ومسكن اللسان ~~الناطق الذي هو آلة العلوم وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنه PageV01P193 @ # ولما كان القلب ملك البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا دخل الهواء ~~البارد وصل إليه فاعتدلت حرارته وبقي هنالك ساعة فسخن واحترق فاحتاج القلب ~~إلى دفعه وإخراجه فجعل أحكم الحاكمين إخراجه سببا لحدوث الصوت في الحنجرة ~~والحنك واللسان والشفتين والأسنان مقاطع ومخارج مختلفة وبسبب اختلافها ~~تميزت الحروف بعضها عن بعض ثم ألهم العبد تركيب تلك الحروف ليؤدي بها عن ~~القلب ما يأمر به # فتأمل الحكمة الباهرة حيث لم يضع سبحانه ذلك النفس المستغنى عنه المحتاج ~~إلى دفعه وإخراجه بل جعل فيه إذا استغنى عنه منفعة ومصلحة هي من أكمل ~~المنافع والمصالح فإن المقصود الأصلي من النفس هو اتصال الريح البارد إلى ~~القلب فأما إخراج النفس فهو جار مجرى دفع الفضلة الفاسدة فصرف ذلك سبحانه ~~إلى رعاية مصلحة ومنفعة أخرى وجعله سببا للأصوات والحروف والكلام # ثم أنه سبحانه جعل الحناجر مختلفة الأشكال في ms186 الضيق والسعة والخشونة ~~والملاسة لتختلف الأصوات باختلافها فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان ~~وهذا من أظهر الأدلة فإن هذا الاختلاف الذي بين الصور والأصوات على كثرتها ~~وتعددها فقلما يشتبه صوتان أو صورتان ليس في الطبيعة ما يقتضيه وإنما هو ~~صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين ~~وأحسن الخالقين فميز سبحانه بين الأشخاص بما يدركه السمع والبصر # | فصل # وأودع اللسان من المنافع منفعة الكلام وهي أعظمها ومنفعة الذوق والإدراك ~~وجعله دليلا على اعتدال مزاج القلب وانحرافه كما جعله دليلا على استقامته ~~واعوجاجه فترى الطبيب يستدل بما يبدو البصر على اللسان من الخشونة والملاسة ~~والبياض والحمرة والتشقق وغيره على حال القلب والمزاج وهو دليل قوي على ~~أحوال المعدة والأمعاء كما يستدل السامع بما يبدو عليه من الكلام على ما في ~~القلب فيبدو عليه صحة القلب وفساده معنى وصورة PageV01P194 @ # | فصل # وجعل سبحانه اللسان عضوا لحميا لا عظم فيه ولا عصب لتسهل حركته ولهذا لا ~~تجد في الأعضاء من لا يكترث بكثرة الحركة سواه فإن أي عضو من الأعضاء إذا ~~حركته كما تحرك اللسان لم يطق ذلك ولم يلبث أن يكل ويخلد إلى السكون إلا ~~اللسان وأيضا فإنه من أعدل الأعضاء وألطفها وهو في الأعضاء بمنزلة رسول ~~الملك ونائبه فمزاجه من أعدل أمزجة البدن ويحتاج إلى قبض وبسط وحركة في ~~أقاصي الفم وجوانبه فلو كان فيه عظام لم يتهيأ منه ذلك ولم يتهيأ منه ~~الكلام التام ولا الذوق التام فكونه الله كما اقتضاه السبب الفاعلي والغائي ~~والله أعلم # | فصل # وجعل سبحانه على اللسان غلقين أحدهما الاسنان والثاني الفم وجعل حركته ~~اختيارية وجعل على العين غطاء واحدا ولم يجعل على الأذن غطاء وذلك لخطر ~~اللسان وشرفه وخطر حركاته وكونه في الفم بمنزلة القلب في الصدر وذلك من ~~اللطائف فإن آفة الكلام أكثر من آفة النظر وآفة النظر أكثر من آفة السمع ~~فجعل للأكثر آفات طبقين والمتوسط طبقا جعل الأقل آفة بلا طبق # | فصل # وجعل سبحانه الفم أكثر ms187 الأعضاء رطوبة والريق يتحلل إليه دائما لا يفارقه ~~وجعله حلوا لا مالحا كماء العين ولا مرا كالذي في الأذن ولا عفنا كالذي في ~~الأنف بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها حكمة بالغة فإن الطعام والشراب يخالطه ~~بل هو الذي يحيل الطعام ويمتزج به امتزاج العجين بالماء فلولا أنه حلو لما ~~التذ الإنسان بل ولا الحيوان بطعام ولا شراب ولا ساغه إلا على كره وتنغيص ~~ولما كان كثير من الطعام لا يمكن تحوله إلا بعد طبخه جعل الرب تعالى له آلة ~~للتقطيع والتفصيل وآلة للطحن فجعل آلة القطع وهي الثنايا وما PageV01P195 @ ~~يليها حادة الرؤس ليسهل بها القطع وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة ~~الرؤس عريضة ليتأتى بها الطحن ونظمها أحسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك ~~وجعلها من الجانب الأعلى والأسفل ليتأتى بها القطع والطحن وجعلها من الجانب ~~الأيمن والأيسر إذ ربما كلت إحدى الآلتين أو تعطلت أو عرض لها عارض فينتقل ~~إلى الآلة الأخرى وايضا لو كان العمل على جانب واحد دائما أو شك أن يتعطل ~~ويضعف # وتأمل كيف أنبتها سبحانه من نفس اللحم وتخرج من خلاله نابتة كما ينبت ~~الزرع في الأرض ولم يكسها سبحانه لحما كسائر العظام سواها إذ لو كساها ~~اللحم لتعطلت المنفعة المقصودة ولما كانت العظام محتاجة إلى لحم يكسوها ~~ويحفظها ويتلقى عنها الحرارة والبرد ويحفظ عليها رطوبتها لم تكمل مصلحة ~~الحيوان إلا بهذه الكسوة ولما كانت عظام الإنسان محتاجة إلى ذلك من وجه ~~مستغنية عنه من وجه جعلت كسوتها منفصلة عنها وجعلت هي المكتسبة العارية ~~لتمام المنفعة بذلك ولما كانت آلة القطع والكسر والطحن لم تنشأ مع الطفل من ~~أول نشأته كسائر عظامه لعدم الحاجة إليها عطل عنها وقت استغنائه عنها ~~بالرضاع وأعطيها وقت حاجته إليها وفيه حكمة أخرى وهي أنه لو نشأت معه من ~~حين يولد لأضرت بحلمة الثدي إذ لا عقل له يحرزه عن عضها فكانت الأم تمتنع ~~من إرضاعه # ومن عجيب أمرها الاتفاق والموالاة التي بينهما وبين المعدة فإنه يسلم ~~إليها إليها ms188 الشيء اليابس والصلب فتطحنه ثم تسلمه إلى اللسان فيعجبنه ثم ~~اللسان يسلمه إلى الحلق فيوصله إلى المعدة فتنضجه وتطبخه ثم يرسل إليها منه ~~معلومها المقدر لها فإذا عجزت عن قطع شيء وطحنه عجزت المعدة عن انضاجه ~~وطبخه وإذا كلت الأسنان كلت المعدة وإذا ضعفت ضعفت # وهي تصحب الإنسان وتخدمه ما لم يرها فإذا وقعت عينه عليها فارقته الأبد ~~وهي سلاح ومنشار وسكين وروح وزينة وفيها منافع ومصالح غير هذه PageV01P196 ~~@ # | فصل # ثم تأمل حال الشعر ومنبته وسببه فإن البدن لما كان حارا رطبا والحرارة ~~إذا عملت في الرطوبة فلا بد أن تثير بخارا وتلك الأبخرة تتصاعد من عمق ~~البدن إلى سطحه وتريد الانفصال من هناك فلا بد أن تحدث مساما ومنافذ في ~~ظاهر الجلد وتلك الأبخرة إما أن تكون رطبة لطيفة فحينئذ تنفصل من المسام ~~ولا تحدث شيئا وإما أن تكون دخانية يابسة غليظة فالجلد حينئذ إما أن يكون ~~في نهاية النعومة والنضارة كجلد الصبيان أو في غاية اليبس والقشف أو يكون ~~معتدلا فإذ ذاك لا يتولد فيه الشعر لأن البخار إذا شق سطح الجلد وانفصل عاد ~~الجلد في الحال إلى اتصاله الأول بسبب كثرة رطوبته ونعومته مثاله السمك إذا ~~رفع رأسه من الماء انشق له الماء فإذا عاد إلى الماء عاد الماء إلى اتصاله ~~الأول وكذلك نشاهد الأشياء الرطبة كالنشاء مثلا إذا أغلى فخرج البخار من ~~موضع الغليان عادت الرطوبة إلى الموضع الذي خرج منه ذلك البخار فسدته فإن ~~كان الجلد في غاية اليبس لم يتولد الشعر لأن الجلد اليابس إذا انثقب بقيت ~~تلك الثقب مفتوحة ليبس الجلد فيفرق أجزاءه البخار ولا يجتمع بعضه إلى بعض ~~فإن الجلد متوسط بين النعومة والكثافة فإنه ينفتح فيه المسام بسبب تلك ~~الأبخرة ولا يعود ينسد بعد خروج البخار ولكن لا تبقى المسام شديدة الانفتاح ~~وحينئذ يبقى ذلك البخار الدخاني في تلك الثقبة لا يزال يمده بخار آخر يدفعه ~~أولا فأولا إلى خارج من غير أن ينقطع أصله فيبقى بعضه مركوزا في الجلد ~~منزلته ms189 منزلة أصل النبات وبعضه يطلع إلى خارج منزلته منزلة ساق النبات ~~وكذلك الشعر فمادة الشعر هي البخار الدخاني اليابس وسببه هو الحرارة ~~الطبيعية المحرقة لذلك البخار والآلة التي بها يتم أمره هي المسام التي ~~ارتكن فيها البخار فتلبد هناك فصار شعرا بإذن الله تعالى # والغاية التي من أجلها وجد شيئان أحدهما عام وهو تنقية البدن من الفضول ~~الدخانية الغليظة والآخر خاص وهو إما للزينة وإما للوقاية # وإذا بان أن الشعر إنما يتولد مع الحرارة واليبس المعتدل بقيت ثلاثة ~~أقسام أحدها حرارة غالبة على اليبس كالصبيان الثاني عكسه وهو يبس غالب على ~~PageV01P197 @ الحرارة كالمشائخ الثالث حرارة ضعيفة ويبس ضعيف كأبدان ~~النساء ففي هذه الأقسام يقل الشعر وأما الشباب فإن حرارة أبدانهم ويبسهم ~~معتدل فيقوى تولد الشعر فيهم # وفي شعر الرأس منافع ومصالح منها وقايته عن الحر والبرد والمرض ومنها ~~الزينة والحسن # والسبب الذي صار به شعر الرأس أكثر من شعر البدن هو أن البخار شأنه أن ~~يصعد من جميع البدن إلى الدماغ ومن الدماغ إلى فوق وكان هذا الشعر ناميا ~~على الدوام لأن البخار يتصاعد إلى الرأس أبدا وهو مادة الشعر فبنماء الشعر ~~ينمو البخار وكان فيه تخليص للبدن من تلك المواد وتكثير لوقايته وغطائه # | فصل # وأما شعر الحاجبين ففيه مع الحسن والزينة والجمال وقاية العين مما ينحدر ~~من الرأس وجعل على هذا المقدار لأنه لو نقص عنه لزالت منفعة الجمال ~~والوقاية ولو زاد عليه لغطى العين وأضر بها وحال بينها وبين ما تدركه وقد ~~ذكرنا منفعة شعر الهدب # ولما كان الأنفع والأصلح أن يكون شعر الهدب قاتما منتصبا وأن يكون باقيا ~~على حال واحد في مقدار واحد جعل منبت هذا الشعر في جرم صلب شبيه بالغضروف ~~يمتد في طول الجفن لئلا يطول وينمو وهذا كما نشاهد النبات الذي ينبت في ~~الأرض الرخوة اللينة فإنه يطول ويزداد والذي ينبت في الأرض الصخرية الصلبة ~~لا ينمو إلا نموا يسيرا فكذلك الشعر النابت في الاعضاء اللينة الرطبة فانه ~~سريع النمو كشعر الرأس والعانة ms190 # | فصل # وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة والوقار والهيبة ولهذا لا يرى ~~على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى ومنها التمييز ~~بين الرجال والنساء PageV01P198 @ # فإن قيل لو كان شعر اللحية زينة لكان النساء أولى به من الرجال لحاجتهن ~~إلى الزينة وكان التمييز يحصل بخلو الرجال منه ولكان أهل الجنة أولى به وقد ~~ثبت أنهم جرد مرد # قيل الجواب أن النساء لما كن محل الاستمتاع والتقبيل كان الأحسن والأولى ~~خلوهن عن اللحى فإن محل الاستمتاع إذا خلا عن الشعر كان أتم ولهذا المعنى ~~والله أعلم كان أهل الجنة مردا ليكمل استمتاع نسائهم بهم كما يكمل ~~استمتاعهم بهن وأيضا فإنه أكشف لمحاسن الوجوه فإن الشعر يستر ما تحته من ~~البشرة أن يمس بشرة المرأة والله أعلم بحكمته في خلقه # | فصل # وأما شعر العانة والابط والأنف فمنفعته تنقية البدن من الفضلة ولهذا إذا ~~أزيل من هذا الموضع وجد البدن خفة ونشاطا وإذا وفر وجد ثقلا وكسلا وغما ~~ولهذا جاءت الشريعة بحلق العانة ونتف الإبط وكان حلق العانة أولى من نتفها ~~لصلابة الشعر وتأذي صاحبها بنتفه وكان نتف الإبط أولى من حلقه لضعف الشعر ~~هناك وشدته وتعجل نباته بالحلق فجاءت الشريعة بالانفع في هذا وهذا # | فصل # وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه أخلى الكفين والجبهة والأخمصين من الشعر ~~فإن الكفين خلقا حاكمين على الملموسات فلو حصل الشعر فيها لأخل بذلك وخلقا ~~للقبض وإلصاق اللحم على المقبوض أعون على جودته من التصاف الشعر به وأيضا ~~فإنهما آلة الأخذ والعطاء والأكل ووجود الشعر فيهما يخل بتمام هذه المنفعة # وأما الأخمصان فلو نبت الشعر فيهما لأضر بالماشي وأعاقه في المشي كثيرا ~~مما يعلق بشعره مما على الأرض ويتعلق شعره بما عليها أيضا هذا مع أن أكثر ~~PageV01P199 @ الأوتار والأغشية في الكفين مانع من نفوذ الأبخرة فيها وأما ~~الأخمصين فإن الأبخرة تتصاعد إلى علو وكلما تصاعد كان الشعر أكثر وأيضا فإن ~~كثرة وطء الأرض بالأخمصين يصلبهما ويجعل سطحهما أملس لا ينبت شيئا كما أن ms191 ~~الأرض التي توطأ كثيرا لا تنبت شيئا # وأما الجبهة فلو بنت الشعر عليها لستر محاسنها وأظلم الوجه وتدلى على ~~العين وكان يحتاج إلى حلقه دائما ومنع العينين من كمال الإدراك والسبب ~~المؤدي لذلك أن الذي تحت عظم الجبهة هو مقدم الدماغ وهو بارد رطب والبخار ~~لا يتحرك منحرفا إلى الجبهة بل صاعدا إلى فوق # فإن قيل لم نبت شعر الصبي على رأسه وحاجبيه وأجفانه معه من الصغر دون ~~سائر الشعور # قيل لشدة الحاجة إلى هذه الشعور الثلاثة أوجدها الله سبحانه معه وهو جنين ~~في بطن أمه فإن شعر الرأس كالغطاء الواقي له من الآفات والاهداب والاجفان ~~وقاية للعين # فإن قيل فلم لم تنبت له اللحية إلا بعد بلوغه # قيل لأنه عند البلوغ تجتمع الحرارة في بدنه وتكون أقوى ما هي ولهذا يعرض ~~له في مثل هذا الطور البثرات والدمامل وكثرة الاحتلام وإذا كثرت الحرارة ~~كثرة الأبخرة بسبب التحلل وزادت على القدر المحتاج إليه في شعر الرأس ~~فصرفها أحكم الحاكمين إلى نبات اللحية والعانة وأيضا فإن بين أوعية المني ~~وبين اللحية ارتباط إذ العروق والمجاري متصلة بينهما فإذا تعطلت أوعية ~~المني ويبست تعطل شعر اللحية وإذا قلت الرطوبة والحرارة هناك قل شعر اللحية ~~ولهذا فإن الخصيان لا ينبت لهم لحى # فإن قيل فما العلة في الكوسج قيل برد مزاجه ونقصان حرارته # فإن قيل فما السبب في الصلع قيل عدم احتباس الابخرة في موضع الصلع # فإن قيل فلم كان في مقدم الرأس دون جوانبه ومؤخره قيل لأن الجزء المقدم ~~من الرأس بسبب رطوبة الدماغ يكون أكثر لينا وتحللا فتتحلل PageV01P200 @ ~~الفضلات التي يكون منها الشعر فلا يبقى للشعر مادة هناك # فإن قيل فلم لم يحدث في الاصداغ قيل إن الرطوبة في الاسافل أكثر منها في ~~الأعالي وشاهده الأرض العالية والمنخفضة # فإن قيل فلم لم تصلع المرأة إلا نادرا وكان الصلع في الرجال أكثر قيل لأن ~~الأصل أنه يحدث من يبس في الجلد بمنزلة احتراقه ذلك لقوة الحرارة وأما ~~النساء فالرطوبة والبرودة أغلب عليهن ms192 ولهذا فإن جلودهن أرطب من جلود الرجال ~~فلا تجف جلود رؤوسهن فلا يعرض لهن الصلح ولهذا لا يعرض للصبيان وإن عرض ~~للمرأة صلع فذلك في سن يبسها وبلوغها من الكبر عتيا # فإن قيل فما السبب في شدة سواد الشعر قيل شدة البخارات الخارجة من البدن ~~واعتدالها وصحة مادتها كخضرة الزرع # فإن قيل ما سبب الصهوبة قيل برد المزاج فتضعف الحرارة عن صبغ الشعر ~~وتسويده # فإن قيل فما سبب الشقرة والحمرة قيل زيادة الحرارة فتصبغ الشعر ولهذا تجد ~~الشقر أشد حرارة وأكثر حركة وهمة # فإن قيل فما سبب البياض قيل البياض نوعان أحدهما طبيعي وهو الشيب والثاني ~~خارج عن الطبيعة وهو ما يوجد في أواخر الأمراض المجففة بسبب تحلل الرطوبات ~~كما يعرض للنبات عند الجفاف # فإن قيل فما سبب الطبيعي قيل اختلف في ذلك فقالت طائفة سببه الاستحالة ~~إلى لون البلغم بسبب ضعف الحرارة في أبدان الشيوخ وقالت طائفة سببه أن ~~الغذاء الصائر إلى الشعر يصير باردا بسبب نقصان الحرارة ويكون بطيء الحركة ~~مدة نفوذه إلى المسام وجمعت طائفة بين القولين وقالوا العلة في الأمرين ~~واحدة وسببها نقصان الحرارة # فإن قيل فلم اختص الشيب بالإنسان من بين سائر الحيوان قيل لأن لحم ~~الإنسان وجلده رخوين وجلود الحيوانات ولحومها أقوى وأصلب فلما غلظت مادة ~~الشعر فيها لم يعرض له ما يعرض لشعر الإنسان ولهذا يكون شعرها كلها معها من ~~حين ولادتها بخلاف الإنسان وأيضا فإن لإنسان PageV01P201 @ المركبة ~~المتنوعة وكذا المشارب ويتناول أكثر من حاجته فتجتمع فيه فضلات كثيرة ~~فتدفعها الطبيعة إلى ظاهر البدن فما دامت الحرارة قوية فإنه تقوى على إحراق ~~تلك الفضلات فيتولد من إحراقها الشعر الأسود فإذا بلغ الشيخوخة ضعفت ~~الحرارة وعجزت عن إحراق تلك الفضلات فتعمل فيها عملا ضعيفا وأما سائر ~~الحيوانات فلا تتناول الاغذية المركبة وتتناول منها على قدر الحاجة فلا ~~يشيب شعرها كما يشيب شعر الإنسان وأيضا فإن في زمن الشيخوخة يكون أقل حرارة ~~وأكثر رطوبة فيتولد البلغم وأما الحيوانات فاليبس غالب عليها # فإن قيل فلم كان ms193 شيب الاصداغ في الاكثر مقدما على غيره قيل لقرب هذا ~~الموضع من مقدم الدماغ والرطوبة في مقدم الدماغ كثيرة لأن الموضع مفصل ~~والمفصل تجتمع فيه الفضلة الكثيرة فيكثر البرد هناك فيسرع الشيب # فإن قيل فلم أسرع الشيب في شعور في شعور الخصيان والنساء قيل أما النساء ~~فلبرد مزاجهن في الاصل ولاجتماع الفضلات الكثيرة فيهن وأما الخصيان فلتوافر ~~المني على أبدانهم يصير دمهم غليظا بلغميا ولهذا لا يحدث الصلع # فإن قيل فلم كان شعر الإبط لا يبيض قيل لقوة حرارة هذا الموضع بسبب قربة ~~من القلب ومسامه كثيرة بلغمية لانها تتحلل بالعرق الدائم # فإن قيل فلم أبطأ بياض شعر العانة قيل لأن حركة الجماع تحلل البلغم الذي ~~في مسامه # فإن قيل فلم كانت الحيوانات تتبدل شعورها كل سنة بخلاف الإنسان قيل لضعف ~~شعورها عن الدوام والبقاء بخلاف شعر الآدمي # فإن قيل فما سبب الجعودة والسبوطة قيل أما الجعودة فمن شدة الحرارة أو من ~~التواء المسام فالذي من شدة الحرارة فإنه تعرض منه الجعودة كما تعرض الشعر ~~عند عرضه على النار وأما الذي لالتواء المسام فلأن البخار لضعفه لا يقدر أن ~~ينفذ على الاستقامة فيلتوي في المنافذ فتحدث الجعودة # فإن قيل فما السبب في طول شعر الميت وأظفاره بعد موته إذا بقي مدة قيل ~~عنه جوابان أحدهما أنها لا تطول ولكن لما ينقص ما حولها يظن PageV01P202 @ ~~أنها زادت الثاني وهو أصوب أن ذلك الطول من الفضلات البخارية التي تتحلل ~~وهلة من الميت فيمتد معها الشعر والظفر # فإن قيل فلم كان المريض وخاصة المحموم ينقص لحمه ويزيد شعره قيل إن في ~~المرض تكثر الفضلات فتطول الشعور والأظفار بها ويثقل الغذاء فيذوب اللجم ~~وأما في الصحة فتقل الفضلات فلا تحتاج الطبيعة إلى الغذاء وهضمها له وإذا ~~قلت الفضلات نفدت مادة الشعر فيبطئ # فإن قيل فما العلة في انتصاب شعر الخائف والمقرور حتى يبقى كشعر القنفذ ~~قيل العلة فيه أن الجلد ينقبض وتجتمع المسام على الشعر وتتضايق عليه فينتصب # فإن قيل فلم انتصب شعر البدن ms194 واللحية واللحيين # فإن قيل فلم كانت كثرة الجماع تزيد في شعر اللحية والجسد وتنقص من شعر ~~الرأس والأجفان قيل لأن الشعر فيه ما يكون طبيعيا من أول الخلقة كاللحية ~~وسائر شعر البدن والأول يكون من قوة الحرارة الأصلية والثاني من قوة ~~الحرارة الخارجية فلا جرم نقصت بسببه الشعور الأصلية وتوفرت العرضية # فإن قيل فلم كان الشعر في الإنسان في الجزء المقدم أكثر منه في المؤخر ~~وباقي الحيوانات بالعكس قيل لأن الشعر إنما يكون حيث تكون الحرارة قوية ~~ويكون تحلل الجلد أكثر وهذا في الإنسان في ناحية الصدر والبطن وأما جلدة ~~الظهر فمتكاثفة وأما ذوات الأربع ففي الخلف شعورها أكثر لأن البخار فيها ~~يرقى إلى الخلف وأن تلك المواضع هي التي تتلقى الحر والبرز فتحتاج إلى وقاء ~~أكثر # فإن قيل فلم كان الرأس بالشعر أحق الأعضاء ونباته أكثر قيل لأن البخار ~~يتصاعد ويطلب جهة الفوق وهو الرأس PageV01P203 @ # ولا تستطل هذا الفصل فإن أمر الشعر من السمات والفضلات وهذا شأنه فما ~~الظن بغيره من الأجزاء الأصلية فإذا كانت هذه قليلة من كثير من حكمة الرب ~~تعالى في الشعور ومواضعها ومنافعها فكيف بحكمته في الرأس والقلب والكبد ~~والصدر وغيرها ولا تضجر من ذلك فإن الخلق فيه من الفقه والحكم نظير ما في ~~الأمر فالرب تعالى حكيم في خلقه وأمره ويحب من يفقه عنه ذلك ويستدل على ~~كمال حكمته وعلمه ولطفه وتدبيره فإذا كان الله لم يضع هذه الفضلات في ~~الإنسان سدى فما الظن بغيرها # | فصل # ونحن نذكر فصلا مختصرا في حال الإنسان من مبدئه إلى نهايته لنجعله مرآة ~~له ينظر فيها قول خالقه وبارئه @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ # لما اقتضى كمال الرب تعالى جل جلاله وقدرته التامة وعلمه المحيط ومشيئته ~~النافذة وحكمته البالغة تنويع خلقه من المواد المتباينة وأنشأهم من الصور ~~المختلفة والتباين العظيم بينهم في المواد والصور والصفات والهيئات ~~والاشكال والطبائع والقوى اقتضت حكمته أن أخذ من الأرض قبضة من التراب ثم ~~ألقى عليها الماء فصارت مثل الحمأ المسنون ثم أرسل عليها ms195 الريح فجففها حتى ~~صارت صلصالا كالفخار ثم قدر لها الأعضاء والمنافذ والأوصال والرطوبات ~~وصورها فأبدع في تصويرها وأظهرها في أحسن الاشكال وفصلها أحسن تفصيل مع ~~اتصال أجزائها وهيأ كل جزء منها لما يراد منه وقدره لما خلق له عن أبلغ ~~الوجوه ففصلها في توصيلها وأبدع في تصويرها وتشكيلها والملائكة تراها ولا ~~تعرف ما يراد منها وإبليس يطيف بها ويقول لامر ما خلقت فلما تكامل تصويرها ~~وتشكيلها وتقدير أعضائها وأوصالها وصارت جسدا مصورا مشكلا كأنه ينطق إلا ~~أنه لا روح فيه ولا حياة أرسل إليه روحه فنفخ فيه نفخة وانقلب ذلك الطين ~~لحما ودما وعظاما وعروقا وسمعا وبصرا وشما ولمسا وحركة وكلاما فأولى شيء ~~بدأ به أن قال الحمد لله رب العالمين فقال له خالقه وبارئه ومصوره يرحمك ~~الله يا آدم فاستوى PageV01P204 @ جالسا أجمل شيء وأحسنه منظرا وأتمه خلقا ~~وأبدعه صورة فقال الرب تعالى لجميع ملائكته اسجدوا لآدم فبادروا بالسجود ~~تعظيما وطاعة لأمر الواحد المعبود ثم قال لهم لنا في هذه القبضة من التراب ~~شرع أبدع مما ترون وجمال باطن أحسن مما تبصرون فلتزيين باطنه أحسنه من زينة ~~ظاهره ولنجعلنه من أعظم آياتنا نعلمه أسماء كل شيء مما لا تحسنه الملائكة ~~فكان التعليم زينة الباطن وجماله وذلك التصوير زينة الظاهر في أكمل شيء ~~وأجمله صورة ومعنى كل ذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب ثم اشتق منه ~~صورة هي مثله في الحسن والجمال ليسكن إليها وتقر نفسه وليخرج من بينهما من ~~لا يحصى عدده من الرجال والنساء سواه # | فصل # ثم لما أراد الله سبحانه أن يذر نسلهما في الأرض ويكثره وضع فيهما حرارة ~~الشهوة ونار الشوق والطلب وألهم كلا منهما اجتماعه بصاحبه فاجتمعا على أمر ~~قد قدر فاسمع الآن عجائب ما هناك # لما شاء الرب تعالى أن يخرج نسخة هذا الإنسان منه أودع جسده حرارة وسلط ~~عليه هيجانها فصارت شهوة غالبة فإذا هاجت حرارة الجسد تحللت الرطوبات من ~~جميع أجزاء الجسد وابتدأت نازلة من خلف الدماغ من عروق خلف الاذنين ms196 إلى قفا ~~الظهر ثم تخرج إلى الكليتين ثم تجتمع في أوعية المني بعد أن طبختها نار ~~الشهوة وعقدتها حتى صار لها قوام وغلظ وقصرتها حتى ابيضت وقدر لها مجاري ~~وطرق تنفذ فيها ثم اقتضت حكمته سبحانه أن قدر لخروجها أقوى الأسباب ~~المستفرغة لها من خارج ومن داخل فقيض لها صورة حسنها في عين الناظر وشوقه ~~إليها وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة فحن كل منهما إلى ~~امتزاجه بصاحبه واختلاطه به ليقضي الله أمرا كان مفعولا وجعل هذا محل الحرث ~~وهذا محل البذر ليلتقي الماءان على أمر قد قدر وقدر بينهما تلك الحركات ~~لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الشعر والبشر ~~والظفر لتوافق نسخة الأصل PageV01P205 @ ويكون الداعي إلى التناسل في غاية ~~القوة فلا ينقطع النسل ولهذا لا تجد في مني الاحتلام من القوة ما في مني ~~الجماع وإنما هو من فضلة حرارة تذيب الرطوبة فتنفذ فيها الطبيعة إلى خارج ~~من نوع تصور خيال بواسطة الشيطان كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان # فإن قيل فهذا اختيار منكم لقول من قال إن المني يخرج من جميع أجزاء البدن ~~وهذا وإن كان قد قاله كثير من الناس فقد خالفهم آخرون وزعموا أنه فضلة ~~تتولد من الطعام وهي من أعدل الفضلات ولهذا صلحت أن تكون مبدأ الإنسان وهو ~~جسم متشابه الأجزاء في نفسه قيل القول الأول هو الصواب ويدل عليه وجوه منها ~~عموم اللذة بجميع أجزاء البدن ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين ~~ومنها أن المشابهة الكلية تدل على أن البدن كله أرسل المني ولولا ذلك لكانت ~~المشابهة بحسب محل واحد فدل على أن كل عضو أرسل قسطه ونصيبه فلما انعقد ~~وصلب ظهرت محاكاته ومشابهته له ومنها أن الأمر لو كان كما زعمه أصحاب ~~المقالة الثانية من أن المني جسم واحد متشابه في نفسه لم تتولد منه الأعضاء ~~المختلفة المتشكلة بالاشكال المختلفة لأن القوة الواحدة لا تفعل في ms197 المادة ~~الواحدة إلا فعلا واحدا فدل على أن المادة في نفسها ليست متشابهة الأجزاء # ومنها أن المني فضلة الهضم الآخر وذلك إنما يكون عند نضج الدم في العروق ~~وكونه مستعدا استعدادا تاما لأن يصير من جوهر الأعضاء وكذلك عقيب استفراغه ~~من الضعف أكثر مما يحصل من استفراغ أمثاله من الدم ولذلك يورث الضعف في ~~جوهر الأعضاء الأصلية فدل على أنه مركب من أجزاء كل منهما قريب الاستعداد ~~لأن يصير جزءا من عضو ولذلك سماه الله سلالة والسلالة فعالة من السل وهو ما ~~يسل من البدن كالبخار كما سمى أصله سلالة من الطين لأنه استلها من جميع ~~الأرض كما في جامع الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم من ~~قبضة قبضها من جميع الأرض PageV01P206 @ # قال أصحاب القول الآخر وهم جمهور الأطباء وغيرهم لو كان الأمر كما زعمتم ~~وأن المني يستل من جميع الأعضاء لكان إذا حصل مني الذكر ومني الأنثى في ~~الرحم تشكل المولود بشكلهما معا ولكان الرجل لا يلد إلا ذكرا دائما لأن ~~المني قد استل عندكم من جميع أجزائه فإذا انعقد وجب أن يكون مثله وأيضا فإن ~~المرأة تضع من وطء الرجل في البطن الواحد ذكرا وأنثى ولا يمكن أن يقال إن ~~ذلك بسبب اختلاف أجزاء المني # قالوا ولا نسلم عموم اللذة لأنها إنما حصلت حال الاندفاق بسبب سيلان تلك ~~المادة الحارة جارية على تلك المجاري اللحمية التي لحمتها رخوة شبيهة ~~باللحم القريب العهد بالاندمال إذا سال عليه شيء وهو معتدل السخونة ولو ~~كانت اللذة إنما حصلت بسبب سيلان تلك المادة لحصلت قبل الاندفاق قالوا وأما ~~احتجاجكم بالتشابه المذكور بين الوالد والمولود فالمشابهة قد تقع في الظفر ~~والشعر وليس يخرج منهما شيء وايضا فالمولود قد يشبه جدا بعيدا من أجداده ~~كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله فقال أن ~~امرأتي ولدت غلاما أسود قال هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال سود ~~قال هل فيها من ms198 أورق قال نعم قال فأنى له ذلك قال عسى أن يكون نزعه عرق قال ~~وهذا عسى أن يكون نزعه عرق # قالوا ولو كان في المني من كل عضو أجزاء فلا تخلو تلك الأجزاء إما أن ~~تكون موضوعة في المني وضعها الواجب أو لا تكون كذلك فإن كانت موضوعة وضعها ~~الواجب كان المني حيوانا صغيرا وإن لم تكن كذلك استحالت المشابهة # قالوا وأيضا فإن المني إما أن يكون مركبا على تركيب هذه الأعضاء وترتيبها ~~أو لا يكون كذلك فالاول باطل قطعا لأن المني رطوبة سيالة فلا تحفظ الوضع ~~والترتيب وإن كانت ثقيلة فتعين الثاني ولا بد قطعا أن يحال ذلك الترتيب ~~والتصوير والتشكيل على سبب آخر سوى القوة التي في المادة فإنها قوة لا شعور ~~لها ولا إدراك ولا تهتدي لهذه التفاصيل التي في الصورة الإنسانية بل هذا ~~التصوير والتشكيل مستند إلى خالق عليم حكيم قد بهرت حكمته العقول ودلت آثار ~~صنعته على كمال أسمائه وصفاته وتوحيده وقد اعترف بذلك فاضلا PageV01P207 @ ~~الأطباء وهما بقراط وأفلاطون وأقرا بأن ذلك مستند إلى حكمة الصانع وعنايته ~~وأنه لم يصدر إلا عن حكيم عليم قدير ذكره جالينوس عنهما في كتاب رأي بقراط ~~وأفلاطون فأبى جهلة الأطباء وزنادقة المتفلسفة والطبائعيين إلا كفورا وقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة بن أسيد إن الله ~~وكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فما الرزق فما ~~الاجل فما العمل فيقضي الله ما يشاء ويكتب الملك وفي لفظ يقول الملك الذي ~~يخلقها أي يصورها بإذن الله أي يصور خلقه في الارحام كيف شاء الله لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم # فقال أصحاب القول الأول نحن أحق بالتنزيه والتوحيد ومعرفة حكمة الخالق ~~العليم وقدرته وعلمه وأسعد به منكم ومن أحال من سفهائنا وزنادقتنا هذا ~~التخليق على القوة المصورة والاسباب الطبيعية ولم يسندها إلى فاعل مختار ~~عالم بكل شيء قادر على كل شيء لا يكون شيء إلا بإذنه ومشيئته والقوة ms199 ~~والطبيعة خلق مسخر من خلقه وعبد من جملة عبيده ليس لها تصرف ولا حركة ولا ~~فعل إلا بإذن بارئها وخالقها فذلك الذي جهل نفسه وربه وعادة الطبيعة ~~والشريعة والرب تعالى يخلق ما يشاء ويختار ويصور خلقه في الارحام كيف يشاء ~~بأسباب قدرها وحكم دبرها وإذا شاء أن يسلب تلك الأسباب قواها سلبها وإذا ~~شاء أن يقطع مسبباتها عنها قطعها وإذا شاء أن يهيء لها أسبابا أخرى تقاومها ~~وتعارضها فعل فإنه الفعال لما يريد وليس في كون المني مستلا من جميع أجزاء ~~البدن ما يخرج الحوالة على قدرته ومشيئته وحكمته بل ذلك أبلغ في الحكمة ~~والقدرة PageV01P208 @ # وأما قولكم لو كان المني مستلا من جميع الأعضاء لكان الولد يتشكل بشكلهما ~~معا فقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عمن سأله عن ذلك بما شفى وكفى ففي ~~صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو في أرضه يحترف فأتاه وقال إني سائلك ~~عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل ~~الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني بهن آنفا جبريل فقال عبد الله ذاك عدو ~~اليهود من الملائكة أما أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ~~وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن ~~الرجل إذا غشي المرأة فسبق ماؤه كان الشبه لها فقال أشهد أنك رسول الله ~~فهذا جواب جبريل أمين رب العالمين لا جبريل الطبيب وفي صحيح مسلم من حديث ~~ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن ~~الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنث بإذن الله وقد يتفق الماآن في ~~الإنزال والقدر وذلك من أندر الأشياء فيخلق للولد ذكر كذكر الرجل وفرج كفرج ~~المرأة فإذا شاء الله ms200 أن يغلب سلالة ماء الرجل على ماء المرأة أو سلالتها ~~أمر ملك الأرحام بتصويره كذلك فإن ذلك لا يخل بحكمته ولا يخرق عادته ولو ~~خرقها لم يخل بحكمة أحكم الحاكمين # وأما منعكم عموم اللذة فشبيه بالمكابرة والمجامع يجد عند الإنزال شيئا قد ~~استل من جميع بدنه وسمعه وبصره وقواه في قالب الرحم فيحس كأنه خلع قميصا ~~كان مشتملا به ولهذا اقتضت حكمة الرب تعالى في شرعه وقدره أن أمره ~~بالاغتسال عقيب ذلك ليخلف عليه الماء ما تحلل من بدنه من ماء وإذا اغتسل ~~وجد نشاطا وقوة وكأنه لم ينقص منه شيء فإن رطوبة الماء تخلف على البدن ما ~~حللته تلك الحركة عن رطوباته وتعمل فيها الحرارة الأصلية عملها فتمد بها ~~القوى التي ضعفت بالإنزال # وأما التشابه الواقع بين الظفر والشعر في الوالد والمولود ولم ينفصل ~~بينهما شيء فما أبردها من شبهة فإن الظفر والشعر تابعان للأعضاء والمزاج ~~الذي PageV01P209 @ وقع فيه التشابه فاستتبع تشابه الأصل تشابه التبيع # وأما شبه المولود بالجد البعيد من أجداده فهو من أقوى الأدلة لنا في ~~المسألة لأن ذلك الشبه البعيد لم يزل ينتقل في الأصلاب حتى استقر في صورة ~~الولد وبها حصل الشبه # وأما قولكم إن تلك الأجزاء لا تخلو إما أن تكون موضوعة في المني وضعها ~~الواجب أولا إلى آخره فجوابكم أنكم إن عنيتم أنها موضوعة بالفعل فليس كذلك ~~وإن أردتم أنها موضوعة بالقوة فنعم وما المانع منه ويكون المني حيوانا ~~صغيرا بل كبيرا بالقوة وبهذا ظهر الجواب عن قولكم إن المني رطوبة سيالة لا ~~تحفظ الوضع والترتيب وغاية ما يقدر أن ذلك جزء من أجزاء السبب الذي يخلق ~~الله به الولد وجزء السبب لا يستقل بالحكم فالمستقل بالايجاد مشيئة الله ~~وحده والأسباب محال الظهور # | فصل # فإن قيل فهذا تصريح منكم بأن المرأة لها مني وأن منها أحد الجزئين اللذين ~~يخلق الله منهما الولد وقد ظن طائفة من الأطباء أن المرأة لا مني لها # قيل هذا هو السؤال الذي أوردته أم المؤمنين عائشة رضي الله ms201 عنها وأم سلمة ~~رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم وأجابهما عنه باثبات مني ~~المرأة ففي الصحيح أن أم سليم رضي الله عنها قالت يا رسول الله إن الله لا ~~يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال نعم إذا رأت الماء ~~فقالت أم سلمة أوتحتلم المرأة فقال تربت يداك فبم يشبهها ولدها وفيهما عن ~~عائشة رضي الله عنها أن أم سليم رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن المرأة التي ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل قال ~~نعم إذا رأت الماء قالت فقلت له أفترى المرأة ذلك فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهل يكون الشبه إلا من ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد ~~أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه هذا لفظ مسلم وقد ذكر جالينوس ~~PageV01P210 @ التشنيع على أرسطاليس حيث قال إن المرأة لا مني لها فلنحرر ~~هذه المسألة طبعا كما حررت شرعا فنقول # مني الذكر من جملة الرطوبات والفضلات التي في البدن وهذا أمر يشترك بين ~~الذكر والأنثى منه رأسا يتخلق الولد وبواسطته يكون الشبه ولو لم يكن للمرأة ~~مني لما أشبهها ولدها # ولا يقال إن الشبه سببه دم الطمث فإنه لا ينعقد مع مني الرجل ولا يتحد به ~~وقد أجرى الله العادة بأن التوالد لا يكون إلا بين أصلين يتولد من بينهما ~~ثالث ومني الرجل وحده لايتولد منه الولد مالم يمازجه مادة أخرى من الأنثى ~~وقد اعترف أرباب القول الآخر بذلك وقالوا لا بد من وجود مادة بيضاء لزجة ~~للمرأة تصير مادة لبدن الجنين ولكن نازعوا هل فيها قوة عاقدة كما في مني ~~الرجل أم لا وقد أدخل النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة في الحديث ~~الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث ثوبان مولاه حيث سأله اليهود عن الولد ~~فقال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني ~~المرأة أذكر بإذن ms202 الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنث بإذن الله نعم ~~لمني الرجل خاصة الغلظ والبياض والخروج بدفق ودفع فإن أراد من نفي مني ~~المرأة انتفاء ذلك عنها أصاب ومني المرأة خاصته الرقة والصفرة والسيلان ~~بغير دفع فإن نفي ذلك عنها أخطأ وفي كل من الماءين قوة فإذا انضم أحدهما ~~إلى الآخر اكتسبا قوة ثالثة وهي من أسباب تكوين الجنين واقتضت حكمة الخلاق ~~العليم سبحانه أن جعل داخل الرحم خشنا كالسفنج وجعل فيه طلبا للمني وقبولا ~~له كطلب الأرض الشديدة العطش للماء وقبولها له فجعله طالبا حافظا مشتاقا ~~إليه بالعطش فلذلك إذا ظفر به ضمه ولم يضيعه بل يشتمل عليه أتم الاشتمال ~~وينضم أعظم انضمام لئلا يفسده الهواء فيتولى القوة والحرارة التي هناك باذن ~~الله ملك الرحم فإذا اشتمل على المني ولم يقذف به إلى خارج استدار على نفسه ~~وصار كالكرة وأخذ في الشدة إلى تمام ستة أيام فإذا اشتد نقط فيه نقطة في ~~الوسط وهو موضع القلب ونقطة في أعلاه وهي نقطة الدماغ وفي اليمين وهي نقطة ~~الكبد ثم تتباعد تلك النقط ويظهر بينها خطوط حمر إلى تمام ثلاثة أيام أخر ~~ثم تنفذ الدموية في الجميع بعد ستة PageV01P211 @ أيام أخر فيصير ذلك خمسة ~~عشر يوما ويصير المجموع سبعة وعشرين يوما ثم ينفصل الرأس عن المنكبين ~~والأطراف عن الضلوع والبطن عن الجبين وذلك في تسعة أيام فتصير ستة وثلاثين ~~يوما ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس ظهورا بينا في تمام أربعة أيام ~~فيصير المجموع أربعين يوما تجمع خلقة وهذا مطابق لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث المتفق على صحته إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ~~واكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الاجمال عن التفصيل وهذا يقتضي أن ~~الله قد جمع فيها خلقها جمعا خفيا وذلك الخلق في ظهور خفي على التدريج ثم ~~يكون مضغة أربعين يوما أخرى وذلك التخليق يتزايد شيئا فشيئا إلى أن يظهر ~~للحس ظهورا لاخفاء به كله والروح لم تتعلق ms203 به بعد فإنها إنما تتعلق به في ~~الأربعين الرابعة بعد مائة وعشرين يوما كما أخبر به الصادق وذلك مما لا ~~سبيل إلى معرفته إلا بالوحي إذا ليس في الطبيعة ما يقتضيه فلذلك حار فضلاء ~~الأطباء وأذكياء الفلاسفة في ذلك وقالوا إن هذا مما لا سبيل إلى معرفته إلا ~~بحسب الظن البعيد # قال من وقف على نهايات كلامهم في ذلك دأب فيه حتى كل وهو صاحب الطب ~~الكبير فذكر مناسبات خيالية ثم قال وحقيقة العلم فيه عند الله تعالى لا ~~مطمع لأحد من الخلق في الوقوف عليه # قلت قد أوقفنا عليه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن ~~الهوى بما ثبت في الصحيحين إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم ~~يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه ~~الروح ويؤمر بأربع يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد # | فصل # ورأيت لبعض الأطباء كلا ما ذكر فيه سبب تفاوت زمن الولادة فاذكره وأذكر ~~ما فيه # قال إذا تم خلق الجنين في مدة معينة فإنها إذا زاد عليها مثلها تحرك ~~الجنين فإذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين قال فإذا تم خلقه في ~~ثلاثين يوما PageV01P212 @ فإذا صار له ستون يوما تحرك فإذا انضاف إلى ~~الستين مثلاها صارت مائة وثمانين يوما وهي ستة أشهر وهي مدة ينفصل لها ~~الحمل وإذا تم خلقه في خمسة وثلاثين يوما تحرك لسبعين وانفصل لسبعة أشهر ~~وإذا تم خلقه لأربعين تحرك لثمانين وانفصل لثمانية أشهر وإذا تم لخمسة ~~وأربعين تحرك لتسعين وانفصل لتسعة أشهر وعلى هذا الحساب أبدا # وهذا الذي ذكره هذا القائل يقتضي حركة الجنين قبل الأربعين وهذا خطأ قطعا ~~فإن الروح إنما تتعلق به بعد الأربعين الثالثة وحينئذ يتحرك فلا تثبت له ~~حركة قبل مائة وعشرين يوما وما يقدر من حركة قبل ذلك فليست حركة ذاتية ~~اختيارية بل لعلها حركة عارضة بسبب الأغشية والرطوبات وما ذكره من الحساب ~~لا يقوم عليه دليل ولا تجربة ms204 مطردة فربما زاد على ذلك أو نقص منه ولكن الذي ~~نقطع به أن الروح لا تتعلق به إلا بعد الأربعين الثالثة وما يقدر من حركة ~~قبل ذلك إن صحت لم تكن بسبب الروح والله أعلم # | فصل # وأما أقل مدة الحمل فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة أشهر قال ~~تعالى @QB@ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا @QE@ وقال تعالى @QB@ والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة @QE@ وقال جالينوس كنت شديد ~~الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة واحدة ولدت في مائة وأربع وثمانين ~~ليلة وزعم صاحب الشفاء أنه شاهد ذلك وأما أكثره فقال في الشفاء بلغني من ~~حيث وثقت أن امرأة وضعت بعد الرابع من رأس الحمل ولدا قد نبتت أسنانه وعاش # | فصل # فإن قيل فما سبب الاذكار والايناث قيل الذي نختاره أن سببه مشيئة رب ~~الفاعل باختياره وليس بسبب طبيعي وكل ما ذكر أصحاب الطبائع من PageV01P213 ~~@ الأنجاب فمنتقض مثل حرارة الرجل ورطوبته قالوا وفساد المزاج أيضا يوجب ~~إيلاد الإناث واستقامته توجب الإذكار وهذا تخليط وهذيان فليس للاذكار ~~والإيناث إلا قول الله لملك الارحام وقد استأذن يا رب ذكر يا رب أنثى يا رب ~~شقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل والاذكار والايناث قرين السعادة والشقاوة ~~والرزق والأجل # فإن قيل فتلك أيضا بأسباب قلنا نعم ولكن بأسباب بعد الولادة ولا سبب ~~للاذكار والايناث قبل الولادة # فإن قيل فما تصنعون بحديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه أن يهوديا سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الولد فقال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ~~فاذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة ~~مني الرجل آنث بإذن الله فقال اليهودي صدقت وإنك لنبي قيل هذا الحديث تفرد ~~به مسلم في صحيحه وقد تكلم فيه بعضهم وقال الظاهر أن الحديث وهم فيه بعض ~~الرواة وإنما كان السؤال عن الشبه وهو الذي سأل عنه عبد الله بن سلام في ~~الحديث المتفق على صحته فأجابه بسبق الماء فإن الشبه ms205 يكون للسابق فلعل بعض ~~الرواة انقلب عليه شبه الولد بالمرأة بكونه أنثى وشبه بالوالد بكونه ذكرا ~~لا سيما والشبه التام إنما هو بذلك # وقالت طائفة الحديث صحيح لا مطعن في سنده ولا منافاة بينه وبين حديث عبد ~~الله بن سلام وليست الواقعة واحدة بل هما قضيتان ورواية كل منهما غير رواية ~~الأخرى وفي حديث ثوبان قضية ضبطت وحفظت قال ثوبان كنت قائما عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد ~~فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لي لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله ~~فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن اسمي محمدا الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع باذني فنكت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال اليهودي أين يكون الناس يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض والسموات فقال رسول الله PageV01P214 @ صلى الله عليه ~~وسلم هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين ~~قال اليهودي فما تحفتهم حتى يدخلوا الجنة قال زيادة كبد الحوت قال فما ~~غذاءهم على أثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها قال فما ~~شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء ~~لا يعلمه أحد إلا نبي أو رجل أو رجلان قال أينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني ~~قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا ~~فعلى مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل ~~آنث بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني هذا الذي سألني عنه ومالي علم به حتى ~~أتاني به الله وأما حديث عبد الله بن سلام رضي ms206 الله عنه ففي صحيح البخاري ~~عن أنس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة فأتاه فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول ~~أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ~~ومن أي شيء ينزع إلى أخواله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرني آنفا ~~جبريل فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة فقال أما أول أشراط الساعة ~~فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة ~~فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرأة فسبقها ~~ماؤه كان الشبه له وإذا سبقت كالشبه لها قال أشهد أنك رسول الله وذكر ~~الحديث # فتضمن الحديثان أمرين ترتب عليهما الاثران معا وأيهما انفرد ترتب عليه ~~أثره فاذا سبق ماء الرجل وعلا أذكر وكان الشبه له وإن سبق ماء المرأة وعلا ~~آنث وكان الشبه لها وإن سبق ماء المرأة وعلا ماء الرجل أذكر وكان الشبه لها ~~ومع هذا كله فهذا جزء سبب ليس بموجب والسبب الموجب مشيئة الله فقد يسبب بضد ~~السبب وقد يرتب عليه ضد مقتضاه ولا يكون في ذلك مخالفة لحكمته كما لا يكون ~~تعجيزا لقدرته وقد أشار في الحديث إلى هذا بقوله أذكر وآنث باذن الله وقد ~~قال تعالى @QB@ لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه ~~عليم قدير @QE@ فأخبر سبحانه أن ذلك عائد إلى PageV01P215 @ مشيئته وأنه قد ~~يهب الذكور فقط والإناث فقط وقد يجمع للوالدين بين النوعين معا وقد يخليهما ~~عنهما معا وأن ذلك كما هو راجع إلى مشيئته فهو متعلق بعلمه وقدرته وقد وهب ~~الله آدم الذكور والإناث وإسرائيل الذكور دون الإناث ومحمدا صلى الله عليه ~~وسلم الإناث دون الذكور سوى ولده إبراهيم وقال سليمان عليه السلام لأطوفن ~~الليلة على سبعين امرأة تأتي ms207 كل امرأة منهن بغلام يقاتل في سبيل الله فطاف ~~عليهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا ~~أجمعون فدل على أن مجرد الوطء ليس بسبب تام وإن كان له مدخل في السببية وأن ~~السبب التام مشيئة الله وحده فهو رب الاسباب المتصرف فيها كيف شاء باعطائها ~~السببية إذا شاء ومنعها إياها إذا شاء وترتيب ضد مقتضاها عليها إذا شاء ~~والأسباب هي مجاري الشرع والقدر فعليها يجري أمر الله الكوني والديني # فإن قيل فقد ظهر أن الولد مخلوق من الماءين جميعا فهل يخلق منهما على حد ~~سواء أم يكون الولد من ماء الأب وبعضه من ماء الأم قيل قد بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذه المسألة باوضح بيان فقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا ~~حسين بن الحسين حدثنا أبو كريب عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن ~~عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يحدث أصحابه فقالت قريش يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال لأسألنه عن ~~شيء لا يعلمه إلا نبي فجاء حتى جلس ثم قال يا محمد مم يخلق الإنسان فقال من ~~كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها ~~العظم والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم فقام اليهودي ~~فقال هكذا يقول من قبلك PageV01P216 @ # | فصل # فإن قيل قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة ~~وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون ~~مضغة مثل ذلك وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما أخبر به الوحي من ذلك فما ~~تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال يدخل الملك في النطفة بعدما تستقر في الرحم ms208 بأربعين أو خمس ~~وأربعين ليلة فيقول أي رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب ذكر أو أنثى ~~فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم يطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ~~ينقص قيل نتلقاه بالقبول والتصديق وترك التحريف ولا ينافي ما ذكرناه إذ ~~غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على ~~أنه وقع بعد الأربعين الثالثة وكلاهما حق قاله الصادق صلى الله عليه وسلم ~~وهذا تقدير بعد تقدير فالأول تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار ~~التخليق التي هي أول مراتب الانسان وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق ~~والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره ~~وهذا تقدير عقد تمام خلقه وتصويره وهذا أحسن من جواب من قال أن المراد بهذه ~~الأربعين التي في حديث حذيفة الأربعين الثالثة وهذا بعيد جدا من لفظ الحديث ~~ولفظه يأباه كل الإباء فتأمله # فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أنه ~~سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد ~~من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة ~~بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود وقال له وكيف يشقى رجل بغير ~~عمل فقال له الرجل أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق ~~سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ~~ما يشاء ويكتب الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمره ولا ينقص وفي لفظ ~~آخر في الصحيح أيضا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني PageV01P217 @ ~~هاتين يقول إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك الذي ~~يخلقها فيقول يا رب اذكر أم أنثى أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويا أو ms209 غير ~~سوي ثم يقول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله عز وجل شقيا أو ~~سعيدا وفي لفظ آخر في الصحيح أيضا أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن ~~يخلق شيئا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة ثم ذكر نحوه # قيل نتلقاه أيضا بالتصديق والقبول وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه ~~الأطباء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين # فإن قيل فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود وهو صريح في أن النطفة ~~أربعين يوما نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ومعلوم أن العلقة والمضغة ~~لا صورة فيهما ولا جلد ولا لحم ولا عظم وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين ~~حديثه هذا وبين قول الاطباء فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم معصوم وقولهم ~~عرضة للخطأ ولكن الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم قيل لا ~~تنافي بين الحديثين بحمد الله وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة وقد ظن ~~طائفة أن التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة قالوا وأكثر ~~ما فيه التعقيب بالفاء وتعقيب كل شيء بحسبه وقد قال تعالى @QB@ ألم تر أن ~~الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة @QE@ بل قد قال تعالى @QB@ م ~~خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام ~~لحما @QE@ وهذا تعقيب بحسب ما يصلح له المحل ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب ~~الأول تعقيب اتصال # وظنت طائفة أخرى أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم ~~والذي في حديث ابن مسعود في الوجود الخارجي والصواب يدل على أن الحد ما دل ~~عليه الحديث من أن ذلك في الأربعين الثانية ولكن هنا تصويران أحدهما تصوير ~~خفي لا يظهر وهو تصوير تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب مواضع ~~القطع والتفصيل فيعلم عليها ويضع مواضع الفصل والوصل وكذلك كل من يضع صورة ~~في مادة لا سيما مثل هذه الصورة ينشىء فيها التصوير والتخليق على التدريج ~~شيئا بعد شيء لا وهلة ms210 PageV01P218 @ واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق ~~الظاهر في البيضة # فههنا أربع مراتب أحدها تصوير وتخليق علمي لم يخرج إلى الخارج الثانية ~~مبدأ تصوير خفي يعجز الحس عن إدراكه الثالثة تصوير يناله الحس ولكنه لم يتم ~~بعد الرابعة تمام التصوير الذي ليس بعد إلا نفخ الروح # فالمرتبة الأولى علمية والثلاث الأخر خارجية عينية وهذا التصوير بعد ~~التصوير نظير التقدير بعد التقدير فالرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرا ~~عاما قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وهنا كتب السعادة والشقاوة ~~والأعمال والأرزاق والآجال الثاني تقدير بعد هذا وهو أخص منه وهو التقدير ~~الواقع عند القبضتين حين قبض تبارك وتعالى أهل السعادة بيمينه وقال هؤلاء ~~للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى وقال هؤلاء ~~للنار وبعمل أهل النار يعملون الثالث تقدير بعد هذا وهو أخص منه عند ما ~~يمنى به كما في حديث حذيفة بن أسيد المذكور الرابع تقدير آخر بعد هذا وهو ~~عند ما يتم خلقه وينفخ فيه الروح كما صرح به الحديث الذي قبله وهذا يدل على ~~سعة علم الرب تبارك وتعالى وإحاطته بالكليات والجزئيات وكذلك التصوير ~~الثاني مطابق للتصوير العلمي والثالث مطابق للثاني والرابع مطابق للثالث ~~وهذا مما يدل على كمال قدرة الرب تعالى ومطابقة المقدور للمعلوم فتبارك ~~الله رب العالمين وأحسن الخالقين # ونظير هذا التقدير الكتابة العامة قبل المخلوقات ثم كتابة ما يكون من ~~العام إلى العام في ليلة القدر وكل مرتبة من هذه المراتب تفصيل لما قبلها ~~وتنوع وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق بعضه بعضا ويفسر بعضه بعضا ~~ويطابق الواقع في الوجود ولا يخالفه وإنما يخبر بما لا يستقل الحس والعقل ~~بادراكه لا بما يخالف الحس والعقل وإنما يعرفه الناس ويستقلون بادراكه على ~~أمر عيني يتعلق به الإيمان أو على حكم شرعي يتعلق به التكليف والله أعلم ~~PageV01P219 @ # | فصل # فإن قيل أي عضو يتخلق أولا قبل سائر الأعضاء قيل اختلف في ذلك على أربعة ~~أقوال أحدها أنه القلب وهو قول الأكثرين والثاني ms211 أنه الدماغ والعينان وهو ~~قول بقراط والثالث الكبد وهو قول محمد بن زكريا والرابع أنه السرة وهو قول ~~جماعة من الأطباء # قال أصحاب القلب لا شك أن في المني قوة روحية بسبب تلك القوة سعد أن يكون ~~إنسانا وحاجته إلى الروح الذي هو مادة القوى أشد فلا بد أن يكون لذلك الروح ~~مجمع خاص منه تنبعث إلى سائر الأعضاء فالجوهر الروحي أول شيء ينبعث من ~~المني ويجتمع في موضع واحد ويحيط به ما يتصل إليه ذلك الجوهر الروحي من ~~جميع الجوانب فيجب أن يكون مجمعها هو الوسط وسائر الأجزاء يحيط به وذلك ~~الوسط هو القلب # قالوا ولأن تمام البدن موقوف على الحرارة الغريزية التي بها البدن ولا بد ~~أن يتقدم على ذلك العضو الذي منه القوة الغريزية التي بها ينمو وهو القلب # قالوا ولأن أفعال القوى إنما تتم بالروح وهي لا بد لها من متعلق تتعلق به ~~ولا بد أن يتقدم متعلقها عليها وهو القلب # قالوا وهذا هو الأليق والأنسب بحكمة الرب تعالى فإن القلب ملك والأعضاء ~~جنود له وخدم فإذا صلح القلب صلحت جنوده وإذا فسد فسدت وقد أشار النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إلى ما يرشد إلى ذلك فقال إن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي والقلب ~~فما أولى هذه المضغة بأن تكون متقدمة في وجودها على سائر الأعضاء وسائرها ~~تبع لها في الوجود كما هي تبع لها في الصلاح والفساد # قالوا وقد شاهد أصحاب التشريح في المني عند انعقاده نطفة في وسطه # قال أصحاب الدماغ شاهدنا الفراخ في البيض أول ما يتكون منها رأسها وسنة ~~الله في بروز الجنين أول ما يبدو منه إلى الوجود رأسه PageV01P220 @ # قال أصحاب الكبد لما كان المني محتاجا إلى قوة مغذية تزيد في جوهره حتى ~~يصير بحيث يمكن أن تكون الأعضاء فيه كان أول الأعضاء وأسبقها إليه وهو محل ~~القوة المغذية وهو الكبد # قال أصحاب السرة حاجة الجنين إلى ms212 جذب الغذاء أشد من حاجته إلى الأقوات ~~وإدراكه ومن السرة يجذب الغذاء # وأولى هذه الأقوال القول الأول فإن القلب ومنزلته وشرفه ومحله الذي وضعه ~~الله به يقتضي أنه المبدوء به قبل سائر الأعضاء المتقدم عليها بالوجود ~~والله أعلم # | فصل # فإن قيل الجنين قبل نفخ الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا قيل كان ~~فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات ولم تكن حركة نموه واغتذائه بالإرادة ~~فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه # فإن قيل قد ثبت أن الولد يتخلق من ماء الأبوين فهل يتمازجان ويختلطان حتى ~~يصيرا ماء واحدا أو يكون أحدهما هو المادة والآخر بمنزلة الأنفحة التي ~~تعقده قيل هو موضع اختلف فيه أرباب الطبيعة فقالت طائفة منهم مني الأب لا ~~يكون جزءا من الجنين وإنما هو مادة الروح الساري في الأعضاء وأجزاء البدن ~~كلها من مني الأم ومنهم من قال بل هو ينعقد من مني الأنثى ثم يتحلل ويفسد # قالوا ولهذا كان الولد جزءا من أمه ولهذا جاءت الشريعة بتبعيته لها في ~~الحرية والرق # قالوا ولهذا لو نرى فحل رجل على جارية آخر فأولدها فالولد لمالك الأم دون ~~مالك الفحل لأنه تكون من أجزائها وأحشائها ولحمها ودمها وماء الأب بمنزلة ~~الماء الذي يسقي الأرض # قالوا والحس يشهد أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف ~~PageV01P221 @ الأجزاء التي فيه من أبيه فثبت أن تكوينه من مني الأم ودم ~~الطمث ومني الأب عاقد له كالانفحة # ونازعهم الجمهور وقالوا إنه يتكون من مني الرجل والانثى ثم لهم قولان ~~أحدهما أن يكون من مني الذكر أعضاؤه وأجزاؤه ومن مني الأنثى صورته والثاني ~~أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين وأنهما امتزجا واختلطا ~~وصارا ماء واحدا وهذا هو الصواب لأننا نجد الصورة والتشكيل تارة إلى الأب ~~وتارة إلى الأم والله أعلم # وقد دل على هذا قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~@QE@ والأصل هو الذكر فمنه البدر ومنه السقي والأنثى وعاء ومستودع ms213 لولده ~~تربيه في بطنها كما تربيه في حجرها ولهذا كان الولد للأب حكما ونسبا وأما ~~تبعيته للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكون وصار ولدا في بطنها وغذته ~~بلبائها مع الجزء الذي فيه منها وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه أصله ~~ومادته ونسخته وكان أشرفهما دينا أولى به تغليبا لدين الله وشرعه # فإن قيل فهلا طردتم هذا وقلتم لو سقط بذر رجل في أرض آخر يكون الزرع ~~لصاحب الأرض دون مالك البذر # قيل الفرق بينهما أن البذر مال متقوم في أرض آخر فهو لمالكه وعليه أجرة ~~الأرض أو هو بينهما بخلاف المني فانه ليس بمال ولهذا نهى الشارع فيه عن ~~المعاوضة واتفق الفقهاء على أن الفحل لو نزا على رمكة كان الولد لصاحب ~~الرمكة # | فصل # فإن قيل فهل يتكون الجنين من ماءين وواطئين قيل هذه مسألة شرعية كونية ~~والشرع فيها تابع للتكوين وقد اختلف فيها شرعا وقدرا فمنعت ذلك طائفة وأبته ~~كل الإباء وقالت الماء إذا استقر في الرحم اشتمل عليه وانضم غاية الانضمام ~~بحيث لا يبقى فيه مقدار رسم رأس إبراة إلا انسد فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك ~~لماء ثان لا من الواطئ ولا من غيره PageV01P222 @ # قالوا وبهذا أجرى الله العادة أن الولد لا يكون إلا لأب واحد كما لا تكون ~~الأم إلا واحدة وهذا هو مذهب الشافعي # وقالت طائفة بل يتخلق من ماءين فأكثر قالوا وانضمام الرحم واشتماله على ~~الماء لا يمنع قبوله الماء الثاني فإن الرحم أشوق شيء وأقبله للمني # قالوا ومثال ذلك كمثال المعدة فإن الطعام إذا استقر فيها انضمت عليه غاية ~~الانضمام فإذا ورد عليها طعام فوقه انفتحت له لشوقها إليه # قالوا وقد شهد بهذا القائف بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه في ولد ادعاه اثنان فنظر إليهما وإليه وقال ما أراهما إلا اشتركا فيه ~~فوافقه عمر وألحقه بهما فوافقه على ذلك الإمام أحمد ومالك رضي الله عنهما # قالوا والحس يشهد بذلك كما ترى في جراء الكلبة والسنور تأتي بها مختلفة ms214 ~~الألوان لتعدد آبائها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره يريد وطء الحامل من غير الواطئ قال ~~الإمام أحمد الوطء يزيد في سمع الولد وبصره هذا بعد انقعاده # وعلى هذا مسألة فقهية وهي لو أحبل جارية غيره بنكاح أو زنى ثم ملكها هل ~~تصير أم ولد فيها أربعة أقوال وهي روايات عن الإمام أحمد أحدها لا تصير أم ~~ولد لأنها لم تعلق بالولد في ملكه والثاني تصير أم ولد لأنها وضعت في ملكه ~~والثالث إن وضعت في ملكه صارت أم ولد وإن وضعت قبل أن يملكها لم تصر لأن ~~الوضع ولاحبال كان في غير ملكه والرابع إن وطئها بعد أن ملكها صارت أم ولد ~~وإلا فلا لأن الوطء يزيد في خلقة الولد كما قال الإمام أحمد الوطء يزيد في ~~سمع الولد وبصره وهذا أرجح الأقوال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه مر على امرأة مجح على باب فسطاط فقال لعل سيدها يريد أن يلم بها لقد ~~هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له والمجح ~~الحامل المقرب وقوله كيف يورثه أي يجعله له تركة PageV01P223 @ موروثة عنه ~~كأنه عبده ولا يحل له ذلك لأنه قد صار فيه جزء من أجزائه بوطئه وكيف يجعله ~~عبده ولا يحل له ذلك فهذا دليل على أن وطء الحامل إذا وطئت كثيرا جاء الولد ~~عبلا ممتلئا وإذا هجر وطؤها جاء الولد هزيلا ضعيفا فهذه أسرار شرعية موافقة ~~للأسرار الطبيعية مبنية عليها والله أعلم # فإن قيل فهل يمكن أن يخلق من الماء والدان في بطن واحد قيل هذه مسألة ~~التوأم وهو ممكن بل وقع وله أسباب أحدها كثرة المني فيفيض إلى بطن الرحم ~~دفعات والرحم يعرض له عند الحركة الجارية للمني حركات اختلاجية مختلفة ~~فربما اتفق أن كان الجاذب للدفعة الأولى من المني أحد جانبيه وللثانية ~~الجانب الآخر ومنها أن بيت الأولاد في الرحم فيه تجاويف فيكون ms215 المني كثيرا ~~فيغفل أحدها عن فضلة يشتمل عليها التجويف الثاني وهكذا الثالث قال أرسطو ~~وقد يعيش للمرأة خمسة أولاد في بطن واحد وحكى عن امرأة أنها وضعت في أربع ~~بطون عشرين ولدا قال صاحب القانون سمعت بجرجان أن امرأة أسقطت كيسا فيه ~~سبعون صورة صغيرا جدا قال أرسطو وإذا توأمت بذكر وأنثى فقلما تسلم الوالدة ~~والمولود وإذا توأمت بذكرين أو أنثيين فتسلم كثيرا قال والمرأة قد تحبل على ~~الحبل ولكن يهلك الأول في الأكثر فقد أسقطت امرأة واحدة اثنى عشر جنينا ~~حملا على حمل وأما إذا كان الحمل واحدا أو بعد وضع الأول فقد يعيشان والله ~~أعلم # فإن قيل فما السبب المانع للحامل من الحيض غالبا قال الإمام أحمد وأبو ~~حنيفة إن ما تراه من الدم يكون دم فساد لا حيض والشافعي وإن قال إنه دم حيض ~~وهو إحدى الروايتين عن عائشة فلا ريب أنه نادر بالإضافة إلى الأغلب قيل دم ~~الطمث ينقسم ثلاثة أقسام قسم ينصرف إلى غذاء الجنين وقسم يصعد إلى البدن ~~وقسم يحبس إلى وقت الوضع فيخرج مع الولد وهو دم النفاس وربما كانت مادة ~~الدم قوية وهو كثير فيخرج بعضه لقوته وكثرته والراجح من الدليل أنه حيض ~~حكمه حكمه إذ ليس هناك دليل عقلي ولا شرعي يمنع كونه حيضا واستيفاء الأدلة ~~من الجانبين قد ذكرناه في مواضع أخر والله أعلم PageV01P224 @ # فإن قيل فما السبب في أن النساء الحبالى يشتقن في الشهر الثاني والثالث ~~إلى تناول الأشياء الغريبة التي لا يعتد بها طبا قيل إن دم الطمث لما احتبس ~~فيهن بحكمة قدرها الله وهي أن صرفه غذاء للولد ومقدار ما يحتاج إليه يسير ~~فتدفعه الطبيعة الصحيحة إلى فم المعدة فيحدث لهن شهوة تلك الأشياء الغريبة # فإن قيل فكيف وضع الجنين في بطن أمه قائما أو قاعدا أو مضطجعا قيل هو ~~معتمد بوجهه على رجليه وبراحتيه على ركبتيه ورجلاه مضمومتان إلى قدميه ~~ووجهه إلى ظهر أمه وهذا من العناية الإلهية أن أجلسه هذه الجلسة في المكان ~~الضيق في ms216 الرحم على هذا الشكل وأيضا فلو كان رأسه إلى أسفل لوقع ثقل ~~الأعضاء الخسيسة على الأعضاء الشريفة وأدى ذلك إلى تلفه ولانه عند محاولة ~~الخروج إذا انقلب أعانته على الخروج فإنه إذا خرج أول ما يخرج منه رأسه لأن ~~الرأس إذا خرج أولا كان خروج سائر الأعضاء بعده سهلا ولو خرج على غير هذا ~~الوجه لكان فيه تعويق وعسر فإن الرجلين لو خرجتا أولا انعاق خروج الباقي ~~وإن خرجت الرجل الواحدة أولا انعاق عند الثانية وإن خرجتا معا انعاق عند ~~اليدين وإن خرجت الرجلان واليدان انعاق عند الرأس فكان يلتوي إلى خلف ~~وتلتوي السرة إلى العنق فيألم الرحم ويصعب الخروج ويؤدي إلى مرضه أو تلفه # فإن قيل فما سبب الإجهاض الذي يسمونه الطرح قبل كمال الولد # قيل الجنين في البطن بمنزلة الثمرة في الشجرة وكل منهما له اتصاله قوى ~~بالأم ولهذا يصعب قطع الثمرة قبل كمالها من الشجرة وتحتاج إلى قوة فإذا ~~بلغت الثمرة نهايتا سهل قطعها وربما سقطت بنفسها وذلك لأن تلك الرباطات ~~والعروق التي تمدها من الشجرة كانت في غاية القوة والغذاء فلما رجع ذلك ~~الغذاء إلى تلك الشجرة ضعفت تلك الرطوبات والمجاري وساعدها ثقل الثمرة فسهل ~~أخذها وكذلك الأمر في الجنين فإنه ما دام في البطن قبل كماله واستحكامه فإن ~~رطوباته وأغشيته تكون مانعة له من السقوط فاذا تم وكمل ضعفت تلك الرطوبات ~~وانتهكت الأغشية واجتمعت تلك الرطوبات المزلقة فسقط الجنين PageV01P225 @ ~~هذا هو الأمر الطبيعي الجاري على استقامة الطبيعة وسلامتها وأما السقوط قبل ~~ذلك فلفساد في الجنين ولفساد في طبيعة الأم أو ضعفت الطبيعة كما تسقط ~~الثمرة قبل إدراكها لفساد يعرض أو لضعف الأصل أو لفساد يعرض من خارج فاسقاط ~~الجنين لسبب من هذه الأسباب الثلاثة فالآفات التي تصيب الأجنة بمنزلة ~~الآفات التي تصيب الثمار # فإن قيل فكيف يخرج من الرحم مع ضيقه ما هو أكبر منه بأضعاف مضاعفة # قيل هذا من أعظم الأدلة على عناية الرب تعالى وقدرته ومشيئته فإن الرحم ~~لا بد أن ينفتح الانفتاح ms217 العظيم جدا قال غير واحد من العقلاء ولا بد من ~~انفصال يعرض للمفاصل العظيمة ثم تلتئم بسرعة أسرع من لمح البصر وقد اعترف ~~فضلاء الأطباء وحذاقهم بذلك وقالوا لا يكون ذلك إلا بعناية إلهية وتدبير ~~تعجز العقول عن إدراكه وتقر للخلاق العظيم بكمال الربوبية والقدرة # فإن قيل فما السبب في بكاء الصبي حالة خروجه إلى هذه الدار # قيل ههنا سببان سبب باطن أخبر به الصادق المصدوق لا يعرفه الأطباء وسبب ~~ظاهر فأما السبب الباطن فان الله سبحانه اقتضت حكمته أن وكل بكل واحد من ~~ولد آدم شيطانا فشيطان المولود قد خنس ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكل به فاذا ~~انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته تحرقا عليه وتغيظا واستقبالا له ~~بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديما فيبكي المولود من تلك الطعنة ولو آمن ~~زنادقة الأطباء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا ~~يرده وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان وفي الصحيحين من ~~حديثه أيضا رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود ~~يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسه إلا ابن مريم وأمه وفي لفظ آخر ~~يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه PageV01P226 @ وفي لفظ آخر ~~كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولادته إلا مريم وابنها وفي لفظ للبخاري كل ~~بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن ~~فطعن في الحجاب والسبب الظاهر الذي لا نخبر الرسل بأمثاله لرخصه عند الناس ~~ومعرفتهم له من غيرهم هو مفارقته المألوف والعادة التي كان فيها إلى أمر ~~غريب فانه ينتقل من جسم حار إلى هواء بارد ومكان لم يألفه فيستوحش من ~~مفارقته وطنه ومألفه وعند أرباب الاشارات أن بكاءه ارهاص بين يدي ما يلاقيه ~~من الشدائد والآلام والمخاوف وأنشد في ذلك # ( ويبكي بها المولود حتى كأنه ms218 % بكل الذي يلقاه فيها يهدد ) # ( وإلا فما يبكيه فيها وإنها % لأوسع مما كان فيه وأرغد ) # ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كفه عند خروجه إلى الدنيا وفي فتحها عند ~~خروجه منها وهو الإشارة إلى أنه خرج إليها مركبا على الحرص والطمع وفارقها ~~صفر اليدين منها وأنشد في ذلك # ( وفي قبض كف المرء عند ولادة % دليل على الحرص الذي هو مالكه ) # ( وفي فتحها عند الممات إشارة % إلى فرقة المال الذي هو تاركه ) # ولهم نظير هذه الإشارة في بكاء الطفل وضحك من حوله أن الأمر سيبدل ويصير ~~إلى ما يبكي من حوله عند موته كما ضحكوا عند ولادته وأنشد في ذلك # ( ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا % والناس حولك يضحكون سرورا ) # ( فاعمل لعلك أن تكون إذا بكوا % في يوم موتك ضاحكا مسرورا ) # ونظير هذه الاشارة أيضا قولهم إن المولود حين ينفصل يمد يده إلى فيه ~~إشارة إلى تعجيل نزوله عند القدوم عليه بأنه ضيف من تمام إكرامه وتعجيل ~~قراه فأشار بلسان الحال إلى ترك التأخير وربما مص أصبعه إشارة إلى نهاية ~~فقره وأنه بلغ منه إلى مص الأصابع ومنه قول الناس لمن بلغ به الفقر غايته ~~فهو يمص أصابعه وأنشد في ذلك PageV01P227 @ # ( ويهوي إلى فيه يمص بنانه % يطالب بالتعجيل خوف التشاغل ) # ( ويعلمهم أني فقير وليس لي % من القوت شيء غير مص الأنامل ) # ونظير هذه الإشارة أنه يحدث بالعجب ممن يظهر من الحدث # ( ويحدث بين الحاضرين إشارة % إلى أنه من حادث ليس يعصم ) # ( يقول وعندي بعدها أخواتها % وما منكم إلا وذو العرش أرحم ) # ونظير هذه الاشارة أنه يضحك بعد الأربعين وذلك عندما يتعقل نفسه الناطقة ~~ويدركها وفي ذلك قصاص من البكاء الذي أصابه عند ولادته وتأخر بعده لكي ~~يتأسى العبد إذا أصابته شدة فالفرج كمأتم يطلبها في أثرها # ( ويضحك بعد الأربعين إشارة % إلى فرج وافاه بعد الشدائد ) # ( يقول هي الدنيا فتبكيك مرة % وتضحك أخرى فاصطبر للعوائد ) # قالوا ويرى الأماني بعد ستين يوما من ولادته ولكنه ينساها لضعف القوة ~~الحافظة وكثرة الرطوبات وفي ذلك لطف ms219 به أيضا لضعف قلبه عن التفكر فيما يراه # ( ويرى بعين القلب إذ يأتي له % ستون يوما رؤية الأحلام ) # ( لكنه ينساه بعد لضعفه % عن ضبطه في يقظة ومنام ) # | فصل # ولما تكامل للنطفة أربعون يوما فاستحكم نضجها وعقدتها حرارة الرحم استعدت ~~لحالة هي أكمل من الأولى وهي الدم الجامد الذي يشبه العلقة ويقبل الصورة ~~ويحفظها بانعقادها وتماسك أجزائها فاذا تم لها أربعون استعدت لحاقا هي أكمل ~~من الحالتين قبلها وهي صيرورتها لحما أصلب من العلقة وأقوى وأحفظ للمخ ~~المودع فيها واللحم هو كسوتها والرباطات تمسك أجزاءها وتشد بعضها بعضا ~~والكبد الذي يأخذ صفو الغذاء فيرسله إلى سائر الأعضاء وإلى الشعر والظفر ~~والامعاء التي هي مجاري وصول الطعام والشراب إلى المعدة والعروق التي هي ~~مجاري منفذة وإيصاله إلى سائر أجزاء البدن والمعدة التي هي PageV01P228 @ ~~خزانة الطعام والشراب وحافظته لمستحقيه والقلب الذي هو منبع الحرارة ومعدن ~~الحياة والمستولي على مملكة البدن والرئة التي تروح عن البدن وتفيده الهواء ~~البارد الذي به حياته واللسان الذي هو بريد القلب وترجمانه ورسوله والسمع ~~الذي هو صاحب أخباره والبصر الذي هو طليعته ورائده والكاشف له عما يريد ~~كشفه والأعضاء التي هي خدمه وخوله والرجلان تسعى في مصالحه واليد تبطش في ~~حوائجه والأسنان تفصل قوته وتقطعه والعروق توصله إلى أربابه والذكر آلة ~~نسله وأنثياه خزانة مادة النسل والكبد للغذاء وقسمته وهي في الحيوان بمنزلة ~~شرش الشجر والنبات تجدب الغذاء وترسله إلى جميع الأجزاء وآلات الغذاء خدم ~~له والقلب للأرواح الذي به حياة الحيوان وآلات النفس خدم له والدماغ معدن ~~الحس والتصور والحواس خدم له والأنثيان معدن التناسل والذكر خدم لهما وهذه ~~الأعضاء هي رأس أعضاء البدن # | فصل # وأما آلات الغذاء فثلاثة أقسام آلة تقبل الغذاء وتصلحه وتفرقه وترسله إلى ~~جميع البدن وآله تقبل فضلاته وآلة تعين في إخراج ثفله وما لا منفعة في ~~بقائه فالآلات القابلة هي الفم والمريء والبطن والكبد والعروق الموصلة إلى ~~الكبد والعروق الموصلة منها إلى البدن # | فصل # وأما الآلات القابلة للفضلات فالمرارة تقبل ما لطف ms220 منها والطحال يقبل ~~كثيفها والكلى والمثانة يقبلان المتوسط والكبد موضوعة في الجانب الأيمن ~~وتأخذ يسيرا للجانب الأيسر وهذا لحكمة بديعة وهي أن القلب في الجانب الأيسر ~~أقرب وهو معدن الحار الغريزي فتجنب عند الكبد قليلا لئلا يتأذى بحرارتها ~~وجعل في أوعية الغذاء قوى خادمة له فالفم مع كونه يقطع الغذاء ويطحنه يحيله ~~ويغيره والمريء مع كونه منفذا إلى المعدة يغيره تغييرا ثانيا والمعدة مع ~~كونها خزانة حافظة له تنضجه وتطبخه وتغيره تغييرا PageV01P229 @ ثالثا ~~وتهضمه وتنفي منه مالا يصلح وتخرجه وتدفعه إلى مخرج الثفل فإن الطعام إذا ~~استقر في المعدة اشتملت عليه وانضمت غاية الانضمام ثم أنضجته بحرارتها ثم ~~تتولاه الكبد وتشتمل عليه وتقلبه دما خالصا ثم تقسمه على جميع الأعضاء قسمة ~~عدل لا جور فيها ولا حيف # ولما كانت المعدة حوض البدن الذي يرده أجزاء البدن من كل ناحية اقتضت ~~الحكمة الإلهية جعلها في وسطه وخالص الغذاء يتأدى إلى الكبد من شعب كثيرة ~~ويجتمع في موضع واحد واسع يسمى باب الكبد وجميع العروق التي تتصل بالمعدة ~~والأمعاء والطحال تجتمع وترتقي إلى باب الكبد والمعدة تجذب الموافق ويبقى ~~المخالف المنافي الذي عجزت قوتها عنه ثم أن الكبد تصفيه وتنقيه بعد اجتذابه ~~مرة أخرى وتنفي عنه غير الموافق # وقد أعد الصانع الحكيم سبحانه لتنقية الدم من الكبد ثلاثة خدام فارهين ~~قائمين بالمرصاد بلا كسل ولا فتور وقد وضع كلا منها في المكان اللائق به ~~ونصبه نصبة بها يكون أمكن من عمله ولما استقر الغذاء في المعدة وطبخته ~~وأنضجته صارت فضلاته ثلاثة فضلة كالدردي الراسب وفضلة كالرغوة والزبد ~~الطافي وفضلة مائية فجعل كل خادم من هذه الخدام الثلاثة على فضلة لا ~~يتعداها إلى الأخرى ليجذبها من مجرى خادم الفضلة الخفيفة الطافية وهي ~~للصفرة المرارة نصبها الرب تعالى فوق الكبد لأن المجتذب هو الفضلة الطافية ~~ومكانها فوق مكان الدردي الراسب وخادم الفضلة التي هي كالدردي الراسب ~~الطحال ونصبه الخلاق العظيم أسفل من باب الكبد حيث كان ما يجتذبه من أسفل ~~ولم يكن في الجانب ms221 الأيمن لأن المعدة قد شغلت ذلك الجانب وكان الجانب ~~الأيسر خاليا فلم تعده فإذا نقي الدم من هاتين الفضلتين خدمه الخادم الثالث ~~وهو الكبد وقد بقي أحمر نقي اللون مشرقا نورانيا ويصل إليها من عرق عظيم ~~يسمى الأجوف ثم يوزع من هناك على جهات البدن العليا والسفلى في رواضع كثيرة ~~العدد ما بين كبير وصغير ومتوسط كلها تتصل بالعرق الاجوف وتمتاز منه وما ~~دام الدم في هذا العرق ففيه مائية غير محتاج إليها لأنها كانت بتركب الغذاء ~~PageV01P230 @ فلما وصل إلى مستقره استغنى عنها فاحتاج ولا بد إلى إخراجها ~~ودفعها ولو لم يبادر إلى ذلك أضرت به فخلق الله سبحانه الكليتين يمتصان هذه ~~الفضلة بعنقين طويلين كالأنبوبتين ويفرغانها في المثانة بعرقين آخرين ~~وضعهما سبحانه أسفل من الكبد قليلا حيث يكون أمكن لتخليص المائية كما تروق ~~العصارات وأما المرارة فوضعها الله سبحانه فوق الكبد لأنها بمنزلة السفنجة ~~أو القطنة التي يقطف بها الدهن عن وجه الرطوبات وأما الطحال فوضعه أميل إلى ~~أسفل لأنه بمنزلة ما يجتذب الأشياء المصونة إذا رسبت # | فصل # إذا تنقى الدم من هذه الفضلات كلها وعملت فيه هذه الخدم بقواها التي ~~أودعها الله فيها هذا العمل وأصلحته هذا الإصلاح عمل ملك الأعضاء والجوارح ~~وهو القلب فيه عملا آخر فقصده بحرارة آخرى وهي أقوى من حرارة الكبد # | فصل # وجعل سبحانه في المعدة أربع قوى قوة جاذبة للملائم وقوة منضجة له وقوة ~~ممسكة له وقوة دافعة للفضلة المستغنى عنها منه ورئيس هذه القوى هي القوة ~~المنضجة وسائرها خدم لها وخصت المعدة عن سائر الأعضاء بأن أودع فيها قوة ~~تحس بالعوز والنقصان وخاصتها تنبيه الحيوان لتناول الغذاء عند الحاجة وأما ~~سائر الأعضاء فإنها تتغذى بالنبات باجتذاب الملائم إليها ولما احتاجت ~~المعدة إلى قوة وحس بالعوز ولم يكن ذلك إلا من معدن الحواس وهو الدماغ ~~أتاها روح لعصب عظيم فأنبت أكثرها في فمها وما يليه وباقيه مستقيا حتى بلغ ~~قعرها # فإن قيل فما الحكمة في أن باعد الله سبحانه بين المعدة والفم وجعل ms222 بينهما ~~مجرى طويلا وهو المريء وهلا اتصلت المعدة بالفم واستغنت عن المريء قيل هذا ~~من تمام حكمة الخالق وفيه منافع كثيرة منها أن يحصل للغذاء تغير ~~PageV01P231 @ ما في طريق المجرى فيلطف قبل وصوله إليها ومنها بعده عن آلة ~~التنفس لئلا تعوقه وتعوق الصوت والكلام وأن لا تنقلب المعدة إلى خارج عند ~~شدة الجوع كما يعرض ذلك للحيوان الشره إذا كان قصير العنق # فإن قيل فلم كانت إلى الجانب الأيسر أميل منها إلى الجانب الأيمن قيل ~~ليتسع المكان على الكبد ولا ينحصر # فإن قيل فهلا كانت مستقيمة في وضعها بل مال أسفلها إلى الجانب الأيمن قيل ~~ليتسع المكان على الطحال حيث كان أخفض موضعا من الكبد # فإن قيل فلم جعلت مستطيلة مدورة وجعلت مما يلي الصلب مسطحة قيل لما وضعها ~~الله بين الكبد والطحال جعلها مستطيلة وكانت مستديرة لتتسع للطعام والشراب ~~وكان أسفلها أوسع من أعلاها لذلك وجعل لها مدخلا وهو المريء ومخرجها يسمى ~~البواب وجعل البواب أضيق من المريء لأن ما تبتلعه يكون أصلب وأخشن مما ~~تخرجه فجعل مدخل الداخل أوسع من مخرج الخارج لإنضاجه في المعدة ولينه ولحكم ~~آخر منها أن لا ينزل منه الطعام والشراب قبل نضجه ولتقوى المعدة على حبسه ~~وليخرج أولا فأولا لا دفعة واحدة والمريء يتسع بالتدريج حتى يبلغ المعدة ~~ولذلك يظن أنه جزء منها وأما البواب فإن الجزء الضيق منه يتصل بأسفلها الذي ~~هو أوسعها ثم يتسع على التدريج ليسهل خروج الفضلة # | فصل # والكبد منطبقة على المعدة محتوية عليها بزوائدها لتسخنها والطحال يسخنها ~~من الباب الأيسر والصلب يسخنها من خلف والترائب من قدامها والترائب مؤلفة ~~من طبقتين رقيقتين تنطبق إحداهما على الأخرى بشحم كثير وهو غشاء الأمعاء ~~كلها ولباسها ثم غشي البطن كله بغشاء واحد يقي الأحشاء ويمنع من انفتاح ~~المعدة والأمعاء بالرياح ويربط جملة آلات الغذاء ولم يجعل في الكبد تجويف ~~كتجويف القلب لتحتوي على الدم احتواء ممكنا وتحيله حال بليغة وللكبد ثلاث ~~شباك من العروق شبكة بينها وبين المعدة والأمعاء PageV01P232 @ وشبكة في ms223 ~~مفرعها وشبكة في مجذبها فالشبكة الأولى تجذب الغذاء وتحيله بعد أن أحاله ~~وفي الشبكة الثانية يصير دما وفي الشبكة الثالثة يزداد صفاء وترويقا وللكبد ~~بالقلب والدماء اتصال بشظلة من العصب خفية كنسج العنكبوت # ولما كانت النفس المعدية بمنزلة حيوان عاد وحشي وكل جسم يموت فلا بد أن ~~تتصل به هذه النفس وتغذوه بخلاف النفس المفكرة التي محلها الدماغ وبخلاف ~~النفس الغضبية التي محلها القلب فالنفس المفكرة تستعين بالنفس الغضبية على ~~تلك النفس الحيوانية العادية الوحشية فاقتضت حكمة الخالق سبحانه أن وصل بين ~~محل هذه الأنفس الثلاثة ليذعن بعضها لبعض # ولا تنكر تسمية هذه القوى نفوسا فليس الشأن في التسمية فأنت تجد فيك نفسا ~~حيوانية تطلب الطعام والشراب ونفسا مفكرة سلطانها على التصور والعلم ~~والشعور ونفسا غضبية سلطانها على الغضب والإرادة وتضرب كل واحدة منها فيما ~~جعلت إليه وبعضها عون لبعض فمحل النفس الحيوانية الكبد ومحل المفكرة الدماغ ~~ومحل الغضبية القلب # | فصل # وتأمل الحكمة في أن جعلت صفاقات عروق الكبد أرق من صفاقات سائر عروق ~~البدن لينفذ إلى الكبد جوهر الدم بسرعة وهي مع ذلك غير محتاجة إلى الوقاية ~~لأن الكبد تحوزها بلحمها وإنما وضعت مجاري المرة الصفراء بعد العروق التي ~~تصعد الغذاء من المعدة وقبل العروق التي تأخذ الدم منها لأن هذا الموضع هو ~~بين موضع كمال الطبخ وبين موضع انتقاله إلى العرق الأجوف وحينئذ يمكن ~~انفصال المرة عن الدم وجمعت العروق كلها إلى عرق واحد هو الباب ثم عادت ~~فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى عرق واحد هو الباب ثم ~~عادت فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى عرق واحد وهو الأجوف ~~لتجيد بقسميها إنضاج ما تحتوي عليه ولئلا ينفذ بسرعة وكذلك كل موضع احتيج ~~فيه إلى طول مكث المادة هيء بقاؤها فيه بطول مسلكها وكثرة تعاريجه كما فعل ~~في مجاري المني وشبكة الدماغ وهذا شأن العروق الجواذب وأما العروق الضوارب ~~فبالعكس من ذلك فانها جمعت في مقعر الكبد دون مجده بها ms224 لأنه موضع الدم ~~وحاجته PageV01P233 @ إلى التغذية بالحرارة ماسة قال جالينوس ولا تقع ~~العروق الضوارب في مجذب يعلم الخالق سبحانه أن جذبه الكبد لأنها تتحرك ~~دائما بمجاورة الحجاب فيقوم لها ذلك مقام حركة العروق الضوارب وجعلت هذه ~~العروق الضوارب رقاقا لأنها إنما وضعت لترويح الكبد لا لتغذيتها ولا لاتصال ~~روح إليها إذ ليس بالكبد حاجة إلى قبول روح حيواني كثير ولا يحتاج لحمها ~~إلا إلى غذاء لطيف بخاري # | فصل # وأحرز الصانع سبحانه موضع الكبد ووضعها بأن ربطها بالمعدة والأمعاء كلها ~~بالعروق وبالغشاء الممدود على البطن الذي يشد جميعها ووصل بها رباطات من ~~جميع النواحي وغشاؤها الرابط يتصل بالحجاب برباط قوي ورباط الكبد بالحجاب ~~صلب وثيق لأن الكبد معلقة به وهو أصلب من غشاء الكبد لشدة الحاجة إلى ~~صلابته لأنه يحرز الكبد والعرق الأجوف متى ناله آفة مات الحيوان كما تهلك ~~أغصان الشجرة إذا أصاب ساقها آفة # وجعل أرق هذه الرباطات من خلف لشده بالعظام وأغلظه من قدام حيث لا عظام ~~هناك تقيه وهذا من شدة الأسر الذي قال الله تعالى فيها @QB@ نحن خلقناهم ~~وشددنا أسرهم @QE@ شد أوصالهم بالرباطات المحكمة وجعل خلقهم بعضه موصولا ~~ببعض ولما كان الحجاب آلة شريفة للنفس بوعد من العضوين المجاورين له وهما ~~المعدة والكبد بمقدار حاجته لئلا يزحماه ويعوقاه عن فعله فبوعدت المعدة عنه ~~بطول مجراها # | فصل # وأما الطحال فبعضهم يقول إنه لا نفع فيه وإنما شغل المكان به لئلا يبقى ~~فارغا فيميل أحد شقي البدن بثقل الكبد فجعل موازنا للكبد PageV01P234 @ # قلت وهذا غلط من وجه وصواب من وجه أما الصواب فمن الحكم العجيبة جعل ~~الطحال في الجانب الأيسر على موازنة الكبد لئلا يميل الشق الأيمن بها ولا ~~يمكن أن تقوم المعدة بموازنة الكبد لأنها دائما تمتلئ وتخلو فتارة تكون أخف ~~من الكبد وتارة أرجح منها فيصير البدن مترجحا أو يميل إلى شق الكبد وقتا ~~وإلى شق المعدة وقتا آخر فجعل الخالق سبحانه الطحال يوازن الكبد وجعل ~~المعدة بينهما في الوسط لئلا يثقل جانب ويخف جانب آخر ms225 عند امتلائها وخلوها ~~فلما جعلت وسطا لم يختلف وضع البدن باختلافها # وأما الغلط فقوله إنه لا منفعة فيه وإنما يشغل المكان لئلا يبقى فارغا ~~فإنه وإن لم يعلم فيه منفعة لم يكن له أن ينفيها فإن عدم العلم بالمنفعة لا ~~يكون علما بعدمها ولا شيء في البدن خال عن المنفعة ألبتة وفي الطحال من ~~المنافع أنه يجذب الفضلة الغليظة العكرة السوداء من الكبد نوعا من جنس ~~العروق كالعنق له فإذا حصلت تلك الفضلة عنده أنضجها وأحالها وهو ينضج غليظ ~~الدم وعكره كما ينضج قولون غليظ الغذاء ويابسه ويستعمل في فعله العروق ~~والضوارب الكثيرة المبثوثة فيه كلها فما نضج واستحال إلى طبيعته صار غذاء ~~له ومالم يمكن أن ينقلب إلى الدم الموافق له قذفه إلى المعدة بعنق آخر من ~~جنس العروق وإنما أمكنه جذب الفضل الأسود بقوة لحميته لأنه رخو متحلحل خفيف ~~كالاسفنج ولما اتصلت به العروق الضوارب الكثيرة استغنى بها عن إنضاج الفضول ~~السوداء ليبقى لحمه خفيفا متحلحلا لأن دم الشرايين رقيق لطيف قريب طبيعته ~~البخار فما اغتذى به كان نحيفا كالرئة ولكن الرئة تغتذى بما صفا ورق وأشرق ~~وكان أحمر ناريا وكذلك الرئة كانت أخف وزنا منه وأسخف جرما ومائلة إلى ~~البياض وأما الطحال فيغتذى بماء لطيف من الخلط الأسود المنطبخ في الشرايين ~~فيستريح منه البدن ويغتذى به الطحال فالطحال يغتذى بغذاء لطيف من غذاء ~~الكبد لأنه يرشح إليه من الشرايين التي صفا فأيهما يحبه جدا ولأجل سواد تلك ~~الفضلة وكونها عكرة في الأصل لم يكن لون الطحال أحمر ولا مشرقا PageV01P235 ~~@ # فأما الكبد فتتغذى بدم غليظ فاضل يرشح إليها من العروق غير الضوارب ~~فلجودة غذائها كان لونها أحمر ولفضلته كانت كثيفة فالكبد تغتذى بدم أحمر ~~غليظ والطحال بدم أسود لطيف والرئة بدم صاف مشرق في غاية النضج قريب من ~~طبيعة الروح فجوهر كل عضو على ما هو عليه غذاؤه ملائما له فالغاذي شبيه ~~بالمغتذى في طبعه وفعله وهذا كما أن حكمة الله سبحانه في خلقه فيه جرت ~~حكمته في ms226 شرعه وأمره حيث حرم الأغذية الخبيثة على عباده لأنهم إذا اغتذوا ~~بها صارت جزءا منهم فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم إذ الغاذي شبيه بالمغتذي ~~بل يستحيل إلى جوهره فلهذا كان نوع الإنسان أعدل أنواع الحيوان مزاجا ~~لاعتدال غذائه وكان الاغتذاء بالدم ولحوم السباع يورث المغتذى بها قوة ~~شيطانية سبعية عادية على الناس فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية ~~وأشباهها إلا إذا عارضها مصلحة أرجح منا كحال الضرورة ولهذا لما أكلت ~~النصارى لحوم الخنازير أورثها نوعا من الغلظة والقسوة وكذلك من أكل لحوم ~~السباع والكلاب صار فيه قوتها ولما كانت القوة الشيطانية عارضة ثابتة لازمة ~~لذوات الأنياب من السباع حرمها الشارع ولما كانت القوة الشيطانية عارضة في ~~الإبل أمر بكسرها بالوضوء لمن أكل منها ولما كانت الطبيعة الحمارية لازمة ~~للحمار حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية ولما كان الدم ~~مركب الشيطان ومجراه حرمه الله تعالى تحريما لازما # فمن تأمل حكمة الله سبحانه في خلقه وأمره وطبق بين هذا وهذا فتحا له بابا ~~عظيما من معرفة الله تعالى واسمائه وصفاته وهذا هو الذي حركنا لبسط القول ~~في هذا المقام الذي لا يكاد يرى فيه إلا أحد الطريقين طريق طبيب معترض ~~للوحي مقلد لبقراط وطائفته قد عبرت عينه على الرسل وما جاءوا به وهو ممن ~~قال تعالى فيه @QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ وطريق من يجحد ذلك كله ويكذب قائله ~~ويظن منافاته للشريعة فيجحد حكمة الله تعالى في خلقه وإبداعه في صنعه وكلا ~~الطريقين مذموم وسالكه من الوصول إلى الغاية محروم فلا نكذب بشرع الله ولا ~~نجحد حكمة الله وأكثر ما أفسد الناس أنهم لم يروا إلا طبائعيا زنديقا منحلا ~~عن الشرائع أو متساهلا قادحا فيما جرت به حكمة الله ومشيئته في خلقه ~~PageV01P236 @ منكرا للقوى والطبائع والاسباب والحكم والتعليل فإذا أراد ~~الأول أن يدخل في الإسلام صده جهل هؤلاء ومكابرتهم للقول والحس وإذا أراد ~~الآخر أن يدخل في معرفة الحكم ms227 والغايات وما أودع الله في مخلوقاته من ~~المنافع والقوى والأسباب صده زنادقة هؤلاء وكفرهم وإعراضهم عما جاءت به ~~الرسل وقدحهم فيما عندهم من العلم فيختار دينه على عقله ويختار ذلك عقله ~~وما استقر عنده مما لا يكابر فيه حسه ولا عقله على الدين وهذا قد بلى خلق ~~الأطباء والطبائعيين فهو عنده أحد أنواع أدلة التوحيد والمعاد وصفات الخالق ~~وما أخبرت به الرسل هو من أظهر أدلته ولا يزداد الباطن فيه إلا إيمانا وما ~~أخبرت به الرسل لا يناقض ما جرت به عادة الله وحكمته في خلقه من نصب ~~الأسباب وترتيب مسبباتها عليها بعلمه وحكمته فمصدر خلقه وأمره علمه تعالى ~~وحكمته وآلاء الرب تعالى لا تتعارض ولا تتناقض ولا يبطل بعضها بعضا والله ~~أعلم # | فصل # والكبد والطحال متقابلان والمعدة بينهما والعروق الضوارب تتصل بها المعدة ~~والقلب بمنزلة التنور أو بمنزلة أتون الحمام يسخن ماءه وله إلى كل بيت منفذ ~~ينفذ منه وهج النار إليه وكذلك الحار الغريزي الذي منبعه من القلب ينفذ في ~~مسالك ومنافذ إلى جميع الأعضاء فيسخنها # | فصل # وجعلت الأعضاء مسلكا مؤديا والمعدة هي الآلة لهضم الغذاء واستمرائه ~~والأمعاء تؤدي ذلك إلى الكبد ولما كانت الامعاء آلة الأداء والاتصال كثرت ~~لفائفها وطولها وكانت العروق التي تأتيها من الكبد لا تحصي كثرة لينفذ فيها ~~الغذاء أولا فأولا وتفيضه يسيرا يسيرا فلولا تطويل لفائف الأمعاء لكان يخرج ~~قبل اخذ خاصيته وكان يعرض إليهم بشهوة الأكل دائما وكان الإنسان يعدم ~~التفرغ لمصالحه وسائر أعماله وكان دائما مكبا على الغذاء ولهذا صار الحيوان ~~PageV01P237 @ الذي ليس لأمعائه استدارات بل له معي واحد مستقيم مكبا على ~~الغذاء دائما عديم الصبر عنه كالفيل وأما مالأمعائه استدارات فإنه إذا ~~فارقه الغذاء أو بعضه في الاستدارة الأولى صادفه في الثانية فإن هو فاته في ~~الثانية صادفه في الثالثة والرابعة والخامسة كذلك فيمكن صبره على الغذاء ~~حكمة بالغة # وما ينفذ إلى الأمعاء يبعث من العروق الضاربة ويأخذ من الغذاء جزءا يسيرا ~~لطيفا وأما العروق غير الضاربة فهي مجاري الغذاء ms228 بالحقيقة فاخذت أكثره وأما ~~العروق الضاربة فجعلت مسلكا للأرواح المنبعثة من القلب فاستغنت بقليل ~~الغذاء وجعل للقلب وصلة بالامعاء ليحسنها أولا ويمدها بقوة الحار بإذن ~~خالقه ثم يأخذ منها الجزء الملائم من الغذاء المستغنى عن فعل الكبد للطاقة ~~جوهره فإن هذا الجزء لو حصل في الكبد لم يؤمن إحراقه وفساده فلا ينتفع به ~~القلب ثم يأخذ منها عند شدة الحاجة وصدق المجاعة فيتعجل ذلك من أدنى ~~المواضع ولذلك يشاهد من أكل مسنبة شديدة يحس بزيادة ونماء في كل أعضائه حتى ~~يمر الطعام بالمعدة قبل استقراره فيها فسبحان من أتقن ما صنع # ولما كانت المعدة آلة هضم الغذاء والأمعاء آلة دفعه جعل للأمعاء طبقتان ~~ليقوى دفعها بهما جميعا وليكون حرزا لها وحفظا ولذلك من تعرض له قرحة ~~الامعاء بانجراد أحد الصفاقين يبقى الآخر سليما وجعلت الامعاء الغلاظ لقذف ~~الثفل والرقاق لتأذية الغذاء والسبب في أن صار الإنسان لا يحتاج إلى تناول ~~الغذاء دائما كثرة لفائف أمعائه والسبب المانع من قذف الفضول دائما سعة ~~الأمعاء الغلاظ التي تقوم لها مقام وعاء آخر شبيه بالمعدة في السعة كما أن ~~المثانة وعاء للبول كذلك # | فصل # ونحن نذكر فصلا مختصرا في هذا الباب يجمع شتات ذلك بإيضاح وإيجاز إن شاء ~~الله تعالى وبه الحول والقوة فنقول PageV01P238 @ # المريء موضوع خلف الحلقوم ومما يلي فقار الظهر وينتهي في ذهابه إلى ~~الحجاب وهو مشدود برباطات فإذا أبعد مال إلى الجانب الأيسر واتسع وذلك ~~المتسع هو المعدة وأسفلها يعود مائلا إلى اليمين والمعدة مقر طبخه وفمها هو ~~المسدف منها ويسمونه الفؤاد وهذا من غلطهم إلا أن يكون ذلك اصطلاحا خاصا ~~منهم والفؤاد عند أهل اللغة هو القلب قال الجوهري الفؤاد القلب وقال ~~الأصمعى وفي الجوف الفؤاد وهو القلب وقد فرق بعض أهل اللغة بين القلب ~~والفؤاد فقال الليث القلب مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط وقالت طائفة مسدف ~~القلب وقال النبي صلى الله عليه وسلم جاءكم أهل اليمن أرق قلوبا وألين ~~أفئدة ففرق بينهما ووصف القلب بالرقة والأفئدة باللين وأما ms229 كون فم المعدة ~~هو الفؤاد فهذا لا نعلم أحدا من أهل اللغة قاله وتأمل وصف النبي صلى الله ~~عليه وسلم القلب بالرقة التي هي ضد القساوة والغلظة والفؤاد باللين الذي هو ~~ضد اليبس والقسوة فإذا اجتمع لين الفؤاد إلى رقة القلب حصل من ذلك الرحمة ~~والشفقة والاحسان ومعرفة الحق وقبوله فإن اللين موجب القبول والفهم والرقة ~~تقتضي الرحمة والشفقة وهذا هو العلم والرحمة وبهما كمال الانسان وربنا وسع ~~كل شيء رحمة وعلما فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول # المعدة مع المريء ذات طبقتين لطيفتين واللحم في الطبقة الداخلة أقل ولهذا ~~يغلب عليها البياض وهي عصبية حساسة وهي في الطبقة الخارجة أكثر ولهذا يغلب ~~عليها الحمرة وهي مربوطة مع الفقار برباطات وثيقة وتنتهي من جهة قعرها إلى ~~منفذ هو باب المعدة وبوابها يغلق عند اشتماله على الغذاء مدة هضمه ويقال ~~لباطن جرم المعدة خمل المعدة # والأمعاء المصارين وهو جمع مصران بضم الميم وهو جمع مصير PageV01P239 @ ~~وسمي مصيرا لمصير الغذاء إليه والسفلي يقال لها الاقتاب ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم فتندلق أقتاب بطنه والعليا أرق من السفلى لما تقدم من الحكمة # فأعلى الرقاق يسمى الاثني عشر لأن مساحته اثنا عشر إصبعا ويليه المسمى ~~بالصائم لقلة لبث الغذاء فيه لا لأنه يوجد أبدا خاليا كما ظنه بعضهم فإن ~~هذا باطل حسا وشرعا كما سنذكره والثالث المسمى بالرقيق واللفائف وهو أطول ~~الأمعاء وأكثرها تلافيف ولبث الغذاء فيه أطول والعروق التي تأتيه من الكبد ~~أقل وأما اللذان قبله فمنتصبان في طول البدن قصيران ويقل لبث الغذاء فيهما ~~وهو في الصائم أقل لبثا وهذه الثلاثة تسمى الأمعاء العليا والأمعاء الرقاق ~~وهي كلها في سعة البواب # وأما الدامع وهو الأول من الثلاثة السفلي فيسمى الأعور لأنه لا منفذ له ~~بل هو كالكيس يخرج منه ما دخل من حيث دخل وحكمته سبحانه أنه يتم فيه ما ~~يعسر هضمه من الأشياء الصلبة كما يتم ذلك في قوانص الطيور ووضعه في الجانب ~~الأيمن # والخامس المسمى يقولون يبتدئ من الجانب ms230 الأيمن ويأخذ عرضا إلى الأيسر ~~ويحتبس فيه الثفل وربما يستقضى ما فيه # والسادس هو الآخر وهو المعي المستقيم لأنه مستقيم الوضع في طول البدن وهو ~~واسع جدا يجتمع فيه الثفل كما يجتمع البول في المثانة وعليه الفضلة المانعة ~~لخروج الثفل بدون الإرادة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~PageV01P240 @ المؤمن يأكل في معنى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء فأطلق ~~على المعدة أسم المعي تغليبا ولمشابهتها بالأمعاء لكون كل واحد من الأمعاء ~~والمعدة محلا للغذاء وهذا لغة العرب كما يقولون القمران والعمران والركنان ~~اليمانيان والشاميان والعراقيان ونظائر ذلك ولا سيما فإن تركيب الأمعاء ~~كتركيب المعدة إذ هي مركبة من طبقتين لحمية خارجة وعصبية داخلة والطبقة ~~الداخلة فيها لزوجات متصلة بها لتقيها من حر ألم البراز ورداءته كثيفة فلا ~~تمسكه ولا يتعلق بها شيء منه ولما كان الكافر ليس في قلبه شيء من الإيمان ~~والخير يغتذي به انصرفت قواه ونهمته كلها إلى الغذاء الحيواني البهيمي لما ~~فقد الغذاء الروحي القلبي فتوفرت أمعاؤه وقواه على هذا الغذاء واستفرغت ~~أمعاؤه هذا الغذاء وامتلأت به بحسب استعدادها وقبولها كما امتلأت به العروق ~~والمعدة وأما المؤمن فإنه إنما يأكل العلفة ليتقوى بها على ما أمر به فهمته ~~وقواه مصروفة إلى أمور وراء الأكل فغذا أكل ما يغذيه ويقيم صلبه استغنى ~~قلبه ونفسه وروحه بالغذاء الإيماني عن الاستكثار من الغذاء الحيواني فاشتغل ~~معاه الواحد وهو قولان بالغذاء فأمسكه حتى أخذت منه الاعضاء والقوى مقدار ~~الحاجة فلم يحتج إلى أن يملأ أمعاءه كلها من الطعام وهذا أمر معلوم ~~بالتجربة وإذا قويت مواد الإيمان ومعرفة الله واسمائه وصفاته ومحبته والشوق ~~إلى لقائه في القلب استغنى بها العبد عن كثير من الغذاء ووجد لها قوة تزيد ~~على قوة الغذاء الحيواني فإن كثف طباعك عن هذا وكنت عنه بمعزل فتأمل حال ~~الفرح والسرور بتجدد نعمة عظيمة PageV01P241 @ واستغناؤك مدة عن الطعام ~~والشراب مع وفور قوتك وظهور الدموية على بشرتك وتغذية بالسرور والفرح ولا ~~نسبة لذلك إلى فرح القلب ms231 ونعيمه وابتهاج الروح بقربه تعالى ومحبته ومعرفته ~~كما قيل # ( لها أحاديث من ذكراك تشغلها % عن الطعام وتلهيها عن الزاد ) # وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته إني أظل عند ربي ~~يطعمني ويسقيني وصدق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه فإن المقصود من ~~الطعام والشراب التغذية الممسكة فإذا حصل له أعلى الغذاءين وأشرفهما ~~وأنفعهما فكيف لا يغنيه عن الغذاء المشترك وإذا كنا نشاهد أن الغذاء ~~الحيواني يغلب على الغذاء القلبي الروحي حتى يصير الحكم له ويضمحل هذا ~~الغذاء بالكلية فكيف لا يضمحل غذاء البدن عند استيلاء غذاء القلب والروح ~~ويصير الحكم له وقد كان صلى الله عليه وسلم يمكث الأيام لا يطعم شيئا وله ~~قوة ثلاثين رجلا ويطوف مع ذلك على نسائه كلهن في ليلة واحدة وهن تسع نسوة ~~وهذا المسيح بن مريم صلى الله عليه وسلم حي لم يمت وغذاؤه من جنس غذاء ~~الملائكة وأنت تشاهد المريض يمكث الأيام العديدة لا يأكل ولا يشرب لاشتغال ~~نفسه بمحاربة المرض ومدافعته واكتفاء الطبيعة ببقية الغذاء الذي في الأمعاء ~~والمعدة مدة الحرب فإذا وضعت الحرب اوزارها رأيت شدة طلبه للغذاء فالخائف ~~والمحب والفرح والحزين والمستولي عليه الفكر لا تطالبه نفسه بشيء من الغذاء ~~كالخالي من ذلك # | فصل # والكبد عضو لحمي تتخلله عروق رقاق وغلاظ وعلى الكبد غشاء عصبي حساس يحيط ~~بها وينثني إلى غلافه والكبد هي الأصل في الغذاء وآلات الغذاء PageV01P242 ~~@ خدم لها معينات فإن الإنسان لما كان كالشجرة المستقلة جعل له ما يقوم ~~مقام النهر الجاري في أصول الشجرة يسقيها وهو الأمعاء والمعدة بمنزلة العين ~~وتجري منها العروق مجرى السواقي وعروق الكبد المتصلة بالامعاء بمنزلة عروق ~~الشجرة المتصلة بأرض الساقية تمتص الماء منها وتؤديه إلى الشجرة وأغصانها ~~وورقها وثمارها وهذه العروق تمص الماء من الطين والثرى وكذلك عروق الكبد ~~تمتص صفو الماء وخالصه من كلوليته وتحيله إلى طبيعة الأعضاء كما تفعل عروق ~~الشجرة وشكل الكبد شكل هلالي محدب من ظاهره مقعر من باطنه وهي تحت الاضلاع ~~الخمس ولها ms232 خمس شعب يقال لها الزوائد تحتوي على المعدة كما تحتوي الكف ~~بأصابعها على الشيء المقبوض ويقال للشعبة الصغيرة منها خاصة زائدة الكبد ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سبعين ألفا من أهل الجنة يأكلون ~~من زيادة كبد الحوت الذي هو طعامهم وهذا يدل على عظم قدر هذه الزائدة فما ~~الظن بالكبد التي هي زائدته فكيف بالحوت الذي حواها # ومقعرها يسمى المورد لأنه يورد الغذاء من المعدة والامعاء ويسمى باب ~~الكبد ثم تتشعب هذه العروق من جانبيه بشعب تتصل بالامعاء وتسمى الجداول ~~لشبهها بالسواقي الصغار وتؤدي إلى نقرة عظيمة ولهذه الجداول أغشية من فوقها ~~ومن تحتها فتستدير مع الأمعاء العروق المتصلة بها وتسمى هذه الأغشية وما ~~تحتوية المرابط # | فصل # والعرق الثاني ينقسم في مجذبها إلى عروق صغار وأصغر منها حتى تبلغ غاية ~~الرقة ثم تعود وتجتمع أول فأول على قياس ما تفرق وأخذ من كثرة إلى وحدة ومن ~~رقة إلى غلظ حتى يجتمع منها العرق الخارج من الكبد المسمى بالأجوف ومنها ~~يتأدى الدم إلى البدن كله وحين يخرج ينقسم إلى قسمين فيأخذ أحدهما نافذا في ~~الحجاب نحو القلب ويسمى الوتين قال أهل اللغة الوتين عرق يسقي القلب قال في ~~الصحاح الوتين عرق في القلب إذا انقطع PageV01P243 @ مات صاحبه وأصيب وتينه ~~فهو موتون وقال الواحدي الوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل ~~بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه وهذا قول جميع أهل اللغة وأنشدوا ~~للشماخ # ( إذا بلغتني وحملت رحلي % عرابة فاشرقي بدم الوتين ) # وقال ابن عباس وجمهور المفسرين هو حبل القلب ونياطه وأما الأبهر الذي قال ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا اوان انقطاع أبهري فقال الجوهري الأبهر ~~عرق إذا انقطع مات صاحبه وهما أبهران يخرجان من القلب ثم تتشعب منهما سائر ~~الشرايين وأنشدوا للأصمعي # ( وللفؤاد وجيب عند أبهره % لدم الغلام وراء الغيب بالحجر ) # | فصل # والمرارة موضوعة على الكبد ولها مجريان أحدهما متصل بتقعير الكبد يجتذب ~~المرة الصفراء والآخر متصل بالامعاء العليا يصب في ms233 المرة ليغسلها ويجليها ~~ويتصل منه السر بأسفل المعدة ليمتزج بالغذاء فيكون فيه معونة على هضمه # | فصل # والقوة التي وكلها الله سبحانه وتعالى بتدبير البدن من أعظم آياته الدالة ~~عليه فانها تفعل في الطعام والشراب الواردين عليه أفعالا متنوعة من تقطيع ~~PageV01P244 @ وتفصيل وتمريخ وتحليل وتركب فمبدأ ذلك في الفم وهو تقطيعه ~~بالأسنان ومضغه واختلاطه بالرطوبات التي فيه وانهضامه فيه انهضاما تاما ثم ~~بعد ذلك عند وروده إلى المعدة تهضمه هضما آخر ويسمى الهضم الأول ويعيبها ~~على هضمه ما يجاورها من الأعضاء فالكبد عن يمينها والطحال عن يسارها والقلب ~~من فوقها والمريء أمامها والامعاء السبل الموصلة إليها والعروق الطرق ~~المؤدية منها والحرارة النار الطابخة للطعام فيها والقوة الهاضمة والجاذبة ~~والغاذية والدافعة خدم لها فإذا انهضم الطعام فيها صار كيلوسا شبيها بماء ~~الكشك الثخين ثم نهتز صوبه ولطيفه فتقذفه العروق الرقاق الشعرية التي هي ~~برقة الشعر وينجذب إلى الكبد فإذا ورد هذا اللطيف إلى الكبد اشتملت عليه ~~بجملته فطبخته وهضمته وأحالته إلى جوهرها وصيرته دما ويسمى هذا الهضم ~~الثاني ولما كان هذا الانضاج والطبخ يشبه طبخ القدر علاه شيء كالرغوة ~~والزبد وهو الصفراء ورسب منه شيء مثل العكر وهو السوداء وتخلف عن تمام ~~النضج شيء بقي على فجوجته وهو البلغم والشيء الذي يصفي ويبقى من ذلك كله هو ~~الدم فاندفع من الكبد في العرق الأعظم المعروف بالأجوف بعد أن تصفت عنه ~~المائية إلى آلة البول فيسلك هذا الدم في الأوردة المتشعبة من الجوف ثم في ~~جداول متثقبة من الأوردة ثم في سواقي متثقبة من الجدوال ثم في رواضع مشتقة ~~من السواقي ثم في عروق رقاق شعرية ثم يرشح من أفواهها في الأعضاء لتغتذي به ~~فتحله الأعضاء وتصيره لجوهرها فيصير في اللحم لحما وفي العظم عظما وفي ~~العصب عصبا وفي الظفر ظفرا وفي الشعر شعرا وفي السمع والبصر وآلة الحس كذلك ~~فتبارك من هذا صنعه في قطرة من ماء مهين # | فصل # والدم هو الخليط الأصلي والغذاء الحقيقي للبدن والمخلف عليه بدل ما ينقص ~~ويتحلل ms234 منه والأخلاط الأخر كالأبازير والتوابل وهي صنفان صنف لطيف وهو دم ~~القلب وغليظ وهو دم الكبد ومثله مثل السلطان إذا كان وقورا حليما ساكنا ~~عاشت به رعيته وإذا غضب واحتد قتل PageV01P245 @ # | فصل # وأما البلغم فخليط فج مستعد لين يستكمل نضجه عند عوز الغذاء إذ تولته ~~الحرارة الغريزية فهضمته وصيرته دما فيكون في المعدة والأمعاء وفي الكبد ~~عند قصور الهضم وفيه من المنفعة أنه يرطب البدن ويبل المفاصل لسلس حركاتها ~~ويخالط الدم في تغذية الأعضاء البلغمية المزاج كالدماغ # ولما كانت الاعضاء محتاجة أن يكون قريبا منها لترطبها لم يجعل له عضو ~~يختص به لا سيما والأعضاء تغتذي به إذا أعوزها الغذاء # | فصل # وأما الصفراء فخليط لطيف حار وحاجة البدن إليها في أن تخالط الدم وترقه ~~بلطفها وتنفذه في المسالك الضيقة ولتعينه في تغذية الأعضاء الحارة اليابسة ~~وما ينفصل عنها مما يستغنى عنه يتصفى إلى المرارة لتأخذ نصيبها منه وما ~~تستغني عنه المرارة تصبه إلى الأمعاء ليغسلها عن لطخة الأثفال ولزوجتها ~~ولتدع عضل المقعدة فيحس بالحاجة إلى التبرز # | فصل # وأما المرارة السوداء فخليط بارد يابس وفيه من المنافع أنه ينفذ مع الدم ~~في العروق ليشده ويقويه ويكفيه ويمسكه ويمنعه من سهولة الحرمة عند الحاجة ~~إلى ذلك ويعينه على تغذية الأعضاء المحتاجة أن يكون في غذائها شيء من ~~السوداء كالعظام وما اتصل منه وما استغنى عنه يصفي إلى الطحال فيصفيه ~~الطحال جدا ويتغذى به ثم يجلب ما يستغنى عنه الطحال إلى فم المعدة فيدغدغه ~~بالحموضة التي فيه فتتحرك الشهوة ويحس بالجوع فتطلب الأعضاء القصوى معلومها ~~وراتبها من الأعضاء التي تليها وتطلبه الأعضاء التي تليها من التي تجاورها ~~وهكذا حتى ينتهي الطلب إلى المعدة فالجوع طلب الأعضاء القصوى معلومها ~~الأعضاء الدنيا PageV01P246 @ # | فصل # ولما اقتضت حكمة الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره حيث كان بدن ~~الإنسان مشبها في أحواله بالمدينة أن يوجد فيه أعضاء رئيسية تقوم بمصالحها ~~كما تقوم رؤساء المدينة بمصالحها وتكون لها بمنزلة الولاة والأمراء وأعضاء ~~تكون خادمة لهذه الأعضاء الرئيسية ms235 فإن الرئيس لا يكون رئيسا إلا بمرءوس وهي ~~بمنزلة الشرط والجلاوزة والنقباء وأن يوجد فيها أعضاء كالرعية وهي قسمان ~~ماله اتصال بالرؤساء وإن لم يكن له اتصال خدمة وما لا اتصال له بهم بل هو ~~مستقل بنفسه فالأعضاء إذا بهذا التقسيم اربعة أحدها الأعضاء الرئيسية ~~المخدومة الثاني الأعضاء المرءوسة الخادمة الثالث الأعضاء المرؤوسة بلا ~~خدمة الرابع الأعضاء التي ليست رئيسة ولا مرءوسة # | فصل # والأعضاء الرئيسية إنما استحقت الرياسة لشرفها إذ كانت هي الأصول ~~والمعادن والمبادئ للقوى الأولية في البدن المضطر إليها في بقاء الشخص ~~والنوع وهي بحسب بقاء الشخص ثلاثة القلب والكبد والدماغ وبحسب بقاء النوع ~~أربعة الثلاثة المذكورة والأنثيان # وأما القلب فهو الذي جعله الخلاق العليم قائما بأمر البدن كقيام الملك ~~بالرعية وهو أول عضو يتحرك في البدن وآخر عضو يسكن منه وهو مبدأ جميع الخلق ~~وما يلحلقه من صلاح أو فساد يتأذى منه إلى غيره من الأعضاء # وأما الكبد فهي العضو التي تقوم لحفظ الحياة إذ كانت هي التي تملأ ~~الأعضاء بالغذاء ليبقى البدن محفوظا ما أمكن بقاؤه PageV01P247 @ # وأما الدماغ فهو العضو القائم بأمر الحس والأدراك وتكميل الحياة إذ فيه ~~آلات الاحساس التي بها يعرف النافع من الضار الملائم من المنافر وبه صارت ~~الحياة نافعة صالحة متجاوزة لزينة حياة النبات # وأما الانثيان فهما اللذان يقومان لحفظ بقاء النوع # | فصل # وأما الأعضاء الخادمة كالرئة والشرايين الحاملة المؤدية من القلب الحرارة ~~الغريزية والقوى والأرواح الحيوانية التي بها قوام البدن # فهذان خادما القلب والمعدة والأوردة خادمان للكبد والأوردة تنفذ الدم ~~الغاذي والقوي إلى جميع البدن والكبد خادمة الدماغ وكذلك الأعصاب التي بها ~~يحصل الحس والحركة والأنثيان يخدمهما الأعضاء المؤدية للمني والمجاري ~~المؤدية عنهما إلى مواضع التوالد # | فصل # وأما الأعضاء المرءوسة بلا خدمة فهي أعضاء مختصة بقوى لها طبيعة بها يتم ~~تدبيرها ويستقيم أمرها ولا يدفع ذلك أنه يقبض عليها من الأعضاء الرئيسية ~~قوى تمدها بإذن الله تعالى كالأذن والعين والأنف فان كل واحد منها يقوم ~~بأمر نفسه بما فيه من القوة ms236 الطبيعية التي أعطاها إياها الخالق سبحانه ولا ~~يتم ذلك إلا بأن تأتيها قوة حساسة تنزل عليها من الدماغ بإذن الله تعالى # | فصل # وأما الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرءوسة فهي التي اختصت بقوى غريزية ~~فيها من أصل الخلقة في أول التكوين ليتم بها قوام أمرها وتدبيرها ~~PageV01P248 @ في جلب المنافع ودفع المضار كالعظام والغضاريف وسائر الأعضاء ~~المتشابهة الأجزاء مثل الرباطات والأعصاب والأوتار والشرايين والأوردة ~~والأغشية واللحم والعظام كالأساس والاسطوانات لبناء هيكل البدن # فإن قيل هل في العظام قوة الاحساس وحياته أم لا قيل هذا موضع اختلف فيه ~~أرباب الشريعة فيما بينهم وأرباب الطبيعة فيما بينهم فقالت طائفة لا حياة ~~في العظام وإن كان فيها قوة النمو والاغتذاء # قالوا إن الحياة إنما هي الروح الحيواني ولا حظ للعظام فيه # قالوا ولأن مركب الحياة إنما هو الدم المنبث في العروق والأعصاب واللحم ~~ولهذا لم يكن للشعر ولا للظفر نصيب من ذلك ولهذا لم يألم الإنسان يأخذه # قالوا فحياة العظام والشعر حياة نمو واغتذاء وحياة أعضاء البدن حياة نمو ~~وإحساس # قالوا ولهذا قلنا إن العظام لا تنجس بالموت لأنها لم يكن فيها حياة تزول ~~بالموت # قالوا وزوال النمو لا يوجب نجاسة ما فارقه بدليل يبس الزرع والشجر # قال آخرون الدليل على أن العظام تحلها الحياة قوله تعالى @QB@ قال من ~~يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة @QE@ والحس يدل على ~~ذلك أيضا فإن العظم يألم ويضرب ويسكن وذلك نفس إحساسه # قالوا ولا يمكن إنكار كون العظام فيها قوة حساسة تحس بالبارد والحار # قال الآخرون الإحساس والألم ليس للعظم في نفسه وإنما هو لما جاوره من ~~اللحم # قال المنازعون لهم هذا مكابرة ظاهرة فإن العظم نفسه يألم ولا سيما إذا ~~تصدع ثم إن الأسنان والأضراس تحس بالألم الحار والبارد بأنفسها لا بمجاورها ~~من اللحم ولهذا توسطت طائفة ثالثة وقالت عظام الأسنان خاصة لها الإحساس ~~بخلاف سائر العظام وهؤلاء قد سلموا المسألة من مكان PageV01P249 @ قريب فإن ~~الذي دل على إحساس الأسنان وحياتها هو الدال ms237 على حياة سائر العظام والشبهة ~~التي ذكروها لو صحت لمنعت من إحساس الأسنان # وأما حديث الطهارة والنجاسة فذاك لأمر آخر وراء الحياة # من نجسها بالموت سوى بينها وبين اللحم ومن لم ينجسها وهو الراجح في ~~الدليل فذاك لعدم علة التنجيس فيها وإن الموت ليس بعلة النجاسة وإنما هو ~~دليل العلة وسببها والعلة هي احتقان الفضلات في اللحم والعظم برىء من ذلك ~~والدليل على هذا أن الشارع لم يحكم بنجاسة الحيوان النامي الذي لا نفس له ~~سائلة لعدم احتقان الفضلات فيه فلان لا يحكم بنجاسة العظم أولى وأحرى فإن ~~الرطوبات التي في الذباب والعقرب والخنفساء أكثر من الرطوبات التي في العظم # | فصل # والذي أحصاه المشرحون من العظام في البدن مائتان وثمانية وأربعون عظما ~~سوى الصغار السمسميات التي أحكم بها مفاصل الأصابع والتي في الحنجرة وقد ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الانسان خلق من ثلاثمائة وستين مفصلا فإن ~~كانت المفاصل هي العظام فقد اعترف جالينوس وغيره بأن في البدن عظاما صغارا ~~لم تدخل تحت ضبطهم وإحصائهم وإن كان المراد بالمفاصل المواضع التي تنفصل ~~بها الأعضاء بعضها عن بعض كما قال الجوهري وغيره المفصل واحد مفاصل الأعضاء ~~فتلك أعم من العظام فتأمله وإن السلاميات المذكورة في الحديث الذي رواه ~~مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقه فكل تسبيحة ~~صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة الحديث فالسلامي ~~العظم وجمعه سلاميات فهنا ثلاثة أمور PageV01P250 @ أعضاء وعظام ومفاصل ~~وجعل الله سبحانه العظام أصلب شيء في البدن لتكون أسا وعمدة في البدن إذ ~~كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام حتى القلب كما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى وهي حاملة للأعضاء والحامل أقوى من المحمول ولتكون وقاية وجنة ~~أيضا كالقحف فإنه وقاية الدماغ وعظام الصدر وقاية له وجعلت العظام كثيرة ~~الفوائد ومنافع عديدة منها الحركة فإن الإنسان قد يحتاج إلى حركة بعض ~~أجزائه دون بعض وقد يحتاج إلى حركة جزء من عضو # ومنها أنه ms238 لو كان على عظم واحد لكان إذا أراد أن يتحرك تحرك بجملته # ومنها أنه كان يتعذر عليه الصنائع والحل والربط # ومنها أنه إذا أصابه آفة عمت جميع البدن فجعلت العظام كثيرة ليكون متى ~~نال بعضها آفة لم تسر إلى غيره وقام غيره من العظام مقامه في تحصيل تلك ~~المنفعة # ومنها تعذر المنافع التي حصلت بسبب تعدد العظام ولولا كثرتها وتعددها ~~لفاتت تلك المنافع # ومنها أن من العظام مايحتاج البدن إلى كبيره ومنها ما يحتاج إلى صغيره ~~ومنها ما يحتاج إلى مستطيله ومنها ما يحتاج إلى مجوفه ومنها ما يحتاج إلى ~~محنيه ومنها ما يحتاج إلى مستقيمه ولا يحصل ذلك إلا بتعدد العظام # ومنها بديع الصنع وحسن التأليف والتركيب وغير ذلك من الفوائد # ثم شد الخالق بعضها إلى بعض بالرباطات والأسر المحكم ثم كساها لحما حفظا ~~لها ووقاية ثم كسى اللحم جلدا صونا له # ولما كانت الفضلات تنقسم إلى لطيفة وغليظة جعل الله سبحانه للغليظة منها ~~مجاري تنجذب فيها إلى أسفل ويخرج منها خروجا ظاهرا للحس وأما اللطيفة فهي ~~الفضلات البخارية ولما كان من شأنها أن تصعد إلى فوق وتخرج عن البدن ~~بالتحليل جعل في العظام العليا منها منافذ يتحلل منها البخار المتصاعد فلم ~~تكن تلك المنافذ محسوسة لئلا يضعف صوان الدماغ وهو القحف بوصول الأجسام ~~المؤذية إليه فجعل الدماغ مركبة من عظام كثيرة ووصل PageV01P251 @ بعضها ~~ببعض بوصل يقال لها الشئون ومنه قولهم فلان لم تجمع شئون رأسه ويشتمل الرأس ~~بجملة أجزائه على تسعة وخمسين عظما وجعل القحف مستديرا تاما في مقدمه ~~ومؤخره وجانبيه بمنزلة غطاء القدر وعظامه ستة وهي عظم اليافوخ وعظم الجبهة ~~وعظم مؤخر الرأس والعظمان اللذان فيهما ثقبا السمع وفي كل واحد من الصدغين ~~عظمان مصمتان # وعظام اللحى الأعلى أربعة عشر عظما ستة منها في محاجز العينين وإثنان ~~للأنف واثنان تحت الأنف وهما المثقوبان إلى الفم واثنان في الوجنتين واثنان ~~تحت الشفة العليا # وأما العظم الشبيه بالوتد فهو واحد وهو كالقاعدة للرأس # وعظام اللحى الأسفل اثنان وهما متصلان ms239 في وسط الذقن وبينهما بنيان ~~ويتصلان من فوق باللحى الأعلى اتصالا مفصليا # والأسنان اثنان وثلاثون في كل لحى ستة عشر أربع ثنيات وتليها الرباعيات ~~وتليها النابان ويليهما الأضراس خمسة من هنا وخمسة من هنا والنواجذ أول ~~الأضراس وهما ناجذان في كل ناحية ناجذ وربما نقصت النواجذ في بعض الأفراد ~~وكان في كل جانب أربعة أضراس # وقد سلم الله غذاء الإنسان إلى يده فتأخذه فتسلمه إلى شفتيه فتسلمه ~~الشفتان إلى الأنياب والثنايا فتفصله ثم تسلمه إلى الأضراس فتسلمه وتطحنه ~~ثم تسلمه إلى اللسان والفم فيعجنه ثم يسلمه إلى الحلقوم والمريء فيسلمه ~~ويوصله إلى المعدة فتطبخه وتنضجه وتصلحه كما ينبغي ثم تسلمه إلى الكبد ~~فيتسه منها ثم يرسل منه إلى كل عضو راتبه ومعلومه ثم تصب قربة الصفراء في ~~المرارة السوداء في الطحال والثفل يخرجه عنها كما تقدم بيانه PageV01P252 @ # | فصل # والرأس يقال بالعموم على ما يقله العنق بجملته ويقال بالخصوص على الفروة ~~وهي جلدة الرأس حيث منبت الشعر والجمجمة العظم الذي يحوي الدماغ وهي مؤلفة ~~من سبع قطع متقابلة تسمى القبائل وتسمى مواضع التآليف شئونا ووسط الجمجمة ~~يسمى الهامة وحد الهامة من الجانبين قرن الرأس وحد الهامة من المقدم ~~اليافوخ ومن المؤخر القمحدوة وهي ما يصيب الأرض من رأس المستلقي على ظهره ~~ولها ثلاث حدود نقرة القفا والقذالان فنقرة القفا حدها من آخر الوسط ~~والقذالان جانبا النقرة وقد تقدم تفصيل القبائل السبع # وسنظهر الجمجمة عما يحيط بها السمحاق وسطها غشاوتان إحداهما تلي الجمجمة ~~وهو أثخنهما وأصلبهما والآخر يكتنف الدماغ ويحيط به ويخالطه ويقال لكل ~~منهما أم الدماغ ويسميان الأمان ومنه الآمة والمأمومة التي فيها ثلث الدية ~~وهي الجراحة التي تبلغ أم الدماغ ويقال لها تجويف الدماغ # وبطن وهي ثلاث بطون وبين بطني الدماغ اللذين في مؤخره ووسطه مجرى فيه ~~قطعة من الدماغ مستطيلة شبيهة بالدودة ينسد ذلك المجرى وينفتح بها وتحت ~~الدماغ سبلة مبسوطة مؤلفة من عروق ضوارب يتولد منها روح نفساني ينفذ إلى ~~البطنين اللذين في مقدم الدماغ # وفي الدماغ البركة ms240 والحوض والقمع والدودة والبطون والأغشية ومبادئ ~~الأعصاب ويحتوي الدماغ على ثلاث خزائن نافذ بعضها إلى بعض وتسمى بطونا ~~فالأولى في مقدمه تنقسم إلى قسمين والثانية في وسطه والثالثة في مؤخره ~~وجوهر الدماغ مخي متزرد الشكل كأنه زرد مجموع والروح النفساني مثبت في خلل ~~الزرد والدماغ مقسوم في طوله لنصفين متضامين والتنصيف في مقدم الدماغ أظهر ~~والغشاءان يدخلان في فصول الدماغ وتزريده والصلب منهما يدخل بطونا بين جزءي ~~البطن المقدم فيحجز بينهما وتحته مصفى كالبركة تسمى المعصرة تصب في العروق ~~الدم المنضج وتنبعث في جداول تسقي البطن المقدم PageV01P253 @ وتجتمع إلى ~~عرقين كبيرين يحملان الدم إلى البطن الأوسط والمؤخر والبطن الأوسط كدهليز ~~ومنفذ بين المقدم والمؤخر وسقفه معقود كالأزج والدماغ موضوع طولا على ~~زائدتين متقاربتين فيتماسان ويتباعدان إلى الانفراج فيفتح الدهليز ويتراءى ~~البطنان المقدم والمؤخر والجزء المؤخر أخفى تدويرا من المقدم وأصغر زردا ~~وهو كرى الاستطالة ويستدق على التدريج حتى يسيل منه النخاع كالجدول من ~~العين # وفي الدماغ مجريان أحدهما في آخر المقدم والمؤخر في الأوسط لدفع فضوله ~~ويجتمعان عند منفذ واحد عميق أولهما في الغشاء الرقيق والآخر في الغشاء ~~الصلب يأخذ إلى ضيق كالقمع # ولما كان الدماغ مبدأ حركات البدن إلى إرادته ولم يكن به حاجة إلى الحركة ~~القوية فحوط عليه بسور من عظام بخلاف المعدة والكبد والرحم وسائر آلات ~~الغذاء فإنها لما احتاجت إلى أن تتسع وتمتلئ بالغذاء فتحمل مرة بعد أخرى ~~وأن تعصر الفضول فتخرجها والعظم يمنع من ذلك ويكتفي فيه الفصل وحده فأحيط ~~عليه بسور من عظم # وأما الصدر فإنه لما احتاج إلى الوثاقة بالعظام وإلى الحركة بالفصل ألف ~~الصدر منهما وكان البطن أوسع من الصدر لما يحل بها من آلات الغذاء والتنفس ~~والطحال والمريء وغيرها # | فصل # فاستقبل الآن النظر في نفسك وانظر إلى المبدأ الأول وهو النطفة التي هي ~~قطرة مهينة ضعيفة لو تركت ساعة لبطلت وفسدت كيف أخرجها رب الأرباب من بين ~~الصلب والترائب وكيف أوقع المحبة والألفة بين الذكور والإناث ثم قادهما ~~بسلسلة المحبة والشهوة ms241 إلى الاجتماع ثم استخرج النطفة من الذكر بحركة ~~الوقاع من أعماق العروق وجمعها في الرحم في قرارمكين لا تناله يد ولا تطلع ~~عليه شمس ولا يصيبه هواء ثم صرف تلك النطفة طورا بعد طور وطبقا بعد طبق ~~وغذاها بماء الحيض PageV01P254 @ # وكيف جعل سبحانه النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم جعلها مضغة ثم قسم ~~أجزاء المضغة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم في داخل الرحم ~~في الظلمات الثلاث ولو كشف لك الغطاء لرأيت التخطيط والتصوير يظهر في تلك ~~النطفة شيئا بعد شيء من غير أن ترى المصور ولا آلته ولا قلمه فهل رأيت ~~مصورا لا تحس آلته ولا تلاقيها # ثم تأمل هذه القبة العظيمة التي قد ركبت على المنكبين وما أودع فيها من ~~العجائب وما ركب فيها من الخزائن وما أودع في تلك الخزائن من المنافع وما ~~اشتملت علي هذه القبة من العظام المختلفة الأشكال والصفات والمنافع ومن ~~الرطوبات والأعصاب والطرق والمجاري والدماغ والمنافذ والقوى الباطنة من ~~الذكر والفكر والتخيل وقوة الحفظ ففيه القوة المفكرة والذاكرة والمخيلة ~~والحافظة وهذه القوى مودعة في خزانتها مسخرة لمصالحها يستعملها ويستخدمها ~~كيف أراد # فتأمل كيف دور سبحانه الرأس وشق سمعه وبصره وأنفه وفمه وكيف ركب كرته في ~~بطن الأم من ثلاثة وعشرين عظما وخلق تلك العظام على كيفيات مختلفة # وتأمل كيف انقلبت تلك النطفة اللينة الضعيفة إلى العظام الصلبة الشديدة # ثم تأمل كيف قدر سبحانه كل واحد من تلك العظام بشكل مخصوص بحيث حصل من ~~مجموعها ما لو كان على خلافه لبطلت المنفعة وفات الغرض ثم ركب بعضها مع بعض ~~بحيث حصل من مجموعها كرة الرأس على هذه الخلقة المخصوصة # ولما كان الرأس أشرف الأعضاء الإنسانية وأجمعها للقوى والمنافع والآلات ~~والخزائن اقتضت العناية الإلهية بأن صين بأنواع من الصيانات وذلك أن الدماغ ~~يحيطه غشاء رقيق وفوق ذلك الغشاء غشاء آخر يقال له السمحاق ثم فوق ذلك ~~الغشاء طبقة لحمية وفوق تلك الطبقة اللحمية الجلد ثم فوق الجلد الشعر فخلق ~~سبحانه فوق دماغك سبع طبقات ms242 كما خلق فوق الأرض سبع سموات طباقا والمقصود من ~~تخليقها الاحتياط في صون الدماغ من الآفات والدماغ من الرأس بمنزلة القلب ~~من البدن PageV01P255 @ # وهو سبحانه قسمه في طوله ثلاثة أقسام وجعل القسم المقدم محل الحفظ التخيل ~~والبطن الأوسط محل التأمل والتفكر والبطن الأخير محل التذكر الاسترجاع لما ~~كان قد نسيه ولكل واحدة من هذه الأمور الثلاثة أمر مهم للإنسان لا بد له ~~منه وأنه محتاج إلى التفهم والتفهيم ولو لم يكن حافظا لمعاني التصورات ~~وصورها بعد غيبتها لكان إذا سمع كلمة وفهمها شذت عنه عند مجيء الأخرى فلم ~~يحصل المقصود من الفهم والافهام فجعل له ربه وفاطره خزانة تحفظ له صور ~~المعلومات حتى تجتمع له وتسمى القوة التي فيها القوة الحافظة ولا تتم مصلحة ~~الإنسان إلا بها فانه إذا رأى شيئا ثم غاب عنه ثم رآه مرة أخرى عرف أن هذا ~~الذي رآه الآن هو الذي رآه قبل ذلك لأنه في المرة الأولى ثبتت صورته في ~~الحافظة ثم تتوارى عنه بالحجاب فلما رآه مرة ثانية صارت هذه الصورة ~~المحسوسة مطابقة للصورة المعنوية التي في الذهن فحصل الجزم بأن هذا ذاك ~~ولولا القوة الحافظة لما حصل ذلك ولما عرف أحدا أحدا بعد غيبته عنه ولذلك ~~إذا طالت الغيبة جدا وانمحت تلك الصورة الأولى من الذهن بالكلية لم يحصل له ~~العلم بأن هذا هو الذي رآه أولا إلا بعد تفكر وتأمل # وقد قال قوم إن محل هذه الصور النفس وقال قوم محلها القلب وقال قوم محلها ~~العقل ولكل فريق منهم حجج وأدلة وكل منهم أدرك شيئا وغاب عنه شيء إذ ~~الإدراك المذكور مفتقر إلى مجموع ذلك لا يتم إلا به # والتحقيق أن منشأ ذلك ومبدأه من القلب ونهايته ومستقره في الرأس وهي ~~المسألة التي اختلف فيها الفقهاء هل العقل في القلب أو في الدماغ على قولين ~~حكيا روايتين عن الإمام أحمد والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى ~~الدماغ قال تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ms243 ~~آذان يسمعون بها @QE@ فجعل العقل في القلب كما جعل السمع بالأذن والبصر ~~بالعين وقال تعالى @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب @QE@ قال غير واحد ~~من السلف لمن كان له عقل # واحتج آخرون بأن الرجل يضرب في رأسه فيزول عقله ولولا أن العقل في الرأس ~~لما زال فإن السمع والبصر لا يزولان بضرب اليد أو الرجل ولا غيرهما من ~~الأعضاء لعدم تعلقهما بهما PageV01P256 @ # وأجاب أرباب القلب عن هذا بأنه لا يمتنع زواله بفساد الدماغ وإن كان في ~~القلب لما بين القلب والرأس من الارتباط وهذا كما لا يمتنع نبات شعر اللحية ~~بقطع الانثيين وفساد القوة بفساد العضو قد يكون لأنه محلها وارتباطه بها ~~والله أعلم # وعلى كل تقدير فذلك من أعظم آيات الله وأدلته وقدرته وحكمته كيف ترتسم ~~صورة السموات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك والأمم في ~~هذا المحل الصغير والإنسان يحفظ كتبا كثيرة جدا وعلوما شتى متعددة وصنائع ~~مختلفة فترتسم كلها في هذا الجزء الصغير من غير أن يختلط بعض هذه الصور ~~ببعض بل كل صورة منهن بنفسها محصلة في هذا المحل وأنت لو ذهبت تنقش صورا ~~وأشكالا كثيرة في محل صغير لاختلط بعضها ببعض وطمس بعضها بعضا وهذا الجزء ~~الصغير تنقش فيه الصور الكثيرة المختلفة والمتضادة ولا يبطل منها صورة صورة # ومن أعجب الأشياء أن هذه القوة العاقلة تقبل ما تؤديه إليها الحواس ~~فتجتمع فيها ثم تعيد كل حاسة منها فائدة الحاسة الأخرى مثاله أنك ترى الشخص ~~فتعلم أنه فلان وتسمع صوته فتعلم أنه هو وتلمس الشيء فتعرفه وتشمه فتعرف ~~أنه هو ثم تستدل بما تسمعه من صوته على أنه هو الذي رأيته فيغنيك سماع صوته ~~عن رؤيته ويقوم لك مقام مشاهدته ولهذا جوز أكثر الفقهاء شهادة الأعمى وبيعه ~~وشراءه وأجمعوا على جواز وطئه امرأته وهو لم يرها قط اعتمادا منه على الصوت ~~بل لو كانت خرساء أيضا وهو أطرش جاز له الوطء # وقد جعل الله سبحانه بين السمع والبصر والفؤاد علاقة وارتباطا ونفوذا ~~يقوم به ms244 بعضها مقام بعض ولهذا يقرن سبحانه بينهما كثيرا في كتابه كقوله ~~@QB@ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة @QE@ وقوله @QB@ لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها @QE@ وهذا من عناية ~~الخالق سبحانه بكمال هذه الصورة البشرية لتقوم كل حاسة منها مقام الحاسة ~~الأخرى وتفيد فائدتها في الجملة لا في كل شيء PageV01P257 @ # ثم أودع سبحانه قوة التفكر وأمره باستعمالها فيما يجدي عليه النفع في ~~الدنيا والآخرة فركب القوة المفكرة من شيئين من الأشياء الحاضرة عند القوة ~~الحافظة تركيبا خاصا فيتولد من بين هذين الشيئين شيء ثالث جديد لم يكن ~~للعقل شعور به كانت مواده عنده لكن بسبب التركيب حصل له الأمر الثالث ومن ~~ههنا حصل استخراج الصنائع والحرف والعلوم وبناء المدن والمساكن وأمور ~~الزراعة والفلاحة وغير ذلك فلما استخرجت القوة المفكرة ذلك واستحسنته سلمته ~~إلى القوة الإرادية العلمية فنقلته من ديوان الأذهان إلى ديوان الأعيان ~~فكان أمرا ذهنيا ثم صار وجوديا خارجيا ولولا الفكرة لما اهتدى الإنسان إلى ~~تحصيل المصالح ودفع المفاسد وذلك من أعظم النعم وتمام العناية الإلهية ~~ولهذا لما فقد البهائم والمجانين ونحوهم هذه القوة لم يتمكنوا مما تمكن منه ~~أرباب الفكر ولما كان استخراج المطلوب بهذه الطريق يتضمن فكرا وتقديرا ~~فيفكر في استخراج المادة أولا ثم يقدرها ويفصلها ثانيا كما يصنع الخياط ~~يحصل الثوب ثم يقدره ويفصله ثانيا قال تعالى عن التوحيد @QB@ ذرني ومن خلقت ~~وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد ~~كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر @QE@ ~~فكرر سبحانه التقدير دون التفكير وذمه عليه دونه وهذا منزل على مقتضى حال ~~سواء فانه بالفكر طالب لاستخراج المجهول وذلك غير مذموم فلما استخراجه قدر ~~له تقديرين تقديرا كليا وتقديرا جزئيا فالتقدير الكلي أن الساحر هو الذي ~~يفرق بين المرء وزوجه والتقدير الجزئي أن الذي يفرق بين المرء وزوجه مذموم ms245 ~~فههنا تقدير بعد تقدير فلهذا كرره سبحانه وذمه عليه وأما التفكير فان الفكر ~~طالب لمعرفة الشيء فلا يذم بخلاف من قدر بعد تفكيره ما يوصله إلى تحقيق ~~الباطل وإبطال الحق فتأمله # | فصل # ثم أنزل إلى العين وتأمل عجائبها وشكلها وخلقها وإيداع النور الباصر فيها ~~وتركيبها من عشر طبقات وثلاث رطوبات ولكل واحد من هذه PageV01P258 @ ~~الطبقات والرطوبات شكل مخصوص ومقدار مخصوص لو لم يكن عليه لاختلت المصلحة ~~المقصودة وجعل سبحانه موضع الابصار في قدر العدسة ثم أظهر في تلك العدسة ~~قدر السماء والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر فانظر كيف اتسعت تلك ~~العدسة أن يرتسم فيها مالا نسبة لها إليه البتة وجعل تلك القوة الباصرة في ~~جزء أسود فتأمل كيف قام الباصر بهذا الجزء الأسود # وجعل سبحانه الحدقة مصونة بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع ~~الأقذاء عنها وجعل شعر الأجفان أسود ليكون سواده سببا لاجتماع النور الذي ~~به الابصار ويكون مانعا من تفرقه ويكون أبلغ في الحسن والجمال # وخلق سبحانه لتحرك الحدقة أربعة وعشرين عضلة لو نقصت واحدة منهن لاختل ~~أمر العين # ولما كانت العين شبيهة بالمرآة التي إنما ينتفع بها إذا كانت في غاية ~~الصقالة والصفاء جعل سبحانه الأجفان متحركة إلى الانفتاح والاطباق أبدا ~~باختيار الإنسان وغير اختياره لتبقى الحدقة نقية صافية عن جميع الكدورات ~~وجعل العينين بمنزلة المرآتين الصقيلتين اللتين تنطبع فيهما صور الأشياء ~~الخارجة فيتأثر القلب ثم يظهر ما فيه عليهما فيتأثران به فهما مرآة لما في ~~القلب يظهر فيهما ومرآة لما في الخارج تنطبع صورته فيهما فالعينان على ~~القلب كالزجاجتين الموضوعتين في المرآة ولذلك يستدل بأحوال العين على أحوال ~~القلب من رضاه وغضبه وحبه وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف ~~أعضاء البدن وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف أعضاء البدن ~~وهي لا تتأثر بالحر والبرد تأثر غيرها من الأعضاء الكثيفة ولو كان الأمر ~~عائدا إلى مجرد الطبيعة لكان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس لأن الألطف أسرع ~~تأثرا فعلم أن حصول هذه المصالح ليس ms246 هو بمجرد الطبع # | فصل # ثم اعدل إلى الأذنين وتأمل شقهما وخلقهما وإيداع الرطوبة فيهما ليكونا ~~عونا على إدراك السمع وجعلهما مرة لتمتنع الهوام عن الدخول PageV01P259 @ ~~في الأذن وحوطهما سبحانه بصدفتين يجمعان الصوت ويؤديانه إلى الصماخ وجعل في ~~الصدفتين تعريجات لتطول المسافة فتنكسر حدة الصوت ولا تلج الهوام دفعة بل ~~تكثر حركاتها فينتبه لها فيخرجها وجعل العينين مقدمتين والأذنين مؤخرتين ~~لأن العينين بمنزلة الطليعة والكاشف والرائد الذي يتقدم القوم ليكشف لهم ~~وبمنزلة السراج الذي يضيء للسالك ما أمامه وأما الأذنان فيدركان المعاني ~~الغائبة التي ترد على العبد من أمامه ومن خلقه وعن جانبيه فكان جعلهما في ~~الجانبين أعدل الأمور فسبحان من بهرت حكمته العقول # وجعل للعينين غطاء لأن مدرك الأذن الاصوات ولا بقاء لها فلو جعل عليهما ~~غطاء لزال الصوت قبل ارتفاع الغطاء فزالت المنفعة المقصودة وأما مدرك العين ~~فأمر ثابت والعين محتاجة إلى غطاء يقيها وحصول الغطاء لا يؤثر في الإدراك ~~وقال بعض أهل العلم عينا الإنسان هاديان وأذناه رسولان إلى قلبه ولسانه ~~ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريدان والقلب ملك فإذا طاب الملك طابت جنوده ~~وإذا خبث خبثت جنوده # | فصل # ثم أنزل إلى الأنف وتأمل شكله وخلقته وكيف رفعه سبحانه في وسط الوجنة ~~بأحسن شكل وفتح فيه بابين وأودع فيهما حاسة الشم وجعله آلة لاستنشاق الهواء ~~وإدراك الروائح على اختلافها فيستنشق بهما الهواء البارد والطيب فيستغنى ~~بالمنخرين عن فتح الفم أبدا ولولاهما لاحتاج إلى فتح فيه دائما وجعل سبحانه ~~تجويفه واسعا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده قبل الوصول إلى الدماغ فإن ~~الهواء المستنشق ينقسم قسمين شطرا منه وهو أكثره ينفذ إلى الرئة وشطرا ينفذ ~~إلى الدماغ ولذلك يضر المزكوم استنشاق الهواء البارد وجعل في الأنف أيضا ~~إعانة على تقطيع الحروف وجعل بين المنخرين حاجزا وذلك أبلغ في حصول المنفعة ~~المقصودة حتى كأنهما أنفان بمنزلة العينين والأذنين واليدين والرجلين وقد ~~يصيب أحد المنخرين آفة فيبقى الآخر سالما وجعل تجويفه نازلا إلى أسفل ليكون ~~مصبا للفضلات النازلة PageV01P260 @ من الدماغ وستره بساتر أبدي ms247 لئلا تبدو ~~تلك الفضلات في عين الرائي # تأمل منفعة النفس الذي لو قطع عن الإنسان لهلك وهو أربعة وعشرون ألف نفس ~~في اليوم والليلة قسط كل ساعة ألف نفس # وتأمل كيف يدخل الهواء في المنخرين فينكسر برده هناك ثم يصل إلى الحلقوم ~~فيعتدل مزاجه ثم يصل إلى الرئة فيصفى فيها من الغلظ والكدرة ثم يصل إلى ~~القلب أصفى ما كان وأعدله فيروح عنه ثم ينفذ منه إلى العروق المتحركة ~~ويتقدم إلى أقاصي أطراف البدن ثم إلى الرئة ثم إذا سخن جدا وخرج عن حد ~~الانتفاع به عاد عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم ~~إلى المنخرين ثم يخرج ويعود مثله وهكذا أبدا فمجموع ذلك هو النفس الواحد ~~وقد أحصى الرب عدد هذه الأنفس وجعل مقابل كل نفس منها ما شاء الله من ~~الأحقاب في الجحيم أو في النعيم فما أسفه من أضاع ما هذا قيمته في غير شيء # | فصل # وهو سبحانه جعل القلب أمير البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا استنشق ~~الهواء البارد وصل إلى القلب واعتدلت حرارته فيبقى هناك مدة فلما سخن ~~واحتراق واحتاج إلى إخراجه ودفعه منه لم يضيع أحكم الحاكمين ذلك النفس ~~ويخرجه بغير فائدة بل جعل إخراجه سببا لحدوث الصوت ثم جعل سبحانه في ~~الحنجرة واللسان والحنك باختلافهما الصوت فيحدث الحرف ثم ألهم الإنسان أن ~~يركب ذلك الحرف إلى مثله ونظيره فيحدث الكلمة ثم ألهمه تركيب تلك الكلمة ~~إلى مثلها فيحدث الكلام # فتأمل هذه الحكمة الباهرة في إيصال النفس إلى القلب لحفظ حياته ثم عند ~~الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببا لهذه المنفعة العظيمة فتبارك ~~الله أحسن الخالقين # وخلق سبحانه هذه المقاطع والحناجر مختلفة الأشكال فكما أنه لا تتشابه ~~صورتان كذلك لا يتشابه صوتان من كل وجه بل كما يحصل الامتياز بين ~~PageV01P261 @ الأشخاص بالقوة الباصرة فكذلك يحصل بالقوة السامعة فيحصل ~~الامتياز للأعمى والبصير # | فصل # ثم أنزل إلى الصدر تر معدن العلم والحلم والوقار والسكينة والبر وأضدادها ~~فتجد صدور العلية تعلو بالبر ms248 والخير والعلم والإحسان وصدور السفلة تغلي ~~بالفجور والشرور والإساءة والحسد والمكر # ثم أنفذ من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب تجد ملكا عظيما جالسا على سرير ~~مملكته يأمر وينهى ويولي ويعزل وقد حف به الأمراء والوزراء والجند كلهم في ~~خدمته إن استقام استقاموا وإن زاغ زاغوا وإن صح صحوا وإن فسد فسدوا فعليه ~~المعول وهو محل نظر الرب تعالى ومحل معرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه ~~والإنابة إليه والرضى به وعنه والعبودية عليه أولا وعلى رعيته وجنده تبعا ~~فأشرف ما في الإنسان قلبه فهو العالم بالله الساعي إليه المحب له وهو محل ~~الإيمان والعرفان وهو المخاطب المبعوث إليه الرسل المخصوص بأشرف العطايا من ~~الإيمان والعقل وإنما الجوارح أتباع للقلب يستخدمها استخدام الملوك للعبيد ~~والراعي للرعية والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنما هي آثاره ~~فإن أظلم أظلمت الجوارح وإن استنار استنارت ومع هذا فهو بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن عز وجل # فسبحان مقلب القلوب ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب الذي يحول بين المرء ~~وقلبه ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه مصرف القلوب كيف أراد وحيث أراد ~~أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إلي فبادرت وقامت بين يدي رب العالمين ~~وكره عز وجل انبعاث آخرين فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين كانت أكثر يمين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب وكان من دعائه اللهم يا مقلب ~~القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك قال بعض السلف القلب أشد تقلبا من القدر إذا ~~استجمعت غليانها وقال آخر القلب أشد تقلبا PageV01P262 @ من الريشة بأرض ~~فلاة في يوم ريح عاصف # ويطلق القلب على معنيين أحدهما أمر حسي وهو العضو اللحمي الصنوبري الشكل ~~المودع في الجانب الأيسر من الصدر وفي باطنه تجويف وفي التجويف دم أسود وهو ~~منبع الروح والثاني أمر معنوي وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا ~~العضو تعلق واختصاص وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسانية # وللقلب جندان جند يرى بالابصار وجند يرى بالبصائر فأما جنده المشاهد ~~فالأعضاء الظاهرة والباطنة وقد خلقت خادمة ms249 له لا تستطيع له خلافا فإذا أمر ~~العين بالانفتاح انفتحت وإذا أمر اللسان بالكلام تكلم وإذا أمر اليد بالبطش ~~بطشت وإذا أمر الرجل بالسعي سعت وكذا جميع الأعضاء ذلك له تذليلا # ولما خلق القلب للسفر إلى الله والدار الآخرة وحصل في هذا العالم ليتزود ~~منه افتقر إلى المركب والزاد لسفره الذي خلق لأجله فأعين بالأعضاء والقوى ~~وسخرت له وأقيمت له في خدمته لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع ويدفع ~~عنه ما يضره ويهلكه فافتقر إلى جندين باطن وهو الإرادة والشهوة والقوى ~~وظاهر وهو الأعضاء فخلق في القلب من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه وخلقت ~~له الأعضاء التي هي آلة الإرادة واحتاج في دفع المضار إلى جندين باطن وهو ~~الغضب الذي يدفع المهلكات وينتقم به من الأعداء وظاهر وهو الأعضاء التي ~~ينفذ بها غضبه كالأسلحة للقتال ولا يتم ذلك إلا بمعرفته ما يجلب وما يدفع ~~فأعين الجند من العلم بما يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضره # ولما سلطت عليه الشهوة والغضب والشيطان أعين بجند من الملائكة وجعل له ~~محل من الحلال ينفذ فيه شهواته وجعل بإزائه أعداء له ينفذ فيهن غضبه فما ~~ابتلى بصفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفا ومحلا ينفذها فيه فجعل لقوة الحسد ~~فيه مصرفا وهو المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه ولقوة ~~الكبر مصرفا وهو التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم وقد قال النبي ~~PageV01P263 @ صلى الله عليه وسلم لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب انها ~~لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن وقد أمر الله سبحانه بالغلظة على ~~أعدائه # وجعل لقوة الحرص مصرفا وهو الحرص على ما ينفع كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم احرص على ما ينفعك ولقوة الشهوة مصرفا وهو التزوج بأربع والتسري ~~بما شاء ولقوة حب المال مصرفا وهو إنفاقه في مرضاته تعالى والتزود منه ~~لمعاده فمحبة المال على هذا الوجه لا تذم ولمحبة الجاه مصرفا وهو استعماله ~~في تنفيذ أوامره وإقامة دينه ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف وإعانة ms250 الضعيف ~~وقمع أعداء الله فمحبة الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادة وجعل لقوة اللعب ~~واللهو مصرفا وهو لهوه مع امرأته أو بقوسه وسهمه أو تأديبه فرسه وكل ما ~~أعان على الحق وجعل القوة التحيل والمكر فيه مصرفا وهو التحيل على عدوه ~~وعدو الله تعالى بأنواع التحيل حتى يراغمه ويرده خاسئا ويستعمل معه من ~~أنواع المكر ما يستعمله عدوه معه وهكذا جميع القوى التي ركبت فيه جعل لها ~~مصرفا وقد ركبها الله فيه لمصالح اقتضتها حكمته ولا يطلب تعطيلها وإنما ~~تصرف مجاريها من محل إلى محل ومن موضع إلى موضع ومن تأمل هذا الموضع وتفقه ~~فيه علم شدة الحاجة إليه وعظم الانتفاع به # | فصل # وجماع الطرق والأبواب التي يصان منها القلب وجنوده أربعة فمن ضبطها ~~وعدلها وأصلح مجاربها وصرفها في محالها اللائقة بها استفاد منها قلبه ~~وجوارحه ولم يشمت به عدوه وهي الحرص والشهوة والغضب والحسد فهذه الأربعة هي ~~أصول مجامع طرق الشر والخير وكما هي طرق إلى العذاب السرمدي فهي طرق إلى ~~النعيم الأبدي فآدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم أخرج من الجنة بالحرص ثم ~~أدخل إليها بالحرص ولكن فرق بين حرصه الأول وحرصه الثاني وأبو الجن أخرج ~~منها بالحسد ثم لو يوفق لمنافسة وحسد يعيده إليها وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا PageV01P264 @ وسلطه ~~على هلكته في الحق ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف ~~النهار # وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه ~~الشيطان عند غضبه وشهوته وإذا كان حرصه إنما هو على ما ينفعه وحسده منافسة ~~في الخير وغضبه لله على أعدائه وشهوته مستعملة فيما أبيح له وعونا له على ~~ما أمر به لم تضره هذه الأربعة بل انتفع بها أعظم الانتفاع # | فصل # وإذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان رأيت أعجب العجائب فهذا يلم به ~~مرة وهذا يلم به مرة فإذا ألم به الملك حدث من لمته الانفساح ms251 والانشراح ~~والنور والرحمة والاخلاص والانابة ومحبة الله وإيثاره على ما سواه وقصر ~~الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور فلو دامت له تلك الحالة ~~لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه ولكن تأتيه لمة الشيطان فتحدث له من الضيق ~~والظلمة والهم والغم والخوف والسخط على المقدور والشك في الحق والحرص على ~~الدنيا وعاجلها والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب # ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله فمنهم من تكون لمة ~~الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى فإذا ألم به الشيطان وجد من الألم والضيق ~~والحصر وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب فيبادر إلى طرد تلك الملة ~~ولا يدعها تستحكم فيصعب تداركها فهو دائما في حرب بين اللمتين يدال له مرة ~~ويدال عليه مرة أخرى والعاقبة للتقوى PageV01P265 @ # ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى فلا تزال تغلب لمة الملك حتى ~~تستحكم ويصير الحكم لها فيموت القلب ولا يحس ما ناله الشيطان به مع أنه في ~~غاية العذاب والضيق والحصر ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك ~~الألم فإذا كشف أمكنه تداركه بالدواء وحسمه وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما ~~كان حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا فتظهر حينئذ تلك الآلام والهموم ~~والغموم والأحزان وهي لم تتجدد له وإنما كانت كامنة تواريها الشواغل فلما ~~زالت الشواغل ظهر ما كان كامنا وتجدد له أضعافه # | فصل # والشيطان يلم بالقلب لما كان هناك من جواذب تجذبه وهي نوعان صفات وإرادات ~~فإذا كانت الجواذب صفات قوي سلطانه هناك واستفحل أمره ووجد موطئا ومقرا ~~فتأتي الأذكار والدعوات والتعوذات كحديث النفس لا تدفع سلطان الشيطان لأن ~~مركبه صفة لازمة فإذا قلع العبد تلك الصفات وعمل على التطهر منها والاغتسال ~~بقي الشيطان بالقلب خطرات ووساوس ولمات من غير استقرار وذلك يضعفه ويقوي ~~لمة الملك فتأتي الأذكار والدعوات والتعوذات فتدفعه بأسهل شيء # وإذا أردت لذلك مثالا مطابقا فمثله مثل كلب جائع شديد الجوع وبينك وبينه ~~لحم أو خبز وهو يتأملك ويراك ms252 لا تقاومه وهو أقرب منك فأنت تزجره وتصيح عليه ~~وهو يأبى إلا التحوم عليك والغارة على ما بين يديك فالأذكار بمنزلة الصياح ~~عليه والزجر له ولكن معلومه ومراده عندك وقد قربته عليك فإذا لم يكن بين ~~يديك شيء يصلح له وقد تأملك فرآك أقوى منه فإنك تزجره وتصيح عليه فيذهب ~~وكذلك القلب الخالي عن قوة الشيطان ينزجر بمجرد الذكر # وأما القلب الذي فيه تلك الصفات التي هي مركبه وموطنه فيقع الذكر في ~~حواشيه وجوانبه ولا يقوى على إخراج العدو منه ومصداق ذلك تجده في الصلاة ~~فتأمل في الحال وانظر هل تخرج الصلاة بأذكارها وقراءتها الشيطان من ~~PageV01P266 @ قلبك وتفرغه كله لله تعالى بكليته وتقيمه بين يدي ربه مقبلا ~~بكليته عليه يصلي لله تعالى كأنه يراه قد اجتمع همه كله على الله وصار ذكره ~~ومراقبته ومحبته والأنس به في محل الخواطر والوساوس أم لا والله المستعان # وههنا نكتة ينبغي التفطن لها وهي أن القلوب الممتلئة بالأخلاط الرديئة ~~فالعبادات والأذكار والتعوذات أدوية لتلك الأخلاط كما يثير الدواء أخلاط ~~البدن فإن لم يكن قبل الدواء وبعده حمية لم يزد الدواء على إثارته وإن أزال ~~منه شيئا ما فمدار الأمر على على شيئين الحمية واستعمال الأدوية # | فصل # وأول ما يطرق القلب الخطرة فإن دفعها استراح مما بعدها وإن لم يدفعها ~~قويت فصارت وسوسة فكان دفعها أصعب فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة ~~فإن عالجها وإلا صارت إرادة فإن عالجها وإلا صارت عزيمة ومتى وصلت إلى هذه ~~الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد وما يقدر عليه مرة بدون ~~مقدماته وحينئذ ينتقل العلاج إلى أقوى الأدوية وهو الاستفراغ التام بالتوبة ~~النصوح ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد ~~حصوله إن ساعد القدر وأعان التوفيق وإن الدفع أولى به وإن تألمت النفس ~~بمفارقة المحبوب فليوازن بين فوات هذا المحبوب الاخس المنقطع النكد المشوب ~~بالآلام والهموم وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبة لهذا ~~المحبوب إليه ألبتة ms253 لا في قدره ولا في بقائه وليوازن بين ألم فوته وبين ألم ~~فوت المحبوب الأخس وليوازن بين لذة الإنابة والاقبال على الله تعالى ~~والتنعم بحبه وذكره وطاعته ولذة الاقبال على الرذائل والأتيان بالقبائح ~~وليوازن بين لذة الظفر بالذنب ولذة الظفر بالعدو وبين لذة الذنب ولذة العفة ~~ولذة الذنب ولذة القوة وقهر العدو وبين لذة الذنب ولذة إرغام عدوه ورده ~~خاسئا ذليلا وبين لذة الذنب ولذة الطاعة التي تحول بينه وبين مراده وبين ~~فوت مراده وفوت ثناء الله تعالى وملائكته عليه وفوت حسن جزائه وجزيل ثوابه ~~وبين فرحة إدراكه وفرحة تركه لله تعالى عاجلا وفرحة ما يثنيه عليه في دنياه ~~وآخرته والله المستعان PageV01P267 @ # وهذا فصل جره الكلام في قوله تعالى @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ ~~أشرنا إليه إشارة ولو استقصيناه لاستدعى عدة أسفار ولكن فيما ذكرناه تنبيه ~~على ما تركناه وبالله التوفيق # | فصل # ولنرجع إلى المقصود ثم قال الله تعالى @QB@ وفي السماء رزقكم وما توعدون ~~@QE@ أما الرزق ففسر بالمطر وفسر بالجنة وفسر برزق الدنيا والآخرة ولا ريب ~~أن المطر من الرحمة وأن الجنة مستقر الرحمة فرزق الدارين في السماء التي هي ~~في العلو وقوله تعالى وما توعدون قال عطاء رضي الله عنه من الثواب والعقاب ~~وقال الكلبي من الخير والشر وقال مجاهد من الجنة والنار وقال ابن سيرين من ~~أمر الساعة # قلت كون الجنة والخير في السماء فلا إشكال فيه وكون النار في السماء وما ~~يوعد به أهلها يحتاج إلى تبيين فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشر وأسباب ~~دخول الجنة والنار وافتراق الناس وانقسامهم إلى شقي وسعيد وجدت ذلك كله ~~بقضاء الله وقدره النازل من السماء وذلك كله مثبت في السماء في صحف ~~الملائكة وفي اللوح المحفوظ قبل العمل وبعده فالأمر كله من السماء وقول من ~~قال من أمر الساعة يكشف عن هذا المعنى فإن أمر الساعة يأتي من السماء وهو ~~الموعود بها فالجنة والنار الغاية التي لأجلها قامت الساعة فصح كل ما قال ~~السلف في ذلك والله أعلم # | فصل # ثم أقسم ms254 سبحانه أعظم قسم بأعظم مقسم به على أجل مقسم عليه وأكد الأخبار ~~بهذا القسم ثم أكد بتشبيهه بالأمر المحقق الذي لا يشك فيه ذو حاسة سليمة ~~فقال @QB@ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون @QE@ قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما يريد إنه لحق واقع كما أنكم تنطقون وقال الفراء ~~PageV01P268 @ إنه لحق كما أن الآدمي ناطق وقال الزجاج هذا كما تقول في ~~الكلام إن هذا لحق كما أنك ههنا # قلت وفي الحديث إنه لحق كما أنك ههنا فشبه سبحانه تحقيق ما أخبر به ~~بتحقيق نطق الآدمي ووجوده والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة ولا يحتاج نطقه ~~إلى الاستدلال على وجوده ولا يخالجه شك في أنه ناطق فكذلك ما أخبر الله عنه ~~من أمر التوحيد والنبوة والمعاد وأسمائه وصفاته حق ثابت في نفس الأمر يشبه ~~بثبوت نطقكم ووجوده وهذا باب يعرفه الناس في كلامهم يقول أحدهم هذا حق مثل ~~الشمس وأفصح الشاعر عن هذا بقوله # ( وليس يصح في الأذهان شيء % إذا احتاج النهار إلى دليل ) # وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو ~~أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا ~~يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينا ~~مشاهدا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه ~~لا تستعد له ولا تأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لا يعطيه حقه منهم ~~إلا الفرد بعد الفرد فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم ~~إلى هذه الدار ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور ولا في رحيلهم ~~وانتقالهم عنها ولا إلى أين يرحلون وأين يستقرون قد ملكهم الحس وقل نصيبهم ~~من العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني التي هي كالسراب وخدعهم طول الأمل ~~وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من ~~الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ms255 ثوابه فأما اللذات ~~الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فانهم حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها ~~غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون لما يدركون ويتركون ماهم به ~~مطالبون ويعمرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما هم إليه صائرون وهم عن ~~الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولا يأخذون في ~~جمع زادها في سفرها @QB@ نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون @QE@ ~~والعجب كل العجب من غفلة من تعد علمه PageV01P269 @ لحظاته وتحصى عليه ~~أنفاسه ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ولا إلى أي ~~منزل ينقل # ( وكيف تنام العين وهي قريرة % ولم تدر في أي المحلين تنزل ) # وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ~~ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو ~~الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر ~~عقله وسار بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت ~~عين الراحل إلى الطريق ولأخذ المسافر في التزود والمريض في التداوي والحازم ~~ما يجوز أن يأتي فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانه وقوة إيقانهم ~~وكأنهم يعاينون الأمر فأضحت ربوع الإيمان من أهلها خالية ومعالمه على ~~عروشها خاوية قال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال كان السلف ~~إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن ~~حبيبا لأحدهما غاب عنه حينا ثم قدم لما التفت إليه فلا يزالون كذلك إلى ~~طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم ~~وما هم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ~~فقال الكافرون هذا شيء عجيب @QE@ الصحيح أن ق ون وص بمنزلة حم وألم وطس تلك ~~حروف مفرد وهذه متعددة وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ما فيها ms256 قبل # وههنا قد اتحد المقسم به والمقسم عليه وهو القرآن فأقسم بالقرآن على ~~ثبوته وصدقه وأنه حق من عنده ولذلك حذف الجواب ولم يصرح به لما في القسم من ~~الدلالة عليه أو لأن المقصود نفس المقسم به كما تقدم بيانه ثم أخذ سبحانه ~~في بيان عجب الكفار من غير عجيب بل بما لا ينبغي أن يقع سواه PageV01P270 @ ~~كما قال سبحانه @QB@ الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا ~~إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم @QE@ ~~فأي عجب من هذا حتى يقول الكافرون @QB@ إن هذا لسحر مبين @QE@ وكيف يتعجب ~~من رحمة الخالق عباده وهدايته وإنعامه عليهم بتعريفهم على لسان رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بطريق الخير والشر وما هم صائرون إليه بعد الموت وأمرهم ~~ونهيهم حتى يقابل ذلك بالتعجب ونسبة ما جاء به إلى السحر لولا غاية الجهل ~~والظلم وإن العجب كل العجب قولهم وتكذيبهم كما قال تعالى @QB@ وإن تعجب ~~فعجب قولهم @QE@ # | فصل # ومن ذلك @QB@ حم والكتاب المبين @QE@ وقوله @QB@ ص والقرآن ذي الذكر @QE@ ~~وقوله @QB@ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين @QE@ والصحيح أن يس بمنزلة ~~حم والم ليست أسماء من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم # وأقسم سبحانه بكتابه على صدق رسوله وصحة نبوته ورسالته فتأمل قدر المقسم ~~به والمقسم عليه وقوله تعالى @QB@ على صراط مستقيم @QE@ وجوز فيه ثلاثة أن ~~يكون خبرا بعد خبر فأخبر عنه بأنه رسوله وأنه على صراط مستقيم وأن يكون ~~متعلقا بالخبر نفسه تعلق المعمول بعامله أي أرسلتك على صراط وهذا يحتاج إلى ~~بيان تقدير المجعولين على صراط مستقيم وكونه من المرسلين مستلزم لذلك ~~فاستغنى عن ذكره # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ والصافات صفا @QE@ أقسم سبحانه بملائكته الصافات ~~للعبودية بين يديه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ألا تصفون كما ~~تصف الملائكة عند ربها تتمون الصفوف الأول وتراصون في الصف وكما قالوا عن ~~أنفسهم @QB@ وإنا لنحن الصافون @QE@ والملائكة الصافات أجنحتها في الهواء ~~PageV01P271 @ والزاجرات الملائكة التي تزجر ms257 السحاب وغيره بأمر الله @QB@ ~~فالتاليات @QE@ التي تتلو لكلام الله وقيل الصافات الطير كما قال تعالى ~~@QB@ أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن @QE@ وقال تعالى @QB@ والطير ~~صافات @QE@ والزاجرات الآيات والكلمات الزاجرات عن معاصي الله والتاليات ~~الجامعات لكتاب الله تعالى وقيل الصافات القتال في سبيله فالزاجرات الخيل ~~للحمل على أعدائه فالتاليات الذاكرين له عند ملاقاة عدوهم وقيل الجامعات ~~الصافات أبدانها في الصلاة الزاجرات أنفسها عن معاصي الله فالتاليات آياته ~~واللفظ يحتمل ذلك كله وإن كان أحق من دخل فيه وأولى الملائكة فإن الإقسام ~~كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد وما ذكر من غير الملائكة ~~فهو من آثار الملائكة وبواسطتها كان # وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته وقرر توحيد ربوبيته فقال ~~@QB@ إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق @QE@ من ~~أعظم الأدلة على أنه إله واحد ولو كان معه إله آخر لكان الاله مشاركا له في ~~ربوبيته كما شاركه في إلهيته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذه قاعدة ~~القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية فيقرر كونه معبودا وحده بكونه ~~خالقا رازقا وحده وخص المشارق ههنا بالذكر إما لدلالتها على المغارب إذ ~~الأمر أن المتضايفان كل منهما يستلزم الآخر وإما لكون المشارق مطلع الكواكب ~~ومظاهر الأنوار وإما توطئة لما ذكر بعدها من تزيين السماء بزينة الكواكب ~~وجعلها حفظا من كل شيطان فذكر المشارق أنسب بهذا المعنى وأليق والله تعالى ~~أعلم # | فصل # ومن ذلك قوله في قصة لوط عليه السلام ومراجعته قومه له @QB@ قالوا أو لم ~~ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون @QE@ أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه إلا ~~نزاعا أن هذا قسم من الله بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا PageV01P272 ~~@ من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره ولم ~~يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط وأنه من قول الملائكة ~~فقال هو على إرادة ms258 القول أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام لعمرك ~~أنهم في سكرتهم يعمهون وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر ~~اللفظ وسياقه أنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما لعمرك أي وحياتك قال وما أقسم الله تعالى بحياة نبي ~~غيره والعمر والعمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لاثبات الأخف لكثرة ~~دوران الحلف على ألسنتهم وأيضا فإن العمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم ~~أهل أن يقسم لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب أن عمره وحياته ~~صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به والقسم به ~~أولى من القسم بغيره من المخلوقات وقوله تعالى @QB@ يعمهون @QE@ أي يتحيرون ~~وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة كما ~~قال القائل # ( سكران بكسر هوى وسكر مدامة % ومتى إفاقة من به سكران ) PageV01P273 @ # | فصل # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ أقسم سبحانه ~~بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا ~~رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد ~~وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي ~~عنهم الحرج وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل ~~الانفساح وتقبله كل القبول ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى ينضاف إليه ~~مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض ~~فهنا قد يحكم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه ولا يلزم من انتفاء الحرج ~~والرضا والتسليم والانقياد إذ قد يحكمه وينتفي الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ~~ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه والتسليم أخص من انتفاء الحرج فالحرج ~~مانع والتسليم أمر وجودى ولا يلزم من انتفاء حصوله بمجرد انتفائه إذ قد ~~ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغا ms259 من ومن الرضى به والتسليم له فتأمله # وعند هذا يعلم أن الرب تبارك وتعالى أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق ~~وعند الامتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي ~~الإسلام أم لا # والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم # وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ~~إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين PageV01P274 ms260